لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد التاسع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
كركوك
إن سفوح جبال زاگروس الجنوبية الغربية التي تجري فيها مياه جبال زاگروس العظيمة المنحدرة إلى وادي دجلة، تلك السفوح التي تقع بين هاتيك الجبال وهذا الوادي، وتشكل حاشية شرقية وشمالية شرقية للهلال الخصيب، تنعم بالمياه المتدفقة مباشرة من زاگروس، ومياه بعض الجبال والتلول الغربية الموازية لزاگروس، والتي يخيل للناظر أنّها طلائع لها، وهي بمناخها المعتدل وأمطارها الوافرة وبأرضها الخصبة وثروتها الزراعية، من الأقاليم التي اجتذبت منذ أقدم الأزمنة سكاناً، أو غزاة من كافة الأنحاء. ومن أسباب تعرضها للغزو، أو التدخل، موقعها الجغرافي. فإنّ هذه البقعة من الهلال الخصيب التي كانت تمر فيها خطوط مواصلات برية ونهرية ميسرة، بين مختلف الأقاليم المحيطة بها، كانت دوماً موضع اهتمام الأقوام المتمدنة القوية التي كانت تهمها حرية المواصلات وسلامتها منذ فجر التاريخ، ومن تلك الدول: الدولة الأكدية، والدول القوية التي أتت بعدها، وحكمت في بابل، نينوى، همدان، سوس، سلوقية، بلاد الروم، تيسفون، بغداد، أصفهان، استانبول.
ولقد أدّى هذا الاهتمام بهذه المنطقة إلى تأسيس مدن عديدة محصنة منذ العصور الأولى، في موازاة محور سلاسل زاگروس الغربية، وإقامة حاميات فيها للدفاع ومحافظة مواصلاتها حيال الغارات المتوقعة من الأقوام الساكنة داخل البلاد الجبلية القريبة الكائنة في شرقها. ومن تلك الأماكن المحصنة التي كانت في الوقت نفسه قاعدة لحركات جيوش الحكومات، حين تتجه نحو غزو البلاد الجبلية من خلال منافذ جبال زاگروس، تعرف اليوم باسم بدره، مندلي، خانقين، قرة تبة، كفرى، طوزخورماتو، طاووق، تازه خورماتو، جمجمال، كركوك، آلتون كوبري، أربيل، الموصل، وتل عفر… إلخ.
ومن ضمن هذه النقاط الستراتيجية وجد، أثناء التنقيبات الأثرية في «براك» في وادي خابور شرق الفرات، بلاط محصن شيّده «نرم سين» الأكدي (حوالى 2400 ق.م.)، ويعتقد بأنّ القصد من إنشاء هذا الحصن الواقع على خط المواصلات بين الأناضول وبين «أكد» حماية هذا الطريق التجاري ضد تحرشات الكوتيين وغيرهم من الأقوام الجبلية.
يقول المؤرخ الإغريقي «يوليبيوس» (210-120ق.م. تقريباً) في سياق تعريفه بلاد «الحا» في كتابه «التاريخ العمومي»، إنّ «حدود الإقليم مستورة بمدن إغريقية بنيت، بعد أن أخضعت البلاد من قبل الإسكندر لفرض الحد من تجاوز البرابرة المجاورين».
من هذه المدن المحصنة التي كانت تقوم بوظيفة مجابهة أمواج الغارات المنطلقة من منافذ زاگروس نحو السهول الغربية، وأكثرها أهمية من حيث الموقع، كانت «أريح» القديمة، كركوك الحالية، وهي تقابل بوابة زاگروس الخطيرة «دربند بازيان» (ده ربه ندي – بازيان)([1]). وكان لقلعة كركوك في الوقت نفسه حصن أمامي من شأنه تسهيل مهمة كركوك، وهو الذي نسميه اليوم «چمچمال» الواقع على طريق كركوك – ده ربه ندي بازيان، وهو واقع أيضاً على طريق طاووق – ده ربه ندي بازيان، وطريق طاووق – چمچمال – وادي الزاب الأسفل المارين شرق كركوك وبعيداً عن سيطرة حصنها. وهذا الوضع الجغرافي الذي كان قد أدى إلى أن تكتسب طاووق أهمية كبيرة منذ بداية الفتح الإسلامي إلى الدور المغولي، على حساب تضاؤل أهمية كركوك. كانت طاووق في العهد العباسي القاعدة الرئيسية لمنطقة كركوك.
كركوك مدينة قديمة، وهي أقدم ذكراً في المسمارية من مدينة أربيل، وأقدم ما لدينا من المعلومات الخاصة بكركوك، هو ما جاء في التقويم الجغرافي المشهور، عن ممتلكات «سرجون» (سه ركون) الأكدي (2530-2473ق.م. تقريباً). ففي التقويم المذكور نجد اسم بلاد «أريح» بين أسماء أخرى، كـ «الآشورية، اللوللوبي، الكوتيوم، والأكد… إلخ». وقد شخصت «أريح» بمدينة كركوك.
في زمن «نرم – سن» (الأكدي (حوالى 2400ق.م.) كان شمال العراق يسمّى «سبارت»، وكانت منطقة «أريح» جزءاً من بلاد «سبارت». ومنطقة كركوك في هذا الدور كانت آهلة بجماعات غير متجانسة، ولكن نفوذ الساميين الثقافي غالباً فيها.
وفي بداية الألف الثاني قبل الميلاد هاجر «الحريون»، وهم أقوام آسيوية، إلى شمال العراق أثناء الهجرات الآسيوية الواسعة التي حدثت في تلك القرون. وقد اتخذ الحريون «أريح» عاصمة لهم، ثمّ استساموا، (أي صاروا ساميين) هم أيضاً بعد مدة قليلة. لقد كانت مدنية وثقافة «أريح» خلال الألف الثاني قبل الميلاد تضاهي مدنية وثقافة «بابل». فكانت لها قوانينها وتقاليدها الاجتماعية، وجماعاتها الدينية والفنية. وكانت ديانتها قريبة من المعتقدات الآشورية على وجه العموم.
وفي القرن الرابع عشر قبل الميلاد كان نفوذ الميتانيين يتغلغل في «أريح»، أولئك الميتانيون الذين كانت إمبراطوريتهم القصيرة الأمد تمتد في شمال العراق، ولكن اللغة التي يستعملونها كانت لغة الحريين.
لقد سجل «تكلت – نزت» الأول، الملك الآشوري (1255-1218ق.م.) أنّه فتح بلاد «أريح»، وكان أوّل ملك آشوري استولى عليها. ثمّ وقعت بعد ذلك بيد الملك العيلامي «شلهك – انششنك» (1165-1151ق.م.).
ولكن «أدد – نرري» الثاني (911-891ق.م.) يذكر في سجل فتوحاته أنّه استرجع «أريح» وضمها إلى الممتلكات الآشورية. ولا نعرف ماذا كان وضع «أريح» لمدة قرنين ونصف قرن بين الاحتلالين. ويذكر «أريح» أيضاً الملك «شمس – أدد» الخامس (823-810ق.م.)، كانت «أريح» مقر نائب الملك.
وفي عهدي «سرجون» (سه – كون) (724-705ق.م.) و«سنحاريب» (705-681ق.م.) كانت «أريح» بيد الآشوريين. لقد طرد «سنحاريب» «الكشيين» من مواطنهم الجبلية وجمعهم في بعض المدن ووضعهم تحت إدارة حاكم «أريح».
وفي عام 615ق.م. استولى الملك «كياخسار» (اوخشترالمادي (الكياني) على «أريح»، وكان يقصد فتح «نينوى» التي تمّ له فتحها مع حليفه الملك «نيبويو لسر» البابلي 612ق.م.
والذي اعتقده، أنّ اسم «كركوك» في عهد الماديين كان لا يزال «أريح»، ولا أدري هل استبدل هذا الاسم في عهد الفرس الهخامنشيين (549-330ق.م.). بغيره أم لا. إنّ هذا هو ما سنبحثه فيما يلي:
يرى بعض المؤرخين أنّ ذكر مدينة كركوك «أريح» جاء باسم «منس» ضمن المدن التي مرّ بها الاسكندر، أثناء زحفه من أربيل إلى بابل (330ق.م.) وفي كتاب تاريخ حياة الاسكندر الكبير وحكمه المدون باللغة اللاتينية، يذكر مؤلف هذا الكتاب «كوتنس كرتيس رفس» (القرن الأول الميلادي) ذلك الاسم أثناء وصفه زحف الإسكندر على بابل، ولكن الوصف جاء بصورة مشوشة.
فقد ذكر هذا المؤرخ: «أنّ الطريق يمر عبر سهول في الأراضي الواقعة بين دجلة والفرات» (الكتاب الخامس-1-112). ويقول بعده: «وصل الإسكندر بعد مسيرة أربعة أيام إلى مدينة «منس»، وفي ذلك المحل كهف يتدفق منه القير بكميات كبيرة» (الكتاب الخامس-1-16).
وقال مترجم هذا التاريخ عن مدينة «منس» في الحاشية (331) أنّ «قربها من كركوك لم يكن ليعرف لولا وجود منابع القير».
وهكذا يشخص المفسرون مدينة «منس» بـ «كركوك»، لأنّها على بُعد أربعة أيام من أربيل، ولأنّها قريبة من منبع كائن داخل كهف، يخرج منه القير بكميات كبيرة. هنا نقطتان جديرتان بالملاحظة: الأولى: أنّ المسافة بين أربيل – كركوك 87كم، كانت هذه المسافة أقل من مسير ثلاثة أيام، بالنسبة إلى سرعة زحف الإسكندر، والثانية: أنّها لا توجد قرب كركوك مغارة يخرج منها القير. والظاهر أنّ «كرتيس» لم يفرق بين القير والنفط.
ويذكر بلوتارك (القرن الأوّل الميلادي) أيضاً رؤية الإسكندر لكهف تتدفق منه النار، تدفق الماء من العين، ومنبعاً للنفط الأسود قرب ذلك الكهف.
إنّ قصد «بلوتارك» من كهف النار ومنبع النفط، هو نيران «بابا گرگر»، والنفط الذي حولها، ولو قال إنّهما كانا في منطقة همدان.
فلا ندري بصورة قطعية هل أنّ المؤرخين الإغريقيين ـ اللاتينيين أدرجوا رواية زيارة الإسكندر لـ «بابا گرگر»، ومنابع النفط في كتبهم بعد الإسكندر بأكثر من ثلاثة قرون، وذلك بعد أن علموا بوجود تلك النار والنفط في أثناء حكم المقدونيين في العراق وإيران، أم في الحقيقة رآها الإسكندر بأم عينه ولربما رآها.
ومن الكتاب القدماء الذين دوّنوا وصف منطقة كركوك «سترابو» (63ق.م.-19ب.م. تقريباً)، فلقد ذكر في سفره الجغرافي (الكتاب السادس عشر، الفصل الأوّل، البند الرابع) ما يلي:
«بعد أربيل وجبل (نيكاتوريم) (هو الاسم الذي أطلقه عليه الإسكندر بعد انتصاره في أربيل) يأتي نهر «كايرس» الكائن على مسافة من أربيل، تساوي بعد نهر «لكس» عنها. والإقليم يسمّى «أتكيني» وقرب أربيل مدينة «ديمترياس»، ثمّ يأتي منبع النفط، ثمّ النيران، ثمّ معبد الآلهة (آينيا)، ثمّ «سادراكي)، قصر داريوس ابن «هيستاسيس»، ثمّ «سيباريون»، أو حقل السرو، ثمّ معبر نهر «كايرس» القريب من سلوقية، بابل([2]).
ولا حاجة لي أن أوضح للذين يحاولون تثبيت الأماكن الجغرافية الواردة في نبذة (سترابو) هذه بأن الوصف المذكور هو وصف مشوش ومغلوط، لأنّ ملاحظة الجملة الأخيرة تكفي لإعطائها فكرة عن مدى التشويش في الوصف. إنّ «سترابو» قد كتب وصفه هذا بدون أن يرى البلاد ويمر بها.
يظن الشراح أنّ اسم «نيكاتوريم» قد أطلقه الإسكندر على الجبل الذي نسمّيه اليوم «قره جوخ»([3]). ويروى أنّ «كايرس» هو الزاب الأسفل و«لكس» هو الزاب الأعلى. ويظنون أنّ «ارتكيني» ينبغي أن تقرأ «أربلين» الأمر الذي يفهم منه أنّها نفس المنطقة التي سمّاها «بطليموس» بـ «أربليتيس». وأكثر احتمالاً من هذا أنّ «سترابو» كتبها في الأصل في شكل «أديابيني»، وهي المنطقة التي كانت أربيل جزءاً منها.
إنّ موقع مدينة «ديميترياس» على ما أرى لا يمكن تثبيته في الوقت الحاضر، ولكن منبع النفط وما يجاوره من نيران أمر معلوم. فمما لا شك فيه أنّ النيران هي «باب كركر»، أمّا معبد الآلهة «آنييا»، فلم يعرف محله، ولكن «آنييا» لفظ مغلوط مأخوذ من اسم «آنائيتيس»([4])، وهو اسم إغريقي محرف عن اللفظة الإيرانية «أناهيتا»، أي آلهة المياه الآفيستية.
أمّا «سادراكي» الذي كان قصراً لـ «دارا» ابن «كشتاسب»، فلم يتمكن أحد حتّى الآن من تثبيته أيضاً، لا لفظاً ولا موقعاً، كذلك لم تثبت «حديقة السرو».
على أنّي وإن لم يسعني تثبيت مكان تلك الحديقة المغروسة بأشجار السرو، فإنّ لي في الأسماء الأخرى التي لم تثبت أماكنها بعد، رأياً، فمن هذه الأسماء معبد الآلهة «أنييا» والقصر الملكي «سادراكي». وإني أرجئ البحث عنهما إلى بحثي عن «سهل السلمانية» وأحصر البحث هنا عن تشخيص اسم «ارتكيني» والمنطقة التي تسمّى بها، وهو يخص بموضوعنا الآن.
قال بعض المفسرين عن «أرتكيني»، إنّه استنساخ مغلوط لـ «أديابيني». إنّي أقول إنّه لم يكن استنساخاً مغلوطاً لاسم «أديابيني»، بل أظنه استنساخاً مغلوطاً لكلمة أخرى، هي «كركيني»، وإنّ «كركيني» هذه كانت في زمن «سترابو»، على ما أرى، اسم مملكة، عاصمتها المدينة التي نسمّيها اليوم «كركوك». وأرى أيضاً أنّ الاسم «كركيني» الذي لا شك في أنّه منحوت، يعود للدور الإغريقي، وأنّه مشتق من اسم «كرك»، كان موجوداً قبل زمن «سترابو»، وحتّى في بداية القرن الثاني قبل الميلاد، لأنّ «الفرتيس» كانوا قد أخرجوا الإغريقيين من شرق دجلة نهائياً قبل الربع الأخير من ذلك القرن، ولأنّ «سلوقوس» الذي أدخل اسمه عند الآراميين في تركيب «كرخ دسلوخ» يجب أن يكون أحد السلوقيين الأربعة الذين كانوا حكامهم (312-175) قبل الميلاد.
ربما كانت التسمية قد وضعت في زمن «سلوقوس» (كالينيكوس) (246-226ق.م.) الذي من المحتمل أن يكون قد حصن «كركوك»، أو أعاد تحصينها، ووضع فيها حامية إغريقية، تصحبها أسرها.
والآن لنتذكر ما قاله «يوليبيس» (210-120ق.م. تقريباً) عن إنشاء المدن الإغريقية في جميع حدود إقليم الـ «ماد»، ونضيف إلى ذلك أنّ في عهد الملك سلوقوس الثاني نفسه كانت القبائل الجبلية التي تملك مواقع محصنة ومحكمة، خارجة على الحكومة الإغريقية (بيرنيا، ج3، ص2075).
كانت هناك حوالى الربع الأخير من القرن الثاني قبل الميلاد مملكة تابعة لملك الملوك الفرتي، في بقعة من بلاد عربية واقعة شمال الخليج الفارسي، وكانت قد سمّيت بـ «كركيني»، بالنظر إلى نسبتها إلى عاصمة اسمها «كرك»، وهي «ياسينو خرك» مذكورة باسم «كرخ ميسان»، في معجم البلدان، وقد وردت في السجلات المسيحية باسم «كر خادميشان»، وهي «المحمرة»، أو «خرم شهر».
وكانت هناك في الوقت نفسه أسرة سكائية حاكمة، عاصمتها تسمّى أيضاً «كرك» أو «كرخ»، وهي المذكورة في المسجلات الكنسية «كرخ دسلوخ» والمعروفة اليوم «كركوك»([5]).
وإنّ منطقة كركوك لا بد أنّها كانت تسمّى في تلك القرون باسم «كركيني»، بالنسبة لعاصمتها «كرك»، كما سمّيت كورة «ميسان» بـ «كركيني» بالنسبة لعاصمتها «كرك».
وكانت هناك منطقة أخرى أيضاً تسمّى «كركيني»، وهي المنطقة التابعة إلى «كرك» في «سوسيانا»، أو «خوزستان»، و«كرك» هذه تذكرها المصادر الكنيسة باسم «كرخ ليدان».
قلنا إنّ نحت اسم «كركيني» من «كرك» بإضافة أداة «يني ENE» إليه، يعود إلى الدور الإغريقي، وإليكم بعض الأمثلة من الأسماء الجغرافية والإدارية التي من هذا النوع، وكانت موجودة في دور المقدونيين:
آترويات – يني: اسم منطقة كانت في أرمينيا.
كالاك – يني: اسم منطقة كانت في شرق الموصل.
كامبيس – يني: اسم منطقة آذربيجان.
مليت – يني: اسم منطقة كانت في كايادوكيا (أصبح اليوم اسم مدينة «ملاطية»).
يارتي – يني: اسم منطقة الفرتيين (بين المادو باختريان).
كوردي – يني: بلاد الأكراد.
وفي أوائل العصر الميلادي المسيحي كانت هناك مملكتان متجاورتان تملكان استقلالاً داخلياً، ضمن الإمبراطورية الفرتية:
مملكة «أديا بيني»، وعاصمتها أربيل، وملكها يسمّى «ئيزه ت» الأوّل، ومملكة «كركيني»، جنوب الزاب الأسفل، وعاصمتها «كرك» (كركوك)، وملكها «ادينر كلوس»، وكانت تلك المملكتان موجودتين في بداية الحكم الساساني أيضاً (في النصف الأوّل للقرن الثالث الميلادي)، وكان في هذا الزمن ملك «أديابيني» يسمّى «شهرت»، وملك كركوك (كرخ سلوخ) يسمّى «دوميتيان»([6]).
وممّا لا يقبل الشك هو أنّ منطقة كركوك كانت تسمّى في تلك القرون باسم «كركيني» كما ذكرنا، وبلفظ «كرخيني» الآرامي، الاسم الذي كان لا يزال قيد الاستعمال في شكل «كراخيني» في القرن السابع الهجري، وقد ذكره ياقوت (626 هـ-1228م).
«كرخيني» هي قلعة في وطأة من الأرض حسنة حصينة، بين «دقوقا»، و«أربل» رأيتها وهي تل عام، ولها ربض صغير».
فيمكننا أن نقول، إنّ اسم «كركوك» كان «كركيني»، بالآرامية «كرخ» تؤيده المصادر الكنسية في ذكرها «كرخ دسلوخ» من جهة، ويثبته ياقوت باسم «كرخيني»، وحيث إنّ «كركيني» هذا قد نحت في العصر الإغريقي من اسم «كرك»، فإنّ ذلك يدل على أنّ لفظ «كركيني»، يعود إلى ما قبل جلاء الإغريقيين من المنطقة، أي إلى ما قبل القرن الثاني قبل الميلاد. وأمّا تسمية مدينة كركوك باسم «كه ره ك» فإنّها أقدم من ظهور اسم «كركيني» الإغريقي، ولعل اسم «كه ره ك» كان كذلك في عهد «الهخامنشيين»، يدلنا على ذلك اشتقاق اسم «كرك» ذاته.
إنّي أعتقد أنّ اسم «كرك» (كه ره ك) مشتق من لفظ «كار» الآشوري ومعناه (القلعة، القرية المحوطة)، ومن اللاحقة الهندية، الإيرانية القديمة المعروفة التي سيأتي ذكرها في هذا المقال.
فيظهر أنّ «الماد – الكرد» الآريين هم الذين شكلوا كلمة – «كه ر – ه ك»([7]) بمعنى (القرية المحوطة بالمواد المكومة، أي بالسور)، تلفظها الآراميون بعد ذلك بشكل «كرخ» الذي صار اسماً لبعض المواقع المحصنة تحصيناً من هذا النوع، «كرخ»، في الآرامية معناه «المدينة المسورة بسد ترابي مدعم بالأوتاد»([8]) وهنا يجدر بنا أن نلاحظ المقارنة بين كلمة «وه ره» الآفستية التي معناها «المحوطة» وكلمة «كار» الآشورية التي لها نفس المعنى.
ويسمّي الآراميون «كركوك» بـ «كرخ سلوخ»، وهذا يدل على أنّ مدينة كركوك كانت قد اتخذت عاصمة للمنطقة من قبل السلوقيين وحصنت من قبل «سلوقس الثاني» على الأرجح (246-226ق.م.). كما ذكرت قبلاً.
وتسجيل الآراميين اسم «كرخ» لقرية «كركوك» يدل على أنّها كانت تسمّى بذلك الاسم حتّى الدور الإسلامي ولا يوجد أي دليل أو سبب لزوال اسم «كه ره ك» في الدور الإسلامي أيضاً، إلاّ أنّه من الغريب أنّ «ياقوت» قد أورد في معجمه في القرن السابع الهجري الاسم الذي أطلقه الإغريقيون عليها بأكثر من ألف وخمسمائة سنة قبل أيامه وهو «كرخيني» المعرب لـ «كركيني».
والآن نأتي إلى البحث عن اشتقاق اسم «كركوك»:
إنّ الباحثين عن موقع «كرخيني» في ضوء تعريف «ياقوت»، والذين يتحررون عن تسمية قديمة لهذه المدينة تعود إلى ما قبل ظهور اسمها الحالي الذي جاء لأوّل مرّة في تاريخ عهد «تيمور» بشكل «كركوك» لـ«شرف الدين علي يزدي» في سياق بحثه عن حوادث سنة (806-1403)، لا يفوتهم فهم الصلة الأصلية بين اسم «كرخيني» الذي ورد في «ياقوت» وبين اسم (كركوك).
وجدير بالذكر أنّ أوّل من أعلن التقارب بين هذين الاسمين كان «هوفمان» كما هو مذكور في مادة «كركوك» في دائرة المعارف الإسلامية، ولكنه لم يذكر كيفية اشتقاق الاسمين من بعضهما.
وإنّي وإن لم أجد لـ «هوفمان» ذكراً لكيفية اشتقاق أحد الأسمين من الآخر، إلاّ أنّي وجدت محاولة بهذا الخصوص لأوّل مرّة من الدكتور مصطفى جواد، نشرها في مجلة «أهل النفط» العدد 40 في تشرين الثاني سنة 1954، إذ قال الدكتور مصطفى جواد:
«أمّا بكركوك، فالظاهر أنّها انتقلت من صورة «كرخيني» إلى «كركي» ثمّ صغرت على الطريقة الفارسية فأصبحت «كريك» وانتقلت الـ «كركوك». هكذا بيَّن الدكتور الاشتقاق بصورة عابرة.
وإليكم كيفية اشتقاق اسم «كركوك» كما أراها:
اسم «كركوك» مشتق من اسم «كه ر» (القلعة) بإضافة اللاحقة (uk) إليها بصورة مضاعفة، وأمّا اللاحقة هذه فإنّها من أصل اللاحقة (ka) الهندية – الإيرانية القديمة (ما قبل 1500 ق.م.) المعروفة، استعملت في السنسكريتية والآفيستية والفارسية القديمة بأشكال (ika, aka ka) الأسماء والصفات، أو لتصغير معنى الأسماء والصفات([9]).
سبق أن قلنا إنّ لفظ «كركوك» مشتق من لفظ «كه ر» بإضافة اللاحقة الهندية – الإيرانية إليه بصورة مضاعفة وأوضحنا الاشتقاق الأوّل الذي كان في شكل «كه ره ك» وأمّا الاشتقاق الآخر الذي حدث بعد مرور الزمن بإضافة اللاحقة (uk) المذكورة التي يستعملها الأكراد للتصغير والتحبب والدلال، إلى اللفظ المشتق الأوّل «كه ره ك» فاستقر اسم «كركوك» بشكله الحالي على هذا الأساس.
إن إضافة اللاحقة بصورة مضاعفة إلى الألفاظ لم يكن محصوراً أو مقصوراً على اسم كركوك فحسب وإنّما نراها في اشتقاقات أسماء أخرى كما في اشتقاق «داقوق».
يلوح لي أنّ اسم كركوك التصغيري المضاعف قد شاع بزمن أقدم بكثير من الزمن الذي شاع فيه هذا الاسم وهو زمن السلطان أحمد الجلائري ـ قره يوسف القره اقويونلو، ويجوز أنّه كان شائعاً على لسان أهل تلك المنطقة قبل الإسلام. على أنّ كركوك في بداية العهد الإسلامي الأوّل كانت قرية متواضعة ليست لها أهمية تاريخية تذكر كما كانت المدن الخطيرة في ربوع هاتيك المنطقة. كـ «شهر زور» من جهة ومحور ـ داقوق – أربيل من جهة أخرى.
توفيق وهبي
كركوك
-2-
إنّ كركوك مدينة عريقة موغلة في القدم، يعود تاريخها إلى العصور الغابرة، وتشهد قلعتها المنتصبة على الجانب الشرقي من نهر «خاصة» داخل المدينة على ذلك، وتعتبر كركوك من المدن التاريخية المهمة التي أنشئت خلال فترة ازدهار حضارة وادي الرافدين، وتشير الدلائل التاريخية بأنّ الكوتيين – على الأرجح – هم الذين وضعوا اللبنات الأولى لبناء هذه المدينة، حيث أثبتت الحفريات الأريكولوجية بأنّه كانت هناك مدينة تعرف بـ آربخا أو أرنجا أو آرفا. ولهذا عمدت بلدية كركوك إلى إطلاق هذا الاسم التاريخي «آرفا» على الحي الجديد الذي أنشئ لعمال وموظفي شركة نفط العراق بالقرب منها وتداولت إلى عرفة الحالية، بينما كان البابليون يطلقون عليها اسم «آميخة» أي «عرفة».
وهي أقدم ذكراً في المسمارية من مدينة أربيل، وأقدم ما لدينا من المعلومات الخاصة بكركوك، هو ما جاء في التقويم الجغرافي المشهور، عن ممتلكات «سرجون» «سركون» الأكدي (2530-2473ق.م. تقريباً) ففي التقويم المذكور نجد اسم بلاد «أربخ» بين أسماء أخرى كـ «الآشورية، اللولوبي، الكوتيوم، والأكد… إلخ» وقد شخصت «أربخ» بمدينة كركوك.
وجاءت التسمية نفسها «أرابخا» لمدينة كركوك في كتاب «فاتحة انتشار المسيحية في إمبراطورية الإيرانيين (ميسوبروتاميا وإيران) 100-537»([10]).
وجاء في «العراق قديماً وحديثاً» للسيّد عبد الرزاق الحسني، أنّ «سردنابال» ملك الآشوريين هو الذي أنشأ هذه المدينة مستنداً إلى بعض المصادر السريانية. في حين يذهب الدكتور شاكر خصباك في كتابه «الكورد والمسألة الكوردية»([11]) إلى أنّ الكوتيين هم الذين شيّدوا هذه المدينة، وجاء أيضاً في كتاب «لمحات تاريخية» لليلى نامق جاف أنّ الكوتيين عاشوا في هذه المدينة واتخذوا من مدينة «أرابخا» مركزاً لهم([12]).
ويؤكد الدكتور شاكر خصباك مرّة أخرى في كتابه «العراق الشمالي»: «واعترف السومريون وكذلك الأكديون من بعدهم بمملكة الكوتيين التي كانت عاصمتها أرابخا، والتي ربما كانت تقع قرب مدينة كركوك الحالية».
ومن خلال تتبعنا لمنشأ وتطور هذه المدينة «أربخا» نصل إلى تأييد القول الذي يؤيد تشييدها من قبل الكوتيين. حيث سجل «تكلت – نزت» الأول، الملك الآشوري (1255-1218ق.م.) أنّه فتح بلاد «أربخ»، وكان أوّل ملك آشوري استولى عليها، ثمّ وقعت بعد ذلك بيد الملك العيلامي «شهلك – انششنك» (1165-1151ق.م.)([13]). أي بعد نشوء مدينة أربخ بحوالي عشرة قرون لهذا يستبعد إنشاؤها من قبل الآشوريين.
أمّا الأستاذ كريم زه ند فإنّه يرى أنّه في حدود القرن السادس قبل الميلاد أطلق على المدينة اسم كركوك من قبل الأهالي وهذه الكلمة كانت متداولة أيام السومريين، وهي في الأصل متكونة من «كار» بمعنى العمل و«كوك» أي الشديد والمنتظم أو العظيم([14]). والكلمتان كورديتان، ومتداولتان إلى يومنا هذا([15]). لكن الأستاذ توفيق وهبي يرى بأنّ اسم كركوك الحالي مشتق من «كرك – القلعة».
قلعة كركوك
يذكر التاريخ بأنّ كركوك كانت جزءاً من الإمبراطورية الميدية بعد تحالفهم مع الباليين الجدد، والذي نتجت عنه سقوط الإمبراطورية الآشورية وتدمير عاصمتها نينوى، حيث أطلق الميديون اسم «كي ه رك» على المدينة. وكان الساسانيون يطلقون عليها «كه رمه كان» أي البلاد الحارة([16]).
وفي المصادر السريانية كانت كركوك تسمّى بـ «بيث كرماي» ولما استطاع السلوقيون (نسبة إلى أحد قواد الإسكندر» من بسط سيطرتهم على أجزاء من بلاد الرافدين، عرفت كركوك بعد ذلك بـ «مدينة سلوقس» وهناك من يقول بـ «قلعة سلوقس»، وكذلك وردت التسمية في كتاب الدكتور نوري الطالباني (Garhha De Beth Selook).
أمّا الأثريان العراقيان باقر طه وفؤاد سفر (ويعاضدهما الدكتور جمال رشيد). فيرون: بأنّ اسم كركوك له صلة بكلمة «كركر»، وهذه الكلمة كوردية، مأخوذة من طقطقة النار والنور المنبعثة منها، لكن «بابا گرگر» الاسم الحالي الذي يطلق على حقل النفط القريب من المدينة هي كلمة كوردية أيضاً ومعناها «الأب النوراني». وأصله كما ذهب إليه المحامي عباس العزاوي لشيخ مشهور من شيوخ بكتاشية كركوك اسمه «بابا گرگر»([17]).
التكتيك الطالبانية في كركوك
وقال بعضهم بأنّ النار الأزلية التي لا تزال نيرانها ملتهبة حتّى اليوم، قد انبعثت في عهد «نبوخذ نصر » في حدود 550 قبل الميلاد.
ويذكر ياقوت الحموي كركوك باسم «كرخيني»: بكسر الخاء المعجمة ثمّ ياء ساكنة، ونون، وياء ممالة: هي قلعة في وطاء من الأرض حسنة حصينة بين داقوقاء وإربل رأيتها، وهي على تل عال ولها ربض صغير([18]).
لم ألحظ ما يؤيد الرأي القائل بأنّ الاسم الحالي للمدينة أطلق في زمن تيمورلنك. فمهما تكن الاجتهادات حول أصل تسمية كركوك، وقدم المدينة فلا شك في أنّ إنشاءها يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد([19]). عرف من خلال الرقم المكتشف في قرية «تركلان» التي تبعد عن كركوك بحوالي 12كم بأنّ كركوك كانت جزءاً من بلاد الكاشيين (عند بعض المؤرخين أنّهم أجداد الكورد الحاليين) الذين استولوا على بابل في حدود 1600 قبل الميلاد([20]).
وخلاصة القول يذكر الباحث جرجيس: بأنّ كركوك اسم تاريخي لا غبار عليه، وللإقليم كله اسمه التاريخي الذي عرفه المؤرخون العرب والمسلمون وهو «باجرمي» أو «كرميك»([21]).
تختلف كركوك عن باقي المحافظات في العراق بكونها مدينة غنية بآبارها النفطية، وبالتنوع السكاني الذي تتميز به المدينة، وما رافقها من أحداث دموية بحق أبنائها الأصليين من الكورد ومن ثم التركمان، وبالمسيحيين أيضاً من السكان القدماء في المدينة، وما المذابح التي أوقعها بهم تيمورلنك إلاّ شاهد على ذلك، والتواجد المسيحي في المدينة هو أقدم بكثير من التواجد العربي والتركماني فيها.
«وقد بقيت كركوك خلال سبعة قرون مركزاً هاماً للنساطرة المسيحيين، وما زالت كركوك كرسياً لرئيس أساقفة كلداني (وريث الكرسي النسطوري) وقد ظلت المدينة تفتخر بأقدم كنيسة في العالم، بنيت في النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي وكانت تعرف بـ «بيعة الشهداء» تخليداً لذكرى شهداء اضطهاد الملك الساساني يزدكرد الثاني (438-457). وكان الأتراك العثمانيون في 1918م قد اختزنوا فيها عتادهم وذخيرتهم، فعمدوا إلى نسفها قبيل انسحابهم من المدينة عند اقتراب القوات البريطانية وكان تدميراً كاملاً»([22]).
ويذكر الدكتور شاكر خصباك بصدد تواجد المسيحيين في مدينة كركوك في العصر الراهن: «أمّا المجموعة السريانية فتتمثل في محافظة كركوك بنسبة ضئيلة تتركز في مدينة كركوك، وهي تتألف من الكلدان والآشوريين، ويوجد بالإضافة إليها عدد من الأرمن. ومن المعلوم أنّ عدداً كبيراً منهم يعمل في شركة نفط العراق التي تمّ توطينهم فيها في أعقاب الحرب الكبرى الأولى»([23]). مرّت كركوك بعدّة مراحل خطيرة وبارزة في تاريخها المعاصر أي منذ بداية الربع الأوّل من القرن العشرين إلى يومنا هذا. فقد أعلنت كركوك عصيانها وبقيت خارج الدولة العراقية لمدة خمس سنين أي منذ عام 1918م ولم يرتفع العلم العراقي على بناياتها طوال تلك المدة.
ومن الحوادث المؤسفة التي مرّت بها المدينة، حادثة الصدام بين الجيش الليفي (الآثوري)([24]) مع السكان المحليين في وسط المدينة في 4 أيار سنة 1924 وهي من المراحل التي تستحق وقفة تأمل لاستخلاص الدروس والعبر منها، وتلقي الضوء في نفس الوقت على الحالة السائدة في كركوك آنذاك.
لذا أرى أنّه من المفيد بسط وجهات النظر المختلفة حول هذه الحادثة. لقد بدأت المشكلة في السوق بين الباعة الترك المحليين والجنود الآشوريين ثمّ امتدت إلى شوارع المدينة ممّا اضطر القيادة الآشورية إلى إرسال الوحدات المصفحة وقوات الإنزال إلى المدينة، وعندئذ فقط توقف القتال. إلاّ أنّه في اليوم التالي هجم المسلمون المحليون على الدور الآشورية، عندها لجأت السلطات الإنكليزية إلى اعتقال بعض المسببين في الصدام ومحاكمتهم»([25]).
لكن المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني يرى الحادثة من وجهة نظر مختلفة: «بينما كانت ثلة من الجيش الليفي من التياريين، تبتاع حاجة لها من أسواق كركوك، في اليوم الرابع من شهر أيار سنة 1924م، اختصم أفرادها مع أحد الأهلين في السوق، فأدّى الخصام إلى جرح أحد أفرادها، وهرب الباقون إلى ثكناتهم حيث استنجدوا برفاقهم، وخرجوا من الثكنة يحملون أدوات القتل والدمار، وصاروا يطلقون النار على كل من صادفهم في الطريق، فتصدّى شرطيان لمنع النار فقتلوهما، فعمد مدير الشرطة، مراد رحمة الله ابن مبارك، إلى منع قوات الشرطة من الخروج من ثكناتهم، وفاقاً لطلب ضابط الشرطة البريطاني، فاضطر الأهلون إلى الدفاع عن أنفسهم، فالتجأ المعتدون إلى دور المسيحيين في المدينة، وصاروا يقاتلون الأهلين المدافعين من البيوت فقتل مَن قتل، وجرح مَن جرح، قارب عدد الإصابات المئتين»([26]).
وفي 5 أيار عام 1924م أصدر المندوب السامي هـ دوبس بلاغاً جاء فيه: «تأثرت كثيراً لتلك الفواجع التي وقعت نهار أمس، لقد شرع منذ اليوم الأوّل في ترحيل الجنود الآثوريين من كركوك إلى محل بعيد، كما سيجري التحقيق فوراً من قبل الضباط البريطانيين المنتخبين بصورة خاصة. وأعدكم (أي أهالي كركوك) أنّه إذا ثبت إدانة أحد منهم، فلن نقصر في فرض العقاب الصارم كما سيجري تعويض الذين تضرروا»([27]).
لكن الكثيرين رأوا بعد ذلك بأنّ المحاكمة التي وعد بها المندوب السامي كانت صورية، حيث عهد بها إلى محكمة خاصة تتألف من رئيس محكمة بداية كركوك المستر بريجارد رئيساً، وعضوية كل من حاكم كركوك السيّد عامر نظمي، وحاكم الصلح عبد الكريم كركوكلي، وضابط بريطاني من قيادة الطيران، والمار شمعون بطريرك الآثوريين، وقد استنكر الرأي العام وجود البطريرك في هذه المحكمة.
أمّا التقرير البريطاني الخاص عن إدارة العراق فيقول: «وقتل في حادثة كركوك عدد من المسلمين على يد حضيرتين من التياريين الذين ساروا في المدينة، وكانوا يطلقون النار على كل من يرونه منهم»([28]) اهـ.
«وقد تولى فوج المشاة البريطاني الذي بعث به المندوب السامي إلى كركوك حماية أرواح المسيحيين فيها من ثأر المسلمين الذين رأوا بأم عيونهم كيف فتح المسيحيون دورهم ومكنوا التياريين من الدخول فيها ومقاتلة الأهلين»([29]).
وترد تفاصيل أخرى دقيقة لبدء المشاجرة عند الباحث العراقي جرجيس فتح الله المحامي التي لم نلاحظها في المصادر الأخرى، فإنّه يصور لنا الحادثة على الشكل التالي:
«نزل اثنان من جنود الليفي إلى السوق لشراء حاجة فحصل جدال بينهما وبين البائع التركماني انقلب إلى عراك بالأيدي شارك فيه عدد من المستطرقين وأصحاب الدكاكين وقيل أيضاً إنّ الاستفزاز جاء من استخدام عبارات منتقاة من تلك التي تشعل النار في دماء الشرقي حين تقذف إلى وجهه فلا يستطيع السكوت عنها ولا يقوى على ضبط مشاعره. فقد جاء من الشهادات المستمعة أمام المجلس العسكري الذي حاكم المتهمين من الجنود فيما بعد أنّ التركمان أسمعوهم عبارات مقذعة تتناول الأعراض.
لم يكن هذا في الواقع مقدمة بل حصيلة حقد تنامى منذ وطئت أقدام هؤلاء «الدخلا» كركوك ومشوا في شوارعها وأزقتها مختالين متبخترين يمثلون القوة الإجرائية لسلطة المحتل البغيض»([30]).
وبعد حوالى سنتين من تاريخ الحادثة، في 29 حزيران 1926م وتحت ضغط الإنكليز أصدرت الحكومة العراقية قراراً بالعفو عن المحكومين في تلك الحادثة، حيث كانت المحكمة الخاصة قد أصدرت حكمها على ثمانية منهم بالسجن المؤبد وعلى شخص آخر بالسجن لمدة خمس سنوات، لجملة أسباب وهي:
أ – إنّ الجرائم التي ارتكبوها كانت وليدة تهيج وقتي ساقهم رأساً على تلك الجرائم.
ب – كونهم غرباء في هذا القطر الذي هاجروا إليه تخلصاً من المصائب التي انتابتهم ليعيشوا تحت حماية الحكومة العراقية، اعتماداً على حسن معاملاتها ومساعداتها لمن كان مثلهم، وقد تنقلوا من بلاد شتى، وقاسوا الأمرين، فهم مستحقون للعطف الملكي وعفوه.
جـ – مرور هذه المدة غير اليسيرة على وقوع الحادثة، وزوال نتائجها وتأثيراتها من الأذهان بصورة لا يصح معها بقاء هؤلاء المسجونين في السجن، حتّى تنقضي الأحكام الصادرة عليهم لمدّة طويلة.
د – بقاء عائلاتهم في حالة يرثى لها، واحتياجها في أمر المعيشة.
هـ – لما كان العفو المطلوب مقيداً بشروط مهمة، فإنّهم سوف لا يتمتعون بالحرية بمعنى الكلمة، وإنّما سيكونون بمثابة المحجوز عليهم في محل معين، وهذا ممّا يسهل العفو عنهم([31]).
فقرر مجلس الوزراء الموافقة على ذلك بأن يرسلوا جميعاً إلى قرية «ماي» في شمال غرب العمادية. فمهما تكن الأسباب الكامنة وراء الحادثة، لا يمكن للباحث أن يحكم عليها بمعزل عن الظروف التي كانت سائدة آنذاك والانعكاسات النفسية لنتائج الحرب العالمية الأولى، ودور الإعلام والدعاية للأطراف المتنازعة أبان الحرب في نفوس السكان من الأقوام والديانات المختلفة فكان العثمانيون يفضلون العنصر التركماني في حكم المدينة على الكورد بحكم اللغة المشتركة، فلهذا اعتبر التركمان أنفسهم حكاماً للمدينة لا ينازعهم أحد عليها، وبهزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى اختل هذا التوازن لغير صالح التركمان، وبما أنّ الجيش الليفي الآشوري لعب دوراً ليس بالقليل لصالح القوى المتنازعة ضد العثمانيين في تلك الحرب، فقد كانوا مكروهين من قبل التركمان وحتى بالنسبة للكثير من الكورد، حيث حارب الجيش الليفي لصالح الإنكليز بشراسة تطلعات الشيخ محمود الحفيد لبناء كيان كوردي. كما لعبوا ايضاً دوراً بارزاً في قمع ثورة العشرين لصالح الإنكليز، فأدّت هذه العوامل إلى كراهية المسلمين للذين عاشوا لعدة قرون في ظل راية الإسلام التي كان يمثلها الباب العالي في الأستانة، فوجود هؤلاء المسيحيين المسلحين في مدينة كانت تعتبر حتّى الأمس القريب من ضمن دائرة الحكم الإسلامي، يُعد تحدياً لمشاعرهم وسلطانهم في آن واحد، والحالة نفسها تنطبق على الآشوريين الذين ذاقوا الويل على يد العثمانيين أثناء الحرب، فروح الحقد والكراهية لدى الجانبين ضد بعضهما البعض هي التي كانت المحرك الأساسي لتلك الحادثة المؤسفة.
شهر تموز في العراق
«تموز إله الخصب لدى سكان بلاد ما بين النهرين» هذا الشهر بالذات يعني الكثير بالنسبة للعراقيين عن باقي أشهر السنة، ففي هذا الشهر جاءت ثورة الرابع عشر من عام 1958م لتغير وجه العراق وتسلك به إلى اتجاه آخر. وفي السابع عشر من الشهر ذاته عام 1968م اغتصب البعثيون وبغفلة من الجميع السلطة إلى يومنا هذا وجروا البلاد إلى كل المآسي التي يعاني منها العراقيون قاطبة، وخاصة كركوك «سيأتي الحديث عنها لاحقاً»، وسنعاني منها لعقود أخرى بسبب التركة الثقيلة التي طمسوا العراق بها، وكركوك أيضاً لها ذكرياتها المريرة في شهر تموز، ففي الثاني عشر من تموز عام 1946م سقط ما لا يقل عن عشرة قتلى بالإضافة إلى سبعة وعشرين جريحاً في إضراب «كاور باغي».
كان العقل المخطط لهذا الإضراب هو الحزب الشيوعي العراقي، حيث أعطى الإشارة إلى بدء الإضراب في يوم 3 تموز 1946م واستجاب للدعوة ما يقارب خمسة آلاف عامل، وكانت المطالبة الأساسية للمضربين هي زيادة الأساس الأدنى للأجر اليومي من 80 إلى 250 فلساً، والاعتراف بحقهم في تشكيل نقابة، وإدخال نظام التأمين ضد المرض والإعاقة والشيخوخة، وللحد من الطرد التعسفي بحقهم، وكان غالبية العمال من شركة نفط العراق، وبعد عدة جلسات لم يتوصل الطرفان الى حل يرضي الطرفين، وكان من عادة العمال أن يتوجهوا يومياً إلى حدائق كاور باغي لقضاء ساعات، وفي 12 تموز وجد العمال أنفسهم محاطبن بقوات الشرطة من ثلاثة جوانب لينهالوا عليهم بالهراوات بداية، وبعد تفرق شمل المضربين أطلقت الشرطة عليهم الرصاص، وحصل ما حصل، وبعد إجراء التحقيق كان كل القتلى مصابين في الظهر.
بعد ثلاثة عشر عاماً من إضراب (كاور باغي)، وفي نفس الشهر في الرابع والخامس عشر من تموز عام 1959م([32]) عاشت مدينة كركوك أحداثاً دموية راح ضحيتها 31 مواطناً من أهالي كركوك وما يقارب 30 جريحاً (هذه الأرقام وردت في كتاب العراق، حنا بطاطو) أمّا عند جرجيس فتح الله المحامي (32 من الضحايا و130 جريحاً) غالبتيهم من التركمان، نتيجة التعصب القومي، وصراع الإرادات. وفي الثاني والعشرين من شهر حزيران عام 1963م أضيف إلى عدد الضحايا، ثمانية وعشرون شخصاً آخر علقوا على أعواد المشانق معظمهم لم تتلطخ أيديهم بدم ضحايا مسيرة 14 تموز 1959م، فما عدا أربعة أشخاص من التركمان كان البقية من الكورد. وبالرغم من مرور 43 عاماً على تلك الأحداث الدموية، ومهما تكن الاجتهادات من جانب أي من الأطراف المتصارعة آنذاك، لم يكشف النقاب بعد عن المسببين الحقيقيين لتلك الأحداث، ولا عن العقول المدبرة التي كان تقف وراءها من خلف الستار. فكما هو معروف أنّ أبطال هذه المسرحية الدامية هم من الكورد والتركمان والشيوعيين «فالأستاذ حنا بطاطو» يبرئ قيادة الحزب الشيوعي العراقي من تدبير الحادثة حيث يذكر: «فقد أصبح مؤكداً الآن أنّ هذه الحادثة لم تكن مدبرة من قبل زعمائهم – يقصد الشيوعيين – ولا هم سمحوا بها»([33]). ويرمي باللوم على عاتق الكورد المتزمتين، بينما يرى «الرفيق أبو سرود، كما يذكره جرجيس فتح الله المحامي بهذا الاسم»([34])، بأنّ المسببين للحادث هم عملاء شركة نفط العراق. بينما يصر التركمان بأنّ ما حدث في تلك المسيرة عمل مدبر، كان وراءه الشيوعيون والكورد، ويرى الكورد بأنّ الاستفزازات بدأت من جانب التركمان من خلال رفعهم لشعارات استفزازية قبيل المسيرة بأيام، وإصرارهم على الاحتفال الأوّل للثورة في مسيرة لوحدهم. فمهما تكن الأسباب ومَن البادئ بالشغب الذي نتجت عنه تلك الأحداث المؤلمة «ستبقى تقول كركوك نتيجة شرارة آنية قدحت عبوة من الديناميت، ومن العبث إخراجها بمثابة عمل مدبر سبق الإعداد له»([35]).
أمّا ما يراه الدكتور نوري طالباني فهو أنّه: «من الصعب تحديد دور العامل الأساسي فيها، لأنّها كانت عوامل متلازمة ومكملة أحدها للآخر، من تطرف الجانبين إلى دور التحريض من جانب السلطة المركزية، والفئات القومية والبعثية، ودور العامل الخارجي»([36]).
وما يؤيد ما ذهب إليه «نوري طالباني» إلى دور التحريض من جانب السلطة، هو ما توصل إليه «جرجيس فتح الله»: «هناك حلقة مفقودة قد تعين على إيضاح حقائق حول هذه النقطة. فبعد حوادث القتل والسحل أرسل الحاكم العسكري العامل بأمر من «قاسم» لجنة تحقيق، برئاسة العميد الركن عبد الرحمن عبد الستار وعضوية كل من قاضي محكمة التمييز وديع جرجي، والقاضي حافظ خالد والعقيد الركن صبح رؤوف والمقدم شكيب المدلل، وقد علمتُ أنّ تقريراً مسهباً تّم إعداده، وأنّ السيد وديع جرجي قام بمعظم صياغته. الغرض الذي توخته الهيئة القيام بالتحقيق في القتول وتوقيف المتهمين والقيام بالإجراءات لتعيين الفاعلين والأسباب، لم يتطرق أحد ممّن كتبوا عن المأساة إلى هذا التقرير. وبقي محفوظاً في أرشيفات وزارة الدفاع ينتظر السماح للباحثين بالإفادة منه، لماذا لم يحاول الكتّاب حول هذه المأساة الحصول عليه من مظانه؟ وكثير منهم كان يملك المقدرة على ذلك»([37]).
وحتّى تقارير الجهات الرسمية لم تجزم بمن كان البادئ بالاستفزازات في تلك الأحداث، فالتقرير الموجه من مدير الشرطة إلى متصرف اللواء، يرى أنّها صدرت من التركمان، ومدير الأمن يعزوها إلى ضباط الصف والجنود من سرية الانضباط العسكري وسرية الشغل التابعة للفرقة الثانية وغالبيتهم من الكورد([38]).
يرجع الأستاذ حنا بطاطو في مكان آخر من موضوعه حول تلك الأحداث ليؤكد مرة أخرى: «وما زال غير مؤكد ما إذا كان الانفجار أمراً مدبراً أم أنّه – ببساطة – تنوعاً متطرفاً من الجيشانات – شبه الغريزية – المتكررة الحدوث للحقد العرقي، أم أنّه نتيجة للأمرين معاً»([39]).
وفي رسالة غير مؤرخة وجّهها الزعيمان التركمانيان تحسين رأفت والمقدم المتقاعد شاكر صابر يدعيان بأنّه تمّ جلب الرجال من العشائر الكوردية من الريف المجاور للمدينة قبل الأحداث ببضعة أيام. ذلك للتأكيد على أنّ الحادثة مدبرة، بينما الوقائع تثبت عكس ذلك. والكلام للدكتور نوري طالباني: «لعب الضباط الكورد دوراً متميزاً في السيطرة على الأوضاع الأمنية المتردية في المدينة وفي منع التجاوزات والتعديات على أرواح الناس وممتلكاتهم، كما منعوا أيضاً الفلاحين الكورد في القرى القريبة من كركوك من دخول المدينة في صبيحة 15 تموز 1959م وما كان يترتب على ذلك من آثار سيئة للغاية»([40]).
ولا تزال ذكريات تلك الحادثة المؤلمة تدق في عقول المتزمتين من كل الأطراف بدون استثناء لإذكاء نار الحقد، ويحاول كلّ طرف من الأطراف التي ذكرتها أن يرمي اللوم والتهمة على الطرف الآخر، ولا شك بأنّ المستفيدين الوحيدين من جراء تلك الحوادث لم يكن قطعاً أي من الأطراف أعلاه. حيث يذكر بطاطو «لا شيء آذى الشيوعيين بقدر ما فعلت أحداث كركوك الدموية في 14-16 تموز»([41])
ويتفق جرجيس مع بطاطو في ذلك: «لم يلحق الحزب الشيوعي العراقي والشيوعيين العراقيين من أذى وتدهور في السمعة قدر ما ألحقتهما بهم وقائع الرابع عشر والخامس عشر من شهر تموز 1959م»([42]). هذا بالنسبة للشيوعيين.
أمّا بالنسبة للكورد والتركمان فلا تزال تلك الأحداث المؤلمة تخيم كالغيمة السوداء على علاقتهم تجاه بعضهم البعض، مما سهل كثيراً للبعثيين قطع أشواط كبيرة جداً في سياستهم المبرمجة لتعريب مدينة كركوك، حيث شملت محرقة البعث التركمان أيضاً ولم تقتصر على الكورد وحدهم. ومن خلال استقرائنا لتلك الحقبة من تاريخ العراق، فإنّ المنطلق في تحليل الأحداث يدفعنا إلى أن نسلم بأنّه كانت هناك أطراف مستفيدة ممّا جرى في تلك الأيام المشؤومة، فليس الشيوعيون وحدهم الذين تدهورت سمعتهم من جراء ما حدث، بل ثورة 14 تموز نفسها.
جماعة كركوك
إذا استثنينا الويلات والمآسي التي مرّت على المدينة، فكركوك لها أن تفخر بأبنائها الذين رفعوا اسمها عالياً في سماء الأدب من خلال «مجموعة كركوك» أو «جماعة كركوك» المتميزة التي لعبت دوراً أساسياً في تطور الشعر العراقي، وكان نتاجهم بمثابة الأوكسجين الذي تنفسته الشعرية العراقية حسب تعبير الشاعر «عبد القادر الجنابي»([43]).
ويشير أيضاً الشاعر والروائي المبدع فاضل العزاوي الذي هو قلب الجماعة إلى «الروح الجديدة التي حملتها جماعة كركوك إلى بغداد وتركت تأثيرها على الأدب العراقي»([44]).
جسدت جماعة كركوك معنى التآخي القومي في مدينة سمتها البارزة بعد النفط، تنوعها القومي الذي جرّ المدينة إلى حوادث دموية يصعب تبريرها. وبالرغم من خصوصية المدينة وتكتلاتها القومية اجتمعت هذه الفرقة من أبناء كركوك تجمعهم جمالية اللغة التي كتبوا بها وهاجس الشعر والأدب الذي حاولوا من خلاله تغيير السائد من الأفكار البالية على اختلاف قومياتهم ودياناتهم. همّها الإبداع، والتمرد على كلّ ما هو تقليدي. يصف هذا اللقاء أحد المحركين الأساسيين في هذه الجماعة وهو سركون بولص بقوله: «وإن التقاء هذه المجموعة الدينامية في مدينة مثل كركوك في تلك الفترة بالذات ليس أقل من معجزة صغيرة»([45]). وجماعة كركوك هم فاضل العزاوي، سركون بولص، يوسف الحيدري، أنور الغساني، مؤيد الراوي، محيي الدين زه نكنة، صلاح فايق، جليل القيسي، جان دمو، والأب يوسف سعيد. ولكل واحد من هؤلاء بصماته الواضحة والمتميزة في جيل الستينات العراقي سواء في الشعر أو القصة أو المسرحية.
وعلى الرغم من حياة المنافي التي أبعدت الجماعة عن بعضها البعض في دول العالم، لم تنقطع الاتصالات ولا الزيارات القصيرة ليعيدوا تلك الأيام التي يحنون إليها بشكل يدعو للدهشة والإعجاب، وأكثرهم الأب يوسف سعيد، الذي جعل من الكنيسة مكاناً للاجتماع، واللقاء، والنقاش حول القصيدة والجديد في الأدب العالمي. وتحتل كركوك مكاناً خاصاً في ذكرياته: «كان شارعان يمتدان في تلك المدينة الباهرة، في أحدهما، وفي أمسية ما، التقيت بشاعر بسيط جداً، دلني إلى بقية الشعراء والكتاب، فارق العمر والعمل اليومي، كانا يفصلاننا، بالأحرى يفصلانني عنهم، إذ كنتُ مسؤولاً، أعيش في شارع اسمه شارع المحطة، حين التقيتهم كانوا شباباً مراهقين، بدل أن يقرؤوا كتب الغزل وجدتهم يلاحقون أفضل ما في الأدب العالمي من رواية وشعر». وفي مكان آخر «وأغرب ظاهرة في هؤلاء أنّهم كرّسوا حياتهم تماماً للثقافة والشعر، يعيشون بزهد، بلا طموحات مادية أو وظيفية، وبقوا هكذا حتّى الآن. ما يدهش إلى اليوم، هو أنّ هؤلاء جميعاً، حين التقيتُ بهم، كانوا في قلب الثقافة العالمية، يبحثون عن الجديد، وأحدهم يحمل اكتشافه إلى الآخرين دون أن يفصلهم أي انتماء ديني أو قومي أو سياسي. وينتهي «أبونا» إلى القول: ليتنا، وأقصد كلّ المجموعة، نلتقي ونحج كلّ عام، تلك المدينة الجميلة ونعقد جلساتنا في باحة تلك الكنيسة أو في بيت أحدنا»([46]).
إذن هذه هي معجزة الثقافة التي لم يفهمها السياسي. قبل أكثر من ثلاثمائة عام صرخ الشاعر الكوردي أحمد خاني صاحب ملحمة «مم وزين»: «ليس الشاعر مسؤولاً عن الظلم الذي يحصل، بل الحكام والملوك».
بالإضافة إلى جهد هذه المجموعة المتميزة، للارتقاء بالشعر والأدب بصورة عامة، فإن ما ميّزهم عن باقي جيل الستينات، هو التنوع القومي والديني لهذه المجموعة التي حمل الواحد منهم إرثه التاريخي واللغوي وثقافته المتميزة عن الآخر، ليضيفها إلى اللغة التي كتبوا بها «العربية» لينتج بالتالي أدب إنساني لا تشوبه النعرات الطائفية والقومية والدينية. فالتنوع جاء هنا ليضيف ويغني على العكس من السياسي الذي يوظف تلك «الاختلافات» العرقية ليضرب أحدهم بالآخر ليكون بالنتيجة هو المستفيد من تلك التناحرات، وهذا ما حصل بالضبط في أحداث كركوك الدموية.
وعن جماعة كركوك يقول الشاعر العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي: «كانت مدن العراق الأخرى تضم مجموعات من الأدباء الذين يبعثون بنتاجهم لصحف بغداد أو المجلات العربية وكان من أكبر هذه المجموعات وأكثرها لفتاً للنظر مجموعة كركوك التي تضم عرباً وأكراداً وآثوريين وكانوا يكتبون بالعربية»([47]).
أما أنور الغساني الذي هو أحد أعضاء المجموعة فيطلعنا على الوجه الآخر الجميل والمشرق لهذه المدينة التي حُجبت عن الأنظار، وكأن لا شيء في المدينة غير النفط، بفضل السياسات الحمقاء للأنظمة المتعاقبة، وقصر نظر وجهاء المدينة الذين انساقوا وراء الشعارات والعواطف المجنونة. «هذه العصبة جاءت من كركوك، انسلخت عن تاريخ طويل للتطور الفني والفكري لتلك المدينة التي يبدو أنّها كانت على الدوام مدينة لأناس معتوهين بالفن والغناء والفكر والحب. الإطار الأوسع الذي كانت تنتمي إليه جماعة كركوك عند وصولها إلى بغداد كان يجمع شخصيات مثل سعاد الهرمزي (الكاتب والصحفي والمذيع)، عبد الصمد خانقاه (القاص المحامي)، قحطان نجاتي الهرمزي (القاص)، عصمت نجاتي الهرمزي (الممثل)، محيي الدين زه نكنة (القاص)، يوسف الحيدري (القاص)، زهدي الداودي (القاص والمؤرخ)، علي حسين السعيدي (الممثل والمخرج)، محمد أحمد رستم (القاص)، القس يوسف سعيد (الأديب)، نجيب المانع (الكاتب الناقد)، وحول هؤلاء، وفي إطار أوسع كان هناك سنان سعيد (الصحفي والرسام)، محمود العبيدي (الرسام)، العقيد صديق أحمد (الرسام)، فائق معصوم (القاص)، حسين علي الهورماني (القاص)، الشاعر الشيخ رضا الطالباني والشاعر ده ده هجري([48]).
ويستعرض أنور الغساني في مكان آخر في شهادته، السجون والتعذيب التي مرّ بها هؤلاء الأدباء: «كانت أعوام بغداد بالنسبة لجماعة كركوك زمن تثقف ومعاناة، كانوا حين وصلوا إلى بغداد قد مروا بالمعتقلات والسجون والتعذيب، وشاهدوا الموت والاغتيالات. مؤيد وأنا رأينا من باب محجر سجن كركوك ذات مساء ستة وعشرين رجلاً يدخلون إلى البناية الرئيسية للسجن ثمّ يخرجون في الليل أمواتاً بعد إعدامهم. الجثث نقلت بعدئذ، عند الفجر، بشاحنة ليجري تعليقها على أعمدة الكهرباء في الشوارع. في الصباح خرج الذين كانوا يعتبرونهم أعداء لهم بالطبول والمزامير ليحتلفوا بموتهم»([49]).
وها هو أحد أكبر رموز الجماعة فاضل العزاوي، فماذا يقول بعد خروجه من السجن؟ «كنتُ عائداً من الجحيم، أحمل في داخلي خبرة عميقة عن النار والرماد، عن الشمس المطفأة، عن كبرياء الألم، عن جنون الجلادين، الأصدقاء الذين كنت أسمع أصواتهم في الزنزانات المجاورة قبل اقتيادهم إلى الشنق ليعلقوا بعد ذلك على أعمدة الكهرباء أمام بيوتهم. كنتُ بلغت الألف من عمري وأنا في الرابعة والعشرين. ممتلئاً بالغضب على العالم كله، ومؤمناً أنّ العدالة الحقيقية هي أبعد من المبادئ والإيديولوجيات. إنّها عدالة الوقوف إلى جانب الضحية دائماً». وفي مكان آخر حين كان بينه وبين الموت دقائق، الرمي العشوائي في الشوارع من قبل الحرس القومي في عام 1963م، يقول: «ربما فكرت في ديستوفسكي، ربما لم أفكر في أي شيء، ولكني أدركت منذ تلك اللحظة أنّه ما من عار أحط من عار الجلاد، وإذا ما خيّرت بين أن أكون جلاداً أو ضحية فسوف أختار أن أكون ضحية»([50]). ولأنّهم أرادوا للشعر أن يحكم بين الناس، وأي حكم هذا الذي يشرع قانونه الشعر؟ أليست هي «اليوتوبيا» المدينة الفاضلة التي ابتغاها أفلاطون في جمهوريته؟ قاسى هؤلاء الأدباء صنوف العذاب والحرمان.
وبصدد المعاناة والجوع والحرمان الذي تعرضت لها جماعة كركوك، المعاناة التي ظلت تلاحقهم أينما حلوا، لا لشيء…! إلاّ لأنّهم وقفوا إلى جانب الضحية، يستعرض أنور الغساني في مكان آخر صورة أخرى، لشقاء الإنسان العراقي في صراعه اليومي كي يبقى محافظاً على وجوده كإنسان، وخاصة أولئك الذين اصطفوا بجانب الضحية في بلد نفطي كالعراق «إذا كنا نملك في يوم ما ثمن الشاي في البلدية فإنّ الظهر كان يأتي فلا نجد ثمن الغداء». وفي مكان آخر «كان الجوع يذهب بي إلى حانوت الحاج الذي ذكرته في قصيدة (بغداد، البديل نيسان 1990م) في شارع فرعي بين شارعي الجمهورية والرشيد خلف سينما الخيام، كان الحاج يقدم وجبات رخيصة من الخضروات المقلية والبيض فقط. كان كل زبائن الحج من الفقراء، واللحم لم يكن قط في وجبات الحاج، كنت أطلب شيئاً وآكل، ثمّ أقول للحاج: حجي باچر – أي غداً – ثمّ أمضي. الحاج لم يسألني قط من أنا، ولم يشك أبداً في أنني سأعود لأدفع له ثمن ما أكلت، ولهذا فإنّني أتساءل في القصيدة، لماذا لم يقيموا حتّى الآن تمثالاً للحاج في الباب الشرقي؟!».
هكذا بدت لنا كركوك وجماعتها من خلال شهاداتهم، ترى لو تسنى لأحدهم أن يحج إليها كما قال «أبونا»، ويرى الخراب والدمار والتغيير الديموغرافي الذي حصل لهذه المدينة من جراء سياسة التعريب المقيتة على يد نفس النظام (البعث الصدّامي) الذي شرّدهم في منافي العالم وحرمهم من تآلف الإنسان مع المكان الذي يعشق؟… ترى بماذا سينطق الشعر؟
من أبرز وأخطر المراحل التي مرّت بها كركوك، ليس في العصر الحديث والمعاصر وحسب، بل على مدى تاريخ هذه المدينة، هي سياسة التعريب. وحتّى عند اجتياح تيمورلنك لهذه المدينة لم تصل ذروة الخراب إلى ما حصل على يد الأنظمة العراقية المتعاقبة وخاصة في عهد نظام الحكم الحالي الذي لم ير في كركوك غير بحر من النفط. فهيّا معاً نتجول في شوارع وضواحي وقرى كركوك لنرى ما حصل.
حول كوردستانية كركوك،
وسياسة التعريب([51])
أود أن أنوه بداية بأنّه لا غبار على كوردستانية مدينة كركوك مطلقاً، ليس حسب الادعاءات الكوردية، بل حسب الوثائق الدولية والحقائق التاريخية والخرائط المعتمدة، ويعتبر الكورد من أقدم سكان المنطقة. «ويبدو أنّ الأصول التاريخية للشعب الكوردي تعود إلى الكوتيين، وإن كان الرأي المتداول أنّها تعود للميديين. يتفق المؤرخون على وجود شعب باسم الكوتيين كان يعيش قبل الميلاد بألفي عام في منطقة تشكل الآن إحدى مناطق الأكراد الرئيسية، وهي المنطقة المحصورة بين نهر دجلة والزاب الأسفل ونهر ديالى»([52]). ويقول الدكتور كمال فؤاد حول هذه النقطة: «بأن تاريخ نشوء القومية الكوردية، تكوّنت من امتزاج الميديين بالسكان الأصلين» الذين هم الشعب الكوتي، الذي كان البابليون يسمونهم «كاردو». ومن خلال ما تقدم يتضح لنا بأن الكورد عاشوافي هذه المنطقة منذ آلاف السنين، وإلى حد الآن لا يزالون يعيشون في نفس المنطقة. وهذا لا يعني بأنّ المدينة في الوقت الحاضر كوردية صرفة، بل تعتبر كركوك مدينة تآخ لتعايش القوميات كورداً وتركماناً وعرباً ومسيحيين بكافة طوائفهم. كانت كركوك في العهد العثماني مركز ولاية شهرزور التي كانت تضم مناطق واسعة من كوردستان، ومن ضمنها راوندوز وأربيل وكويسنجق وشقلاوة وبشدر ورانية، قبل أن تصبح أربيل محافظة بحد ذاتها، واقتطاع راوندوز وشقلاوة وكويسنجق وبشدر ورانية وضمّها إلى هذه المحافظة الجديدة. وكانت الجهات الدولية والعراقية تتعامل مع كركوك كجزء من كوردستان العراق، ممّا حدا بالملك فيصل الأول أن يستفسر من المندوب السامي عن حدود مملكته، فأرسل الأخير استفسار الملك فيصل إلى لندن، وجاء الجواب ليؤكد حقيقة كوردستانية كركوك. وكان الجواب يتعلق بكل كوردستان الجنوبية التي تبدأ حدودها الجنوبية من سلسلة جبال حمرين إلى جنوب خط بروكسل، وهي الحدود الدولية الحالية بين العراق وتركيا. وحينما سنت الحكومة العراقية في العهد الملكي قانون اللغات المحلية في العراق سنت قانوناً خاصاً لاستعمال اللغة الكوردية، وأسست مديرية معارف خاصة لإقليم كوردستان، وكان مركز هذه المديرية كركوك.
وأكدت الإحصائية التي أجراها وفد عصبة الأمم المتحدة إلى كوردستان العراق على أثر الصراع الدائر آنذاك حول ولاية الموصل بين بريطانيا والعراق من جهة وتركيا من جهة أخرى والكورد لوحدهم ضد الجبهتين، حيث كانت اللجنة تسأل الأهالي «مع أية حكومة تريدون العيش؟ التركية أم العراقية؟» وقد أجابهم متسائلاً الشخصية الكوردية «بابان زاده عزت بك» مستفسراً عن صيغة السؤال الاستفزازي: لماذا لا تسألون هل نرغب بحكومة كوردية أم لا؟
وكانت نتيجة الإحصائية في محافظة كركوك على الوجه التالي:
عدد الكورد 87500 ويساوي 63%.
عدد التركمان 26100 ويساوي 19%.
عدد العرب 25250 ويساوي 18%.
وكان الإحصاء العراقي يختلف قليلاً عن إحصائية وفد العصبة وهو على الوجه التالي:
عدد الكورد 81400 ويساوي 59%.
عدد التركمان 28741 ويساوي 21%.
عدد العرب 26654 ويساوي 19%.
كما جاء في الموسوعة العربية العالمية عن كركوك «وتعد كركوك عاصمة المجموعة الكوردية في شمال العراق»[53]). واعتبرت الموسوعة العربية الموجزة في صفحتها 449، كركوك من المدن الرئيسية في كوردستان العراق. وكذلك في الموسوعة السويدية السنوية([54]) جاءت كركوك ضمن جغرافية كوردستان ومن المدن المنتجة للنفط. هذه بعض الأمثلة البسيطة من خلال الموسوعات، وهناك العشرات من الشواهد الأخرى تؤكد على كوردستانية كركوك.
ومن الوجهة التاريخية نرى العشائر الكوردية تحيط بالمدينة من كل الجوانب، كـعشيرة الجباري، طالباني، زه نكنة، شيخ بزيني، جاف، هموند، شوان، الداووده أو الداوودي، الكاكائي، وغيرها كثيرة، ولكل هذه العشائر إمتداداتها إلى داخل المدينة. وكانت غالبية المناطق تحمل الأسماء الكوردية بما فيها الوديان والتلال وباقي معالم المدينة، وهناك أيضاً بعض العشائر التركمانية والعربية في ضواحي المدينة لكنها قليلة قياساً بالعشائر الكوردية.
ولو رجعنا إلى الوراء، أي إلى عام 1872 ـ 1873 ومن خلال المصادر التاريخية، نلاحظ بأن الكورد كانوا يشكلون النسبة المطلقة تقريباً من سكان كركوك «فقد قدر المهندس الروسي (يوسف جيرنيك) الذي زار كركوك ضمن جولته في كوردستان لدراسة إمكانيات الملاحة النهرية في حوضي دجلة والفرات وروافدهما ونشر فيما بعد عام 1879م نتائج رحلته ودراسته في المجلد الرابع من نشرة قسم القفقاس للجمعية الجغرافية الملكية الروسية، قدر عدد سكان كركوك في ذلك الوقت بـ 12 ـ 15 ألف نسمة، وأكد أنه وباستثناء 40 عائلة أرمنية فباقي السكان هم من الكورد، ويبدو بأن أفراد الحامية العسكرية العثمانية في كركوك لم يحسبوا ضمن سكان المدينة» ([55]).
كما قدر الرحالة التركي المعروف شمس الدين سامي عند زيارته لكركوك في نهايات القرن التاسع عشر، بأن ثلاثة أرباع سكان المدينة هم من الكورد والباقي من الترك والعرب([56]).
نلاحظ من خلال هذا العرض السريع والموجز جداً، بأن الكورد كانوا يشكلون على الدوام الغالبية من سكان المدينة، وسنلاحظ فيما بعد التراجع الذي حصل في عدد نفوس الكورد في المدينة من خلال سياسة التعريب التي شملت الكورد أولاً، ومن ثم التركمان. وزيادة العنصر العربي على حساب سكان كركوك سواء أكانوا من الكورد أو التركمان.
في عام 1927 حين باشرت الشركة بحفر البئر الأول في حقل باباگرگر النفطي انفجر البئر بغزارة مما أدى إلى وفاة مهندس إنكليزي وبعض العمال العراقيين بالغازات السامة المنبعثة من البئر. وكان خوف كبير على أهالي كركوك من أن يؤدي تحول الرياح إلى وصول الغازات المنبعثة من جوف البئر إلى داخل المدينة، مما أدى إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع ذلك، فأخبروا على الفور الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات المؤدية إلى مساعدة الأهالي وتوجيههم لسلك الطريق التي يجب أن يسلكونها بعكس اتجاه الريح ونقل الباقون من الأطفال والنساء والعجزة والشيوخ بسيارات وآليات الشركة إلى مكان أمين تجنباً للكارثة. وحين ذاك، وحسب الوثيقة المتعلقة بتلك الحادثة وهي باللغة الإنكليزية – والتي تشير إلى عدد نفوس كركوك في تلك السنة، لقد بلغ سكان كركوك آنذاك 35 ألف نسمة (السكان داخل المدينة فقط، وليس محافظة كركوك) ثلاثون ألفاً منهم من الكورد أما البقية والتي تبلغ خمسة آلاف من التركمان والعرب والمسيحيين واليهود([57]).
وفي أواسط الثلاثينات من القرن العشرين بادرت وزارة ياسين الهاشمي لتوطين عشيرة العبيد وجلبهم من ديالى وإسكانهم في سهل الحويجة بحجة نزاعهم مع عشيرة العزة في ديالى، ومن ثم جلب عشيرة الجبور الرحالة وتوزيع الأراضي عليهم بعد إنشاء مشروع ري الحويجة، وتعيين خبراء زراعيين لإرشادهم وتعليمهم مهنة الزراعة، بهدف توطينهم نهائياً في تلك الربوع، لزيادة العنصر العربي في محافظة كركوك وقد أعطت هذه السياسة ثمارها بعد سنين، بعدما نتأمل إحصائية عام 1957م التي نرى بوضوح زيادة العنصر العربي على حساب العنصر الكوردي. وحسب الإحصاء شكل الكورد 48 % بنقصان 3 % قياساً بعام كتابة المذكرتين لمحمد أمين زكي بك التي ذكرتهما في مكان آخر من هذا المبحث، وزيادة نسبة العرب إلى 28,5 % وكانت نسبة التركمان 21,5 %. ولكن بقي الكورد هم الأغلبية في محافظة كركوك، ومن خلال الإحصائية يتأكد لنا بأن سياسة التعريب استهدفت الكورد أولاً كما ذكرنا.
وكان المجموع العام لسكان محافظة كركوك حسب إحصائية عام 1965 بلغت 473626 نسمة، شكل الكورد 170905، والعرب 184535، والتركمان 86958 + 5471 يتكلمون التركية، الكلدانية والسريانية 1995 نسمة، والأرمنية 1043، الآثورية 7278 نسمة.
لاحظنا هنا أيضاً تزايد عدد العرب على حساب الكورد قياساً بإحصائية عام 1957م، وذلك بفضل سياسة التعريب المبرمجة بعد انقلاب شباط عام 1963م.
أما المرحلة الثانية لتعريب كركوك فقدت بدأت مع استلام البعثيين الحكم بعد انقلاب شباط 1963م، كما ذكر أعلاه سابقاً، لكن سياسة التعريب هذه المرة أخذت شكلاً أكثر خطورة من سابقتها، وذلك بترحيل وتهجير سكان القرى الكوردية في ضواحي المدينة «وبلغت القرى المدمرة والمرحلة حوالي 33 قرية كوردية»([58])، وفي المقابل تمّ توزيع وتمليك تلك الأراضي على العشائر العربية، وتسليحهم وإنشاء الربايا العسكرية على المرتفعات القريبة من تلك المناطق بهدف حمايتهم.
لكن سياسة التعريب لمحافظة كركوك أخذت أبشع صورة لها، وأكثرها خبثاً، بعد انقلاب 17 تموز 1968، حين بدأت السلطات بتغيير واقع المدينة من عدة أوجه، وعلى مراحل حسب خطة مدروسة، وتمّ تنفيذها بإتقان بارع، ولم يسدل الستار بعد على فصول العملية.
بدأ الانقلابيون الجدد بتطبيق سياستهم المبرمجة لتعريب كركوك، التي لم تشهد المنطقة لها مثيلاً على مر التاريخ، «تمّ أولاً نقل موظفي الأحوال المدنية وجيء بغيرهم، وقد زودوا بتعليمات معينة حول العبث بسجلات النفوس وتزويرها»([59]). وتمّ تغيير الأسماء التاريخية للأحياء والمناطق إلى أسماء عربية بما فيها الأسماء التركمانية، وترحيل السكان من الكورد من داخل المدينة وجلب المواطنين العرب من وسط وجنوب العراق وإسكانهم محلهم، وسلخ الأقضية ذات الأغلبية الكوردية من المحافظة وإلحاقها بمحافظات أخرى بعيدة عنها، وتهديم الأحياء الكوردية بحجة فتح شوارع جديدة، وبناء أحياء سكنية جديدة للوافدين (كما كان يطلق النظام عليهم) في قلب الأحياء الكوردية، فمثلاً تمّ تدمير ما لا يقل عن 2000 منزل يقطنها أكراد في حي الشورجة الكوردية الصرف، وتعويضهم بمبالغ رمزية لا تكاد تكفي حتى لشراء قطعة أرض سكنية أخرى، وإن استطاع أحدهم شراء قطعة أرض، فالأوامر الصادرة من أعلى السلطات كانت تمنع حصولهم على حق التمليك (الطابو) وعدم إعطاء تراخيص البناء من البلدية لهم، حسب القوانين المتبعة مع باقي أجزاء العراق.
وفي المقابل كان يمنح «عشرة آلاف دينار عراقي»([60]) بغية البناء، للعربي الذي ينقل سجل نفوسه من مسقط رأسه إلى كركوك مع قطعة أرض سكنية ويتم توظيفه في دوائر الدولة، وأغلبهم من أفراد شرطة الأمن والاستخبارات، والجميع من الحزب الحاكم، وكذلك حصوله بشكل روتيني على القرض العقاري بفوائد رمزية من أجل البناء والسكن في كركوك، ناهيك عن الامتيازات التي يحصل عليها باعتباره مواطن درجة أولى. وسمي هؤلاء من قبل سكان كركوك بـ «جماعة العشرة آلاف» وفعلاً تمّ بناء دور وأحياء سكنية جديدة في قلب الأحياء الكوردية مثل: رحيم أواه الذي غير اسمه إلى «حي الأندلس»، إسكان إلى «حي المثنى»، شورجة إلى «حي قتيبة»، وفي الأحياء الكوردية الأخرى مثل إمام قاسم، ساحة الطيران، عرفة، سه ركاريز، وأخرى كثيرة غيرها، وتمليكها للوافدين. وقد بلغت الدور السكنية التي شيدت لهؤلاء الذين جاؤوا من وسط وجنوب العراق حوالي 51000 ألف دار وقطعة أرض سكنية حتى بداية الثمانينيات وزعت على المناطق الكوردية وبأسماء عربية مثل: حي المثنى، البعث، الواسطي، الاشتراكية، غرناطة، الحجاج، الحرية، العروبة، دور الأمن، حي قتيبة، حي الشرطة، ودور العمل الشعبي، وأخرى كثيرة غيرها. هذا غير دور الضباط وضباط الصف التي كانت تمنح على الأغلب لأفراد الجيش من العرب.
وخلال عشرين سنة فقط ما بين إحصائية 1957م وإحصائية 1977م حصل تغيير كبير لواقع السكان، وبموجب إحصاء عام 1977م يتبين لنا التغييرالذي حصل، إذ قفز عدد العرب من 28,5% إلى 44,4 %، وتناقص عدد الكورد إلى 37,33%، فلأول مرة في تاريخ كركوك يحصل هذا التغيير ويصبح العرب الأغلبية في المدينة ليأتي بعدهم الكورد، وكذلك بالنسبة للتركمان حيث تناقص عددهم إلى 16,31%، لكن وبالرغم من هذا فقد كانت ملامح المدينة لا تزال كوردية.
كل هذا كان يجري متزامناً مع ترحيل وتهجير القرى المحيطة بالمدينة تحت ذريعة ملاحقة (العصاة) البيشمركة. أما الخطوة الأكثر خبثاً فتمثلت بعملية تقطيع أوصال المدينة، وسلخ الأقضية الكوردية المرتبطة إدارياً بكركوك تاريخياً، وإلحاقها بمحافظات بعيدة عنها، مثلما حدث لقضاء طوز خورماتو التي تبعد عن كركوك 70كم، لتلحق بمحافظة تكريت التي تبعد عنها 130كم، كما سلخ أيضاً من جسد محافظة كركوك قضاء جمجمال الكوردي الصرف ليلحق هو الآخر بمحافظة السليمانية، وقضاء كفري لتلحق هي الأخرى بمحافظة السليمانية، وقضاء كلار إلى محافظة ديالى، كل ذلك من أجل تخفيض نسبة الكورد في محافظة كركوك، وأما الأقضية الثلاث المتبقية قضاء الحويجة، وآلتون كوبري و يطلق الكورد على هذا القضاء أسم ـ برديئ ـ، ومركز قضاء كركوك كانت قد عربت منذ زمن بعيد.
وقد نتجت عن هذه السياسة من الترحيل القسري وتهجير العائلات الكوردية التي بلغت «37726 عائلة ذهبت معظمها ضحايا عمليات الأنفال السيئة الصيت، وإن حصيلة التدمير للقرى الكوردية بلغت فقط ضمن حدود محافظة كركوك 779 قرية، 493 مدرسة، 598 مسجداً، 40 مستوصفاً»([61]).
وقد استمر التعريب بعد حرب الخليج الثانية، أي بعد عام 1991م بصورة أكثر شوفينية، فما بين الأعوام 1991 ـ 2000 بلغت العائلات الكوردية المهجرة إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الكوردية 15735 عائلة، بلغ عددهم 93419 إنساناً([62]).
وفي حديث للسيد Lod Avebuy عضو البرلمان البريطاني، لمحطة التلفزيون الكوردية Medya جاء فيه: «نحن نعلم بأن القضية توسعت بشكل كبير ومراحل التعريب أخذت تخطو بخطوات واسعة وسريعة جداً، ولحين عام 1999م قدم السيد «ماكس فان ديشترويل» المقرر الخاص للأمم المتحدة تقريره إلى لجنة حقوق الإنسان في أوروبا، أوضح خطة التعريب بشكل جلي وهو: «توطين 300000 ثلاثمائة ألف إنسان عربي ليس في كركوك فقط بل في ضواحي المدينة أيضاً»([63]).
وجاء أيضاً في تقرير المقرر الخاص للسيد «أندرياس مافروماتيس» عن حالة حقوق الإنسان في العراق والذي أحاله إلى النظام العراقي للإجابة عليه، ما يلي: «أصدر عطية شنداخ المسؤول الجديد عن فرع حزب البعث في كركوك في 3 أيار 2000م أمراً إلى وحدات الحزب بالقيام، بالتعاون مع وحدات الأمن والشرطة، بعملية تفتيش واسعة النطاق وإعداد قائمة بأسماء الأسر الكوردية والتركمانية التي تعيش في المنطقة وطلب إليهم تغيير أصلها الأثني إلى العربي وهددتهم بالترحيل في حالة عدم الانصياع لذلك. كما زار نائب مجلس قيادة الثورة العراقي نائب القائد العام للقوات المسلحة عزت الدوري كركوك في 10|9|2000م وأكد على إجراء مسح نهائي لمحافظة كركوك للسكان غير العرب في لقائه محافظ كركوك الفريق صباح نوري علوان وتخيير القلة المتبقية من الكورد بين تغيير قوميتهم إلى العربية أو الرحيل عن كركوك، حيث وزعت عليهم سابقاً قوائم تصحيح القومية»([64]).
لم يقتصر التعريب على الأحياء من سكان كركوك غير العرب، بل حتى المقابر لم تسلم من هذه السياسة الشوفينية، فمنذ منتصف الثمانينيات وبين فترة وأخرى تتم إزالة مجموعة من المقابر، وذلك لمحو الأثر الكوردي فيها نهائياً من المدينة، كل هذا من أجل الاستحواذ على موارد النفط وحرمان الكورد منها، وإن هذه السياسات كانت صادرة من أعلى سلطة في العراق، فعلى سبيل المثال أصدر مجلس قيادة الثورة وهي (أعلى سلطة تشريعية في العراق) قراراً في تاريخ
28/8/1989م برقم 529 مذيلاً بتوقيع رئيس الجمهورية العراقية، بأنه يحق للعراقيين من غير سكنة محافظات الحكم الذاتي تملك قطعة أرض سكنية في مناطق الحكم الذاتي بالإضافة إلى ما يمتلكه في مسقط رأسه، بينما يحق للعراقيين من سكنة مناطق الحكم الذاتي تملك قطعة أرض سكنية في محافظات العراق ما عدا محافظات «نينوى، التأميم، ديالى». فمن خلال هذا القرار تتضح لنا سياسة التعريب ليس لمدينة كركوك وحسب، بل حتى القرى والقصبات التابعة لها، ونفذت هذه السياسة بحذافيرها، فبالنسبة إلى مركز مدينة كركوك حاول ولا يزال تعريبها كاملة وقطع أشواطاً كبيرة في هذا المجال، أما بالنسبة إلى الأطراف ومن جميع الجهات فقد عمد النظام إلى خلق حزامين أمنيين، أولاً حزام عربي وذلك بتوطين العشائر العربية الموالية له على أطراف المدينة، والحزام الثاني هو إخلاء مناطق شاسعة من السكان وجعلها مناطق عسكرية محرمة.
ومن جهة أخرى، ولتكملة تعريب كركوك وفق ما يراه النظام تماشياً مع مخططاته وإجراءاته بهذا الصدد، قام بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في كركوك وهذا يخدم النظام من عدة أوجه. أولاً إن الفلسطينيين هم من السنة، والأنظمة العراقية المتعاقبة على حكم العراق كانوا على الدوام من السنة، وهذا يخدمهم في معادلة التوازن الطائفي في العراق تماشياً مع سياساتهم، ومن جهة أخرى إن سياسة توطين اللاجئين الفلسطينيين في كوردستان وهم غرباء عنها، وتوزيع الأراضي عليهم وتوظيفهم، ومدهم بالمال والسلاح ستجعلهم بشكل طبيعي جزء من النظام، وسيدافعون عن المصالح التي حصلوا عليها، وبالنتيجة هي مصالح النظام، وسيصبحون القوة الضاربة ضد أية محاولة للإطاحة به، وبالرغم من هذا وذاك هو دق الإسفين بين الشعبين الكوردي والفلسطيني، والنقطة الأهم في موضوع توطين الفلسطينيين هو مغازلة الولايات المتحدة وإسرائيل لرفع العبء عن كاهل الأخيرة في المفاوضات الجارية بين الفلسطينيين وإسرائيل، وهو حق العودة. ومثل هذا المشروع المشبوه لا يضر بالكورد والتركمان وحدهم وحسب، بل حتى بالقضية الفلسطينية نفسها، لأنه يتنافى مع قرارات الأمم المتحدة وخاصة القرار 193 للعام 1947م، الذي ينص على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وفي نفس الوقت إن قرار العودة هو مطلب عربي وفلسطيني.
وأخيراً وفي مفاوضات عام 1991م بين قيادة الجبهة الكوردستانية من جهة والحكومة العراقية من جهة أخرى، حول وضع مدينة كركوك، قذف طارق عزيز جملته (حكمته) بوجه قيادة الجبهة: «أنسوا كركوك، كما نسيّ العرب الأندلس»، فيا لقساوة هذا التشبيه وشتان ما بين الحالتين.
وخير ما أختتم به هذا الفصل المحزن من تاريخ المدينة بعضاً من التقرير الذي قدمه المحامي العربي هلال ناجي إلى الرئيس جمال عبد الناصر، حيث كتب قائلاً: «السبب في إنكارنا لكوردية كركوك يعود إلى وجود النفط فيها، والنفط بلا شك موضع أطماعنا، بيد أن خلق العداء مع الشعب الكوردي بسبب النفط لا يعود علينا إلا بالضرر، ومن الأفضل أن نكسب هذه القومية لا أن نعاديها بسبب وجود النفط في كركوك، فالحمد لله تمتاز الأرض العربية بالغنى، وتمتلك الكم الهائل من النفط»([65]).
عوني الداودي
كركوك
-3-
تُعد مدينة كركوك الواقعة إلى الشمال من مدينة بغداد بحوالي 255 كيلو متراً صورة حية لإحدى المدن العراقية التي تجسد فيها الوئام بين قوميات ذات حضارات وثقافات متعددة تعايشت جنباً إلى جنب ولقرون عدة، إذ ترسخت فيها روح الأخوة والتسامح بين الأكاد والتركمان والعرب، على رغم ممارسة السلطة المركزية في بغداد، خصوصاً خلال العقود الثلاثة الأخيرة بإثارة النعرات والصراع بين هذه القوميات، ومحاولة تغيير طابعها الديموغرافي وذلك بترحيل الآلاف من سكانها الأصليين من الكرد والتركمان وباقي القوميات الأخرى الذين أجبروا على ترك بيوتهم وأراضيهم إلى خارج منطقة كركوك وإسكان عشائر وعوائل عربية فيها قسراً استقدمت من مناطق أخرى من العراق رغماً عنها. وكركوك من المناطق الغنية بحقولها النفطية وسهولها الواسعة الخصبة وللمدينة تاريخ عريق وموقع جغرافي وتجاري ممتاز أكسبها أهمية كبيرة وذلك لوقوعها بين جبال زاغروس ونهري دجلة والزاب الصغير وسلسلة جبال حمرين ونهر ديالى، وتقع أيضاً على الطريق الاستراتيجي والتجاري الذي يربط الأناضول بإيران والعراق.
ويعود تاريخ كركوك إلى العصور الغابرة وتمتد جذورها بعيداً في التاريخ القديم، وكانت تحيط بها قرى موغلة في القدم يعود تاريخ البعض منها إلى خمسة آلاف عام قبل الميلاد، منها قرية «مطارة» الأثرية المشيدة في عصر حسونة والتي تبعد حوالي 35 كيلومتراً إلى الجنوب من مدينة كركوك. وعثر كذلك على مدينة واسعة تعود إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد تعرف اليوم بـ«تل نوزي» وتبعد حوالي 22 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من كركوك. أما «تل الفخار» الذي يقع جنوب غربي كركوك بحوالي 45 كيلومتراً فيعتبر من أهم المستوطنات الحضارية القديمة في منطقة كركوك ويعود تاريخها إلى العصر الآشوري الوسيط.
أمّا منشأ وتسمية المدينة بكركوك، فهناك روايات عدة تذكرها المصادر التاريخية، منها ما جاء في «العراق قديماً وحديثاً» لعبد الرزاق الحسني، حيث قال إنّ الذي أنشأ هذه المدينة هو «سردنابال» ملك الآشوريين، مستنداً في ذلك إلى بعض المصادر السريانية. في حين يذهب الدكتور شاكر خصباك في كتابه «الكرد والمسألة الكردية» إلى أن الكوتيين هم الذين شيدوا هذه المدينة.
وجاء أيضاً في كتاب «كركوك: لمحات تاريخية» لليلى نامق جاف أن الكوتيين عاشوا في هذه المنطقة واتخذوا من مدينة «أرابخا» مركزاً لهم، ويعتقد بأنها مدينة كركوك الحالية. وورد في «المرشد إلى موطن الآثار والحضارة» للعالمين الأثريين طه باقر وفؤاد سفر بشأن تسمية كركوك أنها مشتقة من «كرك»، وهي اسم بقعة النار الملتهبة خارج كركوك، سميت في ما بعد «بابا كركر» وقد كانت محيطة بمعبد «أناهيتا» قديماً.
أما المصادر الآرامية فقد وردت فيها إشارة إلى أصل تسمية كركوك بصورة «كرخا – د – بيث – سلوخ» أي مدينة السلوقيين. وجاء في كتاب «سفرة من ده ربه ندى بازيان إلى مله ي تاسلوجه» لتوفيق وهبي أنه كانت هناك مملكتان متجاورتان في العهد المسيحي تملكان استقلالاً داخلياً ضمن الإمبراطورية الفرثية مملكة: «أديابيني» وعاصمتها أربيل ومملكة «كركيني» وعاصمتها «كرك» أي كركوك. وكانت المملكتان موجودتين في بداية الحكم الساساني للعراق (النصف الأول من القرن الثالث الميلادي).
أمّا المؤرخون العرب القدامى، فلم يُشر أحد منهم إلى اسم كركوك باستثناء ياقوت الحموي في «معجم البلدان» وكذلك ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»، إذ ذكراها باسم «كرخيني». وفي عهد تيمورلنك غزت جيوشه المنطقة وفتكت بأهلها ودمرت معظم المناطق التي مرت بها.
وفي القرن التاسع الهجري أصبحت منطقة كركوك تحت سيطرة دولة التركمان قره قوينلو (الخروف الأسود) ومن ثم تحت سيطرة دولة التركمان اق قوينلو (الخروف الأبيض). وعند استيلاء الصوفيين على العراق أصبحت المنطقة تحت سيطرتهم. وعند مجيء العثمانيين بعد الصفويين أصبحت هذه المنطقة مسرحاً للقتال والحروب بين الدولتين، وذلك لأهمية موقعها الجغرافي والتجاري. وبعد 1921 أصبحت كركوك محافظة تضم أربعة أقضية هي: مركز كركوك وكفري وجمجمال وكل.
وتنتشر في كركوك والمناطق التابعة لها معالم عمرانية بارزة أهمها:
تعتبر قلعة كركوك الواقعة في الجانب الشرقي لنهر الخاصة والمحتفظة بشكلها القديم، على رغم معاول الهدم التي طالت بعض شواهدها العمرانية – بحد ذاتها مدينة متكاملة، إذ تضم العديد من المباني التراثية القديمة. أمّا شكلها فهو دائري تقريباً، وترتفع عن مستوى سطح الأرض حوالي 18 متراً ولها أربعة مداخل.
وأبرز المعالم العمرانية الشاخصة للقلعة:
سوق القيصرية: تقع في الجانب الشرقي من القلعة. ويعود تاريخها إلى أكثر من 1150 عاماً، وهي من الأسواق الفريدة لما تتميز به من عقود (أقواس) تزين غرف الطابق الثاني، وتضم حوالى 300 غرفة ودكان (محل تجاري).
الجامع الكبير: هذا الجامع من المباني المهمة في القلعة نظراً إلى ما يتميز به من طراز معماري إسلامي فريد من حيث القباب والأقواس والأعمدة، ويعود تاريخ تشييده إلى بداية القرن الثالث عشر الميلادي.
جامع العريان: ويقع في وسط القلعة، ويعود تاريخ تشييده إلى العام 1142هـ (1730م)، ويتميز بقبته الكبيرة المتركزة على أربعة جدران، ويبلغ ارتفاعها حوالى 15 متراً، وهناك قبة صغيرة أخرى إلى جانب القبة الكبيرة. ويتميز الجامع بمحرابه الجميل المزين بزخارف نباتية وهندسية رائعة.
جامع النبي دانيال: ويقع في أعلى القلعة على بُعد حوالى 100 متر من الجامع الكبير، وتعود مئذنته إلى أواخر العهد المغولي أو بداية العهد التيموري.
الكنيسة القديمة (كاتدرائية أم الأحزان): تعد هذه الكنيسة من المباني المهمة التي تضمها قلعة كركوك، ومنذ عقود مضت أصيبت ببعض التصدعات بسبب تشقق أرضية الكنيسة، وفي حينها تمّ ترميمها وصيانتها.
القبة الخضراء: وهي بناء مثمن الشكل من الخارج. تزينه زخارف رائعة وكتابات ذات ألوان متعددة من القاشاني ويعود تاريخها إلى العهد الأتابكي، إذ تمّ تشييدها العام 762هـ (1361م). والبناء يتألف من طابقين، يعلو الطابق الأرضي قبوان معقودان وقد سقطا نتيجة تصدعهما، ولكن بقيت معالم بسيطة لهما في جوانب الجدار الذي يرتكز عليه هذان القبوان.
بوابة القلعة: وهي البوابة الوحيدة المتبقية ويرجع تاريخ تشييدها إلى أكثر من 150 عاماً وهي إحدى البوابات الغربية للقلعة.
البيوت التراثية: وهي عبارة عن مجموعة من البيوت التراثية في القلعة تتميز بطابع معماري جميل ذي زخارف وأقواس جصية بديعة، وسقوفها تقوم على أعمدة مرمرية. وفي الفترة الأخيرة أزيل الكثير من هذه البيوت بحجة تصدعها. ومن المعالم العمرانية البارزة الأخرى في كركوك:
التكية الطالبانية: يعد هذا المبنى أحد أبرز معالم العمارة الإسلامية في كركوك، ويقع على تلة بارزة على طريق مدينتي كركوك – السليمانية، ويعتبر من أهم المراكز الدينية لشيوخ الطالبانية المنتشرة في مناطق أخرى من العالم الإسلامي كالعراق وإيران وتركيا وباكستان والهند.
وتعرف هذه التكية أيضاً باسم «التكية الكبيرة»، وظلت لسنين طويلة مركزاً من مراكز الإشعاع الديني والفكري والاجتماعي في هذه المنطقة.
وتضم مدرسة دينية يقصدها طلاب العلم والمعرفة من بلدان إسلامية مختلفة، وقد تخرج منها العديد من علماء الدين. وكرست لهذه التكية في الوقت نفسه جل إمكاناتها لخدمة الفقراء الذين كانوا يقصدونها من كل جانب.
وكانت هذه التكية في بداية تشييدها العام 1174هـ (1759م) صغيرة الحجم، لكن أعيد بناؤها وتوسعتها العام 1260هـ (1798م) بشكل كبير وبالصورة التي عليها الآن. في عهد الشيخ عبد الرحمن الخالصي الطالباني بأمر من السلطان عبد المجيد العثماني – في الفترة التي كانت مدينة كركوك مركز ولاية شهرزور العثمانية – لتشمل العديد من الغرف والقاعات
تقع هذه المئذنة غربي مدينة داقوق على الطريق العام الذي يربط مدينتي الخالص بكركوك. وقد سقط القسم العلوي من جسم المئذنة وتهدم المسجد الذي كانت قائمة فيه كما هي الحال في مئذنة أربيل ومئذنة سنجار.
ولم يُعثر على ما يشير إلى تاريخ بناء هذه المئذنة أو من أمر ببناء المسجد الذي تعود إليه. ولكن هناك تشابهاً كبيراً في الشكل والتكوين المعماري وفي التشكيلات الزخرفية الآجرية بينها وبين المئذنتين المذكورتين أعلاه، وعلى ضوء ذلك يحتمل جداً أنّ بناء هذه المئذنة كان في نهاية القرن السادس أو الربع الأول من القرن السابع الهجري، وفي أغلب الظن أن يكون مظفر الدين كوكبري حاكم أربيل أتابكي هو الذي أمر ببنائها، حيث كانت مدينة داقوق خاضعة لسلطته.
ومئذنة داقوق مشيدة بالطابوق (الآجر) والجص يقبع جسمها الأسطواني على قاعة مثمنة مرتفعة نسبياً ومزين بصفين من حنايا محرابية، والجسم مزين بتشكيلات هندسية ناتجة عن التفنن في زخارف آجرية متميزة. ويؤدي إلى قمة المئذنة باتجاه معاكس لاتجاه عقرب الساعة. ويبلغ ارتفاع مئذنة داقوق 23 متراً عن مستوى سطح الأرض. خمسة أمتار منها للقاعدة والبقية للجسم.
د. رؤوف الأنصاري
الشيعة في كركوك
في مدينة كركوك نفسها وفي المناطق التابعة لها مثل كفري، وطوزخرماتو، وداقوق وغيرها الكثير من الشيعة التركمان، وبعضها تكاد تكون مناطق شيعية بحتة والأستاذ البياتي يرى – كما سيأتي – أنّ خمسين في المئة من التركمان هم شيعة.
وعن التشيع التركي في العراق وفي كركوك بخاصة يقول الأستاذ محمد سعيد الطريحي:
|إنّ الروابط والصلات الشيعية – التركية قديمة ووثيقة جداً، وقد وجد الشيعة الترك ضمن الهجرات الأولى لهم إلى بلاد الرافدين خلال القرن الهجري الأول، وكان منهم أولئك الرجال الأشداء الذين وصفهم ابن الرومي بقوله:
إذا ثبتوا فسدّ من حديد
تخال عيوننا فيه تحار
وإن برزوا فنيران تلظّى
على الأعداء يضرمها استعار
وفي عهد الدولة البويهية الشيعية كان معظم جندها من الأتراك والديلم فقد قدم آلاف منهم مع معز الدولة أحمد بن بويه إلى بغداد سنة 334هـ/945م، وكان من أشهر القادة الترك مع البويهيين سبكتكين صاحب معز الدولة الذي ينسب إليه البيت السبكتكيني من دار المملكة البويهية الكائنة فوق (العيواضية) ببغداد وكانت من مفاخر العمارة البويهية في العراق.
وقد أطلق معز الدولة يد الترك وأقطعهم الكثير من الأراضي والممتلكات في جنوب العراق (واسط والبصرة)، وفي سنة 433هـ/1041م دخل العراق طائفة الغز العراقي وهم التركمان وأصلهم من آذربيجان وكان على رأسهم أبو منصور كوكتاس أبو علي بن دهقان حاج إسرائيل.
وعلى عهد إمارة أتابكية الموصل قامت الحرب بين عماد الدين زنكي سنة 516هـ/1122م وبين الزعيم الشيعي دبيس بن صدقة الأسدي، وكان زنكي المذكور ممن قاتل الإسماعيلية أيضاً وقد قتل بعد ذلك في 541هـ/1146م وكانت الإمارة الأتابكية في الموصل قد استمرت نحو قرن ثم انقرضت وتملك بدر الدين لؤلؤ أبو الفضائل بن عبدالله مملوك الأتابكية المذكورين من سنة 615هـ/1218م، وبعد وفاة الملك القاهر عز الدين فإن نور الدين ارسلان الثاني وناصر الدين محمود اللذين خلّفا أباهما الملك القاهر كانا عاجزين عن إدارة الملك لحداثة سنهما فتسلم بدر الدين مقاليد التدبير، ولم يبق لهما إلاّ اسم الملوكية، ولما توفي ناصر الدين محمود استقل بدر الدين بالبلاد تماماً فوصل إليه التقليد من الخليفة العباسي المستنصر بالله سنة 623هـ/1226م ولقبه بالملك الرحيم فخطب له على المنابر، وقد انتصر للتشيع وملك الموصل نيفاً وأربعين سنة. وملك نصيبين ودارا حتى وفاته سنة 657هـ.
ومن طوائف الترك المتشيعة: السربدارية الذين انطلقت دولتهم من سبزوار وهؤلاء سبقوا الصفويين في تأييد ونشر مذهب الشيعة ببلاد إيران، وعلى عهد علي المؤيد – أحد ملوكهم – (766-788هـ) قدم الفقهاء الشيعة من بلاد العرب إلى إيران وآذربيجان، وعلي المؤيد هذا هو الذي كاتب الشهيد الأول فدوّن له كتاب «اللمعة الدمشقية».
وعلى عهد محمد خدابنده الإيلخاني الملقب بـ «أولجايتو» جرت المناظرة بين علماء المذاهب السنية وبين علماء الشيعة بزعامة العلامة الحلّي، فانتشر التشيع بفضل ذلك في العراق وإيران وخراسان، وبعد وفاة جوبان – أحد أمراء أبي سعيد المقتول في هرات سنة 728هـ – وقد توفي جوبان سنة 726هـ وبوفاته انقرضت الدولة الإيلخانية. وبعد انقراضها قامت الدولة الجلائرية التي أسسها حسن الكبير الجلائري واستقر له الحكم في العراق فتفرغ لإصلاح المملكة وحمدت سيرته في الرعية حتى تضافرت القلوب على حبّه وعدله وقد توفي سنة 757هـ ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف.
ومن ملوكها أيضاً السلطان أويس المتوفى سنة 776هـ وهو الذي قامت في عهده صلات تجارية وسياسية بين تبريز وبغداد ومصر والبندقية، وبعد وفاته تولى الحكم ولده السلطان حسين وقويت الطوائف التركمانية، وأظهرت قوتها في جنوب بحيرة وان وحوالى سنجار والموصل. وفي هذا العهد برز قره محمد وأخوه بيرم خواجه فوحدا التركمان حولهما وتوليا قيادة التجمع القبلي التركماني الشيعي الشهير باسم «قره قوينلو»([66]) أي الخروف الأسود أخذاً من أنّ قادة وأمراء هذا التجمع كانوا يرسمون صورة خروف أسود على أعلامهم. فاستولوا على عدد من القلاع الواقعة حول مساكن قبيلتهم ووضعوا من الناحيتين البلاد المجاورة لهم أي العراق وأذربيجان تحت تهديدهم واشتكبوا مع السلطان حسين في حروب مختلفة.
وفي سنة 814هـ جلس شاه محمد بن قره يوسف على عرش العراق بموجب العهد الذي كتبه له السلطان أحمد الجلائري، ولما مات أبوه قره يوسف أضاف كل ما كان يحكمه من البلاد إلى سلطنته.
وفي سنة 836هـ ثار عليه أخوه الأمير اسبان وفاز في ثورته فدخل بغداد ظافراً وانهزم شاه محمد إلى الموصل وقتل غدراً هناك، وانفرد اسبان بالحكم إلى أن مات في بغداد سنة 838هـ فتولى السلطنة بعده أخوه جهان شاه، ثم في سنة 870هـ وقعت الحرب بينه وبين صاحب ديار بكر حسن بك الطويل مؤسس دولة «آق قوينلو» وكانت الغلبة لحسن بك فاستولى على قسم مهم من بلاد جهان شاه. ثمّ تولى الملك حسن علي بعد وفاة أبيه جهان شاه، وقد تقلص ملكه فلم يبق له غير العراقين العجمي والعربي. ومع هذا فلم يهنأ علي حسن بملك العراقين مدة طويلة لأنّ حسن بك الطويل حمل عليه سنة 874هـ حملة قوية، فحطم قواه وأخذ منه العراقين وفرض دولة قره قوينلو بعد أن حكمت في العراق 60 سنة.
وفي دور التركمان القره قوينلو والآق قوينلو اختلطت قبائل هؤلاء بسكان شرقي العراق وشمال العراق وأكثرهم من الترك والكرد، وكان اختلاطهم اجتماعياً تاماً، ودام حكم هؤلاء من سنة 813هـ إلى سنة 914 وانصهروا مع من سبقهم وامتزجوا بالشعب.
ولا نشك في أنّ الكثير من تركمان كركوك وما حولها يعودون بأصولهم إلى القره قوينلو كما أن بعضهم ينتسب إلى القبائل التركمانية الشيعية التي قدمت إلى العراق مع الصفويين.
فقد زادت كثافة التركمان بدخول الصفويين للعراق إذ كان جيش الشاه إسماعيل يتألف من قبائل تركمانية أهمها: القاجار، وأفشار، وشاملو، ورملو، واستاجلو، وتاكالو، وذو القدر وغيرهم.
ويستطرد بعد ذلك إلى التشيع الكردي وصولاً إلى عيش العنصرين التركي والكردي معاً في كركوك:
إنّ تاريخ التشيع في كردستان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجوده المبكر في الموصل وأربيل وبلاد الجزيرة وما يجاورها.
في العهدين الأموي والعباسي استقبلت كردستان وما يجاورها من الأصقاع البعيدة عن سطوة الحكام قوافل المتشيعين المضطهدين الذين وفدوا إلى هناك رغبة بحماية الأكراد الذين عرفوا بتعقلهم بالدين وميلهم إلى أهل الصلاح والتقوى، ومنهم من كان يتخذ المنطقة ممراً أو محطة في طريقه إلى خراسان وبلاد ما وراء النهر وغيرها من بلاد الله الواسعة التي كانت مأوى لهؤلاء الفارين بدينهم وعزتهم خشية الظلم والتقتيل الذي كانوا يتعرضون له، وهناك من الأسر العلوية النسب من فضلّت البقاء في كردستان ولاقت فيها الترحيب والحفاوة من مضيفيهم الكرد الذين يشتركون معهم في مظلومية الخوف والتعصب والاضطهاد الذي كان يطالهم أيضاً، ومن جهة أخرى كانوا يتعاطفون معهم من ناحية المودة لآل البيت النبوي الشريف بل إن الكرد كانوا يبالغون في إكرام ذرية آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ويجعلونهم قادة وأمراء عليهم، وبمرور الزمن اكتسبت الأسر العلوية النسب لغة الكرد وعاداتهم وتقاليدهم وانصهرت في المجتمع الكردي مع المحافظة على نسبها العربي في مشجرات خاصة من دون أن يخدش أحد فيها. وفي هذا دلالة على التسامح القومي الذي كان من أسباب التآزر والتعايش المستمر، وحسبنا أن نشير إلى السيد محمود الحفيد (المتوفى في 9 تشرين الأول 1956م) الذي كان أحد أبناء تلك الأسر العلوية العريقة المنحدرة من نسل الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وهذا البطل العلوي الكردي هو الذي قاد جحافل الكرد إلى جنوب العراق تحت تأثير فتاوى المرجعية الدينية الشيعية فامتزج يومها الدم الكردي بالدم العربي حفاظاً على بيضة الإسلام ودفاعاً عن ثغر البصرة في حرب الشعيبة الشهيرة عام 1914م على الاحتلال الإنكليزي، ثمّ نفي إلى الهند، وكان سبقه إلى المنفى الهند (107) من ثوار النجف الأشرف.
ولا ننسى أيضاً دور الأسرة البرزنجية العلوية النسب في الحياة الدينية للكرد. وهناك اليوم في كردستان الكثير من أعلام الدين والفكر الذين ينتسبون إلى تلك الفروع العلوية القديمة.
وخضعت أطراف من كردستان خلال فترات تاريخية مختلفة لنفوذ حكام من الشيعة كالحمدانيين، والبويهيين، والمعروف أن عضد الدولة قد استولى على الموصل وديار بكر وربيعة ومضر وميافارقين وكركوك وأربيل وكان نقباء الموصل وكركوك منذ العهد العباسي إلى اليوم من العلويين نسباً وولاءً([67]).
وورد في وقائع سنة 674هـ من كتاب الحوادث الجامعة: «أن ركن الدين ابن النقيب محيي الدين محمد بن حيدر نقيب الموصل سقط بفرسه إلى دجلة بغداد – فغرق – فأصعد إلى مشهد علي فدفن هناك» ورثاه شمس الدين محمد بن عبدالله الكوفي:
يا ماء ما أنصفت آل محمد
وعلى كمال الدين كنت المجتري
في الطف لم تسعد أباه بقطرة
واليوم قد أغرقته في الأبحر
وحسبنا أن نشير إلى العلاقات الوطيدة بين قبيلة جاوان الكردية إحدى أشهر القبائل المعروفة منذ أواسط القرن الرابع الهجري وبين حلفائهم من قبيلة بني أسد، وقد سكنت قبيلة جاوان بالحلة في أواخر القرن الخامس من الهجرة وانتشرت إلى نحو واسط البطائح وبرغم اعتناقهم للمذهب الشافعي فقد أجابوا الدعوة الفاطمية وخطبوا للمستنصر بالله الفاطمي في إماراتهم وتركوا الخطبة للعباسيين وكذلك فعل بنو مزيد الأسديون (حلفاؤهم) ولهذا أرسل الخليفة الفاطمي المذكور من مصر بخلعة لكل من الأمير نور الدولة دبيس بن مزيد الأسدي، والأمير أبي الفتح بن ورام الكردي الجاواني وتحالف الأميران الكردي والشيعي فحاربا السلاجقة معاً وتوثقت الأواصر بينهما ووحّدت بين مستقبلهما وبعثتهما على التساكن والتآلف المستدام ولهذا نرى الجاوانيين وبني أسد يثوبون معاً إلى طاعة طغرلبك سنة 452هـ (سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان).
وحين آلت إمارة بني جاوان إلى الأمير ورام بن أبي فراس انتقل الجاوانيون أو أكثرهم إلى أرض الجامعين قرب بابل ليؤسسوا الحلّة مع أمير بني أسد صدقة بن منصور بن دبيس المزيدي وليسكنوها في المحلة المعروفة بعد ذلك بمحلة الأكراد. يقول الدكتور مصطفى جواد: «وإذا كان الجاوانيون قد قرنوا مستقبلهم بمستقبل بني أسد وهم من الشيعة لم يكن لهم بدّ من التأثر بمذهب ذوي الأكثرية وإن كانوا من الشافعية… وليس من الصواب في شيء أن يحكم المؤرخ في مذهب رجل اعتماداً على أيام صباه» وفي ذلك إشارة إلى تأثر الجاوانيين بمذهب التشيع، ففي تلخيص معجم الألقاب (ج/4، ص244). والمناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية أنه قد وجد بخط الأمير الكردي فخر الدين أبي محمد عنتر بن أبي العسكر الجاواني دعوات قد استفادها من الأدباء الشيعة وكتبها في مجموعة، من ذلك:
بختّام الرسالات
هداتي من بني هاشم
بمَن صام بمَن صلّآ
بمَن صدق بالخاتم
بحقّ البضعة الزهرا
حواء النسا فاطم
وبالمسموم والمقتول
ظلماً لعن الظالم
وبالسجاد والباقر
وبالصادق والكاظم
وبالمدفون في طوس
علي ولد العالم
بحقّ العسكريين
وبالمنتظر القائم
ولما أصبحت الحلة إقاطعاً للأمير مهلهل بن أبي العسكر الجامراني رأس الجاوانيون في الحلة على بني أسد، حتى إنّ الأمير هندي الجاواني خامر على الخليفة المقتفي، وهذا الأمير هو الذي مدحه ابن المعلم الهرتي بقوله من قصيدة مطلعها:
تنبهي يا عذبات الرند
كم ذا الكرى؟ هب نسيمُ نجد
أما شهرة الجوانيين في العلم والتأليف، فقد تمثلت في أبي الحسين بن أبي فراس عيسى بن أبي النجم، صاحب كتاب «تنبيه الخواطر ونزهة النواظر» المطبوع مراراً في العراق وإيران ويعرف الكتاب أيضاً بمجموعة ورام. توفي سنة 605هـ.
قال ابن الساعي: حمل إلى الكوفة فدفن بمشهد علي (عليه السلام) ([68])، وهو خال السادة الطاووسيين الحليين كرضي الدين وغيره من مشاهير علماء الشيعة في عصرهم، وذكره منتجب الدين علي بن عبيدالله بن بابويه ضمن مؤلفي الشيعة في كتابه «الفهرست» وذكر إسماعيل باشا الباباني كتابه تنبيه الخواطر مع إضافة ما يلي على نسبه «الاشترلي الحلّي الشيعي».
وقد انقطعت أخبار إمارة بني جاوان بانقطاع الخلافة العباسية ويظهر أنهم استعربوا استعراباً تاماً، واندمجوا في عرب الفرات الأوسط، ولكن محلتهم بقيت بالحلة منسوبة إلى الأكراد حتّى اليوم، وفي قبائل الفرات حالياً عشيرة الكرد التي قد تكون أصولها ترجع إليهم أو إلى سواهم من الكرد الذين سكنوا الجنوب العراقي.
وهناك قبائل كردية شيعية لعبت دوراً كبيراً في التاريخ كقبيلة الدنابلة الأكراد الذين ظهروا في الموصل وأربيل وكركوك وامتد تأثيرهم السياسي إلى جبال كوهستان وآذربيجان البكتاشية ومن عاصر منهم الدولة الصفوية فقد حالفوها وناصروها لاتحادهم في الطريقة ومساواتهم في المذهب ووردت أسماء جملة من محدثيهم في رواة الأئمة الإثني عشر منهم محمد بن وهبان الدنبلي له حديث يعنعن بكميل بن زياد النخعي عن علي (عليه السلام) وأورد الحديث أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري في الجزء الأول من كتابه «بشارة المصطفى لشيعة المرتضى» وللأمير أحمد خان الدنبلي الكردي المعاصر لنادر شاه آثار باقية في تعميره لمشهد العسكريين في سامراء ولهم مقبرة معروفة هناك، والدنابلة هم الذين عمروا بلدة خوي في آذربيجان عدة مرات، وكانت سلطنتهم في بلاد كردستان وضواحي تبريز مستقلة إلى حين ظهور السلطان حيدر الصفوي حيث انضوى تحت لوائه الدنابلة بشخص عميدهم الأمير بهلول الدنبلي.
ومن الأفخاذ العشائرية التابعة لهم: دنبلي يحيى، وشمسكي أولاد شمس الملوك، وعيسى بكلو، وقبيلة بكزادكان من نسل أمير فريدون، وقبيلة أيوب خاني، وقد تفرقت هذه الأفخاذ في كاشان وخراسان، وخبوشان، وشيروان، وكنجه، وقره باغ، وقراجه داغ، ولهم ذكر في كتاب حديقة الجنة لعبد الرزاق بن نجف علي الدنبلي، وكتاب تذكرة هفت إقليم لأمين أحمد الرازي.
ومنهم الأمير سليمان بن أحمد المتوفى 410هـ والمدفون في سرخ آباد وكان الشيخ رجب البرسي صاحب كتاب مشارق الأنوار أحد خواصه وألّف له مجموعة من الكتب.
ومنهم الأمير عيسى صلاح الدين كرد ابن الأمير يحيى الذي نقل مائة ألف بيت من ايزيدية كردستان إلى أذربيجان وكوهستان ليستوقي بهم فيما يظهر، ومنهم الأمير جمشيد المقتول سنة 725هـ الذي تمنع في جبل هكاري على جنكيزخان.
ومن القبائل الكردية الشيعية: الزند، وقد حكم زعيمها كريم خان المتوفى سنة 1193هـ/1779م ثماني وعشرين سنة وتوالت أسرته على حكم إيران من بعده فحكم: زكي خان، وأبو الفتح خان، وصادق خان، وعلي مراد خان، وجعفر خان، ولطف علي خان، وكان الأخير آخر أمراء السلالة الزندية حيث قتل سنة 1894م وقامت بعده السلالة القاجارية وتشتت الكرد بعدهم لا سيما عشائر الزند.
وفي فترات تاريخية مختلفة أنجب الكرد الشيعة العديد من الأعلام الكبار يأتي في مقدمتهم الشيخ بهاء الدين أبو الحسن بن عيسى فخر الدين أبي الفتح الأربلي الذي كان رئيس ديوان الإنشاء على عهد علاء الدين صاحب الديوان بعد استيلاء هولاكو على بغداد وتوفي سنة 693هـ وله كتب كثيرة متداولة ومن أشهرها كتابه النفيس «كشف الغمة في معرفة الأئمة» المطبوع بثلاثة أجزاء، ومن آثاره كتاب «طيف الإنشاء» الذي حققته وصدر في بيروت عام 1985م وجمعت في المقدمة التي كتبتها له ما وقع بيدي من أشعاره وجلها في مدح ورثاء آل البيت الكرام (عليهم السلام) ومن ذلك قوله:
ما عسى أن أقول في مدح قوم
قدّس الله ذكرهم تقديسا
هم هداة الورى وهم أكرم
الناس أصولاً شريفة ونفوسا
أن عرت أزمة تندّوا غيوثاً
أو دجت شبهة تبدّوا شموسا
ملؤوا بالولاء قلبي رجاء
وبمدحي لهم ملأت الطروسا
ومنهم جبريل بن محمد بن منعة بن مالك أبو القاسم عم القاضي أبي العباس أحمد بن أحمد بن محمد، ذكره شرف الدين بن أبي البركات الإربلي، قال «كان منقطعاً عن مخالطة الناس، وقيل إنه كان يميل إلى التشيع» قال «أنشدني أبو الثناء محمود بن علي بن الحسن المقرئ وكان كثير الخلطة له ولأهله» قال: أنشدني المرتضى جبريل بن محمد لنفسه:
وقالوا: امتدح آل الرسول فإنّهم
شموس بها ينجاب كل ظلام
فقلت: وهل للشمس شيء يزيدها
عليهم على مر الزمان سلامي
ألم تقرؤوا في هل أتى من حديثهم
فمَن ذا يباري مجدهم ويسامي
وكل صلاة لم تصل عليهم
بها لم تكن أدّتها بتمام
وقال في مدح بلده «اربل»:
يا ربع إربل أنت نعم الدارُ
دم عامراً تنمى بك الأعمار
فلقد أنار بك الربيع وفوّفت
منك الربوع بزهرها الأمطار
وكسا القطار رباك وشي ملابسٍ
ضاعت بأرج نسيمها الأقطار
توفي جبريل تاسع عشر شوال سنة 589هـ بإربل.
ومنهم أيضاً أبو عبد الرحمن مبارك بن الحسن بن ورود، وهو من أهل إربل كان شاعراً، عمل في التجارة، وسمع الحديث ببغداد وسمع بمصر ودمشق والبصرة وغيرها وتوفي في البصرة سنة 624هـ، قال شرف الدين أبو البركات المبارك بن أحمد اللخمي الإربلي في كتابه نباهة البلد الخامل بمَن ورده من الأماثل([69]) أنشدني ولده عبد الرحمن، قال: أنشدني أبي لنفسه:
يا ذا المعارك إن قصّرت في عملي
وغرّني في زماني كثرة الملل
فشافعي أحمد وابناه وابنته
إليك، ثم أمير المؤمنين علي
هناك عدد من الكرد الشيعة ضمن قبائل: الجاف، والباجلان، وكلهر، وكركا، والخزل، والأركوازي، ومنهم الأعداد الغفيرة بمدينة «خانقين».
ومن الملتقطات الأثرية العامة في النجف صخرة منقوشة على باب عمران بن شاهين وعليها كتابة مؤرخة من شهر صفر 776هـ تشير إلى أسرة ملكية شيعية من الكرد مدفونة في الغري وهي عبارة عن قبور ثلاثة من القرن الثامن الهجري أصحابها الأمير نجيب الدين أحمد ومحمود بن أحمد المهابادي، وقبر الأميرة سعيدة زوجة الأمير المذكور وكان هؤلاء من أمراء مملكة مهاباد الكردية في ذلك العصر.
وكان الأستاذ الطريحي قد بدأ حديثه بقوله:
كان أساس هذه الفكرة قد انطلق منذ بدايات دراستي للتشيع لدى الأمتين الكبيرتين التركية والكردية (قديماً وحديثاً)، وتمثل «كركوك» إحدى الحواضر المهمة لالتقاء هاتين الأمتين العريقتين على عديد من الأصعدة التاريخية والدينية والثقافية، فقد تهيأ لهذه الحاضرة من الظروف المؤاتية ما جعلها جديرة لئن تكون عاصمة لقاء القومي والروحي للترك والكرد على حد سواء، وأضفى عليها مزيج المذاهب الدينية المتنوعة، واختلاف الأعراف القومية لوناً باهراً لتجربة من التعايش القومي والديني امتدّ لقرون طويلة، كان يختلف قوة وضعفاً بحسب الظروف السياسية التي كانت تعصف بحاضرة كركوك وما أكثرها وخاصة في وضعها الحالي.
وقد استهواني البحث، وتجمعت لديّ مادة كبيرة من المعلومات والوثائق، وهكذا وجدت نفسي وقد توسعت فيه جداً بما تجاوز «كركوك» فعلاً لضرورات علمية استدعاها هذا التوسع، وكل ما رغبت فيه وانطلقت منه في ذلك هو تشخيص الملامح الاجتماعية والثقافية والتاريخية للجماعات المتشيعة التركية منها والكردية بمختلف مدارسها الفلسفية والمذهبية، وإيجاد مخرج مشترك يزيد من روابط هاتين الأمتين الكريمتين بأمة العرب من جهة، مع احتفاظ كل طرف منها بذاتيته وماهيته دون الذوبان في الغير.
وقال الأستاذ عباس البياتي الأمين العام للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق:
محددات الهوية الوطنية التركمانية
الهوية الوطنية العراقية للتركمان لم تنشأ عن قسر جغرافي أو قدر تاريخي أو اضطرار اجتماعي أو ظرف اقتصادي، بل فعل إرادي واع ورغبة صادقة بالانتماء وشعور عميق بذلك تبلور عبر التاريخ منذ اختيارهم الهجرة إلى وادي الرافدين حيث تحدوهم الرسالة الإسلامية، فكانت استجابتهم في ذلك سريعة حالهم كحال قبائل عربية كثيرة توجهت إلى هذا البلد الذي انفتح على الإسلام بكله وتدفق إليه المسلمون بشتى قومياتهم وقبائلهم على أنه جزء من الأراضي الإسلامية. وعندما انهارت الخلافة الإسلامية وكان آخرها العثمانية وتعينت الدول بشكلها الحالي لم يشعر التركمان سوى بالانتماء إلى هذه الدولة الجديدة التي تحددت حدودها وقام كيانها على الولايات الثلاث (البصرة – بغداد – الموصل) وهكذا تمّ الانتقال الهادئ من الانتماء ضمن الوطن الإسلامي العام إلى الانتماء الوطني الخاص. وقد ساهمت في تدعيم ذلك الانتماء وتلك الهوية عناصر ومقومات كثيرة منها:
أولاً: الدين، حيث يرتبط التركمان مع عامة الشعب العراقي بعقيدة واحدة ورسالة سماوية خاتمة هي الإسلام، حيث إنّ التركمان في العراق قاطبة مسلمون كما وأن أكثر من 90% من الشعب العراقي كذلك، وعليه فإن هذا الانتماء الديني المشترك من الروافد الأساسية لتعزيز الهوية الوطنية حيث يربط التركماني بالعربي والكردي من خلال الأخوة الإسلامية والسلوك الديني الموحد.
إنّ الإسلام يحث أتباعه من التركمان وغيرهم على حب الوطن وإعماره والدفاع عنه أمام الأخطار، وكل ذلك من منابع تقوية الشعور الوطني لدى التركمان باعتباره التزاماً دينياً إلى جانب سائر المنابع التاريخية والجغرافية والاجتماعية.
ثانياً: التاريخ، جاء التركمان إلى العراق عام 54 للهجرة والموافق 607 للميلاد، ومضى على وجودهم في بلاد الرافدين أكثبر من 1368 سنة أي قرابة أربعة عشر قرناً، وهذه الفترة التاريخية المديدة تركت تأثيرات عميقة في وجدان وشخصية الفرد التركماني ورسخت شعوره بالانتماء إلى هذه التربة جيلاً بعد جيل بحيث غدا العراق الوطن الأبدي والنهائي للتركمان ولا وطن بديل عنه، وبالإضافة إلى هذا التاريخ السحيق لوجود التركمان في العراق فإنّهم ارتبطوا مع سائر أبناء العراق بتاريخ مشترك وواجهوا معاً التحديات الكثيرة، وهكذا كانت للتركمان مشاركات واضحة في هذا التاريخ سواء القديم منه أو المعاصر حيث يذكر من تلك المشاركات الكاتب (شاكر صابر ضابط) في كتابه (موجز تاريخ التركمان في العراق).
ثالثاً: الإسهامات: كان للتركمان إساهامات بارزة سواء في بناء العراق وإعماره أو الدفاع والذود عنه، ولهم مواقف مشهودة في هذا الجانب وشخصيات معروفة وعلماء في شتى المجالات. فإنّ تلك الإسهامات دليل على وعي انتماء وتفاعل واندماج إيجابي.
رابعاً: الموقف من معاهدة لوزان، لقد نصت معاهدة لوزان في موادها (30-36) على أنه من حق التركمان والساكنين في ولاية الموصل الاختيار بين البقاء في العراق واكتساب جنسية الدولة الجديدة أو الرحيل إلى تركيا مع أموالهم خلال مدة سنتين. ومضت المادة القانونية ولم ترحل عائلة واحدة وفضّل الجميع البقاء فيه حيث نبتت جذورهم واختلطت دماؤهم وتجاورت مقابرهم مع سائر أبناء العراق، وهذا الموقف التركماني من أدل المواقف على وطنية التركمان وتمسكهم بهويتهم العراقية، وذلك لعدم وجود ما يشدهم في البلدان الأخرى من روابط عائلية أو عشائرية.
خامساً: الجانب الروحي. فإن 50% من التركمان في العراق من الشيعة، ومعلوم أنّ في العراق مراقد ستة للأئمة الإثني عشر للشيعة بالإضافة إلى مقر المرجعية الدينية في النجف الأشرف وهي القيادة الروحية الشيعية. وهكذا فإنّ الهوية الوطنية للتركمان تكتسب بُعداً روحياً راقياً ومتسامياً يجعل أرض العراق بالنسبة لهؤلاء التركمان أرضاً مقدسة وطاهرة ينبغي الدفاع عنها بكل غال ونفيس والانشداد إليها والاعتزاز بها.
سادساً: الموقع الجغرافي: فالتركمان يعيشون تقريباً في عمق العراق وبالذات في المنطقة الشمالية الأقرب إلى الوسطى، من هنا لا حدود جغرافية لهم مع أي من الدول المجاورة التي قد تحرك لديهم الروح الانفصالية وما شابه ذلك، وعليه فإن لهذا الموقع الجغرافي أثره في شدهم إلى المركز وتدعيم هويتهم الوطنية وتقوية تفاعلهم الإيجابي مع سائر أبناء العراق (انتهى).
الكاكائية في كركوك
من هم الكاكائيون، وما هي أصول مذهبهم؟ يتفرع السؤال إلى أسئلة عدة، من الصعوبة تحديد إجابة عنها. فهل هم بقايا جماعة الفتوة وتنظيمها، التي شجعها خلفاء عباسيون متأخرون، أم قبيلة كردية مسلمة تأثرت بالأديان الأخرى، فظهرت لديها تعاليم مزدوجة؟ أم أن المبشرين نصّروها؟ حاول المهتمون الإجابة، كل بحسب معلوماته وقناعاته، والمصدر شخص صبأ عن الكاكائية فتحدث عنها لتأكيد انتمائه الجديد، أو شيخ من شيوخها يرد بإجابات يقف عند مركز الأسرار. وتوحي هذه الطريقة في تسجيل تاريخ وطقوس الملل والنحل، بسطحية البحوث المستخلصة من تلك المعلومات، ناهيك عن احتمال تزويقها وكذبها.
أغرت هذه الطريقة السهلة، عدداً من المهتمين العراقيين، رجال دين وحقوقيين ومؤرخين معاصرين، مثل: الأب انستاس الكرملي، وأحمد حامد الصراف، وعباس العزاوي، وعبد الرزاق الحسني. غير أن هؤلاء، أصابوا أم أخطؤوا، بادروا إلى الكتابة في موضوعات غريبة ومشوقة، وغير معروفة آنذاك بعد، ففتحوا سبيلاً إلى دراسة تاريخ مذاهب محصنة في مناطق منيعة، مثل وديان وجبال كردستان العراق.
هناك روايات متناقضة في تاريخ الكاكائية الغالب منها مستخلصاً من حكايات غامضة، لعب فيها الرمز والإيماءة دوراً ملحوظاً. ويفرض هذا الغموض الأثر الصوفي العرفاني، وبوجوده تعد التعاليم والطقوس أسراراً مقدسة، لا يجوز البوح بها أمام الغرباء. لذلك تبدو معطياتها حطب ليل، جمعت من أفراد يرتابون عادة من الفضوليين، أو مستلة من مذكرات موظفين في المنطقة غير حياديين، أو من خواطر الرحالين الأجانب، الباحثين عن غرائب الشرق وخفاياه، وكتاباتهم لا تخلو من المبالغة، يقصدونها لشد القارئ الغربي.
حوت كتب ومقالات مرتبكة عديدة حول الكاكائية، ففي كتاب واحد مثل كتاب عباس العزاوي «تاريخ الكاكائية» نجدها ذات أصول صوفية، وفتوة. ولقلة المعلومات المتاحة جعل المؤلف معظم كتابه في تاريخ الفتوة، والتكايا، ولو خرصه لفضلت أوراق قليلة لها صلة بعنوانه. وفي مقال واحد، مثل مقال الأب الكرملي «الكاكائية» نجدها ديانة قديمة، ونصرانية، وخفية العقيدة. إنها أزمة البحث في مذاهب لم تذكرها الدولة بإحصاء أو تعريف، ولم تفصح هي عن نفسها إلا همساً.
الكلمة الكردية كاكا (الأخ) كانت وراء القول في صلة الكاكائية بالفتوة، المعروفة بالأخية أحياناً. شجع الخليفة الناصر لدين الله (ت622هـ) فتيان عصره، فوضع تنظيمهم العفوي تحت إشرافه العام 604هـ، بعد أن جعل من نفسه الفتى الأول، ثمّ تقلد رئاستها خلفاؤه، فيذكر أنّ حفيده المستنصر (640هـ) لبس سراويلها الخاصة، في مرقد علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالنجف.
كان الفتى، الذي يشار إليه اليوم بابن المحلة أو ابن الحي، صاحب أخلاق حميدة، وشهامة ونخوة، يرد الظلم والاعتداء عن أبناء محلته أو حيه. أمّا علاقة الفتوة بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فهي بحسب منشور الفتوة، الذي عممه الخليفة الناصر: «أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب هو أصل الفتوة ومنبعها، ومنجم أوصافها الشريفة ومطلعها، وعنه تروي محاسنها وآدابها، ومنه تشعبت قبائلها وأحزابها، وإليه تنتسب الفتيان» (الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، 534، عن تاريخ ابن الساعي). ولعل خلفية هذه المنزلة هي العبارة التي ذكرها المؤرخون، عند حديثهم عن معركة أحد، «لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار».
من مبررات القائلين بالتاريخ المشترك بين الفتوة والكاكائية، صلة الاثنين بعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، وذكر ابن بطوطة (779هـ)، من غير قصد، فتوة بلاد الأناضول (تركيا) بالأخية، ورد ذلك بقوله: «واحد الأخية أخي، على لفظ الأخ، إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية، في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالاً بالغرباء من الناس. وأسرع إلى إطعام الطعام، وقضاء الحوائج، والأخذ على أيدي الظلمة، وقتل الشرط ومن لحق بهم من أهل الشر. والأخي عندهم رجل يجتمع أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأغراب، والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوة أيضاً» (رحلة ابن بطوطة، 285-287). ومن دون أن يرمي إلى ربط الكاكائية بالفتوة، قال الرحالة الروسي (فلاديمير مينورسكي) حول الجماعة الكردية: «من طريف عاداتهم المؤاخاة» (الأكراد ملاحظات وانطباعات، 81)، ولا يعبر عن هذه الصفة بالكردية غير لقب الكاكائية.
لكن المبررات الآنفة لم تشر إلى تفرع الكاكائية عن الفتوة، إذا علمنا أنّ الأخيرة كانت تنظيماً شبابياً اجتماعياً عفوياً، يلعب فيه الفتى، البطل، دوراً محورياً. وهذا خلاف ما كتب مصطفى جواد في «مجلة لغة العرب» (نيسان/ ابريل 1930) بأنّها «مذهب حيوي ديني سلك بعد ظهور الإسلام لتهذيب الأخلاق، ونعش النفوس وبث العبقرية». وبعد حوالي ثلاثين عاماً، من مقاله الآنف، كتب واصفاً الفتوة: أنّها «مذهب إسلامي ديني اجتماعي، قد تطورت كسائر المذاهب الدينية والاجتماعية في الإسلام» (المجتمع العلمي العراقي، 5/1958). غير أن جواد في كتاباته حول الربط الصوفية والمذاهب الشبيهة بالكاكائية لم يشر إلى علاقة لها بالفتوة أو الأخية.
وواقع الحال، أنّ الفتوة ليست مذهباً، كسائر المذاهب، مثل الكاكائية، لأنّها تخص فئة اجتماعية معينة، لا تحل محل المذاهب، وليس لها عقيدة خاصة، لكنّها تعبر عن المذهب السائد في منطقتها. قال ابن جبير في تبعية الفتوة للمذاهب: «سلط الله على هذه الرافضة (الفتوة العراقية) طائفة تعرف بالنبوية، سنيون يدينون بالفتوة وبأمور الرجولة كلها، وكل من ألحقوه بهم لخصلة يرونها فيه، منها ما يحرمونه (يلبسونه) السراويل، فيلحقونه بهم، ولا يرون أن يستعدي أحد مهم في نازلة تنزل بهم، لهم في ذلك مذاهب عجيبة، وإذا أقسم أحدهم بالفتوة برّ قسمه، وهم يقتلون هؤلاء الروافض أين ما وجدوهم، وشأنهم عجيب في الأنفة والائتلاف» (رحلة ابن جبير، 280).
ظهرت الفتوة السنيّة بالشام، في مقابل الفتوة بالعراق، وكأنّها عودة إلى الصراع بين الشام الأموي والعراق العلوي في العقد الثالث من القرن الأوّل الهجري. فالفتيان العراقيون كانوا «يعقدون اجتماعهم في مسجد براثا، بغربي بغداد، وهو مسجد بني على رواية أنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما خرج لقتال الخوارج صلّى في موضع المسجد، ودخل حماماً في قرية براثا، ولذلك كان من مساجد الشيعة، وكان مسدود الباب مهجوراً، ففتح ابن الرسولي (رئيس الفتيان) بابه، وقلع الباب العتيق، ونصب عليه باباً جديداً، ورتب في المسجد من يراعيه (مجلة المجمع العلمي، 5/1958).
قال الكرملي: «لفظة كاكائي ليست اسم قبيلة، أو أمة أو قوم، أو بلد، إنّما هي لفظة كردية فارسية الأصل، معناها: الأخ فقالوا في واحدها العائد إلى هذه الجمعية السرية: كاكايا، على الطريقة الآرامية ومنهم من يلفظها كاكائي، مفرداً وجمعاً. فانظر كيف جمعوا في لفظة واحدة الفارسية والآرامية، وهم يريدون بذلك الأخ في المذهب (مجلة لغة العرب، 1928). والكرملي، بحسب النص المذكور ومينورسكي قبله، لم يقولا هناك صلة ما بين الكاكائية والفتوة، مثلما لا يمكن أن تكون صلة بينها وبين تسميات تنظيمات يتخاطب أفرادها بكلمة أخي، إشارة إلى مستوى العلاقة بينهم، أو تيمناً بأخوة المهاجرين والأنصار. وأفضل دليل على عدم الربط بذريعة الاسم أنّ إخوان الصفا كجماعة فكرية وفلسفية اتخذت الأخية اسماً لها من دون أن تكون لها علاقة بالفتوة.
وفي رأي آخر، ورد في تقرير الاستخبارات البريطانية عن العشائر الكردية، أن «الكاكائية بالأصل طريقة صوفية، دروشة، سواء من ناحية التنظيم أو المنشأ التاريخي» (خورشيد، العشائر الكردية، 89). ومؤسسها، بحسب التقرير الآنف، هو سلطان إسحاق بن عيسى البرزنجي. جاء ذلك مطابقاً لقول مينورسكي الآتي: «أما كشف الأسرار… فقد حدث في عصر بابا خوشين والسلطان إسحاق» (الأكراد ملاحظات وانطباعات 81).
وعلى رغم البُعد الديني الأيزيدي الذي أسقطه مينورسكي على طائفة أهل الحق، والكاكائية لم تكن بعيدة منها، والمتمثل بوجود مركز رئيس الملائكة في عقائدهم، إلاّ أن ريادة سلطان إسحاق في بلورة فرقة دينية، عرفت بهذا الاسم، جديرة بالاهتمام. فإسحاق في تأسيس الكاكائية. بحسب التقرير البريطاني، كان متأثراً بنحلة دينية قديمة كانت مزدهرة، يدعى صاحبها بابا خوشين، وهو الذي «جعل الزعامة وراثية في أسرته وحدها». وينقل عباس العزاوي، عن كاكائيين، أنّ إسحاق كان أوّل الظهور (الكاكائية في التاريخ، 41)، بمعنى أنّه المؤسس، ومرقده مزاراً كاكائياً في جبل هاورمان. يصف مينورسكي مكان المزار، أثناء رحلته العام 1914، بقوله: «قرية بيرديور في هاورامان، وهي قابعة وراء قمم وصخور وعرة، وتعتبر هذه البقعة من الأماكن الرائعة الجميلة الخلابة من حيث المناظر الطبيعية».
إن كلمة أخ و كاكا، التي سميت الكاكائية بها، لقب للتخاطب بين أفراد الفرقة أو العشيرة، ورد في «الأصل من خارجها، وهذا ما خضعت له فرق ومذاهب عدة، إذ عرفت بأسماء لم تخترها. شاعت حول التسمية حكاية تذكر فضل سلطان إسحاق أو أسرته في تأسيس الفرقة. ورد فيها: «أنّ أحد رؤسائها المؤسسين لها كان من السادة البرزنجية في أنحاء السليمانية، فبنى تكية في قرية برزنجة، وضعت لسقفها العمد، ولكنها قصرت عن جدار البناء، فقال لأخيه: مدها أيها الأخ، كاكا، ومن ثم مدها فطال الخشب كرامة، وصاروا يدعون بالكاكائية لهذه الحادثة» (الكاكائية في التاريخ 4).
لكن عباس العزاوي، الذي أصرّ على ربط تاريخ الكاكائية بالفتوة، ينفي هذه الحكاية الشعبية المتداولة، والمستخلصة من واقع الحال، بقوله: «إنّها الأخية، الطريقة المعروفة في بلادنا، وفي إيران، وفي الترك، وتنسب إلى أخي، وأصلها أنّ كل واحد من أرباب هذه الطريقة يدعو الآخر من جماعته بأخي، إضافة إلى ياء المتكلم، ويعنون أنّ أصحاب هذه الطريقة أخوة، أصلها التمسك بآية المؤمنين أخوة، والسير بمقتضى هذه الطريقة، وعلى كل تستند إلى أصل أنّها طريقة الفتوة» (المصدر نفسه، 5).
كذلك يبتعد العزاوي عن رأيه حين ينسب الكاكائية إلى طريقة صوفية، هي السهروردية، والدليل هو وجود قبر إبراهيم ابن السيد أحمد، جد رؤساء الكاكائية بمقبرة الشيخ عمر السهروردي ببغداد (المصدر نفسه، 41). وبالتالي تخلى عن أدلته في تأكيد العلاقة بين الكاكائية والفتوة، ومنها وجود محلة بكركوك تدعى بأخي حسين، أو وجود أشخاص يدعون بأخي فلان، أو بكك، مثل مبارز الدين كك، وحسام الدين كك. غير أنّ كلمة كاكا تعني الأخ الأكبر، الذي له اعتبار خاص في الأسرة، يتميز به عن سائر إخوته، فهي كلمة عامة، غير ملزمة لملة أو طريقة.
قال الكرملي معتمداً شهادة كاكائي صباً عن ملته، تعرف عليه العام 1896 ببغداد، يدعى سعود بن جمو: «طائفة خفية المعتقد والمذهب، مبثوثة في كركوك وأنحائها، ولهذا لم يذكر وجودهم أحد من الكتبة والمؤرخين، لأنّهم يخفون رأيهم الديني على كل إنسان، ويتظاهرون بالإسلام، في موضع يكون أكثر سكانه مسلمين، ويتظاهرون بالنصرانية، في المواطن التي يكثر فيها المسيحيون» (مجلة لغة العرب، 1928). لكن الكرملي يعود إلى حسم (بحسب المرجع الكاكائي الذي يدعي أنّه أثبت صحة أقوالهم بمطابقتها مع أقوال آخرين) أمر الكاكائية بأنّها نصرانية العقائد، بالقول: «اختاروا النصرانية على كل دين سواه» (لغة العرب، نيسان (ابريل) 1928). وبهذا ألغى عنها صفتها الإسلامية، وصلتها المفترضة بأصول قديمة.
بيد أنّ الكرملي، الذي نصر الكاكائية، بحسب ما وصله من معلومات شفاهية، ينفي وجود مذهب أو دين خالص، من منطقة وصفت بمتحف للأديان والعقائد، فهو القائل: «هذا الاختلاف يعود إلى طبيعة البلاد، فإنّها جبلية، وقد تناوب عليها أصحاب الأديان القديمة والعناصر المتباينة، وقد أبقى كل عنصر وكل معتقد، وكل مذهب شيئاً من بقاياها… وفي كل من تلك الأجيال بقايا قد اختلط بعضها ببعض حتّى أنّه يستحيل على كل عاقل الوصول إلى قرار الحقيقة. والذي يحاول البلوغ إليه يطلب المحال». ليس بعيداً أن يكون ميل الكاكائية إلى المسيحية ادعاء أدعاه كاكائيون أمام رجل دين مسيحي، فقد سبقت الإشارة إلى ريبة الكاكائيين من الآخرين. فهم مسلمون أمام المسلمين ومسيحيون أمام المسيحيين. وهذه ليست المرة الأولى التي يتوهم فيها الكرملي ويضفي الصبغة المسيحية على جماعات دينية، فقد كتب عن الصابئة المندائيين، وهم أهل دين قديم، سلسلة مقالات في مجلة «المشرق» البيروتية، ورد في العدد (3/1900) قوله: «اقتبست آراء من النصرانية قبسة العجلان، وفي القرون الأولى للمسيح كتبت بعض كتبهم». ولولا أنّ الأب الكرملي لم يثلب بالتعصب ومصادرة التاريخ، وليس له أغراض أكثر من خدمة العلم واللغة العربية، لنعت ما خبره في المجلتين المذكورتين بالدعاية التبشيرية.
قال مينورسكي، كشاهد عيان، نافياً تأثّر المذهب الكاكائي، الذي يذكره ضمناً، بالمسيحية، فإنّه «بجميع أبعاده واتجاهاته العامة لا يجتمع مع المسيحية في شيء». كذلك أكد عباس العزاوي، أثناء تجواله بالمنطقة، إسلامية عقائد الكاكائية، مع وجود الغلو فيها، على حد زعمه، المتصل، هذه المرة، بالحسين بن منصور الحلاج (ت309هـ)، وأنّهم يحرمون الخمر، ويحترمون يومي الاثنين والجمعة، ويتلون الأدعية الخاصة فيهم، ويقرون الطلاق، ولكن برضى الرجل والمرأة، فهو عندهم كعقد الزواج، لا يجوز إلاّ برضاء الاثنين، لكنهم لا يبيحون تعدد الزوجات، وألا يتزوج الشيخ ابنة مريده، ولا يتزوج المريد ابنة شيخه (الكاكائية في التاريخ، 70/71). خلا ذلك أجاب شيخ الكاكائية على استفسار العزاوي عن حبهم لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، بسؤال أحرجه: «وأنتم هل تكرهونه؟» ثم أردف الشيخ قائلاً حول ما يشاع عنهم: «ليس لنا من هذا النوع أكثر من أننا مسلمون، نؤمن بالقرآن» (المصدر نفسه، 29).
المقبول من الآراء، بحسب المصادر التي بين أيدينا، أنّ الكاكائية عشائر كردية مسلمة، غلب عليها هذا الاسم قديماً، مالت إلى التطرف في محبة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لذلك عدهم البعض من (العلي آلهيين) وتأثروا بالأديان المحيطة بهم، وساعدتهم الجبال في الحفاظ على عقائدهم فترة طويلة.
من أهم كتب الكاكائية، المشتركة مع أهل الحق وغيرهم «خطبة بيان» المنسوبة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام). قال حاجي خليفة (ت1067هـ): «سبعون كلمة، أولها: الحمد لله بديع السموات وفاطرها إلخ، قيل إنّها من المفتريات ولها شرح بالتركية في مجلد» (كشف الظنون). وقال آغا بزرك الطهراني: «من الخطب المشهورة نسبتها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولها نسخ مختلفة بالزيادة والنقصان… لم يذكرها الرضي في نهج البلاغة، وكذا لم يذكرها ابن شهر آشوب في المناقب، في عداد خطبه المشهورة» (الذريعة في تصانيف الشيعة). ومن كتبهم أيضاً، «جاودان عرفي» وهو كتاب الطريقة الحروفية الصوفية، وكتاب «حياة» و«التوحيد» لسلمان أفندي الكاتبي، و«سرانجام»، الذي طبعه مينورسكي باسم «سه ره نجام» قبل 1914، وكان مدوناً بالكردية (الأكراد ملاحظات وانطباعات، 83). تضاف إلى هذه الكتب دواوين شعرية، تتلى كأدعية وابتهالات.
أما مزاراتهم، التي يشاركهم فيها آخرون هي: مزار سلطان إسحاق، في جبل هورمان، ومزار سيد إبراهيم بين مقبرة الشيخ عمر والباب الأوسط ببغداد. ودكان داود، وصاحب المزار المذكور كان خليفة السلطان إسحاق، يقع بين سربيل وباي طاق، في كهف جبل. ومزار زين عابدين في داقوق، أصل محله كنيسة. ومزار أحمد بكركوك، بمحلة المصلى. ومزار عمر مندان بكفري، وهو غير عمر مندان الواقع في طريق كركوك – أربيل (الكاكائية في التاريخ، عن شيخ الكاكائية في الأربعينات).
حدد تقرير الاستخبارات البريطانية، حدود المنطقة التي توجد فيها الكاكائية بالآتي: شمالاً بارون داغ والتلال المجاورة، جنوباً الطريق الرئيسي، الواصل بين تازة وطوزخورماتو، وشرقاً منطقة حويجة، وغرباً السهل الممتد من جبل حمرين، وقره علي داغ. ويصحح مترجم التقرير، حدود الكاكائية بالآتي:جنوباً السهل الممتد من حمرين، وقره علي داغ، وشرقاً الطريق الرئيسي بين تازه وطوز خورماتو، وغرباً منطقة حويجة.
وأشار التقرير إلى موطنهم الرئيسي في العراق بناحية طاووق بكركوك، وبين خانقين وقصر شيرين على الحدود العراقية الإيرانية، وعلى ضفاف الزاب الكبير، ويعرفون هناك بالصارلية، كما لهم وجود ملحوظ بتلعفر. عدهم الكرملي العام 1928 بحوالي عشرين ألف نسمة، وفي كركوك لهم 60 بيتاً، وعلى نهر الزاب 480 بيتاً، وفي خانقين نحو 560 بيتاً.
رشيد الخيّون
في كركوك
زرت كركوك سنة 1940 فكان مما كتبته عن هذه الزيارة ما يلي:
وفي الصباح خرجنا نطوف في البلدة فإذا هي من أهم المدن العراقية سعة وعمراناً فيها الجواد المنسقة والأسواق الجديدة والفنادق الكبيرة، ولكن إلى جانب هذه المظاهر العمرانية الحديثة تقوم مظاهر القدم في كثير من الأحياء والأسواق والدروب.
ويخترق كركوك فرع من نهر (العظيِّم) ويسمّونه هناك نهر (جاي) وهو ينضب في الصيف وينقطع ماؤه وعليه جسر جميل يوصل طرفه إلى تل عظيم يشرف على النهر. ويقوم على التل حي كبير من أحياء البلدة يسمّونه (القلعة) كان في الماضي قلعة البلدة فاستحال اليوم بعد أن ذهبت قيمة أمثال هذه القلاع إلى بيوت ومساكن، فمشينا إلى التل وصعدنا في زقاق هو عبارة عن درج انتهينا منه إلى أعلى التل ورحنا نسير في القلعة.
وقد طفنا دروب القلعة فهبطنا وصعدنا حتى وصلنا إلى مدرسة دينية رأينا فيها فريقاً من الطلاب الشيوخ يدرسون بالعربية ويفسرون بالتركية ثمّ انتهينا إلى مقام النبي (دانيال) فإذا هو زاخر بالنساء فلم نستطع الدخول إليه ورأينا عليه منارة قديمة العهد، وشاهدنا من بابه قبراً ومنبراً في الداخل ورحنا نحاول الوصول إلى الطرف الثاني من القلعة فاجتزنا الأسواق ثمّ وصلنا إلى (القيسرية) وهي تشبه الخانات التجارية في دمشق من حيث إنّها بناية واحدة، ولكنّها تختلف عنها بأن داخلها أسواق متعددة لأصناف متنوعة من البضائع فتخرج من سوق لتدخل في سوق آخر.
وبعد ساعات أخذنا السيارات نؤم ينابيع الثروة وعماد حياة الأمم في العصر الحاضر، نؤم آبار النفط فكانت أعمدة اللهيب تتسامى أمامنا ضاربة في عنان الجو، ثمّ كنّا بين التلال نقف أمام النار الأزلية التي لا تنطفئ والتي يطلق عليها الأهلون هناك الاسم المقدس (باب كُر كُر) فرأينا منظراً عجيباً: ناراً تنبع من قلب التراب ولهيباً يفور من صميم الأرض لا تطفئه الثلوج ولا تخمده الأمطار ولا تزيده الأيام إلاّ ضراماً.
وغير عجيب أن يقدسه الأقدمون وأن ينحنوا لجلاله فإنّ مشهده رائع رهيب ولم يقل تقديس المعاصرين له عن تقديس الأقدمين. وإذا كان الأقدمون قد قدّسوه لأنّهم رأوا فيه قوة خارقة لم تدرك كنهها عقولهم، فإنّ المعاصرين يقدسونه لأنّهم رأوا فيه قوة خارقة أدركت كنهها عقولهم. وشتان بين التقديسين… ثمّ أخذنا في طريق بين الربوات وكانت آبار النفط تبدو حوالينا وروائح النفط تنتشر في الفضاء، فكنا نميل إلى الآبار ونقف عليها ونتملى من مشاهدتها (انتهى).
وعن بابا كُركُر الذي مرّ ذكره يقول نصرت مردان:
الذهب الأسود وآبار (بابا كركر) النفطية في كركوك رديفان في المعنى. فهذه الآبار التي تبعد سبعة كيلومترات عن (قلعة كركوك)، تنضح بالنفط منذ أقدم القرون والأزمان. وعن تسمية (بابا كركر) يقول العلامة مصطفى جواد في مقاله المعنون (كركوك في التاريخ) المنشور في العدد 40 عام 1954 من مجلة (أهل النفط):
ثمة صلة بين (بابا كركر)، وكوركور التي ذكرها بطليموس، مع أنّ بابا كركر تسمية حديثة لم تعرف قبل احتلال العثمانيين الأتراك وما حوله وفيها. (بابا) ويعني بالتركية (الأب) و(كوركور) تدل بالتركية على (النور والنار). فبابا كوركور يدل بصورته وتركيبته على أنّه اسم إنسان، لم يعرف إلاّ في العصور المتأخرة ولا يرتقي تاريخه إلى أكثر من أربعمائة سنة ولا يكاد يبلغها.
حكايات عن (بابا كُركر)
استعمل (الزفت والقطران) النبي نوح في بناء سفينته. كما أنّ أم النبي موسى استعملته في صنع الصندوق الذي وضعت فيه ابنها موسى ثمّ ألقته في النيل. كما عثر إمبراطور الصين على النفط عند بحثه عن الملح في 320ق.م. ويرد في كتاب (بلينوس) أنّ أهل بابل استعملوا النفط في تعبيد الطرق وإصلاحها. كما يرد في أسفار (العهد القديم)، أنّ النبي دانيال قد عثر على مصادر النفط في بلاد بابل. ويُقال إنّ نبوخذ نصر قد قذف النبي دانيال بنيران بابا كُركر مع اثنين من مريديه عقاباً له. كما تذكر المصادر التاريخية أنّه تمّ إيقاد المشاعل احتفاء بالإسكندر الأكبر على طول الطريق المؤدي إلى كركوك. وفي العهد العباسي صنعت من النفط القذائف الحربية، وأطلق على تلك القذائف «نار الإغريق». كما أنّ النفط كان يعتبر دواءً لقروح الإبل، والأمراض الجلدية كما دلت الحفريات التي قامت بها مديرية الآثار عام 1943 بموضع يسمى «حسونة» إنّ القار استعمل لطلاء الحفر والشقوق لمخازن الحبوب، وأنه استعمل لتركيب أسنان حجر الصوان في المناجل، ويؤيد هذا الادعاء جدران الهيكل في بابل الذي يرجع عهده إلى أكثر من 600 عام ق.م. المحلاة بصورة حيوان خرافي مثبت فيها بالقار. كما لعبت نيران بابا كركر في معتقدات الكركوكيين حيث كانت النساء تزور المنطقة، تبركاً وطلباً للنذور. وكن ينبشن التراب بعود فإذا اشتعل النار اعتبرن ذلك فألاّ حسناً وبشرى تدل على تحقق النذر قريباً.
قبل القيام باستخراج النفط من منطقة (بابا كركر) بتاريخ 14 تشرين الأول 1927، حيث تمّ البدء بأعمال الحفر في 5 نيسان 1927 بالتقنيات الحديثة، كان يتم جمع النفط بكميات ضئيلة لأنّها كانت تنبثق في الأساس من آبارها في باطن الأرض على شكل نزيز وكانوا يستعملونها بشكلها الخام أو بعد معالجتها معالجة بسيطة، وقد دامت هذه الحالة زهاء ثمانية آلاف سنة أو أكثر.
وعرف النفط كوسيلة للإنارة والتدفئة في كركوك منذ أقدم الأزمان. وكانت عائلة (النفطجي) المعروفة في كركوك، التي تمتلك أراضي (بابا كركر) هي التي تقوم باستغلال النفط واستخراجه بأساليب بدائية وقد تمكنت من الاحتفاظ بحقها في الاستثمار في العهد العثماني بموجب فرمانين رسميين صدرا في 1638 و1785.
وكان الفرمان الأخير ينص على ما يلي:
إلى قاضي كركوك، استناداً على الطلب المقدم من قبل كل من إسماعيل وحسين آغا آل نفطجي، أصدرنا أوامرنا باستفادة المومأ إليهما من نفط آبار (بابا كُركر)، دون أن يكون لغيرهما الحق في اكتساب أية حقوق من هذه الآبار. حيث إنّ الآبار الواقعة قرب نهر أدهم (نهر خاصة) والممتدة حتى منحدر بهلول غرباً وحتى مزرعة (قزل يار) ومن جنوب شمال وادي مرعى وحتى جبال صائبة امتداداً إلى حدود الموصل ولا يحق لغير آل نفطجي زادة الاستفادة مما جاء في الفرمان الذي صدر في 1196 هجرية.
يرد في حوليات الموصل (موصل سالنامه سي)، وهي «إحصائيات سنوية اعتادت الحكومة العثمانية على إصدارها عن عوائد القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، والمشاريع المنفذة في ولاياتها المختلفة»، أنّ الإنتاج السنوي للنفط في آبار (باب كُركر) بكركوك، يبلغ 100 ألف قية. وأنّ النفط ينبثق من آبار عمقها متران أو ثلاثة أمتار ممتزجاً بالماء.
كان يتم جمع النفط بوضع خرق في الآبار، تعصر فيما بعد في طسوت خاصة، يوضع بعدها في جرار وتحمل على ظهور الدواب. وكانت تطلق على تلك الجرار (ليلان جره سي – جرار ليلان) وليلان بلدة تركمانية قريبة من كركوك اشتهرت بصنع تلك الجرار. وكانت كل جرة تعادل أربعة غالونات بالمقاييس السائدة حالياً وكان يتم جمع الإيرادات في كلّ ثلاثة أشهر صيفاً حيث يبلغ الإنتاج اليومي من النفط 15 جرة أي 120×15 حيث يساوي 1800 جرة. أمّا في الشتاء فكان الإنتاج اليومي يبلغ 25 جرة أي 120×25 ويساوي 3000 جرة. ويأتي ارتفاع الإنتاج في موسم الشتاء بسبب ازياد الحاجة لاستهلاكه لأغراض التدفئة. وكانت الحكومة تتقاضى ما مقداره ثمن الإيرادات لتصفية النفط الخام. ورغم اتفاق شركة كولبنكيان للتنقيب على النفط في آبار بابا كركر في أواخر حكم السلطان عبد الحميد إلاّ أن عائلة النفطجي استمرت في الحصول على حصة من النفط بعد انتقال الملكية إلى شركة نفط العراق وحتى عام 1948.
يعتبر تركمان العراق منطقة (بابا كركر) ونيرانها الأزلية المشتعلة منذ أقدم العصور، رمزاً ومعلماً من معالم مدينتهم كركوك، وهم لا يزالون يفتخرون بتخليد هذه المنطقة التي احتلت مكانة هامة في حياتهم اليومية، في أغانيهم وقصائدهم ونادراً ما تخلو قصائد شعرائهم الحداثيين والتقليديين على حد سواء، من أبيات نابضة بالمحبة والمودة نحو (بابا كركر) التي تحمل النار والنور إلى مختلف بقاع العالم بعد أن حملتها إلى بيوتهم منذ أقدم الأزمنة.
تركمان في المهجر
وقد نال تركمان كركوك ما نال غيرهم من العراقيين من مظالم طاغية العراق صدام التكريمي فهجروا فيمن هُجّر.
وعن آثارهم الفنية في مهاجرهم يقول نصرت مردان:
مثلما أفرزت ثقافة المنفى العراقية حصادها الثقافي في مجالات شتى، متحررة من حدود قوقعة المكان بشكل عام، لم يعد غريباً أن تشكل الثقافة الهاجس الرئيسي للشعراء والكتاب والفنانين التركمان في شتى مناحي المنفى. وقد أظهروا رغم ظروفهم المادية والمعنوية الصعبة قدرتهم في تكريس قدراتهم الإبداعية، مؤكدين في كل مكان وصلوا إليه من المنفى أصالة صلاتهم مع الوطن، والتي بقيت مشوبة دائماً بالحنين والشوق، تعلن عن نفسها من خلال نص شعري أو قصصي أو مسرحي أو لوحة أو إصدار ثقافي.
إنّ نتاجات التركمان الثقافية في المنفى خلال أيام عام 2001 لم تكن استعراضية بل كانت قائمة على الامتداد إلى مجالات وفضاءات متعددة لأنّها لم تأتِ من فراغ بل كانت ثمرة خبرة وتوارث وتفاعل أصيل مع موروثهم الثقافي الإنساني.
إصدارات ثقافية
دشنت مجلة (قارداشلق – الأخاء) التي تواصل صدورها في استانبول من مؤسسة (وقف كركوك) منذ عام 1999 والتي يشرف على تحريرها الدكتور صبحي صاعتجي، اهتماماتها الثقافية بإصدار كتابين هذا العام هما: الشاعر التركماني (محمد راسخ أوزتوركمن، حياته وشعره) والشاعر من مواليد محلة (بكلر) بكركوك 1980 وينتمي إلى عائلة النفطجي المعروفة، وقد توفي باستانبول عام 1936، والطبعة الثانية لكتاب (الأمثال الشعبية لتركمان العراق) للكاتب إحسان صديق وصفي الذي يشمل مسحاً للأمثال والتعابير الشعبية في كركوك وأربيل وطوزخورماتو وكفري وخانقين، وكانت الطبعة الأولى قد صدرت ببغداد عام 1985، والمؤلف من الباحثين التركمان المعروفين في دراسة التراث الشعبي.
كما صدرت دراسة مهمة للكاتب والمخرج المسرحي عصمت الهرمزي (التمثيل، نحو الفن الحقيقي الأبدي) حول إعداد الممثل، وقد تحدث المؤلف عن أهمية إعداد الممثل وتفعيل تركيزه على الدور كما في حالة الوجد لدى المتصوفة، لأنّ مثل هذا التواصل سيدفعه إلى التواصل وديمومة حالة التقمص. كما قام الهرمزي بترجمة مسرحية (أهل الكهف) لتوفيق الحكيم إلى التركية وعرضها خلال العام الحالي من على مسرح الدولة بمدينة (أدنة). وقد صدرت في أنقرة مجلة (بابا كوركور) عن رابطة أدباء التركمان في المنفى. وقد خصصت المجلة عددها الأول للشعر التركماني المعاصر.
كما أصدر الدكتور إبراهيم الداقوقي كتاباً بعنوان (صورة الأتراك لدى العرب) عن مركز دراسات الوحدة العربية. ومن منشورات (دار الجمل) صدرت ترجمة نصرت مردان لرواية (محمد الفاتح) للروائي التركي نديم غورسيل. وفي توركمانستان صدر كتاب (انطولوجيا الشعر التركي) للروائي التركمانستاني (أورال ياغمور) تضمن مختارات شعرية لأدباء الدول الناطقة بالتركية، وقد اختار نصوصاً شعرياً لنصرت مردان كنموذج للشعر التركماني العراقي. وفي باكو عاصمة أذربيجان صدرت أنطولوجيا شعرية مماثلة للشاعر لنجل الروائي (آنار رضا) رئيس اتحاد الكتاب الآذربيجانيين، وهو نجل الشاعر المعروف (رسول رضا)، اختار بدوره نصوص كل من نصرت مردان والشاعر مصطفى ضياء كنماذج للشعر التركماني المعاصر. كما قامت سومر نصرت مردان بترجمة ملحمة (ارزو وقنبر)، درة الملاحم التركمانية في الأدب الشفاهي إلى اللغة الفرنسية، وتعتبر هذه الملحمة من الملاحم التي تناقلتها الأجيال عبر قرون، إلى أن قام بدوينها الباحث التركماني المعروف الأستاذ عطا ترزي باشي بعد أن نقلها كما هي عن رواية إحدى الأمهات التركمانيات الأميات في عام 1964.
(هذا الحب حتى الموت) عنوان الكتاب الجديد للكاتب الآذربيجاني (غضنفر باشاييف) يتحدث فيه عن التراث التركماني وثرائه، ورحلة الكاتب إلى كركوك وتعرفه على أدبائه وشعرائه وإلى المناطق التركمانية الأخرى في تلعفر وآلتون كوبري وطوزخورماتو. والمعروف أنّ باشاييف، باحث متخصص في دراسة التراث التركماني حيث أصدر لحد الآن أكثر من ثمانية كتب في هذا المجال كما أعد وبنفقته الخاصة متحفاً للتراث التركماني العراقي في العاصمة باكو. كما نظمت في باكو مسابقة شعرية باسم (فضولي البغدادي) مؤسس الشعر التركماني العراقي في باكو للشعراء الشباب فاز فيه شعراء شباب من كركوك بجوائز تقديرية.
معارض وعروض غنائية
وفي كانون الأوّل 2001 أصدرت (منظمة حقوق الإنسان لتركمان العراق في الاتحاد الأوروبي) جريدة (صوت التركمان) باللغة العربية، وكما جاء في الافتتاحية فإنّ الجريدة تهدف بالدرجة الأولى، إلى عرض القضية التركمانية على الرأي العام العربي والعالمي بعيداً عن التشويه، وإيصال الحقيقة كاملة كما هي باعتبارها قضية فوق الميول السياسية والدينية والمذهبية، وألقى (كريستيان بلوط) المختص بالآداب التركية بجامعة غوتونبورغ بألمانيا، محاضرة عن الثقافة التركمانية في العراق. وقد شارك الدكتور أكرم باموقجي في معهد الثقافة والتربية في العاصمة الآذربيجانية باكو تحدث فيه عن معاناة التركمان وهويتهم الثقافية.
لم تقتصر فعاليات التركمان العراقيين في المنفى على الأدباء والشعراء فحسب بل كان للرسم والحفلات الغنائية دورهما في هذا المجال فقد أقام الرسام التركماني المعروف (عباس أرناي) معرضاً شخصياً في قاعة جامعة (بيلكنت) بمدينة أنقرة اشتمل على لوحات تراثية وبورتريهات لشخصيات أدبية وثقافية. كما قدم المغني الشاب (عمر تروكمن أوغلو) مقاطع من بعض الأوبرات العالمية وذلك في العاصمة الآذربيجانية باكو. كما عرض الرسام والخطاط (حسين بالم) نتاجاته في قاعة كلية الصناعات المهنية بأنقرة.
وأقيمت بمدينة (أروس) الدانماركية حفلة غنائية باسم (ليالي كركوك) شاركت فيها المطربة (إجلال آق قبلان) قدم خلالها المطرب المعروف (عبد الرحمن قزل آي) فاصلاً من المقامات الكركوكية (الخوريات) وباقة من أغانيه الشعبية المعروفة. كما التقى الفنان المسرحي عصمت الهرمزي بالجمهور وتحدث إليهم عن تجربته المسرحية ومعاناته في تأسيس المسرح التركماني في العراق. وقدم في الحفل المطرب (إبراهيم رؤوف) عدداً من أغنياته. وقد قام المطرب (قزل آي) بإحياء عدد من الحفلات في هولندا وبلجيكا والسويد.
وفي مركز (سليمان دميرال) بمدينة قونية التركية قدمت الفرقة الشعبية التركمانية عروضاً فولكلورية، كما قدم الكاتب (جلال بولات) لوحة مسرحية عن الشهيدة (زهرة بكتاش) التي قامت بالانتحار حرقاً بعد قرار ترحيل عائلتها عن كركوك.
بعد أيام ستنطوي السنة الأولى من الألف الثالثة، وسوف تزداد حاجة التركمان في منايهم للاحتفاظ بهويتهم وتفاعلهم مع إخوانهم العراقيين، وسيظل التركمان يحولون همومهم إلى قصائد حب أو لوحات تحمل الطيف العراقي، راسمين بذلك، شوقهم المتفاقم إلى الوطن الذي يزداد يوماً بعد يوم رغم بُعد المسافات ومرارة المنافي.
كرمان
كانت مقاطعة كرمان تعتبر من المراكز المهمة في إيران على عهد الحكم الساساني، حيث إنّ مؤسس السلالة الساسانية ينتمي إلى هذه المنطقة. بل إنّ بعضاً من الملوك الساسانيين، مثل: بهرام الخامس كان قد لقّب وليّ عهده بـ «كرمانشاه»، فأعطاه بذلك أهمية خاصة.
يعتقد البعض أنّ اسم «كرمان» يرتبط بحشرة خرافية (كرم بالفارسية: حشرة)، يقولون: إنّها كانت استثنائية وذات هيكل ضخم، وكان سكان قرية تقع إلى الشرق من كرمان الحالية يتعاهدون هذه الحشرة بالحفظ والمراقبة وقد كانت تنمو سريعاً وتدريجياً أصبح هؤلاء الناس يعتقدون بأنّ سعة العمران والزراعة في قريتهم إنّما مبعثه بركة وجود هذه الحشرة الخرافية، فأضحت تلك المنطقة تعرف بـ «كرمان» نسبة إلى «كرم» أي: الحشرة.
إنّ كرمان كانت معروفة من قبل أن يحكم الساسانيون، ولكننا لا نستطيع أن نقطع بأنّ اسم كرمان كان يطلق على كرمان المعروفة حالياً في تلك العصور، أو أنّ هذه المدينة كانت موجودة فعلاً في موقعها الحالي.
وأوّل من ذكر كرمان هو: بطليموس الذي عاش في القرن الثاني الميلادي، ولكنّه من غير المعلوم أنّه كان يقصد كرمان الحالية.
يذهب البعض إلى الاعتقاد بأنّ أردشير الساساني هو الذي بنى هذه المدينة، وهو قول له أساس وواقعية، فأردشير بعد أن فرغ من بناء المدينة المعروفة باسمه بنى إضافة إليها قلعتين، تعرف الأولى بقلعة أردشير، والثانية بقلعة دختر (البنت)، وما تزال هاتان القلعتان مستقرتين إلى الشرق من مدينة كرمان الحالية.
إنّ كرمان كانت من مراكز إيران المهمة جداً على العهد الساساني، وكان عليها حاكم يدعى (مرزبان)، ولم يمكن التحقّق بعد من تاريخ فتح جيوش المسلمين لكرمان، حيث إنّ قسماً من كرمان كان تحت تصرف المسلمين على عهد خلافة عمر بن الخطاب (634-644 ميلادي)، إلاّ أنّ ذلك التصرف كان مؤقتاً، فبمجرد مقتل عمر تمرّد أهالي كرمان على المسلمين وبعد مدة قصيرة من فرار يزدجرد آخر ملوك الساسانيين من مدينة يزد التجأ إلى كرمان ثمّ فرّ إلى خراسان وقتل هناك على يد (آسياباني).
وقد استمرّ تمرّد كرمان إلى زمن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، إذ استولى عندئذ جنده على المدينة وأخضعوا أهلها لدار الخلافة.
لقد كان العرب يطلقون اسم (بردسير) على (اردشير)، وكانت هذه المدينة على العهد الإسلامي مدينة عامرة، وفي السنة التسعين للهجرة يذكر تاريخ مكران أنّها مدينة كبيرة يسكنها جمع غفير من الناس، وتشتهر بصناعة الأسلحة وأنواع من الشال، غير أنّها بالقياس إلى سيرجان التي كانت تعتبر مركز الولاية، تعدّ أصغر منها وأقلّ أهمية.
إلاّ أنّ سيرجان في سنة 928 ميلادية (316 هجرية)، فقدت بعض أهميتها ومركزيتها، لأنّ أبا علي بن الياس الذي نصّبه السامانيون والياً على كرمان، نقل مركز الولاية من سيرجان، وانتخب بردسير بديلاً عنها، وذلك لأنّ سيرجان كانت عرضة لهجمات البويهيين. وقد كان نفوذهم في ذلك التاريخ يتعاظم.
ولم يمض أكثر من أربعين سنة من انتخاب هذا الموقع مركزاً للولاية حتّى بدأ تراجع أبي علي وولده، وتمكّن عضد الدولة الديلمي من أن يهزم الأب وولده ليستولي على بردسير.
وفي أوائل القرن الحادي عشر الميلادي أحكم الأتراك السلجوقيون سيطرتهم بزعامة طغرل بيك على القسم الأكبر من إيران، وفي سنة 1041 ميلادية استولى قاورد ابن أخ طغرل بيك على ولاية كرمان. ولثمانية أعوام منذ ذلك التاريخ أخضع قاورد بردسير لحكمه، ونتيجة للياقته وكفاءته وقوة شخصيته استطاع أن يؤسس حكماً لسلالته في هذه الولاية طوال 138 سنة، وكان هذا الحكم مستقلاً نسبياً عن المركزية السلجوقية.
لقد انقرضت السلالة السلجوقية في كرمان عام 1187 ميلادي على أثر هجوم الأتراك على الولاية، ولمدّة ثلاثين سنة كانت المنطقة عرضة لحوادث العصيان والتمرد والفوضى والحروب الأهلية بين الطوائف.
وقد سلمت هذه الولاية من هجوم المغول، فكانت مدن بردسير، وسيرجان، وغيرها من توابع كرمان في أمان من قتل وسلب المغول الذين غزوا معظم البلاد الإيرانية، وبعد ذلك بسنتين تمكّن شخص يدعى «براق الحاجب» من بسط نفوذه، بحسن تدبيره وسياسته، على كرمان بعد أن انتزعها من يد الحاكم السابق، ونصّب نفسه خليفة، وتلقّب بـ «قتلغ بيك».
استمرّ حكم أسرة «قتلغ بيك» في كرمان حتّى عام 1307 ميلادي، وكان حكمهم في الظاهر خاضعاً لسلاطين المغول، ومن أهم أحفاد «قتلغ بيك»؛ ابنته «تركان خاتون» التي حكمت كرمان من سنة 1258 إلى سنة 1282 ميلادية، وقد كانت تركان خاتون ذات شخصية قوية، وإرادة فولاذية، وكانت مهتمة بالعمران، فبنت عدداً من القرى وأحدثت عدداً من القنوات المائية في كرمان. وتوجد قبة خضراء تشير إلى قبرها، تعرّضت للتصدع والخراب على أثر زلزال ضرب المنطقة عام 1896 ميلادي.
وتعدّ هذه القبة من جملة الآثار التاريخية المهمة في كرمان. وفي عهد تركان خاتون مرّ بكرمان السائح العالمي المعروف ماركو بولو، وقد كان يعبّر عن إعجابه وانبهاره بفنون الصناعات والمهارات اليدوية التي كانت تصنعها النساء في كرمان، بالإضافة إلى الصناعات الشهيرة التي كان يقوم بها الرجال.
وتشتهر كرمان في القرن الثالث عشر الميلادي بالعارف الرباني المشهور شمس التبريزي، الذي كان تلميذاً للعارف ابن الأعرابي.
بقيت كرمان تحت حكم المغول من عام 1307 إلى عام 1340 ميلادي، ولكن منذ ذلك التاريخ استطاع مبارز الدين أن يستولي على الحكم فيها. وفي عهد عماد الدين شقيق مبارز الدين تمّ بناء مسجد (باينار) في كرمان، وهو بناء قائم إلى يومنا هذا.
ثمّ إنّ جيوش تيمورلنك طردت من كرمان أسرة المظفريين. وكان الأمير شاهرخ ابن الأمير تيمور يولي اهتماماً وعناية فائقة بشاه نعمة الله الصوفي المعروف الذي طبقت شهرته الآفاق وبلغت الشام والهند، وقد كان هذا الصوفي يتخذ في عام 1409 ميلادي من ماهان التي تقع على مقربة من كرمان محلاً لإقامته، وإلى عام 1431 ميلادي (عام وفاته) كان يسكن هناك، حيث توفي بعد أن جاوز عمره أكثر من مائة عام. وقد أسس شاه نعمت الله فرقة صوفية خاصة، وبنى خانقاه خاصة للدراويش في ماهان. وعلى قبره شيّدت قبّة ومزار بعد وفاته، ويعتبر بناء مزاره من أجمل الأبنية الإيرانية، وهو محلّ حجّ العرفاء وأهل السلوك، وعلى أطراف المزار توجد بساتين جميلة، كما بني إلى جواره خانقاه، ولفرط جمال هذه المباني في المنطقة فإنّ كثيراً من السواح يقصدونها، ويطلقون عليها اسم (جنة الأرض).
وبعد انقراض الأسرة التيمورية خضعت كرمان لسيطرة التركمان المعروفين بـ (قره قويونلو) – وبعدهم استولت سلالة (آق قويونلو) – على الولاية، ومن بعدهم الأسرة الأوزبكية وفي عام 1502 أحكم الشاه إسماعيل مؤسس السلالة الصفوية سيطرته على الولاية ومركزها، وطرد منها تركمان (آق قويونلو).
في تلك الأيام المعاصرة لتلك الفترة كان اسم كرمان منحصراً ببردسير، فهذه المدينة بقيت تعرف لفترة من الزمن بـ (مدينة كرمان)، وبالتدريج حذفت كلمة (مدينة)، وأطلق على الولاية بأكملها اسم (كرمان). وهناك منطقة تقع جنوبي غرب مدينة بردسير تعرف ببردسير أيضاً، ومرة أخرى في تاريخ إيران أصبح يطلق اسم منطقة على إحدى المدن.
جامع كرمان
وبغض النظر عن الغارات والاضطرابات والأحداث القلقة التي شهدتها سنة 1509 ميلادية بعد تلك الفترة فإن كرمان شهدت أمناً وعمارة وصفاءً أيام حكم الأسرة الصفوية، فازدهرت صناعة البُسُط والسجاد وأنواع الشال والأواني الخزفية، حيث كانت موضع رغبة جميع مناطق العالم.
في القرن السابع عشر الميلادي أسست شركة الهند الشرقية (إنكليز وهولنديون) معملاً في كرمان، بمجرد نزولها في بندر عباس، وكانت تقوم بتصدير الأصواف المنتجة في كرمان.
في عام 1720 ميلادي، تمرّد محمود قندهاري (من الأفغان) على حاكم ولاية كرمان، ونتيجة لغفلة أهالي كرمان عنهم فقد اضطروا للتسليم إلى الأفغان الذين استولوا على المدينة، ولكنهم بعد أربعة أشهر خرجوا منها مطرودين من قبل القوات الحكومية، غير أنّ محمود قام بحملة أخرى مجدداً في شهر حزيران من عام 1722 ميلادي واحتلّ كرمان مرة أخرى، فبقيت تحت سلطة الأفغان إلى شهر كانون الأول من عام 1729 ميلادي.
وفي شهر كانون الأول من عام 1736 ميلادي اجتاز نادر شاه مع جيش عظيم بكرمان في طريقه إلى قندهار والهند، وقد تعرضت المدينة إلى قحط شديد لمدة ثلاثة أعوام إلى حين استيلاء نادر شاه على قندهار، وذلك بسبب ما حمله نادر شاه من المؤونة والذخائر من مخزونات كرمان.
وقد قام نادر شاه بسفرة أخرى إلى كرمان عام 1747 ميلادي وبسبب مشاركة عدد من أهالي كرمان في قلاقل واضطرابات السنة الماضية، فقد عامل أهالي المدينة بقسوة بالغة، وشدّة مفجعة.
وبعد وفاة نادر شاه قام عدد من الأفغان بقيادة أحمد شاه دراني بالهجوم على كرمان، وسوّوا بالأرض محلة الزرادشت الواقعة في شمال المدينة، وما تزال خرائب وأطلال هذا القسم من كرمان باقية إلى يومنا هذا.
وأصيب أهالي كرمان في سنة 1794 ميلادية بمصيبة مفجعة، ففي ذلك التاريخ قدم لطف علي خان زند (من السلالة الزندية)، يتعقّبه عدوّه اللدود آغا محمد خان مؤسس السلالة القاجارية، وبقي أربعة أشهر في المدينة يقاوم جند آغا محمد خان، غير أن أحد الكرمانيين خانه، ممّا أدّى إلى أن يستولي سفاك القاجار على المدينة، ففرّ لطف علي خان إلى بم، ولكنه أسر هناك، وبأمر من آغا محمد خان قاجار قلعت كلتا عينيه، ثمّ قدّم بعد ذلك إلى القتل. وانتقاماً من أهالي كرمان الذين قاموا بحماية لطف علي خان، فقد أمر آغا محمد خان قاجار بمعاقبتهم بصورة مروّعة بلغت أقصى حدود الفظاعات.
لقد عادت كرمان على أثر هذه المصيبة العظيمة خرائب، وأصابها نقص شديد في عدد سكانها، وحتّى قيام فتح علي شاه بتعميرها وترميمها فقد كانت خراباً إلى عام 1860.
إنّ أهم صنائع كرمان هي، صناع البُسُط والسجاد. وباعتبارها مركزاً للولاية فإنّها على أهمية خاصة.
أمّا مناخها فلا يصل إلى حدّ الوصف بالحرارة، باعتبار أنّها على ارتفاع 5670 قدماً أعلى من مستوى سطح البحر، وتهب عليها رياح باردة من الجبال الجنوبية.
ومن الآثار المهمة في كرمان؛ قلعة أردشير، وقلعة دختر (البنت)، اللتان يرجع تاريخهما إلى أوائل الفترة الساسانية، ومسجد ملك، ومسجد شاه، ومسجد الميدان، ومسجد الجمعة، ومسجد بامنار، ومزار شاه نعمة الله، وحمّام إبراهيم خان.
إن كرمان في أيام العهد الصفوي كانت تعتبر من أهم أقاليم وولايات إيران، وبخاصة في حكم الشاه عباس الكبير، فقد توسّع العمران فيها على يد گنج علي خان الوالي المنصّب عليها من قبل الشاه عباس، ومن جملة تلك التوسعة؛ ميدان، وسوق، وحمام، وفندق (نزل لقوافل المسافرين) ومخزن للمياه، ومسجد وتعرف هذه الأبنية بمجموعة گنج علي خان.
وعلى عهد فتح علي شاه، نصّب إبراهيم خان ظهير الدولة حاكماً على كرمان، فأحدث فيها مسجداً، ومدرسة، وحماماً، وسوقاً، وتشتهر هذه الأبنية بمجموعة إبراهيم خان.
وبعد ذلك أحدث محمد اسماعيل خان وكيل الملك عدداً من الحمامات، ونزلاً للمسافرين، وسوقاً في كرمان، وفي اطرافها.
لكن كرمان، ولمدة تقرب من قرن، كانت محرومة على أيام الحكم القاجاري.
إن أغلب أهالي كرمان هم من المسلمين، ولكن عدداً قليلاً من الأقليات الدينية الأخرى يسكنونها أيضاً، مثل: المسيحيين، واليهود، والزرادشت.
وتعتبر كرمان من الأراضي الزراعية، وأشهر محصولاتها هي: القمح، والشعير، والحبوب الصيفية، وبنجر السكر، والفستق، والتمر، وأنواع مختلفة من الفاكهة.
ومن المعادن التي في أراضيها: الحصى، والكروم، والنحاس، والفضة.
في كرمان توجد أقلية زرادشتية بأعداد ملحوظة، ولهم هناك معبد للنيران، فيه تابوت، وهو في الواقع مقبرة للزرادشت يدفنون فيه موتاهم ضمن مراسيم خاصة، فيضعون الميت هناك، وسريعاً ما تنقضّ عليه النسور، فتنزع عنه جلده ولحمه.
وتجري في كرمان طقوس ومراسيم واحتفالات خاصة تعرف بـ (جشن سده) – احتفالات سده – وهي من الأعياد الإيرانية القديمة، وتقام هذه الاحتفالات والمراسيم في اليوم العاشر من شهر بهمن من كل عام (يقابل بالتاريخ الميلادي اليوم الثلاثين من شهر كانون الثاني)، ويشترك فيها سائر الناس بالإضافة إلى الزرادشتيين الذين هم المعنيون بإحيائها.
وعادةً تبدأ هذه المراسيم التي تقام في غابة تعرف بـ (بوداغ آباد)، تقع خارج المدينة، بأن يقوم الزرادشتيون بجمع كميات كبيرة من الحطب في الأيام العشرة التي تسبق اليوم المقصود (سده)، تقام على شكل تلٍ عالي الارتفاع، بحيث يوازي ارتفاعه بناية متعددة الطوابق، وعند غروب يوم الاحتفال، يقترب أربعة من كهنة معبد النار الزرادشتية من تل الحطب من أربعة زوايا ويشعلون النار فيها، لتتقد شعلة عظيمة من النيران، تبقى كذلك حتّى آخر الليل.
سوق كرمان
ولأنّ المسلمين يشاركون الزرادشت في مراسيمهم هذه، فإنّ الزرادشت يشتركون في قضايا المسلمين واحتفالاتهم ومراسيمهم الدينية، كما هي الحال في زيارتهم ليالي الجمعة إلى الموضع المقدس المعروف بـ «قدم گاه» – محل القدم – الذي يقول عنه الناس بأنه موضع قدم الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
إنّ ملابس الزرادشت متميزة، وبخاصة النساء والفتيات منهم، وهي عبارة عن سراويل مزيّنة بالورود، وغطاء رأس طويل يلمس طرفه الأرض.
وفيما يتعلق بالأبنية التاريخية والآثار القديمة في كرمان، فقد عثر علماء الآثار والجيولوجيا في المنطقة على آثار قديمة جداً تعود إلى ما قبل حوالي ستة آلاف وخمسمائة سنة. من ضمنها: تلة يحيى (تپة يحيى) على بُعد ثلاثين كيلومتراً من (دولت آباد) في منطقة (بافت)، وهي من آثار حضارة ما قبل التاريخ في المنطقة الجنوبية الشرقية من إيران.
ومن المساجد التاريخية في كرمان؛ مسجد ملك الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الخامس (العهد السلجوقي)، والمسجد الجامع المعروف أيضاً باسم (مسجد مظفري)، وهو من آثار القرن الثامن الهجري، بني على عهد الأمير مبارز الدين المظفري الميمندي اليزدي.
وتوجد في كرمان أيضاً القبة الخضراء، وتعرف بـ « گنبد سبز» أو «قبة سبز» أو «ضريح القراختايين» – آرامگاه قراختاييان – وتعود إلى القرن التاسع الهجري.
وكذلك القبة الجبلية « گنبد جبلية»، وهي عبارة عن بناء ثمانيّ الأضلاع، أنشئ على عهد السلاجقة.
وكذلك قلعة «دختر» – البنت -، وهي داخل المدينة وتقع على مرتفع «تل»، وتعرف بمعبد النار (آناهيت) – آتشكدة آناهيت – حيث يقال: إنها في الأصل معبد من معابد النار، وتعود هذه القلعة إلى الفترة الساسانية.
أما مجموعة آثار گنج علي خان فإنّ الشروع في بنائها بدأ في عام 1007 هجري، واستمرّ حتى عام 1030 هجري، أي: أنّ العمل فيها استمرّ حوالي 23 سنة، وذلك في أيام الصفويين.
وهناك أيضاً مجموعة إبراهيم خان المعروف بظهير الدولة، وقد أُنشئت في القرن الثالث عشر الهجري، ومجموعة وكيل الملك التي أحدثها إسماعيل خان وكيل الملك، الوالي في أيام القاجاريين.
إنّ مقاطعة كرمان تقع إلى الجنوب الشرقي من طهران بما يكون أقرب إلى الجنوب. ومساحتها 191976 كيلومتراً مربعاً. يحدّها من الجنوب ساحل الخليج الفارسي بموانئه وجزره، ومن الشرق مقاطعة بلوجستان وسيستان، ومن الغرب مقاطعة فارس، إلى الجنوب منها تقع جبال تمتد كخيط رفيع مع امتداد الجنوب الشرقي ليزد، فتقسم كرمان إلى قسمين؛ شرقي، وغربي. أغلب القسم الشرقي عبارة عن صحراء، وبخاصة الجزء الشمالي منه الذي يخلو تقريباً من الناس، وهو ما بين بافق ويزد، أما القسم الغربي فيشتمل على رفسنجان وضواحيها، ويبلغ ارتفاعه عن مستوى سطح البحر 1650 متراً، ليصل في الجزء الشمالي منه إلى 1250 متراً، إن أغلب الشمال الشرقي من كرمان عبارة عن أراضٍ جبلية ذات وديان عميقة قابلة لاتخاذها مواطن سكنى، ولذا فإن أغلب القرى تقع في هذه الوديان، وبالخصوص فإن وادي زرند، وأطراف جبلي لالة زار، وهزار تحتوي على عيون وينابيع تتفجر من باطن الأرض، فأصبحت موضع توجه وعناية الناس. في هذه المناطق كثير من الطرق الفرعية توجد لنقل وحمل الصخور الحاوية على المعادن، في ماهان، وبافت، وكرمان، وتعتبر الأخيرة نقطة تقاطع ومفترق هذه الطرق. إن كرمان بلحاظ موقعها الجغرافي ومركزيتها الاقتصادية كانت محلّ طمع الغزاة الأجانب، وساحة لهجماتهم وحملاتهم.
مدينة كرمان
إنّ من أهم مدن مقاطعة كرمان، مركزها مدينة كرمان. تحدّ هذه المدينة من الشمال مدينة يزد، ومن الشرق صحراء دشت (دشت كوير)، ومن الجنوب بم، وبافت، ومن الغرب رفسنجان. وسهل كرمان قد طرأ على ارتفاعه تغيير من الغرب باتجاه الشرق، وعلى هذا الأساس فإن الجبال الغربية التي تبلغ ارتفاعاتها ثلاثة آلاف متر تبدو أقل ارتفاعاً بالمقارنة مع مركز الولاية.
