لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثامن والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
سبع الدجيل
أبو جعفر السيد محمد بن الإمام علي الهادي (ع)
تقديم
يكاد هذا الكتيّب أن يكون مستلاً من كتابي (نهر دجيل في التاريخ والأدب) ـ المخطوط، الذي كتبتُ أكثر فصوله قبل ما يزيد عن خمس وعشرين سنة، ونشرت بعض تلك الفصول في صحف ومجلات ذلك الوقت. وقد حرصت هنا على إبقاء ما كان على ما كان في وصف المنطقة وقطانها، مع علمي بتغير الزمان، وتكاثر السكان، ووفاة من ذكرتهم أحياء يومذاك كبعض شيوخ العشائر ووجوه الاسر التي تستوطن دجيل. إلا ما دعت الضرورة إلى التنبيه عليه، والإشارة إليه. فهناك إضافات على الأصل اقتضتها وحدة الموضوع والاستطراد فيه.
وكل رجائي أن أكون قد قدمت بين يدي آخرتي في التعريف بأبي جعفر، ما يشفع لي بالتمسك بحبل ولاء العترة الطاهرة، التي تشدني إليها أكثر من آصرة. وأن أكون في دنياي قد وفيتُ لربوع مخضلة بذكريات طفولتي، فهي:
بلادٌ بها نيطتْ عليّ تمائمي
وأولُ أرض مسّ جلدي ترابُها
بلاد كان نهر (دجيل) يضرب في فجاجها القاحلة الجرداء، ليبعث فيها الخصب والرواء، وينشر فيها النضارة والحياة، وكان مرقد (سبع الدجيل) أبي جعفر محمد بن الإمام علي الهادي (ع) عرين قيافها، والمهيمن على من فيها وما فيها، تقصده الوفود طلباً للبركة والزلفى، وتقرب إليه القرابين وفاءً لنذر، أو طلباً للخلاص من ضنك وعسر.
وكتيبي هذا قربان إلى الله تعالى بين يديه، في محنة أشكوها إليه لديه، ومنه سبحانه آمل الفرج وحسن العقبى.
موسى الموسوي
غُرّة شهر رمضان سنة 1396هـ
سبع الدجيل
لست أشكّ بأنك سمعت أو ستسمع الحلف بـ (سبع الدجيل) في بعض مناطق العراق كأيّ واحد من الأيمان الغليظة التي يلجأ إليها صاحب الحق لإثبات حقه عند خصمه. فاليمين على ضريح (سبع الدجيل) بين المتخاصمين ـ مهما بلغت درجة الخصومة ـ كفيلة بأن تمحو كل الشبهات، وتمحق كل الإحن، وتغسل القلوب من أوضار الأحقاد والكراهية بين العشائر المتخاصمة والقبائل المتعادية. فالحلف عند مرقده الشريف هو القول الفصل والحكم العدل، الذي ترتضيه الأطراف المتنازعة حتى أقرته بعض المحاكم الرسمية في تلك المناطق كحلول للخصومات التي يمكن حلها عن هذه الطريق.
وحتى الشعراء في الأزمنة المتأخرة الذين مدحوا هذا الشخص الجليل بقصائدهم وأثنوا عليه، وصفوه بسبع الدجيل لشيوع ذلك بين العامة والخاصة.
و(محروسة سبع الدجيل) جملة تعارف عليها سائقو سيارات النقل حتى أصبحت مألوفة لا في منطقة دجيل أو بغداد، ولكن في معظم مناطق العراق فكتبوها على سياراتهم بحروف بارزة وملوّنة تيمناً بها وتبركاً، ولتكون لهم حرزاً من طوارق الطرق وحوادث الخدمات.
فمن هو هذا الأسد الضرغام الذي يهيمن عرينه على صحارى (دجيل) وبواديه لا في الآكام والآجام؟
إنه أبو جعفر الإمام الأمجد محمد ابن عاشر أئمة أهل البيت علي الهادي (ع)، وأخو الإمام الحادي عشر أبي محمد الحسن العسكري (ع)، وعم الإمام المهدي المنتظر (عج)، ويقع مرقده المطهر جنوبي مدينة (بلد) على بعد حوالى 75 كيلومتراً من شمال بغداد.
ولهذا السيد الجليل من القدسية ما تجاوز بها أشياع آبائه واجداده الطاهرين، فليس هناك أحد من المسلمين الذين يؤمون مرقده ويزورون مشهده إلاّ وهو موقن بجلالة قدره، ومؤمن بسمو مقامه.
وأستطيع الجزم بأنَّ قبره الشريف كان عرضة لغارات الأعراب ونهبهم وسلبهم لما فيه من نفائس وتحف، لو لم يكن له في قلوبهم رغبة ورهبة، بالرغم أن معظم العشائر المتوطنة حوالي مرقده ليست من المؤمنة بمذهب آبائه وأجداده الطاهرين.
دجيل: النهر والمنطقة والقرية
بضم الدال وفتح الجيم وسكون الياء، تصغير دجلة (تصغير ترخيم): اسم لنهرين أحدهما دجيل الأهواز وهو نهر (كارون الحالي) مع بعض التغيير في مجراه ومصبّه، كان قد حفره أردشير بن بابك أحد ملوك الفرس. قال حمزة بن الحسن الأصفهاني (280 ـ 360هـ) وهو أحد المؤرخين الذين استعان بهم الحموي، وكان أديباً مشاركاً في أنواع العلوم، ومن مصنفاته (أصفهان وأخبارها). قال حمزة: كان اسمه في أيام الفرس (ديلدا كودك))[1](، ومعناه دجلة الصغيرة فعرب على دجيل، ومخرجه من أرض أصبهان، ومصبه في بحر فارس قرب عبادان. وكانت عند دجيل هذا وقائع للخوارج وفيه غرق شبيب الخارجي.
وقال صفي الدين بن عبد الحق الحنبلي البغدادي في تعقيباته على الحموي: إن دجيلاً كان اسمه في أيام الفرس (ديله كودك) فعُرّب على دجيل، ويعرف بدجيل المسرقان؟
وقال ابن خلكان عنه أنه «نهر عظيم بنواحي الأهواز وتلك البلاد عليه قرى ومدن، ومخرجه من جهة أصبهان، وحفره أردشير بن بابك، أول ملوك بني ساسان، ملوك الفرس بالمدائن».
ويستدعيني الاستطراد أن ألمّ بذكر هذا النهر، فقد أشار إليه المؤرخون عند فتح المسلمين لتستر بقيادة أبي موسى الأشعري، حيث قيل إن الرجل من الأعاجم كان يقتل أهله وولده ويلقيهم في (دجيل) خوفاً من أن تظفر بهم العرب. وفي هذه الواقعة اقتيد الهرمزان، قائد جيش الفرس إلى الخليفة عمر بن الخطاب (رض) فاستحياه.
ويقتضيني الاستطراد كذلك إلى الإشارة إلى القصة التي لمّح إليها حمزة الأصبهاني عن غرق شبيب الخارجي في دجيل الأهواز فأقول:
إنّ شبيباً هذا هو أبو الضحاك شبيب بن يزيد الشيباني، كان قد ادعى الخلافة، وخرج في الموصل في زمن عبد الملك بن مروان، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي بالعراق يومئذ، فبعث إليه بخمسة قواد قتلهم واحداً بعد واحد، ثم سار من الموصل يريد الكوفة، وخرج الحجاج من البصرة يريدها أيضاً، وطمع شبيب أن يصل إليها قبله، فاقحم الحجاج خيله، فدخلها قبل شبيب وذلك في سنة سبع وسبعين للهجرة، وتحصن الحجاج في قصر الإمارة. ودخل إليها شبيب مع أمه (جهيزة) وزوجته (غزالة) عند الصباح. وكانت غزالة قد نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين، وتقرأ فيها سورتي البقرة وآل عمران فأتوا الجامع في سبعين رجلاً. فصلت فيه الغداة وخرجت من نذرها.
وكانت معروفة بالشجاعة والفروسية، وتقاتل في الحروب بنفسها. وقد كان الحجاج هرب في بعض وقائعه مع شبيب من (غزالة) فعيّره بعض الناس بقوله:
أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة
فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى
بل كان قلبك في جناحي طائر
وكانت أمه (جهيزة) شجاعة تشهد الحروب. ولما عجز الحجاج عن شبيب، بعث عبد الملك إليه بعساكر كثيرة من الشام، عليها سفيان بن الأبرد الكلبي، فوصل إلى الكوفة. وخرج الحجاج أيضاً، فتكاثروا على شبيب. فانهزم وقتلت زوجته غزالة وأمه جهيزة، ونجا هو في فوارس من أصحابه، واتبعه سفيان في أهل الشام، فلحقه بالأهواز، فولى شبيب، فلما حصل على جسر (دجيل) نفر به فرسه، وعليه الحديد الثقيل من درع ومغفر وغيرهما فألقاه في الماء. فقال له بعض أصحابه: أغرقاً يا أمير المؤمنين؟ فقال: ذلك تقدير العزيز العليم. فألقاه (دجيل) ميتاً في ساحله، فحمل على البريد إلى الحجاج.
وقد روى ابن خلكان عن بعضهم قال: رأيت شبيباً وقد دخل المسجد وعليه جبة طيالسية عليها نقط من أثر المطر، وهو طويل أشمط جعد آدم. فجعل المسجد يرتج له. وكان مولده يوم عيد النحر سنة ست وعشرين للهجرة وغرق بدجيل كما تقدم سنة سبع وسبعين.
دجيل بغداد
أما النهر الآخر الذي عُرف بدجيل، فهو دجيل بغداد الذي يعنينا بهذا البحث ونعنيه، وهو نهر كثير النفع جليل الفائدة حسن الموقع، كان يستمد مياهه من الضفة اليمنى (الغربية) لنهر دجلة جنوبي سامراء، قبالة القادسية بالقرب من (الاصطبلات) ويجري موازياً لنهر دجلة في مجراه القديم من جهة الغرب. وكانت تتشعب من ضفتيه فروع كثيرة، فتمتد الفروع الغربية إلى جهة سهل الجزيرة الواقعة ما بين دجلة والفرات، لإرواء الأراضي الزراعية هناك.
أما الفروع الشرقية فتمتد إلى جهة مجرى دجلة فتروى الأراضي الزراعية ما بين نهر دجيل ومجرى دجلة. وكان هذا النهر يسقى بلاداً كثيرة وأرضاً واسعة، ويصب فضلته في دجلة فوق بغداد عند مغيض ماء (مستنقع) يدعى (الطاهرية) أو (خندق طاهر).
ويعتبر نهر (دجيل) هذا من مشاريع الإرواء القديمة المهمة. وقد ورد اسمه على لسان سيدنا أمير المؤمنين علي (ع) في بعض خطبه الزهراء وازدادت أهميته بعد تحول مجرى دجلة إلى الشرق وانقطاع المياه عن القرى والمدن والضياع التي كانت تستقي من دجلة. فقد قام المستنصر العباسي بتحويل صدر (دجيل) إلى الشمال، وتوسيع مجراه، وفتح عدة فروع له من ضفته اليسرى.
فأصبح يروي معظم المنطقة الواقعة بين سامراء وبغداد. حتى صارت هذه البقعة في بعض الأزمان قطعة خضراء واحدة. وكان من فروع هذا النهر ما يدخل إلى بغداد من شمالها وشمالها الغربي.
وقد سمي أحد شوارع كرخ بغداد بشارع دجيل، لأن أحد فروع دجيل كان يسير بموازاته ويقطعه. وكان علي بن الجهم الشاعر المعروف القائل:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
كان هذا الشاعر يسكن ذلك الشارع، وكان قد قدم الشام فلما قرب من حلب خرجت عليه اللصوص وجرحوه وأخذوا ما معه وتركوه على الطريق فقال:
أسال بالليل سيلُ
أم زيد في الليل ليلُ؟
يا أخوتي بدجيل
وأين مني دجيل؟
وقد كرست لذكر دجيل وأخباره وتاريخه وأقوال الجغرافيين والمؤرخين فيه من قدامى ومحدثين، مستشرقين وعرب، كتابي (نهر دجيل في التاريخ والأدب) عسى أن أوفق إلى إخراجه. لذلك اجتزئ من ذكره على ما سلف ذكره.
***
أما منطقة دجيل التي كان يخترقها أو تصل إليها فروعه وشعبه بعد تحول مجرى دجلة إلى الشرق فكانت تضم مدناً وقرى ومواضع مهمة من أشهرها:
الأجمة، الأخنونية، أوانا، بابرتي، باجميري، باحمشا، الباذنجانية، بروغي، باسلاما، باطرنجي، باقداري، باقطايا، برت، البردان، برزبين، برونداس، بشيني، بصرى، بلد، بلشكر، بنا، بورى، بكتمر، التاجي، تنبوك، الجابين، جدارى، الجمد، جوزران، الجوسق، الجويث، حربي، الحظيرة، الحلة، حورى، خصّا، خندق طاهر، درتا، دور بني أوقر، دور حبيب، ديراشموني، دير باشهرا، دير الجاثليق، دير جرجوث، دير الخوات، دير درتا، دير سابر، دير العذارى، دير العلث، دير مرجرجس، روبا، زاور، الزهيرية، سميكة أو (قصر سميكة)، شلج، الصالحية، صريفين، الطاهرية، عكبرا، العلث، غمى، قردا باذ، القرن، قطربل، القفص، قلا، كركر، كركين، كنر، المزرفة، سكن، المنارية، وواسط.
ومن هذا الثبت الأبجدي للمدن والقُرى والديارات والمواضع المهمة نتبين مدى ازدهار المنطقة يومذاك، وكيف كانت تصخب بالحياة وتموج بالناس وتمور بالحركة. وذلك قبل أن تتردى أوضاع البلاد بالفتن والبلايا بحيث أهملت مشاريع الإرواء حتى خرج معظمها، وهجرها أهلها، وأصبحت صحارى قاحلة ماحلة، عدا ما تبقى من طلول دوارس، وآثار عافية.
وقد أتيتُ على ذكر هذه المواقع بشيء من التفصيل في كتابي الذي سلف ذكره، مع الإفاضة بذكر العلماء والأدباء والمحدثين والوزراء الذين ينسبون إليها، وعاشوا فيها.
قرية دجيل
سميت باسم فرع من فروع دجيل يخترقها طولاً، وهي تسمية ثانية لها حيث أُطلق عليها اسم آخر هو (سميكة) أو (قصر سميكة) في النصوص العباسية القديمة، وكانت هذه القرية (قصر سميكة) من أوقاف المدرسة المستنصرية ببغداد فيما ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام ـ الذي لا يزال مخطوطاً ـ نقلاً عن ابن الساعي في حوادث سنة 631هـ في أخبار تكامل بناء المدرسة المستنصرية، ونقل الكتب إليها قال: (قلت: ثم رأيت نسخة كتاب وقفها في خمسة كراريس، والوقف عليها عدة رباع وحوانيت ببغداد، وعدة قرى كبار وصغار، ما قيمته تسعمئة ألف دينار في ما يخال إليّ. ولا أعلم وقفاً في الدنيا يقارب وقفها أصلاً سوى أوقاف جامع دمشق، وقد يكون وقفها أوسع. فمن وقفها بمعاملة دجيل، قصر سميكة وهي ثلاثة آلاف وسبعمئة جريب، والجمد وضياعه كلها ومساحتها ستة آلاف وسبعمئة جريب، والجمد وضياعه كلها ومساحتها ستة آلاف وأربعمئة جريب، والأجمة كلها، وهي خمسة آلاف جريب وخمسون)[2](.
وقد دعيت قرية دجيل في السنين الأخيرة بالإبراهيمية نسبة إلى قرب مرقد البطل الإسلامي إبراهيم بن مالك الأشتر منها. وعدل عن هذه التسمية بأخرى، وأُعيد لها اسم (دجيل) الذي عرفت بها قبائلها وعشائرها والنازلون بها والمنتمون إليها.
وقد ورد في التاريخ اسم دجيل (القرية) حيث ذكرها ابن الأثير في حوادث سنة (543) إذ تعرضت لأعمال النهب والسلب على يد الملك محمد ابن السلطان محمود وعساكره. وخبر ذلك يطول. كما نص ابن الأثير على بلدة (دجيل) في حوادث سنة (614) في خبر مثير وطريف حيث قال: وفيها كثر الفأر ببلدة دجيل من أعمال بغداد، فكان الإنسان لا يقدر أن يجلس إلا ومعه عصا يرد الفأر عنه، وكان يرى الكثير منه ظاهراً يتبع بعضه بعضاً.
وهذا يعني أن (دجيلاً) وقصر سميكة أما أن تكونا متجاورتين، أو تكون (قصر سمكية) ضيعة من ضياعها أوقفت على المدرسة المستنصرية، ثم غلب اسمها على المنطقة فظلت تدعى (سميكة) حتى العهود المتأخرة.
ومن عشائرها التي تسكنها أو تحدق بها (الخزرج) و(المقادمة) و(البوفراج) و(بنو تميم). ومعظم سكان القصبة من عشيرة المحاويل التي ترجع بنسبها الى (البو سلطان). والى عشيرة الخزرج تنتسب إحدى الأسر الكريمة في النجف من آل الدجيل. وقد كتبت فصلاً ضافياً عن (دجيل) القرية في كتابي المار ذكره.
بلَدْ)[3](
أما وقد تحدثنا عن دجيل نهراً، ومنطقة، وقرية فلا بُدّ من الإلمام ببلدْ المدينة التي تشرّفت بجوار مشهد أبي جعفر، واقترن اسمها باسمه في كثير من الأحاديث والروايات فهي قرية كبيرة من قرى دجيل تقع على الجانب الشرقي من السكة الحديد الممتدة بين بغداد والموصل. وتبعد محطة القطار فيها عن محطة غربي بغداد بمقدار تسعة وسبعين كيلومتراً، وبينها وبين سامرا حوالى خمسة وثلاثين كيلومتراً. وكانت قبلاً تحاذي ضفة نهر دجلة اليسرى تماماً. وفوقها (العلث)، ودونها (الحظيرة)، وقبالتها من الجانب الآخر (حرْبي). وأضحت بعد أن تحوّل مجرى نهر دجلة إلى الشرق بعيدة عن جانبه الأيمن بما يقرب من الثلاثة أميال. وتدعى آثار المجرى القديم لدجلة (بالشطيطة)، وهي تسمية معروفة قبل سنة 739هـ، وهي سنة وفاة صفي الدين بن عبد الحق صاحب كتاب (مراصد الاطلاع) الذي أشار إلى ذلك. (راجع مادة عكبرا من كتابه المذكور).
وقد أوشكت أن تضيع معالم هذا المجرى في الجزء الموازي لبلد بعد أن اتسعت العمارة فيها في العهود المتأخرة.
ومن المباني المستحدثة في هذا الجزء من القرية (الخان) الذي أنشأه وأوقفه ـ وهو من جملة أوقافه ومبرّاته الكثيرة ـ الحاج مصطفى ابن الحاج محمد صالح كبة)[4](، لاستراحة الزوار فيه، وهو (خان) كبير متين العمارة، فيه أواوين واسعة، وغرف كثيرة، وعلى جانب منه مرابط للحيوانات المستخدمة في النقل قديماً. أما الآن فهو مهجور. وقد تحدثتُ عنه باستفاضة في كتابي عن (دجيل).
ومن العشائر المحيطة ببلد (بنو تميم) ومنازلهم في (الخضيرة) ومن مشايخهم حاتم آل هذال الشوكة، وعبد العزيز المحمود العباس، وأولاد محمد حسين البندر.
و(المجمع) ومن رؤسائهم الحاج محمد المهدي، وسعد السعدون، و(البوفراج) ومن رؤسائهم علوان المحمد المصطفى، و(الجبور) ومنازلهم على نهر العظيم في الجانب الشرقي من دجلة، ومن رؤسائهم: شويش العبد الحميد، وذياب الصالح اللجي، وملا كوان السلمان. ومن تلك العشائر (الحباب) و(البوهيازع) و(البودراج) و(البوجواري) و(السعود) وغيرها.
وفي المجلد الثاني من مجلة لغة العرب الصادر قبل الحرب العالمية الأولى، بحث جيد عن العشائر القاطنة بين بغداد وسامراء كتبه الباحث إبراهيم حلمي ذكر منها بني تميم والجمع والعيدان والسعود والبوعتاب والبودراج والخزرج والجبور والبوفراج.
أما سكان (بلد) نفسها فيتألفون من عدة عوائل منهم: الطعيمات والرويسات والبوغرب والبوعلي ياس، والطائفتان الأخيرتان ترجعان إلى أصل واحد كما علمت. وهؤلاء هم سكان بلد القدماء. وهناك عدة عوائل نزحت إلى بلد وتوطنتها في مختلف العصور بسبب نضوب المياه (عصب الحياة) وشحتها أو لأسباب أخرى. ومنهم (البوحربة) وهو من حربى القريبة من بلد، والطوالات وهم من العلث التي تقع فوق بلد، ومنهم الحيادرة والبوكمر والبوبدر ويرجعون إلى اصل واحد. أمّا الحداحدة فهم من نواحي تكريت كما قيل لي. أما البو (حسب الله) فهم عائلة كبيرة تنتسب إلى ربيعة. ومنهم البوشكر ويدخل فيهم (الجوادات) عائلة الشيخ جابر الكاظمي البلدي الشاعر المشهور. ومن (البوحسب الله) أيضاً البوهزيم والبوعليوي والبوحاج ـ لمان والبوبندر والبوشطب. وفي بلد عدة عوائل أخرى منها الخنافرة وهم من العبيد ـ البوهيازع ـ والسحاقات والبواسماعيل والبوعوفي والنجاجير والعطاطرة والمزاينة والمعجيمات. ومن تلك الأسر (القوام) وهم سدنة مرقد أبي جعفر، وهم ست أُسر تتناوب الخدمة أسبوعاً أسبوعاً. وسيأتي عنهم حديث مفصّل (إن شاء الله تعالى).
وفي بلد عدد من الأسر العلوية التي هاجرت إليها في العصور المتأخرة كآل الشديدي، وآل الوردي، وآل البصير العاملي من الكاظمية، وآل جريو من النجف. أما أقدم السادة العلويين في بلد فهم (آل تاجر) من ذرية السيد ياسين بن السيد علي بن السيد محمد ابن السيد علي بن السيد حسين بن السيد محمد. ومن جدّاتهم العلوية (هوه) بنت السيد ياسين المذكور، ولها ذكر في بعض الكتب. وللسيد ياسين عقب من ولديه السيد علي والسيد طه. وهناك غيرهم من السادة.
وأودّ أن أؤكد أنه ربما فاتتني أسماء بعض القبائل والأسر سواء من سكان بلد أو من العشائر المحدقة بها وذلك من ضعف الذاكرة، فقد مضى على فراقي للمنطقة عهد بعيد، وضاع مني الكثير مما كتبته يومذاك. فالمرجو ممن يعنيهم الأمر لفت نظري إلى ما غرب عن بالي لأتدارك ذلك في المستقبل إن شاء الله تعالى.
وأهل (بلد) معروفون بالطيبة، والتمسك الشديد بالدين والخلق القويم، ونساؤهم محجّبات لا يخرجن إلى الأسواق. وعمدة معايشهم على الزراعة، حيث تزدهر في بلد البساتين وتجود الفاكهة لا سيما الأعناب المعروفة بنسبتها إليه، وتحمل إلى بغداد بكميات وافرة، كما تنتج بساتينها التمر والتفاح والحمضيات، ولا تخلو غيطانها من زراعة الشعير والحنطة والقطن، وكانت الآبار حتى عهد قريب مصدر مياه الشرب لأهليها. وآبارها معروفة بصفائها وعذوبتها في مواسم الصيهود.
أما أشهر أنهارها التي تروي مزارعها وبساتينها فهي نهر (المستنصر) الآخذ من دجيل والذي حفره المستنصر العباسي بعد تحول نهر دجلة. ونهر (الجميد) و(اليرندس) ونهر (الزور) و(الحظيرة). وهي تسميات لقرى ومواضع قديمة في هذه المنطقة، أتينا على ذكرها في كتابنا عن (دجيل). وهناك أنهار أخرى مثل (العنازية) و(العوار) و(الحرحار) و(القاضي) و(جبج) و(الجمالية) و(الغواضر) و(بني سعد) و(العريان) وغيرها.
وقد ذكر المؤرخون والجغرافيون القدامى هذه القرية باستطراد، لأنها لم يكن لها كبير حظ من الشهرة، وممن ذكرها الحموي، وصفي الدين. وذلك ما ذهب إليه الدكتور مصطفى جواد في بعض رسائله إليّ.
ولا شك أن بلداً القديمة هي اليوم في موضع السوق الكبيرة التي فيها المسجد الجامع، ومحلة (المربعة) و(العطاطرة)، وقسم من (باب السور). وكل ما عدا ذلك فهو مستحدث.
ومن المنسوبين إليها (كما يظن الدكتور مصطفى جواد)، هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن إبراهيم البلدي التميمي الكاتب الوزير. نسب إليها لقرب منازل تميم من بلد، وكان ناظر واسط في أيام المستنجد بالله العباسي. ثم استوزره سنة (563هـ)، وقتل ببغداد سنة (566)هـ. ذكره ابن الدبيثي في ذيل تاريخ بغداد.
أقول: ويمكن الرجوع إلى تاريخ ابن الأثير في حوادث سنة (566) للوقوف على المأساة المؤلمة التي أودت بحياته.
ومن المنسوبين إلى بلد في العصور المتأخرة من أهل العلم اوالأدب:
1 ـ الشيخ حبيب بن درويش بن شكر بن عباس الربعي (الربيعي) البلدي. عالم ورع وتقي صالح. قال الشيخ جابر بن عبد الحسين في مقدمة ديوانه (سلوة الغريب) أنه من العلماء الأعلام المعروفين بالتقدس والورع. سكن الكاظمية وتوفي بمرض الطاعون الجارف سنة 1246هـ، وله ثلاثة أولاد هم: الشيخ علي والشيخ باقر وقد توفيا بالطاعون أيضاً، والشيخ مهدي الشاعر المجيد الذي كان لا يمدح أحداً ولا يتجر بشعره)[5](.
2 ـ الشيخ مهدي البلدي، أو البلداوي. ذكره الأمين في الأعيان، فقال: «أستاذ صاحب اليتيمة ثم نقل عن اليتيمة أنه أقام في النجف حتى اجتهد ثم غادرها إلى بلده، وتقدم».
3 ـ الشيخ عباس البلداوي (الكبير)، ذكره الشيخ أغا بزرك في الكرام البررة فقال: من العلماء الفضلاء والأتقياء الأجلاء، كان من تلاميذ الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى سنة 1281هـ. وتوفي في حياته، وقد كان بصيراً كسميّه (الشيخ عباس البلداوي الصغير)، وقد لقب بالكبير للتمييز بينه وبين سميه وبلديه المذكور. وهو صاحب قضية الفروة التي سألها عن أستاذه الأنصاري. وقد حكاها عنه بعض الثقات.
4 ـ الشيخ عباس البلداوي الصغير، ذكره في الكرام البررة أيضاً وقال: عالم فقيه من تلاميذ الشيخ محمد حسين الكاظمي، ومن أهل الفضل والورع المعروفين بوقته وكان بصيراً كسميه. وتوفي قبل سنة 1300 هـ في حياة أستاذه المتوفى سنة 1308)[6](.
وأما قضية الفروة التي أشير إليها فلا نعلم من أمرها شيئاً. ولا بد أنها كانت مشهورة معروفة في حينها.
5 ـ الشيخ هاشم بن محمد علي الربيعي البلداوي المتوفى سنة 1305هـ، له رسالة في كرامات أبي جعفر، وكان من تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري، وقد أقام في بلد للهداية والإرشاد. له ترجمة في نقباء البشر.
6 ـ ومن المنسوبين إليها الشيخ جابر بن الشيخ عبد الحسين البلدي الكاظمي المعروف بالشيخ جابر الكاظمي مخمّس الأزرية والشاعر المشهور. ولد سنة 1222هـ وتوفي في صفر سنة 1312، أو 1313هـ، وترجمته وأحواله معروفة.
7 ـ الشيخ محمد علي بن عبد الأئمة البلداوي. له كتاب المعجزات)[7](. كتبه بعد رجوعه من زيارة الإمام الرضا (ع). قال الأمين، وقد سبق أن نقلت ذلك عنه: «إنه كتبه سنة 1229هـ وأظن أن خطأ طبع قد وقع في الأعيان)[8](، والصحيح هو سنة 1329هـ لأنه من المتأخرين.
8 ـ الشيخ جابر بن الشيخ مهدي بن آل عبد الغفار البلداوي ـ الفقيه الأصولي. كان مقيماً ببلد، وتوفي سنة 1322هـ، وكان شاعراً له ديوان. وقد ترجم له الأمين في الأعيان. وعندي من خطه الشيء الكثير مما لا يمت إلى الأدب بصلة. وللتبسط في ترجمته تراجع مجلة البلاغ (العدد الأخير من السنة الرابعة، والعدد الرابع من السنة الخامسة)، ففيها شيء من شعره.
9 ـ أخوه الشيخ محمد علي بن الشيخ مهدي آل عبد الغفار. عالم فاضل شاعر. قضى معظم حياته في قرية (دجيل)، وله عدة مؤلفات منها (وقائع الأيام) وهو مقسم على (360) يوماً يذكر فيه الحوادث المهمة التي وقعت في كل يوم من أيام السنة على مر الدهور.
10 ـ الشيخ عبد الصاحب بن الشيخ جابر بن الشيخ مهدي آل عبد الغفار. ذكره العلامة السيد هادي الخراساني ووثقه. وروى عنه أن لأبيه الشيخ جابر رسالة في كرامات السيد محمد استصحبها أخوه الخطيب الشيخ محمد علي بن الشيخ مهدي (الذي مر ذكره قبل هذه الترجمة) إلى سامراء فاعترضه لصوص في الطريق ونهبوا ما معه. ومن ذلك الرسالة المذكورة.
11 ـ السيد قاسم بن السيد علي بن السيد ياسين البلدي الخطيب. له رسالة في كرامات أبي جعفر نقل جملة منها من رسالة الشيخ هاشم. وعنه نقل الشيخ الأردوبادي كثيراً في كتابه. وأحسب أنّ رسالته هذه استعارها الشيخ (رحمه الله) وبقيت بين مخلّفاته وأوراقه.
12 ـ وفي الأحياء المعاصرين من المنسوبين إلى (بلد) جمهرة من الفضلاء يستأهلون كلّ حمد وتمجيد، (حفظهم الله ورعاهم).
السيد محمد في المصادر التاريخية
المصادر التي ترجمت لأبي جعفر أو أشارت إليه
إنّ أهم المصادر القديمة التي أشارت إلى أبي جعفر محمد بن علي الهادي (ع) هي كتب الحديث المعتبرة كالكافي لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني. توفي ببغداد سنة 329هـ. وكتاب فرق الشيعة لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي، من أعلام القرن الثالث الهجري. وإكمال الدين للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 381هـ. والإرشاد للشيخ المفيد أبي عبدالله محمد بن النعمان المتوفى سنة 413هـ والغيبة لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460هـ. وأعلام الورى لأبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المتوفى سنة 548هـ. والمناقب لأبي جعفر محمد بن علي بن شهرآشوب المتوفى سنة 588هـ. والمجدي للنسابة العمري، ولم نره، وإنّما نقلنا عمن نقل عنه، وفيه ما فيه من افتراضات، وتقول وتخرصات، وغيره من الكتب التي عبث فيها النسّاخون.
وهناك غير هذه من الكتب القديمة التي تتحدث عن أخبار أبي جعفر، بعضها يأخذ عن بعض. وأحسب ما ذكرناه منها الأمهات.
ومن المصادر المتأخرة التي نقلنا عنها أو عن مَنْ نقل عنها، وجُلّها رسائل تتحدث عن كرامات وتروي معاجز لصاحب القبر، إن أنكرها اليوم فريق فقد آمن بها وصدقها آنذاك فريق كان لهواجس النفس فيها الأثر الأكبر. فهي تشيد بآثار صاحب المرقد من بطش بالمبطل، وفتك بالمائن الحانث في يمينه. وانتقام من الظالم، وإغاثة للملهوف، وعطف على المستجير وشفاء للسقيم، وكلها أحاديث رواها الخلف عن السلف.
مثل كتاب للعالم الجليل الشيخ محمد علي البلدي، ألّفه في طهران بعد عودته من زيارة الإمام الرضا سنة 1229هـ، (وأحسبها 1329، وذلك من أخطاء الطبع المتفشية في الأعيان)، وهو كتاب المعجزات. واسم مؤلفه الكامل الشيخ محمد علي بن عبد الأئمة البلدي، (من علماء القرن الثالث عشر الهجري) ذكره الشيخ أغا بزرك في الذريعة، وترجم لصاحبه في الأعيان، ووصفه بالفضل والكمال. كما أشار إلى هذا الكتاب العلامة السيد ميرزا هادي الخراساني في كتابه عن (كرامات أهل البيت).
وفي هذا الكتاب: أنه كان للإمام الهادي العسكري صدقات ووقوف من ضياع وأراضي، وأن ابنه أبا جعفر كان يتولى أمرها، ويأخذ عوائدها، ويصرفها فيما قررت له. وفي إحدى وفداته للنظر إليها، مرض مرض الموت، وأجاب داعي ربه، ودفن حيث بقعته الآن، وبنيت عليه قبة عظيمة، ولم تزل الكرامات والمعاجز تظهر من مرقده المقدس في كل وقت فسمّته الأعراب بأسد الدجيل وسبع الدجيل. وهذه الرواية التي أثبتها الشيخ في وفاة أبي جعفر وقبره هي التي تلوكها الأشداق، وتتناقلها الألسنة حتى يومنا هذا.
قال مؤلف تحفة العالم: «وسواد أطراف سامراء من العامة والخاصة يعظمون هذا المشهد ويقطعون الخصومات التي تقع بينهم بالحلف به، والحضور عند مشهده ولا يعرفونه إلا أنه قبر السيد محمد بن علي الهادي (ع)، ويعبرون عنه بسبع الدجيل».
وإنّ وجود أوقاف وضياع للعلويين في هذه المنطقة وارد وثابت تاريخياً، كما ذكر الشيخ محمد علي البلدي (رحمه الله). فقد نقل ياقوت الحموي عن الماوردي في الأحكام السلطانية: ـ «إن العلث قرية موقوفة على العلويين».
ولا يخفى أن العلث كانت من القرى التي تقع على ضفة دجلة اليسرى، قبل تحول مجرى دجلة إلى الشرق، أي في الجهة الشرقية من النهر حيث تقع مدينة (بلد). ولا يستبعد أن تكون هناك ضياع أخرى كانت موقوفة على العلويين في هذه المنطقة ولكن المؤرخين أهملوا ذكرها لضآلة شأنها كالتي مرض فيها أبو جعفر، ومات ودفن فيها. وكلها محسوبة على سامراء لاتساع رقعتها يومذاك واشتهارها بين المدن في العراق كثاني مدينة بعد بغداد مركز الخلافة، أو هي مركز الخلافة العباسية يومئذ.
ـ ومن ذلك كتاب (فلك النجاة) )[9]( للعلامة أبي جعفر المهدي بن الحسن القزويني. قال في الفصل السادس من البحث الثاني من كتابه، وهو الفصل المعقود لذكر المشاهير المعروفين من أولاد الأئمة: «والسيد محمد بن الهادي (ع) المعروف بالبعاج في أرض الدجيل من أعمال سر مَنْ رأى في الجانب الغربي من دجلة».
ـ ومنها (النجم الثاقب) للعلامة الميرزا حسين النوري، وهو الذي أمر بتدوين ترجمة يسيرة لأبي جعفر على الشباك البرونزي لضريحه الموجود الآن، وعنه نقل المتأخرون.
ـ ومن ذلك كما مرّ (تحفة العالم) للسيد عبد اللطيف الجزائري، وفيه أنه: «كانت للسيد ميرزا محمد رفيع بن الميرزا محمد شفيع الخراساني يد واجبة [الذكر] مع الشيخ السلماسي في عمارة مشهد أبي جعفر.
ـ ومن الكتب المتأخرة (سفينة البحار) للمحدث الشيخ عباس القمي قال فيه: أبو جعفر هذا قبره بقرب بلد، على مرحلة من سامراء مشهور يقصده الناس بالنذور، ويتبركون به ويطلبون منه الحاجات، وينقلون عنه كثيراً من الكرامات.
ـ ومن ذلك رسالة للشيخ هاشم بن محمد البلدي المتوفى سنة 1305هـ، وكان إماماً وخطيباً في بلد، وداعية للهدى والرشاد منتدباً عن أئمة الهدى يومذاك.
ـ ورسالة أخرى للشيخ جابر بن الشيخ مهدي آل عبد الغفار الكشميري القزويني المقيم ببلد، والمتوفى سنة نيف وعشرين وثلاثمائة وألف. ذكرها الشيخ آغا بزرك في الذريعة وقال: إنها سرقت في طريق سامراء ثم قال: ولا أدري أنها ضاعت وتلفت، أو هي باقية!
ـ ورسالة اسمها (الفضائل الفاخرة النافعة ليوم الآخرة) في كرامات السيد محمد، للسيد قاسم بن علي بن ياسين الحسيني القاري. ينقل فيها الكثير من رسالة الشيخ هاشم البلدي. والرسائل الثلاث الأخيرة مفقودة، وإن كنت قد شاهدت إحداها في صباي، وكانت مكتوبة على ورق مسطر. وقد مرّ ذكر مؤلفي هذه الرسائل في الفصل السابق.
ـ ومن ذلك المطارحات التاريخية التي جرت بين مؤلف هذا الكتيب، وبين المرحوم المؤرخ إسماعيل فرج الموصلي)[10]( سنة 1946م، المنشورة في مجلة (الجزيرة) الموصلية حول تحقيق مرقد أبي جعفر، وهل هو في (بلد) الموصل، أو (بلد) دجيل؟!. وقد توفي الباحث المذكور أثناء ذلك، وكان بين مخلفاته رسالة موجهة إليّ تعتبر قمة في أدب البحث والمناظرة، يعترف فيها بصواب الآراء التي ذهبت إليها. وقد نشرت المجلة المذكورة تلك الرسالة مؤطرة بالسواد في العدد الخاص الذي أصدرته في تأبينه، كآخر أعماله وكتاباته التاريخية (ره).
وأين هذا من ذلك الذي اقتبس تلك المحاورات والمناظرات ونشرها في كتاب له صدر بعد عشر سنين دون الإشارة إلى مصدرها. وليس بعاذره أن أكون في عداد أصغر تلامذته عمراً. وإن لم أتتلمذ عليه (رحمه الله، وغفر له) )[11](.
ـ ومنها كتاب صغير الحجم كبير الفائدة ألفه العالم المتتبع الأديب الشيخ محمد علي الأردوبادي (ره)، وقد كرّسه لذكر أبي جعفر وكراماته، وما قيل فيه من الشعر. وكنت في كثير مما يخصّ العقائد والنقول القديمة عالة عليه في هذا الكتيب. وقد نشره في النجف سنة 1956م. أما في غير العقائد فقد كنت أرد فيه من مصادري)[12](.
ـ وأخيراً فهناك كتاب (تاريخ سامراء) للشيخ ذبيح الله المحلاتي، ففي الجزء الثاني منه فصل مسهب عن أبي جعفر.
من سيرة أبي جعفر السيد محمد
ولد أبو جعفر في العقود الأولى من المائة الثالثة للهجرة، في المدينة المنورة، ولما كان مولد أبيه الهادي (ع) كما قال الكليني في الكافي سنة 212، وولادة أخيه أبي محمد سنة 231 ولما كان أبو جعفر هو الأكبر من ولد الهادي لذلك يصح لنا أنه ولد وسن أبيه يوم ولادته ثماني عشرة سنة أو دونها، ولا يؤخذ بما ورد في إثبات الوصية للمسعودي عند نصّه على سن الهادي عند ولادة ابنه أبي محمد ففي ذلك اضطراب.
وقد خلّفه أبوه في المدينة طفلاً عندما استقدمه المتوكل إلى سامراء، حتى إذا اشتد ساعد أبي جعفر استدعاه إليه، فقد روى النسابة العمري في المجدي عن جمع من الرواة عن علان الكليني أنه قال: صحبت أبا جعفر محمد بن علي بن محمد بن علي الرضا (ع) وهو حدث السن فما رأيتُ أوقر ولا أزكى ولا أجل منه، وكان خلفه أبو الحسن (ع) بالحجاز طفلاً فقدم عليه مشتداً.
وعرف عن أبي جعفر إكثاره من تلاوة القرآن، وأشارت إلى ذلك الأخبار المعتبرة. وقد شحّت الأحاديث عن حياته وسيرته في سامراء، وندرت حتى لا نكاد نقف على شيء منها، ولم تتظافر وتتكاثر إلا عند ذكر رحيله إلى الرفيق الأعلى ففيها وقفنا على موفور فضله، ومكانته في قلوب مواليه، وشيعة أهله. باستثناء ما ذكره الشيخ محمد علي عبد الأئمة البلدي في كتابه المار ذكره، والذي لم يشر إلى مصدره من أنه كان للإمام العسكري الهادي صدقات، ووقوف من ضياع وأراضي، وكان ابنه أبو جعفر يتولى أمرها، ويأخذ عوائدها ويصرفها في ما قُررت له، وفي إحدى وفداته للنظر إليها مرض مرض الموت، وأجاب داعي ربه، ودفن حيث بقعته الآن.
وأظن أن الشيخ المؤلف (رحمه الله) كان يحكي ما يتناقله الناس عن وفاة أبي جعفر جيلاً بعد جيل، وذلك هو مصدره في نقله، وعلى الشيوع اعتماده.
ويكفي للتدليل على شحة الأخبار المروية عن حياته، أن العلامة المتتبع الخبير الميرزا حسين النوري الذي سعى إلى صنع الشباك النحاسي الموضوع على ضريح أبي جعفر كتب على الشباك هذه الترجمة المقتضبة له: (هذا مرقد السيد الجليل أبي جعفر محمد ابن الإمام علي الهادي (ع) فلما توفي نص أبوه على أخيه أبي محمد الزكي (ع) وقال له: أحدث الله شكراً فقد أحدث فيك أمراً، خلفه أبوه في المدينة طفلاً وقدم إليه في سامراء مشتداً، ونهض إلى الرجوع، ولما بلغ (بلد) على تسعة فراسخ من سامراء مرض، وتوفي، ومشهده هناك. فلما توفي شق أبو محمد (ع) جيبه وقال في جواب من عاتبه عليه: قد شق موسى جيبه على أخيه هارون. وكانت وفاته في حدود سنة 252هـ).
وتاريخ وفاته لم يرد به نص غير ما روى من أنه توفي قبل أبيه الهادي بسنة أو سنتين، والترديد من الرواة. وحيث كانت وفاة الهادي سنة 254هـ لذلك فمن المحتمل أن تكون وفاة أبي جعفر في حدود السنة التي أشار إليها النوري رحمه الله. ويؤيد ذلك أيضاً ما روي من أنّ الذين حضروا يوم وفاة أبي جعفر قدروا عمر أخيه أبي محمد بعشرين سنة، أو نحوها، وكانت ولادة أبي محمد سنة 231هـ.
وقال العلامة المحدث القمي (في المفاتيح) ما مضمونه: إنّ السيد محمد ابن الإمام علي الهادي (ع) مدفون على تسعة فراسخ من سامراء بقرب بلد، ومزاره مشهور هناك، ومطاف للفريقين، وتجبى إليه من النذور والهدايا ما لا تحصى كثرة، لكثرة ظهور الكرامات وخوارق العادات منه، وحسبك من جلالة شأنه، صلاحيته لمنصب الإمامة. وكان أكبر أولاد الإمام علي الهادي (ع).
وقد ألممت بسيرته في كتابي (دجيل في التاريخ والأدب)، ومما جاء فيه ما هذا نصه من أخبار وفاته:
تواترت الأخبار أن يوم وفاة (أبي جعفر) كان يوماً مشهوداً في سامراء، فقد شق أخوه الإمام الحسن العسكري جيبه حزناً عليه، وقال بعض من حضر دار الإمام الهادي ذلك العام: إنه قد بسط للإمام في صحن داره والناس جلوس حوله، فقالوا قدرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسون رجلاً سوى مواليه وسائر الناس.
وحين دخل أبو محمد الحسن، كان مشقوق الجيب،وقد قام عن يمين الإمام الهادي، والناس لا تعرفه. فنظر إليه الإمام ثم قال: يا بني أحدث لله شكراً فقد أحدث فيك أمراً، فبكى الحسن (ع) واسترجع، وقال: الحمد لله رب العالمين، وإياه أشكر تمام نعمه علينا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. قال الرواة: فسألنا عنه فقيل لنا هذا هو الحسن ابنه، وقدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو نحوها، فيومئذ عرفناه، وعلمنا أن الإمام الهادي أشار إليه بالإمامة، وأقامه مقامه.
ويتبين من ذلك أن الشيعة كانت تعتقد أن أبا جعفر محمداً هو الإمام بعد أبيه الهادي ولكن (بدا) لله في أخيه أبي محمد الحسن العسكري بعده ما لم يكن يعرف له. وحديث البداء مشهور معروف تعتقد به بعض فرق المسلمين)[13](.
أولاده
لأبي جعفر محمد سلالة طاهرة منبثة في العراق وإيران، تنتهي بنسبها إلى شمس الدين الشهير بمير سلطان البخاري المتوفى في بروسا سنة 832، أو 833، وقبره بها مشهور، وهو ابن علي بن محمد بن الحسين بن محمد بن علي بن أبي جعفر محمد بن علي الهادي (ع).
وممن عرف من هذه السلالة (آل البعاج) في العراق، وهم يرجعون بنسبهم إلى المؤيد بالله يحيى بن محمد البعاج، وكان ـ كما يقول ـ البراقي من أكابر سادات العراق وأعيانهم في القرن الحادي عشر الهجري)[14](.
تبديد بعض الأوهام في تعيين مكان قبره
في صدد الحديث عن قبر أبي جعفر وتعيين مكانه، وقع كثير من المؤرخين في خطأ ورّطهم فيه نقلهم عن ياقوت في معجمه، ذلك أنه ورد فيه أثناء كلامه على (بلد) الموصل قوله: بها قبر أبي جعفر محمد بن علي الهادي باتفاق. وقد نقل ذلك عن عبد الكريم بن طاووس. فمن البديهيات أن هذه المقالة لم يخطها قلم ياقوت قطعاً، وإنما دُسّت في كتابه دساً. وربما كانت من هوامش بعض نسخ الكتاب، كتبها بعض المتأخرين عن عصر ياقوت، وقد أدرجت في صلبه بعد ذلك. لأن ياقوت مات كما هو معروف سنة 626هـ، أما ابن طاووس فقد ولد سنة 648هـ فلا يمكن أن يروي ياقوت عمن ولد بعد موته بحقبة من السنين. كما لا يعرف من آل طاووس من يسمى بعبد الكريم قبل هذا التاريخ. ولا يخفى أنّ صفي الدين الحنبلي الذي كان يأخذ نص عبارات المعجم في مراصده ويشير إلى وجه الخطأ فيها إن وجد لم ينقل هذا القول، مما يدل على أنه لم يكن في النسخ المتداولة منه يومذاك.
ولقد اتفق كل من كتب عن أبي جعفر أنه تهيأ للسفر إلى المدينة من سامراء، ولا بد أنه سلك الطريق إلى بغداد جنوباً وليس إلى الموصل شمالاً. لا سيما وأن قبره الآن قريب من الجادة القديمة بين سامراء وبغداد والتي كانت تصاقب نهر دجلة في مجراه القديم من جهة الشرق.
وقد مر إلمام برأي الفاضل الموصلي الذي كان يصرّ على الأخذ بمقالة الحموي، ومن أخذ عن الحموي. حتى إذا وقف على بطلانها تراجع عن رأيه قبل وفاته.
تاريخ مشهد السيد محمد
سلف القول إن تحول مجرى دجلة إلى الشرق، وما ساد البلاد من فوضى وفساد، وكثرة الفتن والحروب، وإهمال مشاريع الري والإعمار فيها، كل ذلك أدى إلى خراب معظم القرى والمدن العامرة، بل المشاهد والمعابد التي كثيراً ما تكون مواقعها إلى البوادي أقرب منها إلى العمران.
وقد ظلّ قبر أبي جعفر مجهولاً لبعض الخواص فضلاً عن العوام. وإن أشار بعض المؤرخين إلى زيارته له في تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق وهو ابن طاووس في القرن السابع. وقد لفّ الظلام أخبار المشهد حتى حدود سنة 1200هـ حيث كان الأمير أحمد خان الدنبلي، وهو من حكام آذربيجان المشهورين في ذلك العهد، قد أرسل الميرزا محمد رفيع إلى سامراء لإعمار مشهد العسكريين فيها بناظرة العلامة الشيخ زين العابدين السلماسي. وكان هذا الشيخ الجليل قد مرّ بمرقد أبي جعفر، ورأى ما آل إليه من الخراب، فاستثاره ذلك ودفعه إلى العمل من أجل إعماره. فكان يحث أرباب الثروة من الأتراك والفرس على المساهمة فيه، حتى تهيأ له بناء قُبّة من الجص والآجر عليه، كما بنى (خاناً) لنزول الزوار فيه، وتم له ذلك في حدود سنة 1208هـ وحينذاك بدأت قوافل الزوار تقصد هذا المشهد، وأصبح محطاً لرحل القاصدين إلى سامراء والعائدين منها.
وظلت الحال على ما هي عليه حتى أوائل القرن الرابع عشر الهجري، حين كان الإمام الميرزا محمد حسن الشيرازي المتوفى سنة 1312هـ في سامراء، فقد خرج في بعض السنين ماشياً على قدميه من سامراء إلى هذا المشهد يصحبه جماعة من أفاضل تلامذته. وقد أمر بإنشاء حجرتين فيه.
وكان ممن زار هذا المرقد وكتب عنه العلامة الكبير المؤلف السيد محمد بن السيد هاشم الهندي المتوفى سنة 1312هـ، حيث أشار إلى زيارته تلك في مؤلفه المعروف المخطوط (الكشول)، وذلك في ربيع الأول سنة 1307هـ.
ثم أن الأغا خان المحلاتي وهو من تجار إيران قام بإنشاء الرواقين القائمين شمال القبر وجنوبه، وهكذا صارت العمارات تتوالى في هذا المشهد، وكان يقوم بالإنفاق عليها كبار تجار إيران وبعض تجار العراق حتى اكتمل حوله بناء صحن كبير محاط بالحجرات. وتهيأت فيه معظم المرافق المهمة.
ثم إن العلامة الميرزا حسين النوري المتوفى سنة 1320هـ أتم إكساء القبة بالكاشاني الملون، ونصب شباكاً من البرونز دقيق الصنع على القبر. وعلى واجهة هذا الشباك كتب موجزاً لحياة أبي جعفر على شكل نطاق بديع، كما قام برصف ساحة الروضة وجدرانها بالرخام الصقيل. وتزيين أعالي الجدر بالمرايا الملونة، وبأشكال زخرفية فنية رائعة.
وقد كان للمرحوم العلامة الميرزا محمد العسكري الطهراني المتوفى سنة 1371هـ أثر كبير بعد ذلك في توسيع الصحن وإكمال مرافقه.
وأخيراً كان من نتيجة الجهود المتواصلة التي بذلها السيد الجليل الورع الأغا محمد نجل الحجة الأغا حسين القمي ومعاونة العلامة الجليل السيد صادق الموسوي الهندي)[15]( هذه الآثار الجبارة التي نراها اليوم في عمارة الصحن ونصب عدد من المضخات الزراعية الكبيرة على نهر دجلة لإرواء الأراضي الواسعة التي تم شراؤها وإلحاقها بأوقاف هذا المشهد، وإيصال المياه العذبة بواسطة الأنابيب إلى مرافقه كافة، وتجهيزه بالكهرباء وإنشاء حمام حديث بجواره، وغير ذلك من المنشآت العمرانية الجسيمة التي تمهد لإقامة مدينة عصرية عامرة حول هذا المرقد.
الشعر ينثر على أعتاب أبي جعفر
لقد قيل في أبي جعفر والتغني بذكره والإشادة بفضله شعر جزل كثير، وإن كان لا يرتقى في تاريخه إلى أبعد من القرن الماضي الهجري. وقد تصدى العلامة الأردوبادي لجمع بعضه، وفاته البعض، وقد سار على طريقة كاد أن ينفرد بها وهي أنه كان يطلب إلى الشعراء المعاصرين مدح أبي جعفر بقواف يقترحها هو بحيث اشتملت قصائدهم على حروف الهجاء كلها. فإن أعوزته قافية كالزاي مثلاً ركبها هو، ولذلك جاء معظم ما نشره من شعر المتأخرين موسوماً بافتعال ظاهر، عدا بعض القطع التي تنمّ على أصالة.
ونحن نورد هنا بعض الجيد مما ذكره، ومن ذلك:
قصيدة للشاعر الشهير الشيخ جابر الكاظمي مخمس الأزرية المعروفة، والمتوفى سنة 1312 أو 1313هـ، قدمناه بالذكر لأنها أقدم قصيدة وقفنا عليها، قال فيها:
قفْ بجنب الدار من هذا الحمى
واترك اللهو بأوطان الدمى
وارح نضوك أن تجهده
منجداً طوراً وطوراً متهما
ثم قال:
وأحبس العيس على مغنى أبي
جعفر تلق الغنى والمغنما
واخلع النعل بواديه ففي
نشر معناه طوى لا بل سما
ثم قال:
ومزار قد تعالى شأنه
بمزور جل قدراً وسما
إن عدته عصمة عدّلها
فلقد عد لنا معتصما
وللحجة السيد محمد مهدي الصدر الكاظمي المتوفى سنة 1358 بيتان مشهوران خمسهما وشطرهما جمع من الشعراء:
إنّ الإمامة إنْ عدتك فلم تكن
تعدوك كلا رفعة ومقاما
يكفي مقامك أنه في رتبة
لولا (البدا) لأخيك كُنتَ إماما
وصدّرهما السيد مهدي بن السيد راضي الأعرجي المتوفى سنة 1358هـ بأبيات أولها:
يا راكباً هيماء تنفح في السرى
تطوى سهول البيد والآكاما
إن جئت سامرا فعرج بي على
(بلد) وحط فقد بلغت مراما
زر مرقداً لابن النبي محمد
وضريح قدس للضراح تسامى
وللعلامة الشيخ جعفر النقدي المتوفى سنة 1369هـ من قصيدة بدأها بوصف السيارة التي أقلته إلى مشهد أبي جعفر فقال:
طفقت تنتهب الأرض انتهابا
وغدت تطوى الفيافي والشعابا
وعلى لوح الثرى آثارها
بيراع السير قد خطت كتابا
كلما الغاية منها ابتعدت
أخذت منها دنواً واقترابا
ويقول فيها:
لست أنسى ليلة جئت بها
لدجيل مستهاماً أتصابى
قاصداً مرقد قدس في العلى
طاولت قبته السبع القبابا
مرقد الطهر سمى المصطفى
خير خلق الله أصلاً وانتساباً
وللشاعر المرحوم السيد علي أبو طبيخ في وصف السيارة التي حملته إلى مشهد أبي جعفر أيضاً من قصيدة:
هدرت شقاشقها فقلتُ تقدمي
وبظل وادي الأنعمين فانعمي
سيارة تطوي الفلا عجلاتها
فتخط تمثال الصراط الأقوم
ما بين أقصى شرقها أو غربها
في السير إلا أن تقول لها أقدمي
إلى أن يقول فيها:
إن خضت صحراء الدجيل فيممي
مثوى الزكي (محمد) واستلئمي
عم الإمام أخو الإمام وصنوه
وابن الإمام وللنبوة ينتمي
وهي قصيدة عامرة.
وللحُجّة الشيخ محمد رضا آل ياسين رحمه الله المتوفى سنة 1370هـ هذان البيتان:
يا أبا جعفر إليك لجئنا
ولمغناك دون غيرك جئنا
فعسى ينجلي لنا آي قدس
فنرى بالعيان ما قد سمعنا
ولأخيه الحجة الشيخ راضي آل ياسين رحمه الله هذه المقطوعة:
يا مرقد الطهر أبي جعفر
شأوت في هذا الضريح الضراح
تهوى إلى من فيه أرواحنا
لأنه للروح روح وراح
هذا الشذى من نشره فائح
وذا السنا من نوره فيك لاح
غصت بك الحاجات معروضة
تنتظر اللطف وترجو النجاح
ضاقت بها الدنيا وقد يممت
واديك فازت بالأماني الفساح
قد شفعت جاه أبي جعفر
جللها الفوز وفاض السماح
كم منحة أولى وكم محنة
جلى وكم ذي كربة قد أراح
هذي كرامات أبي جعفر
عندك يجلوها مساء صباح
شاعت فضاءت بسناها الربى
نوراً فضاعت بشذاها البطاح
وقد رواها معشر صالح
فهي الأحاديث الحسان الصحاح
وشاهد الآلاف من جيلنا
آلافها في غدوة أو رواح
لا غرو فالمدفون فيك الذي
لولا البدا كان الإمام الصراح
أما قصيدة المرحوم الخطيب الشيخ محمد علي اليعقوبي فهي من مشهور ما قيل في أبي جعفر، ومنها:
ما بين سامراء والزوراء
مثوى بساحته أطلتُ ثوائي
قد شاقني ذاك المقام فساقني
فرط الغرام لربعه المتنائي
متيقناً أن النجاح ببابه
فأنختُ آمالي به ورجائي
وضريح قدس هيبة لجلاله
يعنو الضراح وهامة الجوزاء
ويقول فيها:
ألممتُ فيه مسلّماً وقد أكتفى
غيري من التسليم بالإيماء
قد جللته قبّةٌ عن سمكها
تنحطّ شأواً قبّة الخضراء
ضُربت على ابن نبوة وإمامة
يسمو عن الأشياء والنظراء
نجل الإمام أخو الإمام (محمد)
عم الإمام بقية الأمناء
لولا البدا حاز الإمامة في الهدى
لكنها منصوصة بقضاء
كم من كرامات له ومناقب
جلت عن التعداد والأحصاء
شهدت بها الأعداء ما بين الورى
ومن العجيب شهادة الأعداء
ما خص نائله القريب وإنما
عم البعيد به مع القرباء
ويقول فيها:
يا خير فرع ينتمي لارومة
ممدودة الأفنان والأفياء
حيّى الحيا بلداً بقربك أنه
ما زال في أمن من الاسواء
أنى يحل الجدب مربع أهله
وبفضلك استغنت عن الأنواء
فالغيث أنت لها إذا ما أمحلت
والغوث عند نزول كل بلاء
وللأستاذ السيد عبد الستار الحسني النسابة بيتان قالهما عند زيارته للسيد محمد وهما:
أبا جعفر لا زلتَ للخلق (كعبة)
تؤمك من قاصي البلاد ودانيها
ولما رأينا دوح فضلك شاخصاً
سعينا لنجني من قطوفك دانيها
وللعلامة المرحوم السيد صادق الموسوي الهندي عدة مقاطيع في مدح أبي جعفر محفوظة معروفة في تلك الديار، ومنها كما علق بذاكرتي:
أبا جعفر، إنّا قصدناك ضحوةً
لنكتال ما نحتاج إذْ مسّنا الضر
فأنت عزيز الهاشميين رفعةً
وأرض بك ازدانت جوانبها (مصر)
فأوف لنا الكيلين كيلاً معجلاً
وكيلاً لدى الميزان موعده الحشر
وللعلامة المرحوم السيد أحمد الموسوي الهندي قصيدتان أثبتهما الأوردوبادي يقول، في أحداهما:
محياك من بدر الدجنة أصبحُ
وشدوك من ألحان (معبد) أفصحُ
ودمعي في ذكراك أسخى من الحيا
وعذري من شمس الضحى فيك أوضح
هوى بفؤادي قد أقام فلم أكن
أحرّرهُ ما دمتُ للوم أرزح
خليليّ ما عنّ الدخول فحومل
بقلبي ولا المقراة وجداً فتوضح
ولكن فضل ابن النبي (محمد)
يحرر متن الشوق والحب يشرح
أبوه النقي الطهر والسيد الذي
بنصرته أهل السما تتبجح
أقام على جمر الفضا بين معشر
يظنونه عن خطة الصبر ينزح
إلى آخرها، وهي قصيدة عامرة.
ولمؤلف هذا (الكُتيّب)، وهو من سلالة جعفر ابن الإمام علي الهادي (ع) من قطعة:
ما بأبي (جعفر)، فاخرتُ الورى
بل (بأبي جعفر) فهو خيرُ عم
لكنما جاذبني في حُبّه
كلّ الورى ففضله خصّ وعم
وقلتُ في هذا المعنى أيضاً:
إنْ لم أُباهِلْ بأبي (جعفر)
بأهلتُ بالعمّ (أبي جعفر)
ففيه استدفعُ ما نابني
وفيه أستشفعُ في المحشر
وللعلامة المجتهد السيد محمد ابن آية الله السيد جمال الدين الـﮔلبايـﮔاني النجفي المولود سنة 1332هـ قصيدة في حق أبي جعفر سبع الدجيل (ع) من 39 بيتاً منها:
مرقد في الدجيل من زاره
كان لآل النبي فيه مواسي
كم له من مناقب قد تجلّت
بسناها للدهر كالنبراس
لم أشفعه في أموري إلا
وقضاها الإله دون مكاس
فاقض يا سيدي حوائج عبد
موثق بالذنوب والإفلاس
إن تخب في مناك زره فتحظى
عنده بالمنى عقيب الباس
ولما كان هدفي الاقتضاب في هذه الرسالة لا الإطناب، لذلك أجتزئ مما قيل في أبي جعفر بما مر. ولمن شاء الوقوف على المزيد، الرجوع إلى كتاب الشيخ الأردوبادي فقد كنتُ عليه عالة، في كثير من شعر المتأخرين.
***
تعليق على أبيات موسى الموسوي
يقول جودت القزويني: بعد أن تبيّن تهافت المنقولات والروايات المزوّرة القادحة بالسيد جعفر بن الإمام علي الهادي (ع)، كتبتُ هذه الأبيات مُجيباً المؤلف السيد موسى الموسوي الهندي على افتخاره بعمّه دون أبيه عندما قال:
إن لم أباهل بأبي (جعفر)
باهلتُ بالعمّ «أبي جعفر»
والأبيات على وزن القصيدة الكوثرية لعمّه السيد رضا الهندي:
بآهلْ بأبيكَ فتى (الهادي)
العابد والناسك (جعفرْ)
لا تسمعْ عنه بما قال
الأرجاسُ، وأهلُ الشرّ
نسبوا الأسواء له ظلماً
والصبحُ بطلعتهِ أسفر
لم يدعُ لغير الحقّ، ولا
للسوء به يوماً فكر
هل (يكذبُ) مَنْ يسعى المحرابُ
له، وله يسعى المنبر؟
فهو الصادقُ، وهو العابدُ
وهو الصديق، فتى (حيدر)
وهو المغوارُ لدى الجُلّى
وهو المقدام إذا كبّر
لم تُحصَ شمائلُهُ عدّاً
وأريجُ فضائله يُنشر
المشاهد والقبور في منطقة دجيل
تنبثُّ في هذه البقعة الجرداء الآن، مشاهد وقبور كثيرة تقصدها الأعراب بالنذور وتؤمها للزيارة وطلباً للبركة، مع أن معظم من دفن فيها مجهول الحال غير معروف.
مثل مشهد كف الإمام علي ومقبرة الشيخ سعدي، ولعله الشيخ سعد الدين أبو المعالي الحظيري الوراق وهو من أهل (الحظيرة) المجاورة لبلد، وكان عالماً شاعراً محدّثاً مؤلفاً، له ذكر مستطير في كتب التاريخ والأدب. هذا إذا تجاوزنا الرواية التي تقول إنه مات ببغداد.
وكمقبرة الشيخ جميل الواقعة بين أطلال عكبرا ونهر دجلة والتي يقال إن المدفون فيها هو جميل بن دراج من علماء المسلمين الرواة، وله ذكر حميد في كتب الرجال والحديث، ولكن لا سند لهذا القول. وسدنة مقبرته يزعمون أنها لاحد العلويين من أحفاد الإمام موسى الكاظم (ع). والغريب أن معظم المقابر والمشاهد في كثير من أنحاء العراق تنسب لأولاد الإمام موسى الكاظم تارة، أو لبنات الحسن (ع) تارة أخرى.
وبالقرب من آثار (مسكن) إلى جهة الغرب قبر تزعم الأعراب أنه قبر الإمام منصور (؟) وقد ذهب بعض المتتبعين إلى أنه قبر مصعب بن الزبير. ففي هذا المكان كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير في سنة 72هـ وفيها قتل مصعب. وقد نص المؤرخون على أنّ قبره هناك معروف.
أما قبر إبراهيم بن مالك الأشتر والذي يدعى الآن (الشيخ إبراهيم) فيقع على مسافة حوالى ستة كيلومترات من جنوبي قبر الإمام منصور المار الذكر، وكان إبراهيم هذا قد قتل في المعركة نفسها باذلاً نفسه! لنصرة مصعب. والمعروف بين سكان هذه المناطق أنّ قبر مصعب في المكان الذي فيه قبر إبراهيم. وعلى كل حال فإن العناية الآن متجهة إلى إعمار مشهد إبراهيم وتمهيد الجادة إليه.
وفي هذه المواضع قبة على قبر يدعى بمحمد أبي الحسن شرقي الجادة بين بغداد وسامراء، وقد استرجحتُ أن يكون (أبا الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الجبار بن توبة الأسدي العكبري المتوفى سنة 535هـ) وهو فقيه مقرئ محدّث معروف، ترجمتُ له ترجمة ضافية في كتابي عن دجيل.
وهناك بين محطتي قطار سميكة (دجيل) وبلد على بعد حوالي 72 كيلومتراً شمال بغداد إلى غرب السكة الحديد قبر عليه قبة عالية تنسب للسيد «غريب». والقبر نفسه مبني بالآجُر السميك تغطيه طبقة من الرخام وقد نقشت على قطعة منه كتابة عربية يظهر فيها لفظ (غريب) واضحاً ولا تكاد الكتابات الأخرى تبين. وعلى الجدران الخارجية من المرقد نقوش وكتابات محفورة على الآجر تآكلت بسبب تعرضها للمطر والعوامل الجوية الأخرى. وكنتُ قبل ثلاثة عقود قد استطعتُ الوصول إلى هذا القبر بمعية سادنه المرحوم (عبد الحميد الطويلة)، وكان مؤذناً في جامع بلد، صيّتاً يُسمع آذانه في كل أرجاء البلدة، وكان يمضي لتعهد مرقد السيد (غريب) كل جمعة وفي الأعياد والمناسبات الدينية. وهو يزعم أن السيد (غريباً) من أولاد سيدنا الكاظم (ع) وكنا قد استطعنا الوصول إلى هذا القبر بعد أن اضطررنا إلى خوض نهر دجيل وذلك لعدم وجود قنطرة على النهر قريبة منه.
وقد تتبعت أخبار هذا السيد (الغريب) الذي مات في هذه الأنحاء فبنيت على قبره هذه القبة الشامخة. وقد وفّقت إلى معرفته. فهو الأمير أبو سنان (غريب) بن محمد ابن مقن بن مقلد بن جعفر العقيلي. وفي مقلد يجتمع آل المسيب وآل مقن؛ الأسرتان العربيتان الشهيرتان. وغريب هذا كان سيداً من سادات العرب وأميراً مطاعاً من أمرائها ولعائلته ذكر مستفيض في تاريخ العراق خلال القرنين الرابع والخامس. وكان غريب قد ملك هذه الجهات كلها وعاش فيها. وقد جعل أوانا التي احتمل أن يكون قبره فيها أو قريباً منها مركزاً لملكه. وكان يلقب بسيف الدولة وقد ضرب دراهم باسمه وسماها (السيفية). وهذا يدل على ما كان يتمتع به من شرف وجاه.
ونستطيع أن نؤكد منعة هذا الرجل وسطوته مما حدّثنا به التاريخ عن لجوء الكثيرين من رجال الدولة العباسية آنذاك إليه، والاحتماء به من بطش ولاة الأمور الذين كان يقف نفوذهم عند حدود ملكه، على قربه من مركز الخلافة (بغداد).
فقد روي أنه في سنة 404هـ خرج أحمد بن محمد السهيلي الخوارزمي إلى بغداد تاركاً وزارة خوارزم شاه أبي العباس خوفاً من شره، ولما قدم بغداد أكرمه فخر الملك أبو غالب محمد بن خلف وهو والي العراق يومئذ، وتلقاه بالجميل، فلما مات فخر الملك خرج السهيلي من بغداد هارباً أيضاً حتى لحق بغريب بن مقن خوفاً على ماله. فأقام عنده إلى أن مات، وخلّف عشرين ألف دينار سلّمها غريب إلى ورثته.
ومكارم هذا الرجل كثيرة وأخباره مستطيرة، وهو جدير بكل تجلّة واحترام، فهو مفخرة من مفاخر العرب. وقد سبق أنْ نشرتُ بحثاً عنه، وعن عائلته بشيء من التفصيل في أحد أعداد السنة الأولى من مجلة (البلاغ) الغراء.
تُوفي أبو سنان غريب في سنة 425هـ في عهد القائم بأمر الله ابن القادر الخليفة العباسي، ورثاه السيد الشريف المرتضى بقصيدة عامرة مثبتة في ديوانه المطبوع)[16](.
أولها:
اتمضي كذا أيدي الردى بالمصاعب (؟)
وتذهب عنا بالذرى والغوارب
ويقول فيها:
فيا لك من رزء أزارني الأسى
وعرّف ما بيني وبين المصائب
ولولاه لم أغض الجفون على قذى
ولا لان للوجد المبرح جانبي
أُساق إلى الأحزان من كل وجهة
كأني ذلول في أكف الجواذب
فلا مطعم فينا يطيب لطاعم
ولا مشرب منا يلذ لشارب
فقل لسيوف الهند من بعد فقده
تناهين ما فيكن ضرب لضارب
وقل لطوال الخط يركزن فالذي
سقتكن يُمناه مضى غير آيبِ
موسى الموسوي الهندي
السيد الحسيني الخطيب
أوراق من دفاتر أيامه
هناك.. على ضفاف الفرات.. وحيث «الخضر» مدينة ترفل بدفء العلاقات وصفاء القلوب، وحيث الشهامة والمروءة، مسلسل الروايات الذي لا ينقطع، وتزخر بحكاياه «الدواوين».. «الدواوين» التي كانت مرابعاً للسمر، ومدارس ينهل منها المرء ما يشاء من الحكمة والمعرفة والأخلاق والأدب والعلم، ولكل ليلة من ليالي الأسبوع مجلسها أو «ديوانها» جدول يحفظه الناس عن ظهر قلب، والأبواب مفتوحة للجميع، فلا يحتاج أحد لإذن، فإن وفد جديد احتضنته القلوب بالإلفة والمودة، بدون تحفّظ أو ريبة، وإن غاب آخر افتقده الجميع، وكأنه قد نأى دهراً، ولكل واحد عاداته وجلسته وحتى مكان جلوسه، والمكان قد ألف الأشياء وكأنها جزء منه، في الشتاء يختلط عبق دخان الموقد بنكهة الشاي والقهوة، وممتدة ساعات المسامرة إلى منتصف الليل، الوجوه ترى طافحة بالبشر، وكأن لا غم في الدنيا ولا هم، وكثيراً ما استغرق الجميع في الضحك، ويستكثر البعض على نفسه فرحة وضحكة، فتسمع من هنا وهناك.. اللهم لا تمقتنا، فإن جاء الصيف يهرب الرواد من قيظة أما إلى السطوح أو إلى الشاطئ، يفترشون عباءاتهم، تضيء لياليهم نجوم زاهية، أو قمر متلألئ ينعكس ضوءه على ماء الفرات، فيضفي على المجلس بهجة على بهجة، هناك في (الخضر) فتحنا عيوننا، وقد كانت تلك الدواوين واحداً من ملامحها، يعد الناس الساعات حتى تغيب الشمس ويطل المساء الحنون على تلك المدينة الوادعة في جنبات الفرات، فيلقون على أبوابها بمشقة الكدح وتعب النهار، وينهلون من النبع الدافق بالمحبة والانسجام.
ومن هذه المجالس تشكّلت مع الأيام صفوة من الأصدقاء، كانت الصداقة عندهم صداقة دائمة، وعلاقة عمر، فلم نسمع أن أحداً قد قاطع آخر من هذه الصفوة أو خاصمه، وكل منهم يحفظ الود بأسمى إخلاص ويشاطر الآخرين سراءهم وضراءهم، وقد حفظوا الودّ لبعضهم حينما باعدت بينهم مسافات الأقدار.
***
لقد ابتدأت بتلك المجالس، وبتلك الصفوة، لأنها كانت دوماً على لسان فقيدنا الراحل، فيتذكرها ويسترجع صداها بحنين لم توهنه السنون، ويحكي لنا الكثير من شريط ذكرياته عن تلك المجالس وتلك الأيام التي سبقت مجيئنا إلى الدنيا، واستمرّت حتى رحيلنا عن الخضر في منتصف الستينات، ومن ثم تشتت أصدقاء عمره المخلصين في أنحاء شتى من العراق، وأي ذكريات جميلة تلك التي تركتها الأيام الخيرة في حياته وقلبه وذاكرته بحيث صارت حديث الساعات الأخيرة من عمره، يعبّر عن حنينه إليها ويتمناها.. ويرغب في ساعة من ساعاتها، وفي جلسة من مجالسها.
***
كانت الخضر مدينة تهنأ بالحب والتواصل، يتشارك الناس كل الناس في الأفراح والأتراح، وكم من القيم والخلق الذي ألفته تلك المدينة الوادعة التي ليس فيها فندق، فإن حل فيها غريب يجد الكثيرين يفتحون أبوابهم، ويكرمون الضيف الوافد حتى وإن لم يعرفوه، فهذا ديوان آل علو، وذاك ديوان آل صويحب.. وديوان الحاج منشد.. وديوان السادة آل تاج الدين.. وغيرها.. وغيرها، وكان لسيدنا الراحل ديوانه.. وقد سبقه ديوان عمه الخطيب السيد كاظم الحسيني وأخواله آل حيدر، وجده لأمه الحاج خيون.
وكان التكافل واحداً من تلك القيم التي عمرت طويلاً في الخضر حيث إعانة المحتاجين وشدّ أزر الضعفاء، ومد يد المساعدة عند الشدائد، مسؤولية تمتزج فيها البواعث الدينية بالدوافع الإنسانية امتزاجاً متكاملاً، ويتحملها كل ذي مقدرة مادية أو معنوية، وكان الاحترام ميزة أخرى، احترام الناس لبعضهم البعض، واحترامهم لعاداتهم وتقاليدهم وشعائرهم، ويتضاعف الاحترام لذوي السن والخبرة، وللسادة والأشراف مكانة خاصة يختلط فيها الاحترام بالتقديس، وكم في الخضر من مقامات تزار لسادة راحلين، يتبرّك بها الناس ومن بينها مقام السيد علي والد السيد كاظم الحسيني الخطيب، فإذا كان السيد من أهل العلم صار سيد الناس وراعيهم وموضع احترامهم الذي لا يحد، ومن المفارقات أن تلك المدينة النائية في جنوب العراق، والبعيدة عن العتبات المقدسة بمئات الأميال، والمعزولة بعيداً عن طرق المواصلات، قد ضمّت بين جوانحها العديد من رجال الدين وخطباء المنبر الحسيني.
في تلك الأجواء كانت نشأة سيدنا الراحل بعد أن عاد إليها شاباً من دراسته في النجف الأشرف، والتي لازم في شطرها الأكبر، الإمام المجاهد الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء طيب الله ثراه أميناً لسرّه وكاتباً له، وقد ترك الإمام الكبير بصماته العميقة في المراحل التالية من حياة سيدنا الراحل، في تفكيره وطريقة عيشه وصفاته وتعامله مع الناس والحياة، وفي الخضر كان وريثاً لمجد مقيم تداخل في حياة أهلها وذاكرتهم، نهله من عمه السيد كاظم الحسيني الخطيب الذي لازمه حتى مماته، وكان من حب أهالي الخضر لهذا السيد الجليل أن صوره كانت تزين المقاهي والمحلات والبيوت، كما نهل من أخواله من آل حيدر، وأضاف إليه من شخصه وطباعه وأخلاقه، فصار سيد المدينة وراعيها ومؤئلها، يهرع إليه ذو الحاجة، ويلوذ به ذو المظلمة، ويطلب عونه الضعيف، فكان لا يبخل بحبه على أحد، ولا يخيب رجاءً لأحد، ولم يكن يومذاك ممثلاً للمرجعية الدينية رغم أنه كان على صلة وثيقة بها ويحتفظ بوكالات من مختلف المراجع العظام قدس الله سرهم جميعاً، إذ كان يمثلها آنذاك المغفور له الشيخ محسن البزوني الإنسان الذي كان مضرب الأمثال في رفيع خلقه، وعظيم طيبته، وخالص مودّته، وتشاء إرادة الله أن يسبقه إلى رحاب الله سبحانه وتعالى باشهر قلائل.
***
كان سيدنا الراحل يجد في الخطابة أمانة ومسؤولية اختار أن يتحملها، ولم تشغله المشاغل عنها، وهو القائل: لو خيرت بين الخطابة والمرجعية لما اخترت عن خدمة سيد الشهداء بديلاً، يرتقي أعواد المنبر فتشرئب له الأعناق، وتخفق له القلوب، وتسترسل الكلمات بين شفتيه، يختارها بدقة، عميقة بقدر ما هي واضحة، تنفذ إلى الروح، وتترك أثرها في السامعين، ويزيد من تأثيرها تحكمه بنبرات صوته، وأكثر ما كان يبدع فيه إلقائه لخطب الإمام علي(ع).
ورغم أن له في عاشوراء ورمضان من كل عام رحلاته ومجالسه في مناطق مختلفة في العراق وخارجه، فإنه كان يحرص على مجلسين للعزاء، الأول يقيمه في الناصرية الإمام الراحل الشيخ عباس الخويبراوي الناصري قدس الله روحه، والآخر في الرميثة ويقيمه الحاج سلمان آل بوحميد، وكلاهما ترك في نفسه أثر لم تمحه الأيام، الأول بتواضعه وعظيم خلقه وحلمه، والثاني بطيبته وكرمه واهتمامه بقضاء حاجات الناس، وكم تحدث عنهما، وعمّا وجده فيهما ومنهما، وقد كانت بعض ذكرياته مع الإمام الناصري طيب الله ثراه حديث الساعات الأخيرة من حياته. وقد كان حريصاً على أن يكون للخضر نصيباً من خطابته، حيث كان خطيب مجلسها الذي يُقام في سوق الخضر ويندر أن يتخلف أحد من أهلها عن حضوره.
والخطابة كانت وسيلته للجهاد وإعلاء صوت الحق، لا تأخذه في الإفصاح عن الموقف الذي يعتقده، وقول الكلمة التي يؤمن بأن من واجبه أن يقولها لومة لائم، وقد نمّت مجالسه في أثناء الاضطرابات السياسية العاتية في نهاية الخمسينات وما تلاها، عن شجاعة منقطعة النظير، ما تزال ترد على الألسن كملمح بارز من ملامح سيرته.
***
وفي الخضر بدأ بتنفيذ سفره الخالد «مصادر نهج البلاغة وأسانيده»، وعلى قلّة المراجع في المدينة، وانشغاله بمسؤولياته الدينية والاجتماعية الجسام، فقد كان لا يفوت فرصة يستطيع منها أن يبحث أو يكتب دون أن يستغلها، وحتى عندما كان يمارس عادته اليومية في «التمشي» مع بعض أصدقائه، كان كثيراً ما يشغل وقت الاستراحة في كتابة شيء من كتابه بأن يجعل مرافقه يقرأ له في مرجع من المراجع وهو يكتب، والعكس بالعكس، وقد تحمل صديقا عمره المرحوم الأستاذ محمد أمين نصار، والحاج فاخر آل وليد قسطاً كبيراً في هذا المضمار، وقد كان مجداً في بحثه، يسهر الليالي فلا ينام إلاّ في وقت متأخر، وأحياناً ينسى نفسه في البحث فلا ينتبه إلا والمؤذن يرفع أذان الفجر، فيردّد كلمته المعهودة في هذا الحال «أنا أخوك» وقد أمضى عقداً من الزمن في إنجاز هذا الجهد العلمي الكبير ليتمّه في منتصف الستينات، ومع أنه كان يصغي بانتباه لكل ملاحظة وتعليق، إلا أنه في بحثه وتنقيبه، وفي إيناع الثمار التي بذرها وسقاها ورعاها وأعطى قطافها للمكتبة العربية، كان منفرداً لم يشاركه في الجهد أحد، ولا زاد في نتاجه أحد، وإن تواضع ـ وتلك كانت شيمته ـ، وعدَّ حتى من قال له أحسنت، وبارك الله في جهدك، صاحب فضل في تشجيعه ودفعه.
وقد رافقه جده في البحث والتنقيب في سنوات غربته الأخيرة من عمره الشريف، فقد كان يلازم المكتبة الظاهرية بدمشق منذ الصباح الباكر حتى إغلاقها، ما خلا وقت الصلاة، وحتى غداءه كان يتناوله في مطعم مجاور للمكتبة، ويدعو إليه في أحين كثيرة أحباءه، حتى صار يعرف بـ «المضيف»، وعندما كان يعود إلى البيت، فإن شيخوخته لم توهنه عن سهر الليالي، كان يستلقي على ظهره مداراة لآلام الفقرات، فيقرأ ويكتب على تلك الحالة، وأسعد الأوقات عنده حينما يجد شيئاً ذا قيمة، فتراه يضع الكتاب جانباً، ويصفق بفرح جذل، وكأنه يقول.. وجدتها.. وجدتها، وبالرغم من الإضافات النوعية التي أضافها للمكتبة العربية، فقد أنجز القليل مما يدور في خلده، ويخطط لإنجازه، ولولا صروف الدهر ونوائبه، وكدحه الدائم لتدبير معيشته وعائلته، لأنجز أكثر مما أنجز، ولحقق الكثير مما كان يتمنى تحقيقه.
***
في الخضر أمضى راحلنا الكبير القسط الأكبر من حياته، يعيش وسط أخوة له وأبناء ظلّت وشائج العلاقة معهم متينة لم ينقطع لودّها حبل حتى اضطراره للهجرة إلى خارج العراق وقد تركت الخضر في ذاكرته أثراً جميلاً طالما استعاده بالحنين إلى أيامها ومرابعها، إلا أنها خلفت في نفسه ذكرى تلك الأيام السوداء، أيام الفوضى والبغضاء التي حلت قسراً في تلك المدينة الأليفة التي تعيش شبه عزلة عن العالم، فمثلما ضربت أطنابها في شتى أنحاء العراق، ولا شك أن أي عاقل ومنصف يستعيد ذكريات تلك الأيام، سيجد أن ذلك الحقد الأسود كان بلا مبرر، فجأة تتشكّل الأحقاد جامحة، وتنطلق بدون روية أو تفكير، والأدهى من ذلك بدون هدف، وما زال العراق يدفع إلى اليوم تلك الخطايا، لم يكن حقداً طبقياً كما بدى آنذاك فقد تداخلت المواقع والمواقف والانتماءات، واختلط حابلها بنابلها، وما كان حقداً من أجل الوطن، وكم تذكر سيدنا الراحل بأسى كبير كيف فرقت تلك البغضاء الإلفة التي عاشت طويلاً في ربوع تلك المدينة، وكيف انفتح جرحٌ ظل فاغراً وما زال، وكيف نشأت العداوات بين أقرب الأصدقاء لبعضهم البعض، وتطورت وتعمّقت وصارت حاجزاً راسخاً يفصل بين الصديق وصديقه، والقريب وقريبه، وحتى الأخ وأخيه، وقد رافقت الكثير حتى مماتهم، بل وأورثوها لأبنائهم، وكيف يندفع العامة وراء الشعارات والأضاليل، ولم يكن سيدنا الراحل مستهدفاً لذاته في بداية الأحداث في الربع الأخير من عام 1959م، كانت البداية أن البعض من سقط المتاع، لم يرق له أن تظل الخضر هادئة، وفتش عن رجعي، متآمر، وخائن ومصطلحات تلك الأيام ثم وجد ضالته في السادة من آل تاج الدين، وهم من العوائل العلوية التي نزحت من الحلة إلى الخضر وامتهنت التجارة والزراعة، فأحرقت محلاتهم، واستبيحت دورهم، واعتدي على رجالهم، وانتهكت حرمهم، فما كان من سيدنا الراحل إلا أن يتصدى إلى ذلك العدوان الذي لا مبرر له ولا سبب، فكانت وقفة شجاعة، وفر فيها وثلة من صحبه الخلص الأوفياء الحماية للمعتدى عليه، وصار هدفاً، وضمر أهل الأحقاد أحقادهم حتى كان شهر رمضان من ذلك العام، وبينما تحتفل المدينة في جامعها الكبير بذكرى ميلاد الإمام الحسن (ع)، وإذا بأحدهم يهتف بالصداقة السوفيتية، وآخر يهتف بالسلام العالمي وفق خطة مبيتة، فهاج الناس وماجوا وأخرجوا الاثنين من الجامع، وما هي إلا برهة وجيزة إلا والحجارة تنثال على المحتفلين من كل جانب، وكانت معركة استمرّت ساعات، وتهدم فيها جزء كبير من الجدار الشمالي للجامع، وتفاقمت الفوضى في المدينة، وبات الناس لا يأمنون على أنفسهم، فمتى انفرد أولئك بأحد يناصبهم العداء أشبعوه ضرباً وأثخنوه بالجراحات، وجدوا سيدنا الراحل كان يفرض هيبته فلا يجرؤ أحد على التعرض له، وإن صارت داره محطة لتظاهراتهم اليومية، يقفون أمام الدار، تتقدمهم صورة «الزعيم الأوحد»، ويهتفون بهتافاتهم المعهودة، ويرعدون ويرددون، ولكنهم من الجبن بحيث لم يقتحموا الدار التي ليس فيها سوى سيدنا الراحل وزوجته وبناته وأطفاله، ثم ينصرفون بعد ساعة من التظاهر، ومن المفارقات المضحكة ـ المبكية ـ، أن الخضر التي ليس فيها سوى مدرسة ابتدائية قديمة البناء، وتفتقر إلى أبسط المرافق العامة، كأي مدينة مهملة في جنوب العراق، فلا شوارع معبّدة ولا شبكة كهرباء أو مياه، ولا جسر يربط بين ضفتي نهرها، ومقطوعة عن محيطها فليس من طريق يبعد بينها وبين أقرب مدينتين إليها، وهما السماوة والناصرية، ومع ذلك فإن أزقّة الخضر مليئة بصور «ستالين» ويهتف كل يوم متظاهروها بالصداقة السوفيتية.
لقد تركت تلك الأحداث المفجعة أثراً مراً في ذاكرة راحلنا الكبير، فكثيراً ما تذكر تلك الأحداث المأساوية بأسف لما آلت إليه أحوال الناس، وكيف يندفع كثيرون دونما تدبر أو تفكير، وكيف يغير البعض حتى جلده بين عشية وضحاها، وقد زادته تلك الأحداث حكمة وتبصراً، فكان لا يميل للاندفاع، ويكره التهريج والتطرف، إلا أنه لم يعرف الحقد على أحد، على العكس من ذلك كان يرثي لأولئك الذين فقدوا صوابهم وتوازنهم عند المنعطف، ويسأل ربه المغفرة والرحمة لكل مسيء.
وبعد أن انزاحت تلك الغمة، وكان قد أنجز كتابة «مصادر نهج البلاغة وأسانيده» قرّر الارتحال إلى كربلاء في منتصف الستينات. ليكون قريباً من النجف حيث طبعت الطبعة الأولى من كتابه، وقد كانت له رحلة يومية بين كربلاء والنجف لذلك الغرض، وبعد إنجاز طباعته كان متردداً في العودة إلى الخضر، فعزم على البقاء والسكن في كربلاء المقدسة لولا انتقاله وعائلته بعد عام إلى «بلد»، وبعد رحيله عن الخضر تفرّق الكثيرون من صحبه في نواح شتى من العراق، وكأنهم لم يطيقوا العيش في الخضر من دونه.
***
لقد شاء الله أن تكون الوجهة «بلد» فقد طلب، أهلها استضافته في رمضان 1385هـ/ 1966م، وقد كانت بلد آنذاك غارقة في لجة فتنة عشائرية طاحنة، استمرت طيلة خمس عشرة عاماً وعجزت المرجعية الدينية والسلطات معاً على إيقافها، وفقد معها الناس الأمان والاستقرار، وأتت الفتنة على الزرع والضرع، فقد هجر الناس مزارعهم، وكان يلوذون ببيوتهم مع خيوط الظلام الأولى، يغلقون أبوابها الثقيلة بإحكام، فلا يتزاورون ولا يفتحونها لأحد وقد ازداد عدد الضحايا مع الأيام، وتراكمت الأحقاد والثارات، وحين استجاب لطلب أهالي بلد، نصحه عدد من معارفه بعدم الذهاب لما سمعوه عن حوادثها، لكنه أصر على الذهاب، فسافر إلى هناك وقد كانت المرة الأولى في السنوات التي تحيي فيها بلد ليالي رمضان، وقد استقبلته بترحاب حافل، فكان أول شيء ركّز فيه جهده، هو محاولة إصلاح ذات البين، وكسر شوكة الفتنة، وشاء الله عزّ وجلّ أن يفتح على يديه، فقبل أن ينتهي شهر رمضان، استطاع بعون الله أن ينجز صلحاً عاماً نسي فيه المتقاتلون أحقادهم وثاراتهم وصار شعارهم «نحن أولاد واحد» كناية عن الأخوة والصفاء، وتوج الصلح بمسيرة طافت المدينة يتقدّمها هو وشيوخ العشائر وقد تشابكت أيديهم، وصارت جذوة الفتنة برداً وسلاماً، وعاد الوئام والإلفة للمدينة، وأصبح الناس يتزاورون ويتسامرون، ويتشاطرون في المسرات والأحزان، وتوجه من بلد وفد كبير لزيارة الإمام الحكيم أعلى الله مقامه، وقد رجوه بأن يقنع راحلنا الكبير بالانتقال إلى بلد والاستقرار فيها، وقد تحققت لأهالي بلد بعد وقت قصير.
وفي بلد لم يكن سيدنا الراحل رجل دين فحسب، بل أصبح جزءاً من حياة الناس ومشاعرهم، أطفالاً وشباباً وكهولاً وشيوخاً، رجالاً ونساء، وعلى مختلف مشاربهم ونحلهم، ولا أظن أن مدينة أحبت بمجموعها رجلاً وأخلصت له كما فعلت بلد فيه، وقد قابلها حباً بحب وإخلاصاً بإخلاص، كان كل واحد يرى أن له علاقة خاصة بسيدنا الراحل، يقصدونه ليحكم فيما شجر بينهم، ويخرجون من عنده، راضين بحكمه، ويأتونه حتى بمشاكلهم العائلية وأدق خصوصياتهم، يسألونه فيها عوناً أو رأياً أو مشورة، وكان يعامل الصغير بأبوّة وحنان، والكبير بأخوة واحترام، وقد زادتهم المعايشة حباً له وتعلقاً به، فإن غاب افتقده الناس وترقّبوا حضوره، وكان يجلس لحل مشاكل الناس ومتابعة قضاياهم ضحى وعصراً، فإذا جاء الليل فإن له مجلسه المفتوح لكل الناس، فكان منتدى لهم يتداولون فيه شتى ألوان الحديث ويتعمّق من خلالها التآلف والتآخي بينهم.
وقد وقف مدافعاً عن بلد بكل صلابة وشجاعة حين تعرضت عام 1967م لحملات الجور والاضطهاد والحقد، وكانت له مواقف ستبقى مخلّدة في تاريخ المدينة وذاكرتها، حين تصدى لحملة حكومة طاهر يحيى التي استغلت مقتل المرحوم جبر التكريتي في حادث عرضي، وكان معروفاً بصلاحه ونزاهته وخلقه، فأرادت السلطات أن تسبي بلد مستغلة مقتله، وتأخذ المدينة كلها بجريرة شخص واحد، وحين وقف في وجه تعسف وزير الإصلاح الزراعي آنذاك عبد الكريم فرحان الذي تذكّر ـ ولدوافع معروفة ـ أن بلد التي تسقي بساتينها ومزارعها من جدول متفرّع من نهر دجلة، مدينة للحكومة بأجور السقي عن ثلاثين عاماً مضت، رغم عدم وجود عقد أو قانون يخول السلطات استيفاء مثل تلك الأجور، فأمر بقطع مياه السقي عن المدينة بعد أن وجد الناس أنفسهم عاجزين عن تسديد تلك الأجور حتى لو باعوا مزارعهم وبيوتهم، وحين أفشل مخطط الفتنة الطائفية الذي وضعه (سامي باش عالم) رئيس دائرة الأوقاف الذي أصدر قراراً باستيلاء الأوقاف على جامع بلد الكبير، وعيّن إماماً من دائرته للجامع في استفزاز صارخ لبلد، ولخلق العداوة بينها وبين محيطها.
وقبل أن يبني له داراً في بلد، بادر سيدنا الراحل إلى تجديد بناء جامع بلد الكبير «جامع الزهراء» في عام 1970، وقد ساهمت المدينة جلّها إن لم يكن كلّها في بناء ذاك الصرح العامر بالمال والعمل، فكان رمزاً لوحدتها، ولتحديها أيضاً إذ كانت السلطات تجد في اندفاع الناس للتبرع والمساهمة في بنائه ذنباً يستحق الملاحقة والعقاب.
وحينما حلّت المحنة التي ما زال العراق يعيش فصولها، كان راحلنا الكبير قد أعد نفسه لتحمل مسؤوليته ومواجهتها، ولم يفت في عضده ترهيب أو ترغيب، فكان يحثّ الناس على التحدي، ويضرب لهم مثلاً من نفسه، وحينما بدأت السلطات بمضايقة الإمام الشهيد السيد الصدر، بدأ يستعرض آراء السيد الصدر وفتاواه في محاضرات أخذ يقيمها بعد صلاة من كل يوم وقبل انصراف المصلين من صلاة الجماعة، ليعلن بذلك مرجعية الإمام الشهيد، ويكرس التفاف بلد حول مرجعيته، ومما يذكر لبلد في هذا الصدد أن أحداً ممن سار في ركب الطغاة لم يتعرض له يوماً أو يحاول الإساءة إلى مقامه، وكان هذا يردع الوافدين من جلاوزة السلطة عن الإساءة إليه، إلا أن الأذى والظلم كان يطال أقرب المقربين إليه ثم أخذت دائرة الجور تتسع، إلا أن الناس أخذوا يزدادون التفافاً حوله وتحدياً للطغاة، فيزداد روّاد مجالسه وتتضاعف صلاة الجماعة، ويستقطب الناس حديثه عن سيَر المجاهدين وعِبَر التاريخ ودروسه، وجهر رأيه عن مفاسد الوضع ومثالبه، وقد فطن مع الأيام إلى أن السلطات الغاشمة تنتقم منه لا بالتعرّض له، وإنما بإلحاق الأذى بمن حوله وخاصة الشباب منهم، فكانت تجد في مجالسته وحضور مجالسه أو زيارته تهمة تستحق أقسى عقاب، ثم كان أن تفتقت أساليبهم الرخيصة عن حيلة خبيثة فقولوه في صحفهم ما لم يقله، وما يأباه له الله ورسوله والمؤمنون ونفسه الأبية، لكن الله فضحهم فجاءت الكلمات ركيكة مبتذلة لا تنمّ عن أسلوبه وهو المعروف ببلاغته وفصاحته، فأراد أن يفوّت عليهم أن يأخذوا الناس بها، أو أن يخدعوهم بما قوَّلوه، فاختار الهجرة بعيداً عن الوطن وفي رحلة شاقة طويلة من الألم والعذاب مخلفاً وراءه عائلته.
***
وفي ديار الغربة، اختطّ طريقه الخاص به في جهاده، وكرّس له السنوات التالية من عمره الشريف، ألا وهو رعاية العراقيين ومواساتهم والتخفيف عنهم في محنتهم، وقبل هذا كان يضع من نفسه المثل في الجلد والتحمّل، وهو الشيخ الذي تجاوز الستين من عمره، فيشد من عزائمهم، ويشحذ هممهم، وبعد ذاك يشاطر الآخرين في ما يستطيع أن يشاطرهم به، ويتفقدهم ويصلهم، ويسأل عن حاجاتهم ومشاكلهم، ولا يدخر جهداً أو وسعاً من أجل حلها، كان الهمّ العام همه، لكنه لم يكتف بذاك، فصار يبحث عن مفرداته وتفاصيله، ويحاول أن يقاسم كل ذي هم أو مشكلة حتى وإن لم يعرفه من قبل همه أو مشكلته، ما صغر منها وما كبر، وكان يشاركهم بوجدانه وكم أرق وعلا تقاسيمه الحزن لأن أحداً يعرفه يعاني من فاقة، وآخر يكابد من مرض، وآخر مشغول بمحنة أهله في الوطن، لقد كان يردد دوماً كم أتمنى لو أن لي ألف عين وألف رِجل وألف يد إلى آخر ما يتمنى أن يمتلكه حتى أقدم للبصير عينين وللأعرج رجلاً، لقد كان يؤثر الآخرين على نفسه، وترى وجهه يطفح بالبشر حين يستطيع حل مشكلة أحد أو تقديم العون لآخر، وللشباب كان يوجه اهتماماً خاصاً، يشعر بمعاناتهم بكل أبعادها، وكم من شاب وشاب يعامله معاملة الأب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى حتى لا يجد فرقاً بينه وبين أحد أبنائه.
لقد كان يدرك أن المرحلة تتطلب التعاون والمحبة والتواصل ونبذ الضغائن لهذا فإن أقسى ما كان يمكن أن يقع على مسمعه هو أن اثنين قد تخاصما أو تقاطعا، أما عنه فإنه لم يكتف بأن لا يعرف قلبه حقداً أو ضغينة، أو أن يأخذ الإساءة بحسن نية، ويلتمس شتى الأعذار للمسيء، بل إنه كان لا يطيق أن يكون في نفس أحد شيء منه، ويبذل كل ما يستطيع من أجل أن لا يترك في ذهن أحد تصوراً خاطئاً أو سوء فهم أو شعوراً بتقصير تجاه أحد، لقد كان يردد كل يوم اللهم إني قد أبرأت هذه الساعة، وكان يلتفت لمن حوله ضاحكاً ويقول احذروا فقد لا أطلب هذا الذي طلبته من ربي غداً، لكنه ما انفك عن ترديد دعائه ذاك حتى في ساعاته الأخيرة.
***
أما بين أهله ووسط عائلته، فقد كان يتمثل قول الرسول الكريم (ص) «خيركم خيركم لأهله»، لا يكتفي بما يمتلك من عطف ورقة وحنان، بل كان يجهد أن لا يكلف أحداً من عائلته بقضاء حاجة من حاجاته مهما كانت بسيطة، فإن اضطر بالغ في حمده وثنائه، حتى كأن أحداً من عائلته قد قدم معروفاً كبيراً، وكم من مرة ومرة يغافلنا فيها فنجده قد غسل ملابسه بيده، أو يغسل الصحون ويرتب البيت، أو يذهب إلى السوق ويجلب للبيت حاجاته، وحين نعاتبه كان يتعلّل بأن ما يقوم به رياضة أو تسلية.
كان لا يعرف الغضب أو الزجر، ويحاذر أن يترك في قلب أحد من عائلته ما يزعجه أو يؤذيه، فإن أغضبه شيء كان يكظم غيظه، ويلجأ إلى النكتة والمثل في قول ما يريد قوله.
ورغم ما وهبه الله سبحانه من قلب عامر بالمحبة والرقّة فإنه لم يدع لعاطفة الأبوة أن تأخذه بعيداً عن انسجامه مع نفسه، ومع قناعاته ومسؤولياته، فقد أدركنا مبكراً أنه إنسان يعيش من أجل دينه لا عليه، ويكرس حياته للآخرين، ويوازن بدقة بين مسؤولياته العامة والخاصة، فلم نعرف له إلا شخصية واحدة في كل دقائق حياته، أمام عائلته وأمام الناس، في بيته وخارجه، لا يتكلف بشيء، والتواضع والزهد ميّزتاه، كان متواضعاً إلى الحد الذي يجعل المقابل لا يرى أحداً بين سيدنا الراحل وبينه في السن أو العلم أو المنزلة، وكان ذلك يدخله في القلب ويزيده هيبة وإكباراً، وكان زاهداً في حياته التي لا يجد فيها إلا رحلة ثانية طالت أم قصرت لهذا لم تغره، ولم يبحث عن مغانمها.
***
لقد رحل القلب الكبير الذي اتسع لكل الناس، بعد مسيرة مُلئت سنواتها الأخيرة بالعذاب، عذاب كان يداري أوجاعه حتى عن أقرب الناس إليه.
العراق الذي أحب وما آلت إليه أحواله.
الناس الذين عاش معهم ولهم وما يلاقونه من أهوال.
صحبه الذين كانت تترى إليه أخبارهم بين مشرد وشهيد ومغيب، بل..
المدينة التي أحبته وأحبها وحرمانه منها واستباحتها وسبيها.
داره التي صودرت ونهبت، وأغلى ما فيها كتبه وما تحويه من مخطوطات وكتب قيمة وتعليقات.
عائلته التي ظلّت مشردة يطاردها الرعب من بيت إلى بيت، ومن مدينة إلى مدينة حتى اندلاع الانتفاضة المباركة.
ابنه «جعفر» المغيب في سجون الطغاة لسنوات طويلة.
صهره «نعمة السيد علي الحسيني» الذي استشهد تحت التعذيب.
وهموم الناس التي حملها. لقد كان قلباً كبيراً يتسع لكل الناس، وكل هذه كانت تأخذ من روحه وقلبه، وتترك آثارها في صحته، ويتحمّل العناء بصمت، ويخفي أوجاعه وآلامه، حتى اختاره الله سبحانه إلى جواره ورجعت النفس المطمئنة إلى بارئها راضية مرضية.
لقد كان الموت بالنسبة له مجرد لحظة من لحظة كان واثقاً بأنها قد أزفت فرغم تأكيد أطبائه على تحسن صحته واستقرارها، كانوا يؤكدون على أنه لم يعد هناك من مبرر لبقائه في المستشفى، وكان يقسم على أنه سيكون يوم وفاته، وكانت لحظة لم يكن ما قبلها ينبئ بها، رغم أننا كنا نسأله إن كان يعاني من ألم أو يشعر بشيء، سوى أنه أدّى الشهادتين، وتمتم بكلمات لم نستطع أن نميّزها، وأسلم روحه إلى بارئها، ومضى القلب الكبير يشكو إلى ربه ظلم الطغاة، وكانت وفاته بعيداً عن أرضه ووطنه الذي أحب وهو ابن السبعين بعد أن قضى سنواته الأربعة عشر الأخيرة من منفى إلى آخر، وصمة عار على جبين الطغاة، لقد كان يردد ومنذ استشهاد السيد الصدر: من مات على فراشه لهول هذه المحنة مات شهيداً، وقد كان شهيد الغربة ورحلة الآلام الطويلة.
وإن بكاه العراقيون في مختلف منافيهم الواسعة، فقد بكوا إنسانيته وعطاءه ومحبته، كان للكبير أخاً وللصغير أباً، أخلص لله، وأطاع الله في أخيه الإنسان، فكرمّه البارئ عز وجلّ بأجمل ما يكون التكريم، فجعل من وفاته عبرة ستبقى في ذاكرة وقلوب من عرفه لسنوات طويلة.
عبد الحسين الحسيني
قبل الرحيل
إلى روح العالم الرباني السيد عبد الزهراء الخطيب رحمه الله.
إبراهيم العاتي
أزفَ الوقتُ
وقد آن الرحيلْ
فلنودع صبوة العمر الجميلْ
ولنفارق
زرقة البحر،
وأطياف المحبين،
وأشجار النخيلْ
آن أن تطوي شراع العمر
أو تعلو جدار المستحيل
***
ديمةٌ طافت على أرض (الغريّ)
تسكب الماء
على الرمل الظميّ
وتنادي بنداء علوي:
أيها الراقد في أرض الشام
يا شعاعاً طار
في وسط الظلام
يا غريباً
حمل السبعين
أعواماً من الخير المصفّى
للأنامْ
أيها الشيخ الأبي
أيها الفجر الندي
أنت لم تبعدْ
ولكن سوف تسقي الحوض
يوماً..
من (علي)
***
تلك أقلامك
ما جفتْ
وما كل اليمين
هي فيضٌ من عطاء الفكر
يبقى نابضاً عبر السنين
السطور السمر تبكيك
بيوت العلم
ذكرى العارفينْ
ووجوه الراحلينْ
كلها حلّت
لتحيي ذلك اليوم الحزينْ
يوم أن فارقت دنيانا
لتحيا في ربوع الخالدينْ
***
طيفك الهامس
قد مرّ أمامي
يتهادى صامتاً عبر الزحام
يزرع البسمة والحب
ويشدو للوئام
قد تفيّا دوحة العلم
وأزرى بالحطام
أيها الشيخ المفدّى:
من سنا الروح سلامي
***
المجد الصريع
في رثاء العلامة السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
جودت القزويني
دعني أودع نعشاً بالدم القاني
لعلّ طيفك رغم الموت يلقاني
يا راحلاً، ومدار القلب مسكنه
هوّن خطاك فقد هيجت أحزاني
رحلت كالنجمة الوسناء عن أفق
لكنّها أُدرجت في بيض أكفان
فما هوى منك جسم بات منعفراً
إلا هوى قبله بالحزن جثماني
وما دفنت بأرجاء مقدسة
إلا دفنت نشيجي وسط نيراني
يا آية المجد، أين المجد أطلبه
فأنت والمجد في الجلّى صريعان
طودٌ من الفضل خفّاق بنائله
وقد هوى بالثرى في طي كتمان
يا أنت، يا ايها الروح الذي عبقت
أنداؤه، وانتشى من طيب ألوان
سامرت أمسك أستدعي خواطره
مرمماً فيه ما قد هدّ بنياني
فأستعيد حكايا منك دافئةً
تعيدنا كندامى بين ندمان
فما وجدتك يا سرّ الخلود سوى
آي يمر على عقلي ووجداني
يا أيها النبع، يا ماء (الفرات) ويا
هدير (دجلة) يمضي بين شطآن
يا نفحة (الطلع)، يا أفياء ساقية
يا نغمة الوجد في أسماع رهبان
يا بسمة في شفاه الحائرين، ويا
قطر الندى عبقاً في وجه (نيسان)
متى سألقاك جفّت كلّ أوردتي
ظمأى إليك، وضاعت كل أوطاني
أبقيتي أتلظّى بالشكاة، فهل
يطفي سعير الأسى والشوق طوفاني
حتى كأنّ سمائي أصبحت لهباً
من فرط ما انقدحت بالنار أجفاني
فما أنا غير روح فيك ذائبة
وإن تمثل في الأجساد شخصان
جل المصاب فسهم الموت عن عمد
أرداك، لكنّه بالقصد أرداني
فلو أتاني (المعزّي) ظنني جلداً
لم يدر أنّ بنفسي كان عزاني
يا أيها (الجمع)، أين (الشمُ) أذكرها
وأين منها اختفى إنسانها الحاني
إن تحملوه على أعواده فلقد
رفعتُمْ بها أجزاءَ (قُرآن)
حزني على المجد أدناني إليك، وما
عن هالة المجد إلا الدّهر أقصاني
فإنْ نظرت تجد نفساً مولهة
تهفو إليك، وجسماً ذاوياً فان
روحي على نسمات (الشام) حائمة
تبكي ضريحك ما مرّ الجديدان
إن أنسى لم أنس أياماً بها حفلت
تلوح فيها سنيّ، يا بدرها الثاني
كنت الضماد لأوجاع بنا عظمت
وقد تُطيّبُ جرح القلب كفان
كما مشى القمرُ الزاهي مشيتَ بنا
ونحنُ نُطحنُ في أنيابِ (ذؤبانِ)
العزمُ منكَ سيوفٌ جدُّ محكمةِ
والنبلُ منك تراءى آيّ تبيان
فما وهنتَ ـ وأكمامُ الورودِ غدتْ
غرثى ـ لتسقيها في كفّ عجلانِ
حتى إذا انكسرت (أقلامنا)، وغدتْ
(أبياتُنا) دون تقطيع وأوزانِ
أتيتَ تحملُ نزفَ القلب (محبرة)
وصغت من نسج ذات ألف (ديوان)
حتى وعينا بأنّ الأرضَ مملكةٌ
للعدل، ليس بها (مُستهترٌ) جانِ
لولاك ما رقّت الأنسامُ في شفة
ولا تغنّى بها قيثارُ فنّان
إصفحْ بذاتك إن كان (الترابُ) مدى
لمعشرٍ، ومداك الفذّ (روحاني)
فيا هوى الروح هامتْ كلّ أخيلتي
تشكو إليك تباريحي وسلواني
ما أنت إلا صدى الأيام أسمعُهُ
يُعيدُ وجهك شمساً فوق أزماني
حتى إذا فارقَ (السبعين) مزدهَر
من السنين مليئات بأشجانِ
مشيتَ للموتِ جُرحاً نازفاً، وعلى
يديه أغفى من الأعياءِ جفنانِ
في ذمة الله أيامٌ وأنديةٌ
من فيضِ علمكَ كانتْ خيرَ عنوانِ
ما طاوعتني القوافي أن أوبنها
حتى لو انفجرتْ في ألف بُركان
مَن للحقائق يستجلي بواطنها
وللفصاحة يعدو كلّ ميدان
إذا رحلت ففي كلّ القلوب هوى
يشدو بذكرك من آنٍ إلى آن
نمْ في ثراك غريب الوجه، منفرداً
فالروح روحكَ في روْح وريحان
المنار الغافي
في رثاء العلامة الراحل السيد عبد الزهرة الحسيني الخطيب (ره).
السيد حسين الصدر
كيف تقوى على الرثاء القوافي
و(الحسيني) معجزُ الأوصاف
رائد لفّ بالعباءة أمجاداً
عراضاً في زحمة التطواف
طهرت ذاتُه فرّشتْ على الناس
شذاها من منبع الإنصاف
كان فينا السحابَ يُمناً يُوافينا
ويهمي كالهاطل الوكافِ
هكذا كانت الأبوّة تنهلّ
حناناً بالحالكات العجاف
ولقد جفت الينابيع مذ غاب
وضجت حزناً رمالُ الفيافي
الهدى والندى وشمُّ المُروءات
مرايا ذاك الضمير الصافي
إنّ (عبد الزهراء) كان ربيعاً
خضلاً بالرواءِ والألطاف
ولئن كان (مفرداً) ألمعيا
فهو فينا يُعدّ (بالآلاف)
كلآلي الفجر التماعُ سحاياهُ
ودُنياهُ رحبةُ الأكنافِ
وإذا كان يوسعُ الناس حبّاً
فلقد حلّ في حنايا الشغاف
ولكم شدّنا (الخطيب) إليه
فضفاف (الخطيب) أندى ضفاف
زاهدٌ في مباهج العيش لكنْ
مولَعٌ بالقرى، وبالأضيافِ
***
أخرج (النهج) )[17]( من (مصادره) طُرّاً
ووافى بباهر الإتحافِ
باصطبارِ على العناء فريد
وبحسّ في غاية الإرهاف
قلمٌ زيّف الشكوك فماتتْ
بمدادٍ، وليس بالأسيافِ
وجميلٌ بأنْ يُسمّى لدينا
حيثُ جلّى ـ بمرغِم الآنافِ)[18](
***
مُلهمٌ قدّمَ (الشرائعَ) أنواراً
فضاءتْ في موحشِ الأسدافِ
وامتزاجُ (المُتون) بالشرح فنّ
كانَ فيه العميدَ دون خلاف)[19](
إن تسلْ عنه فالحقولُ مجيباتٌ
بأنّ القِطافَ أشهى قِطافِ
وكفاهُ فخراً بما خدم (الآل)
وبرهانُهُ الجليّ (الشافي) )[20](
يا فقيد المحراب، يا ألقَ المنبرِ
يا عطرَ صالحِ الأسلاف
كيف تغفو وأنتَ إشراقةُ الشمسِ
فلهفي على المنار الغافي
الهوى والحبيب
حسين الشامي
وداعاً وينزفُ جُرحٌ غريب
وتبكي العيون وتهفو القلوبُ
أسافرت أم خطفتك السماء
لتُسفرَ بين يديك الغيوبُ
أحقاً رحلت بدرب الخلود
وخلف خُطانا تضيع الدروبُ
وتخبو النجومُ.. ولكنها
على ومضةٍ من رؤاك تؤوبُ
وإن غبتَ عن أعين المتعبين
فذكراك.. خالدةٌ لا تغيبُ
***
أيا أخضرَ القلب كنتَ الربيع
إذا كفّن الروض جدبٌ كئيبُ
وكنت زماناً تشظّت مُناه
فراح على مقلتيك يذوبُ
وما أتعبتك السنون الطوال
فهذا مداها البعيدُ قريبُ
وما غادرتك الرؤى الضاحكات
وما لامست شفتيك الذنوبُ
ومن عجب إن في مقلتيك
تزاحم طيفُ الندى واللهيبُ
فمن بسمةٍ لوّنتها الدموع
ومن ضحكةٍ ذاب فيها النحيبُ
ومن شيبةٍ خُضبت بالعذاب
ومن جسدٍ ملّ منه الصليبُ
وفي مثل طهرك يحلو الشباب
وفي مثل وجهك يحلو المشيبُ
وأنت حملت وسام الحسين
فمن نفحه في حناياك طيبُ
ومن ينهل الحُب من كربلاء
ولم يتعذب.. محبٌ مريبُ
عشقت الحسين فكنت صداه
إيطويك صمتٌ وأنت (الخطيبُ)
وليس عجيباً غيابُ الشموسِ
ولكن.. غيابُ الرجال عجيبُ
***
سلام عليك اختصرت الرحيل
فسيان قبرٌ.. وكونٌ رحيبُ
وسيان أكفانك الطاهرات
جيوباً.. وثوبُ السحين الخضيبُ
ألستَ ابنه وعلى منبرٍ
عن السيف إما غضبتَ ينوبُ
سلام عليك ختمت الكرام
ليغفو علينا زمانٌ معيبُ
نلملمُ أدمعنا الباردات
ويُسلمنا للضياع الهروبُ
فقدناك حسبُ… أناشيدنا
بأنك فيها الهوى والحبيبُ
***
السيد رضا الهندي حياته وشعره
موسى الموسوي الهندي، وُلد في مدينة بلد سنة 1347هـ/1929م بعد هجرة والده العلامة السيد صادق الهندي إليها من مدينة الكاظمية بسنة واحدة، ودرس في مدرسة القرية الابتدائية.
وبعد أحداث مايس سنة 1941م انتقلت العائلة إلى مدينة النجف فبدأ يقرأ المبادئ الأولية على يد بعض الفضلاء من أسرته في اللغة العربية، والمنطق، والفقه، وغير ذلك.
دخل كلية منتدى النشر في النجف سنة 1362هـ/1943م، ثم رجع إلى الكاظمية سنة 1364هـ/ 1945م، وامتهن مهنة (المحاسبة)، وتنظيم سجلات التجار في أسواق بغداد. كما مارس التدريس في مدرسة منتدى النشر بالكاظمية بطلب من الأستاذ أحمد أمين، والسيد مرتضى العسكري، وبقي فيها عاماً واحداً.
وفي عام 1376هـ/1955م اعتُقل لنشاطه السياسي، وأُودع السجن الانفرادي.
مؤلفاته
كتب مؤلفات عديدة، أُشبعت بالتحقيقات التاريخية الثمينة، وقد رأيت منها:
1 ـ نهر دجيل في التاريخ والأدب (ضمن مجلد كبير).
2 ـ قيد الآبد وصيد الشارد (مجلدان ـ لم يتمّ الثاني منهما).
3 ـ آل الهندي ـ تراجمهم وآثارهم (مجلدان).
4 ـ آل البلاغي ـ تراجمهم وأثارهم (لم يتم).
5 ـ أدب البرق (التلغراف) في العراق.
6 ـ ديوان السيد باقر الهندي (جمع وتحقيق).
7 ـ ديوان السيد رضا الهندي (جمع وتحقيق). طبع باهتمام الدكتور عبد الصاحب الموسوي في قم، 1988م.
8 ـ سبع الدجيل (رسالة صغيرة أحتفظ بنسخة منها).
9 ـ تاريخ عُكْبُرا.
10 ـ ديوان شعره.
نشر العديد من الدراسات والبحوث في مجلة «الأقلام»، و«الكتّاب» و«الجزيرة». ولم ينشر شيء من مؤلفاته)[21](.
وهذه الدراسة (السيد رضا الهندي ـ حياته وشعره) إحدى المحاضرات التي افتُتحت بها الأمسية الثانية من أماسي مهرجان النجف الشعري الأول المنعقد ما بين 27 ـ 30/10/1970م. وقد قدّمها لي الأستاذ الموسوي مع جملة من أوراقه المخطوطة.
ونقلتُ عن مجموعة الأستاذ باقر الموسوي الهندي المتوفى سنة 1399هـ/1979م (المخطوطة) وهي (المجموعة الخامسة) )[22]( ما يلي:
طلب الأستاذ الشاعر السيد مصطفى جمال الدين ـ الذي كرّس جهوداً كبيرة لنجاح المهرجان الأدبي في النجف الأشرف ـ طلب إلى الأستاذ السيد موسى الموسوي أن يعدّ محاضرة عن شاعرية وحياة السيد رضا الهندي، وكان الموسوي قد كتب شيئاً في الموضوع بمناسبة مرور مائة عام على ميلاده (إذ إنّه تولّد سنة 1290هـ) فأضاف إليه، وحذف منه، ورتبه على أساس إلقائه في المهرجان، وحين تمّ إعدادها أبرق إلى الشاعر جمال الدين البرقية التالية:
حديثي مُعدّ وعنوانهُ
حياة وشعر الشريف (الرضا)
عساهُ لديكم سيلقى القبول
ومنكم سيحضى بعين الرضا
(شعبان ـ سنة 1390هـ/تشرين الأول ـ سنة 1970م).
وفاته
توفي الأستاذ موسى الموسوي الهندي اغتيالاً من قبل المخابرات العراقية بحادث سيارة سنة 1400هـ/1980م، وهو يرفل في قمّة عطائه المتفرد الأصيل.
***
من نوادر مهرجان النجف الشعري سنة 1970هـ
السيد رضا الهندي حياته وشعره
(1)
في هذه السنة التسعين بعد الثلاثمائة والألف تمر الذكرى المئوية الأولى على ولادة العالم الشاعر الفذ المرحوم السيد رضا الهندي. ومن الطريف أن تقترن هذه الذكرى الطيبة بالمهرجان الشعري لمدينة النجف، وكأنهما على ميعاد.
إنّ اختياري لمهمة التعريف بهذا الشاعر العملاق من قبل لجنة المهرجان ـ وهو شرف أعتزُّ به وافخر ـ كان على تقدير ما يشدني إليه من رابطتي الأدب والنسب، وما أوهى الرابطة الأولى وأضعف أسبابها. أما علاقة النسب واحتمال توفري على آثار هذا الشاعر فأقولها بصراحة: إنّ قاعدة (صاحب الدار أدرى بالذي فيها)، لم تعد تصح على آثار شعرائنا الماضين الذين لم يعنوا في حياتهم بجمعها ولمّ شتاتها، والسيد رضا منهم، فمن المؤكد أن معظم شعره الكثير الجزل كان شعر مناسبات، وأنّ الأسر التي كُرّمت بتلك القلائد الخرائد لا تزال تحتضنُها كأنفس الآثار، ولكن لسنا ندري متى سيُفك أسر هذه العقائل من سجون تلك العوائل، كان الله لهن من صابرات محتسبات محتبِسات، وكان الله في عوننا نحن عشاقهن. فصبرٌ جميل، والله المستعان.
وعلى هذا فلم يعُد صاحب الدار أدرى، بل آخر من يعلم.
إنّ انصراف الكثيرين من الشعراء عن جمع شعرهم ولم شعثه، يعود كما يعلم مَن واكب سير الحركة الشعرية في المجتمع النجفي في الماضي والحاضر إلى عوامل عدة، منها أن يغلب الطابع العلمي الديني على الشاعر حين يتبوأ مكانته بين مراجع التقليد والفتيا فيهجر الشعر كلياً. وقد يأنف من نسبته إليه. ولنا في سيرة السيد الحبوبي الكبير مثلٌ حسنٌ على ذلك.
وإما بسبب تقييم البعض منهم للشعر كباب من أبواب الكمال يدلف إليه الشاعر كلما سنح له وقت يهبه للمتعة والترويح عن النفس بعد عناء الدراسة العلمية الرصينة، فوزن الفقيه الشاعر عند هذه الطبقة مثل وزن الفقيه الذي له معرفة بالهندسة والحساب، أو إلمام بالهيئة والأسطرلاب.
وتظل هناك جمهرة أخرى من الشعراء ليسوا من أولئك أو هؤلاء، وهم من زهدوا في الشهرة وذيوع الاسم. حتى كان بعضهم يقول الشعر الجيد ولا يضنّ به أن ينسب إلى غيره. ومن هؤلاء شاعرنا «الرضا» الذي تاثر خطى أخيه الباقر في هذا المجال. وللتمثيل نستعيد قصة القصيدة السمسميّة المفلفلة، وذلك أنّ الشيخ محمد حسن آل سميسم كان يستعين بالسيد باقر الهندي في نظمه، وحين زوّج الشيخ ولده «جاسماً» أقام له حفلاً تبارى فيه أصدقاؤه مهنئين مادحين. ورداً عليهم وقف الشيخ المهني، وقرأ قصيدة عامرة قال فيها:
مُنى النفس ما بين العُذيبِ وحاجزِ
بحيثُ تَهابُ الأسدُ بطش الجاذرِ
مررنَ على الوادي فلما رأينني
نفرنَ كأمثالِ الظباء النوافرِ
وفيها التي أرجو طروق خيالها
كما يرتجى التأمينَ قلبُ المخاطِرِ
أحثُّ قلوصي طالباً رسمَ دارها
وبي بالنوى ما بالرسوم الدوائرِ
بمجهلة أن حامَ طائرُ جوّها
عليها ففي قلب من الرعب طائرِ
على ظهر مفتول الذراعين أتلع
حبيكِ القرا صافي الأضالع ضامرِ
وغرتهُ في لونهِ وهو أدهمُ
مقالة حقّ في عقائد كافرِ
فضجّ الحاضرون بالاستحسان والاستعادة وكان فيهم السيد محمد سعيد الحبوبي الذي التفت إلى السيد باقر وقال له: حقاً إنّها سمسميّة مفلفلة!!
وهنا يقتضينا أدب التأريخ، وتاريخ الأدب، أن نقول: إنّ هذه القصيدة كانت (فلافل هندية) من ألفها إلى يائها. أما لماذا استعان شاعرنا الهندي بالقلوص مرة وبالأتلع الأدهم مرة، ولم يركب الفيل إلى محبوبته فلعله خشي أن يجمع عليها البليتين معاً!
(2)
وُلد شاعرنا الرضا في مدينة النجف موطن آبائه وأجداده ليلة الاثنين الثامنة من ليالي ذي القعدة سنة 1290هـ، وتربى في أحضان كريمة، فأمّه هي الصالحة الفاضلة فاطمة كريمة العالم الشاعر الشهير الشيخ طالب البلاغي ـ (الذي نُسبت إليه أشهر ندوة أدبية في القرن الماضي، وكان من بين الذين أسهموا فيها، عبد الباقي العمري بقصيدة مدح بها هذا الشيخ الجليل) ـ، وهي بعد شقيقة العالمين الشاعرين الشيخ حسن، والشيخ حسين البلاغيين، وعمّة العلامة المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي. وكانت هذه المرأة من الصلاح والتقوى بحيث أشاد بذكرها جمع من الفقهاء والمحدثين بينهم العلامة النوري في كتابه: «دار السلام».
أما أبوه فهو العلامة النحرير السيد محمد الهندي الذي كتب عنه وعن علمه ومؤلفاته الكثيرون. إلاّ أنني أقتبس لُمحاً مليحة كتبها عنه الشيخ الشبيبي في مذكراته المخطوطة، وفيها تقييم رائع لحياة هذا العالم المحقق، فقد قال: السيد محمد الهندي من مشاهير أعلام النجف المتأخرين. في طبقة الشيخ محمد طه، والميرزا حسين ونحوهم. تميز عن أغلب معاصريه بمشاركته مشاركة حسنة في عدة علوم، وبميله للنفس المطلق. غير مقيد بعادات أهل عصره من الجمود على فن أو علم بعينه يتناوله أحدهم عن الآخر، ويعيره بعضهم بعضاً إعارة مشروطة بالمحافظة على الأصل حتى يسترده منهم الحمام. وهم لم يفتقوا فيه فكراً جديداً، ولا استنبطوا معنى غريباً. ويرون أنهم المجتهدون حقاً والاجتهاد عنهم بواد.
وكان ميالاً إلى علوم الأسرار، واخترع طُرقاً لم يسبق إليها. وكذلك الكيمياء العملية فقد باشر بنفسه التقطير والتذويب، والتحليل والتركيب وكتب في الجميع مجلدات عديدة. وكان بصيراً بالطب. صحب جماعة من الحذاق فيه وكتب عنهم كثيراً. عارفاً بالطبيعيات والنجوم والرياضيات. غير مكتفٍ بالنظر المجرد. فقد كان مُنصباً على التجربة والعمل والاختبار، كثير المراقبة للأحداث الفلكية والأرضية على اختلافها، يهتم لدقيقها وجليلها على حد سواء. كان غرضُهُ من استقراء تلك الأحداث الجزئية استنباط الضوابط الكلية شأن عظماء الفلاسفة والمفكرين. وله ولع غريب بالتدوين والتأليف لا يفارقه في حلّه وترحاله، وفي صحته واعتلاله. فجاء عن ذلك كشكول كبير قليل النظير. وهو مع ذلك ينظم الشعر ويترسل ترسلاً جيداً. أما الفقه والأصول والرجال فهي علومُهُ الأصلية واجتهاده فيها مسلم به عند كبار الأئمة. أما في أخلاقه فيقرب من أخلاق العرفاء والمتألهين المتصوفين. فقد كان فيه ميلٌ ظاهر إلى الانفراد والعزلة والبعد عن المخلوق ومعاودة الافتكار. وكان على جانب عظيم من سلامة النفس وطهارة القلب والأخلاص في الأعمال والنيات وغير ذلك مما هو أقل من القليل في أبناء زمانه. بل أبناء كل زمان.
انتهت هذه القبسات من مذكرات المرحوم الشبيبي عن والد الشاعر. أما أخوه السيد باقر الذي مرت وتمر الإشارة إليه فقد كان آية في النبوغ علماً وشاعرية ووطنية. ولكن المنية اخترمته ولم يتجاوز أعتاب الشباب، وخلّف تراثاً حيّاً من الشعر الذي يرتفع به إلى مصاف أبلغ شعراء زمانه. وعسى أن تتاح لي فرصة إخراج ديوانه وطبعه فقد أوشك أن يكتمل لي جمعه أو كاد)[23](.
في هذا الوسط العلمي والأدبي نشأ السيد الرضا وفي هذه التربة الصالحة نبتت ملكاتُهُ الفذة. وحين بلغ الثامنة هاجر به أبوه إلى سامراء. وكانت يومذاك، وعلى عهد الإمام المجدد الشيرازي، موئل أهل العلم والفضل بحيث زحف إليها طلاب المعرفة من كل صوب وحدب.
وقد عُرف منذ كان يافعاً بحدّة الذهن وسرعة الخاطر. فقيل إنه تلقّى أول حديث شريف عن الإمام الشيرازي، وذلك حين تعلم القرآن بمدة أيسر من المألوف، فأُعجب به الشيرازي أيما إعجاب وقال في جملة ما قال: «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء».
ومكث السيد في سامراء مكبّاً على طلب العلم في كنف والده الجليل ورعاية الإمام الشيرازي وفضلاء تلامذته. حتى عودة أبيه إلى النجف، وقد نهد سيدنا إلى العشرين من سنّه أو جاوزها بقليل. وهنا في النجف صار يتلقّى علومه العالية على أساطين العلم فيها. وكان عمدة تتلمّذه على السيد والده، وعلى الحاج ميرزا حسين الخليلي الذي أولاه الكثير من العطف وخصّه بكثير من العناية، فوفى له التلميذ أبرّ الوفاء.
كما حضر على السيد بحر العلوم والشيخ حسن ابن الشيخ صاحب الجواهر والملا محمد كاظم الخراساني والشيخ محمد طه نجف الذي شهد له بالاجتهاد المطلق سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف. ومع انكبابه المتواصل على طلب العلم والمعرفة فقد ألف وصنّف وشرح في الفقه والعقائد وعلوم الأدب الكثير، ونعرف من ذلك:
1 ـ الميزان العادل بين الحق والباطل. في الرد على الكاتبين. رسالة طبعت)[24](، وكان لها صدى أدّى إلى منع نشرها.
2 ـ بُلغة الراحل ـ في المعتقدات والأخلاق ـ.
3 ـ شرح باب الظهار من كتاب الفقه لوالده اسمه: (اللآلئ الناظمة للأحكام اللازمة).
4 ـ تقريرات أستاذه بحر العلوم في الفقه.
5 ـ شرح غاية الإيجاز في الفقه. (والأصل لوالده).
6 ـ سبيكة العسجد في التأريخ بأبجد. وهو نحو من التأليف لم يُسبق إليه أوضح فيه كثيراً من قواعد هذا الفن، وأورد فيه أمثلة وشواهد فذّة ونادرة. ذكره مؤرخو الشاعر ومترجموه، (ولم أقف عليه).
7 ـ كتاب في العروض اسمه «الوافي في شرح الكافي».
8 ـ كتاب آخر في العروض اسمه «درر البحور». (وهنا أود أن أشير إلى أنّ السيد كان حجة في العروض ومرجعاً أخذ عنه الكثيرون من معاصريه).
9 ـ الرحلة الحجازية. كتاب وصف فيه سفرهُ إلى الحج سنة 1347هـ، ومن لقي، وما لقي بأسلوب أدبي رفيع.
10 ـ مجموع فيه شيء يسير من شعره اجتباه لنفسه بخطه، وقال عنه مترجموه: إنّه ديوان شعره. وقد وقفتُ عليه، ونقلتُ عنه، واستعنتُ به.
هذا وقد أهّله علمه الجمّ، وفضله الغزير لمراتب الإمامة لولا زهده في الزعامة. فقد كان كثير التواضع، رفيع الخلق، خشناً في الله، بسيطاً في حياته بعيداً عن الأضواء. وكان في سلوكه هذا أقرب إلى سلوك أبيه الجليل.
وليس أدل على عزوفه عن الشهرة، وحُبّه للعزلة والبعد عن المجتمعات التي يندسّ فيها طلاب الدنيا بين طلاب الدين، ليس أدل على ذلك من اتخاذه مدينة السواريّة (المشخاب) ـ دار مقام له ـ. وهكذا قضى سنوات عمره الأخيرة فيها حتى اختاره الله إلى جواره فتوفي فجأةً في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة 1362هـ المصادق للسادس والعشرين من مايس سنة 1943م عن اثنتين وسبعين سنة حافلة بالطيبات، وشيّع جثمانه على الأعناق مسافات طويلة، وطيف به بين القرى والمدن المجاورة. وكان يوم وصول جنازته إلى النجف مشهوداً، حيث كان على راس المشيعين الإمام السيد أبو الحسن الذي خرج ماشياً إلى ظاهر المدينة، ومعه النجف كلها. وبقي في انتظار الجثمان ساعات تحت أشعة الشمس وهو من نعرف يومئذ شيخوخة وضعفاً. ودفن (ره) في مقبرة الأسرة في محلة الحويش. واقيمت لروحه الطاهرة عشرات مجالس الفاتحة في مختلف الأنحاء. وأُلقي فيها العديد من قصائد التأبين والرثاء. كما أقيم له حفل أربعيني كبير أسهم فيه شيوخ الأدب. (وقصائدهم مثبتة في دواوينهم).
ومن هذا الاستعراض لحياة السيد الشريف الرضا نجد أنفسنا أمام عالم فقيه جهبذ كرّس حياته للفقه والأصول وسائر علوم الدين الأخرى. فأين الشعر من حياته؟
الشعر في حياة الرضا
ليس من شك أنّ الشعر عنده كان يسري مسرى الدم في عروقه فهو شاعر، وابن شاعر، وأخو شاعر، ومن أسرة لا نكاد نعرف واحداً منهم غير شاعر.
قال الشعر يافعاً وقرضه فتى غضّ الأهاب. مستلهماً فيه ربوع سامراء المخضلة الممرعة. وشواطئ دجلة الخضراء. وقد أضطمت سامراء يومئذ وفي مطلع القرن الرابع عشر حشداً مباركاً من الشعراء تفاوتت أعمارهم ومراتبهم ولكن جمعتهم وشيجة الأدب.
وربما كان لتشجيع الإمام الشيرازي للشعر وتكريمه للشعراء ما يدفعهم إلى ابتعاث المناسبات الوطنية والاجتماعية كي يتباروا فيها، ويتحاوروا في حلباتها كمسألة تحريم التنباك مثلاً. التي كان للسيد جمال الدين الأفغاني الدور المهم في استحصال الفتيا فيها من السيد الشيرازي. حتى كان ما كان، من إلغاء امتياز الدخان، ودحر إرادة السلطان، واستعلاء العمائم على التيجان.
وأول شعر قاله شاعرنا الفتي في سامراء متشوقاً إلى النجف من قصيدة:
يا أيها النجفُ الأعلى لك الشرفُ
ضمنتَ خيرَ الورى يا أيّها النجفُ
فيك الإمام أميرُ المؤمنين ثوى
فالدرّ فيك وما في غيرك الصدفُ
يا سائرين إلى أرض الغريّ ضُحى
نشدتُكُم بأمير المؤمنين قِفوا
ويمضي في قصيدته هكذا إلى آخرها
ومن أوائل شعره الجزل ما بعث به إلى والده من الكاظمية، وقد مكث فيها بضعة أسابيع. (وفي هذه الأبيات من الرقة والتحبب ما لم تُدغدغُ به عواطف أبناء هذا الزمان).
ألا فارحموا صبّاً غريباً متيّماً
يجنُّ بذكراكم إذا ما الدُجى جنّا
جفوتم وحسنتم جفاه فمن لنا
بحسناكم يا معشر الحسن والحسنى
ترون ببعد المشرقين مكانَهُ
ويُبصركُم في قاب قوسين أو أدنى
وحين قرأها أبوهُ بكى وتناثرت دموعه.
وقال في أوائل شبيبته من قصيدة في زواج قريبه الشيخ محمد جواد البلاغي:
ماضي الجُرازِ ولحظهِ سيّان
هذا يُسلُّ وذاك في الأجفانِ
يرنو إليّ بلحظهِ فيصيبني
ومن العجائب أن يُصيبَ الراني
ويقول فيها:
لو كان للأوثان بعضُ صفاتِهِ
جازت لديّ عبادةُ الأوثانِ
وترونه هنا يتصدى للإفتاء في مثل هذه المسألة الخطيرة قبل أن ينال إجازة الاجتهاد والفتيا.
ويقال إنّ أول شعر قُرئ له على المنابر قصيدته في رثاء أستاذه الحجّة بحر العلوم، وأولها:
يا حادثاً قد دهى الورى جللا
حلّ فأضحى السرورُ مرتحلاً
يقول فيها في معرض المدح:
أخجل وجه الغمام نائلُهُ
حتى غدا يرشحُ الحيا خجلاً
وهكذا مضى يبني مجده الشعري بمثل هذه المتانة والرصانة.
ولقد أشار معظم مَنْ كتب عنه، وترجم له إلى أنّه كان شيخ شعراء البديع. لا يتكلّفه في نظم أو نثر. كما لو كان يرتجله ارتجالاً، ويرسله إرسالاً. ولن نقف عند بديعياته وقفات تأمل. ولكنكم بعد أن تسمعوا شيئاً من شعره ستذهبون مع مَن ذهب إلى عبقريته في هذا المجال، وتمكنه من هذا اللون الرفيع المستحب في عصره وبعد عصره أيضاً.
وهنا ولأجل تلوين الحديث ـ وما دمنا عند ذكر بديعياته التي تأتي على البداهة ـ أروي لكم هذه النكتة العائلية المستملحة:
كانت الحرب العالمية الثانية تستقطب الناس إلى فئتين متناحرتين، فئة هواها مع دول المحور وأخرى مع الحلفاء. ويشاء الهوى أن تتوزع الفئتان ولديه الكبيرين (أحمد) و(محمداً). ويُسأل الرضا عن اتجاهات ولده محمد فيقول للسائل الظريف وهو من ذوي قرباه: إنّه نازي ابن نازي. وينفجر السائل بالضحك لعلمه بأنّ (نازي) هو اسم زوجه أم أولاده.
(3)
نستطيع أن نقسّم ما وقفنا عليه من شعره إلى بابين كبيرين، هما مدائحه ومراثيه للنبي وآل النبي (ص)، وشعره في سائر الأغراض. وهذه الأغراض بعد استقرائنا لمجموعة شعره لا تتعدى التهاني والمراثي والمطايبات. وتحت عنوان التهاني يندرج شعره الغزِل، وخمرياته وأوصافه التي تبوأ فيها مركز الصدارة بين شعراء زمانه.
وقد حان الوقت لتقديم نماذج وألوان من شعره تلقي بعض الضوء على ملامح شاعريته. ولن نتلبث في هذا الاستعراض تلبث الناقد الدارس بسبب ضيق الوقت.
في مديحه للنبي العظيم قال في مولده من قصيدة مشهورة:
أرى الكونَ أضحى نورُهُ يتوقّد
لأمر به نيران فارس تخمدُ
وإيوان كسرى انشقّ أعلاهُ مؤذناً
بأن بناء الدين عادَ يشيدُ
أرى أنّ أمّ الشركِ أضحت عقيمةً
فهل حان من خير النبيين مولدُ
نعم كاد يستولي الضلال على الهُدى
فأقبل يهدي العالمين (محمّدُ)
نبيّ براه الله نوراً بعرشهِ
وما كان شيء في الخليقة يوجَدُ
وأودعَهُ من بعدُ في صُلب آدم
ليسترشد الضُلالَ فيه ويهتدوا
ولو لم يكن في صُلب آدمَ مودعاً
لما قيل قدماً للملائكة أسجدوا
ولولاه ما قلنا ولا قال قائل
لمالكِ يومِ الدين إياكَ نعبدُ
ومن قصائده الكثيرة في مدح الإمام علي (ع) قصيدته التي دُعيت بالكوثرية، والتي أتمّها في ليلة ويوم، وأبدع فيها غاية الإبداع، والتي قال في أولها:
أمُفلّجُ ثغركَ أم جوهرْ
ورحيقُ رضابكَ أم سكّرْ
قد قال لثغركَ صانِعهُ
(إنّا أعطيناك الكوثَرْ)
والخالُ بخدكَ أم مِسكٌ
نقّطت به الورد الأحمرْ
أم ذاكَ الخالُ بذاكَ الخد
فتيتَ الندِ على مجمرْ
عجباً من جمرتهِ تذكو
وبها لا يحترقُ العنبرْ
ويقول فيها:
فاجلُ الأقداحُ بصرفِ الراح
عسى الأفراحَ بها تُنشرْ
أشغلْ يُمناكَ بصبّ الكأس
وخلّ يساركَ للمزهَرْ
فدمُ العُنقودِ ولحن العود
يُعيدُ الخيرَ وينفي الشرْ
بكرْ للسُكر قبيل الفجر
فصفو الدهر لمَنْ بكرْ
هذا عملي فاسلك سبلي
إن كنت تقرّ على المُنكرْ
فلقد أسرفتُ وما أسلفتُ
لنفسي ما فيه أُعذرْ
سودّت صحيفةَ أعمالي
ووكلتُ الأمر إلى حيدرْ
وفي معرض مدح الإمام يقول:
قاسوكَ أبا حن بسواكَ
وهلْ بالطودِ يُقاسُ الذّرْ
مَنْ غيرُكَ مَنْ يُدعى للحرب
وللمحرابِ وللمنبرْ
أحييتَ الدينَ بأبيضَ قدْ
أوجعتَ به الموتَ الأحمرْ
قطباً للحرب يُديرُ الضربَ
ويجْلو الكربَ بيوم الكَرْ
فاصدع بالأمر فناصركَ البتّار
وشانؤكَ الأبترْ
أما مراثيه لآل البيت فتؤلّف القسم الأكبر من شعره. ومن حسن الحظ أنْ كانت صدور القراء والذاكرين تتلقفها بالحفظ، ولولا ذلك لضاعت فيما ضاع من شعره الكثير.
فمن حسينياته المشهورة قصيدته التي يقول في أولها:
أوَ بعدَ ما ابيضّ القذالُ وشابا
أصبو لوصل الغيدِ أو أتصابى
هبني صبوتُ فمنْ يُعيدُ غوانياً
يحسبنَ بازيّ المشيب غُرابا
قد كان يهديهنّ ليلُ شبيبتي
فضللن حين رأينَ فيه شهابا
ويقول في وصف الأبطال من آل الحسين وصحبه:
صيدٌ إذا شبّ الهياجُ وشابتِ
الأرضَ الدما والطفل رعباً شابا
ركزوا قنتهم في صدور عداتهمْ
ولبيضهم جعلوا الرقابَ قرابا
تجلو وجوههم دجى النقع الذي
يكسو بظلمته ذُكاء نقابا
خفوا لداعي الحرب حين دعاهُمُ
ورسوا بعرصةِ كربلاء هضابا
وهذه القصيدة كلها غرر، ومنها قوله:
صلّتْ على جسم الحسين سيوفهُم
فغدا لساجدة الضُبى محرابا
ومضَى لهيفاً لم يجد غيرَ القنَا
ظلاً ولا غيرَ النجيع شرابا
ولعل في هذه النماذج ما يؤكد صدق عاطفة الولاء عنده لأجداده الطاهرين وتفجعه لمآسيهم. وفيها بعد ذلك ما يغني عن الاستمرار في عرض هذا اللون من شعره.
أما مراثيه الأخرى ـ ما دمنا في هذا الجو الكئيب ـ فهي في تأبين ذوي قرباه أو اشياخه العظام، وهي في الأغلب تفيض أسى ولوعة وتطفح وفاء، وصدق إحساس. ولعلّ على رأس هذه المراثي تأتي قصيدتُهُ الشجية في رثاء والديه وأخيه الباقر، والتي يمكن عدّها أم المراثي.
قال في أولها مخاطباً أباه العالم الزاهد:
أبتاه، حسبك رقدة الوسنان
فالليلُ منه قد انقضى ثلثان
قم للقراءة والتهجد والبكا
والذكر والدعوات والقرآن
قم للصلاة فقدْ أتتْكَ محافظاً
ألا تضيعَ وديعةُ الرحمانِ
ويقول فيها:
وعليك يا أمّاهُ ألفُ تحيةٍ
مشفوعةٍ بالعفوِ والرضوانِ
وقفٌ على الزفرات فيكِ جوانحي
ونواظري وقفٌ على الهملان
لم يخلُ منك سوى مكان واحد
وملأتِ في عينيّ كلّ مكان
ثم يقول:
وإليك مني يا بن أم شكاية
لو كنت تسمعُ منطقي وتراني
ما بالك استأثرت في ورد الردى
دوني الغداةُ وإننا أخوانِ
وسكنت في غرف الجنان منعّماً
وطويتَ أضلاعي على النيرانِ
أقصاكَ عن قربي الحمامُ وليتَهُ
من قُرب دارك عاجلاً أدناني
فلئن أمتْ فهو المنى ولئن أعشْ
فلأقضينّ العمرَ بالأشجانِ
أسهرت أجفاني وكم قد بُتّ في
أرق لتملأ بالكرى أجفاني
فلأجرينَ الدمعَ طوفاناً على
تُرَبٍ أهالوهُ على طُوفانِ
حتى يُعدّ الدمعُ في قطراتهِ
ما كنت توليني من الإحسانِ
ولسوف أغدو في رثاك (مُتمماً)
عمري لأنك (مالك) لعناني
ومنها:
ما كان ضرّ فوادح الحدثان
لو كانَ قبلكَ سهمهنّ رماني
ما ضرّ لحداً قد ذكا بكَ نشرُهُ
لو أنه لما طواكَ طواني
يا ليتَ أخطأكَ الردى أو أنّهُ
لما أصابكَ لم يكن أخطاني
يا بهجةَ الأرواح بل يا لهجة المُداحِ
بل يا مهجةَ الإيمانِ
نفسي فداؤك من قريب نازح
أوحشتني إذ صُرت من جيراني
ويشير بذلك إلى أنّ مدفنهُ كانَ في الدار التي يسكنُها الشاعر.
(4)
وبعد أيها السادة، فإننا هنا في ديوان السيد الهندي مدعوون إلى مائدة شهية مثقلة بأطايب الطعام. وكل الذي أخشاه هو أن تؤدي تجربة كل الأصناف إلى مغبة من سوء الهضم غير حميدة، فليكن طعامنا نفلاً، وشرابنا نهلاً، وإلا فعزيز عليّ مثلاً أن أطوي عن موشحاته الرائعة كشحاً وفيها من بديع الصناعة، وصناعة البديع ما يترك رمّة الصفي الحلي تغفو هانئة على حلم البعث والنشور من جديد. وأتركُ هذا الباب مفتوحاً لمن يشاء من طلاب الأدب ودارسيه، فموشحات الرضا قمينة بالتأمل والدرس والمقارنة.
ومن شعره الرقيق في الغزل قوله من قصيدة:
الخالُ في وجنتيكَ قدْ لثمَكْ
والشعر أهوى مُقبلاً قدمَكْ
ولم تنلني الذي أنلتَهما
فليتني قد لثمت مَنْ لثمَكْ
نحلتُ مثلَ السواكِ فيك فما
ضرك لو أنني رشفتُ فمكْ
يا كشحة طال عدل قامتهِ
فاشك إليه مَنْ الذي هضمَكْ
يا جفنةُ اعتادَ بالضنا جسدي
فليحتمل فوقَ سقْمِهِ سقَمَكْ
دعْهُ يكابدُ سقمين فيكَ فما
أهون أمراً كلفتَهُ خدمَكْ
يا غضُ طاولتَ قدّهُ فلئن
يقصفك ريحُ الصبا فما ظلمَكْ
ويا عُنيقد قست وفرته فيك؟
فإن استطع شربتُ دمَكْ
يا كعبةَ الحُسنِ ليس يحسنُ أنْ
تُريعُ بالصدّ مَنْ أتى حرمَكْ
يا أسعد الخال فوق وجنته
لقد قضى حجّة مَنْ استلمكْ
يا آس فوق الشقيق مَنْ رقمكْ
يا دُرُّ بين العقيق من نظمكْ
بميسم الشوق قدْ كوى كبِدي
مَنْ بسماتِ الجمالِ قدْ وسَمَكْ
أنشاكَ لي نشوةً ومنتزهاً
مَنْ أودَع الراحَ والأقاحَ فمكْ؟
وقال من قصيدة بديعية بديعة:
ساقي الطلا وقفَ الأبريقُ أم وكفا
حسبي بريق حبيبي خمرةً وكفى
أهلاً ببدرٍ جلا شمسَ الضُحى فحلا
بردُ الهنا وضفا والوقتُ منه صفا
وأكملَ الأنس لي لما بدا قمراً
وكان ألزمني النقصانَ والكلفا
رأى اصفراري وما ألقى به فدرى
بعلتي فسقاني ريقَه فشفا
ورديُّ خدّ به ماءُ الجمالِ جرى
فكل لحظ رآه حائراً وقفا
روايةُ السحرِ عنْ عينيهِ ثابتةٌ
وإنْ يكن خبراً يُروى عنْ الضُعفا
ومن مشهور شعره في الوصف والغزل قوله:
جادَ السحابُ الجونُ بالعذب الغدِقْ
حدائقاً طافَ بها ساهي الحدقْ
يزفُ لي شمسَ حميا بدّلتْ
صبحَ محياهُ إلى لونِ الشفقْ
صابحني بالكاس ظبيّ ليَ مَنْ
رضابُهُ مصطبح ومُغْتبقْ
والطلُّ منْ فوقِ الشقيقِ خلتُهُ
إياهُ إذ كلل خديهِ العرَقْ
ورقّ في الروض النسيمُ إذا كستْ
أيدي الربيع عاري الدوح وِرقْ
يا مسترق الحسنِ، كل شائق
من المعاني فهو منكَ مسترقْ
أقلقتني منكَ بخصرٍ ناحلٍ
حتى الوشاحانِ عليه في قلقْ
يا لائمي في الحب لو رأيته
للمْتَ مَنْ أبصرهُ وما عشقْ
أردت تُطفي حُرقي فهجتَها
شأنكَ واللوم وشأني والحُرقْ
أقذى جفوني إذ جفاني أرقاً
ذو وجنةٍ من ورقِ الوردِ أرقْ
وناظر غضّ المآقي غنج
لم يبق لي من رمقٍ لما رمَقْ
أنشأهُ لي فتنةً خالقُهُ
أعيذهُ من شرّ كلّ ما خلَقْ
حتى النسيم اعتلّ شوقاً إذ سرى
محتملاً منْ مسكِ صدغيه العبَقْ
يقولُ من شاهدَ سيفَ لحظهِ
في جفنهِ أشهدُ أنّ الموتَ حقّ
ومن ذلك قوله من قصيدة:
غزالٌ روتْ عن سحر عينيه بابلُ
وما أشبهته في البُغامِ البلابلُ
له معطفٌ كالغصن ريان بالصّبا
ولكنّه في معركِ الحبّ (ذابلُ)
يروق لقلبي خصرُهُ وهو ناقصٌ
ويصبيه بدرٌ من محياه كاملُ
وأستلمحُ الممنوع من عذب ريقهِ
ويحلو لعيني جيدُهُ وهو عاطلُ
***
أحبةَ قلبي فيكمُ القلبُ آهلُ
وإنْ أُوحشتْ منكم ومنا المنازلُ
سقى عهدكم دمعي إذا غبّ سقيهُ
من الحافلات الضرع هام وهاملُ
ترحلتُمُ عني وصبري ذاهبٌ
وسرتمْ ولُبّي بالصبابة ذاهلٌ
فأصبحَ جسمي عنكم وهو نازحٌ
مقيمٌ وقلبي عندكم وهو راحلٌ
***
وقوله من قصيدة:
أقبلَ مَنْ أهواهُ بالكاسِ
فتهتُ بين البدر والشمس
ملكٌ على عرش الجمال استوى
فاقرأ عليه آية الكرسي
بل ملكٌ اضحتْ على حُسنِهِ
وقفاً عيونُ الجن والأنسِ
وردٌ على خديه منْ شأنهِ
أن يصبغَ العشاقَ بالورسِ
بل جلّ أنّ تحكيَهُ وردةٌ
في اللونِ والنفحة واللمسِ
تملّك النفسَ فخادعتُ إذ
قلتُ له أفديك بالنفسِ
في حبّه احتملُ السهدُ والشيبَ
على العينين والرأسِ
(5)
وفي ثنايا الديوان ـ أيّها السادة ـ تلوح بسماتٌ مشرقة في القطعة والبيت والبيتين والثلاثة تنم عن روح هذا الشاعر المرح وحبه للنكتة مؤطرة بالبديع البليغ، ومعطرة بالفكاهة الحلوة الخفيفة.
ومن ذلك ما كتب به إلى أحد أصدقائه يستنجزه وعده في قنينة عطر يسميها (شيشة):
أبا الفضل يا مَن غدتْ في الورى
نوافح أخلاقهِ نافحه
وعدت بشيشة عطرٍ ولا
أشمُّ لوعدكَ من رائحهْ!
وزاره في الفيصلية عالمان علمان من أصحابه، وأطالا عنده المقام. وقد عرض له ما اقتضى سفره إلى النجف فترك لهما هذه الرقعة اللطيفة:
إذا كان فتحُ الباب للضيف سبّةٌ
وعاراً فأنا منه سوفَ نتوبُ
وإنْ نابَ عنا بالإقامةِ ضيفنا
فلا بدّ إنّا بالرحيلِ ننوبُ
ودعه يقم ما شاء فالبيتُ بيتُه
ونحنُ إذا اشتقنا إليه نؤوبُ!
ومن بديعياته المرسلة قوله:
غزا مهجتي بصفاح اللحاظِ
ولوعٌ بظلمي لا يصفحُ
ولمْ أرَ مِنْ قبلُ أجفانهُ
جنوداً إذا انكسرتْ تفتحُ
وكتب إلى ولده السيد أحمد، وهو يومذاك في (صيدا) بلبنان:
وكنا إن أردنا منكَ وصلاً
أصبناهُ ولو نمشي رويداً
فصرنا نستعينُ على التلاقي
بأشراكِ الكرى لنصيدَ (صيدا)
ومن ذلك ما قاله في صورة صديق له، وكان التصوير يسمى (عكساً):
جرى زمني بالعكس مما أُريدهُ
فأبدل سعدي في لقائك بالنحسِ
فأوهمتُهُ أن لا أُريد مثالكم
وقد جاءني والحمدُ لله (بالعكس)
وقال:
طمعتُ في لثم خال فوق وجنتيها
قالتْ سفهتَ تُمني النفس بالخالي
وحتى إذا أراد الذم ـ عداه ذم ـ فإنّ مرحَهُ يطغى عليه.
قال في وصف بخيل مضمناً:
وكيف يرجى الدينارُ منْ رجل
قد زرّ أزرارهُ على القمر (ي)
و(القمري) عملة معروفة في زمانه.
وفي المدح لم أعرف أروع تضميناً من قوله في أستاذه الحجة الميرزا حسين الخليلي:
آل الخليل الدين واحدُهُم
إنْ تتّهبْ منه يهبِ
فتية صدق إذا نزلت بها
وجئتها في فنائها الرحبِ
لم تر مَن لا يقولُ ها أنذا
ولا الذي لا يقول كان أبي
أعجزني مدحُكُم وأخرسني
فصرتُ سكّيتَ حلْبة الأدب
وها رجالُ القريض قد شهدتْ
فتكي بهنديّ مقولٍ عربي
إذا تلوتُ القريضَ جاء له
رواتُهُ ينسلونَ من حدبٍ
فاستمعوا منه معجزاً عجباً
ينبئهمُ أنّ ربّهُ ابنُ نبي
هذا هو السيد الهندي، الصراح في نسبه الهاشمي العربي، نمجّدُ ذكراهُ في هذا المهرجان، ونستلهم روحه وشعره، لثت شآبيبُ الرحمة قبره.
***
للأستاذ البحّاثة السيد موسى الموسوي الهندي
المتوفى سنة 1400هـ/1980م.
السيد محمد باقر الشفتي
(1175 ـ 1260)
السيد محمد باقر الشفتي الملقب بحجة الإسلام واحد من أشهر وأغنى وأقوى فقهاء إيران في عهد حكم فتحعلي شاه وخصوصاً في عهد حكومة محمد شاه القاجاري. ولد الشفتي سنة 1175 قمرية في (تشرزه) من قرى طرم العليا التي تبعد حوالى 60 كيلومتر عن شفت. ذهب إلى العتبات بعد أن أنهى دراسته الأولية في مسقط رأسه شفت ورشت وما بين أعوام 1192 وحتى 1205 أكمل تحصيلاته العلمية وبعد ترقيه لمقام الاجتهاد وإجازته من وحيد البهبهاني، والميرزا القمي وكاشف الغطاء والملا مهدي النراقي والسيد علي كربلائي رجع إلى أصفهان واستقر هناك.
على رغم مواجهته في بداية استقراره في أصفهان لمشكلتين: الأولى الفقر والعسرة الشديدتين والأخرى حسد بعض العلماء، فإن مقامه العلمي الشامخ وحدّةَ ذهنه حلّلت بسرعة ذينك الإشكالين وفي مدة وجيزة صار مرجع أصفهان على الإطلاق.
اشتهر الشفتي في تاريخ القاجارية من عدة وجوه. أحدها الثروة والقدرة المالية الكثيرة وقد رافق ذكره في النصوص الرجالية مبالغات كثيرة مما أدى لأن ينكر عليه ذلك البعض على المتأخرين. الثانية اعتقاده الجازم بوجوب إجراء الحدود في عهد الغيبة وتأسيس المحكمة الشرعية في أصفهان، والمحكمة التي كان يبين فيها بقوة الأحكام الجزائية والحقوقية.
الثالثة نزاعه مع محمد شاه القاجاري.
حري بالذكر أن في نهاية حروب إيران وروسيا وخصوصاً حول عهد حكم محمد شاه القاجاري الذي كان تحت تأثير أفكار وزيره (صدره الأعظم) الصوفي الحاج عباس ماكومي المشهور بالحاج ميرزا آغاس بدأ الحكام القاجار طريقة وأسلوب الحد من نشاط العلماء. ومع إدراك الشفتي لهذه السياسة القاجارية قام بمقاومة جدية لهذا الأمر بالاستفادة من قوته في أصفهان في مقابل محمد شاه. أوجدت هذه المقاومة مشكلة جدية لمحمد شاه عندما ترافقت مع تيارات في المدينة وأدى به لأن يجر جيوشه نحو أصفهان.
وعلى رغم الخلافات الأساسية بين الشفتي ومحمد شاه القاجار عندما فكر محمد شاه باحتلال هرات وواجه رد فعل الإنجليز لم يهتم المرحوم الشفتي باختلافاته مع شاه القاجار وبدراية عميقة وسلامة نفسية كاملة أجاب على رسالة مكنيل الوزير المفوض للإنجليز الذي سعى لتبرير هجوم انجلترا على جنوب إيران ويبين أنه وليد سياسة الشاه السيئة في هجومه على هرات فقد دافع بشكل صريح وحازم المرحوم الشفتي على محمد شاه وتقدمه في هجومه على هرات وانتقد بشدة موقف الإنجليز من خلال هجومهم على إيران ومعارضتهم لأعمال حاكمية إيران على هرات.
السيد محمد سعيد الحبوبي
كانت الأوضاع في أواخر الحكم العثماني جداً سيئة والفوضى ضاربة أطنابها في البلاد، لا سيما في ربوع المنتفك وبالأخص في قضاء الشطرة فكان النفوذ العشائري سائداً بالبلاد وكانت الحرب بين الحكومة والعشائر سجالاً وبطل تلك الوقائع «خيون العبيد» رئيس قبائل العبودة. وكانت آخر معركة هي التي وقعت في ربيع سنة 1913 حينما جهزت الحكومة حملة انتقامية مكونة من بضعة أفواج تحت قيادة القائد التركي «عمر لطفي بك» وهو من أركان حزب الاتحاد والترقي وقد استعان هذا القائد مضافاً إلى ما عنده من القوة بعشائر آل احميد)[25]( وبني ركاب)[26]( فترك «خيون» أراضي العبودة والتجأ إلى حلفائه قبيلة خفاجة)[27]( بمن تبعه فتقدمت تلك القوة لمحاربته والتنكيل به فوقعت الحرب بين الطرفين من الصباح حتى غروب الشمس فعمدت لها العشائر وقاومتها فكان النصر حليف خيون وجماعته فانهزم الجيش والعشائر التابعون له شر هزيمة تاركين المدافع والأسلحة والمخيمات بما فيها من عتاد وغيرها، وقتل القائد «عمر لطفي»)[28]( وثلة من ضباطه والكثير من أفراد الجيش والعشائر. فكبر ذلك على حكومة استانبول فأصدرت أوامرها إلى قائد الفيلق السادس في بغداد «جاويد باشا»)[29]( بتعقّب «خيون» والقضاء عليه وعلى أتباعه فانحدر «جاويد» بعساكره ومعداته إلى مدينة كوت الإمارة. ومن هناك كاتب عشائر ربيعة)[30]( ومياح وآل أحميد يستنفرهم لقتال خيون وقد لبت دعوته ووصلت طلائعهم إلى بلدة قلعة سكر وبينما «جاويد» يستعد لإرسال الجيوش عن طريق الغراف إلى الشطرة إذ دخلت الحكومة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الألمان وأصدرت الأوامر إلى «جاويد» بالعودة إلى بغداد وإرسال قسم من الجيش إلى جهة البصرة والقسم الآخر إلى قفقاسيا «روسية» أما حكومة الشطرة فقد تلقت الأوامر بمهادنة «خيون» وسحب الجيش من الشطرة فجرت المفاوضة بين خيون والحكومة وتم الاتفاق على إرجاع المدافع والأسلحة والأسلاب الموجودة عنده وعند العشائر إلى الحكومة وأن تبقى في الشطرة قوة من الشرطة)[31]( وبعض مفارز من الجيش الرديف «الاحتياط» لحماية المخافر ودار الحكومة وأن يسمح لخيون وجماعته بدخول البلدة كالعادة وعندما وردت الأنباء بسقوط البصرة بيد الإنكليز هجم بعض أفراد العبودة القاطنين في الشطرة وضواحيها على ثكنة الجيش والمخافر ليلاً)[32]( ونهبوا ما فيها من سلاح وعتاد وأثاث دون علم خيون الذي كان وقتئذ في مزرعة الصديفة)[33]( وحينما بلغه ذلك جاء إلى البلدة مسرعاً وحال دون تسرب النهب والسلب إلى البيوت والأسواق وطرد من فيها من الغوغاء)[34]( وقد غادر رجال الحكومة وهم القائمقام وبقية الموظفين من ملكيين وعسكريين الشطرة وأنزل العلم العثماني وأصبحت الشطرة تحت حكم خيون.
وفي أثناء ذلك وردت فتاوى علماء النجف الأشرف وفي طليعتهم المغفور له السيد محمد سعيد الحبوبي (قدس سره) تأمر الناس وتحثهم)[35]( وتدعوهم إلى الجهاد والدفاع عن الوطن. وقد تهيأ الكثير ولكن من يقوى على ذلك وخيون ضد الحكومة القائمة يومذاك. وبقية العشائر يخشى بعضها البعض للحزازات التي بينها. وهناك أرادت الحكومة إرسال قواتها إلى البصرة وطريق دجلة أصبح غير ممكن سلوكه لدخول بواخر الإنكليز فيه قرب «القرنة» فارتأت أن تتخذ طريق الغرّاف بين الكوت والناصرية لنقل قواتها ومعداتها ولكن أنى يكون ذلك وفيه عقبة كؤود وهو «خيون»، فكلفت الحكومة «أعجمي باشا» السعدون)[36]( وهو من زعماء آل سعدون الذين حكموا بلاد المنتفك حقبة طويلة من الزمن أن يسعى لإخضاع خيون إلى طاعتها فجرت بينه وبين خيون مراسلات وطلب حضوره في الناصرية وركب الأخير)[37]( حتى وصل ظهر الناصرية وطلب من أعجمي الاجتماع خارج الناصرية للمفاوضة، غير أن أعجمي امتنع وأمره بالحضور في نفس البلدة غير أن خيون أوجس خيفة من أن تغدر به الحكومة فرجع إلى الشطرة دون أن يواجه أحداً وقد فشلت الخطة وخاب ذلك المسعى.
وفي أثناء ذلك ورد المرحوم السيد محمد سعيد الحبوبي الناصرية على رأس المجاهدين من قبائل وأهالي الفرات الأوسط في طريقه إلى الشعيبة)[38]( لمحاربة الإنكليز، فاغتنمت الحكومة فرصة وجوده فتوسلت إليه أن يجلب خيون إلى طاعتها وإصلاح أمره معها لإفساح الطريق للجيوش التي تنحدر من الكوت إلى الناصرية، فأرسل المرحوم الحبوبي كتاباً إلى «خيون» مع المرحوم الشيخ عبد الحسين مطر يدعوه ويأمره بالحضور دون قيد أو شرط، فامتثل خيون أمر السيد طائعاً دون تردد بالرغم من معارضة إخوانه وأقاربه في ذلك خوفاً عليه من بطش الحكومة به، ولكنه أبى إلا إجابة أمر السيد (ره) فركب مع ثلة من أصحابه بصحبة العلامة المرحوم الشيخ عبد الحسين إلى الناصرية، وعند وصوله توجه رأساً إلى دار السيد (ره) مجانباً دار الحكومة فرحب به السيد الحبوبي وأخذه معه إلى سراي الحكومة ومن هناك اتصل بالمراجع الحكومية في بغداد والأستانة)[39]( ولم يخرج من السراي حتى استحصل له العفو العام ولاتباعه ومناصريه. وقد انحلت تلك الأزمة. فرجع خيون إلى الشطرة ليستعد للمسير إلى الشعيبة مع عشيرته وأهالي الشطرة وجلب معه القائمقام مع موظفي القضاء وأخذ القائمقام يرمم ويعمر ما خرب من الدوائر.
وأخذ خيون يتجهز للسفر وقد أرسل السيد الحبوبي (ره) دعاته إلى الشطرة وعشائرها وإلى قبائل الغراف ومدنه يستفزهم إلى الجهاد وكان من جملتهم المرحومان الشيخ علي الشرقي والشيخ محمد باقر الشبيبي وهما يحملان كتب الدعوة والفتاوى في الحث على الجهاد فاستجاب عموم القبائل والأهالي من حدود الحي إلى الناصرية وأخذت أفواج الجيش ومعداته تترى والذخائر الحربية ترد في السفن والبواخر من الكوت إلى الشطرة فالناصرية، وليس ذلك العمل الذي قام به السيد الحبوبي رحمه الله بالأمر الهين بل كان عملاً كبيراً وأعظم ما يكون لأنه حقن به الدماء وآمن البلاد وحفظ الأعراض فلو بقي خيون على عصيانه للحكومة لاضطرت حينذاك لتجريد القوة الكافية للتنكيل به وبأتباعه وحلفائه من العشائر ولا بد من مقاومة العشائر لها فإما أن تكون الغلبة للعشائر فتذهب بذلك ضحايا كثيرة من الجيش وتعم الفوضى ويتسع الخرق وإما أن يكون النصر للحكومة فحينئذ يفتك الجيش بالعشائر والأهالي فيسبب ذلك قتل حتى الأبرياء وخراب البلاد ويعم الانتقام والبلاء وتقطع الطرق ويكثر السلب والنهب كما جربنا)[40](.
ولذلك كان يوم رجوع خيون من الناصرية مشمولاً بالعفو يوم عيد في الشطرة وأطرافها. وقد تجهز خيون وأهل الشطرة والعشائر ومدن الغراف من حدود الحي إلى الناصرية وسارت تلك الجموع إلى الناصرية ملتحقة بالمجاهدين الذين مع السيد الحبوبي (ره) وهناك تجمعت قبائل المنتفك عموماً والفرات الأوسط والجيش النظامي وبقينا في جوار الناصرية أكثر من عشرة أيام إلى أن تهيأت السفن والبواخر للنقل وكان السيد (ره) مدة بقائه في الناصرية مرجعاً للجميع من رجال الحكومة ورؤساء القبائل والأهالي وكان مجلسه دائماً مكتظاً بالمراجعين والزوار ولم تفته صغيرة ولا كبيرة من أمور المجاهدين. وذات يوم جاءه رجل مسن فقبل يده وسأله عن مسألة فالتفت إليه قائلاً أنت مجاهد؟ قال نعم. وعندك أولاد؟ قال نعم ولدان. قال إن كان الواجب على المكلف بالمسير إلى الجهاد فأنت تكليفك الرجوع إلى أهلك فاستغرب الحضور فقال أنت بمسيرك مع المجاهدين تعطل شخصين من المجاهدين يخدمانك فامتثل الرجل ورجع. وفي الناصرية سمعنا من الثقاة بأن الحكومة قدمت إلى السيد الحبوبي (ره) مبلغاً جسيماً من المال لإعاشة أتباعه ومن معه ولكنه رفض قبولها مكتفياً بما جلب معه من ماله الخاص. وقد سافرنا إلى سوق الشيوخ بالبواخر والبعض بالسفن الشراعية. أما الفرسان من العشائر والجيش فقد سافروا في طريق البر. فتجمعت العشائر والأهالي المجاهدون حول سوق الشيوخ، وأذكر أن حادثاً حدث يوم ذاك بين رؤساء السماوة إذ قتل أحدهم الآخر ضحى النهار وبنصف المخيم وكادت أن تقع الفتنة بني القبيلتين فتلافاها السيد الحبوبي (ره) وأصلح ما بينهم كما جمع رؤساء القبائل ورفع ما وقع بينهم من قبل من حزازات وقد أولم السيد (ره) وليمة لجميع المجاهدين على كثرتهم ودعى إليها كل تلك الحشود حتى وضع الطعام لكثرته على البواري «الحصر» وفوقها الذبائح والسمن وتغدى بذلك الطعام الجميع وبعد مكوثنا في سوق الشيوخ مدة تنوف على الأسبوع أحضرت السفن الشراعية وسافر عليها المجاهدون وكانت كثيرة جداً ولما توسطنا هور السناف)[41]( ونشرت شرع تلك السفن وكأنها أجنحة الطير وسيدنا رحمة الله أمامنا في سفينة فكان في الحقيقة منظراً جميلاً ورائعاً وعند وصولنا إلى شريعة «اعلوى»)[42]( بلغنا أن المجاهدين من عشيرة خفاجة الذين سافروا قبلنا إلى النخيلة بمعية «أعجمي باشا» قد حصل لهم إنزال حول المصاريف المعينة لهم من الحكومة كما يقال ورجعوا من خطة الحرب إلى أوطانهم إلا أن السيد (ره) لما سمع بذلك أرسل أحد رؤساء خفاجة «عجيل الطربوش»)[43]( رئيس قرية الطربوش من خفاجة الذي كان معنا في السفن وحمله رسالة إلى القوم يدعوهم إلى العودة وأن يلحقوا به وسار «عجيل» مجداً في سيره فأدرك قسماً منهم قبل أن يعبروا الفرات فبلغهم أمر السيد فعادوا معه والتحقوا بالمجاهدين وقاتلوا واستشهد منهم جماعة وبقوا إلى آخر الأمر. وعندما وصلنا إلى النخيلة التي اتخذت معسكراً إلى الجميع سمعنا من أهازيج بني مالك «هج وين ابن اجود يسلكونه»)[44]( منددين بآل أجود متخذين رجوع خفاجة من خطة الحرب ذريعة للتنديد والهجاء لآل أجود الذين خفاجة منهم فاغتاظ عموم آل أجود)[45]( بذلك والتفوا حول زعيم آل أجود وهو يومئذ زامل المناع وطلبوا منه نشر راية آل أجود وأن يجيبوا الهجاء بالمثل وكادت أن تقع الفتنة إلا أن السيد الحبوبي (ره) جمع رؤساء بني مالك ورؤساء آل أجود ونصحهم ومنع الهوسات والأهازيج المثيرة.
أما في النخيلة فكان معسكر المجاهدين واسعاً جداً يشغل عشرات الأميال من الأرض تجمع فيها من قبائل الفرات من الحلة حتى القرنة. وسكان الفرات من الحي إلى حدود الناصرية وقسم من فرسان الأكراد من لواءي السليمانية وكركوك ما عدا الجيش النظامي وقد وقعت عدة مناوشات بين المجاهدين والإنكليز ففي كل فترة تتوجه تلك الجموع من العشائر المجاهدين إلى مضارب السيد الحبوبي (ره) فيقف بباب فسطاطه معتمداً على سيفه وتمر تلك الحشود من الفرسان تستعرض أمامه فيترجل رؤسائها للسلام عليه بعد تقبيل يده والاستئذان بالتوجه إلى خطة الحرب أو الغزو فيأذن لهم وفي الحقيقة أنه كان منظراً عظيماً فيه روعة ورهبة يمثل للناظر كأن أحد الأئمة (ع) وهو يقدر تلك الجيوش. وهكذا بقينا مدة والمناوشات بيننا وبين العدو مستمرة فتارة يهاجمنا العدو بقواته وبوارجه ويصب على معسكراتنا حمم مدافعه والناس غير مكترثين لذلك وبين فترة وأخرى تطالعنا سفنه الحربية التي تمخر في الهوار وتارة تهاجمه فرساننا بالقرب من عسكره واستحكاماته حتى ورد القائد التركي لتلك الجبهة «سليمان عسكري بيك» وهو يومئذ برتبة عقيد وكان جريحاً ومحمولاً على عربته حيث جرح في جهة الأهواز وبعد مجيئه بأيام قلائل اختلف مع أركان الحرب الألماني «شوليس بيك» وضباطه فإنهم قرروا أن يتقدم الجيش النظامي تسنده جموع المجاهدين حتى يقاربوا معسكر العدو ويتخذ الجيش ومواقعه)[46]( ويحفر خنادقه ويرجع المجاهدين إلى النخيلة فينقلوا مضاربهم إلى المعسكر الجديد ومن هناك يبدأون بحربهم للإنكليز إلا أن «عسكري بك» أصر على إبقاء المضارب في النخيلة وأن يتوجه الجميع للهجوم مرة واحدة فغضب ضباط الألمان ورجعوا من حيث أتوا وكذلك أصدر الأمر إلى المجاهدين والجيش النظامي بالتوجه إلى الشعيبة فقمنا من النخيلة فجراً ولم نصل آبار البرجسية)[47]( إلا بعد الظهر وعصراً صدر الأمر على العودة وأن يكونوا مع الجبهة التي فيها عبدالله الفاتح وهو الجناح الأيسر وأما الجناح الأيمن فيقوده أعجمي السعدون أما الجيش النظامي فهو في القلب. وعند الفجر توجه بمن معه إلى جهة الزبير ودخل بعض أتباعه البلدة دون مقاومة بموافقة «إبن إبراهيم» رئيس بلدة الزبير والموالي للإنكليز وهجم المجاهدون الذين تحت قيادة عبدالله الفاتح فاستولوا على بعض التلال وبات القتال عنيفاً مستمراً إلى اليوم الثاني حتى وردت الأخبار إلى القائد «عسكري بك» بتسليم بعض القطاعات من الجيش للإنكليز وشعر بخطئه فاختار الانتحار تخلصاً من المسؤولية. وبتنا تلك الليلة بعد انتحار القائد المذكور وبعد تقهقر الجيش وانكسار معنويته في أشد وأسوأ حالة، وصبيحة اليوم الثالث فر أغلب المجاهدين تاركين مضاربهم وخيامهم وما فيها وبعضها شب فيها النار وإلى الضحى من ذلك اليوم غادرنا النخيلة، أما أعجمي فأخذ يجمع المدافع والأسلحة التي تركت من قبل أفراد الجيش فأوصلها إلى الفيشية)[48]( وأما السيد الحبوبي (ره) فإنه بعد أن رأى تخاذل الناس فرجع وبمعيته خيون وبعض الرؤساء حتى وصل الناصرية ولم يبارحها أملاً أن يجمع الفلول من العسكر النظامي والمجاهدين ويعيد الكرة بمن يتبعه حتى وافاه الأجل المحتوم متأثراً بتلك النكبة المؤلمة التي سببها:
1 ـ انتحار القائد سليمان عسكري الذي أبدى كل حماقة بذلك.
2 ـ بغض الناس لأعمال الأتراك وغطرستهم.
3 ـ التعصب الحزبي والعضوي المنتشر بين الجيش إذ نرى أن الفرد التركي كان مرفهاً عليه من كل الوجوه والعربي مقصر عليه في كل شيء.
4 ـ ملل الناس من طول بقائهم طيلة تلك الأشهر تحت الخيام وهم في شظف من العيش بعيدين عن عوائلهم وتاركون أعمالهم.
5 ـ أذيع أن هناك جماعة من ضباط العرب لكرههم للأتراك حاولوا الاتصال بالإنكليز ومهادنتهم والتخلص من الحكم التركي باستقلال العراق وفصله عن الدولة العثمانية غير أن السيد الحبوبي (ره) لما سمع بذلك قاوم تلك الفكرة الخطرة وهمّ في حومة العرب ونهى عن مثل هذه الأفكار المسمومة أشد النهي وزجر مروجيها وهددهم بالعقاب إذا استمروا على ذلك. هذا بعض ما شاهدته وما طرق سمعي في أثناء بقائي مع المجاهدين طيلة تلك المدة أسجله رعاية للحقيقة وحفظاً للتاريخ.
بغداد
الحاج حسين الشعرباف
السيد محمد الطباطبائي (المجاهد)
السيد محمد الطباطبائي المشهور بالمجاهد أو صاحب المناهل من أشهر مجتهدي عصر فتحعلي شاه.
لا يوجد لدينا فكرة عن زمن تولده. هو أول ابن للسيد علي الطباطبائي صاحب الرياض وحفيد المرحوم وحيد البهبهاني من ابنته. شرع السيد محمد دراسته بعد بلوغه عند أبيه الذي كان من علماء عصره وصاحب مقام الاجتهاد والمرجعية وبسبب ولايته في عائلة علمائية. وفي نفس الوقت وضمن استمراره في كسب المعرفة عند كبار علماء مسقط رأسه كربلاء تلقى العلوم الدينية. كان لتجلي استعداده الذهني وطيب نفسه ومحبته لصاحب الرياض السبب في تزويج العلامة بحر العلوم ابنته للسيد محمد وبعد أن أتم دراسته ووصوله إلى مقام الاجتهاد هاجر من كربلاء إلى أصفهان وقام بالتدريس والتأليف في هذه المدينة. يُقال أن الآخوند الملا محمد علي النوري كان يحضر في درس السيد محمد المجاهد وكان يعد من العلماء الكبار المتخصصين في الحكمة المشائية وقد ألف كتاباً في الأصول بعنوان (بخته) بناء على طلب المرحوم المجاهد.
دامت إقامة محمد في أصفهان ثلاثة عشر عاماً.. وفي نهاية إقامته وبعد سماعه لخبر وفاة والده صاحب الرياض في كربلاء قفل المرحوم المجاهد عائداً من أصفهان إلى كربلاء. في ذلك الزمان أصبح السيد مرجعاً مسلماً له في الحوزات العلمية الدينية للعتبات المقدسة في إيران.
ألف السيد العديد من الكتب في حياته حيث اشتهر منها:
1 ـ الاستصحاب.
2 ـ إصلاح العمل في العبادات.
3 ـ الأغلاط المشهورة.
(تبيين الأغلاط والاعتقادات الخاطئة عند المسلمين).
4 ـ جامع العبائر.
5 ـ جامع المسائل (مثل جامع الشتات للميرزا القمي).
6 ـ الجهادية.
7 ـ حاشية معالم الأصول.
8 ـ حجية الشهرة.
9 ـ حجية المظنة.
10 ـ المصابيح في الفقه.
11 ـ مفاتيح الأصول.
12 ـ المناهل في الفقه.
13 ـ الوسائل إلى النجاة في أصول الفقه.
من بين المجتهدين في أواخر عهد فتحلي شاه القاجاري تميزت حياة المرحوم المجاهد بنحو خاص. أن تحليلات الكتاب المبنية على اتهامه بتأجيج حدة الصراع بين روسيا وإيران وتجديد المرحلة الثانية لحروب إيران وروسيا هي سطحية ولا تصيب عمق القضية. في حين المرحوم المجاهد لم يكن سبباً في تجديد الحرب بين إيران وروسيا ولم يكن يستطيع أن يسلك طريق السلامة ويختار الصمت في حين كل من فتحعلي شاه وعباس ميرزا طلب العون منه بعد بداية الحرب أو تهيئة مقدماتها من قبلهم وأن يجلس مرتاح الخاطر دون أي توجس بالنسبة لتعرض الأجانب لبلاد وأرض المسلمين.
لا يتسع هذا المقال للبحث في العلل الأصلية لتجديد حروب إيران وروسيا، لكن يجب التذكير بهذا القدر أنه لم يكن للمرحوم المجاهد أي دور في تجديد حروب المرحلة الثانية وما كان ليستطيع أن يمارس هذا الدور بدون موافقة البلاط في طهران ودار السلطنة في تبريز ولم يكن لفتحلي شاه وعباس ميرزا دور في ذلك أيضاً. المطلعين على أحداث تلك الحقبة والذين تابعوا مسار الحوادث من المهمة غير الموفقة للميرزا أبو الحسن خان ايلجي لسان بطرسبورغ وحتى سفارة ميرمولف في السلطانية والذين بحثوا في تقارير المراجع المتعددة وأسفار تلك الرحلة يعلمون جيداً أنه رغم عدم ميل بلاط إيران لتجديد الحرب شرع الروس حربهم. كان مبعوثو عباس ميرزا في طريقهم إلى تفليس ليحلوا الاختلافات الحدودية وفجأة هجم الروس على (ڴـوڴـﭼـه) ومراكز أخرى وأشعلوا أوار حروب المرحلة الثانية استمراراً لسياساتهم التوسعية.
في هذه الأوضاع وفي حين لم يتمتع الشاه ولا نائبه بالدعم الشعبي بسبب عدم مشروعية سلطته وخيانة البعض من إقطاعيي المناطق الحدودية، سعى كل منهما لتطبيق فكرة الميرزا الكبير القائم مقام. أحد الحلول التي قدمها المرحوم الميرزا عيسى في السنين الأولى لحروب المرحلة الأولى لأجل تعبئة القوى الشعبية ضد الروس هي جميع فتاوى العلماء الكبار في ذلك الزمان وتبعاً لمتابعته لهذا الأمر الذي لم يتمتع بدعم جدي من البلاط في طهران قام بتهيئة ثلاث مؤلفات كبيرة تضم مجموعة من فتاوى علماء الشيعة باسم أحكام الجهاد وأسباب الرشاد أو الجهادية الكبير والجهادية الوسطى والجهادية الصغير.
الشريف الرضي
(359 ـ 406هـ)
هذه المقالة ألقتها شاعرة العراق لميعة عباس عمارة يوم السبت من شهر شباط سنة 2000م في الصالون الأدبي الذي يُعقد كلّ شهر في ضيافة الدكتور صاحب ذهب في منزله بالولايات المتحدة الأميركية. وقد حضر الندوة أكثر من خمسين مثقفاً من الأدباء، وأهل الصحافة، وبعض الشخصيات من مختلف الجنسيات العربية. وأهميتها ترجع إلى:
1 ـ أنها صدرت عن شاعرة كبيرة وهي تتحدث عن شاعر كبير.
2 ـ بالرغم أنّ المقالة تحدثت عن بعض معطيات الرضي الشعرية بشكل فني فإنها حاولت أيضاً دراسة العلاقة بين أبي إسحاق الصابي، وبين الشريف الرضي.
وقد نجحت في إضافة بعض التفسيرات بين الطرفين اعتماداً على النصوص الشعرية أولاً، وثانياً باللجوء إلى مقارنتها بالطقوس الدينية الصابئية (التي ترجع إليها كاتبة المقال).
وقد ظهرت من خلال هذه المقالة أن الشاعرة لم تنتخب أبيات الشريف الرضي إلا بعد قراءة مستوعبة لها، بل حاولت من خلال مختاراتها أن تتوحد في فضائه الشعري في محاولة مزج عالمها الشعري بعالم الرضي الفسيح، حتى عادت قبساً منه، أو كما حاولت هي أن تُخضع عالمه الشعري لروحها الأصيل الشفاف.
ومن خلال هذا التوحد أضفت على منتخباتها من شعر الرضي صوتها الشعري، فأخذت تقرأ أبياته بلغتها الشاعرية، فغيرت في بعض ما اختارته منها من كلمات حسبما أوحت بها شاعريتها ـ دون أن تشير لذلك ـ وكأن فضاءهما أصبحا فضاء واحداً لا يخلوان من تداخل. وهذه هي إحدى ميزات هذه المقالة.
أما ما ورد فيها من اجتهادات متناقلة تتعلق بنزوع الرضي إلى الخلافة وغير ذلك فهو يخضع لجملة آراء متضاربة في تفسير تلك الحُقبة الزمنية المتداخلة الأحداث، وردت الإشارة إليها في مضانها من الهوامش.
الشريف الرضي
(359 ـ 406هـ)
تَشُفّ خلالُ المرء لي قبل نُطقه
وقبل سؤال القوم في الحي ما اسمُه)[49](
عن هذه الشخصية الخارقة الذكاء سأتحدث. ومن أبرز صفاتها الفراسة والتحليل للذات ولنفسية الآخرين. وأحوال المجتمع. أضف إليها وسامة نبيلة، وإن أردت الكلمة المناسبة فقل جمالاً متميزاً، وأضف فوقها منصباً أو مناصب رفيعة، ثم توّجها بنسب يرقى إلى الرسول (ص) عبر سلسلة من الأئمة (ع).
وبعد كل هذا فالشاعر تُوفي وعمره سبع وأربعون سنة فقط، أجمل ما يكون فيها الرجل، وذروة الشباب. وكأنه تنبأ بموته المبكر بقوله:
نحن قوم قسم الله لنا
بالرزايا ورضينا بالقِسَمْ
إنّما قصّر من آجالنا
أننا نأنف من موت الهرمْ
عاش عمره شاباً فقط، لم ينتظر الشيخوخة، ولم يمر بدور الطفولة، وأين الطفولة من شاعر قبل العاشرة، ونقيب للطالبين في الخامسة عشرة؟ هذه الحياة علّمته الكثير، وعرفها هو أكثر. وتزهد عن حكمة وفلسفة، اضطراراً واختياراً.
عن هذا الرجل أريد أن أتحدث، وأنا أحاول أن لا أكون تحت ضغط الإعجاب به، وأحاذر ألا يكون حديثي عنه غزلاً. وأبدأ ببعض مختاراتي من شعره، يقول:
حتى الزهد في كل ملذات الحياة وجد خلفه تعويضاً هو السمعة الحسنة، وثقة الناس، وكبر المقام، والاعتداد بالنفس. فلا شيء مقابل لا شيء.
لو لم يعوضك هجرُ العيش صالحةً
ما كنت تخرج من أثوابه القُشبِ
زهدت وزهدي في الحياة لعلةٍ
وحجةُ من لا يبلغ الأملَ الزهدُ
كم من الحقائق المؤلمة تكمن في هذا البيت بهالة من التواضع والاعتراف بالضعف الإنساني؟ وقوله:
لا تعد العيش شيئاً إنه
نفس يقضى وأيام تُعدْ
إنما الأيام يوم واحدٌ
وغرور اسمه اليوم وغَدْ
كنت أردد هذه الأبيات مطلع سنة الألفين، وأنا أرى مبالغات الإعلام وتهويله لما سيأتي أو سيجد، بمجرد تبديل رقم في التقويم، أليست هي الشمس ذاتها تشرق كل صباح وتغرب كل مساء كما كانت وستكون؟ حتى هجاؤه المؤدب جداً عجيب. يقول:
متقدم في لؤمه ميلاده
ومن الخمول كأنه لم يولد
هذا التلاعب بالزمن أعطى قدماً لعمر المهجو في اللؤم يزيد عن عمره الحقيقي بكثير فهو مؤصل عميق الجذر باللؤم. وجعل درجة نباهته تحت الصفر، وكأنّه بعد لم يولد. وقوله:
وإني على شغفي بالوقار
أحنُّ إلى خطرات الصبا
الوقار والعفة لازمتا الشريف، ولكنه استطاع أن يعبر بشكل فني ذكي عن رغائب الروح دون المساس بالمُثل الفاضلة التي اختارها سلوكاً كقوله:
ومقبّل كفي وددتُ لو أنه
أومى إلى شفتيّ بالتقبيلِ
ولنا أن نتصور رتلاً من الزائرين والزائرات من شتّى الأعمار في مناسبة ما، يتباركوت بتقبيل يده، ومن بينهم من يخصّها بحبّه دون أن تعلم. وقوله:
بتنا ضجيعين في ثوبي هوىً وتقى
يلفّنا الشوقُ من رأس إلى قدم
القارئ البسيط قد تفوت عليه الصورة الشاعرية الجميلة، ويتساءل ببساطة كيف يمكن أن يضطجع محب قرب حبيبته يلفهما الشوق من رأس إلى قدم، ويظل هناك مكان للتقى؟
الحقيقة الجميلة في هذا البيت، والصدق الكامل في التعبير عنها، هو أنّ الشريف كان أميراً للحجّ أي أنه مصاحب للحجاج من النساء والرجال، وحين تستريح القافلة من عناء السير يفترش الحجاج رمال الصحراء فراشاً مريحاً، قريبين من بعضهم مطمئنين، ومن بين هؤلاء واحدة يعنيها الشاعر، عن هذا الكون المكشوف الذي لا يخفي سراً، ولا يحتمل شكاً يتحدث الشريف. إذن فكلمة (التقى) هنا حقيقة، ووجودها ضرورة لأنّ هذا ما حدث فعلاً.
وخفة دمه تنعكس في قوله:
يا حسن الخلق قبيح الأخلاق
إني على ذاك إليك مشتاق
ومن إبداعه في المدح قوله:
هم أبدعوا المجد، لا أن كان أولهم
رأى من الجد فعلاً قبله فحكى
ومن هجائه:
أبى الله أن تأتي بخير فتُرتجى
فروع لئام قد ذممنا أصولها
إذا الدار من قبل العفاء نبت بنا
فكيف نرجّي للمقام طلولها
إذا قيل بيت الفخر كنتم ضيوفه
وإن قيل دار اللؤم كنتم حلولها
وقولة خزي فيكم تستفزني
وأعلم أن لا بد من أن أقولها
ولعل قصيدته التي مطلعها:
وكم صاحب كالرمح زاغت كعوبُه
أبى بعد طول الغمز أن يتقوّما
تُعتبر من القصائد النموذج، أو ما يسمى Masterpiece تجمع الحكمة والفلسفة والأخلاق، وحسن المعاملة حتى للصديق المقصر، وهي قصيدة قصيرة كافة بالغرض دون إطالة لا مبرر لها ولو أن الشريف اختصر في كل قصائده هكذا لما ترك للنقاد مجالاً للنقد. والقصيدة مشهورة ومدروسة لذلك أكتفي بأبيات منها مع أن كل أبياتها من المختار، يقول عن هذا الصاحب الذي يبدي غير ما يخفي:
ولو أنني كشّفته عن ضميره
أقمتُ على ما بيننا اليوم مأتماً
هي الكفّ مضّ تركها بعد دائها
وإن قُطعتْ شانت ذراعاً ومعصما
أراك على قلبي وإن كنت عاصياً
أعزّ من القلب المطيع وأكرما
حملتُك حمل العين لجّ بها القذى
فلا تنجلي يوماً ولا تبلغ العمى
دع المرء مطوياً على ما ذممته
ولا تنشر الداء العضال فتندما
إذا العضو لم يؤلمك إلا قطعته
على مضض لم تُبق لحماً ولا دما
ونموذج آخر لقصيدة الرثاء قصيدته في رثاء والدته التي تعتبر من عيون الشعر العربي، وهي مشهورة محفوظة:
أبكيكِ لو نقعَ الغليل بكائي
وأقول لو ذهب المقال بدائي
وألوذ بالصبر الجميل تعزياً
لو كان بالصبر الجميل عزائي
كم عبرة موّهتُها بأناملي
وسترتها متجملاً بردائي
أبدي التجلّد للعدو ولو درى
بتململي لقد اشتفى أعدائي
وماذا عن حجازيات الشريف، وكلها نموذج للغزل العفيف والفن الرفيع، ومن لا يحفظ:
يا ظبيةَ البان ترعى في خمائله
ليهنك اليوم أن القلب مرعاكِ
الماءُ عندك مبذول لشاربه
وليس يرويك إلا مدمعي الباكي
وقصيدته:
عاد الهوى بظباء
مكة للقلوب كما بداها
وقف الهوى بي عندها
وسرت بقلبي مقلتاها
بردت عليّ كأنما
طلّ الغمامة عارضاها
شمسٌ أقبّل جيدها
يوم النوى وأجلّ فاها
وأذودُ قلباً ظامئاً
لو قيل وردك ما عداها
ولو استطاع لقد جرى
مجرى الوشاح على حشاها
يا سرحة بالقاع لم
يُبلّل بغير دمي ثراها
ممنوعة لا ظلُّها
يدنو إليّ ولا جناها
أكذا تذوب عليكم
نفسي وما بلغت مناها
أينَ الوجوهُ أحبّا
وأود لو أني فداها
أمسي لها متفقداً
في العائدين، ولا أراها
ومن مختاراتي قوله وقد سقط الثلج على بغداد سنة 398 هجرية، وبغداد يندر فيها سقوط الثلج فقال الشريف الرضي:
أرى بغداد قد أخنى عليها
وصبحها بغارته الجليدُ
أقول هل وقد أمسى مكبا
على الأقطار يضعف أو يزيدُ
رويدك فالخواطر باردات
على الإحسان والأيدي جمود
وأنك لو تروم مزيد برد
إلى برد لأعوزك المزيد
يمزج الشريف الظاهرة الجغرافية بالحالة الاجتماعية والسياسية، لأنه مرتبط بهما.
ومن روائع الشريف ودقيق معانيه قوله الذي غفل المغنون اليوم عن تلحينه:
خل دمعي وطريقه
أحرامٌ أن أريقه
كذب يحسبه الصبّ
من الشوق حقيقه
أنعمي يا سرحة الحي
وإن كنت سحيقه
أتمنى لك أن تبقي
على النأي وريقه
ثمرٌ حرّم واشيك
علينا أن نذوقهْ
حجازيات الشريف مشهورة، وسأكتفي بنماذج من المختار مثل:
وما أدعي أني بريء من الهوى
ولكنني لا يعلم القوم ما بيا
ترحلتُ عنكم لي أمامي نظرةٌ
وعشر وعشر نحوكم لي ورائيا
وقوله في حصانه:
طربٌ للصوت تحسبُه
عربياً يعشق الغزلا
وقوله:
ومولى دعا غيري إلى ما يريده
ولو كنتُ ممنْ يستجيبُ بالسحرِ
أو قوله:
يا ليلة كاد من تقاربها
يعثرُ فيها العشاءُ بالسحرِ
وقوله:
ليبكِ الزمانُ طويلاً عليك
فقد كنتَ خفّة روح الزمان
وقوله:
تُعدّ النوقُ من شرف فُحولاً
إذا انتسبت إلى العوْدِ الجُلالِ
والعود الجلال جمل مشهور.
وقوله:
وأسرفتُ بالبشرِ حتى ظننتُ
أنك أضجعت فيه النفاقا
أو قوله من رثاء الصاحب بن عباد:
كان الغريبة في الزمان فأصبحوا
من بعدِ غاربِ نجمهِ أمثالاً)[50](
ومن أبياته الموجعة لأنها الحقيقة الموجعة قوله:
أأبى ولا حدّ أسطو به
وأينَ الإباءُ من الأعزلِ؟
وقوله:
إذا لم يعنك الله يوماً بنصره
فأكبرُ أعوانٍ عليك الأقاربُ
وقوله:
إذا قلّ مالُ المرء قلّ صديقُه
وفارقه ذاك التحننُ والودُ
وأصبح يُغضي الطرف عن كل منظر
أنيق ويلهيه التغرّب والبعدُ
وقوله:
وأكبرُ آمالي من الدهر أنني
أكونُ خلياً لا سرورَ ولا غماً
ولكنه كان كما قال:
بأرجوحة بين الخصاصة والغنى
ومنزلة بين الشقاوة والنعمى
وقوله في الهجاء:
صورٌ رائعةٌ لا يُرتجى
نفعُها مثل تهاويل النمط
شمخوا أن حلق الجدّ بهم
غلط الدهر، وكم يبقى الغلطُ
و(تهاويل النمط) هي نقوش البسط (جمع بساط) المتقنة المكررة.
وقوله:
لهم مجلسٌ ما فيه للمجد مقعدٌ
ومربط عار ما عليه جياد
لهم حسبٌ أعمى أضلّ دليلَه
فلم يُدرَ في الأحساب أين يُقادُ
قبابٌ يطاطي اللؤمُ منها كأنّها
ولو رفعت فوق الجبال، وهادُ
وقوله:
ولاحت لنا أبيات آل محرّق
بها اللؤم ثاوٍ لا يروح ولا يغدو
خيامٌ قصيراتُ العماد كأنها
كلابٌ على الأذناب مقعيةٌ رُبْدُ
وقوله:
بلادةُ النعمة في طبعه
ورُبما ناقش في الحبّ
وقوله:
فلأرحلنّ رحيل متلهف
لفراقكم أبداً ولا متلفت
وفي هذا البيت إشارة إلى أبياته الذائعة الصيت:
ولقد مررت على ديارهم
وطلولها بيد البلى نهبُ
فوقفتُ حتى ضجّ من لغبٍ
لغب نضوي ولجّ بعذلي الركبُ
وتلفتت عيني فمذْ خفيتْ
عني الطلول تلفّت القلبُ
ومن مختاراتي قوله:
لو لم يكن لي في القلوب مهابةٌ
لم يطعن الأعداء فيّ ويقدحوا
نظروا بعين عداوة، لو أنها
عين الرضى لاستحسنوا ما استقبحوا
ومما اخترتُ له من الإلفاتات الذكية:
شنّوا الخضابَ حذاراً أن يطالبَهم
بحلمه الشيبُ أو يقصيهمُ الغزلُ
تفسير ذكي طريف، فهم يحذرون إذا بدا الشيب عليهم أن يطالبهم الناس بالحكمة والرصانة التي هي من صفات الشيوخ، بينما هم لم يستفيدوا من العمر حكمة ولا وقاراً بل يريدون ألا يفارقهم زمن اللهو والغزل، ولذلك هم يخضبون شيبهم.
وله:
مالي لا أرغبُ عن بلدة
ترغب في كثرة حسادي
ما الرزق بالكرخ مقيم
ولا طوق العلا في جيد بغدادِ
فهل استطاع الشريف أن يهجر بغداد؟ مع أنه قال مرة:
ما مقامي على الهوان وعندي
مقولٌ صارم وأنفٌ حمي
ألبسُ الذلّ في ديار الأعادي
وبمصر الخليفةُ العلوي
ولكنه لم يبارح بغداد، لم يشأ أن يكون لاجئاً سياسياً بتعبير اليوم، حتى وإن كان من يلجأ إليه هو من دمه ونسبه، لأنه ملتزم بعشيرة وأهل، مرتبط بمبدأ سياسي، وهو معارض من الداخل لا معارض من الخارج، ولو اقتضى الأمر أن يجامل الخليفة العباسي ويمدحه، فبغداد التي يحبها تفرض عليه شروطها: أما أن يبقى ويجامل ويمدح الحاكم، أو يهاجر، وقد اختار الأولى، فمدح الخلفاء: الطائع لأمر الله والقادر، والملوك البويهيين.
المتنبي والشريف الرضي
ولد الشريف الرضي بعد وفاة المتنبي بخمس سنوات، ولكن من يقرأ شعر الشاعرين يتصوّر أن المتنبي أحدث زماناً لأنه أقرب للحداثة. والشريف أقرب إلى البداوة.
لقد سبقه المتنبي وهذا ما كان يقلقه، أعني هيمنة المتنبي على إعجاب الناس، فكان الشريف يحاول أن يبتعد عن نهجه والتشبه به، ويحاول التفوق عليه ولكنه لم يستطع، بل وقد فرح الشريف لأن ابن جنّي الذي شرح كل شعر المتنبي قد شرح له قصيدة واحدة في الرثاء، فمدح ابن جني لهذا الفضل.
وفي تفسيري أن الشريف لا يقل شاعرية عن المتنبي، كلاهما عبقري، ولكن العبقرية تتطلب قدراً كبيراً من الأنانية والتفرّغ، أدرك ذلك المتنبي فتحرّر من قيود الأسرة والعشيرة والانتماء بكل أشكاله، وتحرر من المكان، واستعمال اللغة الصعبة والمفردات الغريبة. وتحرر من طول القصائد.
والشريف قد غلبت عليه روح التضحية والالتزام، فهو الابن البار لأبيه وحامل هموم العشيرة، مقيّد بالمنصب والواجب.
ديوان المتنبي يساوي ربع ديوان الشريف، فلو حذفت الزيادات من قصائد الشريف الطويلة ـ وبعض قصائده تجاوز المئة بيت ـ وحذفت ما لا يهم حذفه وما أجبر نفسه عليه من القافية الصعبة كالذال والثاء والخاء والزاي ليقال إنه قد نظم على كل حروف الهجاء، فسيكون الباقي ديواناً بقدر ديوان المتنبي، ومثله في المنزلة.
حاول الشريف ألا يقتفي خطو المتنبي، ولكن الأفكار تتشابه أحياناً، فقول المتنبي:
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه
ولكنّ من يُبصر جفونك يعشق
يشابهه قول الشريف الرضي:
لا العفُّ عفّ حين تملكُ قلبَه
تلك اللحاظُ ولا الأمينُ أمينُ
واضح الفرق بين بيت المتنبي المهندس، وبين الاعتراف بالضعف البشري والتسليم للجمال بلا مناقشة في بيت الشريف.
وللشريف قصيدة هي معارضة لقصيدة المتنبي، والمعارضة ليست سرقة، إنما هي فن يتبارى به الشعراء وقلّ من الشعراء من لم يعارض قصيدة مشهورة، وقد اختار الشريف قصيدة المتنبي:
(فراق ومن فارقت غير مذمم)
فقال الشريف:
بعاداً لمن صاحبت غير المقوم
حتى المعاني التي وردت في قصيدة المتنبي عارضها كقوله:
إذا ما جوادي مرّ بي في ديارها
تقاضى زفيري دائباً بالتحمحم
هو معارضة لقول المتنبي:
مررتُ على دار الحبيب فحمحمتُ
جوادي، وهل تشجي الجياد المعالم
والحقيقة أن قصيدة المتنبي ظلت الأولى، وإن المعارضة لم تتفوق عليها.
الشريف الرضي لم يُدرس ولم يشرح شعره
والمؤلم أن ديوان الشريف الرضي لم يحظ بالاهتمام اللازم، ولم يعطَ حقّه من الشرح، فهناك الكثير من المفردات التي هي بحاجة للشرح أهملت، بينما تكرر شرح الكلمات السهلة في عدّة هوامش، والديوان لم ينقح كما يجب. وكيف نفسّر وجود أخطاء نحوية لا تفوت على متوسطي المعرفة بالقواعد، وتقع في شعر الشريف؟
وهناك أمثلة لبعض هذه الهنات ففي قوله:
وما زلن العواطل كلّ يوم
من العلياء يذممن الحوالي
في هذا البيت عود إلى لغة أكلوني البراغيث، وأنا أجلّ الشريف عن الوقوع في هذا الخطأ، وألوم الذين يدّعون أنهم حققوا الديوان وضبطوه ولم يحسنوا في الحقيقة غير النقل عن سابقيهم، وإلا لكتبوا (وما زال) بدل (وما زلن) وبها صحّ الإعراب.
وخطأ نحوي آخر أجلّ الشريف عن الوقوع فيه، فالشاعر يكتب ما يخطر بباله على عجل فيؤخذ بموسيقى الشعر وتفوته أحياناً بديهيات في النحو، والمفروض أن ينبه إليها صديق أو يتلافاها محقق، مثل قوله في حصانه:
يستشعرُ الطرفُ زهواً يوم أركبُهُ
كأنّه بنجوم الليل منتعلُ
والخيلُ عالمةٌ ما فوق أظهرِها
من الرجال جبانٌ كان أم بطلُ
فكلمة بطل وجبان خبر كان وحقهما النصب (جباناً أم بطلاً)، بينما القصيدة كلها مضمومة الآخر، وهذا أيضاً من تقصير النسّاخ والمحققين، فكثير تدخل النسّاخ والمحققين فيما ينقلون، ـ وأحياناً كثيرة يضرون بالمعنى. ولديّ أمثلة ليس هذا مجالها ـ لماذا لم يلتفتوا إلى هذا الخطأ ويتلافونه، إذ ليس من المصدق أن الشريف لا يعرف إعراب كان واسمها وخبرها.
في رأيي أن البيت كان، أو يجب أن يكون هكذا:
والخيلُ عالمةٌ ما فوق أظهرها
من الرجال جبان ذاك أم بطل)[51](
وهذا الحديث ـ حديث التقصير في حق الشريف الرضي ـ يؤكّد لنا أنّ ديوانه لم يُشرح أصلاً شرحاً حقيقياً وأحياناً تشرح الكلمة السهلة، وتهمل الكلمات الصعبة التي تحتاج إلى شرح. وإن الشريف لم يحظَ بالاهتمام اللازم من قبل القدماء أو المحدثين، وسيظل بحاجة إلى من يشرح شعره ويعطيه حقّه لأنه من أهم شعراء العربية.
الصداقة الخالدة
كثيرة هي الصداقات المألوفة، ولكني سأتحدث عن صداقة غير مألوفة وغير عادية، بين رجلين عاشا في العصر العباسي ببغداد (دار السلام) في عصر غريب عجيب، على رأس السلطة خليفة عباسي بالصورة، لتظل الدولة اسمها الدولة العباسية، أمّا السلطة الحقيقية فبيد البويهيين الفرس.
الرجلان أحدهما شاعر كبير، والثاني كاتب كبير يشغل منصب رئاسة ديوان الإنشاء.
حين ولد الشريف الرضي كان عمر أبي إسحاق الصابي 66 سنة ومن الموثوق به أنّ أبا إسحاق كان على علاقة بوالد الرضي ومعرفة وطّدت لهذه الصداقة غير العادية.
ببغداد على نهر دجلة يقع بيت الكاتب (أبي إسحاق الصابي). أما من أين أتيت بهذه المعلومات؟ ذاك لأنّ هذا الشيخ لا يستغني عن النهر في حياته اليومية أبداً، يغتسل ويتوضأ ويُعمد أتباعه بالنهر، ومن النهر يجلب له أهل بيته ـ وليس غيرهم ـ الماء للشرب والطعام.
من ذلك أعلم أنّ أبا إسحاق الصابي كان يسكن على ضفّة النهر وليس بعيداً عنها، وفي جانب الرصافة، أي الضفة الشرقية من نهر دجلة. أما الشريف فيسكن بالكرخ على الجانب الغربي.
حين يريد أبو إسحاق الصابي وهو في جانب الرصافة، أن يزور الشريف الرضي وهو في جانب الكرخ، يركب طيّارته ويقصد دار صديقه، والطيّارة زورق سريع، وكانوا يسمّون الزوارق الخفيفة السريعة طيّارة، (وجمعها طيارات)، وهي مفروشة بفرش ذات ألوان جميلة، وعليها (سماوة) بيضاء من نسيج سميك تظلل من الشمس والمطر. هكذا هي زوارق بغداد كما عرفناها، مريحة أنيقة مظللة، من زمن العباسيين حتى الآن. وهي بمثابة السيارات الخاصة يملكها الأغنياء. (اسم الطيارة عرفته من أبي حيان التوحيدي وكتابه الإمتاع والمؤانسة).
أما من أين جئت بمعلومة مكان إقامة الرجلين فمن أقوالهما، من قول الشريف:
ما الرزقُ (بالكرخ) مقيمٌ ولا
طوقُ العُلى في جيد بغدادِ
وقوله للصابي:
هذا ودجلةُ ما بيني وبينكمُ
وجانب العَبرِ غيرُ الجانب الخشنِ
أبو إسحاق الصابي كان هو يزور الشريف الرضي ولا يحدث العكس إلاّ للضرورة الأشد، مثلاً حين يكون أبو إسحاق مريضاً جداً.
من أين جئتُ بهذه المعلومة؟
الشريف الرضي له مجلس دائم، للفتاوى والأدب والدرس وما يتصل بالسياسة والثقافة والدين والعلاقات الاجتماعية، وبابه مفتوح للقاصد، أما أبو إسحاق الصابي فلا يتمتع بمثل هذه الحرية في بيته، فطعامه لا يمكن أن يمسّه أحد وكذلك ماؤه وآنيته، هذه هي حياة الرئيس الديني الصابئي معزول عن أقرب الناس إليه. أولاده مثلاً لا يمكن أن يأكلوا بطبق واحد معه، أو أن يمسّوا (ماعون) طعامه، مثل هذا الرجل لا يخالط الناس إلا بحدود السلام والكلام. وهذا يجرّنا إلى قصة حبة الفول.
حكاية حبة الفول
هذه الرواية وردت في كل المصادر التي تطرّقت لعلاقة الشريف والصابي، مختصرها: أن الصابي كان يصوم رمضان احتراماً ومحبة وتعاطفاً مع الشريف، ويشارك صديقه الصيام ثم يعود إلى داره للإفطار وحده.
وفي يوم تأخّر الصابي عند صديقه، وحلّ موعد الفطور فأشفق عليه الشريف وعرض عليه أن يفطر معه، أو أن يشرب ماء قبل توجهه إلى بيته، ثم هوّن عليه القضية بأن يتناول على الأقل حبّة فول يسدّ بها رمقه إلى حين وصوله، فاعتذر الصابي حتى عن تناول حبّة الفول. هذه الحكاية وهي حقيقة صحيحة، لكنها جرّت إلى استنتاج خطأ، فقالوا: ذاك لأنّ الصابئة تحرّم أكل الفول.
والصحيح أن الصابئة لا تحرّم أكل الفول مطلقاً، ولكن رجل الدين كما قلنا ممنوع من تناول أي طعام وشراب غير الذي يعدّه بنفسه أو تعدّه زوجته، وبشروط لا يمكن الإخلال بها.
كذلك قالوا بتحريم الثوم عند الصابئة، وهذه أيضاً نصفها صحيح، والنصف الثاني استنتاج خطأ، إنما يتعلق الأمر بالسلوك المهذّب وكراهية رائحة الثوم في الفم وبخاصة لرجل له مكانه في المجلس.
في زمن أكثر تسامحاً من زماننا هذا، وأكثر انفتاحاً قبل ألف عام، صاحب رجل دين صابئي رجلاً مسلماً (أي مسلم)، وصاحب إمام المسلمين وسليل الأئمة رجلاً من الصابئة مهما كانت مكانته؟ الصداقة بين الرجلين أثارت بعض الشكوك لدى البعض، رأى هذا البعض أنها علاقة (العرّاف) أو (فتّاح الفال) بالرجل القلق الذي يريد أن يستكشف طالعه وبالأخص حين يعدّ نفسه للخلافة ويرى أنه أحق بها من الخليفة العباسي الضعيف. واعتمدوا على قول الشريف حين أبطأت عليه نبوءة العراف:
أظلت السبعةُ العُليا طرائقَها
أم أخطأت نهجها أم سُمِّرَ الفلكُ)[52](؟
والسبعة هي الكواكب المعروفة آنذاك، وهي التي يعتمد عليها أحد كتب الصابئة، واسمه (سفراد ملواشه)، أي (كتاب أسماء البروج)، ولا يزال الصابئة حتى اليوم يحتفظون بهذا الكتاب.
فهل كانت العلاقة كلّها تختصر بمصلحة يشترك بها الطرفان، هذا يطمح للخلافة، وهذا يريد أن يحمي طائفته الضعيفة حين يكون الشريف هو الحاكم؟
هذا التفسير هو جزء من العلاقة بين الرجلين وليس هو كل شيء. فالعرّاف لا يكون صديقاً وثيقاً، ويمكن الاتصال به عند الحاجة، وأهمل المفسّرون الرابطة الفكرية التي تشد اثنين برباط قوي حتى ليكون أحدهما أقرب إلى الآخر من الحبيبة والولد.
عرف الشريف الرضي أبا إسحاق الصابي عن طريق والده، وهو طفل لكنه ليس كباقي الأطفال بل هو شاعر ومثقّف وقد نُشِّئ أحسن نشأة في بيئة كلها أدباء، تعلّق الصبي الناضج بالشيخ الحكيم الشاعر الكاتب وكانا يلتقيان في مجلس الشريف دائماً، حتى أنّ الصابي يجد نفسه مقصّراً لو منعه المرض عن الزيارة المنظّمة، وقد اعتذر عن هذا التقصير بقوله:
أقعدتنا زمانة وزمانٌ
جائرٌ عن قضاء حق الشريفِ
والفتى ذو الشباب يبسطُ في التقصير
عذر الشيخ العليل الضعيفِ
فردّ عليه الشريف بقصيدة طويلة منها:
لم تُوَفّ العشرينَ سنّي وإنّ
الحلم مني على الجبال لمُوفي
فيّ معنى المشيب حُكماً
وإن كان نهوضي عن الصبا وخُفوفي
هزّ عطفي إلى الأغر أبي
إسحاق ودّ يلوي عليّ صليفي)[53](
كيف لا أغلب الزمان وهذا
الندبُ يغدو على الزمان حليفي
أنت يا فارسَ الكلام تقدّمت
وأخليتَ لي مكانَ الرديفِ
مثل هذا القول لا يمكن أن يصدر إلا عن محبة عميقة صادقة واعتراف من الشاب بفضل الشيخ الصديق.
علاقة قد تكون مرّت ببعضنا لو راجعنا ذكرياتنا، وهل ننسى علاقة تأريخية أخرى خالدة أعني صداقة الرسول الكريم محمد (ص) الشاب النابه، الواضح النبوغ بالشيخ ورقة بن نوفل؟ عشرات السنين فرق العمر، يلغيها التقارب الفكري فتمتزج بها خبرة الشيخ وحكمته، وكل ما اختزن من علم وتجربة، وهذا العقل الشاب المتفتح للمعرفة، المتعطّش لفك ألغاز الكون وأعماقه الروحية حين يجد أمامه شيخاً يختزن علوم الأوائل متبحّراً بالدينين الإسلامي والصابئي واجداً العلاقة بينهما، إضافة إلى حديث الشعر والمراسلات الشعرية بينهما، وحديث السياسة. أما قراءة الطالع فقد رأى الصابي في هذا الطفل الخارق الذكاء الواضح النضج والمثقّف في بيئة كلها شعراء وعلماء رأى فيه مخايل النبوغ الموحي بمستقبل عظيم فقال فيه:
أبا حسن لي في الرجال فراسةٌ
تعوّدتُ منها أن تقولَ فتصُدقا
وقد خبرتني عنك أنّك ماجد
سترقى من العلياء أبعد مرتقى
فوفيتك التعظيم قبل أوانه
وقلتُ أطال الله للسيد البقا
وأضمرت منه لفظةً لم أُبحْ بها
إلى أن أرى إطلاقها لي مُطلقاً
فإن عشتُ أو إنْ متُّ فاذكر بشارتي
وأوجب بها حقاً عليك محققا
وكن لي في الأولاد والأهل حافظاً
إذا ما اطمأنّ الجنبُ في موضع البقا
والفراسة غير فتح الفال والخيرة.
فأجابه الشريف بأبيات تؤكد وفاءه وكرم أخلاقه:
لئن برقت مني مخايلُ عارض
لعينيك يقضي أن يجودَ ويغدقا
فليس بساق قبل ربعك مربعاً
وليس براق قبل جوك مرتقى
فوالله لا كذّبت ظنّك إنّه
لعارٌ إذا ما عاد ظنّك مُخفقا
يفسر هذا في ذلك الوقت بأنّ الصابي قد نظر في سفر البروج، ورأى أنّ برج الشريف أعلى من برج الخليفة، فالشريف إذن سيكون هو الخليفة، وهذا أيضاً جزء من الحقيقة وليس كلها، وليس هو من الأمور البعيدة أو المستحيلة. ففي أي وقت يستطيع الحاكم البويهي أن يخلع الخليفة العباسي الضعيف، وينصب مكانه الشريف الرضي الرجل الكامل المؤهل ـ لو شاء ذلك ـ لكنه لم يفعل إذ ليس من مصلحة الحكّام البويهيين الفرس أن يتولى الخلافة رجل قوي قادر يحد من نفوذهم الكامل)[54](.
فالعلاقة هي محبة خالصة وتفاهم واع بين عقلين متنورين أراد لها البعض أن تفسر تفسيراً سطحياً محدوداً، وكيف يفسّرون رائعة الشريف في رثاء الصابي، والرجل مات ولم تعد منه الفائدة التي يزعمونها؟
أعلمتَ مَنْ حملوا على الأعواد
أرأيتَ كيف خبا ضياءُ النادي؟
وفيها كأنّه يرد على هذا:
لا درّ دري إنْ مطلتُك ذمةً
في باطن متغيّب، أو بادِ
إن الوفاء كما اقترحتُ فلو يكن
حياً إذن ما كنت بالمزدادِ
82 بيتاً من عيون الشعر لا يمكن أن تصدر إلا عن عاطفة صادقة وتأثر عظيم.
أشرت إلى ما استحسنت منها، فوجدتني لم أستثن غير 21 بيتاً، والباقي كله من المختار، ومنه:
ثكلتك أرض لم تلد لك ثانياً
أنّى، ومثلك معْوذُ الميلادِ
من للبلاغة والفصاحة إنْ همى
ذاك الغمامُ وعبّ ذاك الوادي
من للملوك يجُزّ في أعدائها
بظبى من القول البليغِ حدادِ
ومنها:
قد كنت أهوى أنْ أشاطرك الردى
لكنْ أراد الله غيرَ مرادي
ما كنتُ أخشى أن تضنّ بلفظة
لتقوم بعدك لي مقامَ الزادِ
يا ليتَ أني ما اقتنيتُكَ صاحباً
كم قنيةٍ جلبت أسى لفؤادي
ويقول مَن لم يدر كُنهك إنهم
نقصوا به عدداً من الأعدادِ
هيهات أدرج بين بُرديك الردى
رجل الرجال وأوحد الآحادِ
إلى أن يقول:
الفضل ناسب بيننا إن لم يكن
شرفي مناسبَهُ، ولا ميلادي
إن لم تكن من أسرتي وعشيرتي
فلأنت أعلقُهم يداً بودادي
ضاقت عليّ الأرض بعدك كلّها
وتركت أضيقها عليّ بلادي
حينما توفي الصابي سنة 384هـ كان عمره (91)، وعمر الشريف خمس وعشرون، وحينما مرّ بقبر الصابي بعد عشر سنوات، وكان في الخامسة والثلاثين رثاه مجدداً بقصيدة أخرى، وما زالت مرارة الفقد في نفسه وكأن لم تمرّ على رحيل الصديق عشر سنوات، وتجدد حزنه لموت الصابي حين مرّ بقبره. فقال:
لولا يذم الركب عندك موقفي
حييتُ قبرَكَ يا أبا إسحاقِ
كيف اشتياقُك مُذ نأيتَ إلى أخٍ
قلق الضمير إليك بالأشواقِ
هل تذكرُ الزمنَ الأنيقَ وعيشُنا
يحلو على متأمل ومُذاقِ
أمضي وتعطفُني إليكَ نوازعٌ
بتنفسٍ كتنفس المُشتاقِ)[55](
وأذود عن عيني الدموع ولو خلتْ
لجرتْ عليك بوابلٍ غيداقِ
ولو أنّ في طرفي قذاةً من ثرى
وأراك ما قذّيتُها من ماقي
إنْ تمضِ فالمجدُ المرجّبُ خالدٌ
أو تفْنَ فالكلمُ العظامُ بواقِ
بعد كل هذه السنين أجد أنّ نبوءة الصابي قد تحققت بشكل آخر، لم يكن وارداً في التفسير، فلو مررت بقبر الشريف الرضي وزرت مكتبته بالكاظمية قرب بغداد لوجدت أنّ الشاعر خالد، وقبره مزار وتحفة من الفن، فأين قبر الواثق والمقتدر بل أين قبور الخلفاء العباسيين كلهم، ذهبوا وما تركوا لهم أثراً. وهنا تصدق نبوءة الصابي بأنه رأى مقام الشريف الرضي فوق مقام الخليفة.
بقلم: الأديبة الكبيرة لميعة عباس عمارة
ضبط النص وعلّق عليه: الدكتور جودت القزويني
الشطرة
قضاء من أقضية محافظة ذي قار (الناصرية) وأهلها شيعة إمامية اثنا عشرية وتحيط بها القبائل الشيعية وللاطلاع على تاريخها وحوادثها نذكر بعض مما ذكره العلامة الشيخ «باقر الشبيبي 1337هـ 1918م» عن «تاريخ الشطرة».
الشطرة تخطيطها وتمصيرها:
وهي قرية صغيرة كانت مبنية من القصب والطوب واقعة على بُعد نصف ساعة جنوب غربي هذه المدينة الجديدة على ضفتي نهر يسمى الخليلية أسسها الشيخ حسن السنجري من رجال العلم المشاهير وذلك سنة 1202هـ. ودامت آهلة عامرة نحو قرن وأكثر، سكانها يومئذ من قبائل العبودة ولم يكن فيها من جالية العراق إذ ذاك إلا آحاداً أقاموا فيها بقصد الاتجار مع قبائل الغراف وكانت هي القرية الوحيدة التي يؤمها تجار بغداد وسائر مدن العراق.
منازل العبودة فيها:
قلت إن أكثر سكان هذه القرية من قبيلة العبودة أما دواعي سكناهم فيها فيرجع أكثرهم إلى التنافس الذي حدث بين هذه القبيلة وبين جارتها قبيلة خفاجة وكانوا قبيل تأسيسها ينزلون الشاهينية.
لماذا سميت الشطرة:
كانت الشطرة بطيحة من بطايح الغراف غاض عنها الماء وجف، فنشأت كجزيرة تحيط بها المياه وتشطرت إلى أن انعزلت عن أمواه البطائح. والعامة تقول شترت فسميت كذلك لانعزالها، والشطرة لغة من أسماء الأرض. وقد يقال إن تسميتها بهذا الاسم من باب تسمية الجزء باسم الكل.
حدودها:
أما حدود هذه القرية أو الشطرة القديمة فيحدها نهر الغراف من الشرق ونهر أبي مهيفة من الغرب والهاشمية من الشمال ونهر أسليم من الجنوب.
كيف تمصرت:
ألمعنا قبلاً أن مؤسسها الذي وضع الحجر الأول في أساسها هو الشيخ حسن السنجري المشهور، ويجدر بنا أن نلمح إلى حالة الغراف بقول عام قبل تمصيرها فنقول: كان الغراف من أقصاه إلى أقصاه يعد منطقة من مناطق نفوذ أمراء ربيعة فخضع وخنع ردحاً من الزمن لأولئك الزعماء الغرافيين، ولما دارت رحى المعارك بين ربيعة وآل سعدون وانتهت بفوز هؤلاء خرج الغراف من دائرة نفوذ أمراء ربيعة وانتقلت سيادة الغراف إلى آل سعدون، فتمّ لهم التبسط في الحكم وكونوا إماراتهم في ربوعه. وفي ذلك اليوم، أي يوم كان الغراف من لواحق ربيعة، وفد الشيخ حسن السنجري على أميرها مشكور فأحسن وفادته وأكرم مثواه وأقطعه أطيان الشطرة هبة له، فخف الشيخ حسن إلى أقطاعيته ونزلها وعمرها وأمّها كثير من الناس فصارت قرية لها شأن في ذلك العهد.
كيف انفصلت الغراف من ربيعة؟ ـ الحرب بين آل سعدون وبينهم
ذكرنا أن الغراف تحت حكم ربيعة ولم يكن لآل سعدون فيه نصيب من النفوذ فحولوا أنظارهم إلى التسلط على الغراف وتوسيع نفوذهم وأملاكهم فقامت قيامة المنافسات بين الإمارتين إمارة ربيعة وإمارة آل سعدون، وأدت تجارب الأيام إلى نشوب حرب كبرى بينهما ختمت بفوز الإمارة المستجدة.
الزحف للحرب:
جهز آل سعدون جيشاً من قبائل المجرة وجردت ربيعة حملة لصد تيار آل سعدون، وكان على جيش آل سعدون صالح شقيق زعيم آل سعدون حمود، وعلى جيش ربيعة الأمير مشكور نفسه فنزل هذا الشطرة ووقعت الحرب بين الجيشين، فقُتل الأمير مشكور وتفرقت جيوشه، فهزمه آل سعدون يتأثرونهم حتى وصلوا بفلولهم إلى الكوت، وتمت بذلك إمارة آل سعدون على ربوع الغراف.
آل سعدون والشطرة:
فصل الغراف عن إمارة ربيعة وتغلب عليه آل سعدون فرجعت الشطرة الإمارة الجديدة فأُقيم عليها حاكماً ينتدب كل ثلاثة شهور من أهل البلدة، كان يأخذ الضريبة قد وضعها عليهم ودام ذلك حتى أيام ناصر باشا، فغيّر نوع الاستيفاء والجباية وأحدث «ديوان الرسومات» وجعل عليه الخواجا نعوم (مسيحي حلبي).
كيف تؤخذ الرسومات:
في أوائل أيام ناصر كان زعماء القبائل يدفعون خراجهم من الحبوبات التي تنتجها أطيانهم ثم كلفهم بأن يؤدوها دراهم، واستمر ذلك مدة حكمهم وكانوا يتكلفونه لقلة تداول السكة المضروبة عندهم.
ثروة الخواجا نعوم وأسبابها:
قلنا إن نعوم كان صاحباً لديوان الخراج وكان هو الذي يتقاضى الرسوم المضروبة على الزعماء والرؤساء واتفق أن أهل «القصة»)[56]( وآل أبي سعد أدوا خراجهم أرزاً فابتاعه نعوم لنفسه وأدى ثمنه إلى ناصر باشا واختار لادخاره موضعاً «أنباراً» وذلك على ضفة فرع من الغراف بنيت فيه الشطرة الحديثة وجعل على حراسته جاسم جد عائلة آل جاسم المشهورة، وقد اتفق أن الغراف قد امحل في تلك السنة 1287هـ وأقحط وأصابت أهل المنطقة مجاعة لم تتفق لهم في تاريخ حياتهم ودامت ثلاثة أعوام، وكانت تلك المجاعة من نصيب الخواجا نعوم فباع ما لديه يومئذ الأرز بأثمان باهظة عادت عليه بربح فاحش كان بدء ثروته ويساره.
الشطرة الحديثة:
خططت الشطرة في موضع الأنبار الذي اتخذه الخواجا نعوم وكان السبب لتخطيطها فقد أمر وكلاءه هناك بأن يحدثوا له سوقاً فأنشؤوه وهاجر شيئاً فشيئاً إليها أهل الشطرة القديمة، ورغبوا في تعميرها وسكناها لأن قريتهم الأولى لم تكن صالحة إذ ذاك للسكنى وذلك لاندراس النهر الذي خططت عليه، وقد سكنت الشطرة الجديدة سنة 1290هـ وهاجر إليها جماعة من أنحاء شتى كان في طليعتهم الملاك المشهور علي الشعرباف فإنه أحدث فيها أسواقاً وبنايات كثيرة وأنشأ فيها حماماً ودوراً وخانات ومسجد وعاد قدوة لغيره من المعمرين فكثرت أسواقها وزادت بيوت الحجارة فيها وما زالت آخذة بالتوسع والعمران.
حوادثها ووقائعها:
ما زالت الشطرة منذ تمصيرها إلى يوم احتلالها من قبل الإنكليز مباءة للفتن والثورات وبؤراً للحوادث والانقلابات فكانت لا تسكن فيها الحركات الثورية، وقد أوقف سير عمرانها منذ بدأت الغوائل بين القبائل المحيطة بها أول حوادثها التاريخية الواقعة التي افترقت فيها قبيلة العودة فرقتين وتحزبت حزبين.
كيف وقع التحزب والانفصال
في سنة 1291هـ قُتل جويسم (تصغير جاسم) آل علي خان من آل أبي شمخي وكانت قتلته من السناجر وهي فاتحة حروب الشطرة وأول دم صبغ الأرض وألبس الشطرة حلة حمراء أرجوانية اللون. هذه الحادثة التي فصلت بين بيوت السناجر وبيوت آل أبي شمخي وولدت العداء التاريخي بينهما، فارتحل هؤلاء ونزلوا في شمال الشطرة وبقوا كذلك يتحينون الفرص لأخذ ثأرهم من قتلتهم ووحدوا كلمتهم وزادوا بانضمام العميرات إليهم فتضامن الجميع واتحدوا ضد أعدائهم وانتهزوا الفرصة لأخذ الثأر وذلك سنة 1292هـ وكان زعيم السناجر إذ ذاك راضي العكن.
مقتل راضي العكن:
دنت ساعة أخذ الثأر فتسلح آل أبي شمخي وخرج زعيم السناجر على عادته وجاء إلى السوق وجلس في دكان أعده لاستراحته كلما دخل السوق، فأسرع إليه نفر من القوم فقتلوه في موضعه على جلسته وعُيّن زعيماً بعده على السناجر جبير العباس.
زعامة جبير العباس:
بعد قتل راضي العكن خلفه على السناجر رئيساً جبير وجهز الزعيم الجديد عصابة من قومه وتقدمهم هاجماً على قتلة راضي المذكور فاستمر القتال بينهم فقتل جماعة من القتلة وانهزم الباقون والتجأوا إلى آل أبي نجيم وهم من أفخاذ العبودة وحالفوا آل عمار وآل جهل ودخلوا الشطرة باسمه لانتسابه إلى السناجر كما قتلوا نفراً آخرين من السناجر المقيمين في البلدة، وقد تظاهروا عدة مظاهرات في الأسواق والطرقات ثم عادوا أدراجهم.
مقتل جبير وتولية ولده عبيد:
حدثت تلك الحادثة ولم يمض عليها يوم إلا وقد أعد السناجر عدتهم إلى لقاء مقابِلتهم فتلاقى الجمعان وكان عدد السناجر يربو على أعدائهم ولكن أولئك كانوا أكثر دراية واستعداداً للحرب فلم يلاقوا أعداءهم بكل قواهم، بل تركوا لهم كميناً في ملاجئهم وانسحبوا من ميدان القتال لا عجزاً، بل خدعة حتى إذا وصل السناجر إلى بيوت هؤلاء خرج كمينهم وكانوا أربعين فارساً فلم يقو الكمين على صدهم أول الأمر فاستماتوا دون بيوتهم وأذاقوا أعداءهم مرّ القتال وفي الأخير لوى السناجر منهزمين وقُتل زعيمهم جبير مع أربعة وأربعين من قومه وكانت مقاتيلهم خمسة وعشرين قتيلاً.
زعامة عبيد بن جبير:
توقف سير القتال بين الخصمين وانتهت المعركة ذلك اليوم المحزن ورئيس السناجر عليهم عبيد ولكنهم لم يكفوا تماماً عن مواصلة شن الغارات على أعدائهم، بل إنهم واصلوا غزواتهم حتى اضطروهم إلى الجلاء عن أوطانهم.
الحوادث الخارجية:
لم تقتصر الحروب فيما بين العبودة فقط، بل تجاوزتهم وامتد لهيبها إلى جيرانهم، ففي تلك الأيام وقعت واقعة بين آل أبي سعد وبني زيد وكان سبب إثارتها أمرين الأول توزيع المياه على الأطيان والثاني تسوية الحدود بين الفريقين فلم يكن بد من وقوع الحرب التي أدت إلى انكسار العبودة انكساراً ألجأهم إلى دخول أعدائهم في أراضيهم وقتل خلق كثير، أما آل عواد فلما رأوا التواء بني عمومتهم وكانوا محايدين اضطروا إلى محالفتهم وتجديد الحرب فحالفوا آل جهل وانضموا إلى السناجر وانتقموا من بني زيد وآل أبي سعد حتى ألجؤوهم إلى الفرار عن مواقعهم ودخلوا منازلهم وبيوتهم ولم يتركوها حتى ابتنوا في أطيان بني زيد قلعة وبعد ذلك انتهت الحرب وسكنت الغوائل والقلاقل وهدأت الفتن بين الخصوم زماناً طويلاً.
«عودة ناصر باشا وتأثيرها في المنتفك والغراف»
عاد ناصر باشا من الأستانة في أوائل أيام مدحت باشا فحول وجهه إلى استملاك قسم كبير من أطيان الغراف وتسجيلها باسم قومه وأقاربه فتم له ذلك وأظهر ميوله إلى رؤساء الغراف وحبذ لهم أن يبتاعوا بأسمائهم قسماً من الأطيان لقاء أثمان زهيدة فخافوا أن يكون وراء ذلك بلاء عظيم تجره قيود أسمائهم وأثباتها في تسجيلات الحكومة العثمانية وكان الذي حرمهم عن ابتياعها خوفهم من عاقبة الجندية فندموا بعد ذلك «ندامة الكسعي» يوم شاهدوا ثمارها الجنية التي ما زال يجنيها إلى اليوم آل سعدون وبقية الملاكين كآل نعوم وآل دانيال وغيرهم من أهل الأطيان والأملاك. وبالجملة فقد أحدثت عودة ناصر باشا من الأستانة انقلابات في الغراف وتبدلات في سائر ربوع المنتفك.
«ذهاب ناصر باشا إلى الأستانة وتقلص نفوذ آل سعدون»
رأى العثمانيون أن يبسطوا نفوذهم على المنتفك والغراف وأدركوا صعوبة ذلك ما دامت إمارة آل سعدون قائمة في تلك البلاد، فأوعزت حكومة بغداد إلى ناصر باشا أن يذهب إلى استانبول فغادرها سنة 1294هـ وفاتت عليه تمويهات الأتراك، فجهزت الحكومة يومئذ حملة عسكرية بقيادة أحمد بك)[57]( المشهور «بأبي دنبوس» فوصل إلى الناصرية وخرج بحملة على الغراف فجاء الشطرة وجعل مقر عسكره في موضع يقال له «مزيرية» فأوجس خيفة من قبائل القطر فانسحب إلى الكوت بدريّة ومهارة وقد تأثرته القبائل فحاصرته في حي واسط وكان أمير آل سعدون إذ ذاك منصور باشا وصمموا على الإيقاع به ولكنه خدعهم وتمكن من النجاة فوصل الكوت فبغداد، وكبر ذلك على الحكومة فجردت حملة كبرى لاحتلال تلك الديار والقضاء على سيطرة آل سعدون وكان قائد الحملة عزت باشا المعروف بالرئيس.
كيف تم ذلك للعثمانيين:
وصلت حملة الاحتلال الجديدة إلى الكوت وانتدبت الحكومة عشائر ربيعة وبني لام، فانتهزت ربيعة فرصة أخذ الثأر من آل سعدون فانتدبوا لها محبين فتقدم الجيش إلى الغراف وأقبل ربيعة معه وذلك في سنة 1297هـ وتجمهرت قبائل المنتفك وآل سعدون لإيقاف الجيش الزاحف وصدّه عن التقدم، ودارت رحى الحرب الطاحنة بين الفريقين شمال حي واسط في موضع يسمى محيرجة)[58]( فانكسرت قبائل المنتفك وتأثر بهم جيش العثمانيين وربيعة وثار أهل الشطرة في وجوه المنهزمين حيث أراد آل سعدون تخريبها خشية أن تكون مركزاً للعثمانيين المتغلبين وقد طاردهم الجيش الفاتح وفروا لا يلوون على شيء إلى الجزيرة الشامية، وكانت خسائر آل سعدون في هذه الحرب التي قوضت نفوذهم وقضت على سلطانهم كثيرة لا تعد وذلك سنة 1298هـ.
«الشطرة والعثمانيون»
لما انتهت الحرب بظفر العثمانيين تم لهم ما أرادوا من تمزيق إمارة آل سعدون، وخضعت لهم قبائل الغراف وبسطوا نفوذهم على ربوع المنتفك في الغراف والفرات فاستحكموا القرى وعمروها وأسسوا الدوائر الملكية وشيدوا الثكن العسكرية وجعلوا الشطرة مركز قضاء وأقاموا عليها عاملاً وقائمقاماً هو «رستم بك»)[59]( وهو أول عامل تركي دخل الشطرة ورتب الإدارة ووضع أساليب الحكومة بين أهاليها وبقي رستم بك عاملاً فيها إلى سنة 1299 هـ ثم فصل عنها وعين مكانه «فتاح بك» من الأكراد)[60]( وكان مهاباً صارم الحكم، وقد استعمل مدة حكمه أنواع الشدة وضروب الغلظة والقسوة وخص بهذه الأحكام الصارمة رؤساء العشائر دون غيرهم ولولا هذا التأديب لما تم للحكومة العثمانية التبسط والسيطرة على هذه الديار التي اعتادت أمثال هذه الأحكام القاسية فكانت هذه الأعمال نموذجاً للعمال الذين اختلفوا على الشطرة وغيرها من ديار المنتفك.
«آثار فتاح بك في الشطرة»
رأى فتاح بك أن يقيم سداً على نهر البدعة لها رأى أن أكثر مياه الغراف يبتلعها ذلك النهر العظيم فخاف أن يكون من وراء ذلك ظمأ الأطيان بين الشطرة والناصرية وقد كان ذلك، فدعى القبائل لسد مجرى ذلك النهر فسدوه وتدفقت مياه الغراف في خليج الشطرة ولكن الأطيان الأخرى التي كانت تروى من البدعة أوشكت أن تموت فشكا أهلها الظمأ ففتح لهم مجرى صغيراً لري أطيانهم وإحياء مزارعهم وقد اتسع شيئاً فشيئاً حتى عاد إلى مجراه الأول فطم خليج الشطرة وظمأت جملة كبيرة من الأراضي والأطيان وأصبحت بواراً وما زالت كذلك إلى يومنا، وبقي فتاح بك عاملاً في الشطرة خمسة أعوام وابتاع أطياناً بالفتاحية وعمّر دوراً واقترن بفتاة من قبيلة خفاجة وأعقب ولداً منها ثم فصلته الحكومة وعينت مكانه وكيلاً «مجيد أفندي» ثم أقامت نشأت أفندي عاملاً في الشطرة أصيلاً، أما فتح بك فبقي ردحاً من الزمن لا منصب له حتى مات وبقي نشأت أفندي عاملاً في الشطرة وكانت أعماله فيها أعمالاً سيئة جداً ولم يكن من العمال الذي يصلحون للمناصب والإدارة فعزل بعد أن قضى مدة أبان فيها جهله وكشف خلالها ظلمه وعينت الحكومة مكانه «قدري أفندي».
«قدري أفندي»
عينت الحكومة العثمانية «قدري أفندي» عاملاً على الشطرة وكانت أعماله وسطاً بين أعمال من سبقه من العمال وفي أيامه كاد خليج الشطرة أن يندرس لقلة ما يحمله من المياه وفي ذلك ما لا يجهل من خراب ويباس وموات المزارع العامرة والأطيان الزاهرة فأمر بسدّ البدعة فسدت ولكنه لم يدم طويلاً فقد كثر تشكي الناس فيها من الأضرار العظيمة التي تصيب الحكومة وتصيبهم فيما لو دام السد فأذن بفتح مجرى صغير ينفع أهل البدعة ولا يضر بخليج الشطرة ولكن المياه وسعت هذا المجرى كما وسعت في الأيام الأولى «أيام فتاح بك» وعاد خليج الشطرة إلى حالته الأولى فبارت الأراضي وقلّت المزارع وكان فتح ذلك السد علة انفصال عن الشطرة.
«الحوادث والفتن في الدور العثماني»
دامت الشطرة ساكنة بعيدة عن الحركات والمشاغبات منذ تسلم العثمايون زمام الحكم والإدارة في بلاد المنتفك إلى أيام القائمقام قدري وأوائل أيام خورشيد أفندي ثم بدأت الحركات والمفاسد وكانت فاتحتها حادثة العميرات والسناجر وذلك سنة 1312هـ فإن العميرات اعتدوا على أحد السناجر فشق على قومه الأمر، وأدى ذلك إلى امتشاق الحسام بين تينك الفرقتين وانضمت الحكومة إلى العميرات ولزمت جانبهم في هذه الحادثة فأخرجت طابوراً من الجيش المقيم في الشطرة وأطلق النار على السناجر وذلك بدون توقيع من أعضاء مجلس الإدارة فقُتل بنار الجند عدد من السناجر فأصبح رئيس العبودة «عبيد» على فعل الحكومة وكان احتجاجاً معقولاً، فأدرك القائمقام أنه أخطأ خطأ كبيراً وخاف عقاب الحكومة وفصله عن القضاء ولكنه تدارك الأمر وأمر بكتب الجلاء على عشيرة العميرات فتفرقوا جميعاً بين قبائل الغراف وسكن أكثرهم قلعة سكر.
«حادثة سعدون باشا ومحمد زلام»
على أثر تلك الحادثة هدأت الفتن في الشطرة وقلت أحداثها ووقائعها حتى جاءت سنة 1321هـ وكأنها أقبلت للقضاء على النفوذ العثماني في أكثر ديار الغراف فحدثت فيها الحادثة الكبرى وكانت بين الحكومة وسعدون باشا.
«كيف وقعت الوقعة»
جاء سعدون باشا المعروف وهو أبو الوقائع التاريخية في العراق واستأذن الحكومة في اللواء أن يقيم في ربوع المنتفق وقد أقنعها بأن الشامية قاحلة ماحلة لا تصلح للنزول فيها والإقامة فنزل ديار الغراف واختار من بينها أراضي العبودة وكانت قبائل هذا القطر وجلة خائفة من بطشه وغاراته فنهض عبيد ورفع إلى الحكومة عريضة أفاض فيها عن مفاسد سعدون وحذرها إن هي أباحت له دخول الشطرة يتزعزع مركزها فمنعت دخوله وعرقلت مساعيه وطالما أراد الوقيعة بعشائر العبودة ولكن العشائر سبقوه فثاروا عليه وأذاقوه العذاب وألوان الموت وقد أسعفتهم الحكومة فأرسلت إلى قتاله طابوراً من الجند بقيادة «القول أغاسي»)[61]( «محمد زلام» والتحموا معه في موضع يقال له الجرارة من أراضي آل عواد في البدعة ودامت الحرب على أشدها ثلاث ساعات ختمت بفوز سعدون وانكسار العشائر والجنود واستشهد في تلك المعركة «القول أغاسي» وضباطه وقائد الدرك وثمانون جندياً ثم انجلى عن ربوع المنتفق إلى الشامية بعد تهديد بلاد الشطرة، أما حكومة بغداد فقد أرعدت وأبرقت لهذا الحادث وأرسلت جيشاً إلى ديار المنتفق بقيادة محمد باشا الداغستاني. ولما وصل الداغستاني وجد القطر قد أفسد من أقصاه إلى أقصاه ولم يستطع أن يقمع الفتن ويسكن الثورات التي استعرت يومئذ في كل ناحية ومكان، ولم يجد بداً من الرجوع القهقرى إلى بغداد. وخلاصة الأمر أن هذه الحادثة كانت مبدأ حوادث ومصائب على العثمانيين أدت إلى إذلالهم وتقلص نفوذهم من بلاد المنتفق.
«حادثة الوجه»
ومن أعظم الغوائل التي اغتالت الشطرة وأخربت عمارتها واستأصلت حضارتها الغائلة المدونة بين القبائل «بمسألة الوجه»، والوجه إذا قال عربي لآخر إني في وجهك فقد أمن كل عقوبة مهما كانت الجناية عظيمة والجرم كبيراً وإذا أُهين أو جرح أو قتل ما دام في الوجه فقد نزل البلاء على أولئك المعتدين وإن كان اعتداؤهم بحق فمسألة الوجه عند العرب من العادات المقدسة التي لا يجوز خرقها أو هتك حرمتها وأول واقعة انتهكت حرمة تلك العادة في الغراف حتى اشتهرت باسمها لعظمها عندهم هي الحادثة الآتية وإليك بيانها.
من قواعد الرحالة أنهم يتبعون المرعى الخصيب لا سيما إذا كانوا أهل ماشية ومن تلك القبائل «البدور» فأنهم أهل انعام وكانوا يجوسون خلال الغراف إذا خصب وقد اتفق أن البدور نزلوا في أراضي العبودة في جمادى 1324هـ. وقد اختاروا أراضي الجاسمية مرعى لأنعامهم فحدثت بينهم وبين آل أبي شمخي حادثة قتل فيها أحد رجال هؤلاء فخاف البدور ونزلوا على «آل جهل» وهي قبيلة من قبائل العبودة، واضطروا إلى أداء دية القتيل حتى يأمنوا على نفوسهم وأموالهم وقد وسطوا لحسم المسألة «رئيس آل جهل» سويلم بن هوامش فطلبوا من ذوي القتيل أن يعينوا اليوم لكي يحضروا فيه لحل تلك العقدة حسب العادة المألوفة فعينوا آل أبي شمخي يوماً ولكنه كان يوم شؤم لا يوم صلح فتأخر وفد أداء الدية عن ذلك اليوم وحضروا في اليوم الثاني للاجتماع فعد أهل القتيل تأخر القوم جناية عظيمة وازدراء بهم فكتموا سخطهم حتى إذا قارب القوم منازلهم أطلق عليهم الموتورون نيرانهم على الوفد فقتل «بدري» من البدور ولما كان البدور في حماية آل جهل عاد رئيسهم سويلم وملأ نفسه السخط والغضب فجهز قومه وجمع جمعه واستعدوا للحرب بدعوى خرق «حرمة الوجه» فكان عامة العبودية في قبالة آل أبي شمخي ونشبت الحرب ودامت سبعة أيام بلياليها حرباً شعواء قتل فيها خلق عظيم من الطرفين، وفي الأخير سلم آل جاسم وآل أبي شمخي بعد حصار طويل وكتب عليهم الجلاء عن الشطرة فغادروها (بعد الأسر) إلى «شامان» (موضع على ضفة نهر الغراف الأيمن) ومكثوا هناك إلى سنة 1325هـ وقد اصطلحوا بعد ذلك مع قومهم وعادوا إلى أوطانهم.
لم تنقض سنة 1325هـ المفعمة بالحوادث حتى جاءت سنة 1326هـ وفيها رضيت الحكومة العثمانية عن سعدون باشا فأمنته وأسندت إليه لقب «مصلح الغراف» (وذلك بإشارة قائد لواء المنتفق مظهر بك يوم كان أميرلاي) ومطالعته وإلحاحه على حكومة البصرة والقيادة في بغداد فنفرت إلى مساعدة الميرلاي مظهر بك، سعدون باشا مساعداً له فنزلوا ديار آزيرج ودعاهم الباشا إلى طاعة الحكومة فلم يذعنوا واجتمعوا لقتاله فقاتلوه وكسروه وأغنموا على المشهور «وارد»)[62]( ثم عاد الكرة عليهم بعد أن لف لفه وجمع حوله من مقاتلة خفاجة فأعلنت القبائل طاعتها فزاره الرؤساء والزعماء. وقد احتفى احتفاء عظيماً «بخيون العبيد» فعزّ ذلك على بقية الرؤساء وحنقوا على سعدون وعصوا أمره ومنعوه دخول الشطرة فتجمعوا واتحدوا تحت رئاسة عبد الكريم الفالح باشا وحامد بن مشاري وكان يومئذ فالح باشا وولده عبدالله بك بالبصرة وذلك لأن سعدون لما استلم زمام الأمر رفع شكواه إلى الحكومة بأنه لا يمكن إصلاح ديار المنتفق وفالح باشا فيها فطلبت الحكومة فالح وولده عبدالله بك وأبقى عودة عنده ولده عبد الكريم بك وحامد بك المشاري وأشار إليهما أن يمانعا سعدون ويعرقلا مساعيه فجعل هؤلاء يجمعون القبائل ويبثون الدراهم لذلك الغرض فتجمهرت عشائر العبودة وآل أبي سعد وبني زيد وأتباع فالح ضد سعدون والحكومة فدارت رحى قتال عنيف أدت إلى انكسار العشائر وآل فالح ودخول سعدون ومظهر ظافرين إلى الشطرة ولما دخل سعدون إلى الشطرة سنّ على الرؤساء ضرائب لا تطاق وكلف خيون بأداء ما فرض عليه من الضرائب فتمنع وعاضده زعماء العشائر وصادف رجوع عبدالله الفالح من البصرة بعد موت أبيه فيها فتعاقدوا على حرب سعدون وطرده، ولما رأى عبدالله تصميم القوم على حرب خاله سعدون جهزهم وأعانهم على مقاصدهم وأمدهم بقومه ونشبت الحرب بين الفريقين وكانت حرباً مدهشة دامت في طرقات الشطرة وأزقتها ثمانية أيام بلياليها وكابد السكان من جرائها أنواع الشقاء والاضطهادات وقتلت بعض النفوس البريئة وقد اضطرت العشائر سعدون أن يحصر في «القشلة» (الثكنة العسكرية) وقد اشتركت في هذه الحادثة بني ركاب والعبودة وآل حميد وبني زيد وآل أبي سعد وخفاجة، أما بني ركاب وخفاجة وقسم من البدور ومن العبودة آل أبي شمخي هم من جانب سعدون والباقون هم مع عبدالله بك وفي الأخير اضطر سعدون باشا إلى التسليم فخرج من الشطرة ونزل قلعة شامان فالتف حوله بني ركاب والشويلات وقراغول ثم إن عبدالله جمع عشائر العبودة وبني زيد وآل أبي سعد وأعاد الكرة عليه وهزمه من شامان بعد عراك شديد، أما مظهر بك فلم ينفع سعدون بشيء ولم ينصره في هذه الواقعة بل بقي في ثكنته كأنه لم يكلف بأخذ معونته فأصبح بعد ذلك الأمر والنهي بيد عبدالله بك وخيون ولكن الأول لم تكن له أطماع بما في أيدي الناس وأقل وطئاً من رفيقه ومن خاله. ولم تكن الحكومة في الشطرة بالاسم لا تنفع ولا تضر. وبعد واقعة شامان جمع سعدون باشا جموعاً من عشائر بني ركاب والبدور والشويلات وجهز عبدالله بك عشائر العبودة وبني زيد وآل أبي سعد فتقابل الفريقان في محل يسمى أبو شليلة على ضفة الغراف ولكن بعض زعماء القبائل من الفريقين أدركوا أن الغاية أما إلى سعدون أو إلى عبدالله فتراجعوا فيما بينهم فسحبوا قبائلهم وانسحب الجيشان بلا قتال فيئس سعدون وترك الغراف وعبر إلى بر الشام.
«مصطفى باشا»
وفي شهر ذي الحجة سنة 1327هـ تأهب العثمانيون لإصلاح الغراف وديار المنتفق واستئصال الفتن وإعادة النفوذ العثماني إليه فجهزت حكومة بغداد جيشاً تحت قيادة المير لواء مصطفى باشا فدخل الغراف بسلام لا بخصام وجعل يتنقل من الكوت إلى الناصرية مع جيشه فأدخل الرعب في قلوب الغرافيين وعشائر المنتفق دون إطلاق رصاصة واحدة فخضعت القبائل وقد أمر بتهديم بعض القلاع والحصون فهدمت وطلب من العشائر بعض الرسوم فسلمت بتمام الامتثال وعندما دخل الناصرية رفع بعض أهالي تلك البلدة على عشائر آل ازيرج شكاوى بدعوى أنهم يعارضون الطريق وأنهم يتدخلون في شؤون البلدة فأخرج القائد مصطفى باشا جنده على تلك القبائل وأصر على جلائهم فقاتلوه قتالاً عجيباً أفضى إلى انكساره بعد أن أخلوا له عدة جمايع «قرى» حتى تمادى الجيش في الفتك والحرق فخسر قسم من جيشه وكل قوته المعنوية وبقي محصوراً هو وجنده في الناصرية.
«يوسف باشا والشطرة»
ولما رأت الحكومة العثمانية اتساع الخرق في تلك الديار جعلت تتوسل بكل ما لديها من الوسائل لبسط نفوذها وإصلاح تلك الربوع جردت حملة مؤلفة من ستة طوابير كاملة العدة تحت قيادة الفريق يوسف باشا الشركسي وضمت إليه القوة الموجودة في الناصرية المؤلفة من خمسة طوابير فكملت القوة في ديار المنتفق أحد عشر طابوراً فوصل القائد يوسف باشا الشطرة وذلك في اليوم السابع عشر من ذي الحجة سنة 1327هـ وأرهب الناس يومئذ بقوته واستعداده وقد انحاز إليه من العشائر آل أبي شمخي وآل جاسم وكانت أطيانهم مغتصبة تحت احتلال العبودة فشكوا ذلك التظاهر فوسط الوجهاء والأعيان لاسترضاء آل جاسم فلم يقبلوا دوام التفاوض بين الفريقين برهة من الزمن كان يوسف باشا في أثنائها يستميل العشائر للإتفاق معه على مقاتلة خيون وأتباعه وبعد ذلك بقليل قرر المجلس الإداري ضرورة الحرب وتأديب خيون ورفقائه. فتقدم الجيش خارج البلد فأطلقت المدفعية نيرانها على الحادي (منازل السناجر) وذلك في 14 ربيع الأول سنة 1328هـ أما هؤلاء فلم يردوا الفعل ولم يطلقوا طلقة واحدة ضد الجيش فصبروا على النار إلى ظهر ذلك اليوم ثم هجموا على الجند بعد أن رأوا أعداءهم آل شمخي يناوشونهم النار، فاضطر الجند إلى الانسحاب بعد أن ترك مدفعين وجملة قتلى من الضباط وقائد طابور، وفر آل أبي شمخي إلى منازلهم كعادتهم في كل مرة ودخل الجيش المنكسر إلى البلدة وتأثرته العشائر فدخلوا البلدة وعاثوا فيها فساداً وجرى فيها النهب والسلب فلم يسلم من عيثم دار ولا سوق ولم تختص قبائل خيون بهذا العبث بل كان للجند وآل أبي شمخي سهم وافر في النهب والسلب ولا تسل عن حالة الأبرياء في تلك الليلة السوداء في حال من لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً.
وبعد أن قضت العشائر وطرها من البلدة وبعد أن لم يبق فيها دكان عامر لم ينهب، تسللوا جماعات جماعات وعادوا إلى منازلهم وملاجئهم موفورين بالغنائم والأسلاب، أما يوسف باشا فقد ضرب نطاق الحصار على البلدة بعد خرابها وطوقها بالمعاقل والمتاريس وبنى مواقع للحامية ودامت البلدة محاصرة ثلاثة أهلة وعشرة أيام لم يسكن فيها إطلاق النار من الجيش والعشائر ليلاً ونهاراً ولم يدخلها داخل ولم يخرج منها خارج فاضطر أهل البلدة أن يقدموا الشكايات إلى ولاية البصرة على يوسف باشا الذي أخرب البلاد واضطهد العباد واتفق في ذلك الوقت وصول الوزير ناظم باشا إلى بغداد فأمر بسحب الجيش المتوزع في أنحاء العراق وجمعه في بغداد، فغادر يوسف باشا الشطرة وزال الحصار عنها فاستنشق الناس نسيم الحياة وانتهت هذه الفاجعة بزوال السلطة العثمانية من الغراف زوالاً تاماً وتم لخيون كل شيء.
«جلاء خيون»
ولما انفصلت حادثة يوسف باشا انتشر عقد نظام الأتراك في ربوع الغراف والمنتفق وأخذ القوي يدوس حقوق الضعيف شأن الأمم الفوضوية وعمت هذه القضية إلى أبي نجيم وهم أصل هذه الحادثة الكبيرة وذلك أن برغش آل مري رئيس عشيرة أبو نجيم قام ينازع ابن عمه كزار وحدثته نفسه في التغلب على ما في يد كزار من الأراضي وسلبها منه وقد أحس كزار بذلك فالتجأ إلى آل جهل وأدخل نفسه دار أخيه عليهم أما هؤلاء فقد قاموا بوظيفتهم ودافعوا عن حقوق الرجل أشد الدفاع ووقعت الفتنة بين الفريقين ودامت أياماً وختمت بجلاء آل أبي نجيم عن مواطنهم ونزلوا الشطرة وأخذ خيون في إصلاح ذات البين بين الطرفين ولكن الأغراض النفسية تحول بين ذلك وتوسعت هذه الحادثة وعادت أحزاباً فانضم إلى سويلم عشائر البدعة من العبودة وبني زيد وآل أبي سعد والشويلات وقراغول وقسم من أهالي الشطرة وانضمت إلى قبائل خيون قبائل خفاجة وجاءت بني ركاب لإصلاح هذه الحادثة وبقوا شهراً كاملاً ضيوفاً عند خيون فلم يتمكنوا من الإصلاح ورجعوا إلى أوطانهم وانجلت هذه الحادثة على حوادث عديدة.
«حادثة آل عواد»
اشتهرت هذه الحادثة بحادثة آل عواد وهم قبيلة من قبائل العبودة تحملوا على خيون وانضمت إليهم قبائل بني زيد وفي سنة 1322هـ تجمهر آل عواد وبنو زيد يريدون كسر نفوذ خيون حتى وصلوا إلى منازل الدبات وفر الدبات هاربين وعلت النار في مبانيهم وفي نية المهاجمين دخول الشطرة وإجراء النهب والسلب فيها ولكن أهل البلد ولفيف من السناجر وآل أبي شمخي ثاروا في وجوه المعتدين وهزموهم شر هزيمة ورجعوا ظافرين بعد أن أوصلوا المنهزمين إلى بيوتهم.
«حادثة المتصرف»
لما انتهت حادثة آل عواد بظفر السناجر ذهب رؤساء القبيلتين آل عواد وبنو زيد إلى الناصرية وقدموا عرايض إلى الحكومة شاكين بها أفعال خيون وما ارتكبه من الجرائم ضدهم وبرهنوا على اقتدارهم إن ساعدتهم الحكومة فأقنعوا حكومة اللواء. حينئذ خرج المتصرف «مصطفى نادر» ومعه حملة من الجند ومدفع واحد وأراد دخول الشطرة عن طريق خفاجة ولكن هؤلاء منعوه عن ذلك ثم جاء من طريق آل إبراهيم والتف حوله آل عواد وبنو زيد وقضوا على أتباع خيون القضاء المبرم. أما خيون فقد كان في نفس الشطرة وعندما علم بذلك ترك البلد وخرج إلى «الحاوي» ودخل المتصرف الشطرة وهجمت عشائر بني زيد وآل أبو سعد والجند والأهالي على الحاوي وأشعلوا النار في أطناب خيون بعد نهب أمواله وأثاثه وما في القرية.
«ما هو الحاوي»
الحاوي يبعد عن الشطرة بنحو ميلين من جهة الجنوب الشرقي تأسس سنة 1307هـ وقد استوطنته قبيلة السناجر لما عزمت الحكومة التركية على تسجيل النفوس في البلدة خوفاً من إثباتهم في سجلات الحكومة ودامت إلى يومنا هذا. ولما دخل المتصرف بلاد الشطرة عمد خيون على ترك الإقامة في الحاوي وأرسل على وجهاء آل أبي سعد وفاوضهم في ذلك فحسنوا له الرأي وتعهدوا له في حفظ وطنه «الحاوي» وصد المتعرضين ولكن هؤلاء بعد أن رحل خيون طمعت نفوسهم في أمواله فأجروا فيها النهب والسلب ثم أضرموا النار في داره ودور أصحابه أما خيون فقد رأى أن الصبر على هذه الحالة يعد من الجبن فألوى عنان جواده وكر هو وأصحابه على آل أبي سعد واشتد القتال بين الفريقين وذهب في ذلك خلق كثير لا سيما من آل أبي سعد وما فصل بينهم إلا سواد الليل، هذا المتصرف في الشطرة ثم أقفل راجعاً إلى اللواء خوفاً من أن ينقطع به الطريق.
«لماذا عاد المتصرف إلى الناصرية»
وحين ما رأت القبائل انكسار خيون وإضرام النار في منازله خافت أن يجري ذلك عليهم ولو بعد حين فأدرك المتصرف ذلك وخاف سوء المغبة. وحينئذ غادر الشطرة مخافة أن يعكس الفوز الذي أحرزه فيعود بنكبة لا تقوى عليها الحكومة وعند وصوله مركز اللواء أمر بعزل وكيل القائمقام في الشطرة وتعيين قائمقاماً لها «محمد علي بك الكردي».
«محمد علي بك والشطرة»
ولما دخل محمد علي بك الشطرة جعل يطلب خيون ومن ينتمي إليه، وحقر بعض الوطنيين وسجن آخرين، أما الوجوه من الوطنيين فحين انكسار خيون أظهروا ما كانوا يكتمونه من العداء لـ خيون وأخذوا يساعدون الحكومة. وأما الحكومة فقد خصصت بعض الأموال لبناء المتاريس والقلاع في ظاهرة البلدة صداً لغارات خيون الليلية.
«الصلح الكاذب»
لما كتب الجلاء على خيون نزل على قبائل خفاجة فأكرموا مثواه وعاضدوه ونصحوا له في النصرة. وكان خيون يكره عداء الحكومة فأخذ يتوسل بوسائل الصلح فأرسل على «سويلم» ورؤساء العبودة التابعين إلى الحكومة وعقد معهم صلحاً على أن يدخل أراضي الصديفة ويقيم في القلعة المسماة «البيضة» أجابه «سويلم» على طلباته ولكن عندما رجع من هذه الجلسة أوعز إلى أهل الصديفة أن يمنعوا خيوناً من الوصول إلى الصديفة والإقامة بالقلعة المذكورة. أما خيون فعند ختام هذه الجلسة أرسل معتمديه إلى الصديفة وأمرهم أن يقيموا في قلعة البيضة وعند وصولهم منعهم آل عواد وآل حسن وذلك بإشارة من «سويلم الهواش» فغادروا راجعين ونشبت عن ذلك حرب شعواء انتهت بتسليم ثماني قرى بقلاعها.
«تسليم ثماني قلاع في يوم واحد»
لما يئس خيون من الإقامة في أراضي الصديفة ولم يحصل على رضاء الحكومة عنه صمم على نشوب الحرب وندب قبائل خفاجة للتنكيل بسويلم الناكث للعهد فبسط رايته والتف حوله أصحابه وحوّل نظره إلى افتتاح قلعة عيسى آل محمد يحيى لأنها مفتاح باقي القلاع ثم أحاط بها وسلم أهلها فدخلوها وزحفوا على قلاع آل أبي خليف فسلمت على أيديهم، وعند صبح ذلك اليوم تواترت جموع خفاجة وعدوا على قلاع سويلم وفتحوها من دون حرب وعلت النار في الجميع وفر «سويلم» ومن معه إلى الشطرة وقد استوطنوها وقد رجعت جموع خفاجة إلى مواطنها وبقي السناجر يتجولون في تلك الربوع والأراضي العامرة بالمزارع.
«حادثة البدور»
البدور قبيلة من العرب قوية الساعد شديدة المراس من القبائل الرحالة يتبعون المرعى الخصيب لأنعامهم ولما خلت أطيان «سويلم» من السكان نزلها البدور واتخذوها مرعى لأغنامهم فلم يسهل ذلك على خيون وجعل يطارد البدور حتى أجلاهم عن أطيان العبودة، أما البدور فقد استوطنوا في أبي مهيغة وعادوا في اليوم الثاني لحرب خيون وانضمت إليهم الحكومة والشطرة وآل جهل ووقعت الواقعة ودامت إلى عصر ذلك اليوم وانتهت بانسحاب خيون عن أطيان «سويلم» وبقيت هذه الأراضي الواسعة فارغة من الطرفين ثم تلت هذه الحادثة حوادث كثيرة.
«حادثة أبي عضيلة»
هو جار الله من قبيلة آل عواد ولكنه تبع خيون في هذه الحروب وفاء منه لإنعامه عليه وهو في مكان يبعد عن الشطرة بنحو أربعة أميال، وقد بقي في قلعته لمنع الشويلات والقراغول من الالتحاق بالحكومة في حملة الوقائع فعظم على الحكومة ذلك فدبرت سراً وأرسلت على البدور وأعطتهم التعليمات اللازمة لصد خيون وأعوانه، ثم أخرجت في الساعة السادسة مساء واحتاطت على قلعة أبي عضيلة إحاطة السوار بالمعصم وأنزلت به البلاء المبرم ولكن الرجل صبر لهم صبر الكرام واستمات حول وطنه حتى نفدت مؤونته وتهدمت قلعته بقنابل المدافع فاضطر إلى ترك موقعه والتحق بخيون.
أما خيون وأصحابه فقد نفروا جميعاً لنصرة جار الله فصدهم كمين الحكومة، وهم قبيلة البدور، فقصدوا البلد قصد الفتك بها والتحموا مع حاميتها وهم رهط من الشرطة والأهالي فمنعوهم عن دخول البلد بعد حرب شديدة ذهب فيها خلق كثير أما أطيان «أبي عضيلة» فقد صارت مركزاً إلى «سويلم الهواش» واتصلت قبائل قراغول والشويلات بالبلاد وبقيت الحكومة تندبهم لكل غائلة فيخوضون غمارها.
«الأمان الصوري»
وبعد تلك الحادثة عزمت الحكومة على التنكيل بخيون فندبت قبائل الشويلات والقراغول وبني ركاب ومن يتبعها من العبودة فحضروا في نفس الشطرة وأعطت أماناً إلى «علي الفضل» زعيم خفاجة بوساطة يوسف خيرالله فجاء به إلى دار الحكومة ولما مثل بين يدي الأمراء فرضت عليه جلاء خيون عن ربوع المنتفك. وبعد المفاوضة رفض «علي» التكليف بكل صراحة فأودع على ظهر باخرة صغيرة كانت راسية أمام الثكنة وجاؤوا به إلى باخرة كبيرة راسية في صدر البدعة ونقلوه إليها وسارت به إلى البصرة واعتقل هناك حتى وقعت الحرب العامة والمعركة التي قتل فيها عمر لطفي وأطلق سراحه وكلفته بإصلاح هذه المسألة.
«مقتل البكباشي عمر لطفي»
وبعد تسفير الزعيم «علي الفضل» وسجنه في ولاية البصرة أخرجت الحكومة الجيش والقبائل التي ندبتها لحرب خيون عن ديار المنتفك وأخرجت جندها ومدافعها ونزلوا خارج الشطرة في مكان يقال له «اسليم» وكان القائد للقوة التركية يومئذ «سيف الله بك» الذي أسر فيما بعد في الحرب العامة في منطقة العمارة وجاءت قوات خيون كالسيل الجارف بقلوب أقسى من الحديد ونزلت في مكان يقال له «الشغفة» في قبالة الجيش التركي ثم استعرت نار الحرب بين الطرفين وقد انجلت الغبرة عند المساء عن انهزام الجيش التركي والقبائل الموالية له وقتل البكباشي عمر لطفي مع عدد من الضباط وكثير من الجند وأسر البعض وغنمت جموع خيون مدفعين ورشاشات وجميع الذخائر وأثقال القبائل ومضاربهم وكثير من البنادق الأميرية والعتاد والخيل والبغال ورجع الجيش مغلولاً والقبائل منهزمة إلى أهلها وأمست البلد مهددة من قبل خيون ولو أراد لدخلها بدون مقاومة، وبعد هذا جعل خيون عندما تكون المناوشات يطلق مدافعه التي غنمها من الحكومة على البلاد بواسطة أحد اللاجئين إليه من رجال المدفعية إرهاباً للأهالي والحكومة حيث أصبحت الحكومة لا مدفع لها.
«واقعة آل أبي سعد»
وقبل خروج الجند من الشطرة لمقابلة خيون أخرجت الحكومة قسماً من الجند وبعض المدافع تحت قيادة القائمقام محمد علي بك بقصد التضييق على خناق خفاج المحاذين لآل أبي سعد فنزل الجند في قلعة حسين بن جعين زعيم آل أبي سعد وعندما نشب القتال بين خيون والجند اشتركت هذه القوة ومن يتبعها من القبائل وهم بنو زيد وآل أبي سعد وهجموا على قبائل خفاجة ولما انكسر العسكر بقيادة سيف الله تقهقروا هؤلاء والتجؤوا إلى القلعة وبقي القائمقام وجنده محصورين في قلعة حسين آل جعين أياماً إذ انقطع بهم الطريق وبقيت الشطرة من غير حاكم يدير شؤونها وبلا قوة معنوية حيث حاكمها قطع عليه الطريق، أما «محمد علي بك» القائمقام فخاف المسؤولية لتركه القضاء وقرر أن يرجع إليها وحده فاتخذ طريقاً على بني سعيد والدواية ثم الكرادي ومنه إلى الشطرة وترك الجند هناك محصوراً بدون مؤونة.
ولا بد للخسران من بارد العذر
لقد ظن رؤساء الشويلات وغيرهم أو زعموا أن ذلك الانهزام الشنيع الذي لحقهم والحكومة إنما هو خيانة آل عواد وآل حسن فصمموا التنكيل بهم.