أكثر الجبال ارتفاعاً هو جبل الألف (هزار)، ويقرب ارتفاعه من خمسة آلاف متر، وهو يفصل كرمان عن سيرجان، وتمتد منه سلسلة جبلية باسم (بارز) باتجاه الجنوب الشرقي. وفي الجنوب الغربي هناك سلسلة جبلية موازية لسلسلة جبلية أخرى، وقممها مغطّاة بالجليد في العديد من شهور السنة لارتفاعاتها العالية.
وليس من نهر مهم في كرمان، سوى نهرين على قدر محدود من الأهمية، هما: نهرا (هليل رود)، و(گيودري).
كرمان
متوسط الحرارة في كرمان في فصل الصيف يصل إلى 21 درجة مئوية، وفي فصل الشتاء إلى 24 ,3 درجة مئوية، أما متوسط معدل هطول الأمطار فيبلغ 120 ملمتر.
تقع مدينة كرمان على خط الطول (شرق) 57 درجة و5 دقائق، وخط العرض (شمالي) 30 درجة و17 دقيقة، وهي على ارتفاع 1749 متر عن مستوى سطح البحر، يختلف توقيتها عن التوقيت المحلي لطهران العاصمة باثنتين وعشرين دقيقة.
تبعد كرمان عن طهران عبر طريق كاشان 1044 كيلومتراً، وعبر طريق أصفهان 1133 كيلومتراً. أما المسافة بينها وبين سيرجان فتبلغ 184 كيلومتراً، وبينها وبين بم 193 كيلومتراً، وبينها وبين يزد 396 كيلومتراً. إنّ أقرب مدينة إليها هي رفسنجان. وعلى بعد 6 كيلومترات منها يقع جبل سعيدي، و3 كيلومترات جبل مسجد صاحب الزمان، و30 كيلومتراً جبل جوباري. إنّ كرمان تقع في وادٍ صحراوي وسيع، وغربها وشمالها يتغير المناخ والماء فيهما بسبب وجود الجبال المتعددة، وكذلك بسبب القرب من الصحراء. أما في جنوبها فالمناخ حار جاف تماماً إلا في الوديان السهلية فإنه معتدل. والأمطار في كرمان قليلة نسبياً نتيجة لهبوب الرياح الجافة اللاهبة من جهة صحراء لوط، حيث إنّ تأثير الرياح الرطبة الهابة من عمان تفقد تأثيرها في زيادة نسبة الأمطار، ولكن أنهارها دائمة الجريان بوجه عام. إن متوسط معدل الرطوبة النسبية لكرمان عند الساعة 6,30 هو 52 في المائة، أما عند الساعة 12,30 فهو 27 في المائة، وأيام هطول الجليد في المدينة تبلغ سنوياً حوالي 68 يوماً.
إن تراب الأراضي في كرمان يعتبر من الأراضي الصالحة للزراعة، ومياهها الجوفية على عمق 20-50 متراً في الطبقة الأولى من الأرض، فيما يبلغ 100 متر في الطبقة الثانية.
ويتكلم أهالي كرمان اللغة الفارسية بلهجة كرمانية خاصة.
إنّ مدينة كرمان كمدينة متمادية في القدم تشتمل على جملة من الآثار والأبنية التاريخية المهمة، مثل:
1 – القبة الجبلية؛ (تعود إلى العهد السلجوقي).
2 – القبة الخضراء (گنبد سبز)؛ (تعود إلى القرن التاسع الهجري).
3 – مقبرة الخواجة أتابك؛ (تعود إلى القرن السادس الهجري).
4 – ميل نادري؛ (يعود إلى العهد السلجوقي).
5 – مسجد ملك؛ (يعود إلى القرن الخامس الهجري).
6 – المسجد الجامع؛ (يعود إلى القرن السادس الهجري).
7 – مسجد پامنار؛ (يعود إلى القرن التاسع الهجري).
8 – مسجد گنج علي خان؛ (يعود إلى القرن التاسع الهجري).
9 – مدرسة دودر؛ (تعود إلى القرن التاسع الهجري).
10 – حمام وسوق إبراهيم خان؛ (يعودان إلى العهد القاجاري).
11 – قصر گنج علي خان؛ (يعود إلى العهد الصفوي).
12 – ضريح الولي (إمام زاده أحمد).
13 – ضريح الولي (إمام زاده علي).
14 – بناية قديمة يقال لها (بناي بپربرجق).
15 – ضريح الآخوند باغ بيرم آباد.
16 – قلعة الجبل (قلعة كوه)، وهي قلعة البنت (دختر).
17 – مقبرة السلطان سيد أحمد.
18 – مسجد، وخزان مياه، ونزل للمسافرين يعرف باسم (حاجي آقا علي).
19 – قصر گلشن.
20 – مدرسة (إبراهيم خان).
21 – قبة مشتاقية.
22 – أطلال دار الملك في كرمان القديمة؛ (تعود إلى أوائل العهد العيلامي).
23 – عرش (أو سرير السلطنة) قلي بيك.
24 – مزار الخواجة خضر.
مدينة بافت
تحدّ مدينة بافت من الشمال منطقة (مشيز) من مدينة سيرجان، ومن الشرق منطقة (اسفندقة) من مدينة سبزواران (جيرفت)، ومن الجنوب مناطق (دهيارز) من مدينة ميناب، و(خاصي آباد) من مدينة أو ميناء بندر عباس، ومن الغرب سيرجان. وقد كانت منطقة من مناطق سيرجان سابقاً. وهذه المدينة تحدّها الجبال من طرفين؛ من الشمال؛ كوه شاه، وكوه لالة زار، وكوه بيد خوان، ومن الشرق؛ سياه كوه (الجبل الأسود)، وصوغان، وكوشكو، ويبلغ ارتفاع أعلى جبالها المعروف باسم (خبر) 3861 متراً.
وتستمدّ جميع أنهار هذه المدينة مياهها من الينابيع والعيون الواقعة في المرتفعات الشمالية، وتأخذ مجراها باتجاه الشرق، وتغذي إضافة إلى مدينة بافت؛ قرى تقع على أطرافها تعرف بـ (هليل رود)، وتصل إلى مدينة جيرفت (سبزواران). إن أغلب جبال هذه المنطقة صالحة للزراعة، فتزرع فيها أشجار الكتيرا، والزيرة، واللوز، وغيرها.
تقع (بافت) على خط الطول (شرقي 56 درجة و36 دقيقة وخط العرض (شمالي) 29 درجة و12 دقيقة، ويبلغ ارتفاع أراضيها عن مستوى سطح البحر 2287 متراً.
مدينة بم
تحدّ مدينة بم من الشمال مدينة كرمان، ومن الشرق زاهدان ومن الجنوب والغرب إيرانشهر، وسبزواران، وسلسلة جبال نمداد، وجبل (شاه كوه)، ومن الغرب بافت وجيرفت.
إن مناخ بافت على شاكلتين؛ فالمناطق السهلية يكون مناخها حاراً في الصيف، ومعتدلاً في الشتاء على سفوح الجبال. أما الوديان فحارة لافحة الحرارة في الصيف.
في القسم الشمالي من مدينة بم يقع جبل يعرف بـ (كشيت)، الذي يفصل بين صحراء لوط، ووادي تهرود، فتقع صحراء لوط التي تعرف بـ (زنگي أحمد) في الشمال الشرقي من المدينة.
إنّ القسم المركزي من مدينة بم يعتبر من الأراضي الزراعية الخصبة بحيث إنّه يشتمل على أكثر من ثلاثمائة قرية زراعية، وتؤمن هذه المناطق احتياجاتها من المياه عبر قنوات متعددة تجري من العيون والينابيع المتدفقة من الجبال الشمالية، والجنوبية، والشرقية. إنّ أكثر معدل لدرجة الحرارة سنوياً هو 28 درجة مئوية، أمّا أدنى معدل فهو 5 ,15 درجة مئوية، ويبلغ متوسط معدل هطول الأمطار 9 و75 ملمتر.
لا توجد أنهاردائمة الجريان على مدار السنة في هذه المدينة، إلاّ أنّ وديان الجبال المرتفعة، فتوجد فيها أنهار موسمية تجري عند تكاثر هطول الأمطار، وتصبّ في الصحراء، مثل؛ نهر شهرود، ونهرده بكري، ونهر گراغان.
وتقع هذه المدينة على الطريق من كرمان إلى زاهدان، وهي على خط الطول (شرقي) 58 درجة و21 دقيقة و42 ثانية، وخط العرض (شمالي) 29 درجة و5 دقائق و27 ثانية، وأراضيها على ارتفاع 1050 متراً عن مستوى سطح البحر.
وتبعد بم عن كرمان 193 كيلومتراً، وعن طهران 1280 كيلومتراً. وفي هذه المدينة آثار وأبنية تاريخية مهمة، من جملتها؛ مزار الولي (إمام زاده زيد) الذي يتوسّط المدينة. وفي شرق المدينة توجد قلعة باسم (أرگ)، وهي من بقايا المدينة القديمة، وهي على صورة مستطيلة الشكل، ويحيطها خندق من جميع أطرافها، وهي حسب الظاهر من الاستحكامات الدفاعية التي أنشأها الساسانيون.
ويتكلم أهالي بم اللغة الفارسية، وهم من المسلمين الشيعة، باستثناء عدد من اليهود والزرادشتيين.
ومن الجدير بالإشارة؛ أنّ قلعة بم (أرگ) تشتمل على عدد من القلاع بعضها داخل بعض، ويبلغ طولها 300 متر.
مدينة سبزواران
قيصرية إبراهيم خان في كرمان
مدينة جيرفت أو سبزواران (على الأصح)، تحدّها من الشمال مدينة بم، ومن الشرق مدينتا بم، وإيرانشهر، ومن الجنوب منطقة (جاسك) من مدينة ميناب، ومن الغرب مدينتا بافت وميناب.
مناخها في الأقسام المرتفعة شديد البرودة، وفي الأقسام السفلية معتدل ومائل إلى الحرارة.
ويجري في سهل جيرفت نهر (هليل رود) الذي ينبع من عيون جبال لاله زار في الشمال الغربي من المدينة، وكذلك نهر آخر مياهه مالحة ينبع من قمم جبال بارز، وفاشكوه، وگور في الشمال الشرقي من سبزواران يجري في جيرفت وعلى بُعد حوالي ثلاثة كيلومترات يصب في نهر هليل رود.
لغة أهل سبزواران هي الفارسية بلهجة بلوشية، ومركز سبزواران هي جيرفت وعلى بُعد كيلومترين من جيرفت تنتصب خرائب وأطلال لآثار وأبنية تاريخية قديمة.
لقد كانت جيرفت مدينة عامرة أيام المغول، وقد أصيبت هذه المدينة بزلزال أرضي ممّا أدّى إلى خراب السدّ الكبير فيها.
تبعد جيرفت عن العاصمة طهران 1500 كيلومتر، وعن كرمان 213 كيلومتراً.
أقصى معدل لدرجات الحرارة فيها سنوياً 2 ,31 درجة مئوية. ومعدل متوسط هطول الأمطار 3 ,105 ملمتر، وتهطل الثلوج فيها لمدة عشرة أيام في السنة.
تسعون بالمائة من سكان جيرفت يشتغلون بالزراعة، وأهم محاصيلها الزراعية، هي: الحنطة، والشعير، الماش، واللوبياء، والأرز، والقطن، والليمون، والبرتقال، والتمر، والخيار، والرقى، والبطيخ، والقرع، والباذنجان، والطماطم.
وفي جيرفت سدّ كبير مشيّد على شكل قوس، يبلغ ارتفاعه 115 متراً، وقدرته في الخزن ثمانمائة مليون متر مكعب من الماء، وتبلغ قوته الكهربائية المولّدة خمسة وثلاثين ألف كيلوواط في الساعة.
رفسنجان
تحدّ مدينة رفسنجان، من الشمال يزد، ومن الشرق كرمان، ومن الجنوب سيرجان، ومن الغرب منطقتا ابرقو، وسوريان، من مدينة آبادة.
وتقع هذه المدينة على خط الطول 56 درجة، وخط العرض 30 درجة و25 دقيقة، وتبلغ مساحتها حوالي 2895 هكتاراً. وتبعد عن كرمان 127 كيلومتراً، وعن طهران 949 كيلومتراً. وقد كان اسمها في السابق بهرام آباد، ولم تكن أكثر من قرية صغيرة، ولكنها توسّعت وكثر فيها العمران.
ورفسنجان مدينة سهلية ترتفع عن مستوى سطح البحر 1572 متراً. وتحيطها من الشمال جبال داوران التي تتوسّط سهل رفسنجان، وزرند. وأعلى ارتفاع في قممها «بكوة درة در» حيث تبلغ 2745 متراً، كما يحدّها أيضاً قسم من السلسلة الجبلية التي تبدأ من جبل (شيركوه) في يزد، وتتصل بجبل (چوپار)، ويبلغ ارتفاع أعلى قمة فيها – وهي جبل مدينة بابك – 3473 متراً، والذي يقع بين رفسنجان وبابك.
مناخ القسم الجبلي من رفسنجان بارد قارص، أما الأقسام السهلية فحارة مائلة إلى الاعتدال. ويبلغ أقصى معدل لدرجات الحرارة فيها 4 ,26 درجة مئوية، وأدنى معدل 4 ,9 درجة مئوية، ومتوسط معدل هطول الأمطار 6 ,126 ملمتر، فيما تتساقط الثلوج فيها سبعين يوماً في السنة.
في جبالها الجنوبية يجري عدد من الأنهار تنبع من الجبال وتسيل نحو السهول، ولكنها قليلة المياه، ولا تصل إلى السهول، ومن هذه الأنهار؛ رودانار، ورود دهنه، وراويز.
يتكلم أهالي رفسنجان الفارسية، ومن آثارها التاريخية المهمة؛ مسجد صباحي (من العهد الصفوي)، ومزار الولي (إمام زاده شاه سليمان).
وثلاث قرى تتبع لرفنسجان، هي: علي آباد، وبهرام آباد، وقطب آباد. وتشتهر بصناعة البُسُط، والأفرشة.
وسهل رفسنجان يتوفر على أراضٍ صالحة لزراعة أي نوع من المحاصيل، ولكن 85 بالمائة من أهالي رفسنجان يعملون بزراعة الفستق. وفستق رفسنجان من أنواع الفستق المرغوبة والمفضلة، فعلى الرغم من أن سهول سيرجان وزرند يُزرع فيها محصول الفستق، ولكنه لا يصل إلى درجة جودة فستق رفسنجان، بسبب قابلية الأرض واستعدادها لزراعته، وكذلك صفاء المناخ، والماء المالح.
مدينة سيرجان
تحدّ مدينة سيرجان، من الشمال رفسنجان، ومن الشرق بم، ومن الجنوب حاجي آباد، ومن الغرب ظهر الجبل (پشتكوه) في (نيريز). وتتكوّن هذه المدينة من منطقتين أساسيتين وأطراف، بالإضافة إلى منطقة مشيز (بردسير). وقد كانت مدينة (بافت) سابقاً جزءاً من سيرجان أيضاً. ومنطقة شيز أرض مرتفعة محصورة بين جبال عالية الارتفاع، يبلغ ارتفاع أعلى قمة فيها 1900 متر.
المنطقة المركزية من سيرجان في القسم الشرقي والشمالي من الجبال، ومن الجبال الشمالية؛ الجبل الخامس «كوه پنج» يبلغ ارتفاعه 2615 متراً، وجبل (چهل تن) 2657 متراً، ويقعان في الشرق. وتمثل الجهة الغربية امتداداً لسهل رفسنجان، وتجاور (شورة زار)، وهي من المناطق المعتدلة.
تقع سيرجان على خط الطول 55 درجة و42 دقيقة، وخط العرض 29 درجة و27 دقيقة، وتبلغ مساحتها 987 هكتاراً وتبعد عن كرمان مسافة 176 كيلومتراً، وعن طهران 1099 كيلومتراً.
وقد كانت سيرجان على أهمية سياسية خاصة، حتى إنّها في العهد الأشكاني كانت المركز الفعلي لنفوذ السلطة في إقليم كرمان، ومن آثارها التاريخية؛ أطلال قلعة (سنگ) تقع على بُعد خمسة عشر كيلومتراً جنوب شرقي المدينة الحالية. وفي جنوب سيرجان القديمة توجد بناية ثمانية الأضلاع على سطح تل، وهذه البناية تعرف باسم (شاه فيروز)، يحتمل أن تكون معبد نار للزرادشت، وقد بنيت فيها مساجد على عهد البويهيين.
مناخ سيرجان جاف صيفاً، معتدل ممطر في الشتاء والربيع، ويبلغ المعدل المتوسط لسقوط الأمطار 7 ,137 ملمتر. وتهطل الثلوج فيها حوالي 67 يوماً في السنة، ويبلغ الحدّ الأقصى لدرجات الحرارة 9 ,24 درجة مئوية، والحدّ الأدنى 1 ,8 درجة مئوية، أمّا أراضيها فخصبة صالحة للزراعة، حيث تزرع فيها الحبوب، وبنجر السكر، والذرة البيضاء، والذرة الصفراء، والفستق، والرمان، والسفرجل، والتفاح، واللوز، والعنب، ومن صناعاتها اليدوية البُسُط والأفرشة.
الخواجة الكرماني
هو كمال الدين، أبو العطاء، محمود بن علي، الكرماني، المعروف بـ (خواجو)؛ أحد شعراء إيران الكبار في الفن الشعري الإيراني الذي يعرف بالمثنوي.
ولد عام 679 للهجرة في مدينة كرمان، وتتلمذ على يد العارف الكبير علي الدين السمناني، وله صحبة وعشرة في شيراز مع الشاعر حافظ، وقد ذكره حافظ في شعره مادحاً.
كرمانشاه
-1-
هي المقاطعة الخامسة من التقسيمات الإيرانية. ومركزها مدينة كرمانشاه وهي مدينة صناعية وتجارية بديعة بمناظرها تنتهي شوارعها الفسيحة المزينة بأنواع المباني الفخمة بميادين جميلة مزينة بالهياكل والتماثيل الأنيقة المنصوبة وسط الحدائق المحيطة بالفوارات الكهربائية الملونة التي ترش المياه على الخمائل والأزهار.
ويخترق المدينة نهر (قره سو) فيقسمها إلى قسمين، مدينة كرمانشاه وحي النفط. فترى مصانع تكرير النفط، ودور العمال، والمستشفيات والمستوصفات والنوادي وما إلى ذلك من مؤسسات.
ففي كرمانشاه مصاف صغيرة لتكرير النفط يقدر إنتاجها اليومي بزهاء 204500 طناً تنقل منابع النفط الخام والغاز إليها من ناحية (نفت شاه) وقصر شيرين القريبة من الحدود الإيرانية العراقية بواسطة الأنابيب، وبعد أن تكرر في مصافي كرمانشاه توزع في نقاط الشمال الغربي من البلاد. ويعود تاريخ بناء كرمانشاه إلى عهد الملك الساساني شاهبور الثالث باهتمام أخيه بهرام الثالث الذي تربع على العرش خلال (388-399م) وذلك حينما كان والياً على كرمان في أيام ولاية عهده وللسبب نفسه أطلق على المدينة الحديثة اسم كرمانشاه.
أنشئت هذه المدينة في سهل (ماهيدشت) المعروف بطيب مناخه ومنظره الطبيعي الفتان الذي سحر عاهل البلاد خسرو ابرويز (590-628م) فأمر بتشييد قصره الصيفي في المحل المسمّى (طاق بستان)، الواقع بمسافة تسعة كيلومترات في الشمال الشرقي من كرمانشاه الحالية.
لقد لاقت كرمانشاه كغيرها صنوف الويلات خلال الكوارث والغارات خلال زحف التتر الغاشم ولكن أخذت في العمران وتجديد البناء وآخر تجديد بناء تمّ في الدور الصفوي على عهد كل من الشاه طهماسب الأول والشاه صفي فقد أخذت من ذلك العهد تسير بلا انقطاع نحو التقدم لإعادة مكانتها الأولى بالرغم من العقبات التي عرقلت مسيرها خلال الحروب العنيفة التي دارت بين إيران والعثمانيين ناهيك عن غارات الأفاغنة والأتراك التي كبدت البلاد خسائر فادحة وأضرار جسيمة فعندما كانت الحرب سجالاً كانت كرمانشاه تقع تارة في قبضة أولئك وطوراً بيد هؤلاء حتى عام 1143 حينما انبرى نادر شاه ورمم أسوارها وقلاعها.
ويعتقد الأثريون أنّ سهل كرمانشاه المشهور بمناخه الطيب كان مهداً لأقدم حضارة في الجنوب الغربي من آسيا. وقد أيدت ذلك الأبحاث التي أجراها أعضاء بعثة جامعة شيكاغو في كرمانشاه فكشف في عام 1338 آثار تمدن ما قبل التاريخ في كهف تنك كنشت وأنقاض طاحونة حوالي كرمانشاه هذه الآثار المشتملة على وسائل توليد المواد الغذائية والزراعية تبين بأن التمدن الزراعي في أدوار ما قبل التاريخ قد وطدت دعائمه في هذه الناحية. والآثار التاريخية الموجودة في منطقة كرمانشاه منقسمة إلى أربعة أقسام كما يلي:
إنّ آثار ملوك ميديا (700-550ق.م.) الباقية معالمها عبارة عن فجوة منحوتة على شكل ضريح مشهور (دكان داود) في هذه الفجوة تصوير بارز لرجل في زي المادي وفي يده (برسم) وهو نبع وفيها قضبان شجر الرمان كانوا يتلون عليها الأدعية في الولائم. ودكان داود اليوم مزار لأهالي تلك الناحية. وفي قرية «نواسحق» «وند» بالقرب من «هرسين» تصوير منحوت آخر لرجل يرتدي البدلة المادية أيضاً وهو في حال العبادة.
وعلى بُعد 36 كيلومتراً شرق كرمانشاه في الطريق المؤدي إلى همذان جبل يسمى (بيستون) يبلغ ارتفاعه 450 متراً وفي أعلى صخوره لوحة أثرية نفيسة من أعجب النقوش التي حفرها الفنانون سجلت فيها أعمال الملك داريوش بالكتابة المسمارية.
وقد دلت التحقيقات التي أجراها البروفسور كامرون بأنّه كان قد تمّ نحت النقوش على لوحة بيستون في السنة الثانية من جلوس داريوش المصادف 519 ق.م.
وفي ضواحي ناحية كنكاور التابعة لإقليم كرمانشاه، أنقاض أبنية أثرية واقعة فوق رابية يعود تاريخها إلى 200 عام قبل الميلاد أي في أوائل الحكم الأشكاني. وفي قصبة، سربل ذهاب، وهي إحدى النواحي الأثرية العامرة في إيران نقش لأحد ملوك الأشكانيين وهو راكب صهوة جواده وبيده مزهرة يتناولها من أحد رعاياه. في بيستون يشاهد آثار من العهد الأشكاني وقد كشف أخيراً تمثال حجري لهركول لم يعرف تاريخ نحته.
وعلى بُعد 9 كيلومترات في الشمال الشرقي من كرمانشاه تقع طاق بستان الأثرية التي تبدو كما يلي:
في اليمين منظر يمثل تتويج الملك أردشير الثاني (379-383م) أما الجناح الأيسر فإنه على جدرانه نقش بارز لسابور الثالث مع والده سابور الثاني وعلى طرفيهما لوحتان بالخط الفهلوي يذكر فيهما أسماء الهياكل المنقوشة وعلى الجهة اليسرى طاق آخر بني بشكل هلالي على سبك مدخل قصور الملوك بأمر من كسرى خسرو ابرويز زيّن أطرافه بحواش مضرسة. وعلى الجدار المقابل للقسم الفوقاني مشهد لمراسم التتويج.
وفي الجدار الأيمن نقوش الخيل والفيلة والجمال وغير ذلك وفي القسم العلوي آثار منحوتة من العهد القاجاري.
وإلى جانب اللغة الفارسية تنتشر في كرمانشاه اللغة الكردية بلهجاتها المختلفة.
كرمانشاه
-2-
لقد مرّت على مدينة كرمانشاه حوادث عديدة؛ طيبة ومرّة، فهي من المدن القديمة في إيران.
في الألفين الثالث والرابع قبل الميلاد قطنها أقوام كانوا يسكنون في المرتفعات الجبلية المعروفة بـ (زاگرس)، فهاجروا إليها قاصدين أن يتوطنوها بصورة دائمة، ويعرف هؤلاء الأقوام بـ (كاسي)، أو (گوتي)، وكانت تحت أيديهم مساحات شاسعة من بلاد ما بين النهرين.
وذكرت الآثار التاريخية القديمة أنّ الملك الأكدي سرجون الذي كان يحكم جنوب بلاد ما بين النهرين للفترة من 2048 إلى 2030 قبل الميلاد قدم إليها.
وقد ذكر هذا المستند التاريخي المعتبر اسم طاغية كان يحكم (زاگرس) هو آريزان.
وبالاستناد الى الالواح والرقوم الطينية البابلية، والاشورية والعيلامية يتبين أن الاقوام التي كانت تسكن (زاگرس) هي: لولوبي، وگوتي، ومابي، ونايري، وآمادا، وباسورا، وقد كان بعض هذه الطوائف من الجنس الآري، مثل: آمادا، وباسورا، وگوتي، وكاسي.
ويعتبر أقوام (لولوبي) أو (لولو) أجداد اللريين، وكانوا قديماً يتوطنون في طريق ذهاب كرمانشاه، ومدينة زور، ومدينة السليمانية، وهم الذين انتصر عليهم ملك عيلام في حدود عام 1200 قبل الميلاد.
وطبقاً للمستندات والوثائق التاريخية المتوفرة، وبموجب لوح طيني تمّ اكتشافه في طريق ذهاب كرمانشاه، فإن تيگلات پلسر الملك الآشوري (1115-1100 قبل الميلاد) قصد منطقة زاگرس لفتحها، ولكنه لم يوفق في ذلك، وانتكست جيوشه وملك آخر من ملوك الآشوريين هو شالسز الثالث تمكن من ناحية سقز، وبنى الاستحكامات فيها وأخضع قبائل وطوائف زاگرسي لسلطانه، حتى إذا ما وصل تيگلات بلسر الثالث (746-728 قبل الميلاد) إلى الحكم جنَّد عشائر زاگرس في قواته النظامية.
وقد ذكرت في الألواح والرقوم الطينية الآشورية أسماء ولايات باسورا، وزكروتي، ونيشابي.
تقع نيشابي (وتدعى اليوم ماهيدشت) في أطراف كرمانشاه، وكانت تعرف آنذاك بكونها مراتع ومراعٍ لتربية الخيول.
ويذكر المؤرخون مدينة باسم (ألسي بي)، ويعيّنون موقعها بين كرمانشاه وهمذان، فيما يرى بعض المؤرخين الآخرين أنّها كانت واقعة في الموضع الحالي لمدينة كرمانشاه، ويضيفون: إنّ سكانها هم من بقايا قوم «كاسي».
سكنى الماديين في زاگرس
لأوّل مرة يذكر اسم (ماد) بصورة (آماداي) في حملات الآشوريين على كردستان الحالية، وبناءً على ذلك يمكننا القول بأنه قبل حوالي ألف سنة قبل الميلاد كان الماديون يسكنون في الأراضي الجبلية من زاگرس، على وجه الاحتمال.
في حادثة سقوط نينوى، وانقراض الدولة الآشورية على يد (هوخشتره) البطل المادي القوي في أوائل القرن السابع قبل الميلاد، يذكر المؤرخون أن أحد أسباب فتح هذه المنطقة هو وجود الخيل القوية المستخدمة في حروب الماديين، والتي كانت تربى في نيشابي.
الفرس والكرد
العلماء والمؤرخون يذكرون أنّ أقواماً غير أقوام ماد كانت تسكن في الجزء الغربي من إيران ومنطقة زاگرس الجبلية، هؤلاء الأقوام هم الفرس والكرد.
وكتب رشيد ياسمي: إنّ الكرد هم جزء من الجنس الإيراني، وهم أخوة لـ (ماد) و(بارس) فارس، أو بين الماديين والفرس، عرفوا باسم محلي جديد حكموا به منطقة زاگرس الواسعة، وإنّ الأقوام السالفة هي جزء منهم.
ويذكر المؤرخون أنّه في سهول ووديان جبل تامه وستان الحالي اسم مدينة تعرف إحدى محلاتها بـ (كهبادنة)، وكانت أيام الساسانيين الذين حكموا النواحي الغربية، وبخاصة كرمانشاه موضع اهتمام الملوك الساسانيين، وبسبب قربها من عاصمتهم (تيسفون)، كانوا يقضون أيام الصيف في قصورهم الصيفية.
محافظة كرمانشاه
تقع محافظة كرمانشاه في غربي إيران، وتحدّها مقاطعة كردستان من الشمال، ولرستان وبيشكوه وإيلام ولرستان يشتكوه من الجنوب، وهمذان من الشرق، والعراق من الغرب.
تبلغ مساحة محافظة كرمانشاهان 43,018 كيلومتراً مربعاً، وأهم مدنها كرمانشاه، ومن ضواحيها: هرسين، وصحنة، وكنگاور.
أما مدينة كرمانشاه نفسها فتقع في منطقة تحدّها من الشمال كاميران من محافظة سنذج، ومن الشمال الشرقي سقز، ومن الشرق تويسركان ونهاوند، ومن الجنوب نور آباد وكوهدشت من مدن خرم آباد، ومن الشمال الغربي روانسر من مدن باوة، ومن الغرب شاه آباد غرب.
ويقع مركز كرمانشاه (وسميت «باختران» في عهد الجمهورية الإسلامية) على خط الطول 47 درجة و4 دقائق، وخط العرض 34 درجة و16 دقيقة، وهي على مسافة 6 كيلومترات من جنوب نهر قره سو، وسهول الجبل الأبيض (كوه سفيد)، وعلى طرفي سهل سراب. وأقرب المدن إلى كرمانشاه هي مدينة شاه آباد غرب حيث تفصلها عنها مسافة 70 كيلومتراً، أما بعدها عن طهران فـ 588 كيلومتراً.
بناء كرمانشاه
بنيت هذه المدينة في زمان الملوك الساسانيين، ويذكر أنّ بانيها هو بهرام الرابع (339-388 ميلادي).
وقد اهتم الخليفة العباسي (هارون الرشيد) بتجديد بنائها.
في القرن الرابع الهجري كانت سلالة من الأسر المعروفة في هذه المنطقة، تعرف باسم (حسنويه)، وقد حكمت كرمانشاه لمدة خمسين سنة، واتخذت من القلعة الكبيرة المعروفة بـ (أينور) مقراً لها بعد أن شيّدتها، ثمّ جعلت منها مستودعاً لكنوزها ونفائسها، وبعد ذلك انقرض حكم هذه السلالة بسبب الخلافات الداخلية.
في سنة 441 هجرية وجّه السلطان السلجوقي طغرل بيك إلى هذه القلعة ألف مقاتل، واستطاع بمساعدة أخيه أن يفتحها بعد أربع سنين.
في هذه الفترة كان هناك جماعة باسم (بنو عنار) بسطوا نفوذهم على مقربة من طريق ذهاب كرمانشاه.
«تاورنيه» السائح والتاجر الفرنسي المعروف الذي زار إيران ست مرات في أيام حكم السلالة الصفوية، ذكر كرمانشاه في مذكرات رحلته بأنّها مدينة وافرة النعم وعامرة.
وقد تعرضت كرمانشاه لحملة الأفغان التي بها سقطت أصفهان، ومن حملة العثمانيين، ومرة أخرى تعرضت كرمانشاه للخراب والدمار، وفي فترة تالية جدد ناجر شاه بناءها وكرَّس لها جهداً كبيراً، وبأمره هدمت القلعة القديمة وأسست قلعة جديدة بنيت في أطراف كرمانشاه.
وفي كرمانشاه القديمة ما تزال بقايا نادر، التي يوجد بعضها في (قره سو)، وكذلك آثار من أيام فترة حكم الزنديين، وأيام زنگنة، وموضع أقدام الفاتحين والغزاة.
ففي القرن السابع تعرّضت كرمانشاه إلى هجمات جيوش المغول التي كانت متوجهة لاحتلال بغداد.
وفي القرن الثامن قدم الأمير تيمور بجيوشه إلى هذه المناطق. إنّ العمران والتوسعة في كرمانشاه يرتبط بحكم القاجاريين، مثل: فتح علي شاه قاجار الذي وجه ولده الكبير محمد علي ميرزا دولتشاه إلى كرمانشاه حامياً للثغور والحدود (قائد قوات الثغور)، فاتخذ محمد علي ميرزا دولتشاه من كرمانشاه مقراً لولايته، وقاعدة لقيادته، وقام بتوسعة العمران والبناء في المدينة، حيث بنى ديواناً، وحماماً، ومساجد.
والحرب العالمية الأولى، على أنّها كانت سبباً لخسران المدينة والإضرار بها، إلاّ أنّها رفعت من أهميتها كمحل لتسوق الجيوش، والتجارة.
إنّ كرمانشاه تقع في وادي الجبل الأبيض (كوه سفيد)، ويبلغ ارتفاعها عن مستوى سطح البحر 1410م. وتتكون هذه المنطقة من قسمين: جبلي، وسهلي. وتغطي جانباً واسعاً من أراضيها الغابات الطبيعية، وهي تحتوي على كمية كبيرة من المعادن، وبعض أشجارها الواقعة في نواحي بيستون وذهاب (طريق ذهاب كرمانشاه)، وفي الأراضي الجبلية منها: السرو والبلوط والنارون، ومن سرپل ذهاب وباتجاه الغرب تظهر أشجار الرمان والنخيل والتين.
مناخ كرمانشاه في الشتاء بارد جداً، وفي الصيف حار، إلاّ أن ليالي الصيف تتخللها نسائم شمالية باردة.
المعدل التقريبي لأعلى درجات الحرارة في السنة في كرمانشاه هو 4 ,22 درجة سانتيغراد، ومعدل أقل درجات الحرارة في السنة هو 3 ,5 درجة سانتيغراد، ومتوسط معدل هطول الأمطار السنوي 7 ,372 مليمتراً، ونسبة الرطوبة في الهواء عند الساعة السادسة والنصف صباحاً تبلغ 66 في المائة، أمّا عند الساعة الثانية عشرة والنصف فتبلغ 40 في المائة، وأيام تساقط الثلوج تبلغ 101 يوم في السنة.
قرة سو، وسراب، وقنبر رود، وآبشوران، هي أهم الأنهر المعروفة في كرمانشاه، ونوع تربة كرمانشاه غريني وفي بعض الأحيان تكون الأراضي صخرية، وهي على العموم أراض زراعية، ولا يبعد عمق المياه الجوفية فيها كثيراً عن سطح الأرض.
أهم الآثار التاريخية في كرمانشاه هي: بيستون ومسجد شاهزاده، وطاق بستان، ومسجد عماد الدولة، والمسجد الجامع، ومسجد الحاج شهباز خان، وطاق كرمانشاه، ومحل كمبادية القديم، ومقبرة تقع على سطح جبل، تعود إلى عهد قوم ماد، وأطواق تعود إلى العهد الساساني، وبناية (جهار قالي)، ومسجد الحاج محمد تقي، وتكية معاون الدولة، ومسجد وكيل الدولة، وتكية بيگر بيگي، وفندق وكيل الملك.
محصولاتها الزراعية هي: الحبوب، والغلات، والقطن، والتبغ، ويربي أهاليها الماشية والأغنام.
نظرة في بعض آثارها التاريخية المعروفة:
بيستون
على صخور الجبل المعروف بـ(بيستون) على أحد جوانب طريق همدان الرئيسي الذي يتصل ببوابة المدينة، توجد نقوش حجرية على ارتفاع 5 آلاف متر، تعود إلى داريوش الملك الهخامنشي.
وقد ذكرت بيستون باسم (بنستان)، و(بهستون) في التواريخ على أنها ذات طبيعة دينية، وأنها ترتبط بالإله (بغ).
وصل داريوش الكبير، في سنة 522 قبل الميلاد، إلى سدة الحكم، بعد سلسلة طويلة من الأحداث والحروب، فأمر بكتابة ونقش شروح فتوحاته وحروبه وأعماله في قلب أحجار الجبل، وبخطوط فارسية، وعيلامية، وبابلية، وتتضمن هذه النقوش خمسة عشر بنداً من لسان داريوش نفسه.
تاق بستان
أو تاق وستان، بناه خسرو برويز لحصانه الأسود المحبوب المعروف ب(شبديز)، وهذه الآثار جميلة جداً، وتحتوي على تصوير منقوش للحصان (شبديز).
في هذه المنطقة يوجد منتزهان كبيران: شرقي، وغربي، يعدّان من أجمل منتزهات وحدائق إيران، وتبلغ مساحتهما حوالي 250 هكتاراً.
في كرمانشاه توجد أيضاً بحيرة اصطناعية مبنية على ضفاف نهر (قره سو)، وفيها أنواع من الطيور المائية الجميلة.
في سنة 1922م اكتشف النفط بمقادير كبيرة في غرب إيران، وقد شهدت كرمانشاه صناعة استخراج النفط.
الكساء (حديث)
روى كل من الطبري وابن كثير في تفسيريهما والترمذي في صحيحه والطحاوي في مشكل الآثار، واللفظ للأول عن عمر بن أبي سلمة. قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بيت أم سلمة: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. فدعا حسناً وحسيناً وفاطمة (عليهم السلام) فأجلسهم بين يديه ودعا علياً (عليه السلام) فأجلسه خلفه فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».
وفي حديث أبي سعيد الخدري: قالت أم سلمة: فأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك وأنت إلى خير.
وفي رواية الحاكم بمستدركه: قالت أم سلمة: ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير وهؤلاء أهل بيتي، اللهم أهل بيتي أحق.
كسروان
هي اليوم قضاء في محافظة جبل لبنان مركزه بلدة جونيه، وفي القديم كانت مقاطعة لبنانية تمتد بين نهر الكلب ونهر إبراهيم. وكانت من مراكز الشيعة في لبنان إلى أن قضى عليهم المماليك سنة 1305 ميلادية وفعلوا بهم الأفاعيل من الذبح والهتك والحرق والهدم والسبي. وذلك نتيجة التعصب الأعمى المجرم وتحريض مشايخ السوء وفتاواهم. فحلّ الموارنة المسيحون محل الشيعة في تلك المنطقة ولم يبق منهم فيها اليوم إلا بقايا قليلة.
ولقد كان لابن تيمية وتحريضه أكبر الأثر في ذلك ثم أصدر فتوى يبرر فيها كل الفظائع التي جرت، ويحرض المماليك على الشيعة في مناطق أخرى: في دمشق وفلسطين وطرابلس وحمص وحماه وحلب.
ومن المؤسف أنّ كاتباً لبنانياً نشر في مجلة تصدرها دار الفتوى الإسلامية في بيروت اسمها الفكر الإسلامي في شهر جمادى الثانية سنة 1398 الموافق حزيران 1978 مقالاً أراد منه أن يكون تمهيداً لنشر فتوى ابن تيمية. فرد الدكتور محمد علي مكي مفترياته بما يأتي:
… لو كان لصاحب المقال حسّ غير التعصب الأعمى لكان أشار إلى الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه المماليك بالقضاء على شيعة كسروان وتفريغ المنطقة منهم، لأنّ عملهم ذاك سبب امتلاءه بالموارنة فيما بعد، كما سبب خطأ العثمانيين تفريغ جزين من الشيعة لتمتلئ بعد ذلك بالموارنة.
ونأخذ على كاتب المقال قصر نظره في التاريخ فقد أهمل الظروف التي كانت سائدة في الربع الأخير من القرن الثالث عشر ومطلع القرن الرابع عشر ومنها: العداوة الإقطاعية والمذهبية بين تنوخيي الغرب وشيعة كسروان، وتحالف الشيعة مع مماليك دمشق وأمرائها الأيوبيين وكلهم سنّة، ومحاربة الشيعة مع قلاوون وسيرغي حاكم جبيل ضد الصليبيين في طرابلس والصراعات المملوكية فيما بينهم للوصول إلى السلطة وتحالفاتهم مع المغول ومع الصليبيين، كل ذلك أهمله كاتب المقال ليخرج علينا بهذه الفتنة التي أسماها التحالف الشيعي الماروني الانفصالي تحالف الروافضة – الموارنة لتحقيق المخطط الانفصالي.
نأخذ على كاتب المقال أنّه لم يزوّر فحسب بل هو يهيئ للفتنة.
هذا هو موقفنا العاطفي من الزاوية الدينية الإسلامية، أما الموقف العلمي فيقوم على مقارعة النص بالنص وتقديم الحجة الدامغة.
المناقضة العلمية للمقال
هناك قاعدة في درس التاريخ وفي الشرع، وهي أنّ قول نصف الحقيقة هو تزوير وكتم معلومات. وفي شرح الحروب الكسروانية كما أوردها كاتب المقال قول لنصف الحقيقة. وها نحن للمجلة الكريمة، ولمن يشاء الحقيقة عن تلك الحروب، مأخوذة من مختلف مصادرها، ونقسمها من أجل الوضوح إلى أربع مراحل: مرحلة أولى تتناول موقف السلطان بيبرس من الشيعة، ومرحلة ثانية هي تحالف الشيعة مع الأمير المملوكي سنقر الأشقر ضد قلاوون، ومرحلة ثالثة هي الصراع التنوخي الكسرواني، ومرحلة رابعة وأخيرة هي تصفية الشيعة الكسروانيين.
المرحلة الأولى: بيبرس والشيعة:
استلم المماليك السلطنة في مصر، وهم غير عرب وكان العالم الإسلامي بدون خليفة بعد سقوط بغداد في أيدي المغول، وقد عمل السلطان بيبرس على إعادة الخلافة العباسية ونقلها إلى القاهرة، ثم عمل على توحيد جميع المذاهب الإسلامية بمذاهب السنة الأربعة. وحرم بقية المذاهب وعاقب عليها ابتداء من سنة 1267 ميلادية، وفي ذلك يقول المقريزي: أمر بيبرس باتباع المذاهب السنية الأربعة وتحريم ما عداها، كما أمر بأن لا يولي قاض ولا تقبل شهادة أحد ولا يرشح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب، المقريزي – ج4 – ص161.
ويقول ابن حجر كان الناس إذا أرادوا أن يكيدوا لشخص دسوا عليه من رماه بالتشيع، فتصادر أملاكه وتنهال عليه العقوبات والإهانات حتى يظهر التوبة من الرفض. ابن حجر. الدرر الكامنة – ج7 – ص66.
بهذه الروحية وبهذه العقلية قدم المماليك إلى لبنان، حيث كانت الطوائف تعيش متآلفة ومتجاورة لا تعرف التعصب ولا تتعامل به.
ولكن بما أنّ السواحل اللبنانية كانت ما تزال في أيدي الصليبيين، فإنّ قرارات بيبرس الدينية لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ وبالتالي فإنّها لم تؤثر في المناطق اللبنانية.
ولم يسجل التاريخ أي تصادم بين شيعة كسروان والظاهر بيبرس، بينما سجل التاريخ التصادم بين التنوخيين وبيبرس، وكذلك التصادم بين موارنة الشمال وبيبرس بسبب تعاونهما مع صليبيي طرابلس وبيروت.
لقد كان السكان في لبنان ما يزالون غير واثقين من متانة الحكم المملوكي الجديد بسبب الوجود الصليبي في السواحل ووجود الأمراء الأيوبيين في الداخل ووجود المغول ما وراء الحدود، وقد ظهر ضعف الثقة هذا في موقف أمراء الغرب التنوخيين الذين انقسمت أهواؤهم بين المماليك والأيوبيين مع المغول والصليبيين مما جعل بيبرس يعمد بعد استقراره في الحكم إلى سجن ثلاثة زعماء منهم في سنة 1271 وهم: زين الدين بن علي وجمال الدين بن حجي وسعد الدين خضر، وظل هؤلاء في السجن حتى وفاة بيبرس، أما شيعة كسروان فبقيت غير خاضعة رسمياً للدولة الجديدة بسبب الوجود الصليبي في الساحل.
– المرحلة الثانية: تحالف الشيعة مع الملك الكامل شمس الدين سنقر الأشقر:
بعد وفاة السلطان الظاهر بيبرس سنة 1277 والفترة القصيرة التي حكمها ولداه بركة وسلامش استولى على السلطة في مصر أحد مماليك بيبرس وهو السلطان المنصور قلاوون فما كان من الأمير المملوكي شمس الدين سنقر الذي كان في دمشق إلاّ أن أعلن نفسه ملكاً على بلاد الشام باسم الملك الكامل وقد استفتى سنقر هذا قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في قتال الملك المنصور فأفتاه بجواز قتاله. (ابن عبد الظاهر. تشريف الأيام والعصور – ص 68) وبذلك أصبحت بلاد الشام سنة 678 هجرية مملكة مملوكية منفصلة عن المملكة المملوكية في مصر، وقد تحالف الملك الكامل سنقر الأشقر مع التنوخيين ومع الجرديين شيعة كسروان ومع أمير العرب عيسى بن مهنا آل فضل على بناء الدولة الجديدة.
هذا الحلف الإسلامي الواضح صوَّره كاتب المقال حلفاً بين الموارنة والروافضة فسبحان الله. وكان مع الملك سنقر عدد كبير من الأمراء المماليك، ولم يكن هذا الحلف متعصباً مذهبياً كما كان أمر بيبرس، ولذلك مال إليه اللبنانيون بمختلف طوائفهم ومقاطعاتهم، البعلبكيون والكسروانيون والتنوخيون، وجاءت جيوش قلاوون من مصر إلى الشام فانهزم سنقر الأشقر وأعوانه وانفرط عقد ذلك التحالف إذ هرب سنقر الأشقر إلى قلعة صهيون في شمالي سوريا وهرب معاونه عز الدين ازدمر الحاج إلى جبال الجرديين (كسروان) حيث لقي منهم الحماية وأقام عندهم مدة وتحصن بهم (ابن عبد الظاهر – تشريف الأيام والعصور – ص 68) ودخلت المناطق اللبنانية المحررة من الصليبيين في طاعة السلطان قلاوون، وأصدر السلطان عفواً عاماً عن جميع الناس الذين اشتركوا في حركة سنقر الأشقر، ثمّ عاد السلطان فأرسل رسالة إلى دمشق يؤكد فيها عفوه بقوله: إنا قد عفونا عن الخاص والعام، وما يليق أن يخص بالسخط أحداً على انفراده، وغير خافٍ ما يتعلق بحقوق القاضي شمس الدين بن خلكان وقديم صحبته وخدمته، وأنّه من بقايا الدولة الصالحية (ابن عبد الظاهر – تشريف الأيام والعصور ص 69 و70).
أمّا سنقر الأشقر وأمير العرب عيسى بن مهنا فقد راسلا المغول ودعوهم إلى البلاد وأنّهم على استعداد لمساعدتهم، وفعلاً تحرّك المغول واجتاحوا حلب وشمالي سوريا، فتحرك جيش المماليك من دمشق إلى حماه لصد المغول وعلى رأسهم الأمير بدر الدين بكتاش النجمي، وعند حماه راسل المماليك شمس الدين سنقر الأشقر الموجود في قلعة صهيون وعز الدين ازدمر الحاج الموجود في قلعة شيزر وقالوا لهما:
العدو قد دهمنا وما سببه إلاّ الخلف فيما بيننا، وما ينبغي أن نهلك المسلمين في الوسط، والمصلحة أنّنا نجتمع على دفعه فنزل عسكر شمس الدين سنقر الأشقر من صهيون والحاج ازدمر من شيزر وخيمت كلّ طائفة تحت قلعتها، ولم يجتعوا بالمصريين، واجتمعوا على اتفاق الكلمة ودفع العدو (ابن عبد الظاهر – شريف الأيام والعصور – ص16).
هكذا يظهر ابن عبد الظاهر، المعاصر لتلك الفترة والذي كتب في ديوان قلاوون في القاهرة، الحقيقة عن الاتصال بالمغول، فليست شيعة كسروان هي التي دعت المغول. كما تجنّى عليها كاتب المقال، إنّ أمراء المماليك هم الذين قاموا بذلك العمل، وقد آن الأوان لتصحيح التزوير التاريخي.
وبعد هزيمة المغول هرب أمير العرب عيسى بن مهنا إلى العراق والتجأ سنقر الأشقر إلى قلعة صهيون وذهب عز الدين ازدمر الحاج إلى القاهرة مستسلماً. وذهب أمير التنوخيين ابن حجي إلى دمشق خاضعاً، ثمّ تمّ الصلح بين قلاوون وسنقر الأشقر فتمّت سيادة المماليك على البلاد ما عدا مقاطعة كسروان، ثمّ تمكّن السلطان قلاوون من أخذ قلعة صهيون وجوارها من يد سنقر الأشقر بعد اتفاقهما انتقل سنقر إلى القاهرة وبقيت مقاطعة كسروان الشيعية هي الوحيدة من ذلك التحالف السابق التي لم تخضع بعد للحكم الجديد.
وقرر نائب السلطان في دمشق لاجين غزو تلك المقاطعة وأرسل بذلك رسالة إلى الأمراء التنوخيين في الغرب يستعديهم على شيعة كسروان، فقد أورد صالح بن يحيى في تاريخ بيروت يقول: ومن مضمون مثال من ملك الأمر لاجين نائب الشام عن الملك المنصور قلاوون إلى جمال الدين وزين الدين بن علي أنّه إذا بلغهما توجه المقر الشمسي سنقر المنصوري بالعساكر المنصورة إلى جهة كسروان والجرديين يتوجها إليه بمجموعهما وأهويتهما، وأن من نهب امرأة منهم كانت له جارية أو صبياً كان له مملوكاً ومن أحضر منهم رأساً فله دينار، وأنّ سنقر توجه لاستيصال (لاستئصال) شأفتهم ونهب أموالهم وسبي ذراريهم وأنفسهم، تاريخه سابع جمادى الأولى سنة 686هـ (تاريخ بيروت صفحة 53) ونبادر هنا إلى توضيح بسيط حول سنقر المذكور فهو غير سنقر الأشقر حليف الشيعة سابقاً.
ونلاحظ من هذا النص أمرين: أولهما أنّ قلاوون لم يشمل بالعفو شيعة كسروان، وربما لأنّهم لم يكونوا بعد قد أصبحوا من رعاياه، وثانيهما أنّ قلاوون عاد يتابع سياسة بيبرس الدينية من حيث محاربة المذاهب الإسلامية غير السنية وقد جاءت رسالة نائب السلطان في دمشق تعبر عن هذا الاتجاه بإباحة كسروان إباحة كاملة للجند المملوكي وللتنوخيين، بدون أي ذنب على الإطلاق اللهم إلاّ الاختلاف في المذاهب الدينية، بينما نرى كاتب المقال يجعل الانتقام من شيعة كسروان سببه أنّ الكسروانيين نهبوا العسكر المملوكي المهزوم أمام المغول سنة 669هـ فإذا كانت أحداث سنة 669هـ هي سبب النقمة المملوكية على شيعة كسروان، فما هي أسباب النقمة المملوكية سنة 686هـ الواردة في رسالة نائب الشام لاجين، وبين المناسبتين 13 سنة؟ إن من واجب المؤرخ أن يتحرى الأحداث وأسبابها ليستقيم له الربط التاريخي، وألا يصبح التاريخ كالبيانات الحزبية، أعور لا يرى إلاّ بعين واحدة.
ونعود إلى المسلسل الحزين للمأساة الكسروانية، فالمماليك لم يتوجهوا إلى كسروان وفقاً للأمر الصادر من نائب السلطان في دمشق، وربما أنّ ذلك عائد إلى أنّ الساحل اللبناني كان بمعظمه ما يزال في أيدي الصليبيين. لذلك لم يتحرك التنوخيون في الغرب لغزو كسروان في الشمال. وفي السنة الثانية أي سنة 687 طلب السلطان قلاوون أمراء الجبال إلى مصر وأخذ أملاكهم وأقطاعهم وأولاد أمير الغرب ما حضروا فأخرج أملاكهم وأقطاعهم صالح بن يحيى (تاريخ بيروت ص 70) ويستدل من ذلك أنّ قلاوون كان ناقماً على الكسروانيين والتنوخيين فصادر أملاكهم، ولم يسترجع التنوخيون أملاكهم وأقطاعهم إلاّ في عهد الأشرف خليل.
وهنا نأتي إلى ذكر تهمة الكسروانيين بمساعدة الصليبيين في طرابلس سنة 688هـ (1289م) وفي هذه التهمة التباس انطلى على كاتب المقال. فالكسروانيون الشيعة لم يتدخلوا في معركة طرابلس بدليل أنّ أحداً من المؤرخين المعاصرين لفتح المدينة لم يذكر ذلك. ومن المعروف أنّ المؤرخ أبا الفداء كان حاضراً في معركة طرابلس مع قلاوون ولم يشر إلى ذلك على الإطلاق. كما أنّ صالح يحيى التنوخي، وهو خصم الشيعة الكسروانيين لم يشر إلى ذلك، ولو كانت التهمة صحيحة لكانت في مصلحة التنوخيين. ولكن الالتباس حدث مع أنّ المؤرخين كابن الفرات والمقريزي ذكروا أنّ قلاوون عانى كثيراً من اعتداءات المردة (الموارنة) سكان الجبال المجاورة لطرابلس، وأنّه قتل بسببهم عدة قادة مماليك (ابن الفرات – ج8 – ص85) و(المقريزي – السلوك – ص747) وبما أنّ الموارنة سكنوا كسروان بعد ذلك، أي بعد تفريغ كسروان من الشيعة، وأصبحوا يعرفون كذلك بالكسروانيين، فقد اختلط الأمر على بعض المؤرخين المحدثين من حيث الاسم، فجعلوا المساعدة المارونية للصليبيين أيام طرابلس مساعدة كسروانية وتناسى صاحب المقال الفارق الزمني بين السكنين: الشيعي والماروني في كسروان وهو حوالي قرنين ونيف من الزمن ونتيجة لهذا الالتباس أنشأ صاحب المقال تصوّره بوجود حلف موارنة – روافضة، فكان تصوّره ينم عما في النفس من هوى ويظهر كم هو بعيد عن الموضوعية في التاريخ.
المرحلة الثالثة – الصراع التنوخي – الكسرواني:
بعد سقوط طرابلس، أصبحت سيطرة المماليك كاملة في شمالي لبنان وأواسطه ساحلاً وجبلاً، وبقيت أملاك وإقطاعات التنوخيين وأمراء الجبال بما في ذلك أملاك الكسروانيين مصادرة بأمر السلطان قلاوون.
وكان واقع الحال يدعو قلاوون إلى ضم كسروان نهائياً إلى دولته لأنّ شيعة كسروان كانوا آخر حليف لسنقر الأشقر، ولكن قلاوون آثر تأجيل ذلك حتى ينتهي من صليبيي عكا وجوارهم، ولم يتح العمر لقلاوون أن يحقق ذلك فقام بعده ابنه الأشرف خليل بإنهاء الوجود الصليبي في الشرق سنة 1291 ميلادية.
ثمّ عاد الأشرف خليل يتابع سياسة والده وخطته، فأمر بإرسال حملة عسكرية إلى كسروان.
أمّا التنوخيون فقد وحدوا كلمتهم والتفوا حول السلطان الجديد الأشرف خليل، فتمكنوا من استرداد أملاكهم وإقطاعاتهم المصادرة منذ أيام قلاوون بينما بقيت أملاك بقية الجبليين (الكسروانيين) مصادرة وفي سنة 1292 توجهت الحملة المملوكية بقيادة الأمير بيدرا، ولنترك صالح بن يحيى في تاريخه عن بيروت يروي لنا تفاصيل تلك الحملة ثمّ نحلل ما خفي منها وعنها.
توجه الأمير بيدرا بمعظم العساكر المصرية وصحبه من الأمراء الأكابر شمس الدين سنقر الأشقر والأمير قرا سنقر المنصوري والأمير بدر الدين بكتوت الأتابكي والأمير بدر الدين بكتوت العلاي وغيرهم وقصدوا جبال كسروان وأتاهم من جهة الساحل ركن الدين بيبرس طقصوا، والأمير عز الدين أيبك الحموي وغيرهما والتقوا بالجبل، وحضر إلى الأمير بيدرا من أثنى عزمه وكسر حدّته فحصل الفتور في أمرهم حتّى تمكّن من بعض العسكر في تلك الأوعار ومضايق الجبال، فاضطر الأمير بيدرا إلى إطابة قلوبهم والإحسان إليهم وخلع على جماعة من أكابرهم، فاشتطوا بالطلب فأجابهم إلى ما التمسوه من الإفراج عن جماعة منهم كانوا قد اعتقلوا بدمشق لذنوب وجرائم صدرت منهم وحصل للكسروانيين من القتل والنهب والطفر ما لم يكن في حسابهم، وحصل للأمراء والعسكر من الألم ما أوجب تصريح بعضهم بسوء تدبير الأمير بيدرا ونسبوه إلى أنّه أهمل أمرهم وفتر عن قتالهم حتّى تمكنوا ممّا تمكنوا منه لطمعه أنه تبرطل منهم وأخذ منهم جملة كثيرة واحتج الناس بذلك (تاريخ بيروت ص26).
هذه الرواية لا اختلاف عليها عند المؤرخين فماذا نستنتيج منها؟ إنّ فيها عدة ملاحظات مهمة ينبغي الإشارة إليها:
1 – إنّ الحملة الغازية لكسروان تحولت إلى تفاهم عميق بين بيدرا وقادته من جهة وبين زعماء كسروان الشيعة بحيث وصل التفاهم إلى تطييب قلوبهم والإحسان إليهم والخلع على جماعة من أكابرهم فهل يدل ذلك على تمرد الكسروانيين الشيعة وضلالهم وتحالفهم مع الموارنة؟ أم أنّه يدل على تفهّم قادة المماليك للكسروانيين والشعور معهم بالظلم والعدوان عليهم؟
2 – كان من الطبيعي أن تتحول تلك الحملة من حملة تأديب، كما اشتهى التنوخيون وبعض الدمشقيين إلى حملة سلام بمجرد أن اشترك فيها شمس الدين سنقر الأشقر الملك الكامل سابقاً لأنّه كان حليفاً للشيعة أيام انفصاله عن قلاوون واستقلاله بسوريا.
3 – إنّ اجتماع بيدرا مع سنقر ومع بقية أمراء المماليك في كسروان هيأ للجميع فرصة التداول فيما بينهم والاتفاق على مخطط معين ظهر بمجرد عودتهم إلى مصر، فقد عمد الأشرف خليل إلى قتل سنقر الأشقر وبدر الدين بكنوت وركن الدين طقصوا خنقاً ممّا أدّى إلى انقلاب بيدرا على الأشرف خليل وقتله.
4 – لم يعجب التنوخيين وبعض الدمشقيين ما تمّ من تفاهم مملوكي شيعي في كسروان، فكان الدس من كل جانب، على شيعة كسروان وعلى الأمراء المماليك، حتى اتهموا بيدرا بالارتشاء، وخاصة أنّ هؤلاء الأمراء كانوا يمثلون الجناح المعتدل في دولة المماليك.
5 – دخلت الدولة المملوكية، بعد تلك الحملة السلبية في دوامة انقلابات دموية، أضعفت قوتها وأنقصت هيبتها حتّى نهاية القرن السابع الهجري والثالث عشر الميلادي وأدّت تلك الفوضى إلى اتصال عدد من كبار أمراء المماليك بالمغول مجدداً لاستعدائهم على الدولة المملوكية، ثمّ صارت تلك التهمة سبباً لقتل المتهم بها، فقتل معظم أمراء المماليك بسببها.
6 – هدأت الأوضاع في كسروان بعد حملة بيدرا واطمأنت الشيعة إلى سلامة موقفها فتكاثروا واشتدت شوكتهم واعتزموا بجبالهم المنيعة وجموعهم الكثيرة، بينما كان المماليك غارقين في انقلاباتهم الدموية حتى كانت غزوة المغول الثانية سنة 1299 ميلادية فتجددت المشكلة الكسروانية التي أدّت إلى تصفية الشيعة في كسروان.
المرحلة الرابعة – تصفية الشيعة في كسروان:
خلال ثماني سنوات من سنة 1292 إلى سنة 1300 ميلادية عرفت البلاد حكم ستة سلاطين جاؤوا بالانقلابات وذهب أكثرهم بالقتل، وكان البارز من هؤلاء حكم زين الدين كتبغا (1294-1296) الذي كان مغولي الأصل وشجع مجيء المغول إلى البلاد، وبالفعل جاءت إحدى القبائل المغولية المعروفة بقبيلة الأوبراتية المؤلفة من 18 ألف عائلة، فأسكنهم كتبغا في شمالي فلسطين. والغريب في هذا السلطان أنّه كان يقتل أعداءه بتهمة الاتصال بالمغول بينما كان هو يتصل بهم ويشجع قدومهم (مراجعة المقريزي – السلوك – أخبار سنة 695هـ). وفي سنة 1298 أعاد المماليك السلطان الصغير محمد بن قلاوون إلى الحكم ولكن عدداً من أمراء المماليك التحقوا بالمغول واجتاحوا شمالي سوريا وهزموا الجيش المملوكي في الشام، وأدى تشتت الجيش المملوكي إلى التجائه إلى الجبال هرباً من ملاحقة المغول، وقد تعرض هؤلاء الجنود للنهب والسلب والأسر من أهالي الجبال، كما يحدث للجيوش المهزومة عادة. وكان الكسروانيون من جملة الذين نهبوا وسلبوا وأسروا جنود المماليك.
فلما انتهت الحرب ورجع المغول إلى بلادهم، عادت الدولة المملوكية فوجهت سنة 1300 ميلادية حملة تأديبية على كسروان، وفي ذلك يقول صالح بن يحيى: إنّ الهاربين من عساكر الملك الناصر محمد بن قلاوون من غازان سنة 699 (1299) تفرقوا في البلاد فحصلت لهم الأذية من المفسدين خصوصاً من أهالي كسروان بالغوا إلى أنّهم أمسكوا بعض الهاربين وباعوهم للفرنج. وأما التشليح والقتل فكان كثيراً، وكان ناهض الدين بحتر إذا مرّ عليه أحد من الهاربين أحسن إليه وأضافه وقام له بما يحتاج إليه. وكذلك فعل علاء الدين علي بن حسن بن صبح في قرية حديثا، فشكرا وصار لهما ذكر، فلبسا اثنيهما الخلع في نهار واحد كل منهما بإمرة طبلخاناه وذلك بواسطة ملك الأمراء جمال الدين قوش الأفرم نائب الشام لمحاربة المفسدين، ثمّ عاملوا أهل كسروان بما ذكرناه (صالح بن يحيى – تاريخ بيروت، ص78).
من هذا النص يتبين أنّ الأذية التي لحقت بالجنود المملوكية كانت واسعة ومنتشرة في البلاد كلها وليست فقط في كسروان، وقد صار التركيز على كسروان لإبراز دور الأميرين ناهض الدين بحتر وعلاء الدين بن صبح اللذين أصبحا بإمرة طبلخاناه، وكلفا بمحاربة المفسدين. وهنا كان يقتضي من كاتب المقال أن ينتبه إلى عادة جميع الناس بنهب الجنود المهزومة، ولم ننس بعد ماذا حل بجنود الدولة العثمانية في فلسطين وسوريا من نهب وقتل في نهاية الحرب العالمية الأولى بعد هزيمتها في فلسطين كما كان يقتضي من كاتب المقال أن يستوعب مشكلة الصراع الطائفي القبلي بين الغرب التنوخي وكسروان الشيعي لأنّها واضحة في نص صالح بن يحيى التنوخي، خاصة وأنّ المؤرخ المذكور يعترف بصراحة أنّ أهل كسروان أظهروا الخروج عن الطاعة (تاريخ بيروت – ص27) ومعنى كل ذلك بوضوح أنّ كسروان كانت قد أصبحت في طاعة المماليك منذ حملة بيدرا – حملة السلام والتفاهم – ولكنها لم تكن في طاعة التنوخيين.
وقد نجم عن حملة أقوش الأفرم على كسروان سنة 1300 سيطرة المماليك العسكرية على المنطقة واستسلامها ومناداتها بالأمان، وغرمت بالمال والمنهوبات.
وكان من المفروض أن تنتهي المشكلة الكسروانية بعد تلك الحملة لو لم يعمد نائب الشام أقوش الأفرم إلى تسليم الإقطاع الكسرواني للأمراء التنوخيين، وانكشفت بذلك غاية التنوخيين بالسيطرة الإقطاعية على كسروان، ولقد رفض الكسروانيون أن يخضعوا للتنوخيين، وفي ذلك يقول سعيد عاشور: أرسل الأمير الأفرم نائب دمشق إلى الكسروانيين يأمرهم بأن يصلحوا أمورهم مع التنوخيين ويدخلوا في طاعتهم بوصفهم أصحاب الأراضي والإقطاعات (سعيد عاشور – العصر المملوكي – ص308) وأدّى رفض الكسروانيين الطاعة للتنوخيين إلى تأزم الوضع بينهما ممّا دعا نائب الشام أقوش الأفرم إلى إرسال بعثة توفيقية بين الجانبين برئاسة نقيب الأشراف في دمشق زين الدين محمد بن عدنان الحسيني ولكن البعثة فشلت في مهمتها (أما رئيسها فنجح في أنه تزوج أميرة تنوخية) وأرسل أقوش الأفرم بعثة ثانية اشترك فيها قراقوش وابن تيمية، ولكن الكسروانيين ظلّوا على موقفهم يرفضون الخضوع لجيرانهم التنوخيين فأفتى ابن تيمية فتواه المشهورة بهدر دماء الشيعة الكسروانيين وهدم بيوتهم وحرق وقطع أشجارهم، وكانت الحملة المأساة المذبحة الكبرى سنة 1305 التي انتهت بقتل معظم السكان وتهجير الآخرين إلى جزين وجبل عامل والبقاع وتفريغ كسروان من شعبه وتحريم سكناه على الشيعة.
هذا ما اقتضى توضيحه حول الأخطاء العلمية الواردة في مقالة الدكتور عمر عبد السلام التدمري عن الحملات الكسروانية.
أمّا من الناحية العاطفية الإسلامية فلقد كان على كاتب المقال أن يقيم نتائج تفريغ كسروان من أهله وتحول هذه المنطقة إلى سكن ماروني فيما بعد، طالما أنّه يكتب من منطلق إسلامي كما يقول، لقد كان عليه أن يتساءل في النهاية من كان عدواً بالفعل للإسلام، أقوش الأفرم وأعوانه؟ أمّا شيعة كسروان؟
إنّ أزهى أيام طرابلس كانت في عهد بني عمار الشيعة وإنّ شيعة كسروان أنقذوا كسروان من أيدي المردة (الموارنة) منذ القرن التاسع الميلادي وجعلوه داراً للإسلام، وحموه بعد ذلك من الاحتلال الصليبي طيلة الحكم الصليبي في الشرق، وكانوا دائماً خير مرابطين في هذه المنطقة. ولم يتخلَّ الشيعة الكسروانيون عن كسروان إلاّ بسبب الخطيئة المميتة التي ارتكبها أقوش وأعوانه.
ويقول حسن الأمين تعليقاً على ما مرّ:
إيغالاً في التضليل وتشويه الحقائق واتهام الشرفاء، يسمّي كاتبو تلك الأحداث الجيش الذي هزم المماليك – يسمّونه بـ (المغول) لما توحي به كلمة المغول من الوثنية وسفك الدماء والتخريب والتدمير، ولما لها من نفوس الناس من التأثير السيئ فيتذكر السامع والقارئ (جنگيز) و(هولاكو)، وبعضهم يفعل ذلك عن غفلة، كما فعل ذلك صاحب المقال في حين أنّ الجيش الذي غزا المماليك كان جيشاً إسلامياً يقوده ملك مسلم، فاسم المغول انتهى من بعد هولاكو، وانفصل مغول إيران والعراق عن عرقهم الأصلي، وأصبح اسمهم (الإيلخانيين)، وبدأوا بالاندماج في الحياة الإسلامية إلى أنّ أسلم ملكهم (غازان) وأعلن إسلام المملكة الإيلخانية، وعاد من كان أجدادهم مغولاً وثنيين – عادوا إيلخانيين مسلمين.
فالقتال كان دائراً بين جيشين إسلاميين: جيش إسلامي يقوده ملك مسلم، من أصل غير مسلم، وجيش إسلامي يقوده ملك مسلم، هو الآخر من أصل غير مسلم، فالمماليك كالإيلخانيين كانوا من أصول غير إسلامية.
فإذا تحزب أهل كسروان وغير أهل كسروان للإيلخانيين على المماليك، كانوا كمن يتحزب للماليك على الإيلخانيين سواء بسواء.
فالتهويل بأنّ أهل كسروان الشيعة تعرّضوا للجيش المملوكي المهزوم من الإيلخانيين – تعرضوا له (بالسلب والنهب والأسر)، وتسمية الإيلخانيين المسلمين بالمغول.
إنّ هذا التهويل وهذه التسمية كان يراد بهما تبرير ما فعله السفاحون بالشيعة بتحريض المتعصبين العمي، ذوي القلوب السوداء والعقول السوداء من أمثال ابن تيمية.
لم يكن شيعة كسروان وحدهم هم الذين تحزبوا للإيلخانيين المسلمين، وتعرضوا لأعدائهم المماليك، بما سمّاه مزيفو التاريخ بـ (النهب والسلب والأسر)، ثمّ زادوا على ذلك ما أوحته لهم عصبياتهم وأحقادهم، بأنّهم أمسكوا بعض الهاربين وباعوهم للإفرنج!..
وما دخل الإفرنج هنا، والحرب بين جيشين مسلمين، وأين كان الإفرنج يوم ذاك، ولماذا يبيعونهم للإفرنج، وليس للفرنج وجود؟ ولماذا لا يبيعونهم لأعدائهم الإيلخانيين، لو كان ذلك صحيحاً؟!
لم يكن شيعة كسروان وحدهم هم الذين تحزبوا للإيلخانيين على المماليك، بل انقسمت البلاد كلها بين المماليك والإيلخانيين، وجميع سكان البلاد تعاملوا مع الجيش المملوكي المنهزم بمثل ما تعامل أهل كسروان. فلماذا التركيز على أهل كسروان وحدهم؟
يقول ابن خلدون في الجزء العاشر (المجلد الخامس)، الصفحة 892 من طبعة دار الكتاب اللبناني: «عاقب الأفرم كل من استخدم للتتر من أهل دمشق، وأغزى عساكره جبل كسروان والدرزية لما نالوا من العسكر عند الهزيمة).
إذن حتّى أهل دمشق انقسموا قسمين: قسماً مع الإيلخانيين وقسماً مع المماليك، وإذن فكل الناس، مال من مال منهم مع هؤلاء، ومال من مال مع أولئك، وإذن فكل الناس نالوا من المماليك المنهزمين، ابتداءً من سهول دمشق حتى جبال لبنان.
وجاء في كتاب (خطط الشام ص 139، ج2): أرسل أقوش الأفرم نائب دمشق إلى الجبليين والكسروانيين الشريف زين الدين عدنان يأمرهم أن يصلحوا شؤونهم مع التنوخية ويدخلوا في طاعتهم، ثمّ أرسل إليهم الإمام ابن تيمية في صحبة بهاء الدين قراقوش، فلم يحصل اتفاق، فأفتى العلماء حينئذ بنهب ديارهم بسبب استمرارهم على العصيان وإبائهم الدخول في الطاعة (انتهى).
فصاحب خطط الشام في هذا القول يعترف بأنّه كان المطلوب من شيعة كسروان هو أن يدخلوا في طاعة أعدائهم، وكان من الطبيعي أن يرفضوا هذا الذل، وكان هذا الرفض هو ذنبهم الوحيد لما نزل بهم، لا ما يدعيه المدعون.
كش – نسف
في الناحية الجنوبية من نهر (ذرفشان)، يجري نهر موازٍ له، وينتهي مثله في منافع بيد أنّه أقصر منه، يقال له اليوم كُشكَه دريا، وعليه تقوم (شهر سبز) وقرشي. كانت سبز (أي المدينة الخضراء) في العصور الوسطى، تعرف باسم كشّ. قال فيها ابن حوقل: (مدينة لها قهندز وحصن وربض. ومدينة أخرى متصلة بالربض) لعلها هي المعروفة اليوم بكتاب. وكان يقال لها قديماً المصلى، فيها الخانات ودار الإمارة. وفي ربضها الأسواق والحبس والمسجد الجامع في المدينة الداخلة، ومقدارها نحو ثلث فرسخ في مثله (أي ربع ميل مربع)، وبناؤها من طين وخشب، وهي مدينة خصبة جداً، تدرك فيها الفواكه أسرع مما تدرك بسائر ما وراء النهر، وتأتي بواكيرها إلى بخارى. ولمدينة كش الداخلة أربعة أبواب هي: باب الحديد، وباب عبيدالله، وباب القصابين، والرابع باب المدينة الداخلة. وللمدينة الخارجة بابان، أحدهما باب بركنان «وبركنان قرية ينسب إليها الباب»، وباب المدينة الخارجة([70]).
والنهر المعروف اليوم بنهر كش كان يقال له في المئة الرابعة (العاشرة) نهر القصارين (ويخرج من جبل سَيَام ويجري في جنوبي المدينة أي مدينة كش. ويجري في شمالها نهر أسرود. وفي ما يلي طريق سمرقند، على فرسخ، كان يقطع هذا الطريق نهر يقال له جاي رود، وإلى جنوبه، على فرسخ من كش في طريق بلخ، نهر خشْك رود (أي النهر الجاف). وفي ما يلي هذا النهر، على ثمانية فراسخ منه، نهر خزار رود. وهذه الأنهار، بعد أن تسقي رساتيق كش، تجتمع فضلاتها فتصير نهراً واحداً يمر بمدينة نسف. وكان «طول عمل كش نحو أربعة أيام في مثلها». وهو معروف بوفرة خصبه. وفي الجبال المجاورة لكشّ: الملح «وبها يسقط المن المسمى الترنجبين والعقاقير الكثيرة» وكانت تحمل إلى كثير من آفاق خراسان. واشتهرت كش في الأزمنة الأخيرة بأنّ فيها ولد تيمور الذي جدد في أواخر المئة الثامنة (الرابعة عشرة): المدينة وبنى فيها القصر الأبيض آق سراي – وكان يؤثر الإقامة فيه. وفي هذا الزمن عرفت كش باسم شهر سبز (المدينة الخضراء) وما زالت تعرف به حتى اليوم.
وعلى مئة ميل ونيف من منحدر النهر أسفل كش من ناحيتها الغربية، المدينة المعروفة اليوم باسم قرسي وكان يسميها عرب القرون الوسطى نسف والفرس نخشب. وتقوم نسب على النهر الذي يتألف، على ما بيّنا، من مجتمع فضلات أنهار عديدة تأتي من رساتيق كش. وعلى ضفته: دار الإمارة، عند الموضع المعروف برأس القنطرة. وحبسها عند دار الإمارة، والمسجد الجامع قرب باب غوبذين. «وأسواقها في الربض مجتمعة ما بين دار الإمارة والمسجد الجامع والمصلى بناحية باب النجارية داخل الباب». وقد أورد المقدسي كثرة أعناب نخشب الجيدة وتكلم على أسواقها الحسنة. وكانت مزارعها خصيبة وبساتينها كثيرة. إلاّ أنّها «ليست لها قرى كثيرة ولا نواح» مثلما كان لكش.
وعرفت نسف أو نخشب في التاريخ بأنّها موطن (المقنع) الذي نهض في النصف الأخير من المئة الثانية (الثامنة) وصنع العجائب. فقد كان يُخرج من بئر في نخشب ليلة بعد ليلة ما هو مثل القمر، فكان الناس يعجبون من ذلك. وكان الفرس يلقبون المقنع بـ «ماه سازنده» أي صانع القمر. وتروي الأخبار التاريخية أنّ فتنة أتباع المقنع قد عانى منها كثيراً قادة جيش الخليفة المهدي سنين.
وحكى القزويني (ص312) في كلامه على نخشب في شأن هذا الحكم ما يأتي: مدينة مشهورة بأرض خراسان: منها الأولياء والحكماء، ينسب إليها الحكيم ابن المقفع (ابن المقنع؟) الذي أنشأ بنخشب بئراً يصعد منها قمر يراه الناس مثل القمر، واشتهر ذلك في الآفاق. والناس يقصدون نخشب لرؤيته ويتعجبون منه، وعوام الناس يحسبونه سحراً. وما كان إلاّ بطريق الهندسة وانعكاس شعاع القمر، لأنّهم وجدوا في قعر البئر طاساً كبيراً مملوءاً زئبقاً، وفي الجملة قد اهتدى إلى أمر عجيب سار في الآفاق واشتهر حتّى ذكره الناس في الأشعار والأمثال، وبقي ذكره بين الناس».
أمّا مدينة نخشب، فقد ابتنى فيها كبك خان بعد الغزو المغولي في المئة السابعة (الثالثة عشرة)، قصراً له في موضع على فرسخين من المدينة القديمة، و«القصر» في اللغة المغولية يسمّى «قرشي» فسرى هذا الاسم على بعض الذي قام حوله وحل محل نسف القديمة أي نخشب. نزل ابن بطوطة هنا في أوائل المئة الثامنة (الرابعة عشرة)، ووصف قرشي بأنّها بلدة صغيرة تحف بها البساتين، وفي ختام هذا القرن، كان تيمور كثيراً ما يشتي في قرشي، ثمّ بني قربها حصاراً أي قلعة.
كشف الأستار عن وجه الكتب والأفكار
تأليف: السيد أحمد بن محمد رضا الحسيني الأعرجي الصفائي الخوانساري (1291-1359هـ).
يبحث الكتاب في المؤلَّفات الشيعية تعريفاً وتوثيقاً، ويسهب في تراجم مؤلِّفيها ورواتها وإيراد الأقوال فيهم، والانتهاء بجرحهم أو تعديلهم لمن كان منهم من المحدِّثين؛ فكان كتاباً جامعاً بين فهرسة الكتب وبين نقد الرجال.
وهو في عشرة أجزاء يجري طبعها في هذا العصر.
كشف الارتياب
في اتباع محمد بن عبد الوهاب
كتاب للسيد محسن الأمين في الرد على الوهابيين فيما هاجموا به الشيعة نلخصه فيما يلي:
في أمور مهمة يتوقف عليها المقصود من ردّ شبهات الوهابية.
الأول
أحكام الشرع الإسلامي (منها) ما هو ضروري كوجوب الصلاة والصوم وحرمة الزنا والكذب وهذا لا يحتاج إلى إقامة الدليل عليه ولا يجوز الاجتهاد بخلافه بل يخرج منكره عن الإسلام (ومنها) ما هو نظري ككون أفعال العباد مخلوقة لله والكسب للعبد وكون صفات الله عين ذاته وثبوت الكلام النفسي ورؤية الله تعالى وأن الإمامة بالنص أو باختيار الأمة غير ذلك هذا في الأصول وأما في الفروع فكحكم الشك في الصلاة والبناء على القبور وحكم ما لا نص فيه كالتدخين وغير ذلك وهذا يجب أخذه من أدلة الشرع، الكتاب والسنة والإجماع والعقل، للقادر على ذلك وغيره يقلد القادر.
ولا يجوز الحكم بضلالة أحد أو فسقه فضلا عن شركه وكفره لمخالفته في أمر اجتهادي أي ليس من ضروريات الدين ولا يجوز معارضته وممانعته وإجباره على اتباع قول غيره مما يخالف اجتهاده بل هو معذور في اجتهاده ما لم يكن مقصرا وللمخطئ أجر واحد وللمصيب أجران. روى البخاري في صحيحه عنه (صلّى الله عليه وآله) إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر. وقال ابن تيمية في كتابه الذي سماه منهاج السنة([71]) على ما حكي: قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً لا في المسائل الأصولية ولا في الفرعية انتهى، فمن اجتهد في إباحة شيء كالتدخين أو استحبابه كالتبرك بقبة النبي (صلّى الله عليه وآله) وتقبيله وشدّ الرحال إلى زيارته أو أنه ليس ببدعة كالترحيم والتذكير ليس لمن اجتهد على خلافه معارضته وممانعته ولا تفسيقه وتضليله فضلاً عن تكفيره وتشريكه لأن ذلك ليس من ضروريات الدين التي لا يجوز الاجتهاد فيها.
الثاني
الكتاب كلام الله تعالى المنزل على نبيه (صلّى الله عليه وآله) وهو قطعي السند لاتفاق المسلمين كافة على أن ما بين الدفتين منزل منه تعالى (أما دلالته) ففيه المحكم والمتشابه أو المجمل والمبين (فالمحكم) ما يكون ظاهر الدلالة ويسمى المبين (والمتشابه) ما يكون غير ظاهر الدلالة بل المعاني فيه على السواء في الاحتمال ويسمى المجمل (ثم المبين) قسمان (النص) وهو ما لا يحتمل الخلاف (والظاهر) وهو الراجح مع احتمال الخلاف. ويسمى المرجوح المقابل للظاهر (المؤول). وفي الكتاب أيضاً العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ. ولا يجوز الاحتجاج من الكتاب بغير النص والظاهر إلا ما بينته السنة بعد ثبوتها أو الإجماع. كما لا يجوز العمل بالعام أو المطلق إلا بعد الفحص عن الخاص أو المقيد ولا بالدليل إلا بعد الفحص عن معارضه أو ناسخه لأن الدليل لا يكون دليلاً بدون ذلك.
وبسبب وجود هذه الأقسام الكثيرة في القرآن وغيرها أمكن لكل ذي قول حقاً كان أو باطلاً أن يستند في صحة قوله إلى ظاهر آية من القرآن. فربما استند إلى الحقيقة وغفل عن قرينة المجاز أو المطلق أو العام وغفل عن المقيد أو الخاص إلى غير ذلك (وقد) جمع أحمد بن محمد بن المظفر الرازي من أعيان القرن السابع ومن علماء أهل السنة كتاباً سماه (حجج القرآن) ذكر فيه من الآيات ما يمكن أن تحتج به كل فرقة لمذهبها وأقوالها المتباينة المتناقضة. ونحن نذكر مثالا من ذلك من جملة ما ذكره وما لم يذكره (فالوعيدية) المنكرون للعفو الموجبون المؤاخذة على المعاصي يمكنهم الاستدلال بآية: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}. (والوعيدية) القائلون برفع المؤاخذة بالكلية وإن الله لا يعاقب على المعصية لهم الاستناد إلى آية: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. (والمثبتون) للرؤية في الآخرة استندوا إلى آية: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)}. (والنافون) إلى قوله: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}. { لَنْ تَرَانِي }. (والجبرية) إلى آيات كثيرة مثل: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}. { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ}. { يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}. { وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}. { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ}. (والعدلية) إلى مثلها كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}. {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}. أو للعالمين. { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} (الآية). {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}. { قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} (والقائلون بالتجسيم) على الحقيقة بالجهة يستندون إلى الآيات التي فيها اليد والعين والوجه (والنافون) إلى آية: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. (والمجوزون المعصية على الأنبياء) إلى آيات: {وَعَصَى آَدَمُ}. { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} الآية . {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ}. {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}. (والنافون) إلى آية: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. (والقائلون بخطاب الكفار بالفروع) إلى عموم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}. (والنافون) بخطاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا}. (والوهابية) استدلوا على عدم جواز دعاء غير الله والتشفع بغيره والاستغاثة به بآية: { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} وغيرهم بآية: { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ}. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} الآية . {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا}. {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}. {مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ}. {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}. {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}. {َأغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}. {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}.
الثالث
السنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره وشرط الاحتجاج بالفعل ظهور الوجه فلو فعل المعصوم شيئا وجهل وجهه علم عدم تحريمه مع تردده بين الوجوب والندب والكراهة ولم يثبت واحد منها ولا تثبت السنة لنا إلا بالخبر المتواتر وهو إخبار جماعة كثيرة يمتنع عند العقل تواطؤهم على الكذب أو المحفوف بقرائن توجب القطع بصدوره ولا يثبت بخبر الفاسق ولا مجهول الحال لعدم إفادته العلم وعدم الدليل على حجيته بل الدليل قائم على عدمها من قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (الآية) والنهي عن اتباع الظن (أما خبر الثقة العدل) مع عدم إفادته العلم فقد اختلف في حجيته فمنعها قوم لأصالة عدم حجية الظن وأثبتها آخرون واستدلوا بأدلة مذكورة في الأصول (وعلى) القول بحجيته لا بد من ثبوت العدالة إما بالعلم أو شهادة عدلين وفي كفاية العدل الواحد خلاف (والعدالة) ملكة تبعث على اجتناب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر وترك منافيات المروءة الكاشفة عن عدم مبالاة فاعلها بالدين (وإثبات) عدالة من بعد عنا زمانهم من أصعب الأمور لانحصار الأمر في علمنا بها في أخبار الغير وهو مفقود غالباً إلا من أخبار البعض المستند على الظنون والاجتهادات التي تخطئ كثيراً لا على الممارسة والمعاشرة مع اختلاف الآراء فيما يوجب الجرح وما لا يوجبه ولذلك وقع الاختلاف كثيراً في الجرح والتعديل فما عدله واحد جرحه آخر والقاعدة أن الجرح مقدم على التعديل لجواز اطلاع الجارح على ما لم يطلع عليه المعدل (فعلم) من هذا أن التسرع إلى القول بمضمون الخبر بمجرد وجوده في أحد كتب الحديث أو بمجرد قول واحد إنه صحيح وتخطئة الغير بذلك فضلاً عن الحكم بكفره أو شركه خطأ محض (ويشترط) لجواز العمل بالخبر عدم مخالفته لدليل قطعي مع إجماع المسلمين وسيرتهم أو نص القرآن أو نص خبر آخر متواتر بل وعدم مخالفته للمشهور بين علماء المسلمين مع كونه بمرأى منهم ومسمع وعدم معارضته بدليل أقوى منه بأحد الوجوه الآتية في الأمر الرابع (والخبر) فيه الأقسام السابقة في الكتاب كلها وما يحتج به من الكتاب من تلك الأقسام يحتج به من الخبر، وما لا فلا (ويشترط) في العمل بالخبر ما اشترط في العمل بالكتاب مما مر في الأمر الثاني وبسبب وجود هذه هذه الأقسام في الخبر أمكن لكل ذي قول حق أو باطل الاستناد إلى ظاهر رواية كما يعرفه المتتبع لأقوال العلماء وأدلتهم، حتى أن البابية يحتجون على ضلالتهم بخبر أن المهدي يأتي بأمر جديد وقرآن جديد، (واتباع) المسيح المهدي القادياني يحتجون على ضلالهم بخبر لا مهدي إلا عيسى. والحاصل أن كل من يريد العناد والعصبية فله مدرك يتشبث به من الكتاب أو السنة ما لم يكن له حاجب من تقوى الله. والمنصف الطالب للحق لا يتمسك بظواهر الآيات والأحاديث ما لم يبحث عن معارضتها من عقل أو نقل أو إجماع وما لم يبحث عن سند الحديث ويستفرغ الوسع في فهم معناه.
الرابع
الأخبار المتعارضة الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) كثيرة. وسبب التعارض إما كون بعضها مكذوباً فقد كثرت الكذابة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في عصره حتى قام خطيباً فقال ما معناه: قد كثرت علي الكذابة فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. وبعد عصره تقرباً إلى الملوك وترويجاً للأهواء ومحافظة على الدنيا من طريق الدين وغير ذلك. وخبر الذي روى للمهدي العباسي وكان يحب اللعب بالحمام (لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح) فزاد «أو جناح» اتباعاً لهوى المهدي فلما خرج قال المهدي أشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مشهور وكم أعطيت الجوائز ووليت الولايات وأقطعت الإقطاعات على اختراع الروايات الموافقة للشهوات (وأما) الاشتباه لخطأ في فهم المراد أو سماع اللفظ أو الاطلاع على العام أو المطلق أو المنسوخ وعدم الاطلاع على الخاص أو المقيد أو الناسخ أو غير ذلك. وللتعارض علاجات وردت بها الأخبار والروايات وقال بها علماء المسلمين (منها) العرض على كتاب الله والثابت من سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيؤخذ بما وافق ويترك ما خالف (ومنها) الموافقة للإجماع أو السيرة أو المشهور بين علماء المسلمين أو الموافقة لما عليه الصحابة والتابعين (ومنها) الترجيح بحسب السند بكون رواته أوثق أو أحفظ أو أكثر أو الدلالة بكونه أظهر دلالة أو العبارة بكونها أفصح أو أحسن سبكا أو غير ذلك.
الخامس
الكتاب والخبر عربيان وفيهما كسائر كلام العرب الحقيقة والمجاز (فالحقيقة)([72]) الكلمة المستعملة فيما وضعت له كقولك سمعت زئير الأسد في الغاب وتريد الحيوان المفترس (والمجاز) الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لمناسبة ما وضعت له مناسبة موافقة للعرف غير مستهجنة([73]) كقولك رأيت أسداً في الحمام وتريد رجلاً شجاعاً، والمناسبة بينهما الشجاعة. وقد كثر المجاز في كلام العرب جداً ومنه الكتاب والخبر بل أكثر كلام العرب مجاز ومما جاء منه في القرآن: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}. {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا}. {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}. {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}. {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ}. {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ}. {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}. {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}. {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}. {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}. {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}. {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}. {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ}. {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ}. {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}. {وَجَاءَ رَبُّكَ}. (والقرينة) على المجاز في الكل عدم إمكان إرادة المعنى الحقيقي المستلزم للتجسيم والتحير والوجود في مكان دون غيره وكونه محلا للحوادث (ومما) جاء منه في السنة حديث أبي هريرة: (أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله قدمه فيها). لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة والقرينة ما مرّ. (ولا) بد للمجاز من قرينة كقولنا في المثال المتقدم في الحمام لأن الحيوان المفترس لا يكون في الحمام عادة وقد تكون القرينة حالية لا مقالية فتخفى على بعض الأفهام ويقع فيها الاشتباه وقد يكثر استعمال اللفظ في المعنى المجازي حتى يصير مجازاً مشهوراً لا يحتاج إلى قرينة غير الشهرة وقد يكثر حتى يبلغ درجة الحقيقة فيسمى منقولاً.
ثم المجاز قد يكون في الكلمة كما مرّ وقد يكون في الإسناد كأنبت الربيع البقل وصام نهاره وجرى النهر وبنى الأمير المدينة وغير ذلك فأسند الانبات إلى الربيع مجازاً باعتبار أنه زمان له وحقه أن يسند إلى الله والصوم إلى النهار باعتبار أنه زمانه وحقه أن يسند إلى الشخص والجري إلى النهر باعتبار أنه مكانه وحقه أن يسند إلى الماء والبناء إلى الأمير باعتبار أنه سبب آمر وحقه أن يسند إلى البناء (ومما) جاء منه في القرآن الكريم {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} أي فما ربحوا في تجارتهم {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} والذي زادهم هو الله والآيات سبب {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} والذي ذبحهم أتباع فرعون وهو سبب آمر {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} والنازع هو الله وإبليس سبب {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} والجاعل هو الله واليوم سبب لكثرة أهواله {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} والبناء فعل العملة وهامان سبب آمر {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ} والمخرج الله، وإبليس سبب {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} والآكل أهل السنين وهي زمان للأكل {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} والمخرج الله والأرض مكان للإخراج. )ولا بد( للمجاز في الإسناد أيضاً من قرينة لفظية أو عقلية كقول الموحد انبت الربيع البقل فأن كونه موحداً كافٍ في حمل كلامه على المجاز في الإسناد. ومثله لو قال المسلم الموحد يا رسول الله اغفر لي أو اشف ولدي أو طول عمري أو ارزقني أو رد غائبي أو نحو ذلك فيجب حمل كلامه على المجاز في الإسناد أي كن سبباً في ذلك بشفاعتك ودعاء الله لي ويكفي قرينة على ذلك كونه مسلماً موحداً ولا يجوز تخطئته في هذا اللفظ فضلاً عن الحكم بكفره وشركه الموجب لحل دمه وماله إلا من غبي غير عارف بأساليب كلام العرب أو معاند.
ثمّ إنه قد اختلف في المعاني الحقيقية لألفاظ كثيرة واردة في الكتاب والأخبار مثل صيغة افعل هل هي للوجوب أو الندب أو مشتركة بينهما، وصيغة لا تفعل هل هي للحرمة أو للكراهة أو مشتركة بينهما وكذا مادة الأمر والنهي وما يشتق منهما إلى غير ذلك مما تضمنته كتب الأصول، (وكيفما قلنا) فقد كثر استعمال اللفظين في الندب والكراهة كثرة مفرطة بحيث يصعب الحكم بالوجوب أو الحرمة بمجرد ورودهما إذ لعلهما صارا مجازاً مشهوراً في ذلك خصوصاً بملاحظة خصوصيات المقامات المبعدة للحمل على الوجوب أو التحريم.
وفي الكتاب والخبر أيضاً كسائر كلام العرب التصريح والكناية. (فالتصريح) كقولنا: فلان كريم (والكناية) وهي ذكر اللازم وإرادة الملزوم كقولنا: كثير الرماد وجبان الكلب، كناية عن كرمه لأن الكرم يلزمه كثرة الطبخ للأضياف المستلزم كثرة الرماد ويلزمه كثرة الطراق المستلزم جبن الكلب عادة.
وفي الكتاب والخبر أيضاً كسائر كلام العرب المبالغات كقوله تعالى: {عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}. {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}.
وقوله (صلّى الله عليه وآله): (لو أمرت أحداً بالسجود لأحد لأمرت المرأة بالسجود لزوجها. لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. لا يزني الزاني وهو مؤمن) (الحديث)([74]). وقول علي (عليه السلام): ما زال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه يحرم طلاقها. وقال المتنبي:
وضاقت الأرض حتى ظل هاربهم
إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
وقال الآخر:
كفى بجسمي نحولا إنني رجل
لولا مخاطبتي إياك لم ترني
وقال شاعر العرب:
أنعى فتى الجود إلى الجود
ما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتى مص الثرى بعده
بقية الماء من العود
وقال شاعرهم:
عقيلية أما ملاث إزارها
فدعص وأما خصرها فبتيل
وزادوا في المبالغة حتى قال قائلهم في وصف من يتغزل بها:
تدخل اليوم ثم تد
خل أرادفها غدا
وهذا باب متسع لا تمكن الإحاطة بأطرافه. ولم نر أحداً قال إنهم مهما بالغوا قد خرجوا عن طريقة العرب ومنهج كلامهم. (والمبالغة أيضاً) واقعة في لساننا ومحاورتنا بل في كل لسان. (ومن المبالغات) الواقعة في الكتاب والخبر تسمية الذنب أو العظيم منه: كفرا وفاعله كافراً ونحو ذلك كما يأتي في الأمر السادس، وإطلاق المعصية على فعل المكروه خصوصاً إذا صدر من الأنبياء والأولياء ولكن ذلك كما قال بعض العظماء: بلسان الورع والتقوى لا بلسان الفقه والفتوى. ومنه المعاصي المنسوبة في القرآن إلى الأنبياء (عليهم السلام) بعد قيام الدليل على وجوب عصمتهم وامتناع صدور المعاصي منهم.
السادس
ليست جميع المعاصي ولا الكبائر منها كفراً خلافاً لما يحكى عن الخوارج لعدم الدليل على ذلك ومتى حكم بالإسلام لا يحكم بغيره إلا بيقين ومضت على ذلك سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة والتابعين وتابعي التابعين ولو كانت المعاصي أو الكبائر منها كفراً لبطلت الحدود والتعزيرات ولم يبق لها ثمرة فإن المرتد يستتاب وإلا قتل فلا معنى لإقامة الحد عليه أو تعزيره وللزم الحكم بارتداد جميع الخلق الذين لا يسلمون من المعاصي بل والكبائر ولم ينج منه إلا القليل ولو كان كذلك لبينته العلماء في كتبها ونادت به الوعاظ والخطباء وعرفه كل أحد وصار من ضروريات الدين لشدة الحاجة إليه من عموم المكلفين وكون المرتد له أحكام خاصة به يلزم على كل مكلف معرفتها وترتيبها عليه (وروى) عبادة بن الصامت([75]) عن النبي (صلّى الله عليه وآله): خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهذا دليل على أن ترك الصلاة ليس كفرا لأن الكفر لا يغفره الله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (هذا) إن لم يكن مستحلاً لما ثبت وجوبه أو تحريمه بضرورة الدين وإلا كان كافراً (ولكن) قد يطلق على كثير من الذنوب اسم الكفر أو الشرك أو النفاق أو نحو ذلك تعظيماً للذنب وتحذيراً منه وتشبيهاً لمؤاخذته لعظمها بمؤاخذة الكفر وبياناً لأن مقتضى الإسلام والإيمان أن لا يفعل ذلك الذنب أو لأنه ربما أنجز بالآخرة إلى ذلك كما ورد أن في قلب المؤمن نكتة بيضاء فإذا عصى الله اسود منها جانب وهكذا إلى أن يتم سوادها فذلك الذي طبع الله عليه (كما) جاء التهديد بالنار واللعن على ترك بعض المستحبات أو فعل بعض المكروهات بيانا لتأكد الاستحباب حتى كأنها واجبة ولشدة الكراهة حتى كأنها محرمة أو لأن التهاون بها ربما ينجر إلى التهاون بالواجب وفعل المحرم كما ورد أن من ترك فرق شعره فرق بمنشار من نار. ونظير ذلك اللعن على فعل المكروه كلعن المحلل والمحلل له ولعن النائم في البيت وحده والمسافر وحده وآكل طعامه وحده كما يأتي في فصل اتخاذ القبور مساجد. وإطلاق المعصية على فعل المكروه كما في المعاصي المنسوبة إلى الأنبياء (عليهم السلام) على ما مر في الأمر الخامس (ومما) ورد من إطلاق الكفر ونحوه على الذنب (في القرآن) قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (وفي الأحاديث) قوله (صلّى الله عليه وآله) لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت. أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم (روى الثلاثة مسلم)([76]) وفي الجامع الصغير للسيوطي([77]) عن الطبراني في الكبير: من أرضى سلطاناً بما يسخط ربه خرج من دين الله. قال العزيزي في الشرح: إن استحل وإلا فهو زجر وتهويل انتهى. وقال الحفني في الحاشية: أي من كماله أو حقيقته إن استحل انتهى. (وقوله صلّى الله عليه وآله): بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة (رواه مسلم). العهد بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (رواه أحمد وأهل السنن). بين العبد والكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد كفر وأشرك. من تركها – أي الصلاة – عمداً فقد خرج عن الملة. من تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة (رواهما عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه) من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله رواه أحمد (أنس عنه صلّى الله عليه وآله): لا دين لمن لا عهد له (أبو هريرة عنه صلّى الله عليه وآله): لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن (أبو هريرة عنه صلّى الله عليه وآله) علامة النفاق الكذب وسوء الخلق والخيانة (عبد الله بن عمر عنه صلّى الله عليه وآله) إن النفاق عبارة عن أربع: الخيانة والكذب والغدر والفجور (أبو هريرة عنه صلّى الله عليه وآله) المراء في القرآن كفر (وعنه صلّى الله عليه وآله) لا يفوت حضور الجماعة إلا منافقا (أبو ذر عنه صلّى الله عليه وآله) الرقي والتمائم من الشرك (أبو هريرة عنه صلّى الله عليه وآله) من قال مطرنا بنوء كذا فهو كافر، من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل الله، (رواه الدارقطني وابن ماجة والترمذي) (عمر بن لبيد عنه صلّى الله عليه وآله) الرياء الشرك الأصغر (أبو سعيد عنه صلّى الله عليه وآله) الرياء شرك خفي (عمر عنه صلّى الله عليه وآله) كسب الربا شرك (شداد بن أوس عنه صلّى الله عليه وآله) من صلى يرائي فقد أشرك (ابن مسعود عنه صلّى الله عليه وآله) قتال المسلمين كفر (ابن عمر) نسبة المسلم إلى الكفر كفر (وهذا الأخير) منطبق على الوهابيين في نسبتهم المسلمين إلى الكفر وروى أحمد بن حنبل في مسنده([78]) عنه (صلّى الله عليه وآله) إذا أحدكم قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما وروى عدة روايات بهذا المعنى أو قريباً منه (وروى) ذلك غيره أيضاً (وما ذكرناه) أحسن وجه للجمع بين حديث عبادة المتقدم وهذه الأخبار ويرشد إليه حديث أبي هريرة السابق لا يزني الزاني الخ، حيث نفى الإيمان عنه في حال تلبسه بالمعصية لا مطلقا فدل على المراد أن تلبسه بالمعصية خلاف مقتضى الإيمان فنفي الإيمان عنه في تلك الحال مجاز تشبيهاً لمن لا يعمل بمقتضى إيمانه بغير المؤمن نظير لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد فتكون هذه الرواية شاهداً للجمع المذكور. (وحكم الوهابيون) بكفر تارك الصلاة أو الزكاة وإن لم يكن مستحلاً واستحلوا القتل بترك بعض فرائض الإسلام أو شعائره على عادتهم في التسرع إلى تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وتشددهم في ذلك اقتفاء بالخوارج الذين أشبهوهم من كل الوجوه كما يأتي في المقدمة الثالثة (فقالوا) في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية([79]): اختلف العلماء في تارك الصلاة من غير جحود لوجوبها فذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك إلى أنه لا يحكم بكفره واحتجوا بحديث عبادة المتقدم وذهب أحمد والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهويه وجماعة إلى أنه كافر وحكاه إسحاق إجماعاً وقال ابن حزم سائر الصحابة والتابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقاً ويحكمون عليه بالارتداد وعد عشرة من الصحابة ثم قال ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة (قال) وأجابوا عن حديث عبادة أن المراد عدم المحافظة عليهن في أوقاتهن بدليل الآيات والأحاديث الواردة في تركها وأورد جملة مما مر ثم قال إن العلماء مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلاً إلا أبا حنيفة والزهري وداود فقالوا يحبس حتى يموت أو يتوب واحتجوا على قتله بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} إلى قوله {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} بقوله (صلّى الله عليه وآله) أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة (الحديث) ثم ذكر رواية الترمذي: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن يتقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا (الحديث) قال والمقصود فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي أنه من العلماء على الجهلة من الناس أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إنه مسلم ولا يجوز قتله وإن ترك فرائض الإسلام ثم أطال في الاستشهاد بكلام الأجهوري والأذرعي والهيتمي وابن تيمية وغيرهم الدال على أن ترك بعض شعائر الإسلام موجب للمقاتلة كأهل القرية إذا تركوا الأذان أو الجماعة أوصلاة العيد أو غير ذلك وفي جملة ما نقله عن ابن تيمية([80]) أيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضة أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال([81]) والخمر والزنا والميسر أو نكاح المحارم أو الجهاد أو ضرب الجزية أو غير ذلك فإنها تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. (ونقول): أما الأحاديث التي أطلق فيها الكفر على جملة المعاصي فقد عرفت أنه لم يرد بها الحقيقة للشواهد التي قدمناها من لزوم لغوية الحدود ورواية عقادة وحديث لا يزني الزاني وهو مؤمن وغيرها أما حمل ترك الصلاة في حديث عبادة على إرادة عدم المحافظة عليها في وقتها فلا شاهد عليها بل هو تخرص على الغيب بخلاف حمل الكفر على تعظيم الذنب فأن له نظائر وشواهد كثيرة كما عرفت ولا أقل من وقوع الشبهة فلا يجوز التهجم على الدماء مع وجودها وعدم صراحة النصوص (ومن الغريب) ما نقلوه عن إسحاق بن راهويه من حكاية الإجماع مع مخالفة عظماء أئمة المذاهب كأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك التي نقلوها في صدر الكلام كاستدلال ابن حزم عليه بقول نفر من الصحابة إن صح النقل عنهم مع عدم العلم بمذهب الباقين وهم ألوف وكقولهم العلماء مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلاً إلا أبا حنيفة والزهري وداود فما فائدة هذا الإجماع مع مخالفة هؤلاء الثلاثة. أما الاستدلال بآية {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} فغيرصحيح لأن الإسلام قول باللسان وعمل بالأركان فمن كان مشركاً وتشهد الشهادتين ولم يأت بأعمال الإسلام لا يحكم بإسلامه بخلاف المسلم الموحد المولود على فطرة الإسلام الملتزم بأحكامه الفاعل لها إذا عصى بترك فرض يعتقد بوجوبه ويعلم أنه عاص بتركه. فالآية واردة في الأول لا في الثاني وكذلك ما أطالوا به بدون طائل من الاستشهاد بكلام فلان وفلان على أن ترك بعض شعائر الإسلام موجب للقتال لا شاهد فيه على حلية قتل تارك الفرائض كسلاً فضلاً عن كفره فإنه إن صح جواز القتال على ترك بعض الشعائر حتى المستحبة كالآذان والجماعة لا ربط له بترك الفرض كسلاً (والحاصل) أنه لا يجوز الإقدام والتهجم على دماء المسلمين بأخبار غير ظاهرة وبأقوال الأجهوري والأذرعي والحراني والهيتمي فليتق الله المتهجمون والمتهورون.
السابع
الإجماع اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد (صلّى الله عليه وآله) على أمر ديني في عصر من الأعصار وهو حجة (إما) لما روي عنه (صلّى الله عليه وآله) لا تجتمع أمتي على خطأ أو لوجود معصوم بينهم بناء على عدم خلو العصر من معصوم كما يقوله أصحابنا وهو رئيس أهل الحل والعقد أو للكشف عن أن ذلك مأخوذ من صاحب الشرع كما يستكشف رأي المتبوع برأي اتباعه الذين لا يصدرون إلا عن رأيه فيعلم رأي أبي حنيفة باتفاق الحنفية والشافعي باتفاق الشافعية وغير ذلك (وفي) حكم الإجماع سيرة المسلمين والفرق بينهما أن الإجماع اتفاق قولي والسيرة إجماع عملي فيكشف عن أن ذلك مأخوذ عن صاحب الشرع يداً عن يد ويشمله: لا تجتمع أمتي على خطأ. (والوهابية) لا ينكرون حجية الإجماع وقد تكرر في كتبهم الاحتجاج به والرد على غيرهم بمخالفته وفي الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية([82]) ما نصه: والعلماء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة لا يجتمعون على ضلالة انتهى. ولكن الصنعاني من الوهابية أنكر في رسالته تطهير الاعتقاد إمكان وقوع الإجماع أو إمكان العلم به حيث قال([83]) بعدما عرف الإجماع بأنه اتفاق مجتهدي أمة محمد (صلّى الله عليه وآله) على أمر بعد عصره: وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق فعلماؤها لا ينحصرون ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم فدعوى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة العلماء دعوى كاذبة كما قاله أئمة التحقيق انتهى. وصدر كلامه دال على استحالة وقوعه وعجزه ظاهر في عدم إمكان الاطلاع عليه وكلاهما فاسد فإن كثرة العلماء لا تمنع من اتفاقهم لا عقلاً ولا نقلاً والاطلاع عليه أيضاً ممكن وواقع بملاحظة الفتاوى وعمل المسلمين وعدم نقل الخلاف وقرائن أخر: فإنا نعلم علما ضرورياً باتفاق العلماء على أن البنتين لهما الثلثان في الميراث بالفرض إذا انفردن عن الإخوة لا النصف وإن لم نشافه جميع العلماء ونطلع على فتاواهم تفصيلاً وأمثال ذلك في الشرعيات كثير كما نعلم علماً ضروريا بإجماعهم على استحباب زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) وتعظيم قبره وحجرته ورجحان بنائها والتبرك به وبها وجواز بناء القبور وبناء القباب عليها لاستمرار سيرتهم على ذلك قولاً وفعلاً من الصدر الأول إلى اليوم وعدم نهي أحد عنه من الصحابة فمن بعدهم قبل الوهابية بل الإنصاف أنه ما من مسألة اتفق عليها المسلمون قولاً وعملاً من جميع المذاهب مثل هذه المسألة.
الثامن
الأصل الإباحة فيما لا نص فيه ولم يقم دليل على تحريمه لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ولقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} أي لانتفاعكم. وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وبعث الرسول كناية عن وصول الأحكام وإلا فمجرد البعث قبل تبليغ الأحكام لا تتم به الحجة. وقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} الآية وأمثالها من الآيات.
التاسع
البدعة إدخال ما ليس من الدين في الدين ولا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام الله تعالى ولا التنقيص منها لاختصاص ذلك به تعالى وبأنبيائه الذين لا يصدرون إلا عن أمره مع أنه قد ورد النص بأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. (وأما تشخيصها) فهو مما يقع فيه الاشتباه فكم بدعة عدت سنة وبالعكس. (وسبب الاشتباه) أما خطأ في الدليل المستدل به على أن ذلك من الشرع أو ليس منه أو تقليد من سنها لحسن الظن به مع أنه مبدع أو توهم أنه لا بد من ورود النص بها بالخصوص مع دخولها في عمومه أو إطلاقه كما وقع في زماننا من بعض المتشددين فقالوا إن القيام عند ذكر ولادة النبي (صلّى الله عليه وآله) بدعة لعدم ورود النص به والحال أنه يكفي فيه عموم ما فهم من الشرع من لزوم احترام النبي (صلّى الله عليه وآله) ورجحان تعظيمه حياً وميتاّ بكل أنواع الاحترام التي لم ينص الشرع على تحريمها. (ثم) البدعة لا تكون بدعة إلا إذا فعلت بعنوان أنها من الدين فما قاله بعضهم من أن ما اصطلح عليه بعض المسلمين في هذه الأعصار من ترك الأعمال يوم الجمعة بدعة لأنه لم ينص الشرع على ذلك بل أمر بالعمل بعد قضاءصلاة الجمعة: اشتباه لأن الترك هنا بعنوان الراحة أو بعنوان مصلحة أخرى دينية أو دنيوية كإظهار حرمة يوم الجمعة وغير ذلك لا بعنوان أنه في نفسه عبادة وطاعة ومن ذلك توهم الوهابية أن التذكير والترحيم بدعة لأنه لم يكن في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) إذ يكفي في مشروعيته عموم ما دل على رجحان ذكر الله تعالى والصلاة على نبيه (صلّى الله عليه وآله) والدعاء ونحو ذلك وتخصيصه ببعض الأمكنة والأزمنة لفائدة مع عدم إتيانه بعنوان الخصوصية أي بعنوان أنه مأمور به بالخصوص في هذا الزمان والمكان لا يجعله بدعة وكذلك جملة أشياء مما جعلوه بدعة كما سيأتي بيان ذلك في الباب الأول.
العاشر
الأفعال تختلف أحكامها باختلاف القصد الموجب لاختلاف العنوان وتبدل الموضوع وباختلاف الأزمان والأمكنة والأحوال والأشخاص الموجب لذلك وهذا معنى ما اشتهر أن الأحكام تتغير بتغير الأزمان. (أما) اختلافها باختلاف القصد فكضرب اليتيم فإنه محرم بقصد الايذاء، راجح بقصد التأديب وكغيبة المسلم فإنها محرمة بقصد الانتقاص واجبة بقصد نهيه عن المنكر أو نصح المستشير أو إقامة الحق في مقام جرح الشاهد وكالسجود عند قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فإنه راجح مستحب بقصد الشكر لله تعالى على توفيقه لزيارته محرم بقصد السجود للنبي (صلّى الله عليه وآله) لعدم جواز السجود لغير الله تعالى إلى غير ذلك.
وأما اختلافها باختلاف الأزمان والأشخاص والأحوال فكلبس الأزرق مثلا حيث يعد زينة في بعض الأزمان أو الأمكنة فيحرم على الزوجة في وقت الحداد ويستحب إذا أرادت التزين لزوجها وكلباس الشهرة ولباس النساء المحرم على الرجال وبالعكس فإنه يختلف باختلاف الأزمان والأشخاص والأمكنة وكدفن المؤمن الجليل القدر قريباً من المزبلة فإنه يعد إهانة له فيحرم وكإنزال الضيف الشريف في مرابط الدواب فإنه يعد إهانة مع إمكان غيره بخلاف المكاري وقد يكون ترك القيام للشخص في زمان أو بلاد يعد إهانة له فيحرم وفي زمان آخر أو بلاد أخرى لا يعد فلا يحرم وملبوس الزهد ومأكوله يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال وكهدم قبور الأنبياء والأولياء وقبابهم ومشاهدهم فهب إنه كان منهيا عن البناء نهي كراهة أو تحريم إلا أن الهدم صار يعد في هذا الزمان إهانة لهم فيتعارض عنوان واجب وهو الهدم وعنوان محرم وهو الإهانة فيقدم الأهم ولا شك أن مراعاة عدم إهانة النبي أو الولي أهم من كل شيء.
الحادي عشر
قد يتعارض عنوان واجب مع عنوان محرم فيقدم الأهم كلمس بدن الأجنبية فإنه محرم لكن إذا توقف عليه إنقاذها من الغرق أو شفاؤها من المرض فيجوز أو يجب وكالنظر إلى عورة الغير فهو محرم ويباح للطبيب وكأخذ المكوس فهو محرم عند الوهابية وغيرهم لكن الوهابية في فتواهم المذكورة فيما مر قالوا إن تركها الإمام فهو الواجب عليه وإن امتنع فلا يجوز شق عصا المسلمين والخروج عن طاعته من أجلها. (أقول) وذلك لأن جمع كلمة المسلمين وعدم شق عصاهم أهم في نظر الشرع من عدم أخذ المكوس لأن المفسدة التي تترتب على شق عصا المسلمين أعظم من المفسدة المترتبة على أخذ المكوس وبناء على هذا كان يجب على الوهابية عدم التعرض لهدم قبور أئمة المسلمين الذي يسوء مئات الملايين من المسلمين تحن قلوبهم إلى هذه القبور ويسوؤهم هدمها وتدميرها أفما كانت هذه المفسدة التي تشتت كلمة المسلمين وتسوؤهم وتوقع الخصام والعداوة بينهم في هذه الأيام العصيبة التي تبدد فيها جمعهم ووهى ركنهم وضعف سلطانهم وفتحت بلادهم أعظم من مفسدة تحريم البناء على القبور إن كانت وأهم وأولى بالرعاية. أفما تقابل هذه المفسدة مفسدة شق عصا المسلمين؟ بلى والله بل هي أعظم منها وأفظع وأوجع لقلوب المسلمين فهلا أبقيتم هذه القبور ولو حرم عندكم إبقاؤها كما أبقيتم قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وإبقاؤه عندكم حرام مراعاة لأهم المصلحتين ودرءا لأعظم المفسدتين ومنعتم الناس من الدنو إليها ولمسها الذي هو عندكم شرك كما منعتم من لمس قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) والدنو إليه مع أنكم لا ترون إبقاء القبور شركا غايته التحريم.
الثاني عشر
تكفير المقر بالشهادتين المتبع طريقة المسلمين واستحلال دمه وماله وعرضه عظيم فلا يجوز الإقدام عليه واعتقاده استنادا إلى أمور نظرية اجتهادية يكثر فيها الخطأ وأخبار ظنية محتملة للكذب والتأويل كالاجتهادات والأخبار التي يستند إليها الوهابية في تكفير المسلمين ولا يجوز تكفير المسلم إلا بشيء قطعي يوجب خروجه عن دين الإسلام وكانت سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة والتابعين وتابعي التابعين معاملة الناس على الاكتفاء بأظهار الشهادتين والالتزام بأحكام الإسلام. أخرج البخاري عنه (صلّى الله عليه وآله) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم. وعنه (صلّى الله عليه وآله) أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله، وعنه (صلّى الله عليه وآله) من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، وعن أبي هريرة أنه (صلّى الله عليه وآله) أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال ما بال هذا قالوا يتشبه بالنساء فنفاه إلى البقيع فقيل يا رسول الله ألا تقتله فقال نهيت عن قتل المصلين. (فيستفاد) من هذه الأخبار أنه بعد إظهار الشهادتين يبنى على الإسلام ما لم يعلم شيء ينافيه ولا يلزم التفتيش والتجسس بل نهى الله تعالى عنه. ولسنا نقول إن المقر بالشهادتين الذي يصلي ويزكي لا يمكن الحكم بكفره مع ذلك لجواز أن يحكم بكفره مع ذلك كله كالخوارج والمجسمة ومنكر الضروري وغير ذلك لكنا نقول الاقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام كاف في الحكم بالإسلام حتى يثبت ما ينافيه باليقين والقطع لا بالاجتهادات الظنية والأخبار الظنية وحتى ينتفي احتمال التأويل وما كفر به الوهابية المسلمين لم تجتمع فيه هذه الشروط.
الثالث عشر
القول أو الفعل الصادر من المسلم وله وجهان على أحدهما يكون صحيحا وعلى الآخر فاسدا يجب حمله على الوجه الصحيح ولا يجوز حمله على الوجه الفاسد إلا مع العلم وعلى ذلك سيرة المسلمين وإجماعهم وبه انتظام أمر معاشهم ومعاملاتهم مثلاً لو رأينا المسلم يضرب يتيما وأمكن أن يكون ضربه له تأديباً وإيذاء وجب حمله على الصحيح ولم تنتقض بذلك عدالته إن كان عدلاً وكذا لو رأيناه يضاجع امرأة ولم نعلم أنها زوجته أو أجنبية أو يشرب شرابا أحمر ولم نعلم أنه خل أو خمر أو سجد ولم نعلم أن سجوده لله أو لمخلوق أو تزوج أو طلق أو باع أو وقف أو نذر أو ذبح ولم نعلم أن ذلك على وجه الصحة أو الفساد وجب حمله على الصحيح إلا أن يعلم الفساد ولا يكفي الظن بالفساد فضلا عن الشك ولوصدر من المسلم فعل أو قول وله وجه أو معنى يوجب الارتداد وكان يمكن حمله على وجه أو معنى صحيح لا يوجب الارتداد لا يجوز الحكم بارتداده ووجب حمل فعله على الوجه الصحيح وقوله على المعنى الصحيح ولو كان احتمال قصده لذلك المعنى ضعيفا فضلا عما لو كان ظاهراً أو مساوياً في الاحتمال فإذا استغاث مسلم بنبي أو ولي واحتمل أن تكون استغاثته لطلب أن يدعو له ويشفع له إلى الله لم يجز الحكم بارتداده لمجرد احتمال إرادته معنى يوجب الارتداد وهكذا لو قال ارزقني وعافِ ولدي وانصرني على عدوي ونحو ذلك واحتمل إرادته طلب أن يكون واسطة وشفيعا فيسأل الله ذلك وأن إسناد الفعل إليه من باب إسناده إلى السبب كما في بنى الأمير المدينة لم يجز الحكم بشركه وارتداده فضلا عما لو علم إرادته ذلك أو كان ظاهر حاله ذلك باعتبار أنه مسلم يعلم أن هذه الأمور لا يقدر عليها غير الله تعالى.
الرابع عشر
في تحقيق معنى العبادة: العبادة في اللغة الذل والخضوع ومنه بعير معبد أي مذلل وطريق معبد أي مسلوك مذلل ونقلت في الشرع إلى معنى جديد أو أريد بها معنى خاص من المعاني اللغوية كما نقلت ألفاظ كثيرة غيرها كالصلاة والزكاة والصيام والحج التي كانت في اللغة لمطلق الدعاء والنمو والإمساك والقصد ونقلت في الشرع إلى معان جديدة وذلك لأن الألفاظ اللغوية قد تبقى في الشرع على معانيها القديمة كالبيع والشراء وقد تنقل عنها في الشرع إلى معان جديدة فإذا لم تنقل وجب حملها على معانيها القديمة إذا لم يعلم أنه أريد بها معنى خاص منها سواء وردت في الكتاب أو الخبر أو غيرهما، وأما إذا نقلت عن المعاني الأولى إلى معان جديدة فلا بد من معرفة تلك المعاني بما ثبت عن الشارع، فإن عرفت وجب الحمل عليها وإلا بقيت تلك الألفاظ مجملة وكذا لو علم عدم إرادة المعاني القديمة وأنها استعملت في المعاني الجديدة المحدودة مجازاً فلا بد من معرفة تلك المعاني أيضاً وإلا كانت من المجمل المحتاج إلى البيان فالعبادة بمعناها اللغوي الذي هو مطلق الذل والخضوع والانقياد ليست شركا ولا كفراً قطعاً وإلا لزم كفر الناس جميعاً من لدن آدم إلى يومنا هذا لأن العبادة بمعنى الطاعة والخضوع لا يخلو منها أحد فيلزم كفر المملوك والزوجة والولد والخادم والأجير والرعية والجنود بإطاعة المولى والزوج والأب والمخدوم والمستأجر والملك والأمراء وجميع الخلق لإطاعة بعضهم بعضا بل كفر الأنبياء لإطاعتهم آباءهم وخضوعهم لهم وقد أوجب الله طاعة الأبوين وخفض جناح الذل لهما وقال لرسوله (صلّى الله عليه وآله) {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} وإطاعة الزوجة لزوجها حتى ورد لو أمرت أحدا بالسجود لأحد لأمرت الزوجة بالسجود لزوجها وإطاعة الأنبياء وجعل نبينا (صلّى الله عليه وآله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأمرنا بإطاعته وإطاعة أولي الأمر منا وقرنها بإطاعته تعالى إلى غير ذلك.
(ثم) إنه ورد في الشرع إطلاق العباد والعبادة على مطلق المطيع والطاعة فورد أن العاصي عبد الشيطان وعبد الهوى (وقال تعالى) {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}. {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}. مع ما ورد أنهم ما صاموا لهم ولا صلوا وإنما حرموا عليهم حلالا وأحلوا لهم حراما فاتبعوهم، وإن الإنسان عبد الشهوات، وإن من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان ينطق عن الله فقد عبد الله وإن كان ينطق عن غير الله فقد عبد غير الله ومن هذا القبيل قول رابعة العدوية:
لك ألف معبود مطاع أمره
دون الإله وتدعي التوحيدا
ولا ريب أن هذه الأمور التي سميت عبادة لا توجب الكفر والارتداد وإلا لم يسلم منه أحد والضرورة قاضية بخلافه.
(ثم) إن من جملة العبادة السجود وقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وسجد يعقوب وزوجته وبنوه ليوسف كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم فدل على أن السجود ليس في نفسه قبيحاً وممنوعاً منه موجباً للشرك والكفر وإن سمي عبادة وإلا لم يأمر به الله تعالى وأنه ليس مثل اتخاذ الشريك للباري في جميع صفاته فإن هذا لا يعقل أن يأمر الله به أو يجيزه ولا يمكن أن لا يكون شركاً وكفراً وعلم من ذلك أيضا أنه ليس مطلق الخضوع والتعظيم حتى السجود لغير الله قبيحا في نفسه وشركاً وكفراً.
ثم إنه ورد إطلاق العبادة على دعاء الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي}. والإخبار بقوله (صلّى الله عليه وآله) الدعاء مخ العبادة ولكن ليس المراد بالدعاء هنا معناه اللغوي قطعاً وهو النداء وإلا لكان كل من نادى أحداً وسأله شيئاً عابداً له بل المراد به نداء الله تعالى وسؤاله والقيام بغاية الخضوع والتذلل بين يديه وإنزال حاجات الدنيا والآخرة به على أنه الفاعل المختار والمالك الحقيقي لأمور الدنيا والآخرة والمتصرف فيها كما يشاء فمن دعا مخلوقا على هذا النحو كان عابدا له أما من دعاه ليشفع له إلى الله بعد ثبوت أن الله جعل له الشفاعة فلا يكون عابدا له ولا فاعلا ما لا يحل.
فظهر أنه ليس كل ما يطلق عليه اسم العبادة موجبا للشرك والكفر إذا وقع لغير الله بل ولا محرما إلا أن ينص الشارع على تحريمه كالسجود للشمس والقمر المنهي عنه في القرآن والسجود لغير الله المتفق على تحريمه وأن مطلق الخضوع والانقياد لغير الله لا يوجب ذلك ولو فرض أنه سمي عبادة وأن العبادة التي يترتب عليها ذلك ليست العبادة اللغوية بل عبادة خاصة لا يمكن معرفتها إلا ببيان الشارع وبدون بيانه تكون مجملة وأنه لا يجوز ترتيب حكم الشرك والكفر بل ولا التحريم على ما يسمى عبادة إلا إذا علم أنها من تلك العبادة الخاصة ومع الشك أو الظن لا يجوز ترتيب ذلك الحكم فإذا فرض ورود النهي عن عبادة غير الله فما علم أنه من المنهي عنه حرم وما لم يعلم لم يلحقه الحكم كالتكفير([84]) والانحناء عند غير العرب ورفع اليد عند الجنود وكشف الرأس عند الإفرنج وغير ذلك للعلم بأن المنهي عنه ليس مطلق ما يسمى عبادة وخضوعاً.
ثم إن الذي علم ترتب حكم الشرك والكفر عليه من العبادات أو الاعتقادات أمور (الأول) اعتقاد المساواة لله تعالى في جميع الصفات أو أنه هو الله كما يقوله عبدة المسيح وأمه فيما حكاه عنهم القرآن وكما يقوله السبائية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكما يقوله الدروز في الحاكم أحد الخلفاء العلويين المصريين وغيرهم من الألوهية لشخص من الأشخاص ولو بطريق الحلول.
(الثاني) إنكار الشرائع وتكذيب الرسل وإن اعترف فاعله بتوحيد الله تعالى ولم يعبد وثنا بل بقي على شريعة منسوخة.
(الثالث) ما ذكر مع عبادة الأوثان بما لم يأذن به الله تعالى بل نهى عنه من سجود ونحر وذبح لها وذكر اسمها عليه وطليها بدمه وتعظيم باعتقاد استحقاق ذلك بالاستقلال لرفعة ذاتية واعتقاد أن له تدبيراً واختياراً كما كان يفعله عبدة الأصنام سواء كان مع الاعتراف بوجود إله وعدمه.
الخامس عشر
لا شك أن الله تعالى فاوت بين مخلوقاته في الفضل فجعل بعضها أفضل من بعض من الأزمنة والأمكنة والأحجار والآبار والحيوانات وبني آدم وغير ذلك ففي الأزمنة فضل شهر رمضان على سائر شهور السنة وجعل فيه ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر وجعل من أشهر السنة الاثني عشر أربعة حرما حرم فيها القتال وفضل يوم الجمعة على سائر الأيام وفضل ساعة منه على سائره. وفي الأمكنة فضل الكعبة على سائر بقاع الأرض وتعبد الناس بالحج إليها والطواف حولها ومكة والمقام وحجر إسماعيل والمسجد والمساجد الأربعة والمسجد الحرام منها على غيرها. (وفي الأحجار) فضل الحجر الأسود على غيره وتعبد الناس باستلامه وتقبيله (وفي الآبار) فضل بئر زمزم على غيره (وفي الحيوانات) فضل الخيل على غيرها وأمر بارتباطها وإكرامها وجعل الخير معقودا بنواصيها وجعل بعض دم الغزال مسكا وفي ذلك يقول الشاعر:
فإن تفق الأنام وأنت منهم
فإن المسك بعض دم الغزال
(وفي بني آدم) فضل الأنبياء على غيرهم ومحمداً (صلّى الله عليه وآله) على سائر الأنبياء والشهداء على غيرهم والعلماء على الشهداء وعلى بعض الأنبياء (بل) الشيء الواحد له فضل في حال دون حال فالكنيف لا فضل له وهو منتهى الخسة فإذا جعل مسجداً صار معظماً عند الله وحرم تنجيسه ووجب تعظيمه وجلد الشاة يجعل نعلاً وحذاء فيكون في منتهى الإهانة ويعمل جلدا للقرآن الكريم فيكون في منتهى الإكرام والإعظام كما قال الشاعر:
أو ما ترى نوع الأديم فإنه
منه الحذاء ومنه جلد المصحف
والرجل يكون كسائر الناس فيبعثه الله بالنبوة فتجب إطاعة أمره ونهيه أو ينصبه النبي (صلّى الله عليه وآله) بعده خليفة أو المسلمون فيدخل في قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}. (ومن هذا القبيل) البقعة من الأرض تكون كسائر البقاع فيدفن فيها نبي أو ولي فتكسب شرفاً وفضلاً وبركة بدفنه لم تكن لها من قبل ويجب احترامها وتحرم إهانتها لحرمة من فيها ومن احترامها قصدها لزيارة من فيها وبناء القباب عليها والحجر حولها لتقي زائريها من الحر والبرد وعمل الأضرحة لها التي تصونها عن كل إهانة وإيقاد المصابيح عندها لانتفاع زائريها واللاجئين إليها وجعل الخدمة والسدنة وتقبيلها والتبرك بها ووضع الخلع عليها والمعلقات فوقها وغير ذلك. ومن إهانتها هدمها لها وهدم ما فوقها من البناء وتسويتها بالأرض وجعلها معرضا لوقوع القاذورات ووطئ الدواب والكلاب والآدميين وترويث وبول الدواب والكلاب وغير ذلك وما ورد مما يوهم المنافاة لذلك مما سيأتي في محله على فرض صحته مخصوص بغيرها أو منصرف بحكم التبادر إلى غيرها لما علم من الشرع من لزوم تعظيم أصحابها أحياء وأمواتا وهذا من تعظيمهم وحرمة إهانتهم أحياء وأمواتا وهذا منها وهل يشك في ذلك عاقل وهو يرى أن الله تعالى جعل احتراماً لصخرة صماء بسبب وقوف إبراهيم الخليل (عليه السلام) عليها حين بنى البيت فقال {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} أفيجعل الله احتراماً لمقام رجل خليله ولا يجعل احتراماً لمدفن جسده أو مدفن جسد سيد أنبيائه. وإذا كان له هذا الاحترام فلماذا حرم تقبيله والطواف والتبرك به والصلاة عنده ودعاء الله تعالى كما يصلى عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ويدعي فإن كان لتوهم أنه عبادة له كعبادة الأصنام فهو توهم فاسد لأن احترام من جعل الله له حرمة احترام لله وعمل بأمر الله وعبادة وإطاعة لله فهو كتقبيل الحجر الأسود وتعظيم الكعبة والحرم والمقام والمساجد والتبرك بماء زمزم وسجود الملائكة لآدم وإن كان لزعم ورود النهي فستعرف أنه لا نهي.
السادس عشر
الأحكام لا تغير الموضوعات فإذا كان الموضوع على حالة أوصفة قبل الحكم كان كذلك بعد الحكم وهذا من البديهيات الأولية التي لا يشك فيها من عنده أقل إلمام بالعلوم. مثلا إذا حرم الشرع شتم زيد أو أوجبه وكان الشتم في نفسه مع قطع النظر عن الحكم بتحريمه أو وجوبه إهانة لزيد لا يصير بعد التحريم أو الوجوب احتراماً له وكذا لو أوجب إضافة زيد أو حرمها وكانت إضافته في نفسها إكراما له لا تصير بعد إيجابها أو تحريمها إهانة له وإذا كان تعظيم المخلوق واحترامه والتبرك به والقيام في خدمته بغاية الذل والخضوع وما أشبه ذلك عبادة له وشركاً بالله تعالى فإذا أوجب الله تعالى تعظيم المخلوق واحترامه والتبرك به وإطاعته والذل والخضوع له ونحو ذلك لم يخرجه هذا الوجوب عن كونه عبادة وشركا بل يكون الله تعالى قد أوجب الشرك وعبادة المخلوق لما عرفت من أن الحكم لا يغير الموضوع. (إذا عرفت هذا) فاعلم أن وجوب تعظيم المخلوق من جماد وإنسان واحترامه والتبرك به وإطاعته والقيام في خدمته بغاية الذل والخضوع وما ينتظم في هذا السلك ثابت في الشرع بلا شك ولا ريب، فقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم والولد بتعظيم الوالدين وخفض جناح الذل لهما وأمر بإطاعة الرسول وأولي الأمر منا بالائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه وعدم رفع أصواتنا فوق صوته وأمر بتعظيم المساجد والكعبة والطواف بها وتعظيم المقام والحجر الأسود وبئر زمزم والتبرك بمائه وتعظيم الحرم إلى غير ذلك مما ورد في الشرع فلا بد حينئذ من التزام أحد أمرين إما القول بأنه ليس كل تعظيم عبادة وشركاً أو القول بأن الله أمر بالشرك وعبادة غيره! ولما كان الشرك قبيحاً منهياً عنه موجبا للخلود في نار جهنم يغفر الله ما دونه من الذنوب ولا يغفره بنص القرآن الكريم لم يمكن أن يأمر الله به فتعين القول بأنه ليس كل تعظيم عبادة موجبة للشرك.
وذلك من عدة وجوه
أولاً: كما أن الخوارج شعارهم (لا حكم إلا لله) وهي كلمة حق يراد بها باطل كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام). كلمة حق لمطابقتها قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، يراد بها باطل، وهو أنه لا إمارة لأحد ولا يجوز التحكيم في الأمور الدينية، وفرعوا عليه إن التحكيم الذي كان بصفين كان معصية وكفرا، مع أن التحكيم قد جاء في الشرع بقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} وقال تعالى في جزاء الصيد: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}.
كذلك الوهابيون شعارهم: لا دعاء إلا لله، لا شفاعة إلا لله، لا توسل إلا بالله، لا استغاثة إلا بالله، ونحو ذلك. كلمات حق يراد بها باطل: كلمات حق لأن المدعو والمتوسل به حقيقة لدفع الضر وجلب النفع والمغيث الحقيقي ومالك أمر الشفاعة هو الله. يراد بها باطل وهو منع تعظيم من عظمه الله بدعائه والتوسل به ليشفع عند الله تعالى ويدعوه لنا وعدم جواز التشفع والاستغاثة والتوسل بمن جعله الله شافعاً مغيثاً وجعل له الوسيلة كما يبين في محله. (وهي) كجملة من كلماتهم المزخرفة (كقولهم): لمن يقول يا محمد ويا فلان ويا فلان: هل الله أعطاك القوة أو محمد (صلّى الله عليه وآله) ؟ فلا بد أن يقول الله فيقولون له لم لا تدعو الله وتدعو محمداً. وهذا تمويه وتضليل يراد به باطل، إذ لا يوجد أحد يعتقد أن محمداً (صلّى الله عليه وآله) أو غيره بيده الأمر أصالة وإنما هو التوسل وطلب الشفاعة ممن له الوسيلة والشفاعة، واعتراضهم هذا يرجع إلى الاعتراض على الله الذي جعل الشفاعة لمحمد (صلّى الله عليه وآله) وإلا فمتى جعلها له فعلينا أن نطلبها منه. ولو صح اعتراضهم هذا لتوجه على من يسأل الدعاء من الغير فيقال له: الله الذي يجيب دعاءك أو أخوك المؤمن؟ فلا بد أن يقول الله، فيقال له: لم لا تدعو الله وتطلب من أخيك أن يدعو لك؟ وكقولهم لمن يقبل ضريح النبي (صلّى الله عليه وآله) أو المنبر الموضوع في مسجده وفي مكان منبره: إنما تقبل حديداً أو خشباً جئ به من بلاد الإفرنج، ولم يعلموا أنه كما يحترم جلد الشاة بعمله جلدا للمصحف، والورق والمداد بكتابة المصحف عليه وبه، كذلك يحترم الحديد والخشب الذي وضع على قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) أو في مسجده وفي مكان منبره. ومر بيانه في الأمر الخامس عشر من المقدمة الثانية.
ثانياً: كما أن الخوارج متصلبون في الدين مواظبون على الصلوات وتلاوة القرآن والعبادة حتى اسودت جباههم من طول السجود، طالبون للحق كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه، متورعون عن المحارم حتى بلغ من تورعهم أن إنساناً منهم ضرب خنزيراً برياً بسيفه فقالوا هذا فساد في الأرض، والتقط أحدهم تمرة من الطريق فوضعها في فمه فبادر آخر وطرحها من فمه.
كذلك الوهابيون متصلبون في الدين يؤدون الصلاة لأوقاتها ويواظبون على العبادة ويطلبون الحق وإن أخطأوه ويتورعون عن المحرمات حتى بلغ من تورعهم أنهم توقفوا في استعمال (التلغراف) كما يأتي في الخاتمة. وقد رأيت نجدياً يصرف الريالات الجديدة بالقديمة بتفاوت، فأراد رجل أن يعطيه قديما وزيادة بجديد، فقال على الفور: لا، هذا ربا. وكان معه دلال يهودي، فلما فارقه قال له اليهودي: ادع لنا، فقال: الله يهديك، والتفت إلي وقال هذا يهودي.
ثالثاً: كما أن الخوارج كفروا من عداهم من المسلمين وقالوا إن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار واستحلوا دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم وقالوا إن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر حتى أنهم قتلوا عبد الله بن خباب أحد أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صائما في شهر رمضان والقرآن في عنقه وقتلوا زوجته وهي حبلى وبقروا بطنها لأنه لم يتبرأ من علي بن أبي طالب، وقالوا له هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك فذبحوه على شاطئ النهر حتى سال دمه في النهر. وكانوا إذا أسروا نساء المسلمين يبيعونهن فيما بينهم حتى أنهم تزايدوا في بعض الوقائع على امرأة جميلة وغالوا في ثمنها فقام بعضهم فقتلها وقال إن هذه الكافرة كادت تقع فتنة بسببها بين المسلمين، وقالوا للحسن بن علي يوم ساباط المدائن: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك.
كذلك الوهابيون حكموا بشرك من خالف معتقدهم من المسلمين واستحلوا ماله ودمه وبعضهم استحل سبي الذرية كما سيأتي في الباب الأول ولم يخاطبوه إلا بقولهم يا مشرك وجعلوا دار الإسلام دار حرب ودارهم دار إيمان تجب الهجرة إليها وحكموا بقتال تارك الفرض وإن لم يكن مستحلا كما في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية([85]) ونقلوه فيها أيضا عن ابن تيمية([86]).
قال سليمان بن عبد الوهاب على ما حكي عنه في رسالته في الرد على أخيه محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية: قال ابن القيم: الخوارج لهم خاصيتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمتهم إحداهما خروجهم عن السنة وجعلهم ما ليس بسنة سنة والثانية أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات ويترتب على ذلك استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأن دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار الإيمان فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين وما يتولد عنهما من بغض المسلمين وذمهم ولعنهم واستحلال دمائهم وأموالهم وعامة البدع إنما تنشأ من هذين الأصلين (انتهى). وهذا الذي ذكره بعينه موجود في الوهابية.
رابعاً: كما أن الخوارج استندوا في شبهتهم هذه إلى ظواهر بعض الآيات والأدلة التي زعموها دالة على أن كل كبيرة كفر. (كذلك) الوهابيون استندوا في هذه الشبهة إلى ظواهر بعض الآيات والأدلة التي توهموها دالة على أن الاستغاثة والاستعانة بغير الله شرك وعلى غير ذلك من معتقداتهم كما يظهر من استشهاداتهم بالآيات التي لا دلالة فيها على معتقداتهم عند نقلنا لها. وسيأتي في الأمر العاشر عدة روايات تشير إلى ذلك.
خامساً: كما أن الخوارج استحلوا قتال ملوك الإسلام والخروج عليهم لأنهم باعتقادهم أئمة ضلال كذلك الوهابيون استحلوا قتال ملوك الإسلام وأمرائه لأنهم باعتقادهم أئمة ضلال ناصرون للشرك والبدع.
سادساً: كما أن الخوارج لا يبالون بالموت ويقدمون على الحرب لأنهم رائحون بزعمهم إلى الجنة حتى أن بعضهم طعن برمح فمشى والرمح فيه إلى طاعنه فقتله وهو يتلو: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}.
كذلك الوهابيون يظهرون بسالة وإقداما ولا يبالون بالموت لأنهم بزعمهم رائحون إلى الجنة ويقولون في حروبهم مع المسلمين:
هبت هبوب الجنة
وين أنت يا باغيها
سابعاً: كما أن الخوارج على جانب من الجمود والغباوة، فبينا هم يتورعون عن أكل تمرة ملقاة في الطريق ويرون قتل الخنزير الشارد في البر فسادا في الأرض، تراهم يرون قتل الصحابي الصائم وفي عنقه القرآن طاعة لله تعالى ويكفرون جميع المسلمين ويرون كل كبيرة كفراً. (ولقيهم) قوم مسلمون فسألوهم من أنتم؟ وكان فيهم رجل ذو فطنة، فقال اتركوا الجواب لي، قال: نحن قوم من أهل الكتاب استجرنا بكم حتى نسمع كلام الله ثم تبلغونا مأمننا. فقالوا لا تخفروا ذمة نبيكم فأسمعوهم شيئا من القرآن وأرسلوا معهم من يوصلهم إلى مأمنهم. وقالوا لعبد الله بن خباب الصحابي ما تقول في علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فأثنى خيراً فقالوا إنك ممن يتبع الرجال على أسمائها وفعلوا معه ما تقدم.
كذلك الوهابيون على جانب من الجمود. فبينا هم يحرمون الترحيم والتذكير لأنه بزعمهم بدعة وأمثال ذلك، ويتوقفون في التلغراف لعدم وقوفهم على نص فيه، ويحرمون التدخين ويعاقبون عليه، تراهم يكفرون المسلمين ويشركونهم ويستحلون أموالهم ودماءهم ويقاتلونهم بالبنادق والمدافع لطلبهم الشفاعة ممن جعل الله له الشفاعة وتوسلهم بمن له عند الله الوسيلة.
ثامناً: كما أن الخوارج قال بمقالتهم جماعة ممن ينسب إلى العلم لظهورهم بمظهر مقاومة أئمة الضلال ورفع الظلم الذي لا شك أنه كان موجودا في الجملة، وأنه لا حكم إلا لله، الكلمة التي قال عنها أمير المؤمنين علي (عليه السلام): إنها كلمة حق يراد بها باطل كما مر.
كذلك الوهابيون قال بمقالتهم جماعة ممن ينسب إلى العلم لظهورهم بمظهر رفع البدع التي لا شك في وجودها في الجملة وأنه لا عبادة ولا شفاعة إلا لله ولا استعانة ولا استغاثة إلا بالله. وهذه كتلك كلمة حق يراد بها باطل كما عرفت وستعرف.
تاسعاً: كما أن الخوارج عمدوا إلى الآيات الواردة في المشركين فجعلوها في المسلمين والمؤمنين كذلك الوهابيون جعلوا الآيات النازلة في المشركين منطبقة على المسلمين. أما صدور ذلك من الخوارج فيدل عليه ما في خلاصة الكلام([87]) مما هذا لفظه: روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر في وصف الخوارج أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين وفي رواية أخرى عن ابن عمر عند غير البخاري أنه (صلّى الله عليه وآله) قال أخوف ما أخاف على أمتي رجل متأول للقرآن يضعه في غير موضعه انتهى. وعن ابن عباس لا تكونوا كالخوارج تأولوا آيات القرآن في أهل القبلة وإنما نزلت في أهل الكتاب والمشركين فجهلوا علمها فسفكوا الدماء وانتهبوا الأموال. وأما صدور ذلك من الوهابيين فيدل عليه ما سيأتي عند نقل كلماتهم ومعتقداتهم من جعلهم الآيات الكثيرة النازلة في الكافرين والمشركين منطبقة على المسلمين مثل: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا}. {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}. {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا}. {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا}. {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ}. {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا}. {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}. {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ}. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يسردونها وهي نازلة في الكافرين والمشركين فيجعلونها منطبقة على المسلمين انطباقا تاما بغير مائز ولا فارق.
عاشراً: كما أن الخوارج سيماهم التحليق أو التسبيد كذلك الوهابيون سيماهم التحليق وعن النهاية في حديث الخوارج: التسبيد فيهم فاش هو الحلق واستئصال الشعر انتهى. وقد جاء في أخبار كثيرة ذكر قوم سيماهم التحليق ومن المرجح أو المعلوم انطباق تلك الأخبار على الوهابية أو عليهم وعلى الخوارج.
كقوله (صلّى الله عليه وآله): إنّ أناساً من أمتي سيماهم التحليق يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه قيل ما سيماهم قال سيماهم التحليق (رواهما البخاري). يجيء أقوام من الشرق سيماهم التحليق أدق العيون([88]) يدعون بالدين وليسوا من أهله لا يرحمون من بكاء ولا يجيبون من شكاء قلوبهم كزبر الحديد (الحديث) رواه مسلم. سيكون في أمتي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القول ويسيئون الفعل يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يرجعون حتى يعود السهم إلى فوقه (إلى أن قال) يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء قالوا يا رسول الله ما سيماهم قال التحليق رواه أبو داود. ذكر أناساً في أنهم يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية الحديث. عن علي في آخر الزمان قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية سيماهم التحليق رواهما النسائي في الخصائص (وفي خلاصة الكلام)؛ في قوله (صلّى الله عليه وآله) سيماهم التحليق تنصيص على هؤلاء الخارجين من المشرق التابعين لمحمد بن عبد الوهاب لأنهم كانوا يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه لا يتركونه يفارق مجلسهم إذا اتبعهم حتى يحلقوا رأسه قال ولم يقع من أحد قط من الفرق التي مضت أن يلتزموا مثل ذلك فالحديث صريح فيهم قال وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول لا يحتاج إلى التأليف في الرد على ابن عبد الوهاب بل يكفي في الرد عليه قوله (صلّى الله عليه وآله) سيماهم التحليق فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة (قال) وكان ابن عبد الوهاب يأمر أيضاً بحلق رؤوس النساء اللاتي يتبعنه فدخلت في دينه امرأة وجددت إسلامها بزعمه فأمره بحلق رأسها فقالت شعر الرأس للمرأة بمنزلة اللحية للرجل فلو أمرت بحلق لحى الرجال لساغ أن تأمر بحلق رؤوس الناس فلم يحر جواباً انتهى.
الحادي عشر: كما أن الخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان كما أخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) عنهم بما رواه في السيرة الحلبية([89]) من قوله (صلّى الله عليه وآله) في الخوارج: يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم لا تفقهه قلوبهم ليس لهم حظ منه إلا تلاوة الفم وإنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان (الحديث).
كذلك الوهابيون يقتلون أهل الإسلام وحدهم ولم ينقل عنهم أنهم حاربوا أحدا سوى المسلمين. وفي قتلهم أهل الطائف أولاً وآخراً بلا ذنب وقتلهم أهل كربلاء سنة 1216هـ وغزوهم بلاد الإسلام المجاورة لهم كالعراق والحجاز واليمن وشرقي الأردن وغيرها وقتلهم من ظفروا به من المسلمين وقتلهم نحو ألف رجل من اليمانيين جاؤا لحج بيت الله الحرام سنة 1340 وذبحهم لهم ذبح الأغنام كما مر ذلك كله في تاريخهم، وعدم غزوهم لأهل الأوثان وقد امتلأت الأرض كفراً وإلحاداً وتوجيه بأسهم وحربهم كله إلى المسلمين خاصة بعدما ضعفت قواهم واستعمرت بلادهم وممالكهم وصار الإسلام غريباً في وطنه أقوى شاهد على ذلك.
ثاني عشر: كما أن الخوارج كلما قطع منهم قرن نجم قرن كما أخبر عنهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (كذلك) الوهابيون كلما قطع منهم قرن نجم قرن فقد حاربهم محمد علي باشا واستأصل شأفتهم ووصل ولده إبراهيم باشا إلى قاعدة بلادهم الدرعية وأخربها ثم نجم قرنهم بعد ذلك وقطع ثم نجم وقطع مراراً.
في ذكر جميع معتقدات الوهابية
ومحور مذهبهم الذي يدور عليه
الوهابيون سنيون
وينتحلون مذهب الإمام أحمد بن حنبل
الاجتهاد عند الوهابيين
إلا أنهم لا يلتزمون بتقليد أحد المذاهب الأربعة بل قد يجتهدون على خلافها. قال محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني المعاصر لابن عبد الوهاب وأحد مؤسسي المذهب الوهابي في رسالته تطهير الاعتقاد([90]): وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة وإن كان هذا قولا باطلا وكلاما لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلا انتهى . وقال محمد بن عبد اللطيف أحد أحفاد ابن عبد الوهاب في آخر الرسالة الخامسة([91]) من رسائل الهدية السنية مذهبنا مذهب الإمام أحمد بن حنبل ولا ندعي الاجتهاد وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عملنا بها ولا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان انتهى. وهذا هو الاجتهاد الذي أنكره في أول كلامه وقال به في آخره. وما هي السنة الصحيحة التي تبين له هل يشافهه بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو تكون متواترة خفيت على جميع أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم وبانت له؟! هذا مستحيل عادة أو هي خبر ظني الدلالة والسند أو السند فقط والله تعالى قد نهى عن العمل بالظن في كتابه وذم متبعه فهل يكون العمل بذلك الخبر الظني إلا بالاجتهاد الذي أنكره. (وقال أبوه) عبد اللطيف في إحدى رسائل الهدية السنية([92]) أن محمد بن عبد الوهاب لا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه ومذهب عالم خالف ذلك باجتهاده. (إلى أن قال): نعم عند الضرورة وعدم الأهلية والمعرفة بالسنن والأخبار وقواعد الاستنباط يصار إلى التقليد ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلا بدليل من الكتاب والسنة خلافا لغلاة المقلدين.
وقال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية([93]) ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد منا يدعيها إلا أنه إذاصح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصوص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة فنقدم الجد بالإرث وإن خالفه مذهب الحنابلة. (إلى أن قال): ولا نعترض على أحد في مذهبه إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لأحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعائر ظاهرة كإمام الصلاة فنأمن الحنفي والمالكي مثلا بالطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين لوضوح ذلك بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض وقد اختار جمع من أئمة المذاهب الأربعة ما يخالف مذهب مقلدهم (انتهى) وهذا الأخير يخالف ما ذكره محمد بن عبد اللطيف وما حكاه أبوه عن محمد ابن عبد الوهاب فهذا يشترط في جواز الأخذ بالنص من الكتاب والسنة أن يقول به أحد الأئمة الأربعة ومحمد يقول لا نقدم على السنة قول أحد كائنا من كان وابن عبد الوهاب يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلا بدليل. ثم إلزام صاحب المذهب بخلاف مذهبه فيما فيه شعائر ظاهرة خطأ فإنه إن كان معذورا لم يجب إلزامه بل لم يجز وإن لم يكن معذورا وجب إلزامه سواء كان فيه شعائر ظاهرة أو لا.
اعتقاد الوهابية وقدوتهم ابن تيمية
في الله تعالى وصفاته
إعلم أن الوهابية ومؤسس دعوتهم محمد بن عبد الوهاب وباذر بذورها أحمد بن تيمية وتلميذه ابن القيم وأتباعهم ادعوا أنهم موحدون وأنهم باعتقاداتهم التي خالفوا بها جميع المسلمين حموا جناب التوحيد عن أن يتطرق إليه شيء من الشرك. وادعى الوهابيون أنهم هم الموحدون وغيرهم من جميع المسلمين مشركون كما سيأتي ولكن الحقيقة أن ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأتباعهما قد أباحوا حمى التوحيد وهتكوا ستوره وخربوا حجابه ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق بقدس جلاله تقدس وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فأثبتوا لله تعالى جهة الفوق والاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات والأرض والنزول إلى سماء الدنيا والمجئ والقرب وغير ذلك بمعانيها الحقيقية، وأثبتوا له تعالى الوجه واليدين اليد اليمنى واليد الشمال والأصابع والكف والعينين كلها بمعانيها الحقيقية دون تأويل، وهو تجسيم صريح.
وحملوا ألفاظ الصفات على معانيها الحقيقية فاثبتوا لله تعالى المحبة والرحمة والرضا والغضب وغير ذلك بمعانيها الحقيقية من غير تأويل، وأنه تعالى يتكلم بحرف وصوت فجعلوا لله تعالى محلا للحوادث وهو يستلزم الحدوث كما بين في محله من علم الكلام.
أما ابن تيمية فقال بالجهة والتجسيم والاستواء على العرش حقيقة والتكلم بحرف وصوت. وهو أول من زقا بهذا القول وصنف فيه رسائل مستقلة كالعقيدة الحموية والواسطية وغيرهما واقتفاه في ذلك تلميذاه ابن القيم الجوزية وابن عبد الهادي وأتباعهم ولذلك حكم علماء عصره بضلاله وكفره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه فأخذ إلى مصر ونوظر فحكموا بحبسه فحبس وذهبت نفسه محبوسا بعدما أظهر التوبة ثم نكث. ونحن ننقل ما حكوه عنه في ذلك وما قالوه في حقه لتعلم ما هي قيمة ابن تيمية عند العلماء.
قال أحمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي صاحب الصواعق في كتابه الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم في جملة كلامه الآتي في فصل الزيارة إن ابن تيمية تجاوز إلى الجناب المقدس وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم الخ.
وقال ابن حجر أيضاً في الدرر الكامنة على ما حكي: أن الناس افترقت في ابن تيمية فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكره في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك بقوله إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله وإنه مستو على العرش بذاته فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام فقال أنا لا أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام فألزم بأنه يقول بالتحيز في ذات الله. (ومنهم) من ينسبه إلى الزندقة لقوله إن النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يستغاث به وإن في ذلك تنقيصا ومنعا من تعظيم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان أشد الناس عليه في ذلك النور البكري فإنه لما عقد له المجلس بسبب ذلك قال بعض الحاضرين: يعزر، فقال البكري: لا معنى لهذا القول فإنه إن كان تنقيصا يقتل وإن لم يكن تنقيصا لا يعزر (ومنهم) من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي أنه كان مخذولا حيث ما توجه وأنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها وإنما قاتل للرياسة لا للديانة وأنه كان يحب الرياسة وأن عثمان كان يحب المال ولقوله: أبو بكر أسلم شيخا يدري ما يقول وعلي أسلم صبيا والصبي لا يصح إسلامه على قول، ولكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل وما نسبه من الثناء على قصة أبي العاص بن الربيع وما يؤخذ من مفهومها فإنه شنع في ذلك فالزموه بالنفاق لقوله (صلّى الله عليه وآله): لا يبغضك إلا منافق. ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه وكان ذلك مولدا لطول سجنه. وله وقائع شهيرة وكان إذا حوقق وألزم يقول لم أرد هذا إنما أردت كذا فيذكر احتمالاً بعيداً انتهى.
وعن منتهى المقال في شرح حديث لا تشد الرحال للمفتي صدر الدين أنه قال فيه: قال الشيخ الإمام الحبر الهمام سند المحدثين الشيخ محمد البرلسي في كتابه إتحاف أهل العرفان: وقد تجاسر ابن تيمية الحنبلي عامله الله تعالى بعدله وذكر تحريمه للسفر إلى زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) (إلى أن قال) حتى تجاوز الجناب الأقدس المستحق لكل كمال أنفس وخرق سياج الكبرياء والجلال وحاول إثبات ما ينافي العظمة وأظهر هذا الأمر على المنابر وشاع وذاع ذكره بين الأكابر والأصاغر. إلى آخر ما يأتي في فصل الزيارة.
وعن صاحب أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل أنه قال في بيان إرخاء العمامة بين الكتفين. قال ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه ذكر شيئاً بديعاً وهو أنه (صلّى الله عليه وآله) لما رأى ربه واضعاً يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة. قال العراقي ولم نجد لذلك أصلا. أقول: بل هذا من قبيل رأيهما وضلالهما إذ هو مبني على ما ذهبا إليه وأطالا في الاستدلال له والحط على أهل السنة في نفيهم له وهو إثبات الجهة والجسمية لله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ولهما في هذا المقام من القبائح وسوء الاعتقاد ما يصم عنه الآذان ويقضي عليه بالزور والكذب والضلال والبهتان قبحهما الله وقبح من قال بقولهما. والإمام أحمد وأجلاء مذهبه مبرؤون عن هذه الوصمة القبيحة كيف وهي كفر عند كثيرين انتهى.
(وعن) المولوي عبد الحليم الهندي في حل المعاقد حاشية شرح العقائد كان تقي الدين ابن تيمية حنبلياً لكنه تجاوز عن الحد وحاول إثبات ما ينافي عظمة الحق تعالى وجلاله فأثبت له الجهة والجسم وله هفوات أُخَر كما يقول إن أمير المؤمنين سيدنا عثمان كان يحب المال وإن أمير المؤمنين سيدنا عليا (عليه السلام) ما صح إيمانه فإنه آمن في حال صباه. وتفوه في حق أهل بيت النبي صلى الله عليه وعليهم ما لا يتفوه به المؤمن المحق وقد وردت الأحاديث الصحاح في مناقبهم في الصحاح، وانعقد مجلس في قلعة الجبل وحضر العلماء الأعلام والفقهاء العظام ورئيسهم قاضي القضاة زين الدين المالكي وحضر ابن تيمية فبعد القيل والقال بهت ابن تيمية وحكم قاضي القضاة بحبسه سنة 705 ثم نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه كذا في مرآة الجنان للإمام أبي محمد عبد الله اليافعي ثم تاب وتخلص من السجن سنة 707 وقال إني أشعري ثم نكث عهده وأظهر مرموزه فحبس حبساً شديداً ثم تاب وتخلص من السجن وأقام في الشام وله هناك واقعات كتبت في كتب التواريخ ورد أقاويله وبيّن أحواله الشيخ ابن حجر في المجلد الأول من الدرر الكامنة والذهبي في تاريخه وغيرهما من المحققين والمرام أن ابن تيمية لما كان قائلا بكونه تعالى جسماً قال بأنه ذو مكان فإن كل جسم لا بد له من مكان على ما ثبت ولما ورد في الفرقان الحميد {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال إن العرش مكانه ولما كان الواجب أزلياً عنده وأجزاء العالم حوادث عنده اضطر إلى القول بأزلية جنس العرش وقدمه وتعاقب إشخاصه الغير المتناهية فمطلق التمكن له تعالى أزلي والتمكنات المخصوصة حوادث عنده كما ذهب المتكلمون إلى حدوث التعلقات انتهى.
وعن اليافعي في مرآة الجنان أنه قال في ذكر فتنة ابن تيمية: وكان الذي ادعي عليه بمصر أنه يقول إن {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} حقيقة وأنه يتكلم بحرف وصوت ثم نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه انتهى.
وعن تاريخ أبي الفداء في حوادث سنة 705: وفيها استدعي تقي الدين أحمد بن تيمية من دمشق إلى مصر وعقد له مجلس وأمسك وأودع الاعتقال بسبب عقيدته فإنه كان يقول بالتجسيم انتهى.
وجاء في المنشور الصادر بحقه من السلطان: وكان الشقي ابن تيمية في هذه المدة بسط لسان قلمه ومد عنان كلمه وتحدث في مسائل القرآن والصفات ونص في كلامه على أمور منكرات وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام وانعقد على خلافه إجماع العلماء الأعلام وخالف في ذلك علماء عصره وفقهاء شامه ومصره وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في حق الله بالحرف والصوت والتجسيم (انتهى).
وعن كشف الظنون عن بعضهم أنه بالغ في رد ابن تيمية حتى صرح بكفر من أطلق عليه شيخ الإسلام انتهى.
وأما محمد بن عبد الوهاب فاقتفى هو وأتباعه في ذلك أثر ابن تيمية كما اقتفى أثره في زيارة القبور والتشفع. والتوسل وغير ذلك وبنى على أساسه وزاد وقد أثبت ابن عبد الوهاب لله تعالى جهة الفوق والاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات والأرض والجسمية والرحمة والرضا والغضب واليدين اليمنى والشمال والأصابع والكف كلها بمعانيها الحقيقية من دون تأويل.
قال محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد الذي هو حق على العبيد على ما حكي عنه في باب قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} العشرون إثبات الصفات خلافاً للأشعرية المعطلة. قال الشارح:
الأشعرية الفرقة المنتسبة لأبي الحسن الأشعري أنكرت كثيرا من الصفات منها علو الله تعالى واستواؤه على عرشه بائنا عن خلقه ومحبته لعباده الصالحين ورحمته لهم رضاه وغضبه وغير ذلك خلافاً لما جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه وسائر السلف الصالحين ثم استدل على ذلك بالأحاديث فقال باب ما جاء في قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (الآية). عن ابن مسعود رضي الله عنه جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال يا محمد إنا نجدن الله يجعل السماوات في إصبع والأرضين في إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع فيقول أنا الملك فضحك النبي (صلّى الله عليه وآله) حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (الآية) وفي رواية لمسلم والجبال والشجر على إصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله. وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع أخرجاه ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: يطوى الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون. (وروى) عن ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. وعن ابن مسعود بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم أخرجه ابن مهدي (وعن) العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هل تدرون كم بين السماء والأرض قلنا الله ورسوله أعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله تعالى فوق ذلك وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم أخرجه أبو داود وغيره وفيه مسائل: (الأولى) تفسير قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (الثانية) إن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه (صلّى الله عليه وآله) لم ينكروها ولم يتأولوها (الثالثة) إن الحبر لما ذكر ذلك للنبي (صلّى الله عليه وآله) صدقه ونزل القرآن بتقرير ذلك (الرابعة) ووقع الضحك منه (صلّى الله عليه وآله) لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم (الخامسة) التصريح بذكر اليدين وأن السماوات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى (السادسة) التصريح بتسميتها الشمال انتهى.
وهو صريح في إثبات جهة الفوق لله تعالى والاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات والأرض وإثبات المحبة والرحمة والرضا والغضب وإثبات اليدين والأصابع واليد اليمنى واليد الشمال والكف له تعالى كلها بمعانيها الحقيقية من دون تأويل ونسبة الأشعرية الذين يؤلونها إلى التعطيل وهو عين التجسيم الذي أطبق المسلمون على كفر معتقده لاستلزامه التركيب والتحيز والوجود في جهة دون جهة وكل ذلك يستلزم الحدوث كما قرر في محله ويلزمه من إثبات المحبة والرحمة والرضا والغضب بمعانيها الحقيقية وهي ميل القلب ورقته وعدم هيجان النفس وهيجانها كونه تعالى محلا للحوادث الموجب حدوثه كما علم من علم الكلام مع أن حديث حبر اليهود عليه لا له فإن الضحك لم يكن لتصديق قول الحبر كما توهم بل للرد عليه فهو ضحك تعجب من نسبة ذلك إليه تعالى مع بطلانه في العقول ويدل عليه قراءته (صلّى الله عليه وآله) {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما قدروه حق قدره بنسبتهم إليه الجسمية والأعضاء.
وأما أتباع محمد بن عبد الوهاب فأثبتوا لله تعالى جهة العلو والاستواء على العرش والوجه واليدين والعينين والنزول إلى سماء الدنيا والمجئ والقرب وغير ذلك بمعانيها الحقيقية.
(ففي الرسالة الرابعة) من الرسائل الخمس المسمى مجموعها بالهدية السنية([94]) لعبد اللطيف حفيد محمد بن عبد الوهاب عند ذكر بعض اعتقادات الوهابية وأنها مطابقة لعبارة أبي الحسن الأشعري قال: وأن الله تعالى على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وأن له يدين بلا كيف كما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} وأن له عينين بلا كيف وأن له وجها كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وقال([95]) ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر. (إلى أن قال) ويقرون إن الله يجئ يوم القيامة كما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} وأنه يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. (وفي الرسالة الخامسة) لمحمد بن عبد اللطيف المذكور([96]) ونعتقد أن الله تعالى مستو على عرشه عال على خلقه وعرشه فوق السماوات قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} فنؤمن باللفظ ونثبت حقيقة الاستواء ولا نكيف ولا نمثل قال إمام دار الهجرة مالك ابن أنس وبقوله نقول، وقد سأله رجل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. (إلى أن قال) فمن شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر ونؤمن بما ورد من أنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول الخ. (ونقول): يلزم من ذلك أحد أمرين: التجسيم أو القول بالمحال وكلاهما محال لأن حصول حقيقة الاستواء مع عدم الكيف محال بحكم العقل ومع الكيف تجسيم فلا بد من التأويل والمجاز والقرينة العقل. (ومنه تعلم) أن الكلام المنسوب إلى الإمام مالك لا يكاد يصح وحسن الظن به يوجب الريبة في صحة النسبة إليه وذلك لأن قوله الاستواء معلوم إن أراد أنه معلوم بمعناه الحقيقي فهو ممنوع بل عدمه معلوم بحكم العقل باستحالة الجسمية عليه تعالى واستحالة الاستواء الحقيقي بدون الجسمية وأن المراد بالمعنى المجازي فلا يصلح شاهدا لقوله: نثبت حقيقة الاستواء، ولا يكون السؤال عنه بدعة ولا يلزم الكيف حتى يقال إنه مجهول. ثم كيف يكون السؤال بدعة والتصديق بالمجهول محال وإن أراد أنا نؤمن به على حسب المعنى الذي أراده الله تعالى منه وإن لم نعلمه تفصيلاً فإن كان يحتمل أنه أراد حقيقة الاستواء ففاسد لما عرفت من استحالته بحكم العقل وإن كان الترديد بين المعاني المجازية فقط فأين حقيقة الاستواء التي أثبتناها. وإذا كان قول الإمام مالك عند هؤلاء قدوة وحجة في مثل هذه المسألة الغامضة فلم لم يقتدوا بقوله فيما هو أوضح منها وأهون وهو رجحان استقبال القبر الشريف والتوسل بصاحبه عند الدعاء حسبما أمر به مالك المنصور فيما مرت الإشارة إليه. (وكذا) الاعتقاد باليدين والعينين والوجه بدون الكيف فإن كانت بمعانيها الحقيقة لزم اعتقاد المحال لاستحالة المعاني الحقيقية بدون الكيف ومع الكيف يلزم التجسيم فلا بد من المجاز والتأويل والقرينة حكم العقل. وكذا بأنه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا ويجئ يوم القيامة ويقرب من خلقه إن كان بمعانيها الحقيقية لزم التجسيم فلا بد من المجاز والتأويل لعين ما مر. (قوله): فمن شبه الله بخلقه كفر، (قلنا): إثبات حقيقة هذه الأشياء هي تشبيه له بخلقه فتكون كفرا لعدم إمكان إثباتها بدون التشبيه كما عرفت. (قوله): ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر، قلنا: جحود الصفة والإقرار بها حكم عليها والحكم على الشيء فرع معرفته فيلزم أولا أن نعرف ما أريد بهذا اللفظ هل هو معناه الحقيقي أو المجازي لنعرف ما وصف به نفسه فنقر به وإذا كان المعنى الحقيقي يستحيل إرادته كما بينا فلا يكون مما وصف به نفسه فلا يكون جحوده كفراً. وما أشبه هذا بقول النصارى الأب والابن وروح القدس إله واحد فإنّه إذا قيل لهم كيف تكون الثلاثة واحداً قالوا هذا شيء فوق العقل ولم يعلموا أنّ ما هو فوق العقل لا يمكن للعقل أن يذعن به.
ومن هنا تعلم فساد ما حكي عن محمود شكري الآلوسي في تاريخ نجد من أن الوهابيين يقرون آيات الصفات والأحاديث على ظاهرها ويكلون معناها إلى الله تعالى انتهى. فإن إقرارها على ظاهرها يناقض إيكال معناها إلى الله كما هو واضح بل إيكالها إليه تعالى عبارة عن التوقف وعدم الحكم ببقائها على ظاهرها.
أما قول عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية([97]) أنه لا يلزم أن نكون مجسمة وإن قلنا بجهة العلو لأن لازم المذهب ليس بمذهب ففيه أن كون لازم المذهب ليس بمذهب إن صح فمعناه أن من ذهب إلى القول بشيء لا يجب أن يكون قائلا بلازمه إلا أنه إذا كان هذا اللازم باطلاً كان ملزومه الذي ذهب إليه باطلاً لأن بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم وإلا لبطلت الملازمة فمن قال بجهة العلو وإن لم يقل بالتجسيم إلا أنه لازم قوله فإذا كان التجسيم باطلاً فالقول بجهة العلو خطأ وباطل مع أنك قد عرفت آنفا أن قدوتهم ومؤسس ضلالتهم ابن تيمية قد صرح بالجسمية وكفره علماء عصره لذلك وحكموا بقتله أو حبسه وإن مؤسس مذهبهم ابن عبد الوهاب اقتدى بابن تيمية في ذلك فأثبت اليدين اليمين والشمال والأصابع والكف وهم على طريقته لا يحيدون عنها قيد أنملة فلا ينفعهم التبري من القول بالتجسيم.
اعتقاد الوهابيين في النبي (صلّى الله عليه وآله)
وسائر الأنبياء والصالحين وقبورهم
واعتقادهم في النبي (صلّى الله عليه وآله) أن الاستغاثة به وطلب الشفاعة منه إلى الله والتوسل به إليه بقول يا رسول الله إشفع لي أو أتوسل بك إلى الله والتبرك بقبره والصلاة والدعاء عنده وتعظيمه كل ذلك شرك وكفر وعبادة للأصنام والأوثان موجبة لحل المال والدم وأنه يحرم السفر لزيارته ويجب هدم ضريحه وقبته ويحرم التبرك بتربته ولمس ضريحه وتقبيله وأن ضريحه صنم من الأصنام ووثن من الأوثان بل هو الصنم الأكبر والوثن الأعظم وكذلك سائر الأنبياء والصالحين، وفي خلاصة الكلام([98]): كان محمد بن عبد الوهاب يقول عن النبي (صلّى الله عليه وآله) إنه طارش، وإن بعض أتباعه كان يقول: عصاي هذه خير من محمد لأنه ينتفع بها في قتل الحية ونحوها ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع وإنما هو طارش ومضى، وكان يقال ذلك بحضرته أو يبلغه فيرضى وكان يقول: وجدت في قصة الحديبية كذا كذا كذبة انتهى.
اعتقادهم في عموم المسلمين
واعتقادهم في عموم المسلمين أنهم كفروا بعد إيمانهم وأشركوا بعد توحيدهم أو أنهم كفار بالكفر الأصلي بل شر من الكفار فيجب قتالهم وتحل دماؤهم وأموالهم، وعلى بعض الأقوال: تسترق ذراريهم، وهذا الكفر والشرك حصل منهم منذ ستمائة سنة قبل ابن عبد الوهاب، على ما في خلاصة الكلام، وأنهم أبدعوا في دين الإسلام. هذا محور مذهب الوهابية الذي يدور عليه.
أما كفرهم وشركهم فبعبادتهم الأنبياء والصالحين بل وغير الصالحين ممن يعتقدون فيهم الولاية وهم من فسقة الناس وعبادتهم قبورهم فكانوا بذلك كمشركي قريش وغيرهم عبدوا الأصنام والأوثان من الأحجار والأشجار وغيرها وعبدوا الملائكة والجن، كالنصارى الذين عبدوا المسيح وأمه، وذلك باستغاثتهم بالأموات ودعائهم لكشف الملمات والهتاف بأسمائهم والتشفع بهم إلى الله بقول: يا رسول الله أسألك الشفاعة ونحو ذلك، والنذر والذبح لهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وعمل الأضرحة لها ووضع الجوخ وغيره عليها وعمل الستور لها وإسراجها وتخليقها والعكوف عليها كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم، والنذر لها وتزيينها بالقناديل والذهب والفضة وغيرها وجعل الخدمة والسدنة لها وعمل أعياد ومواسم لها وتقبيلها والطواف حولها والتمسح بها وأخذ ترابها تبركا والصلاة عندها واتخاذها مساجد وشد الرحال إليها وكتب الرقاع عليها ونحو ذلك، فإن ذلك كله عبادة لها ولأهلها. وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها موجب للشرك والكفر.
وفرعوا على ذلك وجوب هدم قبور الأنبياء والصالحين والقباب المبنية عليها وعدم جواز تعميرها وتعليق المعلقات فيها والوقف عليها بل هو باطل، وعدم جواز لمسها والتبرك بها والصلاة والدعاء عندها وإيقاد السرج عليها وغير ذلك.
وقسموا التوحيد إلى توحيد الربوبية وهو الاعتقاد بأن الخالق الرازق المدبر للأمر هو الله. وتوحيد العبادة وهوصرف العبادة كلها إلى الله. قالوا ولا ينتفع الأول بدون الثاني لأن مشركي قريش كانوا يعتقدون بالأول فلم ينفعهم لعدم إقرارهم بالثاني، كذلك المسلمون لا ينفعهم الاقرار بتوحيد الربوبية لعبادتهم الأنبياء والصالحين وقبورهم بنفس الأشياء التي كان المشركون يعبدون أصنامهم بها. وقالوا: الكفر نوعان مطلق ومقيد فالمطلق أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله) والمقيد أن يكفر ببعضه وهو كفر المسلمين الذين هم باعتقادهم مشركون، وقسموا الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر فالأكبر هو الذي تقدم والأصغر كالرياء والحلف بغير الله تعالى.
وفرع الوهابية على هذا الاعتقاد الذي اعتقدوه من إشراك جميع المسلمين: وجوب قتالهم واستحلال دمائهم وجعل بلادهم دار حرب وقتالهم جهاداً في سبيل الله وبلادهم بلاد شرك تجب الهجرة منها إلى بلاد الإسلام التي أهلها وهابية موحدون كما كانت هذه الأشياء ثابتة في حق عبدة الأوثان والأصنام. (قال) محمد بن عبد الوهاب في رسالة ثلاثة الأصول([99]): والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وهي باقية إلى أن تقوم الساعة الخ.
أما سبي ذراري المسلمين فهو مقتضى قواعد المذهب الوهابي الذي أساسه ومبناه ومحوره الذي يدور عليه التسوية بين عبدة الأصنام وبين المسلمين في الاشراك بالعبادة، وقد صرح الصنعاني في تطهير الاعتقاد في عدة مواضع بما يدل على ذلك حيث قال([100]): ومن فعل ذلك (أي الاستغاثة وما يجري مجراها) لمخلوق فهذا شرك في العبادة وصار من تفعل له هذه الأمور إلهاً لعابديه وصار الفاعل عابدا لذلك المخلوق وإن أقر بالله وعبده فأن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم. وقال في موضع آخر([101]): فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) من المشركين انتهى.
ويدل عليه ما حكاه الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة 1217هـ كما تقدم نقله عنه في بعض الحواشي السابقة: أنهم لما دخلوا الطائف قتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال. قال: وهذا دأبهم مع من يحاربهم. (وعن) كتاب التوضيح لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب أنه قال: وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأن يتخذوهم عبيدا انتهى. (ومر عن) تاريخ الأمير حيدر أن الوهابيين في بعض حروبهم سبوا النساء وقتلوا الأطفال، ولكن في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية([102]): ومما نحن عليه إنا لا نرى سبي العرب ولم نفعله نقاتل غيرهم (كذا) ولا نرى سبي النساء والصبيان انتهى وهذا مناقض لقواعد مذهبهم ولما سمعت من كلام بعضهم، والتناقض في كلامهم غير عزيز كما يظهر لك من تضاعيف هذا الكتاب.
وأما إبداع المسلمين في الدين فبإحداثهم أشياء فيه لم تكن على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة. (وقالوا): البدعة هي ما حدثت بعد القرون الثلاثة (أي قرن النبي (صلّى الله عليه وآله) وما بعده) مذمومة مطلقاً. ذكره حفيد ابن عبد الوهاب في إحدى رسائل الهدية السنية([103]) وذلك مثل المحاريب الأربعة في المساجد للأئمة الأربعة وجعل أربعة أئمة للصلاة من أهل المذاهب الأربعة والترحيم والتذكير الذي يفعل في المآذن ليلة الجمعة ويومها وليلة الاثنين وبين الأذان والإقامة وقبل الفجر([104]) ورفع الصوت في مواضع الأذان كالمنائر بغير الأذان من قرآن أو صلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) أو ذكر بعد أذان أو في ليلة جمعة أو رمضان أو العيدين وقراءة حديث أبي هريرة قبل خطبة الجمعة والاجتماع على قراءة سيرة المولد الشريف النبوي وقراءة المولد النبوي بقصائد بألحان وتخلط بالصلاة عليه وبالأذكار والقراءة وتكون بعد التراويح والتظاهر باتخاذ المسابح والاجتماع على رواتب المشايخ برفع الصوت وقراءة الفواتح كراتب السمان والحداد وغيرهما وقراءة الفواتح للمشايخ بعد الصلوات الخمس وكصلاة الخمسة الفروض بعد آخر جمعة من رمضان ورفع الصوت بالذكر عند حمل الميت وعند رش القبر بالماء وكإتخاذ الطرائق وتعليق الأسلحة والبيارق في التكايا والزوايا وعمل الذكر المتعارف ونقر الدفوف وما يتخلل ذلك من الشهيق والنهيق والنعيق وتكرار لفظ الجلالة (الله الله) وغير ذلك. وأحرق الوهابية دلائل الخيرات بدعوى اشتمالها على البدعة أو الشرك. وفي خلاصة الكلام([105]): أن محمد بن عبد الوهاب كان ينهي عن الاتيان بالصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) ليلة الجمعة وعن الجهر بها على المناير وأنه قتل رجلا أعمى كان مؤذنا صالحا ذا صوت حسن نهاه عن الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) في المنارة بعد الأذان فلم ينته فأمر بقتله فقتل. ثم قال: إن الربابة في بيت الخاطئة أقل إثما ممن ينادي بالصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) في المناير انتهى وذلك لأن الربابة في البيت الخاطئة لا يتجاوز إثمها صاحبها أما الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) بتلك الكيفية فهي بزعمه بدعة فيتعدى إثمها لكل من يقتدي بفاعلها. (ونقول): البدعة كما مر في المقدمات إدخال ما ليس من الدين في الدين كإباحة محرم أو تحريم مباح أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبه أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة أو بعدها وتخصيصها بما بعد القرون الثلاثة لا وجه له، ولو سلمنا حديث. خير القرون قرني الخ فإن أهل القرون الثلاثة غير معصومين بالاتفاق وتقسيم بعضهم لها إلى حسنة وقبيحة أو إلى خمسة أقسام ليس بصحيح بل لا تكون إلا قبيحة. ولا بدعة فيما فهم من إطلاق أدلة الشرع أو عمومها أو فحواها أو نحو ذلك وإن لم يكن موجودا في عصر النبي (صلّى الله عليه وآله) فتقبيل يد العالم أو الصالح أو الأبوين بقصد التعظيم والاحترام تقربا إليه تعالى جائز وراجح وإن لم يكن ذلك في عصره (صلّى الله عليه وآله) ولا ورد فيه نص خاص فإنه بعد أن صار نوعاً من التعظيم عادة وفهم من أدلة الشرع رجحان تعظيم المؤمن بوجه العموم يكون جائزاً وراجحاً، وكذا القيام عند ذكر ولادة النبي (صلّى الله عليه وآله) أو ذكر اسم رجل عظمه الشرع هو من هذا القبيل ما لم يكن التعظيم بفعل حرمه الشرع كالغناء وآلات اللهو والكذب في المدح ونحو ذلك. كما أنه لا بدعة فيما فعل لا بقصد الخصوصية أو العبادة. ومنه يعلم عدم صحة الحكم بالبدعة في كل ما ذكروه وصحته في البعض فرفع الصوت بالأشياء المذكورة لا مانع منه لعموم أدلتها أو إطلاقها وعدم تقييدها برفع الصوت ولا بخفضه خصوصاً إذا كان في رفع الصوت فائدة كالإعلان بذكر الله واتعاظ السامع ونحو ذلك، نعم لو فعلت بقصد الخصوصية والورود كانت بدعة، ودعوى أن السامع يتوهمها كذلك لا تسمع لأن السامع عليه الفحص وسؤال أهل المعرفة وكذا التذكير والترحيم يشمله عموم ذكر الله ودعائه والترحم على المؤمنين والصحابة ونحو ذلك. وعدّ ذلك بدعة، جمود وقلة فقه، فلو أن رجلا اصطلح على أن يصلي على النبي (صلّى الله عليه وآله) عند طلوع الشمس عشر مرات أو أن يكبر بعد العصر سبعين مرة مثلا أو نحو ذلك ولم يقصد أن هذا مأمور به بخصوصه لم يكن مبدعاً في الدين بعد دلالة الأدلة الشرعية بعمومها أو إطلاقها على استحباب الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) في أي وقت كان واستحباب ذكر الله بالتكبير وغيره. ولو فرضنا أنه يلزم فعل العبادات بجميع الخصوصيات التي كان يفعلها النبي (صلّى الله عليه وآله) بها ولا يجوز فعلها بدونها بل تكون بدعة لكانت الصلاة بالطربوش أو الشال الهندي أو البنطلون أو العقال والمنديل بدعة، ولكانت الخطبة في الجمعة والعيدين بدون قلنسوة بدعة إذا فرض أنه (صلّى الله عليه وآله) كان يفعلها متقلنسا، وبقلنسوة بيضاء بدعة إذا فرض أنه كان يفعلها بقلنسوة حمراء مثلا، وهكذا، وهذا لا يقول به من عنده أدنى معرفة بأدلة الشرع. وكأنهم منعوا الترحيم الذي يقال فيه يا أرحم الراحمين ارحمنا بجاه فلان لأن ذلك عندهم من التوسل الموجب للكفر، وستعرف فساده. والالتزام بقراءة حديث فيه فائدة أمام خطبة الجمعة لا ضرر فيه إن لم يفعل بقصد الورود. والاجتماع على قراءة سيرة المولد الشريف فيه تعظيم للنبي (صلّى الله عليه وآله) واستبشار بخبر ولادته التي كانت سببا لسعادتنا الأبدية فيشمله عموم ما دل على رجحان ذلك، وقراءة المولد مع قصائد وصلاة عليه لا مانع منها إن لم تشتمل على الغناء المحرم لعموم الأدلة، والتظاهر بحمل المسابح لا محذور فيه لما فيها من الفوائد من عد الأذكار الموظفة بعدد خاص فتكون كما ورد من العد على النوى الذي أشار إليه صاحب المنار في الحاشية. (وقوله) في الحاشية: أي اتخاذها شعارا يوهم أنه مطلوب شرعاً، مردود بأنه لا يوهم ذلك عند ذي المعرفة، وغيره لا يضرنا وهمه ولا يلزمنا دفعه ولا يصير فعلنا بدعة بسببه، وقراءة الفواتح للمشايخ بعد الصلوات يراد بها إهداء الثواب إليهم فيعمها ما دل على جواز إهداء الثواب للميت واختيار أوقات الصلاة لأنها أفضل فيزداد الثواب. ومن ذلك تعلم أن قوله: فالربابة الخ مع ما فيه من سوء الأدب العظيم مبني على ما هو فاسد من كون رفع الصوت في المنارة بالصلاة بدعة وقد عرفت فساده، وأن الصلاة عليه (صلّى الله عليه وآله) مستحبة مطلقاً مع رفع الصوت وبدونه على المنارة وغيرها فيجوز مطلقا إلا أن يقصد وروده في الشرع بهذه الكيفية وهذا لا يقصده أحد. (والحاصل) أن ما ثبت استحبابه على وجه العموم إذا التزم بكيفية منه لا من باب الخصوصية لا يكون ذلك بدعة. أما المحاريب الأربعة والأئمة الأربعة للصلوات الخمس فقد بينا في مقام آخر من هذا الكتاب أنه لو كان بدعة لكانت المذاهب الأربعة بدعة ومع كونها سنة فلا بد أن يكون سنة. أما اتخاذ الطرائق وما يتبعها مما عددوه إلى الشهيق والنهيق والنعيق وتكرار الجلالة الذي يشبه في كثير من حالاته نبح الكلاب فنحن نوافقهم في أنه من البدع القبيحة ومن تسويلات الشيطان.
ثم قال حفيد ابن عبد الوهاب في إحدى رسائل الهدية السنية بعد كلامه السابق: وأما ما لا يتخذ ديناً ولا قربة كالقهوة وقصائد الغزل ومدح الملوك فلا ننهى عنه ويحل كل لعب مباح لأن النبي (صلّى الله عليه وآله) أقر الحبشة على اللعب يوم العيد ويحل الرجز والحداء وطبل الحرب ودف العرس وقد قال (صلّى الله عليه وآله): بعثت بالحنيفية السمحة لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة (انتهى).
وهنا نشكر للوهابية تسامحهم وتساهلهم في تحليل الأشياء المذكورة وعدم عدهم لها كفراً وشركاً أو تحريمهم لها أو عدها بدعة كما حرموا التدخين وعاقبوا عليه وكما توقفوا في (التلغراف) كما ستعرف في الخاتمة وإذا كانوا يعلمون أنه (صلّى الله عليه وآله) بعث بالحنيفية السمحة فما بالهم يضيقون على العباد في الأمور الاجتهادية التي ليست من ضروريات الدين مع تجويزهم الاجتهاد ومخالفة جميع المذاهب الأربعة واعتقادهم أن المخطئ في اجتهاده مأجور. وتحريم التدخين ليس من ضروريات الدين ولم يرد فيه نص ولم يكن في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) وحاله حال القهوة التي يشربونها وصرحوا بحليتها فإن كان تحريم الدخان لعدم النص فالقهوة كذلك وإن كان للأضرار فلا يحرم على من لا يعتقد الضرر وإن كان للإسراف فالمدخنون يرتاحون إليه ويستعينون به على التسلي وتصفية الفكر وإن كان لأنه من الخبائث فليس بمأكول ولا مشروب حتى يعمه تحريم الخبائث لأن إضافة التحريم إلى الأعيان على حذف الفعل المناسب، فحرمت الخمر أي شربها، والميتة أي أكلها، وأمهاتكم أي نكاحها، والخبائث أي أكلها وشربها وغير ذلك. على أن الخبائث مجملة فما شك في دخوله فيها بقي على أصالة الحل. وبعد ذلك كله فالمجتهد في حلية التدخين ليس لنا معارضته أصاب أو أخطأ لأنه معذور وكذا كل ما ينقمونه على المسلمين لا يخرج عن أمور اجتهادية ليست ضرورية فكيف ساغ لهم معارضة المسلمين فيها بالسيف والسنان. وجعل الوهابية حالهم في الدعاء إلى مذهبهم وإلى تجديد التوحيد ورفع البدع حال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والأنبياء قبله في الدعاء إلى الإسلام والتوحيد فكما جاءت الأنبياء لتلزم الناس بالتوحيد وتمنعها من الشرك وترفع من بينها البدع وكما دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) مشركي قريش ومن ضارعهم من عبادة الأوثان إلى إخلاص التوحيد واستحل دم ومال من أبى، فالوهابيون يدعون جميع المسلمين الذين هم جميعاً عندهم من عبدة الأوثان إلى إخلاص التوحيد وترك الشرك والبدع ومن أبى ولم يتوهب حل ماله ودمه كما حل مال ودم عبدة الأصنام ومشركي قريش في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله). صرح بذلك محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات وصرح به محمد بن إسماعيل الصنعاني في تطهير الاعتقاد كما سيأتي عند نقل كلامهما وغيرهما.
(والحاصل) أن حكم الوهابيين بكفر جميع المسلمين وشركهم هو أساس مذهبهم ومحوره الذي يدور عليه لا يتحاشون منه وكتبهم مشحونة بالتصريح به تصريحاً لا يقبل التأويل بل صرح به محمد بن عبد الوهاب في رسالتي أربع القواعد وكشف الشبهات كما سيأتي بأن شرك المسلمين أغلظ من شرك عبدة الأصنام لأن أولئك يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة وهؤلاء شركهم دائم في الحالتين ولأن أولئك يدعون مع الله أناساً مقربين عنده وأشجاراً وأحجاراً غير عاصية وهؤلاء يدعون معه أناساً من أفسق الناس، (وصرح) بذلك الصنعاني في رسالة تطهير الاعتقاد في عدة مواضع بل صرح في تلك الرسالة كما ستعرف بأن كفر المسلمين أصلي لا كفر ردة. وصرح بالتكفير بجملة مما كفر به الوهابية غيرهم ابن تيمية في رسالتي الواسطة وزيارة القبور كما ستعرف ومنه أخذ الوهابية تكفير المسلمين وعلى أساسه بنوا وزادوا (وصرح) بذلك أيضا الوهابية في عدة مواضع من رسائل الهدية السنية الخمس وغيرها (وصرح) به عبد اللطيف حفيد ابن عبد الوهاب فيما حكاه عنه الآلوسي في تاريخ نجد. (وقد) أطلق محمد بن عبد الوهاب في رسالة كشف الشبهات اسم الشرك والمشركين على عامة المسلمين عدا الوهابيين فيما يزيد عن أربعة وعشرين موضعاً وأطلق عليهم اسم الكفر والكفار وعباد الأصنام والمرتدين والمنافقين وجاحدي التوحيد وأعدائه وأعداء الله ومدعي الإسلام وأهل الباطل والذين في قلوبهم زيغ والجهال والجهلة والشياطين وإن جهال الكفار عبدة الأصنام أعلم منهم وإن إبليس إمامهم ومقدمهم إلى غير ذلك من الألفاظ الشنيعة فيما يزيد عن خمسة وعشرين موضعا([106]) وأطلق عليهم الصنعاني في تطهير الاعتقاد اسم الشرك فيما يزيد عن ثلاثين موضعا وأطلق عليهم اسم الالحاد والكفر والكفر الأصلي وإنهم عبدوا غير الله وزادوا على عبادة الأصنام وإنهم مثل أصحاب مسيلمة والسبائية واليهود والخوارج وأهل الجاهلية فيما يزيد عن خمسة عشر موضعاً وأطلق اسم الإله والصنم والوثن والند لله على من يستغيثون ويتبركون به في نحو من عشرة مواضع وأطلق أصحاب الهدية السنية على المسلمين اسم الشرك والإشراك والشرك بالله والشرك الأكبر وأعظم الشرك والشرك الوخيم ومتخذي الشريك والشرك الموجب لحلية المال والدم والمشركين والمشركات وأقبح المشركين وإنهم مشركون شاؤا أو أبوا وإن شركهم أقبح وأشنع ممن قالوا: إجعل لنا ذات أنواط، وأعظم وأكبر من شرك الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا، وإن الوهابيين لما جاؤوا إلى مكة عبد الله وحده، فيما يزيد عن ستين موضعاً([107])، واسم الكفر والكفار وإنهم كاليهود والنصارى والسبائية وعباد الملائكة والشمس والقمر والقائلين إجعل لنا ذات أنواط بل شر منهم وعباد اللات والعزى وعباد الأصنام والأوثان وإن ما هم عليه هو دين الجاهلية، فيما يزيد عن عشرين موضعا، ووصفوهم بعبادة غير الله فيما يزيد عن عشرة مواضع وسموا من يتوسل ويتبرك بهم المسلمون وبقبورهم بالأصنام والأوثان والأنداد لله فيما يزيد عن اثني عشر موضعاً([108]) وسننقل في تضاعيف ما يأتي جملة من كلماتهم الصريحة في ذلك. (وأطلق) حفيد ابن عبد الوهاب على المسلمين اسم الكفر في ثلاثة مواضع، والشرك في أربعة، ومدعي الإسلام وأنهم يحبون مع الله محبة تأله وأنهم شر من جاهلية العرب وأن شركهم أشد وأشنع وأكبر من شركها وأنه لم يبلغ شرك الجاهلية الأولى شركهم، ونسبهم إلى الفساد وأنهم من أجهل الخلق وأضلهم وخارجون عن الإسلام وعابدون لغير الله وخارجون عن الملة، إلى غير ذلك من الألفاظ الشنيعة. وفي القصائد الملحقة بالهدية السنية تصريح بذلك في عدة مواضع يطول الكلام بنقلها.
وفي خلاصة الكلام([109]) كان محمد بن عبد الوهاب إذا اتبعه أحد وكان قد حج حجة الإسلام يقول له حج ثانياً فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك فلا تقبل ولا تسقط عنك الفرض وإذا أراد أحد الدخول في دينة يقول له بعد الشهادتين اشهد على نفسك إنك كنت كافراً وعلى والديك أنهما ماتا كافرين وعلى فلان وفلان ويسمي جماعة من أكابر العلماء الماضين أنهم كانوا كفاراً فإن شهد قبله وإلا قتله وكان يصرح بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة ويكفر من لا يتبعه ويسميهم المشركين ويستحل دماءهم وأموالهم انتهى.
وفي خطبة سعود بمكة التي تقدمت تصريحات عديدة بأن جميع من عداهم من المسلمين هم مشركون وإنما يصيرون مسلمين باتباعهم إياهم مثل قوله: ولم نزل ندعو الناس للإسلام وجميع القبائل إنما أسلموا بهذا السيف. (وقوله): فاحمدوا الله الذي هداكم للإسلام وأنقذكم من الشرك وأنا أدعوكم أن تعبدوا الله وحده وتقلعوا عن الشرك الذي كنتم عليه. (وقد) صرح بذلك محمود شكري الآلوسي في تاريخ نجد على ما حكي وهو غير متهم في حق الوهابيين، فقال: إن سعودا غالى في تكفير من خالف الوهابيين وإن علماء نجد وعامتهم يسمون غاراتهم على المسلمين بالجهاد في سبيل الله انتهى. (وقد) صرح بذلك صاحب المنار في مجموعة مقالاته (الوهابيون والحجاز)([110]) فقال: كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدداً للإسلام في بلاد نجد بإرجاع أهله عن الشرك والبدع إلى التوحيد والسنة على طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية انتهى وإذا كان هذا اعتقاد صاحب المنار في المسلمين فما باله يكرر في تلك المجموعة نداءه للمسلمين بقوله: أيها المسلمون إن الحجاز مهبط دينكم أيها المسلمون إلى متى أنتم غافلون أيها المسلمون إن الله لا يهلك المسلمين إلا بقتال بعضهم لبعض أيها المسلمون حسبكم ما بيّنا لكم، إلى غير ذلك، بل كان عليه أن يقول أيها المشركون المدعون للإسلام فما باله لا يبالي بالتناقض في كلامه ولعله يريد بالمسلمين خصوص أهل نحلته الوهابية.
ومع كل هذه التصريحات التي لا تقبل التأويل والتي نشاهد أعمال الوهابية موافقة لها وسيرتهم عليها فإنهم لا يفترون عن غزو المسلمين والهجوم عليهم في عقر ديارهم وقتلهم وقتالهم كلما سنحت لهم فرصة وأمكنهم ذلك ومناداتهم بقول يا (مشركون)، نرى بعض الوهابيين وأتباعهم كصاحب المنار يريدون التبري من هذا المعتقد وستره لما رأوا بشاعته وشناعته وتقبيح الناس له ونفورهم عنهم وتشنيعهم عليهم بسببه، وهيهات.
فمن رام ستر ذلك والتبري منه صاحب الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية فإنه قال في تلك الرسالة([111]): وأما ما يكذب علينا ستراً للحق وتلبيساً على الخلق. (إلى أن قال): وإنا نضع من رتبة نبينا (صلّى الله عليه وآله) بقولنا: النبي رمة في قبره وعصا أحدنا أنفع له منه.
(إلى أن قال): وإنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه ومن فروع ذلك أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرر عليه بأنه كان مشركاً وأن أبويه ماتا على الشرك بالله الخ. فجميع هذه الخرافات جوابنا عنها سبحانك هذا بهتان عظيم فمن نسب إلينا شيئا من ذلك فقد كذب وافترى وأن جميع ذلك وضعه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين تنفيرا للناس عن الاذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء انتهى . وتراه في نفس اعتذاره الذي حاول فيه إنكار تكفير المسلمين صرح بتكفيرهم وتشريكهم بقوله: تنفيرا للناس عن الاذعان بإخلاص التوحيد لله بالعبادة وترك أنواع الشرك فحكم على الناس بأنهم مشركون بشرك العبادة، وإن من ينسب إلى الوهابية هذه الأشياء يريد تنفير الناس عن التوحيد وترك الشرك فكان بهذا الاعتذار شبيهاً بما يحكى أن رجلا قال لأعجمي لماذا تقلبون الذال زاياً والقاف غينا فقال (كزب الزي يغول زلك)، ومما يحكى أن عالماً قال لبعض أمراء الحرافشة: إن أهل هذه القرية يسبون الدين فمرهم بترك ذلك، فأمر الأمير مناديه أن ينادي: (يا أهل القرية اتركوا مسبة الدين ومن سب منكم الدين فالأمير يحرق دينه ودين دينه). وهؤلاء يصرحون بأن التوحيد لا يتم إلا بتوحيد العبادة وأن الناس مشركون وغير موحدين بتوحيد العبادة وأن الذي أحل دماء المشركين في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأموالهم ودماءهم وسبي ذراريهم هو شركهم في العبادة وأن المسلمين مثلهم بلا فرق. ومع ذلك يقولون: من نسب إلينا إنا نكفر الناس فقد كذب وافترى هذه خرافات هذا بهتان عظيم ومن نسب إلينا إنا نلزم المبايع الشهادة على نفسه وأبويه بالشرك فقد كذب وافترى وأتى بالخرافة والبهتان العظيم. هل هذا إلا التناقض الذي لا يرضى به لنفسه عاقل. ومن نسب إلينا إنا نكفر الناس فقد كذب وافترى وقصد بافترائه تنفير الناس عن الرجوع عن شركهم إلى إخلاص التوحيد. فهذا هو الاعتذار الذي وضع صاحب المنار فوقه الخطوط المستطيلة ليكون عذر الوهابية بارزا جليا للأنظار. ومن يكون أساس مذهبهم ومحوره الذي يدور عليه كفر المسلمين وشركهم واستحلال أموالهم ودمائهم وسبي ذراريهم. وكتبهم مشحونة بالتصريح بذلك وقد طبع منها الألوف، ألا يخجلون من إنكاره والتبري منه بعبارة هي إقرار به ولئن صح عنهم قولهم عن النبي (صلّى الله عليه وآله) إنه طارش ومضى وإنه رمة في قبره وعصا أحدنا أنفع له منه أو لم يصح، فجعلهم قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وثناً وتعظيمه والتبرك به شركاً ومنعهم من زيارته أو من شد الرحال إليها وغير ذلك لا يقصر عن هذا القول ومعتقده لا يستبعد منه قول ذلك. (وممن) رام ستر ذلك والتملص منه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فإنه قال في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية([112]): فإن قال منفر عن قبول الحق: يلزم من قطعكم إن من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة، أنه مشرك مهدور الدم، أن يقال بكفر غالب الأمة لا سيما المتأخرين لتصريح علمائهم أن ذلك مندوب وشنوا الغارة على المخالف. (قلت) لا يلزم لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما لا يلزم أن نكون مجسمة وأن قلنا بجهة العلو، ونقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا وقامت عليه الحجة وأصر مستكبراً معانداً كغالب من نقاتلهم اليوم وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته لمن هذه حاله ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون والإجماع في ذلك ممنوع قطعيا ومن شن الغارة فقد غلط ولا بدع فقد غلط من هو خير منه عمر بن الخطاب في مسألة المهر فلما نبهته المرأة رجع بل غلط الصحابة والنبي بينهم فقالوا إجعل لنا ذات أنواط. ثم قال: (فإن قلت) هذا فيمن ذهل فلما نبه انتبه، فكيف بمن حرر الأدلة وعرف كلام الأئمة وأصر حتى مات؟! (قلت): ولا مانع أن نعتذر له ولا نقول بكفره لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه فلم تقم عليه الحجة بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا، ومن اطلع عليه أعرض عنه، ولم تزل أكابرهم تنهي أصاغرهم عن النظر في ذلك، وقد رأى معاوية وأصحابه منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقتاله وهم مخطئون بالإجماع واستمروا على الخطأ حتى ماتوا، ولم يكفرهم أحد من السلف ولا فسقهم بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد. ولا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه وورعه وزهده وبذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها وإن أخطأ في هذه المسألة كابن حجر الهيثمي فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم([113]) ونعتني بكتبه ونعتمد على نقله. (أقول): اعتذاره عن لزوم تكفير غالب الأمة بل كلها عدى الوهابيين بأن لازم المذهب ليس بمذهب فذهابهم إلى أن من قال: يا رسول الله أسألك الشفاعة مشرك مهدور الدم وإن لزم منه تكفير غالب الأئمة لا سيما المتأخرين المصرحين بأنه مندوب إلا أنهم لا يقولون بهذا اللازم، غيرصحيح: (أولاً) مخالفته لتصريحاتهم التي لا تقبل التأويل. (ثانياً) أن تكفير غالب الأمة ليس بلازم المذهب بل هو عين المذهب فإن مذهبهم أن كل من توسل أو تشفع بمخلوق فقد أشرك فإذا كان المسلمون يفعلون ذلك فمذهبهم أنهم مشركون بطريق الصراحة ودلالة المطابقة لا بطريق اللزوم، وقياسه على المسألة التجسيم إن صحت قياس مع الفارق، فالقائل بجهة العلو لا يصرح بالتجسيم لكن يلزم من جهة العلو الجسمية ولكن لا يلزم أن يكون القائل بجهة العلو قائلا بالتجسيم لجواز أن يعتقد الشخص شيئاً ولا يعتقد بلازمه بل إذا سئل عن لازمه يبرأ منه ولذلك لم يكن لازم المذهب مذهبا بخلاف ما نحن فيه إذ مذهب الوهابية أن المتشفع والمتوسل بغير الله مشرك، وهذا شامل بوجه العموم والدلالة المطابقية لمن يقول يا رسول الله إشفع لي لا بوجه الملازمة ولا يمكن الجمع بين القول بأن من تشفع بغير الله مشرك ومن قال يا رسول الله إشفع لي ليس بمشرك بل هو تناقض صريح محال بخلاف الجمع بين القول بجهة العلو والقول بعدم الجسم فإنه ممكن واقع.
وإن أرادوا أنهم لا يكفرون من يعتقد رجحان التشفع إذا لم ينطق به، ففيه (أولاً) أنه إذا كان سؤال الشفاعة كفراً وشركاً لزم أن يكون معتقد جوازه كافراً مشركاً وإن لم يتلفظ بالسؤال فهو كمن يعتقد جواز السجود للصنم وإن لم يسجد. والكفر كما يكون بالأعمال يكون بالاعتقاد. (ثانياً): أن هذا لو سلم لا ربط له بمسألة كون لازم المذهب ليس بمذهب. ثالثاً: أنه لا يوجد بين المسلمين من لم يقل طول عمره يا رسول الله أسألك الشفاعة ولم يهتف باسمه ولم يستغث ولم يتوسل به ولم يفعل شيئاً مما يرونه كفراً وشركاً بل اعتقد جوازه فقط ولم يفعله، وهم قد قطعوا بأن من قال ذلك مشرك مهدور الدم كما صرحوا به في نفس السؤال، فقد قطعوا بأن جميع المسلمين مشركون مهدورة دماؤهم، ولم ينفع هذا الاعتذار مهما أكثرصاحب المنار فوقه من الخطوط المستطيلة ليزيد في ظهوره للأبصار وجلوته للأنظار. أما تقييده التكفير ببلوغ الدعوة الوهابية وقيام الحجة مع الاصرار مستكبرا معاندا فهو مخالف لما ذكره أبوه وغيره كما عرفت من إطلاق اسم الكفر والشرك والارتداد ونحو ذلك على عامه المسلمين من دون تقييد بذلك في مواضع تنبو عن الحصر بل عرفت تصريح الصنعاني أحد مؤسسي مذهبهم بأن كفر المسلمين أصلي لا ارتدادي، وكل ذلك مبطل لهذا العذر الواهي، وجميع الوهابيين لا يخاطبون المسلمين إلا بقولهم يا مشرك من غير نظر إلى قيام الحجة على المخاطب وعدمه، وسمعت بعض النجديين في مجلس صديقنا الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي (ره) بمحضر صديقنا الشيخ عبد الرزاق البيطار (ره) يقول: قرر الإخوان أن لا يخاطبوا أحدا إلا بقول يا مشرك حتى لو أراد أحدهم شراء لبن بعشر بارات فعليه أن يقول يا مشرك أعطني لبنا بعشر بارات، فمع كل هذه التصريحات لا ينفع هذا الاعتذار عن الوهابيين شيئاً. (أما اعتذاره) عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم بلوغ الدعوة لهم وتنظيره بغلط عمر في المهر والصحابة في ذات أنواط: ففيه أن معتقد الكفر والشرك غير معذور لقيام الحجة عليه من العقل والنقل قبل أن يخلق الله الوهابيين ولو كان معذوراً لعذر عبدة الأصنام من أهل الجاهلية الذين ماتوا في الفترة ولم يقل أحد بعذرهم مع أن بلوغ الدعوة المعتبر إنما هو بلوغ الدعوة النبوية إلى التوحيد وترك عبادة الأوثان وهذا قد حصل ومع ذلك فقد بقي المسلمون مصرين على عبادة الأوثان بقولهم: نسألك الشفاعة يا رسول الله، وجهلهم بأنه شرك لا يكون عذراً كجهل من عبد الأصنام بعد الإسلام، والمجتهد معذور مثاب وإن أخطأ في الفروع لا في الأصول. ومن ذلك يظهر بطلان التنظير بغلط عمر في المهر لأنه في مسألة فرعية لا في مسألة اعتقادية توجب الشرك (وأما التنظير) بغلط الصحابة وبينهم النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذات أنواط فنقول لو لم يرجعوا عن ذلك لأشركوا فبطل التنظير. (وأما اعتذاره) عن عدم كفر من حرر الأدلة وعرف كلام الأئمة ومات مصرا: بأنه لم يكن في زمانه وهابية يناضلون باللسان والسيف والبنادق، فلم تقم عليه الحجة، فغيرصحيح لما عرفت من أنه يكفي في قيام الحجة أدلة الشرع من العقل والنقل بعدما أكمل الله الدين وأتم الحجة قبل خلق الوهابية (ثم) إن هؤلاء المسلمين الذين يكفرهم الوهابية ويشركونهم، يعتقدون أن حججهم أقوى من حجج الوهابية وأن الوهابية مخطئون وكلهم يقولون لو ظهر لنا صحة أقوال الوهابيين لاتبعناها فكيف قامت عليهم الحجة وبقوا مصرين معاندين، اللهم إلا أن تكون حجة السيف والرصاص (وآية السيف تمحو آية القلم)، وليس مع الوهابية معجز تقوم به الحجة كما كان مع الأنبياء ولو كانت الحجة تقوم باللسان والسنان لما احتاج الأنبياء إلى المعجز كما لم يحتج إليه الوهابية، ولو كانت الحجة لا تقوم إلا بالسيف والسنان لكان الذين قبل منهم النبي (صلّى الله عليه وآله) الجزية ولم يجبرهم على الإسلام لقوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} معذورين لأنهم لم تقم عليهم الحجة. ونسبته إلى علماء المسلمين إنهم تواطؤوا على هجر كلام أئمة السنة والإعراض عنه افتراء وسوء أدب، وإذا كان منتهى قيام الحجة المناضلة باللسان والسيف والسنان، لم يكن معاوية وأصحابه معذورين، فقد ناضلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) باللسان والسيف والسنان فكيف عذرتهم الأمة وأثبتت لهم أجر الاجتهاد. وأما قوله لا نكفر من صحت ديانته الخ وإن أخطأ في هذه المسألة فكيف تصح ديانته ويعتمد على نقله وقد اعتقد الكفر والشرك وفعل ما يوجبه وما ينفعه مع ذلك التدريس والتأليف {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}.
وممن رام ستر الحقائق وإنكار تكفير الوهابيين للمسلمين بكلام هو إقرار واعتراف بتكفيرهم للمسلمين ولم يبال بالتناقض الصريح الواقع في كلامه وكلامهم الشيخ رشيد رضا صاحب المنار في مجموعة مقالاته (الوهابيون والحجاز) فأنه قال([114]) إن الأمير فيصلاً نجل السلطان عبد العزيز آل سعود نشر بلاغاً في شوال سنة 1342 جاء فيه أن أهل نجد يوافقون إخوانهم أهل مصر والهند في وجوب عرض مسألة الخلافة على مؤتمر يمثل الشعوب الإسلامية تمثيلاً صحيحاً، وتعقبه صاحب المنار بقوله: فهذه تصريحات قطعية ونصوص لا تحتمل التأويل بأن أئمة نجد وحكامها يعدون جميع الشعوب الإسلامية إخواناً لهم خلافاً لما يفترى عليهم من عدم اعتراف النجديين لأحد بالإسلام غير الوهابيين انتهى ووصف في المجموعة المذكورة([115]) مؤتمر الشورى المنعقد في الرياض في ذي القعدة سنة 1342 وأنه اجتمع فيه كبار علماء البلاد وزعماؤها ورؤساء الأجناد وقوادها وتذاكروا في أمر الحج وأن السلطان ابن سعود أجابهم بما معناه أن شريف مكة لا يمنعكم من الحج ولكنه يخشى وقوع فتنة في الموسم وفيه المسلمون من كل جنس الخ ثم قال ما نصه: وفي تصريح السلطان عبد العزيز نص قطعي باعترافه هو وعلماء بلاده بإسلام جميع الشعوب الإسلامية والرغبة في التعارف والتواد معها، هذا كلامه (معزى ولو طارت)([116]) فإذا كانت هذه تصريحات قطعية ونصوص لا تقبل التأويل من سلطان نجد وعلماء بلاده وحكامها بإسلام جميع الشعوب الإسلامية وأخوتها للوهابية وإذا كان في رسائل علماء بلاده التي طبعت بأمر جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد كما كتب على ظهرها، وغيرها من رسائل ابن عبد الوهاب التي طبعها صاحب المنار. وفي كلام صاحب المنار نفسه تصريحات قطعية ونصوص لا تقبل التأويل كما بيناه فيما سبق بتكفير جميع المسلمين وإشراكهم عدى الوهابيين ومناداة بتكذيب هذه الدعوى وبأن مدعيها كمن يقول بأن مكة ليست بموجودة والوهابيون لم يوجدوا في الدنيا، كان كلام الوهابية ومنهم صاحب المنار متناقضاً تناقضاً صريحاً قطعياً لا يقبل التأويل ومن لا يبالي بالتناقض الصريح في كلامه لا يتكلم معه فعند حاجتهم إلى المسلمين في ميدان السياسة وجلب القلوب يسمونهم إخوانهم ويعترفون بإسلامهم وعند بيان معتقدهم وأساس مذهبهم ونشر دعوتهم يكفرون المسلمين ويشركونهم بدون تحاش فهم في ذلك كالنعامة قيل لها احملي قالت أنا طائر قيل لها طيري قالت أنا جمل. وكأن صاحب المنار يرى من موجبات الأخوة وأهم أسباب التعارف بين الوهابيين والشعوب الإسلامية والتواد معها غزوها وشن الغارات عليها وقتلها كلما سنحت الفرصة لتتوثق عرى الأخوة ويتم التعارف وتكمل المودة. (ويقول) صاحب المنار في المجموعة المذكورة أيضاً([117]) لما فشت البدع صارت مألوفة وعز على المشتغلين بالعلم أن يطبقوا على أصحابها أحكام الشرع في أحكام الردة والخروج من الإسلام لهذا اضطرب الناس في الإصلاح والتجديد للدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده وتلاميذهم بتأييد أمراء نجد فرأى أمراء الحجاز المفسدون مجالاً لاتهامهم بتكفير المسلمين واستباحة دمائهم ووافقتهم الدولة العثمانية يومئذٍ لئلا يفضي ذلك إلى تأسيس دولة عربية مع أنها كانت تعد فرق الباطنية مسلمين إذ كانت أبعد الحكومات عن التكفير إلا للسياسة كقتالها للإيرانيين يدل عليه أن الشعب التركي يثني على الوهابيين اليوم وتتمنى جرائده لهم الاستيلاء على الحجاز لخروجه عن ملكهم وتغلب عدوهم عليه انتهى (فجعل) تكفيرهم للمسلمين واستباحة دمائهم تهمة باطلة موجهة إليهم رغماً عن تصريحاتهم الكثيرة التي لا تقبل التأويل وإنكار للمحسوس ومناقضة لصدر كلامه الذي شكا فيه من العلماء عدم تطبيق أحكام الردة والخروج من الإسلام على غير الوهابية من المسلمين (أما) دعواه أن الدولة العثمانية كانت تجعل فرق الباطنية مسلمين فلم نجد لها شاهداً (وأما) جعله قتالها للإيرانيين سياسياً لا دينياً فيكذبه أنها وجهت حروبها إلى الدولة الإيرانية التي لا خشية منها على مملكتها وأعرضت عمن هو أقوى منها من الدول الغربية ولم يكن ذلك إلا بباعث ديني وتعصب مذهبي ولأجله قتل السلطان سليم سبعين ألفاً من الشيعة في الأناضول وشواهد ذلك كثيرة ظاهرة لا حاجة إلى استقصائها (أما استشهاده) على أن حرب العثمانيين للوهابيين كان سياسياً لا دينياً بأن الشعب التركي وجرائده تثني على الوهابيين اليوم وتتمنى لهم الفوز فاستشهاد غريب فإن الشعب التركي الذي سمع الأستاذ ثناءه في الجرائد إنما هي الحكومة الكمالية التي يرميها في مقالاته الكثيرة في المنار وغيره بالإلحاد فلا يدل ثناؤها اليوم على الوهابية الذين قهروا عدوها وهي لا دينية عنده لا تفرق بين وهابي وغيره على أن حربها بالأمس وهي دينية متعصبة في دينها كان سياسياً محضاً.
وقال صاحب المنار في مجموعة مقالاته (الوهابيون والحجاز) في مقام إنكار أنّ الوهابيين يكفرون جميع المسلمين([118]): إن الآخذين بالبدع يعدون كل منكر لها وهابياً ويضيفون إلى ذلك ما حفظوه من البهتان الذي جدده الملك حسين في جريدته القبلة من رميهم بتكفير من عداهم من المسلمين انتهى. مساكين الوهابية ينسب إليهم زوراً وبهتاناً أنهم يكفرون من عداهم من المسلمين والحال أن كل أقوالهم وصف للمسلمين بخالص الإسلام ومحض الإيمان مثل قولهم إنهم كمشركي قريش وعبدة الأوثان وعبدة المسيح وإنهم أشركوا بشرك العبادة وإن المسلمين اليوم أغلظ شركاً من الأولين لأن أولئك يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة وهؤلاء شركهم دائم في الحالتين وأنهم مرتدون عن الإسلام وقول بعضهم إن كفرهم أصلي لا ارتدادي إلى غير ذلك مما مر فهذا كله تصريح منهم بإثبات الإسلام الخالص والإيمان المحض للمسلمين ومع ذلك يتهمون بهتاناً بأنهم يكفرون المسلمين ولولا أن أتاح الله لهم صاحب المنار يرفع هذه التهمة عنهم لالتصقت بهم فجزاه الله عن الوهابية ما يستحق. يحكى أن رجلاً كانت له معشوقة فلما واصلها قالت له وهو يواقعها إنّ الناس يتهمونني بك فقال لها كذبوا يا بنية.
وقال في مجموعة مقالاته المذكورة أيضاً([119]) إنّ رميه (أي الملك حسين) الوهابية بالمروق من الدين واستحلال دماء المسلمين قد اتبع فيه سلفه الصالح عند ظهور أمرهم في فجر القرن الثالث عشر للهجرة ثم استشهد على بطلان ذلك بكلام محمود فهمي باشا المهندس المصري في تاريخه البحر الزاخر حيث وصف عقائد الوهابية بأنها عقائد إصلاحية للديانة الإسلامية.
فتأمل ما مني به الوهابية من التهم الباطلة من أنهم يستحلون دماء المسلمين والحال أنّهم لا يستحلون دماء المسلمين وحدها بل دماءهم وأموالهم وبعضهم يستحل استرقاقهم ويجعلونهم كمشركي قريش وحاشى الله أن يستحل الوهابية دماء المسلمين في نظر صاحب المنار وليس قتالهم للمسلمين وغزوهم بلادهم وقتلهم الألوف منهم في العراق والحجاز واليمن وشرق الأردن وتسميته جهاداً في سبيل الله إلا احتراماً لدماء المسلمين ومحافظة عليها (وكفى) في ذلك تصريح محمود فهمي باشا المهندس المصري بأن عقائدهم عقائد إصلاحية للديانة الإسلامية.
وهذا حديث إجمالي عن اعتقادات الوهابية وتفصيل ذلك ورده في الباب الثاني والباب الثالث.
وحيث ذكرنا معتقدات الوهابية إجمالاً فيناسب أن نذكر هنا بعض ما يدل إجمالاً على فساد شبهتهم في حكمهم بشرك جميع المسلمين، وهو ما رواه البخاري في باب الصلاة على الشهيد وعلامات النبوة والمغازي وذكر الحوض، ومسلم في فضائل النبي (صلّى الله عليه وآله)، وأبو داود في الجنائز، كذا النسائي([120]) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) إني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف الدنيا أن تنافسوا فيها وفي رواية لمسلم([121]) أن تتنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من قبلكم. ولو كان الأمر كما زعم الوهابية من أن الناس أشركت كلها قبل ظهورهم وأنهم جاؤا ليدعوهم إلى التوحيد للزم تكذيب هذه الأحاديث كلها. (وقوله) (صلّى الله عليه وآله) ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً ولكن ستكون له طاعة في بعض ما تحقرون من أعمالكم فيرضى بها. رواه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وهذا ينافي حكم الوهابيين بإشراك أهل مكة بل قالوا إنهم لم يروا بلدا تعبد فيه القبور والأموات مثل مكة. وقوله (صلّى الله عليه وآله) إن الشيطان قد أيس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكن رضي منهم بما دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات، رواه الحاكم وصححه وأبو يعلى والبيهقي. (وفي رواية) أنه (صلّى الله عليه وآله) قال إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. ومكة والمدينة من جزيرة العرب قطعاً. بل حكى في النهاية الأثرية عن أنس بن مالك أنه قال أراد بجزيرة العرب المدينة نفسها وهذا ينافي حكمهم بإشراك أهل الجزيرة العرب عدا نجد بعبادة الأوثان وقال (صلّى الله عليه وآله) إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ذكره ابن الأثير في النهاية وفيه من المبالغة في ثبوت الإيمان ورسوخه في المدينة ما لا يخفى المنافي لما يدعيه الوهابية من رسوخ الكفر فيها وجعل بلادهم بلاد الإيمان.
في ذكر معتقدات الوهابية
التي كفروا بها المسلمين
وحججهم على ذلك
وردها على وجه العموم
ناقلين لها من كتبهم المطبوعة المشهورة كرسالتي أربع القواعد وكشف الشبهات عن خالق الأرض والسماوات لمحمد بن عبد الوهاب، والثانية هي التي ألفها لأهل نجد حينما أتاهم بالدعوة وكتابهم الذي أرسلوه إلى شيخ الركب المغربي وذكره الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة 1218 ورسالة تطهير الاعتقاد عن أدران الالحاد لمحمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني المعاصر لابن عبد الوهاب ورسالتي الواسطة وزيارة القبور والاستنجاد بالمقبور لابن تيمية باذر البذر الأول لمذهب الوهابية والرسائل الخمس المسمى مجموعها بالهدية السنية وتاريخ نجد لمحمود شكري الآلوسي الذي ينقل فيه عن كتبهم وغير ذلك مع استيفاء نقل كلماتهم كلها وردها وإن أدى ذلك إلى الإطالة وبعض التكرار.
قال محمد بن عبد الوهاب في رسالة أربع القواعد([122]) ما حاصله: إن الخلاص من الشرك يكون بمعرفة أربع قواعد: (الأولى) أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مقرون بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المدبر ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ} (الآية). (الثانية) أنهم يقولون ما دعونا الأصنام وتوجهنا إليهم إلا لطلب القرب والشفاعة {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}. {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}. (الثالثة) أنه (صلّى الله عليه وآله) ظهر على قوم متفرقين في عبادتهم فبعضهم يعبد الملائكة وبعضهم الأنبياء والصالحين وبعضهم الأشجار والأحجار وبعضهم الشمس والقمر فقاتلهم ولم يفرق بينهم. الرابعة أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين لأن أولئك يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة وهؤلاء شركهم في الحالتين لقوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}.
وقال في رسالة كشف الشبهات([123]) ما حاصله: أن التوحيد إفراد الله بالعبادة وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده فأولهم نوح (عليه السلام) أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً وآخرهم محمد (صلّى الله عليه وآله) الذي كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون نريد منهم التقرب إلى الله شفاعتهم عنده كالملائكة وعيسى ومريم وغيرهم من الصالحين فبعثه الله يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله لا يصلح منه شيء لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلاً عن غيرهما وإلا فهم يشهدون أن الله وحده هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر الأمر وأن السماوات والأرض وما فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره لقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} فإذا عرفت أن إقرارهم هذا لم يدخلهم في التوحيد وأن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد([124]) وكانوا يدعون الله ليلاً ونهاراً ومنهم من يدعو الملائكة لصلاحهم وقربهم إلى الله ليشفعوا له أو رجلاً صالحاً كاللات أو كعيسى عرفت أنه (صلّى الله عليه وآله) قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة كما قال {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} وأنه (صلّى الله عليه وآله) قاتلهم ليكون الدعاء والنذر والذبح والاستغاثة وجميع العبادات كلها لله وإن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام وإن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم وعرفت التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون وهو معنى لا إله إلا الله فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور ملكاً كان أو نبياً أو ولياً أو شجرة أو قبراً أو جنيا لا الخالق الرازق المدبر فأنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما مر وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد والمراد من كلمة التوحيد معناها لا مجرد لفظها والكفار الجهال يعلمون أن مراده (صلّى الله عليه وآله) بها هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله قالوا {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفرة بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بلا إله إلا الله. (ثم قال): فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في وقتنا الاعتقاد هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن وقاتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الناس عليه فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل وقتنا بأمرين (احدهما) أن الأولين لا يشركون إلا في الرخاء وأما في الشدة فيخلصون لله {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} (إلى قوله) {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. (الثاني): أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين نبياً أو ملكاً ويدعون أشجاراً وأحجاراً مطيعة ليست عاصية وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس يحكون عنهم الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك.
وقريب من ذلك ما حكي عن محمود شكري الآلوسي في تاريخ نجد أنه حكاه عن ابن عبد الوهاب ولعله لخصه وانتخبه من مجموع كلماته فإنّا لم نجده بهذه العبارات في كتبه المطبوعة.
قال بعد ذكر الآيات الدالة على توحيد الله والرد على المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد (صلّى الله عليه وآله) فإنهم كانوا يدعونها ويلجؤون إليها ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها لتقربهم إلى الله زلفى كما حكى ذلك الله عنهم بقوله تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} الآية. {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وغيرها من الآيات. ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد ولو في خلق ذرة من الذرات قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} فهم معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه ولذلك حسن موقع الاستفهام وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل ومجرد الاتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلماً بل هو حجة على ابن آدم خلافاً لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار كالكرامية ومجرد التصديق كالجهمية وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة وسجل على كذبهم مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع التأكيدات قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} فأكدوا بلفظ الشهادة وإن واللام والجملة الاسمية فأكذبهم وأكد تكذيبهم بمثل ما أكدوا به شهادتهم سواء بسواء وزاد التصريح باللقب الشنيع وبهذا تعلم أن مسمى الإذعان لا بد فيه من الصدق والعمل ومن شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره فلا شهادة له إن صلى وزكّى وصام قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } الآية { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ } الآية انتهى.
(والجواب): أما إجمالاً: فإن جعله ما يصدر من المسلمين في حق الأنبياء من الاستغاثة بهم وطلب شفاعتهم الذي مرجعه إلى طلب الدعاء منهم والنذر والذبح لله والتصدق به وإهداء الثواب إليهم الذي توهم أنه نذر وذبح لهم وتعظيمهم وتعظيم قبورهم والتبرك بها وغير ذلك عبادة لهم ولقبورهم كعبادة الأصنام خطأ وغلط فإنه ليس المراد من العبادة التي لا تصلح لغير الله وتوجب الشرك والكفر إذا وقعت لغيره مطلق التعظيم والخضوع كما مرّ مفصلاً في المقدمات بل عبادة خاصة لم يصدر شيء منها من أحد من المسلمين. (وأما تفصيلاً) فقوله في رسالة أربع القواعد إن الذين قاتلهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام (فنقول) لم يدخلهم في الإسلام لأنهم يكذبون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويقولون إنه ساحر كذاب وينكرون جميع شرائعه ويدينون بدين الجاهلية وهذا كاف في كفرهم سواء تشفعوا بالأصنام وعبدوها أو لا فكيف يقاس بهم ويجعل مساوياً لهم من يؤمن بالله وبرسوله وبأن جميع ما جاء به من عند الله حق لأنه يتشفع إلى الله تعالى بمن جعله شافعاً ومشفعاً ويتوسل إليه بمن جعل له الوسيلة سبحانك اللهم ما هذا التمويه والتضليل وليس موجب كفرهم تشفعهم بالأنبياء والصالحين كما زعم واستدلاله على ذلك بالآيتين واضح الفساد كما يأتي في الفصل الثاني من الباب الثالث. قوله إنه (صلّى الله عليه وآله) ظهر على قوم متفرقين في عبادتهم فقاتلهم ولم يفرق بينهم. نعم لم يفرق بينهم لاشتراكهم جميعاً في تكذيبه وإنكار نبوته ورد ما جاء به من عند ربه والتمسك بأديان آبائهم الفاسدة وهؤلاء لا فرق بين أن يعبدوا ملكاً أو نبياً أوصنماً أو كوكباً أو لا يعبدوا. وإنما يتم لابن عبد الوهاب ما أراد لو كان بعضهم آمن بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وصدق بجميع ما جاء به ولكنه بقي يتشفع إلى الله بنبي أو صالح فقاتله النبي (صلّى الله عليه وآله) ولم يفرق بينه وبين من يعبد الحجر والشجر والشمس والقمر وأنّى له بذلك.
(أما قوله) في كشف الشبهات إن الله تعالى أرسل محمداً (صلّى الله عليه وآله) إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله فيظهر فساده من وجوه:
(الأول): إنهم كانوا يتعبدون ولكن كانت عبادتهم كما أخبر الله تعالى عنها بقوله: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} المكاء التصفير والتصدية التصفيق. (في الكشاف) كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون انتهى. كانوا يتعبدون فيسجدون للأصنام التي نهى الله عن السجود لها ويقربون لها القرابين ويهلون عليها بأسمائها ويطلونها بدمائها هذه كانت عبادتهم ويحجون ولكنهم أحدثوا في الحج بدعا وقبائح كثيرة. (منها): إنهم كانوا يطوفون عراة رجالاً ونساء وعوراتهم بادية يتقربون إلى الله بذلك. وقصة المرأة التي ألزموها بذلك وكانت جميلة ففعلت واجتمع أهل مكة للنظر إليها فطافت عارية ويدها على فرجها وهي تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله
فما بدا منه فلا أحله
مشهورة فهؤلاء الذين انحصر كفرهم وشركهم في تشفعهم بالصالحين عند ابن عبد الوهاب (ويتصدقون) مع تكذيبهم الرسل فما تنفعهم صدقاتهم (ويذكرون الله) أحياناً إن صح ذلك وفي غالب أحوالهم أو كلها يعرضون عن ذكر الله ويذكرون أسماء أصنامهم كما كانوا يقولون (أعل هبل) وكانوا يذكرون أسماءها على ذبائحهم دون اسم الله. وما أدري لِمَ لَمْ يقل ابن عبد الوهاب ويصلون ويزكون ولا يزنون ولا ينكحون مع ما نكح آباؤهم ولا يشربون الخمر ولا يعملون الميسر ولا الأنصاب ولا الأزلام ولا يأكلون الربا ولا يئدون البنات ويفعلون جميع شرائط الإسلام حتى صلاة التراويح ولا يصدر منهم إلا أمر واحد وهو التشفع بذوي المكانة عند الله وجعلهم وسائط بينهم وبينه كالملائكة وعيسى فلذلك قاتلهم النبي (صلّى الله عليه وآله) وحكم بشركهم وكفرهم أليس كذلك أيها الإخوان ألم يقل الله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} ألم يكونوا يكرهون فتياتهم على البغاء وهن يردن التحصن ألم يكونوا يفعلون جميع الموبقات والمنكرات وأفعال الجاهلية فكيف يسوغ لمحمد بن عبد الوهاب أن يقول إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يقاتلهم إلا على تشفعهم إلى الله بالملائكة والأنبياء والصالحين.
(الثاني): إن حصره شرك وكفر من بعث إليهم النبي (صلّى الله عليه وآله) في جعلهم بعض المخلوقات وسائط وشفعاء عند الله جهل أو تمويه. (أما مشركو قريش) فإنهم وإن اعتقدوا أن الرازق الخالق المحيي المميت المدبر الأمر المالك ما في السماوات والأرض هو الله كما دلت عليه الآيات التي ذكرها إلا أنه لا شيء يدلنا على أنهم لا يعتقدون في الأصنام والأوثان ومعبوداتهم من الجن والإنس والملائكة أنه لا تأثير لها في الكون وأن التأثير وحده لله تعالى وهي شافعة فقط إذ يجوز أن يعتقدوا أن لها تأثيراً بنفسها بغير ما في الآيات المستشهد بها فتشفي المرضى وتنصر على الأعداء وتكشف الضر وغير ذلك وأنها تشفع عند الله حتماً ولا يرد شفاعتها أو أن الله تعالى جعل لها قسطاً من التأثير أو كله إليها، بل ظاهر الآيات هو ذلك مثل قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} بل ظاهر قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} إنهم كانوا لا يسجدون لغير الأصنام ولا يعتقدون إلها غيرها وظاهر قوله تعالى حكاية عن أهل جهنم: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} اعتقادهم إنها مساوية لرب العالمين وإن لم يكن من جميع الوجوه بل يخرج عنه الأمور المذكورة في الآيات المستشهد بها في كلام ابن عبد الوهاب وذلك كاف في الشرك والكفر وذلك أيضاً ظاهر جميع الآيات الدالة على اتخاذهم آلهة من دون الله وشركاء لله ونحو ذلك. مثل: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا} {أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا} {أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} {وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا} {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ} {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا} {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ} {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً} {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} إلى غير ذلك. وكيف يمكن حصر شركهم وكفرهم في جعلهم بعض المخلوقات وسائط وشفعاء عند الله وهم يكذبون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويجعلونه ساحراً وينكرون ما جاء به من عند ربه من الأحكام والشرائع مع ظهور المعجزات على يديه ويتمسكون بدين الجاهلية كما مر أفلا يكفي هذا في كفرهم وشركهم وماذا ينفعهم الإقرار بوجوده تعالى والعبادة والحج والصدقة وذكر الله إن سلم صدور ذلك منهم وهل ينفي ذلك عنهم الكفر الذي أوضحناه ويحصر شركهم في تشفعهم بالصالحين هيهات.
وكيف يمكن حصر كفرهم في ذلك وقد بدلوا دين الله تعالى الذي جاءهم به إبراهيم (عليه السلام) فأحدثوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي والنسئ([125]) وغير ذلك من مبتدعاتهم ومخترعاتهم وهذا أيضاً كاف في كفرهم مع أنهم قد عبدوا الأصنام والأوثان والملائكة وجعلوهم شركاء لله تعالى وعبادتهم لهم مشاهدة معلومة ولم تكن تلك العبادة مجرد التشفع والتوسل بمن جعل الله له الشفاعة والوسيلة وما يجري مجرى ذلك كما موّه به ابن عبد الوهاب (أما عبادتهم للأصنام والأوثان) فإنهم عمدوا إلى أصنام من حجر أو نحاس أو خشب أو غيرها على صور قوم صالحين متوهمة أو غيرهم عملوها بأيديهم وإلى أشجار فعبدوها من دون الله وسجدوا لها ونحروا وذبحوا لها وأهلوا بذبائحهم لها وذكروا أسماءها عليها دون اسم الله وطلوها بدمائها كما قال قائلهم:
أما ودماء مائرات تخالها
على قنة العزى وبالنسر عندما
وطلبوا منها كل ما يطلب من الله وأعرضوا عن عبادة الله فكانوا يقولون لا طاقة لنا على عبادة الله فنحن نعبدها لتقربنا إلى الله وهذا أيضاً صريح في أن عبادتهم لها غير طلب الشفاعة منه وتشفعوا بها وخالفوا أمر الله وأنبيائه في نهيهم عن عبادتها وطلب شيء منها عناداً وعتوا وخالفوا مقتضى عقولهم الحاكمة لو رجعوا إليها بأنها جماد لا تضر ولا تنفع ولا تعقل ولا تسمع ولا تقرب ولا تشفع ولو كانت على صورة نبي أو صالح فإن الشافع هو النبي أو الصالح لا صورته الموهومة ولا تدفع عن أنفسها بول الثعالب عليها ولا تَرَوّث الدواب فوقها فقد كان لبعضهم صنم فجاء ثعلب فبال عليه فقال قائلهم:
لرب يبول الثعلبان برأسه
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ومنهم من عمل صنماً من تمر فسجدوا له أول النهار وعبدوه فلما كان آخر النهار جاعوا فأكلوه. وكانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله وأشياء منها لآلهتهم فإذا زكا ما جعلوه لله رجعوا فجعلوه للآلهة وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه وذلك قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ولم يفعل أحد من المسلمين شيئاً من ذلك مع نبي ولا ولي ولا قبر ولا غيره وإنما تشفع المسلمون بمن جعله الله شافعاً وتوسلوا بمن جعل له الوسيلة وما التشفع سوى سؤال الدعاء الذي لا ينكره الوهابية وكذا الاستغاثة وما جرى مجراها لا تخرج عن سؤال الدعاء وأهدوا ثواب الصدقة بالمذبوح إلى النبي أو الولي الذي ثبت جواز إهداء الثواب إليه ولم يذكروا اسمه عليه بل اسم الله تعالى كما سيأتي تفصيل ذلك كله في الفصول المختصة بذلك. فهذه الاعتقادات والأعمال والتكذيب للرسل هي التي قاتلهم النبي (صلّى الله عليه وآله) عليها ودعاهم إلى تركها لا على مجرد التشفع بنبي أو صالح والتوسل به إلى الله تعالى. (وأما عبادتهم للملائكة) فقد اتخذوهم أرباباً من دون الله كما يدل عليه قوله تعالى في سورة آل عمران: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} إلى قوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. وفي هذا دليل على أنهم فعلوا أو اعتقدوا بالنسبة إليها ما هو من خصائص الربوبية ولا يليق إلا بالله تعالى من سجود ونحوه من أنواع العبادات والاعتقادات وليس لنا ما يدل على أنه لم يصدر منهم إلا مجرد التشفع بالملائكة إلى الله. (وذكر صاحب) الكشاف في تفسير الآية أنه (صلّى الله عليه وآله) كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح فلما قالوا له أنتخذك ربا قيل لهم {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} الآية وقوله تعالى في ذيلها: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له (انتهى). وفي ذلك دليل على أن اتخاذهم الملائكة أرباباً كان من هذا النسخ بإرادة عبادتهم لهم بالسجود وغيره كما أرادوا أن يتخذوه (صلّى الله عليه وآله) رباً ويسجدوا له. (وكانوا) يقولون في الملائكة إنهم بنات الله كما قالت اليهود والنصارى في عزير والمسيح إنهما ابنا الله وقد أخبر الله تعالى عنهم بذلك كله بقوله في سورة الزخرف: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ(16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ} {مَا عَبَدْنَاهُمْ}. ففي قوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} دليل على فعلهم معها ما هو من خصائص الربوبية كما مر وقوله تعالى: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} صريح في عبادتهم لهم ولا شيء يدل على أنها كانت مجرد الاستغاثة والتشفع بل ما مر يدل على عدمه. (وقوله) بما ضرب للرحمن مثلاً دليل على جعلهم لها مماثلة لله تعالى ومشابهة له لأن الولد مماثل للوالد ومن جنسه وكذلك قوله من عباده جزءاً (قال صاحب الكشاف) فجعلوهم جزءاً له وبعضاً منه كما يكون الولد بضعة من والده وجزءاً له (انتهى) وافتروا على الله في ذلك عدة افتراءات. (إحداها) نسبة الولد إلى الله تعالى (ثانيتها) نسبتهم إليه أخس النوعين الذي كانوا إذا بشر به أحدهم ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ووأده حياً (ثالثتهاً جعلهم لها من الملائكة الذين هم من أكرم عباد الله عليه فاستخفوا بهم (رابعتها) نسبتهم إلى الله تعالى أنه رضي لهم عبادة الملائكة. وبذلك ظهر أن كفرهم ليس مجرد استغاثتهم بالملائكة وتشفعهم وتوسلهم بهم وستعرف أن الملائكة ممن ثبتت لهم الشفاعة باعتراف الوهابية فالمتشفع بهم ليس مخطئاً فضلاً عن أن يكون مشركاً وكذا المتشفع بالنبي (صلّى الله عليه وآله) ومن جعل الله له الشفاعة فليس مخطئاً فضلاً عن أن يكون مشركاً فكيف يقاس من يستغيث ويتشفع ويتوسل بنبي أو وصي ليشفع له إلى الله تعالى بالمشركين في عبادتهم الملائكة وكون قريش لم تكن تعتقد في الملائكة أنها تخلق وترزق وتدبر الأمر من دون الله بدليل: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} – إلى قوله – {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} لا يدل على أن كفرها وشركها لتشفعها وتوسلها واستغاثتها بالملائكة لأن الشرك يكون بغير اعتقاد الخلق والرزق مما مر في صدر الكلام ولو كان الصادر منها الاستغاثة بالملائكة والتشفع بها فقط لم يكن ذلك موجباً لشركها وكفرها (وأما من عبد المسيح وأمه) فلم يكن منه مجرد الاستغاثة والتوسل وطلب الشفاعة قطعاً بل جعل المسيح (عليه السلام) إلهاً مستحقاً لجميع صفات الألوهية وقد أخبر الله تعالى عنهم في القرآن تارة بأنهم قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وتارة قالوا إن الله ثالث ثلاثة المسيح أحدهم وذلك أنهم قالوا الأقانيم الثلاثة إلَهٌ واحد وتارة أنهم اتخذوه وأمه إلهين من دون الله بقوله تعالى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وتارة أن المسيح ابن الله فتسويه ابن عبد الوهاب بين من يستغيث ويتشفع ويتوسل من المسلمين إلى الله بنبي أو ولي جعل الله له الشفاعة والوسيلة وجعله مغيثاً بدعائه وبين من يعبد المسيح وأمه تمويه وتضليل.
(وأما قوم نوح (عليه السلام)) فقد فعلوا فعل مشركي قريش من تكذيب الرسل وإنكار ما جاءت به وعبادة غير الله كما أخبر بذلك عنهم القرآن الكريم وكفى ذلك في كفرهم ولم يرد في دليل قوي ولا ضعيف إن عبادتهم لغير الله كانت مجرد التشفع والتوسل إليه بالصالحين وإنهم كانوا يقيمون جميع شرائع الدين سوى هذه وإن نوحا (عليه السلام) ما بعث إلا لينهاهم عن التوسل بالصالحين والتشفع بهم وأي كتاب أو سنة نطق بذلك. بلى أنهم قد غلوا في الصالحين وعبدوهم بما نهى الله عنه كما أخبر الله عنهم في كتابه العزيز أما إنه لم يصدر منهم إلا مثل ما يصدر من المسلمين من الاستغاثة والتوسل والتشفع بالصالحين فهو تخرص على الغيب بل افتراء محض وكذا غيرهم من أمم الأنبياء عليهم السلام وظاهر قوله تعالى حكاية عن قوم هود في خطابهم لهود (عليه السلام) {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} اعتقادهم بأنها قادرة مختارة بنفسها على الضر والنفع والاعتراء بسوء فظهر أن عبادة المشركين للأصنام لم تكن مجرد الاستغاثة والتوسل والتشفع إلى الله بذوي المكانة عنده كما توهم الوهابيون. وسيأتي كلام في مثل ذلك في رد كلام الصنعاني ويأتي له مزيد توضيح في الباب الثالث (إن شاء الله).
(قوله) فبعثه الله يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم إلخ قد ظهر بطلانه مما مر فإن دين أبيهم إبراهيم الذي بعث محمد (صلّى الله عليه وآله) لتجديده ليس هو عبارة عن عدم التشفع بالصالحين ولا داخلا فيه. أما إنه ليس عبارة عن عدم التشفع بالصالحين فلان دين أبيهم إبراهيم الذي جدده لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وترك ما كانوا يفعلونه من المحرمات والموبقات التي مر بعضها كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي والنسئ والطواف بالبيت عراة ونكاح أزواج آبائهم والخمر والميسر وإكراه فتياتهم على البغاء ووأد بناتهم وسجودهم للأصنام وذكر أسمائها على ذبائحهم وتركهم الصلاة واستبدالها بالمكاء والتصدية وغير ذلك فهذا وأمثاله مما بدلوه من دين أبيهم إبراهيم هو الذي بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليجدده لهم (وأما) إن عدم التشفع والتوسل بالصالحين ليس داخلا فيما جدده لهم فلأن ذلك وما يجري مجراه لم ينههم الرسول (صلّى الله عليه وآله) عنه فضلا عن أن يكون بعثه محصورا في ذلك بل أقرهم على التشفع والتوسل الذي هو نوع من طلب الدعاء منه بما حث عليه من سؤال الدعاء من المؤمنين وبما أخبرهم به من أن الله تعالى جعل له الشفاعة والوسيلة وأكرمه بذلك كما ستعرفه مفصلا في الفصول الخاصة بذلك ولا ينكره الوهابيون.
(قوله): ويخبرهم إن هذا التقرب والاعتقاد محض حق لله، هذا افتراء على الله وعلى إبراهيم عليه السلام فمتى أمر الله تعالى محمدا (صلّى الله عليه وآله) أن يخبرهم أنه لا يجوز طلب الشفاعة ممن له الشفاعة وإن طلبها محض حق لله لا يجوز طلبها من غيره ومتى أخبرهم محمد (صلّى الله عليه وآله) بأن لا يطلبوا منه الشفاعة بل الأمر بالعكس فقد أخبرهم بأنه الشفيع المشفع وصاحب الوسيلة ولازم ذلك أن يطلب منه ما جعله الله له ولم يقل لهم حين أخبرهم بذلك أن طلب الشفاعة منه شرك وكفر مع أنه أمرهم بطلب الدعاء من الغير، وطلب الشفاعة لا يخرج عن ذلك كما ستعرف وتشبث الوهابية للمنع بآية: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا. {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ستعرف أنه من السخافة بمكان. فالذي أوجب شركهم وكفرهم وأحل قتالهم تبديلهم دين الله وتكذيبهم رسله وعبادتهم الصور والتماثيل من دون الله لا مجرد التشفع بالصالحين إلى الله. وبذلك تعرف أن توحيد العبادة الذي جحدوه ليس هو عدم التشفع والتوسل بالصالحين إلى الله وأن هذا التشفع ليس عبادة لغير الله ولا منافيا لتوحيد الله في العبادة وأن ما يسميه المسلمون الاعتقاد لا محذور فيه فإنهم لم يعتقدوا في الأنبياء والصالحين إلا بما جعلهم الله له أهلا. قوله: وكانوا يدعون الله ليلا ونهارا ومنهم من يدعو الملائكة لصلاحهم وقربهم ليشفعوا له أو رجلاصالحا كاللات أو نبيا كعيسى. فيه أن دعاءهم الله ليلا ونهارا لم ينفعهم لأنهم بدلوا دينه وكذبوا رسله وعبدوا غيره بما نهى الله عنه لا بطلب الشفاعة ممن له الشفاعة. وعبادتهم للملائكة لم تكن مجرد تشفعهم بهم بل فعلهم معهم ما هو من خصائص الربوبية واعتقادهم مماثلتهم لله وأنهم بناته إلى غير ذلك كما مر مفصلاً وعبادتهم للات الذي هو رجل صالح لم تكن مجرد التشفع به إلى الله بل السجود وأنواع العبادة لحجر زعموا أنه على صورته مع نهي الله لهم عن ذلك على لسان أنبيائه إلى غير ذلك مما مر. وعبادة النصارى لعيسى عليه السلام ليست مجرد التشفع به إلى الله بل أثبتوا له جميع صفات الإلهية كما مر وكيف يتوهم عاقل إن عبادتهم له مجرد التشفع به إن هذا لمخالفة للمحسوس وتكذيب للقرآن وتمويه وتضليل. (قوله): وإنه قاتلهم ليكون الدعاء والنذر والذبح والاستغاثة وجميع العبادات كلها لله سيأتي الكلام على الأربعة المذكورة كل في فصله وما تقدم هنا حديث إجمالي وقد ظهر أن قوله: إن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم كذب وافتراء على الله وعلى رسوله بل الذي أحل دماءهم وأموالهم تبديلهم للدين وتكذيبهم له (صلّى الله عليه وآله) بعدما رأوا معجزاته ودلائل نبوته وعبادتهم للأصنام بالوجوه التي ذكرناها من دون أمر الله بل عنادا وخلافا عليه لا مجرد تشفعهم وتوسلهم بالصالحين.
ومن ذلك يعلم انهدام وفساد كل ما بناه على هذا الأساس الفاسد من تفسير كلمة التوحيد التي دعا النبي (صلّى الله عليه وآله) المشركين إلى الاقرار بها بأن المراد بالإله فيها ما يعم من قصد لأجل الشفاعة ونحوها وأنه ليس المراد به الخالق الرازق المدبر فقط. لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده فإن المبنى في الكل واحد وهو توهم أن الاستغاثة والتشفع إلى الله بذوي المكانة عنده يوجب اتخاذهم آلهة ويكون عبادة لهم وقد عرفت وستعرف مفصلاً فساد هذا التوهم وسخافته وأن التشفع بذوي المكانة وما يجري مجراه ليس عبادة لهم ولا يوجب اتخاذهم آلهة لهم وأن قياسهم على عباد الأصنام والكواكب وعيسى ومريم والملائكة جهل أو عناد وأن تفضيل جهال مشركي قريش وعبدة الأصنام على المسلمين اليوم من أعظم الجهالات والافتراءات وأقبحها وأنه لا يظن ولا يحتمل أحد من المسلمين إن الإسلام هو التلفظ بكلمة التوحيد من دون اعتقاد معناها ولا يظن حاذق منهم ولا غيره أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله وكلهم يعلمون أن من كذب الرسل وخالفهم وعمل عمل عبدة الأصنام أو أنكر شيئاً من ضروريات الدين كافر لكنهم لا يعتقدون أن من عظم الذي أمر الله بتعظيمه واستشفع بمن جعله الله شافعاً وتوسل بمن جعل الله له الوسيلة كافر ومشرك مع أنه لم يخرج عن أمر الله وطاعته. فأي الفريقين أحق بنسبة الجهالة إليه لو كانوا يعلمون؟! (وكذلك) ظهر فساد قوله وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد فإن المسلمين الذين سماهم المشركين لا يعنون بلفظ السيد معنى ينافي العبودية الخالصة وإنما يعنون به أن له منزلة عند الله أوجبت امتيازه عن غيره وأن يقبل الله شفاعته ويسمع دعاء من تشفع به إليه كرما منه تعالى وفضلاً فهم لم يثبتوا له إلا ما أثبته الله. أما الوهابية فنفوا عنه ما جعله الله له ونسبوا إلى المسلمين ما هم منه براء فكانوا أشبه بالمشركين الذين خالفوا الله ورسله ونسبوا إلى الرسل وأتباعهم ما هم منه براء. (أما) إطلاق السيد على غير الله تعالى بل والرب فلا مانع منه إذا لم يقصد به معنى ينافي العبودية الخالصة لله تعالى كما ستعرفه في الفصل الخاص به مفصلا وحاش لله أن يقصد به أحد من المسلمين معنى ينافي العبودية الخالصة لله تعالى.
ومما ذكرنا تعلم فساد المحكي في تاريخ نجد عن ابن عبد الوهاب. وإذا كان المشركون لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض أو ذرة من الذرات كما قال فلا دليل يدلنا على أنهم لم يزعموا استقلالهم بشيء من التدبير والتأثير وآية {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} لا تنفي ذلك إذ لم يظهر منهم الاعتراف بذلك بل الظاهر والله أعلم أنه من قبيل الاحتجاج عليهم وإظهار بطلان معتقدهم أنها تكشف الضر وتمسك الرحمة فلا يدل على أنهم لا يعتقدون أنها كذلك وبذلك يحسن موقع الاستفهام فيكون إنكاريا لا تقريريا وهم لم يقروا بجميع تلك الجمل مع أنهم كانوا يعبدون صور الأنبياء والصالحين لا أنفسهم وكانوا يقولون عن الملائكة أنها بنات الله ومن عبد المسيح يعتقد فيه ما يعتقد في الله كما مر ذلك كله وإذا كانوا لا يعتقدون في الأوثان ما ورد في الآيات مما أقروا به فلا دليل على أنهم لا يعتقدون غيره من صفات الربوبية كما مر مفصلا أما ما أطال به من قوله إن مجرد الاتيان بلفظ الشهادة الخ فهو تطويل بلا طائل فلسنا نكتفي بمجرد الاتيان بلفظ الشهادة كالكرامية ولكن أين العرش حتى تنقش وكون الإيمان مجرد التصديق عند الجهمية لا يظهر لذكره فائدة غير التطويل ومثله الاستشهاد بآية المنافقين التي لا مساس لها بما نحن فيه والإطالة في تفسيرها. ومما بيناه من عدم وقوع العبادة المنهي عنها من أحد من المسلمين لنبي ولاصالح ولا قبر ولا غيره تعرف انهدام ما بناه على ذلك من قوله: من شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره فلا شهادة له (ثبت العرش ثم انقش) وكذا الاستشهاد بباقي الآيات.
ثم قال محمد بن عبد الوهاب في رسالة كشف الشبهات([126]): إذا تحققت إن الذين قاتلهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أصح عقولا واخف شركا من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم، ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه إلينا: وهي أن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرا ونحن نشهد الشهادتين ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟! (فالجواب) أنه لا خلاف بين العلماء أنّ من صدق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في شيء وكذبه في شيء أو آمن ببعض القرآن وجحد بعضه كافر كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا}، ولما لم ينقد أناس للحج نزل فيهم: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} إلى قوله { وَمَنْ كَفَرَ} الآية فإذا كان من صدق الرسول في كل شيء وكذبه في شيء واحد كالبعث أو الصلاة أو الصيام فهو كافر حلال الدم والمال، فكيف إذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله ما أعجب هذا الجهل. ثم استشهد بأن أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون الشهادتين ويصلون ويؤذنون. (قال) فإن قال أنهم يقولون إن مسيلمة نبي قلنا هذا هو المطلوب إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتين والصلاة فكيف بمن رفع شمسان ويوسف أوصحابيا أو نبيا في مرتبة جبار السماوات والأرض كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (قال) وبنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمن بني العباس كلهم يشهدون الشهادتين ويدعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وإن بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين (قال) وإذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم (كذا) جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب باب المرتد وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه وذكروا أنواعا كثيرة كل منها يكفر ويحل دم الرجل وماله حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو على وجه المزح واللعب (قال) والذين نزل فيهم يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم كفرهم الله تعالى بكلمة مع أنهم في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله) يجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون والذين نزل فيهم {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} كانوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غزوة تبوك وقالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم تكفرون المسلمين أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق (واستدل أيضاً) بما حكاه الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} وقول ناس من الصحابة إجعله لنا ذات أنواط([127]) فحلف (صلّى الله عليه وآله) إن هذا نظير قول بني إسرائيل إجعل لنا إلها. (ثم قال) وللمشركين شبهة أخرى يقولون أنكر النبي (صلّى الله عليه وآله) على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وقال أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله (وقال) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأحاديث أخرى في الكف عمن قال لا إله إلا الله (قال) ومراد هؤلاء الجهلة إن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل (وأجاب) بأن اليهود وبني حنيفة والذين حرقهم علي بن أبي طالب يقولون لا إله إلا الله وهؤلاء الجهلة يقولون من جحد شيئا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها فكيف إذا جحد التوحيد قال ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث (فأما) حديث أسامة فإنه قتل رجلا ادعى الإسلام لظنه أنه ما ادعاه إلا خوفا والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك وأنزل الله تعالى في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} أي تثبتوا ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى وكذلك الأحاديث الأخر. (والدليل) على هذا أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي قال أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله وقال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله هو الذي قال في الخوارج أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلا حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم وتعلموا العلم من الصحابة فلم ينفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة انتهى.
وقال ابن عبد الوهاب أيضاً فيما حكاه عنه الآلوسي في تاريخ نجد: الكفر نوعان، مطلق ومقيد، فالمطلق أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والمقيد أن يكفر ببعضه، حتى أن بعض العلماء كفر من أنكر فرعا مجمعا عليه كتوريث الجد والأخت وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين ويصرف لهم خالص العبادة ولبها وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة. إلى أن قال: فتشبيه عباد القبور بأنهم يصلون ويصومون ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على العوام وتلبيس لينفق شركهم ويقال بإسلامهم وإيمانهم ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون انتهى.
(والجواب) أن إنكار شيء مما جاء به النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد العلم بأنه جاء به لكونه مما ورد في القرآن أو جاءت به السنة القطعية وصار من ضروريات الدين لا ريب في أنه تكذيب للنبي (صلّى الله عليه وآله) موجب للكفر وإذا وقع من مسلم حكم بارتداده ولا يحتاج إلى الإطالة وإكثار الشواهد عليه من الآيات وغيرها وذكر العلماء باب المرتد وغير ذلك الذي أطال به بدون طائل. إنما الكلام في أن الاستغاثة والتشفع والتوسل بالصالحين هل هي موجبة لجحود التوحيد وللرفع في مرتبة جبار السماوات والأرض كما زعم وقد تبين بما شرحناه وأوضحناه في هذا المقام وغيره وفي الفصول المختصة بتلك الأمور أنه ليس فيها شيء مما ينافي التوحيد ولا توجب رفع مخلوق إلى رتبة جبار السماوات والأرض ولا تخرج عن طلب الدعاء ممن يرجى من الله إجابة دعائه لنا لما له من المنزلة عنده بإخلاصه في عبوديته. ولما قاس الوهابيون حال المسلمين المستغيثين بالصالحين على حال مشركي قريش فقالوا إن كليهما أقر بتوحيد الربوبية ولكنه تشفع واستغاث وتوسل بالمخلوقين فلم ينفعه إقراره بتوحيد الربوبية وإن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يقاتل عبدة الأوثان إلا على استشفاعهم بغير الله رجلا صالحا أو غيره فدل ذلك على أن الاستشفاع عبادة وعبادة غير الله شرك كماصرح به ابن عبد الوهاب في كلماته السابقة، توجه عليهم حينئذ اعتراض بعض أهل الأحساء بأن هذا قياس مع الفارق: فمشركوا قريش لا يشهدون الشهادتين ويكذبون الرسل والقرآن وينكرون البعث، وهذا هو الذي أوجب كفرهم وأحل قتالهم، ونحن نقر بذلك كله، فبطل القياس، نعم لو كان الصادر من الأولين مجرد الاستغاثة والاستشفاع وتعظيم القبور كان القياس صحيحاً، ولكن الصادر منهم غير ذلك مما يوجب الكفر والشرك، ولا ينفع الجواب بأن من صدق الرسول في شيء وكذبه في شيء كفر، الذي لا ينكره أحد. ومن ذلك تعلم أن قوله: سبحان الله ما أعجب هذا الجهل، لا ينطبق إلا عليه خاصة. وأن قوله: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}، ليس أحد أولى به منه. ومع كون الشواهد التي استشهد بها وأطال بذكرها لا حاجة إليها بل هي تطويل بلا طائل أكثرها غيرصحيح في نفسه كدعواه إن الفاطميين المصريين بني عبيد قد أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وإن بلادهم بلاد حرب، فإنه، ادعاء باطل وافتراء على العلماء، ولو كان ذلك صحيحا لتمسك به أعداؤهم خلفاء بني العباس وجعلوه من أعظم الحجج لهم فأخذوا فتاوى العلماء بذلك، ولو وقع ذلك لشاع وذاع ولذكره أهل السير والتواريخ ونقلة الأخبار مع أنه ليس له في كتبهم عين ولا أثر، ولما كان بنو العباس يعدلون عنه إلى كتابة محضر بعدم صحة نسبهم فقط، شهد فيه جماعة من العلماء خوفا على أنفسهم وامتنع من الشهادة الشريف الرضي، وقصته في ذلك مع القادر العباسي مشهورة ذكرها المؤرخون. ولا شيء أطرف من قوله: وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلاد المسلمين، فإنا لا نعلم أحداً من المسلمين غزاهم، وهذه كتب التواريخ شاهدة بذلك وإنما استنجد آخر خلفائهم الملقب العاضد بنور الدين ملك الشام لما خاف على بلاده من الإفرنج، فأرسل إليه صلاح الدين الأيوبي، فكان انقراض دولتهم على يده بدون حرب ولا قتال ولا غزو بل على عادة الملوك في تغلبهم على ملك غيرهم إذا أنسوا منهم ضعفا، كما تغلب صلاح الدين على ملك مصر وخرج عن طاعة نور الدين مع أنه هو الذي أرسله وكان بمنزلة العامل عنده، ثم تغلب صلاح الدين على الشام بعد موت نور الدين وطرد ولده من الملك. وخبر ذلك في التواريخ مشهور، أفهذه أدلة محمد بن عبد الوهاب وهذا مبلغ علمه بالتاريخ؟! (وقوله): غزاهم المسلمون طريف جدا فإنه مناف لتكفير الوهابية المسلمين وإشراكهم إياهم فإن المسلمين في عصر الفاطميين المصريين مثلهم في عصر الوهابيين لا يزيدون عنهم بشيء فقد كانوا في ذلك العصر يبنون القباب على القبور ويعظمونها ويتشفعون بالصالحين، فإن كان هؤلاء مشركين فأولئك مشركون، ولم يكن في عصر الفاطميين وهابية يغزون فكيف سماهم مسلمين. وهذا كقول صاحب المنار: أيها المسلمون. مع تصويبه اعتقاد الوهابية فيهم كما بيناه في غير هذا الموضع. ولكن هؤلاء عند حاجتهم للمسلمين يعترفون بإسلامهم وإذا استغنوا عن ذلك كفروهم وأشركوهم. نعم إن المسلمين أجمعوا على ضلالة الوهابيين وخروجهم من الجماعة وقتالهم وغزاهم المسلمون بأمر خليفة الإسلام السلطان العثماني وعساكره وعساكر مصر والشام والعراق والعجم في عهد محمد علي باشا حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين كما فصلناه في تاريخهم، فإن كان ذلك دليلاً على الكفر والارتداد فهو دال على كفر الوهابية وخروجهم من الدين، كما أنك قد عرفت في الباب الأول أقوال العلماء في حق ابن تيمية قدوة الوهابية وباذر بذور مذهبهم وأول من زقا بالقول بالتجسيم وصنف فيه. فإجماع العلماء قائم على ضد قول ابن عبد الوهاب لا معه مع أنه لا قيمة لإجماع العلماء عنده وإن تظاهر بالتمسك به. (أما قوله): إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسل وغير ذلك، فما معنى ذكر العلماء باب المرتد الخ: ففيه كما مر أن المعترض لم يقل إن الأولين لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين هذه الأشياء بحيث لو نقص واحد منها لم يكفروا وأنه ليس شيء سواها مكفراً بل لما قاس الوهابية حال المسلمين اليوم على حال مشركي قريش توجه عليهم الاعتراض بأن هذا قياس مع الفارق كما عرفت. نعم لو كان الصادر من الأولين مجرد الاستغاثة والتوسل والاستشفاع وتعظيم القبور كان القياس صحيحا ولكن الصادر منهم غير ذلك مما يوجب التكفير فلم يبق في ذلك دلالة على أن الاستشفاع ونحوه موجب للكفر وحينئذ فاستشهاده بذكر العلماء باب المرتد تطويل بلا طائل كما عرفت لعدم إنكار أحد إمكان حصول الارتداد مع الاقرار بالشهادتين إنما الكلام في أن المتنازع فيه هو موجب للارتداد أم لا وهذا لا ينفع فيه ذكر العلماء باب المرتد. على أن جميع علماء المذاهب الذين ذكروا باب المرتد وبينوا ما يوجب الارتداد لم يذكروا من جملته الاستغاثة والاستشفاع بالصالحين فدل على إجماعهم على أنه ليس موجبا للارتداد وبطل بذلك زعم الوهابية. فما استشهد به شاهد عليه لا له. (قوله): مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه. (أقول): الذي ذكره علماء المذاهب في باب المرتد إن من تكلم بكلمة الكفر كقوله الله ثالث ثلاثة استهزاء أو عنادا كفر([128]) لا مطلق من قالها كما يقتضيه إطلاق كلامه قصداً لتهوين أمر الارتداد. (قوله): أو على وجه المزح واللعب ستعرف مما يأتي بعده شرح ذلك ورده وأنه خيانة في النقل وتدليس.
(ومن الغريب) قوله بأن الذين نزل فيهم {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} (الآية) كفرهم الله بكلمة مع أنهم في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله) يجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون فإن هذه الآية مع كونها كغيرها من استشهاداته لا حاجة إلى الاستشهاد بها كما عرفت نزلت في المنافقين. (ففي) أسباب النزول للواحدي قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى تبوك وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه وطعنوا في الدين فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال (صلّى الله عليه وآله) يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لهم وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا من جهينة ورجلا من غفار اقتتلا فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبي يا بني الأوس انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال فنزلت الآية انتهى وفي الكشاف أقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه منهم الجلاس بن سويد فقال الجلاس والله لئن كان ما يقول محمد حقا لإخواننا الذين خلفانهم وهم سادتنا وأشرافنا فنحن شر من الحمير فقال له عامر بن قيس الأنصاري أجل والله إن محمدا لصادق وأنت شر من الحمار وبلغ ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاستحضره فحلف بالله ما قال فنزلت الآية انتهى وهي قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}. ولكونها نزلت في المنافقين قال صاحب الكشاف: كفروا بعد إسلامهم أظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام انتهى والذي هموا به فلم ينالوه: الفتك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند مرجعه من تبوك توافق خمسة من المنافقين على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي ذاصعد العقبة فرآهم عمار قائد ناقة النبي (صلّى الله عليه وآله) أو حذيفة سائقها ملثمون فقال إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا ذكره الواحدي عن الضحاك وذكره الزمخشري فهؤلاء هم الذين قال عنهم ابن عبد الوهاب إنهم يجاهدون ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون وما ينفعهم ذلك وهم منافقون يسبون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويطعنون في الدين ويقولون في حقة (صلّى الله عليه وآله): سمن كلبك يأكلك ويحاولون قتله وإلقاءه عن راحلته إلى الوادي فجعلهم كالمسلمين الذين يستشفعون إلى الله تعالى ويستغيثون بالنبي (صلّى الله عليه وآله) الذي جعله شافعا ومغيثا على السواء. هذا علم ابن عبد الوهاب وهذه حججه وأدلته وكذلك قوله: إن آية{ أبالله وآياته} الخ نزلت فيمن قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح([129]) تهوينا وتصغيراً وتخفيفاً لعملهم، حتى يتسنى له تشبيه المسلمين بهم وهل ينفعهم ذلك وادعاؤهم المرح، والحال أنهم من المنافقين الذين أنزل الله تعالى فيهم: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} في الكشاف: بينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فقال احبسوا علي الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبي الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولكن في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر فنزلت الآية. (وذكر) نحوه الواحدي في أسباب النزول عن قتادة وأنهم قالوا يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب (وذكر) الواحدي أيضاً عن زيد بن أسلم ومحمد بن وهب إن رجلاً من المنافقين قال في غزوة تبوك ما رأيت مثل هؤلاء يعني النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه ارغب بطونا ولا أكذب السنا ولا أجبن عند اللقاء فأخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فاعتذر القائل بأنا كنا نخوض ونلعب فنزلت الآية انتهى أبهؤلاء يقاس المسلمون المتشفعون إلى الله تعالى بنبيه صاحب الشفاعة عنده. ثم يتبجح بقول: تأمل هذه الشبهة ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق. وهو كما عرفت لم يأت بجواب ولا شبه جواب وكذا استشهاده بحلف النبي (صلّى الله عليه وآله) أن قول بعض الصحابة له إجعل لنا ذات أنواط نظير قول بني إسرائيل إجعل لنا إلها كما لهم آلهة لا محل له ولا فائدة فيه ومن الذي يشك في أن اتخاذ شجرة تناط بها الأسلحة وتعبد كما تعبد الأصنام هو نظير عبادة بني إسرائيل للأصنام وطلب بعض الصحابة ذلك من النبي (صلّى الله عليه وآله) هو نظير طلب قوم موسى منه ولكن هذا لا يثبت أن الاستغاثة والاستشفاع بالنبي (صلّى الله عليه وآله) نظير عبادة الأصنام.
وأما جوابه عن قصة أسامة وتنظيره باليهود وبني حنيفة والذين حرقهم علي بن أبي طالب والخوارج فهو مبني على الأساس الفاسد الذي أسسه من جعل الاستشفاع والتوسل بالصالحين عبادة لهم وشركا فلا ينفع معها قول لا إله إلا الله وحيث عرفت فساد هذا الأساس تعرف فساد ما بني عليه وتعرف إن من وصفهم بأعداء الله وهو أحق بهذا الوصف منهم قد فهموا معنى الأحاديث وأفنوا أعمارهم في فهمها ودراستها وأنها تدل على أن من قال لا إله إلا الله حرم دمه إلا أن يثبت خروجه عن الإسلام بيقين ولا يجوز تكفيره واستحلال دمه بمجرد الظن والتخمين (فاليهود) أنكروا نبوة عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وجميع شرائع الإسلام (وبنو حنيفة) الذين قتلهم خالد اعتل لقتلهم بمنع الزكاة التي وجوبها من ضروريات الدين التي يكفر منكرها والذين اتبعوا مسيلمة ادعوا فيه النبوة وارتدوا عن الإسلام. وجعله المسلمين أشد كفرا منهم باعتبار أن أولئك ادعوا النبوة في مسيلمة والمسلمون رفعوا المخلوقين إلى درجة الإلهية بسبب استغاثتهم وتشفعهم بهم من السخافة بمكان لما عرفت ولما هو أوضح من الشمس في رائعة النهار من أن استغاثة المسلمين واستشافعهم بذوي المكانة عنده تعالى وجميع ما يفعلونه ليس فيه شائبة رفع المخلوق عن درجة العبودية الى درجة الإلهية وقد أوضحنا ذلك مكررا فلا نطيل بإعادته. (والذين) حرقهم علي بن أبي طالب قالوا له أنت الله أما من توسل بنبي أوصالح إلى الله ودعاه واستغاث به ليدعوا الله له ويكون له شفيعا فلم يكفر ولم يشرك ولم ينكر ضروريا حتى يباح دمه إلا عند الجاهل الذي لا يفهم معنى الأحاديث وأما استشهاده بأخبار الخوارج وإن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أمر بقتلهم لما ظهر منهم من مخالفة الشريعة ففيه أن الذي ظهر منهم هو تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وإخافة السبيل وإشهار الحرب على المسلمين لشبهة دخلت عليهم أعظم أسبابها الجمود، وأشبه الناس بهم في هذا الزمان كما مر من يكفر المسلمين ويستحل دماءهم وأموالهم ويغزو بلاد الإسلام ويشهر الحرب على المسلمين ويخيف السبل بشبهة أنهم يستغيثون ويستشفعون بذوي المكانة عند الله وتوهم أن ذلك شرك بالله، والحال أنه ليس فيه من ذلك شائبة كما بيناه وأوضحناه فأي الفريقين أحق بأن يشبه بالخوارج لو كانوا يعقلون.
(وأما قوله) فيما حكي عنه في تاريخ نجد أن بعض العلماء كفّر من أنكر فرعا مجمعا عليه فهو اعتراف منه على نفسه وعلى أتباعه بالكفر فإنهم قد أنكروا فروعاً فضلاً عن الفرع الواحد مجمعا عليها بين المسلمين كالاستشفاع بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وتعظيم قبره والتبرك به وغير ذلك مما خالفوا فيه عامة المسلمين بعد اتفاقهم وإجماعهم عليه أجيالا عديدة فتوى وعملاً (قوله): فتشبيه عباد القبور الخ قد علمت مما بيناه وشرحناه أنه ليس في ذلك تشبيه بل هو الحق الذي لا شبهة فيه وأن تشبيه الوهابيين بأن الاستشفاع والتوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) الذي جعله الله شافعا وجعل له الوسيلة كفر وشرك مجرد تعمية على العوام وتلبيس لتنفق ضلالتهم التي كفروا بها المسلمين ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون.
ومما ذكره ابن عبد الوهاب في رسالة كشف الشبهات([130]) أنه ما بعث الله نبيا بهذا التوحيد إلا جعل الله له أعداء كما قال: {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} فإذا عرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحاً تقاتل هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} (الآية) ولكن إذا أقبلت على الله فلا تخلف {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان والسيف والسنان {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
(وتقول) جعله علماء المسلمين كالشياطين الذين يصدون عن سبيل الله وقدحه في علومهم وكتبهم وحججهم لأنهم لا يوافقونه على معتقده الفاسد كجملة من كلماته الشنيعة في حقهم السابقة والآتية خروج عن جادة الأدب وعما أمر الله تعالى به نبيه (صلّى الله عليه وآله) من المجادلة بالتي هي أحسن والدعاء إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ولو كان له دليل واضح لاكتفى به ولم يحتج إلى سوء القول في علماء المسلمين وحماة الدين وما أحقه بما وصمهم به وأشد انطباقه عليه وعلى أتباعه.
قال: وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا (فنقول) جواب أهل الباطل من طريقين مجمل ومفصل أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة وهو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} وقد صح عنه (صلّى الله عليه وآله) إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم. مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وإن الشفاعة حق والأنبياء لهم جاه عند الله أو ذكر كلاما للنبي (صلّى الله عليه وآله) يستدل به على شيء من باطلها وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره فجاوبه بأن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه وكون كفر المشركين بتعلقهم على المخلوقين وتشفعهم بهم محكم وما ذكرت لي لا أعرف معناه ولكن أقطع أن (كلام ظ) الله لا يتناقض وأن كلام النبي لا يخالف كلام الله وهذا جواب سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله فلا تستهونه فإنه كما قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
(ونقول): ما أحقه بهذه الأوصاف التي وصف بها المسلمين. وأما إيصاؤه من يتبعه بأن يجعل كلام مخالفه من المتشابه ومعتقده هو من المحكم ليدخل مخالفه تحت {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} الآية فطريف جدا وما ندري ما الذي يجعل {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} وكون الشفاعة حقاً والأنبياء لهم جاه عند الله من المتشابه. (فالمتشابه) كما ذكرناه في الأمر الثاني من المقدمة الثانية ما لا يكون ظاهر المعنى لسبب من الأسباب وهذه الألفاظ معناها بيّن ظاهر فكيف جعلها من المتشابه. (قوله) أو ذكر كلاما للنبي (صلّى الله عليه وآله) يستدل به على شيء من باطلها (أي الشفاعة) فجاوبه إلخ. هذا خطأ منه في تعليم الاحتجاج والمجادلة فإنه إذا كان الحديث مجملا متشابها والوهابي لا يفهم معناه مع كونه من أهل العلم والفهم فكيف يستدل به العلماء وأهل المعرفة والفهم وإذا فرض فالجواب عنه سهل مختصر وهو أنه لا دلالة فيه لإجماله من جهة كذا ولا يحتاج إلى هذه المقدمة الطويلة العريضة والتبجح الزائد بقوله فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة وقوله فهذا جواب سديد إلخ. ولعله يكون ظاهر الدلالة والمخاطب لا يفهم معناه لكونه أعرابيا نشأ في البادية ولم يتعلم وإن كان قلبه محشوا بالتوحيد فكيف يسوغ لمحمد بن عبد الوهاب أن يعلمه هذا الجواب. (أما السر) في هذه الوصية فهو أنه لما منى أصحابه الموحدين أن الواحد منهم يغلب الألوف من المشركين وعلم أنهم لا بد أن يغلبوا في كثير من مجادلاتهم أراد أن يعلمهم طريقا يرفع به عن نفسه خلف الوعد والكذب فيما وعدهم ومناهم به ويتخلصون به عندما يجابون بجواب فيعجزون عن رده وهو أن يقولوا لخصمهم: هذا الذي ذكرته متشابه وما نعتقده محكم والمتشابه لا يجوز التمسك به ولا يعارض المحكم. فهذه طريقة يمكن التخلص بها في كل مقام ومن كل إيراد، ولم يعلم أن المتشابه لا يكون متشابها بمجرد الدعوى بل له أسباب لا بد لمن يدعي التشابه من بيانها مثل كونه مشتركا بين معنيين ولا قرينة على تعيين أحدهما أو أنه قامت قرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي ولم تعين المجازي ونحو ذلك. (ونظير هذه الوصية) ما حكي أن رجلا طلب للمحاكمة مع آخر فاسترشد صديقا له ما الذي ينبغي أن يفعله حتى لا يغلب فأوصاه باستعمال الانكار فلما حضر للمحاكمة ادعى عليه خصمه بمال فسأله القاضي عن اسمه فقال أنا منكر فقال هل أخذت منه هذا المال قال نعم ولكن أنا منكر فأمره القاضي بدفع المال فقال أنا منكر ولم يفهم المسكين أن الانكار بعد الاقرار لا يفيد. (أما) جعله كفراً شركاً بتعلقهم على الصالحين وتشفعهم بهم من المحكم فقد عرفت وستعرف بما لا مزيد عليه أنه من الوهي والوهن بمكان وأنه لا إحكام فيه بل هو رقم على الماء وإن جوابه لا شيء فيه من السداد.
قال: (وأما المفصل) فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة يصدون بها الناس. (منها) قولهم نحن لا نشرك بالله بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا (صلّى الله عليه وآله) لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن عبد القادر أو غيره ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم فجاوبه بما تقدم وهو إن الذين قاتلهم (صلّى الله عليه وآله) مقرون بما ذكرت وبأن أوثانهم لا تدبر شيئاً وإنما أرادوا الجاه والشفاعة واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه فإن قال إنها نزلت فيمن يعبد الأصنام فكيف تجعلون الصالحين أصناماً فجاوبه بما تقدم فإذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة وأراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الصالحين والأصنام ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} ويدعون عيسى وأمه واذكر قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} فإن قال: الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أرجو شفاعتهم فالجواب أن هذا قول الكفار بعينه {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} قال: وهذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم.
(ونقول) يظهر فساد ما أطال به بلا طائل مما قدمناه من أن الذين قاتلهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يقاتلهم على مجرد التشفع بالصالحين إليه بل على عدم قبولهم أحكام الإسلام وتكذيبهم له مع ظهور المعجزات على يديه وارتكابهم الموبقات والعظائم وغير ذلك مما مر في صدر الكلام حتى من يعبد صور الصالحين من الأحجار المنحوتة أما قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} فنزلت على ما ذكره المفسرون في قوم من العرب كانوا يعبدون الجن أو كانوا يعبدون الملائكة وقيل كانوا يعبدون عيسى وعزيراً واعترضه الطبري في تفسيره بما حاصله: إن الآية دالة على وجودهم في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) وعزير وعيسى ليسا كذلك انتهى (وفي الكشاف): (أولئك) مبتدأ و(الذين يدعون) صفته و(يبتغون) خبره و(أيهم) موصولة بدل من واو يبتغون يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله الذين هم أقرب منهم وأزلف فكيف بغير الأقرب انتهى. فالآية دالة على أنهم اتخذوهم آلهة من دون الله وعبدوهم وليس فيها ما يدل على أنه لم يصدر منهم في حقهم إلا طلب شفاعتهم عند الله والتوسل بهم إليه وإن اشتملت على لفظ الدعاء وإن المدعوين يبتغون إلى ربهم الوسيلة، لكن قوله لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا دال على أنهم كانوا يعتقدون فيهم القدرة على كشف الضر وتحويله عنهم بأنفسهم ولذلك عبدوهم واتخذوهم آلهة دون الله بدليل قوله تعالى: {الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ}. ومع ذلك فقد كذبوا الرسل وعاندوهم. وأما من يعبد عيسى وأمه فحالهم أوضح وأظهر. والعجب كيف جعل عبادة عيسى وأمه وجعله إلهاً خالقاً رازقاً مدبراً للكون متحداً مع الله تعالى كمن يتشفع بصالح إلى الله! ما هذا إلا الجهل أو العناد. وكذلك جعله رجاء الشفاعة من الصالحين هو قول المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا} هؤلاء شفعاؤنا، واضح الفساد بما عرفت من صراحة الآيتين في وقوع عبادة منهم غير الشفاعة جعلت علة لها مرة وعطفت عليها أخرى والعلة غير المعلول ومقتضى العطف التغاير كما سيأتي في فصل الشفاعة.
وقال الصنعاني في تطهير الاعتقاد([131]) ما حاصله بعد حذف تكريرات كثيرة وتقديم وتأخير: التوحيد قسمان توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها أي إن الله وحده هو الرب الخالق الرازق للعالم وهذا لا ينكره المشركون وتوحيد العبادة أي إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات وعدم عبادة غيره معه وهذا الذي جعلوا لله فيه الشركاء ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى. والرسل والأنبياء من أولهم وهو نوح إلى آخرهم وهو محمد بعثوا لتقرير توحيد الربوبية كقولهم: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}. {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا}. {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}. {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ}. استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرون ولم ترد الآيات في الغالب إلا بصيغة استفهام التقرير. والدعاء إلى التوحيد العبادة وإخلاصها والنهي عن شركها. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ} فأفاد أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}. ولم ترسل الرسل لطلب توحيد الربوبية لأن المشركين مقرون به بدليل قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} الآيات المتقدمة في كلام ابن عبد الوهاب. وكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السماوات والأرض ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ}. والعبادة اعتقادية كالاعتقاد بالتوحيد ولفظية كالنطق بكلمته وبدنية كالصلاة ومالية كالزكاة. والعبادة أقصى باب الخضوع والتذلل ولم تستعمل إلا في الخضوع لله لأنه مول أعظم النعم فكان حقيقا بأقصى غاية الخضوع كما في الكشاف.
ورأس العبادة وأساسها التوحيد الذي تفيده كلمته والمراد اعتقاد معناها وهو إفراد الله بالعبادة والإلهية والنفي والبراءة من كل معبود دونه لا مجرد قولها وقد علم الكفار هذا المعنى لأنهم أهل اللسان فقالوا: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} وقالوا {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} أي لنفرده بالعبادة دون الأوثان فأنكروا إفراده بالعبادة وعبدوا معه غيره واتخذوا له أندادا قال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي وأنتم تعلمون أنه لا ند له وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج:
لبيك لا شريك لك
إلا شريكاً هو لك
تـمــلكــه ومـا مـلـك
فالمشركون إنما أشركوا في العبادة ولم يشركوا في توحيد الربوبية وكانت عبادتهم للأصنام هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون ويقربونهم إلى الله زلفى ويشفعون لهم عنده فنحروا لهم النحائر وطافوا بهم ونذروا النذور عليهم وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم وسجدوا لهم ولم يعبدوهم بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم من الله زلفى وتشفع لهم لديه وقالوا وهم في النار: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه ولا جعلوهم خالقين رازقين وكان المشركون منهم من يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد ومنهم من يعبد أحجارا ويهتف بها عند الشدائد فبعث الله محمدا (صلّى الله عليه وآله) يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة كما أفردوه بالربوبية وأن لا يدعوا مع الله أحدا قال تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} (الآية) وقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي من شرط الصدق (كذا) بالله أن يفردوه بالتوكل كما يجب إفراده بالدعاء والاستغفار وهذه الحال التي أشرك بها السابقون بشرك العبادة هي بعينها حال المسلمين مع الأنبياء والصالحين وغيرهم فاعتقدوا فيهم أنهم يضرون وينفعون ويقربون إلى الله ويشفعون عنده فدعوهم ونادوهم في الشدائد والرخاء وهتفوا بأسمائهم واستغاثوا واستعانوا وتوسلوا وتشفعوا وحلفوا بهم وطلبوا منهم ما لا يطلب إلا من الله من عافية المريض وقدوم الغائب ونيل المطالب ونذروا لهم بأموالهم وأولادهم ونحروا على قبورهم وطافوا بها وتبركوا وتمسحوا بها فصار الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام لأنه قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك بل زادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد فلا فرق بينهم.
وكما أن السابقين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولم ينفعهم ذلك لأنهم مشركون بالعبادة فلم ينفعهم إقرارهم بالله لأنه نافاه فعلهم كذلك المسلمون وإن كانوا مقرين بتوحيد الربوبية لم ينفعهم إقرارهم لأنه نافاه عملهم.
فالمشركون لم يتخذوا الأصنام ولم يعبدوها ولم يتخذوا المسيح وأمه والملائكة شركاء لله لأنهم أشركوهم في الخلق بل لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما قالوه وإنهم شفعاء عند الله قال الله تعالى: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فجعل اتخاذهم للشفعاء شركا ونزه نفسه عنه لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهل لها ولا يغنون عنهم من الله شيئا. فما يفعله المسلمون هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية وإنما يفعلونه لما يسمونه وثنا وصنما وفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا والأسماء لا تغير المعاني فمن شرب الخمر وسماها ماء ما شرب إلا خمرا ولعل عقابه أشد للتدليس والكذب وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها وصدق (صلّى الله عليه وآله) فإنه أتى طوائف من الفسقة يشربون الخمر ويسمونها نبيذا وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس فقال: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} فسمى الشجرة التي نهي آدم عن قربانها شجرة الخلد جذبا لطبعه إليها وتدليساً عليه بالاسم الذي اخترعه لها كما يسمي إخوانه المقلدون الحشيشة بلقمة الراحة وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلما أدبا فيقولون أدب القتل أدب التهمة أدب المكاييل والموازين أو باسم النفاعة والسياقة وكذلك تسمية القبر مشهداً والرجل ولياً لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن لمعاملتهم لها معاملة المشركين للأصنام ويطوفون بهم طواف الحجاج بالبيت ويستلمونهم استلامهم لأركانه ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية كقولهم على الله وعليك ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد وكل قوم لهم رجل ينادونه فأهل العراق والهند عبد القادر الجيلي وأهل التهائم يقولون يا زيلعي يا ابن العجيل وأهل مكة والطائف يا ابن العباس وأهل مصر يا رفاعي يا بدوي والسادة البكرية وأهل الجبال يا أبا طير وأهل اليمن يا ابن علوان وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر وقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء وينادونه في الشدة والرخاء وهو عاكف على القبائح لا يحضر جمعة ولا جماعة ولا يعود مريضا ولا يشيع جنازة ولا يكتسب حلالا ويضم إلى ذلك دعوى التوكل وعلم الغيب ويجلب إبليس إليه جماعة قد عشش في قلوبهم وباض فيها وفرخ يصدقون بهتانه ويعظمون شأنه ويجعلون هذا ندا لرب العالمين ومثلاً.
فإفراد الله بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله والنداء في الشدائد والرخاء والاستعانة واللجأ والنذر والنحر وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللا والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كلها لله ومن فعل ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجراً أو قبراً أو جنياً فهذا شرك في العبادة وصار من تفعل له هذه الأمور إلها لعابديه وصار بهذه العبادة أو أي نوع منها عابداً لذلك المخلوق وإن أقر بالله وعبده فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم ومن اعتقد في شيء من ذلك أنه ينفع أو يضر أو يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل إليه تعالى إلا ما ورد في حديث فيه مقال في حق نبينا (صلّى الله عليه وآله)([132]) أو نحو ذلك فقد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان وصار حلال المال والدم كما حلت دماء المشركين وأموالهم قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك لا يقبل الله عملا شورك فيه غيره ولا يؤمن به من عبد معه غيره بل سمى الله الرياء في الطاعات شركا مع أن فاعلها ما قصد بها إلا الله وإنما أراد طلب المنزلة بها في قلوب الناس فلم تقبل وسماها شركا أخرج مسلم من حديث أبي هريرة. عنه (صلّى الله عليه وآله) يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا وأشرك فيه معي غيري تركته وشركه» بل سمى الله التسمية بعبد الحارث شركا بقوله تعالى: {فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا} أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سمرة عنه (صلّى الله عليه وآله) لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد طاف بها إبليس وقال لا يعيش لك ولد حتى تسميه بعبد الحارث فسمته فعاش وكان إبليس تسمى بالحارث.
ثم قال([133]) فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله وجعلوا لهم جزءا من المال وقصدوا قبورهم من ديارهم للزيارة وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عندها وهتفوا بهم عند الشدائد ونحروا تقربا إليهم وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم ولا استبعد أن فيهم من يفعل ذلك بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيماً له وعبادة. وقال([134]) فإن قلت القبوريون يقولون نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندا والالتجاء إلى الأولياء ليس شركا قلت يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك فإن تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك وما يفعلونه عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين ولا ينفعهم قولهم نحن لا نشرك بالله شيئا لأن فعلهم أكذب قولهم. ثم قال: فإن قلت هم جاهلون إنهم مشركون بما يفعلونه قلت قد خرج الفقهاء في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصلياً ومن نادى الله ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً وخوفاً وطمعاً ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة.
ثم أورد سؤالاً بأنهم إذا كانوا مشركين وجب جهادهم والسلوك فيهم ما سلكه (صلّى الله عليه وآله) في المشركين وأجاب بأنه ذهب إلى هذا طائفة من أهل العلم وقال إنه يجب دعاؤهم إلى التوحيد ويجب على العلماء بيان أن ما يفعلونه شرك وأنه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم فإذا أبانت العلماء ذلك للأئمة والملوك وجب عليهم بعث دعاة إلى إخلاص التوحيد فمن رجع حقن عليه ماله ودمه وذراريه ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله (صلّى الله عليه وآله) من المشركين (ثم قال) فإن قلت لا سواء لأن هؤلاء قد قالوا لا إله إلا الله وقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وقال لأسامة قتلته بعدما قال لا إله إلا الله وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون بخلاف المشركين قلت قد قال (صلّى الله عليه وآله) إلا بحقها وحقها إفراد الألوهية والعبودية لله والقبوريون لم يفردوا هذه العبادة فلم تنفعهم كلمة الشهادة فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها ولم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء وبنو حنيفة كانوا يشهدون الشهادتين ويصلون لكنهم قالوا مسيلمة نبي فقاتلهم الصحابة وسبوهم فكيف بمن يجعل للولي خاصة الإلهية ويناديه للمهمات وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حرق أصحاب عبد الله بن سبأ وكانوا يشهدون الشهادتين ولكن غلوا في علي واعتقدوا فيه ما يعتقد القبوريون وأجمعت الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله فكيف بمن يجعل لله ندا وإنكاره (صلّى الله عليه وآله) على أسامة قتله من قال لا إله إلا الله لأن من قالها من الكفار حقن ماله ودمه حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله فإن تبين لم تنفعه هذه الكلمة كما لم تنفع اليهود ولا الخوارج مع عبادتهم التي يحتقر الصحابة عبادتهم إلى جنبها بل أمر (صلّى الله عليه وآله) بقتلهم وقال لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وذلك لما خالفوا بعض الشريعة وكانوا شر القتلى تحت أديم السماء كما ثبتت به الأحاديث (فإن قلت) القبوريون ومن يعتقد في فسقه الناس وجهالهم من الأحياء يقولون نحن لا نعبد هؤلاء ولا نعبد إلا الله وحده ولا نصلي لهم ولا نصوم ولا نحج. (قلت): هذا جهل بمعنى العبادة فإنها لا تنحصر فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقداً ويصنعون له ما سمعت مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك وقد ذكر العلماء أن من تزيا بزي الكفارصار كافرا ومن تكلم بكلمة الكفر صار كافرا فكيف بمن بلغ هذه الرتبة اعتقاداً وقولاً وفعلاً انتهى.
(والجواب): إن تقسيمه التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد العبادة تطويل بدون طائل فإنه لا شك في وجوب توحيد الباري تعالى في ذاته وصفاته وعبادته وجميع ما هو من لوازم الربوبية وصفات الكمال ونفي صفات النقص عنه ولا يحتاج إلى كل هذا التطويل والتكرير الذي اعتادوه ولا إلى إكثار الشواهد القرآنية عليه ولا إلى الاستشهاد بإياك نعبد وأمثالها وإنما الذي ينفع بيان ما هي العبادة التي لا تليق بغير الله وإذا فعلت لغيره توجب الشرك والكفر هل هي مطلق التعظيم والخضوع والنداء والدعاء والاستعانة والاستغاثة والتشفع والتوسل والنذر والذبح والنحر وغير ذلك ليكون ما يفعله المسلمون داخلا فيها أو عبادة خاصة وهم لم يأتوا على أن ما يفعله المسلمون داخل في ذلك ببينة ولا برهان بل البرهان على خلافه قائم لما بيناه مراراً عند الكلام على هذه الأمور إجمالاً وتفصيلاً من أن مطلقها ليس ممنوعاً فضلاً عن كونه كفراً وشركاً وأن تعظيم من هو عظيم عند الله والخضوع له والاستغاثة والتشفع والتوسل بمن جعله الله مغيثاً شافعاً وجعل له الوسيلة كلها عبادة لله وأن النذر والذبح والنحر الذي يفعله المسلمون هو لله تعالى وعباده وطاعة له فجميع هذه الأمور سواء سميت عبادة أو لا، لا تعد شركاً ولا كفراً لأن الممنوع منه الموجب للشرك هي عبادة خاصة وهي ما كان عن غير أمر الله أو عناداً له أو بقصد الاستحقاق الذاتي كاستحقاق الله أو نحو ذلك (مع) أن قوله إن جميع الرسل بعثوا لتقرير توحيد الربوبية والدعاء إلى توحيد العبادة ولم يبعثوا للدعاء إلى توحيد الربوبية جهل محض فإن الأمم التي بعثت إليها الرسل (منها) من كان يعتقد في عيسى الإلهية ويثبت له جميع صفاتها كما مر في رد كلام ابن عبد الوهاب فكيف يقول إن جميع من بعثت إليهم الرسل موحدون بتوحيد الربوبية، (ومنه) يعلم فساد قوله إن من اتخذوا المسيح وأمه لم يتخذوهم لأنهم أشركوهم في الخلق بل لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى (ومنها) من كان ينكر الله تعالى وينكر البعث وهم الذين قالوا كما حكى الله تعالى عنهم في كتابه العزيز: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}، (ففي تفسير الطبري) يقول الله مخبراً عن هؤلاء المشركين أنهم قالوا وما يهلكنا فيفنينا إلا مر الليالي والأيام وطول العمر إنكارا منهم أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم. (وفي مجمع البيان) أي ما يميتنا إلا الأيام والليالي أي مرور الزمان وطول العمر إنكارا منهم للصانع. (وفي تفسير الرازي) أن الله حكى عنهم شبهتهم في إنكار القيامة وفي إنكار الإله القادر أما شبهتهم في إنكار القيامة فهي قولهم: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} وأما شبهتهم في إنكار الإله الفاعل المختار فقولهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} يعني تولد الأشخاص إنما كان بسبب حركة الأفلاك الموجبة لامتزاجات الطبائع وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت فالموجب للحياة والموت تأثير الطبائع وحركة الأفلاك ولا حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإله وبين إنكار البعث والقيامة وفي تفسير النيشابوري، إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكاراً المبدأ قائلين وما يهلكنا إلا الدهر انتهى. ثم إن قوله تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ} {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} ليس صريحاً في طلب توحيد العبادة فقط لجواز أن يعبر باللازم عن الملزوم فيكون قد طلب إفراد الله بالعبادة وملزومه الذي هو إفراده بالربوبية. ثم إن تقسيمه العبادة إلى اعتقادية ولفظية وبدنية الذي اختصرناه. وقوله: إن العبادة أقصى غاية الخضوع وإن مستحقها الله تعالى لإيلائه أعظم النعم كما نقله عن الكشاف لا يظهر لذكره في هذا المقام فائدة بل هو تطويل بلا طائل كما هي عادتهم في التطويل بتكرر المعنى الواحد وإعادته مرارا كثيرة كما وقع في كلامه من تكرير القول بأن الأنبياء بعثوا للدعاء إلى توحيد العبادة لا توحيد الربوبية مراراً كثيرة وقد اختصرناه ووجه كون ذلك تطويلا بلا طائل أنه لا ينكر أحد إن الحقيق بغاية الخضوع والتذلل هو الله تعالى ولكن الذي ينفع هو إثبات أن كل خضوع وتذلل لغير الله هو عبادة له موجبة للشرك والكفر وأنّى لهم بذلك بل هو بكلامه هذا رد على نفسه فإنه جعل العبادة الخاصة بالله تعالى هي غاية الخضوع والتذلل فدل على أن مطلق الخضوع والتذلل ليس كذلك وتقسيم العبادة لا مساس له بما هو بصدده وكذا قوله إن رأس العبادة وأساسها التوحيد وإن المراد معنى كلمة الشهادة لا مجرد قولها تطويل بلا طائل إذ لا ينكر أحد ذلك ومن التطويل بلا طائل قوله وقد علم الكفار هذا المعنى الخ كما لا يخفى. (أما) رجز التلبية الذي استشهد به فهو عليه لا له فإنهم بعدما جعلوا الأصنام شركاء لله يعبدونها بأنواع العبادة التي نهى الله عنها ولم يقع منها من أحد من المسلمين كما ستعرف لا ينفعهم قول: هو لك تملكه وما ملك. (قوله): وكانت عبادتهم للأصنام اعتقادهم أنهم يضرون وينفعون الخ جعل تارة عبادة الأصنام هي اعتقاد أنهم يضرون وينفعون ويشفعون المتفرع عنه النحر لهم والطواف بهم والنذر عليهم والذل والخضوع والسجود لهم وتارة جعل عبادتهم هي الخضوع والتقرب بالنحر والنذر المتسبب عن اعتقاد الشفاعة ولا يخفى تهافت ذلك وتناقضه وسواء كانت عبادة الأصنام هي الاعتقاد المذكور المتفرع عنه تلك الأفعال أو تلك الأفعال المتفرعة عن الاعتقاد المذكور أو هما معاً فقياس حال المسلمين بهم قياس فاسد وجهل محض كما علم مما مر في الرد على ابن عبد الوهاب. (فالمشركون) كذبوا الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأنكروا ما جاء به ومنهم من قال عيسى هو الله. (والمسلمون) أقروا بالله وبرسوله وبكل ما جاء به فكيف يقاس أحدهما بالآخر وجعل مساويا له هل هذا إلا الضلال نعوذ بالله منه. (والمشركون) اعتقدوا في أحجار وأشجار وجمادات لا تضر ولا تنفع ولا تعقل ولا تسمع ولا تغيث ولا تشفع سواء كانت صور صالحين أو غيرهم فالشافع الصالح لا صورته أنها تضر وتنفع وتغيث وتشفع فتشفعوا واستغاثوا بها وعظموها ولم يجعل الله لها شيئا من ذلك بل نهى عن التشفع والاستغاثة بها وتعظيمها. (والمسلمون) اعتقدوا أن الأنبياء والصالحين ينفعون بدعائهم وشفاعتهم أحياء وأمواتا كما نصت عليه أحكام دينهم وأدلته التي ستعرفها والتي أثبتت لهم الشفاعة والدعاء ويضرون بترك ذلك وبالبعد عن نيل بركتهم وهو اعتقاد صحيح مطابق لأدلة الدين الإسلامي فطلبوا منهم ما جعله الله لهم من دعائه والشفاعة لديه. (والمشركون) عظموا ما لا يستحق التعظيم سواء كان صورة صالح متوهمة أو غيره فإن الصورة لا تستحق تعظيما فإنها إن كانت مجسمة فعملها حرام وإتلافها واجب وإن كانت غير مجسمة فعملها حرام أو مكروه وإتلافها واجب أو مستحب وطافوا وتبركوا بما لم يجعله الله مباركا. (والمسلمون) عظموا من أمر الله بتعظيمه حياً وميتاً وجعله معظماً من الأنبياء والصالحين وقبورهم وطافوا وتمسحوا وتبركوا بها لتشرفها بأجسادهم الشريفة كما تشرف الجلد المعمول للمصحف فهل يسوي بين هؤلاء وهؤلاء إلا جاهل مضل أو معاند. (والمشركون) عبدوا تلك الأحجار والأشجار بأنواع العبادات التي نهاهم الله تعالى عنها فسجدوا لها وذبحوا ونحروا لها مهلين بأسمائها على ذبائحهم دون اسم الله تعالى وطلوها بدمائها وأعرضوا عن عبادة الله بالكلية وقالوا لا قدرة لنا على عبادته فنحن نعبدها لتقربنا إليه واعتقدوا أن لها شرفا ذاتيا واستحقاقا للعبادة بالاستقلال واختيارا وتدبيرا وكانوا يقولون (اعل هبل) قاصدين أن تكون كلمة الأصنام ودين الجاهلية هي العليا وكلمة الله ودين الإسلام هي السفلى فأجابهم النبي (صلّى الله عليه وآله) بقوله: (الله أعلى وأجل) فأعرضوا عن ذكر الله واكتفوا بذكرها وكذبوا الرسل الذين نهوهم عن عبادتها ولم يكتفوا بذلك بل بدلوا دين الله وغيروا أحكامه ومنهم من عبد الملائكة وسماهم بنات الله. (والمسلمون) لم يعبدوا نبياً ولا صالحاً ولا قبره بل عبدوا الله وحده فلم يسجدوا لقبر ولا لولي ولم يذبحوا له ولم يذكروا اسمه على ذبيحتهم بل ذبحوا لله وحده وذكروا اسمه على المذبوح وأهدوا ثواب الصدقة بالذبيحة إليه فهل يسوي بين عمل المسلمين هذا وعمل المشركين إلا جاهل أو مكابر. (وسيأتي) لهذا مزيد توضيح في الباب الثالث ومر في رد كلام ابن عبد الوهاب في هذا الباب ما له علاقة بالمقام فراجع. ومن ذلك يظهر فساد استشهاده بآية {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وإن المسلمين بتشفعهم وتبركهم وتعظيمهم لمن جعله الله شافعاً مباركاً عظيماً لم يسووه برب العالمين. (قوله): ومنهم من كان يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد. قد عرفت في رد كلام ابن عبد الوهاب إن عبادتهم للملائكة لم تكن مجرد التوسل والتشفع الذي يقع مثله من المسلمين فلا نطيل بإعادته. (قوله): وأن لا يدعوا مع الله أحداً ستعرف في فصل الدعاء أن المنهي عنه ليس هو ما يقع من المسلمين من طلب الشفاعة وأن آية له دعوة الحق لا دلالة فيها على شيء مما يزعمونه. (قوله): كما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. كيف ذكر ما قاله علماء البيان هنا ونسي ما قالوه في باب المجاز العقلي من أن قول أنبت الربيع البقل إذا صدر من المسلم كان مجازا عقليا من باب الإسناد إلى الزمان وإذا قاله الدهري كان حقيقة ولم يعمل به في طلب المسلمين من النبي أو الولي عافية المريض أو قدوم الغائب ونحو ذلك فيجعله مجازا عقليا من باب الإسناد إلى السبب وقرينته ظهور حال المسلم كما جعل أهل البيان انبت الربيع البقل مجازاً عقلياً وقرينته صدوره من مسلم بل كفر به المسلمين واستحل أموالهم ودماءهم. (قوله): فاعتقدوا أنهم يضرون وينفعون تقدم الكلام على مثله آنفا فراجع. (قوله): ويقربون إلى الله ويشفعون عنده. نعم يقربون إلى الله بدعائهم لنا ويشفعون لنا عنده. ودعاء المؤمن لأخيه فضلاً عن النبي والشفاعة لا ينكرها الوهابية كما ستعرف أما الأحجار والأشجار فليست لها هذه الصفة فبطل القياس. (قوله): فدعوهم إلى قوله وتمسحوا بها سيأتي الكلام عليه مفصلاً في الفصول الآتية إن شاء الله وباقي كلامه يفهم رده مما مر. (قوله): فجعل اتخاذهم للشفعاء شركاً سيأتي الكلام عليه مفصلاً في فصل الشفاعة وإن هذه الدعوى محض افتراء على الله تعالى وإن اتخاذ الشفعاء الذين جعل الله لهم الشفاعة كنبينا (صلّى الله عليه وآله) هو عين إطاعة الله تعالى وإن جعله شركاً من أعظم الموبقات وأقبح الافتراءات عليه تعالى وكذا بقية كلامه الذي من هذا القبيل. (قوله): والأسماء لا تغير المعاني. (نعم) لا تغيرها فتسمية الوهابية الأنبياء والأولياء وقبورهم ومشاهدهم أوثانا لا تجعلها أوثانا وتسميتهم طاعة الله وما أمر به من تعظيم أوليائه والتشفع بهم شركا لا تجعله شركا وتسمية أنفسهم الموحدين لا تجعلهم كذلك بعدما نسبوا إلى الله التجسيم ولوازم الحدوث. وقياسه تسمية القبر مشهدا والرجل وليا بمن يسمي الخمر نبيذا والشجرة المنهي عنها شجرة الخلد والحشيشة لقمة الراحة والظلم أدبا قياس فاسد وجهل محض فالمسلمون سموا محل القبر مشهدا بكرم صاحبه على الله ومكانته عنده وشرفه لديه بإخلاصه له في العبودية وتشرفه بجسده تشرف الأديم والورق والمداد بكلام الله تعالى وسموا من أخلص لله في العبودية والطاعة وليا كما سماه الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا} {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} وغير ذلك. نعم قد يطلق اسم الولي على من لا يستحق ذلك لكونه معتوهاً أو مشعوذاً أو مع كونه جاهلاً أو فاسقاً ولكن هذا لا يوجب أن يكون إطلاقه على أهله خطأ وإثماً. (وكون) بعض الناس قد يعتقد في فسقة الأحياء وجهالهم لا يوجب فساد اعتقادهم في شفاعة الأنبياء والأولياء وطلب دعائهم. (أما استدلاله) على كون ما يسمى مشهدا أو وليا هو وثن وصنم بأنهم يعاملونها معاملة المشركين للأصنام ويطوفون بهم طواف الحجاج بالبيت ويستلمونهم استلامهم لأركانه فيظهر فساده مما ستعرف في الفصول الآتية فإن طوافهم بقبورهم واستلامهم لها تبركاً بها وبمن فيها لمكانتهم عند الله وشرفهم عنده بإخلاصهم له في العبودية وبذلهم أنفسهم في طاعته هو طاعة لله الذي جعلهم مباركين وميزهم عن عباده كما ميز البيت وأركانه وشرفها بالطواف والاستلام وهي أحجار وجماد لا تضر ولا تنفع ولا تعقل ولا تسمع ومن ذلك تعرف أنه لم يعامل أحد الأنبياء والأولياء وقبورهم معاملة الأصنام بل عاملوهم بما أمر الله أن يعاملوهم به وأن هتافهم بهم لطلب الدعاء والشفاعة الذي لا محذور فيه. (أما قولهم) على الله وعليك فلا يراد به إلا على الله قضاء حاجتي وعليك الشفاعة عنده ودعاؤه في قضائها وهذا مقصد صحيح لا مغمز فيه ولا محذور ولا يريدون مساواته بالله تعالى في القدرة والطلب منه فهو نظير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} فكيف نسب الله الايتاء إليه وإلى رسوله على السواء في ظاهر اللفظ وأمر المسلمين أن يقولوا ذلك ولم يكن ذلك شركا وكان قوله على الله وعليك شركا وكفرا وهو مثله ونظيره ولو فرض جهل مقصدهم لوجب الحمل على ما ذكرنا لوجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحيح مهما أمكن كما مر في المقدمات وكذا هتافهم بأسمائهم عند الشدائد لا يراد به إلا ذلك كما تكرر بيانه واتفاق أهل جميع بلاد الإسلام على المناداة بذلك واستمرار سيرتهم عليه أقوى دليل على إجماع المسلمين على ذلك وأخذ الخلف له عن السلف وإجماع المسلمين وسيرتهم حجة كما مر في المقدمات. (أما قوله): إن إفراد الله بتوحيد العبادة لا يتم الخ فهو على إطلاقه بالنسبة إلى الدعاء والنداء والاستعانة والخضوع والتذلل وأمثال ذلك فاسد لما عرفت وستعرف من أن مطلق هذه الأمور لا يكون عبادة منهيا عنها أو موجبا للشرك وأن الممنوع منه ما كان خلافا على الله ومعاندة لأمره وتعبداً بما لم يأذن به وأن ما يفعله المسلمون خارج عن ذلك كله وأما النذر والنحر فيأتي كل منهما في فصله. (قوله): من اعتقد في شيء من ذلك أنه ينفع أو يضر، مر الكلام في مثله ويشمل كلامه هذا من سأل رجلا أن يدعو له واعتقد أنه ينفعه بدعائه ومن اعتقد في شخص أنه يضره بدعائه عليه أو نحو ذلك ومن اعتقد في شخص حي أنه ينفعه ببره أو يضره بشيء من مضار الدنيا فيلزم كفر الجميع. (قوله): أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع الخ سيأتي الكلام عليه في فصل الشفاعة.
(أما الحديث) الذي قال إن فيه مقالا فهو حديث سؤال الأعمى الآتي في فصل التوسل حيث أمره النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يتوسل به إلى الله وستعرف انتفاء كل مقال عنه وإذا كان التوسل به (صلّى الله عليه وآله) في حياته ومماته شركاً وكفراً كما يقتضيه قوله حي أو ميت فيلزم القطع بكذب هذا الحديث لا أن يكون فيه مقال. أما استشهاده بالحديث القدسي: أنا أغني الشركاء إلخ فغريب لأنه وارد في الرياء كما صرح به بعد ذلك وأنه تعالى لا يقبل عمل المرائي وتسمية الرياء شركاً في الأخبار من باب المجاز والمبالغة كتسمية بعض الذنوب كفراً كما بيناه في الأمر الخامس من المقدمة الثانية وإلا فلم يقل أحد بأن المرائي صار كافراً مشركاً حلال المال والدم حتى يتوب ولا نظن أن الوهابيين يلتزمون بذلك وإن كان لا يستبعد شيء من جمودهم وتعسفهم وتعنتهم وقد صرح بعضهم في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية([135]) بأن الرياء لا يخرج عن الملة وأنه شرك أصغر ومن ذلك ظهر أن استشهاده أخيراً بتسمية الرياء شركاً لا محل له، (أما استشهاده) بتسمية حواء ولدها بعبد الحارث بأمر من إبليس الذي تسمى الحارث وتسمية الله له شركا فعجيب فإن إبليس ما أراد بأمرها أن تسميه بعبد الحارث أي عبد الشيطان إلا أن يكون عبداً له كما هو عبد الله فإذا أطاعته حواء في ذلك فقد جعلت له شريكا فيما آتاها فهل يقاس بذلك المتشفع إلى الله بمن جعل الله له الشفاعة والمعظم لمن جعله الله عظيما والمتبرك بمن جعله مباركا إلى غير ذلك، (قوله): والمعتقدون في جهال الأحياء وضلالهم. لا كلام لنا فيمن يعتقد في جهال الأحياء والأموات وضلالهم فنحن لا نعتقد فيهم ونخطئ من يعتقد فيهم وإنما كلامنا في الأنبياء والأولياء والصلحاء، (قوله): فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله إلى قوله: ونحروا تقرباً إليهم. قد عرفت أننا لم نعتقد فيهم إلا ما جعلهم الله له أهلا. وستعرف أنه لم يجعل أحد لهم جزءاً من المال وإنما ينذر الصدقة وإهداء الثواب إليهم الذي ثبت جوازه في الشرع وأن زيارة قبور الأنبياء والصلحاء والقصد إليها مما يتقرب به إليه تعالى وأن الطواف حول قبورهم التي بوركت بهم كما بورك جلد الشاة والورق بالمصحف والخضوع عندها احتراما لأهلها لا محذور فيه هو إطاعة لله تعالى وأن الهتاف بأهلها عند الشدائد لطلب دعائهم وشفاعتهم لا مانع منه وأن النحر هو تقرب إلى الله لا إليهم وإنما يهدى ثواب الصدقة بالمنحور لهم وأنه ليس في شيء من ذلك شائبة العبادة لغيره تعالى. (أما السجود على العتبة) الذي حكاه عمن يثق به فالذي نظنه أن هذا المخبر رأى من يقبل العتبة فظنه سجودا وتقبيل العتبة كتقبيل الضريح تعظيما له وتبركا به لا مانع منه ولا محذور فيه، وإن أباه جمود الوهابية وتعنتهم وستعرف ذلك في فصل التبرك بقبور الصالحين باللمس والتقبيل وغير ذلك وإن صح ما نقل من السجود على عتبة مشهد الولي ولا نظنه صحيحا فيجب حمله على السجود لله تعالى شكرا له على التوفيق لزيارة النبي أو الولي التي ثبت أنها طاعة كما ستعرف إذ لا يظن ولا يحتمل بمسلم السجود لغير الله وهو يعلم أنه غير جائز فما دام له محمل صحيح لا يجوز حمله على الفاسد ولا يجوز الحكم بكفر فاعله كما مر في المقدمات، نعم الأرجح تركه لأنه موهم للسجود لغير الله، (قوله): هذا جهل منهم بمعنى الشرك. قد ظهر بما عرفت وستعرف أنه أحق بنسبة الجهل إليه. (قوله): فإن تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك. بل تعظيم من عظم الله من الأنبياء والأولياء والصلحاء من أعظم الطاعات لله تعالى ونسبة فاعلها إلى الشرك وعدم تعظيمهم بل إهانتهم بهدم قبورهم وجعلها معرضاً لكل هوان من أعظم الموبقات التي إن لم تكن كفراً لمخالفتها إجماع المسلمين بل ضرورة الدين لا تنقص عن الكفر والشرك وقد عرفت مما ذكرناه أن ما يفعله المسلمون بعيد عما فعله المشركون أكثر من بعد السماء عن الأرض وأن أفعالهم تصدق أقوالهم ولا تكذبها، (قوله): خرج الفقهاء في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها. قد مضى في رد كلام ابن عبد الوهاب أن الذي ذكره الفقهاء في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر استهزاء أو عنادا أو اعتقادا كفر لا مطلق من قالها، (قوله): وهذا دال على أنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا ماهية التوحيد بل ما عرفت دال على أنه ومن تبعه لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا الشرك ويرمون المسلمين بما هم منه براء. وأفحش من هذا كله قوله: فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا، افتراء تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا أن يكون المسلمون المقرون لربهم بالوحدانية ولنبيه بالرسالة والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة والقائمون بجميع فروض الإسلام كفارا كفرا أصليا موجبا لحل دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لماذا؟! لأنهم يسألون الشفاعة ممن جعل الله له الشفاعة ويستغيثون بمن جعله الله مغيثا ليدعو الله لهم في نجاح مطالبهم وهم لا يعتقدون إلا أنه نبي شرفه الله بالرسالة ولا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً إلا بأمر الله تعالى، (قوله): فمن نادى الله إلى قوله: فإن الدعاء من العبادة الخ، ستعرف تفصيل الجواب عنه بما لا مزيد عليه في فصل الدعاء والاستغاثة وإن طلب الشفاعة والاستغاثة بمن جعله الله شافعا ومغيثا لا يدخل في ذلك وقد بان من ذلك انهدام ما بناه على هذا الوهم الفاسد من الأسئلة والأجوبة الفاسدة بقوله: إذا كانوا مشركين وجب جهادهم الخ. والسؤال الذي بعده المتضمن لقصة أسامة وجوابه المتضمن تشبيه المسلمين بطلبهم الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) واستغاثتهم به ليدعو الله لهم باليهود المنكرين بعض الأنبياء المتمسكين بشريعة منسوخة وببني حنيفة القائلين إن مسيلمة نبي أو الذين اعتل لقتلهم بمنع الزكاة التي وجوبها من الضروريات وبأصحاب عبد الله بن سبأ القائلين لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنت الله وبمنكري البعث وبالخوارج الذين هم أشبه الناس بالوهابية كما عرفت في المقدمات والذين أنكروا حب علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو من ضروريات الإسلام واستحلوا دماء المسلمين وكفروهم كما أنكر الوهابيون حرمة قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووجوب تعظيمه وهي من ضروريات الدين وجعلوه وثناً وصنماً واستحلوا دماء المسلمين وكفرهم، (قوله): هذا جهل بمعنى العبادة فإنها لا تنحصر فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد الخ كأنه يريد أنهم يعتقدون فيهم أنهم يقدرون على ما يطلب منهم فيصنعون ما يتفرع عن الاعتقاد من الدعاء والنداء الخ، (فنقول): هذا جهل منه واضح فالمتشفعون والمتوسلون من المسلمين بالأنبياء والأولياء والصالحين لا يعتقدون فيهم أنهم يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا وأن الأمر كله لله وإنما يعتقدون فيهم ما جعلهم الله له أهلا من الشفاعة والوسيلة وإجابة الدعاء وأنه ميزهم على غيرهم من الخلق وقربهم منه بطاعتهم له فمعتقد ذلك فيهم مصيب لا مخطئ فلذلك يدعونهم ليشفعوا لهم عند من جعل لهم الشفاعة ويتوسلون بهم إلى من جعل لهم الوسيلة ويستغيثون ويستعينون بهم ليسألوا الله في قضاء حوائجهم ويحلفون بهم لأن لهم قدرا وشأنا عند الله تعالى بإطاعتهم وستعرف في فصل الحلف أنه لا محذور فيه وينذرون النذور ويهدون ثوابها إليهم إلى غير ذلك فهذا الاعتقاد لا مساس له بالعبادة حتى يجعل اسها ورأسها والمتفرع عنه لا ضرر فيه ولا محذور، (قوله): وقد ذكر العلماء أن من تزيا بزي الكفار صار كافراً، فمع إنا لم نر ذلك في كلام العلماء ولو فرض فلا دليل عليه وإنما يكون آثما. فيه أن قياسه بما يفعله المسلمون قياس فاسد لما عرفت من أن ما يصدر من المسلمين لا محذور فيه والعجب من هؤلاء تارة يجعلون ما ينسبونه إلى العلماء حجة وتارة يكفرون جميع المسلمين عالمهم وجاهلهم ولا يعبأون بما استمرت عليه سيرتهم جيلا بعد جيل، (قوله): ومن تكلم بكلمة الكفرصار كافرا، (أقول): قد عرفت أنهم يكفرونه بذلك إذا قالها استهزاء أو عناداً أو اعتقاداً لا مطلقاً كما يقتضيه كلامه. (قوله): فكيف بمن بلغ هذه الرتبة اعتقادا وقولا وفعلا. قد عرفت أنه لم يعتقد إلا ما هو الواقع ولم يقل ولم يفعل إلا ما هو الصواب.
وقال ابن تيمية في رسالة الواسطة([136]) في جواب مسألة عن رجلين تناظرا فقال أحدهما لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك: إن أراد أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، (إلى أن قال): وإن أراد أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار، (إلى أن قال): فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين، (إلى أن قال): ومن أثبت مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وخلقه كالحجاب بين الملك ورعيته يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فالله إنما يهدي ويرزق بتوسطهم فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله تأدبا أو لأن سؤالهم أنفع لقربهم فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل انتهى.
(والجواب): أن ما ذكره من القول بأنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار أو إن المشايخ وسائط كالحجاب بين الملك ورعيته والله لا يهدي ولا يرزق إلا بتوسطهم غير موجود لأحد من المسلمين فسواء كان جعل ابن تيمية له كفراً وشركاً صواباً أو خطأً لا يضر أحداً وذكره له تطويل بلا طائل فلا نطيل برده وإن كانت دعواه الإجماع على التكفير بالأول غير ثابتة ولا مستند لها ومن الذي عنون هذه المسألة الفرضية وتكلم على حكمها من المسلمين حتى يدعي إجماعهم على ذلك على أن مجرد سؤال غفران الذنب وتفريج الكرب ونحو ذلك لا يعد غلطاً وخطأً وفضلاً عن أن يكون شركاً وكفراً لأنه محمول على الصحة من باب المجاز في الإسناد بإرادة الإسناد إلى السبب كما فصلناه في المقدمات وفي تضاعيف ما مر كما أن حكمه بكفر وشرك من أثبت المشائخ واسطة على النحو المذكور واستحلال دمه إن لم يتب. لو فرض وجود من يعتقد ذلك لا دليل عليه وهو تهجم على الدماء وتقول على الله لأن الظاهر مراده أنهم وسائط وشفعاء إلى الله في ذلك لا أنهم يفعلونه من أنفسهم كماصرح به في قوله: ومن أثبت مشايخ العلم إلى قوله: فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله تأدباً. (ودعوى) أنها كعبادة الأصنام والاعتقاد فيها يدفعها ما مر ويأتي مفصلا من أن عبادة الأصنام وإشراك عابديها ليس من هذا القبيل، نعم اعتقاد ذلك غلط وخطأ أما إن معتقده كافر مشرك فلم يقم عليه دليل أن لم يقم على عدمه.
وذكر الجبرتي في حوادث سنة 1218 أن الوهابي أرسل كتابا إلى شيخ الركب المغربي ومعه أوراق تتضمن دعوته وعقيدته وفيها بعد المقدمة ما نصه: أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أخبرنا بأن أمته تأخذ مآخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه (صلّى الله عليه وآله) لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن. وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الاشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات وكذلك التقرب إليهم بالنذر وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا كما قال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصاً لوجهه وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار. وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فأخبر أنه من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك أن الشفاعة كلها لله {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} {فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ} {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} وهو لا يرضى إلا التوحيد([137]) { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى } فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله كما قال {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ}. فإذا كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل يأتي فيخر لله ساجدا فيحمده بمحامده يعلمه إياها ثم يقال إرفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع ثم يحد له حدا فيدخلهم الجنة فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من العلماء المسلمين بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم وأما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي (صلّى الله عليه وآله) أمته وحذر منها كما في الحديث: لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان وهو (صلّى الله عليه وآله) حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر وأن يبني عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر وثبت فيه أيضا أنه بعث علي بن أبي طالب وأمره أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه ولا تمثالاً إلا طمسه ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول (صلّى الله عليه وآله) فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله (صلّى الله عليه وآله) وإجماع السلف الصالح من الأمة ممتثلين لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}. إلى أن قال: ونعتقد أيضاً أن أمة محمد المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك انتهى.
(والجواب) عما تضمنه هذا الكتاب مما روي عنه (صلّى الله عليه وآله) من اتباع هذه الأمة سنن الأمم قبلها كاليهود والنصارى: أنه لا يبعد أن يكون النبي (صلّى الله عليه وآله) أشار به إلى الوهابية فأولئك اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وقد ورد في الحديث أنهم ما صاموا لهم ولا صلوا وإنما أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فاتبعوهم، وهؤلاء قلدوا محمد بن عبد الوهاب في كل ما يقوله فحرم عليهم حلالا كالتشفع والتوسل بذوي المكانة عند الله ونحو ذلك وحلل لهم حراماً وهو سفك دماء المسلمين واستباحة أموالهم وأعراضهم فاتبعوه بدون تحقيق ولا تمحيص للأدلة حتى كأن كلامه وحي منزل وهو ممن يجوز عليه الخطأ وأدلته التي يستدل بها كلها ضعيفة واهية كما بيناه في هذا الكتاب وهم يأخذونها بالقبول ولا يقبلون عليها ردا ولا في مقابلها دليلاً ولا يحيدون عنها قيد أنملة ولا يزيدون عليها ولا ينقصون منها كلمة واحدة ويتوارثها آخرهم عن أولهم بلفظ واحد ومعنى واحد ويسمون أنفسهم بالسلفيين أي إنهم أتباع السلف وإذا أورد لهم شيء من أقوال السلف يخالف معتقدهم لا يتحاشون من نسبة قائله إلى الشرك والكفر ويقولون مقتدانا الكتاب والسنة فهم في خطأ على الحالين فإن أقوال السلف ليست وحيا منزلا ولا أصحابها معصومون من الخطأ حتى نقلدهم على كل حال وإذا جاز تقليدهم فما بالنا نقلدهم تارة ونكفرههم أخرى وستعرف في الفصول الآتية مخالفة السلف للوهابيين في الشفاعة والتوسل وزيارة القبور والبناء عليها وغير ذلك مما تجده في تضاعيف هذا الكتاب. (وأما) ما تضمنه الكتاب المذكور من الحديث القائل إن الفرقة الناجية هي من كان على مثل ما كان عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه فهو من البديهيات والضروريات التي لا تحتاج إلى الاستدلال بالأحاديث وإطالة الكلام إذ لا شك في أن متبع النبي (صلّى الله عليه وآله) ناج ومخالفه هالك وإلا لم يكن نبيا وقد قال الله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. وما كان عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) هو دين الإسلام وأصحابه اقتدوا به واتبعوه عليه فالميزان في الحقيقة هو ما كان عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) فقط لأن اتباع أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) المتبعين له اتباع له (صلّى الله عليه وآله) وإن خالفوه لم يجز اتباعهم وأي مسلم يشك في وجوب اتباع النبي (صلّى الله عليه وآله) دون غيره. اللهم إنا لا نتبع إلا طريقة رسولك وسنته ونبرأ إليك ممن خالفها ولو ظهر لنا أن الاستغاثة والتشفع والتوسل بذوي المكانة عندك وتعظيم قبور الأنبياء والصالحين تخالف سنة نبيك (صلّى الله عليه وآله) لكنا أول من تبرأ منها. وهذا ليس محلا للكلام ولا محطا للأنظار وإنما محل الكلام معرفة ما كان عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) واتبعه عليه أصحابه فقد وقع الاختلاف الكثير فيه بين المجتهدين وعلماء المسلمين فما أثبته هذا نفاه ذلك (وكل يدعي وصلاً بليلى) وكل يقول إن قوله هو ما كان عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه، لا يوجد من يقول إني لا أتبع ما كان عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه بل الصحابة أنفسهم اختلفوا في مسائل عديدة ليس هذا محل تفصيلها وستعرف أن الاستغاثة بذوي المكانة طلبا لدعائهم والاستشفاع بهم إليه والبناء على القبور والصلاة عندها سيرة المسلمين خلفا عن سلف وسيرة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وقد اعترف صاحب الكتاب بحجية إجماع السلف الصالح وإن الأمة لا تجتمع على ضلالة وتقييده الأمة بالمتبعين للسنة لا يظهر له معنى ولا فائدة إذ لا يوجد مسلم تظهر له سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويقول لا أتبعها وإنما أراد بذلك أن يحفظ لنفسه خط الرجعة فيحصر اتباع السنة بالوهابيين فقط حينما يحتج عليه أحد بإجماع الأمة وأنى له ذلك فإن ثبت قول الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا تجتمع أمتي على ضلالة كان ذلك دالا على أن ما اتفقوا عليه هو من سنته وعلى طبق شريعته فهذا القيد الذي قيد به فضول فاسد. ومر في المقدمات أن سيرة المسلمين وإجماعهم كاشف عن أن ذلك مما كان عليه النبي (صلّى الله عليه وآله). (قوله): وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من العلماء المسلمين وأجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ستعرف في الفصول الآتية عدم صحة هذه الدعوى وأن الذي أجمع عليه السلف الصالح وعلماء المسلمين خلاف ما عليه الوهابية. (أما) باقي الكتاب فيفهم رده مما مر في كلام ابن عبد الوهاب والصنعاني فإن كلماتهم كلها تدور على محور واحد.
وعن تاريخ نجد لمحمود شكري الآلوسي أنه حكى عن عبد اللطيف حفيد ابن عبد الوهاب أنه قال: ذكر طرف من معتقد المغالين في القبور والصالحين. ونذكر لك طرفا من معتقد هؤلاء ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعا وتوسلا مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق. من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء ودعاؤهم مع الله في المهمات والملمات والحوادث التي لا يكشفها ولا يجيب الدعاء فيها إلا الله والعكوف حول أجداثهم وتقبيل أعتابهم والتمسح بآثارهم طلبا للغوث واستجابة الدعوات وإظهار الفاقة وإبداء الفقر والضراعة واستنزال الغيوث والأمطار وطلب السلامة من شدائد البراري والبحار وسؤالهم تزويج الأرامل والأيامى واللطف بالضعفاء واليتامى والاعتماد عليهم في المطالب العالية وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية وإعطاء تلك المراتب السامية. وجماهيرهم لما ألفت ذلك طباعهم وفسدت به فطرهم وعز عنه امتناعهم لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى والإنابة إليه بل ليس ذلك عندهم إلا الولي الفلاني ومشهد الشيخ فلان حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضاً عن الخروج للاستسقاء والإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد والبلوى كل هذا رأيناه وسمعناه عنهم فهل سمعت من جاهلية العرب مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب والكلام مع ذكي القلب يقظ الذهن قوي الهمة العارف بالحقائق ومن لا ترضى نفسه بحضيض التقليد في أصول الديانات والتوحيد وأما ميت القلب بليد الذهن وضيع النفس جامد القريحة ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق على ما يحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر والتنديد فذاك فاسد الفطرة معتل المزاج وخطابه محض عناء ولجاج. ومن وقف على كتب المتصوفة ومناقب مشايخهم وقف على ساحل بحر من ضلالهم وفي حاشية البيجوري على السنوسية نقلا عن الدردير عن الشعراني أن الله وكل بقبر كل ولي ملكا يقضي حاجة من سأل ذلك الولي فقف هنا وانظر إلى ما آل إليه إفكهم فأين هذا من قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)} {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وأي حجة في هذا الذي قاله الشعراني لو كانوا يعلمون ولكن القوم أصابهم داء الأمم قبلهم فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون. ومن هذا الجنس ما ذكره الشعراني في ترجمة شمس الدين الحنفي أنه قال في مرض موته من كانت له حاجة فليأت قبري ويطلب أن أقضيها له فإنما بيني وبينه ذراع من تراب وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل وباب تصرف المشايخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام من أهل البسيطة وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغرباء وأظلته المحيطة حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي عهود الحمى فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية بل ذكر الله عز وجل أنهم يعترفون له بتوحيد الربوبية ويقرون به ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية والتدبير على ما أنكروه من الإلهية. ومن عجيب أمرهم ما ذكره حسين بن محمد النعيمي اليمني في بعض رسائله إن امرأة كف بصرها فنادت وليها أما الله فقد صنع ما ترى ولم يبق إلا حبك انتهى. (وروي) أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج فذهبوا إلى الضريح المنسوب إلى الحسين(ع) بالقاهرة فاستقبلوا القبر وأحرموا ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين فقالوا هذا محبة في سيدنا الحسين وكثير من علماء مصر يقول لا يدق وتد في القاهرة إلا بإذن السيد أحمد البدوي وقد اشتهر ما يقع من السجود على أعتاب المشهد وقصد التبرك مع ما فيه لا يمنع حقيقة العبادة الصورية ومن المعروف عندهم شراء الولدان من الولي بشيء معين يبقى رسميا جاريا يؤدي كل عام وإن كانت امرأة فمهرها أو نصف مهرها لأنها مشتراة منه ولا يمانع هذا إلا مكابر في الحسيات وإن فقد بعض أنواعه في بعض البلاد فكم له من نظائر وهذا أشد وأشنع مما ذكر جل ذكره عن جاهلية العرب {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} الآية. وكذلك جعل السوائب باسم الولي لا يحمل عليها ولا تذبح وسوق الهدايا والقرابين إلى مشاهد الأولياء وذبحها حبا للشيخ وتقربا إليه وهذا وإن ذكر اسم الله عليه فهو أشد تحريما مما ذبح وذكر عليه اسم غير الله فإن الشرك في العبادة أكبر من الشرك بالاستعانة. ومن ذلك ترك الأشجار والكلأ والعشب إذا كان بقرب المشهد وجعله من ماله. (ومنها) الحج إلى المشاهد في أوقات مخصوصة مضاهاة لبيت الله فيطوفون حول الضريح ويستغيثون ويهدون لصاحب القبر ويذبحون وبعض مشايخهم يأمر الزائر بحلق رأسه إذا فرغ من الزيارة وقد صنف بعض غلاتهم كتابا سماه حج المشاهد. (ومنها) التعريف في بعض البلاد عند من يعتقدونه من أهل القبور فيصلون عشية عرفة عند القبر خاضعين سائلين والعراق فيه من ذلك الحظ الأكبر بل فيه البحر الذي لا ساحل له والمهامه التي لا ينجو سالكها ولا يكاد ومن نحوه عرف الكفر وظهر الشرك والفساد كما يعرف ذلك من له إلمام بالتواريخ ومبدأ الحوادث في الدين ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد علي والحسين وموسى الكاظم ومحمد الجواد رضي الله عنهم عند رافضتهم والشيخ عبد القادر والحسن البصري والزبير وأمثالهم رضي الله عنهم عند سنتهم من العبادات وطلب العطايا والمواهب والتصرفات وأنواع الموبقات علم أنهم من أجهل الخلق وأضلهم وأنهم في غاية من الكفر والشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام والله المسؤول أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويمحو هذه الضلالات حتى يعبد وحده فتسلم الوجوه له وتعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها انتهى.
(ونحن) نبين لك بأجلى بيان أن ما نسبه إلى المسلمين وإلى زوار قبور الأئمة والصالحين بعضه زور وبهتان وبعضه لا يستلزم الشرك ولا العصيان ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن وبتسميته بالمسلم الموحد المطيع لله ولرسوله والمتبع سنة نبيه (صلّى الله عليه وآله) إن كان الواقف ممن سلم من العصبية والعناد وتقليد الآباء والأجداد ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لضلالهم ومحالهم توحيداً ولتعظيم من أمر الله بتعظيمه شركاً وكفراً ولمخالفة السنة وإجماع المسلمين وطريقة السلف اتباعا للسنة وللسلف مع ما في ذلك من الهلاك المتناهي واستباحة الدماء والأموال التي حرمها الله تعالى عند من يعقل الحقائق. زعم أن المسلمين يحبون مع الله محبة تأله. نعم أنهم يحبون في الله ولله وبأمر الله وتلك لا تخرج عن محبة الله أما أنهم يحبون مع الله فإن أراد المعية في الوجود فلا محذور فيه وإن أراد المساواة لمحبة الله كما في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} فالمسلمون مبرؤن من ذلك وأين محبة المشركين للأصنام وإطاعتهم لهم المخبر عنها في الآية كما عن قتادة ومجاهد وأكثر المفسرين الذين لا يستحقون محبة ولا إطاعة أو لرؤسائهم الذين كانوا يطيعونهم كما عن السدي من محبة المسلمين للأنبياء والأولياء والصلحاء التي هي محبة لله تعالى لأمره بها في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم (صلّى الله عليه وآله) بقوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} وقرن حب رسوله (صلّى الله عليه وآله) بحبه في قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وعن أنس أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» أخرجه البخاري ومسلم. ولابن ماجة في سننه عن العباس بن عبد المطلب قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ما بال أقوام يتحدثون فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم مني». وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في علي (ع) يوم خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» أخرجه الشيخان. وقال له: «يا علي حبك إيمان وبغضك نفاق» إلى غير ذلك، ولا يتم الحب لله تعالى إلا بحب هؤلاء لأن حبهم من حبه تعالى لأنه عن أمره ولأن المؤمن إنما يحبهم لأنهم عباد الله المطيعون لأمره المتفانون في طاعته المجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيله ولإعلاء كلمته وإحياء دينه فكلما كمل إيمان المؤمن وإسلامه كملت محبتهم في قلبه وهيهات أن يكمل إسلام المسلم وإيمانه بدون كمال محبتهم فمن جعل كمال محبتهم من أسباب الشرك كهذا الرجل وأهل نحلته فهو بعيد عن الإسلام والإيمان مستحق لسخط الرحمن بنص قوله (صلّى الله عليه وآله) لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده فحبهم مع الله لله ولقرابتهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من متممات الإسلام والإيمان فأي الفريقين أحق بالأمن أمن يجعل كمال حبهم من أسباب الشرك أم من يعتقده من متممات الإيمان كما جعله الله ورسوله. (ومنه يعلم) أن قوله: محبة تأله إفك وافتراء وأن ما يحكى عن كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب من قوله: إن من حقق محبة مشركي زماننا لآلهتهم التي يسمونها بالأولياء يعلم يقينا أنهم يحبونها أكثر من محبتهم لله ويتصدقون لوجوهها مما لا يقدرون أن يتصدقوا بعشره في وجه الله – أيضاً كذب وافتراء فليس أحد من المسلمين الذين سماهم مشركين يحب أحداً من الناس نبياً أو ولياً إلا في حبه تعالى لكونه محبوباً له مقرباً عنده بطاعته له تعالى فحبه حب لله غير خارج عنه فضلاً عن أن يكون أكثر من حبه تعالى ولا يتصدق واحد لوجوههم وإنما يتصدق عنهم لوجهه تعالى فيهدي الثواب إليهم. (قوله): وخضوع ورجاء أما الخضوع فحاصل ولا محذور فيه وأما الرجاء فيرجون منهم الدعاء والشفاعة ومنه تعالى إجابة دعائهم وقبول شفاعتهم وهذا لا محذور فيه أيضا وهو عين إطاعته تعالى وعبادته كما مر مرارا. (قوله): ودعائهم مع الله في المهمات والملمات الخ قد عرفت أنهم لا يدعونهم لكشف المهمات ودفع الملمات ليكشفوها بأنفسهم وإنما هو طلب الدعاء والشفاعة. (قوله): والعكوف حول أجداثهم، سمى زيارة قبورهم وتلاوة القرآن والصلاة والدعاء وطلب الحوائج من الله تعالى عندها والتبرك بها ونحو ذلك عكوفاً تشبيهاً بالعكوف على الأصنام كما سماه غيره من أصحاب نحلته على ما مر وقد عرفت وستعرف أن ذلك كله مطلوب مرغوب فيه شرعا لا مانع منه ولا محذور فيه سواء سماه عكوفا أو لا. وقد روى البخاري في صحيحه لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره قبة ولبثت هناك سنة كاملة. (قوله): وتقبيل أعتابهم والتمسح بآثارهم، ستعرف في فصل التبرك بالقبور أن تقبيل الأعتاب والقبور والتمسح بها وبآثار الصالحين تبركا وتعظيما جائز وراجح لا مانع منه ولا محذور فيه طلبا للغوث بالشفاعة والدعاء واستجابة الدعاء منه تعالى ببركة المكان والمكين. (قوله): وإظهار الفاقة وإبداء الفقر والضراعة، وهذا لا مانع منه فالثلاثة حاصلة منا لله تعالى بلا ريب وإظهارها عند قبر النبي أو الولي لشرفه وحاصلة منا للنبي أو الولي لطلب دعائه وشفاعته. (قوله): واستنزال الغيث والأمطار، لا مانع من ذلك ببركتهم ودعائهم وشفاعتهم وهو نظير ما يأتي من أن أهل المدينة قحطوا فقالت عائشة انظروا قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فاجعلوا منه كوة إلى السماء فمطروا. (قوله): وطلب السلامة من شدائد البراري والبحار، ولا مانع منه بتسببهم بالدعاء والشفاعة وسيأتي في فصل الدعاء والاستغاثة استغاثة من أضل شيئاً أو أراد عونا في أرض ليس فيها أنيس بقول يا عباد الله أعينوني أو أغيثوني ففيه طلب السلامة من شدائد البراري والبحار من غير الله تعالى. (قوله): وسؤالهم تزويج الأرامل والأيامى إلى قوله: المطالب العالية، لا مانع من ذلك بطلب دعائهم وشفاعتهم ولو كان ظاهر اللفظ إسناد الأفعال إليهم حملاً لفعل المسلم وقوله على الصحة من باب المجاز في الإسناد كما مر في المقدمات. (قوله): وتأهيلهم لمغفرة الذنوب الخ هذا كذب وافتراء منه على المسلمين فكلهم يعلم أنه لا يغفر الذنوب ولا ينجي من الهاوية ولا يعطي المراتب السامية في الجنان إلا الله قد قرأوا ذلك في كتاب ربهم وعرفه عامتهم وخاصتهم وهيهات أن يؤهل أحد منهم أحدا من المخلوقين نبيا فمن دونه لمغفرة الذنوب وإنما يرجون بتوسلهم بالأولياء والصالحين وتشفعهم بهم وطلب دعائهم واستغفارهم وزيارة قبورهم ومحبة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته أن يغفر الله لهم وينجيهم من الهاوية ويعطيهم المراتب السامية وقد وعد الله تعالى على لسان نبيه (صلّى الله عليه وآله) المتمسك بهم النجاة بقوله (صلّى الله عليه وآله): «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى. مثل أهل بيتي كمثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله كان آمنا». ولكن يأبى قصد ترويج الباطل لهؤلاء إلا الكذب والافتراء وقذف المسلمين بما هم منه براء. (قوله): وجماهيرهم لما ألفت ذلك طباعهم وفسدت به فطرهم وعز عنه امتناعهم لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى والإنابة إليه بل ليس ذلك عندهم إلا الولي الفلاني ومشهد الشيخ فلان حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضا عن الخروج للاستسقاء والإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد والبلوى كل هذا رأيناه وسمعناه عنهم فهل سمعت من جاهلية العرب مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب والكلام مع ذكي القلب ومن لا ترضى نفسه بحضيض التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب بليد الذهن ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق على ما يحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر فذاك فاسد الفطرة وخطابه محض عناء. هذا أيضا افتراء منه على المسلمين فكلهم يعلم أن القادر المختار على كل شيء هو الله تعالى وحده وأن النبي فمن دونه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله وأنه لا ينفع إلا قصده تعالى والإنابة إليه وهذا راسخ في نفوسهم خاطر دائماً ببالهم مطابق لأفعالهم وأقوالهم وليس للولي ولا لمشهد الشيخ في نفوسهم شيء غير ما جعله الله له من البركة والشفاعة واستجابة الدعاء فيقصدون مشهده وينادونه طلبا لذلك الذي لا يخرج عن قصد الله تعالى والإنابة إليه كما لم يخرج سؤال الدعاء من المؤمن عن ذلك. (وأما قوله): حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضا عن الخروج للاستسقاء فهو كسابقه في أنه كذب وافتراء فكلهم يخرجون إلى الاستسقاء عند احتباس قطر السماء ويدعون الله مع ذلك في المشاهد المباركة كما يدعونه في المساجد وفي كل مكان هو مظنة إجابة الدعاء ولم نر ولم نسمع عنهم غير ذلك، نعم يوجد في الناس من يدعي الولاية لمن ليس أهلاً لها ولكن لا يقاس به من أثبت الولاية لأهلها ودخل البيوت من أبوابها فيعمم الكلام لجميع المسلمين. ولكن الوهابية لما ألفت طباعهم شبهات ابن عبد الوهاب وفسدت بها فطرهم وعز عنها امتناعهم لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين من احترام من جعل الله له الحرمة والتشفع والتوسل والتبرك بمن جعل الله له الشفاعة والوسيلة والبركة حتى جعلوا قبور الأنبياء والأولياء أصناما وأوثانا ومن عظمها وتبرك بها كافرا مشركا فهل سمعت من جاهلية العرب أو من أحد من أهل الملل والنحل مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب، والكلام مع المسلم الذكي القلب المتبع طريقة المسلمين المنصف العارف بمنزلة الأنبياء والأولياء عند الله تعالى ورفيع درجتهم، أما ميت القلب بليد الذهن جامد القريحة الذي نبذ ما عليه المسلمون كافة وخالف إجماعهم وطريقتهم وجهل منزلة الأنبياء والأولياء وقصر بهم عن المرتبة التي جعلها الله لهم وتمحل وعاند ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد لشخص واحد يجوز عليه الخطأ والتعلق على ما يقوله والاتباع لشبهة سنها وضلالة ابتدعها حتى كأنها وحي منزل فذلك ميت القلب بليد الذهن فاسد الفطرة وخطابه محض عناء. (أما المتصوفة): فإذا فرض نقلهم بعض المناقب المكذوبة من مشايخهم فهل يوجب ذلك بطلان مناقب الأنبياء والأولياء على العموم ومع ذلك فالظاهر أنهم لا يعتقدون في مشايخهم الاستقلال في التصرف ولا يزيدون عن اعتقادهم أنهم عباد مكرمون ومع الشك يجب حملهم على ذلك لوجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة مع الإمكان. وما نقله عن حاشية البيجوري لا يوجب اعتقاده كفراً ولا شركاً لأنه ممكن فيجب قبوله إذا دل عليه النقل وهب أن ناقله كاذب فلا يكون كافرا بل عاصيا. (أما إمكانه): فلتواتر النقل بأنه تعالى يستعمل الملائكة في نظام عالم التكوين بلا حاجة منه فجبرائيل أمينه على وحيه وإسرافيل نافخ الصور ورضوان خازن الجنان ومالك خازن النيران والكروبيون حملة العرش وعزرائيل قابض الأرواح والزبانية موكلون بأهل النار والحفظة موكلون بأعمال الخلائق ومنكر ونكير بحساب القبر. (وفي الصحيفة الكاملة) لزين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) في الصلاة على الملائكة (قال) وخزان المطر وزواجر السحاب والذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود وإذا سبحت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق ومشيعي الثلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل والقوام على خزائن الرياح والموكلين بالجبال فلا تزول والذين عرفتهم مثاقيل المياه وكيل ما تحويه لواعج الأمطار وعوالجها ورسلك من الملائكة إلى أهل الأرض بمكروه ما ينزل من البلاء ومحبوب الرخاء والسفرة الكرام البررة والحفظة الكرام الكاتبين وملك الموت وأعوانه ومنكر ونكير ورومان فتان القبور والطائفين بالبيت المعمور ومالك الخزنة ورضوان وسدنة الجنان (إلى أن قال) والزبانية الذين إذ قيل لهم: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)} ابتدروه سراعاً ولم ينظروه (إلى أن قال) ومن منهم على الخلق انتهى. فلا مانع من أن يوكل الله تعالى ملكاً لقضاء حوائج الخلق ولا يكون معتقده كافراً إذا كان مخطئاً فضلاً عن المصيب ولا ينافي ذلك الآيات التي ذكرها فمجيب الدعوة وقاضي الحاجة حقيقة هو الله تعالى كما أنه تعالى تارة قال: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} وتارة قال: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ} {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} {إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ} {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ} {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ}. فكما لا تناقض بين هذه الآيات لا تناقض بين ما ذكره بعد صحة النقل المذكور. ومنه يعلم أنه أولى بنسبة نبذ كتاب الله وراء ظهره إليه. وما ذكره الشعراني في ترجمة الحنفي لا يوجب إسقاط حرمة الأنبياء والأولياء وشفاعتهم واستغفارهم ودعائهم ووسيلتهم رأسا وإذا تجاوز الشعراني في بعض شطحه لا يتعدى ذلك إلى غيره. (وإذا) اعتقد بعض الناس في المشايخ والأولياء الذين بعضهم من الدجالين والمحتالين أو المجانين ما لا ينبغي اعتقاده فليس لنا أن نأخذ بذنبهم غيرهم ممن اعتقد في الأنبياء والأولياء والصلحاء الحقيقين. (أما قوله): ولم يبلغ شرك الجاهلية إلى هذه الغاية فقد مر نظيره في كلام الصنعاني ومر الكلام عليه. (وأما حكاية المرأة التي كف بصرها): فلا يقاس عليها غيرها مع أنه يمكن أن يلتمس لكلامها وجه صحيح إن صحت الحكاية وهو أن الله تعالى قد اقتضت مشيئته كف بصرها فلم يبق إلا أن تتوسل بهذا الولي وبحبه إلى الله ليرد عليها بصرها. (أما ما حكاه) عن بعض المغاربة فغير بعيد أنه من الأكاذيب نظر ما مر حكايته من أن رجلاً صلى إلى ضريح ابن عباس وترك القبلة عامداً فإنا لم نر ولم ينقل لنا وقوع شيء من هذا في شيء من البلدان والأزمان ولوصح لم يقس عليه غيره وهو خاص بفاعله كقول من قال لا يدق وتد في القاهرة إلا بإذن السيد البدوي مع أن من يقول هذا لا يصح أن يسمى عالماً فهل إذا غلطت امرأة كف بصرها أو بعض المغاربة أو بعض علماء مصر نغلط كافة الأمة ونكفرهم. (قوله): وقد اشتهر ما يقع من السجود على أعتاب المشهد، مر الكلام عليه في هذا الباب عند الرد على الصنعاني. (قوله): لا يمنع حقيقة العبادة الصورية، المدار على العبادة الحقيقية لا الصورية والأعمال بالنيات أما شراء الولد بشيء معين والمرأة بشيء من مهرها فلم نسمع بذلك ولم نره ولو فرض صحته فيختص بفاعله مع أن له وجهاً صحيحاً وهو قصد التصديق عن الولد أو المرأة بمال وإهداء ثواب الصدقة إلى الولي فيجب الحمل على الصحة ما أمكن ولا يوجب ذلك شركا ولا كفرا ولا يقاس بفعل جاهلية العرب الذين جعلوا لشركائهم نصيبا كما حكى الله تعالى عنهم كما مر الكلام على نظير ذلك في كلام الصنعاني فراجع. (وأما السوائب) فلم نرها ولم نسمع بها في شيء من بلاد الإسلام. (وأما سوق الهدايا) والقرابين إلى مشاهد الأولياء وذبحها فستعرف في فصل الذبح أنه يقصد ذبحها لله وتقرباً إليه لا للشيخ وإنما يهدي ثواب الصدقة بها فجعله ذلك وإن ذكر اسم الله عليه أشد تحريماً مما ذكر عليه اسم غير الله جهل محض وتعليله بأن الشرك في العبادة أكبر من الشرك بالاستعانة لا يكاد يظهر له معنى. (أما ما ادعاه) من ترك الشجر والعشب إذا كان بقرب المشهد فمع صحته لا مانع منه فترك الشجر لاستظلال الزائرين والمارة إكراماً لصاحب المشهد وترك العشب لنزهتهم ورعي دوابهم. (قوله): ومنها الحج إلى المشاهد في أوقات مخصوصة مضاهاة لبيت الله. أخذ هذا الكلام من ابن تيمية الذي قال في كتابه منهاج السنة: الرافضة يعظمون المشاهد المبنية على القبور فيعكفون عليها مشابهة للمشركين ويحجون إليها كما يحج إلى البيت ومنهم من يجعل الحج إليها أعظم بل يسبون من لا يستغني بالحج إليها عن الحج الذي فرضه الله وهذا من جنس دين النصارى والمشركين الذين يفضلون عبادة الأوثان على عبادة الرحمن وقد صنف شيخهم المفيد كتابا سماه مناسك المشاهد جعل قبور المخلوقين تحج كما تحج الكعبة والبيت الحرام الذي جعله الله قياما للناس. (ونقول): قد ثبت بما سنذكره في فصل الزيارة استحباب زيارة قبور الأنبياء والأولياء والصلحاء وشد الرحال إليها رغما عن تشددات ابن تيمية وأتباعه الوهابية فسواء سموا زيارتها حجا قصدا للتشنيع أو لم يسموها وسواء سمى ابن تيمية الصلاة لله ودعاءه عندها عكوفا أو لا، لا يضرنا شيئاً وكون الزيارة في أوقات مخصوصة لا قبح فيه لأن تلك الأوقات مما ثبت فضلها وشرفها والله تعالى قد فاوت بين مخلوقاته في الفضل حتى الأزمنة كما مر في المقدمات فيتضاعف أجر الزيارة بفضل الزمان فقصدهم إلى التشنيع بذلك بأنه كالحج الذي هو في أوقات مخصوصة لا شناعة فيه إلا عليهم كقوله مضاهاة لبيت الله وكقول ابن تيمية أنهم يحجون إليها كما يحجون إلى البيت فهم يزورونها اقتداء بنبيهم (صلّى الله عليه وآله) الذي سن الزيارة وفعلها واتبعه المسلمون عليها وسن شد الرحال إليها خلافا للوهابية كما ستعرف في فصل الزيارة فهم مقتدون بسنة نبيهم (صلّى الله عليه وآله) التي خالفها هو وشنع على من اقتدى بها فهم لم يبنوا كعبة يضاهون بها بيت الله لم يأذن الله ببنائها ولا بزيارتها بل ذهبوا لزيارة قبور أنبيائهم وأوليائهم حسبما أمرهم ربهم فسواء ضاهى ذلك بيت الله أو لم يضاهه لا ضرر فيه وهل هذه المشاهد المشرفة بشرف من فيها ليست بيوت الله؟! بل هي بيوت الله والكعبة بيت الله والمساجد بيوت الله وكلما كان عن أمر الله فهو لله، وستعرف في فصل البناء على القبور رجحان بناء المشاهد. والشيعة توجب الحج على كل من استطاع إليه سبيلاً ولا تجعل شيئاً مغنياً عنه لا زيارة مشهد ولا غيرها، وتسب من لا يعتقد ذلك، ومن نسب إليها غير ذلك فقد أفك وافترى. هذه كتبها الفقيه التي تعد بمئات الألوف وطبع منها الملايين شاهدة بذلك وناصة عليه حتى أنهم يوجبون القضاء عمن مات مستطيعا ولم يحج وحجاجها في كل عام من بلاد المشاهد وغيرها تنبو عن الحصر فإن كان الحج إليها أعظم أو مغنيا عن الحج المفروض كما افتراه ابن تيمية فلماذا يتحملون كل هذه المشاق لأجل الحج. (قوله): فيطوفون حول الضريح، نعم يطوفون تبركا به ولا ينكر بركته إلا من أعمى الله بصيرته. (قوله): ويستغيثون، ستعرف في فصل الاستغاثة أنه لا محذور في ذلك. (قوله): ويهدون لصاحب القبر ويذبحون. كلا بل يذبحون لله ويتصدقون على الفقراء ويهدون الثواب لصاحب القبر. (قوله): وبعض مشايخهم يأمر الزائر بحلق رأسه. أبى شيطان هؤلاء إلا أن يزين لهم ترويج ضلالتهم ولو بالكذب والافتراء فبعد أن سمى زيارة الأنبياء والأولياء حجا وأنها في أوقات مخصوصة كالحج وأنهم يطوفون ويهدون كالحجاج أراد أن يتمم حجهم بالفرية التي نقلها من أن بعض المشايخ يأمر الزائر بحلق رأسه، ما رأينا هذا ولا سمعنا به إن هذا إلا اختلاق وكان ينبغي له أن يتمم أحكام الحج من الاحرام ورمي الجمار والسعي وغير ذلك. (أما قوله): وقد صنف بعض غلاتهم كتابا سماه حج المشاهد فمأخوذ من كلام ابن تيمية الذي سمعته على عادتهم في تقليد الخلف للسلف في كل ما يقول وهي فرية كفرية حلق الرأس، وابن تيمية كان بالشام والمفيد بالعراق وبينهما نحو ثلاثمئة سنة فأين رأى كتابه الموهوم المسمى حج المشاهد وأين رآه حفيد ابن عبد الوهاب المنحاز في بادية نجد نعم يوجد بعض الكتب التي فيها آداب الزيارة وفيها الأدعية التي يدعى بها الله تعالى في المشاهد أما كتاب حج المشاهد فهو من عنديات ابن تيمية وحفيد ابن عبد الوهاب والله تعالى يجزي كلا بعمله. (قوله): ومنها التعريف في بعض البلاد عند من يعتقدونه من أهل القبور فيصلون عشية عرفة عند القبر خاضعين سائلين. (أقول): هذا التعريف لم نسمع له بتعريف هو ثالث الفريتين أن يوم عرفة من الأيام الشريفة كيوم الجمعة وغيره من الأيام وقد ورد استحباب صومه والإكثار من دعاء الله تعالى فيه والخضوع وطلب الحاجات منه تعالى في أي موضع كان الإنسان وإذا كان ذلك في مكان شريف كالمسجد أو المشهد المشرف بمن فيه كان أولى وأفضل، فهذا الذي عابه على المسلمين ونسبهم فيه إلى الشرك والكفر. (قوله): والعراق فيه من ذلك الحظ الأكبر الخ. وهذا أيضاً مبني على أساسهم الفاسد الذي أسسوه من المنع من زيارة قبور الأئمة والأولياء وتعظيمهم وتعظيم قبورهم وبناء المشاهد والقباب لهم وعمل الضرائح وجعل الخدمة والسدنة والصلاة عند قبورهم ودعاء الله تعالى عندها والتوسل بأصحابها إليه تعالى في قضاء حوائج الدنيا والآخرة وما يجري هذا المجرى، ولما كان تعظيم المسلمين لقبور أئمة أهل البيت (عليهم لسلام) في العراق وهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بنجف الكوفة وولده الحسين السبط الشهيد بكربلاء والإمام موسى الكاظم وحفيده الإمام محمد الجواد في بغداد وابنه الإمام علي بن محمد الهادي وابنه الإمام الحسن العسكري في سامراء عليهم السلام والمواظبة على زيارتهم والصلاة ودعاء الله تعالى في مشاهدهم بالغا للغاية لما لهم عند الله تعالى من المكانة ولما لهم من الفضل العظيم في حماية الدين ونشر علوم سيد المرسلين. وكذلك قبر الشيخ عبد القادر الجيلاني والإمام أبي حنيفة ومعروف الكرخي في بغداد والحسن البصري والزبير أحد الصحابة العشرة في البصرة، عظم على هذا النجدي ذلك فقال إن في العراق من ذلك الحظ الأكبر والمهامة التي لا ينجو سالكها ولا يكاد. وأنى يكون المتمسك بولاية أهل البيت الطاهر وزائر قبورهم والمتعبد ربه بأنواع العبادة عندها غير ناج وهم سفينة النجاة التي من ركبها نجا ومن تخلف عنها هوى وباب حطة الذي من دخله كان آمنا بنص جدهم (صلّى الله عليه وآله)، وتكون النجاة محصورة في أهل نجد مطلع قرن الشيطان ومحل الزلازل والفتن والذين جعلوا دأبهم وديدنهم غزو بلاد الإسلام، ومن أعمالهم ذبح المجاورين لقبر ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في كربلاء وهدم ضريحه وهتك حرمته وربط الخيل والدواب في صحنه ودق القهوة وإشعال النار في مشهده وفوق رأسه كما مر في تاريخهم. (أما قوله): إن من نحو العراق عرف الكفر وظهر الشرك والفساد فيكذبه أن العراق ما زال ولم يزل مهبط الدين ومنبع الإيمان والإسلام وحب أهل البيت وموالاتهم ولم يظهر الكفر والفساد إلا من بلاد نجد بلاد مسيلمة وبلاد الوهابية المجسمة الذين ما فتئوا يعيثون في الأرض فسادا يسفكون الدماء وينهبون الأموال ويحتقرون المسلمين ويرمونهم بالكفر والشرك ويحتقرون الأنبياء والمرسلين وعظماء الدين يهدمون قبورهم ويجعلونها معرضا لدوس الأقدام وترويث الدواب والكلاب ووقوع القاذورات ويهينون من يزورها أو يحترمها أو يتبرك بها أو يصلي لربه عندها فأي فساد أعظم من هذا. وهم يقولون إن من العراق ظهر الفساد ومن نجدهم ظهر الصلاح وقد عرف صحة ما قلناه كل من له أدنى إلمام بتاريخ الوهابية وقدوتهم ابن تيمية ومبدأ حوادثهم في الدين. أما ما يقع من شيعة أهل البيت الطاهر الذين نبزهم بالرافضة عند مشاهد الأئمة الطاهرين بالعراق الذين حرم من حلاوة مودتهم ومحبتهم والفوز بولايتهم فلا يعدو عبادة الله تعالى وتوحيده والخضوع لعظمته فالقاصدون لتلك المشاهد الشريفة منهم الزائر لقبورهم المعدد لمناقبهم ومآثرهم في خدمة الدين والإسلام ومنهم المصلي لربه الراكع الساجد الخاشع ومنهم الداعي لله تعالى القائم في خدمته الباكي من خشيته المتضرع إليه المتوسل والمتشفع إليه بمن أعطاهم الشفاعة وجعل لهم الوسيلة ومنهم الخاطب الواعظ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إلى غير ذلك من أنواع العبادات والطاعات لله تعالى، ولا يعبدون أحدا منهم بشيء مما حظره الله تعالى، ولكن الوهابيين لما اقتضى جمودهم وغباوتهم وعنادهم إن تعظيم القبور وأهلها والصلاة لله ودعاءه عندها والتشفع والتوسل بأهلها عبادة لغير الله موجبة للشرك والكفر عدوا فعل المسلمين بالعراق عند المشاهد كفرا وشركا وحيث قد بينا مرارا بما لا مزيد عليه خروج ذلك عن العبادة لغير الله الموجبة للشرك والكفر بل هو عين الطاعة لله تعالى ظهر أن عد ذلك شركاً من أعظم الموبقات وأن من عده كذلك من أجهل الخلق وأضلهم بمخالفته لما أجمع عليه المسلمون خلفا عن سلف وأن مخالف إجماع المسلمين وسيرتهم ومثبت الوجه واليدين والعينين لله تعالى والاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات على الحقيقة من دون تأويل أولى بغاية الكفر والشرك التي ما وصل إليها قبله أحد ممن ينتسب إلى الإسلام وأي شرك أو كفر أو عبادة لغير الله تعالى تحصل في مشاهد الأئمة بالعراق؟ وأول كلام يقال عند فتح أبواب مشاهدهم هو: (أشهد أن) لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله جاء بالحق من عنده وصدق المرسلين الخ. ولا تشتمل الزيارات والأدعية التي تقرأ في تلك البقاع الطيبة إلا على توحيد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه وما يشتمل منها على التوسل والتشفع وطلب الحوائج والعطايا والمواهب من صاحب القبر لا يخرج عن سؤال الدعاء والشفاعة الذي بينا في فصله جوازه ورجحانه وإذا فرغ الزائر من الزيارة يصلي لله تعالى ركعتين مستحبتين يهدي ثوابهما للمزور ويقول بعدهما كما هو مأثور عن أئمة أهل البيت الطاهر: (اللهم إني صليت وركعت وسجدت لك وحدك لا شريك لك لأن الصلاة والركوع والسجود لا تكون إلا لك لأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت اللهم وهاتان الركعتان هدية مني إلى سيدي ومولاي (ويسمي المزور) اللهم فتقبلها مني بأحسن قبولك وأجرني على ذلك بأفضل أملي ورجائي فيك وفي وليك يا أرحم الراحمين). ورجاؤه فيه تعالى الثواب والمغفرة وفي وليه الدعاء والشفاعة. والله المسؤول أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويمحو هذه الضلالات التي جاء بها هؤلاء ويرد عاديتهم عن المسلمين ويردهم إلى سبيل الرشد ويريح المسلمين من تشدداتهم وتعنتاتهم حتى تبقى السهلة السمحاء كما كانت وينزه الباري تعالى عن نسبة ما لا يليق بجلاله وتبقى البيضاء كما كانت ليلها كنهارها.
الباب الثالث
في تفصيل الأمور التي كفر بها الوهابية المسلمين ورد كل واحد منها بخصوصه
حيث ظهر لك أن منشأ شبهة الوهابيين في حكمهم بشرك جميع المسلمين وكفرهم واستحلال دمائهم وأموالهم هو زعمهم أنهم يعبدون القبور بتعظيمهم لها بالتقبيل والطواف والتمسح وبناء القباب والإسراج وغير ذلك من أنواع التعظيم وأنهم يعبدون الأموات بدعائهم لهم وطلبهم منهم قضاء حوائجهم وأنهم ينذرون وينحرون لهم كما كان أهل الجاهلية يفعلون مثل ذلك مع أصنامهم فكان ذلك عبادة لغير الله وشركا به وقد عرفت فساد ذلك بوجه العموم في الباب السابق فلنتكلم على كل واحد من هذه الأمور التي هي منشأ شبهتهم بخصوصه مضافا إلى ما مر في الباب السابق لأن أكثرها يختص بما لا يشاركه فيه غيره وذلك في ضمن فصول.
الفصل الأول
في الشفاعة
إعلم أن طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين والملائكة الذين أخبر الله تعالى أن لهم الشفاعة مما منعه الوهابيون وجعلوه كفراً وشركاً صرح بذلك ابن عبد الوهاب في كلامه المتقدم في رسالة أربع القواعد التي قال إن الخلاص من الشرك يتم بها بقوله: (الثانية) أنهم يقولون ما دعونا الأصنام وتوجهنا إليهم إلا لطلب القرب والشفاعة. وفي رسالة كشف الشبهات. (بقوله): لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون نريد منهم القرب إلى الله وشفاعتهم عنده. (وقوله): ومنهم من يدعو الملائكة لصلاحهم وقربهم إلى الله ليشفعوا له أو رجلاً صالحاً كاللات أو نبياً كعيسى. (وقوله): إن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، (وفيما) حكاه الآلوسي عنه حيث جعل طلب الشفاعة مثل شرك جاهلية العرب وفي كلامه الأخير في كشف الشبهات الذي علم به الاحتجاج على المسلمين بقوله: إن الذين قاتلهم (صلّى الله عليه وآله) مقرون بما ذكرت وبأن أوثانهم لا تدبر شيئا وإنما أرادوا الجاه والشفاعة وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة وإن طلب الشفاعة من الصالحين هو بعينه قول الكفار: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا}. {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} إلى غير ذلك، (والصنعاني) في كلامه السابق حيث جعل من جملة عبادة المشركين الأصنام اعتقادهم أنها تشفع عنده وجعل من جملة عبادة الأنبياء والصالحين اعتقاد ذلك والتشفع بهم. (وقوله): فجعل اتخاذهم للشفعاء شركا ونزه نفسه عنه لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهل لها ومن اعتقد في حي أو ميت أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به فقد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل كما اعتقد المشركون في الأوثان وصار حلال المال والدم وجعل من جملة الشرك الاعتقاد في شيء أنه يشفع في حوائج الدنيا بمجرد التشفع، (والوهابيون) في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي بقولهم: فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم إلى قولهم: فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله وجعلهم سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتهم شركا وعبادة للأوثان. وفي الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية([138]) ونثبت الشفاعة لنبينا محمد (صلّى الله عليه وآله) يوم القيامة ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد ونسألها من المالك لها والإذن فيها بأن نقول اللهم شفع نبينا محمدا (صلّى الله عليه وآله) فينا يوم القيامة أو اللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم فلا يقال يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فإذا طلبت ذلك في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ولا أثر من السلف الصالح بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وفي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية إن الشفاعة وإن كانت حقا في الآخرة فلها أنواع مذكورة في محلها ووجب على كل مسلم الإيمان بشفاعته (صلّى الله عليه وآله) بل وغيره من الشفعاء فهي ثابتة بالوصف لا بالشخص ما عدا الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامة وليس منها ما يقصدون فالوصف من مات لا يشرك بالله شيئاً كما في البخاري من حديث أبي هريرة: لكل نبي دعوة مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً (إلى أن قال): وإذا كانت بالوصف فرجاؤها من الله ودعاؤه أن يشفع فيه نبيه هو المطلوب (قال): فالمتعين على كل مسلم صرف همته إلى ربه بالإقبال إليه والاتكال عليه والقيام بحق العبودية له فإذا مات موحداً استشفع الله فيه نبيه بخلاف من أهمل ذلك وتركه وارتكب ضده من الاقبال إلى غير الله بالتوكل عليه ورجائه فيما لا يمكن وجوده إلا من عند الله والالتجاء إلى ذلك الغير مقبلاً على شفاعته متوكلاً عليها طالباً لها من النبي (صلّى الله عليه وآله) أو غيره فإن هذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم ولا نشأت فتنة في الوجود إلا بهذا الاعتقاد. (إلى أن قال): ولهذا حسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله وحده فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما. (إلى أن قال): ولهذا قال عز من قائل: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وطلبها من غير الله في هذه الدار زعم بعدم تعلقها بالإذن من الله والرضا عن المشفوع له وقال تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} والعبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب انتهى.
وقال محمد بن عبد الوهاب أيضاً في رسالة أربع القواعد([139]): الشفاعة شفاعتان منفية ومثبتة فالمنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} والمثبتة هي التي تطلب من الله والشافع مكرم بالشفاعة والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن كما قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} انتهى وفصل في مقام آخر ما أجمله هنا فقال في رسالة كشف الشبهات([140]) عند تعليمه أتباعه الاحتجاج على غيرهم في تتمة كلامه السابق، فإن قال: (أي بعض المشركين من المسلمين الذين لا يقولون بمقالة الوهابية) أتنكر شفاعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتبرأ منها فقل لا بل هو الشافع والمشفع وأرجو شفاعته لكن الشفاعة كلها لله {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} ولا يشفع لأحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} وهو لا يرضى إلا التوحيد فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا بعد إذنه ولا يشفع النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه ولا يأذن إلا لأهل التوحيد([141]) فالشفاعة كلها لله فأطلبها منه وأقول اللهم لا تحرمني شفاعته اللهم شفعه في وأمثال هذا فإن قال النبي (صلّى الله عليه وآله) أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله (كذا) فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا وقال: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وأيضاً الشفاعة أعطيها غير النبي (صلّى الله عليه وآله) فصح أن الملائكة والأولياء يشفعون فإن قلت الله أعطاهم الشفاعة وأطلبها منهم رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله تعالى في كتابه وإن قلت لا بطل قولك هذا.
وقال ابن تيمية في رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور([142]) في تتمة كلامه المتقدم في الباب الثاني: وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من أفعال الذين يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم والمشركين الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}. وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ}، {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}. فبيّن الفرق بينه وبين خلقه فإن من عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير من كبرائهم بمن يكرم عليه فيسأله ذلك الشفيع فيقضي حاجته أما رغبة وأما رهبة وأما حياء وأما مودة وأما غير ذلك والله سبحانه لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع فلا يفعل إلا ما شاء الله وشفاعة الشافع من إذنه فالأمر كله له. (إلى أن قال): وقد أمرنا أن نصلي على النبي (صلّى الله عليه وآله) في الدعاء وجعل ذلك من أسباب إجابة دعائنا انتهى.
(ونقول) الشفاعة من الشفيع عبارة عن طلبه من المشفوع إليه أمراً للمشفوع له فشفاعة النبي (صلّى الله عليه وآله) أو غيره عبارة عن دعائه الله تعالى لأجل الغير وطلبه منه غفران الذنب وقضاء الحوائج فالشفاعة نوع من الدعاء والرجاء. (وحكى) النيسابوري في تفسير قوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا}. عن مقاتل أنه قال: الشفاعة إلى الله إنما هي الدعوة لمسلم لما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك انتهى (وحينئذٍ) فطلب الشفاعة من الغير كطلب الدعاء منه وقد ثبت جواز طلب الدعاء من أي مؤمن كان واعترف بذلك الوهابية وقدوتهم ابن تيمية في طلبه من الحي بل هو من ضروريات دين الإسلام (وحينئذٍ) فيجوز طلب الشفاعة إلى الله تعالى من كل مؤمن فضلاً عن الأنبياء والصالحين وفضلاً عن سيد المرسلين. (ولو قيل) أن الشفيع لا بد أن يكون له قدر وجاه عند المشفوع إليه. (فنقول): إن الله تعالى جعل حرمة لكل مؤمن يرجى قبول شفاعته واستجابة دعائه فلم يبق فرق، على أنه قد ورد ثبوت الشفاعة لآحاد المؤمنين وللملائكة وأنها ليست من خواص الأنبياء وثبتت شفاعة الملائكة بما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} الآية قال الرازي في تفسيره: هذه تدل على حصر الشفاعة من الملائكة للمذنبين كما وقعت الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) وغيره من الأنبياء وأمره الله تعالى بها فقال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} وحكى عن نوح أنه قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} انتهى. وفيه تصريح بأن الشفاعة لا تزيد عن الدعاء وطلب المغفرة كما قلناه. (بل روي) أنّ الحجر الأسود شافع مشفع (ففي الجامع الصغير) للسيوطي([143]) ما نصه: الشيرازي في الألقاب وأبو نعيم في مسلسلاته وقال صحيح ثابت عن علي: اشهدوا هذا الحجر خيراً فإنّه يوم القيامة شافع مشفع له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه (وزاد) العزيزي في الشرح فيمن رواه الرافعي وقالوا (أشهدوا) أي اجعلوا الحجر الأسود شهيداً لكم في خير تفعلونه عنده كتقبيل واستلام أو دعاء أو ذكر (فإنّه يوم القيامة شافع) أي فيمن أشهده خيراً انتهى. فإشهاده الخير ليشفع في معنى طلب الشفاعة منه مع أنّه جماد لا يعقل ولا ينطق وقد أمرنا بإشهاده الخير كما أمرنا بتقبيله واستلامه ولم يكن ذلك شركاً وإلاّ لم يغيره الأمر لأنّ الحكم لا يغيّر الموضوع كما مرّ في المقدمات.
فظهر أن الشفاعة والدعاء من وادٍ واحد وكذا طلبهما من الغير وليس حتماً على الله قبول الشفاعة ولا إجابة الدعاء وإنما ذلك من ألطافه ومَنِّه ورأفته بعباده فجعل لهم وسائل كثيرة إلى نيل رضاه وعفوه وخيره وبره وهذا منها ولا شفاعة إلا بإذنه ورضاه كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} وغير ذلك.
وظهر أن طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) بل ومن آحاد المؤمنين في دار الدنيا أحياء وأمواتا ليشفعوا في الدنيا في أمور الدنيا والآخرة أو يوم القيامة جائز لا محذور فيه لأنها من قبيل الدعاء فيرجع طلبها إلى التماسه وذلك جائز من الأحياء بالاتفاق (أما) طلب الدعاء من الأموات فمنعه ابن تيمية والوهابية والحق جوازه كما يأتي في الفصل الثالث.
والأخبار الواردة في ثبوت الشفاعة للنبي (صلّى الله عليه وآله) يوم القيامة وأنه الشفيع المشفع ولغيره مستفيضة أو متواترة رواها البخاري ومسلم وغيرهم. مثل من سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة. من سمع الأذان ودعا بكذا حلت له شفاعتي يوم القيامة. أعطيت خمسا وعد منها الشفاعة. أنا أول شافع وأول مشفع. أتاني آت من ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة. يدخل بشفاعتي رجال من أمتي أكثر من بني تميم. إن الله يقول فرغ الشافعون من الشفاعة شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين. يجلس المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا فيأتون آدم فيعتذر بخطيئته ثم إبراهيم (عليه السلام) فيعتذر بثلاث كذبات كذبهن ثم موسى (عليه السلام) فيعتذر بقتل النفس ثم عيسى (عليه السلام) فيقول لست هناك فيقول الله سبحانه بعد أن أسجد له إشفع تشفع (الخبر) ومن أدلة شفاعته لنا بعد موته (صلّى الله عليه وآله) حديث وفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم. (إلى قوله): وما رأيت من شر استغفرت لكم، لما عرفت من أن الشفاعة لا تزيد عن الدعاء لنا والاستغفار وإذا كان (صلّى الله عليه وآله) يستغفر لنا بعد موته جاز لنا أن نطلب منه الاستغفار الذي هو الشفاعة بعينها.
وشفاعة النبي (صلّى الله عليه وآله) يوم القيامة لا ينكرها الوهابية فلا حاجة إلى إكثار الأدلة عليها وإنما منعوا من جواز طلبها منه (صلّى الله عليه وآله) في الدنيا وإن كانت ثابتة له وقد أعطاه الله الشفاعة وهو الشفيع المشفع وجعلوه شركاً وكفراً.
ومرجع شبهتهم في ذلك على ما يستفاد من مجموع كلماتهم التي سمعتها إلى أن طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) عبادة له وكل عبادة لغير الله شرك (أما الثاني) فلوجوب توحيد الله في العبادة كما يجب توحيده في الخالقية والرازقية (وأما الأول) فلأن شرك الكفار الذين بعث إليهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان بطلبهم الشفاعة من الأصنام بدليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا} {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا}، ولأنهم لا ينكرون توحيد الخالقية والرازقية لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون نريد منهم التقرب إلى الله وشفاعتهم عنده ولا يفرق النبي (صلّى الله عليه وآله) بين من كان يدعو الملائكة ليشفعوا له أو رجلاً صالحاً كاللات أو نبياً كعيسى أو يدعو غيرهم فقاتل الكل فهذا دليل على أن التشفع بالنبي أو الصالح شرك كالتشفع بغيره. ويدل أيضاً على عدم جواز طلب الشفاعة من غير الله. قوله تعالى: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} وإذا كانت الشفاعة كلها لله لم يجز طلبها من غيره وقوله تعالى: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وطلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) دعاء له فيكون منهيا عنه مع كون الدعاء عبادة بنص الكتاب والسنة بل مخها كما يأتي وإذا كان طلب الشفاعة دعاء والدعاء عبادة كان شركا فالجمع بين ثبوت الشفاعة له (صلّى الله عليه وآله) وعدم جواز طلبها منه أن يقول المستشفع به (صلّى الله عليه وآله) اللهم شفعه في أو لا تحرمني شفاعته أو ارزقني شفاعته أو نحو ذلك وهذا معنى قولهم فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله. (ويفهم) مما مر عن الرسالة الأولى من الهدية السنية الاحتجاج لذلك بأن طلب الشفاعة من غير الله في الدنيا مناف لكونه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وإلا لمن ارتضى.
والجواب عن شبهتهم هذه أنها شبهة سخيفة فطلب الشفاعة ليس عبادة للمطلوب منه وشرك أهل الجاهلية الذي أحل دماءهم وأموالهم لم يكن سببه اتخاذهم الشفعاء كما زعموا وليس في الآيتين المستشهد بهما إن الموجب لشركهم هو تشفعهم ولا أن عبادتهم لهم هي تشفعهم بهم بل الآيتان صريحتان في أن عبادتهم لهم كانت غير التشفع فإنه جعل في الآية الأولى العبادة علة التقريب الذي هو الشفاعة والعلة غير المعلول ببديهة العقول وعطف في الآية الثانية قول هؤلاء شفعاؤنا على قوله ويعبدون والعطف يقتضي تغاير المعطوف والمعطوف عليه كما قرر في علم العربية مع أن عبادتهم لهم بغير التشفع من السجود والإهلال بأسمائها وغير ذلك مشاهدة معلومة كما ذكرناه مراراً أن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} صريح في أن عبادتهم لها كانت مع الإعراض عن الله والمخالفة لأمره. وقوله: ما لا يضرهم ولا ينفعهم إشارة إلى أنهم عبدوا أحجاراً وأشجاراً هي من الجمادات وطلبوا منها النصر والشفاعة ولم يجعل الله لها ذلك ولو كانت على صور قوم صالحين، فلا يقاس بها من جعله الله شافعاً وقادراً على الشفاعة ولا من تشفع به بمن تشفع بها ويجب على قياس قولهم بمنع يا رسول الله إشفع لي بل يقول اللهم شفعه فيّ أو ارزقني شفاعته أن يمنعوا يا فلان ادع لي بل يقول اللهم أجب دعاءه فيّ أو ارزقني دعاءه لي مع اعترافهم بجوازه ومنعه، ويشبه الأكل من القفا أي إيصال اللقمة إلى الفم من وراء الرقبة. (أما) جعل طلب الشفاعة منافياً لكونه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فستعرف فساده عند رد هذا الكلام وقد ظهر من ذلك فساد قول ابن عبد الوهاب: إن طلب الشفاعة من الصالحين هو بعينه قول الكفار {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا} {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا}، لما عرفت من صراحة الآيتين في مغايرة العبادة لطلب الشفاعة. وبطلان ما يفهم من قوله أنهم يقولون ما دعونا الأصنام وتوجهنا إليهم إلا لطلب القرب والشفاعة. (وقوله): لكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله يقولون نريد منهم القرب إلى الله وشفاعتهم عنده الدال على أن سبب الشرك طلب الشفاعة لما عرفت من صراحة القرآن ودلالة الوجدان على خلافه (وبطلان) قوله ومنهم من يدعو الملائكة ليشفعوا له أو صالحاً كاللات أو نبياً كعيسى. (وقوله): ومنهم من يدعو الصالحين والأولياء لما عرفت في الباب الثاني من أن دعاء الملائكة لم يكن بطلب شفاعتهم بل عبادتهم بغير ذلك وقول إنهم بنات الله ودعاء اللات لم يكن بالتشفع به لأنه رجل صالح بل بعبادة حجر على صورته الموهومة بالسجود وغيره والتشفع بذلك الحجر الذي لم يجعل الله له شفاعة ولو كان على صورة صالح مزعومة، ودعاء عيسى (عليه السلام) لم يكن مجرد التشفع به بل اعتقاد أنه هو الله الخالق الرازق بأحد الوجوه التي سبق بيانها وأي جهل أعظم من جعل الاشراك بعيسى مجرد التشفع به وهل يمكن صدوره من عاقل فضلاً عن عالم. (وقوله): إن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم قد عرفت أنه كذب وافتراء وإن الذي أحل ذلك تكذيبهم للرسل وإنكارهم للشرائع وعبادتهم للأوثان بغير مجرد التشفع وكذلك جعله طلب الشفاعة مثل شرك جاهلية العرب وإن الذين قاتلهم (صلّى الله عليه وآله) إنما أرادوا الجاه والشفاعة.
ومما يدل على أن عبادتهم كانت غير طلب الشفاعة ما حكاه الوهابية أنفسهم في الرسالة الثالثة من الهدية السنية([144]) عن الإمام البكري عند قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الآية من قوله: فإن قلت إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام قلت كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله والتقرب إليه لكن بطرق مختلفة ففرقة قالت ليس لنا أهلية عبادة الله بلا واسطة لعظمته فعبدناها لتقربنا إليه زلفى وفرقة قالت الملائكة ذو منزلة عند الله فاتخذنا أصناماً على هيئتها لتقربنا إليه زلفى وفرقة قالت جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة كما أن الكعبة قبلة في عبادته وفرقة اعتقدت أن لكل ملك (كذا) شيطاناً موكلاً بأمر الله فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله وإلا أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله انتهى. (والعجب) أن المستشهد بهذا الكلام من الوهابية قال بعد نقله: فانظر إلى كلام هؤلاء الأئمة وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عنده انتهى. ولم يدر أن عبادة غير الله لا يحتاج التكفير بها إلى الاستشهاد بكلام أحد سواء كانت بقصد التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم أو بدون ذلك ولكن الذي ينفع إثبات إن طلب الشفاعة عبادة أو إن ما يفعله المسلمون هو عين ما كان يفعله عبدة الأصنام والكلام الذي استشهد به صريح بخلافه فليس في المسلمين من يعتقد بواحدة مما كانت تعتقده تلك الفرق، هذا في رد زعمهم أن طلب الشفاعة عبادة وأما استدلال ابن عبد الوهاب على عدم جواز طلب الشفاعة من غير الله بآية: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} وآية: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} فاستدلال فاسد، أما آية: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} فليس معناها أن الله وحده هو الذي يشفع وغيره لا يشفع لأنه تعالى لا يشفع عند أحد وثبت أن الأنبياء والصالحين والملائكة يشفعون عنده وليس معناها أنه لا يجوز طلب الشفاعة ممن جعله الله شافعا بل معناها والله العالم إن الله مالك أمرها فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ولا يشفع إلا لمن ارتضاه الله {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} وصدر الآية هكذا {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} الآية فهو في مقام الرد على الذين اتخذوا الأصنام والأحجار شفعاء إلى الله تعالى وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله مع أنهم لا يملكون شيئا فكيف يملكون الشفاعة ولا عقل لهم حتى يشفعوا وفي الكشاف (من دون الله) من دون إذنه { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} أي هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بشرطين أن يكون المشفوع له مرتضى وأن يكون الشفيع مأذونا وها هنا الشرطان مفقودان جميعاً انتهى. (وحكى) الطبري عن مجاهد {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} أي لا يشفع أحد إلا بإذنه انتهى.