قبائل الشويلات والتنكيل بآل عواد
لما وصلت قبائل الشويلات وآل حميد إلى مواطنها بعد تلك الهزيمة الشنعاء التي ألحقت بهم العار عظم ذلك عليهم فتآمروا فيما بينهم على الوقيعة بآل عواد وصادف ورود قوة من بغداد تحت قيادة «عبد الحليم بك» (الذي صار أخيراً قائداً على قوة الأتراك في منطقة العمارة وأخذه الإنكليز أسيراً) فجمع الشويلات وعموم آل أحميد جموعهم وهجموا على آل عواد ونكلوا بهم أشد تنكيل من نهب وسلب ثم أضرموا النار في ديارهم ثم رجعت الشويلات ثملة بحميا النصر وقد أدركت الحكومة ميول القبائل نحو الزعيم خيون وثبت ذلك في قبائل آل أبي سعد فجهزت قوة للوقيعة بمن تظن به خيانة وثانياً لتعمل الطريق لإرجاع القوة المحصورة عند آل أبي سعد. أما خيون فقد كان نازلاً في موضع يقال له «البركة» «الرجة» بقرب آل أبي سعد لكي يضيق الخناق على الجند المحصور وعندما خرج الجند من الشطرة وصار قريباً من منازل خيون أطلقت النيران على منازل خيون ونشب بينهم القتال إلى العصر فاضطر الجند إلى الانسحاب وفي الأخير إلى الانهزام فاغتنم أصحاب خيون الكثير من البنادق والعتاد وقتل من الجند مقتلة عظيمة وأسروا كثيراً وعاد المنهزمون إلى البلاد وقد يئسوا من الفوز والتزموا خطة الدفاع في نفس الشطرة واستنجدوا بجاويد باشا والي بغداد وقائد الفيلق السادس وهذا في كنانة الأتراك.
«جاويد باشا والشطرة»
ولما رأت الحكومة تفاقم الأمر واتساع الخرق في ربوع المنتفك جهزت حملة عسكرية بقيادة والي بغداد وقائد الفيلق السادس «جاويد باشا الذي تسلمت الحكومة الإنكليزية البصرة بزمن قيادته على الجيش العراقي» لقمع الفتن واستتباب الأمن في ساحة الغراف وعودة النفوذ التركي في تلك الأصقاع، جاء جاويد حتى وصل كوت الإمارة وانتدب قبائل ربيعة لهذا الغرض ووصلت مقدمة الجيش إلى قلعة سكر وتهيأت قبائل الغراف للالتحاق بجاويد باشا، فبينما كان جاويد باشا على أهبة الحركة إلى الغراف إذ ورد عليه الأمر بإعلان النفير العام للحرب العمومية وأن يغادر الكوت فرجع إلى بغداد ليجهز جيشاً لسد ثغر البصرة وعرّف جاويد حكومة الشطرة بذلك وأمر الجيش بالالتحاق به ولكن حكومة الشطرة ابرزوا الصورة في غير محلها وعقدوا مع خيون مهادنة وسلم إليهم المدافع وقسماً من البنادق والمؤن البارزة للعيان والذخيرة الأميرية ثم غادرت الشطرة الحكومة التركية ودخلها خيون وتراجع إليها بعض ا لوطنيين الفارين ودامت هذه الحادثة المحزنة ستة أهلّة وقد كابد الوطنيون في خلالها العذاب الأليم وكان يوم دخول خيون في الشطرة في الأعياد إلا أفراد من الذين تظاهروا بالعداء له.
«الحوادث والفتن في الحرب العامة»
ومنذ انسحاب الجيش التركي من الشطرة قام بخفارة البلاد وحفظها من أيدي العابثين والمعتدين «خيون العبيد» وأما البقية الباقية من شرطة الأتراك والجنود الاحتياط فلا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا يدفعون عنها ضراً ودامت الشطرة منذ تسلم زمام الحكم فيها الزعيم خيون بعيدة عن الحركات والمشاغبات إلى يوم احتلال الجيش البريطاني لمدينة البصرة وهو اليوم الرابع في محرم سنة 1333هـ. وحينئذ قامت قيامة القبائل الخارجة عن البلاد وقعدت تروم تجريد أولئك التعساء من السلاح وخيون يمانعهم عن ذلك إلى يوم السابع من محرم تجمهر لفيف من أولئك القبائل تساندها فئة من آل أبي شمخي حول السراي وثكنة الجيش وهجموا على الموظفين وانتزعوا السلاح من أيدي الجيش وانتهبوا الذخيرة، هذا وخيون في أراضي الصديفة. ولما علم بذلك جاء مسرعاً وكفّ المهاجمين عن البلاد بإطلاق النار خوفاً من تسرب الفساد إلى البيوت والأسواق ثم غادر الشطرة أولئك المسلوبين وعلى رأسهم وكيل القائمقام «عبد القادر الباﭼـه ﭼـي» قاصدين بغداد بعد أن جمع لهم الأهالي من آخر شهم ما يساعدهم على السفر وقد كتب خيون كتاباً إلى قائد الحملة الإنكليزية يعرفه بما يجري في نفس الشطرة.
«خيون والدعوة التركية»
ولما تحولت الحرب بين الإنكليز والأتراك إلى الشعيبة واستعرضت الحكومة التركية القبائل وفي طليعتهم قبائل الغراف ولكنها أدركت أن محط أنظار الغرافيين هو زعيم العبودة «خيون» فأرسلت إليه تطلب حضوره في الناصرية وقد وسطت لذلك أعجمي السعدون للمفاوضة معه في بعض الأمور وقد أسرع خيون لهذه الدعوة حتى وصل قريب الناصرية، وتغيرت أفكاره وخشي أن يؤخذ غرة، وكان الظن أن تكون المفاوضة خارج الناصرية فلما لم ير أحد حسب أنها مكيدة عاد راجعاً إلى الشطرة وأسقط بيد أعجمي وحكومة اللواء وقد توسلت الحكومة لهذه الغاية بإرسال البعثات الدينية في أنحاء العراق لحث الناس على الجهاد والمدافعة. وقد جاءت إحدى البعثات الدينية حتى وصلت بلاد الناصرية. وكان رئيس هذه الهيئة المرحوم المبرور السيد محمد سعيد الحبوبي فطلبت منه الحكومة جلب خيون إليها لكي يفسح الطريق لمواصلة الجيش عن طريق الغراف فكتب السيد رحمه الله إلى خيون كتاباً يستنهضه فيه ويدعوه للمثول بين يديه في مركز الناصرية وقدمه مع مندوبين من قبله. جاء المندوبان وأحدهما الشيخ عبد الحسين مطر إلى الشطرة وسلما الكتاب إلى خيون وعندما اطلع عليه أجاب بالسمع والطاعة وسار من وقته ودخل بلاد الناصرية وتشرف بالمثول بين يدي السيد رحمه الله وقد احتفل أهل الناصرية بخيون احتفالاً باهراً، وجاء به السيد إلى دار الحكومة وسلم عليها وفي تلك الساعة جلب له حضرة السيد عضواً من الباب العالي «استانبول» وبقي خيون في الناصرية أياماً ثم استأذن من السيد في العودة إلى الشطرة قصد قضاء بعض شؤونه ثم توجه إلى حرب الشعيبة وذلك في صفر سنة 1333هـ.
«خيون والحكومة البريطانية»
لما احتلت الجيوش البريطانية مركز لواء المنتفك «الناصرية» وانسحبت الجيوش التركية عن ساحة الغراف دخلت الشطرة تحت نفوذ خيون وسلمت له الحكومة التركية زمام الأمور وعينته قائمقاماً وذلك في رمضان سنة 1333هـ. وبقي كذلك حتى احتل الإنكليز كوت الإمارة ودخل عموم الغراف تحت سيطرة الحكومة الجديدة وبادر خيون بالطاعة للحكومة الجديدة. وقدم إلى الناصرية وسلم على حاكمها السياسي «الميجر هاملتون» أما الحاكم المذكور فقد بالغ في إكرام «خيون» وإعطائه التعليمات اللازمة لإدارة البلاد وأمره بإسقاط بعض الضرائب والرسوم عن الأهالي التي كانت تؤخذ منها ثم استأذن من الحكومة في العودة إلى الشطرة فعاد إليها معززاً.
«مظهر باشا وتأثيره السياسي في الغراف»
وعندما انسحبت الجيوش البريطانية عن سليمان باك وحوصر القائد «تاونسند» في كوت الإمارة بذل الأتراك آخر سهم لهم في الرمية لنهج الغراف ضد الإنكليز وصد تيار الجيش المقيم في الناصرية وعينوا لهذه المهمة الكبيرة الشيخ مظهر باشا. جاء المير لواء مظهر باشا وقد اتخذ الشطرة مركزاً سياسياً لهذه الغاية، والتف حوله الناس. أول كلمة فاه بها حول هذا المجتمع تقديمه النقود الذهبية والملابس الحريرية لرؤساء القبائل، وأردفته الحكومة التركية ببعثة علمية برئاسة المرحوم السيد علي التبريزي المشهور بالداماد فنالت الحكومة التركية مقصدها بفضل وجود الهيئتين الدينية والسياسية دوام مظهر باشا في نفس الشطرة إلى أن تلاشى نفوذ الأتراك في جهة الكوت، وحينئذ غادرا الشطرة وغادرتها البعثة الدينية ودخلت الشطرة مرة أخرى تحت نفوذ الإنكليز إلى يومنا هذا وقد عينت الحكومة البريطانية للشطرة حاكماً وطنياً من قبلها.
«تعيين حسن الجاسم رئيساً لبلدية الشطرة»
لما احتلت الجيوش البريطانية عاصمة العراق خاف خيون انتقام الحكومة البريطانية واضطربت الأفكار ضده وضاقت به الأرض فجمع أهل بيته وعهد إليهم بما عنده وأوصاهم بلزوم الطاعة للحكومة الإنكليزية والخلود إلى السكينة ثم ترك الشطرة وأقام في أراضي بني ركاب حيث عبدالله الفالح هناك فاشرأبت أعناق بعض الرؤساء العموميين على العبودة وحكومة الشطرة وكان منهم حسن بن محمد الجاسم فذهب إلى الناصرية ووسط بعض الوجهاء واجتمع بحاكمها السياسي «الميجر هاول» وأعلمه بكفاءته لتدبير شؤون البلاد الداخلية والخارجية. وقد تفحصت الحكومة من ذوي الخبرة والدراية في أحوال الشطرة، فحسنوا لها ذلك وعينته رئيساً لبلديتها ـ أي الشطرة ـ (ولا حل بين جدرانها) وصار يتظاهر بمظهر الحاكم فاضطربت أفكار العبودة وقامت المشاغبات وتحركت الغراف بين قبيلة السناجر وقبيلة آل أبي شمخي وجرت بينهما عدة حوادث.
«الحادثة الأولى»
وقعت الحادثة الأولى في 28 رجب سنة 1335 هجرية وتقابل الفريقان في الأزقة والطرقات وكانت حرباً شعواء شديدة، ودامت المناوشات من الصبح إلى عصر ذلك اليوم ثم جاء آل عواد وهادنوا الطرفين ولكنهم بقوا تحت السلاح وفيها اعتزل الأمر حسن وتوجه إلى الناصرية فصادف من حاكمها الغيظ وعزله عن منصبه وذلك استناداً لشكاية البلاد وإرسال وفد من الأهلين قابل الحاكم وظهرهم رضائهم برئاسة حسن وبقيت الشطرة في أسوأ حال وأضنك عيش.
«الحادثة الثانية»
حدثت الواقعة الثانية في 27 من شهر رمضان 1333هـ وقد أطلقت النار من الطرفين وقتل في هذه المعركة الدموية خلق كثير حتى جاء آل جهل فهادنوهم ولكن بقيت حالة البلاد باشد اضطراب وتشتد الحالة من آونة إلى أخرى إلى أن حدثت الثالثة وخرجت طائفة آل أبي شمخي من البلد فحينئذ استنشق الأهالي نسيم الحياة.
«الحادثة الثالثة»
بينما الشطرة تترقب رضاء الحكومة من خيون والميجر دكسون حاكم سياسة المنتفق يشير إليها وإلى إصلاحها بكل ما أوتي من سياسة إذ أنه حسبت طائفة آل أبي شمخي حساب الفوز والسعادة الأبدية لقبيلة السناجر عند الحكومة البريطانية، فأرادت قلب هذا الإصلاح وتوسلت إلى ذلك بقتل صديق الزعيم «خيون العبيد» «كاظم العلي آغا» ختلاً وخدعة فثارت طائفة السناجر طلباً لثأرهم من آل أبي شمخي وكان ذلك في 14 من ذي الحجة 1335هـ ووقعت المناوشات بين القبيلتين وأسفرت عن جلاء آل أبي شمخي وآل جاسم عن البلاد بعد أن أضرمت النار في بيوتهم وأكواخهم، وبعد أيام قضت لم يدخلوا البلاد، وسجّلوا بذلك بنود الاتفاق فيما بينهم وتحتوي على مسألة تجريدهم من السلاح حين دخولهم الشطرة وألا يبان أحدهم فيها مهما كان غرضه وقد اتخذ الأهالي من ذلك اليوم «يوم الجلاء» يوم عيد. وقد تم لخيون كل شيء من تطهير أرض الشطرة من أقدام المفسدين وقطع جرثومة الفساد وتنظيم قواعد الأمن في البلاد وقد اعتقد الميجر دكسون صدق نية خيون نحو البلاد فاستجلبه إلى الناصرية وتفضل عليه برضاء الحكومة عنه وأعطاه بعض التعاليم الإدارية اللازمة لضرورة البلاد. وقد زار الميجر دكسون قضاء الشطرة وصادف من أهلها كل الحفاوة الدالة على الطاعة وكان ذلك في هلال جمادى الآخر عام 1336هـ وبقيت الشطرة تحت مراقبة الميجر دكسون راكدة مطمئنة.
«الكرنل هاول يتجول في الغراف»
وفي رجب 1336هـ تجول في ربوع الغراف الكرنل هاول والي البصرة يومئذ والميجر دكسون حاكم رئاسة المنتفق وناظر الزراعة وناظر المالية المهندس «مكن طوش» واللفتن هيسم حاكم سوق الشيوخ يومئذ فقوبلوا مقابلة حسنة من عموم الغرافيين وعلى الأخص أهالي الشطرة ودرسوا كثيراً من أحوالها وأحوال الغراف ولكنهم ترددوا في تعيين حاكم إلى الشطرة وأخيراً تعين لها اللفتن هيسم.
1337 ـ 1918
باقر الشبيبي
الشريف المرتضى
مؤسس المنهج العقلي الإمامي
لم تكن الجهود التي قدمها المفيد إلا تصحيحاً لرؤية الإمامية الفكرية التي كادت تتلاشى ضمن الانقسامات المذهبية، وظهور تيارات فكرية مفتعلة كالغلاة وغيرهم من الفرق. وقد جالد المفيد مجالدة هائلة في سبيل تمكين الشيعة الإمامية من الوصول إلى معرفة الذات. وكان عمله منصبّاً في مناقشة أرباب المذاهب، وزعمائها من جهة، ومحاولة تصحيح ما يتصل بإطاره المذهبي من جهة ثانية، كما حدث ذلك مع أستاذه ابن الجنيد الذي تبنى بعض ما ذهب إليه فقهاء بعض المذاهب السنّية ـ كالأخذ بالقياس ـ حيث ناقش أفكاره، ونقده نقداً شديداً سبّب الأعراض عنه، وإهمال مؤلفاته أكثر من قرنين من الزمن حتى أعيد اعتباره على يد فقهاء مدرسة الحلة من جديد.
إلا أن الباب الذي فتحه المفيد لم يغلق برحيله نظراً للجهود العلمية التي قدّمها تلميذه الشريف المرتضى علم الهدى، الذي استطاع أن يثبت الدعائم الفكرية الإمامية بسعة وشمول في تخصصات متعددة.
ونظراً لآراء المرتضى العميقة في العلوم العقلية فقد أصبحت كتاباته أساساً بنى عليه أعلام الإمامية مذهبهم ـ فيما بعد ـ كما وصفه العلامة الحلي في العبارة المنسوبة إليه بقوله: «وبكتبه استقامت الإمامية منذ زمنه إلى زماننا هذا وهو سنة (693هـ)، وهو ركنهم، ومعلمهم»)[63](. ولعلّ العلامة الحلي أراد بتحديد المدة الزمنية أن يشير إلى أهميته الشخصية في تطوير أعمال المرتضى، والإضافة إليها إضافات مهمة. وبعبارة أخرى أراد أن يُشير إلى ظهور عصر آخر من عصور تطور مدرسة الاجتهاد على يديه.
مثل المرتضى في كتبه ذروة الرفض العقلي الذي صبغ به منهجه في التفسير، والكلام، والتشريع، ويقف المتتبع أمام مؤلفاته، وكأنها دائرة المعارف، وكأنّ مؤلفها تخصص في علوم شتى، وهي بواقعها تدل على متانة، وقوة استدلال، وسبق في التأليف لم يتيسر لغير المرتضى القيام بها.
ويبدو أن المزايا التي اتصف بها المرتضى كانت في مجملها قد تشكلت في ظروف من العسير أن تتوفر لغيره. فقد تحدّر من عائلة كانت من أعيان الأسر في العراق اتصالاً بدار الخلافة العباسية، ودار السلطنة البويهية وكان والده الشريف أبو الحسين الملقّب بالطاهر «نقيباً للطالبيين»، وقد لعب دوراً سياسياً خطيراً في الصراع على السلطة، والاتفاق مع بختيار ابن معز الدولة (قُتل سنة 367هـ/977م) لإسقاط عضد الدولة البويهي ـ ابن عم بختيار ـ إلا أن عضد الدولة كان أقوى من دائرة الصراع الأمر الذي دعاه إلى نفيه إلى شيراز سنة 369هـ/979م، وبقائه هناك حتى وفاة عضد الدولة سنة 372هـ/982م حيث أعاد له ولده أبو الفوارس شرف الدولة اعتباره، وقلّده «نقابة الطالبيين» من جديد، كما ولاّه قضاء القضاة سنة 394هـ/1003م، مع ولاية الحج والمظالم حتى وفاته سنة 400هـ/1009م)[64](.
كان للمرتضى صلة نسبية باسرة الحسن الأطروش ـ الذي خرج بطبرستان والديلم في خلافة المقتدر، وجعل البلدان التي فتحها تدين بالإسلام، ومن ذلك الأسرة البويهية يوم كانت في الديلم. فقد تزوّج الحسين الطاهر فاطمة بنت الحسين بن أحمد بن الحسن الملقّب بالناصر الكبير أبي محمد الأطروش.
وبالرغم من غلبة الجانب العلمي على هاتين الأسرتين إلا أن ثقلها الاجتماعي والسياسي بقي في الصميم من الأحداث.
وكان لفاطمة (ت: 385هـ/995م) الفضل في تربية ولديها المرتضى والرضي، وتنشئتهما تنشئة علمية متينة، فقد نزل المفيد ـ عند رغبتها ـ في تعليم ولديها الفقه)[65](؛ إلا أن المفيد لم يقتصر في تدريسهما على الفقه وحده، بل تعدى ذلك إلى العلوم العقلية من المنطق،والجدل، والكلام، حتى أصبحت هاتان الشخصيتان علامتين متميزتين في أفق التشيع لما قدماه من مؤلفات مبتكرة في بابها.
لم يقتصر تحصيل المرتضى العلمي على المفيد فحسب بل درس في علوم اللغة والأدب على يد شيوخ عصره من أهل الفن كابن نباتة السعدي (ت: 405هـ/ 1014م)، وأبي عبيد الله المرزباني المعتزلي (ت: 384هـ/994م) الذي أكثر عنه رواية الشعر، والأخبار في كتابه الآمالي، وأبو القاسم الدقاق المعروف بابن جنيقا (ت: 390هـ/999م))[66](. من هنا يظهر أن ثقافته المذهبية منحصرة بالمفيد فقط.
وبالرغم من أن دور المرتضى كان منظوراً في حياة المفيد، ومسلطاً عليه الضوء إلا أنّ استقلاله بالزعامة المذهبية بعد رحيل أستاذه سنة 413هـ/1022 م جعله مضطلعاً بأعباء الرئاسة بشكل مباشر وفعال. فهو ـ على حد تعبير الثعالبي ـ «انتهت الرئاسة إليه»)[67](، وكما قيل عنه «إمام أئمة العراق بين الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها، وعنه أخذ عظماؤها»)[68](.
والجديد في تفكير المرتضى هو أنه حاول الاستقلال بمسلكه العقلي عن كلّ ما رآه غير موافق له سواء أكان ذلك مختصاً في علم الأصول، أم علم الكلام أو غيرهما، حيث أنه بالرغم من احترامه لآراء شيخه المفيد فقد حاول أن يصحّح ما يراه مخالفاً لوجهة نظره في مسائل محددة من علم الكلام، الأمر الذي دفع سعيد ابن هبة الله الراوندي (ت: 579هـ/1183م) لتأليف كتاب في الاختلاف بين المفيد والمرتضى في بعض مسائل علم الكلام، ذكر منها (95) مسألة وقع الاختلاف بينهما فيها)[69](.
كما أنه حاول أن يستقلّ بتفكيره عن المعتزلة أيضاً الذين يشاركونه المسلك العقلي نفسه، فتصدى للرد على عبد الجبار المعتزلي بكتاب كبير سماه (الشافي) في موضوع الإمامة. وقد طبع هذا الكتاب عام 1987م بتحقيق السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب ضمن أربع مجلدات.
من هنا اعتبرت أفكار المرتضى «سجلاً كاملاً لآراء» الإمامية، وأقوالهم، ومثلت كتبه الكثير من نزعاتهم، واتجاهاتهم المعبّرة عن روح الفكرة الشيعية تعبيراً دقيقاً، وبخاصة في مواضيع الإمامة، وعصمة الأنبياء، والجبر، والاختيار»)[70](.
ويظهر من خلال أجوبته على المسائل الدينية التي كان يرد بها على الاستفتاءات الشرعية والكلامية، الإحاطة الواسعة التي يتمتع بها المرتضى. وقد تطرقت هذه الرسائل إلى مواضيع في غاية الجدة، وظهرت من بينها رسائل متميزة مثل «مسألة المنامات»، ومسألة في «العمل مع السلطان»)[71](، التي احتلت أهمية خاصة من بين رسائله لارتباطها بموقف سياسي كان يمثل التأييد الصريح للبويهيين بالذات)[72](.
ويتضح من خلال الأسئلة التي كانت ترده أن زعامة المرتضى المذهبية كانت متبلورة، ومعروفة لدى القطاع الشيعي بشكل عام. ويبدو أنّ حصول النزاع العلمي لم يكن منتهياً إلا بالرجوع إليه، وقد ورد ذلك من جواب المسائل الميافارقيات حيث جاء في مقدمتها: «نحن ـ أطال الله بقاء سيدنا الشريف الأجل المرتضى علم الهدى، ذي المجدين، وأدام أيامه، وحرس عزه، وثبت وطأته، وكبت أعداءه وحسدته ـ في ديار متاخمة لدار الكفر، وقلّ ما نجد مَنْ يوثق بدينه وأمانته في أخذ أعلام ديننا منه، وبنا أمس حاجة إلى أن يفتينا ـ حرس الله نعمته ـ في مسائل قد سطرناها، أكثرها موجود في كتب أصحابنا، ولكنا نؤثر أن نرى خطّه الشريف، نعتمده ونعوّل عليه، وما نلتمسُ إلا الفتوى بغير دليل، لا أخلانا الله منه برحمته»)[73](.
***
إستطاع المرتضى من خلال فهمه للاجتهاد، وممارسته إياه أن يضع أسسه وقواعده، فقد نظر مباحثه بشكل لم يُسبق إليه من قبل.
إن ممارسة الاجتهاد بشكله العلمي بدأت منذ عهد ما بعد الأئمة، على يد ابن الجنيد، وابن عقيل، وتبعهما المفيد أيضاً، بيد أنّ وضع مباحث الاجتهاد بشكله النظري لم يتمّ إلا على يد المرتضى، ولم يُشر أحد من الباحثين إلى هذه الفكرة في دراسة الاجتهاد عند الإمامية بالخصوص، وإنما جرى الاعتقاد أن المحقق الحلي (ت:676هـ/1277م) كان أول مَن كتب في الاجتهاد بشكله النظري. والحق أن المحقق استطاع أن يضيف شيئاً واحداً فقط إلى المبحث الذي كتبه المرتضى في (الذريعة)، وذلك لما حاول أن يعطي مفهوماً جديداً لكلمة (الاجتهاد) يخرجُها عن مفهومها الضيق الذي كان يمثل رأي المجتهد الشخصي عند المتقدمين، إلى مجال عملية استنباط الأحكام الشرعية من مداركها الأصلية)[74](.
وقد جرت عملية مقارنة مفصّلة بني مباحث (الذريعة) و(المعارج) في المباحث الآتية مع مقارنة آراء المرتضى، والمحقق بما كتبه العلامة الحلي في بعض مباحثه في علم الأصول.
جمل العلم والعمل
ومن بين مؤلفات المرتضى رسالة صغيرة بعنوان «جمل العلم والعمل» وهي مختصرٌ في الأصول الاعتقادية، وفي مسائل الفقه، ألّفها باقتراح من أستاذه المفيد، كما ذكر ذلك في المقدمة بقوله «أجبت إلى ما سألنيه الأستاذ ـ أدام الله تأييده ـ من أملاء مختصر محيط بما يجب اعتقاده من جميع أصول الدين، ثم ما يجب عمله من الشرعيات التي لا يكاد ينفك المكلّف من وجوبها عليه لعموم البلوى بها. ولن يستغني عن هذا الكتاب مبتدٍ تعليماً وتبصرة، ومنته تنبيهاً وتذكرة»)[75](.
ويبدو أن فكرة «الرسالة العملية» التي تطورت عند فقهاء الشيعة كانت منتزعة من رسالة «جمل العلم والعمل» خصوصاً في تنظيم الأبواب الفقهية.
وقد أصبح العُرف السائد عند الفقهاء المتصدين للزعامة أن يكتبوا كتاباً فقهياً يسهل على المكلفين تلقي الأحكام الفقهية مباشرة منه. وسُميت أمثال هذه الكتب باسم «الرسالة العملية»، وهم تضمّ وجهة نظر المجتهد الخاصة في فروع المسائل وجزئياتها حسب اجتهاده، وفهمه.
وتجدر الإشارة إلى أنّ المرتضى لم يكن في «جمل العلم والعمل» قاصداً أن يكتب رسالة عملية خصوصاً، وأنها صدرت عن طلب المفيد، بيد أن هذه الرسالة أصبحت من الأعراف التي جرى عليها الفقهاء في العصور اللاحقة.
قسمت رسالة «جمل العلم والعمل» إلى قسمين:
الأول: مختصر في أصول الدين شمل على مباحث عقائدية نظرية بحتة، وما يجب اعتقاده في أبواب (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة)، وقد استغرق إحدى عشر صفحة فقط من مجموع الرسالة البالغة ثمانين صفحة من النسخة المطبوعة)[76](.
وقد شرح الشيخ الطوسي، تلميذ المرتضى (ت/460هـ) هذا القسم بكتاب كبير)[77](، أعطى أهمية خاصة له، واضاف إضافات مفصلة إلى هذا «المتن»، الذي جمع باختصار شديد ما يجب اعتقاد الإمامية من المسائل المتعلقة بأصول الدين والمذهب.
الثاني: مختصر في الفقه، أو (ما يجب عمله من الشرعيات التي تعم بها البلوى). وقد اشتمل على مواضيع رئيسية مثل (الطهارة، الصلاة، الصوم، الاعتكاف، الحج، الزكاة)، وكل موضوع من هذه المواضيع اشتمل على مواضيع متفرعة منه. ففي موضوع الطهارة، التي اصطلح عليه بكتاب الطهارة، فرع مسائل خمساً، أطلق تسمية (فصل) على كل منها. كما فرع في موضوع (الصلاة) أربعة عشر موضوعاً.
وقد أدخل الفقهاء المتأخرون قسماً آخر ضمن الرسالة العملية مكملاً لمباحث العبادات أسموه «كتاب المعاملات»، وهو يتضمن الأحكام الشرعية العملية التي يُبتلى بها المكلف كأحكام البيع والشراء، والهبة، والوقف وغير ذلك.
الذريعة إلى أصول الشريعة
أما جهود المرتضى في المجال العلمي فإنّ ذلك يتمثل بشكل واضح في مجال علم أصول الفقه فقد كتب كتاب «الذريعة إلى أصول الشريعة» الذي يُعد أول كتاب شيعي تناول مباحث أصول الفقه بشكل مستوعب، وقد أصبح مصدراً من أهم المصادر في هذا العلم، وبقي مداراً للدراسة حتى زمان المحقق الحلي (ت: 676هـ/1277م).
وترجع أهمية «الذريعة» إلى أنه فصّل مباحث علم أصول الفقه بحيث استطاع أن ينهض بهذا العلم إلى مستوى جديد لم يكن قد وصل إليه من قبل.
كما أنه أول كتاب أصولي حاول أن يفصل بين مسائل أصول الفقه ومسائل أصول الدين مما لم يعهد ذلك. فقد اعتاد المؤلفون الخلط في مسائل هذا العلم بمسائل أخرى لا تمت إليه بصلة.
وقد أشار المرتضى إلى ذلك في مقدمة كتابه الذريعة حيث قال: «وجدت بعض مَن أفرد في أصول الفقه كتاباً، وإن كان قد أصاب في كثير من معانيه وأوضاعه ومبانيه، فقد شرد من قانون أصول الفقه وأسلوبها وتعداها للكلام في أصول الدين دون أصول الفقه»)[78](.
ويبدو أن بحوث الأصول حتى حين وصلت إلى مستوى يؤهلها للاستقلال بقيت تتذبذب بين علم الفقه وعلم أصول الدين، حتى أنها كانت أحياناً تختلط ببحوث في أصول الدين والكلام)[79](.
وبالرغم من المساعي التي بذلها المرتضى في فصل علم الأصول عن مسائل أصول العقائد فإنه لم يستطع أن يخلص علم الأصول نهائياً من المسائل الكلامية؛ فنرى في كتاب (الذريعة) بعض الأمثلة:
1 ـ في ذكر ما يجب معرفته من صفات الله، والنبي، والأئمة.
2 ـ في صفة العلم الواقع عند الأخبار.
3 ـ في أنه هل كان النبيّ متعبداً بشرائع من تقدمه من الأنبياء)[80](.
4 ـ في أنه لا يجوز أن يفوض الله تعالى إلى النبي أو إلى العالم أن يحكم في الشرعيات بما شاء إذا علم أنه لا يختار إلا الصواب)[81](.
إلى غير ذلك من المسائل الأخرى)[82](.
ويشتمل كتاب الذريعة على خمسة عشر باباً، كل باب يحتوي على عدة فصول، ومن أهم المباحث التي تناولها: الخطاب، الأمر والنهي)[83](، العموم والخصوص، المجمل والمبيّن، النسخ، الإجماع، القياس، الاجتهاد والتقليد، الحظر والإباحة، الاستصحاب، وغيرها.
وقد اعتبر المرتضى كتابه مجدداً، ومتفرداً بين مصنّفات الإمامية، وقد كتب في مقدمته: «إذا أعان الله على إتمام هذا الكتاب وإبرامه كان بغير نظير من الكتب المصنفة في هذا الباب»)[84](.
وقال: «تحقق استبداد هذا الكتاب بطرق مجدّدة لا استعانة عليها بشيء من كتب القوم المصنفة في هذا الباب وقد سميته بالذريعة إلى أصول الشريعة لأنه سبب ووصلة إلى علم هذه الأصول، وهذه اللفظة في اللغة العربية وما تتصرف إليه تُفيد هذا المعنى لأنهم يسمون الحبل الذي يحتبل به الصائد الصيد ذريعة»)[85](.
من هنا كان المرتضى على ثقة من أنه سيقدم فكراً أصولياً جديداً من خلال كتابه «الذريعة». والسبب في ذلك أن منهج البحث الأصولي كان متضحاً له من خلال بحوث كتبها في علم الأصول قبل (الذريعة). لذا نزّه بحثه عن المسائل التي لا تتعلق بالأصول من جهة، أو المسائل التي لم يُعِر لها اهتماماً لعدم أهميتها كما ذكر ذلك بقوله: «لعلّ القليل التافه من مسائل أصول الفقه، مما لم أُملل فيه مسألة مفردة مستوفاة مستقلة مستقصاة لا سيما مسائله المهمات الكبار. فأما الكلام في الإجماع فهو في الكتاب (الشافي)، و(الذخيرة) مستوفى. وكذلك الكلام في الأخبار، والكلام في القياس والاجتهاد بسطناه وشرحناه في جواب (مسائل أهل الموصل الأولى) )[86](.
وعندما نلاحظ كتاب (العدة) لتلميذه الطوسي نجد في مقدمته نصاً تأريخياً مهماً يشير إلى أن الطوسي كتب (العدة) قبل أن يكتب المرتضى كتاب (الذريعة)، فقد قال في مقدمته «سألتم إملاء مختصر من أصول الفقه يُحيط بجميع أبوابه على سبيل الإيجاز والاختصار على ما تقتضيه مذاهبنا، وتوجيه أصولنا؛ فإن مَن صنف في هذا الباب سلك كلّ قوم منهم المسلك الذي اقتضته أصولهم، ولم يعهد من أصحابنا لأحد في هذا المعنى إلا ما ذكره شيخنا أبو عبدالله (رحمه الله) )[87]( في المختصر الذي له في أصول الفقه، ولم يستقصه، وشذّ منه أشياء يحتاج إلى استدراكها وتحريرات غير ما حررها. وأن سيدنا الأجل المرتضى ـ أدام الله علوه ـ وإن كثر في أماليه، ومما يقرأ عليه شرح ذلك فلم يصنف في هذا المعنى شيئاً يرجع إليه، ويجعل ظهراً يستند إليه»)[88](.
وبمقتضى هذا النص يكون كتاب (العُدة) للطوسي أسبق تأليفاً من كتاب (الذريعة). ولكن الملاحظ أن هناك جملة من المقولات التي تأثر بها الطوسي، ونقلها عن أستاذه المرتضى في كتابه هذا، كما تنبه الدكتور ﮔرجي إلى ذلك في دراسته على (الذريعة) )[89](، حيث اقتبس الطوسي جملة من المباحث المفصلة مع تصريحه بهذا الاقتباس والنقل.
ومن خلال النص أيضاً أن الطوسي (دعا لأستاذه بالبقاء) مما يدل على أنه بدأ بكتابة (العدة) في حياة أستاذه، لذا لم يعرف شيئاً عن هذا الكتاب، إذ نفى وجود كتاب له في علم الأصول الأمر الذي دعا إلى الاستظهار أن «الطوسي بدأ بكتابه قبل أن يكتب المرتضى الذريعة، أو أن الذريعة كانت مؤلفة فعلاً، ولكنها لم يعلن عنها، ولم يطلع عليها الطوسي حين بدأ تصنيفه للكتاب»)[90](.
ويمكن الجمع بين الرأيين على نحو أنّ الطوسي كتب مقدمة (العدّة) دون أن يتم مباحثه قبل تأليف (الذريعة)، وكان معتمداً على المسائل الأصولية التي كتبها المرتضى قبل كتاب (الذريعة)، لذا بدأت مقدمته وكأنّ الكتاب مصنّف في حياة أستاذه المرتضى جرياً على عادة الكتّاب القدامى من وضعهم مقدمات كتبهم قبل إتمامها، كما حصل ذلك للمرتضى في (الذريعة) حيث يبدو من مقدمته أنه كتبها قبل أن يدخل في تفاصيل مباحث علم الأصول كما قال هو: «فهذا الكتاب إذا أعان الله تعالى على إتمامه وإبرامه، كان بغير نظير»)[91](.
كذلك عندما أحال بحث (الإجماع) إلى كتاب الشافي، والذخيرة وبحث القياس والاجتهاد إلى جواب (مسائل أهل الموصل الأولى) فإنّ ذلك يُوهم أن المرتضى لم يبحثها في «الذريعة». وهذا لم يحصل فقد بسط القول في هذه المواضيع بكتاب (الذريعة)، كما يتضح ذلك جلياً من خلال صفحات الكتاب)[92](.
ويعزز ما ذهبنا إليه أن الطوسي كما يرى من كتابه (العدة) ذكر المرتضى في مواطن عديدة، ونقل عنه جملة آراء ومباحث أصولية فكان عندما يذكر أستاذه المرتضى، أو ينقل رأياً له يردف اسمه بالدعاء بقوله «أدام الله علوه»، مما يدل على أنه كتب هذه الصفحات في حياته. وهذا ما نجده في الربع الأول من الكتاب.
أما بقية الموارد فقد كان يذكر أستاذه، ويترحم عليه بقوله «قدس الله روحه» أو بقوله: «رحمه الله»، كما حصل ذلك فيما بعد الربع الأول، الأمر الذي يدل على أن الكتاب لم يؤلف في حياة أستاذه، بل بدأ به الطوسي، وكتب شيئاً منه، ثم عنّ له تركه، وإكماله بعد حين.
كما أنه في نقوله عن المرتضى اعتمد كتابه (الذخيرة)، كما أشار إلى ذلك: «فأما الأخبار التي يعلم مخبرها استدلالاً فقد ذكر سيدنا المرتضى (أدام الله علوه) جملة وجيزة في كتابه (الذخيرة) أنا أذكرها بألفاظه في هذا الباب»)[93](.
وقد لاحظ الصدر من خلال دراسته لفكرة العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي، أن هناك تصورات دقيقة نسبياً ومحددة عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط من خلال كتاب (الذريعة) عندما ناقش المرتضى الخلط بين مسائل أصول الفقه، واصول الدين (علم الكلام)، حيث كتب المرتضى في مقدمته: «اعلم إن الكلام في أصول الفقه إنما هو على الحقيقة كلام في أدلة الفقه، ولا يلام على ما ذكرناه أن تكون الأدلة والطرق إلى أحكام وفروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء أصولاً، لأن الكلام في أصول الفقه إنما هو كلام في كيفية دلالة ما يدل من هذه الأصول على الأحكام على طريق الملة دون التفصيل، وأدلة الفقهاء إنما هي على نفس المسائل والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل»)[94](.
وهذا النص في مصدر من أقدم المصادر الأصولية في التراث الشيعي يحمل بوضوح فكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، ويسميها أدلة الفقه على الإجمال، ويميز بين البحث الاصولي والفقهي على اساس التمييز بين الادلة الإجمالية، والأدلة التفصيلية، أي بين العناصر المشتركة، والعناصر الخاصة في تعبيرنا، وهذا يعني أن فكرة العناصر المشتركة كانت مختمرة وقتئذ إلى درجة كبيرة. والفكرة ذاتها نجدها بعد ذلك عند الشيخ الطوسي، وابن زهرة، والمحقق الحلي، وغيرهم؛ فإنهم جميعاً عرّفوا علم الأصول بأنه: «علم أدلة الفقه على وجه الإجمال»، وحاولوا التعبير بذلك عن فكرة العناصر المشتركة)[95](.
كتاب الانتصار: مدخل إلى منهجية الفقه المقارن
ركّز المرتضى في تأليفاته على «الفقه المقارن»، وكتب كتاباً سماه «الانتصار» وهو من الجهود المبكرة التي اعتنت بالدراسات المقارنة والموازنة بين الآراء الفقهية التي ذهب إليها الفقهاء الإسلاميون من مختلف المذاهب والاتجاهات.
وقد سبقه إلى ذلك المفيد الذي كتب في هذا الموضوع كتاباً سماه «الأعلام فيما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام» قارن فيه آراء الإمامية بمَنْ خالفهم من فقهاء المذاهب الأخرى، وهذا الكتاب حسبما ذكره مترجموه)[96]( ألفه باقتراح المرتضى نفسه، وقد شمل تمام أبواب الفقه.
إلاّ أن هذا الكتاب ـ على ما يبدو ـ أصابه ما أصاب بقية مؤلفات المفيد من الضياع بيد أن كتاب «الانتصار»)[97]( الذي ألفه المرتضى يعدّ أول جهد في هذا المجال يعتنى بالمقارنة.
ويبدو من مقدمة «الانتصار» أن المرتضى أراد أن يدافع عن الفقه الشيعي وأن يردّ الشبهة القائلة إن الإمامية انفردوا بمسائل أفتوا بها لم يكن فيها موافق لهم من بقية فقهاء المذاهب الإسلامية مما يُسهم في عزل فقههم عن بقية المذاهب الأخرى)[98](.
لذا عمد المرتضى إلى بيان المسائل التي انفرد بها الإمامية، أو المسائل المظنون انفراد الإمامية بها بذكر المسألة أولاً، ولا يكتفي بسوق الدليل أو إطلاق الحكم، بل يعمد إلى عرض آراء فقهاء المذاهب، وموازنتها.
أما منهجه في تأليف «الانتصار» فإنه يذكر أسماء المصادر التي يعتمدها ويحيل إليها، ومن تلك المصادر كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني الحنفي، وأحكام القرآن لأبي بكر الرازي الجصاصي (ت: 370هـ/980م)، وكتاب اختلاف الفقهاء لأبي جعفر الطحاوي (ت: 321هـ/933م)، وغيرها.
كما أنه استقرأ هذه المسائل في جميع مباحث أبواب الفقه ابتداء من العبادات، والمعاملات، والعقود، وانتهاء بالإيقاعات والحدود والديات والمواريث.
والذي يظهر أن جهود المرتضى في مجال دراسة الفقه المقارن تركزت على أمور:
1 ـ أراد تقريب شقة الخلاف في المسائل الفقهية التي تنامت في ذلك العصر باختلاف وجهات نظر فقهاء المذاهب، وذلك بحصر آرائهم في كل مسألة من المسائل الفقهية ومقارنتها. وهو بذلك فتح أبواباً جديدة لعملية التلاقح الفكري التي لم تكن معهودة آنذاك، وأوصد أبواب النزاعات التي لم تبتن على أصول البحث العلمي الجاد.
2 ـ حاول محاولة جادة أن ينقل واقع الفقه الإسلامي من طرق استنباطه الساذجة إلى واقع لم يكن متعارفاً، وذلك بتقييم وجهات النظر على أساس موضوعي بأدلة وحجج وبراهين كما قال في مقدمته: «ومما يجب تقديمه أنّ الشفاعة إنما تجب في المذهب الذي لا دليل عليه يعضده، ولا حجة لقائله فيه، وإنما يسأل الذاهب إلى مذهبه عن دلالته على صحته وةحجته القائدة له إليه»)[99](، وهو بذلك أراد إظهار مقدرته العلمية، وطريقته في المحاججة وسوق الأدلة.
أخبار الآحاد عند المرتضى
سعى المرتضى إلى تطوير الفقه، وإخضاعه للقواعد الأصولية في طريق الاستنباط. وقد كان قبله غير مرتكز على أسس الاستدلال مختصاً في إطار علم الحديث.
وقد ذهب إلى عدم صحة العمل بأخبار الآحاد، وكتب في ذلك أكثر من رسالة يقيم الأدلة على ما يذهب إليه، لذا كان كثير العمل بالقواعد الأصولية التي لا بدّ من الأخذ بها في الكشف عن المسائل الفقهية.
ولم تكن هذه الطريقة متبعة قبله لذا اعتُبرت خروجاً على العرف الشيعي العام في طريقة عملية الاستنباط، إلا أنها أصبحت متعارفة على يد الشيخ الطوسي الذي طور الفقه بشكل أكبر، وركّز على القواعد الأصولية)[100](.
إن سد باب العمل بأخبار الآحاد قاده إلى استنباط الشريعة من الكتاب والأخبار المتواترة المحفوفة بقرائن العلم، الأمر الذي يدل على اطلاع وإحاطة بالأحاديث والتفسير، وكيفية استخراج المسائل من الكتاب)[101](.
وقد عاب عليه مسلكه العقلي الأخباريون من الشيعة فوصفه البحراني بعد أن أثنى عليه، بقوله: «كان مجتهداً صرفاً، وأصولياً بحتاً، قليل التعلق في الاستدلال بالأخبار، وإنما يتعلق بالأدلة العقلية بناء على ما اشتهر نقله عنه من حكمه بأن هذه الأخبار أخبار آحاد لا تُوجبُ علماً ولا عملاً»)[102](.
وتظهر من هنا مسألتان؛ الأولى: اعتماده على الدليل العقلي في استنباط الأحكام. والثانية: عدم إقراره بحجيّة أخبار الآحاد. وبالرغم من اعتماده على الدليل العقلي إلا أنه لم يذكره في مؤلفاته، الأصولية من الأدلة.
وقد استظهر الشيخ محمد رضا المظفر أن أول مَن صرح من الأصوليين بالدليل العقلي ابن إدريس الحلي فضلاً عما كتبه المفيد في رسالته الأصولية التي لم يذكر الدليل العقلي من جملة أدلة الأحكام، وإنما ذكر أن أصول الأحاكم ثلاثة: الكتاب، والسنة النبوية، وأقوال الأئمة. ثم ذكر أن الطرق الموصلة إلى ما في هذه الاصول الثلاثة: العقل، اللسان، الأخبار. وقال عن العقل: «هو سبيل إلى معرفة حجية القرآن، ودلائل الأخبار»)[103](.
أما ما يخصّ (أخبار الآحاد) التي ذهب المرتضى إلى عدم صحة العمل بها فيجدر أن نبين شيئاً عن الخبر أولاً؛ فقد قُسم الخبر إلى خبر متواتر، وإلى خبر واحد، والمتواتر هو «خبر جماعة بلغوا من الكثرة والتباعد فيما بينهم حداً يمتنع معه عادة توافقهم على الكذب»)[104](.
ومن شأن الخبر المتواتر أن يحصل منه العلم بالصدق أو ركون النفس واطمئنانها، على الأقل. ولا يُشترط لقبول الخبر المتواتر كون المخبرين ثقاة أو عدول، وإنما الملاك ما ذكرناه من استحالة تواطئهم على الكذب.
أما خبر الواحد «وهو ما لا يبلغ حدّ التواتر من الأخبار» فأنه يُفيد علماً، وإن كان المخبر شخصاً واحداً، وذلك فيما إذا احتفّ خبره بقرائن توجب العلم بصدقه وهو ما يطلق عليه بـ«الخبر المحفوف بالقرائن القطعية». وليس البحث فيه، لأنه مع حصول العلم تحصل الغاية القصوى.
وإنما أخبار الآحاد التي أنكرها المرتضى هي تلك الأخبار التي لم يحتف بالقرائن الموجبة للعلم بصدقه، وأن احتفّ بالقرائن الموجبة للاطمئنان إليه دون مرتبة العلم)[105](. بمعنى آخر إذا كان المخبرُ غير ثقة لم يؤخذ بخبره، وإن كان ثقة عادلاً وقع الخلاف في حجيته وشروط حجيته. فالمناقشة هنا تدور حول الإجابة عن هذا السؤال: هل نستطيع أن نستنبط حكماً شرعياً مستندهُ خبر واحد لعادل أم لا؟!
والخلاف عند الإمامية يرجع في قيام الدليل القطعي على حجية خبر الواحد، وعدم قيامه، وإلا فمن المتفق عليه عندهم أنّ خبر الواحد بما هو خبر مفيد للظن الشخصي أو النوعي لا عبرة به لأنّ الظنّ في نفسه ليس حجة عندهم قطعاً، فالشأن كل الشأن عندهم في حصول هذا الدليل القطعي، ومدى دلالته)[106](.
فعندما أنكر المرتضى، ومَن إتبعه حجية خبر الواحد فإنما أنكر وجود هذا الدليل القطعي. أما مَن يقول بحجيته كتلميذه الطوسي، وغيره من الفقهاء فإنه يرى وجود الدليل القاطع.
قال الطوسي: «مَن عمل بخبر الواحد فإنّما يعمل به إذا دلّ دليل على وجوب العمل به إما من الكتاب أو السّنة أو الإجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم»)[107](.
وقال المرتضى: «لا بدّ في الأحكام الشرعية من طريق يُوصل إلى العلم. وكذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علماً ولا عملاً، وأوجبنا أن يكون العمل تابعاً للعلم، لأن خبر الواحد إذا كان عدلاً فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومَن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذباً»)[108](.
وقوله أيضاً: «العقل لا يمنع من العبادة بالقياس، والعمل بخبر الواحد ولو تعبّد الله تعالى بذلك لساغ، ولدخل في باب الصحة؛ لأنّ عبادته بذلك توجب العلم الذي لا بد أن يكون العمل تابعاً له».
وعلى هذا يتضح أنّ خبر الواحد لو خلّي ونفسه لا يجوز الاعتماد عليه لأنه لا يفيد إلا الظن الذي لا يُغني من الحق شيئاً، وإنما موضوع النزاع هو قيام الدليل القطعي على حجيته.
وعلى هذا وقع الخلاف في ذلك على أقوال: فمنهم مَن أنكر حجيته مطلقاً. وقد حُكي هذا القول عن المرتضى كما بيّنا، والقاضي، وابن زُهرة، والطبرسي، وابن إدريس، وادعوا في ذلك الإجماع. لكنّ هذا القول منقطع الآخر فإنه لم يُعرف موافق لهم بعد عصر ابن إدريس حتى يومنا هذا.
ومنهم مَن قال: «إنّ الأخبار المدوّنة في الكتب المعروفة لا سيّما الكتب الأربعة، مقطوعة الصدق». وهذا ما يُنسب إلى جماعة من متأخري الأخباريين)[109](.
وقد بنى المرتضى حكمه على عدم حجيّة خبر الواحد على الأصل المُسلّم عنده، وهو «الشك في حجية شيء يساوي القطع بعدمه». وقد استدلّ بوجوه منها:
1 ـ دعوى الإجماع على عدم حجية الخبر.
2 ـ الروايات الناهية عن العمل بالخبر المخالف للكتاب والسنّة، والخبر الذي لا يكون عليه شاهد أو شاهدان من كتاب الله، أو سنّة نبيه. وهذه الروايات كثيرة متواترة إجماعاً.
3 ـ الآيات القرآنية الناهية عن العمل بغير العلم كالآية القائلة ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، والآية القائلة ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً﴾.
وقد نُوقشت هذه الاستدلالات بمناقشات مطولة في أغلب الكتب الأصولية، وقلما نجد كتاباً في علم الأصول لم يتعرض لأدلة المثبتين والنافين مع تفصيلاتها ومناقشاتها)[110](.
والجدير ذكره هنا هو ما ذكره المرتضى من إجماع الطائفة على عدم العمل بأخبار الآحاد، بل ادعاؤه «أنه واضح بمرتبة بحيث يعدّ من ضروريات المذهب كحرمة العمل بالقياس عندهم».
وقد رُدّ: بأنّ العمل كان مستقراً على التعبد بأخبار الثقات والعمل بها، كما أنه معارض بما ينقله الطوسي من الإجماع على الحجية بل وكل ما يدل على الحجية من أخبار الآحاد، والأدلة القطعية)[111](.
ومما يبعث الاستغراب وقوع مثل هذا التدافع بين ما ينقله المرتضى، وبين ما ينقله الطوسي عن إجماع الإمامية مع أنهما متعاصران)[112](.
وقد عُلل ذلك بوجوه ليس لنا طائل في ذكرها، ويمكن مراجعتها في مضانها)[113](.
ومما يُستحسن ذكره أن بعض المحققين)[114]( حاول أن يبرر الفكرة القائلة بأنّ أخبار الآحاد لا يمكن الاستدلال بها في الأصول ـ إلى الرواسب الفكرية التي يرجع تأريخها إلى عهد الخلط بين علم الأصول وبين علم الكلام بالرغم من تمكن علم الأصول من الحصول على الاستقلال الكامل عن علم الكلام (علم أصول الدين). ففي علم الكلام قرر العلماء أن اصول الدين تحتاج إلى دليل قطعي، فلا يمكن أن نثبت صفات الله والمعاد ـ مثلاً ـ بأخبار الآحاد. وقد أدى الخلط بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه واشتراكهما في كلمة (الأصول) إلى تعميم تلك الفكرة إلى أصول الفقه. ولهذا نرى الكتب الأصولية بقيت إلى زمان المحقق الحلي في القرن السابع تعترض على إثبات العناصر المشتركة في عملية الاستنباط بخبر الواحد.
الدكتور جودت القزويني
الشهيد الأول: فقيه جبل عامل
هاجر الشهيد الأول إلى الحلّة سنة 750هـ/1349م، وحضر على علمائها، واختصّ بفخر المحققين ابن العلامة الحلي. وقد بالغ هذا الأستاذ في تقديره واحترامه ونعته بأوصاف عظيمة، ولقبه بالإمام)[115](. وكان له الأثر في تشكيل اتجاه عقلي متحرر مكنه من الدراسة بعد ذلك في معاهد مصر والمدينة والقدس، وعلى يد أساتذة من المذاهب السنية كما تذكر المصادر التي أرخت له)[116](.
وتتجلى هذه الظاهرة في شخصية علماء جبل عامل بالخصوص وهي دراستهم على يد علماء المذاهب السنية بعد تخرجهم على يد علماء الشيعة، وهي ظاهرة تعيد للأذهان ما كان عليه علماء الشيعة ببغداد، وتتلمذتهم على يد المعتزلة في زمن الخلافة العباسية. وقد ذكر الشهيد الأول في إجازته لتلميذه ابن الخازن أنه يروي عن نحو أربعين شيخاً من علماء مكة والمدينة وبغداد ودمشق وبيت المقدس)[117](.
إزداد الموقع العلمي للشهيد الأول أهمية بعد رجوعه إلى جزين، وابتدأ نشاط ثقافي فأسس معهداً لتدريس العلوم الدينية على مستويات متفاوتة. كما ظهر كشخصية قوية التفّ حوله الشيعة هناك، وكانت مهمته منصبّة على إرجاع الهوية المفقودة للشيعة التي ضاعت ضمن زحمة التيارات السياسية المناوئة لهم.
ويذكرنا موقفه هذا بموقف الشيخ المفيد الذي عانى من ضياع الهوية الشيعية في زحمة التيارات الفكرية التي ظهرت في عصره، والتي تمثلت بظهور تيارات منحرفة. إلا أن الضياع الذي أصاب الشيعة في بلاد الشام كان ضياعاً سياسياً تجلى في عدم التسامح مع المذاهب غير السنَّة، ومحاربة جميع المذاهب الأخرى التي تعتبر خارجة عن المذهب السني المعتبر.
وقد سعى الشهيد الأول إلى إعادة تنظيم هيكلية حوزته العلمية بخلق أجهزة تمثله وترتبط به. فقد أصبح كيان «الفقيه» عبارة عن أجهزة من «الوكلاء» يرتبطون به، ويتصلون بالقواعد الشعبية. وقد اعتبر مؤرخ سني أن سبب مقتل الشهيد الأول مرتبط بهذا التحرك، لأنه «شرع بالعمل في منطقته الجبلية بعيداً عن أعين السلطان في دمشق، وعين له نواباً على المناطق في طرابلس وغيرها»)[118](.
ومن الناحية التاريخية استنتج السيد محمد باقر الصدر أنّ بسط ذراع الفقيه بتعينه (الوكلاء) وفرض جباية الزكاة والخمس على أتباعه هو على ما يبدو أول تطبيق عملي كان الشهيد الأول قد اتبعه لإنشاء كيان مترابط لأول مرة في تاريخ الزعامة الدينية)[119](.
وقد لاحظ زين الدين الجبعي العاملي الملقب بالشهيد الثاني (قتل سنة 965هـ/1558م) أن الشهيد الأول رأى لزوم دفع الأخماس إلى «نائب الإمام»، أي الفقيه الجامع لشرائط الحكم)[120](. ويبدو أنّ هذه العبارة الفقهية استعملت لأول مرة على لسان الشهيد الأول من بين الفقهاء.
وقد ادعى البروفيسور Madelung أن لقب (نائب الإمام) أول ما ظهر خلال العصر الصفوي. وربما كان اعتقاده ناشئاً من (الفرمان) الذي كتبه السلطان طهماسب إلى الشيخ الكركي، والذي لقبه فيه بنائب الإمام. والحقيقة أن هذا اللقب كان موجوداً قبل قيام الدولة الصفوية بقرنين من الزمن)[121](.
إن جهود الشهيد الأول جعلت منه شخصية تمثل ثقلاً اجتماعياً جعل السلطة المملوكية تتوجس منه خيفة وذلك من خلال محاولته لاسترداده الوعي الشيعي، وتكوين حركة وضع سياسي في وسط معاد لأبنائها. وقد طفقت السلطة المملوكية باستمالته كقوة يمكن التفاهم معها ضد خصومها، والتخلص منه بخدعة سياسية لم يفطن هو نفسه إليها.
فقد ظهرت قوة، مناوئة للمماليك بقيادة محمد اليالوش المقتول سنة 785هـ/1383م وهذه القوة التي كانت في حسابات السلطة السياسية قوة حصينة لا يمكن القضاء عليها إلا بالخدعة، لم تذكر المصادر التاريخية شيئاً عنها سوى أن جهاز الحكم في دمشق أمد الشهيد الأول بالعون العسكري للقضاء عليهم. من جانب آخر اتهمت المصادر الشيعية اليالوش بالشعوذة، وادعاء النبوة، كما ذُكر أيضاً أنه كان من تلامذة الشهيد الأول ثم انحرف عنه)[122](.
ولم يشر أحد إلى الهوية المذهبية لليالوش. ومن الممكن القول إنه كان على رأس قوة شيعية ليست اثني عشرية، ولم تكن هناك في تلك الفترة أية مجموعة قريبة من المذهب الإثني عشري إلا جماعة النصيرية الذين لعبوا دوراً في تلك المناطق.
استظهر الشيخ محمد مهدي الآصفي أن الشهيد الأول كان يتردد على دمشق ليكون على مقربة من الأحداث السياسية. وقد مكّنته هذه الإقامة أن يفرض نفسه على مجتمع الشام بشكل عام ومجتمع دمشق بشكل خاص، وأن ينفذ إلى جهاز الحكم ويستثمره لأهدافه، وبذلك استطاع أن يُقنعَ جهاز الحكم بضرورة محاربة اليالوش)[123](.
إلا أن الواقع التاريخي يكشف أن المماليك سعوا للحيلولة بين اتحاد هاتين القوتين بخلق نقاط الفرقة بينهما، وتأليب الطرفين للقضاء على بعضهما الآخر. ويبدو من بعض المصادر الشيعية التي ذكرت أن (اليالوش) كان من تلامذة الشهيد الأول فإنّ ذلك يقوّي الاحتمال بمحاولة الشهيد العمل على إرجاع (النصيرية) إلى المذهب الإمامي، الأمر الذي لا يُلائم السياسة المملوكية.
وفعلاً فقد نجح المماليك بإحداث شرخ بين الطرفين وصل ذروته بقتال منظم يدل على وجود قوة بشرية فاعلة في كلا الجانبين، حيث نجح هذا المخطط، فالتقى الجمعان في النبطية بمعركة سقط فيها الكثير من أتباع الشهيد الأول مما حدا تسميتها «معركة الشهداء». لكنّ النصر كان حليفهم في النهاية حيث قُتل محمد اليالوش بسيوف المماليك، وفتوى شيعية إمامية سنة 785هـ/1383م، أي قبل مقتل الشهيد الأول بعام واحد.
وبعد انتصار محمد بن مكي بمعركة الشهداء حاول أن يمتد إلى أوساط «أهل السواحل المتسننين» من الشيعة الذين تستروا باعتناق المذهب الشافعي، فعمل على قيادتهم)[124](، إلا أن السلطة المملوكية أفشلت معادلاته بالتزام جانب حركة اليالوش هذه المرة فأصبح يقودها زعيم آخر هو تقي الدين الجبلي (من أهالي الجبل)، ومن بعده يوسف بن يحيى. وقد توثقت علاقة هذين القائدين بممثل المماليك بَيْدَمر الخوارزمي حاكم دمشق، فكان من جراء ذلك أن اعتقل الشهيد الأول وأودع السجن.
حاولت السلطة المملوكية دراسة ردود الفعل من قبل أتباعه. وخلال عام كامل على اعتقاله وجدت ظروفاً مناسبة للتخلص منه. فقدم إلى المحاكمة بتهم عديدة)[125](.
وفي المحاكمة التي أعقبت سجنه تحالف (القضاة) على إعدامه؛ حيث سعى القاضي الشافعي بالتواطؤ مع القاضي المالكي على إيراد الشهيد الأول مورد التهلكة فصدر الحكم عليه بالموت قتلاً، ثم صلباً ورجماً وإحراقاً، وذلك في قلعة دمشق سنة 786هـ/1384م بمشاركة الحشود الجماهيرية العارمة.
فلقد قبل إنّ القاضي الشافعي نهى المالكي، الذي يقضي مذهبه بالإعدام، عن الحكم عليه بالموت، غير أن رأي المالكي بإعدامه غلب لكثرة المتعصبين عليه، فحُكم عليه بالموت قتلاً، ثم صلباً، ورجماً، وإحراقاً)[126](، وبذلك تخلصت السلطة السياسية من خصم كان يؤلّب القوى عليها، وأرضت الفقهاء والعامة بإعدام رجل كانوا يعتبرونه عدواً هادماً لمعتقداتهم)[127](.
وبمقتل الشهيد الأول بدأت صفحة جديدة من تاريخ جبل عامل. فقد زالت القيادة الدينية من جزين، وأصبح الإقطاع الشيعي مسيطراً في الجنوب، وقد بدأ نفوذ بعض العوائل الشيعية في الظهور حتى أصبح لهم دور في النزاع مع الأمراء المماليك، كما أنهم أصبحوا من القوى الإقطاعية الشيعية في الجنوب التي بقيت مسيطرة حتى عام 909هـ/1501م، ولم ينته دورها إلا مع الفتح العثماني لبلاد الشام عام 923هـ/1516م)[128](.
أما تلامذة الشهيد الأول ووكلاؤه فقد اكتسبوا أهمية أكبر بعد رحيل أستاذهم محمد بن مكي، وكان لهم فضل الحفاظ على خطّه العلمي، واستمراره من بعده. منهم: جمال الدين أحمد بن النجار، الذي جمع تحقيقات شيخه الشهيد الأول، ونظرياته في الفقه، وكذلك أولاده الثلاثة: الشيخ جمال الدين حسن، وأخوه ضياء الدين أبو القاسم علي، والشيخ رضي الدين محمد، وابنته الفقيهة فاطمة المدعوة بست المشايخ. وكان أبوها الشهيد يأمر النساء بالاقتداء بها، والرجوع إليها في المسائل الفقهية)[129](.
أما الوضع السياسي والاجتماعي فقد بقي متميزاً في المناطق الشيعية بنظام إقطاعي مستقل، ونشاط مذهبي قام به الفقهاء الشيعة بشكل مكّنهم من السيطرة على الحياة الثقافية بأكملها)[130](.
وقد انبعثت فترة جديدة تميزت بنهضة علمية واسعة امتدت لتشمل المناطق المتاخمة له من سهل البقاع)[131](. ولاحظ بعض الباحثين أن الفترة التي جاءت بعد مقتل الشهيد الأول حجبت حياة الشيعة في لبنان ولكن ظهر أن هذه الطائفة لم تقطع أسباب العلم بل احتفظت به على صعيد عال)[132](، حيث تمكنت هذه البقعة الصغيرة من الأرض خلال قرن من الزمن أن تنتج فقهاء كان لهم دور كبير في إرساء دعائم الدولة الصفوية بإيران والتي قامت بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي (905 ـ 930هـ/1500 ـ 1524م). وقد تزامن قيام هذه الدولة الشيعية بنهضة علمية في جبل عامل نادرة المثال، وكان فيه على محدودية رقعته عدد من المجتهدين يزيد على ما كان في أية منطقة شيعية أخرى)[133](.
كان الصفويون يطلبون الغطاء الشرعي لحكمهم المناهض لخلافة الأتراك، فأفادوا من المجتهدين، ومنحوهم مناصب رسمية في الدولة. وكان العلماء الكركيون يبعثون الرسائل من إيران إلى إخوانهم في كرك وبعلبك وجبل عامل يحثونهم على الالتحاق بهم للعمل على نشر المذهب الشيعي وتثبيت دعائمه)[134](.
وكان سقوط دولة المماليك على يد السلطان سليم العثماني عام 923هـ/1516م قد أوجد تغييراً أساسياً في الحرية التي تمتعت بها المؤسسة الشيعية قبل هذا التغيير للانصراف الكلي للعلوم الدينية البحتة.
وقد حمل العثمانيون مشاعر عدائية ضد التشيع نتيجة صراعهم مع الصفويين مما ساعد الفقهاء من الهجرة عن موطنهم، وجعل لهم مبرراً للانضواء تحت مظلة الصفويين التي هي مظلتهم في نهاية المطاف.
الجهود العلمية للشهيد الأول
ألف الشهيد الأول كتباً غنية اعتبرت مادة خصبة لدراسة العلوم الدينية. وقد نالت هذه المؤلفات اهتماماً عاماً بدراسة هذه العلوم. وعلى الرغم من شهرة مؤلفاته وأهميتها العلمية فقد تميز بعضها ككتب دراسية منهجية.
إن مؤلفات الشهيد الأول الغنية المتنوعة أعارته احتراماً خاصاً من قبل المتخصصين بدراسة العلوم الدينية. وكان من بين هذه الكتب مختصر في الفقه بعنوان «اللمعة الدمشقية» أصبح من أهم المصادر في دراسة الفقه في الحوزات العلمية حتى يومنا هذا؛ خصوصاً بعدما وضع شروحاً عليه بعد قرنين من تأليفه، الفقيه زين الدين العاملي الملقّب بالشهيد الثاني في كتاب سماه «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية»)[135](.
تميز كتاب «اللمعة الدمشقية» بإعادة تنظيم الأبواب الفقهية كما حاول مؤلفه أن يحدث بعض التغيير في صياغة التعبير، وسبك العبارات فلم يجمد على التعبيرات الفقهية المتداولة في وقته)[136](، أوجد أيضاً نمطاً جديداً من المصطلحات الشرعية.
وقيل إن الشهيد الأول ألف «اللمعة الدمشقية» في غضون سبعة أيام، ولم يكن في متناوله من كتب الفقه سوى كتاب «المختصر النافع» للمحقق الحلي)[137](.
وبالمقارنة بين الكتابين يظهر أن الشهيد الأول ساير المحقق الحلي في تنظيم أبواب الفقه لكنه زاد عليه جملة من التحسينات. حيث قدم أحكام كل باب قبل أي شيء آخر، ثم بحث عما يلحق بها من المسائل التي لم تكن مبحوثة من قبل، وأضاف كذلك موارد لاستقصاء المندوبات والمكروهات فيما إذا كان في الباب مندوب أو مكروه)[138](.
وكان الفقهاء السابقون له يخصون مبحث (الخيارات) و(موانع الإرث) بعدد مخصوص من المسائل فزاد عليهم في هذين المجالين. كما أنهم كانوا يعنونون البحث بعنوان قد لا ينطبق على المعنون كما في (خيار ما يفسد ليومه) فنبّه أنه إذا فسد لا مجال للخيار، وعنونه بـ(خيار ما يفسده المبيت) )[139](.
وفي «اللمعة» أيضاً دقة في تحديد المصطلحات الفقهية. كما أن اختصار الجمل الطويلة، وتهذيب العبارات من السجع والمحسنات البديعية التي كانت شائعة يومذاك هو الذي جعل «اللمعة الدمشقية» محتفظة بطابعها الرسمي في معاهد الفقه)[140](.
كان تأليف (اللمعة) بناء على طلب السلطان علي بن المؤيد (ت: 795هـ/1392م) الذي كان يرأس الحكومة السربدارية الشيعية التي استولت على خراسان بعد وفاة خدابنده، واندمجت في حكومة التتر، لجعله دستوراً لدولته هناك)[141](.
وكانت بين ابن المؤيد والشهيد الأول صداقة قديمة ابتدأت منذ رحلته إلى العراق ثم إلى الشام)[142](.
كما كتب الشهيد الأول كتاب «القواعد والفوائد» الذي اعتبر أول مصنف شيعي في موضوعه. وهذه القواعد الفقهية والأصولية هي ما يحتاجها الفقيه في مناهج استنباط الأحكام الشرعية.
وقد احتوى الكتاب على ما يقارب من ثلاثمائة وثلاثين قاعدة، مضافاً إلى فوائد تقرب من مائة فائدة عدا التنبيهات والفروع، وهي جميعاً استوعبت أكثر المسائل الشرعية.
وليست هذه القواعد فقهية خالصة، وإنما فيها بعض الفوائد والقواعد الأصولية والعربية، ولكن الطابع الفقهي هو الغالب عليها.
ومنهج المؤلف هو أن يورد (القاعدة) أو (الفائدة) ثم يبين ما يندرج تحتها من فروع فقهية، وما قد يرد عليها من استثناءات إن كان هناك استثناء منها. وهو لم يقتصر على بيان رأي الإمامية فيما يذكره من المسائل، وإنما اتخذ منهج المقارنة في أغلب الفروع الفقهية. فيعرض ما قيل من الوجوه سواء أكان القائل إمامياً أم غير إمامي. كما أنه قد يذكر قولاً نادراً تفرد به بعض فقهاء الإمامية، أو غيرهم مما يدل على سعة إطلاعه، وإحاطته بآراء الفقهاء على اختلاف مذاهبهم.
ولا يكتفي بنقل الأقوال والوجوه في المسألة الفقهية، بل غالباً ما يذكر أدلتها وحججها، ويناقش ما لا يرتضيه منها.
ونظراً لعدم فصله القواعد الفقهية عن غيرها سواء أكانت أصولية أم عربية فقد قام تلميذه المقداد بن عبدالله السيوري الحلي بترتيب تلك القواعد وتهذيبها، ووضع في ذلك كتاباً أسماه «نضد القواعد الفقهية»)[143](. كما قام الشهيد الثاني بفصل القواعد الأصولية عن العربية مع فهرس كامل للمطالب والمسائل الفرعية التي تندرج تحت تلك القواعد فصنّف كتاب «تمهيد القواعد الأصولية والعربية»)[144](.
الدكتور جودت القزويني
شيخ الطائفة الطوسي
ومنهج التوازن العلمي
لم تكن الرئاسة الدينية قد تضعضعت بعد وفاة المرتضى بفضل استمرارها على يد تلميذه أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي. ولم يكن اسم الطوسي قد ظهر فجأة في سماء الشهرة، وإنما كان ظهوره ممتداً إلى ايام هجرته من مسقط راسه (طوس) إلى مدينة بغداد سنة 408هـ/1017م.
إن هجرة الطوسي إلى بغداد، ربما كانت خاضعة للضغوط التي مارسها السلطان محمود الغزنوي في خراسان ضد خصومه من المعتزلة، والإسماعيلية، والإمامية، والفلاسفة، وكل مَن يتصل بالمنحى العقلي بصلة. وكان هذا العداء منصباً على (القرامطة) الذين قويت شوكتهم، واتسع نفوذهم، كما تقرر المنقولات ذلك)[145](.
ومهما يكن من أمر فإنّ الطوسي اختار مدينة بغداد، باعتبارها حاضرةً قوي فيها التشيّع، ولوجود حركة علمية متنامية. وقد لازم المفيد أربع سنوات)[146](، وكتب في ذلك العهد شرحاً على كتابه (المقنعة)، وهو من الكتب التي اعتمدت على الافتاء بمتون الروايات مع حذف إسنادها، معتمداً طريقة المحدثين في تأليفه، حتى أصبح هذا الشرح أحد الكتب الأربعة المعتمدة في الحديث عند الإمامية.
ومما يُميّز الطوسي أنّه استطاع أن يبلور مناهج العلم، ويرسي قواعدها، وهو بذلك نقّح كثيراً من آراء السابقين. وبلغت المدرسة العلمية في عهده مرحلة من النضج والتكامل، كما بقيت آراؤه مسيطرة على الجو العلمي عند الإمامية ردحاً طويلاً من الزمن. كما سعى بمؤلفاته إلى وضع أسس في التفسير، والرجال، والحديث، والفقه، والأصول، والفقه المقارن، لذلك لُقّب «بشيخ الطائفة»، وهو لقب إذا أطلق لم يتعين أحد سواه، لذا اعتبر «أكبر رجل في علوم الدين أو المؤسس لطريقة الاجتهاد المطلق في الفقه وأصوله»)[147](، ووصفته المعاجم الرجالية بأنه «شيخ الطائفة على الإطلاق ورئيسها، صنّف في جميع علوم الإسلام، وكل مَن تأخر عنه من الفقهاء والأعيان تفقّه على كتبه، واستفاد منه»)[148](، وكان مع علمه بفقه الإمامية على علم بفقه السنة، وله دراسات مقارنة)[149](.
ونظراً للنفوذ الشيعي الذي يمثّل الطوسي إحدى واجهاته فقد خصص له الخليفة العباسي القائم بأمر الله (ت: 467هـ/1075) كرسي الكلام، وهو من المناصب الرسمية التي لا يحظى بها إلا مَن عُرف بالمقام العلمي)[150](، كما أن هذا لامنصب لا يتأتى لكل أحد من الناس خصوصاً أن الطوسي كان فارسي الأصل، وليس عربياً، كما أنه كان إمامي المذهب لا سنياً)[151](، مما وفّر له صلاة ضخمة ليست منحصرة بمحيطه فحسب، وإنما كانت خارج هذا المحيط أيضاً. فكانت الاستفتاءات الدينية تنهال عليه من الأقطار المختلفة مما يعزز شهرته، ومكانته بشكل عام. ولم يقتصر نشاطه على الوجود الشيعي وحده بل تعدى ذلك إلى محاولة إحكام قبضة التدريس بما تقرر في مدارس المذاهب الإسلامية الأخرى، فقد ضم محفل درسه طائفة كبيرة من علماء سائر المذاهب السنية، وأُحصي له ثلاثمائة مجتهد فقط من أتباعه في المذهب)[152](.
كان الطوسي أول نشأته متأثراً بمسلك الأخباريين، وقد مدحه بعض مشايخ الأخباريين المتأخرين عندما أصبح المنهج الاخباري اتجاهاً، واعتبروا الطريقة التي اعتمدها في تأليفه «هي الطريقة المحمودة»، وعابوا عليه مسلكه الاجتهادي الذي طوره في مؤلفاته الأخرى)[153](.
ومن نتاج هذه المرحلة مضافاً إلى كتابيه «التهذيب»، و«الاستبصار» كتاب «النهاية» الذي تسالم الإمامية على دراسته زمناً طويلاً حتى عصر المحقق الحلي. ويظهر من كتابه هذا أنه سلك المسلك الأخباري الصرف بذكر ألفاظ الحديث بدلاً عن الفتيا، الأمر الذي جعل ابن ادريس (ت: 597هـ/1201م) يتشدد في اعتبار كتاب النهاية «كتاب رواية لا كتاب فتوى ودراية»)[154](.
وإذا عرفنا أنّ الطوسي كان قد هاجر إلى بغداد سنة 408هـ/1017م، وهو ابن ثلاثة وعشرين عاماً)[155]( علمنا أنه كتب «البواكير» الأولى من مؤلفاته في مثل هذه السن حتى وفاة شيخه المفيد عام 413هـ/1022م.
وتجدر الإشارة إلى أن طريقة التأليف السائدة في القرون الثلاثة الأولى كانت مقصورة على نقل الروايات، والإفتاء في المسائل بمتون الروايات. وكان الراوي يتعمد إلى روايته في النقل عن الأئمة و«الفتوى تكون ـ حينئذ ـ بنقل الرواية بعد إعمال النظر، ومراعاة ضوابط الفُتيا»)[156](.
المسائل المتلقاة
سبق القول إن المفيد كتب (المقنعة) معتمداً على الإفتاء بمتون الروايات مع حذف إسنادها، وهي طريقة لم تكن متعارفة في مجال الفقه إلا على يد الشيخ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفى سنة 329هـ/941م. فقد ألف كتاب (الشرائع)، ونقل فيه متون ونصوص الروايات، وبث ولده الشيخ الصدوق (ت: 381هـ/991م) هذا الكتاب في متون كتبه كالفقيه، والمقنع، والهداية. ولما كانت متون هذه الكتب، والمؤلفات مأخوذة من الروايات والأصول نفسها، وقعت متونها موضع القبول من قبل الفقهاء، فعاملوها معاملة الكتب الحديثية، وعولوا عليها عند إعوازهم إلى النصوص على اختلاف أذواقهم. وقد سمى البروجردي (ت:1380هـ/1961م)، وهو من فقهاء الشيعة المتأخرين هذه الكتب بـ«المسائل المتلقاة»، وسماها آخرون بـ«الفقه المنصوص»)[157](.
ومع أن هذا النمط من الفقه كان نمطاً جديداً، وثورة على الطريقة القديمة السائدة طيلة قرون فإنه لم يكن باستطاعته أن يسدّ الفراغ ويضع حلولاً لمختلف المشكلات المتجددة، لأن هناك حاجات وأحداثاً لم ترد بعينها في متون الروايات، وسنن النبي، وإن أمكن استنباط أحكامها من العمومات، والإطلاقات، والأصول الواردة في الكتب، والسنة. فعند ذلك يجب أن تكون هناك ثورة جديدة، وقوية تسد هذا الفراغ، وتغني من الرجوع إلى غير الكتاب والسنة، لذلك قام فقهاء الشيعة بالخروج عن حدود عبارات النصوص، والألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة، أو عرض المسائل على القواعد الكلية الواردة في هذين المصدرين مع التحفظ على الأصول المرضيّة عند أئمة الشيعة من نفي القياس، والاستحسان، ونفي الاعتماد على كل نظر ورأي ليس له دليل في الكتاب والسنّة.
وهذا الاتجاه الفقهي كان سائداً عند الفقهاء السنيين لكنه كان مبنياً على أسس أخرى كالعمل بالقياس، وغيره مما لم يرتضه أئمة الشيعة)[158](.
نعود إلى القول أن الطوسي اصبح في بغداد الشخصية الأولى التي استقطبت الشيعة من مختلف البلدان، وقد ظهر على يديه عصر جديد للعلم. من هنا فإن بعض المحققين وهو الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر عندما قسّم مراحل تطور العملية الاجتهادية اعتبر الطوسي فاتحة لعصر سمّاه (عصر العلم)؛ وسمى المرحلة التي سبقته بـ (العصر التمهيدي) )[159](، ويعني بها مرحلة وضع البذور الأساسية لعلم الأصول عند ابن أبي عقيل، وابن الجُنيد، والمفيد، والمرتضى. أما سبب تسمية هذه المرحلة بـ (عصر العلم) فقد نشأت من انعكاس معالم الفكر الأصولي على مجالات البحث الفقهي، وهي المرحلة التي استطاع فيها الطوسي أن يضع مؤلفات على طريقة الاستنباط والتفريع بشكل يختلف عمن تقدمه.
وبالرغم من الصعوبات التي واجهها الطوسي في هذا المضمار من قبل الأخباريين أو المحدثين لكن منهجه العلمي كتب له النجاح بشكل كبير، واستمر على منواله مجتهدو الإمامية حتى العصر الحاضر.
تطبيق القواعد الأصولية على البحث الفقهي
عرفنا أن بدايات الاجتهاد بعد عصر الأئمة كانت في القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي على يد الحسن ابن أبي عقيل العماني، وابن الجُنيد، ويُعبّر عنها بالقديمين)[160](، ثم تطور على يد المفيد والمرتضى. إلا أنه شهد تأسيساً جديداً للاجتهاد المطلق على يد الطوسي خصوصاً في مجال الاستنباط الفقهي، ومحاولته لتطبيق بحوث الأصول على مجالات الفقه. فقد استطاع الإفادة من الجهود التي سبقته حيث جدّ في تعميقها بشكل يتناسب وآراءه المستحدثة. ويُعدّ كتابه «المبسوط» محاولة عظيمة في مقاييس التطور العلمي لنقل البحث الفقهي من نطاقه الضيق المحدود في أصول المسائل إلى نطاق واسع يمارس الفقيه فيه التفريع، والتفصيل، والمقارنة بين الأحكام، وتطبيق القواعد العامة، وتتبع الأحكام على ضوء المعطيات المباشرة للنصوص»)[161](.
وقد تنبّه الطوسي إلى أن البحث الفقهي كان مقتصراً على استعراض المعطيات المباشرة للأحاديث والنصوص، وقد سمّاها «أصول المسائل»، وعلى ذلك فالبحث فيها لا مجال فيه للإبداع في مثل هذه البحوث)[162](.
ويبدو من عبارة (المبسوط) أن هناك معارضة واجهت مسلك المجتهدين. فقد ذكر أنه كان متشوقاً إلى عمل كتابه، إلا أنه أشار إلى «قلة الرغبة في علم يقوم على غير طريقة الخبر والرواية»)[163](، وهو على ما يبدو كان يخشى الاتهام بالخروج على المألوف فحاول في مقدمته أن يفصح عن اهتمامه بالأخبار اهتماماً جديراً بالتقدير، ويذكر بما كتبه في كتاب (النهاية) حيث قال: «عملت على قديم الوقت كتاب النهاية، وذكرت جميع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم وأصولها من المسائل، وفرقوه في كتبهم، ورتبته ترتيب الفقه، ولم أتعرض للتفريع على المسائل، ولا لتعقيد الأبواب، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة حتى لا يستوحشوا من ذلك»)[164](.
كما أنه أوضح أن الكثير من الفقهاء لا يمكن أن يتحملوا شيئاً مخالفاً لطريقتهم حتى «أن المسألة لو غير لفظها، وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم تعجبوا منها، وقصر فهمهم عنها».
وقد أثنى جملة من العلماء على المسلك العلمي الذي سلكه الطوسي في كتابه (المبسوط)، ووصفوا هذا الكتاب بأنه «كتاب عظيم النفع»)[165](. وعدّه المجلسي من مصادر كتابه «بحار الأنوار»)[166](، كما اعتبر من الكتب الأُوْلَوية في مضمار الفقه لم يسبقه أحد إلى مثلها في التفريع على الأصول الفقهية، وعلى غاية من الاستقصاء)[167](. كما وصفه مؤلفهُ بأنه مشتمل على ثمانين كتاباً، فيه فروع الفقه كلها، لم يصنّف مثله»)[168](. وقد طبع في ثمان مجلدات بتصحيح وتعليق محمد تقي الكشفي سنة 1387هـ/1967م.
واستظهر الإمام السيد محمد باقر الصدر من خلال (المبسوط) و(العدة) حقيقتين مهمتين:
الأولى: إن علم الأصول في الدور العلمي الذي سبق الطوسي كان يتناسب مع مستوى البحث الفقهي الذي كان مقتصراً على أصول المسائل، والمعطيات المباشرة للنصوص، ولم يكن بإمكان علم الأصول أن ينمو نمواً كبيراً لأنّ الحاجات المحدودة للبحث الفقهي لم تكن تساعد على ذلك، فكان من الطبيعي أن ينتظر علم الأصول نمو التفكير الفقهي واجتيازه تلك المراحل.
الثانية: إن علم الأصول الذي يمثله الطوسي في كتاب العدة كان يسير في خط مواز للتطور الذي أنجز في تلك الفترة على الصعيد الفقهي. وهذه الموازاة التاريخية تعزز فكرة التفاعل بين الفكر الفقهي والفكر الأصولي، أي بين بحوث النظرية، وبحوث التطبيق الفقهي؛ فإن الفقيه الذي يشتغل في حدود التعبير عن مدلول النص، ومعطاه المباشر بنفس عبارته أو بعبارة مرادفة، ويعيش قريباً من عصر صدوره من المعصوم لا يحسّ بحاجة شديدة إلى قواعد، لكنه حين يدخل في مرحلة التفريع على النص، ودرس التفصيلات لاستخراج حكمها بطريقة ما من النص يجد نفسه بحاجة كبيرة ومتزايدة إلى العناصر والقواعد العامة، وتنفتح أمامه آفاق التفكير الأصولي)[169](.
واعتقد الإمام الصدر أن الطوسي ألف «المبسوط» أيام إقامته في النجف)[170](. وسبب هذا الاعتقاد راجع إلى عبارة ابن إدريس الذي وصف الكتاب بأنه «آخر ما صنّفه في الفقه بعد النهاية، والتهذيب، والاستبصار، والجمل والعقود ومسائل الخلاف»)[171](، لكنّ الحقيقة تشير إلى أنه كتبه أيام إقامته في بغداد.
وقد لاحظ السيد حسن الحكيم أنّ الطوسي تميّز بقلة نتاجه في الفترة التي عاشها في النجف، وأحصى في دراسته عن الطوسي خلال هجرته إلى النجف أنه لم يؤلف سوى كتابين هما (الأمالي) و(اختيار الرجال)، ولعلّ هذا ناشئ من قناعته بكفاية إنجازاته الفكرية في بغداد)[172](.
أما الدوافع التي ساهمت في تأليف (المبسوط) فقد أوضحها الطوسي من خلال مقدمته التي شرح فيها الدوافع التي دعته أن يكتب كتابه هذا، وتتلخص بما يلي:
1 ـ اتهام الإثني عشرية من قبل خصومهم بعدم القدرة على استنباط الأحكام الشرعية لنفيهم القياس والرأي في الاجتهاد.
2 ـ محاولة كسر الجمود الذي سار عليه الفقهاء السابقين عليه، ونقل الفقه إلى مدار جديد، وهو بذلك أشار إلى ضرورة الجمع بين المدرستين الأخبارية والاجتهادية والاستفادة منهما كل في مجاله.
3 ـ تطوير الدراسات التي سبقته، وإفرادها بشكل مستوعب يُبرز أصالة الفقه الإمامي وقوته، كما نص على ذلك في وصف الكتاب: «لا نظير له، لا في كتب الأصحاب، ولا في كتب المخالفين، لأني إلى الآن ما عرفتُ لأحد من الفقهاء كتاباً واحداً يشتمل على الأصول والفروع مستوفياً مذهبنا، بل كتبهم، وإن كانت كثيرة، فليس تشتمل عليهما كتاب واحد، وأما أصحابنا فليس لهم في هذا المعنى ما يُشار إليه، بل لهم مختصرات»)[173](.
ولا يُنكر أن شيخ الطائفة استفاد من تأليف (المبسوط)، وكتبه الأخرى في مجال بحث الفقه المقارن، من الوضع الفكري السائد في عاصمة الخلافة العباسية. ويُعدّ كتاب (الخلاف) سجلاً لم يحفظ آراء الإمامية فحسب، بل حفظ آراء بعض المذاهب البائدة كمذهب زُفر، والأوزاعي، والبصري، والسدي، والظاهري، أو المذاهب الباقية كالمذاهب الأربعة)[174](. وقد ذكر المسائل المختلفة فيها، وقرنها بالأدلة، واختار منها ما وصل إليه استنباطه، ورأيه، فقد كان في عمله «مجتهداً مطلقاً لا يأبه بما قاده إليه الدليل، واقتضاه البرهان»)[175](.
وقد ميّز الشهابي في مقدمته على «مسائل هامة من كتاب الخلاف» هذا الكتاب من بين كتب الطوسي، واعتبره «فذاً، يحق أن ينظر إليه مستقبلاً»، وسبب ذلك يرجع إلى أنه شمل على أقوال الفقهاء السالفين، وآرائهم التي لا تكاد توجد في غيره من الكتب. وقد انقرض كثير من هذه المذاهب، ولم تحفظ آراء قائليها «فكادت تذهب تلك الأقوال، والآراء لولا الموضوعية العلمية التي اتصف بها الطوسي» في حفظ آراء المذاهب الأخرى)[176](.
ويتبين للدارس أن الطوسي من خلال هذا المؤلف «كان عالماً على المنهاجين الإمامي والسني. فمع علمه بفقه الإمامية، وكونه من أكبر رواته كان على علم بفقه السنة»)[177](.
وتعتبر هذه المرحلة التي عاشها الطوسي في بغداد من أخصب الفترات التي ساعدته على وضع مؤلفاته المهمة، ومحاولة وضع الأسس والقواعد لتي يقوم عليها بناء المذهب. وقد لاحظ السيد محمد صادق بحر العلوم «أن في مؤلفات الطوسي ميزة خاصة لا توجد في غيرها من مؤلفات الإمامية»)[178](. وسبب ذلك يرجع إلى أنها أصبحت المصدر الأول لمعظم مؤلفي القرون الوسطى، حيث استقوا منها مادتهم، وكونوا كتبهم، ولأنها حوت خلاصة الكتب المذهبية القديمة، واصول الأصحاب»)[179](.
إن جهود الطوسي العلمية رفعته إلى دور المؤسسين الكبار عند الإمامية حيث اعتبر أباً للطائفة، وشيخها الأعظم في العصور الأولى للغيبة الكبرى)[180](. من هنا فقد أثر على علماء الشيعة في الفروع والمسائل الخلافية أصولاً وفقهاً فلا يوجد فقيه أصولي إمامي اهتمّ المتأخرون بالأخذ عن آرائه مثل تأثير الطوسي عليهم)[181](.
كتب الطوسي جميع مؤلفاته باللغة العربية الخالية من العُجمة، علماً أن أصوله الفارسية تمتد إلى مدينة (طوس) التي كان أهلها يتكلمون الفارسية القديمة. وخير دليل على ذلك كتاب (الشاهنامه) الذي يعتبر آية في اللغة الفارسية القديمة. ويمكن إرجاع تأثره باللغة العربية إلى تتلمذه على المفيد والمرتضى، أستاذيه، المنحدرين من أصول عربية، ومعاشرته لأهل (الكرخ) من الشيعة الذين كانوا محتفظين بالعنصر العربي بشكل يختلف عما كان عليه أهل (الرصافة) من السنة. وكان تأكيده على اللغة العربية نابعاً أيضاً من تأثير المناطق التي انتشرت فيها اللغة العربية بشكل واسع أمثال الحلة، وطرابلس، وقم، والري؛ الأمر الذي جعل أهل هذه المناطق يلتفون إلى مدينة بغداد في حين أن الشافعية في بغداد كانوا متوجهين إلى «نيشابور» وكذلك «الحنفية» الذين جعلوا وجهتهم نحو (بُخارى)، وما وراء النهر)[182](.
يُضاف إلى ذلك أن البويهيين كانوا مهتمين بهذه اللغة حيث «أغرقوا انفسهم بالثقافة العربية، وقد تبنوها كثقافة خاصة بهم»)[183](، فكانوا لا يستوزرون إلا العلماء، والشعراء، والكتاب أمثال ابن العميد (ت: 360هـ/971م)، والصاحب ابن عباد (ت: 385هـ/995م)، والمهلبي (ت: 352هـ/963م) وغيرهم، كما ذاع صيتُ بعض سلاطينهم في الأدب، والشعر أمثال عضد الدولة وتقرّب له الشعراء كالمتنبي، والسلامي، وألّف له أبو اسحاق الصابي (ت: 374هـ/984م) كتاب التاجي في أخبار آل بويه، وأبو علي الفارسي (ت: 377هـ/988م) كتاباً في النحو كان يعلمه إياه وهو كتاب (الإيضاح) )[184](.
الطوسي بين علم الحديث وعلم الرجال
ألّفت في هذا العهد «الكتب الأربعة» في الحديث عند الشيعة)[185](، والكتب الأربعة في الرجال. وكان نصيب الطوسي في حقلي الحديث والرجال نصيباً عالياً حيث جمع كتابين في الحديث، وآخرين في الرجال. وأول مَن جمع الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت (ع) هو الشيخ محمد يعقوب الكليني (ت: 329هـ/941) في كتاب اسماه (الكافي). وقد استغرق تأليفه عشرين عاماً قضاها في بغداد حتى وفاته)[186](. ثم تبعه الصدوق (ت: 381هـ) فألف كتاب «مَن لا يحضره الفقيه»، وكان الصدوق من أهل الرحلة في طلب الحديث كالكليني، وسافر إلى أماكن متعددة كبغداد، ونيسابور، وطوس، وسرخس وبخارى، وفرغانة متتبعاً المشايخ، ومستفرغاً وسعه في جمع كتابه هذا)[187](.
أما الطوسي فقد كتب كتابين هما «تهذيب الأحكام»، و«الاستبصار»، اعتبرهما بحر العلوم من «أعظم كتب الحديث الأربعة، وأكثرها منفعة» لما اشتمل ا عليه من الفقه، والاستدلال، والتنبيه على الأصول، والرجال، والتوفيق بين الأخبار، والجمع بينهما». وقد خصّ «التهذيب» بأهمية أكبر باعتباره «كافياً للفقيه فيما يبتغيه من روايات الأحكام»)[188](.
ومما ساعد الطوسي على إظهار هذه المجاميع الكبيرة وجود مكتبتين كبيرتين استعان بهما في تأليف كتبه بالرجوع إلى أمهات المصادر:
الأولى: مكتبة «دار العلم» التي أسسها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير (ت: 416هـ/1025م)، والتي أنشأها سنة 381هـ/991م لأهل العلم)[189](. وقد حوت من نفائس الكتب، ونوادرها ما بلغ عشرة آلاف مجلد)[190](، كما ضمت كتباً «بخطوط الأئمة المعتبرة، وأصولها المحررة»)[191](، وقد احترقت هذه المكتبة أيام السلاجقة بعد قضاء طغرل بك (ت: 455هـ/1063) على حركة البساسيري سنة 451هـ/1059م)[192](.
الثانية: مكتبة الشريف المرتضى التي قيل إنها حوت ما يقارب على ثمانين ألف مجلداً)[193](.
وقد ضمت هاتان المكتبتان الكثير من الأصول المعتبرة، التي استقى مؤلفو الكتب الأربعة مادة كتبهم منها. وقد جمعها قدماء محدثي الشيعة مما وصل إليهم من أخبار الأئمة في أربعمائة مصنّف سميت «بالأصول الأربعمائة». وتعتبر الكتب الأربعة حاوية لأكثر ما في هذه الأصول من أخبار كما أنها تتسم بالتبويب والترتيب)[194](.
وقد نصّ المتقدمون على أن هذه (الأصول) ألفت في عصر الإمام الصادق (ع)، وأن الأحاديث الواردة كانت سماعاً لمؤلفيها من الصادق نفسه. كما ذكر المحقق الحلي أنها «كُتبت من أجوبة مسائل جعفر الصادق أربعمائة مصنّف لأربعمائة مصنف سمّوها أصولاً»)[195](.
وقد أُهملت هذه الأصول نظراً لاحتواء الكتب الأربعة، وجوامع الحديث عليها، وعلى غيرها من مصادر أحاديث الشيعة. ولأجل ذلك استغنى المحدثون عنها لوجود مضامينها، ورواياتها في هذه الكتب المتأخر تأليفها زمناً من زمن تأليف الأصول. وقد ضمن المجلسي بعض هذه الأصول كتابه بحار الأنوار)[196](.
وفي القرن الحادي عشر الهجري ظهر اهتمام جديد على يد الفيض الكاشاني (ت: 1091هـ/1680م)، والحر العاملي (ت: 1104هـ/1692م) حيث كتب الأول كتاب «الوافي»، وكتب الثاني كتاب «وسائل الشيعة». وقد أوردا في كتابيهما ما تضمنته الكتب الأربعة، وزادا عليها ما وجداه في الكتب المشهورة. وقد ذكر الفيض الكاشاني أنّ السبب الذي دعاه لتأليف كتابه هو ما رآه من قصور كل من الكتب الأربعة عن الاستيفاء لاختلاف أبوابها في العناوين، ومواضع الروايات»)[197](.
وقد سعى الحر العامي إلى ترتيب كتابه على أبواب تتناسب والمسائل المعنوية في كتب الفقه وتتبعها، لذلك فقد قطّع الأحاديث، وأتى بكل قطعة من الخبر في المحل المناسب له»)[198](.
واستدرك المحدث النوري (ت: 1320هـ/1902م) على كتاب الحر العاملي بكتاب سماه «مستدرك الوسائل، ومستنبط المسائل»، طبع طباعة قديمة في ثلاث مجلدات، وطبع محققاً سنة 1986م في أكثر من عشرين مجلداً.
وجمع المجلسي (ت: 1111هـ/1699م) الأحاديث المروية عن النبي والأئمة في كتاب سمّاه «بحار الأنوار»، طبع في مائة وعشر مجلدات، ويعدّ أوسع المجموعات الحديثية عند الشيعة الإمامية»)[199](.
إن جوامع الحديث المتمثلة بالمجموعات الحديثية الأولية، والثانوية التي ورد الحديث عنها هي بمثابة الصحاح الستّة، وغيرها من كتب الحديث عند أهل السنة». وقد جرت عملية تهذيب للأحاديث الواردة في هذه الكتب عند الإمامية، كما جرت عملية تهذيب لأحاديث الكتب السنية بعد ظهور الصحاح الستة. فقد نهج المحدثون إلى جمع الأخبار والمرويات دون تمحيصها. ويذكر السيد محمد تقي الحكيم أن «مهمة تمحيص الأحاديث موكولة إلى المجتهدين في مجالات استنباط أحكامهم»)[200](، وعلى ذلك فقد خضعت كتب الحديث عند الإمامية لقواعد النقد التي عُرضت في كتب الدراية. ومنذ أواخر القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي ظهر معيار جديد لصحة الحديث يحدده (سند) الحديث بعدما كان المعيار عند المحدثين الأوائل معتمداً في معرفة الحديث السليم، والمعتبر على «الرضى والتسليم»)[201](.
من هنا قُسمت أحاديث الكتب الأربعة إلى خمسة أقسام (الصحيح، الحسن، الموثق، القوي، الضعيف). وقد نسب هذا التقسيم إلى أحمد ابن طاووس)[202]( (ت: 673هـ/1274م) أو إلى تلميذه العلامة الحلي (ت: 726هـ/1325م) وتابعهما سائر الفقهاء عدا فقهاء الأخباريين الذين ذهبوا إلى أن جميع الأحاديث المروية في المجاميع المتقدمة متمنّعة بالصحة والاعتبار الكاملين حتى لو كانت نسبة الكتاب إلى مؤلفه غير متواترة)[203](.
وقدّم زين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني (ت: 965هـ/1558م) دراسة مستفيضة عن «سند» أحاديث الكافي، وانتهى إلى أن هذا الكتاب ضم (5072) حديثاً صحيحاً، و(144) حديثاً حسناً، و(1118) حديثاً موثقاً، و(302) حديثاً قوياً، و(9485) حديثاً ضعيفاً. وقد بقيت الكتب الفقهية الإمامية تدين وتعترف بالامتنان لهذا الجهد الكبير.
كما قام في أوائل القرن الحادي عشر الهجري/ السادس عشر الميلادي جمال الدين الحسن ابن الشهيد الثاني (ت: 1011هـ/1602م) المشهور بصاحب المعالم، بعمل لم تكن له سابقة في مذهب التشيع، فقد استخرج الأحاديث الصحيحة عند الشيعة من الكتب الأربعة، وألف منها كتاباً واحداً سماه «منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان»، وبالرغم من أنه لم يتمه إلا أن الكتاب نال رضى وتقدير فقهاء الإمامية الكبار)[204](.
وفي الإطار السني جرت عملية تهذيب الأحاديث بعد ظهور الصحاح الستة على يد ابن الجوزي (ت: 597هـ/1201م)، والصغاني (ت: 650هـ/1252م) والسيوطي (ت:911هـ/1050م) الذي وضع كتاب (اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة). وقد نبه هؤلاء في كتبهم على جملة من الأحاديث الموضوعة)[205](.
ومما يلاحظ أن مؤلفي الكتب الأربعة لدى الشيعة والتي هي أكثر كتب حديثهم اعتباراً هم من عنصر «فارسي»، كما أن مؤلفي الصحاح الستة المعتبرة لدى المذهب السني هم من الفرس أيضاً)[206](.
تنقيح المؤلفات الرجالية
اهتم الطوسي بدراسة علم الرجال إلى جانب اهتمامه بدراسة علم الحديث، وقد وضع علم الرجال «لتشخيص رواة الحديث، ذاتاً ووضعاً، مدحاً وقدحاً»)[207](، ولما كانت السنة، وهي عند الشيعة أحاديث وسيرة النبي والأئمة المعصومين، أحد مصادر التشريع كان تمييز صحيح الأخبار عن غيرها متعلقاً بهذا الفن. من هنا وجد المحققون في معرفة الرواة والناقلين طريقهم إلى صحة الحديث إذا كان رواية ثقة. وقد نبّه العلامة الحلي إلى أهمية علم الرجال وقال: «إن العلم بحال الرواة أساس الأحكام الشرعية، ويجب على كل مجتهد معرفته وعلمه»)[208](.
اعتبرت جهود الطوسي في مجال دراسة علم الرجال وتنقيحه من المصادر الأولى المعتمدة التي ساعدت على ظهور أخرى خلال العصور اللاحقة)[209](. فقد اعتمدت كتب رجالية أربعة كان أقدمها رجال الكشي (كان معاصراً لابن قولويه المتوفى سنة 369هـ/980م) المسمى «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين»، إلا أن هذا الكتاب لم يصل إلا عن طريق الطوسي نفسه، فقد عمد إلى تلخيصه بعدما وجد فيه «أغلاطاً كثيرة»)[210](، وسماه (اختيار الرجال) وأملاه على تلاميذه في المشهد الغروي سنة 456هـ/1064.
أما الكتاب الثاني فهو كتاب (الرجال) للنجاشي (ت: 450هـ/1058م) الذي يعتبر عمدة الأصول الرجالية نظير (الكافي) في علم الحديث)[211](. وقد ذكر في الفهرست أصحاب الكتب والأصول، وأنهى إليهم وإليها أسانيده عن مشايخه. ويحتوي هذا الكتاب على ما يزيد على تسعمائة اسم من أسماء المصنفين)[212](، وذكر في مقدمته ما نصه «إذا ذكرت كلّ واحد من المصنفين، وأصحاب الأصول فلا بد أن أشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتخريج، وهل يعول على روايته أم لا، وأبين عن اعتقاده وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له، لأن كثيراً من مصنفي أصحابنا، وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة»)[213](.
وقد اعتبر الدكتور حسين علي محفوظ هذا الفهرست من أوائل الأعمال البيلوغرافية المرتبة على حروف المعجم)[214](، كما اعتقد الشيخ محمد أبو زهرة بأنّ الفهرست سدّ فراغاً في المذهب الإمامي ما كان يمكن لغير الطوسي أن يسدّه»)[215](. والسبب يعود إلى أنّ الطوسي حاول أن يسد الثغرة التي ظهرت بعد فقدان كتابين في علم الرجال ألفهما ابن الغضائري. وقد وصف الطوسي عمل الغضائري بأنه كان مستوعباً حيث ذكر «المصنفات» في جزء خاص، كما ذكر «الأصول» في جزء آخر، وأشار إلى أن كتابه هذا لم يستوف ذكر جميع التصانيف والأصول لأنها لا تكاد تضبط لانتشار الإمامية في البلدان)[216](.
وقد استدرك عليه منتجب الدين ابن بابويه الرازي (من أعلام القرن الخامس الهجري) بكتاب طُبع باسم «فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم»، وكذلك الحافظ ابن شهر آشوب (ت: 588هـ/1192م) بكتاب (معالم العلماء؛ وقد شمل الأول على (553) ترجمة، كما شمل الثاني على (1021) ترجمة. ومن غريب المصادفات أن يتصدى هذان المحدثان لتتمة فهرست الطوسي في عصر واحد، ولم يعلم كلّ منهما بعمل الآخر)[217](. وقد أصبح هذان الكتابان من المدارك المهمة لعلماء الرجال)[218](.
أما كتاب (الرجال) فقد رتّبه الطوسي على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي، وأصحاب كل واحد من الأئمة، وقد تضمن على ما يقارب (8900) اسم، وكان غرضه من تأليفه محاولة لجمع أسمائهم، وتمييز طبقاتهم، ولم يكن غرضه «تمييز الممدوح منهم من المذموم»)[219](.
إن هذه الكتب الرجالية الأربعة بمجموعها من الكتب المعروفة التي «تناولتها الأيدي طبقة عن طبقة»)[220](، وقد جمعها القهبائي (كان حياً سنة 1016هـ/1607م) في كتاب واحد سماه «مجمع الرجال»)[221](.
التدهور السياسي تحت سلطة السلاجقة
سبق القول إن كتب الطوسي اعتبرت مصدراً لمعظم مؤلفي القرون الوسطى، وقد توزعت موضوعاتها، وتنوعت بتنوع العلوم)[222](. ولا يسع الحديث في شرح هذه المؤلفات، إلا أنه تجدر الإشارة أن هذه المؤلفات كتب لها البقاء في الوقت الذي تلفت فيه كتب عظيمة لأعلام الإمامية، وذلك بعد سقوط البويهيين، ودخول السلاجقة مدينة بغداد، عاصمة الخلافة العباسية سنة 447هـ/1055م، وذلك لما دُعي السلطان طغرل بك لزيارة بغداد من قِبل الخليفة العباسي وكان السلاجقة يومذاك قد بسطوا نفوذهم على إيران، ولما وصلها أحس باضطراب الأوضاع السياسية فانتهز ضعف البويهيين، وانقضّ على الملك الرحيم آخر ملوكهم، وأرسله إلى (الري)، وأصبح زمام الحكم بيده)[223](.
كان سلاطين آل سلجوق، كما صوّرتهم النصوص سلفيين متعصبين، وكان رجال الدولة يرون الفرق المخالفة أعداء لهم، وقد شنوا حملة عنيفة ضد المناوئين الفكريين كالمعتزلة، والحنفية، والإمامية)[224](. وأرجع بعض الباحثين سياسة العنف هذه إلى تأثرهم بالأصول القبلية، وتفشي الأمية فيما بينهم، الأمر الذي اضطرهم للاعتماد على طبقة الموظفين التي ازداد نفوذ بعض أفرادها تبعاً لأهمية مناصبهم، أو لصلتهم بالسلطان، وكان من أبرز أفراد هذه الطبقة الوزراء والحجاب)[225](. وبالرغم من أن حركة الفكر أصبحت منحصرة بسياسة الدولة إلا أنها لم تكن في ركود تام، وأنّ مجرى الثقافة لم ينحصر تماماً في الإطار النقلي الذي فرضته السلطة الحاكمة، والسلفية المتشددة)[226](.
وقد استطاع الوزير نظام الملك (ت: 486هـ/1093م) أن يوجد تحركاً فكرياً جديداً يختلف عما كان عليه أيام حكم البويهيين، حيث أنشأ المدارس النظامية في أهم مدن الدولة السلجوقية وكانت نظامية بغداد أشهرها وأهمها)[227](. وكان الغرض من إنشائها تقوية التيار السلفي، وحسر التيار العقلي المتمثل بالمعتزلة، والشيعة، وغيرهما. ولما كانت هذه المدارس ملتزمة بالمذهب الشافعي، وداعية له فقد قاومها الحنابلة وأصبحت بغداد، وغيرها من المدن مسرحاً للصراع بين المذاهب المختلفة، لكنه صراع من نوع جديد.
حاول السلاجقة بتثبيت حكمهم عن طريق خلق الفوضى في صفوف الناس حيث أخذت المظاهر السنية تحل محل المظاهر الشيعية التي كانت قائمة على عهد البويهيين كإحلال فقرة «الصلاة خير من النوم» محل فقرة «حي على خير العمل»)[228]( في الأذان، كما دخل السنيون إلى الكرخ فأنشدوا الأشعار في مدح الصحابة، وتقدم بعضهم للظفر بأبي عبدالله الجلاب (شيخ البزازين) لما كان يتظاهر به من التشيع، فقُتِل، وصلب على باب دكانه)[229](.
ولم تقف مظاهر العنف هذه حتى أحرقت مكتبات الشيعة ومن جملتها المكتبة التي أنشأها أبو نصر سابور ابن أردشير، وزير بهاء الدولة البويهي، والتي كانت تحتوي على الكثير من النوادر التي هي «بخطوط الأئمة المعتبرة، وأصولهم المحررة»، وكان من جملتها كما نُقل، مائة مصحف بخط ابن مقلة)[230](، احترقت هذه المكتبة فيما احترق من محال (الكرخ)، احترقت مكتبة الشيخ الطوسي، و«كبست داره، وأخذ ما وجد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام»)[231](، وقد حاول الحاكمون الجدد أن يكشفوا عن انتقامهم بشكل جماهيري حيث نقلوا مكتبة الطوسي إلى ميدان عام، وأضرموا فيها النار. قال ابن النجار: «أُحرقت كتب الطوسي، عدة نُوَب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر»)[232](.
الشيخ الطوسي في النجف
تمكن الطوسي من الهرب بعد هذه الحوادث متجهاً إلى مدينة النجف، ولم تكن يومذاك إلا قرية صغيرة. ويبدو أن اختيار الطوسي لمدينة النجف كان قائماً، مضافاً إلى موقعها الجغرافي، على وجود نواة حركة علمية تعتبر امتداداً لمدرسة الكوفة المزدهرة أوائل القرن الثاني للهجرة)[233](. وعندما تأسست مدينة بغداد في منتصف هذا القرن تقسّم مجمع الكوفة ما بين بغداد والنجف. وقد لقيت النجف عناية خاصة من قبل الحكام، فقد شيد الأمير محمد بن زيد العلوي الداعي الصغير (ت: 287هـ/900م) مراكز سكنية لطلاب العلوم، كما بدأت حملة لتعمير العتبات المقدسة. وساهم عضد الدولة بصرف الأموال على الفقهاء، وعلى عامة الناس من الفقراء»)[234](.
من هنا فقد احتضن الطوسي هذه الحركة، وبث فيها روح التجديد والتطوير. وقد أجهد نفسه طوال السني الاثني عشر التي قضاها في النجف حتى وفاته سنة 460هـ/1068م في تنمية الروح العلمية، وتهيئة الأساتذة المختصين. لذا أصبحت هذه المدينة مقصداً لطلاب العلوم الدينية، وقد هاجر إليها جملة منهم، واستمرت هذه الحاضرة تستقبل أهل العلم حتى عصر ابن شهريار الخازن عام 572هـ/1176م، وكان المعوّل عليه في إدارة الدراسة بعد الطوسي، وقد ذكره المؤرخون بأنه العاقد لحلقات الحديث، والمتكفل بإلقائه)[235](.
ومما يدعم اهتمام الطوسي بالتدريس أنه لم يؤلف شيئاً جديداً عما كتبه في بغداد سوى ما أملاه على تلامذته من محاضرات جمعت بعنوان (الأمالي).
أما الحركة العلمية بعد الطوسي فلم تكن هناك إشارات تاريخية بارزة تبين التطور الذي حصل في مدرسة النجف الدينية، فقد استمرت الدراسة ضمن التركة الفكرية التي خلفها الطوسي، ولم تظهر شخصية اجتهادية تستطيع أن تتصدر بمظهر الاستقلال. وقد انبرى المجتهدون لحفظ تراث هذه المدرسة، وكان أبرزهم أبو علي نجل الشيخ الطوسي (توفي بعد 515هـ/1121م). وبالرغم من الإحساس الذي يُشعر أن تلاميذ الطوسي كانوا على الكثرة بمكان، إلا أن المؤرخين لم يثبتوا من أسمائهم سوى أربعين اسماً)[236](.
من هنا فقد أصيب الاجتهاد عند الإمامية، وفقاً لهذه القراءات، بصدمة بعد توقف دام قرناً من الزمن، وقد أُطلق اسم (المقلدة) على الفقهاء الذين تبنوا المنهج العلمي للطوسي الأمر الذي اضطر ابن ادريس الحلي أن يتصدى لكسر هذا الطوق بنقد أفكار الطوسي وآرائه محاولاً الحد من قدسيته التي تسالم عليها علماء الإمامية ردحاً من الزمن.
إن المرحلة المحددة من تاريخ الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، التي تبدأ بالمفيد، وتنتهي بالطوسي، تميزت بخصوصيات يمكن أن تجمع بأمور:
1 ـ إن الإمامية مع تأخرهم عن المذاهب السنية بما يقارب ثلاثة قرون تقريباً في التصدي لمسائل الاجتهاد، وصلوا بهذا العلم في مدة قصيرة إلى مستوى من التكامل والإبداع والسبب يعود إلى:
أ ـ إنّ الجهود التي بذلها الفقهاء السنيون خلال قرون عديدة في حقل علم الأصول وصلت جاهزة إلى فقهاء الإثني عشرية، فاستفادوا منها، وأضافوا إليها آراءهم الخاصة.
ب ـ إن باب الاجتهاد بقي مفتوحاً لدى الإمامية بعد هذه الفترة خلافاً لأهل السنة الذين اقتصروا على اجتهاد الأئمة الأربعة)[237](.
2 ـ أن علم أصول الفقه بلغ درجة عالية من التكامل على يد المرتضى، وظهرت بوادر استقلال هذا العلم عن مسائل علم الكلام، والتخلص منها نسبياً.
3 ـ تطور الاستدلال الفقهي بشكل لم يكن متعارفاً عما كان عليه، كما ظهر أثر انعكاس التفكير الأصولي في البحث الفقهي على يد الطوسي، وهي المحاولة الضخمة التي قام بها فقيه إثنا عشري جمع بين مسلكي العقل والنقل في استنباط الأحكام الشرعية.
4 ـ تبلورت في هذه الفترة نظرية حول (الاجتهاد) قدمها المرتضى من خلال كتاب «الذريعة إلى أصول الشريعة»، كما بلور مسائل أخرى تتعلق بمبحث (التقليد) بشرائطه، وضوابطه. وتعتبر مباحث (الاجتهاد والتقليد) هذه من أولى الدراسات التي تناولها البحث والاستقصاء.
5 ـ شهدت هذه الفترة تكامل علم الحديث أيضاً، فقد صنفت الكتب الحديثية الأربعة المعتمدة عند الشيعة في هذا الدور، كما أن كتب علم الرجال كتبت في الفترة ذاتها.
6 ـ ظهر اتجاهان لعلماء الإمامية في ظل الحكم البويهي، الأول منهما: علمي كان على رأسه المفيد، المرتضى، الطوسي، وثانيهما: سياسي ومثله أبو أحمد الحسين ابن الطاهر الموسوي (ت/400هـ)، والد الشريف المرتضى، وولده الرضي (ت/406هـ) مما اضطر عضد الدولة البويهي إلى تقوية، ودعم الاتجاه الأول على حساب القضاء على الاتجاه الثاني الذي كان يمثل مع بعض أجنحة الأسرة البويهية عوامل صراع على السلطة.
7 ـ ظهر مصطلحا (الرئاسة) و(الزعامة) لمن يكون على رأس المذهب الشيعي الإثني عشري من المجتهدين ـ أيام المفيد، ولم يكن هذا المصطلح معروفاً من قبل، وربما كان ذلك ناشئاً من الشهرة، والدعم السياسي اللذين توحّدا في شخصية المفيد.
الدكتور جودت القزويني
الشيخ المفيد
رائد مدرسة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية
ازدهار التشيع في عاصمة الخلافة العباسية
أصبحت مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية، مركزاً للتشيع وذلك بعد دخول البويهيين لها سنة 334هـ/945م، وكانت هذه الفترة بالذات حافلة إلى حد كبير بضروب من الانقسامات السياسية الهائلة، وبقيام دول صغيرة منيت بها المملكة الإسلامية وانفصلت عنها)[238](. ولم يبق في يد العباسيين سوى بغداد، وأعمالها محتفظين بسيادة معنوية على هذه الدويلات المنفصلة عنها التي كانت تقدم للخليفة العباسي الدعاء، والخطب في المساجد أيام الجُمع والأعياد، وفي المناسبات الدينية، وتشتري منه الألقاب)[239](.
كان بنو بويه من الديلم، وكانوا مقيمين بالجبال الواقعة في الجنوب الغربي من شاطئ بحر قزوين، وكانوا بطبيعتهم ذوي روح حربية، وقد دخل العرب الفاتحون بلادهم في صدر الإسلام واستولوا على ما يليها من البلدان مثل طبرستان، وجرجان، وسارية، وآمل، واستراباد ثم دخل الديلم في الإسلام على يد الحسن بن علي الملقب بالأطروش الذي جمعهم واستولى بهم على طبرستان سنة 301هـ/913م)[240](. ولما تدهورت الأحوال في عاصمة الخلافة بسبب الصراع على إمارة الأمراء، والحروب بين طوائف الجند من الديلم والترك زحف أحمد بن بابويه إليها، فهرب الجند من الأتراك إلى بني حمدان بالموصل، بعدما عجزوا عن رده، فاستقبله الخليفة المستكفي، وولاه إمارة الأمراء، ولقبه «معز الدولة»)[241](.
وكان من المُتعارف أنّ الأوساط السنية كلها كانت برغم ما بينها من خلافات متفقة على ضرورة استمرارية منصب «أمير المؤمنين». وقد نجح العباسيون خلال السنين الماضية أن يرسخوا في ضمير الأمة حقيقة هي أن تنفيذ العدالة، وتوجيه الحياة الدينية ينبغي أن يكونا مسؤولية القائم بهذا المنصب. ولما كان ذلك لا يضر بأهداف البويهيين السياسية فقد كانوا سعداء بالموافقة على ذلك، وبالسماح باستمرارية هذا المنصب)[242](. إلاّ أنهم مع حفاظهم على منصب الخلافة حاولوا سلب الخلفاء نفوذهم العام، فلم يبقَ لهم من الخلافة إلا مظهرها، لكنهم عمدوا إلى إطلاق ألقاب من نوع آخر اختُصت بالخلفاء، وقد استُعيض بها على التفوه باسم الخليفة؛ ومن تلك الألقاب «المقامات الشريفة»، و«المجلس»، و«الحضرة»، وربما كان اتخاذ الخلفاء لهذه الألقاب تعويضاً عن النفوذ المفقود، أو رغبة في الاحتفاظ بمراسم الخلافة التي ضاع سلطانها الفعلي)[243](.
نسب بعض الكتاب البويهيين إلى المذهب الزيدي)[244](، كما نسبهم آخرون إلى أنهم شيعة «إمامية»)[245](، واعتقد باحثٌ آخر أنّهم «فاطميون»)[246](. إلا أن بعض الباحثين يرى أن بدايات تمذهبهم كان زيدياً، لكنهم كما يتبين من تاريخ أمرائهم عدلوا إلى المذهب الإمامي، وأنهم باعتناقهم التشيع الإثني عشري حاولوا أن يكونوا لهم «عصبية من العراقيين تحميهم، وتثبت ملكهم»، فلم يكتفوا بإحياء المناسبات الشيعية، وإنما اخترعوا مراسيم جديدة للاحتفال بذكرى مقتل الحسين لم يفطن لها الفاطميون، ولم يعهدها الزيديون»)[247](.
أما نسبتهم إلى الفاطميين فهي نسبة مستبعدة. وليس مهماً أن نركز هنا على انتمائهم المذهبي ولكن المهم أن نشير إلى أن الشيعة الإمامية تكاثروا في عهدهم، واصبحت لهم أماكن كثيرة في بغداد وضواحيها للسكنى، وكان أغلب أهل (الكرخ) من الإمامية المجاهرين بالتشيع)[248](.
وعندما قوي نفوذ الدولة البويهية، واستولت على أزمة الأمور قوي أمر الشيعة)[249](، فنعموا بالأمان والازدهار، لكنّ البويهيين بالرغم من تشيعهم المذهبي لم يفكروا بمشروع سياسي شيعي، ويرى بعض الباحثين أن فقهاء الشيعة الإمامية واصلوا سياسة الصمت تجاه الخلافة السنية، وسياسة المصالحة مع السلطة البويهية ذات الميول العقائدية الشيعية دون أن يتعرضوا لقضية شرعية هذه السلطة)[250](.
إلا أن من خلال مؤلفات الشريف المرتضى (ت: 436هـ/1044م) نجد رسالة بعنوان «مسألة في العمل مع السلطان»)[251]( ألفها سنة 415هـ/1024م للوزير ابن المغربي (ت:418هـ/1027م)، أظهر فيها موقفه الصريح من الحكم البويهي. وهو وإن كان يرى شرعية التولي وجوازه إلا أن ذلك كان مرتهناً بمسائل دينية، ومذهبية بحتة سعى المرتضى من خلالها إلى إعادة البناء المذهبي قدر المستطاع.
وكانت سياسة الدولة البويهية قائمة على أساس التقارب بين المذاهب، وإعطاء الفرصة الكاملة للتعبير عن الرأي. فقد تسامح البويهيون طوال عهدهم بوجود جميع المذاهب والمدارس محاولين أن يقيموا التوازن فيما بينها. فلم يعتبروا (القرامطة) هراطقة متطرفين، ولم يقلقوا قلقاً خاصاً لوجود الدعوة الإسماعيلية في ممتلكاتهم. وقد حاربوا الحمدانيين الشيعة ثم حالفوهم، ولم يواجهوا صعوبات مع الحنبليين في بغداد بمقدار ما واجه هؤلاء من صعوبة مع الشافعية السنة)[252](.
المرجعية الدينية للشيخ المفيد
بعد أن أخذ الكبت، والاضطهاد طريقه للانحسار عن الشيعة انبرى أئمتهم، وفقهاؤهم بالدعوة إلى المذهب، والتغلغل في دفع الفكرة الشيعية إلى المناطق التي كانت موصدة أمامهم من قبل؛ كـإيران، وأكثر جهات العراق، وسوريا، وأن يُبرزوا التشيع بشكل حملة فكرية منظمة إلى جانب مقاومتهم للحملات الفكرية التي نادى بها القرامطة، والغلاة)[253](.
وقد حفلت هذه الفترة بظهور مذاهب، ونحل، وبانقسام كبير في الآراء والنزاعات في مجادلات، ومناظرات عنيفة، وحادة بصراحة وحرية حفظتها جملة من المؤلفات. من ذلك الصراعات الكلامية حول صفات الخالق، وأفعال الإنسان في الجبر والاختيار، وحول الإمامة والخلافة، وما يتصل بها من مسائل العصمة، والنص إلى مواضع كلامية أخرى كانت جميعاً محور المناظرات آنذاك.
في هذه الأجواء تألفت أسماء كثيرة من أرباب الملل؛ من قبيل شيخ الأشاعرة أبو بكر محمد بن الطيب البصري المعروف بالقاضي الباقلاني (ت: 403هـ/1013م)، والقاضي عبد الجبار ابن أحمد الهمذاني شيخ المعتزلة (ت: 415هـ/1024م)، وأبو الحسن البصري محمد بن علي بن الطيب (ت: 430هـ/1039م).
كما تألق نجم شيخ مشايخ الشيعة أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان الملقّب بالشيخ المفيد (ت: 413هـ/1022م)، والذي يمكن أن تكون مدرسته الفكرية بداية لتطور المدرسة الاجتهادية الإثني عشرية.
ويُعد الشيخ المفيد من العلماء الكبار الذين استطاعوا أن يتركوا من الآثار الفكرية والاجتماعية ما نهض بالحركة الشيعية، وبلور مناهجها العلمية.
انتهت رئاسة مذهب الإمامية إلى الشيخ المفيد، وكان ذا مكانة اجتماعية مهمة، نشيطاً في توجيه العلماء، معتنياً بتربية الكوادر المؤهلة للزعامة، حتى تخرج على يده مجموعة من الفقهاء تولوا رئاسة المذهب من بعده.
فمن تلامذته علم الهدى الشريف المرتضى، وأخوه الشريف الرضي، والشيخ أبو الفتح الكراجكي، والشيخ الطوسي، وأبو العباس النجاشي، وسالار بن عبد العزيز الديلمي، وجعفر بن محمد الدوريستي وأحمد بن علي المعروف بابن الكوفي، وأبي يعلى محمد بن الحسن ابن حمزة الجعفري، وغير هؤلاء)[254](.
وكانت للمفيد المرجعية في الفُتيا والأحكام في كثير من البلدان يرجع الناس إليه في الفصل وأخذ الأحكام، كجرجان، وخوارزم، وشيراز، ومازندران، ونيشاور، والموصل، وطبرستان، وعُكبرا، والرقة، وحران، إلى غيرها من المدن والبلدان التي كان أهلها يفزعون إليه لحل الخصومات، ويرجعون إلى رأيه في الأحكام)[255](.
وقد استطاع بفضل ما أوتي من مواهب أن ينهض بالفكر الشيعي، ويحدث نُقلة متميزة في المجال الفكري والاجتماعي على حد سواء. وكان كما يقول المؤرخون عنه: «له مجلس نظر بداره يحضره كافة العلماء»)[256](.
ويبدو أن علاقة السلطان بالمفيد كانت حسنة تبعاً للجو السياسي الذي عاشته البلاد؛ فقد ذكر ابن كثير عنه أن «ملوك الأطراف كانت تعتقد به لكثرة الميل إلى الشيعة في ذلك الزمان»)[257](، ويبدو أيضاً أن الموهبة العلمية التي تميز بها المفيد وسعة اطلاعه من جهة واحترام الأمراء له من جهة ثانية مكّناه من استحداث وضع فكري، واجتماعي متميز في ذلك الوسط الذي بدأ الامتداد الشيعي يدبّ في أوصاله.
صلة المفيد بالدولة البويهية
كانت صلة المفيد بالدولة البويهية في مبدأ أمرها صلة وثيقة؛ حيث قدّر البويهيون مقامه العلمي، فأجروا الرواتب لتلامذته، وخصصوا له جامع «براثا» في منطقة (الكرخ) لوعظه، وإقامة الصلاة جمعة وجماعة)[258](.
وقد بالغ عضد الدولة باحترامه، وكان يقصد زيارته. ولما تفوق المفيد في بحث «الإمامة» على القاضي عبد الجبار المعتزلي أهدى إليه فرساً مقلداً بالذهب، واقتطع له جملة من القرى التي حول بغداد)[259](.
ويمكن أن نعلل سبب اهتمام عضد الدولة بالمفيد إلى وجود شخصيات شيعية كبيرة لم تكن على حال معه وكانت تجنح لتأييد بختيار البويهي، ابن عم عضد الدولة ـ ضده، وأبرزها؛ أبو أحمد الحسين ابن الطاهر المتوفى سنة 400هـ/1010م وهو والد الشريفين المرتضى والرضي، الأمر الذي يقلل من أهميتها، ويسهل دحرها. وقد نجح عضد الدولة في إبعاد الشريف أبي أحمد إلى شيراز عام 369هـ/980م دون أن يستثير حفيظة أحد من اصحابه)[260](. والذي يبدو أن موقف عضد الدولة من الشريف أبي أحمد كان متصلاً بموقفه السلبي من أبناء الناصر الكبير.
إلا أن ولده الرضي حاول أن يظهر عداءه ضد عضد الدولة، ووزيره المطهر ابن عبدالله الذي مات منتحراً سنة 369هـ/980م)[261](، وكان يرى أن دولة البويهيين هي حسنة من حسنات جده لأمه الناصر الكبير (ت: 304هـ/916م)؛ الذي ملك بلاد الديلم والجبل، ونشر الإسلام فيهما.
ويرى المتتبع أن الرضي استخدم سلاح الشعر، وهو السلاح الوحيد الذي بيده، بشكل غير علني نظراً لقوة عضد الدولة وسياسته العمرانية، ومحبة أهل العراق له؛ مما جعل «شتمه صعباً»)[262](.
إنّ الملاءمة السياسية والفكرية أتاحت للمفيد أن يتصدى لمناظرة خصومه الفكريين من معتزلة، وأشاعرة، وزيدية، وإسماعيلية، ومحدثين الأمر الذي ساعده على كتابة مؤلفات عديدة استحدثتها النزعات الفكرية التي نشطت ذلك الحين. ولا يخفى أن مثل هذه المؤلفات التي أحصيت له، والتي قاربت المائتين مؤلف بين كتاب ورسالة تحكي صورة واقعية عن الصراعات الفكرية، والاتجاهات المتعارضة التي كان المفيد أحد الأطراف الفاعلة فيها)[263](.
إنّ كتابه «الفصول المختارة من العيون والمحاسن»)[264]( المُنتقَى من قبل تلميذه المرتضى، فيه جملة كبيرة من أسماء كبار أهل الملل والنحل ممن كانت له معهم مناظرات في مسائل علمية مختلف عليها. هذه المناظرات تنعقد ـ عادة ـ بمحضر كبير من رجال الفكر من مختلف الاتجاهات.
وقد ذكرت أسماء بعضهم مع تفصيلات أخرى حول مكان اجتماعهم، وبعض أسماء الحاضرين كما في المناظرة التي دارت بينه، وبين القاضي أبي بكر أحمد بن سيار الذي «اجتمع فيه ببغداد بدار الشريف محمد بن محمد ابن طاهر الموسوي، وفي المجلس أكثر من مائة إنسان، وفيهم أشراف من بني علي، وبني العباس، ومن وجوه التجار وغيرهم».
كما أنّ هناك عدداً آخر لم يُصرح بأسمائهم في مناظرات أخرى، من ذلك: المناظرة الدائرة بينه وبين «جمع كثير من الفقهاء والمتكلمين في مجلس بعض القضاة» ـ على حد تعبيره ـ.
من هنا يتبين أنّ للجدل سوقاً رائجة في ذلك العصر. يقول الزنجاني في هذا الصدد: «كانت حياة المفيد العلمية مستغرفة في أغلب الأحيان في ترويج المذهب، والدفاع، والجدال مع المخالفين على اختلاف فرقهم من معتزلة، ومرجئة، وأشعرية، ومحكمّة، ومع بعض الفرق المنتحلة للتشيع كالزيدية، والواقفة، وغيرهم، كما تشهد به أخبار مجالسه المحفوظة في فنون الكلام. وكانت مدينة بغداد عاصمة المملكة الإسلامية حينذاك مملوءة بكثير ممن ينتحل هذه المذاهب، وبكثير من النظّار من المتكلمين منهم، وكانت مجالس النظر والبحث والجدال في المذهب بينهم قائمة، وسوقها نافقة، وكثيراً ما كانت تلك المجالس تنعقد بمحضر من الخلفاء، والملوك، وسائر أرباب النفوذ يحضرها النظار، ويتكلمون في المسائل الخلافية بينهم، وفي الآراء المذهبية، وسائر مسائل الأصول والفروع. فكان كلما حضر في أمثال هذه المجالس، ويقتضي المقام الكلام في المسائل المذهبية يناظرهم ويجادلهم، ويردّ عليهم شبهاتهم، ويجيب عما يوردونه على الشيعة، وعلى آرائهم المذهبية»)[265](.
وقد أكدت جملة من النصوص التاريخية على وجود هذه المجالس، مجالس المناظرة والجدل، من ذلك ما نقله التوحيدي بقوله: «أما ابن المعلم فحسن اللسان والجدل صبور على الخصم»)[266](. ومنها ما قاله ابن النديم عند ذكره لمتكلمي الشيعة: «ابن المعلم انتهت رئاسة متكلمي الشيعة إليه، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً»)[267](. وقال اليافعي: «عالم الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد، وبابن المعلم أيضاً، البارع في الجدل، والكلام، والفقه، وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية»)[268](.
نفي الشيخ المفيد عن بغداد
لم تكن الأوضاع الاجتماعية التي عاشها المفيد مستقرة نظراً للصراعات السياسية بين أطراف الأسرة الحاكمة مما سبب ظهور الفتن بين صفوف المسلمين. وبالرغم من «شيعية» السلطة البويهية فإنّ عملية التوازن التي تتبعها تدعو إلى عدم الإثارة المذهبية مداراة لعواطف السنيين. فقد عمد الحسن ابن أبي جعفر الملقب بـ«عميد الجيوش» المتوفى سنة 401هـ/1011م، وهو ممن ولي وزارة بهاء الدولة سنة 392هـ/ 1002م إلى منع الشيعة من ممارسة أعرافهم الخاصة بالاحتفال الحزين في ذكرى يوم عاشوراء، أو إظهارهم الفرح والبهجة في ذكرى «عيد الغدير» خوفاً من إثارة مشاعر المناوئين لهم.
ولما كان المفيد الوجه البارز من وجوه الإمامية فقد كان مستهدفاً لهذه الفتن «فكان يصيبه من فتن العامة، وجهلة السواد بعض الأذى»)[269](. ففي سنة 398هـ/1008م اعتدي عليه وهو في مسجده ببغداد، فاستنفر أصحابه لرد هذا الاعتداء باعتداء مماثل على دار القاضي أبي محمد ابن الأكفاني، وأبي حامد الأسفرائيني الأمر الذي جعل الخليفة يأمر أعوانه فأحرقوا دور الشيعة، وقد أخرج المفيد من بغداد، ثم أعيد إليها بعد تدخل من علي بن مزيد الأسدي (جد آل مزيد أمراء الحلة))[270](، وهذه هي المرة الثانية التي يُنفى بها بعد نفيه الأول عام 393هـ/1003م)[271](.
وليس هناك ما يشير تأريخياً إلى المكان الذي نُفي إليه المفيد إلا أن بعض الباحثين استظهر ذهابه إلى النجف برغبة من البويهيين أنفسهم)[272](. وهذا الرأي لا يمت إلى الحقيقة بصلة، لأنه يحكي فترة تأريخية متقدمة، بل يعكس اهتمام البويهيين، وبالخصوص عضد الدولة بالجامعة العلمية في النجف، وتشييد مرقد الإمام علي (ع) قبال الحركة الفكرية القائمة في بغداد من جهة، وكسب ثقة الشيعة له من جهة ثانية.
ويمكن لقارئ التاريخ أن يستنتج حقيقة مهمة من خلال حادثة نفي الشيخ المفيد عن بغداد)[273](، وهي أن الفترة التي مرّ بها الحكم البويهي بعد وفاة عضد الدولة سنة 376هـ/987م اتسمت بصراعات بين الأجنحة الحاكمة، وفتن اجتماعية متعددة جعلت الحكم البويهي متصفاً بالضعف، الأمر الذي أوجد مبرراً لصرف الأنظار عن الفشل السياسي للبويهيين بخلق مشاكل من نوع آخر، فكانت حادثة (نفي) المفيد، وكسب تأييد السنيين بإحراق بيوت الشيعة هي عوامل سياسية تختفي وراءها فكرة إدامة الحكم البويهي، أو إطالة أيامه على الأقل.
كما أن الإمارة المزيدية التي يترأسها علي بن مزيد اتصفت بالقوة خلال هذه الفترة بالذات، وكانت هناك مصالح مشتركة بين البويهيين والمزيديين تتمثل باعتماد السلطة في بغداد على نفوذ بني مزيد لقمع القبائل التي باتت تهدد الوضع الأمني للبلاد. ويتمثل ضعف البويهيين أواخر هذا القرن بشكل ملحوظ مقابل انتشار نفوذ المزيديين أثناء هذه الفترة، وهو ما يعزز الاعتقاد إلى ما ذهبنا إليه من إقدام البويهيين على إحداث فتن داخلية من نوع آخر لهدف تأييد العناصر السنية غير الموالية لهم، وإيجاد مبرر لإعادة أمنهم، وسيطرتهم من جديد.
أثر المفيد في تطور علم الأصول
عندما نتحدث عن دور الشيخ المفيد في تطور الحركة الاجتهادية، وبالتحديد عن أثره في تطور علم الأصول، فإننا نجد أن هذه المرحلة بالذات شهدت مرحلة كمال علم الأصول وتجديد استقلاله، وهي المرحلة الثانية لتدوين أصول فقه الشيعة الإمامية؛ حيث تخلص علم الأصول في هذه المرحلة من حالته البسيطة الأولية، ونال قسطاً كبيراً من الكمال والنضوج، كما أنه استقل إلى حد كبير عن مسائل علم الكلام)[274](.
وقبل الإشارة إلى دور المفيد في الحركة الاجتهادية، تجدر الإشارة إلى وجه الاختلاف في بيان منبع الحاجة إلى علم الأصول في المدرستين السنية والشيعية حسبما ورد في بعض الكتابات. فالمدرستان تدعيان سبق كل منهما على الأخرى في مجال نشأة هذا العلم.
من هنا فإن هناك رأيين يشيران إلى أنّ الحاجة إلى علم الأصول حاجة تأريخية؛ لهذا فتح باب الاجتهاد عند أهل السنة بعد وفاة النبي محمد (ص) مباشرة، واستمر حتى سد بعد استقرار المذاهب الأربعة في بداية القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)[275](. وكانت الكتب الاستدلالية بعد هذه الفترة تُعنى بالشرح والتوضيح وتطبيق القواعد الأصولية مع الأحكام الفقهية لذلك المذهب. ونتيجة الاجتهاد لم تكن تتجاوز إطار المذاهب الأربعة، وعادت الأدلة وسيلة لإثبات المذهب. وبعبارة أخرى لم يعد باب الاجتهاد مفتوحاً؛ الأمر الذي جعل علم الأصول عند السنة لم يحظ بتطور يُذكر منذ تلك الفترة.
أما الشيعة فهناك رأي يذهب إلى أنهم لم يشعروا بالحاجة إلى الاجتهاد بمعناه الواسع حتى الغيبة الكبرى سنة 329هـ/941م إذ كانوا حتى تلك الفترة على اتصال بالإمام، أو بنوابه؛ لكنّ الشعور بالحاجة قد برز بعد الغيبة الكبرى)[276](.
ونتيجة لهذا الرأي فقد فسر الفارق الزمني بين ازدهار علم الأصول في نطاق التفكير السني، وازدهاره في نطاق التفكير الإمامي اعتماداً على بعض الدلائل التي وصلتنا تأريخياً حتى أنه يُقال: إن علم الأصول على الصعيد السني دخل دور التصنيف أواخر القرن الثاني، إذ ألفّ فيه كل من الشافعي (ت:204هـ/819م)، ومحمد بن الحسن الشيباني (ت: 189هـ/805م)، بينما لا نجد التصنيف الواسع في علم الأصول على الصعيد الشيعي إلا في مطلع القرن الرابع بالرغم من وجود رسائل سابقة لبعض أصحاب الأئمة في مواضيع أصولية متفرقة)[277](.
ومن المصاديق التي ذهب إليها أصحاب هذا الرأي أن الإمامية بمجرد انتهاء عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص، تفتحت ذهنيتهم الأصولية، وأقبلوا على درس العناصر المشتركة وحققوا تقدماً على يد الرواد النوابغ من قبيل الحسن ابن علي بن أبي عقيل، ومحمد بن أحمد ابن الجنيد الإسكافي في القرن الرابع الهجري)[278](. فقد أحسَّ هذان العالمان بضرورة الاجتهاد عند الشيعة فقاما باستخلاص الفقه من نصوص الروايات، أيّ أنهما في الحقيقة وضعا اللبنات الأولى للاجتهاد عند الشيعة)[279](.
أما أصحاب الرأي المغاير فقد ذهبوا إلى أن علم الأصول لم يبتكر بعد عصر الأئمة، وإنما كان تأسيس هذا العلم من قبل الأئمة أنفسهم كما يشير حسن الصدر إلى ذلك بقوله: «أول مَن أسس أصول الفقه الإمام أبو جعفر الباقر، ثم بعده ابنه الصادق، وقد أمليا على أصحابهما قواعده، وجمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين فيه بروايات مسندة إليهما، متصلة الإسناد، وكتب مسائل أصول الفقه المروية عنهما موجودة بأيدينا إلى هذا الوقت منها: كتاب «أصول آل الرسول»)[280]( مرتب على ترتيب مباحث أصول الفقه الدائر بين المتأخرين جمعه السيد هاشم الخوانساري الأصفهاني. ومنها: الأصول الأصلية)[281]( للسيد عبدالله شُبر وهو من أحسن ما روي في أصول الفقه. ومنها: الفصول المهمة في أصول الأئمة للمحدث الشيخ الحر العاملي)[282](.
وقد رفض السيد حسن الصدر دعوى جلال الدين السيوطي ـ كما في كتابه الأوائل ـ القائلة إن «أول مَن صنف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع»، وردها بقوله: إن أراد التاسيس والابتكار فهذا في غير محله، وإن أراد المعنى المتعارف من التصنيف؛ فقد تقدم على الإمام الشافعي في التأليف فيه هشام بن الحكم (ت: 199هـ/815م) المتكلم المعروف من أصحاب الإمام الصادق (ع) )[283](.
وأول مَن صنف في مسائل علم أصول الفقه هو هشام بن الحكم صنف كتاب «الألفاظ ومباحثها»، وهو أهم مباحث هذا العلم، ثم يونس ابن عبد الرحمن مولى آل يقطين)[284](، صنف كتاب «اختلاف الحديث ومسائله»، وهو مبحث تعارض الحديثين، ومسائل التعادل والترجيح في الحديثين المتعارضين، رواه عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع). ذكرهما النجاشي في كتاب الرجال والإمام الشافعي متأخر عنهما.
وحاول القائيني أن يدعم فكرة تأسيس علم الأصول في زمن الأئمة بشكل جدي حيث انتهى إلى الخوض في إبطال هذه المزاعم ـ كما يسميها ـ بأدلة عقلية، وأخرى نقلية. أما الأدلة العقلية التي اعتمدها فيمكن تلخيصها بالشكل التالي)[285](:
أولاً: عدم إمكانية الاتصال بالأئمة من قبل شيعتهم؛ وذلك إما لعامل جغرافي، فالأئمة عاشوا في المدينة المنورة مما يعسر على مَن عاش بعيداً عن هذا المكان أن يكون قريباً منهم، أو لعامل سياسي؛ وذلك بتتابع الحكومات المناوئة لهم على رصد تحركاتهم، وعدم السماح لهم بالاتصال مع قواعدهم الشعبية.
ثانياً: الروايات الواردة عن الأئمة تشتمل على العام والخاص، والمطلق والمقيد، والفتوى تستلزم الجمع بين الروايات، ورفع التناقض الحاصل بينهما، وهذه العملية هي من صميم الاجتهاد والاستنباط، وكان ذلك مختصاً بالرواة.
كذلك ما يحدث عادة في علاج الأخبار المتعارضة كما ورد عن زُرارة قال: سألت أبا جعفر الإمام الباقر (ع) فقلتُ: جُعلتُ فداك يأتي عنكم الخبران، والحديثان المتعارضان فأيُّهما آخذ؟ فقال (ع): يا زرارة خُذْ بما اشتهر بين أصحابك، ودع الشاذ النادر. فقلتُ: سيدي إنهما معاً مشهوران مأثوران عنكم؟ فقال (ع): خذْ بما يقول أعدلهما عندك، وأوثقهما في نفسك.
كما أحصى القائيني جملة من المسائل الأصولية التي علّمها الأئمة لأتباعهم وساقها كأدلة نقلية، ورتّبها على مباحث علم الأصول. ومن جملة هذه المباحث الاجتهاد، التقليد، حجية الظواهر والعموم، أصل البراءة، أصالة الحل في المُشتبه مع عدم العلم، حجية خبر الواحد الثقة، عدم جواز التكليف بما لا يُطاق، وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة، الاستصحاب، عدم جواز العمل بالقياس والرأي، التعادل والترجيح بين الأخبار المتعارضة)[286](.
ومن المفيد أن أذكر نموذجاً من هذه الأبواب فعندما تحدث عن (وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة) أورد حديثاً عن الإمام الصادق (ع) حيث سُئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره. قال الصادق (ع): يريقهما جميعاً ويتيمم.
وكذلك تحت باب (أصل البراءة)، روى الصدوق عن الإمام الصادق (ع) قوله: «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي».
واتجه الشيخ محمد أبو زهرة إلى رفضه لمقولة السيد حسن الصدر إلى أنه وإن كان مؤيداً أن الباقر والصادق قد أمليا على أصحابهما مسائل علم الأصول، لكنه لم يكن ـ على كل حال ـ تصنيفاً. فالشافعي هو الذي صنّف في هذا العلم. ومن طرف آخر فإن هشام بن الحكم، ويونس بن عبد الرحمن، وإن كانا قد تركا آثارهما قبل الشافعي، فآثارهما مشتركة بين علم الأصول وعلوم أخرى، ولو افترضنا اختصاصهما بعلم الأصول فإنها تختص بمسألة واحدة منه، بينما صنّف الشافعي جميع مسائله بترتيب بديع)[287](.
وناقش هذا الرأي أبو القاسم ﮔرجي وقال: «إن الشافعي لم يكن مؤسس علم الأصول، ولم يُصنّف فيه تصنيفاً كاملاً، بل أضاف لما جاء به الآخرون، وحقّق فيه على قدر ما يمتلكه من استعداد كبير، وهو عمل كبير لا يمكن أن يصدر إلا من رجل كبير مثله»)[288](. مضافاً إلى ذلك أن هذا الكتاب (شأنه شأن الكتب التي ذكرها السيد حسن الصدر عن أمالي الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام)، من أمالي الشافعي، وليس من تأليفه)[289](، ويؤيد ذلك عبارة «قال الشافعي» التي تتكرر في الكتاب.
كذلك فإنّ رسالة الشافعي لم تطرح مسائل الأصول بشكلها المجرّد كما شاع ذلك في العصور التالية بل إنها طرحت هذه المسائل من خلال الكتاب والسنّة. وهذه الحقيقة تتضح بمقارنة عناوين فصول الرسالة.
إنّ علم الأصول لم يكن غالباً على سائر العلوم في هذا الكتاب، لذا لا يمكن أن نعتبر رسالة الشافعي من كتب الأصول، حتى لو كان ذلك من باب التغليب؛ فهناك عناوين في هذه الرسالة لا يمكن أن ترتبط بالأصول مثل «باب فرض الله طاعة رسوله مقرونة بطاعة الله ومذكورة وحدها»، «باب فرض الصلاة الذي دلّ الكتاب ثم السنة على مَن تزول عنه بالعذر، وعلى مَن لا تكتب صلاته بالمعصية»، «في الزكاة»، «في الحج»، «في محرمات الطعام»، وعناوين أخرى)[290](.
***
يتبين مما سبق أنّ مسائل الأصول كانت موجودة، ومبثوثة على شكل أحاديث مروية عن الأئمة، ولكن لم يكنْ هناك مصنّف شيعي قد وصلنا منسوب إلى تلك الفترة باستثناء بعض المباحث الأصولية التي أفردها اصحاب الأئمة، والتي ذكرها المؤرخون في كتبهم.
أما ما يتعلق بما جمعه المتأخرون ككتاب (اصول آل الرسول) و(الأصول الأصلية)، والتي تضمنت المسائل الأصولية المنقولة عن الأئمة أنفسهم، فيمكن القول إن هذه الكتب وإن تضمنت روايات مسندة عن الأئمة في أبواب أصولية متفرقة. إلا أنها تبقى ضمن التصانيف المتأخرة، وتبقى هذه المصنفات غير متبلورة بالشكل الأصولي التام، وإنما تداخلت أبوابها بعلوم الحديث والفقه والكلام مما يمكن عدّها بأنها مجموعة علوم غير مستقلة، وإن كانت تحمل شذرات متفاوتة من علم الأصول.
وتجدر الإشارة إلى أن نشأة علم الأصول لم تكن ناشئة بشكل عفوي ساذج وإنما مرت بتغيرات خضعت لظروف لم تخل من التعقيد في أحيان كثيرة. إن بيان هذه النشأة يستلزم بيان التدرج الذي مرّ به هذا العلم. فقد نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه، كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث وقد بدأ العلم في مرحلته الأولى بجمع الروايات، وحفظ النصوص. وكانت طريقة فهم الحكم الشرعي خاضعة لتلك النصوص والروايات بطريقة ساذجة. ولما تعمقت طريقة فهم الحكم الشرعي وأصبح استخراج الحكم من مصادره الشرعية عملاً يتطلب عمقاً وخبرة نشأت بذور التفكير العلمي الفقهي ووُلد علم الفقه، فارتفع مستوى علم الحديث إلى مستوى الاستنباط والاستدلال العلمي الدقيق.
ومن خلال نمو علم الفقه، والتفكير الفقهي، وإقبال العلماء على ممارسة عملية الاستنباط، وفهم الحكم الشرعي من النصوص بشكل معمق أخذ الممارسون للعمل الفقهي يلاحظون اشتراك عمليات الاستنباط في عناصر عامة لا يمكن استخراج الحكم الشرعي بدونها، وكان ذلك إيذاناً بمولد التفكير الأصولي، وعلم الأصول، واتجاه الذهنية الفقهية اتجاهاً أصولياً. فانتقل العمل الفقهي من مرحلة استخدام (العناصر المشتركة) في عملية الاستنباط دون وعي كامل بطبيعتها وحدودها، وأهمية دورها إلى مرحلة تغلغل الاتجاه الأصولي في التفكير الفقهي، ووعي حدود العناصر المشتركة وأهميتها)[291](.
من هنا أخذ علم الأصول بالانفصال تدريجاً عن علم الفقه بعد توسع العمل الفقهي، وذلك بعد زمن من ولادة البذور الأولى للتفكير الأصولي، كما أخذ هذا العمل بالانفصال عن علم أصول الدين (علم الكلام) الذي ترك بعض البصمات على التفكير الأصولي حتى بعد انفصاله.
بعد هذه المرحلة دخل علم الأصول دور التصنيف والتأليف، كما اتضح سابقاً، حيث تخلص من حالته البسيطة الأولية، ونال قسطاً من النضوج والكمال فألّف المفيد كتاباً في الأصول واصل فيه الخط الفكري الذي سار عليه ابن أبي عقيل، وابن الجُنيد قبله، ونقدهما في جملة من آرائه)[292](.
وبالرغم من أن المفيد كان تلميذاً لهذين الفقيهين كما قال الطوسي عنه: «هو من أجلّة تلاميذ ابن الجنيد، وقد استفاد منه كثيراً»)[293](، إلا أنه كتب في ردّ استاذه ابن الجُنيد (ت: 381هـ/991م) كتباً عديدة منها المسائل الصاغانية، والمسائل السروية، ورسالتان الأولى في رد المسائل المصرية باسم «نقض رسالة الجُنيدي إلى أهل مصر»، والأخرى باسم «النقض على ابن الجُنيد في اجتهاد الرأي»، وقد حارب طريقته في الاستدلال، وخطأه في موارد عديدة)[294](.
وقد أثر هذا المسلك على تلاميذ المفيد، فاعتمدوا آراء أستاذهم في ردّ ابن الجنيد)[295](. علماً أن المفيد كان صريحاً، وشديد اللهجة في رد تلك الأفكار التي نشأت عن طريقة أهل الأخبار حتى ظنّ البعض أنّ ذلك منه ليس لصراحة لهجته، لكنّه كان يرى أن لا طريق إلى إصلاح العلم إلا بالشدة)[296](.
وقد تولى تلامذة المفيد تطوير علم الأصول حيث انبرى علم الهدى الشريف المرتضى، وشيخ الطائفة الطوسي إلى نقل هذا العلم إلى دائرة أوسع مما كان عليه. فقد وضع المرتضى كتاباً يعدّ من أهم الكتب، وأقدمها في علم الأصول سماه «الذريعة إلى أصول الشريعة»، كما خلّف الطوسي كتاب «عدة الأصول» الذي نقل فيه آراء أستاذه المرتضى، وأضاف بعض الإضافات العلمية ذات النضوج العلمي.
كما واصل سالار بن عبد العزيز الديلمي تنمية هذا العلم، والتصنيف فيه على نهج أستاذه المفيد فكتب كتاب «التقريب في أصول الفقه».
أما رسالة المفيد في أصول الفقه فتعد من أوائل ما كتب في هذا العلم لعالم شيعي، وقد طبعت في إيران سنة 1322هـ/1904م، وأُعيد طبعها ضمن كتاب «كنز الفوائد» للشيخ أبي الفتح الكراجكي تلميذ المفيد الذي روى هذه الرسالة قراءة، وأدرجها ضمن كتابه المطبوع في بيروت سنة 1405هـ/1985م بتحقيق الشيخ عبد الله نعمة ضمن جزءين.
أما رسالة المفيد فقد شملت خمس عشرة صفحة من الجزء الثاني، وعُنونت باسم «مختصر التذكرة في أصول الفقه».
وقد قسم المفيد أصول احكام الشريعة إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ كتاب الله. 2 ـ سنة نبيه. 3 ـ أقوال أئمة أهل البيت.
وتحدث عن الطرق الموصلة إلى هذه الأصول، وحصرها (بالعقل) ويعني به «معرفة حجية القرآن ودلائل الأخبار»، و(اللسان) ـ وهو السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام ـ و(الأخبار): وهي السبيل إلى إثبات أعيان الأصول من الكتاب والسنّة وأقوال الأئمة.
كما قسَّم الأخبار إلى خبر متواتر، وخبر واحد معه قرينة تشهد بصدقه، وخبر مُرسل في الإسناد يعمل به أهل الحق عن الاتفاق.
وفي هذه الرسالة المختصرة مباحث تتعلق بالأوامر والنواهي، وشيء من مباحث الألفاظ، والخصوص والعموم، والنسخ، والحقيقة والمجاز، والحظر والإباحة، والقياس والرأي، والإجماع، والاستصحاب، واختلاف الأخبار.
ويمكمن القول إن المفيد قام بجهد متميز في مجال علم الأصول حيث «دقّق هذا العلم وشرحه الشرح الوافي الذي جعل الفائدة منه ملموسة من حيث تكفله لاستنباط الأحكام الشرعية، ورتب هذه القواعد الأصولية ترتيباً يدل على ما بُذل فيه من جهود جبارة، ومتاعب كثيرة استطاع أن يلم بها الإلمام التام»)[297](.
وعلى الرغم من أن مباحثه الأصولية لم تصل إلينا بشكل كامل، حيث أن رسالته في أصول الفقه وصلت بشكل مختصر، إلا أن هذه الرسالة تكشف النقلة التي وصل إليها علم الأصول في هذا الدور، وعلى يد المفيد بالذات، الأمر الذي يبين استقلال مباحث هذا العلم عن غيره من العلوم. وقد مهدت هذه الرسالة لمباحث أصولية أكثر عمقاً واستيعاباً قام بها تلامذة المفيد، وأول مَن طور هذه المباحث، واستوعبها دراسة واستقصاء هو الشريف المرتضى.
وتبقى هذه الرسالة رائدة في حقل دراسة علم الأصول وبدايات استقلاله، كما تبقى رائدة في تطوير هذه المباحث وبلورتها على يد المتخصصين من الأعلام الأصوليين.
ولم يقف عمل المفيد في مجال علم الأصول فقط، وإنما تعدى ذلك إلى مجال الفقه، حيث استطاع أن يهذب هذا العلم، ويبعث مسائله من جديد حيث «أفرد كل باب على حدة، واستخرج الأحكام والأوامر والنواهي، وجمع ما تشتت منه بعد أن كان الفقه مجرد روايات، وبذلك استطاع أن يخفف عن رواد العلم التعب الذي كانوا يعانونه من جراء ذلك»)[298](.
من هنا يتبين أن المفيد استطاع أن يعيد للمذهب الإمامي بناءه من جديد بعد العواصف التي أوشكت أن تمزقه في مجال الصراعات الفكرية والسياسية. فقد استخدم نشاطه في رد المتكلمين الذين يخالفونه الرأي، كما نقد العلماء الموافقين لخطه الفكري» خصوصاً أستاذه ابن الجنيد. كذلك سعى إلى تهذيب العلوم الإسلامية، وتنظيمها.
ويندرج في ذلك تصديه لمقاومة التيارات الفكرية المستحدثة كالغلاة، والقرامطة والزيدية، والمعتزلة، وأهل الرأي وذلك بطرق المحاججة المباشرة مع أقطاب هذه التيارات، أو بوضع المؤلفات التي تناقش أفكارهم، وتحاول إبطالها. وقد ساعدته على ذلك عوامل:
1 ـ ميزاته الفكرية، واستعداده العلمي.
2 ـ وجوده في بغداد، قلب عاصمة الخلافة العباسية، التي كانت مجتمعاً ضمّ التيارات الفكرية المختلفة.
3 ـ الحرية السياسية والفكرية التي منحها البويهيون لأصحاب الفكر.
مضافاً إلى ذلك فقد أوجد كادراً من العلماء تولى نيابته في المدن، والأقطار الإسلامية وقام بتربية «نخبة» متميزة استطاعت أن تحافظ على الرئاسة الدينية بعده، كما ساهمت في تطوير خطه العلمي. وكان من أبرزهم الشريف المرتضى، وشيخ الطائفة الطوسي.
الدكتور جودت القزويني
صدر الدين الشيرازي
في الجواب عن الأسئلة النصيرية
أسئلة فلسفية في ماهية الزمان والنفس الإنسانية
وعلاقة الوحدة بالكثرة
تحقيق وتقديم: سعيد الغانمي
المقدمة
فلسفة التحوّلات الشاملة
بعد الأزمات العاصفة، غالباً ما تلجأ الثقافات إلى معاينة هويتها. وكان مشرق العالم الإسلامي قد تعرض عند منتصف القرن السابع إلى هجمة المغول التي هددت كيانه بعمق، كما تعرض مغربه إلى هجمة الفرنجة في الأندلس بعد ذلك بقرن تقريباً. وقد أعرب ابن خلدون عن «أزمة الهوية» التي ألمّت بالعالم الإسلامي في ذلك الحين بقوله: «كأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض، فبادر بالإجابة. والله وارث الأرض، ومَن عليها»)[299](.
كان استيلاء المغول على مشرق العالم الإسلامي قد قسمه إلى عدة عوالم متجاورة، مقطوعة الصلة ببعضها، وفرض عليها أن تقطع نموّ هويتها المتدرج. هكذا وجد أعداء المغول التقليديون (وهم الإسماعيلية، والحنابلة) أنفسهم مكرهين على تغيير هويتهم، فتحوّل مَن بقي منهم إلى المذاهب المجاورة، أو هاجر مَن هاجر. بعبارة أخرى وجدت شعوب الشرق الإسلامي نفسها بإزاء أزمة هوية وانكشفت هذه الأزمة عن بعثرة حقيقية شطرت العالم الإسلامي إلى عوالم، وأجبرتها على إحداث قطيعة مع ماضيها، وانفصام مع حاضرها. وهذا ما سمي فيما بعد بـ«عصر الانحطاط» أو «الفترة المظلمة». والحقيقة أن هذا «الظلام» الذي أطبق لم يكن ثقافياً، بقدر ما كان سياسياً واجتماعياً. ذلك أن النشاط الفكري استمر، ولكن على نحو مغاير لما كان عليه. فظهرت دوائر المعارف، التي هي صياغات جديدة للمعرفة القديمة في ضوء واقع متغير. كما ظهرت الفنون السردية المختلفة كالحكايات والقصص والسير الشعبية وخيال الظل.. إلخ. ويمكننا القول إن ما نسميه الآن بعصر الانحطاط الثقافي، إنما كان في حقيقته عصر انقطاع الصلة بين الثقافة والواقع المعيشي، حيث بدأ الناس يعيشون في واقع ثقافي وهمي، إذا صحّ التعبير، لا علاقة له بواقعهم الفعلي.
وكان أن ازداد التدهور السياسي والاجتماعي في القرن العاشر، حين اصطدمت الدولتان الناميتان: الصفوية والعثمانية، مما زاد في طين الهوية بلة. وإذا كان سؤال الهوية المتغيرة في المغرب قد عثر على فيلسوفه في شخص ابن خلدون الذي ابتكر علم العمران، فقد تأخرت مراجعة الهوية المتغيرة في المشرق حتى نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر، لتجده أخيراً في شخص فيلسوف أصفهان: صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي.
عاش الشيرازي (979 ـ 1050هـ) في كنف الدولة الصفوية، ولكنه آثر الاعتكاف منصرفاً إلى تأمل معضلات الوجود والمعرفة، ومراجعاً تاريخ الفلسفتين اليونانية والإسلامية، بحيث انتهى إلى خلاصة جعلت منه فيلسوف التحولات الشاملة التي استوعبت تاريخ الفلسفة كونياً من جهة، وتاريخ الوقائع المتجددة إسلامياً من جهة أخرى. واكتملت رغبة الشيرازي الشاب بالموسوعية في تلمذته على ثلاثة من كبار فلاسفة عصره وهم: بهاء الدين العاملي، والميرداماد والفندرسكي. وينفرد الشيرازي بلغة فلسفية قلّ نظيرها إسلامياً، ربما كانت تهيؤه لاحتلال مكانة قمة فلسفية لا تقل ارتفاعاً، إذا جردناها عن ملابسة القراءة الآيديولوجية، عن أفلاطون أو ديكارت أو كانت أو هيغل، كلاً في عصره. ونحن نقدم ـ الآن ـ نموذجاً من هذه اللغة، يتمثل في رسالته الصغيرة: «في الجواب عن الأسئلة النصيرية»، وهي مجموعة أسئلة وجهها الطوسي إلى أحد معاصريه.
كان محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي (597 ـ 672هـ) «رأساً في علوم الأوائل، لا سيما في الأرصاد، فإنه قاد الكبار، كما يقول ابن شاكر الكتبي)[300](. وعلى الرغم من اشتهاره بالعلوم التطبيقية في عصره كالهيئة والفلك والرياضيات، وبنائه مرصد «مراغة»، فقد اشتهر الطوسي باهتمامه بالفلسفة وعلم الكلام. فشرح في الفلسفة كتاب «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا. وكتب في علم الكلام «تجريد الكلام» الذي سيتناوله عدد كبير من الشراح فيما بعد)[301](. وكان من نتائج هذا الاهتمام المزدوج بالفلسفة وعلم الكلام معاً، أن حاول الطوسي إعادة بناء العِلمَيْن على أساس مشترك، وهي الطريقة التي عرفت باسم طريقة المتأخرين. يقول د. عبد الأمير الأعسم: «إذا عرفنا ان ابن سينا في محاولاته الكلامية، مزج بين الفلسفة وعلم الكلام مزجاً منطقياً بحتاً أدّى، بالتالي إلى اختفاء تأثير تلك المحاولات فيمن أتى بعده لغلبة روح الانتصار في علم الكلام الجديد الذي بناه الغزالي على أسس من جوهر الإسلام، فمحاولته (=الطوسي) هي التاسيس الفلسفي لعلم الكلام. وإذا كان ابن سينا الفيلسوف ذا شأن في علم الكلام، فإن الطوسي سعى لاستكمال ذلك التأسيس الذي توقف العمل فيه، عند المتفلسفة فيه منذ زمان الغزالي حتى الرازي. وكنتيجة منطقية لذلك ندرك أن علم الكلام الذي فلسفه لنا الطوسي يعود برمته إلى السينوية)[302](، بينما يذهب د. كامل الشيبي إلى أن مشروع الطوسي منفصل عن السينوية، فهو «مزج الفلسفة لأول مرة في الإسلام بعلم الكلام مزجاً تاماً بحيث صار شيئاً واحداً»)[303](، ولاعتذار الطوسي عن الحلاج وبعض إشاراته الصوفية الأخرى، وصفه الخوانساري بأنه كان جامعاً بين مسلكي الاستدلال والعرفان»)[304](، أي بين طريقة الفلاسفة وطريقة المتصوفة. ونعتقد أن دفاع الطوسي عن الحلاج كان استمراراً لدفاع السهروردي عنه)[305](، وأن موقفه المزدوج في الجمع بين الفلسفة وعلم الكلام كان من نتائج التحول الذي اضطره إليه الغزو المغولي. فهو في الفترة التي كان يقضيها في قلاع الإسماعيليين فيلسوف، لكنه وجد نفسه ـ كبقية الإسماعيلية ـ مكرهاً على التخلي عن هذه الفلسفة بعد سقوط هذه القلاع بيد المغول، والانتقال، كغيره، إلى التشيع الإثنا عشري، ولم يكن بمستطاعه التخلي عن الفلسفة بالكامل فجمع بين الفلسفة الإسماعيلية وعلم الكلام الإثنا عشري المتداخل بعلم الكلام المعتزلي)[306](.
ولوعورة الأسئلة الفلسفية التي كانت تدور في رأس الطوسي فقد خصّ بها «شمس الدين الخسروشاهي». فمن هو الخسروشاهي؟
تشير المعلومات المتوفرة عن شمس الدين الخسروشاهي (580 ـ 652هـ) إلى أنه كان أحد المفكرين البارزين في عصره. فابن كثير يصفه بأنه «أحد مشاهير المتكلمين»)[307](، ويصفة ابن أبي أُصيبعة بأنه «إمام العلماء، سيد الحكماء، قدوة الأنام، شرف الإسلام، قد تميز في العلوم الحكمية، وحرر الأصول الطبية، وأتقن العلوم الشرعية. ولم يزل دائم الاشتغال، جامعاً للفضل والإفضال»)[308](.
ولد الخسروشاهي في خسروشاه، وهي قرية قريبة من تبريز. ويبدو أنه اهتم بعلوم عصره من طب وفلسفة وكلام وأصول وفقه. وجرياً على عادة عصره في الجمع بين العلوم العقلية والعلوم الدينية، فقد جمع بين الفلسفة وعلم الكلام، متابعاً في ذلك أستاذه «فخر الدين الرازي». والظاهر أنه ظلّ يكنّ تقديراً عالياً لشيخه، إذ يروي ابن أبي أُصيبعة أنه «لما وصل إلى دمشق اجتمعت به، فوجدته شيخاً حسن السمت، مليح الكلام، قوي الذكاء، محصلاً للعلوم. ورأيته يوماً وقد أتى إليه بعض فقهاء العجم بكتاب دقيق الخط… فلما نظر فيه صار يقبله ويضعه على رأسه. فسألته عن ذلك» فقال: هذا خط شيخنا الإمام فخر الدين الخطيب رحمه الله. فعظم عندي قدره لتعظيمه شيخه»)[309](.
كانت علاقات الخسروشاهي طيبة بمعاصريه. اتصل بالسلطان الملك الناصر صلاح الدين داود (603 ـ 656هـ) الذي شهدت دمشق في عهده نهضة للفلسفة اشتهر فيها عدد من الفلاسفة والمتكلمين، كان جلهم من تلامذة الفخر الرازي)[310](. وقد توثقت رابطة الصداقة بين الخسروشاهي وسبط ابن الجوزي صاحب «مرآة الزمان» لذلك تجد للخسروشاهي ترجمة حسنة في الكتاب المذكور، كما يقول محمد رضا الشبيبي. وظل الخسروشاهي في دمشق حتى توفي ودفن على سفح قاسيون.
لماذا اختصّ الطوسي الخسروشاهي بهذه الرسالة؟
يمكن القول إن هناك سببين لاختصاص الطوسي الخسروشاهي بهذه الرسالة. الأول: شخصي، وهو أن الطوسي كان يميل إلى المطارحات والمحاورات الفلسفية التي يتبادل بها الآراء مع غيره. فهو فضلاً عن شروحه لقانون ابن سينا وإشاراته، وتلخيصه لمحصل الرازي ونقده، كان يميل أيضاً إلى تبادل المراسلات مع مفكري عصره، كما فعل من نجم الدين الكاتبي في رسالته عن «إثبات واجب الوجود»)[311](، وفي رسالته في الرد على صدر الدين القونوي، وغير هذين. لكن الأمور لم تسر في رسالته هذه، كما خطط لها، إما لأن الخسروشاهي لم يجبه، أو لأن الرسالة وصلت بعد وفاته، كما تدل على ذلك إشارة الشيرازي أن «ذلك المعاصر لم يأتي بجواب»)[312](.
الثاني: أن عناية الطوسي بالمشكلات الفلسفية العميقة التي تتسم بالطابع الإشكالي ترتد إلى سنة 640، حين فرغ من تأليف كتابه عن «شرح الإشارات» لابن سينا. ويرى د. الأعسم أن هذه العناية كانت تفيض من موقف عقائدي قُصد منه إضعاف التيار المعاكس الذي كان يتزعمه فخر الدين الرازي)[313](. وواضح إنه اختار لهذه الأسئلة العويصة أشهر تلامذة الرازي الأحياء.
متى كتب الطوسي هذه الرسالة؟
لا تحمل هذه الرسالة تأريخاً معيناً، ولكننا نستطيع من بعض القرائن أن نحصر زمن كتابتها بين عامي 640 ـ وهو عام انتهاء الطوسي من شرح «الإشارات» ـ وعام 652، وهو عام وفاة الخسروشاهي. إذ من المرجح أن الطوسي كان أشبه بالمحتجز في قلعة «آلموت» عند الإسماعيليين، خلال تلك الفترة. وحين تسلم ابن العلقمي الوزارة في بغداد سنة 642 بعد سنتين من مجيء المستعصم للخلافة «كتب النصير قصيدة طويلة يمتدح فيها الخليفة، وأرسلها إليه تمهيداً لإشارة ابن العلقمي الوزير على الخليفة بمساعدته وقبوله لاجئاً سياسياً في بغداد»)[314]( ـ كما يعبر د. الأعسم. وقد انتبه الإسماعيليون لنشاط الطوسي في التقرب من العباسيين، ففرضوا عليه الإقامة مكرهاً حتى سنة 650هـ. وهذا ما يجعلنا نرجح أن الرسالة مكتوبة بين عامي 650 ـ 652هـ.
إذا كانت القيمة المعرفية لأعمال الطوسي الكلامية (مثل: «التجريد» و«الفصول») تكمن في التوفيق بين الفلسفة الإسماعيلية وعلم الكلام الإثنا عشري، والمزاوجة بينهما، فإن القيمة المعرفية لأعماله الفلسفية الخالصة ومطارحاته، ورسائله تكمن في تدشينها محاولة اتجاه فلسفي يعيد النظر في أسسه ومقولاته. ففي عصر الطوسي بدأت الفلسفة تنكفئ إلى مساءلة ذاتها في شروح وتعليقات ودراسات على نصوص سابقة، أو إعادة النظر في المفاهيم الأولية والاختلاف حولها، كرد فعل على حالة الفصام الثقافي بين الفكر والواقع المعيشي، أو أزمة الهوية التي أشرنا إليها. ومن هنا تنبع أهمية كتب المطارحات والشروح والتعليقات لدى الطوسي. فهي محاولات فلسفية لا تريد أن تطمئن إلى بداياتها، خصوصاً إذا عرفنا أن أسئلة الطوسي ظلت من نوع الأسئلة الفلسفية الكبرى ذات السمات النقدية، على خلاف ما حصل لدى الفلاسفة المتأخرين ممن استهلكوا خيالهم في أسئلة مستحيلة وممتنعة. وتمثل هذه الشروح انكباباً فلسفياً على إشكالات سابقة، وتوقاً للاختلاف معها، انطلاقاً من تصور تحليلي يراجع أسئلة سابقيه، لا بطريقة جدلية وثوقية بل بطريقة تساؤلية نقدية، مع أنها لم تستطع الخروج نهائياً من دائرة الاهتمام العقائدي. ولعلّ هذا هو ما لمّح إليه ابن العبري بقوله واصفاً الطوسي بأنه «كان يقوي آراء المتقدمين، ويحلّ شكوك المتأخرين»)[315](.
تدور الأسئلة الثلاثة التي يثيرها الطوسي في فلك الإشكالات المتعلقة بقراءة مدرسة فخر الدين الرازي لفلسفة ابن سينا. يعني السؤال الأول بالحركة التي ينتبه الطوسي إلى أنها لا بد أن تتميز بالسرعة والبطء، ولا بد أن يكون للسرعة والبطء مدخل في تحديد ماهيتها. ولا يمكن تحديد ماهية السرعة والبطء إلا بوساطة الزمان. واستناداً إلى ذلك يكون للزمان مدخل في علية الحركات الشخصية. لكن الفلاسفة جعلوا الحركة علة لوجود الزمان، وبالتالي فقد عرّفوا الزمان بالحركة والحركة بالزمان. ولا شك أن هذا «دور» إشكالي.
ويُعنى السؤال الثاني بقضية حدوث النفس وبقائها. والنفس عند فلاسفة المسلمين «جسمانية الحدوث، روحانية البقاء» كما هو معروف. واستناداً إلى قاعدة أن «ما لا حامل لإمكان وجوده وعدمه لا يمكن أن يوجد بعد العدم، أو يعدم بعد الوجود» جعل الفلاسفة البدن حامل إمكان وجود النفس، لكنهم لم يجعلوه حامل إمكان عدمها. فكيف يجوز جعل الجسم المادي المحدث حاملاً لإمكان وجود الجوهر المفارق المتميز عنه بطبيعته؟
ويتعلق ثالث الأسئلة بالكونيات الأفلوطينية في الفلسفة الإسلامية. ومن المعروف أن نظرية فيض العقول عن المبدع الأول التي جاء بها الشيخ اليوناني، أفلوطين، قد غيّرت عنوانها في العرفان الإسماعيلي إلى نظرية «الإبداع» مع بقاء مضمونهما واحداً. وفي واحد من أهم كتب الفلسفة الإسماعيلية، وهو كتاب «راحة العقل»، يتحدث الداعي أحمد حميد الدين الكرماني عن وجود الموجودات «لا على طريق الفيض، كما يقول الفلاسفة، بل على طريق الإبداع»)[316](. وفيه يتناول الكرماني الموضوعات المتعلقة بها مثل الوحدة والكثرة وعدد العقول.. إلخ. وهي النظرية نفسها التي أثارها ابن سينا في «الإشارات والتنبيهات»، وناقشها الطوسي في شرحه لهذا الكتاب. ولعله استثمر إسماعيليته السابقة في الجمع بينهما.
لقد كانت نظرية الفيض عند الفارابي بسيطة غاية البساطة. فالموجودات في رأيه اثنان وهما: واجب الوجود، وهو الله، وممكن الوجود، وهو كل ما عداه. لكن تأمل ابن سينا في طبيعة العلاقة بين «واجب الوجود» و«ممكن الوجود» جعلته يتساءل: ما الذي يرجح وجود ممكن الوجود على عدمه؟ إذا افترضنا أن ما يرجح وجود ممكن الوجود على عدمه، هو جزء من واجب الوجود، فقد دخلت الكثرة عليه، وهذه الكثرة نفي لبساطته. وإذا افترضنا أن المرجح جزء من ممكن الوجود نفسه، إذن فقد جعلنا ممكن الوجود واجباً. ولذلك اقترح ابن سينا حلاً لهذا الإشكال ما يسميه بـ«واجب الوجود بغيره»، ورأى أن أصناف الموجودات ثلاثة هي: واجب الوجود بنفسه وهو المبدأ الأول، وممكن الوجود وهو العالم المادي، وواجب الوجود بغيره، وهو الصادر الأول، الذي يشكل وسيطاً بين واجب الوجود وممكن الوجود.
وواجب الوجود بذاته عقل محض، وهو واحد لا يصدر عنه إلا واحد، لأن صدور الكثرة عنه يعني وجود الكثرة في ذاته. والواحد الصادر عنه هو «واجب الوجود بغيره»، وهو أيضاً عقل محض، يعقل مبدأه، ويعقل ذاته. فإذا نظر إلى ذاته من جهة واجب الوجود كان واجباً وواحداً، وإذا نظر إلى ذاته كما هي كان ممكن الوجود وقابلاً للكثرة. وإذْ بعقل الصادر الأول نفسه بصفته واجب الوجود بغيره، يصدر عنه عقل ثانٍ يعقل نفسه، بصفته واجب الوجود بغيره أيضاً فيصدر عنه عقل ثالث. وهكذا حتى العقل العاشر الذي هو العقل الفعال «واهب الصور».
السؤال الذي يثيره الطوسي: من أين جاءت الكثرة للصادر أو المعلول الأول عند صدوره من العلة الأولى؟ إذا جاءت من العلة الأولى، فإما أن تكون قد صدرت معه في وقت واحد أو على الترتيب.
في الحالة الأولى ليست الكثرة من المعلول الأول، بل من العلة الأولى التي يفترض أنها واحدة وبسيطة. وفي الحالة الثانية لا يكون المعلول الأول معلولاً أول، إذ ينبغي أن تكون قد صدرت الكثرة قبله، وإن لم تصدر الكثرة عن العلة الأولى، فهل يمكن وجود كثرة من غيرها؟ لا شك أن هذه الاحتمالات جميعاً ممتنعة.
والحلول التي يقترحها الشيرازي لهذه الأسئلة حلول شاملة تستفيد من مجموع التراث الفلسفي السابق عليه من أرسطو وأفلوطين والإسماعيلية والسينوية إلى نصير الدين الطوسي وابن عربي ـ الذي كثيراً ما يلجأ إليه الشيرازي في غير هذه الرسالة، محاولاً الجمع بين مفهوم «واجب الوجود بغيره» لدى ابن سينا، ومفهوم «البرزخ» لدى ابن عربي بصفته الوسيط الذي ينظر بإحدى عينيه إلى السابق، وبالثانية إلى اللاحق، في سباق تكاملي ينسجم مع مشروعه ونسقه الفلسفي.
ومشروع الشيرازي مشروع متكامل يقوم على نظريته في أصالة الوجود واعتبارية الماهية. فالوجود خارجي متحقق في الأعيان، أما الماهية مفهوم اعتباري انتزاعي قائم بالوجود. ولأن الوجود هو عين الموجود، فإن الموجود خارجي أيضاً، يتحقق من دونما استناد إلى الماهية، بل إن الماهية هي عين الوجود في الخارج، وإن أمكن التمييز بينهما ذهنياً وتحليلياً. ولعلّ الشيرازي أول فيلسوف في تاريخ العالم، أكد على أصالة الوجود بهذا الشكل، وسبق الفلسفات الوجودية والظاهراتية الحديثة لدى هيدغر، وسارتر. على أننا لا نريد أن نغتصب هنا عقد مقارنة تخرج الفلسفتين عن سياقيهما، فالوجود لدى الشيرازي موضوعي خارجي، ولدى الظاهراتية والوجودية ذاتي داخلي. بعبارة أخرى، الوجود لديه أنطولوجي يسبق فيه الآخر الذات، بينما هو لدى الظاهراتية أونطي ontic يتعلق بوجود الذات لذاتها، وإذا كان لا بد من مقارنة، فإنه أقرب إلى مفهوم «الوجود ـ في ـ العالم» لدى هيدغر.
كما ينفرد الشيرازي برأي جريء في الحركة الجوهرية، يرى فيه أن الجوهر ليس ما يثبت على حال واحدة، بل إن كل شيء في تغير، سواء أكان جوهراً أم عرضاً. والجوهر على الخصوص، يمكن أن تطرأ عليه الحركة ويظل، مع ذلك، محتفظاً بهويته، لأن عدم الحركة يوجب عدم الذات. وهذا ما يسميه الشيرازي بـ«الاشتداد الجوهري». وهو يعني بالاشتداد الانتقال في المقولة من فرد إلى آخر بحيث يكون الجوهر المتحرك متوسطاً بين أفراده التي تتجه به نحو الاستكمال، وتحافظ في الوقت نفسه على ما يسميه بـ«هويته الاتصالية». وإذا كانت الفلسفة السينوية قد دعمت نفيها للحركة في الجوهر بحجتين: أولاهما أن الجوهر إذا وقع فيه الاشتداد فإما أن يبقى على نوعه وسط الاشتداد، وفي هذه الحالة لن تتغير الصورة الجوهرية، أو لا يبقى على نوعه، وبذلك يحدث الاشتداد جوهراً آخر في كل آن. والثانية أن الحركة تستدعي وجود موضوعها، والمادة بلا صورة غير موجودة، فلا تصحّ عليها الحركة في الصورة، لأن الحركة تكون بتعاقب صور لا توجد واحدة منها أكثر من آن، ولذلك فإن عدم وجود حركة في الصورة، يوجب عدم وجود موضوع تتحرك فيه المادة، وبالتالي يوجب عدم الذات.
ويرد الشيرازي بأن في الحجة الأولى خلطاً بين الماهية والوجود لأن تغير الصفة لا يعني تغير الشخص. ولا فرق بين حصول الاشتداد الكيفي المسمى بالاستحالة (=التحول) والكمي المسمى بالنمو، والاشتداد الجوهري المسمى بالتكون، في كون كل منهم استكمالاً تدريجياً وحركة في طريقة وجود الشيء فالوجود هو الأصل، والماهية مفهوم اعتباري منه.
ويرد على الثانية بأن عدم الصورة لا يعني عدم الذات، لأن المتحرك ليس تلك الجملة، بل هو المحل مع صورة ما. والصورة عند الفيلسوف تمتاز بالواحدية والسيلان معاً، بالاعتماد على ما فيها من حد مشترك يؤدي دور الوسيط الحيوي والجسر الموصّل بين صورتين سابقة ولاحقة)[317](.
ولا شك أن القول بأصالة الوجود، وبالحركة الجوهرية معاً، لا بد أن يُفضي إلى القول بوحدة الوجود. يقول الشيرازي: «إن الوجود العيني، وإن كان حقيقة واحدة ونوعاً بسيطاً لا جنس له ولا فصل له.. إلا أنه مشترك بين جميع الماهيات، متحد بها، صادق عليها، لاتحاده معها. فالوجود الحقيقي ظاهر بذاته بجميع أنواع الظهور، ومظهر لغيره، وبه تظهر الماهيات، وله ومعه وفيه ومنه»)[318](. ويعلق د. جعفر آل ياسين: «انطلاقاً من طبيعة مذهبه في أصالة الوجود، وجد الشيرازي أن من الضروري أن يذهب إلى القول بوحدة الوجود»)[319](. ونعتقد أنه لا يذهب إلى القول بوحدة الوجود فقط، بل إلى وحدة الأضداد أيضاً. ويستخدم الشيرازي مبدأ «وحدة الأضداد» على نطاق واسع، بحيث يسعفه في أن يرى في الشيء نقيضه، فلا يتردد في التصريح بأن الساكن من طبعه الحركة، وأن الجبر هو عين الاختيار. كل مظاهر الوجود، في رأيه، خاضعة لمفهوم «استواء الأضداد» ambivalence حتى أنه ليصف الوجود بأننا «لو قلنا إنه واحد صدقنا، وإن قلنا إنه متعدد صدقنا، وإن قلنا إنه باقٍ من أول الاستحالة إلى آخرها صدقنا، وإن قلنا إنه حادث في كل حين صدقنا، وإن قلنا إنه بتمامه موجود صدقنا، وإن قلنا إنه معدوم صدقنا»)[320](.
بل لا يتردد الشيرازي في تطبيق وحدة الأضداد على المقولات العشر مع ما في ذلك من خلخلة واضحة لمبدأ الهوية الأرسطي. فيمثل في «شرح أصول الكافي» بالإنسان على إمكان اجتماع النقيضين قائلاً: «إن الأمر الواحد قد تكون له جهات وحيثيات، وله بكل جهة وحيثية حكم آخر مخالف للحكم الذي له بجهة وحيثية أخرى. مثال ذلك الإنسان الواحد كزيد ـ مثلاً ـ تصدق عليه المقولات العشر التي هي أجناس عالية اجتمعت كلها فيه، وصدقت عليه باعتبارات وجهات مختلفة فهو من حيث كونه حيواناً جوهر، ومن حيث كونه طويلاً كم، ومن حيث كونه ذا لون كيف، ومن حيث كونه أباً مضاف، ومن حيث أنه كاتب فاعل، ومن حيث كونه متحركاً منفعل… وهكذا في سائر المقولات العرضية فهو من حيث كونه جوهراً ليس بكم ولا كيف ولا غيرهما، بل الإنسان ليس ـ من حيث هو إنسان ـ إلا إنسان، دون غيره من العوارض اللازمة أو المفارقة. فإذا سُئل هل زيد كاتب أو ليس بكاتب، أو واحد أو كثير، يمكن الجواب بطرفي النقيض»)[321](.
يرى الشيرازي أن علاقة الزمان بالحركة مماثلة لعلاقة الوجود بالماهية فالحركة تتقوم بالزمان، والزمان عارض لماهية الحركة. وهو كالعلة المفيدة لها بحسب الوجود، وهي كالعلة القابلة له بحسب الماهية. وهذا كله في ظرف التحليل العقلي. أما في الخارج فكلاهما شيء واحد ذاتاً ووجوداً لا علية ولا معلولية، ولا عارض ولا معروض.
إن ظرف التحليل العقلي هو الذي يجزئ الوجود إلى هذه المفاهيم. فيكون هناك عارض ومعروض، وعلة ومعلول، أما خارج ذهن الإنسان فالزمان والحركة شيء واحد من حيث الذات والوجود. وهذا يعني أن وجهة النظر التحليلية هي التي تملي مفاهيم معينة من نوع العلية والمعلولية. وخارج وجهة النظر هذه، لا وجود لمفاهيم منقسمة من هذا النوع.
ولا تتضح فاعلية مبدأ وحدة الأضداد أو استوائها في هذه الرسالة ـ وفي أعمال الشيرازي كلها ـ بكونه يفيض من نسق نفسي شهودي كما لدى المتصوفة، بل من نسق أنطولوجي يستند إلى مذهب «وحدة الوجود»، وما طرأ على نظرية الفيض من تطور في الفسلفة الإسلامية. وها هو الشيرازي يقول بتطابق الوحدة والكثرة في الصادر الأول «ككونه موجوداً وصادراً، ومعقولاً ومعلولاً، وشيئاً وأمراً، وممكناً عاماً وممكناً خاصاً، ومفهوماً وجوهراً، ومجرداً عن المواد، وثابتاً في الوجود، وجزءاً للمجموع الحاصل منه ومن مبدئه، إلى غير ذلك من المفهومات التي كلها يصح أن تكون حكاية عن وجود واحد».
ولا تتعلق وحدة الأضداد هنا بالمستوى النفسي للعارف، بل بالمستوى الأنطولوجي للمعروف، أو بكيفيته الوجودية. فالصادر الأول ـ مثلاً ـ موجود ومعلول ومعقول وصادر وممكن ومجرد.. إلخ. وكل مفهوم من هذه المفهومات يختلف عن الآخر، ويفترض وجود كيفية مغايرة تستدعي القول بالكثرة في ذاته. ولكنه من حيث كونه صادراً عن المبدأ الأول واحد، لا كثرة فيه. هناك إذن كثرة إذا نظرنا من خلال وجهة نظر، أو حيثية معينة، ووحدة إذا نظرنا من منظار شمولي مطلق. فالكثرة تصب في الوحدة، بحيث يراها الشيرازي «حكاية عن وجود واحد». والكثرة هي ذاتها الوحدة، ولا فرق بينهما إلا في ظرف التحليل الذهني، وفي الموقع الذي تخيّله العارف من هذه المنظومة.
إن هذا النزوع إلى التعدد والتسامح واحترام الآخر هو الذي جعل الشيرازي عرضة لتهم الفقهاء والمتفلسفة على السواء في عصر الواحدية الفكرية الذي عاش في كنفه. وبرغم أن أفكاره الفلسفية استطاعت أن تجمع حولها دائرة من الأتباع المهمين أبرزهم صهراه عبد الرزاق اللاهيجي، ومحسن الفيض الكاشاني، كما ظفرت بأتباع متأخرين يأتي في طليعتهم الملا هادي السبزواري، لكن ذلك لم يمنع من أن ينشق عليه عدد آخر من المتفلسفين لعل أبرزهم الشيخ أحمد الإحسائي، الذي وجه سهام انتقاداته اللاذعة إليه في كتابيه «شرح الحكمة العرشية»، و«شرح المشاعر» فضلاً عن انتقاده تلميذ الشيرازي وصهره ومحسن الفيض الكاشاني في كتابه «الرسالة العلمية».
***
اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسختين إحداهما مخطوطة والثانية مطبوعة طبعة حجرية. تقع المخطوطة (أ) التي اعتمدتها أصلاً للتحقيق في تسع صفحات، في مخطوط تحتفظ به مكتبة الدراسات العليا في كلية الآداب ـ جامعة بغداد ـ برقم 1484/6. وتشغل الصفحات من (212 ـ 220) ويحتوي المخطوط على عشر رسائل، تتوسطها هذه الرسالة. وقد ورد في آخر رسالة في المجموعة: «قد وقع تحرير هذه الكلمات في أواخر جمادى الأولى من شهور سنة 1100 المائة بعد الألف على يد مؤلفة محمد بن عبد الفتاح التنكابني. اللهم اغفر ذنوبهما، واستر عيوبهما بحق النبي والوصي وذريتهما صلوات الله عليهم أجمعين. ثم كتب هذه الرسالة في شهر ذي الحجة الحرام سنة 1121». وخط المجموعة الأولى غير خط المجموعة الأخيرة. على أنها نسخة واضحة مقروءة.
وطابقت هذه النسخة على النسخة المطبوعة طبعة حجرية على هامش كتاب «تهذيب الأخلاق» لمسكويه المنشور ملحقاً بكتاب «المبدأ والمعاد» للشيرازي في طبعته الحجرية سنة 1314هـ.
تتفق كلتا النسختين على اختيار عنوان واحد للرسالة هو: «رسالة في الجواب عن الأسئلة النصيرية» ـ كذا في النسختين. كما تتفق كلتاهما على نظام الاختصارات المعروف في كتابة بعض المفردات. وقد كان عملي في التحقيق التوفيق بين النسختين، واختيار فضلاهما مع تصحيح بعض الأخطاء القليلة، وتقسيم الرسالة إلى فقرات بالتزام تقسيم المؤلف الذي يجعل في بداية كل مقطع جديد علامة مد فوق أول كلمة، وإضافة عنوانات مناسبة محصورة بين مائلين، دون أن أغفل العودة إلى بعض مصادر الرسالة بالرجوع إلى المطبوعات، وحصر الزيادات المقترحة منها بين قوسين معقوفين.
سعيد الغانمي
الصراع البريطاني ـ العثماني
والتشكيلة الشيعية بالعراق
قراءة في وثيقة مخطوطة
عند دخول القوات الإنكليزية مدينة (البصرة) في 22/11/1914م استنفر علماء الشيعة العرب، وعلى رأسهم المجتهدون؛ السيد محمد سعيد الحبوبي (ت: 1915م)، والسيد مهدي الحيدري (ت:1917م)، والشيخ مهدي الخالصي (ت:1924م) وساروا بطلبة العلوم الدينية، والقبائل الفراتية الموالية لهم لقتال القوات البريطانية جنباً إلى جنب مع القوات التركية النظامية؛ اعتقاداً منهم بالواجب الديني في (جهاد) القوات الغازية، أو ربما كان اعتقاداً بعدم تقهقر قوات الحلفاء في مواجهتهم مع الإنكليز.
وبالرغم من الحيف الذي لحق بالعشائر العراقية الشيعية من جراء معاملة الأتراك في جباية الضرائب، والقهر الاجتماعي، فإن الأمر سُوّي بمصالحة الأطراف بعد تدخل السيد الحبوبي بإقناع القبائل العراقية بوجوب الجهاد، والخضوع للجيش التركي.
ولكن العلاقة بين الطرفين لم تدم طويلاً بعد انتصار القوات البريطانية في معركة الشعيبة (12/4/1915م) الأمر الذي سبب قيام تمرد شعبي ضد الأتراك في مناطق متعددة خصوصاً (النجف، كربلاء، الحلة)؛ حيث نجح الأهالي بالسيطرة على بلدة النجف في (نيسان 1915م) بعد مواجهة الحامية التركية ثلاثة أيام من القتال، وبقيت تحت سلطتهم حتى بعد دخول الإنكليز إليها. وكذلك اشتعلت شرارة التمرد في (كربلاء) في (حزيران سنة 1915م)، ونجح أهالي البلدة في طرد الموظفين الأتراك عنها. إلا أن مدينة (الحلة)، وبمكر وخديعة القائد التركي (عاكف باشا) لأهالي الحلة استبيحت في (تشرين الأول 1916م)، وقُتل الأهالي شر قتلة، وهُدمت المحلات الرئيسية، ودمرت البلدة تدميراً عنيفاً. وتعتبر هذه الواقعة التي اشتهرت عند العراقيين بـ (دكة عاكف) آخر المجازر التي ارتكبها الأتراك بحق العراقيين قبل انطفاء توهجهم في العراق، وجلائهم عنه.
وتذكرنا ردود الفعل من خسارة القوات التركية، وقيام انتفاضة المدن الشيعية ما حدث أخيراً فيما يسمى بحرب الخليج عام (1991م) عقب تدمير القوات العراقية من قِبل القوات الدولية المتحالفة ـ من انتفاضة الأهالي ضد مراكز الدولة، ومؤسساتها، إلا أنّ قمع هذه التحركات جوبه بأساليب حديثة لم تكن متعارفة في عهد الاحتلال التركي أو البريطاني مما أدى إلى تدمير المدن المقدسة تدميراً حقيقياً، ومقتل أعداد كبيرة من السكان.
وبعد احتلال القوات البريطانية مدينة (بغداد) في 11/3/1917م، أخذ البريطانيون يفتشون عن حلفاء لهم في المجتمع العراقي، وقامت إحصائيات دقيقة لدراسة الطبقات الاجتماعية، ومراكز نفوذها. وقد سجلت ذلك بعض (التقارير) السرية التي تضمنت معلومات واسعة عن شخصيات العراق)[322](.
وقد أظهر الفاتحون الجدد استعدادهم لرفع الحيف الذي أصاب أبناء الشيعة وعلماءهم في عصور الدولة العثمانية، والتي كان شيعة العراق فيها ـ غالباً ـ ضحايا صراع سياسي بين إيران (في العهد الصفوي أو القاجاري) ـ والدولة التركية العثمانية.
وقد كتب جملة من المؤرخين عما جرى من أحداث بعد الحرب العالمية الأولى عام 1914م في العراق ـ مؤلفات متعددة، وسجلوا الكثير من الوقائع التي تمكنوا من رصدها. وربما لم يُجانب الصواب إذا قيل إن الحديث في كل ذلك يحتاج إلى تفصيلات لا يمكن الإلمام بأحداثها إلا بعد دراسة وتتبع عميقين.
وثيقة تاريخية
من هنا أشار السيد محمد هادي الخراساني الحائري (ت: 1947م) في وثيقة كتبها إلى أنّ السر برسي كوكس Sir Percy Cox اجتمع في مدينة (الكاظمية) مع أحد كبار مجتهدي الشيعة وهو الشيخ محمد تقي الشيرازي (ت: 1920م) وحسبما تشير إليه هذه (الوثيقة) فإنّ القائد البريطاني قدّم إلى الشيرازي استعداده لقبول المجتهدين لإدارة شؤون البلاد الدينية.
ويبدو أن هذا اللقاء كان قد تم إثر زيارة كوكس للشيرازي في مدينة (الكاظمية) بعد هجرته من سامراء ـ خلال الأشهر الأولى من دخول البريطانيين مدينة (بغداد) وقبل وفاة الجنرال مود Maude في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1917م.
اللقاء كان لقاء عادياً، ولكن الجديد في الأمر حسبما نقله الخراساني ـ أن توجه التيار السني ـ الذي بمجمله كان موالياً للتوجه العثماني ـ بدأ يبالغ في التقرب إلى طبقات المجتمع الشيعي تحسباً للنفوذ الذي ربما يلعبه الشيعة في مستقبل العراق السياسي.
إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث بسبب الظروف الاجتماعية والسياسية المعقدة التي عصفت بالبلاد، فنشبت (ثورة النجف) ضد البريطانيين من قبل زعماء النجف المحليين وذلك سنة 1918م، والتي كانت سبباً من أسباب اندلاع الثورة العراقية الكبرى عام 1920م التي قادها المجتهدون أنفسهم، وعلى رأسهم الشيخ محمد تقي الشيرازي.
داعي الرشاد إلى سبيل الاتحاد
وفي عام 1930م صدر في بغداد كتاب (داعي الرشاد إلى سبيل الاتحاد) للشيخ ابراهيم الراوي الرفاعي أحد كبار علماء السنة العراقيين المتوفى سنة (1365هـ/1946م)، وهو في محتواه يدعو إلى الاتحاد بين الطائفتين الشيعية والسنية، أو بعبارة أخرى يدعو إلى اتحاد الطوائف الإسلامية بشكل عام. والكتاب في مجمله مراسلات بين (الراوي)، وعالم إيراني هو السيد محمد مهدي العلوي السبزواري حول موضوع (الاتحاد)، وطريقة تحقيقه بين المسلمين.
وبالرغم من المكانة التي يتصف بها الراوي، وعلاقاته الحميمة مع كثير من علماء الشيعة إلا أن ذلك لم يثن الخراساني عن إبداء ملاحظات على صدور الكتاب من جهة، وأهداف المتحاورين (الراوي) و(السبزواري) من جهة ثانية، كما ألمح إلى ذلك في (الوثيقة) التي سجلها بخطه تعليقاً على كتاب (داعي الرشاد)، وذكر فيها أنه كتب بعض التعليقات التاريخية التي أثارت ـ إذا صح ذلك ـ الشيخ الراوي، وأحزنته.
يعتقد السيد محمد هادي الخراساني أن ظاهرة التقريب بين المذاهب هي في حقيقتها خاضعة لظروف موضوعية خصوصاً أن صيحات التقريب تصدر عن أقلام (سنية) عندما يتزايد نفوذ التيار الشيعي، وبالعكس فإن موجة التقريب تنحسر (وربما تأخذ وجهها الآخرة) عندما يقلّ هذا النفوذ عن الساحة السياسية.
وعلى ذلك فقد فسر الخراساني صدور (داعي الرشاد) نتيجة لسقوط بغداد، وبواكير ظهور النفوذ الشيعي.
بيد أن الواقع التاريخي ـ بخصوص (داعي الرشاد) ـ يكشف خلاف هذا الرأي، فقد تضمن الكتاب مراسلات بين مؤلفه (الراوي)، ومهدي السبزواري (في مسائل الوحدة والاتحاد، ومحاولة الوصول إلى جامع مشترك بين الطرفين) ـ كتبت بين عامي (1347هـ/1928م) ـ و(1348هـ/1929م)، وليس هناك إشارة تدل على أنه كتب في فترة ما بعد سقوط بغداد.
وذكر الشيخ إبراهيم الراوي أن الغاية من تأليف كتابه هي أن يكون (سبباً للتآلف بين طائفتين من المسلمين، وذلك لما حلّ بالمسلمين من التخاذل والتنافر، والتقاطع لا سيما بعد الحرب العامة (العالمية الأولى عام 1914م)، والتي قضت على الدولة العثمانية). كما ذكر أن الموجة الثقافية الجديدة. أخذت تنشر أجنحتها في المدارس الرسمية معتقداً أن ذلك بداية لنشر الأفكار اللادينية المدعمة بالجمعيات الأجنبية ـ كما يعبر عنها المؤلف ـ التي انتشرت في البلاد الإسلامية.
وقد دل الكتاب على اطلاع المتحاورين في قضايا المسائل الخلافية، وفي أدب الحوار، والتجاوز عن الأخطاء التي قد يسيء فيها طرف صغير، ويتحمل وزره أبناء الطائفتين، وحاول كلّ منهما أن يضطلع بمهمة الاعتذار للآخر عما حفلت به كتب الطرفين من (السباب) و(الشتائم)، وكأنّ (المتحاورين) أحسا بالإحراج من جراء تلك الكتابات المثيرة للبغضاء، والتي عطلت (التحاور) بين أبناء الدين الواحد طوال هذه القرون.
كتب السيد مهدي السبزواري مقالة في الدعوة إلى (الاتحاد بين الطوائف الإسلامية)، حمل فيها على الدول الأوروبية، ثم ضمّنها بعض المقترحات ـ المثبتة أدناه كما هي، وباختصار على الشكل التالي:
1 ـ ترك التعصيب الجاهلي الذي كان سبباً عظيماً للنفاق المؤدي إلى انحطاط المسلمين، وتقهقرهم، وتأخرهم.
2 ـ ترك الطعن بصحابة الرسول (ص)، والقدح فيهم.
3 ـ ترك المجادلات المذهبية، والمكابرات الطائفية، والمناظرات؛ فهي من بواعث اختلاف الكلمة والنزاع.
4 ـ رفع الأسماء التي أوجبت الاختلاف (كالسني) و(الشيعي)، و(الزيدي)، و(الوهابي)، وغيرها. فإذا سئل رجل عن مذهبه يكتفي بقوله: (أنا مسلم). وهذه الأسماء أوجبت الاختلال في نظام أبناء الدين الحنيف.
5 ـ عدم تعرض (قبيل) للمستحبات، والمندوبات الواردة عند (قبيل) آخر؛ مثال ذلك أنّ (الوهابيين) لا يتعرضون للزيارات المستحبة عند سائر المسلمين.
6 ـ احترام كل طائفة للطائفة الأخرى، وعدم التمييز بين طائفة وطائفة، فلا يفرق أحد أبناء إحدى الطوائف بين مَن على مذهبه وبين مَن يخالف مذهبه.
الشيخ إبراهيم الراوي
من كبار علماء العراق، ولد في (راوة) (1276/1859) ودرس فيها، ثم انتقل إلى بغداد ولازم علماءها وعلى رأسهم الشيخ داود النقشبندي والشيخ علي الخوجه، ثم رحل إلى الشام، ولما عاد لازم الشيخ عبد الوهاب النائب. كان مقرباً إلى الشيخ أبو الهدى الصيادي (ت:1326/1909)، ومبجلاً عند الساسة الأتراك. طبعت له بعض المؤلفات في الفقه والتاريخ، وتوفي سنة (1365/1946م)، ودُفن جوار مرقد معروف الكرخي في جانب الكرخ من بغداد.
السيد محمد هادي الخراساني
من كبار فقهاء الإمامية الذين تخرجوا على يد مجتهدي عصره في (النجف) أمثال السيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ محمد كاظم الخراساني، وشيخ الشريعة الأصفهاني، ثم التحق بحلقة بحث الإمام محمد تقي الشيرازي في (سامراء). وبعد هجرة الشيرازي إلى (الكاظمية) ثم (كربلاء) كان الخراساني من مرافقيه، والمتصدين للثورة العراقية الكبرى عام 1920م. له مؤلفات غزيرة في الفقه والأصول والتأريخ والأدب نشر بعضها سبطُه العلاّمة الشهيد السيد محمد تقي الجلالي (المقتول في العراق عام 1982م).
نصّ الوثيقة
قوله «لما حلّ بالمسلمين».
(أقول): صديقنا السيد إبراهيم الراوي بعث هذا التأليف إليّ [داعي الرشاد إلى سبيل الاتحاد] وكتبتُ جزوتين أي كراستين على مقدمته فقط، وبعثته إليه؛ فكان أثقل عليه من الجبال الرواسي، فلم يتكلم بشيء بعد ذلك.
وأخبرني (الواسطة) بأنه إلى شهرين كان متغيظاً مختنقاً.
وبالجملة: فإنه إنما ألف هذه الرسالة بعد سقوط (بغداد)، واستيلاء (الإنكليز)، وتوجههم إلى علماء الشيعة لأكثرية (التشيع) في العراق، وقوة العشائر. فانقطعت أيدي (السنة) و(الجماعة)، وعلمائهم من الدنيا، والمداخلة في الحكومة: فإن القائد السياسي (كوكس) الإنكليزي ـ فاتح بغداد)[323]( ـ تشرّف بكمال الخضوع، ونهاية الاحترام بمحضر أستاذنا التقي الشيرازي (ره)، ونحن في (الكاظمية)، وقال: نحن لم نجيء، ولم نجيّش إلى (العراق) لتوسيع المملكة، ومزيد السلطنة؛ بل إنّما جئنا لتخليصكم من مظالم الدولة (التركية)؛ فأما الآن فجميع الجهات الشرعية راجعة إليكم فأنتم تصرفوا في الأوقاف، وعيّنوا (القضاة) في الأطراف، وسائر الأمور المرتبطة بالديانة.
وهكذا أظهروا لسائر المراجع والمجتهدين، لكن هذا مع ما شاهدوا من علماء الشيعة، من جهادهم، وقتالهم لهم حتى أسروا منهم ألوفاً من عساكرهم بعد حصرهم [حصارهم] في كوت [الكوت] )[324](، وعطلوهم، ومنعوهم من سيرهم سنتين بين البصرة، وبغداد؛ مع أن القائد العسكري إلتزم بأن لا يتعطل السير بين (البصرة) و(بغداد) أزيد من اثني عشر يوم (يوماً)، لكنّ العلماء حضروا بأنفسهم معركة القتال، واجتمعوا [واجتمع] في شعيبة [الشعيبة] ماتا [مائة] ألف من العشائر لكن الخيانات، والجنايات هزمت المسلمين، وكسرتهم.
وكيف كان [وكيفما كان] فأرادت [أراد] الإنكليز صرف قلوب العلماء عن الدولة التركية فأرجع [فأرجعوا] جميع الشئون [الشؤون] الشرعية من القضاوة [القضاة]، والأوقاف، وغيرها إليهم، وقطعت أيادي علماء السنّة عنها بالكلية.
فمن هذه الجهات توجهت قلوبُ علماء السنّة إلينا؛ حتى أنّ رؤسائهم [رؤساءهم] يحضرون مجالسنا، ويقبّلون أيادينا؛ مع أنهم كانوا في زمان الدولة العثمانية لا يعتنون بشؤننا (بشؤوننا)، ولا ينظرون إلينا إلاّ بالحقارة.
ومن هذه الجهة ألف صديقنا الراوي هذا الكتاب، وأنت ترى أنّه يمجّد السيد مهدي السبزواري، وهو شاب زكي[ذكي]، ومثله من الطلاب، ويعبر [عنهم] بتعظيم، وتكريم، لكن فيما قبل لم يكن يجري بلسانه فضلاً عن قلمه وبنانه اسم أكبر عالم منّا.
هذا ولكن علماء الشيعة لشدة ورعهم، وتصلبهم في الديانة لم يعتنوا بمواعيد (الإنكليز)، ولا وافقوهم في مقاصدهم، بل صرحوا بأنّا لا نريد إلا السلطان الإسلامي حتى وقعت الثورة العراقية، فقتلوا أولاً (مرشالا) في (النجف الأشرف) )[325](، ثم قامت العشائر بعد المظاهرات في (بغداد) و(كربلاء) حتى أخرجوا الحاكم الإنكليزي، وقطعوا (ريل) البصرة، وقامت الحرب على ساق.
لكنّ الخيانات والجنايات أيضاً خذلتْ المسلمين، وتوفي زعيم الدين أستاذنا الميرزا الشيرازي (قدس سره) )[326](، فرجع الإنكليز إلى محالها [؟]، وانقلبت سياستها [سياستهم]، فأرجع [فأرجعوا] جميع الأمور إلى علماء السنّة؛ حيث أنها نكثت [أنهم نكثوا] العهود، وخالفت [وخالفوا] الشيعة، ووافقت [ووافقوا] الإنكليز.
وبالجملة علمت الدولة الإنكليزية بأنّ الشيعة لا توافقهم، وإنما السنّة تطيعهم، وتؤيدهم، فرجعت [فأرجعت] إلى علماء السنّة ما كان بيدهم أيام (الترك)، وزيادة؛ حتى أصبحنا ـ نحن الشيعة ـ بين مطحونة صفحتي الرحى؛ بين (السنّة) و(الإنكليز)؛ وحتى سوّقت علماء العراق إلى إيران)[327](، وحُبسوا باطناً [!] في بلدة (قم) تسعة أشهر؛ حتى رجعوا إلى العتبات.
ثم خُرّبت، وهُدّمت مشاهد الأئمة، وقبور الأولياء في (المدينة) )[328]( و(مكة) )[329](؛ وحتى عُزلت الدولة القاجارية، ونُفي السلطان أحمد شاه إلى أوروبا [أوربا] )[330](؛ وحتى سفرت النساء في إيران، وأُلقيت العمائم و(العبا)، وألبسوا (الشبقات)، وألبسة الكفر، ونُبشت المقابر، وغصبت الأوقاف، وهُدمت المساجد، ومنعت التعازي، والمنابر، وسائر شرائع الإسلام فلم يتكلم أحد من علماء السنّة.
الصناعات والمهن النجفية المنقرضة
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد وبه نستعين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين والطيبين من أصحابه أجمعين
لما كان النجف الأشرف أكبر مركز ديني إسلامي في العالم طيلة عشرة قرون، وهي الحاضرة الشيعية العظيمة التي ترسل أشعتها على العالم الإسلامي قاطبة، وتمده بالعلوم القرآنية الكريمة، وتفيض عليه بالعلماء والفقهاء والمرشدين والأدباء، لتهديه إلى عالم النور والإيمان؛ لذا كانت مطمح أنظار المسلمين ومهوى أفئدتهم ولا تزال، ومنال حاجاتهم في جميع المجالات، حتى في مجال الصناعة والتجارة، بالإضافة إلى القيادة العلمية والمرجعية الدينية المتمركزة فيها، وكذلك في مجال التوجيه الثوري والأدبي.
ولما كانت هذه المدينة المقدسة قد شيدت على نجفة من الأرض تشرف على جهتي غربها وجنوبها على وادٍ واسع جداً يمتد شمالاً إلى أغوار الشام، وغرباً إلى الحجاز، وجنوباً إلى نجد، فهي إذاً تشرف على طريق البادية الرئيسي، وهو أقرب طريق بين العراق والحجاز، كما أثبتت ذلك لجنة الطرق والمواصلات الدولية العاملة في العراق، وكانت قوافل الحاج ـ وقد أدركنا وشاهدنا ـ تأتي من سائر الدول الإسلامية الشرقية من العراق وإيران وأفغانستان وباكستان والهند وغيرها إلى النجف الأشرف، وتنطلق منه على صورة قوافل ـ سواء في ذلك أيام الجمال أو السيارات ـ إلى الحج نحو مدينة «حائل» التي كانت مركز إمارة عبد العزيز متعب الرشيد «ابن رشيد» الذي قضى عليه وعلى إمارته السعوديون، ثم إلى المدينة المنورة، ومنها إلى مكة المكرمة. وكان الحجاج يتزودون من النجف الأشرف بما يحتاجونه لطريقهم الطويل الشاق هذا، ولمناسك الحج من لباس الإحرام والمحفظات سواء كانت للألبسة أو النقود المعروفة عندهم بالهميان، وهي تصنع على شكل منطقة يتمنطق بها الحاج ليحافظ على نقوده من اللصوص.
وهي بالإضافة إلى كونها منطلقاً لطريق الحج الرئيسي تقع كثغر للبداية العراقية، وبوابة تنفتح عليها، فكانت مدن البادية العراقية والعربية تؤمن ما تحتاجه من النجف الأشرف، وقد شاهدنا قوافل الجمال التجارية التي كانت تحمل التمور والحبوب والفِراء والألبسة والقدور وغيرها، وتقصد البادية. وكانت المدينة تزخر بالبدويين القاصدين للتجارة يترددون في أسواقها، ولا سيما السوق الكبير.
ولما كانت هذه المدينة المقدسة مزاراً شريفاً يُزار فيه مولى الموحدين وأمير المؤمنين علي (ع)، وهو مقصد الزائرين وعشاق الأدب والفضيلة وهذا الإمام المظلوم العظيم.
ولما كانت هذه المدينة أكبر مدن منطقة الفرات الأوسط، وتعتبر أم القرى لهذه المنطقة، ويقصدها أهالي المنطقة ليتزودوا بما يحتاجونه في أمورهم المعاشية.
لكل هذه الأسباب وغيرها كان أهالي النجف الاشرف مدعوين لتلبية مطالب القاصدين إليها، والقيام بسدّ احتياجاتهم بدافعين رئيسيين: الواجب الديني الكفائي، والعمل التجاري والكسب.
فانبرى سكان هذه المدينة العاملون ـ كلّ حسب رغبته وهوايته ـ هذا يمتهن الصرافة وذلك يخيط الدلاء، وآخر يصنع الفراء، ومَن يبيع الماء أو الطلقات النارية التي تعبأ في النجف الأشرف وغيرها من الأعمال والصناعات اليدوية. وقد انقرضت هذه الصناعات لانقراض دواعيها وأسبابها، أو لمنعها من قبل الحكومة، وسنذكر أهمها باقتضاب كما يلي:
1 ـ السقّاؤون:
كان عندنا في النجف الأشرف نوعان من السقاية والسقائين:
أ ـ السقاء العرب: وهم الذين يبيعون الماء على البيوت. وكان هؤلاء يملأون قِربهم من جدول الأمير غازي في غربيّ النجف الأشرف، وهو ماء غير نقي وغير صحي، ويحملونها على حميرهم حتى يصلوا إلى المدينة، فيدورون في الأزقة منادين: «مايْ فُروع» أيْ ماء فرات. فيدعوهم من يحتاج، فيملأون لهم الكيزان. ويُقال لهم: «السقاية». ومن مشاهير هؤلاء ـ وهم كثيرون جداً ـ: «شِمران» و«علي دوكي» و«السيد مهدي السّقّه» و«عباس» وكان هذا الأخير قزماً رحمه الله تعالى.
وما إن أسس المرحوم الحاج معين النجار الطهراني مشروع إسالة الماء في النجف الاشرف حتى أخذت هذه المهنة في الضمور بعد أن قام السّقاء هؤلاء بالتزود بالماء من خزان هذا المشروع، حتى اختفت المهنة نهائياً، ولم يعد لها أي ذكر.
ب ـ السقاء العجم ـ وهم الإيرانيون ـ وكان هؤلاء يحملون الجرار والأقداح، وفيها الماء النقي المبرّد، ويبيعونه ليوزّع مجاناً في سبيل الله، ويسقوا العطاشى، وكان مقرّ هؤلاء في الصحن الحيدري الشريف، يتجولون وينادون ترغيباً في بيع الماء، فيأتي أحد الزائرين أو السكان، فيدفع ثمن الماء؛ ليُسقى به العطاشى فينادي: «سبيلْ يا عطشان» أو بالعكس: «يا عطشان سبيل» فيسقى حتى ينفد ماء الجرّة، فيذهب إلى مقرّه ويملأها ثانية وثالثة حتى الليل. وقد منعتهم الحكومة من التجمهر وبيع الماء في الصحن الشريف فتقلصوا. وكان البقية منهم يقفون بباب الصحن المؤدي إلى السوق الكبير. ثم انقرضت المهنة نهائياً؛ لتوفّر الماء الصحي في كل مكان.
وقد كتبنا حول السّقاء هؤلاء بشيء من التفصيل في بحثنا: «المواكب العزائية في النجف الأشرف» موضوع موكب السقائين فليراجع من أراد الاطلاع.
3 ـ صانعوا الدلاء:
الدلاء: جمع دلو. وهي على قسمين: محلية وتجارية:
1 ـ المحلية ويقصد بها الاستهلاك المحلي. وهي صغيرة ـ نسبياً ـ تصنع إما من الصفائح الحديدية أو الجلود المدبوغة، وتكون على شكل أسطواني، وغالباً ما تكون من الجلود لخفتها، بقطر ثلاثين سانتيماً أو أقل أو أكثر بقليل، وارتفاع أربعين إلى خمسين سانتيماً. وتصنع من الجلود المدبوغى في النجف الأشرف، ويُفضّل لصنعها جلود الإبل.
وكان سكان النجف الأشرف بحاجة ماسة إلى هذه الدلاء لملء حياضهم من ماء الآبار العميقة البعيدة الغور؛ لبعد المدينة عن الأنهار وموارد المياه؛ لذا كانت كل دار في النجف الأشرف لا تخلو من بئر وحوض، وكان ماء الآبار هذه أجاجاً شديد الملوحة، بحيث لا يُستساغ شربه، فكان السكان يملأون حياضهم من هذه الآبار لغسل الملابس والاستحمام والوضوء وأشباه ذلك.
وكانت جماعة قد امتهنت متح الماء من هذه الآبار وتدعى بـ«الملائين»، وكانوا غالباً من العميان، يتقاضون أجوراً زهيدة مقابل ملء الحوض، وأتذكر جيداً أنهم كانوا يستعينون على هذا العمل الشاق، بقراءة الأشعار والأبوذيّات ـ من الناحية النفسية ـ وكان النساء يتفاءلن بأشعارهم، وهذا ما رأيته وسمعته مراراً. وقد انقرضت مهنة الملائين بعد تأسيس مشروع إسالة الماء في الشوارع والأزقة والبيوت.
3 ـ الدلاء التجارية: ونقصد بها التي كانت تصنع وتصدّر من النجف الأشرف إلى البادية غالباً أو إلى المزارع المجاورة في الكوفة وأبي صخير وأبي شورة (العباسية) وما قاربها التي تحتاج إلى رفع المياه بواسطة الكرود لسقي الأراضي الزراعية. وهذه بصورة خاصة كانت تصنع من جلود الإبل المدبوغة في النجف الأشرف، وهي كبيرة بالنسبة للدلاء المحلية. تصنع من قطعة جلد كبيرة على شكل دائري، ثم يكف محيط الدائرة، أي حافاتها نحو الداخل ليصنع منها فوهة الدلو، فيحتاج إلى ثني الحافة عدة ثنيات بصورة عمودية مما يلي الفوهة؛ ليصغر محيط الفوهة، وبعد صنعها وخياطتها بواسطة شريط جلدي يخاط على حافة الفوهة ليحافظ على بقاء الثنيات بخيوط جلدية أيضاً، تخاط لها عُرى ثلاث أو أربع، وتضغط، فتكون على شكل دائرة كبيرة هي القاعدة ـ إن صحت هذه التسمية ـ ودائرة أخرى تتكوّن منها أي من قلب حافة الدائرة الكبيرة، وفي وسطها الفوهة والعُرى بحيث عندما تملأ بالماء تشكّل حجماً كروياً تقريباً. ويكون قطر هذه الدائرة المنثنية سبعين أو ثمانين سانتيماً أو أكثر.
وكان من جملة الممتهنين بهذه الصناعة اليدوية الشاعر المرحوم «حميدان مدنية» الذي سبق ذكره في بحث «المواكب العزائية» وبحث «ملامح اللهجة النجفية». وكان مقرّ هذه المهنة غالباً في الزقاق الأول المتشعب من السوق الكبير عن يسار الداخل إليها المعروف باسم «عـﮔد اليهودي».
وقد انقرضت هذه المهنة بانقراض دواعيها.
3 ـ السراجة:
وهي مشتقة من كلمة «سرج» الخيل. ويُقال لممتهنها «السراج» وكانت هذه المهنة شائعة في النجف الأشرف، وكنت قد شاهدت عدداً من السرّاجين في السوق الكبير، بقي آخرهم إلى وقت إخراجنا قسراً ولكن مع تغيير المهنة.
والسراجة تعتمد على الجلود المدبوغة أيضاً. والسرّاج يقوم بالإضافة إلى صنع سروج الخيل بصنع الأحزمة والمنطلقات التي تشدّ السرج ببطن الفرس وعجزه، وصنع الأعِنّة، وتهيئة اللجُم والركائب الحديدية، وصنع أحزمة تحتوي على أمكنة للعتاد والطلقات النارية التي يُطلق عليها اسم «الفشك» والحمائل، وصنع أغلفة البنادق التي تشدّ إلى جانب الفرس والأحزمة المختلفة ومحفظات النقود وما شابه ذلك.
وكان آخر محل لهذه الصناعة اليدوية في السوق الكبير لرجل شيخ بدين لا أتذكر اسمه هو والد كل من الشيخ عباس السراج وعبد الصاحب السراج. وكان الشيخ عباس هذا قد ترك المهنة بعد كسادها، وأصبح من خطباء المنبر الحسيني. وهو ـ رحمه الله ـ أبو خضيّر السرّاج.
وكان البدويون والريفيون يقصدون النجف الأشرف لشراء هذه البضائع المصنوعة فيها. وانقرضت هذه المهنة لكساد سوقها.
4 ـ صنع الفِراء:
جمع فروة، وجمعها في اللهجة «فراوي». والفروة كالجُبة تتخذ من فرو الغنم بصورة خاصة، وكان جماعة في النجف الأشرف يخيطون هذه الفراء من جلود الغنم التي لم يُنتف صوفها، والقسم الصوفي يُجعل في باطن الفروة والجلدي في ظاهرها. ويصبغ القسم الجلدي فقط بصبغ أصفر. وكانت هذه الفراء تصنع بصورة بدائية جداً، لا يُعتني بها من حيث المهارة والفن. ولا يقبل على شرائها إلا البدويون الذين كانوا يرتدونها في الصيف أكثر من الشتاء لتقيهم حرارة الشمس الحارقة في البادية. وكانت هناك محلات خاصة للبدويين في السوق الكبير، تقوم ببيع هذه الفراء مع ما يحتاجه البدويون كالعصي «الخيزران» والحبال التي كانت تعرض في المحلات.
فانقرضت هذه الصناعة اليدوية وتجارتها في النجف الأشرف لتغير الأحوال والظروف.
5 ـ المغازل:
جمع مِغزل، وهي آلة يدوية تتألف من خشبة كقلم الرصاص، أطول منه بقليل في راسها شرخ ملتو لمسك الخيط تتوسطها درقة خشبية لتكون حداً للخيوط الملفوفة عليها وهذه الآلة البسيطة تستعمل لغزل الصوف أو القطن. وكان المغزل بعد خرطه يلوّن بألوان مختلفة على شكل دائري. وهذه الصناعة تعتمد على الخشب والخراطة، وكانت شائعة في النجف الأشرف، بحيث كان لها سوق خاصة تعرف بـ«سوق المغازل» تقع جنوب سوق المشابك المتشعب من السوق الكبير، في الطريق المؤدي إلى مقبرة المرحوم السيد نور الياسري، والفرع الأول المتشعب من السوق عن يسارها نحو حسينية البراق، وهم كثيرون، وآخر من بقي منهم المرحوم الحاج صاحب أبو المغازل والد مهدي الصيدلي. وقد كسدت سوق هذه الصناعة اليدوية، ولم يبق منها أثر يُذكر كسابق عهدها؛ لأن النجفيات كن قد اعتدن أن يغزلن الصوف بأيديهن، ونسج ما يغزلن بواسطة النساجين ثم يخيّطن النسيج على شكل عباءة بعد صبغها بواسطة الصباغين، وكنّ يلبسن العباءة الصوفية، ويرتدين تحتها عباءة من جنس لطيف على الأكتاف تجرّ أذيالها على الأرض تشدداً في الحجاب. وكن ـ أيضاً ـ يغزلن الخيوط الدقيقة جداً بمهارة فائقة واعتناء من الصوف الخالص للعباءات الرجالية الصيفية الرقيقة، والتي لها قيمتها ورغبتها وروادها في النجف الأشرف وغيرها. وبعض النساء يمتهن الغزل الدقيق، ويجلسن عصراً مقابل المسجد الهندي أو إلى جانب جدار فيأتي النساجون ويشترون هذا النوع من الغزل ولذا جاء مثلهم «من يعرف فطيمه بسوﮒ الغزال!!».
أما النسائيات فلم يعد لها أثر ولا عين. وأما الرجاليات فلا زالت لها قيمتها، وتستهلك محلياً ويصدر منها إلى خارج العراق إلى السعودية والإمارات العربية وسوريا.
وقد قلت حول العباءة النجفية في «الأرجوزة النجفية»:
أما العباءات فمنها التُحفُ
في خارج البلاد طراً تعرف
مرغوبة في سوريا شهيرة
تطلب في الخليج والجزيرة
خيوطه دقيقة ظريفة
شفافة في وزنها حفيفة
مشهورة باسمها أسواقُها
من أجلها يقصدها مشتاقها
وكان صنّاع المغازل يصنعون المراصع أيضاً، جمع مرصع، وهي تصنع من الخشب على شكل مخروط، يسمر في قمته مسمار حديدي مدبّب الرأس. وهذه الآلة تُتخذ للعب الأطفال، حيث يلفون حولها خيطاً سميكاً يدعى عندهم «شازك» يبدأ لفّه من المسمار الذي يدعونه «نبْلة» إلى أكثر من النصف، ويلفّ اللاعب الرأس الثاني من الخيط على خنصره، ثم يرمي المرصع إلى الأرض بشدة في حال اجتذاب الخيط منه، فيقع على الأرض بنبلته وهو يدور حول نفسه، وربما يحدث صوتاً يشبه الصفير لشدة دورانه واصطدامه بالهواء المحيط به.
وقد كسدت سوق المغازل والمراصع أيضاً، ولست أدري هل بقي من يقوم بهذه الصناعة اليدوية أم لا؟!
6 ـ النعالة:
جمع النعال: وهو من يشتغل بالنعل، والذي يُعرف في اللهجة النجفية بـ«النعلبند» وهي كلمة دخيلة فارسية مركبة من كلمتين: عربية «نعل» وفارسية «بند»: الحبل، أو السير، أو الشد. والمركبة منهما تعني «مركب النعل» ويقصد هنا من النعل نعلُ الفرس. وكان للنعالين عدة محلات يعملون هذا العمل للخيل والبغال، ولا سيما في أيام السكة الحديد بين النجف والكوفة والعربات التي كانت تجرها الخيل. فأتذكر جيداً أن الذين كانوا يمتهنون هذه المهنة كانوا في عمل دائب، سواء في صنعهم النعل أو تركيبها، والنعل هي قطعة حديدية بيضوية ناقصة على حجم مقدم حافر الفرس، فيها ثقوب تسمّر بأطراف الحافر بواسطة مسامير. وفائدة هذه النعل أنها تحافظ على الحافر من التآكل من شدّة الجري، كما يحافظ الحذاء على قدم الإنسان.
وأتذكر من جملة الذين كانوا يعملون في هذه المهنة أخوين شيخين هما الحاج رضا والحاج كاظم نعلبند، وكان محلهما في أول شارع من الجديدة، في ملك المرحوم إبراهيم الكاشي الجراح المعروف، مقابل شارع الخورنق المعروف بشارع الثانوية، وقد انقرضت هذه المهنة أيضاً.
7 ـ طباعة اليَشْماغ:
الحاجة أم الاختراع والإبداع. وسبب الإقبال على هذه المهنة المبتدعة في النجف الأشرف هي الحاجة إلى اليشماغ في جميع المدن العراقية. واليشماغ كوفية بيضاء مطرزة بخيوط سوداء، تغطي الرأس والعنق وتسدل زوائدها على الكتفين والظهر، ويوضع عليها ـ على الرأس ـ عقال ليمنعها من الحركة عند هبوب الرياح. والعقال واليشماغ من الأزياء الشعبية الرائجة في أكثر المدن العراقية.
وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية ارتفع سعر اليشماغ اللندني ـ على ما أتذكر ـ إلى دينار واحد لليشماغ الواحد. وكان الدينار آن ذاك يُحلف بوجوده؛ لندرة حصوله إلا لدى الموسرين. فبادر النجفيون لحياكة الكوفيات أولاً، ثم عملوا صورة نقش اليشماغ، فسلموها إلى المرحوم السيد هاشم النجار أخي السيد حسين النجار الرادود وابن المرحوم السيد محمد السقاء النوراني الذي مرّ ذكره في الرواديد في بحث «المواكب العزائية في النجف الأشرف»، وكان السيد هاشم ـ رحمه الله ـ يلبس العمامة السوداء ويرسل لحيته، وهو من الأخيار المعروفين، وكان ماهراً في النقش على الزجاج والتنبيت في الخشب. فعكس صورة اليشماغ على لوحة خشبية، ثم نحتها نحتاً رقيقاً، وجعل خلفها مقبضاً، وتسمى هذه الكليشة الخشبية قالباً.
والممتهن هذه المهنة يسمى طباعاً، يقف خلف منضدة كبيرة. قد وضع عليها غشاء سميكاً من الأقمشة، يفرش عليها الكوفية البيضاء، ثم يغمس وجه القالب المنحوت في صبغ أسود، ثم يضغطه على الكوفية ضغطاً لطيفاً، فيطبع قطعة منها، ثم يغمس القالب مرة ثانية ويطبع قطعة أخرى إلى جانب الأولى بمهارة ودقة لتتناسق النقوش، وهكذا يكرر العملية بسرعة حتى يطبع جميع سطح الكوفية، فيُنقش عليها صورة اليشماغ، واكتفى الفقراء والطبقة الوسطى من الناس في جميع أنحاء العراق باليشماغ المطبوع في النجف الأشرف، حتى المناطق الكردية، الذين يتخذون من اليشماغ عمامة لهم يدعونها «جراوية».
ونفقت سوق الطباعة هذه واليشماغ المطبوع، وكثر العاملون بها، حتى أثرى البعض من أرباحها، وافتتحت محلات لتجارة اليشماغ المطبوع وتصديره. ولكن بمجرد أن انتهت الحرب العالمية الثانية، ودخلت معامل نسيج اليشماغ إلى العراق، هبط سعره هبوطاً أدى إلى كساد سوقه، واستغنى عنه الناس، فأخذت المهنة هذه تنحو نحو الانقراض تدريجياً حتى الانقراض التام.
8 ـ صناعة الطلقات
جمع طَلْقة: وهي أنبوبة صغيرة من البرونز أو النحاس مختلفة الحجوم ـ حسب أنواع المسدسات والبندقيات التي تصنع لها، تُملأ من البارود، ويوضع في فوهتها قطعة من الرصاص مدبّبة الراس، ضغط فيها ضغطاً ماهراً لطيفاً، وتسمى في اللهجة النجفية «فِشكه» وهي من الكلمات الدخيلة.
وكان الممتهنون بهذه المهنة يعملون سراً في بيوتهم، ولهم عُمال يتخطون في السوق الكبير ذهاباً وإياباً، يحملون معهم أكياساً صغيرة فيها أنواع«الفشـﮒ» الطلقات حسب الطلب ينادون بصوت خافت كالهمس: «فشـﮒ، فشَكْ»، وتباع بأسعار رخيصة إذا ما قيست بالعتاد الأجنبية. وأكثر طلاب هذه العتاد هم أبناء العشائر العراقية (الريفيون) والبدويون.
وقد كسدت هذه الصناعة والمهنة بعد تشديد الحكومة العفلقية في العراق بمنع الأسلحة منعاً باتاً، ومعاقبة الممتهنين بهذه المهنة وكبس دورهم وسجنهم.
9 ـ الحمْلدَاريّة (العكامون):
جمع حملدار. والكلمة دخيلة فارسية. معناها لغة: صاحب الحملة ـ واصطلاحاً: المتكلف بشؤون جماعة من الحجاج ذهاباً وإياباً. وهو الدليل على مناسك الحج أيضاً، ويُطلق عليه «العكام».
ولما كانت مدينة النجف الأشرف تشرف ـ كما قلنا ـ على طريق البادية، وهو طريق الحج البري؛ كان المسلمون القاصدون إلى بيت الله الحرام يؤمون النجف الأشرف، ويتفقون مع أحد العكامين المعروفين بصلاحهم وخدماتهم وسلوكهم الحسن مع الحجاج لاستئجار الإبل من النجف الأشرف؛ لتحملهم وتحمل أثقالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلاّ بشقّ الأنفس، إلى مكة المكرمة ومنها إلى النجف الاشرف، ويقوم بدلالة الحاج وإرشاده إلى مناسك الحج وكيفيتها. وكان هؤلاء يتقاضون أجراً على عملهم وخدمتهم يتفق عليه مسبقاً، ويزيدهم بعض الحجاج إكراماً وإنعاماً. وكان آخر من رأيت من هؤلاء العكامين المشهورين المرحوم الحاج محمد حسن محي الدين والد مكي محي الدين.
ثم جاء دور السيارات لنقل الحجاج، فانبرى جماعة من النجفيين لهذا العمل، منهم المرحوم الحاج حسين القهواتي الأصفهاني، وبعده ابنه الحاج جعفر القهواتي، الذي أصبح مديراً لمشروع الماء في النجف، والمرحوم الحاج حسن الشكرجي بن المرحوم الحاج علي سبيلو وغيرهم فكانوا يتكلفون أمور الحجاج، وهم يتفقون مع أصحاب السيارات على الأجور.
ولا زالت آثار هذه المهنة بلونها الباهت موجودة في النجف وكان لها دور مهم في تنظيم القوافل؛ لأن الطريق لم يكن معبّداً ولا ممهداً ولا معلماً، فكان من الواجب أن تسير السيارات بصورة قوافل خشية من العطل والتيه في الطريق الذي لا نبت فيه ولا ماء، وأغلبه رمال نفوذية دقيقة، تغور فيها عجلات السيارات، ولا يمكن اجتيازها إلا بوضع الألواح الخشبية تحت العجلات في منطقة النفوذ (الرمال النفوذية)؛ وذلك ليتعاونوا في قطع هذا الطريق الشاق الطويل. وربما كان يصل عدد سيارات القافلة الواحدة إلى المائة سيارة، وبين أسبوع واسبوع تنطلق قافلة من النجف، ويخرج السكان لتوديع الحجاج قربة إلى الله تعالى أو صلة للرحم، أو استعراضاً للسيارات. وكنا نشعر بلذة وغبطة عند الوداع والاستعراض، فكان لها منظر جميل ووقع جميل في النفوس.
ولكن مجيء العفالقة القتلة مجرمي التاريخ، وعلى رأسهم الوحش الكاسر القذر صدام التكريتي إلى حكم العراق الذين سحقوا كل القِيَم والمُثُل الإسلامية، وحاربوا الشيعة بعقائدهم ومصالحهم حرباً لا هوادة فيها، ففتحوا طريق البصرة ـ الرياض ليحاولوا القضاء على طريق النجف البري لشلّ الحركة الاقتصادية في النجف، فلم يعُد الطريق مقتصراً على النجف، بالإضافة إلى فتح الطريق الجوي. ولم تعد المهنة تتمكن من الوقوف على أقدامها لتقوّم صاحبها.
10 ـ الصِرافة:
كان من يدخل السوق الكبير يجلب انتباهه أصوات الروبيات الهندية الإنجليزية، وهي مسكوكات فضية، التي تتقاطر في أيدي الصرافين الجالسين أمام شبكاتهم على جانبي السوق، ولها صوت متوال حسب عدد الروبيات، وكان للروبيات صوت خاص يدغدغ الأسماع، لم يوجد في غيرها من المسكوكات، ولذا كانوا يستعملونها فقط لجلب انتباه المارة.
وكان لبعض الصرافين محلات خاصة كالحاج مصطفى الصراف والحاج عباس شكر الصراف وغيرهما، ولكن الأغلبية كان لكل منهم كرسي في جانب السوق ـ خارج المحلات ـ وأمامه صندوق مغطى بصفحة حديدية مشبكة، يعرض فيها الصراف نقوده المعدنية والورقية المختلفة، وهو ـ باستمرار ـ يقلب الروبيات من يد ليد بصورة فنية رتيبة، فيخرج الصوت رتيباً متتالياً أيضاً، لا يتسنى لأي أحد إلاّ بالتمرين والممارسة.
وكان الصراف يبدل نقداً بنقد آخر، الدينار بالليرة الذهبية العثمانية، أو الروبية الفضية الإنجليزية، أو الريال السعودي، أو غيرها من نقود الدول المجاورة والعُملات الخارجية.
وقد منعت الحكومة البعثية ـ قاتلها الله ـ أصحاب هذه المهنة من ممارسة أعمالهم، فانقرضت نهائياً، ولم يبقَ لها أثر إلاّ في المصارف الحكومية.
11 ـ الصبّاغون:
ونقصد بهم صباغي الأقمشة والألبسة، ويعرفون بـ الصبابيغ،ولهم سوق خاص يعرف باسمهم «سوق الصبابيغ» يقع بعد انتهاء سوق المسابك عن يمين الخارج منه. كان ـ كما شاهدناه ـ لا يضمّ غيرهم إلا نادراً، ثم نقلتهم الحكومة إلى شارع السور المحيط بالمدينة القديمة في محلة البراق قرب المزار المعروف بمرقد «بنت الحسن» (ع). وكانت حبالهم الكثيرة تملأ السوق، وتغطي سماءه عندما يُشّر عليها الأقمشة المصبوغة بالألوان المختلفة. وكانت أيدي الصباغين مصبوغة بالنيل دائماً؛ لأنهم كانوا لم يتعودوا ـ أو لم تكن لديهم ـ الأكف المطاطية، وكانت أكثر موادهم هي مواداً أولية كالعفص والدباغ والنيل والزاج «الشب» وغيرها.
وأخذت المهنة هذه في الأفول شيئاً فشيئاً، حتى بقي واحد من الصباغين حتى إخراجنا من أرضنا المقدسة.
12 ـ المسابك:
جمع مسبك، وهو ما يُسبك فيه الدبس من التمر، وكان لهذه المهنة سوق فرعية منشعبة عن السوق الكبيرة في وسطه عن يسار الداخل، وأتذكر ثلاثة مسابك كانت في هذه السوق، تعمل الدبس والحلوى من التمر، وتزود الباعة بما يحتاجونه من الدبس والحلوى التمرية، وما يفضل من قشور التمر ونواه، وهو ما يدعونه «عصيراً» يُباع على أصحاب الحيوانات كالضأن والمعز… وكان ال دبس يستخلص من التمر بالطريقة البدائية القديمة، وما إن استحدثت المعامل الميكانيكية الحديثة في البصرة وغيرها حتى تضاءل الإقبال على المنتوجات القديمة، وانصرف السباكون إلى مهن أخرى، وبقي مسبك واحد يقع في الشارع الرابع من منطقة الجديدة في طرف محلة الحويش، ولم أعرف بعدُ عن مصيره شيئاً. ولم يبق من المسابك إلا اسمها المتمثل في «سوق المسابك».
13 ـ صنع الفخار:
وهو الخزف «وكان صنعه وبيعه من المهن الشائعة الرائجة في النجف الأشرف، وكان بائعه يعرف بـ«الكواز» وفي اللهجة النجفية: «أبو الشِراب» و«الشراب» جمع «الشربة» بمعنى الجرة، وكانت عدة معامل يدوية لصنع الفخار تقع خارج مدينة النجف الأشرف عن غربها مما يلي «الجدول» مجاورة للمدابغ، وهي معامل بدائية تعتمد في حركتها على الرجل واليد. وفي عناصرها على الماء والتراب، أي الطين، بعد نخله وتصفيته مما يشوبه. فتصنع الجرار والكيزان بمختلف الأنواع والحجوم، ويُطلى بعض الخُمرات بلعاب زجاجي أزرق أو أخضر يصنع محلياً. والكوز يطلق على الحجم الصغير من الكيزان، والحجم الكبير يُطلق عليه «حب» وجمعه «حبوب».
وكانت للجرار النجفية شهرة عراقية ومرغوبية خاصة؛ لأنها رقيقة، ناضحة وخفيفة ورخيصة، ويبرد الماء فيها أسرع من غيرها، فكانت المدن المجاورة تتزود بجرارها من النجف، وهي من الهدايا التي يقدمها المسافر النجفي لمن يفد عليها. وقد قلت في «الأرجوزة النجفية» عن الجرار هذه:
جِرارُها الرقيقة المُبَرّده
مشهورة في صنعها منفرده
وكان من يأتي إلى الزياره
من الغريّ يشتري جراره
وكنت حينما ترد مدينة النجف الأشرف في الصيف ترى على شُرفات سطوح المنازل الجرار المليئة بالماء منذ إصفرار الشمس قبل الغروب، فيبرد ماؤها، بحيث تُثلِج فؤاد الشارب، فيكون للماء طعم هنيء مريء.
ولكنْ، ما إن غزت الثلاحات الكهربائية الأسواق حتى أخذت الجرار والكيزان تتقلص عن الاستعمال، وقلت أهميتها، وكسدت تجارتها، وبقي آحاد في المهنة صابرين على القناعة بمهنتهم.
14 ـ الصفارة:
كنا عندما نستطرق في المنطقة الواقعة في السوق الكبير بين سوق المسابك و«عكد السيف» لا تسمع إلا أصوات الطرق المتتالي العالي المزعج، التي تصك الآذان عن سماع غيرها من الأصوات. والصفّار هو العامل في الصفر أي النحاس أو بائعه. وكانت بعض محلات الصفارين كبيرة، كمحل المرحوم الحاج رضا الصفار، تُنسّق البضائع تنسيقاً جميلاً يدل على ذوق وفن، فمثلاً توضع القدور في جانب من المحل بعضها فوق بعض بحجومها المختلفة، فالحجم الكبير في الأسفل، وفوقه الأصغر منه قليلاً، وفوق هذا الأصغر منه، وهكذا حتى يرقى إلى أصغر حجم، وإلى جانبها صفة الطسوت والصحون والأقداح والمصافي، وغيرها، وإلى الجانب الآخر تصف المساخن والمسالخ وغيرها من الظروف والأدوات. وأما في الجبهة فتعلق الدلال (جمع دله) وهي إبريق القهوة، صفاً من الكبيرة إلى الصغيرة، وكذلك الأباريق والملاعق الكبيرة والصغيرة بصورة منظمة، بحيث لو أراد المشتري شيئاً يراه أمامه بسهولة، بالحجم الذي يريده والنوع.
ولكن هذه المهنة وتجارتها أخذت بالضمور والإنكماش أمام غزو الظروف المعدنية والبلاستيكية التي هي أرخص قيمة، وأخف وزناً، وأقل كلفة من النحاس، وبدأت محلات الصفارين تنغلق الواحد تلو الآخر، ليحل محلّها مهن أخرى.
15 ـ الربابون:
والرباب هو الذي يطلي الظروف النحاسية كالقدور والصحون وغيرها بالقلع؛ لأن النحاس يصدأ، والمادة الناتجة عن الصدأ مادة سامة خطرة، فلذا تُطلى الآلات النحاسية بالقلع لئلا يصدأ.
وكان الرباب يسمى باللهجة النجفية «مبيض الكدور». وهذه المهنة تتبع مهنة الصفارة، راجت برواجها، وكسدت بكسادها. وعندما ظعنت تلك عن الأسواق، التحقت بها هذه بلا تأخير.
هذا ما احتفظت به الذاكرة من المهن والصناعات النجفية المنقرضة، ذكرتها باقتضاب والله الموفق للصواب.
طهران ـ صبيحة يوم السبت ـ 26 شهر الله المبارك 1413هـ.
الدكتور عباس الترجمان
ظهور «مرجعية التقليد»
في المذهب الشيعي الإثني عشري)[331](
شهد القرن التاسع عشر الميلادي بإيران تثبيت مؤسسة اجتماعية دينية جديدة هي «مرجعية التقليد». وكانت إمامة الإمام الثاني عشر مع غيبته قد تحولت تدريجياً إلى رؤية ذات طابع نشوري، تركت المجال خالياً لتبلور المؤسسة الدينية السالفة الذكر؛ التي لا تملك أساساً نظرياً في التشيع الكلاسيكي. وبذلك، فإن «مرجع التقليد» ظاهرة نجمت عن تطورات بلغت مداها في إيران في القرن التاسع عشر ضمن المذهب الشيعي الإمامي. ويمكن ربط ظهور المؤسسة بثلاثة شروط نظرية ومؤسسية كانت قد سبقتها: انتصار الاتجاه الأصولي على الاتجاه الأخباري، والتأسيس الفقهي لفكرة الأعلمية، والتنظير لولاية الفقيه. لذا، فستتجه كلمتنا هنا لقراءة الظواهر الثلاثة أولاً، ثم للتأمل في أول مرجع للتقليد بإيران؛ لندرس في الخاتمة مكان ومكانة «مرجعية التقليد» في الحياة السياسية بإيران.
أ ـ انتصار المدرسة الأصولية في التشيع الإثني عشري
تعني الأصول هنا المبادئ أو الأدلة الفقهية المستخدمة في «علم أصول الفقه»؛ المعتبر في العادة علم الأدلة الذي تتأسس عليه الأحكام الفقهية التفصيلية. والأصول أو أصول الأدلة في المذهب الجعفري هي: القرآن، وأحاديث الرسول والأئمة، والإجماع، والعقل. والإجماع عند الإماميين هو اتفاق الأئمة الشيعة المجتهدين على أمر أو فيه دون أن يخالف ذلك كلام الأئمة المعصومين. ولأن الإجماع مظهر لقول الإمام أو رأيه فهو معتبر من الأدلة)[332](. أما العقل فيمكن القول إن معناه هنا هو المعروف لكنه في اصطلاح الأصوليين فهو يتضمن أربعة حدود: البراءة، والاحتياط، والتخيير، والاستصحاب)[333](. وهذه الحدود للعقل يمكن أن تُتخذ دليلاً هادياً في استنباط الأحكام في حالة عدم توافر الأصول الأخرى، لأنها في الحقيقة قائمة على الظن. وهذه المسألة بالضبط كانت منطلق مدرسة الأخباريين الذين وضعوا النص فوق العقل وحدوده أو مبادئه. فبعكس الأصوليين يعتمد الأخباريون على الأخبار عن النبي (ص) والأئمة باعتبارها مصدراً للعلم والفقه في الدين. وهذان الاتجاهان المتضاربان كانا موجودين في التشيع الإمامي منذ البداية، لكن المواجهة بينهما اتضحت في سياق زمني محدد وكان فقهاء الشيعة الأوائل من مثل الشيخ المفيد (ت413هـ/1021م)، والسيد المرتضى (ت436هـ/1044م) والشيخ الطوسي (ت460 هـ/1067م) قد اهتموا بالأصول والأدلة تحت تأثير المعتزلة والشافعية. والمعروف أن الشافعي (204هـ/819م) هو صاحب الرسالة؛ المؤلف الأقدم في الأصول، كما أن المعتزلة بطرائقهم المنطقية أسهموا في تطوير علم الكلام الإمامي. تحت هذه التأثيرات كتب السيد المرتضى كتابه الأول في أصول الفقه باسم الذريعة. ولقي العلم الجديد عندهم تفصيلاً واختياراً على يد الشيخ الطوسي في رسالته: عُدة الأصول)[334](.
هذا التوجه الأصولي الذي سار فيه علماء الشيعة الإمامية ببغداد؛ واجهه اتجاه آثري بين العلماء الشيعة في قم والري. ومن علماء هذا الاتجاه الكليني (ت 329هـ/940م)، وابن بابويه المعروف بالصدوق (ت381هـ/991م) )[335](. ومع ذلك فلا يمكن القول إن الاتجاه الأصولي والآخر الأخباري تواجها بوعي في المرحلة الأولى. فالشيخ الطوسي يسمى أصحاب الاتجاه الأخباري: أصحاب الجُمل؛ أي الحرفيين أو اللفظيين الذين يقفون عند الآثار والأخبار ولا يتجاوزونها)[336](. وأول ذكر للاتجاهين باعتبارهما مدرستين مختلفتين في التفكير في أصول الدين وفروعه نجده لدى عبد الجليل القزويني (ـ565هـ/1170م) الذي يتهم أصحاب الأخبار بضيق الأفق)[337](. وكانت الموجة الثانية المرتفعة للاتجاه الأخباري في حقبة المغول الإيلخانيين بإيران. وكان النقاش وقتها حول الاجتهاد وشروطه. إذ يذكر آية الله مطهري أن ابن المطهر الحلي (ت726هـ/1325م) هو أول عالم إمامي تحدث عن المجتهد باعتباره ذلك الذي «يستنبط الحكم الشرعي» استناداً إلى الأدلة الشرعية المعتبرة)[338](. ويمكن القول إنه في المرحلة الأولى أو الحقبة الأولى لم يكن الشيعة الإمامية يهتمون بمسألتي القياس والاجتهاد. فالشيخ الطوسي يهاجم القياس والاجتهاد في كتابه المشهور عدة الأصول)[339](. وقد انصب جهده على التقعيد للأصول النصية حتى لا يضطر الفقيه للجوء للقياس)[340](. لكن هذا الجهد بالذات أدّى إلى تجاوز الأصول الشرعية الأربعة)[341](. وعندما نتأمل نص ابن المطهر الحلي بدقة نجد أنه يفرق بين اجتهاد المكلفين واجتهاد المجتهدين. وهو يرفض اجتهاد المكلفين، ويحذر من وصول اجتهاد المجتهدين إلى التخمين والظن وليس إلى العلم)[342](. وفي الواقع فإن ابن المطهر يؤسس لاحتكار الفقهاء العلماء للاجتهاد. واكتملت صياغة شروط الاجتهاد على يد العاملي (ت1011هـ/1602م) الذي خصص للاجتهاد فصلاً مستقلاً في كتابه)[343](. وقد خسر الاتجاه الأصولي جولة في الصراع لصالح الأخباريين في القرن الثاني عشر الهجري الذي ظهر فيه الأخباري الكبير الملا أمين الاسترابادي (ت1033هـ/1623م) بيد أن التطورات الاجتماعية والسياسية كانت تعمل لصالح الأصوليين لاستمرار غيبة الإمام، واحتياج الجماعة الشيعية لاجتهادات وتجديدات تتوافق والظروف المتغيرة. وهكذا، فقد كان ظهور آغا باقر البهبهاني (1118 ـ 1208هـ/1706 ـ 1793م) بكربلاء إيذاناً ببدء التغير لصالح اتجاه الأصوليين. وقد حصل البهبهاني من جانب معاصريه على لقبي مؤسس ومجدد للفقه الجعفري مع أنه لم يكن لامعاً مثل ابن المطهر أو الشهيد الثاني. وهكذا، فإن أهميته تكمنُ لا في فقهه بل في عمله على إزاحة الأخباريين من مراكزهم بإيران والعراق. فقبل العصر القاجاري كان الاختلاف بين الأصوليين والأخباريين اختلافاً على الطرائق والأدلة؛ أما البهبهاني فقد عمل على إزاحتهم باعتبارهم من المبتدعة أو الزنادقة! وقد تركز جدل البهبهاني مع خصمه الشيخ يوسف البحراني (ت1172هـ/1758م) على ضرورة الاجتهاد بعد الغيبة الكبرى للإمام، واستحالة استفتائه في قضايا الدين والفقه)[344](. وهكذا، اتجه البهبهاني للقول بالعلم الإجمالي للمجتهد بعد غيبة الإمام، وإمكان تقليده بشكل لم يسبق له مثيل عند الجعفرية. يقول البهبهاني إن هناك رأياً سائداً يقول إن باب معرفة الأحكام أُقفل بعد غيبة الإمام؛ لكن ذلك غير معقول. إذ هناك أحكام كثيرة ظهرت وسادت بعد غيبة الإمام. صحيح أن تلك الأحكام الجديدة تفيد الظنّ لا العلم اليقيني؛ لكن لا بد من استمرار التأمّل ولا يستطيع أحد إغلاق باب الاجتهاد رغم عدم تحقّق العلم اليقيني. ثم إن هناك بديهيات لا يمكن إنكارها وإن لم تصدر عن الأئمة المعصومين. فلا بدّ في النهاية من اعتبار الاجتهاد المستند إلى الدليل مفيداً للعلم والبرهان وإلا صار التديّن مستحيلاً. ولكي لا تصبح الأمور فوضى يقتصر الأمر على المجتهدين)[345](. وهكذا، قاد البهبهاني القول ببلوغ قول المجتهد درجة العلم إلى القول بأنه بمثابة وكيل للإمام أو نائب عنه (خليفة الرسول) ثم جاء النراقي (ت1245هـ/1830م) فقال بذلك صراحة مشدداً على أن المجتهدين الذين يبلُغون هذه الرتبة قلة تتوافر لها الأعلمية.
ب ـ نظرية الأعلمية
إن الفقيه الذي يستحقّ لقب نائب الإمام هو رأس المجتهدين أو أعلمهم؛ وهو وحده الذي يستحقّ التقليد من جانب المكلفين. وكان هذا التطور في القرن التاسع عشر داخل المذهب الجعفري)[346](. إذ لا نجد قولاً واضحاً بذلك قبل القرن التاسع عشر وما حدث فيه من تطورات داخل المذهب. على أننا نجد إشارات أولية لذلك في مؤلفات السابقين. فالإمام هو الأعلم داخل الشيعة الإمامية تبعاً لرؤية ترجيح الفاضل على المفضول. وقد ظهرت تلك الرؤية أولاً في علم الكلام. وعاد علماء الشيعة أيام المغول للتأكيد على الموقع الفريد للإمام استناداً إلى المبدأ السالف الذكر)[347](. فقد قال القاضي نور الله الشوشتري (ت1019هـ) إن أفضلية الإمام أساسها تقدمه على الجميع في العلم والورع والشجاعة)[348](. وبعد قرنين؛ في العصر القاجاري استخدم العلماء كل التطورات السالفة الذكر، والتي تقول بتقليد المجتهد الأعلم؛ لتأسيس «مرجعية التقليد» باعتبار «مرجع التقليد» عملياً متقدماً على الجماعة الشيعية في العلم، وفي جواز تفكيره بل ضرورته؛ مثل الإمام تماماً)[349](. وقد ظهر مصطلح الأعلم والأعلمية للمرة الأولى لدى العاملي في معالم الأصول. لكن الأعلم عنده هو ذاك المتقدم في رواية الحديث وأقوال الأئمة)[350](. لكن عندما استقرّ الشيخ الأنصاري (ت1281هـ/1864م) )[351]( باعتباره الأعلم؛ كانت أعلميته مفهومة في معناها الكامل الذي يجعله مرجعاً للتقليد في أصول الدين وأصول الفقه كما هو تقليد المدرسة الأصولية. بل إن الشيخ الأنصاري ادعى الإجماع على أن المجتهد المعتبر هو الأعلم في الأصوليين)[352](. وأوضح آية الله طباطبائي يزدي (ت1338هـ/1920م) أواخر القرن التاسع عشر شروط الأعلمية، كما قال بضرورة تقليد المجتهد الأعلم في الوقت. أما المجتهد الأعلم فهو القادر استناداً إلى معرفته الوثيقة بالأصوليين لاستنباط الأحكام في الزمان)[353](. وبالإضافة لذلك أكد آية الله يزدي ضرورة التقليد من جانب المكلّف للمجتهد الأعلم، واستحالة معرفة أحكام الدين بدون التقليد)[354](. وينبغي القول هنا إن هذا التأكيد على ضرورة التقليد ظاهرة خاصة بالمذهب الجعفري في العصر القاجاري؛ إذ كان مجتهدو العصر المغولي مثل ابن المطهر قد اكتفوا بالحديث عن ضرورة المجتهد؛ وبخاصة الشيخ حسن العاملي (ت1011هـ/1602م) )[355](.
جـ ـ تطور رؤية ولاية الفقيه
تعاصر سقوط الصفويين مع صعود المدرسة الأصولية التي أكدت على دور العلماء المجتهدين كشراح ومؤولين للشريعة. وقد دخلت فئة العلماء في سياسات الدولة بإقدام فتح علي شاه على استنان الرجوع إلى العلماء أو الحصول على موافقتهم لتولي السلطة (إذن السلطنة). وربما كان ذلك من جانب الشاه احتيالاً على الرأي العام لأنه لم يكن أقل استبدادية من أسلافه وأخلافه؛ بيد أن ذلك دعم من مركز العلماء في المجتمع والسلطة فكان أن ظهر القول بولاية الفقيه على يد الملا أحمد النراقي (ت1245هـ/1830م)؛ ولم تكن لهذا اللقب سابقة في فقه المذهب الإثني عشري. أفاد النراقي من تطورات تصنيفات الاتجاه الأصولي لاصطناع هذا اللقب الجديد، وهذه المرتبة الجديدة؛ وتطوير ذلك إلى نظرية جديدة فعلاً داخل المذهب. وحجته في ذلك أنه في غياب الإمام المعصوم؛ فإن المجتهد يحلّ محله باعتباره خليفته في غيابه بما يعنيه ذلك من سلطة كاملة له. وأدلة النراقي في ذلك الأحاديث، والإجماع، والعقل)[356](. وقد أورد في الجانب الأثري تسعة عشر أثراً كرر أكثرها فيما بعد آية الله الخميني. أهمية رؤية النراقي تكمن في تحويله «ولاية الفقيه» ـ بهذا المصطلح والتدليل عليه؛ من دعوى لبعض العلماء إلى جزء من البنية الفقهية للمذهب. دعاوى الفقهاء كانت موزّعة في بعض أبواب كتاب الفقه مثل القضاء، والجهاد، والخُمس، والاجتهاد. لكن التأكيد على عصمة الإمام، والنص عليه كان يُضعِف من الحديث عن موقع للفقيه؛ فكيف بالقول بنائب للإمام يتمتع بالسلطة نفسها رغم أنه غير منصوص عليه، وغير معصوم؛ مثلما حدث لابن المطهر الحلي)[357](. صحيح أن الشهيد الثاني اعتبر الفقهاء خلفاء للإمام، لكن كان بعيداً عن الحديث عن الولاية العامة للفقهاء أو لفقيه معين)[358](. كما أن أقا باقر بهبهاني دار حول فكرة الفقيه كخليفة للنبي لكنه لم يصل إلى القول بالولاية العامة)[359](. لقد كان الأمر مقصوراً على محاولة إعطاء الفقيه سلطة في حالات معينة لحل بعض الإشكالات الفقهية. ومن هنا، فإن عمل النراقي يكتسب أهمية من نقطتين اثنتين: معالجة موضوع «ولاية الفقيه» بشكل مستقل، والتدليل على ذلك بكل الوسائل الممكنة من ناحيتي العقل والنقل ـ وتقسيم الولاية إلى عامة وخاصة، وإعطاء الفقيه الولايتين تبعاً للحالات العارضة. قام النراقي بهذه المهمة ذات الوجهين في عمله المهم المسمّى عوائد الأيام. وهو عمل ذو مقام عال في قواعد الفقه الشيعي الإمامي. يقول النراقي في القاعدة الثمانين إن هدف القاعدة هو شرح مهمة الفقيه الولي في غياب الإمام، والتدليل على أن ولايته عامة مثلما هي ولاية الأئمة تماماً)[360](. ويعني هذا أن مهمة الفقيه أو ولايته هي مثل ولاية النبي والأئمة في غياب الإمام المعصوم باستثناء الأمور التي فيها نصّ أو إجماع ولا تدخل في ولاية الفقيه. ثم إن كل ما يتعلق بأفعال المكلّفين منحصرٌ إما بالشرع أو بالعقل)[361](.
ولكي يدلّل النراقي على ذلك حشد مجموعة ضخمة من الروايات والآثار التي بلغت تسعة عشر جُلها تتحدث عن ولاية النبي والأئمة، وتعود إلى الإمام جعفر الصادق(ع). وذلك من مثل القول المنسوب للنبي (ص): اللهم ارحم وبارك خلفائي… الذي يحفظون سنتي، ويعلمونها الناس)[362](. أما علماء الحديث من أهل السنة فيعتبرون هذا الأثر ضعيفاً و موضوعاً)[363](. لكن النراقي (ومن بعده الإمام الخميني) يستشهدان به، ويعتبرانه ثابت الصحة)[364](. وهناك أثر آخر يعتبر الاحتكام إلى الأمراء والقضاة احتكاماً إلى الطاغوت؛ وقد ظهر للمرة الأولى مروياً بطريق ابن حنظلة عن جعفر الصادق عند الكليني في الأصول من الكافي)[365](. ثم هناك الأثر المشهور عن الإمام الثاني عشر الذي يطلب الرجوع في غيبته إلى رواة آثار النبوة والإمامة)[366](، ولأنهم حجة الله على عباده، كما أن الأئمة في حال حضورهم هم حجج الله. ولأن هذا الأثر مروي بطريق إسحاق بن يعقوب سفير الإمام؛ فإن النراقي يعتبره متصلاً. ويؤكد آية الله الخميني صحته بالقول إنه موجود عند ابن بابويه، والشيخ الطوسي، والطبرسي، والحُرّ العاملي؛ وكلّهم ثقات. لكن النراقي والخميني لم يهتما بتلك التفرقة التي تعطي الولاية لسفراء الإمام الغائب الأربعة فقط، وليس لسائر الفقهاء.
ثم ينتقل النراقي لتأييد مسألة الولاية بأدلة أخرى مثل الإجماع على ذلك بين مشاهير علماء المذهب)[367](. على أن الشيخ الأنصاري ردّ هذا الدليل بعد النراقي بقليل باعتباره قولاً مشهوراً فقط لا يبلغ مرتبة الإجماع)[368](. وللنراقي أدلته العقلية. فقد كان النبي في حال غيبته عن المدينة يستخلف عليها أمراء يتمتعون بنفس صلاحياته. لذا، فالمعقول أن يخلف النبي والأئمة في حال الغيبة الأعلم بين الموجودين من الفقهاء؛ لأنهم حجة الله في أرضه على عباده تماماً كالنبي والأئمة)[369](.
وهكذا، فإن النراقي يملك صورة مثالية للفقيه ودوره وولايته العامة، وخلافته للنبي والأئمة. لكنْ ليس واضحاً ما إذا كان الفقيه الولي عند النراقي يحلّ محل السلطة السياسية القائمة أم لا؛ إذ إنه يسمّي ولاية الفقيه سلطنة الشريعة. وقد كانت للنراقي صداماته مع السلطة السياسية في عصره. لكنه بشكل عام كان على علاقة جيدة بفتح علي شاه القاجاري، وقد اعترف به شاهاً؛ مما يدلّ على أنه لم يكن يعتبره مغتصباً للسلطة أو غير شرعي.
د ـ شروط المرجعية ومؤهّلاتها
على الفقيه المجتهد أن يكون متقناً للعربية، والمنطق، وعلم الكلم، والتفسير، والحديث، والفقه؛ أو بعبارة أخرى للفقه وأصول الفقه. ثم إن عليه أن يدلل على أعلميته بالحصول على شهادات وإجازات من كبار علماء عصره، وبتأليف كتب اجتهادية في المذهب. ثم لا بُدّ أن تتوافر فيه صفات شخصية فضلى مثل الذكورة، والذكاء، وأن يكون مولوداً من نكاح (لا من سفاح)، وأن يكون ورعاً. وهناك خصيصة يذكرها بعض المؤلفين وهي أن لا يكون مستهتراً بالثراء)[370](. أما بالنسبة للمرجعية فهناك أمور تقنية إضافية لا بد من توافرها في المرجع مثل الإنفاق على طلاب العلم لديه، والإقامة في مدن العلم الديني مثل النجف أو قم حيث يكون عليه أن يجمع الخُمس وسهم الإمام للإنفاق. وهكذا فإن المرجعية تتطلب أموراً ليست لها علاقة مباشرة بالعلم الديني الضروري للمجتهد.
هـ ـ أول مراجع التقليد عند الشيعة الإمامية
هناك اختلاف كثير في أول المراجع الدينية عند الإثني عشرية. فلأن المسألة تطورت ببطء ليس لظهور المراجع تاريخ محدد بدقة. ولذا يلجأ بعض الكتاب المحدثين إلى تسجيل سلسلة من هؤلاء باعتبارهم مراجع من الكليني وحتى الخميني)[371](. وهناك بعض آيات الله الواسعي الأفق الذين ناقشوا المسألة عند وفاة آية الله بروجردي (ـ1961) مثل الطالقاني والجزائري والمطهري)[372](. وكان هدفهم نفي ضرورة أن يكون المرجع واحداً أو منفرداً في الحقبة الواحدة. وكانت Ann Lambton قد ترجمت مقالاتهم ملقية ضوءاً على المسألة)[373]( في التاريخ الفقهي الشيعي. والثابت لدى الدارسين اليوم أن «مرجعية التقليد» لم تظهر قبل العصر القاجاري. بل إن لقب المجتهد لم يظهر قبل ابن المطهّر الحلي. فقد كانت عصمة الإمام، كما كان القول بالنص مانعاً من إعطاء غير الأئمة سلطة تشريعية واسعة. لكن تبقى مسألة مَن هو «مرجع التقليد» الأول في القرن التاسع عشر؛ عصر ظهور المسألة. والجدل يدور حول شخصيتين اثنتين: الشيخ الأنصاري (ت1281هـ/1864م) وأستاذه المباشر الشيخ محمد حسن نجفي أصفهاني (ت1266هـ/1849م). وعلينا هنا أن نذكر أنه لا البهبهاني؛ الذي أعاد السيطرة إلى المدرسة الأصولية؛ ولا النراقي الذي نظّر لولاية الفقيه؛ أمكنهما التمتع بلقب المرجع. وهناك من الباحثين من يذهب إلى أن أعلمية الأنصاري، وشهرته في عصره مكنتاه من الحصول على لقب مرجع)[374](.
لكن الشيخ آغا بزرك الطهراني يذهب إلى أن نجفي أصفهاني كان المرجع قبل الأنصاري)[375](. وقد سبق أن ذكرت أن انفراد أحد العلماء بلقب مرجع في عصره؛ هو الذي أدى إلى ظهور مؤسسة «مرجعية التقليد». وكانت أصفهان قد تراجعت في الأهمية بعد موت السيد محمد باقر شفتي (ت1262هـ/1845م). وفي العام نفسه توفي عالم النجف المشهور الشيخ حسن آل كاشف الغطاء، فبقي الشيخ نجفي أصفهاني مرجعاً وحيداً لست سنوات. وكان تعدّد المراكز الدينية، وتعدد العلماء الكبار فيها؛ حائلاً دون ظهور مرجع واحد من قبل باعتباره المقلّد الوحيد في المذهب.
و ـ مرجع التقليد في حياة إيران السياسية
لعب المراجع دوراً مهماً في الحياة السياسية لإيران الشيعية. فقد قاوموا التدخل السياسي والاقتصادي الأوروبي)[376](. كما تعاونوا مع القوى الليبرالية بإيران من أجل العدالة والحياة الدستورية (مشروطة) )[377](. وبذلك حدّوا من سيطرة الشاهات واستبداديتهم. وبسبب غياب مؤسسات أخرى غير المؤسسة الدينية، فإن الشعب كان يلجأ إليهم في الأزمات لتحدي الطغيان السلطاني. لكن القوى الاجتماعية والسياسية الإيرانية وجدت أحياناً نفسها في مواجهة الشاهات، والمراجع المستبدة في الوقت نفسه. وقد ظهرت القدرة القمعية للمراجع المسيطرين في حملاتهم الشعواء على الصوفية والشيخية والبابية. إذ نشهد في إيران القاجارية عدة حركات دينية تدور كلها حول سلطة الإمام، ومَن يخلفه فيها. ويبدو ذلك من مصطلحات وتعابير لدى «المبتدعين» من مثل الولاية الصوفية، والشيعي الكامل، والركن الرابع، والباب. وقد تصدى العلماء لكل هذه الدعاوى والحركات، وقصروا على أنفسهم الولاية وخلافة الإمام)[378](. وبذلك صارت الأعلمية الركن الاساسي للمرجعية. وقد استعان الشاهات بالمجتهدين أحياناً؛ إذ كانوا يجدون أن تهديد الصوفية والشيخية أقوى من خطورة المراجع المجتهدين على سلطتهم. وبالإضافة إلى دعم السلطة القائمة، حصل المجتهدون على دعم من التجار والأصناف (فئات الحرفيين). لكن المعروف أن التشيع انتشر في إيران على أيدي الصوفية وفئات الفتيان؛ ولذلك ينبغي القيام بمزيد من الأبحاث لمعرفة سبب انحياز العامة للمراجع ضد الصوفية والفتوة بالذات. ويمكن القول هنا ابتداء إنه ربما عاد ذلك إلى أن التجار والفئات الأخرى كانوا في الخيار بين الشاهات والعلماء يلجأون أو ينحازون إلى العلماء بسبب استبداد السلطة السياسية. ثم إن طرائق الصوفية والشيخية كانت غائمة وللخاصة؛ في حين كان المجتهد يقدم حلولاً عملية لمشكلات الناس. وهكذا، فإن تحالف المسجد والبازار أيام الصفويين والقاجاريين ساعد المجتهدين على التخلص من خصومهم من الصوفية والشيخية)[379](.
لكن أياً يكن الأمر، فإنه قبل الثورة الإسلامية بإيران لم تكن المرجعية في نظر العامة بديلاً محتملاً للسلطة السياسية القائمة. فقد كانت الفئات الاجتماعية تستعين بالمرجعية لمقاومة السلطة السياسية لا لاستبدالها. لذا، فإن وصول المراجع إلى السطلة بمقتضى ولاية الفقيه هو أمر جديد في تاريخ المذهب الشيعي، وتاريخ إيران السياسي، ولا يمكن الحكم على مدى نجاح التجربة إلا بمضي الزمان.
أحمد كاظمي موسوي
عبقرية السيد حيدر الحلي
يسرني أن أتحدث عن شاعرية السيد حيدر وعبقريته في هذا البلد الذي أحله من قلبي أعلى محل. وأنزله من نفسي أسمى منزلة، في هذا البلد الذي رفع منار العلم وتقلّد صولجان الأدب في وادي الرافدين قروناً عديدة في هذا البلد الذي يثلج صدري أن أشعر أني تكونت من ترابه وترعرعت في أحضانه. وتأثرت أبلغ التأثير بصفاء أديمه وطيب نسيمه. واستوحيت مطالع أنواره ومشاهد أصائله وأسحاره، في هذا البلد الذي يسعدني ويشرفني أن أحفظ له أجمل الخواطر وأطيب الذكريات.
وإنه لمن حقّ السيد حيدر علي أن أنوّه بفضله وأشيد بأدبه في هذا البلد وفي غيره لأنه أهل للتنويه والإشادة. ولأنه كان مصدر رزق لي في وقت من الأوقات. ولأنه صار أستاذي مرتين، وأسرع فأقول لكم: كيف كان السيد حيدر مصدر رزق لي وكيف صار أستاذي مرتين؟!
كان السيد حيدر مصدر رزق لي في نحو السابعة من عمري يوم كان جدي الشيخ عبد الحسين (ره) يرويني شعره ويعطيني قرشاً واحداً عن كل عشرة أبيات أحفظها حفظاً جيداً. فكنت كلما اشتدت حاجتي إلى القروش أتيت الشيخ ورجوته أن يحفظني، وأن يحفظني كثيراً. ولم يكن الغرض من هذا الرجاء ليخفى على الشيخ. فكان يضحك منه ضحكاً خفيفاً. ولكنه يلبي طلبي ويأمرني بالجلوس ثم يحفظني ما يتسع له وقته وحافظتي، ومما رويته للسيد حيدر في ذلك العهد قوله:
يا دار جائلة الوشاح
حيتك نافحة الرياح
وسقتك من ديم الحيا
وطفاء ضاحكة النواحي
كم فيك قد نادمت من
قمر يطوف بشمس راح
وخريدة تختال عن
لدن وتبسم عن أقاح
نشوانة الأعطاف من
خمر الصبا خود رداح
ومما لا شك فيه أنني لم أكن أفهم شيئاً مما أحفظ من هذا الشعر، إلا أنه خطر لي ذات يوم أن أفهم قول السيد حيدر:
نشوانة الأعطاف من
خمر الصبا خود رداح
فسألت عن معناه (خلفتي) الذي يحفظني القرآن، ولم يكن المسكين أكثر مني فهماً لمعنى البيت فقال لي: «أتريد أن تفهم شعر السيد حيدر؟ وهل هناك أحد يستطيع أن يفهم شعره؟ إن شعره من العمق وبعد الصور بحيث يقرأ ويحفظ ولا يفهم». فصدّقته واطمأننتُ إلى كلامه.