فحمل ابن عبد الوهاب واتباعه له على أن معناه طلب الشفاعة من الله وحده وعدم طلبها من المخلوق وإن كان له أن يشفع حمل مستهجن مستقبح لا يساعد عليه اللفظ ولا فهم أهل العرف ولم يذكره أحد من المفسرين ولا تقتضيه الحكمة ولا يخرج عن التمحل والتحكم والعبث فكأن الله تعالى يقول اطلبوا من الناس كل ما يقدرون عليه واطلبوا منهم الدعاء لكم الذي لا تخرج الشفاعة عنه بل هي نفسه ولكن لا يجوز لكم ومحظور ومحجور عليكم أن تطلبوا من النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يشفع لكم في الدنيا أو في الآخرة ويدعو الله لكم وإن كانت له الشفاعة وقد أعطاه الله إياها وهو الشفيع المشفع وإذا طلبتموها منه فقد كفرتم وأشركتم فانظر أيها المنصف هل يحسن أن يصدر ذلك من عاقل وهل يصدر إلا من سفيه جاهل تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وأما آية فلا تدعو مع الله فستعرف في فصل الدعاء أنها أجنبية عن المقام مع أنه لوصح الاستدلال بها على عدم جواز طلب الشفاعة من العبد لصح الاستدلال بها على عدم جواز طلب الدعاء منه لأن كلا منهما دعاء لغير الله يشمله قوله تعالى: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} فأي فارق بين قول يا فلان إشفع لي ويا فلان ادع لي، وطلب الدعاء من الغير لا ينكره الوهابية ولا قدوتهم ابن تيمية إذا كان من الحي كما ستعرف مع شمول الآية له. (وجاء) في أحاديث كثيرة: صلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني، وسيأتي حديث صلّوا عليّ ثم اسألوا الله لي الوسيلة فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة. والصلاة منّا الدعاء ومنه تعالى الرحمة ورفع الدرجة فقد طلب منا (صلّى الله عليه وآله) أن ندعو له برفع الدرجة وإعطاء الوسيلة وهو كطلبنا منه الشفاعة بأن يدعو الله أن يغفر ذنوبنا ويدخلنا جنته فكيف صار طلبه منّا توحيداً وطلبنا منه شركاً ونحن أحوج إلى شفاعته ودعائه منه إلى دعائنا فأي فارق بينهما لولا الجمود وقلة الإنصاف.
(أما) جعل الصنعاني من جملة عبادة المشركين الأصنام اعتقادهم أنها تشفع عند الله ومن جملة عبادة الأنبياء والصالحين اعتقاد ذلك والتشفع بهم ففاسد لأن اعتقاد المشركين في الأصنام أنها تشفع وطلبهم منها الشفاعة خطأ وغلط إذ لم يجعل الله لها شفاعة سواء كانت على صورة صالح أو غيره فإن الشافع هو الصالح لا الحجر الذي على صورته كما عرفت بخلاف الاعتقاد بأن الأنبياء والصالحين يشفعون فإنه صحيح مطابق للواقع ليس فيه خطأ ولا غلط فضلاً عن كونه عبادة وشركاً وكذلك التشفع بهم، على أن الاعتقاد في حجر أو شجر أنه يشفع وطلب الشفاعة منه لم يعلم كونه عبادة له إنما هو خطأ وغلط، والمشركون لم يعلم أن هذا سبب في شركهم لأنه لم يصدر منهم وحده بل صدر معه ما هو كاف في الشرك والكفر من إنكار الرسل والشرائع والعبادة للأصنام بغير ما ذكر كما بيناه غير مرة وتعليل الصنعاني وغيره كون اتخاذ الشفعاء شركا بأنه لا يشفع عنده أحد {إِلَّا بِإِذْنِهِ} فاسد فإن قوله إلا بإذنه مثبت للشفاعة فكيف يكون اتخاذ الشفعاء الذين جعل الله لهم الشفاعة وأذن لهم فيها شركا. (وقوله): فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة ولا هم أهل لها، رد عليه فاتخاذ الشفيع الذي ذمهم الله عليه هو اتخاذ حجر أو شجر أوصورة شفيعا مع أن الله لم يجعل لها شفاعة ولا هي أهل لها أما الأنبياء الذين أثبت الله لهم الشفاعة التي هي نوع من الدعاء كما عرفت وجعلهم أهلا لها كما تواترت به الأخبار ودل عليه قوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}. {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}. {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}. {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}. {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}. قال البيضاوي: عهداً من الإيمان والعمل الصالح أو إذنا فيها انتهى {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} في تفسير البيضاوي: إلا من شهد بالحق بالتوحيد، والاستثناء متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله لاندراج الملائكة والمسيح فيه ومنفصل إن خص بالأصنام انتهى. فهذه الآيات مثبتة للشفاعة جزما مع إذن الله ورضاه ولسنا نطلب منهم أن يشفعوا لنا قهراً وحتماً على الله ومثبتة لشفاعة من اتخذ عند الرحمن عهدا ومن شهد بالحق فلا ذم على طلب الشفاعة منهم ولا شرك فيه. وظهر من ذلك بطلان قول الصنعاني إن الاعتقاد في حي أو ميت أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع والتوسل إليه تعالى شرك كالاعتقاد في الأوثان، وقوله بمجرد التشفع لا يظهر له معنى ولا للتقييد به فائدة فإنه إن أراد منه أنه يشفع بغير إذن الله ويجبر الله على قبول شفاعته فهذا لا يعتقده مسلم ولا يقول به أحد فما فائدة هذا التقييد وكيف رتبوا عليه استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم. نعم لا يبعد أن يكون عبدة الأصنام يعتقدون مثل ذلك في أصنامهم وأوثانهم كما بيناه في غير هذا الموضع وإن أراد أنه يشفع بمجرد التشفع ويشفعه الله لأن الله أذن له إذنا عاما في الشفاعة عندما يتشفع به أحد ووعده قبول شفاعته لكل من يتشفع به فهذا أيضاً لا يعتقده أحد من المسلمين وإن كان ممكناً وجائزاً إن دل عليه النقل وإنما يقولون إن الله تعالى جعل النبي (صلّى الله عليه وآله) شافعاً ومشفعاً كما دلت عليه صحاح أخبارهم لكن لا بلا قيد ولا شرط فقد يتشفع به أحد ويشفع له وقد لا يشفع له لأنه ليس أهلا للشفاعة أو لأن الله لم يأذن له أن يشفع فيه وقد يأذن له في الشفاعة وقد لا يأذن والأمر كله لله تعالى. نعم كلهم يطلبون منه الشفاعة التي هي نوع من الدعاء رجاء أن يشفع فيشفعه الله وليس ذلك حتمياً قطعياً فجعل ذلك كالاعتقاد في الأوثان التي ثبت بصريح العقل ونص الشرع عدم قدرتها على الشفاعة والدعاء وعدم جواز طلبها منها خطأ واضح فما فائدة هذا التقييد؟ أبمثل هذا تستحل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.
ومما ذكرنا يعلم أن قولهم في الكتاب إلى شيخ الركب المغربي بعد ذكر آية {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية. فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم، تقوّل على الله وافتراء عليه فالله تعالى في هذه الآية أثبت لهم شيئين عبادتهم الأصنام وقولهم هؤلاء شفعاؤنا وأخبر أنهم أشركوا ولم يخبر إن عبادتهم هي طلب الشفاعة ولا أن طلبهم هو الشرك بل أخبر بأن عبادتهم الأصنام غير قولهم ذلك لاقتضاء العطف المغايرة كما مر وقد أبطلوا في كتابهم المذكور احتجاجهم بآية { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} بذكرهم معها الآيات الآخر تفسيراً لها وهي {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}. {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}. فبينت أن معنى كون الشفاعة كلها لله أنها لا تكون إلا بإذنه وليس لأحد أن يشفع قهراً عنه وبدون رضاه ويلجئه إلى قولها حياء أو خوفا أو غير ذلك كما يقع بين المخلوقين لا أن معناها عدم جواز طلب الشفاعة ممن له الشفاعة. أما ذكرهم في جملة الآيات المستدل بها على إبطال طلب الشفاعة من غير الله آية {فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ} فغريب لأن هذه الآية لا ربط لها بطلب الشفاعة وإنما تدل على عدم قبول عذر أو توبة بعد الموت من الظالمين. ولكن هؤلاء يظنون أن تكثيرهم لسرد الآيات يدل على أنهم شديدو التمسك بالقرآن. (أما قولهم) وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد بعد ذكر آية {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}، فنعم هو والله لا يرضى إلا التوحيد ولا تكون الشفاعة إلا لأهل التوحيد كما أنه لا يرضى بنسبة الشرك إلى أهل التوحيد لطلبهم الشفاعة ممن جعل الله له الشفاعة ولا ينفع الناسبين تسمية أنفسهم بالموحدين. (أما قولهم): فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله فإذا كانت حقا فما المانع من طلبها أفيجعل الله طلب الحق باطلا وشركا، تعالى الله عن ذلك فطلب الحق لا يكون إلا حقاً وطلب الباطل لا يكون إلا باطلاً والتقييد بقولهم في دار الدنيا دال على جواز طلبها في الآخرة كما يدل عليه حديث تشفع الناس بالأنبياء واعتذار كل منهم ثم تشفعهم بمحمد (صلّى الله عليه وآله) الآتي نقله، وإذا كان طلبها شركا لم يجز في الدنيا ولا في الآخرة وهل منع الناس من الشرك في الدنيا وأبيح لهم الشرك في الآخرة؟ (قولهم): فإذا كان رسول (صلّى الله عليه وآله) وهو سيد الشفعاء لا يشفع إلا بإذن الله فكيف بغيره لا يظهر له معنى بل تطويل بلا طائل ولا علاقة له بالمقصود فمن الذي ينكر أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بأمر الله ولا يشفع إلا بإذن الله فضلا عن غيره فهذا ليس محل نزاع بيننا وبينهم إنما النزاع في أن طلب الشفاعة من الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي جعل الله له الشفاعة من بعد إذنه وتفضله وهدايته وتعليمه له كيفية الشفاعة وتحديده له حدا، هل يكون طلبنا الشفاعة منه التي جعلها الله له وأذن له فيها شركاً وكفراً ومعصية أو لا؟ فهل إذا انتفت الشفاعة إلا بإذن الله يكون طلبها شركاً وكفراً وما وجه الملازمة ومن الذي يقول إنه (صلّى الله عليه وآله) يشفع قهراً على الله ولكن كل ما يذكره سلفهم لا بد أن يذكره خلفهم ولو لغير فائدة فانظر رعاك الله بعين البصيرة والإنصاف إلى هذه الاستدلالات الواهية التي بها استحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم هل يسوغ التمسك بها والتهجم على الدماء والأموال والأعراض بمثلها. (قولهم): وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من العلماء المسلمين وأجمع عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة وأتباعهم فيا ليت شعري من هو الذي قال وأفتى من علماء المسلمين بأن طلب الشفاعة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كفر وشرك ومتى أجمع على ذلك علماء المسلمين وفي أي عصر من الأعصار وقع ذلك وفي أي كتاب وجدوه منقولا وهل أحد عنون هذه المسائل قبل الوهابيين وابن تيمية حتى يدعى فيها الإجماع أو عدم الخلاف ومن هو الذي أفتى بها من الأصحاب أو التابعين ومن الذي أفتى بها من الأئمة الأربعة وأين موضعها من كتب الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة غير الوهابية ليدلونا على مكانها إن كانوا صادقين. وكيف خالف أتباع الأئمة الأربعة أئمتهم فيها واتبعهم الوهابية خاصة.
والدعاوى ما لم تقيموا عليها
بينات أبناؤها أدعياء
فدعواهم هذه افتراء منهم على علماء المسلمين وعلى الأصحاب والتابعين وعلى الأئمة الأربعة وأتباعهم بل الإجماع حاصل من الأنبياء والمرسلين ومن الصحابة والتابعين على خلاف ما يقوله الوهابية فقد تشفع وتوسل آدم (عليه السلام) برسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل خلقه وتشفع وتوسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمن قبله من الأنبياء وتشفع الأصحاب بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وبفتح كوة بين قبره وبين السماء وتشفع عمر بالعباس كما سيأتي ذلك كله في الفصل الثالث في التوسل ويأتي في هذا الفصل أنه (صلّى الله عليه وآله) أقر الأعرابي على قوله إنا نستشفع بك على الله وفي الفصل الثاني أنهم طلبوا من النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد موته أن يستسقي لهم فسقوا.
ومما تقدم تعلم فساد كلام صاحب الرسالة الثانية من الهدية السنية حيث أثبت الشفاعة للنبي (صلّى الله عليه وآله) يوم القيامة ولسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال ومنع من طلبها منهم وقال إنها تطلب من الله فقد بان لك أنه لا مانع من طلبها منهم بعد أن ثبتت لهم الشفاعة وأن منع طلبها منهم جهل وغباوة أو عناد ومكابرة (أما تعليله) كون طلب ذلك في البرزخ شركا بأنه لم يرد به نص من كتاب أو سنة أو أثر من السلف الصالح فغريب لأن عدم ورود النص والأثر من السلف لا يستلزم كونه شركا بشيء من وجوه الاستلزام بل لا يستلزم تحريمه فضلا عن كونه شركا لما عرفت في المقدمات من أصالة الإباحة فيما لا نص فيه. (قوله): بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف إنه شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، افتراء على الكتاب والسنة لما عرفت مفصلاً من ورودها كلها بخلاف ما قالوه وإنه (صلّى الله عليه وآله) لم يقاتل أحدا على الاستشفاع بمن له الشفاعة وكذا كلام صاحب الرسالة الأولى منها يظهر فساده مما مر فإنه اعترف بأن الشفاعة حق في الآخرة وأنه يجب على كل مسلم الإيمان بها وبشفاعة سائر الشفعاء فمنع طلبها بعد الاعتراف بها تمحل وعناد وما لفقه للمنع من طلبها لا يخرج عن العناد كقوله إن لها أنواعا مذكورة في محلها وإنها ثابتة بالوصف وهو من مات لا يشرك بالله شيئا لا بالشخص عدى الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامة وتفريعه على ثبوتها بالوصف لزوم طلبها من الله بأن يشفع فيه نبيه فإن ذلك كله تمحل في تمحل فما هي تلك الأنواع التي يدعيها والحال أن الشفاعة مرجوة لكل مذنب لم يشرك بالله كما دل عليه حديث أبي هريرة الذي ذكره تصديقاً لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} وقد جاء عنه (صلّى الله عليه وآله): شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وثبوتها بالوصف لا بالشخص لا يظهر له معنى محصل وكأنه يريد به أن من ثبتت له معلوم بالوصف وهو عدم الشرك لا بالشخص وهو زيد أو عمرو مثلا لجواز أن لا يموت على التوحيد فكيف يطلب الشفاعة ولا يخفى ما في ذلك من التمحل والتعسف فإذا كانت الشفاعة ثابتة بصفة عدم الشرك حال الموت فكل موحد يرجو ثبوتها له فما المانع من أن يطلبها وما وجه الملازمة بين ثبوتها بالوصف وعدم جواز طلبها من غير الله فإن كان وجهه عدم العلم بثبوت الوصف فذلك لا يقتضي المنع من طلبها رجاء لثبوته ولا يقتضي كون طلبها شركاً وكفراً ولا يلزم على من طلب شيئاً أن يكون عالماً بحصوله وبتحقق شروطه وهل هذا إلا مكابرة وتضييق فيما وسع الله فيه. (وقوله) إنها ثابتة بالوصف لا بالشخص ما عدا الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامه، أيضاً لا يظهر له معنى محصل فإن أراد أن هناك شفاعتين عظمى لأهل الموقف عامة مشركهم وموحدهم وغيرها لخصوص الموحدين نافى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} وقوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}. فإذا كان الله لا يغفر للمشرك ولا يرتضيه فما معنى هذه الشفاعة وما فائدتها. (قوله): وليس منها ما يقصدون، إذا كانت لأهل الموقف عامة فما وجه خروج ما يقصدون عنها وإذا كانت لمن مات غير مشرك فالمتشفع يرجو أن يكون كذلك. (قوله): فالمتعين على كل مسلم صرف همته إلى ربه، إلى قوله: طالبا لها من النبي أو غيره. هذا تمويه وتضليل فالمتشفع بمن جعله الله شافعا لم يصرف همته إلّا إلى ربه ولم يقبل إلا إليه ولم يتكل إلا عليه ولم يفعل شيئا ينافي القيام بحق العبودية له بل ذلك من تمام القيام بحقها لأنه عن أمر الله الذي جعله شافعا فنحن لم نطلب منه إلا ما جعله الله له وما جعله له إلا ليطلب منه كما كان طلب الدعاء من الغير كذلك مع عدم الفرق بينهما فنسبة المسلمين إلى أنهم بطلبهم الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) أهملوا ذلك والتجأوا إلى غير الله مقبلين على شفاعته متوكلين عليها افتراء عليهم وكيف يتصور عاقل إن طلب الشفاعة إلى الله في غفران الذنب ونيل الخير منه تعالى ممن جعل الله له الشفاعة هو إعراض عن الله والتجاء إلى غيره وتوكل على غيره وكيف لم يكن طلب الدعاء من الغير كذلك وطلب الشفاعة لا يخرج عن طلب الدعاء والكل من الله وإلى الله وفي الله. (قوله): فإن هذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم قد عرفت بما كررناه مرارا أنه لا مساس لذلك بفعل المشركين ولا باعتقادهم فإنهم كذبوا الرسل وعبدوا الأصنام وأعرضوا عن عبادة الله واعتقدوا الشفاعة فيمن لم يجعل الله له شفاعة وعظموا من لا يستحق التعظيم من تمثال وشجر ونحوه. (قوله): ولا نشأت فتنة في الوجود إلا بهذا الاعتقاد، لا يجوز دخول لا النافية على الماضي إلا مكررة أو مسبوقة بنفي، واعتقاد أن النبي (صلّى الله عليه وآله) شافع مشفع وصاحب الوسيلة عند الله وأنه يستغفر للمذنبين من أمته بعد وفاته كما أخبر عن نفسه([145]) وأنه مجاب الدعوة وأن دعاءه لنا أرجى في الإجابة من دعائنا لأنفسنا هو عين الحق والصواب. فجعله سببا لكل فتنة نشأت في الوجود ضلال وخذلان نعوذ بالله منه. نعم إن اعتقاد الوهابيين أن ذلك كفر وشرك واستحلالهم به الدماء والأموال كان سببا لكل فتنة في الوجود بغزوهم بلاد الإسلام وإراقتهم الدماء ونهبهم الأموال وتفريق كلمة المسلمين وكسر شوكتهم وزيادتهم ضعفا إلى ضعفهم فإنا لله وإنا إليه راجعون. (قوله): ولهذا حسم مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن الإله، لا يتوهم عاقل ولا جاهل إن الشفاعة تكون بغير إذن الله وقهرا عليه فالتعبير بقوله حسم مادة الشفاعة بغير إذنه لا مناسبة له ولا محل فحسم المادة يكون بنفي كل شفاعة والله تعالى بآية: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} قد أثبت الشفاعة بإذنه ونفاها بغير إذنه فلم يحسم مادتها وما وجه الربط بين هذه العلة والمعلول فإذا كان الله تعالى قد نفى الشفاعة بغير إذنه أو حسم مادتها بغير إذنه كما يقول هذا الوهابي فهل يلزم أن يكون طالب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي جعل الله له الشفاعة وأذن له فيها كافراً ومشركاً. وهل طالب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول له إشفع لي قهرا على الله رضي أم أبى أذن أم لم يأذن، (بالدبوس) كدين الوهابية. كلا فانظر رعاك الله إلى هذه التعليلات وإلى هذه النتائج والمقدمات التي استحلوا بها الدماء والأموال واعجب ثم أعجب. (قوله): ولهذا قال: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} قد عرفت أن المراد بها أنه تعالى مالك أمرها فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فلا تزيد عن الآية الأولى. )أما قوله تعالى(: {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ} إلخ، فالمراد بشفعائهم الأصنام والأحجار التي كانوا يزعمون أنها شركاء فيهم ولها نوع اختيار معه تعالى وتصرف في الكون وهي جماد لا الأنبياء والمرسلين الذين لا يعتقد مسلم فيهم شيئاً من ذلك سوى ما جعله الله لهم من الشفاعة عنده والمنزلة لديه فإنهم حاضرون مع أممهم يشفعون لها ولم يتقطع ما بينهم وبينها ولا ضلت عنهم لا سيما نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله) الذي هو وسيلة الخلق يوم القيامة دون الأنبياء. (قوله): وطلبها من غير الله في هذه الدار زعم بعدم تعلقها بالإذن إلخ لا ندري ولا المنجم يدري لماذا كان طلبها في هذه الدار زعما بعدم تعلقها بإذن الله ولماذا كان تعلقها بإذن الله منافيا لطلبها وبأي وجه يدل قولنا يا رسول الله إشفع لي على إرادة إشفع لي رغما عن الله وقهرا عليه وبدون إذنه وهل إذا طلبنا منه الشفاعة يمتنع ويستحيل ولا يمكن أن يستأذن ويشفع فيكون طلب الشفاعة منافيا لتعلقها بالإذن ونفي الولي والشفيع في الآيتين يراد به النفي المقيد الذي هو من دون الله وفي قباله وبغير أمره وإذنه لا مطلق الشفيع الثابت بالاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا بِإِذْنِهِ} وبالضرورة من دين الإسلام ولا مطلق الولي الثابت بقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا} وغير ذلك. (قوله): والعبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كلام لا يرتبط بالمقصود ولا يثمر غير التطويل بلا طائل سمعه ولم يعرف موضعه فسواء كانت الآيتان واردتين في مورد خاص أو لا، لا تدلان على منع طلب الشفاعة ممن جعل الله له الشفاعة كما عرفت.
أما قول ابن عبد الوهاب إن الشفاعة شفاعتان منفية ومثبتة وجعله المنفية ما تطلب من غير الله واستشهاده على ذلك بآية { لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} والمثبتة ما تطلب من الله فهو تخرص على الغيب وتفسير للقرآن بالرأي والهوى وبغير الوجه الذي يجب أن يفسر به فإن قوله تعالى: {وَلَا شَفَاعَةٌ}، عام أو مطلق يجب تخصيصه أو تقييده بالآيات الأخر مثل {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} لوجوب حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد كما بيناه في المقدمات فيحمل قوله ولا شفاعة على الشفاعة لغير من يرتضى كالمنكر له تعالى أو المشرك به أو من يشفع بغير إذنه أو نحو ذلك أما حمل قوله تعالى: {وَلَا شَفَاعَةٌ} على نفي الشفاعة المطلوبة من غير الله فلا دليل عليه ولا يساعده العرف مع أنه تعالى أمر بالإنفاق من قبل أن يأتي لا شفاعة فيه والمراد به يوم القيامة فهو تعالى نفى الشفاعة في يوم القيامة ولم ينف الشفاعة المطلوبة في الدنيا ولا يمكن أن يراد بهذا اللفظ نفي الشفاعة في الدنيا.
وقد ظهر مما مر ويأتي في فصل الدعاء فساد قول ابن عبد الوهاب في تعليمه الاحتجاج: إن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا أي إن تطلبها منه وقال {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}، لما ستعرف من أن الدعاء المنهي عنه في الآية لا يشمل طلب الشفاعة كما لا يشمل طلب الدعاء التي هي نوع منه ولا يمكن أن يكون شاملا لذلك إذ يكون محصله إن الله تعالى أباح لك أن تطلب من كل أحد ما أعطاه الله إياه إلا الشفاعة فحجر عليك طلبها من النبي (صلّى الله عليه وآله) وأن أعطيها تحكما من غير فارق إلا توهم كون طلبها عبادة وهو توهم سخيف كما عرفت وهذا لا يليق أن يصدر من سفيه فضلا عن رب العزة جل وعلا. وظهر أيضا أن قوله في تعليمه الاحتجاج: الشفاعة أعطيها غير النبي (صلّى الله عليه وآله) فصح أن الملائكة والأولياء يشفعون فإن قلت: الله أعطاهم الشفاعة وأطلبها منهم رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله تعالى في كتابه – كلام فارغ لا يرجع إلى محصل بل هو افتراء على الله تعالى وعلى كتابه فمتى ذكر الله تعالى في كتابه إن طلب الشفاعة من الصالحين عبادة وفي أي سورة أم في أي آية ورد هذا أم أي مفسر ذكر ذلك؟! غاية ما عند ابن عبد الوهاب إن اللات اسم رجل صالح وإن المشركين كان لهم صنم على صورته وإنهم قالوا: {أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} وإن الله قال عنهم: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا}، وقد اتضح لك إن ذلك أبعد مما يرومه ابن عبد الوهاب من السماء عن الأرض لصراحة الآيات كما مر في عبادتهم الأصنام وإنها غير طلب الشفاعة وإنهم طلبوا الشفاعة من الصنم الذي هو حجر لا من الصالح الذي ذلك الحجر على صورته وكون بعض الأصنام المعبودة كانت على صورة موهومة لرجل صالح لا يوجب أن يكون الصادر منهم مجرد التشفع برجل صالح ولا يرتبط به ولا يستلزمه بشيء من وجوه الاستلزام فجعله طلب الشفاعة من الصالحين رجوعا إلى عبادتهم التي زعم أنه تعالى ذكرها في كتابه قريب من الهذيان فالملائكة والأولياء وإن ثبتت لهم الشفاعة كما سبق إلا أن من سألهم الشفاعة والاستغفار له لا يكون عابداً لهم ولا يزيد على من يسأل أخاه الاستغفار له. والذين أشركوا من العرب بعبادتهم الملائكة لم يشركوا بطلبهم منهم الشفاعة بل اتخذوهم أربابا وقالوا إنهم بنات الله كما مر.
ثم إن ابن عبد الوهاب صرح فيما يأتي في فصل الدعاء والاستغاثة بأن طلب المقدور من غير الله تعالى ليس شركا ولا محرما وإنما الموجب للشرك أن يطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله وحينئذ فمنعه من طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) مع اعترافه بأن له الشفاعة وأنه يقدر عليها ولو بعد الاستئذان من الله تعالى وأنه الشفيع المشفع تناقض ظاهر كما سيأتي بيانه وما الذي فرق بين الشفاعة وغيرها حتى منع الله تعالى من طلب الشفاعة من غيره وإن كان قادرا عليها وجوز طلب الدعاء من المؤمن الذي هو مثلها وغير ذلك مما يقدر عليه هل هو إلا نسبة التحكم إلى الله تعالى والعبث تعالى الله عن ذلك.
(أما) كلام ابن تيمية في رسالة زيارة القبور الذي فتح به هذا الباب للوهابية بقوله: وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي وجعله التشفع والتوسل إلى الله كما يتوسل إلى السلطان بخواصه من أفعال الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم شفعاء والمشركين وعبدة الأصنام الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا واستشهاده على ذلك بآيات الشفاعة وزعمه أنه تعالى بين الفرق بينه وبين خلقه ففساده أوضح من أن يبين بعدما أثبت الله الشفاعة رأفة بالمذنبين من عباده ليتسببوا إلى نيل رضاه وعفوه وجعلها لمن يكرم عليه من أنبيائه وأوليائه كما يستشفع ويتوسل إلى السلطان بخواصه ومن يكرم عليه لكن السلطان يقضي حاجته رغبة أو رهبة أو حياء أو غير ذلك والله تعالى يقضي حاجته كرما ورحمة ورأفة ولا ينافي ذلك كونه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وإن الأمر كله له والذين أخبر الله عنهم إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله لم يكن ذلك لأجل طلبهم منهم الشفاعة بل إنهم أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالاً فاتبعوهم كما جاء في بعض الأخبار فهو نظير قوله تعالى {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} والذين عبدوا الأصنام وقالوا هؤلاء شفعاؤنا تشفعوا بأحجار لا تعقل ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع فذمهم الله تعالى بقوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ} وبيَّن وجه ذمهم بقوله: {أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} فجعل التشفع بأنبياء الله وأوليائه الذين يعقلون ويملكون أمر الشفاعة حيث إنه تعالى جعل لهم الشفاعة وملكهم أمرها وأذن لهم فيها كالتشفع بالأصنام التي لا تعقل ولا تملك شفاعة جهل محض.
(وما بيّنه) ابن تيمية في تفسير {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}. {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}. {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} من الفرق بين الشفاعة عند الله وعند خلقه يبطل استدلالهم بآية {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} على عدم جواز طلبها من غير الله لأنه ذكر في وجه الفرق أن عادة الناس أن يستشفعوا إلى الكبير بمن يكرم عليه فيقضي حاجته رغبة أو رهبة أو حياء أو مودة أو غير ذلك والله تعالى لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع فلا يفعل إلا ما شاء الله وشفاعة الشافع من إذنه والأمر كله له فهذا معنى إن الشفاعة كلها لله لا أنه لا يجوز طلبها من غيره.
هذا مع دلالة جملة من الأخبار على جواز طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) وغيره في دار الدنيا لأمور الدنيا والآخرة فعن صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئا([146]) إلا شفعهم الله فيه. وعن صحيح مسلم عن عائشة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ما من ميت يموت يصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه وهذان الخبران يدلان على جواز الشفاعة في الدنيا من آحاد المؤمنين وأنها لا تختص بالآخرة ولا بالأنبياء فهل إذا أوصى رجل جماعة من إخوانه أربعين أو مائة أن يقوموا على جنازته ويشفعوا فيه أو يصلوا عليه ويشفعوا فيه يكون مشركا وآثماً مخطئاً عند محمد بن عبد الوهاب واتباعه لأنه طلب منهم الشفاعة وخالف قوله تعالى: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} كما يكون طالبها من النبي (صلّى الله عليه وآله) كذلك؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.
(وعن الترمذي) عن أنس سألت النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل قلت فأين أطلبك قال أولا على الصراط قلت فإن لم ألقك قال عند الميزان قلت فإن لم ألقك قال عند الحوض فإني لا أخطي هذه المواضع. (فهذا) أنس قد طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) في دار الدنيا ولم يطلبها من الله كما يريد ابن عبد الوهاب وأقره النبي (صلّى الله عليه وآله) على ذلك أفهل كان أنس بذلك آثماً ومشركاً والنبي (صلّى الله عليه وآله) أقره على معصيته وشركه وابن عبد الوهاب وحده موحدا أم إن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يسمع بقوله تعالى: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}. {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. ولذلك لم ينه أنساً عن طلب الشفاعة منه أو سمعه النبي (صلّى الله عليه وآله) ولم يفهم معناه وفهمه محمد بن عبد الوهاب وأتباعه لأنهم أعلم بكتاب الله تعالى من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه.
وقد طلب سواد بن قارب وهو من الصحابة الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) كما سيأتي في الفصل الثالث في التوسل:
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة
بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
ولم ينكر عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم ينهه ولم يقل له لم طلبت الشفاعة مني ودعوت غير الله فأشركت مع أن الشفاعة كلها لله ولا يجوز أن يدعى أحد مع الله فادع الله واطلب الشفاعة منه وقل يا الله شفعه في كما يقوله ابن عبد الوهاب.
وفي السيرة الحلبية عن ابن إسحق في كتاب المبدأ إن تبعا الحميري آمن بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وكتب كتاباً فوصل إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد مبعثه وفيه إن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني وإن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال مرحباً بتبع الأخ الصالح ثلاث مرات (انتهى) ولو كان هذا شركاً وكفراً لوجب أن ينكره لا أن يرحب بصاحبه ثلاثاً ويسميه الأخ الصالح ولو أنكره لنقل عنه.
وقال ابن تيمية في رسالة زيارة القبور([147]) ما لفظه: في الحديث أن أعرابيا قال للنبي (صلّى الله عليه وآله) جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله فسبح رسول الله صلى الله عليه وآله حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك. قال فأقره على قوله إنا نستشفع بك على الله وأنكر عليه نستشفع بالله عليك لأن الشافع يسأل المشفوع إليه والعبد يسأل ربه ويستشفع إليه والرب تعالى لا يسأل العبد ولا يستشفع به انتهى. فإقرار النبي (صلّى الله عليه وآله) له على قوله إنا نستشفع بك على الله دليل على جواز طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) في دار الدنيا وأنه ليس فيها شائبة منع.
واتضح فساد قول الوهابيين إن الشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله فقد أقر النبي (صلّى الله عليه وآله) على طلبها منه في دار الدنيا لأمور الدنيا ولغيرها ومع هذا كله يعاند الوهابيون ويصرون ويتمحلون ويخالفون صريح السنة ليستحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ويزعمون أنهم بها يتمسكون{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. (لا يقال): الذي أنكره الوهابية طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) في دار الدنيا بعد موته وهذه الروايات كلها في طلب الشفاعة من الأحياء فلا يتم الاستدلال. (لأنا نقول) الدليل الذي استدلوا به على عدم جواز طلب الشفاعة في دار الدنيا وأنها شرك إن تم لا يفرق بين طلبها من الحي وطلبها من الميت وهو قوله تعالى: {لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. (مع) أنها قد وردت أخبار في طلب الشفاعة منه (صلّى الله عليه وآله) بعد موته. (وهي) ما سيأتي من أن ابن حنيف علم رجلاً أن يقول في دعائه في خلافة عثمان يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن تقضي حاجتي ويذكر حاجته وأنه فعل ذلك فقضيت حاجته. (وما رواه) المفيد في المجالس عن ابن عباس أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما فرغ غسل النبي (صلّى الله عليه وآله) كشف الإزار عن وجهه ثم قال بأبي أنت وأمي طبت حياً وطبت ميتاً. (إلى أن قال): بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من همك ثم أكب عليه فقبل وجهه. (وفي خلاصة الكلام): صح أنه لما توفي (صلّى الله عليه وآله) أقبل أبو بكر فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وقال بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك انتهى وهذا استشفاع به (صلّى الله عليه وآله) في دار الدنيا بعد موته. كل هذا والوهابية وأتباعهم يزعمون أنهم سلفيون متمسكون بأقوال السلف وبأقوال الصحابة. (وفي خلاصة الكلام): عن شرح المواهب للزرقاني أن الداعي إذا قال اللهم إني أستشفع إليك بنبيك يا نبي الرحمة إشفع لي عند ربك استجيب له انتهى. وسيأتي في فصل التوسل من جملة الدعاء الذي ذكره العلماء في باب آداب الزيارة خطاباً له (صلّى الله عليه وآله) جئناك لقضاء حقك – إلى قوله – والاستشفاع بك فليس لنا يا رسول الله شفيع غيرك فاستغفر لنا وأشفع لنا الخ ويأتي هناك أن كثيرا من علماء المذاهب الأربعة ذكروا في كتب المناسك عند ذكر الزيارة استحباب التشفع به (صلّى الله عليه وآله).
الفصل الثاني
(في دعاء غير الله تعالى والاستغاثة والاستعانة به وطلب الحوائج منه)
وهذا مما صرح الوهابية وقدوتهم ابن تيمية بأنه موجب للشرك والكفر ففي الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية([148]) أن قول ادركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى إذا طلب في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك وادعى ورود الكتاب والسنة وإجماع السلف إن ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصرح بذلك ابن تيمية في كلامه المتقدم في الباب الثاني المنقول عن رسالة الواسطة وصرح به في رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور في عدة مواضع وهي جواب لمن سأله عمن يزور القبور ويستنجد بالمقبور في مرض به أو بفرسه أو بعيره يطلب إزالة ذلك ويقول يا سيدي أنا في جيرتك أنا في حسبك فلان ظلمني فلان قصد أذيتي ويقول إن المقبور يكون واسطة بينه وبين الله تعالى. وفيمن يستغيث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع وفيمن يجئ إلى شيخه ويستلم القبر ويمرغ وجهه عليه ويمسح القبر بيديه ويمسح بهما وجهه وأمثال ذلك وفيمن يقصده بحاجته ويقول يا فلان ببركتك أو يقول قضيت حاجتي ببركة الله وبركة الشيخ وفيمن يعمل السماع ويجئ إلى القبر فيكشف ويحط وجهه بين يدي شيخه على الأرض ساجداً وفيمن قال إن ثم قطباً غوثاً جامعاً في الوجود.
ومما جاء في الجواب قوله([149]): من يأتي إلى قبر نبي أوصالح ويسأله حاجته ويستنجده مثل أن يسأله أن يزيل مرضه أو يقضي دينه أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل فهذا شرك صحيح (صريح ظ) يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل ثم ذكر([150]) عن وثيمة وغيره أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء قوم صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثيلهم أصناما وكان العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها هو أصل الشرك وعبادة الأوثان ولهذا قال النبي (صلّى الله عليه وآله): (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد). إلى أن قال([151]): وهذا ما يظهر الفرق بين سؤال النبي (صلّى الله عليه وآله) والرجل الصالح في حياته وسؤاله بعد موته وفي مغيبه وذلك أنه في حياته لا يعبده أحد في حضوره إلى أن قال([152]): ولم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين يتخيرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء ويسألونهم ولا يستغيثون بهم لا في مغيبهم ولا عند قبورهم وكذلك العكوف قال ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت وغائب كما ذكره السائل ويستغيث به عند المصائب يا سيدي فلان كأنه يطلب منه إزالة ضره أو جلب نفعه وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله) واعلم الناس بقدره وحقه أصحابه ولم يكونوا يفعلون شيئا من ذلك لا في مغيبه ولا بعد مماته. وقال ابن تيمية أيضا في رسالة زيارة القبور([153]): وقول كثير من الضلال: هذا أقرب إلى الله مني وأنا بعيد من الله لا يمكنني أن أدعوه إلا بهذه الواسطة ونحو ذلك – من أقوال المشركين فإن الله تعالى يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (إلى أن قال): وأمر الله العباد أن يقولوا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وأخبر عن المشركين أنهم قالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ثم يقال لهذا المشرك أنت إذا دعوت غير الله فإن كنت تظن أنه أعلم بحالك وأقدر على عطاء سؤالك أو ارحم بك فهذا جهل وضلال وكفر وإن كنت تعلم أن الله أعلم وأقدر وأرحم فلم عدلت عن سؤاله الى سؤال غيره، (إلى أن قال): وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى درجة فهذا حق لكن كلمة حق أريد بها باطل فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة فإنما معناه أن يثيبه الله ويعطيه أكثر مما يعطيك ليس معناه أنك إذا دعوته كان الله يقضي حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت الله فإنك إن كنت مستحقاً للعقاب ورد الدعاء فالنبي والصالح لا يعين على ما يكرهه الله وإن لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول وإن قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته كما تقول للحي ادع لي وكما كان الصحابة يطلبون من النبي (صلى الله عليه وآله) الدعاء فهذا مشروع في الحي دون الميت إلى آخر ما يأتي في هذا الفصل.
وقال ابن تيمية أيضاً في رسالة زيارة القبور([154]) ما حاصله: مطلوب العبد إن كان مما لا يقدر عليه إلا الله فسائله من المخلوق مشرك من جنس عباد الملائكة والتماثيل ومن اتخذ المسيح وأمه الآهين مثل أن يقول لمخلوق حي أو ميت اغفر ذنبي أو انصرني على عدوي أو اشف مريضي أو عافني أو عاف أهلي أو دابتي أو يطلب منه وفاء دينه من غير جهة معينة أو غير ذلك وإن كان مما يقدر عليه العبد فيجوز طلبه منه في حال دون حال فإن مسألة المخلوق قد تكون جائزة وقد تكون منهياً عنها قال الله تعالى: {فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)} وأوصى النبي (صلّى الله عليه وآله) ابن عباس إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله وأوصى طائفة من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا فكان سوط أحدهم يسقط من كفه فلا يقول لأحد ناولني إياه وقال فهذه المنهي عنها والجائزة طلب دعاء المؤمن لأخيه الخ.
وصرح محمد بن عبد الوهاب في كلامه السابق في الباب الثاني بأن دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله موجب للارتداد عن الدين والدخول في عداد المشركين وعبدة الأصنام واستحلال المال والدم إلا مع التوبة بقوله: إن النبي (صلّى الله عليه وآله) قاتل المشركين لتكون جملة أشياء كلها لله وعد منها الدعاء والاستغاثة وغير ذلك من كلماتها السابقة.
(وقال) في رسالة كشف الشبهات([155]): عند تعليمه الاحتجاج على المسلمين المشركين بزعمه فإن قال (أي الخصم من المسلمين الذي هو مشرك بزعمه): أنا لا أعبد إلا الله والالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة فقل له أنت تقر إن الله فرض عليك إخلاص العبادة فبين لي هذا الذي فرض عليك فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} إذا عملت بهذا هل هو عبادة فلا بد أن يقول نعم والدعاء مخ العبادة فقل إذا دعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً ودعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله فلا بد أن يقول نعم فقل له وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله تحت قهره وإن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم والتجؤا إليهم للجاه والشفاعة ثم قال فإن قال أنا لا أشرك بالله حاشا وكلا والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك فقل إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من الزنا وأن الله لا يغفره فما هو فإنه لا يدري فقل كيف تبرئ نفسك من الشرك ولا تعرفه فإن قال الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبدها فقل ما معنى عبادتها أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها فهذا يكذبه القرآن يعني قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} الآية أو هو قصد خشبة أو حجر أو بنية أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع عنا ببركته وهذا هو فعلكم عند الأحجار والبنايا التي على القبور وغيرها وأيضاً قولك الشرك عبادة الأصنام هل تريد إن الشرك مخصوص بهذا وإن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في هذا فهذا يرده ما في القرآن من كفر من تعلق على الملائكة وعيسى والصالحين.
(وقال) في الرسالة المذكورة أيضاً([156]): ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً، (قال): والجواب أن نقول سبحان من طبع على قلوب أعدائه فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيره في أشياء يقدر عليها المخلوق ونحن أنكرنا استغاثة العباد عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف وهذا جائز في الدنيا والآخرة أن تأتي عند رجل صالح تقول له ادع الله لي كما كان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يسألونه في حياته وأما بعد مماته فحاش وكلا أنهم سألوا ذلك بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه.
ثم قال([157]) ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم لما ألقي في النار اعترض له جبرائيل في الهواء فقال ألك حاجة؟ فقال أما إليك فلا. فلو كانت الاستغاثة شركاً لم يعرضها على إبراهيم. (وأجاب) بأن جبرائيل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه فإنه كما قال الله فيه {شَدِيدُ الْقُوَى} فلو أذن له أن يأخذ نار إبراهيم ويلقيها في المشرق أو المغرب أو يضيع إبراهيم عنهم في مكان بعيد أو يرفعه إلى السماء لفعل وهذا كرجل غني يعرض على رجل محتاج أن يقرضه أو يهبه فيأبى ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون انتهى.
وصرح الصنعاني في كلامه السابق في الباب الثاني بأن من فعل ذلك أي الدعاء والنداء والاستعانة والالتجاء لمخلوق فقد أشرك في العبادة وصار من تفعل له هذه الأمور إلها لعابديه سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجراً أو قبراً أو جنياً أو حياً أو ميتاً وصار بهذه العبادة أو أي نوع منها عابداً لذلك المخلوق وإن أقر بالله وعبده ولم يخرجه إقراره وعبادته عن الشرك وعن وجوب سفك دمه وسبي ذراريه ونهب أمواله كما لم يخرج المشركين. (وذكر) الصنعاني في تطهير الاعتقاد سؤال استغاثة الناس بآدم (عليه السلام) يوم القيامة بما يقرب مما تقدم عن ابن عبد الوهاب إلا أنه قال فإن قلت الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث فإنه قد صح إن العباد يستغيثون بآدم الخ وقال بدل ليست شركا ليست بمنكر وقال قلت هذا تلبيس فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد. (إلى أن قال): وإنما الكلام في استغاثة المقبورين وغيرهم بأوليائهم وطلبهم منهم أمورا لا يقدر عليها إلا الله تعالى من عافية المريض وغيرها. (إلى أن قال): نعم استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما يدعون الله تعالى يفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف وهذا لا شك في جوازه أعني طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض وأمرنا سبحانه أن ندعوا للمؤمنين ونستغفر لهم يعني قوله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}.
(قال): وقد قالت أم سليم يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له وقد كان الصحابة يطلبون الدعاء منه (صلّى الله عليه وآله) وهو حي وهذا أمر متفق على جوازه والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً أن يشفوا مرضاهم ويردوا غائبهم وينفسوا على حبلاهم ويسقوا زرعهم ويدروا ضروع مواشيهم ويحفظوها من العين ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى هؤلاء الذين قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}. {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}. وصرح بذلك الوهابية في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي المتقدم في الباب الثاني.
ثم إن حاصل استدلال الوهابيين على عدم جواز دعاء غير الله تعالى بنحو الاستغاثة والاستعانة وطلب الحوائج على أحد الوجوه المبينة فيصدر الجواب وإنه كفر وشرك أكبر كدعاء الأصنام على ما يفهم من كلماتهم المار ذكرها وكما في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية([158]) إنه تعالى قال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ}. {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}. {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}. {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}. { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ}. {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا}. {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}. {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ}. {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ}. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ} الآية.
وقال الصنعاني في تنزيه الاعتقاد وقد سمى الله الدعاء عبادة بقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} الآية. وفي الهدية السنية([159]) عنه (صلّى الله عليه وآله) الدعاء مخ العبادة رواه الترمذي وفي رواية الدعاء هو العبادة ثم قرأ (صلّى الله عليه وآله): {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} الآية، رواه أحمد وأبو داود والترمذي انتهى. ومن هتف باسم نبي أو صالح عند الشدائد كقول يا رسول الله يا ابن عباس بدون أن يتبعه بشيء أو قال إشفع لي إلى الله في حاجتي أو أستشفع بك إلى الله في حاجتي أو نحو ذلك أو قال اقض ديني أو اشف مريضي أو نحو ذلك فقد دعا ذلك النبي والصالح والدعاء عبادة بل مخها كما عرفت فيكون قد عبد غير الله وصار مشركاً إذ لا يتم التوحيد إلا بتوحيده تعالى في الإلهية باعتقاد أن لا خالق ولا رازق غيره وفي العبادة بعدم عبادة غيره ولو ببعض العبادات وعباد الأصنام إنما أشركوا بعدم توحيد الله في العبادة كما مرّ مفصلاً.
(والجواب): إن الدعاء والاستغاثة بغير الله يكون على وجوه ثلاثة، (الأول): أن يهتف باسمه مجردا مثل أن يقول يا محمد يا علي يا عبد القادر يا أولياء الله يا أهل البيت ونحو ذلك. (الثاني): أن يقول يا فلان كن شفيعي إلى الله في قضاء حاجتي أو ادع الله أن يقضيها أو ما شابه ذلك. (الثالث): أن يقول اقض ديني أو اشف مريضي أو انصرني على عدوي وغير ذلك. (وليس) في شيء من هذه الوجوه الثلاثة مانع ولا محذور فضلاً عما يوجب الاشراك والتكفير لأن المقصود منها طلب الشفاعة وسؤال الدعاء سواء صرح بذلك كما في الوجه الثاني أو لا كما في الوجهين الباقيين للعلم بحال المسلم الموحد المعتقد إن من عدا الله تعالى لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً فبسبب ذلك نعلم أنه لم يقصد سوى طلب الشفاعة والدعاء ولو فرض أننا جهلنا قصده لوجب حمله على ذلك سواء صدر من عارف أو عامي لوجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة مهما أمكن حتى يعلم الفساد وعدم جواز تكفير المقر بالشهادتين إلا بما يوجب كفره على اليقين وعدم جواز التهجم على الدماء والأموال والأعراض بغير اليقين كما مر في المقدمات فيكون ذلك هو المحذوف المطلوب من المدعو في الوجه الأول ويكون إسناد الفعل إلى المدعو مجازاً في الإسناد في الوجه الثالث من باب الإسناد إلى السبب لكونه بدعائه وشفاعته سبباً في ذلك كما في بنى الأمير المدينة وشفى الطبيب المريض فإن ذلك صحيح في لغة العرب كثير فيها وفي القرآن الكريم وهو المسمى عند علماء البيان بالمجاز العقلي وهو إسناد الفعل إلى غير ما هو له من سبب أو غيره، والقرينة عليه هنا ظاهر حال المسلم فإن كون المتكلم به مسلما يعتقد ويقر بأن من عدا الله تعالى لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً إلا بإقدار الله تعالى يكفي قرينة على ذلك ولهذا ذكر علماء البيان أن مثل انبت الربيع البقل إذا صدر من الدهري كان حقيقة وإذا صدر من المسلم كان مجازاً عقلياً كما تقدم تفصيله في المقدمات وأي فارق بين انبت الربيع البقل وبين ما نحن فيه فليكن هذا الإسناد كإسناد الرزق وما يجري مجراه إلى غير الله تعالى في قوله تعالى {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ}. {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}. {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ}. والإغناء لا يقدر عليه إلا الله فكيف نسبه إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وجعله شريكاً لله في ذلك وهل هو إلا كالرزق الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى وهم قد جعلوا قول ارزقني: شركاً وكفراً وقد نسب الله تعالى إلى عيسى (عليه السلام) الخلق وإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله بقوله حكاية عنه {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} فكيف جاز نسبة ذلك إليه ولم يكن كفرا ولا شركا ولم يجز نسبة شفاء المريض وقضاء الدين والرزق ونحو ذلك إلى النبي أو الولي بإذن الله فإن كان المانع أنه لا يقدر عليه إلا الله فالكل كذلك وإن كان عدم القدرة بعد الموت فهي حاصلة بما دل على حياة الأنبياء بل وغيرهم في عالم البرزخ كما مرّ في المقدمات.
(وإلى) ما ذكرنا أشار عالم المدينة السمهودي الشافعي في كتابه وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى([160]) بقوله: وقد يكون التوسل به (صلّى الله عليه وآله) بطلب ذلك الأمر منه بمعنى أنه (صلّى الله عليه وآله) قادر على التسبب فيه بسؤاله وشفاعته إلى ربه فيعود إلى طلب دعائه وإن اختلفت العبارة ومنه قول القائل له أسألك مرافقتك في الجنة الحديث ولا يقصد به إلا كونه (صلّى الله عليه وآله) سببا وشافعا انتهى. وفي قول القائل أسألك مرافقتك في الجنة في الحديث المشار إليه رد لما توهموه من كفر من قال اشف مريضي وانصرني على عدوي ونحوه حتى ادعى ابن تيمية إجماع المسلمين على ذلك كما مر في الباب الثاني فمرافقته في الجنة لا يقدر عليها غير الله نظير غفران الذنب وشفاء المريض بل لو فرض أنه ليس ظاهر حال القائل ما ذكرنا وتساوى الاحتمالان أو ضعف الاحتمال الصحيح لم يجز الحكم بالكفر والشرك لوجوب الحمل على الصحة ولو مع الاحتمال الضعيف وعدم جواز التكفير إلا مع اليقين، (نعم) لو قصد في الوجه الأول والثالث إن المستغاث به هو الفاعل لذلك اختيارا واستقلالا بدون واسطته تعالى وإقداره فالمسلمون منه براء ولكنه لا يوجد بين المسلمين أحد يقصد ذلك نعم ربما يوجد من لا يخطر بباله شيء تفصيلا فيجب حمله أيضا على الوجه الصحيح من طلب الدعاء والشفاعة دون غيره لأنه وإن لم يقصد ذلك ولم يلتفت إليه تفصيلا إلا أنه مقصود له إجمالا ولهذا لو سئل أنك هل تعتقد أنه قادر على ذلك بلا واسطته تعالى لقال كلا لا اعتقد ذلك وتبرأ ممن يعتقده ولو قيل له هل مرادك طلب الدعاء والشفاعة لقال نعم.
وحيث ظهر أن مرجع ذلك إلى طلب الشفاعة وسؤال الدعاء، (فنقول): أما الشفاعة فمضى الكلام فيها في الفصل السابق وأنها لا تخرج عن سؤال الدعاء، (وأما سؤال الدعاء) فلا مانع منه عقلاً ولا شرعاً من حي ولا ميت أما من الحي فاعترف الوهابيون (والمنة لله) بجوازه ولم يجعلوه شركا ولا كفرا ولا بدعة صرح بذلك ابن عبد الوهاب والصنعاني وقبلهما ابن تيمية. قال ابن تيمية في رسالة زيارة القبور([161]) ثبت عنه (صلى الله عليه وآله) (ما من رجل يدعو له أخوه بظهر الغيب دعوة إلا وكل الله بها ملكا كلما دعا لأخيه دعوة قال الملك ولك مثل ذلك) ومن المشروع في الدعاء إجابة غائب لغائب([162]) ولهذا أمر (صلّى الله عليه وآله) بالصلاة عليه وطلب الوسيلة له ففي الحديث إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة. ويشرع طلب الدعاء ممن هو فوقه ودونه فإن النبي (صلى الله عليه وآله) ودع عمر إلى العمرة وقال لا تنسنا من دعائك يا أخي وثبت في الصحيح أنه (صلى الله عليه وآله) ذكر أويس القرني وقال لعمر إن استطعت أن يستغفر لك فافعل وفي الصحيحين كان بين أبي بكر وعمر شيء فقال أبي وبكر لعمر استغفر لي لكن في الحديث إن أبا بكر ذكر أنه حنق على عمر وثبت في الصحيحين أن الناس لما أجدبوا سألوا النبي صلى الله عليه وآله أن يستسقي لهم فدعا الله لهم فسقوا انتهى. ثم ذكر حديث الأعرابي الذي قال للنبي (صلّى الله عليه وآله) ادع لنا ولم ينكر عليه وقد مر في فصل الشفاعة.
وأما طلب الدعاء من الميت فمنعه ابن تيمية وتبعه ابن عبد الوهاب وسائر الوهابية. قال ابن تيمية في رسالة زيارة القبور([163]) وإن قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته كما تقول للحي ادع لي وكما كان الصحابة يطلبون من النبي (صلّى الله عليه وآله) الدعاء فهذا مشروع في الحي وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول ادع لنا ولا اسأل لنا ربك ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر به أحد من الأئمة ولا ورد فيه حديث بل الذي ثبت في الصحيح أنّهم لما أجدبوا زمن عمر استسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. ولم يجيئوا إلى قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) قائلين يا رسول الله ادع الله لنا ونحن نشتكي إليك ممّا أصابنا ونحو ذلك، لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) يسلمون عليه فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر بل ينحرفون عنه ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع انتهى. (وقال) ابن عبد الوهاب في كلامه السابق في هذا الفصل إنّ أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانوا يسألونه الدعاء في حياته، أمّا بعد وفاته فحاش وكلا أنّهم سألوا ذلك (وقال) الصنعاني في كلامه السابق أيضاً كان الصحابة يطلبون الدعاء منه (صلّى الله عليه وآله) وهو حي وهذا أمر متفق على جوازه (وفي) الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية بل يطلب من أحجهم (أي الأولياء) الدعاء في حال حياته بل ومن كل مسلم انتهى. (فابن تيمية) جعله بدعة وابن عبد الوهاب والصنعاني في كلاميهما السابق في صدر الفصل زادا في نغمة الطنبور فجعلاه كفراً وشركاً والحق جوازه كما جاز من الحي لعدم ظهور مانع منه (فإنّ كان منعه) لأنّه خطاب للمعدوم وهو غير قادر على سماع الكلام ولا على الدعاء، فيرده ما مرّ في المقدمات من أنّه (صلّى الله عليه وآله) وسائر الأنبياء أحياء بعد الموت وأنه يسمع الكلام ويرد الجواب ويبلغه صلاة وتسليم من يصلي ويسلم عليه وأنّ علمه بعد وفاته كعلمه في حياته وأنّ أعمال أمته تعرض عليه وأنّه يستغفر لهم، وكما يدعو لهم بالمغفرة يدعو لهم بغيرها من خير الدنيا والآخرة لأنّه (صلّى الله عليه وآله) كما وصفه الله تعالى: {وَلَا يَضُرُّكَ أَندَاداً} فأي مانع أن نطلب منه الاستغفار بعد موته أو غيره من الدعاء بخير الدنيا والآخرة وهل منعه إلا تحكّم ومكابرة وعناد، وأنّ الوهابية لا ينكرون حياته (صلّى الله عليه وآله) بعد الموت وحديث رد روح الميت حتّى يرد السلام وما يأتي قريباً من أنّ بعض الصحابة دعاه أن يستسقي لأمته فجاء إلى بعضهم في النوم وأخبره أنّهم مسقون فسقوا وقد نص القرآن الكريم على أنّ الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم يرزقون ودرجة النبوة أعظم من درجة الشهادة، بل ورد أنّ مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء فلا يبعد في حق الأنبياء ما ثبت في حق الشهداء مع أنّ الروح باقية غير فانية ويمكنها السؤال والدعاء مع أنّ اعتقاد أنّ الميت يسمع أو لا ليس من الواجبات فمن اعتقده أما مصيب مأجور أو مخطئ معذور فلا يوجب اعتقاده شركاً ولا إثماً، ولو فرض عدم سماعه الكلام وعدم قدرته على الدعاء فطلبه منه لا محذور فيه لأنّه ليس ممّا لا يقدر عليه إلاّ الله فيكون كطلب القراءة من الأعمى بظنّه بصيراً والمشي من المقعد بظنّه سليماً أو مناداة ميت وطلب شيء منه بظنّه نائماً وكل ذلك لا يوجب شركاً ولا إثماً. (وإن كان منعه) باعتبار أنّه بدعة لم يرد به نص ولم يفعله السلف فيكفي في رفع البدعة عنه ورود النص في الحي بعد دلالة النصوص على حياته (صلّى الله عليه وآله) في قبره كما سمعت مع أنّ دعوى عدم فعل السلف له يكذبها ما ذكره السمهودي الشافعي عالم المدينة في كتابه “وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى”([164]) بقوله: وقد يكون التوسل به (صلّى الله عليه وآله) بعد الوفاة بمعنى طلب أن يدعو كما كان في حياته وذلك فيما رواه البيهقي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار ورواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك الدار (وفي غير وفاء الوفاء عن مالك الدار خازن عمر) قال أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنّهم قد هلكوا فأتاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام فقال ائت عمر فأقرأه السلام وأخبره أنّهم مسقون الحديث. قال وروى سيف في الفتوح أنّ الذي رأى المنام المذكور بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة، قال ومحل الاستشهاد طلب الاستسقاء به (صلّى الله عليه وآله) وهو في البرزخ ودعاؤه لربه في هذه الحالة غير ممتنع وعلمه بسؤال من يسأله قد ورد فلا مانع من سؤاله الاستسقاء وغيره كما كان في الدنيا انتهى. (وإن كان منعه) لتوهم أنّه عبادة للمطلوب منه الدعاء فهو فاسد لأن طلب الدعاء ليس عبادة وإلاّ لكان طلبه من الحي عبادة لعدم تعقل الفرق مع أنّ طلبه من الحي جائز بالإجماع بل بالضرورة فتشدد ابن تيمية وأتباعه فيه وسرده الدعاوى المنفية بلا دليل على عادته بقوله غير مشروع. لم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر به أحد من الأئمة ولا ورد فيه حديث. لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط. بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. تشدد بارد فاسد كسائر تشدادته وأتباعه من الوهابيين فيما لا ينبغي التشدد فيه وتساهلهم فيما يجب التشدد فيه كتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم ودعواه أنّه بدعة ما أنزل الله بها من سلطان من أشنع البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان مع أنّ دعوى ابن تيمية وابن عبد الوهاب أنّه لم يفعل ذلك أحد من الصحابة شهادة على النفي وهي غير مقبولة كما تقرر في محله وهل عاشروا جميع الصحابة واطلعوا على جميع أحوالهم حتّى عرفوا أنّه لم يصدر منهم ذلك كلا ومن الذي يدعي الإحاطة بجميع ما صدر من الصحابة والعادة قاضية بأنّه لا بد أن تكون خفيت علينا من أحوالهم أمور كثيرة لم تنقل إلينا لا أقل من الاحتمال سلمنا عدم فعل الصحابة له لكن ليس كل ما لم يفعله الصحابة يكون بدعة، فالبدعة كما مر في المقدمات إدخال ما ليس من الدين في الدين ومجرد عدم فعل الصحابة له لا يدل على أنّه ليس من الدين إذا لم يكن من الواجبات لجواز أن يترك الصحابة المستحب أو المباح وهل إذا أردنا أن ننشئ ألفاظاً ندعو الله تعالى بها تكون بدعة لأنّ الصحابة لم يدعوا بها أو إذا أردنا أن ندعو الله تعالى مستلقين على ظهورنا يكون بدعة لأنّه لم يفعله الصحابة إلى غير ذلك ممّا لا يحصى، سبحانك اللهم ما هذا التضييق على العباد فيما وسع الله عليهم فيه بل إذا لم يفعل النبي (صلّى الله عليه وآله) شيئاً لا يدل ذلك على تحريمه لجواز تركه المستحب والمباح. فالإسراع إلى قوله بدعة والمبالغة بأنّه ما أنزل الله بها من سلطان تقوّل على الله تعالى بغير علم ولو سلمنا جدلاً عدم فعل الصحابة لذلك وإن لم يفعلوه يكون بدعة فما الذي أوجب أن يكون شركاً وكفراً كما زعمه ابن عبد الوهاب وما الدليل على ذلك أهو قوله حاش وكلا فظهر أنّه لا فرق بين طلب الدعاء منه (صلّى الله عليه وآله) في حياته وبعد وفاته وأنّ التفرقة بينهما محض جمود أو عناد وأنّ ما هو شرك لا يمكن أن يكون توحيداً وبالعكس.
(والجواب) عن احتجاجهم على عدم جواز دعاء غير الله والاستعانة والاستغاثة به بآية {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} وما ذكر معها – إن الدعاء في اللغة مطلق النداء قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} ويطلق الدعاء على سؤال الله تعالى والرغبة إليه وطلب حوائج الدنيا والآخرة منه باعتقاد أنه مالك أمر الدنيا والآخرة وبعبارة أخرى باعتقاد ألوهيته واستحقاقه العبادة والتعبد والخضوع له بذلك إطاعة لأمره وإطلاق الدعاء على ذلك أما لأنه أحد أفراد المعنى اللغوي أو لصيرورته حقيقة عرفية في ذلك أو مجازا مشهورا وقد ورد في الشرع الحث على دعاء الله تعالى وطلب حوائج الدنيا والآخرة منه وسمي عبادة قال الله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} وقال زين العابدين علي ابن الحسين (عليه السلام) في دعائه بعد ذكر الآية (فسميت دعاءك عبادة وتركه استكبارا وتوعدت عليه دخول جهنم داخرين) حتى ورد أن الدعاء مخ العبادة أو هو العبادة كما ذكروه في احتجاجهم وبمضمونه عدة روايات. وإنما كان كذلك لما فيه من إظهار نهاية الخضوع والتذلل لله تعالى والافتقار إليه وأن الأمور كلها بيده ولهذا أمر بالدعاء وحث عليه مع أنه أعلم بحوائجنا منا وارأف بنا من كل أحد ولكنه أراد أن نظهر له غاية الخضوع والعبودية وننزل به حوائجنا جليلها وحقيرها حتى ورد أنه أوحى إلى موسى (عليه السلام) يا موسى اسألني حتى علف دابتك وقوت يومك أو ما هذا معناه.
ولا شك أن مطلق الدعاء والمناداة وطلب الحاجة من غير الله لا يكون عبادة ولا ممنوعاً منه فمن دعا رجلاً ليأتي إليه أو ليعينه وينصره أو ليناوله شيئاً أو يقضي له حاجة لم يكن عابداً له ولا آثماً. فقوله تعالى: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} لا يراد به مطلق الدعاء قطعاً بل دعاء خاصاً وهو الدعاء المساوي لدعاء الله تعالى باعتقاد أن المدعو قادر مختار مساو لله في ذلك كما كان غير المسلمين يفعلون ذلك في معابدهم أو دعاء من نهى الله عن دعائه من الأصنام والأوثان التي هي أحجار وأشجار لا تعقل ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع ولا تسأل ولا تشفع كما كان يفعله المشركون في الكعبة أو دعاء الملائكة والجن الذين كانوا يعبدونهم ويعتقدون أن لهم تأثيراً في الكون مع الله بأنفسهم أو يشفعون عنده اضطراراً بحيث لا يرد شفاعتهم أو نحو ذلك مما لم يجعله الله لهم وكذلك قوله (صلّى الله عليه وآله) الدعاء مخ العبادة أو هو العبادة لا يراد به مطلق الدعاء بل دعاء خاص كما أريد بالآية الكريمة بل لا يبعد أن يراد بالدعاء فيه خصوص دعاء الله تعالى أي إن دعاء الله تعالى مخ عبادة الله تعالى وذلك لاشتماله على نهاية الذل والخضوع والعبادة أقصى نهاية الخضوع والذل لأنها مأخوذة من قولهم طريق معبد أي مذلل فتكون الألف واللام فيه نائبة عن الإضافة فهي عهدية لا جنسية. وآيات {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} دالة على أنهم كانوا يعتقدون أنهم قادرون على نصرهم بأنفسهم لا بدعائهم وشفاعتهم وإلا لم تكن الآيتان ردا عليهم ولكان لهم أن يقولوا إنهم وإن لم يقدروا على نصرنا بأنفسهم فهم قادرون عليه بالتسبب بدعاء الله لنا الذي وعد إجابة الدعاء ونحن لم نطلب منهم غير ذلك وأنهم وإن كانوا عباداً أمثالنا فهم قادرون على أن يشفعوا لنا عند الله الذي جعل لهم الشفاعة بإذنه فيستأذنونه ويشفعون هذا إن كانوا من الأنبياء أو الصلحاء.
إذا عرفت ذلك ظهر لك أن من دعا نبيا واستغاث به فذلك لا يدخل في الدعاء المنهي عنه في الآية لأن هذا الدعاء والاستغاثة لا يخرج عن طلبه منه أن يدعو الله له أو يشفع له عنده الذي هو في معنى الدعاء فمن طلب ذلك مع اعتقاد أن الأمر فيه لله إن شاء أجاب دعاءه وقبل شفاعته وإن شاء رد لا يدخل في النهي قطعا بعد ما عرفت أن المنهي عنه ليس مطلق الدعاء بل دعاء مخصوص مع أن طلب الدعاء والشفاعة ممن جعل الله له ذلك لا يخرج عن دعاء الله تعالى وعبادته وتعظيم شأنه والتوسل إليه بأنواع الوسائل وفي ذلك مبالغة في التضرع إليه والطلب منه الذي علم أنه يحبه ويرضاه وأنه مخ العبادة له. (والمعية) في الآية ظاهرة في المساواة، ومن يدعو النبي (صلّى الله عليه وآله) ليدعو الله له ويشفع إليه في حاجته لم يدعه مع الله ولم يساوه به بل في الحقيقة دعا الله الذي أمر بطلب الدعاء من الغير وجعل له الشفاعة وليس المراد بالمعية مجرد المشاركة في الوجود وإلا لحرم دعاء غير الله في المساجد أو مطلقا مع الله بأن يقول يا الله اغفر لي ويا فلان اسقني ماء وحينئذ فقول يا محمد ادع لي الله أو أشفع لي عنده الذي هو في معنى ادعه لا يزيد عن قوله يا فلان اسقني ماء. (وبعبارة أخرى): معنى مع الله أن يكون دعاؤه في عرض دعاء الله لا في طوله. والأصنام لو فرض أن دعاءها ليس كذلك فالله نهى عن دعائها بكل حال لأنها جماد ولأن دعاءها خلاف على الله وتكذيب للرسل. ودعاء باقي المعبودات كعيسى والملائكة والجن هو مثل دعاء الله قطعا فعيسى (ع) اتخذ شريكا في الربوبية والملائكة والجن اعتقد أن لهم قدرة وتأثيرا مع الله كما مر.
أما قوله تعالى {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} الآية فمعناه والله العالم إن المدعو بحق هو الله تعالى وما يدعون من دونه من حجر أو شجر أو نبي يعتقدون إلهيته كعيسى فيدعونه ليرزقهم ويدخلهم الجنة ويفعل معهم فعل الرب مع عبيده أو ملك أو جني يعتقدون أن له تأثيراً مع الله أو شفاعة اضطرارية أو غير مردودة أو نحو ذلك لا يستجيبون لهم أما الأحجار والأشجار فلأنها جماد لا تقدر على شيء سواء كانت على صورة صالح أو لا لأن الدعاء والشفاعة للصالحين لا لصورهم وأما من يدعى فيه الإلهية أو التأثير مع الله من ملك أو جني فلأنه ليس إلها أو لا تأثير له ولا يبعد أن يكون المراد الأصنام خاصة وأن تكون واردة في مشركي قريش ولذلك شبه حالهم بباسط كفيه إلى الماء يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم وأين ذلك من طلب الدعاء من الصالحين الذين أمر الله بطلب الدعاء منهم ودلت الآيات والأخبار على حياتهم بعد الموت وقدرتهم على ذلك وسؤال الشفاعة منهم التي جعلها الله لهم وأخبر أنهم قادرون عليها وبذلك ظهر جليا أن قياس دعاء الصالحين على دعاء الأصنام والأوثان وعيسى ومريم وغير ذلك قياس باطل وتوهم فاسد.
إذا عرفت هذا فلنعد إلى الجواب عن كلماتهم السابقة كل منها على حدة. (أما قول ابن تيمية) بشرك من يسأل النبي أو الصالح إزالة مرضه أو قضاء دينه أو نحو ذلك ولزوم قتله إن لم يتب ففاسد لما عرفت من عدم جواز التهجم على تكفير المسلم واستحلال دمه بغير اليقين ووجوب حمل قوله وفعله على الصحيح مهما أمكن ولا يقين هنا لوجود المحمل الصحيح وهو إرادة الإسناد إلى السبب بالدعاء والشفاعة وإن مثل ذلك وارد في كلام العرب والقرآن الكريم. (وأما) روايته إن ودا وسواعا الخ أسماء قوم صالحين فلما ماتوا عكفوا على قبورهم إلى أن اتخذوا تماثيلهم أصناما فهو حجة عليه لا له فإن موجب تكفيرهم اتخاذ تماثيلهم أصناما لا التبرك بقبورهم. (قوله): وكان العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها هو أصل الشرك وعبادة الأوثان. يأبى الخذلان الذي أصاب ابن تيمية إلا أن يسمي المداومة على زيارة قبور الأنبياء والصلحاء بالعكوف تنظيرا له بالعكوف على الأصنام وستعرف في فصل الزيارة إن استحباب زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقبور سائر الأنبياء والصلحاء ودعائه تعالى عندها من ضروريات دين الإسلام وإذا ثبت استحباب ذلك ثبت استحباب الاكثار منه فإنه لا سرف في الخير كما لا خير في السرف فسواء سماه ابن تيمية عكوفا أو غيره لا يضر إلا نفسه أما جعله ذلك أصل الشرك وعبادة الأوثان. (فإن أراد به) أنه سبب تام في ذلك ففساده ظاهر لما نشاهده من تعظيم المسلمين قبور الأنبياء والصالحين وتبركهم بها أجيالا عديدة ومع ذلك لم يتخذواصورهم وتماثيلهم أصناماً. وإن كان يقول إن هذا التعظيم والتبرك عبادة للقبور كما تقول الوهابية فقد رجع عن قوله إنه أصل الشرك وعبادة الأوثان وسببه (وإن أراد) أنه قد يؤدي إلى عبادة الأوثان والشرك كما أدى في قوم نوح الذين اتخذوا صور الصالحين أوثانا بعد ما عظموا قبورهم وتبركوا بها فهذا لا يوجب تحريمه كما أنه إذا أدى ظهور المعجزة أو الكرامة على يد نبي أوصالح إلى اتخاذه إلها لا يكون إظهارهما محرما بعد وجود الأدلة من العقل والنقل على عدم إلهيته القاطعة للعذر (وإن أراد) بكونه أصل الشرك إنه نفسه شرك وعبادة للأوثان كما تقوله الوهابية فقد علم فساده بما أقمناه من البراهين على أنه ليس كذلك وبوجود الفرق الواضح بينه وبين عبادة الأصنام. أما قوله: ولهذا قال (صلّى الله عليه وآله) اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد فتخرص على الغيب فمن الذي أخبره إن علة قوله (صلّى الله عليه وآله) ذلك: الخوف من أن يصل تعظيم قبره والتبرك به وتقبيله إلى اتخاذه وثناً يعبد بل هو دعاء بأن يعصم أمته من اتخاذ قبره وثناً يعبد بما كانت تعبد به الجاهلية أوثانها لا بمجرد تعظيم المسلمين له وتبركهم به الذي قد بينا مراراً أنه ليس عبادة له. (أما تفرقته) بين سؤال النبي والصالح في حياته وسؤاله بعد موته أو في مغيبه بأنه في حياته لا يعبده أحد في حضوره فمما يضحك الثكلى (أولاً) إن السبائية – كما يزعمون – قد عبدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حضوره حتى حرقهم بالنار فزاد ذلك اعتقادهم بإلهيته لما سمعوه منه لا يعذب بالنار إلا رب النار المحمول على الكراهة في غير المقام الذي يناسبه شدة العقاب أو غيره من المحامل (ثانياً) احتمال أن يترتب على فعل المباح أو الراجح أمر محرم، لا يوجب تحريمه وإلا لحرم جميع ما في الكون من فعل. (قوله): ولم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعي التابعين يتخيرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء، ما أهون الدعاوي المنفية وتتابع أدوات النفي على ابن تيمية إذا حاول ما طبع عليه من انتقاص قدر الأنبياء والصلحاء كأنما الله تعالى أوجده في جميع العصور واطلعه على كل كائنات الدهور وإنا نسأله هل كان مالك ابن أنس إمام دار الهجرة والذي قيل فيه لا يفتي ومالك في المدينة وحجة الله على خلقه بشهادة الإمام الشافعي([165]) من سلف هذه الأمة ومن التابعين أو تابعي التابعين حين قال لأبي جعفر المنصور وقد سأله قائلا يا أبا عبد الله استقبل القبلة وادعو أم أستقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فقال لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام) إلى يوم القيامة بل استقبله واستشفع به الحديث وهل أنكر أحد ذلك على مالك من علماء المدينة وهي ملأى بالتابعين وتابعي التابعين أو من علماء سائر الأقطار وهل تحتاج فضيلة المكان المدفون فيه جسد النبي (صلى الله عليه وآله) وهو سيد الكائنات وأشرف ولد آدم إلى رواية خاصة ونص مخصوص وإذا ثبتت فضيلته ثبتت فضيلة الصلاة فيه أفيلزم مع ذلك أن ينزل ملك على ابن تيمية يخبره بفضيلة الصلاة في المكان الفاضل. ولكن تكفير المسلمين واستحلال أموالهم ودمائهم تكفي فيه الظنون والأوهام وسرد الدعاوى المنفية بلا دليل وسيأتي في فصل التوسل إن جميع أصحاب المناسك من علماء الإسلام ذكروا استحباب المجئ إلى قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والدعاء: اللهم إنك قلت في كتابك {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} الخ. وتقدم مجئ رجل إلى قبره (صلّى الله عليه وآله) وسؤاله أن يستسقي لأمته فسقوا، (قوله): ولا يستغيثون بهم لا في مغيبهم ولا عند قبورهم، هذه الدعوى يكذبها مضافا إلى ما تسالم عليه المسلمون خلفا عن سلف من الاستغاثة بالأنبياء والصالحين وطلب الشفاعة منهم كما يظهر مما ذكرناه في تضاعيف هذا الكتاب ما ذكره عالم المدينة السمهودي الشافعي في كتابه وفاء الوفا حيث قال في كلامه الآتي في الفصل الثالث إن الاستغاثة بالنبي (صلّى الله عليه وآله) من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين وما ذكره في خاتمة الباب الثامن([166]) من استغاثة جماعة من السلف به (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته حيث قال: (خاتمة) في نبذ مما وقع لمن استغاث بالنبي (صلّى الله عليه وآله) أو طلب منه شيئاً عند قبره فأعطي مطلوبه ونال مرغوبه مما ذكره الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام (فمن ذلك) ما قال: اتفق لجماعة من علماء سلف هذه الأمة من أئمة المحدثين والصوفية والعلماء بالله المحققين. قال محمد بن المنكدر أودع رجل أبي ثمانين دينارا وخرج للجهاد وقال له إن احتجت انفقها وأصاب الناس جهد من الغلاء فأنفقها فقدم الرجل وطلبها فقال له عد إلي غدا وبات في المسجد يلوذ بقبر النبي (صلّى الله عليه وآله) مرة وبمنبره مرة حتى كاد أن يصبح، يستغيث بقبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فبينما هو كذلك وإذا بشخص في الظلام يقول دونكها يا أبا محمد فمد يده وإذا صرة فيها ثمانون ديناراً (وقال) الإمام أبو بكر ابن المقري كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأثر فينا الجوع فلما كان وقت العشاء حضرت قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقلت يا رسول الله الجوع، (إلى أن قال): فدق الباب علوي معه غلامان مع كل واحد زنبيل فيه شيء كثير وقال أشكوتم إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإني رأيته في المنام فأمرني أن أحمل بشيء إليكم ثم ذكر السمهودي بعد نحو من نصف ورقة أن هذه الواقعة رواها ابن الجوزي في كتابه الوفاء بإسناده إلى أبي بكر المقري قال (وقال ابن الجلاد) دخلت المدينة وبي فاقة فتقدمت إلى القبر وقلت ضيفك فغفوت فرأيت النبي (صلّى الله عليه وآله) فأعطاني رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت وبيدي النصف الآخر (وقال أبو الخير الأقطع) وذكره نحوه، (وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زرعة الصوفي)، سافرت مع أبي ومع أبي عبد الله بن خفيف إلى مكة فأصابتنا فاقة شديدة فدخلنا المدينة فأتى أبي الحظيرة وقال يا رسول الله أنا ضيفك الليلة، (إلى أن قال): فقال رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فوضع في يدي دراهم وبارك الله فيها إلى أن رجعنا إلى شيراز وكنا ننفق منها. (وقال أحمد بن محمد الصوفي) تهت في البادية ثلاثة أشهر فانسلخ جلدي فدخلت المدينة وجئت إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فسلمت ثم نمت فرأيته (صلّى الله عليه وآله) في النوم فقال لي جئت قلت نعم وأنا جائع وأنا في ضيافتك قال افتح كفيك فملأهما دراهم فانتبهت الخ.. ثم نقل السمهودي ما يزيد على عشر وقائع من هذا القبيل ومنها واقعتان نقلهما عن نفسه يطول الكلام بذكرها فليطلبها من أرادها. ويستفاد من ذلك أيضا أن الاستغاثة بالنبي (صلّى الله عليه وآله) عليها سيرة المسلمين خلفا عن سلف بدون تناكر بينهم فيكشف عن أن ذلك مأخوذ من صاحب الشرع كما عرفت في المقدمات مع أنه لا يحتاج جواز الاستغاثة إلى ورود الدليل بل المانع عليه إقامة الدليل، (قوله): ومن أعظم الشرك الخ. قد عرفت أنه لا شرك فيه بوجوب حمله على الوجه الصحيح فضلا ًعن كونه من أعظم الشرك، (قوله): وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم. بل هذا حال الوهابية في أتباعهم رؤساءهم على غير بصيرة ولا هدى فأشبهوا الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله الذين ورد فيهم أنهم ماصاموا لهم ولاصلوا وإنما حرموا عليهم حلالا وأحلوا لهم حراما فاتبعوهم ومما مر تعلم فساد قوله إن خير الخلق إلى قوله ولا بعد مماته.
(قوله): وقول كثير من الضلال هذا أقرب إلى الله مني وأنا بعيد لا يمكنني أن أدعوه إلا بهذه الواسطة من أقوال المشركين الخ.
أما قول هذا أقرب إلى الله مني فصحيح ليس فيه شيء من الضلال فإن درجات الناس متفاوتة في القرب منه تعالى بالطاعة الذي هو بمعنى القرب المعنوي تشبيها بقرب المكان وأما قول لا يمكنني أن أدعوه إلا بهذه الواسطة فلا يقوله ولا يعتقده أحد من المسلمين فضلاً عن أن ينسب إلى كثير من الضلال ولم نسمع إلى الآن من أحد ولا عنه أنه يقول ذلك بل يدعون الله مرة بلا واسطة ومرة بواسطة نعم قد يقولون إن هذا أقرب إلى الله مني فدعاؤه أرجى للإجابة من دعائي وهذا لا بأس به ولا مانع منه فقد ثبت أن دعاء الغير أرجى للإجابة ولو لم يكن أقرب وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام) «ادعني على لسان لم تعصني به» كما كانت الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) التي أمرنا الله تعالى بها في الدعاء من أسباب إجابته كما صرح به ابن تيمية في كلامه السابق والله تعالى قادر على إجابة الدعاء بدون الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) فكيف أمر بها لتكون سببا في إجابة الدعاء ولم يكن ذلك منافيا لقربه من الداعي وكان التشفع إليه بذوي المكانة الذين جعل الله لهم الشفاعة منافيا لذلك. (وخلاصة القول) إن الله تعالى أمر عباده بدعائه ووعدهم الإجابة قصدا لتذللهم وتعبدهم له من دون حاجة منه إلى دعائهم مع قدرته على أن يعطيهم بدون دعاء مع رأفته بهم لكنه أراد أن يتعبدوا له بأنواع التعبد والتذلل ويتوسلوا إليه وجعل لهم من لطفه بهم ورحمته أسبابا لنيل فضله ونعمه مثل الصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) في دعائهم والتشفع إليه بذوي المكانة عنده ومن ذلك إعطاؤه الشفاعة لذوي الشفاعة مع عدم حاجة منه إلى شيء من ذلك ولو فرض أن أحدا قال لا يمكنني أن أدعوه إلا بهذه الواسطة لكان مخطئاً وغالطاً ولم يكن مشركا وكافرا كما يزعمه ابن تيمية وأتباعه الوهابية، (أما استدلاله) بآية {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} الآية على إمكان دعاء الله بلا واسطة فمن فضول الكلام فإنه لا ينكر أحد إمكان ذلك وأنه تعالى قريب ممن دعاه ولكن لا ينافي ذلك كون بعضهم أقرب من بعض ولا كون دعاء الغير أرجى للإجابة، (وأما) استشهاده بآية {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وآية {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا} فلا محل له فلا أحد يعبد غير الله ولا يستعين بغيره وإنما هو سؤال الدعاء والشفاعة الذي لا يخرج عن عبادته تعالى والاستغاثة به لأنه عن أمره، (قوله): إن كنت تظن أنه أعلم بحالك وأقدر على عطاء سؤالك أو أرحم بك فهذا جهل وضلالة وكفر ليس في المسلمين من يعتقد هذا فذكره فضول وتطويل بدون طائل، (قوله): وإن كنت تعلم أن الله أعلم وأقدر وأرحم فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره. لم يعدل أحد عن سؤاله تعالى إلى سؤال غيره وإنما هو طلب الدعاء والشفاعة الذي لا يخرج عن سؤاله تعالى لأنه عن أمره كما مر، (ونقول) له: النبي (صلّى الله عليه وآله) يعلم أن الله تعالى أعلم بحاله وأقدر على عطاء سؤاله وأرحم به من عمر فلم عدل عن سؤاله إلى سؤال عمر وقال له حين ودعه إلى العمرة لا تنسنا من دعائك يا أخي حسبما رويت وإذا كان (صلّى الله عليه وآله) يعلم ذلك فلماذا طلب منا أن نصلي عليه ونسأل الله تعالى له الوسيلة ولماذا لم يطلبها هو من الله ولماذا أمر عمر أن يسأل أويسا القرني أن يستغفر له ولماذا قال أبو بكر لعمر استغفر لي ولماذا لم يطلب أبو بكر المغفرة منه تعالى بغير واسطة عمر والله تعالى أعلم بحاله وأقدر على عطاء سؤاله وأرحم به من عمر ولماذا سأل الناس النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يستسقي لهم لما أجدبوا ولم يستسقوا بأنفسهم والله تعالى أعلم بحالهم وأقدر على عطاء سؤالهم وأرحم بهم من النبي (صلّى الله عليه وآله) وقد روى ذلك كله ابن تيمية فيما مر قريبا واعترف به وهو هنا يقول فلم عدلت عن سؤاله إلى سؤال غيره وإن كان يزعم أن المسلمين يسألون غيره تعالى لأنه القادر المختار الفاعل لما يشاء فهذا افتراء على المسلمين لما عرفت من أن ذلك لا يخرج عن طلب الدعاء وسؤال الشفاعة. ويكاد الإنسان يقضي عجبا من تمحلات هؤلاء وتهافت كلامهم، (قوله): وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك فإنما معناه أنه يثيبه أكثر مما يثيبك لا أنك إذا دعوته يقضي الله حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت الله. نعم إن دعاء الغير للعبد أرجى في الإجابة من دعائه نفسه كما مرّ (قوله) فإنك إذا كنت مستحقاً للعقاب ورد الدعاء فالنبي والصالح لا يعين على ما يكرهه الله وإلا فالله أولى بالرحمة والقبول، مما يضحك الثكلى فإنك قد عرفت أن المطلوب من النبي أو الصالح الدعاء والشفاعة التي لا تخرج عن الدعاء وهو قد سلم إن طلب الدعاء من الغير مشروع فيقال له إذا كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء فالذي تسأله الدعاء لك لا يعين على ما يكرهه الله وإلا فالله أولى بالقبول والرحمة فلماذا تسأل الغير أن يدعو لك أولم يعلم ابن تيمية إن مستحق العقاب قد يرحمه الله تعالى بالدعاء من الغير الذي هو أرجى في الإجابة ومستحق رد الدعاء قد يجيب الله دعاء غيره فيه ويقال له أيضا إذا كان العبد مستحقا للعقاب ورد الدعاء فلماذا أمر الله تعالى بالدعاء على وجه العموم والله تعالى لا يأمر بما يكرهه ولا يعين عليه ولم لم يرحم بدون دعاء وشفاعة ولم أمر في الدعاء بالصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) وجعلها سبباً لقبوله ولم جعل الشفاعة وأذن فيها وكون الله أولى بالرحمة والقبول لا ينافي التوسل إليه بدعاء الغير بل هذا من أتم أسباب رحمته ورأفته، (قوله): وإن قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته. قد عرفت أن هذا هو الحاصل من المسلمين الذي أمر به الشرع ودل عليه النقل لا غيره. (قوله) فهذا مشروع في الحي دون الميت. قد مضى الكلام عليه مفصلاً وأنه لا فرق بين الحي والميت.
ومما ذكر تعلم فساد تفصيله في رسالة زيارة القبوريين طلب ما لا يقدر عليه إلاّ الله وما يقدر عليه غيره فإذا كان المطلوب هو الدعاء والشفاعة لم يكن المطلوب غير مقدور وكلما طلب فيه غير المقدور يجب حمله على طلب الدعاء والشفاعة حملاً لفعل المسلم على الصحة فالتفصيل المذكور ساقط من أصله.
(وأما قوله): إن مسألة المخلوق قد تكون جائزة وقد تكون منهيا عنها فإن أراد بالنهي نهي الكراهة والتنزيه لا نهي المنع والتحريم فله وجه بمعنى أنه لا ينبغي مسألة الناس والاستعانة بهم مع إمكان الاستغناء عنهم. وسمع بعض أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من يقول اللهم لا تحوجني إلى خلقك فنهاه وقال ما معناه أنه لا بد من احتياج الخلق بعضهم لبعض ولكن قل اللهم لا تحوجني إلى لئام خلقك. وإن أراد غير ذلك فهو مردود عليه ولكن ذلك كله خارج عما نحن فيه فإن كلامنا في الاستغاثة بالمخلوق ليكون شافعا إلى الله ووسيلة إليه ولا شك أن ذلك راجح لا كراهة فيه إذا كان المستغاث أهلا لذلك فإن ذلك لا يخرج عن عبادة الله ودعائه والاستغاثة به بل هو المستغاث حقيقة والله تعالى يحب دعاءه والتوسل إليه بكرام خلقه لأن ذلك من أنواع العبادة له والتذلل له وإلا فالله تعالى قادر على أن يعطينا بدون دعائنا وتوسلنا وتضرعنا ويعفو عنا بغير شفاعة شفيع فلماذا أمرنا بالدعاء وقبل شفاعة الشفعاء وأذن لهم فيها.
وأما ما ذكره ابن عبد الوهاب في تعليمه الاحتجاج من قوله أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة إلى قوله فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها (فجوابه) أن علماء المسلمين أعرف بربهم وبعبادته وأنواعها منه ونسبته لهم إلى الجهل بالعبادة وأنواعها جهل وسوء أدب وتخرص على الغيب وإذا كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فكيف جزم بأنه لا بد أن يقول إن الدعاء عبادة وإنه مخ العبادة، (قوله): إذا دعوت الله ودعوت في تلك الحاجة نبيا أو غيره هل أشركت في عبادة الله الخ. قد علم بما بيناه أنه ليس كل دعاء عبادة وأن من يدعو غير الله في حاجة من نبي أو صالح حي أو ميت ليدعو الله له في قضاء حاجته ويشفع له عنده ليس بعابد لذلك النبي أو الصالح وليس مشركاً في عبادة ربه أحداً ولا خارجاً عن دعاء الله وعبادته فلا نطيل بإعادته، (قوله): وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء قد عرفت أيضا إن عبادتهم لهم كانت بالسجود والذبح والإهلال بأسمائهم على الذبائح والالتجاء إلى الأحجار والأشجار للجاه والشفاعة التي نهى الله عن الالتجاء إليها على لسان أنبيائه ولم يجعل فيها صفة تصحح الالتجاء إليها ولا جاه لها عنده سواء قصد طلب شفاعتها أو التجئ إليها لأنها فاعلة بنفسها ولأنها جمادات لا قدرة لها على شيء أصلا ولا تسمع ولا تعقل، أو بعبادة ملك أو جني واعتقاد أن له تأثيراً مع الله وقدرة بنفسه لم يجعلها الله له.
(قوله): إذا كنت تقر إن الله حرم الشرك الخ. فما هو فأنه لا يدري. قوله: لا يدري حكم على غائب وتخرص على الغيب وما الذي أعلمه أنه لا يدري وهل الله أشركه في علم الغيب بل الشرك الذي حرمه الله تعالى معلوم معروف عند جميع المسلمين لا يجهله عوامهم فضلا عن علمائهم فنسبتهم إلى أنهم لا يعرفون معنى الشرك افتراء باطل وإساءة أدب مع علماء الأمة الذين قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيهم علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل من أنبياء بني إسرائيل ومع الأمة عموما التي قال الله تعالى عنها إنها خير أمة أخرجت للناس فجعلهم يجهلون معنى الشرك ويعرفه أعراب نجد فقط، (وقد عرفت) أن الشرك والكفر يتحقق بأحد الأمور المتقدمة في الأمر الرابع عشر من المقدمة الثانية وما في حكمها وتحقق الشرك بذلك أوضح من أن يبين أو يجهله مسلم.
ويمكن أن نقلب هذا الاستدلال على ابن عبد الوهاب وأتباعه، (فنقول): لأحدهم أنت تقر إن الله فرض عليك إخلاص العبادة وحرم عليك الشرك فبين لنا هذا الذي فرض عليك وحرم عليك فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها فإن قال إخلاص العبادة هو أن لا يدعو غير الله ولا يستغيث إلا بالله ولا ينحر ولا يذبح إلا لله والشرك دعاء غير الله والتشفع والاستغاثة به فقل له هل مطلق دعاء غير الله وندائه عبادة فإن قال نعم فقل له إذا لا يسلم أحد من الشرك وإن قال بل هو دعاء مخصوص فقل بينه لي فإن قال هو دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقل فلماذا كفرتم المسلمين في طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو قادر عليها وهو الشفيع المشفع فإنه لا يهتدي إلى جوابه. وقل له هل كل تعظيم عبادة موجبة للشرك فإن قال نعم فقل إذا تعظيم الأبوين وتعظيم النبي (صلّى الله عليه وآله) في حياته شرك وكفر وإن قال هو تعظيم مخصوص فقل له بينه لي فإنه لا يعرفه فقل له إنه تعظيم غير الله بما نهى عنه الله وكان مساويا لتعظيم الله وهذا لا يفعله مسلم. وقل له هل كل ذبح ونذر لغير الله أو هو ذبح ونذر مخصوص فلا بد أن يقول إنه نذر وذبح مخصوص فقل له فما هو فأن قال هو نذركم وذبحكم للأولياء فقل إذا نذرنا أن نذبح شاة ونتصدق بها على الفقراء فهل هذا النذر والذبح لله أو لغير الله فلا بد أن يقول إنه لله فقل له وكذلك النذر والذبح الذي تزعمون أنه للولي هو نذر وذبح لله ليتصدق به على الفقراء ويهدي ثوابه للنبي أو الولي.
(قوله): أتظن أنهم يعتقدون إن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق الخ فيه إنهم وإن لم يعتقدوا أنها تخلق وترزق إلا أنهم عبدوها وعظموها بما نهاهم الله عنه واعتقدوا أن لها شرفاً ذاتياً واختياراً وتدبيراً كما أوضحناه مراراً فلا نطيل بإعادته وليس هذا هو فعل المسلمين عند الأحجار والبنايا التي على القبور وغيرها كما زعم وتوهم على ما سبق مفصلاً (فأين) الاستغاثة بذوي المكانة عند الله ودعاؤهم من عبادة الأصنام وأين فعل المسلمين من فعل عباد الأصنام، (فالمسلمون) بتعظيمهم من أمر الله بتعظيمه وتبركهم بمن أثبت الله له البركة واستغاثتهم وتشفعهم بمن جعله مغيثا وشافعا وطلبهم دعاءه واستغفاره لهم لم يعبدوا غير الله تعالى ولم يعظموا غير الله ولم يستغيثوا إلا بالله ولم يدعوا غير الله لأن كل ما كان عن أمر الله تعالى فهو إطاعة له ولو تعلق بالمخلوقين واشتمل على تعظيمهم كما كان سجود الملائكة لآدم ويعقوب وأولاده ليوسف وتعظيم الكعبة والطواف بها والحجر الأسود وتقبيله واستلام الأركان وتعظيم حجر إسماعيل ومقام إبراهيم والصلاة عنده وتعظيم الحرم والمساجد وهي جمادات كلها عبادة لله تعالى وتعظيماً له. (قوله): هل تريد إن الشرك مخصوصاً بهذا أي عبادة الأصنام وإن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في هذا فهذا يرده ما في القرآن من كفر من تعلق على الملائكة وعيسى والصالحين. وقد عرفت أن كفر من تعلق على الملائكة لم يكن لمجرد التشفع بهم وطلب دعائهم وأن كفر من تعلق على عيسى لأنه جعله إلهاً مستحقاً لجميع صفات الألوهية لا مجرد الاستغاثة به بطلب دعائه وشفاعته فراجع فتعبيره بالتعلق المجمل وعدم بيانه المراد منه جهل أو تضليل فأين هذا ممن استغاث بنبي أو ولي فطلب دعاءه وشفاعته.
(وأما) من تعلق على الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر التي ورد أنها أسماء قوم صالحين فقد أقام لهم تماثيل من أحجار يعبدها ويسجد لها ويذبح الذبائح ويهل بها لها ويذكر أسماءها عليها ويطليها بدمائها ويتقرب بها إلى تلك الأحجار ويستغيث بها ويعتقد أن لها تأثيراً وقدرة إلى غير ذلك ولم يكن منه مجرد الاستغاثة والتشفع إلى الله بأصحابها الذين هم قوم صالحون ولهم مكانة عند الله بل تشفع واستغاث بأحجار على صورهم الموهومة لم يجعل الله لها حرمة ولا شفاعة ولم يقتصر على ذلك بل زاد عليه أنواعاً من العبادة كما مر مراراً وأين هذا من الاستغاثة والتوسل بالنبي أو الولي. (قوله): في جواب استغاثة الناس بالأنبياء يوم القيامة الدالة على أنها ليست شركاً: سبحان من طبع على قلوب أعدائه فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها الخ. (ونقول): سبحان من طبع على قلبه فجعله لا يلتفت إلى التناقض والتهافت في كلامه فإنه كما عرفت في الفصل الثاني يمنع من طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) ويجعله شركا ويوجب طلبها من الله تعالى بقوله اللهم شفعه في أو ارزقني شفاعته مع تسليمه بأنه (صلّى الله عليه وآله) قادر عليها وأن له الشفاعة وأنه الشفيع المشفع وهنا يقول لا ننكر الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه فأي جهل وتناقض وتهافت أعظم من هذا وهو مع ذلك يقول سبحان من طبع على قلوب أعدائه مع أنك عرفت مراراً أن الاستغاثة الحاصلة بالمخلوق ليست إلا فيما يقدر عليه وهو الدعاء والشفاعة وإن عبر بقوله ارزقني واشف مريضي وغير ذلك كما مر آنفاً (لا يقال) إنما منع من طلب الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) تمسكاً بقوله تعالى إن الشفاعة لله جميعاً. {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} فيكون عدم جواز طلبها منه وإن كان قادرا عليها لنص شرعي تعبدي وهو الآيتان الشريفتان (لأنا نقول) معنى الآية الأولى كما عرفت في الفصل الأول ليس عدم جواز طلب الشفاعة منه (صلّى الله عليه وآله) بل إنه تعالى مالك أمرها فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وإلا لمن ارتضى ولا يلجئه أحد إلى قبول شفاعته كما يقع من المخلوقين والمنهي عنه في الآية الثانية دعاء مخصوص لا مطلق الدعاء كما عرفته في هذا الفصل. (وأول) كلامه بالنسبة إلى الاستغاثة وغيرها مطلق شامل للمقدور وغيره مع أنه في مقام البيان ولكن لما اعترض عليه بالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة التي لم يجد لها جواباً قيد حينئذ الاستغاثة الممنوعة بغير المقدور وإلا فما باله لم يقيدها من أول الأمر ويسلم من الاعتراض مع كونه في مقام البيان. (ومنه) يظهر بطلان جواب الصنعاني السابق الراجع إلى التفصيل بين الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه وغيرها لما عرفت من أن الاستغاثة الحاصلة لا تخرج عن المقدور. (قوله): وأما بعد مماته فحاش وكلا إنهم سألوا ذلك فيه أنه يناقض قوله الأول: ونحن أنكرنا استغاثة العباد عند قبور الأنبياء والأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله فإنه يدل على أن الموجب للإنكار كونها لا يقدر عليها إلا الله وحينئذ فلا فرق بين طلبها من الحي أو الميت فلو طلب من الحي ما لا يقدر عليه إلا الله لكان شركا عنده وقوله وأما بعد مماته فحاش وكلا الخ يدل على عدم جواز طلب شيء من الميت مطلقاً ولو كان مما يقدر عليه غير الله كالدعاء والشفاعة وهو تناقض ظاهر فتارة جعل المناط عدم قدرة غير الله وتارة الحياة والموت والغيبة والحضور. (كما) أن تقييد الصنعاني بالأحياء مشعر بعدم جواز الاستغاثة بالأموات حتى في المقدور. (وكيف) كان فقد عرفت أن التفصيل بين ما يقدر عليه غير الله وما لا يقدر عليه إلا الله لا يرجع إلى محصل بعد ما كان المراد سؤال الدعاء وطلب الشفاعة المقدورين فكما أن استغاثة الناس بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف واستغاثة المسلمين بهم في الدنيا يريدون منهم أن يدعوا لله ويشفعوا عنده حتى يقضي حوائجهم وهذا أمر مقدور لهم بعد مماتهم لما عرفت في المقدمات من حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) في قبره واستغفاره لأمته (ومن) ذلك يعلم فساد تفرقته بين استغاثة إبراهيم بجبرائيل (عليهما السلام) لو فعلها واستغاثتنا بالنبي (صلّى الله عليه وآله) بأن الأولى استغاثة في أمر مقدور بخلاف الثانية لأن الثانية هي أيضا في أمر مقدور وهي طلب الدعاء والشفاعة وليس فيها عبادة وشرك لو كان يفقه. (كما أن) التفصيل بين الاستغاثة بالأحياء والاستغاثة بالأموات ولو في المقدور لغير الله تحكم محض لم يأت الصنعاني عليه بدليل ولم يزد ابن عبد الوهاب في دليله على قوله فحاش وكلا إنهم سألوا ذلك بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره فضلاً عن دعائه نفسه وهي دعوى مجردة عن الدليل لم يأت عليها بشاهد ولا أثر مروي بل عرفت أنها دعوى كاذبة وإن الأمر بالعكس فإنهم أنكروا على من لم يدع الله عند قبره ولم يستقبله في دعائه ويتوسل به كما وقع لمالك إمام دار الهجرة مع المنصور العباسي وإن سيرة السلف والخلف دعاء الله تعالى عند قبره الشريف والتبرك به فمن هم السلف الذين يزعم ابن تيمية وابن عبد الوهاب أنهم أنكروا على من دعا الله تعالى عند قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وهل مالك إمام المذهب وإمام دار الهجرة الذي قيل فيه لا يفتي ومالك في المدينة والذي قال فيه الإمام الشافعي حجة الله على خلقه لا يعد منهم فظهر بذلك أن ما قاله افتراء على السلف وأنه لا فرق بين طلب الدعاء منه (صلّى الله عليه وآله) في حياته وبعد وفاته وأن التفرقة بينهما محض جمود أو عناد وأن ما هو شرك لا يمكن أن يكون توحيدا وبالعكس.
ومما يدل على جواز الاستغاثة بغير الله من النقل ما في خلاصة الكلام أنه رواه ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا فإن لله عبادا يجيبونه. (وفي حديث آخر) رواه الطبراني أنه (صلّى الله عليه وآله) قال إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد عونا وهو بأرض ليس فيها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني وفي رواية أغيثوني فإن لله عبادا لا ترونهم وقال إن الفقهاء ذكروا ذلك في آداب السفر انتهى. وهو موجود في كتب أصحابنا أيضا وأورده بعض الوهابية في الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية ببعض التغيير([167]). (قال): ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله قوله (صلّى الله عليه وآله) وأورد الحديث الأول لكنه قال احبسوها بدل احبسوا. (قال): وفي رواية إذا اعيت فليناد يا عباد الله أعينوا. (ثم أجاب) بأجوبة طويلة جلها لا يرجع إلى محصل ولا يليق أن يسطر ولا يرتبط بالمقصود فلذلك أعرضنا عن نقله. (ومما ذكره): القدح في السند برواية الطبراني له في الكبير بسند منقطع عن عقبة وإن النووي عزاه لابن السني وفي إسناده معروف بن حسان قال ابن عدي منكر الحديث مع أن أخذ الفقهاء له بالقبول وذكرهم مضمونه في آداب السفر وإيراد أئمة الحديث له في كتبهم كالطبراني والنووي مغن عن تصحيح سنده لو سلم ما قاله وكيف خفي على الفقهاء والمحدثين أن مضمونه شرك أو حرام وظهر ذلك لأعراب نجد. (وأجاب) صاحب المنار في الحاشية بأن المتبادر إن النداء لمن عساه يوجد من الناس في الفلاة ولم يره وهو معتاد انتهى. ولما كان الحديث المذكور في رسالة الوهابية إشارة إلى ما رواه الطبراني والنووي كما نص عليه صاحب الرسالة عند قدحه في السند كان تأويل صاحب المنار هذا مصادما لصريح الحديث فإن قوله: فإن لله عباداً لا ترونهم صريح أو كالصريح في أنهم ليسوا ممن يرى لدلالة المضارع على الاستمرار ودلالة التأكيد بأن على تحقق وجودهم وكذا قوله فإن لله عباداً يجيبونه دال على أن وجودهم وإجابتهم محقق أو غالب لا محتمل احتمالاً بعيداً أو مقطوع بعدمه كما هو حال الفلاة والأرض التي ليس فيها أنيس ولو أراد ذلك لقال فليناد لعله يوجد أحد يجيبه أو نحو ذلك.
(وفي خلاصة الكلام): صح عن بلال بن الحارث أنه ذبح شاة عام القحط المسمى عام الرمادة فوجدها هزيلة فصار يقول وامحمداه وامحمداه انتهى وظاهر الحال أنه استغاثة به (صلّى الله عليه وآله) لا ندبة. (قال): وصح أيضاً أن أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) لما قاتلوا مسيلمة الكذاب كان شعارهم وامحمداه وامحمداه انتهى وهو أظهر من السابق في الاستغاثة لأنه وقع في حياته (صلّى الله عليه وآله). (قال): وفي الشفا للقاضي عياض إن عبد الله بن عمر خذلت رجله مرة فقيل له اذكر أحب الناس إليك فقال وامحمداه فانطلقت رجله انتهى وهو من نوع الاستغاثة. أما ما يروى من أن أبا بكر قال قوموا نستغث برسول الله من هذا المنافق فقال (صلّى الله عليه وآله) أنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله فهو على تقديرصحة سنده محمول على أن المستغاث به الحقيقي هو الله تعالى لأنه القادر المختار الفاعل لما يشاء فقال بذلك تواضعا لله تعالى فهو نظير {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} وقوله (صلّى الله عليه وآله) ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم. فلا يعارض ما دل على جواز الاستغاثة ووقوعها كما مر مع أنه خارج عن محل النزاع فإن الذي يعارض فيه الوهابيون كما صرحوا به الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله واستغاثتهم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) من ذلك المنافق كانت في أمر مقدور قطعا وهو دفع مفسدة نفاقه بضربه أو قتله أو غير ذلك.
الفصل الثالث
في التوسل إلى الله تعالى بالأنبياء والصلحاء
وهذا يكون على وجوه (أحدها) أن يقول أتوسل به إلى الله أو أتوجه به إليه أو أتشفع أو أقدمه بين يدي حاجتي أو نحو ذلك (ثانيها) أن يقول أسألك بفلان أو بحق فلان أو بحقه عليك أو بجاهه عندك أو ببركته أو بحرمته عندك أو نحو ذلك (ثالثها) أن يقول أقسمت عليك أو أقسم عليك بفلان أو نحو ذلك وكلها تؤول إلى شيء واحد وهو جعله وسيلة وواسطة بينك وبين الله تعالى لما له من المنزلة عنده والكرامة لديه. (والوجهان) الأخيران يدخلان في الإقسام على الله بمخلوق، الذي يأتي في الفصل الرابع، وذكرناهما هنا لعدم خروجهما عن التوسل وكونهما من أنواعه. (والتوسل) بأنواعه مما منعه الوهابية وجعلوه شركاً لأنه نوع من التشفع الممنوع عندهم والموجب للشرك ولجريان أدلتهم فيه. وقد صرح بذلك محمد بن عبد الوهاب في المحكي عنه في كتاب التوحيد حيث قال بعد ذكر آية {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين ففيها بيان إن هذا الشرك الأكبر (انتهى). وصرح به أيضا الصنعاني في تطهير الاعتقاد حيث قال في جملة كلامه المتقدم في الباب الثاني بأن من توسل بمخلوق فقد أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان وعد من جملة العبادة الموجبة للشرك والكفر التوسل بالمخلوق. (وقد) صرح ابن تيمية في كلامه المتقدم في الفصل الأول في الشفاعة بأن من توسل بعظيم عند الله كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من أفعال الكفار والمشركين. (وقال) في مقام آخر من رسالة زيارة القبور([168]): وأما قول بجاه فلان عندك أو ببركة فلان أو بحرمة فلان عندك افعل بي كذا فهذا يفعله كثير من الناس لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة إنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء ولم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام أنه لا يجوز فعل ذلك إلا للنبي (صلّى الله عليه وآله) إن صح الحديث في النبي (صلّى الله عليه وآله) ثم قال قد روى النسائي والترمذي وغيرهما أنه (صلّى الله عليه وآله) علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: (اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي اللهم فشفعه فيّ) فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل به (صلّى الله عليه وآله) في حياته وبعد مماته قالوا وليس في التوسل دعاء المخلوقين ولا استغاثة بالمخلوق وإنما هو دعاء واستغاثة به تعالى لكن فيه سؤال بجاهه كما في سنن ابن ماجة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في دعاء الخارج للصلاة (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا) إلى آخر ما يأتي في الفصل الرابع قالوا فسأله بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة والله تعالى قد جعل على نفسه حقا بقوله {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا}. قال: وفي الصحيح عن معاذ بن جبل عن النبي (صلّى الله عليه وآله) حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم وجاء في غير حديث كان حقا على الله كذا وكذا كقوله في حديث شارب الخمر فإن عاد في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال وهي عصارة أهل النار وقالت طائفة ليس في هذا جواز التوسل به في مماته وبعد مغيبه بل في حياته بحضوره كما في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس فقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون وقد بين عمر إنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون وذلك التوسل به إنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم فيدعو لهم ويدعون معه فيتوسلون بشفاعته ودعائه. (إلى أن قال): فهذا كان توسلهم به ولما مات توسلوا بالعباس وما كانوا يستسقون به بعد موته ولا في مغيبه ولا عند قبره ولا قبر غيره. (إلى أن قال): ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا الانتصار ولا غير ذلك من الأدعية والدعاء مخ العبادة ومبناها على الاتباع لا الابتداع انتهى.
ونقول: التوسل ثابت بنص القرآن العظيم قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وهي بعمومها شاملة لكل توسل إليه تعالى بما يكرم عليه. (وقد) دلت الأخبار الكثيرة على ثبوت الوسيلة للأنبياء والأوصياء والصالحين وقد مر قول النبي (صلّى الله عليه وآله) اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد. ويأتي في فصل الحلف بغير الله قوله (صلّى الله عليه وآله) عن الخوارج يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة. (والمراد) بالوسيلة الدرجة والمكانة عنده تعالى ولذلك يتوسل ويتشفع به إليه. (والتوسل) بذوي المكانة عند الله تعالى أحياء وأمواتا من سنن المرسلين وسيرة الصالحين بأي وجه كان من الوجوه الثلاثة السابقة([169]) بل هو ثابت في الشرائع السابقة. (فعن القسطلاني) في شرح صحيح البخاري عن كعب الأحبار إن بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيهم انتهى. وليس فيه شائبة شيء من العبادة الموجبة للشرك أو المنهي عنها فإن التوسل لو كان عبادة وكل عبادة لغير الله شرك لأنصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها كما هو محور كلام الوهابية لم يتفاوت الحال بين التوسل بالحي والميت وقد ثبت جواز التوسل بالحي كما اعترف به ابن تيمية في كلامه السابق وصرحت به الأحاديث السابقة التي أوردها وفيها أمره بالتوسل به (صلّى الله عليه وآله) إلى الله تعالى وبسؤاله بحق السائلين عليه وبحق ممشى المصلي إلى الصلاة وصرحت بالحق على الله وبالتوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وبالعباس وجاء ذلك في الأخبار الآتية أيضاً وفيها قول عمر في العباد هذا والله الوسيلة إلى الله والمكانه منه وإذا ثبت التوسل بالحي ليس لعبادة ولا شركاً فالتوسل بالميت كذلك لعدم تعقل الفرق فإن جواز التوسل به إلى الله إن كان لمكانته عند الله فهي لم تذهب بالموت وإن كان التوسل به لأجل أن يدعو الله فهو ممكن في حق الميت ولو فرض عدم إمكانه لم يوجب الشرك بل يكون مثل طلب المشي من المقعد بزعم أنه صحيح كما بيناهما مراراً فالتفرقة بين التوسل بالأحياء والأموات تحكم محض وجموج بحت وقد فهم الصحابة الذين هم أعلم بالسنّة من ابن تيمية وأتباعه عدم الفرق كما يأتي في حديث ابن حنيف وحصلت الإجابة لهم بتوسلهم بالنبي (صلّى الله عليه وآله) بعد موته بإبصار الأعمى وصرحت الأخبار الآتية أيضاً بعدم الفرق بين الحي والميت بل الموجود والمعدوم كما ستعرف وأمر مالك إمام المذهب أبا جعفر المنصور أن يتوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) ويستشفع به بعد موته وقال هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم كما سيأتي كل هذا والوهابية يراوغون ويتمحلون ويكفرون المسلمين بما لم يجعله الله مكفراً فإذا قيل لهم هذا قد ثبت في الشرع قالوا ثبت في حق الأحياء الحاضرين دون الأموات والغائبين كأن الله جوز عبادة الأحياء الحاضرين والإشراك بهم ولم يمنع إلاّ من عبادة الأموات والغائبين (ويمنع) ابن تيمية من التوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) بعد موته ويعده بدعة ويقول ثبت في الحياة والحضور دون الغيبة وبعد الموت. ونقول لهم: هل زالت حرمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد موته وبطلت مكانته عند الله ولم يعد مقربا لديه؟ إذا فلماذا يعلن باسمه في المآذن في اليوم والليلة خمس مرات وعلى رؤوس المنابر وفي الصلوات كلها مفروضها ومسنونها مقرونا باسمه تعالى في الكل؟ ولماذا يصلى عليه كلما ذكر ولماذا ولماذا؟!. وإذا كان التوسل به بعد موته وفي غيبته أيام حياته شركاً فكيف صار في حياته وحضوره عبادة وتوحيدا فما يكون شركاً لا يكون توحيداً وبالعكس. (فإن قلتم) الفارق ورود النص بالأمر به في الحياة وعدم وروده في غيره. (قلنا) النص لا يوجب التفريق في الشيء الواحد بين فرديه بحسب الزمان فيجعل أحدهما شركا في زمان وتوحيدا في آخر وإذا كان التوسل شركا قبل الأمر لم يجز الأمر به ولا يمكن أن يغيره لأن الحكم لا يغير الموضوع وإذا لم يكن شركا قبل الأمر فهو كذلك في الحياة والحضور والغيبة وبعد الموت وأين قياسكم الذي تتمسكون به في أحكام الدين وكيف ضاق عن هذا الحكم فتورعتم عن الاستدلال به فيه لتستحلوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم مع أن العلة في التوسل هنا ظاهرة وهي الجاه والمكانة عند الله فتعم كل ذي جاه ومكانة عنده بإطاعته له تعالى ويخرج عن القياس المستنبط العلة ويلحق بمنصوصها بل العلة في ذلك قطعية وهي المكانة الحاصلة بالقرب والطاعة لما هو المعلوم ضرورة ونصا من أنه ليس بين الله وبين أحد هوادة وإن أكرم العبادة عنده أتقاهم وليس أحد خيراً من أحد إلا بالتقوى فتوقف ابن تيمية في ذلك معتلاً بأنه لم ينقل توسلهم به بعد موته ولا في مغيبه وتورعه عنه خوفا من الابتداع جمود في غير محله، وكذا ما نقله عن ابن عبد السلام من عدم تجويز ذلك إلا للنبي (صلّى الله عليه وآله) معلقاً على صحة الخبر فيه وينبغي لهؤلاء أن يقتصروا على التوسل به في حياته وحضوره في المدينة دون مكة وفي يوم كذا وشهر كذا وسنة كذا وساعة كذا وفصل كذا دون الباقي أبمثل هذه الأدلة الواهية الواهنة تستحل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ويحكم بكفرهم وشركهم وأن دارهم دار حرب.
هذا مع أنّ الأخبار صرّحت بعدم الفرق بين الحي والميت بل الموجود والمعدوم بل والعاقل وغيره كالأعمال، فصرحت بوقوع التوسل من آدم بالنبي (صلّى الله عليه وآله) قبل وجوده بالتوسل بالأعمال وبتوسل النبي (صلّى الله عليه وآله) بالأنبياء قبله وهم أموات وبتوسل الصحابة بقبر النبي (صلّى الله عليه وآله) بفتح كوة بينه وبين السماء وإليك بيانها.
قال السمهودي الشافعي عالم المدينة في كتابه وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى([170]) الفصل الثالث في توسل الزائر وتشفعه به (صلّى الله عليه وآله) إلى ربه تعالى واستقباله (صلّى الله عليه وآله) في سلامه وتوسله ودعائه: اعلم أنّ الاستغاثة والتشفع بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وبجاهه وبركته إلى ربه تعالى من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين واقع في كل حال قبل خلقه (صلّى الله عليه وآله) وبعد خلقه في حياته الدنيوية ومدة البرزخ وعرصات القيامة (الحال الأول) أي قبل خلقه ورد فيه آثار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولنتقصر على ما رواه جماعة منهم الحاكم وصحح إسناده عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب اسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه قال يا رب لأنّك لما خقلتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فعرفت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحب الخلق إليك فقال الله تعالى صدقت يا آدم إنّه لأحب الخلق إليّ إذا سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك (قال) ورواه الطبراني وزاد وهو آخر الأنبياء من ذريتك انتهى. (وفي خلاصة الكلام) ورواه البيهقي بإسناد صحيح في كتابه دلائل النبوة الذي قال فيه الحافظ الذهبي عليك به فإنّه كلّه هدى ونور عن عمر (وفيها أيضاً) قال في المواهب ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
به قد أجاب الله آدم آذ دعا
ونجي في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره
ومن أجله نال الفداء ذبيح
(وفيها أيضاً) قال بعض المفسرين في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} إنّ الكلمات هي توسله بالنبي (صلّى الله عليه وآله) انتهى. (وفي مجمع البيان) في تفسير الآية بعد نقل جملة من الأقوال ما لفظه: وقيل وهي رواية تختص بأهل البيت (عليهم السلام) إنّ آدم رأى مكتوباً على العرش أسماء مكرمة معظمة فسأل عنها فقيل له هذه أجل الخلق عند الله منزلة والأسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين فتوسل آدم إلى ربه بهم في قبول توبته ورفع منزلته انتهى. وفي ذلك يقول الواسطي (ره):
قوم بهم غفرت خطيئة آدم
وهم الوسيلة والنجوم الطلع
وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك بقوله للمنصور: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى في الحديث الآتي ثم قال السمهودي: قال السبكي وإذا جاز السؤال بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح([171]) وهي مخلوقة، فالسؤال بالنبي (صلّى الله عليه وآله) أولى وفي العادة أنّ من له عند شخص قدر فتوسل به إليه في غيبته فإنّه يجيب إكراماً للتوسل به وقد يكون ذكر المحبوب أو المعظم سبباً للإجابة ولا فرق في هذا بين التعبير بالتوسل أو الاستغاثة أو التشفع أو التوجه ومعناه التوجه به في الحاجة وقد يتوسل بمن له جاه إلى من هو أعلى منه (الحال الثاني) التوسل به (صلّى الله عليه وآله) بعد خلقه في مدة حياته في الدنيا منه ما رواه جماعة منهم النسائي والترمذي في الدعوات من جامعه عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً ضرير البصر أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال ادع الله لي أن يعافيني فقال إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء (اللهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إنّ توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتُقضي لي اللهم شفعه فيّ) قال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه وصححه البيهقي وزاد فقام وقد أبصر وفي رواية ففعل الرجل فبرأ انتهى. (وفي خلاصة الكلام) رواه الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني بإسناد صحيح عن عثمان بن حنيف وهو صحابي مشهور انتهى. (قال) وأخرج هذا الحديث أيضاً البخاري في تاريخه وابن ماجة والحاكم في المستدرك بإسناد صحيح وذكره الجلال السيوطي في الجامع الكبير والصغير انتهى. وفي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية([172]) أنّه رواه الترمذي والحاكم وابن ماجة عن عمران بن حصين ثمّ أجاب عنه بأجوبة طويلة تشبه كلام المبرسمين لم نر فائدة في نقلها وقد فهم الصحابة من هذا الحديث العموم لحالتي الحياة والوفاة كما ستعرف في الحال الثالث ومرّ في الفصل الأوّل من الشفاعة حديث الأعرابي الذي قال للنبي (صلّى الله عليه وآله) فادع الله لنا فإنا نستشفع بك على الله فأقره النبي (صلّى الله عليه وآله) على ذلك فهذا هو التوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) الذي يعبر عنه تارة بالتوسل وأخرى بالاستشفاع وغير ذلك (ومن) التوسل به (صلّى الله عليه وآله) في حياته ما ورد في قصة سواد بن قارب التي رواها الطبراني في الكبير كما في خلاصة الكلام ورواها غيره أيضاً وفيها أنّه أنشد النبي (صلّى الله عليه وآله) قصيدته التي يقول فيها:
فأشهد أنّ الله لا رب غيره
وأنّك مأمون على كلّ غائب
وأنّك أدنى المرسلين وسيلة
إلى الله يا ابن الأكرمين الأطائب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل
وإن كان فيما فيه شيب الذوائب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة
بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
فلم ينكر عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله أدنى المرسلين وسيلة ولا قوله وكن لي شفيعاً (ومن التوسل به (صلّى الله عليه وآله) في حياته ما رواه البيهقي كما في خلاصة الكلام عن أنس أنّ أعرابياً جاء إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) يستسقي به وأنشد:
أتيناك والعذراء يدمى لبانها
وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
إلى أن قال:
وليس لنا إلاّ إليك فرارنا
وأين فرار الخلق إلاّ إلى الرسل
وهذا صريح في التوسل به (صلّى الله عليه وآله) ولم ينكره عليه بل قال أنس لما أنشده الأبيات قام يجر رداءه حتّى رقى المنبر فخطب ودعا لهم فلم يزل يدعو حتّى أمطرت السماء وهو على المنبر (وروى) البخاري في صحيحه أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال لما أمطرت السماء لو كان أبو طالب حياً لقرّت عيناه من ينشدنا قوله فقال علي يا رسول الله كأنك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فتهلل وجه النبي (صلّى الله عليه وآله). واستسقاء الغمام بوجهه هو عين التوسل والتوجه به وهذا البيت من قصيدة مدح بها أبو طالب النبي (صلّى الله عليه وآله) فأمطرت السماء وذلك قبل البعث وهذا أيضاً من أدلة التوسل بالأحياء. قال السمهودي (الحال الثالث) التوسل به (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته، روى الطبراني في الكبير عن عثمان بن حنيف أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له وكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له ابن حنيف ائت الميضاة فتوصأ ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قال (اللهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد (صلّى الله عليه وآله) نبي البرحمة يا محمد إنّي إتوجه بك إلى ربك أن تقضي حاجتي) وتذكر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ما قال ثمّ أتى باب عثمان فجاءه البواب حتّى أخذ بيده فأدخل على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة فقال حاجتك فذكر حاجته وقضاها له ثم قال له ما ذكرت حاجتك حتّى كانت الساعة وقال ما كانت لك من حاجة فاذكرها ثم خرج الرجل من عنده فلقي ابن حنيف فقال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ فقال ابن حنيف والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله) إن شئت دعوت أو تصبر فقال يا رسول الله إنّه ليس لي قائد وقد شق عليّ فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله) ائت الميضاة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات قال ابن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضر قط (قال) ورواه البيهقي من طريقين بنحوه (قال) السبكي والاحتجاج من هذا الأثر بفهم عثمان ومن حضره الذين هم كانوا أعلم بالله ورسوله وبفعلهم انتهى وفاء الوفا (وفيه) في مقام آخر([173]) ما لفظه: وفي الكبير والأوسط بسند فيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح عن أنس بن مالك قال لما ماتت فاطمة بنت أسد دخل عليها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجلس عند رأسها فقال رحمك الله يا أمي بعد أمي وذكر ثناءه عليها وتكفينها ببرده قال ثم دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصار وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها فلمّا بلغوا اللحد حفره رسوله الله (صلّى الله عليه وآله) بيده وأخرج ترابه بيده فلمّا فرغ دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاضطجع فيه ثمّ قال الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي (الحديث) (وفي خلاصة الكلام) رواه الطبراني في الكبير والأوسط وابن حبان والحاكم وصححوه انتهى. (أقول) قوله بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي صريح في جواز التوسل بالأحياء والأموات وعدم اختصاص التوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) كما مرّ نقله عن ابن عبد السلام.
ومن التوسل به (صلّى الله عليه وآله) بعد موته قول صفية بنت عبد المطلب (رض) في مرثيتها للنبي (صلّى الله عليه وآله) التي رواها أهل السير وعلماء الأثر:
إلا يا رسول الله أنت رجاؤنا
وكنت بنا براً ولم تك جافياً
وقولها يا رسول الله أنت رجاؤنا صريح في التوسل والاستغاثة به (صلّى الله عليه وآله) أي أنت رجاؤنا في الشفاعة إلى الله وأنت وسيلتنا إليه قالت ذلك بمسمع من الصحابة ولم ينكر عليها أحد ولا يصح هذا على رأي الوهابية لأنّه دعاء ونداء لغير الله تعالى واستغاثة وتوسل بالأموات جهلته صفية عمة النبي (صلّى الله عليه وآله) وصاحبته وسائر الصحابة الذين سمعوه وعلمته الوهابية ومع ذلك يسمّون أنفسهم السلفية ويقولون إنّ قدوتهم السلف. وفي وفاء الوفا([174]) ما لفظه: وفي الوفاء لابن الجوزي من طريق أبي محمد الدارمي بسنده عن أبي الجوزاء قال قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة (رضي الله عنها) فقالت فانظروا قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتّى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا حتّى نبت العشب وسمنت الإبل حتّى تفتقت من الشحم فسميّ عام الفتق (قال) قال الزين المراغي: واعلم أنّ فتح الكوة عند الجدب سنة أهل المدينة حتّى الآن يفتحون كوة في سفل قبة الحجرة أي القبة الزرقاء المقدسة من جهة القبلة وإن كان السقف حائلاً بين القبر الشريف وبين السماء قلت وسنتهم اليوم فتح الباب المواجه للوجه الشريف من المقصورة المحيطة بالحجرة والاجتماع هناك (انتهى وفاء الوفا) فهذا توسل به (صلّى الله عليه وآله) بعد موته وبقبره الشريف بالفعل كما يتوسل به بالقول وهو مستمر من عصر الصحابة الذين هم أعلم بالله وبرسوله وأحكامه وبحرمته وحرمة قبره من الوهابية ومن وافقهم، وتبعهم عليه المسلمون في كل عصر كما صرح به الزين المراغي من غير نكير ثمّ قال السمهودي في وفاء الوفا([175]) (الحال الرابع) التوسل به (صلّى الله عليه وآله) في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه تعالى وذلك مما قام الإجماع عليه وتواردت به الأخبار روى الحاكم وصححه عن ابن عباس قال أوحى الله إلى عيسى يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركته من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا أنّي خلقت محمداً ما خلقت الجنة والنار ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فسكت (قال السمهودي) قلت فكيف لا يستشفع ولا يتوسل بمن له هذا المقام والجاه عند مولاه بل يجوز التوسل بسائر الصالحين كما قاله السبكي وإن نقل بعضهم([176]) عن ابن عبد السلام ما يقتضي أنّ سؤال الله بعظيم من خلقه ينبغي أن يكون مقصوراً على نبينا (صلّى الله عليه وآله) انتهى. (وفي خلاصة الكلام) أحاديث التوسل به يوم القيامة في الصحيحين وغيرهما فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها انتهى.
ومن أخبار التوسل بالملائكة والأنبياء ما في خلاصة الكلام عن الأذكار للنووي أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أمر أن يقول العبد بعد ركعتي الفجر ثلاثاً (اللهم رب جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ومحمد (صلّى الله عليه وآله) أجرني من النار) قال في شرح الأذكار خصّ هؤلاء بالذكر للتوسل بهم في قبول الدعاء وإلاّ فهو سبحانه رب جميع المخلوقات فافهم ذلك إنّه من التوسل المشروع انتهى.
وأمّا التوسل بغيره (صلّى الله عليه وآله) من الأحياء فقد جاء في حديث استسقاء عمر بالعباس الذي أشار إليه ابن تيمية في كلامه السابق وقال ابن تيمية في مقام آخر من رسالة زيارة القبور([177]) ما لفظه: وفي الصحيحن أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس فدعا فقال اللهم إنّا كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فسقوا اهـ. وقال السمهودي في وفاء الوفا([178]) ما لفظه: وقد روى ابن النعمان في مصباح الظلام قصة استسقاء عمر بالعباس عم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نحو ما في الصحيح وأنّ الحافظ أبا القاسم هبة الله بن الحسن رواها من طرق وفي بعضها عن أنس بن مالك قال كان عمر بن الخطاب إذا قحط استسقى بالعباس بن عبد المطلب ويقول اللهم إنّا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا (صلّى الله عليه وآله) فاسقنا قال فيسقون وفي رواية له عن ابن عباس أنّ عمر قال اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك (صلّى الله عليه وآله) ونستشفع إليك بشيبته فسقوا وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سقى الله الحجاز وأهله
عشية يستسقي بشيبته عمر
وروي أنّ العباس قال في دعائه وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك (صلّى الله عليه وآله) انتهى وفاء الوفا. وعن كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير الجزري قال استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لما اشتد القحط فسقاهم الله تعالى وأخصبت الأرض فقال عمر هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه وقال حسان بن ثابت:
سأل الأنام وقد تتابع جدبنا
فسقى الغمام بغرة العباس
عم النبي وصنو والده الذي
ورث النبي بذاك دون الناس
أحيى الإله به البلاد فأصبحت
مخضرة الأجناب بعد الياس
ولما سقي الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون هنيئاً لك ساقي الحرمين انتهى.
وفي خلاصة الكلام واستسقى عمر بالعباس لما اشتد القحط عام الرمادة فسقوا وذلك مذكور في صحيح البخاري من رواية أنس بن مالك وذلك من التوسل بل في المواهب اللدنية للعلامة القسطلاني أنّ عمر لما استسقى بالعباس قال يا أيها الناس إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا به في عمّه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله تعالى. ففي التصريح بالتوسل وبهذا يبطل قول من منع التوسل مطلقاً بالأحياء والأموات وقول من منع ذلك بغير النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى آخر ما قال (لا يقال) لو كان التوسل بالميت جائزاً لتوسل عمر بالنبي (صلّى الله عليه وآله) بعد موته ولم يتوسل بالعباس لأنّ التوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) أقرب إلى الإجابة (لأنا نقول) لا يلزم على الإنسان دائماً توخي الأقرب إلى الإجابة في التوسل والدعاء كما لا يلزم توخي الأفضل في العبادة بل له أن يختار ما شاء ويدل على ذلك ما ذكره ابن تيمية كما مرّ من أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) طلب الدعاء من عمر فلِمَ لَمْ يطلبه من أبي بكر الذي هو أفضل من عمر وأنّه (صلّى الله عليه وآله) أمر عمر أن يطلب الاستغفار لنفسه من أويس فلِمَ لَمْ يأمره أن يطلبه من أبي بكر الذي هو أفضل من أويس بل من النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي هو أفضل الكل وأنّ أبا بكر قال لعمر استغفر لي فلِمَ لَمْ يطلب ذلك من النبي(صلّى الله عليه وآله) الذي هو أفضل من عمر على أنّ قول عمر إنّا نتوسل إليك بعم نبينا لا يخرج عن التوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) أي نتوسل إليك بمن له عندك حرمة لكونه عم نبينا المقرب عندك كما تقول لغيرك أتوسل إليك بقرابة الملك أو بمرضعة ابنك أو بصهر أخيك أو نحو ذلك ولذلك لم يقل نتوسل إليك بالعباس وهذا كما في قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} ولم يقل على الوالد قصداً لبيان العلة في ثبوت ذلك عليه وهي أنّ الولد له والله العالم ويرشد إلى ذلك قول العباس على بعض طرق هذا الحديث المتقدمة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك (وفي خلاصة الكلام) وإنّما خصّ عمر العباس من بين الصحابة لإظهار شرف أهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل فإنّ علياً كان موجوداً وهو أفضل من العباس انتهى (لا يقال) ظاهر قوله كنّا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا أنّ هذه كانت عادتهم وقوله وإنّا نتوسل إليك بعم نبينا أي حيث لا يمكن التوسل الآن بنبينا لموته فإنّا نتوسل إليك بعمّه فهذا يدل على عدم جواز التوسل بالميت (لأنّا نقول) ظهور قوله وإنّا نتوسل إلخ في أنّه حيث لا يمكننا التوسل بنبينا لموته ممنوع وأي قرينة دلت على هذه المحذوفات لا سيما بعد ملاحظة ما دل على جواز التوسل بالميت بل بالأعمال ممّا مر.
وممّا يكذب ما زعمه ابن تيمية من أنّه لم يذكر أحد من العلماء أنّه يشرع التوسل بالنبي والصالح بعد موته ولا استحبوا ذلك ما نقل عن أئمة المذاهب الأربعة وعلمائها من التوسل به (صلّى الله عليه وآله) في مماته ورجحان ذلك واستحبابه قال السمهودي في وفاء الوفا([179]) وغيره في غيره: قال عياض في الشفا بسند جيد عن ابن حميد أحد الرواة عن مالك فيما يظهر قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الآية) ومدح قوماً فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} الآية وذم قوماً فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر فقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فقال لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام) إلى الله يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية انتهى (وفي خلاصة الكلام) ذكره أي الحديث القاضي عياض في الشفا وساقه بإسناد صحيح وذكره الإمام السبكي في شفاء السقام في زيارة خير الأنام والسيد السمهودي في خلاصة الوفا والعلامة القسطلاني في المواهب اللدنية والعلامة ابن حجر في تحفة الزوار والجوهر المنظم وذكره كثير من أرباب المناسك في آداب زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) قال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم رواية ذلك عن الإمام جاءت بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه وقال العلامة الزرقاني في شرح المواهب ورواها ابن فهد بإسناد جيد ورواها القاضي عياض في الشفا بإسناد صحيح رجاله ثقات ليس في إسنادها وضّاع ولا كذاب (قال): ومراده بذلك الرد على من نسب إلى مالك كراهية استقبال القبر انتهى. قال السمهودي: فانظر هذا الكلام من مالك وما اشتمل عليه من أمر الزيارة والتوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) واستقباله عند الدعاء وحسن الأدب التام معه انتهى. فهذا قول مالك إمام المذهب مخاطبا به المنصور الخليفة العباسي حتى استكان لكلامه مع أنه خليفة الوقت وسلطانه مبينا به أن حرمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ميتاً كحرمته حياً مخاطباً له بخطاب التوبيخ بقوله لم تصرف وجهك عنه، ناصاً على حسن التوسل به ورجحانه وأنه الوسيلة للخلق ووسيلة أبيهم آدم آمرا له باستقبال قبره والتشفع به ضامنا له عليه الشفاعة ناصاً على أن آية {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} الآية عامة للحياة والممات. كل هذا وابن تيمية يقول إنه لم يشرع التوسل بالنبي والصالح بعد موته ولا استحبوا ذلك ويتورع ويخاف من الابتداع بزعمه ويقول الدعاء مخ العبادة ومبناها على الاتباع لا الابتداع ولا يتورع عن نسبة لوازم التجسيم إليه تعالى وعن تكفير المسلمين ونسبتهم الشرك، (ثم) حكى السمهودي عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب في آداب زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه يجعل القبر تلقاء وجهه والقبلة خلف ظهره والمنبر عن يساره ويقول في دعائه: اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك (عليه السلام) {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ} الآية وإني قد أتيت نبيك مستغفرا فأسألك أن توجب لي المغفرة كما أوجبت لمن أتاه في حياته اللهم إني أتوجه إليك بنبيك (صلّى الله عليه وآله) وذكر دعاء طويلاً، (ثم قال): وقال أبو منصور الكرماني من الحنفية إن كان أحد أوصاك بتبليغ التسليم تقول: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان يستشفع بك إلى ربك بالرحمة والمغفرة فاشفع، (وقال السمهودي) في وفاء الوفا([180]) ما لفظه: وفي كلام أصحابنا، (يعني الشافعية) أن الزائر يستقبل الوجه الشريف في السلام والدعاء والتوسل، انتهى محل الحاجة، (وفي خلاصة الكلام([181]) والدرر السنية) كلاهما لأحمد بن زيني دحلان: قال العلامة ابن حجر في كتابه الخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان في الفصل الخامس والعشرين الإمام الشافعي أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة يجئ إلى ضريحه يزور فيسلم عليه ثم يتوسل إلى الله تعالى به في قضاء حاجاته قال وقد ثبت أن الإمام أحمد توسل بالإمام الشافعي حتى تعجب ابنه عبد الله ابن الإمام أحمد فقال له أبوه إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن ولما بلغ الإمام الشافعي أن أهل المغرب يتوسلون إلى الله بالإمام مالك لم ينكر عليهم انتهى (وفي الصواعق المحرقة) لابن حجر أن الإمام الشافعي توسل بأهل البيت النبوي حيث قال:
آل النبي ذريعتي
وهم إليه وسيلتي
أرجو بهم أعطى غداً
بيدي اليمين صحيفتي (انتهى)
فهذا الإمام مالك إمام المالكية والسامري الحنبلي والكرماني الحنفي وعلماء الشافعية قائلون بحسن التوسل والتشفع به (صلّى الله عليه وآله) بعد موته والإمام الشافعي توسل بأهل البيت بعد موتهم وتوسل بالإمام أبي حنيفة بعد موته وأقر أهل المغرب على توسلهم بالإمام مالك بعد موته وأحمد توسل بالشافعي بعد موته فضلا عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وكل هؤلاء من أئمة المذاهب الأربعة وعلمائها. وابن تيمية يقول إنه لم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل بالنبي والصالح بعد موته. (وفي خلاصة الكلام): المرجح عند الحنابلة جواز التوسل بالنبي (صلّى الله عليه وآله) بعد موته لصحة الأحاديث الدالة على ذلك فيكون المرجح عندهم موافقا لما عليه أهل المذاهب الثلاثة. (قال): وأما ما ذكره الآلوسي في تفسيره من أن بعضهم نقل عن الإمام أبي حنيفة أنه منع التوسل فهو غير صحيح إذ لم ينقله عنه أحد من أهل مذهبه بل كتبهم طافحة باستحباب التوسل ونقل المخالف غير معتبر. (قال): وقد بسط الإمام السبكي نصوص المذاهب الأربعة في استحباب التوسل في كتابه شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام فراجعه. (قال): وفي المواهب اللدنية للإمام القسطلاني وقف أعرابي على قبره الشريف (صلّى الله عليه وآله) وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد وهذا حبيبك وأنا عبدك فاعتقني من النار على قبر حبيبك فهتف به هاتف يا هذا تسأل العتق لك وحدك هلا سألت العتق لجميع الخلق يعني من المؤمنين اذهب فقد أعتقتك (قال): ثم قال في المواهب عن الحسن البصري وقف حاتم الأصم على قبره (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رب إنا زرنا قبر نبيك (صلّى الله عليه وآله) فلا تردنا خائبين الخبر. وقال ابن أبي فديك وهو من أتباع التابعين ومن الأئمة الثقات المشهورين ومن المروي عنهم في الصحيحين وغيرهما: سمعت بعض من أدركت من العلماء والصلحاء يقول بلغنا إن من وقف عند قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال هذه الآية: {وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ} وقال صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة. (قال): وهذا الذي نقله في المواهب عن ابن أبي فديك رواه عنه البيهقي. (قال): ومما ذكره العلماء في آداب الزيارة أنه يستحب أن يجدد الزائر التوبة في ذلك الموقف الشريف ويستشفع به (صلّى الله عليه وآله) إلى ربه عز وجل في قبولها ويكثر الاستغفار والتضرع بعد تلاوة: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} الآية ويقولون (نحن وفدك يا رسول الله وزوارك جئناك لقضاء حقك والتبرك بزيارتك والاستشفاع بك مما أثقل ظهورنا فليس لنا يا رسول الله شفيع غيرك نؤمله ولا رجاء غير بابك نصله فاستغفر لنا واشفع لنا عند ربك واسأله أن يمن علينا بسائر طلباتنا). (قال): وفي الجوهر المنظم أيضا إن أعرابيا وقف على القبر الشريف وقال: (اللهم إن هذا حبيبك وأنا عبدك والشيطان عدوك فإن غفرت لي سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك وإن لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي عدوك وهلك عبدك وأنت يا رب أكرم من أن تغضب حبيبك وترضي عدوك وتهلك عبدك اللهم إن العرب إذا مات فيهم سيد أعتقوا على قبره وإن هذا سيد العالمين فاعتقني على قبره يا أرحم الراحمين) فقال له بعض الحاضرين يا أخا العرب إن الله قد غفر لك بحسن هذا السؤال. (قال): وذكر كثير من علماء المذاهب الأربعة في كتب المناسك عند ذكرهم زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه يسن للزائر أن يستقبل القبر الشريف ويتوسل إلى الله تعالى في غفران ذنوبه وقضاء حاجاته ويستشفع به (صلّى الله عليه وآله) قالوا ومن أحسن ما يقول ما جاء عن العتبي وهو مروي أيضا عن سفيان بن عيينة وكل منهما من مشايخ الشافعي قال العتبي كنت جالساً عند قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول. (وفي رواية): يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي. (وفي رواية): وإني جئتك مستغفراً ربك عز وجل من ذنوبي ثم بكى وأنشد يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه
فطاب من طيبهن القاع والاكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف فغلبتني عيناي فرأيت النبي (صلّى الله عليه وآله) في المنام فقال يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره إن الله غفر له فخرجت خلفه فلم أجده انتهى. وذكر حكاية الأعرابي هذه السمهودي في وفاء الوفا وسيأتي نقلها في فصل الزيارة وحكى السمهودي([182]) عن السبكي أن الآية دالة على الحث بالمجئ إليه (صلّى الله عليه وآله) والاستغفار عنده واستغفاره لهم وهذه رتبة لا تنقطع بموته وقد حصل استغفاره لجميع المؤمنين لقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ولرحمته وقوله واستغفر لهم معطوف على جاؤك فلا يقتضي كون استغفاره بعد استغفارهم مع إنا لا نسلم أنه لا يستغفر بعد الموت لما سبق من حياته ومن استغفاره لأمته بعد الموت عند عرض أعمالهم عليه ويعلم من كمال رحمته أنه لا يترك ذلك لمن جاءه مستغفرا ربه انتهى. ثم قال في خلاصة الكلام: قال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم روى بعض الحفاظ عن أبي سعيد السمعاني أنه روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنهم بعد دفنه (صلّى الله عليه وآله) بثلاثة أيام جاءهم أعرابي فرمى بنفسه على القبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة والسلام وحثا من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله ما وعينا عنك وكان فيما أنزله عليك {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} إذ ظلموا أنفسهم الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي إلى ربي الخبر قال وجاء ذلك عن علي أيضا من طريق أخرى انتهى وفي وفاء الوفا([183]) قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان في مصباح الظلام إن الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عن علي بن أبي طالب قال قدم علينا أعرابي وذكر مثله ثم قال في خلاصة الكلام ويؤيد ذلك ما صح عنه (صلّى الله عليه وآله) حياتي خير لكم تحدثون وأحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم ما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت لكم انتهى.
فهذه أقوال علماء المذاهب الأربعة وسيرة المسلمين خلفاً عن سلف متفقة على التبرك بقبر النبي (صلّى الله عليه وآله) والتوسل والاستشفاع به (صلّى الله عليه وآله) سيما عند قبره ودعاء الله عنده وأخبارهم ورواياتهم طافحة بذلك. وابن تيمية يقول لم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل بعد موته ولا استحبوا ذلك. (أما أئمة أهل البيت الطاهر) النبوي فأدعيتهم المأثورة عنهم التي تبلغ حد التواتر طافحة بالتوسل بجدهم (صلّى الله عليه وآله) وبآله وبحقه وحقهم والإقسام عليه تعالى بهم وهم أعرف بسنة جدهم وبأحكام ربهم من ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأتباعهم من أعراب نجد فهم باب مدينة علم المصطفى وورثة علمه والذين أمرنا بأن نتعلم منهم ولا نعلمهم لأنهم أعلم منا. فمنه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الصحيفة العلوية التي جمعها الشيخ عبد الله السماهيجي من أدعيته (عليه السلام) في الدعاء الذي علمه أويساً (وبحق السائلين لك والراغبين إليك والمتعوذين بك والمتضرعين إليك وبحق كل عبد متعبد لك في بر أو بحر أو سهل أو جبل) وفي دعائه (عليه السلام) عند لقاء العدو وبمحمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتوجه (وبعد الثامنة من صلاة الليل) اللهم إني أسألك بحرمة من عاذ بك منك ولجأ إلى عزك واستظل بفيئك واعتصم بحبلك ولم يثق إلا بك (وبعد الزوال) وأتقرب إليك بمحمد عبدك ورسولك وأتقرب إليك بملائكتك المقربين وأنبيائك المرسلين (وفي اليوم السادس عشر) وأتوجه إليك اللهم لا إله إلا أنت بنبيك محمد (وفي اليوم الثالث والعشرين) أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة صلى الله عليه وآله الطيبين الأخيار يا محمد إني أتوجه بك إلى الله ربك وربي في قضاء حاجتي. (وفي دعاء) الحسين بن علي (عليه السلام) يوم عرفة المستفيض نقله عنه. اللهم إنا نتوجه إليك في هذه العشية التي شرفتها وعظمتها بمحمد نبيك ورسولك وخيرتك من خلقك. (وقول) علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة الكاملة التي كفى دليلا على صحة نسبتها بلاغة ألفاظها فضلاً عن صحة أسانيدها وعظيم شهرتها في دعائه (عليه السلام) إذا دخل شهر رمضان: اللهم إني أسألك بحق هذا الشهر وبحق من تعبد لك فيه من ابتدائه إلى وقت فنائه من ملك قربته أو نبي أرسلته أو عبد صالح اختصصته (وفي يوم عرفة) بحق من انتجبت من خلقك وبمن اصطفيته لنفسك بحق من اخترت من بريتك ومن اجتبيت لشأنك بحق من وصلت طاعته بطاعتك ومن جعلت معصيته كمعصيتك بحق من قرنت موالاته بموالاتك ومن نطت معاداته بمعاداتك. (وفي دعائه) عند زيارة جده أمير المؤمنين (عليه السلام): فاستجب دعائي واقبل ثنائي واجمع بيني وبين أوليائي بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة المعصومين من ذرية الحسين. (وفي الدعاء الثلاثين) من أدعية الصحيفة الخامسة له (عليه السلام) اللهم فإن وسيلتي إليك محمد وآله وبعدهم التوحيد (وفي الدعاء الأربعين) وأتوجه إليك وأتوسل إليك واستشفع إليك بنبيك نبي الرحمة محمد (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب وفاطمة الزهراء والحسن والحسين عبديك وأمينيك الخ إلى غير ذلك مما يطول الكلام باستقصائه إذ قلما يوجد دعاء من الأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على كثرتها لا يوجد فيه شيء من هذا القبيل وكفى به حجة دامغة لمن أنكر ذلك.
ومن أنواع التوسل به (صلّى الله عليه وآله) في حياته وبعد موته تقديم الصلاة عليه قبل الدعاء الذي ورد أنه من أسباب إجابة الدعاء كما اعترف به ابن تيمية فيما نقلناه عنه في فصل الاستغاثة وجرت عليه سيرة المسلمين وأصبح من ضروريات الدين فإنه لا معنى له إلا التوسل به (صلّى الله عليه وآله) وبالصلاة عليه إلى الله في إجابة الدعاء.
ومن أنواع التوسل به (صلّى الله عليه وآله) استقبال قبره الشريف وقت الدعاء فإنه في الحقيقة توسل به (صلّى الله عليه وآله) وبقبره الشريف وقد جرت عليه سنة المسلمين خلفا عن سلف وقرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل وأفتى باستحبابه الإمام مالك إمام دار الهجرة في قوله للمنصور لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى بل استقبله واستشفع به كما مر. (وفي خلاصة الكلام): ذكر علماء المناسك أن استقبال قبره الشريف (صلّى الله عليه وآله) وقت الزيارة والدعاء أفضل من استقبال القبلة قال العلامة المحقق الكمال ابن الهمام أن استقبال القبر الشريف أفضل من استقبال القبلة وأما ما نقل عن الإمام أبي حنيفة أن استقبال القبلة أفضل فمردود بما رواه الإمام نفسه في مسنده عن ابن عمر أنه قال من السنّة استقبال القبر المكرم وجعل الظهر للقبلة وسبقه إلى ذلك ابن جماعة فنقل استحباب استقبال القبر الشريف عن الإمام أبي حنيفة أيضا ورد قول الكرماني أنه يستقبل القبلة وقال ليس بشيء قال في الجوهر المنظم ويستدل لاستقبال القبر أيضا بأنا متفقون على أنه (صلّى الله عليه وآله) حي في قبره يعلم زائره وهو (صلّى الله عليه وآله) لو كان حيا لم يسع الزائر إلا استقباله واستدبار القبلة فكذا يكون الأمر حين زيارته في قبره الشريف ثم نقل قول مالك للمنصور المشار إليه آنفا. ثم قال: قال العلامة الزرقاني في شرح المواهب إن كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلاً له مستدبراً للقبلة ثم نقل عن مذهب الإمام أبي حنيفة والشافعي (ره) والجمهور مثل ذلك. (قال): وأما مذهب الإمام أحمد ففيه اختلاف بين علماء مذهبه والراجح عند المحققين منهم أنه يستقبل القبر الشريف كبقية المذاهب انتهى محل الحاجة من خلاصة الكلام ومر ما نقله السمهودي عن أبي عبد الله السامري الحنبلي وعن كثير من علماء المذاهب الأربعة في كتب المناسك إن الزائر يستقبل القبر ويستدبر القبلة وقال السمهودي أيضاً في وفاء الوفا([184]). قال عياض قال مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي (صلّى الله عليه وآله) ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة. (قال): وفي رواية نقلها عياض عن المبسوط أنه قال لا أرى أن يقف عند القبر يدعو لكن يسلم ويمضي قال السمهودي قلت وهي مخالفة أيضا لما تقدم في مناظرة المنصور لمالك وكذا لما نقله ابن المواز أنه قيل لمالك فالذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع قال لا ولكن يقف ويدعو قيل له وكذلك عند قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) قال نعم. (ثم قال): نقل ابن يونس المالكي عن ابن حبيب أنه قال ثم أقصد القبر من وجاه القبلة فادن منه وسلم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) واثن عليه وعليك السكينة والوقار فإنه (صلّى الله عليه وآله) يسمع ويعلم وقوفك بين يديه الخ. (قال): وقال النووي في رؤوس المسائل عن الحافظ أبي موسى الإصبهاني أنه روى عن مالك أنه قال إذا أراد الرجل أن يأتي قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فيستدبر القبلة ويستقبل النبي (صلّى الله عليه وآله) ويصلي عليه ويدعو. (قال): وقال إبراهيم الحربي في مناسكه تولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه يعني القبر. قال: وروى أبو القاسم طلحة بن محمد في مسند أبي حنيفة بسنده عن أبي حنيفة قال جاء أيوب السختياني فدنا من قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فاستدبر القبلة وأقبل بوجهه إلى القبر وبكى بكاء غير متباك. قال: وقال المجد اللغوي روي عن الإمام الجليل أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول قدم أيوب السختياني وأنا بالمدينة فقلت لأنظرن ما يصنع فجعل ظهره مما يلي القبلة ووجهه مما يلي وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبكى غير متباك فقام مقام رجل فقيه. ثم قال: قلت فهذا يخالف ما ذكره أبو الليث السمرقندي في الفتاوي عطفا على حكاية حكاها الحسن بن زياد عن أبي حنيفة من أن المسلم عليه (صلّى الله عليه وآله) يستقبل القبلة وقال السروجي الحنفي يقف عندنا مستقبل القبلة قال الكرماني الحنفي يقف عند رأسه بين المنبر والقبر مستقبل القبلة. (قال): وعن أصحاب الشافعي وغيره يقف وظهره إلى القبلة ووجهه إلى الحظيرة وهو قول ابن حنبل. (قال): وقال محقق الحنفية الكمال ابن الهمام ما نقل عن أبي حنيفة أنه يستقبل القبلة مردود بما روى أبو حنيفة في مسنده عن ابن عمر قال من السنّة أن تأتي قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قبل القبلة وتجعل ظهرك إلى القبلة وتستقبل القبر وتسلم وقال ابن جماعة في منسكه الكبير ومذهب الحنفية إلى أن قال ثم يدور إلى أن يقف قبالة الوجه المقدس مستدبر القبلة فيسلم وشذ الكرماني فقال يقف للسلام مستدبر القبر مستقبل القبلة وتبعه بعضهم وليس بشيء ثم حكى السمهودي عن السبكي أنه قال: وقول أكثر العلماء هو الأحسن فإن الميت يعامل معاملة الحي والحي يسلم عليه مستقبلا فكذلك الميت وهذا لا ينبغي أن يتردد فيه ثم حكى عن المطري أنه لما أدخل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحجرات أزواجه في المسجد وقف الناس مما يلي وجه النبي (صلّى الله عليه وآله) واستدبروا القبلة للسلام عليه قال السمهودي وذلك لتعذر استقبال الوجه الشريف قبل إدخال البيت في المسجد ثم قال فاستدبار القبلة في هذه الحالة مستحب كما في خطبة الجمعة والعيدين وسائر الخطب المشروعة كما قاله ابن عساكر في التحفة. (إلى أن قال): وفي كلام أصحابنا (يعني الشافعية) إن الزائر يستقبل الوجه الشريف في السلام والدعاء والتوسل ثم يقف مستقبل القبلة والقبر عن يساره والمنبر عن يمينه فيدعو أيضا (انتهى وفاء الوفا).
وفي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية اختلفوا في التوسل إليه تعالى بشيء من مخلوقاته هل هو مكروه أو حرام والأشهر الحرمة انتهى. (وفي الرسالة الثانية) منها وأما التوسل وهو أن يقول القائل اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد (صلّى الله عليه وآله) أو بحق نبيك أو بجاه عبادك الصالحين أو بحق عبدك فلان فهذا من أقسام البدعة المذمومة ولم يرد بذلك نص كرفع الصوت بالصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) عند الأذان (انتهى). فذاك حكى تحريمه وهذا جعله بدعة ولم يجعله شركا (والحمد لله) كما مر عن الصنعاني وقد عرفت مما تقدم ورود النصوص الصريحة بذلك واتفاق المسلمين عليه فتوى وعملا حتى بلغ إلى حد الضرورة فجعله من البدعة جمود بارد وتشدد في غير محله كرفع الصوت بالصلاة على النبي (صلّى الله عليه وآله) إذا كانت سنة لم يكن رفع الصوت بها بدعة وكان فاعلها مخيرا بين رفع الصوت وخفضه والاخفات بها لإطلاق الدليل ويلزم على قياس قوله ان نبحث عن مقدار الصوت بها الذي كان في عصر السلف فلا نزيد عليه ولا ننقص لئلا نقع في البدعة ومع الجهل نتركها بالكلية لعدم العلم بما ليس بدعة.
الفصل الرابع
في الإقسام على الله بمخلوق أو بحق مخلوق ونحوه
مثل أقسمت عليك أو أقسم عليك بفلان أو بحق فلان أو سألتك أو أسألك بفلان وهذا داخل في التوسل المذكور في الفصل السابق وإنما أعدنا ذكره في فصل خاص لكونه نوعاً مخصوصاً من التوسل وللوهابية كلام فيه بعنوانه الخاص وأدلة خاصة به وهو مما منعه الوهابية وحرموه على عادتهم في التشدد والتضييق على عباد الله فيما وسع الله فيه عليهم وعدم رضاهم بتعظيم من عظمه الله ما وجدوا لذلك حيلة ولا ندري هل يجعلونه كفراً وشركاً، لا يستبعد منهم ذلك بعد أن جعلوا سؤال الشفاعة من النبي (صلّى الله عليه وآله) شركا مع تسليمهم بأن الله أعطاه الشفاعة وأنه الشفيع المشفع كما مر بيانه في محله وقد جعل الصنعاني التوسل كفراً وشركاً كما مر وهذا منه، ومر في أواخر الفصل السابق إن بعض الوهابية جعل التوسل بدعة وبعضهم قال إن الأشهر تحريمه وفي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية المنسوبة لعبد العزيز بن محمد بن سعود إن الإقسام على الله بمخلوق منهي عنه باتفاق العلماء([185]) قال وهل هو نهي تنزيه أو تحريم قولان أصحهما إنه كراهة تحريم واختاره العز بن عبد السلام في فتاويه ثم نقل عن أبي حنيفة أنه قال لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن تقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك وعن أبي يوسف بمعاقد العز من عرشك هو الله فلا أكره هذا وأكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك ثم حكى عن القدوري أن المسألة بحق المخلوق لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق. (قال): صاحب الرسالة وأما قوله وبحق السائلين عليك ففيه عطية العوفي وفيه ضعف ومع صحته فمعناه بأعمالهم لأن حقه تعالى عليه طاعته وحقهم عليه الثواب والإجابة (انتهى). (وقال): صاحب المنار في الحاشية: المتبادر من معنى هذه الجملة إنها سؤال لله تعالى بوعده للسائلين أن يستجيب دعاءهم بمثل قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
ونقول: الإقسام على الله تعالى بكريم عليه من نبي أو ولي أو عبد صالح أو عمل صالح أو غير ذلك نوع من التوسل الذي تقدم الكلام فيه في الفصل الثالث وبينا جوازه ورجحانه وأنه ليس ببدعة وأنه محبوب لله تعالى وأنه تعالى يحب أن يتوسل إليه عبده بأنواع الوسائل وكلها لا تخرج عن دعائه وعبادته ومن أجل ذلك جعل الله الشفاعة التي لا ينكرها الوهابية وقبلها وأذن فيها وإلا فأي حاجة له إلى الشفيع وهو أعلم بحال عبده وأرأف به واحنى عليه من كل أحد فجعل الشفاعة كرامة للشفيع ورحمة بالمشفوع به ولأنها نوع من عبادته ودعائه والتضرع إليه فهو يحب ذلك كله سواء كان من العبد نفسه أو على لسان غيره ولذلك قبل الدعاء بلسان الغير بل جعله أرجى للإجابة. (وقول) صاحب الرسالة إن الإقسام على الله بمخلوق منهي عنه باتفاق العلماء جزاف من القول ولم يأت بما يثبته سوى ما نقله عن أبي حنيفة وأبي يوسف وابن عبد السلام والقدوري كأن علماء الإسلام في جميع الأعصار والأمصار انحصرت في هؤلاء الأربعة وأين فتوى الشافعي ومالك وأحمد ابن حنبل لِمَ لم ينقلها إن كانوا موافقين وأين فتوى باقي العلماء الذين لا يحصي عددهم إلا الله هل اطلع على فتواهم فوجدهم موافقين أو لا فكيف تجرأ على دعوى اتفاقهم وكيف يدعي الاتفاق بفتوى أربعة أحدهم القدوري وابن عبد السلام وسلفه محمد بن إسماعيل الصنعاني ينكر تحقق الإجماع بعد عصر الصحابة كما مر في المقدمات. وإذا كنت تريد أن تعرف مبلغ هؤلاء من العلم والتثبت والتورع في النقل وغيره فخذ لك نموذجا من هذا وإذ عرفت أن الإقسام على الله بمخلوق لا يخرج عن التوسل به إلى الله تعالى فكان يلزم على الوهابية أن يجعلوه شركا كما جعلوا التوسل لكنهم يلقون الفتاوى جزافا ويفرقون بين المتفقات ويوافقون بين المتفرقات. (والحق) أنه لا كراهية ولا تحريم في ذلك بل هو راجح مستحب لأنه نوع من دعاء الله تعالى وعبادته الثابت رجحانه بعموم أدلة الدعاء ولم يثبت شيء يخرجه عن العموم بل وردت النصوص فيه بالخصوص. (مثل) ما مر في الفصل الثالث مما رواه الحاكم وصحح إسناده الطبراني من قول آدم (عليه السلام) يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي (وما) رواه الحاكم في الكبير والأوسط من قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي. (وما) سيأتي قريبا من قول أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا وقد ورد في أدعية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أسألك بمعاقد العز من عرشك بكثرة وهو ينفي احتمال الكراهية كما أنه ورد في أدعيتهم (عليهم السلام) الإقسام على الله بالمخلوق وقد مر في الفصل الثالث وهم أحق بالاتباع وأعلم بسنة جدهم (صلّى الله عليه وآله) من ابن عبد الوهاب وأمثاله. (أما) استدلال القدوري على تحريمه بأنه لا حق للمخلوق على الخالق فباطل. (أولاً) لأن الإقسام على الله بالمخلوق لا يلزم أن يقال فيه أسألك بحق فلان عليك بل يكفي بحق فلان أو بفلان فإن الحق في اللغة الأمر الثابت الواجب من حق يحق حقا إذا ثبت فتارة يكون ثابتا للإنسان في نفسه من فضل وعلم وشرف وعبادة وزهادة وغير ذلك وتارة يثبت له على غيره. (ثانياً) دعواه أنه لا حق للمخلوق على الخالق إن أريد أن له عليه حقا حتميا إلزاميا شاء أو أبى وتسلطاً كحق الدائن على المديون فمسلم، لكن هذا لا يقول به أحد وإن أريد أن له عليه حقاً جعله الله على نفسه وأكرم به عبده فأي مانع منه وأي دليل يقتضي نفيه بل الدليل على ثبوته موجود قال الله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} { كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} أفنترك قول الله تعالى في كتابه ونتبع قول القدوري والطناجري. (وفي) الجامع الصغير للسيوطي([186]) من رواية الطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان عن معاذ حق على الله عون من نكح التماس العفاف عما حرم الله. وفي النهاية الأثيرية الحق ضد الباطل ومنه الحديث (أتدري ما حق العباد على الله) أي ثوابهم الذي وعدهم به فهو واجب الانجاز ثابت بوعده الحق (انتهى) ومر في الفصل الثالث ما ذكره ابن تيمية من حديث كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال وقوله جاء في غير حديث كان حقا على الله كذا وكذا وما نقله في الصحيح حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم وما حكاه من رواية ابن ماجة في دعاء الخارج للصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا الخ وفي خلاصة الكلام([187]) أنه رواه ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك. (قال): وذكره الجلال السيوطي في الجامع الكبير وكثير من الأئمة في كتبهم بل قال بعضهم ما من أحد من السلف إلا وكان يدعو به. (قال): ورواه ابن السني بإسنادصحيح عن بلال مؤذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفيه اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق مخرجي، مع بعض التفاوت (قال) ورواه الحافظ أبو نعيم في عمل اليوم والليلة من حديث أبي سعيد بلفظ رواية ابن السني (انتهى). فإذا كان الله تعالى ورسوله قد صرحا بالحق على الله تعالى فهل نتركه ونتبع قول القدوري والمغرفي أيها الوهابيون. ومع كل هذا التصريح من الله تعالى ورسوله فهم يتمحلون في رد الأحاديث بالقدح في إسنادها أو مفادها لأنه يعظم عليهم أن يعظموا أحدا ممن عظم الله فيردون ما دل على ذلك بكل وسيلة ترويجا لشبهتهم وتمسكاً بها (أما) قدح صاحب الرسالة في حديث بحق السائلين عليك بأن فيه عطية العوفي وفيه ضعف فمردود. حكى الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب([188]) عن ابن سعد أنه قال وكان ثقة إن شاء الله وله أحاديث صالحة وحكى فيه عن الدوري عن ابن معين أنه صالح انتهى . وفي خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ أحمد بن عبد الله الأنصاري([189]): عطية ابن سعد بن جنادة العوفي أبو الحسن الكوفي عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وعنه ابناه عمر والحسن وإسماعيل ابن أبي خالد ومسعر وخلق، ضعفه الثوري وهشيم وابن عدي، وحسن له الترمذي أحاديث انتهى. وحكى في الحاشية عن التهذيب: قال أبو حاتم وابن سعد ومع ضعفه يكتب حديثه انتهى. وفي تهذيب التهذيب عن ابن عدي وأبي حاتم إنه مع ضعفه يكتب حديثه انتهى. فدل ذلك على أن أحاديثه مقبولة ليس فيها مناكير والذين ضعفوه لم يضعفوه إلا لكونه من شيعة علي (عليه السلام) فرموه بما رموه به (ففي تهذيب التهذيب) عن ابن عدي أنه كان يعد مع شيعة أهل الكوفة (وفيه أيضاً) قال أبو بكر: البزار كان يعده في التشيع روى عنه جلة الناس، وقال الساجي ليس بحجة وكان يقدم علياً على الكل انتهى. فدل على أن سبب القدح تقديمه علياً على الكل وكفى به قدحاً عندهم. (وفيه) عن ابن سعد بسنده عن عطية قال لما ولدت أتى أبي علياً ففرض لي في مائة وقال ابن سعد خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم أن يعرضه على سب علي فإن لم يفعل فاضربه أربعمائة سوط واحلق لحيته فاستدعاه فأبى أن يسب فأمضى حكم الحجاج فيه انتهى. أفهذا الذي هذه حاله وصفته في التصلب في الدين وصبره على البلاء خوفاً من الله تعالى يصدق في حقه قول ابن حبان كما حكاه عنه في تهذيب التهذيب إنه سمع من أبي سعيد أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبي فإذا حدث الكلبي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه فإذا قيل له من حدثك بهذا يقول حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه الخدري وإنما أراد الكلبي انتهى. ولعل الكلبي كان يكنى بأبي سعيد أو هو كناه به كما يدل عليه ما في تهذيب التهذيب عن الكلبي أنه قال قال لي عطية كنيتك بأبي سعيد فأنا أقول حدثنا أبو سعيد. وما عليه إذا كنى الكلبي بأبي سعيد وأخبره بذلك فإذا توهموا أنه الخدري فما ذنبه ولو كان مراده التدليس لم يخبر الكلبي بذلك هذا إنصح النقل لكن الغالب على الظن أنه افتراء فمن يتحمل ضرب أربعمائة سوط وحلق لحيته ولا يسب عليا هل يتعمد إبدال الكلبي بأبي سعيد ليتوهموا أنه الخدري إن هذا ما لا يكون وما الذي يدعوه إلى ذلك (وابن حبان) هذا هو الذي قال في حق الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إمام أهل البيت في عصره الذي حين روى لعلماء نيسابور حديث سلسلة الذهب المشهور كتب عنه ذلك الحديث من أهل المحابر والدوي ما ينوف عن عشرين ألفا وكان المستملي أبو زرعة ومحمد بن أسلم الطوسي والناس ما بين صارخ وباك ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر بغلته. فقال ابن حبان في حقه كما في كتاب الأنساب للسمعاني المطبوع ببلاد ألمانيا: يروي عن أبيه العجائب كان يهم ويخطئ انتهى. وتعقبه بعض العلماء في الحاشية بقوله: أنظر إلى هذه الجرأة العظيمة من هذا المغرور وكيف يوهم ويخطئ ابن رسول الله ووارث علمه أحد علماء العترة النبوية وإمامهم المجمع على غزارة علمه وشرفه وليت شعري كيف ظهر لهذا الناصبي الذي أفنى عمره في علم الرسوم لأجل الدنيا حتى نال بها قضاء بلخ وغيرها وهم علي بن موسى الرضا وخطاؤه وبينهما نحو مائة وخمسين عاماً لولا بغض القربى النبوية التي أمر الله بحبها ومودتها وأمر رسوله (عليه الصلاة السلام) بالتمسك بها قاتلهم الله أنى يؤفكون انتهى. ومما يدل على وثاقة عطية رواية جلة الناس عنه كما اعترف بها البزار وكثرة من روى عنهم ورووا عنه من الصحابة وغيرهم (ففي تهذيب التهذيب): روى عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عباس وابن عمرو وزيد بن أرقم وعكرمة وعدي ابن ثابت وعبد الرحمن بن جندب وقيل ابن جناب. روى عنه ابناه الحسن وعمر والأعمش والحجاج بن أرطاة وعمرو بن قيس الملائي ومحمد بن جحادة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ومطرف بن طريف وإسماعيل بن أبي خالد وسالم بن أبي حفصة وفراس بن يحيى وأبو الجحاف وزكر بن أبي زائدة وإدريس الأودي وعمران البارقي وزياد بن خيثمة الجعفي وآخرون انتهى. وقد أورد حديثه أئمة الحديث في صحاحهم كالبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة القزويني كما يدل عليه وضع صاحب مختصر تذهيب الكمال على اسمه رمز (بخ دت ق) الذي هو رمز إلى هؤلاء أما قول صاحب الرسالة ومع صحته فمعناه بأعمالهم الخ فلا يظهر له معنى محصل ومع ذلك ففيه اعتراف بثبوت الحق لهم على الله بمعنى الثواب والإجابة وجواز القسم به وقول صاحب المنار في الحاشية أن المتبادر من هذه الجملة إنها سؤال لله تعالى بوعده للسائلين أن يستجيب دعاءهم الخ لا ينفي الحق على الله تعالى بل يؤيده وهو ما جعله على نفسه بوعده الصادق من إجابة دعاء من دعاه.
الفصل الخامس
في الحلف بغير الله تعالى
وهذا منعه الوهابية وبعضهم جعله شركا على الاطلاق وبعضهم شركا أصغر فممن صرح به بأنه شرك على الاطلاق الصنعاني في تطهير الاعتقاد فإنه بعدما ذكر أن القبوريين سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة وعد أعمالهم الموجبة لذلك قال([190]) ويقسمون بأسمائهم بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه وهكذا كانت عبادة الأصنام وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} وفي الحديث الصحيح (من حلف فليحلف بالله أو ليصمت) وسمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجلاً يحلف باللات فأمره أن يقول لا إله إلا الله – وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم فأمره أن يجدد إسلامه فإنه قد كفر بذلك انتهى. ثم قال([191]) بعدما ذكر أن رأس العبادة وأساسها الاعتقاد وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقدا ويصنعون له ما سمعته تفرع عن الاعتقاد وعد من جملته الحلف وفي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية([192]) الشرك شركان أكبر وله أنواع ومنه الذي تقدم (يعني طلب الشفاعة من المخلوق والتوسل وغيره) وأصغر كالرياء والسمعة ومنه الحلف بغير الله لما روى ابن عمر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حلف بغير الله فقد أشرك، أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ابن حبان وقال (صلّى الله عليه وآله) إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت أخرجه الشيخان قال والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة وتجب التوبة منه انتهى.
ونقول قد وقع القسم بغير الله تعالى من الله تعالى ومن النبي (صلّى الله عليه وآله) ومن الصحابة والتابعين وجميع المسلمين خلفا عن سلف. (أما من الله تعالى فإنه قد أقسم في كتابه العزيز بكثير من مخلوقاته كما أقسم بذاته وبعزه وجلاله مثل قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)}. {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3)}. {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)}. {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5)}. {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4)}. {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3)}. {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)}. {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)}. {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)}. {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)}. {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12)}. {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7)}. {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)}. {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)}. {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)}. {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)}. {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)}. {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6)}. {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)}. { لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)}. {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)}. {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)}. {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}. {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)}. {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18)}. {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}. – لا يقال صدوره من الله تعالى لا يستلزم جواز صدوره منا فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. (لأنا نقول): إنا نريد أنّ صدوره منه تعالى يدل على أنه لا قبح فيه لأنه تعالى منزه عن فعل القبيح فلا يكون صدوره منا قبيحاً ونعم القدوة الله تعالى وإذا كان الله تعالى قد جعل لنفسه شريكاً وأشرك بالشرك الأصغر (تعالى عن ذلك) فما على من اقتدى به في ذلك بأس. (وقول القسطلاني) في إرشاد الساري([193]): لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه ليعجب به المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظيم شأنها عندهم ولدلالتها على خالقها وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق قال:
ويقبح من سواك الشيء عندي
وتفعله فيحسن منك ذاكا
(انتهى) – كلام قشري لما عرفت من أن ما يقبح من العبد لكونه شركا أصغر وتشبيها للخلق في العظمة به تعالى لا يمكن أن يحسن منه تعالى إذ صدوره منه تعالى لا يخرجه عن تلك الصفة إن كانت والشعر الذي أورده لا يرتبط بما نحن فيه كما لا يخفى، (وأما من النبي (صلّى الله عليه وآله)) فعلاً وتقريراً فمما رواه مسلم في صحيحه([194]) أنه جاء رجل إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا فقال أما وأبيك لتنبأنه أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء (الحديث) وروى مسلم أيضا في كتاب الإيمان([195]) أنه جاء رجل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أهل نجد يسأل عن الإسلام فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خمس صلوات في اليوم والليلة وصيام شهر رمضان والزكاة ومع كل واحدة يقول: هل علي غيرها وهو (صلّى الله عليه وآله) يقول لا إلا أن تطوع فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أفلح وأبيه إن صدق أو دخل الجنة وأبيه إن صدق (وحكى) القسطلاني في إرشاد الساري([196]) عن ابن عبد البر أن هذه اللفظة منكرة غير محفوظة تردها الآثار الصحاح انتهى. (أقول) بل يعضدها حديث أما وأبيك لتنبأنه قال وقيل إنها مصحفة من قول والله. وقال القسطلاني وهو محتمل ولكن مثل هذا لا يثبت بالاحتمال لا سيما وقد ثبت من لفظ أبي بكر الصديق في قصة السارق الذي سرق حلي ابنته فقال وأبيك ما ليلك بليل سارق أخرجه في الموطأ وغيره انتهى. (قال القسطلاني) وأحسن الأجوبة ما قاله البيهقي وارتضاه النووي وغيره أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم أو إن التقدير أفلح ورب أبيه انتهى. (وفيه) أن العرب تقصد به القسم وإلا كان إتيانه عبثاً وهذراً والحذف لا دليل عليه وقال أبو طالب عم النبي (صلّى الله عليه وآله):
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا
ولما نطاعن دونه ونناضل
سمع ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم ينكره (وأما الحلف بغير الله من الصحابة والتابعين وجميع المسلمين) فقد سمعت قول أبي بكر وأبيك ووقع الحلف من الكل بلفظ لعمري أو لعمر أبيك ونحو ذلك في الشعر والنثر بكثرة لا يمكن معها ضبطه وهو قسم باتفاق أهل اللغة وحلف بالعمر بفتح العين وهو الحياة أو الدين كما فسره أهل اللغة بل جعله النحويون نصا في القسم قال ابن مالك في ألفيته:
وبعد لولا غالبا حذف الخبر
حتم وفي نص يمين ذا استقر
وقال ابنه في الشرح الثاني خبر المبتدأ الصريح في القسم نحو لعمرك لأفعلن انتهى. وكذا ذكر ابن هشام في كتبه وغيرهم من النحويين (ففي كتاب علي إلى معاوية) لعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان (وفي كتاب آخر له إليه) فلعمري لو كنت الباغي لكان لك أن تخوفني (وفي كتاب معاوية إليه) فإن كنت أبا حسن إنما تحارب عن الإمارة والخلافة فلعمري لو صحت لكنت قريباً من أن تعذر في حرب المسلمين وللحسين بن علي (ع):
لعمرك إنني لأحب داراً
تحل بها سكينة والرباب
وقال ولده علي بن الحسين (عليه السلام) من كلام يخاطب به أهل الكوفة ولعمري ما هي منكم بنكر (وقال) أخوه علي بن الحسين الأكبر يوم كربلاء:
أنا علي بن الحسين بن علي
نحن وبيت الله أولى بالنبي
ولما سمع عبد الله بن عمر العنسي وكان من عباد أهل زمانه رواية عمرو بن العاص عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أن عماراً تقتله الفئة الباغية خرج ليلاً فأصبح في عسكر علي وحدث الناس بقول عمرو وقال من جملة أبيات:
والراقصات بركب عامدين له
إن الذي جاء من عمرو لمأثور
ما في مقال رسول الله في رجل
شك ولا في مقال الرسل تحيير
رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفين مسنداً عن رجاله (ومما) يدل على جواز الحلف بغير الله من العظماء ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن عائشة قال لها مسروق سألتك بصاحب هذا القبر ما الذي سمعت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعني في حق الخوارج قالت سمعته يقول إنهم شر الخلق والخليفة يقتلهم خير الخلق والخليقة أقربهم عند الله وسيلة. فإن قوله سألتك بصاحب هذا القبر بمنزلة قوله أقسمت عليك به ولا فرق بين أن يقول القائل أقسم بفلان وأقسم عليك بفلان (وقوله) وأقربهم عند الله وسيلة من أدلة جواز التوسل كما مر.
أما حديث من حلف بغير الله فقد أشرك فهو في مسند أحمد عن ابن عمر كان يحلف: وأبي فنهاه النبي (صلّى الله عليه وآله) قال من حلف بشيء دون الله فقد أشرك وقال الآخر وهو شرك انتهى.([197]) أما المنقول عن الترمذي وصححه الحاكم فهو أن ابن عمر سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (وهو) محمول أما على الكراهة الشديدة وإطلاق الشرك عليه من باب المبالغة بيانا لشدة الكراهة فقد ورد اللعن على فعل المكروه كلعن المحلل والمحل له كما بيناه في مقام آخر ويؤيده قوله في الرواية كان يحلف وأبي الدال على أن ذلك كان عادة له مستمرة فهو شبه الإعراض عن الله تعالى ويؤيده ما في الروايات الأخر كما يأتي كانت قريش تحلف بآبائها وقول عمر وأبي وأبي (قال القسطلاني) في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري([198]) بعد نقل رواية الترمذي والتعبير بذلك يعني الكفر والشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ وهل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ المشهور عند المالكية الكراهة وعند الحنابلة التحريم وجمهور الشافعية إنه للتنزيه وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بالكراهة وقال غيره بالتفصيل فإن اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم وكفر بذلك الاعتقاد وإن حلف لاعتقاد تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر (انتهى). (وأما) على الحلف بالأصنام كما يشير إليه الحديث الآنف الذكر في كلام الصنعاني فيمن حلف باللات مما يدل على أن ذلك كان يقع منهم بعد إسلامهم لقرب عهدهم بالشرك لكن ذلك لا يتأتى على رواية أحمد لأن فيها أنه كان يحلف وأبي أو على الحلف بغير الله باعتقاد مساواته لله تعالى أو على الحلف بالبراءة ونحوها كأن يقول إن فعل كذا فهو يهودي أو برئ من الإسلام أو من الله أو من رسوله فإنه إما محرم فقط أو موجب للكفر إن قصد الرضا بذلك إذا فعله ولكنه لا يتأتى على رواية أحمد كما عرفت أو على الحلف في مقام القضاء والمرافعة لإثبات حق أو نفيه الذي لا يجوز بغير الله تعالى وجعله شركا لتأكيد التحريم أو غير ذلك من المحامل فإن جواز الحلف بغير الله في غير ذلك قطعي بل من ضروريات الإسلام يعرف جوازه الخواص والعوام والنساء والصبيان ولو كان حراما لاشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار لكثرة الابتلاء به ولم يخف على الناس كلها ويظهر للوهابية وحدهم وستعرف اتفاق الأئمة الأربعة على الجواز. (أما حديث) النهي عن الحلف بالآباء فرواه أحمد في مسنده أيضا كما رواه الشيخان وصدره أن النبي (صلّى الله عليه وآله) سمع عمر وهو يقول وأبي وفي الرواية وأبي وأبي مكررا فقال إن الله ينهاكم الخ وفي رواية لمسلم الاقتصار على من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله. (قال): وكانت قريش تحلف بآبائها فقال لا تحلفوا بآبائكم وهو كالذي سبق محمول إما على الكراهة أو على عدم الانعقاد فيكون إرشاديا كما في النهي عن بيع الغرر، أي بيع المجهول أي أنه لا يترتب عليه آثار اليمين من وجوب الوفاء ولزوم الكفارة بمخالفته وغير ذلك أو على الحلف في مقام المرافعة أو غير ذلك. (قال النووي): في شرح صحيح مسلم([199]) في شرح إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فيه النهي عن الحلف بغير أسمائه تعالى وصفاته وهو عند أصحابنا. (يعني الشافعية) مكروه وليس بحرام انتهى. (وصرح) الخطيب الشربيني الشافعي في الاقناع بأن اليمين بالمخلوق مكروه ومثله عن شرح المنهاج (وأفتى) أحمد بن حنبل الذي ينسب الوهابية أنفسهم إليه ويقولون إنهم على مذهبه بجواز الحلف بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وأنه ينعقد لأنه أحد ركني الشهادة فهذا إمامهم ومقلدهم وأحد أئمة مذاهب الإسلام الأربعة يفتي بجواز الحلف بالمخلوق وانعقاده وهم يجعلونه شركا أو شركا أصغر. (قال الشعراني) في ميزانه: ومن ذلك قول أحمد إنه لو حلف بالنبي (صلّى الله عليه وآله) انعقد يمينه فإن حلف لزمته الكفارة انتهى. بل الأئمة الأربعة قائلون بجواز الحلف بالنبي (صلّى الله عليه وآله) بل وغيره من المخلوقات لكنه مكروه إنما الخلاف في انعقاد الحلف بالنبي (صلّى الله عليه وآله) ولزوم الكفارة بالحنث. (والحاصل) أن الحلف بالله تعالى له أحكام خاصة لا تترتب على غيره كفصل الخصومات به وترتب الإثم والكفارة على مخالفته. (ومذهب) أئمة أهل البيت (عليهم السلام) جواز الحلف بغير الله تعالى عدا البراءة فيحرم الحلف بها ولكنه لا ينعقد بغير الله تعالى ولا تسقط به الدعوى. (أما) قول الصنعاني أنه إذا حلف من عليه حق باسم الله لم يقبل منه وإذا حلف باسم ولي قبلوه وصدقوه. (فجوابه) أنه إنما يصدر ذلك من عوام الناس وجهالهم، وأهل المعرفة براء منه فهل تستحل دماء المسلمين وأموالهم لأمر يصدر من بعض جهالهم مع كونه أيضاً لا يوجب شركاً ولا كفراً وإن كان خطأ. (وأما) استشهاده بحديث من حلف باللات فأمره (صلّى الله عليه وآله) أن يقول لا إله إلا الله فعجيب فإنه ما حلف باللات إلا على عادته التي كانت له قبل الإسلام من جعلها آلهة وعبادتها من دون الله وهي حجر لا تضر ولا تنفع وليس لها شرف يصحح الحلف بها فأمره بقول لا إله إلا الله ردعا له عن ذلك الحلف فقياسه الحلف بعظيم عند الله على ذلك بمكان من الغرابة سواء كان ذلك موجبا للكفر أو لا. (أما قوله): رأس العبادة وأساسها الاعتقاد الخ فقد مر الكلام عليه في الباب الثاني.
الفصل السادس
في التعبير عن غيره تعالى بالسيد والمولى ونحو ذلك بصيغة الخطاب وغيره
وهذا أيضاً مما جعله الوهابية موجبا للشرك ففي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية([200]) بعدما ذكر تحريم عمارة القبور قال ويضاف إلى عمارتها دعاء أصحابها، إلى أن قال: وخطابهم يا سيدي يا مولاي إفعل كذا وكذا، وبهذا عبدت اللات والعزى إلى آخر ما قال وتقدم في الباب الثاني قول محمد بن عبد الوهاب وإنما يعنون (أي المشركون) بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد وفي خلاصة الكلام إن محمد بن عبد الوهاب يزعم أن من قال لأحد مولانا أو سيدنا فهو كافر.
(ونقول): إطلاق لفظ السيد على غير الله تعالى ونداؤه به صحيح لا محذور فيه فإنه لا يراد به الملكية الحقيقية المساوية لملكيته تعالى ولا يقصد أحد من المسلمين ذلك ولو فرض إنا جهلنا قصدهم لوجب حمل كلامهم على الصحيح وقد ورد إطلاق السيد على غيره تعالى في القرآن الكريم بقوله تعالى في يحيى بن زكريا: { مِنْ دُونِهِ} { يَوْمَئِذٍ} وفي كلام النبي (صلّى الله عليه وآله) بما يبلغ حد التواتر. (روى البخاري) في الأدب المفرد من حديث جابر عنه (صلّى الله عليه وآله) من سيدكم يا بني سلمة قالوا الجد بن قيس. (وعن أبي هريرة) عنه (صلّى الله عليه وآله) أنا سيد ولد آدم يوم القيامة. (وفي رواية) أنا سيد ولد آدم ولا فخر. (وعن عائشة) عنه (صلّى الله عليه وآله) أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب. (وعن أبي سعيد الخدري) عنه (صلّى الله عليه وآله) الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. (وعن الترمذي) عن فاطمة أخبرني النبي (صلّى الله عليه وآله) إني سيدة نساء العالمين. (وعن أبي نعيم الحافظ) في حلية الأولياء عنه (صلّى الله عليه وآله) ادعوا لي سيد العرب عليا. (وعن الحلية أيضاً) أنه (صلّى الله عليه وآله) قال لعلي مرحبا بسيد المؤمنين. (وعن عائشة) أنه (صلّى الله عليه وآله) سار الزهراء فقال لها أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين. (وعنه (صلّى الله عليه وآله)) سادات النساء أربعة: خديجة وفاطمة ومريم وآسية. وفي الفائق للزمخشري([201]) قال (صلّى الله عليه وآله) لأصحابه أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا كيف يصنع به فقال سعد بن عبادة والله لأضربنه بالسيف ولا انتظر أن آتي بأربعة شهداء فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) انظروا إلى سيدنا هذا ما يقول وروي إلى سيدكم (وفي النهاية) في الحديث قالوا يا رسول الله من السيد فقال يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السلام) قالوا فما في أمتك من سيد قال بلى من آتاه الله مالا ورزق سماحة فأدى شكره وقلت شكايته في الناس. (قال): وفيه أنه (صلّى الله عليه وآله) قال للحسن بن علي إن ابني هذا سيد. وفيه أنه قال للأنصار قوموا إلى سيدكم يعني سعد بن معاذ انتهى وأشار بذلك إلى ما رواه أحمد بن حنبل([202]) بسنده عن أبي سعيد الخدري نزل أهل قريضة على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأتاه على حمار فلما دنا قريبا من المسجد قال (صلّى الله عليه وآله) قوموا إلى سيدكم أو خيركم (الحديث) ورواه البخاري([203]) نحوه (وكذلك في كلام الصحابة) فعن البخاري عن جابر أن عمر كان يقول إن أبا بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالاً. (وعن أبي بكر) أنه قال أتقولون هذا شيخ قريش وسيدهم (وعن علي) أنا سيد البطحاء. (وفي الفائق) للزمخشري قالت أم الدرداء حدثني سيدي أبو الدرداء. (وفي النهاية) في حديث عائشة كان سيدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الخ.
هذا وفي بعض الأخبار ما يوهم عدم جواز إطلاق السيد على غير الله. أورد السيوطي في الجامع الصغير عن الديلمي في مسند الفردوس عن علي: السيد الله وأورد العزيزي في شرح الجامع الصغير عن مسند أبي داود أنه جاء وفد بني عامر إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقالوا أنت سيدنا فقال السيد الله الحديث. (والجمع) بينه وبين ما مر باختلاف القصد في معنى السيد أو بأنه قال ذلك تواضعا أي السيد الحقيقي هو الله. (وفي النهاية): أي هو الذي تحق له السيادة كأنه كره أن يحمد في وجهه وأحب التواضع انتهى. (وكذا) ما ورد من النهي عن قول السيد: عبدي وأمتي، روى البخاري في حديث([204]) ولا يقل أحدكم عبدي، أمتي. (وفي رواية لمسلم) لا يقولن أحدكم عبدي فإن كلكم عبيد الله. (وفي رواية) لأبي داود والنسائي فإنكم المملوكون والرب الله مع قوله تعالى: {يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} {الْمَوْتَ} {وَعِلْمًا} {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ} فهذه المناهي للتنزيه قصدا للتواضع (وحاش لله) أن يقصد المسلمون من إطلاق لفظ السيد على غير الله تعالى معنى ينافي إخلاص العبادة كيف وهم يعلمون أن ما عداه لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا إلا بأمره تعالى وإرادته وإقداره. (فقول) ابن عبد الوهاب وإنما يعنون بلفظ الإله ما يعني المشركون بلفظ السيد افتراء على المسلمين فلا يريد المسلمون الذين سماهم المشركين بلفظ السيد غير ما أريد في الاستعمالات الواردة في كلامه تعالى وفي كلام النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة التي مر نقلها من الرئيس والأفضل ونحو ذلك. أما ما يريده المشركون بلفظ الإله فقد عرفت بما بيناه مرارا أنه يخالف ذلك فراجع.
في النحر والذبح
وهذا مما كفر به الوهابية المسلمين ونسبوهم إلى الشرك فزعموا أنهم يذبحون وينحرون للأموات والقبور ويقربون لها القرابين وأن ذلك كالذبح والنحر للأصنام الذي كانت تفعله أهل الجاهلية الموجب للشرك. (صرح) بذلك ابن عبد الوهاب في كلامه المتقدم في الباب الثاني المنقول عن رسالته كشف الشبهات حيث قال إن النبي (صلّى الله عليه وآله) قاتل المشركين لتكون جملة أشياء لله تعالى وعد منها الذبح وقال في الرسالة المذكورة([205]) في أثناء كلام له علم به أصحابه كيف يحتجون على غيرهم: فقل هل الصلاة والنحر لله عبادة إذ يقول {لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ) فلا بد أن يقول نعم فقل إذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله فلا بد أن يقول نعم فقل المشركون هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغيرها فلا بد أن يقول نعم فقل وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء وإلا فهم مقرون أنهم عبيد الله تحت قهره. (وصرح) بذلك الصنعاني في عدة مواضع من كلامه المتقدم في الباب الثاني. (كقوله): إن إفراد الله بتوحيد العبادة لا يتم إلا أن تكون أشياء لله وعد منها النحر. (وقوله): إن تعظيمهم الأولياء ونحرهم لهم النحائر شرك والله تعالى يقول: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أي لا لغيره كما يفيده تقديم الظرف. (وقوله): إن النحر على القبر بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية لما يسمونه وثنا وصنما وفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا الخ. (وقوله): ونحرهم النحائر لهم شرك. (وقال الصنعاني) في رسالة تطهير الاعتقاد أيضا فإن قال إنما نحرت لله وذكرت اسم الله عليه فقل إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال نعم فقل له هذا النحر لغير الله بل أشركت مع الله تعالى غيره وإن لم ترد تعظيمه فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه أنت تعلم يقينا أنك ما أردت ذلك أصلا ولا أردت إلا الأول ولا خرجت من بيتك إلا قصده. (إلى أن قال): فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب انتهى. (وصرح) بذلك الوهابيون في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي المتقدم في الباب الثاني حيث عدوا من جملة أسباب الشرك التقرب إلى الموتى بذبح القربان.