وكان السيد حيدر أستاذي للمرة الأولى في حدود العاشرة من عمري، إذا لم أخطئ، وذلك يوم بدا لجدتي أن تعرب عن سوء ظنها بي (وهي محقة في ذلك تماماً) وأن تقول لمن حولها مشيرة إليّ أنه شديد الصلف. كثير العبث. ولا يسمع نصحاً. ولا يحفظ درساً. وما أظن أنه سيكون في يوم من الأيام كابن خالته السيد حسن في ذكائه وشعره». والسيد حسن هذا هو أحد أنجال المرحوم السيد محمد حسين الربيع وكان شاعراً كفيفاً، فقلت في نفسي: «إنها تفضل ابن أختها عليّ لأنه شاعر، كأن الشعر شيء صعب المنال.. إنني سأكون شاعراً في هذه الليلة!!» وجاء الليل فاستعرضت شعر السيد حيدر الذي أحفظه واخترت منه فائيته التي يرثي بها أبا الشهداء والتي مطلعها:
لتلوي لؤي الجيد ناكسة الطرف
فهاشمها بالطف مهشومة الأنف
فعارضتها بكلام لو سمعه السيد حيدر لاستغرق في ضحك شديد. وفعلت مثل ذلك في الليالي التالية فاجتمع لدي شيء كثير من هذا الكلام الصبياني وتلوت «شعري» على أترابي. فاستغربه بعضهم وسخر منه البعض الآخر. ولكني لم أحفل باستغرابهم ولا بسخريتهم وتلوت شعري على شيخ كان يختلف إلى أبي فقال لي مخلصاً: «إنه شعر جيد وإنه يحتوي على معان طيبة وإني أستطيع أن أقرأه على كل أحد» وشاع خبري فاجتمع فريق من أعمامي في مسجدهم. ومعهم الأديب الظريف المرحوم السيد حسن أبو القاسم. واستدعوني فلما حضرتُ فقالوا لي: بلغنا أنك تقول الشعر؟! فقلت «نعم»، فقالوا: أنشدنا شيئاً من شعرك. فقلت لهم: أية قصيدة تريدون الدالية أم الرائية أم الميمية؟ فقالوا: أنشدنا واحدة من هذه القصائد. فأنشدتهم ما خطر ببالي وضبطوا أنفسهم فلم يضحكوا. إلا أبو القاسم فإنه انفجر في ضحكة عالية وقال لي: أي شعر شعرك هذا يا مهدي. شطر هذا طوله (وفتح باعي)، وشطر هذا طوله (وقبض على خنصري). فقلت له: شعري صحيح وزين ولكنك أنت لا تعرف الشعر. فسألني كيف أنظم شعري؟ فقلتُ له: أنا آخذ معاني شعري من شعر السيد حيدر الذي حفظنيه جدي، وأضع لكل معنى قدر ما وضع له السيد حيدر من الكلمات. فإذا كان السيد حيدر قد وضع للمعنى عشر كلمات وضعت أنا عشر كلمات أيضاً. وإذا كان السيد حيدر قد وضع له أقل أو أكثر. فعلت أنا الشيء نفسه. وهنا طلب إلي أن أغني)[380]( له شيئاً من شعري فأجبته إلى طلبه. وعندما صرفني بعد أن تمنى لي التوفيق ومضى على هذا نحو من بضعة أعوام. فصرت أقول الكلام الموزون المقفى وصار السيد حيدر من كبار أساتذتي حقيقة في هذه المرة. أقرؤه وأتذوقه وأكبره وأتأثر به. وأقمت على هذا سنين عديدة. إلا أنّ الأيام باعدت بيني وبينه تدريجياً، فلم تزل توسع الشقة فيما بيننا حتى ضعف سلطانه على عقلي ضعفاً تاماً، فلم أعد أذكره أو أفكر فيه أو أتحدث عنه إلا نادراً.
ولكن حدث خلال سنة 1941 ـ 1942م الدراسية أن سألت طلابي أثناء مناقشة أدبية عما يعرفون من أخبار السيد حيدر، ويروون من شعره فقالوا: لا شيء، وعما يعرفون من أخبار الحبوبي ويروون من شعره فقالوا: لا شيء أيضاً، وعما يعرفون من تاريخ حركة العراق الأدبية في القرن التاسع عشر على العموم فقالوا: لا شيء. عند ذلك طلبتُ إليهم أن يهتموا بهذه الحركة اهتماماً شديداً. ولبّى الطلبة هذه الرغبة فكانت حصة حيدر من حركتنا حصة الأسد. فقد أذاع عنه طالب نبيه عدّة أحاديث بالراديو. وكُتبت عنه رسالتا تخرج، كتب أحداهما شاب حلي لعله الآن موجود بينكم هو الأستاذ عبد الباقي الشواي. وكتبت الأخرى فتاة يهودية. وخصصته أنا بأربعة أحاديث من سلسلة نهضة العراق الأدبية في القرن التاسع عشر. درست فيها حياته وغزله ووصفه وفخره ورثاءه. ولكن لا تزال في الرجل بقية لا آتي على آخرها اليوم.
والذي أريد أن أفعله الآن هو أن أجيب على هذا السؤال: هل السيد حيدر شاعر عبقري؟ وقبل الإجابة يجب أن أحدّد مدلول كلمة عبقري.
العبقري هو الذكي القوي الحاذق بفنه الخبير بعمله وسمي كذلك تشبيهاً له بجن عبقر. وهي قرية من قرى اليمن معروفة بجودة النسيج ومتانته. وما من شك إن حيدراً ذكي كل الذكاء قوي كل القوة من حيث هو شاعر حاذق كل الحذق بفنه، خبير كل الخبرة بعمله. وإذا صحّ هذا فلا نزاع في أنه رجل عبقري. ومظاهر عبقرية حيدر عندي ثلاثة وهي:
1 ـ ابتكاره عدداً غير قليل من المعاني الدقيقة التي يغلب على الظن أنه لم يسبقه إليها أحد.
2 ـ تعرفه بطائفة من المعاني المألوفة واستنباطه منها معان جديدة جميلة.
3 ـ سحر أدائه المتمثل بلغته وأسلوبه.
فأما معانيه المبتكرة فهي كثيرة، أروي لكم طائفة منها فيما يلي. قال حيدر من موشحة:
ونديمي لفظه العذب الرخيم
كنسيم الورد في رقته
قبله ما خلت ولدان النعيم
بعضها يسرق من جنته
إنما آنست يا قلبي الكليم
شعلة في الكأس من وجنته
لا تقل كيف من الكأس ذكا
جمر خديه معاً في أضلعي
فذكا وهي تحل الفلكا
أن تقابل بزجاج تلذع
فأكبر الظن أن لذع فؤاد المحب بنار خد الحبيب عن طريق الكاس وتشبيهه بلذع نور الشمس عند مقابلتها بالزجاج معنى لم يسبق حيدراً إليه سابق. ومثل هذا يُقال عن هذين البيتين:
كم لحاني العذول ثم رآه
فغدا شيقاً إليه طروبا
جاءني لائماً فعاد حسودا
رب داء سرى فأعدى الطبيبا
لقد قرأت الشيء الكثير عن العذل والعذال، واللوم واللوام، وعن أثر ذلك في نفوس ذوي الصبابات والأشواق، لكني أسجل على نفسي أني لا أعرف مأخذاً ـ أستغفر الله ـ بل لا أعرف نظيراً لبيتي حيدر السالفي الذكر.
وبهذه المناسبة أحب أن أذكر لكم أن السيد باقر أحد أنجال السيد هادي القزويني (رحمة الله عليهما) قال لي ذات يوم إنه لم يحسد في حياته سوى رجلين: فقلت: من هما، وعلى ماذا تحسدهما؟1 قال هما الأموي الأبيوردي والسيد حيدر، فأنا أحسد الأول على قوله:
فداك نفسي والناس غير أبي
فإنني أكرم الأنام أبا
فما من شك أن هذا البيت أغزل مائة مرة من قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
ذلك البيت الذي زعموا أنه أغزل بيت قالته العرب. وما من شك كذلك أنه أفخر مائة مرة من بيت جرير الذي زعموا أنه أفخر بيت قالته العرب وهو:
إذا غضبت عليك بنو تميم
حسبت الناس كلهم غضابا
أما السيد حيدر فإنني أحسده على قوله: «كم لحاني العذول»، وأنشد البيتين فقلت له: هذا حسد لا نعوذ بالله من شره.
ومن مبتكرات حيدر قوله واصفاً أبا الشهداء وسيفه:
كأن أخاه السيف أعطي صبره
فلم يبرح الهيجاء حتى تكسرا
وقوله في رثاء السيد مهدي القزويني (طاب ثراه):
فمن مخبري كيف انتحتك منية
بطرفك لو ترمى لعزّ وصولها
آآنحلها هول التقحم إذْ مشتْ
إليك فأخفاها عليك نحولها
وقوله في رثاء ثاني أنجاله السيد صالح:
أفعى الأسى طرقت وغاب الراقي
فأنا اللديغ وأدمعي درياقي
باتت تساور وهي غير ضئيلة
حتى رشحن بسمها آماقي)[381](
وقوله في رثائه أيضاً:
ومجدك ما خلتُ الردى منك يقربُ
لأنك في صدر الردى منه أهيبُ
وما خلتُ منك الداء يبلغ ما أرى
لأنك للدهر الدواء المجرّب
وقوله في سقيا الديار:
سبق الدمع حين قلت سقتها
فتركت السماء وقلتُ الدموع
وقوله في مراجل القرى:
هدارة تحت الدجى فكأنما
تدعو بحي على القرى أضيافها
وقوله في رثاء أحد كبار الفقهاء:
ولقد سددت فم النعي بأنمل
رجفت فلم أملك بهنّ له فما
وقوله مادحاً أحد ولاة بغداد:
هو الرمح سل عنه فؤاد حسوده
بما بات يلقى من شبا ذلك الرمح
تجده كليماً وهو أعدل شاهد
فيا شاهداً أضحى يعدل بالجرح
وقوله متغزلاً:
ما الحسن إلاّ جمرة في خدّه
وجمرة في القلب منها تقد
أبرد هاتيك بلثم هذه
يا من رأى ناراً بنار تبرد
نار ولكن هي عندي جنة
من لي لو فيها فمي يخلد
هذه مثل قليلة من كلمات حيدر المبتكرة وأؤكد أن لديه كثيراً جداً من أمثالها مما ضربت عنه صفحاً لأسباب عدة، من بينها الصعبة في الإيجاز. على أننا لو فرضنا أنه ليس لحيدر من غرر الكلام سوى ما تقدم ذكره لكان كافياً لك الكفاية للدلالة على خصب قريحته وسعة خياله وقدرته على الابتكار، ولكان كافياً كل الكفاية أيضاً لرفعه إلى مصاف عباقرة الكلام.
وقد فخر المتنبي على خصومه بثلاثة أبيات من شعره، هي قوله في صدر قصيدة:
ذي المعالي فليعلون من تعالى
هكذا هكذا وإلاّ فلا لا
شرف ينطح النجوم برقيّه وعزّ يقلقل الأجبالا
وقوله من أخرى:
لو تعقل الشجر التي قابلتها
مدت محيية إليك الأغصنا
مع إنه أخذ معنى البيت الآخر من البحتري الذي يقول:
ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما
في وسعه لسعى إليك المنبرُ
وفضل سيف الدولة المتنبي عن أبي العباس النامي لبيت واحد هو قوله:
يعود من كل فتح غير مفتخر
وقد أغد إليه غير محتلف
وستمر مثل أخرى من كلام حيدر الأصيل.
أما تصرفه بالمعاني المألوفة، وإنْ شئت فقل المبتذلة واستنباطه منها معان جديدة جميلة فكثير، من أمثلته قوله في رثاء السيد صالح القزويني:
فلو افتدي بسواه غيرك أو وقى
من حد أسياف المنية واقي
لفدتك من دمها العفاة بما وفى
بوقاء ماء سماحك الرقراق
ولغيمت بالنقع دونك هاشم
حتى تسدّ مطالع الآفاق
وأتتك ترعد بالصواهل واغتدت
بالبيض تبرق أيما إبراق
ولأمطرت بدم سقت شوك القنا
منه بأغزر وابل دفّاق
وتقارعت عنك الردى وشعارها
أنا من أسر الموت طعم مذاقي
ولأقبلت بك يا عميد سراتها
والموت بين يديك رهن وثاق
وأظن أنك والتكرم شأنكم
كرماً تحنّ عليه بالإطلاق
فبردن أفئدة لهنّ لظى الجوى
لم تبق باقية على الإحراق
لكن دعيت وأي خلق لم يكن
ليجيب قاهر دعوة الخلاق
فمضى الردى بك راغباً بطلاقها
دنيا تجد تبعدا بطلاق
معشوقة وهي الملول وإنّما
لعلى الملال كثيرة العشاق
فلا نزاع في أن مئات الشعراء قالوا قبل حيدر ما مضمونه: لو أفتدي أحد من الموت لأفتدي الفقيد بكل مرتخص وغال. ولو اتقى أحد خطر الموت بخيله ورجله لاتقاه الفقيد بماله من شدة البأس وقوة البطش. ولكن «افتداء العفاة ماء سماحة الفقيد بما يقي بوقائه من دمهم، ووقوع الموت أسيراً في معركة فاصلة بين الفقيد وبينه وإطلاقه فضلاً وكرماً»، ما ابتكره حيدر ابتكاراً وابتدعه ابتداعاً. ومن هذا القبيل تشبيه الممدوح بالبحر. فقد استعمل حيدر هذا التشبيه ولكنه أضاف إليه معنى جديداً، كله روعة وأصالة وذلك حيث يقول من موشحة:
جاء للمجد المعلى «صالحا»
بحر جود بالمزايا طافحا
فغدا فكري فيه سابحا
يبرز اللؤلؤ عقداً رطبا
والعلى تلبسه في العنق
فأكبر الظن أن الغوص في لجة كرم الممدوح واستخراج لآلئ المديح منها «وليس العلى» إياها في العنق أنتجه خيال حيدر الخصب.
ومن هذا الباب تشبه الحبيب بالبدر مرة وبالظبي تارة، فقد كرّر حيدر هذين التشبيهين في جملة من كررهما، ولكنه أضاف إليها أو إلى الأول منهما شيئاً غير قليل. وذلك حيث يقول في موشحة أخرى:
دمية نشر الخزامى نشرها
بفتات المسك يزري شعرها
كم ليال هي عندي بدرها
قابلت فيهن مرآة السما
بمحياها فقيل انطبع
هي والظبية من واد كما
هي والبدر معاً من مطلع
فتشبيه السماء بالمرآة وانطباع وجه الحبيب فيها على أنه بدرها من صنع حيدر في أغلب الظن. وتسألونني عن سحر أداء الرجل فأقول لكم: إنه متمثل في فصاحة لفظه. ومتانة سبكه وجمال تأليفه ورقة تعبيره، فلا ريب عندي في أن حيدر أنقى شعراء العراق في القرن التاسع عشرة وكُتّابه ديباجة وأمتنهم لغة واصفاهم أسلوباً. أما الزخرفة البيانية وأريد بها الجناس والطباق والتشبيه والاستعارة وما إلى ذلك فإنه يقبلها إذا جاءت عفواً، ولكنه يرفضها رفضاً باتاً إذا كانت متكلفة مصطنعة. وقد كان خصومه يقولون «إن شعره خشب»، وهم يعنون بذلك خلوّه من زخارف البديع. ولو أنصفوا لقالوا إن شعره مجموعة غيد حسان تعتمد في أسر القلوب وامتلاك النفوس على النظرات الفاتنة والبسمات الساحرة والقسمات الجذابة. وتحمل نفائس الحلى حيناً وتزهد بها حيناً آخر.
***
ضربت لكم الأمثال على ابتكار حيدر نفائس المعاني في مختلف أنواع القريض وعلى تعرفه بطائفة من المعاني المألوفة، واستنباطه منها معان جديدة جميلة. وكانت هذه الأمثلة في الوقت نفسه أدلة لا تنقض على نقاء ديباجة الرجل. وصفاء أسلوبه، ومع ذلك أرى أن أنشدكم هذه الأبيات النفيسة من غزله الرقيق على أنها مثل آخر للغته الرائعة وأسلوبه البارع ولاعتداله في استعمال الزخارف البيانية قال:
أرأيت كيف بدا يشير
بلحاظه الرشأ الغدير؟
خطّ ابن مقلته الهوى
وارتاح يقرأه الضمير
في طرس خلد من خيا
ل الهدب لاح به سطور
فصحيفة البشرى محياهُ
ورونقه البشير
حيا بيوم كاد يقطر من غضارته السرور
وأدار لامعة تشف كخده بأبي المدير
أهلاً وقد حدر اللثام
كأنه القمر المنير
رشأ إذا كسر الجفون
فقلب عاشقه الكسير
والجفن أصرع ما يكون
غداة يصرعه الفتور
يا جاهلاً نبأ اللحاظ
وذاك يعقله البصير
أفلا سقطت على الخبير بوحيها فأنا الخبير
إن الوجوه لكالزجا
جة تستبين بها الأمور
وتشفّ عما خلفها
فله بها أبداً ظهور
وإذا القلوب تراسلت
فمن اللحاظ لها سفير
منها:
أحبب إليك بهالة
فيها تنادمت البدور
هي جنة لكن سقاة
رحيقها المختوم حور
بين الخدود ولا أصرح
باسم من حوت الخدور
بيضاء مطمعة الهوى
شهدت بعفتها الستور
كلفي بصائدة القلو
ب ومن حبائلها الشعور
ما بين قرطيها إلى الخلخال روض حبا نضير
والوجنتان شقيقة
ماء الشباب لها غدير
كيف الوصول لخدرها
ووراء كلتها الغيور؟!
بهذه الأبيات النفيسة أختتم هذا الحديث الذي يخيل إليّ أنه قد طال وأرجو أن أكون قد وفيتُ حيدراً بعض حقه وحملتكم على أن تقرأوه وتتذوقوه وأن توفوه ما يستحق من إعجاب وإكبار.
الدكتور محمد مهدي البيصر
العقل والعشق الإلهي
«الاختلاف والانسجام»
ثمة كلام طويل حول ماهية العقل والعشق والاختلاف فيما بين هذين الأمرين الأصيلين، وهناك دراسات كثيرة بهذا الشأن. ورغم ذلك ليس بالمستطاع القول بأن الحديث في هذا المضمار قد انتهى، أو أن ما يجب أن يُقال قد قيل. ويصدق هذا الكلام على كثير من الأمور، إذ ليست قليلة تلك الماهيات والقضايا التي يدور حولها نقاش طويل منذ أقدم الأيام ولم ينته هذا النقاش حتى يومنا هذا. ومع ذلك تعد قضية العقل والعشق، مختلفة عن سائر القضايا الأخرى، والمشاكل على هذا الصعيد غير المشاكل المثارة على صعيد آخر.
المشكل المثار بشكل خاص على صعيد العقل هو أن هذا الجوهر الشريف ومن أجل إدراك ماهيته ينبغي عليه أن يجعل نفسه موضوع الإدراك، والأمر المسلم به هو أن ما يقع موضوعاً للإدراك يجب أن يعد شيئاً، وما يعد شيئاً لا يمكن أن يعد عقلاً. فالعقل في حد ذاته مُدرِك، وما هو مدرِك لا ينسجم مع ما هو شيء وإذا كان الأمر كذلك كيف يمكن التحدث عن العقل كشيء واقع موضوعاً للإدراك؟
إن إدراك ماهية العشق، له مشكلته الخاصة أيضاً وأن اختلفت هذه المشكلة. عن مشكلة إدراك العقل. وتتمثل هذه المشكلة في الأمر التالي: حينما يلتهب العشق لا يدع مكاناً للعقل.
بتعبير آخر: العشق كالنار التي تحرق كل شيء ولا تدع موضعاً لغيرها قط.
ومعظم أولئك الذين يضعون العشق في مقابل العقل لهم مثل هذه الفكرة أيضاً ويرون أن العقل عاجز عن الإحاطة بعالم العشق العجيب أو الإشراف عليه.
ويمكن أن نستنتج من ذلك: إذا كان من الصعب جداً إدراك ماهية العقل، فليس من السهل إدراك ماهية العشق أيضاً. وحينما يصعب معرفة ماهية هذين الأمرين الأساسيين، يصعب أيضاً التحدث عن الاختلاف فيما بينهما.
وتتصل معضلة إدراك ماهية العقل والعشق بمعضلة إدراك ماهية الإنسان، وهذه هي ذات القضية المعقدة التي واجهها الفلاسفة منذ البداية.
فإذا كان بعض فلاسفة العصور القديمة يعرفون الإنسان بأنه حيوان ناطق، فقد أكد البعض الآخر على مسألة ذات الإنسان وطالبوه بمعرفة ذاته ونفسه، ولا شك في أن معرفة الإنسان عن طريق استخدام الحد وتعريف الذاتيات، نوع من أنواع المعرفة. ولا شك أيضاً في أن معرفة الإنسان لذاته، من أهم طرق المعرفة. وإذا كان الأمر كذلك فما هو التفاوت بين الطريقين؟ وإذا كان ثمة تفاوت على هذا الصعيد، فما هو الطريق الذي ينبغي سلوكه؟
ومما يجدر ذكره هو أن ما يدعى بالعلم الحضوري، يعد نوعاً من الشهود؛ والشهود عبارة عن إدراك مباشر. ولسنا بصدد التحدث عن أنواع العلم الحضوري، وإنما نكتفي بالقول: لو يترك الإنسان لحاله، فمن الممكن أن يتردد بين المعرفة الذهنية والإدراك الحضوري، ويبقى عاجزاً عن الحكم بتفوق أحدهما على الآخر.
ولربما يتصور البعض في بادئ الأمر أن المعرفة الذهنية أعلى من الإدراك الشهودي، غير أن هؤلاء يدركون أيضاً في ذات الوقت بأن المعرفة الذهنية وإدراك الأشياء عن طريق الحد، أمر يوجب وجود ثغرة بين عالم العين وعالم الذهن. وهذه الثغرة هي من السعة بحيث يصعب اجتيازها.
وسعى عدد كبير من كبار الفلاسفة لتضييق هذه الثغرة أو إزالتها، ولكن قلما نجح أحد منهم في إنجاز هذه المهمة. فالفيلسوف الفرنسي الشهير رينه ديكارت، استطاع من خلال الاعتماد على الكوجينف أن يجعل فكره أساس وجوده، وأن يغير وجه العالم من خلال طرح هذه الفكرة، إلاّ أنه سقط في الخطوات الأولى في هوة الثنوية ولم يستطع أن يخرج نفسه من قعرها.
وحاول بعض تلامذة هذا الفيلسوف وأتباعه أن يقضوا على هذا الثنوية، إلا أنهم لم ينجحوا في تحقيق هذا الهدف أيضاً. فطريقة المعرفة الحضورية هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تضع حداً لهذه الثنوية وتقدم حلاً لهذه المعضلة العويصة، لأن المعرفة الحضورية معرفة مباشرة، ولهذا تتميز بنوع من الشدة والقوة. والمعرفة القلبية التي هي جزء من المعرفة الحضورية، تقوم بتفسير المسائل المعنوية والدينية وتوضيحها.
بتعبير آخر: أن امتداد المعرفة القلبية يؤدي إلى ظهور الإيمان والفضائل الملازمة لهذا الإيمان. ولهذا السبب يقال بأن المعرفة لا توصل الإنسان إلى ساحل النجاة والفلاح إلا إذا شملت وجوده بأسره. فالمعرفة التي ليست شاملة والمؤدية إلى الثنوية، توجب التغرب واللاحضور أيضاً.
ففي عالم الحضور يزول الفاصل بين العين والذهن ويحصل نوع من الاتحاد بين العالم والمعلوم، ولا تنفصل العين عن الذهن حتى في العالم المثالي وعالم المجردات، ولا يلاحظ وجود ثغرة بين العالم والمعلوم.
ويعد علم الله تعالى أكمل علم بمقدوره أن يكشف عن هذا الاتحاد والحضور. فالله تعالى واسع وعليم، ولذلك فإنه عالم بكل شيء. ومن المقطوع به أن علم الله بكل شيء وفي كل مكان وزمان، يستلزم نوعاً من الوحدة التي لا يمكن أن يكون لها مقابل. وفي ظل هذه الوحدة ينعدم الفاصل بين فاعل المعرفة ومتعلقها.
إذن فما هو معلوم بعلم الله لا يباين الله تعالى قط، وغير منفصل عنه. لذلك يمكن من خلال الالتفات إلى هذا الموضوع وإدراك العلاقة بين العالم والمعلوم، إدراك وحدة الله المطلقة وإحاطته الكاملة بجميع الأمور.
لا بد من الالتفات أيضاً، إلى أن كلمة «الحق»، هي من أسماء الله أيضاً. ويمكن أن ندرك من هذا الاسم بأنه تعالى حقيقة مطلقة. ومن لديه علم بالحقيقة المطلقة، يعترف أيضاً بعدم تحقق أية حقيقة عدا الحقيقة المطلقة.
واسم «الحق»، ليس الاسم الوحيد الذي يدل على الحقيقة المطلقة. فاسم «المحيط» يدل بدوره على الإحاطة القيومية وغير المتناهية للبارئ تعالى، يدرك بأننا لسنا لا نعد «موجوداً» في التقابل مع الله تعالى فحسب، بل ليس بمقدورنا التفكير في التقابل والتضاد مع العقل المطلق أيضاً.
فإذا كان وجودنا ظلاً لوجود الله تعالى، فعقلنا هو الآخر شعاع من أشعة العقل المطلق. إذن فالإنسان المدرِك لا حيلة لديه سوى أن ينسجم في إيقاعه مع إيقاع الحقيقة المطلقة وغير المتناهية لذات البارئ تعالى. وهذا الانسجام هو عين ما يمكن أن نسميه أكثر الطرق استقامة للوصول إلى الحق تعالى. ولربما يعد ما يعرف عند أهل المعرفة بـ «الطريقة» هو ذات ما يشير إلى هذا الانسجام، ويحكي عن أقرب طرق التقرب إلى الله.
الكثير من العرفاء يتحدثون عن البصيرة القلبية أثناء سيرهم وسلوكهم، وطالما يستخدمون كلمة «العشق» و«الذوق» وغيرهما، هادفين من خلال استخدام هذه الكلمات، نوعاً من المعرفة المباشرة التي هي أشبه بالتجارب الحسية والشهودية وأقرب إليها من المعرفة العقلية. ما يدركه السالك عن طريق الحق والذوق، لا بد وأن يكون لديه جذور في أعماق روحه، ويقوده باستمرار نحو الحقيقة المطلقة. فسالك طريق الحق، من أهل الباطل يختلف كثيراً عن أهل الظاهر في فكره وسلوكه.
فالذين يعدون من أهل الظاهر يعيشون في عالم مسطح ليس ليه سوى بعدين فقط، في حين يعيش السائرون في طريق الحق وأهل الباطن عالماً آخر غير العالم الذي يعرفه الظاهريون. فعالم أهل الباطن غير محدود ببعدين، ويتميز بارتفاع وعمق مذهلين.
فالذين لديهم صلة بالكتب السماوية، ليس بمستطاعهم أن لا يكون لديهم خبر عن باطن الأمور، لأن هذه الكتب عبارة عن تنزيل من مبدأ متعال غيبي، وإذا كان هذا التنزيل بدون عمق وارتفاع فقد المعنى المحصل.
لا ريب في أن نزول الوحي والكلام الإلهي، ينبغي أن يتحقق في لحظة خاصة من التاريخ، غير أن هذه اللحظة الخاصة يمكن أن تكون وفق نظرة أخرى، في أفق آخر هو ما فوق أفق الزمان. فحسب الآيات القرآنية نزل الكلام الإلهي في ليلة القدر؛ وليلة القدر هي خير من ألف شهر. لذلك لو نُظر إلى جميع لحظات الزمان وآناته على أنها متشابهة ومتساوية؛ لاستلزم ذلك أن يكون لأفق زمان الوحي معنى آخر أيضاً من أجل أن يكون هذا الزمان أفضل من غيره.
وفضلاً عما سبق ينبغي أيضاً الالتفات إلى ما يلي: أن ما ينزل من المبدأ إلى دائرة الوجود، لا بد أن يصعد إلى ذلك المبدأ مرة أخرى. ولا شك في أن ما يتحقق في قوسي النزول والصعود، ذو درجات متفاوتة ومختلفة يمكن النظر إليها كمراحل عمق سير الإنسان الكامل وسلوكه.
كما لا ينبغي تجاهل الأمر التالي وهو: أن ما جاء في التنزيل الإلهي، سرمدي، وعدم وجود نهاية لنزول كلام الله وصعوده. فالمتكلم، من صفات الله تعالى؛ وصفات الله خالدة وسرمدية كذاته تعالى. والموضع الوحيد الذي لا يحضر فيه الكلام الإلهي، هو الموضع الذي لا يوجد فيه لدى الأذن الاستعداد لسماعه. فكلام الله يرن دائماً، ولكن لا تسمعه سوى الآذان المستعدة فقط.
وحينما يدور الحديث عن الأذن المستعدة، فالمراد بذلك هروب الإنسان من مرحلة الظاهر، وانفتاح نافذة روحه على عالم المعنى. فمثلما ينفتح الإنسان على عالم الخارج عن طريق حواسه وإدراكاته الظاهرية، ينفتح كذلك على عالم المعنى من خلال روحه، فيرتبط بباطن الأمور وحقائق عالم الوجود وتحصل لديه حالة الانسجام مع هذه الحقائق.
إذن فالإنسان لديه عالمان: ظاهر، وباطن، وليس غريباً على أي من هذين العالمين.
وحقيقة وجود الإنسان لا تتميز بجانبين ظاهري وباطني فقط، بل يمكن أن نشاهد في هذا الوجود من زاوية أخرى ثلاث ساحات مختلفة، تتميز كل منها بأهمية خاصة، وهي:
1 ـ ساحة الإرادة.
2 ـ ساحة الحب أو العشق.
3 ـ ساحة المعرفة.
وتظهر كل ساحة في صورتين متقابلتين، تكمل كل منهما الأخرى في عين التقابل. فنجد صورتي الفعل والترك في ساحة الإرادة، وصورتي الهدوء والهيجان في ساحة العشق، وصورتي الافتراق والاتحاد ـ أو الوحدة والكثرة ـ في ساحة المعرفة.
وهناك نقاشات طويلة بشأن الاختلاف بين ساحات الوجود الثلاث. فالبعض يعتبر الإرادة أصلاً عند الإنسان، وسائر الأمور من آثارها ونتائجها. والبعض يولي أهمية أكبر نحو العشق ويبرر جميع الأشياء الأخرى على أساسه. وهناك عدد كبير من الحكماء والفلاسفة يؤكدون على ساحة المعرفة، ويعتبرونها أساس جميع أعمال الإنسان.
ولكل فئة من هذه الفئات الثلاث براهينها وأدلتها الخاصة الجديرة بالاهتمام لإثبات فكرتها. فأنصار العشق يهاجمون الفلاسفة ويصفون فكرتهم بأنها واهية وطريقهم بأنه غير معبد. وقلما نجد عارفاً لم يوجه النقد إلى طريق الفلاسفة.
ولم يقُّل أنصار الإرادة عن أنصار العشق في توجيه النقد للفلاسفة وأسلوبهم. وتحدث الفلاسفة بدورهم عن أهمية موقفهم الفكري وصوابه، وهبوا لدحض أفكار الفئتين السابقتين.
هذا النزاع الملاحظ بين هؤلاء، يكشف عن تحقق العشق، والإرادة، والمعرفة في ثلاث دوائر مختلفة من وجود الإنسان، ويشير إلى عدم انسجامها مع بعضها في ظاهر الأمر. ولكن لو وجد من يتعمق في البعد الباطني للإنسان، ويمعن النظر في عمقه الوجودي، لأدرك اتحاد العشق والمعرفة والإرادة.
طالما تحدث القرآن الكريم عن الفكر والمعرفة معاً، وطالما أشارت الأحاديث النبوية وكلمات أولياء الدين إلى هذا المعنى أيضاً. ويمكن أن نستشف من مجموع التعاليم الإسلامية أن الفكر يجب أن يرافق الذكر، والدور المهم الذي يلعبه هذان العنصران الأساسيان في حياة الإنسان المعنوية.
والذكر لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة بدون الفكر؛ والفكر لا يوصل الإنسان إلى الهدف النهائي بدون الذكر. والرجوع إلى الآيات القرآنية الشريفة يكشف عن وقوع كلمة القلب مرادفة لكلمة العقل غالباً. طبعاً حينما يقال بأن القلب قد استعمل بمعنى العقل في القرآن الكريم، فلا يراد به العقل بالمعنى المتداول في اللغة اليومية للناس، بل ذلك الجوهر المقدس الذي يتجه نحو الأمر المتعالي دائماً ويثابر من أجل بلوغه.
ويتحدث الشيخ نجم الدين الرازي في رسالة «العشق والعقل أو معيار الصدق في مصداق العشق» بصراحة عن كون القلب محل ظهور العقل مثلما أن العين محل ظهور الرؤية. ويقول بأن الروح قد التحقت بجسم الإنسان بناء على الأمر الإلهي. وبما أن هذا الجسم لديه أفضل أنواع التركيب بفضل التدبير الإلهي، يعد كل موضع من مواضعه الظاهرية والباطنية محلاً لظهور صفة من صفات الروح.
فإذا كانت العين محلاً لظهور صفة البصر، والأذن محلاً للسمع، واللسان محلاً للنطق، فالقلب محل لظهور العقل.
ويعتقد الشيخ الرازي أيضاً: إذا كان كل موضع من مواضع البدن محلاً لظهور صفة من صفات الروح، يتضح أيضاً أن الروح متصفة بجميع هذه الصفات في عالمها وبصرف النظر عن البدن.
ويلزم عن هذا الكلام القول بأن قالب البدن هو خليفة الروح، وأنه يعكس كالمرآة ذات هذا الجوهر المقدس وصفاته)[382](.
وعليه تظهر كل صفة موجودة في الروح، في أحد مواضع البدن على أساس نوع السنخية والمناسبة، فيعد ذلك الموضع مظهراً لتلك الصفة. ولكن ينبغي الاهتمام بالأمر التالي أيضاً وهو: بمستطاع كل موضع من مواضع بدن الإنسان ـ بصفته أحد مظاهر الروح ـ أن يكشف عن الصفة الروحية والمعنوية بمقدار ما لديه من قابلية واستعداد.
بتعبير آخر: تظهر كل صفة من صفات الروح الغيبية، في أحد مواضع البدن، على أساس استيعاب عالم الحس والشهادة. فإذا كانت الروح مدركة للكليات في عالم الغيب، فينبغي أن تدرك الجزئيات أيضاً من خلال الظهور في مواضع مختلفة من البدن؛ وعن هذا الطريق يتولى الإنسان خلافة عالمي الغيب والشهادة، عاكساً كالمرآة الصفات الظاهرية والباطنية لله تعالى.
ولا يعزب عن بال العاقل أن الشيخ الرازي حينما يعتبر كل موضع في بدن الإنسان محلاً لظهور إحدى صفات الروح، يتحتم القول بأنه يريد بالقلب، هذا العضو الصنوبري الموجود في الصدر. أي أنه يضع القلب بمستوى سائر أعضاء الجسم ويعتبره محلاً لظهور العقل.
وحينما يوضع القلب بمستوى سائر أعضاء الجسم فلا بد أن يراد معناه الظاهري والجسمي، بينما يتحدث العرفاء عن المعنى الباطني، ويعتبرونه أسمى من القلب في اصطلاح الأطباء. ولا بد هنا من القول: صحيح أن الرازي قد استخدم القلب بالمعنى الظاهري والجسمي وعدّه محل ظهور العقل، لكنه كان عارفاً بأن القلب الصنوبري مركز للبدن أيضاً ويلعب دوراً مهماً في تنظيم حياة الإنسان.
ونظراً لوجود علاقة ضرورية بين الظاهر والمظهر، لا بد من الاعتراف أيضاً بظهور العقل ـ الذي هو أعلى صفات الروح ـ في القلب، الذي هو أهم مواضع الجسم.
إذن فحينما يعتبر الشيخ نجم الدين الرازي القلب محلاً لظهور العقل، يعترف بأفضلية العقل على سائر صفات الإنسان.
ومما يجدر ذكره هو أن الشيخ الرازي ورغم عده لكثير من مواضع الجسم محال لظهور صفات الروح، لم يتحدث عن موضع ظهور صفة العشق. فبدلاً من أن يعتبر القلب محلاً لظهور صفة العشق، اعتبره موضعاً لظهور العقل. ورغم ذلك فإنه لم يتجاهل أهمية العشق ووصفه في موضع آخر من رسالته بأنه أفضل من العقل.
نجم الدين الرازي يعتقد أن دلالة جبرئيل العقل مستمرة حتى ساحل بحر الجبروت حيث تنتهي هناك، وتبدأ دلالة العشق، غير أن العشق نفسه يخلع عن نفسه رداء العين والشين والقاف ويرتدي جبة الجذبة. وحينذاك يجتاز السالك بالجذبة قاب قوسي حدود الوجود، ويتربع في مقام «أو أدنى» على بساط قرب الحق. وفي هذه المرحلة لا يتجرد العشق وحده من العين والشين والقاف بل يتجرد حتى الذكر من قشر «فاذكروني» فيكشف سلطان «أذكركم» عن جماله، فيصبح الذاكر مذكوراً والعاشق معشوقاً.
ويشير الشيخ نجم الدين الرازي إلى مقام الفناء ويعتقد بأنه لا يمكن السير في طريق الفناء إلا بقدم العشق. فما يمكن أن يقود في هذه المرحلة هو المحو والفناء. وبما أن العقل عين البقاء، فإنه عاجز عن قطع هذا الطريق.
طريق العشق عند نجم الدين الرازي، طريق ينتهي إلى حرم الفناء، ولا يبقى في هذا الحرم موضع للغير.
ورغم ذلك نراه يشير في موضع آخر إلى العلاقة بين العشق والعقل ويقول كلما ازداد نور العشق، ازداد نور العقل. ولكنه لا يرى العكس، أي أن ازدياد نور العقل لا يؤدي بالضرورة إلى ازدياد نور العشق)[383]( غير أنه يعتبر العقل قابلاً للاشتعال بشعلة العشق.
ما يحظى بالتأمل من كلام هذا العارف هو أنه يعتبر نور العقل قابلاً لشعلة العشق المتقدة ومتأثراً بها، فيمكن عن هذا الطريق تبرير الارتباط بين هذين العنصرين النورانيين.
ولبعض المفكرين نفس هذه النظرة إلى العقل أيضاً فيرون أن العقل وإن كان محدوداً من حيث الجانب الفاعلي، إلا أنه غير محدود قط من حيث الجانب القبولي، أي قبول الحقائق.
إذن فالشيخ نجم الدين وعرفاء آخرون غيره يذهبون إلى تأثر العقل بشعلة الحق وقبوله لها. ومن الواضح ضرورة وجود نوع من الاتحاد بين القابل والمقبول، وليس بمقدور القابل أن يكون غريباً على ما يقبله. ولذلك لا بد من وجود انسجام كامل بين العقل والحب وعدم وجود تباين أو اختلاف بين الاثنين.
بتعبير آخر: رغم ما يلاحظ من اختلاف بين العقل والحق في بادئ الأمر، غير أن هذا الاختلاف يزول في نهاية الأمر ويظهر اتحاد وانسجام كاملان بين الاثنين.
أولئك الذين يتحدثون عن حب الله لا يرتابون قط في أن خاتم الأنبياء (ص) يحتل أعلى مراتب حب الله كما يعترفون أيضاً بأن الرسول (ص) ليس أعقل جميع الناس فحسب، وإنما هو الصادر الأول والظهور الكامل للعقل الكلي.
إذن يعد أحب الناس لله، أعقلهم أيضاً، فيتحد في وجود هذا الإنسان الكامل، العشق ـ الذي يمثل ذروة الحب ـ والعقل معاً، ويزول الاختلاف والتقابل تماماً.
واتحاد العقل والعشق في المراحل العالية التي تتجسد أكمل مراتبها في شخص الرسول (ص)، ليس بالأمر الخافي، بل نجد هذا الاتحاد والانسجام منعكساً في كلام الله تعالى في صيغة الوحي النازل على قلب الرسول (ص).
ولا بد من الإشارة إلى أن القرآن الكريم لم يستخدم مفردة «العشق» وإنما استخدم مفردة «الحب» ومشتقاتها. ولا يخفى على أرباب المعرفة بأن ما يستشف من مفردة الحب هو ذات الشيء الذي تدل عليه كلمة «العشق». وقد قال أحد الشعراء الظرفاء في ذلك:
ليس فرق بين الحب والعشق
فالشام ليست سوى دمشق
فالحب الشديد والذي يعادل العشق، قد ورد في القرآن الكريم كصفة من صفات المؤمنين: «أشدّ حباً لله».
إذن إذا كان «الحب الشديد» قد طُرح في القرآن الكريم كأحد الكمالات العالية، فقد طرح التعقل والتفكر وإدراك الحقائق فيه وبمختلف التعابير ككمال عال أيضاً. واستخدم القرآن الكريم شتى أنواع العبارات التي يتحدث فيها عن إدراك الأمور وبلوغ مقام المعرفة، والتي يمكن عدها طرق المعرفة وأهم هذه الطرق هي:
1 ـ الحواس الظاهرية كالسمع والبصر.
2 ـ العقل.
3 ـ القلب.
4 ـ الفؤاد.
5 ـ اللب.
طبعاً بعض هذه العناوين واسع جداً بحيث يشمل عناوين فرعية أخرى. ولو تأمل أحد في القرآن الكريم لأدرك مدى الأهمية التي يوليها هذا الكتاب السماوي لحواس الإنسان وكيف يعتبر عدم الاستخدام الصحيح والمعقول لها، أمراً موجباً للضلال وسوء العاقبة.
ومن خلال التأمل في الآيات القرآنية وإنعام النظر فيها، ندرك عدم وجود أي فاصل أو ثغرة بين الإدراكات الحاصلة من الحواس وما يمكن أن يدرك عن طريق العقل والقلب والفؤاد. فطالما وضع القرآن الكريم الإدراكات الحسية إلى جانب الإدراكات العقلية والقلبية، وهذا ما يمكن ملاحظته في الآيات التالية:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾)[384](.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً﴾)[385](.
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ﴾)[386](.
نلاحظ في هذه الآيات كيف وضعت الإدراكات المستحصلة على طريق العين والأذن، إلى جانب الإدراكات العقلية والقلبية، وكيف تؤدي الغفلة عن التأملات العقلية والقلبية إلى نفس النتائج الوخيمة التي تؤدي إليها الغفلة عن الإدراكات الحسية.
يستنتج بعض المفكرين المسلمين عن اقتران العين والأذن بالعقل والقلب في هذه الآيات وغيرها، مدى أهمية المعرفة المتحققة عن طريق العين والسمع، إلى جانب المعرفة الوجدانية المستحصلة من خلال القلب والعقل. فكيف بمقدور الإنسان أن تكون لديه معرفة بذاته وعلاقته بالوجود، دون أن تكون لديه معرفة بالطبيعة التي تحيط به، ودون أن يكون لديه علم بماضيه؟
اقتران العين والأذن بالعقل والقلب في الآيات القرآنية يعلمنا أمراً آخر وهو أن طريق الوصول إلى معرفة العالم يمكن أن يبدأ من طريق معرفة الحواس. فالعقل ومن خلال الهيمنة التي لديه على الإدراكات الحسية بمقدوره أن ينتقل من المحسوس إلى المعقول. فتكمل معرفة الإنسان بالعالم والوجود من خلال هذه الحركة التصاعدية.
ففي نظام المعرفة القرآنية لا يمكن الانتقال من المحسوس إلى المعقول فقط، بل يقع كل ما هو معقول، ضمن دائرة الوجدان والإدراك القلبي أيضاً.
كلمة «القلب» مستعملة في القرآن الكريم بصيغة المفرد والجمع، وطالما نسبت إليها عملية الإدراك. وهناك أيضاً بعض الاستعمالات التي تشفّ عن أن القلب مصدر الإيمان والخشوع والتقوى، أو الوجدان والعاطفة والإرادة.
إذن يمكن القول إن هناك أمرين أساسيين مشتركين بين جميع تلك الأشياء التي يمكن أن يكون لديها ارتباط بالقلب، وهما:
1 ـ العلم والإدراك وكل ما يعد من شؤون المعرفة.
2 ـ الإيمان والوجدان والعاطفة وكل ما له صلة بها.
ويعتقد أبو طالب المكي ـ وهو من كبار العرفاء ـ أن القلب لديه إذن وعين ولسان وحاسة ذوق، ويقول بأن ذلك الجزء من الخاطرات الواقعة في أُذن القلب يدعى بـ«الفهم»؛ وما يجري في لسان القلب عبارة عن الكلام الذي يعد ذوقاً، وما يقع في شامّة القلب عبارة عن العلم الذي يمكن أن يعد عقلاً مكتسباً عن طريق التزاوج مع العقل الغريزي)[387](.
ويشير الحكيم الترمذي ضمن هذا الإطار إلى أمر ذي أهمية كبيرة وهو أن الله تعالى خلق لقلوب الناس درجات تتصل بها درجات العلم ومراتب المعرفة. وكلما كان العلم أكبر، كلما كان في القلب أقوى وأخفى.
وعلى ضوء الفكرة هذه يمكن القول بأن الإنسان لديه درجات مختلفة ومقامات عديدة تتناسب كل درجة مع نوع من أنواع العلم.
وأثار عارف آخر هذه الفكرة بالصور التالية:
قلب الإنسان لديه قلب أيضاً. وفي قلب القلب يصل العبد إلى السكون والاطمئنان بين يدي الله تعالى. وهذا المقام هو ذات المقام الذي يعبر عنه أهل المعرفة بـ«سر السويداء»)[388](.
ويشبه سهل الشوشتري ـ وهو من كبار العرفاء أيضاً ـ القلب بالبحر، ويفسر كلمة «البحر» الواردة في الآية الكريمة ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ بالقلب، ويقول بوجود جواهر مختلفة في بحر القلب كجوهر الإسلام والإيمان، وجوهر المعرفة والتوحيد)[389](.
وتحدث علماء الأدب واللغويون عن القلب بطريقة ليست مختلفة كثيراً عن لغة العرفاء. فقد قال ابن منظور بأن القلب هو العقل، وقال الفراء بأنه الفهم والتدبير. وشط عنهما الجاحظ حيث حصر معنى القلب في حفظ المعلومات ووصفه بأنه يحفظ خزانة الخاطرات والأسرار، فضلاً عن حفظه للمحسوسات الحسنة والقبيحة ونتائج الرغبات والعلم والحكمة)[390](.
وإذا ما علمنا بأن حفظ المعلومات مسبوق بفهمها وإدراكها، أدركنا أيضاً أن الجاحظ يعتقد أيضاً بدخول الفهم والتدبير في معنى القلب.
وكلمة القلب ليست هي الوحيدة التي تدل على العقل والفهم والتدبير، وإنما تدل كلمتا «اللبّ» و«الفؤاد» على هذه المعاني إلى حد ما أيضاً. فابن منظور قد فسر «اللب» بـ«العقل»، وقال أيضاً بأن لب كل شيء ولبابه: خالصه وخياره.
وقال البعض بأن «اللب» يطلق على العقل الخالي من الشوائب والأوهام، ولذلك يعد كل لب عقلاً، ولا يعد كل عقل لباً. ولذلك قال الله تعاى في القرآن الكريم: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾)[391](.
ويشفُّ مضمون هذه الآية عن أن معنى «اللب» هو نوع من العقل الممتاز المتفوق على سائر العقول.
والوضع على هذا المنوال أيضاً في كلمة «الفؤاد». فقال عبد الواحد اللغوي بأن القلب اسم جاء بمعنى الفؤاد ويستخدم بمعنى العقل أيضاً)[392](.
إذن إذا كانت كلمتا القلب والفؤاد تدلان على معنى العقل والفهم، يمكن أن ندرك بسهولة معنى الآية التالية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾)[393](. أي أن أهل التذكر، هم الذين لديهم العقل والإدراك.
ويرى بعض كبار رجال التصوف بأن مقام الفؤاد أسمى من مقام القلب، ويعد معدن نور المعرفة والشهود.
ويبدو أن هؤلاء قد تأثروا في رأيهم هذا بالآية القرآنية التالية ﴿مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى﴾)[394](. أي أن «الفؤاد» عند كبار أهل التصوف عبارة عن مقام الرؤية والشهود، و«القلب» مقام العلم والمعرفة.
هؤلاء يرون: ما لم تتحقق الرؤية والشهود عند «الفؤاد»، فليس بمقدور «القلب» الانتفاع بعلومه.
الحكيم الترمذي ومن أجل إثبات ما ذهب إليه يقول إن الأعمى ومهما كانت المعلومات التي لديه ترفض شهادته من قبل الحاكم، وذلك لكونه أعمى ولم تنفعه ضمن هذا الإطار جميع المعلومات التي لديه)[395](.
إذن أراد الحكيم الترمذي من خلال هذا المثال أن يؤكد على عدم فائدة العلم إذا لم يصل بالإنسان إلى مقام الشهود والرؤية. ولذلك عد بعض المتصوفة كلمة «الفؤاد» مشتقة من «الفائدة»، وقالوا بأن الذين يصلون إلى مقام «الفؤاد»، يشاهدون فوائد حب الله ويقطفون ثمار هذا الحب.
ويستند الحكيم الترمذي إلى آيتين من القرآن الكريم للبرهنة على التفاوت بين مقامي «القلب» و«الفؤاد». الآية الأولى تتحدث عن أصحاب الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾)[396](، والثانية تتحدث عن أم موسى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾)[397](.
يرى الحكيم الترمذي أن أصحاب الكهف كانوا في مقام القلب، وبما أن مقام القلب مقام العلم، فلن يتحقق العلم بدون ربط. ولذلك تحدث الله تعالى عن ربطه لقلوبهم بنور التوحيد. أما بالنسبة لأم موسى فإنها كانت في مقام الفؤاد، وبما أن هذا المقام مقام الرؤية والمشاهدة، فقد وصف بفراغ الفؤاد. وتدل كلمة «فارغ» في الآية على عدم الحاجة إلى الربط والمقدمات في هذا المقام. وعدم الحاجة إلى الربط معناه التمتع بنوع من الفراغ.
مما سبق يمكن أن نستنتج بأن ما ورد في آثار أهل التصوف تحت عناوين «القلب»، و«الفؤاد»، و«اللب»، عبارة عن طرق للمعرفة، حظيت بالتأكيد القرآني.
الحارث المحاسبي ـ من كبار الشخصيات العرفانية ـ يولي أهمية كبيرة للعقل ويعتبره جوهر الإنسان، ويقول:
«لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان عقله، وجوهر العقل توفيق الله»)[398](.
ويقول سهل الشوشتري (التستري):
«لا يصلح الكون إلا بالعقل»)[399](.
وهناك عبارات مهمة أخرى للشوشتري في العقل كالقول التالي:
«إنه عقل من عقل إلى عقل».
أي أن العقل يبدأ من العقل وينتهي إلى العقل. وقال البعض في تفسير هذه العبارة هو أن العقل يتكامل عن طريق التجربة فيحصل لديه علم بما هو غير موجود مما هو موجود.
وتحدث أبو الحسين النوري ـ وهو من كبار الشخصيات العرفانية ـ بطريقة أخرى عن العقل وذلك حينما سئل عن الطريق الذي عرف به الله، فقال: عرفت الله بالله. فقيل له: وماذا عن العقل؟ فقال: العقل عجز لا يدل إلا على عجز مثله.
فالنوري يرى أن العقل لا يعرف الله تعالى إلا بعون الله. ويعتقد بأن الفريضة الأولى التي فرضها الله على عباده هي فريضة المعرفة، حيث ورد في القرآن الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾)[400](.
وفسر ابن عباس كلمة «ليعبدون» بـ«ليعرفون».
أبو الحسن النوري يعتبر العقل مدار المعرفة، ويعده أول مخلوق إلهي، إلا أنه يؤكد في ذات الوقت على أن العقل إذا لم يشع فيه نور الوحدانية، فلن يستطيع بلوغ كعبة الآمال ولن يدرك المبدأ.
هذه الفكرة عبر عنها العارف المعروف الحسين بن منصور الحلاج بالبيتين التاليين:
لا يعرف الحق إلا من يعرفه
لا يعرف القدمي الحادث الفاني
كان الدليل له منه إليه به
من شاهد الحق في تنزيل قرآن)[401](
ومن شعر الحلاج هذا نفهم أن الله تعالى لا يُرى إلا بعين الله. وعليه ما لم يصل السالك إلى مقام الفناء، وما لم ينظر إلى الحق بعين الحق، فلا يمكن عده من أهل المشاهدة.
الذي يشاهد الحق بعين الحق، لا يشاهد الحق بعينه فقط، وإنما يسمعه بإذن الحق، ويبينه بلسان الحق أيضاً. ولا يصدق هذا الكلام على الأذن والعين واللسان فقط، وإنما يصدق حتى على وجود السالك أيضاً.
فكرة وحدة الوجود، ملاحظة بشكل متكرر في الآثار الشعرية والنثرية المنسوبة للحلاج، وكذلك في الشطح الشهير الذي خلفه. ولم يكن الحلاج هو الوحيد الذي تحدث عن وحدة الوجود، بل هناك عرفاء آخرون تحدثوا بطريقة وأخرى عن وحدة الوجود أو وحدة الشهود، وواجهوا على هذا الصعيد الكثير من المشاكل التي لا تطاق. وتلاحظ فكرة «وحدة الوجود» في آثار الحكماء والفلاسفة المسلمين، وقد ناقشها كل منهم من وجهة نظر خاصة.
ابن سينا، اقترب من هذه الفكرة خلال عرضه لبرهان الصديقين في إثبات وجود الله تعالى. واكتسب هذا البرهان أهمية خاصة بين الحكماء المسلمين، وسعى كل واحد منهم لتقرير هذا البرهان طبقاً للموقف الفكري الذي كان عليه. ونحن نعلم أن برهان الصديقين لا معنى له بدون القول بنوع من وحدة الوجود.
ومن الجدير ذكره هو أن القول بتباين الوجودات لا يحظى بتأييد كبير من قبل كبار الفلاسفة المسلمين. ويمكن أن يقال على هذا الضوء بأن مواقف كبار الفلاسفة المسلمين تكاد تكون واحدة من مواقف كبار العرفاء المسلمين، في هذه الفكرة.
ولا شك في أن مسألة الوجود ووحدته، من المسائل الأساسية في الفلسفة، وإنكار الوجود معناه إنكار الفلسفة. ومثلما حظيت هذه المسألة بالاهتمام من خلال المشاهدات والمكاشفات العرفانية والقلبية، حظيت بالاهتمام أيضاً من خلال الجهود العقلية والفلسفية. وتم التوصل من خلال هذين الطريقين إلى الكثير من الحقائق. ولربما يكمن التقارب بين الكثير من العرفاء والفلاسفة، في هذا الأمر بالذات.
صحيح أن الفلاسفة المسلمين يطالعون قضايا الوجود من خلال عين العقل والاستدلال، إلا أنهم لم يتجاهلوا عين القلب والشهود وعالم الحضور، لأنهم يعتبرون الإنسان موجوداً ذا عينين. فهم يقولون بالتشكيك في الوجود من جهة ويعتبرون المعرفة ذات مراتب ومراحل من جهة أخرى. وفي هذه النقطة بالذات تقترب الفلسفة الإسلامية من العرفان، وينسجم الكثير من الفلاسفة مع بعض العرفاء.
أولئك الذين ينظرون إلى الوجود بعين واحدة ولا يبصرون مختلف درجات المعرفة ومراتبها، يوجهون الانتقاد للفلاسفة المسلمين، ويعيبون عليهم اقترابهم من العرفاء)[402](.
لا بد من الالتفات إلى أن المعرفة، من سنخ الحضور والظهور؛ وما هو من سنخ الحضور والظهور، يساوق الوجود. ومعنى مساوقة المعرفة للوجود هي أنهما إذا كانا مختلفين من حيث المفهوم، فإنهما متحدان في المصداق. وفي مثل هذه الحال بإمكاننا أن نقول: إذا كانت المعرفة مساوقة للوجود، فإن التشكيك في الوجود والاعتراف بوجود مراتب مختلفة له، يستلزم أن تكون المعرفة ذات مراتب أيضاً. ولو حدث اعتراف بمراتب المعرفة ودرجاتها، لأصبح الاختلاف بين العرفاء والفلاسفة اختلافاً غير جوهري ولا ذاتي، ولتحقق الوئام بين هذين الفريقين.
صحيح أن العرفاء ينتقدون الفلاسفة وهناك اختلاف بين الفريقين، غير أن هذا الاختلاف يبقى حينذاك مجرد اختلاف على صعيد مراتب المعرفة ودرجاتها. أي اختلاف على هذه الدرجة من المعرفة أو تلك وليس على أصل وجود هذه الدرجات أو عدم وجودها. والاختلاف في الدرجات أمر غير قابل للإنكار.
أما أولئك الذين يعتقدون بوحدة المعرفة، يعتبرون هذا الاختلاف في درجات المعرفة اختلافاً تشكيكياً ومن لوازم الوحدة، أي أنهم يشاهدون الوحدة في عين الكثرة.
كبار رجال العرفان الإسلامي ورغم انتقادهم للفلاسفة منذ القدم، إلا أنهم يعتبرون العقل لطيفة ربانية وسلطان إقليم الوجود الإنساني.
تحدث عن أهمية العقل عدد كبير من العرفاء كالحكيم الترمذي، والحارث المحاسبي، وسهل الشوشتري، وذي النون المصري، والجنيد البغدادي، والكلاباذي، والقشيري، معتبرينه لطيفة ربانية وحاكماً على مملكة جسم الإنسان.
ويعبر عن هذه اللطيفة الربانية في الشرع الإسلامي بالروح أحياناً، وبالعقل في أحيان أخرى، وبالنفس والقلب في بعض الأحيان.
إذن فالإنسان لديه ظاهر وباطن، ويتمتع بالغيب والشهود. وأهم آثار الباطن والغيب، هو ما يعرف بالعلم والإدراك والمعرفة.
وهكذا نستنتج بأن العرفاء والصوفية ليسوا من أعداء العقل قط، ولم تحظ آراؤهم وكلماتهم على هذا الصعيد بالدراسة على الوجه الصحيح. وإذا ما لوحظ في آثار هذا الفريق نوع من الذم للعقل، فمرادهم هو ألا يبقى العقل ضمن حدود الغريزة وألا يتقيد بقيود مصالح هذا العالم ومنافعه. أما إذا لم يتقيد العقل بهذ القيود ولم يخضع للأهواء النفسانية والأمور التافهة، فإنه ليس لا يذم فحسب وإنما يعد لطيفة ربانية أيضاً ومصدراً لتعالي الإنسان وتكامله.
ولا بد من الانتباه إلى أن عبارات أهل المعرفة واصطلاحاتهم، دقيقة جداً وقائمة على أساس سلسلة من الأصول والمعايير المعتبرة.
إن إطلاق تعبير «لطيفة ربانية» على العقل، يكشف عن أن العقل ليس موجوداً جامداً، وإنما هو مرن وسيال. ويظهر اتساع العقل في صدر الإنسان، هذا الصدر الذي وصفه القرآن بصفتين: إيجابية، وسلبية، وهما صفة الانشراح، وصفة الضيق. فقد وصف القرآن الكريم الرسول محمداً (ص) بصفة انشراح الصدر حينما قال في الآية الأولى من سورة الانشراح ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. وهناك العديد من الآيات التي تتحدث عن ضيق الصدر أيضاً.
ولا يخفى على أهل البصيرة بأن صدر الإنسان ميدان حرب وصراع بين العقل والغرائز. أي أن صدر الإنسان درجة من القلب يتصارع فيها كل من العقل والأهواء النفسانية. ولهذا السبب ينسب الانشراح والضيق إلى الصدر، في حين لا توصف سائر درجات القلب ومقاماته بهاتين الصفتين.
وإذا سلمنا بأن صدر الإنسان ميدان للنزاع بين العقل والغرائز الحيوانية لا بد من الاعتراف أيضاً بأن ضيق الصدر تعبير عن الجهل، وشرح الصدر تعبير عن العلم.
وأشارت الأحاديث المأثورة إلى جنود الجهل وجنود العقل والحرب القائمة بين هذين المعسكرين. ومن هذا ندرك أن شرح الصدر، على صلة بالعقل والمعرفة، وضيق الصدر، على صلة بالجهل ويدل عليه.
وليس هناك شك في حالة الصراع والمواجهة المستمرة بين شرح الصدر وضيق الصدر، ولكن الشيء الذي لا بد من التأكيد عليه هو أن شرح الصدر، عملية غير محدودة، وبإمكان الصدر أن ينشرح على حساب الجهل حتى لا يدع مكاناً له.
على ضوء هذه الفكرة ندرك لماذا يعتبر أهل المعرفة العقل لطيفة ربانية. فهم يعلمون أن العقل سيال ومتسع بمقتضى لطافته الذاتية، ولديه الاستعداد لاستقبال إشراقات الأنوار الإلهية التي لا حدود لها.
طبعاً يقاس شرح الصدر وسعة القلب عند كل إنسان، بمقدار عقله ومعرفته، كما يقاس ضيق الصدر بمقدار ما لديه من جهل.
ولا بد من القول على هذا الصعيد بأن كلمة «العقل» لم تأت في القرآن الكريم في صيغة اسمية أو مصدرية، وإنما وردت في صيغة فعلية وفي مواضع عديدة. طبعاً هناك العديد من الكلمات القرآنية، مستخدمة في معنى قريب من معنى العقل مثل «التفكر»، و«التدبر»، و«العلم»، و«النظر»، و«الإدراك» و«البصيرة».
أبو البركات البغدادي ـ وهو فيلسوف شهير من أصل يهودي ـ يقول في كتابه «المعتبر» أن كلمة العقل لا تدل سوى على العقل العملي لأنها مستخدمة في اللغة العربية بمعنى المنع والعقل، وكلمة العقال تعني شد ركبة البعير)[403](. وحينما يعقل البعير يمنع من النشاط والحركة. والعقل كذلك بمقدوره منع نفس الإنسان المتمردة عن الأعمال التي تقتضيها الشهوة والهوى.
ولا يبعد كلام أبي البركات هذا عن الصواب وقد يعد معتبراً على ضوء المعاني اللغوية للعقل في اللغة العربية، ولكن لو أنعمنا النظر في الاستخدامات القرآنية لمشتقات كلمة العقل لاتضح لنا أن هذه الكلمة تدل على أعمق المعاني الفكرية والأبعاد النظرية للفكر.
والتفت الفيلسوف الإسلامي «ابن رشد» لهذه الملاحظة وسعى لإثبات أن القرآن ليس لا يعارض الأفكار الفلسفية فحسب، وإنما يدعو إلى التفكير الفلسفي العميق أيضاً.
وليس الفلاسفة هم وحدهم الذين ينطلقون من الآيات القرآنية نحو الأفكار المنطقية والفلسفية، وإنما طوى ذات هذا الطريق الكثير من كبار العرفاء أيضاً وكتبوا آثارهم بالأسلوب العقلي والمنطقي.
فالحارث المحاسبي ـ عارف القرن الثالث الهجري الكبير ـ لديه آثار كتبها بالأسلوب العقلي المنطقي، ويمكن أن تعد نموذجاً لأهل الفكر والمنطق. وفضلاً عن أنه كان يتحدث وفق الموازين العقلية والمنطقية، كان يوصي الآخرين أيضاً بتحاشي التطرف في الحب والبغض، وألا يحجبوا وجه الحقيقة بحجاب الأحاسيس والعواطف العمياء.
يؤكد المحاسبي على أن التطرف في الحب والبغض يقضي على حالة الاعتدال ويفسد العقل ويغطي الباطل بغطاء الحق. كما أنه يعتبر الغرور عائقاً أمام الإدراك وينظر إلى نزعة الإنسان نحو الانتصار كعامل من عوامل جره إلى وادي الجدل وسبباً يدفعه لعدم الاعتراف بما هو حق)[404](، المحاسبي يتحدث في آثاره من منطلق منطقي وعقلي، ويدعو مخاطبيه إلى التأمل في الأمور وتدبرها.
ومما يجدر ذكره هو أن هذا العارف الكبير كان يعيش في القرن الثالث الهجري. وكان الطابع الغالب على عرفاء هذا القرن هو التحدث بمثل هذا الأسلوب. وجميع الآثار والكتب التي صنفت في هذا القرن كانت تحتوي على أفكار جديدة تشف عن نوع من النزعة نحو العقل والمنطق. ففي الكتابات العرفانية لهذا العصر، أخذ الحديث يدور لأول مرة عن ماهيات الأشياء، كالتفاوت مثلاً بين ماهية العجب وماهية التكبر. وتغيرت الأوضاع الاجتماعية في هذا القرن وتمهدت الأرضية لظهور الأفكار.
في القرن الثالث الهجري دخل التصوف في مرحلة جديدة وأصبح مقترناً بنوع من العقلية والمنطقية. وهذا لا يعني أن التصوف أو العرفان غريب على الإسلام، بل معنى هذا الكلام هو أن المتصوفة حصلوا في هذا العصر على أدوات جديدة أصبح بمقدورهم من خلالها التعبير عن تجاربهم الباطنية والمعنوية بطريقة أوضح.
البعض يرى أن التجربة الصوفية فريدة من نوعها ولا نظير لها، والاختلاف بين صوفي وآخر يقتصر على أسلوب التفسير لهذه التجربة. طبعاً، الاختلاف في التفسير أو التباين في التعبير، على علاقة بالاختلاف في الثقافات. ومهما قيل على هذا الصعيد فلا ريب في الأمر التالي: إن للعرفان أو التصوف وكل ما له علاقة بالحياة المعنوية، جذوراً قرآنية، كما يمكن ملاحظة ملامحه في سيرة الرسول (ص) وائمة أهل البيت (ع).
وإذا قبل أحد بوجود الجذور العرفانية في القرآن، فليس بمستطاع أحد أن يتهم العرفاء بمعاداة العلم. بينما ثمة من يتهم العرفاء والصوفية بهذه التهمة ويصفهم بأنهم أعداء ألداء للعقل، مستندين ضمن هذا الإطار بعبارات لهم تحمل في ظاهرها المعارضة للعلم والعقل.
والحقيقة هي أن العرفاء حينما يذمون العلوم، يريدون بها العلوم التي تقف في مقابل علم الباطن وتوصد باب السلوك المعنوي. فالعلم إفراز عقلي؛ والعقل عند العرفاء لطيفة ربانية ومشرق المعرفة.
فإذا كان المحاسبي كعارف كبير يكتب رسالة في فهم القرآن ويتحدث فيها بلغة العقل، في القرن الثالث الهجري، فقد ظهر في القرون التالية عرفاء كجلال الدين الرومي (المولوي) الذي وصف العقل بمشرق أنوار المعرفة)[405](.
جلال الدين الرومي يعتقد أن روح الإنسان تستأنس بالعقل والعلم، وتعتبر كل ما عدا هذين العنصرين الشريفين غريباً)[406](.
صحيح أن الرومي قد انتقد العقل في بعض شعره وعدّ قدم الاستدلال العقلي خشبية وضعيفة، غير أنه يعتبر أساس العقل محكماً وقوياً، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بالعقل الكلي.
العقل قابل للتقسيم إلى جزءين: كلي، وجزئي. والعقل الكلي هو العقل الذي يراه جلال الدين الرومي أساساً لجميع الأمور. أما «قصة الفيل» التي أوردها في شعره واختلاف الناس في ماهية ذلك الفيل، فهي إشارة إلى العقل الجزئي. ففي هذه القصة يتصور البعض أن الحس عامل المعرفة،غير أن هذا الحس ـ والذي يتصل بالعقل الجزئي ـ أوقعهم في أخطاء فاحشة حينما اختلفوا في معرفة الفيل في الظلام الدامس، لأنهم لم يتمكنوا من مشاهدته ككل، وإنما اعتمدوا على أيديهم في الحدس، غير أن يد كل منهم كانت تقع على عضو من أعضائه، ولذلك كان يعطي كل شخص رأيه وفق التصور الذي يحدث لديه عن الجزء الذي تلامسه يده.
هذه التصورات الخاطئة، هي التي يطلق عليها الرومي اسم العقل ـ أي العقل الجزئي ـ ويوجه لها الانتقاد)[407](.
إذن فالاختلافات ناشئة من العقل الجزئي. ولو أفلح المرء في الاتصال بالعقل الكلي لصان نفسه من الوقوع في الخطأ.
دراسة آثار أهل العرفان والتصوف تكشف عن عدم مخالفتهم للعقل. وإذا ما شوهدت مثل هذه المخالفة، فالمعني بها هو العقل الجزئي والعقل النفعي.
في القرن الثالث الهجري ظهر ـ كما قلنا ـ نوع من التصوف المزيج بالتفلسف. كما اقترب الفلاسفة من أهل العرفان وظهر بين الطائفتين نوع من التعاطف.
الرجوع إلى آثار كبار فلاسفة العالم الإسلامي كالفارابي وابن سينا، يكشف عن أن هؤلاء لم يكونوا غافلين عن القضايا العرفانية المهمة، في ذات اهتمامهم بأمهات المسائل الفلسفية. ويصدق هذا الكلام على كبار عرفاء العالم الإسلامي أيضاً، لأنهم، ورغم بلوغهم أسمى مقامات السلوك، كانت لديهم اهتمامات بأهم القضايا الفلسفية.
ولسنا نروم الحديث عن التصوف الفلسفي أو الفلسفة العرفانية، ولكن من الضروري الالتفات إلى الأمر التالي وهو أن الكثير من الفلاسفة كانوا على معرفة بالطريقة العرفانية، وكانوا من أهل السير والسلوك إلى حد ما.
والكثير من كبار العرفاء، ورغم أنهم لم يكونوا من الفلاسفة رسمياً، إلا أنهم لم يجدوا حرجاً في عرض الأفكار الفلسفية العميقة.
ولا يعني هذا الكلام أن بالإمكان الوصول إلى الحقائق العرفانية عن طريق الفلسفة، لأن الفلسفة لا توصل إلى الحقائق العرفانية. كما لا يمكن حل المسائل والمعضلات الفلسفية بواسطة العرفان، لأ، العرفان لديه مواضيعه الخاصة التي تختلف عن مواضيع سائر العلوم.
ورغم ذلك هناك نوع من التعاطف والتجاوب بين كبار الفلاسفة والعرفاء في العالم الإسلامي، لا يمكن تجاهله. ولا شك في أن هناك العديد من العوامل التي أدت إلى ظهور هذه الحالة لا مجال لذكرها. ولا شك كذلك في ترتب الكثير من الآثار عليها ولا ينبغي تجاهلها.
هذا التجاوب الحاصل انتفع به الكثير من الفلاسفة كالسهروردي في الحكمة الإشراقية، وصدر المتألهين الشيرازي في الحكمة المتعالية، وساعد على إغناء أساليبهم الفكرية.
ولا بد من التأكيد على الحقيقة الأخرى التالية وهي: إذا كان هناك بعض التجاوب الفكري بين العرفاء والفلاسفة في العالم الإسلامي، كان هناك ايضاً اختلاف كبير أيضاً بين الطائفتين ليس بمستطاع أحد تجاهله.
الكثير من العرفاء يعتقدون أن المعرفة موهبة إلهية، يهبها الله تعالى بفضله للسالكين. في حين يذهب الفلاسفة إلى ضرورة العمل والسعي من أجل تحصيل المعرفة، ويعتقدون بعدم استطاعة أي أحد بلوغ درجة المعرفة بدون مثل هذا العمل والمثابرة. ونجد بين أهل العرفان أيضاً من يرى ضرورة العمل لبلوغ مقام المعرفة رغم عدم إنكار حقيقة كون المعرفة هبة إلهية.
يُعد أبو سعيد الخراز أحد الذين يأخذون بهذه الفكرة الأخيرة. فيرى أن مقام المعرفة وإن كان موهبة إلهية، غير أن من الضروري أن يعمل الإنسان من أجل بلوغه. وله على هذا الصعيد عبارة رائعة يقول:
«المعرفة تأتي من وجهين: من عين الجود، وبذل الجهود»)[408](.
وينقل لنا الحارث المحاسبي حادثة طريفة وتربوية خلاصتها أنه ألف كتاباً في المعرفة وأُعجب فيه. وفيما كان يلقي نظرة إعجاب واستحسان عليه، دخل عليه شاب رث الثياب وسأله: هل المعرفة، حق الله على الخلق أم حق الخلق على الله؟ فأجابه: المعرفة حق الله على الخلق. فقال له الشاب: إذن من الأولى أن يهب الله معرفته لمن هم جديرون بها. فعدل المحاسبي عن إجابته وقال: بل هي حق الخلق على الله. فقال له الشاب: الله أعدل من أن يظلم خلقه.
فاضطرب المحاسبي وهب مسرعاً فأحرق ذلك الكتاب وعاهد نفسه على ألا يتحدث عن المعرفة قط)[409](.
طبعاً حينما قال الحارث المحاسبي بأن المعرفة حق الله على الخلق، اعترض عليه الشاب قائلاً إذا كان الأمر كذلك يلزم من هذا أن تكون المعرفة موهبة إلهية، ولا معنى حينذاك لأي عمل وجهد لتحصيلها. وحينما عدل الحارث عن إجابته وقال بأنها حق الخلق على الله، اعترض عليه الشاب وقال: يلزم عن هذا الكلام أن يهب الله المعرفة لجميع الناس، ولو حُرِم منها أحد عُدّ هذا الحرمان ظلماً، والله لا يظلم أحداً.
وللعارف البغدادي الشهير الجنيد بن محمد (ت 297هـ) عبارة رائعة في المعرفة جاء فيها:
«المعرفة معرفتان: معرفة تعرّف، ومعرفة تعريف»)[410](.
ومعرفة التعرف هي أن يكشف الله تعالى عن آثار قدرته في الآفاق والأنفس للناس، ثم يتلطف عليهم كي يدركوا عن هذا الطريق أن العالم ليس بدون صانع، وهذه المعرفة هي ذات الشيء الذي يتمتع به عامة المؤمنين. أما المعرفة من النوع الأول فهي خاصة بالخواص. وفي ظل هذه المعرفة يتضح كل شيء للإنسان بفعل تنوره بنور الله تعالى.
الاهتمام بما سبق يكشف عن طبيعة موقف العرفاء إزاء موضوع «المعرفة» وما هي آراؤهم فيه. هؤلاء قد أدركوا بوضوح أن المعرفة ليست مبدأ ومنشأ لجميع الأمور فحسب، وإنما هي غاية الغايات أيضاً.
وهناك اختلاف في الطريقة التي يمكن بها الوصول إلى مقام المعرفة، وثمة آراء كثيرة في هذا المجال، وليس من السهل التوصل إلى قدر جامع بينها.
ورغم ذلك عقدتُ العزم على السير في هذا الطريق الشائك المحفوف بالمخاطر، وذلك من خلال التوكل على الله والتطلع إلى فضله ورحمته.
انبريتُ خلال هذا الطريق الطويل لمطالعة كتاب عقل الفلاسفة، وإنعام النظر في آيات عشق العرفاء والمتصوفة.
طبعاً يعتقد بعض رجال العرفان أنه لا يمكن الوصول إلى محتوى آيات العشق عن طريق مطالعة كتاب العقل. ولكن ينبغي الالتفات من جانب آخر إلى الأمر التالي وهو أن العشق ينشأ من نفس الموضع الذي ينشأ منه العقل. وإذا كانت وحدة المصدر قادرة على الكشف عن وحدتها فيما هو صادر منها، فيمكن أن نُشيّد أملاً على وحدة العقل والعشق ونلاحظ نوعاً من الارتباط بين الاثنين بفضل الإمارات التي لدى كل منهما عن المبدأ.
صحيح أن العشق لا ينسجم مع العقل، ويقف في مجابهته دائماً، ولكن لو اعتبرنا العشق في هذا العالم مظهراً لحب البارئ تعالى، فالعقل في هذا العالم مظهر لعلم الله أيضاً.
ولو علمنا بأن الصفات الإلهية جميعاً، بما فيها «المحب»، و«العالم» متحدة فيما بينها في نفس الوقت الذي تتحد فيه بالذات الإلهية، فلا بد من الاعتراف بوجود نوع من الانسجام والارتباط بين مظاهر هذه الصفات.
صحيح أن بعض الصفات الإلهية تُعد متقابلة مع البعض الآخر. غير أن هذه الصفات المتقابلة مستغرقة في الوحدة الإطلاقية، و«العشق» و«العقل» ورغم أنهما صفتان متقابلتان دائماً، لكنهما تُعتبران من صفات الإنسان الخاصة، وصفات الإنسان مستغرقة في وحدته الإطلاقية الظلية.
أي يُعد العقل إنسانياً بمستوى إنسانية العشق. ولا يوجد موجود عاقل غير الإنسان، كما لا يوجد موجود عاشق غيره أيضاً. والميزة الأساسية للعشق هي أن العاشق لا ينظر سوى إلى معشوقه ولا يعير أهمية لأحد غيره. ويتميز العقل بهذه الميزة أيضاً ولا يفكر سوى في معقوله فقط. ومما يقع في دائرة إدراك العقل هو المعقول؛ والمعقول متحد بالعاقل دائماً. والعقل لديه الاستعداد الكافي لتجزئة كل شيء وتحليله وتحديد موقعه.
وضمن هذه العملية يقوم العقل بتمييز المعقول عن غير المعقول، فيسقط كل ما هو غير معقول من درجة الاعتبار. والعشق هو الآخر يُحرق كل شيء ولا يُبقي على أحد سوى «الحبيب».
إذن مثلما لا تود العين رؤية أي احد عدا الحبيب، كذلك العقل لا يقيم اعتباراً لأي شيء عدا المعقول.
العشق يبعث جواباً سلبياً لكل ما هو غير المعشوق، ويزيح كل شيء عداه عن طريقه. أما العقل فيسعى كي يجعل غير المعقول معقولاً وإدخاله إلى دائرتهِ لغةَ العشقِ لغةً سلبيةً، بينما يتحدث العقل بلغة السلب ولغة الإيجاب. والعشق ينظر دائماً من منظار التنزيه، غير أن العقل يهتم بالتنزيه والتشبيه.
العشق والعقل، ساحتان أساسيتان من سوح وجود الإنسان، وتعتمد عليهما ماهيته. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي حمل على عاتقه ثقل الأمانة المرهق، وتُعد القدرة على تحمل هذا العبء الثقيل من آثار العقل والعشق معاً. فمثلما تتحقق عظمة الإنسان من خلال العقل والعشق، تتحقق سعادة أو شقاء الإنسان أيضاً في ظل هذين العنصرين.
الملاحم العظيمة التي سطرها الإنسان بواسطة العشق، باعثة على الدهشة، كما أن الآثار الفكرية والثقافية التي أفرزها عقله، باعثة على الإعجاب والحيرة.
نحن لا نريد التحدث عن تقدم أي منهما عن الآخر، ولكن لا بد من الإشارة إلى وجود أحاديث للمعصومين تقول بأن العقل هو المخلوق الأول والصادر الأول. طبعاً هناك أيضاً من يستند إلى بعض الآيات والأحاديث الأخرى للقول بأن العشق أساس الوجود، وأنه لولاه لما ظهر العالم.
كبار أهل المعرفة تحدثوا بلغة العشق، وبلغة العقل. وظهر كنز المعنوية والثقافة عن طريق هاتين اللغتين. لذلك ينبغي التعرف على كلا اللغتين، والاتصال بأولئك الذين تحدثوا بهما. فالذي يقلب كتاب العقل لا بد أن يشاهد آيات العشق أيضاً.
فهناك أمور كثيرة ينبغي مطالعتها في كتاب العقل. كما أن هناك أموراً أخرى لا يمكن إدراكها وبلوغها إلا عن طريق مشاهدة آيات العشق.
ولا بد ضمن هذا الإطار من التنويه إلى ما يلي؛ وهو أن عدداً كبيراً من أهل المعرفة وفي ذات الوقت الذي تحدثوا فيه بلغة العشق وعبّروا عن رسائلهم في قالب الشعر، لم يتجاهلوا لغة العقل أيضاً. فكثير من الأفكار الحكمية والفلسفية العميقة موجودة في الآثار العرفانية والتصوفية إلا أنها ظلت خافية على الكثير من أهل التحقيق.
وقد استقطبت اهتمامي هذه القضية منذ القدم، وأخذتُ أترصد الفرصة الموائمة لاستعراض هذه الأفكار ودراستها، مع التأشير أيضاً على طبيعة التعامل بين العرفاء والفلاسفة.
أتمنى أن يكشف هذا المقال عن جزء من الوجه الوضاء المتألق للثقافة الإيرانية الإسلامية النقية.
غلام حسين الإبراهيمي الديناني
عكبرا مدينة العلم والأدب
على طريق بغداد ـ سامراء تنبت عشرات الطلول والتلول والآثار لمدن وقرى مندثرة، يكاد بعضها يأخذ برقاب بعض وتشير معالمها الباقية إلى أروع صور التحضر الذي كان عليه سكان العراق في الأزمان الماضية.
و(عُكبرا) هذه التي نتحدث عنها مدينة معروفة مشهورة وأخبارها ضافية في كتب البلدان والتواريخ والسير، خرّجت عدداً كبيراً من رجال العلم والأدب والحكم في العهود الخوالي. كما اجتذبت مباهجها الفاتنة الكثير من طلاب اللهو والقصف والطرب فشاع ذكرها وذاع خبرها في أوساط المجان والخلعاء ووصفها شعراؤهم بما يحث إليها ركائبهم.
موقعها
لا تزال أطلال (عكبرا) قائمة تعرف باسمها القديم ممتدة من جنوب شرقي بلدة (دجيل) الحالية. وتبدو على شكل تلول وركام من قطع الآجر والحجارة. وليس من السهل تحديد سعة هذه المدينة وامتدادها بتتبع تلك الآثار المتناثرة فإن اتصال القرى ببعضها ـ يومذاك ـ يجعل من الصعب تمييزها عما جاورها، وإن أشار بعض الأفاضل من الباحثين إلى أنها تمتد إلى مسافة خمسة كيلومترات على محاذاة الضفة الشرقية من مجرى دجلة القديم (الشطيطة).
وكانت تقع بالنسبة للتقسيمات الجغرافية القديمة ضمن (طسوج بزرجسابور)، والطسوج (بوزن سبوح وقدوس) لفظة فارسية تعني وحدة زراعية، وقد قسموا سواد العراق على ستين طسوجاً، وأضافوا كل طسوج إلى اسم. وربما كانت عكبرا أكبر مدن هذا الطسوج، ولذلك سمي باسمها القديم (بزرجسابور) كما سيأتي تفصيله. وهذا الطسوج كان يضم الأراضي والقرى الواقعة على الجانب الأيسر من نهر دجلة في مجراه القديم.
ومن قرى هذا الجانب العلث، وبلد، والحظيرة، وباحمشا، وعكبرا، وبصرى، والبردان، وبزوغي. ومن القرى القريبة من عكبرا في الجانب نفسه: بوري، وتنبوك، وجوزران، والشلج، وغمى، وقرداباذ، وكركر، وكركين، وغيرها.
ويظهر اسم (عكبرا) في معظم الخوارط العربية التي رسمها الجغرافيون القدماء كصورة العراق للبلخي (322هـ)، وصورة الجزيرة للاصطخري (340هـ)، وصورة العراق له أيضاً، وصورة الجزيرة لابن حوقل (367هـ)، وصورة العراق له.
وكذلك صورة العراق للمقدسي (375هـ) وخارطة العراق للجيهاني (من جغرافيي القرن الرابع الهجري)، وخارطة العراق والجزيرة العربية للشريف الإدريسي (560هـ)، وصورة العراق لابن سعيد المغربي (610هـ)، وصورة الجزيرة له أيضاً)[411](.
وقد حدد المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) موقعها من بغداد فقال: «وتأخذ من بغداد إلى البردان بريدين، ثم إلى عكبرا مرحلة، ثم إلى باحمشا نصف مرحلة، ثم إلى القادسية مرحلة».
وكان ياقوت الحموي قد وقع في وهم فظيع عند تحديده موقعها، فقد أشار إلى أنها من نواحي دجيل، أي في الجهة الغربية من دجلة، فقد قال عنها: «بليدة من نواحي دجيل قرب صريفين واوانا، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ».
ومعلوم للمتتبعين أنّ صريفين وأوانا كانتا في الجانب الغربي من مجرى دجلة القديم)[412](.
ثم أن الحموي أكد مقالته تلك في مكان آخر من معجمه فقال عند ذكر العراق: وأكثر بلاده عرضاً من خط الاستواء عكبرا على غربي دجلة، وعرضها ثلاثة وثلاثون جزءاً وثلاثون دقيقة، وذلك آخر ما يقع في الإقليم الثالث من العراق. ومن بعد عكبرا يدخل العراق كله في الإقليم الثالث إلى حلوان.
ولكن صفي الدين ابن عبد الحق صحح ذلك فقال: «كانت عكبرا من الجانب الشرقي على شاطئ دجلة، فلما استحالت دجلة إلى جهة الشرق صارت دجلة تحتها تسمى (الشطيطة)، وأوانا تقابلها من غربي الشطيطة.
ويبدو أن وقوع أوانا على الجانب المقابل لعكبرا أوحى إلى فليكس جونس أن النهر كان يشطر عكبرا شطرين.
اسمها وزمن إنشائها
كان اسمها في زمن الفرس (بوزورك شابور) فعرب على (بزرج سابور) ومعناه (سابور الكبير). قال حمزة الأصبهاني: «بزرجسابور المسماة بالسريانية عكبرا».
فعكبرا اسم سرياني قيل إنه من (عقبرا) ومعناه الفار والجرذ، لعلها سُمّيت بذلك لوفرة هذه الحيوانات في تلك البقعة.
ولعلّ من العسير تحديد زمن إنشائها فهو قديم قدم اسمها. وهناك مَن يرى أنها منسوبة إلى (يهوياكين ملك يهوذا) وهو من أواخر ملوك يهوذا في حدود سنة 597 قبل الميلاد، وهو ما صرح به الرحالة بنيامين التطيلي الأندلسي في رحلته التي وصف فيها بعض مدن العراق في زيارته له بين سنة 561 و569هـ وقد أضاف إلى زعمه هذا قوله: «إن في عكبرا عشرة آلاف يهودي، ومن أعيانهم الربيان يوشع وناثان».
وهناك من يرى أن عكبرا منسوبة إلى عكبر الكردي وهو رأي أورده الأمين في الأعيان في ترجمة اسكندر بن دربيس بن عكبر الكردي)[413](.
وقد جاء ذكر عكبرا في أخبار فتوح المسلمين للعراق، حين وجه القائد خالد بن الوليد، وهو بعين التمر، النسير بن ديسم إلى هذه النواحي، فأتى عكبرا فأمّن أهلها، وأخرجوا لمن معه طعاماً وعلفاً.
وقد ورد اسم عكبرا ممدوداً ومقصوراً. قال البحتري يمازح بشراً (ولعله بشر بن الفرج تاجر الخمور الذي ذكره البحتري غير مرة):
ولما نزلنا عبكراء ولم يكن
نبيذ ولا كانت حلالاً لنا الخمر
دعونا لها بشراً ورب عظيمة
دعونا لها بشراً فأصرخنا (بشر)
وذكرها مهيار الديلمي في شعره عدة مرات، فمن ذلك قوله:
يا فرحة يوم أرى رايتكم
تلاوذ الريح، تؤم العسكرا
ونشر أيديكم وأعراضكم
بالزاب يلقاني وشاطي عكبرا
وقرئ ـ كما قال الحموي ـ على سارية بجامعها:
لله درّك يا مدينة عكبرا
أيا خيار مدينة فوق الثرى
إن كنت لا أم القرى فلقد أرى
أهليك أرباب السماحة والقِرى
صفتها وبعض أخبارها وخرابها
عرفت (عكبرا) ببساتينها الغنّاء، ومروجها الخضراء، وفواكهها الجيدة، وامتازت بكرومها وأعنابها. قال المقدسي: «وفي وجه سامراء مدينة عكبرا وهي كبيرة عامرة كثيرة الفاكهة، جيدة الأعناب سرية». وكان الشراب العكبري من مشهور الشراب. وفي قصة الوزير المهلبي وندمائه القضاة إشارة إلى ذلك، وقد قيل عنها إنها كانت «مجمعاً للخلعاء، ومأوى لأهل الإنس والقصف، فكان يقصدها الناس من بغداد. وقد أصبحت بعد انتقال العاصمة إلى سامراء من المدن الرئيسة على طريق البريد العام بين بغداد وسامراء».
ومما أزاد في مباهجها ومحاسنها كون (دير الخوات) فيها. والخوات، كما قال الأستاذ كوركيس عواد، محرفة عن الأخوات جمع الأخت، ويراد بها الراهبة. وقد ذكره الشابشتي فقال: «هذا الدير بعكبرا، وهو دير كبير عامر يسكنه نساء مترهبات متبتلات فيه، وهو وسط البساتين والكروم، حسن الموقع، نزه الموضع، وعيده الأحد الأول من الصوم (يريد به الصوم الكبير عند النصارى) يجتمع إليه كل من يقرب منه من النصارى والمسلمين، فيعيّد هؤلاء، ويتنزه هؤلاء. وفي هذا العيد ليلة الماشوش، وهي ليلة تختلط (فيها) النساء بالرجال فلا يرد أحد يده عن شيء، ولا يرد أحد أحداً عن شيء. وهو من معادن الشراب ومنازل القصف ومواطن اللهو». وللناجم أبي عثمان المتوفى سنة 314هـ فيه:
آح قلبي من الصبابة آح
من جوار مزينات ملاح
وفتاة كأنها غصنُ بان
ذات وجه كمثل نور الصباح
أهل دير (الخوات) بالله ربي
هل على عاشق قضى من جُناح؟!
وكان هناك نهر متصل بعكبرا اسمه نهر (زاور) ذكره ابن عبد الحق في المراصد، وأشار إلى وجود قرية عنده تسمى (زاور). وفي مدينة (بلد) الآن مقاطعة زراعية على نهر يسمى (نهر الزور)، وتدعى المقاطعة باسمه ولا شك في وجود علاقة بينهما.
أما (تل عكبرا) فيظن أنه محلة من محلاتها، والنسبة إليه (تلكعبري)، ويعرف عدد من العلماء والمحدّثين بهذه النسبة كأبي الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري الذي كان النجاشي صاحب (الرجال) يروي عنه، عن أبيه.
ويظهر أن خراباً ألمّ بعكبرا من جرّاء العسف، وثقل الخراج أيام البويهيين، فقال فيها الشاعر عبد الصمد بن بابك أبياتاً تصوّر ضعف الدولة، وطغيان الترك، وتغلّب الديلم عليهم، أولها:
صكوا على مال عكبرا صكوا
فليس في اليأس منكمُ شكُّ
ومنها:
فاستدركوا رأيكم ورايتكم
فمالكم هيبةٌ ولا ملك
قد طمع الجند في دياركم
والديلم المقطعون والترك
وانتشر الأمر والفساد كما
أسلم نظم القلادة السلك
وأقفرت (عكبرا) ودمنتها
فاستوقفوا الركب عندها وابكوا
وما لكم غير عصر أعينكم
وحكّها إن شفاكمُ الحك
أورد ذلك العلاّمة الشبيبي في كتابه (مؤرخ العراق ابنو الفوطي))[414](. وقد كانت تلك الحوادث التي توجع لها هذا الشاعر بداية النهاية لهذه المدينة القديمة، فإن دجلة حوّلت مجراها إلى الشرق في أواخر القرن السادس الهجري، مما جعل هذه المجموعة الكبيرة من المدن والقرى تعاني من الجفاف حتى خربت الواحدة بعد الأخرى.
قال صفي الدين بعد ذكره تحوّل دجلة عن عكبرا: «خُرِّبت وانتقل أهلها إلى أوانا، وغيرها، وصار ما في شرقيها إلى دجلة من عمل دجيل، ويسمى الآن (المستنصري) لأن الإمام المستنصر ـ رحمه الله ـ استخرج لها نهراً يسقيه من دجيل، ووقفه على آدر المضيف التي أنشأها في محال بغداد لفطور الفقراء شهر رمضان».
من انتسب إلى عكبرا من الأفاضل
وينتسب إلى عكبرا قوم من أهل العلم والحديث منهم:
1 ـ أبو عبدالله محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد، وكان من أجلّ المشايخ وأكابر العلماء، عدّوا له قريباً من مائتي مصنف في الفقه والكلام والرواية، منها: الرسالة المقنعة، والإيضاح، والإفصاح، والإرشاد، والأمالي، والفصول المختارة من العيون والمحاسن، وأجوبة المسائل العكبرية.
وكان حسن الخاطر دقيق الفطنة حاضر الجواب. ولد في الحادي عشر من ذي القعدة سنة 336هـ، وانحدر من عكبرا إلى بغداد مع أبيه وهو صبي، واشتغل بالقراءة على الشيخ ابن عبدالله المعروف بـ(جُعل)، ثم على أبي ياسر، وأخذ الحديث عن أبي القاسم بن قولويه القمي، وعن الشيخ الصدوق القمي، وأبي غالب الزراري، وأبي عبدالله الصميري، وأحمد بن العباس النجاشي، وغيرهم من أكابر رجال الحديث والفقه. وعنه أخذ العلم عدد من الجهابذة كالشيخ الطوسي، والسيدين المرتضى والرضي، والشيخ أبي الفتح الكراجكي، وغيرهم. وتوفي ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان سنة 413هـ، وصلّى عليه السيد المرتضى علم الهدى بميدان الأشنان، وقد ضاق بالناس مع كبره، فقد قيل إن يوم وفاته كان يوماً لم يُرَ أعظم منه. ودفن في داره سنين، ثم نقل إلى مقابر قريش، ودفن في مشهد الكاظمين إلى جانب قبر الشيخ الصدوق. وقبرهما الآن معروف هناك يزار، وعليه شباك من نحاس بديع الصنع. ورثاه جمهرة من الشعراء كعبد المحسن الصوري، والشريف المرتضى، ومهيار الديلمي، وغيرهم.
2 ـ وممن نسب إلى عكبرا: علي بن نصر بن سعد بن محمد الكاتب. ترجم له ياقوت، وغيره، وقالوا: إنّه ولد بعكبرا، ونشأ بها، ثم انحدر بعد أن بلغ إلى بغداد، وقرأ الأدب والنحو على ابن برهان النحوي، ثم انحدر إلى البصرة، وصار كاتباً لنقيب الطالبيين بها. وأقام هناك مدة ثم رجع إلى بغداد في سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وأقام بالكرخ، وولي الكتابة لنقيب الطالبيين إلى أن مات. وكان من أهل الأدب والفضل، مولده في محرم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وخمسمائة.
3 ـ ومنهم أبو نصر علي بن هبة الله بن علي المعروف بابن ماكولا. كان أبوه وزير جلال الدولة ابن بويه، وعمه أبو عبدالله الحسن بن جعفر قاضي القضاة ببغداد. كان يلقّب بالأمير لأنه من بيت الوزارة والقضاء والرئاسة القديمة، وكان عارفاً لبيباً عالماً ترشح للحفظ، حتى كان يقال له الخطيب الثاني.
كان مولده بعكبرا في شعبان من سنة 422هـ، وقتل بالأهواز من نواحي خوزستان في سنة 475هـ. وقيل في مولده ومقتله غير ذلك.
ترجم له ياقوت في معجم الأدباء ترجمة ضافية، وذكر له من مستحسن شعره في التجنيس قوله:
ولما تفرقنا تباكت قلوبنا
فممسك دمع عند ذاك كساكبه
فيا نفسي الحرّى البسي ثوب حسرة
فراق الذي تهوينه قد كساك به
وقوله:
فؤاد ما يفيق من التصابي
أطاع غرامه وعصى النواهي
وقالوا لو تصبّر كان يسلو
وهل صبرٌ يساعد، و(النوى) هي
وقوله:
أليس وقوفنا بديار هند وقد رحل القطين من الدواهي
وهند قد غدت داءً لقلبي اذا صدَّتْ، ولكن (الدوا) هي
وقوله:
وهيج أشواقي وما كنتُ سالياً
بيبرين برقٌ من ذرى الغور أومضا
ذكرت به عيش التصابي وطيبه
ولستُ بناسيه وانُ عاد، أو (مضى)
وكان مولعاً بالجناس كما يبدو، وقد صنف كتاب المختلف والمؤتلف جمع فيه بين كتب الدارقطني وعبد الغني والخطيب، وزاد عليهم زيادات كثيرة. وله كتاب الوزراء وغير ذلك، وترجمته في وفيات الأعيان)[415](، وفوات الوفيات)[416](، والمنتظم، والحميدي، دائرة معارف وجدي)[417](، وتذكرة الحفاظ)[418](، وغيرها.
4 ـ وممن نسب إلى عكبرا: عبد الواحد بن علي بن إسحاق بن إبراهيم بن برهان أبو القاسم الأسدي العكبري النحوي، صاحب العربية واللغة والتواريخ وأيام العرب.
قرأ على عبد السلام البصري، وكان أو ل أمره مُنجّماً، فصار نحوياً، وكان حنبلياً، فصار حنفياً، وكانت فيه شراسة على من يقرأ عليه. ولم يكن يلبس سراويل، ولا على رأسه غطاء، وتوفي في جمادى الأولى سنة 456هـ ببغداد. وكان قد سمع من ابن بطة كثيراً وصحبه. وكان إذا ذكر المتنبي يعظمه، وكان يخرج من داره وقد اجتمع على بابه من أولاد الرؤساء جماعة فيمشي وهم معه، ويُلقي على ذا مسألة وعلى ذا مسألة. وكان يتكبر على أولاد الأغنياء، وإذا رأى الطالب غريباً أقبل عليه.
ولما ورد الوزير عميد الملك الكندري إلى بغداد استحضر ابن برهان وأعجبه كلامه، وأمر له بمال فأبى أن يقبله، فأعطاه مصحفاً بخط ابن البوّاب، وعكازاً مليحة حُملت إليه من بلاد الروم، فأخذهما وعبر إلى منزله فدخل عليه أبو علي بن الوليد المتكلم، فأخبره بالحال فقال له: أنت تحفظ القرآن وبيدك عصا تتوكأ عليها. فلم تأخذ شيئاً فيه شبهة؟ فنهض ابن برهان، ودخل على قاضي القضاة أبي عبدالله ابن الدامغاني، وقال له: لقد كدتُ أهلك لولا نبهني أبو علي ابن الوليد، وهو أصغر مني سناً، وأريد أن تعيد هذه العكازة وهذا المصحف على عميد الملك، فما يصحباني، فأخذهما وأعادهما إليه، وأخباره طريفة كثيرة.
ومن شعره:
أحبتنا بأبي إنتموا
وسَقياً لكم أينما كنتمُ
أطلتم عذابي بإبعادكم
وقلتم نزور فما زرتم
فإن لم تجودوا على عبدكم
فإن المُعزّى به أنتم
له ترجمة في الوافي للصفدي، وفوات الوفيات)[419](، وشذرات الذهب)[420](، وبغية الوعاة)[421](، والنجوم الزاهرة)[422](، وترجم له الدكتور مصطفى جواد ترجمة مسهبة في بحثه عن الضائع من معجم الأدباء في مجلّة المجمع العلمي العراقي)[423](.
5 ـ وممن ينسب إلى عكبرا: أبو العز أحمد بن عبيد الله بن محمد السلمي المعروف بابن كادش العكبري. المحدث المشهور المتوفى سنة 526هـ. له ترجمة في كثير من كتب التاريخ والحديث.
6 ـ ومنهم أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الجبار بن توبة الأسدي العكبري. ولد سنة 455هـ، وقرأ القرآن بالروايات وسمع الحديث وتفقه في مذهب الإمام الشافعي على أبي إسحاق الشيرازي، وسمع كتاب (القراء السبعة) لابن مجاهد على أبي محمد الصريفيني، والحديث من أبي بكر الخطيب وغيره، وكان حسن التلاوة للقرآن، ذا سمت ووقار، ووصفه السمعاني بالصلاح. توفي سنة 535هـ)[424](.
7 ـ ومنهم أيضاً: محمد بن عثمان بن عبدالله العكبري، أبو عبدالله الواعظ المتوفى في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمسمائة. له ترجمة في التكملة، وتاريخ الإسلام، والمختصر للذهبي.
8 ـ ومنهم: محب الدين أبو البقاء عبدالله بن الحسين العكبري الحنبلي، الفقيه المحدث النحوي المشهور. قال ابن الفوطي (نقلاً عن ياقوت): «كان إمام مسجد ابن حمدي بالريحانيين، ومتقدم الإقراء به. وكان ورعاً صالحاً متقللاً حسن الأخلاق، قليل الكلام فيما لا يجدي نفعاً، لم يخرج من رأسه كلمة فيما علمت (القول لياقوت) إلاّ في علم، وما لا بُدّ منه من مصالح نفسه. وكان رقيق القلب تفرّد في عصره بعلم العربية والفرائض. سمع من ابن الخشاب، وحضر مجلس الوزير عون الدين بن هبيرة في القراءة والسماع، وله تصانيف كثيرة».
وقال ابن الدبيثي: «كان جمّاعة لفنون من العلم والنحو واللغة العربية، وشرح المقامات الحريرية، وشعر أبي الطيب المتنبي وغير ذلك. سمعنا منه، ونعم الشيخ كان. ثم قال: سألتُ الشيخ أبا البقاء عن مولده فقال: ولدتُ سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وتوفي ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة، ودفن يوم الأحد بباب حرب».
وقد ذكر له الصلاح الصفدي عدداً كبيراً من مصنفاته في علوم القرآن والحديث والفقه والنحو واللغة والشعر وغيرها. ونقل الذهبي في ترجمة أبي البقاء عن ابن النجار قوله: قرأتُ عليه كثيراً من مصنفاته، وصحبته مدة طويلة، وكان ثقة متديناً، حسن الأخلاق متواضعاً. ذكر لي أنه أضر في صباه بالجدري.
وقال الدكتور مصطفى جواد، وكان قد كتب ترجمة وافية لأبي البقاء ضمن مقالته النفيسة عن التراجم الضائعة من «معجم الأدباء» للحموي: طبع من تآليف أبي البقاء العكبري (التبيان في إعراب القرآن)، ونسب إليه شرح لديوان المتنبي، نسبه إليه بعض الأدباء جهلاً أو عمداً. وهو لعفيف الدين علي بن عدلان الموصلي الأديب النحوي المُتوفى سنة 666هـ، كما جاء في آخر الشرح، وكما دلّت عليه عدة أدلة، أقل ما فيها أنّها تنفي نفياً قاطعاً أن يكون ذلك الشرح لمحب الدين العكبري.
والظاهر لنا أن الذي عزا هذا الشرح الفذّ إلى العكبري كان قد رأى نسخة غفلاً من إسم المؤلف فأراد أن يرفع قيمتها فنسبها إلى هذا العالم الفاضل، ونستدل على ذلك بوجود نسخة من الشرح غفل أيضاً من اسم المؤلف محفوظة بدار الكتب الوطنية بباريس وأرقامها (3105).
9 ـ وممن نسب إلى عكبرا؛ أبو الفرج أحمد بن محمد بن جورى العكبري. ذكر الخطيب أنه نزل بغداد، وحدّث بها عن جماعة ذكرهم.
هذا والمعروف أن (آل ياسين) الأسرة العلمية الكريمة في الكاظمية كانت من الأسر التي هَجَرتْ عكبرا، واستوطنت الكاظمية.
موسى الموسوي الهندي
عمارات مشهد الحمزة
العمارة الأولى: عمارة السيد مهدي القزويني
لم يكن مرقد الحمزة معروفاً قبل هجرة السيد مهدي القزويني من النجف إلى الحلّة سنة 1253هـ/1837م. وقد مرّ عليك أنه كان يُعرف بمرقد الحمزة ابن الإمام موسى الكاظم (ع)، وهذا خلاف الواقع لأنه من الثابت تاريخياً وجود مرقده في (الري) بإيران.
أمّا الجزيرة ـ التي يثوي فيها (الحمزة) ـ فقد كانت أيام هجرة السيد المهدي قريَّة تحتوي على مائة دار تقريباً. وبعد النصّ على ثبوت مرقد الحمزة حدود عام 1266هـ/1849م، وأنّه حفيد العباس بن علي توسّعت عمارةُ المشهد، وابدلت بقبته المبنيّة من الطين حجرةٌ مربعة الشكل بُنيت من الآجُر.
وعند تولّي مدحت باشا ولاية العراق سنة 1286هـ/1869م مَصَّر القرية ووسَّعها، لذا رُجّح إطلاق إسمه عليها، فدُعيت (المدحتية).
العمارة الثانية: عمارة السيد محمد القزويني
وقد اهتم أبو المعز العلاّمة السيد محمد القزويني المتوفى سنة 1335هـ/1916م ببناء وتشييد المرقد، كما قام بإعادة بناء جملة من المراقد في الحلّة وضواحيها.
العمارة الثالثة: عمارة عدّاي آل جريان
ولمّا عُيّن الأستاذ جابر الكريمي مديراً للمنطقة بذل لبنائها، وكان الساعي لذلك عدّاي آل جريان، رئيس قبيلة (ألبو سلطان)، وبعض الوجوه من التجّار، وارّخ تاريخ البناء سنة 1339هـ/1920م الشاعر أمين الصقر العذاري ببيتين كُتبا على واجهة الباب الأمامي للمرقد، وهما:
لا تلمني على وقوفي بباب
تتمنى الأملاك لثم ثراها
هي باب لحمزة الفضل أرّخ
(جابر الكسر بالخلود بناها)
وقد جُدد بناء هذا الباب سنة 1382هـ/1962م، فأُبدلت مادة التاريخ من قِبل الأديب الشيخ طالب أمين بما يُناسب السنة المذكورة، حيث قال:
لا تَلُمني على وقوفي بباب
تتمنى الأملاك لثم ثراها
هي بابٌ لحمزة الفضل أرّخ
(خير منشي لها بديع بناها)
وقد نُقِشَ هذا التاريخ على الواجهة الأمامية للباب الرئيس، ولا يزال إلى الآن، وفيه من (العلّة) ما لا يخفى)[425](.
العمارة الرابعة: عمارة أهالي المدحيّة
وفي سنة 1364هـ/1945م قام جماعة من أهل الخير والصلاح ببذل المساعي في تبديل القبة، فتمّ إكساؤها بالقاشاني الأزرق، كما وُضعتْ في أعلاها رُمَّانةٌ من الذهب)[426](.
العمارة الخامسة: عمارة أحمد حسن البكر
وقد اهتمّ ـ في يومنا هذا، أحمد حسن البكر)[427]( رئيس الجمهورية العراقية، في أول زيارة للمرقد، بتعميره وتوسيعه، فأوعز سنة 1388هـ/1968م ببناء الواجهة الشمالية من الصحن، وعمل الإيوانات اللازمة لمبيت أمام الزُوّار. وكثيراً ما كان يتردد إلى زيارته بين الحين وألاخر ولا يزال العمل حتى سنة 1397هـ/ 1977م قائماً بشكل موسع بما لم يُسبقُ إليه من قبل، من بناء الصحن وواجهاته وما يُحيطه، ونقش الزخارف في الداخل والخارج.
نُقِل في سبب اهتمام الرئيس العراقي بالمرقد الشريف أن أحمد حسن البكر كان قد أُخبر، (قبيل الإنقلاب العسكري الذي جاء بحزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة عام 1968م) ـ من قبل امرأة مُنجّمة، أنه سيأتي إلى الحكم رئيساً للدولة، وعليه أن يهتمّ بتشييد مرقد (الحمزة) حال تحقق ذلك، وهذا ما حصل بالفعل. وقد شاعت هذه الرواية في أوساط العراقيين. وكان العراقيون يتندّرون بذلك عندما يُبدون استياءهم من الدولة، وجورها، فيطلقون على الحمزة لقب (الحمزة البعثي)!
أما السياسيون فيذكرون أن حزب الدولة الحاكم الذي تسلّم السلطة في ذلك العام كان ينبغي أن يمتد في أوساط المناطق الفراتية الوسطى، وأن زيارة المسؤولين للمنطقة، وإظهار احترامهم المشاعر الدينية هو في حد ذاته يولّد شعوراً إيجابياً من الطبقات الشعبية نحو السلطة السياسية.
بقي أحمد حسن البكر على مدى عقد كامل من وجوده بالسلطة متردداً على زيارة المرقد. وقد أمر بفتح طريق حديث يوصل إلى المنطقة.
وأبدى المحقق السيد محمد رضا الجلالي عدم ارتياحه لإيراد إسم البكر ضمن الحديث عن مرقد الحمزة. وكتب بخطّه معلقاً على هذا الموضع: «لماذا يؤرخ لهؤلاء الأجلاف في كُتب الأشراف»؟!
جودت القزويني
الفتاوى الواضحة
الرسالة العملية النموذجية
الـرسالة العملية هي التعبير السائد عن الكتب الحاوية لفتاوى مراجع التقليد، والتي يغلب فيها الطابع الـعـملي على العلمي، بل إنّ المطلوب الأساس فيها هو وقوف المقلّدين على فتاوى مقلديهم للعمل بها ولتكييف حياتهم وفقاً للأحكام الشرعية المتلقاة عن طريق الفقهاء.
وقد بادر فقهاؤنا العظام منذ بدايات عصر الغيبة الكبرى إلى تأليف رسائلهم العملية للمقلّدين. وما زالت هي الطريقة الشائعة في إيصال الفتاوى الى المقلدين.
والـرسـائل العملية لها أهميتها القصوى، إذ نعلم يقيناً أن هناك ثلاث طرق لامتثال الأحكام الشرعية والفراغ من عهدتها، وهي الاجتهاد والاحتياط والتقليد، ونعلم أيضاً أن طريق التقليد هو المتّبع لدى غـالبية المؤمنين، إذ أنَ الاجتهاد غير متيسّر إلاّ للأقل القليل من طلاّبه، كما أن المعرفة التفصيلية بموارد الاحتياط وكيفيته متعسرة أو متعذّرة لغالب الناس .
فأخذ الفتوى عن المجتهد هو السبيل الوحيد المألوف بين المتدينين، وعلى المجتهد أن يلقي آراءه على مقلّديه بوصفه خبيراً باستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها وعلى المقلّدين أن يتلقوها بالقبول بوصفهم غـيـر ذوي الاخـتـصـاص فـي هـذا الفن. ومن المعلوم أن تلقّي الفتوى أيضاً يجب أن يعتمد إمّا على طـريق تعبّدي كإخبار عدلين بفتوى المجتهد أو السماع من شخص واحد عدل أو ثقة ـ كما في بعض الآراء)[428]( ـ أو يـعتمد على حصول اليقين بفتوى المجتهد سواء كان على أساس السماع المباشر مـنـه أو على أساس الرجوع إلى رسالته المأمونة عن الغلط وواضح أن الطريق الأخير هو الأيسر لعامة المقلدين .
هـذا هـو موقع الرسالة العملية من الوجهة الشرعية، فليست الرسالة هي المعبّرة عن آراء المجتهد فحسب وإنما هي حجّة بين المقلّدين وربّهم.
ويـلاحـظ من جانب آخر أن الشريعة الإسلامية هي الشاملة لمجالات الحياة الفردية والاجتماعية كـافـة، والـرسـالة العملية أيضاً يجب أن تحاكي الشريعة في شمولها. فالمقلد لا يرجع إلى الرسالة العملية في طهارته وصلاته فحسب، بل المفروض أن يرى فيها كل الحلول الشرعية لمسائل حياته الـفـرديـة والاجـتـمـاعـيـة. فالرسالة العملية هي المرجع والملجأ في عبادات الناس ومعاملاتهم وفي سلوكهم العام والخاص.
أهم الإشكاليات في الرسائل العملية
وعـلى الرغم من هذه الأهمية البالغة للرسائل العملية وعلى الرغم من كل الإيجابيات التي تتمتع بها هـذه الـرسائل العملية، إلا أن فيها نقاطاً تعيقها عن أداء مهمتها بالقدر المأمول. ونشير فيما يلي الى أهم هذه النقاط.
1 ـ غموض التعبير:
لا بـدّ لـلـكـاتب أن يعيّن مخاطبه الذي يقصد إفهامه قبل أن يبادر إلى الكتابة، ويعتبر هذا من أوليات الـكـتـابـة والتأليف. والمفترض في الرسائل العملية أن يكون مخاطبها عامة الناس وسوادهم، وليس الـعلماء أو طلاب الدراسات الشرعية، فعلى الرسالة العملية أن تحاور الناس بلسانهم وتستخدم كل الأسـاليب الممكنة لإيضاح المسألة الشرعية وتقريبها لأذهان المخاطبين وهذا ما لا نجده في غالبية الـرسائل العملية فالتعقيد والغموض والإجمال هي السمة العامة فيها. ويمكن ملاحظة الأمر هذا من خلال الظواهر الثلاث المطّردة في كثير من الرسائل العملية:
أ ـ الايـجـاز: قـد يتصوّر البعض أن الإيجاز في التعبير هو المفروض أو المستحسن في الرسائل الـعـلـمية والكتب الدراسية، لأن ذلك من الوسائل المهمة في الاستكمال الفكري والعلمي للدارسين والـبـاحـثـيـن. وهذا أمر يجب تمحيصه في موضعه، لكن لو تمّ ذلك لم يتمّ في الرسائل العملية، فإن الـمطلوب فيها ليس هو الممارسة والتحقيق الفكريين، بل إن الغاية القصوى فيها هي توضيح الأحكام الـشـرعـيـة للمقلدين، ولا تتحقق هذه من خلال الإيجاز والإجمال، وإنما تتطلب في أكثر الأحيان التبسيط والتفصيل في العبارة.
ب ـ عدم استخدام الأمثلة: ولا يخفى دور التمثيل في توضيح وتسهيل المطالب المعمّقة والعلمية وله دوره أيـضاً في توضيح الأحكام الشرعية، سيّما في موارد تشابه الحالات واشتباهها على المكلفين، فإنّ التمثيل هـو الـمايز والفاصل في هذه الحالات. وقلّ ما ترى التطبيق والتقريب بالمثال في الـرسائل العملية. ونلاحظ الرغبة الملحة في المقلدين أيضاً لاستخدام الأمثلة في الأسئلة الشرعية والاسـتفتاءات التي يعرضونها على الفقهاء، فالغالب فيها هو السؤال عن الحكم الشرعي في مسألة ضمن المثال والتطبيق على الموضوعات المختلفة في الحياة.
ج ـ اسـتخدام المصطلحات الفقهية : اعتاد الفقها أن يذكروا في رسائلهم العملية المصطلحات الفقهية مـن دون إبداء تعريف لها. «والمصطلحات الفقهية التي تعتمد عليها الرسائل العملية غالباً للتعبير عن الـمـقـصود قد كان من مبرّراتها تأريخياً اقتراب الناس سابقاً من تلك المصطلحات في ثقافتهم، بينما ابـتعد الناس عنها اليوم وتضاءلت معلوماتهم الفقهية حتى أصبحت تلك المصطلحات على الأغلب غريبة تماماً»)[429](.
ومن جملة هذه المصطلحات المستخدمة هي المصطلحات الاجتهادية المتعلّقة بكيفية بيان الفتوى أو الإشارة إلى بعض النكات العلمية. فمثلاً يستشكل أحياناً في استظهار الحكم من الدليل فيقوّي بعد ذلك مـا يختاره ويذكر المسألة بما فيها من المرور بالاستشكال والاختيار في مرحلة الاستنباط، فيقول مثلاً: «… لكن في بطلان صلاته اشكال والأقوى الصحة»)[430](. في حين أن المكلف لا يهمّه. إلاّ الـوقوف على تكليفه من الوجوب أو الحرمة والصحّة أو البطلان، أما الاستشكال في الاستظهار من الأدلـّة أو انـعـكاس المبنى الأصولي عند بيان الفتوى فيجب أن يقف عند حدود البحث الأصولي أو الفقهي .
وكذا ترى كثيراً أن المجتهد ـ وهو بصدد التعبير عن الحكم الشرعي ـ يفتي ثم يحتاط بما يخالف تلك الـفـتوى، أو يحتاط ثم يفتي بما يخالف ذلك الاحتياط، فيقول: «الأحوط عدم قطع النافلة وإن كان الأقـوى جـوازه»)[431](. وهـذا الـنمط من الاحتياط وإن كان في لغة الفقهاء يفيد استحبابه لأنه مسبوق أو ملحوق بالفتوى على خلافه، لكنه يمكن إفادة نفس المعنى بأسلوب آخر بعيد عن الإغلاق والغموض بالنسبة إلى المقلدين.
والـشـواهـد عـلـى الـمـوضوع كثيرة جداً، كقولهم: يجوز على إشكال، يجب على إشكال وتأمل، والمشهور كذا، وفيه إشكال إلى غير ذلك من المصطلحات المماثلة في تعابير الفقهاء.
ولعلّ السر في تسرّب هذه الظواهر وغيرها إلى الرسائل العملية هو ما رآه آية اللّه العظمى الشهيد الـصـدر من: «أن اللغة المستعملة تاريخياً في الرسائل كانت تتفق مع ظروف الأمة السابقة، إذ كان قرّاء الرسائل العملية مقصورين غالباً على علماء البلدان وطلبة العلوم المتفقهين لأن الكثرة الكاثرة من أبناء الأمة لم تكن متعلّمة وأما اليوم فقد أصبح عدد كبير من أبناء الأمّة قادراً على أن يقرأ ويفهم إذا كتب بـلـغـة عـصـره وفقاً لأساليب التعبير الحديث؛ فكان لا بد للمجتهد المرجع أن يضع رسالته العملية للمقلّدين وفقاً لذلك»)[432](.
2 ـ عدم التنظيم الفني في عرض الأحكام:
إنّ تـقسيم البحوث والموضوعات والتنظيم الفني لها، يعدّ من ركائز المنهج العلمي في التأليف، وعدم الاعـتـداد بـذلك مما يشوّش الأمر على القرّاء والمطالعين. فالكتاب يجب أن يتميّز بالتبويب المطلوب لـلمطالب الرئيسة ثم تتدرّج المطالب إلى حيث التفصيل حسب النظام المقرر لها. وهذا ما لا نلمسه في كثير من فصول الرسائل العملية.
يقول سيدنا الصدر(قدس سره) وهو يتحدّث عن هذه الملاحظة:
«إن هـذه الـرسائل (العملية) تخلو غالباً من المنهجية الفنية في تقسيم الأحكام وعرضها وتصنيف المسائل الفقهية على الأبواب المختلفة. ومن نتائج ذلك حصل ما يلي:
أولاً: إن كثيراً من الأحكام أعطيت ضمن صور جزئية محدودة تبعاً للأبواب ولم تعط لها صيغة عامّة يمكن للمقلّد أن يستفيد منها في نطاق واسع.
ثانياً: أن عدداً من الأحكام دسّ دسّاً في أبواب أجنبية عنه لأدنى مناسبة، حرصاً على نفس التقسيم التقليدي للأبواب الفقهية.
ثالثاً: أن جملة من الأحكام لم تذكر نهائياً، لأنها لم تجد لها مجالاً ضمن التقسيم التقليدي.
رابعاً: أنه لم يبدأ في كل مجال بالأحكام العامة ثم التفاصيل ولم تربط كل مجموعة من التساؤلات بالمحور المثير لها، ولم تعط المسائل التفريعية والتطبيقية بوصفها أمثلة صريحة لقضايا أأاأعم منها لكي يستطيع المقلد أن يعرف الأشباه والنظائر.
خامساً: افترض في كثير من الأحيان وجود صورة مسبقة عن العبادة أو الحكم الشرعي، ولم يبدأ العرض من الصفر اعتماداً على تلك الصورة المسبقة.
سادساً: انطمست المعالم العامة للأحكام عن طريق نثرها بصورة غير منتظمة وضاعت على المكلف فرصة استخلاص المبادئ العامة منها)[433](.
3 ـ عدم مسايرتها مع مستجدات الحياة البشرية :
إنّ للزمان والمكان دوراً بارزاً في تجدد مسائل الحياة البشرية، والتجدّد يقتضي بمفهومه ظهور الـظواهر والعلاقات الجديدة وزوال بعضها الآخر عن مسرح الحياة والمفروض بالرسائل العملية أن تساير هذه المسيرة. فتهذب نفسها عن المسائل التي لم يبق لها مساس بالحياة البشرية وتتناول الموضوعات المستجدّة والمتزايدة التي أصبحت من مسائل الحياة اليومية)[434](.
ونلاحظ أن بعض الرسائل العملية اتجهت نحو المستحدثات من المسائل والموضوعات لكنها جعلتها ملحقة بالكتاب، كالبحث عن البنوك والتأمين والسرقفليّة… في حين أن بحوث المعاملات وغيرها بحاجة إلى إعادة تنظيم، بحيث تشمل العقود والمعاملات الحديثة وما شابهها.
والـمشكلة بعينها قد تظهر في الموضوعات والبحوث المطروحة بشكل آخر، وهو ذكر المسائل والتطبيقات الفقهية التي يقل الابتلاء بها جداً، والغفلة عن بعض الحالات التي يكثر الابتلاء بها. يراجع بشأن ذلك المسائل العديدة المتعلّقة بصيغ العقود والمعاملات، مع أن المعاملات الجارية بين الناس تتم غالباً على أساس المعاطاة ومن دون إنشاء الإيجاب والقبول، وغير ذلك من الموارد المتناثرة في أبواب الطهارة والصلاة والحج وغيرها.
الرسالة العملية النموذجية :
نصل الآن إلى بيان الجوانب المميّزة لرسالة «الفتاوى الواضحة» التي ألّفها الشهيد السعيد آية اللّه العظمى السيد محمد باقر الصدر ـ تغمّده اللّه برحمته الواسعة انبعاثاً عمّا كان على إيمان به من ضـرورة وضع رسالة عملية تتقيّد بمنهج سليم في العرض من الناحية الفنية، وتلتزم بلغة مبسّطة حديثة، وتبدأ في العرض من الصفر، وتحاول أن تعرض الأحكام من الصفر، ومن خلال صور حيّة وتطبيقات منتزعة مـن واقع الحياة وتتجه إلى بيان الحكم الشرعي لما يستجد من وقـائع)[435]( فأخذ الملاحظات الواردة على غالبية الرسائل العملية بعين الاعتبار، ووضع رسالته بعيدة عن تلك السلبيات والإشكاليات ومليئة بالإيجابيات والمحسنات ومن المؤسف جداً أنه لم يخرج من الرسالة إلا بحوث العبادات (الطهارة، الصلاة، الصوم، الاعتكاف، الحج، الكفارات ).
وفي ما يلي نستعرض اهم الجوانب المميزة والفريدة في الفتاوى الواضحة:
1 ـ إن أولى خطوة خطاها المؤلف العظيم في مجال تأليفه للرسالة العملية هي شدّ القارئ المقلد إلى الفقه وأحكامه شدّاً مبتنياً على الوعي التام، فهو لا يريد أن ينظر المسلم إلى أحكام دينه نظرة عمياء لا ينفذ إلى محتواها العقائدي ومغزاها التربوي، فقدّم للرسالة مقدّمة تشمل العرض البديع لأصول الدين، فتكلم عن المرسل والرسول والرسالة اقتداءً بعلمائنا السابقين وقد أعرب عن ضرورة هـذا التقديم بقوله: إن الرسالة العملية تعبير اجتهادي عن أحكام الشريعة الإسلامية التي أرسل اللّه سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء بها رحمة للعالمين. وهذا التعبير يرتكز أساساً على التسليم بتلك الأصول، فالإيمان باللّه المرسل وبالنبي الرسول وبالرسالة التي أأأأرسل بها يشكّل القاعدة لمحتوى أي رسالة عملية، والدليل على الحاجة إليها)[436](.
وقد أبدع في عرضه الموجز لهذه الأسس العقائدية، وليس هذا مجال الحديث عنه .
كما وأنه ألقى في نهاية الكتاب «نظرة عامة في العبادات» فبحث عن حاجة الإنسان إلى العبادة وعن الملامح العامة للعبادات فيمر القارئ على أحكام العبادات ويرى في خاتمتها ما يبيّن له مضمون العبادة وحاجته الثابتة إلى العبادة وتتكوّن لديه رؤية واعية ومعمّقة عن العبادات الشرعية فلا يحسبها أنّها أحكام وإلزامات بحتة لا تحمل روحاً ومضموناً حيويّاً للإنسان .
2 ـ المنهجية الفنية:
تتميّز الفتاوى الواضحة بمنهجها الفني في تبويب الأحكام الفقهية وتصنيفها على الأبواب المختلفة فإنه ـ بعد بيان مسائل التقليد والاجتهاد ـ قسّم الأحكام إلى أربعة أقسام كما يلي:
1 ـ العبادات ـ وهي الطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة والكفارات.
2 ـ الاموال ـ وهي على نوعين:
أ ـ الأموال العامة: والمقصود بها كل مال مخصّص لمصلحة عامة.
ب ـ الأمـوال الـخاصة: والمقصود بها ما كان مالاً للأفراد ويجعل المؤلف أحكام الأموال الخاصة في بابين:
الباب الأول: في الأسباب الشرعية للتملّك أو كسب الحق الخاص.
الباب الثاني: في أحكام التصرف في المال.
3 ـ الـسلوك الخاص: ويريد به كل سلوك شخصي لا يتعلّق مباشرة بالمال ولا يدخل في العبادات، كالنكاح والأطعمة والأشربة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
4 ـ الـسلوك العام: ويريد به سلوك ولي الأمر في مجالات الحكم والقضاء والحرب والعلاقات الدولية)[437](.
إن أهم ما يترتّب على هذه المنهجة هو أمران:
الأول: مـا ذكـره الـسـيـد المؤلف من أن كثيراً من المسائل الفقهية لم يتعرض لها الفقهاء في رسائلهم العملية، لأنهم لم يجدوا لها مجالاً في ضمن المنهج التقليدي، وطبيعي أنها سوف تجد موقعها المناسب ضمن هذا المنهج .
الـثـانـي: أن الـمـسائل المستجدة في مختلف مجالات الحياة البشرية لا ترى ـ على الأغلب ـ في المنهج التقليدي العناوين المناسبة لدرجها في الرسائل العملية ولذا فإن معظمها لا يذكر إلاّ في خاتمة الرسائل العملية. لكنها تندرج وفق هذا التصنيف الجديد في العناوين المقررة لها.
وقـد ناقش بعضهم)[438]( موضوع المناهج المختلفة في البحث الفقهي وصرح بأن المنهجة التي ابـتكرها السيد الشهيد هي من أكمل المناهج المطروحة في هذا المجال وأشملها، لكنه انتقد المنهج بملاحظات ثلاثة كالتالي:
1 ـ عدم وضوح الأساس والمبنى في التقسيم المذكور.
2 ـ إن أبـواب الـجـهاد والقضاء والشهادات والإقرار وأحكام الجزاء لا تتناسب مع عنوان «الآداب العامة».
3 ـ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينسجم مع الآداب والسلوك الشخصي .
لكن الملاحظات المذكورة أعلاه لا تبتني على أساس وملاك علميين وذلك لأنه:
أولاً: أن المقسم فـي هذه الأطروحة هو الحكم الشرعي، والتقسيم الرباعي المذكور إنما هو حصيلة عدة تقسيمات مترابطة. وكل تقسيم منها يقوم على أساس جهة ملحوظة فيقال: إن الحكم الـشرعي ـ من حيث أخذ خصوصية العبادة فيه وعدمه يقسم إلى ما هو عبادي وغير عبادي والحكم غير العبادي ـ من جهة نظره إلى المال وعدمه يقسم إلى ما يرجع إلى الأموال وغيره وما لا يرجع إلى الأموال ـ يقسم ـ من حيث نظره إلى السلوك الخاص والعام ـ إلى مايرجع إلى السلوك الخاص والعام. والـنتيجة الحاصلة من هذه التقسيمات هي أن الحكم الشرعي تارة يرتبط بالعبادات وأخرى بالأموال وثالثة بالسلوك الخاص ورابعة بالسلوك العام.
ولا يخفى أن جملة من الأحكام الراجعة إلى الأموال وإن كانت عبادية بمعنى من المعاني كوجوب الخمس والزكاة ـ حيث تجب فيهما القربة ـ لكن بما أن وجوب التقرّب فيها حكم تكليفي مستقل وليس دخيلاً في صحة أصل الامتثال بمعنى أن الإنسان لو خمّس ماله من دون قصد القربة لم تجب عليه الإعادة وإن كان آثماً، لهذا كان الانسب ما صنعه السيد الشهيد رضي الله عنه من إفراز هذه الأحكام عن قسم الأحكام العبادية وإدخالها في قسم الأحكام الراجعة إلى الأموال.
ثانياً: أن الكاتب لم يدقق فيما تفيده كلمة «السلوك» فتصوّرها بمعنى الآداب وقال إن الجهاد والقضاء و… لا ينسجم ولا يندرج في عنوان الآداب. ولعل هذا الخلط هو الأساس في ملاحظته الثالثة أيضاً. وواضح أن السلوك هنا هو بمعنى العمل أو التصرف أو فعل المكلف، والسلوك العام كما فسّره السيد الشهيد هو بمعنى سلوك ـ تصرف ولي الأمر في مجالات الحكم والقضا والحرب و… هذا يعني أن هذه الأمور من شؤون الأمة بوصفها العام، وإن كان القائم بها ولي الأمرفي كل زمان.
ثالثاً: صحيح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات الكفائية، لكنهما سلوكان مفروضان على الفرد شرعاً تجاه المعروف والمنكر والواجبات الكفائية كلها كذلك، فلا يصحّ التفريق بين الواجبات العينية والكفائية بأن الأولى فردية والثانية اجتماعية، بل إن كلتيهما فرديتان لكن الأولى لا تسقط عن فرد بإتيان فرد آخر لها والثانية تسقط عن الآخرين بإتيان من به الكفاية. نعم إن الواجبات الكفائية تتمتع بالجانب الاجتماعي أيضاً، وذلك لأن الشارع لا يوجّه إلزاماته الكفائية إلى الإفراد بخصوصياتهم وإنما يريد تحقق الواجب وصدورالفعل خارجاً، أياً كان الفاعل والمحقق له)[439](.
3 ـ التسلسل الفني في بيان المسائل: فهو ـ مضافاً إلى تنظيمه للأبواب والفصول لا يذكر الأحكام في كل باب إلاً وفقاً للترتيب المنطقي بين المسائل. فيمهّد لكل فصل ـ غالباً ـ تمهيداً يتناول فيه العناوين والمسائل التي تهم القارئ والمقلّد.
وقد التزم بجعل المدخل في الأبواب الرئيسة «الأحكام العامة» المتعلّقة بها، ولمعرفة هذه الأحكام دورٌ كبير في وقوف القارئ المقلّد على أصول الأحكام وتهيئته للورود الى تفاصيلها)[440](.
وبعد تطرّقه للأحكام العامة يفرز المسائل المتعلقة بالموضوع ويدرج كل قسم منها في العنوان المناسب له، كعنوان الشروط، الأجزاء، الأقسام، النواقض و…
4 ـ بيان الصور العملية للعبادات قبل بيان أحكامها، فلا يرى ـ كما هو الواقع ـ أن الصورة العملية واضحة عند جميع المقلدين ولذا فهو يبدأ ببيان الصورة الموجزة للعبادة ثم يشرح أحكامها. وهذه نقطة ضرورية سيما بالنسبة الى المبتدئين في التقليد. ولذلك ذكر الصورة العملية لكل من الوضوء والغسل والتيمم والصلاة قبل أن يشرح أحكامها.
5 ـ تقديم التعاريف المختصرة حول المصطلحات المستخدمة في الرسالة، فيذكر التعريف اللغوي لها ثم يحدّد المقصود الفقهي منها، كما جا ذلك في «الجبيرة»، «النواقص»، «الخلل» ولم يكتف بتوضيح ما هو بحاجة إلى التبيين فقط، بل وحدّد المفهوم اللغوي والشرعي للعناوين المشهورة في أوساط المتدينين، كما هو في «الصوم»، «الاعتكاف»، و«الكفارة». ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فتراه يوضح كل مفردة قد تكون مبهمة لدى بعض المقلدين مثل ما ذكره عن كلمة «ضرورة الدين» و«القراءات السبعة»، «الشفق والحمرة المشرقية»، «الأداء والقضاء»، و«الاشهر الحرم» وغير ذلك كثيرا.
كما أشار في مقدمة الكتاب إلى عبارات متكررة في الكتاب وأوضح المقصود منها، مثل كلمة : الواجب، الحرام، السنن، مقدمة الواجب، الضرر، الحرج، الناسي والجاهل و)[441](.
6 ـ تفصيل البحث في بعض المسائل من الناحية العلمية أو الفقهية، فهناك المسائل التي تبتني على حسابات علمية دقيقة من رياضيات ونجوم وهندسة ولا بد من إيضاحها بمبانيها العلمية، لأنها بطبيعتها تقتضي شيئاً من التوسع حتى تصبح واضحة لدى القرّاء. ولو بقيت على إجمالها لم تكن مفيدة لكثيرين، ولذا توسّع المؤلف شيئاً ما في البحث عن معرفة أوقات الفرائض وكذا في كيفية تعيين القبلة كما بحث في رؤية الهلال (في الصوم) بحثاً علمياً عن كيفية ظهورالهلال والاختلاف بين الشهر القمري الشرعي والشهر القمري الطبيعي. وتناول أيضاً الآراء في اعتبار وحدة الأفق ـ في ثبوت الهلال ـ وعدم اعتبارها، ورجح عدم اعتبارها)[442](.
7- الاهتمام بالجانب التطبيقي للاحكام: أن الـفـتـاوى الواضحة لا تقتصر على بيان الأحكام بل تتكفل بيان التطبيقات المختلفة والحية لتلك الأحكام أيضاً. وهذا هو المهم في الرسالة العملية فيطرح السيد المؤلف الموضوع ويوضحه بمبادئه وأحـكامه العامة ثم يذكر الحالات المتنوعة والمختلفة المتعلقة بالموضوع. ولا يترك حالة معتداً بها إلاّ ويـفـصّـلها، ويذكر حكمها. وقد اختار ـ في كثير من الموارد ـ أسلوب السؤال والجواب لبيان هذه التطبيقات ولم يحرص على الاستيعاب بقدر ما حرص على الانتقاء في هذا المجال. فعمد إلى تطبيقات ملموسة حية في حياة الفرد والجماعة)[443]( وأهمل الفروع والمسائل المنسوخة التي لا قيمة عملية لها سوى أنها تمثل جزءاً من تاريخ فقهنا. وكذا لم يتطرّق إلى المسائل التي لا يتفق الابتلاء بها إلاَ نادراً.
8 ـ وضوح الفتاوى : إن أهم ما يميز الفتاوى الواضحة عن غيرها هو وضوح الفتوى. وقد يكون هو السر في اختيار اسم «الفتاوى الواضحة» لهذه الرسالة العملية وتتجلّى هذه الميزة ضمن الخصائص التالية:
أ ـ تجنبه استخدام المصطلحات الدارجة في إبراز الفتوى. الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً. فلا تجده يعتمد على الكلمات المصطلحة عند سائر الفقهاء في إظهار رأيه الفقهي: «الأقوى، لا يبعد، فيه إشكال، والأحوط خلافه و…» والسرّ هو: أن هذه الكلمات تعبّر عن خصوصية علمية في استنباط الـرأي ولا تتضمن ثمرة عملية للمكلّف إلاّ في الاحتياط اللزومي وقد نلمس التأكيد على نكتة الـصـراحة والوضوح في الفتوى في تعريف سيدنا الشهيد للكتاب فإنه يقول: «إن الفتاوى الواضحة تشتمل على أحكام ترخيصية تمثل فتاوانا وعلى أحكام إلزامية تمثل فتاوانا أو مواقع الاحتياط الـواجـب فـي نظرنا. وعلى آداب تعبّر عن فتوى او احتمال أخذ به الفقهاء»)[444]( أما الترديد والاستشكال والترجيح في مرحلة الاستنباط فموكول الى بحوثه الفقهية .
ب ـ تجنبه عن الإيجاز: فالمؤلف لا يعرض الأحكام إلاّ بكل ما تتطلبه من إيضاح وتبيين. ولا ترى في الكتاب معان مطوية في جمل موجزة .
ج ـ سلاسة التعبير. فاللفظ فصيح بكل ما للكلمة من معنى وبعيد كل البعد عن الإبهام وسوء التأليف، ولا تجد فيه أثراً من التكلّف. والعبارات والجمل المستخدمة في الكتاب كلها سهلة الفهم للقارئ العربي ولا يتحمّل القارئ عناء وجهداً في فهم العبارة)[445](.
وأخيراً بعض المقترحات
1 ـ الاستمرار على نفس المنهج الذي مثّلته الفتاوى الواضحة بكل أبعاده ومواصفاته التي سبق ذكرها، إذ لم ينجز المؤلف الشهيد إلاّ قسم العبادات من أطروحته)[446](، فيجب أن يُدرس ما تبقى من فصول المنهج ويطرح بنفس الطريقة المتبعة في الفتاوى الواضحة وهذا يتطلّب خبرات متنوعة وجهوداً غير قليلة.
2 ـ من الـضروري أن تعرض رسالة عملية موحّدة تشتمل على المسائل الضرورية الفقهية المُتفق عـليها بين مشهور الفقهاء المعاصرين ويشار إلى موارد الاختلاف في الفتوى في الهامش وهذه رسالة ضرورية للمبتدئين في التقليد.
3 ـ وضع رسائل عملية تتضمن الإجابة والحلول للمسائل الشرعية الراجعة إلى الحرف والأعمال الاجتماعية، كالأحكام الفقهية المتعلّقة بالطب والأطباء والمرضى، ومثل الأحكام الفقهية الراجعة إلى الأعمال التجارية، أو الزراعية و…
4 ـ ومن الواجب أيضاً تخصيص رسائل عملية للمراهقين والشباب والنساء للتحدّث مع كل صنف بلغته وتُطرح المسائل الخاصة بهم .
5 ـ ترجمة الرسائل العملية إلى مختلف اللغات الحيّة. وقد أصبح هذا الأمر ضرورياً بعد انتشار الـولاء لمذهب أهل البيت عليهم السلام في أقطار الأرض ولا سيما في الآونة الأخيرة وبعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران.
الشيخ مجتبى المحمودي
فقهاء النجف
والتاريخ السياسي المعاصر
واجهت الحوزة العلمية صراعاً جديداً خلال هذه المرحلة من تاريخها الذي يبدأ بدخول القوات البريطانية إلى العراق بعد الحرب العالمية الأولى عام 1333هـ/1914م. فبالرغم من أن أسلوب الحكم التركي كان متميزاً بالتعصب ضد الشيعة فإن الحوزة الدينية تناست الظلم الذي وقع عليها من قبل العثمانيين، ووجد المجتهدون أنفسهم في مواجهة مع القوات البريطانية حيث صدرت الفتاوى التي تُساند العثمانيين.
كانت سياسة العثمانيين تجاه الشيعة سياسة عدائية خلال قرنين من الزمن. وكانت العشائر العراقية تشكو من معاملة الدولة، وكثيراً ما تسبّبت بالقيام المسلح ضد الوجود العثماني. ومن واجهات هذه السياسة احتلال مدينة كربلاء من قبل الوالي نجيب باشا عام 1258هـ/1842م، وكذلك إحتلال مدينة النجف على يد سليم باشا عام 1268هـ/1852م، وإحلال الدمار في كلا المدينتين. وبالرغم من التفسيرات التي تُبرر هذين الاحتلالين إلاّ أنهما أصبحا معلمين بارزين على انتهاك المدن المقدسة الشيعية على يد الولاة العثمانيين.
ويمكن إجمال العلاقة الشيعية ـ العثمانية بأنّها لم تكن حسنة قبل هذه المرحلة؛ إلاّ أن العثمانيين لمّا أحسّوا بالخطر القادم من دخول القوات البريطانية إلى البصرة في 22/11/1914م حاولوا استمالة الفقهاء الشيعة العرب لغرض الاستفادة منهم في تعبئة العشائر العراقية. وقد أرسلت الحكومة العثمانية مندوبين عنها إلى كبار الفقهاء لهذا الغرض للتأكيد على ضرورة الدفاع عن بلاد المسلمين أمام غير المسلمين. وقد أخذ التقارب بين الطرفين مأخذه؛ حيث لم تقتصر المواجهة ضد الإنكليز على الفتاوى فقط، بل انبرى كبار فقهاء العرب إلى تعبئة العشائر والنزول إلى ساحات المواجهة كقوات شبه نظامية.
وقد شملت مناطق التعبئة كلاً من منطقة الفرات الأوسط وبغداد والكاظميّة وبقية المناطق الشيعية، كما أدت بعض فتاوى العلماء على وجوب محاربة الإنكليز مرّة، وعلى الدفاع عن البلاد الإسلامية مرة أخرى.
وبالفعل فقد تصدّى كبار الفقهاء لقيادة العشائر العراقية في مواجهة مسلّحة مع القوات البريطانية إلى جانب صفوف الجيش التركي. وكان على رأس هؤلاء السيد محمد سعيد الحبوبي (1266 ـ 1333هـ/ 1850 ـ 1915م)، والسيد مهدي الحيدري (ت: 1336هـ/1917م).
كانت القبائل الشيعية لا ترغب بمؤازرة العثمانيين أو الانضمام إليهم في حلف مشترك بسبب ما عانوه في فرض الضرائب عليهم، والاصطدام معهم في مواجهات مسلّحة. إلاّ أنّ المجتهدين العرب بذلوا جهوداً في إقناع هذه العشائر للعدول عن موقفها تجاه العثمانيين، ربّما كان ذلك خاضعاً إلى اعتقاد هؤلاء المجتهدين إلى أنّ مواجهة العثمانيين في حربهم مع البريطانيين، هي مواجهة دينية أولاً، وربّما أيضاً كانوا يعتقدون أنّ دحر القوات العثمانية في مواجهة كهذه من الأمور البعيدة في حساباتهم المنطقية.
إلاّ أن العلاقة بين العثمانيين والشيعة أخذت تضمحل بعد إندحار الأتراك في 12 ـ 15 نيسان 1915 أمام القوات البريطانية بمنطقة الشعيبة حيث تخلّت العشائر عن مساندة الجيش التركي، وتحوّلت إلى طلب الاستقلال الذاتي ومحاولة التخلص من الاحتلال التركي والبريطاني معاً)[447](.
وقد قامت الحكومة التركية على أثر هذا الفصام بحملات تأديبية في جملة من المدن الشيعية لقمع تمرّد السكان ضد المراكز الحكومية العثمانية؛ مما سبب التباعد بين الفريقين أكثر مما كان عليه في السابق. وبذلك انتهت المرحلة الأولى من مراحل الجهاد المتسمة بالمقاومة المسلّحة شبه النظامية والتعاون الوثيق بين الشيعة والعثمانيين.
ففي عام 1334هـ/1915م قام العثمانيون بإرسال قوة عسكرية لإخضاع مدينة النجف لسلطتهم، إلاّ أن النجفيين قاوموا هذه الحملة وتصدّوا لها. وبعد حرب استمرت ثلاثة أيام في شوارع المدينة إستسلمت القوة التركية وأعلن النجفيون ترؤسهم السلطة الإدارية فيها وطردوا موظفي الحكومة، وأقاموا سلطة تحت إشراف زعماء المدينة المحليين. وقد استمرت حتى قيام ثورة النجف التي حدثت بسبب ضغوط داخلية محضة ضد الإنكليز في آذار عام 1336هـ/1918م.
كما انتفض أهالي مدينة كربلاء ضد الوجود العثماني في شهر حزيران 1915، واستطاعوا طرد الموظفين الأتراك عن المدينة، وتولي إدارتها بأنفسهم.
وفي هذا السياق أيضاً في شهر تشرين الثاني عام 1916 انتفض أهالي مدينة الحلّة انتفاضة مسلحة. وقد أرسل العثمانيون قوات تقدّر بين أربعة آلاف إلى ستة آلاف شخص بقيادة عاكف باشا. وقد منع الأهالي من دخول هذه القوات عندما عسكرت بالقرب من مدينة الحلّة. وقد ادّعى قائد الحملة أن هذه القوات تهدف المرور بالحلّة إلى (الناصرية). وقد شُكّلت لجنة من كبار الشخصيات في البلدة لمناقشة هذه التطورات.
وعندما توجه كبار شخصيات الحلّة لملاقاة عاكف باشا تمكّن هذا القائد من اعتقالهم بهذه الطريقة، والتهديد بقتلهم إذا لم يستسلم الثائرون له. وكان من بين كبار هؤلاء المعتقلين السيد محمد علي القزويني (ت: 1356هـ/1937م). وبعد قصف المدينة بالمدافع تمكّنت القوات العثمانية من الاستيلاء على الحلّة. وإحلال القتل والدمار بها، وقد شنق العثمانيون عدداً من الثائرين وحملوا الكثير من النساء كأسرى)[448](.
وقد سبّبت هذه الحوادث صرخة حزن عالية في المجتمع الشيعي مما دعا زعيم الفرات السيد هادي القزويني (ت: 1347هـ/1928م) لاستنفار العشائر والزحف على الحلّة لمواجهة القوات العثمانية)[449](.
أما الأتراك فقد استعادوا نشاطهم من جديد بعد حصار القوات البريطانية بمدينة الكوت، من شهر كانون الأول 1915 حتى نهاية نيسان 1916م، واستسلام البريطانيين لهم. وقد فقد البريطانيون سمعتهم الدولية بعد هذه الواقعة ففكروا بحشد قوات جديدة لتحقيق نصر كبير يعيد لهم هيبتهم المفقودة في حصار الكوت. وقد نجحوا في احتلال بغداد بعد محاصرتها حصاراً شديداً في 11 آذار 1917 أجبر القوات التركية على الانسحاب عنها تحت قيادة الجنرال مود ـ Lieutenant General F. S. Maude الأمر الذي أنهى الحكم العثماني للعراق.
وبالرغم من تشابك الأحداث وتداخلها، إلاّ أنّ موقف المؤسسة الشيعية بقي أقرب ما يكون إلى الاستقلال، كما بقي رافضاً فكرة احتلال العراق من قِبل القوات الأجنبية، وتمثّل ذلك إبّان المواجهة بين الأتراك والإنكليز في مساعدة الأتراك بالرغم من الحوادث المؤسفة التي ارتكبها الأتراك بحقهم. كما تمثّل ذروة هذا الرفض في ثورة النجف عام 1918م، والثورة العراقية الكبرى عام 1920م المعروفة بثورة العشرين.
وقد ظهر دور الميرزا محمد تقي الشيرازي بعد هجرته من مدينة سامراء إلى مدينة كربلاء كزعيم ملأ الفراغ السياسي الديني في «المرجعية» الشيعية. وكان له دور مؤثر في الإعداد لثورة العراق الكبىر عام 1920م وتصديه لقيادتها. وقد توفي عندما كان سعير الثورة ملتهباً في 17 آب 1920م فانتقلت الزعامة إلى الشيخ فتح الله الأصفهاني المعروف بشيخ الشريعة. وبالرغم من أنّ شيخ الشريعة أصبح مشرفاً على الثورة غير أنه لم يبقَ بعدها إلاّ قليلاً؛ حيث مات في 18 كانون الأول من العام نفسه، وكان ثلاثة «مجتهدين» مرشحين بعده للمرجعية، وهم: السيد أبو الحسن الأصفهاني (1277 ـ 1365هـ/1860 ـ 1945م)، والشيخ حسين النائيني (ت: 1355هـ/1936م)، والشيخ مهدي الخالصي (1276 ـ 1343هـ/ 1859 ـ 1924م).
إن الأسباب الرئيسية التي ساهمت في اتساع المقاومة هي فشل سياسة الإنكليز في تنفيذ التعهدات التي أطلقوها وقت إحتلالهم بغداد عام 1917م من كونهم «محررين لا فاتحين» من جهة، وتفاقم نقمة الأهالي من جرّاء سياسة التعسف التي مارسها بعض الحكام البريطانيين ضدهم، من جهة ثانية)[450](.
ويذكر بعض المؤرخين أن معظم العراقيين استقبلوا الاحتلال الإنكليزي بالترحاب لشدة ما عانوه من الحكومة التركية خلال فترة الحرب من آلام. إلاّ أنهم تحوّلوا خلال سنتين أو ثلاث إلى مناوئين حقيقيين. وقد أُجملت أسباب هذا التحول بما يلي:
1 ـ إتبع العثمانيون أسلوب الحكم السائب في العراق ضمن قوانين البداوة، وعند دخول الإنكليز وضعوا منظومة قانونية أرادوا تطبيقها على الناس بالقوة هادفين في ذلك الإسراع في تغيير حركة المجتمع العراقي بالاعتماد على بعض الطبقات الاجتماعية غير المقبولة.
2 ـ التضخم المالي الحاصل من شراء الأطعمة وبناء الثكنات ومدّ الجسور والسكك الحديد؛ سبّب ظهور طبقة منتفعة أدّت إلى إلحاق الضرر بالطبقة الاجتماعية العامة التي عانت من إرتفاع المواد الغذائية حتى كاد أن يؤدي إلى مجماعة.
3 ـ عدم إدراك بعض الحكّام السياسيين ومعاونيهم من الإنكليز الذين تولّوا الحكم في مناطق متفرقة، لطبيعة المجتمع العشائري العراقي)[451](.
وبعد إخماد شرارة ثورة العشرين عملت الحكومة البريطانية على إقامة حكم يرتبط بها. وقد أضفى إعلان الانتداب البريطاني على العراق شرعية دولية بعد انتدابها من قِبل عصبة الأمم من إقامة الحكم الذاتي في العراق الذي لم يَعُدْ بعد الحرب العالمية الأولى تابعاً لسيادة الحكومة العثمانية، والتي يعجز سكانها عن إقامة حكومة لهم إلاّ بمساعدة الدول المتقدمة)[452](.
وقد أثار موضوع الانتداب وتعيين فيصل بن الحُسين (1341 ـ 1352هـ/1921 ـ 1933م) ملكاً على العراق ردود فعل من جانب العلماء. فبعد تنصيب فيصل ملكاً على عرش العراق عقدت الوزارة المؤقتة الاتفاقية البريطانية ـ العراقية، وأقرّت الانتداب البريطاني على العراق حسبما قرّر مؤتمر الحلفاء المنعقد في 25 نيسان 1920م. ووقف الشيخ مهدي الخالصي ضده، وأفتى بحرمة الدخول في أجهزة الدولة)[453](. كما صدر من السيد أبو الحسن الأصفهاني والنائيني والخالصي بيان في تحريم الانتخابات. وقد جرت حربٌ إعلامية بين الطرفين انتهت بتسفير المراجع الدينيين إلى إيران باعتبارهم غرباء ليسوا عرباً، وليس لهم حق التدخل في سياسة العراق. وكان على رأس هؤلاء السيد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ حسين النائيني، وقد أثار تهجير المجتهدين في الوسط الإيراني تهديداً للمصالح البريطانية في إيران، وكوّن تياراً مضاداً للسياسة البريطانية مما دفع البريطانيين لترتيب عودتهم إلى العراق مرة أخرى بعد موافقتهم على عدم التدخل في الشؤون السياسية. وبالفعل فقد عاد العلماء المبعدون في شهر نيسان عام 1924م.
ولم تُسجذل أيُّ أحداث مهمة إلا بعد ربع قرن من الزمن على يد الإمام السيد محسن الحكيم (1306 ـ 1390هـ/ 1889 ـ 1970م) الذي يمكن أن يكون عصره منطلقاً جديداً في تحرك المؤسسة الدينية سياسياً من خلال الأحداث الفكرية المستجدة، وتنامي الأحزاب الإسلامية، التي شهدها العراق خلال فترة الخمسينات الميلادية.
ظهور الأحزاب الإسلامية
بعد التطورات السياسية العنيفة التي عصفت بالعراق خلال الحرب العالمية الأولى بقيت المؤسسة الدينية في النجف يتقاسمها مجتهدون كبار، وكان بعضهم أمثال النائيني قد لعب دوراً مهمّاً في الأحداث التي شهدتها النجف إبتداءاً من صراع الملكيين والدستوريين وانتهاءاً بمواجهة قوات الاحتلال البريطاني للعراق. وقد تعرّض النائيني وجملة من كبار الفقهاء كالسيد أبو الحسن الأصفهاني إلى النفي والتشريد؛ إلاّ أن الظروف اللاحقة التي مرّ بها العراق تحت سلطة الانتداب البريطاني جعلت المجتهدين يؤثرون العمل الثقافي، ويبتعدون عن التدخل في الشؤون السياسية.
وكان مجتهدون آخرون قد انصرفوا منذ البداية عن الدخول في ميدان العمل السياسي ولم يكن لهم أي موقف من الأحداث المتجددة. فقد انصرف الشيخ ضياء الدين العراقي (ت: 1361هـ/1942م) عن الزعامة الدينية وآثرَ العزلة وسعى فقط إلى التدريس والتوجه إلى العلوم العقلية)[454](.
وبعد وفاة السيد أبو الحسن الأصفهاني عام 1365هـ/1945م ظهر فقهاء عديدون لكن المرحلة لم تُسجّل نشاطاً سياسياً لهم خلال أكثر من عقد من الزمن. وبعد هذه المرحلة ظهر فقيهان كبيران تصدرا الزعامة الدينية هما السيد محسن الحكيم في النجف، والسيد حسين البروجردي (1292 ـ 1380هـ/1875 ـ 1961م) في إيران.
وخلال هذه المرحلة نشطت في العراق أحزاب سياسية متعددة الاتجاهات كالحزب الشيوعي العراقي وغيره من الأحزاب القومية.
ومن منتصف القرن العشرين تم تأسيس أول حزبين إسلاميين في النجف هما «حركة الشباب المسلم»، و«منظمة المسلمين العقائديين» على يد الشيخ عز الدين الجزائري (المولود سنة 1923م) نجل الشيخ محمد جواد الجزائري، في محاولة توجيه الجهود الشابة وبلورتها في عمل منظم يهدف إلى بعث إسلامي جديد. وقد ذكر لي الأستاذ عز الدين الجزائري في لقاء معه في بيروت صيف عام 1988م أنّ الخمول الذي عاشته المؤسسة الدينية، في عدم تصديها لمواجهة حركة المجتمع هو الذي حمله على إيجاد طريقة للعمل التنظيمي يقوم بالجهود الشابة من الجيل الجديد. وقد سبّب موقف الجزائري من الطبقة الروحانية أو موقفها منه إلى عدم الاشتراك معاً في عمل واحد، لذلك لم يُكتب لهاتين الحركتين التطور المرجو منهما خصوصاً بعد ظهور حزب إسلامي جديد هو (حزب الدعوة الإسلامية) تحت إشراف نخبة من العلماء والمثقفين الشيعة.
وقد اتخذ هذا النشاط الجديد من مرجعية الإمام محسن الحكيم سنداً له خصوصاً أن هذه المرجعية، على حد تعبير السيد مرتضى العسكري أحد قادة الحركة الإسلامية في العراق، هي أفضل مرجعية يمكن التحرك من خلالها لأنها مرجعية عربية تتفهم حقيقة الصراع السياسي والغزو الفكري للبلاد الإسلامية، وللعراق خاصة)[455](.
ومن خلال هذا الحماس تأسست «جماعة العلماء» في النجف عام 1958م، أي بعد قيام ثورة 14 تموز 1958م التي قوّضت الحكم الملكي بالعراق، وأبدلت الحكم الجمهوري به. وقد رأس هذه الجماعة المجتهد الشيخ مرتضى آل ياسين. ولم يكن هدف عمل «جماعة العلماء» منصباً على تأسيس هيئات ولجان بقدر ما ان يهدف إلى العمل الثقافي المتمثل بإقامة احتفالات بمناسبات دينية مختلفة، وبإصدار مجلة ثقافية هي مجلّة الأضواء عام 1960 التي تعبّر عن آراء هذه الجماعة.
وقد تصدّت هذه المجلّة إلى الأفكار الماركسية. وكان كتاب (فلسفتنا) و(اقتصادنا) اللذان كتبهما السيد محمد باقر الصدر، من إفرازات هذه المرحلة، واللذان نالا شهرة واسعة ليس في العراق فحسب، بل في بعض أقطار البلاد العربية والإسلامية على السواء.
وبالرغم أنّ السيد محمد باقر الصدر لم يكن عضواً رسمياً في جماعة العلماء يومذاك إلاّ أنه كان فاعلاً في وسط الجماعة من خلال خاله مرتضى آل ياسين الذي يرأس هذه الجماعة. وكان الصدر يكتب مقالات ومنشورات جماعة العلماء، وأكثر المقالات التي كتبت بعنوان (رسالتنا) في مجلة الأضواء)[456](.
وقد نال الفكر الإسلامي السياسي الجديد قبولاً في أوساط الحوزة وكانت كتابات الصدر تعتبر قفزة في الفكر الفقهي السياسي الذي لم يكن له إمتداد بعد رسالة النائيني حول شكل الحكومة الإسلامية.
وقد ظهر نشاط الصدر في هذه المرحلة بشكل واسع؛ ونتيجة لذلك أُعلن رسميا ًعن تشكيل حزب (الدعوة الإسلامية) عام 1959م. وقد انخرط بعض طلاب الحوزة في صفوف الحزب بفعل تأثيره عليهم.
أما الإمام محسن الحكيم فلم يُقاوم العمل الحزبي، وربما كان يعتبره ضرورة من ضرورات المرحلة التي مرّ بها العراق يومذاك؛ إلاّ أنه لم يحبّذ أن يكون على رأس هذا العمل، هو ومَن ينتمي إليه بصلة قربى؛ لأن رؤيته كانت تعتبر وظيفة المرجع لا تنحصر بقيادة حزب بل تشمل نطاقاً أوسع من ذلك إلى قيادة جميع الحركات الإصلاحية دون التمييز بين العمل الإصلاحي المنظم أو غير المنظم.
أما مظاهر الحركة الإسلامية فقد بدأت تظهر منذ عام 1960م وهي تعتمد في تحركها على إتجاهين:
الأول: مجابهة السلطة السياسية عن طريق إقامة الاحتفالات وإحياء المناسبات الدينية العامة واختيار المتحدثين لعرض الوضع السياسي، ومطاليب المرجعية التي تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية للمجتمع العراقي.
الثاني: تهيئة (كادر) مثقف لتحقيق الدور القيادي للعمل في الساحة العراقية، وذلك:
1 ـ تشجيع الهجرة إلى النجف، والدراسة الدينية فيها.
2 ـ إقامة الدورات الثقافية الإسلامية لتخريج طلبة العلوم المزوّدين بالثقافة الحديثة. وقد أصبح أغلب المتخرجين من هذه الدورات وكلاءاً عن المرجعية في أغلب المدن العراقية.
3 ـ تشجيع الحركة الفكرية بتهيئة وسائل الثقافة كتأسيس المكتبات العامة في أغلب المدن.
4 ـ العمل على استحداث مدارس وجامعات رسمية ككلية الفقه بالنجف وكلية أصول الدين ببغداد)[457](.
مرّت مرجعية الحكيم والحركة الإسلامية بمراحل ثلاثة خلال العهد الجمهوري:
1 ـ مرحلة حكم عبد الكريم قاسم (1958 ـ 1963م): وتميزت بتصاعد الصراع بين الاتجاه القومي والشيوعي. وظهر الشيوعيون كقوة سياسية لم يكن قاسم مؤيداً لها. وقد اتسم حكم قاسم بالضعف لعدم وجود قوة يرتكز عليها حكمه.
وبالرغم من تأييد السيد محسن الحكيم لهذا الحكم بادئ الأمر، إلاّ أنه عارضه في أمور متعددة خصوصاً بعد تصاعد نشاط الحزب الشيوعي، حيث أصدر فتوى صرّح فيها أن «الشيوعية كفرٌ وإلحاد» استغلّتها الأوساط المناوئة للحكم وراحت تبشّر بها. وذكر المحامي صادق البصّام أن الشيوعيين لعبوا دوراً هاماً بعد إنقلاب تموز عام 1958، وكان لهم وجود في الشارع العراقي، وأن عبد الكريم قاسم لم يكن قد تولّى أمر الحكم بحزم، «وإنّما بالانقلاب العسكري، لذا لم يكن قادرا ًعلى الحد من نشاطهم»)[458](.
وقد حاول قاسم أن يتجنّب الاصطدام مع قوة الحكيم التي تقف خلفها قوى سياسية متنافرة. كانت بمجموعها تهدف إلى إسقاط حكمه. إلاّ أن الحكيم بقي على موقفه المناوئ من الحكم مهاجماً الدولة على سنّها القوانين التشريعية المخالفة لقوانين الإسلام حتى سقوط قاسم في 8 شباط 1963م.
2 ـ مرحلة حكم عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف (1963 ـ 1968م): شهدت هذه المرحلة نشاطاً ثقافياً عاماً استفادت منه الحركة الإسلامية بالامتداد الواسع في أوساط الطبقة العراقية المثقفة، خصوصاً في مرحلة حكم عبد الرحمن عارف الذي إتسمَ حكمه بالحرية المطلقة لكافة الشرائح العراقية.
3 ـ مرحلة وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1968م حتى وفاة الحكيم عام 1970م. بدأت في هذه المرحلة المجابهة بين السلطة الحاكمة، والحوزة الدينية بشكل مباشر وعنيف. وكان من أولويات السلطة الوقوف ضد التيار الديني وضرب المرجعية المتمثلة بالإمام الحكيم. وقد حدثت اعتقالات في صفوف الحركة الإسلامية، كما أُلقي القبض على عدد من الشخصيات الشيعية، وزُجّ بهم في السجن، ثم إعدام مجموعة منهم تحت أعذار كان على رأسهم عبد الحسين جيته، وعبد الهادي البجاري)[459](.
وقد تمثّلت مظاهر التصدي للحوزة العلمية في النجف بعمليات تهجير لطلبة العلوم الدينية غير العرب، واعتقالات شملت الشخصيات الشيعية المعروفة في العراق.
وفي عام 1969 قرّر الإمام السيد الحكيم السفر من مقره في مدينة النجف إلى بغداد العاصمة في محاولة لإظهار سخطه على ممارسات الدولة التعسفية تجاه الشعب العراقي، ولإعطاء أولئك القادة في الدولة انطباعاً بقوة معارضته واتساع قاعدته الشعبية.
وقد حشَّد (وكلاء) الإمام الحكيم، وكبار قادة الأحزاب الإسلامية طاقاتهم في تعبئة قطاعات كبيرة من المجتمع العراقي في مختلف مناطقه لزيارة الإمام الحكيم في منطقة (الكاظمية) وتقديم ولائهم له في محاولة لإظهار القاعدة الشعبية الواسعة أمام الدولة التي تقف المرجعية عليها.
وقد قدّم الإمام الحكيم للدولة مجموعة من المطالب، كان يهدف منها قيام الدولة بالتفاوض معه، ومن تلك المطالب: ـ
1 ـ عدم احتجاز أو سجن أيّ مواطن دون متابعة قانونية صحيحة سليمة.
2 ـ إيقاف النشاطات بخصوص أولئك المتحدّرين من أصول إيرانية، الذين هم من طلاب العلوم الدينية.
3 ـ إطلاق سراح المسجونين السياسيين.
4 ـ التوقف عن القيام بالعقوبات الجسدية والكف عن الإعدامات المتكررة.
غير أنّ الحكيم لم يُصب هدفه بعدم وصول أي مسؤول حكومي للتفاوض معه؛ فاختار أن يُقام اجتماع جماهيري كبير يشارك فيه جميع العلماء وممثليهم من المناطق الشيعية المختلفة إظهاراً للقوة، وإجبار الدولة للتسليم بمطاليبه.
إلا أن هذه الخطة أُجهضت حيث اتّهمت وسائل الإعلام الحكومية السيد مهدي إبن الإمام الحكيم بالتجسس؛ الأمر الذي سدد ضربة قاصمة للتحرك باختفاء القواعد الشعبية التي إعتمد عليها الحكيم بشكل غير مُتوقع.
رجع الإمام الحكيم إلى مقرّه بالنجف مرة أخرى، ولم يكن رجوعه نهاية المطاف فقد كان يحسب للفشل حسابه.
كان الحكيم يعتقد أنّ تحركه كان ضرورياً في مهاجمة الدولة، التي عزمت على ضرب المرجعية عاجلاً أم آجلاً لأن المرجعية إذا ضُربت وهي متحرّكة أفضل بكثير من ضرب المرجعية وهي ساكنة.
وكانت هذه الحادثة أول مواجهة سياسية بين الدولة والحوزة العلمية بالنجف إنتهت بهزيمة الحوزة هزيمة نكراء.
البرنامج السياسي للإمام الحكيم
إتخذ الإمام محسن الحكيم في تحرّكه السياسي برنامجاً سياسياً محدداً يقوم على محورين؛ سياسي وعسكري في آن واحد، وكانت نظريّته تعتمد هذه المحاور:
1 ـ تهيئة مجموعة من رجالات الشيعة العسكريين والسياسيين ليكونوا واجهةً للتحرك الإسلامي. كان على رأس المجموعة الأولى العميد الركن رشيد الجنابي، وهو من الشخصيات الشيعية المعروفة، وله اتصالات مع أوساط العشائر الجنوبية بالعراق.
أما المجموعة السياسية فقد كان على رأسها الشيخ محمد رضا الشبيبي الذي يعدّ واحداً من أقطاب السياسين العراقيين.
2 ـ قيام مؤسسات أكاديمية وثقافية لتخريج الطليعة الشابة المثقفة، وكان صاحب فكرة تأسيس (جامعة الكوفة)، ودعم كليتي الفقه في النجف وأصول الدين ببغداد.
3 ـ الاتصال الخارجي بالحكومات والشخصيات الإسلامية والعربية كقوة داعمة لتحركه السياسي في العراق كشاه إيران محمد رضا بهلوي، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، والملك حسين ملك الأردن، والقيادات السياسية في لبنان، والملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية.
وكان من مظاهر هذه الصلة قبول المذهب الجعفري في الأزهر كمذهب إلى جانب المذاهب السنيّة الأخرى، وتخفيف الضغط العام على الشيعة في السعودية، والضغط على شاه إيران بقبول بعض المبادئ التي كانت الجماهير الإيرانية تطمح إليها كإطلاق سراح العلماء المعتقلين في السجون الإيرانية، وتشجيع الحوزة العلمية.
4 ـ الاهتمام بالقضايا العربية من خلال إحيائها بالمهرجانات الشعبية في مختلف مدن العراق المتعلقة بفلسطين والجزائر والمغرب وقضية قناة السويس في مصر وغيرها)[460](.
وحين وصول حزب البعث إلى الحكم عام 1968م أعتقل رشيد الجنابي وبقي مسجوناً حتى أعدم عام 1970م مع (45) شخصاً)[461](.
إنّ فشل الإمام الحكيم في تحركه السياسي ربّما يُعزى إلى سببين:
الأول: اختلاف وجهات نظر القياديين الإسلاميين في العمل السياسي؛ حيث كان العمل يسير باتجاهات: اتجاه حزب الدعوة، اتجاه المستقلين، الاتجاه الذي يجمع بين التفكير المُستقل والحزبي. من هنا لم يُتّفق على واجهة سياسية محددة في العمل؛ لأن الفكر الحزبي لم يكن مهيئاً للحكم وكان الاتجاه المستقل يرى أن التحرك يجب أنا يكون بعيداً عن استلام السلطة، والاتجاه الوسط هو الذي يرى إمكانية الجمع بين التوعية الجماهيرية العامة والعمل للوصول إلى الحكم.
الثاني: استئثار الخط الديني بالعمل السياسي، وعدم فسح المجال لغير الروحانيين بالتصدي للقيادة السياسية، مما سبّب حسر الشخصيات العراقية عن هذا التوجه)[462](.
زعامة الخوئي الدينية
بعد وفاة الإمام محسن الحكيم سنة 1390هـ/1970م تقاسم المرجعية بعده أكثر من فقيه. وقد ترددت بين السيد محمود الشاهرودي (ت: 1396هـ/1976م)، وبين السيد أبو القاسم الخوئي (94) عاماً، وهو مقيمٌ بمدينة النجف اليوم عام 1991م).
إلاّ أن زعامة الشاهرودي لم تمتد في أوساط العرب بشكل واسع مثلما امتدّت زعامة الخوئي. كما لم يحصل على نسبة من المقلدين من غير العرب مثلما حصل الخوئي عليها بفضل الدعاية المنظمة التي رافقت ترشيح الإمام الخوئي للمرجعية.
وقد تميّز السيد الخوئي عن بقية الفقهاء بأنه صاحب مدرسة عقلية خرّجت مجموعة كبيرة من المجتهدين ربّما لم يجتمع ذلك لفقيه إمامي قبله في تاريخ الزعامة الشيعية. والسبب في ذلك أنّ الخوئي سعى لتخريج (نخبة) عالية من الطلاب خلال أكثر من نصف قرن، تأثروا بمدرسته الفكرية، وكتبوا تقريرات بحوثه في علمي الفقه والأصول. كما لعبت مجموعة من تلامذته أدواراً سياسية متميزة كالدور الذي لعبه السيد محمد باقر الصدر في العراق، والشيخ محمد سَرْوَر واعظ في قيادة الفصائل الأفغانية ضد الاحتلال الروسي)[463](.
كان الخوئي قبل وصوله إلى زعامة الطائفة يُوصف بأنّه من «كبار مدرسي الحوزة العلمية». وبعد تسلّمه الزعامة لُقّب «بزعيم الحوزة العلمية»، ثم لُقب (بالإمام).
ويُعيدُ عصر الخوئي عصور الازدهار العقلي لمدرسة الاجتهاد أيام المحقّق الحلّي في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، والأنصاري أواخر القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي. وكانت له قبل توليه الزعامة الروحية مواقف عارض فيها سياسة الحكم الملكي الإيراني أيام الشاه محمد رضا بهلوي شاه إيران (ت: 1390هـ/1980م)، وقد نشر عام 1382هـ/1962م تصريحات في هذا الشأن.
كما حمل السيد الخوئي في شبابه نظرات إصلاحية تتعلق بإصلاح الحوزة الدينية، حيث فكّر في الأربعينات الميلادية بإعادة إحياء المركز الدراسي بمدينة كربلاء، حيث استقرّ هناك للتدريس. إلاّ أنه لم يحقّق نجاحاً في هذا المضمار، فرجع إلى النجف مرة أخرى. أمّا بعد توليه الزعامة فلم يُؤثر عنه العمل السياسي.
عاصر الخوئي مرحلة حرجة في تاريخ العراق الحديث منذ بداية السبعينات الميلادية وبعد قيام الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام روح الله الخميني (ت: 1409هـ/1989م) وتبدّل الأوضاع السياسية في العراق بشكل حاد.
وعند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 سعت الحكومة العراقية إلى استحصال تأييد رسمي من حوزة النجف المتمثلة بالإمام الخوئي ضد القيادة الدينية المتمثلة بالإمام الخُميني. إلاّ أن الخوئي لم يتدخل في الوضع السياسي القائم في كلا الدولتين، وبقي محتفظاً باستقلالية الحوزة العلمية في النجف مجنّباً إياها الدخول في صراع كهذا.
وقد تحمّل من جرّاء موقفه هذا ضغوطاً من جانب الحكومة العراقية انتهت بقتل مجموعة من تلامذته. إلاّ أن موقفه بقي ثابتاً في عدم إدانة الثورة الإسلامية الإيرانية وزعيمها الإمام الخميني، أو حتى استصدار (فتوى) تتعلق بالقتال بين الطرفين. وكأنّ الظرف الذي حتّم على الخوئي تجنب السياسة في العراق هو في حدّ ذاته أجبره على إتخاذ نوع آخر من السياسة لتجنب الصراع بين «المرجعيات» الكبيرة، كالذي حصل بشكل حاد بين القطيفي والكركي (في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي)، أو بشكل أقلّ منه بين اليزدي والخراساني (في القرن الرابع عشر/العشرين الميلادي) خلال صراع الحركة الدستورية مع الملكيين.
مرجعية الإمام الصدر
ظهر الإمام محمد باقر الصدر (1353 ـ 1400هـ/1935 ـ 1980م) كعالم كبير بدأ يترقّى (مقام) المرجعية الدينية بقوة، بالرغم من مرجعية أستاذه الإمام الخوئي المطلقة. وكان الصدر مؤهلاً في فترة وجيزة لتسلّم زعامة العالم الشيعي لولا مقتله عام 1400هـ/1980م. وقد كان هدفه تأسيس مرجعية دينية عليا مواكبة للأحداث السياسية بشكل عام، والتي تعتمد على الدعم الشعبي لها.
إن المرحلة التي عاصرها السيد محمد باقر الصدر تعتبر من المراحل المتميزة في تاريخ المرجعية الدينية التي تبدأ بمواكبة التحرك السياسي الإسلامي في العراق منذ الخمسينات الميلادية وتنتهي بمقتله بعد ظهور الثورة الإسلامية في إيران.
وينصبُّ جهد الصدر على مخطط يهدف إلى قيام (مرجعية رشيدة) مواكبة للأحداث، وخلق طبقة شعبية مساندة تعتمدها المرجعية الدينية في تحركها السياسي.
من هنا يمكن تقييم دور الصدر من خلال ثلاث مراحل:
1 ـ دوره في ظل مرجعية الحكيم (1960 ـ 1970م).
2 ـ دوره في ظل مرجعية الخوئي (1970 ـ 1978م).
3 ـ مرحلة المواجهة مع السلطة السياسية وتصديه للمرجعية الدينية العليا، حتى مقتله عام 1980م.
وقد سبقت الإشارة إلى دوره في ظل مرجعية الحكيم، واعتماده في بنائه على الطبقات المثقفة، ثم المشاركة في مقاومة التيارات الفكرية الوافدة من خلال العمل المشترك لجماعة العلماء في النجف، والتي كانت برئاسة خاله الفقيه الكبير الشيخ مرتضى آل ياسين.
فخلال زعامة الحكيم كان نشاط الصدر مُحدداً في المشاركة في توجيه الكوادر المثقفة، والوقوف بوجه الأفكار الماركسية. وقد أنتجت هذه المرحلة كتابات مقارنة في الفلسفة والاقتصاد كان لها دورٌ كبير في مقاومة إمتداد الأفكار الشيوعية في العراق من جهة، والأفكار الرأسمالية الغربية من جهة أخرى.
دور الصدر في ظل مرجعية الخوئي
كانت الفترة التي شهدتها زعامة الإمام الخوئي منذ بداية السبعينات الميلادية فترةً عصيبة في تارخي المرجعية العليا، وكان في وسع الخوئي أن ينتهج نهج سلفه الحكيم في إنتهاجه موقفاً قوياً من السلطة، إلا أنه آثر عدم المجابهة؛ ربّما كان ذلك يعود إلى فشل تجربة الحكيم في نزاله السياسي مع السلطة، أو خشية بعض المحيطين به من أفراد (الحاشية) من الطرد خارج العراق في حالة القيام بنشاط سياسي مُعاد للسلطة، لأنهم ليسوا عراقيين.
وكانت الظروف التي تعيشها الحوزة العلمية النجفية حرجة تحتاج إلى رأي؛ إلاّ أن الخوئي برهن على أنه رجل (فتوى) وتدريس وليس رجلاً ذا رأي سياسي. لذلك ظهرت منطقة (فراغ) في المرجعية لم تكن تلتئم إلاّ بوجود (مرجع) يرتفع بمستوى الحدث الذي تشهده تلك المرحلة.
وكان دور السيد محمد باقر الصدر في هذه المرحلة هو (التهيئة) للمرجعية من خلال مواصلة نشاطه العلمي من التأليف والتدريس وحفظ الحوزة العلمية من هجمات التفتيت. لذلك لم يتصدّ للمرجعية الدينية في السنين الستة الأولى من مرجعية الخوئي بل بقي يمارس نشاطه العلمي، فأصدر مجموعة من المؤلفات المهمة في الفقه والأصول، ونشر رسالته الفقهية التي تتضمن الأحكام الشرعية بشكل مُبسط، والتي أطلق عليها إسم (الفتاوى الواضحة). كما نشر قبلها تعليقات فقهية على كتاب (منهاج الصالحين) للإمام الحكيم كرسالة فقهية يرجع المقلدون إليها.
وقد فُسّر نشاطه العلمي هذا، وإصداره (الفتاوى الواضحة) على أنه تصدٍ منه للمرجعية الدينية العليا التي يتزعمها أستاذه الخوئي. ولكي تبقى الصيحات المناوئة التي تصل سمع الخوئي خافتةً، أكد الصدر على «التفريق بين الفتيا في المسائل الدينية التي هي حق لكل مجتهد، وبين الالتزام بمتطلبات المرجعية التي يتفرّد بها مجتهد واحد»، كما ذكر «إنّ تفتيت الشمل المجتمع في المرجعية العليا، وتمزيق كلمتها عملٌ غير جائز»، وهو بذلك أراد أن يسكت المتنفذين في (جهاز) مرجعية الخوئي من العمل على إثارة الخلاف بينه وبين أستاذه)[464](.
أمّا السبب الحقيقي الذي يقف حول عدم تصدّي الصدر للزعامة خلال هذه الفترة فهو يرجع إلى أمرين:
الأول: موقف النظام «البعثي» المناوئ منه، والمتمثل بمحاربة أطروحاته الفكرية ومنع كتبه من الانتشار، والتضييق عليه، وعلى تلامذته، وتهديدهم بالسجن. وقد تعرّض الصدر نفسه للتهديد أكثر من مرة، واعتُقل كذلك أكثر من مرة.
الثاني: الموقف السلبي للحوزة العلمية منه. وترجع معارضة بعض الأفراد المتنفذين في هذه الحوزة إلى وقت مبكر من تاريخ نشاطه العلمي والسياسي نظراً لتصوراته المحددة التي سعى من خلالها إلى تطوير الأعراف التقليدية السائدة في أوساط (الحوزة) العلمية. أو ربمّا كان ذلك بسبب فقدان منافعهم فيما إذا استطاع الصدر الوصول إلى (المرجعية).
وقد ساء الموقف أكثر عندما توقف الصدر عن إلقاء دروسه العالية عام 1395هـ/1975م في محاولة منه لكي يجذب اهتمام أستاذه الإمام الخوئي للأسباب التي دعته إلى مثل هذا القرار. وكأنه أراد أن يرسل رسالة غير مباشرة لأولئك الذين يحيطون بمرجعية الخوئي لإيقاف الإشاعات ضد تلامذته، والعمل السياسي المخالف لسياسة الدولة. وقد عاد إلى التدريس ثانية بتدخل أستاذه الخوئي.
صادف مجيء الشيخ محمد جواد مغنية الكاتب الإسلامي من بيروت إلى النجف، وقد تكلم في محضر الصدر بداره الواقعة بالنجف في مجلس عام (كان كاتب هذه السطور من حُضاره)، وطلب منه العدول عن قراره في تعطيل دروسه الدينية، إلاّ أن الصدر كان يصرُّ على معالجة مشكلة يتعرض لها هو وتلاميذه وحضّار بحثه لإلصاق التهم من قُوى (روحانية) متنفذة، وكان ذلك باعتقاده، مؤشراً خطيراً يسبب تآكل الحوزة العلمية من الداخل. كما كانت الدولة بدورها تشكّل عامل ضغط وتهديد له ولطلاب مدرسته الفكرية.
التصدي للمرجعية الدينية العليا
(مرحلة المواجهة مع السلطة السياسية)
أحسّ الصدر منذ عام 1397هـ/1977م إنّ المرجعية الدينية المتمثلة بالخوئي لا يمكن أن تجابه أحداث الصراع الذي يمرّ به العراق السياسي في هذه المرحلة نظراً لإمكانات الخوئي الذاتية وانشغاله بالتوجه العلمي المحض من جهة، والجهاز المتنفّذ بمرجعيته من جهة ثانية. ولمّا لم يكن أحد باستطاعته ملء الفراغ السياسي المرجعي، تصدى الصدر هو بنفسه إليه. وكانت المجابهة بينه وبين (الجهاز) المُتحكم بمرجعية الخوئي قد حُسمت بعدما أظهر هذا «الجهاز» مواقفه السلبية الصارخة منه ووقوع القطيعة غير المعلنة من الطرفين)[465](.
يمكن إجمال الاختلاف بين شخصية السيد محمد باقر الصدر، وشخصية السيد أبو القاسم الخوئي فيما يلي:
1 ـ ينحدر السيد الصدر من أسرة عريقة تولّى الكثير من أفرادها الزعامة الدينية والسياسية للطائفة. أما الإمام الخوئي فلم يكن له إمتداد تاريخي أُسري، بل عرفت أُسرتُهُ به.
2 ـ عُرفَ الصدر بكتاباته الفكرية قبل أن يُعرف كمرجع ديني، أما الخوئي فلم يُعرف في الأوساط العامة إلا بعد تسلّمه للمرجعية الدينية. فقد كانت شهرته مقتصرةً في نطاق الحلقات الدراسية في النجف والأوساط العلمية الأخرى.
3 ـ كان السيد محمد باقر الصدر صاحب مشروع إسلامي مُتكامل، وقد تنوعت عطاءاته الفكرية بسبب هذا (المشروع) في مجال الفلسفة، والاقتصاد، والاجتماع. كما وظّف الفقه توظيفاً معاصراً إستمدّ منه نظريته في (البنك اللاربوي في الإسلام).
أمّا في المجال السياسي فقد شارك في وعي المثقفين وتوجيه كوادر الحزب بعد إزدياد نشاط الحزب الشيوعي وامتداده في طبقات المجتمع بشكل عام، والشيعي بشكل خاص، (وفي مدينة النجف بالذات).
إلا أن نظريته بشأن العمل الحزبي تغيّرت، وقد أصدر في عام 1974م فتوى منع طلبة العلوم الدينية من العمل في صفوف الأحزاب الإسلامية.
4 ـ تعدد المنابع الثقافية عند الصدر؛ حيث كان قد انفتح على تيارات عصره وما شاع من توجهات فكرية، كما اطّلع على أفكار الفلاسفة الغربيين وناقش نظرياتهم)[466](.
الثورة الإسلامية في إيران
بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية في شباط 1979م اهتزَّ الوسط العراقي لها بشكل خاص. وكان تأثير النجاح الذي حققه الإمام الخميني كزعيم، روحي قد أعاد الحسابات الخاطئة التي كان يحملها العراقيون وغيرهم تجاه المؤسسة الدينية وقدرتها على المجابهة السياسية.
بدأ التحرك الشعبي في العراق يُعبّر عن تأييده ومؤازرته للعلماء وبدأت الجماهير تعكس ذلك على تأييد النجف والإقبال على الصدر باعتباره مرجعاً متجاوباً مع الطموح العام للحركة الجماهيرية.
وتجاه التغيرات المستجدة في الوضع الداخلي العراقي واجهت الحكومة العراقية مأزقاً حاداً حاولت العمل على احتوائه. فقد سعت إلى إظهار العواطف الدينية عبر وسائل الإعلام، وتعيين أئمة مساجد موالين لها. كما قامت بالالتفاف على العشائر العراقية والمناطق الشيعية واستمالتها بالمشاريع الإصلاحية، وتوزيع الهدايا عليهم.
إلاّ أنّ الأحداث التي أخذت تسير بسرعة لم تمنع الدولة من التربص بالمرجعية المتمثلة بالصدر، والسعي إلى تهميشها.
وكان الوجود القوي في النجف ينحصر في (الصدر) الذي بدأ يحس أنه لا يمكن إلا أن يكون على رأس الأحداث القادمة، وأن النظام العراقي لا بد أن يسعى للتخلص منه. لذلك بادر على وفق ما تتطلبه وظيفته الدينية باتخاذ موقف صلب ظهر من خلال فتاواه في تحريم الانتماء إلى حزب البعث (حزب السلطة الحاكم)، وتحريم الصلاة وراء أئمة المساجد الذين لم يحصلوا على تخويل من (المرجعية) في النجف. كما بادر في ذلك الوقت باستحداث وسائل جديدة للتحرك السياسي تشمل الصعيد (الحوزوي) والتنظيم الإسلامي، وحثّ العناصر الموجودة خارج العراق للعمل على دعم هذا الصراع.
فعلى مستوى (الداخل) أخذ بإرسال (الوكلاء) الروحانيين إلى مناطق مختلفة من العراق، وقام بالاتصال مع المثقفين الإسلاميين والحزبيين والجامعيين خارج العراق. وعلى مستوى (الخارج) فتح قنوات اتصال مع علماء لبنان الشيعة لغرض القيام بالتغطية الإعلامية.
أما لماذا بادر الصدر إلى مواجهة شاملة مع السلطة مع علمه أن إمكانية نجاح المواجهة أبعد ما تكون عنه؟!
فالجواب على ذلك: إنّ مبادرة الصدر تنحصر في نقطتين:
الأولى: ظهوره كقوة شعبية مؤثرة تضطر السلطة للتفاوض معه. وكان قد حدد مطالبه في البيان الأول الذي وجهه إلى الشعب العراقي في 20 رجب 1399هـ/16 حزيران 1979م، والتي تنصّ على:
1 ـ إطلاق حرية الشعائر الدينية.
2 ـ إيقاف حملات الإكراه على الانتساب إلى حزب السلطة الحاكم (حزب البعث).
3 ـ الإفراج عن المعتقلين، وإيقاف حملات الاعتقال التي تجري بصورة منفصلة عن القضاء.
4 ـ إجراء انتخاب حرّ ينبثق عن مجلس حرّ يمثّل الشعب)[467](.
الثانية: تطبيق نظريته القائلة أن (ضرب المرجعية وهي متحركة أفضل من ضربها وهي ساكنة)، وهو نفس المفهوم الذي انطلق منه الإمام محسن الحكيم في مجابهة السلطة نفسها قبل ما يقرب العقد من الزمن.
وهو بذلك أراد إفهام النظام بوجهة نظره أن المرجعية ما دامت في حالة غير فاعلة فيجب أن لا تواجه أو تتحطم على حالتها هذه. وعلى عكس ذلك فالمرجعية يجب أن تبرهن على فاعليتها، فإن تحطمت فإنها تتحطم وهي في حالة قوة ومنازلة.
ولمّا أحسّ الصدر أن الشرط الأول لا يمكن أن يتحقق نظراً للعنت الذي تمارسه الدولة في القضاء على خصومها الفكريين والسياسيين سعى إلى المجابهة الشاملة التي كان يعلم مسبقاً أنه أول مَن سيدفع ثمنها.
وقد اقترن تحركه السياسي على مبررات فكرية (نظرية) وضع أسسها بمحاضرات ألقاها على تلامذته من طلبة العلوم تحت عنوان: «محاضرات في التفسير الموضوعي للقرآن» حدد من خلالها مبررات الصراع التاريخي وشرائط النصر. وقد اختار موضوع «سنن التاريخ في القرآن» سلسلة انتهت في أربع عشرة محاضرة.
بدأ الصدر بإلقاء هذه الدروس بعد شهرين فقط من انتصار الثورة الإسلامية في إيران على طلبة العلوم الدينية في النجف لمدة سبعة أسابيع، وقد تمت في 5 رجب 1399هـ/1 حزيران 1979م)[468](، وكان عدد الحاضرين لاستماع هذه الدروس يقارب المائة والخمسين طالباً.
وبالرغم من أن هذه المحاضرات فُسّرت بأنها جزءٌ من نظرية في تفسير القرآن، إلاّ أنها شملت أبعاداً كان الصدر نفسه محورها. وكان قد طرح فيها رؤية مستقبلية لحركة التاريخ الذي أحسّ أنه سيكون المحرك له بعد مقتله. لذلك جاءت هذه الدروس مستنطقة أحداثاً كان قد انتزعها الصدر من التاريخ الإسلامي ليحكي من خلالها طبيعة المرحلة التي عاصرها.
وقد تقرّرت في حسابات السلطة حقائق ثلاثة:
1 ـ إن نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني قدم الدليل على إمكانية نجاح ثورة مماثلة في العراق يقودها السيد محمد باقر الصدر.
2 ـ إن الشارع الإسلامي في العراق مرتبط به.
3 ـ إن القوى السياسية تم تصفيتها من قبل السلطة، ولم تبقَ إلا قوة التيار الديني الذي يتخذ من الصدر رمزاً لتحركه.
لذلك بادرت السلطة إلى اعتقال الصدر في 16 رجب 1399هـ 12 حزيران 1979، ونقله إلى أحد معتقلات بغداد.
أثار خبر اعتقال الإمام الصدر موجة غضب؛ حيث اندلعت مظاهرات في أغلب المدن العراقية، بادرت السلطة على إثرها إلى إطلاق سراحه في اليوم نفسه، والعمل على ترحيل المواجهة معه، حيث بدأت باعتقال رؤساء (الوفود) من العلماء، وعشرات الألوف من الشباب العراقي. وفرضت عليه الإقامة الجبرية في شهر حزيران 1979م إلى شهر نيسان من العام 1980م.
وجد النظام العراقي نفسه في موقف حرج، وقرر التعامل مع العناصر التي تؤيد الإسلاميين بقسوة. وقد أصدر قراراً (رقم 461) في 31 آذار 1980م بموجبه يعاقب كلّ مَن انتمى إلى حزب الدعوة بالإعدام، وبأثر رجعي.
وبهذا القرار أراد النظام أن يشيد قاعدة صلبة لاتهام الصدر بالخيانة لغرض التخلص منه.
ومنذ فترة اعتقال الصدر في 16 رجب حتى شهر شعبان كانت هناك بوادر لتسوية النزاع بين السلطة والمرجعية. وقد أبدى مدير الأمن العراقي فاضل البراك في مكالمة هاتفية مع الصدر إستعداده لإغلاق ملف الخلاف. وكانت الحكومة قبل أيام من هذا الاتصال قد أعدمت مجموعة كبيرة من العلماء والشباب العراقي، وأودعت الآلاف في السجون والمعتقلات. وكأن هذه البادرة كانت من طرف الدولة فقط، حيث أرادت أن تفرض شروطها على الصدر فخيّرته بالاستجابة إلى أحد مطاليبها المتعلقة بسحب فتواه في تحريم الانتماء إلى حزب السلطة الحاكم (حزب البعث)، أو شجب الثورة الإسلامية، في إيران.
ولمّا كانت هذه الشروط تتنافى مع التصور الذي يحمله الصدر؛ فإنه خيّر نفسه بين التخلي عن مبادئه التي دافع عنها طوال سني حياته، وبين (القتل) الذي فرضته الدولة عليه، فاختار الموت.
أصدر الصدر بياناً إلى الشعب العراقي يدعوه للثورة على النظام، جاء فيه: «على كل مسلم في العراق وعلى كل عراقي خارج العراق أن يعمل كل ما بوسعه، ولو كلّفه ذلك حياته من أجل إدامة الجهاد والنضال لإزالة هذا الكابوس عن صدر العراق وتحريره من العصابة اللاإنسانية وتوفير حكم صالح فذّ شريف طيّب يقوم على أساس الإسلام». كما ذكر في بيانه تصميمه على الشهادة، وقال: «لعلّ هذا هو آخر ما تسمعونه مني»)[469](.
وكان الصدر بعد إطلاق سراحه قد فُرضت عليه الإقامة الجبرية، ولم يُسمح بالاتصال معه، وبقي أكثر من ثمانية أشهر يُعاني من وضع إرهابي شديد.
وبعد أن شعرت السلطة بزوال خطر القواعد الشعبية نقلت الصدر إلى أحد معتقلات بغداد في 5 نيسان 1980م، وقتلته في 8 نيسان 1980م تحت طائلة التعذيب هو وأخته الكاتبة الإسلامية آمنة الصدر المعروفة ببنت الهدى.
إن مقتل الصدر كان خاضعاً لاعتبارات كثيرة منها: أن وجوده كان عقبة حقيقية من الناحية الفكرية أمام أطروحة الدولة الفكرية (العلمانية). وكان الفرد العراقي قد عانى من التجربتين الماركسية والقومية إحباطاً مستمراً نتيجة الفشل الذي اقترن بتطبيقهما في إيجاد الحلول الناجعة للمجتمع. فبدأ يبحث عن تجربة جديدة وجدها في (الأطروحة) التي قدمها محمد باقر الصدر من خلال كتاباته المجددة.
كما أن الصدر بدوره استطاع أن يقيم علاقة صلة بين المرجعية والجماهير خلافاً على ما اعتاد عليه المراجع الآخرون. وذلك شكّل معادلة متوازنة بين القاعدة والقمة استطاع أن يكسب من خلالها تقدير الطبقة المثقفة من العراقيين.
وكان النظام العراقي يتحيّن الفرصة للتخلّص منه، وقد اتخذ قرار قتله قبل سنوات من نجاح الثورة الإسلامية في إيران، إلا أن الظروف لم تسمح بتنفيذه إلا بعد أن وُجد المبرر في نقل المواجهة إلى ذروتها في خضم الصراع الدولي وتصفية المعارضة الدينية الداخلية بشكل واسع.
كما يمكن أن نعتبر الفترة الزمنية القياسية بين مقتل الصدر وإشعال الحرب العراقية الإيرانية، والتي تقدّر بخمسة شهور عاملاً آخر من عوامل قتله لتعلّق ذلك بالأمن الداخلي للبلاد، ولعدم إعطاء العارضة مبرراً للعمل ضد السلطة.
وبمقتل السيد محمد باقر الصدر تكون المرجعية الدينية قد فقدت أقوى سند فكري وسياسي كان يمثلها تمثيلاً حقيقياً. إلا ان الفراغ السياسي في (المرجعيات) كان ممتلئاً بعد مقتل الصدر بوجود الزعيم آية الله الإمام الخميني على رأس السلطة في إيران؛ إلاّ أنّ غياب الصدر عن الساحة العراقية لم يُملأ ببديل آخر.
الدكتور جودت القزويني
فقهاء النجف والحركة الوهابية
في القرن الثالث عشر
بدأ النفوذ السياسي للزعامة الشيعية يزداد قوة نتيجة للأحداث التي طرأت على المنطقة بظهور الحركة الوهابية في نجد على يد محمد بن عبد الوهاب كشيخ داعية، وبسلطة قبلية يدعمها الأمير محمد بن سعود (ت: 1179هـ/1765م). إلا أن النفوذ الحقيقي للوهابيين إتسع بشكل أكبر عندما تولى سعود بن عبد العزيز مقاليد الحكم سنة 1203هـ/1788م من والده عبد العزيز المتوفى عام 1218هـ/1803م نظراً لتقدمه بالعمر.
وقد نشط الوهابيون في نشر عقيدتهم بالتردد على القبائل العراقية في محاولة منهم لتأليب هذه القبائل ضد العثمانيين.
كانت منطقة الجزيرة العربية سياسياً واقعة تحت السيادة العثمانية ما عدا مسقط كما كان ذلك حال الدول الأخرى مثل العراق، وبلاد الشام، ومصر، ولم تكن سيطرة الدولة العثمانية عليها سيطرة فعلية بل تكتفي من ولاتها بتقديم المبالغ السنوية حسب ثروة البلد وغناه دليلاً على خضوع الوالي للباب العالي. وفي فترات ضعف الدولة كان الطامعون بالحكم من أهل الولاية يتقاتلون فيما بينهم فتعترف الدولة بالذي يتغلّب على خصومه. كان هذا هو الوضع السائد في مصر والعراق واليمن وإلى درجة أقل في الحجاز)[470](.
أما المملكة المتحدة التي بدأ نفوذها يدخل منطقة الشرق، فقد كان اهتمامها بالخليج ينصبُّ في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين/ الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين على تحقيق المنافع التجارية من جهة، وسلامة مواصلات الهند مع إنكلترا فيما يتعلق بالتجارة وتأمين وصول بضائع شركة الهند الشرقية الإنكليزية إلى موانئ الخليج لتتوزع منها في أقطار الشرق الأدنى (الجزيرة العربية)، وإيران وسوريا والعراق، ومنها أوروبا.
وقد بقيت السياسة البريطانية محايدة ثابتة طوال القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، إلى بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914م دون أن تتورط في نزاعات داخلية ضمن الجزيرة العربية، بعدما فرضت حمايتها على سائر مشيخات الخليج، وإن بقيت تتخذ موقف الحذر من الدولة السعودية التي تتطلع للسيطرة على المشيخات المحمية، لذلك لم يحصل إحتكاك بين الدولتين البريطانية والسعودية إلا عندما كان الوهابيون يحاولون غزو إحدى المحميات، فكانت القوة البريطانية تردهم.
كما أنه لم يوجد نفوذٌ خارجي آخر في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر ينافس بريطانيا في المنطقة يُستثنى من ذلك إحتلال والي مصر محمد علي باشا منطقتي الدرعية والأحساء فترة قصيرة (1234 ـ 1240هـ/1818 ـ 1824م) مستغلاً ضعف الدولتين العثمانية والفارسية بسبب الأوضاع الداخلية السيئة التي تعاني منها هاتان الدولتان.
وفي أوائل القرن الثالث عشر/ التاسع عشر استمر النشاط الوهابي بالنمو بقيادة روحية تتمثل بالأمير عبد العزيز ابن سعود وقيادة حربية تتمثّل بولده سعود بن عبد العزيز، وبدأ الوهابيون يصطدمون بالسيادة العثمانية المبسوطة على الحجاز ودول المنطقة. وقد استهدفت غزواتهم الحصول على أكبر قدر من الغنائم في ديار لا طمع لهم بضمّها ولا قدرة لهم عليها؛ حيث تقتصر فتوحاتهم بضعة أيام ينهبون فيها ويسلبون العشائر، ثم يرتدّون مسرعين إلى نجد)[471](.
وبعد محاولة الدولة العثمانية كسر شوكة الوهابيين التي انتهت بالصلح بين الطرفين عام 1213هـ/1798م، عاد الوهابيون مرة أخرى إلى توسعة غاراتهم على البقاع الإسلامية في مكة والمدينة وكربلاء والنجف لغرض الحصول على الثروة التي تحتويها هذه الأضرحة، وعلى غيرها من المناطق بعد احتلالهم للحجاز عام 1218هـ/1803م.
فعندما كانت بغداد عام 1215هـ/1800م تئنُّ تحت وطأة وباء الطاعون، استغل الوهابيون الفرصة لشن هجوم مباغت على مدينة كربلاء، وبعض المناطق القريبة منها، حيث تقدّم ما يقارب إثني عشر ألف مقاتلاً بقيادة الأمير سعود بن عبد العزيز فأوقعوا القتل ونهبوا البيوت والأسواق والنفائس المحفوظة في ضريح الإمام الحسين بن علي. وقد أخذوا صفائح الذهب ثم هدموا الضريح. وقُدّر عدد المقتولين بما يزيد على ثلاثة آلاف من السكان)[472](.
ذكر المؤرخ الوهابي ابن بشر بأن سعود بن عبد العزيز سار بجيشه نحو كربلاء «ونازل أهل بلد الحسين. فحشد عليها المسلمون الوهابيون، وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوةً، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدّموا القبّة الموضوعة على قبر الحسين، وأخذوا ما فيها وما حولها من النفائس، وما كان على القبر المرصوف بالزمرّد والياقوت والجواهر، كما أخذوا جميع ما في البلد، من الأموال والسلاح، والفرش، والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك مما يُعجز الحصر. ولم يلبثوا إلا ضحوةً، وخرجوا منها قريب الظهر بجمع تلك الأموال، وقتلوا أهلها»)[473](.
في هذه الأثناء أرسل والي بغداد جيشاً لردع هذه القوة الغازية؛ إلاّ أن الجيش لم يصل إلا بعد انسحاب الوهابيين عن البلدة مثقلين بما استولوا عليه من حرم الحُسين والعباس من الذهب والأحجار الكريمة والتحف النادرة.
أما في إيران فقد أظهر الشاه فتح علي القاجاري تأثره عندما وصل خبر واقعة كربلاء، وأعلنت الحكومة الإيرانية الحداد العام في أرجاء إيران. وقد إتّهم الشاه حكومة بغداد عن مسؤوليتها عن الحادث لتقصيرها في الدفاع عن المدينة على الرغم من علمها بخطط الوهابيين في ضرب المراقد الدينية. وذكر انّه في صدد تأليف جيش كبير للانتقام من الوهابيين وهدّد بضرب بغداد.
وقد تسلّم الوالي سليمان الكبير هذا الإنذار وهو في آخر رمق من حياته فلم يستطع الردّ عليه. أما الشاه فقد فوجئ بهجوم على حدوده الشمالية من قبل روسيا فشُغل به عن الانتقام)[474](.
ولم يكن الهجوم الوهابي مستهدفاً الشيعة بمقدار ما كان يهدف إلى إحلال الفوضى في الأمبراطورية العثمانية وتهديد سلامتها وسرقة الخزائن التي ملأها ملوك الهند والفرس بنفائس الجواهر في النجف وكربلاء)[475](.
من هنا أدركت المرجعية الدينية العليا المتمثلة بالشيخ جعفر كاشف الغطاء هدف الوهابية في السيطرة على الثروة التي يتميز بها العراق من خلال الكنوز المودعة في خزانات المراقد الدينية، فسارع إلى نقل خزائن الحرم العلوي في النجف إلى بغداد بالاتفاق مع والي بغداد العثماني حفظاً لها من السلب فيما إذا تعرضت النجف لغارة مماثلة للغارة التي عصفت بمدينة كربلاء)[476](. وقد ضُبطت هذه الودائع وقيّدت رسمياً من قبل الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء)[477](. وفي عام 1238هـ/1822م وقع القرار بين الدولتين الإيرانية والعثمانية على إرجاعها إلى محلها الأول بالنجف)[478](.
ومن المهم التنبيه على أن المرجعية الدينية المتمثلة بكاشف الغطاء حاولت أن تتجنّب الصراع بينها وبين زعماء الحركة الوهابية. فقد أدرك كاشف الغطاء المتغيرات التي أفرزها الوضع السياسي العام في المنطقة، فسعى إلى إظهار النجف كمركز مستقل عن فلك سياسات دول المنطقة، وكان يحاول جهده أنه لو استطاع أن يُجنّب المدن الشيعية من أن تكون طُعمة لهذا الصراع فإنه سيحقق إنتصاراً كبيراً من شأنه أن يحفظ الوجود الشيعي من الدمار.
لذلك حاول أن يُقيم علاقة ودية مع الزعيم الروحي الأول للوهابية الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالمكاتبة مرة وتقديم الهدايا مرة أخرى إظهاراً للنوايا الحسنة، الأمر الذي حمل محمد بن عبد الوهاب كما قيل أن يجعله وكيلاً عنه على أهالي النجف)[479](.
وقد إستظهر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294 ـ 1373هـ/1877 ـ 1954م) أن الشيخ جعفر حاول من خلال هذه المناورات الدبلوماسية أن يكسب الوقت لغرض إعداد العُدّة للمجابهة المسلحة التي لم تكن متوفرة بالشكل المطلوب. وفعلاً فقد نجح كاشف الغطاء في حفظ المراكز الدينية الشيعية من الغارات الوهابية في حياة المؤسس الشيخ محمد بن عبد الوهاب)[480](.
ولعل ذلك ناشئ إلى عدم مقدرة الوهابيين من الغزو تلك الفترة، لأن ظهورهم كقوة تستطيع أن تمتد خارج مناطقها لم يكن قد اكتمل بعد، وإن كان مؤرخ هذه الفترة محمد حسين كاشف الغطاء يذكر أن حملة وهابية قصدت غزو النجف بقيادة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب إلا أنه رجع عنها بعدما قدم له الشيخ جعفر نسخة خطية من القرآن هدية ثمينة إليه، وأظهر طاعة أهل النجف له)[481](.
وقد ظهر خطر الحركة الوهابية في عهد الأمير عبد العزيز بن سعود الذي تولى الزعامة الحربية في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي بعد وفاة أبيه عام 1179هـ/1765م، ونظراً لكبر سنّه فقد سلّم ولاية العهد إلى إبنه سعود عام 1203هـ/1788م. وبعد وفاة شيخ الحركة محمد بن عبد الوهاب عام 1206هـ/1791م تبلورت زعامته الروحية، كما أصبحت الزعامة الحربية متمركزة في ولده سعود.
وإذا صح ما نُقل من تحييد الشيخ محمد بن عبد الوهاب تجاه المراكز الشيعية في العراق، فإنّ كاشف الغطاء حاول أن يقوم بالدور نفسه مع عبد العزيز آل سعود، فقد كتب له كتاباً بعنوان «منهج الرشاد لمن أراد السداد»)[482]( هو في الأصل جواب لرسالة وجهها إليه الأمير عبد العزيز بن سعود، تضمنت الأسس التي تقوم عليها الحركة الوهابية تجاه كافة المسلمين باختلاف مذاهبهم وآرائهم.
ويُعدُّ هذا الكتاب أول دراسة نقدية تناولت الأسس الاعتقادية التي قام عليها المذهب الوهابي؛ حيث سلك فيه مؤلفه مسلكاً عقلانياً يعتمد المناقشة والتأمل والانفتاح الفكري للوصول إلى موارد الاتفاق في الرأي، وخاطب عبد العزيز بقوله: «أُقسمُ عليك بمن جعلك متبوعاً بعد أن كنت تابعاً ومُطاعاً بعد أن كنت لغيرك مطيعاً سامعاً أن تنظر ما رسمته سطراً سطراً، وتُمعن في تحقيق ما رقمتُه نظراً وفكراً، متوحّشاً من الناس وقت النظر، سالكاً في المناظرة واضح الطريقة، فلعله يظهر أنه ليس بيننا نزاع، فنحمد الله على الاتفاق، والاجتماع»)[483](.
تجدر الملاحظة أن كاشف الغطاء نسب نفسه في مقدمة كتابه إلى أنّه من طلبة بغداد، علماً أنه لم يكن قد تتلمذ على أحد فيها. وقد إدعى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء أنّ الشيخ جعفر عندما أراد أن يجعل نفسه من طلبة أهل بغداد أراد أن يُكنّي بذلك عن كونه من أهل السنّة ليتوصل إلى الغرض، ويُقلع عبد العزيز عمّا هو عليه من تكفير سائر المسلمين شيعةً وسُنّة)[484](.
ومهما يكن من أمر فلا يمكن التسليم لهذا الرأي، لأن زعيم الوهابية الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم تكن تخفى عليه النزعة المذهبية التي كان زعيم الإمامية الشيخ جعفر كاشف الغطاء متّصفاً بها.
والرأي الذي يُرجّح هو أن كاشف الغطاء كان على علاقة حسنة مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان إبن عبد الوهاب قد درس أوائل أمره العلوم الدينية والفقه الحنبلي على شيوخ بغداد)[485](، فأراد كاشف الغطاء بنسبة نفسه إلى بغداد أن يذكّر عبد العزيز بن سعود بأنه من طلاب المدرسة التي ينتمي إليها شيخ الوهابية بالاعتقاد وإظهار زمالته له.
وقد ناقش المؤلف في كتابه هذا المسائل التي يرتكز عليها الوهابيون لنقد الممارسات المذهبية للطوائف الإسلامية، ولما كان الفكر الوهابي يعتمد على صحاح الحديث السنّية الستة، فقد إلتزم كاشف الغطاء في ردّه بأن لا يأتي إلاّ بالأحاديث المرويّة في كتب الصحاح دون غيرها)[486](.
أما لماذا دخل كاشف الغطاء بمناقشة المفردات التي استند عليها الفكر الوهابي ولم يعمد لمناقشتها قبل هذه الفترة، فهو راجعٌ إلى أنّ هذا الزعيم أُضطرّ للخوض في هذه الموضوعات التي انجرّ إليها وأراد أن يكشف اللبس الذي وقع فيه الوهابيون من خلال تصورات غير مبتنية على أسس عقلية متينة. وهو بذلك كان يطمح أن يجرّ هذا الزعيم البدوي إلى ساحة المعرفة ليستبدل بالسيف منطق الحجة والبرهان.
وقد لمّح في نهاية كتابه إلى أنّ هذا الأمير لم يكن قد تبنّى أفكاره إلاّ من قاعدة الفراغ العلمي الذي يتميز به، وإلاّ لو كانت هذه الدعوة قد صادفت شخصاً خَبَر العلم، وعرفَهُ لما تشبّثَ بها وقد ألزمه بمراجعة كتابه هذا، واعتبرَهُ «وصيّة مشتركة بينهما»)[487](. وقد نقل بعض فقرات الرسالة التي بعثها عبد العزيز إليه والتي تستبطن تهديداً يُوجب تبني مبادئ الدعوة الوهابية والتسليم بها.
لكنّ كاشف الغطاء لم يُحقّق هدفه من استمالة عبد العزيز إليه، كما أنّه لم يستطع إلغاء قرار مهاجمة المدن الدينية الشيعية بعدما أُصيبت كربلاء عام 1216هـ/1801م بدمار ونهب شاملين. فاتجه إلى تحصين مدينة النجف أمام الاعتداءات المترقبة، كما سعى لتعبئة طلاب العلوم الدينية والعلماء والأهالي بشكل عام للمواجهة المسلّحة، وجلب لهم السلاح، وفتح مراكز تدريب قتالية. فكانوا يخرجون خارج البلدة كلّ يوم للتدريب عليه فرضاً من فروض الإلزام الديني)[488](.
وكان كاشف الغطاء يُشرف على إدارة البلد وحمايتها بنفسه، حيث دأب على مراقبة أبواب البلدة، ونقل الأحجار الكبيرة خلفها، وتعيين عدد من المُقاتلين لحراستها. كما كان يُنظّم الآخرين على المواجهة داخل البلدة، والتصدّي للمهاجمين من وراء الأسوار. وكان جميع مَن في البلدة من المقاتلين لا يزيدون على المائتين مقاتل لأن أغلب أهل النجف هاجروا عنها إلى مناطق أخرى، ولم يبقَ من العلماء إلاّ صفوة؛ الأمر الذي حمل المجتهد السيد جواد العاملي (1164 ـ 1226هـ/1752 ـ 1811م) إلى كتابة رسالة في الرد على مَنْ قال بالهجرة وشنّع بها على مَنْ خرج من النجف)[489](.
وقد فشلت الهجمات الوهابية على النجف، والتي قاربت خمس هجمات بفضل استبسال سكان النجف في الدفاع عنها، وكانت أقوى هذه الهجمات أواخر سنة 1218هـ/1830م حيث دافع النجفيون دفاعاً شديداً، كما أرسل والي بغداد جيشاً لمساعدتهم إلاّ أن القوة الغازية رجعت من حيث أتت)[490](.
شنّ الوهابيون عام 1221/1806 غارتهم السنوية المُعتادة على بعض المناطق الجنوبية العراقية، ثم شنّوا هجوماً مفاجئاً على النجف، فصدّهم النجفيون من وراء السور وكسروهم شرّ كسرة)[491](.
وبسبب الخشية من تكرار هجوم الوهابيين على النجف سعى كاشف الغطاء لبناء سور جديد للنجف يكون أكثر قوة، ومتانة لسلامة المدينة، فانتدبَ لهذا المشروع الصدر الأعظم نظام الدولة محمد حسين خان المتوفى عام 1239هـ/1823م وزير فتح علي شاه، فبنى هذا السور الحصين وحفرَ خلفه خندقاً عميقاً، وأقام فيه الأبراج المكتنفة بالمعاقل والمراصد، والمخافر وجعل له في طبقاته ثقوباً ومنافذ متقاربة مختلفة في الصغر والكبر لوضع فوهات المدافع والبنادق عند الحاجة. وكان ابتداء بنائه سنة 1218هـ/1803م، وقد تمّ عام 1227هـ/1811م)[492]( فصارت النجف بسببه قلعة حصينة يصعب إقتحامُها، وقد استطاعت بعدما يقرب القرن من بنائه مُقاومة الجيش البريطاني أكثر من شهر في حصار النجف عام 1336هـ/1918م)[493](، وقد حافظ على قوته، ومتانته حتى عام 1350هـ/1931م حيث تمّ هدمه واستبداله بدور سكنية.
كانت الزعامات في النجف مقتصرةً على علماء الدين البارزين، أما المحاربون فكانوا من العوائل النجفية المتأثرة بردّة الفعل الوهابي والتي أصبحت قوةً عسكرية وقفت منصاعة لأوامر الفقهاء وتنفيذ مهماتهم، ولم يكونوا متقاضين أجوراً على ذلك، بل كانوا يعيشون من مهنهم الخاصة.
وبسبب سلامة النجف من المخاطر القتالية وانتصارها وما تخلّفه الحروب من آثار فقد ظهرت في النجف زعامات حربية إلى جنب الزعامة الدينية. وقد انقسم المحاربون إلى فئتين، هما: الزكرت والشمرت، وقد طمع كلٌ من هاتين القوتين في السيطرة على النجف بعد سنين من رحيل كاشف الغطاء، مما سبّب إضطرابات مفجعة تصل بين الفئتين إلى الاقتتال فيما بينهما. وقد عجز الولاة العثمانيون من معالجة الموقف فكانوا يبعثون حملات تأديبية للحد من الأضرار التي تتولد من العنف الذي يذهب ضحيته الكثير من الأبرياء. وقد استمرت حوادث العنف بين الطائفتين حتى نهاية حكم الأتراك في العراق)[494](.
ولم تقتصر حملات الوهابيين على مدن الشيعة في العراق بل شملتْ حتى مرقد النبي محمد (ص). ففي عام 1217هـ/1802م إستدار سعود نحو الحجاز وقتل كلّ شخص يتمكن من الهرب، ثم دخل مكة عام 1218هـ/1803م، وفعل بأهلها ما فعله بأهل الطائف. وقد ذكر المؤرخ الجبرتي أنّ الوهابيين نهبوا في مكة الحجرة النبويّة واستولوا على ما فيها من الجواهر والذخائر، وهي كنوز لا تقدّر بثمن.
ولم يكن العثمانيون، بادئ ذي بدء قد أعاروا الانتباه إلى الغزو الوهابي لأطراف العراق والشام ونهب القبائل والقُرى، لأنّهم يُدركون أنّ غزوات خاطفة تستهدف النهب، متوقعة من (البدو)، لكنّما الأمر تغيّر عندما تصدّى الوهابيون لمقدسات إسلامية أؤتمن عليها الخليفة العثماني الذي تتبعه جموع المسلمين في العالم. فلمّا نهب سعود بن عبد العزيز الحجرة النبوية عام 1218هـ/1803م ومنع الحج وهدم القباب وفرضَ المذهب الوهابي على السكان بالفتك والقتل وتحدّي الدولة العثمانية وجيوشها النظامية، وأسلحتها، شاهد الجيوش المصرية تتجه لاحتلال نجد بعدما طردته من الحجاز)[495](.
وفي خِضمّ هذه الأحداث المثيرة إستطاعت الدولة العثمانية ان تُقنع محمد علي باشا والي مصر، بالتدخّل لحسم النزاع المتفاقم في الجزيرة. ولم يكن محمد علي على استعداد لخوض مغامرة كهذه، إلاّ أنّه أراد أن يُحقّق انتصاراً داخلياً، من خلال خلق معركة خارجية، على (المماليك) الذين أعادوا الفوضى إلى البلاد بعد إنسحاب القوات الفرنسية؛ فرأى ان الفرصة مؤاتية لتوحيد سلطته على البلاد وتحقيق نصرٍ كبير له خارجها، فاستجاب لرغبة السلطان العثماني وجهّز حملة عام 1227هـ/1811م ولّى عليها إبنه طوسون، وأقام حفلةً في مكان بمدينة القاهرة يسمى (القلعة) بمناسبة مغادرة الحملة إلى الحجاز دعا إليها كبار المماليك. وهناك فتكَ بهم جميعاً بصورة غامضة. قيل إنه دسّ السُمّ لهم. وقيل قتلهم الجيش بعد حصارهم بالقلعة. إلاّ أن النصّ المتيقن أنّ قادة الماليك بعد هذه الحفلة لم يظهر لأيّ واحد منه أثر، ولم يُروَ عنهم خبر ولم يكتف محمد علي بهؤلاء، بل أتبعهم بمن كانوا في الأقاليم، فانتهى بذلك عهد المماليك في مصر.
أما توجهُهُ نحو الجزيرة فقد استطاع أن يقضي على الدولة السعودية الأولى، ويسيطر على المنطقة. وكان محمد علي باشا في هذه المرحلة يعمل كوالي عثماني ولمصلحة الدولة العثمانية. وقد استمر احتلال محمد علي للحجاز منذ عام 1227هـ/1811م حتى عام 1256هـ/1840م حيث كان يعمل لتأسيس دولة عربيّة كبرى يتولى حكمها مستقلاً عن السلطة العثمانية. ولم يَرُق إلى الإنكليز ذلك، ففضّلوا أن تستعيد الدولة العثمانية نفوذها من المصريين)[496](.
تحركت الحكومة الإنكليزية فأنذرت شيوخ المحميّات في الخليج بعدم التعاون مع القوات المصرية، ثم احتلت عدن عام 1251هـ/1835م فوضعت مواصلات مصر البحرية مع جيشها في الأحساء تحت رحمتها، ثم أقنعت الدول الأوروبية بانّ بقاء دولة عثمانية ضعيفة أفضل من قيام دولة فتية توسعية مكانها. وقد عقد لهذا الغرض في شهر حزيران سنة 1836م مؤتمر دولي في لندن ضمّ الحكومات العثمانية والإنكليزية والروسية والنمسوية، وقاطعته الحكومة الفرنسية لأنّها كانت مؤيدة لمحمد علي باشا.
وعلى إثر ذلك أمر محمد علي قواته في الجزيرة العربية بالانسحاب عام 1256هـ/1840م وبذلك انتهى التدخل المصري في شؤونها، وعادت أمورُها إلى رؤسائها المحليين في إطار السيادة العثمانية الإسميّة.
الدكتور جودت القزويني
فقه الإمام الصادق عليه السلام
فقه الإمام الصادق عليه السلام كتاب للشيخ محمد جواد مغنية (رض) وقد كتب الشهيد محمد باقر الصدر (رض) بحثا ًحول هذا الكتاب تحت عنوان (الفهم الاجتماعي للنص في فقه الإمام الصادق عليه السلام).
أكبر الظن أنها أول مرة أقرأ فيها لفقيه إسلامي، من مدرسة الإمام الصادق عليه السلام أوسع نظرية لعنصر الفهم الاجتماعي للنص، يعالج فيها بدقة وعمق الفرق بين المدلول اللغوي ـ اللفظي ـ للنص، والمدلول الاجتماعي، ويحدد للمدلول الاجتماعي حدوده المشروعة.
وبالرغم من أن الفقهاء في ممارستهم للعمل الفقهي ومجالات الاستنباط من النص، يدخلون عنصر الفهم الاجتماعي ويعتمدون عليه في فهم الدليل، إلى جانب العنصر الآخر الذي يمثل الجانب اللفظي من الدلالة.
غير أنهم لا يبرزون في الغالب الجانب اللفظي من عملية فهم الدليل، والجانب الاجتماعي بوصفهما جانبين متميزين لكل منهما ملاكه وحدوده، بل يبرز الجانبان في مجالات تطبيقهم مزدوجين وتحت إسم واحد وهو الظهور.
كانت هذه المرة الأولى التي قرأت فيها ذلك عن عنصر الفهم الاجتماعي للنص: هي حين قرأت بعض أجزاء الكتاب المجدد الخالد «فقه الإمام الصادق» الذي وضعه شيخنا الحجة الكبير الشيخ «محمد جواد مغنية» الذي حصل الفقه الجعفري على يده في هذا الكتاب المبدع على صورة رائعة في الأسلوب والتعبير والبيان.
فقد قرأت في هذا الكتاب الجليل التأكيد على عنصر الجانب الاجتماعي من فهم الدليل والتمييز بينه وبين الجانب اللفظي الخالص في مواضع عديدة منه.
ولكي نشرح فكرة الكتاب عن الفهم الاجتماعي للنص ونعرف محتوى هذا الفهم ودوره في استنباط الحكم من النص، يجب أن نتحدث في البداية عن الظهور.
حجية الظهور
من الأمور المتفق عليها بصورة مبدئية في علم الأصول، المبدأ القائل بحجية الظهور، وهو المبدأ الذي يحتم أن نفسر كل خطاب شرعي على ضوء ظهوره ما لم توجد قرينة على الخلاف. والظهور ـ كما تقرره البحوث الأصولية التي تدرس هذا المبدأ ـ عبارة عن درجة خاصة من دلالة الكلام، وهي الدرجة التي تجعل المعنى الذي نشير إليه ظاهراً من الكلام وأكثر انسجاماً معه من أي معنى آخر. فاللفظ قد يصلح للتعبير عن عدد من المعاني ولكنه يظل ظاهراً في معنى خاص من تلك المعاني كلفظ الأسد، قد تستخدمه للتعبير عن الحيوان المفترس، فنقول: الأسد ملك الغابة، وقد تستخدمه للتعبير عن شجاعة الإنسان، فتقول هذا الإنسان أسد ولكن كلمة الأسد حين ينظر إليها بصورة منفصلة عن القرائن الخاصة نجد أنها ظاهرة في المعنى الأول. لأن كلمة الأسد بطبيعتها اللغوية تدل على الحيوان المفترس بدرجة أكبر من دلالتها على الإنسان الشجاع، الأمر الذي يجعل من الحيوان المفترس أكثر المعاني إنسجاماً معها وهو معنى الظهور.
تنويع الظهور
والظهور الذي يمثل كما عرفنا درجة معينة من دلالة اللفظ على المعنى يعتبر حصيلة نوعين من الدلالات: الأول: ـ الدلالة اللفظية الوضعية أي الدلالات الناتجة عن الوضع في اللغة فكلمة الأسد إنما كانت ظاهرة في الحيوان المفترس دون الإنسان الشجاع لأنها موضوعة للدلالة على ذلك المعنى.
الثاني: الدلالات اللفظية السياقية أي الدلالات الناتجة عن سياق الحديث، وطريقة التعبير، فحين يقول الآمر مثلاً: اغتسل غسل الجمعة لأنك تثاب على ذلك، نعرف أن غسل الجمعة مستحب وليس واجباً، وأن الأمر أمرُ ندب لا أمر إلزام نظراً إلى الطريقة التي اتبعها الآمر في الترغيب في غسل الجمعة، إذ رغب فيه عن طريق ما يؤدي إليه من الثواب، وهذا السياق من الترغيب يدل على الاستحباب بالرغم من أن الواجب فيه ثواب أيضاً غير أن الغسل لو كان واجباً لكان الأولى تبديل السياق واستعمال طريقة التخويف من العقاب بدلاً عن الترغيب في الثواب. فالدلالة هنا دلالة سياقية وظهور الكلام في الاستحباب يقوم على أساس هذه الدلالة السياقية.
ومن مجموع الدلالات السياقية والوضعية يتكون الظهور اللفظي للنفس ويتحدد معناه المنسجم مع تلك الدلالات.
أما أن هذه الدلالات الوضعية والسياقية كيف تنشأ وتتكون، وما هي العلاقات المتبادلة بينها، وكيف نثبت ونعين نوع الدلالات الوضعية والسياقية لكل كلام، وهل يمكن أن يتخذ كل فرد إطاره اللغوي الخاص مقياساً لتعيين تلك الدلالات أو لا بد من اتخاذ الإطار اللغوي العام مقياساً لذلك.
وإذا كان الإطار اللغوي العام هو المقياس فأي إطار عام هذا؟
هل هو الإطار اللغوي العام في عصر صدور النص، أو يكفي الرجوع إلى الإطار اللغوي العام المعاصر، بالرغم من تطور اللغة وحركتها.
كل هذه الأسئلة وغيرها تدرس في حدود متطلبات عملية الاستنباط في البحث الأصولي المرتبط بحجية الظهور، ولا نريد الآن إلا إعطاء فكرة موجزة عن الظهور اللفظي بالقدر الذي قدمناه، لنعرف الجانب اللفظي واللغوي من عملية فهم النص، ولكي نصل إلى الجانب الجديد الذي يعالجه كتاب «فقه الإمام الصادق» وهو الجانب الإجتماعي من هذه العملية.
الجانب الاجتماعي من فهم النص
والسؤال الذي يجب أن نطرحه بهذا الصدد هو هذا: هل يصل الشخص الذي يحاول فهم النص إلى المعنى النهائي له بكل حدوده، إذا أحصى الدلالات اللفظية من وضعية وسياقية، واستوعب المعطى اللغوي للنص.
والجواب بالإيجاب والنفي معاً، فالجواب بالإيجاب اذا افترضنا أن هذا الشخص الذي يحاول فهم النص الشرعي إنسان لغوي فحسب، أي إنسان تلقن اللغة وحياً وإلهاماً فهو يعرف اللغة ودلالات الألفاظ الوضعية، والسياقية وليست له أي خبرة من نوع آخر، فإن هذا الانسان اللغوي الذي لا توجد له خبرة سوى الخبرة اللغوية ينتهي عمله في فهم النص عند جمع الدلالات الوضعية والسياقية وتحديد الظهور اللفظي على أساسها.
والجواب بالنفي اذا كان الشخص الذي يحاول فهم النص قد عاش الحياة الإجتماعية مع سائر العقلاء من أفراد نوعه في مختلف المجالات الحياتية فإن الأفراد الذين يعيشون حياة اجتماعية من هذا القبيل تتكون لديهم خبرة مشتركة، وذهنية موحدة، إلى جانب ما يتميز به كل فرد من خبرات، واتجاهات، وتلك الخبرة المشتركة والذهنية الموحدة تشكل أساساً لمرتكزات عامة وذوق مشترك في مجالات عديدة بما فيها المجال التشريعي والتقنيني، والمرتكزات العامة والذوق المشترك في المجال التشريعي والتقنيني هو ما يطلق عليه الفقهاء في الفقه اسم مناسبات الحكم والموضوع.
فيقولون : مثلاً ـ إن الدليل إذا دل على أن من حاز ماءاً من النهر أو خشباً من الغابة ملكه. نفهم فيه أن كل من حاز شيئاً من الثروات الطبيعية الخام ملكه، دون فرق بين الماء والخشب وغيرها. لأن مناسبات الحكم والموضوع لا تسمح بجعل موضوع الحكم محصوراً في نطاق الخشب والماء فحسب. مثال آخر اذا جاءت الرواية في ثوب أصابه ماء تنجس وأمرت بغسل الثوب، نعرف أن الماء المتنجس اذا أصاب شيئاً نجسه، سواء أصاب الثوب أو أي شيء آخر. لأن مناسبات الحكم والموضوع المرتكزة في الذهنية العرفية العامة لا تقبل أن تنجيس الماء المتنجس خاصاً بالثوب، فالثوب يعتبر في الرواية قد جاء على سبيل المثال لا التحديد.
ومناسبات الحكم والموضوع هذه هي في الواقع تعبير آخر من ذهنية موحدة، وارتكاز تشريعي عام على ضوئه يحكم الفقيه بأن الشيء الذي يناسب أن يكون موضوعاً للتملك بالحيازة او للتنجس بالماء المتنجس أأأأأأوسع نطاقاً من الأشياء المنصوص عليها في الصيغة اللفظية، وهذا هو ما نعنيه بالفهم الإجتماعي للنص.
وهكذا نعرف أن الفهم الإجتماعي للنص معناه فهم النص على ضوء ارتكاز عام يشترك فيه الأفراد نتيجة لخبرة عامة وذوق موحد، وهو لذلك يختلف عن الفهم اللفظي واللغوي للنص الذي يعني تحديد الدلالات الوضعية والسياقية للكلام. ويأتي دور الفهم الإجتماعي للنص حين ينتهي دور الفهم اللفظي واللغوي له. فإن الفقيه في الدرجة الأولى يحدد المعطى اللغوي واللفظي للنص ثم بعد أن يعرف معنى اللفظ يسلط عليه الارتكاز الإجتماعي ويدرس المعنى بالذهنية الإجتماعية المشتركة، «مناسبات الحكم والموضوع» فيظهر له من النص أشياء جديدة، لم تكن تبدو على مستوى الدرجة الأولى في حدود الفهم اللغوي للفظه، ففي حدود الفهم اللفظي للصيغة القائلة إذا حزت خشباً أو ماء ملكته، أو الصيغة القائلة: اغسل ثوبك إذا أصابه ماء متنجس لا تفهم إلا حكم حيازة الخشب والماء وحكم الثوب اذا أصابه ماء متنجس، ولكن الصيغة على أساس الفهم الإجتماعي لها والأخذ بـ« مناسبات الحكم والموضوع» تكتسب ظهوراً في تعميم الحكم واتخاذ الخشب والماء في الصيغة الأولى، والثوب في الصيغة الثانية مجرد مثال للحكم العام.
وقد جاء في كتاب «فقه الإمام الصادق» قاعدة تعين حدود الفهم الاجتماعي الذي يجوز في رأي «العلامة مغنية» الاعتماد عليه في استنباط الحكم من النص وتتلخص القاعدة فيما يلي: إذا كان النص مرتبطاً بالعبادات فيجب فهمه على أساس لغوي ولفظي فقط، ولا يجوز أن يفهم على أساس ارتكاز اجتماعي مسبق.
فإذا جاء مثلاً، أن من شك في عدد ركعات صلاة المغرب بطلت صلاته لا يمكننا أن نعمم الحكم لصلاة الظهر مثلاً لأن إبطال الشك للصلاة أمر مرتبط بالعبادة ونظام العبادات نظام غيبي لا تحكم عليه الارتكازات الاجتماعية ولا صلة لها به، وأما إذا كان النص مرتبطاً بمجال حياتي إجتماعي من قبيل المعاملات فيجيء دور الفهم الاجتماعي للنص لأن للناس في هذا المجال ارتكازهم المشترك وذهنيتهم التي حددتها الخبرة والتعايش. فإذا وجد الى جانب النص ارتكاز عام بديهي يضع للحكم حدوداً أوسع أو أضيق وفقاً لما يفهمه هذا الارتكاز من مصالح ومناسبات، أمكن الأخذ بالحدود التي يحددها الارتكاز وهو معنى الفهم الاجتماعي للنص. وتحكيم مناسبات الحكم والموضوع.
أما المبرر للاعتماد على الاركاز الاجتماعي في فهم النص فهو نفس مبدأ حجية الظهور، لأن هذا الارتكاز يكسب النص ظهوراً في المعنى الذي يتفق معه، وهذا الظهور حجة لدى العقلاء كالظهور اللغوي لأن المتكلم بوصفه فرداً لغوياً يفهم كلامه فهماً لغوياً، وبوصفه فرداً اجتماعياً يفهم كلامه فهماً اجتماعياً، وقد أمضى الشارع هذه الطريقة في الفهم وتظل هناك أسئلة يجب أن تدرس في مجال أوسع من قبيل ما هو مدى العمومية التي يجب توفرها في الارتكاز ومناسبات الحكم والموضوع، لكي تكتسب هذه المناسبات القدرة على التحكيم في فهم النص، وكيف نستفيد من الارتكاز الاجتماعي مع أن الارتكاز ليس ثابتاً بل هو مختلف تبعاً للظروف الفكرية والاجتماعية.
الفهم الاجتماعي للنص والقياس
وعلى ضوء ما تقدم يمكننا أن نميز بين الفهم الاجتماعي للنص والقياس الذي ثبتت حرمته في الفقه الجعفري، فإن الفهم الاجتماعي للنص لا يعدو أن يكون عملاً بظهور الدليل، وحين نعمم الحكم مثلاً ـ لغير ما ذكر في النص ـ لا نريد بذلك أن نقيس غير المنصوص على المنصوص بل نستند في التعميم إلى الارتكاز الذي يُشكِّل قرينة. على أن ما ذكره في النص إنما جاء على سبيل المثال فيكون الدليل نفسه ظاهراً في الحكم العام.
المشكلة التي تحل على هذا الضوء
وبالرغم من أني اتحدث الآن عن الفهم الاجتماعي للنص بتحفظ فإني أؤمن أن القاعدة التي وضعها شيخنا الحجة المحقق «مغنية» لهذا الفهم الاجتماعي تحِلُّ مشكلة كبيرة في الفقه، وهذه المشكلة، هي: أن كثيراً من الأحكام بينت عن طريق الجواب أسئلة الرواة ولم تبين بصورة ابتدائية وبلغة تقنية، والرواة إنما يسألون في الغالب عن الحالات الخاصة التي يحتاجون إلى معرفة حكمها فيجيء الجواب وفقاً لحدود السؤال مبيناً للحكم في الحالة المسؤول عنها فإذا اقتصرنا في استنباط الحكم من النص على الفهم اللغوي فحسب، كان معنى ذلك أن نجعل تلك الأحكام في أكثر الأحيان وقفاً على الحالات الخاصة التي مني بها السائل في حياته العملية وأبرزها في سؤاله مع أننا قد نكون واثقين بأن بيان الأحكام على تلك الحالات الخاصة لم يكن في جميع الموارد نتيجة لاختصاصها بها، وإنما نشأ عن اختصاص السؤال بتلك الحالات، وأما إذا فهمنا النص فهماً اجتماعياً فسوف نكون أقرب إلى واقع الحدود المحتملة لتلك الأحكام.
الفكر السياسي
عند الميرزا النائيني
كانت كلمة «المشروطة» متداولة على الألسن منذ أواسط سلطنة ناصر الدين شاه)[497](. ولكن نادراً ما كان أحد يلتفت إلى أصل معناها ومفهومها بشكل صحيح. فتيار المتغربين، كان يرى أن جذورها تعود إلى كلمة لاتينية موجودة في اللغة الفرنسية، وهي كلمة «لا شارت» (La Chart) ويراد بها القانون. وتناقلها المثقفون الإيرانيون عن كتابات نامق كمال عن طريق تركيا)[498](. ولهذا السبب أصروا على استخدام كلمة (Constitution) التي تعني القانون أو الدستور في نص بيان محمد علي شاه (الدولة). وهو ما حصل فعلاً)[499](.
أما التيار الإسلامي، فبما أنه كان يعتقد بمبدأ الحكومة الدستورية وتحديد سلطات الحكومة، لهذا كان يرى أن كلمة «المشروطة» يراد بها معناها العربي نفسه، أي بمعنى التحديد والتقييد، والذي يصرف استناداً إلى قول المرحوم آقا ميرزا صادق آقا التبريزي على صيغة: «شرط يشرط شرطاً، فهو شارط وذاك مشروط»)[500](. ومن الطبيعي أنه يعتبر أصل كلمة «المشروطة» عربياً، وأن مفهومها الأساسي ينبثق من المفاهيم الإسلامية ومن مضامين المذهب. وكان يؤكد أن لأساس «المشروطة» جذوراً في أصول الشريعة قبل وفوده من أوروبا)[501](، وأن الأوروبيين قد استوحوا مبادئه من الإسلام. وهذه هي الحقيقة.
يزعم أنصار الاتجاه التغريبي «أن العلماء لم يكن لديهم أي اطلاع على مفهوم وأساس المشروطة». وصرح المتحدث باسم هذه الجماعة «فريدون آدميت» بالقول: «لم يكن الفكر الحر والمبادئ الدستورية، والنظام الديمقراطي منبثقاً من الشريعة، ولا هو مما استحدثه علماء الدين؛ فالدستورية قائمة على أساس نظرية حاكمية الشعب، ومثل هذه الفلسفة السياسية تتعارض مع أساس الأحكام الشرعية المنزلة التي لا تتغير»)[502](. أو كما عبر عن ذلك «ناظم الإسلام» بقوله: «اتسم موقف العلماء والطباطبائي بالحيرة إزاء رفض النظام الدستوري (المشروطية)».
هذا كله تعبير عن حقيقة أن التيارات الأخرى كانت ترى أنها هي صاحبة الزعامة الفكرية في قضية المشروطة، وأنها كانت تستهدف إقرار زعامة العلماء كخطوة مرحلية فقط لغرض استغلالهم، والشاهد على هذا الأسلوب المرحلي هو الزعم بأنّ «يحيى دولت أبادي» ضمّن مطاليب العلماء المعتصمين في «شاه عبد العظيم» بنداً يطالب بإقامة «دار العدالة»)[503](.
لكن الحقيقة هي أن العلماء لم تكن لديهم أية فكرة عمّا يسمّى بالمشروطة بمعناها الغربي وبما تتضمنه من معنى الحكومة العلمانية، بل كانوا يرون فيها ما يتعارض مع الإسلام كما صرح بذلك الشيخ فضل الله النوري، والآخوند الخراساني)[504](.
هدف المشروطة (ثورة الدستور)
كان هدف المشروطة أو ثورة الدستور لدى علماء الدين هو إقرار النظام الإسلامي والعدالة، ومن المؤكد أنه كانت لديهم صورة عن نظام المشروطة وكانوا على معرفة تامة بالحكومة الدستورية، وبتحديد نفوذ الحكومة، وتقسيم السلطات، ووجود مجلس الشورى الوطني ـ الإسلامي، وإشراف نواب الشعب وفقاً لقاعدة «وأمرهم شورى بينهم» وكانوا يصرحون بهذا المعنى ويؤكدونه.
يمكن القول أن ما حصل في الدورة الثانية من انتخابات المجلس من فوز التيار التغريبي الذي استطاع إيجاد حكومة علمانية وإزاحة جميع الشرائح الدينية وعلماء الدين من الساحة السياسية والفكرية، كان ناتجاً عن ضعف المجتمع وجهله للأحداث والوقائع السياسية والاجتماعية في إيران والعالم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعزى إلى تكاسل وإهمال عدد من العلماء الذين كانوا يهبّون لمواجهة المناضلين والمجاهدين، وهي ظاهرة قائمة على امتداد التاريخ، وهو ما انتهى إلى هزيمة التيار الإسلامي وتنحيته من الساحة السياسية. وكانت النتيجة أن أصبحت إدارة البلد ومراكز القرار فيه بيد الجناح التغريبي، ووصل إلى سدّة الحكم نظام دستوري علمائي.
من الشخصيات البارزة التي استطاعت تقديم صورة واضحة عن نظام الحكم الدستوري في عصر نهضة «المشروطة» هو العالم المتبحر الفقيه الجليل علاّمة زمانه الميرزا النائيني الذي وصفه آية الله الطالقاني بالقول: «خدّه الممتد، وأنفه المرتفع، وجبهته البارزة وشعره الخفيف يعيد إلى الأذهان صور فلاسفة اليونان؛ سقراط وأفلاطون. وقد كتب رسالة «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» في تبيين المشروطة والحكومة الإسلامية، وأتم رسالته العلمية بتأليف كتاب في مبادئ السياسة الإسلامية وفي موضوع إدارة البلاد».
يمكن القول عن هذا الكتاب أنه أول كتاب علمي في باب الحكومة الإسلامية يدوّنه مجتهد كتبه في الرد على المعارضين والمنادين بـ«المشروطة»، وقدم فيه شرحا ًوافياً عن جذور نهضة المشروطة ومقاومة الاستبداد في تاريخ الإسلام.
نتناول في ما يلي دراسة مفاهيم ومضامين هذه الرسالة مقسمة وفق الأبواب التالية:
1 ـ سيرته.
2 ـ جذور الفكر السياسي عند النائيني.
3 ـ النائيني والإبداع الفكري.
4 ـ وجوب الحكومة وتقسيمها.
5 ـ خصائص الحكومة الاستبدادية المطلقة.
6 ـ خصائص الحكومة المشروطة (الدستورية).
7 ـ مفهوم المساواة عند النائيني.
8 ـ مفهوم الحرية عند النائيني.
9 ـ فصل السلطات عند النائيني.
10 ـ ردود على اعتراضات المغرضين.
سيرته
يعتبر العلامة الميرزا محمد حسين النائيني الغروي (1265 ـ 1355هـ) من أبرز الوجوه المناهضة للاستبداد في القرن الأخير. أنهى دراسته الابتدائية في نائين، ثم ذهب عام 1293هـ. إلى أصفهان ودرس فيها سبع سنين. وفي عام 1303هـ. سافر إلى العراق وبقي يواصل دراسته في سامراء على يد مجتهد الشيعة الأكبر الميرزا الشيرازي وغيره من المجتهدين الآخرين، وبقي هناك حتى عام 1313. عمل في السنوات الأخيرة لوجوده في سامراء كاتباً عند الميرزا الشيرازي.
في هذه الفترة تعرّف النائيني، على الأفكار السياسية للميرزا الشيرازي، والسيد جمال الدين الأسد آبادي [الأفغاني]. بعد وفاة الميرزا الشيرازي عام 1312. واصل دراسته وبحوثه تحت إشراف المرحوم آية الله السيد اسماعيل الصدر. في عام 1314 سافر برفقته إلى كربلاء، وعاد بعد سنتين إلى النجف والتحق فيها بحوزة الآخوند الخراساني.
ذكر الشيخ آقا بزرك الطهراني «أن النائيني، وقف جنباً لجنب الآخوند الخراساني لأنه كان يرى رأيه، وكان يومذاك من أكبر الدعاة إليها»)[505](. وفي هذه الفترة ألّف النائيني كتابه القيّم عن المشروطة تحت عنوان: «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» أثبت فيه قانونية وشرعية الحكومة الدستورية ولا شرعية الاستبداد، وحظي بتأييد مراجع عصره؛ الخراساني والمازندراني، ولكنه أهمل فترة من الزمن بعد هزيمة دعاة المشروطة على يد التيار التغريبي. ونقل أن النائيني نفسه جمع نسخ الكتاب وألقاها في الفرات. ولكنه حظي مرة أخرى عام 1334 باهتمام الأوساط السياسية والدينية، مضافاً إلى المقدّمة التي كتبها آية الله الطالقاني وعرضت مواضيعه للبحث والنقاش.
جذور الفكر السياسي عند النائيني
يرى عدد من مثقفي التيار التغريبي، وذوو الصبغة الدينية منهم، أن المرحوم النائيني، أكثر ما اقتبس فكره السياسي من كتاب «طبائع الاستبداد» للمصلح السوري المسلم عبد الرحمن الكواكبي، وأنه قد استعار منه أكثر المصطلحات في وصف نظام الحكم الاستبدادي.
يصرح «فريدون آدميت» الكاتب الماسوني بذكر هذه النقطة بأسلوب مغرض قائلاً: نعتقد أن التحليل الذي يقدّمه النائيني، عن الاستبداد السياسي، والديني، والاجتماعي متأثر بشكل مباشر بترجمة كتاب «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي الذي أخذ آراءه بدوره عن كتاب «التسلّط» للكاتب الإيطالي المعروف «فيتوريو الفيري»)[506](.
وهكذا يرى الدكتور عبد الهادي الحائري مع ما يتصف به من صبغة دينية، واعتباره نجلاً لأحد المراجع الكبار، أن كتاب «تنبيه الأمة» مقتبس أغلبه من «طبائع الاستبداد» للكواكبي، ويقول في هذا الجانب:
«لم يكتف النائيني في بحثه حول الاستبداد باقتباس الكثير من آراء الكواكبي في كتاب «طبائع الاستبداد» وإنما استخدم في تنبيه الأمة حتى التعابير والمصطلحات ذاتها المستعملة في (طبائع الاستبداد). أما الكلمات التي أتى بها النائيني، في كتابه كمرادفات للاستبداد فهي: الاستبداد، والاعتساف، والتسلط، والتحكم. والكلمات المرادفة للمستبد هي: الحاكم المطلق، والحاكم بالأمر، ومالك الرقاب، والظالم القهار. ووصف الشعب الخاضع لمثل هذه الحكومة المستبدة بكلمات مترادفة من قبيل: الأسرى، والمستصغرين، والمتسنبتين. وجميع هذه الكلمات جاءت مطابقة بشكل دقيق للمعاني ولأنماط الاستبداد السائرة في كتابات الكواكبي»)[507](.
ولكن عند المقارنة بين كتابي «طبائع الاستبداد» و«تنبيه الأمة» وإن بدت مواضيعهما متشابهة ظاهرياً، إلاّ أن «تنبيه الأمة» أعمق علمياً ويعكس مدى السعة والعمق العلمي الذي يتصف به مؤلفه، وهو كما وصفه «حميد عنايت»: «تنبيه الأمة رسالة أكثر روعة وتنظيماً من طبائع الاستبداد، وهو وإن لم ينل شهرة واسعة بسبب صعوبة أسلوب تدوينه وطريقة الاستدلال المتبعة، فيه، لكن الدراسة والمقابلة الدقيقة بينهما لا تؤيد زعم اقتباس الثاني من الأول»)[508](.
المهم هو أن المرحوم النائيني كان واعياً لسياسة عصره بعمق ومدركاً لمطامع وتحديات الدول الكبرى في علاقاتها مع الدول الأخرى. وعلى الرغم مما يتسم به فريدون آدميت من أفق ضيق في نظرته إلى الإسلام وعلماء الدين، لكنه ينظر إلى النائيني نظرة إيجابية ويقول فيه: «بالإضافة إلى اختصاصه العلمي، كان للنائيني باع في الحكمة العملية أيضاً، وله إلمام بالمؤلفات السياسية في عصره، ومطلع على قضايا العهد الأول من حكومة المشروطة، ويتميز بالحساسية إزاء الهجوم الغربي على البلدان الإسلامية، وبوعي وطني يبهر العقول، وله قدرة فائقة في النقد السياسي، وهو إلى هذا رجل ورع ومبجّل».
الإبداع الفكري
باعتراف الأصدقاء والخصوم، كان للعلامة النائيني ـ إضافة إلى الفقه والأصول ـ حظ وافر في الحكمة العملية والفلسفة والقضايا الاجتماعية. وله اطلاع واسع على كتب ومدونات عصره. وهذا الاطلاع والتبحر العلمي كفيل بمساعدته على الإبداع العلمي وتقديم صورة واضحة عن الحكومة الدستورية وخصائص النظام الاستبدادي.
يكمن إبداع النائيني ـ حسب تعبير المرحوم آية الله الطالقاني ـ في أن كتابه «كتب لإثبات مشروعية المشروطة، إلا أن أهميته الكبرى تكمن في ما يقدمه من المبادئ السياسية والاجتماعية في الإسلام، والدور والهدف العام للحكومة الإسلامية»)[509](.
استطاع في كتابه هذا أن يقدم للأمة الإسلامية صورة واضحة لنوع الحكومة التي كان علماء الدين يطمحون إليها في بداية «المشروطة» وفي أعقاب مناداتهم بالعدالة والإسلام؛ من أجل إزالة الحيرة والغموض عن أذهان المسلمين بشأن هذه القضية.
كانت مطاليب النائيني ـ على العكس من مزاعم المتغربين ـ واضحة تماماً وتتلخص في إقامة حكومة منبثقة من المفاهيم الإسلامية الأصيلة. فهو وإن انتحل بعض المصطلحات من الكتّاب الآخرين، إلا أنه يستشهد خلال محاولته البرهنة على جذور الاستبداد وعلى آثاره وتبعاته المقيتة، بحوادث من تاريخ صدر الإسلام وتحول حكومة خلافة الراشدين إلى نظام استبدادي في عهد بني أمية، وبآثار ومعالم الاستبداد التي برزت حينذاك، ويوضّح أيضاً ملامح الحكومة الدستورية مستوحياً آراءه من الفكر الإسلامي. إذ أنه بالإضافة إلى كونه فقيهاً متبحّراً في معرفة الإسلام، كان أيضاً فيلسوفاً ذا رؤية عميقة، وعارفاً بشؤون السياسة والاجتماع في عصره. ونخلص من هذا إلى أن ملامح الحكومة الدستورية التي عرضها في مشروعه كانت واضحة وصريحة ولا إبهام فيها. وهذه حقيقة يعترف بها حتى الأستاذ عبد الهادي الحائري مع ما يعتقده من كون كتاب «تنبيه الأمة» مقتبساً، فيقول في هذا المضمار:
«لم يكن النائيني ولا زميله الطباطبائي في حيرة أزاء فكرة الحكومة الدستورية خلافاً لما ذكره بعض الكتّاب، من أنّه تُستشف من تعريف النائيني ووصفه للحكومة الدستورية، أحكام وشروط تتسق مع نظام دستوري غربي»)[510](.
وجوب الحكومة وتقسيمها
تتلخص المواضيع التي يعرضها النائيني في كتابه القيم «تنبيه الأمة» في ما يأتي:
«إن أفضل أسلوب لبلوغ الحكومة العادلة الحريصة على مصالح الشعب، هو أن تكون للوالي والحاكم عصمة نفسية من أجل أن يكون خاضعاً لإرادة الله فحسب»)[511](.
يجب السعي ـ ريثما تأتي مثل هذه الحكومة ـ إلى إقامة حكومة تديرها شخصيات عادلة. ولكن بما أن هاتين الحالتين (العصمة النفسية، وحكومة الأفراد العادلين) لا تتسمان بالعمومية، وهما عادة خارج إرادة الناس، يجب إذن مراعاة المبدأين التاليين في تشكيل أية حكومة لكي لا يبتعد المجتمع كثيراً ـ على أدنى الاحتمالات ـ عن الكمال المطلوب، وهما:
1 ـ سن القوانين: يجب سن القوانين التي تعيّن «حدود ومهام الحاكم» من جهة، وتحدد من جهة أخرى «حقوق وحريات أفراد الشعب وفقاً للموازين الشرعية بحيث يعتبر نقص هذه القوانين والمقررات خيانة تطبق عليها عقوبات خيانة الأمانة».
2 ـ إشراف العقلاء: يجري تشكيل هيئة مؤلفة من العقلاء، والحريصين على مصلحة الشعب، والعارفين بالحقوق الدولية المشتركة ومتطلبات العصر والظروف الحاكمة على السياسة فيه. وما هذه الهيئة في الحقيقة إلا مجلس نواب الشعب ذاته. وجميع أفراد السلطة التنفيذية في البلد يجب خضوعهم لهذا المجلس الذي يخضع بدوره لإشراف ورقابة الشعب. ويقول في ذلك:
«والتراخي في أي من هاتين المسؤوليتين ينتهي إلى إبطال أحقية السلطة التنفيذية واستبدال حقيقة الولاية والأمانة إلى تسلط واستبداد المتصدين لزمام الأمور واستشراء الفساد»)[512](.
خصائص الحكومة الاستبدادية المطلقة
يقسّم النائيني، ـ كأي أستاذ في حقل الحقوق السياسية ـ الحكومة إلى نوعين، ويتقصّى خصائص كل واحدة منهما بدقة.
1 ـ يعبر عن الحكومة المستبدة بألفاظ أخرى من قبيل: التسلطية، والتملكية، والمشائية، والاعتسافية، والاستعبادية. وتستشف من مجموع هذه الكلمات خصائص الحكم الاستبدادي. ويصف الحاكم في مثل هذه الحكومة بتعابير من قبيل: الحاكم المطلق، ومالك الرقاب، والذي يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، وإنه يتعامل مع الملك والرعية كتعامل المالكين بأموالهم الخاصة، ويتصور أنّ الدولة بما فيها ملك له، وأهلها عبيده بل وكأنهم أغنام وأحشام مسخّرة له، وهو حرّ التصرف في ما يشاء، يستثمر الخراج لأغراضه ومصالحه الخاصة، واهتمامه بحفظ البلاد منوط بإرادته ورغبته، إذا لمس في شخص معارضة له في البلاد الذي يظنه ملكاً له ينفيه أو يعدمه أو يقطعه أرباً إرباً ويرمي به إلى كلابه، أو يستعدي الذئاب الكاسرة على إراقة دمه ويستحثهم على نهب أمواله)[513](.
يبدو أنّ النائيني، أكثر ما اقتبس في وصفه للحكم الاستبدادي من آثار السالفين كجمهورية أفلاطون والمدينة الفاضلة للفارابي، وأخلاق الناصري للخواجة نصير الدين الطوسي، أو أنه استقاها من مصادر الحكمة العملية والمفاهيم الإسلامية، حيث أفاضت الأخبار والأحاديث في وصف طباع الطواغيت والمستبدين، وأورد بعضها بين طيات كتابه واصفاً فيها نماذج من النظام الاستبدادي وما يتمخض عنه من آثار.
يعتبر النائيني سبب الاستبداد جهل الناس، وعدم معرفتهم بواجباتهم في مجال حقوق الشعب والحكومة مما يدفع الحكام المستبدين إلى معاملتهم كمعاملة الأغنام والعبيد، فيقول في ذلك: «الأصل الوحيد لهذه الشجرة الخبيثة ـ أي الاستبداد ـ هو جهل الشعب بواجبات الحكومة والحقوق النوعية المشتركة وقوامه انعدام المسؤولية وعدم العلم بوجود المراقبة والمحاسبة»)[514](.
ومن المثير هنا هو أن النائيني يرى وجود نوع من العلاقة الدقيقة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي. وكما يؤدي الامتثال في السياسة الاستبدادية إلى ظلم وسحق أبناء الشعب، كذلك يؤدي الانصياع للتصرفات الكيفية لزعماء الطوائف والمذاهب إلى استعباد الناس. والتباين الوحيد بينهما هو أن الاستبداد السياسي قائم على القوة والقهر فيما يستند الاستبداد الديني إلى الخداع والتدليس، وتكون نتيجة الأول الاستيلاء على الأجسام بينما يكون الثاني سبباً للاستحواذ على القلوب. «والحقيقة أن رزءنا ـ نحن الإيرانيين ـ ناتج عن اختلاط هذين الصنفين وديمومة أحدهما بالآخر»)[515](.
ومع أن ظاهر الأمر يوحي باقتباس النائيني لمصطلح «الاستبداد الديني» من كتاب الكواكبي، وهو ما يذهب إليه جماعة من الكتاب، ولكن يبدو من المستبعد أن تحاكي شخصية علمية فذة كالنائيني، الآخرين في الاقتباس العلمي. بل يبدو من الصحيح أنه أخذ هذا المصطلح السياسي من الروايات والمفاهيم الإسلامية وبادر إلى شرحه، ويكمن إبداعه في هذا الاستنباط والاجتهاد الحي وهو ما يتصف به عادة العلماء المتفهمون لمتطلبات عصرهم.
خصائص الحكومة القانونية والدستورية
النوع الثاني من الحكومة التي يقول بها النائيني هي حكومة القانون أو الحكومة الدستورية (المشروطة). ويصفها بالقول: «النوع الثاني من الحكومة لا يتسم بأي نوع من الاستحواذ والاستبداد وإخضاع الشعب. ويبنى أساس السلطة في مثل هذا النظام على أساس واجبات معيّنة» يعود أداؤها بالنفع على عموم أبناء الشعب، وتتحدد سلطات وصلاحيات الحاكم في حدود أداء تلك الواجبات ولا يحق له تجاوزها.
والحقيقة هي أن نظاماً كهذا يكون عبارة عن «الولاية على أداء المهام المتعلقة باستتباب النظم في البلاد». ولهذا تقتصر ولاية السلطان على قدر تلك الأمور، وتتحدد سلطته ـ سواء كانت محرزة بالحق أم بالقوّة ـ بعدم التعدي عن ذلك الحد المشروط.
في مثل هذا النظام يكون جميع أبناء الشعب شركاء للسلطان في الشؤون الاقتصادية وغيرها من أسباب القوّة النوعية وهم جميعاً في ذلك متساوون. والمتصدون لزمام الأمور أمناء للناس لا مالكون مخدومون، وهم في ذلك كسائر الأعضاء مسؤولون أمام الشعب عن أداء واجباتهم ويحاسَبون على أدنى تقصير فيها. وجميع أبناء البلد ـ بحكم المشاركة والمساواة في السلطات والحقوق ـ لهم القدرة على الاستجواب والمحاسبة، ولهم الحرية في الاعتراض بلا خوف من قهر السلطان أو من غضب المتصدين لزمام الأمور. ومثل هذه الحكومة تسمى بالحكومة المسؤولة أو الحكومة الدستورية، ووجه التسمية بيّن. والقائم بمثل هذه الحكومة تطلق عليه تسميات الحفاظ، والقائم بالقسط والمسؤول والعادل»)[516](.
يعير النائيني في بلورته لفكرة الحكومة الدستورية أهمية فائقة لقضيتين يعتبرهما من ضرورات هذا النظام وهما:
1 ـ تدوين الدستور أو القانون الأساسي الذي يتضمن أُسس المصالح العامة «ويتضمن تعيين حدود صلاحيات الحاكم وحرية الشعب، ويبيّن حقوق جميع طبقات الشعب وفقاً لمتطلبات الشريعة».
2 ـ تأليف «هيئة نواب الشعب» من أهل العلم والمعرفة في البلد، ومن الحريصين على مصالح الشعب، بحيث تكون لهم خبرة في القوانين الحقوقية الدولية وفي ما تقتضيه واجبات سياسة العصر. وتسمى هذه الهيئة بـ«مجلس الشورى الوطني»)[517](.
يستدل من العبارات السابقة أن النائيني كان على اطلاع تام على كتابات معاصريه في العالم العربي بشأن الحكومة الدستورية. ولعله أفاد كثيراً مما كتبه «رافع الطهطاوي» المصري عن الحكومة الدستورية في كتابه المسمى بـ«الدستورية». وأفاد بصورة أكبر من كتاب «طبائع الإستبداد» للكواكبي الذي تشاهد مصطلحاته في عبارات النائيني بصورة جلية)[518](.
إن نظرة النائيني إلى الحكومة باعتبارها نوعاً من الأمانة يدلل على حرية تفكير هذا المفكّر الإسلامي ونزوعه إلى تحكيم أفراد الشعب بمصيرهم، وهذا الأسلوب في فهم الحكومة مشابه تماماً للنظام الديمقراطي الذي كان يسود العالم الغربي آنذاك.
ويستشف من القول بالمساواة بين الحاكم والشعب، وواجبه في حماية القانون والحدود المعيّنة، وإمكانية مساءلته في حالة تقصيره من قبل الشعب أو من قبل نواب الشعب، أن النائيني كان على معرفة تامة بنظام الحكم الدستوري، وأنه كان يولي أهمية ملحوظة لمفهومي المساواة، والحرية اللذين يشكلان الحجر الأساس في النظام الدستوري.
مفهوم المساواة عند النائيني
تمسك بعض المغالطين بفكرة مساواة المسلم والكافر للاعتراض على النائيني وعلى أنصار النظام الدستوري، واستدلوا على مؤاخذتهم هذه بأن الأحكام الإسلامية تنطوي على تفاوت فاحش بين موضوعات المكلفين في العبادات والمعاملات والتجارة والسياسة بين البالغ والصبي، والمميز وغير المميز، والعاقل والمجنون، والصحيح والمريض، والمختار والمضطر، والراضي والمكره، والأصيل والوكيل، والولي والحر والعبد، والأب والإبن والزوجة، والغني والفقير، والعالم والجاهل، والشاك والمتيقّن، والمقلد والمجتهد، والسيد والعامي، والمعسر والموسر، والمسلم والكافر، والكافر الذمي والحربي، والكافر الأصلي والمرتد، والمرتد الملّي والفطري. وعلى هذا كيف يتسنّى للمسلم الذي يعتقد بمثل هذه الأحكام أن يتّبع قانوناً يدعو إلى المساواة بين الناس كافة)[519](.
فيرد عليهم بالقول: «أن قانون المساواة من أشرف القوانين المباركة المستقاة من السياسة الإسلامية، وأن أساس العدالة وروح جميع القوانين يكمن في اهتمام الشارع المقدس في توطيد أُسس هذا القانون الذي تتلخص فحواه في «أن أي حكم يترتّب بشكل قانوني وعلى وجه العموم على أي موضوع، ينفّذ عند التطبيق على جميع مصاديقه وأفراده بالتساوي وبلا أي تمايز. أما الشؤون الشخصية والإضافات العارضة فلا تؤخذ بنظر الاعتبار وليس ثمة خيار في التشدد أو العفو أو التغاضي عن أي كان، وأبواب المخالفة والارتشاء والحكم الكيفي مسدودة بالمرة»)[520](. أي أن جميع أبناء الشعب ابتداءً من مسؤولي الحكومة وحتى أبسط الناس متساوون أمام القانون.
مفهوم الحرية
كما أنه رد على الانتقادات التي أثارها المغالطون حول مبدأ «الحرية» الذي يعتبر من أبرز ما يصبو إليه النظام الدستوري أو الديمقراطي، معتبرين إياه من سمات الفكر الأوروبي وأنه لا يعني سوى التحلل والانفلات من أي قيد أو قانون، وأنه من متطلبات الدين المسيحي واتباعه، قائلاً: «الحرية هدف مشترك لجميع الشعوب سواء التي تعتقد بدين أو التي لا تعتنق أي دين. قال الحسين بن علي عليه السلام: «إذا لم يكن لكم دين وكنتم لا تخشون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم». وقال أحد العارفين: «لقد خلقك الله حراً فكن حراً». والحرية لا تنافي مطلقاً التمسك بالدين. وقد رأينا في تاريخ البشرية شعوباً كثيرة نعمت بالحرية ولكنها في الوقت ذاته ظلّت محتفظة بدينها.
ويلاحظ أن بلداناً كثيرة ـ كروسيا القيصرية على سبيل المثال ـ مع ما يبديه شعبها من طقوس الإخلاص للدين المسيحي والتمسك به ـ كانت في معظم الفترات ترزح تحت جور الحكومات المستبدة)[521](.
وقال النائيني في ضوء شرحه لهذين المبدأين الأساسيين، بجواز إسهام اليهود والمسيحيين من أبناء البلد في دفع الضرائب والمشاركة في بنائه وإصلاح أوضاع المجتمع واستجواب المسؤولين، واعتبر أنّ لهم حقوقاً مساوية لسائر أبناء وطنهم من الإيرانيين، وقال بمشروعية حق كحل مواطن إيراني في إبداء وجهة نظره في أوضاع البلد، وإرسال ممثل للإشراف على المسؤولين.
مبدأ فصل السلطات
تقوم فكرة إلغاء النظام الاستبدادي، وإقامة النظام الديمقراطي والدستوري على أساس تقسيم السلطات إلى: سلطة تشريعية، وسلطة قضائية، وسلطة تنفيذية. لكن فريقاً كان يرى أن هذا المفهوم يبدو في أذهان بعض المتنورين من أمثال «طالبوف» و«ملكم خان» بسبب ما اقتبسوه من كتابات الأوروبيين مثل «مونتسكيو» و«روسو» أكثر منه وضوحاً عند الجناح الإسلامي والمنظّرين الدينيين، ويزعمون أن هذه الثلّة من الزعماء الدينيين لم يكن لديها تصور واضح عن تقسيم السلطات، بل كانت أكثر ما تؤكد على مقارعة الظلم والاستبداد، من الاهتمام بقضية الدستور وفصل السلطات بعضها عن بعض)[522](.
ولكن على الرغم من هذه المقولة التي يثيرها المتغربون، كان النائيني والعلماء الآخرون على معرفة بمبدأ فصل السلطات باعتباره الركن الأساسي في النظام الدستوري الذي كان قد دخل إيران حديثاً آنذاك، بل كانوا يعتبرونه من أهم أُسس النظام الإسلامي.
كتب النائيني، في هذا المضمار: من المبادئ السياسية الواجبة هو مبدأ فصل السلطات في البلاد، بحيث تدخل كل مجموعة من الوظائف النوعية تحت قانون علمي صحيح وتنفذ تحت رقابة تامة للحيلولة دون تجاوز المتصدين لها حدود الواجبات المفوضة إليهم. ويرجع مؤرخو قريش هذا الفصل إلى الملك جمشيد، وهو ما أقرّه سيد الأوصياء عليه السلام في عهده إلى مالك الأشتر بولاية مصر)[523](.
ومن اللافت للنظر أن هذا الكاتب نفسه أشاد في فصل آخر من كتابه «أيديولوجي نهضت مشروطيت» (عقيدة ثورة الدستور) عند شرحه للأفكار السياسية للملا عبد الرسول الكاشاني في قضية تلك الثورة؛ أشاد بأفكار هذا العالم ودعوته إلى فصل السلطات في نظام المشروطة، واعتبرها من جملة الآفاق الثقافية في شخصية الكاشاني، وقال بهذا الشأن:
«رسالة الملا عبد الرسول الكاشاني لا تتضمن التحليل الأصولي للنائيني ولا بحثه العلمي في السياسة المستبدة، أما من حيث ما ورد فيها بشأن حق الحرية والفصل بين السلطات في نظام المشروطة، ومن حيث البناء الثقافي عموماً فهي أفضل من رسالة النائيني…» )[524](.
«يقوم الركن الأساسي في نظام المشروطة على مبدأ الفصل بين السلطات في البلاد؛ تفوض السلطة التشريعية إلى نواب الشعب الذي يشكلون المجلس الوطني، ويسميه الآخرون باسم «البرلمان». والنقطة المهمّة هنا هي عدم اعتقاد الملا عبد الرسول بالفصل المطلق بين السلطات. بل يعتبر السلطة التشريعية حاكمة على السلطات الأخرى. وتصور هذا المعنى من قبل الملا الكاشاني لا يخلو من إثارة للدهشة. بيد أنه في جميع الأحوال استوعب مفهوم فصل السلطات أفضل من سائر علماء المشروطة»)[525](.
ومع وجود هذه الاعترافات، كيف يدعي «فريدون آدميت» وأضرابه عدم اطلاع علماء الإسلام على شؤون الحكومة والإدارة وخاصة في مجال النظام الدستوري وفصل القوى، أو أنهم كانوا في حيرة من أمرهم إزاء ما يعنيه مفهوم نظام المشروطة.
ليس هذا إلا دليلاً على استحواذ الرؤية التغريبية المتطرفة على هؤلاء الكتاب حتى غدوا لا يرون لغيرهم حقاً في التفكير. وكثيراً ما تتسم كتاباتهم وآراؤهم بالأحكام المسبقة والبعيدة عن الإنصاف. إضافة إلى اعتبار أنفسهم محوراً للتفكير الاجتماعي الحديث، وقطب رحا الفكر، ومثل هذه الأحكام الوهمية والمغرضة ماثلة للعيان في جميع كتابات «فريدون آدميت» وزعيم الماسونيين وأحمد كسروي)[526](.
الرد على اعتراضات المغرضين
كان انتصار حركة المشروطة في إيران بداية لعصر النهضة الذي نبّه الأمّة الإسلامية من سبات استمر ألف سنة، وبلور في أذهان علماء الدين وروّاد مقارعة الاستبداد والاستعمار أفكاراً اجتماعية حديثة إضافة إلى فهم جديد للمفاهيم الإسلامية.
في بداية انطلاقة النهضة، كانت جميع التكتلات تعيش حالة واحدة. ولكن مما يحز في النفس أنه ـ وبعد انتخابات الدورة الثانية للمجلس، ونتيجة لتكتل التيار التغريبي، وعدم تكتل التيار الإسلامي ـ فاز التيار التغريبي والزمرة الماسونية العميلة للأجانب بأكثرية الأصوات في المجلس، وتمكنوا في نهاية المطاف من الاستيلاء على المناصب الحساسة. وهكذا أَذِن نظام المشروطة بالأفول، ووقع الانحراف في تلك النهضة الإسلامية. ولهذا السبب انشقت عنها فئة من علماء الدين تحت عنوان «المشروطة المشروعة» رافعة لنفسها لواء المعارضة، وساهمت من حيث تشعر أو لا تشعر ـ كسائر المستبدّين ـ في الإجهاز على النظام الدستوري، معتبرة هذا النظام، وانتخاب النواب، وتأسيس مجلس الشورى الوطني بدعة وانحرافاً عن الإسلام. وهذا ما دفع النائيني بالنتيجة إلى تدوين رسالة «تنبيه الأمّة» رداً على مغالطات المعترضين.
هل كان تدوين الدستور بدعة؟
كان المعارضون يعتبرون تدوين الدستور بحكم البدعة؛ لأن البلد الإسلامي يجب أن لا يحكمه قانون آخر غير الشريعة الإسلامية، ناهيك عن أن التمسك بمثل هذا القانون وتطبيق موادّه بدون إذن وإلزام شرعي يكون بمنزلة خلافٍ للشرع. فأجاب النائيني على هذا الاعتراض بقوله:
أولاً: إن البدعة تعني اعتبار ما لم تنصّ الشريعة عليه كحكم، حكماً وقانوناً، ولا شك في أن مثل هذا الحكم أو القانون يعتبر بدعة وانحرافاً عن الدين. ولكن إذا ما وضع شخص أو أسرة أو شعب مجموعة من القرارات لتنظيم حياته الاجتماعية وألزم نفسه بالتمسك بها بدون أن يقصد الإتيان بتشريع جديد. لا يمكن اعتبار عمله هذا بدعة.
ثانياً: إن القضايا التي لا تعتبر واجبة بذاتها، إلا أن يكون تحقيق الأمور مناطاً بوجودها، تعتبر واجبة حتى لو لم تكن قد وردت في الشريعة الإسلامية. فالإسلام يوجب التصدي للظلم والفساد، وتدوين القانون الأساسي يساعد على بلوغ مثل هذه الغاية. ولا مناص لنا من الإذعان بعدم إمكانية تقويض دائرة الظلم بدون وجود دستور يتماشى مع أُصول الإسلام.
إشراف النواب على عمل السلطة التنفيذية
ورداً على آخر المغالطات التي أثارها المعارضون وزعمهم أنّ إشراف نواب الشعب يعدّ نوعاً من التدخل في عمل الإمام المعصوم، وأنّ الإشراف العام يستلزم الخوض في الشؤون السياسية، وهو بالإصطلاح الشرعي يدخل في الأمور الحسبية، ومن ثم فهو ليس من شأن عامّة الناس، بل من واجبات الإمام المعصوم.
ردّ النائيني على هذه المغالطة بالقول:
أولاً: إن الشؤون السياسية تعتبر من جملة الأمور الحسبية من جهة، إلا أنها من جة أخرى تدخل في إطار التكاليف العامة؛ وذلك لأن انتخاب الإمام أو الولي وإن لم يكن من الواجبات العامة، لكن الحكومة إذا بنيت على رأي الأمة، يكون لأبناء الشعب في تلك الحالة حق الإشراف على أعمالها وعلى أسلوب إنفاقها للضرائب والأموال التي يدفعونها إليها.
ثانياً: تؤدي مشاركة الناس في الشؤون السياسية إلى الحيلولة دون وقوع الظلم من الحكام، وهذا يعتبر بمثابة الاحتساب أي بمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يدخل أيضاً في سياق التكاليف العامة.
لا شك أن العلامة النائيني كان واحداً من المصلحين الواعين في العالم الإسلامي، وكان قد كرس جهوده في سبيل استعادة المسلمين مجدهم وكرامتهم، ويستنكر التسلط الأجنبي والقهر الذي يمارسه الطغاة.
أشار النائيني في مطلع رسالته إلى أسباب تقدم تطور الدول الأوروبية، ونبّه إلى كيفية تجاوز الغربيين لعهود الانحطاط والتخلّف، ومكافحتهم لعوامل الاستبداد والجهل على طريق نيل الحرية. ذلك الطريق الذي بدأَوْه بسن القوانين الصحيحة، وأضاءَوْا مشاعل التوعية أمام العقول والأفكار والأذهان. إلا أن الأمّة الإسلامية تجاهلت هذه الأمور حتى انتهى بها المطاف إلى هذه الحياة البائسة الذليلة. وطريق العزّة والتقدم غير مغلق أمام أي شعب، وسبيل المجد والحرية لا ينسدّ أمام أحد، ﴿إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.
ولكن الشعب الإيراني الذي كان يمرّ بمرحلة من السبات والغفلة، لم يفسح المجال ـ وللأسف ـ أمام انتشار الأفكار النيّرة لهذا العالم الواعي.
وقد أشاد الشهيد المطهري بهذا العمل القيّم للعلامة النائيني بقوله:
«الحقيقة أن أحداً لم يقدم تفسيراً دقيقاً للتوحيد العملي والاجتماعي والسياسي للإسلام، مثلما قدّمه العلامة الكبير والمجتهد البارع المرحوم الميرزا محمد حسين النائيني (قدس سره) مدعوماً بالاستدلال والاستشهاد المتقن من القرآن ونهج البلاغة في كتابه القيّم «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة». وقد جاء المرحوم النائيني بمثل ما جاء به الكواكبي، مشفوعاً بالبراهين الإسلامية، ولكن من المؤسف أن أجواءنا التي يسودها الجهل دفعت بالمرحوم إلى الصمت، في أعقاب نشره لكتابه ذاك»)[527](.
في العالم الشيعي، لم يكن تناول القضايا السياسية ودراسة الحقوق السياسية في الإسلام وتدوين الكتب والرسائل العلمية في هذا الحقل، يحظى بالاهتمام الكافي. ولعل مردّ ذلك هو التصور المغلوط بأن مثل هذا العمل يعدّ تدخلاً في واجبات إمام الزمان عليه السلام ولهذا السبب لم ينضج الفكر السياسي والفلسفة السياسية كما ينبغي لهما.
يمكن القول أنه في العهود الأخيرة وحتى بعد انتصار الثورة الإسلامية لم يدوّن كتاب علمي بعد كتاب «فقه الدولة الإسلامية» لآية الله المنتظري، نظير كتاب «تنبيه الأمة» للنائيني. وهو لم يتناول في كتابه هذا إثبات «المشروطة» فحسب، بل جعل منه رسالة جامعة في السياسة والحكومة الإسلامية. ولا بد أن تنال الأفكار الإصلاحية لهذا النابغة الكبير نصيبها من الدراسة والتمحيص؛ لأنه إضافة إلى علمه في الفقه والأصول، كان له اطلاع واسع على شؤون السياسة والاجتماع في زمانه. وهو كما وصفه آية الله الطالقاني:
«خدّه الممتد، وأنفه المرتفع، وجبهته البارزة وشعره الخفيف يعيد إلى الأذهان صور فلاسفة اليونان؛ سقراط وأفلاطون»)[528](.
عسى أن تكون في هذا تذكرة مفيدة تحدو بالعلماء إلى تنقيح وتوضيح وإكمال هذه الرسالة العلمية.
د. محمد ثقفي
قراءة في كتاب
«الإمام الخميني عارف من القرن
العشرين لم يُقدر حق قدره»
هذا العنوان، الملفت للإنتباه، هو رسالة بحث نال عليها صاحبها الفرنسي الأصل «كريستيان بونو»، بتاريخ 4/نيسان/1995م، درجة الدكتوراه بامتياز من المعهد التطبيقي للدراسات العالية في جامعة السوربون، باريس. والسيد بونو كان قد حصل في السابق على شهادة جامعية في اللغة العربية ومن ثم على شهادة الماجستير في التصوف والعرفان الإسلامي من نفس الجامعة.
لم يكن السيد كريستيان بونو، كغيره من أبناء العالم الغربي وبالخصوص المتعلمين منهم، يعرف، في بدايات الثورة الإسلامية الإيرانية، الشيء الكثير عن الإمام الخميني سوى أنه رجل دين شغلته السياسة فقام بثورة شعبية عارمة على نظام الشاه البائد وأطاح به ليجلس مكانه على كرسي الحكم. ولكن بينما كان السيد بونو مزمعاً في عام 1987م على متابعة أبحاثه للتحضير لنيل شهادة الدكتوراه في مجال العقائد الصوفية، حدثت له مفاجأة غيّرت مسيرة حياته الفكرية والاعتقادية، فلدى تواجده في المكتبة التي تعمل على تأمين ما يحتاجه طلاب اللغة والحضارة العربية في السوربون من كتب بهذه اللغة، قدم له صاحب المكتبة ذات يوم كتابين للإمام الخميني تم نشرهما في لبنان، هما: شرح دعاء السحر، ومصباح الهداية إلى الخلافة والولاية.
لم يكن السيد بونو يفكر بأن هذا اللقاء الأول له مع فكر الإمام الخميني سيوجه أبحاثه نحو مجال الدراسات الإيرانية، فلقد دهش، لدى مطالعته لكتاب شرح دعاء السحر، بعظمة شخصية الإمام العرفانية ذات البعد الروحي العميق والتي هي على عكس جميع الصور التي كانت تُظهره بها وسائل الإعلام الغربية المغرضة والأقلام المشبوهة التي لم تكن تصدر إلا عن ظلمات الجهل والحقد الدفين ضد الإسلام ورجاله المخلصين.
وبعد مدة وقع في يده بعض المقاطع المترجمة ـ الى الفرنسية ـ من تفسير الإمام المتلفز لسورة الحمد والتي، على رغم ضعف الترجمة، كشفت له عن معرفة عرفانية عميقة عند الإمام مما جعل السيد بونو يشعر بالحاجة للإطلاع على النص الأصلي لهذا التفسير الذي تشع منه حيوية روحانية بعيدة الغور ليس لها نظير. فعلى العكس مما كان يشاهده عند المتأخرين والمعاصرين من المفسرين والصوفيين، فإن الإمام الخميني لم يقم بتفسير النص بالاعتماد على مصادر مطالعته وحدها، بل كان يعمل على حمل المستمع على درك بعض المفاهيم الميتافيزيقية)[529]( العميقة المتضمنة في أدعية أئمة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله. كما أنه (رضوان الله عليه) لم يكن يستخدم الأسلوب العلمي الجاف والثقيل على مسامع الناس كما يفعله بعض بسطاء العلماء، بل كان على العكس يتعاطى مع لغة العرفان والمصطلحات العرفانية بشكل حيوي وطبيعي كما لو أنه كان يستنشق الهواء العليل، ولذلك وجد السيد بونو نفسه. كما قال: «أمام روح كأنها جاءت من عصور قد اكتملت لا تنطلق إلا نادراً ولكنها تنطق حيث شاءت».
بعد هذه «الجذبة» المعرفية العرفانية التي حصلت للسيد كريستيان بونو نتيجة مطالعته لبعض آثار الإمام الخميني (رض)، حزم أمتعته، بتوافق مع أستاذه دانيل جيماره Daniel Gimaret، وتوجه إلى ربوع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبالتحديد إلى مدينة مشهد المقدسة ليتتلمذ ـ بعدما تعلم اللغة الفارسية ـ لعدة سنوات على يد الأستاذ الشهير في العرفان النظري السيد جلال الدين أشتياني الذي قال عنه العلامة الفرنسي الكبير البروفسور هنري كوربان (Henry Corban) أنه «ملا صدرا العصر الحديث»)[530](.
وازداد تعلق السيد بونو بشخصية الإمام مما دفعه لدراسة فكره الفلسفي والعرفاني بشغف شديد خاصة بعدما قرأ ما كتبه أستاذه الجديد السيد أشتياني عن الإمام معتبراً إياه «خاتم الفلاسفة والعرفاء في عصرنا الحاضر»)[531](، وقوله فيه أيضاً: «كان الإمام الخميني يتمتع بذوق واستعداد فطري خاص بما يتعلق بالمعارف العقلية والعرفانية» و«إنه أستاذ محنك بالحكمة المتعالية حسب طريقة صدر الحكماء والعرفاء الآخوند ملا صدرا»)[532](. و«هو من الشخصيات النادرة الذين حازوا درجة الأستاذية في العلوم العقلية والنقلية»)[533](.
ويتساءل صاحب هذه الأطروحة في أطروحته:
1 ـ كيف يمكن لرجل دين ينتمي إلى نهج فلسفي عرفاني روحي بعيد الغور أن يأخذ على عاتقه هذا الدور السياسي الذي قام به والذي ترك أثراً بارزاً في القرن العشرين الذي عاش فيه؟ ثم،
2 ـ كيف ينظر الإمام وهو الرجل التقليدي ـ بنظر الكثيرين ـ إلى الحداثة التي يمثلها عصره (القرن العشرون)؟ وأخيراً،
3 ـ ماذا استطاع الإمام تقديمه لهذا الموروث الفكري القديم حتى يُبرر لنا اهتمامنا بآثاره؟
طبعاً يجيب الأستاذ الباحث يحيى)[534]( بونو في أطروحته على جميع هذه التساؤلات وبالخصوص على التساؤل الأخير بإسهاب، ولكننا نكتفي هنا بنقل خلاصة من إجابته على التساؤل الأول والثاني:
أما بما يخص التساؤل الأول حول عمل الإمام السياسي ولوم البعض للسيد يحيى لعدم تعرضه في أطروحته هذه لحركة الإمام السياسية، فقد أجاب في مقدمة رسالته بأن ألإمام الخميني (رض) لم يكتب في السياسة سوى إلقائه سلسلة من المحاضرات في النجف الأشرف بخصوص «ولاية الفقيه». وقد جمعت تلك المحاضرات ونُشرت في كُتيب يحمل نفس العنوان، وقد كتب الكثير من الصحافيين والمحللين السياسيين حول سياسة الإمام فمنهم من وُفق نسبياً ومنهم من لم يوفق بسبب نوازعه العدائية للإسلام وللإمام كرجل دين.
أما بما يخص الجانب الفكري الفلسفي العرفاني عند الإمام الخميني فلم يُوفق أحد حتى الآن في الكتابة في هذا المجال بما يشفي الغليل ويسد فجوة كبيرة أوجدها الجهل والتعصب في العالم الغربي. وعلى الرغم من تصميمي منذ البداية على استبعاد الكتابة في المجال السياسي تحسباً لما قد يثيره هذا العمل من ردود فعل عند بعض الجهات الرسمية والعلمية في الغرب، فقد صدرت مع ذلك ردود فعل مؤسفة من إحدى الوزارات المهمة)[535]( التي عارضت كل ما يمكن له أن يُسهل عليّ القيام بإجراء هذا البحث العلمي، ومن ثم عارضت بشكل قاطع نشر أطروحتي هذه من قِبل «معهد الأبحاث الفرنسية في إيران» بدون أن تُقيم أي وزن لآراء الأساتذة الكبار المنصفة في جامعة السوربون، وبدون أن تقدم أي تبرير علمي لتصرفها المؤسف هذا. إذاً لنتخيّل قليلاً ماذا كان سيحدث لو أنني عالجت المسألة السياسية في أطروحتي هذه؟!
وأما بخصوص التساؤل عن علاقة الإمام الخميني بالحداثة، فيجب التمييز بين معنيين للحداثة: أولاً، الحداثة التي يمكن تعريفها بكل بساطة انها تمثل الحالة الراهنة للمجتمع الإنساني: ثانياً، الحداثة التي هي عبارة عن محصلة الخطوط المميزة للمدنية الغربية في المرحلة الأخيرة من تاريخها. والحياة السياسية للإمام تشهد أنه كان على إطلاع واسع وعميق بما يجري في عصره وربما صار إليه العالم الذي يعيش فيه، فكان غالباً ما يردد بـ «أن العالم عبارة عن مدينة ونحن نعيش في أحد أحيائها»، ولكن ليس هذا الأساس، فمع قبوله بلزوم الأخذ بالتقدم العلمي والتقني الغربي إلا أنه كان يعتبر العالم الغربي مريضاً روحياً، حيث قال في رسالته إلى غورباتشوف «إن أزمة اللا أدرية)[536]( هي المرض الأساس الذي تعاني منه مجتمعات الشرق والغرب الأوروبية» و«مهما بلغت درجة حضارة الغرب المادية فإن ما ينقصه هو الأساس وهو الإنسانية الحقيقية».
ولذا عندما كان الإمام ينصح الشباب بمواكبة العصر الذي يعيشون فيه وبدراسة التقنيات العلمية التي تحتاج البلدان الإسلامية النامية إليها، كان في نفس الوقت يندّد بتلك الحماقة المشؤومة التي يروّجها بعض الكتّاب الشرقيين وهي اعتقادهم بأن التقدم المادي يؤدي لا محالة إلى التقدم في المجال الفلسفي والروحي)[537](. وعلى أولئك الشاجبين لـ«ظلامية» تراث الثقافة الإسلامية، واضعين في مقابلها «الأنوار» التي يرونها تشع من الغرب ـ بزعمهم ـ يردّ الإمام قائلاً: «إنه لمن المؤسف حقاً ان نستخفّ بالعلوم والأفكار الفلسفية التي أنتجتها العقول الإسلامية والتي لن يدركها الأوروبيون حتى ولو بعد ألف سنة من الآن. إن الذي يملك منطق الشفاء، وحكمة الإشراق وحكمة ملا صدرا المتعالية لا يحتاج إلى فلسفة الأوروبيين التي ما تزال في مراحلها البدائية»)[538](.
ولذا فإن الإمام عندما كان يتحدث فإنه يتحدث كفيلسوف وكعارف، لأن جلّ اهتمامه كان منصبا ًعلى علم الإلهيات (الميتافيزيقا) وتحقيق التكامل الروحي عند الإنسان. وبناء على ذلك فـ«الحداثة» ليس لها أي معنى بالنسبة له لأن علم الإلهيات والمعارف الروحية لا تتعلق بهذا العالم المتغير، فهناك حقيقة خالدة لا تُدرك إلا جزئياً بواسطة العقل عن طريق التأمل الفلسفي والعرفاني. إنها الحقيقة القاطعة التي يدعو إليها كلام الله، حقيقة يجب أن تعرف ويتم الإيمان بها وتُعاش من قبل الإنسان في عالم يومه الذي يعيشه. هذه هي الحداثة (أو العصرنة) التي كان يؤمن بها الإمام ويدعو إليها، فقد كان رجلا ًحازماً أراد من نفسه أن يكون شاهداً على عصره وليس رجلا ًمن العصر يريد عصرنة التقاليد الثابتة. والرسالة التي بعث بها إلى غورباتشوف تبين ذلك بوضوح.
بعد هذه المقدمة نقول بأن أطروحة السيد يحيى بونو تحتوي على قسمين هامّين:
1 ـ القسم الأول تحت عنوان:
«نشأة الإمام الخميني العلمية ومجموعة آثاره» الذي يشتمل على فصلين مهمين:
أ ـ رجل من الحوزة العلمية:
تحدث فيه المؤلف بإسهاب عن مراحل الدراسات الحوزوية بشكل عام في مدينة قم المقدسة، وعن المراحل الدراسية التي اجتازها الإمام الخميني بشكل خاص وبالخصوص عن اهتمامه ونبوغه في المباحث العقلية والعرفانية. وعلى الرغم من أن الكثير من الباحثين لا يميز بين المباحث العقلية (الفلسفة) والعرفانية إلا أن الإمام ميز بينهما بوضوح، بقوله:
«إن مباحث الفلسفة تدور حول (مطلق الوجود) اعتباراً من الحقيقة المطلقة وحتى آخر درجة من درجات الوجود؛ بينما العرفان لا ينظر إلا إلى (الوجود المطلق) أو بتعبير آخر إلى (الحقيقة المطلقة) ولا يفكر إلا بها وبتجليها الذي ليس شيئاً آخر سواها. فلو أن كتاباً أو عارفاً بحث في شيء آخر غير ذات الحقيقة المطلقة (الله) فلا الكتاب عرفاني ولا الكاتب عارف؛ ولو أن فيلسوفاً (حكيماً) وجه نظره نحو الوجود ودرسه كما هو، فنظره إلهي ودراسته عرفانية. كل هذه الأمور هي غير الذوق العرفاني البعيد عن الدراسة والمخالف لهذا الشيء المهجور، [شيء آخر] بالأحرى هو أنه بعد التأمل الحسي نصل إلى الفناء عن طريق الغرق في الوجود المطلق (الله) «أطفئ السراج فهذه الشمس قد أشرقت»)[539](.
إن ما يميز العارف هو توجهه بفكره ورغبته نحو المطلق الذي يجعل فكرة الوحدة عنده مهيمنة (سائدة) بينما بالنسبة للحكيم فإنه حتى لو مارس فكرة وحدة الوجود فإن نظرته إلى الكثرة هي التي تسود عنده. يقول الإمام الخميني رحمه الله في هذا المجال:
«إن الحكماء الكبار والفلاسفة الموقرين ينظرون إلى الكثرة محترمين بذلك درجات الوجود: العوامل الخفية والظاهرة، وتسلسل العلل والمعلولات، وعوالم الصعود والهبوط […].
أما بالنسبة إلى العرفاء الكبار والسالكين إلى الله فإن نظرهم مثبت نحو الوحدة دون تأمل في الكثرة ولا التفات إلى عوالم التعيّنات أي عوالم المُلك والملكوت والناسوت والجبروت، ويعتبرون أن تعينات الوجود المطلق المشار إليها بمصطلح الماهيات، والعوامل الأخرى مهما كانت ليست إلا اعتبارات مجردة وتخيلات»)[540](.
«خلاصة القول إن عمق مقصدهم شيء واحد، ولكن سلطة وسيطرة مفهوم الوحدة على قلب العارف حجبته عن الكثرة إلى درجة أنه غرق في التوحيد، فهو غير مبالٍ بالعوالم وبدرجات ظهور الكثرة (أي غير مبال بالتكثير)؛ أما سيطرة قانون الكثرة على الحكيم (الفيلسوف) فإنها تمنعه من رؤية الحقيقة وتفصله عن الوصول إلى معرفة كمال التوحيد وإلى حقيقة التجريد. هذه المواقف هي مخالفة للعدل الذي تُحفظ به سماوات درجات الكائن الإنساني السبع الخفيفة»)[541](.
وبعد أن تحدث عن العرفان النظري والعرفان العملي وعن أساتذة الإمام في هذا المجال وبالخصوص عن أستاذه محمد علي الشاه آبادي، انتقل صاحب هذه الأطروحة للحديث عن:
بـ ـ آثار الإمام:
يقول المؤلف بما أن المطلوب هنا هو دراسة المفاهيم والعقائد الإلهية (المتيافيزيقا) الموجودة في آثار الإمام فقد قمنا بترجمة العديد من نصوص هذه الآثار إلى اللغة الفرنسية ـ لإلقاء مزيد من الضوء والإيضاح على هذه الدراسة.
والنصوص التي تمت الاستفادة منها في هذا العمل تقع فيما يعادل الألف وثلاثمائة صفحة، ترجم صاحب هذه الدراسة منها ما يقارب المائة وخمس وعشرين صفحة نموذجية، بحيث أن القسم الأكبر منها جاء من الكتب الثلاثة التالية: (شرح دعاء السحر) )[542]( و(مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية) )[543]( و(الآداب المعنوية للصلاة) )[544]( حيث استفيد من كل واحد منها بما يعادل العشرين صفحة. كما تمت الإستفادة بدرجة ثانية من كتاب: الأربعون حديثاً (حوالي 15 صفحة من أصل 125 تُرجمت من آثار الإمام) ومن كتاب «التعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس» (حوالي 13 صفحة). وأيضاً تم الاستفادة من كتابيّ «رسالة في الطلب والإرادة» (7 صفحات) وتفسير سورة الحمد المتلفز ما يعادل الثمان صفحات. أما الباقي فقد تم اختياره من النصوص المختلفة الأخرى مثل كتاب «سرُّ الصلاة» وخطب الإمام المتلفز ورسائله وأشعاره.
كما حاولنا الموازنة بين ما نقلناه من آثار الإمام عن اللغة العربية والفارسية لترجمته في هذه الدراسة إلى الفرنسية (حوالي 60 صفحة من كتاباته بالعربية وأكثر من 50 صفحة من كتاباته بالفارسية). ولذا فالنصوص التي تمت ترجمتها إلى الفرنسية تمثل ما يقارب ثلث هذا العمل وأكثر من خُمسَي القسم الثاني منه الذي يعالج المسائل العقائدية.
ولا بد من الملاحظة هنا أن جلّ الآثار العقائدية والفلسفية والعرفانية للإمام قد كتبها سماحته في سنٍّ مبكرة من عمره الشريف بينما كتب في مجال الفقه والمعاملات والأحكام في مرحلة ثانية متأخرة من حياته.
ولا بأس من إعطاء تعريف مختصر هنا عن الكتب الثلاثة الأولى التي استفاد منها الدكتور بونو اكثر من غيرها في أطروحته هذه:
1 ـ شرح دعاء السحر: هو باكورة كتابات الإمام كتبه باللغة العربية حين كان في السابعة والعشرين من عمره. وهو كتاب يضم مسائل عرفانية وفلسفية عميقة، اعتمد فيه الإمام الآيات القرآنية وروايات أهل بيت الطهارة والنبوة عليهم السلام في شرح دعاء المباهلة المعروف بدعاء السحر، حيث يقول في مقدمة شرحه لهذا الدعاء:
«…، فيقول المفتقر إلى الرب العظيم، والمفتخر بالانتساب إلى الرسول الكريم، السيد روح الله بن السيد مصطفى الخميني، عُفي عنهما: لما كان من أعظم النعم على العباد والرحمة الواسعة في البلاد، الأدعية المأثورة من خزائن الوحي والشريعة وحملة العلم والحكمة؛ لأنها الرابطة المعنوية بين الخالق والمخلوق، والحبل المتصل بين العاشق والمعشوق، والوسيلة للدخول في حصنه الحصين، والتمسك بالعروة الوثقى والحبل المتين؛ ومن المستبين عدم إمكان الوصول إلى هذا الغرض الأقصى والمقصد الأعلى، إلا مع التوجه بقدر الاستطاعة إلى معناها وبمقدار القدرة إلى سرها ومغزاها؛ ورأيت أن الدعاء المشهور الموسوم بالمباهلة، المأثور عن الأئمة الأطهار، للتوسل به في الأسحار، إلى نور الأنوار، من أجلّ الأدعية قدراً وأرفعها منزلة، لاشتماله على الصفات الحسنة الإلهية والأمثال العليا الربوبية، وفيه الاسم الأعظم والتجلي الأتم القدم، فأردت أن أشرحه من بعض الوجوه بمقدار الاستعداد، مع قلة الباع وقصور الإطلاع. […]. ولكن بالحق أقول:
جاءت سليمان يومَ العيد قبَّرةً
أتَتْ بفخذِ جرادٍ كان في فيها
ترنمت بفصيح القول واعتذرتْ
إنّ الهدايا على مقدار مُهديها
ثم يشرع الإمام بشرح الدعاء الذي يبدأ بهذه العبارات النوراية الرائعة:
«اللهم إني أسألك من بهائك بأبهاه، وكل بهائك بَهيّ
اللهم إني أسألك ببهائك كُلّه.
اللهم إني أسألك من جمالك بأجمله، وكلُّ جمالك جميل.
اللهم إني أسألك بجمالك كلّه. اللهم إني أسألك من جلالك بأجلّه، وكلُّ جلالك جليل. اللهم إني أسألك بجلالك كلّه»)[545](، إلى آخر هذا الدعاء الشريف.
2 ـ مصباح الهداية في الخلافة والولاية: كتبه الإمام بالعربية وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره. يعد هذا الكتاب من أعمق الكتب العرفانية التي تتحدث عن الحقيقة المحمدية وخلافة الإنسان في الأرض)[546](.
3 ـ الآداب المعنوية للصلاة: كتبه باللغة الفرنسية وهو موجه لشريحة واسعة من الناس ليتم الاستفادة من موضوعاته الأخلاقية والعرفانية. تم تأليف هذا الكتاب سنة 1942م)[547](.
2- أما القسم الثاني من الأطروحة فهو يخص العقائد:
حيث تمت معالجة جميع المسائل الأساسية المتعلقة بالمعارف العرفانية والإلهية النظرية كما هي معالجة في حكمة ملا صدرا المتعالية وفي عرفان إبن عربي مثل: حقيقة الوجود، الذات الإلهية التي هي الوجود المطلق، وحدة الوجود، وهل الوجود مشترك معنوي أم لفظي، عليّة ومعلولية أو ظهور وتجلي، في الطريق إلى المطلق، علم ما بعد الطبيعة ومعرفة الله، الأحدية والواحدية، الأسماء والتعيّنات، الاسم الأعظم، كمالات الوجود، وأمّهات الصفات: كالعلم، والسمع والبصر، القدرة، الإرادة والكلام.
كما تطرق صاحب هذه الأطروحة لكثير من المسائل العقائدية والفكرية الأخرى التي عالجها الإمام الخميني (رض) في آثاره الغنية التي تركها للأجيال تنهل منها معرفة وفكراً وعقيدة راسخة، منها: التجليات الخَلْقيَة، التنزيه والتشبيه، مسألة القضاء والقدر، إبطال الجبر والتفويض وغيرها من المسائل العقيدية المهمة.
ولقد امتاز الإمام ـ رضوان الله عليه ـ في كتاباته كما وصفه الدكتور كريستيان بونو صاحب هذه الرسالة بقوله:
1 ـ امتاز الإمام بالقوة في السبك والتماسك في عرض الفكرة التي تعكس إحاطة تامة بالمواضيع التي يطرحها في كتاباته.
2 ـ التركيز وقدرة الإجمال في العبارة.
3 ـ دقة في استعمال المصطلحات الفنية والتخصصية وهذا يعكس تسلطه وفهمه العميق للعقائد والأفكار الفلسفية والعرفانية التي طرحها كل من ابن عربي وملا صدرا الشيرازي.
4 ـ المستوى الأدبي الرفيع للغة التي كتب فيها الإمام سواء العربية منها أو الفارسية.
5 ـ تأمّله العميق في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.
6 ـ أصالة مواقفه الفكرية ومعرفته الثاقبة بالمسائل الفكرية السائدة في عصره.
ويختم الدكتور بونو رسالته بالقول: لقد بقيت الأعمال الكبرى التي أنجزها أسلافنا من الباحثين في سبر الفكر الإسلامي، مدّة طويلة مجهولة أو لم تُقدّر حق قدرها من قبل الباحثين في الإسلاميات والفلسفة والعلوم اللاهوتية في الغرب، ولذا يتوجب علينا اليوم متابعة اكتشاف هذه الكنوز المعرفية الإسلامية العظيمة التي لا تُقدّر بثمن. لقد تم في الواقع إنجاز دراسات موسّعة حول ابن عربي في الغرب، ولكن الأمر ما زال بخصوص المدرسة الصدرية (مدرسة ملا صدرا) والفكر الشيعي بشكل عام بعيداً كل البعد عن التحقق)[548](.
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نذكر تقريظ بعض كبار الأساتذة في السوربون لأطروحة السيد كريستيان بونو حول فكر الإمام الخميني.
1 ـ يتكون القسم الأساسي لهذه الأطروحة من مختارات من نصوص الإمام ومن تعلقات وشروح غنية من السيد بونو. كما تشكل، في الحقيقة، هذه الفصول السبعة حول معرفة الله، عرضاً لمذهب كبير واطلاع واسع واعتقاد راسخ، على أساس عمل شخصي حول مصادر فكر الإمام الخميني.
هذه المختارات تسمح في الوقت نفسه بالسير من النص إلى العرض العقائدي ومن العرض إلى النص».
البروفسور المتقاعد شارل ـ هنري دو فوشّكور جامعة السوربون الجديدة ـ باريس ـ Professeur Charles Henri De Fouchecour.
2 ـ «تركز هذه الأطروحة في قسمها الأول على النشأة العلمية ومجموعة آثار الإمام الخميني. وفي قسمها الثاني يقدم السيد بونو عرضاً مستفيضاً موثّقاً للأفكار اللاهوتية عند الإمام التي تشهد على تمكنه الملفت للنظر في هذا المجال».
البروفسور دانيل جيماره عضو أكاديمية الآداب، ومدير البحوث في المعهد التطبيقي للدراسات العالية جامعة السوربون ـ باريس Daniel Gimaret.
3 ـ «الكثير من الكتّاب شرعوا منذ أكثر من قرن بالتنديد بانحطاط المعارف الفلسفية واللاهوتية في العالم الإسلامي المعاصر ملقين باللآئمة في ذلك على الفكر الصوفي والباطني. إلا أن بعض الأعمال الجديدة استنكرت هذه النظرة المنحازة والمغلوطة. والرسالة التي بين يدينا تقدم لنا عناصر جديدة في هذا المجال حيث أنها تبرهن على أن «قائد دولة» مثل روح الله الخميني مارس أفكاراً فلسفية امتازت بعمقها الروحي والعرفاني».
البروفسور بيير لوري مدير البحوث في المعهد التطبيقي للدراسات العالية جامعة السوربون ـ باريس Professeur Pierre Lory.
4 ـ «قدّم السيد بونو معلومات غزيرة وجديدة وواضحة حول الحياة الفكرية والروحية للإمام الخميني بحيث استكملها بدراسة تحليلية دقيقة شملت معظم كتابات الإمام. وقد استند في كل خطوة من خطوات دراسته التحليلية هذه على الكثير من النصوص التي تركها لنا الإمام والتي تشكل بالنسبة للباحثين الجدد مجموعة وثائقية من الدرجة الأولى في هذا المجال».
البروفسور ميشيل شودكيفيتز مدير البحوث في المعهد التطبيقي للدراسات العالية Michel Chob Kiewez.
فهرس الكتاب
ـ مقدمة المؤلف.
1 ـ القسم الأول: نشأة الإمام الخميني ومجموعة آثاره
أ ـ رجل من الحوزة العلمية:
ـ مراحل التعليم في الحوزة العلمية
ـ المباحث العقلية.
ـ المباحث العرفانية.
ب ـ آثار الإمام:
ـ شرح دعاء السحر، مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصابيح الأنس، الأربعون حديثاً، سرّ الصلاة، الآداب المعنوية للصلاة، شرح حديث جنود العقل والجهل، كشف الأسرار.
* الآثار الفقهية والأصولية، منها:
ـ تهذيب الأصول، المكاسب المحرمة، توضيح المسائل، تحرير الوسيلة، تعليقة على العروة الوثقى، الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه الخ.
ـ خطابات وكتابات وأشعار:
ـ الجهاد الأكبر، تفسير سورة الحمد، ديوان أشعار الخ.
2 ـ القسم الثاني معرفة الله:
أ ـ الوجود
ب ـ وحدة الوجود
جـ ـ في الطريق إلى المطلق.
ـ علم ما بعد الطبيعة ومعرفة الله.
ـ العلم الحضوري.
ـ اصطلاحات ومعان
د ـ الحق المجهول والحق المتجلي
ـ تعيّنات الفيض الأقدس.
ـ حضرة الأحدية.
ـ حضرة الواحدية.
ـ هو الله أحد.
ـ الخلافة العظمى والولاية المطلقة.
هـ ـ في حضور الأسماء الحسنى
ـ أسماء وتعيّنات.
ـ الاسم الأعظم.
ـ الإسم المستأثر.
ـ الحقيقة المحمدية
و ـ كمالات الوجود
ـ الصفات، معاني الصفات.
ز ـ أُمّهات الصفات.
ـ العلم، السمع والبصر، القدرة، الإرادة والكلام.
حـ ـ في مبدأ التجليات الخُلُقية.
ـ ظل الوجود، بسم الله، وجها الحقيقة، التنزيه والتشبيه، مسألة القضاء والقدر، إبطال الجبر والتفويض، وغيرها من المسائل المهمة التي وردت في فهرس الكتاب.
ترجمة وقراءة: تامر مصطفى
قراءة في كتاب فطرة الزمان اليقظة
لمحمد زاهد النجفي
آية الله محمد باقر زند الكرماني (1312 ـ 1389هـ) هو ابن الحاج رضا، ومن أهالي مدينة كرمان، ومن أحفاد (صادق خان) أخو (كريم خان زند) رئيس السلالة الزندية. كان والده صاحب ممتلكات، مات في وباء عام (1320هـ).
بدأ دراسته في الكتاتيب، إلى ان انتصرت الحركة الدستورية، وتحولت الكتاتيب المعتبرة إلى مدارس ابتدائية، فدرس الصفوف الابتدائية الستة في المدرسة العلمية التي سمّيت فيما بعد بمدرسة السعادة بإدارة (الشيخ أحمد بهمنيار) أستاذ جامعة طهران.
ثم انتقل إلى المدرسة الوطنية بإدارة (الميرزا شهاب الدين الكرماني) ليكمل دراسته العصرية إلى جانب دراسته لمقدمات العلوم الدينية على مدير المدرسة نفسها. وبعد فراغه من المدرسة الوطنية، التحق بمدرسة الإنجليز لتعلم اللغة الإنجليزية. وخلال هذه الدورة برز لديه ميل البحث في الأديان، فالتقى مع عالم يهودي اسمه (الملاّ يعقوب) وتباحث معه في صحة التوراة، وتعرّف من خلاله على بعض مراسم اليهود، وقرأ تفسير التوراة، ثم أكمل بحثه من خلال حواره مع (أرباب كيخسرو))[549]( الذي أصبح فيما بعد نائباً عن الزرادشتيين في مدينتي (كرمان ويزد) وأطلع على الهندوسية من خلال حواره مع (برهمن مرواريد) التاجر الكبير في سوق الهنود بكرمان.
ثم توجه إلى مدينة (أصفهان) لتعلم الفقه الإستدلالي، وشارك في درس الفقه لآية الله الفشاركي، وفي درس الأصول لآية الله محمد صادق الصدر. وبعد فترة وجيزة توجه إلى مدينة (النجف الأشرف) لكنه عاد ليهاجر منها إلى مدينة (قم) بناءً لوصية آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني، فدرس الفقه والأصول على آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري لمدة سبعة أعوام. وقد شجعه آية الله الحائري على تأليف رسالة في مسألة الصلح للفرار من الدين. وعندما فرغ منها اعتبره قد بلغ درجة الاجتهاد، فمنحه إجازة الاجتهاد بعد أن كان كل من آية الله الفشاركي وآية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني قد منحاه إياها أيضاً.
وخلال سفره الثاني إلى العراق التقى آية الله زند بآية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وأبدى رأيه في استفتاء دائرة الثقافة ببغداد لكاشف الغطاء: «مدينة الكوفة من المباني العسكرية للمسلمين، وقد أسست بأمر من القادة المسلمين بعد فتح إيران والمدائن. فلماذا ندّعي أنّ مسجد الكوفة كان مكان عبادة عدد من الأنبياء السابقين، وأن سفينة نوح انطلقت منه؟ ثم هل كان مسجد الكوفة موجوداً إبان خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وكان يصلّي فيه، وهل كان على هذا الشكل، أم أنّ تغييرات طرأت عليه؟».
الحوار الذي جرى بين الرجلين حول هذا الإستفتاء جعلهما يأنسان ببعضهما وبعد يومين دوّن الشيخ كاشف الغطاء إجازة اجتهاد عامة للشيخ زند.
وبعد فراغه من الدراسة استقر آية الله زند في مدينة (أصفهان) وشرع بتأسيس حوزة (ذو الفقار) العلمية ومستشفى العسكرية، وقد واجهت أفكاره العلمية ردود فعل إيجابية وسلبية كثيرة في مجتمعه المعاصر، لكنه لم يأبه إلاّ بإعلاء كلمة الله، وسعى إلى تبيان مسائل الإسلام وشرحها بشكل صحيح، فأعزّ بذلك حق العلماء المسلمين الشيعة بشكل لا سابق له، وحضر اجتماعاً عقد في جامعة طهران وألقى فيه محاضرة حول تأميم النفط باللغة الإنجليزية.
نقل آية الله زند الكرماني إلى هامبورغ بألمانيا لإجراء عملية جراحية له، لكنه كان سفراً نحو الملكوت، فنقل جسده الطاهر إلى (أصفهان) ودفن في (تخت بولاد).
مؤلفاته:
1 ـ الفيوضات اللامعة والشمس الطالعة في حالات الكتب الأربعة.
2 ـ رسالة في الصلح للفرار من الدين باسم رفع النزاع من البين في الصلح المقصود منه الفرار من الدّين. طبعت في أصفهان.
3 ـ الفقه الاستدلالي في أحكام المياه. طبع طهران.
4 ـ التاريخ المختصر للنفط في العالم. طبع أصفهان، 108 صفحات، قطع صغير.
5 ـ جواب استفتاء إمارة الولاية، فارسي، طبع أصفهان، أعيد طبعه أخيراً.
6 ـ نبذة في تحقيق كتاب قرب الإسناد ومؤلفه وأخباره. طبع خلال حياته، ثم أعيد طبعه أخيراً مع كتاب قرب الإسناد، مؤسسة أهل البيت عليهم السلام.
7 ـ إثبات الإمامة عن طريق أهل السنّة والجماعة.
إن كتاب فطرة الزمان اليقظة ألف بهدف التعريف بأفكار وثنايا حياة هذا العالم الحكيم المليئة بالحوادث، وقد وضع في قالب تذكرة قيمة. يبدأ بمقدمة المؤلف، ثم مقدمة ثانية موجزة لابن آية الله زند يتحدث فيها عن أسرة المرحوم وأبنائه، ثم يتحدث ابنه الآخر عن الخصوصيات الأخلاقية لزند الكرماني فيقول: «في باب التوحيد العقلي كان يهتم بأدلة ابن سينا ويقدمها على غيرها من أدلة العلماء، ويعبّر عن الله بالقوة التي فوق كل قوة» (ص12).
وأسس اتحاداً سمّاه (اتحاد الدين والعلم) ولا أدري إلى ما آل إليه هذا الاتحاد. لكن الأمر الأكيد هو أنه كان يعتبر أن الطريق الوحيد لفلاح المسلمين هو الجمع بين الدين والعلم، وكان يمارس رياضة ركوب الخيل والمشي بكثرة (ص13).
ثم يتناول الكتاب الأبعاد الشخصية لآية الله زند على لسان إبنته.
وبعد ذلك يدرج الكتاب سيرة ذاتية دونها المرحوم بنفسه في ثلاثة أوقات، الأولى دوّنها في 23 جمادى الأولى 1385هـ، والثانية في 13 شعبان 1366هـ، والثالثة لم تؤرخ، لكنها دونت خلال الحرب العالمية الثانية، وهي أكثر تفصيلاً من سابقتيها، وتضم آراءه في القضايا التاريخية والسياسية في بلده، ومنها رواج الأوراق النقدية، ونهب النفط، واحتكار التبغ.
جولة في حياة زند الكرماني هو الموضوع الآخر الذي كتبه عباس الدهكردي وضم مجموعة أقوال لطيفة لآية الله زند، يدل كل واحد منها على وعيه وتحليله البنّاء ومعرفته بشؤون زمانه، وجاء فيها: «أريد الليلة ان أتلو عليكم مصيبتكم أنتم، لتبكوا على أنفسكم، فالإمام الحسين ليس بحاجة لبكائكم». ثم عرض على الناس علب دواء وقال: «مصيبتكم هي أن هذه الأدوية تأتي من الدول الأجنبية والمستعمرة والتي يحتمل أن تكون عدوة لكم، وإذا لم تصلنا منهم فإن عالم مدينتكم سيموت. فأنا مريض، ولا يمكنني العيش دون هذه الأدوية» (ص76).
الفصل الآخر عنوانه ملامح آية الله زند الكرماني، وضم مقابلات مع معارفه، وشمل: دراسته، أعماله الاجتماعية، جهاده السياسي، مواجهته للتحريف والخرافات، سيرته العملية والعبادية، استقطابه للآخرين، والتبليغ وخصوصياته الفردية، وجاء فيها: «كان المرحوم آية الله الكرماني يمتلك في بيته ميكروسكوب، ورغم شحة وسائل النقل آنذاك، فقد أحضره من كرمان إلى أصفهان بعناء شديد، وكان يرينا الميكروبات، ويشرح مثل هذه الأمور، ولم تكن مثل تلك الأمور موجودة حتى لدى المهتمين بالعلوم العصرية» (ص94).
«وكان في بيته عدد من صناديق تربية النحل، يستفيد من عسلها» (ص146).
بعد ذلك وردت إجازة نقل الرواية باللغة العربية وبالتفصيل أصدرها المرحوم الشيخ زند الكرماني لآية الله السيد محمد علي الروضاتي. ثم وصيته لأبنائه، ثم نصوص في تحليل تاريخ (حمو)، ثم أهمية الولاية وهي محاضرة ألقاها، ثم وصيته العامة، ثم يختم الكتاب بصور ووثاق وبيانات للمرحوم.
لكن هذا الكتاب افتقر لإدراج نص التاريخ الموجز للنفط في العالم، وهو كتاب مهم من كتب آية الله الكرماني وبما أن استعراض هذه الرسالة سيساعدنا كثيراً في التعرف على الأفكار السامية لهذا العالم الحكيم في تلك السنوات، لذلك وجدت أن من المناسب أن أختم هذه القراءة بنقل مقاطع صغيرة منها. وأبدأ ذلك بإدراج فصول هذه الرسالة:
الفصل الأول: الجغرافيا الطبيعية والسياسية لإيران.
الفصل الثاني: النفط في الشرق.
الفصل الثالث: النفط في الغرب.
الفصل الرابع: الدورة الجديدة للنفط في العالم وإيران.
الفصل الخامس: كلمات المطّلعين حول النفط.
ومما جاء فيها: «إننا بحاجة ماسة للماء، لكن إهمال المسؤولين وتعدّي الأجانب جعلا من مياه الأنهار كشط كارون الذي كان منذ القدم يؤمن حاجة خوزستان من مياه الشرب وحولها إلى هند صغيرة، أضحى اليوم وسيلة لطرح سيول النفط أو الذهب الأسود نحو الخليج وبحر عمان، ولتسهيل ناقلات النفط العملاقة، وبدل أن يستغل هذا النهر العظيم في الري، يستعمل لنهب النفط من البلاد، وليشكل دعامة مؤثرة للغرب»)[550](.
«إن آبار النفط الإيرانية بسبب وفرة النفط فيها كانت منذ القدم تتفجر وتخرج إلى سطح الأرض على شكل عيون نفط ملوث ومتعفن، فيما يتصاعد الغاز من بعضها أحياناً على شكل أسطوانة نور، وقد صورت الكتب الدينية للزرادشتيين تلك المناظر. فكان أتباع ذلك الدين وكيف يعتبرون أن المناطق النفطية في نواحي بادكوبة (آذرأبادكان) أي معمورات النار، ومعربها آذربايجان، كانوا يعتبرونها أرضاً مقدسة ومحل ظهور النار المقدسة والتجلي الرباني، ويسمونها آلهة النار، لأن أعمدة نور جميلة زرقاء كانت تنطلق من تلك الأرض نهاراً، لتصبح في الليالي حمراء تميل إلى الصفرة»)[551](.
«عندما شاهد حاكم بادكوبة وتفليس الروسي النفط في بادكوبة لأول مرة أخذ مقداراً من هذه المادة السوداء المتعفنة ونقلها إلى جامعة (السان بطرسبورغ) السابقة، وجامعة لينينغراد الحالية، ليقوم الخبراء هناك بتحليلها، وجاءه الجواب أن هذا الجسم غير مفيد ولا ينفع، كان ذلك قبل مائتي عام تقريباً»)[552](.
«نفط إيران هو الذي مكّن الحلفاء من النصر، وهزم القوات الألمانية، لكنّ الإنجليز غير المنصفين والطماعين لم يعترفوا بهذه الحقيقة، في حين أن العالم كله أدرك أن ماء الحياة والسلاح الأمضى بيد البريطانيين كان نفط إيران، ورغم ذلك فإنّ الإنجليز لم يعيروا الأصحاب الأصليين للنفط وأولياء نعمتهم أي الشعب الإيراني أيّ توجه وعاطفة واهتمام، وحتى أنهم استخدموا مختلف الحيل والذرائع ليحرموا الشعب الإيراني من حصته الضئيلة في النفط»)[553](.
«في الحرب العالمية الثانية لم يعطوا إيران أي شيء من غنائم الحرب رغم الجهود المضنية، بل إنهم أخذوا كل النفط الذي استهلكته القوات البرية والبحرية والجوية البريطانية من إيران مجاناً، ولم يوردوه في حساباتهم»)[554](.
«تكتل الأقلية النيابي اعتبروا أنّ الصناعة النفطية قامت من أجل تحسين الوضع الوطني في البلاد، في حين أن الثروة تجمعت وتضخم الرأسمال الهائل لدى عدد محدود من الرأسماليين. والحكومة الإنجليزية نفسها قد أممت عدة صناعات هامة في بلدها لتؤمن فرص عمل للعاطلين عن العمل، وتؤمن معيشة الناس، لئلا تدفعهم الحاجة والعوز إلى الشيوعية. وقد قام أولياء بلدنا بهذا العمل لتأمين نفس الهدف، وإذا تأملنا نجد أن الطريق الوحيد لحفظ السلام العالمي يكمن في هذا الأمر»)[555](.
القصائد المكرميات
في ملوك عمان آل مكرم الأباة
للشاعر الشهير)[556](
مهيار الديلمي
هذا ما كتبه مهيار الديلمي إلى حضرة ناصر الدين أبي القاسم بن مكرم سلطان عمان:
صحا القلبُ لكن صبوةٌ وحنينُ
وأقصرَ إلاّ أن يخفَّ قطينُ)[557](
وراوَدَهُ داعي النُّهَى فأجابه
إلى الصبر إلاّ أن يقالَ: يخونُ
فما يستخفُّ الهجرُ ميزانَ حلمهِ
ولا هو إن حُمَّ الفراقُ رزينُ
إذا سايرته)[558]( فضلةٌ من جلادةٍ
على هاجرٍ عزَّته يومَ يبينُ
وقالوا: يكون البينُ والمرء رابطٌ
حشاهُ بفضلِ الحزمِ قلتُ يكونُ!!
وقد يضمنُ القلبُ الصرامة لو وفَى
ويصدُق وعدُ الظنِّ ثم يَمينُ
دعوني فلي ـ إن زُمَّت العيسُ ـ وقفةٌ
أعلِّمُ فيها الصخرَ كيفَ يلينُ
وخلّوا دموعي أو يقالَ: نعم بكا
وزفرةَ صدري أو يقالَ: حزينُ
فلولا غليلُ الشوق أو دمعةُ النوى
لما خُلقتْ لي أضلعٌ وجفونُ
وفي الركبِ لي ـ إن أنجد الركب ـ حاجةٌ
أُجلُّ اسمَها أن تُقتضى وأصونُ
يماطلني عَنها المليُّ)[559]( وقد درى
على غدره أن العهودَ ديونُ
وجوهٌ على «وادي الغضا» ما عدمتُها
فكلُّ عزيزٍ بالجمال يهونُ
تشبّثتُ بالأقمار عنها عُلالةً
وباناتِ «سلع» والفُروقُ تَبينُ
وهل عِوضٌ في أن تتِمَّ تشبُّهاً
بهنَّ بدورٌ أو تميدَ غصونُ؟
وعوَّدني عرَّافُ «نجدٍ» بذِكرها
فأعلَمني أن الغرامَ جنونُ
تعوَّدَ داءً ظاهراً أن يَطُبَّه
فكيف له بالداءِ وهو دفينُ؟
لقد نصحَ «القاريُّ» في رامياتنا
«بسلع» وبعض الوالدات ضنين
رمين بعيداً والقسيُّ حواجبٌ
فأخلصنَ فينا والسهامُ عيونُ
أيا صاحبي قدِّمْ جميلاً فإنما
تُدانُ بما تُولِي غداً وتدينُ
كفيتُك في طُرقِ الهوى أن تُعِزّني)[560](
فهل أنت في طرق العلاء مُهينُ
وفي الناس مُولَى نعمةٍ حاسدٌ لها
عدوٌّ، وفي الجُلَّى أخٌ وخدينُ
أثِرْها على حبِّ الوفاء وحسنهِ
تَصعَّبُ في أشطانها)[561]( وتلينُ
جوافل من طردِ الرياح قريبة
عليها فِجاجُ الأرض وهي شَطونُ
مُضبَّرةٌ)[562]( فتلاءُ تُروَى إذا بكت
من الظَمءِ)[563]( فتلاءُ الذراعِ أمونُ)[564](
تشعَّثُ أوبارُ المهارَى وظهرها)[565](
من الخصب وحفُ)[566]( الوفرتين)[567]( دهينُ
لها ـ وهي خُرسٌ ـ تحت عضِّ رحالِها
تشكٍّ إذا جدَّ السُّرَى وأنينُ
ظهورُ المطايا للحُمول، وثِقْلُها
تِئطّ)[568]( جُنُوبٌ تحته وبطونُ
سماوتها)[569]( الخضراءُ أختُ سمائها
إذا رفعت واليعملات)[570]( سفينُ
لها في عقابِ)[571]( الموج متنٌ)[572]( ململمٌ)[573](
قويٌّ، ولكن لا يقالُ: أمينُ
إلى البحر)[574]( عذباً نركبُ البحرَ مملِحاً
وربَّ سُهولٍ طُرْقُهنَّ حُزونُ)[575](
خبيثٌ مريرُ الشربِ يسقيك بعده
زلالٌ على حكم الشفاهِ معينُ)[576](
على الأرض بحرٌ ثامنٌ صفوُ مائه
طغَى بالبحارِ السبعِ وهي أجُونُ)[577](
غدا ربّها لما أحاط بملكها
بذلك يُرضى كلَّها ويدينُ
فخضْها على التوفيق واقدح بزندها
«عمانَ»)[578]( وإنِّي بالنجاح ضمينُ
يمينيَ رهنٌ بالغنى لك أن طرتْ)[579](
على مَلَكٍ كلتا يديه يمينُ
فشاورْ نجومَ السعد والقِ بصدرها
إلى فلقٍ)[580]( فيه الصباحُ كمينُ
ومن لي بها لو أن حظاً ممساكاً
يُجيبُ وعزماً يستعانُ يُبينُ
وقلباً إذا ما أبصر الرشدَ فاهتدى
يغطي عليه حبّه ويرينُ)[581](
على أنّ ثمَّ الغيثَ عمَّ فماؤه
عليَّ ـ وإن شطَّ المزارُ ـ هتونُ
وأرضى به ـ والأرضُ بيني وبينه ـ
من الخصب جنَّاتٌ خَفَتْ)[582]( وعيونُ
ففي كُلِّ يومٍ نعمةٌ أختُ نعمةٍ
وجودٌ له مما يليه قرينُ
مواهبٌ بيضٌ ودّت المزنُ أنّها
لها وهي حمَّاء)[583]( السحائبِ جونُ)[584](
تكثِّر حسادي عليه فأوجهٌ
زوينَ)[585]( وألحاظٌ إليّ شُفُونُ)[586](
وأيدٍ مدمّاةٌ عليَّ بعضِّها
كما عَضَّ في إثر البياع غَبينُ
إلى «ناصر الدين» امتطى كاهلَ المنى
خليقٌ بغايات النجاح قمينُ)[587](
إلى ملك الأرض الذي كلُّ مُعرِقٍ
إلى نسبَيْهِ في الملوك هَجينُ)[588](
كريم إذا صمَّ الزمانُ فجودُهُ
سميعٌ لأصوات العُفاة أذينُ
توحَّدَ في الدنيا فما يستحقُّه
مكانٌ من الدنيا الوساع مكينُ
وحلَّق يبقى موطناً لعَلائه
فأصبح فوقاً والكواكبُ دونُ
ترى البدر من تحت الثريَّا إذا وفتْ
على التاج منه غُرَّةٌ وجبينُ
لقد حملَ الدنيا صليبٌ أطاقها
وقد وُقصتْ)[589]( منها طلىً)[590]( ومتونُ)[591](
وولَّى ظباهُ خيرها فأقامها
على قصبات السبق وهي رهونُ
وأظهرَ في تدبيرها معجزاتهِ
فقام نذيرٌ بالغيوب مُبينُ
رأى فضلَها للسابقين فبذَّهم
جماحاً وجَارَى السابقاتِ حَرونُ
وقد عجزتْ من قبلها أن يسوسَها
قُرونٌ على أدراجها وقُرونُ
فلا آل «كسرى» قوّدوها مقادةً
وعندهُمُ ركَّاضةٌ وصفونُ)[592](
ولا «حِميَرُ» الأقيالِ قاموا بحفظها
وفيهم قِبابٌ دونها وحصُونُ
هو «القائم المهديّ» فيها وعصرُه
زمانٌ لإصلاح الأمور وحينُ
ولولا ظُبا أقلامِه وسيوفهِ
لما كان مُلكٌ في الزمان يكونُ
ولا قامت الدنيا بسيرةِ عادلٍ
يُهابُ ولم يُنصَر لربّك دينُ
بآية محيى الأمة انتشرت لها
من التّرب سُبْلُ الحقِّ وهو درينُ)[593](
على مكرماتٍ للعلا «ناصريّةٍ»
قدائمَ شابتْ والزمانُ جنينُ
بناها على حد الصوارم والقنا
أسودٌ لها غابُ الرماح عَرينُ
إذا نفضوا الراياتِ أو زعزعوا القنا
غدت حركاتُ الناس وهي سُكونُ
يَضيعُ ضياءُ الشمس في ليل نقعهم
فإظهارُهم تحتَ العجاج دُجونُ
مضوا سلفاً واستخلفوك لمجدهم
فقرَّت جنوبٌ في الثرى وعيونُ
وفيتَ بما سنُّوا وزدتَ زيادةً
تفوتُ مكاييلٌ لهم ووُزونُ
فِداك ملوكٌ حين تُذكَرُ بينهم
فكلُّ مهيبٍ في النفوس مهينُ
علوتَ على الأنداد عزّاً ورفعةً
وحَطَّهمُ خفضٌ يدِقُّ وهونُ
لهم شركة الأسماء فيه وعندك الـ
ـمعاني وهم شكٌّ وأنت يقينُ
فضلتهمُ نفسا وداراً ونعمةً
وبين الذُّنابى)[594]( والذوائبِ)[595]( بينُ)[596](
فإن باهلوا)[597]( بالماء يجري جداولاً)[598](
فماؤك جمٌّ والبحار حقينُ)[599](
وظنوا النسيمَ كلَّما رقَّ سحرةً
ألذَّ فأغلاظٌ هَفت وظنونُ
هجيرُك بالمعروفِ والعدلِ باردٌ
وظلُّهمُ بالمنكراتِ سخينُ
وضيقُ البلادِ مع سماحك واسعٌ
وأعطانُهم هذي الرحابُ سجونُ
وأرضك كافورٌ يخاضُ وجوهرٌ
وأرضُهمُ صخرٌ يداس وطينُ
وإن حدَّثوا عن «شامهم» و«عراقهم»
فعندك «هندٌ» لا ترام «وصينُ»
وتحوي من البحر المحيطِ عجائباً
تطيبُ بها أجسامهم وتزينُ
وما الفخرُ طبيِّ)[600]( بين دار وأختها
ولكنَّه بين الرجال بيونُ)[601](
ورُبَّ حديث بالهوى جرَّ بعضهُ
إلى الشعر بعضاً والحديث شجونُ
و«بغدادُ» تبكي و«البصيرةُ» تشتكي
وشعري نشيج)[602]( عنهما ورنينُ
وكم بلدةٍ باتت تسالم أختَها
وبينهما حربٌ عليك زَبونُ)[603](
سلمتَ لدنيا عمرُها وصلاحُها
بعمرك يا مولَى الملوكِ رهينُ
وطاولت الخضراءَ)[604]( خلداً ونعمةً
قصورُ علاً شيَّدتها وحصونُ
وخُلِّدَ هذا الملكُ تَضعُفُ دونه
جبالٌ بقاءَ الدهرِ وهو متينُ
إلى أن تعودَ الراسياتُ موائراً)[605](
تسيرُ وتُضحي الأرضُ وهي دخينُ
وحيَّتك عنّي مطرباتٌ كأنما
أناشيدُها مما حلَونَ لحونُ
يقوم بها بين السِّماطين خاطبٌ
صدوقٌ وبعضُ المادحينَ يمينُ)[606](
لمجدك منها يومَ تبغي نكاحَها
كما شئتَ أبكارٌ تُزَفُّ وعُونُ)[607](
موائسُ من دلٍّ شوامسُ)[608]( عفّةً
فهنَّ غصونٌ أو خرائدُ عينُ
تغالي بفرط الجود لي في مهورها
فأُرخص منها العِلقَ وهو ثمينُ
ويحملُها عنّي جوادٌ بنفسه
لخدمتكم والقلبُ منه ضنينُ
هو العبدُ قِنّاً وابنُ عبدك طاعةً
وعبدُ المعاص والعِصيِّ لعينُ
له كلَّ عامٍ منكَ عادةُ نعمةٍ
ولي تُوسَع الآمالُ حين تحينُ
ينهِّضه سعيٌ بفضلك آنسٌ
له ثقةٌ نحو الغنى وسكونُ
فلاحظه بالإنعامِ لا توكلَنَّه
سفيراً يريك النصحَ وهو خؤونُ
له قلقٌ مهما وهبَتَ كأنّه
سليمٌ)[609]( بما تُعطي العفاةَ طعينُ
تحيَّفه في الحكم حتى نصرته
وجُودك إن جار القضاء أمينُ
وعش لي فلى شأنٌ من العيش صالحٌ
وللناس في ناسٍ سواك شؤونُ
وما ضرَّني منهم نحولُ مطالبي
لديهم وحظّي من نداك سمينُ
وما ساءني أن يمنعَ الغيثُ جودهُ
وكفُّك لي إمّا احتلبتُ لَبونُ)[610](
لو أنَّ الورى أهلى لكنتُ وأنتَ لي
أقومُ بهم مستظهراً وأمونُ
وأرجوك لي حيّاً وأرجو لوارثي
نداك وجسمي في التراب دفينُ
إذا صانك المقدارُ من كلّ حادثٍ
فوجهي عن ذلِّ السؤال مصونُ
وقال يمدح العمدة ذا النباهتين ابن الصاحب، ذا السياستين أبا محمد بن مكْرَم رحمهم الله، ويذكِّره بقديم ما بينه وبينه من الخلطة، ويهنئه بعيد النحر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة:
ما لكمُ لا تغضبون للهوى
و تعرفون الغدرَ فيه والوفا
إن كنتمُ من أهله فانتصروا
من ظالمي أو فاخرجوا منه بُراَ)[611](
أما تَرَوْن كيف نام وَحَمى
عيني الكرى فلم ينم ظبيُ الحمى؟
و كيف خلاَّني بطيئاً قَدَمِي
عنه ومرّ سابقاً مع الوَنَى؟)[612](
غضبانُ يا لَهْفِيَ كم أرضيتُه
لو كان يَرضَى المتجنِّي بالرِّضا
ما لدليلٍ نَصَلَتْ)[613]( ركابُهُ
من الدجى حاملةً شمسَ الضحى
ضلَّ؟ ولو كان له قلبي اهتدَى
بناره أو شام)[614]( جفنيَّ سقى
قالوا الغضا ثم تنفّستُ لهم
فهم يدوسون الحصا جَمْرَ الغضا
بين الحُدوج)[615]( مُتْرَفٌ)[616]( يزعِجُهُ
لينُ مِهادٍ ورفيقاتُ الخُطَا
عارضني يُذْكِرُني الغصنَ به
و أين منه ما استقام وانثنى؟
حيَّ وقَرِّبْ بالكثيب)[617]( طارقاً
من طيف حسناءَ على الخوفِ سرى
عاتَبَ عنها واصفاً مودةً
ما أسأرتْ)[618]( إلا عُلالاتِ)[619]( الكرى
أضمُّ جفنيَّ عليه فَرَقاً)[620](
من الصباح وعلى ذاك انجلى
كأنني عُجْباً به وشَعفاً
محبةُ العمدةِ في حُبِّ العلا
شَمَّرَ للمجدِ وما تشمَّرتْ
له السنونَ يافعٌ كهلُ الحجا
و قام بالرأي فكان أوَلُ
من رأيه وآخرُ الحزمِ سَوَا
سما إلى الغاية حتى بَلَغَتْ
همّتُهُ به السماءَ وسما
فابن الملوك بالملوك يَقْتدى
و ابن البحار بالبحار يُبْتَغَى
سكنتموها فاضحين جُودها
مُبَخِّليها بالسماحِ والنَّدَى
نشلتم المُلكَ وقد تهجَّمتْ
سائلةٌ بَلَّغَت الماءَ الزُّبى)[621](
و اعترضت وجهَ الطريق حيةٌ
صَمَاءُ لا تُصغى لخِدْعاتِ الرُّقَى
أنكر فيها المَلْكُ مجرى تاجِهِ
و قام عن سريره وقد نبا
لفَّتْ على العراق شطراً وانثنت
لفارسٍ فدبَّ سمٌّ وسرى
لم تدرِ أنَّ «بعُمانَ» حاوياً
ما خَرَزاتُ سحرِهِ إلاّ الظُبا
يتركها تَفْحَصُ عن نيوبها
درداءُ)[622]( تستافُ)[623]( الترابَ باللَّها)[624](
سَبْقاً أتتك وَحَمَتْك حُسَّرا
عن هذه الدولة هاذاك العَشَا
مهلاً بني مُكْرَمَ منْ سماحِكم
قد أثمر المصفرُّ واخضرّ الثرى
إن كنتم الغيثَ تبارون به
فحسبكم ما يفعل الغيثُ كذا
يا نجمُ كانت مقلتي تنظرُهُ
حتى استنار بدرَ تِمًّ واستوى
صحبتُهُ ريحانةً فلم يزل
دُعايَ حتى طال غصناً ونما
اُذْكُرْ ذَكَرتَ الخيرَ ـ ما لم تنسَهُ
من صحبتي ذِكرَكَ أيامَ الصِّبا
و حُرمةً شروطها مكتوبةٌ
على جبينِ المجدِ، راعوا حقَّ ذا
ما نعمةٌ تقسِمُها إلاّ أنا
بها أحقُّ من جميع مَنْ ترى
أيُّ جمالٍ زنتني اليومَ به
زانك بين الناس من مدحي غدا
لا تعدمَ الأيامُ أو عبيدُكم
نعماء منكم تُحْتَذى وتُجْتَدَى
و لا تزل أنتَ مدَى الدهر لنا
كهفاً إلى أن لا ترى الدهرَ مَدَى
كلُّ صباحٍ واجهتْك شمسُهُ
عيدٌ وكلُّ ليلةٍ ليلُ مِنَى
إن نحروا فَرْضاً فقم نافلةً)[625](
فانحر عداك حَسَداً بلا مُدَى
و ابقَ على ما قد أَحلَّ مُحرِمٌ
و ما دعا عند الطوافِ وسعى
وقال وكتب بها إلى مؤيّد السلطان أبي القاسم بن الأوحد ذي السياستين أبي محمد بن مُكْرَم، يشكره على ملاطفةٍ جميلةٍ لاطفها بها، ودنانير حملها إليها سنيّة، وجواب أجاب به عن كتبه، يشكر مناله ويصف فيها السفينة وقبيحَ وساطةِ غلامٍ أُنفِذت الهديّةُ على يده، وتعرُّضَه لها واستبداده ببعضها، ويذمُّ الغلامَ ويسأل الغرامة، وانفذها في صفر سنة تسع وأربعمائة:
سلاَ دارَ البخيلةِ «بالجنابِ»)[626](
متى عَرِيَتْ رُباكِ من القِبابِ؟
وكيفَ تشعَّبَ الأظعانُ صبحا
بدائدَ)[627]( بين وُهْدكِ)[628]( والشِّعابِ)[629](
بطالعةِ الهلال على «ضُمَيْرٍ»)[630](
وغاربةٍ كمنقضِّ الشِّهابِ
حَملنَ رشائقاً ومبدَّناتٍ
رماحَ الخَطَّ تَنبُتُ في الرَّوابي
وأين رضاكِ عن سُقيَا دموعي
ربوعك من رضاكِ عن السحابِ
بكيتُكِ للفراقِ ونحنُ سَفْرٌ)[631](
وعُدْتُ اليومَ أبكى للإيابِ
وأمسحُ فيكِ أحشائي بكفٍّ
قريبٍ عهدُها بحشا «الرَّبابِ»
لها أَرَجٌ بما أبقاه فيها الـ
ـتصافحُ بعدُ من ريحِ الخِضابِ
أمفصِحةُ فأطمعَ في جوابٍ؟
و كيف يُجيبُ رَسمٌ في كتابِ؟
نَحَلَتِ ففي ترابِكِ منكِ رَسمٌ
كما أني خَيالٌ في ثيابي
و في الأحداج مُتعبةُ المَطَايا
تُلينُ عرائكَ الإبلِ الصعابِ
بعيدةٌ مسقِطِ القُرْطيْن تُقْرا
خُطُوطُ ذؤابَتيها في الترابِ
تَجَمَّع في الأوسارِ مِعصَماها
ويَقلَقُ خصرُها لكَ في الحِقَابِ
تَعيبُ على الوفاءِ نحولَ جسمي
ألا بالغدر أجدرُ أن تُعابي!
وما بِكِ أن نَحلْتُ سوى نُصولٍ
من السنواتِ أسرعَ في خِضابي
جزعت له كأنَّ الشَّيبَ منه
يَسُلُّ عليكِ نَصْلاً من قِرابِ
فما ذنبي إذا وَقَعَتْ عُقابٌ
من الأيام طار لها غرابي؟
وقد كنتُ الحبيبَ وذا نحولي
وهذا في العريكة حدُّ نابي
لياليَ لي من الحاجاتِ حُكمي
وليس وسيلةٌ بسوى شبابي
***
ألا لله قلبُكَ من حَمولٍ
على عِلاّتِ وَصْلٍ واجتنابِ
وحبُّكَ من وَفِيّ العهدِ باقِ
على بُعْدٍ يُحيلُ أو اقترابِ
هوًى لكَ في جبالِ «أبان» ثاوٍ
وأنتَ على جبال)[632]( «عُمانَ» صابي
وكان المجدُ أعودَ حين يَهوِي
عليكض من المهَفهَفة الكَعابِ
وإن وراء بحر «عُمانَ» مُلْكاً
رطيبَ الظلّ فَضفاضَ الرِّحابِ
رقيقٌ عيشُهُ عَطِرٌ ثراهُ
بِطُرَّاقِ الفضائِلِ غيرُ نابي
متى تنزِلْ به تنزِلء بوادٍ
من المعروفِ مَرعيِّ الجنابِ
يدبّره من الأمراء خرْقٌ)[633](
يَذِلُّ لعزّه غُلْبُ)[634]( الرِّقابِ
وَفَى ذو المجدِ سَبّاقاً فوافَى
يحلِّق عُرْفُه والنجمُ كابي
وقامَ بنفسِه يسعَى ففاقَتْ
غريزةُ نفسِه شَرَفَ النِّصاب)[635](
وبانَ به لعينِ أبيهِ بَوْنٌ
أراه الشِّبلَ أغلبَ ليثَ غابِ
على زَمَنِ الحداثةِ لم يفُتهُ
تقدمُ شيبهم قَدَمَ الشَّبابِ
سَمّا لمكانهم وهُمُ شموسٌ
فطال الطودُ أعناقَ الهِضابِ
وسيِّدُ قومِهِ من سوّدوه
بلا عَصَبيّةٍ وبلا مُحابي
وقُدّمِ بالفِراسةِ وهو طِفْلٌ
تُحلَّلُ عنه أنشطةُ)[636]( السخاب)[637](
وما تَركث الشريفِ على بنيه
وهم منه تَجاوَزَهُ بعابِ
وإن كان الفتى لأبيه فَرْعاً
فإن الغيثَ فَرْعٌ للسحابِ
بَلَوْهُ وجرَّبوا يوميه نُعمَى
وبأساً في السكينةِ والوِثابِ
فما ظهروا مُخاطبةً بوانٍ
وما ظَفروا مُضارَبَةً بنابي
ولا عدموا به لَسَناً)[638]( وقَطعاً
عمائقَ في الإصابة والصوابِ
لذلك جاوروا بالبحرِ بحراً
كلا كرميهما طاغي العُبابِ
يقول ليَ الغنّى ورأى قُعودي
عن السعي المموِّل والطِّلابِ
وعفةَ مذهبي ظلِفاً)[639]( ومَيْلي
إلى العيش المُرَمّق)[640]( وانصبابي
أرى لك في لو خاطرتَ مَرْعَى
يبدِّلُ صحّةً أُهُبَ الجِرابِ)[641](
أما لكَ في بحار «عُمانَ» مالٌ
يسُدُّ مَفاقِرَ الحاجِ الصِّعابِ؟
ومولى يوسعُ الحرماتِ رعياً
ويعمرُ دارسَ الأملِ الخرابِ
لعلَّ «مؤيدَ السلطانِ» تحنو
عواطفُ فضله بعدَ اجتنابِ
قفلتُ ودونه متلاطماتٌ
زواخرهنَّ كالأسدِ الغضابِ
صواعدُ كالجبال إذا أحسَّتْ
نسيماً أو نوازلُ كالجوابي)[642](
وأخضرُ لا يروق العينَ يُطْوَى
على بيضاءَ سوداءِ الإهابِ)[643](
تجاذبه الأزمةُ من حديدٍ
فيَقمَصُ أو يُقَطَّر)[644]( في الجذابِ
إذا خُوصُ)[645]( الرِّكاب شكون ظِمْأً
شكى رُكبانُها شَرَقَ الرِّكابِ
يروعُ حُداءُ أحبِشُها النَّواتي)[646](
إذا شاقتك حاديةُ العِرَابِ)[647](
إذا عَثرتْ فليس تُقالُ ذنباً
وإن صدَعتْ فليست لانشعابِ
ولستُ بسابح فأقولُ: أنجو
عسى إن ظهرُها يوماً كَبَا بي
إذا حَلمَتْ بها في النوم عيني
طفِقتُ أجُسُّ هل رَطِبتْ ثيابي
وما لي والخِطارَ وقد سَقَتْنِي
سماءُ يديهِ من غير اغترابِ
وجاءتني مواهبهُ بعيداً
بأفضلِ ما يجيءُ مع اقترابِ
رغائبُ من يديه فاجأتني
وَفَيْنَ رضاً بآمالي الرِّغابِ
وزِدنَ على حساب مُنايَ لكن
«وشَاحٌ»)[648]( لم يكنْ لي في حسابي
ندى وَصَلَ السماحَ به ولكن
تولَّى عنه حاجبُه حجابي
أمرتَ بها)[649]( كِعرضك لم يُدَنَّسْ
بلا غِشٍّ يشوبُ ولا ارتيابِ
من الذهب الصريح فصار ممّا
يُبَدَّلُ في يديه إلى الذَّهابِ
و قاسَمَني مُناصفةً عليه
وجاحَدَني ليحبسه كتابي)[650](
وقال ولم يهبكَ ولم يَصُنِّي
كذلكَ فيكَ منذُ سنينَ دابي
إذا حمِّلتُ رِفداً أو كتاباً
إليكَ لواه نَهْبي واغتصابي
مَكارمُ سقتَهنّ إلى محبًّ
ففاز بها مُغيرٌ لم يُحابِ
بعثتَ بها الخؤن فضاع سِرْبٌ
أمِنتَ عليه غائرةَ الذئابِ
ولولا أنَّ خِدمَته وَقَتْهُ
وحُرمةَ عزَّ بابك والجنابِ
لَمَا سَلِمَ البعوضُ على عُقاب
ولا عُضَّ الهِزبرُ بشرَ نابِ
أدَلَّ بكم فأفحمني وكانت
نواحيه مآكلَ للسِّبابِ
فَجَلَّ عن الهجاء بذاك عندي
وقَلَّ بما أتاه عن العتابِ
سُلِبْتُ نداك في ناديك ظلماً
بغارةِ صاحبٍ لك في الصحابِ
ثلاثَ سنينَ حَوْلاً بعدَ حوْلٍ
بكفِّ «وشاحَ» مُقتَسَمٌ نِهابي
وأنتَ خفيرُ مالِكَ أو يؤدَّى
إليَّ ولو بمنقطِع الترابِ
إذا أنصفْتَني فعليك دَيْناً
غَرامةُ ما تجمَّعَ في الحسابِ
أعدْ نظراً فكم أغنيتَ فقراً
به وجَبَرتَ كَسْراً من مُصابِ
وكم نوديتَ يا بحرَ العطايا
فجاء البحرُ بالعجبِ العُجابِ
وَفَتْ فيك المنى وقَضَتْ نُذُورى
فَوَفِّ عُلاكَ حقي تُرْضها بي
وفي يدك الغنى فابعث أميناً
إليّ به وصيِّرْهُ جوابي
ولا تُحوِجْ ظَمايَ إلى قَليبٍ
سواك على مُقامي وانقلابي
أُذكِّرك الذي ما كنتَ تنسى
سُفوري تحت ظلِّك وانتقابي
وإني إن بلغتُ النجمَ يوماً
لكان إلى صنيعتك انتسابي
وقال وكتب بها إلى ناصر الدولة أبي القاسم بن مكرم، وأنفذها إلى عمان على يد صاحبه وذلك في سنة أربع وعشرين وأربعمائة:
لمن صاغيات)[651]( في الحبال طلائحُ
تسيلُ على «نعمانَ» منها الأباطحُ
تخابط أيديها الطريقَ كأنها
مَوائرُ في بحر الفلاة سوابحُ
دجا ليلُها وهي السهام تقامُصاً
فلم ينصرم إلا وهنّ طرائحُ
كأنّ الوجى)[652]( سرٌّ تخاف انتشاره
فمنها مُرمٌّ)[653]( بالتشاكي وبائحُ
حَملْنَ شموساً في الحُدوج غوارباً
وليلُ السُّرى منهنّ أبلجُ واضحُ
ينوء بها أن القدود خفائفٌ
ويُظلعها أن المتونَ رواجحُ
وفيهنّ منصورُ السهام مسلّطٌ
لعينيه أن تَدوَى)[654]( القلوبً الصحائحُ
يطير جُباراً)[655]( ما أراقت لحاظُه
إذا وُفّيت حكمً القصاصِ الجرائحُ
رماني وسنكُ الحجّ بيني وبينه
ولم يدر أنّ الصيد في الحجّ قادحُ
طرحْتث «بجَمْعٍ» نظرةً ساء كسبُها
وتبعثُ شرّاً للعيون المَطارحُ
فإن ستَرتْ تلك الثلاثُ على «مِنًى»
هواي فيومُ النَّفرِ لا شكَ فاضحُ
بكيتُ ولامَ العاذلاتُ فلم تغِضْ
على رُقيةِ العذلِ الدموعُ السوافحُ
ولم أرَ مثلَ العينِ تُشفى بدائها
ولا كالعذول يُجتوى وهو ناصحُ
أمنكِ ابنةَ الأعراب طيفٌ تبرّعتْ
به هَبَّةُ التغويرِ والليلُ جانحُ؟
طوى «الرمل» حتى ضاق بيني وبينه الـ
ـعِناقُ وما بيني وبينكِ فاسحُ
فباتَ على ما ترهبينَ ركوبَه
هَجوماً وفيما تمنعين يسامحُ
رعَى الله قلباً ما أبرّ بمن جفا
وأثبتَ عهداً والعهودُ طوائحُ
وأوسعَ ذَرعاً بالوفاء وصونِهِ
إذا ضاق ما تُطوى عليه الجوانحُ
عذيريَ من دهري كأني أريده
على الودّ سَلماً وهو قِرنٌ مكافحُ
وصحبةٍ خوّانينَ بائعُهم وإن
تكثَّر منهم بالتوحُّدِ رابحُ
أخوهم أخو الذئب الخبيثِ يَدلُّه
على الدم ما تُملي عليه الروائحُ
وأيدٍ سباطٍ)[656]( وهي بالمنع جعدةٌ)[657](
تلاطمني منها اللواتي أصافحُ
يضيء على أبصارهم ضوءُ كوكبي
وموضعُه من مطلع الفضل لائحُ
قعدتُ مع الحرمانِ بينَ ظهورهم
وطائرٌ حظّي لو تعيَّفتُ سانحُ
لقد كان عن «بابلٍ» وجُدوبها
مذاهبُ يتلوها الغِنى ومَنادحُ
تركتُ عبابَ البحر والبحرُ مُعرضٌ
وأمّلتُ ما تَسقى الرَّكايا النوازحُ
ولو نهضتْ بي وثبةُ الجَدِّ زاحمتْ
على الماء هذه الأبياتُ القوامحُ
إذاً لسقاها «ناصر الدين» ما استقتْ
كُبودٌ حِرارٌ أو شِفاهٌ مَلاوحُ
وقد كانت «الزوراءُ» دارَ إقامةٍ
ومَنْعَمةٍ فيها المُنى والمَفارحُ
زمانَ العُلا محفوظة في عِراصها
ثِقالٌ وميزانُ الفضائل راجحُ
فقد حُوِّلتْ تلك المحاسنُ، وانتهتْ
إلى غيرها في الأرض تلك المَنائحُ
وأضحتْ «عمان» للمكارم رُحلةً)[658](
تُراحُ عليها المتعباتُ الروازحُ
به المُلكُ طَلْقٌ والمغاني غَنيَّةُ الـ
ـرُّبا ومساعي الطالبين مَنَاجحُ
يضوع ثراها بالندى فتخالها
رياضاً وكانت قبلُ وهي ضرائحُ
يدبّرها سبط اليدين بنانُه
لمقفَل أرزاق العباد مَفتاحُ
صفا جوُّها بعد الكدور بعدله
وطابت حساياها)[659]( الخِباثُ)[660]( المَوالحُ
فما غيرها فوق البسيطة للعلا
مقَرٌ على أن البلاد فسائحُ
ولا مَلِكٌ إلا وفضلةُ ربّها
عليه إذا عُدَّ الملوكُ الجَحاجحُ
بهمّة محيي الأمّة اجتمعت لها الـ
ـبدائدُ وانقادت إليها الجوامحُ
بأروعَ وسمُ الملكِ فوق جبينه
ـ إذا ارتابت الأبصار ـ أبلجُ واضحُ
إذا نُسِب الأملاكُ لم يَخش خجلةَ الـ
ـدعاوى ولم تدخل عليه القوادحُ
من النَفر الغرّ الذين ببأسهم
ونعمائهم تُلقَى الخطوبُ الفوادحُ
إذا ما دجت عشواءُ أمرٍ فأمرُهم
ونهيُهُمُ شهبٌ لها ومَصابحُ
لهم قصباتُ السبق في كلّ دولة
هم السرُّ)[661]( منها والعتاقُ الصرائحُ
ينالون أقصى ما ابتغَوه بأذرع
مخاصرُها)[662]( صُمُّ القنا والصفائحُ
أصولُ علاً منصورةٌ بفروعها
إذا غاب مُمسٍ منهُمُ هبَّ صابحُ
ورَبّ «يمينُ الدولة» المجدَ بعدهم
كما ربَّت الرَّوضَ الغيوثُ السوافحُ
جرى جريَهم ثم استتمّ بسبقه)[663](
وكم وقفتْ دون الجِذاعِ القوارحُ
همامٌ مع الإصرار مُصطلِمٌ)[664]( لمن
عصى ومع الإقرار بالذنب صافحُ
تسنَّم أعوادَ السرير محجَّبٌ
لواحظُه شرقاً وغرباً طوارحُ
تُراصِدُ جَرْيَ الأرض رجُعاتُ طرفه
كما ركبَ المَرباةَ أزرق لامحُ)[665](
ألا أيها الغادي ليحملَ حاجتي
لعلّك إن بُلّغتَ بالنُّجح رائحُ
أعد في مقرّ العزّ عني تحيّةً
يُذّكي النسيم طيبُها المتفاوحُ
وقل: عبدُك المشتاقُ لا عهدُه عفا
ولا وجدُه ـ إن نُقلَ الوجدَ ـ نازحُ
ومن لم يُخيَّب قطّ عالي ظنونه
لديك ولم تُخدِجْ)[666]( مناه اللواقحُ
وأغنيته عمّن سواك فلم يُبَلْ
جفا مانعٌ أو بَرّ بالرفد مانحُ
قَليبٌ قريبٌ لي «ببغداد» ماؤها
ومنبعُها شحطَ النوى متنازحُ
لها كلّ عامٍ من سماح ناهزٌ)[667](
ومن عهد الوافي رشاءٌ وماتحُ
إذا ما استدرَّ الشكرُ سَلسالَ صَوبِها
وجاءك عني تمتريها المدائحُ
أتتني وبطنُ البحر ظهرُ مطيّها
فروَّتْ غليلي والسفينُ النواضحُ
وما زادها التنقيصُ إلا غَزارةً
وإلا صفاءً طولَ ما أنا نازحُ
تبُلُّ ثرى أرضي وجسمِيَ وادعٌ
وتُثمرُ لابني وهو ساعٍ مُكادحُ
كلانا سُقي من عفوِها وزُلالها
وإن حبستني عُقلتي)[668]( وهو بارحُ
فللهِ مولَى منك ما لِيَ عنده
ومَتجَرُ من يُدلي بجاهيَ رابحُ
وها هو قد كرَّت إليك رجاءهُ
سوائرُ حاجس طيرُهنَّ سوانحُ
فأمرَك ـ زاد الله أمرَك بسطةً ـ
بما عَوَّدَت تلك السجايا السحائحُ
أعنْ جهدّه واعرف له خَوض زاخرٍ
يهزُّ الضلوعَ موجُه المتناطحُ
ولم أستزدْ نُعماك إلا ضرورةً
وقد تُستزادُ المزنُ وهي دوالحُ
بما ثَقَّلَتْ ظهري الخطوبُ وضاعفتْ
تكاليفَ عيشي وانتحتني الجوائحُ
وما بُثَّ من زُغبِ حواليَّ كالقطا
تَنَزِّي الشِّرارِ أعجلتها المَقادحُ
أمسّح منهم كلّ عِطْفٍ أسفتُ إذ
أتاني وقد بُيّضنَ منّي المَسائح
نجوتُ على عصرِ الشبيبةِ منهُمُ
وأرهقني المقدارُ إذ انا قارحُ
فدتك ملوكٌ ذكرُ مجدك بينهم
مثالبُ في أعراضهم وجرائحُ
إذا لُعِنوا صَلَّتْ عليك محافلٌ
صفاتُك قرآنٌ لها وَمسابحُ)[669](
حَمَوا مالهم أن تُنتَحى بنقيصة
عقائلُه والسارياتُ السرائحُ
ومالُكَ في الآفاق شتى موزَّعٌ
كرائمُهُ والباقياتُ الصوالحُ
سهرتَ ونام الناسُ عمّا رأيته
كأنك للعلياء وحدَك طامحُ
وجاريتَ سيبَ البحرِ ثم فَضَلْتَه
وهل يستوي البحرانِ عذبٌ ومالحُ؟
أعِرنيَ سمعاً لم تزل مطرباً له
إذا ما تغنَّته القوافي الفصائحُ
وأصغِ لها عذراءَ لولاك لم تُجِب
خطيباً ولم يظفَر بها الدهرَ ناكحُ
من البَاهِراتِ لم تُحَدَّث بمثلها الـ
ـنفوسُ ولم تُوصَل إليها القرائحُ
ظهرتُ بها وحدي على حين فترةٍ
من الشعر برهاني بها اليومَ لائحُ
ومِنْ شرِف الأشعار أنك سامعٌ
ومن شرف الإحسان أنّي مادحُ
ومَنْ ليَ لو أنّي مَثَلْتُ مُشافِهاً
أفاوِضُها أسماعَكم وأطارحُ
وان ينهضَ)[670]( الجَدُّ العَثورُ بهجرةٍ
تُعالَجُ أشواقي بها والتَّبارحُ
ويا ليتما ريح الشمال تهبُّ لي
فتُطلعني منها عليك البوارحُ
وكيف مَطاري والخطوب تحصُّني
وأخذِيَ شوطي والليالي كوابحُ
وقد كان جُبن القلب يُقعِدُ عنكُمُ
فقد ساعدَته بالنكولِ الجوارحُ
وأقسمتِ الستُّونَ ما لخروقها
إذا اتسعتْ في جِلدة المرءِ ناصحُ)[671](
وإني على أنسي بأهلي وموطني
لأعلمُ أنَّ العيشَ عندك صالحُ
وقال يمدح العمدة ذا النباهتين ابن الصاحب ذي السياستين أبي محمد بن مكرم ويهنّئه، وقد خلع عليه خلعةً مشرقة الجمال والجلال، وأضيف إلى ألقابه عزّ الجيوش ويصف الخِلَعَ والحُملان:
إمّا تقومونَ كذا أو فاقعدوا
ما كلّ من رام السماءَ يصعدُ
نامَ على الهُونِ الذليلُ ودرَى
جفنُ العزيز لِمَ بات يَسهَدُ
أخفُّكم سعياً إلى سؤدَدِه
أحقُّكم بأن يقالَ: سيِّدُ
عن تعبٍ أُورِدَ ساقٌ أوَلا
ومَسحَتْ غرةَ سبّاقٍ يدُ
لو شرُفَ الإنسان وهو وادِعٌ)[672](
لقطعَ الصمصامُ وهو مغمدُ
هيهات أبصرتَ العلاءَ وعشَوا
عنه فضلُّوا سُبلَه وتَجِدُ
يا عمدةَ الملكِ وأيُّ شرفٍ
طالَ ولم ترفعه منكم عَمَدُ؟
لله هذا اليومُ يوماً أنجز الد
هرُ به ما كان فيه يَعِدُ
لما طَلعتَ البدرَ من ثَنِيَّةٍ
تُجلَى بها عينٌ وعينٌ تَرمَدُ
من شَفَقِ الشمسِ يُسدَّى ثوبُها
وتُلحَمُ)[673]( الجوزاءَ أو تُعَمَّدُ
دقَّ وجلَّ فهو إن لامستَهُ
سَبْطٌ وإن مارسته مُجَعَّدُ
متوَّجاً عمامةً وإنما
عمامةُ الفارس تاجٌ يُعقدُ
ممتطياً أتلعَ)[674]( لو حبستَهُ
تحتك قيل فَدَنٌ)[675]( مُشَيّدُ
مناقلاً بأربعٍ كأنّما
يلاطم الجليدَ منها جَلْمَدُ
وقَّرها خوفُك فهو مطلَقٌ
يَنْقُلُها كأنّه مقيَّدُ
خَفَّ بطبع عِتقِه وآده)[676](
ثِقلُ الحُلَىَ فمشيُهُ تأوُّدُ)[677](
مقلداً مهنّداً ما ضمَّه
قبلك إلا خافه مقَلَّدُ
أبيض)[678]( لا يعطيك عهداً مثلُهُ
إذا أخوك حالَ عمّا تعهَدُ
إذا ادرعتَ في الدجى فقَبَسٌ
وإن توسّدتَ الثرى فعضَدُ
ما اعتدتَ كسبَ العزَّ إلا مَعَهُ
والمرء مَشَّاءٌ وما يُعَوَّدُ
ما زال «فخر الملك» في أمثالها
يرشُدُ في آرائه ويسعدُ
فكيف لا وأنت من فؤاده
عزّاً وعينيه المكانُ الأسودُ
و لو ركبتُ أرحلاً لكان لي
فيك بُراقٌ بالمنى مزوَّدُ)[679](
أنت الذي جمعَتني من معشرٍ
شملُ العلاء بينهم مبدَّدُ
كأنني آخذُ ما أعطيهُمُ
من مدَحي إذا نطقتُ أُنشِدُ
أبحتَني مجدَك إذ أرحتني
ممّن أذمُّ منهمُ وأحمَدُ
وقال وكتب بها إلى ناصرا لدين مُكرَم يشكو ما تقدّم من إنعامه، ويتنجَّزه الكريم من عاداته، وأنفذها إليه بعمان:
هل تحت ليلك بالغضا من رائد
يقتاف آثارَ الصباحِ الشاردِ؟
هيهات تلك نشيدةٌ ممطولةٌ
عند الغرام على المحبِّ الناشدِ
و كفاك عجزا من شجى ساهرٍ
يرجُو الرَّفادةَ)[680]( من خليًّ راقدِ
يا إخوةَ الرجلِ الغنيِّ أصابَ ما
يبغى وأعداءَ المقُلِّ الفاقدِ
صاحبتُ بعدكم النجومَ فكلُّكم
إلبٌ)[681]( عليّ وكلهنّ مساعدي
فإذا ركدن فمن تحيّر أدمعي
وإذا خفقن فمن نُبُوِّ وسائدي
دُلُّوا عليَّ النومَ إن طريقَهُ
مسدودةٌ بعواذلي وعوائدي
وعلى الثنيةِ «باللوى» متطَّلعٌ
طِلْعي بمَربأة الرقيب الراصدِ
يَقظٌ إذا خاف الرقيبَ تخطَّأتْ
عيناه عن قلبٍ مُريدٍ عامدِ
متجاهلٌ ما حالُ قلبي بعدَه
جهلَ العليم وغائبٌ كالشاهدِ
وإلىَ جنوب «البانِ» كلّ مضرةٍ
بالبان بين موائسٍ وموائدِ
يمشين مشي مَها «الجواءِ» تخلَّلتْ
عنهنّ غيطانَ النقا المتقاودِ)[682](
متقلداتٍ بالعيون صلائفاً
وطُلَّى ولم يَحمِلنَ ثِقلَ قلائدِ
نافثتهنّ السحرَ يوم «سويقةٍ»
فإذا مَكايدهنّ فوق مَكايدي
كنتُ القنيصَ بما نصبتُ ولم أخلْ
أن الحبالة عُقلةٌ للصائدِ
أنكرتُ حلمي يومَ «بُرقَةِ عاقلٍ»
وعرفتُه يوم اللقاءِ «بغامدِ»
القلبُ قلبُكَ ما مضى حيث الهوى
بك من مضلًّ سعيُه أو راشدِ
وجعلتُ سمعي من نبال عواذلي
غرضَ الغرورِ لكلّ سهم قاصدِ
ما دام يدعوك الحسانُ فتى وما
دام الذوائبُ في قِرابِ الغامدِ
فوراء يومك من صِباك ضُحى غدٍ
وعدٌ يسوءُك منه صدقُ الواعدِ
ولقد سريتَ بليله وبصبحه
فَحَماً وفي لهَبِ البياض الواقدِ
فإذا المشيب مع الإضاءة حيرةً
وإذا الشبابُ أخو المضلّ الواجد
ومطيّةٍ للّهوِ عزَّ فَقارُها
وصليفُها)[683]( عن راكبٍ أو قائدٍ
مما احتمى من رحله بِقماصهِ
ومن الخشاشِ بأنفه المتصايدِ
أعيا على ركب الصِّبا أن يظفروا
بمغالقٍ من غَرزِها)[684]( ومعَاقدِ
قد رُضْتُها فركبتُ منها طيعاً
ينصاعُ بين مراسني ومقاودي
وأخٍ رفعتُ له بحيِّ على السُّرى
والنجمُ يسبحُ في غديرٍ راكدِ
فوعَى فهبَّ يُحلُّ خيطَ جفونِهِ
بالكُرهِ من كفِّ النُّعاس العاقدِ
غيران قام على الخِطار مساعدا
نصرَ الحسامِ رفدتهُ بالساعدِ
حتى رجمتُ الليلَ منه بكوكبٍ
فتقَ الدجى وأضاء وجهَ مقاصدي
فرديْنِ سَومَ الفرقدين تمايلا
مستأمنين على طريق واحدِ
ومحجَّبٍ تدع الفرائص هيبةً
أبوابُه من خافقٍ أو راعدِ
تتسابقُ الجَبَهاتُ دون سريرِهِ
للفوزِ بين معفر أو ساجدِ
لا تطمعُ الأقدارُ في استنزاله
بضعائفٍ منها ولا بجلائدِ
أذِنَتْ عليه وسائلي وترفَّعتْ
أستارهُ لمقاصدي وقصائدي
وبعثتُ غُرَّ قلائدي ففتحنَ لي
أبوابه فكأنهنّ مقالدي
«كعمانَ» أو ملكٍ «عُمانٌ» دارُهُ
داني النوالِ على المدى المتباعدِ
رانٍ عليّ على ارتفاع سمائه
بَرّ بوفد مدائحي ومحامدي
بعثتْ بصيرتُه نَفَاقي)[685]( عندَهُ
والشعرُ يُبْضَعُ في أوانٍ كاسدِ
وقضى على أني الوحيدُ بعلمه
فكفى بذلك أنه من شاهدي
سبق الملوكَ فبذَّهم متمهلاً
جاروا ومرَّ على الطريق القاصدِ
ومضى على غُلوائه متسنماً)[686](
لم ترتَفِق)[687]( مَسعاتُه بمُعاضدِ
طيّان)[688]( لم يقضِ البوازلَ قبلَه
جَذَعٌ ولم يُطِل القيامَ بقاعدِ
نَسَبَ السماءَ يريد أين فخارُها
منه فباهلها بفخرٍ زائدِ
وسما يماجدُ قومه بنجومها
فثَنى ولم يظفَرْ بنجمٍ ماجدِ
غرسَ المعاليَ «مُكرَمٌ» في تربها
فجنت حلاوةَ كلّ عيشٍ باردِ
حَجْراً على الأقدارِ فيما نفّذَتْ
أحكامَها من صادرٍ أو واردِ
لن تَعدَم الآفاقُ نجماً طالعاً
منها ينوّر إثر نجمٍ خامدِ
فالسيفُ منهم في يمين المنتِضي
كالسيف منهم في يمين الغامدِ
هم ما هُمُ! وتفرّقت آياتُهم
في المجد ثم تجمعتْ في واحدِ
أحيت لهم أيامُ محي الأمّةِ الـ
ـعافي وهبَّتْ بالرَّقودِ الهاجدِ
وتسنَّمت دَرَجَ السماء بذكرهم
أيامُ آثارٍ لهم ومَشاهدِ
وإلى «يمين الدولة» افتقرت يدٌ
في الملك لم تُعضَدْ سواه بعاضدِ
نظَم السياسةَ مالكٌ أطرافَها
لم تستعِنْ عَزَماتُه بمُرافِدِ
وأقامَ ميلَ الدولتينِ مؤدّبٌ
بثقافه خَطَلَ الزمانِ المائدِ
سبقَ الرجالَ بسعيه وبقومه
والمجدُ بين مكاسبٍ وموالدِ
جَرت البحارُ فما وفت بيمينه
فكأنَّ ذائبَها يُمَدُّ بجامدِ
ضنَّتْ بجوهرها وما في حِرْزِها
من مُنفساتِ ذخائرٍ وفوائدِ
فاستخرجتها كفُّه وسيوفُه
فسخَتْ بها لمؤملٍ ولرافدِ
نامَ الرعاةُ عن البلادِ وأهلِها
عجزاً وعيناه شِهاباً واقدِ
وحَمَى جوانب سَرحهِ متنصِّفٌ
للشاء من ذئب الغضا المستاسدِ
وإذا الأسودُ شممن ريحَ عرينه
كانت صوارمُه عصيَّ الذائدِ
ما بين «سَرْبَزَةٍ»)[689]( إلى ما يَستقي
«وادي الأُبُلَّةِ» هابطاً من صاعدِ
يقظانُ يضرب وهو غيرُ مبارزٍ
عزماً ويطعن وهو غير مُطارِدِ
كفٌ له تَحمِي وسيفٌ يُنتضى
ولحاظُ راعٍ للرعيّةِ راصدِ
وإذا بغى باغٍ فباتَ يرومُه
باتت صوارمُه بغير مَغامدِ
ومطوِّحٍ ركِبَ الخِطار فردّه
أعمى تحيَّر ما له من قائدِ
كفّ الرّعاعَ وجاء يطلبُ حاجةً
عسراءَ في كف الهمام اللابدِ)[690](
يَرمي الكواكب وهي سعدٌ كلُّها
بمناحسٍ من جَده ومَناكدِ
جُنَّتْ به الأطماع فاستُغوِي بها
يصبو إلى شيطانها المتماردِ
خُبْرتُهُ يبغِي «عُمانَ» وأهلَها
فعرفت مَصدرَه بجهل الواردِ
لم يُنجِه والموتُ في حَيزومِهِ)[691](
ما ضمَّ من حَفْلٍ له ومَحاشدِ
جمحَتْ به غرّارةٌ من حَيْنه
قذفته في لَهَواتِ صِلّ زاردِ)[692](
نُسِفت بأطراف الرماحِ جنودُهُ
طَوْح َالسنابل)[693]( عن شفارِ الحاصدِ
من راكبٌ ـ وفؤادهُ من صخرةٍ ـ
جَوفاء)[694]( أمّ فواقِرٍ وأوابدِ)[695](؟
حدباءَ تسلك من عثار طريقها
حُدْباً ذواتِ نواقصٍ وزوائدِ
فتظلّ طوراً في عنانِ سمائها
صُعُداً وطوراً في الحضيض الهامدِ
تختبُّ قامصةً ولم تطأ الثرى
وتظلُّ لا في سبسبٍ وفدافدِ
يظمَأ بها الركبانُ وهي سوابحٌ
في غامرٍ تيّارُه متراكدِ
شنعاءَ لو طَرقَ الخَيالُ بمثلها
عيني لما أطبقتُ مقلَة راقدِ
بلّغْ ـ وليتَ رسائلي تقتصّها
شفتي وغائبِيَ المؤخّر شاهدي ـ
أو ليت قلبي كان قلبَك أصمَعاً)[696](
في أضلعٍ صُمّ العظام أجالدِ
فأخوضَ بحراً من حميم آجنٍ
يُفضي إلى البحر الزّلال البارد
قل إن وصلت «لناصر الدين» أستمع
فِقَراً تُجمعُ كلّ أنسٍ شاردِ
يا خيرَ من حَملْت ظهورُ صواهلٍ
في المُلك أو ضمَّتْ صدور وسائدِ
وتعصَّبَتْ بالنور فوق جبينه
عَذَبُ)[697]( اللواء تَحُفُّ تاجَ العاقدِ
أنا عبد ُنعمتك التي شُكِرتْ إذا
ما نعمةٌ نيطت بآخرَ جاحدِ
أغنيتني عن كلّ مذمومِ الجَدا
ألقاه مضطراً بوجهٍ حامدِ
ونفضتَ عن ظهري بفضلك ثَقل ما
أوعيتُ من نُوبٍ عليّ شدائدِ
كان الزمانُ يُسرُّ لي ضِغْناً فقد
أصلحتَ لي قلبَ الزمان الفاسدِ
وحفظتَ فيّ تكرُّماً وتفضُّلاً
ما أذكَرْتكَ قدائمي وتلائذي
ذِمَمٌ لو اعتَصَمَ العُداةُ بمثلها
عقدوا بهنّ لديك خير معَاقدِ
ومن الذي يُرعَى سواك لنازح
عن لحظه نائي المحلّ مُباعدِ
متناقصِ الخطواتِ عنك ذكرتَهُ
في سَكرةِ المُلكِ العظيم الزائدِ
أوليتَني في ابني ونفسي خيرَ ما
أوليتَ في ولدٍ شفاعةَ والدِ
فلذاك كرَّ على مشقّة طُرقهِ
وكررتُ أطلبُ من نداك عوائدي
تُعطى المنى ونعود نسألُ)[698]( ثانياً
فتعود حباً للسماح العائدِ
وتموتُ حاجتنا وينفَذُ فقرُنا
وسؤالنا ونداك ليس بنافدِ
فاحكم بسنَّتك التي شَرَعَ الندى
لك شرعَها حُكم القديرِ الواحدِ
كَفِّل علاك بحاجتي واكفف يدي
عن كلّ جَعد الكف جَعد الساعدِ
فالناسُ غيركَ من تضيق مَجالتي
فيه وتُقتل بالمِطالِ مَواعدي
صنْ عنهُمُ شَفَتي ودعني واحداً
في الدهر أشربْ من قَلِيبٍ واحدِ
حاشا لمجدك أن تُسدَّدَ خَلَّتي
بمُشارك لك فيّ أو بمساعدِ
وأنصِتْ لها غُرراً لمدحك وحده
يُنظمنَ بين قلائدٍ وفرائدِ
من كلّ مخلوعٍ لصادقِ حسنها
فيها عذارُ العابدين لعابدِ
عذراءَ مفضوضِ لديك ختامُها
ما كلُّ عذراءٍ تُزَفُّ بناهدِ
تجلو عليك بيوتُها ما أُنشِدت
حوراءَ ذات وشائح وقلائدِ
كعقيلة الحيّ الحُلولِ تمشَّت الـ
ـخُيَلاءَ بين وصائف وولائدِ
مما سبقتُ بخاطري أمَّاتِها
وحويتُهُ برقايَ أو بمكايدي
خضعَ الكلامُ لمعجِزِي في نظمِها
فعنا لها من راكعٍ أو ساجدِ
قد آمنَ الشعراءُ بعد فسوقهم
بدلائلي في فضلها وشواهدي
وأطاع كلُّ منافق إن سَره
أو ساءه وأقرص كلُّ معاندِ
فأعطفْ لمهديها وحاملِ تِربِها
واحملْ له حقَّ السفير الرائدِ
وأرددهُ عن عَجَلٍ كما عوَّدته
برواجعٍ من نعمتيك ردائدِ
واشددْ يداً بالخافقين مملكاً
عنقيهما من أتْهُمٍ ونجائدِ
في دولةٍ أختِ السعودِ وعزّةٍ
أم النجوم وعمرِ ملكٍ خالدِ
وكتب إليه مؤيّد السلطان ذو المجد بن زين الكُفاة ابن الصاحب الأوحد ذي السياستين أبي محمد بن مُكرم وهو مؤمَّرٌ على عُمان وأعمال البحر، يذكر أيام مصاحبته إيّاه في الصِّبا، ويتشوَّقُ قربَهُ، ويصفُ استيحاشه لمكانه، ويحثُّه على زيارته، ويرغّبه في فوائد الإلمام به، ومنافع غشيانِهِ، فأجابه عن كتابه نثراً بما اشتملَ على وصف العذر في التأخّر والارتفاع لسلوك البحر، وقرن الكتاب بهذه القصيدة يمدحه، ويعرِّض بذكرِ إنسانٍ عتبه على المودّة، وقصده بالأذيّة من أهله، ويذمُّ إليه بعضَ من ببغداد من مدبِّري الأمور، ويصف السفينةَ البحريَّة وأنفذها إليه:
بين «النقا» فَثنِّية الحِجرِ»
سمراءُ تُرقَبُ بالقنا السُّمرِ
رصفَتْ قلائدَها بما سفكتْ
من فِيض دمعٍ أو دمٍ هَدْرِ
ما شِئت من حَبّ القلوب أو الـ
ـأجفان في بيضٍ وفي حُمرِ
نزَلتْ «مِنًى» أُولى ثلاثِ «مِنًى»
فقضت نجيزة ليلة النَّفْرِ
وجلَتْ لأربعة عشر قمراً
والشهرُ ما أوفى على العَشْرِ
تَرمِي الجِمارَ وبين أضلعنا
غرضٌ لها ترميه بالجمرِ
من لي على عَطْلَى بغانيةٍ
شبَّتْ وشِبْتُ وعمرُها عُمري
لم تَنْوِ في قَسَمٍ تحِلَّتَهُ
إلا إذا حلفتْ على الهَجَرِ
قالت وليمت في ضناً جسدي
طَرْفي على إسقامه عُذري
واستُسقِيتْ لظَمايَ ريقتَها
فاستشهدتْ بالآي في الخمرِ
وتقول للعذّالِ مُغضَبةً
شيّبتُه من حيثُ لا يدري
قبَّلتُ عصياناً عوارضه
عمداً فأعدى شَعرَهُ ثَغري
***
وأخٍ مع السرّاء من عُدَدي
وعليّ في الضرَّاء والشرّ
تطوي حشاه على تبسُّمِهِ
أضلاعَ مُشرَجَةٍ)[699]( على الغِمرِ)[700](
مولاي والأحداث مغمتدةُ
فإذا انتُضِينَ فَرَى كما تَفْري
تَعِبٌ بحفظ هَناتِ مَيسَرَتي
حتى يعدِّدَها على العُسِرِ
الدهرُ ألينُ منه لي كنفاً
لو كان يتركني مع الدهرِ
ومغَيّم المعروف يخدعني
إيماضُ واضحتيه بالبشِرِ
سكَنَ اليفاعَ)[701]( وشبَّ مَوقِدَه
ناراً يُغرّبها ولا يَقري
ذي فطنةٍ في الشكر راغبةٍ
وغباوةٍ بجوالب الشكرِ
فإذا مدحتُ مدحتُ ماطرةً
وإذا عصرتُ عصرتُ من صخرِ
لا طاب نفساً بالنوالِ ولا
مضخضَ المودةَ زُبدةَ الصَّدرِ
وأرادني من غير ثروتِهِ
أن أستكين لذلّة الفقرِ
ينجو بِعرضى أن يضام له
عَرْضُ الفلاةِ)[702]( وغضبةُ الحُرّ
وتنجّزُ الأيّام ما وعدتْ
في مثله وعواقبُ الصبرِ
«ومؤيّد السلطان» عاليةً
يَدُه بتأييدي وفي نصري
لو شئتُ فُتُّ سُرَى االنجوم به
وخَفِيت)[703]( عن ألحاظها الزُّهرِ
ولبلَّغتني المجدَ سابحةٌ
بالظَّهر ليست من بني الظهرِ)[704](
ترتاح للضَّحضاح)[705]( خائضةً
[وتكُدُّ])[706]( بالمتعمِّقِ الغَمرِ
تجري الرياح على مشيئتها)[707](
فتُخالُ طائرةً بما تجري
وإذا شراعاها لها نُشِرَا
خفقَتْ بقادِمتين من نَسْرِ)[708](
في جانبٍ لينٌ يُدَفعُها
وخِطارُها في جانبٍ وَعِرِ
يحدو المطي الزاجرون له
وتساقُ بالتهليل والذِّكْرِ
من لي بقلبٍ فوقها ذَكَرٍ
مُصغٍ لعذلي تابع أمري
قالوا الشجاعة! إنّه غَرَرٌ
متقاربُ الميقاتِ والقَدْرِ
يومان في لُجّ فإن فَضُلا
بزيادةٍ فبليلة العِبْرِ)[709](
هيهات منّي ساحلٌ يبِسٌ
والبحرُ يُفضي بي إلى البحرِ
القصدُ والمقصودُ من شَبه
في الجود أو حدّ من الغَزْرِ)[710](
ما أنّ)[711]( إلا أنَّ ذا أجِنٌ
مِلحٌ وذاك زلالةُ القَطْرِ
جارى الملوكَ فبذَّهم ملك
سبق القوارحَ في سِني مُهرِ
وأرَى بني الستين عجزَهُمُ
في الرأي وهو ابنُ اثنَتَيْ عَشْرِ
لا طارفُ النعماءِ منزعجٌ
فيها ولا مستحدثُ الفخرِ
من وارثي العلياء ما اغتصبوا
مجداً ولا ملكوه بالقهرِ
أرباب بيتِ مكارم عقدوا
أطنابَه بأوائل الدهرِ
ضربوا على الدُّوَل اسهامَهُمُ)[712](
وتقاسموا بالنَّهي والأمرِ
في كلّ أفْقٍ منهُم عَلَمٌ
مَرعَى العفاةِ وسَدَّةُ الثَّغْرِ
أبناء «مُكُرَمَ» وهي مَعرِفةٌ
نصروا اسمها بإهانة الوفرِ
قَطَنوا)[713]( وسار عطاؤهم شَبَهاً
بالبحر قامَ وملْكُهُ)[714]( يسري
في كلّ دارٍ من مواهبهم
أثرُ الحيا في البلدة القفرِ
وملكتَ يا ذا المجد غايتَهم
ما للبِهام)[715]( ضيلة الغُرّ
زيَّدَتهم شرفاً وبعضُهُمُ
لأبيه مثل الواوِ في «عمرو»
سدُّوا بك الغاراتِ منفرداً
فملأتَ صفَّ الجحفلِ المَجْرِ)[716](
ودجا ظلامُ الرأي بينُهمُ
فوضَحتَ فيه بطلعة الفجرِ
وابوك يوم «البصرة» اعترفت
قمَمُ العدا لسيوفه النُّكرِ
ألقى عصاً من عزمةٍ بَتَرتَ)[717](
آياتها حدَّ الظُّبا البُتْرِ)[718](
لقَفَتْ على «الكَرجيِّ» ما أفكَتْ
كفَّاه من كبدٍ ومن مَكْرِ
فمضى يخيِّر نفسَه خوَراً
ذلَّينْ من قَتْل ومن أسرِ
يجدُّ الفِرارَ أحبَّ عاجلةً
لو كُفّ غربُ الموتِ بالفَرّ
ورأت «عُمانُ» وأهلُها بك ما
أغنى الفقيرَ وأمّنَ المثري
صارت بجودك وهي موحشةٌ
أُنسَ الوفودِ وقِبلةَ السَّفرِ
يفديك مبتهجٌ بنعمته
أسيانُ)[719]( في المعروف والبرّ
ألهاه طيبُ المالِ يُحرِزُهُ
عن طيبِ ما أحرزتَ من ذِكْرِ
يبغى عِثارَك وهو من تعبٍ
كالليل طالبُ عثرةِ البدرِ
قد قلتُ لما عقّ دع مِدَحِي
زينُ«الكفاةِ» أبرُّ بالشِّعرِ
اتركْ مقامات العلاء له
متأخّراً فالصدرُ للصدرِ
يا نازحاً ورجاءث نعمتهِ
منّي مكانَ السَّحْر)[720]( والنَّحرِ
هل أنت قاضٍ فيَّ نذرَك لي؟
فلقد قضت فيك المنى نذري
أيامَ لي وحدي الوفاءُ وكلّ
الناس من نَكْثٍ ومن غَدرِ
وأرى نداك اليومَ في نفرٍ
لم يُشرَكوا في ذلك العصرِ
اردد يدي ملأى وحاش لمن
يعتامُ جودَك من يدٍ صِفْرِ
وأعطفْ عليَّ كما)[721]( صددتَ أَذُقْ
طعميك من حُلوٍ ومن مُرِّ
وألبسْ من النعماء سابغةً
لا تدَّريها)[722]( أسهمُ الدهرِ
تَعمَى النوائبُ عن تأمُّلها
وتُطيلُ فيها نَومةَ السُّكرِ
مهما تَعُدْ)[723]( خَلَقاً فجِدَّتها
تزداد بالتقليبِ والنشرِ
وأسمْع أزُرْكَ بكلّ مالئةٍ
عينَ الضجيج خريدةٍ بِكرِ
نَسْجُ القريحة ثوبُ زينتها
وحُليُّها من صنعة الفكرِ
من سحر «بابلَ» نفثُ)[724]( عُقدتِها
سارٍ و«بابلُ» منبِتُ السِّحرِ
وكأنما ساقَ التّجارُ بها
لك من «صُحَارَ»)[725]( لطيمةَ العطرِ
تُمسي لها الآذانُ آذنةً
ولو انهنّ حُجِبنَ بالوَقْرِ)[726](
حتى أراك وأخمصاك معاً
قُرطانِ «للعَيّوق»)[727]( و«النَّسرِ»
هذي)[728]( الهَديُ عليَّ جَلْوَتُها
وعليكم الإنصافُ في المَهرِ
مهيار الديلمي
القوقاز
أرض واسعة تمتد من ميناء (آنابا) شمال شرق البحر الأسود إلى شبه جزيرة (آبشوران) في الساحل الغربي لبحر قزوين. وتحدّها من الشمال سلسلة جبال القوقاز الشاهقة، ومن الجنوب نهر أرس وحدود آذربايجان الإيرانية. وبعبارة أوضح فإنّ جميع الأراضي والمناطق التي تبدأ بداغستان وجورجيا وأرمينا وجمهورية آذربايجان تعدّ من أرض القوقاز.
وللقوقاز تاريخ قديم، لكن إسمها ليس بقديم، يعود إلى القرون الثلاثة الماضية، ورغم ما يقال أنه يعود إلى عام (479م) وأن أهالي داغستان القدامى كانوا يستخدمونه)[729](. لكن المقدار المسلّم به هو أن هذا الإسلام لم يكن يطلق على أرض القوقاز خلال القرون الإسلامية الأولى وفي القرون الوسطى وحتى في القرون الأخيرة. وكانت كل أقسام القوقاز تسمّى باسم القوميات والطوائف المستوطنة فيها.
(هيرودس) ذكر هذه الأرض في عدة مواضع من كتابه تحت إسم (Caucasus) )[730]( وإذا تأملنا قليلاً في لفظ هذه الكلمة اللاتينية نجد أن هناك احتمال أن يكون إسم القوقاز قد انتشر بعد هذا الاستعمال وخاصة من لفظه الروسي المشتق من أصل يوناني. وإذا صح هذا الافتراض، عندها نستنتج أن القوقاز هو إسم ذو منشأ لاتيني وروسي، وهو إسم محلي لـ (Caucasus) اللاتيني و(Kavkazs) الروسي. وقد انبثقت عنهما الاستعمالات المحلية للإسم.
وفي بعض المصادر الجغرافية للقرون الأولى أطلق على أرض القوقاز إسم (قبق) وهذا الإطلاق ومحدوديته يدلان على صدق حداثة إسم القوقاز. وقد ذكرت هذه المصادر القليل من المعلومات حول (قبق). كما إن سلسلة جبال القوقاز لا تحمل إسم القوقاز في المصادر الإسلامية والإيرانية المتقدمة والمتوسطة.
فابن حوقل عند ذكره لجبال حارث وحويرث التي تعد من سلسلة جبال آرارات، وهي سلسلة الجبال التي ذكرت في القصص القديمة كمحط لسفينة نوح. أو المنطقة التي يعتقد اليونانيون القدامى أن (برومته) ربط فيها بسلسلة إلى صخرة. ابن حوقل يكتب أن حارث وحويرث تصل شمالاً إلى (ثفليس) وتتصل من هناك بجبل (قبق) مقابل (سياه كويه) وهو «جبل كبير يقال أن أهله يتكلمون بأكثر من مائة لغة، وهذا ما لم أصدقه إلى أن رأيت جبل (سبلان) الواقع في (أردبيل) وفيه قراء متعددون، فوجدت أن أهل كل قرية يتحدثون بلغة خاصة غير اللغتين الفارسية والآذرية»)[731](.
و(الأصطخري) يشير إلى جبال قبق عند وصفه لأرمينيا وآران وآذربايكان، ولا يتحدث عن جبال القوقاز)[732](.
(المقدسي) أورد في كتابه عنواناً هو «رحاب» ويقصد فيه القوقاز نفسها. وهو كسائر علماء الجغرافيا المتقدمين والمتأخرين اعتبر أن أرض أران جزءاً من (رحاب) أو (القوقاز) وأوردها جميعاً تحت عنوان (إيران). لكنه خطأ وعلى خلاف إجماع المؤرخين وعلماء المسالك والممالك اعتبر أن آذربايجان وآران وأرمينية تشكل ثلاثة أجزاء أسياسية من القوقاز)[733](.
صحيح أن مصادر جغرافية أخرى ذكرت آران وأرمينيا وآذربايجان إلى جانب بعضها البعض، لكن أياً من كتّاب هذه المصادر ـ عدا المقدسي ـ لم يعدّوها جزءاً من القوقاز. بل إنهم فصلوا آذربايجان عن القوقاز بنهر الأرس.
إنّ أرض القوقاز التي تشمل: آران وأرمينيا وشيروان وجورجيا وداغستان ونواحي الشركس والأبخاز. على خلاف إسمها المستحدث والمبهم، فإنها تحمل تاريخاً طويلاً جداً وواضحاً نسبياً. فالقوقاز كانت منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد معبراً لأقوام متعددين، وموطناً لبعضهم. فالقوميات الإيرانية دخلت إليها منذ عهد الهجرة الأولى للآريين من خلال الهجرة من غرب بحر قزوين إلى القوقاز، ومن هناك إلى الأقسام الداخلية لإيران. والقوميات الآسيانية من ألبان القوقاز والهنود والأوروبيين الجورجيين والأرمن دخلوا أرض القوقاز في الألف الثاني قبل الميلاد أيضاً، واستوطن كل منهم في أجزاء من هذه الأرض الواسعة.
في عهد حكومة الماديين وخاصة خلال عهد قوتهم في (آثروباتن) أو (آذربايجان) الحالية كانت أرض القوقاز ومعظم قومياتهم الجنوبية ومنهم الأرمن والجورجيين كانوا خاضعين لحكومة (ماد). وخضعت نفس تلك القوميات فيما بعد للحكومة الهخامنشية، وأضحت القوقاز جزءاً من هذه الأمبراطورية)[734](.
وآران كجزء من القوقاز الشرقية سميت في المصادر البارتية (أروان) وفي المصادر اليونانية (ألبانيا).
وفي العهد الساساني كانت أجزاء من جنوب القوقاز وخاصة أرمينيا محل نزاع بين الأمبراطورية الساسانية وروما، وكانت أحياناً تخضع بشكل كامل للسيادة الإيرانية. وقبل الميلاد بقرون كان الشركس قد استوطنوا في القوقاز الشمالية، وعاشوا بشكل أساس إلى ساحل كوبان وترك العليا. ومنذ ذلك الحين كان الأبخار ـ من شيشان ولاك ولزك يعيشون في أقصى شمال القوقاز.
وبعبارة أوضح فإن موطن الأبخاز كان في الشمال الغربي لموطن الشركس. وكانت جورجيا جزءاً من القوقاز أيضاً. فاسم جورجيا مستحدث ويعود إلى القرون الأخيرة، وكان الجورجيون يعيشون إلى جانب قوميات وطوائف مختلفة كالأتراك والمغول دون أن يحرزوا الأكثرية دوماً. وهكذا كان وضع أرمينيا الجزء الآخر من القوقاز، ورغم التنوع القومي لسكان الوقاز فإنّ جزءاً مهماً من سكان القوقاز كانوا من الإيرانيين. ولم تؤثر التغيرات الدائمة في السكان على حضور القوميات الإيرانية فيها. ولإدراك قدم حضور الإيرانيين في القوقاز يكفي الالتفات إلى أن سكان آران الأصليين أي الآلان قد دخلوا المنطقة قبل تشكيل حكومة (ماد) في (آذربايجان) وكانوا دوماً من جملة القوميات التاريخية للقوقاز)[735](.
وخلال العهد الإسلامي دخلت قوميات متعددة جديدة إلى أرض القوقاز، مما جعل كثرة اللغات واللهجات في جبال القوقاز إلى درجة أطلق عليها إسم (جبل الألسنة) )[736](.
فروع ناطقة بالتركية وإيرانيون آذريون وطوائف أخرى ذات أصول إيرانية كانت من جملة المهاجرين إلى القوقاز خلال العهد الإسلامي. هذه الهجرة خلال العهد الإسلامي زادت من حضور الإيرانيين في القوقاز طبعاً.
كتب (مينورسكي) أن أسماء مثل: ليزان، بيلقان، سروان وأمثالها تدل أن الإيرانيين دخلوا القوقاز عن طريق غيلان وسواحل بحر قزوين)[737](. ثم دخل القوقاز بالتدريج كل من: العرب، الأتراك، المغول، التركمان، الطالش وغيرهم. فزادوا من التركيبة الاجتماعية والقومية في القوقاز تنوعاً.
وتعجب (ابن حوقل) من أن تنوع القوميات واللغات المذكورة يعود إلى عهد كثرة حضور القوميات واللغات في القوقاز. والقوقاز طوال تاريخها القديم كانت إلى جانب التنوع القومي والعرقي تشهد تعدداً في الحكام. فبعد حكومة الهيثيين والأوراتوريين والماديين والفارسيين والبارتيين والساسانيين في القوقاز، شهد العهد الإسلامي أيضاً سلالات مختلفة من العرب والإيرانيين والجورجيين والأرمن)[738](. وفي العهود الأخيرة حكمها الخوانين من: آذريين ومغول وقاجار.
وفي القرون الأخيرة تحولت القوقاز تدريجياً إلى أراضٍ ذات هوية محددة، وتعينت حدودها السياسية بوجود حكام محليين. ومنذ العهد الصفوي كان معظم الحكام المحليين تابعين للحكومة الصفوية، وكانوا يتسلمون تكليفهم من الملوك الصفويين. وكان العثمانيون يهاجمون تلك المناطق أحياناً، وقد حكموا بعض مناطق القوقاز المجاورة للحدود العثمانية لفترات قليلة؟ وعند احتلال القوات الروسية للقوقاز أضحت كل من: نخجوان، أرمينيا، جورجيا، شيروان، داغستان، شركسيا أهم مناطق قوقاز المتميزة، يحكمها حكام محليون، ذات تركيبة قومية متجانسة نسبياً، لكنها لم تخضع مطلقا ًلحاكم واحد، بل كانت كل واحدة منها تشهد في مدنها الأساسية مناطق خانات كثر، وقد حلت مناطق الخانات هذه بعد انقراض السلالة الصفوية وتجزّأت عن الحكومات السابقة.
وللأسف فإنّ تنافساً بين الخانات كان دائراً مما يعود على الأهالي بالضرر الشديد، ويضعف قدرات أهالي القوقاز في مواجهة الروس واعتداءاتهم على القوقاز، ودفع ببعض الخوانين أحياناً للتعاون مع الروس في بداية القرن (13 هـ أو 18م؟).
(الآقا محمد خان القاجاري) حاول أن يدفع الخانات المتفرقة إلى طاعة دولة إيران المركزية على أساس ماضي القوقاز وتبعيته لها منذ العهد الصفوي، لكن مقتله أوقف تلك الجهود. وعندما هاجم الروس القوقاز تعاون معهم بعض الحكام المحليين طوال فترة الحروب الإيرانية ـ الروسية، وقد اعترف الأرمن والجورجيون بخطئهم هذا، وبدأوا نضالاً للتخلص من نير السلطة الروسية، لكن ذلك لم يثمر، وبقيت القوقاز وقومياتها المختلفة خاضعة للاحتلال الروسي لقرنين من الزمان.
***
كاشف الغطاء
(1156 ـ 1228)
الشيخ جعفر يحيى الملقب بالشيخ جعفر الكبير وكاشف الغطاء واحد آخر من الفقهاء المشهورين في عهد القاجارية وكان أحد العلماء والمجتهدين المعاصرين لفتحعلي شاه القاجاري. ولد كاشف الغطاء حدود عام 1156 قمرية في قرية جناجبّة في الحلة. وكان مؤسساً لعائلة مشهورة في العراق تدعى آل كاشف الغطاء.
من أشهر أساتذة كاشف الغطاء خلال فترة تحصيله العلمي نذكر: الشيخ مهدي الفتوني العاملي السيد صادق فخام والشيخ محمد دورتي، والشيخ جعفر الكبير، ودرس أيضاً عنه وحيد البهبهاني دراسته العليا ونال منه الإجازة.
أول حادثة مُرة حصلت في بداية مرجعية كاشف الغطاء وزعامته الدينية المجزرة المشهورة في كربلاء بأمر من وهابيي نجد وكانت بإمرة عبد العزيز بن سعود حيث أدت إلى النهب والسلب والقتل المفجع لشيعة كربلاء. ضمن هذا الهجوم قتل حوالي ثلاثة آلاف شيعي: كانت هذه المجزرة وخطر الأخباريين وهجوم الروس أيضاً على إيران العوامل الثلاثة الفكرية لمقبولية حكومة فتحعلي شاه في الفكر السياسي لكاشف الغطاء ودفعت به لطرح آرائه الاجتهادية في ضرورة تقوية القاجار في مقابل هجوم الروس. كاشف الغطاء وبناءً على إحساسه بضرورة وجود حكومة شيعية تحمي المجتمع الشيعي ـ فرق بين المشروعية بالعرض والمشروعية بالذات للحكومات في سياق عدم مشروعية حكام الزمان وإلى نوع من ولاية غير المعصوم. واعتبر في بداية كتاب الجهاد أن مشروعية حكومة فتحعلي شاه هي بالعرض على أساس مقدمة الواجب (واجب) ! كان معنى هذا الكلام أن حكومة شاه القاجار هي من عداد حكومات الجور لكن بسبب تصرفاتها نحو المجتمع الشيعي ذلك الزمان تعد حكومة مقبولة وقابلة للدفاع عنها.
أثران لكاشف الغطاء مشهوران الأول فقهي والثاني هو الرد على التيار الإخباري وعقائد الميرزا محمد الإخباري وهي عبارة عن: «كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء» و«كشف الغطاء، عن معايب ميرزا محمد عدو العلماء» وقد قام الشيخ جعفر برسالته الأخيرة في نقد الميرزا محمد الأخباري موجهاً كلامه للطهرانيين «الميرزا محمدكم لا مذهب له».
كتابين برواية الشيخ الصدوق
1 ـ بقايا من كتاب الأوراق للصولي برواية الشيخ الصدوق.
إشارة: أبو بكر محمد بن يحيى بن عبدالله الصولي (متوفى 335 أو 336هـ) من مؤرخي القرن الرابع ألّف كتاباً في تاريخ العباسيين سمّاه (الأوراق في أخبار آل العباس وأشعارهم) بقيت من هذا الكتاب بقايا تتناول عهدي الراضي والمتقي، وقد طبعت في القاهرة عام (1354) ويبدو أن أقسام أخرى من هذا الكتاب تحوي حوادث الأعوام (227 ـ 256) والأعوام (295 ـ 318) موجودة في نسخة من هذا الكتاب في سان بطرسبورغ (لينينغراد السابقة). وخلال تأليفه لكتاب (عيون أخبار الرضا عليه السلام) استفاد الشيخ الصدوق من كتاب الأوراق للصولي كأحد مصادره في ذكر الوقائع التاريخية لعهد المأمون (198 ـ 218). والمقالة هذه تتحدث عن هذه البقايا وأهميتها.
الشيخ الصدوق وكتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام:
أبو جعفر محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي (المتوفى 381هـ) ترك مؤلفات عديدة منها كتاب (عيون أخبار الرضا عليه السلام) وسبب تأليف هذا الكتاب أن الشيخ الصدوق قرأ قصيدتين لأبو القاسم إسماعيل بن العباد (المتوفى 385هـ) في مدح الإمام الرضا عليه السلام)[739]( يقول الشيخ الصدوق عن ذلك: «وقع إليّ قصيدتان من قصائد الصاحب الجليل كافي الكفاة (أبي القاسم إسماعيل بن عباد) أطال الله بقاءه وأدام دولته ونعمائه وسلطانه وأعلاه في إهدار السلام إلى الرضا علي بن موسى بن جعفر… عليه السلام، فصنفت هذا الكتاب لخزانته المعمورة ببقائه، إذ لم أجد شيئاً آثر عنده وأحسن موقعاً لديه من علوم أهل البيت عليهم السلام لتعلقه بحبّهم، واستمساكه بولايتهم، واعتقاده بفرض طاعتهم، وقوله بإمامتهم، وإكرامه لذريتهم، أدام الله عزّه وإحسانه إلى شيعتهم، قاضياً بذلك حق إنعامه عليّ، ومتقرباً به إليه ولأياديه الزهر عندي، ومننه الغرّ لديّ، ومتلافياً بذلك تفريطي الواقع في خدمة حضرته، راجياً به قبوله لعذري، وعفوه عن تقصيري، وتحقيقه لرجائي فيه وأملي، والله تعالى ذكره يبسط بالعدل يده، ويعلي بالحق كلمته، ويديم على الخير قدرته، ويسهّل المحان بكرمه وجوده، وقد أُثِبْتَ بذكر القصيدتين لأنهما سبب لتصنيفي هذا الكتاب» (عيون أخبار الرضا: ج2، ص3).
ولما كان الشيخ الصدوق قد عاش في فاصل زماني عن حياة الإمام الرضا عليه السلام، لذلك اضطر إلى الاعتماد على آثار مكتوبة وتواريخ تناولت ذكر أحوال الإمام الرضا عليه السلام وحالاته. وعند استعراض مصادر كتاب (عيون أخبار الرضا عليه السلام) نجد أن أحد مصادره كان كتاب الأوراق لأبي بكر الصولي)[740](.
ففي عدة مواضع نقل الشيخ الصدوق عن الصولي أخباراً عن الإمام الرضا عليه السلام سلسلة أسناد بقوله: «حدثنا الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي في داره بنيسابور في سنة إثنين وخمسين وثلاثمائة قال: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قراءة عليه…».
أبو علي حسين بن أحمد البيهقي هو الراوي الواسطة بين الشيخ الصدوق والصولي، وهو من أساتذة الحاكم النيشابوري المتوفى عام (405هـ) وقد ذكر ترجمته صاحب تاريخ نيشابور، ونقل السمعماني في الأنساب (ج1، ص439) خلاصة ترجمته تلك نقلاً عن الحاكم على الشكل التالي: «أبو علي الحسين بن أحمد بن الحسن بن موسى البيهقي القاضي الأديب الفقيه، سمع بنيسابور أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وأبا العباس محمد بن إسحاق السراج، وببغداد أبا محمد يحيى بن محمد بن صاعد وأبا حامد محمد بن هارون الحضرمي وطبقتهم. وسمع منه الحاكم أبو عبدالله الحافظ وذكره في التاريخ فقال: القاضي أبو علي البيهقي الأديب الفقيه كان من أعيان فقهائنا، وُلِّيَ قضاء نيسابور وغيرها من المدن بخراسان، وكان إخبارياً، وتوفي البيهقي في سنة 359هـ».
والمصادر الرجالية الأخرى لا تذكر عن البيهقي معلومات أكثر مما ذكر، فعلى سبيل المثال فإنّ الذهبي في (تاريخ الإسلام: فصل الوفيات 351 ـ 380، ص191) يتحدث عن البيهقي باختصار بنفس ما ذكر في (طبقات الشافعية الكبرى: ج3، ص270 ـ 271).
وما نقله الشيخ الصدوق عن الصولي لا ينحصر بالبيهقي وحده، بل إنه نقل عدة اخبار عن طريق محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، وخبراً عن طريق أحمد بن يحيى المكتب. وجاء فهرست هذه الأقوال على الشكل التالي:
ـ إسم الإمام الرضا عليه السلام وألقابه (ج1، ص15).
ـ والدة الإمام الرضا عليه السلام (ج1، ص14 ـ 16).
ـ المواجهة بين الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وهارون نقلاً عن الطالقاني عن الصولي (ج1، ص69 ـ 72).
ـ سبب اعتقال هارون للإمام موسى بن جعفر عليه السلام مؤامرة من أحد رجال الزيدية (ج1، ص73).
ـ حول الإمام موسى بن جعفر عليه السلام نقلاً عن الطالقاني عن الصولي (ج1، ص85 ـ 88).
ـ تكليف ما لا يطاق ورأي الإمام الرضا عليه السلام فيه (ج1، ص141).
ـ زيد بن موسى بن جعفر، وذهابه إلى المأمون نقلاً عن أحمد بن يحيى المكتب عن الصولي (ج1، ص248).
ـ سبب خلود القرآن (ج2، ص87).
ـ توذيح حول حديث الأصحاب (ج2، ص87).
دعوى أن معاوية كان من الصحابة، ورأي الإمام الرضا عليه السلام في الرد عليها (ج2، ص87 ـ 88).
ـ حكم المحارب لأمير المؤمنين عليه السلام (ج2، ص88).
ـ مدح الإمام الصادق عليه السلام للإمام موسى بن جعفر (ج2، ص127).
ـ رأي الإمام الرضا عليه السلام في السماع (ج2، ص128).
ـ حول نسب الأئمة (ج2، ص128).
ـ السيرة الأخلاقية للإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص128).
ـ النعيم الحقيقي في الدنيا، ورأي الإمام الرضا عليه السلام فيه (ج2، ص129 ـ 130).
ـ خصوصيات القرآن (ج2، ص130).
حول شأن نزول الآية ﴿ياأيها الرسول بلّغ﴾ (ج2، ص130).
ـ حديث للإمام الرضا عليه السلام نقلاً عن الإمام الصادق عليه السلام (ج2، ص130).
ـ حديث عن الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص131).
ـ أشعار لدعبل (ج2، ص141 ـ 142 خبرين).
ـ شعر لأبو نواس حول الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص144).
ـ هذه الرواية بسلسلة السند هذه: «حدثنا أبو نصر محمد بن الحسن بن إبراهيم الكوفي الكاتب بإيلاق قال حدثنا أبو الحسن محمد بن صقر الغساني قال حدثنا أبو بكر الصولي». اقتراح المأمون ولاية العهد على الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص144).
ـ حول خصائص الإمام السجاد عليه السلام (ج2، ص145).
ـ خطبة عبد الجبار بن سعيد خلال ولاية العهد للإمام الرضا عليه السلام في المدينة (ج2، ص145).
ـ نصيحة الإمام الرضا للمأمون بعد ولاية العهد (ج2، ص145).
ـ خطبة فرد عند المأمون خلال تنفيذ ولاية العهد للإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص146).
ـ كلمة الإمام الرضا عليه السلام بعد مراسم ولاية العهد (ج2، ص146 ـ 147).
ـ كلمة المأمون بعد تنفيذ ولاية العهد للإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص147).
ـ إشارة الفضل بن سهل للمأمون لولاية عهد الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص147 ـ 148).
ـ أحوال أحد الشعراء المعاصرين للإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص148 ـ 149).
ـ لقاء المأمون مع الإمام الرضا عليه السلام بعد قتل الفضل بن سهل (ج2، ص164).
ـ كلمة الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص164).
ـ عفو فرد وعرضه على الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص165).
ـ أشعار للإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص177 ـ 178).
ـ شعر كان يكرره الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص178).
ـ الخصائص الأخلاقية للإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص178).
ـ حديث للإمام الرضا عليه السلام نقلاً عن الإمام الصادق عليه السلام (ج2، ص179).
خبر لجد الصولي حول الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص179).
ـ وصف الإمام الرضا عليه السلام على لسان إبراهيم بن عباس (ج2، ص180).
ـ تصرف غير لائق للزبير بن بكار مع الإمام وعاقبة ذلك (ج2، ص224).
ـ كلامة الإمام الرضا عليه السلام في الرد على وعد المأمون العودة إلى بغداد (ج2، ص224).
الميل الباطني للمأمون تجاه الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص231 ـ 232).
ـ قصة دخول زيد النار أخو الإمام الرضا عليه السلام على المأمون عام 199هـ (ج2، ص232).
ـ مدح أحدهم للإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص236).
ـ تحرير الإمام الرضا عليه السلام للعبيد (ج2، ص237).
ـ أسلوب الإمام الرضا عليه السلام لكتابة الرسائل إلى الإمام الجواد عليه السلام (ج2، ص240).
ـ خبر عن وفاة الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص240 ـ 241).
ـ تاريخ بيعة الإمام الرضا عليه السلام للمأمون ووفاة الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص245).
ـ مراثي وفاة الإمام الرضا عليه السلام (ج2، ص251 ـ 254).
عدة ملاحظات حول كتاب
عيون أخبار الرضا عليه السلام:
المعلومات الموجودة في المصادر الرجالية وكتب التراجم حول الشيخ الصدوق قليلة، ولا تكفي لشرح أحواله. لكن لحسن الحظ فإنّ الشيخ الصدوق تحدث عن نفسه في العديد من مؤلفاته، ويمكن جمع معلومات منها أكثر من غيرها، نذكر هنا بعض ما ورد عنه في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام:
1 ـ ذكر الشيخ الصدوق في أواخر كتاب أخبار الرضا عليه السلام كرامات الإمام وفي قسم من هذه المقالة تحدث عن علاقاته مع حاكم الري البويهي ركن الدين أبو علي حسن (حكومته 320 ـ 366هـ) فقال: «قال مصنف هذا الكتاب: لما استأذنت الأمير السعيد ركن الدولة في زيارة مشهد الرضا عليه السلام، فأذن لي في ذلك في رجب من سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة، فلما انقلبت عنه ردّني فقال لي: هذا مشهد مبارك قد زرته وسالت الله تعالى حوائج كانت في نفسي، فقضاها لي، فلا تقصّر في الدعاء لي هناك والزيارة عني، فإن الدعاء فيه مستجاب، فضمنت ذلك له ووفيت به، فلما عدت من المشهد على ساكنه التحية والسلام ودخلت إليه، فقال لي: هل دعوت لنا وزرت عنا؟ فقلت: نعم. فقال لي: قد أحسنت، قد صحّ لي أن الدعاء في ذلك المشهد مستجاب» (عيون أخبار الرضا، ج2، ص279).
وعليه يبدو أن تاريخ تأليف كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام كان بعد وفاة هذا الأمير البويهي عام (366هـ). وبمراجعة باقي مؤلفات الصدوق يتأكد ذلك أكثر. من المؤلفات التي ذكرها الشيخ الصدوق نشير إلى: كمال الدين وتمام النعمة في إثبات الغيبة وكشف الحيرة، الخصال في معاني الأخبار. وكان السفر الثاني للشيخ الصدوق إلى (مشهد) عام (367هـ) ثم زار (نيشابور) وعاد إلى (مشهد) وبقي فيها مدة. ففي (17 ـ 19 شعبان 368هـ) كان في (مشهد) ثم بدأ سفره إلى (ما وراء النهر) وبعد عودته من (ما وراء النهر) بدأ بتأليف كتاب كمال الدين، وعليه فإن تأليف كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام بعد عام (368هـ).
2 ـ تحدث اليعقوبي في تاريخه عن رسالة المأمون إلى الفضل بن سهل، وسمّاها كتاب الشرط والحباء. وقام الشيخ الصدوق بإيراد متن هذه الرسالة نقلاً عن أحد الكتاب وقال: ووجدت في بعض الكتب نسخة كتاب الحباء والشرط من الرضا علي بن موسى عليه السلام إلى العمل في شأن الفضل بن سهل وأخيه، ولم أروي ذلك عن أحد»)[741](. (ج2، ص154 ـ 159).
3 ـ أحد الكتب المهمة في تاريخ خراسان هو كتاب (أخبار خراسان) أو (ولاة خراسان) لأبي علي حسين بن أحمد السلامي، وقد استفاد منه بعض المؤرخين مثل (ابن كثير) ونقل عنه عدة مطالب، ومنها قوله: «وقد ذكر قوم… منهم أبو علي الحسين بن أحمد السلامي، فإنه ذكر ذلك في كتابه الذي صنّفه في أخبار خراسان» (ج2، ص165 ـ 166).
4 ـ ينقل النجاشي في ترجمته لمحمد بن سنان (المتوفى 210هـ) نقلاً عن ابن عقدة فيقول: «إنه روى عن الرضا عليه السلام… وله مسائل عنه معروفة» (رجال النجاشي، ص328) وقد نقل الشيخ الصدوق النص الكامل لهذا الكتاب بإسناده (ج2، ص88 ـ 99).
5 ـ إحدى المسائل التي اهتم بها الشيخ الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام ذكر الأماكن التاريخية المرتبطة بنحوٍ ما بسفر الإمام الرضا عليه السلام إلى خراسان. ومن جملة ذلك ذكر حمام محلة فز من مدينة نيشابور)[742](. فكتب الشيخ الصدوق يقول: «يقال أنّ الرضا عليه السلام لما دخل نيسابور نزل في محلة يقال لها الفزّ [وفي الأصل الفرويني] فبني فيها حمام، وهو الحمام المعروف بحمام الرضا…» (ج2، ص135). وفي فهارس بحار الأنوار ج3، ص141 تم تصحيف هذا الإسم، وأورد كاسم لمكان.
2 ـ قراءة في كتاب الجبر والاستطاعة لأبي الحسين محمد بن جعفر الأسدي
مقدمة:
أبو جعفر محمد بن علي بن حسين بن بابويه (متوفى 381هـ) كان من العلماء الإماميين، وقد ألف كتباً كثيرة، عاش في أواخر الغيبة الصغرى (260 ـ 329هـ) وفي العقود الأولى للغيبة الكبرى. ومن بين مؤلفاته: كمال الدين وتمام النعمة، كتاب التوحيد. اللذين كتبهما في الردّ على الشبهات الواردة على الإمامية.
وأقام الشيخ الصدوق ردحاً من الزمن في مدينة قم، ثم هاجر منها إلى مدينة الري، ولا توجد معلومات دقيقة عن تاريخ هجرته تلك، لكن استناداً الى الحدث والظن يبدو انها وقعت بعد وفاة أستاذه محمد بن حسن بن وليد القمي (المتوفى 343هـ) ويبدو أنه قد تعرف في (الري) على أفكار وآراء علماء ومحدّثين أمثال: أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي (المتوفى 312هـ) والمتكلم الشيعي المعروف ابن قبة (المتوفى قبل 319هـ). وبالنظر إلى تاريخ وفاة هذين العالمين يبدو أن الشيخ الصدوق لم يتتلمذ عليهما مباشرة، ومن الطبيعي أن بعض المشايخ المجيزين قد منحوه إجازة الرواية لمؤلفات هذين العالمين الإماميين.
في هذه المقالة واستناداً إلى كتاب التوحيد سترى أن الشيخ الصدوق قام بتخريج روايات من كتاب أبو الحسين الأسدي وأوردها في كتابه التوحيد بواسطة أربعة من مشايخه في مدينة الري. ويبدو أن الكتاب الذي نقل عنه هو الجبر والاستطاعة.
علية تأليف كتاب التوحيد:
ذكر الشيخ الصدوق السبب الذي دفعه لتأليف كتاب التوحيد، وذلك في الصفحات (17 ـ 18) من كتابه هذا فقال: «إنّ الذي دعاني إلى تأليف كتابي [يعني التوحيد] هذا أني وجدت قوماً من المخالفين لنا ينسبون عصابتنا إلى القول بالتشبيه والجبر لما وجدوا في كتبهم من الأخبار التي جهلوا تفسيرها ولم يعرفوا معانيها، ووضعوها في غير موضعها، ولم يقابلوا بألفاظها ألفاظ القرآن، فقبحوا بذلك عند الجهّال صورة مذهبنا، ولبسوا عليهم طريقتنا، وصدّوا الناس عن دين الله، وحملوهم على جحود الله، فتقربت إلى الله تعالى ذكره بتصنيف هذا الكتاب في التوحيد ونفي التشبيه والجبر…».
ولعل الشيخ الصدوق يقصد بالمخالفين المعتزلة أو الزيدية، حيث أن هاتين الحركتين قد أشكلتا على الشيعة بعض الإشكالات، وأصرّتا على مسألة الجبر والتشبيه أكثر. ومن ذلك: أبو الحسين الخياط (متوفى 300 هـ تقريباً) أشار إلى نظرة الشيعة في هذه المسائل فقال: «وإما جملة قول الرافضة فهو أن الله عز وجل ذو قدّ وصورة وجد يتحرك ويسكن ويدنو ويبعد ويخفّ ويثقل، وأن علمه محدث، وأنه كان غير علم فعلم، وأن جميعهم يقول بالبداء، وهو أن الله يخبر أنه يفعل الأمر، ثم يبدو له فلا يفعله. هذا توحيد الرافضة بأسرها… منهم يسيراً صحبوا المعتزل واعتقدوا التوحيد، فنفتهم الرافضة عنهم، وتبرأت منهم» (الانتصار: ص36).
وعليه كان على الشيخ الصدوق في كتابه التوحيد أن يستفيد من روايات ومؤلفات للإمامية أقدم في الرد على شبهة التشبيه والجبر. وكان أحد تلك المصادر: كتاب الجبر والاستطاعة. للعالم الإمامي الساكن في الري أبو الحسين محمد بن جعفر بن عون الأسدي.
وقد ذكر النجاشي (متوفى 450هـ) ابن عون الأسدي فقال: «هو ابن الحسين محمد بن جعفر بن عون الأسدي الكوفي، سكن في مدينة الري، وقد اشتهر أيضاً باسم محمد بن أبي عبدالله، وهو ثقة صحيح الحديث، إلا أنه نقل عن الضعفاء أيضاً، وكان ممن يقولون بالجبر والتشبيه، وأبوه جعفر بن عون الأسدي كان من كبار الإمامية، وقد روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى».
ولمحمد بن جعفر الأسدي كتاب اسمه (الجبر والاستطاعة) وقد أدرج أبو العباس بن نوح جميع كتبه عن حسن بن حمزة عن محمد بن جعفر الأسدي. وقال أبو العباس أيضاً أن أبو الحسين محمد بن جعفر مات في ليلة الخميس في العشرين من شهر جمادى الأولى سنة 312هـ.
الطريق الثاني لرواية مؤلفاته وهو ابن نوح فقد نقل جميع مؤلفاته تلك عن أبي الحسن بن داود عن أحمد بن حمدان القزويني عن ابن عون أيضاً» (رجال النجاشي: ص373).
ويفهم من هذه العبارة ان أكثر كتب ابن عون شهرة كتاب الجبر والاستطاعة، وحسبما وصفه النجاشي من عقيدته بقوله «وكان يقول بالجبر والتشبيه» أنه كان يحمل عقيدة كهذه.
الشيخ الطوسي (المتوفى 460هـ) ذكر في كتابه (الفهرست: ص151) محمد بن جعفر الأسدي، واعتبر كتابه هذا رداً على أهل الاستطاعة، وقد روى الشيخ الطوسي هذا الكتاب عن جمع من رواة الإمامية عن هارون بن موسى التلعكبري (المتوفى 385هـ) عن المؤلف. وأهمية كتاب التوحيد للشيخ الصدوق في هذا المجال أنه روى أكثر من خمسين رواية عن كتاب الجبر والاستطاعة لابن عون، وبعبارة أخرى فإن الشيخ الصدوق خرّج روايات من كتاب ابن عون هذا ونقلها في كتاب التوحيد نقلاً عن مشايخه ورواة مؤلفات ابن عون. وقد نقل الشيخ الصدوق رواياته عن كتاب ابن عون عبر أربعة روات لكتابه هم:
ـ علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق. وقد روى الشيخ الصدوق أكثر رواياته عبره، ويبدو أنه كان من علماء الإمامية في الري. وقد نقل عن ابن عون الموارد التالية:
التوحيد: ص41 ـ 44، 48 ـ 67، 99 ـ 100، 107 ـ 108، 113، 115، 117، 134، 138، 140، 146، 151، 154، 164، 166، 171، 172، 178، 179، 184، 192، 194، 224، 225، 284، 290، 308، 309، 319، 324، 362، 382، 402، 403، 457، 458)[743](.
ـ محمد بن أحمد الشيباني السنائي. وقد نقل عنه الموارد التالية:
التوحيد: ص 20، 96، 183 ـ 184، 403)[744](.
ـ محمد بن موسى بن المتوكل. وقد نقل عنه الموارد التالية:
التوحيد: ص19، 25، 280)[745](.
ـ الحسن بن إبراهيم بن أحمد بن شام المكتب. ونقل عنه الموارد التالية:
التوحيد: ص95، 224، 289)[746](.
وإذا تأملت في أسناد بعض هذه الروايات لوجدت ما يؤيد الكاتب في تخريج الشيخ الصدوق لروايات ابن عون. ويؤيد ما كتبه الشيخ الصدوق أيضاً تخريج الأحاديث عن ابن عون بقوله: «وقد روي لي من طريق أبي الحسين الأسدي رضي الله عنه…» (التوحيد: ص336). وهذا يدل على أن هؤلاء المشايخ قد أجازوا كتاب ابن عون أيضاً حسبما صرّح به الشيخ الصدوق في الصفحة 172 حيث يقول: «حدثنا محمد بن أحمد السنائي، والحسن بن إبراهيم بن أحمد بن شام المكتب، وعلي بن أحمد بن محمد بن عمران رضي الله عنهم قالوا: حدثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي…».
ومن النصوص الأخرى التي خرّج الشيخ الصدوق بعض أحاديثها ونقل عنها التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عليه السلام: ص47، 230 ـ 232، 403.
والأمر الآخر الذي يمكن استنتاجه من كتاب التوحيد للشيخ الصدوق: رأي السيد المرتضى (المتوفى 436هـ) في النظريات الكلامية لأهل قم)[747](. ويقول السيد المرتضى في هذا المجال: وإن القميين كلهم من غير استثناء لأحد منهم إلاّ أبا جعفر بن بابويه رحمة الله عليه بالأمس كانوا مشبهة مجبرة، وكتبهم وتصانيفهم تشهد بذلك وتنطق به» (رسائل الشريف المرتضى: ج3، ص310).
وقد أيد الشيخ الصدوق هذا الرأي ضمنياً بقوله: «والأخبار التي رويت في هذا المعنى وأخرجها مشايخنا رضي الله عنهم في مصنفاتهم عندي صحيحة، وإنما تركت إيرادها في هذا الباب خشية أن يقرأها جاهل بمعانيها، فيكذّب بها؛ فيكفر بالله عز وجل وهو لا يعلم. والأخبار التي ذكرها أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره، والتي أوردها محمد بن أحمد بن يحيى في جامعه في معنى الرؤية صحيحة لا يردّها إلاّ مكذّب بالحق أو جاهل به وألفاظها ألفاظ القرآن» (التوحيد: ص119 ـ 120).
الأمر العجيب في بعض روايات الشيخ الصدوق، هي الروايات التي رواها عن رواة غير إماميين وتدل على التشبيه والجبر، من ذلك رواية في الصفحة (23 ـ 24) وجاءت بنفس سلسلة السند في الصفحة (376 ـ 377). فرواة هذه الأحاديث غير إمامية، ويبدو أن سبب رواية هذه الأحاديث أن نصوصها منقولة عن أئمة الشيعة.
وقد خصص القسم الأخير من كتاب الشيخ الصدوق لنقل روايات في ذم أهل الكلام. وكانت مثل هذه الروايات رائجة في محافل محدّثي الكوفة. ونقل ابن طاووس (المتوفى 664هـ) بعض هذه الروايات عن كتاب عبدالله بن حماد الأنصاري (كان حياً 229هـ) وذلك في (كشف المحجة: ص62 ـ 63). وقال ابن طاووس عن كتاب عبدالله بن حماد: «ما رويته من كتاب أبي محمد عبدالله بن حماد الأنصاري من أصحاب مولانا الكاظم (المتوفى 183هـ) عليه السلام، ونقلته من أصل قرئ على الشيخ الصدوق الذي ذكر جدّك أبو جعفر الطوسي أنه لم يكن له نظير في زمانه وهو هارون بن موسى التلعكبري (المتوفى 385هـ) تغمده الله جل جلاله برضوانه تأريخ سنة 376…» (كشف المحجة: ص61).
الأمر الآخر الجدير ذكره حول كتاب التوحيد هو وجود نقل فيه عن تفسير إمامي قديم هو تفسير أبو الجارود زياد بن منذر، وقد أشار النجاشي في (الرجال: ص170) إلى تفسير أبو الجارود في ذكره لمؤلفاته. وجمع أبو الجارود في تفسيره روايات عن الإمام الباقر عليه السلام. وذكر النجاشي سلسلة سند رواية هذا الكتاب إلى رواية جمع من أصحاب الإمامية عن أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة (المتوفى 333هـ) عن جعفر بن عبدالله المحمدي (كان حياً عام 268هـ))[748]( عن أبي سهل كثير بن عياش القطان عن أبي الجارود.
والشيخ الطوسي (المتوفى 460هـ) كتب عن تفسير أبو الجارود أيضاً: «وأخبرنا بالتفسير أحمد بن عبدون عن أبي بكر [أحمد بن عبدالله] الدوري [راجع رجال النجاشي: ص85] عن ابن عبدة عن أبي عبدالله جعفر بن عبدالله بن جعفر بن عبدالله بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب المحمدي، عن كثير بن عياش القطان ـ وكان ضعيفاً وخرج أيام أبي السرايا معه فأصابته جراحة ـ عن زياد بن المنذر أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر عليه السلام» (الفهرست: ص131 ـ 132).
نقل الشيخ الصدوق أحاديث عن هذا التفسير وبنفس سلسلة السند المذكورة عن طريق علي بن حاتم النوفلي أحياناً (الأمالي: ص124، 316) وأحياناً عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (حياً عام 339هـ) (التوحيدي: ص236) و(معاني الأخبار: ص45).
الملاحظة الأخيرة عن كتاب التوحيد نقله روايات جمعها ودوّنها المحدث الإمامي المشهور في الكوفة علي بن حسن بن فضال. وكتب النجاشي نقلاً عن أحمد بن حسين الغضائري (المتوفى 481هـ) فقال: «وذكر أحمد بن الحسين رحمه الله أنه رأى نسخة أخرجها أبو جعفر بن بابويه وقال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن الرضا. ولا يعرف الكوفيون هذه النسخة ولا رويت من غير هذا الطريق» (رجال النجاشي: ص258).
وزاد النجاشي بدوره على قول ابن الغضائري هذا إن ابن فضال لم يروِ عن أبيه فقال: «ولم يروِ عن أبيه شيئاً» (رجال النجاشي: ص258).
هذه الروايات ذات صبغة تفسيرية، ويبدو أنها أخذت من كتاب التنزيل من القرآن والتحريف لإبن فضال. نقل الشيخ الصدوق روايات بنفس سلسلة السند هذه في كتبه، ومن ذلك:
الأمالي: ص10، 17، 63 ـ 64، 73، 129، 222، 558، 611.
معاني الأخبار: ص13، 52، 102، 373 ـ 374.
التوحيد: ص229. حيث روى رواية واحدة فيه بهذا السند.
وخرّج روايات من كتاب ابن فضال بطريقين آخرين.
وذكر أربع روايات من هذا الكتاب برواية محمد بن إبراهيم بن أحمد بن يونس المعاذي (التوحيد: ص162 ـ 163).
ونقل رواية طويلة عن طريق محمد بن بكران النقاش (التوحيد: ص232 ـ 234) عن ابن فضال.
إن مقارنة سلسلة أسناد كتب الفهرست للشيخ الطوسي والرجال للنجاشي مع أسناد كتب الشيخ الصدوق، والتأمل في قسم المشيخة من كتاب من لا يحضره الفقيه يمكنه أن ينفع المحققين ويعينهم على معرفة المشايخ المجيزين ومؤلفاتهم التي جرّحها الشيخ الصدوق، وما ذكر ليس إلا النزير منها. والنموذج الواضح جاء حول كتاب العلل لفضل بن شاذان النيشابوري (المتوفى 260هـ) حيث كتب الشيخ الصدوق في بيانه لطريقه إلى كتاب العلل: «وما كان فيه عن الفضل بن شاذان من العلل التي ذكرها عن الرضا عليه السلام، فقد رويته عن عبد الواحد عن عبدوس النيسابوري العطار رضي الله عنه، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان النيسابوري، عن الرضا عليه السلام» (من لا يحضره الفقيه: ج4، ص53 ـ 54).
ومما نعلمه أن الشيخ الصدوق خلال سفره إلى خراسان عام 352هـ سمع الحديث من ابن عبدوس في نيشابور (عيون أخبار الرضا: ج1، ص118).
وروى كتاب العلل لفضل بواسطة تلميذه أي: علي بن محمد بن قتيبة عن ابن عبدوس (علل الشرائع: ج1، ص251 ـ 275) و(عيون أخبار الرضا: ج2، ص99 ـ 121).
ونقل الشيخ الصدوق أيضاً رواية أن هذا الطريق عن مؤلفات أخرى للفضل (علل الشرائع: ج1، ص158 وج2، ص568) و(عيون أخبار الرضا: ج1، ص209 وج2، ص23)، و(التوحيد: ص137، 269).
وعليه يظهر أن الشيخ الصدوق قد ألّف كتاب التوحيد بعد العام 352هـ وقد نقل الشيخ الصدوق روايات كثيرة عن أستاذه محمد بن حسن بن وليد القمي، لكنه لم يتطرق (الى) إسم كتابه أو كتبه إلا نادراً. لكننا نعلم أن أهم كتب ابن وليد القمي هو الجامع)[749](.
كتب الحديث
عند الشيعة الإمامية
يروعني هذا المجمع العظيم الذي يضم أكابر العلماء، وعظام الباحثين، وأفاضل المهتمين بالحديث الشريف والأثر المبارك، تتوقد حوله أنهار النور، وتزينه مصابيح السنّة، وتعطره عبقة الكلام النبوي، وتتفجر منه ينابيع العلم الإلهي.
وأنها لمنزلة نستشرفها ومكان عليٌّ نمد أعيننا إليه ولا يسمو إليه بصر بطرفه أن نعتز جميعاً بدراسة الحديث، ونشرف بخدمته، ونفخر بحمله، ونباهي بروايته ونباهج بنقله، ونشترك في شرف رعايته والعناية به وحفظه. وهو ثاني دعامتي التراث.
وإني على سروري الذي لا أبلغ وصفه، وابتهاجي الذي لا أدرك غايته، وفرحي الذي لا أُحصيه، والسعادة الشاملة التي تحيط بي أن أبلغ من الكرامة مقام المشاركة في هذا المحفل الكبير يكنفني ظله الظليل، ويجللني رداؤه النفيس، ويسمو بصري إلى جلال موضوعه ـ أشعر بالمضض والضنى، وأحسُّ الغم والهم والحزن، فقد جئتُ ببضاعة مُزجاة لا تليق بالتقديم والتقويم لولا شرف الموضوع.
تعتز هذه الأمة العظيمة الكريمة المعرقة المجيدة أنها افتتحت التاريخ بالحضارة ثم حملت الأمانة، وشرفت بالرسالة والنبوة والكتاب المبين والوحي، ودعت الناس إلى الله والخير والنجاة والهدى والإصلاح والحق والإيمان وصراط مستقيم، وخُصَّت بالنصر من عند الله والفتح.
جاهد النبي (ص) جهاداً كبيراً، وجاهد الذين معه بأموالهم وأنفسهم، وصبروا واتقوا، وأحسنوا وعملوا الصالحات؛ أشدّاء رحماء، ورجعوا الى ربهم راضين مرضيين مطمئنين. واختار الرسول الرفيق الأعلى، وترك الثقلين كتاب الله والسُنَّة، والأمرين القرآن المجيد والعترة.
ولقد اهتم بالسنّة جماعة من العلماء، وانصرف إليها نفر من الدارسين قديماً وحديثاً؛ أوسعوها بحثاً، وقتلوا مشكلاتها تحقيقاً، وأحاطوا بكتبها علماً، وعدّوا رجالها إحصاءً، واستوعبوا أبحاثها تنقيراً، وحاولوا أن يجمعوا ما انتثر من حلقاتها، وكان سعيهم مشكورا.
وقد لاحظتُ نسيان جانب كبير مما يتعلق بالسنّة ويتصل بالحديث قام به ثلة من رجال الأمة من الأولين والآخرين ابتداءً بالقرن الأول حتى هذا العصر، والغفلة عن مساعٍ جمة جديرة بالذكر، وإغفال أعمال فاضلة قمينة بالدرس، وطرح كتب وروايات تركت على ذُكْرٍ، وهي كنز مخفيّ وحياض مترعة حافلة بعلم كثير، خليقة أن يحفى بها، وأن تلاحظها عيون العناية.
ألّف علماء الأمة ـ رحمة الله عليهم ـ مؤلفات مختلفة أوعبوها ما حافظت عليه المكتبة العربية من تراث في السنّة والحديث. فقد دوّن السيد الشريف المرحوم محمد بن جعفر الكتاني، المتوفى سنة 1345هـ كتاب «الرسالة المستطرة لبيان مشهور كتب السنّة المشرفة» وفيه تعريف بـ (1400) كتاب، كما يشتمل على (6000) ترجمة موجزة تقريباً.
وإنه لعمل عظيم كبير نافع مفيد كنت أتمنى لو قدر لمؤلفه السيد الشريف الجليل أن يستوعب ما خلّفه علماء الأمة في الحديث. وأنا أرجو أن يكون في دراستي المتواضعة هذه ما يشير إلى عناوين بعض ما يكمل تلكم الرسالة من فصول إن شاء الله.
وهكذا كتاب «فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات» للشيخ المحدث المؤلف المكثر الجامع البارع السيد محمد عبد الحي بن عبد الكبير الحسني الإدريسي الكتاني الفاسي؛ فهو نمط عجيب في الجمع والتدوين والتأليف أحاط بالكتب والرجال منذ القرن الثامن للهجرة حتى أواسط القرن الرابع عشر. وهو من طرائف المجاميع المبوبة المرتبة في المشايخ والفهارس والروايات والإجازات، وكنتُ أودُّ لو استطاع مؤلّفه السيد الحافظ المتسع أن يحيط بسائر الروايات والمشيخات والإجازات. ولعلّ في بحثي هذا ما يُنبّه على أشياء تُتمُّ فهرس الكتاني، وتوصل الآثار المروية بالأسانيد المنسية.
وسوف أكتفي ها هنا بعرض إشارات إلى جوانب منسية في دراسة السُنّة، ومساعٍ كبيرة في خدمة الحديث الشريف والسُنّة المعظمة أحسب أنّ التعريف بها في مثل هذه المجامع الرائعة الزاهرة أمر يكاد ينفرد به هذا الملتقى المبارك المرموق، وإياه نستعين. ولا ريب في أنّها إحدى بركات الحديث الشريف.
تدوين الحديث
إذا كان جمع السنّة يرجع إلى المائة الثانية، وإذا تم تصنيف الأصول والأمهات في النصف الأول من ذلك القرن فإنّ بعض الأخبار تشير إلى أن بداية كتابة الحديث كانت في زمان النبي (ص)، وأنها تبدأ بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب من أئمة أهل البيت. فقد كان (كتاب علي) أو (صحيفة علي) كتاباً مدرجاً عظيماً هو إملاء الرسول (ص) أملاه من فلق فيه، وخطّه عليّ بيده. وكان الأئمة يفتحونه وينظرون فيه، ويسمونه (الجامعة). وهي صحيفة فيها الحلال والحرام والفرائض، وفيها كل شيء، وفيها كل ما يحتاج الناس إليه. وليس من قضية إلاّ وهي فيها حتى ارش الخدش والظفر، والجلدة ونصف الجلدة، وثلث الجلدة.
كان طول هذا الكتاب سبعين ذراعاً مطوياً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج، أو مثل فخذ الرجل. والفالج هو الجمل الضخم ذو السنامين. والذراع ستة وأربعين سنتمتراً ونصف السنتمتر. أي أنّ طول الصحيفة هو (32.55) إثنان وثلاثون متراً، وخمسة وخمسون سنتمتراً.
وفي حديث أم سلمة أنّ رسول الله (ص) دعا باديم وعلي بن أبي طالب عنده فلم يزل رسول الله (ص) يملي وعليُّ يكتب حتى ملأ بطن الأديم وظهره وأكارعه. وأنّ الرسول (ص) علّم علياً وأسرّ إليه وحدّثه بألف حديث لكل حديث ألف باب.
وفي الأخبار أن للإمام علي (ع) صحيفة في الديات كان يعلّقها بقراب سيفه، وكانت في ذؤابة السيف. وتسمى «صحيفة الفرائض»، و«صحيفة كتاب الفرائض»، و«فرائض علي وقضاياه» التي هي إملاء رسول الله (ص)، وخطُّ عليّ (ع).
وكذلك (الجفر) وهو أديم عكاظي، أو مسك شاة، أو جلد شاة ليست بالصغيرة ولا بالكبيرة، أو مسك بعير، أو إهاب ماعز وإهاب كبش، أو جلد ثور مدبوغ، أو جلد ماعز وضأن مطبق أحدهما بصاحبه.
وكان عند الإمام الصادق (ع) صحيفة عتيقة من صحف علي (ع). وروى عنه ربيعة بن سميع كتاباً في صدقات النعم، وروى عنه محمد بن قيس كتاباً أيضاً.
وهكذا (مصحف فاطمة) وهو مثل القرآن ثلاث مرّات املاه رسول الله (ص) وخطّه علي (ع) في حريرة، أو جريدة فإنّ فيه أشياء كثيرة من العلم. وما فيه آية من القرآن، وفيه وصيتها.
وفي الأخبار أنّ الخليفة أبا بكر الصديق (13 هـ) جمع خمسمائة حديث، وأنّ سعد بن عبادة سيد الخزرج الأنصاري الكامل (15هـ) كانت عنده صحيفة. وكذلك سحرة بن جندب (58هـ)، وأبو هريرة (59هـ)، وعبدالله بن عمرو بن العاص (65هـ) صاحب الصحيفة «الصادقة» كما سمّاها، وجابر بن عبد الله الأنصاري (78هـ)، وعبدالله بن أبي أوفى (87هـ) وإن همام بن منبه اليماني (31هـ) أخذ صحيفته من صحيفة أبي هريرة.
ولقد استطاع الإمام أبو عبدالله جعفر الصادق (ع) أن يُحيي حديث جدّه رسول الله (ص)، وحديث آبائه الأئمة (ع). وكان يقول: إنّ حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله (ص).
وقد روى عنه من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف سمّى منهم الشيخ الطوسي في كتابه (3221) من الرجال، و(13) من النساء.
وقد أدرك الحسن بن علي بن زياد الوشا البجلي الكوفي ـ في مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كلٌّ يقول حدّثني جعفر بن محمد.
وصنّف قدماء محدّثينا ما وصل إليهم من أحاديث الأئمة في المسائل، وجمعوها في أربعمائة كتاب تسمى (الأصول). رواها أصحابه، وأصحاب إبنه موسى الكاظم (ع).
وقد روى راوٍ واحد، وهو إبان بن تغلب عن الإمام جعفر الصادق (ع) ثلاثين ألف حديث.
وظلَّ هذا دأب أئمة أهل البيت فإنّ أهل المحابر والدوي الذين كانوا يكتبون الحديث عن الإمام الرضا لما دخل نيسابور أنافوا على عشرين ألفاً. وفي رواية أنَّ المحابر أربعة وعشرون ألفاً سوى الدويّ. وقد روى عن آبائه الأئمة عن النبيّ صحيفة تسمى (صحيفة الرضا)، و(مسند الإمام علي الرضا)، وهو السند الذي قال الإمام أحمد بن حنبل: لو قُرئ هذا الإسناد على مجنون لأفاق من جنونه. ومن أجله سمّي سلسلة الذهب.
إعتنى علماؤنا بالرواية، واهتموا بالإسناد، ودعوا إلى مجالسة العلماء وتذاكر العلم وطلبه وبذله، ونهوا أن يدينوا بالباطل، ويُفتوا الناس بما لا يعلمون، ويعملوا على غير بصيرة، وعلى غير علم.
فالأصول الأربعمائة هي أربعمائة كتاب من جوابات الإمام الصادق (ع) في المسائل في أنواع العلوم لأربعمائة مصنف إستقرّ أمرُ المتقدّمين عليها. رواها أصحابه، وأصحاب إبنه الإمام موسى الكاظم، وصنّفوها من عهد أمير المؤمنين إلى زمان العسكري، وكان اعتمادهم عليها. وقد حفظت كتب الفهارس والرجال أسامي (172) أصلاً.
وكان الرجال يوصفون بكثرة الحديث والأصول، وبالروايات والأصول والتصانيف.
ثم تصدّى جماعة من المتأخرين لجمع تلك الكتب وترتيبها تسهيلاً على طالبي تلك الأخبار فألّفوا كتباً مبسوطة مبوّبة وأصولاً مضبوطة مهذبة مشتملة على الأسانيد المتصلة كالكافي، ومَنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، ومدينة العلم، والخصال، والأمالي، وعيون الأخبار.
وتداعت الحال، وذهبت معظم تلك الأصول الأربعمائة، وبقيت الأصول الأربعة؛ وهي الكافي، ومَن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار.
يشترك المسلمون في أنّ الكتاب والسنّة هي أساس العمل والعلم والفقه والشريعة والحكم. وفي كتبهم أنّ الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، وإنه ما ترك شيئاً يحتاج إليه إلاّ وقد أنزله الله في القرآن وبيَّنه لرسوله. وما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سُنّة، وليس شيء من الحلال والحرام إلاّ وقد جاء في أحد الثقلين.
وقد اختصت الإمامية بالرواية عن أهل البيت، وإسناد الأحاديث إلى الأئمة وأصحابهم.
والأئمة ـ عند الإمامية ـ هم خزنة العلم، وعَيْبة الوحي، وهم الأبواب والتراجمة، وهم الحجة البالغة والأركان، وهم الهداة الأوصياء، يبينون المعالم ويوضحون السبيل. جعلهم الله مع القرآن وجعل القرآن معهم لا يفارقونه ولا يفارقهم وهم أهل الذكر المسؤولون الراسخون في العلم الذين يعلمون التأويل. وحديثهم إنما هو حديث جدّهم رسول الله (ص)؛ إليه تنتهي أسانيدهم. والناس يتولونهم ويسألونهم عن الحلال والحرام ومعالم الدين كما تولى سائر المسلمين الأئمة العلماء الأربعة أصحاب المذاهب المشاهير، وهم أبو حنيفة (150هـ)، ومالك (179هـ)، والشافعي (204هـ)، وأحمد بن حنبل (241هـ)، ويروون عنهم وعن أصحابهم كما يروي أولئك عن الرواة والمحدثين وأصحاب الصحاح والسنن والمسانيد. وقد أخذوا عنهم الأحاديث والمعارف والعلوم والتفسير والأحكام والفقه.
وإذا كانت نتائج الاستنباط من دلائل التصحيح فإنّ وحدة فقه الأمة، وإطباق الفرق على الحلال والحرام، واتفاقها في الحدود والأحكام يزكي روايات الجانبين، ويصحح مساعي الفريقين، ويبرّئ طرقهم. وإذا اختلفوا فإن اختلافهم في مسائل معدودات معلومات وأكثرها يوافق أهل هذا المذهب أو ذلك غيرهم من العلماء والفقهاء المتقدمين أو المتأخرين، ولكلٍ دليلٌ وحجة تعضده وتعمده وتؤيّده.
دعا الإمام أبو عبدالله جعفر الصادق (ع) العلماء إلى كتابة الحديث، ورواية السُنَّة، قال: «إكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا»، و«اكتب وبث علمك»، و«القلب يتكل على الكتابة»، و«اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنّا».
وقد أحصى مؤلف الذريعة (744) كتاباً في الحديث، و(130) أصلاً تقريباً إضافة إلى النوادر، وهي قريب (200) غير ما ضاع اسمُه ورسمُه.
ولقد دعا حديث «مَنْ حفظ على أمتي أربعين حديثاً» الى الاهتمام بحفظ الأربعين، وتحمّلها سماعاً وقراءة وإجازةً ومناولةً وكتابة. فقد ثابر كُلُّ واحد من أفاضل العلماء والمصنفين على اختيار أربعين حديثاً أوسعها بعضُهم شرحاً وتبييناً وبياناً وإيضاحاً. وتبلغ الأربعينات المعروفة المشتهرة عندنا زهاء مائتي مجموعة؛ صنَّفها عدّةٌ من أكابر رواة الحديث. وقد أحصى بعض المحققين (187) كتابا ًمن القرن السادس حتى هذا القرن.
حديث الإمام جعفر الصادق (ع)
كان الإمام جعفر الصادق خليفة أبيه الإمام الباقر (ع)، ووصيه القائم بالإمامة من بعده، ذرّف على الستين، وبلغ من العمر 65 عاماً. وكانت إمامته أربعاً وثلاثين سنة بعد وفاة والده الإمام الباقر سنة 114هـ، وتُوفي في شوال سنة 148هـ.
وكان الإمام الصادق من خزنة العلم الصادقين، الأئمة العلماء الراسخين القائمين بأمر الله يهدون إليه، ويبنون المعالم ويوضحون السبل. وكان مستقى الناس العلم من عنده. وكان الحجة من الله على هذه الأمة لا يذكره أحدٌ إلاّ بخير. وكان عنده علمٌ جمّ لم ينقل عن أحد ما نقل عنه أهل الآثار، ونقلة الأخبار. وقد جمع أصحابُ الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل؛ منهم:
1 ـ إمام دار الهجرة، وعالم المدينة، وحجة الله الإمام الثبت مالك (179هـ).
2 ـ أستاذ المحدثين، أمير المؤمنين في الحديث، وإمام الأئمة في معرفته، شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي (160هـ). وكان أُمة وحده في الرجال والحديث، وما رؤي أحد قط أحسن حديثاً منه.
3 ـ أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري (161هـ) وكان أحسن أسناد الكوفة.
4 ـ ابن جريج؛ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي (150هـ) الذي صار إليه علم السنّة الذين تدور الأسناد عليهم.
5 ـ سفيان بن عيينة الهلالي (198هـ) أحد القرينين.
6 ـ القطان، يحيى بن سعيد التميمي البصري الأحول (198هـ) أجلّ أصحاب مالك بالبصرة، الذي كان إليه المنتهى في التثبت. وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث.
7 ـ أبو عاصم، الضحّاك بن مخلد بن الضحاك، النبيل، البصري (212هـ).
8 ـ إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، مولاهم، أبو إسحاق القاري (180هـ).
9 ـ الإمام الأعظم، أبو حنيفة النعمان (150هـ)، وهو صاحب الغوص في المسائل والرأي والقياس.
10 ـ سليمان بن بلال التيمي القرشي، أبو محمد، البربري (172هـ).
11 ـ حاتم بن إسماعيل المدني. أبو إسماعيل الحارثي (87هـ).
12 ـ وهب بن خالد الحميري؛ أبو خالد الحمصي.
13 ـ عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، أبو عبد الرحمن العمري.
14 ـ روح بن القاسم التميمي العنبري، أبو غياث البصري (141هـ).
15 ـ إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني، أبو سعيد، الصدوق (168هـ).
16 ـ أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري (131هـ) سيد الفقهاء، حجة أهل البصرة.
ومنهم؛ أولاده، ولا سيما الإمام العالم العابد أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم (182هـ)، والإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (122هـ) حليف القرآن، المتكلم الزاهد الشجاع.
وقد أحصى تلميذي صالح مهدي هاشم حديث الإمام الصادق (ع) في كتاب (الاستبصار) من الأصول الأربعة، وعدته 3549 من مجموع 5559 حديثاً، وهي 63.81% هذا تفصيلها:
الطهارة 516، الصلاة 699، الزكاة 114، الصيام 138، الاعتكاف 26، الحج 496، الجهاد 7، الديون 12، الشهادات 61، القضايا والأحكام 13، المكاسب 45، البيع 187، النكاح 230.
الطلاق 272، العتق 85، الأيمان والنذور والكفارات 40، الصيد 88، الأطعمة والأشربة 16، الوصايا 54، الفرائض 145، الوقوف والصدقات 31، الحدود 154، الديات 120.
غير ما أسند إلى أحدهما (أي الباقر، والصادق ـ عليهما السلام ـ).
نظرة في تراث الإمام الصادق (ع)
يمتاز تراث الإمام الصادق (ع) بالسعة والغنى والوفرة على كثرة ما ضاع منه. وما بين أيدينا منه إنما هو بقية من بقايا ميراثه العظيم تمثل جزءاً صغيراً جداً. وتراث الصادق عبقة من نفحات النبوة، ومسحة من روائح الفتوة.
جمع المأثور عن الإمام الصادق ـ وهو علم جمّ على قلّة الواصل إلينا منه ـ بين مواريث النبي (ص)، ومواريث الوصي (ع). ومحمد وعلي هما أبوا هذه الأمة.
تجمع تركة الصادق (ع) العلم والعقل، والحكمة والموعظة، والخلق والأدب، والدنيا والدين، والهدى والرشد.
وإذا وزنّا قول الصادق (ع): «إنّ حديثي حديثُ أبي، وحديث أبي حديثُ جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله (ص)». والصادق (ع) «سليل خاتم الأنبياء، وملاذ الخيرة، ومفزع النازلة، ومنار الحجة ومدرة الألسنة ـ كما قالت السيدة أم كلثوم بنت علي في مقتل جده الحسين (ع) ـ، وإذا نظرنا فيه بعين الاستبصار والعقل أدركنا قيمة هذا التراث. وهو بعض ما فضّل الله أهل البيت به.
والحق أن هذه الأوراق فهرست صغير يشير إل بعض ما تناثر من كلام الصادق (ع) وحديثه في الأصول والمصادر والكتب والجوامع. وإذا أردنا الإحاطة بالموجود ـ والضائع أضعاف أضعاف أضعافه ـ إحتجنا إلى فهرس مفصّل كبير لا تسعه مكتبة، ولا تُحيطُ به خزانة، ولا يستوفيه إحصاء.
روى أبان بن تغلب عن الصادق (ع) ثلاثين ألف «30.000» حديث. وروى عنه أربعة آلاف (4،000) من أصحابه ما لا نحيط به من الحديث والعلم.
والمأثور أن الحسن بن علي بن زياد الوشا البجلي الكوفي أدرك في مسجد الكوفة تسعمائة «900» شيخ كلٌّ يقول: حدثني جعفر بن محمد (ع).
وقال الحرّ: إنّ الكتب في الحديث عن أهل البيت زهاء (6,600) أصل حتى النصف الأول من القرن الثالث للهجرة، وهو عجب عجيب على كلّ حال.
وصنَّف قدماء محدّثينا ما وصل إليهم من أحاديث الأئمة في المسائل، وجمعوها في (400) كتاب تسمّى (الأصول الأربعمائة) رواها أصحابه، وأصحاب إبنه الإمام موسى الكاظم (ع).
هذا الفهرست ـ إذن ـ إحصاء أولي يشتمل على إشارات إلى عناوين طرف من تراث الصادق (ع) في مكتبة التراث، وراءها كنز مخفي من المعرفة، والحكمة، والعلم، والعقل، والدين.
فهرست تراث الإمام الصادق (ع)
أحاديث رواها أبان بن تغلب؛ عدّتها (30،000) حديث.
أحاديث رواها (4000) من أصحابه.
أحاديث رواها (900) شيخ، في مسجد الكوفة.
أحاديث في الأعداد والخصال المحمودة والمذمومة.
أحاديث في كتاب حلية الأولياء.
أحاديث في علل الشرائع.
أحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد.
أحاديث في المصادر والأصول، وكتب التاريخ والسير والتراجم (ولا سيما تراجم الأئمة الإثني عشر-ع-) في الأدب والمحاضرات والمختارات، وكتب الأخلاق، وكتب المواعظ والرقائق.
أحاديث في معاني كلام النبي (ص)، والأئمة (ع)، ومعاريضه.
أحاديث الكتب والأصول والجوامع (زهاء 6,600 أصل قديماً) حتى النصف الأول من القرن الثالث للهجرة.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في الأصول الأربعمائة.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في (الكافي) من الأصول الأربعة.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في (مَنْ لا يحضره الفقيه) من الأصول الأربعة.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في (تهذيب الأحكام) من الأصول الأربعة.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في (الاستبصار) من الأصول الأربعة، وعدّتها (3549) كما أحصاها صالح مهدي هاشم.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في (الوافي) من الجوامع الثلاثة.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في (الوسائل) من الجوامع الثلاثة.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في (البحار) من الجوامع الثلاثة.
أحاديث الأحكام وشرائع الدين في (مستدرك الوسائل).
أحاديث طوال في (تحف العقول).
أحاديث في الدنيا والدين والحكمة والموعظة والأخلاق في (تحف العقول).
أحاديث في تفسير آيات في (تحف العقول).
أحاديث في مؤلفات الصدوق.
أحاديث في تفسير القرآن في كتب التفسير ولا سيما المأثور عن الأئمة من التفاسير.
احتجاج الصادق (ع)؛ أجوبة أسئلة الزنديق؛ رواية هشام بن الحكم الكندي البغدادي المتوفى سنة 199هـ. في كتاب الاحتجاج.
احتجاج الصادق (ع) على ابن أبي العوجاء؛ رواية عيسى بن يونس، في كتاب الاحتجاج.
احتجاج الصادق (ع) على ابن أبي العوجاء (آخر). في أصول الكافي، والاحتجاج.
احتجاج الصادق (ع) علي ابن أبي ليلى. في كتاب الاحتجاج.
احتجاج الصادق (ع) على أبي حنيفة (رض). في كتاب الاحتجاج.
احتجاج الصادق (ع) على أبي حنيفة (رض)، آخر، في كتاب الاحتجاج.
احتجاج الصادق (ع) على الشامي؛ صاحب الكلام والفقه والفرائض (مناظرة في كتاب الاحتجاج، وتحف العقول).
احتجاج الصادق (ع) أبي عبدالله على عبد الملك المصري الزنديق، في مكة؛ في حدوث العالم، وإثبات المحدث، في كتاب الاحتجاج، وأصول الكافي؛ رواية هشام بن الحكم.
احتجاج الصادق (ع) على المعتزلة؛ في كتاب الاحتجاج.
احتجاج الصادق (ع) على اليماني؛ في كتاب الاحتجاج.
تسع عشرة مسألة سأل عنها الصادق (ع) الطبيب الهندي في مجلس المنصور فلم يعلم وأجاب الصادق (ع). في كتاب (الخصال، وعلل الشرائع، وتحف العقول).
أخبار، وكلمات، وأحاديث، وأقوال، وحكم، ومواعظ، ونصائح، ووصايا، وآداب، في كتاب مشكاة الأنوار.
أدعية؛ في كتاب تحف العقول.
أدعية، في الأصول الأربعة وكتب الدعاء.
الأصول الأربعمائة؛ أربعمائة كتاب من جوابات الإمام الصادق (ع) في المسائل، في أنواع العلوم الأربعمائة مُصنّف.
أقوال؛ في مشكاة الأنوار.
جواب في المعايش، وجهات المعاملات والولايات والتجارات والإجارات والصناعات، ووجوه إخراج الأموال، وما يحل ويجوز للإنسان أكله، وما يجوز من الأشربة واللباس والمناكح؛ في كتاب تحف العقول.
جوامع الكلم، في المصادر والأصول.
حديث آزر أبي إبراهيم (ع). في كتاب تحف العقول.
حديث إبراهيم ونمرود، في كتاب تحف العقول.
حديث إبليس، في كتاب تحف العقول.
حديث أبي ذر (رض) وإسلامه، في كتاب تحف العقول.
حديث أبيه الإمام الباقر (ع)، في الكتب والأصول.
حديث إشتقاق أسماء الله، في كتاب الاحتجاج.
حديث إهلاك قوم لوط (ع)، في كتاب تحف العقول.
حديث جابر بن عبدالله الأنصاري (رض)، في كتاب أصول الكافي.
حديث جدّه رسول الله (ص).
حديث جدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
حديث «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها»، في كتاب تحف العقول.
حديث زينب العطارة، في كتاب تحف العقول.
حديث الصادق (ع) في أنّ عندهم سراً من سر الله، وعلماً من علم الله. في أصول الكافي.
حديث الصادق (ع) مع أبي جعفر المنصور، في كتاب تُحف العقول.
حديث الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة (ع)، في أصول الكافي.
حديث الطبيب، في تحف العقول.
حديث طلحة والزبير «ما يُفصل به بين المحق والمبطل في أمر الإمامة، في أصول الكافي.
حديث عابد بني إسرائيل، في تحف العقول.
حديث العقل وجنده، في أصول الكافي، والخصال، وعلل الشرائع.
حديث على أي شيء، في تحف العقول.
حديث غزوة الأحزاب، في تحف العقول.
حديث غزوة الحديبية، في تحف العقول.
حديث فاطمة (ع)، في علل الشرائع.
حديث فاطمة بنت أسد (رض)، في أصول الكافي.
حديث في شأن «إنّا أنزلناه في ليلة القدر» وتفسيرها، في أصول الكافي.
حديث في الشيعة، في تحف العقول.
حديث في ولاة الأمر بعد رسول الله (ص)، في أصول الكافي.
حديث في الولاية، في أصول الكافي.
حديث الفيل، في أصول الكافي.
حديث قول لقمان لابنه، في تحف العقول.
حديث مولود يولد من فاطمة (ع)، في أصول الكافي.
حديث النجوم، في تحف العقول.
حديث نوح (ع)، في تحف العقول.
حديث نوح (ع)؛ آخر، في تحف العقول.
حديث الوصية؛ رواية الإمام موسى بن جعفر (ع)، في أُصول الكافي.
حديث وفاة رسول الله (ص)، في أصول الكافي.
حديث يوم أحد، في تحف العقول.
حديث يوم عاشوراء، في علل الشرائع.
حكم، في مشكاة الأنوار.
الحكم الجعفرية؛ رواية المفضل بن عمر، في كتاب مجالس المؤمنين.
حكم ومواعظ في الأصول الأربعة، والأصول الأربعمائة، وكتب الحديث الأخر.
خطبة خاصة يذكر فيها حال النبي (ص)، والأئمة (ع)، وصفاتهم، في أصول الكافي.
خمسمائة رسالة في ألف صفحة (= الرسائل الجعفرية).
الرسائل الجعفرية (= خمسمائة رسالة في ألف صفحة) جمعها ودوّنها جابر بن حيان؛ المتوفى سنة 200هـ؛ تلميذ الإمام الصادق (ع).
الرسالة الأهوازية؛ كتبها إلى عبدالله النجاشي والي الأهواز، في أيام المنصور.
رسالة الصادق (ع) إلى أصحابه، في الروضة من الكافي، وتحف العقول.
رسالة في موضع الصدقات والغنائم، في تحف العقول.
رواية أخبار الرضا (ع) عن أبيه الكاظم (ع)، عنه.
رواية أربعمائة باب مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه؛ علّمها أمير المؤمنين (ع) أصحابه، في مجلس واحد عن آبائه. في الخصال.
رواية حديث اللوح، عن أبيه، في أصول الكافي.
رواية خطب لأمير المؤمنين، في تحف العقول.
رواية صحيفة الرضا (ع).
رواية مسند موسى بن جعفر (ع).
رواية وصية النبي (ص) لعلي (ع).
شرائع الدين، في الخصال.
شعر يؤثر، في دواوين الأدب، ومجموعات أشعار الأئمة (ع).
صحيفة الرضا (ع)؛ رواية الرضا (ع) عنه عن آبائه «مسند الرضا (ع)».
قبّة آدم، في مختصر بصائر الدرجات.
قصار الحكم، في المصادر.
قصار الحكم، في المصادر.
قصة حزقيل، في الاحتجاج.
قصة مولد إبراهيم (ع)، في تحف العقول.
قول الصادق (ع) لبعض أصحاب قيس الماصر، في أصول الكافي.
كتاب التوحيد؛ أملاه على المفضل بن عمر، ويسمى كتاب (الفكر).
كتاب رواه جعفر بن بشير البجلي.
كتاب الصادق (ع) إلى المفضل بن عمر، في علل الشرائع.
كتب (زهاء 6,600 كتاب) تحوي ما يؤثر عن الأئمة-اهل البيت (ع) حتى النصف الأول من القرن الثالث للهجرة.
كلام الصادق (ع) في أمارة رسول الله (ص)، وأمارة الوصي (ع) من بعده، في أصول الكافي.
كلام الصادق (ع) في بدء النسل من ذرية آدم، في علل الشرائع.
كلام في التحاكم إلى السلطان، أو إلى القضاة، والنظر إلى الروايات والخبرين، في الاحتجاج.
كلام في خلق الإنسان، وطبائعه، ودعائمه، وأركانه، في تحف العقول.
كلام في الرأي والقياس، للصادق (ع)، في علل الشرائع.
كلام الصادق (ع) في علم أبي حنيفة، في علل الشرائع.
كلام الصادق (ع) في [قصة الخضر]، في علل الشرائع.
كلام الصادق (ع) في قول العامة إنّ رسول الله قال: «مَنْ مات، وليس له إمام مات ميتة جاهلية، في أصول الكافي».
كلام الصادق (ع) في مجلس المنصور، في الأمالي (المجلس 89).
كلام في المحبة والتوحيد، وصفة الإيمان والإسلام، والكفر والشرك، والضلال والفسق، وركوب الكبائر، في تحف العقول.
كلام الصادق (ع) في معرفة الإمام والردّ إليه، والعمل الصالح، والوفاء بالشروط والعهود. في أصول الكافي.
كلام الصادق (ع) للثوري وقوم يظهرون الزهد. في أصول الكافي.
كلام في الوصية، وإنّ الأئمة لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهدٍ من الله وأمرٍ منه لا يتجاوزونه، في (أصول الكافي).
كلمات. في مشكاة الأنوار.
كلمات في المصادر والأصول، وكتب التاريخ والسير والتراجم (ولا سيّما تراجم الأئمة الإثني عشر) وكتب الأدب والمحاضرات والمختارات، وكتب الأخلاق، وكتب الحكم والمواعظ والرقائق، والآداب.
كلمات الصادق (ع) في الدُرَّة الباهرة.
لُمع من كلام الإمام أبي عبدالله جعفر الصادق (ع). في نزهة الناظر.
ما وعظ الله به عيسى(ع) عنهم. في تحف العقول.
مجالس المؤمنين؛ رواية المفضل بن عمر الجعفي(؟).
مسند الرضا (ع) (= صحيفة الرضا ـ ع ـ).
مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة؛ مائة (100) باب في الأخبار والمعارف والمواعظ والأخلاق والآداب (؟).
مناظرة الإمام الصادق (ع) لموسى بن عبدالله بن الحسن، [ونهيه] عن التعرّض لهذا الأمر. في أصول الكافي.
مواعظ. في كتاب مشكاة الأنوار.
ميراث العلم ما مبلغه. في مختصر بصائر الدرجات.
نثر الدرر من كلام الإمام الصادق (ع). في تحف العقول.
نسخة رواها إبراهيم بن أبي رجاء الشيباني.
نسخة رواها سفيان بن عيينة.
نسخة رواها عبدالله بن أبي أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي؛ حليف بني تميم بن مرة؛ أبو أويس.
نسخة رواها محمد بن ميمون الزعفراني.
نصائح. في مشكاة الأنوار.
النصّ في «أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (4/63). في أصول الكافي.
نصوص في الأصول والمصادر.
نُقول في الأصول والمصادر.
وصايا، في مشكاة الأنوار.
الوصيّة «الأنبياء والأوصياء» في أصول الكافي. وصية الإمام الصادق (ع) لابن جندب؛ عبدالله بن جندب البجلي الكوفي. في تحف العقول.
وصيّة الإمام الصادق (ع) لابن النعمان؛ أبي جعفر محمد بن علي بن النعمان؛ المعروف بصاحب الطاق، ومؤمن الطاق، في تحف العقول.
وصيّة الإمام الصادق (ع) لسفيان الثوري. في تحف العقول.
وصيّة الإمام الصادق (ع) لعمرو بن سعيد بن هلال. في تحف العقول.
رواية الأصول والصحاح والمؤلفات
إهتمَّ علماؤنا ـ منذ القديم ـ بالرواية وحمل العلم فقد أحصى النجاشي المُتوفى سنة 450هـ أسانيده إلى (1263) رجلاً من المتقدمين في التصنيف من سلفنا الصالحين ـ رحمة الله عليهم ـ ذكر لكل رجلٍ طريقاً وقد جمع من ذلك ما استطاعه، ولم يبلغ غايته.
وألّف أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، المتوفى سنة 460هـ فهرست كتب مصنفي أصحابنا، وما ألّفوه من المصنفات والأصول، ولم يستطع أن يضمن استيفاء ذلك فإن تصانيف أصحابنا وأصولهم لا تكاد تُضبظ لانتشارهم في البلدان. وقد عرّف بقدر صالح من الرجال وطرائقهم وما صنَّفوه، وعدتهم (888) مُصنِفاً صنَّفوا (4283) كتاباً. وقد روى أبو عبدالله أحمد بن عبد الواحد بن أحمد البزاز المعروف بابن عبدون وابن الحاشر (423هـ) عن ابن الزبير المعروف بابن الكوفي ـ وحده ـ (600) كتاب فضلاً عن سائر رواياته.
وما زالت الرواية ـ في العرا ق(والحمد لله) ـ موصولة الأسناد، محدودة الحبل. وما زالت الإجازة محفوظة السلسلة مستحكمة الحلقات، وما زالت القراءة والسماع والملافظة قائمة السوق. ولا يزال العراق مثابة العلماء والفقهاء والمحققين، يتوسدون الحديث والفقه والعلم، يتدفق عليهم شؤبوبه وترفرف عليهم بركاته؛ لا تشغلهم لعاعة الدنيا عنه، ولا تلهيهم زينة الحياة، ولا يغرهم زبرج العاجلة.
ولا تزال النجف ـ وهي مدينة العلم السَنية العلاء، المنيفة الآلاء ـ مسجاماً دروراً تضطم العلماء اضطمام الوالدة ولدها، ترضعهم درّها، وتمهد لهم حجرها، وتشبل عليهم جهدها. ولا تزال بغداد مدينة السلام وسيّدة البلاد، والكاظمية، والأعظمية، وكربلاء، والحلة، والسليمانية، وأربيل، والموصل، والبصرة شامخة الأركان رفيعة البنيان، آهلة مأهولة، يعمرها أقوام كرام من المدرسين والطلبة؛ تبتهي بالقديم، وتباهي بالمخضرم، وتترأم على الجديد، وتفاخر بالعلماء، وتساجل بالمتفقهين، ينضح سحابها، وتنفح ريحها، وهي معطار طيبة العبقة، فائحة المسك، والحمد لله رب العالمين.
ولقد أدركتُ في هذه المدن المباركة من ذوي الأسانيد العالية أعلاماً بررة لاحظتني عيون عنايتهم، سمعتُ منهم، وقرأتُ عليهم، ورويتُ عنهم، غير مَنْ أجازوا لي لفظاً وخطاً، وأذنوا لي؛ ممن لقيتُ، ومَنْ لم ألق، في المشرق والمغرب، بأي وجه من وجوه الحمل، من قراءة أو سماع، أو مناولة أو إجازة، أو كتابة أو انتخاب. ومنهم مَنْ لم يكتب عنه، ولم يسمع منه أحد غيري، ومنهم مَنْ لم يتفق أن يقرأ عليه أحد قبلي، ومنهم مَنْ وصلتُ إليه بجهد جهيد، وتعب شديد.
وقد أنعموا عليّ بعلو إسنادهم، وألحقوني بكرام مشايخهم «فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر»، رحمة الله وبركاته عليهم.
وهأنذا أنموذج يمثل المبتدئ المتشبه بالمستفيدين من أهل العلم؛ إذا تقبّل المختصون أعمالي بقبول حسن، وإذا صحّ أن يعدّ واحدٌ مثلي من خدم التراث وعلوم الحديث. وتلك لعمر الله نهاية الشرف وغاية الفخر. وهذه المرتبة أجلُّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن تُبلغ، أو تُنال.
الرواية بين علماء الأمة
إهتمَّ علماء الأمة جميعاً ـ رحمة الله عليهم ـ برواية الصحاح والسُنن والمسانيد والأصول، وما صنّفه علماء الإسلام. وما أخبروا به، وما لهم من روايات وأسانيد.
واعتمد علماؤنا على كتب السنة في الفضائل والمناقب والتفسير والاحتجاج والسيرة والتاريخ والتراجم والقصص والخلاف والمناظرة والمحاضرات والسنن والآداب والأخلاق. ولم يتركوا الانتفاع بآراء المصنفين في علوم القرآن، وعلوم الحديث، وعلوم الدين، وعلوم الأدب، وعلوم اللغة، وعلوم الحكمة، والعلم الإلهي، وسائر العلوم الدينية وغير الدينية النقلية والعقلية، النظرية والعملية. ولم يغفلوها في التأليف والتدوين والشرح والتلخيص والاقتباس.
وأنا أكتفي هنا بأمثلة من رواية الإمامية عن أهل السنّة فإن إحصاء ذلك غير يسير، ومنهم:
ابن الكوفي. ابن الزبير (348هـ)، القطان (378هـ). أبو المفضل الشيباني (#387هـ). أبو الحسين أسد بن إبراهيم من كليب السلمي الحراني (+ 400هـ). ابن عياش (401هـ)، السيد أبو الحسن. محمد بن أبي منصور ظفر بن محمد بن أحمد زباره (403هـ). السيد الشريف الرضي (406هـ). السيد الشريف أبو علي عمر العلوي (413هـ). أبو الحسن، محمد بن طلحة بن محمد بن عثمان النعالي (413هـ). الشيخ المفيد (413هـ). ابن طيب الرزاز (419هـ). أحمد بن محمد بن زر الأصفهاني الواعظ (422هـ). الوزير المغربي (428هـ). ابن الوتار (429هـ). ابن فاذشاه الرئيس (433هـ). السيد الشريف المرتضى (436هـ). المفيد النيسابوري (445هـ). اسماعيل بن علي المثنى الاسترابادي الأسفرايني الواعظ (448هـ). أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (449هـ). الشيخ الطوسي (460هـ). أبو محمد، جعفر بن محمد بن موسى الدوريستي الرازي (القرن الخامس الهجري). أبو الغنائم، محمد بن علي بن ميمون النرسي الكوفي (510هـ). أبو القاسم، زيد بن محمد بن الحسين بن فندق البيهقي (517هـ) ابن الشجري (542هـ). السيد ضياء الدين، أبو الرضا، فضل الله بن علي بن عبدالله الحسني الراوندي (ح 548هـ). الطبرسي (548هـ). ابن الأخوة (548هـ). أبو طالب، المبارك بن علي بن محمد بن خضير، الصهيرفي البغدادي (+ 561هـ). فريد خراسان، ابن فندق البيهقي (565هـ).
الحافظ، أبو العلاء، الحسن بن أحمد بن الحسن القرشي العطار الهمداني (569هـ).
قطب الدين، أبو الحسين، سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي (573هـ). منتجب الدين، أبو جعفر، محمد بن مسلم بن أبي الفوارس، الرازي البغدادي (+ 581هـ).
أبو المكارم، حمزة بن علي بن زُهرة الحسيني الحلبي (585هـ). ابن شهرآشوب (585هـ). ابن الكيّال (597هـ). ابن إدريس (598هـ). عميد الرؤساء، أبو منصور، هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيوب الكاتب، اللغوي (609هـ). قريش بن السبيع بن مهنا (620هـ). السيد فخار بن معد الموسوي (630هـ). السيد رضي الدين ابن طاووس (664هـ). نصير الدين الطوسي (672هـ). جدّنا الشيخ شمس الدين، أبو محمد، محفوظ بن وشاح بن محمد، الحلي الأسدي (+ 682هـ). العلاّمة الحلي (726هـ). فخر المحققين ابن العلامة الحلي (771هـ). السيد ابن مُعْية (776هـ).
شمس الدين، محمد بن مكي، العاملي، الشهيد الأول (786هـ). يروي عن نحو من أربعين شيخاً من علماء أهل السُنَّة بمكة والمدينة، وبغداد، ومصر، ودمشق، وبيت المقدس، ومقام الخليل.
زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي؛ الشهيد الثاني (966هـ) يروي عن (19) من علماء أهل السنّة بدمشق، وغزة، وبيت المقدس، ومصر. بهاء الدين العاملي (1031هـ). السيد محمد هادي الحسيني الحائري (1339هـ).
جدُّنا؛ الشيخ محمد جواد بن موسى بن حسين بن علي، آل محفوظ الوشاحي الأسدي (1358هـ). أبو عبدالله الزنجاني (1360هـ). الشيخ جعفر نقدي (1370هـ). شيخ الإسلام، فضل الله الزنجاني (1373هـ). محمد علي المدرس، صاحب ريحانة الأدب (1373هـ). السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (1377هـ). الشيخ محمد محسن الرازي النجفي؛ صاحب الذريعة (1389هـ). السيد محمد مهدي الموسوي الكاظمي (1391هـ). السيد محمد مهدي الموسوي الكاظمي (1391هـ). السيد محمد صادق بحر العلوم النجفي. السيد شهاب الدين المرعشي النجفي. السيد محمد علي الروضاتي. السيد محمد حسين الجلالي، الحائري النجفي.
الدكتور حسين علي محفوظ؛ كاتب هذه الدراسة ـ عفا الله عنه ـ يروي عن السيد تقي الدين الهلالي المغربي، والسيد أحمد بن محمد بن الصديق الحسني الغماري، والسيد محمد عبد الحي الكتاني الحسني الإدريسي، والسيد أبي الفضل عبدالله محمد الصديقي الغماري (بإجازته لأهل العصر)، والحاج محمد الناصر الكتوي الكبري شيخ الإسلام النيجيري، ومحمد الفاضل بن عاشور، والشيخ عبد السلام بن عبد القادر بن سوده المغربي، والشيخ محمد إبراهيم بن ملا سعد الله بن ملا عبد الرحيم الفضلي الختني ثم المدني، والشيخ عبد الغفور بن شاه سيد بن عبدالله العباسي الحنفي النقشبندي المدني المعروف بالأفغاني، ومولانا محمد بدر عالم، الميركي، ثم المدني، ومولانا السيد قاسم الأزرجاني الفرغاني، وملا عبد الكريم المريواني البياري المدرس، نزيل بغداد، والشيخ محمد صالح أفندي الجوادي الشافعي الأشعري الموصلي، شيخ القراءة في الموصل، والشيخ محمد رشاد المفتي قاضي أربيل (عن أبيه) والشيخ مصطفى النقشبندي، والشيخ علاء الدين السجادي، والشيخ أحمد فهمي أبو سنه، والشيخ محمد علي بن الياس العدواني الموصلي الحنفي، والشيخ محمد بهجت البيطار، وآخرين منذ سنة 1369هـ؛ غير الإمامية والزيدية في العراق، والهند، واليمن، والمشرق.
وفي رجال الإمامية، ورؤسائهم، ورؤوس محدثيهم مَنْ وثّقهم علماء السُنَّة، وأخرجوا عنهم، وكتبوا حديثهم، واحتجوا بهم، وذهبوا إليهم، ورووا عنهم، ولم يشكّوا في وثاقتهم.
ومنهم ـ مثلاً ـ على ما ذكره السيد صاحب المراجعات:
إبان بن تغلب الكوفي (141هـ). إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي، الفقيه (95هـ). أحمد بن المفضل، ابن الكوفي الحفري. اسماعيل بن أبان الأزدي الكوفي الوراق؛ شيخ البخاري (286هـ). اسماعيل بن خليفة الملائي الكوفي، أبو إسرائيل. اسماعيل بن زكريا الأسدي الخلقاني الكوفي. اسماعيل بن عباد بن العباس الطالقاني؛ الصاحب بن عباد (385هـ). اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الكوفي، المُفسّر، السدّي (127هـ). اسماعيل بن موسى الفزاري الكوفي (245هـ). تليد بن سلمان الكوفي الأعرج. ثابت بن دينار، أبو حمزة الثمالي (150هـ). ثوير بن أبي فاختة، أبو الجهم الكوفي. جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي (128هـ). جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي (187هـ). جعفر بن زياد الأحمر الكوفي (167هـ). جعفر بن سليمان الضبعي البصري، أبو سليمان (178هـ). جميع بن عميرة بن ثعلبة الكوفي التيمي. الحارث بن حصيرة، أبو النعمان الأزدي الكوفي. الحارث بن عبدالله الهمداني (65هـ). حبيب بن أبي ثابت الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي (119هـ). الحسن بن حي بن صالح الهمداني (169هـ). الحكم بن عتيبة الكوفي (115هـ). حماد بن عيسى الجهني، غريق الجحفة (209هـ). حمران بن أعين. خالد بن مخلد القطواني، أبو الهيثم الكوفي، شيخ البخاري (213هـ). داود بن عوف أبو الجحاف. زبيد بن الحارث بن عبد الكريم اليامي الكوفي، أبو عبد الرحمن (124هـ). زبيد بن الحباب، أبو الحسين الكوفي التميمي. سالم بن أبي الجعد، الأشجعي الكوفي (97هـ). سالم بن أبي حفصة العجلي الكوفي (137هـ). سعد بن طريف الإسكاف الحنظلي الكوفي. سعيد بن أشوع. سعيد بن خيثم الهلالي. سلمة بن الفضل الأبرش، قاضي الري، أبو عبدالله؛ راوي المغازي عن ابن إسحاق (191هـ). سلمة بن كهيل الحضرمي، أبو يحيى (121هـ). سليمان بن صرد الخزاعي الكوفي (65هـ). سليمان بن طاخان التيمي البصري، مولى قيس (143هـ). سليمان بن قرم بن معاذ، أبو داود الطبي الكوفي. سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي الأعمش (148هـ). شريك بن عبدالله بن سنان بن أنس النخعي الكوفي القاضي (177هـ). شعبة بن الحجاج، أبو الورد العتكي، مولاهم (160هـ). صعصعة بن صوحان العبدي. طاووس بن كيسان، الخولاني الهمداني اليماني، أبو عبد الرحمن (106هـ). ظالم بن عمرو بن سفيان، أبو الأسود الدؤلي (99هـ). عامر بن واثلة الليثي المكي، أبو الطفيل (100هـ). عباد بن يعقوب الأسدي الرواجني الكوفي (250هـ). عبدالله بن داود، أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي (ح212هـ). عبدالله بن شداد بن الهاد الليثي الكوفي، أبو الوليد. عبدالله بن عمر بن محمد بن أبان القرشي الكوفي، الملقب مشكدانه، شيخ مسلم وأبي داود والبغوي، وغيرهم (238هـ). عبدالله بن لهيعة الحضرمي، قاضي مصر وعالمها (174هـ). عبدالله بن ميمون القداح المكي. عبد الرحمن بن صالح الأزدي، أبو محمد الكوفي (235هـ). عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني (221هـ). عبد الملك بن أعين. عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي، شيخ البخاري (213هـ). عثمان بن عمير، أبو اليقظان الثقفي الكوفي البجلي. عدي بن ثابت الكوفي. عطية بن سعد بن جنادة العوفي، أبو الحسن الكوفي (111هـ). العلاء بن صالح التيمي الكوفي. عقبة بن قيس بن عبدالله النخعي، أبو شبل (62هـ). علي بن بديمة. علي بن الجعد، أبو الحسن الجوهري (203هـ). علي بن زيد بن عبدالله بن زهير، أبو الحسن القرشي التيمي البصري (131هـ). علي بن صالح (151هـ). علي بن غراب، أبو يحيى الفزاري الكوفي (184هـ). علي بن قادم، أبو الحسن الخزاعي الكوفي (213هـ). علي بن المنذر الطرائفي، شيخ الترمذي، والنسائي، وبن صاعد، وابن أبي حاتم (256هـ). علي بن هاشم بن البريد، أبو الحسن الكوفي الخزاز العائذي، شيخ الإمام أحمد بن حنبل (181هـ). عمار بن زريق الكوفي. عمار بن معاوية، الدهني البجلي الكوفي، أبو معاوية (133هـ). عمرو بن عبدالله، أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي (132هـ). عوف بن أبي جميلة البصري، أبو سهل الأعرابي (146هـ)؛ كان يقال له «عوف الصدق». الفضل بن دكين الملائي الكوفي، أبو نعيم، شيخ البخاري (210هـ). فضيل بن مرزوق الأغر الرواسي الكوفي، أبو عبد الرحمن (158هـ). فطر بن خليفة الحناط الكوفي (153هـ). مالك بن اسماعيل بن زياد، أبو غسان الكوفي النهدي (219هـ). محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير التميمي الكوفي (195هـ). محمد بن عبدالله بن محمد الضبي الطهماني النيسابوري، أبو عبدالله الحاكم (؟) (405هـ). محمد بن عبيدالله بن أبي رافع المدني. محمد بن فضيل بن غزوان، أبو عبد الرحمن الكوفي (194هـ). محمد بن مسلم بن الطائفي (177هـ). محمد بن موسى بن عبدالله الفطري المدني. معاوية بن عمار الدهني البجلي الكوفي. معروف الكرخي (200هـ). منصور بن المعتمر بن عبدالله بن ربيعة السلمي الكوفي (132هـ). المنهال بن عمرو الكوفي التابعي. موسى بن قيس الحضرمي، أبو محمد. نفيع بن الحارث، أبو داود النخعي الكوفي الهمداني السبيعي. نوح بن قيس بن رباح الحداني البصري. هارون بن سعد العجلي الكوفي. هاشم بن البريد بن زيد، أبو علي الكوفي. هبيرة بن بريم الحمير]. هشام بن زياد، أبو المقدام البصري. هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة، أبو الوليد الظفري الدمشقي، شيخ البخاري (245هـ). هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي الواسطي، أبو معاوية (183هـ)، وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، أبو سفيان الرواسي الكوفي (197هـ). يحيى بن الجزار العرنى الكوفي. يحيى بن سعيد القطان، أبو سعيد، مولى بني تميم البصري (198هـ). يزيد بن أبي زياد الكوفي، أبو عبدالله مولى بني هاشم (136هـ). أبو عبدالله الجدلي. ومئات أمثالهم غير الصحابة والتابعين. أمّا حملة العلم عن الإمامية من أهل السنة فإنّ عدتهم لا تكاد تُحصى. ومجال القول ذو سعة إن شاء الله.
الإجازات
حفظت الإجازات ـ وهي وثائق الرواية ـ سلاسل المشايخ، وطبقات العلماء، وطرق الرواة. وقد اهتم علماؤنا بالإجازة كما اهتموا بالرواية. وخلّفوا كثيراً من الإجازات الكبيرة والمتوسطة والمختصرة، أحصى مؤلف الذريعة (المتوفى سنة 1389هـ) منها (780) إجازة كان اطلع عليها حتى سنة 1334هـ.
ولقد جمع نصوص الإجازات عدة من العلماء الأقدمين والمتأخرين والمعاصرين من كتب سمّوها (كتاب الإجازات) و(مجموعة الإجازات) و(مجمع الإجازات)؛ منهم:
السيد رضي الدين علي ابن طاووس (664هـ) في كتاب سماه «كتاب الإجازات لكشف طرق المفازات».
السيد غياث الدين عبد الكريم ابن طاووس (693هـ).
الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن علي جمال الدين بن تقي بن صالح بن مشرف الشامي العاملي؛ المعروف بابن الحجة النحاريري الطلوسي، المشتهر بالشهيد الثاني (966هـ).
جمال الدين، أبو منصور، الحسن بن زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي صاحب المعالم (1011هـ) في مجموع يُسمّى «رسالة الإجازات».
الشيخ محمد بن علي التبنيني العاملي من مشايخ محمد تقي المجلسي (1070هـ). ويسمى «رسالة في الإجازات».
الشيخ إبراهيم بن محمد بن علي بن أحمد الحرفوشي العاملي (1080هـ).
محمد حسن بن محمد علي بن أحمد بن كمال الدين الآسترابادي، في سنة 1096هـ.
الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن محمد؛ الحرّ العاملي (1104هـ). ويسمى «مجموع الإجازات المختصرات والمطولات».
السيد عز الدين أبو عبدالله الحسين بن حيدر بن قمر الحسيني الكركي، من شيوخ المجلسي المتوفى سنة 1110هـ.
محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (1110هـ). جمع نصوص ما كان بين يديه من الإجازات في الجزء (25)، و(26) من كتابه بحار الأنوار ويسميان «مجلد الإجازات»، و«إجازات البحار»، وهي نحو من (120) إجازة.
الشيخ محمد حسن بن عبد علي العاملي النجفي جمع في كتابه (13) إجازة، في سنة 1125هـ.
الشيخ عبدالله الأفندي مؤلف رياض العلماء وحياض الفضلاء (1130هـ) تقريباً. في كتاب سمّاه «مجموعة الإجازات».
السيد الأمير شرف الدين علي بن حجة الله الحسيني الشولستاني الغروي (+ 1160هـ)، في «مجموعة الإجازات».
السيد أبو الفتح نصر الله الحسيني الحائري، الشهيد (ح1168هـ) في كتاب سماه «سلاسل الذهب المربوطة بقناديل العصمة الشامخة الرتب».
السيد محمد مهدي بحر العلوم النجفي (1212هـ).
الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (1241هـ).
حجة الإسلام؛ السيد محمد باقر بن محمد تقي الموسوي (1260هـ).
شيخ العراقين؛ الشيخ عبد الحسين الحائري (1286هـ). جمع الإجازات بخطوط المشايخ المجيزين.
إمام الحرمين؛ محمد بن عبد الوهاب بن داود الكاظمي (1305هـ). جمع كتابين أحدهما «الشجرة المورقة والمشيخة المونقة»، والآخر «جمع الشتات في صور الإجازات».
السيد محمد حسين بن الأمير محمد علي بن الأمير محمد حسين المرعشي الحائري (1315هـ). السيد عبد الصمد بن أحمد بن محمد بن طيب بن محمد بن نور الدين الموسوي، الجزائري، النجفي (1337هـ).
الشيخ محمد رضا بن محمد باقر الدرخشي القايني، حفيد ملا عبدالله التوني النجفي من شيوخ الشيخ محمد باقر صاحب كتاب «بغية الطالب» (1352هـ).
محمد باقر بن محمد تقي؛ الملقب إلفت، النجفي (1384هـ) في مجمع سمّاه «مجمع الإجازات ومنبع الإفادات»، في مجلدين.
السيد أحمد بن الحسين الموسوي التستري النجفي (+ 1384هـ).
الشيخ محمد محسن الرازي؛ نزيل النجف، مؤلف الذريعة (1389هـ) في مجلد كبير سمّاه «إجازات الرواية والوراثة في القرون الأخيرة الثلاثة». وفيه قرابة خمسين إجازة.
السيد محمد صادق آل بحر العلوم النجفي (1399هـ)، في كتاب سماه «سلاسل الروايات» فرغ منه في سنة 1353هـ.
الدكتور حسين علي محفوظ؛ كاتب هذه الدراسة. جمع صور بعض الإجازات في أوراق سماها «مجمع الإجازات». كما جمع إجازات العلماء له بخطوطهم، وهي زهاء خمسين إجازة.
ولعلّ أكبر مجامع الإجازات كتاب المرحوم الشيخ محمد بن رجب على الشريف العسكري؛ نزيل سامراء (1371هـ) وهو مجموع ضخم في أربع مجلدات، استدركه على إجازات البحار.
ومن المشيخات والمعاجم والأثبات والفهارس الكبيرة المفصلة المطولة، ولا سيما ذوات العناوين والأسماء:
كتاب الرجال لأبي العباس أحمد بن علي النجاشي (450هـ). رتّبه على أسماء المصنفين.
كتاب الفهرست للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي (460هـ)، وهو مرتّب على الأسماء كذلك.
الإجازة الكبيرة، للشيخ حسن صاحب المعالم (1011هـ).
إجازة الشيخ عبدالله السماهيجي البحراني (1135هـ).
إجازة السيد عبدالله بن نور الدين بن نعمة الله الجزائري الموسوي (1173هـ) لعلماء الحويزة.
كتاب لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العين، للشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني (1186هـ).
كتاب الروضة البهية في الإجازة الشفيعية للسيد محمد شفيع الموسوي الجابلقي (1280هـ).
كتاب الطبقات في الرواة ومشايخ الإجازات للسيد حسن صدر الدين الموسوي العاملي الكاظمي (1354هـ).
كتاب اللمعة المهدية إلى الطرق المهدية، له أيضاً.
كتاب بغية الوعاة في طبقات مشايخ الإجازات، له كذلك.
وفي آخر كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه» مشيخة المصنف، ذكر فيها أسانيده إلى ما في هذا الكتاب عن المشايخ من روايات وأحاديث.
وفي آخر كتاب «تهذيب الأحكام» ذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية الأصول والمصنّفات التي أخذ منها الأحاديث. فذكر المصنف الذي أخذ الخبر من كتابه، أو صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله، وذكر أسانيد روايته عنه.
وفي آخر كتاب «الإستبصار» باب ترتيب هذا الكتاب، وذكر أسانيده. وكان سلك في أوله إيراد الأحاديث بأسانيدها. وعلى ذلك اعتمد في الجزء الأول والثاني.
وافتنَّ بعض العلماء في ترتيب الإجازات، وتفنَّنوا في استعمال الجداول، والشبكة، والتشجير. فقد رسم الشيخ بهاء الدين العاملي (1031هـ)، وعلم الهدى ابن الفيض (+ 1103هـ)، وصدر الأفاضل (1350هـ) جداول بعض الرواة.
وشجّر الشيخ حسين النوري، نزيل العراق (1320هـ) المشايخ والطرق والرواة، في طومار طويل سمّاه «مواقع النجوم ومرسلة الدر المنظوم». وهكذا صنع السيد جعفر الأعرجي النسّابة الكاظمي (1332هـ) في آخر كتابه المشجر في الأنساب.
وقلّده السيد محمد علي هبة الدين الحسيني (1386هـ) في «جداول الرواية»، أو الشجرة الطيبة.
وشجّر صاحب الذريعة (1389هـ) مشايخه، وطبقات شيوخهم في كتاب سماه «ضياء المفازات في طرق مشايخ الإجازات».
كتب الرجال
اهتم علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ برجال الحديث اهتمامهم بالحديث. ويبدأ التأليف في الرجال ـ عندنا ـ في أواخر النصف الأول من القرن الأول. فقد ألّف عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله (ص)، وكاتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) كتاب تسمية من شهد مع أمير المؤمنين الجمل سنة 36هـ، وصفين سنة 36 ـ 37هـ، والنهروان سنة 38هـ من الصحابة. وذلك بعد سنة 38هـ.
وقد تكاثر المؤلفون في الرجال والتراجم في القرن الثالث والرابع، ثم ازدحمت القرون بالمؤلفين والمؤلفات في الطبقات والمشيخات والأسماء والكُنى والألقاب والتراجم. وقد أحصى مؤلف الذريعة نحواً من (700) علم عدّد في كتابه مصفى المقال زهاء (1500) من مؤلفاتهم في الموضوع حتى قريب سنة 1348هـ. وأشار إلى نحوٍ من (600) كتاب منها في مادة (رجال) من كتاب الذريعة.
وفي المبحث الرابع من كتاب توضيح المقال في علم الرجال للملا علي الكني؛ المتوفى سنة 1306هـ، وخاتمة كتاب مقباس الهداية في علم الرواية للشيخ عبد الله المامقاني المتوفى سنة 1351هـ، وفي الفائدة الحادية عشرة من كتاب تنقيح المقال للمامقاني هذا إشارات إلى تراجم بعض مؤلفي الكتب في علم الرجال. وهكذا الصحيفة الأولى والثالثة من الفصل السابع، والفصل التاسع من كتاب التأسيس للسيد حسن صدر الدين الموسوي العاملي الكاظمي؛ المتوفى سنة 1354هـ، إضافةً إلى الإسناد المُصفّى «المشيخة»، والطبقات لمؤلف الذريعة.
وأصول كتب الرجال ـ عندنا ـ أربعة؛ هي: كتاب الكشي، وكتاب النجاشي، وكتاب الفهرست، وكتاب الرجال للشيخ الطوسي.
أمّا كتاب الكشي «معرفة الرجال» فقد وصل إلينا اختيار الشيخ الطوسي منه.
كان أبو عمرو، محمد بن محمد بن عبد العزيز الكشي في النصف الأول من القرن الرابع. وكان بصيراً بالأخبار والرجال. وهو من تلاميذ محمد بن مسعود العيّاشي السمرقندي. روى الكشي في رجاله عن (53) رجلاً. وقد اختصر الشيخ الطوسي أخباره واختار ما فيه في المشهد الغروي، النجف، في سنة 456هـ.
يحتوي الاختيار على أخبار (1631) من الرجال والنساء. وفيه (1151) رواية.
وأمّا أحمد بن علي النجاشي، الأسدي؛ المتوفى سنة 450هـ؛ فهو أجلُّ المؤلفين في الرجال خطراً، وأعظمهم قدراً. فقد جمع في كتابه مما استطاعه، وجعل للأسماء أبواباً على الحروف. وذكر لكلّ رجل طريقاً واحداً يوصل إلى الرواية عنه. وقد استوعب كتابه في الرجال (1263) ترجمة لأصحاب الكتب والمؤلفين منذ زمان النبي (ص) حتى أواسط القرن الخامس للهجرة.
وجاء الشيخ الطوسي؛ المتوفى سنة 460هـ فألّف الرجال والفهرست. رتَّب الأبواب على الأزمنة في الرجال، فباب من روى عن النبي (ص)، وأسماء من روى عن أمير المؤمنين علي (ع)، وهكذا أصحاب كل إمام. وختم الكتاب بذكر أسماء مَنْ لم يرو عن واحد من الأئمة. وعدتهم جميعاً (6439) من الرجال والنساء؛ هم:
من روى عن النبي (ص) 470
من روى عن علي (ع) 440
أصحاب الحسن (ع) 41
أصحاب الحسين (ع) 109
أصحاب علي بن الحسين (ع) 173
أصحاب الباقر (ع) 476
أصحاب الصادق (ع) 3423
أصحاب الكاظم (ع) 273
أصحاب الرضا (ع) 317
أصحاب الجواد (ع) 114
أصحاب الهادي (ع) 185
أصحاب العسكري (ع) 103
من لم يرو عن واحد من الأئمة 511
واشتمل الفهرست على (4283) كتاباً من آثار (888) نم المصنفين سمى منها (2005) كتب.
وفيه أنّ حيدر بن محمد بن نعيم السمرقندي روى ألف كتاب من كتب الإمامية بقراءةٍ وإجازة. وفي ترجمة محمد بن بحر الرهني أن له نحواً من (500) مصنف ورسالة. وفي ترجمة محمد بن مسعود العياشي أن له كتباً كثيرة تزيد على (200) مصنف. وفي ترجمة حميد بن زياد أن له كتباً كثيرة على عدد كتب الأصول (400). وفي ترجمة عبدالله بن أحمد بن أبي زيد الأنباري أن له (140) كتاباً ورسالة. وفي ترجمة محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه أن له نحواً من (300) مصنف. وفي ترجمة محمد بن محمد بن النعمان؛ المفيد؛ ابن المعلم العكبري البغدادي أن له قريباً من (200) مصنف كبار وصغار. وفي ترجمة أحمد بن اسماعيل بن سمكة أنّ لوالده اسماعيل كتاب العباسي، وهو كتاب عظيم في أخبار الخلفاء والدولة العباسية، نحو عشرة آلاف ورقة.
ومن كتب الرجال المعروفة المتداولة:
كتاب الرجال للبرقي (276هـ).
كتاب الإرشاد للمفيد (413هـ).
معالم العلماء لابن شهرآشوب (588هـ).
الفهرست لمنتجب الدين (+ 585هـ).
كتاب الرجال لابن داود الحلي (ق8 هـ)
خلاصة الأقوال في معرفة الرجال للعلامة الحلي؛ صاحب كشف المقال في معرفة الرجال (726هـ).
التحرير الطاووسي لأبي منصور الحسن صاحب كتاب المعالم (1011هـ).
مجمع الرجال لزكي الدين عناية الله علي القهبائي (+1016هـ).
ملهج المقال للسيد محمد الآسترابادي المكي (1028هـ).
نقد الرجال للسيد مير مصطفى التفرشي (1044هـ).
جامع المقال لفخر الدين الطريحي (1085هـ).
هداية المحدّثين للشيخ محمد أمين بن محمد علي الكاظمي؛ تلميذ الطريحي.
المشتركات له.
رسالة الرجال للحرّ العاملي (1104هـ).
رسالة أحوال الصحابة، له.
أمل الآمل، له.
تذكرة المتبحرين، له.
الفائدة العاشرة في الرجال، له.
نضد الإيضاح لعلم الهدى ابن الفيض (+1103هـ).
الوجيزة للمجلسي (1110هـ).
الدرجات الرفيعة لابن معصوم المدني (1118هـ).
سلافة العصر، له.
نسمة السحر للسيد ضياء الدين يوسف الحسني اليماني (1121هـ).
رياض العلماء لعبدالله الأفندي (1130هـ).
الفوائد الرجالية للسيد محمد مهدي بحر العلوم النجفي (1212هـ).
منتهى المقال لأبي علي الحائري (1215هـ).
تتمة أمل الآمل لعبد النبي القزويني (+ 1217هـ).
العدة للسيد محسن الأعرجي البغدادي (1227هـ).
كتاب الرجال لمحمد الأخباري (1232هـ).
تكملة نقد الرجال لعبد النبي الكاظمي (1256هـ).
نجوم السماء للكهنوي (1309هـ).
روضات الجنات للسيد محمد باقر الموسوي الخوانساري (1313هـ).
مستدرك الوسائل للشيخ حسين النوري (1320هـ).
اتقان المقال للشيخ محمد طه نجف (1323هـ).
تلخيص المقال للشيخ إبراهيم الخوئي (1325هـ).
نتيجة المقال للشيخ الكبير (1345هـ).
الحصون المنيعة للشيخ علي كاشف الغطاء (1350هـ).
تنقيح المقال للشيخ عبدالله المامقاني (1351هـ).
عيون الرجال للسيد حسن صدر الدين الموسوي العاملي الكاظمي (1354هـ).
تكملة أمل الآمل، له.
الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي (1359هـ).
الطليعة للشيخ محمد السماوي (1370هـ).
الطبقات للشيخ محمد محسن الرازي؛ نزيل النجف، صاحب الذريعة، ومصفى المقال، والمشيخة «الإسناد المصفّى» (1389هـ).
قاموس الرجال للشيخ محمد تقي التستري.
معجم رجال الحديث للإمام السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي. ومئات غيرها.
وقد دوّن السيد محمد بن علي بن إبراهيم الحسيني الاسترابادي، المكي، (المتوفى سنة 1028هـ) تراجم (6665) من الرواة والثقات في كتاب منهج المقال.
وجمع الشيخ عبدالله المامقاني؛ (المتوفى سنة 1351هـ) تراجم (16307) في كتاب تنقيح المقال. وفي كتاب معجم رجال الحديث تراجم (13858) حتى الجزء العشرين. وفي الذريعة من آثار المصنّفين (53510) كتاباً.
علوم الحديث
إهتم علماء الحديث ـ رضي الله عنهم ـ بالسُنَّة، ومعرفة علوم الحديث ووضعوا القواعد والاصطلااحات. وكان عملهم الدقيق الجليل أساس علم التاريخ وعلم الوثائق وعلم البحث وعلم التحقيق وعلم التأليف.
هذا وقد رأيتُ العلماء يميلون إلى اعتبار القاضي الرامهرمزي الذي عاش إلى قرب سنة 360هـ، والحاكم النيسابوري، المتوفى سنة 405هـ أول مَنْ صنَّف في علوم الحديث والاصطلاح، وعندهم أن الرامهرمزي لم يستوعب، وأنّ الحاكم لم يهذب، وقد فاتهم تأصيل قواعد هذا العلم، وأنّ أركانه تعود إلى النصف الأول من القرن الأول، وأنها تسقى من كلام النبي (ص). كما نسوا الإمام الترمذي صاحب السنن؛ المتوفى سنة 279هـ. ففي كتاب العلل في آخر جامعه الصحيح ما يصح أن يُعَدّ من مبادئ هذا العلم. وهي أوراق ممتعة إلى إيجازها واختصارها.
ومعتقدي أن قواعد علم الحديث وأصوله ومبانيه في التراث العربي الإسلامي تلتمس في حديث النبي (ص)، والأئمة من بعده، وفي روايات الصحابة الكرام، عرى الإسلام (رض)، وهي التي اقتدى بها العلماء والمؤلفون فيما صنّفوا من كتب ورسائل، وفيما ابتكروا من معارف، وفيما ابتدعوا من علوم.
وفي أحاديثنا أن «العلم مخزون عند أهله، وقد أُمرتم بطلبه من أهله» فلينظر الإنسان إلى علمه الذي يأخذه عمن يأخذه»، و«إنَّ فينا ـ أهل البيت ـ في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»، وإن قول الله ـ جل ثناؤه ـ: «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه، ولا يُنقص منه، وإن الذي يسمع الكلام فيريد أن يرويه كما سمعه فلا يجيء فلا بأس أن يريد المعاني، و«اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا»، وإن الكذب المفترع أن يحدّثك الرجل بالحديث فتتركه وترويه عن الذي حدّثك عنه. و«إذا حدثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم فإن كان حقاً فلكم، وإن كان كذباً فعليه».
وفي جواب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ـ وقد سأله سليم بن قيس الهلالي عن الأحاديث عن النبي (ص) أساس قواعد هذا العلم الشريف. وفي الروايات عن الأئمة ما يفسر أسباب اختلاف أصحاب رسول الله (ص) ونسخ الأحاديث. وفي جواب الصادق (ع) عن سؤالات عمر بن حنظلة ما يوضح حدود المعرفة، وأصول الأخذ بالكتاب والسنّة، وأن الحكم ما حكم به الأعدل الأفقه الأصدق في الحديث الأورع. وأنه يؤخذ بالمُجمع عليه من الأصحاب، الذي يوافق الكتاب، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور.
وفي حديثهم «كلُّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة»، و«كلُّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف»، وإن «كلّ من تعدّى السنة رُدّ إلى السنة»، وإنّ «مَنْ كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومَنْ كانت فترته إلى بدعة فقد غوى».
وأمثال هذه الأحاديث كثيرة منتشرة في مجاميع السنّة المعروفة إكتفيتُ من نماذجها بأمثلة. ولعلّ في ذلك ما ينفع إذا أردنا تصحيح المعلومات، والتجديد في التأليف.
ثم أن شبه التكامل، والمنهج الواضح في كتاب الحاكم خاصة يشير إلى أن كتابه في معرفة علوم الحديث لا بدّ أن يكون حلقة وسطى في سلسلة المؤلفات في علم الحديث فإنّ الاصطلاحات ثابتة، والتعاريف مستكملة، والآراء منضجة. وهذه كلها إمارات تدل على تطور المعرفة، واستكمال الدراية؛ مما يحتاج إلى زمان طويل وحقب وقرون.
ولا ريب في أنّ أصحاب الأصول، والصحاح، والسنن، والمسانيد، والجوامع اعتمدوا قواعد معلومة في الاختيار والنقد والقبول والرد والتصحيح والترجيح يتعلق بعضها بالسند ويتصل بعضها بالمتن. والأصول إنما تعود إلى القرن الأول، والمسانيد إلى القرن الثاني، والصحاح ترجع إلى المائة الثالثة.
ولا بد من الإشارة ـ هنا ـ إلى أنّ عدة المؤلفين في (علم الحديث) الذين أحصيتُهم في الفهرس القصير الذي كنت دوّنته في (طبقات المؤلفين في علم الحديث والمصطلح والدراية) منذ القرن الثالث حتى نهاية القرن الرابع عشر تبلغ (115) رجلاً. منهم في أواخر القرن الثالث واحد، وفي القرن الرابع اثنان، وفي القرن الخامس ستة، وفي السادس ثلاثة، وفي السابع ستة، وفي الثامن أحد عشر، وفي التاسع إثنا عشر، وفي العاشر إثنا عشر كذلك، وفي الحادي عشر ثلاثة عشر، وفي الثاني عشر ستة، وفي الثالث عشر ستة عشر، وفي القرن الرابع عشر سبعة وعشرون وزيادة.
وإذا وافقت القدماء فإنّ القرن الثالث هو عصر البداية والتمهيد، والرابع عصر التأسيس، والخامس عصر التهذيب، والسادس قرن التكميل، والسابع عصر تثبيت القواعد، واستقرار المصطلح، وتحبير الأصول، واتقان التأليف، والثامن وما بعده هي عصور الشرح، وفترة الحواشي والتلخيص والاختصار والتعليق والاستدراك والمعارضة والانتصار والاقتصار والنظم التعليمي. والقرن الأول والثاني ـ حينئذٍ ـ هما أصل الإلهام، ومبدأ الاحتذاء.
تعود مبادئ علم الحديث ـ عندنا؛ كما تقدم ـ إلى زمان النبي (ص) والأئمة، وترجع بدايات قواعده إلى عصرهم. ويُسمي علماؤنا علم الحديث والمصطلح والاصطلاح «علم الدراية» أيضاً.
ومن المؤلفين فيه:
السيد جمال الدين ابن طاووس؛ المتوفى سنة 673هـ.
ابن أبي جمهور الأحسائي (+ 895هـ).
علي بن عبد العالي؛ المحقق الكركي (940هـ).
زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي (966هـ).
حسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني العاملي (984هـ).
جمال الدين أبو منصور الحسن؛ صاحب المعالم (1011هـ).
محمد السبط بن الحسن بن زين الدين العاملي (1030هـ).
بهاء الدين العاملي؛ المتوفى سنة 1031هـ. ألّف «الوجيزة» في الدراية وعلوم الحديث سنة 1010هـ. وقد جمعت هذه الرسالة الوجازة، والدقة، والشمول في أوراق. وكل الدارسين عيال عليه من بعد.
السيد محمد باقر الداماد (1040هـ).
الفيض (1091هـ).
علي بن محمود المشغري العاملي.
محمد بن الحسن الحر العاملي (1104هـ).
محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (1110هـ).
المولى الشرف، أبو الحسن بن محمد طاهر العاملي (1138هـ).
المولى، إسماعيل الخواجوئي (1173هـ).
الشيخ يوسف البحراني (1186هـ).
محمد باقر بن محمد أكمل؛ الوحيد، البهبهاني، الحائري (1206هـ).
السيد محمد مهدي بحر العلوم الحسني النجفي (1212هـ).
السيد محسن الأعرجي البغدادي (1227هـ).
محمد بن عبد النبي الأخباري (1232هـ).
الشيخ أسامة الأنصاري التستري الكاظمي (1234هـ).
السيد محمد رضا آل بحر العلوم (1253هـ).
محمد جعفر الآسترابادي (1263هـ).
الشيخ مرتضى الأنصاري (1281هـ).
الفاضل الدربندي، الشيرواني، الحائري (1286هـ).
ملا علي الخليلي النجفي (1296هـ).
محمد التنكابني (1302هـ).
ملا علي الكني (1306هـ).
السيد علي محمد بن محمد بن دلدار علي النقوي الهندي (1312هـ).
السيد محمد حسين المرعشي الحسيني الحائري (1315هـ).
علي بن محمد جعفر الآسترابادي (1315هـ).
أبو المعالي الكرباسي (1315هـ).
محمد هاشم الجهارسوقي الموسوي (1318هـ).
الشيخ حسين النوري (1320هـ).
ملا كاظم «الآخوند» الهروي النجفي (1329هـ).
الحاج محمد حسن آل كبة البغدادي (1336هـ).
الشيخ عبدالله المامقاني النجفي (1351هـ).
السيد حسن صدر الدين الموسوي العاملي الكاظمي (1354هـ).
أبو الهدى الكلباسي (1356هـ).
الأستاذ محمد محفوظ.
السيد ضياء الدين العلامة.
السيد محمد كاظم العصّار.
كاظم مدير شانه جي.
وعشرات غيرهم..
ومن كتب علوم الحديث والمصطلح المهمة:
تحفة القاصدين في معرفة إصطلاح المحدّثين. دراية الحديث. بداية الدراية. شرح البداية. غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدّثين. توضيح الحال. الوجيزة. الرواشح السماوية في شرح الأحاديث الإمامية «المقدمة». الفوائد الرجالية. العُدّة. مقباس الهداية. نهاية الدراية.
ومن المتون والشروح المعروفة عندنا في علم الحديث والمصطلح: أصدق المقال. الإيجاز. تميمة الحديث. توضيح المقال. الجوهرة العزيزة. دراية الحديث. الدرة العزيزة. سبل الهداية. سلسلة الذهب. سنن الهداية. شرح التعليقة. شرح الوجيزة. صفايح الإبريز. طريق الهداية. العوائد الغروية. الفوائد الرجالية. القواميس. الكفاية. كليات الرجال. لب الألباب. مبدأ الامال. معيار التمييز. ملخّص أسرار اليقين. موجز المقال. هداية المحدّثين.
ومن العلماء الذين تحتفظ كتبهم وتصانيفهم بالمقدار المحتاج إليه من قواعد هذا العلم؛ الشيخ المفيد أبو عبدالله محمد بن محمد بن النعمان العُكْبري البغدادي (413هـ)، والكراجكي (449هـ)، والشيخ الطوسي (460هـ)، وابن إدريس الحلي؛ صاحب كتاب السرائر (598هـ)، والمحقق الحلي (676هـ)، والعلامة الحلي (726هـ)، وشمس الدين الآملي (+ 750هـ)، ومحمد بن مكي العاملي صاحب القواعد والفوائد (786هـ)، وغيرهم، حتى أواخر القرن الماضي، وأوائل هذا القرن.
وفي كتب علم أصول الفقه كل ما تمس إليه حاجة المجتهد والفقيه من قواعد الدراية وعلوم الحديث. وفي بعضها ما يغني عن المصادر المختصة، والكتب المفردة والمؤلفات الطوال. وكثرتها تحول دون إحصائها.
الكتب الأربعة
الأصول
1 ـ الكافي: تأليف الكليني (329هـ)
الكافي كتاب كبير في الأصول والفروع يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به، بالآثار الصحيحة عن الصادقين. وهو من أجلّ الكتب وأكثرها فائدة. وقد يسّر الله للكليني تأليف هذا الكتاب في عشرين سنة.
يشتمل الكافي على عشرات الكتب ومئات الأبواب. قال بعضهم إنها (32)، أو (34)، أو (50) كتاباً تحوي (326) باباً (كذا). وعدة أحاديثه (16199) حديثاً رواها عن (102) من حَمَلة العلم، و(11) من أصحاب العدة، و(43) عبّر عنهم بـ «بعض أصحابنا».
روى عن علي بن إبراهيم (4461) حديثاً، وعن محمد بن يحيى العطار (3894)، وعن عدة سهل بن زياد (1109)، وعن عدة أحمد بن محد بن خالد (901)، وعن أحمد بن إدريس الأشعري (745) وعن الحسين بن محمد الأشعري (724)، وعن أحمد بن محمد بن خالد (604)، وعن علي بن محمد (428)، وعن حميد بن زياد (309)، وعن عدة أحمد بن أبي عبدالله البرقي (267)، وعن سهل بن زياد (190)، وعن محمد بن اسماعيل (182)، وعن عدة أحمد بن محمدة بن عيسى (141)، وعن ابن محبوب (118)، وعن أحمد بن أبي عبدالله (100) حديث. والبقية بين حديث واحد و(84) حديثاً.
إفتتح الكليني كتابه هذا بكتاب العقل والجهل، وفضل العلم والعلماء، وارتفاع درجة أهل العلم وعلو قدرهم، ونقض الجهل وخساسة أهله وسقوط منزلتهم؛ إذ كان العقل هو القطب الذي عليه المدار، وبه يحتج، وله الثواب، وعليه العقاب. ثم كتاب التوحيد، وحدوث العالم، وكتاب الحجة، والتواريخ، والإيمان والكفر، ودعائم الإسلام، والخصال والمكارم، والذنوب والكبائر وسوء الخلق، والدعاء، وفضل القرآن، والعشرة، إضافة إلى أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات.
ثم الروضة في الأدب والرسائل والصحف والخطب والوصايا والمواعظ والنصائح والتفسير والتأويل والملاحم والفتن والأخبار والمناظرات، والمقالات، والقرارات، وبيان الآيات.
وقد عدّ بعضهم مشيخة الكليني في الكافي (37) من مشاهير العلماء وأعيان حملة الحديث.
2 ـ مَن لا يحضرُه الفقيه تأليف الصدوق (381هـ)
صنّفه في قصبة إيلاق ببلخ للشرف أبي عبدالله المعروف بنعمة؛ في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام. وأورد فيه ما يفتي به ويحكم بصحته، ويعتقد فيه أنه حجة فيما بينه وبين ربه. وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل، وإليها المرجع من الأصول، والمصنّفات التي طرقه إليها معروفة.
يشتمل كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه على (666) باباً، عدّة أحاديثها (5998). وفي آخر الكتاب أسانيده إلى ما كان فيه عن (380) رجلاً؛ هم:
عمار بن موسى الساباطي. علي بن جعفر. إسحاق بن عمار. يعقوب بن عثييثم. جابر بن يزيد الجعفي. محمد بن مسلم الثقفي. كردويه الهمداني. سعد بن عبدالله بن أبي خلف. هشام بن سالم الجواليقي. عمر بن يزيد. زرارة بن أعين. حريز بن عبدالله. حماد بن عيسى. زيد الشحام، أبو أُسامة. اسماعيل بن جابر. سماعة بن مهران. زرعة بن محمد الحضرمي. عبدالله بن أبي يعفور. عبدالله بن بكير. محمد بن علي الحلبي. حكم بن حكيم؛ ابن أخي خلاد. إبراهيم بن أبي محمود. حيان بن سدير. محمد بن النعمان. أبو الأعز النخاس. محمد بن سنان. عبيد الله بن علي الحلبي. معاوية بن ميسرة بن شريح القاضي. عبد الرحمن بن أبي نجران. محمد بن حمران. جميل بن دراج. عبدالله بن سنان. أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي. أبو بصير. عبيد الله المرافقي. سعدان بن مسلم؛ واسمه عبد الرحمن بن مسلم. الريان بن الصلت. الحسن بن الجهم. عبد الرحيم القصير الأسدي؛ مولى بني أسد. الحسين بن أبي العلا الخفّاف؛ مولى بني أسد. محمد بن الحسن الصفار. علي بن بلال. يحيى بن عباد المكي. أبو النمير، مولى الحرث بن المغيرة النصري. منصور بن حازم الأسدي الكوفي. المفضل بن عمر الجعفي الكوفي. أبو مريم الأنصاري. أبان بن تغلب. الفضل بن عبد الملك؛ المعروف بأبي العباس البقباق الكوفي. احسن بن زياد الصيقل، أبو الوليد، الكوفي. الفضيل بن عثمان الأعور الماردي الكوفي. صفوان بن مهران الجمال. يحيى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). هشام بن الحكم، أبو محمد، مولى بني شيبان، بيّاع الكرابيس. جراح المدائني. حفص بن البختري الكوفي. أحمد بن أبي عبدالله البرقي. زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام). أسماء بنت عميس. جويرية بن مسهر. سليمان بن خالد البجلي؛ الأقطع الكوفي. معمر بن يحيى. عائذ بن حبيب الأحمسي. مسعدة بن صدقة الربعي. أبو القاسم، معاوية بن وهب البجلي الكوفي. أبو محمد، مالك بن أعين الجهني، العربي، الكوفي، (وليس هو من آل سنسن). عبيد بن زرارة بن أعين الأحول. الفضيل بن يسار الكوفي؛ مولى بني نهد. بكير بن أعين الكوفي، أبو الجهم، من موالي بني شيبان. محمد بن يحيى الخثعمي. بكر بن محمد الأزدي. إسماعيل بن رباح الكوفي. أبو عبدالله القراء. الحسين المختار القلانسي. عمر بن حنظلة. خالد بن ماد القلانسي. أبو حمزة، ثابت بن دينار، الثمالي، من طيء، من بني ثعل. ونسب إلى ثمالة لأن داره كانت فيهم. عبد الأعلى مولى آل سام. الأصبغ بن نباتة. جابر بن عبدالله الأنصاري. صالح بن الحكم الأحول. عامر بن نعيم. علي بن مهزيار. صفوان بن يحيى. الحسن بن علي الكوفي. أبو الجارود، زياد بن المنذر الكوفي. حبيب بن المعلى الخثعمي. عبد الرحمن بن الحجاج البجلي الكوفي؛ مولاهم. موسى بن عمر بن بزيع. العيص بن القاسم. سليمان بن جعفر الجعفري. اسماعيل بن عيسى. جعفر بن محمد بن يونس. هاشم الحناط. أبو جميلة، المفضل بن صالح. داود الصرمي. إبراهيم بن مهزيار. يحيى بن أبي عمران، تلميذ يونس بن عبد الرحمن. مسمع بن مالك البصري. ويقال له: مسمع بن عبد الملك البصري. ولقبه كردين، من بني قيس بن ثعلبة، أبو يسار. محمد بن اسماعيل بن بزيع. علي بن الريان. يونس بن يعقوب البجلي. علي بن يقطين. رفاعة بن موسى النخاس. زياد بن سوقة. حماد بن عثمان. ياسر الخادم؛ خادم الرضا (عليه السلام). الحسن بن محبوب. داود بن أبي زيد. علي بن بجيل بن عقيل الكوفي. معاوية بن عمار الدهني الغنوي الكوفي، مولى بجيلة، أبو القاسم. الحسن بن قارن. عبدالله بن فضالة. خالد بن نجيح الجوان. الحسن بن السري. العباس بن هلال. الحرث بن المغيرة النصري. أبو بكر، عبدالله بن محمد الحضرمي. كليب الأسدي. هشام بن إبراهيم صاحب الرضا (عليه السلام). الفضل بن شاذان النيسابوري. حماد بن عيسى الجهني. عبدالله بن جندب. جهيم بن أبي جهم، ويقال له ابن أبي جهمة. إبراهيم بن عبد الحميد الكوفي. سليمان بن حفص المروزي. أحمد بن أبي عبدالله البرقي. عبد الكريم بن عتبة الهاشمي. اسماعيل بن مسلم الكوفي السكوني. عبدالله بن المغيرة الكوفي. محمد بن أبي عمير. الحسين بن حماد الكوفي. العلا بن رزين القلا. عبدالله بن مسكان الكوفي، من موالي عنزة. ويقال إنه من موالي عجل. عامر بن عبدالله بن جذاعة، العربي الكوفي. النعمان الرازي. أبو كَهْمَس الكوفي. سهل بن اليسع. بزيع المؤذن. عمر بن أُذينة. أيوب بن نوح. مرازم بن حكيم. إبراهيم بن أبي زياد الكرخي. عبدالله بن سليمان. عمر بن أبي زياد. محمد بن بجيل ـ أخو علي بن بجيل ـ بن عقيل الكوفي. أبو زكريا الأعور. أبو حبيب ناجية. إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي الكوفي. حفص بن سالم؛ حفص أبو ولاد بن سالم الكوفي. وهيب بن حفص الكوفي، المعروف بالمنتوف. إبراهيم بن ميمون بياع الهروي، مولى آل الزبير. داود بن الحصين الأسدي؛ مولاهم. زياد بن مروان القندي. أبو المعزا، حميد بن المثنى العجلي الكوفي. معاوية بن شريح. سليمان بن داود المنقري المعروف بابن الشاذكوني. ربعي بن عبدالله بن جارود الهذلي البصري. عبد العظيم بن عبدالله الحسني. داود بن سرحان العطار الكوفي. المعلى بن خنيس الكوفي البزاز؛ مولى الصادق (عليه السملا). إبراهيم بن أبي البلاد؛ أبو اسماعيل. أبو أيوب، إبراهيم بن عثمان الخزاز. ويقال إنه إبراهيم بن عيسى. أبو ولاد الحناط؛ حفص بن سالم، مولى بني مخزوم. محمد بن خالد البرقي. سيف التمار. زكريا بن آدم، صاحب الرضا (عليه السلام). بحر السقا، وهو بحر بن كثير. جابر بن إسماعيل. أبو جرير بن إدريس، صاحب موسى بن جعفر (عليهما السلام). زكريا النقاض؛ وهو زكريا بن مالك الجعفي. معروف بن خربوذ المكي. سعيد بن عبدالله الأعرج الكوفي. علي بن عطية الأصم الحناط الكوفي. معمر بن خلاد. هارون بن حمزة الغنوي. جعفر بن بشير البجلي. حفص بن غياث النخعي القاضي. علي بن رئاب. عبد الرحمن بن كثير الهاشمي. سليمان الديلمي. علي بن الفضل الواسطي، صاحب الرضا (عليه السلام). موسى بن القاسم البجلي. أبو الحسن، يونس بن عمار بن الفيض الصيرفي التغلبي الكوفي. وهو أخو إسحاق بن عمار. محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري. هارون بن خارجة الكوفي. محمد بن خالد بن عبدالله البجلي القسري الكوفي. مبارك العقرقوفي الأسدي. أبو الحسين، محمد بن جعفر الأسدي الكوفي. عمرو بن جميع. مروان بن مسلم. عاصم بن حميد. محمد بن عبد الجبار. وهو محمد بن أبي الصهبان. يعقوب بن شعيب بن ميثم الأسدي الكوفي. درست بن أبي منصور الواسطي. وهب بن وهب القاضي القرشي. أبو خديجة، سالم بن مكرم الجمال. القاسم بن سلميان. زكريا بن مالك الجعفي. إبراهيم بن محمد الهمداني. مصادف، مولى الصادق والكاظم (عليهما السلام). مصعب بن يزيد الأنصاري عامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أربع رساتيق المدائن. طلحة بن زيد. أبو الورد. الفضل بن أبي اقرة السمندي. عبيد الله بن الوليد الوصافي. الوليد بن صبيح. الزهري؛ محمد بن مسلم بن شهاب. الحسن بن علي الوشا؛ المعروف بابن بنت الياس. الحسن بن راشد. أبان بن عثمان الأحمر. عمرو بن خالد. منصور بن يونس برزج. محمد بن الفيض التيمي. عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري الكوفي، وهو أخو أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري. إدريس بن هلال. القاسم بن عروة. محمد بن قيس. بشير النبّال. عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، ولقبه كرّام. عيسى بن أبي منصور؛ أبو صالح الكوفي. عمرو بن شمر. سليمان بن عمرو الأحمر. عبد الملك بن عتبة الهاشمي. علي بن أبي حمزة. يحيى بن أبي العلا. محمد بن حكيم. علي بن الحكم. علي بن سويد. إدريس بن زيد، صاحب الرضا (عليه السلام). علي بن إدريس، صاحب الرضا (عليه السلام). محمد بن حمران. سعيد النقاش. القاسم بن يحيى. الحسين بن سعيد. غياث بن إبراهيم. علي بن محمد النوفلي. عبدالله بن لطيف التفليسي. عبد الرحمن بن أبي نجران. محمد بن القاسم بن الفضيل البصري. سيف بن عميرة النخعي. محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني. محمد العياشي. ميمون بن مهران. محمد بن عمران العجلي. عيسى بن عبدالله الهاشمي؛ عيسى بن عبدالله بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام). أبو همام، اسماعيل بن همام. عيسى بن يونس. حذيفة بن منصور. داود بن كثير الرقي، وهو من الصادق ـ عليه السلام ـ بمنزلة المقداد من رسول الله صلى الله عليه وآله. إسحاق بن يزيد. إبراهيم بن عمر اليماني. الحسن بن علي بن فضال. النضر بن سويد. شهاب بن عبد ربه. الحسن بن زياد الصيقل الكوفي، أبو الوليد. عمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز الحداد. إبراهيم بن أبي يحيى المدايني. عبد الملك بن أعين، أبو ضريس. زار الصادق (عليه السلام) قبره بالمدينة مع أصحابه. علي بن أسباط. أبو الربيع الشامي. عمار بن مروان الكلبي. بكر بن صالح الرازي. أيوب بن أعين. منذر بن جيفر. عبدالله بن ميمون القداح المكي. جعفر بن القاسم. منصور الصيقل. علي بن ميسرة. محمد بن القاسم الآسترابادي. حماد النوا. خالد بن أبي العلا الخفاف. عبدالله بن يحيى الكاهلي. إسماعيل بن الفضل الهاشمي. أبو الحسن النهدي. عمران الحلبي، أبو اليقظان. الحسن بن هارون. إبراهيم بن سفيان. الحسين بن سالم. روح بن عبد الرحيم. عبدالله بن حماد الأنصاري. سعيد بن يسار العجلي، الأعرج الكوفي. بشار بن يسار. محمد بن عمرو بن أبي المقدام. عبد الملك بن عمرو، الأحول الكوفي. يوسف بن يعقوب؛ أخو يونس بن يعقوب، وكانا فطحيين. محمد بن علي بن محبوب. محمد بن سنان. محمد بن الوليد الكرماني. محمد بن منصور. عبدالله بن القاسم. عبدالله بن جبلة. محمد بن عبدالله بن مهران. محمد بن الفيض. أبو إسحاق، ثعلبة بن ميمون. العباس بن عامر القصباني. رومي بن زرارة. داود بن إسحاق. بكار بن كردم. إدريس بن عبدالله بن سعد الأشعري. سلمة بن الخطاب البراوستاني. إدريس بن زيد. محمد بن سهل بن اليسع األأشعري. جعفر بن عثمان. عثمان بن زياد. أمية بن عمرو. منهال القصاب. مسعدة بن زياد. داود بن أبي زيد. ثوير بن أبي فاختة. واسم أبي فاختة سعيد بن علاقة. عيسى بن أعين. محمد بن حسان. أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري. عمر بن أبي شعبة الحلبي. عمر بن قيس الماصر. أبو سعيد الخدري. علي بن حسان الواسطي. إسماعيل بن مهران. شعيب بن واقد. علي بن اسماعيل الميثمي. يعقوب بن يزيد. الحسن بن علي بن النعمان. عبد الحميد الأزدي. سلمة بن تمام، صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). محمد بن أسلم الجبلي. محمد بن يعقوب الكليني. محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الزيات. العباس بن معروف. معاوية بن حكيم. يوسف بن إبراهيم الطاطري. فضالة بن أيوب. يحيى بن حسان الأزرق. علي بن النعمان. أحمد بن محمد بن مطهر، صاحب أبي محمد بن علي (عليه السلام). أبو عبدالله الخراساني. حارث بيّاع الأنماط. عمرو بن سعيد الساباطي. علي بن محمد الحضيني. سويد القلا. جعفر بن ناجية. ذريح المحاربي. كليب بن معاوية الأسدي الصيداوي. عبدالله بن جعفر الحميري. صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ربيحة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الحسين بن محمد. الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام). النعمان بن سعيد. حمدان الديواني. حمزة بن حمران بن أعين، مولى بني شيبان الكوفي. محمد بن إسماعيل البرمكي. إسماعيل بن الفضل. عطاء بن السائب. أحمد بن عائذ. إبراهيم بن محمد الثقفي. عمرو بن ثابت، وهو عمرو بن أبي المقدام. العلا بين سيابة. عبدالله بن الحكم. علي بن أحمد بن أشيم. علي بن مطر. ياسين الضرير البصري. علي بن غراب. وهو ابن المغيرة الأزدي. القاسم بن بريد بن معاوية العجلي. أحمد بن هلال. أبو هاشم الجعفري. علي بن عبد العزيز. محمد بن عذافر الصيرفي. سدير بن حكيم بن صهيب الصيرفي، أبو الفضل. أيوب بن الحر الجعفي الكوفي، أخو أديم بن الحر. الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني. الفضل بن أبي قرة السمندي الكوفي. عبد الحميد بن عواض الطائي. عبد الصمد بن بشير الكوفي. عبدالله بن محمد الجعفي. أحمد بن الحسن الميثمي. أبو ثمامة، صاحب أبي جعفر الثاني (عليه السلام). اسماعيل بن أبي فديك. الصباح بن سيابة، أخو عبد الرحمن بن سيابة الكوفي. إبراهيم بن هاشم. أبو الجوزاء. حمدان بن الحسين. حماد بن عمرو. أنس بن محمد، أبو مالك. أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني الكوفي، مولى بني هاشم. المعلى بن محمد البصري. عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري. سعد بن طريف الخفّاف.
3 ـ تهذيب الأحكام: تأليف الشيخ الطوسي (460هـ)
كتاب كبير جمع الأخبار المتعلقة بالحلال والحرام. يشتمل على أكثر ما يتعلق بالفقه من أبواب الأحكام، وعلى جميع أحاديث الفقه المتفق عليه، والمختلف فيه. ويحتوي على تأويل الأخبار المختلفة، والأحاديث المتنافية. وهو شرح رسالة «المُقنعة» في الفتاوى للشيخ المفيد، لأنها شافية كافية في أكثر ما يحتاج اليه من أحكام الشريعة، وأنها بعيدة عن الحشو.
ذكر الشيخ الطوسي مسألة مسألة، فاستدلّ عليها إما من ظاهر القرآن أو من صريحه أو فحواه أو دليله أو معناه. وإما من السنة المقطوع بها من الأخبار المتواترة أو الأخبار التي تقترن إليها القرائن التي تدل على صحتها. وإمّا من إجماع المسلمين إن كان فيها إجماع، أو اجتماع الفرقة.
ثم يذكر ـ بعد ذلك ـ ما ورد من أحاديث الأصحاب المشهورة في ذلك. وينظر فيما ورد مما ينافيها ويضادها، ويبين الوجه فيها. وقد جرى على عادته هذه إلى آخر الكتاب. وقد اقتصر من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المُصنّف الذي أخذ الخبر من كتابه، أو صاحب الأصل الذي أخذ الحديث من أصله، وذكر في آخر الكتاب جملاً من الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأصول والمصنفات على غاية ما يمكن من الاختصار. وعدة مشيخته (78) رجلاً من حملة العلم؛ منهم:
محمد بن يعقوب الكليني. علي بن ابراهيم بن هاشم. محمد بن يحيى العطار. أحمد بن إدريس. الحسين بن محمد. محمد بن إسماعيل. حميد بن زياد. أحمد بن محمد بن عيسى. أحمد بن محمد بن خالد. الفضل بن شاذان. الحسن بن محبوب. سهل بن زياد. علي بن الحسن بن فضال. الحسين بن سعيد. محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري. محمد بن علي بن محبوب. محمد بن الحسن الصفار. سعد بن عبدالله. محمد بن الحسن بن الوليد. علي بن الحسين بن بابويه. الحسن بن محمد بن سماعة. علي بن الحسن الطاطري. أبو العباس، أحمد بن محمد بن سعيد. أحمد بن داود. أبو القاسم، جعفر بن محمد بن قولويه. إبن أبي عمير. إبراهيم بن إسحاق الأحمري. علي بن حاتم القزوينهي. موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب. يونس بن عبد الرحمن. علي بن مهزيار. أحمد بن أبي عبدالله البرقي. علي بن جعفر. أبو عبدالله، الحسين بن سفيان البزوفري. أبو طالب الأنباري. يحتوي كتاب التهذيب على (393) باباً، عدة أحاديثها (13590) حديثاً.
4 ـ الاستبصار: تأليف الشيخ الطوسي (460هـ)
كتاب في تجريد الأخبار المختلفة وترتيبها على ترتيب كتب الفقه ـ (التي أولها كتاب الطهارة، وآخرها كتاب الديّات) ـ يشتمل على جميع ما روي من الأخبار المختلفة، وبيان وجه التأويل فيها، والجمع بينها. ألّفه للمتوسط في العلم.
يبتدئ الطوس في (الاستبصار) بإيراد ما يعتمده من الفتوى والأحاديث في كل باب. ثم يُعقّب بما يخالفها من الأخبار، ويُبيّن وجه الجمع بينها. وقد أشار في أول الكتاب إلى جملة مما يرجح به الأحاديث بعضها على بعض. فالمتواتر يوجب العلم ويجب العمل به، ولا يقع منه التعارض ولا التضاد، ثم كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العمل والعلم وخرج الخبر عن حيز الآحاد، وتدخله في باب المعلوم. والقرائن منها؛ مطابقة أدلة العقل ومقتضاه، ومطابقة ظاهر القرآن أو عمومه، أو دليل خطابه أو فحواه. ومنها مطابقة السنة المقطوع بها صريحاً أو دليلاً، أو فحوى أو عموماً. ومنها مطابقة ما أجمعت عليه الفرقة. وما يتعرى من واحدٍ من هذه القرائن فإنه خبر واحد يجوز العمل به على شروط.
جزَّأ الشيخ الطوسي هذا الكتاب ثلاثة أجزاء يشتمل الجزء الأول والثاني على ما يتعلق بالعبادات. والثالث يتعلق بالمعاملات وغيرها من أبواب الفقه. وأبوابه (925) باباً، تشتم لعلى (5511) حديثاً.
وقد سلك في أول الكتاب إيراد الأحاديث بأسانيدها. وعلى ذلك اعتمد في الجزء الأول والثاني، ثم اختصر في الجزء الثالث. وعوّل على الابتداء بذكر الراوي الذي أخذ الحديث من كتابه أو أصله. وأورد عند الفراغ من الكتاب جملة من الأسانيد يتوصل بها الى هذه الكتب والأصول. وعدة مشيخته من الاستبصار (77) رجلاً، منهم:
محمد بن يعقوب الكليني. علي بن إبراهيم بن هاشم. محمد بن يحيى العطار. أحمد بن إدريس. الحسين بن محمد. محمد بن إسماعيل. حميد بن زياد. أحمد بن محمد بن عيسى. أحمد بن محمد بن خالد البرقي. الفضل بن شاذان. الحسن بن محبوب.. سهل بن زياد. علي بن الحسن بن فضال. الحسين بن سعيد. محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري. محمد بن علي بن محبوب. محمد بن الحسن الصفار. سعد بن عبدالله. محمد بن الحسن بن الوليد. الحسن بن محمد بن سماعة. علي بن الحسن الطاطري. أبو العباس، أحمد بن محمد بن سعيد. أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بنة بابويه. أحمد بن داود. أبو القاسم، جعفر بن محمد بن قولويه. إبن أبي عمير. إبراهيم بن إسحاق الأحمري. علي بن حاتم الرازي. موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب. يونس بن عبد الرحمن. علي بن مهزيار. أحمد بن أبي عبدالله البرقي. علي بن جعفر. أبو عبدالله، الحسين بن سفيان البزوفري. أبو طالب الأنباري.
الجوامع الثلاثة
1 ـ الوافي: تأليف الفيض (1091هـ)
كتاب كبير جامع في فنون علم الدين. يحتوي على جملة ما ورد منها في القرآن المبين وجميع ما تضمنته الأصول الأربعة «الكافي، ومَن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار» من أحاديث الأئمة. جمعها ودوَّنها ونظّمها وهذّبها ورتَّبها وفضّلها وبذل جهده في أن لا يشذ عنه حديث ولا إسناد. وشرح منها ما لعله يحتاج إلى بيان شرحاً مختصراً. وأورد أحاديث مهمة من غيرها من الكتاب والأصول. ووفّق بين أكثر ما يكاد يكون متنافياً، وأوّل بعضه إلى بعض.
ووضع لكل من الأصول الأربعة علامة؛ فعلامة الكافي (كا)، وعلامة مَنْ لا يحضره الفقيه (يه)، وعلامة التهذيب (يب)، وعلامة الاستبصار (صا). وجعل عنوان ما يتعلق بشرح الحديث كلمة (بيان) وعبّر عن التهذيب والاستبصار بالتهذيبين. وربما فرّق حديثاً واحداً يشتمل على حكمين في بابين، وكرّر الإسناد، وربما أورد طائفة من الأخبار الواردة في حكم واحد في باب، وذكر سائرها في باب آخر مع الإشارة إلى ذلك في كل منهما. وكل حديث يحتاج إلى شرح فإن وجد شرحه من حديث آخر ولو من غير الكتب الأربعة شرحه به. وإن تعرّض لشرحه أحد المشايخ الثلاثة «الكليني، والصدوق، والشيخ الطوسي»، أو ألفاه في كلام غيرهم من أهل العلم أو أئمة اللغة نقله عنهم، وإلاّ شرحه بعقله بمقدار فهمه.
صنّف الفيض كتاب الوافي في (15) مجلداً آخرها في مشيخة الكتب الأربعة والرجال. وأكمله في سنة 1068هـ. واصطفى كتاب (الشافي) من الوافي في سنة 1082هـ. وجعله جزأين؛ جزء هو من قبيل العقائد والأخلاق، وجزء هو من قبيل الشرائع والأحكام. ورتّب كلاً من الجزأين على إثني عشر كتاباً يشتملان معاً على (335) باباً. وعدة سطور الأصل (150000).
2 ـ الوسائل: تأليف الحر العاملي (1104هـ)
كتاب كبير في الفقه والحديث والأصول والرجال مرتب على ترتيب كتب الفقه. يشتمل على جميع أحاديث المسائل الشرعية ونصوص الأحكام المروية في الكتب المعتمدة الصحيحة؛ وهي الكتب الأربعة الأصول «الكافي، ومَنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار» وسائر الكتب المعتمدة وهي (87) كتاباً غير ما نقل منه بالواسطة وهي (94) كتاباً.
صرف الحر في جمع كتاب الوسائل وتهذيبه وترتيبه وتحقيقه مدة مديدة تقارب عشرين سنة. وقد جمع الفتاوى والأحكام المنقولة عن الأئمة مستقصياً للفروع الفقهية والأحكام المروية، والسنن الشرعية، والأدعية الدينية والدنيوية، تاركاً للأحاديث التي لا تتضمن شيئاً من الأحكام وللأخبار المشتملة على الأدعية الطويلة والزيارات والخطب؛ مبتدئاً باسم من نقل الحديث من كتابه ذاكراً للطرق والكتب، وما يتعلق بها في آخر الكتاب.
وتشتمل خاتمة الكتاب على إثنتي عشرة فائدة؛ في ذكر طرق الصدوق والشيخ الطوسي والكليني، والكتب المعتمدة التي نقل منها أحاديث الكتاب وشهد بصحتها مؤلفوها وغيرهم وقامت القرائن على ثبوتها وتواترها عن مؤلفيها، وطرق رواية تلك الكتب وشهادة العلماء بصحتها، وذكر أصحاب الإجماع وأصحاب الأصول والموثقين ونحوهم، وتفصيل قرائن الخبر والاستدلال على صحة أحاديث الكتب التي نقل منها، وجواب الاعتراض عليه، والأحاديث المضمرة، وأحوال الرجال.
إبتدأ الحرّ بالكتاب قبل سنة 1066هـ، وأتمّه في سنة 1088هـ.
3 ـ البحار: تأليف المجلسي (1110هـ)
كتاب كبير واسع في الأخبار، مُتَّسق الفصول والأبواب، مضبوط المقاصد والمطالب. صدَّر المجلسي كل باب بالآيات المتعلقة بالعنوان ثم أورد بعدها شيئاً مما ذكره بعض المفسرين فيها. وقد أوضح ما يحتاج إلى الكشف من الأخبار ببيان شاف على غاية الإيجاز.
يشتمل البحار على كتب وأبواب كثيرة الفوائد ككتاب العدل والمعاد، وتواريخ الأنبياء، والأئمة، وكتاب السماء والعالم المشتمل على أحوال العناصر والمواليد.
أخذ المؤلف كتابه من أمهات الكتب والأصول والمصادر عدّد منها فوق (416) وقد أشار في غير موضع إلى سائر كتب بعض مؤلفيها ورسائلهم وأجوبتهم، إضافة إلى (87) من كتب السنّة.
جزّأ المجلسي البحار (26) مجلداً تحوى (2489) باباً في العلم والعقل والجهل والتوحيد والعدل والمعاد، والاحتجاجات والمناظرات، وجوامع العلوم، والنبوة وقصص الأنبياء وتاريخ النبي (ص)، والإمامة وأحوال الأئمة وتواريخهم وما جرى عليهم، والسماء والعالم، والإيمان ومكارم الأخلاق، والكفر ومساوئ الأخلاق، والعشرة والآداب والسنن والمواعظ والقرآن والدعاء والمزار والفقه والرجال والإجازات والفوائد والتواريخ.
إبتدأ المجلسي بتأليف البحار قبل سنة 1077هـ، وشغل به حتى مات في سنة 1110هـ، وهي مدة تزيد على ثلاثين سنة)[750](.