ونقول: النحر والذبح (قد يضاف لله تعالى) فيقال ذبح لله ونحر لله ومعناه أنه نحر لوجهه تعالى امتثالاً لأمره وتقرباً إليه كما في الأضحية بمنى وغيرها والفداء في الاحرام والعقيقة وغير ذلك وهذا يدخل في عبادته تعالى أو نحر باسمه تعالى فذكر اسمه على المنحور وهذا لا ربط له بالعبادة إنما هو شرط في حلية الذبيحة مع التفطن لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (وقد يضاف إلى المخلوق) فيقال ذبحت الدجاجة للمريض ونحرت البعير أو ذبحت الشاة للأضياف أو ذبحت كذا لفلان تريد الذي أمرك بالذبح وهذا لا محذور فيه. (وقد يضاف إلى المخلوق) بقصد التقرب إليه كما يتقرب إلى الله طلباً للخير منه مع كونه حجراً وجماداً لا يضر ولا ينفع ولا يعقل ولا يسمع سواء كان تمثالاً لنبي أو صالح أو غير ذلك ومع نهي الله تعالى عن ذلك ويذكر اسمه على المنحور والمذبوح ويعرض عن اسم الله تعالى فيجعل نظيراً لله تعالى وندا له ويطلى بدم المنحور أو المذبوح قصد التقرب إليه مع كون ذلك عبثاً ولغواً نهى عنه الله تعالى كما كان يفعل المشركون مع أصنامهم وهذا قبيح منكر بل شرك وكفر سواء سمي عبادة أو لا. (وهذا) ما توهم الوهابية أن المسلمين يفعلون مثله للأنبياء والأوصياء والصلحاء فينحرون ويذبحون لهم عند مشاهدهم أو غيرها ويقربون لهم القرابين كما كان عبدة الأصنام والأوثان يفعلون ذلك بأصنامهم وأوثانهم وهو توهم فاسد فإن ما يفعله المسلمون لا يخرج عن الذبح والنحر لله تعالى لأنه يقصد إني أذبح هذا في سبيل الله لأتصدق بلحمه وجلده على الفقراء أو مطلق عباد الله وأهدي ثواب ذلك لرب المشهد. والذبح الذي يقصد به هذا يكون راجحا وطاعة لله تعالى وعبادة له سواء أهدي ثواب ذلك لنبي أو ولي أو أب أو أم أو أي شخص من سائر الناس ونظيره من يقصد إني أطحن هذه الحنطة لأعجنها وأخبزها وأتصدق بخبزها على الفقراء وأهدي ثواب ذلك لأبوي فأفعاله هذه كلها طاعة وعبادة لله تعالى لا لأبويه ولا يقصد أحد من المسلمين بالذبح لنبي أو غيره ما كانت تقصده عبدة الأوثان من التقرب إليها بالذبح لها ولا يفعل ما كانت تفعله من ذكر اسمها على الذبيحة والإهلال بها لغير الله وطليها بدمها مع نهي الله تعالى لهم عن ذلك ولو ذكر أحد من المسلمين اسم نبي أو غيره على الذبيحة لكان ذلك عندهم منكرا وحرمت الذبيحة. فليس الذبح لهم بل عنهم بمعنى أنه عمل يهدى ثوابه إليهم كسائر أعمال الخير أو لهم باعتبار ثوابه ولذلك لا ينافيه قولهم ذبحت لفلان أو أريد أن أذبح لفلان أو عندي ذبيحة لفلان، لو فرض وقوعه فالمقصود في الكل كونها له باعتبار الثواب وهذا كما يقال ذبحت للضيف أو للمريض أو لفلان الأمر بالذبح أو نحو ذلك بل لو قصد بالذبح امتثال أمر الآمر به من المخلوقين وطلب رضاه وأتى به على وجهه من شرائط الذبح الشرعية لم يكن بذلك آثما ولا عابدا للآمر ولا مشركاً مع أنه لو وقع مثل ذلك امتثالا لأمره تعالى كما في الأضحية ونحوها لكان عبادة له تعالى كما مر. وكل من يأمرهم السلطان ابن سعود بالذبح أو النحر من خدمه وعبيده وأتباعه حالهم كذلك مع أنهم هم الموحدون الوحيدون.
(والحاصل) أن المسلمين لا يقصدون من الذبح للنبي أو الولي غير إهداء الثواب أما العارفون منهم فحالهم واضح في أنهم لا يقصدون غير ذلك وأما الجهال فإنما يقصدون ما يقصد عرفاؤهم ولو إجمالاً حتى لو فرض وقوع إضافة الذبح إلى النبي أو الولي كما مر فليس المقصود إلا كون ثوابها له لا يشك في ذلك إلا معاند. ولو سألنا عارفا أو عاميا أيا كان: هل مرادك الذبح لصاحب المشهد تقرباً إليه كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم أو مرادك إهداء الثواب له؟ لقال معاذ الله أن أقصد غير إهداء الثواب ولو فرضنا أننا شككنا في قصده أو خفي علينا وجه فعله لما جاز لنا أن نحمله إلا على الوجه الصحيح لوجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة حتى يعلم الفساد ولم يجز لنا أن ننسبه إلى الشرك ونستبيح دمه وماله وعرضه بمجرد ظننا أن قصده الذبح لها كالذبح للأصنام لما عرفت في المقدمات من وجوب الحمل على الصحة مهما أمكن([206]). (أما) إهداء ثواب الخيرات والعبادات إلى الأموات فأمر راجح مشروع لم يمنع منه كتاب ولا سنة بل وردت به السنة في صحاح الأخبار وقامت عليه سيرة المسلمين وعملهم في كل عصر وزمان من عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة إلى اليوم وهذا منه ولا أظن الوهابية يخالفون فيه ومن أولى بالهدايا من أنبياء الله وأوليائه (روى) مسلم في صحيحه في باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه بعدة أسانيد عن عائشة أن رجلا أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها قال نعم. (قال): النووي في الشرح: نفسها نائب فاعل أو مفعول به أي ماتت فجأة. ثم قال وفي هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها وهو كذلك بإجماع العلماء انتهى. (وروى) أحمد بن حنبل في مسنده عن عائشة أن رجلا قال للنبي (صلّى الله عليه وآله) إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت فهل لها أجر إن أتصدق عنها قال نعم. (وروى) أحمد بن حنبل أيضا عن ابن عباس أن بكرا أخا بني ساعدة توفيت أمه وهو غائب عنها فقال يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها قال نعم فقال أشهدك أن حائط المخرف صدقة عليها. (وعن) أحمد وأبي داود والترمذي أن النبي (صلّى الله عليه وآله) ذبح بيده وقال اللهم هذا عني (وعن) من لم يضح من أمتي. وعن سيف وأبي داود إن عليا كان يضحي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) بكبش وكان يقول أوصاني إن أضحي عنه دائماً. (وعن) علي أن النبي (صلّى الله عليه وآله) أوصاني أن أضحي عنه. (وعن) بريدة أن امرأة سألت النبي (صلّى الله عليه وآله) هل تصوم عن أمها بعد موتها وهل تحج عنها قال نعم. (وعن) ابن عباس أنه قال تفي البنت نذر أمها. (وروي) أن العاص بن وائل أوصى بالعتق فسأل ابنه النبي (صلّى الله عليه وآله) عن العتق له فأمر به. (وعن) عائشة أن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال عند الذبح: اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمته وهذا أمر لا يشك أحد من المسلمين في جوازه وعليه جرت سيرتهم خلفا عن سلف وقد سمعت دعوى النووي إجماع العلماء عليه فهذا حال الذبح والنحر عن الأنبياء والأولياء الذي أعظم الوهابية أمره واستحلوا لأجله الدماء والأموال والأعراض لا يخرج عن مندوبات الشرع ومستحباته ومن ذلك يظهر فساد قول الصنعاني: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب المشهد الخ فإن اختيار الذبح في جوار المشهد. (أولاً) لطلب زيادة الثواب لتشرف البقعة بمن فيها إن كان نبيا أو وليا فيزداد ثواب العمل بذلك لما ورد من أن الأعمال يتضاعف أجرها لشرف الزمان والمكان وإنكار شرف المكان بشرف المكين إنكار للضروري (ثانياً) لما كان المراد إهداء الثواب إليه ناسب كون هذا العمل الذي هو عبادة وصدقة لله في المكان الذي فيه قبره لأن الهدية يؤتى بها عادة للمهدى إليه نظير قراءة القرآن عند قبره وإهداء ثواب القراءة إليه وليس في ذلك منافاة للدين ولا محذور لأن ذلك إن لم يكن راجحا فلا أقل من كونه مباحا (ثالثاً) إن مريد الذبح يأتي غالبا للزيارة التي هي راجحة ومشروعة سواء بعدت المسافة أو قربت كما ستعرف في فصل الزيارة فيحضر ما يريد ذبحه وإهداء ثوابه إلى المزور معه وليس في واحد من هذه الوجوه الثلاثة محذور ولا مانع ولا منافاة للحنيفية السهلة السمحاء التي تشدد فيها الوهابيون تشدد الخوارج. (وظهر) أيضاً فساد قوله إن أردت بذلك تعظيمه فهذا النحر لغير الله بل أشركت مع الله تعالى غيره وإن لم ترد فهل أردت توسيخ باب المشهد الخ فإن مراده لا يخرج عن الوجوه الثلاثة المذكورة مع أنه لو أراد بذلك إظهار تعظيمه بإهداء الثواب إليه وأنه أهل لذلك الذي لا يظهر إلا بالذبح عند مشهده لم يكن فيه محذور ولا منه مانع أليس هو أهلاً للتعظيم ومحلاً لإهداء الثواب إلا أن يكون كل تعظيم لمخلوق شركاً وكفراً كما تقتضيه حجج الوهابية فيعمهم الشرك أترى لو أن السلطان ابن سعود أو أحد عظماء أعراب نجد زاره أمير من الأمراء فأتى بالإبل والغنم ونحر وذبح لضيافة زائره وإكرامه وإظهار تعظيمه وذكر اسم الله على الذبيحة يكون كافراً ومشركاً لأنه ذبح لغير الله وقصد بالذبح تعظيم المذبوح له؟! كلا حتى لو كان هذا الأمير الزائر ظالما لم يكن في الذبح له قصداً لتعظيمه كفر ولا شرك مع أنه ليس أهلا للتعظيم فكيف بمن هو أهل لكل تعظيم حيا وميتا كالأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين. فقوله هذا شرك بلا ريب إفك وافتراء بلا ريب. وظهر أيضا فساد ما موه به ابن عبد الوهاب من قوله هل الصلاة والنحر لله عبادة إذ يقول: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} إلخ الذي حاصله إن النحر لله عبادة لله فالنحر للمخلوق عبادة للمخلوق فإذا نحرت لمخلوق فقد أشركت في هذه العبادة غير الله كما أشرك الذين كانوا يذبحون للأوثان فإن النحر والذبح الذي يفعله المسلمون نحر وذبح لله بالوجه الذي بيناه وتوهم أنه مثل نحر عبدة الأصنام فاسد كما عرفته بما لا مزيد عليه والنحر لله معناه كونه لوجه الله وامتثالا لأمره فيما يكون مأمورا به وباسمه في مطلق النحر. (قال في الكشاف): وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفاً لهم في النحر للأوثان انتهى. وما يفعله المسلمون جامع للأمرين فيذكر عليه اسم الله وينحر للصدقة وإهداء الثواب بخلاف ما ينحر للأوثان الذي يذكر اسمها عليه ويقصد به التقرب إليها لا إلى الله. مع أن النحر في الآية ليس متعينا لإرادة نحر الأنعام (ففي الكشاف) أنه نحر البدن وقيل هي صلاة الفجر بجمع والنحر بمنى وقيل صلاة العيد والتضحية وقيل جنس الصلاة، والنحر وضع اليمين على الشمال انتهى. (وفي مجمع البيان) بعدما ذكر أنها صلاة العيد ونحر الهدي والأضحية عن عطاء وعكرمة وقتادة أو صلاة الفجر بجمع ونحر البدن بمنى عن سعيد بن جبير ومجاهد نقل عن الفراء أن معناه صل لربك الصلاة المكتوبة واستقبل القبلة بنحرك، تقول العرب: منازلنا نتناحر أي هذا ينحر هذا أي يستقبله وأنشد:
أبا حكم هل أنت عم مجالد
وسيد أهل الأبطح المتناحر
أي ينحر بعضه بعضاً قال وأما ما رووه عن علي (عليه السلام) أن معناه ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة فمما لا يصح عنه لأن جميع عترته الطاهرة قد رووا عنه أن معناه ارفع يديك إلى النحر في الصلاة أي حال التكبير ثم أورد الروايات الدالة على ذلك.
الفصل الثامن
في النذر لغير الله
وهذا مما صرح ابن تيمية قدوة الوهابية بعدم جوازه فإنه سئل في ضمن السؤال المتقدم في الفصل الثاني عمن ينذر للمساجد والزوايا والمشائخ حيهم وميتهم بالدراهم والإبل والغنم والشمع والزيت وغير ذلك يقول إن سلم ولدي فللشيخ علي كذا وكذا وأمثال ذلك. (فأجاب) بأنه قال علماؤنا لا يجوز أن ينذر لقبر ولا للمجاورين عند القبر شيئا من الأشياء لا من درهم ولا من زيت ولا من شمع ولا من حيوان ولا غير ذلك كله نذر معصية وقد ثبت في الصحيح عنه (صلّى الله عليه وآله) من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه واختلف العلماء هل على الناذر كفارة يمين على قولين انتهى. (وصرح) الوهابية بأنه موجب للشرك صرحوا به في كتابهم إلى شيخ ركب الحاج المغربي المتقدم في الباب الثاني حيث جعلوا من جملة أسباب الشرك التقرب إلى الموتى بالنذور باعتبار أنه نوع من العبادة وصرف شيء من العبادة لغير الله كصرف جميعها. (وصرح) به الصنعاني في تطهير الاعتقاد في كلامه المتقدم في الباب الثاني بقوله بعد ما عد أشياء منها النذر: ومن فعل ذلك لمخلوق فهذا شرك في العبادة وصار من تفعل له إلها الخ. (وقوله) بعد ما ذكر أن اعتقاد النفع والضر في المخلوق أو الشفاعة شرك فضلا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي إلى قوله فهذا هو الشرك بعينه الذي كان عليه عباد الأصنام والنذور بالمال على الميت هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية. (وقال) في الرسالة المذكورة([207]) فإن قلت هذه النذور والنحائر ما حكمهما وأجاب بأن الأموال عزيزة على أهلها والناذر ما أخرج من ماله إلا معتقدا لجلب نفع أكثر منه أو دفع ضرر ولو عرف بطلان ما أراده ما أخرج درهما فالواجب تعريفه بأنه إضاعة لماله ولا ينفعه ما يخرجه ولا يدفع عنه ضررا وقد قال (صلّى الله عليه وآله) إن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل ويجب رده إليه ويحرم قبضه ولأنه تقرير للناذر على شركه إلى آخر ما ذكره من هذا القبيل. وقال في موضع آخر من تلك الرسالة([208]) أنه يجب على العلماء بيان أن ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم وأنه عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم.
(والجواب) عن هذا كالجواب عن سابقه من النحر والذبح بأن من ينذر لنبي أو ولي أو رجل صالح دراهم أو خلافها لا يقصد إلا نذر الصدقة وإهداء ثوابها إلى النبي أو الولي أو الصالح ولا يقصد التقرب إليه بالنذر بل التقرب إلى الله تعالى وكيف يقصد التقرب إليه وهو يعلم أنه ميت لا يمكنه الانتفاع بالمنذور لا بأكله إن كان طعاما ولا بصرفه إن كان نقودا ولا بلبسه إن كان ثيابا ولا بشيء من الانتفاع مهما كان المنذور مع وجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة مهما أمكن وعدم جواز التهجم على الدماء والأموال والأعراض بمجرد الظنون والأوهام كما مر في المقدمات فلا يزيد هذا النذر على من نذر لأبيه أو أمه أو حلف أو عاهد أن يتصدق عنهما كما روي عنه (صلّى الله عليه وآله) أنه قال للبنت التي نذرت لأبيها عملاً (فِ) بنذرك فإن كان النذر للآباء والأمهات كفراً كان هذا كفراً وإلا فلا. واختبار بعض الأمكنة للنذر طلباً لشرف المكان حتى يتضاعف ثواب العبادة كما يختار بعض الأزمنة لبعض العبادات لا بأس به بل لا بأس بتخصيص بعض الأمكنة كما يستفاد مما روي عن ثابت بن الضحاك عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أن رجلاً سأله إنه نذر أن يذبح ببوانة فقال هل كان فيها وثن يعبد قال لا قال فهل كان فيها عيد من أعيادهم فقال لا فقال ف بنذرك. (وفي القاموس) بوانة كثمامة هضبة وراء ينبع. (وفي النهاية الأثيرية) في حديث النذر أن رجلا نذر أن ينحر إبلاً ببوانة هي بضم الباء وقيل بفتحها هضبة من وراء ينبع انتهى. وكأن سؤاله (صلّى الله عليه وآله) عن أنه هل كان فيها وثن يعبد أو عيد من أعياد الجاهلية خشية أن يكون النذر جاريا على عادة أهل الجاهلية لقرب العهد بهم وإن كان السائل مسلما فقد قالوا له (صلّى الله عليه وآله) إجعل لنا ذات أنواط وهم مسلمون وقال أصحاب موسى له حين مروا على قوم يعكفون على الأصنام إجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة أو أنه إذا كان فيها وثن يعبد أو عيد من أعيادهم يكون النذر مرجوحاً فلا ينعقد لأن شرطه الرجحان أو تساوي الطرفين والله أعلم. وقد ظهر بذلك بطلان ما قاله ابن تيمية ناقلا له عن علمائهم من عدم جواز النذر للقبر ولا للمجاورين وعده نذر معصية حتى فرط بعضهم فيما نقله عنه فأوجب على الناذر كفارة يمين. أما النذر للقبر فلا يفعله أحد بل ولا لصاحب القبر وإنما النذر لله والصدقة به عن صاحب القبر بمعنى إهداء ثوابه إليه ولو فرض صدور ما يوهم خلاف ذلك فهو محمول عليه حملا لفعل المسلم على الصحة كما مر وأما النذر للمجاورين فإن المجاورة عند القبر لا مانع منها شرعا لو لم تكن راجحة طلباً لشرف البقعة التي تشرفت بصاحب القبر وإنكار شرف القبر مصادمة للضرورة ويكفي في رده دفن الصحابيين عند النبي (صلّى الله عليه وآله) حتى عد ذلك منقبة عظيمة لهما ومنع بني أمية وبعض أمهات المؤمنين من دفن الحسن عند جده قائلين أيدفن عثمان في أقصى البقيع ويدفن الحسن عند جده وإصرار بني هاشم على ذلك حتى كاد يؤدي إلى إراقة الدماء كما سنبينه في غير هذا الموضع. والمجاورون عند القبر عباد الله يجوز التصدق عليهم كالتصدق على غيرهم إن لم يكن أولى ولم يخرجوا بمجاورتهم عن استحقاق الصدقة وليست المجاورة عند القبر عبادة له حتى تكون محرمة لما بيناه مراراً من أنه ليس كل تعظيم واحترام عبادة وقياس ابن تيمية ذلك فيما مر من كلامه في الفصل الثاني على ما ذكروه من أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً أسماء قوم صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثيلهم أصناما قياس فاسد فإن أولئك صوروا صورهم في المساجد وكانوا يصلون إليها ثم اتخذوها أوثاناً وعبدوها فسبب عبادتهم لها تصويرهم تلك الصور وصلاتهم إليها لا احترام قبورهم وليس في المسلمين من يفعل مثل فعلهم ومجرد احتمال أن يؤدي الشيء إلى محرم لا يوجب تحريمه وإلا لم يبق في الدنيا حلال.
كما ظهر بذلك بطلان ما هول به اليماني في أمر النذر فجعل أخذه حراماً وتقريراً للمشرك على شركه وقد عرفت بما ذكرنا صحة النذر وأنه لا يزيد عن نذر الصدقة عن الميت الثابت جوازه ورجحانه وأنه لا يحرم أخذه وأنه ليس فيه شيء من الشرك حتى يكون أخذه تقريراً للشرك وأن النفع حاصل به وهو الثواب منه تعالى والضرر يندفع به كما يندفع بالصدقة إذ هو لا يخرج عنها. (أما الحديث) الذي استشهد به فمع فرض سلامة سنده وإن قال صاحب المنار في الحاشية أنه متفق عليه من حديث ابن عمر يجب طرحه لمخالفته العقل والنقل فمن نذر أن يتصدق بمال أو ينفقه في سبيل الله أو نحو ذلك فقد أتى له نذره بخير الدنيا والآخرة ودفع عنه الله به ضرر الدنيا والآخرة فلا يمكن أن يحكم (صلّى الله عليه وآله) بأنه لا يأتي بخير.
الفصل التاسع
في بناء القبور والبناء عليها وتجصيصها وعقد القباب (فوقها وعمل الصندوق والخلعة لها)
وهذا مما حرمه الوهابية وأوجبوا هدم القبور والقباب التي عليها والبناء الذي حولها بل جعلوا ذلك شركاً وكفراً. (وصرح) الصنعاني في تطهير الاعتقاد بأن المشهد بمنزلة الوثن والصنم في كلامه المتقدم في الباب الثاني بقوله: إن ما كانت تفعله الجاهلية لما يسمونه وثناً وصنماً هو الذي يفعله القبوريون لما يسمونه ولياً قبراً ومشهداً وذلك لا يخرجه عن اسم الوثن والصنم الخ. (وصرح) بذلك الوهابيون في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي المتقدم هناك بقولهم: إن ما حدث من تعظيم قبور الأنبياء وغيرهم ببناء القباب عليها وغير ذلك من حوادث الأمور التي أخبر عنها النبي (صلّى الله عليه وآله) بقوله لا تقوم الساعة حتى يلحق الحي من أمتي بالمشركين وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان. (وزعم) الوهابيون أن البناء على القبور بدعة حدثت بعد عصر التابعين. (وقال) قاضي قضاتهم عبد الله بن سليمان بن بليهد في مقالته التي نشرتها جريدة أم القرى في عدد جمادى الثانية سنة 1345 لم نسمع في خير القرون إن هذه البدعة حدثت فيها بل بعد القرون الخمسة انتهى.
(واتبع الوهابية) في ذلك قدوتهم وباذر بذور مذهبهم أحمد بن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية الذي عنه أخذ وبه اقتدى. (قال): ابن القيم على ما حكي عنه في كتابه زاد المعاد في هدى خير العباد([209]) ما حاصله: أنه يجب هدم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً وطواغيت تعبد من دون الله ولا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً فإنها بمنزلة اللات والعزى أو أعظم شركاً عندها وبها يجب على الإمام صرف الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين كما أخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) أموال اللات وكذا يجب عليه هدم هذه المشاهد وله أن يقطعها للمقاتلة أو يبيعها ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين وكذا حكم أوقافها فإن الوقف عليها باطل وهو مال ضائع فيصرف في مصالح المسلمين انتهى.
ولذلك هدم الوهابيون ما استطاعوا هدمه من مشهد الحسين (عليه السلام) وقبره الشريف أيام استيلائهم على كربلاء وهدموا قبة أئمة البقيع من أهل البيت الطاهر عند استيلائهم على المدينة المنورة في المرة الأولى وفي هذه المرة وهدموا قبورهم الشريفة وسووها بالأرض وشوهوا محاسنها وتركوها معرضاً لوطأ الأقدام ودوس الكلاب والدواب وكذلك قبر سيد الشهداء حمزة بأحد وقبته والمسجد الذي عنده وقبور سائر الصحابة والتابعين وغيرهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجميع الحجاز كما فصلناه في المقدمة الأولى في تاريخ الوهابية لكنهم في المرة الثانية لما عزموا على هدمها أرادوا أن يظهروا مبرراً وعذراً لعملهم في هدم قباب أئمة المسلمين وقبورهم وإنكار فضلها وفضل أهلها وإهانة من أوجب الله تعظيمه واحترامه حياً وميتاً بإهانة قبره من نبي أو ولي أوصديق أو شهيد عملاً بشبهتهم الواهية من أن تعظيمها عبادة لها وأنها صارت كالأصنام تعبد من دون الله تعالى وأنه تعالى نهى عن البناء على القبور فأرسلوا قاضي قضاتهم المسمى الشيخ عبد الله بن بليهد إلى المدينة المنورة في شهر رمضان سنة 1344 وبعد دخوله المدينة وجه إلى علمائها هذا السؤال:
(السؤال الموجه إلى علماء المدينة في هدم القبور)
ما قول علماء المدينة زادهم الله فهما وعلماً في البناء على القبور واتخاذها مساجد هل هو جائز أم لا وإذا كان غير جائز بل ممنوع منهي عنه نهياً شديداً فهل يجب هدمها ومنع الصلاة عندها أم لا وإذا كان البناء في مسبلة كالبقيع وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليها فهل هو غصب يجب رفعه لما فيه من ظلم المستحقين ومنعهم استحقاقهم أم لا وما يفعله الجهال عند هذه الضرائح من التمسح بها ودعائها مع الله والتقرب بالذبح والنذر لها وإيقاد السرج عليها هل هو جائز أم لا وما يفعل عند حجرة النبي (صلّى الله عليه وآله) من التوجه إليها عند الدعاء وغيره والطواف بها وتقبيلها والتمسح بها وكذلك ما يفعل في المسجد من الترحيم والتذكير بين الأذان والإقامة وقبل الفجر ويوم الجمعة هل هو مشروع أم لا أفتونا مأجورين وبينوا لنا الأدلة المستند إليها لا زلتم ملجأ للمستفيدين.
وهذا هو نص الجواب المنسوب لعلماء المدينة
أما البناء على القبور فهو ممنوع إجماعا لصحة الأحاديث الواردة في منعه ولهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه مستندين على ذلك بحديث علي أنه قال لأبي الهياج ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته رواه مسلم وأما اتخاذ القبور مساجد والصلاة فيها وإيقاد السرج عليها فممنوع لحديث ابن عباس لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه أهل السنن([210]) وأما ما يفعله الجهال عند الضرائح من التمسح بها والتقرب إليها بالذبائح والنذور ودعاء أهلها مع الله فهو حرام ممنوع شرعا لا يجوز فعله أصلا وأما التوجه إلى حجرة النبي (صلّى الله عليه وآله) عند الدعاء فالأولى منعه كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب ولأن أفضل الجهات جهة القبلة وأما الطواف والتمسح بها وتقبيلها فهو ممنوع مطلقا وأما ما يفعل من التذكير والترحيم والتسليم في الأوقات المذكورة فهو محدث هذا ما وصل إليه علمنا انتهى.
ولسنا نعتقد ولا نظن أن جميع علماء المدينة المنورة موافقون على هذا الجواب وما فيه من الحجج الواهية كما ستعرف وإنما هو من الوهابية وإليهم وألفاظه ألفاظهم متوافقة مع عبارات رسائلهم التي نقلنا جملة منها وجل علماء المدينة ساكتون خائفون من نسبة الاشراك إليهم الذي به تستحل دماؤهم وأموالهم وأعراضهم فإن وافق موافق منهم فخوفا من السوط والبندق.
ونحن نتكلم على بطلان هذه الفتوى ودليلها. (فنقول): يرجع استدلالهم على ذلك إلى أمور (الأول) الإجماع المشار إليه بقولهم: البناء على القبور ممنوع إجماعاً (والجواب) بطلان دعوى الإجماع بل هو جائز إجماعا لاستمرار عمل المسلمين عليه من جميع المذاهب في كل عصر وزمان عالمهم وجاهلهم مفضولهم وفاضلهم أميرهم ومأمورهم رجالهم ونسائهم سنيهم وشيعيهم قبل ظهور الوهابية توافقوا عليه في جميع الأجيال والأعصار والأمصار والنواحي والأقطار بدون منع ولا إنكار والسيرة إجماع عملي يشملها ما دل على حجية الإجماع لكشفها كشفاً قطعياً لا يعتريه شك عن أن ذلك مأخوذ من صاحب الشرع ومتبوع المسلمين كما مر في المقدمات فلا يتطرق إليها بعض الشبهات الموردة على الإجماع وليس في الإسلام أمر حصلت فيه السيرة حصولها في هذا الأمر واتفق عليه جميع المسلمين من كل فرقة ولا يضر بهذه السيرة ما قد يوجد في بعض الكتب مما ينقله الوهابيون من القول بالمنع استناداً إلى بعض الروايات الشاذة التي لا عامل بها أو لا دلالة فيها أو لم تثبت صحتها غفلة منهم عن هذه السيرة المستمرة التي سبقتهم ولحقتهم فأقوالهم مردودة بها كما يرد القول المسبوق بالإجماع والملحوق به ولعلنا نشير إليها فيما سيأتي إن شاء الله تعالى (وقد) اعترف بهذه السيرة الصنعاني في رسالته تطهير الاعتقاد([211]) حيث أورد على نفسه سؤالاً بأن هذا أمر عم البلاد وطبق الأرض شرقاُ وغرباُ بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد بل مساجد المسلمين غالبها لا تخلو عن قبر أو مشهد. ولا يسع عقل عاقل إن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا. وأجاب بأنك إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه العوالم جيلاً بعد جيل فاعلم أن هذه الأمور صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير بل ترى من يتسم بالعلم ويدعي الفضل وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة معظماً لما يعظمونه مكرماً ما يكرمونه ولا يخفى أن سكوت العالِم أو العالَم على وقوع منكر ليس دليلاً على جوازه. (قال): ولنضرب لك مثلاً المكوس المعلوم من ضرورة الدين تحريمها قد ملأت الأرض حتى في أشرف البقاع أم القرى تقبض المكوس من القاصدين لأداء فريضة الإسلام وسكانها من العلماء والحكام ساكتون. (قال) وهذا حرم الله أفضل بقاع الدنيا بالاتفاق وإجماع العلماء أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة بدعة قرت بها عين إبليس وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين وقد سكت الناس عليها ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها أفهذا السكوت دليل على جوازها هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف كذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريين. (إلى أن قال) ما حاصله: لو فرض أنهم علموا بالمنكر وسكتوا لما دل سكوتهم على جوازه لأن مراتب الانكار ثلاثة إذا تعذرت واحدة وجبت الأخرى. الانكار باليد ثم باللسان ثم بالقلب فإذا مر عالم بمن يأخذ المكوس لم يستطع الانكار باليد ولا باللسان فيجب على من رآه ساكتا أن يعتقد أنه أنكر بقلبه فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين والتأويل لهم ما أمكن واجب فالداخلون إلى الحرم الشريف والمشاهدون لمقامات المذاهب الأربعة معذورون عن الانكار إلا بالقلب كالمارين على المكاسين والقبوريين فهذه الأمور أسسها من بيده السيف ودماء العباد وأموالهم وأعراضهم تحت لسانه وقلمه فكيف يقوى أحد على دفعه انتهى. (وفيه) اعتراف بوقوع السيرة على أكمل وجوهها وأتمها بحيث لم يقع في الإسلام سيرة مثلها بما اختصرناه من عباراته فضلا عما أطال به من باقي عباراته المسجعة كعادته وعادة أصحابه الوهابية وقد اعترف في جوابه بوقوع ذلك من جميع طبقات الناس من العوام والعلماء والفضلاء والقضاة والمفتين والمدرسين والأولياء والعارفين والأمراء والحكام بدون نكير ولم يخرج عنه باعترافه طبقة من الطبقات فأي سيرة أقوى من هذه وأشمل. (أما جوابه) بأن الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفقت عليه الأجيال ففيه أن اتفاق الأمة جيلا بعد جيل دليل قطعي لا دليل أقوى منه حتى يعارضه. (وقوله): إن سكوت العالم أو العالم على منكر ليس دليلا على جوازه فيه أن ذلك إذا علم أنه منكر والبناء على القبور محل النزاع فأنتم تدعونه منكراً ونحن نقول إنه معروف ونستدل بسيرة المسلمين الكاشفة بوجه القطع عن أخذه من صاحب الشرع فإذا سكت العلماء والعالم عن أمر مع قدرتهم على الانكار علمنا أنه ليس منكراً. (أما) المثل الذي ضربه من أخذ المكوس حتى في مكة المكرمة وسكوت العلماء. (ففيه) أنه قياس مع الفارق. (أولاً) إن الآخذين للمكوس هم الحكام وذوو الشوكة وحدهم والبانون للقبور وللقباب عليها والمعظمون لها المتبركون بها هم جميع طبقات الناس فبطل القياس. (ثانياً) إن المكوس أمور دولية تعارض فيها الحكام الذين تخاف سطوتهم لمنافاة تركها لمصلحتهم وإخلاله بأمور دولتهم بخلاف بناء القبور وتعظيمها فإنها أمور دينية صرفة مرجعها العلماء وأهل الدين فسكوت العلماء عن الأول لا يدل على الرضا بخلاف الثاني. (ثالثاً) إن العلماء وجميع المتدينين غير ساكتين عن الاجهار بتحريم المكوس وذم قابضها وتفسيقه والتجنب عنها وعدها من السحت يجيبون بذلك كل من يسألهم ويثبتونه في كتبهم ويتحدثون به في مجتمعاتهم وها هو يصرح بتحريمه في رسالته هذه ويندد بفاعليه ويذمهم أشد الذم مع وجوده في زمانهم وعدم قدرته على منعه وها هي رسالته تطبع وتنشر في الآفاق ولا يخاف طابعها وناشرها من الحكام الآخذين المكوس أفيقال بعد هذا إنهم ساكتون نعم هم ممسكون عن المنع لعدم قدرتهم، كما أمسك الإخوان الوهابيون المجددون ما انمحى من آثار الإسلام والرافعون البدع والمحرمات بالسيف والسنان، عن منع حكومتهم من أخذ المكوس المحرمة عندهم في جدة وغيرها حتى عن التتن والتنباك المحرم تدخينه عندهم والمعاقب مدخنه وأخذت في العام الماضي من كل قاصد لحج بيت الله الحرام ليرة عثمانية ذهبا وفي هذا العام أزيد من ذلك عدا عما شاركت به أصحاب الجمال والسيارات والبيوت والباعة وغير ذلك. والإخوان ساكتون لعدم قدرتهم على المنع لكنهم يصرحون بالتحريم وإن كانوا قادرين فقد تركوا أعظم واجب في الدين. (أما تمثيله) بالمقامات الأربعة ففساده أظهر من مسألة المكوس فإن المكوس مما قام على تحريمها إجماع المسلمين بل ضرورة الدين وأنكرها جميع العلماء وأهل الدين إن لم يكن باليد فباللسان مع أنها أمور دولية يخاف منكرها كما عرفت وليس كذلك المقامات الأربعة فلم يسمع عن أحد إنكارها قبل الوهابية مع كونها دينية صرفة ولم يقم دليل على كونها بدعة محرمة كما قام على تحريم المكوس فإن جعل مقامات أربعة لأئمة أربعة يقلدهم أربعة أخماس المسلمين ويرون أقوالهم وفتاواهم حجة وجلهم إلا من شذ يمنع الاجتهاد بعدهم ليس فيه شيء من البدعة فهو كاصطلاح أهل بلد على أن يصلي بهم أربعة أشخاص أحدهم يوم كذا أو في مكان كذا أو صلاة كذا والآخر في خلاف ذلك مع كون الكل صالحين للإمامة وجعلهم لكل واحد محراباً أو مسجداً فإنه ليس منكراً ولا بدعة ولا إدخالاً في الدين ما ليس منه لدخوله في عموم جواز الصلاة في أي مسجد كان وأي محل كان وعموم جواز الصلاة خلف أي إمام كان بعد اعتقادهم وتصريحهم بأن ذلك ليس بأمر واجب وإن لكل ذي مذهب أن يصلي خلف من شاء منهم وكل ما دخل في عموم أو إطلاق خرج عن البدعة وليس كل ما لم يكن في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) من الهيئات وبعض الكيفيات ولا كل ما لم يرد به بخصوص نص بدعة بعد دخوله في عمومات أدلة الشرع وإطلاقاتها كما مر في المقدمات. (وجعل) المحاريب للأئمة الأربعة لا يزيد على جعل المذاهب أربعة وكتب المذاهب أربعة والمنتمين إليها أربعة والمفتين من أهل المذاهب أربعة فإن كان ذلك بدعة فليكن هذا بدعة لأن كلاً من ذلك لم يكن على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإن كان جعل أربعة مقامات لأهل المذاهب كل إمام منهم يصلي في واحد منها بدعة فما رسمه الوهابية بعد استيلائهم على الحجاز في المرة الأولى وهذه المرة بأن يصلي الصبح الشافعي والظهر المالكي والعصر الحنبلي والمغرب الحنفي والعشاء من شاء – بدعة لأن ذلك لم يكن على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإن كان المانع منه تكرارصلاة الجماعة في المسجد فأي مانع من تكرارها ولم ترد فيه آية ولا رواية مع أن تكرار الخير خير وإن كانت حجتهم في منع التكرار أنه لم يكن على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) والخلفاء فمع وجوده (صلّى الله عليه وآله) من الذي يأتم بغيره ومع وجود خليفة المسلمين لا ينبغي الائتمام بغيره فلا يقاس بذلك هذا الزمان. فظهر بطلان قوله أن الداخلين إلى الحرم كالمارين على المكاسين والقبوريين لوضوح الفرق بين المكس وغيره كما ذكرناه مع أن قياسه البناء على القبور بالمقامات الأربعة أيضا باطل لأن البناء على القبور اتفق على فعله قبل الوهابية جميع طوائف المسلمين بدون استثناء وأما المقامات الأربعة فاختص بفعلها جل طوائف المسلمين لا كلها. (قوله): فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين والتأويل لهم ما أمكن واجب. إذا كان يعترف بوجوب حسن الظن بالمسلمين والتأويل لهم مهما أمكن فما باله يسئ الظن بهم في استشفاعهم أو استغاثتهم بالأنبياء والصالحين وغيرها ويكفرهم ويشركهم بذلك ويجعل شركهم شركا أصليا ويستحل بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم مع أن التأويل لهم ممكن هين واضح حتى في مثل ارزقني وعاف مريضي بإرادة طلب الشفاعة وسؤال الدعاء كما فصلناه فيما مضى. {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.
ثم إنهم في هذه الفتوى المنسوبة لعلماء المدينة عللوا الإجماع بصحة الأحاديث وهو تعليل عليل لأن صحة الحديث في نظرهم ودلالته عندهم وخلوه من المعارض لا توجب ذلك في نظر غيرهم فكيف يدعي الإجماع لدعوى صحة الحديث مع أنك ستعرف عدم صحته وعدم دلالته فإن أرادوا أن الإجماع واقع وعلة وقوعه صحة الأحاديث فالعلماء أجمعوا لما رأوا صحة الأحاديث فهو تخرص وتهجم على الغيب بغير دليل وكيف يدعي إجماع العلماء وقد توالت الأحقاب والأجيال على بناء القبور من جميع المسلمين على تفاوت طبقاتهم ونحلهم ومذاهبهم بدون منكر ومعارض إلا من شذ ممن سبقته السيرة ولحقته كما عرفت آنفا فلو كان ذلك مجمعا عليه لما وقعت السيرة التي هي أقوى من الإجماع على خلافه. (قولهم): ولهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه. إذا كان مجمعاً على تحريمه فلماذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه ولم لم يفتوا كلهم بوجوب هدمه ما هذا التناقض والتهافت في هذه الفتوى الواهية (الثاني) من أدلتهم حديث أبي الهياج المتكرر ذكره في كلمات الوهابية والمتقدم ذكره في الفتوى المنسوبة لعلماء المدينة. (والجواب) عنه: القدح فيه سندا ومتنا. (أما سنده) ففيه وكيع وهو مع كثرة ما مدحوه به قال في حقه أحمد ابن حنبل أنه أخطأ في خمسمائة حديث حكاه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب([212]) عن عبد الله بن أحمد عن أبيه وقال في آخر ترجمته([213]) قال محمد بن نصر المروزي كان يحدث بآخره من حفظه فيغير ألفاظ الحديث كأنه كان يحدث بالمعنى ولم يكن من أهل اللسان انتهى. (وفي سنده) سفيان الثوري وهو مع كثرة ما مدحوه به أيضا نقل في حقه ابن حجر في تهذيب التهذيب([214]) عن ابن المبارك قال حدث سفيان بحديث فجئته وهو يدلسه فلما رآني استحيى وقال نرويه عنك وذكر في ترجمة يحيى القطان([215]) قال أبو بكر سمعت يحيى يقول جهد الثوري أن يدلس علي رجلاً ضعيفاً فما أمكنه قال مرة حدثنا أبو سهل عن الشعبي فقلت له أبو سهل محمد بن سالم فقال يا يحيى ما رأيت مثلك لا يذهب عليك شيء. (وفي سنده) حبيب بن أبي ثابت وهو مع توثيقهم له قال ابن حجر في تهذيب التهذيب([216]) قال ابن حبان كان مدلسا وقال العقيلي غمزه ابن عون وقال القطان له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه وليست بمحفوظة. (إلى أن قال): وقال ابن خزيمة في صحيحه كان مدلسا وقال ابن جعفر النحاس كان يقول إذا حدثني رجل عنك بحديث ثم حدثت به عنك كنت صادقا([217]) قال ونقل العقيلي عن القطان قال حديثه عن عطاء ليس بمحفوظ قال العقيلي وله عطاء أحاديث لا يتابع عليها. (وفي سنده) أبو وائل وهو الأسدي شقيق بن سلمى الكوفي بدليل رواية حبيب بن أبي ثابت عنه فقد ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب أنه ممن يروي عنه وليس هو القاص عبد الله بن بحير. وكان ابن وائل هذا منحرفاً عن علي (عليه السلام) مبغضاً له وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة([218]) ومنهم. (أي المنحرفين عن علي (عليه السلام)) أبو وائل شقيق بن سلمى كان عثمانياً يقع في علي (عليه السلام) ويقال إنه كان يرى رأي الخوارج ولم يختلف في أنه خرج معهم وأنه عاد إلى علي (عليه السلام) منيبا مقلعا روى خلف بن خليفة قال أبو وائل خرجنا أربعة آلاف فخرج إلينا علي فما زال يكلمنا حتى رجع منا الفان وروى صاحب كتاب الغارات عن عثمان بن أبي شيبة عن الفضل ابن دكين عن سفيان الثوري قال سمعت أبا وائل يقول شهدت صفين وبئس الصفين كانت قال وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود قال كان أبو وائل عثمانياً انتهى. ويؤيد انحرافه عن علي (عليه السلام) ما حكاه ابن حجر في تهذيب التهذيب([219]) أنه قال عاصم ابن بهدلة قيل لأبي وائل أيهما أحب إليك علي أو عثمان قال كان علي أحب إلي ثم صار عثمان انتهى. هذا شأن سند الحديث.
وأما متنه ففيه (أولاً) أنه شاذ انفرد به أبو الهياج بل قال السيوطي في شرح سنن النسائي([220]) أنه ليس لأبي الهياج في الكتب إلا هذا الحديث الواحد انتهى. (ثانياً) أنه لا دلالة فيه على شيء مما زعموه من عدم جواز البناء على القبور بل هو وارد في الأمر بالتسطيح والنهي عن التسنيم فإن المشرف وإن كان معناه العالي إلا أن التسنيم نوع من العلو أو معنى من معانيه. (ففي القاموس) الشرف محركة العلو ومن البعير سنامه انتهى. فالمشرف يشمل بإطلاقه أو بوضعه العالي بالتسنيم وبغيره إلا أن قوله ألا سويته قرينة على إرادة التسنيم من الأشراف لأن التسوية التعديل. (ففي المصباح المنير): استوى المكان اعتدل وسويته عدلته. (وفي القاموس) سوّاه جعله سويا (انتهى) فقوله إلا سويته يعين أن المراد من الأشراف ما يقابل التسوية وليس هو إلا التسنيم فإن مطلق العلو لا يقابل التسوية لجواز أن يكون عالياً مستوياً فلا يناسب مقابلة العالي بالمستوى بل اللازم أن يقول إلا جعلته لاطئاً أو نحو ذلك وإرادة الهدم من التسوية غير صحيحه ولا يساعد عليها عرف ولا لغة لأن التسوية ليس معناه الهدم ولا تستعمل فيه إلا بأن يقال سويته بالأرض أو نحو ذلك مع أن التسوية بالأرض ليست من السنة بالاتفاق للاتفاق على استحباب رفع القبر عن الأرض في الجملة وعلى كل حال فلا دلالة فيه على عدم جواز البناء على القبور ولا ربط له بذلك فيجعل علو القبر نحو شبر ويجعل عليه حجرة أو قبة. (والحاصل) أنه سواء جعلنا معنى قوله ولا قبراً مشرفاً إلا سويته ولا قبراً مسنماً إلا سطحته وأزلت سنامه كما هو الظاهر. أو ولا قبراً عالياً إلا وطيته، لا ربط لذلك بالبناء على القبور. وما ذكرناه في معنى الحديث هو الذي فهمه منه العلماء وأئمة الحديث. وروى مسلم في صحيحه في كتاب الجنائز([221]) بسنده عن ثمامة قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأمر بتسويتها ثم روى حديث أبي الهياج ومن الواضح أن قوله فأمر فضالة بقبره فسوي أي سطح ولم يجعله مسنما وكذا قوله سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأمر بتسويتها أي تسطيحها وليس المراد أنه أمر به فهدم لأنه لم يكن مبنيا ولا المراد أنه أمر به فسوي مع الأرض لأن ذلك خلاف السنة للاتفاق على استحباب تعليتها عن الأرض في الجملة كما عرفت فتعين أن يراد به التسطيح فكذا خبر أبي الهياج الذي عقب به مسلم وساقه مع هذا الحديث في مساق واحد وذلك دليل على أنه حمل قوله ولا قبراً مشرفاً إلا سويته على معنى ولا قبراً مسنماً إلا سطحته. (وقال النووي): في الشرح قوله يأمر بتسويتها وفي الرواية الأخرى ولا قبرا مشرفا إلا سويته فيه، أن السنة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعا كثيرا ولا يسنم بل يرفع نحو شبر ويسطح وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه انتهى. فحمل التسوية على التسطيح وعدم رفع القبر كثيراً كما ترى. (ومن العجيب) أن بعض الوهابيين في رسالته المسماة بالفواكه العذاب إحدى رسائل الهدية السنية الحاوية لمناظرة مؤلفها النجدي مع علماء الحرم الشريف بزعمه في عهد الشريف غالب سنة 1211 استدل على عدم جواز البناء على القبور بحديثي فضالة وأبي الهياج المذكورين مع أنهما كما عرفت واردان في التسطيح ولا مساس لهما بعدم جواز البناء حتى لو سلمنا أن حديث أبي الهياج يدل على عدم الرفع كثيرا كما فهمه النووي في كلامه السابق فلا دلالة له على عدم جواز البناء على القبور فلو جعل علو القبر نحو شبر وبني عليه حجرة لم يكن ذلك منافياً للحديث المذكور كما عرفت ولكن هؤلاء يسردون الأحاديث ويجعلونها دالة على مرادهم بالسيف ومن أبى كفر وأشرك (معزا ولو طارت) (وقال القسطلاني): في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري([222]): روى أبو داود بإسناد صحيح أن القاسم ابن محمد بن أبي بكر قال دخلت على عائشة فقلت لها اكشفي لي عن قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وصاحبيه فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء أي لا مرتفعة ولا لاصقة بالأرض كما بينه في آخر الحديث انتهى. (ثم قال القسطلاني): ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار شعار الروافض لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها ولا يخالف ذلك قول علي رضي الله عنه أمرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته لأنه لم يرد تسويته بالأرض وإنما أراد تسطيحه جمعا بين الأخبار نقله في المجموع عن الأصحاب انتهى. (وقال) الترمذي: (باب ما جاء في تسوية القبور) ولم يقل في هدم القبور ثم أورد حديث أبي الهياج وظاهر أنه لم يحمل التسوية فيه إلا على التسطيح لأن ذلك هو معناها لغة وعرفا ولا ربط له بعدم جواز البناء عليها مع أن الوهابيين في الرسالة الآنفة الذكر([223]) أوردوا هذا الذي ذكره الترمذي دليلاً على عدم جواز البناء.
(الثالث) من أدلتهم ما أشار إليه ابن بليهد في سؤاله الموجه لعلماء المدينة من قوله وإذا كان البناء في مسبلة كالبقيع الخ. (وفيه) أن تسبيلها أي وقفها في سبيل الله مقبرة للمسلمين دعوى بلا دليل إذ لم ينقل ناقل أن أحداً وقفها لذلك فهي باقية على الإباحة الأصلية ولو فرض وقفها مقبرة فليس على وجه التقييد بعد جواز الانتفاع بها إلا بقدر الدفن وعدم جواز البناء زيادة على ذلك حتى على قبر عظيم عند الله يصون البناء قبره عما لا يليق وينتفع به الزائرون لقبره ويستظلون به من الحر والقر عند زيارته وقراءة القرآن والصلاة والدعاء لله تعالى عند قبره الثابت رجحانه كما ستعرف ذلك كلا في محله ولا أقل من الشك في كيفية الوقف لو فرض محالاً حصوله فيحمل بناء المسلمين فيه على الصحيح لوجوب حمل أفعالهم وأقوالهم على الصحة مهما أمكن وكذا لو فرض محالا إننا علمنا أنها كانت مملوكة فلا مناص لنا عن حمل البناء فيها على الوجه الصحيح الذي هو ممكن لا يعارضه شيء وحينئذ فيكون هدمها ظلما محرما وتصرفا في مال الغير بغير رضاه وقد وقفها البانون وجعلوها مسبلة لانتفاع المسلمين الزائرين واستظلالهم بها وعمل البر فيها من الدعاء والصلاة وغيرها فهدمها ظلم للبانين والمسلمين ومنع لهم عن حقهم فما أوردوه دليل لهم هو دليل عليهم على أن كتب التواريخ والآثار دالة على أن أرض البقيع كانت مباحة أو مملوكة لا مسبلة. (ففي وفاء الوفا) للسمهودي([224]) روى ابن زبالة عن قدامة ابن موسى أن أول من دفن رسول (صلّى الله عليه وآله) بالبقيع عثمان بن مظعون. (قال): وروى أبو غسان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه لما توفي إبراهيم ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمر أن يدفن عند عثمان بن مظعون فرغب الناس في البقيع وقطعوا الشجر فاختارت كل قبيلة ناحية فمن هنالك عرفت كل قبيلة مقابرها. (قال): وروى ابن أبي شبة عن قدامة بن موسى كان البقيع غرقدا([225]) فلما هلك عثمان بن مظعون دفن بالبقيع وقطع الغرقد عنه انتهى فهذا نص على أن البقيع كان مواتاً مملوءاً بشجر الغرقد فاتخذه المسلمون مدافن لموتاهم ورغبوا فيه حين دفن النبي (صلّى الله عليه وآله) ولده إبراهيم فيه فأما أن تكون كل قبيلة ملكت قسما منه بالحيازة أو بقي على أصل الإباحة فأين التسبيل والوقف (وفيه) أيضاً([226]) قال ابن شبة فيما نقله عن أبي غسان قال عبد العزيز دفن العباس بن عبد المطلب عند قبر فاطمة بنت أسد ابن هاشم في أول مقابر بني هاشم التي في دار عقيل (انتهى) فدل على أن قبر العباس وقبور أئمة أهل البيت كانت في دار عقيل فأين التسبيل والوقف وأي شيء سوغ التخريب والهدم وما قيمة هذه الفتوى المزيفة المبنية على هذا السؤال. (وفيه) أيضا([227]) روى ابن زبالة عن سعيد بن محمد بن جبير أنه رأى قبر إبراهيم عند الزوراء قال عبد العزيز بن محمد وهي الدار التي صارت لمحمد بن زيد بن علي انتهى، وذلك يدل على أن هذه الدار كانت مملوكة. (وفيه) أيضا([228]) عن ابن شبة عن عبد العزيز أن سعد بن معاذ دفنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في طرف الزقاق الذي بلزق دار المقداد بن الأسود وهو المقداد بن عمرو وإنما تبناه الأسود ابن عبد يغوث الزهري وهي الدار التي يقال لها دار ابن أفلح في أقصى البقيع عليها جنبذة انتهى. (وفي القاموس): الجنبذة وقد تفتح الباء أو هو لحن كالقبة انتهى وهذا صريح في أنها كانت داراً مملوكة وكان عليها قبة وسيأتي في فصل الكتابة على القبور أن عقيلاً لما حفر في داره بئراً وجد حجراً مكتوباً فيه هذا قبر أم حبيبة بنت صخر ابن حرب وفي رواية أخرى أنه وجده في دار علي بن أبي طالب فدل على أن محل قبرها كان مملوكاً وكل هذه الأخبار مع دلالتها على الملك تدل على جواز البناء حول القبور والدفن في محل البناء وإن سيرة المسلمين على ذلك.
(الرابع) من أدلتهم الأحاديث الناهية عن البناء على القبور. (روى مسلم) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يجصص القبر وأن يبنى عليه([229]). (وروى الترمذي) عن عبد الرحمن ابن الأسود عن محمد بن ربيعة عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ. (وروى أبو داود) من حديث جابر أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه. (وروى أيضاً) عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) نهى أن يقعد على القبر وأن يجصص وأن يبنى عليها. (وروى ابن ماجة) عن زهير ابن مروان عن عبد الرزاق عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن تجصيص القبور. (وروى أيضاً) عن محمد بن يحيى عن محمد بن عبد الله الرقاشي عن وهب عن عبد الرحمن بن زيد عن القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد أن النبي (صلّى الله عليه وآله) نهى أن يبنى على القبور. (وروى النسائي) عن هارون بن إسحاق عن حفص عن ابن جريح عن سليمان ابن موسى وأبي الزبير عن جابر نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص زاد سليمان بن موسى أو يكتب عليه. (وروى أيضاً) عن يوسف بن سعيد عن حجاج عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن تقصيص القبور([230]) أو يبنى عليها أو يجلس عليها أحد. (ويحكى) عن عمر أنه رأى قبة على قبر ميت فقال نحّوها عنه وخلّوا بينه وبين عمله يظله أو دعوه يظله عمله.
والجواب (أولاً) أنها ضعيفة السند. فحفص بن غياث وإن وثقوه لكنهم قدحوا في حفظه وقالوا إنه مدلس. (ففي تهذيب التهذيب) لابن حجر قال يعقوب ثقة ثبت إذا حدث من كتابة ويتقى بعض حفظه. وقال أبو زرعة ساء حفظه بعدما استقضي وقال داود ابن رشيد: حفص كثير الغلط وقال ابن عمار كان لا يحفظ حسناً وذكر الأشرم عن أحمد ابن حنبل أن حفصاً كان يدلس وقال ابن سعد كان ثقة مأموناً كثير الحديث يدلس وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود كان حفص بآخره دخله نسيان انتهى. وكيف يكون ثقة مأمونا من يدلس (وابن جريح) وإن مدحوه فقد قدحوا في روايته وحفظه وقالوا إنه مدلس قال ابن حجر في تهذيب التهذيب في حقه: قال أبو بكر بن خلاد عن يحيى ابن سعيد كنا نسمي كتب ابن جريح كتب الأمانة وإن لم يحدثك بها ابن جريح من كتابه لم ينتفع به وقال الأثرم عن أحمد إذا قال ابن جريح قال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير وإذا قال أخبرني وسمعت فحسبك به وقال المخراقي عن مالك كان ابن جريح حاطب ليل وقال عثمان الدارمي عن إسماعيل بن داود عن ابن معين ليس بشيء في الزهري وقال جعفر بن عبد الواحد عن يحيى بن سعيد كان ابن جريح صدوقا فإذا قال حدثني فهو سماع وإذا قال أخبرني فهو قراءة وإذا قال قال فهو شبه الريح وقال الدارقطني تجنب تدليس ابن جريح فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح([231]) مثل إبراهيم ابن يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما وقال ابن حبان كان يدلس انتهى. (وأبو الزبير) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال عبد الله بن أحمد قال أبي كان أيوب يقول حدثنا أبو الزبير وأبو الزبير أبو الزبير قلت لأبي يضعفه قال نعم وقال نعيم بن حماد سمعت ابن عيينة يقول حدثنا أبو الزبير وهو أبو الزبير أي كأنه يضعفه وقال هشام بن عمار عن سويد ابن عبد العزيز قال لي شعبة تأخذ عن أبي الزبير وهو لا يحسن أن يصلي وقال نعيم بن حماد سمعت هشيما يقول سمعت من أبي الزبير فأخذ شعبة كتابي فمزقه وقال محمود بن غيلان عن أبي داود قال شعبة ما كان أحد أحب إلي أن ألقاه بمكة من أبي الزبير حتى لقيته ثم سكت وروى أحمد بن سعيد الرباطي عن أبي داود الطيالسي قال: قال شعبة لم يكن في الدنيا أحب إلي من رجل يقدم فأسأله عن أبي الزبير فقدمت مكة فسمعت منه فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فرد عليه فافترى عليه فقلت له يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم قال إنه أغضبني قلت ومن يغضبك تفتري عليه، لا رويت عنك شيئا وقال محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء قلت لشعبة مالك تركت حديث أبي الزبير قال رأيته يزن ويسترجح في الميزان وقال يوسف بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول أبو الزبير يحتاج إلى دعامة وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن أبي الزبير فقال يكتب حديثه ولا يحتج به قال وسألت أبا زرعة عن أبي الزبير فقال روى عنه الناس قلت يحتج بحديثه قال إنما يحتج بحديث الثقات وقال ابن عيينة كان أبو الزبير عندنا بمنزلة خبز الشعير إذا لم نجد عمرو بن دينار ذهبنا إليه. (وعبد الرحمن بن الأسود) ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ولم يوثقه، (ومحمد بن ربيعة)، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال الساجي فيه لين وتبعه الأزدي ونقل عن عثمان بن أبي شيبة قال جاءنا محمد بن ربيعة فطلب إلينا أن نكتب عنه فقلنا نحن لا ندخل في حديثنا الكذابين انتهى. (وعبد الرزاق) في حديث أبي داود المراد به الصنعاني بقرينة روايته عن ابن جريح وهو مع مبالغتهم في مدحه وتوثيقه رموه بالتشيع والكذب حكاه في تهذيب التهذيب. (وحديث ابن ماجة الأول) رواته قبل أبي الزبير مجاهيل وأبو الزبير قد علمت حاله. (والثاني) في سنده وهب وهو مجهول. (وعبد الرحمن بن زيد) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب: قال أبو طالب عن أحمد ضعيف وقال أبو حاتم عن أحمد إنه ضجع([232]) في عبد الرحمن وقال الميموني عن أحمد إنه ضعف أمر عبد الرحمن قليلاً وقال روى حديثاً منكراً وقال الدوري عن ابن معين ليس حديثه بشيء وقال البخاري وأبو حاتم ضعفه علي ابن المديني جدا وقال أبو داود زيد بن أسلم كلهم ضعيف وقال أيضاً أنا لا أحدث عن عبد الرحمن وقال النسائي ضعيف وقال ابن عبد الحكيم سمعت الشافعي يقول ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا فقال اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح وقال خالد بن خداش قال لي الداوردي ومعن وعامة أهل المدينة لا ترد عبد الرحمن إنه كان لا يدري ما يقول وقال أبو زرعة ضعيف وقال أبو حاتم ليس بقوي في الحديث وقال ابن حبان كان يقلب الأخبار فاستحق الترك وقال ابن سعد كان ضعيفا جدا وقال ابن خزيمة ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه وقال الساجي عن الربيع عن الشافعي قيل لعبد الرحمن بن زيد حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال إن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت خلف المقام ركعتين قال نعم قال الساجي وهو منكر الحديث وقال الصحاوي حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف وقال الجوزجاني أولاد زيد ضعفاء وقال الحاكم وأبو نعيم روى عن أبيه أحاديث موضوعة وقال ابن الجوزي اجمعوا على ضعفه انتهى (وحديثا) النسائي مع مشاركتهما في ضعف السند الذي فصلناه لباقي الأحاديث المشتركة معهما في رجال السند في سند الثاني منهما حجاج وهو حجاج بن محمد الأعور بقرينة روايته عن ابن جريح ففي تهذيب التهذيب أنه يروي عنه وهو وإن وثّقه بعضهم لكن ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب أنه خلط في آخر عمره وذكر ما يدل على أنه حدث في حال اختلاطه قال وذكره أبو العرب القيرواني في الضعفاء بسبب الاختلاط.
(ثانياً) إنها مضطربة المتن مع اشتراك روايات مسلم والنسائي والترمذي في ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر ورواية أبي داود معها في جابر القاضي بأنها رواية واحدة (ووجه الاضطراب) إن في بعضها الاقتصار على التجصيص وفي بعضها زيادة البناء عليه وفي آخر التجصيص والكتابة والوطأ وفي ثالث التجصيص والكتابة والزيادة عليه وفي آخر البناء عليه بدل الكتابة وفي بعضها البناء والزيادة والتجصيص والكتابة وفي بعضها القعود والتجصيص والبناء وفي بعضها الاقتصار على الكتابة كما يأتي في الفصل العاشر وفي بعضها التقصيص والبناء والجلوس ثم إنه تارة عبر بالجلوس عليها وتارة بالقعود وتارة بأن توطأ والقعود عليها لا يخلو من إجمال (قال السندي) في حاشية سنن النسائي قيل أراد القعود لقضاء الحاجة أو للإحداد والحزن بأن يلازمه ولا يرجع عنه أو أراد احترام الميت وتهويل الأمر في القعود عليه تهاوناً بالميت والموت أقوال (وروي) أنه رأى متكئاً على قبر فقال لا تؤذ صاحب القبر قال الطيبي هو نهي عن الجلوس عليه لما فيه من الاستخفاف بحق أخيه وحمله مالك على الحدث لما روي أن علياً كان يقعد عليه انتهى (وكذلك الزيادة عليه لا تخلو من إجمال لعدم ظهور المراد بالزيادة قال السندي في حاشية سنن النسائي (أو يزاد عليه) بأن يزاد على التراب الذي خرج منه أو بأن يزاد طولا وعرضا عن قدر جسد الميت انتهى. (والعجب) أن صاحب رسالة الفواكه العذاب قال: ونهى (صلّى الله عليه وآله) أن يزاد عليها غير ترابها وأنتم تزيدون التابوت والجوخ ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص انتهى ولم يعلم أن النهي عن زيادة التراب لا يدل على النهي عن وضع التابوت والجوخ وعمل القبة عند من يفهم معاني الألفاظ سيما عند من يبالغ في الاقتصار على مدلول الألفاظ كالوهابية في بعض حالاتهم مع أن النهي عن زيادة التراب هو للكراهة كما ستعرف ولا يعلم سره ولا حكمته ولا يشمل ذلك وضع التابوت والجوخ وبناء القبة لا لغة ولا عرفا فإن الزيادة على الشيء تكون من جنسه وسنخه فلو قال المولى لعبده لا تزد على هذا السمن أو الزيت أو اللبن فلا يفهم منه أنك لا تضع فوقه صندوقا أو ماعونا أو ثوبا أو لا تبن فوقه بيتا أو لا تنصب خيمة لأن ذلك لا يعد زيادة عليه لغة ولا عرفا فعمل الصندوق ووضع الجوخ وعقد القبة كلها من احترام القبر الذي ثبت أن له حرمة وشرفا بمن حل فيه فهو راجح لا محذور فيه.
(ثالثاً) إن النهي أعم من الكراهة والتحريم، وهب أنه ظاهر في التحريم لكن كثرة استعماله في الكراهة كثرة مفرطة مضافا إلى فهم العلماء منه الكراهة هنا يضعف هذا الظهور (قال النووي) في شرح صحيح مسلم في هذا الحديث كراهة تجصيص القبر والبناء عليه وتحريم القعود هذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء (إلى أن قال) قال أصحابنا تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه والاتكاء عليه وأما البناء فإن كان في ملك الباني فمكروه وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام نص عليه الشافعي والأصحاب قال الشافعي في الأم رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما بني ويؤيد الهدم قوله ولا قبرا مشرفا إلا سويته انتهى (والحق): الكراهة في الكل كما هو مذهب أئمة أهل البيت وفقهائهم لعدم ظهور النهي في مثل هذه المقامات في التحريم مع كثرة استعماله في الكراهة كثرة مفرطة. (هذا) إذا لم يترتب على بناء القبر منفعة ولم يكن تعظيمه من تعظيم شعائر الدين لكونه قبر نبي أو ولي أو نحو ذلك لما ستعرف من توافق المسلمين من عهد الصحابة إلى اليوم على تعمير قبور الأنبياء والأولياء ومنها قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وحجرته التي دفن فيها وكراهة البناء والتجصيص مذهب الشافعي كما عرفت إلا أن يكون البناء في مقبرة مسبلة مع أن بعضهم قال إن الحكمة في النهي عن التجصيص كون الجص أحرق بالنار وحينئذ فلا بأس بالتطيين كما نص عليه الشافعي انتهى، نقله السندي في حاشية سنن النسائي وذلك يناسب الكراهة لكن الشافعي حرم القعود مع أنه مسوق مع البناء والتجصيص في هذه الأخبار بسياق واحد فالأولى فيه الكراهة ويدل عليها ما مر من الرواية عن علي أنه كان يقعد على القبر وكذلك حمل الشافعي عدم زيادة التراب وعدم رفع القبر كثيراً على الاستحباب قال السيوطي في شرح سنن النسائي: قال الشافعي والأصحاب يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه لهذا الحديث (يعني حديث أو يزاد عليه) لئلا يرتفع القبر ارتفاعاً كثيراً انتهى (أما) ما حكاه عن الأئمة أنه رآهم بمكة يأمرون بهدم ما يبنى فلعله لزعمهم أنها مسبلة وقد عرفت في جواب الدليل الثالث أنه لا دليل على الوقف والتسبيل وأنه يجب حمل البانين على الصحة حتى يعلم الفساد ولم يعلم وحينئذ فيكون الهدم محرما لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه أما ما أيد به النووي من قوله ولا قبراً مشرفاً إلا سويته فلا تأييد فيه لما عرفت من أن المراد به النهي عن التسنيم وعدم جواز إرادة الهدم من التسوية ومن ذلك يظهر أن استشهاد بعض الوهابيين في رسالة الفواكه العذاب بقول النووي قال الشافعي في الأم الخ شاهد عليه لا له فإن الشافعي يقول بكراهة البناء إذا كان في ملكه والوهابيون يحرمونه مطلقاً وقد استشهد صاحب الرسالة أيضا بكلام الأذرعي وابن كج الذي لا يرجع إلى دليل غير مجرد التهويل بقوله إنه مضاهاة للجبار والكفار وأي فائدة في قال فلان وقال فلان (ومما) مر ويأتي يظهر الجواب عن المحكي عن عمر من أمره بتنحية القبة (أي الخيمة) عن القبر وقوله دعوه يظله عمله فإنه بعد تسليم ثبوته وحجيته محمول على الكراهة أو صورة عدم النفع فيكون تضييعاً للمال كما يرشد إليه قوله دعوه يظله عمله أي لا نفع له في ذلك وإنما ينفعه عمله ويعارضه ما مر في الباب الثاني. ويأتي في فصل اتخاذ المساجد من رواية البخاري أنه لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته القبة على قبره سنة.
(رابعاً) إن هذه الأحاديث مع الغض عن ضعف أسانيدها ودلالتها واضطراب متنها منصرفة إلى غير ما يكون تعميره وتشييده والبناء فوقه من تعظيم شعائر الله وحرماته لكون صاحبه نبيا أو ولياً أو صالحاً ولكونها بنيت لمصالح في الدين مهمة. (منها) أن تكون علامة ومنارا للقبر الذي ندب الشرع إلى زيارته كما يأتي في فصل الزيارة وحفظا له عن الاندراس. (وقد) علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبر عثمان بن مظعون بصخرة وضعها عليه (روى) ابن ماجة([233]) بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة (قال السندي) في الحاشية أي وضع عليه الصخرة ليتبين بها وفي الزوائد هذا إسناد حسن وله شاهد من حديث المطلب بن أبي وداعة رواه أبو داود (انتهى) وفي وفاء الوفا([234]) روى أبو داود بإسناد حسن عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن بعض الصحابة لما مات عثمان بن مظعون ودفن أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) رجلاً أن يأتي بحجر فلم يستطع حمله فقام إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحسر عن ذراعيه (قال الراوي) كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين حسر عنهما ثم حمله فوضعه عند رأسه وقال أتعلم به قبر أخي وادفن إليه من مات من أهلي (قال) ورواه ابن شبة وابن ماجة وابن عدي عن أنس والحاكم عن أبي رافع وروى قبل ذلك عن محمد بن قدامة عن أبيه عن جده لما دفن النبي (صلّى الله عليه وآله) عثمان أمر بحجر فوضع عند رأسه (الحديث) ثم حكى عن عبد العزيز بن عمران أنه قال سمعت بعض الناس يقول كان عند رأس عثمان بن مظعون ورجليه حجران. (وهو) يرشد إلى جواز فعل كل ما يكون علامة ومناراً للقبر (قال) وعن شيخ من بني مخزوم يدعى عمر قال كان عثمان بن مظعون أول من مات من المهاجرين فلحد له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفضل حجراً من حجارة لحده فحمله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فوضعه عند رجليه فلما ولي مروان بن الحكم المدينة مر على ذلك الحجر فأمر به فرمي به وقال والله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به فأتته بنو أمية فقالوا بئسما صنعت: عمدت إلى حجر وضعه النبي (صلّى الله عليه وآله) فرميت به بئسما عملت فمُرْ به فليرد فقال أما والله إذ رميت به فلا يرد ثم قال([235]) وروى ابن زبالة عن ابن شهاب وغيره أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جعل أسفل مهراس([236]) علامة على قبر عثمان بن مظعون ليدفن الناس حوله (إلى أن قال) فلما استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة حمل المهراس فجعله على قبر عثمان انتهى (وكفى) بهذا الفعل دليلا على ما كان عليه مروان من الاستهانة بالدين وكأن الوهابية في هدمهم قبور الأئمة والصحابة الصالحين أرادوا الاقتداء به. (ويأتي) في فصل الزيارة رواية أن فاطمة بنت رسول (صلّى الله عليه وآله) كانت تزور قبر حمزه ترمه وتصلحه وقد تعلمته بحجر وذلك يدل على استحباب مرمة القبر وحفظه من الاندراس وعمل ما يكون علامة ودليلا عليه فإذا ثبت استحباب ذلك فكلما كان أبلغ في حفظه وعدم اندراسه كبناء القبة عليه كان أولى بالاستحباب فإن هذا بمنزلة العلة المنصوصة ومنه يعلم أن القبور يمتاز بعضها عن بعض بامتياز أصحابها في الدين وعدم بناء القباب ونحوها في ذلك العصر للعسر الحاصل للمسلمين واحتياجهم إلى صرف الأموال إن وجدت فيما هو أهم، من الجهاد وإعاشة المسلمين فلا يقاس به العصر المتأخر عن ذلك الذي اتسعت فيه أحوال المسلمين (وكما) كان النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه يقنعون من العيش بالبلغة وبيوتهم لاطئة مبنية باللبن وسعف النخل ومسجده المعظم عريش كعريش موسى وخطبته في الجمعة والعيد أولاً إلى جذع ثم عمل له منبر ولم يكن المنبر يمتاز كثيرا عن الجذع بغير الهيئة فلما قويت شوكة الإسلام واتسعت حال المسلمين واستولوا على كنوز كسرى وقيصر تغيرت حالهم في اللباس والمأكل والمشرب والمسكن ووسعوا المسجدين النبوي والمكي وأجادوا بناءهما وبناء الحجرة الشريفة وسائر المساجد، ولم يكونوا بشيء من ذلك عاصين ولا مبدعين كذلك بنوا على قبور عظماء الدين تعظيماً لشأنهم كما فهموه من أحكام دينهم تصريحاً وتلويحاً. ولو سلمت الكراهة في سائر القبور لا تسلم في قبور الأنبياء وعظماء الشهداء كحمزة سيد الشهداء (ومنها) أن تكون حفظاً للقبر الذي ثبتت حرمته في الشرع عن دخول الدواب والكلاب ووقوع القاذورات عليه (والقبور) الشريفة اليوم في البقيع وغيره بعدما ارتكبه الوهابيون من الأعمال الوحشية في حقها، معرض لذلك كله.
(ومنها) استظلال الزائرين بها من الحر والقر عند إرادة الزيارة والصلاة بجانبها التي ثبت رجحانها بشرف المكان والدعاء عندها وقراءة القرآن الذي ثبت أنه أرجى للإجابة وأوفر في الثواب ببركتها وبركة من حل فيها والتدريس فيها وإلقاء المواعظ وغير ذلك من الفوائد فهي بهذا الاعتبار داخلة في المواضع المعدة للطاعات كالمساجد والمدارس والرباطات (ومنها) أن في بنائها وتشييدها تعظيما لشعائر الإسلام.
(خامساً) إنها مع الغض عما ذكر مهجورة متروكة لم يعمل بها أحد من المسلمين قبل الوهابية ومن ضارعهم من عهد الصحابة إلى يومنا هذا وما هذا حاله من الأحاديث لا يعمل به ولا يعول عليه ولو فرض صحة سنده باعتراف الوهابية فضلا عن غيرهم ففي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية المنسوبة لعبد العزيز بن محمد بن سعود([237]) إن الحديث إذا شذ عن قواعد الشرع لا يعمل به فإنهم قالوا إن الحديث الصحيح الذي يعمل به إذا رواه العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة (انتهى) وأي شذوذ عن قواعد الشرع أعظم من مخالفة عمل المسلمين من الصدر الأول إلى اليوم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وسائر المسلمين وأي علة أكبر من ذلك ومن عمل بها أو ببعضها لم يحملها إلا على الكراهة أو خصها بما لا يكون تعميره من إقامة شعائر الدين كقبور الأنبياء والأولياء الصالحين.(أما عدم العمل بها) فمن وجوه (أحدها): إن الكتابة المشتمل عليها بعضها لم يعمل بها أحد كما ستعرف في فصلها (ثانيها): إن قبور الأنبياء التي حول بيت المقدس كقبر داود (عليه السلام) في القدس وقبور إبراهيم وبنيه إسحاق ويعقوب ويوسف الذي نقله موسى من مصر إلى بيت المقدس (عليهم السلام) في بلد الخليل كلها مبنية مشيدة قد بني عليها بالحجارة العادية العظيمة من قبل الإسلام وبقي ذلك بعد الفتح الإسلامي إلى اليوم (فعن) ابن تيمية في كتابه الصراط المستقيم إن البناء الذي على قبر إبراهيم الخليل (عليه السلام) كان موجوداً في زمن الفتوح وزمن الصحابة إلا أنه قال كان باب ذلك البناء مسدوداً إلى سنة الأربعمائة انتهى ولا شك أن عمر لما فتح بيت المقدس رأى ذلك البناء ومع ذلك لم يهدمه وسواء صح قول ابن تيمية إنه كان مسدوداً إلى الأربعمائة أو لم يصح لا يضرنا لأنه يدل على عدم حرمة البناء على القبور وقد مضت على هذا البناء الأعصار والدهور وتوالت عليه القرون ودول الإسلام ولم يسمع عن أحد من العلماء والصلحاء وأهل الدين وغيرهم قبل الوهابية إنه أنكر ذلك أو أمر بهدمه أو حرمه أو فاه في ذلك ببنت شفة على كثرة ما يرد من الزوار والمترددين من جميع أقطار المعمورة. وبذلك يظهر بطلان زعم الوهابية أن البناء على القبور حدث بعد عصر التابعين وقول ابن بليهد إنه حدث بعد القرون الخمسة ويكذبه أيضا مضافاً إلى ما يأتي في بناء الحجرة الشريفة النبوية ما سيأتي في فصل اتخاذ المساجد على القبور من وجود المسجد على قبر حمزه في المائة الثانية وما مر في هذا الفصل عند رد دليلهم الثالث من أن قبر العباس وأئمة أهل البيت كانت في دار عقيل مع عدم الفرق بين البناء الحادث والمستمر وإن قبر إبراهيم ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان في دار محمد بن زيد بن علي وإن قبر سعد بن معاذ في دار ابن أفلح وإن عليه جنبذة أي قبة في زمن عبد العزيز ابن محمد الذي هو من أهل المائة الثانية بتصريح السمهودي كما يأتي في فصل اتخاذ المساجد على القبور (ثالثها): إنها قد بنيت الأبنية على القبور في عهد الصحابة ومن بعدهم قبل المائة الخامسة وأولها قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فإنه قد دفن في حجرة مبنية ودفن فيها صاحباه. ويظهر من السيرة النبوية لأحمد بن زيني دحلان إن ذلك كان بشبه وصية منه (صلّى الله عليه وآله) حيث قال([238]): واختلفوا في موضع دفنه (صلّى الله عليه وآله) فقال أبو بكر سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول ما مات نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه فقال علي وأنا أيضاً سمعته رواه الترمذي وابن ماجة وفي رواية الموطأ ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه انتهى ولو كان البناء على القبور محرما وواجب الهدم لهدمها الصحابة قبل دفنه (صلّى الله عليه وآله) فيها أو دفنوه (صلّى الله عليه وآله) في مكان لا بناء فيه إذ لا يتصور فرق بين البناء السابق واللاحق ولم يقل أحد بالفرق. ولو كانت بمنزلة الأصنام كما يزعم الوهابيون لم يكن فرق بين البناء السابق واللاحق مع أنهم قد بنوها لاحقا بنى عليها عمر بن الخطاب حائطاً وهو أول من بناها وبنت عائشة حائطاً بينها وبين القبور وكانت تسكنها وتصلي فيها قبل الحائط وبعده وبذلك يبطل قولهم بعدم جواز الصلاة عند القبور وبناها عبد الله بن الزبير ثم سقط حائطها فبناه عمر بن عبد العزيز ثم لما وسع المسجد في خلافة الوليد بنى على البيت حظاراً وفي رواية أنه هدم البيت الأول ثم بناه وبنى حظارا محيطا به وتولى ذلك عمر ابن عبد العزيز وأزر الحجرة بالرخام ثم أعيد تأزيرها في زمن المتوكل الخليفة العباسي ثم جدد في زمن المقتفي ثم عمل في زمنه للحجرة مشبك من خشب الصندل والأبنوس على رأس جدار عمر بن عبد العزيز ثم لما سقط حائط الحجرة في دولة المستضئ أعيد بناؤه ثم لما احترق الحرم الشريف سنة 654 شرعوا في تجديد الحجرة الشريفة في دولة المستعصم آخر ملوك بني العباس وأكمل تعميرها من آلات وصلت من مصر في عهد الملك المنصور ايبك الصالحي وأخشاب من صاحب اليمن الملك المظفر ثم أكمل تعميرها في أيام الملك المنصور قلاوون الصالحي صاحب مصر فعملت أول قبة على الحجرة الشريفة وهي القبة الزرقاء بناها أحمد بن عبد القوي ناظر قوص سنة 678 ثم جددت في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون ثم في أيام الملك الأشرف سنة 765 ثم جددت في دولة الظاهر جقمق سنة 853 ثم جدد بناء الحجرة الشريفة سنة 881 في دولة الملك الأشرف قاتباي صاحب مصر وعمل عليها قبة سفلية تحت القبة الزرقاء ثم لما احترق الحرم الشريف ثانيا سنة 886 أعيد بناء الحجرة الشريفة وعمل عليها قبة عظيمة بدل القبة الزرقاء والتي تحتها وذلك في دولة الملك الأشرف قاتباي ثم جدد بناؤها سنة 891 في دولة الملك الأشرف ولم يزل ملوك بني العباس يجددون ما انهدم منها وكذلك ملوك بني عثمان وقد جددت في عهد السلطان عبد المجيد منهم كما سيأتي تفصيل ذلك كله.
(ومما بني في عهد الصحابة) وبعده قبل المائة الخامسة ما ذكره السمهودي في وفاء الوفا كما سيأتي في فصل الكتابة على القبور إن عقيلاً لما حفر بئراً في داره وجد حجراً مكتوباً عليه هذا قبر أم حبيبة فدفن البئر وبنى عليه بيتاً وإن ابن السائب قال دخلت البيت فرأيت القبر (وبنى) الرشيد قبة على قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) كما عن عمدة الطالب وغيره وكان الرشيد في المائة الثانية ثم تتابع البانون في بنائها إلى اليوم وفيها يقول الحسين بن الحجاج الشاعر المشهور المتوفى سنة 391هـ في مطلع قصيدة:
يا صاحب القبة البيضا على النجف
من زار قبرك واستشفى لديك شفي
وعن الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أن الكاظم (عليه السلام) دفن في مقابر الشونيزية خارج القبة وقبره هناك مشهور يزار وعليه مشهد عظيم فيه القناديل وأنواع الآلات والفرش ما لا يحد انتهى. فيدل على وجود قبة عند دفن الكاظم (عليه السلام) وهو سنة 183 وعلى وجود مشهد في عصر الخطيب المولود سنة 392 ولا بد أن يكون حدوثه قبل عصره (وذكر) المؤرخون وعلماء الأثر وجل من كتب في التراجم أن الأئمة زين العابدين والباقر والصادق (عليهم السلام) دفنوا في قبة الحسن (عليه السلام) والعباس (رضوان الله عليه) بالبقيع وكانت وفاة زين العابدين (عليه السلام) سنة 95 ووفاة الباقر (عليه السلام) في أوائل المائة الثانية في العشر الثاني منها ووفاة الصادق (عليه السلام) سنة 148 كما ذكروا بناء القباب والمشاهد على جملة من القبور قبل المائة الخامسة (مثل) أن الإمام علي بن موسى الرضا دفن في القبة التي دفن فيها هارون الرشيد بطوس في دار حميد بن قحطبة الطائي ويظهر أن الذي بنى تلك القبة على الرشيد هو ولده المأمون وكان كما عن السيوطي أمارا بالعدل فقيه النفس يعد من كبار العلماء انتهى وكان عصره حافلا بالعلماء وأئمة الدين منهم الإمام علي بن موسى الرضا إمام أهل البيت ووارث علوم جده وآبائه الذي كان يصدر المأمون عن رأيه وعمل له الرسالة الذهبية ومسائله له مشهورة في مشكلات علوم الدين ولما رآه يتوضأ والغلام يصب على يديه الماء قال له يا أمير المؤمنين لا تشرك بعبادة ربك أحدا فصرف الغلام. فلو كان البناء على القبور محرما لنهاه عن بناء القبة على قبر الرشيد مع أنه لم ينهه بل أوصى أن يدفن في تلك القبة ومنهم الإمامان الشافعي وأحمد من أئمة المذاهب الأربعة وسفيان بن عيينة وغيرهم ولم ينقل أن أحدا أنكر عليه مع أنهم أنكروا عليه القول بخلق القرآن وصبروا على الحبس والضرب ولم يوافقوه عليه (ومثل) أن نهشل بن حميد الطوسي بنى قبة على قبر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر المشهور المتوفى سنة 230 بالموصل (وأنها) بنيت قبة على قبر بوران بنت الحسن بن سهل المتوفاة سنة 271 وإن معز الدولة البويهي المتوفى سنة 393 هـ دفن أولا في داره ثم نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع ويطول الكلام باستقصائه وكل ذلك يكذب ما زعمه الوهابية من أن البناء على القبور حدث بعد المائة الخامسة ويبين أنهم يرسلون الكلام على عواهنه ويكيلون الدعاوى جزافا ويدل على مبلغهم من العلم وجهلهم بالتاريخ.
وعن تاريخ الخلفاء للسيوطي أن المتوكل في سنة 236 أمر بهدم قبر الحسين (عليه السلام) وهدم ما حوله من الدور وأن يعمل مزارع ومنع الناس من زيارته وخرب وبقي صحراء وكان المتوكل معروفاً بالنصب فتألم المسلمون من ذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاه الشعراء فمما قيل في ذلك:
تالله إن كانت أمية قد أتت
قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله
هذا لعمري قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا
في قتله فتتبعوه رميما
وعن المسعودي أن المتوكل أمر في سنة 236 المعروف بالديزج بالمسير إلى قبر الحسين بن علي (عليه السلام) وهدمه وإزالة أثره وأن يعاقب من وجده به فبذل الرغائب لمن يقدم على ذلك فكل خشي عقوبة الله فأحجم فتناول الديزج مسحاة وهدم أعالي قبر الحسين فحينئذ أقدم الفعلة على العمل ولم يزل الأمر على ذلك حتى استخلف المنتصر انتهى (وهذا) صريح في أن قبر الحسين (عليه السلام) كان مبنيا بناء عاليا مشيدا لقوله فهدم أعالي القبر وأن هدم قبور عظماء الدين كان معلوما عند المسلمين قبحه ومغروسا ذلك في نفوسهم فلذلك لم يقدم الناس على هدم قبر الحسين (عليه السلام) مع بذل الرغائب ولذلك قبح جميع المسلمين فعل المتوكل وكتبوا هجاءه على الحيطان وعد فعله هذا من قبائحه الشنيعة وذمه بذلك كل من كتب في التاريخ فالوهابية اقتدوا في أعمالهم بالمتوكل المعروف بالنصب الذي ساء جميع المسلمين بعمله هذا كما ساؤوا هم جميع المسلمين بعملهم ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر فسلط عليه الأتراك فقتلوه برأي ولده المنتصر شر قتلة.
ومن ذلك كله يعلم أن البناء على القبور لاحقاً وسابقاً غير محرم وأنه راجح إذا كان على قبر نبي أو ولي أو عالم أو عابد أو غيرهم ممن يكون تعظيمه من تعظيم شعائر الله تعالى وهذا الوجه مما يهدم كل أساس بنى عليه الوهابية شبهاتهم ولا يرتاب فيه إلا مكابر معاند فإنك إذا أحطت علما بما سردناه عليك من تاريخ بناء الحجرة الشريفة النبوية من مبدأ أمرها إلى يومنا هذا وما بني على قبور الصحابة والأئمة والأولياء والصلحاء والشعراء والأمراء وبعض النساء وغيرهم علمت أن المسلمين عموما من الصدر الأول إلى اليوم من جميع النحل والمذاهب الإسلامية متفقون على جواز البناء على القبور وعقد القباب عليها عدى الوهابية فإنهم مخالفون لما عليه الأمة الإسلامية جمعاء ولمذهب السلف الذين يتغنون دائماً بأنهم متبعون له حيث علمت أن الصحابة جميعاً ومنهم الخلفاء الأربعة اتفقوا على دفنه (صلّى الله عليه وآله) في بيته وحجرته التي كان يسكنها مع زوجته عائشة وهي مبنية مسقفة ولو كان البناء على القبور غير جائز لما خفي على الصحابة عموما ولو حرم ابتداء لحرم استدامة ثم دفن أبو بكر وعمر مع النبي (صلّى الله عليه وآله) في تلك الحجرة وعد ذلك أعظم منقبة لهما ثم بنت عائشة حائطاً في تلك الحجرة بينها وبين القبر الشريف وقد رويتم أنه (صلّى الله عليه وآله) قال خذوا ثلثي دينكم عن عائشة ثم جدد بناء الحجرة الشريفة عمر بن الخطاب وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز صالح بني أمية وعادلهم وزاهدهم ومعيد رونق الخلافة بعدما صارت ملكاً عضوضاً ورافع السب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وراد فدك إلى أولاد فاطمة تورعا ثم تتابع ملوك الإسلام وأمراؤهم في بناء الحجرة الشريفة والقبة المنيفة جيلاً بعد جيل وقرنا بعد قرن وعصراً بعد عصر وخلفاً عن سلف متقربين بذلك إلى الله راجين ثوابه مفتخرين به أمام رعاياهم وكان في أعصارهم وفي المدينة المنورة من العلماء والصلحاء وأهل الفضل والدين ما لا يحصى عددهم ولم يسمع من أحد أنه لامهم على هذا الفعل أو خطأهم فيه أو منعهم منه من العلماء الذين كانت لهم الكلمة النافذة عند الملوك والأمراء وليس ترك ذلك شيئاً مخلاً بسلطنتهم وسياستهم للملك حتى يخافهم العلماء فيه بل هو أمر ديني محض لا يخالفهم فيه ملك ولا أمير ولا يخرج قصد الملوك والأمراء في ذلك عن أحد أمرين طلب الثواب منه تعالى والفخر عند الناس وكل ذلك لا يتم لهم مع نهي العلماء عنه وتحريمه فإذا لم يكن هذا الأمر الذي اتفق عليه الصحابة من صدر الإسلام والتابعون وتابعو التابعين وعلماء المسلمين وعامتهم وملوكهم وصعاليكهم خلفاً عن سلف وجيلاً بعد جيل قطعياً ولا إجماعياً ففي أي حكم في الشريعة يمكن دعوى القطع والإجماع وإذا لم يكن السلف قدوة في مثل هذا ففي أي شيء يقتدى بهم ويقول المرء عن نفسه أنه سلفي على عادة الوهابيين.
(رابعها): إن حرمة قبور الأنبياء والصلحاء بل كل مسلم وفضلها وشرفها وبركتها ملحق بالضروريات عند الصحابة والتابعين وتابعيهم وجميع المسلمين لا يرتاب في ذلك أحد كما سيأتي في الفصل الثالث عشر وإذا كان لها حرمة ومنزلة وشرف وبركة عند الله تعالى وجب أو رجح فعل كل ما يوجب احترامها وتعظيمها من زيارتها والبناء عليها وحفظها عن دوس الإقدام وروث الدواب والكلاب وغير ذلك لأن ذلك من تعظيم شعائر الله وحرماته وحرم كل ما يوجب إهانتها واحتقارها وامتهانها من هدمها وهدم حجرها وقبابها وجعلها معرضا لوطأ الأقدام وروث الدواب والكلاب ووقوع القاذورات فإن ذلك كله لا شك أنه إهانة لها ولأهلها فإذا ثبت ذلك وجب طرح كل حديث ناه عن البناء على القبور أو آمر بهدمها لو فرض وجوده أو تخصيصه بغير قبور الأنبياء والأولياء والعلماء والصلحاء لأن ذلك إهانة لهم وقد دل العقل والنقل على حرمة إهانتهم ووجوب تعظيمهم أحياء وأمواتاً. (لا يقال) إنما يكون تعظيم تلك القبور راجحاً لو لم يكن كفراً وشركاً بكونه عبادة لها كعبادة الأصنام (لأنا نقول) بعد ما ثبت أن لها شرفاً وحرمة عند الله تعالى بما بيّناه لا يكون تعظيمها عبادة لها ولا كفراً ولا شركاً بل تعظيمها تعظيم لله تعالى وعبادة له كتعظيم الكعبة والحرم والحجر الأسود والمساجد والمقام وكل شيء أمر الله بتعظيمه من المخلوقات وقياس ذلك بعبادة الأصنام التي لم يجعل الله لها حرمة بوجه من الوجوه قياس فاسد كما أوضحناه مراراً. (لا يقال) إنما يكون بناؤها والبناء عليها تعظيما لها لو لم يرد النهي الموجب لكونه محرماً ولا تعظيم بمحرم وإنما يكون هدمها وهدم ما بني عليها إهانة لو لم يرد الأمر به الموجب لكونه طاعة وهو عين الاحترام لها ولأصحابها بتنفيذ ما أمر الله به فيها (لأنا نقول) كون بنائها والبناء عليها في نفسه احتراما لها ولأصحابها وهدمها وهدم ما بني عليها في نفسه إهانة لها ولأصحابها عرفا مع قطع النظر عن ورود النهي والأمر مما لا يشك فيه أحد وبعدما ثبت بالدليل القطعي السابق وجوب احترامها وحرمة إهانتها لا يمكن أن يكون النهي عن البناء والأمر بالهدم شاملاً لها بل هو إما مطروح أو خاص بغيرها أو مصروفا إليه لأن الظن لا يعارض اليقين.
(خامسها): إن وجوب مودة أهل البيت (عليهم السلام) واحترامهم وحرمة إهانتهم أحياء وأمواتاً مما نطق به الكتاب العزيز في قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} وفسرت الآية مع ظهورها في نفسها السنة النبوية بأن المراد بالقربى هم أهل البيت الطاهر النبوي مما لا يسع المقام ذكره فلا ينافي ذلك تمحلات ابن تيمية وتأويلاته على عادته في الاجتهاد في محو كل فضيلة ومنقبة لأهل البيت الطاهر إما بإنكار الحديث ولو استفاض واشتهر أو تواتر أو بتأويله أو بدفعه بالاستبعادات([239]) ونطقت بها السنة الطاهرة كما في حديث الثقلين وغيره مما ليس هذا محل ذكره ومن مودتهم واحترامهم احترام قبورهم وحفظها بالبناء عليها عن أن تداس بالأقدام أو تكون معرضاً لدخول الدواب والكلاب إليها وتوسيخها وتنجيسها ووقوع القاذورات عليها وعدم إهانتهم بهدم قبورهم وقبابهم المشيدة فإن هدم قبر النبي أو الولي يعد في العرف إهانة له وأي إهانة. واحترام المؤمن فضلاً عن النبي واجب حياً وميتاً ومن احترامه ميتاً النهي عن الجلوس على قبره والاتكاء عليه والاستناد إليه ووطئه بالأقدام كما مر في هذا الفصل وفي وفاء الوفا([240]) روى ابن زبالة ويحيى من طريقه من غير واحد منهم عبد العزيز بن أبي حازم ونوفل بن عمارة قالوا كانت عائشة تسمع صوت الوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم لا تؤذوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله). قالوا وما عمل علي مصراعي داره إلا بالمناصع([241]) توقياً لذلك. (وقال) قبل ذلك أن عمر قال إن مسجدنا هذا لا ترتفع فيه الأصوات وقال أبو بكر لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيا ولا ميتاً انتهى. ولا يخفى تبدل العناوين بحسب الزمان والمكان والأشخاص فتتبدل لذلك الأحكام. (فالأخبار) المتوهم دلالتها على خلاف ذلك مهجورة متروكة عند جميع المسلمين أو مصروفة إلى غير قبورهم الشريفة وقبابهم المنيفة والأسئلة التي أوردناها على الوجه الرابع يمكن أن تورد هنا والجواب الجواب.
بناء الحجرة الشريفة والقبة المنيفة النبوية
(من ابتداء أمرها إلى اليوم)
أما ما وعدنا به من شرح وتفصيل بناء الحجرة الشريفة والقبة المنيفة النبوية من ابتداء أمرها إلى يومنا هذا فنقول:
كانت الحجرة الشريفة التي دفن فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هي البيت الذي كانت تسكنه عائشة أم المؤمنين قال السمهودي في وفاء الوفا([242]) كان من لبن وجريد النخل ثم حكى عن عمران بن أبي أنس أن بيوت النبي (صلّى الله عليه وآله) كانت أربعة بلبن لها حجر من جريد (قال) وبيت عائشة أحد الأربعة ثم حكى عن رواية ابن سعد أنه لم يكن عليه حائط زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأن أول من بنى عليه جداراً عمر بن الخطاب (قال) وليحمل على أن حجرة الجريد التي كانت مضافة له أبدلها عمر بجدر، جمعاً بين الروايات (انتهى) وبقيت عائشة ساكنة في ذلك البيت بعد دفن النبي (صلّى الله عليه وآله) ودفن أبي بكر وعمر فلما دفن عمر بنت بينها وبين القبور جدارا فكان عمر أول من بنى جدار الحجرة الشريفة وثنته عائشة (قال السمهودي) في وفاء الوفا([243]) روى ابن زبالة عن عائشة (رض) أنها قالت ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي حتى دفن عمر فلم أزل محتفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جداراً (قال) وعن المطلب كانوا يأخذون من تراب القبر فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم وكانت في الجدار كوة فكانوا يأخذون منها فأمرت بالكوة فسدت (قال) وقال ابن سعد في طبقاته بسنده عن مالك بن أنس قسم بيت عائشة باثنين: قسم كان فيه القبر وقسم تكون فيه عائشة وبينهما حائط فكانت عائشة ربما دخلت حيث القبر فضلاُ فلما دفن عمر لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها (ثم قال) قال عبيد الله بن أبي يزيد كان جداره قصيرا بناه عبد الله بن الزبير انتهى. فهؤلاء هم السلف الذين يزعم الوهابية أنهم قدوتهم ويسمون أنفسهم السلفية وهؤلاء أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذين يزعم الوهابية أنهم على طريقتهم عملا بقوله (صلّى الله عليه وآله) إن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة وهي من كان على مثل ما هو عليه وأصحابه. (ثم قال السمهودي) قال الأقشهري قال أبو زيد بن شبة قال أبو غسان بن يحيى بن علي بن عبد الحميد وكان عالماً بأخبار المدينة ومن بيت كتابة وعلم: لم يزل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي دفن فيه هو وأبو بكر وعمر ظاهراً حتى بنى عمر بن عبد العزيز عليه الحظار المزور الذي هو عليه اليوم حين بنى المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك وإنما جعله مزورا كراهة أن يشبه تربيعه تربيع الكعبة وأن يتخذ قبلة فيصلى إليه. (أقول) وذلك أنه جعل الحظار بهيئة التربيع ولما انتهى إلى الزاويتين اللتين من جهة الشمال أخذ منهما خطين مائلين حتى التقيا في جهة الشمال وحدث منهما زاوية خامسة وذكر هذا الحظار النووي فيما سيأتي عنه في الفصل الحادي عشر (ثم) حكى السمهودي([244]) عن رواية ابن سعد أنه انهدم الجدار الذي على قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) في زمان عمر بن عبد العزيز فأمر بعمارته (وعن) رواية ابن زبالة أنه جاف بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) من شرقيه فأمر عمر بن عبد العزيز ابن وردان أن يكشف عن الأساس فظهر قدمان فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر أيها الأمير لا يرو عنك فتانك قدما جدك عمر بن الخطاب ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس (وفي رواية البخاري) من حديث هشام بن عروة إن القائل لهم ذلك هو عروة (قال السمهودي) وروي عن المطلب أنه لما سقط الجدار من شق موضع الجنائز أمر عمر (يعني ابن عبد العزيز) بقباطي فخيطت ثم ستر بها وأمر أبا حفصة وناساً معه فبنوا الجدار (وفي رواية) أن عمر بن عبد العزيز دعا وردان البناء فبناه بعد ما ستر بالقباطي ومزاحم مولى عمر يناوله قال([245]) ويستفاد من ذلك أن السبب في هذا البناء سقوط الجدار ولعله بسبب المطر كما يشير إليه بعض الروايات (ويدل) بعض الروايات التي نقلها إن سبب البناء أن الناس كانوا يصلون([246]) إلى القبر فأمر به عمر بن عبد العزيز فهدم الحائط ورفع حتى لا يصل إليه أحد وبعضها أن الوليد بن عبد الملك لما اشترى حجر أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) كتب إلى عمر ابن عبد العزيز أن اهدمها ووسع بها المسجد فهدمها فلما أن بنى البيت على القبر وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة (أقول) والظاهر أن عمر بن عبد العزيز لما انهدم حائط الحجرة الشريفة بناه ثم لما وسع المسجد أزال بناء الحجرة كله وبناه جديدا وجعل لها حظاراً. (قال) السمهودي([247]) وهذا البناء لم يبلغ به عمر بن عبد العزيز سقف المسجد اتفاقا بل فوقه شباك من خشب متصل بسقف المسجد. قال([248]) وروى ابن زبالة عن محمد بن هلال وعن غير واحد من أهل العلم أن بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي فيه قبره وهو بيت عائشة الذي كانت تسكنه وأنه مربع مبني بحجارة سود وقصة (أي جص) وبابه مسدود بحجارة سود وقصة ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر (وقال) السمهودي([249]) إنه لم ير للبيت عند انكشافه في العمارة التي أدركها بابا ولا موضع باب ورآه مربعا مبنيا بالأحجار السود المنحوتة (وحكى السمهودي) عن بعض العلماء في سبب ستر القبور ما وقع من وصية الحسن (عليه السلام) أن تحمل جنازته ويحضر بها قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فظن طائفة أن الحسين (عليه السلام) يريد دفنه في الحجرة فمنعوه وقاتلوه فلما كان عبد الملك أو غيره سدوا وستروا (ثم قال) وفيما قدمناه أشعار بأن موضع القبور كان مسقفاً تحت سقف المسجد كما يأتي التصريح به ولهذا لما انكشف سقف المسجد رأوا ما بين الحظار الظاهر والحجرة ولم يروا جوف الحجرة ثم استدل له بحديث جعل الكوة من قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى السماء حتى لا يكون بينهما سقف وقد تقدم (إلى أن قال) ثم اطلعنا في العمارة التي أدركناها على وجود سقف جعل بعد الحريق وعلى آثار السقف الذي كان قبله (ثم) حكى([250]) عمارة أبي البختري والي المدينة لهارون الرشيد التي كشف فيها سقف المسجد مما يلي الحجرة الشريفة فوق القبر في جمادى الأولى سنة 193 فوجد فيه سبعين خشبة مكسورة فأدخل مكانها خشباً صحاحاً انتهى فهذه أيضاً تصلح أن تعد من جملة عمارة الحجرة باعتبار أنها فوقها (ثم) حكى([251]) عن ابن النجار أنه قال إن المتوكل في خلافته أمر إسحاق بن سلمة وكان على عمارة الحرمين من قبله أن يؤزر الحجرة بالرخام ففعل وكانت خلافة المتوكل سنة 232 وتوفي سنة 247 (وقال السمهودي) إن تأزير الحجرة بالرخام له ذكر في كلام يحيى بن عباد وذكر الخبر عن حجر كان في بيت فاطمة كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصلي إليه إذا دخل على فاطمة وكانت فاطمة (عليها السلام) تصلي إليه وولدت الحسنين (عليهما السلام) عليه وسيأتي في الفصل الرابع عشر. (قال راوي الحديث) ولم يزل ذلك الحجر نراه حتى عمر الصانع المسجد ففقدناه عندما أزر القبر بالرخام وكان الحجر لاصقا بجدار القبر قريبا من المربعة (قال السمهودي) قال بعض رواة كتاب يحيى: الصانع هذا هو إسحاق بن سلمة كان المتوكل وجه به على عمارة المدينة ومكة انتهى (وحكى) السمهودي([252]) عن ابن النجار إنه في خلافة المقتفي سنة 548 جدد ذلك جمال الدين وزير بني زنكي وجعل الرخام حول الحجرة الشريفه قامة وبسطه (وحكى) في موضع آخر([253]) عن ابن النجار أن جمال الدين الأصفهاني الوزير المذكور عمل للحجرة الشريفة مشبكا من خشب الصندل والأبنوس وأداره حولها مما يلي السقف أي على رأس الجدار الذي بناه عمر بن عبد العزيز فإنه لم يبلغ السقف كما مر انتهى (وحكى أيضاً)([254]) عن ابن النجار أنه قال في كتابه الدرة الثمينة: في سنة 548 سمعوا صوت هدة في الحجرة فأخبروا أمير المدينة القاسم بن مهنى الحسيني فقال ينزل من يرى هذه الهدة فاختاروا عمر النسائي شيخ شيوخ الصوفية بالموصل فوجد ردما أما من السقف أو من الحيطان فأزاله (قال) وقال إنه من سنة 554 إلى زمانه لم يقع دخول إلى الحجرة وقد توفي سنة 642 (ولكن) حكى السمهودي عن الأقشهري بسنده عن الرحال أحمد بن عاث إنهم منذ قريب أربعين سنة سمعوا بالمدينة هدة في الحجرة الشريفة فكتب في ذلك إلى الخليفة فاستشار الفقهاء فأفتوا أن يدخلها رجل فاضل من القومة على المسجد فاختاروا بدر الضعيف وهو شيخ فاضل من بني العباس يصوم النهار ويقوم الليل فدلي فوجد الحائط الغربي قد سقط وهو حائط دون الحائط الظاهر فصنع له لبن من تراب المسجد فبناه وكانت رحلته سنة 612 وقد قال قريبا من أربعين سنة فيكون ذلك في حدود 570 ويكون في دولة المستضئ.
ثم احترق الحرم الشريف النبوي على ما ذكره السمهودي([255]) نقلاً عن المؤرخين ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة 654 بسبب أن أحد الفراشين دخل إلى حاصل المسجد ومعه نار فعلقت في بعض الآلات وأعجزه طفيها واحترق الحاصل والفراش والمسجد كله ولم يسلم سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين الله سنة 576 لحفظ ذخائر الحرم لكونها بوسط صحن المسجد وبقيت سواري المسجد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة على سقف بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وكتبوا بذلك للخليفة المستعصم بالله أبي أحمد عبد الله بن المستنصر بالله في شهر رمضان فوصلت الآلات والصناع مع ركب العراق في الموسم وابتدئ بالعمارة أو سنة 655 وأرادوا إزالة ما وقع من السقوف على الحجرة الشريفة فلم يجسروا واتفق رأي أمير المدينة منيف بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنئ الحسيني وأكابر أهل الحرم أن يطالع الخليفة المستعصم بذلك فكتبوا إليه فلم يأت الجواب للاشتغال بفتنة التتر فتركوا الردم بحاله وأعادوا سقفاً محكماً فوقه على الحجرة الشريفة من ألواح ثخينة جداً من الساج الهندي وسمروا بعضها إلى بعض على قوائم من خشب وجعلوه أربع قطع كل قطعة كالباب العظيم وجعلوا عند ملتقى كل قطعتين مقصات من حديد وكلبوا بعضها إلى بعض تكليبا محكما وجعلوا تحته ثلاث جزم من الساج الهندي تحمله ولم يجعلوا في تلك الألواح دهوناً ولا نقوشاً ولا كتابة غير أن النجار كتب اسمه على طرف السقف نقراً وكذلك سقف المسجد المحاذي للحجرة الشريفة مما يلي هذا السقف جميعه من الساج النقي ليس عليه دهان ولا نقوش فسقفوا في سنة 655 الحجرة الشريفة وبعض المسجد ثم دخلت سنة 656 فكان في المحرم منها استيلاء التتار على بغداد وقتل الخليفة فوصلت الآلات من مصر والمستولي عليها يومئذ الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز عز الدين ايبك الصالحي ووصلت آلات وأخشاب من صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن منصور بن عمر بن علي بن رسول فعملوا إلى باب السلام ثم عزل صاحب مصر آخر سنة 657 وتولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر وقتل بعد نحو أحد عشر شهراً ولم تتم عمارة المسجد وتولى مكانه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي البندقداري فكمل في أيامه سقف المسجد. (وقال السمهودي إن السلطان المذكور لما حج سنة 667 أراد أن يجعل على الحجرة الشريفة مقصورة فعملها وأرسلها سنة 668 وعمل لها أبواباً وكانت نحو القامتين فزاد عليها الملك العادل زين كتبغا في 694 شباكاً دائراً عليها حتى وصلها بسقف المسجد وقد صارت هذه المقصورة تعرف بالحجرة الشريفة وأبوابها وقناديلها بأبواب الحجرة وقناديلها.
ثم عملت القبة الزرقاء وهي (أول قبة) عملت على الحجرة الشريفة (قال السمهودي) في وفاء الوفا([256]) لم يكن قبل حريق المسجد الأول وما بعده على الحجرة الشريفة قبة بل كان حول ما يوازي الحجرة النبوية في سطح المسجد حظير مقدار نصف قامة مبنياً بالآجر تمييزاً للحجرة الشريفة عن بقية سطح المسجد واستمر ذلك إلى سنة 678 في أيام الملك المنصور قلاوون الصالحي فعملت (القبة الزرقاء) وهي مربعة من أسفلها مثمنة من أعلاها بأخشاب أقيمت على رؤوس السواري وسمر عليها ألواح من خشب ومن فوقها ألواح الرصاص وفيها طاقة يرى المبصر منها سقف المسجد الأسفل وحولها على سقف المسجد ألواح رصاص ويحيط بها وبالقبة درابزين خشب مكان الحظير الآجر. (قال) ورأيت في الطالع السعيد الجامع أسماء الفضلاء والرواة بأعلى الصعيد في ترجمة الكمال أحمد بن البرهان عبد القوي الربعي ناظر قوص أنه بنى على الضريح النبوي هذه القبة المذكورة قال وقصد خيراً وتحصيل ثواب انتهى. (أقول) ولم ينقل عن أحد من أهل العلم والدين الذين كانوا في زمانه أنهم أنكروا ذلك لكون البناء على القبور وعقد القباب عليها شركاً أو محرماً وكانت البلاد الإسلامية سيما الحرمين الشريفين غاصة بالعلماء، (أما) ما حكاه السمهودي في وفاء الوفا من قول بعضهم أنه أساء الأدب بعلو النجارين ودق الخشب فخارج عن المقام إن لم يكن مؤيداً لما نقوله من وجوب احترام قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) ومخالفا لما تقوله الوهابية أو هو لازم قولهم من سقوط حرمة قبره (صلّى الله عليه وآله) مع أن هذا القول جمود وغباوة من قائله لأن علو النجارين ودق الخشب ليس فيه قلة احترام للمرقد الشريف لأنه مقدمة وواسطة لإعلاء شأنه ورفع مناره فهو عين الاعظام والاحترام مع أن الضرورات تبيح المحذورات فما هو إلا كصعود أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على منكب النبي (صلّى الله عليه وآله) يوم فتح مكة لإلقاء الأصنام عن ظهر الكعبة. ولو كان ذلك منافيا للأدب لما أوصى الصاحبان أن يدفنا بجنب النبي (صلّى الله عليه وآله) ولما نفذ الصحابة هذه الوصية مع استلزامها الضرب بالمساحي والمعاول والدق العنيف بجنب القبر الشريف مع أن أم المؤمنين كانت تسمع صوت الوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم لا تؤذوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما مر في هذا الفصل وسيأتي عن كتاب تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة إن باني هذه القبة قلاوون الصالحي ولعل الاشتباه حصل من بنائها في أيامه (قال السمهودي) وقد جددت في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون فاختلت الألواح الرصاص عن وضعها فخشوا من كثرة الأمطار فجددت وأحكمت في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد سنة 765 وقال قبل ذلك أنه حصل خلل في سقف الروضة الشريفة وسقف المسجد في دولة الظاهر جقمق فجدد ذلك في سنة 853 وما قبلها على يد الأمير برد بك الناصر المعمار وغيره (قال) وظهر في بعض أخشابها خلل سنة 881 فعضدها متولي العمارة الشمس بن الزمن بأخشاب سمرت معها وقلع ما حولها من ألواح الرصاص التي على أعلى السطح بينها وبين الدرابزين المتقدم ذكره فوجدوا الأخشاب حولها قد تآكلت فأصلحوها وأعادوا الألواح وأضافوا إليها كثيراً من الرصاص وجددوا الدرابزين وكانت مياه الأمطار تتسرب من بين تلك الألواح وتصل إلى سقف الحجرة الشريفة وأثرت في الشباك الذي بأعلى حائز عمر بن عبد العزيز فتآكل بعضه فأصلحه وفي الستارة التي على سقف الحجرة الشريفة فتأكل بعضها (وذكر) السمهودي أيضاً في وفاء الوفا([257]) ما يستفاد منه: أنه لما ورد شاهين الجمالي المدينة المنورة منصرفه من جدة أروه الحائز المخمس على الحجرة الشريفة لانشقاق فيه قديم فتقرر أنه ليس بضروري لأنه شق قديم في طول الحائط لا في عرضه مملوء بالجص والحائط ليس عليه سقف ثم في سنة 881 وردت المراسيم من الملك الأشرف قاتباي صاحب مصر بتفويض أمر العمارة للجناب الشمسي بن الزمن (إلى أن قال) ثم كان ما تقدم من نقض الرخام المؤزر به جدار الحجرة الظاهرة وتجديده فظهر الشق المتقدم ذكره وهو انشقاق قديم سد الأقدمون خلله بكسر الآجر وأفرغوا فيه الجص وبيضوه بالقصة فانشق البياض من رأس وزرة الرخام إلى رأس الجدار فقشروا البياض وأخرجوا ما في خلله من الجص والآجر فظهر بناء الحجرة المربع الذي هو جوف البناء المخمس المذكور وظهر شق في جدار الحجرة الداخل تدخل اليد فيه فعقدوا لذلك مجلسا حضره العلماء والقضاة والمشائخ والخدام وشيخهم وقر رأيهم على الهدم والبناء فشرعوا في الهدم والتنظيف وظهر من وصف البناء الداخل ما قدمناه من كونه مربعاً بأحجار منحوته ولا باب فيه ولا موضع باب وتبين ما في الجدار الداخل من الانشقاق في موضعين فعزم متولي العمارة على هدم جدار الحجرة الداخل من جهة الشام بأجمعه فبدأ برفع السقف الذي وجد على الحجرة نفسها ثم عزموا على عقد قبة سفلية (أي تحت القبة الزرقاء المقدم ذكرها) على جدار الحجرة الداخل رعاية للإتقان والإحكام فشرعوا في هدم الجدار الشامي والشرقي من البناء الداخل فوجدوا في بعض الجدر لبنا غير مشوي طول اللبنة أرجح من ذراع وعرضها نصف ذراع وسمكها ربع ذراع وطول بعضه وعرضه وسمكه واحد وهو نصف ذراع (قال) وظهر لي أن السلف لما بنوا الحجرة الشريفة بالأحجار لقصد الإحكام وكان ما عدى الأساس منها مبنيا باللبن في عهده (صلّى الله عليه وآله) وضعوا في البناء بعض اللبن بين الأحجار للبركة والعجب إن الشق لم يظهر إلا في الجهة الخالية من اللبن والذي يظهر أن تلك الجهة سقطت وأعيدت لاختلاف البنائين حتى أن الجدار الشرقي لم يكن مبنياً بالحجارة الموجهة إلا من داخله دون خارجه وكتبوا محضراً وأرسلوه إلى ملك مصر بصورة الحال ثم هدموا من الجدار القبلي مما يلي المشرق جانباً نحو أربعة أذرع حتى بلغوا به أرض الحجرة وهدموا من الجدار الغربي مما يلي الشام نحو خمسة أذرع حتى بلغوا به الأرض وذلك ليتأتى لهم إحكام القبة التي عزموا عليها ولم يبق من أركان الحجرة الشريفة سوى مجمع جداري القبلة والمغرب ثم هدموا من علو ما بقي من الجدارين المذكورين نحو خمسة أذرع فلم يبق من بناء الحجرة إلا ما فضل منهما وراموا تربيع القبة فعقدوا قبوا على نحو ثلث الحجرة من جهة الشرق لأنها من تلك الجهة أطول وعقدوا القبة على ما بقي من الحجر بالأحجار المنحوتة من الحجر الأسود وكملوها بالأبيض وارتفاعها من داخل أرض الحجرة الشريفة إلى أعلاها المغروز فيه هلالها اثنا عشر ذراعا بذراع العمل وارتفاع حائطها عن طرف القبو الذي بني عليه الحائط ذراعان إلا ثلث بذراع العمل وبيضوا تلك القبة وجميع جدرانها من خارجها بالجص ونصبوا بأعلاها هلالاً من نحاس وهو قريب من سقف المسجد الأول فإن هذه القبة تحته فصار على القبر الشريف قبتان هذه القبة والقبة الزرقاء التي فوقها وكان شروعهم في هدم الحجرة الشريفة في الحادي عشر أو الرابع عشر من شهر شعبان سنة 881 وشروعهم في إعادة بناء الحجرة في السابع عشر منه من السنة المذكورة وفراغهم من بناء الحجرة والقبة سابع شوال من تلك السنة ثم احترق ذلك كله في حريق المسجد الثاني انتهى ما يستفاد من كلام السمهودي.
الحريق الثاني في المسجد النبوي الشريف
(وعمل القبة البيضاء)
قال السمهودي([258]) ما حاصله: أنه في الثلث الأخير من سنة 886 ليلة الثالث عشر من شهر رمضان احترق مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) في المدينة المنورة وبسبب ذلك أن رئيس المؤذنين شمس الدين محمد بن الخطيب قام يهلل حينئذ بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالريسية وصعد المؤذنون بقية المنائر وقد تراكم الغيم فحصل رعد قاصف أيقظ النائمين وسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة المذكورة فأودت بحياة الرئيس ومات لحينه صعقا وسقطت في المسجد ولها لهيب كالنار فأصابت سقف المسجد الأعلى بين المنارة الرئيسية وقبة الحجرة النبوية فثقبته ثقباً كالترس وعلقت النار فيه وفي السقف الأسفل ونودي بالحريق في المسجد فاجتمع أمير المدينة الشريف زين الدين فيصل الجمازي وأهلها وصعد أهل النجدة بالمياه لإطفائها فعجزوا عن ذلك فحاولوا قطعها بهدم بعض ما أمامها فسبقتهم ومات بسبب ذلك بضعة عشر نفسا واحترقت المنارة الرئيسية واحترقت ثياب الرئيس بعد موته وصار المسجد كالتنور واستولى الحريق على جميع سقفه وحواصله وما فيه من خزائن الكتب إلا اليسير الذي أمكنهم إخراجه ولما اشتعلت النار في السقف المحاذي للحجرة الشريفة ذاب الرصاص من القبة التي بسقف المسجد الأعلى واحترقت أخشابها وما يحاذيها من السقف الأسفل والشباك الدائر على حائز عمر بن عبد العزيز وسقط ما سقط من ذلك على القبة السفلى فلما أصبحوا بدؤا بإطفاء ما سقط على القبة المذكورة فسلمت وسقط من المسجد مائة وبضع وعشرون أسطواناً وما بقي أثرت فيه النار وسلمت الأساطين اللاصقة بجدار الحجرة واحترقت المقصورة التي كانت حول الحجرة الشريفة والمنبر وغير ذلك وكتبوا إلى سلطان مصر الملك الأشرف قاتباي بذلك ونظفوا ما حول الحجرة الشريفة وأداروا عليها جدارا من الآجر في موضع المقصورة المحترقة وجعلوا فيها شبابيك وطاقات وأبوابا (ولما) وصل الرسول إلى مصر وعلم سلطانها بذلك عظم عليه وأمر بتنظيف المسجد واهتم في أمر العمارة وأمر بإبطال عمائره المكية وبتوجه القيم عليها الأمير سنقر الجمالي صحبة الحاج الأول بما يزيد عن مائة صانع مع كثير من الدواب والجمال وصحبته وصحبة أخيه الشجاعي شاهين والأمير قاسم الفقيه شيخ الحرم الشريف عشرون ألف دينار وشرع السلطان في تجهيز الآلات والمؤن حتى كثرت في الطور وينبع والمدينة الشريفة وجهز شمس الدين بن الزمن متولي العمارة الأولى في ربيع الأول سنة 887 ومعه أكثر من مائتي جمل ومائة دابة وأزيد من ثلثمائة صانع وشرعوا في الهدم والتعمير فعمروا المسجد وجعلوا على ما يحاذي الحجرة الشريفة وما حوله قبة عظيمة على دعائم بأرض المسجد وعقود من الآجر وهي (القبة البيضاء) بدلًا عن القبة الزرقاء التي كانت قبل الحريق (والظاهر أنهم بنوها من الحجر أو الآجر لا من الخشب) وكانت تلك على رؤوس السواري وجعلوا تلك الدعائم في موازاة الأساطين التي كان بينها درابزين المقصورة وأحدثوا أسطوانا في جانب مثلث الحجرة من بناء عمر بن عبد العزيز ليشتد به العقد الذي عليه القبة في تلك الناحية وزادوا دعامتين وعقدا إلى جانب الأسطوانتين اللتين في جهة الوجه الشريف خشية من سقوط القبة وأبدلوا بعض الأساطين بدعائم وأضافوا إلى بعضها أسطوانة أخرى وعقدوا العقود المتصلة بهذه القبة من المشرق والشام وجعلوها قبوا بدل السقف وأعادوا ترخيم الحجرة الشريفة وما حولها وأزالوا البناء الذي عمله أهل المدينة في موضع المقصورة المستديرة بالحجرة الشريفة وأبدلوا ما يلي القبلة من ذلك بشبابيك من النحاس وبأعلاها شبكة من شريط النحاس كهيئة الزرد وجعلوا لبقيتها مما يلي الشام مشبكا مشاجرا من الحديد وفاصلا عن يمين المثلث الحجرة ويساره فيه بابان وكمل تعمير المسجد في أواخر شهر رمضان عام 888 ثم إن القبة تشققت من أعاليها فرممت ثم تشققت ولم يفد فيها الترميم فأرسل الملك الأشرف – الشجاعي شاهين الجمالي لما اشتمل عليه من الفضل والنبل وإصابة الرأي وفوض إليه النظر في أمرها فورد المدينة الشريفة في موسم عام 891 فاقتضى الحال هدم أعالي القبة فاتخذوا في الطاقات المحيطة بجوانبها سقفا يمنع من سقوط ما يهدم منها إلى أرض الحجرة الشريفة ثم شرع في هدمها وإعادتها بحيث لم يرفع كسوة الحجرة الشريفة فجاءت القبة حسنة مع الاتقان حتى أنه استصحب الجبس من مصر واستعمله في البناء وكملت في عام 892 ثم حكى عن ابن النجار أنه قال ولم يزل الخلفاء من بني العباس ينفذون الأمراء على المدينة الشريفة ويمدونهم بالأموال لتجديد ما ينهدم من المسجد النبوي (ولا شك أن الحجرة الشريفة وقبتها من جملة ذلك) فلم يزل ذلك متصلاً إلى أيام الناصر لدين الله أي الخليفة في زمنه فإنه ينفذ في كل سنة من الذهب العين الأمامي ألف دينار لعمارة المسجد وينفذ من الصناع عدة لكون ن الحديد والرصاص والآلات شيئاً كثيراً (قال) ولما انتقل أمر المدينة الشريفة إلى ملوك مصر لم يزل ملوكها يهتمون بعمارة هذا المسجد الشريف انتهى> ما اقتطفناه من كلام السمهودي في وفاء الوفا الذي كان عمل القبة البيضاء بدل الزرقاء في عصره ولم يزل ملوك بني عثمان الذين كانت إليهم الخلافة الإسلامية يبعثون بالأموال الكثيرة لعمارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وحجرته وقبته ومسجده وقد جدد عمارة المسجد والقبة الشريفة النبوية بالبناء المحكم الموجود اليوم منهم السلطان عبد المجيد وابتدأ بذلك سنة 1270 واستمر في تعميره نحو أربع سنين والبناء الذي كان قبله تعمير السلطان قاتباي سلطان مصر وأمر ببناء قبة أئمة البقيع بعين البناء الذي تبنى به قبة جدهم صلى الله عليه وعليهم وسلم فعارض في ذلك أهل المدينة ومنعوا من بناء قبة أئمة البقيع وتغييرها واعتلوا بأن حولها قبور آبائهم وأجدادهم ويصيبها ضرر بواسطة الهدم والتعمير كما أنه لما عمل في زماننا شباك لضريحهم الشريف بإصفهان من الفولاذ الدقيق الصنعة وبأعاليه الأسماء الحسنى بالخط الجميل المذهب واستأذنت الدولة الإيرانية من الدولة العثمانية في وضعه على ضريحهم المقدس فأذنت لها وجاء به السيد علي القطب رحمه الله إلى جدة عارض أهل المدينة في وضعه على الضرائح المقدسة فبقي في جدة ثلاثة أعوام حتى بذل الإيرانيون مبلغاً عظيما من المال لأهل المدينة فرضوا بنقله ووضعه ولما حمل إلى المدينة المنورة أرادوا إزالة الصندوق الخشب الموضوع على القبور الشريفة ووضعه مكانه فمنع أهل المدينة من ذلك بحجة أن الصندوق الخشب وقف لا يجوز تغييره فاضطروا إلى وضعه خارج الصندوق فنقصت ألواحه الفولاذية بسبب ذلك فاضطروا إلى إكماله بقطعة من الخشب بعد دهنها بما يقرب من لونه والكتابة عليها وقد رأيت القطعة الخشبية ظاهرة فيه مقصرة عنه في الرونق عند تشرفي بزيارة المدينة المنورة بعد الحج عام 1321هـ وبعد ذلك عند تشرفي بزيارتها من دمشق وبقي هذا الشباك حتى أزاله الوهابية عام 1343هـ حين استيلائهم على المدينة المنورة وهدمهم لقبة أئمة البقيع وقبورهم المقدسة وتشويههم لمحاسن تلك البقعة الشريفة في التاريخ المتقدم وبما بيناه وأوضحناه من أن بناء الحجرة الشريفة كان قبل موت النبي (صلّى الله عليه وآله) ومنهم فهم ما رووه عنه إيصاؤه بدفنه فيها وتتابع الصحابة والتابعون وتابعوهم والمسلمون إلى يومنا هذا في بنائها وبناء القباب عليها ظهر لك بطلان ما ذكره محمد بن إسماعيل اليماني في رسالته تطهير الاعتقاد بقوله: فإن قلت هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وآله قد عمرت عليه قبة عظيمة أنفقت فيها الأموال (قلت) هذا جهل عظيم بحقيقة الحال فإن هذه القبة ليس بناؤها منه (صلّى الله عليه وآله) ولا من أصحابه ولا من تابعيهم وتبع التابعين ولا من علماء أمته وأئمة ملته بل هذه القبة من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين وهو قلاوون الصلاحي المعروف بالملك المنصور في سنة 678 ذكره في تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة فهذه أمور دولية لا دليلية يتبع فيها الآخر الأول انتهى. وذلك أن هذه القبة وإن بناها قلاوون الصلاحي إلا أنه تبع في بنائه أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) الذين دفنوه في حجرة مبنية ثم بنتها عائشة وعمر وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وتتابع المسلمون في بنائها وفيهم التابعون وتابعو التابعين وعلماء الأمة وأئمة الملة وكانوا يستشيرون العلماء والأئمة في ذلك بل تكتب إليهم العلماء وتطلب منهم ذلك كما عرفته في تضاعيف ما ذكرناه من تاريخ بناء الحجرة من مبدئه إلى منتهاه وبذلك تعلم أنها أمور دليلية لا دولية كما زعم. (فتحصل) من مجموع ما ذكرناه أن تعظيم قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقبور سائر الأنبياء ببناء القباب عليها وعمل الشباك والكسوة وغير ذلك مما يأتي راجح شرعاً لا مانع منه ولا يعد عبادة لها كما توهمه الوهابية لأنها مما أمر الله بتعظيمه فتعظيمها عبادة لله وطاعة له كما بيناه في فصل مطلق تعظيم القبور (أما) باقي ما اشتملت عليه الفتوى من اتخاذ القبور مساجد وإسراجها والتمسح والطواف بها وتقبيلها فسيأتي الكلام عليها في الفصول الخاصة بها وأما الذبح والنذر ودعاء أهلها فقد مر الكلام عليها كل في فصله الخاص به وأما التوجه إلى حجرة النبي (صلّى الله عليه وآله) عند الدعاء فمر الكلام عليه في آخر فصل التوسل وأما التذكير والترحيم في الأوقات المذكورة فمر عليه الكلام في الباب الأول.
الفصل العاشر
في الكتابة على القبور
وهذا مما منعه الوهابية محتجين بما رواه ابن ماجة عن عبد الله بن سعيد عن حفص بن غياث عن ابن جريح عن سليمان بن موسى عن جابر نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكتب على القبور شيء وبما مر في الفصل التاسع من رواية الترمذي نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن تجصص القبور وأن يكتب عليها ورواية أبي داود أنه (صلّى الله عليه وآله) نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه ورواية النسائي نهى رسول (صلّى الله عليه وآله) أن يبنى على القبر إلى قوله: أو يكتب عليه.
والجواب (أولاً) بضعف السند فحديث ابن ماجة في سنده حفص بن غياث وابن جريح وقد علمت حالهما في الفصل التاسع وفيه سليمان بن موسى عن جابر وهو مرسل (قال ابن حجر) في تهذيب التهذيب أرسل سليمان بن موسى عن جابر وقال ابن معين سليمان بن موسى عن جابر مرسل وقال أبو حاتم في حديثه بعض الاضطراب وقال البخاري عنده مناكير وقال النسائي ليس بالقوي في الحديث وقال في حديثه شيء انتهى وباقي الأحاديث قد عرفت حالها في الفصل التاسع والحاكم وإن صحح بعضها كما ستعرف فالجرح مقدم على التعديل فهذا حال الأحاديث التي يعتمد عليها الوهابية في مخالفة سيرة المسلمين وتضليلهم. (ثانياً) إنها محمولة على الكراهة في صورة لا يكون للكتابة فائدة أما مع الفائدة ليعرف فيتعاهد بالزيارة والاستغفار وإهداء ثواب القراءة وغير ذلك فلا، وقرينة الكراهة جمعها مع غيرها مما ثبتت كراهته كما مر في الفصل التاسع ويمكن حمل الكتابة على كتابة الآيات القرآنية وأسماء الله تعالى خوفاً عليها من الإهانة. (ثالثاً) إنه لم يعمل بها أحد من المسلمين وعملهم مخالف لها وما هذا حاله من الأخبار لا حجة فيه باعتراف الوهابية لاشتراطهم في حجية الخبر عدم الشذوذ والعلة كما مر في الفصل التاسع، وكفى بما ذكر شذوذاً وعلة (قال) محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي في حاشية سنن النسائي([259]) عند قوله أو يكتب عليه، قال الحاكم بعد تخريج هذا الحديث في المستدرك الإسناد صحيح وليس العمل عليه فإن أئمة المسلمين من الشرق والغرب يكتبون على قبورهم وهو شيء أخذه الخلف عن السلف وتعقبه الذهبي في مختصره بأنه محدث ولم يبلغهم النهي انتهى. وهذا الاعتذار الذي ذكره الذهبي ليس بصحيح إذ من أين لنا العلم بأنه لم يكن في الزمن الأول مع أنه يكفي اتفاقهم عليه في عصر من الأعصار لأنه يصير بذلك إجماعاً فكيف باتفاقهم أعصاراً وقروناً متعددة. وقوله لم يبلغهم النهي مقطوع بفساده فهذا النهي كان معلوما عند العلماء ولولاهم لم يصل إلينا (ويدل) على استمرار السيرة على الكتابة على القبور من عهد بعيد ما في وفاء الوفا عن المسعودي في مروج الذهب أن أبا عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين توفي سنة ثمان وأربعين ومائة ودفن بالبقيع مع أبيه وجده، قال وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة عليها مكتوب (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مبيد الأمم ومحيي الرمم هذا قبر فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سيدة نساء العالمين وقبر الحسن بن علي وعلي بن الحسين بن علي وقبر محمد بن علي وجعفر بن محمد (عليهم السلام)) انتهى. وذكر ما يقتضي أنه حين ذكر هذا كان في سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة (وفيه) عن ابن شبة عن زيد بن السائب عن جده قال لما حفر عقيل بن أبي طالب في داره بئراً وقع على حجر منقوش مكتوب فيه هذا قبر أم حبيبة بنت صخر بن حرب فدفن عقيل البئر وبنى عليه بيتاً، قال ابن السائب فدخلت ذلك البيت فرأيت فيه ذلك القبر (ثم قال السمهودي) روى ابن شبة عن محمد بن يحيى قال سمعت من يذكر أن قبر أم سلمة بالبقيع حيث دفن محمد بن زيد بن علي وأنه كان حفر فوجد على ثمانية أذرع حجراً مكسوراً مكتوباً في بعضه أم سلمة زوج النبي (صلّى الله عليه وآله) فبذلك عرف أنه قبرها وأمر محمد بن زيد بن علي أهله أن يدفنوه في ذلك القبر بعينه (قال) وروى ابن زبالة عن إبراهيم بن علي بن حسن الرافعي قال حفر لسالم البانكي مولى محمد بن علي فأخرجوا حجرا طويلا فإذا فيه مكتوب هذا قبر أم سلمة زوج النبي (صلّى الله عليه وآله) فأهيل عليه التراب وحفر لسالم في موضع آخر، قال وعن حسن بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي أنه هدم منزله في دار علي بن أبي طالب قال فأخرجنا حجراً مكتوباً فيه هذا قبر رملة بنت صخر فسألنا عنه فائداً مولى عبادل فقال هذا قبر أم حبيبة بنت أبي سفيان قال ويخالفه ما تقدم من أن قبرها في دار عقيل ولعله تصحف بعلي انتهى. ويتضح من ذلك جلياً إن الكتابة على القبور سيرة المسلمين من عهد الصحابة وما بعدهم فعقيل من الصحابة وقد وجد الحجر المكتوب على قبر أم حبيبة ومحمد بن زيد وجده على قبر أم سلمة.
الفصل الحادي عشر
(في اتخاذ المساجد على القبور واتخاذها مساجد)
إعلم أنه قد ورد في بعض الأخبار ما يفيد النهي عن ذلك (روى النسائي) أخبرنا قتيبة حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس: لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (وروى ابن ماجة) حدثنا أزهر بن مروان ثنا عبد الوارث ثنا محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس لعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زوارات القبور (ورواه) ابن ماجة بأسانيده عن سفيان عن عبيد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن بهمان عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه مثله. حدثنا محمد بن خلف العسقلاني أبو نصر ثنا محمد بن طالب ثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة مثله (ورواه أبو داود) بلفظ زوارات القبور على ما نقله ابن تيمية في رسالة زيارة القبور وكذا ابن ماجة كما سمعت (وفي صحيح البخاري) باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور: لما مات الحسن بن الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت ثم ذكر حديث عائشة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجداً قالت ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجداً (ورواه مسلم) إلا أنه قال مساجد فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً (ورواه مسلم) والنسائي أيضاً إلى قوله قالت وفي بعضها يحذر مثل ذلك (وفي رواية) لمسلم قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (وفي رواية له) ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك (وروى النسائي) بسند فيه قتادة عن سعيد بن المسيب([260]) لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (وبسنده) لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (وروى) البخاري أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة اسمها مارية فذكرتا من حسنها وتصاويرها فيها فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شر الخلق عند الله (ورواه) مسلم والنسائي نحوه قالا فيها تصاوير وقالا عند الله يوم القيامة (وعن الموطأ) وغيره عنه (صلّى الله عليه وآله) اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (وأول) من فتح باب اتخاذ القبور مساجد للوهابية هو ابن تيمية ككثير من معتقداتهم فإنه بعد ما أورد في رسالة زيارة القبور([261]) روايات الموطأ ومسلم وأبي داوود وغيرها مما مر قال ولهذا قال علماؤنا لا يجوز بناء المسجد على القبور ثم قال إن الآيات والأخبار الواردة في المساجد لم يرد مثلها في المشاهد بل ورد النهي عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من يفعل ذلك انتهى. ويأتي تمامه في الفصل الثالث عشر ولا يخفى أن تشدد ابن تيمية في أمر المشاهد إنما هو حنق منه على الشيعة الذين لا يألوا جهدا في التعصب عليهم بالباطل فإن الرجل لا يقف به تعصبه عند حد وقد بلغ به حنقه على أتباع أئمة أهل البيت الطاهر إن أنكر جملة من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضائله المتواترة حتى فضل ضربته يوم الخندق كما فصلناه في فصل البناء على القبور وجاء في كتابه الذي سماه منهاج السنة بالغرائب ومما جاء فيه بشأن المشاهد قوله: الرافضة بدلوا دين الله فعمروا المشاهد وعطلوا المساجد مضاهاة للمشركين ومخالفة للمؤمنين، ومر له كلام آخر بشأن المشاهد في أواخر الباب الثاني. والله تعالى وعباده يعلمون أنه غيرصادق في ذلك فالشيعة وحدها لم تعمر المشاهد بل شاركها في ذلك جميع المسلمين حتى الناصبة أمثال ابن تيمية وذلك معلوم مشاهد لا يشك فيه أحد. والشيعة لم تعطل المساجد، هذه بلادهم ومدنهم وقراهم مساجدها معمورة تقام فيها الصلوات والجماعات في جميع أقطار المعمورة (ثم) إنه يظهر من مجموع كلماته هذه أنه يحمل جعل القبور مساجد على ما يعم الصلاة عندها وفي مشاهدها وبناء مسجد عليها ويحمل على الأخير النهي عن اتخاذ المساجد عليها كما يظهر من قوله: ولهذا قال علماؤنا الخ وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم الجوزية فإنه قال في كتابه زاد المعاد([262]) على ما حكي عنه ما ملخصه أن النبي (صلّى الله عليه وآله) حرق مسجد الضرار وأمر بهدمه فكذلك مشاهد الشرك أحق بذلك وأوجب والوقف لا يصح على غير بر ولا قربة فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق انتهى.
واعتماداً على هذه الأحاديث هدم الوهابية المسجد الذي عند قبر سيد الشهداء حمزه بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله) بأحد بعدما هدموا القبة التي على القبر وأزالوا تلك الآثار الجليلة ومحوا ذلك المسجد العظيم الواسع فلا يرى الزائر لقبر حمزه اليوم إلا أثر قبر على تل من التراب لاعتقادهم إن ذلك محرم بل شرك وكفر واستندوا في فتواهم المنسوبة إلى علماء المدينة بعدم جواز اتخاذ القبور مساجد والصلاة فيها المتقدمة في الفصل التاسع إلى الحديث الأول من هذه الأحاديث كما عرفت ولم يبنوا ما هو مرادهم من اتخاذها مساجد ولعل مرادهم ما يظهر من ابن تيمية كما تقدم فإنه قدوتهم وأول باذر لبذور مذهبهم (والجواب) عن الحديث المذكور الذي استندوا في فتواهم إليه ومنه يعلم الجواب عن الباقي: (أولاً) بعدم صحة السند على رواية النسائي (فعبد الوارث) وإن وثقوه لكن رموه بأنه كان يرى القدر (أي الاعتزال) ويظهره وإنه ذم لبدعته وإنه لولا الرأي لم يكن به بأس وإن الحسن بن الربيع قال كنا نأتي عبد الوارث بن سعيد فإذا حضرت الصلاة تركناه وخرجنا وإن أبا علي الموصلي قال قلما جلسنا إلى حماد بن زيد إلا نهانا عن عبد الوارث نقل ذلك كله ابن حجر في تهذيب التهذيب (وأبو صالح) مردد بين ميزان البصري وبين باذام مولى ام هاني بنت أبي طالب (والثاني) مقدوح فيه ففي تهذيب التهذيب في ترجمة ميزان البصري أبي صالح روى الترمذي في كتاب الجنائز من طريق عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس وذكر الحديث ثم قال فجزم ابن حبان إن اسم أبي صالح هذا ميزان ولم يذكر المزي ميزان هذا لأنه مبني على أن أبا صالح المذكور في الحديث هو مولى أم هاني كما صرح بذلك في الأطراف ويؤيده أن علي بن مسلم الطوسي روى هذا الحديث عن شعيب عن محمد بن شحادة سمعت أبا صالح مولى أم هاني فذكر هذا الحديث وجزم بكونه مولى أم هاني الحاكم وعبد الحق في الأحكام وابن القطان وابن عساكر والمنذري وابن دحية وغيرهم انتهى. وقال في ترجمة باذام أبي صالح مولى أم هاني: قال أحمد كان ابن مهدي ترك حديث أبي صالح وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وقال النسائي ليس بثقة وقال ابن عدي لم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه وقال ابن المديني عن القطان عن الثوري قال الكلبي قال لي أبو صالح كلما حدثتك كذب وقال العقيلي المغيرة يعجب ممن يروي عنه وقال عبد الحق في الأحكام أن أبا صالح ضعيف جداً وقال الجوزقاني إنه متروك ونقل ابن الجوزي عن الأزدي أنه قال كذاب وقال الجوزجاني كان يقال له ذو رأي غير محمود وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالقوي عندهم وقال ابن حبان يحدث عن ابن عباس ولم يسمع منه انتهى ولا يفيد مع هذا قول ابن حجر في تهذيب التهذيب وثقة المجلي وحده لأن الجرح مقدم على التعديل (هذا) على رواية النسائي وأما على رواية ابن ماجة الثانية (فعبد الله بن عثمان) وإن وثقه بعضهم قال النسائي مرة ليس بالقوي وقال ابن حبان كان يخطئ وعن ابن معين أحاديثه ليست بالقوية وعن علي بن المديني منكر الحديث ذكر ذلك كله ابن حجر في تهذيب التهذيب (وابن بهمان) وإن ذكره ابن حبان في الثقات إلا أن ابن المديني قال لا نعرفه. كذا في تهذيب التهذيب (وأما) على رواية ابن ماجة الثالثة ففي ميزان الاعتدال للذهبي محمد بن طالب عن أبي عوانة الوضاح لا يعرف، روى عنه محمد بن خلف العسقلاني فقط انتهى. (فهذه) حال الروايات التي يستند إليها الوهابية في فتاواهم ويكفرون بها المسلمين ويستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم ويدعون أنهم هم الموحدون وغيرهم المشركون فتأملوا ذلك أيها المنصفون (ثانياً) باضطراب المتن مع وحدة السند في الكل الدال على أنها رواية واحدة فهو على رواية النسائي زائرات القبور بصيغة اسم فاعل والمتخذين عليها المساجد والسرج وعلى رواية ابن ماجة زوارات القبور بصيغة المبالغة وبدون تلك الزيادة وأي اضطراب في المتن أعظم من ذلك (ثالثاً) بعدم الدلالة على ما توهموه من عدم جواز الصلاة عند القبور وفي مشاهدها وبناء مسجد عليها إذ الظاهر أنه إشارة إلى ما في رواية كنيسة الحبشة من قوله إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوّروا فيه تلك الصورة أولئك شر الخلق عند الله فاللام في قوله والمتخذين عليها المساجد للعهد ولما كان سبب الذم في رواية كنيسة الحبشة هو اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد بتلك الحالة وهي تصويرهم الصورة وعبادتها والصلاة والسجود إليها أو إليها وإلى القبر كما يصلى إلى الوثن ويسجد له على ما هو الظاهر من تلك الرواية كان سببه في رواية والمتخذين عليها المساجد هو هذا وكما تكون رواية كنيسة الحبشة مفسرة للروايات التي أطلق فيها لعن اليهود وغيرهم على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد تكون مفسرة لهذه الرواية إذ الروايات يفسر بعضها بعضا ويرشد إلى ذلك قوله في رواية مسلم المتقدمة أن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد الخ فعقب النهي عن اتخاذها مساجد لما حكاه عمن كان قبلهم فدل بأجلى دلالة على أن المنهي عنه من اتخاذها مساجد هو ما كان من هذا السنخ ويرشد إليه أيضاً ما في رواية الموطأ من تعقيبه ذم من اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لقوله اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد الدال على أن المراد من اتخاذها مساجد الصلاة إليها والسجود لها كما يصلي إلى الأوثان ويسجد لها ويدل عليه قوله في رواية البخاري ومسلم ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أو غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا لظهوره في أن معنى اتخاذه مسجدا السجود إليه لا اتخاذ المسجد حوله وبذلك يظهر عدم صحة الاستدلال على ما زعموه برواية كنيسة الحبشة ولا بالروايات الأخر إذ الظاهر أن المراد في الجميع واحد وهو النهي عما كان يفعله السابقون من الصلاة إلى قبور الأنبياء والصلحاء وصورها الموضوعة في قبلة المصلي والسجود لها كما يصلي إلى الوثن ويسجد له وهذا لا يفعله أحد من المسلمين ولا يجيزه أما الصلاة لله تعالى عند قبر أو في مشهد طلباً لزيادة الثواب بشرف المكان الذي ثبت شرفه فلا مانع منه ولو لم يكن راجحاً لم يكن محرماً ولا تتناوله هذه الأخبار ولا تدل عليه كما لا تتناول مجرد وجود القبر في قبلة المصلي من دون قصد الصلاة إليه أو الصلاة فوق قبر نعم هو مكروه كما يشير إليه عنوان البخاري المتقدم واستشهاده بضرب القبة على قبر الحسن ويمكن حمل جعل المساجد على القبور على السجود عليها فإنه مكروه كما عرفت وكما يفهم من عنوان البخاري السابق ولا ينافيه اللعن فإنه لتشديد الكراهة إذ هو لغة: الطرد، وفاعل المكروه مطرود عن الثواب الحاصل له بتركه امتثالاً لأمره تعالى وقد ورد لعن المسافر وحده والآكل طعامه وحده والنائم في البيت وحده وورد لعن الله المحلل والمحلل له وتسمية المحلل بالتيس المستعار رواه ابن ماجة([263]) بأسانيده عن ابن عباس وعلي وعقبة بن عامر عنه (صلّى الله عليه وآله) قال السندي في حاشية سنن ابن ماجة المحلل من تزوج مطلقة الغير ثلاثاً لتحل له والمحلل له هو المطلق والجمهور على أن النكاح بنية التحليل يقتضي عدم الصحة وأجاب من يقول بصحته إن اللعن قد يكون لخسة الفعل فلعل اللعن ها هنا لأنه هتك مروءة وقلة حمية وخسة نفس أما بالنسبة إلى المحلل له فظاهر وأما المحلل فإنه كالتيس يعير نفسه بالوطأ لغرض الغير وتسميته محللا يؤيد القول بالصحة انتهى. ونسبته إلى الجمهور أن النكاح بنية التحليل يقتضي عدم الصحة منظور فيه (قال) الخطيب الشربيني في الاقناع([264]) على مذهب الشافعي لو نكح بشرط أنه إذا وطئ طلقها أو فلا نكاح بينهما وشرط ذلك في صلب العقد لم يصح النكاح (إلى أن قال) ولو تواطأ العاقدان على ذلك قبل العقد ثم عقدا بذلك القصد بلا شرط كره (وفي الحاشية) قوله لم يصح النكاح وعليه حمل حديث لعن الله المحلل والمحلل له وهذا عندنا (أي الشافعية) وأما عند المالكية فعلى ظاهره فلا يصح التحليل مطلقا بهذا الشرط سواء وقع في صلب العقد أو قبله انتهى. وأنت ترى أن ذلك كله مع التصريح بالاشتراط لا مجرد النية كما فهم من كلام السندي مع أن الرواية مطلقة ولا دليل على التقيد ونظيره إطلاق الكفر على جملة من المعاصي مع أنها ليست كذلك كما مر في المقدمات، (قال القسطلاني) في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري إنما صور أوائلهم ليتأنسوا بها ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عند قبورهم ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان إن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فحذر النبي (صلّى الله عليه وآله) عن مثل ذلك (إلى أن قال) وهو (أي قوله بنوا على قبره مسجداً) مؤول على مذمة من اتخذ القبر مسجداً ومقتضاه التحريم لا سيما وقد ثبت اللعن عليه لكن صرح الشافعي وأصحابه بالكراهة وقال البندينجي المراد أن يسوى القبر مسجداً فيصلى فيه وقال إنه يكره أن يبنى عنده مسجد فيصلى فيه إلى القبر وأما المقبرة الداثرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه فلم أر فيه بأساً لأن المقابر وقف وكذا المسجد فمعناهما واحد قال البيضاوي لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً منع المسلمين من مثل ذلك فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم ولا للتوجيه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور انتهى. (وقال السندي) في حاشية سنن النسائي: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد أي قبلة للصلاة يصلون إليها أو بنوا مساجد عليها يصلون فيها ولعل وجه الكراهة إنه قد يفضي إلى عبادة نفس القبر سيما في الأنبياء والأخيار وقال في موضع آخر مراده أن يحذر أمته أن يصنعوا بقبره ماصنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذهم تلك القبور مساجد أما بالسجود إليها تعظيماً لها أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة إليها قيل ومجرد اتخاذ مسجد في جوار صالح غير ممنوع انتهى. وقال النووي في شرح صحيح مسلم قال العلماء إنما نهى النبي (صلّى الله عليه وآله) عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى زيادة في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة مدفن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصاحبيه بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ولهذا قال في الحديث ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً انتهى. (أقول) وكل هذه الكلمات متوافقة على أن المحرم من اتخاذ القبور مساجد هو السجود إليها تعظيما أو جعلها قبلة أو نحو ذلك كما يدل عليه قول عائشة فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً والمراد بإبراز قبره هدم الحجرة الشريفة التي عليه وجعله بارزاً ظاهراً يراه الناس. وإن الصلاة إلى القبر لا بهذا القصد مكروهة وإن اتخاذ مسجد بجوار صالح لا محذور فيه وإن أخبار كنيسة الحبشة ظاهرة في ذمهم على تصوير الصور وعبادتها كما هو المألوف عند النصارى (وقول) النووي إنهم لما احتاجوا إلى زيادة في المسجد بنوا على القبر حيطانا مرتفعة الخ الظاهر أنه إشارة إلى الحظار الذي بناه عمر بن عبد العزيز على الحجرة الشريفة وجعله مزوراً من جهة الشمال بالصفة التي ذكرها النووي لأن حيطان الحجرة كانت محيطة بالقبر الشريف من أول الأمر كما مر في الفصل التاسع فقوله ثم بنوا جدارين أي بعد الفراغ من عمل الحظار المربع.
ومما يدل على أن النهي في هذه الأخبار مراد به الكراهة ذكر زائرات القبور أو زوارات القبور وتخصيص اللعن بهن دون الزائرين المحمول على الكراهة كما ستعرف تفصيل الكلام في فصل الزيارة وهذا دليل آخر على جواز اللعن من الشارع على فعل المكروه. فتحصل من ذلك أن هذه الأخبار بعد تسليم صحة أسانيدها لا ربط لها بما يحاوله الوهابية من عدم جواز البناء حول قبور الأنبياء وعقد القباب فوقها ووجوب هدمها (أولاً) لأنه ليس أحد من المسلمين يجعل ذلك مسجداً. (ثانياً) لو فرض فلا دلالة لتلك الأخبار على عدم جوازه كما عرفت بل ولا على كراهته إذ المسجد يكون خارجا عن محل القبر ومحل القبر لا يصلى عليه ولا يجعل مسجدا وجعل المسجد بجوار قبر نبي أوصالح لا مانع منه كما عرفت من تصريح علماء المسلمين بذلك والممنوع منه الصلاة إليه تعظيماً له أو السجود له ولا يفعل ذلك أحد من المسلمين إنما يسجدون لله تعالى ويصلون إلى القبلة (ومما يدل) بأقوى دلالة لا يمكن لأحد دفعها على أن اتخاذ مسجد حول القبر جائز ومستحب ما فعله المسلمون وتتابعوا عليه في سائر الأعصار من توسيع مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) حتى صار قبره الشريف وحجرته المنيفة في وسط المسجد بعدما كانت بجانبه الشرقي فأصبح المسجد محيطاً بها وذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك، وبقي كذلك إلى اليوم بمرأى من علماء الأمة وصلحائها في كل عصر وكان المتولي لتوسيعه عمر بن عبد العزيز صالح بني أمية وفاضلهم وعادلهم الذي قال في حقه ابن سعد صاحب الطبقات كان ثقة مأموناً له فقه وعلم وورع وروى حديثاً كثيراً وكان إمام عدل، حكاه ابن حجر في تهذيب التهذيب وقال في تهذيب التهذيب: قال ميمون بن مهران ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذة وقال نوح بن قيس سمعت أيوب يقول لا نعلم أحدا ممن أدركنا كان آخذ عن النبي (صلى الله عليه وآله) منه وقال أنس ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله (صلّى الله عليه وآله) من هذا الفتى إلى غير ذلك من المدح العظيم الذي مدحه به ولم يسمع أن أحدا من العلماء والفقهاء نهاه عن ذلك ولا أفتى بتحريمه ولا جعله شركاً وكفراً لا في عصره ولا بعد عصره إلى اليوم قبل الوهابية وبذلك يعلم كذب قول ابن القيم السابق أنه لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر الخ فإن فيه رداً على أجلاء الصحابة الذين هم أعلم بسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منه ومن قدوته والذين يتغنى دائما هو وقدوته وأتباعهما بأنهم أتباعهم في دعواهم إنهم سلفيون والذين يعتقد إنهم كالنجوم بأيهم اقتدى اهتدى في جعلهم قبره (صلّى الله عليه وآله) في وسط المسجد بعد توسيعه وعلى جميع المسلمين إلى اليوم الذين رضوا بذلك وأقروه فيلزم تخطئة الأمة جمعاء من عصر الصحابة إلى اليوم وتصويب الوهابية وحدهم. وما بال الوهابية لم يهدموا المسجد الذي حول قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) ويجعلوا قبره الشريف خارجا عن المسجد وأقروا هذا المحرم المؤدي إلى الشرك والكفر وقد صار الحجاز بأيديهم ولهم فيه الحول والطول واكتفوا بإقامة بعض جنودهم حول الضريح المقدس، بأيديهم عصي الخيزران يمنعون الناس من الدنو إلى القبر الشريف ولمسه وتقبيله ومن لم يمتنع قرعوه بالخيزران وربما قرعوا بالخيزران على القبر الشريف إعلاماً للزائر الغير الملتفت أن لا يدنو من القبر كما حدثنا بذلك جملة من الزوار ولا يمكنون أحداً من الدنو إلا ببذل بعض القطع الفضية فيشيرون إليه من طرف خفي إذا لم يرهم أحد فإن كان المانع لهم خوف هياج الرأي العام الإسلامي فقد هاج عليهم بهدمهم لمشاهد أئمة المسلمين ولم يبالوا ولا بد أنّهم يوماً ما فاعلو ذلك إذا بقي الحجاز بأيديهم.
ومما يدل على جواز بناء المساجد عند قبور الصالحين أو على قبورهم تبركاً بهم قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} في الكشاف: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم لنتخذن على باب الكهف مسجداً يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم انتهى ونحوه عن تفسير الجلالين عن السنوي في معالم التنزيل قال المسلمون نبني عليهم مسجداً يصلي فيه الناس لرب العالمين انتهى. وعن ابن عباس قال المسلمون نبني عليهم مسجداً يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا انتهى. وعن النيشابوري في غرائب القرآن { الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ} وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم حفظا لتربتهم انتهى. وفي مجمع البيان: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا} يعني الملك المؤمن وأصحابه وقيل أولياء أصحاب الكهف من المؤمنين وقيل رؤساء البلد عن الجبائي {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} متعبداً وموضعاً للعبادة والسجود يتعبد الناس فيه تبركاً بهم ودل ذلك على أن الغلبة كانت للمؤمنين انتهى فقد حكى الله تعالى مقالة المسلمين من غير رد عليهم ولا إنكار لعله ذكرها في معرض المدح فيكون ذلك تقريراً لها وإنما حكى الله تعالى قصص الماضين لتعتبر بها هذه الأمة وتقتدي بالحسن منها وتتجنب القبيح. (ومن الغرائب) ما يحكى عن شارح كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب أنه قال بعد ذكر الآية هذا دليل على أن الذين غلبوا هم الكفار إذ لو كانوا مؤمنين ما أرادوا أن يتخذوا على قبور الصالحين مسجداً لأن النبي (صلّى الله عليه وآله) لعن فاعل ذلك انتهى. فكأن معتقدات الوهابية عند هذا الرجل وحي منزل فلذلك تكون ناسخة للقرآن الكريم ويجب حمله عليها ولا يجوز تطبيقها عليه وهل يلتفت إلى هذا الاحتمال السخيف بعد إطباق المفسرين على خلافه ومنهم ابن عباس ترجمان القرآن وإمام المفسرين ومخالفته لظاهر الآية وسياقها كما يفهم مما مر مع أن ظاهر قوله تعالى: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} إن الجميع كانوا متفقين على البناء الذي يحرمه الوهابية وإنما كان التنازع في كيفيته فالوهابيون بمنعهم البناء على القبور قد خالفوا المسلمين والكافرين وقد نجى الله ذلك الملك المسلم ورعيته المسلمين في حياتهم فلم يكن في زمانهم وهابية وإلا لكفروهم بعد إسلامهم وشركوهم بعد توحيدهم لبنائهم مسجداً على أهل الكهف وتبركهم بهم لكنهم لم يسلموا من الوهابيين بعد موتهم وبعد إن مضى على موتهم ألوف مؤلفة من السنين فكفروهم بعدما صاروا ترابا في قبورهم.
ومما يدل على جواز بناء المساجد على القبور ما في وفاء الوفا للسمهودي([265]) عن ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران بسنده إلى محمد بن علي بن أبي طالب في حديث ذكر فيه وفاة فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب. إلى أن قال: فلما توفيت خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة الحديث قال السمهودي وقوله في موضع المسجد الخ يقتضي أنه كان على قبرها مسجد يعرف به في ذلك الزمان انتهى (وقوله) في موضع المسجد الخ الظاهر أنه من كلام ابن الحنفية المتوفى سنة 81 فيكون المسجد قبل ذلك وفي وفاء الوفا([266]) قال عبد العزيز الغالب عندنا إن مصعب بن عمير وعبد الله بن جحش دفنا تحت المسجد الذي بني على قبر حمزه انتهى وقال قبل ذلك([267]) سيأتي عن عبد العزيز بن عمران إنه كان على قبر حمزه قديما مسجد وذلك في المائة الثانية انتهى.
الفصل الثاني عشر
(في الاسراج على القبور)
وهذا مما منعه الوهابية محتجين بالحديث المتقدم في الفصل السابق (لعن الله زوارات القبور أو زائرات القبور المتخذين عليها المساجد والسرج) واستناداً إلى هذه الرواية منع الوهابيون إضاءة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) هذه السنة أعني سنة 1346 بعدما كانوا يضيئونه في العام الماضي على ما أخبرنا به الحجاج. (والجواب) عن هذا الحديث بضعف السند كما بيناه في الفصل السابق ومع تسليم السند فهو محمول على صورة عدم المنفعة لانصرافه إلى ذلك فيكون تضييعاً للمال أو على غير قبور الأنبياء والأولياء الذين دل الشرع على رجحان تعظيمهم أحياء وأمواتاً أما إسراجها لقراءة القرآن والأدعية والصلاة وانتفاع الزائرين والبائتين فيها فليس مكروهاً ولا محرماً للنفع الظاهر في ذلك فيكون من التعاون على البر والتقوى المأمور به في الكتاب المجيد ويكون نظير ما حكي عن الترمذي أنه روى عن ابن عباس أن النبي (صلّى الله عليه وآله) دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج قال العزيزي في شرح الجامع الصغير([268]) في شرح قوله (والسرج): محل ذلك حيث لا ينتفع بها الأحياء إلى أن قال فإن كان هناك من ينتفع به صح ذلك انتهى. وقال السندي في حاشية سنن النسائي: والنهي عنه لأنه تضييع مال بلا نفع انتهى، فدل على أنه لا نهي حيث يكون هناك نفع (وقال) الشيخ الحنفي في حاشية الجامع الصغير يحرم إسراج القنديل على قبر ولي ونحوه حيث لم يكن من ينتفع به لما فيه من إضاعة المال لا لغرض شرعي انتهى.
الفصل الثالث عشر
(في الدعاء والصلاة عند القبر الشريف وغيره)
والتوجه إليه عند الدعاء
وهذا أيضاً مما منعه الوهابية وجعلوه شركاً وكفراً (وقال) قدوتهم ابن تيمية في رسالة زيارة القبور([269]) إن الصحابة كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) يسلمون عليه فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر الشريف بل ينحرفون ويستقبلون القبلة ويدعون الله وحده كما في سائر البقاع (أي لا يتوسلون بالنبي (صلّى الله عليه وآله)) (إلى أن قال) ولهذا لم يذكر أحد من أئمة السلف أن الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبة ولا أن الصلاة والدعاء هناك أفضل منهما في غيرها بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل منها عند قبور الأنبياء والصالحين سميت مشاهد أو لم تسم، ثم ذكر بعض الآيات والأخبار الواردة في المساجد كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} وقوله (صلّى الله عليه وآله): من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة، وقال إنه لم يرد مثلها في المشاهد انتهى. (ونقول) يدل على جوازه الصلاة والدعاء عند قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقبور سائر الأنبياء والصالحين عموم وإطلاق ما دل على جواز الصلاة والدعاء في كل مكان ويدل على رجحان ذلك ما فهم من الشرع من رجحان الصلاة والدعاء ومطلق العبادة في كل مكان ثبت شرفه في الشرع ولا شك في تشرف المكان بالمكين الموجب لتشرف قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بحلول جسده الشريف فيه ويدل عليه عمل المسلمين خلفا عن سلف ويدل على رجحان الدعاء عند قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} الآية. الشامل لحالتي الحياة والموت وأن حرمته (صلّى الله عليه وآله) ميتاً كحرمته حياً كما قاله مالك للمنصور على ما مر في التوسل وذكر جميع علماء المسلمين من أهل المذاهب له في كتب المناسك وذكرهم الدعاء المشتمل على الاستشهاد بالآية المذكورة كما مر ولنعم ما قال شمس الدين الجزري في الحصن الحصين على ما حكي عنه: إن لم يجب الدعاء عند النبي (صلّى الله عليه وآله) ففي أي موضع يستجاب انتهى. وسيأتي في فصل زيارة القبور إن فاطمة (عليها السلام) كانت تزور قبر عمها حمزة في كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. (وفي رواية) أنها كانت تزور قبور الشهداء بأحد اليومين والثلاثة فتصلي هناك وتدعو وتبكي وابن تيمية يقول لم يذكر أحد من أئمة السلف إن الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبة (وأما استقباله (صلّى الله عليه وآله) عند الدعاء) فلا مانع منه لقوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} بل هو راجح بقصد التبرك بمواجهته المرجو معها استجابة الدعاء وبقصد التوسل والتشفع به الثابت رجحانه كما بيناه في تضاعيف ما مر بل يدل قول الإمام مالك للمنصور المتقدم في فصل التوسل على أن استقباله (صلّى الله عليه وآله) أفضل من استقبال القبلة أو مساو له ولا ينافي ذلك ما دل على أن أفضل الجهات جهة القبلة لأن العام يخصص والمطلق يقيد وفي قول المنصور لمالك أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دلالة واضحة على أن الدعاء عند القبر الشريف كان مشهوراً معروفاً لا يشك أحد في رجحانه وإنما الذي توقف فيه المنصور إن استقبال القبلة حال الدعاء أفضل أم استقبال القبر، (أما) قول ابن تيمية: لم يقل أحد من أئمة المسلمين إن الصلاة والدعاء عند القبور وفي مشاهدها أفضل منها في غيرها فيكذبه خبر مالك إمام دار الهجرة مع المنصور المشار إليه وأما كون الصلاة والدعاء عند القبور وفي مشاهدها أفضل منهما في غيرهما فيكفي فيه ما دل على شرف تلك البقاع بشرف من دفن فيها الذي صار ملحقا بالضروريات في شرع الإسلام كما شرف جلد الشاة بكونه جلداً للمصحف وما الذي يمنع من الصلاة لله عندها والأرض كلها لله تعالى وقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله) جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً والصلاة جائزة في كل بقاع الأرض سيما الشريفة منها بعد أن تكون لله تعالى والممنوع منه الصلاة إلى القبر تعظيماً له أو السجود له كما مر في فصل اتخاذ المساجد على القبور أما الصلاة بقربه تبركاً بالمكان المدفون فيه فلا مانع منها لثبوت شرف المكان بالمكين ضرورة كما تكرر ذكره والعبادة لله لا للقبر كما أن الصلاة لله في المسجد طلبا لشرف المكان مستحبة وليست عبادة للمسجد فالمسلمون يصلون عند قبور شرفت بمن دفن فيها لتنالهم بركة أصحابها الذين جعلهم الله مباركين كما يصلون عند المقام الذي هو حجر شرف بملامسة رجل إبراهيم الخليل (عليه السلام) لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} الذي يفهم منه إن سبب اتخاذ المصلى عنده تبركه بقيامه عليه ويدعون الله عندها لشرفها أيضاً بمن دفن فيها فيكون دعاؤهم عندها أرجى للإجابة كالدعاء في المسجد أو الكعبة أو أحد الأمكنة أو الأزمنة التي شرفها الله ولكن ابن تيمية تعود بسرد الدعاوى المنفية بلا دليل بل مصادمة للضرورة وتتابع أدوات النفي لترويج مدعياته كما أن دعواه اتفاق أئمة السلف كلهم على أن الصلاة في البيوت أفضل منها عند قبور الأنبياء والصالحين دعوى مجردة عن الدليل فمن هو الذي صرح بذلك من أئمة السلف فضلا عن كلهم فليأتنا بواحد منهم إن كان من الصادقين (وعن الخصائص الكبرى للسيوطي) في قصة المعراج عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال فركبت ومعي جبرئيل فسرت فقال انزل فصل ففعلت فقال أتدري أين صليت بطيبة وإليها المهاجرة ثم قال انزل فصل ففعلت فقال أتدري أين صليت صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ثم قال انزل فصل ففعلت فقال أتدري أين صليت صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى انتهى. ومنه يفهم أن محل ولادة عيسى ينبغي الصلاة فيه كطيبة وطور سيناء لفضله وبركته بولادة عيسى فيه أفلا يكون المكان الذي بورك بوجود جسد النبي (صلّى الله عليه وآله) فيه مباركا مستحقا لاستحباب الصلاة وعبادة الله تعالى فيه ولا يكون مكان ولادة النبي (صلّى الله عليه وآله) مستحقاً لأن يتبرك به بل مستحقاً للهدم والمحو كما فعلته الوهابية به؟ (وقال ابن القيم) تلميذ ابن تيمية في كتابه زاد المعاد على ما حكي عنه: إن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة انتهى. فإذا كانت آثار إسماعيل وهاجر لأجل ما مسهما من الأذى مستحقة لجعلها مناسك ومتعبدات فآثار أفضل المرسلين الذي قال ما أوذي نبي قط كما أوذيت لا تستحق أن يعبد الله فيها وتكون عبادة الله عندها والتبرك بها شراً وكفراً! وقد كانت عائشة ساكنة في الغرفة التي دفن فيها النبي (صلّى الله عليه وآله) وبقيت ساكنة فيها بعد دفنه ودفن صاحبيه وكانت تصلي فيها وذلك يبطل قول الوهابية بعدم جواز الصلاة عند القبور كما مر في فصل البناء على القبور.
الفصل الرابع عشر
(في تعظيم القبور وأصحابها والتبرك بها)
بما لم ينص الشرع على تحريمه
(من لمس وتقبيل لها ولأعتاب مشاهدها وتمسح بها وطواف حولها ونحو ذلك).
وهذا مما منعه الوهابية وكفروا به المسلمين وأشركوهم وسموهم القبوريين وعباد القبور ونحو ذلك صرح به الصنعاني في كلامه السابق في الباب الأول حيث عد الطواف بالقبور والتبرك والتمسح بها من موجبات الشرك وإنه كفعل الجاهلية للأصنام والأوثان والوهابيون في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي المتقدم هناك حيث جعلوا تعظيم قبور الأنبياء والأولياء ببناء القباب والإسراج والصلاة عندها وغير ذلك من الشرك وعبادة الأوثان وصرح بذلك أيضاً غير من ذكر.
(ونقول) تعظيم قبور الأنبياء والصلحاء بل سائر المؤمنين وأصحابها أحياء وأمواتاً بما لم ينص الشرع على تحريمه([270]) راجح عقلاً وشرعاً لا مانع منه ولا محذور فيه لأنه من تعظيم شعائر الدين {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} ولم يدل دليل على تحريمه فيبقى داخلاً في العموم مع حكم العقل بحسن تعظيم كل قريب إلى الله حياً وميتاً ولا يعد ذلك عبادة لها كما توهمه الوهابية لأنه ليس كل تعظيم أو خضوع أو تذلل بقيام أو غيره يكون عبادة ويوجب شركاً وكفراً أو يكون محرماً فقد عرفت في المقدمات أن العبادة المنهي عنها لغير الله والتي توجب الشرك والكفر ليست العبادة اللغوية قطعاً التي تشمل مطلق التعظيم والخضوع وأن تعظيم القبور ومن فيها والقيام والخضوع عندها لا يدخل في ذلك بل تعظيمها عبادة وطاعة لله تعالى لأن تعظيم من عظمه الله طاعة لله وعبادة وتعظيم له وخضوع له كما مر في المقدمات وليس عبادة للمعظم موجبة للشرك والكفر (أما) إن الأنبياء والصلحاء ممن يستحق التعظيم عنده تعالى وإن لهم حرمة وشأناً وشرفاً وفضلاً وبركة أحياء وأمواتاً فلأنهم أنبياء الله ورسله الذين اختارهم واجتباهم برسالته وميزهم على جميع خلقه وجعلهم أمناء شرعه ودينه والصالحون هم أحباء الله المطيعون لأمره ونهيه فحرمتهم أحياء وأمواتاً لا يشك فيها مسلم وهو عند المسلمين ملحق بالضروريات فالنبي والصالح لا تسقط حرمته بموته وقد قال الإمام مالك للمنصور كما مر في فصل التوسل أن حرمة النبي (صلّى الله عليه وآله) ميتا كحرمته حياً واعترف الوهابية في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية بأن رتبة النبي (صلّى الله عليه وآله) أعلى مراتب المخلوقين وأنه حي في قبره حياة برزخية وأن من أنفق نفيس أوقاته بالصلاة عليه فقد فاز بسعادة الدارين وإن كان المنقول عنهم كما مر أنهم يقولون النبي طارش وعصا أحدنا أنفع له منه إلا أن ضرورة دين الإسلام تقضي بخلاف هذا وأن المكان يتشرف بالمكين وينال به الفضل والبركة وإذا ثبتت حرمة الأنبياء والصالحين أحياء وأمواتاً فبدفنهم في مكان يكتسب ذلك المكان شرفاً وفضلاً وبركة ويستحق التعظيم كما يستحق جلد الشاة التعظيم بجعله جلداً للمصحف وينال البركة والفضل بمجاورة المصحف فيجب تعظيمه وتحرم إهانته وتنجيسه وكما أن من احترام المصحف احترام جلده فمن احترام الأنبياء والصلحاء احترام قبورهم المتشرفة بأجسادهم الشريفة فتعظيم هذه القبور واحترامها هو بأمر الله الذي جعلها محترمة معظمة لأنها قبور أنبيائه ورسله الذي أمر باحترامهم وتعظيمهم فيكون عبادة لله تعالى لأن كلما كان عن أمر الله فهو طاعة وعبادة لله وذلك كتعظيم الأخ في الله واحترامه والأبوين وخفض جناح الذل لهما والمسجد والكعبة والحرم والمقام والحجر بكسر الحاء والحجر الأسود وغيرها (والحجر) هو منزل إسماعيل وأمه (عليهما السلام) ومدفنهما فإن إبراهيم (عليه السلام) لما ذهب بهاجر وإسماعيل إلى مكة عمد بها إلى موضع الحجر وأمرها أن تتخذ فيه عريشا ولما ماتت دفنها إسماعيل في الحجر فلما مات إسماعيل وعمره مائة وثلاثون عاماً دفن مع أمه في الحجر ذكر ذلك قطب الدين الحنفي في تاريخ مكة نقلاً عن الأزرقي([271]) وقد أوجب الله احترام النبي (صلّى الله عليه وآله) غاية الاحترام فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} (ولو كان) احترام قبور الأنبياء والصلحاء عبادة لها وشركا لكان تعظيم الكعبة والطواف بها والحجر الأسود وتقبيله والحجر والمقام والمساجد والمشاعر والأبوين وإطاعتهما وخفض جناح الذل لهما وغض الأصوات عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخفضه جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وسجود الملائكة لآدم وسجود إخوة يوسف وأبويه له وتعظيم الجنود لأمرائهم والصحابة للنبي (صلّى الله عليه وآله) وللخلفاء والأنبياء لآبائهم وأماتهم وقيامهم وخضوعهم لهم والوهابية للسلطان ابن سعود وغير ذلك كله عبادة لغير الله وشركاً ولم يسلم من الشرك نبي فمن دونه (لا يقال) التعظيم الذي نص الشرع عليه وأمر به لا كلام لنا فيه إنما لكلام فيما لم ينص عليه الشرع (لأنا نقول) إذا فرض أن كل تعظيم عبادة وكل عبادة لغير الله شرك يكون الله تعالى قد أمر بالشرك ورضيه وأحبه وذلك باطل لقبح الشرك عقلاً ونقلاً {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} ولا يمكن أن يرخص الله تعالى في الشرك، وورود الأمر به لا يرفع الشركية لأن ما هو شرك قبل الأمر لا يصير توحيداً بالأمر به إذ الحكم لا يغير الموضوع كما مر في المقدمات مع أنه كما يقال بورود الشرع بتعظيم هذه المذكورات يقال بوروده بتعظيم قبور الأنبياء والصالحين لما عرفت من أن فضلها وبركتها الموجب لتعظيمها ثابت بضرورة الشرع وكيف أمر الله بتعظيم المقام وما هو إلاصخرة تشرفت بقيام إبراهيم (عليه السلام) عليها حين بناء البيت وبأثر قدمه ولم تكن وثناً معبوداً ولا معظمها كافراً ولا مشركاً وكان معظم قبر إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) وقبر محمد (صلّى الله عليه وآله) سيد ولد آدم الذين حويا جسديهما الشريفين كافراً ومشركاً سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم. وتوهم ورود النهي عن تعظيم القبور بينا فساده في محاله (ويكفي) في حرمة القبور وشرفها وفضلها وبركتها إيصاء الصاحبين أن يدفنا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) وقد عدّ دفنهما معه أعظم منقبة لهما ولو كانت القبور ليس لها حرمة وشرف ولا ترجى بركتها وبركة جوارها فما الموجب لذلك ولما أراد بنو هاشم تجديد العهد بالحسن بن علي (عليه السلام) بجده (صلّى الله عليه وآله) وظن بنو أمية وأعوانهم أنهم يريدون دفنه عند جده لبسوا السلاح ومنعوهم أشد المنع قائلين أيدفن عثمان في أقصى البقيع ويدفن الحسن عند جده وإذا لم يكن للقبر حرمة ولا شرف وبركة ترجى فلماذا يأتي بنو هاشم بجنازة الحسن ليجددوا به عهداً بجده (صلّى الله عليه وآله) بوصية منه وهل هذا إلا عين التوسل والتبرك بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وبقبره بعد الموت الذي أنكره الوهابية وجعلوه شركاً وهل أشرك الحسن (عليه السلام) وبنو هاشم بفعلهم هذا وجهلوا معنى التوحيد الذي عرفه أعراب نجد إذا لم يكن للقبور شرف وحرمة فلماذا يتأسف بنو أمية لدفن عثمان في أقصى البقيع ويمنعون من دفن الحسن عند جده كل ذلك دال على شرف البقعة وفضلها عند عموم المسلمين بشرف من فيها وإن الدفن فيها طلبا لشرفها وبركتها أمر راجح مطلوب محبوب تراق دونه الدماء وتزهق النفوس (وحينئذٍ) فقياسهم تعظيم قبور الأنبياء والصالحين بتعظيم الأصنام والأوثان التي لم يجعل الله لها حرمة ونهى عن تعظيمها سواء كانت صور قوم صالحين أو غيرها قياس فاسد وجهل فاضح (وقال) صاحب المنار في مجموعة مقالاته (الوهابيون والحجاز) ما معناه: إن تعظيم القبور تعظيماً دينياً من أعمال الشرك (ثم قال) حدثني الشريف محمد شرف عدنان باشا حفيد الشريف عبد المطلب الذي كان أعقل رجل في شرفاء مكة أنه رأى رجلاً في مسجد ابن عباس بالطائف يصلي مستقبل القبر مستدبر القبلة فظنه أعمى وجاء ليحوله إلى القبلة فرآه بصيرا وأبى أن يتحول فأمر بإخراجه (إلى أن قال) ما حاصله: إن تعظيم القبور تعظيماً دينياً كان سبباً لمنكرات كثيرة وإن استحلال المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كفر وخروج عن الملة انتهى.
وقد عرفت بما بيّناه وأوضحناه أن تعظيم قبور الأنبياء والصالحين تعظيماً دينياً من الأمور المندوب إليها في الشرع كتعظيم نفس الأنبياء والصالحين وأن حرمتهم أمواتاً كحرمتهم أحياء وأنه كتعظيم جلد الشاة المعمول جلداً للمصحف لا يشك في ذلك إلا جاهل أو معاند وما حكاه عن هذا الشريف لم نسمع بمثله في شيء من بلاد الإسلام لا من الخواص ولا من أجهل العوام ولا نظنه إلا فرية وأن فرض صدقة لا يوجب أن يكون كل تعظيم شركاً وكفراً فهل إذا عظمت السبائية علياً (عليه السلام) وأوصلته إلى درجة الألوهية يكون كل تعظيم له شركاً. ويدخل في حكمه على استحلال المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة بأنه كفر وخروج من الملة تعظيم قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) والتبرك به فإن المسلمين قد أجمعوا على ذلك في جميع الأعصار والأمصار قولاً وعملاً حتى وصل إلى حد الضرورة ولم يخالف فيه غير الطائفة الوهابية.
وأما التبرك بقبر النبي (صلّى الله عليه وآله) بلمس وتقبيل وتمسح به وطواف حوله ونحو ذلك فالحق جوازه ورجحانه لما ستعرف من الأدلة الكثيرة الدالة عليه (أما) علماء أهل السنة فاختلفوا في جوازه واستحبابه وكراهته ولكن من كرهه إنما كرهه بزعم منافاته للأدب كما ستعرف قال السمهودي في كتاب وفاء الوفا([272]) قال النووي لا يجوز الطواف بقبره (صلّى الله عليه وآله) ويكره الصاق البطن والظهر بجدار القبر قاله الحليمي وغيره قال ويكره مسحه باليد وتقبيله بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته هذا هو الصواب الذي أطبق عليه العلماء ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء وفي الأحياء مس المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود، قال الزعفراني وضع اليد على القبر ومسه وتقبيله بدعة من البدع التي تنكر شرعاً وروي أن أنس بن مالك رأى رجلاً وضع يده على قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فنهاه وقال ما كنّا نعرف هذا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد أنكره مالك والشافعي وأحمد أشد الانكار وقال بعض العلماء إن قصد بوضع اليد مصافحة الميت يرجى أن لا يكون به حرج ومتابعة الجمهور أحق وفي تحفة ابن عساكر ليس من السنة أن يمس جدار القبر المقدس ولا أن يقبله ولا يطوف كما يفعل الجهال بل يكره ذلك ولا([273]) يجوز والوقوف من بعد أقرب إلى الاحترام ثم روى من طريق أبي نعيم بسنده أن ابن عمر كان يكره أن يكثر مس قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) قال البرهان بن فرحون بعد ذكره وهذا تقييد لما تقدم وهو عن ابن عمر في القبر نفسه فالجدر الظاهرة أخف إذا لم يكثر منه وعن تأليف ابن تيمية قيل لأحمد بن حنبل أنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر وأهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحية ويسلمون فقال نعم هكذا كان ابن عمر يفعل ،وقال أبو بكر الأثرم قلت لأحمد بن حنبل قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) يلمس ويتمسح به قال لا أعرف هذا قلت فالمنبر قال أما المنبر فنعم قد جاء فيه شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر أنه مسح المنبر ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة أي رمانة المنبر قبل احتراقه ويروى عن يحيى بن سعيد شيخ مالك أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسن([274]) ذلك، قال السروجي الحنفي لا يلصق بطنه بالجدار ولا يمسه بيده، وعن كتاب أحمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر لا يلصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلاً، وقال ابن قدامة من الحنابلة لا يستحب التمسح بحائط قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا يقبله وحكى العزيز بن جماعة عن كتاب العلل والسؤالات لعبد الله بن أحمد بن حنبل سألت أبي عن الرجل يمس منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى قال لا بأس قال العز بن جماعة وهذا يبطل ما نقل عن النووي من الإجماع وقال السبكي في الرد على ابن تيمية إن عدم التمسح بالقبر ليس مما قام الإجماع عليه فقد روى أبو الحسين يحيى بن الحسين بن جعفر في أخبار المدينة عن عمر بن خالد عن أبي نباته عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أقبل مروان بن الحكم فإذا رجل ملتزم القبر فأخذ مروان برقته ثم قال هل تدري ماذا تصنع فقال إني لم آت الحجر ولم آت اللبن إنما جئت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن أبكوا عليه إذا وليه غير أهله قال المطلب وذلك الرجل أبو أيوب الأنصاري وقال السمهودي في مقام آخر([275]) رواه أحمد بسند حسن عن عبد الملك بن عمرو عن كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح وذكر مثله إلا أنه لم يذكروا اللبن قال ورواه الطبراني في الكبير والأوسط وتقدم في المبحث الثاني تمريغ بلال وجهه على القبر لما جاء لزيارته (صلّى الله عليه وآله) (قال) وفي تحفة ابن عساكر من طريق طاهر بن يحيى عن الحسيني عن أبيه عن جده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال لما رمس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جاءت فاطمة فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعتها على عينها وبكت وأنشأت تقول:
ماذا على من شم تربة أحمد
أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها
صبت على الأيام عدن لياليا
قال وذكر الخطيب ابن حملة أن ابن عمر كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف وأن بلالا وضع خده عليه (إلى أن قال) ولا شك أن الاستغراق في المحبة يحمل على الإذن في ذلك والمقصود من ذلك كله الاحترام والتعظيم والناس تختلف مراتبهم في ذلك كما كانت تختلف في حياته فأناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم بل يبادرن إليه وأناس فيهم أناة والكل محل خير وقال الحافظ ابن حجر استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره (إلى أن قال) ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين ونقل الطيب الناشري عن المحب الطبري أنه يجوز تقبيل القبر ومسه قال وعليه عمل العلماء الصالحين وأنشد:
أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
وعن أبي خيثمة عن مصعب بن عبد الله عن إسماعيل بن يعقوب التيمي كان ابن المنكدر يصيبه الصمات فكان يقوم كما هو يضع خده على قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فعوتب في ذلك فقال إنه يصيبني خطرة فإذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وكان يأتي موضعا من المسجد في الصحن فيتمرغ فيه ويضطجع فقيل له في ذلك فقال إني رأيت النبي (صلّى الله عليه وآله) في هذا الموضع أراه قال في النوم انتهى. ما أردنا نقله من وفاء الوفا وبذلك ظهر أن جملة ممن كره الصاق البطن والظهر والمسح باليد أو إكثاره والتقبيل وإطالة الوقوف إنما قال به لمنافاته الأدب والاحترام بزعمه كما يدل عليه قول الحليمي بل الأدب أن يبعد منه الخ وقول ابن عساكر والوقوف من بعد أقرب إلى الاحترام وما حكي عن ابن عمر من كراهته إكثار المس لا أصل المس فكأنه رأى أن في إكثار المس سوء أدب وكذا إطالة الوقوف التي في كتاب الهندي لا لكونه عبادة وكيف يتوهم فيما جعل منافيا للاحترام أنه عبادة وبعضهم كرهه لزعم أنه بدعة كما في كلام الزعفراني ويدل عليه قول مالك ما كنا نعرف هذا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقول ابن عساكر ليس من السنة وقول أحمد هكذا كان ابن عمر يفعل وقول الغزالي إنه عادة النصارى واليهود وغير ذلك من كلماتهم وكذلك منع الطواف به لزعم أنه بدعة أو لشبهة بالطواف بالكعبة المشرفة وكيف كان فليس في شيء من كلماتهم أنه عبادة للقبر كما تزعمه الوهابية والتحقيق أنه لا كراهة ولا تحريم في شيء من ذلك إذ لا يقصد به سوى التبرك وهو جائز وراجح إذ لا يشك مسلم بأن القبر الذي حول جسد النبي (صلّى الله عليه وآله) مبارك قد نالته بركة جسده سيما إذا قلنا بحياته البرزخية في قبره التي لا تنكرها الوهابية كما مر في المقدمات وإذا كان كذلك فلا مانع من التبرك بقبره الشريف بجميع أنواع التبرك من تقبيل ولمس والصاق بدن وطواف حوله وغير ذلك (قال) قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن السبكي في محكي كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام الذي يرد به على ابن تيمية: نحن نقطع ببطلان كلامه (أي ابن تيمية) وإن المعلوم من الدين وسيرة السلف الصالحين التبرك ببعض الموتى من الصالحين فكيف بالأنبياء والمرسلين ومن ادعى أن قبور الأنبياء وغيرهم من الموتى المسلمين سواء فقد أتى أمراً عظيماً نقطع ببطلانه وخطئه وفيه حط لرتبة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى درجة غيره من المؤمنين وذلك كفر بيقين فإن من حط رتبة النبي (صلّى الله عليه وآله) عما يجب له فقد كفر (فإن قال) إن هذا ليس بحط ولكنه منع من التعظيم فوق ما يجب له (قلت) هذا جهل وسوء أدب ونحن نقطع بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) يستحق من التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته وبعد موته ولا يرتاب في ذلك من في قلبه شيء من الإيمان انتهى. (وتوهم) أن ذلك أو بعضه بدعة توهم فاسد لما عرفت في المقدمات من أنه يكفي في كون الشيء سنة دخوله في عمومات أدلة الشرع وفحاويها ولا يلزم النص عليه بخصوصه وقد فهم ضرورة من الشرع أن في القبر الذي ضم جسد سيد ولد آدم وأشرف المخلوقات بركة وأن له فضلاً وذلك كاف في جواز التبرك به بجميع أنواع التبرك التي يرجى بها نيل بركته وما مر عن أحمد من أنه كان ينكره أشد الانكار معارض بما مر من حكاية ولده عنه الترخيص فيه وقوله هكذا كان ابن عمر يفعل لا يدل على ترجيحه لفعله ولا يبعد أن يكون ترك ابن عمر له لظنه أن غيره أقرب إلى الأدب مع أنه معارض بما مر من أنه كان يضع يده على القبر وأنه كره إكثار المس لا أصله وكراهته الاكثار لظن منافاته الأدب ومعارض بما مر من التزام أبي أيوب الأنصاري للقبر ورده على مروان ذلك الرد ومن تمريغ بلال وجهه ووضع خده عليه ووضع الزهراء ترابه على عينها واستشفاء ابن المنكدر به بوضع خده عليه وبالموضع الذي رآه فيه في النوم بتمرغه واضطجاعه فيه والاستشفاء أعظم من التبرك ولذلك أجازه أبو الصيف أحد علماء مكة والمحب الطبري وقال إن عليه عمل العلماء كما مر مع أن ابن عمر وسعيد ابن المسيب ويحيى ابن سعيد شيخ مالك تبركوا بمسح المنبر كما مر الذي نال البركة بجلوس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليه برهة من الزمان فكيف بقبره الذي بورك بوجود جسده الشريف على ممر الدهور والأعوام ولذلك استنبط بعض العلماء من تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من حجر وغيره وقد قال عمر إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقبلك ما قبلتك رواه ابن ماجة ولذلك جوز أحد علماء مكة تقبيل المصحف وأجزاء الحديث كما مر وتقبيل المصحف عليه عمل المسلمين كلهم جيلاً بعد جيل وروي أن النبي (صلّى الله عليه وآله) طاف راكباً وكان يستلم الركن بمحجنه ويقبل المحجن([276]) رواه مسلم([277]) وابن ماجة([278]) وإذا جاز تقبيل المحجن لملامسة الركن أفلا يجوز تقبيل قبر حل فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (لا يقال) إنما يجوز تقبيل المحجن اقتداء بفعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولو رأيناه يقبل القبر ما توقفنا في جوازه والعبادة مبناها على الاتباع (لأنا نقول) استفدنا من تقبيله المحجن الذي تبرك بملامسة الركن جواز تقبيل كل مستحق للتعظيم على نحو ما استفاد ذلك بعض العلماء من تقبيل الحجر الأسود كما مر وحكى القسطلاني في إرشاد الساري([279]) عن أصحاب المذاهب استلامه باليد وتقبيلها والإشارة إليه باليدين وتقبيلهما (ولو) كان تقبيل قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) عبادة له أو للقبر لكان تقبيل يده أو بدنه الشريف في حياته وبعد موته عبادة له لعدم تصور الفرق مع أنه قد روى أحمد بن حنبل في مسنده([280]) بسنده عن ابن عمر أنه قبل يد النبي (صلّى الله عليه وآله) (وقد) قبل سواد بن غزية بطن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في غزوة بدر نقله في السيرة الحلبية([281]) وأقره (صلّى الله عليه وآله) على ذلك وقبل كشحه سواد بن عمرو ولم ينهه، رواه أبو داود كما في السيرة الحلبية (وفيها أيضاً) عن الخصائص الصغرى: من خصائصه (صلّى الله عليه وآله) أنه ما التصق ببدنه مسلم وتمسه النار (أقول) وليس ذلك إلا ببركة بدنه الشريف فمن التصق بقبره الذي بورك بالتصاقه ببدنه الشريف يرجى له ذلك (وأخرج) ابن ماجة في سننه أن أبا بكر قبل النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو ميت (وعن) كفاية الشعبي وفتاوى الغرائب ومطالب المؤمنين وخزانة الرواية ما هذا لفظه: لا بأس بتقبيل قبر الوالدين لأن رجلا جاء إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله إني حلفت أن أقبل عتبة باب الجنة وجبهة حور العين فأمره أن يقبل رجل الأم وجبهة الأب قال يا رسول الله إن لم يكن أبواي حيين قال قبل قبرهما قال فإن لم أعرف قبرهما قال خط خطين إِنوِ أحدهما قبر الأم والآخر قبر الأب فقبلهما فلا تحنث في يمينك (ومر) في فصل الدعاء والاستغاثة تمسح الناس بالعباس لما استسقى به عمر فسقوا (وعن القاضي عياض) في شرح الشفا أنه رئي ابن عمر واضعا يده على قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) من المنبر ثم وضعها على جبهته. أفيجوز التبرك بمقعد النبي (صلّى الله عليه وآله) من المنبر ولا يجوز التبرك بقبره الذي ضم جسده الشريف (أما قول الغزالي) إن مس المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود فيرده ما سمعت من أنه عادة المسلمين أيضا أكابرهم وأصاغرهم وكونه عادة النصارى واليهود لا يصير دليلا على منعه بعد أن ثبت من الشرع جوازه كما عرفت (أما) توهم أن اللمس أو كثرته والصاق البطن والظهر وإطالة الوقوف منافية للآداب فتوهم فاسد لأن فعل ذلك بقصد التبرك من تمام الأدب والاحترام وكذا إكثاره وإطالة الوقوف طلبا لزيادة البركة والثواب ليس فيه شيء من منافيات الآداب (أما الطواف بالقبر) فإن أريد به أنه مأمور به بخصوصه وأنه عبادة خاصة كالطواف بالكعبة فهو تشريع محرم لكن هذا لا يقصده أحد وإنما يقصد الطائف حصول البركة بل المبالغة في حصولها حتى لا يبقى جانب من القبر إلا وتناله بركته وكونه شبيها بالطواف بالكعبة لا يوجب حرمته فإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ليس كل شبيه بالعبادة يكون ممنوعا وإلا لحرم تقبيل الآدمي رحمة وتقبيل الميت لمشابهته تقبيل الحجر الأسود ولا يقول به أحد (وفي تاريخ مكة المكرمة) المسمى بالإعلام بأعلام بيت الله الحرام لقطب الدين الحنفي([282]) عن قصص الأنبياء أن إبراهيم (عليه السلام) لما جاء لزيارة ولده إسماعيل بمكة جاءته زوجة إسماعيل بحجر وهو حجر المقام الذي بنى عليه الكعبة فجلس عليه فغاصت رجلاه في الحجر فغسلت شقيه الأيمن والأيسر وأفاضت الماء على رأسه وبدنه وانصرف فلما جاء إسماعيل وجد رائحة أبيه فسأل زوجته فأخبرته وقالت هذا موضع قدميه فقبل موضع قدم أبيه من الحجر وحفظه يتبرك به إلى أن بنى عليه فيما بعد إبراهيم (عليه الصلاة) والسلام الكعبة انتهى. فهل كفر أيها الوهابيون إسماعيل بتقبيله موضع قدم أبيه وتبركه بحجر وقف عليه أبوه وهل هذا الحجر بوقوف إبراهيم (عليه السلام) عليه صار أشرف من بقعة ضمت جسد سيد الأنبياء محمد (صلّى الله عليه وآله) التي جعلتم تقبيلها والتبرك بها شركاً وكفراً (والعجب) أن الوهابيين منعوا الناس من التبرك بالبناء الذي على مقام إبراهيم (عليه السلام) ومن لمسه وتقبيله وأخبرنا في هذه السنة أن بعض الحجاج لمس القفل الذي على باب المقام فضربوه ضرباً مبرحاً أدى به إلى قذف الدم والخطر على الحياة فالمقام الذي بلغ من فضله عند الله تعالى ببركة وقوف خليله إبراهيم عليه أن أمر بأن يتخذ مصلى بقوله (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) لا يستحق أن يتبرك بما جاوره عند الوهابيين، لقد ردوا بفعلهم هذا على الله وحادوه وعملوا بضد ما أمر به (وروى) السمهودي في وفاء الوفا([283]) عن يحيى بن عباد أنه روى أن بيت فاطمة الزهراء لما أخرجوا منه فاطمة بنت حسين وزوجها حسن بن حسن وهدموا البيت بعث حسن ابنه جعفر وكان أسن ولده وقال أنظر الحجر الذي منصفته كذا وكذا هل يدخلونه في بنيانهم فرصدهم حتى رفعوا الأساس وأخرجوا الحجر فأخبر أباه فخر ساجدا وقال ذلك حجر كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصلي إليه إذا دخل إلى فاطمة أو كانت فاطمة تصلي إليه الشك من يحيى وقال علي بن موسى الرضا ولدت فاطمة (عليها السلام) على ذلك الحجر، قال يحيى ورأيت الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن الحسين ولم أر فينا رجلاً أفضل منه إذا اشتكى شيئاً من جسده كشف الحصى عن الحجر فيتمسح به الحديث ومر تمامه في الفصل التاسع في تفصيل بناء الحجرة الشريفة فإذا كانت هذه حرمة حجر نال البركة بولادة الزهراء ولديها الحسنين عليه وبصلاتها أو صلاة أبيها (صلّى الله عليه وآله) إليه وهذه حال خيار السلف الذين يدعي الوهابية الاقتداء بهم بالنسبة إليه وهم في قرنه أو القريب منه الذي رووا أنه خير القرون فكيف بتربة ضمت جسد أبيها وجسدها الشريفين ألا يحق التبرك والتمسح والاستشفاء بها وطلب الحوائج من الله عندها أيها الإخوان؟ (وكان) الصحابة يتبركون بالماء الذي يغسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) به يديه وببصاقه وما يسقط من شعره ولم ينههم عن ذلك ولم يعده عبادة ولا شركاً ولا يزيد عن ذلك التبرك بقبره الشريف (ففي) السيرة الحلبية([284]) أن عروة بن مسعود الثقفي قام من عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عام الحديبية وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ أو يغسل يديه إلاّ ابتدروا وضوءه وكادوا يقتتلون عليه ولا يبصق بصاقاً إلاّ ابتدروه يدلك به من وقع في يده وجهه وجلده ولا يسقط من شعره شيء إذاّ أخذوه الحديث (وروى) البخاري في باب صفة النبي (صلّى الله عليه وآله)([285]) بسنده عن أبي جحيفة خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثمّ صلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين([286]) إلى أن قال وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك (وروى) في أواخر هذا الباب بسنده عنه إلى أن قال فأخرج بلال فضل وضوء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فوقع عليه الناس يأخذون منه (وروى) في باب استعمال فضل وضوء الناس([287]) بسنده عن أبي جحيفة خرج علينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به (ورواه) في الصلاة نحوه قال فجعل الناس يتمسحون بوضوئه قال القسطلاني واستنبط منه التبرك بما يلامس أجساد الصالحين (وروى) مسلم في الصلاة بسنده عن أبي جحيفة([288]) أتيت النبي (صلّى الله عليه وآله) بمكة وهو بالأبطح فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح الحديث قال النووي معناه فمنهم من ينال منه شيئاً ومنهم من ينضح عليه غيره شيئاً مما ناله ويرش عليه بللاً مما حصل له (وبسنده) عنه في حديث قال ورأيت بلالاً أخرج وضوءاً فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئاً تمسح به ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه (وفي رواية لمسلم) فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه (قال النووي) ففيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم انتهى. وإذا جاز التبرك والتمسح بيد النبي (صلّى الله عليه وآله) وببصاقه وشعره وبالماء الذي لامس جسده ولم يكن ذلك شركاً ولا عبادة له جاز التبرك بالقبر الذي حوى جميع جسده الشريف على سبيل الدوام أم تقولون أيها الإخوان إنّ الصحابة أشركوا بفعلهم هذا وأقرهم النبي (صلّى الله عليه وآله) على شركهم! ومما يدل على جواز التبرك بقبر النبي (صلّى الله عليه وآله) والتمسح به ما ذكره المسهودي في وفاء الوفا([289]) نقلاً عن ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران في حديث أنه لما توفيت فاطمة بنت أسد نزل النبي (صلّى الله عليه وآله) فاضطجع في اللحد وقرأ فيه القرآن ثم نزع قميصه فأمر أن تكفن فيه وقال ما أعفي أحد من ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد قيل يا رسول الله ولا القاسم قال ولا إبراهيم وكان إبراهيم أصغرهما (قال) وروى ابن شبة عن جابر بن عبد الله أنه لما أخبر (صلّى الله عليه وآله) بوفاتها نزع قميصه فقال إذا غسلتموها فاشعروها إياه تحت أكفانها وأنه تمعك في اللحد فقيل يا رسول الله رأيناك صنعت شيئين ما رأيناك صنعت مثلهما نزعك قميصك وتمعكك في اللحد قال أما قميصي فأريد أن لا تمسها النار أبداً إن شاء الله تعالى وأما تمعكي في اللحد فأردت أن يوسع الله عليها في قبرها (قال) وروى ابن عبد البر عن ابن عباس أنها لما ماتت ألبسها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قميصه واضطجع معها في قبرها فقالوا ما رأيناك صنعت ماصنعت بهذه فقال إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر لي منها إنما لبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها انتهى. فهذا صريح في حصول البركة لقبرها رضوان الله عليها باضطجاعه (صلّى الله عليه وآله) وتمعكه فيه بحيث صار ذلك موجبا لرفع ضغطة القبر عنها التي لم يسلم منها ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الرضيع وفي حصول البركة للقميص بمماسة جسد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بحيث تفيد مماسته لبدنها نجاتها من النار واللبس من حلل الجنة فكيف ينكر بعد هذا إن لمس قبره الذي تبرك وتشرف بملامسة جسده المبارك الشريف ومجاورته موجب للبركة ونيل خير الدنيا والآخرة ويجعل كفرا وشركا لولا الخذلان والحرمان. وفي وفاء الوفا([290]) عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أوصي أن يدفن عند عثمان بن مظعون فدفن هناك (وفيه) أنه روى ابن سعد في طبقاته عن أبي عبيدة بن عبد الله أن ابن مسعود قال ادفنوني عند قبر عثمان ابن مظعون انتهى. وذلك قصداً إلى التبرك بجواره ولأن النبي أمر بدفن ابنه إبراهيم عنده كما في وفاء الوفا.
وذكر السمهودي في وفاء الوفا([291]) فصلاً في الاستشفاء بتراب المدينة وبتمرها (كرواية) غبار المدينة شفاء من الجذام (وقوله (صلّى الله عليه وآله)) والذي نفسي بيده أن في غبارها شفاء من كل داء (وفي رواية) ومن الجذام والبرص (وفي رواية) عجوة المدينة من السقم وغبارها شفاء من الجذام (وفي رواية) والذي نفسي بيده أن تربتها لمؤمنة وأنها شفاء من الجذام (وفي رواية) غبار المدينة يطفئ الجذام إلى غير ذلك مثل ما رواه في الاستشفاء من الحمى بتراب صعيب وهو وادي بطحان (وحديث) من أكل سبع تمرات ممّا بين لابتيها حين يصبح لم يضره شيء حتّى يمسي رواه مسلم. وحديث من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر روي في الصحيحين، ورواه أحمد برجال الصحيح بلفظ من أكل سبع تمرات عجوة ممّا بين لابتي المدينة على الريق لم يضره يومه ذلك شيء حتّى يمسي. قال الراوي وأظنه قال وإن أكلها حين يمسي لم يضره شيء حتّى يصبح (وفي رواية) من تصبح بسبع تمرات من العجوة لا أعلمه إلا قال من العالية لم يضره يومئذٍ سم ولا سحر (وحديث) أنّ في عجوة العالية شفاء أو أنّها ترياق أول البكرة رواه مسلم إلى غير ذلك ممّا أورده السمهودي ويقال إنّ العجوة مما غرسه النبي (صلّى الله عليه وآله) بيده بالمدينة حكى ذلك السمهودي([292]) عن ابن الأثير والبزار قال فلعل الأوداء التي كاتب سلمان الفارسي أهله عليها وغرسها (صلّى الله عليه وآله) بيده الشريفة توجد بالفقير أو غيره من العالية كانت عجوة والعجوة توجد بالفقير إلى يومنا هذا انتهى. ومعلوم أنّ تراب المدينة المنورة وعجوتها إنّما نالا البركة بوجود النبي (صلّى الله عليه وآله) في المدينة حياً وميتاً وبغرسه نخل العجوة أفلا يكون قبره الشريف أولى بالبركة ويكون من يتبرك ويستشفي به كافراً مشركاً كعبدة الأصنام.
قال السمهودي في وفاء الوفا([293]) انعقد الإجماع على تفضيل ما ضمّ الأعضاء الشريفة حتى على الكعبة وأجمعوا على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد واختلفوا أيهما أفضل فذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ومالك بن أنس وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة وأحسن بعضهم فقال الخلاف في غير الكعبة فهي أفضل من المدينة ما عدى ما ضم الأعضاء الشريفة إجماعا قال وحكاية الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة نقله القاضي عياض والقاضي أبو الوليد الباجي قبله كما قال الخطيب بن جملة ونقله أبو اليمن بن عساكر وغيرهم مع التصريح بالتفضيل على الكعبة ونقل التاج الفاكهي نفي الخلاف عن ذلك انتهى. وهل نالت المدينة المنورة هذا الفضل العظيم حتى صارت أفضل من مكة أو ما عدى الكعبة إلا بوجود النبي (صلّى الله عليه وآله) فيها حياً وميتاً وإذا كان محل القبر الشريف صار يفضل على الكعبة المعظمة ويدعى على ذلك الإجماع أفلا يستحق أن يعظم ويتبرك به؟ ويكون تعظيمه والتبرك به شركاً وكفراً كعبادة الأصنام! (وعقد السمهودي) عدة فصول أورد فيها ما روي في الحث على حفظ أهلها وإكرامهم وأنهم جيرانه (صلّى الله عليه وآله) والتحريض على الموت بها والدعاء بذلك وعلى المجاورة بها والدعاء لها ولأهلها وعصمتها من الدجال والطاعون والأحاديث الواردة في تحريمها وغير ذلك وغير خفي أنها إنما حازت كل هذه الفضائل بتشرفها بهجرته (صلّى الله عليه وآله) إليها وسكناه بها حياً وميتاً وإلا كانت كسائر البلاد فإذا كانت إنما حازت هذا الشرف به (صلّى الله عليه وآله) وبقبره الشريف أفلا يسوغ أن يتبرك بقبر من هذه بركته وهذه حرمته عند الله تعالى؟ ويكون التبرك به شركا وكفرا! وعن الصديق حسن الحنبلي عن الإمام مالك أنه مع ضعفه وكبر سنه لم يركب قط في أرض المدينة وكان يقول لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مدفونة انتهى. ومع كل هذا يجعل الوهابيون التبرك بقبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شركاً وكفراً.
ومن ذلك يظهر أن قول بعض الوهابيين في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية خطاباً لأهل مكة: من جمع بين سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما أنتم عليه اليوم من فعلكم مع قبر أبي طالب والمحجوب وغيرهما وجد أحدهما مضاداً للآخر مناقضاً له إلى آخر ما قال – أحق بأن يقلب عليه فيقال: من جمع بين منعكم من تعظيم قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) والتبرك والتمسح به وبين ما قدمناه مما أثر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه وجد أحدهما مضاداً للآخر مناقضا له (وأما) استشهاد الوهابيين بخبر يغوث ويعوق ونسر التي هي أسماء قوم صالحين فلا شاهد فيه لأن الذم ليس على التبرك بهؤلاء الصالحين وبقبورهم بل على عبادة صورهم فقد ذكر المفسرون أن الآباء تبركت بهم والأبناء عبدت صورهم فالذم للأبناء على العبادة لا للآباء على التبرك.
في اتخاذ الخدمة والسدنة لقبور الأنبياء والأولياء
(والصلحاء واتخاذها أعياداً)
وهذا مما منعه الوهابية وصرحوا في كتابهم لشيخ الركب المغربي المتقدم في الباب الثاني بأن اتخاذها أعياداً وجعل السدنة لها شرك وكفر وعبادة للقبور لزعمهم أن كل تعظيم لها فهو عبادة وأنها صارت بذلك أصناماً وأوثاناً وأن جعل الخدمة والسدنة لها كما كان يجعل المشركون السدنة لأوثانهم. وهذا جهل منهم لما بيناه مراراً في الفصول السابقة وفي تضاعيف كلماتنا من أن تعظيم من يستحق التعظيم واحترام من هو أهل للاحترام ليس عبادة له ما لم يعظم بشيء من خواص الربوبية كالسجود ونحوه وأن تعظيم المشركين لأصنامهم بجعل السدنة لها وغيره تعظيم لغير من عظمه الله ولمن نهى الله عن تعظيمه ولم يجعل له حرمة لكونه حجراً أو شجراً ونحو ذلك سواء كان على صورة نبي أو صالح أو لا أما قبور الأنبياء والصلحاء فقد شرفها الله وأوجب تعظيمها بتضمنها لجسد وليه ونبيه فمن عظمها فقد عظم الله تعالى وأطاع أمره ومن تعظيمها جعل السدنة والخدمة لها ليحفظوها من وقوع القاذورات والأوساخ عليها ويعينوا زوارها على حوائجهم ويسرجوا حولها ويفرشوا لمن أراد عبادة الله عندها بصلاة أو قراءة قرآن أو دعاء أو ذكر أو غير ذلك مما أمر الله به وشرعه في كل زمان ومكان سيما الأمكنة الشريفة كمشاهد الأنبياء والصلحاء (وأما) اتخاذها أعياداً فقال ابن تيمية في رسالة زيارة القبور([294]): وفي السنن عنه (صلّى الله عليه وآله) أنه قال لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني (أقول) وأورد هذا الحديث السمهودي في وفاء الوفا([295]) هكذا: لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا الحديث (وفي رواية له) بدل وصلوا علي الخ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم (وفي رواية) لا تتخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم مقابر ثم قال ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. ومع تسليم سند هذا الحديث فقوله لا تتخذوا قبري عيدا لا يخلو من إجمال قال السمهودي: قال الحافظ المنذري يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره (صلّى الله عليه وآله) وأن لا يهمل حتى يكون كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين قال ويؤيده قوله لا تجعلوا بيوتكم قبورا أي لا تتركوا الصلاة فيها حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها. قال السبكي ويحتمل لا تتخذوا له وقتا مخصوصاً ويحتمل لا تتخذوه كالعيد في الزينة والاجتماع وغير ذلك بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء انتهى (وروى) السمهودي في وفاء الوفا أن رجلاً كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) ويصلي عليه ويصنع من ذلك ما انتهزه عليه علي بن الحسين بن علي (عليهم السلام) فقال ما يحملك على هذا قال أحب التسليم على النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال أخبرني أبي عن جدي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لا تجعلوا قبري عيداً الحديث (قال) فهذا يبين أن ذلك الرجل زاد في الحد فيكون علي بن الحسين موافقا لمالك في كراهة الاكثار من الوقوف بالقبر وليس إنكارا لأصل الزيارة أو أنه أراد تعليمه أن السلام يبلغه مع الغيبة لما رآه يتكلف الاكثار من الحضور انتهى. وأما جعل التذكار لمواليد الأنبياء والأولياء الذي يسميه الوهابية بالأعياد والمواسم بإظهار الفرح والزينة في مثل يوم ولادتهم التي كانت نعمة من الله على خلقه وقراءة حديث ولادتهم كما يتعارف قراءة حديث مولد النبي (صلّى الله عليه وآله) وطلب المنزلة والرفعة من الله لهم وتكرار الصلوات والتسليم على الأنبياء والترحم على الصلحاء فليس فيه مانع عقلي ولا شرعي إذا لم يشتمل على محرم خارجي كغناء أو فساد أو استعمال آلات اللهو أو غير ذلك كما يفعل جميع العقلاء وأهل الملل في مثل أيام ولادة عظمائهم وأنبيائهم وكل ذلك نوع من التعظيم الذي إن كان صاحبه أهلا للتعظيم كان طاعة وعبادة لله تعالى وليس كل تعظيم عبادة للمعظم كما بيناه مراراً فقياس ذلك بفعل المشركين مع أصنامهم قياس فاسد.
(في تزيين المشاهد بالذهب والفضة والمعلقات والحلي) والكسوة ونحو ذلك
وهذا أيضاً مما منعه الوهابية ولذلك نهبوا جميع ذخائر الحجرة الشريفة النبوية وجواهرها عند استيلائهم على المدينة المنورة سنة 1221هــ كما مر في الفصل الثاني من المقدمة الأولى ونقلنا هناك عن تاريخ الجبرتي بيان أنواع الجواهر التي نهبوها من الحجرة الشريفة وقدرها. وقد صوب الجبرتي في تاريخه نهبهم لها وقال إنما وضعها ضعفاء العقول من الأغنياء والملوك الأعاجم وغيرهم ثم بين أنها لا ينبغي أن تكون للنبي (صلّى الله عليه وآله) لزهده في الدنيا وأنه بعث ليكون نبياً لا ملكاً وذكر أحاديث واردة في عرض الدنيا عليه وإبائه (صلّى الله عليه وآله) وفي زهده وأنها إن كانت صدقة فهي محرمة عليه وعلى آله وأنه لا نفع فيها مع بقائها على حالها فالأرجح صرفها على المحاويج إلى غير ذلك من التلفيقات. ومثله ما يحكى من احتجاج الوهابية على منعها بأنها لغو وعبث وأنها مما لا ينتفع به الميت واحتجوا في الرسالة الثالثة من رسائل الهدية السنية على عدم جواز كسوة القبور بأن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى أن يزاد عليها غير ترابها وأنتم تزيدون التابوت ولباس الجوخ الخ وفحاوى كلامهم دالة على أن ذلك كفر وشرك لأنهم يجعلونه مثل ما كان يعمل مع الأصنام (والجواب) أن فعل ذلك نوع من تعظيم هذه القبور الشريفة واحترامها التي ثبت رجحان تعظيمها واحترامها من تضاعيف ما تقدم ثبوتاً لا شك فيه، وتوهم الوهابية أن ذلك شرك وعبادة توهم فاسد لما بيّناه مراراً وتكراراً من أنه ليس كل احترام وتعظيم عبادة، ودعوى أن ذلك لم يكن في عهد الصحابة والتابعين مدفوع بأنه ليس كل ما لم يكن في عهدهم يكون محرماً لأصالة الإباحة في كل ما لم ينص الشرع على تحريمه كما قرر في الأصول ولا يخفى أن الأزمان مختلفة والعادات فيها متفاوتة ففي مبدأ الإسلام كانت أحوال المسلمين ضيقة فكانت الحال تقتضي استعمال الملابس الخشنة والمآكل الجشبة وعدم رفع البناء وإتقانه وتزيينه وبناء المساجد باللبن والجذوع وسعف النخل كما بنى النبي (صلّى الله عليه وآله) مسجده الشريف بالمدينة ولما انتشر الإسلام واتسعت أمور الناس واستعمل الأكثر من الخلفاء أطيب المأكول وأحسن الملبوس وأتقن الناس بناء الدور وزينوها كان من الراجح المستحسن إتقان بناء المسجد كما فعله المسلمون واستمروا عليه إلى اليوم ومنها المسجد الشريف النبوي والمسجد الحرام والمسجد الأقصى فإن ذلك إعلاء لشأن الإسلام وتعظيما لشعائر الدين ورفعا لمقام بيوت الله تعالى عن أن تكون دون بيوت خلقه وليس لأحد أن يقول بناء مسجده (صلّى الله عليه وآله) على الحالة التي هو عليها اليوم محرم لأنه لم يكن في زمانه (صلّى الله عليه وآله) للوجه الذي قدمناه كذلك حجرته الشريفة كانت أولا باللبن والجذوع وجريد النخل ثم بنيت بالحجارة والقصة ثم صار بناؤها يحسن ويزين بحسب اختلاف الأزمان والأحوال لأنه صار تحسينها وتزيينها نوعا من احترامها وتعظيمها ولم يكن الزمان الأول مقتضيا لذلك لما كانت عليه أحوال الناس. ودعوى أن ذلك إسراف بلا فائدة لا للميت ولا لغيره يدفعه أن الاسراف ما لا يترتب عليه منفعة والمنفعة هنا حاصلة وهي احترام الميت وتعظيمه وإعزاز الإسلام وتعظيم شعائره وكبت معانديه وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي لا يعادلها شيء ويرخص في جنبها كل غالٍ وتصويب الجبرتي نهبهم لها جهل محض فإن هذه الذخائر موقوفة لتوضع بالحجرة الشريفة وتكون زينة لها وليست ملكاً له (صلى الله عليه وآله) ولا صدقة. وزهد النبي (صلّى الله عليه وآله) في الدنيا لا ربط له بالمقام فإن قال قائل إن وقفها على الحجرة النبوية غير جائز قلنا هو جائز لجريان سيرة المسلمين بل جميع أهل الأديان على ذلك ولأن في وقفها تعظيماً لشعائر الدين فلا يكون سفها بل هو أمر راجح مطلوب شرعا له فائدة عظيمة. (مع) أنه ثبت ذلك في حق الكعبة المعظمة قبل الإسلام واستمر ذلك بعد الإسلام إلى اليوم فليثبت مثله في حق الحجرة النبوية ومشاهد الأنبياء والأئمة فإن العلة في الجميع واحدة والجهة واحدة من دعوى الاسراف واللغوية وعدم الفائدة (فعن المسعودي) في مروج الذهب كانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالا وجواهر في الزمان الأول وكان ابن ساسان بن بابك أهدى غزالين من ذهب وجواهر وسيوفا وذهباً كثيراً إلى الكعبة (وفي مقدمة ابن خلدون)([296]) قد كانت الأمم منذ عهد الجاهلية تعظم البيت والملوك تبعث إليه بالأموال والذخائر كسرى وغيره وقصة الأسياف وغزالي الذهب الذين وجدهما عبد المطلب حين احتفر زمزم معروفة وقد وجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين افتتح مكة في الجب الذي كان فيها سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان الملوك يهدون للبيت فيها ألف ألف دينار مكررة مرتين بمائتي قنطار وزناً وقال له علي بن أبي طالب (عليه السلام) يا رسول الله لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يفعل ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه هكذا قال الأزرقي (وفي البخاري) بسنده إلى أبي وائل قال جلست إلى شيبة بن عثمان وقال جلس إلي عمر بن الخطاب فقال هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين قلت ما أنت بفاعل قال ولم؟ قلت فلم يفعله صاحباك فقال هما اللذان يقتدى بهما وخرجه أبو داود وابن ماجة وأقام ذلك المال إلى ان كانت فتنة الأفطس وهو الحسن بن الحسين بن علي بن علي زين العابدين حين غلب على مكة سنة 199 فأخذ ما في خزائن الكعبة وبطلت الذخيرة من الكعبة من يومئذ انتهى. (وقال) القسطلاني في إرشاد الساري([297]) حكى الفاكهي أنه (صلّى الله عليه وآله) وجد فيها يوم الفتح ستين أوقية انتهى. (وفي) وفاء الوفا([298]) تكلم السبكي في حكم قناديل الكعبة وحليتها والقناديل التي حول الحجرة الشريفة وألف في ذلك كتاباً فأورد حديث البخاري وغيره في كنز الكعبة وما تضمنه من إقرار النبي (صلّى الله عليه وآله) له بمحله ثم أبي بكر بعده ورجوع عمر لذلك لما ذكره به ابن شيبة وقال هما المرآن يقتدى بهما قال فهذا الحديث عمدة في مال الكعبة وهو ما يهدى إليها أو ينذر لها وما يوجد فيها من الأموال قال ابن بطال إنما ترك لأنه يجري في مجرى الأوقاف وفي ذلك تعظيم للإسلام وترهيب للعدو وقال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون النبي (صلّى الله عليه وآله) إنما تركه رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض انتهى وفاء الوفا. وعلى كل حال يثبت المطلوب من جواز الابقاء إن لم يكن واجباً وإذا كان النبي (صلّى الله عليه وآله) تركه رعاية لقلوب قريش أفلا يلزم الوهابية أن يتركوا ذخائر الحجرة النبوية ومشاهد أئمة المسلمين وذخائرها رعاية لقلوب مئات ملايين المسلمين إن كانوا ممن يقتدي به (صلّى الله عليه وآله) كما يزعمون (وفي) وفاء الوفا([299]) حيث تركه النبي (صلّى الله عليه وآله) لهذه العلة ثم تركه أبو بكر ثم عمر بعد الهم به ورجوعه عن ذلك ثم من بعده فهو إجماع على تركه فلا نتعرض له لما يترتب عليه من الشناعة انتهى. (وقال) قطب الدين الحنفي في تاريخ مكة المكرمة([300]): قال الشريف التقي الفاسي في شفاء الغرام يقال إن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي أول من علق في الكعبة السيوف المحلاة بالذهب والفضة ذخيرة للكعبة ثم نقل عن الأزرقي في أشياء أهديت للكعبة منها أن عمر بن الخطاب لما فتح مدائن كسرى كان مما بعث إليه هلالان فبعث بهما فعلقهما في الكعبة وبعث السفاح بالصفحة الخضراء فعلقت في الكعبة والمأمون بالياقوتة التي تعلق في كل موسم بسلسلة من الذهب فعلقت في وجه الكعبة وبعث المتوكل بشمسية من ذهب مكللة بالدر الفاخر والياقوت الرفيع والزبرجد تعلق بسلسلة من الذهب في وجه البيت في كل موسم وأهدى المعتصم قفلاً لباب الكعبة فيه ألف مثقال ذهباً في سنة 219 (إلى أن قال) وذكر الفاكهي أن مما أهدي إلى الكعبة طوقا من ذهب مكللاً بالزمرد والياقوت مع ياقوتة كبيرة خضراء أرسله ملك الهند لما أسلم سنة 259 فعرض أمره على المعتمد فأمر بتعليقها في البيت الشريف فعلقت قال التقي الفاسي ومما علق بعد الأزرقي قصبة من فضة فيها كتاب بيعة جعفر ابن أمير المؤمنين المعتمد على الله وبيعة أبي أحمد الموفق بالله ابن أخي المعتمد وقدم بها الفضل بن العباس في موسم 261 وكان وزن الفضة 360 درهما وعليها ثلاثة أزرار بثلاث سلاسل من فضة فعلقت مع تعاليق الكعبة (إلى أن قال) ثم لما وقعت الفتن بمكة أخذت تلك التعاليق من الكعبة وصرفت في ذلك (قال) وكانت الملوك ترسل بقناديل الذهب وتعلق في الكعبة وقد وصل سنة 984 من السلطان مراد بن سليم العثماني ثلاثة قناديل ذهب مرصعة بالجواهر ليعلق اثنان منها في سقف الكعبة المعظمة والثالث في الحجرة الشريفة تجاه الوجه الشريف فعلقت انتهى. (وأما) كسوة الكعبة المعظمة (ففي) تاريخ مكة لقطب الدين الحنفي([301]) ذكر الأزرقي وابن جريح أن أول من كسى الكعبة تبع الحميري من ملوك اليمن في الجاهلية تعظيماً لها واسمه أسعد رأى في منامه أنه يكسوها فكساها الأنطاع ثم رأى أنه يكسوها فكساها من حبر اليمن وجعل لها بابا يغلق انتهى. (وفي إرشاد الساري) قيل أول من كساها تبع الحميري الخصف والمعافر والملاء والوصائل وذكر ابن قتيبة إنه كان قبل الإسلام بتسعمائة سنة وفي تاريخ ابن أبي شيبة أول من كساها عدنان بن أدد وزعم الزبير أن أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير وعند إسحاق عن ليث بن سليم كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأنطاع والمسوح وروى الواقدي أنه كسي البيت في الجاهلية الأنطاع ثم كساه النبي (صلّى الله عليه وآله) الثياب اليمانية ثم كساه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان القباطي ثم كساه الحجاج الديباج وروى أبو عروبة في الأوائل له عن الحسن أول من ألبس الكعبة القباطي النبي (صلّى الله عليه وآله) وذكر الأزرقي فيمن كساها أبا بكر وكساها معاوية الديباج والقباطي والحبرات فكانت تكسى الديباج يوم عاشورا والقباطي في آخر رمضان وكساها يزيد بن معاوية الديباج الخسرواني والمأمون الديباج الأحمر يوم التروية والقباطي أول رجب والديباج الأبيض في سبع وعشرين من رمضان وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكل وكسيت زمن الناصر العباسي السواد من الحبرات فهي تكسى ذلك إلى اليوم ولم تزل الملوك تتداول كسوتها إلى أن وقف عليها الصالح إسماعيل ابن الناصر محمد بن قلاوون سنة نيف وخمسين وسبعمائة قرية تسمى بيسوس وأول من كساها من ملوك الترك الظاهر بيبرس صاحب مصر انتهى. (وفي تاريخ مكة) لقطب الدين الحنفي عن الأزرقي بسنده عن ابن مليكة قال كان يهدى للكعبة هدايا شتى فإذا بلي منها شيء جعل فوقه ثوب آخر ولا ينزع مما عليها شيء وكانت قريش في الجاهلية ترافد في كسوة البيت فيضربون على القبائل بقدر احتمالهم من عهد قصي بن كلاب حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم وكان مثريا يتجر في المال فقال لقريش أنا أكسو الكعبة وحدي سنة وجميع قريش سنة وكان يفعل ذلك إلى أن مات فسمته قريش العدل لأنه عدل قريشاً وحده في كسوة البيت وقيل لبنيه بنو العدل (وقال أيضاً) أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيشة عن أبيه قال كسى النبي (صلّى الله عليه وآله) البيت الثياب اليمانية ثم كساه عمر وعثمان القباطي وكان يكسى كل سنة كسوتين ألاولى الديباج يوم التروية والثانية القباطي يوم السابع والعشرين من شهر رمضان فلما كانت خلافة المأمون أمر أن تكسى ثلاث مرات الديباج الأحمر يوم التروية والقباطي أول رجب والديباج الأبيض في عيد الفطر واستمر الحال على هذا كل دولة بني العباس ثم صارت كسوة الكعبة تأتي تارة من سلاطين مصر وتارة من سلاطين اليمن إلى أن اشترى الملك الصالح ابن الملك الناصر قلاوون قريتين بمصر ووقفهما على كسوة الكعبة وهما بيسوس وسندبيس واستمرت سلاطين مصر ترسل كسوة الكعبة في كل عام وعند تجدد كل سلطان يرسل مع الكسوة السوداء كسوة حمراء لداخل البيت وكسوة خضراء للحجرة الشريفة النبوية مكتوب على الكل كلمة الشهادتين فلما فتح السلطان سليم مصر والشام جهزت كسوة المدينة على العادة وأمر باستمرار كسوة الكعبة على المعتاد ثم خربت القريتان الموقوفتان على كسوة الكعبة ولم يف ريعهما بها فأمر أن تكمل من الخزائن السلطانية ثم أضاف إلى القريتين قرى أخرى ووقفها انتهى.
وأما كسوة الحجرة الشريفة النبوية ففي وفاء الوفا للسمهودي بعد ما ذكر تأزيرها بالرخام وعمل الشباك المتخذ من خشب الصندل بأعلى جدارها حكى عن ابن النجار أنه قال ولم تزل على ذلك حتى عمل لها الحسين ابن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير الملوك المصريين ستارة من الديبقي الأبيض وعليها الطروز والجامعات المرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر ونيطها وأدار عليها زناراً من الحرير الأحمر مكتوباً عليه سورة يس وغرم عليها مبلغاً عظيماً فمنعه أمير المدينة قاسم بن مهنا من تعليقها حتى يستأذن المستضئ العباسي فلما جاء الإذن علقها نحو العامين ثم جاءت من الخليفة ستارة من الإبريسم البنفسجي عليها الطرز والجامات البيض المرقومة وعلى دوران جاماتها أسماء الخلفاء الأربعة وعلى طرازها اسم المستضئ فبعث الأولى إلى مشهد علي ووضعت هذه مكانها ثم أرسل الإمام الناصر ستارة من الإبريسم الأسود وطرزها وجاماتها من الإبريسم الأبيض فعلقت فوقها وبعد أن حجت أم الخليفة أرسلت ستارة من الإبريسم الأسود على شكل الأولى فعلقت فوقها فصارت ثلاثا انتهى ما حكاه عن ابن النجار قال وهو يقتضي أن ابن أبي الهيجاء أول من كسى الحجرة وفي كلام رزين أنه لما حج الرشيد ومعه الخيزران أمرت بتخليق مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) وتخليق القبر وكسته الزنانير وشبائك الحرير.
وأما قناديل الذهب والفضة وغيرها التي تعلق حول الحجرة الشريفة ففي وفاء الوفا أنه لم ير في كلام أحد ابتداء حدوث ذلك قال إلا أن ابن النجار قال وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوار إذا وقفوا معلق نيف وأربعون قنديلاً كباراً وصغاراً من الفضة المنقوشة والساذجة واثنان بلور وواحد ذهب وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب وهذه تنفذ من الملوك وأرباب الحشمة والأموال. وقال السمهودي: واستمر عمل الملوك وأرباب الحشمة إلى زماننا هذا على الاهداء إلى الحجرة الشريفة قناديل الذهب والفضة ثم ذكر السمهودي حال ما يهدى من القناديل وعدده وما جرى له مفصلا مما يطول بذكره الكلام وإن بعض أمراء المدينة لما أراد أخذ شيء منه أقام الناس عليه النكير (وقال أيضاً) وأما حكم هذه المعاليق ونحوها من تحلية الصندوق والقائم الذي بأعلاه فحكم معاليق الكعبة الشريفة وتحليتها ثم نقل عن السبكي أنه قال وأما الحجرة الشريفة فتعليق القناديل فيها أمر معتاد من زمان ولا شك أنها أولى بذلك من غيرها وكم من عالم وصالح قد أتى للزيارة ولم يحصل من أحد إنكار لذلك فلهذا وحده كاف في جواز ذلك واستقراء الأدلة فلم يوجد فيها ما يدل على المنع ولم نر أحدا قال بالمنع فما وقف من ذلك إكراماً لذلك المكان صح وقفه وإن اقتصر على إهدائه صح أيضا كالمهدى للكعبة وكذا المنذور له انتهى.
الفصل السابع عشر
في زيارة القبور
وقد منع ابن تيمية من زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) وحرمها مطلقاً مع شد الرحال وبدونه فضلاً عن زيارة غيره. حكى ذلك عنه القسطلاني في إرشاد الساري وابن حجر الهيتمي في الجوهر المنظم وقال بل زعم حرمة السفر لها إجماعا وأنه لا تقصر فيه الصلاة وسيأتي نقل كلامهما. وبعض الوهابيين حرم شد الرحال إليها وحينئذ فيقع الكلام فيها في مبحثين: أصل مشروعيتها وشد الرحال إليها.
(المبحث الأول
في أصل مشروعية زيارة القبور وفيه مقامان)
(المقام الأول في زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله)
وتدل على مشروعيتها أدلة الشرع الأربعة: (الأول الكتاب العزيز) وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا}، فإن الزيارة هي الحضور الذي هو عبارة عن المجئ إليه (صلّى الله عليه وآله) سواء كان لطلب الاستغفار أو بدونه والتسليم لا يدخل في معناها وإذا ثبت رجحان ذلك في حال حياته ثبت بعد مماته. قال السبكي فيما حكاه عن السمهودي في كتاب وفاء الوفا([302]): والعلماء فهموا من الآية العموم لحالتي الموت والحياة واستحبوا لمن أتى القبر أن يتلوها قال وحكاية الأعرابي في ذلك نقلها جماعة من الأئمة عن العتبي واسمه محمد بن عبيد الله بن عمر وأدرك ابن عيينة وروى عنه وهي مشهورة حكاها المصنفون في المناسك من جميع المذاهب واستحسنوها ورأوها من أدب الزائر وذكرها ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال دخلت المدينة فأتيت قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فزرته وجلست بحذائه فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} الآية إلى آخر ما في فصل التوسل ثم ذكر السمهودي هذه القصة بطريقين آخرين عن علي (عليه السلام) لا نطيل بذكرها فليطلبهما من أرادهما. (الثاني السنة) والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة نقلها السمهودي في وفاء الوفا([303]) ونقلها غيره ونحن ننقلها منه وربما نترك بعض أسانيدها وقد تكلم هو على أسانيدها بما فيه كفاية.
(1) الدارقطني في السنن وغيرها والبيهقي وغيرهما بالأسانيد من طريق موسى ابن هلال العبدي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من زار قبري وجبت له شفاعتي.
(2) البزار من طريق عبد الله بن إبراهيم الغفاري عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من زار قبري حلت له شفاعتي.
(3) الطبراني في الكبير والأوسط والدارقطني في أماليه وأبو بكر بن المقرئ في معجمه من رواية مسلمة بن سالم الجهني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن ابن عمر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة. (قال): والذي في معجم ابن المقري من جاءني زائرا كان له حقا على الله عز وجل([304]) أن أكون له شفيعاً يوم القيامة. قال: وأورد الحافظ ابن السكن هذا الحديث في باب ثواب من زار قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) من كتابه السنن الصحاح المأثورة ومقتضى ما شرطه في خطبته أن يكون هذا الحديث مما أجمع على صحته انتهى. وهو بإطلاقه شامل للزيارة في الحياة وبعد الموت.
(4) الدارقطني والطبراني في الكبير والأوسط وغيرهما من طريق حفص بن داود القاري عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي قال ورواه ابن الجوزي في مثير الغرام الساكن بسنده وزاد وصحبني ورواه ابن عدي في كامله بسنده بهذه الزيادة ورواه أبو يعلى بسنده بدون الزيادة وفي بعض الروايات من حج فزارني في حياتي ورواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق عائشة بنت يونس امرأة الليث عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي. (أقول): ورواه بلفظه الأول السيوطي في الجامع الصغير عن أحمد في مسنده وأبي داود والترمذي والنسائي عن الحارث.
(5) ابن عدي في الكامل من طريق محمد بن محمد بن النعمان عن جده عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني قال السبكي وذكر ابن الجوزي له في الموضوعات سرف منه.
(6) الدارقطني في السنن من طريق موسى بن هارون عن محمد بن الحسن الجيلي عن عبد الرحمن بن المبارك عن عون بن موسى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من زارني إلى المدينة كنت له شهيداً وشفيعاً.
(7) أبو داود الطيالسي عن سوار بن ميمون أبي الجراح العبدي عن رجل من آل عمر عن عمر سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول من زار قبري أو قال من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً الحديث.
(8) أبو جعفر العقيلي من رواية سوار بن ميمون عن رجل من آل الخطاب عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من زارني متعمدا كان في جواري يوم القيامة الحديث.
(9) الدارقطني وغيره من طريق هارون بن قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي الحديث.
(10) أبو الفتح الأزدي من طريق عمار بن محمد عن خاله سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حج حجة الإسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلى في بيت المقدس لم يسأله الله عز وجل فيما افترض عليه.
(11) أبو الفتوح بسنده من طريق خالد بن يزيد عن عبد الله بن عمر العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي ومن زارني كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة.
(12) ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن أبي فديك عن سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال من زارني بالمدينة كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة وفي رواية كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة ورواه البيهقي بهذا الطريق ولفظه من زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة.
(13) ابن النجار في أخبار المدينة بسنده عن أنس قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من زارني ميتا فكأنما زارني حياً ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر.
(14) أبو جعفر العقيلي بسنده عن ابن عباس قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدا أو قال شفيعاً.
(15) بعض الحفاظ في زمن ابن منده بسنده عن ابن عباس قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان قال والحديث في مسند الفردوس.
(16) يحيى بن الحسن بن جعفر الحسيني في أخبار المدينة بسنده عن علي (عليه السلام) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن لم يزرني فقد جفاني وروى ابن عساكر بسنده عن علي من زار قبر رسول (صلّى الله عليه وآله) كان في جوار رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
(17) يحيى أيضاً بسنده عن رجل عن بكر بن عبد الله عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة الحديث. (انتهت) الأحاديث التي أوردها السمهودي وهي مع كثرتها يعضد بعضها بعضا وتعضدها الأحاديث الآتية في تضاعيف ما يأتي مع أنه لا حاجة لنا إلى الاستدلال بها للسيرة القطعية وعمل المسلمين البالغ حد الضرورة.
وفي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية أن الأحاديث التي رواها الدارقطني في زيارة قبره عليه الصلاة والسلام كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل المعرفة منهم ابن الصلاح وابن الجوزي وابن عبد البر وأبو القاسم السهيلي وشيخه ابن العربي المالكي والشيخ تقي الدين وغيرهم ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل وكذلك تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن والأئمة كلهم يروون بخلافه وأجل حديث روي في هذا الباب حديث أبي بكر البزار ومحمد بن عساكر حكاه أهل المعرفة بمصطلح الحديث كالقشيري والشيخ تقي الدين وغيرهما. (أقول) دعوى إن هذه الأحاديث على كثرتها كلها مكذوبة دعوى كاذبة لا يعضدها دليل وابن الجوزي وإن أورد بعضها في الموضوعات فقد أورد البعض الآخر في كتابه مثير الغرام الساكن واعتمد عليه كما مر في الحديث الرابع مع أن الحديث الخامس الذي جعله موضوعاً تعقبه الإمام السبكي فيه وقال إن ذكره له في الموضوعات سرف منه كما مر كما تعقبه غيره في جملة من الأحاديث التي عدها في الموضوعات وباقي من نقل عنهم لعلهم كابن الجوزي إن صح نقله وأما قدوته الشيخ تقي الدين بن تيمية فحاله معلوم في التعصب لآرائه وأهوائه ومصادمته الضرورة في نصرها وتكذيب الأحاديث المشهورة التي يعضدها العقل والنقل تبعاً لشهوة نفسه وأوضح برهان على ذلك تكذيبه حديث ضربة علي يوم الخندق بالاستبعادات والدعاوى الباطلة حتى تبعه في ذلك صاحب السيرة الحلبية كما فصلناه في بعض حواشي فصل البناء على القبور مع أنه لم يعلم دعواه الوضع في جميعها. (قوله) ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل يكذبه ما عرفت في الحديث الثالث أنه أورده الحافظ ابن السكن في كتابه السنن الصحاح المأثورة الذي ذكر في خطبته أنه لا يذكر فيه إلا ما أجمع على صحته. (قوله) تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن يكذبه أنه روى جملة منها غير الدارقطني من أهل السنن وغيرهم كالبيهقي والبزار والطبراني وأبو بكر بن المقرئ والحافظ ابن السكن وابن عدي وأبو يعلى والإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الجوزي والعقيلي والأزدي وأبو الفتوح وابن أبي الدنيا وابن النجار ويحيى بن الحسن كما عرفت وابن عساكر باعتراف الوهابية (وإذا) كان تفرد الراوي بالرواية يوجب طرحها فما بال الوهابية لم يطرحوا حديث أبي الهياج وقد تفرد به راويه على ما عرفته في فصل البناء على القبور ولكن الحديث المؤدي إلى استحلال دماء المسلمين وأموالهم لا يطرح ولو تفرد به راويه أما الأحاديث الكثيرة الدالة على تعظيم النبي (صلّى الله عليه وآله) واستحباب زيارته الثابتة بالعقل والنقل وإجماع المسلمين البالغ حد الضرورة فتستحق الطرح بدعوى تفرد الدارقطني بها ويلتمس لها الوجوه والتأويلات لطرحها عند الوهابية لأنهم يعظم عليهم تعظيم من عظمه الله ومخالفة قول قدوتهم ابن تيمية وابن عبد الوهاب. (قوله) والأئمة كلهم يروون بخلافه هذه دعوى كاذبة كالأولى فمن هم الأئمة الذين رووا أن زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) لا تستحب أو لا يستحب شد الرحال إليها غير ما توهمه الوهابية من أحاديث شد الرحال التي ستعرف في هذا الفصل سخافة توهمهم فيها وقد عرفت أن الأئمة رووا هذه الأحاديث كما رواها الدارقطني ولم يرووا بخلافه وفيهم أجلاء أئمة الحديث كابن حنبل وأبي داود والترمذي والنسائي والطبراني والبيهقي وغيرهم (وقد) رويت في ذلك أحاديث كثيرة تكاد تبلغ حد التواتر عن أئمة أهل البيت الطاهر رواها عنهم أصحابهم وثقاتهم بالأسانيد المتصلة الصحيحة موجودة في مظانها (وتدل) عليه أيضاً الأحاديث الدالة على أن النبي (صلّى الله عليه وآله) يرد سلام من يسلم عليه التي اعترف بها الوهابية وقدوتهم ابن تيمية ومر طرف منها في المقدمات في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد موته قال السبكي فيما حكاه عنه السمهودي في وفاء الوفا([305]) بعد ذكر ما يدل على أنه (صلّى الله عليه وآله) يسمع من يسلم عليه عند قبره ويرد عليه عالماً بحضوره عند قبره: وكفى بهذا فضلاً حقيقياً بأن ينفق فيه ملك الدنيا حتى يتوصل إليه من أقطار الأرض انتهى. ومنه يعلم صحة الاستدلال به على شد الرحال.
(الثالث الإجماع) من المسلمين خلفا عن سلف من عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة إلى يومنا هذا عدا الوهابية قولاً وعملاً بل أن استحباب زيارة قبور الأنبياء والصالحين بل وسائر المؤمنين ومشروعيتها ملحق بالضروريات عند المسلمين فضلاً عن الإجماع وسيرتهم مستمرة عليها من عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة والتابعين وتابعيهم وجميع المسلمين في كل عصر وفي كل صقع عالمهم وجاهلهم صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم. وإنكار ذلك مصادمة للبديهة وإنكار للضروري. قال السمهودي في وفاء الوفا([306]) نقلاً عن السبكي: قال عياض زيارة قبره (صلّى الله عليه وآله) سنة بين المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغوب فيها انتهى. قال السبكي وأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي بل قال بعض الظاهرية بوجوبها واختلفوا في النساء وامتاز القبر الشريف بالأدلة الخاصة به ولهذا أقول إنه لا فرق بين الرجال والنساء وقال الجمال الريمي يستثنى أي من محل الخلاف قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وصاحبيه فإن زيارتهم مستحبة للنساء بلا نزاع كما اقتضاه قولهم في الحج يستحب لمن حج أن يزور قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين وهو الدمنهوري الكبير وأضاف إليه قبور الأنبياء والصالحين والشهداء انتهى. وفي وفاء الوفا([307]) كيف يتخيل في أحد من السلف المنع من زيارة المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى فضلاً عن زيارته (صلّى الله عليه وآله) انتهى. وصنف قاضي القضاة الشيخ تقي الدين أبو الحسن السبكي الذي تشهد مؤلفاته بغزارة علمه في القرن الثامن كتابا في فضل الزيارة وشد الرحال إليها رداً على ابن تيمية سماه شفاء السقام في زيارة خير الأنام ونقل عنه السمهودي في وفاء الوفا شيئاً كثيراً ونقل عنه غيره ونقلنا عنه بواسطة السمهودي وغيره (ومما) قاله السبكي في مقدمته على ما حكي عنه أن من أعظم القرب إلى رب العالمين زيارة سيد المرسلين والسفر إليها من أقطار الأرضين كما هو معروف بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على مَرِّ السنين وأن مما ألقى الشيطان في هذا الزمان على لسان بعض المخذولين التشكيك في ذلك وهيهات أن يدخل ذلك في قلوب الموحدين وإنما هي نزعة من مخذول لا يرجع وبالها إلا عليه ولا يترتب عليها إلا ما ألقى بيده إليه شريعة الله محكمة ظاهرة وشبه الباطل على شفا جرف هائرة انتهى. ومر في الباب الأول ما يدل على أن مراده ابن تيمية. (وعن منتهى المقال) في شرح حديث لا تشد الرحال للمفتي صدر الدين أنه قال فيه: قال الشيخ الإمام الحبر الهمام سند المحدثين الشيخ محمد البرلسي في كتابه إتحاف أهل العرفان وقد تجاسر ابن تيمية الحنبلي عامله الله بعدله وادعى أن السفر لزيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) حرام وأن الصلاة لا تقصر فيه لعصيان المسافر به وأطال في ذلك بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع وقد عاد شؤم كلامه عليه (إلى أن قال) وخالف الأئمة المجتهدين في مسائل كثيرة واستدرك على الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة حقيرة فسقط من أعين علماء الأمة وصار مثله بين العوام فضلاً عن الأئمة وتعقب العلماء كلماته الفاسدة وزيفوا حججه الداحضة الكاسدة وأظهروا عوار سقطاته وبينوا قبائح أوهامه وغلطاته انتهى. ومر بعض كلامه في حقه عن الباب الأول وعن شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري في نسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض أنه قال بعد ذكر حديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد: إعلم أن هذا الحديث هو الذي دعا ابن تيمية ومن تبعه كابن القيم إلى مقالته الشنيعة التي كفروه بها وصنف فيها السبكي مصنفاً مستقلاً وهي منعه زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وشد الرحال إليه وهو كما قيل:
لمهبط الوحي حقا ترحل النجب
وعند ذاك المرجى ينتهي الطلب
فتوهم أنه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها فإنها لا تصدر عن عاقل فضلاً عن فاضل انتهى.
وعن الملا علي القاري في المجلد الثاني من شرح الشفا أنه قال: قد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) كما أفرط غيره حيث قال كون الزيارة قربة معلوم من الدين وجاحده محكوم عليه بالكفر ولعل الثاني أقرب إلى الصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفرا لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب انتهى.
وقال أحمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي صاحب الصواعق في كتابه الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم على ما حكي عنه وقد ذكره صاحب كشف الظنون قال فيه بعد ما استدل على مشروعية زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) بعدة أدلة منها الإجماع ما لفظه([308]) فإن قلت كيف تحكي الإجماع على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله كما رآه السبكي في خطه وقد أطال ابن تيمية في الاستدلال لذلك بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع بل زعم حرمة السفر لها إجماعا وأن لا تقصر فيه الصلاة وأن جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه (قلت) من هو ابن تيمية حتى ينظر إليه أو يعول في شيء من أمور الدين عليه وهل هو إلا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته كالعز بن جماعة: عبد أضله الله وأغواه وألبسه رداء الخزي وأرداه وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان ولقد تصدى شيخ الإسلام وعالم الأنام المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته التقي السبكي قدس الله روحه ونور ضريحه للرد عليه في تصنيف مستقل أفاد فيه وأجاد وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب (ثم قال) هذا وما وقع من ابن تيمية مما ذكر وإن كان عثرة لا تقال أبدا ومصيبة يستمر شؤمها سرمداً ليس بعجيب فإنه سولت له نفسه وهواه وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة وتدارك على أئمتهم سيما الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة شهيرة حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس المنزه سبحانه عن كل نقص والمستحق لكل كمال أنفس فنسب إليه الكبائر والعظائم وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين حتى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره فحبسه إلى ان مات وخمدت تلك البدع وزالت تلك الضلالات ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأسا ولم يظهر لهم جاها ولا بأسا بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون انتهى. (أما المنقول) من فعل الصحابة فسيأتي في المبحث الثاني أن عمر لما قدم المدينة من فتوح الشام كان أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله). وفي وفاء الوفا للسمهودي([309]) روى عبد الرزاق بإسناد صحيح أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه (قال) وفي الموطأ من رواية يحيى بن يحيى أن ابن عمر كان يقف على قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فيصلي (فيسلم ظ) على النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلى أبي بكر وعمر وعن ابن عون سأل رجل نافعاً هل كان ابن عمر يسلم على القبر قال نعم لقد رأيته مائة مرة أو أكثر من مائة كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول السلام على النبي السلام على أبي بكر السلام على أبي وفي مسند أبي حنيفة عن ابن عمر من السنة أن تأتي قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) من قبل القبلة وتجعل ظهرك إلى القبلة وتستقبل القبر بوجهك ثم تقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. أخرجه الحافظ طلحة بن محمد في مسنده عن صالح بن أحمد عن عثمان بن سعيد عن أبي عبد الرحمن المقري عن أبي حنيفة عن نافع عن ابن عمر انتهى. (أما المنقول) من فعل سائر المسلمين ففي وفاء الوفا([310]) ذكر المؤرخون والمحدثون منهم ابن عبد البر والبلاذري وابن عبد ربه أن زياد ابن أبيه أراد الحج فأتاه أبو بكرة أخوه وهو لا يكلمه فأخذ ابنه فأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع زيادا فقال إن أباك فعل وفعل وأنه يريد الحج وأم حبيبة زوج النبي (صلّى الله عليه وآله) هناك فإن أذنت له فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإن حجبته فأعظم بها حجة عليه فقال زياد ما تدع النصيحة لأخيك وترك الحج فيما قاله البلاذري وقيل حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة وقيل أراد الدخول عليها فذكر قول أبي بكرة فانصرف وقيل إنها حجبته (قال السبكي) والقصة على كل تقدير تشهد لأن زيارة الحاج كانت معهودة من ذلك الوقت وإلا فكان يمكنه الحج من غير طريق المدينة بل هي أقرب إليه لأنه كان بالعراق ولكن كان إتيان المدينة عندهم أمرا لا يترك انتهى. (لا يقال) نحن نسلم بأن إتيان المدينة أمر راجح مستحب ولكن بقصد الصلاة في المسجد والزيارة تبع والذي نمنعه إتيانها بقصد الزيارة (لأنا نقول) المعروف بين المسلمين من عهد الصحابة إلى اليوم إتيان المدينة بقصد الزيارة هذا الذي جرت عليه سيرتهم وعملهم لا يخطر ببالهم غيره ولا يدور في خلدهم سواه وأما قصد المسجد وكون الزيارة تبعاً فشئ لم يكن يعرفه أحد قبل الوهابية ولو كان لحرمة قصد الزيارة بالسفر أصل في الشرع لشاعت وذاعت وعرفها جميع المسلمين وكانت وصلت إلى حد الضرورة لاحتياج الجميع إلى معرفتها ولكانت قامت بها الخطباء والوعاظ وبينتها العلماء وحذروا الناس منها لئلا يقصدوا بسفرهم الزيارة فيقعوا في الحرام الموجب للعقاب من حيث قصدوا الثواب ولكان بينها أصحاب كتب المناسك الذين لم يهملوا شيئاً يتعلق بالحج والزيارة من المستحبات فضلاً عن هذا الأمر المهم الموقع في الحرام (أما المنقول) عن أئمة المذاهب الأربعة ففي وفاء الوفا([311]) بعد ما ذكر اختلاف السلف في أن الأفضل البدأة بالمدينة أو بمكة حكى عن الإمام أبي حنيفة إن الأحسن البدأة بمكة وإن بدأ بالمدينة جاز فيأتي قريبا من قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيقوم بين القبر والقبلة انتهى. وأما ما يحكى عن مالك أنه كره أن يقال زرنا قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فهو على فرض صحته محمول على كراهة التلفظ بهذا اللفظ لبعض الوجوه التي ذكروها مما لا نطيل بنقله، لا لكراهة أصل الزيارة مع أن العلماء ناقشوه في كراهة هذا اللفظ كالسبكي وابن رشد على ما في وفاء الوفا وذكر السمهودي في وفاء الوفا([312]) أقوال الشافعية في استحباب زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) ثم قال والحنفية قالوا إن زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) من أفضل المندوبات والمستحبات بل تقرب من درجة الواجبات قال وكذلك نص عليه المالكية والحنابلة وأوضح السبكي نقولهم في كتابه في الزيارة انتهى.
(الرابع) دليل العقل فإنه يحكم بحسن تعظيم من عظمه الله تعالى والزيارة نوع من التعظيم وفي تعظيمه (صلّى الله عليه وآله) بالزيارة وغيرها تعظيم لشعائر الإسلام وإرغام لمنكريه وقد ثبت رجحان زيارته (صلّى الله عليه وآله) في حياته والوصول إلى خدمته فكذلك بعد مماته خصوصا بعد الالتفات إلى ما ورد من حياته البرزخية وقد مضى في فصل التوسل قول مالك إمام دار الهجرة للمنصور أن حرمة النبي (صلّى الله عليه وآله) ميتا كحرمته حيا وليس في العقل شيء يمنع من الزيارة أو يوجب قبحها بل فيه ما يحسنها من تعظيم من عظمه الله واحترام من هدى الناس إلى سبيل الرشاد وكان سبب سعادتهم في الدارين.
المقام الثاني في زيارة سائر القبور
قد ثبت أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يزور أهل البقيع وشهداء أحد (وروى) ابن ماجة([313]) بسنده عنه (صلّى الله عليه وآله) زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (وبسنده) عن عائشة أنه (صلّى الله عليه وآله) رخص في زيارة القبور (وفي) حاشية السندي عن الزوائد أن رجال إسناده ثقات (وبسنده) عنه (صلّى الله عليه وآله) كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة (ورواه) مسلم([314]) إلى قوله فزوروها (وروى) النسائي ونهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر (وزار) النبي (صلّى الله عليه وآله) قبر أمه وهي مشركة بزعم الخصم (روى) مسلم في صحيحه([315]) وابن ماجة والسنائي([316]) بأسانيدهم عن أبي هريرة زار النبي (صلّى الله عليه وآله) قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال (صلّى الله عليه وآله) استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم بالموت (قال) النووي في شرح صحيح مسلم هو حديث صحيح بلا شك (وروى) مسلم([317]) أنه كلما كانت ليلة عائشة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وآتاكم ما توعدون) وعلم (صلّى الله عليه وآله) عائشة حين قالت له كيف أقول لهم يا رسول الله قال قولي (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين) الحديث رواه مسلم. (وعن بريدة) كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول السلام على أهل الديار وفي رواية السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين والمسلمات الحديث رواه مسلم (وقد) مر في المقام الأول زيارة ابن عمر لقبر الشيخين مراراً كثيرة (وحكى) السمهودي في وفاء الوفا([318]) عن الحافظ زين الدين الحسيني الدمياطي إن زيارة قبور الأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء وسائر المؤمنين للبركة أثر معروف قال وقد قال حجة الإسلام الغزالي كل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد موته ويجوز شد الرحال لهذا الغرض انتهى. (إلى أن قال) وقد روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا وعن ابن عباس ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد (عليه السلام) وروي من زار قبر أبويه في كل جمعة أو أحدهما كتب باراً وإن كان في الدنيا قبل ذلك بهما عاقا انتهى وسيأتي في آخر هذا الفصل أحاديث زيارة فاطمة (عليها السلام) قبر حمزة وشهداء أحد كل جمعة أو بين اليومين والثلاثة وكفى بفعلها (عليها السلام) دليلاً وحجة.
المبحث الثاني
في شد الرحال إلى زيارة القبور
وقد منع الوهابية من شد الرحال إلى زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) فضلاً عن غيره وقد عرفت أن ابن تيمية في مقام تشنيعه على الإمامية قال إنهم يحجون إلى المشاهد كما يحج الحاج إلى البيت العتيق، وما هو حجهم إلا قصدهم زيارتها فسماه حجا إرادة لزيادة التهويل والتشنيع كما هي عادته (وفي) الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وتسن زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس انتهى. (واحتج) الوهابية لذلك برواية البخاري عن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله) والمسجد الأقصى (ورواه) مسلم في الحج والصلاة إلا أنه قال مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى (ورواه) النسائي في سننه مثله إلا أنه قدم المسجد الحرام (ورواه) أبو داود في الحج (وفي رواية) لمسلم تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد وفي رواية له إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيليا.
(والجواب) عن هذه الأخبار أن الحصر فيها إضافي لا حقيقي أي لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلا إلى هذه الثلاثة لأن هذا الاستثناء مفرغ قد حذف فيه المستثنى منه وكما يمكن تقديره لا تشد الرحال إلى مكان يمكن تقديره إلى مسجد لكن الثاني هو المتعين لأن ذلك هو المفهوم عرفا من أمثال هذه العبارة وللاتفاق على جواز السفر وشد الرحال إلى أي مكان كان للتجارة وطلب العلم والجهاد وزيارة العلماء والصلحاء والتداوي والنزهة والولاية والقضاء وغير ذلك مما لا يحصى ولو قيل إن هذا خصص بالدليل للزم تخصيص الأكثر وهو غير جائز كما تقرر في الأصول. (والحاصل) أنه لا يشك من عنده أدنى معرفة في أن المراد بقوله لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد أو إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد أنه لا يسافر إلى غيرها من المساجد لا أنه لا يسافر إلى مكان مطلقا على أنه لا يفهم من هذه الأحاديث حرمة السفر إلى باقي المساجد بل هي ظاهرة في أفضلية هذه المساجد على ما عداها بحيث بلغ من فضلها أن تستحق شد الرحال والسفر إليها للصلاة فيها فإنها لا تشد الرحال وتركب الأسفار وتتحمل المشاق إلا للأمور المهمة لا أن من سافر للصلاة في مسجد طلباً لإحراز فضيلة الصلاة فيه يكون عاصياً وآثماً وكيف يكون آثماً من يسافر إلى ما هو طاعة وعبادة فالمسجد ببعده لم يخرج عن المسجدية والصلاة فيه لم تخرج عن كونها طاعة وعبادة إذ هو مسجد لكل أحد فكيف يعقل أن يكون السفر للصلاة فيه إثما ومعصية فالسفر للطاعة لا يكون إلا طاعة كما أن السفر للمعصية لا يكون إلا معصية وكيف تكون مقدمة المستحب محرمة ويدل على ذلك أن النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة كانوا يذهبون كل سبت إلى مسجد قبا وبينه وبين المدينة ثلاثة أميال أو ميلان ركبانا ومشاة لقصد الصلاة فيه ولا فرق في السفر بين الطويل والقصير لعموم النهي لو كان. روى البخاري في صحيحه([319]) أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يأتي مسجد قبا كل سبت ماشياً وراكباً وأن ابن عمر كان يفعل كذلك وفي رواية كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يزوره راكباً وماشياً (وروى) النسائي في سننه أنه كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأتي قبا راكباً وماشياً وأنه قال من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قبا فصلى فيه كان له عدل عمرة. وفي إرشاد الساري عن ابن أبي شيبة في أخبار المدينة بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص لأن أصلي في مسجد قبا ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين لو يعلمون ما في قبا لضربوا إليه أكباد الإبل. وهذا نص من سعد على استحباب ضرب أكباد الإبل إليه الذي لا يكون إلا بالسفر إليه من مكان بعيد (وروى) الطبراني من توضأ فأسبغ الوضوء ثم غدا إلى مسجد قبا لا يريد غيره ولا يحمله على الغدو إلا الصلاة في مسجد قبا فصلى فيه أربع ركعات كان له أجر المعتمر إلى بيت الله. نقله في إرشاد الساري وسيأتي في آخر هذا الفصل أحاديث إن فاطمة (عليها السلام) كانت تزور قبر عمها حمزه بين اليومين والثلاثة وكل جمعة وفيه دلالة على جواز السفر للزيارة واستحبابه لعدم تعقل الفرق بين السفر الطويل والقصير. وبين أحد والمدينة نحو مما بينها وبين قبا أو أزيد ويدل على شد الرحال الحديث الخامس المتقدم من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني والزيارة بعد الحج لا تكون إلا بشد الرحال وأظهر فيما قلناه الحديث الآخر لمسلم: تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد بصيغة الإثبات أي إن هذه المساجد الثلاثة تستحق وتستأهل شد الرحال إليها لعظم فضلها فهي حقيقة وجديرة بذلك وشاد الرحال إليها لا يكون عناؤه ضائعاً وتعبه خائباً أو فائدته قليلة بل يحصل من الثواب على ما يقابل تعبه وزيادة قال القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري([320]) في شرح قوله لا تشد الرحال أي إلى مسجد للصلاة فيه ثم قال وقد بطل بما مر من التقدير المعتضد بحديث أبي سعد المروي في مسند أحمد بإسناد حسن مرفوعا لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والأقصى ومسجدي هذا – قول ابن تيمية حيث منع من زيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو من أبشع المسائل المنقولة عنه ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الإجماع على مشروعية زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) ما نقل عن مالك إنه كره أن يقول زرت قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وأجاب عنه المحققون من أصحابه إنه كره اللفظ أدبا لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القرب الموصلة إلى ذي الجلال وإن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع قال فشد الرحال للزيارة أو نحوها كطلب علم ليس إلى المكان بل إلى من فيه وقد التبس ذلك على بعضهم كما قاله المحقق التقي السبكي فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة في غير الثلاثة داخل في المنع وهو خطأ كما مر لأن المستثنى إنما يكون من جنس المستثنى منه كما إذا قلت ما رأيت إلا زيدا أي ما رأيت رجلاً واحداً إلا زيداً لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً انتهى وقال القسطلاني في موضع آخر([321]) الاستثناء مفرغ والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها كزيارة صالح أو قريب أو صاحب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة لأن المستثنى منه في المفرغ يقدر بأعم العام لكن المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد انتهى. (وقال النووي) في شرح صحيح مسلم في شرح قوله لا تشد الرحال الخ([322]) فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولفضل الصلاة فيها (إلى أن قال) واختلف العلماء في شد الرحال واعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره قالوا والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة وقال في موضع آخر([323]) في هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة وفضيلة شد الرحال إليها لأن معناه عند جمهور العلماء لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها وقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا يحرم شد الرحال إلى غيرها وهو غلط انتهى. (وقال السندي) في حاشية سنن النسائي إن السفر للعلم وزيارة العلماء والصلحاء وللتجارة غير داخل في حيز المنع انتهى. وقال السمهودي في وفاء الوفا([324]) ويستدل بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية على مشروعية السفر للزيارة بشموله المجئ من قرب ومن بعد وبعموم من زار قبري وقوله في الحديث الذي صححه ابن السكن من جاءني زائراً. وإذا ثبت أن الزيارة قربة فالسفر إليها كذلك وقد ثبت خروج النبي (صلّى الله عليه وآله) من المدينة لزيارة قبور الشهداء فإذا جاز الخروج للقريب جاز للبعيد وقبره (صلّى الله عليه وآله) أولى وقد انعقد الإجماع على ذلك لإطباق السلف والخلف عليه وأما حديث لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فمعناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة إذ شد الرحال إلى عرفة لقضاء النسك واجب بالإجماع وكذلك سفر الجهاد والهجرة من دار الكفر بشرطه وغير ذلك وأجمعوا على جواز شد الرحال للتجارة ومصالح الدنيا وقد روى ابن شبة بسند حسن أن أبا سعيد يعني الخدري ذكر عنده الصلاة في الطور فقال قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى فهذا الحديث صريح فيما ذكرناه على أن في شد الرحال لما سوى هذه المساجد الثلاثة مذاهب نقل إمام الحرمين عن شيخه أنه أفتى بالمنع قال وربما كان يقول يكره وربما كان يقول يحرم وقال الشيخ أبو علي لا يكره ولا يحرم (إلى أن قال) وقال الماوردي من أصحابنا (يعني الشافعية) عند ذكر من يلي أمر الحج فإذا قضى الناس حجهم سار بهم على طريق مدينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رعاية لحرمته وقياما بحقوق طاعته وذلك وإن لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبة وعبادات الحجيج المستحسنة وقال القاضي الحسين إذا فرغ من الحج فالسنة أن يأتي المدينة ويزور قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال القاضي أبو الطيب ويستحب أن يزور النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد أن يحج ويعتمر وقال المحاملي في التجريد ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال أبو حنيفة إذا قضى الحاج نسكه مر بالمدينة (إلى أن قال) وفي كتاب تهذيب المطالب لعبد الحق سئل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في رجل استؤجر بمال ليحج به وشرطوا عليه الزيارة فلم يستطيع أن يزور قال يرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة وقال في موضع آخر([325]) وممن سافر إلى زيارة النبي (صلّى الله عليه وآله) من الشام إلى قبره (عليه السلام) بالمدينة بلال ابن رباح مؤذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كما رواه ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء قال لما رحل عمر بن الخطاب من فتح بيت المقدس فصار إلى جابية سأله بلال أن يقره بالشام ففعل قال ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو يقول ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني يا بلال فانتبه حزينا وجلا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا له يا بلال نشتهي أن نسمع أذانك فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها فلما قال أشهد أن محمداً رسول الله خرجت العواتق من خدورهن وقالوا بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فما رُئي بالمدينة بعده (صلّى الله عليه وآله) أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم قال وقال الحافظ عبد الغني وغيره لم يؤذن بلال بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) إلا مرة واحدة في قدومه المدينة لزيارة قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال قال السبكي ليس اعتمادنا على رؤيا المنام فقط بل على فعل بلال سيما في خلافة عمر والصحابة متوافرون ولا تخفى عنهم هذه القصة ورؤيا بلال النبي (صلّى الله عليه وآله) مؤكدة لذلك (قال) وقد استفاض عن عمر بن عبد العزيز إنه كان يبرد البريد من الشام يقول سلم لي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وذلك في زمن صدر التابعين وممن ذكر ذلك عنه الإمام أبو بكر بن عمرو بن عاصم التبيل ووفاته في المائة الثالثة قال في مناسكه: وكان عمر بن عبد العزيز يبعث بالرسول قاصدا من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي (صلّى الله عليه وآله) السلام ثم يرجع قال وفي فتوح الشام إن عمر لما صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح بإسلامه قال له هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وتتمتع بزيارته فقال نعم ولما قدم عمر المدينة كان أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال في موضع آخر([326]) كانت الصحابة يقصدون النبي (صلّى الله عليه وآله) قبل وفاته للزيارة وهو (صلّى الله عليه وآله) حي في الدارين بل روى أحمد بإسنادين أحدهما برجال الصحيح عن يعلى بن مرة من حديث قال فيه ثمّ سرنا فنزلنا منزلاً فنام النبي (صلّى الله عليه وآله) فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثمّ رجعت إلى مكانها فلما استيقظ ذكرت له فقال هي شجرة استأذنت ربّها (عزّ وجلّ) أن تسلم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأذن لها فإذا كان هذا حال شجرة فكيف بالمؤمن المأمور بتعظيم هذا النبي الكريم الممتلئ بالشوق إليه وحديث حنين الجذع ذكر في محله انتهى. ومرّ قول الغزالي يجوز شدّ الرحال لزيارة من يتبرك به بعد موته.
بقي الكلام في أن جواز زيارة القبور مخصوص بالرجال أو عام لهن وللنساء. قد عرفت في الفصل الحادي عشر ورود بعض الروايات في لعن زائرات القبور أو زوارات القبور وهذه الأخبار بعد تسليمها فقد عرفت القدح في سندها بالضعف وفي متنها بالاضطراب في ذلك الفصل محمولة على الكراهة لتخصيص اللعن فيها بالزائرات أو الزوارات دون الزائرين فإن زيارة القبور جائزة عند الوهابية بدون شد الرحال كما عرفت فلم يبق وجه لتخصيص اللعن بالزائرات إلا الكراهة لمنافاتها لكمال الستر المطلوب في المرأة سيما على رواية زوارات بصيغة المبالغة الدالة على أن المنهي عنه كثرة الزيارة التي لا تناسب شدة طلب الستر في النساء ولو حمل على أن ذلك كان قبل نسخ النهي عن زيارة القبور على ما مر كما توهم بعضهم لنافاه التعبير بالزائرات أو الزوارات لأن النسخ إن كان ففي الرجال والنساء واحتمال بقائهن تحت النهي كما حكاه السندي في حاشية سنن النسائي لقلة صبرهن واستقر به هو بعيد جدا مناف للسيرة وعمل المسلمين وقاعدة الاشتراك بين الرجال والنساء في الأحكام.
قال العزيزي في شرح الجامع الصغير([327]) عند شرح قوله (صلّى الله عليه وآله) (لعن الله زوارات القبور) قال العلقمي قال الدميري قال صاحب المهذب والبيان من أصحابنا لا يجوز للنساء زيارة القبور لظاهر هذا النهي قال النووي وقولهما شاذ في المذهب والذي قطع به الجمهور إنها مكروهة كراهة تنزيه انتهى. ويدل على جواز زيارة النساء للقبور بل استحباب زيارتهن قبور الأنبياء والشهداء ما في وفاء الوفا([328]) روى ابن أبي شبة عن أبي جعفر أن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانت تزور قبر حمزه ترمه وتصلحه وقد تعلمته بحجر (وروى) رزين عنه أن فاطمة كانت تزور قبور الشهداء بين اليومين والثلاثة (ورواه) يحيى بنحوه عن أبي جعفر عن أبيه علي بن الحسين وزاد فتصلي هناك وتدعو وتبكي حتى ماتت (وروى) الحاكم عن علي أن فاطمة كانت تزور قبر عمها حمزه كل جمعة فتصلي وتبكي عنده انتهى وفاء الوفا. (ويظهر) أن الوهابية بعدما أباحوا للنساء زيارة القبور في العام الماضي منعوهن منها في هذا العام فقد أخبرنا الحجاج إن النساء منعت من الدخول إلى البقيع في هذا العام بدون استثناء وكأنهم بنوا على هذا الاحتمال الضعيف الذي ذكره السندي وقال به صاحب المهذب والبيان من بقائهن تحت النهي فظهرت لهم صحته هذا العام بعدما خفيت عنهم في العام الأول (يمحو الوهابية ما يشاؤون ويثبتون وعندهم أم الكتاب). لسنا نعارضهم في اجتهادهم أخطأوا فيه أم أصابوا ولكننا نسألهم ما الذي سوغ لهم حمل المسلمين على اتباع اجتهادهم المحتمل الخطأ والصواب بل هو إلى الخطأ أقرب لمخالفته لما قطع به الجمهور ولم يقل به إلا الشاذ كما سمعت والأمور الاجتهادية لا يجوز المعارضة فيها كما بيناه في المقدمات وما بالهم يسلبون المسلمين حرية مذاهبهم في الأمور الاجتهادية ويحملونهم على اتباع معتقداتهم فيها بالسوط والسيف. (كما) زادوا في طنبور تعنتهم هذه السنة نغمات فعاقبوا الناس على البكاء عند زيارة قبر البني (صلّى الله عليه وآله) أو أحد القبور ومنعوهم منه والبكاء أمر قهري اضطراري لا يعاقب الله عليه ولا يتعلق به تكليف لاشتراط التكليف بالقدرة عقلا ونقلا ومنعوا من القراءة في كتاب حال الزيارة ومن إطالة الوقوف فمن رأوا في يده كتاب زيارة أخذوه منه ومزقوه أو أحرقوه وضربوا صاحبه وأهانوه ومن أطال الوقوف طردوه وضربوه (حدثني) بعض الحجاج الثقات أنه تحيل لقراءة الزيارة من الكتاب بأن فصل أوراقا منه وجعلها في القرآن وجلس يظهر قراءة القرآن ويزور فاتفق أنه أشار غفلة بالسلام نحو قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) فدفعوه حتى أخرجوه من المسجد وأخذوا تلك الأوراق ومزقوها وأمثال هذا مما صدر منهم في حق الحجاج في مسجدي مكة والمدينة ومسجد الخيف والبقيع وغيرها مما سمعناه متواترا من الحجاج كثير يطول الكلام بنقله.
استدراك
لما فاتنا ذكره في محله من هذا الكتاب ولم نعثر عليه إلاّ بعد الطبع فذكرناه هنا على ترتيب مواضعه في الكتاب.
(1)
مما يتعلق بحياة الشهداء والمؤمنين ما في وفاء الوفا([329]) أنّه ذكر ابن تيمية في اقتفاء الصراط المستقيم كما نقله عبد الهادي أنّ الشهداء بل كل المؤمنين إذ زارهم المسلم وسلم عليهم عرفوا به وردّوا عليه السلام انتهى.
(2)
ممّا يتعلق برد من قال من الوهابيين إنّ المراد بنجد المذمومة في الأخبار هي العراق قول نوح بن جرير الخطفي ذكره في معجم البلدان:
فذا العرش لا تجعل ببغداد ميتي
ولكن بنجد حبذا بلدا نجد
بلاد نأت عنها الراغيث والتقى
بها العين والأرام والعفر والربد
وقول أعرابي كما في معجم البلدان:
ألا هل لمحزون ببغداد نازح
إذا ما بكى جهد البكاء مجيب
كأني ببغداد وإن كنت آمنا
طريد دم نائي المحل غريب
فيا لائمي في حب نجد وأهله
أصابك بالأمر المهم مصيب
فدل كلام هذين الشاعرين أنّ بغداد التي هي عاصمة العراق ليست من نجد وأنّ نجداً ليست هي العراق.
(3)
مما يتعلق بأحوال نجد والنجديين ما أرشدنا إليه بعض كبار العلماء أكثر الله في المسلمين أمثاله في كتابه كتبه إلينا مع تفصيلنا في الحاشية بعض ما أجمله وترك الباقي لعدم عثورنا على تفصيله لبعدنا عن مكتبتنا قال حفظه الله:
إنّ أقطار البلاد العربية أخرجت ملوكاً وعلماء في الجاهلية والإسلام ما خلا نجد فإنّها لم تخرج في الجاهلية إلاّ كبار اللصوص وفساق العشاق([330]) ومنها أتى الضلال للعرب فإنّهم لما كانوا قرة عين إبليس وأشد البشر شبهاً به لم يتقمص إلاّ صورة أحدهم فأغوى عمرو بن لحي([331]) وأغراه بعبادة الأصنام وهو في صورة نجدي كما أنّ بعد ذلك حاول إغواء قريش لما حكّموا النبي (صلّى الله عليه وآله) في وضع الحجر الأسود قبل النبوة وهو في نحو تلك الصورة وأيضاً كان فيها لما ساعدهم في دار الندوة على المكر بالرسول وشبه الشيء منجذب اليه([332]) ثم إنّ أهل نجد كانوا أشد العرب غطرسة وكبراً وجهلاً وكانوا أبعد الخلق من قبول الهداية لقساوة قلوبهم وجساوتها وغلظ طباعهم ولذلك تكرر غدرهم بمن بعثه النبي (صلّى الله عليه وآله) لهدايتهم([333]) وكانوا أشر العرب وأكبرهم إيذاء له (صلّى الله عليه وآله) وأشدهم عليه وكانوا أخبث الناس جواباً له نفسي له الفداء لما عرض نفسه على القبائل([334]) ثمّ لما أتى دور الكذبة تمخضت الدنيا عن كذاب واحد وهو الأسود العنسي وانطفت فتنته سريعاً([335]) لعدم صلاحية اليمن لغير الإيمان ولكن نجداً لخصوبتها بالكذب وكونها مطلع الفتن ومنبتها أخرجت دفعة واحدة مسيلمة وطليحة وسجاح وقد لقي الصحابة منهم شراً لم يلقوا عشره من غيرهم ثم كان أول محكم من الخوارج من عنيزة من نجد ومنهم ذو الخويصرة اللعين ونجد معدن الخوارج ومنها إلى الآن واحد في جوهره لم يتغير وإن تغيّرت الأسماء لأنه تكفير جميع المسلمين غيرهم واستحلال الدماء والأموال انتهى.
(4)
في بعض ما يحكى عن ابن تيمية من المعتقدات التي فاتنا ذكرها عند ذكر معتقده في صدر الباب الأول.
ففي كتاب دفع شبه التشبيه والرد على المجسمة من الحنابلة لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي الواعظ المشهور عند ذكر الآيات التي ظاهرها التجسيم (قال) ومنها قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} إلى أن قال: قال ابن حامد([336]) الاستواء مماسة وصفة لذاته والمراد القعود وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن الله تعالى على عرشه ما ملأه وأنه يقعد نبيه على العرش وفي الحاشية([337]) ما لفظه؛ قال الجلال الدواني في شرح العضدية: وقد رأيت في بعض تصانيف (ابن تيمية) القول به أي بالقدم النوعي في العرش اهـ وقال الشيخ محمد عبده فيما علقه عليه: وذلك أن ابن تيمية كان من الحنابلة الآخذين بظواهر الآيات والأحاديث القائلين بأن الله استوى على العرش جلوساً فلما أورد عليه أنه يلزم أن يكون العرش أزلياً لما أن الله أزلي وأزلية العرش خلاف مذهبه قال إنه قديم بالنوع أي إن الله لا يزال يعدم عرشاً ويحدث آخر من الأزل إلى الأبد حتى يكون له الاستواء أزلاً وأبداً. ولننظر أين يكون الله بين الإعدام والإيجاد هل يزول عن الاستواء فليقل به أزلاً فسبحان الله ما أجهل الإنسان وما أشنع ما يرضى به لنفسه انتهى المنقول في الحاشية فانظر إلى قول الحنابلة سلف ابن تيمية الذين يدين بمذهبهم أن الله مستو على العرش استواء مماسة وقعود وأنه ما ملأ العرش بل العرش أكبر منه وأنه يجلس معه نبيه على العرش تشبيها بالملك الذي يجلس معه وزيره على السرير وإلى قول ابن تيمية إن العرش قديم بالنوع حادث بالشخص تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً (وفي كتاب دفع شبه التشبيه) أيضاً عند ذكر الأحاديث التي ظاهرها التجسيم([338]) الحديث التاسع عشر روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير يقول من يدعوني فأستجيب له (قال ابن حامد): هو على العرش بذاته مماس له وينزل من مكانه الذي هو فيه وينتقل. وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله. ومنهم من قال يتحرك إذا نزل وما يدري أن الحركة لا تجوز على الله وقد حكموا عن الإمام أحمد ذلك وهو كذب عليه انتهى. (وفي الحاشية) حكى ذلك أبو يعلى في طبقاته عن أحمد بطريق أبي العباس الإصطخري وعجيب من (ابن تيمية) كتبه في معقوله غير منكر ما يرويه حرب ابن إسماعيل الكرماني صاحب محمد بن كرام في مسائله عن أحمد وغيره في حقه سبحانه أنه يتكلم ويتحرك ونقل أيضاً (يعني ابن تيمية) عن نقض الدارمي ساكتاً أو مقراً – الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء لأن إمارة ما بين الحي والميت التحرك وكل حي متحرك لا محالة وكل ميت غير متحرك لا محالة بل يروى عنه نفسه (يعني ابن تيمية) أنه نزل درجة وهو يخطب على المنبر في دمشق وقال: ينزل الله كنزولي هذا، على ما أثبته ابن بطوطة من مشاهداته في رحلته وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: ذكروا أنه ذكر (أي ابن تيمية) حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين، فقال كنزولي هذا فنسب إلى التجسيم اهـ.
(5)
مما يتعلق بالاستغاثة ما عن الإستيعاب أنها وقعت مشاجرة بين بني عامر في البصرة فبعث عثمان أبا موسى الأشعري إليهم فلما طلع عليهم صاحوا يا آل عامر فلما سمع النابغة الجعدي برز مع قومه فقال أبو موسى ما شأنك قال سمعت دعوة قومي فأجبتها فعزره أبو موسى بسياط فقال النابغة أبياتا من جملتها:
فيا قبر النبي وصاحبيه
ألا يا غوثنا لو تسمعونا
ألا صلى إلهكم عليكم
ولا صلى على الأمراء فينا
والنابغة من الصحابة ولما قال:
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال له النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أين؟ قال إلى الجنة بك يا رسول الله ودعا له النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال لا فض فوك فلم تسقط له سن حتى مات.
ومما يتعلق بالاستغاثة ما جاء في قصة قارون أنه لما خسف به استغاث بموسى (عليه السلام) فلم يغثه وقال يا أرض ابلعيه فعاتبه الله حيث لم يغثه وقال له استغاث بك فلم تغثه ولو استغاث بي لأغثته.
(6)
مما يتعلق بالتوسل ما عن السيوطي أن النبي (صلّى الله عليه وآله) استسقى فلما نزل الغيث قام رجل من كنانة فقال:
لك الحمد والحمد ممن شكر
سقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة
إليه وأشخص منه البصر
أغاث به الله عليا مضر
وهذا العيان لذاك الخبر
وكان كما قاله عمه
أبو طالب أبيض ذو غرر
فلم تك إلا ككف الرداء
أو أسرع حتى رأينا الدرر
به قد سقى الله صوب الغمام
ومن يكفر الله يلقى الغرر
فقال النبي (صلّى الله عليه وآله) إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت. (فقوله): سقينا بوجه النبي المطر. (وقوله): أغاث به الله عليا مضر. (وقوله): وكان كما قاله عمه الخ الذي هو إشارة إلى قوله وأبيض يستسقى الغمام بوجهه. (وقوله): به قد سقى الله صوب الغمام كلها دالة على حسن التوسل والاستغاثة بالنبي (صلّى الله عليه وآله) لأنه سمعها ولم ينكرها بل استحسنها.
(7)
مما يتعلق بالإقسام على الله بمخلوق ما ذكره ابن خلكان في تاريخه قال حكى سفيان الثوري عن طارق بن عبد العزيز عن الشعبي قال كنا بفناء الكعبة أنا وابن عمر وابن الزبير وأخوه مصعب وعبد الملك بن مروان وذكر دعاء كل منهم أن يعطى ما تمناه فأعطيه فكان من دعاء عبد الله بن الزبير (أسألك بحرمة عرشك وحرمة وجهك وحرمة نبيك (عليه السلام)).
(8)
مما يتعلق بالنذر رداً على استشهاد الصنعاني بحديث أن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من النخيل ما رواه صاحب الكشاف والبيضاوي وغيرهما في تفسير قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} الآية عن ابن عباس أن الحسن والحسين (عليهما السلام) مرضا فعادهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ناس معه فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما أن برءا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا (الحديث) قالوا ما حاصله إن علياً (عليه السلام) استقرض ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا واختبزته فجاءهم عند الافطار مسكين فآثروه وجاءهم في اليوم الثاني يتيم فآثروه وفي اليوم الثالث أسير فآثروه فنزل جبرئيل وقال خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة انتهى.
(8)
مما يتعلق بالتبرك بمنبر النبي (صلّى الله عليه وآله) وبآثاره ما ذكره السمهودي في وفاء الوفا([339]) عن الأقشهري عن يزيد بن عبد الله بن قسيط رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا خلا المسجد يأخذون برمانة المنبر الصلعاء التي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يمسكها بيده ثم يستقبلون القبلة ويدعون. (قال): وفي الشفاء لعياض عن أبي قسيط والعتبي رحمهما الله كان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا خلا المسجد حبسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون انتهى.
خاتمة
(في متفرقات من مقالات الوهابية واعتقاداتهم وتشدداتهم)
(ومقالات مروجي دعوتهم وردها)
الأول: توقفهم في (التلغراف) وفتواهم في شيعة الأحساء والعراق وفي المكوس.
من الطرائف ما نقلته الصحافة العربية من توقف علماء الوهابية في جواز استعمال التلغراف لأنه أمر حادث وإفتائهم بعدم جواز معارضة السلطان ابن سعود في أخذ المكوس مع فتواهم بأنها من المحرمات الظاهرة. قالت جريدة الرأي العام في العدد 4061 الصادر في 19 ذي القعدة سنة 1345: ورد على جلالة السلطان ابن سعود من بعض الوهابيين أسئلة تتعلق بالمحمل والهاتف والضرائب وغيرها فاستفتى علماء نجد فورد عليه منهم الأجوبة الآتية ننشرها ليطلع عليها الرأي العام الإسلامي وهي موقعة من نحو من أربعة عشر رجلا من علماء نجد منهم محمد بن اللطيف وسعد بن عتيق وسليمان بن سمحان وغيرهم. قالوا: أما بعد فقد ورد على الإمام سلمه الله تعالى سؤال من بعض الإخوان عن مسائل فطلب منا الجواب عنها فأجبناه بما نصه.
أما مسألة البرق «التلغراف» فهو أمر حادث في آخر هذا الزمان ولا نعلم حقيقته ولا رأينا فيه كلاما لأحد من أهل العلم فتوقفنا في مسألته ولا نقول على الله ورسوله بغير علم والجزم بالإباحة والتحريم يحتاج إلى الوقوف على حقيقته (وأما) مسجد حمزة وأبي رشيد فأفتينا الإمام وفقه الله بهدمهما على القوم. (إلى أن قالوا): وأما الرافضة: فأفتينا الإمام يلزمهم البيعة على الإسلام ويمنعهم من إظهار شعائر دينهم الباطل وعليه أن يلزم نائبه على الأحساء أن يحضرهم عند الشيخ ابن بشر ويبايعونه على دين الله ورسوله وترك الشرك من دعاء الصالحين من أهل البيت وغيرهم وعلى ترك سائر البدع في اجتماعهم على مآتمهم وغيرها مما يقيمون به شعائر مذهبهم الباطل ويمنعون من زيارة المشاهد ويلزمون بالاجتماع على الصلوات الخمس هم وغيرهم في المساجد ويرتب الإمام فيهم أئمة ومؤذنين ونواباً من أهل السنة ويلزمون بتعليم الثلاثة الأصول([340]) وتهدم المحال المبنية لإقامة البدع فيها([341]) ويمنعون من إقامة البدع([342]) في المساجد وغيرها ومن أبى قبول ما ذكر ينفى عن بلاد المسلمين (وأما رافضة القطيف) فيلزم الإمام أيده الله الشيخ ابن بشر ان يسافر إليهم ويلزمهم بما ذكرنا (وأما البوادي والقرى) التي دخلت في ولاية المسلمين فأفتينا الإمام بأن يبعث إليهم دعاة ومعلمين ويلزم نوابه بمساعدة الدعاة على إلزامهم بشرائع الإسلام (وأما رافضة العراق) الذين انتشروا وخالطوا بادية المسلمين فأفتينا الإمام بكفهم عن الدخول في مواطن المسلمين وأرضهم (وأما المكوس) فأفتينا أنها من المحرمات الظاهرة فأن تركها فهو الواجب عليه وإن امتنع فلا يجوز شق عصا المسلمين والخروج عن طاعته من أجلها.
حرر في 8 شعبان سنة 1345 اهـ
فهذا نموذج من فتاوى الوهابية فليتأمل فيه العاقل المنصف وليقايس بين تشددهم واستشكالهم في التلغراف خوفا من القول على الله ورسوله بغير علم وبين تساهلهم في المحرمات الظاهرة كالمكوس وإرخائهم العنان فيها لآخذها خوفا من شق عصا المسلمين {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ولماذا لم يفتوا بعدم هدم قبور أئمة المسلمين وعظمائهم خوفا من شق عصا المسلمين ولماذا هدموها وألحقوا الإهانة بأهلها فأوغروا قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حتى صار كل فرد منهم يتمنى خروجهم من الحجاز ولا يتأخر عن مقاومتهم في أول فرصة تمكنه أليس في هذا شق لعصا المسلمين وتفريق لكلمتهم. ولكنهم إذا اعتقدوا أن لا مسلم غيرهم كانوا قد شقوا بذلك عصا غير المسلمين بزعمهم. (وإذا) كانوا يستشكلون ويتوقفون في حكم التلغراف لأنه حادث لا يعلمون حقيقته فهلا توقفوا في كل حادث كالبندقية والمدفع والسيارة التي لا يعلمون حقيقتها وكيف تسير بلا مسير ظاهر ويركب فيها ابن سعود وأتباعه وكثير من الوهابية وهي أحدث من التلغراف إلى غير ذلك فكانوا بذلك كالخوارج الذين استشكلوا في قتل الخنزير الشارد في البر وقالوا إنه فساد في الأرض ولم يستشكلوا في قتل الصحابي المسلم الصائم في شهر رمضان وفي عنقه قرآن لأنه لم يوافقهم على تكفير علي بن أبي طالب وقتل زوجته معه وهي حامل وبقر بطنها. (وإذا) كانوا بكل هذا الورع في التوقف عن حكم التلغراف فهلا توقفوا عن استباحة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وإخافة السبيل وكفروهم تقليدا لرجل يجوز عليه الخطأ. وتكفير المسلم عظيم كاستباحة ماله ودمه وعرضه واستندوا في ذلك إلى أمور اجتهادية يكثر فيها الخطأ وأدلة وأخبار ظنية قابلة للصدق والكذب فلو كانوا أهل ورع حقيقة كما يزعمون للزمهم أن يفاوضوا علماء المسلمين المنتشرين في أقطار الأرض ويباحثوهم ويجادلوهم بالإنصاف لا بالبنادق ويعقدوا مجتمعاً عاماً إسلامياً ويبسطوا المسائل المتنازع فيها على بساط البحث ويحكموا بينهم الكتاب والسنة المسلمة بين الكل حتى ينظروا لمن يكون الفلج لا أن ينحازوا في بادية نجد بين أعطان الإبل ويصدروا الفتاوى استنادا إلى أقوال تلقوها من أسلافهم الذين يجوز عليهم الخطأ يتوارثها اللاحق من السابق ولا يحيد عنها قيد شبر ثم يجبروا الناس على اتباعها بالسيف والسنان شاءوا أو أبوا اعتقدوا أو لا (ما هكذا تورد يا سعد الإبل) وإذا لم يريدوا ذلك فليتركوا للناس اجتهادهم فإن مسائلهم التي خالفوا فيها المسلمين ليست ضرورية بل اجتهادية للبحث فيها والتأويل مجال ولم ينزل عليهم بها وحي ولا شافههم بها نبي وإنما أخذوها من أشياء زعموا دلالتها وعند غيرهم ما ينفيها ويمنع دلالتها.
وكذلك فتواهم الجزافية في حق أهل البيت الطاهر الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا الذين دخلوا مدينة العلم النبوي من بابها وتمسكوا بالثقلين كما أمرهم نبيهم، ونبزهم بالرافضة، من شيعة الأحساء والقطيف من رعايا سلطانهم وشيعة العراق الذين يدخلون بلاد نجد، لمخالفتهم لهم في أمور اجتهادية يشاركهم في أكثرها سائر المسلمين ويحتمل في حق كل أحد فيها الإصابة والخطأ فالمصيب مأجور والمخطئ مع عدم تقصيره معذور مثل دعاء الصالحين وإقامة المآتم وزيارة المشاهد وليست من ضروريات الدين كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج فكيف يجبرون على البيعة على الإسلام وهم مسلمون يقرون لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة ويلتزمون بجميع ما جاء به من عند ربه مما اتفق عليه جميع المسلمين ويرجعون فيما اختلفوا فيه إلى أقوال أئمة أهل البيت الذين إن لم يكونوا فوق الأئمة الأربعة وفوق ابن عبد الوهاب في العلم فليسوا دونهم وكيف يمنعون من إظهار شعائر دينهم فأن كان ذلك من الضروريات فهم يوافقون المسلمين عليها وإن كان في الاجتهاديات فباب الاجتهاد عندكم مفتوح فكيف جاز لكم الاجتهاد ومنع منه غيركم بالسيف والنفي من بلاد المسلمين وكيف يجوز إلزامهم بالصلاة خلف من قد يعتقدون ببطلان صلاته لترك البسملة التي هي جزء السورة عندهم أو غير ذلك من الأمور الاجتهادية وكيف يمنعون من الأذان وهو شعار الإسلام ويجعل لهم مؤذن من غيرهم وإلى أي دليل استندتم في هذه الفتوى. وبأي عدل وإلى أي دليل استندتم في منع شيعة العراق عن الدخول إلى بادية نجد والأرض لله تعالى لا لكم والناس كلهم عبيده وهلا أفتيتم الإمام بمنع الشيعة وباقي المسلمين المشركين بزعمكم عن حج بيت الله الحرام والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض وكيف أن حكومتكم النجدية تبذل كل ما في وسعها لترغيب الناس في الحج لتعيش وتعيشون في الحجاز القاحلة لولا الحجاج.
(الثاني: في حكم الوهابية بوجوب إتلاف كتب المنطق وروض الرياحين ودلائل الخيرات وغيرها).
قال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية الخمس: ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين وما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق فإنه قد حرمه جمع من العلماء على أنا لا نفحص عن مثل ذلك وكالدلائل «يعني دلائل الخيرات» وهو كتاب مشهور معظم يشتمل على أدعية وأوراد. (قال) وما اتفق لبعض البدو من إتلاف بعض كتب أهل الطائف إنما صدر من بعض الجهلة وقد زجروا عن مثل ذلك.
(ونقول): أما روض الرياحين فلا نعرفه لنبدي رأينا فيه وأما علم المنطق الذي أمر بتعريبه من اليونانية المأمون العباسي ككثير من كتب العلوم العقلية والرياضية وكان له بذلك الفضل والذكر الجميل الخالد وتداوله المسلمون وألفوا فيه كثيرا ودرسوه من ذلك العصر إلى اليوم ولم يترك درسه متسم بالعلم، فقد ابتلي هذا العلم النفيس الذي يشحذ الأذهان ويفيد قوة الحجة من طرف الوهابية بما ابتليت به قبور الأنبياء والصلحاء فله أسوة بها ودليلهم على وجوب إتلاف كتبه أنه يحصل بسببه خلل في العقائد وأنه حرمه جمع من العلماء فليذكروا لنا من هو الذي اختلت عقيدته بسبب علم المنطق وهل يكون تحريم جمع من العلماء إن صح النقل مجوزاً لإتلاف كتبه المملوكة للغير بغير إذنه. على أننا لم نسمع تحريمه عمن يصح أن يعتمد على علمه سوى ما حكاه صاحب السلم عن بعض الجامدين بقوله:
فابن الصلاح والنواوي حرما
وقال قوم ينبغي أن يعلما
واعتذار صاحب المنار في الحاشية بقوله إنما حرموا بعض كتب المنطق القديمة الممزوجة بالفلسفة اليونانية الباطلة دون ما ألفه المسلمون، غير مجد لأن الكتب القديمة لا وجود لها حتى نشغل أنفسنا بتحريمها وتحليلها وكلام صاحب السلم كالصريح في عدم هذا التقييد والاعتذار عن إتلاف كتب أهل الطائف المساكين كالاعتذار عن قتل نفوسهم البريئة ونهبهم وسلبهم وتعذيبهم بأنه وقع من البدو الجاهلين فهو كالذي وقع من خالد بن الوليد وقال (صلّى الله عليه وآله) اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد. وهؤلاء البدو هم الذين تسمونهم غزو الموحدين وهذه أفعالهم مع المسلمين وما يفيد زجركم لهم بعد خراب البصرة وذهاب النفوس والأموال بأيدي غزو الموحدين وإذا كان هذا فعلهم في كتب لا يعلمون ما هي ولا نفع لهم فيها فما حال النفوس والأموال التي وقعت في مخالبهم.
(الثالث): في كتاب (القديم والحديث) للكاتب الشهير محمد كرد علي الدمشقي من جملة مقال له في الوهابيين([343]) ما لفظه: ورسالة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي كتبها حين فتح الحرمين الشريفين شاهدة عدل على أنه برئ من تلك الافتراءات التي افتروها على عقائده وعقائد أبيه وبنوا عليها تلك الزلازل والقلاقل وأن مذهبه عين مذهب الأئمة المحدثين والسلف الصالحين وتلك الرسالة منقولة في إتحاف النبلاء من شاء الاطلاع عليها فليرجع إليها. (إلى أن قال): قال أحمد سعيد البغدادي في كتابه نديم الأدب: حقيقة هذه الطائفة أنها حنبلية المذهب وجميع ما ذكره المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليها بتأمل لأن غالب مؤرخي الشرقيين ينقلون عن الكتب الإفرنجية فأن كان المنقول عنه صاحب دراية مصدق تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل وإن كان غيرصادق الرواية فمن باب أولى ومن أراد أن يعرف جليا اعتقاد هذه الطائفة فليطالع كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل فإنه مذهبهم انتهى .
ونقول: الرسالة المشار إليها هي الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية وقد نسب فيها إلى المسلمين الشرك وأنواع الشرك وإنهم من أقبح المشركين وأجهلهم وإنهم مصرون على الاشراك والشرك الأكبر الذي يهدر الدم ويبيح المال وجعل قبور الصالحين أصناما وطواغيت تعبد وإن الخلاف بين الوهابية وبين الناس في إخلاص التوحيد وإنهم لما دخلوا مكة عُبِدَ الله وحده وإن الناس قبل ذلك لم تكن تعرف التوحيد والشرك وإن من بلغته دعوتهم ولم يتبعهم فهو كافر إلى غير ذلك في نحو من عشرين موضعا والرسالة لا تزيد على 15 صفحة وصرح فيها بأنهم يوجبون إتلاف كتب المنطق كما مر في الأمر الثاني وأنهم يجعلون قول يا رسول الله أسألك الشفاعة شركا موجبا لحلية الدم والمال مع اعترافهم بأن له الشفاعة يوم القيامة وقد نقلنا جملة من أقواله في تلك الرسالة في تضاعيف هذا الكتاب (فما) قول الأستاذ في هذه الشاهدة العدل التي استشهد بها على صحة عقائد ابن عبد الوهاب وابنه وبراءتهما من الافتراءات التي افتروها على عقائدها وبنوا عليها الزلازل والقلاقل وهل مذهب الأئمة المحدثين والسلف الصالحين تكفير جميع المسلمين وإباحة دمائهم وأموالهم ووجوب إتلاف كتب المنطق. والهدية السنية التي هذه الرسالة إحدى رسائلها طبعت مراراً بمطبعة المنار بمصر فليرجع إليها في شاهدة عدل. على أن ما نسب إلى عقائده وعقائد أبيه هو عين ما يصرحان به ليس فيه كذب ولا افتراء عليهما. (أما) ما نقله عن كتاب نديم الأدب، (ففيه) أنه لم يبق حاجة (والحمد لله) في معرفة عقائد الوهابية إلى أخذها من الكتب الإفرنجية ولا من ترجمتها فكتب الوهابية المتضمنة عقائدهم مطبوعة منتشرة يوزعونها مجانا وبذلك قد مزقوا أعذار من يبتغي الاعتذار عنهم وأما أن مذهبهم مذهب الإمام أحمد بن حنبل فهم وإن انتسبوا إليه لكنهم يصرحون كما عرفته في الباب الأول بأنهم لا يلتزمون بمذهبه ولا بغيره إذا بان لهم دليل على خلافه كما أنهم يصرحون على ما عرفت بكفر جميع من يخالفهم من المسلمين واستحلال دمه وماله والإمام أحمد بن حنبل برئ من ذلك.
قال بعض أعاظم العلماء في كتاب كتبه إلينا ماصورته: قال لي بمصر بعض من يدعي العلم بالحديث: إن كتب الحنابلة هي كتب الوهابية فما تنكر منها وليس لك أن تؤاخذهم إلا بما تجده صريحا في كتبهم ولا عبرة بنقل الخصم([344]) فقلت ما تقول في القرامطة قال كفار ملاحدة قلت إنهم يزعمون أن مذهبهم مذهب أهل البيت وأن كتبهم كتبهم فهل تجد في كتب أهل البيت إلا الحق والنور؟ قال إن القرامطة كذبوا وهؤلاء نقلة التاريخ يثبتون كفر القرامطة وزورهم قلت وهل ترى قيام الحجة بنقل أهل التاريخ قال نعم فأن الشافعي صرح في الرسالة بأن نقلهم جماعة عن جماعة أحب إليه من نقل أهل الحديث واحدا عن واحد قلت إذا يجب أن تقبل مني من نقل المؤرخين المشاهدين للوهابية ما هو صريح في كفرهم، فسكت، فقلت له فعل المرء حجة ودليل عليه وإن كذبه لسانه فالقرامطة لما استحلوا دماء المسلمين وأموالهم لم تبق شبهة في كفرهم وكذلك سادتك، فغضب ولم يدر ما يقول، فقلت ما تقول فيما ورد في الخوارج ومروقهم وإنهم كلاب النار وشر قتلى تحت أديم السماء وغير ذلك؟ قال إن المجموع يفيد العلم القطعي بمروق الخوارج واستحقاقهم غضب الله، ولكنهم هم الذين قتلهم علي بالنهروان وليس الوهابية منهم. قلت بم استحق أولئك غضب الله أبكونهم يحقر الصحابة صلاتهم في جنب صلاتهم وصيامهم في جنب صيامهم؟ قال لا. قلت أبسبب زهدهم وتقشفهم؟ قال لا قلت بقولهم من قول خير البرية وبقراءتهم القرآن يقومونه كالقدح؟ قال لا. قلت فبماذا؟ فتلعثم فقلت ما ذاك إلا باستحلالهم دماء المسلمين وأموالهم وتكفيرهم لهم مع ادعائهم أنهم هم المسلمون وحدهم ولا شك أن من اتصف بما اتصفوا به يستحق ما استحقوا بتلك الصفة انتهى.
وقد ظهر بذلك أيضا فساد أقوال من يريدون تبرير أعمال الوهابية وإنكار فظائعهم بأن الحامل لأهل عصرهم على نقل ما نقلوه عنهم وعلى ذمهم هو السياسة والانتصار لدولة الترك وأشراف مكة فنسبوا إليهم الفظائع في مكة والمدينة وكربلاء وغيرها لينفروا الناس منهم! فإنك قد عرفت فيما ذكرناه في تاريخهم وغيره من هذا الكتاب أن فظائعهم وأعمالهم في تلك الأماكن أصبحت معروفة متواترة كتواتر وجود مكة والمدينة وكربلاء والوهابية، وليست قابلة للشك والإنكار وكذا تكفيرهم المسلمين واستحلالهم أموالهم ودماءهم وجعلهم غزوهم جهادا في سبيل الله وبلادهم دار حرب أصبح غير قابل للاعتذار بعد تصريحهم به فيما نشروه من كتبهم المطبوعة التي نقلنا عباراتها وأشرنا إلى صفحاتها فيما مر.
(الرابع) في بعض تمويهات صاحب المنار في انتصاره للوهابية.
قال في مقالات (الوهابيون والحجاز) تحت عنوان (شهادة التاريخ للوهابية): نكتفي بشهادتين عادلتين لمؤرخين كبيرين نقلاً عن العدول المعاصرين لظهور الوهابية.
الشهادة الأولى
ذكر الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة 1227هـ نقلاً عن بعض أكابر جيش محمد علي باشا الذين قاتلوا الوهابية في الحجاز أنه قال له بعض أكابرهم ممن يدعي الصلاح والتورع أين لنا بالنصر وأكثر أكابرهم ممن يدعي الصلاح والتورع أين لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة أو من لا يتدين بدين ومعنا صناديق المسكرات ولا يسمع في عسكرنا أذان ولا تقام فيه فريضة والقوم إذا دخل الوقت أذن المؤذنون واصطفوا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع وإذا حضرت الصلاة والحرب قائم أذنوا وصلّوا صلاة الخوف وعسكرنا يتعجبون من ذلك لأنّهم لم يسمعوا به فضلاً عن رؤيته وينادون هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين الزنى واللواط الشاربين الخمور التاركين للصلاة الآكلين الربى القاتلين الأنفس المستحلين المحرمات وكشفوا عن قتلى العسكر فوجدوهم غير مختونين انتهى.
وهذه الشهادة التاريخية التي تبجح بها صاحب المنار لا تزيد عن شهادة النبي (صلّى الله عليه وآله) للخوارج أمام الصحابة بأنهم يحقرون صلاتهم مع صلاة الخوارج وباسوداد جباههم من كثرة السجود مع كونهم من كلاب النار وقتلاهم شر القتلى تحت أديم السماء وحال الوهابية مع عسكر مصر التي شهد بها التاريخ لا تزيد عن حال الخوارج مع أهل الشام التي شهد بها التاريخ أيضاً حين قال لهم الخوارج ما تقولون في القرآن قالوا نضعه في الجوالق قالوا فما تقولون في اليتيم قالوا نأكل ماله ونفجر بأمه فهل نفعت هذه الشهادة التاريخية الخوارج حتى تنفع الوهابية قال:
الشهادة الثانية
ما جاء في كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للشيخ أحمد الناصري السلاوي وخلاصته أنه في سنة 1226هـ أنفذ السلطان المولى سليمان سلطان فاس ولده المولى إبراهيم لأداء فريضة الحج وأرسل معه جواب كتاب صاحب الحجاز عبدالله بن سعود الوهابي فكان سبباً لتسهيل الأمر عليهم وأنهم حجّوا وزاروا على حين تعذر ذلك وعدم استيفائه على ما ينبغي لاشتداد شوكة الوهابيين ومضايقتهم لحجاج الآفاق في أمور حجّهم وزيارتهم إلاّ على مقتضى مذهبهم وأنّه حدث جماعة ممّن حج مع المولى إبراهيم أنّهم ما رأوا من ابن سعود ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة وإنّما شاهدوا منه ومن أتباعه القيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر وتنقية الحرمين من القاذورات والآثام التي كانت تفعل وأنّ حاله كحال آحاد الناس في زيّه ومركوبه ولباسه وأنّه أظهر التعظيم للمولى إبراهيم الواجب لأهل البيت وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وكان المتولي للكلام معه القاضي فقال له القاضي بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوي فقال معاذ الله إنّما نقول كما قال مالك (الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة) قالوا وبهذا نقول نحن قال له وبلغنا أنكم تقولون بعدم حياة النبي وباقي الأنبياء في قبورهم فارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه وقال معاذ الله إنما نقول إنه حي في قبره وكذا باقي الأنبياء حياة فوق الشهداء قال وبلغنا أنكم تمنعون من زيارته وزيارة الأموات مع ثبوتها في الصحاح فقال معاذ الله أن ننكر ما ثبت في شرعنا وهل منعناكم أنتم لما عرفنا أنكم تعرفون كيفيتها وآدابها وإنّما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالألوهية ويطلبون من الأموات قضاء أغراضهم التي لا تقضيها إلا الربوبية وإنما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الموتى وتذكر مصير الزائر إلى ما صار إليه المزور ثم يدعو له بالمغفرة ويستشفع به إلى الله تعالى يسأل الله المنفرد بالإعطاء والمنع بجاه ذلك الميت إن كان ممن يليق أن يستشفع به هذا قول إمامنا أحمد بن حنبل ولما كان العوام في غاية البُعد عن إدراك هذا المعنى منعناهم سداً للذريعة انتهى.
(ونقول) هذه الشهادة كالتي قبلها لا تنفع الوهابيين شيئاً كما لم ينفع ما هو أعظم منها الخوارج على ما عرفت وما تنفع الصلاة والطهارة والصيام والنهي عن المنكر وتنقية الحرمين مع استحلال دماء المسلمين وأموالهم وإخافتهم لسؤالهم الشفاعة ممّن أعطاه الله الشفاعة بقولهم نسألك الشفاعة يا رسول الله كما لم تنفع الخوارج صلاتهم التي يحقر الصحابة صلاتهم عندها وطهارتهم التي أدّت بنسائهم إلى الوسواس وسجودهم الذي اسودّت له جباههم وتلاوتهم للقرآن ومحافظتهم على أحكام الشرع وهم يكفرون بالمسلمين ويستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم حتّى مرقوا بذلك من الدين كما يمرق السهم من الرمية ولو تأمل صاحب المنار لعرف أن فيما نقله شهادة على الوهابيين لا لهم من تعذر الحج والزيارة وعدم استيفائهما على ما ينبغي لمضايقة الوهابية لحجاج الآفاق في أمور حجّهم وزيارتهم إلاّ على مقتضى مذهبهم وما الذي سوّغ لهم مضايقة المسلمين في أمور اجتهادية نظرية ليست من ضروريات الدين ولا اجتماعياته إن لم يكن الضرورة والإجماع فيها على خلاف ما عليه الوهابيون (وأما) قوله في الاستواء بما نسب إلى مالك وموافقة المغاربة له فقد عرفت في الباب الأول أنّه لا يكاد يصح لأنّه أما قول بالتجسيم أو المحال وأما حصره سبيل الزيارة في الاعتبار بحال الموتى والدعاء بالمغفرة فهو في غير زيارة الأنبياء الذين في زيارتهم إكرامهم وإداء حقّهم (وأما) قوله ويستشفع به إلى الله يسأل بجاه ذلك الميت إلخ وإن ذلك مذهب الإمام أحمد فهو مناقض لما عليه الوهابية من أنّ الاستشفاع به وسؤال الله بجاهه كفر وشرك فهو أما تدليس أو رجوع ما هم عليه يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً وهو كإنكار عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب تكفير الوهابية لجميع المسلمين كما عرفت في الباب الأول وقد اعترف بذلك صاحب المنار بقوله: وما نقله من كلام الأمير الوهابي في مسألة الاستشفاع معزواً إلى الإمام أحمد يظهر أنه لم ينقل بحروفه فإنّه لا يعرف عنه ولا عن الوهابية مثل هذا القول فيما نعلم انتهى.
(وأقول) الإمام أحمد في علمه وفضله لا بد أن يكون قائلاً بهذا أما الأمير الوهابي فنطق بالحق من حيث لا يشعر ودعوى التحريف غير مسموعة.
كشف الحقائق
تأليف: السيد أحمد العلوي العاملي، المتوفى بعد 1054هـ وقبل 1060هـ.
مجلد واحد يضم كتابين في الفلسفة الإسلامية ومباحثها، الأول يشتمل على آراء ونظريات وإبداعات المصنف في الفلسفة، مرتب في مقدمة في الأُمّة المفترقة والفرقة الناجية منها، وفصول خمسة متضمنة: بعض المبادئ والمباحث العامة… براهين إثبات الواجب وإبطال الدور والتسلسل… تبيين وإثبات الصفات السلبية للواجب بالذات… التفصيل في بعضها مع بيان برهان إثبات الحدوث الدهري للممكنات… ومباحث المعرفة والعلم وخاصة اللدنيّ.
والثاني – لتلميذ المصنف – يتضمن بيان معاني الكتاب الأول وشرح مبانيه الحكمية وتثبيتاً وتقويماً لها، وعرضاً لآراء وأفكار أستاذه الفلسفية، إضافة إلى عرض ومناقشة آراء المذاهب الفلسفية للمدارس التي سبقتهم.
كشمير
تؤلف ولاية كشمير وجمو منطقة جبلية واحدة تقع إلى الشمال من جمهوريتي الهند وباكستان وهي عبارة عن وادٍ يقع بين الهند والباكستان ويمتاز بمناظره الطبيعية الخلابة وعاصمة كشمير صيفاً هي جامو وشتاءً سرينگر، ويفصل كشمير عن الهند جبال شاهقة ذات مسالك وعرة لا تسمح بالمرور فيها إلاّ في حدود يتراوح طولها بين 20-30 ميلاً. وهي تؤلف فجوة بين الهند وكشمير، أمّا الحدود الواقعة بين كشمير وباكستان فيؤلف معظمها سهولاً فسيحة واسعة الأرجاء ترويها ثلاثة أنهار تشق طريقها نحو باكستان وهي نهر راوي ونهر جناب ونهر هندوس.
تبلغ مساحة كشمير وجمو (84471) ميلاً مربعاً. ويبلغ عدد سكانهما معاً أكثر من خمسة ملايين ونسبة المسلمين في كشمير 85 بالمائة وفي جمو تبلغ نسبة المسلمين 61 بالمائة. وفي كشمير وجمو العدد الكثيرمن الشيعة.
ويرجع تاريخ المسلمين في هذه الولاية إلى سنة 1339م. عندما فتحها شاه مسلم ثمّ خضعت لحكم المغول المسلمين سنة 1587م. وظلّت تحت حكمهم إلى سنة 1819 عندما استولى عليها أحد أمراء السيخ. وفي سنة 1846 باعها الإنكليز إلى أحد المهراجات الهندوس بمبلغ (7,500,000) روبية.
وقال القاضي نور الله التستري المولود سنة 956هـ والمتوفى سنة 1019هـ في كتابه مجالس المؤمنين: لم أجد شرح مذاهب أهل كشمير في كتاب والذي حققته أيام عبوري بتلك الديار هو أنّ أهلها قريبو عهد بالإسلام وإلى الآن بينهم كثير من غير المسلمين ومن زمان إقامة السيد الأجل العارف السيد محمد الخلف الصدق لسيد المتألهين السيد علي الهمذاني في تلك الديار، قال بعض أهلها بمذهب الشيعة، وبعد ذلك جاء إلى كشمير المير شمس العراقي الذي هو من خلفاء شاه قاسم نور بخش وأقام هناك. وحيث إنّ حكومة تلك البلاد كانت للطائفة المعروفة (جك ترم كام) اهتمت بتقوية السيد المذكور فانتشر مذهب الشيعة تدريجياً، وأكثر عساكر تلك البلاد مثل طائفة (ونه) وطائفة (هكربان) وطائفة (رانكر) هم شيعة ومن أهل المدينة الساكنين محلة حسن آباد ومحلة زدبيل التي فيها مير شمس العراقي كلهم شيعة. وهكذا أولاد بابا علي الذين هم من خلفاء مير شمس ومريديه وهم جمع كثير كلهم شيعة. ومن القصبات هناك قصبة شهاب الدين كلهم شيعة فدائية. و(بشوكة) المشتملة على مائتي قرية كلها شيعة مع قرى متفرقة أخرى أهلها شيعة يطول الكلام بتفصيلها. (انتهى).
يعد الخشب من أهم صادرات كشمير لكثرة ما فيها من الأشجار، يقطع هذا الخشب ويلقى في الأنهار ليجري مع التيار إلى باكستان، وهذه أحسن وسيلة لنقله وبيعه في جمهورية باكستان. ويقدر محصول الخشب بـ 20-25 بالمائة من صادرات كشمير. كما تصدر إلى باكستان الفاكهة والخضر، وتأتي بالمرتبة الثانية بعد الخشب.
وتصنع كشمير أفخر السجاد والمنسوجات الصوفية. وكانت هذه الثروة تباع في باكستان نفسها أو تنقل إلى البلاد الأخرى عبر باكستان الغربية وتستورد كشمير لقاء ذلك من باكستان جميع حاجياتها. ويعتبر ميناء كراتشي ميناء كشمير الطبيعي.
أما الري فإنّ الأنهار الثلاثة التي تنبع من كشمير تروي باكستان الغربية. ويقوم الري فيها على أحدث الأساليب العلمية والطرق الفنية في علم الزراعة. وتبلغ مساحة الأراضي التي ترويها هذه الأنهار الثلاثة تسعة عشر مليوناً من الأفدنة. كما أن هذه الأنهار عامل اقتصادي خطير يتحكم في حياة باكستان الغربية الزراعية. ولهذا نرى أن كلاً من كشمير وباكستان تعتمد على الأخرى في المجال الاقتصادي.
ويصل كشمير بالباكستان ثلاثة طرق رئيسية، منها طريقان للقوافل والثالث خط حديدي. وتؤلف الأنهار الثلاثة المذكورة مع هذه الطرق وسائل المواصلات بين باكستان وكشمير وترتبط كل منهما بالثانية ارتباطاً وثيقاً. ومن ثم ترتبط بالعالم الخارجي عن طريق باكستان.
برغم أن صناعة الشيلان بكشمير ترجع إلى أيام بعيدة ماضية إلاّ أنّ الواقع أنّها ازدهرت وانتعشت في النصف الأخير من القرن الرابع عشر أيام السلطان قطب الدين. وفي النصف الأخير من القرن السادس عشر أدخل على هذه الصناعة كثير من التحسين، وما أن جاءت أيام المغول حتى أصبحت صناعة الشيلان تحتل مكان الذروة في البلاد. وقد بلغ من دقة الصنع والاتقان في العمل إن كان يمكن تمرير شال مساحته ياردة ونصف الياردة المربعة من حلقة أي خاتم. ويطلقون عليها هناك (شال الخاتم).
ولما حكم الأفغانيون البلاد ظهر تحسين كبير آخر في هذه الصناعة وكانت الشيلان تصدر إلى كثير من البلدان الأجنبية خاصة إلى إيران وأفغانستان وروسيا وتركستان، وعند نهاية القرن الثامن عشر وجدت هذه الشيلان أسواقاً رائجة في أوروبا حتى أصبحت لازمة من لوازم الطبقة الراقية بفرنسا خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر. وكانت فرنسا تستورد منها نحو ثمانين في المائة من مجموع الإنتاج. وانتقلت عدوى استعمال الشيلان إلى انكلترا، وكان من عادة الملكة فكتوريا أن تهدي واحداً منها إلى كل عروس لأهلها اتصال بالقصر.
وظل الحال على هذا المنوال إلى أن وقعت البلاد تحت حكم السيخ فقد انحطت هذه الصناعة نتيجة لسوء المعاملة التي كان يلقاها النساجون وللأجور الضئيلة التي كانوا يمنحونهم إياها. وفقدت الشيلان الكشميرية أسواقها في أوروبا نتيجة للتقلبات التي حدثت فيها سواء في السياسة أو في طريقة تصميم الأزياء. وزاد الطين بلّة ساعة أن قسمت البلاد إلى دولتين عام 1947م فقد اضطر الصناع إلى أن يهجروا الوادي لعدم استقرار الحالة فيه.
والحق أنّ الشيلان المصنوعة في كشمير تبز غيرها كثيراً فهي تصنع من صوف نوع من الماعز يعيش في الجبال العالية، وهو يجود كلّما تقدّم في العمر، وهناك أنواع منها اسمها شيلان أمالي، يستغرق صنع الواحد منها سنة كاملة ويبلغ ثمنه نحو ألف جنيه، وقد تخصصت كشمير في هذه الصناعة، ومع أنّ بعضاً من الدول الأخرى حاولت أن تصنعها إلاّ أنّها فشلت في ذلك.
وأدخل صناعة الأبسطة إلى كشمير السلطان زين العابدين، وقد ازدهرت أيام الحكم الإسلامي، ولكنّها تدهورت أيام حكم الدوجرا والسيخ.
وسجاجيد كشمير معروفة في جميع أنحاء العالم، ونقوشها لا مثيل لها في أي صناعة أخرى من هذا القبيل، وقد تخصصت في رسومها الزاهية وصورها اللطيفة مثل صور الزهور والمساجد والأشجار والتلال والغابات والبحيرات والحيوانات الضارية.
وصناعة الحرير صناعة قديمة يقال إنّها دخلت كشمير في أوائل القرن الخامس عشر. وكانت كشمير تتبادل حرير القز مع بخارى ودمشق ومع أنّ صناعته لقيت بواراً نتيجة لوقوع مواطنها تحت الحكم الهندي إلاّ أنّ حكومة كشمير الحرة تحاول الآن أن تنهض بهذه الصناعة بمعاونة اللاجئين من كشمير المحتلة.
والحلي الكشميرية فريدة في رسومها وفي دقة صنعها، وقد تخصصوا في صناعة الحلقان والقلائد والخواتم والخلاخيل والمسابح.
والصانع الكشميري نسيج وحّده في النقش على الخشب، وهم يستعملون لذلك نوعاً خاصاً يزرع في الوادي مشهور بصلابته ولونه.
وأهل كشمير يجيدون صناعة الأسقف المزخرفة ذات القطع المختلفة الجميلة التي تكون فيما بين هذه الأسقف.
وأغلب أهل كشمير يعيشون في قوارب تزخر بها مياه أنهار الوادي وعلى هذه الأنهار تقام العائمات من كلّ صنف ونوع، فهناك عائمات بدور واحد، وهناك أخرى بدورين وثلاثة. وهي تنقل من مكان لآخر حسب رغبة ساكنيها.
وتكثر الأخشاب بكشمير وهي تعتمد على الصادر منها في بناء اقتصادها القومي، وينقل الخشب من مكان زراعته إلى مواطن تشذيبه عن طريق إلقائه في الأنهار وجريانه فيها إلى أن يصل إلى هدفه – كما تقدم – ولوفرة الخشب هناك تفنن الناس في تشكيله وتنويع صنعه وكان طبيعياً أن يظهر هذا الفن بالنقوش الجميلة التي تزينه، في المساجد والأضرحة. ومساجد كشمير مشهورة بما يزينها من هذه النقوش الخشبية، شأنها شأن مساجد شبه القارة التي اشتهرت بالرخام والمرمر الذي بنيت فيه. ولولا صعوبة نقل الرخام إلى كشمير لكانت آثارها هذه مثالاً للجمال والروعة والدقة بأجلى معانيها.
وبسريناغار سبع قناطر خشبية مقامة على نهر جهلوم منذ أيام السلاطين المسلمين وهي لا تزال تحمل أسماءهم.
الشيعة في كشمير
ونترك الكلام هناك للدكتور علي محمد نقوي:
دخل الإسلام إلى كشمير في موعد أ
متأخر عن بقية مناطق الهند ولكن انتشاره فيها كان أسرع من بقية المناطق. وقبل دخول الإسلام إليها كانت أغلبية سكان كشمير من الهندوس وقسم منهم من البوذيين. وكان (الراجات) من الهندوس ما عدا (رنجن ديو) الذي كان بوذياً حسب الظاهر وقدم من (التبت) واحتل كشمير.
وأما طبقات الشعب فكانوا من البراهمائيين. وأغلبية سكان كشمير الذين اعتنقوا الإسلام يحملون حتى يومنا هذا الأسماء البراهمائية متخذينها ألقاباً لهم في آخر أسمائهم، مثل: (كاتجو) و(وار) و(بت)([345]).
ويبدو أنّه في حوالي عام 1128 الميلادي وصل الدراويش ونقباء سلسلة السهروردية إلى كشمير قادمين من إيران ونشروا الدين الإسلامي بين سكان كشمير، وقد حققوا نجاحات في مهماتهم حيث اعتنق عدد من سكان كشمير الإسلام ولكن حتى القرن الرابع عشر الميلادي لم يكن الإسلام قد انتشر في هذه المنطقة بصورة ملحوظة([346]).
ففي بداية هذا القرن وصل في وقت واحد إلى كشمير رجلان كبيران أحدهما من الأثرياء والآخر من العارفين فبفضل جهودهما المتواصلة انتشر الإسلام في كشمير حتى انتقل الحكم إلى المسلمين. وهذان الرجلان الكبيران هما (بلبل شاه) أو (بلال شاه) و(شاه ميرزا) المعروف بـ(شاه مير). ويعتقد صاحب كتاب (خزينة الأولياء) أنّ اسم بلبل شاه الأصلي هو شرف الدين وكان من أولياء الشاه نعمت الله ولي. لقد وصل إلى سرينگر في كشمير في عام 1324م وكان (رنجن ديو) المتقدم ذكره من سكان التبت (على الحدود الهندية الصينية) قد احتل كشمير آنذاك وكان يحكمها. وقد أثرت شخصية بلبل شاه بما فيها من فضائل في (الراجا) فاهتم به ولكنه لم يكن قد قرر بعد تغيير دينه. وفي إحدى الليالي أحس كأن ملاكاً يدعوه إلى الإسلام، وفي الصباح ذهب وعدد من رجال الحكومة إلى المرشد الكبير واعتنقوا الإسلام على يديه. ويقال إنّ عشرة آلاف آخرين اعتنقوا الإسلام في ذلك اليوم. وغيّر الراجا اسمه وتسمى بالسلطان صدر الدين وهو أوّل سلطان مسلم في تاريخ كشمير. وكان يتلقى الأوامر من بلبل شاه وينفذها.
وأنشأ خانقاهاً كبيراً لبلبل شاه ما زال معروفاً حتى يومنا هذا باسم (لنگر بابا بلبل شاه) ([347]). إنّ هذا العارف الكبير اكتفى بقداسته ولم يجلس على العرش الملكي وكان عن طريق قداسته وكرامته ينشر الإسلام في كشمير.
أما العبقري الثاني الذي نشر الإسلام في كشمير فهو الشاه ميرزا المعروف بـ (مير شاه). يقول الشيخ إكرام إنّه كان من شخصيات منطقة سوات (على الحدود الباكستانية الأفغانية) ولكن (هولستر) يعتقد أنّه كان من ضمن الأمراء الإيرانيين الذين قدموا إلى كشمير من خراسان. إنّ نظرية (هولستر) بهذا الشأن هي أقرب إلى الصواب حيث إنّ اسمه وكلمة ميرزا المضافة إلى اسمه تدل على أنّه كان إيرانياً. وكان الشاه ميرزا أو شاه مير قد وصل إلى كشمير عام 1315م أي قبل وصول بلبل شاه إلى كشمير بتسع سنوات. وكان له عبقرية سياسية حيث أصبح بعد مدة قصيرة من أهم مستشاري الراجا (سينك ديو). وكان أبناء شاه مير ذوي كفاءات عالية حيث أصبحوا من كبار شخصيات حكومة الراجا. وكان الراجا (سينك ديو) يحكم كشمير قبل(رنجن ديو) ويبدو أنّ شاه مير كان يشغل منصباً حكومياً هاماً في عهد رنجن ديو. إنّ وصول بلبل شاه إلى كشمير والانتصارات التي كان قد حققها في نشر الإسلام وخاصة بعد قبول (رنجن ديو) الدين الإسلامي وبعد أن سُمّي بالسلطان صدر الدين قد سهّل الأمر على شاه مير للوصول إلى المناصب السياسية البارزة. ويبدو أنّ تنسيقاً كان موجوداً بين جهود بلبل شاه ونشاطات شاه مير. وربما كان شاه مير قد دعا بلبل شاه إلى كشمير سراً ليساهم في تغيير عقيدة الراجا.
على أي حال، كان شاه مير قد أصبح رئيساً لوزراء السلطان صدر الدين (الراجا رنجن ديو) وبعد وفاة صدر الدين وبعد أن اجتاحت كشمير أزمة سياسية انتهز شاه مير الفرصة وأعلن نفسه سلطاناً على كشمير. وفي عام 1343م جلس على العرش وسمّى نفسه الملك شمس الدين. لقد حكم البلاد أربع سنوات وبعض الأشهر إلاّ أنّ سلالته الذين عرفوا بسلاطين سلالة شاه مير حكموا كشمير حوالي مائتين وخمسين عاماً([348]).
يعتقد (هولستر) أنّ شاه مير كان من ضمن الشيعة الإسماعيلية. ويقول إنّ الأساليب التي استعملها للوصول إلى السلطة كانت تشبه تماماً الأساليب التي كان يستعملها الإسماعيليون في هذا المجال. كما يبدو أنّه بسبب عقائده بالنسبة للشيعة، قد هرب من خراسان ولجأ إلى كشمير. ويعتقد (فرشته) في تاريخه أنّ شاه مير بعد وصوله إلى السلطة نشر المذهب الحنفي في كشمير ولكن (هولستر) يعتقد أنّ هذا الأمر لا ينافي مسلكه في الشيعة ويقول إنّ سياسة الشيعة والإسماعيلية كانت في بداية الأمر أنّهم كانوا يحترمون عقيدة الأغلبية من الأهالي ويعملون في نشر مذهب السكان([349]) وإذا كانت نظرية (هولستر) في قوله إن شاه مير كان شيعياً خاصة وأنّ تعاطف أنصار الشاه نعمت الله ولي وأوليائه مع الشيعة لا يخفى على أحد. وإذا كانت هاتان النظريتان صحيحتين فيمكن عندئذٍ القول بأنّ الشيعة الإيرانيين هم الذين نشروا الإسلام في كشمير لأوّل مرة.
وكان شاه مير قد ألغى النظام الظالم في كشمير وجعل العدالة الاجتماعية هي السائدة في البلاد. لقد جاء في تاريخ كمبريج ما يلي:
«إنّ الملك الجديد استخدم سلطته السياسية في تحسين شؤون السكان وكان راجات الهند وكشمير كثيري الظلم وكانوا يعتقدون أنّ السبيل الوحيد لتنفيذ سيطرتهم السياسية هو إبقاء الشعب في الفقر والمسكنة والجهل. لقد اتّبع شاه مير أسلوباً آخر حيث أرسى دعائم حكومته على إلغاء جميع القرارات والقوانين الظالمة المبنية على التمييز بين طبقات الشعب([350]). وبعد شاه مير شمس الدين شاه، حكم البلاد واحداً وعشرون سلطاناً من سلالته وهم كما يلي:
جمشيد شاه 750هـ/1349م.
علي شير علاء 751هـ/1350م.
شهاب الدين 761هـ/1359م.
هِندَل قطب الدين 780هـ/1378م .
سكندر محطم الأصنام 796هـ/1393م .
علي شاه 819هـ/1416م .
السلطان زين العابدين الكبير822هـ/1420م.
حيدر شاه 876هـ/1472م.
قمر شاه 895هـ/1489م.
فتح شاه 895هـ/1489.
محمد شاه 903هـ/1497م.
فتح شاه الثاني 903هـ/1498م.
إبراهيم شاه الأول 932هـ 1526م.
نازك شاه 933هـ/1527م.
محمد شاه 935هـ/1529م.
شمس الدين شاه 941هـ/1534م.
نازك شاه (للمرة الثانية) 946هـ/1540م.
ميرزا حيدر (اغتصب الحكم) 947هـ/1541م.
نازك شاه (للمرة الثالثة) 957هـ/1551م.
إبراهيم شاه الثاني 958هـ/1552م.
إسماعيل شاه 962هـ/1555م.
حبيب شاه 964هـ/1557م.
شاه همدان أمير كبير مير سيد
علي الهمذاني ودوره في نشر التشيع
وصل الكثير من تلاميذ وأنصار الشيخ ركن الدين علاء الدولة السمناني والشاه نعمت الله ولي إلى الهند في القرن الخامس عشر الميلادي، وكان مقر وخانقاه ركن الدولة في صوفي آباد في ضواحي مدينة سمنان. وكان ركن الدين في بداية الأمر من الرجال البارزين في حكومة الإيلخانيين. ثمّ استقال من منصبه ودخل في عالم المعرفة والسلوك حيث التحق بمدرسة نور الدين عبد الرحمن الإسفراني كبير عرفاء السلالة الكبروية لتعليم العلوم والمعارف الباطنية. وبعد أن اعتنق الخان الإيلخاني الكبير غازان محمود الإسلام على يد أحد فقهاء الشيعة في عام (694هـ/1295م) بدأ تلاميذ كبار الصوفية في نشر الإسلام في مختلف أنحاء البلاد. وكان السماني وأنصاره على رأس هذه الحركة التبليغية.
توجه عدد من تلاميذ علاء الدولة السمناني إلى الهند لخوض الحركة التبليغية للإسلام وانتخبوا مقاطعة الدكن بجنوب الهند ومقاطعة كشمير في شمالها كمراكز رئيسية لنشاطاتهم. ويقال إنّ أحد كبار الصوفية في الهند وهو الخواجة (بنده نواز گيسو دراز) انضم إلى هذه الحركة التبليغية بفضل نشاطات تلاميذ علاء الدولة.
إنّ أحد تلاميذ علاء الدولة السمناني الذي كان قد اشتهر في كشمير باسم «أمير كبير» و«شاه همذان» هو المير السيد علي الهمذاني. وهو نفسه احتل جميع أنحاء كشمير بفضل نفسيته الإعلامية وبفضل علمه وعرفانه.
كان مولد المير السيد علي الهمذاني في همذان عام 714هـ/1314م. ثمّ أصبح من تلاميذ علاء الدولة السمناني. وكان من أساتذته كل من شرف الدين محمود بن عبدالله المزدقاني وتقي الدين علي دربستي. وكان المير السيد علي قد حضر بنفسه مجلس علاء الدولة وبعد اجتيازه مناصب السلوك والعرفان طلب علاء الدولة منه ومن السيد محمد أشرف جهانگير السمناني أن يسافرا إلى الهند ووصل السيد أشرف إلى الهند قبل الهمذاني وتوجه إلى مقاطعة (الدكن) وكان يرافق السيد علي الهمذاني حوالي سبعمائة من السادة الإيرانيين الذين أقاموا في كشمير.
وأشار الأعظمي في تاريخه إلى أنّ المير السيد علي الهمذاني وصل إلى كشمير في عام771هـ.
وأقام المير السيد علي الهمذاني في محلة علاء الدين پورة في (سرينگ) وأشار الميرزا حيدر في كتاب تاريخ الرشيدي إلى أنّ المير السيد علي جاء إلى كشمير ثلاث مرات، ففي المرة الأولى لم تستمر إقامته فيها أكثر من أربعين يوماً إلاّ أنّ ملازميه ومرافقيه الذين بلغ عددهم سبعمائة شخص بقوا في كشمير. ويعتقد أنّ عام 771هـ هو العام الذي وصل فيه المير السيد علي إلى كشمير لأوّل مرّة وأنّ عام 783 هو العام الذي وصل فيه للمرة الثالثة. وبعد هذا جعل (سرينگر) مركزاً لنشاطاته.
أصبح المير السيد علي الهمذاني قطباً دينياً بعد وصوله إلى كشمير وكان جمهور الناس يتوافدون إليه من جميع أنحاء المقاطعة وهو في مركزه على شاطئ النهر في ضواحي (سرينگر) نفس المكان الواقع فيه الآن خانقاه المير السيد علي شاه همذان وكان السلطان هَندَل قطب الدين يحضر بنفسه ويشارك في الاجتماعات وكان الهمذاني يبذل جهوده لإجبار قطب الدين على تنفيذ الشريعة الإسلامية. كما كان السيد علي الهمذاني لا يكتفي بهذا بل كانت له نشاطات سياسية واجتماعية كبيرة. إنّ الآلاف من سكان كشمير دخلوا الإسلام على يده حتّى أنّه حوّل معابد الهندوس إلى مساجد. ومن الأفعال المحرمة التي كان قد فعلها السلطان قطب الدين: الجمع بين الأختين في وقت واحد وهذا حرام في الشريعة الإسلامية ونتيجة معاتبات المير الهمذاني تخلى السلطان عن واحدة من الأختين. وكانت ملابس السلطان في بداية الأمر كالملابس الهندوسية فحمله المير الهمذاني على تبديل ملابسه وارتداء الملابس الإسلامية، وكانت مداخلات المير السيد علي الهمذاني في الشؤون السياسية أزعجت السلطان ولما كان السلطان لا يطبّق التعليمات الإسلامية التي كان الهمذاني يطلب منه تطبيقها، فقد قرر مغادرة كشمير والتوجه إلى آسيا الوسطى، إلاّ أنّه توفي بعد أن بدأ المرحلة الأولى من رحلته وهو في الثالثة والسبعين من العمر بشمال غرب كشمير.
وكانت وفاته في 6 ذي الحجة سنة 786هـ (1385م). وقد تمّ نقل جثمانه إلى (خطولان) في تاجيكستان ودفن هناك.
إضافة إلى النشاطات التبليغية التي كان يقوم بها المير السيد علي الهمذاني والتي أسفرت عن قبول حوالي سبعة وثلاثين ألف من سكان كشمير الديانة الإسلامية. فقد كانت له مؤلفات عديدة تبلغ أكثر من سبعين كتاباً. منها كتاب «ذخيرة الملوك» وهو حول واجبات الحكام و«شرح فصوص الحكم». وله كتاب آخر بعنوان «مودة القربى». وله كتاب آخر بعنوان (الأربعون في فضائل أمير المؤمنين) فيه أربعون حديثاً في أفضلية الإمام علي (عليه السلام). وكتاب آخر بعنوان «رسالة الفتوة» أثبت فيه أنّ الفتوة انتقلت من الرسول الأكرم إلى علي (عليه السلام). وله كتاب بعنوان « الأوراد الفتحية والأوراد الخمسة».
يبدو بوضوح من بعض هذه الكتب أعلاه أنّ المير السيد علي الهمذاني كان من علماء الشيعة وكان الأهالي يعرفون ذلك جيداً، وعلى هذا الأساس لما سيطر الميرزا حيدر وهو غير شيعي على السلطة واغتصبها كان أوّل عمل قام به هو تدمير خانقاه المير السيد علي. إلاّ أنّ بعض المؤرخين لا يؤيدون هذه النظرية. هؤلاء يقولون إنّ المير السيد علي وسبعمائة من ملازميه وصلوا إلى الهند خوفاً من تيمورلنك، في حين أنّ تيمور نفسه كانت له نزعة شيعية وأنّ الشيعة لم يكونوا يخافونه وهذا الرأي غير صحيح. فتيمور كان قد هاجم بشدّة مركز حكومة السربدارية في خراسان وهي منطقة يسكنها الشيعة. وأنّ نظرية أحمد علي الهندي التي يقوم فيها إنّ المير السيد علي كان شافعياً مرفوضة من الناحية التاريخية، والحقيقة هي أنّ شاه همذان أمير كبير المير السيد علي الهمذاني كان قد نشر الثقافة الشيعية والثقافة الإيرانية في كشمير وهو الذي كان قد حوّل كشمير من الناحية الثقافية إلى إيران صغرى.
السيد محمد الهمذاني وتلاميذ شاه همذان
بعد وفاة المير السيد علي الهمذاني استمر تلاميذه وأنصاره بحركته الإعلامية ومنهم المير السيد حسين السمناني والشيخ سليمان الكشميري وكان من أشراف الهند. وبعد أن اعتنق الإسلام بدأ مهمته الإعلامية. أمّا ثالث من خلف السيد علي الهمذاني فهو محمد كاظم المعروف بالسيد قاضي الذي بدأ حركته الإعلامية في منطقة (لتاپور) وبعد فترة وجيزة وصل إلى كشمير قادماً من إيران نجل المير السيد علي واسمه المير السيد محمد الهمذاني ومعه المئات من أنصاره ليتزعم قيادة حركة والده.
ويقال إنّه أمضى إثني عشر عاماً، وحسب أقوال أخرى اثنين وعشرين عاماً في كشمير ووسع حركة والده الإعلامية. ومن جهة أخرى تمكن المير السيد محمد من أن يسبق والده حيث كسب ثقة السلطان ورئيس وزرائه. وكان يحكم البلاد آنذاك السلطان اسكندر حيث حمله السيد محمد على أن يقيم نوعاً من الحكم الإسلامي في كشميروتطبيق الشريعة الإسلامية. ومنذ ذلك الوقت اشتهر اسكندر بكونه السلطان اسكندر محطم الأصنام حيث دمّر الكثير من معابد الهندوس والبوذيين وحوّلها إلى مساجد. واشترك في هذه السياسة الدينية بدور رئيسي: رئيس وزرائه (سنهابهت). وكان (سنهابهت) كما يبدو من اسمه برهمائياً هندياً، اعتنق الإسلام متأثراً بتعاليم المير السيد محمد الهمذاني وعمل كبقية المسلمين الجدد في إعلاء كلمة الدين الإسلامي. ومن الطبيعي أن يكون السيد محمد الهمذاني لعب دوراً رئيسياً في تشجيع سكان كشمير على قبول الإسلام. ويقول المؤرخون إنّ الشرعية الإسلامية كانت آنذاك منتشرة في كشمير بصورة كاملة وإنّ السماح بالمزامير ألغي تماماً في جميع أنحاء كشمير.
ولُقب (سنهابهت) رئيس الوزراء بعد دخوله في الإسلام بسيف الدين. وفي عام 1397م غادر السيد محمد الهمذاني مقاطعة كشمير متوجهاً إلى حج بيت الله الحرام وقبل مغادرته بعث برسالة إلى السلطان أوصاه فيها ببذل جهوده أكثر فأكثر في تطبيق الشريعة الإسلامية. وبعد عودته من بيت الله الحرام توجه إلى مدينة (ختلان) في آسيا الوسطى فتوفي هناك ودفن بجوار مقبرة والده.
ازداد حرص السلطان اسكندر محطم الأصنام ووزيره (سنهابهت) على تطبيق الشريعة الإسلامية في كشمير بعد ذهاب المير السيد محمد من كشمير وكان السبب أن سنهابهت كان على علم بالشؤون الاجتماعية للهندوس وخاصة التمييز الطبقي والآداب والمراسم الشعبية بما في ذلك إحراق المرأة مع جثمان زوجها وكان ناقماً على هذه الأساليب. ومن جهة أخرى، فإنّ ردّ فعل الهندوس بالنسبة لاعتناقه الإسلام جعله يحقد على الهندوس ويقف بشدّة في وجههم ووجه معابدهم، فضلاً عن تأثّره بتعاليم السيد محمد الهمذاني.
وبعد وفاة اسكندر محطم الأصنام، جلس ابنه علي شاه على سرير الحكم وتابع سياسة والده الدينية لأنّ سنهابهت كان لا يزال رئيساً للوزراء وبعد حكم استمر اربع سنوات ونيفاً سلّم السلطة بصورة مؤقتة إلى أخيه الأصغر (شادي خان). وبمساعدة الراجا (جسرته) رئيس عشيرة (گكهر) وهو من الهندوس السابقين استولى شادي خان على السلطة بصورة دائمة وبدأ حكومته الجديدة التي استمرّت حوالي نصف القرن باسم السلطان زين العابدين. ويحتل السلطان زين العابدين في تاريخ كشمير نفس المنزلة التي تمتع بها الشاه عباس الكبير في إيران وسليمان الأعظم في تركيا العثمانية والشاه محمد أكبر في الهند.
وأجرى السلطان زين العابدين بإيعاز من الراجا (جسرته) أو حسب ما كانت تقتضيه سياسة كشمير – أجرى تعديلاً في سياسة اسكندر محطم الأصنام وقام بمعاملة الهندوس برأفة، حيث ألغى الجزية والضرائب وأعاد معابد الهندوس إليهم، كما منع ذبح البقر. كما أنّ البراهمة الذين كانوا يتظاهرون باعتناقهم الإسلام عادوا ثانية إلى دينهم. وكانت سياسة السلطان زين العابدين في هذا الأمر تشبه كثيراً سياسة محمد أكبر حتّى أنّه ربما فاقه في ذلك، وكان المسلمون مرتاحين من سياسته أيضاً. إنّ عصر زين العابدين هو عصر تدريس الشعر والفن في كشمير، وتمّ تأليف أوّل كتاب عن تاريخ كشمير باسم «راج تيرنگنى» في هذا العصر. وكان زين العابدين ذا دراسة عالية حيث كان بارعاً في اللغات الفارسية، والكشميرية، والتبتية، والهندية. وحكم البلاد حوالي اثنين وخمسين عاماً وتوفي في عام 1472م.
وكان عصر زين العابدين عصر سياسة الملاطفة مع بقية الأديان ولكن في نفس الوقت استمرّت الحركة الإعلامية الإسلامية عامة والشيعية منها خاصة. وكتب الدكتور غلام محيي الدين الصوفي في تاريخ كشمير قائلاً: إنّ طائفتين كبيرتين من قوم راجپوت اللتين كانتا تعيشان على ضفاف نهر (جهام) بين منطقتي (باره موله) و(كوهاله) اعتنقتا الإسلام في هذا العصر. ويقول الشيخ أكرام إنّ في عهد السلطان زين العابدين استمرّت نشاطات تلاميذ وأنصار أمير كبير السيد علي الهمذاني. وفي الحقيقة أنّهم استفادوا من الظروف الملائمة والهادئة في ذلك العصر وكسبوا ثقة الهندوس عن طريق جاذبيتهم الروحية والعرفانية.
وكان المسلمون يطلقون على هذه الفئة من العرفاء اسم (بابا) كما كان الهندوس يسمونهم (راشي). ومن بين هؤلاء كان الشيخ نور الدين الذي كان الهندوس يسمونه «ننده رشى». وكان والد الشيخ نور الدين قد أسلم على يد «ياسمن رشى». وُلد نور الدين في عام 1377م. ويبدو أنّ نور الدين لم يكن شيعياً وهناك بعض الإشارات إلى أنّه كان متخالفاً مع الشيعة ولكنه في نفس الوقت كان عارفاً صوفياً وبذلك كان من الطبيعي أن يميل إلى حب علي (عليه السلام)([351]) وازدهر التشيع في كشمير بعد عصر السلطان زين العابدين حتّى أنّ الشيعة سيطروا على أجهزة السلطة وظهرت حكومة شيعية في كشمير. وقد مهد لهذا الازدهار أنصار (نوربخش) وخاصة العالِم العارف الشيعي الكبير المير شمس الدين.
الحركة النوربخشية والشيعة
كان السيد محمد نور بخش من ضمن سلالة المير السيد علي الهمذاني وعلاء الدولة السمناني العرفانية، ومن خلفاء المير السيد علي الهمذاني الخواجه إسحاق الخطلاني. كان السيد محمد نوربخش الذي ينتهي نسبه إلى الإمام السابع (عليه السلام) من أنصار الخطلاني وكان أبوه محمد بن عبدالله قد وُلد في القطيف وكان جدّه من أهالي البحرين ولهذا السبب كان السيد محمد يطلق على نفسه لقب (الأحساوي). لقد سافر والده في بداية الأمر إلى مدينة مشهد وتوجّه إلى مدينة قائن حيث أقام فيها. وُلد السيد محمد في عام 795هـ/1392م في مدينة قائن. ويقال إنّه حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره ثمّ باشر الأمور العرفانية وكان أستاذه الخواجه إسحاق الخطلاني قد شاهد فيه استعداداً عجيباً ممّا دفعه إلى منحه خرقة مرشده المير السيد علي الهمذاني ثمّ لقّبه باسم (نوربخش). ولمّا كان غير الشيعة يعتقدون أنّ المهدي الموعود سيظهر في السنوات الأخيرة من الألف الأوّل للهجرة فإنّ الخواجة إسحاق أعلن أنّ تلميذه هو المهدي الموعود كما أعلن أنّه ليس أستاذاً للسيد محمد بل من أنصاره. وتمكّن الخطلاني من تعبئة الأهالي وتجميعهم حول السيد محمد نوربخش وثار على أجهزة حكومة تيمورلنك إلاّ أن شاهرخ بن تيمور قضى على هذه الحركة وأعدم الخطلاني وعدداً من أنصار نوربخش كما نفى نوربخش إلى مقاطعة خراسان.
سافر السيد محمد نوربخش من خراسان إلى كردستان ولما كان الأكراد قد انضمّوا إلى عقائده فقد ظهرت بوادر حركة ثورية هناك ممّا دفع بشاهرخ أن ينفي نوربخش من كردستان وأرسله معتقلاً بالسلاسل إلى مدينة هرات. وكان نوربخش كالزئبق المتحرك حيث سافر إلى خلخال وتبريز وشيروان وگيلان ونشر بذور الحركة النوربخشية فيها وأخيراً وفي عام 869هـ توفي بمدينة الري وهو في الثالثة والسبعين من عمره. وهو مؤسس الفرقة النوربخشية، وكانت هذه الفرقة متمسكة بجميع ما يعتقده الشيعة غير أنّهم كانوا يعتبرون السيد محمد نوربخش «المهدي الموعود» ولهذا السبب كانوا على اختلاف مع الشيعة. إنّ تعاليمهم العرفانية وولاءهم البالغ لأهل البيت الأطهار هي من ميزاتهم ويعتقد البعض أنّ نوربخش كان شيعياً متمسكاً بالتقية.
بعد وفاة السيد محمد نوربخش تزعّم ابنه الشاه قاسم نوربخش الفرقة النوربخشية. وكان الشاه قاسم من مشاهير العارفين وكشف عن تشيّعه وأصبحت الحركة النوربخشية منذ ذلك التاريخ إحدى فروع الشيعة. ويقال إنّ السلطان حسين بايقرا (873هـ/1469م إلى 911هـ/1506م) قبل أن يسيطر الشاه إسماعيل الصفوي (907-930) على السلطة كان قد قرر أن يقرأ الخطبة في مساجد خراسان وهرات باسم أئمة أهل البيت وأن يعتبر التشيع المذهب الرسمي في البلاد إلاّ أنّ عبد الرحمن الجامي وهو من أبناء السنة الغيورين عارض هذه الفكرة وأنّ السلطان خشيةً من ردود فعل الأهالي عدل عن ذلك. لقد حصل الشاه قاسم نوربخش على مكانة مرموقة في أجهزة السلطان حسين بايقرا ثمّ الشاه إسماعيل الصفوي وكان يبدو أنّ علماء السنة كانوا غير مرتاحين لهذا الأمر. وكتب القاضي نور الله الشوشتري أنّ علماء البلاط بقيادة عبد الرحمن الجامي خططوا لتحقير الشاه قاسم وكانوا يعتقدون أنّه لا يعرف شيئاً من المصطلحات الفنية والعلمية وطلبوا من السلطان بايقرا أن يوعز إلى الشاه قاسم بأن يلقي محاضرات علمية على كبار العلماء.
وحضر الشاه قاسم في جامع المدينة ليلقي محاضرته حول رموز عبارة «لا إله إلا الله» وخلال المحاضرة قال عبد الرحمن الجامي عندي بعض الشبهات العلمية والفلسفية حول هذه المسألة أود أن تجيب عليها. وقال الشاه قاسم على الفور: لما كنت في العراق سمعت أنّك كنت في شك حول عبارة «علي ولي الله» ولكن تبين الآن أنك ما زلت في مرحلة لا إله إلا الله، فضحك الحاضرون في المجلس وأنهى الشاه قاسم محاضرته وغادر المكان.
كسب الشاه قاسم والحركة النوربخشية الشيعية مكانة مرموقة في هرات وبقية مناطق أفغانستان التي كانت مجاورة للحدود الهندية. ولهذا السبب كان لهم الدور الرئيسي في نشر هذه الحركة في شمال الهند. وتخلّى الشاه قاسم بعد استقرار السلطة عن التقية وبدأ بصورة علنية مكشوفة بنشر التشيع تحت لواء عقيدة الولاء لأهل البيت وعلي ولي الله.
المير شمس الدين العراقي ودوره في نشر التشيع
كانت الحركة النوربخشية قد انتشرت في مقاطعة كشمير أكثر من أية منطقة أخرى من الهند. وكان نوربخش صفة بارزة للتصوف والإنسان الكامل في كشمير. لقد لعب العالم العرفاني المدعو المير شمس الدين العراقي دوراً رئيسياً في نشر هذه الحركة ونشر التشيع في كشمير. ويمكن القول إنّ المير شمس الدين كان له الفضل بعد شاه همذان المير السيد علي الهمذاني في تطوير وتوسيع سلطة الشيعة في كشمير.
كان المير شمس الدين من السادة الكاظميين (من سلالة الإمام السابع) وهو من أبرز تلاميذ قاسم بن المير نوربخش. أوفده السلطان بايقرا في عام 1480م سفيراً عنه إلى كشمير حيث أقام هناك لمدّة ثماني سنوات، ولما كان المير نوربخش نفسه من السلالة الكبروية الهمذانية وعلى صلة قريبة ووثقية بالسيد علي الهمذاني ولما كان تلاميذ السيد علي الهمذاني قد ركزوا قواعدهم في كشمير فإنّ المير شمس الدين لم يشعر بالغربة في هذه الديار بل إنه سرعان ما أقام علاقات وثيقة مع الأوساط العرفانية في كشمير وكان أكبر شخصية عرفانية في كشمير آنذاك هو الشيخ إسماعيل الذي كان هو نفسه من أنصار شاه همذان. وأقام المير شمس الدين علاقات مودة مع الشيخ إسماعيل مما ساعده في تنفيذ مهمته الإعلامية والتبليغية. وكان خانقاه الشيخ إسماعيل يعتبر من أهم المراكز الدينية في كشمير وكان حسن شاه سلطان كشمير آنذاك يدفع بنفسه نفقاتها وتحت لواء الحركة النوربخشية كان المير شمس الدين يقوم بحركته في نشر عقائد الشيعة. وقد أقام علاقات وثيقة مع جميع رجال الدولة آنذاك بما فيهم چك وراببا وشجعهم على قبول المذهب الشيعي إلاّ أنّه بعد انتهاء مهمته اضطر إلى مغادرة كشمير والعودة إلى إيران.
بعد مجيء الشاه الصفوي إلى السلطة وأعلان المذهب الشيعي المذهب الرسمي في البلاد أصدر الشاه قاسم تعليماته إلى تلاميذه بنشر المذهب الشيعي في جميع أرجاء العالم فأوفد المير شمس الدين إلى الهند ثانية وفي عام 1502م وصل شمس الدين إلى (سرينگر) عاصمة كشمير وكان الشيخ إسماعيل ما زال مرشداً في كشمير إلاّ أنّه بسبب كهولته سلّم شؤون الخانقاه وأمر إدارته إلى تلميذه بابا علي النجار. وكان بابا علي من أصدقاء شمس الدين وقد أصبح شيعياً وسلّم إدارة الخانقاه فعلاً إلى شمس الدين إلاّ أنّ نجل الشيخ إسماعيل المدعو فتح الله أخذته الغيرة وكان سنياً متعصباً فأخذ في الخفاء يعمل ضد نشاطات المير شمس الدين وفي نفس الوقت كان شمس الدين قد شجع اثنين من كبار رجال السياسة والسلطة وهما موسى راينا والقاضي چك على قبول المذهب الشيعي. وتسلّم هذان الرجلان فيما بعد السلطة بيدهما إلاّ أنّه كانت بينهما منافسة سياسية شديدة. منح موسى راينا إمكانيات كبيرة إلى المير شمس الدين لإنشاء خانقاه مستقل حيث انتهت أعمال البناء في عام 1505م وما زال الخانقاه موجوداً في كشمير إلى يومنا هذا.
إنّ النجاحات الباهرة التي حققها المير شمس الدين وصلته وعلاقاته الوثيقة مع موسى راينا ومع الأوساط السياسية الخاصة دفعت الأوساط الأخرى بما في ذلك مجموعة السادات التي كان يتزعمها السيد محمد البيهقي ورجال السياسة الآخرين من أبناء السنة أمثال ملك عثمان، دفعتهم إلى معارضة شمس الدين ممّا اضطر المير وأنصاره على مغادرة كشمير والتوجه إلى منطقة (لاداخ) البوذية في التبت وهناك شجّع الآلاف من سكانها على قبول المذهب الشيعي. ونتيجة لجهوده ومجاهداته أصبحت منطقتي گلگيت وبلتستان على حدود كشمير من المناطق الشيعية.
ولما جاء فتح علي شاه إلى السلطة ثانية وجه الدعوة إلى المير شمس الدين للمجيء إلى كشمير. وكان موسى راينا قد أصبح رئيساً للوزراء ونتيجة لتعليمات المير شمس الدين أجبر موسى راينا الهندوس بقبول الإسلام حيث اعتنق أكثر من أربع وعشرين عائلة من الهندوس الدين الإسلامي على أيدي شمس الدين([352]) ومن الطبيعي أنّهم جميعهم كانوا من الشيعة.
التطورات السياسية في كشمير
وتسلّم الشيعة السلطة السياسية
بعد وفاة السلطان زين العابدين بدأ سقوط حكومة سلالة شاه مير، ويشاهد في تاريخ العالم أنّه بعد انتهاء فترة أقوى حاكم في أية سلالة يبدأ أفول وانحطاط السلطة السياسية لهذه السلالة وسرعان ما تنتهي سلطتها وتسقط. ففي إيران حكم الشاه عباس الكبير حوالي نصف قرن وبعده بدأ سقوط السلالة الصفوية وفي الهند فإن أورنگ زيب حكم البلاد نصف قرن بقوة وازدهار إلاّ أن حكومته بدأت بالسقوط بعده وفي تركيا العثمانية وبعد سليمان الأعظم لم يظهر في البلاد سلطان مثله وبدأت فترة سقوط الإمبراطورية العثمانية. وفي كشمير كانت نفس الحالة وبعد حكومة السلطان زين العابدين التي دامت نصف قرن بدأ اضمحلال سلالة شاه مير وانهيارها وبرزت فئات قوية مختلفة، وضعفت الحكومة المركزية. ومن جملة أقوى هذه الفئات السياسية يمكن الإشارة إلى ثلاث منها: وهي: مجموعة السادات ومجموعة طائفة چك ومجموعة طائفة راينا.
كان مؤسس مجموعة السادات يدعى السيد محمود السبزواري، وكان قد وصل إلى كشمير في عهد السلطان اسكندر محطم الأصنام. لقد فرح اسكندر بوصول سادات إيران إلى كشمير وأنّ السيد محمود زوّج ابنة أخيه إلى الأمير شاهي خان الذي اعتلى العرش بعد سنوات وسُمّي بالسلطان زين العابدين واشتهرت زوجته باسم بيهقي بيگم وتاج خاتون وكانت سيدة ذكية ومدبّرة وسياسية وهذا الأمر جعل من السادات البيهقيين قوّة سياسية مقتدرة، كانوا أكثر من قرن واحد يلعبون دوراً رئيسياً على المسرح السياسي في كشمير وبديهي أن جميع السادات البيهقيين الذين كانوا قد وصلوا إلى كشمير قادمين من منطقتي سبزوار وبيهق الشيعيتين من أبناء الشيعة. وتزوج حسن شاه ابنة السيد حسن البيهقي وأصبح السيد حسن وزيراً أعظم في كشمير. وكان السيد حسن البيهقي من القادة البارزين حين فتح منطقتي بلتستان وگليگت وهما اليوم من أهم المناطق الشيعية في كشمير. والسيد حسن البيهقي إما كان يتظاهر بأنّه من أبناء السنة وإما كان في الواقع سنياً ولكن أغلبية السادات البيهقيين كانوا آنذاك من الشيعة إلاّ أنّ منافساتهم السياسية مع الفئات الأخرى من الشيعة كانت تجعلهم يتحدّون مع أبناء السنة. وواجه السيد حسن الثورات والاضطرابات الداخلية والمخالفات من القادة، ودافع السادات البيهقيون عن زعيمهم إلاّ أنّهم فشلوا وتمّ إبعادهم جميعهم من كشمير ولكنّهم عادوا إلى كشمير ثانية في عهد فتح علي شاه.
أمّا الفئة المنافسة للسادات على المسرح السياسي في كشمير فهي طائفة چك. وكان الچك من أبناء الشيعة أيضاً ويقال إن أجداد هذه الطائفة دخلوا كشمير قادمين من دردستان وأقاموا في ضواحي گليگت ثم توجّه زعيمهم شمس چك ابن حكمت چك الى العاصمة وأصبح سياسياً قوياً. ويبدو أنّ طائفة چك كانوا في الظاهر من أبناء السنة أو على الأقل كانوا في تقيّة ويُحتمل أنّهم نتيجة المساعي التي بذلها المير شمس الدين العراقي أصبحوا من الشيعة.
عيّن فتح علي شاه زعيم هذه الطائفة وهو شمس چك وزيراً أعظم في البلاد، وكان شمس چك قد انهزم في الثورات والاضطرابات الداخلية أمام قوات السادات البيهقيين وكان السلطان والوزير لجآ إلى دلهي. ثمّ عادا مع مجموعة كبيرة من القوات وهزموا السادات وقتلوا زعماءهم وعاد فتح علي شاه ثانية إلى السلطة وكان موسى راينا الذي اختار المذهب الشيعي مستوحياً تعاليم المير شمس الدين أصبح زعيماً لمجموعة محلية في كشمير ثمّ غيّر عقيدة السلطان شمس چك. فعزل السلطان، شمس چك وتسلّم موسى راينا منصب الوزارة العظمى، وكان موسى راينا كما ذكرنا سابقاً من أنصار العالم العارف الشيعي المير شمس الدين العراقي وكان قد سبق في اعتقاده بالمذهب الشيعي السادات البيهقيين وطائفة چك الدردستانية وقد أعد الإمكانيات اللازمة لإنشاء خانقاه المير شمس الدين الذي أصبح المركز الإسلامي لتبليغ المذهب الشيعي في كشمير.
بعد هزيمة شمس چك وموته في عهد حكومة فتح علي شاه عانت طائفة چك الفقر والعسرة وكان أفراد هذه الطائفة قد أصبحوا جنوداً في جيش علي راينا نجل موسى راينا. وفي أحدى العمليات الحربية في لاداخ على الحدود بين الصين وكشمير لم يكن لدى طائفة الچك السلاح والعتاد وعندها طلبوا من المير شمس الدين أن يساعدهم فأعطاهم بعض السلاح واستدعى زعيمهم القاضي چك وبشّره بأنّ السلطة ستنتقل إلى طائفته وطلب منه أن لا ينسى أمر التبشير بالإسلام وبالتشيع منه. وتعهّد القاضي چك بذلك، وعندها رفع شمس الدين قلنسوته عن رأسه ووضعها على رأس القاضي چك ضمن مراسم تتويج صورية.
قُتل موسى راينا في عام 1513م في إحدى المعارك. وخلال الاضطرابات السياسية التي أعقبت تلك المعارك استولى القاضي چك على السلطة. إنّ الكثير من الهندوس الذين كانوا قد اعتنقوا الإسلام بفضل الحركة الإعلامية التي كان قد قام بها المير شمس الدين، ارتدوا عن الإسلام بتلقين من مبشّر هندوسي يدعى (كانته بهت) ممّا حدا المير شمس الدين أن يطلب من القاضي چك أن يعامل المرتدين بعنف وتمكن من القضاء على هذه الفتنة.
في سنة 932هـ/1526م توفي حامل لواء الشيعة الكبير وبعد عامين عزل القاضي چك السلطان محمد شاه عن السلطة وأجلس ابنه إبراهيم شاه على كرسي الحكم، إلاّ أنّه واجه معارضة شديدة من قبل بعض القادة بينهم ريگي چك وإبدال ماكره وهما من أبناء السُنّة. وفي عام 1531م شنّ الميرزا كامران نجل بابر هجوماً على كشمير ولكن جميع القادة في كشمير بما فيهم القاضي چك وإبدال ماكره اتحدوا معاً لطرد المعتدين من كشمير. وفي عام 1537م توفي محمد شاه وتولى القاضي چك دور «صنع السلطان» حيث عيّن شمس الدين ثمّ أخاه إسماعيل شاه سلطاناً على كشمير. وقام القاضي چك خلال فترة اقتداره بنشر المذهب الشيعي في البلاد ولكنه لم يفِ بعهده إلى شمس الدين ولم يعامل الناس بعدل وإنصاف.
وبعد عدّة سنوات كان أحد الأمراء التيموريين هو الميرزا حيدر دوغلت ابن شقيق بابر ومؤلف التاريخ الرشيدي يشن هجوماً على كشمير وحكم البلاد لمدة عشر سنوات.
وكان القادة الكشميريون من أبناء السنّة ومنهم إبدال ماكره وريگي چك قد ساعدوه على احتلال كشمير والاستمرار في الحكم. في ذلك الحين كان شيرشاه سوري القائد الأفغاني قد هزم همايون شاه واستولى على السلطة في دلهي. وطلب القاضي چك من شيرشاه سوري أن يساعده وتمكن بذلك من أن يشن هجوماً على سرينگر ولكنّه فشل أمام قوات الميرزا حيدر حيث توفي سنة 1544 في تانه.
وبعد وفاة القاضي چك، قام الميرزا حيدر بصورة مكشوفة علنية عدائية على الشيعة والمذهب الشيعي وحاول اجتثاث جذور الشيعة والصوفية في كشمير. هُدم خانقاه مير شمس الدين ونُفّذ حكم الإعدام في الشيخ دانيال نجل المير شمس الدين ويقول الميرزا حيدر في كتابه التاريخ الرشيدي:
كان أهالي كشمير في الماضي أجناف إلاّ أنّ رجلاً يدعى شمس (شمس الدين) جاء من العراق ونشر بدعة تحت اسم المذهب النوربخشي في كشمير وأصدر كتاباً تحت عنوان «الفقه الأحوط» انتشر في كشمير (هذا الكتاب من مؤلفات النوربخشية) وكانت هذه الفرقة تضمر العداء للخلفاء الثلاثة وهي تعتقد بإمامة نوربخش خلافاً لما يعتقده أبناء الشيعة. هؤلاء يعتقدون أنّ الدين والسياسة لا ينفصلان وأنّ السياسة يجب أن تستقر على أركان الدين.
أرسلت هذه الفرقة كتاب (الفقه الأحوط) إلى علماء الهند وكانت نظرية هؤلاء العلماء أنّ الكتاب مبني على البدعة والضلال ويجب تعذيب أنصار هذه الفرقة وإذا لم يتوبوا يجب تنفيذ الإعدام فيهم([353]).
ويستفاد من كلمات الميرزا حيدر أنّ أبناء الشيعة في هذا العهد كانوا يسمون أنفسهم «نوربخشية» وأنّ هجوم الميرزا حيدر كان في الحقيقة على الشيعة وكان قد شنّ هجوماً بنفس الشدة على التصوف. وخلال الأعوام العشرة التي حكم فيها البلاد لم يتجرأ أحد أن يعلن أنّه شيعي أو أنّه من أنصار سلالة الصوفية وكان الميرزا حيدر قد قام أيضاً بتعذيب الشافعيين لإرغامهم على قبول المذهب الحنفي.
اتّحد مَلِك راينا وملك محمد ناجي وهما اثنان من القادة الشيعة، اتّحدا مع حسين ماكره والخواجه حاجي وغيرهما وبمساعدة العشائر التي كانت تقيم في الجبال، وبدؤوا الحروب الفدائية. وثارت قبيلة چك في خام يور.
وفي سنة 957هـ/1550م قُتل الميرزا حيدر خلال عمليات الثوار الكشميريين. وكان أبناء قبيلة چك يريدون إحراق جثمانه لأنّه كان قد دمّر خانقاه المير شمس الدين إلاّ أنّ زعيم ماكره والسادات والبيهقيين منعوهم عن ذلك.
وبعد وفاة الميرزا حيدر، ثار اثنان من القادة الشيعة من أبناء قبيلة چك وهما دولت چك وغازي چك. وبعد اضطرابات سياسية استمرّت عدّة أعوام استولى دولت چك على السلطة، وكان من أبرز السياسيين ورجال الحكم آنذاك، ولما قُتِل منافسه السياسي عدى راينا أصبح دولت چك الزعيم السياسي الأوحد في كشمير. نقل دولت چك جثمان المير دانيال نجل المير شمس الدين إلى سرينگر وتمّ دفنه ضمن مراسم شائقة في خانقاه المير شمس الدين. وكان دولت چك قد أعاد بناء خانقاه المير شمس الدين وعيّن نجل بابا علي النجار وهو بابا حسن رئيساً لهذا الخانقاه، فاستعاد الشيعة في كشمير مجدهم الماضي وأنشأ بابا حسن خانقاهاً جديداً في محلة حسن آباد في سرينگر أعظم وأفخم من الخانقاه السابق حيث أصبح مركزاً للشيعة في كشمير.
وفي عهد ميرزا حيدر لم يتجرأ أحد أن يذكر أسماء الأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) وإذا فعل كان يحكم عليه بأشد العقوبات. وشجع ملك دولت چك الكُتّاب والشعراء والخطباء على تكريم الأئمة الهداة (عليهم السلام). وكانت الخطبة تلقى في جامع سرينگر باسم الأئمة الإثني عشر. إلاّ أنّ دولت چك واجه انتفاضة داخلية حيث قام غازي چك أحد قادة طائفة چك بمحاصرة دولت چك وهو في رحلة صيد وأعماه واستولى على السلطة. وكان غازي چك حاكماً جديراً فأحبط مخطط بيرم خان وزير أعظم أكبر شاه الذي كان ينوي الاستيلاء على كشمير. وكان المؤسس الرئيسي لحكومة سلالة چك هو دولت چك وكان قد عيّن أحد أفراد العائلة الحاكمة السابقة سلطاناً صورياً على البلاد. ولكن غازي چك عزله عن منصبه وجلس على سرير الملك باسم نصير الدين محمد غازي شاه (1561-1563) وبدأ عهد حكومة ملوك چك بصورة رسمية.
لم يتظاهر غازي چك بأنّه شيعي خلافاً لما كان يعمل دولت چك بل حاول أن يكسب ثقة أبناء وطنه من السُنّة. فأنشأ مدرسةً وعيّن أحد علماء كشمير المعروفين من أبناء السُنّة مديراً لهذه المدرسة. كما عيّن السيد حبيب وهو من أفاضل خوارزم ومن أبناء السُنّة المتعصبين إماماً لمسجد المدينة، ولكن رغم هذه الأعمال فإنّ شقيقه حسين شاه عزله عن السلطة بسبب معاملته القاسية لأقاربه.
وفي عهد حسين شاه حصلت اشتباكات بين أبناء السُنّة والشيعة أسفرت عن القتل والفوضى والاضطراب وكان الحادث أنّ أحد أبناء الشيعة ويدعى يوسف ذهب لزيارة القاضي حبيب إمام الجمعة السُنّي. ولكن القاضي حبيب بدأ يستهزئ به ويقدح بأبناء الشيعة ولمّا ردّ يوسف عليه، تفل ذلك على القاضي، وكان يوسف من المحاربين فسلّ سيفه وهجم على القاضي وأصابه بجروح بليغة. أصدر رئيس البلدية علي كوكه أمراً باعتقال يوسف وشُكلت محكمة من علماء السُنّة لمحاكمة يوسف بين أعضائها القاضي موسى ملا يوسف الماس. وبالرغم من أنّ القاضي حبيب لم يُقتل وأصيب بجروح إلاّ أنّ المحكمة أصدرت قرارها بالقصاص وتمّ تنفيذ حكم الإعدام بحق يوسف. ولمّا كانت جماعات السُنّة قد ثارت وغضبت من فعل يوسف بحيث فرقت جثة يوسف حتّى أنّ بعضهم شربوا من دمه. وكان طبيعياً أن يقوم أبناء الشيعة برد فعلهم فوقعت الاشتباكات بين الشيعة والسنّة واجتاحت الفوضى والاضطراب مدينة سرينگر. وأعلن بعض علماء السنّة أنّ قرار المحكمة لم يكن صحيحاً حيث إنّ قصاص الجرح لا يكون القتل وضمن هذه الأحوال توفي نجل حسين شاه وظنّ السلطان أنّه لمّا كان قد أهدر دم يوسف بدون سبب فإنّه أصيب بهذا البلاء وهذه الكارثة، وكان آنذاك الميرزا مقيم خان سفيراً عن أكبر شاه في بلاد كشمير فاستدعاه حسين شاه وطلب منه أن يُبدي رأيه فيما إذا كان أعضاء المحكمة الذين كانوا قد حكموا على يوسف بالموت يجب أن يعاقبوا أم لا، فتمّ تشكيل محكمة بأمر من الميرزا مقيم فأصدرت قرارها بإعدام مفتيين سنيين وهما الميرزا الماس والملا سماء الفنائي. ولكن القضية لم تنته بعد، حيث إنّ حسين شاه سمح للميرزا مقيم خان بمغادرة بلاطه، ومن جهة ثانية بعث علي كوكه رسائل إلى كل من مخدوم الملك الملا عبدالله وهو في منصب شيخ الإسلام في بلاط (أكبر) والي المولوي الشيخ عبد النبي من علماء بلاط (أكبر) السنّة، كتب فيها أنّ الميرزا مقيم اشترك في تنفيذ حكم الإعدام بحق اثنين من علماء أهل السُنّة. وعندما وصل الميرزا مقيم خان مع الميرزا يعقوب سفير حسين شاه لدى بلاط (أكبر) إلى أكبر آباد (أگرا) عاصمة الهند آنذاك، اعتقلا من قبل رجال علماء الدين السنّة وتمّت محاكمتهما ونفذ حكم الإعدام فيهما في ميدان (فتچور سيگرى أگرا) أمام جموع غفيرة. إنّ هذا الحادث يعتبر من وقائع العار في عهد حكومة (أكبر) فإذا فرضنا أنّ مقيم خان من أبناء دولة (أكبر) فما ذنب المير يعقوب الذي كان سفيراً لبلد آخر. إنّ القانون آنذاك لم يكن يسمح بإعدام سفير أجنبي.
وبعد وفاة حسين شاه، تسلّم شقيقه علي شاه (1570-1575) السلطة بمساعدة بابا خليل أحد علماء الشيعة. حيث عيّن السيد مبارك البيهقي وزيراً أعظم. وقد مات علي شاه خلال سباق الصولجان.
وبعد وفاته انتقلت السلطة إلى ابنه يوسف شاه. وكان يوسف آخر سلاطين كشمير المستقلين وهو بطل أسطوري في بلاده، إذ أنّ قصة غرامه مع حبا خاتون انتشرت في كلّ أرجاء البلاد، وقد نظم الشعراء وكتب الكتّاب في كشمير الأشعار والقصص الكثيرة عن هذا الغرام وأصبح حبّه مثلاً بين الناس كحبّ مجنون ليلى وشيرين وفرهاد.
كان يوسف شاه يدعم الفن والأدب ولكنّه لم يكن سياسياً في إدارة البلاد كما كان السلطان زين العابدين وعندما انتقلت السلطة إلى يوسف شاه كان أكبر شاه قد قرّر ضم كشمير إلى إمبراطوريته، وقد سهلت مهمته الخلافات العنيفة بين الشيعة والسنّة وكذلك النزاعات القبلية. وكان السيد مبارك البيهقي معروفاً بزهده وتقواه فعزل يوسف عن السلطة وتسلّم إدارة البلاد بنفسه. وهرب يوسف إلى بلاد (أكبر) وطلب من الراجا (مام سينگ) كبير أمراء (أكبر) أن يساعده. ولمّا كان (أكبر) يبحث عن ذريعة لاحتلال كشمير أصدر أوامره إلى راجا مام سينگ بأن يحتلها. وكان يوسف على علم بمخطط أكبر، فشن هجوماً على (سرينگر) دون أيّة مساعدة من قوات (أكبر) واستعاد السلطة. فثار (أكبر) من جسارة يوسف وأصدر أمراً باستدعائه إلى بلاطه ولمّا لم يستجب يوسف لنداء (أكبر) أصدر هذا أوامره إلى الراجا (بهگوان داس) أحد قادته بالهجوم على كشمير مع جيش كبير وفي هذا الزمان التحق الشيخ يعقوب العالم السنّي المعروف بجيش (أكبر) وطعن سكان كشمير من الخلف. ولمّأ شعر يوسف بأنّه عاجز عن صدّ جيش (أكبر) حاول أن يتصالح معه ولكن سكان كشمير لمّا شاهدوا عجزه أطاحوا به ونقلوا السلطة إل ابنه يعقوب. وأخيراً وافق يعقوب على اتفاقية السلام التي كان يوسف قد وقعها مع الراجا (بهگوان داس) إلاّ أنّ (أكبر) رفض هذه الاتفاقية وألقى بيوسف في السجن. أعلن يعقوب خلال المدة القصيرة التي حكم فيها البلاد أنّ التشيع هو المذهب الرسمي في كشمير. وقرئت الخطبة في مساجد كشمير باسم الأئمة وأصبحت الشهادة الثالثة ضمن الأذان، فعارض بعض علماء الدين وبعض القادة هذا الإجراء إلاّ أنّ أبناء الشعب رحبوا به لأنّه تعليمات الصوفية والعرفاء المتمادية كانت قد أثّرت فيهم.
يعتقد الدكتور محب الحسن وبعض المؤرخين أنّ التزام يعقوب بالمذهب الشيعي هو من أسباب سقوط حكومته أمام هجوم جيش (أكبر)، ويقول الأعظمي:
«قام يعقوب بصورة علنية بنشر المذهب الشيعي وتمّ تعيين أحد علماء الدين الشيعة وهو الملا عيسى رئيساً لدائرة التبليغ وكان العلماء الشيعة الآخرون أمثال بابا خليل والشيخ حسن الجدبيلي وبابا طالب الأصفهاني يشرفون على إدارة البلاد. إنّ هذه الأحوال والظروف جعلت علماء الدين السنّة المتعصبين أمثال بابا داود الخاكي يهاجرون من كشمير معارضين الحالة الموجودة ولمّا أصدر (أكبر) تعليماته إلى المير قاسم خان أن يبدأ الهجوم النهائي، رحب أبناء السُّنّة بهذا القرار ومن هؤلاء شمس چك، وكان ظفر خان ابن شمس چك يضمر حقداً شديداً للشيعة وهو الذي أضرم النار في خانقاه مير شمس الدين وجعل منه مرحاضاً لقواته. ولهذا السبب هلك المئات من أبناء الشيعة».
إنّ المؤرخ الكبير الدكتور أطهر عباس الرضوي لا يؤيد هذه النظرية التي تقوم إنّ التزام يعقوب بالمذهب الشيعي كان السبب في سقوط حكومة كشمير المستقلة ويقول إنّ الإمبراطور أكبر كان بصدد إقامة إمبراطورية شاملة تشمل جميع مناطق الهند وسواء أعلن يعقوب المذهب الشيعي، مذهباً رسمياً للبلاد أو لم يعلن ذلك فإنّ أكبر كان سيشن هجومه على كشمير.
على أي حال، بعد سقوط حكومة الچگ سنة 1586م انتهى العصر الذهبي لاستقلال كشمير وأصبحت كشمير تحت سيطرة حكومة الهند المركزية.
والملوك التيموريون في دلهي عيّنوا حكّاماً لحكومة كشمير وإدارتها وكان بعض هؤلاء الحكّام من الشيعة. ولكن بصورة عامة كانت العلاقات بين الشيعة والسنّة فيما بعد علاقات عدائية وكانت الصدامات المذهبية والقبلية موجودة بين سكان كشمير وقد ساعدت هذه الحال الإنكليز فيما بعد على سحق الحركات في كشمير.
حالة الشيعة خلال
عصر حكومة المغول
ناقشنا في الصفحات السابقة تاريخ كشمير حتى العصر المغولي وأشرنا إلى دور الشيعة على المسرح السياسي والاجتماعي. وفيما يلي دراسة مختصرة عن الأحداث التي وقعت حتّى القرن الأخير وحالة الشيعة في كشمير خلال هذه الفترة:
استمرّ العصر المغنولي في كشمير مائة وأربعة وستين عاماً. ومن أسباب انتصار المغول في كشمير هو عداء علماء الدين السنّة مع حكام چك الشيعة. فمن أول سلطان الچك وهو غازي خان حتّى آخر سلطان وهو يعقوب شاه كان سلاطين هذه السلالة من الشيعة.
وكانت لغة بلاط سلاطين الچك هي اللغة الفارسية وكانت الثقافة الإيرانية هي المسيطرة على كشمير منذ زمن السلطان مير.
وبعد أنّ ضمّ (أكبر) ملك المغول التيموريين مقاطعة كشمير إلى إمبراطوريته الكبيرة، كان من الطبيعي أن يصبح الشيعة على شكل قوّة معارضة. وكان يتزعم هذه المعارضة كلّ من شمس چك والسيد حسين البيهقي وشمس دوبى وطلب الميرزا قاسم حاكم أكبر على كشمير، من الحكومة المركزية تقديم العون له فأوفد (أكبر) أحد رجاله السيد يوسف رضوي مع جيش إلى كشمير. ويبدو أنّ (أكبر) لمّا أدرك أنّ المقاومة والمعارضة يتزعمها القادة الشيعة أوفد أحد رجاله السياسيين الأذكياء وهو رضوي الذي يبدو أنّه كان شيعياً لإخماد هذه الحركة، فتمكن رضوي بالوعد والوعيد أن يكسب ثقة بعض القادة وفي عام 1587 قضى على هذه الحركة، ومنذ هذا التاريخ أصبح الميرزا يوسف رضوي بن أحمد الرضوي المشهدي حاكماً على كشمير.
واعتمد (أكبر) على الأساليب الديبلوماسية والثقافية بدلاً من الأساليب العسكرية لتهدئة الحالة في مستعمراته. يُقال إنّ (أكبر) بواسطة حكامه في كشمير اختار ملابس جديدة جميلة تشبه ملابس النساء لأبناء الشعب في كشمير. وقد أوجدت هذه الملابس في نفسية الشبان حالة من التبذير وبدأت روحهم القتالية تزول شيئاً فشيئاً([354]).
وفي سنة 1588 قام الإمبراطور (أكبر) بزيارة مقاطعة كشمير واستمرت زيارته مدّة شهر واحد وخلال هذه الزيارة أمر بتشكيل لجنة من ثلاثة علماء هم: القاضي علي والقاضي نور الله الشوشتري وتوتارام مهمتها إصلاح القوانين والقرارات والأنظمة الحكومية وتحسين حالة الأهالي وإصلاح نظام الضرائب بصورة عادلة. ويبدو أنّ القاضي نور الله الشهيد الثالث العالم الديني الشيعي الكبير ومؤلف كتاب «إحقاق الحق» كان يترأس هذه اللجنة، وكان تعيينه رئيساً للجنة بسبب أهمية دور الشيعة على الصعيدين السياسي والاجتماعي في كشمير في ذلك العصر. وبعد عودة (أكبر) رفضت السلطات الحكومية التعاون مع القاضي نور الله وأعضاء اللجنة ما اضطر القاضي أن يرسل تقريراً إلى (أكبر) يشرح فيه الحالة فبعث (أكبر) اثنان من كبار رجال الدولة وهما حسن بيك والشيخ عمر لمساعدة القاضي نور الله ولجنته.
وخلال فترة حكومة (أكبر) وقعت انتفاضة أخرى في كشمير بقيادة (بادگار ميرزا) إلاّ أنّ أكبر أخمد هذه الانتفاضة وقضى عليها، وأثر ذلك عيّن (أكبر) أحد قادته الخاصين وهو قلِيح خان حاكماً على كشمير. فبقي هناك ستة أعوام. كما أمر الإمبراطور أكبر، الميرزا يوسف خان المشهدي ببناء مدينة (ناگركوت) على ساحل بحيرة «دَل» المعروفة. وكانت نفقات هذا المشروع أحد عشر مليون روبية. وهذا دليل على اهتمام الإمبراطور بإعمار البلاد وكسب رضا سكان كشمير. وكان أكبر دائماً إلى جانب قواته العسكرية للقضاء على الحركات والاضطرابات كما كان يعمل على رفاهية الشعب لتعزيز سلطته على المستعمرات.
بعد وفاة الإمبراطور أكبر، انتقلت السلطة إلى ابنه (جهانگير) وخلال فترة حكومته عيّن سبعة «موبيدار» (أي محاظ) على مقاطعة كشمير، وكان الإمبراطور بنفسه يشرف على أعمالهم. واشتكى بعض الهندوس الكشميريين إلى جهانگير، الحاكم قلِيح خان. فكتب الإمبراطور إلى قلِيح خان قائلاً: أيّها الحاكم، المعارضون كثيرون والشاكرون قليلون، إمّا أن تطفئ ظمأ العطاشى وإمّا أن تستقيل من منصبك. وقام جهانگير بزيارة كشمير عام 1619 وسُجلت ذكرياته عن هذا السفر في كتاب «تُزُك». إنّ عصر الإمبراطور جهانگير في كشمير معروف من خلال الآثار التاريخية التي أنشأها هناك، إنّ روضة شايمار وهي حتّى يومنا هذا ما زالت من الأماكن السياحية في سرينگر تمّ إنشاؤها في هذا العصر. كما تمّ إنشاء روضة ومتحف إلى جانب شلال وري ناگ. وفي المتحف توجد صور للإمبراطور أكبر والإمبراطور جهانگير. والجدير بالذكر أنّه إلى جانب صور ملوك الهندا التيموريين توجد صورة كبيرة للشاه عباس الصفوي الكبير وهذا دليل على عواطف أبناء الشيعة في كشمير بالنسبة لإيران. إنّ أبناء الشيعة في كشمير كانوا يشعرون بالتضامن مع ملوك وقادة إيران وخلال فترة سلطة شيعة بلتستان على كشمير كانت الخطبة تقرأ باسم ملك إيران لا ملك الهند.