المحمدون الثلاثة الأوائل
1 ـ الكليني (329هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، الرازي؛ البغدادي؛ المعروف بالسلسلي، نسبة إلى درب السلسلة بباب الكوفة، في بغداد.
من بيت معرق الأصل في الحديث والرواية والفقه وعلوم الدين.
كان ثقة جليل القدر، عارفاً بالأخبار، من أئمة العلماء والفقهاء والمصنّفين. وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم. حدّث في العراق والشام، وانتهت إليه رئاسة الفقهاء في أيام الخليفة المقتدر. وكان شيخ الأصحاب ووجههم في وقته. وقد عُدّ من المجدّدين في رأس المائة الثالثة.
تُوفي ببغداد، في شعبان سنة 329هـ. وهي «سنة تناثر النجوم».
صنّف ـ رحمة الله عليه ـ عدّة كتب منها:
1 ـ كتاب تفسير الرؤيا.
2 ـ كتاب الرجال.
3 ـ كتاب الرد على القرامطة.
4 ـ كتاب الرسائل؛ رسائل الأئمة.
5 ـ كتاب الكافي.
6 ـ كتاب ما قيل في الأئمة من الشعر.
2 ـ الصدوق (381هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن علي بن الحسين بن موسى؛ ابن بابويه، الصدوق، الفقيه؛ رئيس المحدّثين، نزيل الريّ وبغداد والكوفة. من بيت معرق في العلم والحديث والفقه والتأليف والتصنيف.
ولد في سنة 306هـ (ظ)، وتُوفي سنة 381هـ.
كان حافظاً للأحاديث، بصيراً بالفقه، ناقداً للأخبار والرجال. لم ير مثله في الحفظ وكثرة العلم، يتعجب الناس من حفظه.
صنَّف (300) مجلد في الأصول والفروع وفنون الحديث والعلم. ورحل إلى مشهد، ونيسابور، ومروالروز، وهمذان، والكوفة، وبغداد، وما وراء النهر، وبلخ، وسرخس، وإيلاق، وسمرقند، وفرغانة، وحجّ ومرّ بفَيد)[751]( بعد منصرفه من مكة. وكانت أسفاره في سنة 352 و354 و355 و367 و368هـ، وروى عن حملة العلم، وهم مئات حفظت أسانيد كتبه أسماء (252) رجلاً منهم. وسمع منه مشاهير الشيوخ، وهو حدَث السن.
ألّف الصدوق في الحديث والفقه والرجال والكلام والاعتقادات والعقائد والتفسير والناسخ والمنسوخ والفضائل والزهد والعلل والمسائل والمواعظ والوصايا والنوارد والأخبار والتأريخ. وله أمالي ومجالس وجوامع وجوابات مسائل وردت عليه من واسط وقزوين والبصرة والكوفة ومصر ونيسابور والمدائن.
وقد اهتم الصدوق بتصنيف الأخبار؛ فصنّف (كتاب التوحيد) في التوحيد ونفي التشبيه والجبر والتفويض، وإن التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وهو في (67) باباً فيها (583) حديثاً؛ فصلت معنى الواحد والتوحيد والموحّد، وتفسير قل هو الله أحد، ومعنى التوحيد، والعدل، وإنّه ـ عزّ وجل ـ ليس بجسم ولا صورة. وإنه تعالى ـ لن يُنال، ولا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولا تدركه الأوهام، ولا تقدر قدرته، ولا يقدر العباد على صفته.
وفي الكتاب أبواب في التفسير، ومعاني الأخبار والأسماء والألفاظ والحروف.
وصنّف كتاب (معاني الأخبار) في معاني الحديث، ومعاريضه، وتفسير ألفاظه؛ فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية. وهو كتاب لغة وحديث. يحتوي على (413) باباً فيها (821) حديثاً.
وصنّف (الخصال)، ويشتمل على (26) باباً في الأعداد، والخصال المحمودة والمذمومة. وفيه (432) خبراً.
وصنّف (الأمالي) في الحديث. وفيه (97) مجلساً.
وصنَّف (علل الشرائع) في العلل التي من أجلها سمّيت الأشياء كذا، وقيل للشيء كذا، ومن أجلها صار كذا، وخلق كذا، وجعل كذا، وقال كذا، وفعل كذا، وكان كذا، ونهي عن كذا، ووجب كذا، وسن كذا، ولا ينبغي كذا، ويجوز ولا يجوز، وأُحل كذا وحرم كذا، وهكذا سائر علل الأسماء والأشياء والأفعال والسنن والواجبات والتروك والفرائض والمستحبات والرخص. يشتمل على (647) باباً.
وصنَّف (عيون أخبار الرضا)، وجعله (69) باباً؛ فيها مجالس الرضا (ع) عند المأمون مع أهل الأديان وأصحاب المقالات؛ في التوحيد وعصمة الأنبياء. ومع سليمان المروزي متكلم خراسان. وما جاء عن الرضا من الأخبار في التوحيد والإيمان، والمعرفة، وصفة النبي، وما كتبه الرضا للمأمون في محض الإسلام وشرائع الدين وغيرها من الأخبار المجموعة والمتفرقة والنادرة في فنون شتى.
وألّف كتاب (مَنْ لا يحضره الفقيه) في الفقه والحلال والحرام والشرائع والأحكام.
3 ـ الشيخ الطوسي: (460هـ)
هو أبو جعفر، محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي؛ نزيل بغداد، ثم النجف.
شيخ العلماء ووجههم ورئيسهم وعينهم. كان فقيهاً عالماً مفسراً مقرئاً متكلماً ثقةً صدوقاً، جليل القدر عظيم المنزلة، عارفاً بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام.
ولد سنة 385هـ. وهبط بغداد في سنة 408هـ. وسكن الكرخ وهاجر إلى النجف سنة 448هـ وأسس مدرسته فيها على التقوى والدين والعلم والخير. وكانت مدارس الغري عامرة في أواخر القرن الرابع.
وتوفي المحرم سنة 460هـ.
صنَّف أكثر من (200) مجلد في فنون العلوم. وهذّب العقائد في الأصول والفروع.
ومن تصانيفه المتداولة المشهورة:
1 ـ اختيار الرجال.
2 ـ الاستبصار.
3 ـ الاقتصاد.
4 ـ الأمالي؛ المجالس «في الحديث».
5 ـ الإيجاز.
6 ـ البيان في التفسير.
7 ـ تلخيص الشافي في الكلام.
8 ـ الجمل والعقود في الفقه.
9 ـ الخلاف.
10 ـ العُدَّة.
11 ـ الفهرست.
12 ـ المبسوط.
13 ـ مسائل.
14 ـ مصباح المتهجد.
15 ـ النهاية.
يشتمل (الاقتصاد) على بيان ما يجب اعتقاده ومعرفته ويلزم العمل به والمصير إليه مما لا يخلو منه مكلف في حال من الأحوال. وقد رتّبه على فصول في معرفة الله، وإثبات صانع العالم، وبيان صفاته، وأنه واحد. وفي العدل والاستطاعة، والتكليف واللطف، والمعرفة والعلم، والآجال والأرزاق، والوعد والوعيد، والنبوة والمعجز، والعصمة والإمامة والعبادات.
أما (الفهرست) فيشتمل على ذكر المصنّفات والأصول. وقد رتّبه على المصنّفين، على حرف المعجم؛ مشيراً إلى ما قيل فيهم من التعديل والتجريح، وأسانيده إلى كتبهم، ومَنْ أخبره بها.
وأمّا (الرجال) فيشتمل على أسماء الرجال والنساء الذين رووا عن النبي (ص)، وعن الأئمة من بعده. ثم يذكر بعد ذلك مَنْ تأخّر زمانه عنهم من رواة الحديث، أو مَنْ عاصرهم، ولم يروِ عنهم، ورتَّبه على حروف المعجم.
وأمّا (المبسوط) فيشتمل على جميع كتب الفقه التي فصّلها الفقهاء. يذكر كلّ كتاب على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، ويقتصر على مجرد الفقه، دون الأدعية والآداب. وقد قسم فيه المسائل، وجمع بين النظائر واستوفاه غاية الاستيفاء، وذكر أكثر الفروع، وقال ما عنده على ما يقتضيه المذهب، وتوجبه الأصول. وإذا كانت المسألة أو الفرع ظاهراً قنع فيه بمجرد الفتيا. وإن كان غريباً أو مشكلاً أومأ إلى تعليله، ووجه دليله. وإذا كان مما فيه أقوال ذكرَها، وبيَّن عللها، والصحيح، والأقوى منها.
وأمّا (النهاية) فقد ذكر فيه جميع ما رواه الأصحاب في مصنَّفاتهم، وأصّلوه من المسائل، ورتَّبه ترتيب الفقه، ولم يتعرض للتفريع. ويشتمل على كتب الفقه؛ الطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد وسيرة الإمام، والديون والكفالات والحوالات والوكالات، والشهادات والقضايا والأحكام، والمكاسب والمتاجر، والنكاح والطلاق، والعتق والتدبير والمكاتبة، والأيمان والنذور والكفارات، والصيد والذبائح والأطعمة والأشربة، والوقوف والصدقات، والوصايا والمواريث، والحدود والديات.
وسلك في (جمل العقود) في العبادات طريق الإيجاز والاختصار.
المحمدون الثلاثة الأواخر
1 ـ الفيض: (1091هـ)
هو محمد محسن بن المرتضى بن محمد، المشتهر بالفيض.
توفي سنة 1091هـ عن 84 سنة.
له تصانيف ومؤلفات تقرب من (200) كتاب ورسالة؛ منها:
1 ـ الصافي في تفسير القرآن الكريم، ألّفه سنة 1075هـ. 2 ـ الأصفى؛ منتخب من الصافي. 3 ـ الوافي، ألّفه سنة 1068هـ. 4 ـ الشافي؛ منتخب من الوافي، ألفه سنة 1082هـ. 5 ـ النوادر. 6 ـ المعتصم في أحكام الشريعة، ألّفه سنة 1042هـ. 7- النخبة؛ خلاصة الفقه، في سنة 1075هـ. 8 ـ التطهير؛ نخبة النخبة. 9 ـ علم اليقين في أصول الدين، في سنة 1042هـ. 10 ـ المعارف؛ ملخص علم اليقين، في سنة 1036هـ. 11 ـ أصول المعارف؛ ملخص مهمات عين اليقين، صُنِّفَ في سنة 1089هـ. 12 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، «إحياء علوم الدين»، ألّفه سنة 1046هـ. 13 ـ الحقائق في أسرار الدين؛ ملخص المحجة البيضاء. في سنة 1090هـ. 14 ـ قرة العيون، في سنة 1038هـ. 15 ـ الكلمات المكنونة في بيان التوحيد، صنّفه في سنة 1090هـ. 16 ـ جلاء العيون؛ في أذكار القلب. 17 ـ تشريح العالم. 18 ـ أنوار الحكمة؛ مختصر كتاب علم اليقين، في سنة 1043هـ. 19 ـ اللباب؛ في الإشارة إلى كيفية علم الله ـ سبحانه ـ بالأشياء. 20 ـ اللب؛ في معنى حدوث العالم، في سنة 1073هـ. 21 ـ ميزان القيامة، في سنة 1040هـ. 22 ـ مرآة الآخرة، صُنّف في سنة 1044هـ. 23 ـ ضياء القلب، في سنة 1057هـ. 24 ـ تنوير المذاهب؛ تعليقات على المواهب للكاشفي في التفسير. 25 ـ شرح الصحيفة، في الأدعية. 26 ـ سفينة النجاة؛ في أن مأخذ الأحكام الشرعية ليس إلا محكمات الكتاب والسنة. صُنّف في سنة 1058هـ. 27 ـ الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين. صُنّف في سنة 1068هـ. 28 ـ الأصول الأصلية، في سنة 1044هـ. 29 ـ تسهيل السبيل في الحجة في انتخاب كشف المحجة، في سنة 1040هـ. 30 ـ نقد الأصول الفقهية؛ خلاصة علم أصول الفقه. 31 ـ أصول العقائد، في سنة 1036هـ. 32 ـ منهاج النجاة، صُنّف في سنة 1042هـ. 33 ـ خلاصة الأذكار، صُنِّف في سنة 1033هـ. 34 ـ ذريعة الضراعة في أدعية المناجاة، صُنّف في سنة + 1055هـ. 35 ـ مختصر الأوراد. صنّفه في سنة 1067هـ. 36 ـ أهم ما يعمل. 37 ـ الخطب؛ نيف ومائة خطبة، لجمعات السنة والعيدين. جمعه في سنة 1067هـ. 38 ـ الشهاب الثاقب في تحقيق عينية وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة، صُنِّف في سنة 1057هـ. 39 ـ أبواب الجنان في بيان وجوب صلاة الجمعة وشرائطها وآدابها وأحكامها، في سنة 1055هـ. 40 ـ ترجمة الصلاة، صُنّف في سنة 1043هـ. 41 ـ مفاتيح الخير؛ في فقه الصلاة. 42 ـ ترجمة الطهارة. 43 ـ أذكار الصلاة. 44 ـ ترجمة الزكاة. 45 ـ ترجمة الصيام. 46 ـ ترجمة العقائد. 47 ـ السانح الغيبي في تحقيق معنى الإيمان والكفر ومراتبهما. 48 ـ رسالة في طريق الصواب، صُنّف في سنة (+ 1040هـ). 49 ـ شرائط الإيمان. 50 ـ ترجمة الشريعة. 51 ـ الأذكار المهمة؛ منتخب خلاصة الأذكار. 52 ـ الرفع والدفع. 53 ـ منتخب ضياء القلب، في سنة 1066هـ. 54 ـ وصف الخيل، صنف في سنة 1067هـ. 55 ـ زاد السالك. 56 ـ النخبة الصغرى. 57 ـ الضوابط الخمس. 58 ـ حرمان الأموات. 59 ـ رسالة في بيان أخذ الأجرة على العبادات. 60 ـ رسالة في تحقيق ثبوت الولاية على البكر في التزويج. 61 ـ غنية الأنام في معرفة الأيام والساعات. 62 ـ معيار الساعات. 63 ـ الأحجار الشداد والسيوف الحداد في إبطال الجواهر الأفراد. 64 ـ المحاكمة. 65 ـ رفع الفتنة؛ في بيان حقيقة العلم والعلماء. 66 ـ فهرست العلوم. 67 ـ رسالة في أجوبة مكتوبات وسؤالهن. 68 ـ شرح الصور؛ في مجمل سيرته، صُنّف في سنة 1065هـ. 69 ـ أربعون حديثاً. 70 الأمالي. 71 ـ رسالة الإنصاف. 72 ـ أنموذج أشعار أهل العرفان. 73 ـ البشارة. 74 ـ كتاب التوحيد. 75 ـ ثناء المعصومين. 76 ـ الجبر والاختيار. 77 ـ الكلمات المخزونة؛ مختصر الكلمات المكنونة. 78 ـ حاشية الرواشح السماوية. 79 ـ حاشية الصحفة. 80 ـ ديوان شعر. 81 ـ شوق العشق؛ منظومة. 82 ـ شوق الجمال؛ منظومة. 83 ـ شوق المهدي؛ منظومة. 84 ـ فهرست مصنفاته. 85 ـ مثنويات؛ تسنيم، وسلسبيل، وندبة العارف، وندبة المستغيث. 86 ـ مفاتيح الشرائع؛ في الفقه. 87 ـ عين اليقين.
2 ـ الحرّ العاملي: (1104هـ)
هو، محمد بن الحسن بن علي؛ الحرّ العاملي، المشغري.
ولد في قرية مشغرى من ناحية البقاع، ليلة الجمعة 8 شهر رجب سنة 1033هـ، وتُوفي 21 شهر رمضان سنة 1104هـ.
قرأ في قرية جُبع، ثم سافر إلى العراق والمشرق وحج مرات.
له كتب منها:
1 ـ الجواهر السنية في الأحاديث القدسية. 2 ـ الصحيفة الثانية من أدعية علي بن الحسين (ع). 3 ـ كتاب الوسائل إلى تحصيل مسائل الشريعة. 4 ـ هداية الأُمة إلى أحكام الأئمة؛ (منتخب من الوسائل).
5 ـ فهرست الوسائل. يشتمل على جميع ما روي من فتاوى الأئمة (ع). وهو كتاب مَنْ لا يحضره الإمام.
6 ـ الفوائد الطوسية؛ يشتمل على (100) فائدة في مطالب متفرقة.
7 ـ إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات. يشتمل على أكثر من (20،000) حديث وقريب (70،000) سند. نقل فيه من (142) كتاباً من كتب الإمامية، ومن (24) كتاباً من كتب أهل السنّة بغير واسطة. ونقل بالواسطة من (223) كتاباً من كتب أهل السنّة، و(50) كتاباً من كتب الإمامية. ومجموع مصادره (439) كتاباً.
8 ـ أمل الآمل في علماء جبل عامل. 9 ـ تذكرة المتبحرين في العلماء المتأخرين.
10 ـ الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة؛ في (12) باباً تشتمل على أكثر من (600) حديث، و(64) آية.
11 ـ رسالة في الرد على الصوفية. تشتمل على (12) باباً، و(12) فصلاً فيها نحو (1000) حديث.
12 ـ رسالة في خلق الكافر. 13 ـ كشف التعمية في حكمية التسمية. 14 ـ رسالة الجمعة. 15 ـ نزهة الأسماع في حكم الإجماع. 16 ـ تواتر القرآن. 17 ـ رسالة الرجال. 18 ـ أحوال الصحابة. 19 ـ تنزيه المعصوم عن السهو والنسيان. 20 ـ بداية الهداية في الواجبات والمحرمات؛ فيها (1535) واجباً، و(1448) محرماً. 21 ـ الفصول المهمة في أصول الأئمة؛ أكثر من (1000) باب. 22 ـ العربية العلوية واللغة المروية. 23 ـ إجازات متعددة؛ مطولات ومختصرات. 24 ـ ديوان شعر، يقارب (20,000) بيت. 25 ـ منظومة في المواريث. 26 ـ منظومة في الزكاة. 27 ـ منظومة في الهندسة. 28 ـ منظومة في تاريخ النبي (ص)، والأئمة (ع). 29 ـ شرح كتاب الوسائل، سماه «تحرير الوسائل». 30 ـ عشر رسائل طويلة. 31 ـ رسالة في أحواله. 32 ـ رسالة في الوصية لولده. 33 ـ الأخلاق. 34 ـ المزار. 35 ـ إبطال عموم مسألة المنزلة. 36 ـ الأبحاث في الميراث. 37 ـ منظومة في الأخلاق. 38 ـ منظومة في أصول الفقه. 39 ـ منظومة في علم الكلام. 40 ـ منظومة في النحو. 41 ـ تلخيص الشافية؛ منظومة. 42 ـ منظومة في الخط والكتابة. 43 ـ منظومة في الفقه. 44 ـ منظومة في صيغ العقود والإيقاعات. 45 ـ منظومة في الرضاع. 46 ـ ديوان زين العابدين علي بن الحسين السجاد (ع). 47 ـ مقتل الحسين. 48 ـ حاشية الكافي. 49 ـ حاشية مَن لا يحضره الفقيه. 50 ـ حاشية تهذيب الأحكام. 51 ـ حاشية الاستبصار. 52 ـ جدول كبير في المحرمات الرضاعية. 53 ـ جدول في مسائل الميراث. 54 ـ تفسير بعض الآيات. 55 ـ مناظرة. 56 ـ جواب الشيخ إبراهيم حسنا. 57 ـ تأويل حديث الترجيع.
يروي الحر العاملي عن أكثر معاصريه، ويروي عنه كثير، وبعضهم يروون عنه، ويروي عنهم. وقد أحصى بعضهم (18) من أساتذته وشيوخه، و(27) من تلاميذه، والرواة عنه.
3 ـ المجلسي: (1110هـ)
هو، محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي المجلسي؛ سبط كمال الدين درويش محمد بن الحسن العاملي.
ولد سنة 1037هـ. وتوفي ليلة 27 شهر رمضان سنة 1110هـ.
له مؤلفات وتصانيف كثيرة؛ منها:
1 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، في (26) مجلداً ضخماً كبيراً. وهو «البحار». 2 ـ مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول؛ شرح الكافي في (12) مجلداً. 3 ـ ملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأخبار. 4 ـ شرح الأربعين. 5 ـ الفوائد الطريفة في شرح الصحيفة. 6 ـ الوجيزة في الرجال. 7 ـ رسالة الاعتقادات. 8 ـ رسالة الأوزان. 9 ـ رسالة في الشكوك. 10 ـ المسائل الهندية. 11 ـ حواشي متفرقة على الكتب الأربعة «الكافي، ومَنْ لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار»، وغيرها. 12 ـ رسالة في الأذان. 13 ـ رسالة في بعض الأدعية الساقطة عن الصحيفة الكاملة. 14 ـ عين الحياة. 15 ـ مشكاة الأنوار؛ مختصر عين الحياة. 16 ـ حق اليقين. 17 ـ حلية المتقين. 18 ـ حياة القلوب ـ (3 مجلدات). 19 ـ تحفة الزائر. 20 ـ جلاء العيون. 21 ـ مقباس المصابيح. 22 ـ ربيع الأسابيع. 23 ـ زاد المعاد. 24 ـ رسالة الديات. 25 ـ رسالة في الشكوك. 26 ـ رسالة في الأوقات. 27 ـ رسالة في الرجعة. 28 ـ ترجمة عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إلى مالك. 29 ـ اختيارات الأيام. 30 ـ رسالة في الجنة والنار. 31 ـ مناسك الحج. 32 ـ رسالة أخرى في مناسك الحج. 33 ـ مفاتيح الغيب في الاستخارة. 34 ـ رسالة في مال الناصب. 35 ـ رسالة في الكفارات. 36 ـ رسالة في آداب الرمي. 37 ـ رسالة في آداب الصلاة. 38 ـ رسالة في الزكاة. 39 ـ رسالة في صلاة الليل. 40 ـ رسالة «السابقون السابقون». 41 ـ رسالة في الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية. 42 ـ رسالة مختصرة في التعقيب. 43 ـ رسالة في البداء. 44 ـ رسالة في الجبر والتفويض. 45 ـ رسالة في النكاح. 46 ـ ترجمة فرحة الغري. 47 ـ ترجمة توحيد المفضّل. 48 ـ ترجمة توحيد الرضا. 49 ـ ترجمة حديث رجال بن أبي الضحاك. 50 ـ ترجمة الزيارة الجامعة. 51 ـ ترجمة دعاء كميل. 52 ـ ترجمة دعاء المباهلة. 53 ـ ترجمة دعاء السمات. 54 ـ ترجمة دعاء الجوشن الصغير. 55 ـ ترجمة حديث عبدالله بن جندب. 56 ـ ترجمة قصيدة دعبل. 57 ـ ترجمة حديث «ستة أشياء ليس للعباد فيها صنع؛ المعرفة، والجهل، والرضا، والغضب، والنوم، واليقظة». 58 ـ إنشاءات. 59 ـ صواعق اليهود؛ في الجزية وأحكام الدية. 60 ـ مناجاة. 61 ـ مشكاة الأنوار في آداب قراءة القرآن وفضلها، وآداب الدعاء، وشروطه. 62 ـ أجوبة المسائل المتفرقة. 63 ـ رسالة في السهام. 64 ـ شرح دعاء الجوشن الكبير. 65 ـ رسالة في زيارة اهل القبور. 66 ـ رسالة في ترجمة الصلاة. 67 ـ وصية لأولاده وأقاربه وعشائره وأصدقائه وخلانه، وسائر المؤمنين.
وقد أحصيتُ من أساتذته ومشايخه (18 ) علماً، ومن تلاميذه والرواة عنه (46). وتكاد آثاره تبلغ السبعين غير الإجازات.
تذييل
النوري: صاحب مستدرك الوسائل (1320هـ)
هو، حسين بن محمد تقي النوري، الطبرسي؛ نزيل سامراء؛ خاتمة المُحدّثين.
ولد سنة 1254هـ. وورد النجف، وتتلمذ على علماء العراق فيها، وفي الكاظمية، وسامراء. ورحل في طلب العلم سنة 1273 و1278 و1280هـ، وحجّ في سنة 1280 و1286هـ.
عُدَّةُ مؤلفاته فوق عشرين كتاباً؛ منها:
1 ـ نفس الرحمان. 2 ـ مواقع النجوم ومرسلة الدر المنظوم؛ في سلسلة إجازات العلماء. 3 ـ دار السلام. 4 ـ فصل الخطاب. 5 ـ معالم العبر. 6 ـ جنة المأوى. 7 ـ الفيض القدسي. 8 ـ الصحيفة الثانية العلوية. 9 ـ الصحيفة الرابعة السجادية. 10 ـ النجم الثاقب. 11 ـ الكلمة الطيبة. 12 ـ ميزان السماء. 13 ـ ظلمات الهاوية. 14 ـ رسالة في ردّ بعض الشبهات على كتاب فصل الخطاب. 15 ـ البدر المشعشع. 16 ـ مستدرك الوسائل؛ نحا فيه نحو الحر العاملي في كتاب (الوسائل)، واقتدى بهداه، وزاد عليه. 17 ـ كشف الأستار. 18 ـ سلامة المرصاد. 19 ـ رسالة مختصرة في مواليد الأئمة. 20 ـ مستدرك مزار البحار. 21 ـ حواشي على كتاب «منتهى المقال» لأبي علي الحائري؛ المعروف برجال أبي علي. 22 ـ ترجمة دار السلام.
إلى غير ذلك من الحواشي والرسائل.
الاختلاف والخلاف
إذا اختلفت الأمة في مشاربها الفكرية، ومسالكها العقلية، وآرائها الفلسفية ومذاهبها الكلامية، وأصولها الاعتقادية (واختلافها رحمة على كل حال) فإنها أطبقت في التشريع على أن أصول أدلة الأحكام الشرعية أربعة؛ هي: كتاب الله، والسنّة، والإجماع، ودليل العقل. ومن ها هنا اختلف المجتهدون والفقهاء في الاستنباط، وتعددت مسارحهم في الاجتهاد، وتفاوتوا في اقتباس الأحكام؛ على قدر تناطق المدارك ومقدار المعرفة بالأدلة، وتقاضي وجوه الدلالة، واختلاف العقول، وتغاير المفهوم، ومقتضى الملفوظ، ومناط الفحوى والمفهوم والمدلول والمعقول. وهذا في الشرائع من أمارات الحياة، وعلامات التطور والارتقاء.
والكتاب والسنّة والعقل هي جامعة المسلمين على تنوع مذاهبهم، وانشعاب فرقهم، وانقسام اجتهادهم. وإذا كان قول الرسول (ص) مظهراً لكل الأحكام تجلت أهمية السنّة، وبرز مقامها. فالفقيه حق الفقيه هو «المتمسك بسنّة النبي» كما قال الإمام أبو جعفر محمد الباقر (ع)؛ الخامس من الأئمة-أهل البيت. وقال ـ أيضاً ـ: «فمن كانت فترته إلى سُنّة فقد اهتدى». وهو الذي قال: «كل مَنْ تعدَّى السُنَّة رُدّ إلى السُنَّة». وهي تدور مع القرآن أينما دار.
وإذا كنتُ أرى في موضوعات كتب (الخلاف) في الفقه مادة الاتفاق والتوافق والوحدة، والتوحيد الذي نسعى له، ويدعو المخلصون أبداً دائماً إليه؛ فإن في الحديث ـ الذي يمثل اختلاف طرقه وطرائقه ومذاهبه ومصادره وموارده ومنابعه ومشاربه روافد الخير وينابيع البركة والسعة والرشد ـ ما يشدّ بنيان الأمة، ويجمع أمرها، ويضيء لها، ويمهّد وحدتها. والأفضل أن نفتح أبواب التفاؤل، ونسارع إلى حسن الظن، ولا نستعجل بالاتهام والتجريح والتليين والتضعيف والطعن والقدح والخوض في الانتقاص واحتمال البهتان والإثم والتكلم في الناس وإصابتهم بجهالة، ذلكم أطهر للقلوب، وخير زكاة، وأقرب رحماً. والكلمة الطيبة كشجرة طيبة. وقد خاب من حمل ظلماً «إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً». والطرق كلها إلى الله والحق ـ إن شاء الله ـ ولكلٍ وجهة يرضاها، وكفى بربك هادياً وبصيرا.
وللعدالة والجهالة، والإنكار والمتابعة، والأخذ والترك، والاحتجاج والطرح مداخل ومخارج ومصادر وموارد. وهو سلّم طويل، وبحر لجيّ، وجُبٌ قاتم الأعماق، ومدحضة تزلج فيها الأقدام، وهُوّة تكبكب فيها الظنون والآراء.
والآن ـ لا بُدّ أنّ يحصحص الحق، وتتم الكلمة. ولا بُدّ من درس التراث بإنصاف، وتمحيص المأثور بحق، والقضاء فيه بعدل. وفي تراث الأمة ما يجمع الشتات، ويرتق الفتق، ويلم الشعث، ويعيد المنهدم، ويضمّ النشر. وفي حضارتها المجيدة مثال يحتذى، وآثار تُقفى، وطريقة تُتحرى، ونهج يعتمد، وسبيل يسلك.
وأنا أقترح أن تُترك كتبُ الملل والنحل، وأن لا يُعوّل على كتاب الشهرستاني (الذي تُوفي سنة 548هـ)، وكتاب الفصل لابن حزم المُتوفى سنة 456هـ الذي سبق في الزمان، وتأخر في الشهرة. وكيف يعوّل على واحدٍ مثلاً في تصوير فئات خرَّجت ألوف العلماء أنتجوا ألوف الكتب والتصانيف، وملأوا الدنيا بالمعطيات.
وإنْ أنسى لا أنسى كلمة الإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606هـ في وصف كتاب الملل والنحل، في المسألة العاشرة من مناظراته؛ قال: «إنه كتاب حكى فيه مذاهب أهل العالم بزعمه، إلاّ أنه غير معتمد عليه؛ لأنه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المُسمّى بالفَرق بين الفِرق من تصانيف الأستاذ أبي منصور البغدادي. وهذا الأستاذ كان شديد التعصب على المخالفين. ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه؛ فلهذا السبب وقع الخلل في نقل هذه المذاهب».
والاشتغال بالعلم والفقه والسُنَّة خير وأبقى من الاشتغال بالمجادلات والخلاف والنزاع والاعتراض والنظر والشغب والقيل والقال من غير فائدة دينية أو علمية.
لقد إطَّلعتُ على الفقه، وقرأتُ آراء العلماء في كتب الخلاف. والعجيب أني وجدتُ أنّ الخلاف في آراء علماء الأمة إنّما هو نقطة البداية نحو توحيدها واتفاقها. وثبتَ عندي ـ والحمد لله ـ أنّ منهاج الأمة واحد، وطريقها واحدة، وسننها واحدة، ومذهبها واحد. وقد جسّمت كتبُ الفرق الاختلاف ـ غفر الله لمؤلفيها ـ وأنا أدعو أن تُنبذ هذه الكتب فهي أساس البلاء، ورأس الفتنة.
والحقُّ ـ إنّا إذا قرأنا كتب الفقه والأحكام ـ وهي نتيجة الكتاب والسنّة والعترة ـ وجدناها جميعاً على منوال واحد، ونهج واحد؛ يسلك بعضها سبيل بعض، ويركب بعضها طريق بعض، ويحتذى بعضها مثال بعض؛ ينحو هذا فعال هذا، ويتحرى هذا مقال هذا، ويقفو هذا آثار هذا، ويأخذ هذا في أساليب هذا.
وفي الآراء ما قال به جميع الفقهاء وعامتهم، وهو مذهبهم، وعليه إجماعهم، وفيها ما يُروى عن بعضهم أنهم قالوا به. وإذا كان في مسألة خلاف فهو اختيار آخر أو هو المحكي في مذهب غيره، أو هو لبعضهم في أحد قوليه، أو إحدى روايتيه. وما من خلاف إلاّ وفي بعض المذاهب الأخرى مَن حكاه، وقال به، وذهب إليه، وروى عنه إلاّ مسائل قليلة وأشياء ومعلومات في موضوعات معدودة. وأكثرها يوافق فيها أهل هذا المذهب غيرهم من العلماء والفقهاء المتقدمين أو المتأخرين، ولكلٍ دليل يعضده، وحجة تعمده.
هذا ـ ولا تجوز الشناعة على المذاهب بما تفرّدت به. وقد إنفرد أبو حنيفة، وانفرد الشافعي، وانفرد مالك، وانفرد أحمد بن حنبل، ومَنْ تأخر عن زمانهم، وانفردت الإمامية. لهذا موافق من أهل الكوفة، ولهذا موافق من أهل الحجاز، وما استدركه هذا بالقياس لا يمكن أن يُدّعى مثلاً أن له سلفاً في القول به.
أما مسائل الخلاف فهي ـ كما عدّدها الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف (4152) مسألة؛ هذا تفصيلها:
الطهارة 193 مسألة، الحيض والنفاس والاستحاضة 32، الصلاة 278، صلاة الجماعة 40، صلاة المسافر 36، صلاة الجمعة 53، صلاة الخوف 15، صلاة العيدين 27، صلاة الكسوف 10، صلاة الاستسقاء 6، أحكام الجنائز 98، الزكاة 154، زكاة الفطرة 45، الصيام 90، الاعتكاف 31، الحج 360، البيوع 321، السلم 38، الرهن 68، التفليس 27، الحجر 9، الصلح 12، الحوالة 11، الضمان 19، الشركة 15، الوكالة 23، الإقرار 35، العارية 9، الغصب 40، الشفعة 43، القراض 18، المساقاة 13، الإجارة 46، المزارعة 11، إحياء الموات 13، الوقوف والصدقات 24، الهبة 21، اللقطة 26، الفرائض 151، الوصايا 52، الوديعة 15، الفيء وقسمة الغنائم 45، قسمة الصدقات 30، النكاح 145، الصداق 49، الوليمة 5، القسم بين الزوجات 10، الخلع 29، الطلاق 61، الرجعة 12، الإيلاء 21، الظهار 73، اللعان 70، العدة 52، الرضاع 22، النفقات 50، الجنايات 96، الديّات 137، القسامة 16، كفارة القتل 17، الباغي 18، المرتد 13، الحدود 55، السرقة 56، قطاع الطريق 15، الأشربة 15، قتال أهل الردة 6، صولة البهيمة 7، السير 25، الجزية 22، الصيد والذبائح 36، الضحايا 31، الأطعمة 28، السبق 10، الأيمان 108، النذور 20، آداب القضاء 43، الشهادات 80، الدعاوى والبينات 28، العتق 19، المكاتب 35، المدبر 22، أمهات الأولاد 3.
وقد ألّف السيد الشريف المرتضى؛ المتوفى سنة 436هـ كتاباً جليلاً سماه (الانتصار) ألّفه بعد سنة 420هـ، جمع فيه 321 مسألة مما انفردت به الإمامية. ثمانية وستون (68) منها يظن انفرادها به، وهو مذهب غيرها، وهو موجود في كتبهم ورواياتهم؛ فهي غير منفردة به.
وهذا تفصيل ذلك:
الطهارة 30، الصلاة 46، الصيام 22، الزكاة 14، الخمس 5، الحج 23، النكاح 22، الطلاق 9، الظهار 6، الإيلاء 3، اللعان 3، العدة 6، الأيمان 5، النذر 5، الكفارات 8، العتق 6، التدبير 9، الصيد والذبائح والأطعمة 1، الأشربة 5، البيوع 8، الربا 1، الصرف 2، الشفعة 5، الهبات 1، الإجارات 1، الوقف 1، الشركة 2، الرهن 1، المحارب 2، القضاء والشهادات 7، الحدود والقصاص والديّات 31، المواريث والفرائض والوصايا 20.
أما ما ظن انفراد الإمامية به من تلك المسائل؛ فهي: 3 في الطهارة، و13 في الصلاة، و8 في الصيام، و6 في الزكاة، و5 في الحج، و10 في النكاح، و1 في الطهارة، و1 في الإيلاء، و3 في العدة، و2 في الأيمان، و1 في النذر، و1 في الكفارات، و1 في الصيد والذبائح والأطعمة. ووافقها قول أقوام حكي قديماً في واحد، و1 في الأشربة، و2 في البيوع، و2 في الشفعة، و2 في القضاء والشهادات، و2 في الحدود والقصاص والديات، و2 في المواريث والفرائض والوصايا، و1 في العول.
إن عدة أبواب الفقه في بعض الكتب الكبار نحو من (700) تصل مواضيعها التي جاءت فيها الأحاديث إلى زهاء (6000) موضوع. وقد حاولت إحصاء الفروع والمسائل في كتب الفقه المعتمدة، ووجدتُ أن ما يسأل عنه المتفقه يزيد على (2600) مسألة، وأن الإنسان يحتاج في عباداته ومعاملاته وصلاته إلى قريب (2270) من الأحكام. وقد تقدم أن مسائل الخلاف (4152) مسألة.
هذه نظرة سريعة في الفقه والمسائل والخلاف. أما المذاهب الإسلامية كافة فقد اتفقت كلّها جميعاً على حدود الله، وأصول الفقه، وشرائع الدين، والأحكام. فإذا كانت هذه الفرقة أو تلك ـ مثلاً ـ انفردت بنيف وخمسين ومائتين (253) مسألة أو نحو ذلك من (4152) من مجموع مسائل الخلاف بين المذاهب الإسلامية، أي في 6% من مسائل الخلاف في بعض فروع الفقه؛ فإن الموضوع ـ حينئذٍ ـ لا يحتاج إلى هذا المقدار من الابتعاد والاختلاف. واتفاق الأحكام والفتاوى يصحح أحاديث الفرق على اختلاف أخبارهم واختلاف رواياتها وطرقها، وتنوّع أسانيدها، وتعدد رواتها. والثقلان هما حبل الله، ودعامتا الشريعة. ولا ريب في أن كتاب الله واحد وسُنّة النبي واحدة.
كلمة سواء
إزدحمت كتب الفرق والملل والنحل والمقالات والمناظرة والاحتجاج والرد والنقد بما يوهم أن الفَرْق بين المذاهب من السعة والعمق والكثرة ما يُوجب تلك الفرقة ويؤكد ذلك الاختلاف والعداوة والبغضاء والشقاق وسوء الظن الذي صنعه الأجنبي والأجراء في فترة جَهلاء من تأريخ الأمة التي ظلمها شانئها وحاسدها فتفرقت بها السبل. ومَنْ هَمَّ بتفريق الأمة فقد فتن عن دينه، وهَمَّ بما لم ينل.
ولعلّ من واجبات أبحاث هذا الملتقى العظيم الكريم أن يوضح خطل هذه النظرة الحمقاء، ويكشف عن الصلات والروابط والعلاقات التي تقرّب أجزاء الأمة وتشد بعضها. والحديث هو العنصر الفعال في توكيد الاتصال، وتوثيق الآصرة والصلة والقرابة والوشيجة.
شارك بعض النقّاد والمؤلفين والكتّاب ـ عفا الله عنهم ـ من حيث يدرون أو لا يدرون في تثبيت عناصر الاختلاف، وتوكيد أساس القطيعة والخلاف؛ إذ انتثرت في مطاوي كتبهم وأثناء أقوالهم ألفاظ تلقوها بالظن، أو اعتقدوها بالوراثة، أو سلكوا فيها سبيل الحكام؛ خلافاً أو طمعاً، رغباً أو رهباً، مجبرين مضطرين، ومكرهين خائفين، أو مشتهين، أو مخطئين، أو مجارين، أو ممارين، أو مقلدين إلتبس عليهم الأمر، واختلطت المسألة، واشتبه الخطب. فتراءى في كلامهم التناقض، وبدت في نصوصهم النقائض، وكأنهم يأخذون ثاراً، أو ينقضون وِتراً. وحتى كأنّ هذا يشفي حر صدره، وذلك ينقع غليل غيظه.
ولا أدري هل يصحّ أن تختلف الأمة الإسلامية وتفترق، وهي: (443,639,596) نسمة في آسيا، و(155,378,347) في أفريقية، و(16,433,000) في أوروبة، و(886,000) في أمريكا واسترالية ـ في إحصاء سنة 1967م ـ من أجل اختلاف اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة من العلماء في الاجتهاد؟
وهل يصحُّ أن تختلف الأمة؛ وقد اتفقت أنّ الإله واحد، والنبي واحد، والكتاب واحد، والأمر واحد، والطريق واحد، والكلمة واحدة، والأمة واحدة، والشريعة واحدة، والقبيلة واحدة، والفرائض واحدة، وأنهم يد واحدة؟!
وإني لأرجو ـ والأمة مأربها الوحدة وغايتها التوحيد ـ أن يخرج هذا الملتقى بأخوّة الفرق والمذاهب وتعارفها وتلاقيها وتقابل آرائها واجتماع كلمتها وأخوة أبنائها. فليس يصح أن تتفرّق بها السبل وهي تدعو إلى سبيل واحدة. ولسي يصحُّ أن تتفرق أيادي سبا، وهي تهدي إلى سبيل المنهج وسبيل الحق وسبيل السلامة وسبيل الهدى، وهي سبيل نيّرة قاصدة تتلاقى فيها الآراء والديانات والأمم. وهي سبيل الله. وليس يصحّ أن تتفرق مللها وأهواؤها وهي تدعو الناس إلى الإلفة والجماعة واجتماع القلوب والعمل بالحق، وهو حبل متين وثيق العروة. وليس يصح أن تتزايل بالبغضاء والضغائن وتتشعب مختلفة وهي تدل على الوفاق.
إني لأرجو أن تصطلح الأمة على الحب، وتتصافى على الحب. وأن تتلاقى بالمحبة، وتقيم دعائمها على المحبة. وأن تتوجه إلى الوحدة والوحدانية والتوحيد بالحب. وأن تزورّ عن حبال البغض والمقت، وتفلت من حبائل الفرقة والاختلاف. وأن تمشي في طريق واحد؛ فربُّها واحد، وكتابها واحد، ولسانها واحد، وأمرها واحد، ويدها واحدة، وشرائعها واحدة، وعزائمها واحدة، وكلمتها واحدة.
وأرجو أن يخرج الملتقى بوحدة الفرق الإسلامية، وتصحيح أسانيدها، واعتبار مسانيدها.
وأقصى أمانيّ أن أرى هذه الفرق طريقاً واحداً. بل أطمع أن أرى تواخي الناس، وأرى أهل الأرض واحداً وهم جميعاً. وهي دعوة النبي، ورسالة الأمة، وغرض فتوحاتها، وغاية شرائعها القيمة، وسننها القائمة، ومناهجها النيّرة، ومقاصدها الفاضلة. ودعائي أن ترزق هذه الأمة العظيمة من العلو والتمكين والنصر والمعونة ما يساعدها على إقامة الحق، وتثبيت الوحدة، وتحقيق كرامة الإنسان، وهو بنيان الله في الأرض.
إنسانية الرسالة
الإنسان بُنيان الله في الأرض
إني لأرجو ـ (والسُنّة أساس الشريعة بعد القرآن، ودعامة التشريع بعد الكتاب، وثاني اثنين من أصول الملّة) ـ أن يخرج الملتقى بإعلان إنسانية الرسالة، وإنسانية النبي، وإنسانية الأمة، وإنسانية رسالتها المجيدة. وأن يوضح الملتقى ـ (والإنسان الآن أحوج إلى مَنْ ينقذه ويسعده وينجيه ويحييه حياة طيبة ويهيئ له رشداً من أمره) ـ أن (الإنسان بنيان الله في الأرض)، وأن النفس هي الناس جميعاً.
إن الإنسان في رسالة الأمة هو غرض دعوة النبي (ص)، وغرض دعوة الإسلام وغرض دعوة الأمة. وعلى الأمة أن تصافح الإنسان، وتهديه الصراط، وتورده منهل الحق، وتعلمه مواقعه وتصدع به، وتخوض الغمرات إليه حتى ينجلي عموده. وإن النبي (ص) إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وليتمم حسن الخلق. والإسلام ـ بعد ـ هو حسن الخلق.
وإن العقل والعلم والكلم الطيب والعمل الصالح والعدل والإحسان والخير وحسن الخلق هي الدين. وإن الحسنات والفضائل والمحاسن والأخلاق المحمودة هي جند العقل. وأن السيئات والرذائل والمساوي والأخلاق المذمومة هي جند الجهل.
خاطب الرب ـ تعالى جده ـ برسالاته (الإنسان) الذي جعله في الأرض خليفة. والناس سواسية على اختلاف الألسنة والألوان والأجناس.
الدين ـ في سنة النبي (ص) ـ هو مكارم الأخلاق. وحسن الخلق في الحديث هو خلق الله الأعظم. وهو أفضل الأعمال. وأنّ هذه الأخلاق من الله ـ تعالى ـ والخلق الحسن ـ في كلام الرسول (ص) نصف الدين حيناً، ووعاء الدين حيناً. وهو أفضل شيء. وإنّ خير ما أعطي الناس خلق حسن. وخير الناس أحسنهم أخلاقاً. وهم أحبّ إلى الله، وهم أحبّ إلى الرسول، وأقربهم منه مجلساً. ومعالي الأخلاق هي أسّ السُنّة. وإنّ مكارم الأخلاق من أعمال الجنة، وهي أفضل الأعمال.
وأركان معالي الأخلاق؛ هي: الإحسان والإخلاص والاستقامة والقصد والاقتصاد والتدبير والرفق والتيسير، وإصلاح ذات البين، والإمامة، وكلمة الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والبذاذة والتبذل والتقوى والتواضع والمروءة والعفة والإنصاف والإصلاح والتفضل، وأداء الحقوق وتنزيل الناس منازلهم والتؤدة والتأني والتوكل والتفكر وترك ما لا يعني، والحياء والحلم وكظم الغيظ وكظم الغضب وبسط الرضا وبذل المعروف وحسن الظن وخشية الله ومخافته وخشوع القلب والرضى والرحمة وإكرام اليتيم وإيواؤه والإحسان إليه، وتوقير الشيخ وإجلال الكبير والاستيصاء بالكهول والضعفاء والاستصباء للصبي والزهادة، ونبذ فضول الدنيا، والسمت الحسن والهدى الصالح وستر العورة وإطفاء السيئة، والسكينة والوقار والحمد والشكر والتحدث بنعمة الله، والشفاعة والاحتساب والصبر على المصيبة والبلاء والابتلاء والنكبة والأمراض والأحزان، والسماحة وصدق الحديث وصواب القول والصمت وحسن الجوار وصلة الرحم؛ الأم والأب والأخت والأخ والأدنى والقرابات والعشيرة، والعفو وقبول المعذرة، والعقل واليقين والغيرة وعرفان الحق لأهله، والقناعة وغنى النفس، والكفاف والرضا باليسير، والمروءة ومُداراة الناس، والحب لهم ما يُحب للنفس، واسترشاد العاقل واستشارة ذوي العقول ومشاورة ذي الرأي وذي اللب والإشارة بالرشد، والنصح للمستشير، ومحض النصيحة، والنصرة والعون والنية الصادقة الحسنة والورع وترك ما يريب وتوقّي الشبهات، والوفاء بالذمة واليقين.
هذه هي مكارم الأخلاق في كلام النبي (ص)، بُعث ليتممها وأنه لعلى خلق عظيم. وفي كتب السُنّة (3915) حديثاً في الأخلاق؛ هي الكلم الطيب والعمل الصالح والعدل والإحسان والخير. وهي رسالة الله، ورسالة الأمة الفاضلة، وسيرتها النبيلة.
اقتراح
أقصى أمانيّ أن تدرس السُنّة دراسةً علمية منهجية إحصائية عميقة تليق بمنزلة الحديث، وتجدر بأهميته. وأن يُدرس علم الحديث، وأن تؤرّخ مجدداً علومه، وأن تحصى كتب المصطلح والدراية، وأن تستقصى الرسائل والدراسات والأبحاث وكافة المقالات. وفي ذلك ما فيه من تحقيق تاريخ العلم وتوثيقه وتأصيله وتكميله إضافة إلى إعلان الحق وتنويره، وإنصاف جمهرة من العلماء والمؤلفين والكتب والمؤلفات.
وأرجو أن يفرغ بعض الأفاضل أنفسهم لهذا الأمر فيتعاهدوا علوم الحديث بالدراسة المجددة، والأحياء والسقاية بعد اصفرار الرياض، ويبس الأغصان، وانتشار الورق، واغورار الماء، وطول الهجعة.
وأنا أدعو أن يكتب من التآليف والدراسات في هذا العلم ما ينسى معه هذا الإيقاظ والتنبيه.
وهناك موضوعات لم يفترعها أحد من الدارسين، يرجى أن تتطاول إليها الأنفس، وتتناهى إليها الهمم، وتمدّ إليها الأعين، وتطمح إليها الأبصار.
يحتوي هذا الاقتراح على جوانب مهمة جداً هي عهد وعقد في عنقنا أؤمل أن نفي له، ولا نتخلّف عنه. وفي ذلك خدمة التراث والأمة والعلم.
من أجل ذلك أقترح هذه الأعمال والمؤلفات والدراسات والأبحاث:
1 ـ تأليف ثلاثة معاجم جديدة (كبير، ووسيط، وصغير) مرتبة على حروف المعجم تجمع كلمات الحديث، وتحيط بكتب الغريب، ومعاني الأخبار.
2 ـ تأليف معجم مفهرس شامل كامل لألفاظ الحديث يجمع ما في الأصول والصحاح والسنن والمسانيد فإن معجم «ونستك» لم يستوعب كتب السُنّة، بل لعله لم يُحط بمصادره التسعة التي اعتمدها في عمله.
3 ـ تأليف معجم جديد شامل لرجال الأثر، ورواة الحديث يحتوي على تراجمهم موجزةً، ومصادرها مفصلة.
4 ـ تأليف كتاب جديد وافٍ في تراجم أصحاب الأصول، والصحاح، والسنن، والمسانيد.
5 ـ تأليف كتاب جديد وافٍ في دراسة الأصول، والصحاح والسنن، والمسانيد.
6 ـ تأليف كتاب جديد في علوم الحديث يجمع قواعد الفريقين واصطلاحاتهم، ومواضعاتهم، وتعريفاتها.
7 ـ تأليف معجم لاصطلاحات الحديث وتعريفاتها مهذباً مبوباً مرتباً موثقاً.
8 ـ تأليف تقويم للمحدثين مرتب على القرون والطبقات والسنين، مع فهارس على الحروف والموضوعات تيسّر مراجعته، وتسهل الانتفاع به، والاستفادة منه.
9 ـ تأليف فهرست جامع لكل ما كتب في الحديث، أو حوله من كتب، ومؤلفات، ورسائل، ودراسات، وأبحاث، ومقالات؛ يقيد أوابدها، ويجمع شواردها.
10 ـ تألف كتاب يجمع الأحاديث المتفقة على اختلاف ألفاظها وأسانيدها ومصادرها.
11 ـ تأليف كتاب يجمع الأحاديث مرتبة على الحروف.
12 ـ تأليف كتاب يجمع رجال الصحاح، والسنن، والمسانيد، والأصول.
13 ـ تأليف دائرة معارف «الحديث» تحيط بكل ما يتعلق بالسُنّة والحديث والأثر من معلومات، وموضوعات، وتتبعات، وأبحاث، ونقول.
14 ـ كتابة دراسة تجمع المعاني الإنسانية، والمبادئ الأخلاقية، والآراء الفاضلة والمثل الأعلى في الحديث.
15 ـ تصنيف مجموعة جديدة تُختار من الحديث في العلم والحياة والدنيا والدين.
16 ـ تبسيط علوم الحديث ومعارفه وفنونه.
17 ـ إحصاء الحديث الشريف.
18 ـ إحصاء التراث اللغوي في الحديث، مع نسب الاستعمال.
19 ـ دراسة فضل الحديث على العلم والأدب واللغة.
20 ـ دراسة كتب الحديث والصحاح والأصول والسنن والمسانيد دراسة علمية نقدية تاريخية إحصائية.
21 ـ إحصاء العبارات، والتراكيب، والجُمل النبوية.
22 ـ جمع الحكم النبوية.
23 ـ جمع الأسانيد.
24 ـ تبويب الأحاديث على الحروف.
25 ـ ترتيب الأحاديث على الأزمنة.
26 ـ تحقيق «الموضوعات».
27 ـ تأليف كتاب شامل يحتوي على الموضوعات، ويجمع كتبها ومصادرها، وترتيبها على الحروف، وعلى الأبواب، وعلى المواضيع.
28 ـ دراسة الأحاديث القدسية وتأصيلها، وتوثيقها، ومقارنتها.
29 ـ رسم كتاب مُشجّر يحوي جداول المشايخ، وسلاسل الرواة والطبقات لتسهيل تحقيق الأسانيد، ومعرفة حملة الحديث.
30 ـ تأليف معجم أسماء الرواة في الأسانيد كافة والإشارة إلى مواردها ومصادرها ومآخذها.
31 ـ تأليف كتاب جامع مفصّل محيط يستوعب الأحاديث مرتبةً على المواضيع.
32 ـ جمع صور الإجازات الموجودة المحفوظة، وتصنيفها وتبويبها، وترتيبها على القرون والبلدان والفنون، والتقاط فوائدها العلمية والأدبية والتأريخية والثقافية والبلدانية.
33 ـ تأليف فهرس الكتب المخطوطة في الحديث.
34 ـ تأليف معجم الكتب المطبوعة والمنشورة في الحديث.
35 ـ تأليف كتاب (وفيات المحدّثين)، أو رجال الحديث؛ على السنين، وعلى الأسماء.
36 ـ جمع ألقاب المحدثين، وأنسابهم، وكُناهم.
37 ـ تحقيق مضامين الحديث.
38 ـ تحقيق السُنّة الصحيحة.
39 ـ تصنيف الحديث.
40 ـ تأليف (تقويم حياة النبي ـ ص ـ)، وتحقيق السيرة النبوية المقدسة. وهو عمل أفخر أنا بالابتداء به منذ مدة.
41 ـ تأليف كتب ودراسات باللغات الأجنبية عامة، والأوروبية خاصة في المواضيع المقترحة.
42 ـ ترجمة الكتب والدراسات الأجنبية المهمة في السُنّة إلى اللغة العربية مع النقد، والتعليق، والتوضيح، والرد.
43 ـ ترجمة الكتب المهمة في السُنّة إلى اللغات الأجنبية.
44 ـ ترجمة الكتب والدراسات المهمة في السُنّة والحديث إلى اللغات الأجنبية.
45 ـ تلخيص المصادر والأصول والأمهات وتيسيرها.
46 ـ التعريف بالكتب والدراسات والأصول والمصادر والأبحاث.
47 ـ إحياء مجالس الحديث، والإملاء، والاستملاء، والمقابلة، والتصحيح، والقراءة، والنسخ.
48 ـ المحافظة على الرواية.
49 ـ إحياء سنة الاستجازة والإجازة.
50 ـ تأسيس (دار الحديث) للدراسة والتأليف، والتحقيق، والتوثيق، والبحث.
إجازة عامة
هذا ـ وقد دعاني الاهتمام بنشر السُنّة، والحرص على اتصال الأسانيد، والمحافظة على سلاسل الرواية إلى تقديم هذه الإجازة إلى حاضري هذا الملتقى خاصة، وإلى أهل العصر عامة. وإني لأرجو ان يكون في ذلك ما يوصلنا بالتراث المجيد؛ ويربطنا بالماضي المعرق، وما يشد بنيان الأمة، ويجمع مذاهبها وفرقها، ويوحّد آراءها ومقالاتها، ويوثق مودة بعضها في بعض إن شاء الله.
أقول:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، لا إله إلا هو خالق كل شيء العليم القدير العلي الحكيم السميع البصير الغني الحميد ذو العرش المجيد، أحكم الحاكمين ذو الفضل العظيم الذي أنزل الكتاب بالحق، له ملك السماوات والأرض، ويسبح له مَنْ في السماوات والأرض ليس كمثله شيء وهو القوي العزيز.
وصلىّ الله على محمد ورسوله الأكرم، الأتقى النذير المبين، رسول رب العالمين الذي شرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وفتح له فتحاً مبيناً ونصره نصراً عزيزاً وأرسله رحمة للعالمين، وإنه لعلى خلق عظيم يتلو صحفاً مطهرة وآيات الله بينات، ويهدي سبيل الرشاد ويهدي إلى الإيمان ويهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم فرغب إليه وابتغى وجهه الأعلى، ودعا إليه وأبلغ رسالاته، وأمر أن يسلم لربّ العالمين، وأنزل إليه الذكر، واتمّ نعمته عليه وآتاه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، هو للذين آمنوا هدى وشفاء، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون.
ورحمة الله وبركاته على عباده المؤمنين الصالحين الأبرار المقربين الصديقين الشهداء أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً أولئك هم خير البرية وأُولئك هم الفائزون، وأولئك هم الصادقون.
ورضي الله عن أصحابه المتقين وعباده المخلصين الذين نفروا في سبيله وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وعملوا الصالحات، وأطاعوا الله، وأطاعوا الرسول فكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وأولئك هم المفلحون.
أما بعد: فقد استخرتُ الله ـ تعالى ـ وأجزتُ لرواة الحديث، وحَملة العلم حضور هذا المجمع، وشهود هذا المجلس من خدم السُنّة المشرفة، وللمهتمين بالأثر المبارك من أهل العصر كافة؛ ولا سيما أهل أفريقية والمغرب أن يرووا عني بالإجازة العامة بأسانيدنا في العراق خاصة، والمشرق عامة إلى النبي الأكرم (ص)، وأهل بيته ـ الذين حديثهم حديثه ـ وإلى عرى الإسلام الصحابة الكرام تلامذة الرسول، وإلى الأئمة والمحدّثين والعلماء والشيوخ والرواة والمصنّفين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ في المشرق والمغرب قديماً وحديثاً؛ موصولة الأسناد، وثيقة العرى، متينة الحبل (إن شاء الله)؛ مبتدءاً بحديث الأولية، وهو حديث الرحمة.
وأجزتُ لهم كذلك رواية تصانيف علماء الإسلام، ومصنفي الأمة وكتبهم ورسالاتهم ومؤلفاتهم ورواياتهم في جميع العلوم والفنون؛ ولا سيما الموطأ للإمام مالك (179هـ)، والمسند للإمام أحمد بن حنبل (241هـ)، والصحيح للإمام البخاري (256هـ)، والصحيح للإمام مسلم (261هـ). والسنن لأبي داود (275هـ)، والسنن لابن ماجة (273هـ)، والسنن الجامع للترمذي (279هـ)، والسنن للنسائي (303هـ)، والكتب الأربعة الأصول للمحمدين الثلاثة الأوائل في حديث النبي، وحديث عترته، وهي سلسلة الذهب المسندة إليه؛ وهي الكافي لثقة الإسلام الكليني (329هـ)، ومَنْ لا يحضره الفقيه لرئيس المحدّثين والاستبصار للشيخ الطوسي (460هـ)، والجوامع الثلاثة للمحمّدين الثلاثة الأواخر؛ وهي الوافي للفيض (1091هـ)، والوسائل لمحمد بن الحسن الحر العاملي (1104هـ)، والبحار للمجلسي (1110هـ)، ثم مستدرك الوسائل لخاتمة المحدثين الشيخ حسين النوري (1320هـ).
وأجزتُ لهم ـ أيضاً ـ رواية (نهج البلاغة) الذي يحتوي على مختار كلام مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، معجزة الإسلام تلميذ الرسول (ص) مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في جميع فنونه ومتشعبات غصونه. وهو يتضمن عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية، وثواقب الكلام الدينية والدنيوية، وكذلك سائر تراث العترة رحمة الله وبركاته عليهم.
وأجزتُ لهم رواية مؤلفاتي، وكتبي، ورسائلي، ودراساتي، وأبحاثي، ومقالاتي، وكافة آثاري ومدوّناتي، ومقيداتي، ومجموعاتي، وآثار أجدادي، وعلماء بيتنا من طرف الآباء والأمهات (رحهم الله، ورضي عنهم، وغفر لهم).
وأنا أوصيهم جميعاً بالتقوى والعمل الصالح والكلم الطيب، والتمسك بالكتاب والسُنّة والعترة. وأدعوهم إلى المودة والحب وتوكيد الألفة والأخوة، والتعاون على البر، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وخدمة الأمة، والإنسان والحقيقة والعلم والهدى والتراث.
وأوصيهم بالمحافظة على القرآن الكريم، القرآن العربي، الكتاب المبين، والسُنّة المطهرة فإنهما عمود الحكم والعلم والفضل والخير والرحمة والنور والحكمة والدين والخلق العظيم واللسان العربي المبين.
وأوصيهم بالمحافظة على اللغة العربية، لسان النبي (ص) ولسان قومه؛ لسان الأمة المبين خير أمة أخرجت للناس، فإنها عمود التراث المجيد.
وأوصيهم بالتبيّن، والدقة، والاحتياط، والتؤدة، والأناة، والصدق.
وسبحان ربك رب العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
د. حسين علي محفوظ
لوح فاطمة عليها السلام
اللوح في اللغة هو كل صفحة عريضة خشباً أو عظماً)[752]( مما كان يستعمل للكتابة فيه، ومنه لوح فاطمة الذي ملأت أخباره كتب الشيعة واشتهر عندهم شهرة واسعة، وذلك لأهمية مضمونه الذي ينص على أسماء أئمة الشيعة عليهم السلام .
وقد وصف أبو الفتح الكراجكي المتوفى عام 449هـ)[753]( خبر اللوح بأنه «المشتهر المعروف الذي اجتمعت الشيعة الإمامية ولم تختلف فيه»)[754](.
وخبر اللوح لم يرو بصياغة واحدة ولا بسند واحد بل بصياغات متعددة وبأسانيد مختلفة منها ما رواه الكليني بسند معتبر عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن محبوب عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري)[755]( قال: «دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت إثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي»)[756](.
والمراد من المحمدين الثلاثة هم محمد الباقر ومحمد الجواد ومحمد بن الحسن المهدي عليهم السلام فهذا العدد مطابق لعقيدة الشيعة الإمامية»، وأما قوله «وثلاثة منهم علي، فهو لا يتطابق مع عدد أئمة الشيعة المسمّين بـ«علي»، إذ هم أربعة لا ثلاثة أولهم علي بن أبي طالب وثانيهم علي بن الحسين زين العابدين وثالثهم علي بن موسى الرضا ورابعهم علي بن محمد الهادي، فكيف نفهم الرواية مع هذا التنافي في العدد؟
والجواب أن من الرواية احتمالات ثلاثة هي:
الأول: أن يرجع الضمير في «منهم» إلى لفظ «وُلْدِها» السابق فيكون المراد العليين الثلاثة من أولاد فاطمة وعلي بن أبي طالب عليه السلام وهم علي زين العابدين وعلي الرضا وعلي الهادي عليهم السلام، فلا يكون الراوي بصدد ذكر اسم علي بن أبي طالب عليه السلام أصلاً.
الثاني: أن يكون لفظ ثلاثة اشتباهاً من الناسخ. وأصل الرواية هو «وأربعة منهم علي»، وما يؤيد هذا الاحتمال هو أن نفس المضمون قد روي عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام وفيه لفظ أربعة بدل ثلاثة وهو بسند آخر بل روي بنفس السند أيضاً لكن بإضافة أحمد بن محمد بن يحيى في أوله)[757](، وهذا السند معتبر أيضاً عند من يوثّق أحمد هذا.
الثالث: أن يكون الضمير في «منهم» يرجع إلى الإثني عشر، وإنما لم يقل الراوي «أربعة منهم علي» لأن علياً [ابن أبي طالب] لم يذكر إسمه في اللوح، بل ذكر باللقب كما سيُلاحظ بشكل جلي في رواية أبي بصير الآتية.
المحتوى التفصيلي للوح فاطمة عليها السلام
وهذا الإجمال في مضمون اللوح الذي ورد في رواية أبي الجارود قد فصلته رواية أخرى من روايات اللوح مروية عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال فيها: قال أبي [يعني الإمام الباقر عليه السلام] لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها، فقال له جابر: أي الأوقات أحببتها، فخلا به في بعض الأيام، فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح مكتوب فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمِّك فاطمة في حياة رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهنيتها بولادة الحسين عليه السلام، ورأيت في يديها لوحاً أخضر ظننت أنه من زمرُّد، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رَسُول الله (ص) ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابنيَّ واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك، قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة فقرأته واستنسخته، فقال له أبي [أي الإمام الباقر عليه السلام]: فهل لك يا جابر أن تعرضه عليّ، قال: نعم، فمشى معه أبي إلى منزل جابر، فأخرج صحيفة من رقّ، فقال: يا جابر أنظر في كتابك لأقرأ أنا عليك، فنظر جابر في نسخته، فقرأها أبي، فما خالف حرفٌ حرفاً، فقال جابر فاشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيّه ونوره وسفيره، وحجابه، ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا انا قاصم الجبارين، ومديل المظلومين، وديّان الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي، عذبته عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبياً فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصياً وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسناً معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه، وحجّتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أولهم علي سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين، وابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد عليّ، حق القول مني لأكرمنّ مثوى جعفر، ولأسرنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعده موسى فتنة عمياء حندس، لأن خيط فرضي لا ينقطع وججتي لا تخفى، وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي، ومن غيّر آية في كتابي فقد افترى علي، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيري في علي وليي وناصري ومن أصنع عليه أعباء النبوة وامتحنه بالاضطلاع بها يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح)[758]( إلى جنب شر خلقي، حق القول مني لأسرنّه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي وموضع سري وحجتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابن عليّ وليّي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، وأكمل ذلك بابنه «م ح م د» رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، فيذل أوليائي في زمانه، وتتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم فيقتلون ويُحرقون، ويكونون خائفين، مرعوبين، وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنّة في نسائهم، أولئك أوليائي حقاً، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأدفع الآثار والأغلال أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون».
قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: «لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلا عن أهله»)[759](.
حول رواية أبي بصير
نسلط ضوء البحث على أمرين وردا في الرواية المتقدمة.
1 ـ هل الهدية هي اللوح أم محتواه؟
إن الرواية ذكرت أن اللوح قد أهداه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وآله، ثم أعطاه الرسول صلى الله عليه وآله إلى ابنته فاطمة عليها السلام ليبشرها بمضمونه ومحتواه. وهذا ما قد يفهم منه البعض)[760]( أن نفس اللوح «الماديّ» قد أهداه الله إلى رسوله إلا أن الرواية لا تنصّ على ذلك، لأن قول الزهراء في الرواية «هذا لوح أهداه الله إلى رسوله» يحتمل فيه كون نفس اللوح هو المُهدَى كما يحتمل كون محتوى اللوح ومضمونه هو المُهدَى. ومما قد يُرجح الاحتمال الثاني هو رواية محمد بن جعفر عن الإمام الصادق عليه السلام : «إن محمد بن علي باقر العلم عليه السلام جمع ولده وفيهم عمهم زيد بن علي. ثم أخرج كتاباً إليهم بخطّ علي عليه السلام وإملاء رَسُول الله صلى الله عليه وآله مكتوب فيه: هذا كتاب من الله العزيز العليم [وذكر] حديث اللوح»)[761](. فهذه الرواية تجمع بين كون الكتاب من الله تعالى وبين كونه بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام، فيكون المهدى محتوى اللوح نفسه.
2 ـ جابر ليس مكفوف البصر
مما يلفت النظر في رواية أبي بصير المتقدمة هو ما ورد فيها من قول الباقر عليه السلام «يا جابر انظر في كتابك لأقرأ أنا عليك» وتعقيب الصادق عليه السلام بقوله «فنظر جابر في نسخته»، وهذا يعني أن جابراً لم يكن ضريراً في زمن الإمام الباقر عليه السلام .
وهنا قد يقال بأن هذا يتنافى مع المتسالم عليه عند جملة من المؤرخين والرواة من عمى جابر في ذلك الزمان، والذي قد يستدل عليه برواية عطية عن جابر في زيارة الأربعين لقبر الحسين عليه السلام ففيها أن جابراً قال له: «ألمسنيه فألمسته فخرَّ على القبر»)[762](.
ولكننا نجيب عن الاستدلال بهذه الرواية بأنها غير صريحة بعمى جابر، إذ يحتمل أنه قال «ألمسنيه» بعد أن أصابه الوهن والضعف من هول المصاب فلم يعد قادراً على التقدم إلى القبر.
أما بالنسبة للتسالم الحاصل في عمى جابر فهو إن كان فإن القدر المتيقَّن منه هو عماه في آخر عمره، فقد نقل إبن عبد البر في الاستيعاب أنه كف بصره في آخر عمره)[763](، أما عماه قبل ذلك فمحل نقاش، بل قد يُدَّعى أنه كان بصيراً قبل ذلك الوقت بدليل رواية أبي بصير المتقدمة، إضافة إلى جملة من الروايات التي قد صرحت بأن جابراً كان بصيراً في زمن ملاقاته للإمام محمد الباقر عليه السلام وفي بعضها «فلما نظر إليه [أي إلى الباقر عليه السلام] قال: يا غلام أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر، فقال: شمايل رسول الله، والذي نفس جابر بيده»)[764](.
ولا نريد التعرض لهذا الموضوع ـ هنا ـ بشكل مفصل، وإنما ذكرنا ما تقدم حتى لا يعترض البعض عند قراءته لرواية أبي بصير بأنها تتنافى مع ما عُرف من عمى جابر في ذلك الزمان.
الشيخ أكرم بركات
مؤتة
عراقة الماضي وروح ذي الجناحين
مؤتة قضاء من أقضية محافظة الكرك بالأردن بينه وبين مركز المحافظة عشرة كيلو مترات جنوباً، ولعله الأبرز والأهم في أقضية الكرك الأخرى: معان، قطرانة، الطفيلة. ولقد بنى القدماء المدينة المحيطة بمؤتة على ذروة جبلٍ من صخر أصم أبيض.
الكرك في حديث المؤرخين
ذكر المؤرّخون والرحالة مدينة الكرك في ما كتبوا من مؤلّفات. فهذا الرحالة الأندلسي حمد بن أحمد بن جُبير (ت 614هـ/ 1217م) يذكر أنه سمع في رحلته أن أربعمائة قرية كانت تتبع الكرك، وفي ذلك يقول بالنص: «بين الكرك وبين القدس مسيرة يوم أو أشفّ [أكثر] قليلاً وهو سراة أرض فلسطين عظيم الاتساع، متّصل العمارة، يذكر أنه ينتهي إلى أربعمائة قرية».
أما ياقوت الحموي (ت 626هـ – 1228م) فذكر الكرك في المجلد الرابع صفحة 514 من مؤلّفه الشهير «معجم البلدان» فقال: (قلعة حصينة جداً في طرق الشام من نواحي البلقاء في جبالها بين أيلة [العقبة] وبحر القلزم [البحر الأحمر] وبيت المقدس، وهي على سنّ جبلٍ عال تحيط بها أودية إلاّ من جهة الربض».
ونقرأ فيما كتبه زكريا بن محمد القزويني (ت 682هـ/ 1283م) في كتابه «آثار البلاد وأخبار العباد» نقلاً عن الجيهاني قوله: «مؤتة من أعمال البلقاء من حدود الشام، أرضها لا تقبل اليهود ولا يتهيّأ أن يدفنوا بها».
ومن عجائبها أن لا تلد بها عذراء، فإذا قربت المرأة ولادتها خرجت منها، فإذا وضعت عادت إليها. والسّيوف المشرفية منسوبة إليها لأنّها من مشارف الشام. قال الشاعر:
أبى الله وللشمّ الأُنوف كأنَّها
صـوارم يجلوها بمؤتة صيقلُ
ووصف الكرك إسماعيل أبو الفداء (ت 732هـ/ 1331 م) في كتابه [تقويم البلدان] قائلاً: «.. وهي بلد مشهورو له حصن عالي المكان، وهو أحد المعاقل التي لا تُرام، وتحت الكرك وادٍ فيه بساتين كثيرة وفواكهها مفضَّلة من المشمش والرمان والكمثري وغير ذلك».
معركة مؤتة:
يتحدث ياقوت الحموي في (معجم البلدان) تحت مفردة (مؤتة) فيقول: «مؤتة (قضاء الكرك). قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، وقيل مؤتة من مشارف الشام وبها كانت تُطبع السيوف وإليها تُنسب المشرفية من السيوف». وينقل ياقوت في الجزء الخامس ص254 من معجمه كلاماً عن مؤتة، فيقول: «مآب وأذرح مدينتا الشراة، على إثني عشر ميلاً من أذرح ضيعة تُعرف بمؤتة بها قبر جعفر بن أبي طالب، بعث النبي صلى الله عليه وآله إليها جيشاً في سنة ثمان [للهجرة 630م] فساروا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء [عند أم الرصاص إلى الجنوب الشرقي من مأدبا] لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فلقيتهم الروم في جمع عظيم».
ويتداخل اسم المدينة وتاريخه مع تلك المعركة الشهيرة التي وقعت بين المسلمين والمشركين في العام الهجري الثامن/630م، حيث قاد جيوش المسلمين جعفر بن أبي طالب.
عن سبب معركة مؤتة يذكر محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة (207هـ/822م) في ص755 من الجزء الثاني من كتابه (المغازي) فيقول: ـ «بعث رسول الله صلى الله عليه وآله الحارث بن عُمير الأزدي ثم أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني وهو من كبار بلاط قيصر فقال: أين تريد؟
قال: الشام،
قال: لعلك من رسل محمد؟
قال نعم، أنا رسول رسول الله.
فأمر به فأوثق رباطاً، ثم قده فضُرب عنقه صبراً. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر فاشتد عليه، وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قَتَله، فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا بالجرف».
ويضيف الواقدي في (ص758) من الجزء الثاني أن رسول الله صلى الله عليه وآله «خرج مشيّعاً لأهل مؤتة حتى بلغ ثنيّة الوداع، فوقف ووقفوا حوله، فقال: اغزوا بسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون فيها رجالاً في الصوامع [جمع صومعة وهي بيت عبادة النصارى] معتزلين للناس، فلا تعرّضوا لهم، وستجدون آخرين للشيطان، في رؤوسهم مفاخر فأقلعوها بالسيوف ولا تقتلنّ امرأة ولا صغيراً ولا مرضعاً ولا كبيراً فانياً، ولا تغرقنّ نخلاً ولا تقطعن شجراً ولا تهدموا بيتاً».
نختصر هنا ما كتبه أبو الفداء إبن كثير (ت: 774هـ/ 1372م) وهو يتحدث عن غزوة مؤتة فيقول ما مضمونه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سرية إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان [للهجرة] فتجهز الناس وخرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يشجعهم، ثم مضوا حتى نزلوا معاناً من أرض الشام فبلغ الناس أن هرقل (ت: 21هـ/ 641م) قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه من لخم وجذام وبلقين وبلى مائة. أو كما يعبّر مؤرخ: إن هرقل إنما نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا نكتب إلى رسول الله نخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، قال فشجع الناس أحدهم وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم، تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدوٍ ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به.
فانطلقوا فإنما هي إحدى الحُسنيين، إما ظهور عليهم فذلك ما وعدنا الله ووعدنا نبينا وليس لوعده خلفٌ وإما شهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان، وهكذا مضى جيش المسلمين حتى اذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها (مؤتة) فالتقى الناس عندها فتعبأ لهم المسلمون. فقاتل جعفر بن أبي طالب (ع) القوم حتى قتل، وتسلم قيادة الجيش من بعده زيد بن حارثة ثم عبد الله بن رواحة.
شهداء مؤتة
لقد استشهد في معركة مؤتة كلٌ من:
1- جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي محمد صلّى الله عليه وآله.
2- زيد بن حارثة.
3- عبد الله بن رواحة.
4- مسعود بن الأسود بن حارثة.
5- عامر بن لؤي.
6- مالك بن حُسيل.
7- وهب بن سعد بن أبي سرح.
8- سراقة بن عمرو بن عطية.
9- الحارث بن النعمان بن يساف.
10 – عُبادة بن قيس.
ولقد أدرجت أسماء هؤلاء الشهداء في نصب جميل أقيم عند مدخل مدينة (مؤتة)، وتحيط بالنصب أشجار الصفصاف في منتزه صغير على الجانب الشرقي من مزار جعفر بن أبي طالب عليه السلام.
المزار: المدينة والأضرحة:
تضم مدينة الكرك العديد من الأماكن الدينية، ولقد قامت على بعض تلك الأماكن أضرحة شهداء معركة مؤتة التي تحدّثنا عنها قبل قليل، ولعلّ أبرز تلك الأضرحة وأهمّها هي أضرحة: الشهيد جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، والحارث بن النعمان، وعبد الله بن سهل، وسعد بن عامر بن النعمان القيسي وغيرهم.
ولقد سُميت المنطقة التي دفن بها أولئك الشهداء بمدينة (المزار) نسبةً إلى تلك المزارات.
عندما تدخل مدينة (المزار) تستشعر وكأن ترابها يعبق بدماء شهداء معركة مؤتة، على الرغم من مضي ما لا يقل عن 14 قرناً من الزمان! تستقبلك ساحة صغيرة فيها بعض الشتول الصغيرة لأشجار الصفصاف، يتوسَّطها نصب مكعَّب الشكل كتبت عليه أسماء الجلالة بالخط العربي الكوفي، وعلى شمال هذه الساحة ثمة نصب كبير على شكل كتاب مفتوح كتبت عليه أسماء شهداء موقعة مؤتة بالخط الكوفي أيضاً. وقد أحاطت بالنصب أشجار الصفصاف بأغصانها الفارعة وبأوراقها الفضية الجميلة التي تتمايل وتهتز مع هواء المدينة العليل. ويُحيط بنصب الشهداء سياج حديدي مطلي باللون الأسود.
على يمين الساحة يقع مرقد جعفر الطيّار بن أبي طالب، أما على الشمال من البوابة الكبيرة لمرقد الطيار فيستقبلك متحف موقعة مُؤتة الذي يفتح عادةً نهار يوم الجمعة من كل أسبوع.
تقف قبالة البوابة الكبيرة.. يمتد أمامك رواق طويل تحيط به أشجار باسقة من الجانبين، يمتد هذا الرواق حتى يصل إلى باحة واسعة خُصِّصت لإقامة صلاة يوم الجمعة، وذلك في حال عدم اتساع المكان للمصلّين في مرقد جعفر الطيار لأداء هذه الفريضة. أما على جانبي الرواق الطويل فالجانب الأيمن لدى دخولك للمرقد قد يتكوّن من باحة كبيرة تنتهي بمرافق صحيّة قسم منها للنساء وآخر للرجال، وفي الجانب الشمالي من الرواق أنشئت مقاعد من الإسمنت لراحة واستراحة الزائرين مظلّلة بسقف واسع يحجب عن الزائرين شمس الصيف الحارقة في تلك البلدة، وأمطار الشتاء قليلة الهطول هناك.
جعفر ذو الهجرتين:
وها نحن ندلف لمرقد الصحابي الجليل الذي اختاره رسول اللّه صلى الله عليه وآله ليكون قائداً للسرية التي أرسلها الرسول محمد صلى الله عليه وآله من المدينة المنورة إلى البلقاء في الشام عام (8هـ/630م).
جعفر في نسبه
إنه أبو عبداللّه جعفر بن ابي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب شيبة الحمد بن هاشم عمرو بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي، وجعفر هو ابن عم رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وهو أسنّ من أخيه أمير المومنين علي بن ابي طالب عليه السلام بعشر سنين. اذ يذكر المورخون أنه ولد بمكة بعد عام الفيل بعشرين سنة.
وكما يكنى بـ (ابو عبداللّه)، فإن مولف كتاب: (أسد الغابة في تمييز الصحابة) أبو الحسن علي بن محمد الجزري المتوفى سنة (630هـ/1232م) يذكر وهو يترجم لجعفر الطيار: أن رسول اللّه كان يُكنّي جعفر ابا المساكين لرأفته عليهم وإحسانه إليهم.
وأم جعفر هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مُناف بن قُصي، وهي أم أخوته: طالب وعقيل وجعفر وعلي، وجمانة وأم هاني، واسمها فاخته. أكبر هؤلاء الأخوة طالب وأصغرهم علي عليه السلام، ولقد كانت (فاطمة) ـ والدة جعفر ـ لرسول اللّه بمنزلة الأم. سبقت إلى الإسلام، وهاجرت إلى المدينة. ولما حضرتها الوفاة أوصت إلى رسول اللّه فقبل وصيتها. ولما توفيت كفنها الرسول صلى الله عليه وآله في قميصه، وحين بلغوا لحدها حفره بيده الشريفة واضطجع فيه.
أما أولاد جعفر فثمانية بنين، هم:
1- عبداللّه.
2- عون.
3- محمد الأكبر.
4- محمد الأصغر.
5- حميد.
6- حسين.
7- عبداللّه الأصغر.
8- عبداللّه الأكبر.
ولدوا جميعاً في الحبشة حيث كان جعفر مهاجراً إليها إذ أمره الرسول محمد صلى الله عليه وآله أن يقود المهاجرين إلى الحبشة وأن يرتب أمورهم هناك، وأن يوطد لهجرتهم. وأمّ هولاء جميعهم أسماء بنت عميس الخثعمية.
جعفر في إسلامه
أسلم جعفر بن أبي طالب بعد إسلام أخيه أمير المومنين علي عليه السلام بقليل. يروي ابن سعد في(الطبقات الكبرى) وهو يترجم لجعفر في الجزء الرابع، ص 25 ترجمة رقم (345) قصة إسلامه فيقول ضمن ترجمته: «إن جعفر أسلم قبل أن يدخل رسول اللّه صلى الله عليه وآله دار الأرقم ويدعو فيها».
ونقرأ في كتب المؤرّخين ـ عن إسلام جعفر الطيار أن أبا طالب رأى النبي يصلي وعلي ابن أبي طالب يصلي خلفه، وخديجة خلف علي عن يمينه، فقال أبو طالب لابنه جعفر: صِلْ جناح ابن عمّك، وصلّ عن يساره، وذلك لأن المستحب في صلاة الجماعة اذا كان المأموم رجلاً واحداً أن يقف عن يمين الإمام متأخراً عنه، فإن كان معه امرأة وقفت خلف الرجل، فإن كانوا اثنين وقفا خلفه، والمرأة خلفهما فلما كان علي عليه السلام يصلي مع النبي صلى الله عليه وآله كان عن يمينه وخديجة خلف علي، فلما جاء جعفر، وأمره أبوه أبو طالب أن يصل جناح ابن عمه، وقف عن يسار علي وإلى يسار النبي صلى الله عليه وآله.
ويقول ابن كثير في (البداية والنهاية) ج 4، ص205 «إن جعفر أسلم قديماً وهاجر إلى الحبشة، وكانت له مواقف مشهورة، ومقامات محمودة وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قَدِم على رسول اللّه صلى الله عليه وآله يوم خيبر، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أدري أنا بأيّهما أسَرّ، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟ وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه». وعن صفات جعفر بن أبي طالب فيكفي نقل ما كتبه ابن كثير: «إن الرسول صلى الله عليه وآله قال لجعفر بن أبي طالب يوم خرجوا من عمرة القضية: أشْبَهْتَ خَلْقي وخُلُقي» [4/27].
وفي السياق نفسه يذكر ابن سعد وهو يتحدث عنه في الترجمة رقم (345) من كتابه (الطبقات الكبرى) فيذكر رواية عن أسامة بن زيد عن أبيه أسامة أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول لجعفر بن أبي طالب: «أشبَهَ خَلْقُكَ خَلْقي، وأشْبَهُ خُلُقُكَ خُلُقي، فأنت مِنّي ومن شجرتي»«4/26».
ولقد هاجر جعفر إلى الحبشة كما هاجر إلى المدينة، ولذا فهو ذو الهجرتين. ولقد أسلم النجاشي ملك الحبشة على يديه.
ذو الجناحين مع الملائكة:
وفي (مؤتة) بالكرك أو في الشام حيث المواجهة بين المسلمين بقيادة جعفر بن أبي طالب والمشركين من جيش هرقل ملك الروم، وقد رأى جعفر أن الحرب قد اشتدت والروم قد غلبت؛ اقتحم عن فرسٍ له شقراء ثمّ عقرها [أي جرحها أو نحرها] حتى يثبت في ارض المعركة، فقاتل حتى قُتِل، وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها
طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
كافرة بعيدة أنسابها
علي ان لاقيتها ضرابها
ينقل ابن الأثير حين حديثه عن شهداء معركة مؤتة ضمن أحداث السنة الثامنة للهجرة عن ابن هشام أنه قال: «حدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فَقُطِعَتْ، فاخذه بشماله، فَقُطِعَتْ، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فاثابه اللّه بذلك جناحين في الجنّة يطير بهما حيث يشاء».
ويروي ابن سعد في الطبقات الكبرى: «إن رسول اللّه قال: إن لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة».
ويروي ابن سعد أيضاً أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله قال: «مَرّ بي جعفر بن ابي طالب في الليلة في ملأ من الملائكة، له جناحان مضرّجان بالدماء أبيض القوادم».
ولذلك عُرِفَ جعفر بن ابي طالب بـ (جعفر الطيار).
ومن روائع القصص التي يذكرها الشيخ الصّدوق في أماليه عن جابر بن يزيد الجحفي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال:
أوحى اللّه عز وجل ـ إلى رسوله صلى الله عليه وآله أني شكرت لجعفر بن أبي طالب أربع خصال، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال جعفر: لولا أن اللّه أخبرك ما أخبرتك:
ما شربتُ خمراً قط، لأني علمت أن لو شربتها زال عقلي.
وما كذبت قط لأن الكذب ينقص المروءة.
وما زنيت قطّ، لأني خفت أني اذا عملتُ عُمِلَ بي.
وما عبدتُ صنماً قط لأني علمت أنه لا يضر ولا ينفع.
قال: فضرب النبي صلى الله عليه وآله يده على عاتقه فقال: حق للّه عز وجل أن يجعل لك جناحين تطير بهما مع الملائكة في الجنة.
مرقد جعفر الطيار:
يقع مرقد الشهيد جعفر الطيار في بقعة تبعد عن موقع معركة مؤتة حوالي (75) كم ـ كما سبق أن أشرنا ـ ولقد عُرفت المنطقة التي تضم رفات شهداء (مؤتة) بـ (المزار) نظراً لوجود مراقد ومزارات اولئك الشهداء، ولعل أبرز تلك المراقد هو مرقد جعفرالطيار.
وليس هناك من بين المصادر التاريخية ـ التي بين يدينا ـ ما يوضح التاريخ الاول لاقامة العمارة على مثوى جعفر الطيار، بيد أن الدكتور محمد عدنان البخيت يذكر في كتابه (مملكة الكرك في العهد المملوكي) أن «الظاهر بيبرس رابع سلاطين المماليك (ت 676هـ/1277م) جدّد قبر جعفر بن أبي طالب ووقف على الزائرين له شيئاً كثيراً، ويذكر أيضاً «إن مقام جعفر هذا قد تحوّل إلى مركز ديني تعليمي وإلى مركز مجاورة. فهذا الشيخ يوسف بن خليل يقيم به مدّة عشرين سنة، ويأخذ عنه العلم محمد بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري».
ومتابعة موضوع عمارة قبر جعفر الطيار، وتجديد عمارته وتطورها تحتاج إلى بحث مستقل لا شك وأنه سيسد نقصاً واضحاً ومكاناً شاغراً في رفاف المكتبة الإسلامية والعربية.
وكيف كانت العمارة الأولى فالضريح اليوم (رجب 1417هـ/ تشرين أول 1996م) قبل أن تدخل غرفة الضريح، يقع نظرك على لوحة من الرخام وضعت على الحائط قرب الباب بقياس 100 سم طولاً و80 سم عرضاً حفرت وكتب عليها بخط أسود في ستة سطور: ـ هذا مقام الصحابي الجليل الشهيد سيدنا جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول اللّه (ص) هاجر الهجرتين وكان القائد في معركة مؤتة وفيها فَقَدَ ذراعيه ثم استشهد فأخبر الرسول أن اللّه قد أبدله بدلاً منها بجناحين يطير بهما في الجنّة فسمّي رضي اللّه عنه بجعفر الطيّار.
يرتفع عن الأرض حوالي متر واحد ونصف المتر تقريباً، وقد كُسي بكساء من القماش الاخضر، طُرّزت في أطرافه آيات من الذكر الحكيم بخيوط ذهبية برّاقة، فيما أحاط بالضريح سياج حديدي طُلي باللون الأخضر أيضاً يمكن تقديره من حيث الحجم بـ 3 أمتار طولاً ومترين عرضاً. بينما فُرِشَت الأرض المحيطة بالضريح بسجاد أحمر اللون لجلوس الزائرين وأدائهم الصلاة اليومية وصلاة يوم الجمعة، أمّا جدران المقام فقد عُلّقت فيها سيرة الطيّار على شكل لوحة جميلة في ثلاثة عشرة فقرة تتحدّث عن نَسَبه، وصلاته مع الرسول صلى الله عليه وآله وزواجه من أسماء بنت عُميس وهجرته إلى الحبشة والمدينة وتسميته من قبل رسول اللّه بأبي المساكين واستشهاده.
وقد ذُيّلت اللوحة باسم مُهديها لمرقد جعفر الطيّار المحامي الحاج أمير كاظم الصالحي(بغداد) وبتاريخ الإهداء (7/4/1995)، وعلى بعض جدران الضريح الأخرى لوحة كتب عليها أحد عشر بيتاً من القصيدة المشهورة التي يقول الشاعر في مطلعها:
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسا اذا حكم القضاء
وأسندت القصيدة ـ كما في اللوحة ـ للإمام الشافعي، فيما نعرف أن البعض ممن كتب عن هذه القصيدة ينسبها للإمام علي عليه السلام وليس مجال التحقيق في قائلها في مثل هذا الاستطلاع.
وقريباً من مدخل غرفة الضريح عُلّقت لوحة يمكن تقدير طولها بـ متر واحد وعرض يقدّر بـ 60 سم وقد كتبت عليها بخط جميل نصّ زيارة الشهيد جعفر الطيار، وكما يلي: ـ
زيارة جعفر بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي أبو عبداللّه ابن عم النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قتل شهيداً في أرض الشام بـ «مؤتة» سنة ثمان للهجرة.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
السلام عليك يا ابن عم النبي (ص) السلام عليك يا قائد المسلمين إذ قال فيك رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أأأشبهتَ يا جعفر خَلْقي وخُلُقي وكنّاكَ أبا المساكين وقد أدّيتَ الأمانة واجتنبت الخيانة من جهادك الروم حتى قتلت شهيداً صابراً بعدما قُطعَت يداك فعوّضك اللّه بهما بجناحين تطير بهما في الجنّة كما أخبر عنك النبي صلى الله عليه وآله وسلم السلام عليك يا بحر العلوم وكنزها ومحييَ الرسوم ومروّجها السلام عليك يا حافظ الدين وعون المؤمنين ومروج شريعة سيد المرسلين السلام عليك يا عضد الإسلام السلام عليك أيها الزاهد الكامل السلام عليك أيها الصالح التقي السلام عليك أيها العارف المؤيد والعابد المسدد أشهد أنك الأمين على الدنيا والدين وأنك بالغت في إحياء الدين واجتهدت في حفظ شريعة أشرف الأولين والآخرين عليه وآله صلوات المصلين واتبعت سنن الأبرار وأشهد أنك أظهرت الحق وأبطلت الباطل وسهلت السبيل وأوضحت الطريق ونصرت المومنين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقاً. اللهم إملأ قبره نوراً وروحاً وريحاناً وأسكنه في بحبوحة من جنان النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.
في الجهة الشمالية من مرقد جعفر الطيار ثمة سلم صغير يؤدي إلى منصة حيث مكان الخطيب في هذا الضريح. ولقد كسي السلم بالسجاد الأخضر، فيما وضعت مكتبتان خشبيتان صغيرتان إلى شمال السلم. احتوت إحداهما على نسخ من القرآن الكريم بطبعات مختلفة، وأحجام متنوعة، إذ توجد هناك المصاحف الكبيرة كما تتوافر المصاحف صغيرة الحجم. أما الخزانة الخشبية الثانية الصغيرة ذات الأرفف الأربعة فتحتوي على مجموعة متواضعة من الكتب الإسلامية، بعضها يتحدث عن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرة أهل بيته (عليهم الصلاة والسلام).
تزين وسط سقف الضريح (ثريا) مصنوعة من الزجاج الأبيض، وقد أضيأت وتلألأ شعاعها وضياؤها، فأضفت على هيبة الضريح ونوره نوراً وبهاءً وجمالاً، فيما تتوزّع المصابيح البيضاء على الجوانب من سقف الضريح.
يزور هذا المرقد عدد غير قليل من الناس، لا سيما في أوقات الصلاة اليومية، يكون سكان مدينة المزار العدد الأكبر منهم، إذ يفضلون الصلاة في هذا المكان يعبدون اللّه قرب وليّ من أوليائه.
ومن المظاهر الإسلامية الجميلة التي تستحق الثناء والتقدير في بلدة المزار: أن أهالي المدينة لا يتخلفون عن صلاة الجماعة إلاّ في حالات المرض الشديد أو السفر. والسفر حالة نادرة جداً لأهالي المزار، باستثناء قلة قليلة من الجيل الجديد من شباب الكرك الذين غادروها والتحقوا ببعض الجامعات الأردنية في عمان وأربد، وتشكّل نسبة هولاء بالنسبة لإجمالي عدد طلاب الجامعات هناك أقل من 1% (واحد للمئة)!.
ثمة ظاهرة تلفت نظرك وأنت قريب من مرقد جعفر الطيار هي وجود مجموعات من المصلين من غير العرب، تقترب منهم تحدّثهم بلهجتك العربية الدارجة التي تعوّدت عليها، يجيبوك متحدّثين بلسان عربي مبين، إنهم من المسلمين الماليزيين الذين يدرسون الفقه الإسلامي، وعلوم الشريعة الإسلامية في (جامعة مؤتة) [أنشئت عام 1396هـ/ 1976م] ويواظبون على أداء صلاة الجماعة وصلاة الجمعة قريباً من مقام الشهيد جعفر الطيار، تعرفهم مما يرتدون من ملابس تميزهم عن أبناء البلد، فالقميص أبيض فضفاض، وتحته بنطال واسع مع غطاء أبيض على الرأس.
زيد بن حارثة:
وفي مدينة المزار قريباً من مؤتة إلى الغرب من مرقد جعفر الطيار بحوالي 150 متر يقع مرقد الشهيد زيد بن حارثة بن سراحيل بن كعب بن عبد العزي بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان، وينتهي نسبه إلى (القضاعي). يذكر ابن كثير في البداية والنهاية [4/204] وهو يتحدث عن (فضل شهداء مؤتة): «إن أم زيد بن حارثة ذهبت تزور أهلها فأغارت عليهم خيل فأخذوه، فاشتراه حكيم بن حزام لعمَّته خديجة بنت خويلد، وقيل اشتراه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لها فوهبته من رسول اللّه قبل النبوة فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول اللّه فأعتقه وزوَّجه مولاته أم أيمن، وأسمها بركة، فولدت له اسامة بن زيد».
استشهد زيد بن حارثة في مؤتة عام (8هـ/630م) ودُفِن في ذات البقعة التي دفن فيها جعفر الطيار على مسافة 150 متراً.
حيث يقع قبر ابن حارثة في ضريح صغير لا تزيد مساحته عن 12 متراً مربعاً (3× 4) تحيط بغرفة القبر حديقة متواضعة، ويُفتح المرقد للزائرين طيلة أيام الأسبوع.
عبداللّه بن رواحة:
الشهيد عبداللّه بن رواحة واحد من شهداء معركة مؤتة، وفي نَسَبِه يقول المؤرخون: إنه عبداللّه بن رواحة بن ثعلبة بن أمرىء القيس بن عمرو بن أمرىء القيس الأكبر بن مالك بن الأغرّ الأنصاري الخزرجي.
ويقال في إسلامه: «إنه أسلم قديماً وشَهِدَ العقبة، وكان أحد النقباء ـ ليلتها ـ لبني الحارث بن الخزرج، وشَهِدَ بدراً وأُحداً والخندق والحديبية وخيبر».
وعبداللّه بن رواحة من شعراء صحابة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم المشهورين، وممّا نُقِلَ من شعره في رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ـ
وفينا رسول اللّه نتلو كتابه
اذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
اذا استثقلت بالمشركين المضاجع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقفات ان ما قال واقع
قضى عبداللّه بن رواحة شهيداً في (مؤتة)، ودُفِنَ في المزار على مسافة لا تبعد عن 100مئة متر عن قبر زيد بن الحارثة، وعلى بعد حوالي 250 متراً عن جعفر بن أبي طالب.
يقع ضريح ابن رواحة وسط متنزه كبير، فيما لم يُقم بنيان على قبره على الرغم من المساحة الكبيرة هناك، اللهم إلا تلك الغرفة الصغيرة (2 ×3)م2 التي يتوسطها القبر، ويقوم على رعاية القبر شيخ مسن لا يفتح غرفة الضريح إلا نهار الجمعة أمام الزائرين. يلفت نظرك كثرة وجود الأطفال قريباً من مرقد ابن رواحة تطلب من ذلك الشيخ المسن حارس القبر تفسيراً لذلك حيث لم نلمح ظاهرة وجود مجموعات من الأطفال قرب مرقدي جعفر وزيد فيجيب: «أن الاطفال يقصدون المنتزه المحيط بضريح بن رواحة للعب كرة القدم». ويضيف وكأنه يجيب عن استغرابنا لاقتصار فتح المقام على نهار ـ الجمعة يوم العطلة الرسمية الأسبوعية في الأردن ـ : «أن عدد الزوار قليل لانعدام الخدمات في المرقد وما حوله، ولضيق المكان حيث لا يتسع لأكثر من ثلاثة أشخاص ولا توجد قريباً منه مرافق صحية وأماكن للضوء».
مشروع تطوير المقامات:
وسط هذا النقص في الخدمات في مدينة المزار يقوم هذا العام (1417هـ/1996م) مشروع إعمار وتطوير مقامات شهداء مؤتة، وقد بدأ العمل أول ما بدء بالمزار الجنوبي.
ويتكوّن المشروع من ثلاث مراحل: ـ
المرحلة الأولى:
- بناء مسجد الشهيد جعفر بن أبي طالب، وتوسيع المرقد، وتطويره، حيث يقام مسجد واسع يتكون من صحن واسع له ثلاثة أروقة، وتطوير مقام زيد بن حارثة، حيث سيبنى مصلى، وصحن واسع على نظام تطوير مسجد جعفر الطيار، ولكن بشكل أصغر وتحديداً ثلث مساحة مرقد جعفر الطيار، ويتبعه مبنى لإقامة الزائرين وحُدّد مكانه في الخلف من مرقد زيد بن حارثة من الناحية الجنوبية شرق ضريح الطيار، كما سيقام ضمن خط، مرحلة العمل الأولى سوق تجاري قريب من ضريح جعفر الطيار، وسيقام ضمن السوق برج الساعة، إذ توضع في أعلاه ساعة كبيرة وجميلة الشكل من جوانب البرج الأربعة.
المرحلة الثانية:
– تتكون المرحلة الثانية من مشروع تطوير مقامات شهداء مؤتة من إنشاء قاعة ملكية تمتد على مساحة واسعة من الأرض في مدينة المزار، وتقام بموازاتها جامعة العلوم الإسلامية شرقاً، وعلى الخط نفسه سيُقام متنزه يكون ملاصقاً للساحة الخارجية لمرقد الشهيد جعفر الطيّار، كما وستقام دار لتعليم القرآن الكريم وتلاوته وتجويده.
المرحلة الثالثة:
– تطوير مقام الشهيد عبداللّه بن رواحة، فعلى النسق نفسه الذي سيقام لمقامي جعفر وزيد سيقام مقام لابن رواحة ولكن على شكل مصغّر بعض الشيء، ويلحق به منتزهين الأول إلى جنوبه، والثاني إلى غربه.
أما المدة الزمنية المقررة لإنجاز هذا المشروع فهو من سنتين إلى ثلاث سنوات لكل مرحلةٍ من مراحله الثلاث، والمعدل الزمني مع التمديد هو حوالي عشر سنوات.
وتشرف على إنجاز هذا العمل اللجنة الملكية لإعمار المساجد ومقامات الصحابة في الأردن. وهي ذات اللجنة التي أشرفت على إعادة ترميم قبة الصخرة المشرفة في المسجد الأقصى في فلسطين.
بعض ما قيل عن مؤتة شعراً:
يقول الشاعر حسان بن ثابت وهو يبكي شهداء مؤتة:
تأوّبني ليل بيثرب أعسر
وهم إذا ما نوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لي عبره
سفوحاً وأسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية
وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المسلمين تواردوا
شعوباً وخلفاً بعدهم يتاخروا
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا
بمؤتة منه ذو الجناحين جعفر
وزيدق وعبدالله حين تبايعوا
جميعاً وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم
إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم
أبيّ إذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى مال غير موسد
بمعترك فيه القنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه
جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد
وفاء وأمراً حازماً حين يأمر
وما زال في الإسلام من آل هاشم
دعائم عز لا يزلن ومفخر
هم جبل الإسلام والناس حولهم
رضام إلى طود يروق ويبهر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه
علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهموا
عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللأواء في كل مازق
عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه
عليهم، وفيهم ذا الكتاب المطهر
ومما قيل من شعر في شهداء (مؤتة) قول كعب بن مالك: ـ
نام العيون ودمع عينك يهمل
سحاً كما وكف الطباب المخضل
في ليلة وردت علي همومها
طوراً أخنّ وتارة اتمهل
واعتادني حزن فبنت كأنني
ببنات نعش والسماك موكل
وكانما بين الجوانح والحشا
مما تاوّبني شهابٌ مدخل
وجداً على النفر الذين تتابعوا
يوماً بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الإله عليهم من فتية
وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم
حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم
فنقٌ عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه
قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر
حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده
والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قرم على بنيانه من هاشم
فرعا أشم وسؤدداً ما ينقل
قوم بهم عصم الإله عباده
وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرماً
وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون إلى السفاه حباهم
ويرى خطيبهم بحق يفصل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم
تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
وبهديهم رضي الإله لخلقه
وبحدهم نصر النبي المرسل
وبينما كانت الشمس تودع مدينة مؤتة الهادئة الوادعة وتودّع أضرحة الشهداء فيها من صحابة رسول الله، كانت السيارة تعود بنا إلى عمان حيث ضجيج العاصمة وازدحامها. ومع أن المسافة ما بين مؤتة وعمان ليست بالبعيدة إلا اننا استشعرنا وكأننا انتقلنا من عالم إلى عالم آخر… فيما بقيت أرواح شهداء (مؤتة) ترافقنا ويظللنا جعفر الطيار بجناحين من نور…
علي أحمد البهادلي
المثل الأعلى في ترجمة أبي يعلى
الحمزة بن القاسم حفيد العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام
للشيخ محمد علي الأردوبادي
ولد الأردوبادي بالنجف الأشرف في اليوم الحادي والعشرين من شهر رجب سنة 1312هـ/ السابع عشر من شهر كانون الثاني 1895م)[765](.
وبعد أن شب حضر على والده في الفقه والأصول، (وكان من العلماء المجتهدين ومن أئمة التقليد بإيران)، وعلى شيخ الشريعة الأصفهاني، وأخذ عنهما الحديث والرجال أيضاً، وعلى السيد ميرزا علي ابن السيد محمد حسن المجدد الشيرازي، وأخذ الفلسفة على الشيخ محمد حسين الأصفهاني، والكلام، والتفسير على الشيخ محمد جواد البلاغي، ولازم حلقات دروس مشايخه الثلاثة المتأخرين أكثر من عشرين سنة. وشهد له بالاجتهاد كل من: أستاذه الشيرازي، والميرزا محمد حسين النائيني، والشيخ عبد الكريم الحائري القمي، والشيخ محمد رضا أبو المجد الأصفهاني، والسيد حسن الصدر، والشيخ محمد باقر البيرجندي، وغيرهم.
أجازه في رواية الحديث أكثر من ستين عالماً من أجلاّء العراق، وإيران، وسوريا، ولبنان وغيرها)[766](، منهم: الميرزا هادي الخراساني الحائري، والسيد أبو تراب الخوانساري، والسيد حسن الصدر، والشيخ آغا بزرك الطهراني، والشيخ محمد محمد حسن ابن المولى علي التبريزي (وهي مطوّلة تاريخها يوم الأربعاء تاسع عشر من شهر ذي الحجة سنة 1339هـ/23 آب 1921م) وقد وصفه: بالفاضل اللبيب، والكامل الأديب، الدقيق فهمه، الكثير علمه، الألمعي اللوذعي، صاحب الطبيعة الوقادة، والقريحة النقادة، والفطرة السليمة، والفكرة المستقيمة؛ حليف الجودة والذكاء، المرتفع على رؤوس الأقران، ومن فضل علمه ـ دام سموه، وسما علوه ـ أخذ علماً جماً وبرع»)[767](.
قال عنه شيخ مشايخ الحديث الشيخ آغا بزرك الطهراني في طبقات أعلام الشيعة: «برع في الشعر والأدب حتى تفوّق على كثير من فضلاء العرب، وتضلّع في التاريخ، والسير، وأيام العرب ووقائعها، وأصبح حجّة في علوم الأدب واللغة والفقه وأصوله، والحديث والرجال، والتفسير والكلام والحكمة وغيرها.
نبغ في كل منها نبوغ متخصّص مما لفت إليه أنظار الأعلام، وأحلّه بينهم مركزاً مرموقاً. وهو ممن يمثل السلف الصالح خير تمثيل، فسيرته الشخصية وإخلاصه في كل الأعمال العلمية ونكرانه لذاته، وزهده في حطام الدنيا وإعراضه عن زخارف الحياة ومظاهرها الخداعة، وابتعاده عن طلب الشهرة، صورة مما كان عليه مشايخنا الماضون (رضوان الله عليهم). قنع من الدنيا بالحق، وتحزّب له، وجاهد من أجله، ولم تأخذه فيه لومة لائم، فلم تبدله الأحداث، ولم تغيره تقلبات الظروف)[768](.
عبّر عنه السماوي في (الطليعة من شعراء الشيعة): أنه اشتمل على فضل جم، وغزير علم، وشارك في فنون مختلفة، واتسم بأحسن صفة، إلى تقى طارف وتليد، وحسب موروث وجديد. اجتمعت به كثيراً، وعاشرته طويلاً فرأيت منه الرجل المتّقد الفهم، الغزير العلم، الحصيف، الذاكر، المصنف، الشاعر)[769](. وساق نماذج من شعره.
وذكره العلاّمة المحقق السيد محمد صادق بحر العلوم في (مجموعه الرائق) بقوله: جمع بين فضيلتي العلم والأدب، وحاز المجد والعلى وفاز بالقدح المعلى، وله أشعار ممتعة، بيد أنه لم يتخذ نظم الشعر ديدناً له، وجل شعره في الأئمة الهداة (سلام الله عليهم)، مدحاً ورثاءً. ولي معه مطارحات، ومساجلات أدبية ومباحثات علمية، وهو مع ذلك على جانب عظيم من السعي والصلاح، ذو همة عالية في ترويج الشريعة الأحمدية)[770](.
وترجمه العلاّمة السيد علي نقي النقوي اللكنهوي في إجازته الكبيرة للسيد محمد صادق بحر العلوم التي سماها (أقرب المجازات إلى مشايخ الإجازات) ترجمة ضافية، جاء فيها:
«هو أحد الأفذاذ من فضلاء الطائفة وأعلامها، ممن يفتخر بعلمهم الجم وفضله، وتنمره في الدين، وغيرته على الإسلام وأخلاقه السمحة، وملكاته الشريفة، له في فنون العلم خطى واسعة. أما أدبه فحدث عنه ولا حرج، فقد بلغ فيه ذروة السنام بشعر يسامي الشعرى، ونثر يضاهي النثرة في جزالة الألفاظ، وطراوة الأسلوب، ورصافة النظام، ومتانة المعاني. وهو وإن يكن من المقلين في شعره عدداً، لكنه من المكثرين فيه جودة، وظرفاً، ولطافة»)[771](.
وذكره المحدث الشيخ عباس القمي بقوله: «العالم الفاضل والأديب البارع، والشارع المتبحر الخبير»)[772](.
ووصفه الأميني في (معجم رجال الفكر والأدب): بالفقيه، الفيلسوف، الشاعر، المتتبع)[773](.
مؤلفاته
وصف النقوي مؤلفاته أنها تتجلى في سماء الفضيلة أقماراً، وشموساً طالعة، وقد رأيتُ بعضها بخطه ما طبع منها، وما لم يطبع:
1 ـ تفسير سورة التوحيد نشر في مجلة (تراثنا)، العدد الرابع، السنة الأولى.
2 ـ تفسير القرآن ـ أنجز منه جزءاً واحداً فقط ـ مخطوط ـ.
3 ـ تقريرات في الفقه والأصول.
4 ـ حياة إبراهيم بن مالك بن الأشتر ـ رسالة صغيرة مطبوعة في آخر كتاب (مالك الأشتر) للسيد محمد رضا الحكيم المطبوع بطهران سنة 1365هـ/1946م.
5 ـ حياة الإمام المجدد الشيرازي ـ في ترجمة السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي المتوفى سنة 1312هـ/1894م ـ.
6 ـ حياة السيد محمد ابن الإمام علي الهادي عليه السلام ـ 1375هـ/1956
7 ـ ديوان شعره ـ (مخطوط)، يبلغ ثلاثة آلاف بيت، جمعه سبطه الخطيب السيد مهدي الحسيني الشيرازي من مجاميعه المتفرقة.
8 ـ رسالة في الرد على الوهابية، طبعت سنة 1345هـ/1926م.
9 ـ زهر الرُبى ـ مجموعة شعرية مختارة، وهي واحدة من ست مجاميع مخطوطة.
10 ـ سبيك النُضار في شرح حال شيخ الثار المختار ـ (رأيته بخطه في 200 صفحة).
11 ـ علي وليد الكعبة ـ مطبوع.
12 ـ الكلمات التامات في المظاهر العزائية والشعائر الحسينية ـ مطبوع.
13 ـ ما قيل في آل الشيرازي ـ ديوان كبير (مخطوط).
14 ـ المثل الأعلى في أحوال أبي يعلى (الحمزة بن القاسم حفيد العباس بن علي بن أبي طالب). ـ (وهي رسالتنا هذه).
15 ـ منظومة جارى بها ألفية الشيخ محمد تقي التبريزي بلغت (1651) بيتاً.
16 ـ منظومة في واقعة الطف، (مخطوطة).
وفاته
توفي بالنجف الأشرف ليلة الأحد الأول من شهر صفر 1380هـ/25 تموز 1960م، ودفن في الحجرة الرابعة على يسار الداخل إلى الصحن الشريف من باب السوق الكبير الشرقي، (وهي التي دفن فيها الشيخ ميرزا علي الأيرواني، والشيخ محمد كاظم الشيرازي، وغيرهم من الأعلام)، ولم يخلف سوى بنتين.
مصادر ترجمته
1 ـ أعلام الأدب المنسي بالعراق في القرن العشرين ـ جودت القزويني.
2 ـ أقرب المجازات إلى مشايخ الإجازات ـ السيد علي نقي النقوي)[774](.
3 ـ شعراء الغري ـ الأستاذ علي الخاقاني.
4 ـ الطليعة من شعراء الشيعة ـ الشيخ محمد السماوي (مخطوط).
5 ـ الغدير ـ الشيخ عبد الحسين الأميني، ضمن الأجزاء (المخطوطة).
6 ـ الكُنى والألقاب ـ الشيخ عباس القمي.
7 ـ المجموع الرائق ـ السيد محمد صادق بحر العلوم ـ (مخطوط).
8 ـ معجم رجال الفكر والأدب ـ الشيخ محمد هادي الأميني.
9 ـ نقباء البشر في القرن الرابع عشر ـ الشيخ آغا بُزُرك الطهراني (مطبوع).
10 ـ وفيات الأعلام ـ السيد محمد صادق بحر العلوم ـ (مخطوط).
المثل الأعلى
في ترجمة الحمزة بن القاسم
من بين ما كتبه الأردوبادي رسالة (المثل الأعلى في ترجمة أبي يعلى).
وأبو يعلى الحمزة بن القاسم حفيد العباس بن علي بن أبي طالب (ع)، من رجال الرواية والحديث، ذكره علماء الرجال، والإجازة في مؤلفاتهم، وأثنوا عليه بما يستحقه من ثناء.
وجدتُ في هذه الرسالة جامعيتها لحياة الحمزة من جهات متعددة، وذكرها لمشايخه والراوين عنه. وقد ألمّت بما وصل عنه من الاخبار، وهي من مخطوطات خزانة العلاّمة السيد محمد صادق بحر العلوم (أدام الله أيام حياته) )[775](، ضمن مجموعة من الرسائل نسخها بخطه الجميل، عن نسخة الأردوبادي سنة 1360هـ/1941م.
والرسالة تقع في ثمان صحائف، كل صفحة تحتوي على (19) سطراً. وهي ـ كما أسلفتُ ـ ضمن مجموعة سماها بحر العلوم بـ (الإربعينات) في الحديث، ضمّت خمس عشرة رسالة في مواضيع مختلفة، ألحقت بها خمس رسائل أخرى، هي:
1 ـ كتاب التعريف بوجوب حق الوالدين، لأبي الفتح الكراجكي.
2 ـ إحياء الميت بفضائل أهل البيت، للسيوطي.
3 ـ إفادة الخبر بنصه في زيادة العمر ونقصه، للسيوطي أيضاً.
4 ـ المثل الأعلى في ترجمة أبي يعلى الحمزة بن القاسم حفيد العباس بن علي (رسالتنا هذه).
5 ـ رسالة في تكذيب: (إنا معاشر الأنبياء لا نورّث) لأفضل الدين محمد.
تبتدئ رسالة (المثل الأعلى) ـ في هذه المجموعة ـ من صفحة (399)، وتنتهي بصفحة (406)، وكُتِبَت خالية من المطالب.
أما نسخة (الأصل) فقد وقفتُ عليها ضمن مجموعة مخطوطة بخط مؤلفها العلامة الأردوبادي، جمع فيها ما توفّر له من نوادر أدبية، وتراجم مختصرة لبعض الأعلام، وهي محفوظة عند سبطه السيد مهدي الشيرازي.
تقع هذه النسخة في خمس صفحات تبدأ بصحيفة (236) من المجموعة، وتحتوي على بعض الزيادات التي افتقرتها نسخة بحر العلوم، تنحصر في الاقتباس من كتاب (المجدي) ـ المخطوط ـ للنسّابة العمري. كما أن السيد مهدي الشيرازي نسخ هذه الرسالة عن خط المؤلف، ووفّر لي نسخته أيضاً ـ وتقع في ثمان صفحات من القطع الاعتيادي.
استفاد المحقق السيد عبد الرزاق المقَرَّم من هذه (الرسالة) في حديثه عن الحمزة في كتابه (العباس بن علي بن أبي طالب)، المطبوع بالنجف الأشرف (بلا تاريخ)، وقد أثبتها بتغيير بعض عباراتها، وحذف أخرى حسبما أملاه عليه السياق.
وممَنْ ألّف في الموضوع نفسه البحّاثة الشيخ طه ياسين الهنداوي، وكان قد زار المرحوم والدي السيد كاظم القزويني رحمه الله )[776](، في شهر ذي القعدة سنة 1391هـ/كانون الثاني 1971م، وطلب أن يصدر بحثه بمقدمة مناسبة، فاستجاب الوالد لذلك.
ثم إني عمدت إلى نسخ بحثه الذي يقع في خمسين صفحة من القطع الاعتيادي، وفرغتُ منه في شهر محرم الحرام من السنة الثانية والتسعين بعد الألف والثلثمائة الهجرية الموافق لليوم التاسع من شهر آذار سنة 1972 الميلادية.
والذي يظهر أن الهنداوي تحدث عن أولاد العباس وأحفاده بشيء من التفصيل على حين أن الحمزة لم يحظ بذلك الاستيعاب. وقد اتضح في رسالة الأردوبادي اقتصار الحديث على الحمزة دون الإطناب في موارد أخرى.
كما كتب الشيخ علي حسن الخاقاني مبحثاً بعنوان (الحمزة والقاسم) طُبع بالمطبعة الحيدرية سنة 1365هـ/1946م، ويقع في (54) صفحة، إثنتي وعشرين منها تخصّ حياة (الحمزة) أبي يَعلى، وما تبقّى شمل حياة (القاسم). وهو مبحث جليل تناول قسماً من حياة الحمزة ببراعة التتبع، والتحقيق.
هذا ما يتعلق بأبي يعلى، أما ما يتعلق (بالمثل الأعلى)؛ فقد أوردتُ (ملحقاً) تضمن بعض الفوائد المتصلة بالبحث، أرجو أن تكون من بواكير التمام.
د. جودت القزويني
الحمزة بن القاسم
حفيد العباس بن علي بن أبي طالب
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الأصفياء عليهم أفضل الصلوات والتسليمات وبعد:
فإني أجبتُك أيها الأخ الوفي إلى ما التمستني من شرح حال السيد الأجل أبي يعلى حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله ابن أبي الفضل العباس ابن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).
فإليك أيها السيد الجليل نبذة يسيرة من ترجمته كتبتها على العجالة، ولو ساعدني التوفيق الإلهي لأمليت عليك شيئاً وافياً من أحواله.
أقول: إن السيد الجليل أبا يعلى حمزة بن القاسم، كان أوحدياً من سروات المجد من هاشم، وفذاً من أفذاذ بيت الوحي، وأحد علماء العترة الطاهرة. روى الحديث وأكثر، واختلف إليه العلماء للأخذ منه.
الراوون عن الحمزة
فممن روى عنه الشيخ الأجل أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري)[777]( من أعاظم الشيعة وحملة علومهم المتوفى سنة 385هـ، ذكره شيخ الطائفة )[778]( في رجاله (المخطوط) )[779](.
ومنهم: الحسين بن إبراهيم بن هاشم المؤدب من مشايخ الشيخ الصدوق )[780]( كما في أماليه )[781](.
ومنهم: علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق من مشايخه أيضاً، كما في إكمال الدين )[782]( له.
ومنهم: علي بن محمد القلانسي )[783]( من مشايخ الشيخ الأجل الحسين ابن عبيد الله الغضائري )[784](، قاله النجاشي )[785]( في ترجمة القاسم بن بريد ابن معاوية العجلي من فهرسه )[786](، وترجمة عبدالله بن غالب الأسدي )[787](، وترجمة أبي يعلى نفسه )[788](، وترجمة سهل بن ذاذويه )[789](، وترجمة محمد ابن علي بن حمزة عم المترجم )[790](.
ومن كل هذا يستظهر أنه في طبقة ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني )[791]( ـ رحمه الله ـ المتوفى سنة 329هـ.
وقد أدرك أخريات القرن الثالث، وأوليات القرن الرابع، ولذلك عقد له شيخنا العلامة الطهراني )[792]( (أدام الله وجوده) في كتابه (نابغة الرواة في رابعة المئات) )[793]( ترجمة ضافية )[794](. فهو من علماء الغيبة الصغرى.
آثاره
وله من الآثار والمآثر كتاب مَن روى عن جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ من الرجال، استحسنه النجاشي )[795](، والعلامة الحلي )[796]( ـ رحمهم الله ـ.
ولأجل كتابه هذا ترجمه شيخنا العلامة الطهراني المذكور في كتابه (مصفى المقال في مصنفي علم الرجال) )[797](.
وله أيضاً كتاب التوحيد، وكتاب الزيارات والمناسك، وكتاب الرد على محمد بن جعفر الأسدي.
وهذه الكتب أسند إليها النجاشي عن ابن الغضائري عن القلانسي الآنف الذكر عن مؤلفها المترجم له )[798](.
آيات الثناء عليه
وإليك ما وصفه به أئمة الرجال من ثناء وإطراء:
قال النجاشي في (فهرسه)، وآية الله العلامة الحلي في (الخلاصة): «ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير الحديث» )[799](.
وقال العلاّمة المجلسي )[800]( في (الوجيزة): «ثقة» )[801](.
وقال الميرزا محمد الرجالي الإستربادي )[802]( في الوسيط (مخطوط): أبو يَعلى ثقة جليل القدر من أصحابنا، كثير الحديث )[803](.
وقال العلامة الفقيه محمد طه نجف )[804]( في (إتقان المقال): «ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير الحديث» )[805](.
وقال العلامة المامقاني )[806]( في (تنقيح المقال): «السيد الجليل حمزة، إلى قوله: وهو ثقة جليل القدر عظيم المنزلة» )[807](.
وقال ثقة الإسلام الشيخ عباس القمي )[808]( (رحمه الله) في كتابه (الكنى والألقاب): «أنه أحد علماء الإجازة، وأهل الحديث، وقد ذكره الرجال في كتبهم، وأثنوا عليه بالعلم والورع» )[809](.
ونحوه ما ذكره في كتابه (سفينة البحار) )[810](.
وغير هؤلاء من الأعلام الذين لم تَحْضرني في هذه العجالة أسماؤهم )[811](.
ودون مقام سيدنا المترجم له أن نقول فيه أنه من مشايخ الإجازة الذين هم في غنى عن أي تزكية كما نصّ به شيخنا الشهيد الثاني )[812]( ـ رحمه الله ـ، وتلقّاه من بعده بالقبول؛ فإنّ مكانة أبي يعلى فوق ذلك كله، على ما عرفته من علماء الرجال، وتواتر كراماته المُربية على الأحصاء، المشهورة من مرقده المطهر.
فهو من رجالات أهل البيت المعدودين، ومن أعيان علمائهم المخصوصين بكلّ فضيلة ظاهرة، ومأثرة باهرة (والشمس معروفة بالعين والأثر) )[813](. فليس هو ممن نتحرّى ثقته حتى نتشبث بأمثال ذلك.
نعم، كثرة روايته للحديث تنمّ عن فضل كثار من غزارة علمه، ومن قولهم عليهم السلام: «إعرفوا منازل الرجال منّا بقدر روايتهم عنّا»)[814](.
فإن ذلك يشفّ عن التصلب في أمرهم، والتضلّع في علومهم، والبثّ لمعارفهم. وبطبع الحال إن كلاَ من هذه يُقرّب العبد إلى الله، وإليهم عليهم السلام زُلفى، فكيف بمن أتيحت له الحظوة بها جمعاء كسيدنا المترجم له على نسبه المؤتلق، المتّصل بدوحهم القدسي اليانع.
مشايخه في الحديث
وأما مشايخه في الحديث فأناسٌ كثيرون؛ أجلّهم عمه مستودع ناموس الإمامة، والمؤتمن على وديعة المهيمن الجبار، أبو عبيد الله، أو أبو عبدالله محمد بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العباس سلام الله عليه.
فإنه لما وقعت الفتنة بعد وفاة الإمام أبي محمد العسكري صلوات الله عليه وقع الفحص والطلب على بيت الإمامة، ونسائه، وجواريه، وإمائه، حذار وجود البقية منه، أو وجود حامل منهن تلده، لمّا بلغ الطاغية أن الخَلَف بعد أبي محمد عليه السلام يدمر دولة الباطل؛ فحسبه عاجلاً وهو آجل. فعند ذلك حصلت الكريمة أم الإمام المنتظر سلام الله عليه في بيت أبي عبدالله هذا، كما نصّ به النجاشي في فهرسه )[815](، فخبأته عن عادية المرجفين.
وأنا لا يَدَعُ لي الاعتبار منتدحاً عن أن أقول، إن بيتاً حوى أم الإمام الحجة عليه السلام هو مختلف وليّ الدهر، وصاحب العصر، ولدها الناهض بعبء خلافة الله الكبرى، ومحط أسراره، ومرتكز أمره، ومجرى علومه، ومصب معارفه، وإنه هو المحتبي في صدر ذلك الدَسْت، والمتربّع على منصة عزّه، حينما يتعاهد الكريمة أمه، وإمامه، صاحب البيت أبو عبدالله مقتبساً من علومه، ومستضيئاً بأنواره.
إذن فدون مقامه كل ما وصفوه به من ألفاظ الثناء كقول النجاشي )[816](، والعلامة )[817](. ويقرب منه قول ابن داود )[818](: «ثقة عين في الحديث، صحيح الاعتقاد» )[819](، وتوثيقات الوجيزة )[820](، والبلغة )[821](، والمشتركات )[822](، وحاوي الأقوال )[823](.
وذكر النجاشي أن له رواية عن أبي الحسن، وأبي محمد (عليهما السلام)، وأن له مكاتبة، وله مقاتل الطالبيين، ورواه عن ابن الغضائري عن القلانسي عن أبي يعلى ـ المُترجم له ـ عن عمّه المذكور.
وقال فيه جمال الدين بن عِنبة )[824]( في عمدة الطالب: «نزل البصرة وروى الحديث عن علي الرضا بن موسى الكاظم (عليهما السلام)، وغيره، بها وبغيرها، وكان متوجهاً عالماً شاعراً، مات عن ستة ذكور، أولد بعضهم» )[825](.
وكانت وفاة محمد بن علي بن حمزة هذا في سنة ستة وثمانين ومائتين كما ذُكر في هامش العمدة )[826](.
وفي المجدي للنسّابة العمري في روايته مثل ما في (العمدة) قال: وكان متوجهاً قوي الفضل والعلم وهو لأم ولد، ويُكنّى أبا عبدالله، وروى له عن أبي الحسن النبلي بالبصرة عن أبي الحسين ابن الملطي عمّن ذكره أن أبا بكر الصولي أنشد له )[827]( في رجل سوّفه قضاء حاجته:
لو كنت في دهري على ثقة
لصبرت حتى يبتدي أمري
لكن نوائبه تحركني
فاذكر ـ وقيت ـ نوائب الدهر
واجعل لحاجتنا وإن كثرت
أشغالكم، حظاً من الذكر
فالمرء لا يخلو على عقب الـ
أيام من ذم ومن شُكر
فحسب أبي يعلى من الشرف أن يكون معمماً بمثله، وناهيه من الفضيلة ان يكون خريجاً لمدرسته )[828](.
وأمّا أبو المترجم له ـ محمد هذا أبي عبدالله (علي)؛ فقد نص بثقته النجاشي )[829](، والعلامة )[830](، وفي الوجيزة )[831](، والبلغة )[832](.
قال النجاشي في فهرسه: (ثقة روى وأكثر الرواية، له نسخة يرويها عن موسى بن جعفر ـ عليه السلام ـ. ثم ذكر طريق روايته إليه بالنسخة المذكورة )[833](.
وأما أبو القاسم حمزة بن الحسن ـ والد علي المذكور ـ فهو الشبيه بجده أمير المؤمنين علي عليه السلام وأخرج توقيع المأمون بخطه (يعطى حمزة بن الحسن لشبهه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب مائة ألف درهم)، قاله ابن عنبة في عمدة الطالب)[834](.
وأما أبوه الحسن بن عبيدالله، فذكر النسابة العمري في (المجدي) )[835]( (أنه كان لأم ولد، وروى الحديث، وعاش سبعاً وستين سنة). وتبعه على تعيين عمره أبو نصر البخاري في (سر السلسلة العلوية). وذكر أن العدد والثروة في ولده؛ إلا أنه قال: إن أمه، وأم شقيقه عبدالله بنت عبيدالله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب.
قلتُ: الظاهر أن في النسخة غلطاً لما سيأتي من أن التي كانت تحت عبيد الله بن العباس المذكور هي بنت معبد بن العباس بن عبد المطلب لا إبنة عبيد الله بن معبد بنص من أبي نصر نفسه )[836](.
وأما عبيدالله )[837]( ـ أبو الحسن المذكور ـ فقد ذكر الشيخ العلامة علي ابن يوسف بن المطهر)[838]( في كتابه «العُدد القوية»)[839]( أنه كان من العلماء.
وقال أبو نصر البخاري)[840](: إنه تزوج أربع عقائل كرام، رقية بنت الإمام المجتبى عليه السلام، وأم علي بنت الإمام السجاد عليه السلام، وأم أبيها بنت معبد بن العباس بن عبد المطلب، وابنة المُسوّر بن مخرمة)[841]( الزبيري.
وقد أعقب العباس بن أمير المؤمنين عليه السلام من إبنة عبيد الله هذا، كما صرح به ابن عِنَبة في (العمدة) )[842](.
ومن مشايخ سيدنا المترجم له أبي يعلى؛ الشيخ الثقة الجليل سعد ابن عبدالله الأشعري)[843](، ذكره شيخ الطائفة في كتاب الرجال)[844](. وفي ترجمة سعد بعد أن ذكر له ثلاثة وثلاثين كتاباً في الفقه، والحديث، والنقود، والردود، آخرها كتاب (المنتخبات)، قال: «رواه عنه حمزة بن القاسم خاصة».
ومنهم: محمد بن سهل بن ذاذويه. ذكر النجاشي في (فهرسه) أبا محمد سهل بن ذاذويه القمي، وبعد أن أطراه بقوله: «ثقة، جيد الحديث، نقي الرواية معتمد عليه»، قال: «له كتاب فضل الموالي، وكتاب الرد على مبغضي آل محمد عليهم السلام». ثم أسند إليهما عن ابن الغضائري عن القلانسي عن أبي يعلى ـ المترجم له ـ عن محمد المذكور عن أبيه سهل بهما)[845](.
ومنهم: الحسن بن عقيل. ذكره النجاشي في ترجمة عبدالله بن غالب الأسدي الشاعر الفقيه، وقال فيه: ثقة ثقة، وأخوه إسحق بن غالب، له كتاب تُكثرُ الرواة عنه، منهم الحسن بن المحبوب فأسند إليه بالإسناد الآنف الذكر إلى أبي يعلى عن الحسن المذكور عن ابن أبي الخطّاب عن ابن محبوب عن عبدالله به)[846](.
ومنهم: علي بن عبدالله بن يحيى، قاله النجاشي في ترجمة القاسم بن بُريد بن معاوية العجلي بعد وصفه له بقوله ثقة، روى عن أبي عبدالله عليه السلام، له كتاب يرويه فضالة بن أيوب. فأسند إليه بالإسناد المتقدم إلى أبي يعلى عن علي المذكور عن البرقي عن أبيه عن فضالة عن القاسم به)[847](.
ومنهم: أبو الحسن علي بن الجنيد الرازي كما في «إكمال الدين»)[848]( أيضاً.
ولعلّ السابر لكتب الحديث والرجال يقف على أكثر مما وجدناه.
مشهده الشريف
ولسيدنا ـ المُتَرجم له ـ أبي يعلى في أرض الجزيرة بين الفرات، ودجلة من جنوب الحلّة السيفيّة مشهد معروف في قرية تُعرف باسمه، بمقربة من قرية (المَزْيَدية). وهو اليوم مركز ناحية (المدحتية)، من نواحي قضاء الهاشمية.
وتؤمّ هذا المشهد الشريف جماعاتٌ كبيرة من المسلمين للتبرك به، والزيارة له، وتُساقُ إليه النذور، وتُعزى إليه الكرامات، تتناقلها الألسن، ويتسالم عليها المشاهدون، وتخبت بها النفوس.
وكان من ذي قبل يُعرفل بمشهد حمزة)[849]( ابن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. وبما أن الثابت في التاريخ والرجال أن قبر (حمزة) المذكور في (الري) جنب مشهد السيد الأجل عبد العظيم الحسني)[850]( سلام الله عليه، وكان سيد العلماء والفقهاء المجاهدين سيدنا المهدي القزويني المتوفى سنة 1300هـ بعد أن هبط الحلة الفيحاء، واقام بها عمد الدين، وشيّد دعائم المذهب كان يمر بالمشهد المعظم عند وفداته إلى بني (زبيد) لبثّ الدعوة الإلهية بينهم، وهدايتهم إلى الطريقة المُثلى، ولا يزوره، ولذلك قلّت رغبة الناس في زيارته.
فصادف أن مرّ به مرة، ونزل تلك القرية للمبيت بها، فاستدعاه أهل القرية لزيارة (المشهد)، فاعتذر بما قدّمناه، وقال: «لا أزور مَن لا أعرف»، ثم غادرها من غدٍ إلى (المزيدية)، وبات بها. حتى إذا قام للتهجد في أخريات الليل، وفرغ منه، وطفق يراقب طلوع الفجر، دخل عليه داخل في زي علوي شريف من سادة تلك القرية، وكان يعرفه سيدنا المهدي بشمائل الصلاح والتقوى، فسلّم وجلس.
وقال: استضفتَ أهل قرية الحمزة، وما زرته.
قال: نعم، ولِمَ ذلك؟!
فأجابه بما قدمناه من جوابه لأهل القرية.
فقال له العلوي المذكور: «ربّ مشهور لا أصل له»، ليس هذا قبر حمزة بن موسى الكاظم عليه السلام كما اشتُهر، وإنما هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الإجازة، وأهل الحديث، وقد ذكره أهل الرجال في كتبهم، وأثنوا عليه بالعلم والورع.
فَحَسبَ سيدنا المهديّ أنه أخذ ذلك عن أحد العلماء، لأنه كان من (عوام) السادة، وأين هو من الاطلاع على الرجال والحديث؟! فأغفل عنه، ونهض للفحص عن الفجر، وخرج العلوي من عنده، ثم أدّى فريضة الصبح، وجلس للتعقيب حتى مطلع الشمس، ثم راجع كتب الرجال فوجد الأمر كما وصفه الشريف الداخل عليه قُبيل الفجر.
ثم ازدلف أهلُ القرية مسلّمين عليه، وفيهم العلوي، المشار إليه، فسأله السيد المهدي عن دخوله عليه قبيل الفجر، وإخباره إياه عن المشهد، وصاحبه عمّن أخذه، ومن أين لك ذلك؟ فحلف العلويّ بالله أنه لم يأته قبل الفجر، وأنه كان بائتاً خارج القرية في مكان سماه، وأنه سمع بقدوم سيدنا المهدي فجاءه زائراً في وقته، وأنه لم يره قبل ساعته تلك! )[851](.
فنهض السيد من فوره، وركب لزيارة المشهد الشريف، وقال وجبتِ الآن عليّ زيارته، وإني لا أشك أن الداخل عليّ هو الإمام الحجة (صلوات الله عليه).
وركب الطريق معه أهل المزيدية. ومن يومئذٍ اشتهر المرقد الشريف بالاعتبار والثبوت، وازدلفت الإمامية إلى زيارته، والتبرك به، والاستشفاع به إلى الله.
اخذنا هذا النبأ العظيم من كتاب (جنة المأوى) للعلامة المحدّث النوري (رحمه الله) ملخصاً)[852](.
وبعد ذلك نصّ به سيدنا المهدي ـ قدس الله سره ـ في «فلك النجاة»)[853](، وتبعه من بعده؛ كالعلاّمة النوري في «تحية الزائر»)[854](، والحاج المولى هاشم الخراساني في «منتخب التواريخ»)[855](، والعلامة المامقاني في «تنقيح المقال»)[856](، وشيخنا المحدث القمي في «الكنى والألقاب»)[857](، وغير هؤلاء (قدّس الله أسرارهم).
وليكن هذا آخر ما أردنا ذكره، وجمعه في شرح حال أبي يعلى (رضوان الله عليه).
وكتبه بيمناه الداثرة جامعه الفقير إلى الله محمد علي الأردوبادي الغروي (عُفي عنه).
وقد تم استنساخه على يد جودت القزويني يوم السبت الرابع والعشرين من شهر شوال سنة 1394 الهجرية/التاسع من شهر تشرين الأول سنة 1974 الميلادية، والحمد لله في البدء والختام.
الشيخ محمد علي الأردوبادي
المحراب، المظهر العريق
للفن التزييني الإسلامي
أثارت المظاهر الفنية التزيينية مُثار إعجاب العالم واستحسانه على مدى القرون والبلاد. والفن الذي أسسه الأصلية راسخة ومتأهبة طهّر القلب وبذل الطاعة.
ولقد كان الفن بكل أنواعه وتفرّعاته الواسعة الأفق ـ مثل القاشاني، والتذهيب، وصناعة الآجر، وتلبيس الجدران بالجصّ، وغير ذلك من الفنون ـ ذا لسانٍ وبيان في كل عصر وآن.
وأنواع النقش بكل مظاهرها ذات مفهوم واحد. وكل هذا التفاوت الذي اتّبعه الفنانون المسلمون المتذوّقون إنما ليمنحوا الفن التزييني عطاءً جديداً وازدهاراً مثمراً في شتى مجالاته. وهذا كله دليل على أننا إذا نظرنا إلى الفن التزييني الإسلامي القديم والثمين لم نجد أي تفاوت بين الفنون، ولا أي ازدواجية في معنى الفن ولغته.
وكل ما هو في حوزتنا إن هو إلا نتيجة أفكار فنية واحدة تملّكت سهماً من الدأب في نضج الفن التزييني الإسلامي. وقد دأبوا على انتخاب الفن والتنويع الزائد في الفن، الذي هو في الأصل تائهاً ومضطرباً، بمعنوية وإخلاص ووحدة فكر.
ويغدو هذا الأمر المهم في الواقع جواب معنى الفن الذي يغدو كحلقات سلسلة مترابطة بمحتوى القيم الرفيعة للفن الإسلامي على مدى قرون. ولا شك أن كل فرع من فروع الفن التزييني الإسلامي يشكّل مجموعة، يقال إنها غاية المساعي والاستعدادات والمظاهر المنوعة في سائر فروع الفن التزييني. وبالإمكان ـ في الواقع ـ تتبّع كل نوع بالقيم الرفيعة لهذا الفن. ولعلنا نتجرّأ فنقول إننا نادراً ما نلقى نظيراً للفن الإسلامي في تاريخ الفنون في العالم. فقد كان الفنانون ذوي وحدة فكرية نتيجة أخلاقهم الفنية، هذا الفن الذي استمر مع مسيرة القرون المختلفة، مع كل التطورات والأحداث، وكذا اتساع الأقاليم المختلفة والأراضي القصيّة والدانية، مع إدامة حياته فيها، ظل ذا بيان وحيد.
ولا بد لنا من القول بأن هذه الوحدة الفنية لم تكن أبداً مانعاً من ازدهار الفن التزييني الإسلامي أو سموّه أو حياته. كما لم يكن قط سبباً في تكرار هذا الفن أو موته، بل إنه كان عاملاً مؤثراً في توفيقه أكثر، وثبات آثاره الخالدة.
وتأكيداً على معنى الفن، فإن الهدف الغائي ونهاية إبداع الفن والإثارات الأصلية للفن الإبداعي هو تربية فكر الفنان ببحثه عن النفع نظير استعداد منح الله في طاعة الله وخدمة عبيده. وكمثال في فن التذهيب، فمع مضي القرون والتجارب التعليمية والإبداع الفائق من قبل الفنانين في كل عصر وآنٍ غدا هذا الفن ظاهرة إعجاب وعطاء وسمو. لا يفقد الفن قالبه الأصلي، لكنه يكتشف روحاً جديدة في كل عصر. ومهما عدّ فن تجميل القاشاني وتزيين جدران بيوت الله بالجص في أطراف العالم متطبعاً بروح واحدة فإن هذه الفنون في كل زمان وعصر تجد مظاهر جديدة تستمدّها من النقوش والألوان.
ولما كانت متابعة الفن التزييني الإسلامي والبحث عنه عملاً واسعاً وموزع الأطراف فإننا نلمس قيماً كثيرة غير معروفة حتى الآن وبعد مرور السنين وتبقى أمامنا ألوان من الحيرة والتساؤلات إلى اليوم بلا جواب شافٍ. وسيكون السعي بالبحث عن الدلائل وعن خصائص الفن التزييني الإسلامي مستمراً حتى نبلغ الحدّ الذي نقدّر به قيمته.
إسهام التزيين في البناء:
يواكب البناء في إيران، ولا سيما بناء المساجد على مدى القرون، تفوّق الفن التزييني الإسلامي بشكل دائم. ولا شك أننا لا يمكننا أن نتصور أبداً لدى تعريفنا للأبنية الجيدة الإسلامية ولقيمها أنها تفوق كمال الفن التزييني، ذلك السهم الذي أحياناً يُلحظ فيه تفوق معماري أو إبداع. ويبدو هذا الأمر مهماً ولا سيما في القرن الهجري الرابع فما بعد، إذ نرى أن الفن التزييني غدا نقشه أساساً في الأبنية الإسلامية، وهذا أمر يستدعي الملاحظة والدراسة. ومع كل هذا فإننا نلحظ في هذا المعبر نحو مظهر كل الجمال والمحورية الفيّاضة في القيمة أن ميدان سمو الفن التزييني الإسلامي في المساجد يترافق وتزيين المساجد وتأسيسها.
ولقد ظل المحراب ـ في الواقع ـ الكنز الأصيل والذكرى الماثلة للفن والأناقة كلهما في قلب بيوت الله فقد ظل مُستنداً يتحدث عن نهاية استعداد فن الفنانين المسلمين، حيث تكمن فيه مجموعة كبيرة من أنواع الفنون والإبداع؛ من فن النقش بالجصّ إلى الخط وفن القاشاني وغيرها من فروع الفن التزييني.
لقد أدركوا ـ بيقين الفنانين وبالإيمان وبطُهر المسلمين ـ أن المحراب كَدُرٍّ متفتح يدني المصلين إلى الجنة ويصوّرها لهم بأحسن صورة، حتى يتّجهوا إلى الله بكل جوارحهم. وبينما يكون المصلون مأخوذين بمهارة الفن وغاية الإبداع تراهم منغمسين بالإخلاص والإيمان.
ولهذا السبب، فإن المحراب يجب أن يُدرس فنّه منفصلاً، وإن كان يعدّ ضمن مجموعة أبنية المساجد الإسلامية.
معرفة المحراب:
المحراب مكان يُمثل في بيت الله حيث يقف الإمام لأداء الصلاة جماعة. ويبنى المحراب نحو القبلة، وهو بشكل عام، يقع في الضلع الجنوبي من جدران المساجد. ويكون بناء المحراب بشكل فجوة مستطيلة الشكل في جسم الجدار، وتعميق قسم من الأرض في أساس الجدار، بشكل يبدو واضحاً ومحدداً، حتى يبدو المحراب على جسم الضلع الجنوبي لجدار المسجد وتبرز التزيينات الفنية الإسلامية على أطرافه.
وبالإضافة إلى المساجد، فإن المحراب وُجد في سائر الأبنية الدينية، واستُخدم في كل العهود، وكان يلقى الرواج في تزيينه. ويمكننا، مع استمرار استخدام الفن التزييني الإسلامي أن نلحظ أنواعاً من التزيينات المحرابية حسب كل عصر. فقد زُيّن المحراب على طول العهود واختلافها بأنواع من الزينة: فهناك محاريب برز فيها نحت الجصّ ونقشه، أو مد الجص مع تركيبه بالمقرنصات، مستفيدين من الخزف ذي اللعاب، أو من القاشاني في تزيينه، أو مستفيدين من عمل الآجر، وأحياناً يصنعون المحراب بشكل مبسط من الرخام أو من الجص.
شكل المحراب:
راجت فكرة إنشاء المحراب منذ القرن الثالث الهجري فما بعد. وقد كان لها قبول حسنٌ وواحد مع مسيرة العهود تقريباً. ولقي المحراب وحده وسيلة للعوامل التزيينية، بدليل هذه الأفانين من الزينة التي يمكن أن تجد طريقها في نوعية قيم المحراب الفنية سواء للمسجد أو للأبنية الدينية الأخرى في إيران، وتكون موضع البحث والمطالعة.
كان الشكل الأصلي لبناء المحراب نَقراً حاداً على الأعمدة الصغيرة، يشمل فضاءً داخلياً، مقنطراً من جهاته الثلاث، مع نتوءين أو أكثر زخرفاً بأنواع من الزينة والكتابات.
برز هذا الشكل ـ في أبعاد منوعة ـ كما سبق أن ذكرنا ـ في الضلع الجنوبي لجدران المساجد.
ولقد اتخذ شكل المحراب مظهراً خاصاً بتوسع فن بناء المساجد في إيران وانتشار فن استخدام الجص في تزيين بيوت الله، بعد أن كان بناء المحراب بسيطاً. ولقد شرع الفنانون المسلمون منذ القرن الهجري الثالث بتجاربهم الأولى في فن رصف الجص لتزيين محاريب المساجد. والحقيقة أن تتابع هذه التجربة واستخدامها جعل فن رصف الجص ذا اعتبار خاص، حتى حدا بهم إلى استخدام هذا الفن في عدد من أقسام المسجد الرئيسية لتزيينه وتجميله، بالإضافة إلى المحراب. وكنموذج قيّم لهذا الفن الماثل حتى الآن ما نراه على محراب مسجد الجامع العتيق في شيراز، ولا سيما على ضلع المسجد الجنوبي وفوق المحراب، والذي ما زال باقياً حتى الآن. ومع الأسف، فقد تهدم قسم مهم من فن التزيين بالجص في المسجد بتتالي الهزات الأرضية وبالتغييرات الأساسية على بنائه.
ومع هذا كله فإننا نستطيع أن نتلمّس خطوط تحول فن التزيين بالجص، واستمرارية هذا الفن في تزيين المسجد والمحراب بشكل جليّ في مسجد جامع «نائين». ففي هذا المسجد تزيينات بالجص وأغلبها بشكل ثمانية أضلاع، وهندسة بسيطة، بارزة على جسم المحراب وعلى أساس بناء المسجد. ودليلاً على هذا الاستخدام الفني للجص الذي يبدو على البناء البسيط لمسجد نائين وبمقارنته بأرقى أبنية المساجد الإسلامية نستطيع حساب تطور هذا الفن.
تزيين المحراب:
غدا الفنانون المسلمون الذين عملوا في ميادين البناء والفن التزييني أصحاب مهارة وخبرة في القرنين الخامس والسادس. فقد راج ـ في هذه المرحلة ـ تزيين المحراب باستخدام الجص معرّجاً ومفصّلاً. كما أن الفنانين في هذه المرحلة التي امتدت قرنين قدموا كنزاً غنياً في الفن التزييني الإسلامي ببناء نماذج جميلة جداً من المحاريب بجديتهم واجتهادهم وإيمانهم وإخلاصهم. وكانوا في هذه الحقبة يغطون أطراف المحراب غالباً بالخطوط المفعمة بالنقوش الإسلامية، وكذلك بالنقوش التزيينية بالأزهار وأوراق الشجر. ويمكننا أن نعتبر نموذجاً غنياً من المحاريب العديدة في هذه المرحلة محراب مسجد جامع «برسيان». فهو محراب نفيس وثمين بقي ماثلاً معتبراً في فن نحت الأجر ورصف الجص في أواخر القرن الهجري الخامس.
وقد برزت الكتابات على أطراف المحراب بخط كوفي آجري بارز، ومساحته مزدانة بتزيينات جصية بأشكال أزهار ونقوش مزخرفة. ومحراب مسجد جامع أردستان ومحراب مسجد «هفشويه» الواقع في قرية هفشويه في الشمال الشرقي من أصفهان، حيث بقي هذا المحراب المزين بزخارف جصية من بين أبنية المساجد الأولى التي ظلت حتى الآن. وإن نقشه الجصي ذو أعمال فنية دقيقة وظريفة جداً مع كتابات متعددة بخط كوفي وبنائي.
كما أن محراب «إثني عشر إماماً» في يزد زاخر بالتزيين الجصي الفني، وهو يُحسب مماثلاً للأعمال الفنية العظية المستخدم فيها هذا التزيين في القرن الخامس. وكذلك محراب مزار «الشيخ حمزة بوش» الذي يعدّ من ابنية القرن السادس فريداً بفنه لما ضم من عمل جصي وكتابات بخط نسخي ثمين. وفنّ محراب قبة العلويين بهمدان يعد من فرائد محاريب هذا العصر لما حُفّت به الكتابات الكوفية والثلث. وكل واحد من هذه المحاريب يُبرز فناً تزيينياً إسلامياً قائماً بذاته.
ولا بد من القول بأن تقدم فن استخدام الجص واعتباره في مرحلة القرنين الخامس والسادس مديونان لإبداع فناني هذه المرحلة في فن الجص وفن الخط في تزيين محاريب المساجد وابتداع الخطوط المختلفة. حتى إننا نستطيع القول بأن كتابة القرآن المجيد كانت سبباً في تطوير فن التذهيب وفن الخط، وكذلك فإن فن تزيين المحاريب أوسع المجال لتزيين مواضع ذات قيمة وتجارب مُجدية.
تحول المحراب في القرنين السابع والثامن:
استمر تزيين المحراب مستمداً تجاربه الماضية وتزييناته الجديدة في حقبة القرنين السابع والثامن وتوسع بناء المساجد الإسلامية في إيران. ولعل أجمل محاريب هذه الحقبة محراب مسجد جامع «أورمية»؛ الاسم السابق لرضائية، وما زال هذا المحراب موجوداً على الجدار الجنوبي للجامع حتى اليوم. ويلاحظ في هذا المحراب الكبير بقايا محراب أصغر وأقدم. ويعد هذا المحراب النفيس وجمال مسجد أورمية الجامع من جملة أوائل محاريب القرن السابع، وفن الجص الذي يزينه، في عداد النماذج الثمينة لهذا الفن، لما عليه من أشكال أكثر تفصيلاً وأكثر التواءً من محاريب القرنين الخامس والسادس.
وقد كان شكل تزيينه مُثار تقليد سائر محاريب المساجد في زمانه. كما أن محراب مسجد «أُلجايتو» الواقع في مسجد جامع أصفهان من أجمل محاريب القرن الثامن وأقلّها نظيراً من النواحي الفنية والجمالية، حيث صنعه فنانون مهرة وذوو خبرة. ولقد استخدم فيه أرقى ما يمكن أن يبلغه فن استخدام الجص والتزيين به. ويتحلى بميزات وتزيينات جصية قلما كان لها مثيل إذا ما قورن هذا المحراب بغيره من المحاريب. من ذلك التحول في الأشكال المسطحة وتآلف ميدان النقوش. وإن أولوية تزيين محراب ألجايتو يحدونا إلى القول بجرأة بأننا لم نلق له نظيراً أو مثيلاً حتى اليوم. فغدا سنداً عزيزاً في كمال فن التزيين الإسلامي، ولامعاً في جملة الفنون الإسلامية لمسجد جامع أصفهان.
ومما يجب التنويه به من بين المحاريب الثمينة والفنية في القرن الثامن في المساجد الإسلامية في إيران، محراب مسجد جامع «مرند». فهو يعد من المحاريب النفيسة لما تحلّى به من استخدام للجص، وشكل للبناء، ولا سيما أعمدته المدورة مع حواش مكررة. والأهم من ذلك جميعاً تلك الكتابات الرفيعة المدونة بالخط الكوفي والرقاع وتناسب في النقوش، وأعمال دقيقة. وكذا محراب «أزيران» إذ يلاحظ فيه صنعة الجص والكتابات الكوفية الجميلة، وبالإضافة إلى تزيينه بفن الجص فإن فن القاشاني أيضاً يدعّم عمله التجميلي.
وإن تقدم فن القاشاني واستخدام هذا الفن استخداماً رئيساً في تزيين إيوانات المساجد وأروقتها، وفي كثير من محاريب المساجد مستمداً جمال القاشاني الملوّن وجلاءه. هذا كله روّج من الطرق الجديدة في تزيين المحراب بعد أن كان استخدامه قليلاً. وقد أخرج الفنانون الإسلاميون أشكالاً تزيينية جديدة للمحراب في هذه المرحلة، بعد أن استمدوا من الخطوط والأشكال الهندسية على جسم القاشاني بألوانه التي غالباً ما تكون زرقاء وفيروزية.
ومن النماذج الجذابة والبارزة جداً في المحاريب المزينة بالقاشاني لا بد من ذكر مسجد جامع «يزد». هذا المحراب جميل وغالي القيمة، مزدان بنقوش القاشاني المعرّقة، وذو مجموعة مقرنسة لا مثيل لها. أو مسجد جامع «سراب» الذي يعود إلى القرن التاسع الهجري، ففيه محراب مزدان بالقاشاني البارز مع نقوش زهرية وذهبية.
القاشاني المعرّق تحول جديد
في تزيين المحراب:
أوجد التزيين الأخّاذ والجميل بالقاشاني المعرق في بناء محراب المساجد تحولاً جديداً في بناء المحاريب بشكل أكثر كمالاً، كما في محراب مسجد «الشيخ لطف الله»؛ ففيه القاشاني المعرق والمقرنسات المثيرة للإعجاب لا مثيل لها إلى جانب الآثار المهمة الفنية. فدلت على تقدم فني في فن عمل القاشاني والمعرق في القرن الحادي عشر. كما أن في هذا المحراب لوحتين قاشانيتين كتب عليهما إسم العامل وأستاذ البناء: «عمل الفقير الحقير المحتاج إلى رحمة ربه محمد رضا بن الأستاذ حسيني البنّاء. أصفهان 1028هـ».
وبتقدم فن القاشاني في القرن الحادي عشر، وببناء المساجد الرئيسية والمعتبرة وُجدت محاريب جميلة مع آجر ملون ومعرق جميل وكتابات متنوعة.
استمرار الطرق القديمة:
تتابع تزيين المحراب بالقاشاني في القرن الحادي عشر، من غير أن يظهر عليه كبير فرق اللهم إلا في اللون وفي النقش على القاشاني. ومن بين المحاريب الجميلة في هذا القرن لا بدّ من ذكر محراب مسجد «وكيل» في شيراز، فمع أنه رُقم مراراً وأصلح فإن ظل يعدّ نموذجاً واضحاً في طريقة تزيين المحراب في القرن الحادي عشر.
ومع الانتباه إلى التنويع في أشكال القاشاني وإضافة الألوان الزاهية والمفرحة في مجال القاشاني في القرن الحادي عشر لعله يمكننا اعتبار محراب مسجد «سيد» في إصفهان في مستوى أفضل محاريب القرن الحادي عشر.
ونشير في خاتمة هذا البحث أن المجال مفتوح لدراسة خصائص تزيين المساجد الإيرانية الجديدة، والحاجة إلى ذلك ماسة، ولم نذكر هنا سوى نماذج محدودة. ونأمل أن يكون هذا البحث أول الطريق لدراسة واسعة وجامعة في معرفة أكثر حول تزيين محاريب مساجد إيران، لأن كل محراب من هذه المحاريب إسهام فني قائم بذاته، ومستند مهم في معرفة خصائص الفن التزييني الإسلامي.
المحقق الكركي
والدولة الصفوية في إيران
أول فقيه اقترن إسمه بظهور الدولة الصفوية ودعمها هو الشيخ نور الدين علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي الملقّب بالمحقق الثاني.
وهذا اللقب الدال على غزارة العلم لم يلقّب به قبل هذه الفترة إلاّ الشيخ جعفر بن الحسن الشهير بالمحقق الحلي المتوفى سنة 676هـ/1277م.
بدأت حياة هذا الفقيه في «كرك»)[858]( حيث درس على أساتذتها. وكانت هذه البلدة تزخر بحركة علمية مزدهرة، حيث صادف أن فقيهاً عراقياً كبيراً هو الشيخ علي بن هلال الجزائري (ت: 937هـ/1530م) انتقل إليها وأقام فيها؛ مما وفّر الفرصة للكركي أن يتتلمذ عليه في العلوم العقلية في المنطق والأصول، وكذلك الفقه، ويستفيد منه. حيث ذكره في بعض إجازاته بقوله: «لازمته دهراً طويلاً وأزمنة كثيرة، وإنه أجل أشياخي وأشهرهم»)[859](.
وقد سافر إلى مراكز علمية غير شيعية في دمشق والقدس ومصر، ودرس عند الفقيهين الشيخ أبي يحيى زكريا الأنصاري (ت: 926هـ/1519م)، وكمال الدين أبي عبدالله إبراهيم بن محمد بن أبي شريف القدسي (ت: 923هـ/1517م) )[860](.
بعدها شدّ الرحال إلى العراق عام 909هـ/1503م، وأقام بمدينة النجف. وبالرغم من انقطاع أخبار المحقق الكركي بالنجف خلال هذه الفترة، إلا أن هذه المدينة كانت على ما يبدو لا تزال تحتفظ بوجود علمي محدود.
وبسبب الانتصارات العسكرية التي حققها الشاه اسماعيل الصفوي على خصومه من التركمان وقبائل الأوزبك، ورغبته في استقدام الكركي إليه، هاجر الكركي من النجف إلى هرات عام 916هـ/1510م ليكون من الداعين لترسيخ دعائم هذه الدولة الفتية.
تقلّد الشاه إسماعيل (العرش) وهو ابن أربع عشرة سنة، بفضل القبائل التركية الشيعية المسماة بالقزلباش، المتبعة لجده الشيخ إسحاق (ت: 735هـ/ 1334م) الذي كان يعيش بمنطقة أردبيل، وكان على رأس الطريقة الصوفية المعروفة بالطريقة الصفوية. وكانت هذه القبائل هي العمود الفقري الذي يسند الشاه إسماعيل)[861](.
سيطر الشاه إسماعيل على العراق عام 914هـ/1508م، وقضى على حكم أسرة آق قوينلو التركمانية قضاءً نهائياً، واحتله بمقدساته الدينية الشيعية، وضم ذلك إلى الدولة الصفوية. ولم يبق عنده سوى التخلص من سطوة قبائل (الأوزبك السنية) التي تسيطر على المناطق الشمالية الشرقية من بلاد فارس. وقد استطاع قائد الأوزبك محمد الشيباني أن يسيطر على مدينة هرات عام 913/1507م، ويستولي على خراسان أيضاً. وقد تحول صراعه مع الشاه إسماعيل إلى صراع عقائدي، وليس صراعاً على الأرض فقط)[862](.
دخل المحقق الكركي مدينة هرات سنة انتصار الشاه إسماعيل على «الأوزبك» وهي سنة 916هـ/1510م ليلتقي به لأول مرة مباركاً له انتصاراته. وقد حمل الكركي عقلية متفتحة كانت تهدف إلى تشجيع الحوار بين الأطراف وتشجب مبدأ العنف، ومصادرة الآخرين بالقتل.
وبفعل الدمار الذي تحدثه الحروب فقد دخل الشاه إسماعيل إلى هرات، وفتك بخصومه، وقتل جماعة من علماء السنّة، كان من بينهم شيخ الإسلام أحمد بن يحيى بن سعد الدين التفتازاني.
ذكر الخونساري أن التفتازاني قتل بأيدي جلاوزة السلطان إسماعيل، كما قتل غياث الدين محمد بن يوسف الرازي بعد حبس طويل بيد الأمير خان الوزير المعيّن لتربية السلطان شاه طهماسب بن شاه إسماعيل في زمان توليه حكومة هرات من قبله)[863](.
وقد أبدى الكركي استياءه من قتل هؤلاء العلماء، وحاول أن يُفهم الشاه أن الامتداد العقائدي لأية فكرة أو مذهب لا يمكن أن يُفرض بالقوة في كل الأوقات: «لو لم يُقتل لأمكن أن يتم عليه بالحجج والبراهين حقية مذهب الإمامية، ويذعن بإلزامه جميع بلاد ما وراء النهر وخراسان»)[864](.
ولعلّ هذا الشعور الذي تحلّى به هذا «الفقيه» كان من تأثير اتصاله بالعلماء السنيين بدمشق والقاهرة، وتتلمذه على أيديهم، وتحمّل رواية الحديث عنهم. فقد ذكر أنه يروي كتب أهل السنّة في الفقه والحديث عن مشايخ الإمامية، ومشايخ أهل السّنة في آن واحد)[865](.
حصل الكركي على دعم كامل من الشاه إسماعيل حيث أمده بموارد مالية كبيرة)[866](، وكانت غاية نشاطه منصباً على وضع الأسس الشرعية الدستورية لدولة الصفويين، كما حصل على دعم مماثل في فترة تقلّد ولده الشاه طهماسب السلطة.
وفي فترة حكم الشاه طهماسب استغل الكركي الفرصة وأخذ يوجّه النشاط الديني من خلال مجموعة من العلماء المدربين على العمل الاجتماعي والسياسي، وعيّن في كل بلدٍ وقرية ممثلاً عنه يعلم الناس شرائع الدين)[867](. كما نقل أنه قام بتعليم كبار رجال الدولة أمثال الأمير جعفر النيسابوري وزير الشاه، وألّف له كتاباً سماه «الجعفرية» في الفقه)[868](.
غن نشاط الكركي أعاد للأذهان نشاط نصير الدين الطوسي في جانبيه العلمي والسياسي، حتى ذكر انه: «لم يسعَ أحد بعد الخواجه نصير الدين الطوسي مثل ما سعى له الشيخ علي الكركي في إعلاء المذهب»)[869](.
ونظراً للسلطات الواسعة التي تمتع بها الكركي فقد استطاع أن يتمتع بإقامة سلطة القضاء في منع المظاهر المخالفة للشرع الإسلامي، وتثبيت الشعائر العبادية بإقامة الفرائض والواجبات الدينية.
أصبح للكركي دورٌ كبير في بسط نفوذ «المرجعية» في جهاز الحكم، ومحاولة التمتع بسلطتها القوية ضمن إطار الحكم الصفوي بعد حين، فقد تأثر بمدرسته العلمية فقهاء عامليون كانوا تلامذة لهذه المدرسة. إلا أن الفرصة لم تسمح له أن يتم عمله أيام الشاه إسماعيل مما أثار عليه حفيظة بعض الأمراء، فاضطرّ لترك إيران متوجهاً إلى العراق سنة 919هـ/1512م.
كان العراق في ذلك الوقت يعيش ضمن تركه الصراع العثماني ـ الصفوي، فبعد احتلاله من قبل اسماعيل الصفوي عام 914هـ/1508م استطاعت الجيوش العثمانية بقيادة السلطان سليم الأول أن تنتصر على القوات الصفوية بإيران نفسها في موقعة «جالديران» سنة 920هـ/1514م، مما أضعف هيبة الصفويين وأضرّ بهم.
وقد أعلن حاكم بغداد ولاءه للسلطان العثماني، ولم يستطع الشاه إسماعيل أن يقوم بعمل جدي إزاء العراق حتى وفاته عام 930هـ/1524م)[870](.
قضى الكركي جل سنوات حياته بالنجف حتى استقدمه الشاه طهماسب (930 ـ 984هـ/1524 ـ 1576م) ابن الشاه إسماعيل الصفوي إلى إيران، وفوض له منصب شيخ الإسلام، كما أعلن أن الكركي هو صاحب الولاية المطلقة، وإنما الحاكم وكيل له ونائب عنه في إدارة شؤون البلاد السياسية. وكتب بذلك أمراً بامتثال أوامره مؤكداً «أن معزول الشيخ لا يستخدم، ومنصوبه لايُعزل»، ومنحه لقب «نائب الإمام»)[871](، وهو بذلك أراد أن يعيد سطوة الفقهاء من جديد المتمثلة بشخصية الكركي باعتباره مجتهداً ينوب عن الأئمة في مهامه الدينية. وكان طهماسب يهدف فيما يهدف إليه، إلى استرجاع العراق من العثمانيين أولاً الذين أحيوا مبدأ الخلافة، وأقاموا أنفسهم حماةً للإسلام)[872](، وبناء جبهة داخلية قوية يمكنها أن تُخضع البلاد تحت فكرة دينية موحدة.
حاول الدكتور علي الوردي أن يبرر سبب استدعاء الشاه طهماسب للكركي بأن طهماسب ورث المُلك عن أبيه جاهزاً. وكان أبوه إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة واثقاً أنه المرشد الكامل في قضايا الدين والدولة معاً، فلا يحتاج إلى مَن يرشده في دينه ودنياه، وقد أدرك طهماسب أنه لا يستطيع أن يكون مثل أبيه رئيساً للدين والدولة في آنٍ واحد فعمد إلى ملء هذا الفراغ باستقدام الكركي إلى إيران)[873](.
رجع الكركي إلى إيران، واستقرّ بمدينة إصفهان، وقد مارس نشاطه العلمي في تدريس الطلاب مما جعل هذه المدينة التي تشبعت بجهوده الروحية أن تكون مركزاً من المراكز الشيعية العريقة. مما دعا الكثير من العلماء العرب العامليين أن يلتحقوا بهذه الحاضرة، ليضمنوا الاستقرار أولاً، ومواصلة دراساتهم العالية ثانياً.
وفعلاً أخذ بممارسة نشاطه العلمي في تربية تلامذة فقهاء مما أعطى لإيران صفة مركزية للشيعة. وقد أحسّ الكركي بأن الأجواء التي تحيطه هي أجواء صراع بين خطوط متباينة في السلطة، وبين الخط المتمثل بالسلطة الروحية، لذا عمد إلى تقوية «الروحانية» باستقدام عدد من علماء جبل عامل يحثهم على الالتحاق بأصفهان للعمل على نشر المذهب الإمامي.
استفاد الكركي من الصلاحيات التي فوّضها إليه الشاه طهماسب، فأخذ يمد حكام الولايات بتوجيهاته في كيفية السلوك مع الرعية، وإشاعة قوانين العدل في البلاد، والتركيز على اختيار علماء الدين الموافقين لتوجهاته، والموالين لخطه. ولم يكتفِ بذلك فقام بعزل بعض الأمراء الذين لم يقتنع بهم، وتعيين أمراء آخرين. كما حدث ذلك في عزل الأمير منصور الدشتكي (ت: 946هـ/1539م)، وتعيين تلميذه محمد الأصفهاني (ت: 952هـ/1545م)، ثم عزله ليعيّن مكانه الأمير أسد الله الشوشتري (ت: 963هـ/1555م))[874](.
علماء الشيعة في الدولتين الصفوية والعثمانية
إن هجرة علماء جبل عامل إلى إيران خضعت لظروف تاريخية معقدة، فقد وقع هؤلاء الفقهاء ضحية الصراع بين الأمبراطوريتين الصفوية والعثمانية حيث استعمل العثمانيون في حرب الفرس ذريعة حماية اهل السنّة، كما انتحل الصفويون في مقارعتهم للعثمانيين حماية الشيعة.
حاولت القوتان العثمانية والصفوية أن يستفيد كل منهما من وجود سلطة الفقهاء لتبرير مصالحهما السياسية. فقد كان السلطان العثماني يتمتع بسلطات مطلقة بيدَ أن أعماله كانت تبدو مقيدة بصورة نظرية بأحكام الشريعة الإسلامية. لن رجال الدين قلّما كانوا يتأخرون عن إيجاد الأحكام، وإصدار الفتاوى التي تخدم مآرب السلاطين، وتضفي على اوامرهم وتصرفاتهم صفة الشرعية. فعندما قرّر السلطان سليم الأول محاربة الشاه إسماعيل الصفوي، وأمر بقتل الشيعة الموجودين في البلاد العثمانية إستند على فتاوى صادرة من علماء الدين تعتبر هؤلاء مرتدين عن الإسلام)[875](. وقد ذكر أن عدد المقتولين من الشيعة في الأناضول قدّر من قِبل المؤرخين بين خمسة وأربعين ألفاً إلى سبعين ألفاً)[876](.
وقد عمد العثمانيون إلى احتواء العلماء واستمالتهم في سلّم من الرتب والرواتب في إطار تنظيم حكومي رسمي، والتضييق على المؤسسات الدينية الحرة. كما وقفت الدولة موقف المتشدد في منع «الاجتهاد»، وملاحقة العلماء المستقلين عن المناصب والبعيدين عن خط الدولة الرسمي.
ولم تكن الدولة الصفوية تختلف كثيراً عن الدولة العثمانية حيث كان (الشاهات) يستمدون قوتهم من العلماء المتعاطفين معهم والذين بدورهم كانوا يبررون أعمالهم بما يستطيعونه من الشرعية.
وكان العلماء يواجهون مشكلتين:
الأولى: مشكلة إستقلال المؤسسة الدينية الشيعية أمام المؤسسات الدينية الرسمية العثمانية.
والثانية: مشكلة تنافر السلطة الروحية عن السلطة الزمنية ضمن هيكلية الدولة الصفوية الشيعية.
أما بالنسبة للمشكلة الاولى فقد دفع الفقهاء ثمناً باهظاً لاستقلال مؤسستهم الدينية، وذلك بمقتل أكبر رموزها المتمثل بالفقيه الشهيد الثاني، زين الدين الجبعي.
أما المشكلة الثانية فقد نجح الفقهاء في الدولة الصفوية بترسيخ مبدأ السلطة الدينية إبتداءاً من المحقق الكركي. وهم بذلك قد نشروا جهودهم في مجالات متعددة حيث «فتحوا المدارس، ونظموا الخراج والقضاء، وضبطوا إتجاه القبلة في أكثرية بلاد فارس، وهندسوا المساجد والمآذن والقباب، وألفوا الكتب في الدفاع عن المذهب»)[877](.
نحا الفقهاء الذين جاؤوا بعد الكركي ومَن تأثر بمدرسته العلمية منحاه نفسه. وكانت لهم جهودهم في إشاعة النهضة العلمية في الدولة الصفوية، وأهمهم: حسين بن عبد الصمد العاملي (ت: 984هـ/1576م)، وعبد العالي بن علي بن عبد العالي الكركي (ت: 993هـ/1585م)، وبهاء الدين العاملي المعروف بالشيخ البهائي (ت: 1031هـ/1621م)، والمير داماد الفيلسوف الشهير (ت: 1040هـ/ 1630م)، وسلطان العلماء (ت: 1064هـ/1653م)، وحسين الخونساري (ت: 1098هـ/ 1686م).
والخلاصة أن هجرة علماء جبل عامل إلى إيران كانت خاضعة بدرجة أولى إلى الفتك الذريع الذي تعرّض له الشيعة في المناطق الواقعة تحت سيطرة العثمانيين. وكان جبل عامل قد أصابه من الاضطهاد التركي نصيبٌ كبير، فوجد العلماء طريقهم إلى إيران أرضاً أكثر مأمناً للتخلص من هذا الإرهاب)[878](.
ويبدو أن الهجرة العاملية أفادت الشيعة الإيرانيين إفادات كبيرة في حين أنها أضرّت كثيراً بالشيعة من عرب سوريا فقضت عليهم في حلب، وأضوتهم في دمشق، وضعضعتهم في لبنان)[879](. وقد أشار بعض المؤرخين إلى أن الشيعة المقيمين في مكة أصابهم النكال، فكتبوا إلى علماء أصفهان ذلك الوقت: «إنكم تسبّون أئمتهم في أصفهان، ونحن في الحرمين نعذّب بذلك السبّ»)[880](.
الصراع ضد الكركي
أصبح خصوم الكركي على محورين:
الأول: خصومه داخل مؤسسة الدولة الصفوية.
الثاني: خصومه خارج مؤسسة الدولة الصفوية.
فبالنسبة لخصومه الحكوميين حيث أثّر الدعم الذي تمتع به الكركي من قبل الشاه طهماسب على ازدياد نفوذه الديني؛ الأمر الذي جعل عدداً من الأمراء، وأصحاب النفوذ الصفوي يقفون أمامه بشدة لتقليص نفوذه داخل المؤسسة الصفوية، أو إيجاد مبرر لإبعاده إلى مكان لا يفقد فيه نفوذه.
أما بالنسبة لخصومه خارج المؤسسة الصفوية فقد وقف أمامه بعض العلماء الذين يختلفون معه في نظرته بالتعامل مع الدولة الصفوية.
ومن هذا النوع وقف الشيخ إبراهيم القطيفي (كان حياً سنة 951هـ/1544م) ضده محاولاً تخطئة آرائه الاجتهادية، والرد على بعض مؤلفاته وكتبه.
إن السلطات الكبيرة التي تمتع بها الكركي من قبل الدولة الصفوية، ومحاولته بناء منظومة الفقهاء السياسية على حساب أجهزة الدولة الرسمية جعل منه هدفاً لمرمى بعض المؤسسات في الدولة، وعلى رأسهم الأمراء، وأصحاب النفوذ. ويبدو أن عدد خصومه لم يكن قليلاً، فحاولت هذه الأجهزة أن تستأصل شأفة الكركي وتتخلّص من نفوذ شخص بدأ يفرض وجوده عليهم.
ولم تجد هذه القوى التي عجزت عن مواجهته وجهاً لوجه إلا أن تضع أمامه منافساً من نفس رتبته. وكان الشيخ إبراهيم القطيفي الفقيه المناسب الذي تنظوي تحت واجهته كل القوى المعارضة للكركي.
تصدى القطيفي لصاحبه الكركي، وطارده علمياً، محاولاً تخطئة آرائه التي استحدثتها حاجات الدولة الصفوية كذهابه إلى القول بوجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة مع وجود المجتهد الجامع للشرائط (النائب عن الإمام)، أو إيجاد بعض المسائل الفقهية الفرعية ومحاولة المبالغة في جعلها من المسائل الكبار الهامة كمسألة حرمة السجود على التربة المفخورة بالنار)[881](.
وقد تمكن القطيفي أن يجنّد نفسه لهذه المهمة، ويضع مؤلفاته لدحض كتابات الكركي الفقهية بشكل خاص. وقد أثار سلوكه هذا تساؤل بعض مؤلفي الشيعة فأبدوا عجبهم)[882](، وربما استياءهم أيضاً)[883](.
لجأ القطيفي إلى نقد معاصره الكركي بعنف، مستخدماً لغة الشتائم. وكان مستعداً أن يُكيل التهم والسباب، ويعتبره من أكبر فروض الجهاد، كما قال: «إن جهاد مثل هذا الرجل على الاغلاط في المسائل أفضل من الجهاد بالضرب بالسيف». والسبب في هذه الحملة نابع كما ذهب إليه بعض الباحثين، إلى تبوء الكركي مركزاً في الدولة الصفوية حُرم القطيفي منه)[884](.
وقد حاول الشاه طهماسب أن يستميل القطيفي خلال سني حكمه بالهدايا وليسكت صوته؛ إلا أن القطيفي رد الهدية ليُظهر إستقلاله وأهمية مواقفه، ولتبقى الفرصة متاحة للانتقاد القائم على صلة الكركي برجال الحكم. وقد عاتبه الكركي على رفضه تقبّل الهدية بقوله: «أخطأت في ردّها وارتكبت إما حراماً أو مكروهاً بتركك التأسي بالإمام الحسن في قبوله جوائز معاوية مع أنك لست أعلى مرتبة من الإمام، ولا السلطان أسوأ حالاً من معاوية»)[885](.
ويبدو أن جبهة عريضة قد تشكلت ضد الكركي ضمت بعض القضاة وجمهوراً من الأمراء. وكان عمل هذه الجبهة التصدي للكركي، ومحاولة القضاء عليه. فقد تواطأ مجموعة من القضاة مع الأمير نعمة الله الحلي (ت: 940هـ/1533م) الذي قيل إنه كان من تلامذة الكركي ثم رجع عنه واتصل بالقطيفي، على إحراج الكركي في أمر (صلاة الجمعة زمن الغيبة) بمحضر من الشاه طهماسب.
كما حاولت هذه الجبهة التخلّص من الكركي على يد الأمير محمود بك مهردار إلا ان هذا الأمير قُتل بطريقة غامضة قبل أن ينفّذ مخططه في قتل الكركي)[886](. وحاول طهماسب أن يخفف من حدة الصراع حيث قام بمعاقبة بعض الأطراف بالنفي كما حصل للأمير نعمة الله الحلي؛ حيث نفاه إلى بغداد. إلا أن المعارضة ضد الكركي أخذت تتسع وتتحول من معارضة خفية إلى معارضة في العلن، وخشي طهماسب إندلاع الفتة فحاول أن يُهدّئ الموقف بإبعاد الكركي إلى العراق، وأصدر مرسوماً ينص على صدور «الرخصة لخاتم المجتهدين بالتوجه إلى عراق العرب»)[887](. وكان العراق في هذا الوقت خاضعاً لحكم الصفويين بعدما أعاد طهماسب السيطرة عليه عام 937هـ/1530م)[888](.
ويبدو أن سفر الكركي إلى العراق كان مضافاً إلى الصراع القائم في إيران بينه وبين خطوط الأمراء في الدولة، هو ربما كان لمهمة سياسية يقوم بها الكركي على أرض العراق لتثبيت دعائم الحكم الصفوي، خصوصاً بعد الانتصار الذي حققه السلطان طهماسب في إرجاع العراق إلى قبضة الصفويين. ومما يؤيد هذا الرأي أن الشاه أصدر مرسوماً سنة 939هـ/1533م ينص على تأييد الكركي، واعتباره أعظم علماء العصر ونائب الإمام. وقد أمر أركان الدولة بالرجوع إليه وتقديم الطاعة له. ومنحه صلاحية تعيين المتصدين للأمور الشرعية في المناصب، كما منحه أراضي زراعية في العراق له ولأولاده من بعده)[889](.
وقد استهدف طهماسب من كل ذلك إلى الموازنة في حل النزاع بين الأطراف المختلفة في الدولة، فحاول أن يُسكت صوت الأمراء من جهة بإبعاد الكركي عن دائرة نفوذهم، واستخدامه من جهة أخرى كقوة حقيقية لدعم دولة الصفويين في العراق بإيجاد مؤيدين أكثر لحكمه تحت غطاء نشر تعاليم المذهب هناك.
وقد احتمل بعض الباحثين أن طهماسبت حاول بالمرسوم الذي حرره إلى الكركي أن يضمن له عودة المنتصر إلى إيران مرة أخرى)[890](. إلا ان شيئاً من ذلك لم يحدث أبداً، حيث أصبح هذا (الفرمان) سبباً لهلاك الكركي بعد سنة واحدة من هجرته إلى العراق بعدما قتل مسموماً من قِبل بعض أمناء الدولة)[891]( سنة 940هـ/ 1533م. وبالرغم من الغموض الذي أصاب مقتله، إلا أن معاصره الفقيه الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (918 ـ 984هـ/ 1512 ـ 1576م) يُعتبر أول مَن كشف القناع عن مقتله، وذكر أنه فاز بدرجة الشهادة.
الدكتور جودت القزويني
محمد حسن خان القاجاري
(1127 ـ 1172)
في عام (1127) وإبان تزلزل أركان السلطة الصفوية في أصفهان، ولد في بيت خان صغير من خوانين الأشاقة باش أي (فتح علي خان القاجاري) مولود إسمه (محمد حسن خان) )[892]( وشاء القدر أن يكون هذا المولود العلة في صعود القاجاريين الأشاقة باش. حيث أضحى فيما بعد والد (محمد خان قاجار) مؤسس السلالة القاجارية. وعندما بلغ (محد حسن خان) سنة الثانية عشرة قُتل والده (فتح علي خان القاجاري) بسبب تحركه ضد (طهماسب) وبأمر منه)[893](. أو حسب مصادر أخرى بسبب تحركات (طهماسية قلي خان أفشار) )[894]( ـ نادر شاه ـ.
في أواخر شهر صفر من عام 1139 سمع (محمد حسن خان) في (استراباد) بخبر مقتل والده، وخاف من أن يقتل فهرب إلى هضبة (قبشاق) لاجئاً إلى أحد شخصيات (تراكمه يموت) وصديق والده (بكنج خان))[895](. وعاش عدة سنوات بين اليموتيين تحت حماية (بكنج خان) وفي شبابه تزوج بابنة بكنج)[896](، فرزق بابنه (محمد خان) الذي حمل ملامح مغولية أخذها من والدته.
بعد عام من ولادة (محمد خان) قرر (محمد حسن خان) مهاجمة مسقط رأسه (استراباد) واحتلالها. واقتضت حمية (بكنج) القبلية والعرف والتعصب أن يقوم برفد صهره بقوات من (التراكمة يموت) وجنود من الأشاقة ليؤازروه على احتلال (استراباد) وعندما وصلت قوات (التراكمة والقاجار الأشاقة) إلى (استراباد) فر حاكم استراباد الأفشاري (محمد زمان بيك) إلى ساحل (أتك) لاجئاً إلى بهبود خان) قائد قوات (نادر شاه) هناك)[897](. ورغم كون (محمد حسن خان) شاباً إلا ان (نادر شاه) اعتبره خطراً عليه، خاصة أنه كان قد هاجم قافلة هنوي التجارية في (استراباد) )[898]( لذا أرسل (محمد حسين خان القاجاري) على رأس جيش لمواجهة (محمد حسن خان)، وعند وصول قوات (نادرشاه) إلى (استراباد) فرّ (محمد حسن خان) إلى الهضاب، وقد دفع فراره هذا (محمد حسين خان) إلى قمع انصار (محمد حسن خان) في (استراباد) بشدة، حتى أقام منارة من رؤوسهم المحزوزة)[899](. ورغم هرب (محمد حسن خان إلى الهضاب، إلا أن (نادر شاه) كان قلقاً من بقائه هناك، فبعث بمشور إلى (التراكمة) وخاصة إلى (بكنج خان) يطلب منهم تسليمه (محمد حسن خان).
ولما كانت شخصيات (يموت) يخافون من سخط (نادر شاه) لذلك تعرّض (بكنج خان) للضغط منهم والإحساس بالمسؤولية تجاه الأهالي، ورغم إحساسه بثقل الأمر قرر أن يعتقل (محمد حسن خان) ويسلمه إلى (نادر شاه) لكن شجاعة زوجته وغيرتها أنقذت حياة (محمد حسن خان) فعندما رأت أن زوجها قد اتخذ قراره بالاستسلام لضغوط شخصيات (يموت) توجهت بشجاعة إلى مجلس اجتماعهم، وحسرت عن رأسها، وانتصبت في وسطهم صارخة: بلغني أنكم تنوون تسليم ابن (فتح علي خان) إلى (نادر شاه) لتكونوا في أمان، إذاً فاجلسوا تحت ظل هذا الستر ودعوا النساء ترد على (نادر شاه).
كلام زوجة (بكنج خان) الملتهب أثر فيهم فوراً، وقررت شخصيات (يموت) أن يهربوا (محمد حسن خان) من أوساطهم، وأن يكتبوا لنادر شاه أنهم لا يعرفون مكانه)[900](. وقد أدى دعم زوجة (بكنج خان) الشجاع إلى بقائه في هضبة (قبشاق) بعيداً عن متناول (نادر شاه الأفشاري) حتى مقتل (نادر). وعاش إلى جانب زوجته وأبنائه. لكن التحركات التي قام بها (محمد حسن خان) فيما بعد تشير إلى أنه كان ينتظر الفرصة السانحة للعودة إلى مسقط رأسه والاستيلاء عليه.
في أواخر جمادى الآخر عام 1160 قضى (نادر شاه) في (خبوشان) مضرجاً بدمه، اعتبر (محمد حسن خان) أن المانع قد زال وأن المقتضى قد حل، لذلك توجه بجيش صغير لاحتلال (استراباد) )[901]( فبلغ الخبر(استراباد) قبل وصوله، وأفل نجم حظ (محمد حسين خان القراموسانلو بيجلر بيغي) من (استراباد) ذلك لأن أنصار (محمد حسن خان) ثاروا ضده وقتلوه)[902](. وبهذا تمت الغلبة لمحمد حسن خان على مسقط رأسه دون أي مانع يعترض سبيله، وبدأ في (أستراباد) حكومته دون منازع. وكان استلام (محمد حسن خان) لولاية الحكم وتفويض الولاية وحاكمية (استراباد) بتكليف من (عادل شاه) علامة أمل وتثبيتاً لسلطة (محمد حسن خان). وفي أوائل العام التالي وفي غرة محرم عام 1161هـ توجه (عادل شاه) إلى حدود العراق الأعجمية، فمرّ في طريقه على (استراباد) وكان (محمد حسن خان) لم يعد يحس بوجود خطر يتهدده، لذلك توجه للقاء خليفة (نادر شاه) فكرّمه، ونال من خلفية (نادر شاه) بردة وتكليفاً وتفويضاً باستراباد ومازندران)[903](. لكن مرحلة ملاطفة (عادل شاه) له لم تدم لشهر، فمحمد علي خان الشامبياتي لم يتحمل رؤية اهتمام (عادل شاه) برئيس الأشاقة، فسعى عند (عادل شاه) ليوقع بينه وبين (محمد حسن خان) حتى أثمرت تلك السعاية إلى نية (عادل شاه) لاعتقال (محمد حسن خان) وفرّ خان القاجار مجدداً إلى هضبة قبشاق، والتجأ مجدداً إلى أسرة زوجته)[904](. لكن فرار (محمد حسن خان) بدل سوء ظن (عادل شاه) إلى يقين، فأصدر أمراً بملاحقته، ولم تتمكن قوات (عادل شاه) من اعتقاله، فقرروا العودة إلى (استراباد) لكن القدر جمعهم في طريق العودة مع إبني (محمد حسن خان) وهما طفلين، فتم خصي إبنه الأكبر (محمد خان) بأمر (عادل شاه) فلم يترك نسلاً)[905](. وأدى عداء (عادل شاه) لمحمد حسن خان أن يبقيه هارباً طوال عهد حكومة (عادل شاه) القصيرة.
وهزم (عادل شاه) على يد (إبراهيم شاه) عندما عاد (محمد حسن خان) إلى (استراباد) وأيد الملك الجديد، ورافقه لقتال (شاهرخ ميرزا)، لكن (شاهرخ) انتصر على عدوه، فانقلب خان القاجار لصالح (شاهرخ) )[906]( وسلمه منصب (إيشيله آقاسي) )[907]( ثم توجه إلى (مشهد) لكن خوانين خراسان تكتلوا وتغلبوا على (شاهرخ ميرزا) مما اضطر (محمد حسن خان) للعودة إلى (استراباد) وقرر أن يقيم سلطة مستقلة له في مسقط رأسه. وكتب البعض أنه تسلّم في هذه الفترة تكليفاً بحكم (استراباد) من الخليفة المؤقت لشاهرخ)[908](.
وبعد مدة قام (محمد حسن خان) بمهاجمة (مازندران) واحتلالها)[909](. وجاء دور مهاجمة (غيلان) وكان احتلالها يرضي رغبة (محمد حسن خان) التوسعية، ويزيد من مساحة قدرته السياسية والاقتصادية. وكان على حكومة (غيلان) الحاج (جمال الفومني) فأبقاه (محمد حسن خان) في منصبه لأنه وجده مطيعاً له، وكان (الفومني) أول خان قد استسلم)[910](. وتشير بعض التقارير أن (جان التون) كان تاجراً إنجليزياً يقيم في (رشت) وقد وقع ضحية غضب حاكم رشت، فقام بتشجيع (محمد حسن خان) لمهاجمة (الحاج جمال الفومني) ورفض تقديم العون لحاكم رشت ضد خان القاجار.
استسلام (غيلان) شجع (محمد حسن خان) على احتلال (قزوين) )[911]( وأظهر (محمد حسن خان) محبته وإرادته للشيخ محمد حسن حفيد الشيخ الزاهد الغيلاني، لأنه سمع منه نبوءته بحصوله على السلطة والقدرة)[912]( مما زاد من ميوله إلى التوسع وبسط سلطته ودفعه من (غيلان) إلى (قزوين). وقد ذكر مؤرخو القاجار أن (محمد حسن خان) أتم مهامه في (قزوين) ثم عاد إلى (مازندران) عن طريق (تنكابن) )[913](.
في عام (1164هـ) بلغ مسامع (محمد حسن خان) أن (علي مراد خان البختياري) توجه مع جيش من (كرمنشاه) تحت شعار الدفاع عن سلطة رجل يدعي انه صفوي النسب واسمه (الملك سليمان الثاني). ففكر سريعاً بدعمه ضد (كريم خان زند) وتوجه نحوه، لكنه عندما بلغ حدود (كرمانشاه) كان خان البختياري قد هزم وتفرق جنده. فوجد أن أيّ تأخير غير معقول، فعاد إلى (مازندران). لكن (كريم خان زند) لم يعد يتحمل وجود محرك للاضطرابات كابن (فتح علي خان) في (استراباد) و(مازندران) واعتبر أن ثبات حكومته واستقرارها منوط بالقضاء على (محمد حسن خان)، لذلك توجه من (كرمانشاه) لاحتلال (مازندران) و(استراباد) )[914]( ورأى (محمد حسن خان) أن دفاعه في (استراباد) أفضل من (مازندران) لذلك انسحب من (مازندران) فاتحاً الطريق أمام (كريم خان زند) وجيشه الرابي على أربعين ألف جندي. فوصل (كريم خان) إلى (استراباد) وحاصرها أربعين يوماً، لكنه حسب رواية المصادر القاجارية لم يجنِ من ذلك سوى مقتل خمسة عشر ألف جندي من قواته على يد التركمان والقاجاريين، وأسر اثني عشر ألف جندي آخر. مما اضطره إلى لملمة باقي قواته، والتوجه إلى (أصفهان) عبر طريق (سلطان أباد) )[915](. أما الملك الحائر واللعبة الصفوية أي (الملك اسماعيل) فقد انضم إلى (محمد حسن خان) وأقام في (استراباد) )[916](. ولم يفرط (محمد حسن خان) بالفرصة السانحة، ففي أوائل عام (1165هـ) هاجم (ساري) و(مشهد سر) و(لاهيجان) باسم قيادة الملك الصفوي، واستعاد كل (مازندران) وقسم من (غيلان) )[917]( وقد قتل في هذا الهجوم أهم خان مشهور وهو (مقيم خان ساروي وبقتله ذهب نفوذ (الزنديين) من (مازندران) وتوجهت شخصيات ومخاتير المناطق المختلفة فيها للقاء (محمد حسن خان) معلنين خضوعهم لطاعته. وانصب كل اهتمام (محمد حسن خان) حتى العام (1168هـ) على الحدود الغربية لمازندران والعراق بسبب ثقل المواجهات وأهمية المناطق. لكن في هذا العام استجار خوانين خراسان به لمواجهة اعتداءات (أحمد خان الأبدالي) ضدهم، مما حوّل اهتمامه إلى (خراسان) وشرق (استراباد). حيث كان أهم الخوانين: إبراهيم خان، عباس قلي خان بغايري، عيسى خان كرد، علي خان قليشي. قد أرسلوا له ماستين كبيرتين جداً هما: درياي نور وتاج ماه، وطلبوا منه مساعدة الخراسانيين في مواجهة (خان دراني) )[918](. فهاجرت القبائل والعشائر المذكورة من (خراسان) لتستقر في (دامغان) واحتل (أحمد خان الأبدالي) (خراسان) وأرسل أحد قادته (شاه بسند خان) للقضاء على (محمد حسن خان) واحتلال (استراباد). لكن الظروف كانت لصالح (خان القاجار) فهزم (شاه بسندخان) في (استراباد) والتحق بأحمد خان الأبدالي في (سبزوار) )[919](. وزاد هذا النصر من طموح (محمد حسن خان) ورفع من قدره في (خراسان) فلم يعد خاناً محلياً وقائداً للأشاقة، بل أصبح أحد المدعين لمنافسة (كريم خان زند) والتحول إلى خان الخانات أو سلطان إيران. لكن الزمان لم يطاوعه، ولم يحقق له طموحاته، لكنه عاش عدة أعوام بحظ جيد وحلاوة آمال.
عندما تغلب (محمد حسن خان) على (شاه بسند خان) لم يدع الأفغان يجددون قواهم، فأرسل إليهم مباشرة (محمد ولي خان اليوخاري) ووجهه إلى (سبزوار) فاستطاع طرد الأفغان من (سبزوار) إلى (مشهد) )[920](. وتجنب (محمد حسن خان) توسيع المواجهات في (خراسان) أكثر لاهتمامه بإيران المركزية. فأقلع عن إرسال قوات جديدة إلى (خراسان) ووجه استعراض قواه عام (1168هـ) نحو (العراق) و(آذربيجان) وكان (آزادخان الأفغاني) و(كريم خان زند) ذوي سلطة قوية، لذلك اعتبر أن مواجهتهما أمر ضروري لبلوغ أعلى السلطة، وأمر لا بد منه. وكان حفظ (آذربايجان) أمر مهم جداً لدى (آزادخان الأفغاني) لذلك بمجرد أن سمع أن (كريم خان) احتل (دشتستان) وأن (محمد حسن خان) قد توجه الى (العراق) ترك أصفهان وتوجه سريعاً إلى (آذربايجان) وكان (محمد حسن خان) قد استولى على (غيلان) و(قزوين) ويهيء نفسه لمهاجمة القادة الزنديين، فاستغل غياب (كريم خان) ووصل إلى (فراهان) مستعداً لمواجهة الزنديين. وجرت المواجهة في معسكر (سنجان) من توابع (كزار) وانتهت لصالح (محمد حسن خان) )[921]( وانهزم قائدي الزنديين: الشيخ علي خان ومحمد خان. وأسر (محمد خان زند) ونقل إلى (استراباد) بينما فرّ (الشيخ علي خان) مع قواته المتقهقرة إلى (أصفهان).
وعندما سمع (كريم خان زند) بهجمات (محمد حسن خان) توجه بسرعة إلى (أصفهان) وترك تسوية أمور (دشتستان) إلى وقت آخر، لكنه خلافاً لتوقعاته لم يستطع التغلب على عدوه في (كلون آباد أصفهان) بل أدت هزيمته أن يخسر(أصفهان) وانسحب منها إلى (شيراز) واستولى (محمد حسن خان) على (أصفهان) )[922](. رواية المصادر القاجارية تقول إن (محمد حسن خان) استولى على أصفهان أواسط عام (1168هـ) ونصب (محمد حسين خان القاجاري) على العراق )[923](. ثم توجه إلى (شيراز) للقضاء على (كريم خان زند).
ذكرت المصادر الزندية أن (محمد حسن خان) عيّن (آيرملو) على حكومة (أصفهان) وتوجه إلى (شيراز) )[924](. وعيّن (محمد ولي خان) حاكماً على (أصفهان) )[925](.
حسب المصادر الزندية، ويؤيد ذلك سكوت المصادر القاجارية. فشن (محمد حسن خان) عدة غارات على جنوب فارس «وتوجه هناك يميناً ويساراً، فلم يجد مدخلاًن ولم يوفق» مما اضطره للعودة إلى (أصفهان). وفي (أصفهان) بلغه أن (آزاد خان الأفغاني) قد توجه من (آذربايجان) إلى (العراق) وتغلب على (فريدون خان كرجي يوزباشي). واحتل (فتح علي خان الأفشاري) مدينة (قم) )[926](. وبلغه أيضاً أن (حسين خان القاجاري) قد تمرد عليه في (استراباد) )[927]( فقرر (محمد حسن خان) التوجه إلى (استراباد) فوراً، لأن ضياع (استراباد) منه يعني انتهاء الأشاقة، ونهاية عهد زعامته.
تؤكد المصادر الزندية أن تزلزل موقف ابن فتح علي خان القاجاري في (استراباد) وانتصار (آزاد خان الأفغاني) على أقسام من (العراق) ونيته مواجهة (محمد حسن خان) دفع الجنود العراقيين ترك (خان القاجار) والتوجه إلى (أصفهان) للالتحاق بكريم خان )[928](. وعندما بلغ ذلك (فتح علي خان) الأفشاري قائد (آزادخان) دفعه إلى مطاردة (محمد حسن خان) عبر طريق (فيروز كوه) للقضاء عليه. لكن جهود القائد الأفشاري للأفغان لم تحُر. فبعد عدة معارك فاشلة خاضها مع القوات القاجارية عاد من (دوآب) إلى (فيروزكوه) بيد خاوية، ومنها توجه برفقة (آزادخان) إلى (قزوين) عبر (طالقان). وبعد عودة الأفغان عند حدود (مازندران) كان (محمد حسن خان) لا يمتلك إلا العدد القليل من القوات، لكن رأسه قد اختمر بحرب التسلط، فتوجه سراً من (علي آباد) إلى (استراباد) لكن اجتثاث (محمد حسين خان القاجاري) من (استراباد) بعد أفول سلطة خان الأشاقة لم يكن بالأمر الميسور، لذا اضطر (محمد حسن خان) إلى مصالحة منافسه، ثم أعد القوة اللازمة لإعادة احتلال (غيلان) ومواجهة (آزاد خان الأفغاني))[929](.
وفي أوائل عام (1169هـ) تمكن (محمد حسن خان) من التغلب على (شهباز خان دنبلي) حاكم (لاهيجان) والمتحالف مع (أزادخان الأفغاني)، ثم بعث (مرتضى قلي خان لوي الأفشاري) للحرب ضد (آذربايجان) عند ساحل النهر الأبيض. واستطاع هذا القائد أن يزرع الرعب والخوف في صفوف قوات (خان الأفغاني) لا عن طريق الحرب والمواجهة، بل عبر الحيل العسكرية، فتوارى (آزادخان) نحو (قزوين))[930]( في تلك الظروف قام (محمد حسن خان) بمراسلة بعض الخوانين المتحالفين مع (آزادخان) سعياً وراء فصلهم عنه، فوصلت رسالته ابتداءاً إلى (فتح علي خان الأفشاري) فاستطاع أن يقنع كل من (إبرايهم خان الأفشاري، وديوان بيغي أرومية، وشهباز خان دنبلي) بالحذو حذوه، واتفقوا أن يتحالفوا مع (محمد حسن خان) وأن يستعينوا به على طرد الأفغان من (آذربايجان).
ووصلت الرسالة المذكورة مع الخوانين المذكورين إلى (خان القاجار) في (قزل أياغ مغان) )[931](. ومع حلول يوم النوروز تهيئ (آزادخان) في (قزوين) و(محمد حسن خان) في (قزل آقاج) لتنفيذ خطتهم مع تحسن الجو.
حينها أحس (محمد حسن خان) بالإطمئنان للعقد السري الذي وقعه مع الخوانين في (آذربايجان) ولوجود (الشاه اسماعيل الثالث) إلى جانبه، فأرسل إلى (كريم خان) برسالة يستعرض فيها قوته بشكل عجيب، وطلب منه الاستسلام له، وأن يتسلم تكليفه من (الشاه اسماعيل الثالث) كحاكم محلي لمنطقة (كرمسيرات) )[932](. وبعد انتهاء احتفالات النوروز توجه (محمد حسن خان) من (قزل آقاج) إلى (طالش) ومنها إلى (مغان) وانظم (كاظم خان القراجداغي) إلى (الخان القاجاري) )[933](. وتقرر أن يتوجها سوياً لاحتلال (تبريز) ولم يواجه (محمد حسن خان أية مشكلة في دخول (تبريز) بل إن أربعة آلاف شخصية من العشائر المختلفة وخوانين (مشيروان) و(كنجة) التحقوا بركب (محمد حسن خان) في هذه المدينة، وأعلنوا الطاعة له، مما زاد من قدرته القتالية ضد (آزاد خان الأفغاني) بشكل ملحوظ جداً.
ومن (تبريز) كلف (محمد حسن خان القاجاري) كلاً من (عباس قلي خان البغايري، وصفي خان الأفشاري) بالإغارة على حلفاء (آزادخان) في (مراغة) )[934]( وقد تهيأت الظروف بذلك لمهاجمة (أرومية) مركز سلطة (آزادخان الأفغاني) ومحل اجتماع أمواله وثروته وأسرته، فتوجهت قوات (محمد حسن خان) لاحتلالها.
لكن (يوسف خان الهوتكي) أبلغ (أزادخان الأفغاني) في قزوين بالخبر سريعاً )[935](. وقبل أن يترك (محمد حسن خان) مدينة (تبريز) عيّن عليها (محمد حسين بيك التركمان) حاكماً، ليحافظ على (تبريز) في غيابه، وكحليف راسخ معه. وعندما بلغ (آزادخان) خبر محاصرة (أرومية) توجه بسرعة لمواجهة (محمد حسن خان) )[936](. وعند وصوله نواحي (أرومية) وقعت المعركة بين القوات القاجارية والأفغان، فانهزم الأفغان، وفرّ خان الأفغان إلى (سلدوز). وكان السبب المهم في هزيمة (آزادخان) هو انضمام (شهباز خان) و(فتح علي خان الأفشاري إلى (محمد حسن خان) خلال الحرب. علماً بأنهما كانا قد تحالفا معه من قبل سراً، لكن الإعلان عن وقت التحالف حدد بأن يكون خلال المعركة، وأراد (محمد حسن خان) من ذلك أن يشتت به جمع الأفغان )[937](.
بعد مدة قصيرة عاد (آزادخان) من (سلدوز) إلى حدود (أرومية) لجبران هزيمته السابقة، لكنه فشل هذه المرة أيضاً في إحراز النصر على غريمه، ففر إلى الأكراد اليزيديين )[938](. وبفرار (آزادخان) زالت العوائق من أمام (محمد حسن خان) لاحتلال (أرومية) بالكامل. فدخلها، واستسلم له كل من: (فتح علي خان الأفشاري) و(يوسف خان الهوتكي) مباشرة، وكانا من قادة قوات (آزادخان))[939]( والحدث الأهم كان التحاق القوات العسكرية المرتزقة به من أوزبك وأفغان )[940](. هذه الحادثة زادت من القدرة القتالية له، وهو الذي ينوي السيطرة على إيران كلها. كما تم نقل القوات الأفغانية التي وقفت إلى جانب (آزادخان) إلى (استراباد) مع الغنائم، وذلك بأمر من (محمد حسن خان) )[941](.
لكن الحصول على الغنائم المخبأة لم يكن أمراً سهلاً، فأمر (محمد حسن خان) بتعذيب (موسى خان قاسملو الأفشاري) وهو والد زوجة (آزادخان الأفغاني) تعذيباً شديداً حتى مرض ومات )[942](.
وما أن استتب الوضع في (أرومية) فكر (محمد حسن خان) في تطويع خان (قلعة شوشي) أي (بناه خان جوانشير) لكن هذا الهجوم لم يكن موفقاً كالهجوم على (أرومية) مما دفع به إلى العودة إلى (تبريز) مهزوماً )[943](.
ويحتمل أن يكون أحد أسباب عودته تلك سماعه خبر احتلال (الشيخ علي خان زند) لأصفهان بأمر من (كريم خان) وتأتي اهمية احتلال (أصفهان) من أنها توفر للقاجاريين بسط نفوذهم في جنوب إيران وحفظ العراق، مما دفع بمحمد حسن خان إلى تعيين إبنه (محمد خان) حاكماً على آذربايجان، وتعيين (علي خان قلشه أي))[944]( مشرفاً عليه )[945](.
وتوجه بنفسه مع قواته لاحتلال (أصفهان). وفي طريقه هذا هاجم (همدان) بسرعة، ليصرف اهتمام (علي خان) قائد الزنديين عن (أصفهان) )[946](. ثم توجه إلى هدفه الأساس.
في أواخر عام (1170هـ) بلغ خبر هجومه هذا مسامع (الشيخ علي خان زند) فوجد نفسه عاجزاً عن مواجهته، ففر من (أصفهان) إلى (شيراز) )[947]( فتيسر لمحمد حسن خان احتلال (أصفهان) دون أية عقبة، وما أن تغلب على (أصفهان) حتى أرسل (قوانلوي القاجاري) لاحتلال (كاشان) )[948](. وفي نفس الوقت جهز قواته لمهاجمة (شيراز). لكن قحطاً حل بالعراق وفارس في تلك الفترة، وابتلي الناس فيهما بالغلاء الشديد، واضطر الناس لتأمين الغلال لقوات (محمد حسن خان) )[949]( وتوقف قليلاً عند التلة البيضاء لكازرون، وأرسل إليها (فتح علي خان آرسلو) و(إبراهيم خان بغايري) فاستولى عليها، فتخلّى (الشيخ علي خان زند) عنها إلى القاجاريين )[950](. وبعد فترة وجيزة وفي أواسط عام (1171هـ) التحق (نصير خان اللاري) بمحمد حسن خان، مما شد من عزمه على مهاجمة (شيراز) )[951](. فحاصر (شيراز) بسهولة، لكن احتلالها واجه صعوبات جدية. فقلة الزاد والعلف ومقاومة قلاع المدينة، وأهم من ذلك كله تمرد وعصيان الأفغان من عسكره والتحاقهم بالزنديين، كانت وراء فشل (محمد حسن خان) في احتلال (شيراز) واضطراره للتراجع عنها )[952](.
في أواخر شوال (1171هـ) توجه (محمد حسن خان) إلى (أصفهان) عائداً من (شيراز)، لكن (حسين خان القاجاري) الذي كان قد عينه حاكماً على (أصفهان) ما أن سمع خبر فشل (محمد حسن خان) في (شيراز) أسرع إلى (أصفهان) ساعياً لاحتلال (استراباد) ومنع منافسه من العودة إلى مسقط رأسه. ومع وصول خبر حوادث (شيراز) وخيانة الأفغان إلى (استراباد) خشي (محمد خان قاجار قونيلو) من تكرار تمرد الأفغان في (استراباد) دعى كل شخصياتهم إلى ضيافته، وقتلهم جميعاً )[953](. وتفرّق عن (محمد حسن خان) عدد من الخوانين عند عودته من (شيراز) مثل: فتح علي خان الأفشاري، وشهباز خان دنبلي. حلفاء (أزاد خان الأفغاني) السابقين. وتنحّى (إبراهيم خان البغايري) )[954]( عن معسكر القاجاريين، وتوجه إلى (دامغان) )[955]( مما أدى إلى انحسار قوة التكتلات لغير صالح (محمد حسن خان) ولصالح (كريم خان زند).
وفي أواسط شهر ذي القعدة عام (1171هـ) عندما وصل (محمد حسن خان) إلى حدود (مازندران) ليدخل (استراباد) لم يكن برفقته سوى أربعة عشر جندياً، وأخذ يشك حتى بالمقربين منه، ويحتمل الخيانة منهم )[956](. وعندما دخل (محمد حسن خان) إلى مدينة (ساري) لاقى استقبالاً حاراً من (محمد خان القاجري) الوفي له )[957](، مما أعاد الثقة لنفسه، وسهل له التغلب على (استراباد) وخوض حرب (كلاثه) وهزيمة (حسين خان القاجاري) )[958](. ففر (حسين خان) إلى (دامغان) )[959](.
وفرّ من ملاحقة (محمد حسن خان) إياه، وبعد حرب (كلباد) التحق بالشيخ علي خان، ثم غادر (طهران) ملتحقاً بكريم خان زند )[960](. وقام (كريم خان زند) بملاحقة (محمد حسن خان) من (شيراز) حتى وصل إلى (طهران) )[961](، لينهي وضع منافسه الجدي خلال اضمحلال قدرته. فأرسل (الشيخ علي خان) لملاحقة (محمد حسن خان) لكن عندما وصل القائد الزندي إلى (فيروز كوه) وجد وضعاً أفضل حيث أن (محمد حسن خان) قد انشغل بمواجهة (حسين خان القاجاري) و(إبراهيم خان البغايري) لكنه لأنه كان قد فشل في مواجهات سابقة مع (محمد حسن خان) تخوف هذه المرة أيضاً من دخول (استراباد) وتوجه إلى (مازندران) لمواجهة (محمد خان قاجار قونيلو) )[962](.
وفي أواخر الشهر الثالث من عام (1172هـ) قرر (الشيخ علي خان) مواجهة (محمد حسن خان) عند (كلباد) قرب (استراباد) و(مازندران). انهزم (محمد حسن خان) في هذه المعركة، وانسحب إلى (استراباد). وبذلك كان (الشيخ علي خان) قد أبدى تجاسراً كثيراً، لكنه لم يجرؤ على مطاردة (محمد حسن خان) فعاد من (كلباد) إلى (أشرف) )[963]( مما أتاح الفرصة لمحمد حسن خان أن ينتقم من منافسيه الذين يظن أنهم تعاملوا معه بالنفاق خلال غيابه عن (استراباد).
فبعد شهر واحد من حرب (كلباد) دعى كل تلك الشخصيات إلى مائدته، وكان قد دعى (سبز علي خان الشامبياتي) من (هضبة تركمن) إلى (استراباد) فأمره أن يقتلهم جميعاً. وكان والد (سبز علي خان) قد قتل على يد (محمد ولي خان) المقرب حينها من (محمد حسن خان) )[964](. بعد قتل شخصيات اليوخار هؤلاء عمت (استراباد) أجواء من الحقد والخوف، فقام (محمد حسن خان) بجمع قواته )[965]( لمواجهة (الشيخ خان) وطرد القوات الزندية من (مازندران). وكان احتلال (مازندران) مجدداً بعد عودة القدرة (محمد حسن خان) ودفعاً لعدوه اللدود عن مسقط رأسه. لكن الحظ لم يسعف (محمد حسن خان) مطلقاً. فحرب (سقاخان) )[966]( الصحراوية أدت إلى هزيمة (محمد حسن خان) وفراره، ولم تعد عليه بخير، بل تحولت إلى مقدمة إنهاء حياته، وعقم أمنياته الواسعة في اعتلاء قمة السلطة. فعندما وجد أعداءه أنه قد أضحى وحيداً طاردوه، وليس عجيباً أن مطارديه اجتمعوا ضده من: الجنود الألوار والقاجاريين أيضاً )[967](.
لأنه كان قد سفك دماء الألوار في حروب القدرة، ودماء اليوخاريين القاجار على مائدته المزعومة. وكان طفل القدرة والتسلط ينمو من تلك الدماء، لا يعرف مكاناً ولا زماناً ولا ظرفاً خاصاً لشرب الدماء، فكل مقاطع التاريخ مكاناً للحرب، في الوقت الذي تصبح الأواني على مائدة الطعام سيوفاً، وتضحي الكاسة سكيناً للرؤوس.
في منتصف جمادي الآخرة عام (1172هـ) أمسك المطاردون من الأنوار والقاجاريين بمحمد حسن خان، واحتزوا رأسه مباشرة )[968](. وانتهت بذلك ثمانية أعوام من القتال وسفك الدماء للوصول إلى السلطة. ووضع الرأس تحت أقدام (الشيخ علي خان) في مدينة (أشرف) ثم أمام (كريم خان زند) في (طهران). ولجأت زوجته وأبنائها إلى اليموتيين تماماً كما فعل هو عند مقتل أبيه. وعوضاً عن (محمد حسن خان) جاء هذه المرة إبنه (آقا محمد خان) ليمسح دموع الحزن على أبيه، وينطلق من هضاب (يموت) لمتابعة آمال والده. حيث كان الأشاقة منكسي الرؤوس مغمومين، والزنديين فرحين. وجلس (كريم خان زند) في ديوان طهران، متربعاً على عرشه، منعماً بكل النعم، حيث تعيش فرقة العزاء والطيش، وأخرى التهاني والعيش )[969](، تلك الأيام نداولها بين الناس.
محمد صادق زلزلة
الطبيب الذي أرّخ قصص الأمثال العامية
يجمع الدكتور محمد صادق زلزلة بين الطب من جهة، والعلوم الإنسانية من جهة أخرى فمؤلفاته التي قدمها للمكتبة العربية أصبحت من المصادر الموثقة التي يرجع لها الدارسون في أكثر من اختصاص فقد توزعت اهتماماته على كتابة القصة القصيرة (فنشر ثلاثة مجاميع الفيلسوف الجاهل ـ 1978م، أبو عيون الذهب ـ 1978، الكبة المسمومة ـ 1983م)، والأمثال العامية (فنشر مجمع الأمثال العامية البغدادية وقصصها ـ 1976، وقصص الأمثال العامية في ثلاثة مجلدات ـ 1986)، كما كتب كتاباً أشبه ما يكون بموسوعة في الأدب والتاريخ والحكمة والدين بعنوان أحاديث الأولين في الحشر والجنة والجحيم ـ 1996م.
أما في مجال اختصاصه فكتب (الطفل في حالة الصحة وفي حالة المرض ـ 1976م)، و(تغذية الطفل ومشاكلها ـ 1981م)، و(الإيدز معضلة القرن العشرين ـ 1985م)، و(موسوعة صحة الطفل في أربعة مجلدات 1994م).
وبالرغم من أن اهتمام وسائل إعلام العالم العربي لم تكن بالمستوى الذي يتناسب وما قدمه من جهود إلى أبناء العربية ـ إن لم يكن معدوماً ـ فإن مؤلفاته احتلت الصدارة في المكتبة العربية، وأصبحت من المصادر التي يزداد الرجوع إليها كلما امتد الزمن، وقد وقفت عند زيارتي العابرة لجامعة مدريد قسم اللغة العربية أواخر عام 1985م على كتاب له، وهو (مجمع الأمثال العامية البغدادية وقصصها) كان مقرراً على طلبة قسم اللغة العربية في الجامعة، وكان الدكتور (فرنارد دي كران خا) ـ رئيس قسم اللغة العربية في جامعة مدريد الجديدة ـ هو الذي يقوم بتدريس هذا الكتاب على طلبته، وقد أصبحت مؤلفاته في الأمثال من المصادر التي يرجع لها المتخصصون بدراسة علم اللغة، وتطور اللهجات في جملة من الجامعات العربية، والأوروبية.
كتب الأستاذ الراحل محمد خليفة التونسي مقدماً أحد مؤلفاته قائلاً: «كان أستاذنا الكبير عباس محمود العقاد يصف بعض المستنيرين فيقول: إنه مهندس وأمي، أو محام وأمي، أو طبيب وأمي، أو معلم وأمي، وقد يصف بعضهم بالمهارة والحذق فيما هو فيه لكنه لا يعفيه من وصف العامية بمعنى أنه حصر عقله داخل ما تتطلبه مهنته فلا تتعدى معارفه نطاق مهنته، أما الدكتور محمد صادق زلزلة فهو من الأطباء العراقيين الخواص في طب الأطفال العاملين فيه لكنه لم يختص به هذا الطب، ولم يحل بينه وبين معرفة ما لا بد للطبيب أياً كان اختصاصه، فهو ذو اطلاع على تراثنا الإسلامي والعربي، ولا سيما تأريخه وآدابه». ـ انتهى كلامه ـ إن جهود الدكتور زلزلة تحتاج إلى أكثر من دراسة، وأكثر من تخصص، لذا سيكون الحديث مقتصراً على إشارات حول مجاله الثقافي، وإسهاماته في إطار القصة والأمثال والأدب بشكل عام.
مؤرخ الأمثال العامية
صدر العديد من المؤلفات التي اهتمت بالأمثال العامية العراقية (والبغدادية بالخصوص) خلال هذا القرن، من ذلك كتاب أمثال العوام في مدينة دار السلام للسيد محمود شكري الألوسي (ب: 1924م)، وأمثال العوام في دار السلام للأستاذ عبد اللطيف ثنيان (1944م)، وأمثال بغداد والموصل العامية النصرانية مع حكايات عامية للأب العلامة أنستاس ماري الكرملي (1947م)، وأمثال وأقوال بغدادية 1956م للأستاذ ظافر عاكف الألوسي 1975م).
وبعد هذه الفترة ظهرت مؤلفات أخرى شكلت ما يقرب من موسوعات الأمثال العامية البغدادية، وغيرها، وأهمها: الأمثال البغدادية ـ جزءان ـ (1962م) للشيخ جلال الحنفي، ومعجم اللغة العامية البغدادية ـ جزءان ـ (1963م) له أيضاً، والأمثال البغدادية المقارنة ـ 4 أجزاء ـ (1966م) للعميد عبد الرحمن التكريتي (ت: 1987م)، والأمثال الشعبية في البصرة ـ 3 أجزاء ـ (1968م) للأستاذ عبد اللطيف الدليمي، وجمهرة الأمثال البغدادية ـ 3 أجزاء ـ (1971م) للأستاذ عبد الرحمن التكريتي أيضاً، ومجمع الأمثال العامية البغدادية وقصصها (1978م) للدكتور محمد صادق زلزلة، وقصص الأمثال العامة ـ 3 مجلدات ـ (1986م) له أيضاً واستفاد عبد الرحمن التكريتي في (جمهرة الأمثال البغدادية) من المؤلفات التي سبقته، واستطاع أن يفرغها في كتابه، ويرتبها ترتيباً منهجياً، ويضيف إليها إضافات نافعة جعلت كتابه يرقى لمصاف الأعمال الموسوعية.
وتأتي اهمية كتاب الدكتور زلزلة (قصص الأمثال العامية) إلى انه آخر كتاب اهتم بجمع الأمثال، وتسجيل قصصها بهذا الشكل الموسوعي الفريد، حيث دأب على جمع الأمثال العامة (الشعبية) التي لها أصل، أو قصة، أو حكاية، أو أسطورة. وقد جمع أكثر من خمسمائة (مثل) عامي مع قصصها التي تدور بين الواقعية والخيال، والأسطورة، والحكايات التي تُروى على لسان الحيوانات.
ويعتقد المؤلف أن القصص هي التي توجد (مثلاً) يتداوله الناس، وترويه الأجيال جيلاً بعد جيل للعبرة والعظة، وللطرفة أيضاً. فهو يقول في مقدمته لقصص الأمثال ص 20 «إن لقصة المثل أهمية كبيرة في معرفة هوية المثل، وتعيين مكان نشوئه، وزمان صدوره، ذلك أن لكل مجتمع من المجتمعات في البلاد العربية تقاليده الخاصة به التي تختلف عن المجتمعات الأخرى بالرغم من وحدة اللغة، والأرض، والتاريخ المشترك بلهجاتها المحلية، وأزيائها المتنوعة حتى في أطعمتها، وأغانيها، وموسيقاها الخاصة بها. وعند دراسة الأمثال المقارنة لا يمكن تحديد نشأة المثل ما لم يأت في أعقاب حكاية تُعرف هوية (المثل) من خلالها، وتُحدد نشأته».
أما القصص التي اختارها فأغلبها يتسم بالنادرة والطرفة، والعظة والعبرة وقد استغنى عن الأمثال التي ليس لها (أصل)، أو قصة، كما أهمل في كتابه القصص التي تذهب مذهب الأدب (المكشوف) أو العبارات غير المستساغة التي تُروى في الأمثال.
وبالمقارنة بين منهجي التكريتي وزلزلة يلاحظ أن التكريي في (جمهرة الأمثال البغدادية)، وزلزلة في (قصص الأمثال العامية) رتب كل منهما كتابه على السياق الهجائي، (وفقاً لطريقة المعجم)، إلا أن التكريتي وضع تحت (المثل) العامي ما يقابله كتابة بالفصحى، كما أورد ما يروى من نفس (المثل) بصيغة أخرى ـ إن وجد ـ وقد راعى في ذلك تسلسل شيوع الرواية، ثم وثّق الأمثال بذكر مصادر كل (مثل) في الهامش، وقد تجاوز زلزلة ذلك معتمداً على طريقته الفنية الخاصة حيث قام بما يلي:
1 ـ اختيار الأمثال بصيغتها الأحادية الشائعة التي يراها أقرب المرويات للمثل.
2 ـ أفراد لكل (مثل) مكاناً خاصاً به، فلم يجمع بين (مثلين) في صفحة واحدة، بل استوعب كل (مثل) صفحتين أو ثلاث، أو أكثر حسب السياق الذي سار عليه خبر ذلك (المثل) وأصله.
3 ـ كرر قوله بعد إيراد (المثل): «يضرب للرجل.. أو للإنسان.. أو…»، ثم نهج يشرح مفردات (المثل) العامية بما يقابلها من الفصحى قبل إيراده قصة (المثل) وأصله.
4 ـ أورد قصة المثل الدالة على أصله التي هي غاية الكتاب.
ومثل ذلك: حول مثل «إنطي الخبز بيد خبازته، ولو تبوك نصه» قال: يُضرب للرجل الذي يعتمد على ذوي الخبرة والكفاءة والإطلاع والعلم، وإن أغلى لهم الأجر، وأجزل لهم العطاء».
و(إنطي): أي إعطِ.
و(تبوك): تسوق.
ومثل المثل العربي: (أعطِ القوس باريها).
و(أصله): أن إمرأة كانت تعمل الخبز في بيتها.. (ويسوق القصة كاملة، ص269).
ويلاحظ أنه عندما يسجل قصة المثل بشكل عام فإنه يسجل (الحوار) بين الأشخاص كما ورد بالعامية، ويجهد في إيضاحه إما بالمتن ضمن السياق دون الإخلال بقصة (المثل)، أو بالهوامش التي زخرت بمفردات تراثية شكلت ما يشبه بـ «معجم المفردات العراقية» المتداولة. ويجتهد المؤلف في ذكر قصة (المثل) بشكل ينزهها عن تعقيدها، ويقربها إلى الواقع والذوق بالمنطق أولاً، وبلغة سليمة مقبولة ثانياً. ويمكن المقارنة بين ما ورد في كتب الأمثال التي سبقته ليظهر الفارق واضحاً بين هذه (المفردات).
إن تقديم الأمثال العامية بهذه الكيفية المتخصصة يعود إلى إحساس المؤلف الذاتي في إدراك الأمثال بالمعيشة، والاعتماد على الخبرة في تلقي هذا الفن وصياغة أصوله.
ومصداق ذلك أن المؤلف كتب قبل كتابه هذا كتاباً أصدره عام 1976م بعنوان (مجمع الأمثال العامية البغدادية) جمع فيه ما سمعه (لا ما قرأه) من الأمثال البغدادية مما يؤكدعلى تأثره بالبيئة التي عاشها من جهة، وشيوع هذا الفن من جهة ثانية، في تلك المرحلة الزمنية المتقدمة من تاريخ بغداد الاجتماعي الذي أصبح الآن في حكم (التراث المنسي) عند الكثير من أبناء بغداد أنفسهم.
المجاميع القصصية الثلاثة
أعطى الدكتور زلزلة اللغة العامية (الدارجة) إهتمامه بمقدار ما اهتم باللغة العربية الفصحى. فقد حافظ على الضبط اللغوي الدقيق لجميع مؤلفاته التي نُشرت ليقدم للجيل (نصاً) يمكن أن يُقرأ مضبوطاً من ناحيتي اللغة والصرف معاً.
إلى جانب ذلك كتب سلسلة من المقالات نشر بعضاً منها في مجلة (العربي) ـ أغسطس 1987م ـ بعنوان (تصحيحات لغوية) و(أخطاء لغوية طبية وعلمية) ـ تدل على سعيه لغرض الحفاظ على سلامة اللغة من الشوائب التي داخلتها مضافاً إلى مؤلفاته الدالة على سلاسة العربية وسلامتها التي يمثلها كتاباه (أحاديث الأولين)، و(ما يُتمثل به الشعر).
ويسير الأدب (الدارج) بشكل متوازن في مساحات تأليفه، ويظهر ذلك في كتابيه (مجمع الأمثال العامية) و(قصص الأمثال العامية)، وأظهر من هذين الكتابين مجاميعه القصصية الثلاثة، الفيلسوف الجاهل ـ 1978م، أبو عيون الذهب ـ 1978م، والكبة المسمومة ـ 1983م التي احتوت كل مجموعة منها على ثمان قصص قصيرة، ومعدل القصة الواحدة يتراوح من تسع صفحات إلى إثني عشر صفحة. وتتميز هذه القصص في ان أحداثها جرت تحت نظر كاتبها (ابتداءً من المرضى الذين صادفهم، وانتهاءً بأناس فقراء كان قد التقى بهم)، أو أن أخبار (شخوصه) كانت قد تناهت إلى سمعه من الأفواه.
فكان المؤلف في الحالة الأولى ناقلاً حواراته مع من التقاهم، وفي الحالة الثانية ناقلاً الحكايات التي شاعت في الأوساط على ألسنة الآخرين، وهو في كلا الحالتين صقل المعنى، وهذبه، وقدمه لقرائه زاداً شهياً لم يشأ أن يُحرموا من متعته.
والمجاميع الثلاث من عنواناتها تكشف عن نكهتها. وأشخاصها عادة طوائف من سكان بغداد القديمة، وهم من الطبقات الفقيرة البائسة المسحوقة التي نفذ المؤلف إلى تصوير دخائلهم، وتعاطف معهم بقوة.
وتُصور أحداث هذه المجاميع البيئة الاجتماعية التي عاشتها بغداد القديمة ـ على الغالب ـ في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي من خلال اللمحات الاجتماعية الدالة على طبيعة المجتمع.
وتكاد هذه القصص تكوّن صورة واقعية عن مزاج مجتمع يعيش وسط ضغوط خارجية، ونفسية ابتداءً من نسبة الجهل والأمية إلى تسري الكثير من الأمراض التي كانت فتاكة ـ يومذاك ـ.
وقد حافظ المؤلف على لغة هذه الشخوص (الدارجة) كما هي، فلم يشأ أن ينقلها إلى الفصحى ليغير من نكهتها، وطرافتها، بل عمد إلى تسجيلها، وترك الجو العام لقصصه مكتوباً باللغة الفصيحة.
وبالرغم من الاعتقاد أن كتابة هذه القصص بالفُصحى سيجعلها أكثر انتشاراً في الأوساط العربية التي تجهل اللغة المحلية، أو كما ذهب إليه الأستاذ محمد خليفة التونسي عند تقديمه لإحدى هذه المجاميع: أن القصص ستبقى على (واقعيتها) إذ استُبدلت بالعبارات البغدادية عبارات فصيحة، إلا ان المؤلف قدم عملاً متخصصاً، والتخصص في الأعمال لا يعني حتمية انتشاره الواسع بمقدار تسجيله، أو المحافظة عليه من قِبل اهله. ويمكن الملاحظة أن هذه الأعمال (التي أصبح الاهتمام بها أكثر مما كان عليه) شكلت من خلال الكلمات الدارجة التي نقلها المؤلف ما يكوّن معجماً بالمصطلحات الشعبية المتداولة في كلمات المتحاورين. وهذه ميزة أخرى تضاف إلى قيمتها الأدبية الواقعية. وقصة (أبو عيون الذهب) ـ التي سمى مجموعته الثانية باسمها ـ إحدى نماذج فن القصص الدال على أصالة التراث البغدادي، وجماليته.
(أحاديث الأولين).. قراءة في المنهج التأملي
يظهر المنحى التأملي للدكتور زلزلة بوضوح فيما كتبه في مجاميعه القصصية، أو سطره في كتابه (أحاديث الأولين)، كما عبّر عنه في بعض منظوماته الشعرية التي خاطب بها (الحكمة) بقوله:
أتيت ـ لا أهلاً ـ فما تنفعين
أيتها الحكمة في (الأربعين)!
أمضيت أيامي، وقضيتها
واخترت دربي وأضعت السنين!!
وكأنه اختزل بعض التجارب التي كادت تفلسف مجريات الحياة، وحركتها لتطلب صياغة جديدة لهذا الوجود أولاً، أو للحوادث التي مرت على هذا (الكائن) الذي أحس بانقضاء مدته بالفناء.
يقول الدكتور كريستيان برنارد ـ أول جراح قلب في العالم ـ: «حينما نكون شباباً تنقصنا التجربة، وحين تكون لدينا التجربة نكون غير قادرين على الاستمتاع بها بسبب العجز والشيخوخة. أتمنى أن نولد شيوخاً مسنين، ونزداد شباباً مع تقدم الزمن، ويتقدم بناء الشباب أكثر فأكثر لنزداد نضارة عند الموت»!!
وقريب من هذه الخاطرة ما عبّر شاعر عربي قبل قرون على المعنى نفسه عندما قال:
عصيت هوى نفسي صغيراً وعندما
رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى عكس القضية ليتني
ولدت كبيراً ثم عدت إلى الصِغر!
وهي الحكمة التي فطن إليها الفيلسوف الألماني (شبنهور) في كتابه (حكمة الحياة) عندما قال: «قلما نفطن إلى عوامل التغيير التي يدخلها الزمن علينا. وآية ذلك أن (الأموال) التي نجمعها، ونسهر الليالي الطوال في سبيل الحصول عليها قد تجيئنا بعد فوات الأوان، فلا تعود تنفعنا بشيء».
يقول عبد الرحمن العطار الشهير بابن الأخوة:
وخير عمري الذي ولى، وقد ولعت
به الهموم، فكيف الظن بالباقي؟!
ويقول الشاعر حمادي الكواز المتوفى سنة 1283هـ/1866م:
وفي الشبيبة قد قاسيت كل عنا
إذن، فماذا أرى في أرذل العمر؟!
إن كان آخر أيامي كأولها
أعوذ بالله من أيامي الأخر!
والعجب أن نبوءة هذا الشاعر لم تصدق، فقد توفي في ريعان شبابه وهو ابن (38) عاماً قبل أن يظفر بأيامه الأخر التي استعاذ بالله منها!. تظهر نزعة الدكتور زلزلة التأملية واضحة في كتابه (أحاديث الأولين) الذي عبّر عنه بأنه رحلة من (الفانية) إلى (الباقية)، وتكاد تتحول إلى رؤى عميقة تدور حول فلسفة الموت والحياة والسعادة والألم. وقد نحا المؤلف في كتابه هذا منحى محاورات فيلسوف المعرة أبي العلاء في (رسالة الغفران)، وطريقة الشاعر الإيطالي دانتي اليغيير Dante Alighieri في ملحمته الكوميديا الإلهية Divina Commedia.
وقد استطاع من خلال طريقته الفنية أن يُخرج كتاباً أدبياً أشبه ما يكون بدائرة معارف عربية تقرّب التراث الأدبي والتاريخي والديني والعلمي إلى الأذهان في رحلة قصصية امتزج فيها الواقع بالخيال، والحقيقة بالأسطورة. وقد جمع في طياته التاريخ والأدب، والعلوم النظرية، والفقه في رحلة (حلم) قطعها المؤلف عندما شيع جاره أبا أيوب إلى مثواه الأخير، ليبدأ رحلته معه من (الفانية) إلى (الباقية). فيتاح له اختزال الزمن، واستدعاء الأشخاص الذين سبقوا عصره ليجمعهم معاً، ويحاورهم، أو يحاججهم في أحاديث شتى.
وهؤلاء الأشخاص الذين صادفهم خليط من الشعراء (أمثال: بشار بن برد، ومحمد سعيد الحبوبي، وغيرهما) إلتقاهم في مكان أطلق عليه إسم (وادي الشعراء). كما التقى في (سفح الخلفاء) معاوية بن أبي سفيان، وأبا جعفر المنصور، وهارون الرشيد، والخليفة العباسي المنتصر بالله.
أما في (نجد الوزراء والأمراء) فقد صادف أبا سلمة الخلال، ويحيى البرمكي، ومصعب بن الزبير، وغيرهم وتحدث في (روضة العلماء) مع الفيلسوف ابن سينا، وابن زكريا الرازي، وعلي بن العابس المجوسي، ووصفهم بأوصاف جذابة. وفي (بيداء العشاق والمحبين) استدعى جملة من أعلام الحب العذري أمثال قيس بن الملوح، وجميل بثينة، وابن زريقة البغدادي.
ثم عرج في الفصول المتبقية إلى (الجحيم) حيث وصفها وصفاً دقيقاً، وميز بين طبقاتها كما وردت في القرآن الكريم، والكتب الحديثة المتخصصة. وكذلك وصف (الجنة) ثم أنهى رحلته في (قرية الجن).
والكتاب بفصوله غزير بالتتبع والاستقصاء، والضبط، ودقة الحوار، وعذوبة المحاججة. ومنهج المؤلف فيه لا يختلف عن القاعدة التي اعتمدها في قصصه وأمثاله، وكتاباته الأخرى. فهو دائماً يقف مع (المظلوم)، وينتصر له، ويكشف ظلم (الظالم) ليجعله عبرة لغيره لكي لا يظلم أحداً بعده.
إن الدكتور زلزلة في كتابه (أحاديث الأولين) يحاول صياغة العالم من جديد على أسس تقربه من جميع (الجمهوريات) المثالية التي كتبها الفلاسفة قبله.
الدكتور جودت القزويني
مرو شاهيجان موطن قاجار مرو
مرو شاهيجان التي يطلق عليها اختصاراً مرو، تقع في شمال غربي نهر مرو. هذه المدينة كانت تعتبر دوماً من أقدم مدن خراسان الكبيرة. على رغم أن البعض من الجغرافيين وعلماء المسالك والممالك للعهد الإسلامي نسبوا تشييدها لاسكندر المقدوني لكن التقرير الآخر لنفس الكتّاب الذي يقول ببناء السور وقلعة مرو بيد طهمورث)[970](.
أولاً ـ يشير إلى وجود هذه المدينة في العهد ما قبل المقدوني.
ثانياً ـ يحكي عن تعلق مدينة مرو منذ القديم بحدود إيران القديمة خصوصاً أنه ذكر في مصادر إيران القديمة ومن جملتها كتيبة داريوش في بيستون مرو تحت عنوان (مركوش Margush) نفس هذا المعنى علاوة على أنه يخبر عن وجود مدينة مرو في العهد ما قبل المقدوني، يحدثنا عن اتصالها الوثيق القديم بأرض إيران أيضاً. إذاً كان لنفس هذا السبب أيضاً أنه عُدّت مرو من المدن المهمة للناحية الغربية من إيران في جميع مصادر العهد القديمة)[971](. إضافة إلى العهد القديم لإيران. لقد اعتبرت مرو منذ بداية القرون الإسلامية الأولى أيضاً إلى جانب نيشابور وبلخ وهرات من المدن الأربع الأصلية لخراسان)[972]( بعد هزيمة يزدجرد الثالث على يد المسلمين العرب اتخذ الملك الساساني مدينة مرو ملجأ له واستطاع الاحتماء لمدة في هذه المدينة وفي نهر مرو في مقابل قوى المسلمين، ولكنه أخيراً واجه صلافة حارس مرو، وقُتل في مطحنة يذكر الطبري أن إسم حارس مرو هو (ماهرية بن مانفاه بن أبو براز) ومن الواضح أنه اسم إيراني)[973](. وكان لاستقرار المأمون العباسي في مرو خلال خلافة أبيه هارون الرشيد الأثر في تجديد اعتبار مرو في العصر العباسي.
وبعد تغلب المأمون على أخيه الأمين ونقل عاصمته من مرو إلى بغداد، أصبحت مدينة مرو عرش إمارة الطاهريين واستمرت محافظة على اعتبارها. كانت مدينة مرو لحين إمارة عبدالله بن طاهر مركزاً للطاهريين. ابن حوقل الذي وصف مدينة مرو في القرن الرابع كتب بشأن هذه المدينة: «لمدينة مرو أربعة أقسام بحدود مستحصنة، وكل قسم له نهر معروف، من جملتها: نهر هرمز فره الذي يقع إلى جانب أبنية كثيرة وهو بجانب (سرخس). يوجد داخل المدينة أربع بوابات: واحدة بجانب المسجد الجامع، والبوابات الثلاث األأخرى عبارة عن بوابة سنجان وبوابة بالين وبوابة درسكان، وتؤدي هذه البوابة والأخيرة إلى ما وراء النهر، وعندما كان الخليفة المأمون في (مرو) جعل نفس هذا المكان معسكراً له ونصب خيمته هناك حتى يوم خلافته.
لمرو نهر كبير تتفرع منه الأنهر المذكورة وأنهر القرى أيضاً. يأتي هذا النهر من خلف (باميان) واسمه (مرغاب) يعني ماء مرو. والبعض يعتقدون أن هذا النهر جزء من نهر مرو»)[974]( يقول (الحموي) كما العلماء المتقدمون في باب معنى شاهيجان: هذا الاسم فارسي ومعناه روح السلطان)[975]( كتب (الحموي) نقلاً عن (بطليموس) في وصف الأبعاد الجغرافية لمرو أن طولها 67 درجة، وعرضها الجغرافي 40 درجة. تقع مدينة (مرو) في الأقليم الخامس. الحموي الذي كان خلال هجوم المغول على مرو منشغلاً بالكتابة والتحقيق والمطالعة في مكتبتها العظيمة ويقوم بتأليف معجم البلدان يضيف انه كان في مرو مكتبتين كبيرتين أحدها العزيزية والأخرى الكمالية. أول مكتبة كانت تضم 12000 كتاب كان قد وقفها عز الدين أبو بكر الزنجاني أو عيّس بن أبي بكر. يذكر الحموي مكتبات مرو الأخرى التي كانت في عام 616 لغير سنة هجوم جنكيز خان وهي: مكتبة شرف الملك المشرفي، والعلامة نصير الدين الطوسي)[976]( دون شك فإن مدينة (مرو) حافظت على هويتها الفارسية لحين تقدم تركمان الغز لعندها واحتلالها من قبلهم. ولكن مع بدء السلالة السلجوقية تغير النسيج الاجتماعي السابق لهذه المدينة تدريجياً. بالطبع بعد غلبة السلاجقة أصبحت سلطة المغول على (مرو) أيضاً مدعاة لتسريع التغيير في النسيج الانساني والثقافي لمرو. وبعد تأسيس سلالة الصفويين والتجدد النسبي للسيادة السياسية والثقافية لإيران القديمة انضمت (مرو) أيضاً للسيادة السابقة إلى جانب باقي مدن خراسان في هذا العهد. وبما أن (مرو) كانت هدفاً لهجوم الأقوام الرحل والبدو ومن جملتهم التراكمة بشكل مكرر قام الشاه عباس الصفوي بنقل قسم من قاجار (دربند) إلى منطقة القفقاز ليقوموا بالإضافة إلى استيطانهم هناك بحراسة حدود الدولة الصفوية آنذاك. وقد أطلقوا على هذه الفئة من قاجار (مرو) لقب (قاجار مرو) )[977]( على طول فترة استقرار وحكم الصفويين عّدت مرو من مدن شمال شرقي إيران وكان حاكم وبيكر بيكى إيراني مطيع للحكومة المركزية. بعد أفول نجم الحكومة الصفوية حيث أن الخوانين والحكام المحليين اتخذوا طريق الحكم المحلي. بالطبع فقد سيق خوانين المدن الشمالية لخراسان خاصة مرو وبخارا أيضاً والتي كان يستوطنها الكثير من التراكمة نحو الحكم المحلي مع جميع هذه الأحوال على طول عهد الصفويين والأفشاريين وحتى عهد حكومة آغا محمد خان كان الرؤساء الأصليين للمدينة هم من الفرس حتى أنه ظهر من بينهم مؤرخون مشهورون)[978]( سعى نادر قبل وبعد سلطته سعياً مديداً لإخضاع الخوانين المخالفين في شمال خراسان وحتى ما وراء النهر.. كان أحد المساعي الحثيثة له في هذا المجال بعد عودته من دهلي. وفي حملة نادر على تركستان قدم الخوانين مساعدات جمة لنادر هذه المساعدات كانت تستقي منشأها من الارتباط القومي والثقافي لساكني مرو مع شعب إيران.
بعد قتل نادر شاه وإعادة الفوضى في كل إيران استطاع الشاه مراد خان الأزبكي أن يستعيد السلطة في نجارا وأن يصبح من أقوى الأمراء المحليين في متفيتا)[979]( نفس هذا الشاه مراد بيك، وعندما رأى مدينة مرو فاقدة للقوة الدفاعية على عتبة تأسيس السلطة القاجارية في عهد حكومة شاهرخ ميرزا في خراسان قام بالهجوم عليها وقتل حاكم بيرامعلي خان قاجار عزالدنيلو الذي كان يحكم هذه المدينة منذ زمن الصفوية واحتل مرو. أصدر حاكم نجارا بعد انتصاره على مرو أمراً بتخريب بند المعروف في المدينة وبعد استباحة سكان تلك المدينة وضع إبنه، أمير ناصر الدين ثوره، حاكم مرو ورجع هو إلى نجارا)[980](.
آغا محمد خان الذي كان في هذه الأثناء في آذربايجان بما أنه دخل مشهد في أوائل عام 1211 بعث برسالة من هناك إلى الشاه مراد خان وضمن الإشارة إلى سابقة ارتباط إيران وذكره أن من الأفضل أن لا يجدد مراد خان العداواة القديمة بين الإيرانيين والأتراك. أكد آغا محمد خان في قسم من رسالته: أن: «… نحن نعلم وأنتم تعلمون أيضاً أن… بلخ بامى ومرو شاهيجان وأرض داوروسيستان وقندهار كابل كانت جزءاً من ملك ملوك إيران. والآن ماذا حصل لكم لتحتلوا بلخ بامى ومرو شاهيجان وأن تقوموا تقبل بيرامعلى خان قاجار عزالدنيلو وهو من الطوائف العليا لسلسلتنا. لن يكون بصالحكم تجديد الأحقاد القديمة الإيرانية التورانية»)[981]( بعد وصول رسالة آغا محمد خان لخان نجارا وبما أن الأخير كان خائفا ًمن هجوم خان القاجار على مركز حكومته. قام بتهيئة هدايا لإرسالها لخان القاجار والقيام بتهجير الأسرى لفك قيودهم لكن «حركة جيش روسيا وسفر الملك من أرض طوس» جعلته في أمان من خوف هجوم آغا محمد خان)[982]( حتى أن هدايت كتب أن بعد تهديد آغا محمد خان قام خان نجارا يطلب محمد حسين خان مروى ابن بيرامعلى المقتول وتباحث معه في نشاط القاجار بعده ذهب إلى نجارا خائفاً)[983]( وقام هو بإرسال سفير في أواخر عام 1211 لعند آغا محمد خان وأظهر له المودة والطاعة)[984]( بعد قتل آغا محمد خان وعلى طول سلطة فتحعلي شاه بسبب نزاع الدولة المركزية في شمال غربي إيران مع الروس لم تتح الفرصة أبداً للرقابة الكافية على حكام مدن شمال خراسان ومن جهتها مرو. هذا الأمر أدى بخوانين تلك الديار وخصوصاً التراكمة (تراكمة تكه وسالور) لينتهزوا الفرصة المتاحة أكثر للمعارضة وحتى الغارات المتكررة على مرو. كان أحد أهداف حملات عباس ميرزا في أواخر حياته على خراسان وهجومه وتقدمه نحو سرخس هو تأمين الأمن في تلك النواحي. في ذلك الزمان أصبحت مرو مركزاً مهماً لنشاط الخوانين التركمان والأزبك للإغارة على خراسان وأخذ الأسرى وبيعهم في أسواق نجارا.
عدم استطاعة محمد شاه وبعده ناصر الدين شاه في دفع هذه المناوشات لم يقم بتغيير النسيج العام الإنساني والثقافي لمدن شمال خراسان خاصة مرو فحسب، بل هيأ الأرضية التدريجية لتجزئة هذه المدينة واحتلالها. حتى عهد احتلال مرو على يد الروس على رغم أن هذه المدينة كانت من مدن خراسان لكن عدم توجه انتباه الحكومة المركزية لمصير مرو أدى لوقوع خوارزم بيد أمير نجارا في زمن سفارة هدايت.
مصحف فاطمة عليها السلام
تمهيد
مصحف فاطمة عليها السلام كتاب تاريخي أثير حوله كثير من علامات الاستفهام تبدأ من العنوان فهل هو يعني قرآناً اختصت به السيدة الزهراء عليها السلام ليسمى باسمها كما سمّي المصحف المنتسب إلى عائشة فتسمى مصحف عائشة أم هو كتاب آخر نسب إليها، وإن كان الحق هو الثاني فإن جملة من الأسئلة تتوالى حوله:
1 ـ فما هو سرّ النسبة إليها؟ فهل لأنها هي الكاتبة؟ أو لأنها هي المملية؟ أو لا هذا ولا ذاك؟
2 ـ وما هو محتوى هذا الكتاب؟ فهل هو آداب وأخلاق؟ أو هو تشريع وفقه؟ أو لا هذا ولا ذاك؟
3 ـ وأين هو هذا المصحف؟ فهل كان موجوداً ثم فقد؟ أو ما زال موجوداً عند خاصة الشيعة؟ أو لا هذا ولا ذاك؟
وقبل هذه الأسئلة يتقدم السؤال الأهم: فهل مصحف فاطمة عليها السلام حقيقة ثابتة بطرق معتبرة؟ أم هو وارد في روايات يُغني ضعفها عن البحث في دلالتها، فنطوي كشحاً عما تقدم من الأسئلة وغيرها مما يحوم حول هذا الكتاب.
إنها أسئلة مهمة نحاول الإجابة عليها ضمن النقاط التالية:
نموذج من روايات مصحف فاطة عليها السلام
وردت روايات عديدة يدور الحديث فيها حول مصحف فاطمة نعرض منها النموذج التالي:
ما رواه العلامة الشيخ الكليني في كتابه الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن أبي عبيدة قال: سأل أبا عبدالله بعض أصحابنا عن الجفر فقال هو جلد ثور مملوء علماً، قال فالجامعة؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج، فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهي فيها، حتى أرش الخدش، قال: فمصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: فسكت طويلاً ثم قال: إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون. إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون في ذريتها، وكان علي عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة»)[985](.
مدى اعتبار روايات مصحف فاطمة عليها السلام)[986](
قبل الدخول في الجواب المباشر حول مدى اعتبار الروايات الواردة في مصحف فاطمة نشير إلى المنهاج المعتمدة في اعتبار الروايات والأخذ بها وأهمها مناهج ثلاثة:
المنهج الأول: أن ندرس الأشخاص الواقعين في سلسلة السند، فإذا كانوا جميعاً قد أحرزوا الشرائط المعتبرة من الوثاقة وغيرها فالخبر معتبر وإلا فلا.
المنهج الثاني: إن المدار في اعتبار الخبر لا يتوقف على ما سبق لأن هناك قرائن أخرى غير السند تدخل في اعتباره وصحته، فقد يكون رجال السند قد تحققت بهم كل الشرائط المعتبرة، لكن قامت قرينة خارجية على تضعيفه مثل إعراض علمائنا القدماء عنه فإن إعراضهم ـ إذا لم يحتمل إنه قائم على أساس اجتهادي ـ يدل على وجود خلل في النقل، وإلا لما أعرضوا عنه.
وقد يكون الخبر من حيث السند غير سليم ولكن قامت قرينة خارجية أوجبت الوثاقة به.
والحاصل أن هذا المنهج يعتبر أن المدار على الوثوق بالرواية لا على خبر الثقة كما في المنهج الأول، نعم أن دراسة سند الحديث لها أهمية كبرى على المنهج الثاني، إذ قد يكون أحد الأسباب الأساسية للوثوق بالخبر وعدمه.
المنهج الثالث: يعتبر أن هناك فرقاً في الاعتبار والصحة بين الروايات الواردة في الأحكام الشرعية والواردة في غيرها كالروايات في مجال العقيدة والتاريخ وما أشبههما، فإن النوع الأول من الروايات (أي الفقهية) يكون اعتباره على أساس دراسة سند الرواية، أما النوع الثاني منها فلإثباته طرق أخرى، منها ما إذا تسالم علماؤنا على الأخذ برواية فإن التسالم المذهبي كافٍ في اعتبار الرواية بغضّ النظر عن صفة سندها.
وهذا المنهج الثالث يمكن إدخاله ضمن المنهج الثاني باعتبار أن مدار صحة روايات غير الأحكام هو الوثوق بها.
مصحف فاطمة على ضوء المناهج الثلاثة
وعلى ضوء هذه المناهج نجيب على السؤال المتقدم حول اعتبار روايات مصحف فاطمة عليها السلام فنقول:
إن روايات هذا المصحف صحيحة ومعتبرة على كل المناهج الثلاثة المتقدمة.
أما على المنهج الثالث، فإن روايات مصحف فاطمة قد تسالم علماؤنا على الأخذ بها ولا أعلم أحداً ممن مضى منهم قد ناقش فيها وهذا ما يدعم الوثاقة على المنهج الثاني، ولا قيمة هنا لبعض الاستبعادات المطروحة في موضوع هذا المصحف من قبيل أنه يُستبعد نزول جبرئيل على السيدة فاطمة عليها السلام مع وجود الإمام علي عليه السلام إلى جانبها يكتب وهو أفضل منها فلماذا أُلهم إليها دونه! أو استبعاد أن يحدّث جبرئيل السيدة الزهراء عليها السلام وهذا ما سنتعرض له في الفصل السادس إن شاء الله تعالى، ونكتفي هنا بذكر كلام للعلامة السيد محسن الأمين ذكره في أعيانه قائلاً «لا استبعاد ولا استنكار في أن يحدّث جبرئيل الزهراء عليها السلام ويسمع ذلك علي عليه السلام ويكتبه في كتاب يطلق عليه مصحف فاطمة بعدما روى ذلك عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ثقات أصحابهم، وكأني بمن يستنكر ذلك أو يستبعده أو يعده غلوّاً خارج عن الإنصاف، فهل يشك في قدرته تعالى؟ أو في أن البضعة الزهراء أهل لمثل هذه الكرامة؟ أو في صحة ذلك بعدما رواه الثقات عن أئمة الهدى من ذريتها وقد وقع من الكرامة لآصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام وهو ليس بأكرم على الله من آل محمد..!! )[987](.
وكذا الكلام على المنهج الأول، فإن جملة من روايات مصحف فاطمة عليها السلام صحيحة السند، قد رواها ثقات أصحابنا كما تقدم في كلام السيد الأمين.
أسانيد مصحف فاطمة عليها السلام
ونذكر هنا بعض الأسانيد الصحيحة الواردة فيه بما يكفي للوقوف أمام من قد يشكك في هذه الروايات من حيث سندها.
أ ـ فمن الروايات الصحيحة السند ما رواه الكليني في كتابه الكافي عن «عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد، عن عبدالله بن الحجّال، عن أحمد بن عمر الحلبي عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة… (إلى أن قال) ثم سكت [أي الإمام الصادق عليه السلام] ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فاطمة فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد)[988](… إلى آخر الرواية.
ففي السند الرواة التالية أسماؤهم:
1 ـ عدة من أصحابنا، وقد صرّح الكليني بأسماء هذه العدة وفيهم الثقة قطعاً مثل علي بن إبراهيم بن هاشم)[989](.
2 ـ أحمد بن محمد: وهو لا يخلو من إثنين قطعاً إما أحمد بن محمد بن عيسى وإما أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وهما من أعلام الشيعة وثقاتها)[990](.
3 ـ عبدالله بن الحجّال وهو من قال فيه النجاشي ثقة ثقة)[991](.
4 ـ أحمد بن عمر الحلبي، وهو ممن وثقه النجاشي أيضاً)[992](.
5 ـ أبو بصير، والمنصرف منه ثقة، كما لا يخفى على أهل التتبع والتحقيق)[993](.
ب ـ ومن الروايات الصحيحة السند تلك الرواية التي عرضنا سابقاً كنموذج من روايات مصحف فاطمة، وفي سند هذه الرواية الرواة التالية أسماؤهم:
1 ـ محمد بن يحيى ولقبه العطار وهو الثقة العين كما عبّر النجاشي)[994](.
2 ـ أحمد بن محمد وهو أحمد بن محمد بن عيسى)[995]( وقد تقدم أنه ثقة.
3 ـ ابن محبوب وهو اما الحسن بن محبوب أو محمد بن علي بن محبوب وكلاهما ثقة)[996](.
4 ـ إبن رئاب وهو علي بن رئاب الذي وثّقه الشيخ في رجاله ووصفه بأنه جليل القدر)[997](.
5 ـ أبو عبيدة وهو زياد بن عيسى أبو عبيدة الحذّاء)[998]( وهو ممن وثّقه النجاشي)[999](.
ونقتصر في بحثنا السندي على هاتين الروايتين لكفايتهما في إثبات صحة القول بمصحف فاطمة عليها السلام.
معنى المصحف
استغلّ البعض تسمية هذا الكتاب بـ«مصحف» ليتّهم المسلمين الشيعة بأن عندهم قرآناً خاصاً غير القرآن المعروف بين المسلمين باعتبار أن لفظ «مصحف» خاص بالقرآن الكريم، وعليه فمصحف فاطمة يعني قرآن فاطمة، وبما أن روايات هذا الكتاب تصفه بأن «فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات»)[1000]( فإن هذا يعني أن الشيعة يعتقدون بكون القرآن الموجود قد نقص منه الكثير من الآيات.
وهكذا ألصق هذا البعض تهمة تحريف القرآن بالمسلمين من أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام غاضاً نظره عن تصريح الأئمة عليهم السلام في ذيل روايات «مصحف فاطمة» بنفي كونه قرآناً بل بنفي اشتماله على آية قرآنية واحدة كما في الروايتين السابقتين.
وعلى كل حال، فإن الكلام في محتوى هذا الكتاب وسائر جوانب هويته سنتعرّض له مع أبحاث تتعلق به في الفصول اللاحقة إن شاء الله تعالى وما نريد التركيز عليه في هذا الفصل المخصص لدراسة معنى «المصحف» هو الإجابة على السؤال التالي:
هل يصح التمسك بتسمية كتاب فاطمة عليها السلام بـ«مصحف» كمنطلق لتهمة الشيعة بوجود قرآن خاص عندهم بدعوى أن المصحف اسم خاص بالقرآن الكريم، أم لا يصح ذلك؟
لمعرفة الحقيقة نعرض معنى «المصحف» في معاجم لغة العرب التي أفادت أنه يعني: «الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين»)[1001](.
وبهدف إيضاح هذا التعريف نسلّط الضوء على لفظي «الصحف» و«الدفتين» الواردين فيه.
أما «الصحف» فهو جمع صحيفة وهي ما يكتب فيه من ورق ونحوه)[1002](.
أما «الدفتان» فمثنى دفّة وهي الجنب من كل شيء)[1003]( فيقال دفّا البعير أي جنباه)[1004](، ويقال دفتا الطبل أي الجلدتان اللتان تكتنفانه يضرب عليهما)[1005]( ومنه دفتا المصحف أي جانباه اللذان يضمّانه)[1006]( ويحفظانه وهما وجها المصحف)[1007](.
ومما تقدم نلاحظ في معنى المصحف أمرين هما:
الأول: أنه لا بد من كونه مجموعة صحف فلا يطلق حقيقة على الصحيفة الواحدة، بخلاف لفظ كتاب، فإنه يستعمل حقيقة في الورقة الواحدة فما فوق)[1008]( وبهذا يفترق معنى المصحف عن الكتاب.
الثاني: إن المصحف قد لوحظ في معناه وجود الدفتين وهما جانباه الجلديان ونحوهما)[1009](، اللذان يجمعان صحفه ويحفظانها، ـ كما تقدم ـ بخلاف لفظ الصحف الذي لم يلاحظ في معناه ذلك)[1010](.
وبعدما تقدم من توضيح للتعريف السابق نعرف أنه تعبير مطول عن قولنا «الكتاب المجلد»)[1011](.
والنتيجة أن لفظ المصحف في لغة العرب يشمل مطلق الكتاب المجلّد ولا يختص بالقرآن الكريم فدعوى مصحف فاطمة يعني قرآناً لا يمكن التمسك لها بمعنى المصحف لغة، ولكن يمكن أن يتساءل بأنه هل حافظ لفظ المصحف بعد نزول القرآن الكريم على معناه الواسع هذا أم أنه أصبح علماً على كتاب الله المنزل يختص به دون غيره؟
وفي مقام الجواب نقول:
كلمة المصحف بعد نزول القرآن
ما لا شك فيه أن لفظ المصحف كَثُر استعماله جداً في القرآن المكتوب بعد مجيء الإسلام وأصبح مشهوراً في هذا المعنى، إلا أن شهرته هذه لم تلغ استعماله في معناه اللغوي الواسع بل بقي يستعمل في معانٍ أخرى غير القرآن الكريم كما سنلاحظه في النصوص والآثار الكثيرة التي استعمل فيها لفظ المصحف في معانٍ أخرى غير القرآن.
بل إن إطلاق المصحف على القرآن كان ـ كما يبدو ـ بلحاظ كون القرآن مصداقاً وفرداً للمعنى اللغوي المتقدم (الكتاب المجلّد) إذ لم يثبت وضع لفظ المصحف علماً على القرآن الكريم لا في الكتاب ولا في السنّة ولا في لسان الصحابة كما ادعاه البعض.
لفظ المصحف في القرآن
أما في القرآن الكريم فإن لفظ المصحف لم يرد أصلاً في آياته رغم وجود عدة تسميات للقرآن فيه أنهاها أبو المعالي إلى خمسة وخمسين إسماً منها:
1 ـ الكتاب
كما في قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) )[1012](.
(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) )[1013](.
2 ـ القرآن
كما في قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم) )[1014](.
3 ـ الفرقان
كما في قوله تعالى: (نزل الفرقان على عبده))[1015](.
وغيرها من الأسماء التي ذكرها السيوطي في الإتقان)[1016]( وإن كان النقاش يجري في كونها أسماء لا سيما وقت نزول الآيات، نعم بعض الألفاظ الواردة أصبحت فيما بعد أسماء له بلا ريب.
وعلى كل حال فرغم تعدد أسماء القرآن الكريم فيه، فإن لفظ المصحف ليس واحداً منها، بل لم يرد هذا اللفظ أصلاً في الكتاب العزيز كما تقدم.
ومن الملفت أن البعض اعترض على تسمية كتاب فاطمة بـ«مصحف» مع أن هذا اللفظ لم يرد في القرآن أصلاً، في حين أن أحداً لم يعترض على تسمية كتاب سيبويه في النحو بـ«الكتاب»، مع أن لفظ الكتاب ورد كاسم للقرآن الكريم في آيات عديدة مرّ بعضها)[1017](.
المصحف على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وإن كان لفظ المصحف لم يرد في القرآن الكريم إلا انه ورد في عدة روايات منقولة عن لسان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لكنها لا تدل على أن النبي كان يطلقه علماً على القرآن بل لم يدّع أحدٌ من المسلمين ذلك.
ومن هذه الروايات:
1 ـ عن عثمان بن عبدالله بن أوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرأ القرآن في المصحف كانت له ألفا حسنة، ومن قرأه في غير المصحف ـ فأظنه قال ـ كألف حسنة»)[1018](.
2 ـ عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أعطوا أعينكم حظها من العبادة.
قالوا: وما حظها من العبادة يا رسول الله؟!
قال: النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه»)[1019](.
إلى غيرها من الروايات التي استعمل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفظ المصحف في القرآن المكتوب.
المصحف على لسان الصحابة)[1020](
ورد جملة من النصوص استعمل فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفظ المصحف في غير القرآن الكريم ومن جملة تلك النصوص:
1 ـ أن أبا نضرة وغيره طلبوا من الصحابي المعروف أبي سعيد الخدري)[1021]( أن يملي عليهم الحديث فقال لهم: «لا نكتبكم شيئاً، أتجعلونه مصاحف تقرؤونها، وقد كان نبيكم يحدثنا فنحفظ عنه، فاحفظوا عنا كما حفظنا نحن عن نبيكم»)[1022](.
فمن الواضح أن المراد من «مصاحف» في قول أبي سعيد هو الكتب لا القرائين.
2 ـ ومن ذلك ما رواه الصحابي أنس بن مالك)[1023]( أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف إليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك… الخ»)[1024]( ومن الواضح هنا أيضاً أن المراد من المصاحف المعنى اللغوي وإلا لكان المعنى أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في القرائين» وهو كما ترى.
المصحف على لسان التابعين)[1025](
وكما ورد على لسان الصحابة ورد لفظ المصحف في غير القرآن على لسان التابعين ومن جملة النصوص الواردة في ذلك:
1 ـ ما روي عن التابعي محمد بن سيرين الأنصاري)[1026]( أنه قال: «لما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقسم عليّ أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف»)[1027](.
فلفظ مصحف في هذه الرواية أما أن يكون ورد عن لسان الإمام علي عليه السلام نقله عنه ابن سيرين حرفياً فيكون على لسان الصحابة، وما ورد عن لسان ابن سيرين نفسه فيكون على لسان التابعين، وعلى كلا الاحتمالين، فإن لفظ المصحف فيها لا يراد منه القرآن وإلا لكان المعنى «حتى يجمع القرآن في القرآن» بل المراد ما تقدم من المعنى اللغوي.
2 ـ ومن تلك الروايات ما روي عن رفيع بن مهران (أبي العالية الرياحي))[1028]( أنه قال: إنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر»)[1029]( فلفظ المصحف فيها كسابقه في المعنى، قد نقلنا هذا النوع من الروايات للاستشهاد به في استعمال لفظ المصحف غاضين النظر عن صحتها والمناقشة فيها.
المصحف بقلم الكتّاب المتقدمين
ورد لفظ المصحف بمعنى مطلق الكتاب المجلد على لسان العلماء المتقدمين وفي كتبهم التي ألّفوها، ومن جملة ذلك:
1 ـ مصاحف الجاحظ
فقد سمى الكاتب الشهير أبو عثمان الجاحظ (150 هـ ـ 255 هـ) كل جزء من أجزاء كتابه «الحيوان» بـ«مصحف» وكتب في نهاية الجزء الأول، تم المصحف الأول ويتلوه المصحف الثاني من كتاب الحيوان، وكتب في نهاية الجزء الثاني «كمل المصحف الثاني من كتاب الحيوان» وهكذا في جميع الأجزاء السبعة من كتاب الحيوان)[1030](.
2 ـ روى ابن بشكول أن الشيخ أبا بكر بن عقال الصقلي قال في فوائده:
«إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن، لأن السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها»)[1031](.
3 ـ وكذا ينقل صاحب المصاحف عن الوليد بن ثعلبة عن الضحّاك أنه قال: «كان يكره الكراريس يعني المصاحف تكتب فيها»)[1032](.
بل في كلام السجستاني في مصاحفه مواضع كثيرة استعمل فيها المصحف بالمعنى اللغوي المتقدم)[1033](.
المصحف بقلم الكتّاب المُحدَثين
صرّح جملة من الكتّاب المحدثين بكون لفظ المصحف لم يستخدم بمعنى القرآن على نحو الانحصار بل استعمل أيضاً بالمعنى اللغوي وهو الكتاب المجلد ونذكر من هؤلاء:
1 ـ الدكتور امتياز أحمد في دلائل كتابه التوثيق المبكر للسنة والحديث، فقد اعتبر في كتابه هذا أن لفظ المصحف لم يستخدم بخصوص القرآن فحسب، بل كان يستعمل بمعنى الكتاب، وقد أتى بعدة شواهد ليدعم هذه الفكرة)[1034](.
2 ـ الدكتور ناصر الدين الأسد في مصادر الشعر الجاهلي، فقد قال فيه:
«وكانوا كذلك يطلقون على الكتاب المجموع لفظ المصحف ويقصدون به مطلق الكتاب لا القرآن وحده»)[1035]( ثم استشهد بما ذكره ثلة من العلماء في ترجمة التابعي خالد بن معدان)[1036]( بأن علمه كان «في مصحف له أزرار وعرى»)[1037](. وكلام الأسد وإن كان صحيحاً إلا أنه قد يناقش فيما استشهد به، إذ يحتمل إرادة القرآن المكتوب من مصحف خالد بن معدان، وأنه كان يكتب العلم على حواشي قرآنه هذا، كما كان ديدنهم من كتابة العلوم في حواشي المصاحف، ومثل رواية خالد هذه ما ورد في ترجمة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب)[1038]( فقد ذكروا أنه كان يكتب الأحاديث في المصاحف)[1039](.
3 ـ الأستاذ بكر بن عبدالله أبو زيد في كتابه معرفة النسخ والصحف الحديثية، فقد ذكر في كتابه هذا أن لفظ «مصحف» هو من جملة المصطلحات المعبّرة عن أنواع الأوعية التي كانت تدوّن فيها السنن)[1040](.
والخلاصة أن معنى المصحف في لغة العرب هو الكتاب المجلّد وبهذا المعنى كان يطلق على كل كتاب يحمل هذه الصفة، وبعد مجيء الإسلام الحنيف اشتهر لفظ المصحف في معنى القرآن الكريم ولعل ذلك لأجل كون القرآن أكثر الكتب وجوداً بين المسلمين، إلا أن هذه الشهرة الحاصلة لم تلغ استعمال لفظ المصحف في غير القرآن من الكتب، بل ظل يستعمل بمعنى الكتاب المجلد على لسان الصحابة والتابعين وعلى لسان علماء المسلمين المتقدمين منهم والمتأخرين وبهذا المعنى أطلق لفظ المصحف على كتاب نسب إلى السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وهو ليس بقرآن.
فالعجب كل العجب ممن يتهم المسلمين الشيعة باعتقاد وجود قرآن يغاير القرآن الموجود بدعوى أن مصحف فاطمة الذي ورد في روايات الشيعة يعني قرآناً خاصاً بالسيدة الزهراء عليها السلام.
والحقيقة أنه كتاب خاص تتضح معالمه ممّا يأتي:
هوية مصحف فاطمة عليها السلام
بعد أن تبيّن أن مصحف فاطمة عليها السلام لا يعني قرآناً ينسب إليها لا بد من إيضاح الأمور التالية:
من هو الكاتب لهذا المصحف؟
من هو المملي له؟
ما هو محتواه؟
كم هو حجمه؟
وهذا ما سنعرضه فيما يلي:
كاتب مصحف فاطمة عليها السلام
نصّت الروايات الكثيرة على أن كاتب مصحف فاطمة هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) ونذكر هنا من تلك الروايات الفقرات الدالة على ذلك وهي:
1 ـ عن حماد بن عثمان أنه سأل أبا عبدالله عليه السلام عن مصحف فاطمة فأجابه… (إلى أن قال) فجعل أمير المؤمنين يكتب كلّما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً)[1041](.
2 ـ عن أبي عبيدة عن الصادق عليه السلام أنه قال… وكان عليّ يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة)[1042](.
3 ـ عن علي بن سعيد عن أبي عبدالله: … والله مصحف فاطمة… وخطّه علي عليه السلام بيده)[1043](.
4 ـ عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله: … وخلفت فاطمة مصحفاً… وخط علي عليه السلام)[1044](.
5 ـ عن علي بن الحسين عن أبي عبدالله: … وعندنا مصحف فاطمة… وخط علي عليه السلام)[1045](.
6 ـ عن علي بن أبي حمزة عن أبي عبدالله: … وعندنا مصحف فاطمة… وخط علي عليه السلام)[1046](.
نعم مقابل هذه الروايات تفرّد ابن رستم الطبري في دلائل الإمامة بنقل رواية تدل على أن مصحف فاطمة قد أنزلته الملائكة مكتوباً من عند الله، ولم تُملَ إملاءاً ليكتبه أمير المؤمنين علي عليه السلام! ونصّ الرواية هو: «… ولما أراد الله تعالى أن ينزل عليها جبرئيل وميكائيل وإسرافيل أن يحملوه، فينزل به عليها وذلك في ليلة الجمعة من الثلث الثاني من الليل، فهبطوا به وهي قائمة تصلّي، فما زالوا قياماً حتى قعدت، ولما فرغت من صلاتها، سلّموا عليها وقالوا: السلام يقرئك السلام ووضعوا المصحف في حجرها، فقالت: لله السلام ومنه السلام وإليه السلام وعليكم يا رسل الله السلام، ثم عرجوا إلى السماء، فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى أتت على آخره…»)[1047](.
وظاهر عبارة «ووضعوا المصحف في حجرها.. أن المنزل نفس الكتاب لا المحتوى فقط وهذا يعارض ما تقدم من الروايات الكثيرة الدالة على أن علياً عليه السلام هو الذي كتب المصحف، لذا فلا بد لنا أمام هذا التعارض من أحد أمرين:
الأول: أن نصرف الرواية عن ظاهرها ونقول: إن معنى ووضعوا المصحف في حجرها أي أملوه عليها، وحينئذٍ لا مانع من كون علي عليه السلام موجوداً وقت الإملاء يكتب ذلك، ولا يخفى أن هذا الاحتمال في غاية البعد.
الثاني: ولعل هذا الحل متعيّن، وهو أن نرفض هذه الرواية أصلاً وذلك لأن في سندها «جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الذي قال فيه النجاشي: «كان ضعيفاً في الحديث… وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية»)[1048]( ونقل عن أحمد بن الحسين)[1049]( أنه قال عن الفزاري: «كان يضع الحديث وضعاً. [أي كان يختلق الأحاديث] ويروي عن المجاهيل»)[1050]( وقد وصفه ابن الغضائري بقوله: «كذّاب، متروك الحديث جملة، وكان في مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكل عيوب الضعفاء مجتمعة فيه)[1051]( وقد ضعّف الفزاري هذا كل من ابن الوليد وابن نوح)[1052]( والصدوق على من حكاه النجاشي في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى)[1053](.
وإن كان هذا هو حال الرواية من ناحية سندها فلعل طرحها هو الأولى، فتبقى تلك الروايات الدالة على أن علياً هو كاتب مصحف فاطمة تامة دون معارض معتبر.
مملي مصحف فاطمة عليها السلام
عرضت الروايات مملي مصحف فاطمة بالعناوين التالية:
1 ـ المملي = الله
فقد ورد عن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام: وإن عندنا مصحف فاطمة، وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام… (إلى أن قال) إنما هو شيء أملاها الله وأوحي إليها»)[1054](.
وعبارة «أملاها الله» يحتمل فيها احتمالان: الأول أنها من خطأ الناسخ والصحيح أملاه الله والضمير (ه) يرجع إلى شيء. الثاني: أن الضمير (ها) في محل نصب على نزع الخافض والأصل أملاه عليها الله فحذف المفعول به (ضمير الغائب المذكر) ثم حذف الخافض (على) وألصق الضمير المخفوض محلاً بالفعل أملى، والأقرب هو الاحتمال الأول لما في الثاني من تكلّف واضح.
أما عبارة أوحي إليها فهي بمعنى أُلهم إليها كما في قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه))[1055](.