في الوقت الذي كان جهانگير يسعى لإعمار مقاطعة كشمير كانت سياسة الحكام هناك قائمة على العنف خاصة مع الشيعة. وربّما أحد أسبابها هو دور الشيعة الفعّال في الانتفاضات على الحكومة. وحصلت ثورة خلال هذه الفترة بزعامة سردرا چك إلاّ أن قلِيح خان قضى عليها. ومن أهم أحداث عصر جهانگير إصدار الأمر بمنع إحراق النساء المسلمات بعد موت أزواجهن. حيث إنّه خلال إحدى زياراته إلى كشمير عَلِم أنّ بدعة (سيَ) أي إحراق الأرامل مع جثث أزواجهن ما زالت موجودة في هذه المقاطعة فأصدر أوامره بمنع هذه العملية وكذلك مَنَعَ زواج النساء المسلمات من الهندوس.
وبعد وفاة جهانگير انتقلت السلطة إلى ابنه شاه جهان. إنّ شاه جهان اشتهر بسبب غرامه بنورجهان الفتاة الإيرانية الجميلة وكذلك ببناء هيكل تاج محل وخلال فترة حكومته حكم مقاطعة كشمير تسعة من المحافظين منهم ظفرخان وعلي مردان خان حيث كانا حاكمين قديرين مدبرين. واستولى علي مردان خان على كرگيل ولاداخ وقسماً من التبت، ولم تقل أبهة بلاط ظفرخان وجلاله عن بلاطات سلاطين وملوك ذلك الزمان واجتمع في بلاطه شعراء بارزون باللغة الفارسية وعلماء وفنانون. وكان ظفر خان نفسه ينشد أشعاراً باللغة الفارسية ومن مصنفاته مثنوي (هفت منزل) (أي المراحل السبع) في الإشادة بمنطقة كشمير.
كان علي مردان خان إيراني الأصل ومن رجال حكومة الصفويين. وقد حصل في قندهار على كنز رفض أن يسلمه إلى البلاط الصفوي، لذلك لجأ إلى الهند فلاقى ترحيباً كبيراً في بلاط دلهي وعيّنه الإمبراطور حاكماً على كشمير وأنفق مبالغ كبيرة في إعمار المنطقة وفي الأمور الخيرية ما أدهش شاه جهان. وشاع هناك أنّه يملك حجر الكيمياء. الحجر الذي يُبدل كلّ شيء إلى ذهب. اجتمع في بلاط علي مردان خان الكثير من الشعراء بينهم صائب الأصفهاني وكليم وقدسي وأوجى وطفره ومير الهي ونديم وفطرتي، وفهمي والخواجة مؤمن. وكان عدد منهم إيرانيين ولكن فَتَنَهم جمال كشمير فأقاموا فيها. عُزل شاهجهان بواسطة ابنه (أورنگ زيب عالمگير) الذي كان يظن أنّ والده قد يُعيّن أخاه الأكبر (داراكشوه) ولياً للعهد. حكم أورنگ زيب أكثر من خمسين سنة وهو آخر إمبراطور قوي من سلالة التيموريين في الهند، حكم خلال فترة سلطته كشمير أربعة عشر محافظاً، ولكن أورنگ زيب كان يشرف بنفسه على أمور هذه المقاطعة كما كان يفعل (أكبر) و(جهانگير). قام عدد من هؤلاء المحافظين ومنهم إبراهيم خان وإسلام خان وفاضل خان بإنشاء المساجد والمدارس الكثيرة في سرينگر وضواحيها. وقام أورنگ زيب خلال فترة حكومته بزيارة كشمير مرّة واحدة وذلك في عام 1075هـ ولمّا كان قد أمضى خمسة وعشرين عاماً من حكومته بجنوب الهند في محاربة المتمردين أو ضمّ المناطق المستقلة بجنوب الهند إلى حكومته، لم تحصل له فرصة ثانية لزيارة كشمير. وفي عصر حكومة أورنگ زيب اشتدّت المعارك بين الشيعة والسنّة في كشمير. وكانت مثل هذه المعارك مستمرة في العصر المغولي. ومن أسباب هذه المعارك اهتمام السلطات الحاكمة بالسنّة وحرمان الشيعة من هذا الاهتمام. وبعد زوال حكومة الشيعة في كشمير. بدأ المغول في توطيد سلطتهم هناك ولما كان أبناء السنّة غير مرتاحين من تعامل الشيعة معهم وخاصة في عصر ازدهار الشيعة الچك، لهذا قرّر السنّة الانتقام من الشيعة.
كان الشيعة في كشمير يعتقدون أنّ الحكومة المغولية هي التي اغتصبت سلطتهم السياسية ولهذا كانوا دائماً يثورون على الحكومة. إنّ بعض وعّاظ السلاطين وعدد من رجالات الحكومة يزيدون الطين بلّة وربّما كانت سياسة الدولة المغولية عدم إقامة وحدة بين سكان كشمير. وعلى أي حال، في كل سنة أو خلال عدّة سنوات كانت تقام مذابح داخلية بين أبناء الشيعة وأبناء السنّة. وكان أورنگ زيب قد أقال اثنين من حكّامه في كشمير من مناصبهم بسبب تأييدهم للشيعة.
توفي أورنگ زيب في سنة 1707م وانتهى العصر الذهبي للتيموريين في الهند. وأخذت سلطة الحكومة المركزية تنهار شيئاً فشيئاً ووقعت اشتباكات وخلافات بين الأمراء حول السلطة على أنّ رجال الحكومة وقادة الجيش ازدادت قوّتهم وهيبتهم بحيث كانوا يغيرون الملوك بين فترة وأخرى حسب رغبتهم. وكانت نتيجة هذه الأعمال أنّ الإنكليز من جانب والهندوس والسيخ من جانب آخر ازدادت كذلك قوّتهم وأصبحوا القوى السياسية الرئيسية. كما أعلن في نفس الوقت بعض حكّام الولايات استقلالهم ففي أود أسس القائد الشيعي برهان الملك حكومة مستقلة في الدكن في (حيدر آباد). وعندما وهنت سلطة الحكومة الهندية على كشمير، قرّر سكان كشمير الحصول على استقلالهم الذاتي. وفي عصر محمد شاه رنگبيله، استولى نادر شاه الأفشاري على أفغانستان ثمّ شن هجوماً على دلهي. إنّ أفغانستان جارة حدودة مع كشمير وإن احتلال نادر شاه لأفغانستان هو أحد أسباب انهيار سلطة حكومة الهند على كشمير. وحصلت في هذه الفترة اضطرابات قبلية وعنصرية في سرينگر بين الشيعة والسنّة. وكان أحد علماء الدين المدعو محقوي خان هو السبب في هذه الاضطرابات، فاعتقل مؤمن خان مندوب ملك الهند في كشمير محقوي خان هذا وقتله، ووقعت في هذه الفترة اضطرابات تزعمها أبو البركات.
تزامناً مع الاضطرابات والفوضى السياسية في كشمير، توفي نادر شاه في إيران واستولى قائد قوات المشاة أحمد خان الأفغاني على السلطة في أفغانستان وأطلق على نفسه اسم أحمد شاه الأبدالي. وكان أحمد شاه هذا فاتحاً كبيراً مثل نادر شاه وهو يعتبر مؤسس أفغانستان الجديدة. إذ لم تكن أفغانستان قبل هذا التاريخ دولة مستقلة حيث كانت تارة جزءاً من الإمبراطورية الهندية وتارة أخرى إحدى المقاطعات التابعة للمملكة الإيرانية. طلب بعض أشراف كشمير من أحمد شاه في عام 1747م إنهاء الاضطرابات السياسية في كشمير وتسلّم السلطة فيها بنفسه. وفي عام 1752م أرسل أحمد شاه جيشاً من الأفغان إلى كشمير بقيادة عبدالله خان إسحاق آقاسي، فهزم الحاكم المغولي في كشمير وبهذا انتهى عصر سلطة التيموريين المغول على كشمير وبدأ عصر حكومة الأفغان ومنذ ذلك التاريخ وحتّى عام 1876م الذي احتل المهاراجا رنجيت سينك كشمير وأنهى سلطة المسلمين هناك، كان الأفغان على كشمير.
كشمير في عصر ما بعد المغول
حتى القرن العشرين
خلافاً للحكام المغول في كشمير فإنّ مندوبي الحكومة المركزية الأفغانية في كشمير لم يكونوا أوفياء بالنسبة لحكومتهم فبعد أن حصلوا على القوّة والسلطة الكافية أخذوا يعملون بصورة مستقلة ففي فترة حياة أحمد شاه الأبدالي كان بقوّته العسكرية لا يعطي الفرصة لحكّامه بالتمرّد على أوامره ولكن بعد وفاة أحمد شاه كانت كشمير خاضعة اسمياً لحكومة أفغانستان ولكن كانت مستقلة فعلياً.
وفي سنة 1813 أرسل المهاراجا (رنجيت سينگ) الذي كان يحكم مقاطعة البنجاب وقد احتل أقساماً من أفغانستان، أرسل بطلب من أحد رجال كشمير، جيشاً بقيادة فتح محمد خان ولكن بسبب البرد القارس والمناطق الجبلية الصعبة تبعثرت قواته وانهزم القائد فتح محمد خان أمام قوات أعظم خان الحاكم الأفغاني. فمنذ ذلك التاريخ وإلى سنوات عديدة ارتاحت كشمير من هجمات السيخ ولكن في عام 1876م لجأ (پندت بيريل دار) أحد الرجال الهندوس في كشمير إلى بلاط رنجيت سينگ وأقنعه بالهجوم على كشمير مرّة أخرى. وكان عظيم خان حاكم كشمير قد غادر البلاد متوجهاً إلى كابل فأرسل رنجيت سينگ جيشاً قوامه ثلاثون ألف مقاتل إلى كشمير بقيادة عسكريين بارزين بينهم القائد هري سينگ نكوا وجوالا سينگ وحكم سينگ والراجا كلاب سينگ وديوان مسارجند. فهرب جبار خان آخرالحكام الأفغان في كشمير أمام هذا الجيش وبذلك سقطت حكومة المسلمين في كشمير. حكم المسلمون على كشمير حوالي خمسمائة وستة وأبعين عاماً أي منذ سنة 1342م حين تمكّن شاه مير أن يهزم كوتاراني حتّى عام 1876م الذي احتل فيه رنجيت سينگ هذه البلاد. وخلال هذه الفترة انتشر الإسلام في جميع أنحاء وادي كشمير عدا منطقة جامو التي كانت مجاورة لمقاطعة البنجاب إذ بقيت تحت سلطة الهندوس.
بعد وفاة المهاراجا رنجيت سينگ في سنة 1839م اجتاحت الفوضى والاضطرابات مقاطعة كشمير. فانتهز أحد قادة رنجيت سينگ الذي كان من العائلة الحاكمة في جامو، الفرصة وتسلّم السلطة في كشمير. وكان هذا القائد الذي يدعى الراجا (گلاب سينگ) قد قام بهذا العمل بإيعاز من الإنكليز. وفي أوّل حرب بين الإنكليز ورنجيت سينگ، اشترك گلاب سينگ في المحادثات مع الحكومة الإنكليزية مندوباً عن السيخ. ويبدو أنّه منذ ذلك الحين أقام علاقات سرية مع ممثلي الحكومة البريطانية. وكانت سياسة الإنكليز تعتمد على تسليم السلطة إلى الأقلية ويحكمون هم تحت ظلالهم حيث إنّهم كانوا يتصورون أنّ الخطر يهددهم من جانب الأغلبية. ولما كانت أغلبية سكان كشمير من المسلمين فقد قرّرت الحكومة الإنكليزية أن تفرض عليهم عائلة ملكية هندوسية.كان گلاب سينگ مؤسس سلالة ملوك (دوگرا) التي كانت تحكم جامو وكشمير معاً حتّى استقلال الهند في عام 1947م. وكان الراجا (هري سينگ) من هذه السلالة حيث عقد اتفاقية ضمّ كشمير إلى الهند. وكان الراجا كرن سينگ ابن الراجا هري سينگ أحد كبار زعماء حزب الكونغرس في عهد أنديرا غاندي وما زال من زعمائه ولكنّه انسحب من المسرح السياسي وهو الآن يقضي أوقاته في المطالعة وتأليف الكتب حول مبادئ دين الهندوس.
في سنة 1872م في عهد حكومة الراجا (رنبير سينگ) ابن گلاب سينگ وقعت اضطرابات بين الشيعة والسنّة. فدفع رنبير سينگ مبالغ كغرامة إلى أبناء الشيعة وكانت العلاقات بين الشيعة والسنّة أيضاً غير طبيعية في عهد حكومة راجات دوگرا. ولا شك أنّ السلطة الهندوسية الحاكمة والإنكليز كانوا يضرمون النار في الخلافات بين الشيعة والسنّة لمنع سكان كشمير من الاتحاد وإلهائهم بالقضايا الجانبية.
في عام 1885م توفي رنبير سينگ وانتقلت السلطة إلى پرتاپ سينگ الذي كان يبلغ من العمر 35 عاماً واستمرّت حكومته حتّى عام 1925م. خلال هذه الفترة كانت إدارة كشمير بيد الإنكليز حيث كانوا يخافون من هجوم الروس على كشمير عن طريق آسيا الوسطى. ثمّ عزل الإنكليز پرتاپ سينگ ونقلوا السلطة إلى أخيه الأصغر الراجا (امرسينگ) ولكن الحاكم الحقيقي كان السير والتر لارنس (lawrence) المندوب البريطاني. وبعد مدّة أعيد پرتاپ سينگ ثانية وخلال هذه الفترة تغيّرت اللغة الرسمية في كشمير من الفارسية إلى الإنكليزية. وكانت اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية الحكومية في كشمير زهاء ستمائة سنة. في هذه الفترة تأسست أوّل مدرسة جديدة في سرينگر بواسطة المبشرين. كما تمّ تأسيس مدرستين في جامو وسرينگر بواسطة الحكومة الإنكليزية. وكان الهندوس هم الذين يستفيدون من هذه المدارس حيث كان المسلمون لا يثقون بها. ولهذا السبب تأخّر المسلمون من الناحية الدراسية. ولمّا كان الهندوس قد سبقوا المسلمين في التعاليم فقد خُصّصت المراكز السياسية والديبلوماسية الرئيسية للهندوس كما حققوا تقدّماً في أمر التجارة. ممّا سبّب عدم ارتياح المسلمين حيث وقعت اشتباكات عنيفة بين الهندوس والمسلمين عام 1921م.
عاد (أمر سينگ) شقيق پرتاپ سينگ إلى السلطة ثانية بعد وفاة پرتاپ سينگ وكان من الراجوات السياسيين الشعبيين وتمّ خلال هذه الفترة إنجاز عدد من المشاريع العمرانية. أنشأ أمر سينگ قصراً كبيراً جميلاً ما زال قائماً ويُعرف باسم (أمر سينگ پالاس) يزوره السائحون من أنحاء العالم وانتقلت السلطة إلى الراجا (هري سينگ) بعد أمر سينگ وكان هو الذي ضمّ كشمير إلى الهند بعد أن حصلت الهند على استقلالها.
أنهى الراجا كرنى سينگ ابن هري سينگ دراسته في جامعة هاروارد ثمّ أقسم اليمين بصفته أوّل رئيس لحكومة كشمير. ثمّ استقال ودخل الوزارة الهندية وزيراً.
بيان الحالة الاجتماعية في كشمير
أ – النسج العنصري والقومي لسكان كشمير:
هناك نظريات مختلفة حول أصل عنصر سكان كشمير. ويعتقد بعض أصحاب الفكر أنّ سكان كشمير هم من العنصر الآري. ويستند هؤلاء إلى الأساطير الآريائية القديمة التي أشير فيها إلى كشمير. وتقول هذه الأساطير إنّ كش نوه اله برهما تنسك وتقشف لإنشاء جنة على الأرض. ونتيجة هذا التنسك والتقشف كانت كشمير، ولهذا سمّيت «كش – مير». ويعتقد البعض الآخر من العلماء أنّ كلمة كشمير مأخوذة ومقتبسة من كلمتين بلغة السانسكريت وهما «كا – سمير» ومعناها الأرض التي تكثر فيها العيون وتتوفر فيها المياه. يقول هؤلاء العلماء إنّ عنصر سكان كشمير هو فرع من فروع العنصر الآري القديم. أمّا النظرية الثانية فهي أنّ دردستان ومناطق آسيا الوسطى كانت مقر قوم يدعى «كش» وكانت حكومتهم قد امتدت في آسيا الوسطى وحدود الهند وأفغانستان ومناطق من إيران. وأنّ أسماء مثل كش مير، وكاشان، وجانركش وغيرها تُنسب إلى هذا القوم وحسب هذه النظرية فإنّ سكان كشمير ليسوا من العنصر الآري بل من العنصر الدردستاني ولهذا فإنّ لغة كشمير ليست من عائلة اللغات الآرية بل من عائلة اللغة الدردستانية. إنّ ظهير الدين بابر فاتح الهند ومؤسس سلالة سلاطين المغول التيموريين يشير إلى هذه النظرية في كتابه المسمّآ (تزك). أمّا النظرية الثالثة فهي: أنّ عنصر سكان كشمير هو فرع من بني إسرائيل. إنّ العديد من المستشرقين الأوربيين أدركوا هذه المسألة منذ القرن التاسع عشر بأنّ المختصات الفيزياوية لسكان كشمير تشبه كثيراً العنصر اليهودي. منهم الوالتر لارنس (Lawrence)([355]). ويؤكد على ذلك أيضاً فرانسيس يونگ هسبند (Francis Younghusband)([356]).
يعتقد هؤلاء أنّه قد يكون فرع من بني إسرائيل تاهوا وضيعوا الطريق في إحدى مسيراتهم التاريخية وانتهى بهم المطاف إلى كشمير. لقد سمّى شاه همذان السيد علي الهمذاني في أحد آثاره، سمّى كشمير بـ «بستان سليمان». يقول أبو الريحان البيروني: «إنّ سكان كشمير يعزلون أنفسهم ولا يسمحون لأحد اجتياز بلادهم وإنّهم يسمحون فقط لعدد من اليهود في كلّ عام أن يدخلوا إلى موطنهم. إنّ سكان كشمير لا يسمحون للهندوس بالبقاء في بلادهم فكيف إذاً نحن المسلمون»([357]). ففهم من هذه الإشارات أنّ سكان كشمير أنفسهم وكذلك الآخرون رأوا أنّ العنصر الكشميري، فرع من العنصر اليهودي. والجدير بالذكر أنّه توجد في كشمير مقبرة لموسى وقبر لعيسى المسيح وقبور لأنبياء بني إسرائيل الآخرين.
ومهما كان مبدأ عنصر سكان كشمير وأصلهم، فإنّ اتصالهم القريب مع الأقوام المجاورة، أي الآرايين والدردستانيين، والتبتيين والصينيين طوال آلاف السنين لم يؤد إلى تشكيل العنصر الكشميري من عناصر مختلفة. إضافة إلى ذلك، فإنّه يعيش في مناطق مختلفة من مقاطعة كشمير أقوام متباينة، ونحن ذاكرون فيما يلي المجموعات العنصرية والقومية المهمة في كشمير.
ب – المجموعات الاجتماعية الرئيسية:
1 – الكشميريون:
إنّ الكشميريين هم أكبر مجموعة عنصرية قومية يعيشون في وادي كشمير، وقد أشرنا قبل هذا إلى جذور عنصريتهم. يعيش هؤلاء في وادي جهيلم الذي يشبه الكأس، يحيطه من أطرافه الأربعة جبال خضراء كما يعيش بقية السكان في سائر مناطق المقاطعة.
الكشميريون حالياً خليط من العنصر الدردستاني والآري والسامي والإيراني. وكان اليونانيون يسمّون سكان كشمير بـ كاسپيريا (Kasperia). إنّ هيرودوت قد سمّاهم «كاس پاتي روس» (Kaspatiros). أمّا السائح الصيني في العهد القديم وهو چي يونگ تسان (Cheuntsang). فسمّاهم (كياشي ميرا). وفي مهابهارت وپران أطلق عليهم كلمة «كاشي راه».
يشكّل الكشميريون 90 إلى 96 بالمائة من سكان وادي جهيلم أي سرينگر وضواحيها. وأنّ 93 بالمائة من هؤلاء مسلمون. أمّا نسبة الشيعة والسنّة فغير معلومة بين مجموع سكان كشمير.
2 – الدّرديون:
ثاني أكبر مجموعة هم الدّرديون الذين يعيشون في منطقة كَرُيز. إن تالمي (Ptolmy) يقول في كتاب (Almagest): إنّ اسمهم هو دارا درائي. وأغلب هؤلاء مسلمون وأنّ الدّردستانيين في بلتستان وگليگت (في باكستان الحالية) هم من الشيعة. وكانوا قبل قبولهم الإسلام من البوذيين. والدّرديون هم من فروع العنصر الآري.
هؤلاء ليسوا بالطوال ولا بالقصار، بل هم متوسطو القامة، ضخِموُ الكراديس وأقوياء ولكنّهم ليسوا بجمال الكشميريين. لون بشرتهم حنطاوية، وهم محاربون. تُشَبَّه أوصافهم القومية بأوصاف الأكراد في الشرق الأوسط ويقسمون طبقياً إلى أربعة أقسام من الناحية الاجتماعية:
1 – رينو (الأشراف والنبلاء).
2 – شن (علماء الدين).
3 – يك شوك (الفلاحون).
4 – دوم (العمال).
3 – الهانجيون:
ثالث مجموعة قومية تعيش في كشمير هم الهانجيون. هؤلاء هم صيادو الأسماء والملاحون وأصحاب السفن الذين يعيشون قرب سواحل البحار والبحيرات في كشمير. إنّ السفن الكشميرية المعروفة التي تسمّى (شكاره) وهي في بيوت وشقق صغيرة تدار من قبل هؤلاء. وأنّ الكثير من الهانجيين يعيشون في مثل هذه البيوت. أمّا بالنسبة لجذورهم العنصرية فهناك اختلاف في الرأي بين المحققين، إذ يعتقد البعض أنّ هؤلاء من سكان سريلانكا وأنّ أحد ملوك كشمير القدامى استدعاهم من سريلانكا (سرنديب أو سيلان القديمة) لصناعة السفن والقوارب. ثمّ اعتنق هؤلاء الدين الإسلامي وهم جميعهم في الوقت الحاضر مسلمون وأغلبهم من أبناء السنّة. إنّ الهانجيين يعتبرون أنفسهم من (أبناء نوح). وتمّ مؤخراً نشر دراسة اجتماعية قيّمة حول ظروف حياة الهانجيين. وحسب هذه الدراسة أنّ 43 بالمائة من الهانجيين هم أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 14 سنة و41 بالمائة تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 44 سنة و7 بالمائة بين 45 إلى 54 سنة وهذا دليل على أنّ نسبة الوفاة بينهم عالية نتيجة الظروف الاقتصادية الرديئة. إنّ الرجال يشكلون 52 بالمائة من مجموع السكان وهذا دليل على ظروف حياة النساء اللاتي يخرجن من بيوتهن ويعملن إلى جانب الرجال في إعداد الطعام وغسل ملابس المسافرين ويساعدن الرجال في الأمور التجارية. إنّ ظروف حياتهم أكثر قساوة من الرجال. إنّ الخدمات الصحية في المناطق التي يعيش فيها الهانجيون قليلة جدّاً وإن الكثير من النساء الحوامل يمتن خلال وضعهن أطفالهن. إنّ النسبة المئوية بين الرجال والنساء ليست سواسية في جميع المحلات والمناطق فمثلاً في محلتي پيرباغ وحضرت بال نسبة الفتيات أكثر في حين في محلة آبشبار نسبة الرجال أكثر من النساء.
النسبة الخالصة للولادة CRUDE BIRTHRATE (CBR) في المناطق الحضرية 21 بالمائة والمناطق القروية 5 ,33 بالمائة ونسبة الوفاة 33 بالمائة. في حين هذه النسبة في مجموع سكان كشمير هي 8 ,10 بالمائة وهي أيضاً دليل على الظروف القاسية التي يعيشها المسلمون والمستضعفون. إن سن الزواج بين الهانجيين هو 15 سنة للبنات و17 سنة للأولاد. ومن الناحية الاقتصادية أنّ 53 بالمائة من الرجال و90 بالمائة من النساء يزاولون الأعمال وأنّ البقية إمّا عاطلة أو لها أعمال مؤقتة. المهنة الرئيسية لهؤلاء هو بناء السفين والقوارب والملاحة وإدارة البيوت العائمة بصفتها فنادق وأوتيلات صغيرة، وصيد الأسماك وصناعة السجاد. في فصل الشتاء حيث السائحون قليلون يكون أغلب هؤلاء إما عاطلون عن العمل وإما يعملون في صناعة السجاد. إنّ حركة السياحة متوقفة حالياً في كشمير بسبب الحروب الداخلية والاضطرابات السياسية وإنّ حالة الهانجيين متدهورة تماماً. لم تتقدم أيّة دولة أو منظمة لمساعدة سكان كشمير من الناحية الاقتصادية والإنسانية بل إنّ الدولة من الناحية السياسية تريد الصيد في الماء العكر.
4 – اللاداخيون:
رابع مجموعة قومية – عنصرية تعيش في منطقة جامو وكشمير هم اللاداخيون. يعيش هؤلاء في المناطق الجبلية العالية وعلى سفوح جبال هيمالايا. إنّ جبال لاداخ قاحلة على العكس من جبال كشمير الخضراء. فنتيجة لذلك كانت مهنة اللاداخيين هي تربية المواشي. ومن الناحية الفيزيولوجية فإنّهم قريبون من عناصر التبت والصين.
وينقسم اللاداخيون إلى مجموعتين: البوذيين والمسلمين. ويعيش المسلمون في الشمال والغرب وأطراف مدينة كرگيل، وأغلبهم من الشيعة. ويعيش البوذيون في الجنوب والشرق والمناطق المركزية ومركزهم مدينة لببه. وأهالي لاداخ صادقون، أمناء، حليمو الطبع، فرحون، قليلاً ما يغضبون، لا تنتهي الخلافات المذهبية في لاداخ إلى المعارك القتالية، فالجميع يعيشون معاً وقد تكون تعليمات المذهب البوذي السلمية من جهة، وظروف الحياة الجبلية القاسية من جهة أخرى من أهم أسباب التضامن الاجتماعي بينهم. إنّ الإنسان عندما يواجه المشاكل الطبيعية القاسية مضطر أن يحتفظ بحالته الاجتماعية التضامنية ويتابع سياسة العفو والعطف. في الفصول القادمة سنقوم بدراسة ظروف حياة اللاداخيين لا سيما أبناء الشيعة في كرگيل ولببه بصورة مفصلة.
5 – دوگرا:
الدوگرا: مجموعة عنصرية قومية رئيسية في كشمير، مركزهم الرئيسي في مناطق جامو وحدود البنجاب، وأغلبيتهم من الهندوس وبعضهم مسلمون. إنّ الدوكرا المسلمون هاجروا إلى باكستان بعد تقسيم الهند. والدوگرا الهندوس يعيشون حالياً بين مدينتين مقدستين وهما سَروين سِر ومكنسر. تقع سَروين سر على مسافة 38 كيلومتراً شرقي مدينة جامو بينما تقع مكنسر على مسافة 64 كيلومتراً غرب مدينة جامو.
أمّا من الناحية العرقية فإنّ الدوگرا هم حسب الظاهر من راجپوت في راجستان إحدى المقاطعات المركزية في الهند وكانت فيما مضى تسمّى راجيوتانه. إنّ هؤلاء من العنصر الآري ويتكلمون اللغة الدوگرية وهي خليط من لغات السانسكريت والبنجاب والفارسية. ومن الناحية الجسمية الدوگريون عريضو الأكتاف قصيرو القامة بشرتهم سمراء وبعضهم بشرتهم بيضاء. والطبقات السفلى من الدوگريين لون بشرتهم غامض.
6 – چهبالي:
سادس مجموعة عنصرية قومية هم الچهباليون وهم في الحقيقة من فروع من الدوكرا ويعيشون بين نهري چناب وجَهيلم. من الناحية الفيزيائية والهيكل يشبهون الدوگريين ولكن أكثرهم مسلمون، يعيش هؤلاء في أكهنور، ومندهار، وهويلي، وراجوري. ويعملون بالزراعة وتربية المواشي.
7 – گجُر:
يعيش الگجر في منطقة كندى وهم موزعون في جميع أنحاء الهند ويشكلون الطبقة الفقيرة من المجتمع ويعتقد البعض أنّ الگجر هاجروا في البداية من گيورجيا أو جورجيا فيما كان يسمّى بالاتحاد السوڨياتي. ويعتقد البعض الآخر أنّهم من ولاية گجرات الهندية وهذه النظرية أقرب إلى الصواب. يقول الإدريسي العالم الجغرافي الإسلامي المعروف إنّ هؤلاء من (جزر) أو جُرزُ ولهذا السبب فإنّ الكتّاب العرب يسمّونهم «جُزر» لغتهم الگجرية هي إحدى اللهجات في لغة السنسكريت. يعيش الگجر في كشمير في منطقة راجوري وأدهم بور. ويوجد عدد منهم في پونج وگندريل.
9 – گدّى:
طائفة گدُى يعيشون على تربية المواشي في أعالي الجبال خاصة في بهنديل بالقرب من جهمب. ويعيش عدد منهم في جنوب منطقة مدينة جامو. إنّ هؤلاء في الأصل راچپوت وأغلبهم من الهندوس ومن الناحية الفيزيائية يشبهون أهالي القبائل الجبلية الذين يسمّونهم في الهند الپهاريين.
وعدا المجموعات المذكورة فإنّ السيك (السيخ) متواجدون في شتى مناطق كشمير وخاصّة المناطق الحدودية مع البنجاب.
إنّ مجموعتين من جميع المجموعات التي ذكرناها فيما تقدّم لعبت دوراً رئيسياً من الناحيتين السياسية والاجتماعية في تاريخ كشمير. وهما الكشميريون والدوگرا. لقد استمرّت سلطة الكشميريين على جميع أنحاء المنطقة حوالي ألف عام. حتّى أنّهم بعد أنّ اعتنقوا الإسلام كانت السلطة في يدهم والسلطان الوحيد الذي كان من طائفة اللاداخيين وهو رتن جو أو السلطان صدر الدين استولى على السلطة لمدّة قصيرة. وبعد سقوط حكومة كشمير، انتقلت السلطة إلى السيخ وطبعاً كانت كشمير مستعمرة لحكومة السيخ في البنجاب. إنّ السيخ في كشمير لم يكن لهم دور سياسي فعّال وبعد مدّة قصيرة تمكّن الراجا كلاب سينك أن يؤسّس حكومة طائفة الدوگرا في جامو.
وبعدها جاء الدوگريون الهندوس وحكموا البلاد. استمرّت هذه الحالة حتّى سنة 1947 وقد بدأت حركة جماعة المسلمين الكشميريين ضد الدوگرا منذ سنة 1931 وبعد الاستقلال كانت رئاسة الحكومة وهي منصب صوري للدوگرا والوزير الأعظم كان من مقاطعة كشمير. وحالياً إنّ هاتين المجموعتين تلعبان الدور الرئيسي على الساحة السياسية والمعروف أنّ الاتجاه الثوري الإسلامي قد تعزز بين سكان كشمير وأنّ الدوگرا توجهوا نحو الحزب الهندوسي المتطرف بي – ج – بي.
الأوضاع الثقافية في كشمير
النسج الثقافي في كشمير
عنصران رئيسيان يلعبان دوراً رئيسياً في النسج الثقافي في كشمير هما الثقافة البوذية الهندية والثقافة الإسلامية الإيرانية.
أ – أثر الثقافية البوذية:
أصبحت كشمير تحت سيطرة البوذيين وسلطتهم منذ عهد أشوك إمبراطور الهند الكبير الذي كان قد قبل الدين البوذي. وكانت فيما بعد إحدى مراكز دين بوذا. أنشأ الإمبراطور أشوك مدينة سرينگر التي كانت عاصمة كشمير بين سنة 272 قبل الميلاد وسنة 231. وكانت المدينة التي أنشأها أشوك تقع على مسافة ثلاثة أميال من مدينة سرينگر الحالية، وخلال التنقيبات التي تمت هنا عُثر على آثار من الثقافة البوذية. إنّ البوذية كسبت بصورة جذرية الفكر والنفسية والثقافة في الشعب ويمكن القول إنّ صميم شخصية سكان كشمير الثقافية قد قامت في هذه الفترة. إنّ حب السلام والابتعاد عن العنف والحلم والصبر على الأحداث الرديئة هي من الميزات الشخصية الجماعية لسكان كشمير وهي مستوحاة من تعاليم بوذا. ومنذ عهد المؤرخ المعروف گلهانا حيث تمّت كتابة أوّل تاريخ عن كشمير باسم (راج ترنگيني) كانت البوذية نشطة في كشمير ولكن الإسلام بدأ شيئاً فشيئاً باجتثاث جذورها واليوم وعدا مناطق لاداخ لا يوجد أثر على البوذيين في كشمير. الحقيقة أنّ البوذية بصفتها ديناً قد زالت ولكن تأثير البوذية في شخصية الفرد الكشميري ما زال موجوداً، وأنّ الإسلام لم يتمكن من اجتثاثه.
ب – أثر الثقافة الإسلامية – الإيرانية:
بعد البوذية كان الثقافة التي ساهمت بصورة رئيسية في تكوين الشخصية الثقافية – الدينية في كشمير هي الثقافة الإسلامية – الإيرانية. وقد لاحظنا في القسم السابق كيف أنّ الإسلام ازدهر وانتشر في الهند وخاصة في كشمير بواسطة العرفان الإيراني. ولهذا، فإنّ الإسلام واللغة الفارسية سارتا معاً جنباً إلى جنب في كشمير. والجدير بالذكر أنّ كشمير ربما كانت هي المنطقة الوحيدة في العالم التي يُعرف فيها الشعراء الإيرانيون بأنّهم أولياء الله وأنّ الأهالي يزورون مقابرهم. إنّ اللغة الفارسية في كشمير ليست مجرد لغة بل لها قدسيتها.
ج – الأدب الفارسي في كشمير
– والشعراء الإيرانيون في كشمير
نظراً لما ذكرناه فيما تقدّم فإنّه من الطبيعي أن يكون الأدب والشعر الفارسيان قد حققا ازدهاراً بالغاً في كشمير وأن يكون المئات من الشعراء الذين نظموا وأنشدوا دواوين كبيرة من الشعر الشائق الفني، هم من مشاهير شعراء كشمير. وكانت اللغة الفارسية دخلت إلى كشمير منذ عهد (رتن جو) أو السلطان صدر الدين ولكن في عصر السلطان زين العابدين أصبحت اللغة الرسمية في البلاد. ازدهرت اللغة الفارسية في عهد السلطان زين العابدين ازدهاراً كبيراً، وعاش في هذا العصر شعراء وأدباء كثيرون هم أساتيذ الأدب الفارسي في كشمير منهم السيد محمد المنطقي، والملا أحمد الكشميري، والملا ندمي والملا فصيحي والملا مليحي، والملا جميل والملا أحمد الرولي، والملا نور الدين، والملا علي الشيرازي، والملا نادري، ومولانا حسين غزنوي وأهم دليل على أنّ الشعراء الإيرانيين كانت لهم قدسية دينية في كشمير هو أنّنا نشاهد في المصادر الكشميرية أنّ أسماء الشعراء الإيرانيين تسبقها كلمة ملا أو مولانا. وكان حسين شاه چك نفسه شاعراً فارسياً وبذل مساعيه لازدهار اللغة الفارسية في كشمير. وكان يعيش في عصره شعراء أمثال: أوجي، وصرفي، وفاني، وغني. ونشير هنا إلى عدد من أهم الشعراء الفارسيين في كشمير.
الملا محمد طاهر غني:
أشهر الشعراء الذين نظموا الشعر باللغة الفارسية في كشمير هو غني. ولد سنة 1040هـ/ 1630م في عهد شاه جهان وكان تلميذاً للملا محمد محسن فاني. لقد اختار لنفسه اسم غني لأنّ مجموع الأعداد الأبجدية لهذا الاسم هو 1060 وهي السنة التي أنشد فيها غني أوّل قصيدة له باللغة الفارسية. وكان عمره آنذاك عشرين عاماً. إنّ اختيار اسم غني دليل على نفسيته أيضاً حيث لم ينتمِ إلى أي بلاط ولم ينظم قصيدة شعرية لأي أمير أو وزير. كانت حياته مثل حياة الدراويش ولم يجمع من المال شيئاً. يقال إنّ غني كان كلما دخل غرفته يقفل الباب من الداخل ولما كان يخرج منها يجعل بابها مفتوحاً. سُئل لما تفعل ذلك؟ والعادة هي أنّ الإنسان عندما يخرج من داره يقفل الباب لا عندما يكون موجوداً في داره. أجاب غني أنّ الثروة الوحيدة الموجودة في الدار هي أنا، إذاً أنا أراقبه وأحتفظ به وعندما لا أكون موجوداً في الدار فليس هناك شيء أخاف عليه من اللصوص.
يُقال إنّ غني أنشد أكثر من مائة ألف بيت من الشعر على أنّ ديوانه الموجود والذي جمعه تلميذه مجرم يحتوي على قسم من أشعاره. توفي غني عام 1079هـ – 1668م ومرقده في محلة راجوري مزار الناس.
كان غني يعيش في عهد الشاعر الإيراني صائب الأصفهاني ويعتقد البعض أنّ صائب تعلّم الكثير من الصناعات الشعرية من غني.
كان غني منقطع النظير في استعمال الاستعارة والتمثيل والتشبيه في أشعاره.
مظهري:
كان من الشعراء البارزين وكان شيعياً. قام بجولة في مدن كثيرة خلافاً للشاعر غني الذي لم يسافر إلى أي مكان. سافر مظهري إلى كاشان وخراسان والحجاز وسورية وفي العراق اجتمع بالشاعر محتشم. وبعد زيارة العتبات المقدسة في العراق عاد إلى الهند. نظم مظهري أكثر من ستة آلاف بيت من الشعر وتوفي سنة 1018هـ – 1609م ودفن في مقبرة كاوه في مدينة سرينگر.
أوجي الكشميري:
من شعراء كشمير المعروف (أوجي) ابن مولانا نامي الكشميري. كان شاعراً شيعياً استدعاه وهو في ريعان شبابه الميرزا جعفر آصف خان حاكم كشمير إلى بلاطه وبعد عودة آصف خان إلى دلهي، بقي في بلاد الحكام المغول الآخرين. يحتوي ديوان أوجي على ثلاثة آلاف بيت من الشعر. له مثنوي باسم (ساقي نامه).
الحاجي أسلم سالم:
كان حاجي أسلم سالم بن أبدال بت هندوسياً ثمّ أسلم وأصبح من تلاميذ الملاح محسن فاني. التحق أيام شبابه في دلهي ببلاط الأمير أعظم الابن الأكبر لاورنگ زيب ولما توفي أورنگ زيب وانتقلت السلطة إلى ابنه الأصغر معظم وقُتل أعظم، عاد سالم إلى كشمير. ديوانه يحتوي على 700 صفحة ومحفوظ ضمن مخطوطات مكتبة جامعة البنجاب.
الخواجة حبيب حُبّى:
ولد الخواجة حبيب حُبّى نوشهر عام 963هـ. كان والده قصاباً (لحاماً). كان حُبّى من تلاميذ الملا محسن آفاقي ثمّ التحق بالمير محمد خليفة. وكان أيضاً موسيقاراً. توفي حُبّى سنة 1027هـ. وعُرف أيام حياته بأنّه من أقطاب الصوفية وكان عارفاً حكيماً. وأصبح مرقده مزاراً يزوره الأهالي. له كتاب باسم تنبيه القلوب حول مسائل العرفان والمسائل الأخلاقية. يقال إنّ الإمبراطور جهانگير عندما زار كشمير أراد لقاء حبّى ولكن الشاعر رفض الذهاب إلى بلاط الملوك واعتبر ذلك خلافاً لعقيدة الدراويش ممّا اضطر الإمبراطور جهانگير أن يذهب بنفسه لزيارة حبّى وعندما وصل إليه كان حبّى في حالة السماع. طُبع ديوان شعره. أشعاره على غرار أشعار سعدي ومولانا الرومي.
الملا محمد توفيق:
ينتمي الملا محمد توفيق إلى عائلة جَدو المعروف وكان يعيش بالقرب من جامع مدينة سرينگر. وكان من تلاميذ الملا سطع وكان من شعراء عصره البارزين ويعتقد بعض النقاد الهنود أنّ توفيق هو أكبر شاعر باللغة الفارسية في كشمير بعد الشاعر غني. وانتخب أميراً للشعراء في بلاط سُكه جيون حاكم كشمير الذي كان هندوسياً. له ديوان ورسائل في العروض والمعاني والبيان.
الميرزا محتشم فدا:
كان الميرزا محتشم فدا من أبناء أحد رجال الحكومة. ولد في سنة 1146هـ – 1733م.
بعد إنهاء دراسته سافر إلى لاهور والتحق بإدارة معين الملك حاكم لاهور. وبعد وفاة معين الملك عاد إلى كشمير والتحق ببلاط الحاجي كريم داود خان حاكم كشمير الأفغاني. توفي الميرزا محتشم فدا في سنة 1197هـ.
الملا حميد الله:
كان الملا حميد الله شاعراً هزلياً. اشتهر بأشعاره الفكاهية. له كتاب باسم جاي نامه.
الملا ذهيني الكشميري:
كان شاعراً معروفاً في زمانه. يقول عبد النبي القزويني في كتابه (ميخانه) إنّ ذهيني كان يخاف من السفر حيث لم يسافر في حياته أبداً. بلغت أبيات أشعاره أربعة آلاف بيت لم تجمع في ديوان. اشتهر ذهيني بالتقوى والعرفان. له قصائد كثيرة في مدح الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والخلفاء الراشدين والعرفاء أمثال بابا نصيب الدين. وله مثنوي باسم ساقي.
أمّا الميرزا مهدي مجرم فهو من شعراء كشمير المتقدمين. يعتقد الشاعر إقبال أنّه يتميز عن الشاعر غني في بعض الحالات. كان الشاعر مجرم شيعياً إلاّ أنّ محمد الصوفي يعتقد أنّه أصبح سنياً في آخر أيام حياته. طبع ديوان الشاعر مجرم في الهند.
إذا افترضنا أنّ إقبال هو من شعراء كشمير يكون أكبر شعراء كشمير الذين نظموا الشعر باللغة الفارسية هو إقبال. يعرف إقبال في إيران باسم الشاعر إقبال اللاهوري وهذا طبعاً غير صحيح لأنّ إقبال في الأساس من كشمير ولكنّه ولد في سيالكوت.
وسيالكوت إحدى مدن مقاطعة البنجاب في باكستان وقرية من حدود كشمير ويجب اعتبارها ضمن كشمير من ناحية المناظر الطبيعية. كان جدّ إقبال المدعو محمد توفيق من سكان قرية لوهار في كشمير. هاجر هو وثلاثة من إخوانه من كشمير مسقط رأس آبائه وأجداده وأقاموا في مدينة سيالكوت. وكان نور محمد والد إقبال معهم في هذه الهجرة. اشتغل والد إقبال في شبابه بالتجارة في مدينة سيالكوت. وولد إقبال في هذه المدينة وقضى أيام طفولته فيها ثمّ سافر إلى لاهور للدراسة وبقي فيها. لهذا السبب عُرف إقبال في إيران بإقبال اللاهوري بسبب إقامته الطويلة والممتدة في مدينة لاهور. يشير إقبال في أشعاره إلى كشمير كثيراً. ولم ينس أصالته التي هي من كشمير وكان يفتخر ويعتز بها.
الأوضاع الدينية في كشمير
المختصات الرئيسية للثقافة الدينية لسكان كشمير هي الاهتمام بالعرفان، والتوجه إلى وحدة الوجود والعقيدة بالكرامات وتقديس الأولياء، وتقديس القبور، والتفكير بالخرافات.
لا شك أنّ الشخصية الدينية لشعب تتألف ثقافته من عناصر بوذية وإيرانية عرفانية – لا شك بأنّ هذه الشخصية تتميز بماهية عرفانية. إنّ الظروف الجغرافية قد تكون لها الأثر في هذا الاتجاه وهذه الحالة العرفانية. فعروس الطبيعة تتمثل في وادي كشمير في أجمل حالاتها… هناك الجبال الشامخة الخضراء النضرة وعيون المياه الجميلة والبحيرات الخلاّبة والمروج التي تبعث الوجد والنشاط، كلّ هذه توجد حالة عرفانية في الإنسان. إنّ الإنسان يشاهد الجمال الإلهي قد انعكس على صفحة الطبيعة فالارتفاع في كشمير لا يقل عن خمسة آلاف قدم في كلّ مكان، والمنطقة مُصانة من حرارة الجو المهلكة في شمال الهند وزمهرير البرد في كركگيل ولاداخ. إنّ الحالة الجغرافية تؤثر ولا شك في حالة أفراد المجتمع النفسية. إنّ سكان كشمير هم في الأساس شعب محب للسلام متفائل بالنسبة لكل شيء وله ذوق عرفاني كبير.
إنّ النظرة العرفانية قد سببت في ازدهار عقيدة العبادة ووحدة الوجود. يقول الدكتور عزيز أحمد: «إذا تكلمنا مع كل واحد من أبناء منطقة كشمير، مسلماً كان أم هندوسياً، نشعر بوحدة الوجود في أنفسهم. لم أشاهد في كشمير قط برهمائياً هندوسياً يعتقد بالشرك وكثرة الآلهة. نظرتهم وحدانية، حتّى ديانة الهندوس لها حالة خاصة في كشمير. تنتشر في كشمير عقيدة (سيو). الظاهر أنّ هذه العقيدة مبنية على التثليث. وتتجلى حقيقة الإله في سيوَ وسكتى وانو ولكن في النهاية كل هذه الثلاثة تعتبر إلهاً واحداً. في بعض مدن كشمير يسمّون هؤلاء سيوَ، سكنى، نار وفي بعض المناطق الأخرى يسمّونهم بارآپار وپِرت پار.
يعتقد ب – ن – ك برزائي وهو أحد العلماء الأخصائيين بشؤون كشمير، يعتقد أنّ السبب في انتشار عقيدة سيوَ في كشمير هو الحالة الجغرافية الخاصة بهذه المقاطعة. إنّ كشمير مليئة بالجبال العالية الخضراء. وخلف هذه الجبال الشامخة تقع قمة هيمالايا المكسوة بالثلوج وفي الوديان العميقة تجري مياه نهر جهيلم، كلّ هذه تُنسب في أساطير الهندوس إلى سيوَ وزوجته پاروتي. وحسب أساطير الهندوس فإن سيوَ يعيش على قمم هذه الجبال وأن پاروتي التي تمثل الأنهار قد استقرّت في أحضانه. إنّ پاروتي هي رمز الجمال أيضاً وأنّ جمال الطبيعة في كشمير قد جعلت الهندوس يحسبون هذه الأرض بأنّها وطن پاروتي. الحالة بين المسلمين أيضاً تشبه هذه الحالة تماماً، أصحاب الفكر وعلماء كشمير الشعراء والأدباء جميعهم يعتقدون بوحدة الوجود. وهذا الأمر كان السبب في أن يحصل كل من شاه همذان السيد علي الهمذاني والمير شمس الدين وغيرهم في كشمير يحصلوا على قواعد ثابتة وقوية. إنّ المذهب الشيعي وما يتمتع فيه من العرفان قد انتشر في كشمير ولاقى القبول من جمهور الشعب، حب أهل البيت كان قوياً بين سكان كشمير. إنّ الشعراء في كشمير يتمتعون بحالة عرفانية قوية ونظرتهم جميعاً نحو وحدة الوجود. كشمير منطقة تصنع العرفان وفي كلّ عصر يوجد عرفاء بارزون.
لكن في نفس الوقت، فإنّ ديانة عامة سكان كشمير المسلمين ترتكز على الخرافات، ربما تكون هذه من نتائج الوضع والحالة الطبيعية في المنطقة التي دفعت الشعب نحو الخرافات. يقول الميرزا حيدر دوغلت في سنة 1550م في كتابه «التاريخ الرشيدي» إنّ كبار الصوفية والأولياء لهم السلطة على سكان كشمير وإن هؤلاء يكسبون أفراد الشعب نحوهم بكراماتهم([358]) المسلمون والهندوس مشتركون معاً في الميزات العامة للثقافة الدينية، وإنّ الصيغ والقوالب وحدها هي التي تختلف. الجانبان يعتقدان بالسحر، يقدسان الأولياء، يحبان الكرامات ويحبان الچمتكار (معجزة الناسكين). إنّ الهندوس يعبدون كل الجبال وكل الوديان ويعتبرونها ذات قدسية وينسبون إليها شتى أنواع الكرامات، والمسلمون أيضاً يقدسون المقابر والمراقد الخاصة بأولياء الله. إذا ذهبنا إلى مدينة جامو التي يعيش فيها الهندوس نشاهد في كلّ مكان معبداً مقدساً يتوافد عليه الزوار بصورة مزدحمة. وإذا ذهبنا إلى مدينة سرينگر التي يعيش فيها المسلمون نشاهد في كلّ محلة مقبرة أو مرقداً يتوافد عليه أفراد الشعب لزيارته.
ب – الأماكن المقدسة في كشمير
المكان المقدس أو المزار محل يتوافد عليه الأهالي لأداء التحية والاحترام. قد يكون هذا المكان المقدس أو المزار مرقداً لأحد أولياء الله أو بناية تُنسب إلى أحد الأنبياء أو الأئمة أو تحفظ فيه بركة دينية أو تمثالاً أو لوحة مذهبية. من ناحية علم الاجتماع فإنّ أي مكان يعتبره الناس مكان مقدساً ويتوافدون عليه لأداء بعض الأعمال والمناسك، يمكن تسميته مكاناً مقدساً أو مزاراً أو عتبة مقدسة. كل مدينة أو قرية في كشمير وجامو تكثر فيها المقابر والخانقاهات والتكايا والأماكن المقدسة. سجّل أبو الفضل، وزير ومستشار الإمبراطور أكبر الذي فتح كشمير، سجّل مائة وثلاثة عشر مكاناً مقدساً للمسلمين وسبعمائة معبداً للهندوس، ويقول حسن الكشميري المؤرخ القديم المعروف إنّ هناك مائتين وخمسين مكاناً مقدساً للمسلمين وهي مقابر ومراقد السادات، كما يذكر أنّ هناك أربعمائة وثمانية مقابر ومراقد للرشي وهم أولياء الله. والجدير بالذكر أنّ كلمة (رشي) مصطلح هندوسي يطلق على كلّ إنسان عارف حكيم ويطلق في كشمير على أولياء الله وكل عارف مسلم. وهذا خير دليل على أنّ الهندوس في كشمير اعتنقوا الإسلام بإيحاء من عرفان أولياء الله المسلمين الذين غالباً ما يكونون من أبناء الشيعة وحسب عادتهم القديمة بقيت التسمية (رشي) واستمرّت هذه العادة فيما بعد أيضاً. لهذا السبب يعتقد منظور الفاصلي أنّه بالرغم من أنّ الإسلام تمكن من اجتثاث الهندوسية من وادي جَهيلم (سرينگر وحواليها) إلاّ أنّ أبناء كشمير لم يتغيروا من ناحية شخصيتهم الدينية – الثقافية. الفارق الوحيد هو أنّ كشمير تحوّلت من (أرض الپارويتين) إلى (أرض الأولياء) ومن أرض آشرم إلى أرض الخانقاهات.
بعض الأماكن المقدسة المهمة
قُلنا إنّ من ميزات ثقافة الكشميريين احترام قبور الأولياء، ويقال إنّ أبناء كشمير يحترمون الميت أكثر من الحي. كما يعتقدون بمبدأ الشفاعة من الأولياء. حتّى أنّ الأجانب أمثال لارنس أدركوا أنّ أبناء كشمير جميعهم يقدسون الأولياء، فعندما تمرّ سيارة أجرة أمام مكان مقدس أو مرقد لأحد الأولياء فإنّ سائق السيارة المسلم، يفعل مثل ما يفعله الهندوس ويضع يداً فوق الأخرى تحية لهذا المرقد أو المزار. عندما يصل الإنسان الكشميري إلى عتبة المكان المقدس أو المرقد أو المزار يخلع حذاءه ويدفع شيئاً من وارده اليومي إلى سادن المكان ويرفع يديه بالدعاء كما يضع كمية من تراب العتبة المقدسة على رأسه ووجهه. وفي الماضي القديم كل من كان يمر أمام مكان مقدس وهو ممتط حصانه أو راكب عجلة أو أي شيء آخر ينزل إلى الأرض ويمشي تلك المسافة على قدميه. إنّ أبناء كشمير هم الوحيدون في العالم الإسلامي الذين يقدسون إضافة إلى مراقد الأولياء والعرفاء، يقدسون أشياء أخرى لهؤلاء الأولياء مثل شعر الرأس أو اللحية والعصا وما إلى ذلك كما يقدسون مقابر الشعراء والمعوقين.
إضافة إلى المراقد والمزارات الخاصة بقبور السادات والرشي، يتحدث حسن الكشميري عن مقبرة خمسين شيخاً وخمسة وثمانين شاعراً فارسياً، أصبحت جميعها أماكن مقدسة يزورها المسلمون. إضافة إلى ذلك توجد في كشمير عدة أماكن مقدسة يوجد فيها شَعْر الرسول الأكرم (ص) وشَعر كثير للسلالة القادرية سلالة عبد القادر الكيلاني (المدفون في بغداد) وسرج حصان ينسب إلى الإمام علي (عليه السلام). لقد اكتشف سكان كشمير الذين يقدسون المقابر ويعتقدون بالكرامات، اكتشوا وعثروا على قبور النبيين موسى وعيسى وبعض أنبياء بني إسرائيل. وتقع مقبرة النبي موسى في بوت، بندى پور ومقبرة السيد المسيح في زوايل خانيار (سرينگر).
أماكن الهندوس المقدسة
انتهى مكان مقدس للهندوس هو «غار أمرتاته» (كهف أمرتاته). ويمكن القول إنّ هذا المكان المقدس هو أكبر وأكثر أماكن الهندوس قدسية في جميع أنحاء الهند. هذا الكهف تاريخي وقديم جداً، وقد أشار إليه أوّل مؤرخ كشميري وهو (كلهانا) في كتابه (راج تزنگيني).
وحسب أساطير الهندوس أنّ الآلهة كانوا يلجؤون إلى هذا الكهف للصيانة من الموت. في شهري يوليو وأغسطس، وفي الليالي يجتمع مئات الآلاف من الهندوس من جميع أنحاء الهند لزيارة هذا الكهف. وفي اليوم الحادي عشر يبدأ الزوار مسيرة جبلية قاسية للوصول إلى هذا الكهف مئات الآلاف على شكل قوافل بينما يترنمون بالأناشيد الدينية خلال مسيرتهم الجبلية. وشوهد بعض الطاعنين في العمر وبعض النساء والأطفال يموتون خلال هذه المسيرة فيسلم الزوار جثثهم إلى النار ثمّ يتابعون المسيرة. إنّ هذا المشهد يذكرنا بمسيرة الآرايين الكبرى حيث تركوا موطنهم في وسط آسيا وتوجهوا إلى الهند وإيران والدول الأوروبية. أمّا النُسّاك فيلبسون نفس الملابس التي كان يرتديها الرشي في عهد (ويد) كما يردّدون عبارات ويد وأدعيته. تبدأ المسيرة من بلدة پهل گام بالقرب من سرينگر وبعد مرارة كبيرة تصل القوافل إلى قمة أمرناته العظيمة فيسيطر الصمت والسكوت على المكان حيث يشعر الإنسان بتجول الأرواح الطاهرة، وحيث يبدو للناظرين أنّ الكائنات الملكوتية تتجه نحو الكهف لجوءاً من الموت والهلاك.
من الأماكن المقدسة الأخرى للهندوس نذكر (كثرا) بالقرب من جامو ومعبد تول مول وخربا ولى، ترى سندهيا أو السند اجراري، تاكر في هندوارا، رده را سندهيا وسُك ناگ، پوَن سندهيا، سكت رشي، الينبوع المقدس في حكمت پورا، ننداون، شوبيان، كون تاگ، هرفكه، ديانيشور، مزو، سُويم، ينبوع تهرمل، تَسوهرناگ، هلدَر مناسايل.
ج – أماكن المسلمين المقدسة:
قلنا سابقاً إنّ كلّ محلة وبلدة وقرية من مناطق كشمير التي يسكنها المسلمون فيها مكان مقدس. وحسب إحصاءات سنة 1971، أنّ مائة وأربعة وثلاثين من هذه الأماكن لها أهميتها الخاصة ويتوافد إليها عدد ملحوظ من الزوار.
إنّ أغلب هذه الأماكن المقدسة تقع داخل المدن حيث إنّ العرفاء والمبشرين المسلمين الإيرانيين كانوا يذهبون إلى المناطق التي يزدحهم فيها السكان.
كما أنّ بعض النساك والمتقشفين كانوا يلجؤون إلى الجبال وعندما كانوا يموتون يدفنون هناك وتصبح قبورهم مزارات وأماكن مقدسة.
وتوزّع الأماكن المقدسة والمزارات في مختلف مدن كشمير حسب الآتي:
آتنت ناگ 33 مزاراً.
كل گام 33 مزاراً.
پهل گام 7 مزارات.
پل واما 6 مزارات.
شوبيان 3 مزارات.
ترال 11 مزاراً.
سرينگر 38 مزاراً.
باره مُولا 24 مزاراً.
المجموع: 155 مزاراً.
وهذه الإحصاءات هي الإحصاءات الحكومية لسنة 1971م. وهناك بعض المناطق والمقابر اكتسبت أهمية خاصة في الفترات الأخيرة وأنّ بعض العارفين الذين توفوا أخيراً أصبحت قبورهم مزارات جديدة، وفيما يلي نشير إلى أهمية هذه الأماكن المقدسة من الناحية التاريخية:
1 – حضرة بال:
ممّا لا شك فيه أنّ حضرة بال هو أكثر مزارات كشمير قبولاً لدى الأهالي.
ويقع هذا المزار على ارتفاع 5250 قدماً في الضفة الغربية من بحيرة دَل الجميلة في وسط مدينة سرينگر. إنّ قدسية هذا المكان هي بسبب وجود (الشعرات) المنسوبة إلى الرسول الأكرم (ص). يقال إنّه في عام 1111هـ تمّ نفي أحد سدنة حرم الرسول الأكرم من المدينة فذهب إلى الهند وأخذ هذه الشعرات معه وفي الهند تدهورت حالته المالية واضطر إلى بيع الشعرات المباركة بمائة ألف روبية إلى أحد التجار الكشميريين واسمه نور الدين، وعندما جاء نور الدين إلى سرينگر ومعه الأثر المبارك توافد مئات الآلاف من السكان لزيارة هذا الأثر. وتوفي الشعرات من الزائرين لكثرة الزحام وقد أهدى أحد أمراء كشمير المسمّى صادق خان بستانه للاحتفاظ بهذه الشعرات المقدسة. ومزار حضرة بال موجود في البستان. وبعد نور الدين قام كل من الشيخ محمد ثم بلاقي باندي بإدارة هذا المكان. وعدا هذا المكان المقدس في سرينگر توجد أربعة أماكن أخرى يحتفظ فيها بالشَعْرِ المنسوب إلى الرسول الأكرم. ويعتقد يوسف علي أنّ سكان كشمير تعلموا عادة تقديس الأشياء المباركة من البوذيين.
وبيان مدى قدسية وأهمية شعر الرسول الأكرم عند سكان كشمير نذكر أنّه في عام 1963م شاع في كشمير أنّ شعر الرسول سُرق من مزار حضرة بال، فاشتعلت كشمير والآلاف من السكان نزلوا إلى الشوارع وأضرموا النيران في البنايات الحكومية وأضرب الموظفون عن العمل واستشهد عدد من الأهالي في الاضطرابات العامة وعمّت الفوضى والاضطراب جميع أنحاء مقاطعة كشمير. وتحرّكت الأجهزة الحكومية بأمر مباشر من نهرو رئيس وزراء الهند وعثروا على الشعر المقدس وأعادوه إلى مزار حضرة بال. يقول (ملك) رئيس شرطة كشمير آنذاك في مذكراته «عندما تمّ العثور على الشعر المبارك، اتصلت هاتفياً برئيس الوزراء وعندما أخبرته بالعثور على الشعر المقدس قال جواهر لال نهرو متحمساً: «يا ملك أنت حفظت كشمير للهند». هذا الحادث دليل على قدسية هذا الأثر المبارك عند مسلمي كشمير.
وفي الحقيقة أصبح مزار حضرة بال منذ بداية القرن العشرين مركزاً لجميع النشاطات والفعاليات السياسية والاجتماعية وقاعدة لجميع الحركات المعادية للاستعمار والمعادية للحكومة.
بدأت حركة الاستقلال الوطنية في كشمير ضد حكومة دوگرا الذين كانوا يعتبرون عملاء الإنكليز من حضرة بال، وفي يوليو عام 1931م ألقى أحد الخطباء ويدعى عبد القادر دار خطبة ثورية في خانقاه المعلى وهو خانقاه المير السيد علي الهمذاني ضد حكام دوگرا والاستعمار البريطاني. فاعتقلت الحكومة عبد القادر ممّا أثار الرأي العام وألقى أحد قادة الطلبة الجامعيين الذي أصبح فيما بعد الزعيم الرئيسي لسكان كشمير وهو الشيخ عبدالله أوّل كلماته المعروفة في مزار حضرة بال ودعا الأهالي للتظاهر والانتفاضة على الحكومة وبدأت الانتفاضة. كان الشيخ عبدالله يلقي فيما بعد جميع خطاباته التاريخية في عتبة حضرة بال. والبناية الجديدة من الرخام تمّ إنشاؤها بواسطة الشيخ عبدالله عندما كان رئيساً للوزراء وبلغت تكاليف البناء 15 مليون روبية وتمّ الإنجاز خلال عشرة أعوام. وما زال مزار حضرة بال يحتفظ بموقعه السياسي والاجتماعي. وفيه القاعدة الرئيسية لحركات وانتفاضات سكان كشمير وتعقد فيه الاجتماعات بصورة متكررة وتقام صلاة الجمعة في هذا المكان وكثيراً ما تتحول إلى اضطرابات على حكومة الهند المركزية. وقد أقامت الحكومة الهندية مؤخراً مقراً للقوات العسكرية داخل المزار. وقبل مدّة وفي هجوم قامت به القوات العسكرية اشتعلت النيران في مكتبة المزار ومن الكتب التي احترقت ضمن المخطوطات النادرة، مصحف كبير جداً بخط الإمبراطور أورنگ زيب ممّا أدّى إلى غضب الشعب الكشميري.
يحتفظ الشعر المبارك للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في حضرة بال في صندوق زجاجي ويعرض للمشاهدين والزائرين في المواسم التالية:
1 – مولد النبي (12 و13 ربيع الأول ويوم الجمعة التي تليه).
2 – ذكرى المعراج (27 و28 رجب والجمعة التي تليها).
3 _ يوم ميلاد الخلفاء الراشدين ويجتمع في هذا المزار في هذه المواسم حوالي نصف مليون نسمة.
2 – مزار دستـگير صاحب:
ثاني أهم مزارات كشمير هو مزار دستگير صاحب ويقع في محلة خانيار في سرينگر وينسب إلى أحد كبار الصوفية وهو الشيخ عبد القادر الكيلاني المدفون في بغداد.
يقال إن شعرة من لحية هذا العارف محفوظة في هذه البقعة. ويطلقون في كشمير على الشيخ عبد القادر الكيلاني (شيخ دستگير) ويكن الأهالي له احتراماً خاصاً. والمعروف أنّ أحد السائحين الأفغان جاء بشعرة من لحية عبد القادر إلى سرينگر في سنة 1802م وقدمها إلى حاكم كشمير السردار عبدالله خان.
يقع هذا المزار إلى جانب طريق سرينگر – كرگل – لببه، وتقام احتفالات سنوية في اليوم الحادي عشر من ربيع الثاني حيث يجتمع مئات الآلاف من أهالي كشمير. والمراسم تبدأ منذ اليوم الأوّل من شهر ربيع الأول وتستمر حتّى الرابع عشر من شهر ربيع الثاني. تقام خلال هذه الفترة مجالس السماع والذكر.
ويتوافد الأهالي إلى هذا المكان جماعات جماعات كل يوم صباحاً ومساءً وتقام صلاة الصبح وصلاة المغرب بأبهة وجلال. ويبلغ عدد الحاضرين في اليوم الحادي عشر من شهر ربيع الثاني أكثر من مائة ألف نسمة وقد يصل إلى نصف مليون شخص. وفي الآونة الأخيرة تحول هذا المزار إلى قاعدة للحركات المعادية للحكومة. ومن أسباب ذلك أنّ المكان يقع في إحدى المحلات القديمة من خانيار.
3 – خانقاه معلى:
ثالث أكبر مزارات المسلمين في كشمير هو خانقاه معلى الذي يُنسب إلى شاه همذان المير السيد علي الهمذاني. ولهذا المزار مسجد كبير وهو يقع في الضفة اليمنى من نهر جهيلم ويبعد عن مركز سرينگر أي لال چوك حوالي أربعة كيلومترات. يقال إنّ شاه همذان أضرم النار في كمية كبيرة من الزنانير التي كان الهندوس يعلقونها حول أعناقهم في هذا المكان. وكان الهندوس الذين أسلموا على يده قد ألقوا بهذه الزنانير جانباً. ويُحتفظ في خانقاه معلى بما يقال إنّه بعض الأشياء المباركة منها: راية رسول الله، وعمود من الشخب يقال إن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يتكئ عليه في المسجد. وتوجد في المسجد غرفة صغيرة معروفة كان شاه همذان المير السيد علي يقوم فيها بالذكر والمكاشفة والمراقبة والتفكّر. وكان المسجد فيما مضى مندراً أي معبداً للهندوس وعندما أسلم جميع الكهنة والبراهمة فيه حول المعبد إلى مسجد.
تقام الاحتفالات السنوية فيه يوم السادس من ذي الحجة من كل عام وهو يوم ميلاد السيد علي الهمذاني ويشترك في الاحتفالات الآلاف من سكان كشمير وتستمر الاحتفالات لمدّة ستة أيام منذ اليوم الأول من شهر ذي الحجة وتبلغ ذروتها في السادس منه.
4 – چراري شريف:
چراري مدينة صغيرة تقع على مسافة 35 كيلومتراً جنوب سرينگر. ويعتبر أهالي كشمير مزار چراري شريف مكاناً مقدساً كبيراً، وهو مدفن عارف كشمير الكبير الشيخ نور الدين الذي يحترمه المسلمون والهندوس كثيراً. ويسمّيه الكشميريون المسلمون شيخ العالم ويسمّيه الهندوس «نندرشي».
وُلد الشيخ في سنة 1377م وتوفي في عهد السلطان زين العابدين. وما ينسب له من كرامات ودرجة روحية هو السبب في انتشار ذكره في بقية مناطق كشمير وانضمام مئات الآلاف إلى أنصاره. إنّ شعبية هذا الشيخ في كشمير حملت أحد الحكام الأفغان في كشمير سنة 1223هـ أن يضرب نقوداً باسمه ولم يسبق في تاريخ العالم ضرب نقد باسم أحد الدراويش والعارفين. وهذا دليل على اهتمام سكان كشمير بتقدير الأولياء والتوجه نحو العرفان.
وتقام احتفالات هذا العارف الشهير في شهر ديسمبر حيث يعرض في هذا الزمان على الزائرين حذاءه الخشبي وعصاه فيقبل الناس على تقبيلهما بشوق وإخلاص.
5 – مزار الشاه زين الدين:
يقع هذا المزار في عيش مقان على مسافة أربعة وسبعين كيلومتراً شرق مدينة سرينگر، كان الشيخ زين الدين تلميذاً للشيخ نور الدين وخليفته. ويقال إنه كان من الأمراء السيخ ثمّ اعتنق الإسلام وارتقى إلى مناصب عرفانية عالية.
6 – مزار إسلام آباد:
يقع هذا المزار على مسافة 54 كيلومتراً جنوب سرينگر في وسط بلدة إسلام آباد. وهو مرقد أحد علماء كشمير المسلمين المعروفين ويعرفه المسلمون باسم (بابا حيدر) ويعرفه الهندوس باسم (هردى رشي) ويُعرف باسم (رشي مولى). هذا خير دليل على أنّ شخصية هذا العارف الروحي قد جاوزت المذهب والطائفة. إنّ أنصار جميع الفرق حيث يتجهون نحو الوحدة بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، حيدر يصبح بين الهندوس (هردياً) و(رشي) كلمة من الثقافة الهندوسية، ومولى كلمة من الثقافة الإسلامية، ورشي مول كلمة مزدوجة مركبة من الثقافتين ما يؤكد أنّ المسلك الذي يسلكه أحد العارفين يُبدل الفرق بالوحدة والاتحاد. كان حيدر بابا من ضمن أنصار ومؤيدي حمزة مخدوم. كان حداداً وارتقى إلى درجة العرفان العالية، ويقال إنه لم يأكل في حياته سوى الخضروات ويعتقد أهالي كشمير أنّه إذا زار أحد قبره وكان قد تناول اللحم يصاب بمرض ولهذا فإنّ جميع الذين يشاركون في احتفالات هذا العارف في الخامس عشر من ديسمبر يجتنبون تناول اللحم قبل أسبوع. وتوجد في مزاره قبور مئات من أنصاره.
7 – مزار مخدوم صاحب:
يقع هذا المزار بجنوب شرقي (هري پريت) في مدينة سرينگر ويرتفع حوالي ألف قدم عن سطح الأرض. دُفن في هذا المزار حضرة مخدوم حمزة (1394-1476م) وهو من كبار رجال التصوّف في كشمير. ويوجد قبر بابا داود من أنصار الشيخ في هذا المكان أيضاً. المزار يحتوي على غرفة يُقال إنّها كانت غرفة عبادة الشيخ. وقد تمّ تأسيس بناية الخانقاه في عهد النواب عناية الله خان الحاكم في سنة 1713م وكان الشيخ حمزة نظير شاه همذان في دعوة مئات الآلاف من أهالي كشمير إلى الإسلام.
تقام الاحتفالات السنوية في 24 من شهر المحرم ويشترك فيها الآلاف من سكان سرينگر وضواحيها، ويعتبر هذا الاجتماع الثالث من نوعه بعد اجتماع حضرة بال وجرار.
8 – حضرة نقشبند صاحب:
يُنسب هذا المزار إلى عارف بخارى المعروف الخواجة السيد بهاء الدين النقشبندي، مؤسس السلالة النقشبندية. لم يسافر هذا العارف إلى كشمير أبداً ولكن الكثيرين من أنصاره ومؤيديه وكبار سلالته العرفانية وصلوا إلى كشمير وكانت لهم نشاطات ملحوظة. أحدهم الخواجة معين الدين المدفون في هذا المزار. وقد دُفن شهداء حرب استقلال كشمير ضد راجوات دوگرا والمستعمرين الإنكليز في صحن هذا المزار.
في الثالث عشر من شهر يوليو من كل عام تقام الذكرى السنوية لشهداء حرب التحرير. ويحضرها الكثير من الأهالي. وقد تحول الاجتماع مؤخراً إلى معارضة الحكومة الهندية وأصبحت له صفة سياسية.
9 – شاه عيشان صاحب:
هذا المزار هو في الحقيقة مقبرة الشيخ يعقوب الصرفي أحد كبار علماء كشمير الذي كان قد لعب دوراً رئيسياً في سقوط حكومة چك الشيعية ودعوة المغول التيموريين لاحتلال كشمير. وقد أصبحت مقبرته مزاراً يزوره حوالي ألفين من أنصاره في الثاني عشر من ذي القعدة من كل عام.
10 – باب ماتو صاحب:
يقع المزار على مسافة كيلومترين جنوب غربي سرينگر. دُفن فيه الشيخ داود خليفة الشيخ مخدوم حمزة. وكان الشيخ داود أحد تلاميذ الشيخ حمزة وكان فلاحاً مزارعاً ارتقى إلى مناصب عرفانية عالية بعد أن أمضى مراحل السير والسلوك. يقال إنّه كان يوزّع بين الأهالي نوعاً من الأرز يسمّى بَت ولهذا سُمّي «بتا ماتو بابا» ومعناه «حضرة موزّع الأرز» يجتمع في ذكراه السنوية الآلاف من أنصاره ومؤيديه.
11 – مزار گلفام:
گلفام مدينة على مسافة ثمانية وستين كيلومتراً جنوب (سرينگر) وعلى مسافة عشرين كيلومتراً من (آننت ناگ) دفن فيها السيد حسين السمناني، أحد كبار السادات السبزواريين كان قد هاجر من إيران خلال فترة هجوم تيمور على إيران ووصل إلى كشمير عبر أفغانستان وعُرف في كشمير بين الأهالي بأنّه عالم روحي كبير وبعد وفاته أصبحت مقبرته مزاراً للناس. تقام ذكراه السنوية في الثالث عشر من شهر كرتبك (حسب التقويم المحلي) فيجتمع أهالي القرى المجاورة وتقام سوق كبيرة في أطراف مزاره.
12 – پج بَهارا:
پج بهارا مدينة على مسافة خمسة وأربعين كيلومتراً جنوب شرقي سرينگر.
يوجد مزار في وسط المدينة دفن فيه بابا نصيب الدين أحد النُسّاك المسلمين الذي كان قد وقف حياته لمساعدة الفقراء والمعوزين ولقب بـ (أبي الفقراء). تقام ذكراه في الثالث عشر من شهر حَر (حسب التقويم المحلي).
13 – مزاره گاه ترال:
بلدة (ترال) تقع على مسافة خمسة وأربعين كيلومتراً جنوب شرقي سرينگر. كان للمير السيد محمد الهمذاني نجل وخليفة شاه همذان المير السيد علي الهمذاني غرفة هنا يقوم فيها بنشاطاته الإعلامية والتبشيرية. ويعرف هذا المزار أيضاً بخانقاه معلى. يقام في هذه الخانقاه احتفالان كبيران: الأول في السادس من شهر ذي الحجة والثاني في السابع عشر من شهر ربيع الأوّل يشترك فيهما الآلاف من أهالي آننت ناگ وپل واما.
14 – پمپور شريف:
دفن في هذا المزار الخواجه مسعود الذي تنسب إليه الكرامات الكثيرة. توفي سنة 1021 وتقام احتفالات في الخامس من شهر صفر وكان معروفاً بـ بابا صاحب المازح.
15 – مزار جنباز ولي:
يقع مزار حضرة جانباز ولي في الضفة اليسرى من نهر جهيلم في مدينة (باره مولا) التي تبعد ستة وخمسين كيلومتراً عن مدينة سرينگر. هذا المزار مقبول من الأهالي أكثر من غيره من المزارات. وكان جانباز ولي لقب السيد يوسف الذي كان عارفاً جازف بحياته حين النُسُك مراراً ولهذا اشتهر بـ شاه جانباز قلندر. يذكر أنّه توجد في الهند طائفتان من الصوفية إحداهما من أهالي (سكراند) لا يلتزمون بأصول الشريعة كما أنّهم يزاولون أعمال الهندوس ولهذا يسمّون «قلندر» والظاهر أنّ السيد يوسف كان من هؤلاء.
الاحتفال السنوي بذكراه يقام في شهر ربيع الأول.
16 – مزار رشي صاحب:
أطراف هذا مناظر طبيعية خلابة قلّما يوجد مثلها في العالم. ويقع المزار في قرية ركن التي تبعد خمسة وأربعين كيلومتراً عن سرينگر. وتقع قرية ركن على ارتفاع 7000 قدم من سطح البحر. رشي صاحب هو لقب بابا پيام الدين أحد أنصار الشيخ زين الدين. يقال إنّ پام الدين كان من أسرة نبيلة إلاّ أنّه ترك حياة الترف واختار السير والسلوك وعرف بأنّه عارف متواضع. خصصت أطراف هذا المزار غُرفاً وخياماً للزوار ممّا جعل من مزار رشي صاحب مركزاً سياحياً. وخلال فترة الاحتفال السنوي في شهر ديسمبر، تقدم وجبات الطعام مجاناً للزائرين كما أنّ الإقامة تكون مجانية.
توفي بابا پام الدين سنة 1474م. وزوار هذا المزار هم من المسلمين والهندوس.
17 – خانقاه شاه قلندر:
يقع الخانقاه في قرية (وَت تالار) في (گندربل). دفن في هذا المزار أحد النساك المعروف بـ (شاه قلندر). ويقال إنّه كان ملتزماً بالشريعة ولكنه كان يستعمل الأفيون والترياك. تقام الاحتفالات السنوية(بذكراه) في شهر ذي القعدة.
د – المدارس الدينية في كشمير:
منذ بدء العهد الإسلامي في كشمير تأسست المدارس وأول مدرسة أسست هناك سميت (مدرسة القرآن). أسس هذه المدرسة السلطان شهاب الدين بطلب من شاه همذان السيد علي الهمذاني وكثير من علماء الشيعة والسنة البارزين وبينهم الشيخ سليمان الذي سُمي بإمام القرّاء الذين تخرجوا من هذه المدرسة.
عدا هذه المدرسة فإنّ شاه همذان السيد علي الهمذاني أسس مجموعة من المدارس ومكاتب القرآن في جميع أنحاء كشمير وعن طريق هذه المدارس قام بتربية العديد من المبشّرين حيث وسّع دائرة الإسلام بواسطتهم في جميع أنحاء كشمير.
من أهم المدارس: المدرسة القطبية التي أسسها السلطان قطب الدين وكان أوّل رئيس لها الحاج محمد فاروق. كانت المدرسة حتى في عهد حكومة السيخ من كبريات مدارس كشمير. ترأسها في عهد جهانگير الملا جوهر ناته وكان حسب الظاهر من البراهمة الهندوس الذين أسلموا. وكان الملا محسن فاني الشاعر والحكيم الكشميري المعروف قد درّس في هذه المدرسة ومن أهم خريجها نذكر أسماء الشيخ رحمة الله ترابلي والملا طاهر غني ومحمد زمان نافع وخواجة قاسم ترمندي وغيرهم. كما أسس السلطان سكندر مدرسة أخرى بالقرب من المسجد الجامع اشتهرت باسم مدرسة المسجد الجامع، كان من أهم مدرسيها الملا محمد خشني. كما درّس فيها السيد حسين المنطقي أستاذ المنطق المعروف.
وفي عهد حكومة السلطان زين العابدين أسست في مدينة نوشهره أوّل جامعة باسم «دار العلوم». وكان الملا كبير النحوي أول رئيس لهذه الجامعة كما كان يتولى منصب شيخ الإسلام ومن أهم أساتذة هذه الجامعة نذكر أسماء الملا أحمد الكاشميري والملا حافظ البغدادي الملا پارسا البخاري والملا جمال الدين حوازي والمير علي البخاري والملا يوسف رشيدي.
في عهد السلطان جهانگير أسست مدرسة الملا حيدر العلامة في محلة كجواره بالقرب من حديقة شاعرواري. وفي عهد شاه جهان أسس الخواجة خواند محمود النقشبندي مدرسة خواجگان، وكانت تقع في محلة خواجة بازار بالقرب من خانقاه فيض پناه وكان الملاح حقداد البدخشاني رئيساً لها وتأسست في سنة 1125هـ (1713م) مدرسة المنصورتحت إشراف النواب عنايت خان وكان أوّل رئيس لها الآخوند محمد سليمان كله.
وتأسست في الآونة الأخيرة مدارس دينية كثيرة نذكر منها جامعة سرينگر التي تقع بجوار مزار حضرة بال وهي تشرف على بحيرة دَل الجميلة. وتضم هذه الجامعة العديد من الكليات منها كلية الإلهيات وكلية الأدب الفارسي.
هـ – عدد من علماء كشمير وأدبائها:
عدا العرفاء وأقطاب الصوفية المعروفين أمثال الشيخ نور الدين وشاه همذان المير السيد علي الهمذاني، ظهر في كشمير العديد من العلماء والفقهاء والمحدثين والمؤرخين البارزين. لقد أشرنا إلى أحوال العلماء الشيعة في الفصل الأول وفيما يلي نذكر عدداً من العلماء والكتّاب.
أشهر مؤرخ في كشمير هو الميرزا حيدر دوغلت مؤلف كتاب تاريخ الرشيدي المعروف: لم يكن الميرزا حيدر كشميرياً ولكن ألف كتابه هذا خلال فترة إقامته في كشمير. وكتب الملا صفي الدين الأردبيلي كتاباً في تفسير القرآن وهو الذي ترجم تفسير الفخر الرازي إلى اللغة الفارسية بإشراف من السيدة العالمة زيب النساء ابنة أورنگ وسمّاه زيب التفاسير. وهذا الكتاب نادر لم يتقدم أحد لإعادة طبعه ومن كبار أصحاب التفسير في كشمير الشيخ يعقوب الصرفي. وكان في الحقيقة واحداً من أكبر علماء عصره.
ولد الشيخ يعقوب صرفي سنة 928هـ (1521م) وتابع دراسته الدينية في كشمير ثمّ توجه إلى الحجاز حيث درس علم الحديث في مكة لدى ابن حجر العسقلاني. كما تعلم آثار ابن العربي ولهذا أصبح جامعاً لجميع العلوم الظاهرة والباطنة. وفي الهند حضر دروس العارف الكبير الشيخ سليم چشتي الذي يقع مزاره في فتحپو سيكرى آگرا للشيخ يعقوب الصرفي مؤلفات كثيرة وكان ينظم الأشعار باللغة الفارسية ونظم كتاباً على غرار خمسة النظامي وكان أستاذاً للشيخ أحمد السرهندي المعروف في الهند باسم مجدد الألف الثاني.
الملا محسن فاني
وكتاب «دبستان مذاهب» أي (مدرسة المذاهب)
من العلماء أيضاً الملا محمد محسن فاني الشاعر المعروف. لم تُعرف سنة ميلاده إلاّ أنّ وفاته كانت سنة 1082هـ (1671م). بعد إنهاء دراسته المبدئية سافر إلى خارج كشمير وفي مدينة بلخ تعلم العلوم الدينية على يد علماء ومحدثين بارزين. وبعد عودته إلى الهند أصبح موظفاً في الجهاز الحكومي ولكن غضب عليه السلطان شاه جهان وعُزل من مناصبه الحكومية فعاد إلى كشمير وكتب مؤلفه المعروف دبستان مذاهب (مدرسة المذاهب). ويشتمل على اثني عشر فصلاً كما يلي:
1 – دراسة الدين الزرادشتي.
2 – الشريعة الهندوسية.
3 – شريعة التبت والصين.
4 – الدين اليهودي.
5 – المسيحية.
6 – الإسلام.
7 – الصابئون.
8 – الموحدون.
9 – الضوئيون.
10 – الإلهيون.
11 – الفلاسفة.
12 – الصوفية.
وبما أنّه كان من أهم الكتب في موضوع الأديان (بعد كتاب الملل والنحل) فقد رحب به المستشرقون وتمت ترجمته إلى عدّة لغات أوروبية منها ترجمة تروير (Troyer). ويشك بعض أصحاب الفكر والعقيدة الغربيين بأن يكون الملا محسن فاني الكشميري هو مؤلف هذا الكتاب والسبب أنّ الكتاب يشيد بالأديان الأخرى ويحتملون أنّه قد يكون مؤلف هذا الكتاب كاتباً غير مسلم. إلاّ أن گلادوين (Gladwin) والسير ويليام جونز (William Jones) وتروير (Troyer) يؤكدون أنّه من مؤلفات الملا محسن فاني. إنّ التحقيق في عقائد أديان التبت ومذاهبها يؤكد أنّ مؤلف الكتاب هو كشميري لأنّه كانت تربط التبت بكشمير علاقات مباشرة أي أنّ سرينگر كانت في الحقيقة بوابة لاداخ والتبت. إنّ نظرة الكاتب الليبرالية حول الأديان ناجمة عن النفسية التي كانت موجودة في ذلك العصر. ففي عهد الإمبراطور أكبر، كان البلاط المغولي يشجع التقريب بين الأديان وخاصة الدين الإسلامي والأديان الهندية. وقد بلغ هذا الأسلوب ذروته في بلاط داراشكوه. كان الملا محسن فاني أحد رجال حكومة شاه جهان ويمكن أن يكون أقام علاقات مع داراشكوه، وألف هذا الكتاب حسب عقيدة هذا الأمير. ويشير الخواجة أعظم (المتوفى سنة 1179هـ/1765م) صاحب كتاب التاريخ الأعظمي في كتابه إلى عبارة تؤكد أنّ مؤلف كتاب «مدرسة المذاهب» هو الملا محسن فاني، حيث يقول: «قام الملا محسن فاني بعد تكميل دراساته في العلوم العقلية والنقلية بالتجول في جميع أنحاء الهند وتعرف على مختلف شعوبها ودرس وحقق وناقش حالات المذاهب والملل بصورة جيدة ثمّ ألّف كتاب مدرسة المذاهب. ثمّ يضيف الخواجة أعظم قائلاً: إنّ فاني كان قد ندم في آخر حياته عن إشادته بالأديان غير الإسلامية. ويقول أعظم: «يقولون إنّه كان يعتقد في البداية بحرية المذاهب ويؤكد على السلام مع جميع الشعوب وكان يدعم مذاهب الحكماء إلاّ أنه وفي آخر أيام حياته توجّه إلى حضرة ميان أمين دار وتاب عن أوهامه الباطلة وكان حتى وفاته يبكي ويتوب ويستغفر».
و – دور النساء في ثقافة كشمير
كان للنساء دور كبير في إنشاء وتكوين الثقافة الإسلامية في كشمير. والحقيقة أنّ النساء في كشمير وخلافاً لبقية مناطق العالم الإسلامي لم يهجرن الساحة الاجتماعية وكنّ إلى جانب بعولتهن وآبائهن يقمن بنشاطاتهن الاقتصادية وحتى القتالية والسياسية. وكانت النساء متواجدات في ساحة العلم والعرفان.
1 – لَلّه عارفة:
أشهر النساء في تاريخ كشمير هي السيدة لَلّه عارفة. إنّ كلامها وأقوالها وأشعارها في ثقافة كشمير معروفة، أصبحت من الأمثال والحكم. السيدة لَلّه عارفة محبوبة لدى المسلمين والهندوس في كشمير. ويدّعي الهندوس أنّها هندوسية بينما يعرفها المسلمون بأنّها مسلمة، الحقيقة أنّها كانت تعيش في عالم روحي محبوب لدى الجميع، لا شك أنّها كانت في البداية من عائلة هندوسية ولكنّها أسلمت على يد شاه همذان المير السيد علي الهمذاني وتركت عقيدتها السابقة.
ولدت لَلّه عارفة في عهد السلطان علاء الدين في بندر تهن وتزوجت في ريعان شبابها ولكنها كانت تعاني العذاب والأذى في بيت زوجها وكان زوجها يعذبها كثيراً وفي أحد الأيام هربت من بيت زوجها في حالة جنون: خلعت ملابسها ونزلت إلى الشوارع عارية ورغم شبابها لم يتجرأ أحد من الاقتراب منها، كانت قد تشكلت حولها هالة من العظمة الروحية. ورغم عدم دراستها إلاّ أنّ أقوالها وكلماتها وعباراتها الحكيمة قد حيّرت العلماء والناس جميعاً كانوا يخاطبونها بالأخت أو الأم وإذا تجرأ أحد وقال لها تحجبي، تقول رداً عليه، لا أحد في هذا الديار رجلاً حتّى أتحجب ويقال إنّه في يوم من الأيام شاهدت من بعيد شاه همذان المير السيد علي الهمذاني، وما أن رأته حتّى صرخت بصوت عالٍ ثمّ هربت وهي تقول اليوم شاهدت رجلاً. وارتدت ملابسها وتحجبت. توفيت لَلّه عارفة وهي متقدمة في العمر في بلدة بَج بهاره. وطبعت أشعارها في ديوان وأكثرها بلغة أهالي كشمير. أشعارها في الغالب حول وحدة الوجود وفلسفة أوپانشد ويعتقد المسلمون في كشمير أنّ أشعارها تعود إلى فترة قبل قبولها الإسلام. وترجم كل من گيرسن (Gierson) وبارنت (Barent) أقوالها إلى اللغة الإنكليزية وطبعت في إنكلترا. إنّ لَلّه عارفة من الخالدات إلى جانب رابعة العدوية وبقية النساء العالمات.
وفي الديانة الهندوسية في الهند يوجد ميراجى وهو أكبر عارف هندي ويمكن وضع لَلّه عارفة إلى جانب ميراجى. إنّها هي أكبر عارفة بين النساء في الهند.
2 – تاج خاتون:
ثاني امرأة معروفة في تاريخ كشمير هي تاج خاتون. ابنة السيد حسن قائد السلطان شهاب الدين. كان السيد حسن من سادات بيهق سبزوار ومن أمراء الشيعة في البلاط. أكملت تاج خاتون دراساتها الدينية العالية في الفقه والفلسفة. ويقال إنّها بلغت درجة الاجتهاد، ثمّ تزوجها السيد محمد الهمذاني ابن المير السيد علي الهمذاني. وتحت إشراف شاه همذان والمير السيد محمد زاولت النُسك. اشتهرت في كشمير بأنّها من النساء العارفات المعروفات.
3 – الملكة حوره:
حوره هي ملكة السلطان شهاب الدين ووالدة السلطان اسكندر محطم الأصنام. لعبت الملكة حوره دوراً سياسياً هاماً في تاريخ كشمير، وعندما توفي السلطان شهاب الدين، كان اسكندر شاباً فتسلمت الملكة اللائقة والجديرة زمام السلطة وإدارة البلاد بتدبيرها وذكائها وسياستها، وكانت تدير دفة الوطن بدقة.
وعندما عرفت أنّ صهرها وابنتها يتآمران على ابنها ألقت بهما في السجن. كانت الملكة حوره من أنصار شاه همذان وكانت تحضر جلساته واجتماعاته.
4 – بيگم سومرو أو سومبر:
كانت السيدة بيگم زيب النساء أو فرزانة بيگم المعروفة باسم بيگم سومرو أو بيگم سومبر (Somber) من النساء السياسيات في كشمير. كانت قائدة مقاتلة وشجاعة عرفها الأوروبيون بأنّها خاتون أساطيرية.
هاجرت فرزانة بيگم في شبابها من كشمير إلى دلهي، وأعجبت كفاءتها وشجاعتها ملك دلهي فوهب لها بعض الأراضي في ضواحي دلهي فأصبحت سيدة جاگردار (أي صاحبة أملاك وأراضي في المنطقة) وكان يحق لهؤلاء (الجاگرِدار) إدارة أراضيهم وتشكيل قوة عسكرية صغيرة لهم. وكلما احتاجت الحكومة المركزية إلى العون والمساعدة يوفدون قواتهم إلى الحكومة. فشاركت فرزانة بيگم في عدة عمليات حربية برفقة قواتها وكسبت بشجاعتها وبسالتها وقوتها قلب ملك دلهي. وبهذا ازدادت هيمنتها السياسية. كانت منذ البداية امرأة عصرية تسير في مقدمة قواتها وهي مرتدية الزي العسكري ولم تكن ملتزمة كثيراً بالقيود المذهبية والاجتماعية. وكان بين أفراد قواتها عدد من الضباط الأوروبيين يعملون مستشارين لها. وقد تكون قد غيّرت في هذه الفترة دينها وقبلت المسيحية. على أي حال تضامنت مع الإنكليز وتزوجت ضابطاً أوروبياً يسمّى سومبر (Somber) ممّا ساعده على تعزيز موقف الإنكليز بشمال الهند. ولعل هذا هو السبب في أن يعتبرها المؤرخون الأوروبيون بطلة أسطورية. يقول الكابتن مندي (Captain Mandi) في مذكراته، «كانت البيگم سومرو بطلة قوية ولو كانت موجودة في أوروبا لاشتهرت كما اشتهرت جان دارك. إنّ كل لحظة أو حادث في حياتها يمكن أن يصبح فيلماً سينمائياً. كل من كان معها في ساحة القتال وشاهد بطولتها وبسالتها وفطنتها أو شاهدها والسيف في يدها تتقدم المقاتلين أو شاهدها كيف تخوض الحرب يؤيد أقوالنا هذه.
رغم أن بيگم سومبرو خانت الهند إلاّ أنّ الأدلة تشير إلى أنّها من النساء البارزات في التاريخ. كان مركز أملاكها وأراضيها يقع في سردهانه بالقرب من دلهي وكانت مناطق ميرته واگرا وغيرها تحت سلطتها. لم تكن من العائلة المالكة بل كانت ملاّكة ولكن كما يقول صوفي في كتاب تاريخ الثقافة الإسلامية في كشمير إنّها كانت قوية جداً بحيث إذا كانت قد نفذت اقتراح غلام قادر روهيله على الهجوم على ملك دلهي، فقد أصبحت ملكة أو حاكمة عامة على الهند. وما زال قصرها في (ميرته) معروفاً باسم بيگم كوتهى.
توفيت البيگم سومرو في سنة 1836م أي قبل واحد وعشرين سنة من انهيار الإمبراطورية في الهند واحتلال الإنكليز للهند. كان عمرها آنذاك تسعين عاماً([359]).
الشيعة في كرگـيل ولاداخ
أ – مدخل:
تشتمل لاداخ على ناحيتين: ناحية (له) وناحية (كرگيل). أمّا ناحية (له) فيسكنها البوذيون. وناحية (كرگيل) يعيش فيها الشيعة. وفي سنة 1979 أصبحت هاتان الناحيتان على شكل حكومة مستقلة تابعتين لمقاطعة كشمير. تشتمل ناحية كرگيل على وادي زنكر (Zanskar) دراس (Dras) وپورك (Purig) وتمتد حدود كرگيل من منعطف فاتولا إلى الشمال وتضم سوده علاقة أيضاً أما (يروك پا) التي يعيش فيها البوذيون فهي تابعة لحكومة كرگيل. وأما المنطقة التي تقع بعد منعطف (نامى كالا) فهي تابعة لإدارة (له) ومركز هذه الناحية هو مدينة (له) عاصمة لاداخ. وتبلغ مساحة مناطق لاداخ 98,000 كيلومتراً مربعاً وعدد سكانها حسب إحصاء عام 1981 بلغ ثلاثة عشر مليوناً وخمسمائة ألف نسمة (أي في كل كيلومتر مربع واحد يعيش شخصان). إلاّ أنّ أغلبية مناطق هاتين الناحيتين غير صالحة للإقامة وتشتمل على مناطق جبلية وسلسلة جبال هيمالايا وفي حرب عام 1962 احتلت الصين حوالي 37,500 كيلومتراً مربعاً من الأراضي المتاخمة للصين وتينگ زي تهانگ ولكن كون هذه الأراضي تقع في مناطق مرتفعة جداً وغير صالحة للإقامة فإنّ الهند ما اهتمت بذلك. أمّا بالنسبة للصين فلسبب أنّها تربط سنگيانگ بالصين فلها أهمية استراتيجية كبيرة. إنّ عدد السكان في الهضبات حوالي 525 شخصاً في كل كيلومتر مربع واحد.
ونسبة ازدياد النفوس في لاداخ هي 66 بالمائة ولكن هذه النسبة في كرگيل أكثر من ذلك. من أسباب قلة النفوس في المناطق التي يعيش فيها البوذيون في هذه المناطق هو أنّ سبعة بالمائة من مجموع البوذيين يعيشون رهباناً أو راهبات ويمتنعون عن الزواج هذا وبسبب البرد القارص وصعوبة الحياة فإنّ الكثير من الأطفال يموتون. وعلى العكس من ذلك ففي المناطق التي يعيش فيها الشيعة في كرگيل تتعدد الزوجات.
العنصر اللاداخي خليط من عناصر مختلفة أهمها التبتيون والدرد والكشميريون أما الكرگليين وسكان بلتستان فهم من الشيعة. وفيهم بعض خصائص العنصر التبتي، أمّا العنصر الكشميري والدردستاني والإيراني فظاهران بينهم. والحقيقة أنّه كلّما ابتعدنا عن الحدود الصينية وتوجهنا من الغرب نحو كشمير فإنّ الآثار الفيزيولوجية وكذلك الثقافة التبتية تقل. إنّ سكان پورگ وبينهم الكركليون يعتبرون غير تبتيين. وفي دراس وواهند توجد ميزات العنصر الدردستاني أكثر، لا في الشكل والهيكل فقط بل في اللغات الدردستانية أيضاً هذا دليل على صلتهم بالدردستانيين.
إنّ أنقى لهجة دردستانية تسمّى (شينا) ويتكلم بها أهالي گلگيت([360]) الشيعة. كانت گيلكت مركز دردستان. ولدراس أيضاً مواصفات العنصر الدردستاني. كان سكان دراس بوذيين ولكنهم اعتنقوا الإسلام قبل عدّة قرون إلاّ أنّ الدرديين في دَهانو ما زالوا بوذيين، يُعرفون بأنّهم (بروك پا) أو رعاة غنم ومن أهم اختصاصاتهم وميزاتهم أنّهم يخافون من الاغتسال والاستحمام. فقلما يغسل الدرديون أنفسهم في السنة، وقد تكون هذه الميزة ناجمة عن الظروف الجيوفيزيائية والبرد القارص ويعيش بعض الدرديين في مختلف مدن وقرى لاداخ المركزية ويسمّونهم المؤن. إنّ أغلبية سكان المناطق المركزية والشرقية في لاداخ هم من العنصر التبتي ولهم الميزات الفيزيولوجية للتبتيين والصينيين، وأكثرهم من البوذيين وثقافتهم وعاداتهم كلّها تشبه الثقافة التبتية. ومن الطبيعي القول بأنّ الثقافة اللاداخية تختلف اختلافاً كبيراً عن الثقافة التبتية.
ب – الحالة الجيوفيزيائية لكرگيل ولاداخ:
كانت لاداخ من الناحية الجغرافية قاعدة رصد للتبت والصين وهي نفس الحالة التي تمتاز بها هونغ كونغ للصين، فإنّ لاداخ كانت تمتاز للتبت، ولا شك أنّه في مثل هذه الأماكن يتم التبادل الثقافي. وكان التجار الهنود والإيرانيون والعرب وتجار ما وراء النهر في الماضي يعتبرون لاداخ بوابة الدخول إلى الصين. ففي الماضي كانت أهم الطرق التجارية تمر عبر لاداخ حيث كانت ملتقى القوافل التجارية العربية والفارسية والهندية من الصين وإليها. إنّ مركز لاداخ وأكبر مدنها هي (له) ثم (كرگيل) وهي مركز لاداخ الغربية، تقع (له) على ارتفاع ثلاثة آلاف وخمسمائة متر وتبعد عن سرينگر 440 كيلومتراً. إنّ الأحوال الثقافية والدينية وحتى المناظر الطبيعية في لاداخ تختلف تماماً عن سرينگر. فوادي جهيلم التي تقع كشمير وسرينگر في وسطه خصب نضير والجبال مكسورة بالزهور والأعشاب ولكن مجرد عبورنا من كشمير ووصولنا إلى جبال هيمالايا لا نشاهد النبات والاخضرار. إنّها منطقة يابسة جافة قاحلة. الجبال الشامخة في كل مكان والمنعطفات الصعبة، والقمم المكسوة بالثلوج، والصخور الكبيرة أخذت مكان الأشجار والزهور والأعشاب والوديان النضرة.
طريق سرينگر – كرگيل – له
يبدأ طريق سرينگر – كرگيل – له من بلدة سونا مارگ. وتبعد سونا مارگ عن سرينگر مسافة ساعتين بالسيارة. إنّ الطريق مفتوح لمدة ستة أشهر في العام حيث إنّ منعطف (زوجي لا) في دراس وهي نقطة الدخول إلى لاداخ من كشمير مكسوة بالثلوج في فصلي الخريف والشتاء أي من شهر سبتمبر إلى شهر مارس. ودرجة الحرارة في (له) وأطرافها تصل إلى تحت الصفر. بعد مسافة ثمانية كيلو مترات من سونا مارگ يبدأ الطريق بالصعود، وفي هذه المنطقة يكون الطريق ملتوياً وبالقرب من منعطف (زوجي لا) يصل الارتفاع إلى 3450 متراً. حتى هنا ما زالت مناظر كشمير الطبيعية الجميلة تُشاهد بين حين وآخر. وفي الأسفل تشاهد نهر السند جارياً، وبعد ارتفاع يبلغ 300 متر تقع قرية (بالتال) وسكان هذه القرية أغلبهم مسلمون من السنّة. بعد ذلك نصل إلى منعطف (زوجي لا) إنّها بوابة عظيمة صنعتها الطبيعة في جبال هميالايا؛ بمجرد العبور من هذه المنطقة تبدأ الجبال الوعرة المليئة بالصخور والقاحلة والتي لا توجد فيها أية نباتات. إنّ منعطف (زوجي لا) هي نقطة الحدود بين كشمير ولاداخ.
إنّ (زوجي لا) ليست مجرد حدود جغرافية بين كشمير ولاداخ بل هي نقطة حدود ثقافية أيضاً فبعد عبورنا من هذه النقطة تتغير الحالة الفيزيولوجية للسكان وتبدو الميزات التبتية – الصينية بوضوح. ملابسهم تختلف عن سكان كشمير كما أنّ لغتهم تختلف أيضاً.
ما زالت المشاركة الدينية قائمة بين كشمير وهذه المنطقة من لاداخ حيث إنّ أغلبية سكان هذا الجانب من المنعطف هم مسلمون. وبعد اجتياز المنعطف نصل إلى المنطقة الإسلامية – الشيعية من لاداخ أوّل بلدة بعد العبور من منعطف (زوجي لا) هي بلدة دراس (DRAS) وسكانها مسلمون. الأهالي من العنصر البلتستاني والدرد، وأغلبهم من الشيعة. ومن الناحية الاقتصادية هم في منتهى الفقر والسبب هو هطول الثلوج بشدة وانخفاض درجة الحرارة بحيث تتوقف النشاطات الاقتصادية في فصل الشتاء. ويشتهر أهالي دراس في لعبة الصولجان. وهي لعبة خاصة بالمسلمين جاء بها الإيرانيون أو سكان ما وراء النهر إلى لاداخ. تقع بلدة زنسكر (Zanskar) جنوب بلدة دراس وهذه البلدة شديدة البرد، ويوجد فيها مجموعة من البوذيين، ويقال إن دراس وزنسكر هما أبرد نقاط العالم بعد سيبيريا. الطريق من هنا إلى كرگيل يسير إلى جانب نهر سورو، وبعد الصعود قليلاً يصبح الطريق ملتوياً ثم ينزل إلى مدينة كرگيل.
كرگيل أهم مدن لاداخ بعد (له) وهي مركز المنطقة التي يسكنها المسلمون في هذه المقاطعة. وكرگيل هي المنطقة الوحيدة في الهند التي تتكون أغلبية سكانها من الشيعة. وعدد سكان كرگيل حسب إحصاء عام 1981 حوالي 2500 عائلة. وتقع المدينة على ارتفاع 2750 متراً. والثلوج في الشتاء في كرگيل أقل من دراس. وتوجد بعض البساتين والمزارع في أطراف المدينة ويزرع فيها القمح والفواكه المختلفة. والأراضي الزراعية محدودة جداً. وبهذا فالمزارع لا يملك من الأرض إلاّ قليلاً. وكرگيل بصورة عامة مدينة قديمة وقبل عدّة أعوام كان ازدحام السيارات فيها هو الهدية الوحيدة التي قدمها العالم الجديد لهذه المدينة. إنّ طريق سرينگر – له يمر من وسط المدينة عبر السوق الرئيسي. وأهالي كرگيل كما سنشرح فيما بعد أوفياء بالنسبة للثقافة الشيعية. وتوجد أمام كرگيل هضبة قاحلة واسعة قررت الحكومة الهندية إحداث قناة فيها لإحالتها إلى منطقة زراعية.
بعد المرور من كرگيل والعبور من هذه الهضبة نصل إلى قرية (پاش كيوم) وبعد مسافة ساعة بالسيارة تقع بلدة مُل بيخ (Mulbkh). وبالتدريج نتحول من ناحية لاداخ الإسلامية إلى الناحية البوذية. توجد في (مُل بيخ) آثار تاريخية بوذية. وبعد اجتياز مُل بيخ نعبر منعطف(نامى كالا). إنّ منعطف نامى كالا هو الحدود بين المنطقة الإسلامية والبوذية في لاداخ كما كان منعطف (زوجي لا) الحدود الطبيعية بين كشمير ولاداخ. في حوالي سنة 1600م في هذا المنعطف فاجأت القوات البلتستانية الإسلامية، جام نانگ نانگبال ودمرت قواته وأقيمت حكومة إسلامية في لاداخ لفترة من الزمن. وفي نفس المكان واجه سنگ نامكيال ابن نانگ قوات شاه جهان الكبيرة.
تقع خرائب قصر استاگ تسه (Stagtse) وقلعة هنس گوت على مسافة قريبة.
بعد المرور من منعطف نامى كالا نصل إلى قرية (لاماپرو) التي هي إحدى أجمل مناطق الهند والعالم. يقع في هذه البلدة الجميلة معبد بوذي قديم يسمى (كومپا) وبعد العبور من هذه البلدة، يمر الطريق إلى جانب نهر أندس وهو أحد الأنهار الكبيرة في الهند وأنّ اسم أنديا أو الهند مقتبس من هذا النهر. ينبع هذا النهر من ينبوع (ماناسارو) المقدس في التبت وبعد الاتصال بخمسة أنهر في الپنجاب يصب في المحيط الهندي بالقرب من مدينة كراتشي.
وتقع قرية كهل تسه إلى جانب نهر أندس. إنّ فاكهة المشمش في كهل تسه معروفة. نحن الآن في لاداخ المركزية ووسط منطقة البوذيين. إنّ آثار الثقافة التبتية تشاهد في كل مكان وقد ابتعدنا عن الثقافة الإسلامية الكشميرية. بالقرب من هنا تقع قرية (بسكو ونيه مو) المعروفة بقصورها الملكية ومعبدها البوذي. الطريق يصبح ملتوياً ثانية ويمر من هضبة واسعة تقع مدينة (له) أكبر مدن لاداخ ومركز ناحية البوذيين في هذه الهضبة.
ج – نظرة على تاريخ كرگيل ولاداخ:
أول من حقق في تاريخ كرگيل ولاداخ هما الباحثان الألمانيان إميل (Emile) وفان شلاجن تويت (Von Schlagin Tweit). كذلك قام كل من كارل ماركس (ليس ماركس المعروف) وفرانكه بالتحقيق حول تاريخ لاداخ. المصدر الرئيسي الذي اعتمد هؤلاء عليه هي المنحوتات التي كانت موجودة في الخانقاه والمعابد. لقد طبعت دراسات وتحقيقات هؤلاء الباحثين في مجموعة سُمّيت لاداخ كرونيكل (Ladakh Chronicle). أصدر فرانكه (Francke) في عام 1907 تاريخ التبت الغربية وفي عام 1977 أصدر الأستاذ لوسيانو پتك (luciano Peteck) كتاب مملكة لاداخ (950م حتى 1842م) وهو حتى يومنا هذا أحسن تاريخ حول هذه المنطقة وقد اعتمدنا على هذا الكتاب في أخذ المعلومات عن تاريخ لاداخ.
أول الآثار التاريخية الباقية هي من هيئة تبتية يبدو أنّها وصلت إلى لاداخ قبل ميلاد المسيح بعدّة قرون واستوطنت في هذه الديار. إنّ لاداخ حتّى القرن التاسع كانت تحت حكم حكومة التبت، وكان الرئيس الديني للبوذيين آنذاك ويسمّى «دلاثى لامه» يحكم التبت ولما كانت لاداخ ملتقى القوافل التجارية فقد حصل امتزاج آنذاك بين العنصرين اللّبيّ والآري، هذا الامتزاج كان في غرب لاداخ حيث الحدود مع كشمير أطول من شرق المنطقة حيث الحدود مع التبت. وأول ملكية مستقلة استقرت في لاداخ كانت في القرن التاسع الميلادي وبعد الاعتداء الصيني، ضعفت حكومة دلاثى لامه في التبت ممّا شجع بعض أمراء لاداخ على إقامة حكومة مستقلة في مقاطعتهم والتخلص من الهيمنة التبتية. في سنة 727 قام السائح الصيني هوي – چاو (Hui Chau) بجولة في المنطقة وتعتبر مذكراته، المصدر الرئيسي لهذا العصر. يبدو أنّ الدين في لاداخ قبل وصول البوذية إليها كان نوعاً خاصاً من عبادة الأرواح وعبادة الأجداد. وكانوا يسمون هذه الديانة «بون جوس» (Bon Chos). وقد عُثر على ألواح بالقرب من كرچيل تشير إلى هذه الديانة.
توغلت البوذية إلى لاداخ لا عن طريق التبت بل عن طريق مقاطعة كشمير ولا شك أنّ أوّل مركز لها لم يكن بالقرب من (له) بل كان في منطقة كرگيل وبلتستان. وكانت كشمير آنذاك بؤرة البوذية، والألواح التي عثر عليها في أطراف كرگيل وزنسكر ودراس ومل ربخ تشير إلى انتشار البوذية بصورة موسعة. وفي القرن العاشر كانت كرگيل حسب ما يبدو قاعدة قوية لدين بوذا وقد يكون استيلاء البرهمائيين وسقوط البوذية في الهند السبب في هجرة علماء الدين والمؤمنين إلى لاداخ حيث ازدهرت البوذية في هذه المنطقة.
وفي القرن السابع استولى البوذيون في التبت على السلطة وأصبحت البوذية الدين الرسمي في البلاد إلاّ أنّ هذه الديانة كانت في معركة مع القوى المعارضة حتى القرن التاسع إلى أن حققت هيمنتها الكاملة في التبت. ومن جانب آخر لما كانت البوذية قد انهارت في كشمير والهند، فإنّ الهجمات التي قام بها الفاتحون المسلمون على غرب لاداخ من جانب والنشاطات الواسعة التي قام بها تلاميذ شاه همدان المير السيد علي الهمداني من جانب آخر، كانت السبب في أن يعتنق سكان كرگيل والمناطق المحيطة بها الإسلام، وبهذا فقدت البوذية قاعدتها القوية في غرب لاداخ وكان من الطبيعي أن ينتخب البوذيون بعد هذه المناطق الشرقية والمركزية قاعدةً لنشاطاتهم والنظر إلى التبت وطلب الإرشاد منها وكانت النتيجة أن ازدهرت الثقافة التبتية بسرعة في لاداخ الشرقية والمركزية. كانت العادة أن يذهب طلاب الدين البوذيين في لاداخ إلى لهاسا والمدن التبتية الأخرى لتعليم الشريعة الدينية في حوزاتها العلمية.
تمكن الدين الإسلامي منذ القرن الثالث عشر أن يطرد البوذية من لاداخ وتعزز الإسلام لا سيما التشيع في نواحي كرگيل وبلتستان وزنسكر ودراس. وفي هذا الزمان تأسست حكومة إسلامية في كشمير. ومن غريب الصدف أنّ أول حاكم مسلم في كشمير المدعو صدر الدين كان أميراً من لاداخ وكان اسمه الحقيقي (رتن جو). وبعد صدر الدين، وبعد فترة قصيرة أسس شاه مير في كشمير سلالة السلاطين المسلمين. وفي هذا الزمان استسلمت مناطق تركستان الصينية (سكيانگ الحالية) والدول الأخرى في آسيا المركزية أمام الإسلام وبهذا استقر الإسلام من جانبين على حدود لاداخ واجتاحت الحركة الإسلامية الثائرة أقساماً من لاداخ وهي بلتستان ومنطقة كرگيل. وفي سنة 1420م عبر السلطان زين العابدين ملك كشمير الشجاع منعطف (زوجي لا) وحاول المسلمون لأوّل مرة احتلال لاداخ بكاملها. وتمكن السلطان زين العابدين أن يخضع سلطان كرگيل والمناطق الغربية ولكنه فشل في احتلال لاداخ الشرقية بسبب الطرق الصعبة والشتاء القارس.
ومنذ عام 1420 وحتى 1600 كانت لاداخ دائماً مهددة من قبل المسلمين وهدفاً لهجماتهم والظاهر أنّ الإسلام والمذهب الشيعي منه استقر في بلتستان (گلگيت الباكستانية) حوالي عام 1550 وتأسست أول حكومة إسلامة في إحدى نواحي لاداخ تبعاً لبلتستان ورحبت كرگيل وپورگ التي كانت تشمل وادي سرور وپس كبوم ومَل ريخ وبوده كهر وچهنيگ تان وغيرها بالإسلام الشيعي بصورة كاملة وابتعدت الثقافة الدينية لهذه المناطق عن المناطق البوذية في لاداخ.
بعد أن سيطر الإسلام الشيعي على المناطق الغربية من لاداخ، اقتربت المناطق الشرقية منه إلى التبت. إنّ الكثير من المعابد البوذية التي نشاهدها اليوم تأسست في هذا العصر.
في سنة 1532م عندما استولى الميرزا حيدر دوغلت مؤلف كتاب التاريخ الرشيدي على السلطة السياسية في كشمير لفترة من الزمان قام بالهجوم على لاداخ وكان الميرزا حيدر سنياً متحمساً وإضافة إلى رغبته في الاستيلاء على المناطق البوذية كان حسب ما يبدو يهدف إلى إسقاط الشيعة في بلتستان وكرگيل. تقدم الميرزا حيدر حتى وصل إلى (وادي سرو). لكن يبدو أن ملك لاداخ وقّع معه اتفاقية سلام وسمح لميرزا حيدر أن يستخدم أرض لاداخ للهجوم على التبت. ووصل الميرزا حيدر إلى منطقة تبعد مسافة ثمانية أيام عن مدينة لهاسا عاصمة التبت ولكن بسبب البرد القارس انسحب من هناك وبقي في لاداخ سنتين وانتخب مدينة (شي) مركزاً له وغادر لاداخ عام 1536. وفي عام 1545 و1548 توجه نحو لاداخ ويبدو أنّ لاداخ كانت تحت حكمه حتى عام 1551 حيث قُتل.
بعد مدّة حاول أحد الملوك البوذيين في لاداخ واسمه (تشه وانگ نامگبال) أن يقضي على حكومة بلتستان وكرگيل الشيعية. وكانت لديه أفكار طويلة عريضة وكان ينوي بعد ذلك الاستيلاء على الدول الإسلامية في آسيا الغربية ولكن مساعيه وجهوده فشلت غير أنّ حكومة بلتستان الإسلامية قامت في عام 1600 بالهجوم عليه واتّحدت الدول الإسلامية في كرگي وچگتان وگرسه (في ضواحي كرگل) وتمكنت القوات الإسلامية الشيعية بقيادة السلطان (سكاردو علي مير) أن تعبر جبال (فاتولا) وأن تفاجئ قوات لاداخ وتقضي عليها. ويقال إنّ هذه القوات خلال تقدمها هدمت المعابد والآثار البوذية وأنّ المعابد البوذية الموجودة حالياً في لاداخ تأسست فيما بعد. اعتقل البلتستانيون ملك لاداخ (جام نانگ نامگيال) وأخذوه أسيراً معهم وتمكن المسلمون ولأوّل مرّة من الاستيلاء على لاداخ الشرقية والمركزية.
إنّ استيلاء البلتستانيين على لاداخ لم يستمر طويلاً حيث إنّ ملك بلتستان أخرج عن ملك لاداخ وأمر قواته بالانسحاب منها. وزوّج سلطان بلتستان ابنته (گيال خاتون) من الراجا السجين وسلّم عرش لاداخ إلى نامگيال ثانية. ويقول البعض إنّ هذا الحادث يعود إلى غرام الأميرة بالراجا السجين. وعلى أي حال إن گيال خاتون العروس البلتستانية الشيعية أخذت معها الثقافة الإسلامية إلى لاداخ المركزية. وكان سكان لاداخ يحبونها كثيراً. مثلما يعبدون الآلهة (تارا). وأصبح ابنها (سينگ نامگيال) أقوى وأشجع راجا في لاداخ وكان محبوباً لدى الجميع، ولكنه رفض أن يعتنق الإسلام بل وبذل مساعيه أكثر من أي سلطان آخر للدعاية البوذية وتعزيزها. إنّ غالبية المعابد البوذية الموجودة في لاداخ تمّ إنشاؤها في عهد هذا الراجا الذي كانت أمه بلتستانية مسلمة شيعية. وحاول سينگ أن يستولي على كرگيل وپورك المسلمتين إلاّ أنّ البلتستانيين بمساعدة المغول قضوا عليه، ووعد أن يدفع جزية سنوية إلى الحكومة المركزية للمغول التيموريين، ولكن لم يف بعهده مما دفع المغول إلى الهجوم على أرض لاداخ بصورة مستمرة. ووقع حادث في عام 1639م، إذ غضب سينگ من فشل قواته وقرر إغلاق حدود لاداخ مع الهند، إلاّ أنّ اقتصاد لاداخ تدهور بسبب هذا القرار. ويعتقد بعض أصحاب الرأي أنّ زوال لاداخ وسقوط حكومتها المستقلة بعد السلطان سينگ يعود إلى هذا القرار الخاطئ. وتوفي سينگ نامگيال بعد عمر بلغ أربعين ونيفاً سنة 1642.
في سنة 1663 عندما قام الإمبراطور أورنگ زيب بزيارة كشمير أبلغوه أنّ سكان لاداخ لا يدفعون الضرائب المفروضة عليهم فأصدر أمراً بالهجوم على لاداخ إلاّ أنّ راجا لاداخ وهو ابن سينگ استسلم دون إراقة دماء وتعهد أن يدفع الضرائب وأن يبني في عاصمته مدينة (له) مسجداً وأن يحافظ على حقوق المسلمين في أراضيه ويسعى إلى نشر الإسلام. وكان حاكم (سكارو) القريبة من كرگيل هو المشرف من قبل الإمبراطور أورنگ زيب على أعمال حاكم لاداخ وكان دائماً يحذره وبعد هذا الحادث انشغل أورنگ زيب بالأحداث التي وقعت بجنوب الهند، فاستغل الراجا (دلدن نامگيال) الفرصة وقرر الاستيلاء على سكارو وكرگيل وبلتستان والمناطق الإسلامية الأخرى. وأصبحت منذ ذلك التاريخ كرگيل وپورك تحت سلطة اللاداخينين البوذيين. وفي نفس الوقت اشتبك الراجا دلدن مع التبتيين البوذيين ومن أجل القضاء عليهم استنجد بالحكومة المغولية. ووصلت المساعدات العسكرية من كشمير إلى لاداخ وقضت القوتان العسكريتان على تبت. إلاّ أنّ حاكم أورنگ زيب في كشمير، أجبر دلدن على اتخاذ التسهيلات اللازمة للدعاية للإسلام في بلاده وأن يعتنق هو الإسلام. وبذلك يكون الراجا دلدن الحاكم الوحيد في لاداخ المركزية الذي اعتنق الإسلام مرغماً أو موافقاً. وتوجه أحد أبنائه إلى الدول الإسلامية ليتعلم المعارف والشريعة الإسلامية كما تعهّد الراجا بأن يبيع الصوف وهو أغلى إنتاج في لاداخ إلى كشمير فقط.
من هذا التاريخ ضعفت الحكومة المستقلة في لاداخ كثيراً وأصبحت لاداخ تحت حكم الحكومات الإسلامية في كرگيل وبلتسان وكشمير وحكومة التبت البوذية بين حين وآخر. ومنذ القرن الثامن عشر توغل الأوروبيون في لاداخ وحسب العادة فإن المبشرين والتجار كانوا الرعيل الأول الذين وصلوا إلى لاداخ.
وفي سنة 1715 وصل المبشّر اليسوعي راپولي تورسي ديرتري إلى لاداخ والتبت واستقر فيها لمدة طويلة. وكان ويليام موركرافت من رجال شركة الهند الشرقية وصل إلى لاداخ بصفته طبيباً بيطرياً أوفد لشراء الخيل للجيش البريطاني وأقام في لاداخ مدة طويلة والظاهر أنّ المستعمرين كانوا قد أوفدوه لدراسة الظروف في لاداخ وإرسال تقرير بذلك. وبدلاً من أن يجعل الإنكليز مقاطعة لاداخ مستعمرةً لهم بصورة مباشرة، اتّحدوا مع المهراجا رنجيت سينگ راجا السيخ القوي في الپنجان ودخلوا معه في معاملة سياسية ومنحوه لاداخ. إلاّ أنّ رنجيت سينگ توفي قبل أن يتمكن من الاستيلاء على لاداخ. وتمكن قائده گلاب سينگ دوگرا راجا جامو وبدعم من الإنكليز أن يتولى السلطة في كشمير. وفي سنة 1834 استولى أحد قادته وهو (زور آورسينگ) على كرگيل والمناطق الغربية المسلمة وضمها إلى كشمير. ثم قضى على الحكومة الشيعية في بلتستان. ووصلت قوات (زور آورسينگ) إلى (له) مركز لاداخ الشرقية. وأصدر گلاب سينگ أوامره إلى زور آور باحتلال التبت. إلاّ أنّ سكان التبت بمساعدة القوات الصينية قضوا على قواته وقُتل زور آورسينگ.
وأصبحت كرگيل ولاداخ منذ ذلك الحين ضمن مقاطعة كشمير وما زالت كذلك. وانفرد راجا دوگرا بتصدير الصوف إلى كشمير. على أنّ الحقيقة هي أنّ الإنكليز هم الذين كانوا يحكمون لاداخ وأنّ راجا جامو وكشمير كان ينفذ أوامرهم.
في سنة 1948 وعلى أبواب تقسيم الهند. شعرت كرگيل ولاداخ بأنهما ستصبحان ضحية بين الهند وباكستان. وقد تمكنت الفرقة الگيلگتية في جيش باكستان التي كانت تتألف من أبناء الشيعة أن تستولي على كرگيل لفترة من الزمن ووصلت القوات الباكستانية إلى مسافة عشرين كيلومتراً عن مدينة (له). إلاّ أنّ القوات الهندية أجبرتها على الانسحاب بعد بضعة أشهر وفي سنة 1962 وخلال الحرب بين الهند والصين شعرت كرگيل ولاداخ بأنّهما ستصبحان ضحية إذ استولت الصين على مناطق كبيرة من الجبال. وكان من نتائجها أنّ الهند بذلت اهتمامها لإنشاء الطرق في هذه المنطقة للمساعدة على ازدهارها.
الحالة الثقافية والدينية والاجتماعية
للشيعة في كرگيل
الظروف الدينية – المذهبية لهذه المنطقة من الناحية الثقافية – الدينية، تقسم لاداخ بكاملها إلى قسمين متساويين، القسم البوذي والقسم الإسلامي، البوذيون يعيشون في شمال وشرق المقاطعة ويشكلون الأغلبية، والمسلمون في الجنوب والغرب، المناطق الرئيسية التي يعيش فيها المسلمون هي: كرگيل ودراس ووادي سرو ومنطقة سانكهو وپش كيُوم وشگ نمر وجگ تان. وفي مل بخ وبوده گهرپو يعيش المسلمون والبوذيون معاً ولكن البوذيين هم الأغلبية وفي زنسكر أيضاً يعيش المسلمون والبوذيون جنباً إلى جنب، أمّا گهل تسه وچانگ تهانگ نبرا وله فهي مناطق بوذية بحتة، وتعيش مؤخراً في له أقلية مسلمة قوية وبعض القرى في أطراف (له) كانت منذ القديم مناطق يعيش فيها المسلمون.
وأغلبية المسلمين في كرگيل ولاداخ هم من الشيعة. إنّ الشيعة ينشؤون من كرگيل، دراس إلى فاتولا. ويبدو أنّ العارفين الإيرانيين وخاصة تلاميذ شاه همدان أبدوا اهتماماً خاصاً بالمنطقة الغربية من لاداخ وقد لعب المير شمس الدين دوراً رئيسياً في نشر التشيع في هذه المنطقة. والحكام الشيعة من سلالة سلاطين شاه مير وچك كشمير أيضاً ساهموا في تعزيزموقع الشيعة في لاداخ وكرگيل وبلتستان وبعد أن تسلمت حكومة شيعية السلطة في بلتستان كانت هذه الحكومة العامل الأول في ازدهار التشيع في لاداخ.
وفي بعض المناطق الشيعية التي كانت بالقرب من كشمير أو كان يوجد فيها مدارس دينية أو كان فيها علماء دين، كان الأهالي يطبقون الشريعة الإسلامية بصورة واسعة ولكن في المناطق الأخرى فإنّ الإسلام والمذهب الشيعي كان ممزوجاً بالعادات والعقائد البوذية السابقة. ومن جملة هذه المناطقة نذكر على سبيل المثال بلدة چك تان التي تأثرت في القرن السادس عشر بالشيعة حتى إنّ حكومة شيعية استولت على السلطة في هذه البلدة فترة من الزمن إلاّ أنّه تحت ستار الشيعة استمرّت العادات والتقاليد والأفكار البوذية. فالزواج ظل قائماً بين المسلمين والبوذيين وفي أسرة واحدة كان أحد أفرادها شيعياً والآخر بوذياً. وكان المسلمون يزوجون من البوذيين والبوذيون يتزوجون من المسلمين.
وفي الآونة الأخيرة، وبعد أن تسهلت أسباب السفر والاتصالات فإنّ نفوذ علماء الدين في كرگيل ازداد على السكان الشيعة في هذه المنطقة فأخذت العادات والتقاليد والشعائر البوذية بالزوال. وأهالي كرگيل يؤدّون واجباتهم الدينية أكثر من غيرهم والسبب في ذلك هو وجود جماعة من علماء الدين النشطين في هذه المدينة وهم على اتصال مستمر مع مدينة النجف في العراق ومدينة قم في إيران. وأهالي كرگيل يطلقون على هؤلاء العلماء كلمة (آقا) الفارسية. وأغلبية هؤلاء العلماء درسوا في قم أو في النجف الأشرف. وسكان كرگيل وبلتستان لا يستطيعون التكلم باللغة الأردوية بطلاقة. ولغتهم أقرب إلى اللغة الفارسية. وهؤلاء العلماء عندما كانوا يدرسون في قم والنجف كانوا على اتصال دائم مع الطلاب العرب والإيرانيين بدلاً من الاتصال بالطلاب الهنود وهذا كان السبب في أن تنتشر الثقافة الفارسية في كرگيل وبلتستان أكثر من غيرها من مناطق الهند. حتّى أنّ اللغة السائدة في منطقة هذه الناحية هي اللغة الفارسية. وهذه المنطقة فريدة في نوعها في الهند.
إنّ أهالي كرگيل أناس متدينون ومتحمسون للمذهب الشيعي.
إنّ النساء في الطبقة الضعيفة من المجتمع يعملن إلى جنب الرجال في المزارع والحقول والبساتين. والمساجد في كرگيل والقرى المجاورة مليئة بالمصلين عادةً. ولكن الناس غرباء بالنسبة للمسائل الشرعية والفقهية. إنّ تدينهم له صفة وراثية وعرفية وعبادية. ومراسم شهر المحرم لها أهميتها الخاصة في كرگيل كغيرها من المناطق الشيعية إلاّ أنّ أسلوب العزاء يختلف مع شمال وجنوب الهند. مراسم العزاء في شهر المحرم تشبه المراسم التي تقام في إيران.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ظهر تياران دينيان في كرگيل وظهرت فئتان مختلفتان في المجتمع. الفئة الأولى هم الشبان الذي أثّرت فيهم نفسيات الطلبة الذين عاشوا الجو الثوري في قم واكتسبوا روحية ثورية ينظرون معها إلى الدين باعتباره نظاماً جامعاً شاملاً كاملاً. في حين أنّ الفئة الثانية وهم علماء الدين المعمرين يبتعدون عن هذه النظرة الثورية ولا يرون إلاّ المحراب والمسجد والمنبر.
ب – الوضع الاقتصادي والاجتماعي
لأهالي كرگيل:
أغلبية السكان في كرگيل وبقية المناطق التي يعيش فيها المسلمون في لاداخ حالتهم الاقتصادية ضعيفة وإن مجموعة محدودة من النبلاء والأشراف والملاكين الذين ورثوا الأراضي والمزارع من آبائهم وأجدادهم يعيشون في رخاء. لقد ظهرت مؤخراً طبقة جديدة من الأثرياء في كرگيل. إنّ أفراد هذه الطبقة هم من التجار والسماسرة المصدرين للصوف، هذا الصوف يستعمل في حياكة اشتهرت في العالم باسم شال كشمير. إنّ المادة الرئيسية لحياكتها هي الصوف الذي يستورد من چارنگ تهانگ في لاداخ المركزية، حيث يتم تصديرها عن طريق مدينة لِه وكرگيل إلى كشمير. وفي سرينگر يقوم العمال المسلمون بصباغة هذا الصوف وحياكة ما يسمى بالشال منه. والسماسرة وأغلبهم من الهندوس يقيمون في جامو ويشترون هذه البضاعة ويصدرونها إلى دلهي وبومباي ومن هناك يتم تصديرها بواسطة تجار كبار أغلبهم من الهندوس إلى أوروبا وأميركا والأسواق العالمية الأخرى. إنّ الأرباح تدخل في جيوب السماسرة والمصدرين الهندوس، ويبقى الحائكون والنساجون في سرينگر والمنتجون في چانگ تهانگ ولِه وكرگيل فقراء. عدا الصوف فإنّ النشاطات الاقتصادية في كرگيل تقتصر على الزراعة. فالأراضي في أطراف كرگيل صالحة للزراعة وتوجد الحقول والبساتين هناك، إلاّ أنّ هذه الأراضي كما أشرنا سابقاً قليلة ومحدودة جداً حيث إنّ كلّ مزارع وفلاح يمتلك قطعة صغيرة من الأرض تكفيه فقط لإعاشة عائلته. إنّ الأهالي ما زالوا يستخدمون الأساليب القديمة في الزراعة، الأدوات الزراعية الحديثة غير متوفرة لأنّ المزارع الشيعي غير قادر على شراء ذلك. إنّ الحالة في كرگيل أحسن منها في المناطق الأخرى. والحالة في دراس وبقية القرى التي يعيش فيها الشيعة متدهورة. هذه المنطقة هي في الحقيقة من أبرد مناطق العالم السكنية. إنّ فترة نشاط الأهالي تقتصر على ستة أشهر من السنة، والأشهر الستة الأخرى يكونون فيها عاطلين عن العمل. إنّ الحالة في زنسكر أحسن منها في دراس حيث إنّ تربية المواشي موجودة هناك. إن زبدة زنسكر معروفة في جميع أنحاء لاداخ.
تقع منطقة پورگ أي چگ تان وبوده وكهربو وكرگيل من الناحية الاقتصادية بين دراس وزنسكر. والبرد قارس في هذه المنطقة والثلوج تسقط أقل من الأماكن الأخرى وأراضيها صالحة للزراعة. وفي چانگ تهانگ وهي منطقة جبلية غير صالحة للزراعة ولكن تربية المواشي متوفرة. إنّ الخرفان التي تربى في هذه المنطقة المرتفعة جداً تنتج أصوافاً ناعمة في غاية الجودة.
إنّ المقارنة بين لِه وكرگيل تؤكد أنّ الحالة الاقتصادية للأسر في كرگيل أفضل من الحالة الاقتصادية لأسر لِه. هذه الدراسة لا تشير إلى كمية ما يحصل عليه كل فرد في الأسرة. والحقيقة هي أنّ أصحاب الموارد المرتفعة في لِه أكثر ولكن الفلاحين الصغار الذين يعمل أكثر من شخص واحد من أفراد الأسرة فيهم في كرگيل أكثر.
بالمقارنة مع سرينگر فإنّ البطالة في كرگيل أكثر بكثير. إنّ الإحصاء في بدگام وكرگيل يشير إلى تدهور حالة الشيعة من الناحية الاقتصادية في كشمير ولاداخ عما هي بالنسبة للمذاهب الأخرى.
ج – الحالة الصحية للشيعة في كرگيل:
الحالة الصحية في أي مجتمع ترتبط بالحالة الاقتصادية وظروف البيئة والوعي العام لسكان ذلك المجتمع. إنّ الحالة الصحية في المناطق الشيعية في لاداخ أسوأ من بقية المناطق فمرض السل متفشٍ في كرگيل ودراس، والسبب الرئيسي في تفشي الأمراضي في كرگيل ودراس وضواحيها هي ظروف الحياة غير المناسبة والبيوت الصغيرة غير المتوفرة فيها وسائل الحياة. وحسب إحصاء عام 1981 توجد في كرگيل 11549 أسرة بينهم 4339 أسرة تعيش في غرفة واحدة و294 أسرة لها غرفتان و1496 أسرة لها ثلاث غرف و893 أسرة لها أربع غرف و314 أسرة تعيش في بيوت ذات خمس غرف و489 أسرة تعيش في بيوت فيها أكثر من خمس غرف وإحدى عشرة أسرة ليست لها بيوت وبذلك نشاهد أنّ ثلث سكان كرگيل يعيشون في غرفة واحدة بينما عدد أفراد هذه الأسر يتراوح بين خمسة إلى ثمانية أشخاص. إذاً لا عجب في مثل هذه الظروف أن يتفشى مرض السل. إنّ السكن في جميع أنحاء كشمير غير مناسب ولكنه في منطقة كرگيل أحسن منه في غيرها.
د – التعليم والدراسة:
من ناحية التعليم والدراسة فإنّ مناطق لاداخ لا سيما المناطق البوذية فيها أحسن حالاً من كشمير والمناطق التي يعيش فيها المسلمون في كرگيل ويعتقد بعض المفكرين أنّ السبب يعود إلى دور علماء الدين البوذيين إذ يوجد في كل مدينة أو قرية معبد بوذي (گومپا) وأنّ رجال الدين في هذه المعابد يقومون بأمر التعليم. ومنذ القرن التاسع عشر قام المبشرون المسيحيون بتأسيس مدارس جديدة في المناطق البوذية ولم يفعلوا ذلك في المناطق الإسلامية أو التي يعيش فيها أبناء الشيعة وكان رجال الدين المسلمون يعارضون إنشاء مدارس حديثة ومنعوا الأهالي من دخول هذه المدارس والتعلّم فيها. ولم يهتم مع الأسف رجال الدين المسلمون وخاصة الشيعة منهم بأمر الدراسة والتعليم. وقد تأسست مؤخراً في مدينة كرگيل مدارس حكومية حديثة ورحب بها الشباب المتعلمون. على أنّ حالة الدراسة والتعليم آخذة بالازدهار في المدن على عكس المناطق القروية في أطراف كرگيل وهكذا تظل الأمية متفشية في القرى المحيطة بمدينة كرگيل أكثر من أي منطقة أخرى.
هـ – المشاريع الحديثة في كرگيل:
بعد الحرب الهندية – الصينية في عام 1962 والصراعات بين الهند وباكستان أبدت حكومة الهند اهتماماً خاصاً بمنطقتي كرگيل ولاداخ فبدأت بإنشاء الطرق في منطقة واسعة، وتمّ إكمال طريق سرينگر – كرگيل – له. وكان ذلك لأغراض عسكرية سياسية في محاولة لكسب ثقة الأهلين. كما خططت لمشاريع لإنتاج الطاقة الكهربائية والري والصناعات. ومن ضمن المشاريع الجديدة إنشاء قناة كهربتانگ حيث من المقرر نقل مياه نهر (واكها) إلى منطقة كرگيل والأراضي القاحلة هناك. كما خصصت الحكومة مشاريع لتنمية تربية المواشي في المنطقة.
والصوف هو الإنتاج الرئيسي في لاداخ ومركز هذا الإنتاج هو بلدة چانگ تهانگ في لاداخ المركزية التي تقع على الجبال العالية في سلسلة جبال هيمالايا. ويقال إنّ هذا النوع من الصوف الناعم اللطيف ينتج في المناطق العالية. وفي منطقة كرگيل نوع خاص من الخرفان يسمّى خروف پورن يستجاد صوفه لنسج الشال، والقبائل المتجولة في جانگ تهانگ هي التي تقوم بتربية هذا النوع من الخرفان. والسماسرة الكشميريون المستقرون في لِه يبتاعون هذا الصوف ويرسلونه إلى سرنيگ. والشال الكشميري الذي ينسج من هذا الصوف يكسب للبلاد مئات آلاف الملايين من الروبيات. ومنذ عهد شاه جهان كانت حكومة المغول التيموريين ثم كان الإنكليز والمهاراجا رنجيت سينگ سيك والراجا گلاب سينگ دوگرا يهدفون إلى السيطرة على لاداخ بسبب هذا النوع من الصوف. ومن أهم أسباب قلة هذا النوع من الصوف أنّ كلّ خروف ينتج خمسمائة غرام من هذا الصوف في العام. وتعتبر السياحة من أهم واردات منطقة لاداخ. ومنذ أعوام قامت إدارة بعض الفنادق الكبيرة الدولية كفندق (برادوي) بتأسيس فروع لها في كرگيل ومنذ ذلك الحين ازدهرت السياحة في كرگيل ممّا أدّى إلى تحسين الحالة الاقتصادية للسكان ولكن الأزمة في كشمير كانت السبب في عدم رغبة السائحين بالسفر إلى كرگيل، فضلاً عن عدم وجود مطار في كرگيل لهبوط الطائرات وبما أنّ الطريق بين سرينگر وكرگيل يغلق في فصل الشتاء في منعطف (زوجي لا) فإنّ السياحة في كرگيل تكون لمدّة ستة أشهر فقط. هذا وإذا زالت العقبات في أزمة كشمير وتأسست مطارات فيها، فإنّ السياحة ستزدهر وهذا سيؤدي بدوره إلى تحسين الحالة الاقتصادية للشعب الشيعي المستضعف في هذه المنطقة.
و – الشيعة في مدينة لِه في مركز لاداخ:
(لِه) هي عاصمة مقاطعة لاداخ ومركز المناطق البوذية في هذه المقاطعة، وأغلبية سكان مدينة (لِه) من البوذيين إلاّ أنّه يوجد فيها عدد ملحوظ من المسلمين ومن الشيعة بخاصة والمسلمون الذين يعيشون في أطراف مدينة (لِه) هم من الناحية العنصرية من البلتستانيين ويعتقد بعضهم أنّ هؤلاء دخلوا هذه المقاطعة خلال فترة احتلال القوات البلتستانية للاداخ وخلال فترة حكومة سينگ نامگيال الذي كانت والدته مسلمة بلتستانية. ويعتقد بعض آخر أنّ المسلمين قد يكونون من أعقاب السكان الذين اعتنقوا الإسلام وبينهم أحفاد النساء اللاداخيات البوذيات اللواتي تزوجن التجار العرب والإيرانيين والتركمان ممن كانوا يعبرون من هنا. إنّ البلتستانيين في لِه هم في الأعم سنيون غير أنّ البلتستانيين في قرية چشوت الواقعة في ضواحي مدينة لِه هم من سكان كرگيل وهم الشيعة. وتقع چشوت على مسافة خمسة عشر كيلومتراً من مدينة (لِه). إنّ أجداد هؤلاء الشيعة وصلوا إلى لاداخ قبل حوالي 350 سنة في أواخر عهد سينگ نامگيال. إنّ أبناء الشيعة في چشوت كإخوانهم الشيعة في كرگيل ملتزمون بالأحكام الإسلامية. إلاّ أنّهم لكثرة علاقاتهم واتصالاتهم بالبوذيين كان الغناء والرقص جاريان عندهم، والعلاقات بين النساء والرجال والحرية بين النساء أكثر من كرگيل، ولكن أقل بكثير من البوذيين في لاداخ. ومن ناحية أخرى، فإنّ المسلمين في لِه أكثر رفاهية من بقية سكان هذه المقاطعة والسبب في ذلك هو علاقاتهم التجارية مع كشمير وأكثر التجار المصدرين للصوف إلى كشمير في مدينة لِه هم من المسلمين ويعرفون باسم «بقال تبت». والمدهش في لاداخ هو أنّه خلافاً لما يجري في الشمال والجنوب وفي شرق الهند، لم تقع خلافات ومنازعات دينية ومذهبية بين المسلمين والبوذيين في لاداخ حيث تربطهم معاً علاقات طيبة ويتشاركون في أعيادهم ومآتمهم. توجد أسر في لِه بعض أعضائها بوذيون وبعضهم مسلمون.
من خصائص المسلمين في لاداخ: في كرگيل أو في لِه وهو رغبتهم في لعبة الصولجان، ويمكن اعتبار لعبة الصولجان من الرياضات القومية في لاداخ وإنّ أحسن اللاعبين هم من المسلمين لا سيما من الشيعة. إنّ المركز الرئيسي لهذه اللعبة هي بلتستان وكرگيل، وإنّ مناطق هترا وناگر وگلگيت معروفة بهذه اللعبة. وإنّ البلتستانيين وأهالي كرگيل يعتبرون الصولجان من واجباتهم المتأصلة. إنّ أحسن اللاعبين في لِه هم من قرية چوشوت الشيعية. وقد احتفظوا بهذه اللعبة خلال المائة والخمسين عاماً الأخيرة، وچوشوت هي المنطقة الوحيدة في لاداخ المركزية التي توجد فيها ساحة للصولجان. وفي الآونة الأخيرة تمّ تأسيس ساحة للصولجان في لِه. ويعتقد المؤرخون أنّ لعبة الصولجان وصلت إلى لاداخ من إيران أو آسيا المركزية وهي من هدايا الثقافة الإسلامية في لاداخ.
ز – المسلمون في چگ تان:
چگتان منطقة تقع بين كرگيل ولِه ولها أهمية كبيرة من هذه الناحية حيث إنّها نقطة التقاء أو همزة وصل بين الثقافة البوذية والإسلامية أو ثقافة لاداخ الشرقية والغربية.
في النصف الثاني من القرن السادس عشر وصل الإسلام إلى چگ تان وفي البداية استولى حاكم بلتستان ثمّ حكام الحكومة المغولية المركزية استولوا على چگتان، وفي هذه الأحوال سافر العارفون والصوفية من كشمير إلى چگ تان وأخذوا بالدعوة للإسلام ونتيجة ذلك كان اعتناق الأغلبية من السكان الدين الإسلامي، وقد تأثرت ثقافة البوذيين الذين كانوا قد التزموا ديانتهم – تأثرت – بالإسلام كثيراً. وچگ تان هي المنطقة الوحيدة التي تأثرت فيها البوذية كل التأثر بالإسلام رغم أنّ الأهالي حافظوا إلى حد ما على ثقافتهم الشعبية.
إنّ الزواج بين البوذيين والمسلمين أمر عادي، وشوهد كثيراً أحد الأفراد في الأسرة مسلماً في حين أنّ أعمامه أو حتّى إخوته الآخرين بوذيون. وقد يحدث أنّ جميع البنات في الأسرة بوذيات وجميع الأبناء في العائلة نفسها مسلمون أو بالعكس. والأسماء كذلك مزدوجة وثنائية مثلاً علي جاو چيتگ أو محمد تسه اينگ. إنّ المسلمين في چگ تان هم من الشيعة ولكنهم لا يقبلون تعاليم علماء الدين في كرگيل. والمسلمون والبوذيون يحبون لعبة الصولجان.
دراسة ظروف المنطقة البوذية في لاداخ
أ – مدخل:
يمكن اعتبار المنطقة البوذية من لاداخ، أي لاداخ المركزية الشرقية، ضمن دائرة الثقافة التبتية. كما نعتبر المنطقة الإسلامية من لاداخ أي كرگيل ولاداخ الغربية ضمن دائرة الثقافة الكشميرية والبلتستانية. وتبعد مدينة لهاسا عاصمة التبت (في الصين) عن لِه المركزية في لاداخ الشرقية مسافة 1500 كيلومتر ولكن لا تفصل بينها أية عوائق طبيعية كسلسلة جبال هيمالايا أو غيرها. وسكان لاداخ المركزية الشرقية من ناحية العنصر واللغة والثقافة يشبهون التبتيين، وقلنا سابقاً إنّ المواصفات الفيزيولوجية لسكان لاداخ الشرقية لا تختلف عن التبتيين كثيراً. واللغة في لاداخ هي لهجة من اللغة التبتية ولكن الفاصلة المكانية التي كانت في الماضي تستغرق حوالي أربعة أشهر، كانت السبب في أن تبتعد ثقافة لاداخ عن ثقافة التبت في بعض الحالات وأن تتميز بنوع من الاستقلال الخاص.
إن ازدهار الثقافة التبتية في لاداخ تمّ عبر الدين. وطالما أنّ البوذية كانت قائمة في الهند فإنّ سكان لاداخ كانوا يتطلعون إلى الهند لكسب الإرشادات والتعليمات الدينية. ولكن بعد سقوط البوذية في الهند فإنّ المصدر الرئيسي للقضايا الدينية كان دالائي لاما الذي كان يعتبر رئيس البوذيين حيث كانت سلطته قائمة في العاصمة التبتية لهاسا، أصبحت منطقة لهاسا شيئاً فشيئاً (فاتيكان) البوذيين. وكان الطلاب الشبان في لاداخ يسافرون إلى لهاسا لدراسة العلوم الدينية. كما أن المبشرين التبتيين كانوا يسافرون إلى لاداخ بصورة مستمرة. واستمرّت هذه العلاقات الدينية حتى عام 1962، ففي هذه السنة وبعد اعتداء الصين على الهند تعكرت وتدهورت العلاقات بين البلدين وبالنتيجة انقطعت العلاقات بين التبت ولاداخ.
ب – أثر الثقافة التبتية:
الفن المعماري واللغة والشعر وكيفية إجراء إيقاعات الرقص والآداب الاجتماعية: كلها تشير إلى مدى أثر التبت المباشر على الثقافة في لاداخ. الرقص الذي يقام في (گومپا) معبد البوذيين لا يختلف عن الرقص الذي يقام في (گومپا) معابد لهاسا. إلاّ أنّ الرقص الذي يقام في الحفلات الاجتماعية في لاداخ له شكل خاص يختلف عن الأسلوب التبتي وهذا دليل على أنّ أثر التبت في لاداخ كان عبر قناة الدين والحوزات المقدسة. كما هو الحال بالنسبة لأثر الثقافة الإسلامية الإيرانية في الهند وآسيا القصوى الذي كان على الأكثر في إطار الشؤون الدينية. إنّ الموسيقى الدينية الدارجة في المعابد لها الأسلوب التبتي، غير أنّ الموسيقى غير الدينية لها أسلوبها المستقل والشعر والأدب الديني مستوحيان من التبت. والشعر والأدب الشعبي لهما ميزاتهما الخاصة. حتّى أنّهما تأثّرا من بعض أنواع الكلام الفارسي لا سيما الأشعار الغنائية والمثنوي. لا توجد في لاداخ آداب شعبية ومدونة، بل إنّ أغلب الأشعار انتقلت من جيل إلى جيل شفهياً. قد جمع بعض المحققين أخيراً في لاداخ هذه الأشعار على شكل كتاب. كما أنّ الموسيقى اللادخية الأصيلة سُجلت على الأشرطة. وأشهر خبير في الموسيقى في لاداخ هو الأستاذ حسن وهو مسلم شيعي. إنّ أغانيه معروفة في لاداخ وتذاع في الإذاعة. أكبر اللاداخي وهو أحد الشخصيات المسلمة في لاداخ جمع الأدب والشعر اللاداخي في ديوان، ويعتبر أكبر هذا – وهو من سكان چگ تان (Chigtan) – خبيراً في شعر لاداخ. ومن الآثار الأدبية القديمة بقي كتاب واحد بصورة كاملة وهو عبارة عن مثنوي يسمّى (كيبر ساگا). وكان المستشرق الألماني أ.ج. فرانك (A.H.Francke) نشره مع ترجمته إلى اللغة الألمانية قبل سنوات. والشعر في لاداخ حالياً مستوحى من الشعر الفارسي والأردوي وأنّ الأشعار الغنائية (الغزل) منتشرة كثيراً. وأكبر اللاداخي هو من أشهر شعراء لاداخ.
اللغة اللاداخية مأخوذة من اللغة التبتية، ولكن في ضواحي مدينة لِه يفهم الأهالي اللغة الهندية. وقد ساعد على ذلك برامج الإذاعة والتلفزيون وإقامة العدد الكبير من الضباط والتجار.
الرقص منتشر بين البوذيين كثيراً. والعادة المتبعة في الحفلات والمناسبات الاجتماعية المهمة أنّه بعد تناول الطعام والشراب يرقص الرجال والنساء إمّا معاً وإمّا بصورة منفردة. وفي العادة، فإنّ كبير العشيرة هو الذي يبدأ الرقص وإذا كانت الحفلة تضم كبار رؤساء القبائل والأسر فإنّ ضيف الشرف أو أي شخصية ممتازة في الحفل يبدأ الرقص. وكثيراً ما تبرز خلافات بين الأسر بسبب التمييز بينها في بدء الرقص.
ج – النظام الاجتماعي في شرق لاداخ
يُقال إنّ ميزتين خاصتين في لاداخ تبدآن بحرف (P) أو بحرف (چ): پولو تعني الصولجان وپولي أندري تعني تعدد الأزواج.
أمّا مبدأ تعدّد الأزواج فهو أنّ امرأة واحدة تختار عدّة أزواج. كان هذا المبدأ سارياً في العهود الماضية بصورة موسعة. إلاّ أنّه ألغي في كثير من المجتمعات وأصبح بصورة عامة ذا صفة تاريخية. على أنّ تعدّد الأزواج في لاداخ ليس أمراً تاريخياً بل حقيقة اجتماعية مشهودة. وهذا أيضاً من خصائص وميزات الثقافة التبتية حيث كان سارياً في التبت أيضاً. يبدو أنّه في الظروف الصعبة في المناطق الجبلية الباردة كان من الضروري أن يكون الإنتاج في يد فرد واحد للمحافظة على مبدأ الأرباح من الناحية الاقتصادية. ويعتقد بعض علماء علم الاجتماع أنّ ظاهرة تعدّد الأزواج في التبت ولاداخ ناجمة عن هذه الملاحظة الاقتصادية.
مبدأ تعدد الأزواج في لاداخ هو كما يلي: في الأسر التي لها عدّة بنين وعدة بنات فإنّ الوارث الأصلي هو الابن الأكبر وهو الذي يحصل على ثروة والده وهو مكلّف بتزويج أخواته ويكفل إخوانه الصغار ومن أجل التضامن بين الأخوة وليتركوا الثروة بيد شخص واحد فإنّ الابن الأكبر هو الذي يحق له الزواج. أمّا بقية الأخوة فيستمتعون بزوجة الأخ الأكبر. وتكون هذه المرأة مشتركة بين جميع الأخوة، ولكن الحق الرئيسي هو للأخ الأكبر. إنّ الأولاد الذين تنجبهم هذه المرأة يعتبرون أولاد الأخ الأكبر. ويسمّى هذا الأخ الأب الكبير وكلّ واحد من بقية الأخوة يسمّى بالأب الصغير. ولذلك لئلا ينتمي الأولاد لبقية الأخوة ولا تحصل الفُرقة داخل الأسرة ولا تقسم ثروة الأسرة. إنّ علماء علم الاجتماع يسمّون هذا النظام الاجتماعي الخاص بلاداخ «تعدّد الأزواج داخل الأسرة» ومن جهة أخرى، إذا كان جميع أبناء الأسرة من البنات ولا يوجد ابن في الأسرة فإنّ الثروة جميعها تعود للبنت الكبيرة وهي التي يحق لها الزواج، ثمّ يكون زوجها زوجاً لبقية الأخوات وإنّ الأطفال من أي أخت كانوا هم أطفال الأخت الكبيرة ويسمّونها «الأم الكبيرة» كما يسمّون كلّ أخت من بقية الأخوات بـ «الأم الصغيرة». المدهش أنّه وخلافاً لما يتوقع لا توجد في الأسرة التي فيها تعدّد الأزواج أو تعدّد الزوجات أيّة خلافات أو صدامات أو غيرة، بل إنّ الأسرة تظل متضامنة من الناحية الاجتماعية تضامناً قوياً. إنّ جميع أفراد الأسرة كباراً وصغاراً يتمتعون بنفسية مرحة وطيبة. إنّ مبدأ تعدّد الأزواج أو الزوجات أدّى إلى تضعضع القواعد الجنسية في المجتمع البوذي في لاداخ وتعتبر الحرية الجنسية أمراً اعتيادياً. لا يخفى أنّ مبدأ تعدّد الأزواج له آفاته وأضراره ونتائجه القبيحة السيئة في المجتمع والجيل المستقبلي. ولهذا، فإنّ الحكومة الهندية أعلنت بأنّ هذا المبدأ ليس قانونياً، وأنّ تعدّد الأزواج يشاهد في المدن بصورة نادرة غير أنّه ساري المفعول في القرى والمناطق العشائرية الجبلية، وهو آخذ بالاضمحلال والزوال تدريجياً.
إلاّ أنّ كنينگ هام (Cunningham) يعتقد أنّ هذا من مخلفات الحضارة الآرية القديمة التي كانت ظاهرة تعدّد الأزواج والزوجات سائدة فيها.
الدكتور علي محمد نقوي
كشمير بين الهند وپاكستان
نكتب هذا الفصل بعد مرور خمسين عاماً على استقلال الهند وباكستان في الخامس عشر من شهر آب (أغسطس) 1947، وتقسيم وُلد بعد مخاض عسير (5000,000 قتيل و55 مليون نازح ومهجر) ولا زالت المشاكل التي وسمت هذا الفصل المؤلم من تاريخ البلدين تتفاعل حتّى اليوم. ولم تتمكن الوساطات والمحاولات المتكررة التي بذلها مسؤولو الهند والباكستان والمجتمع الدولي بالتوصل إلى وضع حل نهائي لها. وأسفرت الحرب التي اندلعت عام 1971، عن تبعات إقليمية سلبية ومؤلمة بالنسبة إلى باكستان، إذ حرمتها من جزئها الشرقي، الذي أصبح في ما بعد يعرف ببنغلاديش.
ولا ريب، أنّ المعطيات الجيوبوليتيكة الطارئة وخاصة انتهاء الحرب الباردة وتفكك التحالفات التي كان الاتحاد السوفياتي السابق عقدها مع عدد من الدول «الصديقة» في المنطقة، حدت بنيودلهي إلى مراجعة توجهاتها الاستراتيجية. فقد استفادت الباكستان المجاورة من هذه المعطيات الجديدة.
بالمقابل، جاء سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، ليزعزع الديبلوماسية الهندية لفترة من الزمن، فقد كانت السياسة الهندية شكلت في الفترة السابقة خليطاً متناسقاً من المواقف القومية المتصلبة ووقفت موقف المحامي عن مصالح الجنوب ضد الشمال، كما اعتبرت رمزاً لـ «الطريق الثالث» التي جسدتها «حركة عدم الانحياز» هذا في الوقت الذي أقامت فيه خارجيتها شبكة علاقات متوازنة ودقيقة مع القوى العظمى المسيطرة، أي الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والصين.
ويشكل الانخراط الإقليمي أولوية من أوليات السياسة الهندية اليوم. فهو يقيها شر الانعزال ويساعدها على لعب دور بارز في المنطقة. ولا بد أنّ «مذهب غوجرال» نسبة إلى رئيس الوزراء ووزير الخارجية الحالي، يصب في هذا الاتجاه، فقد سمح تصوّر زعيم التحالف اليساري الحاكم، بتقديم بعض التنازلات والقضاء على العجرفة الهندية السابقة وبتحسين العلاقات مع الدول المتاخمة وخاصة بنغلادش والباكستان. وقد شكلت البلدان الثلاثة «فريق عمل» مشترك للبحث في القضايا العالقة لا سيما المسألة الكشميرية. كما تأمل نيودلهي أن يساهم هذا الاعتدال بحل الميليشيات المنتشرة على تخومها الشمالية الشرقية.
بالفعل، بدأت محاولات الهند بالتأقلم مع المعطيات الجيوستراتيجية الجديدة فور انتهاء النزاع بين الغرب والشرق. إلاّ أنّ هذا التحول لم يكن عاملاً سهلاً بالنسبة إلى دولة كالهند، كانت اكتسبت، بسبب هذا الصراع بالذات، أهمية متعاظمة على الساحة الدولية، فاقت حجمها الاقتصادي والعسكري الفعلي. وكان الدور الذي لعبته على الساحة الدولية في مجموعة الدول غير المنحازة منحها في الماضي وزناً بالغ الأهمية، إلاّ أنّه أصبح في ضوء المتغيرات الجديدة عديم الأهمية خاصة وأنّ وزن الدول بات في المرحلة الراهنة يقاس بوضعها الاقتصادي واندماجها وتأثرها في اقتصاد السوق العالمية.
ويتساءل عدد من المراقبين عمّا إذا كانت الذكرى الخمسين لاستقلال الهند وباكستان ستتميز بانخفاض حدّة النزاع الذي سمّم علاقاتهما منذ عام 1947؟ فقد أجرى البَلَدان، للمرة الأولى منذ عام 1989، محادثات على أعلى المستويات بدأت في شهر آذار (مارس) 1997 في نيودلهي واستكملت في شهر حزيران (يونيو) في إسلام آباد بغية التوصل إلى حل المشاكل العالقة بينهما.
وكان رئيس الوزراء الهندي أندر كومر غوجرال قد التقى نظيره الباكستاني نواز شريف بهذا الخصوص، في أيار (مايو) 1997 في جزر المالديف. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ غوجرال يتحدر من مدينة جيلوم التي ألقحت بباكستان بعد التقسيم، وهو يعي أهمية التضامن الإقليمي واللغوي عبر الحدود ويعتبرها من العوامل الإيجابية القادرة على لعب دور فاعل في إعادة الاستقرار إلى المنطقة. ويعتبر هذا الأمر من الأسباب التي حدت به إلى الاحتفاظ بحقيبة وزارة الخارجية في التشكيلة الحكومية التي يرأسها. وقد كرر في خطبه وتصاريحه الصحافية أنّه «يولي أهمية خاصة للمفاوضات الثنائية ويعتبر أنّ نجاحها يشكّل أحد أولويات حكومته». ويبدو أنّ مواقفه المعتدلة أوحت الثقة إلى إسلام آباد. إلاّ أنّ هذا ليس كافياً لحلحلة الأوضاع وخاصّة في ملف كشمير ذات الطابع الرمزي الانفعالي هذا بالإضافة إلى أنّ حكومتي البلدين لا تتمتعان، على الصعيد الداخلي، بهامش واسع من التحرّك.
على هذا الصعيد، تعيد المسألة الكشميرية إلى الأذهان الأسس التي رافقت استقلال البلدين وأضفت على كلّ منهما هوية محددة: الهوية الدينية بالنسبة لباكستان المسلمة والهوية العلمانية بالنسبة إلى الهند المتعددة الديانات. وتستند باكستان في مطالبتها بإلحاق كشمير إلى أنّ أكثرية سكان الإقليم مسلمة، فيما تذكر الهند بشرعية انضمام كشمير إلى الاتحاد الهندي سيما بعد موافقة مهراجا كاشمبر هاري سينغ وتوقيعه الرسمي على وثيقة الانضمام عام 1947. وكانت الحرب الأولى الهندية – الباكستانية انتهت عام 1949 بتقسيم الإقليم إلى كشمير الباكستانية (أزاد كشمير والمناطق الشمالية التي ألحقت بباكستان من جهة)، وكشمير الهندية (جامو كشمير الذي تبدو عملية دمجه في الاتحاد الهندي أكثر تعقيداً) من جهة أخرى.
وترغب الهند التي تجد هذا التقسيم حلاً ملائماً لها، حصر الخلاف وتسويته في إطار المفاوضات الثنائية. وقد نجحت في إدراج هذا المبدأ ضمن بنود اتفاق سميلا الذي وقع عام 1972 بعد الهزيمة الباكستانية التي أعقبت حرب بنغلاديش. وترفض نيودلهي القبول بانفصال الإقليم خوفاً من أن يؤدي الأمر إلى اندلاع النزاعات الطائفية وتجزئة البلد الذي تتنازعه مختلف التيارات الانفصالية لا سيما الحركة القومية الهندوسية بمختلف أحزابها وطوائفها، وإلى تهديد الطابع العلماني الذي يتميز به «الاتحاد الهندي» في الوقت نفسه.
وفي المقابل، ترفض باكستان التخلي عن التمسك بالكيان الديني كعامل قومي ووطني موحد ويطالب بحق الكشميريين بتقرير المصير مذكرة الهند بالالتزامات الدولية التي كانت تعهدت بها عام 1949. (تنص الاتفاقات المذكورة على انسحاب القوات الهندية وإجراء استفتاء شعبي لتقرير مصير كشمير). من ناحية أخرى، يساهم الشعور بالعداء للهند الذي ينتشر بقوة في أوساط سكان وادي كشمير في تصلب باكستان وتعزيز مواقفها ورفضها حصر الخلاف في إطار ثنائي ضيق يرغمها على مواجهة غير متساوية مع نيودلهي ويدعم محاولاتها المستمرة لتدويل النزاع.
وفي نهاية الثمانينات، عاد الملف الكشميري إلى البروز بقوة، مكتسباً أهمية قصوى بسبب تصاعد التيارات الانفصالية وانتشارها بقوة في أوساط مسلمي وادي كشمير. وكان حزب «المؤتمر الوطني» الإقليمي المعتدل حكم كشمير حتى موت زعيمها الشيخ عبدالله عام 1982. واستطاع هذا الحزب الذي أسّسه الشيخ عبدالله عام 1931 تأطير التطلعات الوطنية وتجسيد الهوية الكشميرية واستيعاب معظم القوى الانفصالية في آن. إلاّ أنّ موت الشيخ عبدالله فتح باب النزاعات الحزبية الداخلية على مصراعيه. وتوالى على حكم كشمير عدد من الحكومات الائتلافية، بمساندة حزب المؤتمر أو بدافع منه، بعد الانتخابات المزورة التي أجريت بين 1983 و1987. واتهم معظمها بالرشوة والفساد كما اتهم البعض الآخر بالتخلي عن القضية القومية والانحياز إلى الهند. بالإضافة إلى ذلك غرق حزب المؤتمر في نزاعات داخلية ومؤامرات حزبية أضعفته وأفقدته مواقعه وعززت بالتالي تصاعد التيارات الانفصالية الأخرى.
على هذا الصعيد، شهدت حركة التمرد في كشمير تطوراً مهماً ابتداء من 1989 بدافع من المجموعات المسلحة التابعة لجبهة تحرير جامو – كشمير العلمانية والمؤيدة لاستقلال كشمير، أو بمساندة حزب المجاهدين الديني الداعي للالتحاق بباكتسان. ويحظى هذا الأخير بدعم إسلام آباد العسكري والديبلوماسي. وقد عمدت الهند إلى قمع هذه النشاطات «الإرهابية» بالقوة، ممّا حدا بأكثر من 150,000 من سكان وادي كشمير الهندوس إلى النزوح، وأسفر عن سقوط 12,000 قتيل (50,000 حسب الانفصاليين) ضحية المواجهة العسكرية الدامية التي اشترك فيها 350000 جندي هندي.
ويقف هذا التوتر المستمر بين الهند وباكستان وراء عدد من المواجهات والحوادث الحدودية المتفرقة والمترافقة مع حملات إعلامية عدوانية من جانب وسائل إعلام البلدين. وتلعب الصحافة دوراً مهماً في إثارة المشاعر العدوانية وتعبئة الرأي العام المحلي ضد مواقف الطرف الآخر. وفيما تحاول إسلام آباد الحصول على دعم دولي وخاصة إسلامي من أجل التوصل إلى «إدانة الممارسات الهندية والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان» تشهد الهند عمليات إرهابية عديدة ضد المواقع الإسلامية في مدن وأقاليم مختلفة وخاصة تلك التي تقطنها أقلية مسلمة. فقد دمر مناضلون هندوس من أنصار حزب الشعب الهندي القومي المتطرف، جامع بابر في أيوديا (أوتار برادش) في كانون (يسمبر) 1992. وأسفر الحادث عن موجة من الاعتداءات والتفجيرات والتحركات استمرت تتفاعل حتى 1993، عاكسة التناقضات الدينية والإثينية في المنطقة.
وتنتشر في بعض الأوساط الهندوسية الأفكار الدينية المتطرفة التي يغذيها حزب (الباراتيا جاناتا) (BJP) المدعوم من حزب «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» (RSS) وبعض الفصائل والمجموعات الأصولية المتطرفة. وتؤمن هذه الفصائل التي يستلهم بعضها علناً الأفكار النازية، بـ «تفوق الهندوس»، وحقهم في الاستئثار بالهند، لكونهم أوّل سكانها وورثة الحضارة الهندوسية القديمة التي قضى عليها «المحتلون المسلمون». ويُحمِّل هؤلاء المسلمين (12 في المائة من السكان) مسؤولية «المحن والمصائب التي تصيب الهند». وقد ساهمت هذه الحملات الدعائية المعادية للإسلام بتصاعد أعمال العنف والاعتداءات ضد المواقع الدينية الإسلامية والمؤسسات والأفراد في عدد كبير من المدن والأقاليم الهندية.
ورغم أنّ هذه الأفكار المتطرفة لا تحظى بدعم أغلبية الشرائح الاجتماعية الهندية، إلاّ أنّها آخذة في الانتشار في أوساط شعبية متزايدة.
وقد دلت الانتخابات التشريعية التي جرت على رفض قطاعات واسعة من السكان لهذا المنطق المجموعاتي المنغلق على نفسه. ورغم أنّ حزب الـ بي. جي. بي. (BJP) فاز بستة وعشرين في المائة من الأصوات، إلاّ أنّه لم يحصل على الأغلبية المطلقة واقتصر عدد مقاعده في البلمان على 176 مقعداً من مجمل المقاعد الـ 542. وهذا ما يجبره على عقد تحالفات مع الأحزاب الأخرى التي تأخذ عليه تطرفه وانغلاقه، ومنعه من تولي رئاسة الحكومة أكثر من ثلاثة عشر يوماً فقط.
بالمقابل، لم يكن حزب البي.جي.بي. المتطرف قادراً على الاستئثار بهذا العدد من المقاعد لولا الوهن والتفكك الذي يعاني منه حزب المؤتمر من جهة، وانعزال أحزاب اليسار واقتصارها على ولايات ومقاطعات محدودة مثل البنغال الشرقي وولاية كيرالا مثلاً. بالإضافة إلى هذا، طغى في أوساط الناخبين، شعور مناوئ لحزب المؤتمر بعد انتشار عدد من الفضائح والقضايا التي ضلع بها عدد من المسؤولين، وبدا حزب الـ بي.جي.بي. والحال هذه، وكأنّه الخيار الوحيد المتبقي.
من جهتها تعاني باكستان من أعمال عنف خطيرة بسبب المواجهات الدامية بين حركة المهاجر القومية التي تمثل المسلمين القادمين من الهند بعد التقسيم من جهة ومناضلي حزب الشعب الباكستاني الحاكم من جهة أخرى. وكان عام 1995 شهد بداية التصعيد الخطير الذي وضع البلاد على شفير الحرب الأهلية وأسفر عن مئات القتلى من الجانبين. ورغم المفاوضات التي أجريت مع الحزب القومي، إلاّ أنّها لم تؤد إلى وقف أعمال العنف إلاّ نسبياً. هذا بالإضافة إلى أعمال العنف التي انفجرت في «المنطقة القبائلية» قرب بيشاور بسبب محاولات الحكومة وقف عمليات التهريب عبر أفغانستان. وكانت المواجهات بين أبناء القبائل والجيش أسفرت عن مقتل اثني عشر شخصاً في شهر آب (أغسطس) 1996، وواجه قطاع مالاقند حركة اضطرابات بسبب المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية. وشهدت مناطق كراتشي والبنجاب تصاعداً في حدّة التوتر بين السنّة والشيعة في بداية العام 1996 ولم تهدأ المواجهات إلاّ بعد تشكيل «المجلس الوطني للتضامن» الذي ضمّ عدداً من الأحزاب الدينية.
ويعود الفضل في حصر موجة العنف المتبادلة بين الهند وباكستان والإحاطة بالخلافات ومنعها من التحوّل إلى حرب سافرة، إلى عدد من العوامل والتناقضات الداخلية في كلا البلدين. فإلى جانب حيازة البلدين للسلاح النووي الذي يعتبر بحد ذاته عاملاً رادعاً، يعاني الطرفان من أزمة اقتصادية تدفعهما إلى تحديد ميزانيتهما العسكرية أو تخفيضها أحياناً، من أجل إنجاز الإصلاحات الاقتصادية المفروضة في ضوء المعطيات الاقتصادية إلاّ أنّهما ملزمتان تجميد جزء من قواتهما العسكرية لأغراض الحفاظ على الأمن الداخلي.
ففي الهند، وبعد خمس سنوات على بدء العمل ببرنامج تحرير الاقتصاد الذي أطلقه عام 1991، رئيس الحكومة ناراسيما راو ووزير المالية مانموهان سينغ، لا زال مستوى الحياة متدنياً بالنسبة إلى شرائح عديدة من السكان التي تعاني من تدني قدرتها الشرائية بسبب معدل التضخم العالي الذي ناهز الـ 10 بالمائة العام 1996 وعجز الدولة عن تخفيض العجز الضريبي الذي بلغ 6 في المائة. وعلى الرغم من مستوى النمو المرتفع الذي بلغ 2,6 في المائة عام 1996، إلاّ أنّ الهند لم تتمكن من استكمال عملية الإصلاح الاقتصادي التي كانت شرعت بها. فقد أحجمت الحكومة عن خصخصة عدد من المؤسسات التابعة للقطاع وخاصة تلك المكلفة بتطوير البنى التحتية. بالإضافة إلى هذا، فإنّ الأوضاع السياسية المتقلبة التي رافقت الحملة الانتخابية الأخيرة ساهمت بعرقلة عمليات التوظيف والاستثمار حتّى أيار 1996.
بالمقابل، تعاني باكستان من تدهور الأوضاع الاقتصادية مع أجواء داخلية متوترة يؤججها تفشي الفوضى والعنف في كراتشي. وقد شهدت الفترة الأخيرة عدداً من الاضطرابات وأعمال احتجاز الرهائن وطلبات الفدية التي حدت بالمستثمرين الأجانب إلى الإحجام عن توظيف الأموال ودفعت برجال الأعمال والصناعيين الباكستانيين إلى نقل نشاطاتهم إلى إقليم البنجاب أو إلى الخارج. هذا، ولم تستطع إسلام آباد التوصل إلى عصر النفقات وتخفيض العجز في الميزانية الذي كان فرضه صندوق النقد الدولي وفشلت في فرض الضرائب على العائدات الزراعية لتغذية ميزانيتها خشية إثارة استياء كبار ملاك الأراضي المهيمنين تقليدياً على الحياة السياسية للبلد. رغم أنّ محصول القطن بلغ معدلاً قياسياً، إلاّ أنّ الصادرات القطنية انخفضت ستين في المائة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كما تدنّي الاحتياطي النقدي بشكل خطير خاصة وأنّ التحويلات المصرفية التي درج العمال الباكستانيون العاملون في الشرق الأوسط على إرسالها تدنّت بدورها. وقد بلغ معدل التضخم عشرة في المائة فيما استمر النمو الاقتصادي الباكستاني بالانخفاض حتّى وصل إلى 3,8 في المائة عام 1995.
وتحاول الهند وباكستان توثيق التعاون الاقتصادي وتطوير علاقتهما التجارية في إطار منظمة التعاون الجنوبي – الآسيوي الإقليمية (Saarc). وقد منحت نيودلهي إسلام آباد مؤخراً، بعض الامتيازات التجارية التعريفية. وتجدر الإشارة إلى أنّ مصلحة الولايات المتحدة تقتضي حصر الصراع بين بلدين، يعتبر أحدهما (باكستان) حليفاً أساسياً في الحرب الأفغانية، والآخر شريكاً تجارياً مهماً وسوقاً ضخمة للمنتجات الأميركية.
وتحاول كلّ من الهند وباكستان الحفاظ على مواقعها وتأثيرها الدولي وتعمل على أخذ المعطيات الدولية الطارئة بعين الاعتبار. فقد كرّست التحوّلات الجيوبوليتيكية الجديدة الهيمنة الأميركية على العالم وسمحت لحليفيها بلعب دور مهم على الصعيد الإقليمي.
وبالفعل، عمدت نيودلهي إلى تحسين علاقاتها بواشنطن منذ 1991. وعلى الرغم من الخلافات التي اتّسمت بها العلاقات الثنائية بسبب إحجام الهند عن توقيع معاهدة وقف انتشار الأسلحة النووية عام 1995 ومعاهدة وقف انتشار التجارب الذرية عام 1996، إلاّ أنّ الولايات المتحدة أصبحت مؤخراً الشريك التجاري الأول للهند. وتجدر الإشارة إلى أنّ الهند وضعت في مرتبة «إحدى أهم الأسواق الدولية العشرية البارزة» عام 1996، وقد بلغ معدل المبادلات التجارية بين البلدين تسعة مليارات دولار أميركي سنوياً، فيما بلغت نسبة الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة 20 في المائة من مجموع صادراتها ووصلت نسبة الاستيراد إلى 10 في المائة. ويعتبر الشريك الأميركي المستثمر الأول في الاتحاد الهندي. وقد ارتفع مستوى التوظيفات الأميركية المباشرة من 89 مليون دولار عام 1989 إلى مليار دورا عام 1996. كما تفرض الولايات المتحدة على شركاتها الكبرى العاملة في الهند، تخصيص مساعدات كبيرة للإصلاحات الاقتصادية التي تحققها نيودلهي. بالمقابل، بدأت الولايات المتحدة منذ 1992 إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع الاتحاد الهندي.
من جهة أخرى، ساهمت الأوضاع السياسية والعسكرية المتقلبة واختلال التوازن في المنطقة بدفع الولايات المتحدة إلى استعادة التقارب مع باكستان وإعطائها، ولو جزئياً، الأهمية الاستراتيجية التي كانت حظيت بها خلال فترة «الحرب الباردة» وأثناء الحرب الأفغانية التي أعقبت دخول القوات السوفياتية عام 1979. وكانت قضية طائرات «آف – 16» الأميركية التي أوصت عليها ودفعت ثمنها إسلام آباد قد أثارت أزمة بين البلدين عندما رفضت الولايات المتحدة تسليمها بسبب «قانون برسلر» الذي يربط المساعدات الأميركية بتأكيد رئيس الجمهورية الأميركية أمام الكونغرس أنّ باكستان لا تمتلك السلاح النووي. إلاّ أنّه تمّ حل هذا الإشكال باللجوء إلى ما يسمّى «تعديل براون» الذي تبناه مجلس الشيوخ الأميركي في تشرين الأول (أكتوبر) 1995 وأقرّه الرئيس كلينتون في كانون الثاني (يناير) 1996. وينص التعديل المذكور على استعادة المساعدات الأمركية المكرسة لمكافحة الإرهاب والمخدرات. وبالفعل، قامت باكستان بإثبات حسن نواياها وذلك بإبعاد عدد من الإسلاميين العرب وتجار المخدرات المعروفين. وتعتبر الولايات المتحدة اليوم، شريكاً اقتصادياً مهماً لباكستان، إذ تصل نسبة الصادرات الباكستانية لأميركا إلى حوالي 16 في المائة، فيما يبلغ معدل الاستيراد 10 في المائة.
على أنّ تدني احتمالات الحرب لم يترافق مع احتمالات إيجاد حلول سياسية نهائية لمسألة كشمير. وبغياب الحسم العسكري من جانب هذا الطرف أو ذاك، يبقى نجاح التمرد والضغوط الدولية العامل الأساسي لتغيير الأمر الواقع السائد حالياً على الجبهة الكشميرية. فإسلام آباد ليست مستعدة للتخلي عن مواقفها طالما أنّ الشعور السائد في أوساط سكان وادي كشمير هو الولاء لباكستان والانفصال عن الاتحاد الهندي. هذا بينما تستمر نيودلهي في محاولاتها لتغيير المعطيات الداخلية لصالحها وحثّ السكان على القبول بحل «وسط» يتجسد بحكم ذاتي في إطار الاتحاد الهندي.
ويبدو أنّ التطورات الأخيرة تجري بهذا الاتجاه بالذات. فقد نجحت الهند، وتحت حراسة عسكرية متشددة بتنظيم انتخابات في شهري أيار وأيلول من العام 1996 في مقاطعة كشمير التي كانت وضعت تحت الإدارة العسكرية الهندية منذ 1989. وقد فسر عدد من المراقبين النسبة المرتفعة من الأصوات (58 في المائة، وهي نسبة تعتبر عالية في الاتحاد الهندي)، كتعبير عن إعياء السكان وإحباطهم أمام فشل الحلول السياسية من جهة ومعاناتهم من التبعات الاقتصادية والاجتماعية السلبية التي فرزها الصراع منذ سنوات.
ويذهب «مبدأ غوجرال» رئيس الوزراء الهندي إلى أنّه على الهند، كقوة إقليمية مهيمنة أن تقدم التنازلات لجيرانها بغية حل النزاعات العالقة. ويفسر المراقبون هذا الموقف على أنّه استعداد للتنازل حول مسألة قمم السياستين الثلجية حيث تستمر حرب المواقع بين البلدين منذ 1984.
مارسيل عقل
كشمير
في السياسات الهندية والباكستانية([361])
قضية كشمير من القضايا المحورية في السياسة الخارجية لكل من الهند وباكستان منذ استقلالهما، وهي من أهم القضايا التي تؤثر سلباً وإيجاباً في علاقات البلدين، أو كما يسميها البعض بعقدة العلاقات الهندية – الباكستانية. وفي إطار الوضع المتميز بين الأهداف القومية للبلدين، فقد شهد العام الأول (من فترة الدراسة) نشوب حرب بينهما بسبب هذه القضية، وكانت سبقتها حرب أولى عقب الاستقلال مباشرة. ثم كانت الحرب الثالثة بين البلدين في العام 1971، التي وإن لم تكن حول كشمير، إلاّ أنّها أثرت على القضية. أعقب حربي 1965 و1971 توقيع اتفاقين بين البلدين، هما اتفاق طشقند في كانون الثاني (يناير) 1966 واتفاقية سيملا في تموز (يوليو) 1972 فما هو موقع قضية كشمير في الاتفاقين. وكيف كان تأثير كل من الاتفاقين على القضية؟
فيما يتعلق بالاتفاق الأول فإنّ الحديث عن قضية كشمير جاء في البند الأول في إطار الحديث عن بذل البلدين الجهود من أجل قيام علاقات جوار طيبة بينهما طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، وتأكيدها على الالتزامات الواردة في الميثاق فيما يتعلق بعدم استخدام القوة وحل المنازعات بالطرق السلمية، ومن ثم فإنّهما يؤكدان على أنّه من أجل السلام في المنطقة، وبخاصة بين الهند وباكستان، ومن أجل مصالح الشعبين، التي لن تتحقق باستمرار التوتر بينهما، ومن ثمّ فإنّه تمت مناقشة قضية جامو وكشمير، وطرح كل طرف موقفه منها، وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي ذكرت فيها قضية جامو وكشمير صراحة في اتفاق طشقند، وهذا لا يعني أنّ البنود الأخرى من الاتفاق لم تتعرض للقضية، وإنّما كان تعرضها لها في إطار أمور أخرى مثل وقف إطلاق النار، حيث جاء في البند الثاني من الاتفاق أنّ الدولتين وافقنا على أن تقوم كل منهما بسحب قواتها إلى المواقع التي كانت عليها قبل الخامس من آب (أغسطس) 1965 تاريخ بدء العمليات العسكرية بينهما، على أن يتم ذلك في فترة زمنية لا تتجاوز الخامس والعشرين من شباط (فبراير) 1966، أي في مدة لا تجاوز شهراً ونصف الشهر من تاريخ الاتفاق، ومن ثم فإنّ الاتفاق أبقى على الأوضاع في كشمير كما كانت عليه قبل الحرب، أمّا باقي البنود فإنّها تحدّثت عن عودة العلاقات بين البلدين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما ووقف الدعاية التحريضية وتشجيع الدعاية التي من شأنها تطوير علاقات الصداقة بينهما، إضافة إلى النص على استمرار المباحثات بينهما حول قضايا اللاجئين والهجرة غير الشرعية، وسبل إعادة الأصول والممتلكات التي استولى عليها كل جانب أثناء الحرب.
وإذا كان المسؤولون في الجانبين قد أعلنوا عن نيتهما تنفيذ ما جاء في الاتفاق، فإنّ ردود الفعل الداخلية على الاتفاق كانت مختلفة، ففي حين قوبل الاتفاق بارتياح في الهند باعتبار أن ما ورد في الاتفاق حول كشمير هو كلام عام لا يتضمن أي مساس بموقف الهند، كما أنّه لم يتضمن أي إشارة إلى مطالب باكستان حول الاستفتاء في كشمير. وفي المقابل، فإنّ الاتفاق ووجه بمعارضة قوية باعتبار أنّه مثّل فشلاً ذريعاً لباكستان، التي لم يعد بإمكانها الاحتجاج على إبادة شعب كشمير من قبل الهند استناداً إلى النص القاضي بعدم التدخل، كما أنّ الاتفاق لم يتضمن أياً من المطالب الباكستانية التي من أجلها كانت الحرب ومن ثم اندلعت التظاهرات في باكستان. لا سيما من جانب الطلبة، وفي لاهور فتحت قوات الشرطة النار على المتظاهرين ممّا أدّى إلى مقتل اثنين من الطلبة، كما أنّ وسائل الإعلام في باكستان مُنِعَتْ من انتقاد الاتفاق. والواقع أنّ هذا الاتفاق هو انعكاس طبيعي لموازين القوى بين البلدين بعد المواجهة العسكرية بينهما وقراءة كل منهما للبيئة الإقليمية والدولية المحيطة، التي تشكل إمّا عوامل ضغط أو عناصر قوّة، فباكستان قد وجدت نفسها وحيدة في مواحهة الهند الأكثر منها عدّة وعتاداً بعد أن اقتصر التأييد لها على التأييد المعنوي. ومن ثم فإنّ البعض يرى أنّ مجرد ذكر قضية كشمير في الاتفاق في اعتراف ضمني بوجود مشاكل بخصوصها هو مسألة مهمة، وأنّ الاتفاق بإعلانه عن اتباع الطرق السلمية في حال الخلافات قد نقل قضية كشمير من أسلوب المعالجة بالنزاع المسلح إلى أسلوب المعالجة بالمباحثات السلمية وهو ما لم تثبته الممارسة العملية فيما بعد، إذ أنّه من الواضح أنّه لم يتم الالتزام بكل بنود هذا الاتفاق وإلاّ لما كانت الحرب الثالثة بين البلدين.
وينقلنا ذلك إلى الحديث عن قضية كشمير في اتفاقية سيملا، وهل تغير الوضع عما كان عليه في اتفاق طشقند أم أنّه ظل كما هو؟ ولماذا؟
فيما يتعلق بوضع قضية كشمير في اتفاق سيملا سوف نجد أنّ اسم جاو وكشمير قد ذكر صراحة مرتين:
الأولى جاءت عند الحديث عن المواقع التي يجب أن تنسحب إليها قوات الطرفين كمقدمة لإقامة السلام الدائم بينهما، حيث تمّ النص على أن تنسحب القوات الهندية والباكستانية إلى الحدود الدولية فيما بينهما، وبالنسبة لجامو وكشمير فإنّ خط الانسحاب هو خط السيطرة التي تحدّد بوقف إطلاق النار في 17 كانون الأول (ديسمبر) 1971 الذي يجب على الطرفين احترامه، مع عدم الإضرار بالمواقف المعروفة لكل من الجانبين، وعدم قيام أي طرف بتغييره بصورة منفردة دون النظر إلى الاختلافات الثنائية والتبريرات القانونية، ومن ثم فإن الطرفين يمتنعان عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها الفعلي لاختراق هذا الخط.
المرة الثانية التي ذكرت فيها جامو وكشمير صراحة كانت عند الحديث عن موافقة الجانبين على استئناف اللقاءات بينهما على أعلى المستويات من أجل البحث في ترتيبات إقامة السلام الدائم، وتطبيع العلاقات بينهما، حيث ذكرت التسوية النهائية لقضية جامو وكشمير ضمن مجموعة من القضايا التي ستكون موضوعاً للمباحثات ومنها تبادل الأسرى واستئناف العلاقات الدبلوماسية وإطلاق سراح المدنيين الذين تمّ اعتقالهم أثناء الحرب. ومن النقاط الأخرى التي وردت في الاتفاق وثار حولها جدل كبير فيما يتعلق بقضية كشمير، والتي ما زال لها تأثيرها عليها حتّى الآن، ما ورد في الاتفاق بشأن موافقة البلدين على تسوية خلافاتهما بالطرق السلمية، عبر المفاوضات الثنائية، أو أي وسيلة سلمية أخرى يتفق عليها الطرفان، ليس هذا فحسب بل إنّه إلى أن تتم التسوية النهائية للمشاكل العالقة بين البلدين فإنّه يحظر على أي جانب العمل بشكل منفرد على تغيير الوضع، وأن يمتنع الطرفان عن مساعدة أو تشجيع أو تنظيم أي عمل من شأنه الإضرار بالعلاقات السلمية بينهما.
نُظر إلى هذه النصوص في باكستان على أنّها تكبيل ليد الحكومة الباكستانية فيما يتعلق بقضية كشمير، حيث إنّ القضية بهذا المعنى لم تعد قضية دولية، وحتى إذا ما فشلت المفاوضات الثنائية في التوصل إلى حل لتلك القضية فإنّ باكستان لا يمكنها الانتقال إلى وسيلة أخرى إلاّ بموافقة الهند، ليس هذا فحسب بل إنّ معارضي الرئيس الباكستاني ذو الفقار علي بوتو اتهموه بأنّه بهذا الاتفاق يكون قد وافق على اعتبار الوضع القائم في كشمير وضعاً نهائياً. وحاول بعض المعلقين الهنود التأكيد على أن ما تمّ في سيملا كان إقراراً باكستانياً بأنّ خط وقف إطلاق النار في كشمير سيكون بمثابة خط الحدود الدولية، وإن كان البعض الآخر اعتبر أنّ ما تمّ في سيملا من تغيير لمسمّى خط الهدنة إلى خط السيطرة لا يعدو أكثر من نقل لقضية كشمير من إطار الأمم المتحدة إلى الإطار الثنائي. ونفى بوتو أن يكون أقر بأنّ خط السيطرة هو خط الحدود الدولية قائلاً إنّ المسألة ليست إلاّ تغيير مسميات من خط وقف إطلاق النار أو الهدنة إلى خط السيطرة. والواقع أنّ باكستان كانت في وضع حرج للغاية، فهي هزمت عسكرياً. كما أنّها فقدت شطرها الشرقي بموارده الكثيرة، وهناك ما يقارب المئة ألف جندي من جنودها في عداد الأسرى، ومن ثم فإنّ البعض يرى أنّ ما تمّ في سيملا لم يكن بالإمكان تحقيق أفضل منه، وأنّ الاتفاق ترك جميع الخيارات مفتوحة أمام الجانبين، ولعل هذا ما جعل العديد من الأصوات الهندية تتعالى بعد تصاعد الأمور في كشمير، متهمة أنديرا غاندي بأنّها أضاعت فرصة ذهبية لتسوية قضية كشمير في ظل الهزيمة الباكستانية الشاملة، وإن كان البعض الآخر رد على هذه الاتهامات قائلاً بأنّ أنديرا غاندي كانت تريد ألا يعتلي سدّة الحكم في باكستان نظام عسكري آخر يكون أكثر تهديداً للهند، ومن ثم فإنّها قبلت بهذا الحد فيما يتعلق بقضية كشمير حتى لا تسبب حرجاً داخلياً لبوتو، لا سيما أنّه أبدى رغبة واضحة في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع الهند.
وبعيداً عن هذا الجدال فإن ما يمكن التأكيد عليه هو أنّ الهزيمة الباكستانية كانت قاسية، كما أنّ الدبلوماسية الهندية المستندة إلى نصر مؤزر كانت لها حدود جعلتها غير قادرة على الحصول على موافقة باكستان على الاعتراف بخط السيطرة كخط للحدود الدولية الدائمة بين البلدين، كما أنّ الهزيمة الباكستانية، وانفصال الجزء الشرقي تحت مسمّى دولة بنغلاديش قد قلل من مصداقية الحجج الباكستانية فيما يتعلق بكون غالبية سكان كشمير من المسلمين، ومن ثم فإنّ من واجبها مساندتهم، حيث إنّ الأحداث أثبتت أنّ الرابطة الدينية وحدها لا تكفي، فها هم مسلمو باكستان الشرقية يختارون الانفصال نظراً لتسلط مسلمي باكستان الغربية عليهم وحرمانهم من ثمار الموارد التي يحوزونها. وهكذا فإن باكستان بعد الحرب، في ظل وضعها الحرج، كانت تسعى إلى تجميد الأوضاع على ما هي عليه في كشمير، في حين كانت الهند تريد إنهاء هذه المشكلة لصالحها في ظل وضعها المتميز بعد الحرب، حيث إنّها عرضت التوقيع على اتفاق صلح شامل وعدم اعتداء، يتضمن تقسيم فعلي لكشمير بينها وبين باكستان، ويتضمن ترحيل مراقبي الأمم المتحدة الذين كانوا يشرفون على احترام اتفاق وقف إطلاق النار منذ العام 1949، وهو ما رفضته باكستان بشكل قاطع، وهذا عكس ما كانت عليه الأوضاع قبل العام 1971 حيث كانت الهند تعمل على تأجيل قضية كشمير، في حين كانت باكستان تطالب بالحل الجذري للقضية.