2 ـ المملي = ملك
فقد ورد عن حماد بن عثمان أنه قال: سمعت أبا عبدالله يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة عليها السلام، قال: قلت له: وما مصحف فاطمة؟ قال عليه السلام: إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل الله إليها ملكاً يسلّي غمّها ويحدّثها فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً…» )[1056](.
وفي هذه الرواية أمران يحسن الإلتفات إليهما:
الأول: معنى شكوى السيدة فاطمة لزوجها، وهذا ما سوف نتحدث عنه في الفصل الأخير من هذا الكتاب بإذنه تعالى.
الثاني: إن الظاهر من هذه الرواية كون الإمام علي بن أبي طالب يكتب ما يسمع من جبرئيل مباشرة لا أن السيدة الزهراء هي وحدها التي تسمع ثم تملي ذلك على أمير المؤمنين كما يبدو أن البعض قد فهم منها ذلك كصاحب كتاب المختصر الذي نقل معنى الرواية بأن الإمام علياً عليه السلام قال للسيدة فاطمة «فإذا سمعتيه فامليه عليّ، فصارت تمليه وهو يكتبه»)[1057](.
إذ أن هذا المعنى بعيد عما يفهم بدواً من هذه الرواية، ومن ناحية أخرى هناك رواية ثانية قد توضّح أن علياً عليه السلام كان يسمع مباشرة من جبرئيل.
فقد ورد عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: الذي أملى جبرئيل على علي عليه السلام أقرآن؟ قال لا)[1058](.
3 ـ المملي = جبرئيل
ففي صحيحة أبي عبيدة عن الصادق عليه السلام: أن فاطمة عليها السلام مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها وكان عليّ عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام)[1059](.
4 ـ المملي = رسول الله
فعن علي بن الحسين عن أبي عبدالله عليه السلام: «… وعندنا مصحف فاطمة، اما والله ما فيه حرف من القرآن، ولكنه إملاء رسول الله وخط علي عليه السلام)[1060](.
وعن علي بن سعيد عن أبي عبدالله: «… والله مصحف فاطمة ما فيه آية من كتاب الله، وإنه لإملاء رسول الله، وخطه علي عليه السلام بيده…»)[1061](.
هل المملي هو جبرئيل أم رسول الله؟
من الواضح أن العناوين الثلاثة الأولى التي عرضتها الروايات (الله، ملك، جبرئيل) ليس بينها أدنى تعارض، فالله هو الذي أملى المصحف بواسطة ملك هو جبرئيل، لكن القول بأن جبرئيل هو المملي يتعارض لأول وهلة مع القول إن المملي هو رسول الله وذلك أن المنصرف من لفظ رسول الله هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكيف نرفع هذا التعارض؟
أمور بين يدي الحلّ
وقبل حل التعارض لا بد من الإشارة إلى أمور ثلاثة لكل منها دخلٌ في حل التعارض البادي لأول وهلة وهي:
الأمر الأول: إنه لا مجال للجمع بين الروايات بأن نقول: إن جبرئيل قد أملى المصحف على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بدوره قد أملاه على إبنته فاطمة عليها السلام وعليه يصح القول حينئذٍ أن المملي هو جبرئيل كما يصح القول إن المملي هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا يكون ثمة تعارض بين الروايات.
وسبب عدم صحة هذا الجمع هو أن الروايات الدالة على كون المملي هو جبرئيل تنص على أن زمان الإملاء هو بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بل إن مناسبة إملاء المصحف هي تسلية الزهراء عليها السلام بوفاة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم.
الأمر الثاني: أنه لا يمكن رفع اليد وطرح الروايات الدالة على كون المملي هو جبرئيل، وذلك لأن فيها صحيح السند كما مرّ، إضافة إلى كثرتها العددية ووجود ما يساندها من الروايات الدالة على أن زمن الإملاء بعد وفاة رسول الله من دون النص على كون المملي هو جبرئيل، كما في رواية أبي حمزة، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب الله، وإنما هو شيء ألقي عليها بعد موت أبيها صلى الله عليهما)[1062](.
الأمر الثالث: إننا سنركّز حل التعارض على أساس الجمع بين مداليل الروايات بغض النظر عن البحث السندي الذي لعله يقف إلى جانب الروايات الدالة على أن المملي هو جبرئيل، إذ المناقشة السندية تجري في أسانيد كل الروايات المقابلة لها.
وبعد بيان هذه الأمور الثلاثة ندخل في حل التعارض بين الروايات.
حل الاختلاف
يحتمل لرفع التنافي البدوي بين روايات مملي المصحف احتمالات أهمها ثلاثة هي:
الاحتمال (1): أن يكون مصحف فاطمة كتاباً واحداً يحتوي على نوعين من المعارف أحدهما من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والثاني من إملاء جبرئيل.
الاحتمال (2): أن يكون للسيدة فاطمة عليها السلام مصحفان أحدهما من إملاء أبيها صلى الله عليه وآله وسلم والثاني من إملاء جبرئيل.
الاحتمال (3): أن يكون المراد من رسول الله هو نفس جبرئيل باعتبار أنه من رسل الله تعالى.
مناقشة الاحتمالات
أما الاحتمال الأول: فقد يُستقرب باعتبار أن معنى الصحف هو مجموعة (صحف) بين دفتين، فيمن أن يكون قسم من هذه الصحف من إملاء رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والقسم الآخر من إملاء جبرئيل، ولكن يبقى هذا الاحتمال خلاف ما يُفهم بدواً من عبارة «مصحف فاطمة من إملاء جبرئيل» فإن ما يخطر في الذهن من هذه العبارة هو كون كل المصحف من إملائه لا بعضه.
أما الاحتمال الثاني: فقد احتمله السيد محسن الأمين رحمه الله في كتابه القيم أعيان الشيعة)[1063]( من دون أن يأتي بأية قرينة ترجحه سوى استبعاد كون المراد من رسول الله جبرئيل.
ولعل مما يقرّب هذا الاحتمال هو ما مرّ من وجود كتابين آخرين للسيدة الزهراء عليها السلام أحدهما في الأخلاق والثاني في التشريع فيحتمل أن يكون المراد من مصحف فاطمة الذي هو من إملاء رسول الله أحدهما أو كلاهما، ولا سيما أن روايات المصحف الدالة على كون جبرئيل هو المملي تنفي عنه الأحكام الشرعية كما سيأتي إن شاء الله وهذا ما يقرّب كون كتاب التشريع هو مصحف آخر غير المملى من جبرئيل عليه السلام.
أما الاحتمال الثالث: وهو أن يراد من رسول الله جبرئيل، فقد اختاره العلامة المجلسي في موسوعته الحديثية بحار الأنوار)[1064](.
وقد يُستقرب هذا الاحتمال لشاهد ورد في إحدى الروايات وهي رواية محمد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: «وخلّفت فاطمة مصحفاً ما هو قرآن، ولكنه كلام من كلام الله أنزل عليها، إملاء رسول الله وخط علي عليه السلام»)[1065](.
ففي هذه الرواية فقرتان قد يظنهما البعض متنافيتين.
الفقرة الأولى: «كلام من كلام الله أنزل عليها».
الفقرة الثانية: «إملاء رسول الله»، فالأولى منهما ظاهرة في كون الإنزال على الزهراء عليها السلام من دون توسط أبيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ لو كان النبي هو المملي لما صح التعبير بـ«أنزل عليها»، بينما الفقرة الثانية تنص أن المملي هو رسول الله وما يرفع هذا التنافي هو أن يكون المراد من رسول الله جبرئيل عليه السلام.
إطلاق «رسول الله» على جبرئيل
وهذه الرواية تصعّد من قيمة الاحتمال الثالث، كما أنها تقف أمام استبعاد السيد الأمين أن يعبّر عن جبرئيل برسول الله، بعد تسليمه أنه من رسل الله.
ونحن نسلّم ـ مع العلامة الأمين ـ أن المنصرف من لفظ «رسول الله هو النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن القرينة السابقة تصلح للوقوف أمام الانصراف، ليراد من لفظ رسول الله معناه اللغوي الذي كثر وروده في القرآن الكريم، فقد عبّرت آيات كثيرة عن الملائكة بأنها رسل الله ومن تلك الآيات.
1 ـ (الله يصطفي من الملائكة رسلا من الناس إن الله سميع بصير) (سورة الحج آية 75).
2 ـ (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا) (سورة فاطر آية 1).
3 ـ (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا وهم لا يفرطون) (سورة الأنعام آية 61).
4 ـ (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) (سورة الأعراف آية 37).
5 ـ (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) (سورة هود آية 69).
6 ـ (ولما جاءت رسلنا لوطا سيئ بهم وضاق بهم ذرعا) (سورة هود آية 77).
7 ـ (قال [أي النبي إبراهيم حين جاءته الملائكة يبشرونه بغلام عليم] فما خطبكم أيها المرسلون) (سورة الحجر آية 57).
8 ـ (فلما جاء آل لوط المرسلون) (سورة الحجر آية 61).
9 ـ (قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) (سورة هود آية 81).
وفي الرواية أن جبرئيل عليه السلام هو القائل (إنا رسل ربك) فقد ورد عن أبي بصير وغيره عن أحدهما لما قال جبرئيل (إنا رسل ربك) قال له لوط يا جبرئيل عجل»)[1066](.
10 ـ (فأرسلنا إليها [أي إلى مريم عليها السلام] روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا) (سورة مريم آية 17 ـ 18 ـ 19).
11 ـ (قال [أي السامري] بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول) (سورة طه آية 96).
وكما ورد في القرآن الكريم التعبير برسول الله وإرادة المعنى اللغوي الذي يطلق على الملائكة كذلك ورد بنفس المعنى في الروايات.
1 ـ فعن الرضا عن آبائه عن علي عليه السلام قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم… الملائكة هم رسل الله»)[1067](.
2 ـ وعن أبي جعفر عليه السلام: وإن الملائكة من رسل الله ليستأذنون عليه»)[1068](.
3 ـ وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام عن أمير المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا علي إني والله ما أحدّثك إلا ما سمعته أذناي، ووعاه قلبي، ونظره بصري، إن لم يكن من الله فمن رسوله يعني جبرئيل عليه السلام فإياك يا علي أن تضيع سري»)[1069](.
وعن محمد بن سنان عن الرضا عليه السلام في قصة حدثت في زمن بني إسرائيل وفيه: «… إذا منادٍ ينادي من جوف الغمامة أيتها النار خذيهم وأنا جبرئيل رسول الله»)[1070](.
والنتيجة أنه من خلال ما مر يُستقرب كون المراد من رسول الله في روايات المصحف جبرئيل عليه السلام وبه يرتفع التنافي بينها.
تساؤل حول نسبة المصحف إلى الزهراء عليها السلام
بعد معرفة كاتب هذا المصحف وممليه قد يتساءل البعض بأنه إذا لم تكن السيدة الزهراء عليها السلام هي التي كتبته وليست هي التي أملته فلماذا سُمّي باسمها ونسب إليها؟
والجواب يعلم مما سبق فإن سر نسبة المصحف إلى السيدة فاطمة عليها السلام هو أن الإلهام إلى الأنبياء كان لها والخطاب موجه إليها، وهذا ما له نظائر في تسميات الكتب فقد نسبت الإلهام جملة من الكتب الموحاة إليهم والمملاة عليهم كتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود، وقد وردت نصوص عن المعصومين عليهم السلام حاملة هذه التسميات كرواية الحسين بن أبي العلاء عن الإمام الصادق عليه السلام: «إن عندي الجفر الأبيض» فسأله الراوي عن محتواه فأجابه «زبور داود وتوراة موسى وإنجيل عيسى… الخ»)[1071]( هذا فضلاً عن نسبة القرآن الكريم إلى النبيين إبراهيم وموسى عليهما السلام وما أوحاه إليهما بقوله تعالى: (صحف إبراهيم وموسى) )[1072](.
محتوى مصحف فاطمة عليها السلام
بيّنت الروايات محتوى مصحف فاطمة عليها السلام بنحوين، فمن جهة نفت احتواءه بعض المعارف، ومن جهة ثانية أثبتت احتواءه معارف أخرى، لذا فإننا نعرض محتوى المصحف ضمن عنوانين: المحتوى المنفي والمحتوى المثبت.
المحتوى المنفي
نفت روايات أهل البيت عليهم السلام اشتمال مصحف فاطمة عليها السلام على أمرين هما:
الأول: القرآن
فقد اقترن اسم مصحف فاطمة في أغلب الروايات مع نفي كونه قرآناً أو احتوائه على آيات قرآنية، ومن الملفت أن نفي القرآنية عن مصحف فاطمة ورد بتعابير مختلفة، وما ذلك إلا لدفع ما قد يتوهم من لفظ مصحف بأنه قرآن كما مرّ ذلك.
ونعرض هنا جملة من تلك التعابير المختلفة في نفي القرآنية عنه.
1 ـ ما هو قرآن:
فعن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله: «… وخلفت فاطمة مصحفا ًما هو قرآن»)[1073](.
2 ـ ما أزعم أنه قرآن:
فعن عنبسة بن مصعب بن أبي عبدالله عليه السلام: «ومصحف فاطمة أما والله ما أزعم أنه قرآن»)[1074](.
3 ـ ما هو بالقرآن:
فعن محمد بن عبد الملك عن أبيه عبدالله: «وعندنا مصحف فاطمة، أما والله ما هو بالقرآن»)[1075](.
4 ـ ما أزعم فيه قرآناً:
فعن الحسين بن أبي العلاء قال سمعت أبا عبدالله يقول… «ومصحف فاطمة ما أزعم فيه قرآناً»)[1076](.
5 ـ ليس فيه شيء من القرآن:
فعن علي بن أبي حمزة عن عبد صالح عليه السلام: قال «عندي مصحف فاطمة ليس فيه شيء من القرآن»)[1077](.
6 ـ ما فيه شيء من كتاب الله:
فعن أبي حمزة عن أبي عبدالله، قال: «مصحف فاطمة ما فيه شيء من كتاب الله»)[1078](.
7 ـ ما فيه آية من كتاب الله:
فعن علي بن سعيد عن أبي عبدالله عليه السلام: «… وعندنا والله مصحف فاطمة ما فيه آية من كتاب الله»)[1079](.
8 ـ ما فيه حرف من القرآن:
فعن علي بن الحسين عن أبي عبدالله عليه السلام: «… وعندنا مصحف فاطمة أما والله ما فيه حرف من القرآن»)[1080](.
9 ـ ما فيه من قرآنكم حرف واحد:
فعن أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام: «وإن عندنا لمصحف فاطمة… (إلى أن قال) والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد»)[1081](.
ومع هذا الزخم من الروايات النافية عن مصحف فاطمة القرآنية بأدنى صورها لا يعبأ بالرواية التي أوردها صاحب البحار عن كتاب مخطوط يسمى بكنز جوامع الفوائد وقد وقع في سندها محمد بن سليمان الديلمي الذي ضعفه الشيخ الطوسي رحمه الله والشيخ النجاشي رحمه الله والشيخ ابن الغضائري)[1082]( بل قال النجاشي في رجاله: «ضعيف جداً لا يعوّل عليه في شيء»)[1083](، وقال عنه ابن الغضائري: «ضعيف في حديثه مرتفع في مذهبه لا يلتفت إليه»)[1084](، فقد روى هذا الرجل المطعون في مذهبه وحديثه عن أبي بصير عن أبي عبدالله أنه تلا هذه الآية: (سأل سائل بعذاب واقع* للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع) ثم قال: هكذا هي في مصحف فاطمة»)[1085](. فهذه الرواية مرفوضة سنداً ودلالة، أما السند، فلضعفه كما مرّ. أما الدلالة فلأنها تخالف تلك الروايات الكثيرة النافية عن مصحف فاطمة اشتماله على أي آية من القرآن بل حتى على حرف واحد منه كما مرّ.
وليس سبب رفض الرواية هو أنها تدل على تحريف القرآن بل لا دلالة لها على ذلك لأن اللفظ الزائد ـ بولاية علي ـ يحمل على التفسير وبيان مورد النزول كما حملت روايات كثيرة وردت في كتب أهل السنّة وهي تزيد على آيات القرآن ألفاظاً، فإنها قد حملت على التفسير أو بيان مورد النزول، وسيأتي تفصيل الكلام في ذلك في فصل لاحق إن شاء الله تعالى.
والنتيجة أنه مما لا شك فيه كون مصحف فاطمة ليس قرآناً، بل لا يشتمل على أي آية منه. وهذا ما اعترف به الكاتب محمد أبو زهرة في كتابه الإمام الصادق بعدما عرض رواية من الروايات الواردة في مصحف فاطمة عليها السلام إذ يقول فيه: «وروى الكليني أيضاً عن الصادق أنه قال… مكثت فاطمة بعد النبي خمسة وسبعين يوماً صبّت عليها مصائب من الحزن لا يعلمها إلا الله فأرسل الله إليها جبرئيل يسليها ويعزيها ويحدثها عن أبيها وعما يحدث لذريتها وكان علي يستمع ويكتب ما سمع حتى جاء به مصحف قدر القرآن ثلاث مرات ليس فيه شيء من حلال وحرام ولكن فيه علم ما يكون. وظاهر هذا النص أنه ليس من القرآن ما قيل لفاطمة على لسان جبرئيل…» )[1086](.
لماذا الإصرار على التسمية؟
وهنا يتساءل البعض قائلاً، إن نفي القرآنية في أغلب الروايات التي تتحدث عن هذا المصحف ما كان إلا نتيجة دفع التوهم الذي قد يطرأ على أذهان السامعين بأنه قرآن، وهذا يعني أن المنصرف من لفظ مصحف في عهد الصادقين عليهم السلام ومن بعدهما هو القرآن المكتوب، وعليه فلماذا أصرّ الأئمة عليهم السلام على تسميته بمصحف فاطمة ولم يطلقوا عليه اسم كتاب فاطمة وحينئذٍ لا يتوهم أنه قرآن فلا يحتاج لنفي القرآنية عنه؟ وفي مقام الجواب قد يُقال:
1 ـ إنه ليس من المعلوم أن انصراف معنى القرآن من لفظ المصحف كان في زمن تسمية كتاب فاطمة بـ مصحف، إذ يبدو من بعض الروايات أن إطلاق لفظ المصحف على كتاب فاطمة ورد على لسان الإمام علي عليه السلام ففي رواية أن أمير المؤمنين قال: «… ولقد أعطيت زوجتي مصحفاً فيه من العلم ما لم يسبقها إليه أحد…» )[1087]( وليس من المعلوم أنه في زمن قول أمير المؤمنين هذا كان الانصراف حاصلاً، وعليه تكون التسمية حصلت قبل وجود الانصراف، ثم استمرت بعد ذلك.
2 ـ وعلى فرض التنزّل عما تقدم، والقول بأن التسمية متأخرة قد حدثت في زمن الانصراف يحتمل أن تكون تسميته بالمصحف لغرض التنبيه ولفت النظر إلى التشابه بينه وبين المصحف القرآني لكن لا من ناحية المضمون كما تقدم، بل لكون كل منهما أنزل مضمونه بواسطة الملك جبرئيل.
المنفي الثاني: الأحكام الشرعية
وليس مصحف فاطمة خالياً عن القرآن فقط بل ورد أنه خالٍ عن أحكام الحلال والحرام وهذا ما يؤكد أيضاً أنه ليس قرآناً)[1088]( لأن القرآن مشتمل على المئات من الأحكام الشرعية.
والنافي عن هذا المصحف اشتماله على الأحكام الشرعية هو رواية حمّاد بن عثمان عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة وذلك إني نظرت في مصحف فاطمة… (إلى أن قال) أما أنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون»)[1089](.
اشتباه في محتوى المصحف
ورغم وضوح هذه الرواية في نفي اشتمال المصحف على الأحكام الشرعية فقد ذكر البعض أن مصحف فاطمة يحتوي عليها. ومن هؤلاء الباحثين السيد هاشم معروف الحسني الذي قال «وأما المرويات لمصحف فاطمة فقد نصت على أنه كتاب فيه الحلال والحرام»)[1090]( وذكر أيضاً وهو يبيّن منشأ قوله هذا «وأما مصحف فاطمة فقد جمعت فيه أكثر الأحكام وأصول ما يحتاج إليه الناس كما وصلت إليها من أبيها وابن عمّها أمير المؤمنين عليه السلام… ويدل على ذلك قول الإمام الصادق عليه السلام كما جاء في رواية الحسين بن أبي العلاء: ما أزعم أن فيه قرآناً وفيه ما يحتاج إليه الناس ولا نحتاج إلى أحد حتى أن فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش»)[1091](.
وفي كلام السيد رحمه الله اشتباه بينّاه في كتابنا «حقيقة الجفر عند الشيعة»)[1092]( ويكمن في عدم التدقيق في فهم الرواية السابقة التي كانت في مقام بيان محتوى الجفر الأبيض، فالإمام عليه السلام قال في بداية الرواية: «إن عندي الجفر الأبيض» فسأله الراوي عن محتواه فأجابه عليه السلام بقوله:
«زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد حتى في الجلدة، ونصف الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش»)[1093](.
فإن السيد رحمه الله قد ظن أن الهاء في «وفيه ما يحتاج الناس إلينا» تعود إلى مصحف فاطمة، وهذا توهم منه قدس سره لأن الهاء تجرع إلى الجفر الأبيض فهو الذي يحتوي على ما يحتاج الناس إليهم عليهم السلام دون مصحف فاطمة.
ولا نقول هذا بناء على أنه هو مقتضى الجمع بين هذه الرواية ورواية حمّاد السابقة التي تنفي احتواء المصحف على الحلال والحرام بل إضافة إلى هذا لدينا شاهد قوي على أن الهاء ترجع إلى الجفر الأبيض وهو رواية أخرى تحدد بشكل واضح كون الأحكام الشرعية هي محتوى للجفر لا لمصحف فاطمة عليها السلام فقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام، وهو يتحدث عن علامات الإمام قوله: «… ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر [و] أهاب معاز وأهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة»)[1094]( فهذه الرواية تعبر عن الأحكام الفقهية بتعبير مشابه جداً للتعبير في رواية الحسين بن أبي العلاء السابقة وتلحقها بشكل جلي بالجفر لا بالمصحف.
مصحف فاطمة وحكم الزكاة
استظهر العلامة السيد محسن الأمين في أعيانه)[1095]( أن مصحف فاطمة هو كتاب فقهي وقد استند الإمام الصادق إلى هذا الكتاب عندما أجاب عن حكم شرعي يتعلق بالزكاة وقد عجز فقهاء المدينة عن الإجابة عليه، وعندما سأله عبدالله بن الحسن عن مدرك حكمه قائلاً: من أين أخذت هذا؟ أجابه الإمام عليه السلام: «قرأت في كتاب أمك فاطمة»)[1096](. إذن كتاب فاطمة هذا يحتوي على حكم شرعي، والسيد الأمين يستظهر أن هذا الكتاب هو نفس مصحف فاطمة، مما يعني أن مصحف فاطمة يحتوي على حكم شرعي وهذا يتنافى مع الرواية السابقة التي تنفي احتواءه على أي شيء من الحلال والحرام.
ويبدو أن السيد الأمين ملتفت إلى هذا التنافي، وأن مقصوده هنا تبعاً لما تبناه سابقاً أن هناك مصحفين كل منهما سمي بمصحف فاطمة، وعليه فحكم الزكاة هذا موجود في أحد المصحفين وهو الذي من إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينما المصحف الآخر والذي هو من إملاء جبرئيل خال من أحكام الحلال والحرام فلا تنافي في البين.
ولكن من الواضح أننا غير مضطرين إلى هذا النوع من الجمع؛ إذ لا تنافي بين رواية الزكاة هذه والرواية النافية عن مصحف فاطمة الأحكام الشرعية، إذ لم يسمّ الكتاب الوارد في رواية الزكاة بمصحف فاطمة، كي نبحث عن وجه للجمع، فما المانع من وجود كتاب آخر لها عليها السلام غير ذلك المصحف لم يسمّ بمصحف فاطمة.
وعلى كل حال فإذا أردنا أن نوحد بين كتاب الزكاة هذا ومصحف فاطمة فإن هناك طريقاً آخر أفاده السيد عبدالله شبّر في كتابه القيّم مصابيح الأنوار)[1097]( هو أن يقال إن الرواية النافية عن مصحف فاطمة أحكام الحلال والحرام تريد نفيها أصالة، وهذا لا ينافي أن يستنبط من بعض أخباره بعض الأحكام؛ إذ ما من خبر إلا ويستفاد منه حكم غالباً، ولكن هذه المحاولة من السيد شبّر رحمه الله لا تخلو من تكلّف واضح.
والحاصل أنه لا يوجد دليل واضح على اشتمال مصحف فاطمة على الأحكام الشرعية أصالة ليقف أمام الرواية النافية احتواءه عليها.
المحتوى المثبت
لم تذكر الروايات كل المحتوى التفصيلي لمصحف فاطمة عليها السلام بالنص، لكنها أشارت إلى عناوين محتواه إضافة إلى بعض التفصيلات التي ذكرت فيه.
وقد تفرّقت هذه المحتويات في روايات عديدة ولم تجمع في رواية واحدة سوى تلك الرواية التي تفرّد بنقلها ابن رستم الطبري في دلائل الإمامة وقد أشرنا إليها سابقاً، ونظراً لضعف سند هذه الرواية بوقوع من وصف بالضعف الشديد واتّهم باختلاق الأحاديث في سندها كما مرّ، إضافة إلى معارضة بعض مضمونها لأخبار المصحف الصحيحة كما ذكرنا سابقاً فإننا لن نعتمد على هذه الرواية عند الحديث عن محتويات المصحف بل سنقتصر على إيرادها بعد ذكر المحتويات، وعليه نقول:
ذكرت الروايات احتواء المصحف على العناوين التالية:
1 ـ مقام النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
فقد ورد في صحيحة أبي عبيدة عن الصادق عليه السلام: «أن فاطمة مكثت بعد رسول الله خمسة وسبعين يوماً وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه… وكان عليّ يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة»)[1098](.
2 ـ مستقبل ذرية الزهراء عليها السلام:
فقد ورد في نفس الصحيحة السابقة بعد قوله «ومكانه»: «… ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها».
3 ـ علم الحوادث:
فقد ورد عن الصادق عليه السلام قوله: «وأما مصحف فاطمة ففيه ما يكون من حادث»)[1099](، وفي رواية حماد بن عثمان عن الإمام الصادق عليه السلام وهو يتحدث عن محتوى المصحف: «… أما أنه ليس فيه الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون»)[1100](.
وقد استند الأئمة عليهم السلام إلى علم الحوادث هذا في بعض إخباراتهم التي أسندوها إلى مصحف فاطمة عليها السلام من قبيل قول الصادق عليه السلام في رواية حمّاد السابقة: «تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة؛ وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة…».
4 ـ أسماء الأنبياء والأوصياء:
فقد ورد عن الإمام عليه السلام أنه قال: «ما من نبي ولا وصي… إلا وهو في كتاب عندي ـ يعني مصحف فاطمة…» )[1101](.
5 ـ أسماء الملوك وآبائهم:
ففي الرواية السابقة عن الصادق عليه السلام: «وأما مصحف فاطمة، ففيه ما يكون من حادث، وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة»)[1102](.
وفي رواية فضيل بن سكرة ورد نفس المضمون لكن بعنوان كتاب فاطمة ففيها أنه قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقال عليه السلام: «يا فضيل أتدري في أي شيء كنت أنظر قبيل، قال: قلت: لا. قال عليه السلام: كنت أنظر في كتاب فاطمة: ليس من ملك يملك [الأرض] إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئاً»)[1103](.
6 ـ وصية فاطمة عليها السلام:
فقد ورد عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «وليخرجوا مصحف فاطمة؛ فإن فيه وصيّة فاطمة»)[1104](.
والظاهر أن وصية فاطمة هي التي ذكرناها في الفصل الثاني تحت عنوان كتاب الوصية، وقد مرّ هناك أنها تحتوي على وصية كانت تتعلق بالبساتين السبعة التي كانت وقفاً على الزهراء عليها السلام، ووصية سياسية تتعلق بموقف الزهراء تجاه من ظلمها، فقد أوصت أن لا يحضر جنازتها أولئك الظالمون، ليكون ذلك علامة على ظلمهم لها وغضبها عليهم اللذين يستوجبان باتفاق المسلمين غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأذيته، وبالتالي غضب الله سبحانه وتعالى. وفي ذلك روايات كثيرة ملأت كتب السنّة والشيعة، ومنها ما رواه البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني»)[1105]( وما رواه مسلم في صحيحه والترمذي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو على المنبر: «فإنما إبنتي بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها»)[1106](.
حجم مصحف فاطمة
ورد في رواية أبي بصير، عن الصادق عليه السلام أنه قال: «… وإن عندنا مصحف فاطمة عليه السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة، قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد…» )[1107](.
فهذه الرواية تحدد حجم المصحف بأنه على قدر ثلاث مرات من حجم القرآن الكريم، وهي بظاهرها تدلّ على أن هذا هو قدر حجمه المادي، وإن كان من المحتمل من دون أن نملك قرينة على هذا الاحتمال أن الإمام عليه السلام لا يقصد من ذلك تحديد الحجم المادي لمصحف فاطمة عليها السلام بل يقصد من هذا التعبير الكناية عن سعة العلوم التي يحتويها هذا المصحف، وعليه فلا يراد من ثلاثة الرقم العددي بل الكناية عن الكثرة والسعة، وهذا له أمثلة كثيرة مشابهة في لغة العرب، فيعبّرون عن رقم دون أن يكون له خصوصية، إذ يراد منه الكثرة كما في قوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) فليس المراد من الآية معنى يعطي لرقم سبعين خصوصية ليكون الاستغفار بما زاد عن سبعين قد يوجب الغفران الإلهي بل المراد منها الكناية عن الكثرة.
وبعد ما تبيّنت هوية هذا الكتاب نتعرّض لبعض الاثارات الواردة عليه.
مصحف فاطمة عليها السلام وشبهة حديث الملك
استنكر البعض حديث الملك مع السيدة الزهراء عليها السلام في قصة مصحفها، وكذا ما ورد في الروايات بأن الأئمة محدَّثون، وسر الاستنكار هو توهم الملازمة بين حديث الملك والنبوة، بمعنى أن الذي يحدثه الملك لا بد أن يكون نبياً فغير الأنبياء لا يمكن كونهم محدّثين.
ومن هنا حمل الكاتب الحاقد عبدالله العصيمي في كتابه: «الصراع بين الإسلام والوثنية» حملة شعواء على الشيعة الإمامية، مدعياً أنهم يعتقدون بنبوة فاطمة عليها السلام والأئمة عليهم السلام. يقول في كتابه «… ففاطمة وعلي بن أبي طالب وأولادهما أنبياء رسل لدى هذه الفرقة بلا ريب ولا شك»)[1108](.
وليت شعري هل قرأ هذا الكاتب كتاب الله تعالى قبل كتابة سطور الجهل تلك أم لا؟! فإن قراءة عابرة لآيات القرآن الكريم توضّح أنه لا ربط بين حديث الملك والنبوة، فقد زخر القرآن الكريم بالآيات الحاكية عن حديث الملائكة مع أناسٍ ليسوا بأنبياء قطعاً.
المحدَّثات في القرآن الكريم
وإليك بعض الآيات الحاكية عن نساءٍ لسن بنبيّات قد حدثتهن الملائكة.
* مريم عليها السلام محدَّثة
فقد ورد عن حديث الملائكة مع مريم عليها السلام:
1 ـ قوله تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين))[1109](.
2 ـ وقوله تعالى: (إذا قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين))[1110](.
بل نصّ القرآن الكريم على حوار دار بين مريم وأحد الملائكة، قال تعالى:
(فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا* قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا* قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا* قالت أنّىَ يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا* قال كذلك قال ربك هو عليَّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيا) )[1111](.
* سارة محدّثة
وحدّثنا كتاب الله عن حوار دار بين سارة زوجة نبي الله إبراهيم عليه السلام والملائكة المرسلين في قوله تعالى: (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ* فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط* وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب* قالت يا ويلتي ألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب* قالوا أتعجبين من أمر الله رحمتُ الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) )[1112](.
* أم موسى يوحى إليها
وهكذا يحدثنا القرآن عن وحي الله لأم موسى الذي يستقرب كونه بتوسط الملائكة، وإن كان يحتمل كونه بمعنى الإلهام والإرشاد.
قال تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) )[1113](.
محمد بن أبي بكر يستدل بالآيات السابقة
ومن اللطيف أن نفس استنكار الكاتب قد طرحه أحدهم على محمد بن أبي بكر، بصيغة استفهام.
فقد ورد أن أحدهم سمع محمد بن أبي بكر يقرأ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدّث)[1114]( فقال له: وهل تحدث الملائكة إلا الأنبياء؟ فأجابه محمد: مريم، ولم تكن نبيّة وكانت محدّثة، وأم موسى، ولم تكن نبية وكانت محدّثة، وسارة، وقد عاينت الملائكة فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ولم تكن نبية، وفاطمة كانت محدّثة ولم تكن نبيّة»)[1115](.
وليت شعري ماذا يقول العصيمي في هؤلاء النسوة المحدّثات بعد قراءة تلك الآيات، أيتراجع عن افترائه المزعوم، أم يقول إنهنّ نبيّات لأن «النبي إنسان أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ» وقد أخطأ جمهور المسلمين في عدم عدّ مريم وسارة وأم موسى من جملة أنبياء الله تعالى «كما حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنّة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال، وليس في النساء نبية»)[1116](.
المحدَّثون عند أهل السنّة
ومن العجيب استنكار البعض لحديث الملك مع السيدة فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي من أهل الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وهي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما روى البخاري في صحيحه: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة»)[1117]( وقال صلى الله عليه وآله وسلم لها: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين»)[1118](.
وفي رواية مسلم في صحيحه: «يا فاطمة! أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة»)[1119](.
فإذا كانت السيدة مريم عليها السلام محدّثة وهي من نساء أهل الجنة أليس من الغريب أن نستنكر كون سيدتها فاطمة عليها السلام محدَّثة، هذا مع وجود العديد من الشخصيات الإسلامية التي مهما رقت لا تصل إلى تراب موطئها الشريف قد نعتت بوصف المحدَّث وما شابهه في أهم كتب المسلمين من أهل السنّة، وإليك بعض ما ورد في ذلك:
1 ـ عُمَر محدّث:
فقد ذكر البخاري في صحيحه ـ وغيره ـ حديثاً رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعُمَر»)[1120]( وقد روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه وغيرها هذا الحديث بصيغة أخرى عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: «قد كان يكون في الأمم قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم»)[1121](.
قال القسطلاني في إرشاد الساري: «وليس قوله «فإن يكن» للترديد بل للتأكيد كقولك إن يكن لي صديق ففلان، إذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء. وإذا ثبت أن هذا وجد في غير هذه الأمة المفضولة فوجوده في هذه الأمة الفاضلة أحرى»)[1122](.
وقد حاول البعض تأويل معنى المكلّم والمحدّث بأنه الملهم أو الذي يُلقي في روعة الشيء قبل الإعلام به فيكون كالذين حدثه به غير أو الذي يجري الصواب على لسانه من غير قصد)[1123](، ولكن من الواضح للعارف باستعمالات العرب أن هذه المعاني خلاف ما يظهر من اللفظ، لذا فقد فسّر صاحب إرشاد الساري «يكلّمون» بأنهم من «تكلمهم الملائكة»)[1124]( ثم احتمل بعد ذلك معنى آخر.
وقد ذكر القرطبي في تفسيره أن المحدّث هو الذي يوحى إليه في نومه»)[1125](.
2 ـ أبو بكر يسمع صوت جبرئيل:
ولئن حاول البعض تأويل معنى المحدّث في الرواية السابقة؛ فإن التأويل لا مجال لمحاولته في رواية نقلها السجستاني (ت 316هـ) في كتابه المصاحف تنص على أن أبا بكر كان يسمع مناجاة جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال في كتابه «حدثنا عبدالله قال حدّثنا محمد بن منصور الطوسي حدّثني شبابة بن سوا قال حدثنا بسام قال كنت عند أبي جعفر وعنده حمزة المرادي، فقال حمزة تكلموا، فإن بيننا وبينه ستراً، فلما خرج قلنا لأبي جعفر: إنه قال كذا وكذا! فقال ما له فعل الله به وفعل ما كان هذا لأحد إلا للنبي، فإن أبا بكر كان يسمع مناجاة جبريل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يراه»)[1126](.
3 ـ عمران بن الحصين محدّث:
ولم تقتصر كتب أهل السنّة في حديثها عن المحدّثين وسامعي الملائكة على الشيخين، بل تعدّت لتروي لنا قصة محدّث آخر وَصَفَه ابن عبد البر في كتابه «طرح التثريب» بأنه من فضلاء الصحابة وفقهائهم كان قد سكن البصرة ومات بها سنة 52هـ)[1127]( يدعى عمران بن الحصين.
فقد روى علماء السنّة في كتبهم أن عمران كانت الملائكة تسلّم عليه وتصافحه حتى اكتوى أي استعمل الكيّ بالنار وهو العلاج المعروف لكثير من الأمراض)[1128](، فعندها انقطع تسليم الملائكة عليه وتنحّت عنه، ولكنّ مقاطعة الملائكة هذه لم تدم، فقد رجعت من جديد تسلّم عليه، فقد ورد عن كتبهم رواية عن الخليل عن عمر العبدي البصري قال: حدثني أبي قال حدّثنا قتادة أن الملائكة كانت تصافح عمران بن الحصين حتى اكتوى فتنحّت»)[1129]( وفي رواية أخرى ذكروها تحكي عن حوار دار بين عمران نفسه والمُدعى «مصرّف» يقول فيها الأخير: قال لي عمران بن حصين: أشعرت أنه كان يسلّم عليّ فلما اكتويت انقطع التسليم، فقلت: أمن قبل رأسك كان يأتيك التسليم أو من قبل رجليك؟ قال: لا بل من قبل رأسي. فقلت: لا أرى أن تموت حتى يعود ذلك، فلما كان بعد ذلك قال لي: أشعرت أن التسليم عاد لي»)[1130](.
وفي رواية ثالثة أن عمران طلب من «مصرّف» أن يكتم هذا الحديث طالما هو على قيد الحياة، فعن «مصرّف» قال: أرسل إليّ عمران بن حصين في مرضه أنه كانت تسلّم عليّ يعني الملائكة فإن عشت فاكتم عليّ، وإن متّ فحدّث به إن شئت»)[1131](.
وقد زاد البعض في قصة عمران فادعى أنه كان يرى الملائكة إضافة إلى سماع سلامها فقد روى صاحب الإصابة قائلاً: «يقول أهل البصرة إنه كان يرى الحفظة وكانت الملائكة تكلمه حتى اكتوى»)[1132](.
4 ـ أبو المعالي الصالح محدّث:
وتتابع كتب أهل السنة في ذكر المحدّثين المسلمين فتذكر رجلاً آخر يدعى «أبو المعالي» وقد روى عنه أبو الحسن بن مالان ـ وهو ثقة بنظر صاحب «صفة الصفوة» ـ قائلاً: حدثني أبو المعالي الصالح، قال: ضاق بي الأمر في رمضان حتى أكلت فيه ربعين باقلي، فعزمت على المضي إلى رجلٍ من ذوي قرابتي، أطلب منه شيئاً، فنزل طائر فجلس على منكبي وقال: يا أبا المعالي أنا الملك الفلاني، لا تمضي إليه نحن نأتيك به، فبكّر الرجل إلي)[1133](.
5 ـ زكريا الناقد يسمع صوت حوراء:
وتنقل كتبهم هذه المرة حديث زكريا بن يحيى الناقد المتوفى سنة 285 هجرية وهو يحدّث عن سماعه صوت حوراء من الحور العين قائلاً: اشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة. سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول: وفيت بعهدك، فها أنا التي قد اشتريتني»)[1134](. وهؤلاء المنعوتون بصفة المحدّث وشبهها في كتب أهل السنة، لم نوردهم هنا لإثبات ذلك لهم وإنما ذكرناهم للتنبيه على جملة أمور منها:
1 ـ إننا لم نجد أحداً من أصحاب الكتب الذاكرة لهم ذلك قد اعترض على ما نقله بأن صفة المحدث (من الملك) تلازم النبوة وهذا مما يشهد أن هذه الملازمة غير صحيحة في اعتقاد المسلمين.
2 ـ أن وجود هذه المطالب في كتب العامة مما يدفع استنكارهم على حديث الملك مع أولياء الله تعالى.
3 ـ إن الباحث الموضوعي لا يطرح موضوعه بخلفية مسبقة، فيضع أناساً في أسفل سافلين لسبب هو بنفسه موجود عند أناس آخرين قد جعلهم في أعلى عليين، فإن من يفعل ذلك ـ كالعصيمي ـ لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد اطلع على هذا السبب عند كلا الفئتين فيكون فعله ينمّ عن عصبية أعمته وحقد أرداه. وإما أن يكون غير مطلع على وجود السبب عند الفئة الثانية، فيكون فعله دلالة على جهله وعماء بصيرته.
نزول جبرئيل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
قد يقول قائل: إذا سلّمنا بأن حديث الملائكة مع السيدة الزهراء عليها السلام لا مانع منه، ولكن المشكلة تبقى في نزول نفس الملك جبرائيل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأرض، فقد ورد أنه بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم ودع جبريل الأرض قائلاً هذا آخر وطئي بالأرض»)[1135]( فكيف ينسجم هذا مع القول بأن مصحف فاطمة عليها السلام قد أملاه جبرئيل على السيدة فاطمة عليها السلام بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله؟!!
وهنا قد يتفاجأ القائل من المجيب والجواب معاً، فالمجيب هو أحد أقطاب علماء أهل السنّة وهو الحافظ السيوطي، وجوابه أن هذا الحديث ضعيف جداً سواء بصيغته هذه الواردة في السؤال أم بصيغته الأخرى وهي «هذا آخر عهدي بالأرض بعدك، وأن أهبط إلى الأرض لأحدٍ بعدك»)[1136]( والسبب في ضعفه البالغ بنظر السيوطي ليس الأساس فيه هو سنده ورجاله الرواة؛ بل لأنه يخالف ما يقطع به المسلمون وما رووه في كتبهم وهو أمران:
الأول: أنه من غير المسلّم أن نزول جبرئيل وقت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو آخر نزول له على الأرض، فإن لجبرئيل نزولاً سنوياً إليها فقد ورد «أنه ينزل ليلة القدر مع الملائكة يصلون على كلّ قائم وقاعد يذكر الله».
الثاني: إن وحي جبرئيل لم ينقطع بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم عام الانقطاع، بل لجبريل وظيفة وحي أخرى وهذا ما نفهمه من خلال حديث «يوحي الله إلى عيسى أي بعد قتله الدجال، وهو ـ أي الحديث كما قال السيوطي ـ «صريح في أنه يوحي إليه بعد النزول، والظاهر أن الجائي إليه عليه السلام بالوحي جبريل عليه السلام، بل هو الذي يُقطع به ولا يردَّد فيه؛ لأن ذلك وظيفته؛ لأنه السفير بين الله ورسله عليهم الصلاة والسلام»)[1137]( انتهى كلام الحافظ السيوطي.
والكلام المتقدم للحافظ لا يتعارض مع اعتقاد المسلمين الشيعة والسنّة بانقطاع الوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن إجماعهم منصب على امتناع أن يبعث الله نبياً بعد نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو يوحي برسالة إلى رسول يبعث بعد رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أما نزول جبرئيل وحديثه مع ولي من أولياء الله فهذا ليس ممتنعأً في عقيدة المسلمين وكذا نزوله ليوحي إلى نبي سابق على خاتم الأنبياء كعيسى بن مريم عليه السلام. وهذا هو معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة «أرسله على حين فترة من الرسل وتنازع من الألسن فقفى به الرسل، وختم به الوحي»)[1138]( ومعنى قوله عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو يغسله ويجهزه: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء»)[1139](.
وهذا ما ندين لله تعالى به ونعتقد بكفر من لا يدين به. يقول الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأصولها: «ويعتقد الإمامية أن كل من اعتقد أو ادعى نبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله، أو نزول وحي أو كتاب فهو كافر يجب قتله»)[1140](.
ومن الواضح أن صاحب أصل الشيعة وأصولها لا يريد في كلامه هذا تكفير الحافظ السيوطي وأهل السنّة لأنهم يقولون بنزول الوحي على عيسى المسيح، ولا تكفير الشيعة وهو منهم ـ لأنهم يقولون بحديث جبريل مع السيدة الزهراء عليها السلام بعد وفاة أبيها ـ كما فهم ذلك بعض الجهلة ممن قد سبق ذكره، بل يريد أن الكافر هو من يعتقد أو يدّعي نبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو نزول وحي نبوة على أحد هو ليس بنبي سابق على نبينا كعيسى بن مريم عليه السلام.
ونختم هذا الفصل بكلام للعلامة السيد محسن الأمين ذكره في كتابه أعيان الشيعة يرد فيه على من يستبعد أو يستنكر حديث جبرئيل مع السيدة الزهراء عليها السلام قائلاً: «لا استبعاد ولا استنكار في أن يحدث جبرئيل الزهراء عليها السلام ويسمع ذلك علي عليه السلام ويكتبه في كتاب يطلق عليه مصحف فاطمة بعدما روى ذلك عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ثقات أصحابهم، وكأني بمن يستنكر ذلك أو يستبعده أو يعده غلواً وهذا، خارج عن الإنصاف، فهل يشك في قدرته تعالى، أو في أن البضعة الزهراء أهل لمثل هذه الكرامة، أو في صحة ذلك بعد ما رواه الثقات عن أئمة الهدى من ذريتها، وقد وقع الكرامة العظيمة لآصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام، وهو ليس بأكرم على الله من آل محمد ولا سليمان أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ما أخبر عنه القرآن الكريم وأخبر الكتاب العزيز عن أم موسى بقوله وأوحينا إلى ام موسى أن أرضعيه الآية، وقال ابن خلدون أنه روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن فيكم محدثين، وروى صاحب إرشاد الساري عن بعض الصحابة: كنت أحدث حتى اكتويت وأنه رأى بعض الصالحين الخضر يسدد عمر بن عبد العزيز ولا يراه سائر الناس كما مرت الإشارة إلى ذلك كله وهو من طريق غير الشيعة، وروى صاحب السيرة الحلبية وغيره ما يدل على أن أهل البيت عليهم السلام جاءتهم التعزية من جبرئيل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمعون الصوت ولا يرون الشخص، أفلا يرفع هذا استبعاد صدور الكرامات من بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسيدة نساء العالمين، ومن سائر العترة الطاهرة»)[1141](.
مصحف فاطمة عليها السلام ومناسبة حديث الملك
أفادت الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام أن مناسبة حديث جبرئيل مع السيدة الزهراء عليها السلام بمحتوى مصحف فاطمة كانت الكآبة والحزن الشديد الذي أصابها عليها السلام بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم فقد ورد في الرواية الصحيحة عن الإمام الصادق عليه السلام: «إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان عليّ يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة عليه السلام»)[1142](.
وفي رواية أخرى عن الصادق عليه السلام: «إن الله تعالى لما قبض نبيه دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل فأرسل الله إليها ملكاً يسلّي غمها ويحدثها فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً»)[1143](.
وقد يقف البعض أمام هذه الرواية موقف المتسائل بأنه كيف تشكو الزهراء عليها السلام حديث جبرئيل معها وهي ربيبة بيت الوحي ومهبط الملائكة؟!!
وهل يكون جواب الزهراء على هذا الفضل الإلهي والمنحة الربانية بنزول جبرئيل عليها هو الشكوى لزوجها؟!!
كلا حاشا للزهراء عليها السلام أن يكون هذا هو موقفها بل إنما كانت الشكوى لمنطلق آخر هو أن جبرئيل قد حدثها بالمستقبل الأليم والأحداث الدامية التي سيلاقيها أبناؤها وذريتها فشكت ذلك للإمام عليّ عليه السلام.
وهذا الجواب يُعرف من خلال صحيحة أبي عبيدة عن الصادق عليه السلام: «… وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها… ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها»)[1144](.
الغاية = علامة الإمامة
وكانت تسلية الزهراء عليها السلام مناسبة للفيض الإلهي عليها وعلى زوجها وذريتهما المعصومين بكتابة صفحات هذا المصحف الذي يحتوي علوم الغيب لتكون هذه العلوم علامة وآية على إمامة حاملها، من هنا كان مصحف فاطمة علامة الإمامة، وهذا ما نص عليه الإمام الرضا في حديثه عن علامات الإمام قائلاً: «للإمام علامات:
ـ أن يكون أعلم الناس وأحكم الناس (إلى أن يقول)
ـ ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائه إلى يوم القيامة.
ـ ويكون عنده الجامعة، وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً. فيها ما يحتاج إليه ولد آدم.
ـ ويكون عنده الجفر الأبيض والأصفر [و] أهاب ماعز وأهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش، وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة.
ـ ويكون عنده مصحف فاطمة»)[1145](.
وإذا كان مصحف فاطمة علامة الإمامة، فمن الطبيعي أن يطالب مدّعي الإمامة بإخراج مصحفها عليها السلام، من هنا ورد أن محمد بن عبدالله بن الحسن عندما ادعى الإمامة، طالبه الإمام الصادق عليه السلام بإخراج مصحف فاطمة عليها السلام، ليبين للناس كذب دعواه، فقد ورد عن سليمان بن خالد عن الصادق عليه السلام أنه قال: «إن في الجفر الذي يذكرونه [يعني بني الحسن] لما يسوؤهم؛ لأنهم لا يقولون الحق، والحق فيه، فليخرجوا قضايا عليّ، وفرائضه إن كانوا صادقين، وسلوهم عن الخالات والعمات، وليخرجوا مصحف فاطمة عليها السلام فإن فيه وصية فاطمة عليها السلام، ومعه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله عز وجل يقول: (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) )[1146](.
رجوع الصادق عليه السلام في أخبار الغيب إلى مصحف فاطمة
وقد سجل لنا التاريخ رجوع الإمام الصادق عليه السلام إلى مصحف فاطمة عليها السلام ليستند إليه كآية لإمامته في إخبار غيبي صدر منه أمام انحراف كاد أن يحصل في الأمة الإسلامية. وذلك حينما اجتمع بنو هاشم بالأبواء في زمن إحضار دولة الأمويين ليبايعوا محمد بن عبدالله بن الحسن على أساس أنه هو المهدي الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبايعه القوم على هذا الأساس، وفجأة دخل الإمام الصادق عليه السلام ليبين لهم حكم الله مفيداً ان مبايعته لا تخلو من سببين: إما أنه المهدي وهذا باطل؛ لأن ذلك الوقت لم يكن وقت ظهوره، كيف وهو الحفيد الخامس للإمام الصادق عليها السلام وإما أن المقصود من المبايعة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلماذا محمد بن عبدالله هو المتصدي دون أبيه عبدالله بن الحسن وهو شيخ بني هاشم.
هنا غضب عبدالله بن الحسن واتّهم الإمام بالحسد لابنه.
فكيف كان موقف الإمام الصادق عليه السلام من هذه التهمة؟
وكيف يبيّن لهم فساد موقفهم هذا؟
الحل أن يبيّن لهم المستقبل وما يحدث فيه بواسطة ما وهبه الله من علم الغيب فأخذ يخبرهم بمستقبل الدعوة الحسنية، ومن سيتولى الحكم في المستقبل وإليك نص هذه الحادثة التاريخية كما أوردها الأصفهاني في مقاتل الطالبيين، والمفيد في إرشاده)[1147]( واصفاً لها بأنها مشهورة ولا تختلف العلماء بالآثار في صحتها وهي:
«إن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، وفيهم إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله العباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبدالله بن الحسن بن الحسن، وإبناه محمد وإبراهيم، ومحمد بن عبدالله بن عمر بن عثمان فقال صالح بن علي:
قد علمتم أنكم الذين تمدّ الناس أعينهم إليهم فقد جمعكم الله في هذا الموضع، فأعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إيّاها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين.
فحمد الله عبدالله بن الحسن وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن إبني هذا هو المهدي فهلّموا فلنبايعه وقال أبو جعفر: لأي شيء تخدعون أنفسكم، ووالله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أصور)[1148]( أعناقاً ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى يريد محمد بن عبدالله ـ قالوا: قد ـ والله صدقت إن هذا لهو الذي نعلم، فبايعوا جميعاً محمداً ومسحوا على يده.
قال عيسى: وجاء رسول عبدالله بن الحسن إلى أبي)[1149]( أن إئتنا فإننا مجتمعون لأمر وأرسل بذلك إلى جعفر بن محمد عليه السلام هكذا. قال عيسى وقال غيره: قال لهم عبدالله بن الحسن: لا نريد جعفراً لئلا يفسد عليكم أمركم. قال عيسى: فأرسلني أبي انظر ما اجتمعوا عليه وأرسل جعفر بن محمد عليه السلام محمد ابن عبدالله الأرقط بن علي بن الحسين فجئناهم، فإذا بمحمد بن عبدالله يصلي على طنفسة رجل مثنية. فقلت: أرسلني أبي إليكم لأسألكم لأي شيء اجتمعتم.
فقال عبدالله: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبدالله. قالوا: وجاء جعفر بن محمد، فأوسع له عبدالله بن الحسن إلى جنبه فتكلم بمثل كلامه، فقال جعفر عليه السلام:
«لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأت بعد إن كنت ترى ـ يعني عبدالله ـ أن إبنك هذا هو المهدي فليس به ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضباً لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنّا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع إبنك».
فغضب عبدالله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول. ووالله ما أطلعك الله على غيبه ولكن يحملك على هذا الحسد لإبني.
فقال عليه السلام: والله ما ذاك يحملني ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم. وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثم ضرب بيده على كتف عبدالله بن الحسن وقال: إنها والله ما هي إليك، ولا إلى إبنيك، ولكنها لهم، وإن إبنيك لمقتولان، ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري. فقال: أرأيت صاحب الرداء الأصفر ـ يعني أبا جعفر ـ؟ قال: نعم، قال: فإنا والله نجده يقتله، قال له عبد العزيز: أيقتل محمداً؟
قال عليه السلام: نعم، قال: فقلت في نفسي: حسده ورب الكعبة، قال: ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما قال: فلما قال جعفر ذلك انفضّ القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا: يا أبا عبدالله أتقول هذا؟ قال: نعم أقوله والله أعلمه»)[1150](.
ومن الطبيعي بعد هذه الحادثة أن تتوالى الأسئلة على الإمام الصادق عليه السلام عن مصدر علمه الغيبي هذا. وإليك أجوبة الإمام عن هذا التساؤل: فقد قال عليه السلام لصاحبه الوليد بن صبيح: «يا وليد إني نظرت في مصحف فاطمة فلم أجد لبني فلان [يعني بني الحسن] إلا كغبار النعل»)[1151](.
وقال مرة ثانية للمعلّى: «ما من نبي ولا وصي ولا ملك إلا في كتاب عندي، لا والله ما لمحمد بن عبدالله بن الحسن فيه اسم»)[1152](.
وقال ثالثة لفضيل: «يا فضيل أتدري في أي شيء كنت أنظر فيه قبل… كنت أنظر في كتاب فاطمة، فليس ملك يملك إلا وهو فيه مكتوب إسمه، واسم أبيه، فما وجدت لولد الحسن فيه شيئاً»)[1153](.
وفي إحدى الروايات أن عبد الملك بن أعين قال لأبي عبدالله: إن الزيدية والمعتزلة قد أطافوا بمحمد بن عبدالله فهل له سلطان؟ فقال عليه السلام «والله إن عندي لكتابين [يريد مصحف فطمة وكتاب علي كما سيأتي] فيهما تسمية كل نبي وكل ملك يهلك لا والله ما محمد بن عبدالله في واحد منهما»)[1154](.
وهكذا كان مصحف فاطمة عليها السلام هو الكتاب الذي استند إليه الإمام الصادق عليه السلام في علمه الغيبي بفشل الحركة الحسنية، وقد عقدنا في كتابنا «حقيقة الجفر عند الشيعة» فصلاً عن الحركة الحسنية وموقفها من الكتب التي ورثها الصادق عليه السلام، كما أننا بحثنا فيه عن علامية الكتب للإمامة فراجع.
أين هو مصحف فاطمة؟
بما أن مصحف فاطمة من علامات الإمام ـ كما تقدم ـ فإنه كان ينتقل من كل إمام إلى تاليه في الإمامة، وقد نصت جملة من الروايات على وجوده مع بعض الأئمة بالخصوص.
مصحف فاطمة مع الباقر عليه السلام
فقد ورد عن حماد بن عثمان قال حدثني أبو بصير قال: «سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: ما مات أبو جعفر [يعني الإمام محمد الباقر عليه السلام] حتى قبض مصحف فاطمة»)[1155](.
مصحف فاطمة مع الصادق عليه السلام
وبعد الإمام الباقر عليه السلام انتقل مصحفها عليها السلام إلى إبنه جعفر الصادق عليه السلام كما يحدثنا الحسين بن العلاء: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: قلت: فأي شيء فيه قال عليه السلام: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة ما أزعم أن فيه قرآناً»)[1156](.
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام، «وإن عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض ومصحف فاطمة عندنا»)[1157](.
مصحف فاطمة مع الكاظم عليه السلام
وبعد الصادق عليه السلام انتقل المصحف إلى إبنه موسى الكاظم عليه السلام الملقب بالعبد الصالح في جملة من الروايات، فقد ورد عن علي بن حمزة عن عبد صالح، قال عليه السلام: «عندي مصحف فاطمة ليس فيه شيء من القرآن»)[1158](.
مصحف فاطمة مع الإمام المهدي (عج)
وهكذا انتقل مصحف فاطمة عليها السلام إلى أن وصل إلى الإمام محمد بن الحسن المهدي ـ صلوات الله عليه ـ فكان مصحفها عليها السلام كسائر كتب علي عليه السلام التي ورد أن الإمام الباقر عليه السلام أرى بعضها عبد الملك بن أعين ثم قال: لأي شيء كتبت هذه الكتب؟ قلت: ما أبين الرأي فيها. قال هات، قلت: علم أن قائمكم يقوم يوماً فأحبّ أن يعمل بما فيها، قال: صدقت»)[1159](.
قال صاحب الذريعة: «مصحف فاطمة من ودايع الإمامة عند مولانا وإمامنا صاحب الزمان، كما روي في عدة أحاديث من طرق الأئمة عليهم السلام)[1160](.
والحمد لله رب العالمين.
الشيخ أكرم بركات
مصحف علي عليه السلام
علي والقرآن في بيت الوحي
من المسلّم به عند كافة المسلمين هو تلك العناية الخاصة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوليها لابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام في شتى المجالات، وقد كان هذا الاهتمام بأمر من الله تعالى إعداداً له لاستلام زمام الإمامة بعد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.
روى أبو نعيم الحافظ الشافي (ت: 430هـ) بإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي إن الله ـ عزّ وجلّ ـ أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي وأنزلت هذه الآية (وتعيها أذن واعية) وأنت أُذن واعية للعلم»)[1161](. فأضحى علي عليه السلام ببركة رعاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أعلم الناس بعده بنص منه صلوات الله عليه وآله حيث قال: «أعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب»)[1162](.
وقد خوّلته هذه الأعلمية أن يكون المدخل الطبيعي والباب الحقيقي لمن أراد أن يغترف من علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد روى الكثير من علماء المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»)[1163](.
وكان للقرآن الكريم الأهمية البالغة في تعليم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب عليه السلام حتى قال علي عليه السلام: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي، فكتبتها بخطي وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها…»)[1164]( وفي رواية أخرى عن علي عليه السلام:
«كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجابني وإن فنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار ولا سماء ولا أرض ولا دنيا ولا آخرة ولا جنة ولا نار ولا سهل ولا جبل ولا ضياء ولا ظلمة إلا أقرأنيها وأملاها عليّ وكتبتها بيدي وعلمني تأويلها وتفسيرها ومحكمها ومتشابهها وخاصّها وعامها، وكيف نزلت وأين نزلت، وفيمن نزلت إلى يوم القيامة، دعا الله أن يعطيني فهماً وحفظاً فما نسيت آية من كتاب الله ولا على من نزلت إلا أملاه عليّ»)[1165](.
وكان عليه السلام فيما روى ابن سعد في طبقاته ينادي المسلمين: «سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل»)[1166]( وقد أجمع الصحابة كما ينقل الشهرستاني على أن علم القرآن مختص بعلي عليه السلام وسائر أهل البيت، إذ يقول في مقدمة تفسيره: كان الصحابة متفقين على أن علم القرآن مخصوص لأهل البيت عليهم السلام، إذ كانوا يسألون علي بن أبي طالب عليه السلام: هل خصصتم أهل البيت دوننا بشيء سوى القرآن؟ فاستثناء القرآن بالتخصيص دليل على إجماعهم بأن القرآن وعلمه وتنزيله وتأويله مخصوص بهم)[1167](.
علي يجمع القرآن في مصحف
وعلى ما تقدم وهو نزر يسير من علم علي عليه السلام، فمن الطبيعي أن يكون علي عليه السلام هو من ينتخبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليوكل إليه تلك المهمة الجليلة بجمع القرآن الكريم. فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما كان في مرضه الذي توفي فيه)[1168]( قال لعلي عليه السلام: «يا علي! القرآن خلف فراش في الصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيّعت إليهود التوراة. فانطلق علي عليه السلام فجمعه في ثوب أصفر، ثم ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه، فإنه كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه»)[1169](.
ونقل ابن النديم في فهرسته عن هذا المصحف أنه «أول مصحف جمع فيه القرآن من قلبه»)[1170](.
أما المدة التي استغرقها جمع علي عليه السلام للقرآن ففي بعض الروايات أنها ثلاثة أيام فقط)[1171](. وقد نتعقل هذه المدة القصيرة باعتبار أنها ليست مدة لكتابة القرآن حتى يقال لا يمكن ذلك، بل القرآن كان مكتوباً في صحف وحرير وقراطيس كما مر، فكانت الأيام الثلاثة لجمعه وترتيبه على الوجه الآتي إن شاء الله، هذا.
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن المدة التي استغرقها جمع القرآن هي ستة أشهر)[1172](.
خصائص مصحف علي عليه السلام
يمتاز مصحف علي عليه السلام بجملة من الخصائص تميزه عن القرآن المتداول بين المسلمين وهي التالية)[1173](:
1 ـ الترتيب بحسب النزول
فعن ابن حجر أنه «ورد عن علي أنه جمع القرآن على ترتيب النزول عقيب موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم)[1174](.
وقال ابن جزيّ الكلبي: «وكان القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متفرق في الصحف وفي صدور الرجال، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بيته، فجمعه على ترتيب نزوله»)[1175](.
وعن ابن سيرين أنه قال «فبلغني أنه كتبه على تنزيله»)[1176](.
وقال الكتاني «… فإنه [أي علي عليه السلام] جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم»)[1177]( هذا.
وقد نقل العلامة “معرفة” عن تاريخ اليعقوبي ترتيباً غريباً لمصحف علي عليه السلام مخالفاً لإجماع أرباب السير والتاريخ، فمن أراد الإطلاع عليه فليراجعه في موطنه)[1178](.
2 ـ تقديم المنسوخ على الناسخ
فعن الشيخ المفيد في المسائل السروية أنه قال: «وقد جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن المنزل من أوله إلى آخره، وألّفه بحسب ما وجب من تأليفه، فقدّم المكي على المدني، والمنسوخ عن الناسخ… الخ»)[1179](.
وقال الزنجاني في تاريخ القرآن: «ويظهر من بعض الروايات أن علياً أمير المؤمنين عليه السلام كتب القرآن على ترتيب النزول، وقدّم المنسوخ على الناسخ، خرّج ابن أشته في المصاحف عن ابن سيرين أن علياً كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ»)[1180](.
3 ـ اشتماله على التأويل
فعن علي عليه السلام: «ولقد أحضروا الكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل… الخ»)[1181](.
وقد ورد أن علياً عليه السلام قال لطلحة: «يا طلحة! إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على محمد صلى الله عليه وآله عندي بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط يدي وتأويل كل آية انزلها الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم… مكتوب بإملاء رسول الله وخط يدي»)[1182](.
وقد فسّر العلامة «معرفة» التأويل بأنه عبارة عن الجوانب العامة من الآيات بحيث لا تخصّ زماناً ولا مكاناً ولا شخصا ًخاصاً فهي تجري كما تجري الشمس والقمر)[1183](.
4 ـ اشتماله على التنزيل
وقد مرّ بعض النصوص الدالة على ذلك، وقد فسّر العلامة “معرفة” التنزيل بالمناسبة الوقتية التي استدعت النزول)[1184]( بينما طرح العلامة مرتضى احتمالات أخرى لمعنى التنزيل هي:
1 ـ نفس القرآن
2 ـ شأن نزول الآيات كذكر أسماء المنافقين ونحو ذلك.
3 ـ التفاسير التي أنزلها الله تعالى على رسوله شرحاً لبعض الآيات مما لا سبيل إلى معرفته إلا الوحي والدلالة الإلهية)[1185](.
5 ـ اشتماله على تفسير معاني الآيات على حقيقة تنزيلها
يقول الشيخ المفيد في مقام المقارنة بين المصحف الموجود ومصحف علي عليه السلام «… ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله، وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله…» )[1186](.
ومن المحتمل أن يكون من هذا التفسير هو ما عُبّرَ عنه بالتنزيل.
6 ـ اشتماله على المحكم والمتشابه
بمعنى أن فيه تمييز الآيات المحكمة عن المتشابهة، ففي الرواية السابقة عن علي عليه السلام: «ولقد أحضروا الكتاب كملاً، مشتملاً على التأويل والتنزيل، والمحكم والمتشابه…» )[1187]( الخ.
7 ـ لم يسقط منه حرف ألف ولا لام
وهذا لسان المقطع اللاحق للرواية المتقدمة)[1188](.
8 ـ اشتماله على أسماء أهل الحق والباطل
وهذا أيضاً لسان الرواية السابقة إذ فيها: «… والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام فلما وقفوا على ما بيّنه الله، من أسماء أهل الحق والباطل…» )[1189](.
وهذا ما يؤيد أن يكون مصحف علي عليه السلام هو ذاك المصحف الذي دفعه الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام إلى البزنطي وقال له «لا تنظر فيه» ففتحه البزنطي فقرأ فيه (لم يكن الذين كفروا) فوجد فيها سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. قال: فبعث إلي إبعث لي بالمصحف)[1190](.
ومن الواضح أن تلك الأسماء كُتبت في المصحف تفسيراً لقوله تعالى (لم يكن الذين كفروا) لا أنها من القرآن.
9 ـ إنه بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي عليه السلام
فقد مرّ النص الذي قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام لطلحة: «إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على محمد صلى الله عليه وآله عندي بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط يدي»)[1191](.
هذه هي المميزات والخصائص لمصحف علي عليه السلام مما يوضّح صورته جلياً، فهو لا يخالف القرآن الموجود بزيادة ولا بنقصان، وإنما بالترتيب مع إضافات تفسيرية لآياته، بما يجعله كتاب تفسير بحسب مصطلح اليوم لا قرآناً مجرداً.
مصحف علي عليه السلام بين رفض قوم وطمع آخرين
أما الخصائص الجليلة لهذا المصحف، فمن الطبيعي أن يتمنّى من يسمع باسمه الحصول عليه ليستفيد من كنوز العلم التي يحويها، من هنا فقد سجّل التاريخ تمنيات من أفواه علماء كبار بالحصول على هذا المصحف. فقد قال إبن سيرين «بلغني أنه كتبه على تنزيله ولو أصيب ذلك الكتاب لكان فيه العلم»)[1192]( وقد حاول فعلاً الحصول عليه لكنه لم يقدر، فهو يقول: تطلبت ذلك الكتاب، وكتبت فيه إلى المدينة، فلم أقدر عليه»)[1193](، وليس ابن سيرين الوحيد الذي بحث عنه فلم يجده بل إن إبن عون عندما سمع بفضل هذا المصحف سأل عنه فلم يجده فهو يقول: «فسألت عكرمة عن ذلك الكتاب فلم يعرفه»)[1194]( وعن الزهري أنه قال عن مصحف علي عليه السلام: «لو وجد لكان أنفع، وأكثر علماً»)[1195]( وأيضاً عن ابن جزيّ الكلبي: «ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كثير»)[1196](.
وهنا قد يتساءل لماذا اختفى مصحف علي عليه السلام عن أنظار الناس ليُحرموا من علومه الوفيرة؟ وإن كان اختفاء المصحف غريباً فإن الأغرب منه والأدهش هو سبب ذلك، إذ يحدثنا التاريخ أن علياً عليه السلام بعد أن فرغ من جمع القرآن، لم يرد استئثار ما فيه لنفسه، فجاء به إلى القوم يعرضه أمامهم، فإذا بهم يرفضونه.
فالصدوق يحدثنا في اعتقاداته أن أمير المؤمنين عليه السلام لما جمع القرآن جاء به وقال: «هذا كتاب ربكم كما أنزل على نبيكم، لم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف، فقالوا: لا حاجة لنا فيه عندنا مثل الذي عندك»)[1197]( فعاد بعد أن ألزمهم الحجة.
وفي رواية أن علياً عليه السلام قال لهم: أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً، إنما كان عَلَيَّ أنني أخبركم حين جمعته لتقرأوه»)[1198](.
لماذا الرفض؟
لم يكن قولهم «عندنا مثل الذي عندك» تعبيراً حقيقياً عن سبب رفضهم، بل كانوا يعلمون أنه «لو جمعت الإنس والجنّ على أن يؤلفوا هذا التأليف ما استطاعوا» كما قال عكرمة لابن سيرين)[1199](.
بل كان سبب رفضهم هو أنهم اطّلعوا على بعض ما فيه، فوجدوا التفسير الحقيقي للآيات بما لا ينسجم مع سياستهم، إذ قرأوا فيه أسماء أهل الحق والباطل الذين نزلت بهم آيات الله فرأوا أن ذلك يضر مشروعهم السياسي الذي أدّى بعد ذلك إلى منع انتشار أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وسبب رفضهم هذا قد ورد على لسان علي عليه السلام الذي قال وهو يحدث بقصة مصحفه «فلما وقفوا على ما بيّنه الله من أسماء أهل الحق والباطل، وإن ذلك أظهر نقص)[1200]( ما عهدوه قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا»)[1201](.
أين هو مصحف علي عليه السلام
يظهر من جملة من الروايات أن مصحف علي عليه السلام انتقل منه إلى إبنه الحسن عليه السلام ثم من بعده للحسين عليه السلام وهكذا انتقل من كل إمام معصوم إلى الإمام الذي يليه إلى أن وصل إلى الإمام الحجة المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
فقد ورد أن طلحة سأل أمير المؤمنين عليه السلام: «فأخبرني عمّا في يديك من القرآن وتأويله، وعلم الحلال والحرام، إلى من تدفعه ومن صاحبه بعدك؟ فقال عليه السلام: «إلى الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أدفعه إليه وصيّي وأولى الناس بالناس إبني الحسن عليه السلام، ثم يدفعه إبني الحسن عليه السلام إلى إبني الحسين عليه السلام، ثم يصير إلى واحد واحد من ولد الحسين عليه السلام. حتى يرد آخرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حوضه…» )[1202](.
وقد استقر بنا سابقاً أن يكون المصحف الذي دفعه الإمام الرضا عليه السلام إلى البزنطي فنظر إليه هو مصحف علي عليه السلام.
وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام تأكيد على أن مصحف علي عليه السلام هو مع الإمام المهدي (عج) إذ يقول فيها: «… فإذا قام… أخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام»)[1203](.
وفي رواية أخرى عن الباقر عليه السلام: إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن على ما أنزل الله، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم؛ لأنه يخالف فيه التأليف)[1204](.
والظاهر أن المراد من القرآن هنا هو مصحف علي عليه السلام بقرينة أنه يخالف التأليف فقد تقدم أن ترتيب مصحف علي عليه السلام يخالف المصحف الموجود، ومن هنا تتوجه صعوبة لمن يتعلمه وقد كان يحفظ القرآن حسب الترتيب الموجود الذي ألفه الجمهور خلفاً على سلف منذ أمد طويل.
إذن مصحف علي عليه السلام على ما يستفاد من الروايات قد انتقل من إمام إلى إمام إلى ان وصل إلى الإمام الحجة عليه السلام، وعليه فليس هو ذلك المصحف الذي نقل إبن النديم في فهرسته أنه شوهد عند أبي يعلى حمزة الحسني قد سقطت منه أوراق بخط علي بن أبي طالب يتوارثه بنو حسن على مرّ الزمان)[1205](، بل هو من مختصات الأئمة عليهم السلام وهو الآن بحوزة قائمهم المنتظر (عج).
وأخيراً: فإن مصحف علي عليه السلام ـ كما تبيّن ـ ليس قرآناً يغاير القرآن الموجود زيادة ونقصاناً، بل هو كتاب تفسير لآيات القرآن المرتبة فيه بحسب النزول يحتوي كنوزاً من العلم والمعرفة حُرمت الأمة منها بنفس السبب التي حرمت به من بركات صاحب المصحف!..
الشيخ أكرم بركات
المظاهر الفكرية لمدرسة النجف
في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين
شهدت هذه المرحلة، منذ بداية القرن الثالث عشر الهجري حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري/ بداية القرن التاسع عشر الميلادي حتى منتصف القرن العشرين تطوراً في مناهج البحث الفقهي والأصولي. وقد ظهر نوع جديد من التأليف المعتمد على شروح الكتب الفقهية السابقة شرحاً إستدلالياً موسعاً. وقد شكّلت بعض الشروح موسوعات فقهية مستوعبة. ومن أهم مؤلفات هذه المرحلة كتاب «الخيارات» الذي ألّفه الشيخ علي كاشف الغطاء (ت: 1253هـ/1837م) في شرح كتاب «اللمعة الدمشقية)، وكتاب «أنوار الفقاهة» للشيخ حسن كاشف الغطاء (ت: 1262هـ/1846م). وكان هذان الفقيهان متميزين بين فقهاء هذه المرحلة باضطلاعهما بالفقه وفروعه)[1206](.
وأوسع كتاب فقهي شهدته هذه الفترة الزمنية هو كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» للشيخ محمد حسن النجفي (ت: 1267هـ/1851م). والكتاب في الأصل شرح لكتاب «شرائع الإسلام» للمحقق الحلّي، كبير فقهاء الحلّة في عصره.
وقد امتاز «جواهر الكلام» باستيعابه للأبواب الفقهية، واحتوائه على مسائل فرعية لم ترد في الكتب السابقة. وقد أصبح منذ زمن تأليفه أحد الكتب الثلاثة التي يستند إليها (المجتهد) في معرفة الأحكام الشرعية بضميمة كتاب «جامع المقاصد» للكركي، و«وسائل الشيعة» للعاملي)[1207](.
وقد تطور في هذه المرحلة نوعٌ آخر من الدرس الفقهي والأصولي وهو ما يسمّى باصطلاح فقهاء هذه المرحلة «بالتقريرات»، وهو على نحوين:
الأول: أن يُقرّر التلاميذ المتميزين ما يُلقيه «الأستاذ» في الدرس الخارج (وهو أعلى مراحل الوصول إلى الاجتهاد) على بقية التلاميذ بعد فراغ «الأستاذ» من الدرس ليقرّ ذلك في أذهانهم وليفهم بعضهم ما فاته أثناء الدرس. وكان الملاّ محمد الشرابياني (ت: 1322هـ/1940م) يقرر درس أستاذه السيد حسين الترك التبريزي (ت: 1299هـ/1882م) حتى عُرف بالملا المقرر.
الثاني: أن يكتب بعض التلاميذ المتميزين مما قرره «الأستاذ» في الدرس على طريقة أكاديمية وبذلك يكون كتاباً يحمل إسم الأستاذ والتلميذ معاً)[1208](.
وقد سبقت الإشارة إلى أن هذا النوع من التأليف يعود إلى عهد البهبهاني، وتطور بعد ذلك على يد تلميذه شريف العلماء (ت: 1245هـ/1829م) حيث كتب السيد إبراهيم الموسوي القزويني (ت: 1264هـ 1848م) تقريراته بكتاب سماه «ضوابط الأصول»)[1209](.
وأول من بدأ بهذا النوع من التأليف في مدرسة النجف هو السيد جواد العاملي (ت: 1226هـ/ 1811م) حيث كتب تقريرات بحث أستاذه السيد مهدي بحر العلوم في علم الحديث)[1210](، ثم بدأت مرحلة أخرى شهدتها النهضة العلمية التي قام بها الشيخ مرتضى الأنصاري؛ حيث دون تلامذته الكثير من دروسه العالية، كما فعل تلميذه أبو القاسم الطهراني في كتاب يحمل إسم «التقريرات».
وقد قدر للأنصاري أن يقعتد مدرسة النجف العلمية، ويفتتح عصراً جديداً من خلال كتابيه «الرسائل» في علم الأصول، و«المكاسب» في علم الفقه. حيث أسس قواعد عقلية جديدة، وأضاف عناوين فقهية وأصولية مبتكرة. وقد أصبح كتاباه من الكتب الدراسية العالية التي تقرّب إلى مراتب الاجتهاد في الفقه الإسلامي. وقد اعتبر الإمام السيد محمد باقر الصدر الشيخ الأنصاري رائداً لأرقى مرحلة من مراحل عصر الكمال العلمي نظراً لجهوده الكبيرة التي تمثّل فيها الفكر الفقهي والأصولي منذ أكثر من قرن من الزمن)[1211](.
كما نحا تلامذة الميرزا محمد حسن الشيرازي المنحى نفسه في كتابة مثل هذا النوع من التأليف سواءً في علم الأصول أو الفقه. ولا يزال هذا النوع من التأليف (التقريرات) متّبعاً في الحوزات العلمية إلى هذا الوقت.
الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد
برزت مؤلفات السيد مهدي القزويني (ت: 1300هـ/ 1883م) الفقهية والأصولية، حيث كتب شرحاً على كتاب «تبصرة المتعلمين» وهو مختصر كان العلامة الحلي قد ألّفه في الفقه؛ إلاّ أن القزويني اختاره «متناً» لبحوث استدلالية تفريعية، ولا يزال هذا الكتاب مخوطاً وهو بحجم كتاب (جواهر الكلام) )[1212]( للنجفي، إن لم يكن أوسع منه. كما أسهب هذا الفقيه بالتأليف حتى تعدّت كتاباته من الفقه والأصول والفلسفة إلى الكتابة في أنساب القبائل العراقية»)[1213](، والأدب العربي.
ومن أهم مؤلفاته المتميزة ما كتبه حول الاجتهاد بعنوان «الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد». فقد أفرد بحث الاجتهاد كعلم مستقل وضع له قواعده وأصوله. وكأن المؤلف أراد أن يضع، كما يقول في مقدمة كتابه، علماً مشتملاً على قواعد تُعرف بها مراتب الاستعداد إلى تحصيل ملكة الاجتهاد، لأنه حسب قوله، رأى «جملةً ممن يدعي الاجتهاد بغير عُدّة، ولا استعداد»، وبذلك أراد أن يميّز «المحقّ من المدّعي».
وقد تنبّه المؤلف في كتابه هذا إلى أنّ مبحث «الاجتهاد» مستقل عن مباحث أصول الفقه من جهة، وعن مباحث الفقه من جهة أخرى، لأن الاجتهاد هو الغاية لعلم أصول الفقه فلا يمكن أن يكون داخلاً في مباحث أصول الفقه؛ كما لا يمكن أن يكون داخلاً في مباحث الفقه لأن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية والاجتهاد من الموضوعات الخارجية التي ليست من الحكم الشرعي)[1214](.
وقد أراد المؤلف من خلال بحثه هذا أن يجيب على سؤال مفاده كيف يمكن الوصول إلى ملكة الاجتهاد؟ بعبارة ثانية: ما هي الطرق التي توصل المستعد (الشخص الذي يريد أن يصبح مجتهداً) إلى ملكة الاجتهاد؟!
وقد أجاب المؤلف على هذا السؤال من خلال مباحث ثلاثة:
الأول: في شرائط الاجتهاد: وقد ذكر عشرين شرطاً، وقدّم لها مقدمات في تعريف الاجتهاد (الاستعداد)، واختلاف مراتبه، ثم ذكر شروطه.
والملاحظ أن المؤلف لم يقتصر في حديثه على معدات الاجتهاد فقط، بل عمد إلى تقسيم مزج فيه بين الفلسفة والعرفان، والحديث عن تصفية النفس الإنسانية واستعدادها للكمالات النفسانية.
وقد أرجع شروط الاجتهاد إلى شروط نفسية (التي تعود إلى تصفية النفس الإنسانية وتهذيبها)، وكسبية (التي يحصل عليها من التعلّم).
الثاني: في شرائط المجتهد: وذكر منها سبعة عشر شرطاً؛ وضمن هذه الشروط أشار إلى شرط (الاستقامة) وقصد به: «النمط الأوسط بين الإفراط والتفريط»)[1215](، وقد جمعها بثمانية عشر أمراً.
ومن خلال هذا المبحث حاول أن يضع للمجتهد منهاجاً يحفظ طريقته في الاجتهاد، فلا يميل إلى التوغل في العلوم العقلية أو العلوم النقلية فيعتمد على واحدة دون الأخرى.
ومن خلال هذا الفهم حاول أن يعالج الإشكال الذي وقع به الأخباريون أو الأصوليون في الوقت نفسه باعتماد الأخبار مطلقاً، أو اعتماد القواعد العقلية مجرّد عن الاهتمام بعلم الحديث؛ لذلك جعل هذا الشرط من شروط الاستقامة، فذكر أن المجتهد يجب ألاّ «يكون متوغلاً في علم الحديث بحيث يعوّل على كل رواية»، ولو كانت ساذجة، ويقتصر على مواردها، ومداليلها، وينظر إلى القواعد الشرعية المأخوذة من إجماعات الإمامية وفحاوى كلام الأئمة بعين الإزدراء والسخط والاعتساف، فيخرج عن مذهب الإمامية لرواية شاذة مهجورة ويأتي بفقه جديد»)[1216](.
كما اشترط أيضاً «أن لا يكون المجتهد متوغلاً في علم الأصول بحيث ينظر إلى أحاديث الأئمة المعول عليها في ردّ كل شبهة لمخالفتها للقاعدة»، وعلّل ذلك بأن قواعد الفقه لم تُطّرد، والقاعدة تفيد حيث لا يكون دليل يُوجب تخصيصها وتقييدها؛ فحينئذٍ يكون المعوّل عليها، كما أنه لا يقدح فيها كل ما يسمى دليلاً أو أمارة ما لم يكن له قوة المعارضة، واعتبر التوغل في ذلك يوجب الخروج عن فقه الإمامية إلى فقه آخر)[1217](.
الثالث: ملكة الاجتهاد: وهي النتيجة التي يصلها المجتهد. وقد بحث في أصل الملكة وتفاوتها، وفي موهوبيتها التي اصطلح عليها بالتسديد الإلهي.
ثم أنهى بحثه بخاتمة تناولت جملة من المباحث منها:
1 ـ معرفة حصول ملكة الاجتهاد.
2 ـ الالتباس في دعوى حصول ملكة الاجتهاد.
وقد اهتم المختصون بدراسة مباحث الاجتهاد بتركيز كتاباتهم على مرحلة ما بعد الاجتهاد. أما القزويني فقد عُني بدراسة مرحلة ما «قبل حصول الاجتهاد» حيث أعطى للجوانب النفسية والأخلاقية مساحة واسعة في بحثه. وبعبارة أخرى فقد بحث الجوانب النفسية الممهدة لحصول ملكة الاجتهاد، في حين أنّ غيره من الكتّاب لم يلتفت إلى ذلك.
«كفاية الأصول» و«العروة الوثقى»
وعلى صعيد آخر وبالتحديد نهاية هذه المرحلة قام الفقيهان الكاظمان الخراساني واليزدي بجهدين متميزين في علمي الأصول والفقه؛ حيث قدم الخراساني كتاب «كفاية الأصول» مشحوناً بنظريات علمية افتقرتها الدراسات الأصولية قبل هذه الفترة ونظراً للجهد الذي قدمه الخراساني في إدخال المسائل الفلسفية بالمباحث الأصولية فقد لُقب بـ«مجدد علم الأصول». وقد نحا العلماء منحاه من بعده في هذه المنهجية في كتاباتهم وتقريرات بحوثهم كالنائيني (ت: 1355هـ/1936م)، وضياء الدين العراقي (ت: 1361هـ/1942م)، وأبو القاسم الخوئي (1317 ـ 1412هـ/1899 ـ 1992م).
وقد سجلت تقريرات بحوثه على شكل موسع من قبل تلامذته. وبالرغم من تميز كتاب (الكفاية) بمادته الغنية المكثفة، إلا أنه امتاز أيضاً بأسلوبه المعقد، لذا عمد مؤلفه إلى تفكيك عباراته، وتقريبه للدارسين بوضع بعض التعليقات والشروح عليه. وقد طبع الكتاب سنة 1328هـ/1910م.
كما طبعت «الكفاية» طبعات متكررة في عهد المؤلف، وأصبحت أكثر الكتب تناولاً في علم الأصول. كما أصبح البحث في الجامعة النجفية معتمداً عليها بعدما كان كتاب «القوانين» للقمي، و«الفصول» هما المعتمدان في دراسة هذا العلم.
وقد دأب تلامذة مدرسة الخراساني بالتعليق على «الكفاية» ومناقشتها ونقض بعض آرئها، كما كثرت التعليقات والهوامش عليها حتى أصبحت من الكثرة بمكان، وأصبح الكتاب متميزاً بين الكتب التي حظيت بالمناقشة والشرح نظراً لما يحتله من أهمية علمية)[1218](.
ومن جهة أخرى كتب اليزدي كتاباً فقهياً مستوعباً هو العروة الوثقى تميّز باستيعابه للمسائل الفقهية الفرعية أولاً، وبتنظيم أبوابه ومسائله بشكل يسهّل الرجوع إليه ثانياً.
وبسبب هاتين الميزتين اللتين اختصّ بهما الكتاب فقد أصبح مدار التعليق والشرح والتدريس، وكتابة الشروح عليه. وقد بدأ الاعتماد على المتون الفقهية التي قبله يتحوّل إلى كتاب «العروة الوثقى».
وقد جرت عادة الفقهاء الكبار أن يعلّقوا على «العروة» بما يوافق آراءهم الفقهية، ويخالف رأي المؤلف في مواضع الاختلاف والخلاف؛ كما أن أغلب أساتذة البحث الخارج (الدراسات الفقهية العليا) يعتمدونه أساساً في بحوثهم ودراساتهم العالية. ولا يزال الكتاب يحافظ على مستواه من الاهتمام في مدارس الفقه الإمامي.
تنبيه الأمة وتنزيه الملة
ومن واجهات المظاهر الفكرية لمدرسة النجف ما أفرزته أحداث الحركة الدستورية، من بحث كتبه الشيخ محمد حسين النائيني بعنوان «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» في تأييد حركة الدستور التي قادها أستاذه الخراساني. ويعتبر الكتاب أول بحث تناول الفكر السياسي الشيعي في الحكم، وقدم حلاً في شرعية الدولة زمن الغيبة الكبرى، بعدما سكت فقهاء الشيعة في تناول مثل هذه الموضوعات قروناً طويلة، ولم يسجل التاريخ السياسي الشيعي بحثاً سياسياً إلا ما كتبه المرتضى في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي في مسألة جواز «العمل مع السلطان» الذي يبرر فيه صلة الفقيه بالسلطة البويهية.
أما «تنبيه الأمة» فقد تناول مواضيع في الصميم من السياسة والحكم من خلال النظرة الشيعية، كما تناول مواضيع متعلقة بالحرية والمساواة، والثقافة تدلّ على النضج والاعتدال وتُظهر النائيني كمصلح مدرك يفهم مقتضيات العصر.
وعندما بدأ النائيني يخطو إلى الزعامة الدينية وجد أن مجالات واسعة بدأ خصومه يستغلونها ضده بسبب آرائه الجريئة التي تتنافى مع العُرف السائد في عصره لدى طبقته من الفقهاء. لذا سعى لجمع الكتاب وإتلافه، وأنفق على ذلك مالاً كثيراً)[1219](.
ويذكر المؤرخ حرز الدين أن النائيني كان نادماً على تأليف كتابه)[1220](؛ ربما كان ذلك بسبب عدم تحقيق الكتاب هدفه واكتشافه أنه كان طُعماً لحوادث وجد نفسه وسطها دون أن يُفطن لمَن ساقه إليها.
كما برّر باحثٌ آخر عمل النائيني وقرنه بمحيط الجهل الذي لم يكن مستوعباً لمثل هذه الأفكار الجديدة)[1221](.
وقبل تأليف «تنبيه الأمة» بسنوات قليلة وبالتحديد عام 1316هـ/1899م كتب عبد الرحمن الكواكبي (ت: 1320هـ/1902م) بحوثاً جمعها بكتاب سماه «طبائع الاستبداد» عالج فيه هذا الموضوع معالجة شاملة تتلاءم والصيغة الجديدة التي اقترحها لنهضة عربية موحدة. ومن المحتمل أن النائيني اطلع على جهود الكواكبي من خلال بحوثه هذه، إلا أن ما قدمه هذا الفقيه في «تنبيه الأمة» يُشعر القارئ بعمق ما جاء به من فكر. وبالرغم من أن الكتابين عالجا موضوعاً واحداً إلاّ أن كتاب «طبائع الاستبداد» أخذ نصيبه من العناية والدراسة خلاف «تنبيه الأمة» الذي لم يحظَ بجهد يقيّم الأطروحة حقها ويطوّر منهجيتها)[1222](.
وربما كان السبب في ذلك هو أن الكواكبي كان من قادة حركة النهضة العربية أولاً، وقد كانت الشعوب العربية على طولها معنيّة بهذا الشأن، بينما قامت حركة النائيني ضد الدولة القاجارية، وفي إطار محدد.
تتكون رسالة «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» من مقدمة وخمسة فصول عالجت المقدمة المواضيع التالية:
1 ـ شرح حقيقة الاستبداد والمشروطية (الدستور).
2 ـ الدعوة إلى وجود دستور تقدمه الدولة ويُشرف على تطبيقه (مجلس الأمّة).
وقد ذكر المؤلف وجهين للحكم:
الأول ـ الحكم الاستبدادي: ويرجع إلى تصرّف السلطان في المملكة تصرّف الشخص في ملكه الخاص، وهو على درجات تختلف باختلاف إدراكات السلاطين وعقول أعوانهم. والسبب في رأي النائيني يرجع إلى:
أ ـ جهل الأمة بوظائف السلطنة وحقوقها الشرعية المشتركة.
ب ـ عدم وجود محاسبة للسلطان، وعدم مراقبة إهماله، وارتكاباته المنافية لمقامه. وهذا القسم من الحكم مبني على «القهر والتسخير واستخدام الأمة لإرادة السلطان التحكمية، وصرف قوى النوع من المالية وغيرها في سبيل نيل مراداته، وأغراضه».
وقد قسّم النائيني الاستبداد إلى سياسي وديني، وذكر أنهما «توأمان متآخيان يتوقف حفظ أحدهما على وجود الآخر»)[1223](، واعتبر أن علاج الاستبداد الديني أصعب بكثير من علاج الاستبداد السياسي، لأن الأول يقوم على القهر والغلبة، والثاني يستند على التدليس والخديعة.
الثاني ـ الحكم الدستوري: وهو ذلك الحكم الذي يحدّ من سلطة الحاكم ويجعلها مشروطة بعدم تجاوزه للصلاحيات المنوطة به. وهو «عبارة عن ولاية على إقامة الوظائف الراجعة لتنظيم المملكة وحفظها»، وبذلك يكون «استيلاء السلطان محدوداً بمقدار الولاية، ويكون الشعب شريكاً مع شخص السلطان في جميع القوى النوعية المالية وغير المالية».
إن المتصدّين للأمور، حسب تعبير النائيني، هم أمناء للنوع لا مالكين، وهم مسؤولون عن كل فرد من أفراد الأمة، ومأخوذون بكل تجاوز يتجاوزونه»، ولكل فرد الحق في السؤال والاعتراض، كما له تمام الحرية في إلقاء اعتراضاته بمعزل عن إرادة السلطان التحكمية.
وقد اعتبر المؤلف أن أعلى وسيلة تمثّل هذا النوع من الحكم من وجهة نظره الدينية هي الإمام المعصوم، ومع عدم تحقق هذا الشرط بسبب غيبة «الإمام»؛ فإنّ الحكم يتوقف على أمرين:
أ ـ إيجاد دستور وافٍ يتضمن كيفية إقامة الوظائف، والحد من صلاحيات السلطان، وحرية الأمة.
ب ـ تشكيل المجلس النيابي الشوروي الذي يضمّ هيأة من عقلاء الأمة وعلمائها، وظيفتها المحافظة على عدم تحويل الحكم من الولاية إلى المالكية.
وقد اعتبر مشروعية قيام هذه الهيئة (التي هي في حقيقتها تمثّل الأمة في المجلس) أمراً متفقاً عليه بين المذاهب الإسلامية. حيث يعتبر المسلمون السنّيون أنّ «إجماع أهل الحل والعقد» هو في حد ذاته شرطٌ غير مشروط بوجود شرط آخر.
أمّا على المذهب الإمامي فإنه اعتبر سياسة أمور الأمة من وظائف «المجتهدين» الذين هم «النوّاب» الشرعيون للإمام في عصر الغيبة، وأنّ اشتمال «الهيئة المنتدبة» على عدد من هؤلاء المجتهدين العدول وموافقتهم على تنفيذ القرارات كافٍ لمشروعيتها)[1224](.
أما الفصول الخمسة التي كتبها بعد هذه المقدمة فقد اشتملت على ما يلي:
الأول: في ضرورة تشكيل السلطة الدستورية.
الثاني: في العمل على تغيير السلطة الاستبدادية بالسلطة الدستورية زمن الغيبة.
الثالث: تحديد وسيلة الحكم بإيجاد دستور متكامل للبلاد، ومجلس نيابي استشاري. يقوم على تنفيذه.
الرابع: نقد الشبهات التي أُثيرت ضد «الدستور» و«المجلس النيابي»، ومنها:
أ ـ إن الديمقراطية (الحرية) دينٌ جديد مبتدع مقابل الدين الإسلامي.
ب ـ إن الدستور بدعة باعتباره قانوناً آخر مقابل القرآن والسنّة.
وقد أجاب على هذه الشبهة بأن استبداد الدولة الغاصبة عبارة عن اغتصاب الحرية، وإن مشروطية الدولة (ديمقراطيتها) عبارة عن انتزاعها من غاصبها.
الخامس: في شرائط أعضاء المجلس النيابي وحقيقة وظائفهم. وقد ربط ترشيحهم بترشيح «المجتهد» النافذ الحكومة لهم، باعتبار أن المجلس النيابي يشتمل على عدد من المجتهدين العدول العالمين بطُرق السياسة لتصحيح الآراء وتنفيذها.
أما شروط أعضاء المجلس النيابي فتندرج بما يلي:
أ ـ المعرفة في فن السياسة العالمية، والاطلاع على «الخفايا، والحيل المعمولة بين الدول».
ب ـ العمل على منافع الشعب بعيداً عن الأطماع الشخصية.
جـ ـ الإخلاص الكامل للدين والوطن الإسلامي)[1225](.
أما بيان وظائف المنتدبين فتتلخص بهذه النقاط:
أ ـ ضبط الخراج وتعديله، وكيفية تطبيق ما يدخل للدولة وما يخرج منها.
ب ـ وضع الدساتير، وتقنين القوانين، وتطبيقها على الشرعيات، وتمييز المواد القابلة للنسخ والتغيير عن غيرها.
ج ـ تجزئة قوى المملكة بحيث تنضبط كل شعبة من الوظائف النوعية تحت ضابط صحيح وقانون علمي. والنظر فيها موكول إلى دراية المجربين وكفاية الخبيرين في تلك الشعبة مع المراقبة التامة في عدم التجاوز والتهاون)[1226](.
أما خاتمة البحث فقد اقتصرت على معالجة أسباب (الانحطاط) التي سمّاها «القوى الملعونة في الدولة»، وأوعزها إلى (الجهل). وقد أحصاها بنقاط:
1 ـ عدم الاضطلاع بوظائف السلطنة وحقوق الملّة.
2 ـ شعبة الاستبداد الديني.
3 ـ نفوذ معبودية السلطان في المملكة، وجعلها فوق مراتب الدرجات العلمية والعملية.
4 ـ إلقاء الخلاف بين الملّة وتفريق كلمة الأمة.
5 ـ قوة الإرهاب والتخويف والتعذيب والتنكيل.
6 ـ ارتكاز رذيلة الاستبداد والاستعباد في قلوب الأكابر على اختلاف طبقاتهم، وانتشار التزوير.
7 ـ اغتصاب القوى الحافظة للملّة من المالية والعسكرية)[1227](.
بعد ذلك وضع معالجة لكل سبب من هذه الأسباب)[1228](.
ومن خلال هذا البحث يمكن ملاحظة ما يلي:
أولاً: إنّ رسالة «تنبيه الأمة» إفراز للصراع الدائر بين الإيرانيين المطالبين بدستور للبلاد، وبين الحكم الدكتاتوري الفردي المتمثل بالشاه القاجاري. وقد كانت أفكار هذا الصراع ناظرة إلى النهضة التي حصلت في بلاد أوروبا، وأخذت تؤثّر في الشرق.
الحل الذي يراه النائيني لعلاج أسباب انحطاط السلطة السياسية هو وضع سلطة دستورية شوروية على غرار النظام الغربي. وقد اعتبر المبادئ الإسلامية هي الأصل في تحقيق العدالة والحرية، وإن المفكرين الغربيين قد استقوا، على زعمه، مبادئهم من عدالة الإسلام.
ثانياً: إعتبر النائيني أن أساس (الاستبداد) مبنيّ على استعباد الأمة وعدم مشاركتها السلطان، وأن أساس (الديمقراطية) مبني على أصل تحرير الأمة من هذه العبودية، ومشاركة الأفراد مع الشخص الحاكم. وقد حاول أن يحلّ جدلية العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال ما استشهد به من أمثلة تاريخية مستمدة من القرآن والسنّة وخُطب «نهج البلاغة» للإمام علي بن أبي طالب. كما مثّل الموقف المعارض للإمام الحسين بن علي تجاه الدولة الأموية، ثم مقتله كرؤية واضحة للتخلّص من العبودية والانقياد لمبدأ «التوحيد». وجعل منهج الرفض هذا هو منهجٌ لكل الأحرار في العالم.
ثالثاً: لم يفصل النائيني بين النظام السياسي الذي اقترحه وهو النظام القائم على الدستور، وبين الوعي السياسي الذي يجب أن تتحلّى به الأمة. فبمقدار ما يكون الوعي السياسي عند الأمة عالياً؛ فإنّ النظام السياسي يكون قد أعطى نتائجه المثمرة.
من هنا أكد النائيني على دور المفاهيم الدينية في خلق وعي سياسي تتمثل به الأمة باعتبار أن المفاهيم الدينية بحد ذاتها قناة مهمة لإيجاد الوعي الجماهيري فيما إذا ارتكزت هذه المفاهيم على قاعدة دينية غير مزيفة تتمثّل بالمصلحين الأمناء. من هنا فقد شنّ هجوماً عنيفاً على علماء «السوء» الذين وصفهم بـ«لصوص الدين».
رابعاً: بالرغم أنّ الأطروحة التي قدمها النائيني هي أطروحة شيعية إثنا عشرية؛ إلاّ أنه تجاوز فيها واقع «المذهبية» إلى الإطار الإسلامي العام؛ حيث حاول أن يضع حداً مشتركاً بين إشكالية الحكم في عصر الغيبة من وجهة نظر شيعية وبين «إجماع أهل الحل والعقد» من وجهة نظر سُنيّة، وذلك بالاعتراف للمجتهد بالصلاحية في الإشراف على المجلس النيابي، وإقرار أحكامه.
خامساً: إن بحوث «تنبيه الأمة» للنائيني تميزت عن الجهد الذي قدّمه الكواكبي في «طبائع الاستبداد» بأنها قائمة على تقديم نظرية محددة في الحكم؛ في حين أن الكواكبي اقتصر في بحثه على الملاحظات الوصفية التي تقرّب بعض المباحث إلى مستوى المقالة العادية البسيطة البعيدة عن التنظير القابل للتحول إلى عمل وممارسة.
الدكتور جودت القزويني
معالم التوحيد
في القرآن الكريم
تتابعت جهود الباحثين على دراسة القرآن الكريم حسب اختصاصاتهم ومؤهلاتهم العلمية، والمكتبة الإسلامية ضمّت عدداً لا يحصى من كتب دراسة القرآن، وكلما تعمّقت الأبحاث وتتابعت الدراسات حول القرآن بقي المجال فسيحاً، وبقيت الحاجة قائمة لدراسات أخرى.
وفي الآونة الأخيرة دعا الكتّاب المعاصرون لاتجاه حول التفسير الموضوعي للقرآن، وتبنوه بقوة، ولم يكن هذا الاتجاه إلا تكملة لمحاولات قديمة ظهرت على يد بعض المتضلّعين بعلوم القرآن وفنونه، لقد تنبّه إليه الأقدمون وبحثوا فيه.
وأهمية التفسير الموضوعي تكمن في إعطاء أكبر قدر ممكن للتعرّف على أحد المواضيع الأساسية التي يطرحها القرآن لتكون المقارنة قائمة بينه وبين رأي الأديان من جهة، وبين آراء المفكرين الكبار من جهة أخرى.
وسلسلة (مفاهيم القرآن) التي تصدى لتأليفها الأستاذ المحقق العلامة الشيخ جعفر سبحاني تعتبر ثمرة لجهود متواصلة جمع من المباحث خلالها ما تُعين المختصين لاكتشاف المطالب العلمية والفلسفية وتيسّرها لهم ولأمثالهم من الدارسين. وكم من أياد مشكورة قدّمها المحقق سبحاني لأهل العلم وروّاده أهّلَته للاختصاص بمثل هذه العلوم، وتتويجها بالمباحث الجليلة الأخّاذة.
قدّم المؤلف الكبير ثلاثة كتب من هذه السلسلة، وهي حسب تاريخ بعثها:
1) معالم التوحيد في القرآن الكريم.
2) عالم الحكومة الإسلامية.
3) معالم النبوة في القرآن الكريم.
ولما كانت هذه الكتب بالسعة بمكان لا يمكن أن تدرك في مقال، كان نصيب التعريف بمعالم التوحيد أوفر من لاحقيه، ونحن نخصّه بهذا التعريف اليسير.
معالم التوحيد في القرآن الكريم
يضم الكتاب مقدمة، واثني عشر فصلاً موزّعة على (583) صفحة. تبدأ المقدمة بمباحث مختصرة حول دور العقيدة في تحطيم العبودية، والطريقة الجديدة في تفسير القرآن، والأبعاد المختلفة للآيات القرآنية، ومراتب التوحيد. بعدها تتوالى فصول الكتاب على النحو التالي:
الفصل الأول: الله والفطرة
وفيه يطرح الآيات الدالة على أن معرفة الله تعالى أمر فطري، ويبين معنى التوحيد الفطري في مقابل التوحيد الاستدلالي مشيراً إلى الخلط الواقع بين التوحيدين (الفطري والاستدلالي) في كلام كثير من أئمة الفن. ثم يستدل بكلمات علماء النفس المؤكدة لمعاني الفطرة التي لها جذورها في النفس الإنسانية، وينتهي إلى أن الفطرة نداء باطني يسمعه الإنسان من باطن وجوده بلا برهنة أو استدلال حيث يجد نفسه منجراً إلى أمر خاص بلا تدخل خارجي. ويشترك في الفطرة الناس جميعهم قديماً وحديثاً دون فرق بين إنسان المشرق أو المغرب، أو من يعيش الحضارة ومن يكون خارجها بغض النظر عن الحدود الجغرافية، والاتجاهات الاقتصادية، أو التضليل السياسي. وإذا انحسرت النزعة الفطرية عن الإنسان ـ لسبب ما ـ ومرت بدور (كمون) فإنها لا يمكن إلا أن تعود إلى دورها الفاعل، وندائها الحقيقي غير المتبدّل.
الفصل الثاني: الله وعالم الذر
طرح المؤلف في هذا الفصل مسألة (عالم الذر)، المسألة التي كتب فيها المفسرون وغيرهم آراءهم، إثباتاً لها ونفياً. ومدار الحديث عن عالم الذر هو آية قرآنية [الأعراف: 172 ـ 173] نصها كما يقول تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم).
وقد تصدى المؤلف لعرض آراء جملة من كتب فيها، واعتمد في ذلك على هذه المصادر: (الطبرسي ـ مجمع البيان، الفخر الرازي ـ التفسير الكبير، الشريف المرتضى ـ الأمالي، سيد قطب ـ في ظلال القرآن، الطبطبائي ـ الميزان في تفسير القرآن، هاشم البحراني ـ تفسير البرهان شرف الدين ـ فلسفة الميثاق والولاية، السيوطي، الدر المنثور).
ثم استظهر أن الآية المشار إليها لا تدل على معنى إخراج الذرية من صلب آدم على هيئة ذرات صغيرة لأنها تفيد حسب قوله تعالى: من بني آدم ـ من ظهورهم ـ من ظهور كل أبناء آدم وذريتهم لا من آدم وحده. حيث تنص الآية بقوله تعالى: (من بني آدم) ولم يقل من آدم. كما عرض الأحاديث الواردة في إخضاع الآية لمفهوم عالم الذر والتي يمكن الاستدلال بها على ذلك العالم الغريب الذي أخذ فيه الميثاق من بني آدم، واستنتج بالإثبات أن مجموع هذه الأحاديث بعد حصر المكرر لا يتجاوز خمسة أحاديث فقط فإن كان المروي في المجاميع الحديثية يتراءى منه ما يربو على هذا المقدار. وأن هذا العدد من الأحاديث ـ كما يقول المؤلف ـ لا تثبت بها العقيدة القطعية. وكان من المفيد والضروري في مثل هذا البحث الثمين أن يكون الحديث متصلاً ببحث أصل فكرة عالم الذر، وعن أعماق جذورها، وعن كيفية تسرّبها إلى الفكر الديني الإسلامي، وعن الصلة ـ إن وجدت ـ بينها وبين نظرية المثل الأفلاطونية. ويتخلّص المؤلف بقوله: (نحن نأمل أن يستطيع المحققون في المستقبل من إيقافنا على معنى أوضح وأكثر انسجاماً مع ألفاظ هذه الآية، وأن يوفّقوا إلى توضيح حقيقتها ومغزاها).
ويمكن أن يكون التفسير الذي عرضه المؤلّف حول هذه النظرية ـ وهو حمل الآية على التوحيد الفطري ـ من أقرب التفسيرات، وإليه ذهب الرماني، وأبو مسلم، وغيرهما ـ باعتبار أن الإنسان يولد وقد أودعت في كيانه غريزة معرفة الله.
الفصل الثالث: الله وبراهين وجوده في القرآن
وهذا الفصل من الفصول الرئيسة في الكتاب، وقد شمل في مطالبه تحقيقاً أنيقاً في الأدلة القرآنية على وجود الله وتوحيده، وانتهى إلى إقامة ثلاثة عشر برهاناً قرآنياً (دليل الفطرة، برهان الحدوث، برهان الإمكان، برهان الحركة، برهان النظم، برهان حساب الاحتمالات، برهان التوازن والضبط، برهان الهواية الإلهية في عالم الحيوان ـ وقد ميزه المؤلف عن الطبيعة الفطرية ـ الغريزية ـ وعن برهان النظم، واعتبره من مفردات مصطلح (الإلهام) الذي يشير إليه القرآن في الحديث عن النحل والنمل ـ، برهان الصديقين برهان الوجود والوجود. ومن أهم هذه البراهين المشار إليها (برهان الصديقين) والذي تبنى مسائل التوحيد فيه على أساس الاستدلال من الذات على الذات والصفات باعتبار أن الله صرف الوجود. وأشار المؤلف الجليل إلى صورتين من برهان الصديقين اعتمدهما الفيلسوفان الأشهران ابن سينا، وصدر الدين الشيرازي المتوفى سنة (1050هـ)، وأحال كذلك إلى رأي الحكيم الإلهي السيد محمد حسين الطبطبائي فيما قرره حول هذا البرهان اعتماداً على تعليقاته على كتاب الأسفار للشيرازي، وعلى كتابه (أصول الفلسفة) ثم اعتمد على بعض الآيات القرآنية التي تفيد هذا البرهان وتقويه، فإن بملاحظة الوجود نفسه ملاحظة دقيقة يمكن الوصول إلى الله، وقوله تعالى: (أنّه على كل شيء شهيد) شاهد على كل شيء حتى نفسه وذاته، أو مشهود لكل الأشياء عموماً، وللإنسان المتفكر في الوجود خصوصاً. فملاحظة الوجود نفسه تشهد على وجود الله، وكذلك قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) يمكن أن يشير إلى أن وجود الله هو (واقع) هذا العالم، أو أنه واهب (الواقعية) للممكنات، ومطالعة الوجود هي التي توصلنا إلى هذه (الواقعية).
الفصل الرابع: سريان معرفة الله في الكون بأسره
وهو من عنوانه يهدف إلى أن عالم الكون كله شعور وإدراك وعلم كما أنه كله سجود وخضوع. وقد طرح المؤلف منه نظريات المفسرين في تسبيح الكون وتحميده وناقشها على ضوء الآيات، حيث أن المفسرين حملوا الآيات على المجاز، والمؤلف حملها على الحقيقة، واستنتج بأن ظاهر الآيات هو أن كل موجود مادي له شعور حسب مرتبة وجوده متبنياً في ذلك رأي الفيلسوف الإسلامي صدر المتألهين ومضيفاً له ما جمعه من الآيات القرآنية الدالّة على هذه النظرية.
الفصل الخامس: الله والتوحيد الذاتي
بيّن المؤلف في هذا الفصل أن للتوحيد مراتب أربعة (التوحيد الذاتي، التوحيد الصفاتي، التوحيد الأفعالي، والتوحيد العبادي). ثم أوضح مرتبة أخرى غير المراتب المشار إليها، استدلّ عليها بطريقين بعدما قدم في ذلك بحثاً عن أنواع الوحدات التي أشار إليها الفلاسفة الإسلاميون وهي:
- الوحدة العددية (الشخصية).
- الوحدة الصنفية.
- الوحدة النوعية.
- الوحدة الجنسية.
فهناك (وحدة شخصية) و(واحد بالشخص) كما أن هناك (وحدة صنفية) و(واحداً بالصنف) ثم (وحدة نوعية) و(واحداً بالنوع) كما أن هناك (وحدة جنسية) و(واحداً بالجنس).
وربما يخلط بينهما. وعمدة الفرق بين الصورتين أن الأمرين اللذين يقعان تحت الصنف أو النوع الواحد مثلاً يسميان (واحداً بالنوع أو بالصنف أو بالشخص أو بالجنس)، فزيد وعمر بما أنهما داخلان تحت نوع واحد وهو (الإنسانية) فهما واحدان بالنوع كما أن مفهوم الإنسانية له (وحدة نوعية).
والإنسان والفرس بما أنهما داخلان تحت (جنس واحد) فهما واحدان بالجنس. أعني الحيوانية، كما أن ذلك المفهوم (أي مفهوم الحيوانية) له وحدة جنسية. وقس عليه الوحدة الصنفية مثلاً فالطالبان بما أنهما داخلان تحت عنوان طلبة العلم فهما واحدان بالصنف ويكون لمفهوم الطالبية (وحدة صنفية).
على هذا الأساس لا يمكن أن نصف (الله) بالوحدة العددية بأن نقول الله واحد وليس باثنين. إذ أن هذا التعبير إنما يجوز استعماله فيما يمكن تصوّر فرد (ثان) للشيء الموصوف بالوحدانية في الخارج، أو في عالم الذهن، وإن لم يكن للمفهوم المعين سوى مصداق واحد. ولكن إذا كانت كيفية وجود الشيء بحيث لا يمكن تصوّر فرد آخر مثيلاً له أبداً، كما بالنسبة إلى الله سبحانه، ففي هذه الصورة لا تتحقق الوحدة العددية مطلقاً، ولا يصحّ إطلاقها واستعمالها في مثل هذا المورد بتاتاً.
والدلائل العقلية تذكرنا بأن الذات الإلهية (حقيقة خارجية لا تقبل التعدد والكثرة بأي شكل من الأشكال حتى لو أمكننا افتراض (ثان) له فإنه سيكون نفسه لا غيره.
هذا مضافاً إلى أن (الوحدة العددية) إنما تصحّ إذا اندرج الفرد المعين تحت ماهية كلية. وبتعبير فلسفي أن (الله) منزه عن الماهية وأن يندرج تحت مفهوم ذاتي.
ولما كان المختار عند المؤلف في وحدة الله هو أنه شيء لا نظير له، ولا مثيل، ولا يتثنى ولا يقبل التعدد أشار إلى برهان هذه الوحدة الدال على التوحيد المطلق من جهتين:
الجهة الأولى: وجود الله غير متناه، وعوامل المحدودية منفية عن ذاته.
الجهة الثانية: اللامحدود واللامتناهي لا يتعدد ولا يتثنى.
وإكمالاً للبحث أشار المؤلّف إلى بعض الموضوعات المتصلة به كفكرة التثليث السائدة بين المسيحيين، وتاريخ تسرّبها إلى النصرانية، وذكر رأي القرآن في التثليث والمسيح معتمداً في ذلك على آيات القرآن الكريم.
الفصل السادس: الله وبساطة ذاته
ويهدف في معنى بساطة ذات الله، وتنزيهه عن التركيب الفعلي والخارجي حسب الأدلة العقلية، وأن صفاته عين ذاته لا حادثة ولا قديمة زائدة على الذات. وقد ناقش عقيدة الأشاعرة والكرامية في ذلك حيث ذهب الكرامية إلى حدوث الصفات، وقال الأشاعرة بقدمها وأنها زائدة على الذات. وكان اعتماد المؤلف الآيات القرآنية واضحاً بعد تحليلها من الوجهة العقلية.
الفصل السابع: الله والتوحيد في الخالقية
ويعني هذا التوحيد إلى أن الفاعل المستقل الذي لا يعتمد على شيء في عالم الكون والوجود هو الله، وأن تأثير كل فاعل ومؤثر مستمد منه، ومستعين به.
وقد طرح المؤلف في هذا البحث عقيدة المعتزلة في العلل والأسباب القائلين باستقلال المؤثرات في الفعل والتأثير، كما طرح عقيدة الإمام الأشعري في العلل الطبيعية حيث ذهب إلى إلغاء التأثير في هذه الفضائل، وأنه لا مؤثر مستقل ولا غير مستقل إلا الله.
وعلى رأي المؤلف فالنظريتان دائرتان بين الإفراط والتفريط فكل واحد منهما ضيع أصلاً من أصول الدين. فالمعتزلة لحفظ عدله ألغوا الفضائل الأخرى في التأثير وخصوا الاحتياج في الذات دون الأفعال منهم، لأجل حفظ العدل ضيعوا توحيده، وجعلوا له شركاء بعدد الفواعل والمؤشرات. كما أن الأشاعرة لحفظ توحيده في الخلق والإيجاد نسبوا ما لا يصح أن ينسب، حيث ألغوا تأثير الفواعل والعلل وجعلوا الفاعل المستقل وغير المستقل نفسه سبحانه.
والمختار ـ عند المؤلف ـ ما ذهب إليه أئمة أهل البيت في معنى الخالقية، وكلّ ما يصدر من غيره سبحانه كما يصحّ أن ينسب إلى الفاعل يصح أن ينسب إلى الله، وأن شعار الموحد في هاتيك الأبواب هو المأثور عنهم عليهم السلام حيث يكرر المسلم في صلاته يومياً القول (بحول الله وقوته ـ أنا ـ وأقعد ـ أنا) فالفعل كما هو مستند إلى الله سبحانه مستند إلى الفاعل أيضاً. ثم أن المؤلف عقب بحثه ببحث عن وجود الشرور والآفات في العالم، وأنه كيف يصح نسبة خلق الشرور والآفات إلى الله وعند ذلك نقد نظرية (الثنوية) القائلين بتعدّد الخالق و(باليزدان) و(أهرمن).
الفصل الثامن: (الله والتوحيد في التدبير والربوبية)
امتاز هذا المبحث ببيان الفارق بين التوحيد في الربوبية والتوحيد في الخالقية. وأشار المؤلف الجليل إلى الخلط الذي وقع فيه بعض الكتّاب في تفسير معنى التوحيد في الربوبية حيث جعلوها بمعنى التوحيد في الخالقية، وأوضح معنى (الرب) الوارد في القرآن الكريم واستظهر أن ربوبية الله غير خالقيته كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن) فإنه سبحانه يعد نفسه رب السموات كما يوصف نفسه بخالقها، فكونه رباً غير كونه خالقاً. وعلى ذلك تصير ربوبيته تعالى عبارة عن مديريته للعالم لا عن خالقيته، واستدل على توحيده في التدبير ببرهان فلسفي، كما أشار إلى الآيات المتصلة بالموضوع. ثم بيّن بعد الاعتراف بأنه لا مدير سواه قوله تعالى: (فالمدبرات أمراً) كما جمع بين الآيتين اللتين تنسب أحدهما الحسنة والسيئة إلى الله، والأخرى تنسب الحسنة إلى الله والسيئة إلى الإنسان، وانتهى إلى أن معنى توحيده بالتدبير هو نظير توحيده في الخالقية، وأن المدير الأصيل في العالم هو الله سبحانه، وهذا لا ينافي الاعتراف بوجود سائر المدبرات بإذنه سبحانه، وأن شعار المسلم في كل ما يصدر منه في الخلق والتدبير هو قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) فالآية الكريمة تنفي الرمي عن النبي في الحالة التي تثبته له.
الفصل التاسع: التوحيد في العبادة
في هذا الفصل بحث المؤلف المعظم معنى العبادة الواردة في القرآن الكريم والحديث الشريف، وناقش ما يرد في معاجم اللغة من أن العبادة هي مطلق الخضوع، ثم استخرج معنى العبادة من القرآن الكريم واختار أن العبادة هي الخضوع الناشئ عن الاعتقاد بألوهية المخضوع له، وربوبيته.
فلو خضع رجل أمام رجل بهذه العقيدة فهو مشرك في عبادته. وإن شئت قلت إذا خضع الرجل أمام شخص أو موجود قائلاً أنه الله سبحانه، أو أنه مبدأ الفعل الإلهي فيعد هذا الخضوع الصادر من الإنسان عبادة. غير أن اللازم هو تعيين الفعل الإلهي، وما يراد منه. وهذه النقطة هي الأساس في هذا البحث. وليس مطلق الرزق والشفاء والإحياء والإماتة فعلاً خاصاً لله بل المختص به هو الرزق والإحياء والإماتة والشفاء الصادر من الله على وجه الاستقلال. فلو نسب الشفاء والرزق إلى واحد من المخلوقين بزعم أنه مستقل في هذا العمل فقد أشرك، ولو نسبه إلى غيره قائلاً يفعل ذلك باستمداد واقدار هذا العمل فلا يكون مشركاً، حتى ولو كان مخطئاً في هذه العقيدة فليس كل خطأ شركاً.
ثم أوضح المؤلف أن الكبرى (العبادة مختصة بالله سبحانه) مورد اتفاق بين جميع فرق المسلمين، وأن البحث إنّما هو في الصغرى والمصداق، وأن هذا العمل مثلاً عبادة أم لا فعند ذلك انجرّ الكلام إلى البحث عن كثير من المصاديق والصغريات التي يتبنّاها بعض المسلمين أمثال (الوهابيين) بأنّها مصداق للعبادة، ويذهب المؤلف بأنّها ليست منها أبداً مستنداً إلى الميزان الذي ذكره في تحديد العبادة.
الفصل العاشر: الله والتوحيد في التقنين والتشريع
من البديهيات الضرورية حاجة المجتمع إلى القانون، والمقنن حسب مفاد الآيات القرآنية هو الله سبحانه، فإن شرائط التشريع لا تتوفّر إلاّ فيه، وتدلّ على تخصيص التشريع والتقنين بالله ما ورد من الآيات القرآنية. ودافع المؤلّف عمّا أثير عن الشيعة الإمامية حول فكرة حق التشريع للنبي والأئمة، وانتهى إلى أن كون التقنين مختصاً بالله لا يلازم اختصاص التخطيط له سبحانه، فعلى الأمة أن تنتخب مختصين في العمران والزراعة وفي كل ما تحتاج إليه في إطار القوانين الإسلامية.
الفصل الحادي عشر: الله والتوحيد في الطاعة
هذا القسم يشير إلى انحصار حق الطاعة في الله، وأنه ليس هناك مطاع بالذات يجب إطاعته استقلالاً إلا الله، أما طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأولي الأمر، والوالدين فإنما هو بإذنه سبحانه، فلو لم يكن هناك أمر من الله لإطاعة الرسول ومن يليه لما وجبت الطاعة.
الفصل الثاني عشر: الله والتوحيد بالحاكمية
يصرّح القرآن بانحصار حق الحاكمية في الله، غير أن هذا الانحصار لا يهدف إلى شعار الخوارج حيث كانوا يقولون (لا حكم إلا الله) فإن الحاكمية مختصة بالله، والمراد منها هي الحاكمية (بالذات). وأما الحاكمية (بالعرض) أعني الإمرة فهي غير مختصة به سبحانه، ولأجل ذلك أشار الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في رد الخوارج بقوله: (كلمة حق يراد بها الباطل. نعم لا حكم إلا الله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله).
وعلى أي تقدير فالولاية لله سبحانه، وأما الإمرة والإدارة وإقرار النظام فبإذنه سبحانه، ويعمّ غيره.
بقي أن نذكر أن المؤلف الجليل يستمد تفسير مباحثة من طريقين:
الأول: أن نمط التفسير في بحوثه نمط موضوعي يجمع الآيات الواردة في موضوع واحد في سور متعددة في فصل واحد، ويستخرج منها مطالبه، فإن القرآن يبحث في كل موضوع في سور مختلفة والوقوف على المقصود النهائي وبجمع هذه الشتات في مكان واحد أسلوب تبنّاه العلاّمة المجلسي على وجه الاختصار والإجمال، وسبقه في ذلك غيره من المتقدمين.
الثاني: تفسير الآية بالآية، والقرآن بالقرآن. فإن الكتاب الذي هو هدى ونور (فيه تبيان كل شيء) لا يجب أن يكون مبيناً بالذات مستغنياً عن كل ما سواه.
كما لا يفوتنا أيضاً أن نذكر الجهود الطيبة التي بذلها أحد تلامذة المؤلف الأجلاّء وهو الأستاذ المحقق الشيخ جعفر الهادي في صياغة أسلوب الكتاب من الناحية الفنية، والإشراف عليه، وتلك يد مشكورة قدمها للدارسين.
ونأمل أن يوفّق العلامة السبحاني ـ أدام الله معاليه ـ في إنجاز عمله العلمي الكبير لينعم القرّاء الأعزّاء في ظل هذه الموسوعة القرآنية المتميزة.
الدكتور جودت القزويني
من أعلام الأدب المنسي في العراق الشيخ محمد حيدر
الشيخ محمد بن الشيخ جعفر بن باقر بن علي بن حيدر البطائحي المنتفكي. وأسرة آل حيدر من الأسر التي اشتهر أفرادها بالعلم والأدب منذ أواخر القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، وقد استوطنت منطقة سوق الشيوخ، وعُرفت بآل حيدر نسبة إلى جدهم الأعلى.
والشيخ محمد حيدر أحد أبناء هذه الأسرة الذي جمع الفقه والشعر في شخصيته المتسامحة.
وُلد في سوق الشيوخ سنة 1927م، وبعثه والده للدراسة في مدينة النجف وهو ابن الثانية عشرة من عمره، فدرس مقدمات العلوم على يد أساتذتها البارزين وأشهرهم: الشيخ محمد تقي الجواهري، والشيخ علي زين الدين، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي، والسيد محمد تقي بحر العلوم.
كما حضر شطراً من أبحاث الإمامين السيد محسن الحكيم، والسيد أبو القاسم الخوئي في علمي الفقه والأصول.
وفي عام 1959م انتدبه الإمام الحكيم ممثّلاً عنه في مدينة (جلولاء) التابعة لقضاء خانقين للقيام بالوظيفة الشرعية إماماً موجّهاً. فمكث فيها ست سنوات عاد بعدها أواخر الستينات الميلادية إلى مدينة الحلّة فوجد في ظلال تاريخها بغيته، فبدأ نشاطه بعدما وجد أرضيّة ثقافية ساعدته على أن يحتل موقعه فيها.
بدأ الشيخ محمد حيدر نظم الشعر إبّان سني شبابه الأولى في سوق الشيوخ، ثم سقى بذرته في النجف فنمت وترعرت. وقد نظم شعراً كثيراً في مقتبل أيام انطلاقته الأدبية، ونشر الكثير منه في مجلات تلك المرحلة أمثال مجلّة الغري، الأضواء، الإيمان، العدل الإسلامي، البلاغ، وغيرها.
كما جمع قصائده في ديوان سمّاه «في طريقي» رتّبه على أبواب. قال في أوّله من أبيات:
إن أعمارنا ظلال تراءت
لاهثات على شرارة جمر
أنا فيها لممت ظل لهيب
«في طريقي»، فكان ديوان شعري!
وقد كتب مؤلفات عديدة، لم يُنشر منها شيءٌ، منها:
1 ـ دراسات في القرآن الكريم.
2 ـ دراسات فلسفية (ألقاها على طلبة ندوة التعلم).
3 ـ الرسول يتحدث.
4 ـ هيفاء (رواية شعرية).
5 ـ الزهراء في خطبتها الغراء.
6 ـ الكشكول الجديد.
كما رأيت له مجاميع أخرى شملت قصائد في مختلف الأغراض لم يُسجّل لها عنوان مستقل.
ندوة القلم الإسلامي
ظهرت مواهب الشيخ محمد حيدر في مدينة الحلّة حيث استقلّ فيها عالماً دينياً التفّ حوله الشباب المثقف الذي وجد في شخصيته شخصية العالم المنفتح، والأديب المطبوع، والشخصية الاجتماعية المرنة.
وقد أسس ندوة أطلق عليها اسم «ندوة القلم الإسلامي» كان مركزها في مسجد «ابن نما الحلّي»، المسجد الذي تولّى إعماره. وقد شهدت هذه الندوة محاضرات أدبية، وثقافية غزيرة سجّل أعضاؤها بعضاً منها في مجاميع خاصة، كما أُفردت «ظرائف الندوة» في كتيب خاص فيه الكثير من نوادر الأدب المنسي التي تندرج في يوميات الأديب العفوي المترسل.
كان أعضاء ندوة القلم مزيجاً من شخصيات أدبية منسية أمثال السيد عبد الرحيم العميدي، محمد علي آل يحيى النجّار، موسى بهيّة، محمد علي الفلوجي، وغيرهم، وبعضاً من الضيوف الذين يحلّون عليها من طريق الصدفة.
كان بعض هؤلاء الشعراء يستغلون الأحداث ومجرياتها في اقتناص النادرة، والطرفة الأدبية. ومن ذلك على سبيل المثال ـ قول عبد الرحيم العميدي واصفاً إحدى الجمعيات الخيرية غير العاملة التي رُشّح رئيساً لها:
يا لجمعية إلى الخير تنُمى
قد دعوني لها فكنتُ الرئيسا
يا لصندوقها الذي أقفلوه
كسروا خاطري، و(ضمّوا) الفلوسا!
وقد كتب الشيخ محمد حيدر مقدمة على مجموعة «ظرائف الندوة» مؤرخة في 1/5/1969م، قال فيها:
«في هذه المجموعة ملتقطات أدبية، حاولنا جهد الإمكان جمعها لأنها لا تعدم الفائدة التاريخية، أو النكتة الأدبية… صيانة لها من الضياع، وضبطاً لتراثنا من التلاشي. فقد قررت اللجنة المشرفة على ندوة (القلم الإسلامي) في مسجد ابن نما الحلّي أن تحتفظ بهذا التراث».
وقد نسختُ جميع ما قيل من «ظرائف الندوة» في المجلد الأول من (الروض الخميل)، وهي تقع في ستين صفحة، واعتقد أنّ النسخة الأصلية فُقدت في خضم هذه السنوات الطويلة المليئة بالأحداث.
ويلاحظ أن كلّ ما قيل في «ظرائف الندوة» يندرج في الأدب المحلي المعتمد على أسلوب المناسبة، والذي بدوره يُصوّر تلك البيئة في مرحلتها الزمنية تلك، تصويراً كما هي عليه، دون أيّ رتوش أو تزويق.
تُعتبر شاعرية الشيخ محمد حيدر شاعرية متدفقة، فهو طويل النفس إذا أراد أن يكتب القصائد الطوال، وقصيره إذا أراد أن يقتصر على المناسبة العابرة فقط. وفي كلتا الحالتين فهو شاعرٌ مجيد ومتمكن.
وتشهد على رقّة مشاعره روايته (هيفاء) التي يفيض الكثير من أبياتها بالعذوبة، ومن تلك النماذج هذه الأبيات التي يقول فيها:
زرتُ واديك فابسمي
بسمة الروح والفم
أنت أشهى إليّ من
خمرة العائق الظمي
فوق خديك حمرة
من دمي، فاحفظي دمي!
أما نوادره فهي تعبّر عن شخصيته الاجتماعية الطريفة الواقفة والتي يستغل فيها الطرفة استغلالاً، فمن ذلك ما كتبه إلى أحد أصدقائه عندما بعث (جورباً) هدية إليه:
يا بن (الحكيم)، لقد بعثتَ هدية
ختمت فمي، وتملكت إحساسي
الناس ترفع بالهدايا رأسها
وتركتني فيها أُطأطأ راسي!
وكان بعض أصدقائه يستغل ميل أنفه إلى الكبر كموضوع يتندر به حيث كتب له السيد حسين بحر العلوم مداعباً بهذين البيتين:
شرينا (لورياً) في خمس ألفٍ
لنحمل فيه ناساً، أو نعاجا
ولولا أن أنفك ذو (مخاطٍ)
لصيرناه (للوري كراجا!
وكتب هو نفسه بيتين على صورته، وأرسلها هدية إلى صديقه السيد محمد حسين فضل الله، الذي هو الآن من كبار علماء لبنان الدينيين، بطلب منه (مستغلاً الجناس)، قال فيهما:
أيها الطالب مني
(صورة) تحمل وصفي
كلما أثبتّ حسناً
قال (أنفي) أنا (أنفي)!
فُجع الشيخ محمد حيدر بوفاة زوجته سنة 1392هـ/1972م، فكتب في رثائها شعراً أخاذاً يفيض بالشجن.
قال بعد عام على رحيلها:
عامٌ يمرُّ، وكله (رجب)
سُمّارنا الأحداث والنوب
البيت ضاق بنا على سعةٍ
إذ أنت أنت الماء والعشب
حتى الصباح عيوننا أبداً
وكأنها في جريها السحب
أرعى النجوم لعل (فاطمة)
ما بينها بصباي تعتصب
ولعلها بجميل قامتها
تختال حولي، والهوى يثب!
والقصيدة تقع في (45) بيتاً.
وقال في رثائها أيضاً:
سنتان قد مضتا، وما برحت
دنياك ملء السمع والبصر
كنت الضحى يختال في كبدي
واليوم تحت نضائد الحجر
يا أم (آلاء)، أبثّك ما
ضم الفؤاد عليه من شرر
كنت الصباح لموحش وعر
والكأس رقراقاً لمعتصر
ما جفّ دمعٌ فاض من مُقل
أكحلتها بشبابك النضر
وطيوفُك الوسنى تطالعني
بكتاب حُب غاب عن بصري
وهي تقع في (35) بيتاً.
وقال في قصيدة أخرى راثياً لها بهذه المرثاة الغزلية:
أذكرينا بقبلةٍ وابتسام
قد ذكرناك بالدموع الهوامي
أنتِ ريّانة الفؤاد، وإنّا
حول نهر الحياة نسعى ظوامي
وتقع في (31) بيتاً.
استطاع الشيخ محمد حيدر أن يتخطى مرحلة الثمانينات الميلادية الثقيلة التي مرّت أحداثها محملة بمآسٍ لا نهاية لها، فقد شهد مقتل المئات من علماء العراق وشبابه المثقف سواء في ظل صراع السلطة مع أبنائها العزّل، أو على صعيد الحروب التي خاضها هذا البلد المتهشم طوال ما يقرب من العقد الكامل من الزمن.
وعند قيام انتفاضة بعض المدن العراقية ضد المراكز الحكومية بعد اندحار العراق أمام قوات الحلفاء، وخسرانه عسكرياً في «عاصفة الصحراء» اعتُقل الشيخ محمد حيدر فيمن اعتُقل منذ عام 1991م. وقد ضاعت أخباره منذ ذلك التاريخ، فوا أسفاً عليه، وعلى أدبه الرائق، وفضله العتيد الجم.
وقفة على قبر زوجتي
أبت الضياع شمائل الود
في الحالتين؛ القرب والبعد
حتمية الأقدار فوق يدي
والدمع والحسرات لا يجدي
قبلي وبعدي ألف حادثة
لي أسوة فيها على وجدي
والموت فينا، والحياة معاً
سيان قبلي مُت أو بعدي
إن الحياة سباقها كذبٌ
حيث الممات نهاية الحد!
***
بيني وبينك أم (آمنة)
عهد، وما وفيت بالعهد
ولقد وفدت إليك منفرداً
إذ أنت من دنياك في حشد
ضيفاً على (قبر) دفنت به
أملي، وزادي، منتهى ودّي
لي وقفة والشمس ضاحية
فوقي، وأنت بظلمة اللحد
ماذا يكون قراي (فاطمة)
أوَلستِ ذات الوجه والرفد؟!
وغمستُ كفي في ثراك وقد
عطرته بتلاوة (الحمد)
بالبُعد تستلّ القلوب يدٌ
عمياء، كيف بحالة الفقد؟
فكأنّ داري وهي واسعةٌ
سُمّ الخياط لرائح مغد
أوحشتها يا فجر ليلتها
وفرشتها بالشوك لا الورد
أمشي وحولي كلّ (حاشيتي)
فكأنني ما بينهم وحدي
لا أرتدي إلا الأسى بُرداً
إذ أنت في دنيا الهوى بُردي
بمشاعرٍ كالجمر لاهثة
وبناظر كالليل مُسوّد
***
شهرٌ يمرّ وأنت غائبة
عني، وعن بيتي، وعن ولدي
قد كنتُ أرجو الموت أشربه
كأساً كخمرة ثغرك الوردي
عانيتُ بعدك ما تذوب له
عيناكِ، لو عاينته بعدي
وأُعلل الأطفال مدّرعاً
بالصبر، أنك في رُبى الخلد
(رجبٌ) وليلة (جمعةٍ) وفدت
حُبلى، وهذا منتهى القصد!
***
عشرين عاماً في تجاربها
عشنا على ألمٍ بلا عدّ
عندي من الآلام أكتُمها
يا ليت عندك بعض ما عندي
لي منك أطفال وكلهم
روح مرفرفة على البعد
أبكيك إن نامت عيونهم
وإذا استفاقوا لم أبح وجدي
ولقد رأوك، وأنت وادعة
في النعش مثل الطفل في المهد
عيناك مطبقتان من سهر
ويداك راكدتان من جَهَد
داروا عليك وأنت بينهم
جسدٌ بلا همسٍ ولا رشد
ولقد وجمتُ لطفلةٍ هرعت
لم تدرِ ما تُخفي، وما تُبدي!
الدكتور جودت القزويني
منتهى الشرف في فضائل الكوفة والنجف
أرجوزة في فضائل النجف (103) بيت وأخرى في فضائل الكوفة (44) بيتاً.
نظم الدكتور حسين علي محفوظ
بسم الله الرحمن الرحيم
النجف الأشرف
مدينة العلم العظمى، ومدرسة الفقه الكبرى وجامعة الإسلام العليا مناط التقليد، ومرجع الفتيا والأحكام. مجمع المراجع الأعلين، موضع المجتهدين الكبار، ومثابة الفقهاء العظام، ومركز العلماء الفضلاء، مرتاد المتعلمين والمتفقهين، ومنتجع الطلبة والدارسين. محل الأدباء البارعين، ومنبت الشعراء الفحول،
مقصد الزوار، وحرم العابدين الزهاد، والطائفين والعاكفين والركّع السجود. وعش المؤمنين والصالحين والصابرين والصادقين والقائمين والخاشعين والقانتين والمنفقين والمستغفرين، والمصلّين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، يخرون للأذقان يبكون، يخرون سجداً وبكياً.
النجف
حضرة علي عليه السلام حظيرة القُدس
هنا تسجد الشمس عند الصباح
ويركع عند المساء القمر
هنا يخفض الفرقدان الجناح
وتجري هنا الشمس للمستقر
تواضع للنجف النيّران
فهذي توارت وهذا استسر
عنت للتراب الطهور النجوم
تخرّ له سجداً والشجر
عنت للصعيد الأعزّ الوجوه
ترتدّ خاشعة والبصر
تراب تمرّغ فيه الزمان
تعفّر فيه الجبين العُصُر
صعيد إذا طيّرته الرياح
درّت سوافيه كحل البصر
تراب يروع حصاه الشموس
وتزرى حجارته بالدُرَر
هنا حيدر (خاتم الأوصياء)
هنا (صفوة الله) (خير البشر)
طوى الناس واديه طول الدهور
وعانق فيه القضاء القدر
حسين علي محفوظ
بسم الله الرحمن الرحيم
النجف الأشرف في البلاد
أكرم مشهد وخير وادي
زين البقاع حلية الأماكن
وأرفع البلدان والمدائن
مدينة طيبة معطار
تضوّعت بعُرفها الأقطار
مدينة العلم ودارة الأدب
مركز أركان الهدى ولا عجب
عبقة مكة وطيب طابه
والقدس والكوفة مستطابه
تأرج في روضاتها الجنان
ولا ترتقي محلّها البلدان
وليس كالمشهد من تراب
كرّمه مثوى أبي تراب
معجزة النبي خير البشر
آتاه ضوء الشمس نور القمر
نقة فاء فوق أيديهم علت
نقطة باء باسمه تنزلت
(مدينة العلم) (علي بابها)
يفاخر السبع العلى ترابها
(ناد علياً مظهر العجائب
تجده عوناً لك في النوائب)
وكل من يقول (يا علي مدد)
لهفان يأتيه من الله المدد
منزلة ويا لها من منزله
مثابة الذكر، محلّ الهيلله
فاحت بذكر النجف الأسفار
وامتلأت بفضلها الأخبار
بحيدر ارتقت محلاً أرفعا
وبضجيعيه وجاريه معا
عظام آدم ونوح فيها
وصالح وهود في واديها
أول بقعة عليها الله
عبد، ما من أحد إلا هو
وقطعة من طور سيناء الغري
وجنة الخلد مزار حيدر
للأنبياء جعلت مساكن
وازينت بنورها الأماكن
ومسكن الخليل إبراهيم
وجبل التقديس والتكليم
قد كلّم الرب عليه موسى
وقدّس الله عليه عيسى
حمل ظهر الكوفة الولاية
يشرق بالرشاد والهداية
جواره يوماً عظيم الأجر
من ذا يفي بما له من قدر
ومن يجاور المزار ليلا
سالت عليه البركات سيلا
والنجف إحدى بقاع أربع
خصت لدى الرب بأسنى موضع
والمؤمن إن مات في بلاد
قيل لروحه الحقي بالوادي
وادي السلام الطيب الطهور
حفّ به من الوصي النور
وليس في الوادي عذاب القبر
ولا سؤال منكر ونكر
ولا عذاب البزخ الطويل
وهو عذاب واصب وبيل
حرّم منها المرتضى ما حرّم
محمد في البلد المحرّم
ترابها المسك حصاها الدر
ورحمة الله بها قدر
فضائل كالقطر لا تعد
ببعض بعضها ينوء العدّ
مناقب النجف من يحصيها
فضائل الغري من يدريها
مدينة طيبة معطار
يسكنها الخيار والأبرار
وجنة وروضة مئناف
يقطنها السادة والأشراف
***
النجف الأشم خد العذرا
صعّر للمنكر مشمخرا
ونجف الكوفة طابت مشهدا
تخرّ فيه الشارقات سجّدا
ونجف الحيرة ظهر الكوفه
تلألأت أساميا معروفه
والطور والربوة والجودي
والمشهد الأقدس والغري
والظهر واللسان فيه دلعا
الصبح لسانه ضياً وسطعا
والعلم الفرد مقامه العلى
مدينة العلم وبابها علي
***
النجف الأشمّ ترب الشعرى
تنهل فيه البركات قطرا
واديه والتربة والمجنّه
جنة عدن من رياض الجنه
وادي السلام المؤمن المهيمن
لروحه يحنّ كل مؤمن
فضائل النجف من يدريها
مناقب المشهد من يحصيها
تعنو بها الأملاك والملائك
وتخشع الأفلاك والممالك
كفى الغري إنه مثوى علي
ومستقر الأنبيا والرسل
جارتها رابعة المساجد
وإنها أوّلة المشاهد
والركّع السجود فيها انتشروا
والقصّد الروّاد فيها حبروا
وكل ما يقال في وصف الغري
ليس يفي بنقطة من أبحر
تركت مدح الذكوات البيض
تعمّداً، في روضها الأريض
والكوكب الدري في سماها
والزاخر اللجيّ في ثراها
***
العتبات مبتداها النجف
وكلها ذخائرٌ وتُحف
وحضرات القدس في العراق
مطالع الإصباح والإشراق
جنات عدن أزلفت ذات أكل
تبركت بالأنبياء والرسل
وبسنا العترة آل الله
بنورهم مختالة تباهي
النجف الأشرف مثوى المرتضى
بسبحات نوره الكون أضا
والحائر الطاهر كربلاء
تطلع منه الشمس والضياء
مدينة الحسين والعباس
تلألأت قدسية الآساس
ومشهد الكاظم والجواد
مشارق الشموس في بغداد
وسُرّ من رأى تسر من را
بالعسكريين تجلّت غرّا
تسجد فيها الشمس يركع القمر
يزيغ في جلال نورها البصر
سماؤها تنزلت مدرارا
عيونها تفجرت أنهارا
بنور آل أحمد الكون استضا
وحبهم على الجود فرضا
عليهم الصلاة ما غيث همى
ونزّل الله من السماء ما
***
والصفوة الكرام أعلام النجف
مفارق العلى (يآفيخ الشرف)
رؤوس بيت العلم دار الحكمه
(الشمس ذات النور) تمحو الظلمه
لا سيما المراجع الأعلينا
دام وريف ظلهم علينا
والغرر المجتهدين البرره
الفقهاء الأكرمين الخِيَره
النخبة الأعزة الأفاضل
الكبراء الجِلّة الأماثل
والعلماء الفضلاء الكمله
الأعلياء رتبة ومنزله
أولو النهى الأئمة الأعلام
العلماء حجج الإسلام
وهم جبال العلم أبحر الحكم
ثواقب الضياء في داجي الظلم
مناكب الفضل سواري الدين
معالم الإيمان واليقين
تبدأ بالشيخ وبابنه العلم
(إذا قطعنا علما بدا علم)
تطوى القرون طبقات العلما
طوالع تنطح هامة السما
مئة بيت أنجبت بألف
ليس يفي لهم لسان الوصف
غير الذين غرفوا من بحرها
وزيّنوا حليتهم بدرّها
وغادروها يحملون العلما
وينطقون فطنة وفهما
دامت بيوت النجف الكبيره
ثابتة عالية أثيره
تشرق بالوصي في الغري
باب مدينة الهدى علي
صلى عليه الله ما غيث همى
وزانت النجوم أقطار السما
تخدم فيه العلم والدين أسر
ينهل في جرعائها الفضل مطر
الفخر معقود الذرى بفخرها
تطيب أفواه الورى بذكرها
خرّجت الأفاضل الأماثل
أترعت الحياض والمناهل
أبحر علم وينابيع أدب
سبائك التبر سلاسل الذهب
جبال علم وأهاضيب هدى
تنطح علياها السما مدى المدى
مقصد أهل الفضل والكمال
منتجع الزهاد والأبدال
الشمس ذات النور فيها تستقر
والنور والضياء فيها ينفجر
الشمس ذات النور والضيا النجف
درة بحر والسماوات صدف
هي الضياء والسنا والنور
شمس الضحى والقمر المنير
اللطف والرحمة فيها درّا
فسال طيباً تربُها ودُرا
القطب في مركزها السامي استقر
وانهلّ في بطحائها النور نَهَر
فخرّت الأملاك فيها ركّعا
وسجّداً وخُضّعاً وخُشّعا
حضرتها ضراح خير البشر
حظيرة القدس ضريح حيدر
النيّران في ثراه خضعا
الفرقدان في ثواه خشعا
يركع في ها ذلك الوادي القمر
والشمس تجري نحوها لمستقر
تعنو النجوم سُجّداً هنالكا
تزاحم الملائك الملائكا
نهاية السؤال ومنتهى الأرب
مرتاد أهل العلم ذروة الحقب
حبلٌ به الكل الجميع يمسك
والعروة الوثقى بها يستمسك
الشكر لله على الآلاء
ملء السماوات بلا انتهاء
والحمد لله الكريم الرازق
بعدد الأنفاس والخلائق
والسَبح والتقديس والتمجيد
زنة عرشه كما يريد
حسين علي محفوظ
من ذخائر تراث الشاعر السيد حيدر الحلّي
قصيدة مخطوطة للسيد حيدر الحلّي
تفرّغ الشاعر الكبير السيد عبد المطلب الحلّي المتوفى 1319هـ/1920م لجمع ديوان عمّه السيد حيدر الحلي وإليه يعود فضل متابعة شعر السيد حيدر من مضانه المخطوطة، ومقارنته على نسخ القصائد المختلفة المتباينة. وقد أطلق على الديوان إسم «الدر اليتيم والعقد النظيم»، وطبع لأول مرة في الهند سنة 1312هـ/1894م، مصدراً بمقدمة نفيسة عن حياة الشاعر ومجموعة مراثيه بقلم جامعه السيد عبد المطلب الحلي.
أشار السيد عبد المطلب أن شعر عمه السيد حيدر لم يجمع كلّه بل تناثر بعضه هنا وهناك حيث ذهب منه، كما يقول جامع الديوان: «من النظم والرسائل ما لو حُفظ لكان حلية لجيد هذا الزمن العاطل».
إلاّ أنّ ديوان الحلّي لم يحتو على جميع شعره. وبقي الكثير من النسخ الخطية محفوظة عند بعض المتخصصين من محترفي الأدب، ولدى أفراد أسرته أيضاً.
لكن العواصف التي عصفت بعد هجوم القائد التركي عاكف باشا على مدينة الحلّة وإباحتها بعد تمرد الثوّار الحلّيين على السلطة العثمانية سنة 1335هـ/1916م لم تحصد نفوس الناس فحسب، بل حصدت ممتلكاتهم أيضاً، ومنها الكتب والمخطوطات التي أصبح الكثير منها طعماً لنيران المدافع العثمانية التي انصبّت بحممها على بيوت المدنيين العُزّل.
وقد سبّبت هذه الوقعة المعروفة عند المؤرخين (بدكّة عاكف) فقدان الكثير من شعر السيد حيدر الحلّي، ومخطوطات قصائده التي احترقت بعد إحراق بيوت الأسرة واستلابها من قبل القوات التركية)[1229](.
وفي عام 1368هـ/ 1949م أصدر الشاعر الكبير صالح الجعفري المتوفى سنة 1400هـ/1979م الجزء الأول من ديوان السيد حيدر الحلي، وقد أجهد نفسه في تحقيقه، وشرح غوامضه، ونُشر في 186 صفحة لكنه لم يُصدر بقية الأجزاء، ربما كان ذلك بسبب منافسة زميله الأستاذ علي الخاقاني (ت: 1399هـ/ 1979م) الذي سعى إلى إصدار ديوان السيد حيدر الحلّي ضمن جزأين محققاً عام 1369هـ/1950م.
ورغم الاعتناء بشعر الحلّي والتنقيب عنه في الكتب المخطوطة إلاّ أن هناك جملة من رسائله وقصائده لم يحوها ديوانه المطبوع. ومن تلك القصائد قصيدته في رثاء زميله الميرزا جعفر القزويني المتوفى سنة 1298هـ/1881م.
ولد السيد جعفر القزويني بمدينة الحلة سنة 1253هـ/1837م، وتوفي سنة 1298هـ/1881م وهو لم يزل بعد في أوج عطائه العلمي المتدفق. وقد لقّب من قبل الولاة التابعين للدولة العثمانية بلقب (المرزة) جرياً على الألقاب المستعملة في تلك الحقبة التاريخية، وقد لحقه هذا اللقب هو وأخوه السيد صالح، ولم يلحق أحداً من أخوته الآخرين، السيد محمد، والسيد حسين.
وللسيد جعفر شعر متين نشر الشيخ محمد علي اليعقوبي مجموعة منه بعنوان (الجعفريات) طبعت سنة 1369هـ/1950م، في (46) صفحة، وهي عبارة عن عشر قصائد في رثاء الإمام الحسين عليه السلام.
كما أن له ثلاث رسائل اختصر فيها علم المنطق، وكتاب التلويحات الغروية في علم الأصول.
فُجع السيد حيدر الحلّي بوفاة السيد جعفر، فكتب في رثائه قصيدة نالت شهرتها في الأوساط الأدبية، والتي يقول فيها:
قد خططنا للمعالي مضجعا
ودفنا الدين والدنيا معا
وعقدنا للمساعي مأتما
ونعينا الفخر فيه أجمعا
آه ماذا وارت الأرض التي
رمقُ العالم فيها أودعا
وهي تقع في (76) بيتاً، نُشرت كاملة في ديوانه.
ولم يكتفِ بذلك بل عمد إلى جمع مراثيه في كتاب سماه «الأشجان في رثاء خير إنسان»، وصدره بمقدمة أدبية، كما ترجم للشعراء الذين ساهموا في رثائه، وهم إثنان وعشرون شاعراً. ونسخة الأصل محفوظة لدي بخط مؤلفها.
وهذه القصيدة المرثية الثانية التي أنشأها السيد حيدر الحلّي معزياً والد الفقيد الإمام السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1300هـ/1883م وهي مثبتة في بعض المجاميع المخطوطة العائدة لمكتبة الأسرة وهو مجموع مراثي المرزة صالح القزويني. وقوام القصيدة واحد وثلاثون بيتاً.
من قبل (جعفر) لم أكن أتوقع
في الترب جوهرة المكارم تودَعُ
فقد الندى والمجد ساعة فقده
فكأنما دفنت (مجمع) أجمع
وذوت رياض (لوي) بعد نضارة
وغدا سحاب الجد منها يقشع
فجعت بمن خضع الزمان لعزه
ومن العلاء له المحل الأرفع
واستخدما لأيام يملك رقها
تسعى له فيما أراد وتسرع
لم يخل من جدواه كف مثلما
من ذكره لم يخل يوماً مجمع
لما نُعي كادت لفادحه من الـ
ـأجسام أرواح البرية تنزع
يا ناعي الإحسان فاجأك الردى
من نعيك الأطواد كادت تقلع
إن الجسوم غرقن حين نعيته
بخضم دمع موجه يتدفع
والأرض قد رجفت، وأوشكت السما
من عظم دهشتها له تتصدع
وغدا الحمام عليه يقرع سنه
ندماً، وتلك ندامة لا تنفع
اليوم أسباب الكمال تقطعت
والمجد أضحى يُستضام فيضرع
اليوم شمس الفخر في الأجداث قد
غابت، وكانت في المعالي تطلع
اليوم آناف المكارم غودرت
بحدود أسياف المنيّة تجدع
اليوم ألسنة البلاغة قد غدت
خرساً، وكانت بالفصاحة تصدعُ
قل للفصاحة لا أرى بك ناطقاً
فلقد مضى عنك الخطيب المصقع
يا جامعاً شمل المكارم والعلى
هيهات شمل الفضل بعدك يجمع
أفلا وقتك الموت هيبتك التي
كانت لها الأشراف طراً تخضع
كيف استطاع لك الوصول، ودونه
من عز مجدك هضبة لا تقلع
وقساور من هاشم، من بأسها
أضحت قساورة الملاحم تفزع
ما كنت أحسب قبل موتك أنه
لهم بموتك يا مهذب يُفجع
وغدت تسيل مع الدموع نفوسها
وعلى لظى الأحزان تطوى الأضلع
صبراً بني الشرف الرفيع، ومن لهم
رتبٌ على هام الكواكب ترفع
فلكم عن الضرغام (جعفر) سلوة
بفتى به علم الشريعة يُرفع
السيد (المهدي)، والندب الذي
كفاه بحرٌ في السماحة مترع
المستضاء برأيه، والمستجار بظلـ
ـله إن حل خطبٌ أفضع
في العلم بحر زاخر والجود غيـ
ـيثٌ هامرٌ، والحلم طود أفزع
ياذا الذي وقفت (بساحة) مجده الـ
ـعُلما لنور علومه تتطلع)[1230](
وغدت ملوك الأرض تسجد هيبة
لجلاله طوراً، وطوراً تركع
ما مات من أحيى مآثر فخره
عرف لفخرك نشره يتضوع
فسقى نداه الغمر قبراً؛ قد غدا
فيه لجسم المجد منه مضجع
موت شاهرخ ميرزا والنهاية الكاملة للعهد الأفشاري في خراسان
بعد قتل نادر شاه لم يحظ أي من خلفائه بإمكانية الحفاظ على العرش الأفشاري. وبما أن نادر كان قد قتل في جنوشان، بعد زمن قصير جلس إبن أخ نادر باسم عادلشاه على سدة حكم مشهد بعد انهيار معسكر نادر.
كان أول أعماله القتل العام للأمراء الأفشاريين وليس التدبير والحنكة لكيفية تجديد حكومة الأفشاريين. من بين القتل العام لعادلشاه الأمير الوحيد الذي صادفه الحظ في استمرار حياته كان شاهرخ ميرزا ابن رضا قلى خان ميرزا وحفيد نادر من أم صفوية بعد هزيمة عادلشاه من أخيه إبراهيم خان وقتله بيد حاكم طهران ازداد حظ شاهرخ ميرزا للجلوس على عرش الحكم وبناء عليه ومع وصول خبر قتل عادلشاه إلى مشهد استلم زمام الأمر شاهرخ ميرزا في 9 شوال 1162 بخيال مطمئن. في هذا الزمن كان هناك ـ إضافة إلى شاهرخ ميرزا ـ عدد من الخوانين الخراسانيين المتحدين معه عندهم فكرة لبسط السلطة الأفشارية من خراسان إلى كل إيران، ومع وصول خبر تقدم المدعي الجديد للسلطة الأفشارية إبراهيم خان نحو خراسان إلى شاهرخ ميرزا قام الأخير بسبق التصدي له بمرافقة قوى عسكرية. تلاقت القوتان عند حدود بسطام ودامغان. وهذه المرة أيضاً كان القدر لصالح حفيد نادر وتلاشت جموع قوى إبراهيم خان. بعد هذا الانتصار لشاهرخ في ميرزا، قام محمد حسن خان قاجار، والد آغا محمد خان بالانضمام لعسكر القوى المنتصرة وأُعطي رتبة ومنصب إيشيك آغاس في بلاط شاهرخ هذا في حين كان عدد من خوانين خراسان بصحبة شاهرخ. يهيئون أنفسمهم لمعارضة أفكاره للمضي نحو إيران المركزية. وعندما أصبحت معارضة هؤلاء علنية وحتى ضد شاهرخ ميرزا، ارتأى الشاه الشاب الأفشاري ان مصلحته تكمن في الخضوع لرأي الخوانين الآنفي الذكر وتوجه نحو طريق خراسان بعد رجوع شاهرخ ميرزا إلى مشهد. امتطى كل من الخوانين المتعطشين للسلطة والمنافسين كل منهم صهوة مصالحه الخاصة بالطريق والشعوب الذي يرتأيه، ولذات السبب لم يستطع شاهرخ أن يقوم بتوحيدهم أبداً لجهة التنسيق وتقوية السلطة الأفشارية. بعد قليل اتضحت المنافسات والحروب الخفية للخوانين وأضمر عدد منهم فكرة عزل وقتل الشاه الأفشاري. وعندما علم شاهرخ بهذا الهدف، وخوفاً على مصيره قام وقتل الأخوة الأصغر لعادلشاه دون أي رحمة وقتل خمسة منهم كان الشاه الأفشاري خائفاً من أن ينصب الخوانين المعارضين أحد هؤلاء الأحرار بدلاً منه. طبعاً أعطى قتل أخوة عادلشاه الذريعة للخوانين المخالفين لشاهرخ. في تلك الأُثناء قام محمد حسن القاجاري بالسعي للمنع من عزل شاهرخ ميرزا عن طريق التفاوض ولكن عندما أعطت مساعيه أُكُلها قام بالذهاب إلى استرآباد. وقام خوانين خراسان بتنحية شاهرخ ميرزا أيضاً عن السلطة ونصبوا متولي مقام الإمام الرضا عليه السلام حينذاك الشاه سليمان الصفوي في 9 صفر 1163. بعد عدة أيام وعندما كان الشاه سليمان يقبع خارج مشهد فقأت عين شاهرخ ميرزا بموافقة الشاه سليمان لكي لا يستطيع أن يستلم زمام السلطة مرة أخرى. لم تنته حرب السلطة بين خوانين خراسان مع عزل شاهرخ وتنصيب الشاه سليمان. كان ما زال لخوانين خراسان أحلاماً وآمالاً كثيرة لتقوية الأزمة وإزعاج الناس وإضعاف السلطة في خراسان. وفي هذا المجال أيضاً كان الشاه سليمان هو الهدف واستطاعوا بعد أربعين يوماً من استلامه للحكم أن يسحبوا البساط من تحت هذا الرجل الصفوي ويُفقدوه بعده، ومع سقوط الشاه سليمان فإن الخوانين المتظاهرين بحماية شاهرخ ذهبوا مرة أخرى نحو الأمير العزير وأجلسوه مجدداً على عرش السلطة الأفشارية في هذا الحين. كان لأخبار خراسان والعزل والنصب المتتالي وتجديد الملكية الضعيفة والمنهارة لشاهرخ الأثر في تطميع خوانين المناطق البعيدة والقريبة من خراسان الكبيرة للتسلط عليها. في تلك الأثناء أحد هؤلاء الخوانين أحمد خان دراني كان له الأمل الأكبر في احتلال مشهد. وبناءً عليه شرع بشن هجومه على هرات من قندهار وبعدها في المدة ما بين شهر رمضان 1163 حتى بداية عام 1184 قام بالهجوم على مشهد ثلاث مرات وسعى لجعل شاهرخ آلة بيده ومأموراً من قبله في مشهد لكن مقاومة شعب خراسان في مقابل قواه أدت لعدم تحقق آماله رغماً عن بعض انتصاراته الموقتة. وكان لمحمد حسن القاجاري الدور المهم في هزيمة ورجوع أحمد خان دراني إلى قندهار في آخر هجوم له على خراسان. بعد موت أحمد خان الدراني سعى إبنه أيضاً لمتابعة سياسة أبيه بالتعرض والغارة على خراسان. لكن الحظ لم يكن حليفه هو الآخر. كان الفاصل بين وفاة أحمد خان الدراني وظهور آغا محمد خان القاجاري فرصة مناسبة ليستطيع من خلالها شاهرخ ميرزا وأولاده أن يقووا السلطة الضعيفة والتابعة للأفشاريين. لكن خلال تلك الأيام استمر شاهرخ ميرزا بسلطته الضعيفة والمتأرجحة والتي كانت تحت انقياد وقدرة خوانين خراسان ونتيجة لذلك هيأ أفضل الأوضاع لسقوط السلطة الأفشارية في خراسان بشكل نهائي. لم يستطع شاهرخ ميرزا في عهد حكومته أن يقوي سلطته بل هيأ أرضية تجزئة السلطة في خراسان وظهور حكم دراني في قندهار، تلك السلطة التي ادعت الحكم على خراسان أيضاً، وبالطبع فكان استقلال سلطة حكام مرو وبخارا وخوارزم ينشأ من ضعف شخصية شاهرخ ميرزا. طبعاً لولا أن تكون الأوضاع للسلطة في خراسان تترنّح ضعفاً لما استطاع آغا محمد خان المضي نحو تلك الديار ولم يكن ليستطيع أن يثبت حكومته المركزية هناك وينهى الحكم حيث كانت خراسان تتحرك نحو التجزئة من قبل أن تتبنى عبارة التجزيء. وللأسف فإن بعض الكتاب المحليين نظروا كالمؤلفين الخارجيين في تسيير جيوش آغا محمد خان لخراسان وقلب السلطة الإفشاية المتفرضة على أساس تعلقه بأخذ المجوهرات النادرية ولم يلتفتوا إلى الدور الكبير الذي قام به آغا محمد خان في حفظ أرض خراسان والممانعة من سقوطها بأيدي القوى المجاورة آنذاك. قام آغا محمد خان بعد رد شهية أطماع خوانين شرق وشمال خراسان بأراض خراسان الداخلية فقام بأعمال للحد من مسار أطماعهم. وعندما لم تتوفر الفرصة للأوضاع التي تهيّئ الأرضيات السياسية لتحديد وحدة خراسان الكبيرة سعى لانتقال شاهرخ ميرزا وعائلته إلى مازندران ليمنع من تجزئة خراسان أكثر.
وبعد وصول شاهرخ ميرزا حدود بسطام ودامغان وافته المنيّة هناك فقطعت آخر خيوط حياة الحكومة الأفشارية بموته أيضاً. وبناءً على تدوينات المؤرخين المعاصرين عن محمد خان قاجار كان موت شاهرخ ميرزا على أثر التعذيب الذي مورس عليه من قبل الخان القاجاري.
الميرزا القمي
(1151 ـ 1231)
الميرزا أبو القاسم بن الملا محمد حسن الجيلاني المعروف بالميرزا القمي أو المحقق القمي واحد من أكثر… المجتهدين… العهد القجاري. وقد عاصر في حياته ثلاثة من الحكام الإيرانيين يعني كريم خان الزند والآغا محمد خان وفتحعلي شاه القاجاري. ولد المحقق القمي في قرية جابلق في بروجرد وبدأ تحصيله العلمي في مسقط رأسه وأنهاها عند الفقيه المعروف الآغا السيد حسين الخوانساري وبعد أن تزوج من أخت أستاذه وبمشاورة أستاذه. ذهب إلى العتبات المقدسة لإكمال دراسته.
وبعد أن حصل القمي على درجة الاجتهاد وأخذ الإجازة من الفقيه الأوحد في عصره وحيد البهبهاني رجع إلى (دره باغ) من قرى جابلق للبحث العلمي، ولكنه تعرض لحسد عالم بين تشابلقين ولأنه كان يعاني من الفقر وقلة ما في اليد هاجر إلى أصفهان ومن هناك إلى قم حيث استقر بشكل نهائي. وقد وافت المحقق القمي المنية بعد سنين من الجهود العلمية والتدريس في قم عام 1231 بعد توقيع معاهدة كلستان.
كان العيش في قم والتي تعد منذ القدم واحدة من مراكز التفقه والاجتهاد الشيعي بداية لاشتهار المحقق القمي. كان وفي أوج هذه الشهرة والنفوذ الاجتماعي حين واجه هذا الفقيه المشهور وحشية أغا محمد خان الشاملة وقام بكتابه رسالة للآغا محمد خان والاستفادة من لغة النصح السياسي لأجل رعاية حقوق المظلومين والحد من غارة وقتل الأبرياء. اشتهرت هذه الرسالة في الأدب السياسي ذلك الوقت بـ (ارشادنامه).
وبعد قتل الآغا محمد خان وحلول عصر حكم فتحعلي شاه القاجاري قام المحقق القمي أيضاً بناءً على الضرورات الخاصة وضمن الأوضاع التي شهدت تعديات هذا الملك على شعبه أيضاً بدعوته إلى اتخاذ سنة وطريق العدالة وعلى الأقل اتباع سيرة السلف العادل من السلاطين ضمن قالب رسائل نهاه فيها عن التعرض على أرواح وأموال الناس.
والشاه القاجاري وبدوره قام بإرسال رسائل إيجابية حول رعاية حقوق الشعب وتخفيض الضرائب الديوانية رداً على مطالبة الشيخ القمي وعالماً بمقامه الرفيع وإطلاعه على زهده وتقواه.
ومع حلول موعد هجوم الروس على أراضي إيران الشمالية اعتبر القمي ـ وبناءً على الأسس الأصيلة في الفقه الشيعي ومن جملتها الحفاظ على بيضة الإسلام ومراقبة الحدود والثغور ـ أنه من الضروري تقوية بلاط إيران في مقابل الروس وكان يفرق بشكل واضح بين واقعية عدم مشروعية سلاطين الجور ومقبوليتهم بسبب أعمالهم الحكومية لحفظ كيان المسلمين والأراضي الشيعية في إيران. وعرض في كتبه جامع الشتات وغنائم الأيام اجتهاداته الصريحة في ضرورة الجهاد الدفاعي ضد الروس بجانب الحكام القاجار. واستفاد الميرزا عيسى القائم مقام الفراهاني كثيراً في تدوين كتابه «أحكام الجهاد واسباب الرشاد» المشهور بالجهادية الكبيرة من آراء واجتهادات المرحوم القمي في باب وجوب الجهاد الدفاعي في عصر الغيبة وأحكامه المختلفة.
النجف الأشرف
مدينة العلم العظمى، ومدرسة الفقه الكبرى
وجامعة الإسلام العليا
خلاصة
بقلم الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ
1419هـ/1998م
النجف في 900 عام (بين عهدين) عهد التأسيس في منتصف القرن الخامس للهجرة و(العهد الأخير في منتصف القرن الرابع عشر الهجري)
تعريف موجز بعراق أهل البيت، في تاريخ الإسلام، منذ عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى مطلع القرن الخامس عشر الهجري.
ومختصر تاريخ العلم في النجف الأشرف، في ألف سنة إلا خمسين عاماً، من عمرها الحافل بالعلم والعلماء، منذ عصر الشيخ الطوسي، حتى عصر السيدين)[1231]( من 449هـ حتى مطالع هذا القرن.
أكثر من مائة أسرة، أنجبت بأكثر من ألف عالم وأديب ومؤلف، في تسعة قرون ونصف قرن.
وألوف من كل البلاد والجهات، درسوا فيها، تلقوا من علمائها، وتتلمذوا على فضلائها. وملأوا الدنيا، وشغلت الناس كتبهم ومؤلفاتهم، وأفكارهم وأفكارهم، وآثارهم ومآثرهم، وأعمالهم وجلائلهم.
النجف
مثابة العلم الجم، ومعدن الخلق العظيم، وموقع الرأي الأصيل ومقر التراث المجيد.
محل الحكمة والاجتهاد، ومكان العقل والفضل. ومظنة الطهارة والنزاهة، وموضع القدس والتقوى، والتقدس والتنزه، والورع والزهد.
بسم الله الرحمن الرحيم
تمتد هذه المدرسة العظيمة المجيدة إلى أعماق تاريخ الكوفة، تلتقي فيها الحيرة والغري، ويجتمع فيها المصران البصرة والكوفة، وتشخص فيها مدينة السلام بغداد. فقد أسسها (الشيخ الطوسي) تلميذ العلمين الأقدمين الأجلين، سيد بغداد السيد الشريف المرتضى وشيخ بغداد المعتمد الشيخ المفيد.
بلغ معارف أساتذة الشيخ وأشياخه (37) عَلَماً. وكان تلامذته من الخاصة أكثر من ثلاثمائة (300) مجتهد، ومن العامة ما لا نستطيع إحصاءه. ووصل عدد مؤلفاته المعروفة إلى (47) كتاباً، غير ما لم يبق إسمه.
دخل الشيخ بغداد سنة 408هـ. ولازم السيد الشريف المرتضى ثمانية وعشرين عاماً. وكان مدة إقامته ببغداد تمام الأربعين تعلم فيها من علماء مدينة السلام وشيوخها وأفاضل الناس فيها. وتلقى من العلوم والمعارف طبقات من العلماء الكبار. ولبث في النجف الأشرف إثنتي عشرة سنة، أسس فيها المدرسة ووطد دعائمها. وتعلم منه ما يفوتنا تعداده من الأعلام والمشاهير.
ينتهي نسب (الشيخ) من طرف الأم إلى المسعودي علامة العراق المحقق المؤرخ الكبير المعروف ـ المتوفى سنة 346هـ ـ صاحب كتاب (مروج الذهب) و(التنبيه والاشراف) و(أخبار الزمان) وغيرها من عيون الكتب.
كان الشيخ الطوسي هذا شيخ الأمة ووجهها ورئيسها. وهو أستاذ العلماء الكبار من بعده. وهو ثالث المحمدين من المحدثين. وآخر الخمسة من أركان الفقه الأقدمين.
استفاد الشيخ من خزانة (دار العلم) في الكرخ، ومن خزانة كتب أستاذه السيد الشريف، وكان فيها (80.000) كتاب. وكتبه خلاصة ما رأى وما روى، وعصارة ما طالعه واطلع عليه، من كتب وأسفار وتأليف.
حملت مدرسة الشيخ ـ وهي مدرسة النجف ـ تراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعترة، ورعت دراسته ومدارسته. وقد دارت العلوم في تاريخ الإسلام مع الثقلين الكتاب والعترة، والكتاب والسنّة. وظهرت علوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم الدين وعلوم الأدب وسائر العلوم في أضواء القرآن وأنوار الحديث. وهو تراث ضخم عظيم لا يحيط به الإحصاء ولا يبلغ العد منتهاه.
دوّن أهل البيت ـ وهم عترة النبي وأسرته ـ منذ البداية حديثه. وحفظوا هذا التراث واحتفظوا به وحافظوا عليه، ولازموا السيرة والسنّة. حديثهم حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقولهم قوله، وسيرتهم سيرته، وفعلهم فعله.
مدينة العلم ـ عندنا ـ هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي بابها كما صرح الحديث الصحيح. وإذا كان بين الصحابة الكرام البررة (رض) اختلاف في كتابة العلم، فَكَرِهَ كتابة الحديث كثير منهم، وأباحها بعضهم، فقد كان علي عليه السلام أول من كتب حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجمعه ووعاه. وهو أول من ألّف في الإسلام.
جمع علي عليه السلام القرآن. وهو أول العشرة الذين اشتهروا بالتفسير من الصحابة (رض). وأكثر ما رُوِيَ عنه.
وما من آية يسألونه عنها إلا أخبرهم. وما من آية إلا هو أعلم أَبليلٍ نزلت أم بنهار، أم في سهل أو جبل وما نزلت آية إلا وقد علم فيم أنزلت وأين أنزلت. وهب ربه له قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً، كما قال عليه السلام:
جمع علي عليه السلام القرآن على ترتيب النزول، وكتبه على التنزيل عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد قال ابن سيرين: لو أصيب ذلك الكتاب كان فيه العلم.
أقسم علي عليه السلام وحلف وآلى أن لا يضع رداءه على عاتقه إلا للصلاة حتى يجمع ما بين اللوحين، فما وضع رداءه ولا ارتدى به حتى جمع القرآن، وانقطع مدة إلى أن جمعه وكتبه.
وترك علي عليه السلام أيضاً كتاباً أملى فيه ستين نوعاً من أنواع علوم القرآن. وهو أول كتاب في الإسلام.
وخلّف علي عليه السلام الجامعة. و(الجامعة) هي (كتاب علي) وخلف (الصحيفة) و(الصحيفة العتيقة) من صحف علي.
والصحيفة، صحيفة فيها الحلال والحرام، والفرائض. وفيها كل ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة، حتى أرش الخدش، والجلدة، ونصف الجلدة، وثلث الجلدة، وربع الجلدة. وما على الأرض شيء يحتاج إلا وهو فيها. وما خلق الله من حلال أو حرام إلا وهو فيها. وهي سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عرض الأديم. إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فلق فيه، وخط علي عليه السلام بيده.
هو أثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عند الأئمة من أهل البيت عليهم السلام. وأن عندهم ما لا يحتاجون معه إلى أحد. وأن الناس ليحتاجون إليهم، وأن في الصحيفة لجميع ما يحتاج إليه الناس كما نصت الأخبار.
وخلّف علي رحمه الله الجفر والجامعة. فيهما جميع العلوم. وهما إهاب ماعز وإهاب ضأن. أو جلد بعير، أو جلد ثور.
وهما ـ كما قال السيد الشريف الجرجاني في شرح المواقف ـ كتابان لعلي عليه السلام قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث إلى انقراض العالم.
والجفر ـ في روايات أهل البيت عليهم السلام ـ أديم عكاظي قد كتب فيه حتى ملئت أكارعه فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.
وفي بعض الروايات ما يشير إلى أن الجفر جلد مدبوغ كالجراب، مملوء علماً أو مملوء كتباً. فيه كتب وعلم ما يحتاج إليه إلى يوم القيامة. وما من شيء يحتاج إلى علمه إلا وهو فيه. كتب فيه ما يحتاج إلى علمه وكل ما يكون.
ومما يؤثر عنه كتاب في صدقات النعم وزكاتها وكتاب في أبواب الفقه وكتاب آخر في الفقه. وقضايا علي وعجائب أحكامه.
يؤثر عنه ـ أيضاً ـ مصحف فاطمة أو كتاب فاطمة عليها السلام. وفيه علم ما يكون، وفيه وصيتها، وفيه ما يكون من حادث، وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة. أملاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطه علي عليه السلام بيده. والمصحف ـ هنا ـ بمعنى الكتاب باعتبار جميع الصحف فيه. وهو اصطلاح مستعمل في بعض الأحايين، وله شواهد معروفة.
كتب علي عليه السلام العلم كله، القضاء والفرائض والحديث. غير الخطب وجوامع الكلم وما في نهج البلاغة من كلامه عليه السلام، وخياره فيه.
حافظ الأئمة ـ أهل البيت عليهم السلام ـ على تراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكانت بيوتهم مدارس. وقد أخذ علماء الأمة عنهم واقتدى بهداهم الناس. وهم علي (40هـ)، والحسن (49هـ)، والحسين (61هـ)، وزين العابدين علي السجاد (95هـ)، والباقر (114هـ)، والصادق (148هـ)، والكاظم (183هـ)، والرضا (203هـ)، والجواد (220هـ)، والهادي (254هـ) والعسكري (260هـ)، والمهدي عليهم السلام.
أتيح لأهل البيت أن ينشروا من علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما صدع كالفجر، ووضح كالصبح، ولاح كالبرق. وأن يظهروا من تراثه ما أشرق كالسراج الوهاج.
أظهر الباقر عليه السلام من مخبآت كنوز المعارف، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى. وهو مصدر التفسير والكلام والفتيا والأحكام والحلال والحرام.
وكان ابن عمر (رض) ـ وهو من كبار الصحابة ـ إذا سأله رجل عن مسألة فلم يدر ما يجيب قال له: (إذهب إلى الباقر وسله وأعلمني بما يجيب). وكان يقول: (إنهم أهل بيت مفهمون) و(إنهم أهل الذكر). وما رؤي العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند الباقر. كان أعلم الناس بين يديه مع جلالته في القوم كأنه صبي بين يدي معلمه، أو كأنه عصفور مغلوب. وقد سأله أحدهم ذات مرة عن ثلاثين ألف حديث، وحدث جابر الجعفي عنه سبعين ألف حديث. وقال أبو زرعة أن الباقر (لمن أكبر العلماء وإنهم أهل الذكر). وهكذا الصادق عليه السلام.
وقد أدرك الحسن بن علي الوشاء في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ، كل يقول حدثني جعفر بن محمد (الصادق) والوشاء من أصحاب الرضا حفيد الصادق. وروى عنه راوٍ واحد ـ وهو أبان بن تغلب ـ ثلاثين ألف حديث.
نقل الناس عن الإمام الصادق من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلاد. ونقل أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل من مشهوري أهل العلم من أهل العراق والحجاز وخراسان والشام. وانتشر عنه من العلوم الجمّة ما بهر به العقول. وكتب من أجوبة مسائله أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنِّف سموها أصولاً. وهي أساس (الأصول الأربعة) من بعد.
كان الإمام موسى الكاظم عليه السلام الملقب بالعالم والصابر أعبد أهل زمانه وأفقههم وأحفظهم لكتاب الله. وكان أجل الناس شأناً وأعلاهم في الدين مكاناً، وأفصحهم لساناً. كما كان أشجعهم وأسخاهم وأكرمهم. وكان يحسن إلى من يسيء إليه. وقد روى عنه العلم والدين والحديث والفقه (مئات) من العلماء والرواة والأصحاب والمحدثين والرجال، يبلغ المعروف منهم (271) شخصاً. ألّف أكثر من (50) منهم عشرات الكتب في علوم القرآن وعلوم الحديث والعلوم الأدبية وعلوم الدين.
وأخذ العلماء عن الكاظم عليه السلام ما لا يحصى كثرة. وكان الإمام أحمد بن حنبل (رض) إذا روى عنه، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (هذا إسناد لو قرئ على مجنون لأفاق).
وما رؤي الرضا عليه السلام سئل عن شيء إلا علمه. ولا رؤي أعلم منه بما كان في الزمان إلى عصره. وما رؤي ولا سمع أحد أفضل منه. فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا يصدق كما قال المأمون.
كان سيد بني هاشم. وكان يفتي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن نيف وعشرين سنة. وكان لا ينزل بلداً إلا قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم ويحدثهم الكثير عن أبيه وعن آبائه عليهم السلام.
قال المأمون: (هذا خير أهل الأرض وأعلمهم) وما رؤي أعلم منه، ولا رآه عالم إلا شهد له بمثل هذه الشهادة كما قال أبو الصلت الهروي.
كان عليه السلام يجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون. فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليه بأجمعهم، وبعثوا إليه المسائل فأجاب عنها.
وقد جمع اليقطيني من مسائل الرضا عليه السلام مما سئل عنه وأجاب فيه (18,000) مسألة، أو (15,000) مسألة. و(صحيفة الرضا) و(عيون أخبار الرضا) بعض ما يؤثر عنه. وقد جمع المأمون سائر الملل مثل الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين، والهربذ الأكبر، وأصحاب زردشت، ونطاس الرومي، والمتكلمين، ثم أحضر الرضا عليه السلام فسألوه فقطع الرضا عليه السلام واحداً بعد واحد.
روى عنه جماعة من المصنفين وأئمة الحديث. واستملاه في نيسابور ألوف. وقد عدّ من المحابر أربعة وعشرون ألفاً سوى الدوى (والمحبرة هي الدواة الكبيرة). وروى عنه الحديث خلائق لا يحصون من طلبة العلم وأهل الحديث.
وكان محمد الجواد عليه السلام ـ وهو شبه جده وأبيه ـ أعجوبة في العلم والفضل بالرغم من صغر سنه وقد بلغ في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه أحد من مشايخ أهل زمانه. ولم يمنعه صغر السن فيه من الكمال.
كان الخليفة المأمون قد شغف بالإمام الجواد عليه السلام لما رأى من فضله مع فتائه وطراءة سنة. وكان متوفراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره، لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل. ولم يزل مكرماً له معظماً لقدره مدة حياته يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته.
وكان الهادي عليه السلام أفضل وأعلم أهل زمانه. وقد رُوي عنه من العلوم والآداب والحكمة والموعظة، والحلم والتقوى والحياء والسكينة والإخبات والتواضع والسداد والرشاد والهدى والفضل والخير والإصلاح ما بلغ الغاية العليا والنهاية القصوى.
وما رؤي مثل الحسن العسكري، ولا سمع بمثله في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه. وما سئل عنه أحد إلا وجده عنده في غاية الإجلال والإعظام، والمحل الرفيع والقول الجميل، والتقديم له، ولم يرَ له ولي ولا عدو إلا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه، في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه (وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت) كما قال فيلسوف العرب الكندي فيه.
كان العسكري إمام أهل البيت وإليه ينتهي العلم والفضل. وقد بلغ ما ألف في علوم الدين من عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى أيام العسكري (6,600 كتاب). وهي فترة طولها قرنان ونصف، فضلاً عما صنف من إئتم بهم، ورجع إليهم واقتبس منهم من طبقات العلماء في الغيبتين الصغرى والكبرى ومن قبل ومن بعد.
كان ابن عقدة (333هـ) يحفظ (120,000) حديث بأسانيدها، ويذاكر بثلثمائة ألف (300,000) حديث.
وكان ابن الجعابي (355هـ) إماماً انتهى إليه العلم في زمانه حتى لم يبق من يتقدمه فيه في الدنيا من جميع المسلمين. كان من حفاظ الحديث وأجلاء أهل العلم. كان يحفظ (400,000) حديث، ويذاكر بـ (600,000) حديث. وضاع له قمطر كتب فيها (200,000) حديث فقال لغلامه لا تهتم، فإنه لا يشكل علي حديث منها لا متناً ولا سنداً.
وجمع المحمدون الثلاثة الأوائل الكليني والصدوق والشيخ ما وصل إليهم من الحديث في الكتب الأربعة الأصول. وهي (الكافي) وفيه (16099) حديثاً. و(من لا يحضره الفقيه) وفيه (9044) حديثاً. و(التهذيب) وفيه (13590) حديثاً. و(الاستبصار) وفيه (5511) حديثاً. ومجموع أحاديث الكتب الأربعة معاً (44,244) حديثاً.
وما تضمنته الكتب الأربعة يتم ويكمل ما في الصحاح الستة للبخاري ومسلم وابن ماجه وأبي داود والترمذي والنسائي، وما في الموطأ لمالك والمسند لأحمد بن حنبل والمستدرك للحاكم (رض). وفيه ما فيه مما فاتها.
يعد كتابا (الشيخ) وهما التهذيب والاستبصار من الكتب الأصول في الحديث والفقه. وهي خير ما ألّف الأقدمون.
وقد جمع الكتب الأربعة وزاد عليها المحمدون الثلاثة الأواخر في الوافي للفيض (1091هـ)، والوسائل للحر (1104هـ)، وبحار الأنوار للمجلسي( 1110هـ) وغيرها. واستدرك النوري (1320هـ) على (الوسائل) كما استدرك شيخنا محمد بن رجب علي العسكري على (البحار).
تعد طائفة من هذا التراث الذي أحصاه شيخنا الرازي في الذريعة وعد منه (53510) من الكتب والرسائل محصول مدينة العلم ونتيجة مدرسة الفقه الكبرى وهو أثارة من علم علي (باب مدينة العلم) الذي قال فيه حبر الأمة وعالمها ابن عباس: «علي علمني. وكان علمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ورسول الله علمه الله. فعلم النبي من الله، وعلم علي من النبي. وعلمي من علم علي. وعلم أصحاب محمد كلهم في علم علي كالقطرة الواحدة من سبعة أبحر». وبقية من بقايا آثار علماء الأمة الذين احتفظوا بتراث الأئمة وحافظوا عليه. وآل النبي صلى الله عليه وآله وسلم «هم موضع سره، ولجأ أمره» و«هم شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم» و«هم عيش العلم، وموت الجهل» «كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم طلع نجم» وهم «أساس الدين وعماد اليقين» وللسيد المرتضى والشيخ المفيد والشيخ الطوسي خاصة في بغداد فضل ترتيب هذا التراث وتبويبه وتلخيصه وتلقيه وتحمله وروايته وتدريسه ونقله.
فارق الشيخ بغداد سنة 228هـ وقصد النجف الأشرف وأسس مدرسته فيها. وهي مدرسة الفقه الكبرى في الغري وأم كافة المدارس في مشهد علي عليه السلام. ترك الشيخ ـ كما قلت ـ (47) كتاباً في مختلف المعارف والعلوم، منها: كتاب (التبيان) في التفسير، و(التهذيب) و(الاستبصار) في الفقه والحديث. وخلف من لا يحيط بهم الإحصاء من التلامذة، عرفت المصادر بستة وثلاثين منهم. كانوا رؤساء العلماء من بعده في الأقطار والبلدان والأقاليم والمدائن والجهات.
يحتوي كتاب التهذيب على (13590) حديثاً. ويحوي (الاستبصار) من الأخبار (5511) حديثاً ـ كما تقدم ـ وهو عدد كبير يدل على علم جم وفضل كبير. ومن كتب الشيخ (الأمالي) و(الخلاف) و(العدة) و(الغيبة) و(الفهرست) و(الرجال) و(المبسوط) ورسائل (المسائل) و(المصباح) و(النهاية) في مجرد الفقه والفتوى، ويحوي (22) كتاباً فيها (214) باباً.
ويعد كتاباه (الفهرست) و(الرجال) من أهم مصادر البيوغرافيا والببليوغرافيا في مكتبة التراث.
عدّد الشيخ نحواً من (10,000) من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من رواة الحديث في كتاب (الرجال)، وذكر في كتاب (الفهرست) ما يزيد على (900) من المصنفين والمؤلفين وعدّد فيه ما صنفوه من الكتب والتصانيف، وأشار إلى ما ينتهي إليهم من الروايات بالأسانيد.
وإذا كان تاريخ العلم في النجف الأشرف يعود إلى بدايات تاريخها المعرق ـ وهي مدينة العلم ومرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ـ فإن بيت الشيخ أول بيت خدم العلم في تاريخ النجف الأشرف بعد هجرة الشيخ إليها في أواسط القرن الخامس. وقد أتمت مجالس إبنه مجالسه، وأكملت دروسه دروسه، وهو (المفيد الثاني) وفقيه الأمة وإمامها بمشهد علي عليه السلام، ينتهي إليه كثير من الأسانيد والروايات وطرق الإجازات.
مر العلم في النجف الأشم بأدوار ومراحل وعصور أخذ بضبعيه فيها رجال كبار مشاهير من أواخرهم في القرنين الثالث عشر والرابع عشر (الوحيد) ـ المتوفى سنة 1205 هـ ـ المعروف بالأستاذ الأكبر، وأستاذ الكل، واستاذ الكل في الكل. وهو محمد باقر بن محمد أكمل، من ذرية الشيخ المفيد، من قحطان. تتلمذ في النجف الأشرف على السيد محمد الطباطبائي جد السيد بحر العلوم، وعلى السيد صدر الدين الرضوي شارح الوافية.
ترك العلامة الوحيد (73) كتاباً، ويزيد عدد تلاميذه البارزين على خمسين وعدد خريجيه مما يتعذر إحصاؤها.
ومنهم السيد مهدي الطباطبائي، الملقب (بحر العلوم) خريج كربلاء المقدسة والنجف الأشرف، وكان من أئمة العلم والأدب وشيوخ المعرفة والتأليف في تلك الأيام، تعلم ـ رحمة الله عليه ـ من أعلام المشهدين وهم عشرة، وقرأ عليه في زمن رئاسته من لا تحصى عدتهم من الفقهاء والعلماء والأدباء، وأشهرهم (75) من كبار معارف عصره.
وهو راعي المعركتين الأدبيتين المعروفتين في المائة الثالثة عشرة، وتعرف الثانية بمعركة الخميس، التي اشترك فيها (14) من أعلام الأدب في العراق، والأولى ندوة بلاغة.
ترك السيد بحر العلوم (23) كتاباً في الفقه والأدب والشعر والتاريخ والرجال والملل والنحل والفرق، غير تعيين المشاعر والمواقيت في الحج، وعمارة المقامات والمزارات والمشاهد والأبنية.
توفي ـ رحمه الله ـ في سنة 1212هـ، وقد بلغ الثامنة والخمسين.
ومنهم، الشيخ الأكبر، الشيخ جعفر كاشف الغطاء، صاحب كتاب (كشف الغطاء) في الفقه. وهو من رؤساء العلماء وأوعية العلم، وشيوخ الفقه. تتلمذ عليه أئمة العلم والدين في عصره، ومنهم أولاده الأربعة وأصهاره الخمسة، والفحول الخمسة: صاحب مفتاح الكرامة. وصاحب الجواهر، وصاحب مطالع الأنوار، وصاحب الإشارات، وصاحب المحصول، ومئات العلماء والمؤلفين من دعائم التدريس وأركان التأليف وأساطين الفقه. وقد توفي ـ رحمه الله ـ سنة 1228هـ.
ومنهم، الشيخ محمد حسن النجفي، صاحب كتاب (جواهر الكلام) في شرح شرائع الإسلام. وهو من أكبر موسوعات الفقه، استغرق تأليفه (30) سنة، وقد شرع في تأليفه وهو في الخامسة والعشرين.
وكان الشيخ صاحب الجواهر من أركان العلم وأكابر الفقهاء، وأساطين علماء هذا القرن، وهو من رؤساء فحولة أئمة الدين في عصره. بلغ تلاميذه أعلى مراتب الاجتهاد وأعلى رتب العلم. وتلاميذه هم أساتذة الفقهاء من بعده. وأفاضلهم من الكبار أربعون أو يزيدون.
توفي ـ رحمه الله ـ سنة 1266هـ.
ومنهم، الشيخ مرتضى الأنصاري، وهو بقية من بقايا الأنصار، ينتهي نسبه إلى جابر بن عبدالله الأنصاري الذي كان أحد النقباء الإثني عشر من الأنصار في زمن الهجرة، والأنصار هم الذين (ربوا الإسلام كما يربى الفلو مع غنائهم، بأيديهم السياط وألسنتهم الحداد) كما قال أمير المؤمنين عليه السلام، وهم كرش النبي وعيبته وترسه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.
تتلمذ الشيخ في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف على أعلام المشهدين المطهرين. وعاد إلى النجف الأشرف في حدود سنة 1249هـ، وأسس مسجده في محلة الحويش، وكان مجلس درسه في المسجد يضم جناحيه على خمسمائة (500) من العلماء والفقهاء والمتفقهين، وربما جاوزت عدة المعروفين من تلاميذه الأفاضل الألف.
ترك الشيخ الأنصاري (30) كتاباً اهتم بها العلماء والمؤلفون وهم (144) أو يزيدون.
أدار الشيخ مدرسة مدينة العلم في النجف الأشرف بعد الشيخ صاحب الجواهر، منذ سنة 1266هـ حتى توفي (رحمه الله) سنة 1281هـ.
ومنهم: الشيخ محمد حسين الكاظمي ـ المتوفى سنة 1308 هـ ـ تتلمذ على الشيخين صاحبي الجواهر والمكاسب وآخرين، وقد بلغ من العلم ما أتاح له رئاسة مدرسة الفقه الكبرى في مدينة العلم، حتى توفي في مطالع القرن الماضي وقد بلغ الرابعة والثمانين.
كان ـ رحمة الله عليه ـ من أمثلة العلماء الراسخين في العلم، وقد حضر درسه وتتلمذ عليه فحول العلماء، وأكابر الفقهاء، وأفاضل المؤلفين. وهو أستاذ الفقهاء والمجتهدين، الذين تعلموا منه واقتبسوا من أنواره، واقتدوا بهداه.
ترك الشيخ الكاظمي كتباً مهمة منها (هداية الأنام) في شرح كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي، وهو كتاب كبير في (27) مجلداً، وكتاب (بغية الخاص والعام) في مجرد الفتاوى، وله رسالة عملية سماها (منجية العباد) في الفقه.
ومن أواخر عصور العلم في النجف الأشرف ـ في القرن الماضي ـ عصر الشيخ (الآخوند) الهروي، الخراساني، صاحب الكفاية في الأصول.
قصد الشيخ النجف الأشرف سنة 1278هـ، وحضر مجالسها ودروسها، ولا سيما مجلس الشيخ الأنصاري. والمعروف أن تلامذة الآخوند في مجلس الدرس كانوا (3000). ويزيد خواصهم من الكبار على خمسمائة (500) من المجتهدين ومراهقي الاجتهاد. وقد أحصى الأفاضل الكبار من معارف العلماء من تلاميذه فبلغت عدتهم (313) من المشاهير. وزادت عدة تلامذته في الأماسي في الدورة الأخيرة على (1200). وقد كتب كثير منهم تقريرات أبحاثه. ولا بد من الإشارة إلى تقريرات أبحاث شريف العلماء، وصاحبي الضوابط والفصول في كربلاء. وتقريرات أبحاث الشيخ الأنصاري، ومن بعده في النجف الأشرف وسامراء ومشهد الرضا وقم وغيرها. فقد كان تلامذة السيد المجدد في سامراء (600) أو يزيدون في فترة لم تبلغ ربع قرن.
كان الشيخ الملا (الآخوند) من أحرار العلماء ومن رجال المشروطة. طالب بالدستور والمجلس، ودعا إلى الحرية، ونادى بالجهاد، واستمر في التدريس حتى مات سنة 1329هـ.
أسس الأخوند ثلاث مدارس في مدينة النجف الأشرف، الكبرى والوسطى والصغرى. وترك العديد من الكتب، وما زال كتاب (الكفاية) في الأصول ـ وهو من أهم مؤلفاته ـ المعول عليه في التدريس في العراق والآفاق في علم الأصول. اهتم العلماء بشرح كتاب (الكفاية) وتحشيته، فوصلت شروحه المعروفة إلى (46) وبلغت حواشيه المعلومة (58).
وقام مقام (الآخوند) من بعده صديقه ونظيره الشيخ محمد حسين النائيني ـ المتوفى سنة 1355 هـ ـ تلميذ السيد المجدد في سامراء المقدسة، والسيدين الأجلين السيد اسماعيل الصدر الكبير والسيد محمد الفشاركي من أئمة العلم بعد السيد الكبير.
كان الشيخ النائيني شريك الآخوند في الدعوة إلى الحرية والدستور. وقد انتهت إليه زعامة مدرسة الفقه الكبرى في النجف الأشرف في عصره. وهو أستاذ المجتهدين الكبار، زعماء الحوزة وأساطين جامعة النجف الأشرف من بعد، ومنهم أقطاب المرجعية اليوم.
كان الشيخ النائيني من الراسخين في العلم. جمع بين الأدب والفلسفة والكلام والفقه والأصول وقد أوتي من الدقة والاتقان والبراعة في علم الأصول خاصة ما يحير ويدهش. وهو ـ حقاً ـ من فلاسفة الفقهاء، وأدباء العلماء، وأشياخ البيان الكبار الأحرار.
والشيخ النائيني ـ هذا ـ هو أستاذ طبقات ورثوا مدرسة الشيخ في الخلق العظيم، والعلم الجم، والفضل الكبير، والرأي الأصيل، والسماحة والرجاحة، وأدب الدنيا والدين.
وإذا كان الشيخ النائيني من أكابر الفقهاء والفلاسفة والحكماء، ومن كبار الأحرار، ومن مشاهير الدعاة إلى الحرية والدستور والإصلاح. وإذا كان كتابه في السياسة من خيار ما يؤثر في اقتراح مبادئ الدولة ومباني الحكم عند الفقهاء، فقد ورث تلاميذه ـ رحمة الله عليهم ـ الدعوة إلى الحرية والاستقلال، فقد كان منهم رجال ثورة العشرين التي اشترك فيها علماء الدين، ورجال البلد، والعشائر ـ أفراداً ورؤساء وبطوناً وفصائل وأفخاذاً وجماعات ـ والتجار والناس أجمعون. وهي من أمثلة الإجماع الفريد على حرب العدو، ودحر الغريب، وقراع الأجنبي، والإصرار على طرد المستعمر وإبعاده.
وهم يمثلون خلاصة طلاب النجف الأشرف، وعصارة خريجي مدرسة الفقه الكبرى في مدينة العلم، سيرة وسريرة، وخصالاً وصفات، وعلماً وأدباً، وخلقاً وتقى. وما زالت مدرسة النجف مثابة العلم الجم والخلق العظيم والرأي الأصيل، ومنارة التراث العربي المجيد، وبساط الحكمة والاجتهاد والعقل والفضل.
وإذا كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ينظر إلى الناس أنهم (إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق). وقد كان يشعر قلبه الرقة لهم. وإذا كان (الشيخ) الطوسي ـ وهو مؤسس مدرسة النجف الأشرف ـ أول من جمع آراء أهل المذاهب والفرق الإسلامية ـ بعد أستاذه السيد الشريف المرتضى ـ في كتاب (الخلاف) فلا تتعجب أن يكون خريجو مدرسة النجف أبداً، من الدعاة إلى توحيد الكلمة بكلمة التوحيد، الداعين المخلصين إلى وحدة الأمة، واجتماع أهل القبلة، وتلاقي الإسلاميين، واتفاق الآفاق. ولا نعجب أن يسع علماؤها الأديان والمذاهب. وهو ما قربهم من نفسي. وهو ما يسكنهم القلوب، تضم عليهم الجوانح، وتحتويهم الأفئدة، وترتاح إليهم الأرواح.
يحمل خريجو النجف وتلاميذها أخلاق أهلها، وأوصاف علمائها، وصفات المنسوبين إليها وهم أهل (المدينة الفاضلة) وإذا كان (الشيخ) عنوان مدرسة النجف، وإذا كانت بدايتها منذ عهده فقد استمرت هذه المدرسة الفاضلة قروناً تمد أبحرها عالم المعرفة بالمجتهدين والمختصين والمحققين والمؤلفين والعلماء والفضلاء والمدرسين. عمر طويل مديد، زاد على 974 من السنين والأعوام. وقد سكن النجف الأشرف رجال أعقبوا من البيوتات والأسر ما تباهي به البلدان. عرفنا منهم ما يزيد على مائة (100) أسرة خرجت المئات من الأعلام والرجال، اشتهرت منهم عدة تزيد على ألف (1000) علم ملأوا الدنيا وشغلت آثارهم الناس. ولو تتبعنا أسماء المؤلفين أعجزتنا وأعجبتنا كثرتهم. لا يبلغهم إحصاء، ولا يكاد يحيط أحد بما خلفوا من كتب ومؤلفات.
والحق أن (النجف) من أمهات المدن، ومدارسها من أُمهات المدارس، ومساجدها من أُمهات المساجد، في المدائن والبلدان والأماكن. مساجدها مدارس، وجوامعها مدارس، ومحافلها مدارس، ومعاهدها مدارس، وبيوتها مدارس، ومجالسها مدارس، ومجامعها مدارس، وأسواقها مدارس. تنتشر الحلقات والدروس ومجالس العلماء والأدباء في كل الأمكنة والبقاع، وفي كل المواضع والمواقع في النجف الأشم.
كانت مساجد النجف الأشرف في محلاتها الخمس (الأربع القديمة والأخرى الجديدة) في منتصف القرن الماضي (86) غير مساجد الروضة والمشهد، وغير مساجد البيوت، وغير ما انهدم وضاع وبعثرت أبنيته، وتغيرت معالمه، وطمست آثاره منذ زمان. وتزيد مدارسها التي أدركناها حتى بدايات الثلث الأخير من القرن الرابع عشر على عشرين غير المدارس الحديثة، وغير ما أسس ـ من بعد ـ من جامعات وكليات ومعاهد.
وأما خزائنها ومكتباتها فقد جمعت فأوعت. عرفنا مما انقرض منها (22) خزانة كانت دور العلم ومجامع العلماء. وقد عاصرنا (12) خزانة مهمة. ولا ريب أن بيوت النجف كلها خزائن ومخازن، تملؤها الكتب، وتعتز بالنوادر القيمة والأعلاق النفيسة. والاسترسال أمر يطول، وإرسال القلم على سجيته يستنفد الأقلام والدفاتر، ويستنفد الحبر والدوي والمحابر.
وإذا اختص أهل النجف الأشرف ـ ولا سيما الخواص والخلاص ـ بالشجاعة والكرم، والمروءة والنجدة، والأصالة والنبالة، والفطنة والذكاء، والصفاء والوفاء. وإذا اعتزوا بحفظ الجار وحماية الذمار. وإذا علمتهم الصحراء الصبر والجلد والصلابة، وإذا أورثتهم البادية التعاون، وإذا أعطتهم القوة والمنّة، وإذا أمدتهم بالألمعية والبراعة، فقد اختصت مدرسة النجف ـ وهي مدينة العلم ومركز العقل وموضع القلم والكتاب ـ بما يميز المدرسة الفاضلة من أوصاف وخصال ومناقب وفضائل وسمات.
الدكتور حسين علي محفوظ.
نزهة الألباب في شرح حديث ابن طاب
للإمام السيد مهدي القزويني
رسالة ألّفها الإمام السيد مهدي القزويني (ت: 1300هـ 1883م) في شرح حديث ابن طاب. وهذا الحديث رواه الشيخ الصدوق في كتابه «من لا يحضره الفقيه». ومفاده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى «نخامة» في المسجد وهو في صلاته، فمشى إليها بعرجون من عراجين ابن طاب فحكّها ورجع إلى صلاته. والعرجون هو عذق النخلة.
فحاول المؤلف من خلال هذا الفعل الصادر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستخرج ثمانين باباً من أبواب الفقه والأصول؛ واحداً وأربعين في الأصول، وتسعة وثلاثين في الفروع الفقهية.
وقد نُشرت هذه الرسالة بتحقيق الشيخ جواد الروحاني)[1232]( ومطابقتها على نسخة واحدة كتبها رضا أنصاري الهمداني بطلب من الشيخ مجتبى العراقي المشرف على مكتبة المدرسة الفيضية بمدينة قم، وكان تاريخ نسخها سنة 1381هـ/1961م.
وكنتُ قبل طابقتُ هذه المخطوطة على نسختين الأولى كتبها الشيخ علي عوض الحلّي في 18 جمادي الأولى 1279هـ، أي في حياة المؤلف، والثانية بخط الشيخ محمد بن الحسن القفطاني في شعبان 1306هـ، أي بعد ست سنوات من وفاة مؤلفها.
وقد تنبّه الشيخ جواد الروحاني إلى أن هذا الحديث من الروايات المرسلة غير المعتمدة. وحاول أن يوجّه ذلك وينفي صدور الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام إلى وقوع التصحيف بين إسمي الصدوق والصادق وعليه فالرواية بهذه الكيفية ضعيفة السند أصلاً وفرعاً. إلاّ أن الروحاني وجّه عمل الإمام القزويني إلى أنه أراد بيان كيفيّة التدقيق في الروايات وحملها على الوجوه المختلفة واستخراج الأقوال المتعددة منها. وهي فذلكة من فذلكات التخصص العلمي.
وقد طابقت النسخة التي اعتمدها الشيخ الروحاني مع النسختين الأخريتين حيث أصبح «النص» أقرب إلى التمام بعد تلافي بعض العبارات الساقطة أو المخرومة عن النسخة التي اعتمدها الروحاني ـ وأقدّم هذا العمل هدية له لسبقه في إظهار النسخة إلى الوجود، وجهوده في إصلاح النصّ وتقويمه.
جودت القزويني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فتح لنا أبواب الهداية إلى الرشاد، وجنبنا سُبل الغواية والعناد وألهمنا رد الفروع إلى الأصول، وهدانا إلى معرفة الدليل والمدلول، وصلى الله على نبيه الهادي إلى سبيله بالقول والعمل المعصوم بفعله وقيله على الخطأ والخطل، وآله أبواب مدينة علمه، وأدلّة شرعه وحكمه.
وبعد: فيقول الراجي عفو ربه الغني معز الدين محمد بن الحسن المدعو بمهدي الحسيني الشهير بالقزويني؛ إن هذه رسالة وجيزة وعجالة عزيزة شرحت بها الحديث المعروف بحديث ابن طاب. أسأل الله تعالى أن يُلهمنا الهداية إلى الصواب وسميتها «نزهة الألباب في شرح حديث إبن طاب». فأقول وبالله التوفيق:
روى الصدوق رحمه الله في كتاب «مَن لا يحضره الفقيه» مرسلاً عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى نخامة في المسجد فمشى إليها بعرجون من عراجين إبن طاب فمسحها ثم رجع القهقرى فبنى على صلاته.
وقال الصادق عليه السلام: وهذا يفتح من الصلاة أبواباً كثيرة.
وقد نظم هذا المعنى خالي العلاّمة الطباطبائي (أعلى الله مقامه) )[1233](، في منظومته فقال:
ومشي خير الخلق بابن طاب
يفتح منه ألف ألف باب)[1234](
ولا إشكال إن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الفعل الخاص كسائر الأفعال النبوية المعصومة في الحجية، وتأكيد هذا الفعل بقول الصادق عليه السلام مما يُنزله منزلة الأدلة القولية في الدلالات اللفظية على الأحكام الشرعية من حيثية الخصوص والعموم، والإطلاق والتقييد، والنصوصية والظهور، وغيرها.
والكلام يقع في فتح الأبواب أمّا في الأصول أو في الفروع في مقامين.
المقام الأول
في أبواب الأصول
الباب الأول: يفهم منه أنه لا إشكال في حجية فعل النبي كقوله وتقريره مطلقاً ولو تعلّق بالأمور العادية كالأكل والشرب، بناءاً على عدم خلو فعله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجحانية وعدم جواز تركه للأولى كغيره من أولي العزم، أو في خصوص الأحكام الشرعية مما كان الفعل الصادر منه كاشفاً عن الأوامر والنواهي التكليفية من حيثية خاصة في الأفعال الطبيعية والأمور العادية كمداومته على فعل مخصوص مطلقاً أو في زمان خاص، أو مكان خاص، أو في غيرها من الأفعال لما)[1235]( علم وجهه لنفسه أو لغيره أو لم يعلم، ودار بين كونه لنفسه أو لغيره، أو علم ولو بالدليل العام شموله)[1236]( لغيره سواء قلنا بوجوبه أو باستحبابه أو إباحته لعموم ما دلّ على وجوب طاعته واتباعه بعد ثبوت عصمته وعموم رسالته من آية أو رواية، أو دليل عقلي عام أو خاص، أو إجماع أو ضرورة.
الباب الثاني: يفتح من هذا الفعل أن كل مَن كان فعله نظير فعله صلى الله عليه وآله وسلم كفعل واحد من أهل العصمة والأئمة الطاهرين عليهم السلام يجب طاعته واتباعه والتأسي به على النحو السابق، لعموم ما دل على اقتران طاعته بطاعته، وموالاته بموالاته، ومعصيته بمعصيته من آية أو رواية أو إجماع أو عقل أو ضرورة.
الباب الثالث: قد ذكر الأصوليون أن حكايات الأحوال إذا تطرقها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال. وقد ذكروا أن مورد هذه القاعدة غير قاعدة ترك الاستفصال وترك التفصيل في استفادة العموم الوضعي إن ألحقنا المركبات بالمفردات في الوضعي أو الشمولي العرفي أو الحكمي أو العموم الإطلاقي مطلقاً أو فيما ليس له فرد ظاهر، وإن مورد ترك الاستفصال عقيب السؤال ومورد ترك التفصيل في ابتداء المقال من غير سؤال.
وأما مورد هذه القاعدة فإما أن يكون بالنسبة إلى نقل فعل المعصوم سواءً علم وجهه كما لو أخذ مالاً من مسلم بإقرار أو بشاهد ويمين أو بردّ اليمين إلى المدعي أو لم يعلم وجهه كما لو أخذ المال ولم يعلم وجهه. وقد ذكروا في هذه الصورة أنه لا يجوز التعدي إلا أن يثبت بدليل خارج كما دل الدليل على أنه كلما جازت فيه شهادة النساء منفردات أو منظمات يجوز أخذه بالشاهد واليمين أو بالعكس.
وكما دلّ الدليل على أن اليمين المردودة بمنزلة الإقرار أو البيّنة أو حكم وضعي وسبب من الأسباب العامة في إثبات الحق كالبيّنة أو يكون مورد الحكاية نقل حكمه في قضية أو مادة مخصوصة يجوز وقوعها على وجوه محتملة وعلى كيفيات مختلفة يختلف باختلافها الحكم من دون سبق سؤال. وهذه يقولون لها قضايا الأحوال.
وقد ذكروا أنه لا عموم فيها لاحتمال الاقتصار على المادة المخصوصة فيكون في غيرها مجمل الحكم، فلا يصح بها الاستدلال ما لم يفهم التعدّي بالأولوية أو بالعلّة المنصوصة أو بالقطع بإلغاء الفارق من إجماع أو عقل كما في قضية الأعرابي.
ومن هذا القبيل مشيه صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة.
فإنه نقل فعل من أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم في مادة مخصوصة معلومة الوجه وهو استحباب إزالة النخامة وترك الواجب لأجله. ولم يتم إلا في صورة أفضلية المستحب على الواجب وهو نادر الفرض والوقوع في الأحكام الشرعية كأفضلية السلام مع استحبابه على رده مع وجوبه. وموجب القاعدة يقتضي الاقتصار على مورد الحكاية. إلاّ أن قوله عليه السلام: «يفتح منه ألف باب»)[1237]( كالنصّ على إرادة العموم وبيان الإجمال الثابت بالاحتمال.
فإنّ كان المقصود منه بيان النص على القاعدة كان دليلاً على أصالة العموم في حكاية الأحوال وجعل الأفعال في ذلك كالأقوال ولم يُفرق بينها وبين قاعدة ترك التفصيل أو الاستفصال ورفع المنافاة)[1238]( بين القاعدتين بذلك وأنهما من باب واحد، فلا حاجة إلى الفرق بينهما كما ذكره الأصوليون بما عرفت.
وإن كان ذلك منه عليه السلام بياناً لعموم هذا الفعل بخصوصه وعدم اقتصاره على مورده كانت الرواية دليلاً لجملة من الأحكام الشرعية في غير مورد الفعل كالتعدي من المشي إلى غيره، ومن الصلاة إلى غيرها، وإلى غير الانخامة وإلى المسح بغير الرداء، ومن المسح إلى الغسل أو الحك أو قطع الجذع أو هدمه أو نحو ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه من الأبواب الفرعية مما يستلزم منه الفعل الكثير بالصلاة والحكم بعدم إبطاله لذلك.
الباب الرابع: يُستفاد من الرواية والحكاية أن النص على إرادة العموم مع عدم ذكر علّته بالخصوص كالنص على العلّة بالخصوص لإرادة العموم. فيلحق هذا الباب بالقياس المنصوص العلة في الحجية إن لم يكن أتمّ بأولوية الحجية. فإن قوله عليه السلام: «يفتح منه ألف باب» دليلٌ على جواز التعدي وعدم الاقتصار على مورد الحكاية.
الباب الخامس: إن الرواية تدل على أن الأمر بالشيء على جهة الاستحباب كالأمر بإزالة النخامة عن المساجد)[1239]( يدل على كراهية ضده، وهو محلّ خلاف بين الأصوليين مع احتمال المناقشة في وجه الاستدلال فتدبر.
الباب السادس: إن الرواية تدل بالأولوية على أن الامر بالشيء على جهة الإيجاب يدل على النهي عن ضده الخاص كالأمر بإزالة النجاسة فإنه يوجب النهي عن الصلاة، وهو محط لإطلاق الخلاف بين المحققين والأقوى العدم.
الباب السابع: إن الرواية تدل على أن ترك الضد الخاص مقدمة لفعل الضد لا أنه من المقارنات وإلا لما ترك الواجب من الصلاة مع كراهة فعله بالنظر إلى استحباب إزالة النخامة.
الباب الثامن: إن الرواية تدل على عدم جواز اجتماع الأمر الإيجابي مع النهي على سبيل الكراهة)[1240](، وينبغي التأويل فيما دل على كراهة العبادة في موارد مخصوصة.
الباب التاسع: إن الرواية تدل بطريق الأولوية على عدم جواز اجتماع الأمر الإيجابي والنهي التحريمي، وإن كان من جهتين مختلفتين كما هو محل الكلام بين الأصوليين.
الباب العاشر: إن الرواية تدل على اقتضاء النواهي التبعية للفساد.
الباب الحادي عشر: إن الرواية تدل بطريقة الأولوية على اقتضاء النواهي الأصلية للفساد، كما هو محل النظر بين الأصوليين.
الباب الثاني عشر: إن الرواية تدل على عدم جواز اجتماع الواجب التوصلي مع الكراهة الشرعية.
الباب الثالث عشر: إن الرواية تدل بطريق الأولوية على عدم جواز اجتماع الواجب التوصلي مع الحرام.
الباب الرابع عشر: إن الرواية تدل على أنه لو تعارض فعل الواجب الغيري مع الاستحباب النفسي يقدم الاستحباب كترك الاستقرار مع إزالة النخامة)[1241](.
الباب الخامس عشر: إن الرواية تدل على أنه لو تعارض الواجب الشرطي مع الاستحباب التعبدي يقدم الاستحباب عليه كما عرفت في فرض المسألة.
الباب السادس عشر: إن الرواية تدل على حجية دلالة الأفعال وقرائن الأحوال كدلالة الأقوال باعتبار التنصيص من الإمام عليه السلام بفتح الأبواب التي لا يعقل فتحها وتعددها إلا بذلك.
الباب السابع عشر: إن الرواية تدل بطريق الأولوية على عموم حجية دلالة الأقوال والألفاظ بما عرفت.
الباب الثامن عشر: إن الرواية تدل على عموم حجية الدلالات بأنواع أقسامها من الدلالة المطابقة والتضمنية والالتزامية، ودلالات الالتزام بأقسامها من اللازم البيّن بالمعنى الأخص، أو بالمعنى العم أو غير البين بالمعنيين ودلالات الإشارات والاقتضاء.
الباب التاسع عشر: إن الرواية تدل على حجية مفهوم الأولوية كما تدل على حجية منصوص العلّة في)[1242]( القياس.
الباب العشرون: إن الرواية تدل على أن حجية الدلالة من باب الظن لا التعبد. كما هو في قضية الفتح.
الباب الحادي والعشرون: إن الرواية تدل على أن حجية الدلالة من باب الظن الشخصي لا النوعي مع احتمال العكس.
الباب الثاني والعشرون: إن الرواية يمكن أن يُستفاد منها إن حجية دلالة الأفعال من باب ظن الإرادة لا الدلالة، لخفاء جهة الدلالة فيها. والأقرب إن دلالة الأفعال دلالة عقلية، وقد تكون طبعية كما لو كان الفعل من الأمور العادية إلاّ إذا خرج بالمداومة والتكرار أو الاقتصار على كيفية خاصة أو كمية خاصة عن العادة بحيث يكون المقصود من وقوعه أمر آخر كاستحباب كثرة مضغ الطعام ولعق الأصابع ونحوها.
الباب الثالث والعشرون: إن الرواية تدل على مشروعية الاجتهاد والأمر به كما هو قضية فتح الأبواب لتنزيل)[1243]( الجملة الخبرية)[1244]( مقام الطلبية)[1245]( واستفادة معنى الأمرية منها أكد من استفادته من الجملة الطلبية)[1246]( في تأكيد الوجوب.
الباب الرابع والعشرون: إن الرواية تدل على اعتبار ظن المجتهد وحجيته بقضية الأمر بفتح الأبواب المستفاد من الجملة الخبرية وبه يجب الخروج عما دلّ على حرمة الظن والعمل به من آية أو رواية أو أصل. مضافاً إلى غيرها مما دلّ على حجية الظن مطلقاً أو حُجيّة ظن المجتهد خاصة.
الباب الخامس والعشرون: إن الرواية تدل على فتح باب الظن في الأدلة الشرعية وحجية الظن الناشئ منها بدلالة جعل الجملة الفعلية خبراً)[1247]( عن المشي، ودلالة الأمر بالفتح المستنبط من الجملة الخبرية.
الباب السادس والعشرون: إن الرواية تدل على فتح باب الظن في مدارك الأحكام كالأحكام لقضية الأمر بفتح الأبواب المتعددة فلا يشترط في حجية المدرك القطع بالحجية. ويُحتمل العكس لحصر اعتبار الظن فيما علم كونه مدركاً كفعله صلى الله عليه وآله وسلم، ولعل الأخير أظهر.
الباب السابع والعشرون: إن الرواية تدل على أن حجية الأدلة)[1248]( الشرعية من باب الظن لا السبب والتعبد للأمر بالفتح الناشئ بعد حصر المدرك في مدلول الدليل.
الباب الثامن والعشرون: إن الرواية تدل على أن حجية الدلالة الشرعية من باب الظن الشخصي لا النوعي للأمر بالفتح بالبناء على الفعل المجهول. ويُحتمل العكس لتعليق الحكم في الظن على الدليل الخاص وهو المشي المعلوم الحُجية لكونه أحد أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم.
الباب التاسع والعشرون: إن الرواية تدل على وجوب الاجتهاد على الكفاية بقرينة البناء على المجهول بالفتح الدال على التعليل وعلى من له منشأ نيّة الفتح.
الباب الثلاثون: إن الرواية تدل على عدم جواز تجزيء الاجتهاد لعدم قابليته لتحصيل فتح الأبواب المتعددة.
الباب الحادي والثلاثون: إن الرواية تدل على عدم جواز الاجتهاد في أصول العقائد لاشتراط القطع فيها واليقين وهما واحد لا تعدد فيه.
الباب الثاني والثلاثون: إن الرواية تدل على أن الصلاة كغيرها من أسماء العبادات إسم للأعم من الصحيح والفاسد لعدم حصر الموضوع له.
الباب الثالث والثلاثون: إن الرواية تدل على إجمال الصلاة كسائر العبادات، وأن ما شك في شرطية أو جزئية أو مانعية شرط أو جزء أو مانع إذ لا يتم الفتح في ذلك إلا بذلك.
الباب الرابع والثلاثون: إن الرواية تدل على أن مقدمة المستحب مستحبة بناء على أن ترك الضد مقدمة لفعل الآخر.
الباب الخامس والثلاثون: إن الرواية تدل بطريق الأولوية أن ما لا يتم الواجب المطلق إلاّ به واجب.
الباب السادس والثلاثون: إن الرواية تدل على أن مفهوم اللقب غير حجة إذ لا يلزم من فتح المشي في الصلاة عدم الفتح في غيرها من العبادات أو الأصول أو العقائد.
الباب السابع والثلاثون: إن الرواية تدل على عدم جواز فعل العبث من المعصوم وإنما الحامل له على المشي وجوب البيان عليه.
الباب الثامن والثلاثون: إن الرواية تدل على أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم معلّل بالأغراض.
الباب التاسع والثلاثون: إن الرواية تدل على كون الحسن والقبح عقليين.
الباب الأربعون: إن الرواية تدل على عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولو في غير الواجب والحرام من الأحكام، وإلا لما مشى إلى إزالة النخامة في أثناء الصلاة.
الباب الحادي والأربعون: إن الرواية تدل بطريق الأولوية على عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة في الواجب والحرام من الأحكام.
المقام الثاني
في أبواب الفقه
وفيه أيضاً أبواب:
الباب الأول: إن الرواية تدل على استحباب إزالة النخامة عن المسجد، إما بناءً على حمل فعله صلى الله عليه وآله وسلم على الرجحانية مع عدم العلم بالوجه لأصالة البراءة من الوجوب فظاهر، أو لمعلومية الوجه من غير هذا الدليل. وإلا فالأصل في كل ما علمت إرادته للشارع أن يكون أمراً، والأمر بصدوره من العالي ولو بالفعل يقتضي الإيجاب.
الباب الثاني: الظاهر تعدّي الاستحباب إلى إزالة النخامة عن أرض المسجد وجداره وسقفه ولا يختص ذلك بالجذع.
الباب الثالث: الظاهر عدم الفرق في ذلك بين النخامة الصدرية والدماغية.
الباب الرابع: الظاهرعدم الفرق بين إزالة النخامة والبصاق.
الباب الخامس: تعدي الحكم من الحكّ بالعرجون إلى المسح باليد ونحوها من أجزاء البدن أو بالرداء لو كانت رطبة.
الباب السادس: تعدّي الحكم من الحكّ إلى الغسل.
الباب السابع: تعدي الحكم من الحك بالعرجون إلى غيره من الآلات كما لو كانت يابسة.
الباب الثامن: تعدّي الحكم من الحكّ إلى الدفن بالتراب كما لو كانت في أرض المسجد.
الباب التاسع: تعدي الحكم في جميع ذلك من الجذع إلى فراش المسجد وحصيره.
الباب العاشر: تعدي الحكم من المشي إلى الركوب لو توقف على ذلك.
الباب الحادي عشر: تعدي الحكم من المشي إلى الانحناء للإزالة.
الباب الثاني عشر: تعدي الحكم من المشي إلى الجلوس لو توقف على ذلك.
الباب الثالث عشر: تعدي الحكم من رؤية النخامة إلى السماع بها من شهادة العدلين أو خبر العدل.
الباب الرابع عشر: تعدي الحكم من الصلاة الواجبة إلى المستحبة.
الباب الخامس عشر: تعدي الحكم من الجماعة إلى الفرادى بالأولوية.
الباب السادس عشر: تعدي الحكم من الصلاة إلى الطواف لو رأى ذلك في أثنائه في جواز المشي من محل الطواف للإزالة والبناء عليه من محله لإلغاء الفارق، أو لعموم قوله عليه السلام: «الطواف في البيت صلاة».
الباب السابع عشر: تعدّي الحكم من المسجد إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومشاهد الأئمة عليهم السلام، وغيبة الصاحب (روحي فداه) لمشاركتها للمساجد في أكثر الأحكام إلا ما خرج بالدليل. أو لكونها مساجد في المعنى مضافاً إلى تعليل بناء المسجد أما على قبر المعصوم أو رشه من دم شهيد وعموم قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه).
الباب الثامن عشر: في احتمال التعدي من ذلك إلى قبور الشهداء والعلماء وأصحاب الأئمة وجهان.
الباب التاسع عشر: تعدي الحكم من إزالة النخامة إلى إزالة النجاسة بطريق الأولوية. وفي تعيين قطع الصلاة لذلك أو تعيين المشي وإزالتها مع عدم الإتيان بالمنافي غير ترك الاستقرار والاعتماد على القدمين أو التخيير، أو عدم الوجوب مطلقاً وجوه مبنية على أن الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا؟ وعلى الاول فهل النواهي التبعية تدل على الفساد أم لا؟! فعلى الأولين يُحتمل وجوب القطع، ويحتمل وجوب تعيين المشيء لدوران الحكم بين ترك الواجب النفسي والواجب الغيري. ولا شك في ترجيح الأخير مع إشعار الرواية بتعيينه، مضافاً إلى عموم النهي عن إبطال العمل، ويحتمل التخيير للأصل. وعلى الأخيرين الأخير.
الباب العشرون: تدل الرواية على جواز ترك الاستقرار لذلك أخذاً بإطلاق الفعل بناء على عمومه كالقول مع احتمال العدم وكون المشي في غير محل الوجوب من القراءة أو التكبير للإحرام أو الركوع أو نحو ذلك.
الباب الحادي والعشرون: تدل الرواية على جواز ترك الاعتماد بقرينة المشي الغالب فيها الاعتماد على قدم بعد أخرى مع احتمال العدم والإتيان به على وجه لا ينافي ذلك.
الباب الثاني والعشرون: تدل الرواية على جواز الإنحناء اختياراً لتناول العصى للشيخ ونحوه لانحناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تناول العرجون.
الباب الثالث والعشرون: تدل الرواية على جواز الانحناء لقتل العقرب أو الحية أو تناول الصبي أو نحو ذلك مما لا يمحو صورة الصلاة من الفعل القليل.
الباب الرابع والعشرون: إن الرواية تدل على أن الإنحناء لغير قصد الركوع لا يوجب الزيادة في الركوع في محل الركوع وعدمه مع احتمال العدم لاحتمال عدم تجاوزه الى محل الركوع.
الباب الخامس والعشرون: تدل الرواية على جواز المشي في الصلاة في محل الضرورة بطريق أولى.
الباب السادس والعشرون: تدل الرواية على وجوب تعيينه في الأراضي المغصوبة في أثناء الصلاة مع عدم العلم بالغصبية ابتداءً وجوازه ابتداءً من ضيق الوقت لعدم سقوط)[1249]( التكليف بالواجب مع توقف الإتيان به على ترك الشرائط الاختيارية.
الباب السابع والعشرون: تدل الرواية على جواز الفعل الكثير بالصلاة بقرينة المشي والحك المتوقف على ذلك. وفي الاقتصار على مورد النص وجواز التعدي الى غيره وجهان، أقواهما الأول مع احتمال كون ذلك من الفعل القليل فلا استثناء مطلقاً.
الباب الثامن والعشرون: يحتمل جواز القراءة مع المشي لإزالة النجاسة أو النخامة. ويحتمل تعيين السكوت لفوات الاستقرار الذي هو شرط فيها وإطلاق الحكاية يعطي الاول، والأحوط الأخير.
الباب التاسع والعشرون: قوله عليه السلام: «مبني على صلاته» يُفهم منه تعيين السكوت حال المشي، كما هو المطابق لفتاوى الأصحاب، والنصوص.
الباب الثلاثون: يُفهم من قوله عليه السلام: «ثم رجع القهقرى» عدم جواز الإخلال بالاستقبال لذلك.
الباب الحادي والثلاثون: يفهم منه عدم جواز الإلتفات بالصلاة مطلقاً ولو بالوجه وحده أخذاً بالإطلاق.
الباب الثاني والثلاثون: قد فهم من الرواية بقرينة الرجوع تعيين وجوب إتمام الصلاة في المكان الذي انعقدت فيه ابتداءً، وتعيين العود إليه لو انتقل عنه لعذر بعد زواله وهو مشكل، والأقرب أن العود والرجوع إنما هو لانضمام الجماعة وعدم جواز تباعد الإمام)[1250]( في الإثناء عن المأمومين كما لا يجوز تباعد المأموم ووجوب الالتحاق بالصفوف لو انعقدت من المأموم قبل الإلتحاق بالصف، كما هو مورد النص والفتوى مع احتمال ذلك لإطلاق الحكاية في كونه منفرداً أو إماماً مع احتمال أن يتعين عليه إتمام الصلاة في المكان الذي مشى إليه، والاستقرار فيه والتحاق الصفوف به لأنه إمام لعموم: «إنما جعل الإمام لأن يؤتم به».
الباب الثالث والثلاثون: يُفهم من الرواية جواز أن يكون بين الإمام والمأموم في أثناء الصلاة ما لا يتخطى، كما لو تفرّق بعض الجماعة في أثناء الصلاة وعدم وجوب الإلتحاق بالإمام أو بالصفوف في الأثناء. وما ورد من وجوب الالتحاق خاص فيما لو كان بعيداً عن الصفوف بابتداء الصلاة.
الباب الرابع والثلاثون: وجوب انتظار المأموم للإمام إلى أن يعود إلى مكانه، ولا يجوز له قراءة أو ذكر أو فعل من الأفعال مع البقاء على نية الاقتداء.
الباب الخامس والثلاثون: يُفهم من التعدي عن محل الرواية تعيين المشي لإزالة النجاسة عن القرآن والمصحف لو توقف على ذلك.
الباب السادس والثلاثون: يفهم من الرواية جواز ترك الاستقرار مطلقاً لذلك.
الباب السابع والثلاثون: يُفهم من الرواية جواز ترك الاعتماد على أحد القدمين مع احتمال العدم.
الباب الثامن والثلاثون: يفهم من الرواية جواز رفع إحدى القدمين أو وجوبه عن التربة الحسينية لو وقف عليها ساهياً. ولو تعمد الوقوف في ابتداء الصلاة ففي البطلان وعدمه وجهان، أقواهما الأول لعدم إباحة المكان.
الباب التاسع والثلاثون: يفهم منها وجوب رفع القدمين عن أسماء الله عز وجل الخاصة أو العامة وأسماء الأنبياء والأئمة والملائكة.
هذا آخر ما أردنا إيراده في تفسير الرواية عملاً بموجب إطلاق لفظ الكثرة الواقع فيها، المحمول في لسان الشارع على الثمانين ليوافق الوضع الطبع واللفظ المعنى.
وكان ذلك صبيحة يوم الإثنين خامس عشر شهر محرم الحرام من شهور سنة 1268هـ على يد مصنفها الراجي عفو ربه الغني محمد بن الحسن المدعو بمهدي الحسيني الشهير بالقزويني. والحمد لله أولاً وآخراً.
وقد وقع الفراغ من نسخها على يد الفقير المذنب كثير الزلل السيد جودت الحسيني الشهير بالقزويني وذلك في التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة سنة 1393هـ ومطابقتها على نسختين، الأولى: بخط المرحوم الشيخ علي بن حسين بن الشيخ علي بن الشيخ درويش عوض الحلي كُتبت في 18 جمادى الأولى سنة 1279هـ، والثانية بخط المرحوم الشيخ محمد بن الحسن القفطاني كتبت في السادس والعشرين من شهر شعبان من شهور السنة السادسة بعد الألف وثلثمائة هجرية على مهاجرها أفضل الصلاة وأزكى التحية، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين أمين.
نظرة إلى كتاب
الإتجاهات السياسية في نهج البلاغة
لمحمد مهدي ماندكار
يضم هذا الكتاب مقدمة وسبعة فصول، وفي المقدمة أشار المؤلف إلى نهج البلاغة وضرورة الإهتمام به في العصر الحاضر.
الفصل الأول عنوانه (الإطار النظري للبحث) وقد تناول: المهام الأساسية للدولة والحكومة، التثقيف، الشرعنة، توزيع السلطة، النظام والأمن، تأمين الرفاه والاستقرار العام.
الفصل الثاني: (أُسس رسم التوجه في الحكومة العلوية) وقد تناول: أساس التوجه العام، أهداف الحكومة في نهج البلاغة، التوجهات العامة وتفرعاتها، محور العدالة، الأمن، الحرية، التعادل، التنمية والإصلاحات الإجتماعية، والنظرة الشمولية.
الفصل الثالث: (التثقيف في نهج البلاغة) وقد تناول: خصائص الثقافة الدينية في الإسلام ضمن العناوين التالية: محورية الله، المطالبة بالعدالة والمساواة، أهلية الحاكم، المصلحية، المسؤولية الفردية والاجتماعية، الميل الشعبي، التزام التقوى، صيانة الكرامة الإنسانية.
والثقافة السياسية في الحكومة العلوية، والطبقات الاجتماعية في نظر الإمام علي عليه السلام.
الفصل الرابع: (الشرعنة في نهج البلاغة) وقد تناول: مفهوم وأسس الشرعنة، السلطة وأدواتها في نهج البلاغة، حقوق الناس، طرق اكتساب وإضعاف الشرعية.
الفصل الخامس: (توزيع السلطة في نهج البلاغة) وقد تناول: مفهوم السلطة، مصدر السلطة، أُسس السلطة، عمل وخصوصيات السلطة السياسية في نهج البلاغة، ملاك توزيع السلطة، مفاسد السلطة، القضاء على الاستئثار بالسلطة.
الفصل السادس (النظام والأمن في نهج البلاغة) وقد تناول: تعريف وأسس النظام، استراتيجيات استقرار النظام، الأبعاد الاجتماعية للنظام، النظام والحرية والأمن وأقسامها.
الفصل السابع: (توزيع البضائع والخدمات الرفاهية في نهج البلاغة) وقد تناول: الأسس النظرية للرفاه في الحكومة، خصائص حكومة الرفاه، تأمين الرفاه وموقعه في أهداف الحكومة، السياسات الاقتصادية في نهج البلاغة.
هذا الكتاب هو أطروحة تخرج في العلوم السياسية من مؤسسة باقر العلوم عليه السلام للدراسات العليا في مدينة قم تحت إشراف الدكتور السيد رحيم أبو الحسين، واستشارة سماحة السيد محمد تقي آل غفور.
نظرة إلى كتاب ميراث حديث الشيعة الكراس الثامن
ميراث حديثة الشيعة هو عنوان لسلسلة كراسات تستعرض الآثار والإبداعات التي صدرت عن علماء الشيعة في مجال الحديث وعلوم الحديث. في هذه السلسلة رسائل قصيرة لا تبلغ حجم كتاب، لم تنشر من قبل، أو أنها لم تكن في متناول المحققين، وقد تم تصحيحها وإحياؤها.
كل كراس من هذه المجموعة يضم خمسة أقسام هي: نصوص الحديث والدعاء، شرح وترجمة الحديث والدعاء، علوم الحديث، الإجازات وشرح أحوال المحدثين، تعريف نسخه.
هذا الكتاب هو الكراس الثامن من هذه السلسلة وقد خصصت أقسامه الخمسة لهذه المباحث:
1 ـ نصوص الحديث: الأربعون حديثاً باللغة العربية في باب اللسان، من تأليف إبراهيم بن سليمان القطيفي (984هـ) وتحقيق علي رضا هزار.
2 ـ شرح وترجمة الحديث:
أ ـ المكنون في حقائق الكلم النبوية (عربي) ويتولى تفسير بعض الأحاديث النبوية تفسيراً عرفانياً، من تأليف أبو محمد روزبهان البقلي الشيرازي (606هـ) وتحقيق علي صدرائي الخوئي.
ب ـ كنج كهر وهو ترجمة كتاب نثر اللئالي في شرح عدة أحاديث لأمير المؤمنين عليه السلام باللغة الفارسية، من ترجمة النديمي (القرن التاسع) وتحقيق السيد جعفر الحسيني الأشكوري.
ج ـ الحاشية على أصول الكافي، من تأليف المولى محمد أمين الأسترابادي (1036هـ) جمعها ورتبها المولى خليل القزويني (1089) ومن تحقيق علي الفاضلي.
د ـ شرح دعاء يا من تحل به عقد المكاره (فارسي) مجهول المؤلف، تحقيق السيد محمد رضا الحسيني.
3 ـ الإجازات:
أ ـ إجازة الملا أحمد الفواقي إلى الملا علي الآراني (باللغة العربية) من تحقيق علي صدرائي الخوئي.
ب ـ شرح الأحوال من البداية إلى المآل (فارسي) للملا علي الآراني (1244هـ) وتحقيق علي صدرائي الخوئي.
الجدير بالذكر أن مع بداية كل قسم يوجد توضيح شامل حول المؤلف والنسخ المصححة، التي تزيد من غنى الكتاب.
4 ـ تعريف نسخة: تعريف بكتاب إيجاز المقال في علم الرجال (مجلدين من القطع الكبير، تضم ثمانون ألف سطر أو أكثر) لفرج الله بن محمد الحويزي (حوالي 1100هـ) عرّف الكتاب باللغة العربية السيد صادق الأشكوري، وذكر المواصفات العامة للكتاب.
مهدي مهريزي وعلي صدرائي الخوئي
نظرة إلى كتاب النبوة
للشيخ الصدوق
كتاب باللغة العربية في باب الأنبياء، نقل الشيخ الصدوق في هذا الكتاب الروايات التي وردت عن الأنبياء السابقين وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ورتبها في عشرين باباً. وضمت بعض الأبواب عدة فصول، وفصّل بعض المواضيع أكثر.
ففي الباب الأول هناك أربعة فصول، وفي الباب العشرون هناك واحد وعشرون فصلاً.
وفي بداية الكتاب جاءت ترجمة مفصلة لحياة المؤلف الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين القمي وحياته العلمية.
وقد رتبت أبواب هذا الكتاب على الشكل التالي:
الباب الأول: في ذكر آدم (أربعة فصول).
الباب الثاني: في نبوة إدريس ونوح.
الباب الثالث: في ذكر هود وصالح.
الباب الرابع: في نبوة إبراهيم.
الباب الخامس: في ذكر لوط وذي القرنين.
الباب السادس: في نبوة يعقوب ويوسف.
الباب السابع: في ذكر أيوب وشعيب
الباب الثامن: في نبوة موسى (سبعة فصول).
الباب التاسع: في بني إسرائيل.
الباب العاشر: في نبوة إسماعيل وحديث لقمان.
الباب الحادي عشر: في نبوة داود.
الباب الثاني عشر: في نبوة وملوكية سليمان.
الباب الثالث عشر: في أحوال ذي الكفل وعمران.
الباب الرابع عشر: في حديث زكريا ويحيى.
الباب الخامس عشر: في نبوة أرميا ودانيال.
الباب السادس عشر: في حديث جرجيس وعزير وحزقيل وإيليا.
الباب السابع عشر: في ذكر أصحاب الأخدود وإلياس ويونس وأصحاب الكهف والرقيم.
الباب الثامن عشر: في نبوة عيسى.
الباب التاسع عشر: في دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الباب العشرون: في أحوال محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه (21 فصل).
النفس والروح في نظر الشيخ المفيد
ليس من قبيل المبالغة لو قيل إن دراسة نفس الإنسان الناطقة تشكل محور العلوم العقلية والنقلية. فمعرفة النفس إنما هي أساس الحكمة ومفتاح كنز الملكوت. ولا تتاح معرفة البارئ إلا بعد تسلق سلّم معرفة النفس. فبهذا المفتاح تُفتح بوابة الغيب، وعن هذا الطريق يتحقق بلوغ المعاد. فتعد معرفة الآفاق والأنفس، الطريق لمعرفة الحق، وتعد صورة حقيقة الإنسان، أعظم الحجج الإلهية. وحقيقة النفس، شيء يشير إليه الإنسان دائماً بكلمة «أنا». وقد اختلف الحكماء والمتكلمون حول هذه الحقيقة، واتخذت كل فئة موقفاً خاصاً. ويعتقد أغلب المتكلمين أن النفس جسم أو جسمانية. في حين يرى أغلب الحكماء وعلى العكس من المتكلمين أن النفس مجردة، وقد أقاموا الأدلة والبراهين على ما ذهبوا إليه. والجدير بالذكر أن الحكماء لم يكونوا هم أيضاً على موقف واحد في هذه القضية، مثلما أن المتكلمين لم يكونوا منسجمين في رأيهم أيضاً، إذ انبرت كل مجموعة منهم لتفسير معنى النفس بما ينسجم مع ما لديها من أُسس وقواعد.
والشيخ المفيد الذي يُعدّ من كبار متكلمي الشيعة، ذهب إلى تجرد النفس في بعض آثاره وعدّها قائمة بذاتها. فتحدث في كتاب «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات» عن نعمة وعذاب أصحاب القبور خلال فصل مستقل من هذا الكتاب، وتساءل فيه عن الشيء الذي يرد عليه الثواب والعقاب، وكيف يصل إلى أصحاب القبور، وكيف هي صورتهم في مثل تلك الأوضاع والأحوال؟ وقد عبّر بعد طرح هذه التساؤلات عن رأيه فقال: «إن الله تعالى يجعل لهم أجساماً كأجسامهم في دار الدنيا ينعّم مؤمنيهم فيها ويعذّب كفارهم وفسّاقهم فيها دون أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون تتفرق وتندرس وتبلى على مرور الأوقات وينالهم ذلك في غير أماكنهم من القبور. وهذا يستمر على مذهبي في النفس. ومعنى الإنسان المكلف عندي هو الشيء المحدث القائم بنفسه الخارج عن صفات الجواهر والأعراض. ومعي به روايات عن الصادقين من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولست أعرف لمتكلم من الإمامية قبلي فيه مذهباً فأحكيه، ولا أعلم بيني وبين فقهاء الإمامية وأصحاب الحديث فيه اختلافاً»)[1251](.
وبالرغم من أنه لم يتحدث في هذه العبارة بشكل صريح عن تجرد النفس وبساطتها، إلا أن أسلوبه يوحي بهذا المعنى. ومن الواضح أنه قد اختلف في هدفه من وراء طرح قضية النفس وطبيعة تناوله لها عما ورد في كتب العلماء وأرباب المعرفة. والحقيقة أن طريقة دخوله لهذا الموضوع، تتسم بالأهمية والموضوعية لأن ما يُعد أساساً لديه هو مسألة «التكليف». وهنا لا بد أن يثار السؤال التالي: من هو المكلف بالتكليف الإلهي؟ وما هي حققته؟ وقد طرح الشيخ المفيد قضية النفس وعدّد أوصافها، للإجابة على مثل هذه التساؤلات. فالمكلف بالتكليف من وجهة نظره، حادث من جهة وقائم بنفسه من جهة أخرى، فضلاً عن انطباق صفات الجوهر والعرض عليه. وهكذا نرى أنه يصرح بحدوث النفس، وهذا يعني أن التكليف حادث أيضاً. وإذا علمنا أن حدوث التكليف ملازم لحدوث الكلام الإلهي، فلا بد من الاعتراف بأن الشيخ يحذو حذو المعتزلة على صعيد الكلام الإلهي ويرفض رأي الأشاعرة في الكلام النفسي.
والأمر الآخر الذي أشار إليه هو قيام النفس بنفسها. فحينما يعتبر الشيخ النفس موجوداً قائماً بنفسه، فمراده أنها خارجة عن عالم الأعراض والقلق الموزع على مقولات تسع، لأن المتكلمين ـ لا سيما أولئك الذين عاصروه ـ يعرّفون العرض بأنه الشيء الذي لا يبقى على حال واحدة في لحظتين، وربما يُقال هنا: أن الشيخ لم يخرج النفس لوحدها على عالم الأعراض والمقولات التسع، وإنما لا يؤمن أيضاً بانطباق صفات الجواهر عليها أيضاً. ولهذا لا يمكن الزعم أن النفس عنده من مقولة الجوهر. وللرد على هذا الإشكال لا بد من القول: بالرغم من أنه قد نزّه النفس من صفات الجوهر في كتابه «أوائل المقالات»، لكن من المرجح أنه يقصد نفي الصفات والخصوصيات الجسمانية. وهذا ما أكد عليه في موضع آخر.
فقد أثار السيد الشريف عدة تساؤلات ثم بعثها من مدينة ساري بمازندران الإيرانية إلى الشيخ المفيد في العراق. فأجابه عليها، وأشار من خلالها إلى جوهرية النفس وبساطتها. وكان من ضمن تلك المجموعة من الأسئلة المعروفة بـ «الأسئلة السروية»)[1252](، سؤال يقول: هل الإنسان هو هذا الشخص الجسماني الذي يُرى بالعين أم أنه جزء غير جسماني وحساس ومدرك وحالّ في القلب؟ فعرّف الشيخ النفس من خلال الإجابة على هذا السؤال بأنها موجود قائم بنفسه، ليس لها حجم ولا حيز، ومنزهة عن كل تركيب، وحركة، وسكون، وافتراق، واجتماع. ونفهم من ذلك أنه قد انتزع عن النفس جميع الصفات والخصائص الجسمية. كما أكد أيضاً أنها ذات الشيء الذي عرّفه الأوائل بأنه جوهر بسيط. ولو أخذنا الصفات التي ذكرها الشيخ المفيد للنفس بنظر الاعتبار لعلمنا أنها لا يمكن أن تتحقق إلا في الجوهر المجرد. وسبق أن قلنا بأنه لم يستخدم في حديثه عن النفس كلمة «مجرد». لكن الكلام بمجمله ينبئ عن هذا المفهوم.
وقد انتقد الشيخ المفيد أقوال وآراء الكثير من المتكلمين وأكد بأنّ ما قاله في حقيقة النفس، هو ذات ما قاله معمر من المعتزلة وبنو نوبخت من الشيعة. كما أشار إلى أمر مهم آخر يتعلق بكنه النفس، فقال: «… وهو شيء يحتمل العلم والقدرة والحياة والإرادة والكراهة، والبغض، والحب، قائم بنفسه، محتاج في أفعاله إلى الآلة التي هي الجسد…» )[1253](.
وفي ذات الوقت الذي ابتعد فيه الشيخ برأيه هذا عن مواقف المتكلمين، اقترب من الموقف الفكري للكثير من الفلاسفة المسلمين. فعدد كبير من الفلاسفة يرى أن النفس مجردة ومستغنية عن الجسم من حيث الذات، ومادية ومحتاجة إلى الجسم من حيث الفعل. وقد أدرك الشيخ المفيد اقتراب كلامه من كلام الفلاسفة، وأشار إلى ذلك في كتاب «تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد». فبعد نقله لحديث عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام يفيد أنه لا يُسأل في القبر سوى المؤمن المحض والكافر المحض، أورد رأيين أساسيين في هذا المجال، ثم عبّر عن رأيه، فقال: «وقد اختلف أصحابنا فيمن ينعّم ويعذّب بعد موته. فقال بعضهم المعذّب والمنعم هو الروح التي توجّه إليه الأمر والنهي والتكليف وسموها (جوهراً). وقال آخرون: بل الروح الحياة، جعلت في جسد كجسده في دار الدنيا. وكلا الأمرين يجوزان في العقل. والأظهر عندي قول من قال إنها الجوهر المخاطب، وهو الذي يسميه الفلاسفة: (البسيط)» )[1254](.
وهكذا نرى أنه يؤمن بشمول النعمة الإلهية أو العذاب الإلهي بعد الموت لمن خاطبه الله تعالى بالأوامر والنواهي، والتي هي الروح أو ما عبّر عنه الفلاسفة بالجوهر البسيط. وإذا علمنا أن المخاطب بالخطاب الإلهي عند الشيخ، حادث من جهة، ومنزه عن الصفات الجسمية كالحيز والافتراق والاجتماع من جهة أخرى، فبإمكاننا أن نقول بأن ما ذهب إليه ينسجم كثيراً مع رأي الحكماء المشائين. فهؤلاء يرون أن النفس روحانية في الحدوث والبقاء، ومجردة في الذات، ومحتاجة في الفعل والعمل. والمهتمون بمعرفة النفس يعلمون جيداً بكثرة الآراء والأقوال في حقيقة النفس، ولكن بالإمكان إيجاز ما قيل في حدوث النفس في أربعة آراء هي:
1 ـ النفس جسمانية الحدوث والبقاء.
2 ـ النفس روحانية الحدوث والبقاء.
3 ـ النفس جسمانية الحدوث، روحانية البقاء.
4 ـ النفس روحانية الحدوث، جسمانية البقاء.
والرأي الأوّل يعبّر عما يذهب إليه الدهريون والطبيعيون الذين يرون أن النفس جسمانية في جميع الأحوال. وعلى هذا الرأي أيضاً أغلب المتكلمين. وهناك اختلاف كبير في طبيعة جسمانية النفس. فعدّها البعض روحاً بخارية، وقال آخرون إنها جسم لطيف يسري في البدن دائماً لشدة لطافته، مثل سريان الماء في الطين. وهناك من يعتقد أنها من جنس الدم.
والرأي الثاني هو رأي الحكماء والمشائين، وأخذ به ابن سينا وأتباعه. والرأي الثالث، ذهب إليه صدر المتألهين في الحكمة المتعالية، وبحثه بشكل مفصل. أما الرأي الرابع فيعبّر عن وجهة نظر أولئك القائلين بالتناسخ. ويذهب هؤلاء إلى أن النفس روحانية وظاهرة في بداية خلقها، ثم تتلوث بصفات جسمية بعد التعلق بالجسم.
وإذا أردنا أن نقيس رأي الشيخ المفيد في النفس وحدوثها، بهذه الآراء الأربعة، فلا بد لنا أن نقول بدون تردد بأنه أقرب إلى رأي المشائين من غيرهم.
والجدير بالذكر أن الشيخ المفيد لم يستخدم الاصطلاحات الفلسفية في آثاره، ولم يكن على وئام مع الفلاسفة، لهذا ورغم اقتراب رأيه في حقيقة النفس من الفلاسفة، إلا أن عقيدته فيها بعيدة جداً عن تفكير الفلاسفة. فقد مر بنا أنه ينظر إلى النفس حادثة ومجردة ويعدّها موجوداً روحاني الحدوث، لكنه مع ذلك يرفض بقاء النفس بشدة ويرى أن القول ببقائها يتعارض مع الألفاظ القرآنية، لأن الله تعالى قد قال بشكل صريح بفناء كل ما في الكون من موجودات ولا يبقى إلا وجه الله.
وقد انتقد الشيخ المفيد على هذا الصعيد الشيخ أبا جعفر الصدوق وعدّ قوله ببقاء النفس خاطئاً وغير صحيح، وأنه نحا منحى الفلاسفة الملحدين:
«والذي صرّح به أبو جعفر في معنى الروح والنفس هو قول التناسخية بعينه من غير أن يعلم أنه قولهم. فالجناية بذلك على نفسه وعلى غيره عظيمة. فأما ما ذكره من ان الأنفس باقية فعبارة مذمومة ولفظ يضاد ألفاظ القرآن. قال الله تعالى: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) )[1255](. والذي حكاه وتوهمه هو مذهب كثير من الفلاسفة الملحدين الذين زعموا أن النفس لا يلحقها الكون والفساد، وأنها باقية وإنما تفنى الأجساد المركبة. وإلى هذا ذهب بعض أصحاب التناسخ…» )[1256](.
وهكذا نلاحظ مدى حدة رده على رأي الشيخ الصدوق وكيف عدّ قوله قول أصحاب التناسخ! ولم يكتف بوصف كلامه في بقاء النفس بأنه كلام القائلين بالتناسخ فحسب، بل وصفه أيضاً بأنه جاهل بأن رأيه هذا، عين رأي التناسخية! كما اتهمه بأنه قد جنى بذلك على نفسه وعلى غيره وإن كانت الجناية على غيره أعظم!
والعارفون بتاريخ الثقافة الإسلامية يعلمون جيداً سمو المكانة التي يشغلها الشيخ المفيد والدور الذي مارسه في نشر المعارف الإسلامية، والآثار التي خلّفها على أفكار كبار المفكرين المسلمين، كالسيد المرتضى علم الهدى الذي تربّى في مدرسته. وقد اعترفت شخصيات مثل ابن حجر في «لسان الميزان»، وابن النديم في «الفهرست»، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» بمنزلته الشامخة. ويرى ابن شهرآشوب بأن إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الذي لقّبه بالمفيد)[1257](.
ورغم هذا، يبدو أن الإشكالات التي وجهها لأبي جعفر على صعيد بقاء النفس، غير واردة، ولهجته الحادة غير مبررة. فالقول ببقاء النفس ليس غير القول بالتناسخ فحسب، بل ولا يستلزم الاعتقاد به أيضاً. فهناك العديد من المفكرين الذين يؤمنون ببقاء النفس بعد الموت، إلاّ أنهم يرفضون القول بالتناسخ رفضاً قاطعاً. وبالرغم من استدلال الشيخ المفيد بظاهر إحدى الآيات القرىنية على فناء النفس، غير أن أبا جعفر قد استدل هو الآخر بالآيات والأحاديث على بقاء النفس، وهي لسيت بالقليلة. ويرى الشيخ المفيد أن كلام الشيخ الصدوق في مضمار النفس قائم على الحدس، ولا يلاحظ فيه الجانب الدراسي والتحقيقي: «وكلام أبي جعفر في النفس والروح، على مذهب الحدس دون التحقيق. ولو اقتصر على الأخبار ولم يتعاط ذكر معانيها كان أسلم له من الدخول في باب يضيق عنه سلوكه»)[1258](.
والحقيقة هي أن المؤاخذات التي وجهها الشيخ المفيد للشيخ الصدوق، كان من الأولى أن توجّه إلى كلام المفيد نفسه. فالمفيد يرى أن رأي أبي جعفر الصدوق في بقاء النفس، هو ذات رأي أهل التناسخ، في حين أنه تحدث في تفسير أحد الأحاديث بما يقرب من الفكرة التناسخية. فروى عن الإمام الصادق أنه قال جواباً على سؤال وُجّه إليه أن المؤمن المحض أو الكافر المحض حينما يذهب من الدنيا، تنفصل روحه عن جسده، وتنتقل إلى جسم آخر شبيه بجسمه الدنيوي، فيُثاب أو يعاقب على أعماله إلى يوم القيامة. وحينما يبعث الله الناس جميعاً في يوم الحشر يعيد ذلك الجسم الدنيوي من جديد ويُرجع إليه روحه فيرى ما عملت يداه من خير أو شر)[1259](. ويعلّق الشيخ المفيد على إجابة الإمام الصادق قائلاً بأن المؤمن حينما تنتقل روحه بعد الموت إلى جسم شبيه من حيث الصورة بجسمه، يستقر في جنة من جنان الله وهي جنة الدنيا. أما الكافر فيلقى بعد انتقال روحه إلى الجسم الجديد في النار إلى يوم القيامة معذباً فيها. واستعان الشيخ بما ذهب إليه ببعض الآيات القرآنية.
والسؤال الذي يثير نفسه هنا هو: ألا يعد انتقال الروح من جسم إلى جسم آخر نوعاً من التناسخ، وإذا كان هذا الجسم شبيهاً بجسمه الأول؟ ولماذا عدّ الشيخ المفيد قول الصدوق ببقاء الروح تناسخاً ولا يعد انتقال الروح من جسم لآخر تناسخاً أيضاً؟ فقد يقال أن الشيخ قد استند فيما ذهب إليه إلى أحد الأحاديث، أي أن ما قاله ليس سوى مضمون الحديث لا غير. وفي الإجابة على ذلك نقول أن الصدوق قد استند هو الآخر إلى عدد من الروايات فيما ذهب إليه ويعتقد الشيخ المفيد أن الأحاديث التي تتحدث عن خلق الأرواح قبل الأجساد، والتي استند إليه الشيخ الصدوق، إنما هي من قبيل خبر الواحد)[1260](. ومن الواضح أنه يريد أن يقول بعدم إمكان الاستناد إلى خبر الواحد في مثل هذه القضايا. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تمسك الشيخ المفيد نفسه بخبر الواحد في هذه القضية واتخذه منطلقاً لكلامه؟
وسبق أن ذكرنا أن الشيخ المفيد قد تحدث في كتابي أوائل المقالات والأسئلة السروية عن أن الله تعالى يخلق لأصحاب القبور أجساماً جديدة من نوع أجسامهم الدنيوية فينعمون أو يتعذبوا على أساس الأعمال التي مارسوها في الدنيا من خير أو شر. إلا انه لم يذكر فيهما أن الصالحين منهم يتنعمون في نعيم الدنيا، والمذنبين منهم يتعذبون في نار الدنيا. في حين تحدث ـ وكما رأينا من قبل ـ عن نعيم الدنيا في كتاب «تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد». وهذا يعني أن الشيخ المفيد يواجه ذات الإشكال الذي حاول أن يلصقه بالشيخ الصدوق، لأن ما ذهب إليه على صعيد تنعم وتعذب أصحاب القبور يستلزم القول بالتناسخ.
وقد يقال هنا أن التناسخ ذو أنواع مختلفة ولا يمكن أن تعدّ جميعها باطلة. وللإجابة لا بد من القول بالرغم من أن التناسخ ذو أنواع مختلفة ومتفاوتة ولا يمكن إبطالها جميعاً، إلا ان كلام الشيخ المفيد يستلزم نوعاً من التناسخ الذي لا بد وأن يُعد باطلاً لأن تعلق النفس المرتبطة ببدن عنصري، ببدن عنصري آخر مغاير للبدن الأول، لا شك وأنه من نوع التناسخ الباطل. ويسمى هذا النوع من التناسخ الذي يتم فيه انتقال الروح من بدن إلى آخر بالتناسخ الملكي. وهناك أنواع أخرى من التناسخ التي يمكن أن تُدعى بالتناسخ الملكوتي والتي من بينها أن النفس تتعلق بجسم أخروني ملكوتي بعد أن تطوي مراحل الكمال. ولا يغاير هذا الجسم النفس أبداً. ومن الواضح أن الجسم حينما لا يغاير النفس أدنى مغايرة، فلا بد أن يعد هذا الجسم من شؤون النفس. ولسنا بصدد الحديث عن التناسخ وطبيعته وأنواعه، وإنما نريد التأكيد على أن إشكال الشيخ المفيد على الشيخ الصدوق في مجال التناسخ، إنما يرد على كلامه لا على كلام الشيخ الصدوق، ولم يقتصر اتهام الشيخ المفيد للشيخ الصدوق بالقول بالتناسخ على صعيد بقاء النفس فحسب، وإنما حتى على صعيد الأحاديث المتصلة بعالم الذر وعهد وميثاق عالم «ألَستُ» أيضاً، حيث يقول في هذا المضمار:
«وأما الأخبار التي جاءت بأن ذرية آدم عليه السلام استُنطقوا في الذر فنطقوا فأخذ عليهم العهد فأقرّوا، فهي من أخبار التناسخية، وقد خلطوا فيها ومزجوا الحق بالباطل. والمعتمد من إخراج الذرية ما ذكرنا دون ما ينطق القول به»)[1261](.
وقد أثير إشكال على كلام الشيخ المفيد هذا وهو أن تحدث ذرية آدم في عالم الذر وأخذ العهد والميثاق منها، لم يردا في الأخبار وألأحاديث فحسب وإنما تحدث عنهما القرآن أيضاً: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) )[1262](. وقد رد الشيخ على هذا الإشكال من خلال قوله بأن ما ورد في هذه الآية الشريفة، مجاز في اللغة، مع وجود مثل هذه المجازات والاستعارات في حالات مشابهة أخرى)[1263](. وقد انتقد مواقف الحشوية والعامة إزاء معنى هذه الآية، وعبّر عن وجهة نظره فيها أيضاً وقال إن أخذ العهد والميثاق من ذرية آدم بمعنى أنه تعالى قد أكمل عقلهم فأدرك أهل التكليف حدوث المخلوقات، وعلموا أن هذه الحوادث والظواهر لا تحدث بدون مُظهر ومُحدث. كما أدرك أهل التكليف الذين كانوا من ذرية آدم هذه الحقيقة وهي أن بارئ العالم وصانعه لا شبيه له ولا نظير وجدير بالعبادة لأنه صاحب النعمة)[1264](. أي أن الإقرار بالربوبية وقول «بلى» في عالم «ألَستُ»، إلزام عقلي يُعدّ من لوازم كمال العقل، فيما يعد العقل من النعم الإلهية الكبرى. وعلى هذا الأساس، يتضح التباين بين رأي الشيخ المفيد حول الروايات المتحدثة عن عالم الذر وبين ما يذهب إليه أهل الحديث والكثيرون من العامة، مع رفض الجمود على ظواهر هذه الروايات بشكل كامل.
وللشيخ المفيد موقف خاص أيضاً إزاء الروايات التي تتحدث عن خلق الأرواح قبل الأبدان، ويرفض رأي الحشوية وأهل الظاهر بهذا الشأن. وقد اعتبر هذه الروايات جزءاً من أخبار الآحاد ولا يمكن القطع بصحتها. ثم قال إننا حتى لو فرضنا صحتها وأخذنا بها فلا بد أن يكون لها معنى آخر يختلف عما ذهب إليه أهل الظاهر. ولهذا يرى خلق الأرواح قبل الأبدان نوعاً من التقدير في العلم الإلهي)[1265](. أي أن خلق الأرواح قبل الأبدان ليس سوى نوع من التقدير والتحقق في مرحلة علم الله. ولهذا يرفض الشيخ مخلوقيتها في الخارج قبل خلق الأجسام. وقد استدل على رأيه هذا بقوله لو أن الأرواح كانت مخلوقة قبل الأبدان، كان لا بد أن يكون لنا علم بذلك، ولا بد لنا أن نتذكر ما كنّا عليه، وليس لنا أن ننساه. ويضرب الشيخ مثلاً على ذلك قائلاً لو أن أحداً ترعرع ونشأ في مدينة كبغداد مثلاً ثم غادرها إلى بلدة أخرى، فهل يمكن أن ينسى ما كان لديه من علم حول تلك المدينة؟ وإذا نسي، فهل لا يمكن أن يتذكر في يوم ما أنه كان فيها حتى إذا ذكّر بذلك من قبل الآخرين وقُدّمت له معلومات وعلائم عن وجوده وطبيعة سكناه وترعرعه؟ ويجيب الشيخ على مثل هذه التساؤلات بأن ليس بإمكان العاقل أن يقبل مثل هذا الكلام. ولهذا لا يحق لمن لديه علم بمثل هذه الموضوعات أن يتحدث عنها على غير هدى)[1266](.
والجدير بالذكر أن الشيخ المفيد قد اتخذ موقفاً عقلياً إزاء الأخبار والأحاديث المتصلة بخلق الأرواح قبل الأبدان، وعلى صعيد الروايات والآيات المتحدثة عن عالم الذر وعهد «ألست بربكم»، وسعى إلى تجنب كل نوع من أنواع الجمود. وعبّر بعض الحكماء الإلهيين أيضاً عن رفضهم للفهم الظاهري لقضية خلق الأرواح قبل الأبدان، وفسروها تفسيراً آخر.
واستعرض صدر المتألهين الشيرازي هذه القضية في بعض آثاره، وعدّ وجود الأرواح قبل الأبدان كينونة عقلية. ومراده بذلك هو أن الأرواح بإمكانها أن يكون لديها قبل الأبدان نوع من التكون العقلي. في حين يتعذر التكون النفسي قبل الأبدان. والكينونة العقلية للأرواح قبل الأبدان عند ملا صدرا يمكن أن تكون قريبة إلى حد ما مما عدّه الشيخ المفيد تقديراً علمياً للأرواح قبل الأبدان في مرحلة علم الله. ولا شك في وجود تباين كبير بين فكرة صدر المتألهين وبين ما ذهب إليه الشيخ المفيد بهذا الشأن)[1267](. فصدر المتألهين فيلسوف متأله عارف ينظر إلى المسائل من منظار فلسفي وعرفاني، في حين أن الشيخ المفيد ورغم اتخاذه لبعض المواقف العقلية إلا أنه يظل متكلماً وفياً للكتاب والسنّة. ولهذا السبب تبدو بعض كلماته وآرائه غير محبّذة من وجهة نظر الفيلسوف العميق التفكير، ومنها رأيه في انعدام بعض النفوس بعد فناء الجسم. وقد قسم الناس إلى ثلاثة أفراد استناداً إلى حديث عن الإمام الصادق عليه السلام، وقال بأحكام خاصة لكل منهم وهم: مؤمنٌ محضٌ، وكافرٌ محضٌ، ولا كافر ولا مؤمن)[1268](.
وسبق لنا أن عرفنا رأي الشيخ حول القسمين الأول والثاني. أما رأيه في القسم الثالث فهو أن شخصاً كهذا، ينعدم بعد فناء جسمه، ولهذا ليس لديه أي إدراك أو وعي إلى أن تقوم القيامة فيعود ثانية. وقال بأنه قد استنبط رأيه هذا من بعض الآيات القرآنية التي تشير إلى جهل بعض الناس بالفترة التي أمضوها في القبر، حتى أن منهم من يتصورها عشرة أيام ومنهم من يتصورها يوماً واحداً، كالآية الشريفة: (يتخافتون بينهم إن لبثتهم إلا عشرا)، والآية الشريفة الأخرى: (نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) )[1269](.
ويستنتج الشيخ المفيد بعد ذلك: أن هؤلاء ليسوا معذبين بعذاب ولا متنعمين بنعمة، لأن المعذب أو المتنعم لا يمكن أن لا يعلم ذلك العذاب أو تلك النعمة.
ويوجد بين الفلاسفة المسلمين من يؤمن بانعدام بعض النفوس الضعيفة، إلا أنهم لا يقولون بعودتها في يوم الحشر. وأورد صدر المتألهين رأي الشيخ المفيد هذا في كتاب «شرح أصول الكافي»، ووجّه الانتقاد إليه، وعدّه غير صائب لأن إعادة المعدوم أمر ممتنع عقلياً، وأورد العديد من الأدلة على بطلان رأيه)[1270](. ولا ريب في تزعزع الأدلة التي اعتمد عليها الشيخ المفيد لأن عدم تذكر العذاب أو النعمة لا يدل على عدم وجودها، إذ ما أكثر الأمور التي لا يتذكرها الإنسان رغم أنها قد مرت عليه. فالكثير من الناس ـ مثلاً ـ ينسون الأحلام التي يشاهدونها في المنام بمجرد أن يستيقظوا، ولا يتذكرونها أبداً. وهل ما ذكره الشيخ المفيد حول الفئة الثالثة، لا ينطبق على أصحاب الكهف؟ فهؤلاء حينما استيقظوا من نومهم الطويل، لم يكونا على علم بالفترة التي أمضوها نائمين، حتى أنهم تصوروها (يوماً أو بعض يوم) )[1271](.
ورغم قوة آراء الشيخ المفيد على صعيد النفس والروح، إلا أنها تعاني أحياناً من الضعف. فقد فرّق بين الروح والنفس، وذكر أربعة معان لكل منهما. ومعاني النفس هي: 1 ـ الذات وجوهر الشيء. 2 ـ الدم الجاري، 3 ـ الشهيق والزفير، أي الهواء، 4 ـ الميل والطبع. ومعاني الروح الأربعة هي: 1 ـ الحياة، 2 ـ القرآن، 3 ـ ملك من ملائكة الله، 4 ـ جبرئيل.
وأورد الشيخ لكل معنى من هذه المعاني شواهد من اللغة والقرآن)[1272](. وهذه الشواهد ف الحقيقة لا تكشف عن ماهية النفس وحقيقة الروح، مما يستدعي البحث عن طريقة أخرى وبذل جهود أكبر من أجل الوصول إلى حقيقة النفس المحاطة بالأسرار.
وخلاصة ما توصلنا إليه من دراسة آراء الشيخ المفيد حول النفس والروح إنه قد طرح قضايا مهمة قريبة مما طرحه الفلاسفة على صعيد تجرد النفس، رغم أنه لم يتحدث عن هذا التجرد بشكل صريح. وتكشف الدراسة المستفيضة لآثاره أن علينا أن لا نتفاءل أكثر مما يجب رغم هذا التناسب والتشابه بين كلامه وكلمات الفلاسفة، لأنه قد تحدث في البعض الآخر منها بما يتعارض مع ما ذهب إليه الفلاسفة، ومنها أنه عدّ الروح عرضاً وذلك خلال إجابته على السؤال الثالث من الأسئلة السروية، وأنها لا تبقى على حال واحدة: «… أن الأرواح عندنا هي أعراض لا بقاء لها…» )[1273](.
وربما يقال هنا: أن الشيخ قد يريد بالعرض، عرضاً آخر غير العرض الذي يتحدث عنه الفلاسفة. غير أن هذا، مجرد احتمال فحسب لا يعززه سوى أن الشيخ لا يتحدث عادة طبقاً للاصطلاحات الفلسفية، سيما وقد أكد في تفسيره للعرض، أنه يريد به ذات المعنى الذي يرمي إليه الفلاسفة.
تجدر الإشارة إلى أن القول بعرضية النفس، له لوازم ليس من السهل الالتزام بها، فضلاً عن تعارضها مع الكثير من المبادئ والأصول. وما ذهب إليه الشيخ بهذا الشأن، لا يلتقي حتى مع مبادئه التي ذكرها في مواضع أخرى. وسبق لنا أن ذكرنا في مطلع هذا المقال أن الشيخ يرى الإنسان المكلف موجوداً حادثاً وقائماً بالنفس وخارجاً عن صفات الجواهر والأعراض. وإذا ما اعتبرنا أن كلام الشيخ هذا معتبر ورصين، فلا بد من القول بأن ما ورد في «المسائل السروية» متعارض معه. والشيء الوحيد الذي يمكن أن نرفع به هذا التعارض هو أن نقول بأن مراده بخروج الإنسان عن صفات الجواهر والأعراض هو حقيقة النفس الإنسانية، في حين يتعلق ما أورده في المسألة الثالثة من «المسائل السروية» بالروح.
وما يمكن أن نقوله في الختام هو أن آراءه في الروح والنفس، معقدة، ويلزم لدراستها وقت طويل. وما ذكرناه هنا، ليس سوى مقدمة لدراسات أكبر، إن شاء الله.
د. غلام حسين ديناني
النفقة وأحكامها في الإسلام
(1)
تحديد نفقة الزوجة
تعريف النفقة ـ بشكل عام:
ـ لغة: تطلق كلمة (النفقة) في اللغة ويراد بها (المال الذي يدفعه لإنسان يعوله). وترددوا في مصدر اشتقاقها، فقيل هي: (إما أن تكون مشتقة من النفوق وهو الهلاك، يقال نفقت الدابة نفوقاً إذا هلكت، وإما أن تكون مشتقة من النفاق وهو الرواج، يقال نفقت السلعة نفاقاً إذا راجت) )[1274](.
ولعل الثاني أقرب، بقرينة استعمال هذه اللفظة ـ في المصطلح الشرعي ـ في وجوه الخير غالباً.
تعريف النفقة ـ بشكل عام: ـ شرعاً:
أما النفقة ـ بشكل عام ـ في مصطلح الشرع، فإن خير تعريف يمكن أن يعطى لها هو ما ذكره ابن الهمام في فتح القدير، حيث قال بعد أن بيّن تعريفها في اللغة: (و ـ النفقة ـ في الشرع: الإدرار على الشيء بما به بقاؤه) )[1275](.
وهذا التعريف يشمل نفقات الزوجة ونفقات الأقارب ونفقات الدولة على المواطنين وغيرهم، ونفقات الملك وغيرها من النفقات الأخرى.
تعريف نفقة الزوجة شرعاً:
لم أعثر في حدود تتبعي ـ في الكتب الفقهية المعتبرة ـ على تعريف علمي خاص لنفقة الزوجة في المصطلح الشرعي.
وعليه فإن التعريف الشرعي المناسب لنفقة الزوجة فيما اعتقد هو أنها: (تكليف مالي واجب على الزوج للزوجة ـ بما هي زوجة ـ وفق شروط معينة بمستوى الكفاية عرفاً). فقولنا هي (تكليف): لبيان أن نفقة الزوجة في المصطلح الشرعي ليست مالاً ـ كما هي في عرف اللغويين ـ وإنما هي فعل (أي إنفاق) مكلف به الزوج من قبل الشارع متعلق بالمال. وقولنا (مالي): لإخراج أنواع التكاليف الشرعية غير المالية الأخرى من صلاة وصيام وأمر بمعروف، وما شابهها، ولبيان طبيعة هذا التكليف من أنه تكليف مالي صرف. وقولنا (واجب): لإخراج التكاليف المالية المندوبة من صدقات وصلات أرحام وأمثالها وقولنا (على الزوج للزوجة): لإخراج نفقات الأقارب والملك والدولة وغيرها من النفقات الأخرى.
وقولنا (بما هي زوجة): لبيان أن ملاك التكليف بهذه النفقة هو بسبب الزوجة مطلقاً ـ أي سواء كانت نفقة نكاح أم نفقة عدة طلاق وقولنا (وفق شروط معينة): لبيان نفقة الزوجة ليست تكليفاً مطلقاً، وإنما هو مقيدة بشروط معينة.
وقولنا (بمستوى الكفاية): لبيان الحد الإجمالي لهذا التكليف بالإنفاق. وقولنا (عرفاً): لبيان أن مناط تحديد مستوى هذا الإنفاق هو العرف الإجتماعي الذي يعيش فيه الزوجان.
(2)
حكم نفقة الزوجة
اتفق الفقهاء من جميع المذاهب الإسلامية المعروفة، عل وجوب نفقة الزوجة على الزوج، ولم أر في ذلك مخالفاً في حدود ما استقصيت)[1276]( إلا ما نسب إلى الشعبي أنه قال: (ما رأيت أحداً أجبر على نفقة أحد) )[1277](.
عرض الأدلة ومناقشتها:
واستدلوا على وجوب نفقة الزوجة على الزوج بالدلة التالية:
الكتاب والسنّة والإجماع، كما استدلوا عليه بالقياس أيضاً.
ـ الاستدلال بالكتاب العزيز:
فقد استدلوا بجملة من الآيات الكريمة أهمها ما يلي:
1 ـ قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} [سورة النساء، 3] وموضع الاستدلال منها هو قوله تعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا}.
وقد استدل به في المناهل )[1278](، والجواهر )[1279](، من الفقه الإمامي، والبحر الزخار )[1280]( من الفقه الزيدي. واختلف الفقهاء والمفسرين في تحديد المراد من كلمة (تعولوا) في الآية المباركة إلى معنيين، فمنهم من فسرها بمعنى (تجوروا) أو (تميلوا)، يقال: عال الرجل يعول عولاً وعيالة، إذ مال وجار، ومنه عول الفرائض، لأن سهامها إذا نزلت دخلها النقص، واستشهدوا له بقول أبي طالب: بميزان قسط لا بخس شعيرة: له شاهد من نفسه غير عائل )[1281](، وقد ذهب إلى هذا المعنى كثير من كبار المفسرين، منهم الفخر الرازي)[1282]( والطبري)[1283]( والزمخشري)[1284]( والشيخ الطوسي)[1285](، ونسبه الأخير إلى إبراهيم وعكرمة والحسن ومجاهد وقتادة وأبي مالك والربيع بن أنس والسدي وابن عباس والجبائي. ووجه الاستدلال بالآية الكريمة ـ على هذا المعنى ـ أن عدم الإنفاق على الزوجة، يترتب على جور وظلم، وهما منفيان بقوله تعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا} من الآية، وعلى ذلك يكون الإنفاق على الزوجة واجباً.
والمعنى الآخر (تعولوا) هو (تعيلوا) بمعنى كثرة العيال، وقد صرّح به الشافعي في الأم )[1286]( كما نسب إليه أيضاً في الكشاف )[1287](، والتفسير الكبير للرازي)[1288]( كما نسبه الشيخ الطوسي في تفسير التبيان إلى ابن زيد )[1289](، ونسبه السيد الطباطبائي في المناهل )[1290]( إلى فخر المحققين ـ من الإمامية ـ في كتابه الإيضاح.
ووجه الاستدلال بالآية على هذا المعنى: أنه لو لم يكن الإنفاق على الزوجات واجباً، لما كان لخشية كثرة العيال تأثير.
والذي يظهر لي أن المعنى الأول أقرب إلى الصواب، وذلك لعدة أسباب:
1 ـ إن من فسّر (تعولوا) بمعنى كثرة العيال، حمل اللغة على غير وجهها، فإن الفعل الثلاثي: عال يعول: بمعنى جار يجور، وأما كثرة العيال فيقال فيه الفعل الرباعي (أعال: يعيل). ولو كان المراد به هذا المعنى لقال تعالى: “ذلك أدنى ألا تعيلوا”، ولم يقل تعولوا.
2 ـ إن المعنى الثاني وهو كثرة العيال ـ لا ينسجم مع مقدم الآية المباركة وهو قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}، مما يدل على أن معنى العون في الآية هو الظلم وليس كثرة العيال.
3 ـ إنه لو كان المراد كثرة العيال ـ لما أباح الشارع التزوج بالواحدة مع التسري بما شاء من ملك اليمين، لأن إباحة كل ما ملكت ملك اليمين، أزيد في العيال من أربع حرائر. ومهما يكن من أمر، فإن الآية المباركة على المعنيين والتقريبين المذكورين لا تصلح للاستدلال بها على المعنى المطلوب، وذلك لسببين رئيسيين وهما:
أولاً: أن الآية المباركة إنما هي في صدد تحديد عدد الزوجات اللاتي يحل نكاحهن بالعقد الدائم، وليست في صدد بيان وجوب الإنفاق للزوجة على الزوج.
وثانياً: أن النفي للعول ـ وهو الميل ـ الوارد في الآية الكريمة، لا يختص بعدم الإنفاق، بل هو أعم منه، ولا ظهور في الآية بشخص الميل في عدم الإنفاق على الزوجة دون غيره من الأفراد، وما دام الأمر كذلك فلا يصح الاحتجاج بالآية في المقام.
***
ومن الأدلة التي ذكروها أيضاً: قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة، 233].
وقد استدل بها في بدائع الصناع)[1291]( وشرح الكنز)[1292]( والمبسوط)[1293]( والهداية )[1294]( وفتح القدير)[1295]( من الفقه الحنفي، وفي المناهل)[1296]( من الفقه الإمامي، وفي البحر الزخار)[1297]( من الفقه الزيدي، وفي بداية المجتهد ونهاية المقتصد)[1298]( من الفقه المالكي، ووجه الاستدلال بالآية مبني على تفسير كلمة (الوالدات) الواردة فيها بـ(الزوجات)، غير أن هذا التفسير لا يساعد عليه جو الآية ولا سياقها. وذلك أن الآية واردة في سياق آيات الطلاق، كما يظهر ذلك من ملاحظ الآيات السابقة عليها وهي قوله تعالى:
{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم* الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون* فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون* وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم* وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنت لا تعلمون}.
ـ ثم قال تعالى ـ : {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلّف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك} الآيات: [228 ـ 233].
فمن هذا السياق يظهر لنا أن المراد بالآية الكريمة، بيان حق المطلقات بائناً في الإرضاع، وهذا هو المشهور بين المفسرين على الظاهر.
قال الطبري في تفسيره للآية: يعني تعالى ذكره بذلك: (النساء اللواتي بُنّ من أزواجهن، ولهن أولاد وقد ولدنهم من أزواجهن قبل بينونتهن منهم بطلاق، أو ولدنهم منهم بعد فراق إياهن من وطء كان منهم لهن قبل البينونة، يرضعن أولادهن، يعني بذلك أنهن أحق بإرضاعهم من غيرهن) )[1299](.
وقال الشيخ الطوسي في تفسير قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} في الآية نفسها: (معناه أنه يجب على الأب إطعام أم الولد ما دامت في الرضاعة اللازمة إذا كانت مطلقة، وبه قال الضحاك والثوري وأكثر المفسرين) )[1300](.
ويتلخص لنا من ذلك كله:
1 ـ احتمال أن تكون هذه الآية من آيات الطلاق، ولبيان حكم الإرضاع بالنسبة للمطلقة بائناً… وهو أجنبي عن الموضوع.
2 ـ احتمال أن يكون الإنفاق أجرة للرضاع وليس بسبب الزوجية. ولذلك فإن الاستدلال المذكور بالآية المباركة على وجوب نفقة الزوجة لا يفي بإثبات المطلوب.
***
ومنها: قوله تعالى في سورة الطلاق: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن واتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى* لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما أتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 6، 7].
ووجه الاستدلال بهاتين الآيتين الكريمتين، مبني على إرادة الزوجات فيهما، وهو يدل على وجوب الإنفاق عليهن.
وقد استدل السرخسي بالآية الأولى في مبسوطه، وقال في معناها: «اسكنوهن من حيث سكنتم، وانفقوا عليهن من وجدكم» )[1301](. واستدل بالآية الثانية في المغني )[1302]( وتبيين الحقائق )[1303](، والهداية )[1304]( والرياض )[1305]( والجواهر )[1306](، والبحر الزخار )[1307](، واستدل بكل منهما في البدائع )[1308]( وفتح القدير )[1309]( والمناهل )[1310](.
ألا أن من يراجع الآيتين الكريمتين في القرآن المجيد، يجد أنهما في سياق الآيات الخاصة بأحكام المطلقة الرجعية، وهي قوله تعالى في سورة الطلاق: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا* فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا* ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا* واللآئي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللآتي لم يَحِضْن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا* ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً}. ثم قال تعالى:{اسكنوهنّ من حيث سكنتم …}. [الطلاق: 1 ـ 7]. قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير (قوله تعالى: أسكنوهن وما بعده) بيان لما شرط من التقوى في قوله تعالى: {ومن يتّق الله} كأنه قيل كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات فقيل (أسكنوهن) )[1311](.
وقال الطبري في تفسير الآية: (أسكنوا مطلقات نسائكم من الموضع الذي سكنتم. (من وجدكم): يقول من سعتكم التي تجدون، وإنما أمر الرجال أن يعطوهن مسكناً يسكنه مما يجدونه، حتى يقضين عدتهن، ثم قال الطبري: وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل) )[1312](.
وقال الشيخ الطوسي في كتابه التبيان في تفسير هذه الآيات: (يقول الله تعالى مخاطباً لمن طلّق زوجته يأمره أن يسكنها حيث يسكن) )[1313](.
وقد يقال بأن التكليف بالسكنى والنفقة الواردين في الآيتين الكريمتين قد نظر فيه إلى الزوجات المطلقات خلال العدة خاصة، ولم ينظر إليهن بلحاظ الزوجية بشكل مطلق، فلربما كان هذا التكليف بوجوب الإسكان لهن، والإنفاق عليهن، بسبب حالة الطلاق، وليس بسبب الزوجية، وذلك لقرينة قوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} ولو كانت الآيات في مقام بيان وجوب نفقة الزوجة مطلقاً لما قيده تعالى في حالة الحمل، ألا أنه مع ذلك يمكن الاستدلال بالآيتين الكريمتين على وجوب النفقة على الزوجة من طريقين آخرين وهما:
1 ـ طريق التنزيل: باعتبار أن المطلقة الرجعية إنما وجب الإنفاق عليها من قبل الزوج لأنها بمنزلة الزوجة، فما دل على وجوب الإنفاق على مطلق الزوجة.
2 ـ طريق الأولوية: باعتبار أن المطلقة الرجعية إذا وجب الإنفاق عليها فيجب على الزوجة بطريق أولى.
ومن الآيات التي استدلوا بها أيضاً قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} [النساء: الآية 34].
وموضع الاستدلال فيها: قوله تعالى: {وبما أنفقوا من أموالهم}، بتقريب: أن الله سبحانه، جعل القيمومة للرجال على النساء، لمكان إنفاقهم عليهن، وذلك يدل على وجوب النفقة على الزوجة. وقد نسب في المناهل القول إلى فخر المحققين في الإيضاح بأنهم اتفقوا على أن قوله تعالى: {وبما أنفقوا} على سبيل الوجوب )[1314](. ونسب الشيخ الطوسي القول إلى عطاء والزجاج: في معنى قوله تعالى: {بما حفظ الله} ـ من الآية نفسها ـ (أي بما حفظ الله بمهورهن وألزم الزوج النفقة عليهن) )[1315](. وإلى هذا المعنى أيضاً ذهب المقداد السيوري في كتابه كنز العرفان )[1316](.
ويرد على الاستدلال بالآية المباركة ما يلي:
1 ـ إن الآية ليست في صدد تشريع وجوب النفقة للزوجة، وإنما هي في صدد تقرير قيمومة الرجال على النساء بما ركّب الله فيهم من مؤهلات تكوينية وصفات كسبية، والتي منها الإنفاق عادة. وما لم تكن الآية في صدد البيان، من جهة تشريع وجوب النفقة للزوجة، فلا يصح التمسك بإطلاقها بأي حال.
2 ـ إن الإنفاق على الزوجات الذي أشارت إليه الآية المباركة ليس هناك ما يدل على وجوبه في الآية نفسها، وإن دعوى صاحب الإيضاح تحتاج إلى دليل، مضافاً إلى أن الاستقرار لآراء المفسرين للآية لا يساعد على هذه الدعوى.
***
ومنها: قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}.
وقد استدل به الشافعي في كتاب الأم )[1317](، والكاساني في البدائع )[1318](. وقبل أن أعرض أقوال الفقهاء والمفسرين، في هذا النص الشريف، يحسن بي أن أذكر الآية كلها، كي يتّضح المراد منها بشكل جلي: والآية هي قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} [البقرة: الآية 228].
قال الطبري: (اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: تأويله: ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن لهن من الطاعة فيما أوجب الله تعالى ذكره له عليها).
وقال آخرون: (معنى ذلك: ولهن على أزواجهن من التصنع والمواتاة مثل الذي عليهن لهم من ذلك))[1319](.
ثم قال بعد ذلك: (الذي هو اولى بتأويل الآية عندي: وللمطلقات واحدة أو اثنتين بعد الإفضاء إليهن، على بعولتهن، أن لا يراجعوهن ضراراً في إقرائهن الثلاثة، إذا أرادوا رجعتهن فيهن، أن لا يريدوا إصلاح أمرهن وأمرهم، فلا يراجعوهن ضراراً، كما عليهن لهم إذا أرادوا رجعتهن فيهن، ان لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الولد ودم الحيض، ضراراً منهن لهم، لتيقنهن بأنفسهن، ذلك أن الله تعالى ذكره نهى المطلقات عن كتمان أزواجهن في إقرائهن ما خلق الله في أرحامهن أن كن يؤمن بالله واليوم الآخر، وجعل أزواجهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً فحرم الله على كل واحد منهما مضارة صاحبه، وعرف كل واحد منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عقب ذلك بقوله: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} فتبين أن الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مضارته مثل الذي له على صاحبه من ذلك) )[1320](.
ثم لخّص الطبري رأيه في الآية بقوله: (فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره، وقد يحتمل أن يكون كل ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلاً في ذلك. وإن كانت الآية نزلت فيما وصفنا، لن الله تعالى ذكره قد جعل لك واحد منهما على الآخر حقاً، فلكل واحد منهما على الآخر أداء حقه إليه، مثل الذي عليه له) )[1321](.
وقال الفخر الرازي: (أما قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن} فاعلم أنه تعالى لما بين أنه يجب أن يكون المقصود من المراجعة إصلاح حالها، لا إيصال الضرر إليها، بين أن لكل واحد من الزوجين حقاً على الآخر).
وقال الشيخ الطوسي في تفسير الآية: (قال الضحاك لهن من حسن العشرة بالمعروف على أزواجهن مثل ما عليهن من الطاعة فيما أوجبه الله عليهن لهم، وقال ابن عباس لهن على أزواجهن من التصنع والتزين مثل ما لأزواجهن عليهن…) )[1322](.
وقال الزمخشري في الكشاف في ذلك: (ويجب لهن من الحق على الرجال مثل الذي يجب عليهن بالمعروف، وفسّر المعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن، ولا يكلفونهن ما ليس لهم، ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه. ثم أوضح معنى (المثلية) الواردة في الآية الكريمة بقوله: (والمراد بالمماثلة الواجب في كونه حسنة لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال) )[1323](.
ومن هذا العرض للآية المباركة، ولآراء أساطين المفسرين فيها، يظهر لنا بشكل واضح أن الآية ليست في مقام البيان من جهة تشريع وجوب النفقة للزوجة، ليتمسك بإطلاقها في المقام، وإنما هي بصدد تحديد عدة الطلاق، وبيان بعض أحكام المعتدات بها بشكل إجمالي عام، ولذلك فإن الاستدلال بالآية لإثبات وجوب النفقة في غير محله على ما يظهر.
***
ومن الأدلة التي استدلوا بها على وجوب نفقة الزوجة: قوله تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم}. وقد استدل به في كتاب الأم)[1324](، والمغني)[1325](، ودعائم الإسلام )[1326]( ولكي يتجلى لنا مدى صحة الاستدلال بهذا القول الكريم، يحسن بنا أن نذكر الآية كلها وهي:
{ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللآتي ءاتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفآء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: الآية 50] ومن الآية الكريمة يظهر لنا بشكل واضح، أنها ليست في صدد ما نحن فيه من تشريع وجوب نفقة الزوجة، وإنما هي في صدد تشريع بعض أحكام النكاح الخاصة بشخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم} )[1327]( معناه أن ما ذكرنا فرضنا وحكمك مع نسائك وأما حكم أمتك فعندنا علمه ونبينه لهم، ثم قال: (وإنما ذكر ذلك لئلا يحمل واحد من المؤمنين نفسه على ما كان للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم فإن له في النكاح خصائص ليست لغيره وكذلك في السراري) )[1328](.
وقال الطبري في تفسيره أيضاً: (قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في أزواجهم إذا أرادوا نكاحهن مما لم نفرضه عليك وما خصصناهم به من الحكم في ذلك دونك وهو أنا فرضنا عليهم أنه لا يحل لهم عقد نكاح على حرة مسلمة إلا بولي عصبة وشهود عدول ولا يحل لهم منهن أكثر من أربع، ثم قال وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل) )[1329](.
ومن ذلك كله يتضح لنا أن الآية المباركة، لم تكن في صدد تشريع وجوب النفقة على الزوجة، وما دامت كذلك فهي لا تصلح للاستدلال بها في المقام.
***
ومن الآيات التي استدلوا بها أيضاً، قوله تعالى: {وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا}. وقد استدل به في دعائم الإسلام )[1330](.
وهذا النص هو جزء من الآية الكريمة: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا}[1331](.
ووجه الاستدلال بالآية المباركة على وجوب الإنفاق على الزوجة مبني على حمل كلمة (السفهاء) فيها، أما على النساء خاصة (زوجات كن أم بنات أم أمهات أم غيرهن)، أو على ما هو الأعم من الصبيان والنساء )[1332](، وإذا كانت الزوجات من أفراد ومفهوم (السفهاء) في الآية فإن قوله تعالى: {وارزقوهم فيها واكسوهم}، يكون دليلاً على وجوب النفقة على الزوجة. غير أن الآية الكريمة صريحة في النهي عن تسليم الأموال بيد السفهاء، ومن هنا ذهب الفقهاء إلى وجوب الإنفاق عليهم تحت إشراف ذوي العقل والدين من الأولياء والقيمين، كما هو مبين في محاله في مراجع الفقه الإسلامي الشريف.
وأما ما ذكره المستدلون بهذا النص على وجوب النفقة على الزوجة من حل كلمة (السفهاء) على النساء مطلقاًن أو على الزوجات بالخصوص فإنه غير صحيح من وجوه:
1 ـ إن معنى السفيه ـ في الاصطلاح الشرعي ـ هو الذي يستحق الحجر عليه لتضييعه ماله، أو وضعه في غير محله، وهو بهذا المعنى يتناول كل من اتّصف بهذه الصفة، صغيراً كان أم كبيراً، ذكراً كان أم أنثى. أما من لم يتّصف بهذه الصفة، فيعد في نظر الإسلام راشداً، ولا تترتب أحكام السفه عليه شرعاً، ذكراً كان أم أنثى، زوجة كانت أم غيرها. فالقول بأن لفظ السفهاء، شامل للنساء مطلقاً بما فيهن الزوجات الراشدات قول لا يستند إلى دليل شرعي.
2 ـ إن حمل لفظ السفهاء على النساء، حمل للغة على غير وجهها، وذلك لأن العرب لا يجمعون فعيلاً على فعلاء، إلا في جمع الذكور، أو الذكور مع الإناث. أما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة، لا ذكران معهم، فإنهم يجمعونه على فعائل وفعيلات، مثل غريبة تجمع على غرائب وغريبات، وأما الغرباء فجمع غريب )[1333](.
ومن ذلك كله يظهر لنا أن الآية أجنبية عن الموضوع والاستدلال بها في المقام في غير محله.
***
وإنما الآية التي يصح الاستدلال بها ـ فيما نعتقد ـ على وجوب نفقة الزوجة هي قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف}.
وقد استدل به في كتاب الأم )[1334](، والمناهل )[1335](، والرياض )[1336](، والجواهر )[1337](، والسرائر )[1338](.
وهذا النص هو جزء من الآية الكريمة في سورة النساء: {ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتمموهن إلا ان يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا} )[1339](.
ومن الواضح أن الآية الكريمة في صدد تنظيم وتحديد علاقات الأزواج بزوجاتهم، فكان من جملة ما أوجبت على الرجال أن يعاشروهن بالمعروف. وقد حدد الشافعي المراد بالمعروف بشكل عام بقوله: (وجماع المعروف): إعفاء صاحب الحق في المؤونة في طلبه، وآداؤه إليه بطيب النفس، لا بضرورته إلى طلبه، ولا تأديته بإظهار الكراهية لتأديته، وأيهما ترك فظلم، لان مطل الغني ظلم ومطله تأخير الحق )[1340](.
وقال الزجاج في تحديد المعروف مع الزوجة: (هو النصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول) )[1341](.
ومن مجموع ذلك كله يظهر لنا أنه لما كان الزوج مأموراً بالمعاشرة بالمعروف مع زوجته، ولما كان الإنفاق على الزوجة داخلاً في الأمر بالمعاشرة بالمعروف، بل هو من أظهر وأهم مصاديقه، فلذلك فإن الآية المباركة، يمكن أن تعتبر من أقوى الأدلة على وجوب النفقة للزوجة على زوجها.
عارف البصري
نقض فتاوى الوهابية
تمهيد
هذه الرسالة كتبها الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في مناقشة فتوى علماء الوهابيين في منع البناء على القبور، والتي كانت مبرراً شرعياً لتهديم جميع المراقد الشاخصة في مقبرة البقيع بالمدينة، ومقبرة المُعلاّ في مكة، وغيرها من الأماكن التاريخية العريقة التي شُيّد معظمها أيام الدولة العثمانية.
كانت منطقة الحجاز منذ عام 1918م قد وقعت تحت سلطة الشريف الحسين بن علي الهاشمي بعدما تمرّد على الحكم التركي في 9 شعبان 1334هـ/ 1916م تحت شعار الدعوة إلى استقلال العرب عن الأتراك. وقد أصبحت الحجاز كلها خاضعة لحكمه.
إلا أنّ هذه السيطرة لم تَدُم طويلاً عندما زحزح الأمير عبد العزيز بن سعود قبضته عن المنطقة عام 1343هـ/1925م مما اضطره للنزوح إلى جزيرة قبرص )[1342](. وقد أصبحت (مكة) بعده عاصمة للأمير عبد العزيز، ونودي به ملكاً على الحجاز، ونجد.
وبعد سنوات قليلة، وبالتحديد عام 1351هـ/ 1932م وحّد الملك عبد العزيز بن سعود الأقطار الخاضعة له، وأطلق إسم «المملكة العربية السعودية» عليها.
في هذه الأجواء التي تختلط فيها كل مفردات العنف القائمة على المبررات العقائدية هدّمت مقابر المسلمين في المدينة، ومكة على يد الدعاة الإصلاحيين الجدد.
فقد تحوّلت مقبرة (البقيع) الزاهية الزاهرة بالمعالم الجميلة الوادعة يوم الثامن من شهر شوال 1344هـ/ 1925م إلى فضاء مسوّر لا يحتوي إلا على أكوام من التراب، وبضعة أحجار متناثرة على بعض القبور هنا وهناك.
ولم تقتصر عمليات الهدم والتخريب على القباب، والقبور فقط، بل تعدت إلى إتلاف بيوت الصحابة، وبني هاشم ابتداءً من منزل حمزة عمّ الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وسقيفة بني ساعدة، وانتهاء بالعريش، ودار الأرقم بن أبي الأرقم في عملية تهدف إزالة ملامح الوقائع التاريخية المرتبطة بهذه الأماكن عن ذاكرة الأجيال.
تضم مقبرة البقيع ما يقرب من عشرة آلاف قبر لمشاهير الصحابة، والشهداء، والأئمة، وأهل البيت عليهم السلام. وقد سوّيت جميع معالم هذه القبور بالأرض، كما سوّيت جميع قبور مقبرة المعلاّ بمكة، وكذلك البيت الذي ولد فيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم )[1343](، وأزيلت حتى الأسماء المكتوبة على هذه الأماكن الأثرية الثمينة.
وقد استندت عملية الهدم والتخريب على فتاوى صدرت عن علماء المدينة بعد استفتاء رئيس القضاة بمكة لهم بهذا السؤال:
سؤال قاضي القضاة عبدالله بن بليهد )[1344]( لعلماء المدينة
ما قول علماء المدينة ـ زادهم الله فهماً وعلماً ـ في البناء على القبور، واتخاذها مساجد.
هل هو جائز أم لا؟!
وإذا كان غير جائز، بل ممنوع، منهيّ عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها، ومنع الصلاة عندها، أم لا؟!
وإذا كان البناء في مسبلةٍ كالبقيع، وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليها، فهل هو غصب يجب رفعه لما فيه من ظلم المستحقين، ومنعهم استحقاقهم، أم لا؟!
وما يفعله الجهّال عند هذه الضرائح من التمسح بها، ودعائها مع الله، والتقرّب بالذبح، والنذر لها، وإيقاد السرج عليها، هل هو جائز، أم لا؟!
وما يُفعل عند حجرة النبي صلى الله عليه وسلم من التوجه إليه عند الدعاء، وغيره، والطواف بها، وتقبيلها، والتمسّح بها، وكذلك ما يُفعلُ في المسجد من الترحيم، والتذكير بين الآذان والإقامة، وقبل الفجر، ويوم الجمعة، هل هو مشروع، أم لا؟
أفتونا مأجورين، وبيّنوا لنا الأدلة المستند إليها. لا زلتم ملجأ للمستفيدين.
«جواب علماء المدينة»
أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً لصحة الأحاديث الواردة في منعه.
ولهذا أفتى كثيرٌ من العلماء بوجوب هدمه مستندين على ذلك بحديث عليّ أنه قال لأبي الهياج: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» ـ رواه مسلم ـ.
وأما اتخاذ القبور مساجد، والصلاة فيها، وإيقاد السرج عليها فممنوع، لحديث ابن عباس: «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج» ـ رواه أهل السُنن ـ.
وأما ما يفعله الجهّال عند الضرائح من التمسّح بها، والتقرّب إليها بالذبائح، والنذور، ودعاء أهلها مع الله فهو حرام ممنوع شرعاً لا يجوز فعله أصلاً.
وأمّا التوجه إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم عند الدعاء فالأولى منعه كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب، ولأن أفضل الجهات جهة القبلة.
وأما الطواف، والتمسح بها، وتقبيلها فهو ممنوع مطلقاً.
وأما ما يُفعل من التذكير، والترحيم، والتسليم في الأوقات المذكورة فهو محدث.
هذا ما وصل إليه علمنا.
ناقش الإمام كاشف الغطاء هذه الفتاوى في محاولة لإبطال مستندها وقد نُشر الرد أول مرة سنة 1345هـ/ 1926م تحت عنوان «نقض فتاوى الوهابية، ورد كلية مذهبهم» ضمن كتاب يحمل اسم «الآيات البينات في قمع البدع والضلالات»، ومعه رسائل ثلاثة؛ الأولى حول المواكب الحسينية، والثانية في رد الطبيعيين (الماديين)، والثالثة في رد عقائد البابية بعنوان «مزخرفات البابية، وخرافات مذهبهم».
وقد تضمنت مقدمة الطبعة الأولى من رسالة نقض فتاوى الوهابية على هذا النص:
«هذا ما ألقاه علينا أستاذنا الأكبر، وشيخنا الأعظم، حجة الإسلام، آية الله في الأنام، علاّمة الدهر، مولانا الشيخ محمد حسين ـ دامت بركاته ـ في شأن الوهابية، واستفتاء علماء المدينة المتضمن تهديم القبور، وغير ذلك في عدة مجالس، ضممنا بعضها إلى بعض، وجلوناها مجموعة عليك».
أما اليوم فلا تزال المشكلة قائمة، ولا تزال قبور أئمة أهل البيت عليهم السلام والصحابة، والشهداء جميعاً مندرسة، وكأنها أكداس من التراب في صحراء مهجورة.
إن مشكلة تداخل المعتقدات، وتضاربها فتيلٌ في جسم العالم الإسلامي لا يمكن أن ينتزع إلا بالحوار، وتقريب وجهات النظر بين علماء العالم الإسلامي ككل، وحكوماته المسؤولة.
مقدمة المؤلف
وقفنا من جريدة العراق في العدد الموافق منها (13 ذي القعدة سنة 1344هـ) على سؤال قاضي قضاة الوهابيين ابن بلهيد مستفتياً علماء المدينة عن البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها وما يفعل عند الضرائح، من التمسح والتقرّب إليها بالذبائح والنذور، وتقبيلها، وعن التكبير والترحيم والتسليم في أوقات مخصوصة.
هذا ملخّص السؤال، وكان الجواب من علماء المدينة بالمنع مطلقاً ووجوب الهدم، مستدلين على المنع في بعضها، ومرسلين الفتوى بغير دليل في الباقي.
وقد رغب إلينا الكثير من الأعلام والأفاضل في إبداء ملاحظتنا على تلك الفتوى، ووضعها في معيار الاختبار، وميزان الصحة والسقم، وعرضها على محك النقد، ومطرقة القبول أو الرد، إيضاحاً للحقيقة وطلباً للصواب، كي لا تعرض الأوهام والشكوك، وتعلّق الشبهة بأذهان البسطاء من المسلمين، فإن البلية عامة، والمصيبة شاملة، والرزية على الجميع عظيمة؛ وعليه فنذكر نص الفتوى جملة جملة حسبما ذُكر في تلك (الجريدة)، ثم نُعقب منها بما يحق لها من البيان، وبالله المستعان.
قالوا في الجواب: أما البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً لصحة الأحاديث الواردة في منعه، وبهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين على ذلك بحديث علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال لابن الهياج: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته»، رواه مسلم)[1345](.
فتراهم قد تمسكوا تارة بالإجماع، وأخرى بالحديث، أو بالإجماع المستند إلى الحديث.
أما دعوى الإجماع فهي مدحوضة مرفوضة، ولكن لا تتسع أعمدة الصحف والمجلات لنقل كلمات العلماء في جوازه، بل رجحانه، وفساد توهم الإجماع وبطلانه من أول الإسلام وإلى هذه الأيام، وأي حاجة بك إلى أن أسرد لك أو أُملي عليك ما يُوجب الملل (قال فلان، وقال فلان)، وهذا عمل المسلمين وسيرتهم القطعية في جميع الأقطار والأمصار ملء المسامع والأبصار، على اختلاف طبقاتهم وتباين نزعاتهم، من بدء الإسلام إلى هذه الغاية من العلماء وغيرهم، من الشيعة والسنّة وغيرهم، وأي بلاد من بلاد الإسلام من مصر، أو سوريا، أو العراق، أو الحجاز، وهلمّ جرّا ليس لها (جبّانة) شاسعة الأطراف واسعة الأكناف، وفيها القبور المشيدة والضرائح المنجدة؟!
وهؤلاء أئمة المذاهب: الشافعي في مصر، وأبو حنيفة في بغداد، ومالك بالمدينة، وتلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم سامقة المباني شاهقة القباب، وأحمد بن حنبل مباءة الوهابية ومرجعهم في الفروع كان له قبر مشيد في بغداد جرفه شط دجلة حتى قيل: «أطبق البحر على البحر».
وكل تلك القبور قد شُيدت وبنيت في الأزمنة التي كانت حافلة بالعلماء وأرباب الفتوى وزعماء المذاهب، فما أنكر منهم ناكر، بل كل منهم محبّذ وشاكر.
وليس هذا من خواص الإسلام، بل هو جارٍ في جميع الملل والأديان، من إليهود والنصارى، وغيرهم، بل هو ـ لعمر الحق ـ من غرائز البشر ومقتضيات الحضارة والعمران، وشارات التمدن والرقي.
والدين القويم المتكفل بسعادة الدارين إذا كان لا يؤكده ويحكمه فما هو بالذي ينقضه ويهدمه، وإذا كان كل هذا لا يكفي شاهداً قاطعاً ودليلاً بيّناً على فساد دعوى الإجماع فخير أن تكسر الأقلام ويبطل الحجاج والخصام، ولا يقوم على شيء دليل ولا بينة ولا حجة ولا برهان:
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
هذا حال الإجماع.
أما حديث مسلم: «لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» فها هي نسخة من صحيح مسلم بين يدي، (طبع بولاق القديمة سنة 1290هـ)، وقد روى الحديث المبزور صفحة 256، ج1 في (باب الأمر بتسوية القبر)، ولكن بعد هذا بقليل صفحة 265 قال: (باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها)، وروى فيه بسنده إلى عائشة: «إن النبي كان يخرج إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين» )[1346](، إلى الآخر في حديثين طويلين.
وروى بعدهما بسنده إلى سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول في رواية أبي بكر: السلام على أهل الديار.
وفي رواية زهير: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين والمسلمات، وإنّا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العاقبة.
ثم بعد أن فرغ من هذا الباب قال تلوه: «باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه»، وروى فيه أربعة أحاديث صريحة في الأمر بزيارة القبور:
أولها: بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي.
ثانيها: بسند آخر إلى أبي هريرة، قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكّر الموت.
ثالثها: بسنده عن أبي بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، (إلى آخر الحديث).
رابعها: بسند آخر بالمعنى المتقدم أيضاً )[1347](.
وبين يديّ كذلك كتابان جليلان لعالمين جليلين من كبار مشاهير علماء السّنة والجماعة:
أحدهما: كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» للإمام الحافظ قاضي قضاة المسلمين في القرن الثامن الشهير بتقي الدين أبي الحسن السبكي)[1348](، ويسمى أيضاً بـ«شنّ الغارة على من أنكر فضل الزيارة»، وقد نشرَ هذا الكتاب ومثّله للطبع سنة (1318هـ) في مطبعة بولاق، عالم الفن؛ العلاّمة الجليل، أحد أكابر علماء مصر القاهرة الشيخ محمد بخيت المطيعي )[1349](، رئيس المحكمة الشرعية العليا بمصر، وقد حضرنا دروسه بمصر سنة (1330هـ) فوجدناه في أكثر العلوم بحراً مواجاً، وسراجاً وهاجاً، شعلة ذكاء وفهم، وإحاطة وحزم؛ ودفع إلينا جملة من مؤلفاته؛ منها ذلك الكتاب الذي نشر في صدره مقدمة في بعض أحوال ابن تيمية (مؤسس مذاهب الوهابية)، وبعض بدعه في الدين، وتكفيره من جمهور علماء المسلمين، وقد أجاد في تلك المقدمة، وأحسن النظر في الموضوع وعلله وأسبابه.
أما ذات كتاب الإمام السبكي فقد رتّبه على عشرة أبواب:
الأول: في الأحاديث الواردة في الزيارة.
الثاني: في الأحاديث الدالة على ذلك، وإن لم يكن فيها لفظ الزيارة.
الثالث: فيما ورد في السفر إليها.
الرابع: في نصوص العلماء على استحبابها.
الخامس: في كونها قربة.
السادس: في كون السفر لها قربة.
السابع: في دفع شبه الخصم، وتتبّع كلماته.
الثامن: في التوسل والاستغاثة.
التاسع: في حياة الأنبياء.
العاشر: في الشفاعة.
وذكر في الباب الأول من الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفضلها، والحثّ عليها خمسة عشر حديثاً، وأطنب في تصحيح سند كل واحد منها، والبحث عن رجال السند وعلله، فصحح أسانيدها أكثرها، مثل: «مَن زار قبري وجبت له شفاعتي» )[1350](. وقد أفاض في البحث عن سند هذا الحديث في خمس أوراق، وبمضمونه حديثان آخران.
ومثل: «مَن حجّ فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي» )[1351](، وأفاض في النظر والبحث عن سنده في أربع أوراق. ومثل: «مَن حجّ البيت، ولم يزرني فقد جفاني».
إلى أمثال ذلك من الأحاديث التي آخرها في هذا الباب: «مَن أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة»، و«من مات في أحد الحرمين بُعث آمناً» )[1352](.
ثم استوفى القول والحديث في الباب الثاني، ودخل بعده في الباب الثالث وذكر مفصلاً زيارة بلال من الشام التي هاجر إليها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه رأى النبي في المنام وهو يقول له: «ما هذه الجفوة يا بلال، أم آن لك أن تزورني؟» فانتبه حزيناً وجلاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى آخر الحديث. وكان ذلك في زمن أكابر الصحابة كالشيخين وغيرهما، وعقّبه بذكر زيارة جماعة من الصحابة والتابعين لقبره ـ وشد الرحال إليه.
الكتاب الثاني بين أيدينا كتاب «الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المكرم» تأليف العالم الشهير صاحب المؤلفات الطائرة الصيت، أحمد بن حجر الشافعي )[1353](، المطبوع بمطبعة بولاق أيضاً في مصر، القاهرة سنة 1279هـ، ورتّبه ـ كسابقه ـ على فصول:
ـ الأول منها: في مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستدل عليها من الكتاب بآيات، ومن السنّة بأحاديث كثيرة صحح أسانيدها من الطرق المتفق عليها عند جمهور المسلمين، ثم استدلّ بإجماع علماء المسلمين، وزاد على ما ذكره الحافظ السُّبكي لتأخر زمانه عنه.
قال ابن حجر ـ بعد أن استوفى الكلام في سرد الحديث والإجماع على فضل الزيارة فضلاً عن مشروعيتها، صفحة (13) ما نصّه:
فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة، والسفر إليها وطلبه وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكرٌ لمشروعية ذلك كله كما رآه السبكي في خطه.
وقد أطال ابن تيمية في الاستدلال لذلك بما تمجّه الأسماع وتنفر عنه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً وأنه لا تقصر فيه الصلاة، وأن جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة. وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه.
قلتُ: من هو ابن تيمية حتى يُنظر إليه، أو يعوّل في شيء من أمور الدين عليه؟!
وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة، وحججه الكاسدة، حتى أظهروا عوار سقطاته؛ وقبائح أوهامه وغلطاته؛ كالعز بن جماعة )[1354](: «عبد أضلّه الله تعالى وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوّأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان؛ وأوجب له الحرمان».
ولقد تصدى شيخ الإسلام، وعالم الأنام، المجمع على جلالته، واجتهاده وصلاحه وإمامته، التقي السُّبْكي، قدس الله روحه، ونوّر ضريحه؛ للرد عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه، وأجاد وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب.
ثم قال: هذا ما وقع من ابن تيمية مما ذكر، وإن كان عثرة لا تقال أبداً، ومصيبة يستمر شؤمها سرمداً، ليس بعجيب، فإنه سوّلت له نفسه وهواه وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب؛ وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب؛ إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة، وتدارك على أئمتهم لا سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة شهيرة، حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس المنزه ـ سبحانه ـ عن كل نقص، والمستحق لكل كمال أنفس، فنسب إليه الكبائر والعظائم، وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم، وتضلل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين، حتى قام عليه علماء عصره، وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره، فحبسه إلى أن مات، وخمدت تلك البدع، وزالت تلك الضلالات، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأساً، ولم يظهر لهم جاهاً ولا بأساً، بل ضُرِبت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
هذا بعض كلام ابن حجر العالم الذي ليس له في علماء السُّنة مدافع؛ ولا ينازع في جلالة شأنه، وعظيم فضله منازع، ولسنا الآن في صدد تعداد مثالب ابن تيمية، وبدعه في الدين، وما أدخله من البلية على الإسلام والمسلمين، فإن ذلك خارج عمّا نحن بشأنه من مواقف الحجة والبرهان، والنظر في الأدلة على نهج علمي لا يخرج عن دائرة آداب المناظرة.
وأمّا حال ابن تيمية فقد كفانا مؤونة إشاعة فظائعه، ووقائعه علماء الجمهور من أهل السُنّة والجماعة شُكرت مساعيهم الجميلة.
أما كلمتنا التي لا بد لنا من إبدائها في الجمع بين تلك الأخبار، ونظريتنا في استجلاء الحقيقة من خلال تلك الحُجب والأستار، فسوف نُبديها في تلو هذا السجل ناصعة بيضاء مسفرة، وعليه التكلان، وبه المستعان.
مناقشة مستند الفتوى
ها نحن اولاء، بعد أن سردنا عليك ذرواً من الأحديث، وشذوراً من الروايات، نريد أن نأتي على الخلاصة، ونوقفك على الفذلكة، ونمنحك الحقيقة المكنونة، والجوهرة الثمينة فنتوصل إلى الحقيقة من أقرب طرقها، ونتوسل إلى البغية المنشودة بأقوى أسبابها، وأوثق عراها، وأمتن أواخيها، فنقول:
نقدر على الفرض أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ها هو أمام كل مسلم من أمته يراه بعينه ويسمعه بأذنه قائلاً له: «لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته»، بناء على صحة كل ما ورد في الصحيحين ـ البخاري ومسلم ـ إذ هذا الفرض ـ وإن كنا لا نقول به ـ ولكن نجعله من الأصول الموضوعة بيننا، أعني به ما هو فصل النزاع وقاطع الخصومة.
ومعلوم أن المتخاصمين إذا لم يكن فيما بينهما أصول موضوعة ينتهون إليها، ويقفون عندها، لا تكاد تنتهي سلسلة النزاع بينهما، والتخاصم طول الأبد، وعمر الدهر.
إذن فنحن على سبيل المجاراة والمساهلة مع الخصم نقول بصحة ذلك الحديث، كما يلزمنا معاً أن نقول بصحة غيره من أحاديث الصحيحين. فها هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته»، كما رواه مسلم ـ، ولكنه يقول حسب روايته أيضاً: «فزوروا القبور فإنها تذكر الموت»، و«استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي». وقد زار هو قبور البقيع.
وفي البخاري عقد باباً لزيارة القبور وحينئذٍ ـ فهل هذه الأحاديث متعارضة متناقضة؟ النبي الذي لا ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى))[1355]( يأمر بهدم القبور، ويأمر بزيارتها، يأمر بهدمها، ثم هو يزورها.
فإن كان المقام من باب تعارض الأحاديث واختلاف الروايات وجب الجمع بينهما لا محالة، على ما تقتضيه صناعة الاجتهاد، وطريقة الاستنباط، وقواعد الفن المقرّرة في الأصول، بحمل الظاهر على الأظهر، وتأويل الضعيف من المتعارضين، وصرفه إلى المعنى الموافق للقوي، فيكون القوي قرينة على التصرف في الضعيف، وإرادة خلاف ظاهره منه كما يعرفه أرباب هذه الصناعة، فهل المقام من هذا القبيل؟!
كلاّ ثم كلاّ، ومهلاً مهلاً، إن هذه الساقية ليست من ذلك النبع، وتلك القافية ما هي من ذلك السجع؛ وليس المقام من باب التعارض كي يحتاج إلى التأويل والجمع.
ما كنتُ أحسب أن أدنى مَن له حظ من فهم التراكيب العربية والتصاريف اللغوية يخفى عليه الفرق بين «التسوية» و«المساواة».
إن الذين يصرفون قوله ـ عليه السلام ـ: «ولا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته» إلى معنى ساويته بالأرض أي «هدمته» أولئك قوم أيفت أفهامهم، وسخفت أذهانهم، وضلّت ألبابهم، ولم يكن من العربية لهم ولا قلامة ظفر فكيف بعلمائهم؟!
ولا يخفى على عوام العرب أن تسوية الشيء عبارة عن تعديل سطحه أو سطوحه، وتسطيحه في قبال تقعيره أو تحديبه أو تسنيمه، وما أشبه ذلك من المعاني المتقاربة، والألفاظ المترادفة.
فمعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تدع قبراً مشرفاً ـ أي: مسنّماً ـ إلا سويته ـ أي ـ سطّحته وعدّلته، وليس معناه: إلاّ هدمته وساويته بالأرض كي يعارض ما ورد من الحث على زيارة القبور واستحباب إتيانها، والترغيب في تشييدها، والتنويه بها، وذلك المعنى ـ أعني أن المراد من تسوية القبر تسطيحه وعدم تسنيمه ـ كان هو الذي فهمته من الحديث أول ما سمعته بادئ بدء، وعند أول وهلة، ثم راجعت الكتاب ـ (أعني صحيح مسلم) ـ، ونظرت الباب فوجدت صاحب الصحيح ـ مسلم ـ قد فهم ما فهمناه من الحديث حيث عنونَ الباب قائلاً: (باب تسوية القبور)، وأورد فيه أولاً بسنده إلى تمامه قال: كنّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحبٌ لنا فأمر فضالة بقبره فسوّي ثم قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها )[1356](. ثم اورد بعده في نفس هذا الباب حديث أبي الهياج المتقدم: «ولا قبراً مشرفاً إلا سويته».
وكذلك فهَمَ شارحو صحيح مسلم، وإمامهم النووي الشهير، وها هو بين أيدينا يقول في شرح تلك الجملة النبوية ما نصه: «السُّنة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً ولا يسنّم، بل يرفع نحو شبر، وهذا مذهب الشافعي، ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها» )[1357](، (انتهى كلام النووي) ـ .
ويشهد لأفضلية التسنيم ما رواه البخاري في صحيحه في باب صفة قبر النبي، وأبي بكر، وعمر بسنده إلى سفيان التمّار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً )[1358](.
ولكن القسطلاني (أحد المشاهير من شارحي البخاري، شرحه في عشر مجلدات طُبعت في مصر القاهرة)، قال ما نصه: «مُسنّماً»، بضم الميم وتشديد النون المفتوحة ـ أي: مرتفعاً، زاد أبو نعيم في مستخرجه: وقبر أبي بكر وعمر كذلك، واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة )[1359](، ومالك )[1360](، وأحمد )[1361](، والمزني، وكثير من الشافعية.
وقال أكثر الشافعية، ونص عليه الشافعي )[1362](: التسطيح أفضل من التسنيم لأنه صلى الله عليه وسلم سطّح قبر إبراهيم. وفعله حجة لا فعل غيره، وقول سفيان التمار لا حجة فيه ـ كما قال البيهقي ـ لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم وقَبرَي صاحبيه لم تكن في الأزمنة الماضية مسنّمة )[1363](.
وقد روى أبو داود بإسناد صحيح أن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلتُ على عائشة فقلتُ لها: إكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرّفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، أي لا مرتفعة كثيراً ولا لاصقة بالأرض، إلى أن قال القسطلاني الشارح: ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار شعار الروافض لأن السّنة لا تترك بموافقة اهل البدع فيها.
ولا يخالف ذلك قول علي ـ رضي الله عنه ـ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أدع قبراً مشرّفاً إلاّ سوّيته، لأنه لم يُرد تسويته بالأرض، وإنّما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار، ونقله في المجموع عن الأصحاب )[1364](
انتهى ما أردنا نقله من شرح البخاري.
وأنت ترى من جميع ما أحضرناه لديك وتلوناه عليك من كلمات أعاظم المسلمين وأساطين الدين من مراجع الحديث كالبخاري ومسلم، وأئمة المذاهب كأبي حنيفة، والشافعي، ومالك وأحمد، وأعلام العلماء، وأهل الاجتهاد كالنووي وأمثاله، كلهم متفقون على مشروعية بناء القبور في زمن الوحي والرسالة، بل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذاته بنى قبر ولده إبراهيم؛ إنما الخلاف والنزاع فيما بينهم في أن الأفضل والأرجح تسطيح القبر أو تسنيمه.
فالذاهبون إلى التسنيم يحتجون بحديث البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسنماً، والعادلون إلى التسطيح يحتجون بتسطيح النبي قبر ولده إبراهيم، وصحيح القاسم بن محمد بن أبي بكر شاهدٌ له، ولعلّ هذا الدليل هو الأرجح في ميزان الترجيح والتعديل. ولا يقدح فيه أنه صار من شعار الروافض وأهل البدع ـ كما قال شارح البخاري ـ فيما مرّ عليك نقله.
ولا يعنينا الآن الخوض في حديث الروافض، وإنهم من أهل البدع أم لا، إنما الشأن في حديث «لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته»، وأحسب أنه قد تجلّى لك بحيث يُوشك أن يُلمس بالأنامل، ويُرى بباصرة العين أن معنى «سوّيته» عدّلته وسطحته في قبال سنمته وحدّبته ويُناسب هذا المعنى كل المناسبة التقييد بقوله «مشرفاً» فإن أصل الشرف لغة هو العلو بتسنيم مأخوذ من سنام البعير، وعليه فيحسن ذلك القيد، بل يلزم ويكون بلسان أهل العلم (قيداً احترازياً). أما على معنى ساويته فالقيد لغوٌ صِرف، بل مخلّ بالغرض المقصود.
وبعد هذا كله فهل من قائل عُني لذلك المفتي، مفتي علماء المدينة الذي أفتى بجواز هدم القبور، أو وجوبه استناداً إلى ذلك الحديث: يا هذا من أين جئت بتلك النظرية الحمقاء، والحجّة العوجاء، والبرهنة المعكوسة، والمزعمة المقلوبة التي ما وهمها واهم، ولا خطرت على ذهن جاهل فكيف بالعالم؟!
اللهم إلا أن يكون ابن تيمية، أو بعض ذناباته. فإن الرجل ترويجاً لأباطيله، وتمشيةً لأضاليله، حيث تعوزه الحجة والسند قمينٌ بتحوير الحقائق، وقلب الأدلة، والتلاعب بالحجج والبراهين تلاعبه بالدين «كما تلاعبت الصبيان بالأكر».
لا يا هذا، إن الشمس لا تُستر بالأكمام، وإن الحق لا يُسحق بزخارف الكلام، وسفاسف الأوهام، إن حديث «لا تدع قبراً إلا سويته» دليل عليك لا لك، وحجة قاطعة لأضاليلك، وقالعة لجذور أباطيلك، فإن معناه الذي لا يشك فيه إنسان من أهل اللسان «سويته أي: عدّلته وسطحته، لا ساويته وهدمته»، وبهذا المعنى لا يكون معارضاً لشيء من الأحاديث حتى يحوج من له حظ من صناعة الاستنباط إلى الجمع والتأويل، وهذا هو معناه بذاته وظاهر من نفس مفرداته وتركيبه، لا الذي يحصل بعد الجمع كما يظهر من عبارة شارح البخاري المتقدمة.
نعم، لو أبيت إلاّ عن حمل «سويته» على معنى ساويته بالأرض، وجاملناك على الفرض والتقدير، حينئذٍ تجيء نوبة المعارضة ويلزم الصرف والتأويل.
وحيث أن هذا الخبر بانفراده لا يكافئ الأخبار الصحيحة الصريحة الواردة في فضل زيارة القبور ومشروعية بنائها، حتى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سطّح قبر إبراهيم، فاللازم صرفه إلى ان المراد: لا تدع قبراً مشرفاً قد اتخذوه للعبادة إلا سوّيته وهدمته.
ويدل على هذا المعنى الأخبار الكثيرة الواردة في الصحيحين ـ البخاري، ومسلم ـ من ذم إليهود والنصارى والحبشة حيث كانوا يتخذون على قبور صلحائهم تمثالاً لصاحب القبر فيعبدونه من دون الله، ولعله إشارة إلى بعض طوائف إليهود والنصارى والحبشة حيث كانوا كذلك في القديم فعدلوا واعتدلوا )[1365](.
أما المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليوم فليس منهم مَن يعبد صاحب القبر، وإنّما يعبدون الله وحده لا شريك له في تلك البقاع الكريمة المتضمنة لتلك الأجساد الشريفة، وبكل فرض وتقدير فالحديث يتملّص، ويتبرأ أشد البراءة من الدلالة على جواز هدم القبور فكيف بالوجوب؛ والأخبار التي ما عليها غبار مما ذكرناه وممّا لم نذكره ناطقة بمشروعية بنائها وإشادتها وإنها من تعظيم شعائر الله {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} )[1366](.
تتمة:
في العام الماضي)[1367]( طُبعت في النجف الأشرف رسالة موسومة بـ«منهج الرشاد» )[1368]( لأسطوانة من أساطين الدين ـ الشيخ الأكبر كاشف الغطاء ـ الذي يعرف كل عارف أنه كان فاتحة السور من فرقان العزائم، وكوكب السحر في سماء العظائم، هو من أفذاذ الأعاظم الذين لا تنفلق بيضة الدهر إلاّ عن واحد منهم، ثم تعقم عن الإتيان بثانية إلا بعد مخض طويل من الأحقاب، من غرّ أياديه ـ وكم له في العلم من أياد غرر ـ تلك الرسالة التي رتبها على مقدمة وفصول، عقد كل فصل منها لدفع شبهة من شبهات الوهابية ودحضها بالأدلة القطعية، والأحاديث النبوية الثابتة من الطرق الصحيحة عند أهل السنّة، على أن المقدمة وحدها كافية في قمع شبهاتهم، وقلع جذوم مذهبهم، وهدم أساس طريقتهم، وقد أبدع فيها غاية الإبداع.
ومن بعض أبواب الرسالة: «الباب الرابع: في بناء قبور الأنبياء والأولياء»، وأفاض في البيان إلى أن قال:
والأصل في بناء القباب وتعميرها ما رواه البنائي (واعظ أهل الحجاز) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده الحسين، عن أبيه علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «لتقتلنّ في أرض العراق وتدفن بها، فقلت: يا رسول الله، ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟ فقال: يا أبا الحسن، إن الله جعل قبرك، وقبر ولديك بقاعاً من بقاع الجنة، وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه، وصفوة من عباده تحنّ إليكم، وتعمّر قبوركم، ويكثرون زيارتها تقرّباً إلى الله تعالى ومودة منهم لرسوله».
ثم قال (قُدس سره) بعد إيراد تمام الحديث: ونُقل نحو ذلك أيضاً في حديثين معتبرين، نقل أحدهما الوزير السعيد بسند، وثانيهما بسند آخر غير ذلك السند، ورواه أيضاً محمد بن علي بن الفضل، (انتهى).
والقصارى: إن النزاع بيننا معاشر المسلمين أجمع، وبين سلطان نجد وأتباعه الذين يحكمون بضلالة سائر المسلمين أو بتكفيرهم، لو كان ينحسم وينتهي بإقامة الحجج والبراهين لجئنا بالقول المقنع المفيد، ولكان عندنا زيادة للمستزيد، بل لو كنّا نعلم أنهم يقنعون بالحجة البالغة، ويخضعون للأدلة القاطعة، لملأنا الطوامير من الحجج الباهرة التي تترك الحق أضحى من ذُكاء، وأجلى من صفحة السماء، ولكن سلطان نجد له حجتان قاطعتان عليهما يعتمد، وإليهما يستند، ولا فائدة إلا بمقابلتهما بمثلهما أو بأقوى منهما، وهما: الحسام البتار، والدرهم والدينار، السيف والسنان، والأحمر الرنان، هذا لقوم، وذاك لآخرين.
أحدهما لأهل الصحف والمجلات في مصر وسوريا ونحوهما ليحبذوا أعماله الوحشية، ويحسّنوا همجيته التي تضعضع أركان كل مدنية.
والآخر لأعراب البوادي، ولشرفاء الحجاز، وأمثالهم من أمراء العرب حيث تساعده الظروف ـ لا قدّر الله ـ.
إذن، فأي فائدة في إطالة الكلام، وسرد الأحاديث ونضد الأدلة. نعم، فيها تبصرة وتبيان لطالب الحقيقة المجردة عن كل خوف ورجاء، وتحامل وتزلّف، ولكن أين هو ذلك الرجل الطالب للحق المجرد عن كل غرض؟ ولئن كان لوح الوجود غير خالٍ منه ففي ما ذكرناه غنى له، وكفاية.
أما أمير (نجد)، وأجناده، وقضاته، ومن لفّ لفّهم، الذين اتخذوا تلك الدعوى، والديانة وسيلة لامتداد سلطتهم، واتّساع سطوتهم، وضخامة ملكهم، فلسنا معهم في الخصام وإقامة الحجج إلاّ كإشراق الشمس على المستنقعات العميقة، في الأودية السحيقة، لا تزيدها تلك الأشعة إلاّ سخونة وعفونة وانتشار وباء في الهواء.
ليت قائلاً يقول لقاضي القضاة ابن بلهيد، ولمفتي علماء المدينة: أتراكم تعتقدون وتعتمدون على كل ما في (صحيح مسلم)، وتعملون بكل ما ورد من النصوص فيه؟
فإن كنتم كذلك فقد عقد مسلم في صحيحه باباً وأورد عدة أحاديث في أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، وأن الأئمة من قريش)[1369](، بأساليب من البيان، وأفانين من التعبير، وكلها صريحة في أن الخلافة الحقة المشروعة مخصوصة بتلك القبيلة. ومثله، بل وأكثر منه في صحيح البخاري، وعليه فأين تكون خلافة أميركم ابن سعود؟ وكيف حال إمامته؟ أهي من قوله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة} )[1370](؟! أم من قوله تعالى لإبراهيم: {إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} )[1371](.
وحسبنا هذا القدر، (إن اللبيب من الإشارة يفهم).
وأم حديث لعن رسول الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج )[1372]( فهو نهي للنساء عن التبرّج والخروج إلى المجتمعات، وعن السجود على القبر، وهو ممّا لا يصدر من أحد من المسلمين، وعن إيقاد السرج عبثاً وتعظيماً لذات القبر.
أما ألإسراج لقراءة القرآن والدعاء فلا منع ولا نهي بل في بعض الأحاديث جوازه )[1373](.
هذا كله في الجواب عن حديث مسلم في شأن هدم القبور وزيارتها والإسراج عليها.
أما فتاوى مفتي علماء المدينة الأخرى المتعلقة بشأن التبرك بالقبور، والتمسيح بها، وزيارتها ونحو ذلك، فقد أفتى ذلك المفتي بالمنع منها مطلقاً، ولكن أرسل أكثر الفتاوى، إرسالاً من غير أن يسندها إلى حجة، أو يعمدها على دليل حتى نتصدى للجواب عنه.
نعم، قال في آخرها ـ وما أصدق ما قال ـ: (هذا ما أدى إليه نظري السقيم). والسقم لا محالة إنما جاء من إحدى العلتين اللتين مرّ ذكرهما، أو من كليهما، نسأله تعالى العافية لنا، ولجميع المسلمين.
وفي الرسالة ـ المنوه بذكرها من أمم )[1374]( ـ لكل واحدة من تلك المسائل فصل مستقل أثبت فيه من الطرق الصحيحة المعتبرة عند القوم مشروعيتها، ورجحانها، وعمل الصحابة، والتابعين بها، فمن أراد فليراجع.
وعلى هذا الحد فلتقف الأقلام، وينتهِ الكلام، فقد تجلى الصبح لذي عينين.
كلية مذهب الوهابية
وخلاصة القول فيه
إن أول من نَثر في أرض الإسلام المقدسة تلك البذور السامة والجراثيم المهلكة، هو أحمد بن تيمية (في أخريات القرن السابع من الهجرة)، ولمّا أحسّ أهل ذلك القرن ـ بفضل كفاءتهم ـ أن جميع تعاليمه ومبادئه شر وبلاء على الإسلام والمسلمين يجرّ عليهم الويلات ـ وأي شر وبلاء أعظم من تكفير قاطبة المسلمين على اختلاف نزعاتهم ـ أخذ، وحُبس برهة، ثم قتل.
ولكن بقيت تلك البذور دفينة تراب، وكمينة بلاء وعذاب، حتى انطوت ثلاثة قرون، بل أكثر، فنبغ، بل نزغ محمد بن عبد الوهاب فنبش تلك الدفائن، واستخرج هاتيك الكوامن، وسقى تلك الجراثيم الميتة بل المميتة، والبذور المهلكة؛ فسقاها بمياه من تزويق لسانه وزخرف بيانه، فأثمرت ولكن بقطف النفوس وقطع الرؤوس وهلاك الإسلام والمسلمين، وراجت تلك السلعة الكاسدة، والأوهام الفاسدة، على أمراء (نجد) واتخذوها ظهيراً لما اعتادوا عليه من شن الغارات، ومداومة الحروب والغزوات، من بعضهم على بعض.
وقد نهاهم الفرقان المبين، والسُّنة النبوية عن تلك العادات الوحشية، والأخلاق الجاهلية، بملء فمه وجوامع كلمه؛ وقد عقد بينهم الأخوة الإسلامية، والمودة الإيمانية وقال: «مال المؤمن على المؤمن حرام كحرمة دمه وعرضه» )[1375]( وقال جل من قائل: {لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً} )[1376](، أراد الله سبحانه أن يجعلهم فيما بينهم إخواناً وعلى العدو أعواناً، أراد أن يكونوا يداً واحدة للاستظهار على الأغيار من أعداء الإسلام، فنقض (ابن عبد الوهاب) تلك القاعدة الأساسية والدعامة الإسلامية، وعكس الآية فصار يكفر المسلمين ويضرب بعضهم ببعض.
وما انجلت تلك الغُبرة إلاّ وهم آلة بأيدي الأعداء ينقضون دعائم الدين، ويقتلون بهم المسلمين، ويصلون ما أمر الله بقطعه، ويقطعون ما أمر الله بوصله، فإذا طولبوا بالدليل والبرهان؛ وجاء حديث السّنة والقرآن، فالجواب الشافي عند (السيف)، و(السنان)، والنصف مع البغي والعدوان، والحق مع القوة والسطوة، والعدل والسواء، في الغلبة والاستيلاء.
نعم، ليس للقوم ـ فيما وقفنا عليه من كتب أوائلهم وأواخرهم، وحاضرهم وغابرهم ـ حجة عليها مسحة من العلم، أو روعة من البيان، وطلاء من الحقيقة، سوى قولهم: إن المسلمين في زيارتهم للقبور وطوافهم حولها، واستغاثتهم بها، وتوسل الزائر بالملحود في تلك المقابر قد صاروا كالمشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام، وأصبحوا يعبدون غير الله ليقربهم إلى الله تعالى كما حكى الله سبحانه في كتابه الكريم حيث يقول عنهم: {ما نعبدهم إلا لقربونا إلى الله زلفى} )[1377]( فلم يقبل الله منهم تلك المعذرة، ولا أخرجهم ذلك الزعم عن حدود الشرك والضلالة.
هذه هي أم شبهاتهم، وأُس احتجاجاتهم، واقوى براهينهم ودلالاتهم، وإليها ترجع جميع مؤاخذاتهم على غيرهم من طوائف المسلمين من مسألة الشفاعة والتوسل، والتبرك، والزيارة، وتشييد القبور، إلى كثير من أمثال ذلك مما يزعمون أنه عبادة لغير الله، وهو على حد الشرك بالله. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وأنا أقول: لعمر الله، والحق ما أكبر جهلهم، وأضلّ في تلك المزاعم عقلهم، وليت شعري من أين صح ذلك القياس والتشبيه ـ تشبيه المسلمين بالمشركين وقياسهم بهم ـ مع وضوح الفرق في البين، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام لتقرّبهم إلى الله زلفى كما هو صريح الآية، والمسلمون لا يعبدون القبور ولا أربابها، بل يعبدون الله وحده لا شريك له عند تلك القبور.
والقياس الصحيح والتشبيه الوجيه، قياس زائري القبور والطائفين حولها بالطائفين حول الكعبة البيت الحرام وبين الصفا والمروة: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمَن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما} )[1378](، فالطائف حول البيت، والساعي بين الصفا والمروة لم يعبد الكعبة وأحجارها، ولا الصفا والمروة ومنارها؛ وإنما يعبد الله سبحانه في تلك البقاع المقدسة، وحول تلك الهياكل الشريفة التي شرّفها الله، ودعا عباده إلى عبادته فيها، وهكذا زائر القبور.
هذا هو القياس الصحيح والميزان العدل، أما القياس بالميزان الأول ففيه عين بل عيون، لا بل هو خبط وجنون، أليس من الجنون قياس مَن يعبد الله موحداً له بمَن يعبد الأصنام مشركاً لها مع الله جلّ شأنه؟
وكشف النقاب عن محيّا هذه الحقيقة الستيرة، بحيث تبدو للناظرين ناصعة مستنيرة، موقوف على بيان حقيقة العبادة، وكُنه معناها، ولو على سبيل الإيجاز حسب اقتضاء هذه العجالة التي جرى بها اللسان متدافعاً من غير وقفة ولا أناة، ولا مراجعة.
حقيقة العبادة
إنّ حقيقة العبادة، وخصائص معناها، وكنه روحها ومغزاها مأخوذة ـ بحسب الاشتقاق ـ من العبد والعبودية، وليس العبد في الحقيقة وطباق نفس الأمر والواقع ما ملكته بالاغتنام، أو الشراء، أو غيرهما من الأسباب، ولا السيد والمولى من تولى عليك بالغلبة والقهر، أو المصانعة والخداع، إنما السيد من أنعم عليك بنعمة الحياة، وخلع عليك بعد العدم خلعة الوجود، وربّاك في بواطن الأصلاب وبطون الأرحام ستيراً، لا تراك سوى عينه، ولا ترعاك سوى عنايته، فذاك هو الرب والمالك والسيد حقيقةً من غير تسامح في المعنى؛ ولا تجوّز في اللفظ، وأنت ذلك العبد المملوك بحقيقة العبودية، المربوب بنعمة الإيجاد والتكوين، والصنع والخلق، وقد اقتضت تلك العبودية، حسب النواميس العقلية، والاعتبار والروية، المعزى إليها بقوله عز شأنه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} )[1379](.
فالعبادة معناها كلفظها مشتقة من العبودية، وهي شأن من شؤونها، وأثر من آثارها، فأن العبودية قضت على العبد حفظاً لاستدامة تلك النعمة، بل النعم الجمّة وامتدادها أبدياً أن يقف العبد موقف الإذعان والاعتراف بها لوليها ومولاها، فكما أنه في موطن الحق والواقع عدماً صرفاً، وعجزاً محضاً، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة، كذلك يكون في موطن الخارج والظاهر ماثلاً بين يدي مولاه في غاية الخضوع والذلّة، والعجز والحاجة.
فالعبادة حقيقة هي التظاهر بتلك العبودية الحقيقية باستعمال أقصى مراتب الخضوع في الظاهر بجميع القوى والمشاعر مقروناً باستحضار تلك الجوهرة المكنونة، والدرّة الثمينة ـ جوهرة العبودية ـ.
وأني أخضع وأخشع، وأسجد وأعبد، ذلك المُنعم الذي أنعم عليّ بنعمة الحياة، وأسبغ عليّ جلابيب الوجود، فصرتُ بتلك النعم مغموراً؛ بعد أن أتى عليّ حينٌ من الدهر لم أكن فيه شيئاً مذكوراً.
إذن، فالعبادة على الحقيقة هي كون العبد في مقام الاعتراف والإذعان بالعبودية مقروناً بما يليق بها من استعمال ما يدل على أقصى مراتب الخضوع، والذلة بالسجود والركوع، والهرولة والطواف، وغير ذلك مما وصفته الشرائع، وأوعزت إليه الأديان من معلوم الحكمة ومجهولها، ومبهم الحقيقة أو معقولها.
تلك هي العبادة الحقيقة، غايته أن عامة الناس قصرت أفكارهم عن اجتناء ذلك اللب، واقتصروا على القشور من العبادة، اللهم إلاّ أن يكون ذلك مرتكزاً في أعماق نفوسهم على الإجمال في المقصود، دون التفصيل والاستحضار والشهود، وكيف كان الحال، فهل تحس أن أحداً من زوار القبور والمتوسلين بأربابها يقصد أن القبر الذي يطوف حوله، أو صاحبه الملحود فيه هو صانعه وخالقه، وأنه بزيارته يريد أن يتظاهر بالعبودية له فتكون عبادة له؟
أو أن أحداً من الزائرين يقول للقبر ـ أو لمن فيه ـ: يا خالقي، ويا رازقي، ويا معبودي؟!
كلا ثم كلا ما أحسب أن أحداً يخطر على باله شيء من تلك المعاني مهما كان من الجهل والهمجية، كيف وهو يعتقد أن صاحب القبر بشر مثله، عاش، ومات، وأصبح رميماً رفاتاً.
نعم، يعتقد أن روحه باقية عند الله ـ جلّ شأنه ـ فهو بها يسمع ويرى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون})[1380]( ونظراً إلى تلك الحياة يخاطبه، ويسلم عليه، ويتوسل إلى الله سبحانه به، ويطلب الشفاعة منه.
وبعد هذا كله فهل تجد من الحق والإنصاف تشبيه الزائرين بعبدة الأصنام. وهذه منابرهم ومنائرهم ومشاعرهم تضجّ في الأوقات الخمسة بل في أكثر الأوقات بشهادة (أن لا إله إلا الله)، ويلهجون بأنه لا معبود إلا الله؟!
فهل ذلك القول إلا قول مجادل بالباطل يريد أن يدحض به الحق، ويلقح شرر الفساد في الأرض، ويريق دماء المسلمين ظلماً وعدواناً؟!
ومما ذكرنا من معنى العبادة وحقيقة معناها يتّضح أنه لا شيء من تلك العناوين الممنوعة عند (الوهابية) من الشفاعة والوسيلة، والتبرك والاستغاثة والزيارة وأمثالها، له مسيس بالعبادة بوجه من الوجوه، هذا مضافاً إلى صدوره من النبي وأصحابه والتابعين الواردة في صحيح الأخبار من صحيحي البخاري، ومسلم، وغيرها.
نهر دجيل
دُجيل، (بضم الدال وفتح الجيم وسكون الياء)، تصغير دجلة تصغير ترخيم: يطلق هذا الاسم على ثلاثة أنهار في ثلاثة مواضع ذكرها المؤرخون، وأرباب المعاجم وهي:
1 ـ دجيل الأهواز
قال ياقوت: «نهر بالأهواز، حفره أردشير بن بابك، أحد ملوك الفرس. وقال حمزة: كان اسمه في أيام الفرس (ديلدا كودك)، ومعناه دجلة الصغيرة، فعرّب على دجيل، ومخرجه من أرض أصبهان، ومصبه في بحر فارس قرب عبادان. وكانت عند دجيل هذا وقائع للخوارج، وفيه غرق شبيب الخارجي» )[1381](.
وقال صفي الدين في مراصد الاطلاع: «كان اسمه أيام الفرس (ديله كودك) يعني دجلة الصغيرة فعُرّب على دجيل، وكان يعرف بدجيل المسرقان».
وقال ابن خلكان عنه أنه: «نهر عظيم بنواحي الأهواز، وتلك البلاد عليه قرى ومدن، ومخرجه من جهة أصبهان، وحفره أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، ملوك الفرس بالمدائن».
وقد ورد ذكر هذا النهر عند فتح المسلمين لتستر بقيادة أبي موسى الأشعري، فقد قيل إن الرجل من الأعاجم كان يقتل أهله وولده ويلقيهم في «دجيل» خوفاً من أن تظفر بهم العرب. وفي هذه الواقعة اقتيد الهرمزان قائد جيش الفرس إلى الخليفة عمر بن الخطاب (رض) فاستحياه، والقصة مشهورة.
والظاهر أن نهر (دجيل) هذا هو نهر (كارون) الحالي، وقد تغير مصبّه في الأزمنة الأخيرة.
2 ـ دجيل الفرات
ورد في التاريخ القديم ذكر لنهر سماه (الماديون) سكان العراق القدماء باسم (دجل)، ومعناه السهم لسرعة جريه. وكان العبرانيون يسمونه (الداجل) أي السريع. وهو النهر الذي سمي في العهد القديم (التوراة) باسم (حداقل)، وعد من الأنهر الأربعة التي تسقي الفردوس.
وكان هذا النهر العظيم ـ كما حققه الباحثون ـ يأخذ من ضفة الفرات اليسرى، وينحدر في مجراه حتى يصب في دجلة. وقد وصفه السير ويليم ويلكوكس (1852 ـ 1932) بقوله: «ويبلغ هذا النهر حوالي (250) قدماً في العرض، و(25) قدماً في العمق، وهو يشبه في جريه وضع القناة التي تدير الطاحونة. أما اتجاه جريه فينحدر أولاً نحو منخفض عقرقوف، ثم يمر هناك فيصب في دجلة قرب بغداد. ويستطيع هذا النهر لو ترك لطبيعته أن يحمل إلى دجلة كمية من المياه تزيد على نصف ما يستوعب نهر الفرات. ومما لا شك فيه أن الأقدمين كانوا يعتبرون هذا النهر المنبع القديم لدجلة».
ولو صح هذا الوصف لهذا النهر لكان شديد الانطباق على التسميات القديمة له كتسميته بالسهم مرة، وبالسريع مرة أخرى.
إلا أن الدكتور أحمد سوسة (الذي نقل مقالة ويلكوكس) يذهب إلى أن مجرى هذا النهر هو مجرى نهر الصقلاوية «وكان قد عرفه الأقدمون كجزء من نهر دجلة بل صدره الرئيس فأطلقوا عليه إسم (دقل ـ دجلة).
وفي إيرادات الدكتور مصطفى جواد على تلك الأقوال أشار إلى أن (حداقل) هذا هو (دجيل) العتيق. يعني النهر الذي انفرد بوصفه وتحديد مأخذه ومجراه ومصبه المؤرخ ابن سرابيون)[1382]( فقد قال أثناء استقصائه لذكر الأنهار التي تأخذ من ضفة الفرات الشرقية: «ويحمل منه ـ أيضاً ـ أي من الفرات ـ نهر يقال له (دجيل أوله فوق قرية (الرب) بفرسخ أو أكثر ثم يمر في (العراض) )[1383]( ونيتفرع منه أنهار كثيرة تسقي ضياع مسكن، وقطربل، وما يليها من الرساتيق، ويصب في دجلة بين عكبراء وبغداد، وحجة الدكتور مصطفى جواد (إن لفظ دجيل قريب من حداقل. وإن هناك نصوصاً تؤكد أن دجيلاً كان من الأنهار التي تستمد من الفرات كأخبار (البثق) الذي كان يسمى (قبين))[1384]( فإنه من البثوق التي أثّرت في مجرى الفرات. وكان ماؤها يصل هور عقرقوف.
قال ابن عبد الحق في مراصد الاطلاع: «قبين: لا يعرف بهذا الاسم غير موضع فوق الأنبار به سكور تتعاهد في كل سنة. ترد الماء عند زيادة الفرات عن نواحي دجيل ونهر عيسى، انفتح بعضها في آخر ولاية المستعصم فغرقت نواحي دجيل ونهر عيسى حتى دخل الماء إلى مال الجانب الغربي من بغداد».
وقد أشار إلى ذلك مؤلف الحوادث الجامعة في ذكره غرق بغداد سنة 654هـ في خلافة المستعصم قال: «وانفتح قبين فغرق دجيل ونهر عيسى ونهر الملك وأتلف زروعاً كثيرة».
وكان للدكتور جواد رأي في إندراس هذا النهر أورده فيما تفضّل به عليّ في رسالة منه إليّ فقد قال: «الظاهر أن دجيل الفرات كان آيلاً إلى الاندراس في أول دولة بني العباس. وفي أيام المعتضد (أعني أواخر القرن الثالث)، تضاءل دجيل حتى لقد قال الطبري، ونقل عنه المؤرخون في حوادث سنة 283هـ: «في رجب منها أمر المعتضد بكري دجيل، والاستقصاء عليه، وقلع صخر كان في فوهته، كان يمنع الماء فجبي لذلك من أرباب الضياع والإقطاعات أربعة آلاف دينار، وكسر فيما ذكر، وأنفق عليه، وولي ذلك كاتب زيرك وخادم من خدم المعتضد». ومعنى هذا أن صدره ارتفع منذ أواخر القرن الثالث حتى احتاج إلى الكري والقلع».
وقد اهتم بعض الباحثين في تعيين صدر هذا النهر على ضوء ما كتبه عنه ابن سرابيون وتحديد موقع قرية الرب التي أشار إليها، فقد قال الدكتور سوسه: ويؤخذ مما كتبه المقدسي أن مدينة الرب كانت تقع على بُعد مرحلة واحدة من جنوب هيت، وهذه تقدر بحوالي (25) كيلومتراً. أما الإدريسي فيقدر المسافة بحوالي (30) ميلاً.
وقد أشار السير ويليم ويلكوكس في الخارطة التي نظمها لمقاطع نهر الفرات بين هيت والشامية إلى أن هناك آثاراً لنهر قديم يأخذ من الضفة اليسرى من نهر الفرات من نقطة تقع على مسافة حوالي (38) كيلومتراً من جنوب مدينة هيت. ولعل تلك الآثار تعود لنهر الدجيل حين كان يأخذ الماء من نهر الفرات، حيث أن الموقع الذي يشير إليه السير ويليم ويلكوكس يكاد يتفق مع ما ذكره المؤرخان المشار إليهما.
ولكن الدكتور سوسة عاد في مؤلفاته الأخيرة فاتهم مقالة ابن سرابيون بالوهم والخطل مستنداً إلى أن وضع مستويات الأراضي لا يساعد على فتح نهر من الفرات من الموضع الذي ذكره ابن سرابيون وتوجيهه نحو قرى مسكن، وإن النهر الذي يعنيه ابن سرابيون هو نهر عيسى (كذا) حيث لم يستطع التمييز بين فروعهما المنتهية في غربي مدينة بغداد. وإنه كان المؤرخ الوحيد الذي ذكر ذلك مع أن جمهرة من المؤرخين المتقدمين عليه نصّوا على أن دجيلاً يستمد مياهه من دجلة، ويصب فيها.
كما أن الدكتور الجواد لم يعد يأخذ برأيه السابق في وجود نهر باسم (دجيل) يستمد من الفرات. وقبلهما كان المستر (لاين) صاحب كتاب (المشاكل البابلية) قد ذهب هو الآخر إلى أن من أخطاء الجغرافيين القدماء في وصفهم للجداول القديمة ما ذكره ابن سرابيون من أن نهر دجيل كان يتفرع من نهر الفرات.
ومع أني شديد اليقين من أن نهر دجيل كان منذ أزمان بعيدة من أنهار دجلة التي تأخذ منها وتصب فيها. إلا ان ذلك لا يمنع من وجود نهر آخر بهذا الاسم يأخذ من الفرات ويصب في دجلة بعد أن تشتبك فروعه بفروع دجيل دجلة قرب بغداد. وإن الدقة التي كتب بها ابن سرابيون كتابه عن أنهار العراق وتثبته في استقصائها وتتبعه العجيب لفروعها كل ذلك يدفع عنه احتمال الخطأ في تعيين موقع صدر (دجيل) وأنه من الفرات، لا سيما حين ذكر نهر سعيد وهو أعلى منه، ثم ذكر نهر عيسى ونهر صرصر، ونهر الملك، ونهر كوثى وهي أدنى منه. ولئن ورد ذكر دجيل دجلة منصوصاً عليه قبل عصر ابن سرابيون، فلا يقتضينا ذلك حمل كل الأخبار التي ذكرت (دجيلا) بصورة مطلقة عليه. كما لا يمكن حملها على أنها أخبار دجيل الفرات. أما نهر ـ حداقل ـ القديم الذي ورد ذكره في التوراة فإنه لم يكن (دجيلا) فهو نهر دجلة بعينه، ولا ضرورة للاشتطاط في الحدس والتخمين.
3 ـ دجيل بغداد
وهو نهر كثير النفع جليل الفائدة حسن الموقع. كان يستمد مياهه من الضفة اليمنى لنهر دجلة جنوبي سامراء قبالة القادسية بالقرب من (الاصطبلات) ويجري موازياً لنهر دجلة في مجراه القديم من جهة الغرب. وكانت تتشعب من ضفتيه فروع كثيرة، فتمتد الفروع الغربية إلى جهة سهل الجزيرة الواقعة ما بين دجلة والفرات لإرواء الأراضي الزراعية هناك. أما الفروع الشرقية فتمتد إلى جهة مجرى دجلة فتروي الأراضي الزراعية الواقعة ما بين نهر دجيل ومجرى دجلة.
وكان هذا النهر يسقي بلاداً كثيرة وأرضاً واسعة. ويصب فضلته عند مغيض ماء (مستنقع) يدعى (الظاهرية) أو (خندق طاهر) فوق بغداد. ويعتبر نهر دجيل هذا من مشاريع الإرواء القديمة المهمة. وقد ازدادت أهميته بعد تحول مجرى دجلة إلى الشرق وانقطاع المياه عن القرى والمدن والضياع التي كانت تستقي من دجلة. فقد قام المستنصر العباسي بتحويل صدر دجيل إلى الشمال وتوسيع مجراه، وفتح عدة فروع له من ضفته اليسرى، فأصبح يروي معظم المنطقة الواقعة بين سامراء وبغداد، حتى صارت هذه البقعة في زمن ما قطعة خضراء. وكان من فروع هذا النهر ما يدخل إلى بغداد من شمالها وشمالها الغربي.
ذكره الحموي في معجم البلدان فقال: مخرجه من أعلى بغداد بين تكريت وبينها، مقابل القادسية، دون سامراء. فيسقي كورة واسعة وبلاداً كثيرة، منها: أوانا، وعكبرا، والحظيرة، وصريفين، وغير ذلك. ثم تصب فضلته في دجلة أيضاً)[1385](. ومثل ذلك ما قاله ابن عبد الحق في مراصده، وأضاف: أن فضلته كانت تصب في الطاهرية المعروفة بخندق طاهر، ومما عليه من الكور (مسكن)، وهي النواحي التي منها (أوانا)، وما حولها. وفيها كانت الوقعة بين مصعب بن الزبير، وأهل الشام فقتل هناك، وقبره ظاهر عليه مشهد يزار.
وذكره عماد الدين في كتابه (تقويم البلدان) فقال: ويحمل من دجلة الدجيل. قال في المشترك: وهو نهر في أعلى بغداد، ومخرجه دون سر من رأى، وعليه كورة كبيرة مشتملة على مدن وقرى)[1386](. ونقل عن ابن حوقل قوله: وقرب تكريت يشتق نهر الدجيل الذي يسقي سواد سامراء إلى قرب بغداد.
أما ابن خلكان فقد قال عنه بعد أن وصف مخرجه (عليه كورة واسعة). وقد جاء وصف هذا النهر في كتاب (دليل خارطة بغداد، ص99)، فقال مؤلفاه الفاضلان: «ونهر دجيل هذا كان يتفرع من الضفة اليمنى لنهر دجلة في جوار أطلال الاصطبلات، وبعد أن يسير مسافة قليلة يتشعب إلى فرعين رئيسين يسير أحدهما في الوجهة الجنوبية الشرقية نحو قرية السميكة (دجيل الحالية)، مخترقاً ناحية مسكن القديمة، حتى يصل إلى غربي بغداد، ويسير الآخر في الوجهة الغربية الجنوبية وسط الجزيرة الواقعة بين النهرين دجلة والفرات، حتى يصل إلى قرب الفرات. وكان يعرف الفرع الذي يصل إلى بغداد باسم نهر (بطاطيا) وكان يتشعب من نهر بطاطيا ثلاثة أنهر تسير شرقاً فتعبر فوق الخندق الطاهري ثم تنتهي إلى محلة الحربية.
واول هذه الفروع كان يعبر على عبارة فوق خندق طاهر عند باب حرب، وبعد أن يخترق المحلة يصب في أسفل نهر باب الشام الذي يتفرع من نهر رزين. ويعبر الآخر الخندق الطاهري بين باب حرب وباب الحديد فوق عبارة كانت تعرف باسم (عبارة الكرخ)، ويصب كسابقه في نهر باب الشام أيضاً بعد أن يخرج منه فرعان صغيران من ضفتيه اليمنى واليسرى، وكان هذا الفرع يسير بموازاة شارع دجيل شمالاً، وبعد أن يعبر الخندق على عبارة الكرخ يقطعه شارع دجيل)[1387](، قرب باب الشام على قنطرة كانت تعرف باسم (قنطرة أبي الجون) نسبة إلى دهقان فارسي كانت له قرية تسمى الشرفانية في هذا الموضع قبل تأسيس بغداد، وصارت فيها دار سعيد الخطيب في العهد العباسي، وقد وصفها ياقوت بقوله: إنها قرية بقرب قنطرة أبي الجون. أما الفرع الثالث وكان يسمى نهر بطاطيا فكان يعبر الخندق في جوار باب الأنبار وتجف مياهه بعد مسافة قصيرة، ويقال إن هذه المجاري التي كانت تمر من محلة الحربية كانت كلها قنوات تجري تحت الأرض، داخل عقود من البناء).
والظاهر من هذا الوصف أن المؤلفين الكريمين اعتمدا فيه وصف ابن سرابيون لفروع (دجيل) الذي كان يستقي من الفرات، ويصب في دجلة على زعمه)[1388](.
***
وقد اختلف المؤرخون ومن كتب حول مشاريع الإرواء في العراق من المتأخرين، حول تحديد العهد الذي يرجع إليه إنشاء هذا النهر. وكل ما قيل بهذا الشأن مبني على الحدس لا اليقين. إذ لم يرد فيما بين أيدينا من المصادر التاريخية والجغرافية نص صريح على ذلك. فمن قائل أن المستنصر العباسي هو الذي أمر بحفره، ومدّ منه فروعاً لسقي المنطقة الواقعة شرقيه إلى دجلة بعد تحوله ـ الذي تم في زمن المستنصر، كما يذهب إليه القائلون بهذا الرأي، ومنهم مديرية الآثار القديمة العراقية التي أوردت ذلك في نشرتها عن جسر حربى، وليس الأمر كذلك طبعاً. فإن نهر دجيل قد ذكر في عدة حوادث سابقة لعصر المستنصر المتوفى سنة 640هـ/1242م. من ذلك المعركة التاريخية المشهورة بين مصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان التي سميت بعض وقائعها بوقعة (دجيل)، وكانت في سنة 72هـ.
ومن قائل إن إنشاء هذا النهر تم في العصور التي تمتد إلى ما قبل (3500) سنة كالسير ويليم ويلكوكس الذي كان يعتقد بأن إنشاء سد نمرود القديم على دجلة كان لكي يجري الماء فيه بمنسوب عال لغرض تموين صدور النهروان من ضفته اليسرى، ودجيل من ضفته اليمنى.
فقد قال في كتابه (بين عدن والأردن): «هناك على بعد بضعة كيلومترات فوق النقطة التي يدخل فيها نهر دجلة دلتاه أقيم في الوادي سد ترابي جسيم يحول النهر فوق الأرض الصلبة لكيما يجري بمنسوب عال فيروي الأراضي الواقعة على ضفتيه. وقد أخذت من طرف السد الأمامي الصدور الثلاثة لجدول النهروان الكبير على الضفة اليسرى، وجدول (دجيل) على الضفة اليمنى. ويعزى إلى نمرود الفضل في إنشاء السد وتحويل مجرى النهر. وقد بقي هذا السد قائما ًمدة تربو على (3000) سنة حين جرفته المياه في عهد آخر الخلفاء العباسيين الضعاف»)[1389](.
وهناك من يرى أن (دجيلا) كان من أعمال الفرس في عهد كسرى أنو شروان ـ الذي أقام عدداً من مشاريع الإرواء المهمة في هذه المناطق مثل القاطول والقورج وغيرهما ـ فقد قيل إن حفره اقترن بإنشاء سد العلث الذي أقيم ليتسنى حجز مياه دجلة الصيفية، ورفع مناسيبها لتحويلها إلى صدر القورج)[1390]( ودجيل.
قال الدكتور أحمد سوسة: (والأرجح أن نهر دجيل انشئ بعد إقامة (سد العلث) على نهر دجلة، وإنشاء نهر القورج أمامه على عهد كسرى أنو شروان. ففتح صدره من الضفة اليمنى لنهر دجلة مقابل صدر القورج، وبذلك صار يستفيد من وجود سد العلث الذي كان يرفع مناسيب مياه دجلة هناك أسوة بصدر القورج الواقع في الجهة الشرقية من دجلة، والذي كان يستفيد من السد أيضاً. وبعد أن تم إنشاء نهر دجيل فتحت فروع من جهتيه لإرواء الأراضي الواقعة على الضفة الغربية من دجلة)[1391](.
موسى الموسوي الهندي
الهاشمية
قضاء من أقضية محافظة بابل (الحلة) أغلبية سكانها من الشيعة الإثنا عشرية الآن. وهي عاصمة الحاكم العباسي أبو العباس السفاح ومدة من حكم أبي جعفر المنصور قبل أن ينتقل إلى بغداد بعد أن بناها، وقد حفلت الهاشمية بملحمة من الفداء والتضحية والمعاناة والسجن في ظلم المطامير وغياهب السجون تلقاها أحفاد الإمام الحسن عليه السلام وعلى رأسهم عبدالله بن الحسن بن الحسين الذي استشهد في ذلك السجن، وقد أورد بعضاً من كيفية شهادته صاحب مراقد المعارف وقبره ومن سجن معه حيث قال أبو محمد عبدالله المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام استشهد في سجن المنصور الدوانيقي بالهاشمية في العراق يوم الأضحى سنة 145هـ وقد بلغ عمره خمساً وسبعين سنة واستشهد معه في السجن ستة على ضروب من القتل، إخوته وبنو عمومته من آل الحسن مثل الحسن بن الحسن بن الحسن السبط، وإبراهيم بن الحسن بن الحسن السبط وأمهم فاطمة بنت الحسين بن علي عليه السلام، ويعقوب، وإسحاق ومحمد إبني الحسن، وأبو الحسن علي العابد ابن الحسن بن الحسن بن الحسن السبط المعروف بذي الثفنات.
وروي أن بعضهم دفن حياً مثل إبراهيم بن الحسن، وأن عبدالله بن الحسن طرح عليه البيت)[1392]( وورد أنهم ردموا عليهم السجن وماتوا فيه كما عن تذكرة الخواص.
وممن نجا من السجن داود)[1393]( بن الحسن المثنى. مرقده وآل الحسن في «الهاشمية»)[1394]( عند قبائل خفاجة اليوم، وكانت قبورهم في بنية واحدة مستطيلة تعرف بالقبور السبعة)[1395]( وقفنا على قبورهم رضوان الله عليهم وكان في العهد العثماني الحاكم في العراق.
تبعد القبور السبعة عن قرية الكفل حدود الفرسخ، على الطريق العام القديم من الكوفة إلى القاسم ابن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام في سوراء.
كان عبدالله يدعى بالمحض لأن أباه الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن أمير المؤمنين عليه السلام، وأمه فاطمة بنت الحسين عليه السلام، وكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان شيخ بني هاشم في زمانه، ويقال فيه: من أكرم الناس وأجمل الناس وأسخى الناس وأفضل الناس.
قيل لعبدالله: بما صرتم أفضل الناس؟ قال: لأن الناس كلهم يتمنون أن يكونوا منا ولا نتمنى أن نكون من أحد، قاله الشيخ البخاري والسيد الداودي وغيرهما)[1396](.
كان المنصور الدوانيقي يكنيه بأبي قحافة تشبيهاً له بعثمان بن عامر التيمي لأنه بويع ابنه أبو بكر، وهو حي كما بويع النفس الزكية وأبوه حي)[1397](.
تولى صدقات أمير المؤمنين عليه السلام بعد أبيه الحسن، وكان شجاعاً خطيباً شاعراً لسناً مهاباً وقوراً كريماً، ومن التابعين، وردت فيه وفي بعض بني الحسن مراسيل الظاهر منها مناهضتهم لإمام زمانهم جعفر بن محمد الصادق عليه السلام.
أقول: فلو سلم صحتها فهي محمولة إما على التقية من طاغية زمانهم أو على عدم إظهارهم إلى الملأ نصرة أئمتهم المعصومين من ولد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) فيؤخذون بهم، ولكي ينهضوا وينكروا على أعداء الله وأعداء رسوله الغاصبين لهذا المنصب الآلهي ـ أعني منصب الإمامة والخلافة ـ من هذا الطريق مع تواطؤ مع الأئمة ووفاق ووئام، خفي ذلك على كثير من الناس، يظهر ذلك من عدة نصوص وأعمال منها:
إنه لما حج المنصور سنة 144 هـ أمر واليه رياح بن عثمان أن يبعد آل الحسن ـ ومعهم محمد بن عبدالله بن عمر بن عثمان أخو بني الحسن لأمهم إلى «الربذة» مكتوفين مقيدين بالسلاسل في أرجلهم، وأعناقهم وأركبهم على أغلظ مركب بغير وطاء، ولما أخرج بهم من المدينة على هذه الصفة، وقف سيدهم وعميدهم الإمام جعفر الصادق عليه السلام ينظر إليهم من وراء ستر بحيث لا تراه الناس ـ وهو يتلهف ويبكي ودموعه تجري على كريمته المباركة وهو يدعو الله تعالى ويقول: «والله لا تحفظ لله حرمة بعد هؤلاء»)[1398](.
ويروى أنه جيء بهم إلى المنصور يوماً مكتوفين حاسرين، وقيل كانوا عراة، وأوقفوهم في حرارة الشمس، فقال عبدالله المحض إلى المنصور: «ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر» فأطرق المنصور برأسه وامتلأ غيظاً)[1399](، ثم بعد هذا الموقف أمر بهم المنصور أن يبعدوا إلى العراق ويحبسوا هناك»)[1400](.
فحبسوا في سجن بـ«الهاشمية» عند القنطرة المؤدية إلى الكوفة، وكان حبسهم في مطمورة تحت الأرض لا يعرف فيها الليل ولا النهار في مدة ستين يوماً، ثم أمر المنصور بأن يقتلوا في السجن، فكان قتلهم على أنواع.
وأظهر الأدلة التي يستدل بها على وفاق بني الحسن هؤلاء مع الإمام جعفر الصادق عليه السلام هو الكتاب الذي أرسله الإمام الصادق عليه السلام إلى عبدالله المحض بن الحسن ـ تعزية وتسلية له عندما حمله وأهل بيته وبني عمومته المنصور الدوانيقي ـ إلى العراق في السجن الأخير الذي كانت فيه شهادتهم، وقد خاطبه الإمام عليه السلام بالخلف الصالح، ثم إنه عليه السلام دعا إلى السيد المحض وبني عمومته بالسعادة وألأجر، وقد روى هذا الكتاب السيد أبو القاسم علي بن طاوس الحسيني في كتاب «الإقبال» وهذا نص الكتاب:
«بسم الله الرحمن الرحيم إلى الخلف الصالح والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه.
أما بعد: فلأن كنت قد تفرّدت أنت وأهل بيتك ممن حمل معك بما أصابكم، ما انفردت بالحزن والغبطة والكآبة، وأليم وجع القلب دوني، فلقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحر المصيبة مثل ما نالك، ولكن رجعت إلى ما امر الله جل جلاله به المتقين من البر وحسن العزاء حين يقول لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} )[1401](.
وذكر له الآيات الكريمة التي تأمر بالصبر والحث عليه. ثم قال: واعلم أي عم وابن عم أن الله جل جلاله لم يبال بضر لوليه ساعة قط، ولا شيء أحب إليه مما قاساه وليه في هذه الدنيا من الضر والجهد واللأواء مع الصبر، وأنه تبارك وتعالى لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة قط.
ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخيفونهم ويمنعونهم، وأعداؤه آمنون مطمئنون عالون ظاهرون.
ولولا ذلك ما قتل زكريا واحتجب يحيى ظلماً وعدواناً في بغي من البغايا.
ولولا ذلك ما قتل جدك علي بن أبي طالب عليه السلام لما قام بأمر الله عز وجل ظلماً، وعمك الحسين بن فاطمة عليهم السلام اضطهاداً وعدواناً.
ولولا ذلك ما قال الله عز وجل في كتابه: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون})[1402](.
ولولا ذلك لما قال في كتابه: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين* نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون})[1403](.
ولولا ذلك لما جاء في الحديث «لولا أن يحزن المؤمن لجعلت للكافر عصابة من حديد لا يصدع رأسه أبداً».
ولولا ذلك لما جاء في الحديث «أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة». ولولا ذلك ما سقى كافراً منها شربة ماء.
ولولا ذلك لما جاء في الحديث «لولا أن مؤمناً على قلة جبل ليبعث الله له كافراً أو منافقاً يؤذيه».
ولولا ذلك لما جاء في الحديث «إن أحب الله قوماً، أو أحب عبداً صب عليه البلاء صباً، فلا يخرج من غم إلا وقع في غم».
ولولا ذلك لما جاء في الحديث «ما من جرعتين أحب إلى الله عز وجل أن يجرعهما عبده المؤمن في الدنيا من جرعة غيظ كظم عليها، وجرعة حزن عند مصيبة صبر عليها بحسن عزاء واحتساب».
ولولا ذلك لما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعون على من ظلمهم بطول العمر وصحة البدن وكثرة المال والولد.
ولولا ذلك ما بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خص رجلاً بالتحرم عليه والاستغفار استشهد.
فعليكم يا عم وابن عم وبني عمومتي وإخوتي بالصبر والرضا والتسليم والتفويض إلى الله جل وعز، والرضا والصبر على قضائه، والتمسك بطاعته، والنزول عند أمره، وأفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وختم لنا ولكم بالأجر والسعادة، وأنقذكم وإيانا من كل هلكة بحوله وقوته إنه سميع قريب».
ويؤيد ما نراه وطائفة من علمائنا أيضاً بأن السيد المحض وبني عمومته وأهل بيته كانوا في طاعة الله وطاعة إمامهم أبي عبدالله الصادق عليه السلام وفي محبته داخلين، ما ورد مسنداً إلى خلاد بن عمير الكندي مولى آل حجر بن عدي قال: دخلت على أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال: «هل لكم علم بآل الحسن الذين خرج بهم مما قبلنا؟ ـ وكان قد اتصل بنا عنهم خبر فلم نحب أن نبدأه ـ فقلنا نرجو أن يعافيهم الله، فقال الإمام عليه السلام: وأين هم من العافية؟
ثم بكى الإمام عليه السلام حتى علا صوته وبكينا، ثم قال: «حدثني أبي عن فاطمة بنت الحسين عليه السلام قالت: سمعت أبي صلوات الله عليه يقول: يقتل منك أو يصاب منك نفر بشط الفرات ما سبقهم الأولون، ولا يدركهم الآخرون، وإنه لم يبق من ولدها غيرهم».
قال السيد علي بن طاوس: وهذه شهادة صريحة من طرق صحيحة بمدح المأخوذين من بني الحسن عليه وعليهم السلام، وأنهم مضوا إلى الله جل جلاله بشرف المقام والظفر والسعادة والإكرام.
ومن ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني)[1404]( عن يحيى)[1405]( بن عبدالله الذي سلم من الذين تخلفوا في الحبس من بني الحسن، فقال: حدثنا عبدالله ابن فاطمة الصغرى عن أبيها عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «يدفن من ولدي سبعة بشط الفرات لم يسبقهم الأولون ولم يدركهم الآخرون»، فقلت نحن ثمانية، قال: هكذا سمعت، فلما فتحوا باب السجن وجدوهم موتى، وأصابوني وبي رمق وسقوني ماء وأخرجوني فعشت.
هجرة المجدد الشيرازي إلى سامراء
بعدة وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري عام 1281هـ/1864م تولى المرجعية الدينية بالنجف إثنان من تلامذته، السيد حسين الكوهكمري (ت: 1299هـ/1882م)، والميرزا محمد حسن الشيرازي (1230 ـ 1312هـ/1815 ـ 1894م). وقد إتبع غالبية الأتراك الكوهكمري في التقليد، كما اتّبع أغلب الإيرانيين الميرزا الشيرازي. وكان هذان المجتهدان هما المدرسان الرئيسيان من الطبقة التي تخرجت على يد الشيخ حسن كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسن النجفي، والشيخ مرتضى الأنصاري)[1406](.
والاختلاف بين الكوهكمري والشيرازي أن الأول بقي متخصصاً بالتدريس في حين أن الشيرازي بدأ يجمع بين الزعامتين العلمية والسياسية.
ومما زاد في مركزية الشيرازي حادثتان:
الأولى: مجيء الشاه ناصر الدين القاجاري إلى العراق عام 1287هـ/1870م، وعدم خروج الشيرازي لاستقباله عند زيارته النجف مع طبقات العلماء الذين استقبلوه. وقد أرسل الشاه إليه أنه يطمع بالإجتماع به. فاجتمع الإثنان في الحرم العلوي (مسجد الإمام علي بن أبي طالب). وقد أصبح هذا النهج سارياً بعده في سلنوك المراجع وتعاملهم مع الزعماء والملوك.
الثانية: وقوع الغلاء الشديد عام 1288هـ/1871م، وتصدي الشيرازي لتخفيف الضائقة عن أهالي النجف بتوزيع المواد الغذائية على السكان.
وفي سنة 1291هـ/1874م حدثت ثلاثة أمور مهمة:
1 ـ هاجر الميرزا الشيرازي من مقره في النجف إلى مدينة سامراء.
2 ـ أصيب الكوهكمري بالشلل مما أفقده القدرة على ممارسة التدريس)[1407](.
3 ـ رجوع السيد مهدي القزويني بعد هجرة الشيرازي إلى النجف بعدما قضى أربعين عاماً متواصلة بمدينة الحلّة.
أما سبب هجرة الشيرازي إلى سامراء، فقد تضاربت فيها الأقوال؛ فمن الكتّاب مَن ذهب إلى انه حاول الهرب من الزعامة الدينية)[1408](، ومنها من أكد على أن هجرته كانت بسبب المشاكل التي أحاطت بالنجف من جرّاء الاعتداءات المتكررة بين طائفتي الزكرت والشمرت النجفيتين اللتين حوّلتا المدينة إلى مكان غير آمن للسُكنى)[1409](.
واعتقد علي الوردي أن هجرة الشيرازي بسنتين إلى سامراء كانت تستهدف تحويل هذه المدينة السنية إلى مدينة شيعية على غرار ما حدث في بعض مناطق الفرات)[1410](.
وقد علل السيد حسن الصدر وهو من كبار تلامذة الشيرازي، هجرته إلى سامراء بسبب أن بعض أعيان مدينة النجف أخذوا يدفعون الكثير من الأهالي إلى الشيرازي لإطلاق سراح أولادهم من التجنيد العسكري. وذلك بدفع البدل النقدي الذي كانت قيمته مائة ليرة عثمانية، وذلك بعد تصديه لمساعدتهم سنة 1288هـ/1871م المعروفة بسنة الغلاء. ورأى الشيرازي أن لا علاج له إلا بالخروج من النجف)[1411](.
وبالرغم من كل هذه التعديلات التي ربما كانت كلها أسباباً مجتمعة لهجرته فإن الشيرازي حل في سامراء وهو في أواخر سني كهولته وقد أناف على الستين عاماً، والمدينة بحد ذاتها تعتبر من المدن المقدسة لأنها تضم مرقدين لاثنين من الأئمة الاثني عشر، وهما الإمام العاشر علي الهادي (214 ـ 254هـ/829 ـ 868م)، والإمام الحادي عشر الحسن العسكري (232 ـ 260هـ/847 ـ 874م).
وقد التحق بعد ذلك به تلامذته، فبنى لهم دوراً للسكنى)[1412](، ومدرسة كبيرة اشتملت على (75) غرفة، وتعدّ من أكبر المدارس بالعراق. وقد سكن أكثر من مائتين طالب من طلاب العلوم فيها، وعيّن الشيرازي راتباً شهرياً لهم بحسب حاله، وما يكفيه في معاشه)[1413](.
كما بنى الشيرازي عام 1294هـ/1877م جسرا ًوصل به ضفتي نهر دجلة، أنفق عليه ما يقرب من عشرة آلاف ليرة عثمانية ذهباً)[1414](. كما بنى سوقاً كبيراً على نفقة بعض أغنياء الهند)[1415](.
بقي الشيرازي في سامراء قرابة عقدين من الزمن ازدهرت المدينة فيهما ازدهاراً ثقافياً متميزاً، وأصبحت هذه البلدة الموحشة بلدة آهلة بالسكان، وأخذت تستقطب الكثير من أُدباء العراق وعلمائه الذين أخذوا يفدون على سامراء وهم يحملون قصائدهم في تحية الشيرازي الذي كان يُجيزهم عليها، ويجزل العطاء الوفير لهم.
وقد امتزج أهالي البلدة من القبائل السنيّة مع القادمين الجدد، ولم تشهد المدينة خلافاً طائفياً بين الطرفين قبل وقوع حركة (التنباك) التي قادها الميرزا الشيرازي ضد المصالح الأجنبية في إيران.
إن رعاية الشيرازي لأهالي سامراء جعل السكان الأصليين يتآلفون مع المجتمع، الجديد، وكان الشيرازي يبذل لهم العطاء، ويقضي حوائجهم. فقد ذكر أحد مؤرخي تلك الفترة أن اليشرازي كان يجمع للفقراء والمحتاجين وأهل القرى والبوادي مما يحتاجون إليه من ألبسة وأطعمة، ويوزّعها عليهم مرتين في كل عام)[1416](. وأعتقد الوردي أن المراسيم الشيعية التي كانت تقام في المدينة مثل طقوس العزاء الحسيني بدأت تؤثر في أوساط العشائر الذين وقعوا تحت تأثيرها، وبدأوا يسيرون في طريق التشيّع شيئاً فشيئاً)[1417](.
وفي خضم تلك الأحداث تنبّه والي بغداد حسن باشا (1309 ـ 1314هـ/1891 ـ 1896م) إلى نفوذ الشيرازي وسعى إلى تحجيمه؛ فأوعز إلى أحد علماء السنة وهو الشيخ محمد سعيد النقشبندي (ت: 1339هـ/1920م) للذهاب إلى مدينة سامراء عام 1309هـ/1891م، لإقامة حلقات التدريس والإرشاد المرتكزة على قواعد منهج العقائد السنية لتحصين الأهالي من الإغترار بالنفوذ السياسي الشيعي الذي بدأ يتعاظم بقوة وذلك بمواجهة (مذهبية) حادة من شأنها أن تفشل من سطوة الانتصار السياسي الشيعي، أو تحد منه على أحسن الفروض.
وقد أصدر السلطان عبد الحميد الثاني أوامره ببناء مدرسة دينية سنية على غرار المدرسة الدينية الشيعية التي أسسها الشيرازي عام 1308هـ/1890م، وبدأ العمل بها عام 1314هـ/1896م أي بعد وفاة الشيرازي بسنتين، وتم بناؤها عام 1316هـ/1898م.
وقد نجح الوالي حسن باشا في إعداده لمخطط تعبئة أهالي سامراء وتحريضهم ضد الوجود الفارسي الكثيف في المدينة خلال ما يقرب من عام ونصف إلى خلق محيط عدائي هدفه الحد من هيبة الشيرازي وكسر شوكته بالمجابهة.
ففي عام 1311هـ/1893م هجم أهالي سامراء على بيوت الشيعة وأماكنهم العامة وأوقعوا فيهم بعض القتلى والجرحى حتى قيل إن بين القتلى كان ابن أخت الشيرازي)[1418](، وقيل ولده محمد.
وذكر الشيخ محمد حرز الدين (1273 ـ 1365هـ/1857 ـ 1946م) وهو مؤرخ عاصر تلك الأحداث: أن الوالي حسن باشا أغرى بعض المتعصبين من الأهالي والوجوه في سامراء بالاعتداء على الشيعة. وعندما وقعت الفتنة في سامراء إتسعت الطائفية إلى بغداد وغيرها من المدن. وتثاقل الوالي حسن باشا من سماع شكوى العلماء وطلاب العلوم في سامراء، ومنع من إعلام السلطان عبد الحميد (بالتلغراف). ولما بلغ الخبر إلى السلطان عبد الحميد قمع الفساد وعاقب المسؤولين بعقاب صارم، ثم انتشر الأمن والاستقرار في سامراء)[1419](.
وبعد هذه الأحداث المؤثرة توفي الشيرازي في 24 شعبان 1312هـ/20 شباط 1895م عن عُمر جاوز الثمانين عاماً. وقد خلّفه في زعامة سامراء ولده الميرزا علي آغا الشيرازي (1286 ـ 1355هـ/1869 ـ 1936م) الذي بقي مكان أبيه وريثاً لزعامته وسخائه العميم.
كما بقي بعض تلامذته بسامراء وعلى رأسهم الشيخ محمد تقي الشيرازي (1256 ـ 1338هـ/1840 ـ 1920م)، ولم تشهد المدينة أية فتنة طائفية كالتي وقعت أواخر عهد الشيرازي)[1420](. وقد تنامى دور تلميذه الشيخ محمد تقي الشيرازي إثر الاحتلال البريطاني لسامراء أواخر الحرب العالمية الأولى عام 1914م، وأصبح فيما بعد المرجع الأعلى الذي قاد القبائل العراقية عام 1920م، وأصدر (فتواه) التي كانت من أسباب ثورة العشرين ضد الوجود البريطاني في العراق وذلك بعد انتقاله إلى مدينة كربلاء.
أما طلاب الشيرازي الآخرون فقد هاجروا إلى النجف مرة أخرى، وتولى إثنان منهم فيما بعد الزعامة الدينية وهما: الشيخ محمد كاظم الخراساني (1255 ـ 1329هـ/1839 ـ 1911م)، والسيد محمد كاظم اليزدي (1247 ـ 1337هـ/1831 ـ 1919م) بالرغم من وجود ثلاثة مجتهدين كبار، هم: الشيخ حسن المامقاني (1238 ـ 1320هـ/1823 ـ 1902م)، والشيخ محمد طه نجف (1241 ـ 1323هـ/1826 ـ 1905م)، والميرزا حسين الخليلي (1236 ـ 1326هـ/1821 ـ 1908م).
وقد لعب الخراساني واليزدي دوراً علمياً متميزاً في دراسة علمي الأصول والفقه، كما لعبا دوراً سياسياً ظهر في الحركة الدستورية.
***
حاول الشيرازي أن ينقل فكر مدرسة النجف الذي تطور على يد الأنصاري إلى حوزة علمية فتية كان يترأسها بنفسه، وقد تخرّج به عدد كبير من الفقهاء، لعب بعضهم دوراً متميزاً في تاريخ المرجعية الدينية.
وقد أكثر الشيرازي من إلقاء الدروس العالية للطلبة الذين هم مقاربون للاجتهاد، وكان درسه لا يحضره إلا المحصّلون الكبار)[1421](. لذلك كثر المقررون لدرسه على الطلاب الآخرين المتوسطين.
ولم يتجه الشيرازي إلى التأليف أو التصنيف، بل بقي ناقلاً أميناً لفكر أستاذه الأنصاري في الفقه والأصول، وقد أكّد بنفسه على ذلك)[1422](.
إلا ان طلاب مدرسته دوّنوا محاضراته، وهي ما تُسمى «بالتقريرات»، وقد بدأ هذا النوع من التأليف منذ عهد البهبهاني ثم تطور بعد ذلك.
أما على مستوى جهود الشيرازي خارج سامراء، فقد قام بجهود مكثفة لتوسيع رقعة مرجعيته ونفوذه عبر وكلائه في البلدان المختلفة بعدما انفرد بالزعامة ورجعت الأقطار الشيعية إليه، وبلغت رئاسته مبلغاً متميزاً عن غيره من الزعماء، وأخذت الأموال تُجبى إليه من أقطار مختلفة.
وكان هو بدوره يقوم بتعيين (الوكلاء) عنه في المناطق والمُدن، كما يقوم بتوزيع الرواتب على الطلبة. مغدقاً على النجف بما فيها من طلبة العلوم الدينية بالمرتبات الشهرية المنتظمة)[1423](.
وقد أشار الشيخ محمد تقي الفقيه إلى أن الشيرازي كان أول مرجع يفرض على وكلائه في البلدان المختلفة إرسال الأموال المتجمعة إليه بعدما كان الوكيل يتولى إنفاقها في المصالح الدينية في بلاده، ولم يكن ذلك معروفاً إلا في عهده)[1424](.
ونظراً لهذه السلطة التي تمتع بها الشيرازي في العالم الشيعي، ومكانته العلمية الكبيرة؛ فقد لقبه مترجموه «بالمجدد»، وهذا اللقب بحد ذاته لم يكن شائعاً إلا من النشاط الكبير الذي أحدثه الشيرازي من خلال جهوده الإصلاحية.
الدكتور جودت القزويني
الهدنة
تعريف الهدنة
ومما ينتهي به الجهاد والقتال، المهادنة والهدنة
وهي في الأصل: السكون، ويستعمل في الصلح والموادعة بين المتحاربين، إلاّ أنه في اصطلاح الفقه الإسلامي يستعمل في الصلح المؤقت بين المسلمين وطائفة من الكفار الحربيين؛ ولذا يطلق عليها الموادعة والمعاهدة الظاهرتان في عدم الدوام.
قال الشيخ في المبسوط: الهدنة والمعاهدة واحدة، وهو وضع القتال وترك الحرب إلى مدة)[1425](. وقال العلامة)[1426]( في التذكرة: المهادنة والموادعة والمعاهدة ألفاظ مترادفة معناها وضع القتال وترك الحرب مدة)[1427]( ومثله في المنتهى، وقريب منه في التحرير والقواعد)[1428](.
فانقطاع المدة وعدم الدوام قد أُخذ في معنى الهدنة وتعريفها. وقد جعلوا ذلك أحد وجوه الفرق بينها وبين عقد الجزية، كما ذكروا له وجوهاً أخر ـ راجع التفصيل في القواعد للعلامة وبعض آخر من كتبه وكتب غيره ـ وإن كان التحقيق أنّ ما ذكروه من الفارق ليس هو الفارق الأصلي بين ماهيّتهما، بل إنما هي من قبيل العوارض والعلامات. والفرق بينهما جوهرياً هو أن الطرف المقابل في عقد الجزية هو العدوّ المغلوب الذي قد ظهر المسلمون عليه وفُتحت أرضه وأُسقطت دولته وفرضت عليه ضريبة خاصة بدل الضرائب الموضوعة على المسلمين، فهو من جملة مواطني الدولة الإسلامية ولكن على غير دين المسلمين، وأما الطرف المقابل في المهادنة فهو العدو المستقر على أرضه والباقي على دولته ونظامه المدني وربما يكون قوياً وغالباً على أمره بل أقوى أحياناً من المسلمين. ففي صدر الإسلام كانت الجزية على أهل الكتاب القاطنين في الشام بعد ما فتحت وصارت من أراضي الإسلام، ولكن الهدنة انعقدت مع قريش مكة ولم يفتحها المسلمون بعد.
والحاصل: أن عقد الهُدنة ينعقد مع الدّولة المحاربة بما يتبعها من شعبها، وعقد الجزية ينعقد مع ناس من أتباع دولة الإسلام. هذا هو الفارق الجذري، وأما غيره من الفوارق فهي فروق في المظاهر والأحكام.
ثم إننا نواصل البحث في هذا الباب ضمن أمور:
حكم الهدنة
الأمر الأول: في حكمها، وهي جائزة في الجملة بإجماع المسلمين. ومرادنا من الجواز: الجواز بالمعنى الأعم، أي الذي يشمل الواجب والمكروه، في مقابل عدم الجواز بمعنى الحرمة. ونريد بقولنا في الجملة: إن الجواز مشروط بشروط، وما لم تتوفر الشروط تكون المهادنة محرمة، وسوف نذكرها بتفاصيلها.
والدليل على ذلك ـ مضافاً إلى كونه متسالماً عليه بين المسلمين ـ آيات من الذكر الحكيم، منها قوله تعالى: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً)… الآية)[1429](.
وقوله تعالى: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام)… الآية)[1430](. ومنها قوله تعالى: (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم)… الآية)[1431](.
فهذه الآيات بدلالتها اللفظية تدلّ على جواز عقد المعاهدة مع الكفار وتقرر ما صدر عن المسلمين من التعاهد معهم. والمعاهدة وإن كانت غير مختصّة بما يرتبط بالهدنة وترك القتال، إلاّ أن هذا هو القدر المتيقن منها.
ومنها قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها))[1432]( فهو يدل على جواز الجنوح للسلم حينما يجنح لها العدو، وهذه الآية وإن كان مفادها أضيق دائرة من المدّعى في الباب حيث إن الجواز فيها مشروط بمبادرة العدو إلى الصلح، مع أن المدّعى فيما نحن فيه هو الأعم، إلا أن دلالتها على الجواز في الجملة مما لا يقبل الإنكار. والمناقشة في دلالتها بأن: المراد من السلم هو ترك القتال فعلاً، دون قرار ومواضعة بين الطرفين، ضعيفة جداً، إذ الظاهر من الأمر بالجنوح إلى السلم خصوصاً مع الاقتران بما سبقه من الشرط ـ أي جنوح العدو لها ـ وما لحقه من الأمر بالتوكّل على اللّه، أنّه أمر بعمل إيجابي يحتاج إلى عزم وحزم وتوكل، دون الأمر السلبي الذي يتفق كثيراً في الحروب بغير تمهيد وعزم مسبق، بل ما من حرب دامية مستمرة في برهة من الزمن إلا ويتخللها وقف الحرب مرات بغير قرار وعقد واتفاق، وورود الأمر بالجنوح إلى مثل ذلك مقترناً بمثل هذا التمهيد وذاك التعقيب، شيء لا ينبغي نسبته إلى الذكر الحكيم.
ويؤيد هذا ما نقل من السيرة النبوية القطعية من معاهداته صلى الله عليه وآله وسلم مع الكفار من مشركيهم ويهودهم ونصاراهم. وكلها راجعة ـ إما بالمطابقة أو بالملازمة ـ إلى ترك القتال واستقرار الهدوء والصلح المؤقت.
ويدل عليه أيضاً ما في نهج البلاغة في عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر من قوله عليه السلام: «ولا تدفعن صلحا ًدعاك إليه عدوك، لله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك…» الحديث، وقد رواه في المستدرك عن تحف العقول، كما روي قريباً منه في الألفاظ والمعاني عن دعائم الإسلام عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله)[1433](.
فالأمر بحسب الدليل واضح كمال الوضوح، بحيث يبدو أن ما فعله العلماء من إرساله إرسال المسلمات وعدم التصدي كثيراً للاستدلال عليه، أمر صحيح حقاً.
ثم إن العلامة الحلي وتبعه البعض من متأخري المتأخرين ـ استدلّوا لذلك بحرمة إلقاء النفس في التهلكة إلى جانب الاستدلال بأدلة وجوب الجهاد، باعتبار أن نتيجة تقابل الدليلين هو التخيير والجواز، وفيه من وضوح الإشكال ما يغنينا عن الإيراد عليه.
اشتراطها بوجود المصلحة
الأمر الثاني: يشترط في جواز الهدنة أن يكون فيها مصلحة في الجملة. والظاهر وضوح حكم العقل بأن هذا مقتضى الحكمة، كما أنه المستشعر من المناسبة بين الحكم والموضوع. فبعد ما وردت عمومات كثيرة في الأمر بالجهاد والحثّ على مقاتلة الكفار مع ما في لسان بعضها من التهديد والتوعيد على تركه)[1434](، ثم ورد في آية أو آيات الأمر بالصلح، ففي مثل هذا الظرف لا معنى للقول بأن الصلح والسلم أمر جائز في كل زمان ولو مع عدم الحاجة إليه وفقد مصلحة فيه، فضلاً عن صورة وجود مصلحة في تركه، إذ لازم ذلك لغوية ذاك الحثّ والتوكيد والتهديد والتوعيد، وتكون النتيجة هي أن تلك الأوامر الأكيدة بالجهاد في آيات الذكر الحكيم لا تحمل حكماً إلزامياً، بل إنما هي مسوقة لبيان جواز قتال العدو وكونه أمراً راجحاً غير ممنوع عنه! وهذا خلاف مقتضى الحكمة في كلام الباري الحكيم عز اسمه. فتلك الآيات وهكذا المناسبات العرفية بين الحكم والموضوع بنفسهما كافية لإثبات أن الإقدام على السلم مع العدو المحارب ليس أمراً جائزاً ومباحاً في أي وقت وعلى أي حال، بل جوازه متوقف على وجود ما يكفي في تبرير الإقدام عليه من الشرائط والأحوال التي يعبر عنها بالمصلحة. هذا مضافاً إلى ما يدلّ بظاهره على المنع من السلم والمداراة والتودّد مع الأعداء المحاربين، كقوله تعالى (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم))[1435]( وقوله تعالى: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم))[1436]( وقوله تعالى: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة))[1437]( وغيرها من الآيات الكثيرة في هذا الباب.
فحاصل الأدلة بمجموعها أن وجود المصلحة في قبول الصلح أو اقتراحه على العدو شرط شرعاً في جواز ذلك.
ثم إنّ المصلحة في هذا الباب لا تنحصر فيما ذكره الفقهاء من ضعف المسلمين وقلتهم عن المقاومة، أو رجاء دخول الكفار في الإسلام، أو الحصول على المال الذي يبذلونه للمسلمين. فهناك مصالح أخرى تناسب ظروف العالم في كل عصر، منها تحسين سُمعة النظام الإسلامي كنظام يقترح الصلح على مناوئيه، ومنها تخويف عدو آخر طامع في بلاد المسلمين لانشغالهم بالحرب، فإذا رأى ذاك العدو أن الإمام قد سد هذه الثغرة عبر الهدنة مع هذا العدو خاف العدو الآخر من الاستمرار في عدوانه وتحقيق أطماعه، ومنها غير ذلك مما يعرفه الذي بيده أمر تشخيص المصلحة في كل زمان ومكان.
ثم لا يخفى أن المصالح تختلف أهمية، كما أن مصاديق الجهاد تختلف كذلك، ومن المعلوم عدم إمكان التحديد بالنسبة إلى مراتب الأهمية، سواءً في المصالح أو في عمليات الجهاد في سبيل اللّه، وإنما الأمر في ذلك ـ أي في تشخيص أهمية المصلحة الداعية إلى الهدنة في كل مورد أو أهمية عملية الجهاد المفروض في ذلك المورد، وكذا مراتب الأهمية كلها ـ بيد من إليه أمر الجهاد.
وبناء على ذلك ـ أي على فرض وجود مراتب للمصلحة وأن المناط في الانتهاء إلى المهادنة في كل مرحلة هو كون المصلحة فيها أهمّ من العملية الجهادية التي هي موضوع تلك المرحلة ـ فلا مناص من الالتزام بوجوب الهدنة أحياناً ـ كما صرح بذلك العلاّمة في القواعد)[1438]( وارتضاه في الجواهر ـ لأن مراتب الرجحان تابعة لمراتب الأهمية، فربما وصلت أهمية الصلح والهدوء مرتبة يُحكم معها بوجوبه وعدم جواز التخلّف عنه.
إلا أنّ ظاهر بعض وصريح آخر عدم وجوب الهدنة بحال. قال العلامة في المنتهى والتذكرة: «والهدنة ليست واجبة على كل تقدير سواء كان بالمسلمين قوة أو ضعف، لكنها جائزة)[1439](، وقال المحقّق في الشرائع)[1440](: «و هي جائزة إذا تضمنت مصلحة للمسلمين… ـ إلى آخر كلامه ـ وظاهره عدم وجوبها في حال من الأحوال، اللهم إلا أن يكون مراده الجواز بالمعنى الأعم الشامل للوجوب.
وكيف كان فالمستفاد من كلام العلامة في وجه عدم وجوبها بحال، هو أنّ دليل الهدنة وهو قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) )[1441]( وكذا قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) )[1442](. يحمل على الجواز دون الوجوب، بقرينة ما دلّ على الأمر بالقتال حتى يلقى اللّه شهيداً، كقوله تعالى: (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)[1443]( وكفعل مولانا الحسين عليه السلام والنفر الذين وجههم رسول اللّه صلى الله عليه وآله إلى هذيل، فقاتلوا حتى قتلوا، ولم يفلت منهم أحد إلا حبيب فإنه أُسر.. فالمكلّف بمقتضى الدليلين القرآنيين مخيّر بين القتال والصلح، وقد وقع كلا الخيارين من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام. فمن الأول: ما وقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحسن عليه السلام، ومن الثاني: ما وقع من الحسين عليه السلام.. إلى آخر ما ذكره العلاّمة وارتضاه صاحب الجواهر عند تقرير كلامه، فراجع.
وأورد على هذا الاستدلال المحقق الكركي في جامع المقاصد)[1444]( بأن الأمر بالقتال، مقيّد بمقتضى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ولازمه وجوب الكف عن القتال إذا فرض كونه إلقاء في التهلكة، وهذا يعني وجوب الصلح والهدنة. ولا يخفى أنّ الأخذ بهذا التقييد لازمه حرمة القتال في كل مورد يوجب التهلكة، فيشمل ما لو استلزم تهلكة فرد أو أفراد، فيحرم القتال حينئذ عليهم أو عليه، وإن كان واجبا على غيرهم من المسلمين المقاتلين، وبناءً عليه فلا يختص حكم وجوب الاجتناب من التهلكة بما إذا انطبق ذلك على الصلح، بل يشمل أيضاً الفرار وكل ذريعة أخرى إلى النجاة من التهلكة، فلا بد أن يكون الفرار أيضاً واجباً في هذه الصورة كالصلح! وفي هذا الكلام ما لا يخفى من الغرابة! والظاهر أنه لدفع هذا الاستلزام علّق صاحب الجواهر على كلام المحقق المذكور بأن: الخروج عن أدلّة حرمة إلقاء النفس في التهلكة يُقتصر فيه على القدر المتيقن كالفرار ونحوه.
ونحن نتساءل: ما الوجه في الخروج عن أدلّة حرمة إلقاء النفس في التهلكة بأدلة حرمة الفرار؟ وأيّ قرينة على تقدّم أدلة حرمة الفرار عليها؟ فلو التزمنا بحكومة أدلّة التهلكة على أدلة الجهاد لِم لا نلتزم بحكومتها أيضاً على أدلة حرمة الفرار؟ وهل أدلة حرمة الفرار أقوى دلالةً وأكثر تعداداً وأوضح مفاداً من أدلة الجهاد؟ كلا.. فإن التزم أحد بتقدّم أدلة التهلكة على أدلة الجهاد ـ مع ما لها من الكثرة، وقوة الدلالة والتأكيد، والوعيد على تركه، وقال إنها تقيّد بتلك الأدلّة ـ كما صنعه الكركي فليلتزم بمثله بالنسبة إلى أدلة الفرار أيضاً كما يستفاد ذلك من ظاهر كلامه، فلا وجه لما استدركه صاحب الجواهر .
والحق أن الأمر بالعكس، بمعنى أن أدلة وجوب حفظ النفس وحرمة إلقاء النفس في التهلكة هي التي تُقيّد بأدلة الجهاد، وذلك لوضوح أنّ خروج ما يوجب إلقاء النفس في التهلكة من مصاديق الجهاد الواجب، يوجب تخصيص الأكثر، بل خروج تلك الفريضة الإلهية عن وضعها ومكانها بالكلية..
والحق في الإجابة عن كلام العلاّمة بالنسبة إلى دليل حرمة إلقاء النفس في التهلكة هو ما قلناه آنفاً، وأما بالنسبة إلى دليل الصلح فيقال: إن سياق أدلة الحكمين ـ أعني الجهاد والصلح ـ وهكذا مناسبة الحكم والموضوع في الموردين، تحكم بكون الصلح استثناءً لدليل الجهاد، مقيداً بما إذا كان فيه المصلحة، فإن بلغت المصلحة إلى حد الإلزام قدّم على الجهاد، وإلاّ يعمل بمقتضى ما تقتضيه المصلحة، واللّه العالم.
وأما ما ذكره من فعل الإمام الحسين عليه السلام فمضافاً إلى أنه من الجهاد الدفاعي ـ على وجهٍ فتأمّل ـ فإنه قضية في واقعةٍ وهو من السنّة الفعلية التي ليس لها لسان الإطلاق والتقييد ولذا لا يمكن الأخذ بإطلاق الحكم المستفاد منها، وهكذا القول في تقرير النبي صلى الله عليه وآله لجهاد النفر الذين وجههم إلى هذيل، كما هو واضح.
في اشتراط المدة
الأمر الثالث: لا خلاف ظاهراً في اشتراط المدّة في عقد الهدنة، ويُعلم ذلك من أخذهم قيد الزمان في تعريف الهدنة، كما في المبسوط)[1445]( والشرائع)[1446]( والمنتهى والتذكرة والقواعد)[1447]( وغيرها، ومن دعوى الإجماع على اعتبار مدة خاصّة، كما في المنتهى وغيره بالنسبة إلى عدم الجواز لأكثر من سنة، ويستفاد ذلك أيضاً من عدم ذكرهم في مقام الاستدلال على اعتبار المدة، سوى أن عدم ذكرها يقتضي التأبيد، والتأبيد باطل، فيشبه إرسال المسلّم، والإيكال على وضوح الأمر.
وهو كذلك، إذ الإطلاق في عقد الهدنة وعدم ذكر المدّة يقتضي وجوب الوفاء به ما لم يظهر نقض من العدوّ، سواء في مدة حياة من تصدّى للعقد أو بعده، وهذا خلاف المصلحة قطعاً، إذ لازمه تعطيل الجهاد، ومن المعلوم ضرورة من الدين عدم رضا الشارع به، مضافاً إلى الاستبعاد القريب من الاستحالة أن تبقى الظروف دائماً على غِرار واحد، فالعقد المقتضي للتأبيد خلاف المصلحة قطعاً، ومنه يعلم بطلان العقد المصرّح فيه بدوام الهدنة بطريق أولى. ثم إنّ اشتراط صحّة الهدنة بالتوقيت، لا يعني استلزام ذلك لحكم تكليفيّ في البين، أي حرمة عقد الهدنة بدون التوقيت أو حتى مع التصريح بالتأبيد، وعلى هذا; فلو فرض قيام مصلحة عظيمة في إلغاء ذكر المدّة في الهدنة، كما إذا فرض أنّ العدوّ لا يقبل تقييد الهدنة بمدّة ولا يقبلها إلاّ مطلقة أو مؤبّدة، وفرض أنّ في استمرار الحرب ضرراً عظيماً على الإسلام والمسلمين، فلا مضايقة على الإمام حينئذٍ أن يعقد الهدنة بغير ذكر المدّة، ولا يكون ذلك حراماً عليه، وإن كانت الهدنة في الواقع فاسدة غير منعقدة، فيستفيد المسلمون من توقف الحرب ما يحتاجون إليه، ويكون الإمام بالخيار في أمر الحرب متى شاء.. والحاصل أنّ اشتراط الهدنة بالمدّة مما لا كلام فيه.
إنّما الكلام في مقدار المدة وأنه هل يوجد لها حد للأقل وللأكثر؟ وقد ذكروا في ذلك تحديداً في طرفي القلة والكثرة، ولا بد من التعرّض لذلك والفحص عن دليله حتى يتّضح الحال.
أقل مدة للهدنة
١ – ذكروا لطرف القلة – أعني القدر المتيقّن من جواز الهدنة في زمانٍ، فيما كان في المسلمين قوّة ـ مدة أربعة أشهر. فتجوز الهدنة لأربعة أشهر فما دون. وأدعي عليه الإجماع في غير واحد من كتب الأصحاب، واستدلّ له الشيخ)[1448]( بقوله تعالى: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر))[1449](. وعليه فلو هادنهم المسلمون لهذه المدّة تجوز ذلك وإن كان بالمسلمين قوة. والظاهر لزوم رعاية المصلحة في هذه الصورة أيضاً بمعنى أنّ عدم الحاجة إلى وجود المصلحة من ناحية ضعف المسلمين ليس يعني عدم وجود سائر المصالح، ولعلّ هذا هو المراد من كلام الشيخ في المبسوط حيث قال: فاذا هادنهم في الموضع الذي يجوز، فيجوز أن يهادنهم أربعة أشهر)[1450](. ولم يصرّح بذلك غيره فيما اطّلعنا عليه من كلماتهم.
وكيف كان، فالاستدلال بالآية يتم بضميمة ما هو المعلوم من: أنها نزلت عند مُنصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك وقد كان في أقوى ما كان.
وقد ناقش فيه في الجواهر بأنه خارج عن محل الكلام، إذ لم يكن ذلك مهادنة لهم بمدة أربعة اشهر، بل كان إمهالاً لخصوص من عاهدوا من المشركين على وجه التهديد والتوعد. وهو نقاش في محلّه مضافاً إلى أنّ فرض القوّة أيضاً غير معلوم تماماً وإن كان هو كذلك على ما في التاريخ، إذ ربما كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعباً وملالاً ممّا وقع عليهم في تبوك مع بُعد المسيرة وحرّ الصيف، وقد كانت غزوة تبوك نفسها وقعت بعد غزوة أخرى قريبة منها فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استعادة قوة أصحابه ورفع تعبهم بسياسة إلهيّة، وهي إمهال المشركين أربعة أشهر فالحقّ مع صاحب الجواهر حيث قال: العمدة حينئذٍ في إثبات ذلك على جهة العموم، الإجماع إن تمّ …
أقول: ولن يتمّ، لعدم ذكره في كلمات الشيخ الطوسي ومعاصريه، وإنّما فيها الاستدلال للحكم بالآية فيقوى أنّه من الإجماعات المدركية التي يبدو أنّ الغرض من ذكرها ليس إلاّ بيان شيوع القول وعدم مخالفة أحدٍ الإجماع المصطلح الذي هو أحد الأدلّة الأربعة.
والذي لا ينبغي الريب فيه هو أنّ المهادنة لأربعة أشهر فما دون جائزة مع المصلحة ولو مع قوّة المسلمين، لأنّها القدر المتيقّن من إطلاقات أدلّة المهادنة مع عدم رادع عنها في الكتاب والسنّة. ومعها فلا حاجة إلى ما ذكر من الاستدلال بالآية الشريفة في كلام الشيخ. ومنه تعرف ما في كلام صاحب الجواهر من أنه على فرض عدم تماميّة الإجماع فالحثّ على قتلهم والقعود لهم في كل مرصد يقتضي عدمه.
أكثر مدة للهدنة
٢ – ذكروا لطرف الكثرة – أعني القدر المتيقّن من المدة التي لا تجوز الهدنة في الأكثر منها مع فرض قوة المسلمين أيضاً – حدّاً وهي سنة كاملة، فلا تجوز في الأكثر منها.
قال المحقق في الشرائع: ولا تجوز أكثر من سنة على قول مشهور)[1451](. وقال العلاّمة في التذكرة: إذا كان في المسلمين قوة، لم يجز للإمام أن يهادنهم أكثر من سنة إجماعاً)[1452](، وقال في المنتهى: إذا اقتضت المصلحة المهادنة وكان في المسلمين قوة، لم يجز للإمام أن يهادنهم أكثر من سنة إجماعاً)[1453](.
هذا، ولكن الأمر في كلام الشيخ الطوسي يختلف عن ذلك، فإنّه قال: ولا يجوز إلى سنة وزيادة عليها بلا خلاف. انتهى)[1454](. فمقتضى هذا التعبير هو عدم الجواز لسنةٍ أيضاً مع أنّ ظاهر كلام من نقلنا عنهم آنفاً عدم الجواز لأزيد من سنة، وكلام الشيخ أوفق بما استدلّوا به من الآية الشريفة أعني قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين …) الآية)[1455](. حيث فهموا منها وجوب الجهاد في كلّ سنة قمريّة عند انسلاخ الأشهر الحرم ومعلومٌ أنّ الهدنة في تمام السّنة تنافي وقوع الحرب في بعض منها ولوبيوم. ويحتمل أن يكون مراد المحقق والعلامة أيضاً ما يوافق كلام الشيخ وإنما ذكروا التحديد بالسّنة تسامحاً.
وكيف كان؛ فالدليل على الحكم على ما في كلماتهم أمور:
الأوّل: الإجماع كما ادعاه العلاّمة وغيره، وادعى الشيخ في المبسوط عدم الخلاف، إلا أن المحقق عدل عن ادّعاء الإجماع إلى نسبة القول إلى المشهور، وهذا ما يضعّف دعوى الإجماع، إذ الظاهر أن وجه العدول، عدم تحقق الإجماع عنده كما استظهره الشهيد الثاني في المسالك.
الثاني: قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) …. الآية، والاستدلال بالآية الشريفة يتمّ بتقريبين:
أحدهما: ما في كلام الشيخ في المبسوط من أنها اقتضت قتلهم بكلّ حال، خرج عنه قدر الأربعة أشهر بدليل الآية الأولى، أعني قوله تعالى: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر …) وبقي ما عداه على عمومه)[1456](.
وثانيهما: ما هو المستفاد من كلام الشهيد الثاني في المسالك من أنّ الآية تدل على وجوب الجهاد عند انسلاخ هذه الأشهر وهو متحقّق في كلّ سنة مرّة، ثمّ أورد على الاستدلال بأنّ الأمر لا يقتضي التكرار)[1457](.
هذا، وقد استشكل في دلالة الآية الشريفة على المدّعى، المحقق ضياء الدين في شرحه على التبصرة، بأنّ غاية مفاد الآية هو وجوب القتال في السّنة بحسب المصلحة الأوليّة، وذلك لا ينافي جواز تركه لعقد الهدنة معهم لمصلحة أقوى … إلى أن قال: وحينئذٍ لامجال لتوهّم المعارضة بين دليل القتال بعد انقضاء الأشهر الحرم كما هو مفاد آية: (فإذا انسلخ) التي هي الدليل على وجوبه في كلّ سنة، وبين آية الصّلح والهدنة)[1458](.
أقول: أما عدم دلالة الأمر – لا بمادّته ولا بهيئته – على المرة والتكرار، فنتفق عليه مع كلام صاحب المسالك وهو ممّا لايختلف فيه المحققون من متأخري الأصوليين، الاّ أن دعوى دلالة الآية الشريفة على وجوب القتال بعد انتهاء الأشهر الحُرم في كلّ عام فليست – في رأي القائلين بها – من ناحية دلالة الأمر على التكرار، بل من ناحية دلالة القضية الحقيقية على فعليّة الحكم عند تحقق الموضوع في أيّ زمان وأيّ مكان، فبناءً على أنّ الدلالة على الحكـم في قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) …. الآية، على نحو القضية الحقيقية، كما هو مدّعى القائلين بوجوب الجهاد في كلّ سنة، وكما هو المعهود من أدلة الأحكام الشرعيّة، بل من القوانين والأحكام المدنية والشخصيّة سواء الديني منها والعرفي، فموضوع وجوب الجهاد عبارة عن انسلاخ الأشهر الحرم، أينما وقع ومتى ما وقع، فكلّما تحقّق هذا الموضوع خارجاً فلا مناص من الحكم بوجوب ما اُمر به في الآية الشريفة معلّقاً على هذا الموضوع، وهو استئصال المشركين … إلى آخر الآية. فيكون الحكم هنا كالحكم بوجوب الصوم المعلق على حلول شهر رمضان، فوجوب الجهاد في كل سنة على رأي القائلين به أجنبيّ عن حديث المرة والتكرار في الأوامر.
هذا، ولايخفى أنّ الذي ذكرناه، مبنيٌّ على أن يكون انسلاخ الأشهر الحرم في الآية الكريمة، مأخوذاً كشرط للحكم، أعني وجوب قتل المشركين، نظير ما مثّلنا به من حلول شهر رمضان بالنسبة إلى وجوب الصوم. وذلك ما يقتضيه ظاهر الكلام وسياق الآية الشريفة، ولكن ربما يحتمل أن يكون المراد بيان حكم الجهاد في غير الأشهر الحرم بعد بيان حكمه فيها، بحيث لا يكون ذكر انسلاخ تلك الأشهر إلاّ توطئة وتمهيداً لبيان ذاك الحكم الكلّي، دون بيان ما يجب في كلّ سنة بعد انتهاء الأشهر الحرم، وبناء على ذلك فغاية مفاد الآية هي وجوب الجهاد في غير الأشهر الحرم من دون دلالة على وجوب استمراره وتكراره في سنة واحدة أو في كلّ سنة، إلاّ إذا التزم بدلالة الأمر على التكرار. فليكن هذا هو مراد صاحب المسالك. ولكن لايخفى بُعد هذا الاحتمال عن ظاهر الآية.
وكيف كان؛ فهذه كلها بناء على أن يكون الحكم في الآية على نحو القضية الحقيقيّة، وأما بناءً على أن يكون الحكم فيها على نحو القضية الخارجيّة – كما هو المختار لدينا وسوف نلقي الضوء عليه عما قريب – فالأمر يختلف عن ذلك ويكون تكرار التكليف الوارد فيها في ما بعد السنة الأولى متوقفاً على دليل يفيد التكرار، من قرينة لفظيّة أو عقليّة تنضمّ إلى مفاد الآية، وبدونها فمقتضى إطلاق الأمر، كفاية تحقق المأمور به ولو مرّة.
وأما ما أفاده المحقق العراقي فيمكن تقريره بحيث لا يرد عليه الإشكال – (بأنّ الأحكام الشرعيّة وإن كانت في عالم الثبوت نتيجة للمقارنة والترجيح بين المصالح والمفاسد الكثيرة المجهولة غالباً لدى المكلّف، إلاّ أنها في عالم الإثبات تابعة للأدلّة الشرعية – العقلية والنقليّة – المؤديّة إليها، ولا يمكن تقييد إطلاقاتها بالمصلحة كما تُقيّد بالضرورة) – بأنّه لمّا كانت الهدنة في جميع الموارد التي يختارها وليّ أمر الحرب والسّلام، قائمة على المصالح المقتضية أو الموجبة لها، المكافئة لمصلحة الجهاد والراجحة عليها وبذلك ترجّح على حكم الجهاد الثابت بالأدلّة الشرعية الكثيرة، ويكون دليلها حاكماً على أدلّة الجهاد أو مقيداً لها. ففي موضوع آية الانسلاخ أيضاً – إذا فرض وجود مصلحة راجحة على مصلحة الجهاد – يمكن القول بتعيّن الهدنة عندئذ وعدم وجوب ما توجبه الآية المذكورة من القتال عند انتهاء الأشهر الحرم. فحكم هذه الآية حكم سائر آيات الجهاد في تقيّدها بعدم وجود مصلحة في تركه متفوقة على مصلحة الجهاد، فإذا فرض مثل تلك المصلحة فالمورد لا يكون مورد الجهاد، بل مورد الهدنة. وتكون النتيجة أنّ الهدنة إذا كانت ذات مصلحة أقوى من مصلحة الجهاد، جاز استمرارها حتى بعد انسلاخ الأشهر الحرم.
فما أورده هذا المحقق على الاستدلال بآية الانسلاخ لإثبات عدم جواز الهدنة لأكثر من سنة، يبقى سليماً عن الإشكال الذي أشرنا إليه، إلاّ أن هناك إشكالاً آخر وهو أنّ آية الانسلاخ أخص من دليل الهدنة، فتُقدّم عليه.
بيان ذلك أنّ الظاهر من آية الانسلاخ – بناءً على كون الحكم فيها على نحو القضية الحقيقيّة – أنّ مدلولها ليس منحصراً في أصل حكم وجوب الجهاد كما هو الحال في عمومات هذا الباب، بل الخطاب فيها متكفّل أولاً وبالأصالة لبيان أمر آخر وهو وجوب قتل المشركين بعد انسلاخ الأشهر الحرم، بمعنى أنّ لهذه البرهة الزمانية خصوصية في نظر الشارع لإجراء عمليّة القتال، فلا يرضى بتأخيره عنها، فيكون انتهاء الأشهر الحرم شرطاً في توجّه هذا الجانب الأصلي من مفاد الآية الشريفة، وتكون النتيجة أن المبادرة إلى الجهاد عند انسلاخ الأشهر الحرم في كل عام إلى ما قبل حلول تلك الأشهر من العام القادم يُعتبر أمراً مطلوباً في نظرالشارع المقدس، وبهذا البيان يتمّ استدلال مَن استدل بهذه الآية على عدم جواز التخلي عن الجهاد في طوال السنة كما لا يخفى. فحاصل هذا البيان أن آية الانسلاخ أخص من دليل الهدنة، لاختصاصها بما بعد انتهاء الأشهر الحرم، فتُقدم الآية على دليل الهدنة، وتكون مقيّدة له بالنسبة إلى الزمان المأخوذ فيها. ولا يصل الدور النوبة إلى ملاحظة المصلحة وتفاضلها في بابي القتال والصلح، والنتيجة هي أنّ الهدنة إذا كانت ذات مصلحة، فهي جائزة إلاّ في مورد آية الانسلاخ، أعني القتال بعد انتهاء الأشهر الحرم.
والمحصّل من جميع ما ذكرناه في الكلام عمّا أشكل به الشهيد الثاني والمحقق العراقي على الاستدلال بآية: (فإذا انسلخ) – إلى آخرهاـ أنّ الاستدلال بها على عدم جواز عقد الهدنة إلى سنة فما زاد، صحيح لا يرد عليه شيء ممّا أورداه عليه.
هذا، ولكن هناك إشكالاً آخر على هذا الاستدلال لم يتعرض له أحدٌ فيما نعرف، وهو أن مبنى هذا الاستدلال، هو أنّ مفاد الآية قضيّة حقيقيةٌ تتصدّى لبيان حكم كلّي جار في جميع الأزمنة وبالنسبة إلى جميع الكفار، مثل غيرها من آيات الجهاد كقوله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفّار))[1459](، فانّها ليست تشير فقط إلى الكفار الذين كانوا يلون المسلمين يومئذ، أو قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) )[1460]( فإنها لا تعني قتال فئة خاصة تقاتل المؤمنين في ذاك الوقت، بل تتصدّى كل منهما لحكم كليٍّ سار وجار في جميع الأزمنة والأمكنة وبالنسبة إلى جميع طوائف الأعداء، فكلّما وجد الموضوع في أيّ زمان وأيّ مكان، وقع عليه الحكم، شأنَ جميع القضايا الحقيقيّة. هذا هو مبنى الاستدلال بالآية الشريفة على وجوب الجهاد عند انسلاخ الأشهرالحرم في كلّ عام، ومن الطبيعي أنّ المراد بالأشهرالحرم في الآية بناءً على هذا، هو الأربعة المعروفة، أو الثلاثة المجتمعة منها بالذّات.
لكنّك عرفت مما قلناه في الأبحاث السابقة)[1461](، ضعف هذا المبنى، وعدم الاعتراف منّا بكون المراد من الأشهر الحرم تلك الأربعة المعروفة، ويتّضح ذلك من النظر إلى الآية الشريفة عن كثَب، وإلى الربط المنطقي عرفاً بينها وبين التي قبلها من الآيات، وإليك النظرة الإجمالية إليها:
لمّا أعلن تعالى براءته وبراءة رسوله من المعاهَدين من المشركين، أمهلهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، ثمّ قرَنَ الوعيد والتهديد لهم في قوله تعالى: (واعلموا أنّكم غير معجزي الله))[1462](، بترغيبهم وحثّهم على الإيمان في قوله تعالى: (فإن تبتم فهو خير لكم) )[1463](، ثم بعد ذلك التفت إلى المؤمنين وبيّن لهم حكم معاملة المشركين المعاهَدين: من لم ينقض منهم عهده ومن نقض، فأمّا من راعى العهد ولم ينقضه، فقد أمر المؤمنين بأن يُتمّوا عهدهم إلى مدّتهم ولا يتخلفوا عما عاهدوهم عليه، وأما من نقض العهد وأظهر العداوة في أثناء مدة المعاهدة، فأمرهم بأن يقتلوهم بعد تمام الأربعة أشهر التي أمهلهم فيها، ويبيدوهم حيث يجدوهم ويأخذوهم ويحصروهم ويقعدوا لهم كلّ مرصد، وأن لا يحدّثوا أنفسهم بالمعاهدة معهم بعد ذلك، إذ كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله في حين أنهم إن يظهروا على المؤمنين ويقدروا على إيذائهم والتحامل عليهم لا يرقبوا في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة … إلى آخر الآيات.
هذا هو مضمون الآيات في أوّل سورة براءة، وهي كما ترى تتَصدّى لحكم خاص بالنسبة إلى فئة خاصة من الكفار وهم مشركو مكّة وما حولها من البلاد في الحجاز في زمان خاص، وليس حكماً عاماً لكلّ فئات الكفار ولجميع الأزمنة، فهي قضيّة خارجية تَعَلّق الحكم فيها بموضوع معيّن خارجي، ولذا ترى أنّ حكم عدم المعاهدة مع المشركين الذين يُظهرون الرّفق ويُبطنون البغض والعناد، لم يُفتِ به الفقهاء، مع أنّه مذكور في الآيات، وليس ذلك إلاّ من أجل أنّ الحكم في الآية ليس على سياق القضية الحقيقية.
وفي جوّ هذا الاستظهار من الآيات الشريفة، يتمكن الإنسان أن يعرف بوضوح أنّ المراد من الأشهر الحرم في الآية، ليست هي الأربعة المعروفة، بل المراد منها هي الأربعة التي أمهلهم الله تعالى أن يسيحوا فيها آمنين وحرّم على المؤمنين أن يتعرّضوا لهم فيها.
إن قلت: قد جرى ذكر الأشهر الحرم في الكتاب المبين في غير موضع، والمراد منها في الجميع هو تلك الأربعة المعروفة، مثل قوله تعالى: (منها أربعة حرم) وقوله تعالى: (الشهر الحرام بالشهرالحرام))[1464]( فما الصارف عن هذا المعنى هنا؟
قلت أوّلاً: ذكر اللفظ بمعنىً في مواضع من القرآن الكريم، لايستلزم كونه بعين ذاك المعنى كلّما استعمل في الكتاب العزيز، ما لم تصل كثرة موارد الاستعمال إلى حدٍّ تحصل به حقيقة شرعية لهذا اللفظ، أو تكون قرينة صارفة له عن غيره من المعاني. وهذا لا يُقطَع به في ما نحن فيه وبالنسبة إلى الشهرالحرام في هذه الآية.
وثانياً: سلّمنا بذلك، لكن ذكر الأربعة أشهر التي جُعلت حراماً بالنسبة إلى هؤلاء المشركين في الآيات السابقة المرتبطة بهذه الآية، وكون الآيات بصدد بيان حكم قضيّة خارجيّة يكفي صارفاً لها عن ذلك المعنى.
وثالثاً: فرضنا الشك في ذلك كلّه، فالحكم بوجوب القتال بعد الأربعة أشهر المعروفة استناداً إلى الآية مع فرض الشك في المراد منها غير سديد.
فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الآية الشريفة التي اُستدلّ بها على عدم جواز الهدنة في سنة وأزيد، أجنبيةٌ عن مرامهم، ناظرةٌ إلى أمر آخر، ولا يمكن الاستدلال بها على ما ذكروه، وحينئذ فإطلاق دليل الصلح، أعني قوله تعالى: (وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها) وسائر ما استدل به في الباب، يشمل الصلح في أكثر من سنة، فيجوز إذا كانت فيه مصلحة، على ما هو المقرّر من اشتراط جوازه بالمصلحة.
الثالث: مما استدل به على عدم جواز المهادنة في أكثر من سنة قوله تعالى: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السّلم وأنتم الأعلون والله معكم) )[1465](، وقد استدلّ به العلاّمة في المنتهى ولم اَرَ من استدل به غيره، وتقريب الاستدلال حسبما ذكره العلاّمة: أنّ مقتضاه النهي عن ابتداء المسألة عن الموادعة، إلاّ أنّا خصصنا ما دون السنّة للأدلّة، فيبقى الباقي على العموم)[1466](.
ويرد على الاستدلال أنّ الآية الشريفة لا تنهى عن السَّلم؛ وإنما تنهى عن الدعوة إليه، فهي أجنبيّةٌ عن ما نحن بصدده، أو قل: إنها أخصّ من المدّعى. ثم إن الاستدلال بها على عدم الجواز في سنة وأكثر أيضاً مبنيّ على المسامحة، إذ الدليل المخصّص إنّما يخصّص أربعة أشهر فما دون، فالباقي الذي يبقى تحت العموم هو ما يزيد على أربعة أشهر، وهذا غير المدّعى.
ثم إنّ الإجماع المدّعى على الحكم، مما لا يمكن التعويل عليه، أوّلاً من جهة أنّ اختلاف كلمات الشيخ والمحقّق والعلاّمة في التعبير عنه (فعبّر عنه الاوّل بعدم الخلاف والثاني بالشهرة والثالث بالإجماع) يوجب وهن الدّعوى، وثانياً من جهة أنّ الظاهر من تعابير الشيخ وغيره، استناد فتوى الُمجمعين إلى الآية الشريفة: (فإذا انسلخ) قال في المبسوط بعد قوله: بلا خلاف: لقوله تعالى (فاذا انسلخ الأشهرالحرم) الآية)[1467]( وقريب منه ما في المنتهى. ومن المعلوم أنّ اتفاق العلماء في استنادهم إلى دليل شرعى أو عقليّ في حكم من الأحكام، ليس هو الإجماع المصطلح الذي يُعدّ أحد الأدلّة الأربعة.
وعلى ذلك؛ فالعمدة في الاستدلال على عدم جواز المهادنة في سنة وأكثر هي الآية الأولى، وقد عرفت عدم صحة الاستدلال بها، فالصحيح ما ذكره بعض الأعاظم في منهاجه من أن: ما هو المشهور بين الفقهاء من أنه لا يجوز جعل المدّة أكثر من سنة مما يمكن إتمامه بدليل)[1468](. فالأقوى جوازه إذا كان فيه مصلحة.
ثم إنه وقع البحث – بناءً على عدم الجواز إلى سنة – في جواز الهدنة فيما دون السنة وأكثر من أربعة أشهر، فقال الشيخ في المبسوط)[1469]( بعدم الجواز استناداً إلى آية: (فإذا انسلخ …) بناءً على كيفيّة استدلاله بها – وقد تقدم ذكره – وحاصله: أنها اقتضت قتلهم بكلّ حال. ونسب إلى الشافعي في أحد قوليه: الجواز، تمسكاً باطلاق قوله تعالى: (وإن جنحوا للسّلم) …. الآية، والمشهور بين أصحابنا هو مراعاة الاصلح.
ولا يخفى عليك أنّ الأمر بالنّسبة إلى ما بين أربعة أشهر والسّنة – بناءً على ما ذكرناه في الاستظهار من الآية الشريفة: (فإذا انسلخ الأشهرالحرم) الخ – لا يختلف عنه بالنسبة إلى غير هذه المدّة، بمعنى أنّ الصّلح أمر جائز في الجميع.
وأمّا ما عن المشهور من مراعاة الأصلح، فهو يجري في جميع الموارد إن فُرض قيام دليل عليه.
وعمدة ما يمكن أن يستدلّ به على ذلك هو ما قلناه سابقاً من أن مناسبات الحكم والموضوع تقتضي أن يُنظر إلى الصّلح كاستثناء في باب الجهاد، فبملاحظة ما ورد في باب الجهاد من الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله) إلى قوله تعالى: (فقاتلوا أولياء الشيطان) )[1470]( وقوله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون))[1471]( وقوله تعالى: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة)، وقوله تعالى: (أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم))[1472](، إلى الكثير الكثير من النصوص القرآنيّة وأشباهها في الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام … فبملاحظة ذلك كلّه يحصل القطع بأنّ الأصل في معاملة الأعداء الحربيّين هو الجهاد، ولكن هناك استثناءات ومنها المهادنة، وقد سبق أنّ الشرط الأصلي فيها هو اشتمالها على مصلحة للمسلمين، ومن المعلوم أنّ المصلحة ليس المراد منها مطلق المصلحة ولو كانت ضعيفة غير قابلة للاعتناء بها بنظر العقلاء وأهل الحزم والاستصلاح، كما أنه ليس المراد منها الضرورة التي تقدّم على أدلّة جميع الأحكام في جميع الأبواب، بل المراد هو المصلحة الراجحة على مصلحة الجهاد في كلّ مورد، ولذلك قلنا سابقاً إنّ الصلح – بناءً على ذلك – قد يكون جائزاً وقد يكون واجباً، وذلك حسب المصلحة الموجودة فيه.
فبناءً على ذلك يكون كلام المحقّق في الشرائع)[1473]( والذي وافقه عليه العلاّمة والشهيد الثاني والكركي وصاحب الجواهر وغيرهم وهو مراعاة الأصلح، متيناً مقروناً بالدّليل من دون فرق فيه بين الأقل من سنة والأكثر منها.
إن قلت: هذا الذّي تقولون من لزوم رعاية المصلحة بين دليلي الجهاد والصّلح، إنما يستقيم إذا كان الدليلان متكافئين، وليس الحال كذلك، إذ دليل الصّلح أخصّ من دليل الجهاد، فإن هذا أعم من صورة جنوح العدوّ إلى الصلح وعدمه، وذلك مخصوص بصورة جنوحه إلى الصلح، فيقدّم عليه مطلقاً من دون رعاية المصلحة.
قلت: أخصيّة دليل الصلح من عمومات الجهاد وإن كان مقتضى ظاهر هذه النصوص ولا يبعد الأخذ بذلك كما سيأتي – إلاّ أنّ القول بجواز الصلح عند جنوح العدوّ إليه مطلقاً ـ ولو كان خالياً عن المصلحة – خلاف مقتضى الحكمة وموجب لتعطيل الجهاد في غالب موارده، وبشكل خاص في الموارد التي يكون وقف الجهاد فيها لمصلحة العدوّ، واستمراره خلاف مصلحته.. وهو معلوم البطلان، فلا مناص من القول بلزوم رعاية المصلحة حتى في صورة جنوح العدو إلى السّلم.
الهدنة لأكثر من سنة
٣ – لا خلاف في جواز تمديد مدّة الصلح لأكثر من سنة عند ضعف المسلمين وحاجتهم إلى ذلك، ولا يبعد أن يكون المراد كون المسلمين في اضطرار لذلك، والاّ فلا دليل – بعد تسليم تمامية دليل حرمة الهدنة لأكثر من سنة – على أنّ صِرف الضَّعف يوجب جواز ذلك، إذ من المتصوّر أن يستمرّ القتال بدون هدنة لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً.
وكيف كان؛ فقد ذهب الشيخ إلى أن الهدنة تتقدّر حينئذ بعشر سنين لا أزيد، قال في المبسوط: فأما إذا لم يكن الإمام مستظهراً على المشركين بل كانوا مستظهرين عليه لقوّتهم وضعف المسلمين أو كان العدو بالبعد منهم وفي قصدهم التزام مؤن كثيرة، فيجوز أن يهادنهم إلى عشر سنين لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هادن قريشاً عام الحديبيّة إلى عشر سنين ثم نقضوها من قبل نفوسهم. فإن هادنهم إلى أكثر من عشر سنين بطل العقد فيما زاد على العشر سنين وثبت في العشر سنين)[1474](.
وقريب منه ما في فقه القرآن للقطب الراوندي)[1475](.
وقال العلاّمة في القواعد: ولوعقد مع الضعف على أزيد من عشر سنين بطل الزائد)[1476]( وقد نُسب هذا القول إلى ابن الجنيد أيضاً.
واستدلّ له الشيخ في المبسوط بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية، حيث هادن قريشاً إلى عشر سنين، ثم نقضوها من قِبل أنفسهم، وحيث أنّ نفس فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يدلّ على أكثر من جواز هذا العمل أعني مهادنة عشر سنين، وليس له دلالةٌ على عدم جوازه في أكثر من تلك المدّة، تمّم العلاّمة في المنتهى الدليل المذكور، بضميمة عموم قوله تعالى: (اقتلوا المشركين) …. الآية، خرج منهم من صولح معهم عشر سنين بمصالحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيبقى الباقي على العموم)[1477](، إلاّ أنه بعد ما نَقَل خلافَ أبي حنيفة في ذلك واختياره الجواز على ما يراه الإمام واستدلالَه بأمور تُناسِب مسلكه في القياس، قوّى اختيار أبي حنيفة)[1478](، وفي التذكرة نفَى البأسَ عنه)[1479](، فمختاره – بناء على ذلك – جواز الهدنة لأكثر من عشر سنين إذا رأى الإمام مصلحةً في ذلك. ومن العجب أنّ الشيخ الكركي نسب إلى العلاّمة في المنتهى والتذكرة، الجواز مع الضرورة وقال: وليس بذلك البعيد …. إذ ليس في كلامه تعرّض لحال الضرورة، إلاّ أن يقال إنّ محل الكلام في كلمات الأصحاب هو حال الضرورة كما نفينا البُعد عنه قبل ذلك.
وكيف كان؛ فما قوّاه العلاّمة في المنتهى والتذكرة واختاره صاحب الجواهر وغيره، أعني عدم تقيّد زمان الهدنة بعشر سنين عند حاجة المسلمين إليها، هو الّذي يساعده إطلاق أدلّة الصلح من حيث المدّة، والوجه الوجيه للجمع بينها وبين إطلاقات باب الجهاد على ما تقدّم.
الأجل في عقد الهدنة
٤ – تقدّم سابقاً أنّ جعل المدّة هو من شرائط صحّة الهدنة بل ممّا له دخلٌ في المفهوم من هذا العنوان، في الاستعمالات الدارجة على ألسنة الفقهاء، فلا يجوز الهدنة مع التأبيد أو الإطلاق، أعني إهمال ذكر المدّة. لكن جاء في بعض الكلمات مضافاً إلى ذلك اشتراط تعيين قدر المدّة، فقد صرّح نفرٌ من الفقهاء بمانعيّة جهالة المدّة، فلو قال مثلاً: أهادنك إلى مدّة، أو قال: أهادنك إلى ما لا يقصر عن عشر سنين، أو إلى أقل من عشرين سنة وأمثال ذلك لم تنعقد الهدنة، من أجل عدم تعيين المدّة فيها.
وعلى هذا، فمراد من اعتبر تعيين المدّة، ليس اعتبار كون الهدنة ذات مدّة فقط، بل مراده مضافاً إلى ذلك تعيين مقدار المدّة طولاً وقصراً، وضربُ أجل لزمان الهدنة، كسنة أو عشر سنوات أو أقل أو أكثر.
وممّن صرّح بأن جهالة المدة تضر في عقد الهدنة العلاّمة اذ قال في القواعد: ولا بدّ من تعيين المدّة، فلو شرط مدّة مجهولة لم يصحّ – انتهى)[1480]( ـ ويعنى بذلك عدم صحّة العقد، وعلى فرض كون المراد بقوله: «لم يصّح» عدم صحة الشرط، فذلك أيضاً، ينتهى إلى عدم صحّة العقد، بناء على ما هو المشهور من أنّ فساد الشرط في خصوص المهادنة، يوجب فساد العقد. وسوف يأتي الكلام في ذلك.
وقال في الإرشاد: ولو هادنهم على ترك الحرب مدّة مضبوطة وجب، ولا تصحّ المجهولة – ـ انتهى)[1481]( ـ وفي المنتهى: وكذا لا يجوز إلى مدّة مجهولة)[1482]( ـ وقال المحقق في الشرائع: ولا تصحّ إلى مدّة مجهولة ولا مطلقاً)[1483](.
إلاّ أن كلام الشيخ في المبسوط ليس بتلك المثابة من الوضوح، فإنه قال: ولا بدّ أن تكون مدة الهدنة معلومة، فإن عقدها مطلقة إلى غير مدّة كان العقد باطلاً لأنّ إطلاقها يقتضي التأبيد – انتهى)[1484]( ـ فانّ ما فرّعه على لزوم معلوميّة المدّة إنما يناسب أصل اشتراط المدّة – في مقابل التأبيد – لا معلوميّة قدرها، وهذا يوجب سلب ظهور كلامه فيما نحن فيه، فربما يكون مراده أصل ذكر المدّة الذي هو خارج عن محل الكلام. إلاّ أن يقال: إنّ جعل المدة في العقد، لا ينفك موضوعاً – في رأي الشيخ – من كونها معيّنة، فإهمال مقدار المدّة وعدم تعيينه، يساوي في نظره إطلاق العقد وعدم جعل المدة له رأساً.
وعلى أيّ حال، فالكلام في الدليل على ذلك. ربما يستدل له بأنّ العقود غير صحيحة مع الجهالة، كما هو المعروف في البيع والإجارة وغيرهما، صرّح بذلك المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد)[1485](.
ولا يرد عليه الإشكال بأن الجهالة المانعة عن الصحة في أمثال البيع والإجارة، إنما هي جهالة العوضين فيهما، وأين هذا من جهالة المدة في مثل الهدنة؟ إذ يمكن الإجابة عنه بأنّ قيام عقد الهدنة بالزمان، ليس بأقل من قيام البيع والإجارة بالعوضين، فكما أنّ جهالتهما فيهما توجب كون العقد فيهما على أمر مجهول فكذلك جهالة المدة في الهدنة توجب وقوع العقد فيها على أمر مجهول، وهذا هو الذي يبطل العقد به.
ولكن مع ذلك يمكن تضعيف هذا الاستدلال بأنّ عدم صحّة العقود مطلقاً بالجهالة غيرمعلوم، بل معلوم العدم لوجود معاملات مبنيّةً على نوع من الجهالة كالمزارعة والمضاربة والجعالة وغيرها، مع أنّها شرعيّة بلا إشكال.
بل حتى لزوم معلوميّة العوضين ومانعيّة الجهل بهما في البيع والإجارة أيضاً غير متّفق عليه إلاّ فيما اذا انجرّت جهالتهما إلى الغرر. فقد ذهب جمع من الفقهاء إلى أنّ جهالة العوضين في نفسها لا تضرّ حتى في مثل البيع والإجارة، وناقشوا في دلالة ما يدّعى دلالته على ذلك من الرّوايات. والعجيب أن المحقق الأردبيلي نفسه من جملة هؤلاء الذين لا يرون اعتبار العلم بالعوضين في البيع، ويجوّز البيع الجزافي كبيع الصُبرة ويضعّف الدليل المدّعى على اعتبار معلومية العوضين)[1486](.
وحينئذٍ فالمناقشة في صحّة الهدنة من جهة مجهولية المدة فيها، غير وجيهة لا سيما من مثله. نعم، مانعيّة الغرر عن صحة العقد أمر متفق عليه، إلاّ أنّ القدر المتيقن في ذلك هو الغرر في عقد البيع الذي ورد فيه الحديث المشهور المتلقّى بالقبول بين علماء الإسلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن بيع الغرر، وهو معقد الإجماعات المنقولة في باب مانعيّة الغرر، ولو تعدّينا عن البيع إلى غيره من جهة تنقيح المناط القطعي، فلا نتعدّى إلا إلى عقود هي من قبيل الإجارة وأمثالها التي تشابه البيع في كثير من أركانه وإنما تختلف عنه ببعض الخصوصيات، وأمّا الهدنة فهي بمعزل تماماً عن جريان الحكم المنصوص عليه في البيع، لأن حقيقتها ليست مبادلة شيء بشيء، بل اتفاق من الطرفين على أمر واحد فيما بينهما وهو ترك نائرة الحرب كما أن الجهالة هنا لا تؤدي إلى الغرر المنهي عنه.
والحاصل أنّ جهالة المدة في الهدنة لا تكون مضرّة بصحة العقد من هذه الجهة، ولا يقاس عقد الهدنة بعقد البيع في أحكامه مع ذاك الفرق الشاسع بينهما.
هذا، وقد سلك صاحب الجواهر، في إثبات مانعيّة جهالة المدّة في الهدنة، مسلكاً آخر، فإنّه بعد ادّعاء عدم الخلاف في المسألة قال ما محصّله: إنّ مثل هذا العقد ذو مفسدة فبطلانه مقتضى الأصل، هذا أولاً، وثانياً إنّ الأجل في كلّ عقد اشترط فيه الأجل لا بد أن يكون معلوماً، وذلك حتى في مثل الصلح الذي يقع على المجهول، وهذا من مسلّمات الفقه بل ربما يمكن دعوى الإجماع عليه. انتهى محصّل كلام صاحب الجواهر.
أقول: أما الأمر الاوّل فهو دعوى صغروية لا نناقش فيها من حيث كبراها، إذ من المعلوم بطلان كل هدنة تكون فيها مفسدة، ولكن المناقشة في الصغرى لها مجال، إذ ربّ هدنة مجهولة المدّة يكون فيها صلاح كبير للمسلمين. فالأمر موكول في كلِّ مورد إلى ملاحظة حاله بخصوصه.
وأما الثاني: فهو كلام متين لا بدّ من الخوض في مغزاه. وما أفاده من أنّ كلّ عقد اشتمل على أجل فإنّ الأجل فيه لا بدّ أن يكون معلوماً، قد سبقه في التفطّن لذلك الشهيد الثاني، حيث قال مستدلاً لبطلان العقد في مجهول المدة: أما في المجهولة المدة فلأنه عقد يشتمل على أجل فيشترط فيه العلم كغيره)[1487](، وهو كلام يصدّقه التتبّع في الأبواب المختلفة في الفقه مثل: المزارعة والمساقاة والإجارة والمتعة وغيرها فراجع كلمات الفقهاء في ذلك وله سرٌّ نتصدّى لبيانه بعد قليل.
ثم إنّ صاحب الجواهر فرّع على ذلك أنه: لو اشترط الإمام الخيار لنفسه مع جعل المدّة مجهولة، لا يجدي ذلك في تصحيح عقد الهدنة، وردّ كلام المحقق والشهيد الثاني، حيث مالا إلى صحّته، معلّلين بانتفاء الجهالة بعد حصول التراضي منهما، وأوكل إبطال كلامهما إلى وضوحه بقوله: وهو كما ترى… ولعلّه أراد بذلك أنّ الأجل مع هذا الشرط أيضاً يبقى غير معلوم، على ما هو المفروض من عدم علم الطرفين بأنّ الإمام متى يشاء النقض ويختاره.
أقول: يبدو أنّ الجهالة في هذا الباب لم تُقصد بمعنى واحد في كلام المورد والمورد عليه، أعني المحقق والشهيد الثاني، من جانب وصاحب الجواهر من جانب آخر، وتبيين الحق في ذلك يتمّ بالتفريق بين قسمي الجهالة. فنقول:
تارة يراد بجهالة الأجل، عدم علم الطرفين أو أحدهما به مع تعيّنه في الواقع، كما لو نَسَيا المدّة مثلاً أو كتباه في كتاب ثم ضاع الكتاب. لا شكّ في أنّ مثل هذه الجهالة لا ترتفع بجعل الخيار للإمام، إذ عدم علم الطرف الآخر – على الأقل – بالأجل، باقٍ بحاله مع ذلك. وكما أوكل صاحب الجواهر الأمر في ذلك إلى وضوحه فهو واضح لا يحتاج إلى الاستدلال.
وأخرى يراد بها الجهالة، بمعنى عدم تعيّنه رأساً من أوّل الأمر، وهذه الجهالة، هي الجهالة في مقام الثبوت ونفس الأمر، فالمدّة المجهولة على هذا المعنى هي الّتي لم تعيّن من قبل المتعاملين، مع ذكر عنوان المدّة وجعل المعاملة مقيّدة بها، كما لو قالت المرأة في المتعة مثلاً: زوّجتك نفسي إلى مدّة، ففي موارد الجهالة بهذا المعنى لا شك في أنّ جعل الخيار لأحد الطرفين أو لكليهما يوجب ارتفاع الجهالة بذاك المعنى، لأنّ المدّة تعيّنت في الواقع ونفس الأمر وإن لم تتعيّن في علم المتعاملين.
هذا هو الفرق الموضوعي بين النوعين من الجهالة.
ثم بعد ما اتضح ذلك فلا بدّ من نقل الكلام إلى أنّ الجهالة التي أفتى العلماء في جميع أبواب الفقه بكونها لا تلائم جعل الأجل – في كلّ ما اشترط فيه الأجل – وأنّ الأجل لا بدّ وأن يكون معلوماً دائماً، أريد بها أيّ النوعين من الجهالة.
لا ينبغي التأمّل في أنّ الجهالة بالمعنى الثاني تضرّ دائماً في كلّ عقد اشترط فيه الأجل، بمعنى أنّ الأجل في أيّ باب من أبواب الفقه لا يحتمل مثلها، والسرّ في ذلك أنّ الجهالة بهذا المعنى تنافي معنى الأجل وحقيقته، إذ الأجل عبارة عن نهاية المدّة فكل شيء لم تعيَّن له نهاية فليس يصدق عليه أن له الأجل، مثال ذلك: الأجل في باب القرض والمتعة والنسيئة والسّلم وغير ذلك، فلو كانت النهاية معيّنةً بتعيين من قِبل من له التعيين في المدّة المأخوذة في العقد، فذلك هو الأجل، ولو فرض كونها مجهولة لدى بعض أطراف القضيّة أو جميعها، وأما إذا فرض عدم تعيينها واقعاً من قبل من له تعيين ذلك، فهذا لا يصدق عليه الأجل، وهذا هو سرّ ما عرفت سابقاً من الشهيد الثاني وصاحب الجواهر من أنّ كلّ أجل اشتمل عليه عقد فإنّه لا بدّ وأن يكون معلوماً.
فحاصل الكلام أنّ الجهالة بالمعنى الثاني تضرّ دائماً في جميع العقود التي اُخذ فيها أجلٌ، وهي الجهالة النفس الأمريّة، أعني بقاء الأمد مجهولاً في الواقع وعدم تعيينه من ناحية من له حق التعيين. وأما الجهالة بالمعنى الأوّل، أعني عدم علم أحد الطرفين أو كليهما بالأمد مع تعيينه واقعاً، فتلك وإن كانت تضرّ في بعض العقود كالمتعة وغيرها، وذلك إنما يكون بدليل خاص في كلّ مورد، إلاّ أنه لا دليل على كونها مضرّة في جميع العقود، إذ لا دليل على مانعيّة الجهالة في العقود كلّها.
ولو شككنا في مورد خاص في أنه هل تضرّ الجهالة فيه بصحّة العقد، فمقتضى القاعدة هو عدم إخلال الجهالة بهذا المعنى في العقد، على ما هو المقرر في محلّه في حكم الشك في الشرطية والجزئية والمانعية للعقود.
وفيما نحن فيه أي في باب الهدنة لا ينبغي التأمل في أن مجهوليّة المدّة بالمعنى الثاني، أي بقاءها مجهولة في العقد وعدم تعيينها رأساً مضرٌّ في صحّة العقد، لما أوضحناه آنفاً، بخلاف المجهولية بالمعنى الأوّل أي جهالة الطرفين أو أحدهما بها بعد تعيينها واقعاً.
وحينئذ نقول: تعليق الهدنة وتأجيلها إلى أن يشاء الإمام، يرفع الجهالة بالمعنى الثاني، فالأقرب صحة العقد المؤجّل به، وبيان رفع الجهالة به قد سبق فلا نكرّر، والله العالم.
خيار النقض في عقد الهدنة
٥ – هل يجوز أن يشترط في عقد الهدنة خيار النقض أم لا؟ وهذا وإن كان أحد جزئيات مسألة الشرط في المهادنة – التي سنوافي الكلام فيها – إلاّ أنه لما كان له نوع صلة بمسألة المدّة وقد تعرّض له العلماء في هذه المسألة، رجّحنا بيانه هنا.
ومحلّ الكلام فيه لايختصّ بما إذا كانت المدّة معلومة كما ادّعاه في الجواهر، بل يجري أيضاً فيما كانت المدّة فيه مجهولة، فإنّ نفس تعيين اختيار الإمام للنقض، أمداً للهدنة، تكون بمنزلة تعيين المدّة لها وترتفع بذلك الجهالة المضرّة في الأجل كما بيّنّا ذلك آنفاً.
والظاهر جواز ذلك في الجملة، لعموم أدلّة الشروط، وعدم مانع منه، وقد نُسب المنع عنه إلى بعض أهل السنّة، مستدلاً بأنّها عقد لازم فلا يجوز اشتراط نقضه، والجواب أنّ العقد لو كان جائزاً لم يكن نقضه محتاجاً إلى الاشتراط في العقد، بل يجوز نقضه بدون الاشتراط، فنفس تعليق جواز النقض باشتراطه حين العقد، من أمارات لزومه ومن لوازمه، مضافاً إلى أنّ العقود اللاّزمة كالبيع وغيره أيضاً جُعل فيها الخيار وهذا أيضاً نوع من الخيار كما قاله العلاّمة.
ثم إن القدر المتيقن من جواز ذلك، هو فيما جُعل فيه خيار النقض للإمام – أي للطّرف المسلم – وقد استدلّ له العلاّمة في المنتهى بأنّ: فيه المصلحة، فيجوز. وقد ذكرنا آنفاً أنّ الجواز مقتضى عموم أدلة لشروط مع عدم ورود رادع عنه. وقد نقل في ذلك حديث روي في السنن الكبرى: «لما فتح خيبر عنوة بقي حصن فصالحوه على أن يقرّهم ما أقرّهم الله، فقال لهم نقرّكم ما شئنا»)[1488](.
أما بالنسبة إلى اشتراط النقض لمن شاء من الطرفين فقد منع ذلك العلاّمة في المنتهى بدعوى أنّ ذلك يفضي إلى ضدّ المقصود)[1489](. ولكن في الجواهر استنكار ذلك مدّعياً أن فيه منعاً واضحاً، ضرورة اقتضاء العمومات الجواز، فيفي لهم ما داموا على العهد.
أقول: وضوح منع كلام العلاّمة في محلّه إن كان مراده من الإفضاء إلى ضدّ المقصود أنّ مثل هذا الشرط مخالفٌ لمقتضى العقد، وذلك لأنّ هذا المقدار من المخالفة لمقتضى العقد لا يُدخل الشرط في عداد الشروط الممنوعة، كما في اشتراط الخيار من الطرفين في البيع.
وأما إن كان مراد العلاّمة أنّ مثل هذا الاشتراط يُخرج عقد الهدنة من عنوان كونه ذا مصلحة، فيوجب فساده من هذه الجهة، فله وجهٌ.
بيان ذلك: أنّ الإقدام على قبول الهدنة من قِبل إمام المسلمين لا بدّ وأن يكون في مورد يحتاج المسلمون فيه إلى توقف الحرب والحصول على الصّلح والهدوء، إما من جهة ضعفهم عن المقاومة، أو استلزام الحرب خسائر كبيرة تنافي مصلحة المسلمين، أو غير ذلك من المصالح التي أشرنا إليها في أوّل البحث، فلو فرض أنّ عقد الهدنة يقترن بما يهدّد حالةَ الصّلح ويجعله عرضةً للانتقاض في كلّ زمان، فأيّ مصلحة فيه يعتمد عليها في المبادرة إليه؟ فنفس اشتراط مثل هذا الشرط تنافي وجود المصلحة في عقد الهدنة، الذي هو شرطٌ في صحّته. وما ذكره صاحب الجواهر في مقام التخلّص عن هذا الإشكال من أنّ وليّ أمر المسلمين يفي للكفّار ما داموا على العهد، لا ينهض لذلك، إذ المفروض أنّ نفس العود إلى حالة الحرب مخالف لمصلحة المسلمين، فمقابلة المسلمين للكفّار في عدم الوفاء وعودهم إلى الحرب لا تكفي في حفظ المصلحة التي روعيَت في الإقدام على عقد الهدنة.
هذا مضافاً إلى أنّ مثل هذا الشرط يجعل المسلمين في حالة الانفعال وترصّد الخطر، ويجعل الكفار في حالة المبادرة والتسلّط، وعليه فلا يبعد التمسّك لعدم جواز هذا الشرط بأمثال قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) )[1490](.
هذا كلّه فيما لوكانت المصلحة التي لوحظت في عقد الهدنة، من قبيل ضعف المسلمين وأمثاله، ممّا يرجع إلى كون الحرب خلاف المصلحة لهم، وأما في غير ذلك من المصالح المفروضة مثل حسن السّمعة في الأوساط العالميّة، أو إتمام الحجة على الكفار الأعداء، أو فسح المجال للكفار رجاء ميلهم إلى الإسلام وما إلى ذلك من المصالح، فجَعْل هذا الشّرط غير مُفض إلى ضد المقصود، فلا يتأتى ما ذكرناه في توجيه كلام العلاّمة.
فحاصل الكلام أنّ اشتراط نقض الهدنة لمن شاء من الطرفين لا يجوز فيما ينجرّ إلى ضدّ المقصود وخلاف مصلحة المسلمين كما ذكرنا ولا يشمله حينئذٍ عموم أدلّة الشروط في المعاملات، وأولى منه في عدم الجواز ما لو اشترط نقض الهدنة للكافر دون ولي أمر المسلمين.
وأمّا إذا لم ينجرّ الشرط إلى ذلك كالأمثلة التي ذكرناها أخيراً فيجوز في الموردين، وإن كان إشكال تسلّط الكافرين على المؤمنين باقٍ بحاله، في بعض الفروض فلا يجوز فيها، والله العالم.
شروط الهدنة
الأمر الرابع: في الشروط التي تُذكر في عقد الهدنة ويُلزم بها بعض المهادنين البعض.
ولا إشكال في جوازها وإلزامها، لأدلّة وجوب الوفاء بالشروط، وعدم الفرق بين الهدنة وغيرها من العقود المشترطة بالشروط، ولا خلاف في ذلك في الجملة على ما في المنتهى والجواهر. وقد استثنى من ذلك شرط الأفعال المحرّمة، وهذا أيضاً مما لا كلام فيه كما في سائر العقود والدّليل عليه الأخبار المعتبرة الدالّة على عدم جواز كل شرط خالف كتاب الله ولا بأس بذكر جملة منها.
فمنها: صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عزّ وجل انتهى)[1491](.
ولا ينبغي الشك في أنّ أحكام الشريعة كلّها داخلة في عنوان كتاب الله وإن ثبتت بالسنّة، إمّا من جهة قوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه)، فالأخذ بقول الرسول وأوصيائه المعصومين عليهم سلام الملك الحق المبين – أخذ بما ورد في الكتاب ولو إجمالاً، وإمّا من جهة أنّ المراد بكتاب الله ما كتبه الله تعالى على الناس لا خصوص ما هو مكتوب في القرآن.
ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي عبدالله عليه السلام قال: المسلمون عند شروطهم ألا كلّ شرط خالف كتاب الله عزّوجل فلا يجوز)[1492]( والمراد من عدم الجواز، في الحديثين عدم المضي والنفوذ كما هو واضح.
ومنها: صحيحته الثالثة عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الشرط في الاماء لا تباع ولا توهب، قال: يجوز ذلك غير الميراث؛ فإنّها تورث لأَنّ كلّ شرط خالف الكتاب باطل)[1493](.
ومنها: رواية الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين اشتركا في مال وربحا فيه ربحاً وكان المال ديناً عليهما، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال والربح لك وما توى فعليك، فقال عليه السلام: لا بأس به إذا اشترط عليه وإن كان شرطاً يخالف كتاب الله عز وجلّ فهو ردّ إلى كتاب الله عزوجل الحديث)[1494](، وعلي بن الحديد في سند هذه الرواية ممّن روى عنهم ابن أبي عمير كما أنه من رواة أسانيد ابن قولويه في كامل الزيارات، فهو ممّن يعتمد عليه لولا ما هو المعروف من تضعيف الشيخ إياه في غير موضع من الاستبصار والتهذيب، ولكن المضمون ليس مما انفرد به هذا الراوي ولا يعارضه شيء ممّا ورد من الطرق المعتبرة، فالأخذ بقوله غير محظور.
ومنها غير ذلك من الأخبار المنتشرة في الأبواب المتفرقة، وقد عمل بمضمونها الفقهاء في المعاملات وغيرها، وأفتوا بها في عقد البيع وغيره، وليس فيها ما يصرفها عن مثل عقد الهدنة. وقد ذكروا تفاصيل في بيان معنى الأمر المخالف للكتاب، فليرجع إليها في بحث الشروط من كتاب التجارة.
شرط ردّ النساء والرجال
إلاّ أنّ الفقهاء تعرّضوا في هذا الباب لإحدى صغريات تلك المسألة بالخصوص، وهي شرط ردّ النسوة المؤمنات إلى الكفّار، وأفتوا ببطلان هذا الشرط وفساده، قال في المبسوط: وإذا وقعت الهدنة على وضع الحرب وكفّ البعض عن البعض، فجاءتنا امرأة منهم مسلمة مهاجرة لا يجوز ردّها بحال، سواء كان شُرط ردّها أو لم يشرط، وسواء كان لها رهط وعشيرة أم لم يكن لأنّ رهطها وعشيرتها لا يمنعونها من التزويج بالكافر وذلك غير جائز.. إلى آخر كلامه)[1495](. وقال المحقق – بعد التمثيل لما لا يجب وفاء به من الشرط في الهدنة بالتظاهر بالمنكرات وإعادة من يهاجر من النساء -: فلو هاجرت وتحقّق إسلامها لم تُعَد انتهى)[1496](. ومثلهما في التصريح بالحكم بغير خلاف في ذلك العلاّمة وكذا شرّاح كتبه وكتب المحقق من المتأخرين.
والمستند في ذلك الآية الشريفة: (يا أيّها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ الله أعلم بـإيمانهنّ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهنّ إلى الكفار)… الآية)[1497](، وقد نزلت – كما في التفسير – بعد الحديبية وعندما لجأت إلى المسلمين نفر من نساء المشركين، وطلبها أهلها، فامتنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ردّهن.
إلاّ أنّ في بعض الروايات – وكلّها سنيّة السند – أنه صلى الله عليه وآله وسلم استدلّ لذلك بأنهنّ غير مذكورات في عهد الصلح بخلاف الرجال، ممّا يوهم أنّه لو كنّ مذكورات لوجب ردهنّ، ولكن صريح الآية يدفع هذا التوهم، كما يدفع إطلاقها بعض ما قيل في فروع المسألة، مثل: إن جاءت صغيرة ثم بعد بلوغها لم تقم على الإسلام ردّت. أو جاءت مجنونة فلمّا أفاقت فإن ذكرت أنها مسلمة أعطى المهر ومنع منها، وإن ذكرت أنها لم تزل كافرة ردّت إليه – كما ذكر الفرعين في المنتهى ـ فانّ إطلاق الآية يشمل الصغيرة والمجنونة، إذا اُحرز إيمانهما حين مجيئهما.
وملخّص الكلام في باب الصغيرة أنّ غير البالغ الذي يُظهر الإسلام ويُقرّ بالشهادتين، يُبنى على كونه مسلماً في الفقه، وذلك للعمومات الدالّة على كفاية الشهادتين في الحكم بإسلام الشخص وإجراء أحكام المسلم عليه، ومن المعلوم أنّ المراد بالمؤمنات في الآية الشريفة ليس إلاّ الّلاتي يطلق عليهنّ المسلمة، دون ذوات الإيمان بالمعنى الأخصّ. كما أنّ الظاهر أنّ المراد بامتحانهنّ في قوله تعالى: (فامتحنوهنّ) ليس هو الامتحان في المدة الطويلة التي يظهر فيها الإيمان الواقعي عن الصوري، بل المراد هو السؤال عن الداعي الذي جاء بهنّ إلى دار الهجرة وطلب الشهادتين منهنّ وأمثال ذلك ممّا يحصل منه الوثوق العادي بإسلام الشخص. كما أنّ مقتضى الحديث المعروف: «كلّ مولود يولد على الفطرة»… إلخ، عدم الحكم بكفر غير البالغة لا سيّما بعد إظهارها الإيمان وإقرارها بالشهادتين، وبناء على ذلك فلا يبقى مجال للشك في صدق المؤمنة على الصغيرة وشمول إطلاق (المؤمنات) في الآية الشريفة لها. فيمكن الجزم بعدم رد الصغيرة، وأمّا لو فرض إظهارها الكفر بعد بلوغها فهذا يوجب إجراء أحكام المرتدّة عليها، على إشكال في ذلك.
وأمّا المجنونة؛ فإمّا أن يُعلَم سبقُ إسلامها على الجنون، فهذه يشملها إطلاق الآية ولا يجوز ردّها إلى الكفّار، ولا وجه للخدشة في صدق الهجرة على مجيء المجنونة بادّعاء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسأل عن الدّاعي القلبي للمهاجرات، ويحذّرهنّ أن يكون مجيئهن إلى دار الإسلام بغضاً لأزواجهنّ أو حبّاً لأحد المسلمين أو أمثال ذلك، وإنما كان يقبلهنّ حينما يظهر له أن الدّاعي لهنّ إلى الهجرة حبهنّ لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فالهجرة أمر متوقّف على نيّة ومعرفة في هذا المستوى، فكيف تصدر عن مجنونة؟
وجه عدم توجّه هذه الخدشة – على فرض التسليم بما نقل من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم تاريخيّاً.
أوّلاً: إنّ سؤال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم واختباره للنساء دليلٌ على أنّ المجيء إلى دار الإسلام بدواع ماديّة – كالّتي ذكرت في ذلك النقل – ليست هجرة، ولا يدل على أنّ الهجرة تتوقف على وجود دافع وداعٍ أكثر من الإسلام والنجاة من الكفّار، وهما موجودتان في المجنونة.
وثانياً: إنّ الذي ذكر في ذاك النقل بعنوان ما يصدق معه الهجرة، أعني الحبّ لله ولرسوله، يتناسب مع المجنونة أيضاً، فالحبّ ليس من الأمور المتوقّفة على كمال العقل، كما أنّ بواعث الحبّ لله ولرسوله ليست منحصرة فيما تتوقف على الاستدلال العقلاني.
واِمّا أن يُعلم عدم سبق إسلامها، بأن كان بدء جنونها في حالة الكفر، فصدق الإسلام على ما تبدي من اللجوء إلى المسلمين والقبول لهم، محلّ إشكالٍ، كما أنّ عدم ثبوت الإسلام الصحيح في التي لا نعلم بسبق إسلامها لجنونها أمرٌ واضح. فلا يمكن الحكم بإسلام المجنونة في الصّورتين الأخيرتين.
هذا، ولكنّ اهتمام الشريعة الإسلامية بالمؤمنين وعدم رضا الشارع المقدس بتعريض المؤمن للفتنة والانحراف، وهو المستفاد من مجموعة من النصوص والأحكام الإسلاميّة، يثير احتمالا آخر في تلكما الصورتين أيضاً وهو: عدم ردّ المجنونة فيهما والترصّد لبرئها من الجنون وما سوف تبدي بالنسبة إلى الإسلام والكفر بعده، والعمل على وفقه، ولا شك في أن هذا أسكن للنفس وأقرب إلى الاحتياط، والله العالم.
ثمّ إنّه يجب ردّ مهر المرأة إلى زوجها أو وكيله بشرط مطالبته له، والظاهر أنّ الحكم متفّق عليه بين من تعرض للمسألة من فقهائنا. وقد نقل الخلاف في ذلك عن أبي حنيفة والمزني، مستدلاً بأنّ المهر ليس عوض البضع الفائت عن الزوج حتى يلزم دفعه.
وعمدة الاستدلال على الحكم هو التمسك بقوله تعالى في ذيل الآية السابقة: (وآتوهم ما أنفقوا)، وهذا وإن كان عاماً بالنسبة لجميع ما أنفقه الزوج على زوجته، إلاّ أنّ المتفق عليه، تفسيره بالمهر، ولم أجد من أفتى بوجوب رد غير المهر مما أنفقه الرجل على زوجته، وهذا لو أضيف إليه عدم وجود نصّ فيما بأيدينا من الأخبار على هذا التفسير فإنّه، يشبه نوع إجماع من العلماء على ذلك ممّا لا يجترئ فقيه على مخالفته، حتى أنّ بعض الأعاظم من معاصرينا مع كونه غير معتنٍ بالشهرة الفتوائية ومع عدم اعترافه بانجبار الحديث الضعيف بعمل الأصحاب، لم يُفتِ في المسألة بوجوب ردّ جميع ما أنفقه الزوج على إمرأته المهاجرة المسلمة. قال بعد الفتوى بعدم جواز إرجاع النساء المؤمنات إلى دار الكفر: نعم يجب إعطاء أزواجهنّ ما أنفقوا من المهور عليهنّ – انتهى –)[1498](. وعبارته تشعر باستناده إلى الآية الشريفة: (وآتوهم ما انفقوا) الآية)[1499](.. ولكن مع إطلاق الآية وعدم وجود قرينة في الكلام تدل على صرفه إلى خصوص المهر، خصّ الحكم بالمهور، وليس هذا إلاّ من جهة فتوى العلماء بذلك. اللهم إلا أنْ يقال: إنّ مناسبة الحكم والموضوع موجبةٌ لصرف ظهور رد الإنفاق في الآية إلى إنفاق ما كان واقعاً في قبال الزوجيّة المنعدمة والمنقطعة بسبب الهجرة، دون سائر ما أنفقه الزوج على زوجته كالنفقة والكسوة والهدايا وأمثال ذلك وليس ببعيد.
ومثل هذا الاتفاق وقع أيضاً بالنسبة إلى اختصاص الحكم – أعني وجوب ردّ ما أنفق على المرأة المهاجرة – بالزوج، دون غيره من ذويها من الرجال، كأبيها وإخوتها، ولعلّ هذا ممّا يمكن استفادته من الآية الشريفة أيضاً، حيث أنّ الظاهر أن مرجع الضمير أمر واحد في كلٍّ من قوله تعالى: (وآتوهم ما أنفقوا)، وقوله تعالى قبل ذلك: (لا هُنّ حلٌّ لهم ولا هم يحلّون لهنّ) )[1500](، بمعنى أنّ الذي يستحقّ ما أنفق، هو نفس الذي قيل فيه أنّه لا يحلّ لتلك المرأة ولا هي تحلّ له، وهو الزوج، إذ لا معنى لبيان حرمة محارم المرأة لها مع أنهم كانوا قبل إسلامها أيضاً محارم، فيختص الحكم بالحرمة بالزوج، الذي كان حلالاً لها قبل إسلامها وهجرتها.
ثم إنّ ردّ المهر على الزوج، يختص بما إذا كان الزوج قد دفعه إلى زوجته، وكان ذا قيمة في الشريعة الاِسلامية، وأما إذا لم يدفعه أو كان مما ليس له قيمة كالخمر والخنزير، فليس على المسلمين شيء في ذلك. صرّح بذلك الفقهاء، ووجهه واضح، إذ ما لم ينفق لا يتعلّق به حكم الردّ، قال تعالى: (وآتوهم ما أنفقوا).
ثم إنّ المهر في موارد وجوب دفعه، يدفع من بيت المال، هكذا ذكر الفقهاء في كتبهم، مستدلين بأنّ بيت المال معدٌّ للمصالح، وهذا من المصالح.
هذا كله بالنسبة إلى النساء، وأما بالنسبة إلى الرّجال، فحكم جواز اشتراط عقد الهدنة بردّهم، منوط بجواز ردّ الرجال اللاّجئين إلى معسكر الإسلام، وعدم المنع منه شرعاً، فلا بدّ أوّلاً من تنقيح ذلك.
وليُعلم أوّلاً قبل الورود في البحث أنّ الهدنة بنفسها لا تقتضي ردهم، لانّها ليست إلاّ إعلان ختم الحرب بأحد الأوجه المتصورة له، وهذا أجنبيٌّ عن ردّ الأشخاص، بل لا تقتضي ردّ الكفّار أيضاً إذا أرادوا الإقامة بين المسلمين، فجواز ردّ الرجال أو عدمه يحتاج إلى ما يدلّ عليه، وليس هنا دليل لفظي واردٌ في خصوص الموضوع، مثل ما كان في ردّ النساء، فلا بدّ من التماس دليل آخر، من العمومات أو الأصول.
ربما يمكن الاستدلال على عدم جواز الردّ بأمور ثلاثة:
الاول: حرمة الظّلم وهذا ظلم، والكبرى لا تحتاج إلى استدلال لكونها من واضحات الإسلام، ووضوح الصغرى أيضاً غنيٌ عن البيان، فأيّ ظلم أعظم من التصرّف في أمر المسلم بمثل هذا؟
الثاني: عموم لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، سواء كان بمعنى عدم تشريع الحكم الضرري في الإسلام، أو كان بمعنى حرمة الإضرار والنهي عنه، وانطباق الإضرار على أخذ المرء المسلم وتسليمه إلى العدو، أمرٌ واضح.
والثالث: عدم جواز التصرف في نفس المؤمن، وعدم الولاية عليها لأحد، وهذا مع كونه من المرتكزات العامّة في عرف المسلمين بحيث يكاد يكون من الضروريّات، بل لا يبعد أن يقال: إن تحريم التصرف في ماله إنّما هو من جهة كون ذلك أحد أنحاء التصرف في نفسه، أو يقال: إنّ حرمة التصرف في النفس، مدلول عليها بفحوى حرمة التصرف في المال، فمضافاً إلى ذلك كلّه، يمكن الاستدلال عليه أيضاً ببعض الأدلّة اللفظية كقوله تعالى: (النبيُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم))[1501]( حيث أنّ إثبات أولويّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين من أنفسهم، يدلّ بالالتزام أو بالاقتضاء على عدم أولويّة أحد غير أنفسهم عليها، وإلاّ فلا بدّ من ذكره، ومثله: أدلّة ولاية الأب والجد على الصغير وعلى الباكرة، حيث أنها تدل بدلالة الاقتضاء على عدم ولاية أحد آخر عليهم.
هذا، ولكن يمكن أن يقال: إنّ صدق العناوين الثلاثة على مباشرة ردّ الرجل المسلم إلى الكفار، لا كلام فيه. ولكن محلّ البحث ليس هو الردّ بهذا المعنى، فإنّ ذلك مما تسالموا على حرمته كما في المنتهى والجواهر وغيرهما، وإنّما الكلام في الردّ بمعنى التمكين من استرداد العدوّ إياه وعدم دفعه عن ذلك، وهذا لا يمكن الجزم بصدق العناوين الثلاثة عليه. أمّا العنوان الثالث أعني التصرف في نفس المؤمن فأمره واضح، إذ الوقوف والنظر إلى من يسعى العدو لردّه إلى بلد الكفر، ليس تصرفاً في أمره، بل هو عدم التصرّف فيه.
وأما عنوانا الظّلم والضّرر، فربما يبدو أنّ الظاهر من كلّ من اللفظين أنه الأمر الإيجابي الذي يورد على أحد ظلماً أو ضرراً، بالمباشرة أو بالتسبيب، فهو المبادرة بالأمر، لا الأمر السلبي بمعنى عدم التصرّف بنحو من الإنحاء، والمعلوم أنّ عدم المبادرة بشيء في قبال ردّ العدوّ الرجل المسلم إلى بلاده، ليس أمراً إيجابياً بحيث يصدق عليه الظلم أو الضّرر (بمعناه المصدري).
نعم، قد ورد في بعض التعابير عن الظلم، ما يوهم خلاف ذلك، لكنّه لا يخلو عن ضرب من التأويل، مثل ما يستفاد من مفهوم قول الشاعر: ومن يشابه أَبَاهُ فما ظلم، فيستفاد منه أنّ من لم يشابهه فقد ظلم! أو إطلاق «الظلم للنفس» على ترك الواجبات وأمثال ذلك.
والظاهر تسالم العلماء على أنّ الضرر الناشئ من ترك العمل والإقدام لا يدخل في إطلاق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، إلاّ في مورد ينتهي ترك العمل، إلى ذهاب نفس المؤمن، الذي ثبتت حرمته، أو وجوب حفظ نفوس المؤمنين من غير طريق دليل الضّرر.
والحاصل أنّ شمول العناوين العامة الثلاثة على الردّ بمعنى التمكين وعدم المجابهة عند رد الكافر المسلم إلى بلد الكفر، محلّ ترديد بل منع.
ويمكن الاستدلال على حرمة الرد بهذا المعنى بما ذكره صاحب الجواهر: من كونه لازم وجوب الهجرة من دار الحرب، التي لا يتمكّن المسلم من إقامة شعار الإسلام فيها.
وتقرير الملازمة – بعد كون دلالته على حرمة الرجوع والإرجاع إليها واضحاً – اِمّا بوجوب النهي عن المنكر الفعلي (في مقابل النهي اللساني) بمعنى أنه يجب على كلّ أحد النهي عن هذا الرجوع أو الإرجاع – الذي لا كلام في كونه منكراً – بالمنع عن ردّه وإرجاعه، وعدم جواز التمكين والسلبيّة في ذلك، واِمّا من جهة العلم بعدم رضا الشارع بوقوع هذا الأمر فيجب إيجاد العرقلة دونه والمنع منه، كما نقول مثل ذلك في بعض الموارد الأخرى، ولعلّه يمكن الاستدلال لذلك ببعض آي الذكر الحكيم كقوله تعالى: (وتعاونوا على البرّ والتقوى))[1502]( ومن هذا القبيل ما ذكره صاحب الجواهر في مقام التنظير لما نحن فيه، أعني وجوب إعانة المرأة المسلمة – بل المسلم المستضعف – لو طلبا العون في خروجهما من عند الكفار)[1503](.
هذا، ولكن يشكل ما ذكرنا بما اشتهر من السنّة الفعليّة النبوية في قصة الحديبيّة، فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم التزم في الهدنة مع الكفار في تلك القصّة، بردِّ من التجأ إليه من المسلمين، وردَّ فعلاً أبا جندل بن سهيل بن عمرو، وهذا النقل مضافاً إلى أنه ثبت)[1504]( بالطرق المعتبرة بحسب الموازين المعمولة في نقل الحديث – كما سيجيئ ـ فقد شاع في كتب المؤرخين وأصحاب السير، وتلقاه المحدثون والفقهاء بالقبول، بحيث لا يبعد ادعاء حصول الاطمئنان بصحّته، وعليه؛ فلا مناص من الالتزام بجواز الرد في الجملة، وعدم المجال لمنع ذلك على الإطلاق كما استفدناه من الدليل الاعتبارى المذكور آنفاً.
ولكن مع ذلك فليس في فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم – كسائر الأدلّة غير اللفظيّة – دلالةٌ على جواز الرّد بقول مطلق، حتى يشمل الرّجل المستضعف الذّي يقدر العدوّ على قهره وتفتينه عن الدين، لأنّ عمله صلى الله عليه وآله وسلم إنّما وقع على وجهٍ ما وفي ظروف ما، وليس فيه دلالة أزيد من جواز ذاك العمل في مثل تلك الظروف وعلى مثل ذاك الوجه، فلا يستفاد منه الجواز مطلقاً، أي في مطلق الظروف وعلى شتّى الوجوه.
ومن هنا؛ تعرف الإشكال في ما اختاره ابن قدامة الحنبلي في كتابه: المغني، من استفادة الإطلاق من عمله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه بعد ما نقل تفصيل الشافعي بين من كان له عشيرة تحميه ومن لم يكن له ذلك، فيجوز الردّ في الأوّل دون الثاني، قال: ولنا (أي على الجواز بدون قيد العشيرة) إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرط ذلك في صلح الحديبيّة ووفى لهم، فردّ أبا جندل وأبا بصير، ولم يخصّ بالشرط ذا العشيرة .. – انتهى –)[1505]( ويمكن تقرير كلامه (بحيث يستفاد معه إطلاق الحكم من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرد عليه الإشكال: بأن الرجلين كانا ذوَي عشيرة، فلعلّ شرط النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مختصاً بأمثالهما) أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أطلق في كلامه الذي شرط به للكفار بردّ من أتاه، ولم يقيّده بذي العشيرة، ونعلم أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان عازماً على الوفاء بشرطه، بدليل ردّ الرجلين، فيستفاد من ذلك أنّ مراده المدلول عليه باللفظ المطلق، كان مراداً جدياً، وهذا يكفي في استكشاف جواز الرد مطلقاً. ولايخفي أنّ على هذا التقرير يكون الاستدلال بإطلاق قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما اشترط به على الكفار، لا بإجمال فعله فيما فعله بعد ذلك.
وجه الإشكال على كلامه – بعد استبعاد هذا التقرير عن ظاهركلام ابن قدامة – هو أنّ المراد الجدّي له صلى الله عليه وآله وسلم غير معلوم لنا مع ذلك، إذ من الممكن أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم بإلهام من الله أو بقرينة مقامية وحالية، أنّ الآتي إليه من المشركين لا يكون إلاّ من ذوي المنعة والقدرة، ولا يأتي إليه من غيرهم أحد، ولكن أطلق القول في الشرط، دفعاً لإيراد العدوّ أو لجهة أخرى لم نعلمها، فمراده الجدّي صلى الله عليه وآله وسلم يمكن أن يكون هذا القسم من الآتين لا كلّهم، وهذا الاحتمال يمنع من الاستدلال بعدم التقييد في كلامه عند المعاهدة.
فحاصل الكلام في الاشكال على ابن قدامة: أنّ عدم التقييد في صيغة المعاهدة لا يدل على الإطلاق في المراد، إذا احتمل أنّ المتكلم يعلم بعدم تحقق مصداق المعاهدة إلاّ من بعض الأفراد. فعلى هذا لا يمكن استكشاف الإطلاق في مراده الجدّي صلى الله عليه وآله وسلم من إطلاق الشرط في صلح الحديبيّة.
مضافاً إلى أنّ كلامه صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المجال، غير منقول بالضبط في الروايات، حتى نتمكّن من الأخذ بإطلاقه، كما هو الشأن في نقل أغلب القضايا التاريخيّة، التي يتركّز الاهتمام فيها، على بيان الحادثة لا ذكر ما صدر فيها عن المعصوم عليه السلام في مقام المحاورة.
هذا، ولكن نقل الشيخ في المبسوط: أنّ آية سورة الممتحنة: (فلا ترجعوهنّ إلى الكفار) إنّما نزلت ردعاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عمّا عقد عليه الصلح في الحديبيّة، قال – بعد ذكر بطلان شرط ردّ العبيد وأمثاله في عقد الصلح – : لانّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقد الصلح عام الحديبيّة على أن يردّ إليهم كلّ من جاء مسلماً مهاجراً، فمنعه الله تعالى من ذلك ونهاه عنه بقوله عز وجلّ: (يا أيها الذين آمنوا إذا جائكم المؤمنات مهاجرات) … الآية)[1506](.
فإن صحّ ذلك – أعني أنّ نزول هذه الآية، كان في مقام الردع عن مضمون المعاهدة – فلا يبعد أن يقال: إنّ الرّدع عن ردّ بعض طوائف النّاس أي النساء، يفيد أمرين:
الأول: إنّ مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معاهدته، كان ما يشمل هذا المردوع عنه أعني النساء، وإلا كان الردّع لغواً فلا مجال لاحتمال أنّ قصده صلى الله عليه وآله وسلم كان إلى بعض طوائف الرّجال فقط – كذوي المنعة مثلاً – فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يعزم ردّ النساء، فعزمه صلى الله عليه وآله وسلم على ردّ الرجال مطلقاً – وإن لم يكونوا ذا منعة وعشيرة – أولى.
الثاني: إنّ هذا الرّدع بمنزلة إمضاء الباقي، لا من جهة الدلالة المفهومية، حتى يخدش في اعتبارها، بل من جهة دلالة الاقتضاء التي هي من الدلالات العقليّة بنحو من الأنحاء، إذ لولا إمضاء الباقي لكان الرّدع عن البعض لغواً فتأمّل.
فلو ثبت ما ادّعاه الشيخ من ورود آية الممتحنة في هذا المقام، يكون نتيجته أنّ مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شرط ردّ الرجال في عقد الصّلح بالحديبيّة، كان عامّاً لجميع أصناف الرجال، سواء كانوا من ذوي العشيرة والمنعة أو غيرهم، وحيث أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان بصدد الوفاء قطعاً فيكون فعله هذا دليل جواز شرط ردّ الرجال.
فلا بدّ حينئذٍ من الرجوع إلى ما ورد في ذيل الآية حتى يتّضح الحال.
فنقول: أمّا ورود آية الممتحنة في مقام الرّدع والنهي، فلم أعثر على أثر صحيح يدلّ على ذلك، ولم أجد إلاّ ما رواه – الطبرسي – في مجمع البيان عن ابن عباس بغير إسناد متّصل، وليس منه في مجاميعنا الحديثية عين ولا أثر.
وأما ما ورد في بيان الواقعة – واقعة الصلح – فبعضها فيه التصريح بأنّ الشرط كان مخصوصاً بالرجال من أوّل الأمر، وبناءً عليه فلا مجال لما ادُّعي من أنّ آية الممتحنة نزلت في مقام الردع عن ردّ النساء. وبعضها ظاهر في الأعمّ من النساء، وإليك عمدة ما ورد في الباب.
فمنها: ما في تفسير القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: وقالوا له تردّ إلينا كلّ من جاءك من رجالنا، ونرّد إليك كلّ من جاءنا من رجالك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جاءكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه …. الخبر)[1507](.
ومنها: ما في روضة الكافي عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير وغيره عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها: وكان في القضيّة أن من كان منّا أتى إليكم رددتموه إلينا …. ومن جاء إلينا منكم لم نردّه اليكم … الحديث)[1508](.
ومنها: ما في البحار عن أعلام الورى عن الصادق عليه السلام وفيها: ومن لحق محمداً وأصحابه من قريش فإنّ محمداً يردّه إليهم ومن رجع من أصحاب محمد إلى قريش بمكّة الحديث….)[1509](.
ومنها: ما في صحيح البخاري بإسناده إلى عروة بن الزبير، أنه سمع مروان ابن الحكم و.. وفيها: وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو أنه قال: لا يأتيك منّا أحدٌ وإن كان على دينك إلاّ رددته إلينا وخلّيت بيننا وبينه، وأبى سهيلٌ أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ على ذلك .. الحديث)[1510](.
هذه عمدة ما ورد في ذلك من طرق الفريقين، وفيها ما يصرّح بأنّ موضوع الشرط هو الرجال لا غير، وهو ما نقلناه عن تفسير القمي. وما لعله ظاهر في اختصاص القضيّة بالرجال، وهو رواية أعلام الورى، حيث أنّ تعبير «الأصحاب» ربّما يكون ظاهراً في الرجال دون النساء. وما هو ظاهر في الأعم من الرجال كصحيح الكافي وحديث البخاري.
أمّا حديث أعلام الورى، فلا يكون حجة، من جهة عدم كونه مسنداً، وأولى منه بعدم الحجيّة حديث البخاري، الذي في سنده من لا نعرفه من الرواة، بل فيه من نعرفه بالفسق وعدم الوثاقة وهو مروان بن الحكم. فيبقى لدينا حديثا القمي والكليني، والظاهر تعدّد الحديثين وعدم اتحادهما، وإن كان الكافي أيضاً ينقل حديثه عن القمي عن أبيه عن ابن أبي عمير، إلاّ أنّ وجود كلمة «وغيره» في سند الكافي، واختلاف الراوي المباشر فيهما (الذي هو معاوية بن عمار في الكافي وابن يسار في التفسير) والتغاير الفاحش بين متن الحديثين – سواءً في محّل الشاهد وغيره – يورث الظنّ باختلاف الروايتين وعدم كونهما واحدة.
ثم إنّ ابن يسار في سند القمي غير معروف، واحتمال كون المراد منه سعيد بن يسار المعدود من الطبقة الخامسة وإن كان غير ممتنع من جهة الطبقة، بل حتى لا يمتنع كونه فضيل بن يسار المعدود من الرابعة وكون رواية ابن أبي عمير عنه بواسطة – ويكون السند مع ذلك معتبراً لمكان حكم مرسلات ابن أبي عمير، إلاّ أنه مع ذلك يبعّد هذين الاحتمالين أنّا لم نجد في الأحاديث الكثيرة التي يرويها هذا الراوي الجليل، حتى رواية واحدة عن هذين، ولذا لم يُعدّ أيُّ منهما في عداد من يروى عنهم ابن أبي عمير. كما أنه يبعّد الاحتمال الثاني مضافاً إلى ذلك، أنّ النقل عن من يُنقل عنه بالواسطة، لا بد وأن يكون مع التصريح بها ولو بقوله: عن رجل، فإذا لم يذكر الواسطة فظهور النقل يأبى عن كونه نقلاً بالواسطة.
وبناءً على هذا؛ فالمتعيّن وقوع الحذف أو التصحيف في الكلمة. فمن المحتملات في ذلك أن يكون الصحيح: ابن عمّار، وقد نقل في تعليقات البحار أنّ في بعض نسخ التفسير: ابن عمار، بدل: ابن يسار، فبناءً على أن يكون المراد به: معاوية بن عمّار، يكون السند مشابهاً تماماً لسند رواية الكافي، لكن يبعّده أن تصدر روايتان من إمام واحد، عن طريق راوٍ واحد ورواة عنه متحدين، في واقعة واحدة، بمضمونين وألفاظ مختلفة. اللّهم إلاّ أن يكون المراد بابن عمار، إسحاق بن عمار.
ومن المحتملات – ولعلّه أقواها – أن يكون الصحيح: ابن سنان، وهو عبد الله الذي يروي عنه ابن أبي عمير كثيراً. ويؤيّده أنّ الموجود في تفسيري البرهان ونور الثقلين: ابن سنان بدل ابن يسار، وقد نقلا جميعاً الحديث عن تفسير القمّي، وحيث أنّ مؤلّفيهما متعاصران – فقد توفّي أحدهما بضع سنين بعد الآخر. والمظنون أنهما لم يكن أحدهما مطلعاً على كتاب الآخر. فيُظنّ أن الشائع في نسخ التفسير كان ما ذكراه. ومن جملة المحتملات أن يكون الصحيح: ابن أخي ابن يسار، كما وقع في بعض آخر من الروايات، والمراد به: الحسن أو الحسين بن أخي سعيد بن يسار … وحاصل الجميع أنّ سند الرواية يصبح ضعيفاً، لتردّد الراوي المباشر بين ثقة وغير موثق. ولكن لو بنينا على عدم الاعتناء بالاحتمال الأخير، لكونه ضعيفاً جدّاً، فدوران الأمر يكون بين الثقتين أعني: عبد الله بن سنان وإسحاق بن عمار، فيكون المورد، مورد الجمع الدّلالي بينهما، ولمّا كانتا واردتين حكايةً لواقعة، لا إنشاءً لحكم، فلا مجال للقول بما يقال في الدليلين المثبتين، الواردين في مقام إنشاء الحكم، من عدم التعارض الموجب لعمليّة تقييد الدليل المطلق بالدليل المقيّد، فيحكم بمضمونهما جميعاً، وذلك لأنّ وحدة الواقعة هنا تحكم بوحدة المراد من الدليلين فلا يبقى مناص من حمل أحدهما على الآخر، ولمّا كان اختصاص القضية بالرجال وعدم شمولها للنساء في الدليل الأخص، أوفى ظهوراً من شمولها للنساء في الدليل الأعمّ، فيحمل ذلك عليه، كما هو مقتضى الجمع العرفي دائماً.
ولكنّ الذي يسهّل الخطب أنّ ما ذكره الشيخ في المبسوط)[1511]( وتبعه في نقله العلاّمة في المنتهى، من نزول آية الممتحنة وهي قوله تعالى فيها: (فلا ترجعوهنّ إلى الكفار)… الآية، في مقام ردع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمّا عاهد عليه الكفار، فيستفاد منه إطلاق مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشموله لمطلق الرجال – ذوي المنعة وغيرهم – لا يستند إلى دليل معتبر، وبناء على ذلك فاختلاف الحديثين لا يؤثر شيئاً إذ لافارق بينهما من جهة عمومهما لفظاً لمطلق الرجال، وقد عرفت سابقاً في مقام الإشكال على كلام ابن قدامة أنّ هذا الشمول اللفظي لايكشف عن شمول مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنسبة إلى مطلق الرجال.
فحاصل ما ذكرناه في المقام، هو أنّه: إن تَمكّنّا من إثبات وجوب الدفع عن من يريد الكفّار إرجاعه إليهم، يكون هذا هو الأصل في المسألة، وتكون السنّة الفعلية النبويّة استثناءً منه، ولا بدّ من الاكتفاء بالقدر المتيقّن في الاستفادة منها. ولكن الظاهر أنّ إثبات وجوب الدّفع بالنسبة إلى ما عدى الحاكم الإسلامي، مشكلٌ جداً، وإن كان رجحانه شرعاً ممّا لا كلام فيه، إلاّ أنه ينبغي الجزم بذلك بالنسبة إلى الحاكم ووليّ أمر المسلمين، فإنّ الحكومة الإسلامية والجهاز الحاكم على المسلمين، يجب عليه الدفع عن آحاد المسلمين، وهي مسؤولةٌ عن شؤونهم الأساسيّة، التي منها: كونهم وبقائهم في بلد الإسلام، وعدم مقهوريّتهم في النقل إلى بلد الكفر وتحت حكم الكافرين، وهذا ممّا تشهد عليه الأدلّة الواردة في بيان معنى الولاية والحكومة الإسلامية، والحقوق المتقابلة بين الراعي والرعية في الإسلام، بل ممّا يصدّقه ويحكم به ارتكاز المسلمين.
وبناء على ذلك؛ فالأصل حرمة ردّ الرجال اللاّجئين إلى المعسكر الإسلامي. ولكن بمقتضى السنة النبوية المأثورة عنه صلى الله عليه وآله وسلم في قصة الحديبيّة، نحكم باستثناء مورد مّا عن هذا الأصل، والمستثنى بمقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع – لايكون إلاّ من يكون قادراً على الدفاع عن نفسه ودينه، ولا يُخاف قهره وافتتانه في أيدي الكفار، بأن يكون ذا عشيرة تمنعه وأمثال ذلك، فيجوز ردّه – بمعنى التمكين من ردّ الكفار إيّاه – ولايجوز ردّ غيره، وهذا ما أفتى به المشهور، بل ادّعى بعضٌ نفي الخلاف فيه، وإن لم نجد من ذكر له وجهاً بالتفصيل.
ثم إنّ حكم الصغير والمجنون، بعينه هو حكمهما في باب النساء، وما ذكرنا هناك بالنسبة إلى الصغيرة والمجنونة جار هنا بلا تفاوت.
هل يفسد عقد الهدنة بفساد الشرط؟
هذا، وبعد ما عرفت حكم ردّ النساء المسلمات والرجال المسلمين إلى الكفار، يتضح لك الحكم في مسألة اشتراط عقد الهدنة بذلك، وقد قلنا سابقاً إنّ كلّ شرط سائغ، نافذٌ وجائزٌ في الهدنة، بخلاف الشرط غير السائغ. وبناءً على ذلك؛ لو شرطوا في الهدنة ردّ النساء، أو الرجال المستضعفين، أو أطلقوا الردّ بحيث يُراد شموله لهم كأن شرطوا ردّ الرجال مطلقاً، أو ردّ كلّ من جاء إلى المسلمين، بطل الشرط وفسد ولم ينفذ، وهذا مما لا إشكال فيه ولا خلاف.
إنّما الكلام في الهدنة المشتملة على مثل هذا الشرط، أو أيّ شرط آخر مخالف لكتاب الله وغيرها من الشروط الفاسدة، فهل يفسد عقد الهدنة بفساد الشرط؟ أم يكون العقد صحيحاً؟
ربما يبدو أنّ لازم ما ذهب إليه المحقّقون في باب البيع والنكاح، من عدم فساد العقد بفساد الشّرط الذي يتضمّنه، عدم فساد الهدنة أيضاً بفساد الشرط الذي اُخذ في ضمنها، ولكن فتوى كثير من الفقهاء بما فيهم بعض من ذهب إلى عدم فساد العقد بفساد الشرط في عقد البيع، صريح في خلافه هنا، أي القول بفساد عقد الهدنة بسبب فساد الشرط.
قال في المبسوط: وإن شرط رد من لا عشيرة له كان الصلح فاسداً، لانّه صلح على ما لا يجوز، فإن أطلق ردّ الرجال ولم يفصّل كان الصلح باطلاً فاسداً… )[1512](.
وقال العلاّمة في المنتهى: وفاسد الشرط يبطل العقد مثل أن يشترط ردّ النساء ـ إلى أن قال – فهذه الشروط كلّها فاسدة تفسد عقد الهدنة)[1513](.
وقال في التذكرة: لو صالحناهم على ردّ من جاء من النساء مسلمةً، كان الصلح باطلاً)[1514](.
وقال في القواعد: لو شرط إعادة الرجال مطلقاً بطل الصّلح)[1515](.
وقال المحقق الكركي فى ذيل هذه العبارة من القواعد – بعد أن ذكر احتمالين في المراد عن قوله «مطلقاً» أوّلهما: أن يكون المراد وقوع الشرط مقيداً بالاطلاق، الذي يقتضي عموم الإعادة – : ولا ريب في البطلان في الأوّل، لأنّه صريح في تناول من لا تجوز إعادته.. )[1516](.
وقال الشهيد الثاني في المسالك، – في ذيل عبارة الشرائع: «ولو شرط في الهدنة إعادة الرجال مطلقاً، قيل يبطل الصلح» – ذاكراً نفس الاحتمالين في المراد من الإطلاق في عبارة المحقق: ولو أريد بالإطلاق، اشتراط إعادة من يؤمَن افتتانه ومن لا يؤمَن، مصرّحاً بذلك، كان الشرط فاسداً قطعاً، يتبعه فساد الصلح على الأقوى … ثم أشار إلى التردّد في ذلك في عبارة الشرائع بقوله: ويمكن أن يكون نسبة البطلان إلى القيل، بناءً على التردّد في فساد العقد المشتمل على شرط فاسد)[1517](.
وقال صاحب الجواهر: فلو وقع الصلح من بعض نوّاب الإمام عليه السلام على ذلك، كان باطلاً، بل الظاهر بطلان العقد من أصله لا خصوص الشرط، لكون التراضي قد وقع عليه (وقال في موضع آخر): نعم الظاهر فساد عقد الهدنة باشتماله على ما لا يجوز لنا فعله شرعاً، كردّ النساء المسلمات)[1518](.
فهذه العبارات صريحة كلّها في تبعيّة العقد للشرط في الفساد في باب الهدنة، مع أنّ من أصحابها من يقول بعدم إفساد الشرط الفاسد، العقد المشتمل عليه في باب البيع، كصاحب الجواهر وكالشيخ على ما حكى عنه في الجواهر، نعم خيرة العلاّمة والمحقق والشهيد الثاني، يوافق ما اختاروه في البيع أيضاً)[1519](.
كما أنّ الظاهر من كلام بعض أعلام العصر وصريح ما ذكره بعض آخر من المعاصرين هو عدم فساد العقد هنا، وفقاً لما أفتيا به في البيع. قال الأوّل في كتابه، منهاج الصالحين: ولا يجوز اشتراط أمر غير سائغ، كإرجاع النساء المسلمات إلى دار الكفر وما شابه ذلك)[1520](. وأما إذا اشترط ذلك (أي ردّ الرجال) فحينئذٍ إن كانوا متمكّنين… وإلاّ فالشرط باطل – انتهى كلامه)[1521](.. فعدم ذكر بطلان عقد الصلح المشتمل على هذا الشرط، ظاهرٌ في الجزم بعدم بطلانه، كما لا يخفى.
وقال الثاني في كتابه: مهذّب الأحكام (في ذيل قوله في المتن: ولو شرط ما لا يجوز فعله يلغو الشرط): لبطلان كلّ شرط مخالف للكتاب والسنّة، ولكن لا يوجب ذلك بطلان العقد كما ثبت في محله)[1522](.
أدلة صحة العقد مع فساد شروطه
ثم بعد سرد كلمات الفقهاء لا بدّ أولاً: من نظرة عابرة على أصل مسألة تأثير الشرط الفاسد، في فساد العقد المشتمل عليه، أو عدم تأثيره، وبيان مقتضى الدليل فيها، ثم بعد ذلك: بيان التحقيق فيما نحن فيه، وأنّه هل هنا شيء يوجب الفرق بين عقد الصلح وغيره من العقود؟ حتى يلتزم بفساد العقد هنا وإن لم نقل به في عقد البيع وغيره، أم لا؟
فنقول: عمدة ما يمكن الاعتماد عليه في القول بصحة العقد مع فساد شرطه، أمور:
الأوّل: عمومات أدلة العقود، وأدلّة نفس العقد المبحوث عنه، كقوله تعالى: (أوفوا بالعقود))[1523](، وقوله تعالى: (وأحلّ الله البيع))[1524](، وقوله تعالى: (وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها وتوكّل على الله) وغيرها.. فإنها بعمومها أو إطلاقها تدل على نفوذ وتماميّة كل عقد وكل بيع وكل سلم وليس هناك شيء يدلّ على تقييدها أو تخصيصها بما عدا المتضمّن لشرط فاسد، وأدلّة فساد الشرط المخالف للكتاب وسائر الشروط الفاسدة، لا يدلّ على أزيد من فساد نفس الشرط، وليس فيها شيء يدل على حكومتها على أمثال تلك العمومات.
الثاني: الأخبار الواردة في أبواب البيع والنكاح، الصريحة أو الظاهرة في صحة العقد مع فساد الشرط المأخوذ فيه، وإليك بعضها:
فمنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه ذكر أنّ بريرة كانت عند زوج لها، وهي مملوكة، فاشترتها عائشة فأعتقتها، فخيّرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن شاءت تقر عند زوجها وإن شاءت فارقته، وكان مواليها الذين باعوها قد اشترطوا ولاءها على عائشة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الولاء لمن أعتق)[1525](.
وطريق الصدوق إلى عبيد الله بن علي الحلبي صحيح.
ومنها: صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أهل بريرة اشترطوا ولاءها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الولاء لمن أعتق)[1526](، ودلالتهما مبنيّة على أن الشرط كان في ضمن عقد بيع بريرة لعائشة، فقرّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيع والعتق، وردّ الشرط.
ومنها: رواية الوشاء عن الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول: لو أنّ رجلاً تزوّج المرأة، وجعل مهرها عشرين ألفاً، وجعل لأبيها عشرة آلاف، كان المهر جائزاً، والذي جعله لأبيها فاسداً)[1527](.
وقد نقله في الوسائل عن الكليني بسندين، أحدهما من طريق الحسين بن محمد الأشعري الذي هو أحد مشايخ الكليني الموثقين، وفيه معلى بن محمّد الذي لم يرد فيه توثيق بالخصوص، بل نسب إليه النجاشي الاضطراب، فالطريق به ضعيف، والطريق الثاني محمد بن يحيى العطاّر عن أحمد بن محمد وهو طريق صحيح. ودلالته على فساد ما شرط لأبيه مع صحة النكاح دلالة جيّدة.
ومنها: رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يتزوّج المرأة إلى أجل مسمّى، فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمى فهي امرأته، وإن لم يأت بصداقها إلى الأجل فليس له عليها سبيل وذلك شرطهم بينهم حين أنكحوه، فقضى عليه السلام للرجل: إنّ بيده بضع امرأته، وأحبط شرطهم)[1528](.
والحديث منقول من الكافي والتهذيب، فأمّا سند الكليني فمبدوء بعدة عن سهل بن زياد ومختوم بمحمد بن قيس، أما الأخير فالظاهر – بقرينة قوله فقضى للرّجل … إلخ – أنه أحد شخصين: إما محمد بن قيس أبي نصر الأسدي، أو محمد بن قيس البجلي الثقتين، اللذّين ذكر النجاشي لكلّ منهما كتاباً في قضايا أمير المؤمنين عليه السلام، وبقرينة رواية عاصم بن حميد الثقة عنه، يقوي كونه الأخير، فلا يضرّ اشتراك محمد بن قيس بين أشخاص عدة، بينهم مجاهيل أو ضعاف، فلا بأس بالسند من هذه الجهة. وأما سهل بن زياد، فالظاهر فيه ما أبداه بعض الأعاظم من أهل التدقيق من معاصرينا في كتابه: قاموس الرجال من أنّ أخبار سهل في الكافي معتبرات اختارها الكليني لكتابه، فلا ينافي ذلك ما عليه الأكثر من أئمة الرجال من جرحه وتضعيفه. وبناءً على ذلك فالرواية معتبرة. وأما طريق الشيخ فبإسناده عن محمد بن علي بن محبوب (وهو إسناد صحيح) عن أحمد بن محمد عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد، وعلى هذا فالسند صحيح.
وأمّا دلالتها على صحّة العقد المتضمّن للشرط الفاسد فواضحة وظاهرة.
ومنها: معتبرة محمد بن قيس الأخرى عن أبي جعفر عليه السلام «أنه قضى في رجل تزوج امرأة، وأصدقته هي واشترطت عليه أنّ بيدها الجماع والطّلاق، قال: خالفَت السنّةَ، ووَلِيَتْ حقاً ليست بأهله، فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطّلاق، وذلك السنّة»)[1529](. ودلالتها كسوابقها جيّدة.
ومنها: صحيحة محمد بن قيس الثالثة عن أبي جعفر عليه السلام: في رجل تزوّج امرأة، وشرط لها؛ إنْ هو تَزوَّج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرِّيَة (على وزن ذُريّة، جمعها سراري على وزن ذراري: الأمة التي تُقام في البيت) فهي طالق، فقضى في ذلك أنّ: شرط الله قبل شرطكم، فإن شاء وفى لها بما اشترط وإن شاء أمسكها واتخذ عليها ونكح عليها)[1530](.
رواها الشيخ بإسناده إلى محمد بن علي بن محبوب ومنه بسند صحيح إلى محمد بن قيس، وطريق الشيخ إلى ابن محبوب صحيحُ.
ومنها: رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان الناس بالبصرة يتزوّجون سرّاً، فيشترط عليها أن لا آتيك إلاّ نهاراً، ولا آتيك بالليل ولا أقسّم لك، قال زرارة: وكنت أخاف أن يكون هذا تزويجاً فاسداً، فسألت أبا جعفر عليه السلام عن ذلك، فقال: لا بأس به – يعنى بالتزويج – إلاّ أنّه ينبغي أن يكون مثل هذا الشرط بعد النكاح، ولو أنها قالت له بعد هذه الشروط قبل التزويج: نعم، ثم قالت بعد ما تزوّجها: إني لا أرضى الاّ أن تقسّم لي وتبيت عندي فلم يفعل كان آثماً)[1531](.
وأمّا سندها: فهي رواية الشيخ بإسناده إلى محمد بن أحمد بن يحيى وهو إسناد صحيح، عن محمد بن الحسين – وهو ابن أبي الخطاب الثقة – عن الحسن بن علي – والظاهر أنه ابن فضّال الثقة – عن علي بن ابراهيم عن محمد الأشعري. هكذا في الوسائل. وقال المجلسي في شرح التهذيب في ذيل هذا السند: إنّ هذا تصحيفٌ ظاهر، واستظهر كون السند هكذا: عن الحسن بن علي عن إبراهيم بن محمد الأشعري – وهو الذي يروي عنه الحسن بن فضّال كثيراً كما في مشتركات الكاظمي – عن عبيد بن زرارة)[1532]( وبناء عليه يكون الخبر موثقاً بابن فضّال.
ومثلها أخبار أخرى … ومضمون الكلّ أنّ فساد الشرط في العقود المذكورة في تلك الروايات، لا يوجب فساد العقد. ودعوى اختصاص الحكم بالبيع والنكاح، وإن كان مقتضى ورود الروايات فيهما دون غيرهما، إلاّ أنه مخالف لما يُتذوق من أكثر الأخبار الواردة في البابين، من أنّ الجواب غير ناظر إلى خصوص المورد، بل ناظر إلى أمر كلّي عامٍّ في جميع العقود، وهو أنّ الشرط الفاسد لا اعتبار له حتى يؤثّر في العقد المتضمّن له، فوجوده كالعدم، فقوله عليه السلام في حديث محمد بن قيس: شرط الله قبل شرطكم، فإن شاء وفى لها بما اشترط وإن شاء … – الحديث – ومثله التعبير الوارد في رواية محمد بن قيس الأولى: وأحبط شرطهم … معناه – والله العالم – إنّ هذا الشرط حيث خالف شرط الله فهوغير مؤثر في الإلزام وغير معتنى به، فيكون العقد المتضمن له كأنه خال عنه، وهذا أمر غير منحصر بالنكاح والبيع، إذ لا خصوصيّة لهذين العقدين في ذلك، بل هذا أمر عام بالنسبة إلى سائر العقود.
هذا، ولكن قد يذكر في المقام إشكالات، تعرّض لها في الجواهر وكذا في كتاب المتاجر للشيخ الأعظم الانصاري راجعة كلّها إلى أنّ فساد الشرط يوجب الخَلل في العقد، إما من جهة عروض الجهالة في العوضين، أو من جهة عدم بقاء الرضا المعتبر في العقد في فرض فساد الشرط وعدم اعتباره شرعاً، وحيث إنّ فساد العقد في صورة فقده لأركان الصحة، الناشئ من فساد الشرط، أمرٌ مفروغ عنه، فالنتيجة: أنّ فساد الشرط يوجب فساد العقد. وبناءً عليه فلا مناص من الاكتفاء في القول بصحة العقد عند فساد الشرط، بموارد النّص أعني البيع والنكاح.
إلاّ أنّ المحقّقين من الفقهاء تصدّوا للجواب عمّا ذُكر من الإشكال، وها نحن نذكر بعض ما قيل في هذا الصّدد، مشفوعاً بما هو الحق لدينا في دفع الإشكال.
أما الإشكال بعروض الجهالة في العوض بتقريب أنّ «للشرط قسطاً من العوض، فإذا سقط لفساده، صار العوض مجهولاً»، الذي ذكره الشيخ الأعظم نقلاً عن المبسوط، وتصدّى له بأجوبة متعدّدة، فالظاهر أنّه غير متأتٍّ في ما نحن فيه، إذ العقد في باب الهدنة ليس عقداً على تبادل العوضين، بحيث يجعل شيء في مقابل شيء عوضاً عنه، كالبيع والإجارة وأمثالهما، بل هو عقد على التّسالم فيما بين الطرفين على شيء واحد، وهو ترك الحرب، ولوفرضنا أنّ هذا الأمر المتسالم عليه ينحلّ إلى أمرين يكون أحدهما مقابلاً للآخر على نحو العوضيّة، كترك حملة أحد الطرفين في مقابل ترك حملة الآخر، فاعتبار عدم الجهالة فيهما مثل ما يعتبر في العوضين في باب البيع والإجارة، أمر موهومٌ غير واقعي، ولا معنى لحصول الغرر بالجهالة في هذا العقد، كما يحصل غالباً في البيع، ولا معنى لأن يقال إن الشرط واقعٌ مقابل جزء من المتاركة من أحد الطرفين، فإذا انتفى، انتفى عوضه ويكون الباقي مجهولاً. وخلاصة القول: أنّ هذا الإشكال لا علاقة له بباب الهدنة ولا يتأتّى فيه أصلاً.
إن قلت: وقوع المال في مقابل الهدنة، بأن يتقبّل أحد الطرفين شيئاً من المال في مقابل الرضا بالهدنة من الطرف الآخر، غير عزيز في هذا الباب، وبناء عليه فالإشكال المفروض في المعاملات المالية مثل البيع والإجارة جارٍ هنا أيضاً بلا فرق في البين.
قلت: المال المجعول في هذا الفرض ليس أحد العوضين، بأن يقع التبادل بينه وبين الشيء الآخر في المعاملة، بل هو شيء في مقابل أصل المعاملة التي ليس فيها عوضان متبادلان، فهو مثل المال الذي يبذل في مقابل أصل البيع أو الإجارة – عند ما يفرض أن صاحب المال يمتنع عن بيعه، فيُبذل له مالٌ معيّن حتى يقبل وقوع المعاملة على ماله – فهذا المالُ واقع في مقابل أصل الهدنة، وليس أحد ركني المعاوضة فيها، وذلك لما بيّناه من أن الهدنة ليست في طبيعتها معاوضة بين شيئين، بل هي قرارٌ بين طرفين، على وقوع أمر مشترك بين الطرفين، وتسالمٌ بينهما على ذلك. وبناءً عليه فالشرط الواقع فيها لا يكون في مقابل جزء من العوض حتى يقال: فقده يوجب الجهالة والغرر في العوضين.
وأمّا الإشكال بوقوع الخلل في التراضي عند تعذّر الشرط وفساده، فقد أجيب عنه في باب البيع بوجوه:
الاوّل: ما في الجواهر من أنّ: مدخليّة الشرط في التراضي، لا يوجب بطلان العقد بفساد الشرط، كما انّ مدخليّة الثمن والمثمن لا يوجب ذلك، بل أقصاه ثبوت الخيار للتضرّر، ولا بأس بالتزامه)[1533]( ثم أجاب عن إشكال ربما يورد على عدم تأثير فساد الشرط على العقد، وهو أنّ: التأثير لازم معنى الشرط، وهو الربط بنحو من التعليق، فأجاب عنه بأنّ: التعليق مبطل للعقد، وتضمنّ الشرط للتعليق، معناه عدم جواز الاشتراط في المعاملة رأساً. فحاصل الجواب: إنكار التعليق في معنى الشرط، ولازم ذلك عدم البأس بنفي تأثير فساد الشرط على العقد.
الثاني: ما في متاجر الشيخ وحاصله: أنّ القيود المأخوذة في أحد طرفي العقد وفي جميع المطلوبات العرفيّة على أقسام، فمنها مايكون ركناً للمطلوب، ككون المطلوب حيواناً ناطقاً لا ناهقاً، وككون المطلوب للشارع، الغسل بالماء للزيارة لأجل التنظيف، حيث لا يقوم الحمار مقام العبد، ولا التيمّم مقام الغسل، ومنها ما لا يكون كذلك، ككون العبد صحيحاً، والغسل كائناً بماء الفرات، فإن العرف يحكم في هذه الموارد بكون الفاقد للوصف نفس المطلوب، والظاهر أنّ الشروط المأخوذة في المعاملات من هذا القبيل لا من قبيل الأوّل، فلا يكون التصرّف الناشئ عن العقد بعد فساد الشرط تصرفاً لا عن تراضٍ، نعم غاية الامر ثبوت الخيار)[1534](.
والفرق بينه وبين ما عرفت من الجواهر أنّ هذا البيان لا يشتمل على الاعتراف بدخالة الشّرط في الرضا المعاملي، وذاك يعترف بذلك، ولكن لا يرى ذلك موجباً لفساد العقد وإن كان موجباً للخيار. فبناءً على مبنى الشيخ لايكون التصرّف المترتّب على العقد بعد انتفاء ما ارتبط به من القيود من النوع الثاني – الّتي ذكر أنّ الشرط من جملتها – تصرّفاً لا عن تراض جوّزه الشارع تعبّداً وقهراً على المتعاقدين، بل الرضا المعاملي – الذي هو المناط في صحة المعاملات المتوقّفه على الرضا – حاصل ولو مع فساد الشرط وانتفائه.
ولبعض الأعلام من المعاصرين بيانٌ في توجيه عدم دخالة فساد الشرط في انتفاء الرضا المعاملي، ومحصّله أنّ الرضا المعاملي إنّما علّق على التزام المشروط عليه، بإيجاد الشرط، لا على نفس وجود الشرط وتحققه خارجاً، قال: إنّ الرضا المعاملي عند الإنشاء لم يعلّق على وجود الشرط في الخارج، وإلاّ لكانت المعاملة باطلة لأنه من التعليق المبطل، وحتّى لو فرضنا صحة التعليق تكون المعاملة باطلة فيما نحن فيه لعدم حصول ما علّق عليه في الفرض، والمعلّق ينتفي عند فقد المعلّق عليه لا محالة، وهذا من غير فرق بين الشروط الصحيحة والفاسدة، ولازمه بطلان العقود والإيقاعات عند الاشتراط مطلقاً … إلى أن قال: والالتزام بإيجاده لمّا كان حاصلاً عند المعاملة وهما يعلمان بوجوده فلا يكون التعليق على مثله مبطلاً، ومن الظاهر أنّ الالتزام بإيجاد الشرط في المقام حاصل، لأنّه التزم به على الفرض وتكون المعاملة تامّة ومتحقّقة، وكون ذلك أمراً محرّماً لم يمضه الشارع، مطلبٌ آخر، غير مربوط بحصول المعلّق عليه للمعاملة كما هو ظاهر، نعم ربما يكون البائع بحيث لو كان عالماً بحرمة ذلك الشرط أو كان عالماً بعدم إمضاء الشارع له لما أقدم على المعاملة، وإنّما أقدم عليها باحتمال أنّ الشارع يمضي الشرط المحرّم في المعاملة، تقصيراً أو قصوراً، إلاّ أنّ ذلك من باب تخلف الدواعي وهو لا يستلزم البطلان … إلى أن قال: والوجه في ذلك أنّ تخلف الدواعي لا ربط له بالرضا المعاملي أبداً، فالرضا موجودٌ لتحقق ما عُلِّق عليه وهو الالتزام، ويشمله عموم: (وأحلّ الله البيع) وغيره من العمومات، ومعه فلا وجه للبطلان. انتهى محل الحاجة من كلامه نقلاً عن مصباح الفقاهة وهو تقريرات درسه.
أقول: هذه هي الوجوه الثلاثة التي ذكروها لإثبات أنّ تخلّف الشرط لا يوجب بطلان المعاملة المشروطة به.
فأمّا ما ذكره صاحب الجواهر فلعله يمكن المناقشة فيه.
أولاً: بأنّ ما سلّم من مدخليّة الشرط في الرّضا – إن أريد منه الرضا المعاملي الذي يكون بمعنى تسليم كلّ من الطرفين لوقوع المعاوضة – لا نعترف به دائماً، وإنّما الشرط موجودٌ دائماً فيما يتراضى عليه، وهذا أعمّ من كونه ذا مدخليّة في الرضا، فإنّ من يشتري ثوباً مشروطاً بكونه نظيفاً وعليه الأزرار بقدر الحاجة وأمثال ذلك، فصحيحٌ أنّه يجعل الرضا المعاملي متعلّقاً بالثوب واجداً لهذه الشروط، إلاّ أنّ هذه الشروط غير دخيلة غالباً في حصول هذا الرضا، فوجود الشيء في مجموعة ما يتراضى عليه، لا يلازم دائماً مدخليّة هذا الشيء في الرضا المعاملي.
وثانياً: لا يبعد أن يقال: إنّ الشرط الذي له مدخليّة في الرضا المعاملي – وقد قلنا إنه بعض الشروط لا جميعها – يؤثر انتفاؤه في انتفاء المعاملة كما قال نظير ذلك الشيخ في القيود التي تعتبر ركناً للمقصود، فمثلاً: لو استأجر – أو اشترى داراً في موسم الحج في مكة المكرّمة، مشروطاً بكونها خالية من الساكن الغاصب أو غير الغاصب، فاتفق كونها مشغولة به، فإنّ كون الشرط في مثله ركناً للمطلوب – بل هو نفس المطلوب في نظر العرف – ممّا لا شبهة فيه، فلم لا يقال ببطلان المعاملة في مثل هذا المورد، دون صحتها مع خيار الفسخ للمشتري أو المستأجر؟ والنقض بعدم بطلان المعاملة في صورة تبعّض الصفقة، غير متّجه، لنقل الكلام في تلك الصورة أيضاً، إذ الخيار في صورة تبعّض الصفقة إنّما يتّجه إذا لم يكن الجزء المفقود ركناً في المطلوب، وإلاّ فلا بُعد في القول ببطلان المعاملة هناك أيضاً. نعم هذا خلاف المشهور، على ما يبدو بحسب الميسّر من كلمات القوم لديّ وما ببالي منها، وتحقيق المطلب يتوقف على فحص وتأمّل أكثر.
وأمّا ما ذكره الشيخ من تقسيم القيود المذكورة للمطلوب، إلى ما هو ركن فيه وما ليس ركناً فيه، فمتين جداً يشهد به فهم العرف من الأوامر والإنشاءات المعامليّة وغيرها، إلاّ أنّ ما أفاده من عدم كون الشرط مطلقاً من القيود الدخيلة في المطلوب، محلّ نظر بل منع، لضرورة دخالة بعض الشروط المذكورة في المعاملات في المقصود بنحو الركنيّة، بل يمكن أن يقال إن منها ما هو المقصود والمطلوب بالذات من المعاملة والمؤثر الأصلي في تحقق الرضا المعاملي، دون ما تقع عليه المعاملة مباشرة. فصاحب البندقية النفيسة التي لا يرضى ببيعها مثلاً، إذا احتاج إلى طعام في الصحراء وهو لا يقدر على الصيد بنفسه، يرضى لا محالة ببيعها لمن يقدر على الصيد بها، فيبيعها بشرط أن يصيد بها ويناوله من الصيد. فهذا الشرط لا يمكن القول بخروجه عن المطلوب، بل هو المطلوب بالحقيقة من البيع، دون الثمن الذي لا يحتاج إليه ولم يكن يرضى ببيع بندقيته به في الحالة العادية.
فإذا فرض كون هذا الشرط حراماً ككون الصيد في الحرم أو بأيّ نحو آخر فهل يمكن ادّعاء عدم سراية فساد الشرط إلى المشروط، بادّعاء أنه قيد خارج عن المطلوب ولا يؤثر فساده وانتفاؤه في الرضا المعاملي؟ مقتضى الإنصاف أنه لا يمكن مثل هذا الادّعاء. كما لا يمكن القول بأنّ تناول لحم الصيد – في هذا المثال – ليس أكثر من الدّاعي لهذه المعاملة، والداعي لايمكن الالتزام بتأثيره في نتيجة المعاملات والقول بأنّ تخلّفه موجب لبطلان المعاملة – كما أفاد في مصباح الفقاهة في مطاوي الكلام الذي نقلناه عنه – إذ هناك فرق واضح بين الداعي في مسألة ارتفاع القيمة، والدّاعي في المثال المذكور آنفاً، فإنّ الثاني هو الركن في المعاملة، والحال أنّ الاوّل ليس أكثر من جهة تعليليّة لها.
وبعبارة أخرى: ففي الأوّل يُقدِم المكلّف على المعاملة برجائه، وفي الثاني يُقدم عليه دون غيره.
وحاصل الكلام: أنّ من الشرط ما يكون ركناً في المعاملة، فإذا فقد فقد المطلوب، وإذا امتنع – خارجاً أو اعتباراً شرعاً – امتنع المطلوب، والحكم فيه يختلف حسب الموارد. فإذا وقعت المعاملة على الكلي، فأتى بالفرد الفاقد لمثل هذا الشرط، فهو لم يأت بما وقعت المعاملة عليه ويكون مديوناً، وإذا وقعت على الشخص بزعم أنه واجد، فبان فاقداً، فسدت المعاملة وهكذا في سائر الفروع المترتبة على المسألة.
وأما ما ذكره بعض الأعيان من المعاصرين من أنّ القول ببطلان العقد عند فساد الشرط، مشكل ثبوتاً، لأنّ هذا إنما يكون بمعنى تعليق العقد على الشرط، فإن كان التعليق على وجود الشرط خارجاً، فهو من التعليق المبطل ولو لم يكن الشرط في نفسه فاسداً، لأنه تعليق على أمر غير موجود، وأما إن كان التعليق على الالتزام بالشرط فهو حاصل حتى في صورة فساد الشرط، فالعقد صحيح حتى في هذه الصورة (وقد مرّ بيان كلامه آنفاً). فيمكن الخدشة فيه
أولاً: بأنّ تصوير الشرط كما ذكره، أعني التعليق على الالتزام، تصويرٌ بعيد عن الواقع العرفي، غيرمؤيّد بفهم الناس المُقدمين على المعاملات المشروطة، إذ لا شبهة في أن من يشترط أمراً في معاملة، إذا علم أنّ الطرف الآخر سوف لن يقدر على تحقيق الشرط، لم يحصل منه الرضا المعاملي ولم يُقدم على المعاملة، حتى ولو التزم ذاك الطرف بتحقيقه في حين العقد. فليس الالتزام بإيجاد الشرط، في نظر الذي يشترط الشرط، إلاّ أمارة أو ذريعة لحصول الشرط، فهو الدّاعي للرّضا المعاملي، لا المتعلق له.
ثانياً: بأنّ ما افترضه من أنّ جعل الشرط في المعاملة – بناء على تأثير بطلان الشرط في بطلان المشروط – مردّه إلى تعليق العقد على شيء فتارة يكون المعلّق عليه هو نفس الشرط المحقق خارجاً وتارة يكون الالتزام به وجعله في العهدة، فهو باطلٌ من أصله، بمعنى أنّ الشرط ليس تعليقاً أصلاً، بل هو نوع إلزام وإنشاء في المعاملات، وِزانه وِزان نفس المعاملة، فقد يكون الشرط في الحقيقة صفةً لمتعلّق المعاملة، كما إذا اشترط كون الثمرة ناضجة، والقماش محاكاً بالصوف، والبناء فارغاً وأمثال ذلك، فإذا قال: اشتريت منك البطيخ بشرط أن يكون ناضجاً، فهو في قوّة قوله: اشتريت منك بطيخاً ناضجاً.
وقد يكون الشرط أمراً خارجاً عن متعلق المعاملة كأن يقول: اشتريت منك الدابة بشرط أن تخيط لها جُلاًّ، فهذان شيئان جرى عليهما إنشاءٌ واحد، وكلاهما مطلوبان، ومجرّد وجود الربط بينهما في نظر المنشئ لا يوجب تعليق الرضا بأحدهما على الآخر دائماً، والحكم ببطلان المعاملة بفقد أحدهما متوقّف على كون هذا المفقود ركناً في المقصود، كما أفاده الشيخ في كلامه السابق.
ثم إنّ حاصل جميع ما ذكر: أنّ الإشكال على القائلين بصحة العقد مع فساد شرطه، بوقوع الخلل في التراضي، ليس وارداً على جميع الصور. نعم هو وارد على بعض الصور، وهو ما إذا كان تحقق الشرط دخيلاً في الرضا بأصل المعاملة، ولا مناص في هذا البعض من الالتزام بفساد المعاملة عند فساد الشرط أو امتناعه، بحسب مقتضى القاعدة.
وعلى هذا؛ فالرّوايات المذكورة سابقاً – والمستفاد منها صحة العقد في صورة فساد الشرط – إمّا أن تحمل على صورة عدم دخالة الشرط في تحقق المعاملة بنحو الحيثية التقييدية، أعني عدم كونه ركناً في المقصود من المعاملة، وإمّا أن يُتوقّف في مضمونها على مورد النصوص أعني، البيع والنكاح ولا يتجاوز عنهما إلى غيرهما.
وممّا ذكرنا يعلم أنّ ذهاب أكثر الفقهاء إلى بطلان الهدنة بفساد الشرط المأخوذ فيها – على ما عرفت في ما ذكرنا سابقاً من عباراتهم – لا يمكن الاستدلال عليه بشيء من الكتاب والسنة وغيرهما من الأدلّة، إلاّ إذا فرض أنّ محلّ كلامهم هو ما إذا كان هذا الشرط دخيلاً في الهدنة على نحو دخالة الشروط المقوّمة للرضا المعاملي في باب البيع وسائر المعاوضات، وإن كان خيرتهم غالباً في باب المعاوضات، عدم بطلان المعاملة حتى بفساد مثل ذاك الشرط. فيكون مختارهم هنا – أي في باب الهدنة على طبق القاعدة، وهناك أي في البيع وسائر المعاوضات – مستنداً إلى الرّوايات الخاصّة.
هذا ولكن ربما يقال: بأنّ هناك فرقاً بين الشرط في باب المعاوضات وبينه في باب الهدنة – كما أفاده المحقق العراقي – وحاصله: أنّ الشرط هناك يعتبر من باب تعدّد المطلوب، بخلافه هنا، إذ المعاوضة إنما تقع على أمر غير الشرط، وأما الشرط فهو شيء زائد على أصل المعاملة، فاذا انتفى الشرط فليبق ذاك الأمر بحاله، وهذا بخلاف الصلح، فإنّ شرائط الصلح كلّها داخلة فيما يُتصالح عليه، وليس هنا ما يقع عليه العقد إذا انتفى الشرط، فإذا فسد الشرط فقد انتفى ما قد وقع عليه العقد. والنتيجة هي أن تفريق المشهور بين بابي الهدنة والمعاوضات والقول بفساد العقد لفساد شرطه في الأوّل دون الثاني، يكون على وفق القاعدة.
أقول: يرد على ذلك أوّلاً: أنّ الصلح أيضاً – حينما يراد به المهادنة – يمكن اعتبار الشرط والمشروط فيه بنحو تعدد الموضوع والمطلوب، إذ موضوع الصّلح بهذا المعنى هو حصول السّلم وارتفاع حالة الحرب، والشرط أمر خارج عن ذلك كائناً ما كان، فصار من هذه الجهة كالمعاوضات.
وثانياً: إنّ ما ذكر، على فرض تسليمه غير فارق، إذ على فرض وحدة الموضوع أيضاً يمكن القول بعدم بطلان العقد بفساد جزء موضوعه وإنما ذلك يوجب الخيار، كما في خيار تبعّض الصفقة.
فالحلّ هو ما ذكرناه: من الفرق بين أقسام الشرط في جميع الموارد، والقول ببطلان المعاملة بفساد شرطها، فيما لو كان الشرط مقوّماً للمقصود منها، وعدمه في غيره.
ثم لا يخفى أنّ ما يقال من وحدة الموضوع في باب الصلح، ربّما يعترف به في باب عقد الصّلح الذي هو من العقود اللاّزمة في أبواب المعاوضات وقد شرّع للتصالح على معاوضة بين طرفين، حيث أنّ الموضوع فيه – وهو الأمر المتسالم عليه بين الطّرفين – يشمل جميع القيود والشروط المأخوذة في العقد، فليس هناك شيئان: شيء يقع عليه الصلح وشيء يشترط هذا به، بل الشرط والمشروط كلاهما داخلان في موضوع التسالم، فهما جميعاً بمنزلة موضوع الصلح، والعقد يقع عليهما معاً، وهذا بخلاف البيع المشروط بشيء، حيث أنّ موضوع العقد هو نفس المعاوضة، والشرط أمر خارج عن مضمونه متعلق به. إلاّ أن يقال – كما قلنا سابقاً – : إنّ الشرط أيضاً يرجع في قسم من الشروط، إلى تقييد الموضوع بوصف خاص.
وأما الصلح المبحوث عنه هنا، أعني المهادنة، فلا يجري فيه ما ذكر في عقد الصلح بذاك المعنى، إذ الظاهر انّ عقد الهدنة ليس من مصاديق عقد الصلح في أبواب المعاوضات، وهما يختلفان موضوعاً ودليلاً واعتباراً، فالصلح في باب الهدنة – كما ذكرنا مراراً – هو التصالح على أمر خاص وهو ترك القتال، فهذا هو موضوعه الذي شُرع له، كالمبادلة بين عين وعين في باب البيع، وتكون الشروط اللاّحقة به، أموراً خارجة عن الموضوع متعلقة به، وهو مقيّد بها كما في جميع الشروط في أبواب المعاملات فيتأتّى فيه جميع ما يتأتى في مبحث الشروط في باب المعاملات.
نعم؛ ربما يمكن التفريق بين تخلّف الشرط في باب المعاملات وتخلّفه هنا، حيث أنّ مدار البحث هناك إنما هو على التخلّف عمّا تعلّق به الرضا المعاملي، وقد تصدّى القوم لبيان أن بطلان الشرط لا يوجب بطلان العقد من هذه الجهة، وقد قلنا ما ارتضيناه في ذاك الباب. وأما في ما نحن فيه من مسألة الهدنة، فليس فيه للرّضا المعاملي بذاك المعنى مجالٌ، إذ الأمر فيه متعلّق بمصالح الجماعة ومصير الأمة، وليس في مثل ذلك لرضا المباشر والعاقد محلٌّ ومجال. فتخلّف الشرط لا يوجب إشكالاً من هذه الجهة حتى يحتال للتخلص منه بما ذكر في باب المعاملات، بل الأمر هنا موكول إلى المصلحة، فلتُراع ولتكن المناط في الصّحة والفساد. هذا، ولكنّ الوجه المذكور للفرق، موهونٌ بأنّ البيع أيضاً ربّما يمكن أن يتصوّر وقوعه هكذا، أي عن جماعة وشعب، كما في كثير من البيوع الصادرة عن الحكومات والدّول، ولازمه الخدشة في اعتبار الرضا المعاملي فيها، والحلّ في الكلّ أنّ المُقدم على أمثال تلك البيوع، يُقدم عليها كأنّه الوكيل من الشعب والجماعة، فيقع رضاه موقع رضاهم، ويكون هو المناط في تحقق الرضا المعاملي وعدمه، فالتخلف عن ما تعلق به الرضا المعاملي يتصوّر في الهدنة وأمثالها. ويكون في كل مورد بحسبه.
بقية أحكام الهدنة
الأمر الخامس – في بقية أحكام الهدنة، ونذكرها في طيّ مسائل:
المسألة الأولى: أنّ أمر الهدنة بيد الإمام أو من نصبه بالخصوص لذلك. ذكره في الشرائع والمنتهى وغيرهما، وقال الأخير: لا نعلم فيه خلافاً، ولعله كذلك بعد وضوح المسألة استدلالاً في الجملة وعدم نقل الخلاف فيها من أحد، إلاّ أنّ تمام الكلام في جوانب المسألة يقتضي الالتفات إلى أنّ: إثبات الأمر للإمام تارة بمعنى عدم الخيار لأحد في عَرضه، فلا يجوز عقد الهدنة من قوّاد الجيش، ورؤساء أصقاع البلاد، والفقهاء وعدول الناس، وغيرهم من الأعيان فضلاً عن عامّة الناس، وهذا هو الذي تسلّم عند الأصحاب وتسالم عليه الكلّ ظاهراً. والدّليل عليه أوّلاً: إنّ أموراً بهذه المثابة من الأهميّة، والتي ترجع إلى تدبير البلاد وتؤثر في مصير العباد إنما تتوجّه إلى رئيس المسلمين ومدير أمورهم دون غيره، ومن هذا القبيل الجهاد وسائر شؤون الحكومة العليا. وهذا ممّا يعترف به جميع أعراف العالم. وثانياً: أنّ تدخّل غيره فيه ينجرّ إلى تعطيل الجهاد وإبطاله، إذ ما من حرب الاّ ولبعض الناس داع إلى إنهائها والمهادنة للعدوّ فيها. وثالثاً: إن ذلك يوجب الهرج والمرج في البلاد وعدم استتباب أمنه واستقراره.
وأخرى: بمعنى عدم الخيار في طول الإمام – أي مع فرض عدم وجوده أو عدم حضوره – إلاّ لأشخاص معيّنين، وليس يُتخطّى منهم إلى غيرهم من آحاد الناس. وحينئذ يقع الكلام في تعيين هؤلاء الأشخاص، أعني من يملك التصدّي لهذا الأمر، في غيبة الإمام المفروض طاعته، فاَمّا بناءً على القول بولاية الفقيه في زمن الغيبة، فولايته ولاية الإمام بل لا يبعد أن يكون المراد بالإمام في بعض كلمات الفقهاء الأعمّ منه، وهذا بالنسبة لمن يجوّز الجهاد الإبتدائي في زمن الغيبة أوضح، لفحوى أدلّة تشريع الجهاد، إذ أمر الجهاد الأبتدائي أهمّ وأعظم من المهادنة بكثير – كما لايخفى – حيث إنه إشعال للحرب وهذه إطفاءٌ لها. وأما بالنسبة لمن لايرى الجهاد الابتدائي في زمن الغيبة، فتكفيه أدلّة ولاية الفقيه. وهذا ما يظهر من كلام صاحب الجواهر.
وأما غير الفقيه من طبقات ولاة الغيبة – بناءً على القول بولاية غير الفقيه في صورة فقده، من جهة الحسبة – فهو أيضاً يقوم بذلك بدليل الحسبة، وليس لأحد في عرضه التدخل في ذلك من عامة الناس، والظاهر أنّ هذا هو مراد كاشف الغطاء حيث يقول: وليس لغير الإمام أو نائبه الخاص أو العام أو الأمراء والحكّام مع عدم قيام من تقدّم، المهادنة لأنّ سائر الرعيّة لا يرجع إليهم أمر الحروب – انتهى – بل لعلّه المراد من إطلاق صاحب الجواهر في التعبير بنائب الغيبة في كلامه (راجع كلامه في ج ٢١ ص ٣١٢).
وأما غير ولاة الغيبة من السلاطين والأمراء المتغلّبين على الحكم، فالأمر فيهم يحتاج إلى مزيد كلام.
أما صاحب الجواهر فنفى البُعد عن جريان (حكم الهدنة) على ما يقع ويصدر منهم، واستدلّ له أولاً: برواية الصدوق عن الرضا عليه السلام في استمرار ما حكم به عمر على بني تغلب)[1535](، وثانياً: بسيرة العلماء وجميع المسلمين على تناول الجزية من الحكّام كتناول الخراج.. – إلى آخر كلامه – وذكر الجزية في استدلاله، مع كونها مخصوصة بأهل الذمّة وعدم ارتباطها بالعدوّ الذي يهادَن، لعلّه من باب ذكر الأمثال والمشابهات في هذا الباب، لتقريب أنّ خيار الحاكم في أمثال هذه الأمور، لم يكن محلَّ مناقشة بين صنوف المسلمين من العلماء والعوامّ. وكيف كان، فمن المحتمل أن يكون هذا الذي ذكره صاحب الجواهر هو المراد من كلام كاشف الغطاء المذكور آنفاً، ولازم ذلك حرمة كل ما يعدّ نقضاً للهدنة المنعقدة من قبلهم من أحد من الناس..
أقول: يرد على الاستدلال بالرواية:
أوّلاً: أنها مرسلة ولا يعتمد عليها من جهة السند، وما قيل: من أنّ مرسلات الصدوق إذا كانت بنحو نسبة القول إلى الإمام عليه السلام فهي في قوّة الحديث المسند، اعتماداً على الصدوق، ممّا لا يساعده المبنى المعروف والمرضي في باب حجية خبر الواحد، وليس هناك ما ينجبر به ضعف سند الرواية.
وثانياً: إنّ موضوع الحديث هو التصالح بين الخليفة وبعض أهل الذمّة في أمر ماليٍّ، وأين هذا من الهدنة التي هي ختم الجهاد، والصلح مع العدوّ المحارب. فإلحاق ما نحن فيه بمورد الرواية لا يتمّ إلاّ بالقياس المردود لدى الإماميّة.
وثالثاً: ما صدر عن عمر – وإن كان نافذاً كما بيّنه الإمام الرضا عليه السلام – يحتمل أن يكون قضية في واقعة، فلعلّ نفوذه كان من جهة تنفيذ أمير المؤمنين عليه السلام له أو شيء من ذاك القبيل، فصحّة ذاك التصرّف لا تدلّ على صحة التصرفات الصادرة عن الحكّام والأمراء كما يدّعي صاحب الجواهر…
وحاصل الكلام أن التمسك بمثل هذه الرواية لما رامه من إثبات نفوذ الهدنة إذا صدرت من غير الإمام عليه السلام، فهي بمعزل عن الصواب تماماً، وأما السّيرة المدعاة فليست بأشفى وأوفى من الرواية المذكورة ويظهر وجوه الإشكال فيها بتأمّل يسير.
هذا؛ والقول بعدم نفوذ الهدنة الصادرة من الحكام غيرالمحقّين مطلقاً وبدون أيّ استثناء، أيضاً ينجرّ إلى ما لا يلتزم به ذو اعتبار فضلاً عن فقيه، إذ ربما يكون في الهدنة المصلحة التامّة للمسلمين ولبلادهم ومصيرهم، وفي استمرار الحرب ضررٌ عليهم وهدرٌ لدمائهم وتلفٌ لأموالهم، بل مفروض الكلام في نفوذ هدنة الجائر وعدم نفوذها، هو ما إذا كانت الهدنة ذات مصلحة للمسلمين، وإلاّ فالهدنة باطلة ولو من الإمام العادل، فحينئذٍ إما أن يُقدم الجائر على الهدنة أو تفوت الهدنة وما فيها من المصلحة عن المسلمين، ولا أظنّ فقيهاً يلتزم ويفتي بما يؤدي إلى المفسدة وفناء النفوس المحترمة وتلف الأموال وغير ذلك ممّا يترتب على الحرب الدّامية، وعلى هذا فالظاهر أنّ قبول الهدنة من الجائر وترتيب الآثار عليها فيما يترتّب على تركه المفسدة، ممّا يحكم به الارتكاز الشرعي والذهن المتعارف المتشرّعي، وإن كان نفس العمل من الجائر تصرفاً فيما لا يحق له التصرف فيه وهو حرام عليه شرعاً، والله العالم.
المسألة الثانية: في شرط العوض المالي للمهادنة، مقتضى القاعدة جوازه، إذ ليس في مفهوم الهدنة ما يمنع من ذلك ولذا ترى أنّ صاحب الجواهر صرّح في شرح معنى الهدنة بوقوعها بعوض وغير عوض، وأوَّلَ كلام من قيّدها في التعريف بكونه بغير عوض، كالشيخ في المبسوط)[1536]( والعلامة في القواعد)[1537](، أنّه يراد منه عدم اعتبار العوض فيها، لا اعتبار عدم العوض، هذا أولاً، وثانياً: لكونه مقتضى إطلاق أدلّة المهادنة كقوله تعالى: {وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها} فإنه يشمل كونه بعوض، ومثله الأدلّة الأخرى.
وكذا مقتضى إطلاقات اعتبار الشرط وهي معروفة. فجواز شرط المال في الهدنة في الجملة ممّا لا إشكال فيه. إلاّ أنه ربما يفرّق بين مال يستلمه المؤمنون من الكفار، وبين ما يدفعوه إليهم، أما الأوّل فهو جائز بلا إشكال لما ذُكر، وللأولويّة بالنسبة للهدنة بغير مال، وأما الثاني فقد حكي المنع عنه مطلقا عن أحمد والشافعي)[1538]( ولم أعرف في أصحابنا من صار إلى هذا القول، إلاّ أن فيهم من فصّل بين حال الضرورة وغيره، فمنعه في غير الضرورة، وهو العلاّمة فقال في التذكرة في عداد الشروط الفاسدة: أو دفع المال إليهم مع عدم الضرورة الداعية إلى ذلك)[1539](، وقال في المنتهى: وأما إذا لم يكن الحال حال ضرورة فإنه لا يجوز بذل المال بل يجب القتال والجهاد لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لايؤمنون بالله} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية{)[1540]( ولأنّ فيه صغاراً وهواناً، أَمّا مع الضرورة، فإنّما صير إلى الصغار دفعاً لصغار أعظم منه، من القتل والسّبي)[1541](.
وقد عدل بعض آخر من الأصحاب من شرط الضرورة إلى شرط المصلحة.
قال كاشف الغطاء: ولو وقعت مشروطة بعوض قلّ أو كثر … أو بسائر الشروط الشرعيّة، اتّبع الشرط، ويشترط فيها موافقة مصلحة المسلمين)[1542](. والظاهر أن مرجع الضمير في قوله «فيها» هو «الشروط» ولو كان مرجع الضمير الهدنة، دلّ أيضاً على اشتراط اعتبار الشرط بكونه موافقاً للمصلحة، وقال صاحب الجواهر بعد نقل ما في المنتهى من دليل اشتراطه بالضرورة: بل لا يبعد الجواز مع المصلحة للإسلام والمسلمين أيضاً)[1543](. وقال السيد الخوئي في منهاجه: ولا فرق في ذلك بين أن تكون مع العوض أو بدونه، بل لا بأس بها مع إعطاء وليّ الأمر العوض لهم إذا كانت فيه مصلحة عامّة)[1544](.
أقول: أما اشتراط كون دفع المال موافقاً للمصلحة فهو أمر واضح لا مرية فيه، ولا يمكن لأحد أن يلتزم بجواز دفع المال إلى الكفار في الهدنة مع كونه خلاف المصلحة، وذلك لأن صحة أصل الهدنة ومشروعيتها أيضاً متوقفة على موافقة المصلحة، فكذا هذا الشرط وغيره من الشروط. وأما اشتراطه بالضرورة كما عرفته من كلام العلامة وبعض علماء السنّة، فهو يعني أنّ دفع المال إلى الكفار حرام ولو مع كونه ذا مصلحة، وإنّما يرتفع حكم الحرمة لدى الضرورة مثل بقية المحرّمات، فمرجع هذا القول إلى القول الأوّل، أعني عدم الجواز مطلقاً، إذ القائل بالحرمة أيضاً يستثني منها حال الضرورة لا محالة.
ويقع التساؤل هنا: ما الدليل على حرمة دفع المال إلى الكفار؟
وقد ذكر العلامة له أوّلاً الآية وثانياً استلزامه الصغار، وأنت خبير بقصورهما عن الدلالة على ذلك.
أما الآية فهي قد خصّصت بدليل الهدنة، ولا يلزم أن لا تكون الهدنة جائزة مطلقاً، فبعد ما تسلّم تخصيصها بدليل الهدنة فلنرجع في تنقيح موضوع الجواز إلى أدلّتها، وقد قلنا إنّ عموم أدلّة الهدنة تشمل ما كانت مشروطة إلاّ شرطاً خالف كتاب الله، ولم يثبت كون هذا الشرط مخالفاً لكتاب الله.
وأما الصَّغار، فترد الخدشة على صغرى الاستدلال به وكبراه. أما الأولى: فلان دفع المال لا يكون صغاراً دائماً، فربّ قوي يدفع المال إلى من هو أضعف منه، دفعاً لشرّه، وفي دفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المال إلى عيينة بن حصين، لفصله عن أبي سفيان يوم الأحزاب، الذي نقله الإسكافي وبعض أهل السنّة على ما ذكر صاحب الجواهر مثالٌ واضح لذلك)[1545](.
وأما الكبرى: فلأن مطلق ما يلزم فيه الصغار لا يمكن الالتزام بحرمته، إذ رُبّ صغار يستتبع مصلحة كبيرة للإسلام والمسلمين، وحرمته في تلك الموارد غير معلومة، ولعلّ أحد أمثلته التاريخيّة ما وقع للمسلمين في وقعة الحديبيّة، حيث قبلوا ما ألزمهم به الكفار من محو بسم الله الرحمن الرحيم، وعنوان رسول الله عن اسم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وقد بارك الله تعالى في صلحهم هذا الذي تحمّلوا في طريقه مثل تلك الأمور، حتى نزل فيه قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبينا})[1546]( (على القول بنزوله في تلك الوقعة).
المسألة الثالثة: هل يجوز اقتراح الهدنة من المسلمين؟ أو يخصّ الجواز بما استدعاه الطرف الكافر؟
ظاهر الفقهاء – حيث لم يعنونوا المسألة – هو عدم الفرق بين الصورتين، إلاّ أنّ هناك أموراً ربما تُلقى على الذهن أنّ أدلّة الجواز تختصّ بصورة اقتراح الكافر. بل ربما يستفاد من بعض الأدلّة حرمة الدعوة إلى السّلم.
فنقول: أما ما يستفاد منها اختصاص المشروعية بصورة طلب الكفار لها، فقوله تعالى: {وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها}، حيث أنّ الأمر بالجنوح للسّلم وقع مشروطاً بجنوح الكفّار له، فيختصّ الجواز بهذه الصورة، إذ الأصل في معاملة الحربيّ هو الجهاد، وإنّما أدلّة الصلح تخصيصٌ لذلك الأصل، وموجب للخروج منه، فيُكتفى فيه على مقدار دلالة هذه الأدلة ولا يُتجاوز عنها.
وأمّا الآيات الآمرة باِتمام عهد الكفّار إلى مدّتهم، فهي ناظرة إلى ما وقع من العهد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والكفار، وليس فيها التعرض لكيفيّة وقوع هذه العهود، وليس في الروايات الحاكية لتلك العهود ما يوضّح لنا أنها كانت بطلب من المسلمين، فلا إطلاق فيها بالنسبة لصورة ابتداء المسلمين بدعوة الهدنة.
وممّا يترائى منه اختصاص مشروعيّة الهدنة بصورة طلب الكفار، ما سبق الاستدلال به من قول أمير المؤمينن عليه السلام في عهده للأشتر: ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوّك، لله فيه رضى … الذي نقل عنه عليه السلام في نهج البلاغة ومثله في تحف العقول ودعائم الإسلام)[1547](، وجه الاختصاص أنّ النهي إنّما هو عن دفع صلح يدعو إليه العدوّ، فالمنهيُّ أوّلاً: هو دفع الصلح، وهو عدم قبوله لا عدم اقتراحه، وثانياً: هو ردّ الصلح الذي يدعو إليه العدوّ، فهذا هو شرط مشروعيّة الصلح، وفيما عداه يبقى حكم وجوب الجهاد بحاله.
والحاصل أنّ أدلّة مشروعية الصلح بين ما هو مهملٌ ومجملٌ بالنسبة إلى شموله لصورة ابتداء المسلمين به كعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كفار عصره، والآيات الدالّة على اعتبار العهود المعقودة مع الكفّار، فلا إطلاق فيه، وبين ما فيه دلالة ما على اختصاص الحكم بصورة اقتراح العدوّ للهدنة دون غيرها، فتبقى صورة اقتراح المسلمين للصّلح خارجةً عن شمول الأدلّة وباقية تحت حكم وجوب الجهاد.
هذا كلّه مضافاً إلى ظهور الآية المباركة: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السّلم وأنتم الأعلون والله معكم} … الآية، في حرمة الدّعوة إلى الصّلح، وبناء عليه؛ فلو فرض وجود إطلاق في المقام يدل على مشروعية الصّلح في كلّ صورة من الصّور، فهو يقيّد بهذه الآية المباركة، كما هو الواضح من النسبة بين كلّ دليلين من هذا القبيل، فضلاً عن عدم إطلاق من هذا القبيل في البين.
فحاصل ما عرفت: أنّ الصّلح المشروع إنما هو ما يُقترح ويُستدعى من طرف العدو، لا غير، لأنّ غيره غير مدلول عليه بأدلّة جواز الصلح، بل مشمول لدليل النهي عنه، وهو الآية الشريفة.
هذا، ولكن ترد بعض الخدشة على ما استظهر من الأدلّة، أما آية الجنوح فلأن الجنوح بمعنى الميل، وهو أعمّ من الاقتراح، فربّ من يجنح لشيء دون أن يقترحه، فقوله تعالى: {وإن جنحوا} بمعنى أنه إن مالوا إلى السّلم فمِل أنت أيضاً إليها، وليس فيها تعرّض لمفهوم الاقتراح، وأنه من أيّ جانب لا بدّ أن يكون. فالآية – والله اعلم – بصدد بيان أصل مشروعية الصّلح وأنه مشروع فيما يميل إليه العدوّ ولا يستنكف منه، ومعلوم أنه لو لم يقبل العدوّ ولم يمل إلى الصّلح فلا يمكن الصلح للمسلمين.
ويمكن تقرير الاستدلال بنحو آخر، وهو أن يقال: إنّ شرط مشروعية الصلح بناءً على الآية هو ميل العدو، وإذا لم يمل هو، فالصلح لا يكون إلاّ بالتماس وطلب ذليل من ناحية المسلمين، وهذا هو الخارج عن المشروعيّة، لا الصلح الذي يكون باقتراح المسلمين من دون ذلّة، فجنوح العدوّ شرط طبيعي – لا شرعي – للصلح، ولعلّ وجه ذكره مع ذلك، أنّ الآية بصدد بيان أنه: إذا حصل لك فرصة التحصّل على الصّلح، بأن جنح إليه عدوّك، فلا وجه حينئذ لاستمرارك الحرب وتحمّلك أعباءها، فاجنح أنت أيضاً لها، وتوكّل على الله في آثارها وتبعاتها. فأداة الشرط هنا في الحقيقة استعملت بمعنى «اذا» التي هي أيضاً أداة أخرى للشرط، وقد سيقت لبيان الأرضية الطبيعيّة للسّلم.
وأما قوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا} فيمكن الخدشة في دلالتها بأنّ: متعلق النهي فيها ليس شيئين غير مرتبطين مع بعضهما البعض، بل شيء واحد يترتب بعضه على بعض.
بيان ذلك: أنّ وقوع شيئين في حيّز النهي يكون على وجهين، فتارةً يكون كلّ منهما متعلقاً للنهي مستقلاً كقولنا: إذا صُمت فلا تأكل ولا تشرب، وفي مثله لا بدّ من تكرار أداة النّهي، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} )[1548]( فإن الوهن والحزن أمران مستقلاّن، لا يترتب أحدهما على الآخر ولذا تكرّر ذكر أداة النهي فيهما. وتارة يكون متعلّق النهي أمراً واحداً، وإنما ذكر الشيء الآخر كنتيجة لذلك الأمر، كقولنا: إذا كنت صائماً فلا تأكل وتفطر، وفي هذا القسم فمتعلّق النهي هو الأكل، وإنما ذكر الإفطار كنتيجة له، وفي مثله لا شبهة في أنّ الشيء المذكور ثانياً هو أيضاً أمر مرغوب عنه، إلاّ أنه لم يقع متعلق النهي مستقلاً، بل ذكر حتى يعلم أنّ هذا مترتب على الأوّل ومحكوم بحكمه، ولذا لا تتكرّر فيه أداة النهى.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السّلم} فما هو الواقع في حيّز النهي هو الوهن في قبال العدو، والمراد به هو اختلال العزم على الجهاد والثبات، واستشعار الضعف والهزيمة، ثم إن الذي يترتب كنتيجة له هو الدعوة إلى السّلم، أو بعبارة أخرى: التماس السلم من العدوّ وطلبه عن موقع الضعف والوهن، وهذا – دون شك أمرٌ مرغوب عنه إلا أنّ الوقوع فيه إنما يتأتى من ناحية الأمر الأوّل الذي وقع في حيّز النهي، أعني الوهن، فالنهي عن الدعوة إلى السّلم – التي لم تجعل في حيّز النهي في ظاهر الكلام بل هي منهيٌّ عنها بقرينة المقام – إنما وقع تبعاً للنهي عن الوهن. وعلى هذا فحاصل مراد الآية – والله أعلم -: فلا تهنوا حتى ينتهي بكم الوهنُ إلى الدعوة إلى السّلم، ويستفاد منه أنّ الدعوة إلى السلم إذا كانت ناشئةً عن الوهن فهو مبغوض للشارع، وهو كذلك اعتباراً، إذ ليس شيء أضرّ بكرامة الإسلام وعزّة المسلمين من مثل هذه الدعوة التي هي في الحقيقة التماس للصلح وسؤال له من موقع ذليل لا يناسب شأن الإسلام والمسلمين. لكن أين هذا من حرمة الدعوة إلى الصلح مطلقاً؟ وقد عرفت أن طلب الصلح ربما يكون عن رفعة وعزة وقدرة، فليس الصلح دائماً ممّا يحتاج إليه الضعفاء، بل ربّ قوّي يطلب الصلح ويراه مصلحة له، والمثال الواضح لذلك ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اقتراحه الصّلح على عيينة بن حصين في مقابل مال كثير، مع كونه صلى الله عليه وآله وسلم أقوى منه بكثير. وبناءً عليه فلا دلالة في الآية الشريفة على ما ادُّعي من حرمة السلم إذا كان ابتداءً من المسلمين وبطلب منهم مطلقاُ.
ويؤيّد ما استظهرناه من الآية تعقّب النهي بقوله تعالى: {وأنتم الأعلون} الذي ذكر بمثابة علّة لذلك النهي. فإنّ العلّة إنما تُناسب عدم الوهن وعدم الطلب الناشئ منه، ولا يناسب الدعوة إلى السّلم إذا لم تكن ناشئة عن الوهن والضعف كما لا يخفى.
وأما قول أمير المؤمنين عليه السلام: ولا تدفعنّ .. الخ، فالأمر فيه أوضح، إذ ذكر دعوة العدوّ للصلح ليس لبيان شرط جوازه، بل هو بيان لوجه أمره عليه السلام لقبول الصّلح، وذلك بقرينة ما تعقّبه من الجمل، أعني قوله عليه السلام: فإن في الصّلح دعةً لجنودك وراحةً من همومك وأمناً لبلادك … الحديث. فهو بمثابة أن يقال: إذا دعاك العدوّ بنفسه إلى الصّلح فما الوجه في استمرار القتال ودفع مثل هذا الصّلح؟ مع أنّ فيه من المنافع كذا وكذا …
وإن أبيت إلاّ التأكيد على دلالة هذا الحديث على مشروعيّة الصلح الذي له هذه الصفة، فدلالته على عدم جواز غيره من الصلح لا يكون إلا بناءً على اعتبار مفهوم الوصف أو اللقب وهو كما ترى.
وحاصل الجميع أنّ الهدنة جائزة؛ سواء كانت باستدعاء واقتراح من الكافر أو بطلب ودعوة من المسلم، من غير فرق بينهما. نعم إذا كانت متوقفة على ذلّة المؤمنين وكسر شأنهم وعزّتهم فلا تجوز بمقتضى ما استظهرناه من الآيتين الكريمتين، ولا يُجوّز مثل ذاك الصلح كونه ذا مصلحة، إذ كما قلنا سابقاً أنّ إطلاقات أدلّة الأحكام الشرعية لا تقيّد بالمصالح التي نستشعرها في القضيّة، فالمصلحة في الحرام لا ترفع حرمته، والمصلحة في ترك الواجب لا توجب رفع الوجوب، نعم تقيّد أدلّة الأحكام بالاضطرار حيث أنّ دليله حاكم على أدلّة الأحكام كما هو معلوم ومبيّنٌ في محله.
المسألة الرابعة: في موارد جواز نقض الهدنة
وهذا يعني التسلّم لحرمة نقض الهدنة التي وقعت صحيحةً، وقد مرّت في الفصل الرّابع أدلّة حرمة الغدر الذي هو بمعنى نقض العهود والقرارات المتّخذة مع العدوّ، وعدّدنا تلك الأدلّة كتاباً وسنّةً وغيرهما، بل أشرنا هناك أنّ القدر المتيقّن والمنصوص عليه في بعض آيات الذكر الحكيم هو نقض عهدالهدنة، وإنّما يصارُ إلى الحكم المزبور في العهود الأخرى من باب إلغاء الخصوصيّة، وذلك مثل قوله تعالى: {إلاّ الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً} … الآية، وقوله تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} … الآية)[1549]( والروايات مذكورةٌ في الباب ٢١ من أبواب جهاد العدوّ من كتاب الوسائل فراجع.
وقد ذكر العلاّمة في التذكرة حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من كان بينه وبين قوم عهدٌ فلا يشدّ عقدةً ولا يحلّها حتى تنقضي مدّتها أو يُنبذَ إليهم على سواء» )[1550]( .
ثم بعد تسليم حرمة نقض الهدنة نقول: لا شبهة ولا خلاف في أنّ نقض الهدنة يكون جائزاً إذا ابتدأ العدوّ بنقضها، وذلك أولاً بمقتضى نفس أدلّة اعتبار العهود مع العدو، حيث جعل اعتبارها فيها مغيّى برعاية العدوّ لها، مثل قوله تعالى: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} بل لأنّ نقض العدوّ للعهد يوجب انتفاء ما كان الوفاء به واجباً، لأنّ العهد القائم بين طرفين، أمرٌ اعتباري يدوم بدوام كل منهما له، فإذا نقضه أحدهما زال وانتفى الأمر القائم في البين، فينتفي بالنقض من أحد الطرفين، موضوع وجوب الوفاء من الطرف الآخر فتأمّل.
وثانياً لقوله تعالى: {وإمّا تخافنّ من قوم خيانةً فانبذ إليهم على سواء، إنّ الله لا يحبّ الخائنين} )[1551]( والحكم في الجملة من المسلّمات كما يساعده الاعتبار في مقتضى حفظ مصالح الإسلام والمسلمين. إلاّ أنّ هنا بعض الفروع المذكورة في كلمات الفقهاء لعلّها محتاجة إلى البيان.
الاّول: أنّ الخوف في الآية ليس بمعنى ما يحصل في نفس وليّ الأمر، بصرف ظنّ مجرّد عن الشواهد والقرائن، بل هو ما تؤكّده القرائن، صرّح بذلك العلاّمة في التذكرة والقواعد)[1552](، قال في التذكرة: ولا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتى يكون عن أمارة تدلّ على ما خافه، ولا تنتقض الهدنة بنفس الخوف، بل للإمام نقضها الخ)[1553](. وقال في القواعد: ولو استشعر الإمام خيانةً جاز له أن ينبذ العهد إليهم وينذرهم، ولا يجوز نبذ العهد بمجرّد التهمة – انتهى ما في القواعد )[1554]( على ما نقله عنه في الجواهرـ وعلّق عليه صاحب الجواهر قوله: وهو كذلك، ضرورة وجوب الوفاء لهم، بخلاف ما إذا خاف منهم الخيانة لأمور استشعرها منهم، فإنه ينبذ العهد حينئذ لقوله تعالى: {وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء، إنّ الله لا يحب الخائنين} )[1555](.
أقول: أما عدم كفاية الخوف بمعنى الحاصل بالتّهمة، فهو ما يحكم به الاعتبار، إذ نقض العهد والرجوع إلى حالة الحرب بمجرّد التهمة، يجعل غالب عهود الهدنة كاللّغو، فإنّ مثل هذا الخوف متوفّر غالباً – إن لم نقل دائماً – في مقابلة الأعداء، ولعلّه المستفاد من التأكيد في قوله تعالى: {وإمّا تخافنّ}.
وأما ما في التذكرة من أنّ ذلك لا يوجب انتقاض العهد بنفسه، بل يوجب حقّ النقض للإمام، فهو أيضاً ممّا يساعده الاعتبار بل يحكم به، إذ ربما لا يكون النقض العملي موافقاً لمصلحة المسلمين، فاللاّزم هو نبذ العهد بمعنى إعلام العدوّ بأنه ليس في ما بعدُ عهدٌ في البين، بل يمكن أن يقال إنّ النبذ أيضاً ليس بواجب، بل الأمر في قوله تعالى: {فانبذ إليهم} بمعنى جواز ذلك لإمام المسلمين لا وجوبه عليه، فيجوز له حين استشعاره الخيانة وحصول الخوف، أن ينبذ إليهم على سواء، وإن كان ذلك بعيداً عن ظاهر الكلام، وأما النقض عملاً فهو تابع للمصلحة والإمام مختار فيه. مضافاً إلى أنّ هذا هو مفاد الآية الكريمة، إذ النبذ في قوله تعالى: {فانبذ إليهم على سواء}، ليس بمعنى النقض، بل بمعنى نبذ العهد إليهم الذي يوجب إعلامهم بأنّ العهد القائم بينهم قد انتفى وانتهى وليس فيما بينهم وبين المسلمين عهد بعد ذلك. ولذا قال في القواعد بعد قوله: جاز له أن ينبذ العهد إليهم: وينذرهم )[1556](.
ثم إن عبارة القواعد فيما طبع منه في عداد «الينابيع الفقهية» وكذا في متن جامع المقاصد، هكذا: ولا يجوز نبذ الجزية بمجرد التهمة )[1557]( .. بدل: نبذ العهد … (كما في الجواهر) وعلى هذا فالعبارة مسوقة لبيان الفرق بين الجزية والهدنة، وإن الجزية لا تنبذ بمجرد الخوف، وقد تصدى الكركي في شرحه، لبيان ما قيل في وجه الفرق بينهما والمناقشة فيه، والظاهر أنّ إشارته لما قيل، إلى قول العلاّمة نفسه في التذكرة فراجع.
وبناءً على هذا، فإما أن يراد من التهمة، أعمّ من الخوف المقارن لقرينة، لا خصوص التهمة الصِّرفة وتكون النتيجة أنّ: عقد الجزية لا يُنبذ بمجرّد الخوف وإن كانت هناك قرائن تؤيّده، بخلاف الهدنة فإنها تنبذ مع الخوف المقارن للقرائن، وإما أن يقال: إنّ نظره في القواعد إلى أنّ مجرد التهمة في باب الهدنة يكفي لنبذ العهد وتكون النتيجة انّ التهمة الصِرفة، توجب نبذ الهدنة، دون عقد الجزية. والثاني بعيد جداً، وإن كان الأوّل مستلزماً لتكلّف في العبارة.
وحاصل الكلام في ما تنتهي به الهدنة أنّه: لو نقض العدوّ عملياً العهد، بأن شرع في الحملة، فلا شبهة في جواز مقابلته بالمثل، وهذا إمّا من باب الدفاع، أو انتفاء ما يوجب الكفّ عن العدوّ كالعهد.
وأما لو لم ينقضه عملياً، بل عمل ما يُخاف معه على العهد، بمعنى صدور ما يمكن أن تُعدَّ قرينة على خيانته، فيجوز أو يجب نبذ العهد إليهم، بمعنى إعلامهم بأنّ العهد قد انتهى، وليس بينهم وبين المؤمنين ما يمنع عن وقوع الحرب، ومقتضى الارتكاز العرفي حينئذٍ أنه لو تمكّن العدوّ من إثبات أنّ الإمام قد أخطأ في فهم ما حسبه قرينة على الخيانة، وأنه لم يكن بصددها ولم يعمل لها أبداً، واقتنع الإمام بذلك، فالأمر يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك وتكون الهدنة بحالها، ولا يلزم تجديد العقد ثانياً.
وأمّا لو لم يكن هناك قرينة على الخيانة من أوّل الأمر، بل حصل للإمام خوفٌ بغير قرينة، فالحكم بقاء الهدنة من أول الأمر.
الثاني: لو نقضوا العهد ثم تابوا عنه، نقل العلاّمة في التذكرة عن ابن الجنيد: القبول منهم، ولم يعلّق عليه هو بنفسه، وعلّق عليه صاحب الجواهر بقوله: ولا بأس به. إلاّ أن مقتضى القاعدة عدم القبول، لأنّ العهد السابق قد انتقض بخيانتهم، والعهد الجديد يحتاج إلى عقد جديد. وبهذا يفرّق بين هذا الفرض وبين ما ذكرنا آنفاً، من صورة خطأ الإمام في استشعار الخيانة منهم، حيث أنّ العقد السابق كان باقياً بحاله هناك، دونه هنا. نعم يمكن أن يختار الإمام عدم الهجوم عليهم إذا رأى ذلك مصلحة للمسلمين.
الثالث: الخيانة تحصل بفعل الرئيس المطاع في جبهة العدوّ، أو بإمضائه أو تسبيبه. وأما فعل البعض ممّن لا يملك الخيار في أمر الحرب والصلح مع عدم تدخّل الرئيس المطاع، فلا يؤثر شيئاً في ما تمّ بين الدولتين. فما في كلام العلاّمة وغيره، من أنّه في صورة نقض البعض، إن كان الباقون راضين أو ساكتين، كانوا ناقضين جميعاً وإما إن كانوا متبرّئين أو معتزلين، كان العهد باقياً بالنسبة إليهم، فلا بدّ أن يعتبر خروجاً عن مفروض الكلام في باب الهدنة ـ إذ عقد الهدنة – كما سبق منّا في تعريفها – إنما ينعقد بين دولة الإسلام والدولة المخاصمة وما بحكمها، لا بينها وبين آحاد الناس، كما هو الحال في عقد الذمّة. فلا معنى إذاً لتأثير غير الدّولة في ما انعقد بين الدّولتين. نعم، خيانة المهادن لا تنحصر في مباشرة الرئيس لها، بل تحصل أيضاً بتسبيبه لها، أو إمضائه الصادر عن بعض رعيّته منها. وأمّا رضاه غير المقترن بالتسبيب أو الإمضاء، فلا دليل على لحوق حكمه بهما، إذ الرّضا أمر قلبيّ لا تُناط به الأحكام المترتبة على أفعال النّاس في معاملة بعضهم البعض، لا سيّما الأحكام الجزائية وما شابهها وجرى مجراها، فالرضا بصدور الحرام المستوجب للحدّ الشرعي عن أحد، لايوجب حدّاً ولا تعزيراً على الراضي. نعم، هو أمر قبيح فيما بينه وبين الله، وتختلف مراتب حزازته وقبحه بحسب مراتب الفعل المحرّم المرضيّ له، فلا يبعد أن يكون في بعض مراتبه حراماً، بل كائناً في عداد الموبقات، كالرّضا بقتل الأنبياء والأوصياء وعباد الله الصالحين، طبعاً فيما لم يكلّف هذا الراضي بالمنع والردع والنهي عن صدور هذه الكبيرة الموبقة، لعدم القدرة وأمثاله.
والحاصل أنّ الرضا بالخيانة، سواء المنقدح في نفس الرئيس وغيره، لا يسبّب شيئاً في أمر الهدنة القائمة بينه وبين الدّولة الإسلاميّة، ما لم يصل إلى حدّ يعتبر في نظر الإمام إمضاءً أو تسبيباً لما صدر عن البعض، كما إذا أعلن رضاه وأشار به وأشاعه بين الناس.
ثم إنّ خيانة البعض وإن كانت غير مؤثرة في أصل العقد القائم بين الدولتين، إلاّ أنها موجبة لبعض الأحكام بالنسبة إلى نفس الخائن لا محالة، بمعنى أنّ هذه الصّادرة منه جريمة لا بد أن يعتبر لها تبعاتها القانونيّة. والذي لا يبعد عن الاعتبار العقلائي، بل عن الارتكاز المتشرّعي، هو أن يكلّف رئيس الجبهة المهادنة، بتأديبه وجزائه حسب ما تقدّر به الجريمة الصادرة منه، من جهة الشدة والخفّة، والخطورة والسهولة. فإن لم يفعل ما يكلّف، عامَلَ الإمام، ذاك البعض الناقض، معاملة الحربيّ. ولا يخفى أنّ الظروف الملابسة لذلك سوف تختلف في الأزمنة والأمكنة المختلفة، فلا مناص من القول بأنّ الإمام يختار ما يرى فيه مصلحة المسلمين، ويجده مناسباً للظروف والملابسات القائمة عندئذ. والله العالم.
الرابع: قال في الجواهر – تبعاً للعلاّمة في غير واحد من كتبه – : إنّ الواجب ردّ المهادنين إلى مأمنهم بعد ما انتقض عهدهم، إذا فرض صيرورتهم بين المسلمين. والظاهر منه أنّ هذا الحكم يشمل ما لو كان نقض العهد من قِبلهم وبخيانتهم، بل يشمل نفس الخائن الذي انتقضت الهدنة بفعله .. ولعلّ عدم ذكره لمستند على ذلك يحكى عن كون الحكم عنده من الواضحات. وأما العلاّمة فإنّه أوّلاً: فصّل بين ما إذا كان الداخل منهم في حوزة المسلمين، لم يصدر منه ما يوجب حقاً عليه، كإيواء عين العدوّ والإخبار بخبر المسلمين والاِطّلاع على عوراتهم، أو قتل نفس منهم وأمثال ذلك، فيردّه الإمام إلى مأمنه، وبين من صدر منه ذلك فيستوفي منه الحق. وثانياً: استدلّ على ما ادّعاه بأنّ الداخل على المسلمين، دخل بأمانهم فيجب ردّه وإلاّ كان ذلك خيانة من المسلمين.
أقول: إن كان مرادهما إدراج المورد في عنوان الأمان – كما لعلّه الظاهر منهما – فيكون ما استند إليه العلاّمة من وجوب الرّد إلى المأمن، تمسّكاً بقول الله تعالى في باب الأمان: {ثم أبلغه مأمنه})[1558]( فهو، وإلاّ فالحكم بوجوب الردّ إلى المأمن استناداً إلى حرمة الخيانة محلّ تأمّل. وذلك لأنّ صدق عنوان الخيانة على ما يعتبر جزاءً لارتكاب الخيانة من العدوّ المهادن، غير سديد. نعم، بالنسبة إلى غير مرتكب الخيانة من الأعداء بالذّات، وهكذا المعاونون له بل المطّلعون على نيّته الفاسدة والراضون بها، لا يبعد القول بأنّ وجوب ردّهم إلى مأمنهم، ممّا يرتكز عليه الذهن المتشرّعي، وإن لم يدلّ عليه دليل لفظيٌّ بالخصوص. وذلك طبعاً بعد الاعتراف بأنّ المورد ليس من مصاديق الأمان، وذلك لتغايرهما موضوعاً وحكماً، ويتضح ذلك بمراجعة ما ذكرناه في تعريف العنوانين (أي الهدنة والأمان) والوجوه الفارقة لكلّ منهما خاصّة. إلاّ أنّ ملاحظة مجموع ما ورد في الأدلّة وما أفتى به الفقهاء في شتى الأبواب، بالنسبة إلى معاملة العدوّ في غير ميدان الحرب، تقرّب إلى الذهن أنّ ما ذكره العلاّمة وصاحب الجواهر من وجوب الردّ إلى المأمن، ليس بعيداً في الجملة عن المستفاد من الأدلّة الشرعية، وعن مرتكز أهل الشّرع. فليرجَع إلى مستند ما أفتوا به في باب شبهة الأمان، وفي حكم من كان في حصنه من الكفار، فسمع صوتاً وتوهمه أماناً، وغير ذلك من الموارد. مضافاً إلى أنّ ذلك أقرب إلى الاحتياط في باب النفوس والدماء، الذي لا يختصّ بما يتعلق منها بالمسلمين، وقد مرّ الكلام عن ذلك في بعض المباحث السابقة.
هذه نهاية ما ألقيناه في الدرس في هذا الباب، وقد راجعنا ما كتبناه سابقاً ونقّحناه وأضفنا إليه شيئاً يسيراً ممّا فات عنّا عندئذٍ. وهناك بعض الفروع الأخرى التي يحتاج التصدي لها وبيان ما هو التحقيق فيها إلى وقت أوسـع. ولله الحمد أولا وآخراً.
السيد علي الخامنئي
يادكار
اسم مجلة أصدرها في طهران الباحث الإيراني عباس إقبال المولود سنة 1314هـ والمتوفى سنة 1374. وقد صدر أول عدد منها سنة 1365هـ واستمرت في الصدور خمس سنوات. وكانت في رأس المجلات الإيرانية في عهدها، تتفرد بالتحقيقات والمباحث المطولة وتكاد تكون من دفتها حتى دفتها أبواباً مقسمة يختص كل باب منها بنوع أدبي أو علمي واحد، مثال ذلك: (تحقيقات أدبية) و(صفحة من تاريخ المشروطة)، (ونسخ خطية) ثم (مسائل اليوم) وهو الباب الوحيد الذي يطرق مختلف النواحي الاجتماعية وكان يكتبه صاحب المجلة بنفسه في كل عدد، وغير ذلك من أبواب عديدة.
الياقوت
اسم كتاب لأبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت.
أول من شرح هذا الكتاب عبد الحميد بن محمد المدائني المعروف بابن أبي الحديد، ثم شرحه العلامة الحلي وسماه أنوار الملكوت في شرح الياقوت وحققه السيد محمد النجمي الزنجاني وطبع في جامعة طهران وأعيد طبعه بالأوفست في قم ومع ذلك وجد فيه أخطاء كثيرة.
ومن الجدير بالذكر أن المقارنة بين المباحث الكلامية المطروحة في كتابي الياقوت ونهج المسترشدين للعلامة الحلي ترشدنا إلى أن العلامة كان إلى حدٍ كبير متأثراً بابن نوبخت وأسلوبه البياني في كتاب الياقوت. وشرح أنوار الملكوت السيد عميد الدين الأعرجي الحلّي.
ثم شرح الياقوت أيضاً الشيخ شهاب الدين إسماعيل ابن الشيخ شرف الدين أبي عبدالله الحسين العاملي وسماه أرجوزة في شرح الياقوت.
الياقوت الأزرق
في أعلام الحويزة والدورق
الحويزة والدورق من الحواضر العربية في إقليم خوزستان برز منها الكثير من أعلام الفكر والأدب.
وقد قام السيد هادي باليل بكتابة تاريخ تلك المنطقة وتراجم رجالها بعد أن عكف على البحث والمطالعة سنين طويلة، وسمى ما كتبه بالإسم المذكور.
ولا تزال هذه الموسوعة الفريدة مخطوطة.
- () هكذا وردت اللفظة في معجم البلدان بكل طبعاته. وجاءت في مراصد الاطلاع (ديله كودك)، ولعلّها (دجلة كوجك)، وتعني دجلة الصغيرة في اللغة الفارسية المعاصرة، إلا أن تكون كذلك في لغة الفرس يومذاك. ↑
- () الجريب في القياسات القديمة للمساحات يعني كما حققه بعض الباحثين، وهو الدكتور أحمد سوسه (1384) متراً مربعاً. فإن صح هذا التقدير فإن مساحة (قصر سميكة) هي ألفان وخمسون مشارة تقريباً. أما الدكتور عبد العزز الدوري فيقدر الجريب بـ1592م2 (مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد العشرون، ص 9). ↑
- () أكرّر أن أقساماً كثيرة، من هذا البحث كُتبت قبل ربع قرن أو أكثر، ومنها هذا القسم عن (بلد) الذي سبق نشره بشكل أوسع في مجلة (الدليل) النجفية في الأربعينات، والمعلومات التي فيها تشير إلى تلك الفترة. وآثرت هنا الاختصار على قدر تعلق الأمر باستكمال البحث عن أبي جعفر (ع). ↑
- () الحاج مصطفى كبّة من تجار العراق وملاكي الأراضي الزراعية، ولد سنة 1255هـ/1839م، وتوفي سنة 1333هـ/1914م. (تعليقة القزويني). ↑
- () الكرام البررة، 1: 92. ↑
- () أعيان الشيعة، ج46، ص 33. ↑
- () طبع بطهران 1229هـ 1808م. ↑
- () الأمين، 15: 197. ↑
- () طبع «فلك النجاة» بمدينة تبريز سنة 1297هـ/1880م، وأعيد طبعه سنة 1298هـ/1881م مرة أخرى. وهو رسالة فقهية كتبها مؤلفها لعمل المقلدين، ضمّنها كتاب (المزار) في تعيين قبور الأئمة وأولادهم. توفي السيد مهدي القزويني سنة 1300 هـ/1883م، (تعليقة القزويني). ↑
- () إسماعيل حقي فرج الموصلي (1310 ـ 1367هـ/1892 ـ 1948م) اشتهر بنظم الملاحم التاريخية شعراً. وله من المؤلفات القضاء الإسلامي وتاريخه (طبع سنة 1949م بعد وفاته بعام واحد)، وكتاب «كشف الغمامة في نجاة ما كتب على الرخامة» (تعليقة القزويني). ↑
- () يقول جودت القزويني: حدّثني السيد موسى الموسوي الهندي أن هذه المطارحات التاريخية كان قد اقتبسها العلامة الشيخ محمد علي الأردوبادي دون الإشارة إلى مصدرها. ولم يشأ السيد موسى أن يذكره بالاسم، بل اكتفى بالرمز. والواقع أني لم أقف على أصول المقالات المنشورة بمجلة (الجزيرة) لغرض مقارنتها مع ما كتبه الأردوبادي في كتابه المشار إليه. ↑
- () هنا إشارة من المؤلف أن الاقتباسات التاريخية التي ذكرها الشيخ الأردوبادي في رسالته عن السيد محمد سبع الدجيل هي من جملة مقالاته التي نشرها بمجلة الجزيرة. ↑
- () أرشدني آية الله الحجة السيد أبو القاسم الخوئي (حفظه الله) إلى كتابه (البيان) في التفسير وقال (إن مسألة البداء موجودة فيه بشكل موسع). وكان ذلك في رسالته إليّ بتاريخ 20 شهر رمضان 1396. كما أشار في رسالة أخرى مؤرخة في 25 شهر رمضان إلى أن له كتاباً آخر هو (أجود التقريرات) ذكر فيه أيضاً بحث البداء مفصّلاً. أطال الله عمره وحفظه، على اهتمامه في الرد على رسالتي إليه برسالتين بينهما خمسة أيام. (توفي السيد أبو القاسم الخوئي في 8 صفر 1412هـ). ↑
- () أشار الأستاذ النسّابة السيد عبد الستار الحسني البغدادي (في رسالة منه إلي) إلى أن أبا جعفر لم يعقب سوى بنتين. وقد أورد ذلك أيضاً الأستاذ الفاضل السيد مهدي الوردي النسابة في كتابه (الدوحة النبوية). وكلا السيدين ـ كما يبدو ـ استعان بما نقله ابن مهنا العبيدلي النسابة من أهل القرن السابع الهجري.وأنا وإن لم أتعصّب لرأي سبق لي أن نقلته عن بعض المصادر المتيسرة لي يوم أعددت هذا البحث، إلا أن ابن المهنا المذكور ليس بذلك الثبت الذي لا يطال أقواله التشكيك. أفليس هو القائل بأنّ قبر أبي جعفر محمد بن علي الهادي في (بلد) الموصل؟! فتأمل. ↑
- () السيد صادق الهندي (والد مؤلف الكتاب السيد موسى الموسوي) من علماء الإسلام الربانيين، صاحب ثقافة وأدب، أقام (14) عاماً بمدينة (بلد) عالماً مرشداً (1346هـ ـ 1360هـ/1928 ـ 1941م) وله مآثر فيها. وما زالت مدينة بلد متعطرة بشذى ذكراه. توفي سنة 1384هـ/1964م. (تعليقة القزويني). ↑
- () ديوان الشريف المرتضى، 1: 103 ـ 105. ↑
- () إشارة إلى كتابه النفيس (مصادر نهج البلاغة وأسانيده) وهو فتح دخل به التاريخ كواحد من أبرز الباحثين المحققين. ↑
- () وبكتابه آنف الذكر قطع دابر الشكوك والشبهات التي كانت تُثار حول النهج، وأثبت أنّ نصوصه موجودة في مصادر ألفت قبل أن يولد الشريف الرضي فكيف يكون (النهج) من نتاجه؟ ↑
- () إشارة إلى شرحه المزجي لكتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي في (ثمانية أجزاء). ↑
- () حقّق (ره) كتاب الشافي في الإمامة للشريف المرتضى (علم الهدى). ↑
- () اختصرتُ هذه الترجمة عن كتابي (أعلام الأدب المنسي بالعراق في القرن العشرين) وقد أودعت الكثير من شعره في أغراض عديدة، كما فصّلت بعض الشيء عن منحاه السياسي، وبعض نوادره الأدبية. ↑
- () عندما اطلعتُ على هذه المجموعة كتبتُ على صفحتها الأولى هذين البيتين تقريضاً لها، وذلك في 17 رمضان سنة 1396هـ/1976م.مجموعة كالبحر موصوفة
لكنها دائمة المد
نمّقها الباقرُ كيما نرى
في طيّها عجائب الهند(ي)
نقلاً عن (الروض الخميل) ـ الجزء الثاني. ↑
- () طبع ديوان السيد باقر الهندي باهتمام الدكتور عبد الصاحب الموسوي (قم، 1996م). ↑
- () طُبعت رسالة «الميزان العادل» سنة 1913م، وأثعيد نشرُها في مدينة قم سنة 1995م. ↑
- () آل أحميد عشيرة كبيرة يرأسها يوسف الخير الله أبو موحان. ↑
- () بني ركاب كذلك عشيرة كبيرة يسكنون الجانب الأيمن من الغراف من حدود الحي إلى الشطرة. ↑
- () خفاجة عشيرة كبيرة مجاورة لقبيلة العبودة في الجنوب إلى قرب الناصرية. ↑
- () عمر لطفي من أركان الاتحاديين ولما قتل أقيمت له فاتحة في البلاط العثماني. ↑
- () جاويد باشا قائد الفيلق السادس «اللتجي اوراى» وقد حارب الإنكليز في بادئ الأمر. ↑
- () ربيعة هذا الاسم يطلق على الإمارة ومياح الذين يترأسهم عبد الله الياسين والسراج رئيسهم قصاب. ↑
- () لما وقعت الحرب بين الحكومة وخيون قبل هذا بنيت مخافر في أطراف البلدة ووضعت بها مفارز من الجيش وكل مفرزة بضعة أنفار وضابط أما الرديف هو جنود احتياط. ↑
- () دون مقاومة من الجيش أو الشرطة. ↑
- () الصديفة هي مزرعة خيون ومحل سكناه. ↑
- () لما انتشر الخبر بسقوط البصرة ونهب السراي والثكنة هجم على الشطرة أفراد من العشائر لأجل النهب لأنه جرى مثلها من قبل ونهبت الأسواق وبعض الدور. ↑
- () تحثهم. قد استجاب جماعة وتهيأوا للمسير إلى البصرة غير أن خبر قتل أحد القائمين لا لأنه تهيأ للجهاد ولكن للعداء الذي بينهما كما قتل شخص آخر لم يتحرك للجهاد وكذلك للعداء الذي بينهما. ↑
- () أعجمي بن سعدون بن منصور من رؤساء آل سعدون ولكن الزعامة يومئذ إلى عبدالله بيك بن فالح باشا الناصر آل سعدون. ↑
- () هو خيون العبيد ركب مع جماعة حتى وصل ظهر الناصرية وأوجس خيفة وطلب حضور أعجمي خارج البلدة. ↑
- () الشعيبة تلال تقع قرب البصرة اتخذها الإنكليز مقراً لجيوشهم. ↑
- () الأستانة هي اسطنبول عاصمة العثمانيين يومئذ وتسمى فروق لأنها بين آسيا وأوروبا. ↑
- () لقد جرت عدة وقائع عندنا مثلاً يخرج الجيش لحرب العشائر فإذا انكسر يرجع إلى البلدة فيصب انتقامه على الأهلين الآمنين شأن كل حكومة ضعيفة. ↑
- () السناف اسم الهور من السوق إلى القرنة. ↑
- () اعلوي شريعة على الهور. ↑
- () عجيل «عقيل» رئيس عشيرة آل طربوش فرقة من خفاجة الغراف. ↑
- () من جملة الهوسات التي هوسها بني مالك على آل أجود هج دين ابن أجود يلـﮔونه أي أنهم جعلوا الراجعين كالكلب الذي يهج في البراري. فكبر على جميع آل أجود وهم من بني ركاب آل احميد والعبودة وخفاجة وبني زيد وآل ازيرج وعرب الشامية. ↑
- () لما استولى آل سعدون على بلاد المنتفك واستتب لهم الأمر قسموا بلاد المنتفك إلى ثلاثة ألوية أو معسكرات وهم آل أجود وبني مالك وبني سعيد فآل أجود هم عشائر الغراف والناصرية إلى حدود السماوة وعشائر الشامية «البر» ورؤساؤهم يومذاك هم آل اوثال «بالثاء المثلثة» وهم أجداد أسرة آل شيخ حيدر في سوق الشيوخ غير أن أحد زعماء السعدون سخط على زعيم آل أوثال فعزله عن منصبه ونصب بمكانه أعرار المناع وهم من عكيل نجد وهم أسرة آل مناع. وأما بني مالك هم جميع القبائل الساكنين في حدود الناصرية إلى البصرة والزعامة كانت لابن خصيفة وكذلك غضب عليه شيخ المنتفك ونصب بمكانه أحد رؤساء البو صالح ورئيسهم يومئذ بدر الرميض أما الثالث هم بني سعيد القاطنين في ناحية الدواية التابعة لقضاء الشطرة وهم بني سعيد ورؤساؤهم المشاي وآل عيسى وآل بزون والدريع وعشائر جزيرة السيد أحمد الرفاعي من حدود الدواية إلى حدود لواء العمارة وواسط وهو أصغر الأثلاث فإذا نشبت حرب بين المنتفك ومجاوريهم ترفع ثلاثة ألوية ولواء آل أجود أقدمهم لأن آل سعدون يكونون بجنب راية آل أجود وكثيراً ما يقع التنافس بين الأثلاث الثلاثة (اه). ↑
- () مواقعه. ↑
- () البرجسية هي آبار واثل لأهل الزبير يزرعون عليها الخضر. ↑
- () الفيشية: شريعة على ساحل وفيها جامع وبعض الأبنية وقد اتخذه الأتراك في الحرب مخزناً للذخائر، والعتاد. ↑
- () هكذا ورد البيت في المقالة. وفي الأصل: «وقبل سؤالي عنه في القوم ما اسمه»، ينظر: ديوان الشريف الرضي، ج2، ص 396. ↑
- () هكذا أبدلته الشاعرة، والأصل هو «كان الغريبة في الأنام». ↑
- () يبدو أنّ (كان) هنا هي التامة التي تكتفي بمرفوعها فقط. وفي الأصل (جبانٌ كان أو بطل)، وقد أبدلت الشاعرة حرف العطف (أو) بـ (أم) المعادلة. ↑
- () هكذا أوردت لميعة عباس عمارة البيت. وفي الأصل «أخلّت السبعةُ العُليا طرائقها». ↑
- () أثبتت الكاتبة البيت هكذا (عليّ صليفي) بدلاً من (عليه). والصليف هي صفحة العنق كما ورد في التعريف بها في هامش ديوان الشريف الرضي، ج2، ص 29. ↑
- () من المستبعد كما أُشيع في أغلب الدراسات التي تناولت الشريف الرضي أنّه كان يطمح للوصول إلى السلطة المتمثلة (بالخلافة) فلم يكن صراع الشريف الرضي صراعاً على السلطة، خصوصاً على سلطة الخليفة العباسي. وأن ما عبّر عنه الشريف من طموح يمكن أن يُفسر باعتداده بنفسه ومكانته الاجتماعية، مضافاً إلى ملكاته العلمية في مجالات علوم عصره. وإذا كان فرض طموحه لتسلّم زمام السلطة صحيحاً، فالصراع لم يكن على منصب الخليفة العباسي، وإنما هو قائم على منصب الحاكم البويهي نفسه. لأن الشريف الرضي كان يعتبر البويهيين هم صنيعة جده لأمه الحسن الأطروش الذي فتح بلاد الديلم، وأسلم بنو بويه على يديه.إن صراع البويهيين على السلطة فيما بينهم، وتداخل الأمور السياسية تداخلاً معقداً، واعتقال والد الرضي الشريف أبي أحمد الحسين الموسوي، ونفيه إلى شيراز سنة 369هـ كل هذه الأمور جعلت الأسباب والنتائج تخضعُ للتفسيرات المحمّلة بالافتراضات. (جودت القزويني) ↑
- () هكذا ورد البيت في المقالة. وفي ديوان الشريف الرضي «العشاق» بدل «المشتاق». ↑
- () القصة مقاطعة من أراضي آل أبي سعد. ↑
- () وصل سوق الشيوخ واتخذها مركزاً ومن ثم حاصرته القبائل حتى كانت له صداقة مع علي الشعرباف وصار يموّن جيشه. ↑
- () يدعى الآن الموفقية. ↑
- () رستم بك بابان. ↑
- () من أهالي طوزخورماتو. ↑
- () القول أغاسي ـ رئيس أول. ↑
- () وكان ذلك في شهر رمضان 1326. ↑
- () النوري، مستدرك الوسائل، ج3، (قم، 1321هـ)، ص 516. ↑
- () ابن كثير، الكامل في التاريخ، ج7، ص 217. ↑
- () المدني، الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، ص 459. ↑
- () القمي، الكنى والألقاب، ج1، ص 424، والمنتظم، ج7، ص 177. ↑
- () الثعالبي، يتيمة الدهر، ج1، ص 53. ↑
- () ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص 3. ↑
- () الطهراني، الذريعة، ج6، ص 314. ↑
- () نعمة، عبدالله، فلاسفة الشيعة، (بيروت، 1987م)، ص 338. ↑
- () رسائل الشريف المرتضى، ج2، ص 89 ـ 96. ↑
- () ترجم W. Madelung هذه الرسالة إلى الإنكليزية تحت عنوان «مسألة في العمل للسلطان». وبهذا الخصوص يُراجع:Madelung, A Treatise of the Sharif al-Murtada on the Legality of Working for Government, BSOAS, XLIII, 1980.
ويُنظر أيضاً تقديم نص (مسألة في عمل السلطان) للشريف المرتضى، ترجمة الدكتور رضوان السيد، مجلة (الفكر العربي)، العدد (23)، بيروت، 1981م، وهو ترجمة مع دراسة لعمل مادلونغ Madelung. ↑
- () رسائل الشريف المرتضى، ج1، ص 271. ↑
- () المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة، ج2، ص 308. والمحقق، المعارج، ص 310. ↑
- () رسائل الشريف المرتضى، ج3، ص 9. ↑
- () رسائل الشريف المرتضى، ج3، ص 9 ـ 22. ↑
- () يُراجع: الطوسي، تمهيد الأصول في علم الكلام (شرح على القسم النظري من رسالة جمل العلم والعمل للمرتضى)، تحقيق د. عبد المحسن مشكاة. ↑
- () المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة، ص 2. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة للأصول، ص 48. ↑
- () الذريعة، ج2، ص 472، 595. ↑
- () الذريعة، ج2، ص 657 ـ 669. ↑
- () ﮔرجي، نظرة في تطور علم الأصول، ص 261. ↑
- () يُلاحظ أن المرتضى أفرد لمبحث (الأمر) باباً مستقلاً، ولمبحث (النهي) باباً آخر. ↑
- () الذريعة، ج1، ص 5. ↑
- () الذريعة، ج1، ص 6 ـ 7. ↑
- () الذريعة، ص 4. ↑
- () هو الشيخ المفيد المتوفى سنة 413هـ. ↑
- () الطوسي، العدة، (بومباي، 1312هـ)، ص 2. ↑
- () مقدمة الدكتور ﮔرجي على (الذريعة)، ص 28. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة للأصول، ص 58. ↑
- () الذريعة، ص 5. ↑
- () أنظر: بحث (القياس) الذريعة، ج2، ص 669 ـ 791. وحول (الإجماع) تُلاحظ الذريعة، ص 602 ـ 656. ↑
- () العُدة، ص 31. ↑
- () الذريعة، ص 6. ↑
- () المعالم الجديدة، ص 50. ↑
- () مقدمة الخرسان على كتاب «تهذيب الأحكام» للطوسي، ج1، ص 22. ↑
- () طبع باسم «الانتصار». وقد ذكره المرتضى في بعض مؤلفاته الأخرى باسم «نصرة ما انفردت به الإمامية في المسائل الفقهية». تُراجع: رسائل الشريف المرتضى، ج3 (قم، 1985م)، ص 313. ↑
- () مقدمة الخرسان على الانتصار، ص 42. ↑
- () الانتصار، ص 2. ↑
- () مقدمة أحمد الحسيني على كتاب رسائل المرتضى، ج1، (طهران، 1985م)، ص 11. ↑
- () الخونساري، محمد باقر، روضات الجنات، ج4 (قم، 1391هـ)، ص 300. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص 319. ↑
- () المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، ج2، (بيروت، 1984م)، ص 56؛ ومختصر التذكرة بأصول الفقه للمفيد، كنز الفوائد، ج2، ص 15. ↑
- () مغنية، محمد جواد، علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، (بيروت، 1980م)، ص 233. ↑
- () المظفر، أصول الفقه، ج2، ص 63. ↑
- () المظفر، ص 64. ↑
- () العدّة، ج1، ص 44. ↑
- () المظفر، ص 64. ↑
- () أيضاً، ج2، ص 64 ـ 65. ↑
- () يُراجع: الصدر، محمد باقر، مباحث في علم الأصول، ج4 (قم، 1986م) (مباحث الحجج والأصول العملية)، بقلم: محمود الهاشمي، ص 327 ـ 423. وكذلك: مغنية، علم أصول الفقه، ص 234، والمظفر، أصول الفقه، ج2، ص 65 ـ 84. ↑
- () الصدر، مباحث في علم الأصول، ج4، ص 343. ↑
- () المظفر، ج2، ص 77. ↑
- () الصدر، بحوث في علم الأصول، ج4، ص 343، المظفر، ج2، ص 77. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة للأصول، ص 49. ↑
- () روضات الجنات، ج7، ص 3. ↑
- () أعين الشيعة، ج7، ص 60. ↑
- () روضات الجنات، ج7، ص 29؛ والبحراني، لؤلؤة البحرين، ص 143. ↑
- () شذرات الذهب، ج6، ص 284. ↑
- () الصدر، المحنة، ص 42. ↑
- () الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج2، ص 79. ↑
- () يُراجع بهذا الصدد مقال: Madelung, W, Authority in Twelver Shi’ism in the Absence of the Imam, p.186. ↑
- () روضات الجنات، ج7، ص 4. ↑
- () مقدمة الشيخ محمد مهدي الآصفي على اللمعة الدمشقية، ص 136. ↑
- () الأمين، الأعيان، ج7، ص 61. ↑
- () البحراني، ص 95. ↑
- () روضات الجنات، ج2، ص6؛ وابن العماد الحنبلي، ج6، ص 294، (حوادث سنة 786هـ). ↑
- () الشيبي، ج2، ص 141. ↑
- () مكي، ص 254، 269. ↑
- () روضات الجنات، ج7، ص 23. ↑
- () المهاجر، جعفر، الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي، ص 91. ↑
- () الهجرة العاملية، ص 89. ↑
- () مروة، التشيع بين جبل عامل وإيران، ص 23. ↑
- () الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج2، ص 64. ↑
- () نصرالله، تاريخ كرك، ص 88. ↑
- () طبع بتحقيق محمد كلانتر سنة 1976م في عشر مجلدات. ↑
- () الآصفي، ص 102. ↑
- () روضات الجنات، ج7، ص 10. ↑
- () الآصفي، ص 102. ↑
- () الفقيه، جبل عامل في التاريخ، ص 110. ↑
- () الآصفي، ص 102. ↑
- () مكي، لبنان، ص 254؛ والآصفي، ص 132. ↑
- () البحراني، لؤلؤة البحرين، ص 145. ↑
- () طبع سنة 1983م بتحقيق عبد اللطيف الكوهكمري. ↑
- () مقدمة الدكتور عبد الهادي الحكيم على كتاب القواعد والفرائد، ج1، ص 8. ↑
- () ابن العماد، شذرات الذهب، ج3، ص 104. وكذلك: اليافعي، مرآة الجنان، ج3، ص 22. ↑
- () الخونساري، روضات الجنات، ص 219. ↑
- () مقدمة السيد محمد صادق بحر العلوم على كتاب الفهرست للطوسي، (بيروت، 1983م)، ص 5. ↑
- () رجال بحر العلوم، ص 57. ↑
- () أبو زهرة، الإمام الصادق، ص 260. ↑
- () مقدمة حسن السعيد على كتاب الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد للطوسي، (طهران، 1980م)، ص9. ↑
- () مقدمة محمود شهابي خراساني على مسائل هامة من كتاب الخلاف، (طهران، 1965م). ↑
- () مقدمة حسن السعيد، ص 9. ↑
- () البحراني، لؤلؤة البحرين، ص 297. ↑
- () الطهراني، النابس في أعلام القرن الخامس، ص 162. والبحراني، ص 297. ↑
- () ابن داود، الرجال، ص 306. ↑
- () سبحاني، جعفر، تطور الفقه عند الشيعة (مقالة)، مجلة تراثنا، العدد (2)، ص 29. ↑
- () سبحاني، ص 29. ↑
- () سبحاني، ص 30. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة للأصول، ص 57. ↑
- () روضات الجنات، ص 561. ↑
- () الصدر، المعالم، ص 60. ↑
- () أيضاً، ص 60. ↑
- () مقدمة المبسوط في فقه الإمامية للطوسي، صححه محمد تقي الكشفي، (طهران، 1967م)، ص 2. ↑
- () مقدمة المبسوط، ص 2. ↑
- () القمي، الكنى والألقاب، ج2، ص 363. ↑
- () بحار الأنوار، ج1، ص 5. ↑
- () الصدر، حسن، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، ص 304. ↑
- () الفهرست، ص 189. ↑
- () المعالم الجديدة، ص 61. ↑
- () المعالم الجديدة، ص 63. ↑
- () المعالم، ص 63. ↑
- () الحكيم، حسن، الشيخ الطوسي، (النجف، 1975م)، ص 105. ↑
- () المبسوط، ج1، ص3. ↑
- () مقدمة محمود شهابي على مسائل هامة من كتاب الخلاف للطوسي. ↑
- () مقدمة محمد صادق بحر العلوم على كتاب الفهرست للطوسي، ص 5. ↑
- () مقدمة شهابي على مسائل هامة من كتاب الخلاف. ↑
- () أبو زهرة، ص 260. ↑
- () مقدمة السيد محمد صادق بحر العلوم على (رجال الطوسي)، (النجف، 1961م)، ص 52. ↑
- () الطهراني، مقدمة التبيان في تفسير القرآن، للطوسي، ج1. ↑
- () عمرو، يوسف محمد، المدخل إلى أصول الفقه الجعفري، (بيروت، 1981م)، ص 143. ↑
- () محيط زندﮔاني (فارسي)، (مقال)، ص 374. ↑
- () محيط زندﮔاني شيخ طوسي، ص 33. ↑
- () شعبان، محمد عبد الحي، الدولة العباسية، ص 193. ↑
- () مقدمة حسن كامل الصيرفي على كتاب (طيف الخيال) للشريف المرتضى، (مصر، 1962م)، ص 7. ↑
- () Donaldson, Dwight, The Shi’ite Religion, London, 1933, p.198. ↑
- () مقدمة الدكتور حسين علي محفوظ على كتاب أصول الكافي. ↑
- () مطهري، مرتضى، الإسلام وإيران، ترجمة محمد هادي اليوسفي، (بيروت، 1980م)، ص 326. ↑
- () رجال بحر العلوم، ج1، ص 760. ↑
- () ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج2، ص 99. وابن العماد، شذرات الذهب، ج3، ص 104. ↑
- () ابن كرد علي، خطط الشام، ج6، ص 190. ↑
- () الحموي، معجم البلدان، ج1، ص 799. ↑
- () النجوم الزاهرة، ج5، ص 6. ↑
- () الدرجات الرفيعة، ص 463. ↑
- () الأمين، حسن، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ج1، ص 96. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، ج1، ص 93. الطهراني، الذريعة، ج2، ص 129. ↑
- () دائرة المعارف الشيعية، ج2، ص 46. ↑
- () دائرة المعارف الشيعية، ج1، ص 96. ↑
- () الإسلام وإيران، ج3، ص 327. ↑
- () الفياض، د. عبدالله، الإجازات العلمية عند المسلمين، (بغداد، 1972م)، ص 98. ↑
- () الأصول العامة، ص 114. ↑
- () البهبودي، محمد باقر، زبدة الكافي، ج1، (بيروت، 1981م)، ص ي. ↑
- () ذكر الغريفي أن التوثيق والتضعيف والمدح والذم لرواة الحديث كان معروفاً لدى القدماء، وأن طريقة ابن طاووس في بيان تقسيم الحديث كانت تنقيحاً لما أسسوه. ومن جملة ما عناه ابن طاووس أنه أطلق لفظ (الصحيح) على الإمامي الموثق، ولفظ (الحسن) على الإمامي الممدوح، وخصّ لفظ (الموثق) بغير الإمامي إذا وثق، ولفظ (الضعيف) بغير الثلاثة تمييزاً لرجال الحديث بعضهم عن بعض. (الغريفي، قواعد الحديث، ص 22). ↑
- () تُراجع مقدمة الخوئي (روايات الكتب الأربعة ليست قطعية الصدور)، معجم رجال الحديث، ج1 (بيروت، 1983م)، ص 22 ـ 36. ↑
- () مقدمة البهبودي على زبدة الكافي. ↑
- () الغريفي، قواعد الحديث، ص 136 ـ 148. ↑
- () مطهري، الإسلام وإيران، ج3، ص 328. ↑
- () مقدمة بحر العلوم على تكملة الرجال لعبد النبي الكاظمي، ج1، ص 10. ↑
- () مقدمة حسن المصطفوي على اختيار معرفة الرجال للطوسي، (مشهد، 1929م). ↑
- () مقدمة رجال الخاقاني، ص 8. ↑
- () النجاشي، الرجال، ص 288. ↑
- () الذريعة، ج10، ص 154. ↑
- () مقدمة بحر العلوم على رجال الطوسي، ص 93. ↑
- () مقدمة كتاب الفهرست. ↑
- () الشيخ الطوسي، مجلة الإيمان، العدد (3)، السنة (3)، ص 122. ↑
- () أبو زهرة، الإمام الصادق، ص 458. ↑
- () الفهرست، ص 23. ↑
- () مقدمة عبد العزيز الطباطبائي على كتاب فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم، (بيروت، 1986)، ص 38. ↑
- () مقدمة محمد صادق بحر العلوم على معالم العلماء لابن شهر آشوب، (بيروت، 1985م)، ص 30. ↑
- () مقدمة بحر العلوم على رجال الطوسي، ص 93. ↑
- () الخوئي، معجم رجال الحديث، ج1، ص 101. ↑
- () طبع بتحقيق ضياء الدين الأصفهاني سنة 1965م. ↑
- () مقدمة الطهراني على كتاب التبيان للطوسي. ↑
- () محمد حسين، د. عبد النعيم، إيران والعراق في العصر السلجوقي، (بيروت، 1982)، ص 46. ↑
- () آل ياسين، د. محمد مفيد، الحياة الفكرية في العراق في القرن السابع الهجري، (بغداد، 1979)، ص 28. ↑
- () إيران والعراق، ص 26 ـ 27. ↑
- () سلاجقة إيران والعراق، ص 181. ↑
- () آل ياسين، ص 28. ↑
- () النجوم الزاهرة، ج5، ص 59. ↑
- () المنتظم، حوادث سنة (448هـ). ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج10، ص 3. ↑
- () المنتظم، ج8، ص 173. ↑
- () ابن حجر، لسان الميزان، ج5، ص 135. ↑
- () بحر العلوم، محمد، الدراسة وتاريخها في النجف، (موسوعة العتبات المقدسة)، ج2، ص 17. ↑
- () ابن طاووس، فرحة الغري، ص 114. ↑
- () محبوبة، جعفر، ماضي النجف وحاضرها، ج1، (بيروت، 1982م)، ص 402. ↑
- () مقدمة الطهراني على كتاب «التبيان في تفسير القرآن». ↑
- () ﮔرجي، ص 262. ↑
- () استقل بنو بويه بفارس والري وأصبهان والجبل، واصبحت (كرمان) في يد محمد بن الياس، والموصل وديار بكر وربيعة ومضر في أيدي الحمدانيين، والمغرب وأفريقيا في أيدي الفاطميين، والأندلس في أيدي الأمويين، وخراسان في يد السامانيين، والأهواز وواسط والبصرة في أيدي البريديين، واليمامة والبحرين في يد أبي طاهر القرمطي، وجرجان وطبرستان في أيدي الديلم. يُنظر: ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية، (بيروت، 1980م)، ص 280. ↑
- () متز، آدم، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع، ج1، ص 2. ↑
- () باشا، د. حسن، دراسات في تاريخ الدولة العباسية، (القاهرة، 1975م)، ص 86. ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج8، ص 148. ↑
- () شعبان، محمد عبد الحي، الدولة العباسية، (بيروت، 1981م)، ص 196. ↑
- () باشا، دراسات في تاريخ الدولة العباسية، ص 93. ↑
- () محمود، حسن أحمد، العالم الإسلامي في العصر العباسي، (القاهرة، 1966م)، ص 526. ↑
- () إسماعيل، نوري علاء، علم الاجتماع السياسي للشيعة الإثني عشرية (بالفارسية)، (طهران، 1979م) ص 45. ↑
- () الشابي، علي، الشيعة في إيران، (تونس، 1980م)، ص 133. ↑
- () الشيبي، د. كامل مصطفى، الصلة بين التصوف والتشيع، ج2، (بيروت، 1982م)، ص 39. ↑
- () معجم البلدان، ج4، ص 448. ↑
- () مقدمة فضل الله الزنجاني على كتاب (أوائل المقالات) للمفيد. ↑
- () رسول د. فاضل، الدين والدولة وصراعات الشرعية، مجلة الحوار، العدد (26)، 1987م، ص 51. ↑
- () طبعت هذه الرسالة في المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى، (قم، 1985)، ص 89. ↑
- () شعبان، محمد عبد الحي، الدولة العباسية، ص 196. ↑
- () مقدمة عبدالله نعمة على كنز الفوائد للكراجكي، ج1، ص 8. ↑
- () مقدمة السيد حسن الخرسان على كتاب (التهذيب) للطوسي، ج1، ص 16، وما بعدها. ↑
- () مقدمة رشيد الصفار على ديوان الشريف المرتضى، ج1، ص 67. ↑
- () ابن الجوزي، المنتظم، ج8، ص 11. ↑
- () ابن كثير، البداية والنهاية، ج12، ص 15. ↑
- () مقدمة الشهرستاني على تصحيح الاعتقاد. ↑
- () بحر العلوم، تحفة العالم في شرح خطبة المعالم، ج1، ص 211. ↑
- () حول العلاقة بين بختيار وعضد الدولة، يُراجع: عمر، د. فاروق، الخلافة العباسية، (بغداد، 1986م)، ص 468 ـ 472. ↑
- () الكامل في التاريخ، ج7، ص 99. ↑
- () أبو عليوي، حسن محمود، الشريف الرضي دراسة في عصره وأدبه، (بيروت، 1986)، ص 75. ↑
- () ينظر بهذا الشأن: الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، 26 مجلداً. وكذلك الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ترجمة الشيخ المفيد. ومقدمة السيد حسن الخرسان على كتاب (التهذيب) للشيخ الطوسي. ↑
- () طبع للمرة الرابعة في بيروت سنة 1985م. ↑
- () مقدمة فضل الله الزنجاني على كتاب (أوائل المقالات) للمفيد. ↑
- () التوحيدي، أبو حيّان، الامتاع والمؤانسة، ج1، ص 141. ↑
- () ابن النديم، الفهرست، ص 252. ↑
- () اليافعي، مرآة الجنان، ج3، ص 28. ↑
- () مقدمة الخرسان على كتاب التهذيب للطوسي، ج1، ص 20. ↑
- () ابن الأثير، ج9، ص 71. والمنتظم، ج8، ص 11. والبداية والنهاية، ج11، ص 428. ↑
- () ابن الأثير، ج9، ص 74. ↑
- () مقدمة كتاب الخصال للصدوق، ص 57، وكذلك: بحر العلوم، الدراسة وتاريخها في النجف، ص 16. ↑
- () من المظنون قوياً أن المفيد اتجه إلى مسقط راسه (عكبرا)، تلك البلدة الصغيرة التي لا تبعد عن بغداد إلا مسافة قصيرة ليكون في منأى عن الصراع. ↑
- () كرجي، أبو القاسم، نظرة في تطور علم الأصول، مجلة الثقافة الإسلامية، العدد (7)، (بيروت، 1986م)، ص 488. ↑
- () ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، (بيروت، 1982م)، ص 488. ↑
- () الشهابي، محمود، تقريرات الأصول، (طهران، لا.ت)، ص 43. وكذلك، الدواني، هزاره شيخ طوسي (فارسي)، ج2، ص 27. وكرجي، نظرة في تطور علم الأصول، ص 258. ↑
- () الصدر، محمد باقر، المعالم الجديدة للأصول، (بيروت، 1981م)، ص 55. ↑
- () الصدر، أيضاً، ص 55. ↑
- () كرجي، ص 258. ↑
- () قال الطهراني: «أصول آل الرسول» في استخراج أبواب الفقه من روايات أهل البيت (ع) لشيخ مشايخنا السيد مرزا محمد هاشم بن مرزا زين العابدين الموسوي الخوانساري المتوفى (1318هـ)، جمع فيه الأحاديث المأثورة عنهم عليهم السلام في قواعد الفقه والأحكام، ورتبها على مباحث أصول الفقه. قال في إجازته لشيخنا الشهير بشيخ الشريعة: قد جمعت فيه أزيد من أربعة آلاف حديث مما يتعلق بأصول الفقه مع بيان وجه دلالتها على المقصود. الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج2، ص 177. ↑
- () قال الطهراني في التعريف بهذا الكتاب: «جمع فيه المهمات من المسائل الأصولية المنصوصة في الآيات والروايات، فمن الآيات مئة وأربع وثلاثون آية، ومن الروايات ألف وتسع مئة وثلاثة أحاديث. وتوفي المؤلف عام (1242هـ). الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج2، ص 178. ↑
- () الصدر، حسن، تاسيس الشيعة لعلوم الإسلام، (بغداد، 1949م)، ص 311. ↑
- () تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، ص 70. ↑
- () ذكره النجاشي بقوله: «كان وجهاً في أصحابنا متقدماً عظيم المنزلة، ولد في أيام هشام ابن عبد الملك، ورأى جعفر بن محمد الصادق (ع) ولم يرو عنه، وروى عن ابي الحسن موسى، والرضا (ع)، وكان الرضا يشير إليه في العلم والفتيا». النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، (إيران، 1970م)، ص 311. ↑
- () القائيني، علم الأصول تاريخاً وتطوراً، (طهران، 1985م)، ص 31 ـ 42. ↑
- () القائيني، علم الأصول، ص 34، وما بعدها. ↑
- () أبو زهرة، محمد، أصول الفقه الجعفري، (القاهرة، 1955م)، ص 9. ↑
- () ﮔرجي، المصدر السابق، ص 248. ↑
- () أحمد شاكر، مقدمة رسالة الشافعي، 1309هـ، ص 12. ↑
- () ﮔرجي، ص 248 ـ 249. ↑
- () يُقارن: الصدر، المعالم الجديدة، ص 46 ـ 54. ↑
- () المعالم الجديدة، ص 55. ↑
- () الطوسي، الفهرست، ص 134. ↑
- () مقدمة جواد الشهرستاني على كتاب «جامع المقاصد في شرح القواعد» للمحقق الكركي، ج1، (قم، 1988م)، ص 15. ↑
- () محمد بن أحمد بن الجُنيد: أبو علي الكاتب الأسكافي الفقيه المصنف المتوفى سنة 381هـ، والمنقولة فتاواه في كتب الفقه من قدماء فقهاء الإمامية، ويعبر عنه بابن الجنيد غالباً، وبالأسكافي، ويعبر عنه مع ابن أبي عقيل الحسن ابن علي بـ(القديمين). وكتابه «الأحمدي» كان موجوداً في عصر العلامة الحلي. الطهراني، طبقات أعلام الشيعة (نوابغ الرواة في رابعة المئات)، ص 235. ↑
- () مقدمة جامع المقاصد، ج1، ص 22. ↑
- () المظفر، كاظم، الشيخ المفيد، (مقالة)، مجلة العرفان، المجلد الثامن، (صيدا، 1948م) ص 1159. ↑
- () المظفر، المصدر السابق، ص 1159. ↑
- () ابن خلدون: المقدمة ص 33. ↑
- () ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات 3/246. ↑
- () كان أول شراح هذا الكتاب تلميذه العلامة الحلي الذي شرحه في كتاب «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد». وتواصلت سلسلة الشروح حتى تلميذ الشيرازي وصهره عبد الرزاق اللاهيجي، الذي كرس له كتابين منفصلين. والحقيقة أننا نجد تأثير الطوسي فاعلاً حتى في المغرب، حيث نقل استاذ ابن خلدون، محمد بن إبراهيم الآبلي، فلسفته إلى هناك، واستثمرها ابن خلدون الشاب في كتابه «اللباب» الذي يسميه فيه «الإمام الكبير». انظر: ابن خلدون: لباب المحصل، ص 61. ↑
- () د. عبد الأمير الأعسم: نصير الدين الطوسي، ص 184. ↑
- () د. كامل الشيبي: الصلة بين التصوف والتشيع، 2/86. ↑
- () الخوانساري: روضات الجنات ص 608. ↑
- () السهروردي: مقامات الصوفية ص 38 ـ 40. ↑
- () ابن كثير: البداية والنهاية 13/198. ↑
- () ابن أبي أُصيبعة: عيون الأنباء ص 649. ↑
- () ردد جملة من الدارسين هذه المقولات وغيرها في تفسير التحولات السياسية التي زامنت عصر الطوسي، وكذلك نتائج جهوده في مجال العلوم العقلية والاعتقادية، وهي لا تخلو من نقض وجدل، وما ورد في الصفحات التالية نقلاً عن المستشرق ادوارد براون من اعتقال الطوسي من قبل ناصر الدين محتشمي حاكم مدينة قهستان لا وجه له من الصحة.«تعليقة من الناشر». ↑
- () المصدر السابق، ص 649. ↑
- () محمد رضا الشبيبي: تراثنا الفلسفي ص 86. وحول علاقته بالملك الناصر وتقدير هذا له. انظر: ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص 254. ↑
- () نشر الشيخ محمد حسن آل ياسين هذه المراسلات بعنوان «مطارحات فلسفية»، بغداد، 1956. ↑
- () هذه الرسالة، الفقرة (2). ↑
- () د. الأعسم: نصير الدين الطوسي ص 190. ↑
- () المصدر السابق ص 42. ويذكر المستشرق إدوارد براون أن ناصر الدين محتشمي، الحاكم الإسماعيلي على قهستان، هو الذي أمر باختطاف الطوسي وإرساله إلى قلعة الموت حتى استولى المغول عليها. أنظر: Edward Brown: A Literary History of Persia, Vol: 11. P. 456. ↑
- () ابن العبري: تاريخ مختصر الدول، ص 287. ↑
- () الكرماني: راحة العقل ص 170. ↑
- () للتفصيل انظر الشيرازي: الأسفار الأربعة ـ الطبعة الحجرية، وهادي العلوي: نظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي ص 53 ـ 105. ↑
- () الشيرازي: الأسفار الأربعة، الطبعة الحديثة 1/68. ↑
- () د. جعفر آل ياسين: الفيلسوف الشيرازي، ص 57. ↑
- () الشيرازي: رسالة الحدوث، الرسائل، ص 30. ↑
- () الشيرازي: شرح أصول الكافي ـ المجلد الثاني، طبعة حجرية غير مرقمة. ↑
- () من ذلك التقرير السري الذي تتبع شخصيات العراق في أغلب المدن، والقرى. وطبع بشكل محدود ليكون مرشداً لحكام المناطق العراقية من البريطانيين للتعامل مع الشخصيات.See: Personalitites, Baghdad and Kadhimain, (Confidential). ↑
- () الجنرال مود Maude قائد القوات البريطانية هو الذي فتح بغداد في 11/آذار/1917 وتوفي في 18/11/1917 م من العام نفسه بعد إصابته بمرض (الكوليرا).وكان السر برسي كوكس Sir Percy Cox قد دخل معه إلى بغداد بمنصب الحاكم السياسي، ثم بعد ذلك نُقلَ إلى (طهران) في شهر نيسان 1918م، وحلّ محلّه آرنولد ولسن (Arnold T. Wilson).
وعند اندلاع الثورة العراقية الكبرى عام 1920م أرجعت الحكومة البريطانية كوكس إلى العراق حيث تمكن من إخمادها، وفرض الانتداب على العراق. وقد مارس سلطات الحكم المباشر في العراق حيث أمر بتعطيل بعض الصحف، واعتقال المعارضين ونفيهم إلى جزيرة (هنجام)، كما أرسل الطائرات لقصف القبائل العراقية عام 1922م.
يمكن مراجعة: الحسني، عبد الرزاق تاريخ العراق السياسي الحديث، ط1، ص 183. الوردي، علي، لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث، ط5، ص 55. كمال الدين، محمد علي، الثورة العراقية، ص 228.
ونظراً لدخول كوكس مع الجنرال (مود) بغداد فقد عبّر الميرزا محمد هادي الخراساني عنه بأنه (فاتح بغداد) إلا أن هذا اللقب خاصّ بالجنرال مود (Lieutenant0General Maude F.S.). ↑
- () استمر حصار الكوت من أوائل ديسمبر (كانون الأول) 1915م حتى أواخر شهر نيسان 1916م. ↑
- () قتل النجفيون الكابتن (مارشال) W.M. Marshall في 19 آذار 1918م إثر ظروف سياسية واجتماعية متداخلة، مما دعا البريطانيين أن يفرضوا حصاراً على مدينة (النجف) استمر ستة وأربعين يوماً؛ حُكم بعدها على (13) شخصاً بالإعدام ونفذ صباح 30/5/1918 في الكوفة مَن قِبل لجنة عسكرية بريطانية، كما نفي أكثر من مائة شخص إلى (الهند) كأسرى حرب لاشتراكهم في الثورة المسلحة.انظر: النفيسي، عبدالله، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، ص 62. وحول مقتل الكابتن Marshall يُنظر كتاب:
Sir Arnold T. Wilson, Mesopotamia 1917-1920 A clark of loyalties, Oxford, 1931, pp.73-75. ↑
- () توفي الشيخ محمد تقي الشيرازي في 13 ذي الحجة 1338هـ (13 آب 1920م) أيام تصديه لقيادة الثوار، وخلّفه في قيادة الثورة شيخ الشريعة الأصفهاني الذي توفي في (8/ديسمبر) من العام نفسه. ↑
- () كان على رأسهم الشيخ مهدي الخالصي، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ حسين النائيني وذلك عام 1923م، وقد رجعوا إلى العراق في شهر نيسان 1924م بعد تعهدهم بعدم التدخل في السياسة، ولم يستجب الخالصي لنداء العودة المشروط، فبقي في إيران. ↑
- () تمّ تهديم مقبرة (البقيع) سنة 1344هـ/1925م)، وفيها قبور الأئمة، والتابعين مما لا يجري العد على حصرهم. ↑
- () توجد في مكة مقبرة (المعلي) وفيها قبر خدجيجة بنت خويلد (زوج الرسول)، وقبر أمه آمنة، وجده، وأبيه، وعمه أبي طالب، وقبور كثير من الصحابة. ↑
- () غادر السلطان أحمد القاجاري إيران عام 1923م إلى (أوروبا) وتوفي عام 1930م، وبذلك انتهى الحكم القاجاري على يد رضا شاه الذي أنشأ الأمبراطورية البهلوية ـ وقد دامت الأمبراطورية القاجارية منذ سنة 1794م حتى عام 1924م. للمزيد أنظر:Sir Percy Sykes, History of Persia, London, 1963, p.546.
Glasse, Cyril, The Concise Encyclopaedia of Islam, p.321. ↑
- () Ahmad Kazemi Moussawi, The Establishment of the Position of Marjaiiyyati Taqlid in the Twelver Shii Community; in: Iranian Studies, vol. XVIII, No.1 Winter 1985, pp.35-51. ↑
- () محمود شهابي: تقريرات أصول (طهران، 1965) ص 114. ↑
- () المرجع نفسه، ص 117 – 120. ↑
- () مرتضى مطهري: «إلهامي از شيخ الطائفة»؛ ألفية الشيخ الطوسي (قم: دار التبليغ، 1970) 2/45. ↑
- () محمد بن يعقوب الكليني: الأصول من الكافي (طهران، 1963) 1/12 ـ 14. وانظر أيضاً:Abdulaziz Sachedina, Islamic Missionism (1981). pp. 30 – 35. ↑
- () شيخ الطائفة الطوسي: عدة الأصول (طهران، 1894)، ص 53 ـ 54. وانظر أيضاً مطهري: «إلهامي أز شيخ الطائفة»؛ ألفية الشيخ الطوسي 2/44. ↑
- () عبد الجليل قزويني: كتاب النقض (طهران، 1952) ص 12، 256، 304، 492. ↑
- () مطهري: «اجتهاد در إسلام» مرجعيت وروحانية (طهران، 1962) ص 42. ↑
- () الشيخ الطوسي: عدة الأصول 2/109 ـ 110. ↑
- () ابن المطهر الحلي: تهذيب الوصول إلى علم الأصول (طهران، 1890). ↑
- () أبو القاسم كرجي «نكاهي بي تحولات علم أصول»، مجلة دانشكاه أدبيات (طهران، 1973) ص 39. ↑
- () ابن المطهر الحلي: الألفين (النجف، 1969) ص 9، 40، 82، 285، 290. ↑
- () الشيخ حسن العاملي: معالم الأصول، (طهران، 1959)، ص 416. ↑
- () أغا باقر بهبهاني: رسالة الاجتهاد والأخبار (1895)، ص 1 ـ 20. ↑
- () المصدر نفسه، ص 16. ↑
- () قارن بمرتضى جزائري: «تقليد أعلم»؛ مرجعيت وروحانيت، ص 216 ـ 231. ↑
- () قارن بابن المطهر الحلي: كشف المراد، ص 240، ونصير الدين الطوسي، تلخيص المحصّل (طهران، 1980) ص 206؛ والمقداد السيوري، كتاب النافع في شرح الباب الحادي عشر (طهران، 1979)، ص 66. ↑
- () نور الله شوشتري: إحقاق الحق، 21/219. ↑
- () النراقي: منهج الأحكام (1896)، ص 275 ـ 277. ↑
- () حسن العاملي: معالم الأصول (طهران، 1959) ص 435. ↑
- () مرتضى أنصاري: زندكي شيخ أنصاري (الأهواز، 1960)، ص 72 ـ 75. ↑
- () الشيخ مرتضى أنصاري: الاجتهاد والتقليد (مصر) ص 35. ↑
- () محمد كاظم طباطبائي يزدي: العروة الوثقى (طهران، بدون تاريخ)، ص 4. ↑
- () المرجع نفسه. ↑
- () العاملي: معالم الأصول، ص 425 ـ 443. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام، (قم، 1903)، ص 185 ـ 205. ↑
- () ابن المطهر الحلي: تذكرة الفقهاء (طهران، 1955) 1/452 ـ 453. ↑
- () الشهيد الثاني: شرح اللمعة، (طهران، 1929) 1/255 ـ 265. ↑
- () محمد باقر بهبهاني: رسالة الأخبار والاجتهاد، ص 9. ↑
- () النراقي، عوائد الأيام، ص 185. ↑
- () المصدر نفسه، ص 187، 188. ↑
- () المصدر نفسه، ص 186. ↑
- () محمد ناصر الدين الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة، (دمشق، 1979)، ص 247 ـ 249. ↑
- () روح الله لخميني: ولايتي فقيه، (طهران، 1979)، ص 74 ـ 81. ↑
- () محمد بن يعقوب الكليني: الأصول من الكافي (طهران، 1963)، 1/113. ↑
- () ابن بابويه الصدوق: إكمال الدين وإتمام النعمة (طهران، 1960) 2/160 ـ 161. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام؛ ص 188. ↑
- () الشيخ مرتضى أنصاري: المكاسب (تبريز، 1955)، ص 153 ـ 155. ↑
- () النراقي: عوائد الأيام، ص 188. ↑
- () طباطبائي يزدي: العُروة الوثقى، ص 5. ↑
- () قارن على سبيل المثال:Micheal Fisher, Iran from Religious Despute to Revolution (1980) pp. 251 – 254; Abdalhadi Hairi, «Shusm and Constitutionalism in Iran» Ph.D. Dineration, Mc Gill University (Montreal, 1973) pp. 124 – 128. ↑
- () مرتضى مطهري، «مرجعيت وروحانيت». ↑
- () Ann K. Lambton, «A Reconsideration of the Position of the Marja’ al- Taqlid and the Religious Institution? Studia Islamica 20 (1964), pp. 115 – 35. ↑
- )) Hairi, «Ansari» El2, Suppl. (1980) pp. 75 -77. ↑
- () الشيخ آغا بزرك طهراني: طبقات الأعلام (النجف، 1954) 1/310 ـ 313. ↑
- () من الأمثلة على ذلك فتوى ميرزا حسن الشيرازي (ت1312هـ/1894م) في تحريم التبغ، وميرزا حسن تقي الشيرازي (ت1338هـ/1919م) في الجهاد ضد الانتداب البريطاني على العراق؛ قارن بعلي دواني: نهضة روحانيو إيران (طهران، 1979) 1 ، 2. ↑
- () من مثل تعاون آخوند خراساني وميرزا نائيني مع الدستوريين الإيرانيين؛ قارن بها، المرجع السالف الذكر. ↑
- () قارن على سبيل المثال برسالة الأخبار للبهبهاني، ص 6 ـ 17، ومناهج الأصول للنراقي (طهران، 1809) ص 277. ↑
- () قارن على سبيل المثال عن العلاقات القديمة بين البازار والصوفية برسائل جوانمردان (1973)، ص 226 ـ 239. ↑
- () يقصد البيصر بالغناء القراءة على طريقة الأطوار المنبرية التي كان يؤديها بالخطابة في تلك المرحلة. ↑
- () يشير بهذا البيت إلى قول النابغة الذبياني:فبت كأني ساورتني ضئيلة
من الرقش في أنيابها السم ناقع
↑ - () نجم الدين كبرى، رسالة العشق والعقل، طبع طهران، تصحيح تقي تفضلي، ص 50. ↑
- () نفس المصدر، ص 78. ↑
- () سورة الملك، الآية: 10. ↑
- () سورة الأحقاف، الآية: 26. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 179. ↑
- () أبو طالب المكي، قوت القلوب، ج1، ص 247، نقلاً عن كتاب «الصوفية والعقل» للدكتور محمد عبدالله الشرقاوي. ↑
- () نفس المصدر، ص 133. ↑
- () نفس المصدر، ص 138. ↑
- () الجاحظ، الرسائل، ص 141، نقلاً عن كتاب الصوفية والعقل، الدكتور محمد عبدالله الشرقاوي. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 269. ↑
- () الراغب، المفردات في غريب القرآن، نقلاً عن كتاب الصوفية والعقل تأليف الدكتور محمد عبدالله الشرقاوي. ↑
- () سورة ق، الآية: 37. ↑
- () سورة النجم، الآية:11. ↑
- () الحكيم الترمذي، رسالة الفرق، ص 68. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 14. ↑
- () سورة القصص، الآية: 10. ↑
- () العقل وفهم القرآن تأليف الحارث المحاسبي، ص 96، نقلاً عن الصوفية والعقل، الدكتور محمد عبدالله الشرقاوي. ↑
- () التراث الصوفي تأليف التستري، ج2، ص 75 ـ 77، نقلاً عن نفس الكتاب. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 69. ↑
- () ديوان الحلاج، شرح الدكتور مصطفى كامل الشيبي، بيروت، 1974، ص 310. ↑
- () لمزيد من الاطلاع على هذه الفكرة، تراجع آثار الدكتور محمد عابد الجابري. ↑
- () أبو البركات البغدادي، المعتبر، ج2، ص 409 ـ 411. ↑
- () الحارث المحاسبي، رسائل في العقل، ص 233، نقلاً عن كتاب الصوفية والعقل تأليف الدكتور محمد عبدالله الشرقاوي. ↑
- () المثنوي، الدفتر الثاني، ب 43. ↑
- () نفس المصدر، ب 56. ↑
- () نفس المصدر، الدفتر الثالث. ↑
- () اللمع، الطوسي، ص 56، نقلاً عن الصوفية والعقل، تأليف الدكتور محمد عبدالله الشرقاوي. ↑
- () الشعراني، الطبقات الكبرى، ج1، ص 34، نقلاً عن نفس المصدر. ↑
- () الكلاباذي، التعرف، نقلاً عن نفس المصدر. ↑
- () العراق في الخوارط القديمة للدكتور أحمد سوسه. ↑
- () نعتقد أن ياقوت الحموي لم يقع في وهم، إذ إن دجلة غيّر مجراه عدة مرات فصارت عكبرا التي كانت واقعة على الضفة الشرقية واقعة إلى الغرب من النهر وتابعة إلى نواحي الدجيل. فالذي ذكره ياقوت صحيح، لأنه وضع كتابه (معجم البلدان) في مستهل القرن السابع للهجرة في الوقت الذي قام فهي الخليفة المستنصر بالله بحفر أقنية وبناء جسر حربي على أحدها، لإيصال الماء إلى المناطق التي ابتعد عنها دجلة في تغيير مجراه إلى الشرق. ويذكر لنا المسعودي قبل ياقوت بنحو ثلاثة قرون أنّ دجلة لم يكن ثابت المجرى. (تعليقة من أحد محرري مجلة الأقلام). ↑
- () أعيان الشيعة: 6: 204. ↑
- () الشبيبي، ج2، ص273. ↑
- () وفيات الأعيان: 1: 362. ↑
- () فوات الوفيات: 2: 185. ↑
- () محمد فريد وجدي: 8: 413. ↑
- () تذكرة الحفاظ: 4: 2. ↑
- () فوات الوفيات: 2: 41. ↑
- () شذرات الذهب: 3: 297. ↑
- () بغية الوعاة: ص317. ↑
- () النجوم الزاهرة: 5: 75. ↑
- () مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد التاسع، ص168. ↑
- () تعليقات الدكتور مصطفى جواد على تكملة إكمال الإكمال، ص9. ↑
- () بناء على التأريخ الأول فإن حساب الجُمل يشير إل ىسنة (1249هـ) بدلاً من سنة (1339هـ). أما التأريخ الثاني فحساب الجُمل يشير إلى سنة (1341هـ) بدلاً من سنة (1382هـ).وأورد العلاّمة السيد محمد حسين الجلالي (كما في مزارات أهل البيت، ص92) هذين البيتين للشيخ جاسم المُلا الحلّي المتوفى سنة 1374هـ/1955م، وجاء في مادة التأريخ قوله (جابر الكرخ بالقلوب بناها) مشيراً إلى سنة تجديد البناء عام (1339هـ).
إلا أن حساب الجُمل في التاريخ الأخير يشير إلى سنة (1287هـ)، وعليه فإن الخَلل واضحٌ في حساب مادة التأريخ. ↑
- () الحمزة والقاسم، للخاقاني، ص17. ↑
- () تُوفي أحمد حسن البكر في 16 ذي الحجة 1402هـ/4 تشرين الأول 1982م، وهو من مواليد سنة 1333هـ/1914م. وكان قد تنازل عن السلطة في 22 شعبان 1399هـ/17 تموز 1979م. ↑
- () العروة الوثقى: 5، المسألة 36 من مسائل التقليد. ↑
- () الفتاوى الواضحة. ↑
- () العروة الوثقى: 30. ↑
- () (نفس) المصدر: 251. ↑
- () الفتاوى الواضحة: 13. ↑
- () الفتاوى الواضحة: 12. ↑
- () يقول السيد الصدر ـ وهو يتحدّث عن الاتجاه الموضوعي في الأبحاث الفقهية ـ فالبحث الفقهي اليوم مدعوٌ أيضا ًإلى أن يستنفد طاقة هذا الاتجاه الموضوعي أفقياً وعمودياً باعتبار أن الاتجاه الموضوعي ـ كما قلنا ـ عبارة عن أن الإنسان يبدأ من الواقع وينتهي إلى الشريعة.هكذا كان ديدن العلماء والفقهاء، كانوا يبدأون بالحياة، يبدأون من الواقع، وقائع الحياة كانت تنعكس عليهم على شكل جُعالة ومضاربة ومزارعة ومُساقاة ليستنبطوا الحكم من مصادرها ثم يردّونها إلى الشريعة. هذا الاتجاه موضوعي لأنه يبدأ بالواقع وينتهي إلى الشريعة في مقام التعرّف على حكم هذا الواقع، لكن هنا لا بد أن يمتد الفقه أفقياً على هذه الساحة أكثر، لأن العلماء الذين ساهموا في تكوين هذا الاتجاه الموضوعي عبر قرون متعددة كانوا حريصين على أن يأخذوا هذه الوقائع ويحيلوها إلى الشريعة ليستنبطوا أحكام الشريعة المرتبطة بتلك الوقائع، لكن وقائع الحياة تتكاثر وتتجدد باستمرار، وتتولّد ميادين جديدة فلا بدّ لهذه العملية من النمو باستمرار، فتبدأ من الواقع، لكن لا ذاك الواقع الساكن المحدود والذي كان يعيشه الشيخ الطوسي أو المحقق الحلي، لأن ذاك الواقع كان يفي بحاجات عصرهما. فالإجارة والمضاربة والمزارعة والمساقاة كانت تمثل السوق قبل ألف سنة أو قبل ثمانمائة سنة، لكن أبواب السوق قد اتسعت ففيها العلاقات الاقتصادية أوسع وأكثر تشابكاً من هذا النطاق، فلا بد للفقه من أن يكون كما كان على يد هؤلاء العلماء الذين كانوا حريصين على أن يعكسوا كل ما يستجد من وقائع الحياة على الشريعة ليأخذوا حكم الشريعة. (مقدّمات في التفسير الموضوعي، طبعة دار التوجيه الإسلامي. بيروت ـ كويت: 23). ↑
- () الفتاوى الواضحة: 14. ↑
- () الفتاوى الواضحة: 5. ↑
- () الفتاوى الواضحة: 46، ولا يفوتني ـ في عرضي السريع لمنهج الفتاوى الواضحة ـ أن أنوّه بالبحث الطريف الذي طرحه في بداية الكتاب عن التكليف وشروطه.وقد تضمن الكلام عن تعريف التكليف وشروطه وآثاره العامة، ولهذا البحث دوره الممتاز في جميع الأبواب الفقهية ولم يُفرد له فصل برأسه في سائر الرسائل العلمية. ↑
- () مجلة فقه أهل البيت عليهم السلام (الفارسية) السنة الأولى. العدد الثالث، يعقوب علي برجي، نكاهى به دسته بنديهاي فقه (نظرة إلى المناهج الفقهية): 255. ↑
- () راجع بحوث في علم الأصول، 2: 423. ↑
- () أن شاهداً واحداً ـ من عشرات الشواهد ـ يكفي للتدليل على هذا الأمر، فترى أن معظم الرسائل العملية ـ أو كلها ـ تتحدث عن كيفية الغسل وأحكامه ضمن غسل الجنابة مع أن البحث لا يختص بالجنابة. أما الفتاوى الواضحة فتجعل الأحكام العامة للغسل (كيفية الغسل، شروط الغسل، غسل الجبيرة، الخلل في الغسل وغير ذلك) في مقدمة البحث عن أقسام الغسل. ↑
- () الفتاوى الواضحة: 79. ↑
- () المصدر: 511 و514. ↑
- () أنظر: الحالات المختلفة المذكورة للمسافر الذي يصلّي التمام بدل القصر: 237، ويلاحظ أيضاً الحالات العديدة بشأن من يسافر من أجل عمله، حيث يقول السيد الشهيد بهذا الصدد: ونذكر فيما يلي عدداً عن الحالات لذلك مستمدة من واقع الحياة ليتاح للمكلف معرفة الحكم الشرعي لكل حالة مماثلة. فيذكر (11) حالة تجب فيها الصلاة تامة ويستعرض أيضاً أمثلة سبعة يجب فيها القصر. (الفتاوى الواضحة: 231 ـ 335). ↑
- () الفتاوى الواضحة: 2. ↑
- () ولغرض الوقوف على مدى اهتمام السيد المؤلف بوضوح التعبير في رسالته العملية أنقل هنا ما ذكره سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد رضا النعماني بهذا الصدد: «بعد أن تكرر عليه الطلب بطبع رسالة عملية وحصلت له قناعة بذلك، فكّر في أسلوب جديد لكتابة رسالته العملية واتفق أن كان المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية ضيفاً عند السيد الشهيد في تلك الفترة والشيخ مغنية كاتـب إسلامي معروف بقدرته على كتابة المطالب المعقدة بأسلوب وعبارة مفهومة للجميع، وكان يعرف بكاتب الشباب… فاقترح البعض أن تناط مهمّة كتابة رسالة السيد الشهيد إليه .وباشر المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية بتكليف من السيد الشهيد كتابة نماذج تجريبية للمسائل الشرعية والفتاوى بما كان يعتقد أنها الصياغة المثلى التي تحقق الغرض المطلوب، وبعد مناقشة السيد الشهيد لها تبين للشيخ مغنية خلاف ذلك. وكرّر الشيخ محاولاته وكان في كل مرة يـواجه مشكلات، إما لأن الصياغة التعبيرية قاصرة عن إفادة الحكم الشرعي المقصود، وإما لأن الصياغات التعبيرية لا تخلو من تعقيد ولا تحقق التبسيط المطلوب.
وبعد فشل تلك المحاولات قرر السيد الشهيد (رضوان اللّه عليه) تبنّي المهمة بنفسه. وهي محاولة في غاية الصعوبة لمن يعرف طبيعة المادة الفقهية التي لا تقبل التساهل والمسامحة. خاصة أنه أراد لرسالته العملية أن تكون نموذجية ومثالية في التعبير والمنهجية والتبويب وخالية من كل غموض وتعقيد، ويتاح لكل أحد فهمها واستيعابها. وبعبارة أخرى رسالة عملية تكتب لكل طبقات الأمة على اختلاف مستوياتها,، لا للعلماء كما هو شأن الرسائل العملية الأخرى.
فباشر السيد الشهيد كتابة «الفتاوى الواضحة» وبدأ عمله فاختار عدة مواضيع فقهية كتبها بصياغات مختلفة ومستويات متعددة على شكل كراسات. وأمرني أن أعرض هذه النماذج التجريبية على نخبة مختارة تمثل مختلف الشرائح الاجتماعية وخاصة طلاب المدارس، وأن أطلب منهم التأشير على العبارات الغامضة والتي لا تُفهم بسهولة.
ونفّذنا هذه التجربة وكرّرناها عدّة مرات حتى استطاع أن ينتخب الأسلوب الأفضل والتعبير الأسهل والأجمل مع الاحتفاظ بمتانة المادة الفقهية.
ومسك اليراع الطاهر فانطلق يكتب، فكانت ولادة الفتاوى الواضحة الرسالة المثالية التي لا زالت يتيمة زمانها.
ولـلميزات التي اختصّت بها الفتاوى الواضحة أخذت موقعاً خاصاً في نفوس المؤمنين والمسلمين لا فـي الوسط الشيعي فقط بل في الوسط السنّي أيضاً، ولتأكيد هذه الحقيقة أقول: إن الفتاوى الواضحة كانت قد طبعت في القاهرة طبعة خاصة ونفدت في أسواقها بنفس السرعة التي نفدت فيها في العراق». (الشيخ محمد رضا النعماني، الشهيد الصدر، سنوات المحنة وأيام الحصار: 60).
وفي رسالة بعثها السيد الشهيد إلى بعض من يلوذ به كتب عن الفتاوى الواضحة ما يلي : «أرسـلـت إليكم بضع نسخ من الفتاوى الواضحة التي جسدنا فيها جانباً مهماً من جوانب التجديد في المرجعية إذ قدمنا للأمة أحكام الشريعة بلغة تفهمها وبمستوى أسلوب العصر ومنهجته وقد كان إقبال الأمة على الفتاوى الواضحة منقطع النظير، حتى نفدت الطبعة الأولى تقريباً في أقل من شهر، وهذه سرعة مثالية لا نظير لها في المجالات المشابهة السابقة. وهذا يدل على مدى عمق تمسك الأمة بعقيدتها ورسوخ صلتها بمرجعيتها القادرة على التفاهم والتخاطب معها» (المصدر نفسه: 334). ↑
- () كتب السيد الشهيد في رسالته: «إن الإلحاح علينا في كتابة الجزء الثاني من الفتاوى الواضحة شديد وعلى الرغم من إيماني بأهمية ذلك إسلامياً (من زاوية المرجعية) إلا أني قدمت عـليه فعلاً التشاغل بالبحث المشار إليه سابقا والذي كنت أشير إليه باسم البحث في أصول الدين» (الشيخ محمد رضا النعماني، الشهيد الصدر، سنوات المحنة وأيام الحصار: 337). ↑
- () النفيسي، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، ص82. ↑
- () Personalities, Iraq (Exclusive of Baghdad and Kazimain), Confidential, Baghdad, 1920, p.76. ↑
- () عطية، ص154، وPersonalities, p.37. ↑
- () ماضي النجف وحاضرها، ج1، ص344. ↑
- () النفيسي، دور الشيعة، ص151 ـ 160. والوردي، لمحات، ج5، ص21. ↑
- () عُهد إلى الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى بالانتداب على الدول المنتزعة من الأمبراطورية العثمانية والألمانية باسم (عصبة الأمم). وقد جُعلت الأقطار الموضوعة تحت الانتداب ثلاثة أصناف (أ ـ ب ـ جـ) حسب درجة تطورها، وقد اعتبرت الأقطار العربية من الصنف الأول الذي يكون إشراف الدول المنتدبة إشرافاً مؤقتاً يؤدي بالنتيجة إلى الاستقلال. ↑
- () الوردي، لمحات إجتماعية، ج6، ص43. ↑
- () حرز الدين، معارف الرجال، ج1، ص386. ↑
- () لقاء مع السيد مرتضى العسكري، لندن صيف عام 1991م. ↑
- () الحكيم، محمد باقر، من نظرات جماعة العلماء، ص8. ↑
- () مذكرات السيد محمد بحر العلوم، جمعها جودت القزويني، الورقة (10) ـ مخطوطة. ↑
- () حديث مع المحامي صادق هادي البصام (لندن، 1991م). ↑
- () مذكرات السيد محمد بحر العلوم، ـ مخطوطة. ↑
- () مذكرات السيد محمد بحر العلوم ـ مخطوط. ↑
- () ذكر لي الأستاذ صادق البصام: إن الحركة التي كان يتزعمها الجنابي كانت تهدف إلى إعادة الحكم الملكي إلى العرا ق وكانت تعتبر السيد الحكيم قوة داخلية تسهم في تحريض العشائر العراقية ضد الحكم، والاستفادة منها في تحقيق هذا الغرض. وقد نالت الحركة تأييد شاه إيران والملك حسين ودعمهما في بداية الأمر؛ إلاّ أن فشلها كان مقترناً بعدم رغبة بريطانيا لإعادة الحكم الملكي في العراق مرة أخرى. (لقاء مع الأستاذ صادق البصام، لندن في 19/3/1991م. وقد توفي البصام في 18 آب 1995م). ↑
- () مذكرات السيد محمد بحرالعلوم ـ مخطوطة. ↑
- () كان من زعماء الثوار في المقاومة الأفغانية اعتقلته السلطات الروسية أول دخوله إلى أفغانستان، واختفت أخباره بعد ذلك. كتب تقريرات بحث الأصول لأستاذه الخوئي وطُبعت سنة 1376هـ/1957م في مجلدين بعنوان (مصباح الأصول). ↑
- () يحتفظ كاتب هذه السطور بهذه الرسالة التي كتبها السيد محمد باقر الصدر بحضور أستاذه الإمام أبو القاسم الخوئي رداً على سؤال أملاه هو بنفسه على بعض الجالسين حول العلاقة بينه وبين أستاذه الخوئي، وقد أجاب على السؤال بنفسه. وكان ذلك سنة 1396هـ/1976م. ↑
- () بعد أحداث انتفاضة صفر 1397هـ/1977م ضد السلطة على إثر منع المراسم الشيعية الدينية سمحت الحكومة العراقية لبعض مراسلي الصحافة بإجراء لقاء مع الإمام الخوئي، وقد ذكر أن (الشيعة في العراق بخير). وكان إنعكاس هذا التصريح مدعاة لاستياء الصدر لصدوره من أعلى سلطة دينية عليا. وكان الصدر قد طالته يد التعذيب والاعتداء، كما طالت المحنة العراقيين بمختلف طبقاتهم وثقافاتهم. ↑
- () ذكر الفيلسوف المصري الكبير الدكتور زكي نجيب محمود: «أن الصيغة الثقافية التي قدمها محمد باقر الصدر في كتبه بعد فحص الثقافة الغربية يجد أن لنا نحن شيئاً آخر قد يتفق وقد يختلف مع ثقافة الغرب. والرأي عندي هو أن الاتجاه الأصوب هو أن نجدّل (الثقافتين) في جديلة واحدة».من رسالة كتبها الدكتور زكي نجيب محمود إلى كاتب هذه السطور (جودت القزويني) بتاريخ 21/5/1983م. (توفي الدكتور زكي نجيب محمود بالقاهرة في 1413هـ/1993م. ↑
- () يراجع نص البيان: نجف، علاء، الشاهد الشهيد، ص127. ↑
- () الصدر، محمد باقر، محاضرات في التفسير الموضوعي للقرآن، (بيروت، 1982م). ↑
- () يراجع نص البيان في كتاب الشاهد الشهيد، ص129. ↑
- () حول محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود أنظر:Philby, H. St, J.B, Arabia, (London, 1930), p8, Rihani, Ameen, Ibn Saoud of Arabia, London, 1928, p.237. ↑
- () شامية، جبران، آل سعود ماضيهم ومستقبلهم، ص 40. ↑
- () الخليلي، موسوعة العتبات المقدسة، (قسم كربلاء)، ص270، ومحبوبة، ماضي النجف وحاضرها، ج1، ص325. ↑
- () ابن بشر، عثمان، عنوان المجد في تاريخ نجد، ص121. ↑
- () الوردي، ج1، ص193. ↑
- () المظفر، محمد حسين، تاريخ الشيعة، ص97. ↑
- () كاشف الغطاء، محمد حسين، العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية، (نسخة مخطوطة)، الورقة (52). ↑
- () أعيان الشيعة، ج10، ص178. ↑
- () بحر العلوم، تحفة العالم، ج1، ص291. ↑
- () العبقات العنبرية، الورقة (54). ↑
- () العبقات، الورقة (55). ↑
- () العبقات، الورقة (54). ـ مخطوط. ↑
- () طبع بالنجف عام 1343/1925م، وأعيد طبعه في قم 1993 بتحقيق مهدي رجائي. ↑
- () منهج الرشاد، ص4. ↑
- () العبقات، الورقة (54) ـ مخطوط. ↑
- () Hughes, Thomas Patrick, Dictionary of Islam, London, 1896, p659, Philby, Arabia, p.8. ↑
- () العبقات، الورقة (56) ـ مخطوط. ↑
- () سبيل الرشاد، ص81. ↑
- () مقدمة المظفر على كتاب الجواهر، ج1، ص11. ↑
- () العبقات، 49 ـ مخطوط. ↑
- () العبقات، الورقة (53) ـ مخطوط. ↑
- () Philby, p.89. ↑
- () الحسني، العراق قديماً وحديثاً، ص133، ومحبوبة، ج1، ص212. ↑
- () مقدمة المظفر على كتاب جواهر الكلام، ج1، ص11. ↑
- () الأسدي، ثورة النجف، ص47. ↑
- () شامية، ص85. ↑
- () Winder, R.Bayly, Saudi Arabia in the Nineteenth Century, New York, 1965, 16-49. ↑
- () مهدي قلي خان هدايت، طلوع مشروطيت (فجر المشروطة). انتشارات بيام، طهران، ص15. ↑
- () عبد الهادي الحائري تشيع ومشروطيت، انتشارات أمير كبير، طهران، ص54. ↑
- () ناظم الإسلام كرماني، تاريخ بيداري إيرانيان (تاريخ نهضة الإيرانيين)، ج2، ص85. ↑
- () عبد الهادي الحائري، مصدر سابق، ص253. ↑
- () العلامة النائيني، تنبيه الأمّة، ص3. ↑
- () فريدون آدميت، أيدئولزي نهضت مشروطيت إيران (المرتكز الأيديولوجي لنهضة المشروطة في إيران)، ص227. ↑
- () يحيى دولت آبادي، حياة يحيى، ج2، ص24. ↑
- () مركى در نور (موت تحت النور)، في سيرة الآخوند الخراساني، ص137. ↑
- () الشيخ آقا بزرك الطهراني، «نقباء البشر في القرن الرابع عشر». طبقات أعلام الشيعة، ج2، ص594. ↑
- () فريدون آدميت، مصدر سابق، ص230. ↑
- () عبد الهادي الحائري، مصدر سابق، ص223. ↑
- () حميد عنايت، سيري در انديشه سياسي عرب (جولة في الفكر السياسي العربي)، ص174. ↑
- () آية الله الطالقاني، مقدمة على «تنبيه الأمة». ص18. ↑
- () عبد الهادي الحائري، مصدر سابق، ص261. ↑
- () آية الله الطالقاني، مقدمة على «تنبيه الأمة» ص15. ↑
- () النائيني، مصدر سابق، ص7. ↑
- () المصدر نفسه، ص8. ↑
- () المصدر نفسه، ص10 ـ 11. ↑
- () المصدر نفسه، ص109. ↑
- () المصدر نفسه، ص11 ـ 12. ↑
- () عبد الهادي الحائري، مصدر سابق، ص254. ↑
- () عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص192 (إصدار مكتب الإعلام الإسلامي، قم). ↑
- () ملك زاده، انقلاب مشروطيت (ثورة المشروطة)، ج4، ص214. ↑
- () تنبيه الأمة، ص69. ↑
- () المصدر نفسه، ص65. ↑
- () المصدر نفسه، ص252. ↑
- () المصدر نفسه، ص77. ↑
- () فريدون آدميت، مصدر سابق، ص227، 228. ↑
- () تنبيه الأمة، ص102 ـ 103. ↑
- () المصدر نفسه، ص249. ↑
- () الشهيد المطهري، الانتفاضات الإسلامية في القرن الأخير، ص46. ↑
- () آية الله الطالقاني، مقدمة على «تنبيه الأمة»، ص16. ↑
- () الميتافيزيقا: Metaphysique بالفرنسية وMetaphysics بالإنكليزية وMetaphsysica باللاتينية، وأصلها مأخوذ من الإغريقية Meta physika، أي ما بعد الطبيعة أو علم ما بعد الطبيعة، وهو الفلسفة الأولى في مراتب الفلسفات، وهو علم الربوبية، والعلم بالموجود بما هو موجود، والعلم الإلهي الذي مجاله البحث في الموجود المطلق، والحقيقة المطلقة لا الحقيقة النسبية، والبحث في المبادئ الكلية والعلل الأولى، وأحوال الموجودات التي لا تفتقر في وجودها إلى المادة، والوجود الواجب، وآلته الحدث المباشر وليس الاستدلال والتحصيل والنظر العقلي. وهو أعمّ وأعلى من سائر العلوم، لأنه العلم بالمبادئ التي تستخدمها سائر العلوم.وغرض علم الميتافيزيقا هو الإطلاع على الحقيقة المطلقة لا الحقيقة النسبية، واستخلاص المعارف القلبية والمجردة الخارجة عن نطاق التجربة، والنفاذ إلى الوجود الحقيقي خلف كل تجربة، والبحث عن حقائق الأشياء وأصولها (المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة. مادة الميتافيزيقا، الدكتور عبد المنعم الحنفي، ص859). ↑
- () تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص496؛ والفلسفة الإيرانية الإسلامية، ص20. ↑
- () شرح المقدمة القيصرية، ص33. ↑
- () ن.م. ↑
- () مقدمة السيد جلال الدين آشتياني على شرح رسالة المشاعر للملا محمد جعفر اللاهيجاني ص78. وأيضاً مقدمته على شواهد الربوبية لملا صدرا، ص140، 141. ↑
- () يحيى هو الإسم الذي اختاره بعد تشرفه باعتناق الدين الإسلامي الحنيف. ↑
- () المقصود هنا هي وزارة الخارجية الفرنسية آنذاك. ↑
- () اللاأدرية: Agnosticisme بمعناها العام وجهة النظر التي تنكر إمكان التأكد من وجود الله. ومع أن تاريخ اللاأدرية بهذا المعنى يرتبط بالشكية ومن ثم تصبح اللاأدرية مذهباً قديماً. وقد استخدمه البعض بمعنى أن اللاأدري هو القائل بمحدودية العقل، والرفض لاستخدامه في مناقشة مسائل الألوهية، والمدرك لتهافت كل الحجج على وجود الله، ويترتب على ذلك أن اللاأدري يعلق الحكم على وجود الله فلا ينكره ولا يثبته [موسوعة الفلسفة والفلاسفة، ج2، ص،1149]. ↑
- () كشف الأسرار، ص34. ↑
- () كشف الأسرار، ص12. يجب أن ندرك أن ما يعنيه الإمام هنا هي فلسفة ما بعد الفلسفة الديكارتية فقط وليس الفلسفة الغربية بشكل عام. ↑
- () هذه العبارة هي العبارة الأخيرة لحديث الإمام علي عليه السلام مع صاحبه كميل بن زياد عندما جاءه هذا الأخير ليلاً يسأله عن الحقيقة؟ فأخذ الإمام عليه السلام يشرح له ويعلمه، وكلما أوضح له أمراً، يقول له كميل: أنرني يرحمك الله حتى طلع الفجرن فقال له الإمام عليه السلام «أطفئ السراج، فهذه الشمس قد أشرقت». ↑
- () الإمام الخميني عارف من القرن العشرين لم يقدر حق قدره، كريستيان بونو، (الأصل الفرنسي)، ص75. ↑
- () م.ن. ص75. ↑
- () شرح دعاء السحر طبع مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ طهران، 1416هـ/1996م. ↑
- () مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، مؤسسة الوفاء ـ بيروت لبنان، 1403هـ/1983م. ↑
- () الآداب المعنوية للصلاة، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت، ط3، عام 2003م. ↑
- () شرح دعاء السحر، طبعة مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ طهران 1416هـ، 1996م، ص4 ـ 5. ↑
- () مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، طبع مؤسسة الوفاء، بيروت ـ لبنان 1403هـ/1983م. ↑
- () الآداب المعنوية للصلاة، طبع مؤسسة الأعلمي حديثاً، بيروت ـ الطبعة 3، عام 2002م. ↑
- () نُلفت انتباه القارئ الكريم إلى أن رسالة الدكتور كريستيان بونو التي تحمل عنوان «الإمام الخميني عارف من القرن العشرين لم يُقدّر حق قدره» هي الآن قيد الترجمة إلى اللغة العربية من قبل صاحب هذه الدراسة حيث ستكون مصدراً لا يستغني عنه الباحث في مجال العقيدة والعرفان والفلسفة. ↑
- () صاحب كتاب فروغ مزديسني. ↑
- () التاريخ المختصر للنفط في العالم: ص8 ـ 9. ↑
- () التاريخ المختصر للنفط في العالم: ص14. ↑
- () المصدر السابق: ص25. ↑
- () نفس المصدر: ص40 ـ 41. ↑
- () نفس المصدر: ص59. ↑
- () نفس المصدر: ص60. ↑
- () قامت باقتباسها واختيارها من ديوانه الآنسة زينب محمد سعيد الطريحي. ↑
- () القطين: القاطنون. ↑
- () في النسخة الخطية «ياسرته». ↑
- () الملي: الغني. ↑
- () في الأصل الفوتوغرافي «تفيدني»؛ وفي النسخة الخطية «تعيدني» ولعل ما رجّحناه أقرب إلى الصواب. ↑
- () الأشطان: جمع شطن وهو الحبل، والشاعر يصف بهذا البيت والأبيات التي بعده سفينة من السفن. ↑
- () المضبرة: الناقة المكتنزة اللحم المشدودة المجموعة وهي هنا على سبيل المجاز في وصف السفينة قول المتنبي يصف كلباً كأنه مضبر من جرول، وفي الأصل الفوتوغرافي العطش والنسخة الأصلية «مصبرة»، والفتلاء: الناقة الثقيلة المتأطرة الرجلين. ↑
- () الظمءُ: العطش وفي الأصل الفوتوغرافي «الظىء»؛ وفي النسخة الخطية «الضر» ولعل ما رجّحناه هو الصواب. ↑
- () الأمون: المطية الموثقة الخلق المأمنة الكلال. ↑
- () في الأصل الفوتوغرافي والنسخة الخطية «ظهورها» وهو خطأ. ↑
- () الوحف: الكثير الأسود من النبات والشعر. ↑
- () الوفرة: الشعر المجتمع على الرأس. ↑
- () تئط: تصوّت. ↑
- () السماوة: السماء، ويريد بذلك لون الماء في محاكاته لون السماء. ↑
- () اليعملات: جمع يعملة وهي الناقة النجيبة المجبولة على العمل. ↑
- () عقاب: جمع عقبة وهي المرمى الصعب في الجبال ويكون هذا تشبيهاً على سبيل المجاز. ↑
- () المتن: الظهر. ↑
- () الململم: المدور المحكم. ↑
- () المراد به الممدوح. ↑
- () حزون: جمع حزن وهو ما صلب من الأرض. ↑
- () المعين: الماء العذب الجاري. ↑
- () أجون: كدرة. ↑
- () عُمان: البلد المعروف اليوم بسلطنة عُمان. ↑
- () طرت: طرأت. ↑
- () الفلق: ما انفلق من عمود الصبح. ↑
- () يرين: يغطي. ↑
- () خفت: ظهرت ولمعت. ↑
- () الحماء: السوداء. ↑
- () الجون السود. ↑
- () زُرين: تقبضت وتكلحت، وفي الأصل الفوتوغرافي والنسخة الخطية «روين» وهو تصحيف. ↑
- () شفون: كارهة مبغضة. ↑
- () قمين: جدير. ↑
- () الهجين: غير العريق. ↑
- () وقصت: دقت عنقها. ↑
- () الطلى: جمع طلية وهي العنق. ↑
- () متون: جمع متن وهو الظهر. ↑
- () صفون: جمع صافن وهو من الخيل القائم على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة. ↑
- () الدرين: من به الدرن. ↑
- () الذنابى: الأذناب. ↑
- () الذوائب: النواصي. ↑
- () البين: المسافة البعيدة بمقدار مد النظر. ↑
- () باهلوا: فاخروا. ↑
- () الجداول: الأنهار الصغيرة. ↑
- () الحقين: المحبوسة عن المسيل. ↑
- () طبي: عادتي؛ وفي الأصل الفوتوغرافي والنسخة الخطية «ظني» وهو تصحيف. ↑
- () البيون جمع بين وهو البعد. ↑
- () النشيج: الصوت المتردد في الصدر. ↑
- () الزبون: الشديدة الدفع. ↑
- () الخضراء: السماء. ↑
- () موائر: مضطربات متزلزلة. ↑
- () يمين: يكذب. ↑
- () العون: الثيبات. ↑
- () الشوامس: الأبيات الممتنعات. ↑
- () السليم: الملدوغ. ↑
- () اللبون: الغزيرة اللبن. ↑
- () يريد براء: جمع بريء. ↑
- () الونى: التعب. ↑
- () نصلت: خرجت. ↑
- () شام، يقال شام البري: نظر إليه أين يقصد وأين يمطر. ↑
- () الحدوج جمع حدج وهو مركب للنساء. ↑
- () المترف: المتنعم الذي لا يُمنع من تنعُّمه. ↑
- () الكثيب: التلّ من الرمل. ↑
- () أسأرت: أبقت. ↑
- () علالات جمع علالة وهي البقية من كل شيء. ↑
- () فرقاً: فزعاً. ↑
- () الزبى: جمع زبية وهي الرابية لا يعلوها ماء. ↑
- () الدرداء: التي ذهبت أسنانها. ↑
- () تستاف: تنمّ. ↑
- () اللها: جمع لهاة وهي اللحمة المشرفة على الحلق أو ما بين منقطع أصل اللسان إلى منقطع القلب من أعلى الفم. ↑
- () النافلة: كل ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. ↑
- () الجناب: اسم وادٍ. ↑
- () بدائد: متفرقة. ↑
- () الوُهْد: جمع وَهْدٍ وهو ما انخفض من الأرض. ↑
- () في الأصل: «يطالعه» وهو تحريف. ↑
- () ضمير: اسم بلدة. ↑
- () السفر: جماعة المسافرين. ↑
- () كلمتا «جبال» الواردتان في هذا البيت وردتا في الأصل «حيال»، وأبان: اسم جبل. ↑
- () الخِرْقُ: السخيّ والفتى الحسن الكريم الخليقة. ↑
- () الغلب: جمع أغلب وهو الذي غلظت عنقه. ↑
- () النصاب: الأصل. ↑
- () أنشطة: يريد بها جمع أنشوطة وهي عقدة يسهل حلّها مثل عقدة التكة. ↑
- () السخاب بوزن كتاب: قلادة من سُكّ وقرنفل ومحلب بلا جوهر، والسُّك: طيب يعجن ويقرّص ويترك يومين ثم يثقب بمسلة وينظم في خيط قُنّب وكلما عَتُقَ طابت رائحته. ↑
- () اللّسَنُ: البيان. ↑
- () الظّلِفُ: النّزِهُ. ↑
- () المرمَّق: الذي يُتبلغ به. ↑
- () أهب: جمع إهاب والجراب جمع أجرب. ↑
- () الجوابي: جمع جابية وهي الحوض الضخم. ↑
- () يصف بقوله «وأخضر» البحر وبقوله «بيضاء سوداء الإهاب» سفينة مطلية الجِرم بالجير والقار. ↑
- () يقطّر: يُلقى على قُطره أي جانبه. ↑
- () خوص: جمع خوصاء وهي التي غارت عينها. ↑
- () النواتي: جمع نوتى وهو ملاح السفينة. ↑
- () العراب: الإبل المنسوبة للعرب، وفي الأصل «الغراب». ↑
- () وشاح: اسم غلام الأمير الذي ناوأ الشاعر على جوائزه. ↑
- () يريد بقوله: «أمرت بها» الصلة أو الجائزة. ↑
- () يريد وجاحدني كتابي ليحبس عني الذهب. ↑
- () الصاغيات: المائلات. ↑
- () الوجى: الحفا. ↑
- () المرم: الساكت. ↑
- () تدوّى: تمرض. ↑
- () جُباراً: هدراً. ↑
- () سباط: كريمة لينة. ↑
- () جعدة: شحيحة جامدة. ↑
- () الرُّحلة بالضم: المكان يقصده الراحل. ↑
- () الحسايا جمع حَسِيّة وهي كل ما يُحتَسى وفي الأصل «حشاياها» وهو تحريف. ↑
- () في الأصل «الجنات» وهو تحريف أيضاً. ↑
- () السر: اللُبّ. ↑
- () المخاصر: جمع مِخصرة وهي ما يأخذها الملك بيده يشير بها إذ خاطب. ↑
- () في الأصل «بسيفه» وهو تحريف. ↑
- () مصطلم: مستأصل. ↑
- () الأزرق اللامح: البازي. ↑
- () يقال: أخدجت الدابة: جاءت بولد ناقص الخَلْق. ↑
- () الناهز: الذي يضرب بالدلو في البئر لتمتلئ. ↑
- () العُقلة: ما يُعقَلْ به كالقيد أو العِقال، وفي الأصل «غَفْلَتي». ↑
- () في الأصل «مسايح» وهو تحريف. ↑
- () في الأصل «وإن نهض». ↑
- () الناصح: الخياط. ↑
- () الوادع: الساكن المستقر، وفي الأصل «دارع». ↑
- () في الأصل «يحلم». ↑
- () الأتلع: الطويل الجيد، ويريد به الفرس. ↑
- () الفدن: القصر العظيم. ↑
- () آده: أثقله. ↑
- () التأوّد: الانحناء والانعطاف. ↑
- () الأبيض: السيف. ↑
- () في الأصل: «ومَزْيَدْ» ولعله تحريف. ↑
- () الرفادة: المعونة. ↑
- () الإلب: القوم يجتمعون على عداوة إنسان. ↑
- () المتقاود: المستوي. ↑
- () الصليف: عرض العنق. ↑
- () الغرز: ركاب الرحل. ↑
- () النفاق: الرواج. ↑
- () في الأًل «متبسم». ↑
- () ترتفق: تستعن. ↑
- () الطيان: الطاوي وهو الجائع. ↑
- () سربزة: جزيرة في أرض الهند يجلب منها الكافور. ↑
- () في الأصل: «اللائد». ↑
- () الحيزوم: وسط الصدر. ↑
- () زارد: اسم فاعل من زرد الشيء: بلعه. ↑
- () في الأصل: «السنابك». ↑
- () يريد بالجوفاء السفينة. ↑
- () الفواقر والأوابد: الدواهي. ↑
- () الأصمع: الذكي. ↑
- () العذب: جمع عذبة وهي خرقة تلفّ على رأس الرمح. ↑
- () في الأصل: «ونعود سأل». ↑
- () مشرجة: مضمومة. ↑
- () الغِمر: الحقد والغلّ. ↑
- () اليفاع: نقيض الحضيض. ↑
- () في الأصل: «الفلاء». ↑
- () في الأصل: «حفيت». ↑
- () يريد وصف السفينة بأنها تسبح بظهرها وهو جِرْمُها الذي في الماء وأنها ليس من ألإبل ذوات الظهر. ↑
- () الضحضاح: الماء القريب القعر. ↑
- () هذه الكلمة غير موجودة بالأصل فرجّحناها لاتزان البيت أولاً ولإتمام المعنى بها ثانياً. ↑
- () في الأصل: «مشيتها». ↑
- () في الأصل: «نشر» وفيه نظر إلى قول مسلم بن الوليد في وصف السفينة.فإذا أقبلت راعت بقُنّة قَرْهبٍ
وإن أدبرتْ راقت بقادِمَتي نَسرِ
قوله: بقنة قرهبٍ أي برأس ثور وحشي مسنّ، ويراد بقوادم النسر المجاذيف. ↑
- () العبر: الساحل والحافة. ↑
- () الغزر: كثرة الدرّ. ↑
- () ما أنّ: ما هاج وما ثار حتى أشبه صوته الأنين ويريد البحر. ↑
- () الاستهام: الاقتراع. ↑
- () في الأصل: «فطنوا». ↑
- () مِلُكه مثلثةً: ماؤه وفي الأصل: «ملكنه». ↑
- () البهام: السود. ↑
- () الجحفل المجر: الجيش الكثير. ↑
- () بترت: قطعت. ↑
- () البتر: جمع أبتر وهو القاطع من السيوف. ↑
- () الأسيان: الحزين. ↑
- () السحر: الرنة. ↑
- () في الأصل «بما». ↑
- () لا تدريها: لا تجعلها غرضاً لها. ↑
- () في الأصل: «بعد». ↑
- () في الأصل: «نفت». ↑
- () صُحار: قصبة عمان وهي بلد مشهور بخيراته وطيب هوائه وكثرة أسواقه؛ واللطيمة: العِيرُ تحمل الطيب. ↑
- () الوقر: الصمم. ↑
- () العيوق والنسر: اسما كوكبين. ↑
- () في الأصل «هادى»، والمهديّ: العروس. ↑
- () القوقاز وسياست امبراطوري عثماني: ص1. ↑
- () تاريخ هيرودس: الكتاب الأول، ص104 و203 و204. والكتاب الثالث، ص97. والكتاب الرابع، ص12. وقد صرح في كتابه الثالث أن القوقاز خاضعة لإيران. ↑
- () صورة الأرض: ص96. ↑
- () المسالك والممالك: ص155. ↑
- () أحسن التقاسيم، القسم الثاني: ص554. آذربايجان وجورجيا: ص5. ↑
- () راجع تاريخ شروان ودربن، مينورسكي: ص20. ↑
- () آذربايجان وآران (ألبانيا القوقاز): ص23 ـ 24. ↑
- () أرمنشان وآذربايجان از استقلال ثااستقرار رزيم شوروي: ص16 ـ 17. ↑
- () انظر تاريخ شروان ودربند، مينورسكي: ص21. ↑
- () راجع بزوهشهائي در تاريخ قفقاز القسمين 1 و2. ↑
- () حول الصاحب بن عباد راجع: أبو حيان التوحيدي، مثالب الوزيرين، تحقيق إبراهيم الكيلاني، دمشق، 1961م. والياقوت الحموي، معجم الأدباء: ج6، ص168 ـ 317. والمصادر الأساسية للحموي في نقله لترجمة الصاحب هي: المنتظم لابن الجوزي، ومثالب الوزيرين للتوحيدي، ومشارب التجارب لأبي حسن البيهقي. ↑
- () حول الصولي راجع:الذهبي، سير أعلام النبلاء: ج15، ص303. وأحد مصادر الذهبي في نقله لترجمة الصولي: الفهرست لابن النديم: ص167 ـ 168. وابن النديم أشار إلى وفاة الصولي في البصرة حوالي عام 330هـ. ↑
- () حول هذه الرسالة وتحليلها راجع:Wilferd Madelung, «New Documents Concerning al – Mamun, al – Fadl b. Sahl and Ali al – Rida«, Studia Arabica et Islamica. Fest Schrift for Ihsan Abbas, ed., Wadad al – Qadi, Beirut: University of Americ, Beirut 1981, p.p333-339. ↑
- () السمعاني (الأنساب: ج4، ص382) كتب حول هذه المحلة يقول: «هي محلة بنيسابور يقال لها بوزكان» (في الأصل يوز).والياقوت (معجم البلدان: ج4، ص260) نقل أيضاً عن السمعاني فقال: «هي محلة بنيسابور ويقال لها أيضاً بوزكان».
وقد ورد هذا الإسم في عيون الأخبار خطأ (الفرويني) وقد نقل عنه المجلسي في (بحار الأنوار: ج49، ص123) الإسم الخطأ. ↑
- () نقل هذا الشخص للشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا وفي المؤلفات الأخرى للشيخ الصدوق روايات عن الأسدي، لكن موضوع بعض تلك الأحاديث لا يتعلق بمسألة الجبر والاستطاعة، ولعلها نقلت عن مؤلفات أخرى للأسدي أو عن كتاب أقدم للإمامية، راجع:راجع: عيون أخبار الرضا: ج1، ص13، 59، 119 (صفات الله) ص133 (التوحيد) ص258، 313. وج2، ص24، 82، 88، 140، 175، 213، 235، 255، 272. وفضائل الأشهر: ص38. وكمال الدين وتمام النعمة: ج2، ص358. ومعاني الأخبار: ص62، 387. ↑
- () بالنسبة للروايات الأخرى التي رواها هو عن الأسدي راجع: الأمالي: ص15، 20، 150، 243، 279، 300، 331، 365، 410، 657. والخصال: ج2، ص543. وعلل الشرائع: ج1، ص13، 34 (محمد بن أحمد الأسدي ظاهراً تصحيف محمد بن جعفر الأسدي)، 68، 131، 173، 201، 234. وج2، ص405، 514. وعيون أخبار الرضا: ج1، ص117، 123، 138، 288. وج2، ص24، 88، 214، 217، 232، 255، 260، 272. وفضائل الأشهر: ص18، 123. وكمال الدين: ج1، ص303، 319،322، وج2، ص377، 520، 524. ومعاني الأخبار: ص131، 139، 223، 316، 368. ↑
- () حول رواياته الأخرى عن الأسدي راجع:الاختصاص: ص223. وأعلام الورى: ص397. والإقبال: ص213 (في النقل الأخير نقل الأسدي عن كتاب حسن بن عباس بن حريش رواية في فضيلة ليلة القدر. كذلك فضائل الأشهر: ص117)، والأمالي: ص42، 66، 200، 463، 473، 474، 631، 655. وثواب الأعمال: ص6، 15، 49، 50، 130، 150، 158، 207، 213، 280. والخصال: ج2، ص531. وعيون أخبار الرضا: ج2، ص135. وكمال الدين: ج1، ص13، 257 ـ 258 ـ 287 ـ 294. ومعاني الأخبار: ص370.
بعض هذه الأحاديث مكررة، ويحتمل أن الأسدي كان الراوي القديم الوحيد لها. وهناك روايات متعددة عن الأسدي في الرد على الواقفة وفي إمامة الإمام الرضا عليه السلام، وهي تقوي فكرة أنه ألف كتاباً في هذا المجال أيضاً.
ونقل الشيخ الطوسي رواية عن الأسدي نقلاً عن الشيخ الصدوق عن محمد بن موسى بن المتوكل. راجع الأمالي: ص158. ↑
- () حول رواياته الأخرى عن الأسدي راجع:الأمالي: ص38، 243، 409، 545، 552، 670. والخصال: ج2، ص543. وعلل الشرائع: ج1، ص68، 131. وج2، ص552، 670. وعيون أخبار الرضا: ج1، ص120، وج2، ص24، 98، 255، 272. ومعاني الأخبار: ص291، 387. ↑
- () راجع في هذا المجال: ويلفر مادلونغ، المذاهب والفرق الإسلامية في العصور الوسطى، ترجمة جواد قاسمي، مشهد، 1996م: ص124. والمفيد تصحيح الاعتقاد (سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد) بيروت، 1414هـ: ج5، ص68 ـ 73. والسيد حسين المدرسي، مقدمة على فقه الشيعة، ترجمة محمد أصف فكرت، مشهد 1989م: ص32. ↑
- () جعفر بن عبدالله المحمدي من أساتذة ابن عقدة الكبار في الحديث (توفي 333هـ) راجع:كتاب الرجال للنجاشي: ص20، 129، 137، 170، 194، 224، 252، 280، 300، 332، 411، 421، 443. والأمالي للصدوق: ص254. (وضمن عنوان «من لم يروِ عن الأئمة» أشار الشيخ الطوسي إلى صلاة المحمدي على جنازة العالم الإمامي محمد بن حسين الصائغ عام 268هـ في الرجال: ص441) والغيبة والنعماني: ص324. نقل رواية عنه عن طريق ابن عقدة يبدو أنه سمعها منه في الكوفة عام 268هـ.
وقد ذكر إسم المحمدي كثيراً في سلسلة الروايات الشيعية. كما ذكر إسمه أيضاً في سلسلة أسناد بعض أحاديث السنة (تاريخ مدينة دمشق: ج1، ص213. وج42، ص50، 146، 487، وج61، ص324. وتاريخ بغداد: ج1، ص213).
لكن دائرة المعارف الإسلامية الكبرى (ج4، ص318 ـ 320) لم تشر إلى هذا الأستاذ المهم لابن عقدة في (مدخل ابن عقدة) رغم كثرة المنقولات عنه.
كذلك في رواية تفسير ابن الجارود زياد بن منذر بواسطة ابن عقدة لم يأت ذكر المحمدي، حيث نقل القمي في تفسيره أكثر الروايات عن تفسير أبي الجارود بسلسلة سند أحمد بن محمد الهمداني عن جعفر بن عبدالله المحمدي عن كثير بن عياش عن أبي الجارود راجع: محمد كاظم رحمتي، الحاكم الحسكاني وتفاسير الإمامية القديمة، كتاب الشهر الديني، العدد 63 ـ 64. ↑
- () حول الموارد التي صرحت باسم كتاب الجامع راجع: أتان كلبرغ، مكتبة ابن طاووس. وحول الموارد التي ذكرت ابن الوليد القمي دون إسم كتابه الجامع راجع: فلاح السائل: ص27 ـ 28 ـ 38، 41 ـ 43، 52، 215، 230، 244، 274، 279. ↑
- () طبع في أربعة وأربعون مجلداً محققاً مصححاً مفهرساً سنة 2004م في دار التعارف للمطبوعات. ↑
- () كانت تقع يومذاك منتصف طريق الكوفة ـ مكة. ↑
- () القمي، الدر النظيم في لغات القرآن العظيم، منشورات مؤسسة في طريق الحق، قم، ط الأولى 1407هـ .موسى والصعيدي، الافصاح، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، ط الرابعة، ج1، ص222. ↑
- () قال الشيخ عباس القمي في كتابه الكنى والألقاب: «أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، شيخ فقيه جليل الذي كثيراً ما كان يعبِّر عنه الشهيد في كتبه بالعلامة مع تعبيره عن العلامة الحلي بالفضل، وفي المنتجب: فقيه الأصحاب وفي (مل). عالم فاضل متكلم فقيه محدِّث ثقة جليل القدر… قال العلامة المجلسي رحمه الله، وأما الكراجكي فهو من أجلَّة العلماء والفقهاء والمتكلمين، وأسند إليه جميع أرباب الإجازات، وكتابه كنز الفوائد من الكتب المشهورة الذي أخذ عنه جلّ من أتى بعده، وسائر كتبه في غاية المتانة».أُنظر: الكنى والألقاب، منشورات مكتبة الصدر، طهران ج3، ص108. ↑
- () الاستبصار، منشورات دار الأضواء، ط الثانية 1405هـ ص18. ↑
- () راجع البحث السندي لهذه الرواية في كتابنا «حقيقة مصحف فاطمة عند الشيعة». ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص532.الحر العاملي (ت: 1104هـ)، إثبات الهداة، تعليق التبريزي، ط المطبعة العلمية، قم ج1، ص79.
الفتَّال النيسابوري (ت: 518هـ) روضة الواعظين، منشورات الشريف الرضي، قم، ج2، ص161 [نقله مرتلاً].
الطوسي (ت: 460هـ)، الغيبة، تحقيق الطهراني وناصح، منشورات مؤسسة المعارف الإسلامية، قم ط الأولى 1411هـ، ص139 [وقد روى نفس المضمون بسند آخر عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر عليه السلام] . ↑
- () انظر: الصدوق (ت: 381هـ)، عيون أخبار الرضا(ع) ، تصحيح وتعليق اللاجوردي، منشورات رضامشهدي، قم 1363هـ. ش ج1، ص47 حديث 7.
الصدوق، الخصال، تحقيق الغفاري منشورات مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1403 ص477 ـ 478 حديث 24.
الطبرسي (من أعلام القرن السادس)، أعلام الورى، منشورات دار الكتب الإسلامية، ط الثالثة، إيران ص386.
أبو الصلاح الحلبي (ت: 374هـ)، تقريب المعارف، تحقيق رضا استاذي، قم 1404 ص178.
الحلّي (من أعلام القرن الثامن)، العدد القوية، تحقيق الرجائي، منشورات المرعشي النجفي ط الأولى 1408 ص71 حديث 109.
الحر العاملي (ت: 1104هـ)، وسائل الشيعة، تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم، ط الأولى 1412هـ ج16، ص244، حديث20.
التستري، إحقاق الحق، تعليق المرعشي النجفي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم، ج13، ص56.
الأربلي، كشف الغمة، منشورات دار الكتاب الإسلامي، بيروت 1401هـ ج3، ص292.
البحراني (ت: 1107 أو 1109هـ)، الإنصاف، تصحيح محلاتي، ط المطبعة العلمية، قم ص32.
البحراني، غاية المرام، مخطوطة في مكتبة المرعشي النجفي تحت رقم (21115) ص189 حديث 104.
الجويني الخراساني (ت: 730هـ)، فرائد السمطين، تحقيق المحمودي، بيروت ط الأولى 1400هـ ج2، ص139.
النوري الطبرسي (ت: 1320هـ)، كشف الأستار، مخطوطة في مكتبة المرعشي النجفي تحت رقم (127085) ص37. ↑
- () المراد به ذو القرنين لأن طوس من بنائه. ↑
- () الكليني، أصول الكافي ج1، ص527 ـ 528، حديث 4. الصدوق، كمال الدين، ج1، ص308 ـ 311.المفيد (ت: 413هـ) الاختصاص، تعليق الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم ص210 ـ 212.
شاذان القمي (ت: 660هـ)، الفضائل، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف 1381هـ، ص113 ـ 114.
الطبرسي، أعلام الورى ص397.
المجلسي، بحار الأنوار ج36، ص195، حديث 3.
النعماني (من أعلام القرن الرابع الهجري)، الغيبة، تحقيق الغفاري، ط مكتبة الصدوق، طهران، ص62، حديث 5. أحمد بن علي الطبرسي، الاحتجاج، تعليق الخرسان، منشورات دار النعمان، النجف 1386هـ، ج1، ص84.
السبزواري (من أعلام القرن السابع الهجري)، جامع الأخبار تحقيق علاء آل جعفر، منشورات مؤسسة آل البيت قم، ط الأولى 1414هـ، ص67.
الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص42 ـ 44 حديث 2.
إبن شهرآشوب (ت: 588هـ)، المناقبن منشورات علامة، قم، ج1، ص296، (ذكر فيه مضمون اللوح فقط).
المسعودي، صاحب تاريخ مروج الذهب (ت: 346هـ)، إثبات الوصية، منشورات المكتبة المرتضوية، النجف، ص230 و143.
الطوسي (460هـ)، الأمالي، تحقيق مؤسسة البعثة، منشورات دار الثقافة قم، ط الأولى 1414هـ، ص291.
الطوسي، الغيبة ص143 ـ 146، حديث 108.
التستري، أحقاق الحق، ج5، ص114.
البحراني، الإنصاف، ص21.
الطبري، بشارة المصطفى، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف، ط الثانية 12383، ص183.
الديلمي (من أعلام القرن الثاني الهجري)، إرشاد القلوب، منشورات الشريف الرضي، قم، ط الثانية 1409هـ، ص290.
البحراني (1107 ـ 1109)، حلية الأبرار، ط، المطبعة العلمية، قم 1356هـ ش ج2 ص683.
القمي، سفينة البحار، منشورات مؤسسة الوفاء، بيروت ج1، ص140.
البياضي (ت 877 هـ) الصراط المستقيم، تحقيق البهبودي، منشورات المكتبة المرتضوية، ج2، ص137 ـ 138.
البرسي، مشارق أنوار اليقين، منشورات الشريف الرضي، ط الأولى، إيران 1415هـ، ص103 ـ 104.
حسن آل طه، جامع الأثر عن إمامة الأئمة الإثني عشر، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي، قم ط الأولى 1414هـ ص190.
الكراجكي، الاستنصار، منشورات دار الأضواء، ط الثانية، ص18 ـ 19.
الخضيبي (ت 334هـ)، الهداية الكبرى، منشورات مؤسسة البلاغ، بيروت ط الأولى 1406هـ، ص364 ـ 366.
الخزاز القمي الرازي (من علماء القرن الرابع الهجري)، كفاية الأثر، تحقيق عبد اللطيف الحسيني، منشورات بيدار قم 1401هـ [نقل قريباً منه بسند آخر عن ابن مروان عن أبي جعفر].
الحر العاملي (ت 1104هـ)، الجواهر السنية، منشورات طوس، مشهد (ص201 ـ 204) و(ص206 ـ 207) [نقله عن محمد بن سنام عن أبي عبدالله عليه السلام]. ↑
- () لعل الشيخ المفيد رحمه الله قد فهم من الخبر ذلك فقد قال في الإرشاد (وروت الشيعة في خبر اللوح الذي هبط به جبرئيل على رسول الله من الجنة فأعطاه فاطمة… الخ) (الإرشاد، منشورات بصيرتي، قم ص262). ↑
- () الصدوق، كمال الدين، ج1، ص312. و(الطبرسي، أعلام الورى ص395. الصدوق، عيون اخبار الرضا ج1، ص45 حديث4. المجلسي، بحار الانوار ج36، ص201. القمي، سفينة البحار ج2،ص516). ↑
- () الطبري (من علماء القرن السادس)، بشارة المصطفى، ص74، وانظر إلى تعليقة الغفاري في هامش كمال الدين للصدوق ج1، ص309 رقم (3). ↑
- () تحقيق البجاوي، منشورات دار الجيل، بيروت 1412هـ، ج1، ص220. ↑
- () النيسابوري، روضة الواعظين، ص206، وانظر الخزاز القمي الرازي، كفاية الأثر، ص55. ↑
- () النقوي، السيد علي نقي، أقرب المجازات إلى مشايخ الإجازات ـ (مخطوط)؛ وبحر العلوم، السيد محمد صادق، المجموع الرائق ـ (مخطوط). ↑
- () نقباء البشر في القرن الرابع عشر، ص1332. ↑
- () أقرب المجازات للنقوي، (تعليقة) السيد محمد صادق بحر العلوم ـ (مخطوطة). ↑
- () نقباء البشر، ص1333. ↑
- () السماوي، الشيخ محمد، الطليعة من شعراء الشيعة ـ (مخطوط)، ج2، ص162. وقد طبع كتاب (الطليعة) بتحقيق الأستاذ المتتبع كامل سلمان الجبوري، ووردت ترجمة الأردوبادي في ج2، ص275 من النسخة المطبوعة (بيروت، 1422هـ/2001م). ↑
- () المجموع الرائق ـ (مخطوط)، لبحر العلوم، ص299. (فرغ من تأليفه سنة 1350هـ). ↑
- () النقوي، أقرب المجازات ـ (مخطوط). (فرغ منه سنة 1350هـ، ويقع في 500 صفحة). ↑
- () القمي، الشيخ عباس، الكنى والألقاب، ج2، ص20. ↑
- () الأميني، محمد هادي، معجم رجال الفكر والأدب، ص47. ↑
- () السيد علي تقي النقوي من كبار علماء الهند، عاش ودرس بالنجف، ثم هاجر إلى الهند. اشتهر لغزارة علمه في الأوساط بلقب (سيد العلماء)، وله مؤلفات في الحديث والتاريخ والأدب، وهو شاعر، نظم بالعربية وغيرها من اللغات.وفي منتصف السبعينات الميلادية طالته فتنة جهّال العوام، فهجموا على داره، وأحرقوا كتبه.
كنت سنة 1394هـ/1974م في محضر العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم (طاب ثراه) بالنجف، فأطلعني على رسالة من النقوي يشرح فيها ظروف الفتنة، وما لاقاه من عنت الجهال هناك، وذكر أن كتاب (أقرب المجازات) قد أحرق فيما أحرق من كتبه، ومؤلفاته النفيسة.
كان السيد محمد صادق بحر العلوم قد نسخ (أقرب المجازات) بخطه، فبقيت النسخة التي كتبها النقوي محفوظة عنده. أما النسخة التي كتبها بخطه فبقيت محفوظة لدى السيد النقوي (وهي النسخة المحترقة). وكان النقوي يؤكد على الاهتمام بالنسخة التي بقيت منحصرة لدى السيد بحر العلوم. وقد ألحق بحر العلوم هذه الملاحظة في آخر كتاب (أقرب المجازات).
قال السيد محمد صادق بحر العلوم:
كتب العلامة الخبير المجيز لنا بهذه الإجازة (أقرب المجازات) من بلدة (علي كره) من بلاد الهند إلى صديقنا في النجف الأشرف العلامة المتتبع الخبير السيد محمد رضا الحسيني الجلالي الكشميري (دام علاه)، كتب إليه جواب كتابه الذي أرسله إليه طالباً منه الإجازة له في أن يروي عنه عن مشايخه. وكتاب المجيز له بتاريخ (17 ـ ج2 ـ سنة 1394هـ)، وقد كتب الإجازة له، وذلك بتاريخ يوم الثلاثاء الرابع من شهر جمادى الثانية سنة 1394هـ.
وكان مما ذكره في ضمن إجازته المذكورة: «.. أن يروي عني بطرقي المذكورة في كتاب (أقرب المجازات) الذي قد اطّلع عليه ـ كما ذكره ـ عند العلاّمة المتتبع السيد محمد صادق آل بحر العلوم (دام علاه)، ووجوده الآن قد بقي منحصراً في تلك النسخة. فإن النسخة الثانية التي كانت عندي قد احترقت بالحريق الذي وقع في داري يوم العشرين من صفر الماضي في الفتنة بين الشيعة والمتسمين بأبناء السُنّة، فقضت على مكتبتي التي كانت تحتوي على بقية آثار السلف، وفيها مؤلفاتي الخطية، وآثار قلمي بالعربية التي لم تطبع لكساد سوق العربية في هذه البلاد النائية عن المراكز العلمية. وعند الله احتسب هذه الأعلاق الثمينة والذخائر القيمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبودي لو يسمح التوفيق للسيد المجاز أن يستنسخ من كتاب (أقرب المجازات) نسخة لنفسه تكثيراً لوجوده، وحياطة على تلك الأسانيد التي بذلت الجهود في تحصيلها، وحفظها عن الضياع، والسلام عليه ورحمة الله».
16 رجب سنة 1394هـ.
حرره
محمد صادق آل بحر العلوم
توفي النقوي في اليوم الأول من شهر شوال 1408هـ/ السابع عشر من شهر أيار 1988م بمدينة لكنو، إحدى مدن الهند. وكان قد قضى حياته في قرية (عليكره). ↑
- () توفي العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم يوم السبت 21 رجب 1399هـ/ 16 حزيران 1979م. ↑
- () وُلد السيد كاظم القزويني عام 1331هـ/1912م. تخرج من دار المعلمين العالية ببغداد سنة 1356هـ/1937م، ومارس التدريس في جملة من المحافظات العراقية.وفي سنة 1368هـ/1949م عُيّن مديراً لمعارف الناصرية، ثم مديراً لمعارف كربلاء سنة 1376هـ/ 1957م.
اصطدم مع الشيوعيين عام 1380هـ/1961م بعد اعتدائهم على مقام المرجع الديني الإمام السيد محسن الحكيم عند زيارته مدينة كربلاء، فنُقل إلى بغداد بوظيفة معاون بثانوية الكاظمية، ثم أعيد إلى منصبه بعد انقلاب عام 1383هـ/1963م شهراً واحداً عاد إلى بغداد ثانية مفتشاً بمدارسها الأهلية.
ألّف كتاباً في التاريخ الإسلامي لغرض تدريسه بالمدارس العراقية، بالاشتراك مع زميل له. وقد فقد الكتاب بعد موت زميله قبل أن يرى النور. وله مجموع حوى ملتقطات ثمينة أغلبها في نوادر الأدب، ومقالات متفرقة.
كتب عنه الأستاذ عبد الوهاب العاني في (دليل المدن العراقية) المطبوع ببغداد سنة 1374هـ/1955م، وناجي الصفوي في (أعلام المدن العراقية)، المطبوع ببغداد، 1372هـ/1953م.
قال العاني: كاظم القزويني علمٌ وإدراك وثقافة واسعة صقلتها التجارب في فن التعليم. له ولعٌ بالدراسات التربوية، وبحوث واستقصاءات عميقة. وقد نشرت له الصحف والمجلات فصولاً عدة كانت مثار الإعجاب دلّت على عمق ما يمتاز به المعلّم الأول، وما يبشر به من النبوغ.
وقد عُرف بنزعته الوطنية، واتّصف بأخلاق أسرته الكريمة، فكان مثال الرجل الناضج، الساعي لخدمة بلاده ووطنه.
تخرّج من دار المعلمين العالية، ومارس التعليم في مختلف المدارس، واختير لإدارة بعض المدارس الثانوية، فكان فيها مثل المعلم الحصيف، والمربّي الكامل، وأشغل عدة مفتشيات معارف فكان مثل الإداري الحازم.
قام بعدة سياحات إلى البلاد العربية بغية التزود من الثقافة، والتعرّف على الحركات الأدبية، والعلمية والتربوية.
وبعد، فالسيد كاظم إنساني النزعة، يُشجع الحركات الثقافية، باذلاً جهده في سبيل إعداد جيل جديد يتحمل المسؤولية الملقاة على عاتق أبناء هذا الوطن.
توفي ليلة الثامن من شهر صفر 1396هـ/ التاسع من شهر شباط 1976م ودُفن في مقبرة الأسرة بالنجف. وقد رثاه جمع من الشعراء الكبار، بقصائد جزلة فخمة أمثال الشاعر الحاج صالح الطاهر الحميري، والسيد أحمد القزويني، والشاعر المحلّق سعيد عبد الحميد الغانمي، والشيخ محمد رضا آل صادق، قال صالح الطاهر الحميري في رثائه:
يا أيها الجبل الأشم رزانة
كيف استطاعت حملك الأكتاف
أم كيف شقوا في الثرى لك مضجعاً
أو ليس مثوى الدرة الأصداف
إن ضاق لحدك فهو مزدحم بما
ضُمّت إليه فضائل وعفاف
وسّع له هذا الضريح بقدر ما
اتسعت له من عزمه أهداف
أو ما دريت بأن ممن زودوا
في هديه، سيحجه آلاف؟!
وقال السيد عبد الستار الحسني في رثائه أيضاً:
عز التقى بفقيده يا ناعي
وأعد مآثره على الأسماع
واندبه شهماً لم تفته فضيلة
وخدين فضل سابغ ومساع
وانع الشريف أبا (الجواد) بحسرة
وابك الكمال بلهجه الملتاع
فجعت به (عمرو العلى)، فجفونها
أبداً تسح، وصبرها متداع
قد غالها ـ بالجوهر الفرد ـ الردى
مذ قيل (كاظمها) أجاب الداعي
كما أرخ وفاته العلاّمة السيد موسى بحر العلوم المتوفى سنة 1397هـ/1977م. ومن غريب الصدف أنه توفي في نفس اليوم من شهر صفر من العام الذي يليه. وأبياته هي:
قل لسراة الحي من هاشم
برقك قد ظل بلا شائم
مذ الردى منك مضى حكمه
على فتى أمضى من الصارم
من أسرة وطّد أركانها
مجد (علي)، وعلا (فاطم)
مضى، ولكن حلماً بعده الـ
ـحلم، بقي في خاطر الحالم
فقلت للمجد بتاريخه
(عز رحيل الماجد الكاظم)
وقال الشيخ محمد رضا آل صادق مؤرخاً وفاته (من قصيدة) بقوله:
أبا (جودت) حزننا مذ رحلت
مقيم، ومدمعنا ساجم
مضيت فلا عودة ترتجى
وغبت، وجنح الدجى جاثم
علام تعجلت صوب الرحيل
ووجهك سمح الرؤى باسم
أقول وبي من لهيب الوجيب
أبا الطيبين، جوى جاحم
هوى واحد الفضل إذ أرّخوا
(يحل بفردوسه الكاظم)
وقال الأستاذ سعيد الغانمي راثياً ومؤبناً من قصيدة طويلة:
لو ينفع الماضين مرّ عتابي
لأطلت فيك، وفي سواك مصابي
يا ذاهباً بالناس في تابوته
بالمجد بالكرماء بالأحساب
لتكاد تدفنك القلوب بسوحها
لو أن مدفوناً بغير تراب
تسقيك من طوفان أدمعها دماً
وتظل تستسقيك في المحراب
وقد ذكرت خبر وفاته، ومراثيه في الجزء الثالث من (الروض الجميل). ↑
- () أبو محمد هارون بن موسى الشيباني التلعكبري تُرجم له في أكثر المعاجم الرجالية. ترجمه النجاشي، والشيخ الطوسي في رجاله، وقال مات سنة 385هـ/995م. وذكره العلامة الحلي في (الخلاصة) أيضاً.وقال القمي في (الكنى والألقاب): ثقة جليل القدر عظيم المنزلة واسع الرواية، عديم النظير وجه أصحابنا معتمد عليه لا يطعن عليه في شيء، روى جميع الأصول والمصنفات، وله كتب منها كتاب (الجوامع في علوم القرآن).
و«التلعكبري» ـ بفتح التاء واللام المشددة وضم العين المهملة وسكون الكاف وفتح الموحدة ـ نسبة إلى (تلك عُكبرا). و(عكبرا) إسم بلدة من نواحي (دجيل) بينها وبين بغداد عشرة فراسخ. وقد أفاض الحديث عنها الأستاذ العلامة المحقق السيد موسى الموسوي الهندي (توفي سنة 1400هـ/1980م) في كتابه المخطوط (تاريخ عكبرا). ↑
- () هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي نابغة من نوابغ المتقدمين، اشتهر بالتصنيف والتأليف، توفي سنة 460هـ/1068م. وكتابه (الرجال) أحد الكتب المعول عليها في رجال الحديث. ↑
- () طُبع هذا الكتاب بتحقيق وتقديم السيد محمد صادق بحر العلوم. وقد ذكر الطوسي أبا محمد هارون بن موسى التلعكبري في باب (من لم يرو عن الأئمة) من رجاله، أنظر: ص516. ↑
- () هو المحدث محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي توفي سنة 381هـ/991م، أحد المشايخ الأربعة، له مؤلفات مشهورة عند الإمامية. ↑
- () الأمالي المطبوع على الحجر سنة 1355هـ/1936م، ص246. ↑
- () طبع كتاب «إكمال الدين وإتمام النعمة» على الحجر (لا. ت)، وأعيد طبعه سنة 1389هـ/1970م بتقديم العلامة السيد محمد مهدي الخرسان، كما طبع في إيران أيضاً، ويسمى (كمال الدين وتمام النعمة). جاء في ص27 من المطبوع: (حدثنا علي بن أحمد الدقاق ـ رحمه الله ـ قال حدثنا حمزة بن القاسم قال حدثنا أبو الحسن علي ابن الجنيد الرازي قال حدثنا أبو عوانة قال حدثنا الحسين بن علي بن عبد الرزاق عن أبيه عن.. الخ). ↑
- () ذكره النجاشي في مواضع مختلفة من فهرسه إلا أنه ذكر جده علياً في ترجمة سهل بن ذاذويه، وأما في غيرها فقد ذكر اسم أبيه فقط. ويورد الشيخ آغا بزرك الطهراني في (نوابغ الرواة) أنه متأخر عن علي بن محمد القلانسي الذي عده الشيخ الطوسي (في رجاله، ص404) من أصحاب الإمام الجواد (ع). ولعل هذا حفيد له. ↑
- () الحسين بن عبيد الله بن إبراهيم الغضائري، توفي منتصف شهر صفر سنة 411هـ/اليوم التاسع من شهر حزيران 1020م كما ذكر ذلك النجاشي في رجاله، ص 54. وهو مجمع على علو مرتبته، وجلالة قدره. وجاء ذكره في الكتب الفقهية وطرق الروايات كثيراً ويعرف بالغضائري، كما يعرف إبنه أبو الحسين أحمد بابن الغضائري.ترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال، ج1، ص541، كما ترجم له ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان، ج2، ص288، وقال إنه من كبار شيوخ الشيعة، كان ذا زهد وورع، وحفظ. يقال كان من أحفظ الشيعة بحديث أهل البيت (اهـ). وذكره الشيخ الطوسي في رجاله، ص470، والنجاشي في فهرسه، ص54، وأثنوا عليه. وقد ذكره الميرزا الأستربادي في كتابه (الوسيط) ـ المخطوط ـ، والسيد الداماد في الرواشح، ص111. ↑
- () هو أبو العباس أحمد بن العباس بن محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن محمد ابن عبدالله النجاشي من أصحاب الرجال وشيوخهم، ولد سنة 372هـ/982م، وتوفي سنة 450هـ/1058م. ↑
- () الرجال، ص240. ↑
- () الرجال، ص165. ↑
- () الرجال، ص108. ↑
- () الرجال، ص141. ↑
- () الرجال، ص267. ↑
- () أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، محدث متبحر اشتهر بكتابه (الكافي) المطبوع ضمن ثمان مجلدات، ذكرته المعاجم الرجالية وأثنت عليه. توفي ببغداد سنة 329هـ/940م، ودفن في مرقده المعروف اليوم ـ قرب جامع الآصفية في الجانب الشرقي (الرصافة) ـ بباب الجسر العتيق المسمى الآن بجسر الشهداء.. ↑
- () العلامة الثبت الشيخ آغا بزرك الطهراني، شيخ مشايخ الحديث في عصرنا، له مؤلفات قيمة أشهرها (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)، طبع في (29) مجلداً، وكتاب (طبقات أعلام الشيعة) طبع منه عشر مجلدات. توفي في اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة سنة 1389هـ/ التاسع عشر من شهر شباط 1970م. ↑
- () طبع بتحقيق ولده الدكتور علي نقي المنزوي للمرة الأولى سنة 1390هـ/ 1971م. وقد صدره بمقدمة في حياة والده المغفور له. وجاء في المطبوع (نوابغ الرواة)، وهو أحد أجزاء موسوعته (طبقات أعلام الشيعة). ↑
- () نوابغ الرواة في رابعة المئات، ص123 ـ 124. ↑
- () رجال النجاشي، ص108. ↑
- () رجال العلامة الحلي، ص53. ↑
- () مصفّى المقال في مصنفي الرجال للشيخ آغا بزرك الطهراني، ص162. ↑
- () النجاشي، ص108. ↑
- () النجاشي، ص108، والخلاصة، ص53. ↑
- () الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي المجلسي المتوفى سنة 1111هـ/1699م، صاحب كتاب (بحار الأنوار) الذي يعتبر من كتب الحديث الثانوية عند الشيعة، وقد ترجم المجلسي في كثير من المعاجم الرجالية؛ وممن ترجمه المحدث الميرزا حسين النوري في رسالة سماها «الفيض القدسي في ترجمة العلامة المجلسي» طُبعت بمقدمة (البحار)، الطبعة الإيرانية. ↑
- () الوجيزة، ص151، (ملحقة برجال العلامة الحلي الطبوع في إيران على الحجر سنة 1312هـ/1894م). ↑
- () الميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الاستربادي من مشاهير الرجاليين، وصاحب الكتب الثلاثة المشهورة في الرجال، توفي سنة 1028هـ/1618م. له من المؤلفات المطبوعة «منهج المقال في الرجال». وقد ذكر تجرمته جمعٌ من الكتّاب كتلميذه السيد مصطفى التفريشي في (نقد الرجال)، والخوانساري في (روضة الجنات)، وصاحب (سلافة العصر)، والعاملي في (أمل الآمل)، والبحراني في (لؤلؤة البحرين)، والقمي في (الكنى والألقاب)، وغيرهم. ↑
- () لا يزال (الوسيط) من الكتب الخطية النادرة، ولندرة الكتاب رأيتُ أن أكتب نص العبارة التي أوردها الاستربادي. قال رحمه الله: (حمزة ابن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن ابن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام أبو يعلى، ثقة جليل القدر، من أصحابنا، كثير الحديث، له كتاب مَن روى عن جعفر بن محمد (ع) من الرجال (جش صه)، وهو كتاب حسن، وكُتبٌ أخر (عنه) علي بن محمد القلانسي (جش) ابن القاسم العلوي العباسي؛ يروي عن سعد بن عبدالله، روى عنه التلعكبري إجازة (لم).وفيه أيضاً: حمزة بن القاسم يكنى أبا عمرو، هاشمي، عباسي، روى عنه التلعكبيري) ـ ا هـ ـ.
ويريد برمز ـ جش ـ النجاشي، وبرمز ـ صه ـ خلاصة الأقوال للعلامة الحلي، وبرمز ـ لم ـ رجال الشيخ الطوسي في باب ـ مَن لم يرو عن الأئمة عليهم السلام ـ.
وقوله (عنه) علي بن محمد، أي روى عنه علي بن محمد القلانسي. ↑
- () الشيخ محمد طه بن الشيخ مهدي بن الشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد ابن الحاج إبراهيم نجف علي التبريزي. ولد بالنجف سنة 1241هـ/1825م، وتوفي سنة 1323هـ/1905م، وكان عالماً محققاً فقيهاً أصولياً وشاعراً مجيداً. له عدة مؤلفات طبع بعضها.ترجم له السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة، والطهراني في (الطبقات)، وحرز الدين في معارف الرجال، ومحبوبة في ماضي النجف وحاضرها، وغيرهم.
كما كتب تلميذه العلامة الشهير السيد محمد سعيد الحبوبي ترجمة ضافية عنه ملحقة بتراجم (آل نجف) التي كتبها زميله السيد باقر الموسوي الهندي (1285 ـ 1329هـ/1868 ـ 1911م)، لكنها فُقدت، ولم يبقَ لها أثر، وبقيت التراجم الأخرى محفوظة. (أطلعني عليها الأستاذ المحقق السيد موسى الموسوي الهندي).
و(آل نجف) أسرة علوية ينتهي نسبها إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع)، وهم فرع من السادة الصفوية. دوّن نسبهم الأستاذ السيد مهدي الوردي النسّابة في كتابيه المخطوطين (معجم الألقاب في معرفة الأسر والأنساب)، و(النور الساطع في عقب الإمام السابع). ويحتفظ كاتب هذه السطور بمُشجرة نسبهم التي كتبها السيد الوردي، وذكر في مقدمتها قوله: إن نسب السادة الصفوية هم من مشاهير السادة الأنجاب الموسوية، من الدوحة النبوية، ومن فروعهم الأشراف (آل نجف علي) الشهيرين، وقد صحّ نسبهم، واتضح برهانهم، وإن مضى زمنٌ على اندثار انتسابهم». ↑
- () إتقان المقال في أحوال الرجال، المطبوع سنة 1341هـ/1922م، ص55. ↑
- () هو الشيخ عبدالله المامقاني المتوفى سنة 1351هـ/1932م، يمكن مراجعة ترجمته في معارف الرجال، ج2، ص20. ↑
- () تنقيح المقال في أحوال الرجال، للمامقاني، ج1، ص376. ↑
- () الشيخ عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم القمي، عُرف بمؤلفاته الغزيرة، وأشهر كتبه (الكنى والألقاب)، توفي سنة 1359هـ/1940م. ↑
- () الكُنى والألقاب، ج1، ص186. ↑
- () سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار، هو فهرست كتاب (بحار الأنوار)، طبع بالنجف سنة 1352هـ/1933م. أنظر: ج1، ص339. ↑
- () وممن ذكره أيضاً غير ما ذكره المؤلف رحمه الله: الشيخ أبو علي الحائري الرجالي المعروف المتوفى سنة 1216هـ/1801م، في كتابه «منتهى المقال في أحوال الرجال»، ص132، والشيخ عباس القمي في «تحفة الألباب في نوادر آثار الأصحاب»، طبع طهران سنة 1369هـ/1949م، ص79 (فارسي، عربي)؛ والسيد حسن الصدر في كتابه «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام»، ص257، والمولى العلامة محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري في كتابه «جامع الرواة»، ج1، ص83، طبع إيران سنة (1334هـ/1915م)، والعلامة الخوئي في «ملخص المقال في أحوال الرجال»، ص125، طبع طهران سنة 1318هـ/1900م؛ والرجالي المولى عناية الله علي القهبائي في كتابه «مجمع الرجال»، ج2، ص 240، طبع أصفهان سنة 1384هـ/1964م، والسيد حسون البراقي في كتابه المخطوط «النفحة العنبرية»، والشيخ عبد الواحد المظفر في «بطل العلقمي»، ج3، طبع النجف سنة 1374هـ/1954م، وعماد زادة حسين الأصفهاني في كتابه «زندكاني قمر بني هاشم» بالفارسية ـ، المطبوع بطهران، وخالف في سلسلة نسبه إذ ساقها كما يلي: «أبو يعلى الحمزة بن القاسم بن محمد بن عبدالله بن الحسن بن عبيد الله، قاضي الحرمين وأمير مكة والمدينة ـ ابن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام».كما ذكر السيد حسن الصدر أيضاً في «نزهة الحرمين في عمارة المشهدين»، المطبوع، وذكره السيد جعفر بحر العلوم في «تحفة العالم في شرح خطبة المعالم»، ج2، ص34، قال: هو من الثقات الأجلاّء، ومن مشايخ الإجازة.
وذكره الشيخ محمد حرز الدين في «مراقد المعارف»، ج1، ص152، والشيخ الفتوني في «حديقة النسب»، لكنه قدّم (علياً) على (القاسم)، وساق النسب كما يلي: (الحمزة بن علي بن القاسم بن الحمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العباس بن علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ).
وذكره المعاصر السيد حسن الموسوي الأصفهاني في كتابه «ثقاة الرواة»، المطبوع سنة 1387هـ/1967م، ج1، ص267.
كما ذكره الشيخ محمد تقي التستري في «قاموس الرجال»، المطبوع بطهران سنة 1379هـ/1960م، ج3، ص434.
وقد أعاد ذكره الشيخ عبدالله المامقاني في كتابه «مرآة الكمال لمن رام درك صالح الأعمال»، المطبوع بالنجف سنة 1342هـ/1923م، ص237، بعدما ذكره في «تنقيح المقال»، ص376 بصورة أوسع.
وذكره السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني في كتابه «ثقات الرواة»، المطبوع بطهران سنة 1363هـ/1943م، ص29، والسيد محمد علي الشاه عبد العظيمي في «منتخب الرجال» ـ وهو مختصر رجال النجاشي، المطبوع على الحجر (لا. ت)، ص73، والشيخ محمد حسن البارفروشي المازندراني في (نتيجة المقال في علم الرجال)، المطبوع على الحجر سنة 1284هـ/1867م.
وذكره السيد أحمد الحسني العطار في أرجوزته الرجالية المحفوظة في مكتبة الإمام الصادق عليه السلام بالكاظمية برقم (160) من تعداد الكتب الخطية بقوله:
وحمزة المعروف بابن القاسم
نجل علي العلوي الهاشمي
عدل جليل القدر سامي الخطر
كذا أبو يعلى بن يعلى الأشعري
ويقصد بالأخير (القمي) كما جاء في تعليقته على المنظومة. وهي كبيرة جيدة السبك، عليها تعليقات لناظمها توضّح بعض مطالبه.
وذكره المُلاَّ علي كني في «نوضيح المقال في علم الرجال»، المطبوع بطهران سنة 1302هـ/1884م، والسيد حسين البروجردي في «نخبة المقال في علم الرجال؛ المطبوع بطهران سنة 1313هـ/1895م، والبحاثة السيد جواد شُبّر في كتابه (الضرائح والمزارات) ـ المخطوط.
وذكره المحقق السيد عبد الستار الحسني في كتابه المخطوط «القول الحاسم في أنساب بني هاشم»، ومما قال عنه: «إنه كان محدثاً ثقة من طبقة الشيخ الكليني، وله في كتب الرجال ذكر عاطر، وعليه في ثنايا الأسفار ثناء وافر. وأذكر أني قرأت في بعض أوصافه أنه كان يلقّب بجهبذة العلماء بيْدَ أني لا أحفظ المصدر). ↑
- () الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين العاملي الجبعي المتوفى سنة 965هـ/1577م من أعلام العلماء، له تأليفات قيمة، أشهرها شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الأول (في الفقه)، مطبوعة بعشر مجلدات. ↑
- () هذا التضمين عجز بيت للشاعر الشهير كاظم الأزري البغدادي المتوفى سنة 1213هـ/1798م من قصيدة طويلة في رثاء سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وتمامه:إن يقتلوك فلا عن فقد معرفة
الشمس معروفة بالعين والأثر
وقد نشرت بطولها في ديوان الأزري بتحقيق الأستاذ شاكر هادي شكر الذي طُبع في مجلة (المورد) العراقية، (المجلد الخامس، العدد الثاني). كما أثبتها السيد محسن الأمين العاملي في «الدر النضيد»، والبحراني في «رياض المدح والرثاء»، والسيد حسن الخطيب الموسوي في «اللؤلؤ المنظوم في رثاء الحسين المظلوم»، ـ مخطوط ـ، والسيد جواد شبّر في (أدب الطف)، ج6، وغير هؤلاء. ↑
- () ذهب إلى ضعف هذه الرواية الإمام السيد أبو القاسم الخوئي في (معجم رجال الحديث، ج1، ص91)، وقال: لو أغمضنا عن ضعف السند، فالدلالة فيها أيضاً قاصرة، وذلك فإن المراد بجملة (قدر روايتهم عنا) ليس هو ما يخبر الراوي عنهم، وإن كان لا يُعرف صدقه وكذبه فإن ذلك لا يكون مدحاً في الراوي، فربما تكون روايات الكاذب أكثر من روايات الصادق. بل المراد بها هو قدر ما تحمله الشخص من رواياتهم عليهم السلام وهذا لا يمكن إحرازه إلا بعد ثبوت حجية قول الراوي، وإن ما يرويه قد صدر عن المعصوم عليه السلام.وروى الكشي في رجاله، ص9، عن الصادق عليه السلام: «إعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا»، وقوله عليه السلام: (إعرفوا منازل الناس منا على قدر رواياتهم عنا»، وهاتان الروايتان في الضعف كسابقتهما، وإن كان وجه الضعف عليهما ظاهر.
وسألت العلامة المجتهد السيد مسلم الحسيني الحلي (ت: 1401هـ/1982م) عن الرواية المذكورة فأملى عليّ هذه الكلمات: إن دلالة الرواية على المقصود واضحة، إنما يبقى الإشكال في تحقيق تلك الرواية عنهم عليهم السلام، وهذا لا بد منه من مقدمة مطوية ثابتة، وهو كون تلك الروايات يصح أن يقال في حقها أنها رواية عنهم. وهذا شيء يُعرف عن طريق توثيق الرجال للراوي بما ورد عن لسان الإمام في توثيقه؛ كما ورد في حق زرارة وأمثاله في قوله عليه السلام: «ما قال لك زرارة فصدقه، فإنه عني يقول»، أو عن طريق إجماع العصابة على توثيقه كما ورد في حق جماعة من الإجماع على تصحيح ما يصح عنهم. وهذا أمر مقرر عند علماء الدراية والحديث، وعلماء الرجال. ↑
- () النجاشي، ص267. ↑
- () رجال النجاشي، ص108. ↑
- () رجال العلامة، ص53. ↑
- () الشيخ تقي الدين أبو محمد الحسن بن علي بن داود الحلي، الرجالي المشهور، وصفه مترجموه بأنه كان عالماً محققاً فقيهاً موصوفاً في الإجازات، والمعاجم الرجالية بسلطان العلماء والبلغاء، وتاج المحدثين والفقهاء. كانت وفاته سنة 740هـ/1339م. ↑
- () جاء في رجال ابن داود، ص85، طبع النجف سنة 1392هـ/1972م، وص134 من الطبعة الطهرانية سنة 1342هـ/1923م: (حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة العلوي العباسي، أبو يعلى (لم) (جش) ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير الحديث) (اهـ)، ولم يزد عليه شيئاً. فتأمل عبارة المتن. ↑
- () الوجيزة، ص151. ↑
- () بلغة المحدّثين للشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121هـ/1709م، لا يزال من المخطوطات، ذكره الطهراني في الذريعة، ج3، ص146. ↑
- () كتاب المشتركات من تأليفات الشيخ محمد أمين الكاظمي. واسم الكتاب «هداية المحدثين إلى طريقة المحمدين»، وهو تتميم الباب الثاني عشر من كتاب «جامع المقال فيما يتعلق بأحوال الحديث والرجال» لأستاذه الشيخ فخر الدين الطريحي المتضمن لذكر المهم من أسماء الرجال وطبقاتهم، ومَن اشترك في الإسم والكنية.وقد طبع كتاب الطريحي محققاً، ولم يزل كتاب الكاظمي من المخطوطات. وقد اعتمدت على نسخة السيد محمد صادق بحر العلوم التي نسخها بخطه، في ملاحظة الأسماء المشتركة.
قال الكاظمي في باب (حمزة): «المُشترك بين ثقة وغيره، ويمكن استعلام أنه ابن حمران برواية سماعة عنه، ورواية أخيه عقبة ابن حمران عنه، وأنه إبن الطيار برواية ابن بكر عنه، ورواية صفوان بن يحيى عنه، ورواية أبان الأحمر عنه. وأنه ابن القاسم الثقة برواية علي بن محمد القلانسي عنه، ورواية التلعكبري، وبروايته هو عن سعد بن عبدالله، وأنه ابن محمد القزويني برواية محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه، وبروايته هو عن علي بن إبراهيم وأنه ابن يعلى الثقة برواية الصفار عنه، وبرواية سعد بن عبدالله عنه، وحيث يعسر التمييز بالوقف». ↑
- () حاوي الأقوال في معرفة الرجال، للشيخ عبد النبي ابن الشيخ سعد الجزائري المتوفى سنة 1021هـ/1612م، لا يزال مخطوطاً ـ (أنظر: الذريعة، ج6، ص236). ↑
- () النسابة الشهير السيد جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الحسني المعروف بابن عِنَبة، توفي سنة 828هـ/1424م. ↑
- () عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، ص358. ↑
- () وهو منقول عن هامش الأصل، وقد سقطت هذه العبارة من نسخة الأصل التي هي بخط الأردوبادي. ↑
- () في نسخة (المجدي) المطبوعة عام 1409هـ/1989م: أن الصولي أبا بكر أنشد لمحمد ابن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيدالله بن العباس بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ↑
- () ذكر النسابة المعاصر السيد مهدي الوردي الكاظمي في كتابه المخطوط «قلائد السمطين في عقب أمير المؤمنين من غير السبطين» محمداً المذكور، ونقل قول صاح بالمشجر الكشاف، وصاحب العمدة فيه، وزاد عليه قوله: وافقه الأعرجي في أنساب العرب، وكذا المرعشي في مشجرته، وزاد بقوله: أبو عبدالله من أصحاب الرضا، وقبره بالبصرة (اهـ).وقال ابن حزم في الجمهرة: محمد محدث مات سنة 287هـ.
وممن ذكره أيضاً النسابة السيد عبد الرزاق كمونة في مشاهد العترة الطاهرة، ص33. كما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه، ج2، ص63، بأنه كان راوية للأخبار، وهو صدوق، وله الرواية عن جماعة كثيرة. ووصفه صاحب تهذيب التهذيب، ج9، ص352، بالعلوي البغدادي. ونقل عن ابن حاتم أنه (صدوق ثقة). وقد توفي في مدينة جده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأقبر بالبقيع، ورثاه أخوه العباس الخطيب كما في المجدي (المخطوط) للنسابة العمري بأبيات أولها:
وأرى البقيع محمداً
الله ما وارى البقيع
↑ - () رجال النجاشي، ص209. ↑
- () الخلاصة، ص46. ↑
- () الوجيزة، ص163. ↑
- () بلغة المحدثين للشيخ سليمان الماحوزي لا يزال من المخطوطات. ↑
- () الرجال، ص209. (وهو زيادة في نسخة بحر العلوم). ↑
- () عمدة الطالب، ص358. ↑
- () طبع كتاب (المجدي في أنساب الطالبيين) لأول مرة في إيران سنة 1409/1989م بتحقيق أحمد المهدوي الدامغاني مصدراً بمقدمة للعلامة شهاب الدين المرعشي. ومؤلف الكتاب هو علي بن محمد بن علي بن محمد العلوي العمري النسّابة من أعلام القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. ↑
- () علّق المحقق الثبت السيد عبد الستار الحسني النسابة على هذه الفقرة بقوله: «إن ما ذهب إليه المؤلف في معزل عن الصواب لأن زوج عبدالله بن العباس هي بنت عبيدالله بن معبد بن العباس ابن عبد المطلب، وإنما حصل في النسخة الثانية سقط في الأسماء، وهو كثير الحصول في كتب الأنساب». ↑
- () كان عبيد الله بن العباس من الأجلاء، رباه الإمام علي بن الحسين عليه السلام وأدبه وزوجه إبنته خديجة، وكان عظيم العناية به، وكان يحبه ويؤثره ويقدمه على سائر أقربائه. ↑
- () هو أخو العلامة الحلي. ترجم له الخوانساري في «روضات الجنات»، والنوري في «مستدرك وسائل الشيعة»، ج3، ص459، والبحراني في «لؤلؤة البحرين»، ص266. ↑
- () العُدد القوية لدفع المخاوف اليومية (وهو في الدعاء). ↑
- () أنظر: سر السلسلة العلوية، ص9. ↑
- () في الأًل (مخزوم)، وفي سر السلسلة: (ابن مخرمة) وهو الصواب. وقد نبّهني المحقق السيد محمد رضا الجلالي عليها. ↑
- () أنظر: عمدة الطالب، ص357.وذكر ابن حزم في (جمهرة أنساب العرب) عبيد الله بن العباس، وحصر العقب فيه. والذي يظهر من كلامه أنه يذكر المشهور بالعقب. وذكر السيد حسون البراقي في كتابه المخطوط «النفحة العنبرية» ـ ناقلاً القول عن العميدي في كتابه «بحر الأنساب» ـ أولاد العباس المعقبين وهم عبدالله، وعبيدالله، والفضل. وذكر صاحب «حدائق الألباب» أولاد العباس المعقبين، وهم: الحسن، وعبيدالله، ثم ذكر عقبهما.
ولم أقف على هذا القول في (بحر الأنساب) المطبوع، ولعلّ البراقي اعتمد على نسخة فيها بعض الاختلاف عن النسخة المطبوعة.
قال النسّابة السيد مهدي الوردي في «قلائد السمطين» ـ المخطوط ـ: إتفق أرباب النسب على انحصار عقب العباس بن أمير المؤمنين في ولده عبيد الله، وزاد الشيخ الفتوني العقب للحسن بن العباس. ↑
- () أبو القاسم سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري القمي، ذكره النجاشي في (رجاله)، والطوسي في (رجاله) أيضاً، وعدّه من أصحاب الإمام الحسن العسكري، توفي سنة (301هـ/914م، وقيل 299هـ/912م). وذكر العلامة الحلي في (الخلاصة) أنه توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من شوال سنة 300هـ، (الخامس من شهر حزيران سنة 913م) في ولاية (رستم). ↑
- () رجال الطوسي، ص431. وفيه (سعد بن عبدالله القمي، عاصره ـ ع ـ ولم أعلم أنه روى عنه). أما ما ذكره الأردوبادي في (المتن) فمصدره (فهرست) الشيخ الطوسي ص101، لا (رجاله)؛ فقد عدّ الطوسي في فهرسه مؤلفات سعد الأشعري، ولم تصل إلى ثلاثة وثلاثين كتاباً كما ذُكر في (المتن)، ولم أقف على إسم (الحمزة) في النسخة المطبوعة، ولا يخفى حينئذٍ وجود نقص في المطبوع المتداول. ↑
- () رجال النجاشي، ص141. ↑
- () رجال النجاشي، ص165. ↑
- () رجال النجاشي، ص241. ↑
- () إكمال الدين، ص123. ↑
- () الحمزة بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، مرقده في (الري) معروف متصل برواق الشاه عبد العظيم الحسني. ويؤثر له مرقد في مدينة قم، وآخر في مدينة شيراز، وآخر في كرمان، والأول أقواها. (أنظر: مراقد المعارف، ج1، ص262).ومن نسله السادة الصفويون على المشهور، والسادة الجباريون، في كركوك، (وهم أسرة الشاعر معروف الرصافي)، وأسرة العلامة السيد عبد الحسين اللري، وآل الواعظ ـ أسرة السيد جعفر الأدهمي، وهم غير آل الواعظ ـ أسرة الشيخ نجم الدين، فهؤلاء من المعاضيد، وليسوا من العلويين ـ، وجمهرة كبيرة في (بلخ)، وبلاد (فارس)، و(الهند)، حدّثني بذلك النسّابة السيد عبد الستار الحسني البغدادي. ↑
- () هو أبو القاسم، عبد العظيم (المعروف بشاه عبد العظيم) ابن عبدالله بن علي ابن الحسن بن زيد بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب عليه السلام. وصفه صاحب (المنتقلة) بالمحدث الزاهد وقال: مشهده الشجرة بالري، وقبره يُزار، وأمه أم ولد. ↑
- () أروي عن السيد عبد الحميد القزويني المتوفى سنة 1400هـ/1980م؛ أن الرجل الذي زار السيد مهدي القزويني كان من أهل تلك المنطقة، وعندما استدعاه القزويني ليسأله عمن سمع ذلك، استبطأ مجيئه. وبعد مضي ساعات طوال جيء بالرجل محمولاً من قبل أولاده، وقدماه تخطان الأرض، لا تكادان تحملانه. فعندما سأله السيد عمّا حل به علم أنه منذ مدة لا يقوى على الحركة لمرض أصابه، ولم يخرج من داره إلا تلبية لطلبه.قال السيد القزويني له: أبشر بالشفاء. وفعلاً فقد شفي الرجل من مرضه. ↑
- () ذكر هذه الحكاية المحدث الميرزا حسين النوري في كتابه (جنة المأوى)، ونقلها عن السيد صالح ابن السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1304هـ/1886م.«حدثني جماعة من الأفاضل الكرام، والصلحاء الفخام، منهم السيد السند والحبر المعتمد، زبدة العلماء الأعلام، وعمدة الفقهاء العظام، حاوي فنون الفضل والأدب، وحائز معالي الحسب والنسب الميرزا صالح (دام علاه)، ابن سيد المحققين، ونور مصباح المجاهدين، وحيد عصره، وفريد دهره، سيدنا المعظّم السيد مهدي، (أعلى الله مقامه، ورفع في الخلد أعلامه)، وقد كنت سألتُ عنه (سلّمه الله) أن يكتب لي تلك الحكايات الآتية المنسوبة إلى والده المعظّم التي سمعتها من الجماعة، فإن أهل البيت أدرى بما فيه، مع ما هو عليه من الإتقان والحفظ والضبط والصلاح والسداد والاطلاع، وقد صاحبته في طريق مكة المعظمة ذهاباً وإياباً فوجدته (أيده الله) بحراً لا ينضب، وكنزاً لا ينفد، فكتب إليه مطابقاً لما سمعته من تلك العصابة».
وذكر الميرزا النوري أنه سمع هذه الكرامات شفاهاً من السيد مهدي القزويني، وقال: «لم تكن هذه الكرامات منه ببعيدة، فإنه ورث العلم والعمل عن عمه الأجلّ الأكمل السيد باقر القزويني. وكان عمّه قد أدبه ورباه، وأطلعه على الخفايا والأسرار، حتى بلغ مقاماً لا تحوم حوله الأفكار، وحاز من الفضائل والخصائص ما لم تجتمع في غيره من العلماء الأبرار».
وذكر النوري أيضاً أن السيد محمد القزويني ذيّل هذه الروايات بقوله: «سمعتُ هذه الكرامات الثلاثة سماعاً من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطّر الله مرقده»، ثم ساق الحكايات الثلاثة.
وقد وقفتُ على نسخة الأصل التي أثبتها الميرزا النوري في (جنة المأوى) في بعض أوراق أبي المعز السيد محمد القزويني وهي في عشر صفحات، مكتوبة بخط رديء، وقد ذيّلها أبو المعز بما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله على محمد وآله وصحبه، يقول الأقل الفقير إلى رحمة ربه محمد الحسيني القزويني، إني قد رويت هذه الكرامات الثلاث سماعاً من لفظ الوالد العلامة المرحوم (عطّر الله مرقده)، ورويت الحكاية الأولى عن الصالح التقي الحاج علي علوش الحلي مستقلاً، وحُرر في رجب سنة 1302هـ. وقد أمضاها بختمه (محمد الحسيني).
وقد أفاد النقل عن بعض علماء الإمامية أنهم حظوا بملاقاة الإمام ـ عليه السلام ـ بما لا يحصل القطع بمعرفته إلا بعد غيبته لوجود القرائن.
ومما يستحسن ذكره في هذا السياق ما كتبه السيد المهدي نفسه في كتابه المخطوط (آيات المتوسمين) حيث قال: «ربما ظهر لبعض خواص الشيعة من العلماء الأعلام، (وقد عدّ بعضهم)، كما نقل ذلك الثقات من أصحابنا ممن شاهدناهم مشافهة. وربما تيسّر لنا في بعض المواضع بما لا يحصل لنا الشعور بمعرفته إلا بعد غيبته مما يحصل لنا القطع به، لإجراء ما لا يجريه سواه، ولا يقوم به إلا إياه من بعض الكرامات في مسجد الكوفة، وطريق كربلاء، والحائر الشريف، وغير ذلك مما لا يسع المقام ذكره). ↑
- () لكنه ساق نسبه كالآتي: الحمزة بن الحسن بن الحمزة بن علي بن القاسم بن عبدالله ابن العباس بن أمير المؤمنين، مما يقرب من قرية (المزيدية) من أعمال الحلة السيفية. (فلك النجاة، ص336).ولم تكن في أولاد العباس هذه السلسلة. وقد شككتُ في (فلك النجاة)، فرجعت إلى الأصل (المخطوط) بخط المؤلف، المحفوظ في مكتبة الإمام الحكيم العامة بالنجف الأشرف، فوجدتُ القول كما هو عليه. ↑
- () تحية الزائر وبلغة المجاور، المطبوع على الحجر سنة 1327هـ/1909م، ص324، وقد نقل القصة بكاملها (بالفارسية)، وأشار إلى أنه ذكرها في كتابه (النجم الثاقب)، وهو بالفارسية أيضاً. ↑
- () منتخب التواريخ (فارسي) للشيخ محمد هاشم الخراساني، طبع بطهران سنة 1382هـ/1962م، ص15. ↑
- () تنقيح المقال في أحوال الرجال، للشيخ عبدالله المامقاني، (طبعة حجرية)، ج1، ص376. ↑
- () القمي، الكُنى والألقاب، ج1، ص186. ↑
- () الكرك قرية من قرى البقاع تقع بين زحلة وبعلبك، وفيها قبر ينسب إلى النبي نوح، وتسمى (كرك نوح) تمييزاً لها عن كرك الشوبك التي تقع بنواحي البلقاء التابعة للأردن اليوم. (أعيان الشيعة، ج5، ص88). ↑
- () الخونساري، ج4، ص356. ↑
- () روضات الجنات، ج4، ص372. ↑
- () النوري، المستدرك، ص432 ↑
- () نوار، تاريخ الشعوب الإسلامية، ج1، ص33. ↑
- () روضات الجنات، ج1، ص343. ↑
- () النوري، المستدرك، ج3، ص432؛ وروضات الجنات، ج1، ص342. ↑
- () النوري، ص432، والخونساري، ج1، ص343. ↑
- () الأفندي، رياض العلماء، ج3، ص448. ↑
- () الخونساري، ج4، ص363. ↑
- () طبعت الرسالة (الجعفرية) في المجلد الأول من (رسائل المحقق الكركي)، (قم، 1989م) بتحقيق زهير الحسون، ص77 ـ 136. ↑
- () الخونساري، ج4، ص369. ↑
- () نوار، ص31. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص272. ↑
- () المهاجر، ص126. ↑
- () الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق، ص60. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص51؛ وروضات الجنات، ج4، ص361؛ وأحسن التواريخ، ص244. ↑
- () الزين، ص220. ↑
- () أعيان الشيعة، ج11، ص211. ↑
- () تاريخ كرك، ص88؛ وكوثراني، العصر العثماني، الثقافة الإسلامية، العدد (5)، 1986م. ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص27. ↑
- () الزين، للبحث عن تاريخنا، ص298. ↑
- () الخونساري، ج4، ص362؛ والبحراني، لؤلؤة البحرين، ص153. ↑
- () روضات الجنات، ج1، ص66؛ البحراني، لؤلؤة البحرين، ص160؛ ورسالة في السجود على التربة المشوية، رسائل المحقق الكركي، ج2، ص91 ـ 108. ↑
- () البحراني، ص160. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، ج5، ص211. ↑
- () الجابري، الفكر السلفي، ص261. ↑
- () روضات الجنات، ج1، ص163. ↑
- () روضات الجنات، ج4، ص371. ↑
- () النوري، المستدرك، ج3، ص432. ↑
- () تاريخ الشعوب الإسلامية، ج1، ص48. ↑
- () أعيان الشيعة، ج5، ص214. ↑
- () روضات الجنات، ج4، ص372. ↑
- () رياض العلماء، ج3، ص442. ↑
- () تاريخ منتظم ناصري: ج1، ص499، وج2، ص12. ↑
- () جهان كشاي نادري: ص58 ـ 59. ↑
- () جام جم: ص 478. روضة الصفاي ناصري: ج8، ص517 ـ 518. ↑
- () كلستانه مجمل التواريخ: ص21. ↑
- () مجمل التواريخ: ص21. ↑
- () جهان آرا النسخة الخطية: ص17. ↑
- () Hanway, Vol.1. P.131 & 423. ↑
- () أحسن التواريخ: ص31. ↑
- () ناسخ التواريخ: ج1، ص16. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص15. ↑
- () نفس المصدر والصفحة. ↑
- () مجمل التواريخ: ص 22. ↑
- () مجمل التواريخ: ص22: رستم التواريخ: ص237. ↑
- () تاريخ منتظم ناصري: ج3، ص1352. ↑
- () مجمع التواريخ: ص120. زينة التواريخ النسخة الخطية في باريس: G2 أ ـ ب. ↑
- () أحسن التواريخ النسخة الخطية: ص17. تاريخ منتظم ناصري: ج2، ص1148. ↑
- () تاريخ كميتي كشا: ص26، روضة العناي ناصري: ج9، ص16. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص16. تاريخ كيتا كشا: ص26. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: نفس الصفحة السابقة. ↑
- () مجمل التواريخ: ص75. كيتي كشا: ص31 ـ 32. ↑
- () أحسن التواريخ الخطية: ص17 المطبوعة: ص32. ↑
- () أحسن التواريخ الخطية: ص17 المطبوعة: ص32. ناسخ التواريخ: ج1، ص19. ↑
- () المآثر السلطانية: ص11. أحسن التواريخ الخطية: ص19، المطبوعة: ص34. ↑
- () ناسخ التواريخ: ج1، ص21. ↑
- () تاريخ ذو القرنين الخطية: ج1، ص9. مجمل التواريخ: ص76. ↑
- () أحسن التواريخ الخطية: ص21. المطبوعة: ص38. فارسنامه ناصري: ج1، ص597. كلشن مراد: ص48. تاريخ كيثا كشا: ص53. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () تاريخ ذو القرنين الخطية: ص9. روضة الصفا ناصري: ج9، ص28. ↑
- () روضة الصفاء الناصري: ج9، ص30. ↑
- () فارسنامه ناصري: ج1، ص597. تاريخ كيتي كشا: ص54. ↑
- () كلشن مراد: ص53. ↑
- () كلشن مراد: ص57. ↑
- () كلشن مراد: ص55. ↑
- () كلشن مراد: ص55. ↑
- () كلشن مراد: ص57. ↑
- () كلشن مراد: ص57. ↑
- () كلشن مراد: ص59. ↑
- () تاريخ أفشار: ص130. ↑
- () كريم خان زند: ص94. ↑
- () كلشن مراد: ص61. ↑
- () كلشن مراد: ص61. ↑
- () كلشن مراد: ص61. ↑
- () تاريخ ذو القرنين الخطيّة: ج1، ص91. ↑
- () تاريخ كشي كشا: ص60. ↑
- () أحسن التواريخ الخطية: ص43، المطبوعة ص40. ↑
- () المآثر السلطانية: ص12 ـ 13. كلشن مراد: ص66. تاريخ كيتا كشا: ص59. ↑
- () كريم خان زند: ص119. ↑
- () كلشن مراد: ص61. ↑
- () تاريخ أفشار: ص133. ↑
- () تاريخ كيشا كشا: ص60. روضة الصفاء ناصري: ج9، ص39. ↑
- () كلشن مراد: ص77. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص39 ـ 40. ↑
- () كريم خان زند: ص103. ↑
- () كلشن مراد: ص77. ↑
- () كلشن مراد: ص77. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص45. ↑
- () كلشن مراد: ص84. ↑
- () فارسنامه ناصري: ج1، ص598. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص59. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص53. ↑
- () تاريخ كيشا كشا: ص69. ↑
- () تاريخ كيشا كشا: ص70. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص55 ونقل هدايت: عند دخول محمد حسن خان إلى ساري هاجم التراكمة في يموت الدكاكين ونهبوها. ↑
- () ناسخ التواريخ: ج1، ص24. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص56. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص57. ↑
- () كلشن مراد: ص97. ↑
- () تاريخ كيشا كشا: ص72. كلشن مراد: ص97. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص58. ↑
- () زينة التواريخ الخطية: ج5 أ. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص63. ↑
- () كلشن مراد: ص64. ↑
- () كيشا كشا: ص85 ـ 86. ↑
- () تاريخ كيشا كشا: ص81. ↑
- () كتب هدايت يقول: (محمد علي خان القاجاري) أخو (حسين دولو) قد أعان (شبره علي) على قطع رأسه. روضة الصفاء ناصري: ج9، ص70. ↑
- () تاريخ ذو القرنين الخطية: ج1، ص9. كلشن مراد: ص107 ـ 108. ↑
- () روضة الصفاء ناصري: ج9، ص70. ↑
- () تاريخ الطبري المجلد 4، ص578. المسالك والممالك، ص205، أحسن التقاسيم الفصل الثاني، ص453 و433، صورة الأرض، ص169. ↑
- () Kent, Old Persian Grammar P.121/ كتيبة بيستون العمود الثاني، البند 5 حتى 7. ↑
- () الأصطخري، المسالك والممالك، ص203. ↑
- () تاريخ الطبري المجلد 4، ص294. ↑
- () صورة الأرض من 170. ↑
- () يكتب ليسترنج على الظهر نه شاهيكان معربة شاهجتي وهي بمعنى ملوكية أو شاهوار جغرافيا الخلافة الشرقية ص424 ـ 425. ↑
- () معجم البلدان، المجلد 5، ص114. ↑
- () تاريخ الناصري المنتظم، مجلد 3، ص1241. ↑
- () من الجميل أن تلتفت إلى أنه من المؤرخين الكبار في عهد الأفشارية محمد كاظم مروي. ↑
- () أنظر بشأنه في مدخل نجارا متين بل والآخرين، ص482. ↑
- () روضة الصفا للناصري المجلد التاسع، ص282. ↑
- () المصدر السابق، ص283. ↑
- () ناسخ التواريخ الجزء الأول، ص82. أحسن التواريخ مخطوطة، ص276، طباعة ص288. ↑
- () روضة الصف للناصري، المجلد التاسع، ص284. ↑
- () أحسن التواريخ، مخطوط 286، ص283، طباعة ص298. ↑
- () أصول الكافي، ج1، ص241، حديث 5.الصفار، بصائر الدرجات، ص153 ـ 154 حديث 68.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص41، حديث 72. وج22، ص545 ـ 546 حديث 63/ وج43 ص79 حديث67/ وج43 ص194-195 حديث 22.
ابن شهرآشوب، المناقب، ج3، ص337 (أورده مختصراً). ↑
- () الكلام هنا إنما هو في الروايات التي لا تخالف الكتاب والسنة والعقل القطعي وإلا فهي مرفوضة من الأساس. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، الطبعة القديمة، ط مطبعة الإنصاف، بيروت، الطبعة الثالثة 1370هـ، ص314 وقد حذف السيد حسن الأمين نجل المؤلف هذه الفقرات الواردة في مصحف فاطمة من الطبعة الجديدة. ↑
- () الكليني، الكافي، ج1، ص239 حديث 1.الصفار، بصائر الدرجات ص152، حديث 3.
الفيض الكاشاني، الوافي، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين، إصفهان، ط الأولى 1406هـ، ج2، ص579 ـ 580.
المظفر، علم الإمام، منشورات المطبعة الحيدرية، النجف 1384هـ، ص38. ↑
- () أنظر: الحر العاملي، الوسائل (الخاتمة) تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت، قم، ج3، ص147 ـ 148. ↑
- () رجال النجاشي، ص204 ـ 205 ورجال الطوسي ص366. ↑
- () رجال النجاشي، ج2، ص30. ↑
- () رجال النجاشي، ج1، ص248. ↑
- () أنظر المحسني، بحوث في علم الرجال، مطبعة سيد الشهداء، قم، ط الثانية 1403هـ، ص229 ـ 240. ↑
- () رجال النجاشي، ص250. ↑
- () أنظر: الكاظمي، هداية المحدثين، تحقيق الرجائي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم 1405، ص175. ↑
- () أنظر: رجال النجاشي، ج2، ص245. ورجال الطوسي، ص372. ↑
- () أنظر: الطوسي، الفهرست، ص87. ↑
- () أنظر: الخوئي، معجم الرجال، ج21، ص236. ↑
- () رجال النجاشي، ج1، ص388. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص152، حديث 83.الكليني (ت 328/329هـ). أصول الكافي، تعليق الغفاري، منشورات دار الأضواء، بيروت ج2، ص613 حديثاً.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص39، حديث 10.
الكاشاني (ت1091) الوافي، ج2، ص579 ـ 580. ↑
- () الجوهري، الصحاح، ج4، ص1384.الزبيدي، تاج العروس ج6، ص161.
ابن منظور، لسان العرب، ج9، ص186.
الشرتوني، أقرب الموارد، ج1، ص635.
الفراهيدي (ت 175هـ) كتاب العين، تحقيق المخزومي والسامراني، منشورات الأعلمي، بيروت، ط أولى، 1408هـ، ج3، ص120.
ابراهيم أنس وغيره، المعجم الوسيط، منشورات مكتب الثقافة الإسلامية، قم، ط خامسة 1416، ص508. ↑
- () ابن منظور، لسان العرب، ج9، ص186.انس وغيره، المعجم الوسيط ص508.
الراغب الأصفهاني (ت 502هـ).
المفردات في غريب القرآن، منشورات مكتب نشر الكتاب، إيران، ص275. ↑
- () الفيومي، المصباح المنير، ص169.الجوهري، الصحاح، ج4، ص1360.
الزبيدي، تاج العروس، ج6، ص108.
أنس وغيره. المعجم الوسيط، ص189.
الشرتوني، أقرب الموارد، ج1، ص340.
ابن منظور، لسان العرب، ج9، ص104. ↑
- () الجوهري، الصحاح، ج4، ص1360.ابن فارس (ت395هـ)، معجم مقاييس اللغة تحقيق هارون منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، قم 1404هـ، ص257. ↑
- () الزبيدي، تاج العروس، ج6، ص108.الشرتوني، أقرب الموارد، ج1، ص340. ↑
- () المصدران السابقان. ↑
- () الفيومي، المصباح المنير، ص197. ↑
- () أنظر: أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، منشورات بصيرتي قم ص241. ↑
- () فلا يشترط كون الجانبين جلديين كما توهم العلامة العسكري في كتابه المصحف أنظر: ص 1و 2. ↑
- () أنظر: الزرقاني، مناهل العرفان، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت 1412هـ، ج1، ص394. ↑
- () وهذا التعريف المختصر مبني على المسامحة في التعبير وهي تعرف بملاحظة أمرين:الأول: أن الكتاب لغة وإن كان يطلق على الورقة الواحدة، وهذا يخالف المصحف الذي لا بد فيه من عدة أوراق ونحوها، إلا أن المنصرف في لفظ «الكتاب» في التعبير الحديث هو المؤلف من أوراق عديدة، بل إنهم أضحوا يطلقون على المؤلف من أوراق قليلة كتيباً تصغيراً لحجمه. الثاني: إن التعبير الحديث يتسامح في إطلاق لفظ «المجلد» فيجعله صفة لمطلق الكتاب المغلّف، سواء كان غلافه جلدياً أو من صنف آخر.
وعليه فيصح بعد ملاحظة هذين الأمرين أن نعرّف المصحف بالكتاب المجلّد. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 2. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 85. ↑
- () سورة الواقعة، الآية: 77. ↑
- () سورة الفرقان، الآية: 1. ↑
- () أنظر، ج1، ص51 و52 (منشورات دار الفكر، بيروت). ↑
- () أنظر العسكري، معالم المدرستين، منشورات مؤسسة البعثة، طهران، ط أولى 1412هـ، ج2، ص34. ↑
- () الزركشي (ت794هـ)، البرهان في علوم القرآن، تعليق مصطفى عبد القادر عطا، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت ط الأولى 1408هـ، ج1، ص546.ومثله في كنز العمال للهندي (تحقيق حياني) ج1، ص516. ومثله أيضاً في الاتقان للسيوطي عن أوس مرفوعاً. ↑
- () الترمذي، نوادر الأصول، تحقيق عميرة، منشورات دار الجيل، بيروت ط الاولى 1412هـ، ج3، ص254. ↑
- () عرّف الصحابي بأنه كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.(أنظر: 1 ـ السيوطي (ت911هـ) في كتابه تدريب الراوي (تحقيق د. هاشم، منشورات دار الكتاب العربي، بيروت 1414هـ، ج2، ص186).
2 ـ د. الخطيب في أصول الحديث (منشورات دار الفكر 1409، ص385).
وعرّفه الشهيد الثاني (ت965هـ) بأنه من لقي النبي مؤمناً به ومات على الاسلام (أنظر: الرعاية، تحقيق بقال، منشورات المرعشي النجفي، قم، ط أولى 1408هـ، ص339 «لاحظ التعليقة»). ↑
- () هو سعد بن مالك توفي عام 74هـ، أنظر: ابن عبد البر، الاستيعاب، تحقيق البجاوي، منشورات دار الجيل، بيروت ط أولى 1412هـ، ج2، ص602.المزي، تهذيب الكمال، ج10، ص294. ↑
- () الخطيب البغدادي (ت 462هـ)، تقييد العلم، تحقيق يوسف العشي، منشورات دار إحياء السنة النبوية، بيروت ط ثانية 1974م، ص36.ابن عبد البر (ت 463)، جامع بيان العلم، تصحيح ونشر إدارة الطباعة المنيرية، مصر، ج1، ص64. ↑
- () أنظر ترجمته في تهذيب الكمال للمزي، ج3، ص378. ↑
- () البخاري (ت256هـ) صحيح البخاري، تحقيق ابن باز، منشورات دار الفكر، بيروت ط أولى 1411، ج6، ص120، حديث 4987. ↑
- () عُرّف التابعي بتعريفين: الأول: هو من لقي واحداً من الصحابة فأكثر (أنظر، السيوطي، تدريب الروابي ج2، ص206. الخطيب، أصول الحديث ص410) الثاني: هو من لقي الصحابي مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومات على الإسلام (أنظر الرعاية، تحقيق بقال ص 346 «لاحظ التعليقة»). ↑
- () هو مولى أنس بن مالك من سبي عين التمر الذين أسرهم خالد بن الوليد، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، توفي سنة 110هـ (أنظر تهذيب الكمال ج2، ص344 و345 و453). ↑
- () السجستاني (ت316هـ)، المصاحف، تصحيح جفري، ط، الرحمانية مصر ص10. ↑
- () كان أبو العالية مولى امرأة من بني رياح بن يربوع، (في) من بني تميم، أعتقته سائبة، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين. ↑
- () السجستاني، المصاحف ص9. ↑
- () أنظر ج1، ص388، وج2، ص375 وج3، ص539 وج4، ص492 وج5 ص604 وج6 ص512 وج7 ص263 من كتاب الحيوان للجاحظ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت. ↑
- () أبو رية، أضواء على السنّة المحمدية، منشورات البطحاء، ط الخامسة، ص259. ↑
- () السجستاني، المصاحف ص134. ↑
- () المصاحف، ص9 و10. ↑
- () ترجمة الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، منشورات جامعة الدراسات الإسلامية، باكستان، ط الأولى 1410هـ ص268، 269. ↑
- () منشورات دار المعارف، القاهرة، ط الرابعة 1969م ص139. ↑
- () وهو من التابعين المعروفين بالعلم وقد أدرك سبعين رجلاً من أصحاب النبي كما روي عنه (أنظر: المزي، تهذيب الكمال ج8، ص170). ↑
- () المزي، تهذيب الكمال، ج8، ص170.السجستاني، المصاحف ص135.
محمد أبو زهرة، الحديث والمحدثون، منشورات دار الكتاب العربي، بيروت 1404هـ، ص220 ـ 221 عن مجلة المنار في الجزء العاشر من المجلد العاشر منها (مقال في تدوين الأحاديث في القرن الأول).
الذهبي (ت 478هـ) تذكرة الحفاظ، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت ج1، ص93.
ابن حجر العسقلاني (ت852هـ)، تهذيب التهذيب، مطبعة مجلسي دائرة المعارف النظامية، الهند 1325هـ، ج3، ص119.
العسكري، المصحف ص14، قصير، كتاب علي، منشورات دار الثقلين، قم ص104. ↑
- () أنظر المزي، تهذيب الكمال، ج17، ص467. ↑
- () الخطيب البغدادي، تقييد العلم، ص59.المزي، تهذيب الكمال، ج17، ص471.
امتياز أحمد، دلائل التوثيق المبكر، ص269.
الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج1، ص97. ↑
- () منشورات دار الراية، جدة، الحجاز، ط الأولى 1412هـ/ ص28 ـ 31. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص240، حديث 2.الصفّار، بصائر الدرجات، ص157، حديث 18.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص44، حديث 77، وج22، ص545 حديث 62 وج43، ص80 حديث 68. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص241، حديث 5.الصفار، بصائر الدرجات ص153 ـ 154، حديث 6.
المجلسي، بحار الأنوار، ج43، ص79، حديث 67 وص194 ـ 195 حديث 2.
ابن شهرآشوب، المناقب، ج3، ص337.
الأصفهاني، عوالم العلوم، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدي، قم، ج11، ص447. ↑
- () الصفار، بصار الدرجات، ص153، حديث 5.المجلسي، بحار الأنوار، ج47، ص271، حديث 3. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص155 ـ 156، حديث 14.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص41 ـ 42، حديث 73. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص157 ـ 158، حديث 19.المجلسي، بحار النوار، ج26، ص94. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص161، حديث 33.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص48 ـ 49. حديث 92. ↑
- () الطبري، دلائل الإمامة، منشورات الأعلمي، بيروت ط الثانية 1408، ص30. وقد نقله السيد حسين شيخ الاسلامي في كتابه مسند فاطمة الزهراء، منشورات دار القرآن الكريم، قم 1412، ص199 ـ 200. ↑
- () رجال النجاشي، ج1، ص302 ـ 303. ↑
- () هو ابن شيخ النجاشي الحسين بن عبيدالله الغضائري. ↑
- () رجال النجاشي، ج1، ص303. ↑
- () الخوئي، معجم رجال الحديث، ج4، ص117. ↑
- () ابن نوح السيرافي أستاذ النجاشي وشيخه في الإجازة وابن الوليد هو محمد بن الحسن بن الوليد أستاذ ابن نوح. ↑
- () رجال النجاشي، ج2، ص243 ـ 244.وانظر: الخوئي، معجم رجال الحديث، ج4، ص118. وبعد كل ما ذكر فلا ينفع توثيق الشيخ الطوسي للفزاري في رجاله وغيره (راجع معجم رجال الحديث للخوئي، ج4، ص118). ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص152، حديث 3.المجلسي، بحار النوار، ج26، ص39، حديث 70.
الفيض الكاشاني، الوافي، ج2، ص579 ـ 580. ↑
- () سورة القصص، الآية: 7. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص245 حديث 2. الصفار، بصائر الدرجات، ص157، حديث 18.المجلسي، بحار الأنوارن ج26، ص44، حديث 77، وج22، ص545، حديث 62، وج43، ص80 حديث 68. ↑
- () الأصفهاني، عوالم العلوم، ج11، ص583. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص43، حديث 75.الصفار، بصائر الدرجات، ص157، حديث 17. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص241، حديث 5.الصفار، بصائر الدرجات، ص153 ـ 154، حديث 6.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص41، حديث 7. وج22، ص545 ـ 546 حديث 63، وج43، ص79، حديث 67 وج43، ص194 ـ 195، حديث 22.
ابن شهرآشوب، المناقب ج3، ص337 (أورده مختصراً). الأصفهاني، عوالم العلوم، ج11، ص447. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات ص157 ـ 158، حديث 19.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص46، حديث 94. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص153، حديث 5.المجلسي، بحار الأنوار، ج47، ص271 حديث 3. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص156، حديث 27.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص48، حديث 89. ↑
- () الطبعة القديمة المطبوعة في مطبعة الإنصاف، بيروت، لبنان، ط الثالثة 1370هـ، ج1، ص314؟ ↑
- () بحار الأنوار، ج26، ص42. ↑
- () الصفّار، بصائر الدرجات، ص155 ـ 156 حديث 14.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص41 ـ 42 حديث 73. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج2، ص161. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج59، ص322. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج8، ص131، وج58، ص238. ↑
- () بحار الأنوار، ج95، ص306. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج2، ص364، حديث 2.المجلسي، بحار الأنوار، ج13، ص370 حديث 16. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص240، حديث 3.الصفار، بصائر الدرجات، ص150 ـ 151، حديث 1.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص37 ـ 38، حديث 68.
بركات، حقيقة الجفر عند الشيعة، ص88. ↑
- () سورة الأعلى، الآية: 19. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص155 ـ 156، حديث 14.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص41 ـ 42، حديث 73. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص154، حديث 9.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص45، حديث 80. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص151 حديث؟.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص38، حديث 69، وج47، ص270 ـ 271 حديث 2. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص150 ـ 151، حديث 1.الكليني، أصول الكافي، ج1، ص240، حديث 3.
المجلسي، بحار الأنوار، ج37 ـ 38، حديث 68.
الكاشاني، الوافي، ج2، ص582.
بركات، حقيقة الجفر عند الشيعة، ص46. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات ص154، حديث 8.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص45، حديث 79. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص159، حديث 27.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص48، حديث 89. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص153، حديث 5.المجلسي، بحار الأنوار، ج47، ص271، حديث 3 ومثله ص372 حديث 4. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص157 ـ 158 حديث 19.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص46، حديث 84. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص152، حديث 3.الكليني، أصول الكافي، ج1، ص239، حديث 1.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص39، حديث 10.
الكاشاني، الوافي، ج2، ص575 ـ 580. ↑
- () أنظر: الخوئي، معجم رجال الحديث، ج16، ص127. ↑
- () رجال النجاشي، ج2، ص269، برقم 988. ↑
- () الخوئي: معجم رجال الحديث، ج16، ص127. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج37، ص176، حديث 63، وقد ورد مثل هذه الرواية في روضة الكافي (ص48 ـ 49 حديث 18) لكن لا عن إمام معصوم بل وردت مضمرة مما يزيد إلى ضعفها ضعفاً. ↑
- () أبو زهرة، الإمام الصادق، حياته وعصره. آراؤه وفقهه، ط مطبعة أحمد علي مخيمرة، مصر، ص324. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص200، حديث 2. ↑
- () وهذا ما ذكره أبو زهرة في كتابه الآنف الذكر. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص240، حديث 2.الصفار، بصائر الدرجات، ص157 حديث 18.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص44، حديث 77، وج22 ص545، حديث 62 وج23، ص80، حديث 68.
الكاشاني، الوافي، ج2، ص580 ـ 581. ↑
- () دراسات في الكافي والصحيح، ص295. ↑
- () المصدر السابق، ص295 ـ 296. ↑
- () منشورات دار الصفوة، بيروت 1416هـ، ص88. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص240، حديث 3.بصائر الدرجات ص 150 ـ 151 حديث 1.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص37 ـ 38، حديث 68. ↑
- () الصدوق (ت 381هـ)، معاني الأخبار، تصحيح الغفاري، منشورات دار المعرفة، بيروت 1979م ص102 ـ 103. الصدوق، الخصال، تحقيق الغفاري، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1403هـ، ج2، ص527.الصدوق، عيون أخبار الإمام الرضا عليه السلام، تعليق اللاجوردي، منشورات مشهدي، قم 1363هـ. ش ج1، ص212 ـ 213، حديث 1.
المجلسي، بحار الأنوار، ج25، ص116، حديث 1.
بركات، حقيقة الجفر عند الشيعة، ص89. ↑
- () أنظر: أعيان الشيعة، ط مطبعة الإنصاف، بيروت، ط الثالثة 1370هـ. ق. ج1، ص314 ـ 315. ↑
- () أشرنا إلى مصادر الحديث في الفصل السابق فراجع. ↑
- () منشورات مكتبة بصيرتي، قم 1371هـ، ج2، ص437. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص241، حديث 5.الصفار، بصائر الدرجات، ص153 ـ 154، حديث 6.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص41، حديث 72 وج22، ص545 ـ 546 حديث 63، وج43، ص79، حديث 67 وص194 ـ 195 حديث 22.
ابن شهرآشوب، المناقب ج3، ص337 (أورده مختصراً). ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج 26، ص18، حديث 1.ابن الفتال النيسابوري (ت 508هـ)، روضة الواعظين، منشورات الشريف الرضي، قم ج1، ص211. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص240، حديث 2.الصفار، بصائر الدرجات، ص157، حديث 18.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص44، وج22، ص545، حديث 62 وج43، ص80 حديث 68.
الكاشاني، الوافي، ج2، ص580 ـ 581. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج47، ص32. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص18، حديث 1.ابن الفتال النيسابوري، روضة الواعظين، ج1، ص211. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص242، حديث 8.الصدوق، علل الشرائع، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف، 1385هـ، ص207، حديث 7.
الكاشاني، الوافي، ج2، ص584.
ابن بابويه، الإمامة والتبصرة من الحيرة، ص50، حديث 24.
الجلالي، تدوين السنة النبوية، ص77. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص241، حديث 4.الصفار، بصائر الدرجات، ص157، حديث 16.
الكاشاني، الوافي، ج2، ص583.
بركات، حقيقة الجفر، ص226. ↑
- () صحيح البخاري، تحقيق ابن باز منشورات دار الفكر، ج4، ص252، حديث 3714. ↑
- () صحيح مسلم، منشورات دار الفكر، بيروت 1412هـ، ج2، ص466، حديث 2449.الجامع الصحيح (سنن الترمذي) تحقيق الحوت، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت 1408هـ، ج5، ص655، حديث 3867.
المزّي، تهذيب الكمال، تحقيق معروف، منشورات مؤسسة الرسالة بيروت، ج35، ص250. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات ص152، حديث 3.الكليني، أصول الكافي، ج1، ص239، حديث 8.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص39، حديث 10.
الكاشاني، الوافي، ج2، ص579 ـ 580. ↑
- () أنظر كتاب «الصراع بين الإسلام والوثنية» منشورات المطبعة السلفية، القاهرة 1356هـ، ص35 ـ 36 ـ 37. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 42. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 45. ↑
- () سورة مريم، الآية: 17 ـ 21. ↑
- () سورة هود، الآية: 69 ـ 73. ↑
- () سورة القصص، الآية: 7. ↑
- () وردت هذه القراءة عن ابن عباس، أنظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج12، ص79. ↑
- () ابن شهرآشوب، المناقب ج3، ص336 عن كتاب سُليم بن قيس. ↑
- () ابن كثير (ت 774هـ)، قصص الأنبياء، تحقيق عطا، منشورات دار التراث العربي، ج2، ص361. ↑
- () صحيح البخاري، تحقيق بن باز، منشورات دار الفكر، ج4، ص252. ↑
- () صحيح البخاري، ج4، ص221. ↑
- () صحيح مسلم، منشورات دار الفكر، ج2، ص467، حديث 98 و99. ↑
- () صحيح البخاري، ج4، ص241، حديث 3689 وج4، ص179 حديث 3469 (وفيه فإنه عمر بن الخطاب).العسقلاني، فتح الباري، منشورات دار إحياء التراث العربي، بيروت ط 40، 1988م، ج7، ص39.
العسقلاني، إرشاد الساري، منشورات دار الفكر، ج6، ص103.
الأميني، الغدير، ج5، ص42.
البغوي، مصابيح السنة، ط الأزهر، ج2، ص370.
العراقي، طرح التثريب، منشورات دار المعارف حلب، ج1، ص88. ↑
- () صحيح مسلم، ج2، ص444، حديث 2398.الترمذي، الجامع الصحيح، ج5، ص50 [وفي ذيله قال أبو عيسى هذا حديث صحيح].
الأميني، الغدير، ج5، ص43.
ابن الجوزي (ت 597) صفة الصفوة، ط مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند 1355هـ، ج1، ص105. ↑
- () أنظر ج6، ص103. ↑
- () إرشاد الساري، ج6، ص103. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () القرطبي، الجمع لأحكام القرآن، ج12، ص80. ↑
- () المصاحف، ص6. ↑
- () طرح التثريب في شرح التقريب، ج1، ص90. ↑
- () أنظر: ابن منظور، لسان العرب، ج15، ص234، وفيه: إنه وردت أحاديث كثيرة النهي عن الكيّ، ولعله لهذا السبب ورد أن الملائكة تنحّت عن عمران. ↑
- () ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4، ص288.الطبراني (ت 360هـ) المعجم الكبير، تحقيق السلفي، منشورات ابن تيمية، القاهرة ج18، ص107.
ابن عبد البر، الاستيعاب، تحقيق البجاوي ج3، ص1208هـ.
العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج8، ص126.
الجوزي، صفة الصفوة، ج1، ص283. ↑
- () صفة الصفوة، ج1، ص283 ـ 284.ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4، ص289، وج7، ص11.
الحنبلي (ت 1089هـ) شذرات الذهب، منشورات دار الفكر، ج1، ص58 وفيه (وكان يسمع تسليم الملائكة عليه).
طرح التثريب ج1، ص90. ↑
- () المصادر السابقة. ↑
- () العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ج3، ص26. ↑
- () الجوزي، صفة الصفوة، ج2، ص280.ابن الجوزي (ت597هـ)، المنتظم، تحقق الأخوين عطا، منشورات دار الكتب العلمية، ط الأولى، ج17، ص82.
الأميني، الغدير، ج5، ص46. ↑
- () الخطيب البغدادي (ت463هـ)، تاريخ بغداد، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت ج8، ص462.ابن الجوزي، المنتظم، ج12، ص286.
الأميني، الغدير، ج5، ص46.
ابن الجوزي، مناقب الإمام أحمد بن حنبل، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط الأولى 1393هـ، ص510. ↑
- () الحلبي، السيرة الحلبية، منشورات دار إحياء التراث العربي، ج3، ص353. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () نهج البلاغة، شرح محمد عبده، منشورات الأعلمي، ج2، ص16، خطبة رقم 133. ↑
- () المصدر السابق، ج2، ص288، خطبة رقم 235.المجلسي، بحار الأنوار، ج22، ص527، وص542. ↑
- () أصل الشيعة وأصولها، تحقيق علاء آل جعفر، منشورات مؤسسة الإمام علي، قم ص220. ↑
- () أعيان الشيعة، ط مطبعة الإنصاف، بيروت، الطبعة الثالثة 1370هـ، ج1، ص314. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص241، حديث 5.الصفار، بصائر الدرجات، ص153 ـ 154 حديث 6.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص41، حديث 7 وج22 ص545 ـ 546 حديث 63 وج43 ص79 حديث 67 وج43 ص194 ـ 195 حديث 22.
ابن شهرآشوب، المناقب، ج3، ص337، أورده مختصراً. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص245، حديث 2.الصفار، بصائر الدرجات ص157، حديث 18.
المجلسي، بحار الأنوار ج26، ص44، حديث 77، وج22، ص545، حديث 62، وج43، ص80 حديث 68. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص241، حديث 5.الصفار، بصائر الدرجات، ص153 ـ 154، حديث 6.
المجلسي، بحار الأنوار ج26، ص41، حديث 7، وج22، ص545، حديث 63، وج43، ص79، حديث 67، وج43، ص194 ـ 195، حديث 22.
ابن شهرآشوب، المناقب، ج3، ص337 (أورده مختصراً). الأصفهاني، عوالم العلوم، ج11، ص447. ↑
- () الصدوق، معاني الأخبار، ص102 ـ 103، حديث 4.الصدوق، الخصال، ج2، ص527 ـ 538 حديث 1.
الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج1، ص212 و213، حديث 1.
المجلسي، بحار الأنوار، ج25، ص116، حديث 1.
الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص300، حديث 910/911.
بركات، حقيقة الجفر عند الشيعة ص134. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص241، حديث 4.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص43، حديث 76.
الصفار، بصائر الدرجات، ص157، حديث 16.
بركات، حقيقة الجفر عند الشيعة، ص266. ↑
- () الإرشاد، ص276 ـ 277. ↑
- () في الإرشاد أطول، ومعنى أصور: أميل. ↑
- () أبوه هو عبدالله بن محمد بن عمر بن علي. ↑
- () مقاتل الطالبيين: ص205 إلى 208.المفيد، الإرشاد، ص276 ـ 277.
وذكرت القصة مع بعض الاختلاف في نور الأبصار: ص83 ـ 84.
بحار الأنوار: ج47، ص276 ـ 278، حديث 18. وج46، ص187 ـ 189.
أعلام الورى: ص278 ـ 279. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص169، حديث7.بركات، حقيقة الجفر عند الشيعة، ص232. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص169، حديث 4.ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب، ج4، ص49. ↑
- () الصفار، بصائر، الدرجات، ص169، حديث 3.الكليني، أصول الكافي، ج1، ص242. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص242، حديث 7.الصفار، بصائر الدرجات، ص169، حديث 2.
بركات، حققة الجفر عند الشيعة، ص232. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص47، حديث 86.الصفار، بصائر الدرجات، ص158، حديث 23. ↑
- () الكليني، أصول الكافي، ج1، ص240، حديث 3.المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص37 ـ 38، حديث 68.
الصفار، بصائر الدرجات، ص150 ـ 151، حديث 1.
بركات، حقيقة الجفر عند الشيعة، ص46. ↑
- () ابن الفتال النيسابوري (ت 508هـ) روضة الواعظين، ج1، ص210. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص154، حديث 8.المجلسي، بحار الأنوار ج26، ص45، حديث 79. ↑
- () الصفار بصائر الدرجات، ص162، حديث 2.الحر العاملي، إثبات الهداة، ج3، ص520، حديث 396.
المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص51، حديث 98.
بركات، حقيقة الجفر عند الشيدة، ص132. ↑
- () الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، منشورات دار الأضواء، بيروت لبنانن ط الثانية، ج21، ص126. ↑
- () حلية ا لأولياء، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى 1409هـ، ج1، ص67.الجويني (ت: 730هـ)، فرائد السمطين، تحقيق المحمودي، منشورات مؤسسة المحمودي، بيروت، ط الاولى 1390هـ، ج1، ص200.
الهندي (ت: 975هـ)، كنز العمال، منشورات مؤسسة الرسالة، بيروت 1409هـ، ج13، ص136.
العلامة الحلي (ت: 726هـ)، كشف اليقين، تحقيق علي آل كوثر، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم، ط الأولى، ص52. ↑
- () الأربلي، كشف الغمة، منشورات دار الكتاب الإسلامي، بيروت، ج1، ص113.الجويني، فرائد السمطين، ج1، ص97.
الحلي، كشف اليقين، ص56. ↑
- () الترمذي (ت: 297هـ)، الجامع الصحيح، منشورات دار إحياء التراث، بيروت، ج5، ص637.الحلي، كشف اليقين، ص57.
الأربلي، كشف الغمة، ج1، ص113.
الهندي، كنز العمال، ج13، ص148.
القندوزي الحنفي، ينابيع المودة، منشورات الأعلمي، بيروت، ص70. ↑
- () الصدوق، كمال الدين، ج1، ص284 ـ 285.البحراني، البرهان، ج1، ص16، وقريب منه في كتاب سُليم بن قيس، تحقيق علاء الدين الموسوي، منشورات مؤسسة البعثة، ص33.
مرتضى، حقائق هامة، ص155. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص198. ↑
- () ابن سعد، الطبقات الكبرى، منشورات دار إحياء التراث، بيروت 1405هـ، ج2، ص338، ونقله السيوطي في تاريخ الخلفاء، ص185. ↑
- () نقله الزنجاني في تاريخ القرآن، ص54. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، ج1، ص89، رواه عن أخبار ابن رافع. ↑
- () تفسير القمي، تحقيق الجزائري، منشورات مؤسسة دار الكتاب، قم ج2، ص451.المجلسي، بحار الأنوار، منشورات دار الكتب الإسلامية، ج92، ص48.
تفسير البرهان، المقدمة، ص36.
حسن الصدر، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، منشورات دار الرائد العربي، بيروت ص316 ـ 317.
مرتضى، حقائق هامة، ص155.
الزنجاني، تاريخ القرآن، ص50 ـ 51. ↑
- () إبن النديم (أو النديم)، الفهرست، تحقيق رضا تجدد، طهران، ص30.الأمين، أعيان الشيعة، ص89.
مرتضى، حقائق هامة، ص156. ↑
- () إبن النديم، الفهرست، ص30.البحراني، البرهان، المقدمة ص37.
مرتضى، حقائق هامة ص156.
جعفريان، أكذوبة تحريف القرآن، ص110. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، تحقيق السيد حسن الأمين، ج1، ص89.إبن شهرآشوب، المناقب، ج2، ص41.
معرفة، التمهيد، ج1، ص227. ↑
- () اعتمدنا في عناوين هذه الخصائص على ما ذكره العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى في كتابه حقائق هامة، ص160. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، تحقيق السيد حسن الأمين، ص89. الزنجاني، تاريخ القرآن، ص54. ↑
- () التسهيل لعلوم القرآن، منشورات دار الكتاب العربي، ط الرابعة، بيروت ج1، ص4. ↑
- () ابن عبد البر، الاستيعاب (بهامش الإصابة) منشورات دار إحياء التراث، ج2، ص253.مرتضى، حقائق هامة، ص159. ↑
- () التراتيب الإدارية، ج1، ص46. ↑
- () التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص230. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج92، ص74. ↑
- () الزنجاني، تاريخ القرآن، ص53 ـ 54. ↑
- () الطبرسي، الاحتجاج، ج1، ص383.الآشتياني، بحر الفوائد، منشورات المرعشي، قم، ص99. حقائق هامة، ص157.
البلاغي، آلاء الرحمن، ص257. ↑
- () المجلسي، بحار الأنوار، ج92، ص41.الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، ج1، ص38. ↑
- () معرفة، التمهيد، ج1، ص229. ↑
- () أنظر: التمهيد، ج1، ص229. ↑
- () أنظر: حقائق هامة، ص162 ـ 163. ↑
- () حقائق هامة، ص157، عن عدة رسائل للمفيد، ص225. ↑
- () راجع المصادر، ص151، هامش (3) من هذا الكتاب. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () البحراني، البرهان، المقدمة، ص37.مناهل العرفان، ج1، ص273.
الكاشاني، المحجة البيضاء، منشورات دفتر انتشارات إسلامي، قم، ج2، ص63.
مرتضى، حقائق هامة، ص159. ↑
- () راجع المصادر، ص154، هامش (3) من هذا الكتاب. ↑
- () السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق عبد المجيد، ص185. إبن سعد، الطبقات ج2، ص338.البحراني، البرهان، المقدمة ص41، وفيه «لوجد فيه علم كثير».
الأمين، أعيان الشيعة، ص89.
إبن عبد البر، الاستيعاب، بهامش الإصابة، ج2، ص253.
حقائق هامة، ص159. ↑
- () مناهل العرفان، ج1، ص247.الزنجاني، تاريخ القرآن، ص54.
مرتضى، حقائق هامة، ص158.
الصدر، تأسيس الشيعة، ص317. ↑
- () إبن سعد، الطبقات الكبرى، ج2، ص337. ↑
- () مرتضى، حقائق هامة، ج159، عن فواتح الرحموت بهامش المستصفى، ج2، ص12. ↑
- () كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، ج1، ص4. ↑
- () اعتقادات الصدوق، المطبوع من مصنفات الشيخ المفيد، منشورات المؤتمر العالمي، ج5، ص885.أنظر: ابن شهرآشوب، المناقب، ج2، ص41.
وانظر: الصفار، بصائر الدرجات، ص193. ↑
- () الكاشاني: تفسير الصافي، منشورات الأعلمي، بيروت، ج1، ص36.معرفة، التمهيد، ج1، ص232. ↑
- () مناهل العرفان، ج1، ص247. ↑
- () لعله نقض (بالضاد). ↑
- () الطبرسي، الاحتجاج، ج1، ص383.وانظر، الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، ج1، ص38 ـ 39. ↑
- المجلسي، بحار الأنوار، ج92، ص42.الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، ج1، ص38. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، ص193. ↑
- () المفيد، الإرشاد، منشورات بصيرتي، قم، ص365.معرفة، صيانة القرآن من التحريف، ص269. ↑
- () أنظر: الفهرست، ص30. ↑
- () العبقات العنبرية الورقة (65) ـ مخطوط. وترجة الإمام مهدي القزويني بقلم السيد محمد القزويني، ص13. ↑
- () مقدمة المظفر على جواهر الكلام، ج1، ص14. ↑
- () أعيان الشيعة، ج5، ص308، دار التعارف. وحرز الدين، معارف الرجال، ج2، ص374. ↑
- () حرز الدين، معارف الرجال، ج1، ص19. والقائيني، ص188. وقد طُبع ضوابط الأصول في تبريز سنة 1313هـ/1895م. ↑
- () أعيان الشيعة، ج5، ص308، دار التعارف للمطبوعات. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة، ص89. دار التعارف. ↑
- () طُبع «جواهر الكلام» في (43) مجلداً في طهران، وأعيد طبعه في بيروت، 1982م، 2001م. ↑
- () يُنظر القزويني، مهدي، أنساب القبائل العراقية، النجف 1918 بتحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم وطبع النجف، 1957 بتحقيق الشيخ عبد المولى الطريحي، وأعيد طبعه أيضاً النجف، 1967، 1972، 1991، وقم 1993، وفي بيروت 2000م بتحقيق كامل سلمان الجبوري. ↑
- () الصدر، رضا، الاجتهاد والتقليد، (بيروت، 1976)، ص23. وقد اهتدى السيد رضا الصدر وهو من الفقهاء المعاصرين إلى هذا المعنى في كتابه «الاجتهاد والتقليد». ↑
- () القزويني، مهدي، الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد، الورقة (51) ـ مخطوط. ↑
- () القزويني، الورقة (56) ـ مخطوط. ↑
- () الاستعداد، الورقة (57) ـ مخطوط. ↑
- () محمد علي، الإمام الخراساني، ص121، 133. ↑
- () حرز الدين، ج1، ص287. ↑
- () حرز الدين، ج1، ص287. ↑
- () مطهّري، مرتضى، الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر، ص50. ↑
- () يُراجع على سبيل المثال: كتورة، جورج، طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد، والدهان، سامي، عبد الرحمن الكواكبي، وعمارة، محمد، المجموعة الكاملة لمؤلفات الكواكبي. ↑
- () تنبيه الأمة، ص82. ↑
- () تنبيه الأمة، ص72 ـ 77. ↑
- () النائيني، ص102 ـ 116. ↑
- () النائيني، تنبيه الأمة، ص118 ـ 123. ↑
- () أيضاً، ص125 ـ 133. ↑
- () ن.م، ص133 ـ 142. ↑
- () حدّثني الدكتور حازم سليمان الحلي أن بيوتهم أحرقت خطأ في هذه الواقعة، فقد أوكلت القوات التركية لبعض وجهاء الأسرة وضع علامات على البيوت المسالمة التي يتجنب أهلها مقاومة الجيش التركي، إلاّ أن هؤلاء الموكلين بحفظ البيوت من السطو والاعتداء فاتهم أن يضعوا هذه العلامات على بيوتهم التي أصبحت بعد وقت قصير طعمة للنيران. ↑
- () ما بين المعقوفتين ساقطة من الأصل، وربما كانت «بدارة» وهي الألصق. ↑
- () فصل عصر السيدين الحكيم والخوئي (قدس الله سرهما) في مقالات وأبحاث أخرى نشر بعضها في جريدة الجمهورية، وأفردت في رسالة مخصوصة. ↑
- () مجلة تراثنا، العدد الثاني، السنة الأولى، 1406هـ/1986م. ↑
- () هو السيد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1212هـ/1797م. ↑
- () في نسخة: يفتح منه أكثر الأبواب. ↑
- () في نسخة: مما. ↑
- () في نسخة: حكم. ↑
- () في نسخة: يفتح منه أبواباً كثيرة. ↑
- () في نسخة المنافيات. ↑
- () في نسخة المسجد. ↑
- () في نسخة: الكراهية. ↑
- () في نسخة: النجاسة. ↑
- () في نسخة: من. ↑
- () في نسخة: لتنزل. ↑
- () في نسخة: الجزئية. ↑
- () في نسخة: الكلية. ↑
- () في نسخة: الكلية. ↑
- () في نسخة: جزءاً. ↑
- () في نسخة: الدلالة. ↑
- () في نسخة لسقوط. ↑
- () في نسخة: المأموم. ↑
- () الشيخ المفيد، أوائل المقالات، ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد، بيروت، 1993. ↑
- () ورد في هذا الأثر بأسماء أخرى مثل: أجوبة المسائل السرورية، وجوابات المسائل السرورية، ورسالة في أجوبة المسائل السرورية. ولمزيد من الاطلاع، راجع كتاب المؤلفات، ج7، المسائل السرورية المقدمة، ص 4. ↑
- () الشيخ المفيد، المسائل السروية، ص59، ضمن المؤلفات ج7. ↑
- () الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد، في المؤلفات، ج5، ص91. ↑
- () سورة الرحمن، الآيتان: 26 ـ 27. ↑
- () الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد، المؤلفات، ج5، ص87. ↑
- () مقدمة كتاب الاختصاص، مكتبة الزهراء، قم. ↑
- () المفيد، تصحيح الاعتقاد، المؤلفات، ج5، ص79. ↑
- () المصدر السابق، ص89. ↑
- () المصدر السابق، ص81. ↑
- () الشيخ المفيد، المسائل السروية، المؤلفة، ج7، ص46. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 172. ↑
- () الشيخ المفيد، المسائل السروية، المؤلفات، ج، ص47 فما بعد. ↑
- () المصدر السابق، ص48. ↑
- () المصدر السابق، ص52 فما بعد. ↑
- () الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد، المؤلفات، ج5، ص85. ↑
- () راجع الأسفار، ج9، ص195، و232، ج8، ص364. ↑
- () الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد، المؤلفات، ج5، ص88 فما بعد. ↑
- () سورة طه، الآيتان: 103 ـ 104. ↑
- () ملا صدرا، شرح أصول الكافي، كتاب العقل والجهل، ص172. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 19. ↑
- () تصحيح الاعتقاد، مؤلفات، ج5، ص79 فما بعد. ↑
- () المسائل السرورية، مؤلفات، ج7، ص55. ↑
- () فتح القدير: لابن الهمام، ج3، ص321. ↑
- () المصدرالسابق. ↑
- () بدائع الصنائع: ج4، ص15، المبسوط للسرخسي: ج5، ص180، تبيين الحقائق، ج3، ص50، رد المحتار: لابن عابدين ج2، ص86، شرح فتح القدير: لابن الهمام ج3، ص320، الموطأ، ج2، ص68، المدونة الكبرى: ج4، ص104، المغني: لابن قدامة، ج8، ص166، المحلى، مج 7، ج10، ص109، الأم: للشافعي ج5، ص85، المنهاج للنووي وشرحه مغني المتاج للشربيني ج3، ص425، دعائم الإسلام: ج2، ص252، البحر الزخار: للمهدي لدين الله: ج3، ص271، جواهر الكلام (شرح شرائع الإسلام) للشيخ محمد حسن النجفي ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات ـ الرياض للسيد علي الطباطبائي، الخلاف: للشيخ الطوسي ج3، ص74، منهاج اصالحين: للسيد الحكيم ج2، ص170، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ج2، ص142، قواعد الأحكام للعلامة الحلي وشرحه كشف اللثام للفاضل الهندي ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات، وغيرها من المصادر الفقهية الأخرى. ↑
- () فتح القدير: ج3، ص321. ↑
- () المناهل: للسيد الطباطبائي ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات. ↑
- () جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: للشيخ محمد حسن النجفي ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات. ↑
- () البحر الزخار: للمهدي لدين الله ـ أحمد بن يحيى ـ ج3، ص271. ↑
- () سيرة ابن هشام: ج1، ص294. ↑
- () التفسير الكبير: الفخر الرازي، ج9، ص176. ↑
- () تفسير الطبري: ج4، ص239. ↑
- () الكشاف: للزمخشري، ج1، ص361. ↑
- () البيان: للشيخ الطوسي، ج3، ص108. ↑
- () الأم للشافعي: ج8، ص230. ↑
- () الكشاف: ج1، ص361. ↑
- () التفسير الكبير: الفخر الرازي، ج9، ص176 ↑
- () التبيان: ج3، ص 108. ↑
- () المناهل: ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات. ↑
- () البدائع: ج4، ص15. ↑
- () شرح الكنز: للزيلعي: ج3، ص50. ↑
- () المبسوط: للسرخسي، ج5، ص180 ـ 181. ↑
- () الهداية: للمرغيناني المطبوع في حاشية شرح فتح القدير، ج3، ص321. ↑
- () فتح القدير: ج3، ص321. ↑
- () المناهل: للسيد الطباطبائي كتاب النفقات طبعة حجرية غير مرقمة. ↑
- () البحر الزخار: لأحمد بن يحيى، ج3، ص271. ↑
- () بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ج2، ص54. ↑
- () تفسير الطبري: ج2، ص490. ↑
- () التبيان: للشيخ الطوسي، ج2، ص256. ↑
- () المبسوط: السرخسي، ج5، ص180 ـ 181. ↑
- () المغني: لابن قدامة، ج8، ص166. ↑
- () تبيين الحقائق: للزيلعي، ج3، ص50. ↑
- () الهداية: المطبوع مع فتح القدير، ج3، ص321. ↑
- () الرياض للسيد الطباطبائي: باب النفقات طبعة حجرية. ↑
- () جواهر الكلام: للشيخ محمد حسن النجفي طبعة حجرية. ↑
- () البحر الزخار: ج3، ص271. ↑
- () البدائع: ج4، ص15. ↑
- () فتح القدير: ج3، ص321. ↑
- () المناهل: للسيد الطباطبائي طبعة حجرية غير مرقمة. ↑
- () تفسير الرازي: ج30، ص37. ↑
- () تفسير الطبري: ج8، ص145. ↑
- () التبيان: الشيخ الطوسي، المجلد 10، ج36. ↑
- () المناهل: للسيد الطباطبائي ـ كتاب النفقات ـ. ↑
- () التبيان: الشيخ الطوسي، ج3، ص189. ↑
- () كنز العرفان: ج3، ص71. ↑
- () الأم: للشافعي، ج5، ص86. ↑
- () البدائع: للكاساني، ج4، ص15. ↑
- () تفسير الطبري: ج2، ص453. ↑
- () تفسير الطبري، ج2، ص453. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () التفسير الكبير: الفخر الرازي، ج6، ص100 ـ 101. ↑
- () التبيان: الشيخ الطوسي، ج2، ص241. ↑
- () الكشاف: الزمخشري، ج1، ص207. ↑
- () الأم: للشافعي، ج5، ص86. ↑
- () المغني: لابن قدامة، ج8، ص166. ↑
- () دعائم الإسلام: القاضي النعمان بن محمد، ج2، ص252. ↑
- () التفسير الكبير: للفخر الرازي، ج25، ص220. ↑
- () تفسير الطبري. ↑
- () دعائم الإسلام: القاضي النعمان بن محمد، ج2، ص252. ↑
- () سورة النساء، الآية 5. ↑
- () تفسير الطبري: ج4، ص247، تفسير الفخر الرازي: ج9، ص180. ↑
- () تفسير التبيان: للشيخ الطوسي، ج3، ص113، تفسير الطبري: ج4، ص247. ↑
- () الأم: للشافعي، ج5، ص87. ↑
- () المناهل: ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات. ↑
- () الرياض: ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات. ↑
- () الجواهر: ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات. ↑
- () السرائر: لابن إدريس ـ كتاب النكاح ـ باب النفقات. ↑
- () سورة النساء، الآية 19. ↑
- () الأم: ج5، ص86. ↑
- () التفسير الكبير: ج10، ص12. ↑
- () بقي الحسين بن علي الهاشمي في قبرص ست سنوات، وأصيب بأمراض وعلل، نُقل على إثرها إلى عمان، وتوفي سنة 1350هـ/1931م، ودفن في القدس. ↑
- () تحوّل مكان هذا البيت بعد هدمه إلى مكتبة عامة. ↑
- () عبدالله بن سليمان بن بُلَيْهد فقيه حنبلي، عُيّن قاضياً بحائل سنة 1341هـ/1923م، ورئيساً للقضاة بمكة سنة 1343هـ/ 1925م، وتوفي بمكة سنة 1359هـ/ 1940م. ↑
- () صحيح مسلم، ج2، ص666. ↑
- () صحيح مسلم، ج2، ص669. ↑
- () صحيح مسلم، ج2، ص671. ↑
- () تقي الدين السبكي الشافعي، ولد سنة 683هـ/1284م في قرية (سبك) التابعة للمتوفية، وسافر إلى بلاد الشام حيث تولى منصب القضاء فيها سنة 739هـ/1339م، توفي سنة 756هـ/1355م. ↑
- () محمد بن بخيت المطيعي الحنفي، من علماء الأزهر، تولى القضاء الشرعي سنة 1297هـ/1880هـ/م، وعين مفتياً لديار المصرية سنة 1333هـ/1914م. توفي سنة 1354هـ/1935م. له مؤلفات غزيرة في مختلف حقول الدراسات الإسلامية. ↑
- () سنن الدارقطني، ج2، ص278. ↑
- () الدارقطني، ج2، ص278. ↑
- () المتقي الهندي، كنز العمال، ج5، ص135. ↑
- () أحمد بن علي المعروف بابن حجر العسقلاني من أئمة العلم والتاريخ والحديث، له مؤلفات كثيرة، توفي عام 852هـ/ 1449م. ↑
- () هو عز الدين محمد بن أبي بكر الشافعي، كان لغويأً متكلماً توفي سنة 819هـ/1416م. ↑
- () القرآن الكريم: سورة النجم، الآية (3). ↑
- () صحيح مسلم، ج2، ص666. ↑
- () إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ج4، ص301. ↑
- () البخاري، الصحيح، ج2، ص128. ↑
- () السرخسي، المبسوط، ج2، ص62. ↑
- () المنتقى، ج2، ص22. ↑
- () ابن قدامة، المغني، ج2، ص380. ↑
- () الشافعي، الأم، ج1، ص273. ↑
- () البيهقي، السنن، ج4، ص4. ↑
- () إرشاد الساري، ج2، ص477. ↑
- () صحيح البخاري، ج2، ص114، وصحيح مسلم، ج3، ص142. ↑
- () القرآن الكريم: سورة الحج، الآية (32). ↑
- () أي سنة 1342هـ/1923م. ↑
- () «منهم الرشاد لمن أراد السداد» كتبها الإمام الشيخ جعفر كاشف الغطاء جواباً لرسالة الأمير عبد العزيز بن سعود (ت:1218هـ/1803م) الذي انتقد الممارسات التي يختلف الوهابيون في تفسيرها مع بقية المذاهب الإسلامية، والتي تصب في مفردات: التوحيد، الشفاعة، الاستغاثة، والتوسل.وبالرغم من أن «منهج الإرشاد» تضمنت مفردات بحوث عقائدية إلا أنها تعتبر من بواكير الأعمال المتضمنة آراء سياسية شيعية تجاه الأحداث التي عاصرت تلك المرحلة. فهي والحال هذه رسالة في صميم التفكير السياسي الشيعي أوائل القرن الثالث عشر الهجري.
نُشرت أول مرة عام 1342هـ/1924م بالنجف باهتمام السيد عباس التبتي في (82) صفحة، وأُعيدت طباعتها في (قم، 1413هـ/1993م) بتحقيق السيد مهدي رجائي. كما نشرتُها في بيروت عام 1419هـ/1998م ملحقة بكتاب «العقبات العنبرية في الطبقات الجعفرية» للشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء. وأصدرتها في طبعتها الجديدة مع دراسة وتقديم عام 2003. ↑
- () صحيح مسلم، ج3، (الباب الأول). ↑
- () القرآن الكريم: سورة السجدة، الآية (24). ↑
- () القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية (124). ↑
- () سنن أبي داود، ج3، ص218. ↑
- () الحاكم، المستدرك، ج1، 374. ↑
- () هي رسالة «منهج الرشاد» للإمام الشيخ جعفر كاشف الغطاء. ↑
- () صحيح البخاري، ج3، ص301. ↑
- () القرآن الكريم: سورة النساء، الآية (94). ↑
- () القرآن الكريم: سورة الزمر، الآية (3). ↑
- () القرآن الكريم: سورة البقرة، الآية (158). ↑
- () القرآن الكريم: سورة الذاريات، الآية (56). ↑
- () القرآن الكريم: سورة آل عمران، الآية (169). ↑
- () شبيب هذا الذي يعنيه ياقوت هو أبو الضحاك شبيب بن يزيد الشيباني، كان قد ادعى الخلافة وخرج في الموصل في زمن عبد الملك بن مروان، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي بالعراق يومئذ. فبعث إليه بخمسة قواد قتلهم واحداً بعد واحد. ثم سار من الموصل يريد الكوفة، وخرج الحجاج من البصرة يريدها أيضاً، وطمع شبيب أن يصل إليها قبله، فأقحم الحجاج خيله، فدخلها قبل شبيب وذلك في سنة سبع وسبعين للهجرة. وتحصن الحجاج في قصر الإمارة. ودخل إليها شبيب مع أمه (جهيزة) وزوجته (غزالة) عند الصباح. وكانت غزالة قد نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين وتقرأ فيهما سورة البقرة وآل عمران، فأتوا الجامع في سبعين رجلاً، فصلّت فيه الغداة وخرجت من نذرها. وكانت معروفة بالشجاعة والفروسية. وتقاتل في الحروب نفسها، وقد كان الحجاج هرب في بعض وقائعه مع شبيب من غزالة فعيّره بعض الناس بقوله:أسد علي وفي الحروب نعامة
فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى
بل كان قلبك في جناحي طائر
وكانت أمه جهيزة أيضاً شجاعة تشهد الحروب. ولما عجز الحجاج عن شبيب بعث عبد الملك إليه بعساكر كثيرة من الشام، عليها سفيان بن الأبرد الكلبي، فوصل الكوفى وخرج الحجاج أيضاً فتكاثروا على شبيب، فانهزم وقتلت زوجته غزالة وأمه جهيزة. ونجا هو في فوارس من أصحابه، وأتبعه سفيان في أهل الشام، فلحقه بالأهواز فولى شبيب، فلما حصل على جسر (دجيل) نفر به فرسه، وعليه الحديد الثقيل من درع ومغفر وغيرهما فألقاه في الماء. فقال بعض أصحابه: أَغَرقاً يا أمير المؤمنين؟ فقال: ذلك تقدير العزيز العليم. فألقاه (دجيل) ميتاً في ساحله، فحمل على البريد إلى الحجاج.
روى ابن خلكان عن بعضهم قال: رأيت شبيباً وقد دخل المسجد وعليه جبة طيالسية عليها نقط من أثر المطر، وهو طويل أشمط جعد آدم فجعل المسجد يرتج له. وكان مولده يوم عيد النحر سنة ست وعشرين للهجرة، وغرق بدجيل كما تقدم سنة سبع وسبعين. ↑
- () أنهار العراق لابن سرابيون المعروف باسم سهراب (903م ـ 290هـ)، نشره في لندن لأول مرة الإنكليزي لاسترانج سنة 1895، ثم نشره متريك النمساوي في فيينا سنة 1930 ضمن كتاب (عجائب الأقاليم السبعة). ↑
- وردت اللفظة هكذا في كل النسخ، وأظن أنها محرّفة عن (الفراض) التي جاء ذكرها في أخبار فتح المسلمين للعراق. والفراض جمع الفرضة، وهي مرسى السفن في الأنهار، وهي ما يشبه الميناء اليوم في البحار، وقد ذكرها الحموي (وفي كتاب الفتوح: لما قصد خالد بن الوليد رض بغتة بني غالب إلى الفراض، والفراض تخوم الشام والعراق والجزيرة في شرقي الفرات. واجتمعت عليه الروم والعرب والفرس، فأوقع بهم وقعة عظيمة. قال سيف: قتل فيها مائة ألف، ثم رجع خالد إلى الحيرة لعشر بقين من ذي الحجة سنة 12. قال القعقاع:لقينا بالفراض جموع روم
وفرس غمها طول السلام
أبدنا جمعهم لما التقينا
وبيتنا بجمع بني رزام
فما فتئت جنود السلم حتى
رأينا القوم كالغنم السوام
↑ - () قبين: بضم القاف وتشديد الباء المكسورة وياء ساكنة ونون في الآخرة. ↑
- () يلاحظ أن الحموي هنا يشير إلى المدن والقرى التي أخذت تستقي من دجيل بعد تحول مجرى دجلة، فإن قسماً منها كان يقع على الضفة الشرقية من المجرى القديم. ↑
- () تقويم البلدان، ص56. (طبعة باريس). ↑
- () كان علي بن الجهم الشاعر المعروف يسكن هذا الشارع وكان قدم الشام فلما قرب من حلب خرج عليه اللصوص وجرحوه وأخذوا ما معه وتركوه على الطريق، فقال:أسال بالليل سيل
أم زيد في الليل ليل
يا أخوتي بدجيل
وأين مني (دجيلُ)؟
↑ - () وكان الدكتور الفاضل أحمد سوسة قد عقد عدة فصول ضافية عن دجيل في كتبه الجليلة القدر، وبالأخص (ري سامراء)، ومنه استفدتُ كثيراً. وإن أنسى لا انسى لطف هذا المؤلف الكريم بطلب الاجتماع بي عدة مرات عند إعداده لكتابه المذكور قبل زهاء عشرين سنة، وذلك بواسطة سيدنا الحجة (السيد هبة الدين) الشهرستاني وفي مكتبته العامرة في الكاظمية، للتثبت من مواقع مدن دجيل وقراه، وكنت آنذاك أنشر فصولاً شتى عنها جعلتني عند حسن ظنه. ↑
- () وليم ويلكوكس، بين عدن والأردن، ص46، 83 (الترجمة العربية). ↑
- () نهر القورج هذا من منشآت كسرى أيضاً. قال ياقوت: إن كسرى لما حفر القاطول (القاطول الأعلى) أضر ذلك بأهل الأسافل، وانقطع عنهم الماء حتى افتقروا، وذهبت اموالهم. فخرج أهل تلك النواحي إلى كسرى يتظلمون إليه مما حل بهم. فوافوه وقد خرج متنزهاً. فقالوا: أيها الملك أنا جئنا نتظلم. فقال: ممن؟ قالوا: منك. فثنى رجله ونزل عن دابته على الأرض، فأتاه بعض من معه بشيء يجلس عليه فأبى وقال: لا أجلس إلا على الأرض، إذ أتاني قوم يتظلمون مني. ثم قال: ما مظلمتكم؟.. قالوا: حفرت قاطولك فخرّب بلادنا وانقطع عنا الماء ففسدت مزارعنا، وذهب معاشنا. فقال: إني آمر بسده ليعود إليكم ماؤكم. قالوا: لا نجشمك أيها الملك هذا فيفسد عليك اختيارك، ولكن مر أن يعمل لنا مجرى من دون القاطول، فعمل لهم مجرى بناحية القورج يجري فيه الماء. فعمرت بلادهم وحسنت حالهم. ↑
- () ري سامراء 1: 222. ↑
- () عمدة الطالب: ط بمبي ص80، مقاتل الطالبيين، ط النجف الأشرف، ص185. ↑
- () ويكنى أبا سليمان وكان يلي صدقات أمير المؤمنين عليه السلام نيابة عن أخيه عبدالله المحض، وكان رضيع الإما جعفر الصادق عليه السلام حبسه المنصور وأفلت منه بالدعاء الذي علمه الإمام الصادق عليه السلام لأمه حبيبة الرومية، أم داود، ويعرف هذا الدعاء بدعاء أم داود، يبدأ به يوم الاستفتاح وهو النصف من رجب، توفي داود بالمدينة وهو ابن 60 سنة. عمدة الطالب ص167. ↑
- () وعلى «نهر اليوسفية» من فروع الفرات قرب بغداد قبر مشيد قديم عليه قبة تزوره الأعراب على أنه لعبد الله بن الحسن المثنى، قلت: وذلك خلاف التحقيق، والذي تعضده النصوص التاريخية والأثر ما أسلفناه بالهاشمية، ومن الممكن أنه قبر علوي من أحفاد آل الحسن اسمه عبد الله بن الحسن والله أعلم. ↑
- () جاء في كتاب «زيد الشهيد» للحجة السيد عبد الرزاق المقرم ص 170: أن قبره في موضع الحبس بالهاشمية عند قنطرة الكوفة، مع جماعة من بني الحسن تعرف قبورهم بالسبعة. وفي «الكامل» لابن الأثير 4: 376 وعبد الله بن الحسن دفن قريباً حيث مات، فإن يكن في القبر الذي يزعم الناس أنه قبره وإلا فهو قريب منه.قلت: وقفت على القبور السبعة سنة 1386هـ ـ 1967م فكانت تقع على مرتفع من الأرض شبه التل الكبير المنبسط فيه الحجارة القديمة وهي ظاهرة فيه، وكان بناء المرقد مستطيلاً بثلاث أسطوانات، فالأسطوانة الأولى الشرقية وهي أكبرهن ومنها مدخل المرقد وعليها القبة البيضاء، وفي وسطها الشباك الخشبي الذي كان كل من أبعاده الثلاثة حدود المترين وعليه بردة خضراء فهي رسم لقبور أولاد الحسن المثنى، كما تشير إلى ذلك لوحة الزيارة المعلقة على شباك القبر فقد كتب عليها هذا العنوان (هذه زيارة أولاد الحسن المثنى الذين توفوا بالحبس سنة 145هـ).
والأسطوانة الثانية ليس فيها رسم قبر. والثالثة وهي الغربية صغيرة في وسطها دكة قبر عليها بردة خضراء، وفوقها قبة بيضاء أصغر من تلك كما تشاهد في تصوير المرقد.
وتقع بتعريف هذا التاريخ في أراضي الطابو مقاطعة «أبو سميج» مقاطعة 17 قطعة 86 وفقاً لما جاء في سجل تسوية الأراضي، ومديرية الأوقاف العامة، ضمن الأراضي الخاضعة للإصلاح الزراعي في لواء الحلة بالقرب من بنايات الإصلاح الزراعي لتلك المنطقة.
والقبور السبعة تكون قبلة للمرقد المعروف لعبد الله بن زيد ومنها يشاهد قبره، كما ويشاهد في الشمال الغربي القبر المعروف لإبراهيم بن عقيل على ضفة نهر الشاه ـ المجرية ـ وقد مر ذكره في ج 1: 43، وموضع السبعة على الطريق العام القديم من الكفل إلى العذار، والدبلة، ثم الجربوعية والقاسم ابن الإمام موسى عليه السلام، وتبعد عن الكفل قرابة 6 كيلومترات. ↑
- () السلسلة العلوية 7، عمدة الطالب: 78. ↑
- () «غاية الاختصار»: ط نجف ص40. ↑
- () مقاتل الطالبيين، ص230، الكامل لابن الأثير، 4: 374. ↑
- () في الكامل لابن الأثير 4: 375: إن المنصور أخذهم وسار بهم من الربذة فمر بهم على بغلة شقراء فناداه عبدالله بن الحسن يا أبا جعفر ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر فأخسأه أبو جعفر وثقل عليه ومضى. ↑
- () وفي «تاريخ الطبري» لسنة 144هـ 9: 179: أنه لما قدم بعبد الله بن حسن وأهله إلى الكوفة مقيدين فأشرف بهم على النجف، قال لأهله: أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية، قال: فلقيه ابنا أخي الحسن وعلي مشتملين على سيفين فقالا له: قد جئناك يا بن رسول الله فمرنا بالذي تريد، قال: قد قضيتما ما عليكما ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً فانصرفا. قال: وحدثني عيسى قال حدّثني عبدالله بن عمر أن ابن أبي فروة قال: أمر أبو جعفر أبا الأزهر فحبس بني الحسن بالهاشمية، وقال ابن الأثير في الكامل بقصر ابن هبيرة شرقي الكوفة، وقال الطبري 9: 198: حدثني الفضل بن دكين أبو نعيم قال: حبس من بني الحسن ثلاثة عشر رجلاً، وحبس معهم العثماني وابنان له في قصر ابن هبيرة، وكان في شرقي الكوفة مما يلي بغداد.وفي «النفحة العنبرية» للسيد محمد كاظم اليماني و«رجال الكشي» في ترجمة معروف بن خربوذ عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام «أن قبر عبدالله بن الحسن وأهل بيته على شاطئ الفرات، حملهم أبو الدوانيق فقبروا على شاطئ الفرات. ↑
- () سورة الطور، الآية 48. ↑
- () سورة الزخرف، الآية 33. ↑
- () سورة المؤمنون، الآية 55 -56. ↑
- () «مقاتل الطالبيين»، ط مصر، ص193. ↑
- () ويحيى بن عبدالله هذا إليه تنسب السادة الأشراف «الحوازمة» في صبيا وضمد وسائر المخلاف السليماني بتهامة، وفي زبيد من ذرية السيد حازم الأصغر بن علي بن عيسى بن حازم الأكبر بن حمزة بن أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن القاسم بن داود بن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. ↑
- () حرز الدين، ج1، ص364. ↑
- () الطهراني، ج1، ص422. ↑
- () الطهراني، الكرام البررة، ج1، ص421. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، ج5، ص306. ↑
- () الوردي، لمحات اجتماعية، ج3، ص89. ↑
- () المحلاتي، ذبيح الله، مآثر الكبراء في تاريخ سامراء، ص52. ↑
- () حرز الدين، ج2، ص234. ↑
- () أجريت على المدرسة توسعة عام 1297هـ/1880م بشراء بعض الدور المحيطة وإلحاقها بها. وبعد وفاة الميرزا الشيرازي هاجر أغلب طلبة العلوم إلى النجف حيث مقر المرجع الديني هناك. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1914 استخدم الأتراك هذه المدرسة مكاناً لمعالجة جرحى الجيش في الحرب مع الإنكليز. وفي عام 1346هـ/1927م عمّر السيد أبو الحسن الأصفهاني المدرسة. كما عمرها السيد حسين البروجردي عام 1376هـ/1957م، وبقيت تحمل إسم الإمام الشيرازي حتى اليوم. ولم تسجل المدينة أي فتنة طائفية حتى عام 1411هـ/1991م عندما طالت الاضطرابات الشعبية بعض المدن العراقية الشيعية بعد اندحار العراق في حربه مع الحلفاء. وقد تعرضت مدرسة الشيرازي إلى الدمار وأُحرقت مكتبتها الثمينة الحاوية على الكثير من المخطوطات النادرة، بالرغم من عدم وجود معارضة شيعية في سامراء ضد المراكز الحكومية الرسمية. ↑
- () هو أول جسر بُني بمدينة سامراء. وقد تحطم بفيضان دجلة عام 1323هـ/1907م، ولم يبق له أثر. وقد ذكره يونس السامرائي في كتابه «تاريخ مدينة سامراء»، ج2، ص223. واكتفى بالقول إنه أنشئ أيام الدولة العثمانية عام 1294هـ/1877م. ↑
- () الطهراني، ج1، ص440. ↑
- () حرز الدين، ج2، ص235. ↑
- () الوردي، ج3، ص90. ↑
- () السامرائي، يونس الشيخ إبراهيم، تاريخ علماء سامراء، ص21، وعبد الرحيم محمد علي، شيخ المؤرخين آغا بزرك الطهراني، ص43. ↑
- () حرز الدين، ج2، ص236، ص301. ↑
- () تكلم الدكتور علي الوردي على النزاع الطائفي الذي وقع في سامراء، وعن قضية حركة التنباك، ولم يفرّق بين المرحلتين حيث جعل النزاع الطائفي مقدماً على قضية (التنباك). ومن خلال التسلسل الزمني للأحداث فإن النصوص التاريخية لم تُشر إلى وقائع طائفية قبل قيام حركة التنباك.ويعتقد كاتب هذه السطور أن الشيرازي لم يكن هادفاً من هجرته الى سامراء تحويل المدينة إلى مدينة شيعية كما ذهب إليه الوردي، وإلا لحقق ذلك في السني الأولى من هجرته إليها التي لم يُصادف بها معارضة من قبل أهالي البلدة السنّة، بل كانت هجرته خاضعة لظروف خاصة كانت تعيشها النجف من النواحي السياسية والاقتصادية والدينية سبقت الإشارة إليها. ↑
- () الأمين، الأعيان، ج5، ص308. ↑
- () القائيني، ص188. ↑
- () أعيان الشيعة، ج5، ص305. ↑
- () الفقيه، جبل عامل في التاريخ، ص53. ↑
- () المبسوط، ج2، ص50. ↑
- () سماة السيد الباحث ترحم على من ذكرهم من العلماء وترضى عنهم حيثما ذكرهم، ونحن حذفنا كل ذلك للاختصار. (التحرير). ↑
- () ج1، ص447. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/264. ↑
- () سورة التوبة، الآية 4. ↑
- () سورة التوبة، الآية 7. ↑
- () سورة الأنفال، الآية 56. ↑
- () سورة الأنفال، الآية 61. ↑
- () راجع المستدرك ج11، ص43 و44 الأحاديث: 1 و2 من الباب 18. ↑
- () كقوله تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله)… (سورة النساء، الآية 75) وقوله تعالى: (ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة)… (سورة الأحزاب، الآية 13) وكآيات الفرار وأمثالها الكثير في الكتاب العزيز. ↑
- () سورة محمد، الآية 35. ↑
- () سورة الممتحنة، الآية 9. ↑
- () سورة الممتحنة، الآية 1. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/264. ↑
- () المنتهى: ج2، ص974 والتذكرة: ج1، ص447. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/215. ↑
- () سورة الأنفال، الآية 61. ↑
- () سورة البقرة، الآية 195. ↑
- () سورة التوبة، الآية 111. ↑
- () ج3، ص467. ↑
- () الينابيع الفقهية ٣١ / ١٢١. ↑
- () المصدر نفسه ٩ / ٢١٥. ↑
- () المصدر نفسه ٩ / ٢٦٤. ↑
- () المبسوط للشيخ الطوسي في الينابيع الفقهية ٣١/ ١٢٢ . ↑
- () سورة التوبة، الآية 2. ↑
- () الينابيع الفقهية ٣١ / ١٢٢. ↑
- () الينابيع الفقهية : 9/215. ↑
- () ج1، ص447. ↑
- () ج2، ص974. ↑
- () المبسوط: ج2، ص 50 ـ 51. ↑
- () سورة التوبة، الآية 5. ↑
- () ج2، ص51. ↑
- () المسالك: 3/83 ـ 84 ط مؤسسة المعارف الإسلامية. ↑
- () ج6، ص477. ↑
- () سورة التوبة، الآية 123. ↑
- () سورة البقرة، الآية 190. ↑
- () المطلب التاسع (من الفصل الرابع) في حكم القتال في الأشهر الحرم. ↑
- () سورة التوبة، الآية 2. ↑
- () سورة التوبة، الآية 3. ↑
- () سورة البقرة، الآية 194. ↑
- () سورة محمد، الآية 35. ↑
- () المنتهى: 2/974. ↑
- () ج2، ص51. ↑
- () منهاج الصالحين قسم العبادات صفحة 401. ↑
- () الينابيع الفقهية، 31/122. ↑
- () سورة النساء، الآية 76.. ↑
- () سورة التوبة، الآية 111. ↑
- () سورة الفتح، الآية 29. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/215. ↑
- () ج2، ص51. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/130. ↑
- () الينابيع: /264. ↑
- () المنتهى: 2/974. ↑
- () تذكرة الفقهاء: 1/447. ↑
- () جامع المقاصد: 3/470. ↑
- () الجواهر: 21/299. ↑
- () الينابيع الفقهية: 31/122. ↑
- () ج7، ص459. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/264. ↑
- () الينابيع الفقهية: 13/193. ↑
- () ص974. ↑
- () شرح الإرشاد: 8/175 فما بعدها. ↑
- () راجع المسالك، ذيل كلام المحقق في هذه المسألة. ↑
- () السنن: 9/224، باب: المهادنة إلى غير مدة. ↑
- () المنتهى: 2/974. ↑
- () سورة النساء، الآية 141. ↑
- () الوسائل، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، ح1. ↑
- () أبواب الخيار من الوسائل، الباب 6 ـ ح2. ↑
- () المصدر نفسه: حديث 3. ↑
- () المصدر نفسه: حديث 4؟ ↑
- () ج2، ص53. ↑
- () الينابيع الفقهية، الشرائع 9/215 ↑
- () سورة الممتحنة، الآية 10. ↑
- () منهاج الصالحين، كتاب الجهاد، المسألة 92. ↑
- () سورة الممتحنة، الآية 10. ↑
- () سورة الممتحنة، الآية 10. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية 6. ↑
- () سورة المائدة، الآية 2. ↑
- () الجواهر: ج21، ص3. ↑
- () ورد في ذلك روايات معتبرة في الكافي وتفسير القمي رحمه الله سوف نذكرها. ↑
- () ج1، ص524. ↑
- () المبسوط: ج2، ص52. ↑
- () ص631 ـ 633 ذيل قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحاً مبينا). ↑
- () الروضة: 322 ـ 326. ↑
- () بحار الأنوار: 20/361 ـ 362. ↑
- () البخاري: ج3 من طبعة السندي، ص45. ↑
- () الينابيع الفقهية: 31/123. ↑
- () ج2، ص55. ↑
- () ج2، ص975 آخر الصفحة. ↑
- () ج1، ص448. ↑
- () جامع المقاصد: 3/478. ↑
- () جامع المقاصد: 3/478. ↑
- () المسالك، ذيل العبارة المذكورة. ↑
- () الجواهر: ج21، 301. ↑
- () راجع تفصيل النسبة في الجواهر: 33/211. ↑
- () ص401. ↑
- () ص403. ↑
- () ج15، ص118. ↑
- () سورة المائدة، الآية 1. ↑
- () سورة البقرة، الآية 275. ↑
- () باب 37 من كتاب العتق حديث 2. ↑
- () نفس الباب حديث 1. ↑
- () الباب 9 أبواب المهور من الوسائل ح1. ↑
- () الباب 10 من أبواب المهور من الوسائل، ح2. ↑
- () الباب 29 من أبواب المهور من الوسائل، ح1. ↑
- () الباب 38 من أبواب المهور من الوسائل، ح1. ↑
- () باب 39 من أبواب المهور، ح2. ↑
- () راجع ملاذ الأخيار 12/267، وقال مثله السيد الخوئي، في معجم الرجال، والظاهر أنه أخذ ذلك منه. ↑
- () الجواهر: 23/213. ↑
- () المكاسب/ 288. ↑
- () الوسائل: 11/116، ح6 من باب 68. ↑
- () الينابيع الفقهية: 31/121. ↑
- () المصدر نفسه: 9/264. ↑
- () نقله ابن قدامة ص519، ج10 من المغني. ↑
- () ص447، ج1. ↑
- () سورة التوبة، الآية 29. ↑
- () ص975. ↑
- () ص399. ↑
- () ص293. ↑
- () ص400. ↑
- () راجع الجواهر: 1/292 ولم أجد الرواية في مجاميع الحديث لأهل السنّة. ↑
- () سورة الفتح، الآية 1. ↑
- () المستدرك: ج11، ص43 ـ 45. ↑
- () سورة آل عمران، الآية 139. ↑
- () سورة التوبة، الآيتان 4 و7. ↑
- () ج1، ص450. ↑
- () سورة الأنفال، الآية 58. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/264. ↑
- () ج1، ص450. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/264. ↑
- () سورة الأنفال، الآية 58. ↑
- () الينابيع الفقهية: 9/264. ↑
- () المصدر نفسه: 9/264. ↑
- () سورة التوبة، الآية 6. ↑