وهكذا فإنّ لكل من باكستان والهند قراءة لاتفاقية سيملا، فباكستان ترى أن توقيعها على الاتفاقية لم يسلبها قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية، والهند، من جانبها، ترى أنّ الاتفاقية قد أبعدت قضية كشمير عن قرارات الأمم المتحدة.
وبعد اتفاقية سيملا، وفي ظل الأوضاع الجديدة التي كانت تعيشها باكستان، اتجه ذو الفقار علي بوتو للتركيز على القضايا الداخلية، ونحى قضية كشمير جانباً، حيث إنّه انشغل بقضايا الدستور الجديدة في باكستان، وجهود محاصرة التوتر في ولايتي بلوشستان والسند، كما أنّه حاول توجيه السياسة الخارجية لبلاده تجاه منطقة الشرق الأوسط، لا سيما بعد ارتفاع أسعار النفط عقب حرب 1973، وعمل كذلك على دعم علاقاته مع إيران، وفي هذا الإطار حصلت باكستان على مساعدات مالية من بعض الدول العربية مثل ليبيا والسعودية دعماً للبرنامج النووي الباكستاني، لا سيما أنّ بوتو حاول إعطاء بعد إسلامي للبرنامج النووي الباكستاني، واستخدم في أكثر من مرة عبارة القنبلة الإسلامية. وفي المقابل، فإنّ بوتو وجّه الاهتمام إلى منطقة آزاد كشمير (كشمير الحرة) وبدأ في توجيه الاستثمارات إليها كما أنّه أدخل العديد من الإصلاحات، ومن مؤشرات ذلك أنّه مع العام 1977 أصبح في المنطقة 11 مستشفى و136 مدرسة عالية بعد أن كانت المنطقة لا يوجد فيها أي مستشفى في العام 1947، ولم يكن بها سوى ست مدارس عالية فقط في التاريخ نفسه، وعلى ذلك فإنّ البعض يرى أنّ اتفاقية سيملا كانت هي الخطوة الأولى في عملية إلحاق آزاد كشمير بباكستان، والواقع أنّ الظروف الصعبة التي جعلت باكستان تقبل بتجميد القضية لم تمنع بوتو من الإعراب عن استعداده لدعم الشعب الكشميري إذا قام بحركة تحرير أياً كانت عواقب ذلك الدعم. كما أنّ بوتو انتقد اتفاق 1975 بين الشيخ عبدالله (الزعيم الكشميري) والحكومة الهندية، معتبراً أنّه انتهاك لاتفاق سيملا، ولقرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالاستفتاء في كشمير، ولا ننسى أنّ باكستان بدأت في تصعيد لهجتها تجاه الهند قبل ذلك بشهور قليلة عندما قامت الهند بتفجيرها النووي الأول، رافضة القول بأنّه تفجير سلمي.
والواقع أنّ سياسة الخيارات المفتوحة التي اتبعها بوتو منذ اتفاق سيملا، كانت هي السياسة نفسها التي اتبعها الجنرال ضياء الحق مع وصوله إلى الحكم في العام 1977، ومن ثم فإنّه طالب في العام 1983 بفتح باب التفاوضت حول كشمير، بحيث يطرح لكل طرف مطالبه، حتى لو كانت المطالبة بكل كشمير، مؤكداً على أنّه وإن كانت باكستان لا تفضل استخدام القوة فإنّها أيضاً لن ترضخ لوجهة النظر الهندية. الواقع أنّ هناك بعض المتغيرات جعلت باكستان تعود شيئاً فشيئاً لإثارة قضية كشمير بعدما كانت قبلت مرغمة بتجميدها بعد اتفاق سيملا، ومن هذه العوامل كما سبق ذكره التفجير النووي الهندي الأول، ثم الخطوة التي اتخذتها الهند بالاتفاق مع الشيخ عبدالله، وبروز تحديات داخلية كثيرة في بعض الولايات الهندية الأخرى مثل البنجاب التي يطالب السيخ فيها بدولة مستقلة، يضاف إلى ذلك ظهور حركات المقاومة في كشمير، لا سيما بعد تراجع شعبية الشيخ عبدالله إثر اتفاقه مع الحكومة الهندية المركزية، ثم رحيله في أوائل الثمانينات، إضافة إلى تحسن العلاقات الباكستانية الأميركية بخاصة بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان، ما أدّى إلى استمرار تقديم المساعدات الأميركية لباكستان على الرغم من الشكوك التي كانت تثار حول قدراتها النووية كما أنّ علاقات باكستان مع الصين استمرت في التطور وتشعبت أوجه التعاون بينهما لتشمل المجالات العسكرية ومنها النووية. والواقع أنّ إثارة القضية من جانب باكستان كانت إثارة محسوبة. تقوم على أساس تحريك القضية في المحافل الدولية، ودفع الهند للدخول في مفاوضات جادة حولها، دون أن تصل الإثارة إلى حد الدخول في سياسة عداء ومواجهة مع الهند إلى الدرجة التي تؤدي إلى حرب جديدة بين البلدين، حيث أنّها باتت تدرك إنها غير قادرة على كسب هذه الحرب، ومن ثم فإنّه مع وصول بنظير بوتو إلى الحكم في أواخر عام 1988 عملت على إشاعة روح الثقة بين البلدين، ومن ثم كانت مبالغتها في الترحيب براجيف غاندي عند زيارته لباكستان للمشاركة في اجتماعات السارك، والتوقيع على اتفاق يقضي بعدم مهاجمة أي طرف للمنشآت النووية للطرف الآخر. ولعل هذا التوجه من جانب بنظير بوتو هو الذي جعلها عرضة للاتهام بخيانة صراع مسلمي كشمير من أجل الحرية في مقابل تحسين العلاقات مع الهند وتملق راجيف غاندي.
وفي المقابل فإنّ الهند ومن موقع القوة أرادت هي الأخرى أن تجمد قضية كشمير بعد اتفاق سيملا. وكانت الهند تريد أن تبقى على هذا التجميد، ومن ثم فإنّها أعادت الشيخ عبدالله في منتصف السبعينات بعدما اتفقت معه على استمرار خضوع ولاية جامو وكشمير لأحكام المادة 370 من الدستور الهندي فيما يتعلق بعلاقتها بالاتحاد الهندي، كأحد وحداته التأسيسية، وأنه إذا ما تمّ تغيير أو تعديل أحد فقرات الدستور الهندي التي تنطبق على ولاية جامو وكشمير، فإنّه يمكن إلغاء هذه التعديلات أو تغييرها بقرار من الرئيس بمقتضى المادة 370، على أن يتم دراسة كل اقتراح في هذا الخصوص على حدة بموضوعية، وفيما يتعلق بفقرات الدستور المطبقة بالفعل على ولاية جامو وكشمير ولم تدخل عليها أية تعديلات فإنّه لا يجوز تعديلها، وقد احتفظ الاتفاق للبرلمان الهندي بصلاحيات إصدار القوانين المتعلقة بمنع الأنشطة التي من شأنها المساس بسيادة الهند ووحدة أراضيها أو التشكيك فيها أو تقسيمها، أو تلك التي من شأنها أن تؤدي إلى انفصال جزء من أراضي الهند، أو الإساءة إلى العلم الوطني أو النشيد الوطني أو الدستور، وفيما عدا ذلك فإنّ باقي السلطات التشريعية تظل في يد برلمان الولاية الذي له الحرية الكاملة في إصدار التشريعات الخاصة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الأمور، كما أنّ الاتفاق منح حكومة الولاية الحق في إعادة النظر في القوانين التي طبقت على الولاية منذ عزل الشيخ عبدالله في العام 1953، كما تمّ الاتفاق على ألا يتعرض برلمان الولاية لفقرات دستور الولاية التي تتعلق بتعيين محافظ الولاية وتحديد سلطاته ومهامه ومسؤولياته والمزايا والحصانات الممنوحة له، والمسائل المتعلقة بالانتخابات مثل إشراف لجنة الانتخابات الهندية على العملية الانتخابية في الولاية وتوجيهها ومراقبتها، وما يتعلق بأهلية المرشحين للانضمام لجداول الانتخابات دون تمييز وحق التصويت للبالغين وتشكيل المجلس التشريعي. وإذا ما كان مشروع قرار يتعلق بهذه الأمور فإنّه يشترط موافقة الرئيس عليه، الذي تشترط موافقته، أيضاً، على تسمية المحافظ ورئيس وزراء الولاية. والواقع أنّ هذا الاتفاق كان يضمن مزيداً من السيطرة الهندية على كشمير، ويضمن عدم العودة إلى أوضاع ما قبل العام 1953، كما أنّه كان بمثابة إجهاز على المطالبة بتقرير المصير، لا سيما في ظل استمرار سيطرة الشيخ عبدالله على الغالبية في الولاية.
ولكن الأمور لم تجر كما كانت تريد الهند، إذ أنّ الاتفاق لم يحدث فقط رد فعل باكستاني غاضب، بل إنّه كان من بين العوامل التي أدت إلى اندلاع أعمال المقاومة وتصاعدها من عام إلى آخر، بل إنّ علاقة الشيخ عبدالله بالحكومة الهندية ما لبثت أن تدهورت، ووصلت إلى ذروة تدهورها في أيار (مايو) 1977، عندما هدد بالانفصال عن الاتحاد الهندي، ما لم يتم الإيفاء بمتطلبات المادة 370 من الدستور الهندي.
ومن الوسائل، التي استخدمتها الهند لضمان استمرار سيطرتها على كشمير، والتي تتعارض مع كونها أكبر دولة ديموقراطية، هي التأثير على الانتخابات في الولاية بوسائل غير ديموقراطية، وفي بعض الأحيان وسائل عنفية، وذلك لأنّها تخشى من أن تؤدي الحرية والديموقراطية في كشمير إلى وصول أنصار الجماعات التي تطالب إما بالاستقلال أو الانضمام إلى باكستان. وعلى سبيل المثال، فإنّ انتخابات العام 1987 قد شهدت إجراءات سلبية عدة: إلقاء القبض على المئات من مؤيدي المعارضة، التي كانت تتمثل في الجبهة الاتحادية الإسلامية، ناهيك عن المضايقات الأخرى التي تعرض لها الناخبون، إلى التلاعب في نتائج صناديق الاقتراع.
ومع تزايد عمليات المقاومة المسلحة داخل كشمير فإنّ الهند استمرت في توجيه الاتهام إلى باكستان بالمسؤولية عما يحدث في كشمير من خلال الدور القوي الذي تقوم به أجهزة مخابراتها، ومن خلال توفير معسكرات التدريب والأسلحة لما تسميهم الهند بالإرهابيين قائلة بأنّ ذلك ينبع من الرغبة الباكستانية في الثأر من الهند نظراً لدورها في تأسيس دولة بنغلاديش، وتعتبر الهند أنّ ما تقوم به باكستان هو انتهاك متعمد لاتفاقي طشقند وسيملا، إذ أنّه يعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية الهندية. وهكذا وفي ظل التوتر الذي أخذ يتصاعد في كشمير منذ بداية الثمانينات، وفي ظل الاتهامات المتبادلة بين الهند وباكستان عاد التوتر والاشتعال إلى خط السيطرة من خلال القصف المتبادل، الذي تصاعد بشدة في منتصف الثمانينات، ولم تفلح الأجواء التقاربية، التي بدأت مع وصول بنظير بوتو إلى الحكم في باكستان وتجاوب راجيف غاندي مع ذلك في الحيلولة دون الاشتباكات عبر خط السيطرة، وذلك لأنّ محاولة التقارب هذه لم تقترب من قضية كشمير جوهر الصراع، ظنّاً منها أن تنحيتها جانباً، ولو بشكل مؤقت، قد يكون مفيداً، ومن ناحية أخرى فإن راجيف غاندي هو الآخر تعرض لضغوط داخلية تماماً كما حدث مع بوتو، حيث إن باكستان متهمة بتوجيه الدعم للحركة الانفصالية السيخية ناهيك عن اتهامها بدعم المتمردين في كشمير. وهكذا، فإنّ العلاقات الهندية الباكستانية دارت في إطار الفعل ورد الفعل، أو ما يسمى بالتبادلية لا سيما فيما يتعلق بقضية كشمير، التي تحدد تفاعلات الدولتين حولها، مؤشر العلاقات بينهما، وما إذا كانت تعاونية أو صراعية، والتي تجعل من فترات التعاون فترات قصيرة جداً، إذ أنّه ما تلبث المفاوضات حول بعض أوجه التعاون تنتهي حتى تبدأ الاشتباكات العسكرية، وفي أحيان كثيرة فإنّ المفاوضات تكون بهدف تخفيف التوتر وليس المضي قدماً في علاقات تعاونية حقيقية. لا يمكن حل الصراع الهندي – الباكستاني دون تسوية قضية كشمير. تلك القضية التي تشغل حيزاً كبيراً من اهتمامات الرأي العام الداخلي في البلدين، ولها تأثيرها ليس فقط على السياسة الخارجية للبلدين بل وعلى سياساتهما الداخلية حيث يحاول حكام البلدين التشدد حيالها لتدعيم أوضاعهم السياسية، لا سيما في خلال فترات الانتخابات، كما أنّ المعارضة غالباً ما تتهم السلطات الحاكمة بالتقصير والتهاون حيال قضية كشمير، في إطار المزايدة السياسية، التي تدفع الحكومات إلى المزيد من التشدد ما يؤثر بالسلب على العلاقات بين البلدين.
الكعبيات
قصائد لهاشم الكعبي
وهاشم الكعبي توفي سنة 1221هـ. وهو منسوب إلى قبيلة كعب العربية التي تسكن الأهواز ونواحيها. وقيل إنّ كعباً التي ينسب إليها هي بلدة من بلاد القطيف يقال لها الآن كعيب بضم الكاف وتشديد الياء وتنطق الكاف شيئاً فارسية وتكتب بصورة الجيم تحتها ثلاث نقط..(وقال في أعيان الشيعة):
شاعر مفلق متفنن حسن الأسلوب طويل النفس يعد في طليعة الشعراء نظم في مدح أهل البيت (عليهم السلام) ورثائهم فأكثر وأطال وأبدع وأجاد واحتج وبرهن وأحسن واتقن وجميع شعره من الطبقة العالية. اشتهر شعره في أهل البيت (عليهم السلام) في عصره وبعده إلى اليوم في العراق وجبل عامل والبحرين وغيرها، وحفظته الناس وتلي في مجالس العزاء ولا بد أن يكون له شعر في فنون أخرى لكن لم يتصل إلينا شيء منه. وفي (الطليعة) كان أديباً شاعراً بارعاً شديد العارضة جزل اللفظ والمعنى منسجم التركيب سهله مقتدراً في فنون الأغراض متصرفاً في المطالب مشبع الشعر من الحكم والأمثال مقرباً عند حكام البصرة محترم الجانب له ديوان أكثره في الأئمة (عليهم السلام).
قال من قصيدة ضمنها النسيب والمديح والرثاء: فقال في نسيبها:
أرأيتِ يوم تحمَّلتْك القودا
من كان منا المثقلَ المجهودا
حمّلتُها الغصنَ الرطيب وورده
وحملْتُ فيك الهمَّ والتسهيدا
وجعلتُ حظي من وصالكِ أن أرى
يوماً به ألقى خيالك عيدا
لو شئتِ أن تعطي حشايَ صبابةً
فوق الذي بي ما وجدت مزيدا
أهوى رباك وكيف لي بمنازلٍ
حشدت عليَّ ضغائناً وحقودا
أمعرّسَ الحيّين ما لكَ لم تجب
مضنًى ولم تسمع له منشودا
أأصمّك الأظعان يومَ تحمّلوا
أم صرت بعد الظاعنين بليدا
قد كنت تُوضح بالأسنّة والظُّبى
معنًى وتقضي موعداً ووعيدا
حيث الشموسُ على الغصون ولم تكن
عاينتَ إلا أوجهاً وقُدودا
من سام عزك فاستباح من الشرى
آساده ومن الخدور الغِيدا
إنّى أنتفى ذاك الجمال وأصبحت
أيامك البيض الليالي سودا
فاسمعْ أبثَّك: أنني أنا ذلك ال-
-كمِدُ الذي بك لا يزال عميدا
ما بعدتْ منك القريب حوادثٌ
عرضتْ ولا قرَّبنَ منك بعيدا
لا تحسبَنْه هوى يخال وإن غدا
حظُّ الشقيّ تفرُّقاً وصدودا
فلأنتَ أنت وإن عدَتْ بك نيّةٌ
عن ناظري وتركنَ دونك بِيدا
ولئن أبحتَ تجلّدي فلطالما
ألفيتَني عند الخطوب جليدا
وقال في مديحها:
أخذوا بمسروب السراب وجانبوا
عذباً يمير الوافدين بَرودا
مصباحُ ليلتها صباح نهارها
يُمنى نداها تاجها المعقودا
بشر أقل صفاته أن عاينوا
منهن ما ظنوا به المعبودا
ضلت قريش كم تقيس بسابق
الحلبات ملطوم الجبين مذودا
يا صاحب المجد الذي لجلاله
عنت البرايا منصفاً وعنيدا
لك غر أفعال إذا استقريتها
أخذت علي مفاوزاً ونجودا
وصفات فضل أشكلت معنىً فلا
إطلاق يكشفها ولا تقييدا
ومراتب قلدتها بمناقب
كالعقد تلبسه الحسان الخودا
ما مر يومك أبيضاً عند الندى
إلا انثنى بدم العدى خنديدا
أجيته بأبيك وجه خريدة
فكسوت أبيض خدها التوريدا
أنّى يشق غبار شأوك معشر
كنت الوجود لهم وكنت الجودا
يجنون ما غرست يداك قضية
ألقت على شهب العقول خمودا
أنّى هم والخيل ينشر وقعها
نقعاً تظن به السماء كديدا
ومواقف لك دون أحمد جاوزت
بمقامك التعريف والتحديدا
فعلى الفراش مبيت ليلك والعدى
تهدي إليك بوارقا ورعودا
فرقدت مثلوج الفؤاد كأنما
يهدي القراع لسمعك التغريدا
فكفيت ليلته وقمت معارضاً
بالنفس لا فشلاً ولا رعديدا
واستصبحوا فرأوا دوين مرادهم
جبلاً أشم وفارساً صنديدا
رصدوا الصباح لينفقوا كنز الهدى
أو ما دروا كنز الهدى مرصودا
وغداة بدر وهي أم وقائع
كبرت وما زالت لهن ولودا
قابلتهن فلم تدع لعقودها
نظماً ولا لنظامهن عقيدا
فالتاح عتبة ثاوياً بيمين من
يمناه أردت شيبة ووليدا
سجدت رؤوسهم لديك وإنما
كان الذي ضربت عليه سجودا
وتوحدت بعد ازدواج والذي
ندبت إليه لتهتدي التوحيدا
وقضية المهراس عن كثب وقد
عم الفرار أساوداً وأسودا
فشددت كالليث الهزبر فلم تدع
ركناً لجيش ضلالة مشدودا
وكشفتهم عن وجه أبيض ماجد
لم يعرف الإدبار والتعريدا
وعشية الأحزاب لما أقبلت
كالسيل مفعمة تقود القودا
عدلت عن النهج القويم وأقبلت
حلف الضلال كتائباً وجنودا
فأبحت حرمتها وعدت بكبشها
في القاع تطعمه السباع حنيدا
وبني قريظة والنضير وسلحم
والواديين وخثعما وزبيدا
مزقت جيب نفاقهم فتركتهم
أمماً لعارية السيوف غمودا
وشللت عشراً فاقتنصت رئيسهم
وتركت تسعاً للفرار عبيدا
وعلى حنين أين يذهب جاحد
لما ثبتَّ به وراح شريدا
ولخيبر خبر يصم حديثه
سمع العدى ويفجر الجلمودا
يوم به كنت الفتى الفتاح والـ
ـكرار والمحبو والصنديدا
من بعد ما ولى الجبان براية
الإيمان تلتحف الهوان برودا
ورأتك فانتشرت لقربك بهجة
فعل الودود يعاين المودودا
فنصرتها ونضرتها فكأنها
غصن يرنحه الصبا أملودا
فغدوت ترقل والقلوب خوافق
والنصر يرمي نحوك الاقليدا
فلقيتها فعقلت فارسها ولا
عجب إذا افترس الهزبر السيدا
ويل أمه أيظنك النكس الذي
ولى غداة الطعن يلوي الجيدا
وتبعتها فحللت عقدة تاجها
بيد سمت ورتاجها الموصودا
وجعلته جسراً فقصر فاغتدت
طولى يمينك جسرها الممدودا
وأبحت حصنهم المشيد فلم يكن
حصن لهم من بعد ذاك مشيدا
وحديث أهل النكث عسكرَ «عسكرٌ»
بُهَمُ البهيمة جندها المحشودا
لاقاك فارسها فبغدد هارباً
لو كان محتوم القضا مردودا
وعلى ابن هند طار منك بأشأم
يوم غدا لبني الولاء سعودا
ألفى جحاش الكرملين فقادهم
جهلاً فابئس قائداً ومقودا
فغدوت مقتنصاً نفوس كماته
لله مقتنص يصيد الصيدا
حتى إذا اعتقد الفنا ورأى القنا
مذروية ورأى الحسام حديدا
وبدا له العضب الذي من قبله
قد فلّ آباء له وجدودا
رفع المصاحف لا ليرفعها علا
لكن ليخفض قدرها ويكيدا
فجنى بها ثمر الأمان وخلفه
يوم يجرّعه الشراب صديدا
وكذاك أهل النهر ساعة فارقوا
بفراقهم لجلالك التأييدا
فوضعت سيفك فيهم فأفادهم
تلفاً فديتك متلفاً ومفيدا
ولقد روى مسروقهم عن أمه
والحق ينطق منصفاً وعنيدا
قالت هم شر الورى ومبيدهم
خير الورى أكرم بذاك مبيدا
سبقت مكارمك المكارم مثلما
ختمت لعمر فخارك التأبيدا
إني لأعذر حاسديك على العلى
وعلاك عذري لو عذرت حسودا
فليحسد الحساد مثلك إنه
شرف يزيد على المدى تجديدا
ما أنصفتك عصابة جهلتك إذ
جعلت لذاتك في الوجود نديدا
ثم ارتقت حتى أبتك رضىً بمن
لم يرض كعبك أن يراه صعيدا
ضلت أدلتها أتبدل بالعمى
رشداً وبالعدم المحال وجودا
وقال في رثائها:
تالله لا أنسى ابن فاطم والعدى
تهدي إليه بوارقاً ورعودا
غدروا به إذ جاءهم من بعد ما
أسدوا إليه مواثقاً وعهودا
قتلوا به بدراً فأظلم ليلهم
فغدوا قياماً في الضلال قعودا
وحموه أن يرد المباح وصيّروا
ظلماً له ظامي الرماح ورودا
فسمت إليه أماجد عرفت به
قصد الطريق فأدركوا المقصودا
نفر حوت جمل الثناء وتسنّمت
قلل المعالي والداً ووليدا
من تلق منهم تلق كهلاً أو فتى
علم الهدى بحر الندى المورودا
وتبادرت طلق الأعنّة لا ترى الـ
ـغمرات إلا المائسات الغيدا
وكأنما قصد القنا بنحورها
درر يفصلها (الطعان) عقودا
واستنزلوا دار البقا فأحلهم
غرفاته فغدى النزول صعود
فتظنّ عينك أنهم صرعى وهم
في خير دار فارهين رقودا
وأقام معدوم النظير فريد بيـ
ـت المجد معدوم النصير فريدا
يلقى القفار صواهلاً ومناصلاً
ويرى النهار قساطلاً وبنودا
ساموه أن يردوا الهوان أو المنيّـ
ـة والمسوّد لا يكون مسودا
فانصاع لا يعبأ بهم عن عدة
كثرت عليه ولا يخاف عديدا
يلقى الكماة بوجه أبلج ساطع
فكأنما أمّوا نداه وفودا
يسطو فتلقى البيض تغرس في الطلا
فتعود قائمة الرؤوس حصيدا
أسد تضل له الأسود خواضعا
فترى الفتى يحكي الفتاة الرودا
البرق صارمه ولكن لم يسق
للوبل الا هامة ووريدا
والصقر لهذمه ولكن لم يصد
إلا قلوباً أوغرت وكبودا
بأس يسر محمداً ووصيه
ويغيظ نسل سمية ويزيدا
حتى إذا حمّ الحمام وآن لا
تلقى عماداً للعلى وعميدا
عمدت له كف العناد فسددت
سهما عدا التوفيق والتسديدا
فثوى بمستن النزال مقطع الـ
ـأوصال مشكور الفعال حميدا
لله مطروح حوت منه الثرى
نفس العلى والسؤدد المفقودا
ومبدد الأوصال ألزم حزنه
شمل الكمال فلازم التبديدا
ومجرح ما غيرت منه القنا
حسناً ولا أخلقن منه جديدا
قد كان بدراً فاغتدى شمس الضحى
مذ ألبسته يد الدماء لبودا
يحمي أشعتة العيون فكلما
حاولن نهجاً خلته مسدودا
وتظله شجر القنا حتى أبت
إرسال هاجرة إليه بريدا
وثواكل في النوح تسعد مثلها
أرأيت ذا ثكل يكون سعيدا
ناحت فلم تر مثلهن نوائحا
إذ ليس في مثل فقيدهن فقيدا
لا العيس تحكيها إذا حنت ولا الـ
ـورقاء تحسن عندها التغريدا
إن تنع أعطت كل قلب حسرة
أو تدع صدعت الجبال الميدا
عبراتها تحيي الثرى لو لم تكن
زفراتها تدع الرياض همودا
وغدت أسيرة خدرها ابنة فاطم
لم تلق غير أسيرها مصفودا
تدعو بلهفة ثاكل لعب الأسى
بفؤاده حتى انطوى مفؤودا
تخفي الشجى جلداً فإن غلب الأسى
ضعفت فأبدت شجوها المكمودا
نادت فقطعت القلوب بصوتها
لكنما انتظم البيان فريدا
إنسان عيني يا حسين أخي يا
أملي وعقد جماني المنضودا
مالي دعوت فلا تجيب ولم تكن
عودتني من قبل ذاك صدودا
المحنة شغلتك عنا أم قلى
حاشاك أنك ما برحت ودودا
أفهل سواك مؤمل يدعى به
فيجيب داعية ويورق عودا
إن استعن قامت إلي ثواكل
لم تدر إلا النوح والتعديدا
وكفيلها فوق المطي معالج
من ضره ومن الحديد قيودا
أوحيد أهل الفضل يعجب جاهل
أن تمس ما بين الطغام وحيدا
ويلام غيث ما سقاك وآنه
من بحر جودك يستمد الجودا
قد كان يعتب عند تركك ظاميا
لو كان غيرك بحره المورودا
يابن النبي ألية من مدنف
بعلاك لا كذباً ولا تفنيدا
ما زال سهدي مثل حزني ثابتاً
والغمض مثل الصبر عنك طريدا
تأبى الجمود دموع عيني مثلما
يأبى حريق القلب فيك خمودا
والقلب حلف الطرف فيك فكلما
أسبلت هذا زاد ذاك وقودا
طال الزمان على لقاك فهل قضى
للحزن والمحزون فيك خلودا
أفلم يحن حين المسرة أن ترى
عيناي ذاك الصارم المغمودا
وفصيحة عربية مأنوسة
لم تألف الوحشي والتعقيدا
ما سامها الطائي الضعار ولا الذي
قد كان يدعى خالد بن يزيدا
أنزلتها بجناب أبلج لم يخب
قصد لديه ولا يذل قصيدا
كانت به جهد المقل وإنما
عذر الفتى أن يبلغ المجهودا
لو شاء يمدح بالذي هو أهله
حصر الأنام فما سمعت نشيدا
وله في رثاء الحسين:
أهلال شهر العشر مالك كاسفاً
حتى كأنك قد كسبت حدادا
أفهل علمت بقتل سبط محمد
فلبست من حزن عليه سوادا
وأنا الغريب ببلدة قد صيرت
أيام حزن المصطفى أعيادا
أألمّ شمل الصبر بعد عصابة
راحوا فرحن المكرمات بدادا
لم تكفف العبرات من أجفانها
سحا ولو كان البحور مدادا
سبقوا الأنام فضائلاً وفواضلا
ومآثراً ومفاخراً وسدادا
ومراتباً ومناقباً ومساعياً
ومعالياً وجلادة وجلادا
من كل وتر أن يسل حسامه
راحت جموع عداته آحادا
وأخي ندى إن سال فيض بنانه
غمر الزمان مغاوراً ونجادا
رجب إذا شعبان بالغ في الندى
وهو الربيع إذا الشهور جمادى
وبمهجتي الرشد الذي للقائه
حشد الضلال وجنّد الأجنادا
يلقى القنا ثلج الفؤاد وحاله
أورى القلوب وفتت الأكبادا
وله في رثائه (عليه السلام):
باتت علي مع العوادي
لوّامة خلو الفؤاد
وغدت تطيل ملامتي
أيامي كم هذا التمادي
ظنت صلاحي في السلو
وكان لي عين الفساد
ما للخواطر والسلو
وللنواظر والرقاد
جهلاً تطالب سلوة
من ظاهر الأحزان باد
لفؤاده جمر الغضى
ولجنبه شوك القتاد
ولجفنه ماء الدمو
ع ورائح منها وغاد
ما بعد يوم ابن النبي
سوى المدامع والسهاد
والثكل والويل الطويـ
ـل ولبس أثواب السواد
قتل ابن بنت محمد
لرضى يزيد عن زياد
قتلوه فرداً وهو يا
جداه بينهم ينادي
وسقوه من ورد الفرا
ت العذب أطراف الحداد
حتى قضى والماء يجري
وهو ملهوف الفؤاد
قل للنبي المصطفى
يا خير مبعوث وهاد
هذا الحبيب معفر الـ
ـخدين في عفر المهاد
شلواً ترض ضلوعه
بحوافر الخيل الصلاد
قل للجياد عسى درت
لا أم للخيل الجياد
أشلاء من قد وزعت
بالركض في تلك الوهاد
هدت قوى المجد الأثيـ
ـل وغارب الشرف التلاد
واستأصلت ركن المعا
لي بعد تشييد العماد
كبد الهدى أصمت وفو
ق سهمها قلب الرشاد
قل للمطهرة البتو
ل وأمها ذات السداد
تأتي الحسين بكربلا
ملقى تكفنه البوادي
أشلاؤه فوق الصعيـ
ـد ورأسه فوق الصعاد
تأتي مشال الرأس فو
ق الرمح مقطوع الأيادي
تأتي البدور التم كيـ
ـف عدا بها للركب عاد
تأتي البحور الفعم كيـ
ـف تزايلت ظمأى صواد
تأتي شريعة جدّه الـ
ـبيضاء لابسة السواد
من بعدكم آل النبي
لحاضر ينحو وباد
قد صوح الوادي وأظـ
ـلم حيث غبتم كل ناد
فمن المرجى بعدكم
في الناس للكرب الشداد
ومن المؤمل للمنا
قب والنوائب والأيادي
من للفضائل والفوا
ضل والنوازل والعوادي
لكفالة الأيتام أحـ
ـوط من أب وأخ جواد
للملة الغراء لا
تنفك في سوق الكساد
أصفيتكم ودي وأخـ
ـلص في الولا لكم اعتقادي
ثقتي بكم يوم الجزا
وعلى نوالكم اعتمادي
وإليكم وجهت آ
مالي وأعطيت انقيادي
قلدت آل محمد
وعلى مقالهم استنادي
قلدتهم أصلي وفر
عي وهو يوم العرض زادي
يا رب هذا ما أعتقد
ت وأنت رحمان العباد
صلّى المليك عليهم
ما رائح سار وغادي
وله في رثائه (عليه السلام):
كم يتبع الأظعان لحـ
ـظاً جفنك المستعبر
أنسيت مشهور الطفو
ف وما هنالك يذكر
يوم على الطرف الأغر
علا أغر مشهر
حامي الحقيقة معلم
طلق الذراع غضنفر
ذو نجدة عن رأيها
ترد المنون وتصدر
الجد أحمد حين يعـ
ـزى والمضاهي شبر
والأم فاطمة التقى
والفحل فيه حيدر
ومضمخ بدم الوريـ
ـد وبالتراب معفر
الجو من صادي دما
ه ممسك ومعنبر
والليل من أنواره
ضاحي العشية مقمر
لبست أشعته الليا
لي فهي بيض تزهر
لله ما منه يقـ
ـل السمهري الأسمر
المجد أدنى ما تحمـ
ـل والجلال الأكبر
والمكرمات الغر طرا
والندي الأزهر
ومآتم فيها البتو
لة والنبي الأفخر
من أجلها دمع الوجو
د على السوالف يقطر
والعالم العلوي مفـ
ـتقد السرور مكدر
والبيت باك والمقا
م وزمزم والمشعر
ومنى وجمع والمعر
ف قد بكى ومحسر
والرسل تبكي والملا
ئك بالعزاء تبكر
أهدى يزيد لها ملا
بس بالدماء تعصفر
وقضى لها حزناً يمر
على الدهور ويعبر
أبداً لها الليل الطويـ
ـل فليلها لا يفجر
وبنى على ما أسس الـ
ـمتقدم المتأخر
لله أية محنة
لقي النبي الأطهر
من أمة عدت الهدى
فطريقها متحير
وحبيبه كالشاة ظلـ
ـما بالمهند ينحر
ورجاله مثل الأضا
حي بالسيوف تجزر
وبناته وبنوه تسـ
ـبى للطغام وتؤسر
ورؤوس سادتها بأطـ
ـراف الرماح تشهر
حال تكاد له الشدا
د بسبعها تتفطر
ويروح منها البدر منـ
ـخسف السنا لا يبدر
واليوم مفتقد الضيا
ء وشمسه تتكور
خطب تصاغر عنده
كل الخطوب ويكبر
لو كان أحمد حاضراً
لشجاه ذاك المحضر
أترون لو نظر السبا
يا في السبا تتضور
ويزيد يهتف بالنشيـ
ـد وبالشماتة يجهر
مستدعياً أشياخ بد
ر يستطيل ويثأر
ويزيد لا متهود
فيهم ولا متنصر
يدعى أمير المؤمـ
ـنين يطاع فيما يأمر
تالله يا ابن الأكرميـ
ـن قضية لا تنكر
سيف أصابك حائد
عن قصده متحير
وسنان رمح نال منـ
ـك لرشده لا يبصر
قد عطل الحرب العوا
ن فيومها لا يذكر
وقضى الفناء على الشجا
عة فهي ميت يقبر
وطوى بأعلام الوغى
فلواؤها لا ينشر
لا الأبيض الماضي يعد
ولا الاصم الأسمر
ذهب المقوم درها (كذا)
فلأي شيء تذخر
وله في رثائه (عليه السلام):
سفه وقوفك في عراص الدار
من بعد رحلة زينب ونوار
ما أنت واللفتات في أكنافها
ظن الفريق وخف عنك الساري
أخلت فؤادك من عزائك نية
أخلت سماءك من سنا الأقمار
يا دار أمك زور شوق ما لهم
غير اللقى من مقصد الزوار
وصلوك إذ هجروا على علل السرى
لك جانب الأوطان والأوطار
لا عيب من محن الزمان فإنما
خلق الزمان عداوة الأحرار
أو ما كفاك من الزمان فعاله
ببني النبي وآله الأطهار
ولعت بفارع قدرهم أخطاره
ما أولع الأخطار بالأقدار
بيض يريك جمالهم وجلالهم
تم البدور عشية الإسرار
يكسو ظلام الليل نور وجوههم
لون الشموس وزينة الأقمار
شرعوا بصافية الفخار وخلفوا
للواردين تكفف الأسآر
يلقى العفاة بغير من منهم
كالصبح مبتسماً بوجه الساري
خطباء إن شهدوا الندي ترى لهم
فيه شقاشق فحله الهدار
فإذا هم شهدوا الكريهة أبرزوا
غلباً تجعجع بالفريق ضواري
فإن احتبى بهم الظلام رأيت في الـ
ـمحراب سجع نوائح الأسحار
هادون في طول القيام كأنهم
بين السواري الجامدات سواري
ويبيت ضيفهم بأنعم ليلة
لم يحص عدتها من الأعمار
للكون من أنفاسهم طيب الشذى
أرجاً كجيب الغادة المعطار
ما شئت من نسب وعظم جلالة
فانسب وقل تصدق بغير عثار
وحياة نفس فضلهم لو لم تكن
تدلى مصائبهم لها ببوار
وكفاك لو لم تدر إلا كربلا
يوم ابن حيدر والسيوف عواري
أيام قاد الخيل توسع شأوها
من تحت كل شمردل مغوار
يمشون في ظل السيوف تبختراً
مشي النزيف معاقراً لعقار
وتناهبت أجسادهم بيض الظبى
فمسربل بدم الوتين وعارى
وانصاح نحو الجيش شبل الضيغم الـ
ـكرار شبه الضيغم الكرار
يوفي على الغمرات لا يلوي به
فقد الظهير وقلة الأنصار
لليوم من أنواره وقد انكفت
بنهاره الهبوات خير نهار
يلقى الألوف بمثلها من نفسه
فكلاهما في فيلق جرار
غيران يبتدر الصفوف كأنه
يجري وإياها إلى مضمار
أمضى من الليث الهزبر وقد نبا
رمح الكمي وصارم المغوار
متمكن في السرج غرب لسانه
في الجمع مثل حسامه البتار
حتى أتته من العناد مراشة
شلت يد الرامي لها والباري
وهوى فقل في الطود خر فأصبح الر
جفان عم قواعد الأقطار
بأبي وأمي عافرون على الثرى
أكفانهم نسج الرياح الذاري
تصدى نحورهم فينبعث الشذى
فكأنما تصدى بمسك داري
ومطرحون يكاد من أنوارهم
يبدو لعينك باطن الأسرار
نفست بهم أرض الطفوف فأصبحت
تدعى بهم بمشارق الأنوار
بالبيت أقسم والركاب تحجه
قصداً لأدكن قالص الأستار
ولولا الأولى من قبل ذاك تبرموا
نقضاً لحكم الواحد القهار
لم يلف سبط محمد في كربلا
يوماً بهاجرة الظهيرة عار
تطاً الخيول جبينه وضلوعه
بسنابك الإيراد والإصدار
كلا ولا راحت بنات محمد
يشهرن في الفلوات والأمصار
حسرى تقاذفها السهول إلى الربى
وتلفها الأنجاد بالأغوار
ما بعد هتكك يا بنات محمد
في الدهر هتك مصونة من عار
قدر أصارك للخطوب درية
هو في البرية واحد الأقدار
يا طالباً بالثار وقيت الردى
طال المقام على طلاب الثار
يا مدرك الأوتار قد طال المدى
طال المدى يا مدرك الأوتار
يا ابن النبي وخير من علقت به
كف الولي ووالد الأبرار
أنا عبدكم ولكم ولاي وفيكم
أملي ونحو نداكم استنظاري
وإليك أهديت القريض فرائداً
منظومة بغرائب الأشعار
الدهر قرن لست من أكفائه
إن لم تكونوا عنده أنصاري
وله في رثائه (عليه السلام):
وركب سرى والليل جم خطوبه
وما اليوم بالمأمون إن سائر سارا
حدت بهم نحو العلى محض عزمة
تفيض الضيا نوراً وتوري الحصى نارا
يريد بها المجد المؤثل أبلج
قليل غرار الجفن أبيض مغوارا
له سبق العلياء في كل مشهد
وإن أبعد السارون فيهن مضمارا
تحف به الأعداء من كل ووجهة
فما قل من عزم وإن قل أنصارا
يلاقي المنايا كالحات وجوهها
طليق المحيا باسم الثغر مسعارا
على مقبل لم تلفه الحرب مدبراً
فما انفك كراراً وما فك كرارا
كأن من الحرب العوان لعينه
مخضبة الاطراف هيفاء معطارا
تراه ولا من ناصر غير سيفه
عرمرم جيش يرهب الجيش جرارا
تخال إذا جال المجال جواده
به البحر زخاراً أو الليث هدارا
حليف ندى سلماً وحرباً فيومه
لدى السلم مثل الحرب مناً وإيثارا
ترى الطير من حيث استقل ركابه
ووحش الفلا من حيث ما سار قد سارا
واقصر شيء عنده عمر سيفه
وركنه ما زال يسقيه أعمارا
وخرّ على وجه الصعيد كأنّه
رعان هوى من فارع الطود فانهارا
لقى حيث لا يلقى من الناس مشفقاً
سوى مقتض ديناً ومستأثر ثارا
تحاماه صدر الجيش وهو لما به
فيدبر إصداراً ويقبل إدبارا
فيا شقوة البيض البواتر إذ برت
به مرهفاً ماضي العزيمة بتارا
فقل لأباة الضيم خلوا عن السرى
فلا دافع جوراً ولا مانع جارا
وللخيل خلي عن مداك فلن ترى
ليومك مقداماً على الهول كرارا
ولله حسرى من بنات محمد
ترى أوجه البلوى عشياً وإبكارا
ينازعها فرط الحياة عظم وجدها
فتغلبه طوراً ويغلب أطوارا
تدافعها أيدي السهول إلى الربى
وترمي بها الأقطار في البيد أقطارا
تعن لها فوق الرماح كواكب
تفيد الدجى للسفر منهن أسفارا
فيا آخذ الثار المرجى لأجله
على فترة أفديك من آخذ ثارا
أمنتظري طال انتظاري لطلعة
ملأت لها عيني قذى والحشى نارا
فقم سيدي فالسيل قد بلغ الزبى
وقد عمت البلوى سهولاً وأوعارا
فمن للهدى يا ابن الميامين والندى
فهذا المدى قد طال والعقل قد حارا
لك الخير إن جئت الطفوف فبلغن
جزيل الثنا منها دياراً وديارا
وقف حيث مبتل الثرى من نحورها
وحيث ترى دمع الفواطم قد مارا
وحيث القبور المشرقات بأهلها
يفاوح آصالاً شذاها وأسحارا
فيا جنتي بل جنتي يوم فاقتي
ويا وزري إن خفت في الحشر أوزارا
وله في رثائه (عليه السلام):
ما انتظار الدمع أن لا يستهلا
أو ما تنظر عاشوراء هلا
كيف ما تلبس ثوب الحزن في
مأتم أحزن أملاكاً ورسلا
كيف ما تحزن في شهر به
أصبحت فاطمة الزهراء ثكلى
كيف ما تحزن في شهر به
أصبحت آل رسول الله قتلى
كيف ما تحزن في شهر به
ألبس الإسلام ذلاً ليس يبلى
كيف ما تحزن في شهر به
رأس خير الخلق في رمح معلى
يوم لا سؤدد إلا وانقضى
وحسام للعلى إلا وفلا
يا قتيلاً أصبحت دار العلى
بعده قفراً وربع الجود محلا
لا خطت بعدك فرسان ولا
جرد الشجعان يوم الروع نصلا
بأبي المقتول عطشاناً وفي
كفه بحر يروي الخلق جملا
بأبي العاري ثلاثاً بالعرا
ولقد كان لأهل الأرض ظلا
بأبي الخائف أهلوه وقد
كان للخائف آمناً أين حلا
وإذا عاينت أهلية ترى
نوباً فيهنا رزايا الخلق تسلى
من أسر وسدته البزل حلسا
وقتيل وسدته البيد رملا
ومصونات عفاف أصبحت
باديات للعدى حلاً ورحلا
وبنفسي من غدت نادبة
جدها والدمع في الخد استهلا
جد لو تنظرنا إذ قربوا
نحونا للسير أنقاضاً وهزلا
لرأت عيناك خطباً فادحاً
جل أن يلقى له الناظر مثلاً
يا مصاباً هدّ أركان الهدى
وغدت فيه يد الآمال شلا
وله من قصيدة:
هنا الربع لا بين الدخول فحومل
فعطفاً علينا يا ابنة القوم وانزلي
دعيني وأشجاني أكابد حملها
فإن الذي بي فوق رضوى ويذبل
تلومين دمعي يا ابنة القوم إن جرى
على طلل عاف ورسم معطل
سلي يا ابنة الأقوام ثم تبيّني
فإن ساغ حكم العدل عندك فاعدلي
وكيف ادخار الدمع عن خير منزل
تضمن من خير الورى خير نزل
بنو الوحي يتلى والمناقب تجتلى
وغر المساعي أولاً بعد أول
لهم كل مجد شامل كل رفعة
لها كل حمد شاغل كل محفل
بنو المصطفى الهادي وحسبك نسبة
تفرع عن أسمى نبي ومرسل
سحائب أفضال بدور فضائل
كواكب أجلال بحور تفضل
غيوث ليوث يومي السلم والوغى
ممات حياة للمعادي وللولي
فأكنافهم خضر الربى يوم فاقة
وأسيافهم حمر الظبى يوم معضل
إذا سوبقوا يوم الفخار انتهت بهم
سوابق للمجد القديم المؤثل
فسل بهم كرب البلا ساعة البلا
أناخ وألقى الخطب فيها بكلكل
سروا يقطعون الخيل والليل والفلا
بعزم متى يستسهل الصعب يسهل
يؤم بهم طلاب مجد مؤثل
تورثه عن أمثل بعد أمثل
طلاباً بصدر الرمح يرعف أنفه
دماً لا بكف السائل المتوسل
غداة رمته آل حرب بحربها
وقادت إليه القود في كل جحفل
غداة التقى الجمعان في طف كربلا
وما كربلا عن يوم بدر بمعزل
وقد سدت الآفاق بالنقع والوغى
فلم ترى إلا جحفلاً تحت قسطل
وقامت رجال الله من دون آله
تشب لظى الحرب العوام وتصطلي
بكل خفيف الحاذ من فوق سابق
تخل به الفتخاء من تحت أجدل
تهاووا على الرمضاء بين معفر
بها الوجه أو دامي الجبين مرمل
وظل أخو الهيجاء يحمل شكة
على سابح موج المنية هيكل
أخوهم يأتي بكل عجيبة
تروق لعين الناظر المتأمل
تراه كأن الطعن يهدي له المنى
فيبدو بوجه الباسم المتهلل
كأن المنايا السود بيض خرائد
تعاطيه بعد الهجر عذب المقبل
وأوتر رجس نحوه بمراشة
كثيرة وبل الشر عيطاء عيطل
وثنى سنان نحوه بسنانه
فجدله لهفي له من مجدل
وأقبل شمر حين أدبر حظه
فشمر عن ماضي الغرارين منصل
وأدبر ينحو الفاطميات مهره
بعولة عان ناعياً للمعول
فابصرن رب الجود خلواً جواده
وطود العلى قد حطه الحتف من عل
يقلن ألا يا واحد نسجت له الصبا
والظبي بردي نجيع وجندل
ويا واحداً ما للمساكين غيره
إذا ما أثارت قسطلاً أم قسطل
ويا ماجداً أن هجر الخطب واغتدت
تريد اليتامى عنده ظل موئل
ويا منية السارين حين يلفهم
بليلان من ظلي سقيط وشمأل
لتبك المعالي بعد يومك شجوها
بكاء العطايا والنوال المعجل
فقل لبني الحاجات خلوا عن السرى
وقطع الفيافي مجهلاً بعد مجهل
وقل للمذاكي الجرد لا تصحبي الوغى
ولا تركضي في جحفل تحت قسطل
وقل لمطايا السير ما أنت والفلا
فلا ظل منهال ولا ظل منهل
وقل للوغى صبراً فلا رفع قسطل
ورا ركض فرسان ولا ركز ذبل
وقل لليتامى والأيامى قضى الذي
عليه عيال كل عاف ومرمل
وقل لعلوم الحق ويحك بعده
من المعتدي والجاهل المتعقل
فلا دفع إيراد ولا رفع مبهم
ولا كشف أجمال ولا حل مشكل
مضى الماجد الضرغام والواجد الذي
تحمل من كل العلى كل مثقل
ربيع اليتامى المعتفين وكافل الـ
ـأيامى وأمن الخائف المتوجل
أقول لركب كالقسي تفوقوا
ذرى مثلها من كل وجناء عبهل
قفوا بي إذا بان الطفوف وأعرضت
مخايل ذاك العارض المتجلجل
وحلوا من الأكوار وابتدروا الثرى
فما بعد صدي للصدى ري منهل
وقوموا بنا يا قوم نبكي بربعها
لأشرف مقتول بأشرف منزل
لثاو على الرمضاء لم يلق مشفقاً
على الترب عار بالنجيع مسربل
مخلى بقفر البيد مستلب الردا
تريب المحيا ميت لم يغسل
عليك ابن خير المرسلين تأسفي
وإفراط أحزاني ووجد يلذ لي
فليت سهاماً خص نحرك وقعها
أصيب بها دون البرية مقتلي
وإن أرج فيك الفوز يا ابن محمد
فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي
وما قدر شعري في علاك وذو العلى
حباك بخير المدح في خير منزل
ليهن القوافي أن حوت فيك مدحة
ويهنيك مدح المحكم المتنزل
وله أيضاً:
أما طلل يا سعد هذا فتسأل
نزال فهذي الدار إن كنت تنزل
هي الدار لا شوقي إليها وإن خلت
يحل ولا عن ساكنيها يحول
قفوا بي على أطلالها علنًا نرى
سميعاً فنشكو أو مجيباً فنسأل
لي الله كم تلحوا اللواحي وتعذل
وكم ابتدى عذراً وكم أتنصل
يريدون بي مستبدلاً عن أحبتي
أحالوا لعمري في الهوى وتمحلوا
أبعد نوى الهادين من آل هاشم
يروقك غزلان وتصبيك غزل
بها ليل أمثال البدور زواهر
وليل الوغى مستحلك اللون اليل
ولا يومهم وابن النبي بكربلا
وللنقع في جو السماكين قسطل
يكر فتنحو نحوه هاشمية
فوارس أمثال الضراغم ترقل
فوارس من عليا قريش وهاشم
لهم سالف في المجد يروى وينقل
فوارس إذ نادى الصريخ ترى لهم
مكاناً بمستن الوغى ليس يجهل
يؤمهم للمطلب الصعب أصعب
مقبل أطراف البنان مبجل
إلى أن ثووا تحت العجاج تلفهم
ثياب علا منها رماح وانصل
فظل وحيداً واحد العصر في الوغى
نصيره فيها سمهرى ومنصل
وشد على قلب الكتيبة مهره
فراحت ثباً مثل المهى تتجفل
فديتك كم من مشكل لك في الوغى
إلا كل معنى من معانيك مشكل
فتلك منايا أم أمان تنالها
وذاك حريق أم رحيق معسل
إلى أن أتاه في الحشى سهم مارق
فخر فقل في يذبل قل يذبل
وزلزلت الأرضون وارتجت السما
وكادت له أفلاكها تتعطل
وراحت له الأيام سوداً كأنما
تجلبها قطع من الليل أليل
وأضحى كتاب الله من أجل فقده
يحن له فرقانه والمفصل
ولم أنس لا والله زينب إذ دعت
بواحدها والدمع كالمزن مسبل
وراحت تنادي جدها حين لم تجد
كفيلاً فحمي أو حمياً فيكفل
أيا جدنا هذا الحبيب على الثرى
طريحاً يخلى عارياً لا يغسل
يخلى بأرض الطف شلواً ورأسه
إلى الشام فوق الرمح يهدي ويحمل
لتبك المعالي يومها بعد يومه
إذا ما بغى باغ وأعضل معضل
وبيض الظبى والسمر تدمى صدورها
وخيل الوغى تحفى وبالهام تنعل
ومنقبة تقلى وذكر يرتل
ومكرمة تبنى ومجد يؤثل
وليلة مسكين تحمل قوته
إليه سراراً والظلام مجلل
بكاء العذارى الفاقدات كفيلها
عشية جد الخطب والخطب مهول
متى نبصر النصر الآلهى مشرقاً
بأنواره تكسى الربى وتجلل
يروم سلوى فارغ القلب مثله
وذلك خطب دونه الصعب يسهل
حرام على قلبي العزا بعد فقدكم
وفرط الجوى فيه المباح المحلل
ولولا الذي أرجوه من أخذ ثاركم
فأعلق آمالي به وأعلل
لمت على ما كان من فوت نصركم
أسى وجوى والموت في ذاك أمثل
ولي سيئات قد عرفت مكانها
فظهري منها أحدب الظهر مثقل
وما لي لي فيها من يد غير أنني
عليكم بها بعد الآله أعول
وسمعا بني المختار نظم بديعة
يذل لها بشر ويخضع جرول
تجاري كميتاً كالكميت ولم يكن
بها أخطل إذ ليس في الشعر أخطل
فإن تمنحوا حسن القبول فإنكم
وما عنكم أن تطردوا متحول
عليكم سلام الله ما لاح بارق
وما ناح قمري وما هب شمأل
وله من قصيدة في رثائه (عليه السلام):
أو لم يرعك الأكرمون
وما قضت لهم الكرامه
وقيامة بالطف قا
مت دون أدناها القيامه
زلزالة أهدت قوا
رعها إلى الكون اصطلامه
طارت فأكسبت الوجود
د غياهباً أوهت نظامه
فياضة الكربات مثـ
ـل البحر يلتطم التطامه
يزجي رحاها ساهر
أن عب بحر الحتف عامه
تلقى الجبال تمر من
سطواته مر الغمامه
من معشر ضرب الجلا
ل بهم على العليا خيامه
وموطئي الأقدام منـ
ـها النسر كاهله وهامه
من أحمد المختار منـ
ـصبه وحيدرة الشهامه
بجبينه نور النبوة
بين عينيه الإمامه
يعلوه عنوان الجلا
ل به وسيماء الفخامه
غضبان يحتقر الوجو
د وما قلت يده حسامه
موف على الدفعات عز
الله أشجع من أسامه
متبسماً يلقى العدى
كالليث إذ يلقى سوامه
غيران أما أن يحو
ز المجد أو يلقى حمامه
عشسق الفناء فليس دو
ن الحتف ما يشفي غرامه
طرب إذا اضطرب الفريـ
ـق كأنما الخطر السلامه
حتى إذا حم الحما
م وصوبت يده سهامه
وتصدعت سبل الهدى
صدعاً أبى الدهر التئامه
قرعت أساس المجد نا
فذة فأسرعت انهدامه
هدت ذرى رضوى وأر
دت يذبلاً ورمت شمامه
وأشمت المجد الأشم
برغم ماجده رغامه
يا أمة ولع الشقا
ء بها فأركبها سنامه
ورأى الضلال محله
منها فملكها زمامه
ما راقبت لنبيها
عهداً وما راعت ذمامه
قتلت أحبته وما
قنعت أن اغتصبت مقامه
وجرت كذاك فلم تزل
أدباً لها فيهم ظلامه
جعلت حشاه غذا السها
م وما مهجته أدامه
هاتي كرائمه تسا
ق ومثلها تركوا كرامه
أسرى يعز عليه ما
يلقين من بعد الكرامه
هذا ومهجته بأيـ
ـدي الخيل قد رضوا عظامه
وكريمه البدري فو
ق قناته لاقى تمامه
تروي الرماح أوامها
منه وما روت أوامه
والماء نصب لحاظه
يلتاح ناظره جمامه
يا للرجال لحادث
قد طبق الدنيا ركامه
أرأيت مبعوثاً لقو
م هكذا جعلوا ختامه
قطعوا عناداً لحمه الـ
ـأدنى وما خافوا أثامه
وتخلفوا عمداً مع الـ
ـحث المؤكد عن أسامه
قنعوا من الباقي بما
نالوا من الفاني حطامه
فليعلمن معاشر
أن تأت فاطمة القيامه
وليندمن هناك قو
م حيث لا تغني الندامه
قد قلت للساري المغب
المجلس الوجناء عامه
علق بقطع البيد وصال
السرى سئم السآمه
يزجي لها زيافة
في سيرها مثل النعامه
لبس الدجى برداً وصير
جنح غيهبه لثامه
بالله إن جئت الطفو
ف مبلغاً عني سلامه
من بعد أن قبلت تر
بته وأكثرت التثامه
وشفيت داءك أن مسحـ
ـت بوجهك العالي رغامه
ومعارج الأملاك حيـ
ـث قيامها يتلو قيامه
فاذكر له الشوق الملح
وكيف هيمه هيامه
يشتاق برقاً كلما اســتعلى عراقياً فشامه
أنفاسه قيد الزفيـ
ـر وسجعه سجع الحمامه
وله في رثاء العباس بن علي (عليه السلام):
لا والهوى ليس بعد الظاعنين كرى
فيستريح أخو شوق إلى الحلم
وكيف يأوي بأرض الري منزلنا
من كان منزله الروحاء من أضم
يا ساكن القلب هل من رحمة لشج
مغض على سقم مفض إلى عدم
ما عند ناظره والقلب من أرب
بعد الحمى غير منهل ومضطرم
أسوان ليس له عند النوى جلد
يقوى به غير قرع السن من ندم
مناه عود المطايا لو تعود له
بما تحملن من ورد ومن عنم
لا رأي للركب أن يخشى الضلال
دجى والصبح فوق المطايا غير منكتم
في البيت من هاشم العلياء نسبتهم
والنعت من أحمد المبعوث للأمم
قوم إذا ذخر الأقوام كان لهم
أنف الصفا وأعالي البيت والحرم
شم المراعف ولا جون مزدحم الـ
ـهيجاء بالنفس فراجون للغمم
أهل الحفيظة لا يلفى جوارهم
يشقى به الجار حفاظون للذمم
عف المآزر لا عاب يدنسهم
ولا يخاف عليهم زلة القدم
تلقى جفونهم تغضي حياً وترى
أسماعهم عن هجين القول في صمم
وموقف لهم تنسي مواقعه
وقائع الحرب في أيامها القدم
أيام قاد ابن خير الخلق معلمة
لم ترد فرسانها إلا أخا علم
حمر الظبا سود يوم النقع خضر ربى
لرائد الجود بيض الأوجه الوسم
من كل أبيض في كفيه مشبهة
في الجزم والحزم والإمضاء والقسم
قريع قوم قراع البيض مطربة
لسمعه دون قرع الناس والنغم
يوم أبو الفضل تدعو الظاميات به
والماء تحت شبا الهندية الخذم
الضارب القمم
ابن الضارب القمم ابن القمم
يوم له والمنايا شاهدة
بأنّه بدرها في حالك الظلم
يسطو فقل في السبنتى خلفت بشرى
أشبالها جوعاً في غاية الألم
والجمع والنقع والظلماء مرتكم
في ظل مرتكم في ظل مرتكم
والخيل تصطك والزعف الدلاص على
فرسانها قد غدت ناراً على علم
والضرب يخلق أفواهاً مفوهة
تحكي الدما فكأن الكلم للكلم
وأقبل الليث لا يلويه خوف ردى
بادي البشاشة كالمدعو للنعم
فياض مكرمة خواض ملحمة
فضاض معضلة عارم من الوصم
أخو ندى ينحر الآساد ضارية
حسامه مطعماً للسيد والرخم
ثيابه نسج داود وعمته
عادية أصبحت تعزى إلى أرم
يشد كالصقر في الأبطال فانكشفت
عن ضيغم كظباء الضال والسلم
يبدو فيغدو صميم الجمع منصدعاً
نصفين ما بين مطروح ومنهزم
فعال منتدب لله محتسب
في الله معتصم بالله ملتزم
حتى حوى بحرها الطامي فراتهم الـ
ـجاري ببحر من الهندي ملتطم
فكف كفا عن الورد المباح وفي
أحشائه ضرم ناحيك من ضرم
وحرمت أن تنال الري مهجته
كأنما الري فيها أشهر الحرم
ولم تهم بشرب الماء همته
وسلب ذا الهم نفساً أكبر الهمم
وهل ترى صادقاً دعوى إخوته
روى حشى وأخوه في الهجير ظمي
وما كفاه الردى دون ابن والده
حتى قضى مثله وأرى الفؤاد ظمي
حتى ملا مطمئن الجأش قربته
ثم انثنى مستهلاً قاصد الحرم
فكاثروه فألفوا غير ما نكس
ماضي الشبا غير هياب ولا أرم
فردها وسيوف الهند تحسبها
برق الحيا ورماح الخط كالأجم
أكمي كمي ومن كان الوصي له
أباً فذاك كمي فوق كل كمي
يستوعب الجمع لا مستفهماً بهل
عنه ولا سائلاً عن عده بكم
غير أن تأبى يسير الطعن همته
فلا يؤم زحاماً غير مزدحم
حتى ابتنى قلل العلياء من شرف
ورم ساحتها الجرباء بالرمم
عموه بالنبل والسمر العواسل والـ
ـبيض الفواصل من فرع إلى قدم
فخر للأرض مقطوع اليدين له
من كل مجد يمين غير منجذم
وله من قصيدة:
إن تكن كربلا فحيوا رباها
واطمئنوا بنا نشم ثراها
ألثموا جوها الأنيق على ما
كان في القلب من حريق جواها
واغمروها بأحمر الدمع سقياً
فكرام الورى سقتها دماها
وبنفسي مودعون وفي العيـ
ـن بكاها وفي القلوب لظاها
من بحور تضمنتها قبور
وبدور قد غيبتها رباها
ركبهم والقضا بأظعانهم يسـ
ـري وهادي الورى أمام سراها
والمساعي من خلفهم نادبات
والمعالي مشغولة بشجاها
ساكبات الدموع لا يتلاقى
بين أجفانها وبين كراها
وتبدت شوارع الخيل والسمـ
ـر وفرسانها يرف لواها
فدعا صحبه هلموا فقد أسـ
ـمع داعي المنون نفسي رداها
فأجاب الجميع عن صدق نفس
أجمعت أمرها وحازت هداها
لا ومعنى به تقدست ذاتا
وجلال به تعاليت جاها
لا نخليك أو نخلي الأعادي
تتخلى رؤوسها عن طلاها
واستبانت على الوفا وتواصتـ
ـه وأضحى كما تواصت وفاها
تتهادى إلى الطعان اشتياقاً
ليت شعري هل في فناها بقاها
ذاك حتى ثوت موزعة الأشـ
ـلاء صرعى سافي الرمال كساها
وامتطى الندب مهره لا يبالي
أشأته منونه أم شآها
يتلقى القنا بباسم ثغر
متلقى العفاة حين يراها
مقرياً وأفديه نسراً وذئباً
لحم أسد لحم الأسود قراها
وانبرت نبلة فشلت يدا رجـ
ـس رماها وكف علج براها
وهوى الأخشب الأشم فماجت
نقطة الكون أرضها وسماها
وانثنى المهر بالظليمة عاري
السرج ناع للمكرمات فتاها
يا لقومي لعصبة عصت اللـ
ـه وأضحى لها هواها إلاها
أسخطت أحمداً ليرضى يزيد
ويلها ما أضلها عن هداها
يا ابن من شرف البراق وفاق الـ
ـكل والسبعة الطباق طواها
أن تمنى العدى لك النقص بالقتـ
ـل فقد كان فيه عكس مناها
أين من مجدك المنيع الأعادي
وبك الله في العناية باهى
وعليك اعتماد نفسي فيما
أملته وما جنته يداها
وذنوبي وإن عظمن فإني
بك يا ابن الكرام لا أخشاها
وبميسور ما استطعت ثنائي
والهدايا بقدر ما أهداها
وله من قصيدة:
أهاب به الداعي فلباه إذ دعا
وكان عصي الدمع فانصاع طيعا
عصى دمعه حادي المطايا فمذ رأى
بعينيه ظعن الحي أسرع أسرعا
فبادر لا يلوي به عذل عاذل
إذا قيل مهلاً بعض هذا تدفعا
ظعائن تسري والقلوب بأسرها
على أثرها يجرين حسرى وطلعا
وبالنفس أفدي ظاعنين تجلدي
لبينهم قبل التودع ودعا
مضوا والمعالي الغر حول قبابهم
تطوف الجهات الست مثنى ومربعا
سروا وسواد الليل داج وشعشعت
على لونه أنوارهم فتشعشعا
يحل الهدى أنى يحلون والندى
فأن أقلعوا لا قدر الله أقلعا
مصاليت يوم الحرب رهبان ليلهم
بوارع في هذا وفي ذاك خشعا
ترى الفرد منهم بجمع الكل وصفه
كمالاً كأن الكل فيه تجمعا
وتهوى الأيامى لو تحل ربوعهم
وقد تركت من حولها الروض سرعا
رمت بهم نحو العلا المحض عزمة
لو الطود وافاها وهى وتصدعا
عشية أمسى الدين دين أمية
وأمسى يزيد للبرية مرجعا
وهل خبرت فيما تروم أمية
بأن العلا لم تلف للضيم مدفعا
وقد علمت أن المعالي زعيمها
حسين إذا ما عن ضيم فأفزعا
رأى الدين مغلوباً فمد لنصره
يعين هدى من عرصة الدين أوسعا
أوغل يطوي الكون ليس بشاغل
على ما به من كف علياه أصبعا
يقود إلى الحرب العوان ضراغماً
حواسرها أمضى من الغير درعا
تجر من الرمح الطويل مزعزعاً
ويمضي من السيف الصقيل مشعشعا
مطلاً على الأقدار لو شاء كفها
فجاءته تترى حسبما شاء طيعا
فألقى ببيداء الطفوف مشمراً
إلى الموت لن يخشى ولن يتروعا
وقامت رجال للمنايا فأرخصوا
نفوساً زكت في المجد غرساً ومنبعا
تفرع من عليا قريش فإن سطت
رأيت أخا ابن الغاب عنها تفرعا
بدور زهت أفعالهم كوجوههم
فسرتك مرأى إذ تراها ومسمعا
أبوا جانب الورد الذميم وأشرعوا
مناهل أضحى الموت فيهن مشرعا
فأكسبها المجد المؤثل أبلج
غشى نوره جنح الدجى فتقشعا
فتنثر أوصال الكمي سيوفها
وتنظم بالرمح الطويل المدرعا
إلى أن ثووا صرعى الغداة كأنّهم
ندامى سقوا كأساً من الراح مترعا
وأقبل ليث الغاب يحمي عرينه
ببأس من العضب اليماني أقطعا
يكر فتلقى الخيل حين يروعها
مضامين سرب خلفها الصقر زعزعا
يصرف آحاد الكتيبة رأيه
فلا ينتقي إلا الكمي المقنعا
بطعن يعيد الزوج بالضم واحداً
وضرب يعيد الفرد بالقطع أربعا
ولما رمت كف المقادير رميها
وحان لشمل الدين أن يتصدعا
بدى عن سراة السرج يهوي كأنما
جبال شروري من علاها هوت معا
وراح بأعلى الرمح يزهو كريمه
كبدر الدجى إذ تمّ عشراً وأربعا
وعاثت خيول الظالمين فأبرزت
كرائم أعلى أن تهان وأرفعا
ثواكل لم يبق الزمان لها حمى
يكن ولم يترك لها الدهر مفزعا
تكاد إذا ما أشعلت زفراتها
بأنفاسها يغدو لها الروض بلقعا
فما الفاقدات الألف شتت جمعها
غداة النوى أيدي العداة ووزعا
بأوهى قوى منها وأشجى مناحة
وأضرم أحشاء وأضيع أدمعا
نوائح من فوق الركاب كأنّها
حمام نأى عنه الأليف فرجعا
سبايا يلاحظن الكفيل مصفدا
وأطفالها في الأسر غرثى وجوعا
وأسرتها الحامون للبيض مطمعاً
وأموالها في النهب للقوم مطمعا
إلى الله أشكو معشراً ضل سعيها
فجاؤوا بها شنعاء تحمل أشنعا
جزى الله قوماً قبلها مهدوا لهم
عن المصطفى شر الجزاء وأفظعا
فأقسم لولا السابقون وما أتوا
به قبل هذا ما ادعاها من ادعى
ولا راح يدعى في الأنام خليفة
يزيد فيعطي من يشاء ويمنعا
ولا راح يوم الطف سبط محمد
لدى القوم مطلول الدماء مضيعا
وكانت بنو حرب أذل وجمعها
أقل وما شمت به العز أجدعا
فقامت على رغم المعالي أمية
بنقض الذي قد أبرم الدين ولعا
خليلي قولاً وانصفا واسألا الذي
تبرعها عن أي وجه تبرعا
بأي بلاء كان منه أغصه
بمر المنايا مقدماً فتجرعا
فباتت له ترعى الغوائل لا ترى
له مضجعاً إلا تمنته مصرعا
وما ضربت في الفضل أيام شركها
بسهم ولا قامت مع القوم مجمعا
بني المصطفى يا خير من وطئ الحصى
وأكرم من لبى وطاف ومن سعى
ويا خير من أم المروعات ركنه
فآمنها مناً وراعة المروعا
ويا خير من أمته غرثى سواغبا
فأطعمها عذب النوال فأشبعا
ويا خير من جاءته ظمئى نواهلاً
فأصدرها ريا القلوب فأنقعا
ويا خير من يرجو المسيئون عفوه
فأولى به الصفح الجميل وأوسعا
سما رزؤكم كل الرزايا كما سما
على كل مجد مجدكم وترفعا
فأحرزتم الغايات في كل حلبة
فقصر عن مسعاكم كل من سعى
سوابق في الهيجا سوابق في الندى
سوابق إن صد الخصام المشيعا
مصابكم أضنى الفؤاد من الأسى
وأزعج عيني أن تنام فتهجعا
إذا ذكرت نفسي عظيم مصابكم
تقسمها الشجو العظيم ووزعا
أروح بأنفاس السليم توجعاً
وأغدو بتذكار السقيم تفجعا
وله في رثائه (عليه السلام):
عدتك نجد فماذا أنت مرتقب
يدنو إليك الحمى أم تنقل الهضب
أبعد أن بنت عنها بت ترقبها
فاذهب فليس لك العتبى ولا العتب
لو كنت صادق دعوى الحب ما برحت
بك المطي ولا زمت بك النجب
أعراب بادية تبنى بيوتهم
حيث العوامل والهندية القضب
لم يعد ملكهم بأس ولا كرم
فلا عدو لهم يلفى ولا نشب
تجري على العكس من قولي ظعونهم
ولو جرت مطلقاً ما فاتك الأرب
فكلما قلت رفقاً بالحشى عنفوا
فليت لو قلت بُعداً بالسرى قربوا
يستعذب القلب من تعذيبهم أبداً
كأنّما كلما قد عذبوا عذبوا
يا منزلاً بمحاني الطف لا برحت
سقيا السحائب منك البان والكثب
كم قلت نجداً وما أعني سواك به
وعرب نجد ومن في ضمنك العرب
إنّي وإن عنك عاقتني يداً قدر
ببين جسم فقلبي منك مقترب
لا تحسبن كل دان منك ذا كلف
فالدار بالجنب لكن الهوى جنب
أقائل أهل ودي إن هم عزبوا
عن ناظري أنّهم عن خاطري عزبوا
لا والهوى ليس بعد الدار يشغلني
عنهم ولا محنة كلا ولا وصب
يا سائق الحرة الوجناء انحلها
طي السرى وطواها الأين والنصب
وجناء ما ألفت يوماً مباركها
ولا انثنت عند تعريس لها ركب
علامة بضروب السير أقربها
منها إلى رأيها التقريب والخبب
تأبى جوانبها تأتي مباركها
حب السرى فكأن الراحة التعب
عج بي إذا جئت غربي الحمى وبدت
منه لمقلتك الأعلام والقبب
وحي عني الأولى أقمارهم طلعت
من طيبة ولدى كرب البلا غربوا
فأعجب لهم كيف حلوا كربلاء وقد
كانت بهم تفرج الغماء والكرب
فأين تلك البدور التم لا غربوا
وأين تلك البحور الفعم لا نضبوا
قوم كأولهم في الفضل آخرهم
والفضل أن يتساوى البدء والعقب
فمنذر مصطفى بالوحي منتجب
ومرتضى مجتبى بالهدي منتخب
الواهبون لدى البأساء ما وجدوا
والطالبون بصدر الرمح ما طلبوا
والمدركون إذا ما أزمة بخلت
بصرفها وتخلت عندها الصحب
وكم لهم حيث جل الخطب من قدم
رست علا والجبال القود تضطرب
ولا كيومهم في كربلاء وقد
جد البلا وارجحنت عندها الكرب
وفتية وردوا ماء المنون بها
ورد المفاضة ظمآن الحشى سغب
من كل أبيض وضاح الجبين له
نوران من جانبيه الفضل والنسب
تجلو العفاة لهم تحت القنا غرراً
تلاعب البيض فيها والقنا السلب
أمت أمية أن تعلو لها شرفاً
فيصبح الرأس مخدوماً له الذنب
ودون ما يممت هند وجارتها
هند السيوف وحرب دونها الحرب
جاءت ليستعبد الحر اللئيم وفي
عود العلى عند غمز الضيم مضطرب
فشمرت للوغى فرسانها طرباً
وامتاز بالسبك عما دونه الذهب
فوارس اتخذوا سمر القنا سمراً
فكلما سجعت ورق القنا طربوا
يستنجعون الردى شوقاً لغايته
كأنما الضرب في أفواهها الضرب
واستأثروا بالردى من دون سيدهم
قصداً وما كل إيثار به الأرب
حتى إذا سئموا دار البلا وبدت
لهم عياناً هناك الخرد العرب
فغودروا بالعرى صرعى تلفهم
مطارف من أنابيب القنا قشب
وأقبلت زمر الأعداء ترقل والـ
ـأضغان تسعى والأحشاء تلتهب
جلا لها ابن جلا غضب الشبا ذكراً
لا يعرف الصفح إذ يستله الغضب
تأتي على حلق الماذي ضربته
ولا يقيم عليها البيض واليلب
وكلما اسود ليل من كتائبهم
أحاله من سناه الضوء لا اللهب
وما استطال سحاب من جموعهم
إلاّ استطار به من لمعه الرهب
وباسم الثغر والأبطال عابسة
كأن جد المنايا عنده لعب
لا يسلب القرن إذ يرديه بزته
والليث همته المسلوب لا السلب
ما بماض إذا استقبلت أمرهما
بدا لعينيك من فعليهما العجب
تلقى الردى في الندى طلق العنان كما
ترى حياة الورى محمولها العطب
حتى إذا ضربت يمنى القضا وارى
إحدى العجائب دهر شأنه العجب
هوى إلى الترب قطب الحرب وابتدرت
من مهجة الندي أيدي البيض تختضب
وأقبلت خرات المصطفى ولها
ندب على الندب لكن الحشى يجب
كواكب فقدت شمس الضحى فبدت
والمرء يعجب لو لم يعرف السبب
كم حرة مثل قرن الشمس قد نفست
على العيون بها الأستار والحجب
أبدت أمية منها أوجهاً كرمت
بالصون يسأل عنها الكور والقتب
من كل باكية أسرى وشاكية
حسرى وزاكية عبرى وتنتحب
وكم كمي بقاني البرد مشتمل
وكم أبي بماضي الحد يعتصب
وجسم بحر ندى في الترب منعفر
ورأس بدر هدى في الرمح ينتصب
وحرة بعد فقد الصون يحملها
بين المضلين مهزول المطا نقب
فخدرها وجليل القدر مبتذل
ورحلها وجميل الصبر منتهب
فكلما عاينت ظلت مدامعها
تجري دموعاً وظل القلب ينشعب
يا غيث كل الورى إن عمّ عامهم
جدب ويا غوثهم إن نابت النوب
والثابت العزم والأهوال مقبلة
والراسخ الحلم والأحلام تضطرب
والماجد الحسب المقري الظبا كرماً
حوباءه وكذاك الماجد الحسب
ما غالبت صبرك الدنيا ومحنتها
إلاّ انثنت وله من دونها الغلب
ولا تروع لك الأيام سرب حجى
بلى إذا ريعت الأعلام والهضب
أن يصبح الكون داجي اللون بعدك والـ
ـأيام سوداً وحسن الدهر مستلب
فأنت كالشمس ما للعالمين غنى
عنها ولم تجزهم من دونها الشهب
تالله ما سيف شمر نال منك ولا
يدا سنان وإن جل الذي ارتكبوا
لولا الأولى أغضبوا رب العلى وأبوا
نص الولاء وحق المرتضى غصبوا
أصابك النفر الماضي بما ابتدعوا
وما المسبب لو لم ينجح السبب
ولا تزال خيول الحقد كامنة
حتى إذا أبصروها فرصة وثبوا
فأدرك الكل ما قد كان يطلبه
والقصد يدرك لما يمكن الطلب
يفنى الزمان وفيك الحزن متصل
باق إلى سرمد الأيام ينتسب
كأن حزنك في الأحشاء مجدك في الـ
ـأحياء لم تبله الأعوام والحقب
تقول نفسي ونار الوجد تضرم في
قلبي وماء البكا من مقلتي سرب
ترضى من العين أن تجري مدامعها
ومن فؤادك أن يعتاده اللهب
هيهات رمت مجالاً وادعيت به
دعوى يلوح عليها الخلف والكذب
ما أنت والقوم ترجو نيل سعيهم
وما شربت من الكأس الذي شربوا
هب أنّه فاتك يوم البين صحبتهم
فكيف لم تركب النهج الذي ركبوا
وله في رثائه (عليه السلام) من قصيدة:
جزى الله قوماً أحسنوا الصبر والبلا
مقيم وداعي الخطب يدعو ويخطب
بحيث حسين والرماح شواخص
إليه وألحاظ الأسنّة ترقب
وفرسان صدق من لؤيّ بن غالب
يؤمّ بها يبغي المغالب أغلب
ذوو الفضل لا اللاجي إلى طود عزهم
يضام ولا الراجي لديه يخيّب
سروا خابطي الظلماء في طلب العلا
إلى أن بدا منها الخفي المحجّب
مضى ابن علي حيث لا نفس ماجد
تهم ولا قلب من الحزم يقرب
إذا الصارم الهندي خلا سبيله
وحاد عن القصد السنان المذرب
وخوّفه بالموت قوم متى دروا
بأن حسيناً من لقى الموت يرهب
وقامت تصادي دونه هاشمية
تحنّ إلى وصل المنايا وتطرب
أتوافي العلا ما ليس يدري فأغربت
معاني الثنا في مجدهم حيث أغربوا
فوارس من عليا قريش تسنموا
من المجد صعباً ظهره ليس يركب
أسود لها الأسد الضراغم مطعم
وما تسفك البيض الصوارم مشرب
ترى الطير في آثارهم طالب القرى
متى ضمّهم في حومة الحرب موكب
عشية أضحى الشرك مرتفع الذرى
وولت بشمس الدين عنقاء مغرب
تراع الوغى منهم بكل شمردل
نديماه فيها سمهري ومقضب
بكل فتى للطعن في حر وجهه
مراح وللضرب المرعبل ملعب
بكل نفي الخد لولا خطا القنا
ترى الشمس من معناه تبدو وتغرب
ومروا على مر الطعان كأنّه
لديهم جني النحل أو هو أطيب
إلى أن ثووا تحت العجاج تلفهم
ثياب علا منهن ما حاك قعضب
وأقبل ليث الغاب يهتف مطرقاً
على الجمع يطفو بالألوف ويرسب
إلى أن أتاه السهم من كف كافر
ألا خاب باريها وضل المصوب
فخر على وجه التراب لوجهه
كما خرّ من رأس الشناخيب أخشب
ولم أنس مهما أنس إذ ذاك زينباً
عشية جاءت والفواطم زينب
تحن فيجري دمعها فتجيبها
ثواكل في أحشائها النار تلهب
نوائح يعجمن الشجى غير أنهاّ
تبين عن الشجو الخفي وتعرب
نوائح ينسين الحمام هديلها
إذا ما حدا الحادي وثاب المثوب
وما أم عشر أهلك البين جمعها
عداداً يقفى البعض بعضاً ويعقب
بأوهى قوى منهن ساعة فارقت
حسيناً ونادى سائق الركب ركبوا
ورحن كما شاء العدو بعولة
يذوب الصفا منها ويشجى المحصب
إلى الله أشكو لوعة عند ذكرهم
تسح لها العينان والخد يشرب
أما فيكم يا أمة السوء غيرة
إذا لم يكن دين ولم يك مذهب
بنات رسول الله تسبى حواسراً
ونسوتكم بالصون تخبى وتحجب
إذا لم يكن ود القرابة قربة
فيا ليت شعري ما يكون التقرب
أبادوهم قتلاً وأسراً ومثلة
كأنّ رسول الله ليس لهم أب
كأنّ رسول الله من حكم شرعه
على أهله أن يقتلوا أو يصلبوا
يذادون أمثال الغرائب خالط الصحيحة
منها صاحب العر أجرب
ففي كل نجد في البلاد وحاجر
لهم قمر يهوي وشمس تغيب
بني الوحي يا كهف الطريد ومن بهم
يلوذ فينجو الخائف المترقب
منازلكم للنازلين مرابع
يريف بها عذب النوال ويسكب
وأسيافكم حمر الظبي يوم معرك
لها الهام ملهى والترائب ملعب
وله من قصيدة في رثائه (عليه السلام):
أهاج حشاك للشادي الضروب
قرير العين في الغصن الرطيب
فكم للقلب من وجد وحزن
وكم للطرف من دمع سكوب
ونفس حشو أحشاها هموم
يشيب لها الفتى قبل المشيب
تريد من الليالي طيب عيش
وهل بعد الطفوف رجاء طيب
سقى الله الطفوف وإن تناءت
سجال السحب مترعة الذنوب
فكم لي عندها فرط ووجد
وحر جوى لأحشائي مذيب
أسلوان لقلبي وابن طه
على الرمضاء ذو خد تريب
عديم النصر إلاّ من قليل
من الأنصار والرحم القريب
تفانوا دونه والرمح عاط
لناظره إلى ثمر القلوب
يرون الموت أحلى من حبيب
أباح الوصل خلوا من رقيب
فتلك جسومهم في الترب صرعى
عليها الطير تهتف بالنعيب
تكفنها الرماح السمر حتى
كأنّ سليبها غير السليب
تخوفه المنون جنود حرب
وهل يخشى المنون ابن الحروب
أبي الضيم حامل كل ثقل
عن العلياء كشاف الكروب
أبو الأشبال في يوم التعادي
أبو الأيتام في يوم السغوب
يكر على الكتيبة وهو فرد
ككر الليث في السرب السروب
يدافع عن مكارمه ويحمي
بصارمه عن الحسب الحسيب
خطيب بالأسنة والمواضي
وقرت ثم شقشقة الخطيب
فأحمد حين تلقاه خطيباً
وحيدرة تراه لدى الخطوب
وظل مجاهداً بالنفس حتى
أتى فعل ابن منجية النجيب
وولى مهرة ينعاه حزناً
بمقلة ثاكل وحشاً كئيب
ونادت زينب منها بصوت
يصدع جانب الطود الصليب
أخي يا ساحباً فوق الثريا
ذيول علا نقيات الجيوب
ويا متجمعاً لنعوت فضل
سليم النقص معدوم العيوب
ويا سر المهيمن في البرايا
وشاهده على غيب الغيوب
ويا شمساً بها تجلى الدياجي
رماها الدهر عنّا بالمغيب
ويا قمراً أحال على غروب
وعاقبة البدور إلى الغروب
كفر رُمّان
ـ1ـ
بلدة في جبل عامل تقع في القسم المعروف ببلاد الشقيف جرت فيها معركة من المعارك التي كان يدافع فيها أبناء جبل عامل عن جبلهم في وجه الأعداء المحيطين بهم من كل جانب، وقد انتصروا في هذه المعركة انتصاراً كبيراً على قلة عددهم بالنسبة للقوى الزاحفة إليهم من جبل لبنان بقيادة يوسف الشهابي. وننشر فيما يلي بحثاً عن هذه المعركة مكتوباً بقلم محمد جابر:
كانت هذه المعركة في الخامس من ربيع الأول سنة 1185هـ و29 تشرين الأول 1771م وأما أسبابها فهي كما سمعتها وأنا غلام يافع من الشيوخ والمعمرين يرويها أحدهم عن أبيه عن جده ممن شهد المعركة بنفسه، فيصفها وصفاً دقيقاً كأنّك تراه. ويذكر الأماكن التي حصل العراك فيها، والهجوم والدفاع، وأسماء القواد الذين أبلوا بلاءً حسناً فيها.
وملخص الرواية التي استقيناها من أوثق المصادر هو: أن مكاريين من قرية (كفر رمان)، وهي على بُعد ميلين من النبطية، مرّا بعنبٍ لهما بقرية (نيحا الشوف) فاعتدى عليهما بين الكروم بعض أهالي نيحا وسلبوهما و ضربوهما ضرباً أليماً قضى على حياتهما. فشكى أهل القتيلين أمرهما إلى الشيخ علي بن أحمد الفارس عميد آل صعب وحاكم المقاطعة، وكان مقيماً في قلعة الشقيف فكتب إلى الأمير يوسف الشهابي حاكم جبل لبنان يومئذٍ يطلب منه إرسال المعتدين لمحاكمتهم، وذكر له أسماءهم، فكتب إليه الشهابي بعدم إمكان القبض على الجناة وعرض عليه دية القتيلين توزع على أهالي نيحا. وأصرّ الصعبي على طلبه وكتب للأمير يوسف كتاباً شديد اللهجة قائلاً: إنّ الشيعة لم تَعْتَدْ بيع دماء أبنائها بمال ونحن نعرف كيف نثأر لبني قومنا.
واقتحم بعض الشيعيين قرية نيحا فقتلوا أربعة من أهلها بين الكروم في المكان الذي ضُرب فيه الرجلان الشيعيان. واتصل الأمر بالأمير يوسف فاحتدم غيظاً وكان الحقد يغلي في صدره لارتفاع شأن الشيعة واستفحال أمرهم وتطاولهم على أطراف الشوف ووادي التيم، وإنذارهم لدرويش باشا والي صيدا منذ انتصارهم في معركة البحرة (بحرة الحولة) وهزيمة عثمان باشا التي تلكأ الأمير يوسف عن نجدته فيها.
فزحف الأمير يوسف لاكتساح جبل عامل بجيش كثيف يزيد على أربعين ألف مقاتل مؤلف من طوائف شتى كما ثبت من تقارير القناصل. ولما دخلوا البلاد من جهة صيدا بدؤوا يحرقون القرى، ويدمرون المزارع، ويقطعون الأشجار، ويقتلون من يقع في أيديهم من السكان الآمنين، ولا يعفون عن شيوخ ولا صبية ولا نساء.
وكتب الشيخ علي الفارس إلى الشيخ ناصيف النصار شيخ مشايخ جبل عامل يبسط له القضية ويستنجده للدفاع عن البلاد وحماية الطائفة. فهبّ ناصيف للنجدة وأرسل (الصوّات) لجمع الجنود وكتب إلى حليفه الشيخ ظاهر العمر الزيداني صاحب فلسطين يطلب النجدة.
وكان جيش الأمير يوسف يسير في أربع فرق. فالفرقة الأولى وهي المقدمة وفيها الأمير يوسف في أول الجيش. والفرقة الثانية، وهي الجناح الأيمن كانت تسير في طريق جبع ـ فـ حومين ـ فـ حبوش ـ فـ النبطية. والفرقة الثالثة، وهي الجناح الأيسر كانت تسير في طريق العرقوب ـ فـ الميذنة ـ فـ الجرمق ـ فـ كفرتبنيت ـ فـ النبطية. والفرقة الرابعة، وهي القلب كانت تسير في طريق جرجوع فعرب صاليم فالنبطية.
وكانت قوى الشيخ علي الفارس وأخيه الشيخ حيدر الفارس [الذي كان في بدء الخلاف مقيماً في جباع فوافى أخاه إلى النبطية للاشتراك في الدفاع] مؤلفة من فرقتين: فرقة الفرسان وعددها خمسمائة من الأبطال المجربين كانت تقيم معه في قلعة الشقيف. وفرقة المشاة وعددها ألف مقاتل من الشبان المتمرنين على تسديد الرماية جمعها من النبطية وضواحيها. وعسكر الشيخان بجيشهما في الضاحية الشرقية الشمالية من البلدة في أرض تسمّى (قلادش) التي دعيت بعد المعركة ـــ بعريض القهوة ـــ ولم تزل تعرف بهذا الاسم إلى اليوم لأنّ جيش الشيعة شرب فيها قهوة النصر والظفر.
ولمّا وصلت طلائع الجيش المهاجم إلى (جبع) وأحرقتها وقطعت أشجارها، بعث الشيخ علي الفارس رسولاً آخر إلى الشيخ ناصيف النصار يخبره بحركة العدو وما فعله من الفظائع، ويستعجل قدومه. وأرسل كشافاً يستطلع طلائع الجيش المهاجم، ويرقب حركاته ويقدّر قوته، وعاد الكشاف يهوّل بكثرة المهاجمين ووفرة معداتهم. فانتهره الشيخ وصاح به: اسكت قطع الله لسانك وأمر بسجنه. وأرسل كشافاً آخر ورجع هذا (وقد تعلم الأمثولة) يهوّن الخطب ويزري بالعدو وبسيره غير المنتظم، وأنّ قسماً منه غير مسلح رافق الجيش للنهب والسلب، وأنّ الفوز سيكون حليف الشيعيين حتماً. فأثنى عليه الشيخ وأمر له بخلعة.
وعقد الشيخ علي الفارس ديوان مشورة من خواصه وكبار رجاله وخيّرهم بين التسليم والحرب، بل بين الموت الذليل والحياة العزيزة. بين حرب مجزية أو سلم مخزية وراءها سبي النساء والاستعباد وأخيراً دمار البلاد. فاختاروا الحرب والدفاع إلى آخر نسمة من حياتهم وصلّوا جميعاً صلاة الموت ودعوا الله أن ينصرهم ويخذل العدو الباغي عليهم. وبدأ الاستعراض ودب الحماس في النفوس، وارتفعت الأصوات بالحداء الحربي.
ووصلت مقدمة المهاجمين صباحاً إلى النبطية وفيها الأمير يوسف الشهابي. فاحتلت الضاحية الغربية من البلدة، ونصب الأمير سرادقاً كبيراً على البيدر الأعلى قرب الجبانة، ولم تكن الدور والأبنية اتصلت بالجهة المحتلة كما هي اليوم وإنّما كانت البلدة تشغل بقعة ضيقة متلاصقة البيوت شرقي دار الحكومة. وأصبح الناس يرون مخيم الأمير وفي أعلى السرادق كرة من الذهب تشع في نور الشمس. واجتمعت فرق الجيش كله في كفر رمان واتخذتها مركزاً.
ولما انفرد الأمير الشهابي عن الجيش وسار في المقدمة وآوى إلى سرادقه آمناً مطمئناً كأنه يسير في نزهة معتزاً بكثرة جيشه غير حاسب لأخصامه حساباً مما يخالف أبسط القواعد الحربية ويدل على الغرور وضعف الرأي.
رأى القائد الصعبي وهو الباسل المحنك أنّ الفرصة سانحة فعوّل على الهجوم بالفرسان بعد أن كانت الخطة دفاعية، كما سبقت الإشارة، وخشي بادرة الحماسة من الشبان المشاة فأمر بحجزهم في خان الميري الواقع في جوار بيت آل الفضل في النبطية. وأمر قائدهم الشيخ دندش بن أحمد الفارس أن يوصد الأبواب ولا يدع أحداً يتحرك إلاّ بإشارته، لأنّه لم يكن على ثقة بأنّ جيشه القليل يفوز على ذلك الجيش العرمرم.
وعبأ خيالته تعبئة حربية محكمة، فأحاطت بفرقة الأمير من جهات ثلاث من الغرب والشرق والجنوب تاركاً جهة الشمال ليسهل طريق الفرار والانسحاب، وبدأت المعركة بإطلاق الرصاص، فذعر الأمير يوسف، ورأى الخطر المحدق به، فارتبك وتشوشت جنوده، وضيّق المهاجمون الحلقة، فالتجأ إلى الفرار راكباً بغلة لا يلوي على شيء. وكانت الأوامر أن لا يقطعوا عليه الطريق ولا يمس بسوء. ولما سمع الشبان المحصورين بالخان أزيز الرصاص اشتد هياجهم فنقبوا جدار الخان الشمالي، ولم تزل آثار النقب إلى اليوم، وتعقب العدو فاشتبك معه في ساحات ثلاث (في الجزائر) شمالي البلدة، (ووادي بو نعيم) شرقيها، وبين زيتون كفر رمان. وكان جيش الشيخ ناصيف المؤلف من ثلاثة آلاف مقاتل قد وصل إلى قرب قرية شوكين وهناك التقى بكشاف يصيح (علق الشر، علق الشر) أي دارت رحى الحرب. فأسرع برجاله سالكاً طريق (زبدين) ودخل البلدة من الجهة الغربية ليدهم مقدمة الجيش المخيمة غربي البلدة كما قدمنا. وتنكب عن طريق (نبعة حبيب) لأنّها مضيق واقع بين جبلين فخاف الكمين. وسار بخيله خبباً إلى ساحة العراك ورأى الحرب قائمة على قدم وساق فهجم هجوم المستميت، ولم يلبث العدو أن لوى عنانه متقهقراً إلى كفر رمان.
ولما مالت الشمس إلى الغروب تحاجز الفريقان وأسدل الليل سدوله فانتشر جيش الشيعة على تلك الروابي والتلال يوقد نار الحرب ويهجز بالعتابا والأغاني الحماسية.
وفي صباح اليوم التالي دارت رحى القتال بشدة وكان جيش العدو قد فقد حماسته وخمدت جذوته فانسل من حيث أتى راضياً من الغنيمة بالإياب. وثبتت قليلاً بعض الفرق بقيادة المشايخ النكديين، وهجم الشيعيون بالسلاح الأبيض فانهزم الجيش كله انهزاماً تاماً يصعدون في جبل العرقوب وروابي سجد المطلة على سهل الميذنة وعقبة جرجوع، وحراب الشيعة تعمل في أقفيتهم وتذبحهم ذبح النعاج. ومات أكثرهم خوفاً وتعباً.
وكانوا إذا علق رداء أحدهم بغصن أو جب شجرة طرح سلاحه ووقف كالمذهول حتّى يأتي من يقبض على حياته. وشاعت عنهم الكلمة التي سارت مثلاً يتداولها الناس إلى اليوم وهي قول العالق بأغصان الشجر: (يا شيخ جب ارخيني خذ القبق والسكيني).
ويقول المؤرخ العاملي الشيخ علي رضا: إنّ الشيخ ناصيف النصار تعقب بنفسه، الأمير يوسف الشهابي فأدركه في عقبة جرجوع فقنّع رأسه بالرمح، وأنزله عن ظهر بغلته إلى الأرض؟ وألبسه الفرو مقلوباً وقال له: عفوت عنك رأفة بشبابك واحتراماً لأسرتك وأنا ابن نصار. فأجابه الأمير يوسف: قدّها أولاد أم علي. أي إنكم أهل للعفو. وأولاد أم علي لقب يطلب على الشيعة في جبل عامل وكانوا يفخرون به.
أمّا عدد القتلى فيقول الأمير حيدر الشهابي في تاريخه (المجلد الأول صحيفة 91): إنّه ألف وخمسمائة قتيل. وأنّ الأمير يوسف لما وصل إلى كفر رمان أحرقها وسار إلى النبطية فالتقى بطارش عسكر المتاولة([362])، بنحو خمسمائة خيال فانكسر العسكر كسرة عظيمة، ولم يكن في الزمان انكسر مثل تلك الكسرة ولولا ثبات الشيخ كليب نكد ووصول الأمير إسماعيل الشهابي لأجهز المتاولة على الجيش كله لأنّهم كانوا كالغنم بين أيدي الذئاب.
ويقول مؤرخو جبل عامل إنّ جيش الأمير يوسف ترك في ساحة القتال ما يزيد عن ثلاثة آلاف قتيل حتى قيل إنّه كان بين القتلى أربعمائة زوج إخوة أي كل اثنين لأب وأم.
وحدّثت شيخة هرمة من آل الحاج علي وهي والدة السيد موسى أبو خدود تدعى (الدرويشة) وكانت ممن شهد المعركة، قالت: كانت الفتيات تمد عسكر الشيعة بالماء والزاد، وتسير زرافات من فرقة إلى فرقة تثير نخوة المقاتلة وحميتهم بالزغاريد والأغاني الحماسية كقولهن: «وين راحوا أولاد أم علي ـ وين سياج العذارى ـ وين بني متوال يا عز الرجال». وأنّ فرسان الشيعة كانت تطلق طلقاً واحداً من بنادقها ثم يضع كل واحد بندقيته وراء ظهره ويهاجم العدو يقاتله بالسلاح الأبيض وينقض عليه انقضاض البزاة على الطير. وأنّ جثث القتلى غطت ضواحي النبطية وكفر رمان وسهل الميذنة. وكن إذا ذهبت إلى ينبوع الميذنة لغسل ملابسهن لا يستطعن البقاء طويلاً لفظاعة تلك المناظر الرهيبة. ولبس الشوف أثواب الحداد حتى كانت النساء ترى كالغربان».
ووصلت نجدة الشيخ ظاهر العمر بقيادة ولديه الشيخ علي والشيخ عثمان بعد أن وضعت الحرب أوزارها وقيل إنّها تباطأت قصداً برأي الشيخ عثمان بين أحراج يحمر. ولما انجلت المعركة عن انتصار الشيعيين قال علي لثعمان: سوَّد الله وجهك، كسب أولاد أم علي الحرب وكسبنا العار. (انتهى).
أقوال بعض الشعراء في هذه المعركة:
وكعادة العامليين دائماً عندما تنتهي المعركة وينجلي غبارها، كعادتهم تحلقوا حول شعرائهم طربين منشرحين، مصغين إلى ما استوحاه الشعراء من جلال المعركة وكبرياء النصر. وهؤلاء الشعراء أما شعراء فصحى أو زجل، وما دام الحديث عن الزجل فسأكتفي بتسجيل مقاطع معينة من قصيدة لشاعر زجلي شهد المعركة بنفسه وقاتل فيها وانتصر مع المنتصرين ثم جلس إلى رفاقه يتلو عليهم خواطره الزجلية الملحمة التي لم تدون.
ولكن أولئك الرفاق لم يعنوا بتدوين هذا الشعر، ولا فكروا بتسجيله بل ألهاهم طربهم وانشراحهم عن هذا فاكتفوا باستظهاره، وصارت الأجيال تتداوله جيلاً عن جيل محفوظاً في الصدور، ويبدو أنّ كل جيل كان ينسى شيئاً من القصيدة حتى وصلت إلينا وقد ذهب أكثرها ولم تبق منها إلا مقاطع قليلة.
كان العامليون في تلك الأيام يتباهون بلقب «المتاولة»، ولحبهم لهذا اللقب كانوا يحورونه فهم طوراً «متاولة» وطوراً «بنو متوال»، وعلى هذا جرى شاعرنا الزجلي الفارس المجهول فقال من قصيدته:
يا بني متوال يا سباع الرجال
يوم كفر رمان ينيتو الهوال
يا بني متوال يا سباع الرجال
يشبهو البارود لو لحقو الزناد
* * *
يوم كفر رمان شتتوا العدى
كلها وشربت بكاسات الردى
المير يوسف لاطريقو ما اهتدى
شبعت وحوش القبر من لحم القداد
* * *
شبعت وحوش البر وجميع الطيور
وامتلى جوف القشاعم والنسور
كنت أنا خيال غاير بالظهور
حين إجت كل المناصب والبلاد
* * *
سآل بيك قبل منك والجدود
كيف كنا في الحرب مثل الأسود
بنصحك من بعد هذي لا تعود
وقول لأولادك ولأولاد الولاد
* * *
سآل بيك قبل منك والعتاق
كنت أنا خيال أخف من البراق
لما انتخى ناصيف وبسيفو زعق
صسار شخب الدم يضرب للعداد
ومن قصيدة طويلة لشاعر زجلي فلسطيني يدعى (شناعة بن مريح) من شعراء ظاهر العمر، وكان ظاهر محالفاً للعامليين كما تقدم:
وين مير الشوف يوسف يوم صال
من عرب صاليم على الوادي نزل
في عساكر عدها تسعون ألف
أو تزيد عداد خوفاً إن نزل
قادها من حمص لديرة حما
لقرايا الشام صّواتو وصل
من أرض بيروت للشوف العريض
من بلاد جبيل كم فارس وصل
شي دروز شي يهود وشي صنوف
شي نصارا شي كراد وشي ملل
وانحدر بجموع ما إلهم عداد
يا جميل الستر في هذي الملل
وانتخى علي لناصيف يقول
إن هذا الأمر ما عاد ينمهل
ما يخش المير ديرتنا حرام
لو نبت من فوق راياته نخل
لبني متوال ظهر العاديات
من متون الخيل يمضون الصقال
قادها ناصيف كساب الثنا
وافترعها قبل أن جازت فحل
سيفهم ناصيف يا نعم العقيد
شاهراً للسيف في إيدو يقل
والذي فهم سياج المحصنات
ذاك أخوه الليث محمود الخصال
يا علي الفارس يعارك في الجموع
شبه ليث صال وأشجع من بطل
عندما البارود زمجر واستطار
وأظلمن الأفق وأبرقن النضال
وأذهل الأبطال ركض الصافنات
لعبت الفرسان في ذاك المحل
صاح مير الشوف هتو لي الحصان
عن عظم ما صال جابولو بغل
يحسبون الحرب هي شلة حرير
ويش يجيب الحرب لغزل الشلل
وفي هذا العصر قال الشيخ سليمان ظاهر من قصيدة له يتحدث بها عن جبل عامل والعامليين:
لهم في كل حادثة حديث
يسلسل متنه طعن وضرب
وكم يوم إحالته ظلاماً
مسومة لهم في الروع قب
سفائنهم ببحر الهول فيه
يصرف أمره تيه وعجب
أتى فيه (شهابي) وولى
وقد شرقت به بيض وشهب
تحدث عنه لم تكذب حديثاً
(كفر رمان) والأرواح نهب
بخمس مئين فرقهم (علي)
وهم شتى الشعوب عليه إلب
وصبحهم بخيليه (نصيف)
فطار بخيلهم ذعر ورعب
كفر رمان
ـ2ـ
ما هي الأسباب الرئيسية التي دفعت الأمير يوسف الشهابي أن يشن حملته على جبل عامل؟
شهدت بلاد الشام في منتصف القرن الثامن عشر انقسام القوى المحلية في هذه البلاد إلى حزبين رئيسيين، حزب السلطان ويتزعمه والي دمشق وعثمان باشا (الصادق) ويضم ولديه والي صيدا ووالي طرابلس الشام وملتزم جبل الدروز الأمير يوسف الشهابي، وحزب المتمردين ويرأسه علي بك الكبير في مصر وأعوانه الشيخ ظاهر العمر في فلسطين والشيخ ناصيف النصار شيخ مشايخ جبل عامل والأمير فندي الشهابي ملتزم جبل الدروز سابقاً، واستطاع حزب المتمردين أن ينزل هزائم مذلة بحزب السلطان، آخرها الاقتتال على ضفاف بحيرة الحولة، وتهديد المتمردين لصيدا بالاحتلال فأنقذها الأمير يوسف الشهابي.
وكان تخليص صيدا من احتلال المتمردين انتصاراً معنوياً للأمير يوسف الشهابي، فأقام معسكراً في جسر الأولي في انتظار القوات التي أمر بجمعها من جبل الدروز، وحضر إليه في 18 تشرين الأول (أكتوبر) مندوب من عثمان باشا والي دمشق، ومعه خط شريف([363]) من الباب العالي يأمره بمهاجمة جبل عامل، ويعفيه مقابل ذلك من ميري التزام جبل الدروز لمدة سنتين([364]). فاستقبل الأمير يوسف هذه الأوامر باحترام وإجلال كبيرين، وسجل الخط الشريف في المحكمة، ورصدت الوثائق الفرنسية المعاصرة ما كان يجري:
«وصل هذا اليوم تاتار([365]) عثمان باشا ومعه خط شريف من الباب العالي إلى الأمير الكبير يأمر بموجبه بالانضمام إلى الباشوات للعمل ضد المتمردين، ويعفيه عن ميري بلاده لمدة سنتين كتعويض عن تكاليف الحرب»([366]).
ووجد الأمير يوسف الشهابي في هذا الأمر فرصة لا تعوض، تمكنه عبر النجاح بها أن يحقق أهدافاً في وقت واحد ودون تكاليف باهظة، لأنّ الباب العالي سوف يعفيه من ميري بلاده لمدة سنتين. وأهداف الأمير كانت ذلك الوقت، إنزال الهزيمة والانتقام بالعامليين، وإخضاع بلادهم لسيطرته والتزامها من والي صيدا، فيساعده هذا على مضاعفة مداخلية وارتفاع مكانته في بلاد جبل الدروز، والتفاف الجميع حوله، ولا سيما محازبي عمّه الأمير منصور، ملتزم جبل الدروز سابقاً، وتخلي هذا الأمير عن مقاومته ونصب الفخاخ له([367]).
وفي التاسع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1771 تجمعت القوات التي طلبها الأمير يوسف الشهابي من جبل الدروز وبعد أن ترك في صيدا الشيخ علي جنبلاط ومعه ألف وخمسمائة مقاتل لحراسة مدينة صيدا من أي عدوان مفاجئ، قاد الأمير هذه القوات إلى جبل عامل تنهب وتحرق وتدمر القرى التي تمر بها، وتوغل في إقليمي التفاح وجباع الحلاوي وذبح من صادف من السكان، ولم يوفر رجاله نساءً ولا شيوخاً ولا أولاداً([368]).
وفشل الوسطاء في التوصل إلى حل سياسي بين القوى المحلية المتصارعة في المقاطعات اللبنانية الجنوبية، وتابع الأمير يوسف الشهابي زحفه في قرى جبل عامل، حتى وصل إلى قرية كفر رمان فأحرقها وسار منها إلى النبطية، حيث تجمعت قوات جبل عامل بقيادة الشيخ ناصيف النصار([369]). فاصطدمت مقدمة عساكر الأمير يوسف بفرقة من خيالة العامليين، وأجبروها على التراجع نظراً إلى ضخامة أعداد المهاجمين، فانضم عناصر هذه الفرقة إلى القوة الأساسية المؤلفة من خمسمائة خيال، وهجموا معاً على رجال الأمير يوسف وأنزلوا بهم هزيمة منكرة([370]). وخيّل لرجال الأمير أنّ الذي هجم عليهم هو الشيخ علي ظاهر العمر، الذائع الصيت بشجاعته ومهارته القتالية، فدبت الفوضى والخيانة في صفوف قوات الأمير يوسف الشهابي([371])، وصاروا يقتلون بعضهم بعضاً وهم منهزمون. وتركوا في أرض المعركة ثيابهم وبنادقهم وأعلامهم وزادهم، وتناثرت جثثهم على منحدرات جزين وفي غابات الصنوبر الواقعة على جانبي الطريق التي سلكوها، في حين أن من قتل منهم بأيدي المدافعين كان عدد ضئيلاً([372]).
ولقد عكس كتاب الحوليات اللبنانية المعاصرة، صورة صادقة لمدى عمق المأساة ومقدار النكبة، كما حلت بأبناء جبل الدروز نتيجة الهزيمة المؤلمة، التي أنزلها العامليون بقوات الأمير يوسف الشهابي في النبطية. فأشار المؤرخ حيدر الشهابي([373]) إلى أنّه «لم يكن في الزمان انكسر مثل تلك الكسرة حتى مات كثير من التعب، ومنهم من عدموا عقولهم، وكثيراً رموا سلاحهم وثيابهم. وقيل إنّ إنسان علقت ثيابه في شجرة فبقي واقفاً إلى أن وصلوا إليه وقتلوه. ولو تكون وصلت عساكر المتاولة لما كان سلم إلاّ القليل». كما أشار المؤرخ حنانيا المنير([374]) إلى مدى الخسارة البشرية والحزن الأليم الذي عمّ الأهالي: «كنت ترى النساء في كل مكان كأغربة من لبس الحداد». وأنطقت هزيمة الأمير يوسف أحد قوالي جبل عامل بقصيدة زجلية طويلة بقي محفوظاً منها على ألسنة الرواة:
المير يوسف لا طريقو ما اهتدى
شبعت وحوش البر من لحم القداد
كنت أنا خيّال غاير بالظهور
حين إجت كل المناصب والبلاد([375])
وتباينت آراء كتاب الحوليات اللبنانية، حول أسباب الهزيمة التي لحقت بقوات الأمير يوسف الشهابي، فألقى المؤرخ حيدر الشهابي([376]) المسؤولية على خيانة الأمير منصور الشهابي والشيخ علي جنبلاط للأمير يوسف الشهابي: «لم يكن يخلو الشيخ علي والأمير منصور من الونس إلى المتاولة». وردد المؤرخ طنوس الشدياق([377]) التهمة نفسها «وانفض رجال الجنبلاطية وولوا الأدبار حسب إرادة زعيمهم الشيخ علي». وكذلك أحد الأمراء الشهابيين «وانتفض من بين رجال الأمير يوسف جميع رجال الفئة الجنبلاطية». في حين حمل حنانيا المنير([378]) مسؤولية ما حدث لخيانة الأمير منصور والشيخين عبد السلام العماد وكليب نكد.
ولم تشر المصادر الفرنسية المعاصرة إلى هذه الخيانة، وأفاد القنصل الفرنسي في صيدا في تقريره إلى حكومته: «أنّ الذي ساعد المتاولة على الانتصار على أعدائهم، إنّما كان بسبب الفوضى السائدة في صفوف خصومهم، وسوء القادة والخوف من الموت، فاجتمعت كل هذه العناصر، وألقت الرعب في قلوب الجنود، فلم يفكروا سوى بالهروب»([379]).
أمّا السائح الفرنسي فرنسوا فولني([380]) فألقى المسؤولية على عاملي المباغتة والخلاف بين حزبي الأمير منصور والأمير يوسف.
هذا موجز حملة الأمير يوسف الشهابي على جبل عامل.
الدكتور حسين سلمان سليمان
الكلام (علم)
ـ1ـ
علم الكلام هو أحد العلوم الإسلامية، في مجال العقائد، بمعنى أنّه يبحث في ما يجب معرفته من المعتقدات بنظر الإسلام، على النحو الذي يوضحها، ويستدل عليها، ويدافع عنها.
يقول علماء الإسلام: إنّ مجموع التعاليم الإسلامية على ثلاثة أقسام:
أ ـ قسم العقائد: وهي المسائل والمعارف التي يجب إدراكها والاعتقاد بها ثم الإيمان بها، مثل مسألة التوحيد، والصفات الذاتية للباري تعالى. والنبوة العامة والخاصة وبعض المسائل الأخرى؛ وهناك اختلاف محدود بين الفرق الإسلامية في النظر إلى ما هي الأمور التي يمكن اعتبارها من أصول الدين، والتي يلزم الإيمان والاعتقاد بها.
ب ـ قسم الأخلاق: وهي المسائل والقواعد الداخلة في صدد تكوين الإنسان من حيث الصفات النفسية والخصال المعنوية من قبيل: العدالة، والتقوى، والشجاعة، والعفة، والحكمة، والاستقامة، والوفاء، والصداقة، والأمانة وغيرها.
ج ـ قسم الأحكام: وهي المسائل المرتبطة بالعمل والفعل من حيث النوعية وكيفية الأداء، الصلاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيع، والإجارة، والنكاح والطلاق، والإرث وغيرها.
فالعلم الذي يتصدّى للقسم الأول هو علم الكلام، والعلم الذي يتولى القسم الثاني هو علم الأخلاق، أما العلم الذي يأخذ القسم الثالث على عاتقه فهو علم الفقه.
كل ما في هذا التقسيم يقع تحت عنوان هو: «التعاليم الإسلامية» التي هي جزء من صلب الإسلام لا من العلوم الإسلامية التي تشمل المقدمات المستخدمة في تحقيق التعاليم الإسلامية، مثل الأدبيات والمنطق والفلسفة أحياناً، هذا أولاً.
وثانياً: لُحظ في التقسيم ارتباط التعاليم الإسلامية بـ«الإنسان» فالأمور المتعلقة بـ «العقل» و«الفكر» تسمّى عقائد، والأمور المتعلقة بـ «الخُلُق» و«الخصال» تُسمّى بالأخلاق، والأمور المرتبطة بـ«عمل» الإنسان «فعله» تسمّى بالفقه.
إنّ علم الفقه عندما يُنظر إليه من زاوية البحث الفقهي فهو علم واحد، أمّا إذا نظر إليه من زوايا أخرى فإنّه يشتمل على علوم متعددة.
كذلك علم الكلام هو علم العقائد الإسلامية، والذي كان يقال له علم «أصول الدين» أو علم «التوحيد والصفات».
بداية علم الكلام
بخصوص نشأة علم الكلام، لا يمكن إعطاء رأي دقيق حول الزمن الذي بدأ فيه بالظهور بين المسلمين، والمسلَّم أنّه في النصف الثاني من القرن الأول الهجري طرحت بين المسلمين بعض المسائل الكلامية، من قبيل بحث الجبر والاختيار، وبحث العدل. ولعلّ أول حوزة أرسلت هذه المباحث هي حوزة درس الحسن البصري المتوفى سنة 110هـ.
اشتهر من بين المسلمين اثنان من شخصيات تلك الفترة، وهما معبد الجهني وغيلان الدمشقي تصدّيا للدفاع عن الاختيار والحرية للإنسان في مواجهة أفراد تبنّوا عقيدة الجبر، وقد سمي من يعتقد بالاختيار والحرية: «القدرية» كما عرف الذين ينكرونها بـ «الجبرية».
وقد بدأت موارد الاختلاف بين هاتين المجموعتين بالاتساع تدريجياً حول سلسلة من المسائل الأخرى في الإلهيات والطبيعيات والاجتماعيات، وعدد من المسائل المتعلقة بالإنسان والمعاد، وكانت مسألة الجبر والاختيار واحدة من المسائل الخلافية.
وقد عُبِّر في هذه المرحلة الزمنية عن القدرية بالمعتزلة وعن الجبرية بالأشاعرة.
ويصرّ المستشرقون وأتباعهم على أنّ نشأة المباحث الاستدلالية في العالم الإسلامي بدأت مع هذه المناقشات وأمثالها.
أمّا الحقيقة فهي أنّ البحث الاستدلالي بخصوص الأصول الإسلامية قد نشأ من القرآن الكريم نفسه، كما في أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) وخطب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) تعقيباً وتفسيراً، وإن اختلفت صياغة وأسلوب هذه المباحث عن صياغة وأسلوب المتكلمين فيما بعد.
تحقيق أم تقليد
أمضى القرآن الكريم الإيمان على أساس التعقل والتفكير، وأراد القرآن من الناس أن يصلوا إلى الإيمان عن طريق الفكر دائماً. ولم يكتف القرآن ممن يجب عليهم الإيمان والاعتقاد بالمعرفة «التعبدية»، وعلى هذا أوجب التحقيق منطقياً في أصول الدين.
مثلاً مسألة وجود الله ووحدانيته يجب النظر فيها بشكل منطقي وكذلك أنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) هو رسول الله، وكان هذا باعثاً على وضع اللبنة الأولى في أساس علم أصول الدين منذ القرن المذكور.
وقد كان لاتصال الشعوب والملل المختلفة بالإسلام من خلال سلسلة من الأفكار والثقافات، وكذلك لمعاشرة المسلمين لأصحاب الديانات الأخرى كاليهود والمسيحيين والمجوس والصابئة، وللجدل المذهبي في أوساط المسلمين، كما لانشقاق تلك الفرق وخصوصاً ظهور فرقة باسم «الزنادقة» في دنيا الإسلام، والذين كانوا بشكل عام ـ ضدّ الدين، وذلك أيام العباسيين، وكذلك ظهور الفلسفة في العالم الإسلامي.
لكل هذا الذي ذكرناه، أثر في ازدياد الإحساس بضرورة البحث والدفاع عن مباني الإسلام والإيمان أكثر فأكثر، وأدّى كذلك إلى ظهور المتكلمين العظام في القرن الثاني والثالث والرابع.
المسألة الأولى
يظهر أنّ أوّل مسألة كانت مورداً للبحث و«قيل وقال ولم؟ ولا نسلم» بين المسلمين هي مسألة الجبر والاختيار، وهذا طبيعي جداً، فزيادة على أنّ هذه المسألة ترتبط أولاً بقدر الإنسان فهي مورد اهتمام لكل إنسان ناضج الفكر ومن المحتمل أنّ المجتمعات التي لم يبلغ أفرادها مرحلة النضوج لم تشهد طرح هذه المسألة.
ثانياً: اشتمل القرآن الكريم على آيات كثيرة في هذا الصدد شكلت محركاً للتفكر في هذه المسألة الأساسية([381]).
وعلى هذا، فلا دليل عندنا على منشأ آخر لطرح هذه المسألة في دنيا الإسلام. لكن المستشرقين الذين عادة ما ينفون أصالة العلوم والمعارف الإسلامية بكل جهد وعلى أي نحو كان يدّعون أنّ العلوم كافة التي ظهرت بين المسلمين إنّما تنتمي بأصولها إلى خارج دنيا الإسلام، وأنّها ترجع بشكل خاص إلى أصل مسيحي.
وهم من هذا الباب، بذلوا قصارى جهودهم، وعلى أي نحو كان للإيهام بأنّ علم الكلام في الأصل إنّما جاء من خارج العالم الإسلامي، كما أنّ الشيء نفسه يقال في موارد علم النحو والعروض (ويمكن أن يقال في المعاني والبيان والبديع) والعرفان الإسلامي.
بحث الجبر والاختيار هو ضمناً بحث القضاء والقدر، بمعنى أنّه من جهة ارتباطه بالإنسان فعنوانه «الجبر والاختيار» ومن جهة تعلقه بالله فهو «القضاء والقدر»، وفي مضمار هذا البحث يأتي مبحث العدل، وذلك لوضوح العلاقة بين الجبر والظلم من جهة والعدل والاختيار من جهة أخرى.
ومن خلال بحث العدل يأتي بحث الحسن والقبح الذاتيين وهذا بدوره قاد إلى بحث العقل والمستقلات العقلية وهذه كلها قادت إلى بحث «الحكمة»، يعني وجوب وجود غاية وغرض حكيمين عند الباري في أفعاله([382]).
وشيئاً فشيئاً انجرَّ إلى التوحيد في الأفعال ثم التوحيد الصفاتي اللذين سنتناولها بالبحث لاحقاً.
ومن بعد هذا اتّسع ميدان البحث وكبر صفّ الآراء بين بحوث الكلام، وظهرت الحواشي وجرّت إلى الكثير من المسائل الفلسفية كالبحث في الجواهر والأعراض، وتركيب الجسم من أجزاء لا تتجزأ، ومسألة الخلاء. ذلك أنّ المتكلمين طرحوا هذه المسائل بعنوان المقدمات للمسائل المتعلقة بأصول الدين، وبالخصوص المسائل التي اعتبروا لزوم ارتباطها بالمبدأ والمعاد.
ومن هذا الباب اعتبر الكثير من المسائل الفلسفية مسائل كلامية وصار الكثير من المسائل مشتركاً بينهما.
ويظهر للمطالع في الكتب الكلامية ـ خصوصاً المؤلفة منذ القرن السابع فصاعداً ـ أنّ أكثر المسائل المطروحة فيها قد طرحها الفلاسفة أيضاً في كتبهم، وخصوصاً الفلاسفة الإسلاميون.
أثرت الفلسفة في الكلام ـ والعكس صحيح ـ بشكل كبير، ومن ذلك أنّ الكلام دفع بالفلسفة لبحث نقاط جديدة وأنّ الفلسفة وسعت دائرة علم الكلام بمعنى بروز ضرورة طرح الكثير من مباحث الفلسفة في ميدان علم الكلام.
الكلام العقلي والكلام النقلي
في الوقت نفسه الذي يعتبر فيه علم الكلام علماً استدلالياً وقياسياً، فإنّه من جهة المقدمات والمبادئ يشتمل في استدلالاته على قسمين: عقلي ونقلي.
القسم العقلي من الكلام: هو المسائل التي تؤخذ مقدماتها بشكل صرف من العقل، ولو فرض استنادها إلى النقل فذلك يكون بعنوان الإرشاد والتأييد لحكم العقل مثل مسائل التوحيد والنبوة وبعض مسائل المعاد. فالاستناد إلى النقل ـ الكتاب والسنة ـ في هذا النوع من المسائل لا يكفي بل يجب أن تكون مستمدّة من العقل بشكل كامل.
القسم النقلي من الكلام: هو المسائل التي يكفي في إثباتها طريق الوحي الإلهي أو الحديث القطعي للرسول (صلّى الله عليه وآله) رغم أنّها من أصول الدين، ويجب الإيمان والاعتقاد بها، ذلك بلحاظ أنّها متفرعة على النبوة، وليست مقدمة عليها ولا هي نفسها من مثل المسائل المرتبطة بالإمامة وكذلك أكثر المسائل المرتبطة بالمعاد.
تعريف وموضوع علم الكلام
يكفي في تعريف علم الكلام الإسلامي أن نقول بأنّه العلم الذي يبحث في أصول دين الإسلام، على النحو الذي يحدد ما هو من أصول الدين، وكيف وبأي دليل يتم إثباتها، مع الردود على الشكوك والشبهات التي ترد عليها.
في كتب المنطق والفلسفة بحث يدور حول أنّ لكل علم موضوعاً خاصاً، وأنّ مسائل كل علم تتميز عن مسائل العلوم الأخرى بحسب تمايز موضوعات تلك العلوم.
هذا المطلب صحيح طبعاً، فالعلوم التي تملك مسائلها وحدة واقعية هي من هذا القبيل، ولكن هذا لا يمنع من وجود علم، تتوفر لمسائله وحدة اعتبارية مع موضوعات متعددة ومتباينة، والغرض والهدف المشتركان يكونان منشأ للوحدة والاعتبار.
علم الكلام هو من النوع الثاني، بمعنى أنّ وحدة المسائل الكلامية، ليست وحدة ذاتية ونوعية، بل هي وحدة اعتبارية، ومن هذا الوجه فليس من الضروري البحث في موضوع وحيد لعلم الكلام.
ليست للعلوم التي لمسائلها وحدة ذاتية، إمكانية التداخل من جهة المسائل، بمعنى أن تكون بعض مسائلها مشتركة فيما بينها، بينما يمكن ذلك في العلوم التي لمسائلها وحدة اعتبارية، كما يمكن ذلك بين علمين لمسائل أحدهما وحدة اعتبارية ولمسائل الآخر وحدة ذاتية، وهذه هي علة التداخل بين المسائل الفلسفية والكلام، أو بين علم النفس والكلام، أو بين المسائل الاجتماعية والكلام.
وقد ظهر بعض علماء الإسلام ممن تصدّوا للكشف عن موضوع علم الكلام ووضع تعريف له، كما تمّ في موضوع علم الفلسفة وتعريفه، وقد أبرزوا في هذا المجال نظريات مختلفة وكان هذا خطأ منهم، ذلك أنّ تشخيص الموضوع يرتبط بالعلوم التي تتوفر لمسائلها وحدة ذاتية، أمّا تلك التي لمسائلها وحدة اعتبارية فلا نستطيع أن نوجد لها موضوعاً واحداً، وفي هذا المجال لا نستطيع التوسع أكثر من ذلك.
التسمية
وهذا بحث آخر: لماذا سمّي هذا العلم باسم «الكلام» ومتى أعطي هذا الاسم؟
قال بعضهم: إنّ السبب في ذلك كونه يعطي قوة ذاتية وافرة في الحديث والاستدلال.
وقال بعضهم: إنّ سبب التسمية هو أنّه جرت عادة علماء هذا الفن وطريقتهم على أن يبتدئوا بالتعبير عن أقوالهم الخاصة في كتبهم بالقول: «الكلام في كذا» و«الكلام في كذا».
وقال البعض: إنّه سمي كذلك لأنّه كان يدور في مباحث، اعتقد أهل الحديث بوجوب «السكوت» عنها.
وقال البعض: إنّه سمي كذلك منذ طرحت مسألة أنّ كلام الله مخلوق أو غير مخلوق في أوساط المسلمين وتضاربت الآراء في ذلك، وأدّت إلى قتل العديد وتعذيبهم، ولذلك سميت هذه المرحلة مرحلة «المحنة».
ونظراً لأنّ أكثر المباحث في هذه المرحلة كانت تدور حول قدم وحدوث كلام الله، سمي علم أصول الدين بعلم الكلام.
هذه هي الوجوه التي قيلت في بيان سبب التسمية بعلم الكلام.
المذاهب والفرق الكلامية
اتّخذ المسلمون من الناحية الفقهية وفي الأمور التي ترتبط بفروع الدين والمسائل العلمية مذاهب وطرقاً مختلفة، أدّت إلى انقسامهم فرقاً متعددة: جعفرية، وزيدية، وحنفية، وشافعية، ومالكية، وحنبلية ولكل منها الفقه الخاص بها، وقد انقسم المسلمون أيضاً من الناحية العقائدية والمسائل المرتبطة بالإيمان والاعتقاد، فكان لكل فرقة مبان وأصول عقائدية خاصة بها، وأهم المذاهب الكلامية: الشيعة، المعتزلة، الأشاعرة، المرجئة.
يجب الإشارة إلى نقطتين:
الأولى: هي أن اختلافات المسلمين في المسائل الفقهية والكلامية ليست بذلك الحجم الذي يؤدي إلى زلزلة أسس الوحدة في رؤيتهم العقائدية وطرقهم العلمية، بل إنّ للأمور العقائدية والعلمية المشتركة بينهم حجماً كبيراً يحول دون قدرة الاختلافات القليلة على زعزعة أساسية لوحدتهم.
الثانية: هي أنّ الاختلاف الفكري والنظري لا بدّ من وجوده في المجتمعات إلى جانب الوحدة والاتفاق في الأصول الفكرية.
وطالما أنّ مباني وجذور الاختلاف تكمن في طراز الاستنباط لا في الأغراض فهي مفيدة أيضاً، لأنّها موجبة للتحرّك والتدقيق والفحص والبحث والتقدم.
نعم إنّ الاختلاف المبني على التعصب والتحيز والميل الأعمى يقود إلى أحاسيس غير منطقية ويميل الناس عن الإصلاح إلى تحقير الآخرين وتوجيه التهم إليهم والافتراء عليهم، ممّا يفضي إلى أسوأ العواقب.
في مذهب الشيعة: العوام مكلفون بتقليد المجتهد الحي، ووظيفة المجتهدين إعمال الفكر والاجتهاد بشكل مستقل، وعدم الركون إلى ما وصل إليه الأسلاف والعظماء، واجتهاد المجتهدين واستقلاليتهم الفكرية يؤديان إلى إيجاد اختلاف في وجهات النظر، لكن هذا الاختلاف أعطى لفقه الشيعة الحياة والحركة.
إذاً، ليس كل اختلاف مداناً، بل الاختلاف المدان هو الناشئ عن الأغراض المبيّتة، وسوء النوايا، أو ما نشأ عن المسائل التي تبعد المسلمين عن بعضهم لا المسائل الفرعية وغير الأصلية.
وقبل أن نبدأ بنقل وتوضيح المذاهب الكلامية، تجدر الإشارة إلى أحد التيارات في العالم الإسلامي، وذلك أنّ بعض العلماء المسلمين عارضوا من الأساس علم الكلام بمعنى البحث العقلي في المسائل الأصولية واعتبروه «بدعة» وحراماً. وقد عرف هؤلاء باسم أهل الحديث. ويعتبر أحمد بن حنبل ـ أحد أئمة الفقه عند أهل السنة ـ في طليعتهم.
فقد عارض الحنابلة علم الكلام بصورة عامة، وليس فقط الكلام المعتزلي أو الأشعري أو الشيعي، وهم بالأحرى عارضوا المنطق والفلسفة، فابن تيمية الحنبلي أفتى بحرمة الاشتغال بعلمي الكلام والمنطق. ولجلال الدين السيوطي الذي يعتبر أيضاً من أهل الحديث كتاب باسم «صون المنطق والكلام عن المنطق والكلام».
ومالك بن أنس أحد أئمة الجماعة لا يجيز أي نوع من البحث والفحص في المسائل العقائدية.
أهم المذاهب الكلامية ـ كما تقدّمت الإشارة ـ هي: الشيعة، والمعتزلة، والأشاعرة والمرجئة.
المعتزلة
نبدأ بحثنا بفرقة المعتزلة، لسبب نوضحه فيما بعد.
ظهرت فرقة المعتزلة أواخر القرن الأول الهجري، أو أوائل القرن الثاني، ومن البديهي القول: إنّ علم الكلام شأنه شأن بقية العلوم الأخرى أخذ بالتوسع والتكامل تدريجاً.
نعرض أوّلاً لأصول عقائد المعتزلة بشكل جدولي (مفهرس)، أو بعبارة أفضل، نذكر المميزات الأصلية للمدرسة المعتزلية، ثم نتحدّث عن شخصيات المعتزلة المعروفة مع الإشارة إلى السير التاريخية لهؤلاء القوم. وبعدها نبيّن مسار التحوّلات العقائدية في فكر المعتزلة.
المسائل التي بحثها المعتزلة كثيرة، وهي لا تنحصر في الأمور الدينية المحضة التي يجب الإيمان والاعتقاد بها حسب وجهة نظرهم، إذ تشمل أيضاً المسائل الطبيعية، والاجتماعية، والإنسانية والفلسفية التي لا تتعلق مباشرة بالمسائل الإيمانية، لكنها طبعاً ترتبط بنحو ما بالمسائل الإيمانية، وفي عقيدة المعتزلة أنّ التحقيق في المسائل الإيمانية بدون التحقيق في مثل هذه المسائل أمر غير يسير.
يعتبر المعتزلة خمس مسائل من أصول الاعتزال:
أ ـ التوحيد: بمعنى عدم التكثر والصفات.
ب ـ العدل: بمعنى أنّ الله عادل وليس بظالم.
ج ـ الوعد والوعيد: بمعنى أنّ الله وعد عباده بالثواب على الطاعة، وأوعدهم بالعقاب على المعصية، وكما أنّ الوعد للمطيعين لا يتخلف، كذلك فالوعيد لا يتخلف عن العاصين، لكن العفو ميسّر فقط في الوقت الذي يتوب فيه العبد، ولا تتحصل المغفرة أبداً بدون أن تتحقق التوبة.
د ـ المنزلة بين المنزلتين: بمعنى أنّ الفاسق (مرتكب الكبيرة كشرب الخمر والزنى أو الكذب وأمثالها) ليس بمؤمن وليس بكافر، الفسق حالة بين الكفر والإيمان.
هـ ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: للمعتزلة نظرة خاصة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي هذه:
أولاً: لا تنحصر طريقة معرفة المنكر والمعروف بالشرع، فالعقل قادر بصورة مستقلة على تمييز قسم من المنكر والمعروف في أقل تقدير.
ثانياً: لا يشترط وجود الإمام للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي وظيفة عموم المسلمين سواء وجد الإمام والقائد أو لا، وأنّ بعض مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط تقع على عاتق الأئمة وقادة المسلمين، من قبيل إقامة الحدود الشرعية وحفظ حدود الدولة الإسلامية وسائر الأعمال الحكومية.
وقد أفرد بعض المتكلمين من المعتزلة لهذه الأصول الخمسة كتباً مستقلة ككتاب «الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار المعتزلي المعاصر للصاحب بن عباد، والسيد المرتضى علم الهدى.
وحين يُلاحظ أنّ أصلي التوحيد والعدل وحدهما يمكن اعتبارهما جزءاً من المسائل الإيمانية والاعتقادية فالأصول الثلاثة الأخرى هي من تعريف وتحديد المدرسة المعتزلية فقط، وحتى أصل العدل أيضاً ـ ولو أنّه من المسلمات القرآنية ومن ضروريات الدين كونه جزءاً من الأصول الاعتقادية ـ غير أنّه من ناحية اعتباره جزءاً من الأصول الخمسة جاء ليقرر بأنّه من تحديد مدرستهم، وإلاّ فأصل العلم وأصل القدرة (أي أنّ الله عالم وقادر) هما أيضاً من ضروريات الإسلام وجزء من المسائل العقائدية.
وفي مذهب الشيعة أيضاً يعتبر العدل واحداً من الأصول العقائدية الخمسة، وطبعاً هنا يرد السؤال التالي: ما هي الخصوصية التي جعلت أصل العدل معدوداً كجزء من الأصول العقائدية في حال أنّه واحدة من صفات الله، فالله تعالى عادل وعالم وقدير وحيّ ومدرك وسميع وبصير، وهذه كلها يجب الاعتقاد بها أيضاً، إذاً بماذا تميز «العدل» وحده من هذه كلها؟
الجواب: أنّه ليس للعدل أي امتياز عن سائر الصفات، وإنّما ذكره متكلمو الشيعة كجزء من الأصول الأعتقادية عندهم لأنّ الأشاعرة ـ الذين يشكلون أكثرية أهل السنة ـ ينكرون هذا الأصل، في حين أنّهم لا ينكرون باقي الصفات، كالعلم والحياة والإرادة و…، ولهذا الاعتقاد بالعدل يعدّ جزءاً من المعتقدات المحدّدة عند الشيعة، كما أنّه جزء من المعتقدات المحددة عند المعتزلة.
تشكل هذه الأصول الخمسة المذكورة الخطوط الأساسية المعتزلية الكلامية، وإلاّ فكما سبق القول، فللمعتزلة معتقدات خاصة لا تنحصر في هذه الأصول الخمسة، إذ لهم عقائد خاصة في الكثير من مسائل الإلهيات، والطبيعيات والاجتماعيات، والإنسانيات، ليس الآن مجال ذكرها.
التوحيد
نبدأ بحثنا من التوحيد: وله مراتب وأقسام توحيد الذات، توحيد الصفات، التوحيد في الأفعال، التوحيد في العبادة.
توحيد الذات: يعني أنّ ذات الخالق واحدة، ليس لها مثيل ولا شبيه، وكل ما عداه مخلوقات له، ودونه في درجات ومراتب الكمال، بل إنّها ليست قابلة للقياس عليه، وتبين التوحيد الذاتي في الآية الكريمة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والآية {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.
توحيد الصفات: يعني أنّ صفات الله من قبيل العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والإدراك والسمع والبصر، ليست حقائق مغايرة لذات الخالق، بل هي عين ذاته تعالى. بمعنى أنّ ذات الخالق تعالى بنحو تصدق عليه هذه الصفات، أو بكلام آخر: بنحو تترتب آثار هذه الصفات عليه تعالى.
التوحيد في الأفعال: يعني أنّه ليست كل الذوات فقط بل كل الأفعال (حتّى أفعال الإنسان) هي بمشية الله وإرادته، وبحسب مشيئة ذاته المقدسة.
التوحيد في العبادة: يعني أنّه لا أهلية ولا استحقاق لأي موجود بالعبادة والطاعة، سوى لذات الخالق والعبادة لغير الله تساوي الشرك والخروج عن دائرة التوحيد الإسلامي.
وبالنظر إلى سائر أقسام التوحيد، فالتوحيد في العبادة يختلف عنها، ذلك أنّ تلك الأقسام الثلاثة الأخرى مرتبطة بالله تعالى، وهذه مرتبطة بالعباد؛ وبعبارة أخرى: إنّ وحدانية الذات وكونها منزهة عن المثيل والشبيه، والوحدانية في الصفات، والوحدانية في الفاعلية، كلها من شؤون وصفات الله تعالى، أمّا التوحيد في العبادة، فيعني لزوم عبادة الواحد، إذاً فالتوحيد في العبادة هو من شؤون العباد، لا من شؤون الله.
ولكن الحقيقة هي أنّ التوحيد في العبادة هو أيضاً من شؤون الله، ذلك أنّ التوحيد في العبادة يعني وحدانية الله في استحقاق المعبودية، فهو الوحيد المعبود بحقّ وكلمة لا إله إلاّ الله تشتمل على كل مراتب التوحيد وبالطبع فإنّ المفهوم الأول لها إنّما هو التوحيد في العبادة.
توحيد الذات والتوحيد في العبادة جزء من الأصول الأولية للعقائد الإسلامية بمعنى أنّ أي خلل في اعتقاد أي شخص بأحد هذين الأصلين يخرجه عن دائرة المسلمين، وليس بين المسلمين أحد يخالف هذين الأصلين.
توحيد الصفات هو مورد للاختلاف أيضاً بين المعتزلة والأشاعرة، فالأشاعرة ينكرونه والمعتزلة يؤيدونه، والتوحيد في الأفعال أيضاً مورد للاختلاف بين المعتزلة والأشاعرة، بفارق أنّ الاختلاف هنا معكوس بمعنى أنّ الأشاعرة يؤيدون التوحيد في الأفعال والمعتزلة ينكرونه.
لهذا، فإنّ قول المعتزلة بأنّهم أهل التوحيد، وأنّ التوحيد من أصولهم الخمسة إنّما يقصدون به توحيد الصفات لا توحيد الذات ولا التوحيد في العبادة (ذلك أنّ هذين القسمين من التوحيد ليسا مورد خلاف) ولا التوحيد في الأفعال أيضاً، لأنّ المعتزلة ـ أولاً ـ: ينكرون التوحيد في الأفعال، وثانياً: فعقيدتهم بشأن التوحيد الأفعالي تبين أنّه يندرج تحت عنوان «أصل العدل» الذي يعدّونه الأصل الثاني من أصولهم الخمسة.
وهكذا افترق الأشاعرة والمعتزلة في باب توحيد الصفات والتوحيد في الأفعال حول قطبين متنافرين، فالتزم المعتزلة طرف توحيد الصفات وأنكروا التوحيد في الأفعال والأشاعرة بالعكس، وأورد كل منهما استدلالاته على هذا الأساس. وسنتحدث عن هذين القسمين من التوحيد في الفصل الخاص بعقائد الشيعة الخاصة.
أصل العدل
أشرنا في البحث الماضي بشكل إجمالي إلى الأصول الخمسة عند المعتزلة، وأعطينا بعض التوضيحات بخصوص الأصل الأول منها، أي: التوحيد، والآن جاء دور الأصل الثاني وهو أصل العدل.
من الواضح أنّه لا ينكر أيٌّ من فرق المسلمين العدل كصفة من الصفات الإلهية، ولم يقل أحد بأنّ الله ليس عادلاً. فاختلاف المعتزلة عن الأشاعرة يكمن في تفسير وتوجيه مفهوم العدل. فللأشاعرة تفسير خاص بالعدل يساوي عند المعتزلة إنكاراً للعدل، أمّا الأشاعرة بدورهم فيأبون أن يقال عنهم بأنّهم منكرون أو مخالفون للعدل.
وعقيدة المعتزلة في شأن «العدل» هي أنّ بعض الأفعال عادل بذاته، وأنّ بعضها الآخر ظالم بذاته، فمثلاً ثواب المطيع وجزاء العاصي عدل في حدّ ذاته، والله عادل، أي: هو يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، ومحال أن يأتي بضد هذا العمل.
كما أنّ معاقبة المطيع وإثابة العاصي ظلم في حدّ ذاته، ومحال أن يرتكبه الله.
والأمر كذلك في خلق الإنسان مجبوراً على المعصية، أو مسلوب القدرة، فخلق المعصية ـ إذ ذاك ـ يكون بيده، ومعاقبته عليها ظلم، والله لا يظلم أبداً. فالظلم قبيح على الله وغير جائز وهو مخالف للشأن الرباني.
لكن الأشاعرة يعتقدون أنّه ما من عمل هو في حدّ ذاته عدل، وما من عمل هو في حدّ ذاته ظلم، وما يفعله الله هو عين العدل، فلو فرض أن عاقب الله المطيع وأثاب العاصي فعمله هو عين العدل، وكذلك الأمر لو خلق العباد مسلوبي القدرة وأجرى المعصية بين أيديهم، فعصوا، فعاقبهم، فليس عمله في حدّ ذاته ظلماً، فلو فرضنا أنّ الله فعل ذلك فعمله أيضاً هو عين العدل.
المعتزلة ـ من هذه الجهة، وشأنهم القول بالعدل ـ ينكرون التوحيد في الأفعال، ويقولون إنّ مقتضى التوحيد في الأفعال هو أن لا يكون البشر أنفسهم خالقين لأفعالهم، بل الله هو خالقها، ونحن إذ نعلم أنّ البشر في الآخرة يثابون ويعاقبون من قبل الله، إذاً، فإن كان الله هو خالق الأفعال وفي الوقت نفسه يعاقب البشر ويثيبهم على ما لم يفعلوه، بل على ما فعله هو، يكن فعله ظلماً ومناقضاً للعدل الإلهي؛ فالمعتزلة إذاً يعتبرون التوحيد في الأفعال مناقضاً لأصل العدل.
ومن هذا الوجه قال المعتزلة بأصالة الحرية والاختيار عند الإنسان ودافعوا عن رأيهم هذا بشدة، على خلاف الأشاعرة الذين ينكرون الحرية والاختيار عند البشر.
وبعد أن طرح المعتزلة أصل العدل بمعنى أنّ بعض الأفعال في حدّ ذاتها عدل، وبعضها في حدّ ذاتها ظلم، وأنّ العقل يحكم بحسن العدل، وبوجوب القيام به، وأنّ الظلم قبيح، ولا يجب القيام به ـ طرحوا أصلاً كلياً يمتلك هامشاً أوسع هو أصل الحسن والقبح الذاتيين في الأفعال، فمثلاً: الصدق، والأمانة والعفة، والتقوى حسنة في ذاتها؛ والكذب، والخيانة، والفحش، والامبالاة قبيحة في ذاتها إذاً فالأعمال في ذاتها، وقبل أن يحكم الله في شأنها تمتلك حسناً ذاتياً أو قبحاً ذاتياً.
وهذا أوصلهم إلى أصل آخر بشأن عقل الإنسان وهو أنّ عقل الإنسان مستقل في إدراك حسن الأشياء وقبحها، أي: أنّ العقل يستطيع حتّى مع قطع النظر عن بيان الشارع ـ أن يدرك حسن بعض الأفعال وقبحها، وهذا أيضاً ممّا يخالف رأي الأشاعرة.
وقد جرّت مسألة الحسن والقبح الذاتيين، واستقلال العقل التي يلتزمها المعتزلة وينكرها الأشاعرة مسائل كثيرة، بعضها يتعلق بالإلهيات وبعضها بالإنسان، من قبيل: هل أفعال الله مغيّاة ـ وبكلام أشمل ـ: هل لله في خلق الأشياء وإبداعها هدف وغرض، أم لا؟
قال المعتزلة: إن لم يكن في الفعل هدف وغرض فهو قبيح ومحال عقلاً.
وماذا عن تكليف ما لا يطاق؟ هل يمكن لله أن يكلّف العبد بفعل يفوق طاقته؟
يعتقد المعتزلة أنّ هذا أيضاً قبيح ومحال.
للمؤمن قدرة على الكفر، أم لا؟ وهل يملك الكافر قدرة على الإيمان أم لا؟ يرد المعتزلة على هذا بالإيجاب، ذلك بأنّه لو لم يكن للمؤمن قدرة على الكفر أو للكافر قدرة على الإيمان، فإثابة الأول وعقاب الثاني قبيحان. وللأشاعرة في كل هذه المسائل وجهة نظر مختلفة عن المعتزلة.
الوعد والوعيد
الوعد بمعنى التبشير بالثواب، والوعيد بمعنى التهديد بالعقاب، والمعتزلة يعتقدون أنّ الله يعمل في بشاراته ووعوده بمقتضى قوله: {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ} فلا يمكن لوعده أن يتخلف بل يستحيل أن يخلف وعده (وهذا مورد اتفاق المسلمين وإجماعهم) كذلك في مجال العقاب أيضاً فهو لا يتخلف؛ وعلى هذا فتمام الوعيد الذي ورد بحق الفساق والفجار ـ أي عقاب الظالم كذا، والكاذب كذا، وشارب الخمر كذا ـ لن يتخلف عملياً، ما لم يكن الفاعل قد تاب في الدنيا، وعلى هذا فالمغفرة بدون توبة محال.
ويعتقد المعتزلة أنّ المغفرة بدون توبة تستلزم إخلاف الوعيد، وهو مثل إخلاف الوعد قبيح ومحال. من هنا ترتبط عقيدة المعتزلة الخاصة بالوعد والوعيد بمسألة المغفرة، وهي ناشئة من عقيدته في الحسن والقبح العقليين.
المنزلة بين المنزلتين
جاء اعتقاد المعتزلة بأصل المنزلة بين المنزلتين على أثر عقيدتين متضادتين كانتا قد ظهرتا في العالم الإسلامي بخصوص كفر وإيمان الفساق؛ وكان الخوارج أوّل من صرّح بأنّ ارتكاب الكبيرة يخالف الإيمان ويساوي الكفر، فمرتكب الكبيرة ـ إذاً ـ كافر.
وكما نعلم فإنّ الخوارج قد ظهروا إثر حادثة «التحكيم» في حرب صفين، فكان ظهورهم في النصف الأول من القرن الأول الهجري، في حدود سنة 37 هجرية، معاصرين لخلافة أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
وقد جاء في نهج البلاغة أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ناقشهم في هذه المسائل، وأبطل دعواهم بأدلة متعددة؛ وكان الخوارج بعد أمير المؤمنين يعارضون الخلفاء في تلك الأزمان، وكانوا من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أهل التكفير والتفسيق، وحيث إنّ غالب خلفاء العصر كانوا من مرتكبي الكبائر، فإنّ الخوارج كانوا يرمونهم بالكفر، ومن هنا اتّخذ الخوارج دائماً جهة المعارضة السياسية للحكّام.
وقد ظهر فريق آخر (أو أنّ السياسة أوجدته) عرف باسم المرجئة، وقد وقفوا موقفاً معارضاً للخوارج من حيث قيمة وحجم تأثير الذنب، فقالوا: إنّ أساس العمل هو أنّ الإنسان المرتبط من جهة العقيدة والإيمان بالقلب، هو مسلم، فإن كان الإيمان ـ وهو عمل قلبي ـ صحيحاً، فلا مانع أن يكون عمل الإنسان الفاسد أو ارتكاب القبيح مكفراً عنه بالإيمان.
كان رأي المرجئة هذا لصالح الحكّام، إذ أدّى: إلى أن لا يعير الناس اهتماماً كبيراً لفسق الحكّأم، وفجورهم، واعتبروهم ـ مع كل سيئاتهم ـ من أهل الجنة وكان المرجئة يقولون بصريح القول: «إنّ الحاكم مهما تعدّدت ذنوبه يبقى على مقامه، وطاعته واجبة والصلاة خلفه صحيحة» وهذا يفسّر لماذا كان خلفاء الجور يوفرون الحماية للمرجئة. وكانوا يقولون: إنّ الفسق والذنب ـ ولو كانا كبيرتين ـ لا يضران بالإيمان، فمرتكب الكبيرة عندهم إذاً مؤمن غير كافر.
أبرز المعتزلة في هذا الصدد اعتقاداً «وسطاً»، فقالوا: إنّ مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا بكافر، بل هو في برزخ بينهما، وسمّوا هذه المرحلة المتوسطة بـ «المنزلة بين المنزلتين».
قيل إنّ أول من أظهر هذه العقيدة هو «واصل بن عطاء» تلميذ الحسن البصري، فقد كان واصل يوماً في مجلس أستاذه إذ طرح عليه سؤال عن هذه المسألة التي كانت مورد اختلاف بين المرجئة والخوارج، وقبل أن يجيب الحسن قال واصل: اعتقادي أنّ أهل الكبائر فسقة لا كفّار.
وبعد أن انفض المجلس (وهناك قول بأنّ الحسن البصري أخرجه) انحاز واصل جانباً، وراح ينشر رأيه ويوضحه، والتحق به أخو زوجته عمرو بن عبيد. وعندها قال الحسن: «اعتزلَ عنّا» ويعني أنّ واصلاً افترق عنّا. وهناك قول آخر يفيد أنّ الحضور قالوا: «اعتزَلا قول الأمّة»، أي أن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد افترقا عن قول مجموع الأمّة، وأنّهما اخترعا قولاً ثالثاً.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أيضاً من ضروريات الإسلام ومورد إجماع واتفاق عموم المسلمين، والاختلافات الموجودة تعود إلى حدودهما وشروطهما، فالخوارج لا يقيدونهما بأي شرط، ويعتقدون أنّه يجب القيام بهذين الفرضين في كل الحالات، بينما يرى آخرون في احتمال تأثيرهما وعدم ترتب المفسدة المستمرة شرطاً في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير أنّ الخوارج لا يقولون بهذين الشرطين.
وكذلك فإنّ البعض يرى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل قلبي ولساني صرف بمعنى أنّ على الإنسان أن يحبّ المعروف ويكره المنكر في قلبه وأنّ يبين محاسن المعروف ومساوئ المنكر في قلبه وأنّ يبين محاسن المعروف ومساوئ المنكر بلسانه، فيما يرى الخوارج أنّه يجب القيام بالعمل عند اللزوم، واستخدام اليد، فعند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب الخروج بالسيف.
وفي المقابل، وجد فريق يقول بتقييد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروط مشددة، وأنّه لا ينبغي تجاوز حدّ القلب واللسان، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل، وفي عقيدة هذا الفريق أنّ الثورة الدموية لمواجهة المنكرات غير جائزة.
استحسن المعتزلة وضع شروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنهم لم يحصروهما باللسان والقلب فقالوا بأنّه إذا شاعت المنكرات، أو ظلمت الحكومة الناس، وجب على المسلمين تجهيز القوى والثورة.
فعقيدة المعتزلة الخاصة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي القيام في وجه المفاسد خلافاً لأهل الحديث وأهل السنة، كما أنّ الخوارج يرون مثل هذه النظرية، مع التفاوت الذي أشرنا إليه.
أفكار وآراء المعتزلة
ما ذكرناه في البحثين الماضيين، يتعلق بأصول مدرسة المعتزلة، ولكن كما ذكرنا فإنّ المعتزلة قد طرحوا مسائل كثيرة، ودافعوا عنها، بعضها يتعلق بالإلهيات وبعضها بالاجتماعيات وبعضها الآخر بالإنسان.
بعض مسائل الإلهيات يتعلق بأمور عامة، وبعضها بالإلهيات بالمعنى الأخص. طبعاً فإنّ المقصد من هذه المسائل عند المعتزلة ـ شأنهم شأن سائر المتكلمين ـ يتعلق بالإلهيات بالمعنى الأخص، وهي تلك التي تقع مدار البحث في دراسة العقائد، ومسائل الأمور العامة هي من باب المقدمة. كذلك فإنّ البحث في الطبيعيات يأخذ عند المتكلمين طابع المقدمات، بمعنى أنّ المتكلمين يبحثون في الطبيعيات لفتح طريق لإثبات أصل ديني، أو طريق لحل أحد الإشكالات. ونحن هنا نعرض جدولاً مختصراً. لما أشرنا إليه ونبدأ بالإلهيات:
الإلهيات
أ ـ توحيد الصفات.
ب ـ العدل.
ج ـ كلام الله مخلوق (الكلام صفة للفعل لا للذات).
د ـ أفعال الله معللة بالأغراض (كل ما يفعله الله لفائدة ونتيجة).
هـ ـ المغفرة غير ممكنة بدون التوبة (أصل الوعد والوعيد).
و ـ لا قديم سوى الله تعالى (الفلاسفة وحدهم يخالفون هذه النقطة).
ز ـ تكليف ما لا يطاق محال.
ح ـ أفعال العباد ليست مخلوقة لله بأي وجه، والمشيئة الإلهية لا تتعلق بأفعال العباد.
ط ـ العالم حادث (وهنا يخالف الفلاسفة المتكلمين).
ي ـ رؤية الله غير ممكنة لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الطبيعيات
أ ـ الجسم مركب من ذرات لا تتجزأ.
ب ـ الرائحة: عبارة عن ذرات منتشرة في الفضاء.
ج ـ الطعم: ليس سوى الذرات التي تترك أثراً على اللسان.
د ـ الضوء ذرات تنتشر في الفضاء.
هـ ـ تداخل الأجسام ببعضها غير مستحيل (هذا الاعتقاد ينسب إلى بعض المعتزلة).
و ـ الطفرة ليست مستحيلة (هذا الاعتقاد ينسب إلى بعض المعتزلة أيضاً).
مسائل الإنسان
أ ـ الإنسان حرّ ومختار وليس مجبراً، (هذه المسألة ومسألة خلق الأفعال ومسألة العدل الإلهي ترتبط ببعضها).
ب ـ الاستطاعة (للإنسان قبل الفعل قدرة على الفعل والترك).
ج ـ المؤمن قادر على الكفر والكافر قادر على الإيمان.
د ـ الفاسق ليس مؤمناً ولا كافراً.
هـ ـ العقل يستقل بإدراك بعض المسائل (بدون حاجة لبيان الشرع مسبقاً).
و ـ عند تعارض العقل مع النقل يقدم العقل.
ز ـ يمكن تفسير القرآن بالعقل.
المسائل الاجتماعية والسياسية
أ ـ يجب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ولو استلزم الخروج بالسيف.
ب ـ إمامة الخلفاء الراشدين بالترتيب الذي جرت عليه صحيحة.
ج ـ علي (عليه السلام) أفضل من الخلفاء الذين كانوا قبله وهذه عقيدة جل المعتزلة لا جميعهم. وجميع معتزلة بغداد على هذا الرأي، وليس كذلك معتزلة البصرة.
د ـ نقد الصحابة ودراسة أعمالهم جائزان.
هـ ـ تحليل أسلوب عمل عمر السياسي وأسلوب علي (عليه السلام) والمقارنة بينهما.
هذا الذي ذكرناه نموذج للمسائل التي طرحها المعتزلة، ولهم مسائل أخرى بالطبع، وقد اختلف المعتزلة في بعض هذه المسائل مع الفرق التالية: الأشاعرة، والفلاسفة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة.
لم يسلّم المعتزلة بأي وجه من الوجوه بالفكر اليوناني والفلسفة اليونانية ـ التي عرفها العالم الإسلامي إبّان أوج صعود المعتزلة ـ، بل إنّهم كتبوا في ردّها ونقد فلاسفتها بكل أمانة، وأبرزوا آراءهم.
إنّ النقاس بين الفلاسفة والمتكلمين انتهى إلى مصلحة علم الكلام، كما إلى مصلحة الفلسفة في آن، بمعنى أنّه دفع بكليهما إلى الأمام، كما أنّه في آخر المطاف قارب بينهما كذلك، بحيث لم يتبقّ اختلاف في وجهات النظر بينهما سوى في مسائل معدودة.
المسار التاريخي والتطوري
بديهي أنّ هذه المسائل لم تطرح في فترة زمنية واحدة وعلى يد شخص واحد، بل إنّها جاءت بالتدريج وبواسطة العديد من الأشخاص، وأدّت إلى توسّع علم الكلام.
من بين المسائل التي أشرنا إليها، يظهر أنّ أقدمها هي مسألة الجبر والاختيار التي تبنّى المعتزلة جانب الاختيار منها، وهذه المسألة قد طرحها القرآن نفسه، بمعنى أنّ القرآن قد طرح هذه المسائل بشكل يدعو إلى التفكير.
ففي جانب نرى أنّ بعض الآيات قد صرّحت بأنّ الإنسان حرّ مختار، ولا وجود لأي لون من ألوان الجبر في العمل، وفي جانب آخر تصرح بعض الآيات بأنّ كل شيء يخضع لمشيئة الله وإرادته.
وهذا ما أدّى إلى توهّم أنّ هناك تناقضاً بين هاتين المجموعتين من الآيات، لهذا أوّل بعض المسلمين آيات الاختيار وقالوا بالجبر وآخرون أوّلوا آيات المشيئة والإرادة (القضاء والقدر) وقالوا بالاختيار؛ وكان هناك فريق ثالث، يقولون بأنّهم لا يرون أي تناقض أو تباين بين هاتين المجموعتين من الآيات.
وزيادة على ذلك، فإنّ في كلمات عليّ (عليه السلام) الكثير من الموارد التي بحثت في الجبر والاختيار وعلى هذا، فإنّ طرح بحث الجبر والاختيار جاء معاصراً للإسلام نفسه، أمّا وجود الفرق الإسلامية وصفّ الآراء مقابل بعضها البعض، وانقسامها إلى مجموعتين: جبرية وغير جبرية، فقد جرى في النصف الثاني من القرن الأول.
يقال إنّ فكرة الاختيار قد طرحت لأوّل مرّة بواسطة غيلان الدمشقي ومعبد الجهني، فيما كان بنو أمية يميلون إلى نشر فكرة الجبر بين الناس لأجل الاستفادة منها في السياسة. فـبنو أمية كانوا يبررون حكمهم الظالم، ويفرضون أنفسهم على الناس تحت ستار أنّ كل شيء من الله: «آمنا بالقدر خيره وشرّه» ولهذا فإنّهم كانوا يطعنون بكل فكر يحمل معنى الاختيار والحرية للإنسان، ولهذا السبب قتلوا غيلان الدمشقي ومعبد الجهني، وقد سمي الذين تبنوا الاختيار في تلك المرحلة بـ «القدريّة».
مسألة «كفر الفاسق» وقعت ـ قبل مسألة الجبر والاختيار ـ مورداً للبحث والقيل والقال، ذلك لأنّ هذه المسألة طرحت من قبل الخوارج في النصف الأول من القرن الأول الهجري في زمن خلافة علي (عليه السلام)؛ لكن الخوارج لم يدافعوا عن نظريتهم بأسلوب المتكلمين؛ بل عندما طرحت بين المعتزلة، وأدّى طرحها إلى ظهور نظرية «المنزلة بين المنزلتين» اتّخذت هذه المسألة اللون الكلامي تلقائياً.
ومسألة الجبر والاختيار أدّت بدورها، وتلقائياً إلى بحث مسائل العدل، والحسن والقبح الذاتيين والعقليين، وكون أفعال الله معلّلة بالغرض، واستحالة التكليف بما لا يطاق، وأمثالها.
في النصف الأول من القرن الثاني الهجري أبرز رجل يدعى الجهم بن صفوان عقائده الخاصة في موضوع صفات الله. ويدّعي المؤرخون للملل والنحل أنّ مسألة التوحيد في الصفات بمعنى أنّ الصفات ليست مغايرة للذات الإلهية والتي يسمّيها المعتزلة ـ على الخصوص ـ أصل التوحيد، وكذلك مسألة نفي التشبيه بمعنى أنّه تعالى لا يشبه خلقه من أي وجه (أصل التنزيه)، كلاهما كانا من إبداع الجهم بن صفوان أول الأمر، وأتباعه فيهما سمّوا بالجهمية.
فكما أنّ المعتزلة اتّبعوا القدرية في القول بالاختيار، اتبعوا الجهمية في اعتقاد «التوحيد» و«التنزيه» والجهم بن صفوان نفسه كان جبرياً. وقد ردَّ المعتزلة ما كان يعتقده الجهم من الجبر، لكنّهم قبلوا عقيدته في التوحيد.
وبناءً على هذا النقل، يكون المعتزلة في أصلين أساسيين من أصولهم الخمسة أتباع فرقتين أخريين، فاقتبسوا أصل التوحيد عن الجهمية، وأصل العدل عن القدرية، بل إنّ مدرسة المعتزلة في الحقيقة هي عبارة عن تحوّل وتكامل مع القدرية والجهمية.
يعتبر «واصل بن عطاء» رأس المعتزلة، وهو الذي جعل من الاعتزال مدرسة قائمة، وقد ذكرنا عنه سابقاً أنّه كان تلميذاً للحسن البصري وأنّه لنقاش جرى بينهما انفصل عن دروس الحسن، وشكل مجلساً مستقلاً، فقال عنه الحسن بهذه المناسبة: «اعتزل عنّا»، والمشهور أنّ هذه الحادثة كانت وراء تسمية أتباعه بالمعتزلة.
ولكن البعض يعتقد أنّ علّة التسمية أمر آخر، وهو أنّ كلمة «المعتزلة» أطلقت ابتداءً على جماعة اختاروا الاعتزال والوقوف على الحياد في حربي الجمل وصفين، مثل سعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عمر.
وقد كان بعد ذلك أنّ طرح الخوارج مسألة «كفر وإيمان الفاسق»، وانقسم المسلمون حيالها إلى فريقين، واختار فريق طريقاً ثالثة هي طريق الحياد، الطريقة التي استنّها أمثال سعد بن أبي وقاص، ومن هذه الجهة سمّوا أيضاً بالمعتزلة، واستمرت التسمية.
ولد واصل بن عطاء سنة 80 هجرية وتوفي سنة 131هـ، وقد كانت أبحاثه محدودة في مسائل نفي الصفات، والاختيار، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، وإظهار الرأي في صدد بعض أوجه الخلاف بين الصحابة.
وقد جاء بعده عمرو بن عبيد وكان شقيقاً لزوجة واصل، وقد عمل على توسيع وإكمال نظريات واصل. وجاء من بعده أبو الهذيل العلاّف وإبراهيم النّظّام، ويعتبران كلاهما من شخصيات المعتزلة البارزة، فقد أخذ علم الكلام على يدي هذين لوناً فلسفياً.
طالع أبو الهذيل كتب الفلاسفة وردّ عليها، وجاء النظّام بنظريات خاصة في الطبيعيات.
توفي أبو الهذيل والنظّام كلاهما في القرن الثالث الهجري، ويحتمل بقوة أنّ أبا هذيل توفي سنة 235 والنظام سنة 231.
وكان من شخصيات المعتزلة البارزة أيضاً، الجاحظ، الأديب والكاتب المعروف، صاحب كتاب «البيان والتبيين»، الذي عاش في القرن الثالث الهجري.
لم يكن للمعتزلة في العصر الأموي علاقات جيدة مع عمّال الحكومة، وفي أوائل الحكم العباسي انتهجوا سبيل الحياد بين الأطراف أمّا في ـ عصر المأمون وكان من أهل الفضل والعلم والأدب والفلسفة ـ فقد أضحوا محلاً لاهتمامه؛ فالمأمون وبعده المعتصم والواثق قاموا بحماية المعتزلة بشدة.
وفي هذه المرحلة، ثار بحث شديد الحرارة، وتطاير شرره فغطّى أنحاء العالم الإسلامي الواسع آنذاك، وهو: هل كلام الله من صفات الفعل أو من صفات الذات؟
وهل كلام الله حادث، أوهو ـ مثل علم الله وقدرته وحياته ـ قديم؟
وفي النتيجة: هل القرآن ـ الذي هو كلام الله ـ مخلوق وحادث أم قديم وغير مخلوق؟
كان المعتزلة يرون أنّ كلام الله مخلوق، فالقرآن إذاً مخلوق وحادث.
أمّا المخالفون للمعتزلة، فكانوا على العكس يعتقدون بقدم القرآن وأنّه غير مخلوق، وقد أيد المأمون القول بخلق القرآن وقضى بتأديب كل من لا يقول بذلك.
وقد تابع المعتصم والواثق سيرة المأمون، وكان ممن تعرض للسجن في هذه المرحلة أحمد بن حنبل، حتى جاء دور المتوكل، فمال على المعتزلة ومال معه أكثر الناس، فنكب المعتزلة وأنصارهم بالقمع والاستئصال.
بعد هذه المحنة ضعف شأن المعتزلة، وخلا الميدان لمعارضيهم من «أهل السنة» و«أهل الحديث» لكن هذا لم يمنع من ظهور شخصيات بارزة للمعتزلة في فترات ضعفهم، ومنهم أبو القاسم البلخي المعروف بالكعبي سنة 137، وأبو علي الجبائي المتوفى سنة 303، وأبو القاسم الجبائي المتوفى ابنه([383])، والقاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة 415، وأبو الحسن الخياط، والصاحب بن عباد والزمخشري المتوفى سنة 83، وأبو جعفر الإسكافي.
الأشاعرة
اتضح من البحوث الماضية، أنّ الأفكار التي قادت إلى نشوء مدرسة الاعتزال بدأت في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وطريقة الاعتزال كانت في الحقيقة نوعاً من اعتماد المنطق والاستدلال في فهم وإدراك أصول الدين، وبديهي أنّ الشرط الأول في طريقة كهذه هو الاعتقاد بحجية العقل وحريته واستقلاله.
وبديهي أيضاً أنّ عوام الناس ليسوا أهلاً للتعقل والتفكر والتحليل، فهم يعتقدون أنّ «التديّن» مساوٍ «للتعبد» والتسليم الفكري بظاهر الآيات والأحاديث، وخاصة ما يعرفونه من أحاديث، وأنّ كل عمل فكري واجتهادي إنّما هو نوع من الطغيان والعصيان على الدين، خصوصاً إذا كانت السياسة الحاكمة تدافع عن هذا التفسير الظاهري بناء على مصالحها، وبالأخص إذا ما راح بعض علماء هذا الطراز من التفكير يروّجون له، وأكثر من ذلك إذا كان هؤلاء العلماء مؤمنين ومعتقدين واقعاً بظاهر إيمانهم فيمارسون التعصّب والتصلّب عملاً.
هذا وأنّ حملات الأخباريين على الأصوليين والمجتهدين، وكذلك حملات بعض الفقهاء والمحدثين على الفلاسفة في العالم الإسلامي، إنّما تعود في جذورها إلى أمرٍ كهذا.
كان للمعتزلة اهتمام عميق بفهم الإسلام والدعوة إليه وترويجه، والدفاع عنه ضد الدهرية واليهود والنصارى والمجوس والصابئة والمانوية وغيرهم.
في هذا الوقت، وباعتمادهم «حسن الظاهر»، استطاع «أهل الحديث» و«أهل السنة» أن يشكّلوا تهديداً للمعتزلة وأن يطعنوهم من الخلف، حتّى ضعف شأنهم وانقرضوا تدريجاً.
على هذا، ففي بادئ الأمر، أي حتّى حدود أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري، لم يكن هناك وجود لمدرسة معارضة للمعتزلة، بالشكل الذي ظهرت به فيما بعد، غير أنّ الخلاف مع المعتزلة بكل أشكاله تمحور حول هذا الموضوع، وهو أنّ أفكار المعتزلة تخالف ظاهر الحديث والسنة.
كان رؤساء أهل الحديث أمثال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل يعتبرون أساساً أنّ مجرد البحث والتساؤل، والاستدلال في مسائل الإيمان حراماً. إذاً، فأهل السنة لم يفتقروا إلى مدرسة كلامية تواجه المعتزلة وحسب، بل كانوا ينكرون الكلام والتكلم أصلاً.
في حدود أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري وقع حدث جديد، وهو ظهور شخص مفكر بارز أمضى سنوات في دراسة فكر الاعتزال على القاضي عبد الجبار المعتزلي، وأحاط بفكر الاعتزال حتى غدا من أهل الرأي والاجتهاد فيه، ثمّ انصرف عن مدرسة الاعتزال ومال إلى مذهب أهل السنة، وحيث لم يخل هذا الشخص من نوع من النبوغ من جهة، مع امتلاكه وتسلّحه بفكر المعتزلة من جهة أخرى. فقد استطاع أن يقيم بناء أصول أهل السنة على أسس استدلالية خاصة، وأن يعطيها صورة مدرسة ذات فكر دقيق نسبياً، وذلك الشخص البارز هو أبو الحسن الأشعري المتوفى في حدود سنة 330هـ.
أبو الحسن الأشعري ـ وخلافاً للقدماء من أهل الحديث مثل أحمد بن حنبل ـ أجاز البحث والاستدلال والعمل بالمنطق في أصول الدين، واستدل على ادّعائه بالقرآن والسنة، وقد ألّف كتاباً بعنوان «رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام»([384]).
ومن هنا انقسم أهل الحديث إلى مجموعتين: الأشاعرة، وهم أنصار أبي الحسن الأشعري، الذين أجازوا الكلام والتكلم؛ والحنابلة، وهم أتباع أحمد بن حنبل، الذين يقولون بحرمتهما؛ ولابن تيميّة الحنبلي كتاب في تحريم المنطق والكلام([385]).
من ناحية أخرى، أبغض العوام المعتزلة، وحمّلوهم مسؤولية «المحنة» لأنّهم أرادوا، وبدعم من الخليفة المأمون إجبار الناس على الاعتقاد بحدوث القرآن، هذه الحادثة التي جرّت إلى الاضطهاد وسجن الكثيرين؛ وقد حمّل عامة الناس المعتزلة مسؤولية ذلك وكان هذا السبب في نفور الناس واشمئزازهم من المدرسة الاعتزالية.
بتأثير الناحيتين المتقدمتين كان ظهور المدرسة الأشعرية مورد قبول عند العوام، وقد ظهرت بعد أبي الحسن الأشعري شخصيات بارزة أخرى أرست قواعد هذه المدرسة، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني، المعاصر للشيخ المفيد والمتوفى سنة 403، وأبو إسحاق الأسفراييني الذي يأتي في الطبقة التالية بعد الباقلاني القاضي.
ويذكر أيضاً في هذا المجال إمام الحرمين الجويني أستاذ الغزالي، وكذلك الغزالي نفسه، صاحب «إحياء علوم الدين» المتوفى سنة 505هـ وفخر الدين الرازي.
شهدت المدرسة الأشعرية تحولات تدريجية، وخصوصاً على يد الغزالي الذي أفقدها لونها الكلامي وأعطاها لون العرفان، واقتربت مع الفخر الرازي إلى الفلسفة.
وبعد ظهور الخواجه نصير الدين الطوسي وتأليف كتاب «تجريد الاعتقاد» اتّخذ الكلام اللون الفلسفي بنسبة تفوق التسعين بالمائة، وبعد «التجريد» ذهب كل المتكلمين ـ أعم من الأشاعرة والمعتزلة ـ في هذا الطريق الذي سار فيه هذا الفيلسوف والمتكلم الشيعي العظيم.
مثلاً اتّخذت كتب المواقف والمقاصد وشروحها تلقائياً لون (التجريد) وفي الحقيقة، يجب القول إنّه كلما طال الزمن ازداد الأشاعرة بُعداً عن اتّباع أبو الحسن الأشعري، وازدادوا من الاعتزال أو الفلسفة قرباً.
ونشرع الآن في جدولة العقائد الأشعرية التي دافعت عن أصول أهل السنة، أو قامت بتأويل عقيدة أهل السنة وتوجيهها بنحو من الأنحاء.
أ ـ عدم الاتحاد بين الصفات والذات، خلافاً لرأي المعتزلة والفلاسفة.
ب ـ عموم الإرادة، والقضاء والقدر الإلهيين لكل الحوادث (وهذه أيضاً مخالفة لرأي المعتزلة ولكنها تتوافق مع رأي الفلاسفة).
ج ـ الشرور ـ مثل الخيرات ـ من الله (وطبعاً، هذا الرأي من لزوميات الرأي أعلاه، أي عمومية الإرادة).
د ـ الإنسان ليس مختاراً، وأعماله مخلوقة لله (وهذا الرأي في نظر الأشاعرة من لزوميات عموم الإرادة).
هـ ـ ليس للأفعال حسن وقبح ذاتيان، بل شرعيان، وكذلك العدل، فإنّه شرعي لا عقلي (خلافاً لرأي المعتزلة).
و ـ اللطف ومراعاة الأصلح غير واجبين على الله (خلافاً لرأي المعتزلة).
ز ـ قدرة الإنسان على الفعل توائم الفعل وليست سابقة عليه (خلافاً للفلاسفة والمعتزلة).
ح ـ ليس للتنزيه المطلق وجود، بمعنى عدم الشبيه والمماثل بين الخالق وما سواه (خلافاً للمعتزلة).
ط ـ الإنسان ليس خالقاً لعمله، بل مكتسب له (توجيه لرأي أهل السنة في باب خلق الأعمال).
ي ـ يُرى الله بالأبصار يوم القيامة (خلافاً لرأي الفلاسفة والمعتزلة).
ك ـ الفاسق مؤمن (خلافاً لرأي الخوارج الذين يدعون كفر الفاسق، وخلافاً لرأي المعتزلة الذين يقولون بالمنزلة بين المنزلتين).
ل ـ لا إشكال أبداً في مغفرة الله للعبد بدون توبة كما أنّ تعذيبه للمؤمن لا إشكال فيه (خلافاً للمعتزلة).
م ـ لا إشكال في الشفاعة (خلافاً للمعتزلة).
ن ـ لا يجوز على الله الكذب وخلف الوعد.
س ـ العالم حادث في الزمان (خلافاً لرأي الفلاسفة).
ع ـ كلام الله قديم، لكن هذا في الكلام النفسي وليس في الكلام اللفظي (وهو توجيه لرأي أهل السنة).
ف ـ أفعال الله ليست لغاية أو غرض (خلافاً للفلاسفة والمعتزلة).
ص ـ لا يمتنع التكليف بما لا يطاق (خلافاً لرأي الفلاسفة والمعتزلة).
كان أبو الحسن الأشعري من المؤلفين المكثرين، قيل إنّ كتبه تجاوزت المائتين، ويذكر له في حدود مائة كتاب بالاسم، لكن الظاهر أنّ أكثرها قد فقد، وأشهر كتبه كتاب «مقالات الإسلاميين» وهو مطبوع، ويتصف بالتشويش الكثير وعدم التنظيم وله كتاب آخر مطبوع هو «اللمع» ويحتمل أنّ كتباً أخرى له قد طبعت.
أبو الحسن الأشعري، من الأفراد الذين كان لأفكارهم تأثير بالغ في العالم الإسلامي، وطبعاً جرت من بعده مناقشات كثيرة على كلامه من طرف الفلاسفة والمعتزلة. وقد ذكر ابن سينا قسماً كبيراً من آرائه وانتقدها في كتابه «الشفاء» دون أن يذكر اسمه، حتّى أنّ بعض أتباع الأشعري قد جددوا الرأي في قوله بالجبر في خلق الأعمال، من قبيل القاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين الجويني.
ورغم أنّ الغزالي كان أشعرياً، وقام ـ إلى حدّ ما ـ بترسيخ وإحكام الأصول الأشعرية، فإنّه أعطاها مبانٍ أخرى، فاقترب الكلام بواسطة الغزالي من العرفان والتصوف، كذلك فإنّ مولانا محمد الرومي صاحب كتاب «المثنوي» كان بدوره أشعري المذهب ولكنه في عرفانه العميق أعطى لكل المسائل لوناً جديداً، والفخر الرازي، المطّلع على آراء الفلاسفة أعطى لكلام الأشعري تحوّلاً وقوة جديدين.
غلبة المدرسة الأشعرية كلّفت العالم الإسلامي ثمناً غالياً، فقد كانت غلبة للجمود والقشرية على الحرية الفكرية، ورغم أنّ المعارك بين الأشاعرة والمعتزلة ترتبط بعالم التسنن، لكن عالم التشيع لم يسلم من بعض آثار هجمات الجمود الأشعري، وقد كان لهذا الانتصار أسباب تاريخية واجتماعية خاصة، وكان لبعض الحوادث السياسية تأثير في مردود هذا الانتصار أيضاً.
وكما أشرنا سابقاً ففي القرن الثالث الهجري قام المأمون ـ وهو الرجل العالم ذو الفكر المتجدد ـ لحماية المعتزلة، واتبعه في ذلك المعتصم والواثق، إلى أن وصل الدور إلى المتوكل، وكان للمتوكل دور كبير في مذهب أهل السنة ـ الذي اتّخذ أساساً كلامياً عند الأشعري بعد قرن من الزمن، ومن المسلّم به أنّه لو كان للمتوكل نهج المأمون في الفكر، لما كان للمعتزلة ذلك الطالع السيئ.
وقد كان مجيء السلاجقة الأتراك إلى السلطة في إيران عاملاً مؤثراً في نصرة ونشر الفكر الأشعري، فلم يكن السلاجقة من أهل حرية الفكر، على خلاف «آل بويه» الذين كان من بينهم أهل فضل وعلم وأدب، ففي عهد آل بويه أخذ الاعتزال والتشيع رونقاً، وكان ابن العميد والصاحب بن عبّاد وزيرين محترمين عند آل بويه، وكانا كلاهما ضد الفكر الأشعري.
نحن لا نريد أن ندافع عن عقائد المعتزلة، وسنبيّن فيما بعد سخافة الكثير منها، لكن الذي يستحق الثناء، وكان انقراضهم مدعاة لغيابه إنّما هو أسلوبهم العقلاني، ذلك أنّنا نعلم أنّ ديناً غنياً ثريّاً كالإسلام يحتاج إلى الكلام الذي يرسّخه بحرية العقل والإيمان والاعتقاد.
الشيعة
والآن، حان الوقت لإعطاء شرح ـ ولو مختصر ـ عن «الكلام الشيعي». وللكلام بمعنى الاستدلال العقلي والمنطقي في شأن الأصول العقائدية الإسلامية عند الشيعة وضع خاص ومتميز.
كلام الشيعة خرج من رحم «الحديث» عندهم من جهة، وامتزج بفلسفتهم من جهة أخرى. فهو فضلاً عن أنّه لا يتعارض مع السنة والحديث فإنّ له أساساً في متن السنة والحديث كذلك.
السرّ في موضوع الحديث هو أنّ الأحاديث التي رواها الشيعة ـ وخلافاً لما رواه أهل السنة ـ تشتمل على سلسلة تختزن مسائل عميقة في ما وراء الطبيعة وفي الاجتماع، وقعت مورداً للبحث والتحليل المنطقيين.
في أحاديث أهل السنة لا نجد شكلاً من أشكال البحث والتحليل في شأن هذه الموضوعات، فمثلاً إذا ورد كلام عن القضاء والقدر والإرادة الشاملة للحق تبارك وتعالى، وعن أسماء الباري وصفاته، وعن الروح والإنسان، وعن عالم ما بعد الموت والحساب والكتاب والصراط والميزان، وعن الإمامة والخلافة، وأمثال هذه المسائل فإنّك لا تجد بحثاً من أي نوع حول هذه المسائل، كما لا تجد توضيحاً لها؛ أمّا في أحاديث الشيعة فقد طرحت هذه المسائل كافة، وخضعت لأصول الاستدلال.
وعلى هذا، ففي أحاديث الشيعة نفسها، أخذ «التكلم» ـ كتفكير عقلاني وبحث وتحليل ذهنيين ـ صورته، ولهذا السبب لم ينقسم الشيعة إلى فريقين: أهل حديث، وأهل كلام، كما انقسم أهل السنة.
سبق لنا القول في البحوث السابقة ـ بناء لمصادر أهل التسنن ـ أنّ أول مسألة طرحت كأصل اعتقادي بين المسلمين، كانت مسألة «كفر الفاسق» وقد طرحها الخوارج في النصف الأول من القرن الأول.
بعدها أتت مسألة الاختيار والحرية التي طرحها وتبنّاها كل من معبد الجهني وغيلان الدمشقي، وجاءت هذه المسألة معارضة لما كان يروج له الحكام الأمويون من عقائد.
وبعد ذلك طرح الجهم بن صفوان الاعتقاد بوحدة الذات والصفات، وكان ذلك في النصف الأول من القرن الثاني.
وفي ذلك الوقت أسس واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد القواعد الأولى لمدرسة الاعتزال التي أخذت بقول معبد وغيلان في الحرية والاختيار، وقول الجهم بن صفوان في وحدة الذات والصفات، كما ابتدعت القول بالمنزلة بين المنزلتين في مسألة كفر الفاسق أو إيمانه، ثم انصرفت إلى البحث والسؤال في أمور أخرى، وعلى هذا الترتيب تأسس علم الكلام الإسلامي.
نعم، هذا شكل من أشكال التفسير والتعليل لنشأة البحث العقلي والديني في الإسلام بنظر المستشرقين ودراسي الإسلام من الغرب والشرق.
وهذا الفريق يتناسى ـ عمداً أو سهواً ـ البحوث الاستدلالية والعقلية العميقة التي طرحها لأول مرة أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
والحقيقة أنّ أول طرح للبحوث العقلية العميقة في المعارف الإسلامية تمّ بواسطة الإمام علي (عليه السلام) في خطبه وأدعيته ومناظراته، فهو أول من طرح بحوثاً عميقة تتناول ذات الباري وصفاته، والحدوث والقدم، والبساطة والتركيب، والوحدة والكثرة، وغيرها مما هو مسطور في نهج البلاغة، ومذكور في المرويات المسندة عن الشيعة.
ولهذه المباحث لون وروح ورائحة تتميز عمّا في طرق الكلام المعتزلي والأشعري، وحتى عن كلام بعض علماء الشيعة المتأثرين بطبيعة الكلام في عصرهم.
يقر المؤرخون من أهل السنة بأنّ العقل الشيعي كان عقلاً فلسفياً منذ قديم الأيام، بمعنى أنّ التفكّر الشيعي كان منذ القدم من طراز استدلالي وتعقلي، وهذان التعقل والتفكّر عند الشيعة لا يختلفان فقط مع التفكّر الحنبلي الذي ينكر ـ من الأساس ـ العمل بالاستدلال في العقائد الدينية، ومع التفكر الأشعري الذي ينفي أصالة العقل ويتابع ظاهر الألفاظ، بل هما يختلفان أيضاً مع التفكّر المعتزلي، مع كل القيمة التي يعطيها للعقل، ذلك أنّ التفكّر المعتزلي ـ على عقلانيته ـ يبقى في الحيّز الجدلي، لا البرهاني.
ونحن قد بيّنا في دروس الفلسفة العامة الفرق بين الحكمة المشّائية، والإشراقية، والذوقية والجدلية (أي الكلام المعتزلي والأشعري)، ومن هذه الجهة فإنّ أكثر الفلاسفة المسلمين ـ باتفاق يقرب من الإجماع ـ كانوا من الشيعة، وأنّ الحياة الفلسفية الإسلامية قد حفظها الشيعة بالاستمداد من عظمائهم، وخصوصاً من مقتداهم الأول أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
فلاسفة الشيعة ـ إذا تجاوزنا كونهم قد أخرجوا الفلسفة بقالب كلامي، واستخرجوا أسلوب الحكمة البرهانية من أسلوب الحكمة الجدلية؛ وأحكموا العقائد والأصول الإسلامية لاستلهامها من وحي القرآن وفيوضات قادة الدين.
إذا أردنا من هذا المنطق أن نعد المتكلمين الشيعة، ومقصودنا كل من امتلك نهجاً عقلياً بشأن العقائد الإسلامية عند الشيعة، فيجب أن نعد منهم جماعة من رواة الحديث، وكذلك جماعة من الفلاسفة الشيعة، ذلك ـ وكما سبق منّا القول ـ إنّ حديث الشيعة وفلسفة الشيعة كليهما قد أدّيا وظيفة علم الكلام أفضل من علم الكلام نفسه.
أمّا إذا قصدنا من المتكلمين الجماعة التي تحلّت بالحكمة الجدلية تحت تأثير المتكلمين المعتزلة والأشاعرة، فلا بدّ أن نوجّه اهتمامنا نحو جماعة خاصة، غير أنّنا لا نجد دليلاً على كون تلك الجماعة الخاصة ـ وحدها ـ موقعاً للاهتمام.
إذا تجاوزنا بيانات الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بشأن العقائد، والتي وصلت إليها في صورة خطبة ورواية ودعاء، فمن بين المؤلفين الشيعة يأتي علي بن إسماعيل بن ميثم التمار أوّل من ألّف كتاباً في مورد العقائد.
وميثم التمار نفسه كان خطيباً ومتكلماً وموضعاً لسرّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعلي بن إسماعيل حفيد هذا الرجل العظيم، كان معاصراً لعمرو بن عبيد وأبي الهذيل العلاف من المتكلمين المعروفين في النصف الأول من القرن الثاني الهجري ومن مؤسسي الطبقة الأولى للكلام المعتزلي.
وبين أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) جماعة ذكرهم الإمام نفسه بصفة «المتكلمين»، من قبيل هشام بن الحكم، وهشام بن سالم، وحمران بن أعين، وأبو جعفر الأحول المعروف بمؤمن الطاق، وقيس بن ماهر وغيرهم.
وقد نقل كتاب الكافي قصة مناظرة لهذه الجماعة مع أحد المخالفين بحضور الإمام الصادق (عليه السلام) كانت مصدر ارتياح له (عليه السلام).
عاشت هذه الكوكبة أيضاً في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، وتلقّت علومها في مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، وهذا ـ في حدّ ذاته ـ ينبئ بأنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ـ فوق أنّهم تصدّوا بأنفسهم لبحث وتحليل المسائل الكلامية ـ قد ربّوا في مدرستهم كوكبة تقوم بالأبحاث الاعقتادية، فهشام بن الحكم كان كل تخصصه في علم الكلام، وليس في الفقه أو الحديث أو التفسير.
وقد اختصّه الإمام الصادق (عليه السلام) ـ من بين أصحابه، وعلى صغر سنّه ـ بمزيد من التكريم، ورفع مقامه فوق الآخرين. وقد اتّفق الجميع على أنّ سبب هذا الإجلال إنّما هو كون هشام متكلماً.
والإمام الصادق (عليه السلام) ـ بتقديمه لهشام المتكلم على أرباب الفقه والحديث ـ أراد في الحقيقة ـ أن يعلي من شأن المباحث الاعتقادية، ومن شأن الكلام فوق الفقه والحديث؛ وبديهي أنّ لمثل هذا التصرف من قبل الأئمة الأطهار تأثيراً في ترويج علم الكلام وفي جعل العقل الشيعي، ومنذ البداية، عقلاً كلامياً وفلسفياً.
وقد اشترك الإمام الرضا (عليه السلام) بنفسه في مجالس المناظرة التي كان المأمون يعقدها بين متكلمي المذاهب، وكان يحاورهم بنفسه ونصوص هذه المناظرات محفوظة في كتب الشيعة.
وكما أنّ المستشرقين ودارسي الإسلام من الغرب والشرق قد تجاهلوا كلّ مساعي أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فهم قد تعاموا عن كل ما بذله وحقّقه الأئمة الأطهار في سبيل إحياء البحث العقلي في الأمور العقائدية والدينية وهو أمرٌ محيّر ومثير للعجب.
الفضل بن شاذان النيشابوري وكان من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) والإمامين الجواد والهادي (عليهم السلام)، والمدفون في نيشابور كان من المتكلمين فضلاً عن كونه فقيهاً ومحدّثاً، وتنقل عنه كتب كثيرة في هذا المقام.
وكان بنو نوبخت عموماً من المتكلمين، بدءاً من الفضل بن أبي سهل بن نوبخت والذي كان في دار الكتب المعروفة ببيت الحكمة أيام هارون الرشيد، ومن المترجمين المعروفين، إلى إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، وابنه إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، وابنه الآخر علي بن إسحاق، وحفيده أبي سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، الذي يلقب عند الشيعة بشيخ المتكلمين، والحسن بن موسى النوبختي ابن أخت إسماعيل بن علي، والعديد غيرهم من هذه العائلة من متكلمي الشيعة.
وكان ابن قبة الرازي من متكلمي الشيعة في القرن الثالث، ومن متكلمي الشيعة في أوائل القرن الخامس أبو علي مسكويه الحكيم والطبيب الإسلامي المعروف صاحب كتاب «طهارة الأعراق» و(تجارب الأمم).
المتكلمون الشيعة كثر، منهم الخواجة نصير الدين الطوسي الفيلسوف والرياضي الشهير، صاحب كتاب «تجريد الاعتقاد» والعلامة الحلي الفقيه المعروف وشارح كتاب «تجريد الاعتقاد» وكانا من المتكلمين المعروفين في القرن السابع.
وقد أبدع الخواجة نصير الدين الطوسي الحكيم والفيلسوف المتبحر، بكتابه «تجريد الاعتقاد» النص الكلامي الأكثر إحكاماً. وكل متكلم أتى بعده ـ شيعياً كان أم سنياً ـ قد اعتمد هذا المتن.
والخواجه نصير الدين قرب الكلام إلى حدّ كبير عن أسلوب الحكمة الجدلية إلى أسلوب الحكمة البرهانية، وفي فترات لاحقة فقد الكلام أسلوبه الجدلي كلياً، وانضوى تحت لواء الحكمة البرهانية، والحقيقة أنّهم تخلّوا عن الكلام الاستدلالي في مقابل الفلسفة.
الفلاسفة الشيعة المتأخرون عن الخواجة طرحوا المسائل الكلامية الضرورية في الفلسفة، وبحثوا فيها وحللوها بالأسلوب والمنهج الفلسفي، فوفقوا أكثر من المتكلمين الذين اعتمدوا الأسلوب القديم، فصدر المتألهين أو الحاج السبزواري مثلاً، ولو أنّهما لم يُعَدّا في زمرة المتكلمين، فإنّ لهما أثراً حضوريّاً يفوق أي أثر حضوري لأيّ متكلم.
والحقيقة أنّا إذا رجعنا إلى المتون الأصلية في الإسلام: القرآن، ونهج البلاغة، والروايات والأدعية المأثورة، عن أهل البيت، لرأينا هذا الأسلوب ـ بلسان المنطق الأصلي لقادة الدين ـ أقرب من ذاك.
ولا بدّ لنا من أن نكتفي بهذه الإشارة.
من اللازم في هذا البحث أن نبيّن بصورة إجمالية نظريات الشيعة في المسائل الكلامية الرائجة بين المتكلمين المسلمين.
قلنا سابقاً ضمن شرح مدرسة المعتزلة: إنّ المعتزلة كانوا يعدّون الأصول خمسة، وهي: التوحيد، العدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقلنا إنّ امتياز هذه الأصول الخمسة عند المعتزلة عن سائر الأصول هو في كونها خاصة بمدرستهم، وأنّها أساس امتياز مدرستهم عن المدارس الأخرى المخالفة لهم، ولا ينبغي أن نتصور أنّ هذه الأصول الخمسة عند المعتزلة هي من أصول الدين وأنّ الباقي كلّه فروع الدين.
وقد اعتبر علماء الشيعة ـ وليس أئمتهم ـ من قديم الأيام خمسة أصول وعرّفوها بعنوان الأصول الخمسة في التشيع، وهي عبارة عن: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد.
وعادة يقال إنّ هذه الأصول الخمسة هي من أصول الدين والباقي كله من فروع الدين. ولا بدّ هنا أن يبرز هذا التساؤل، وهو:
إذا كان المقصود بأصول الدين إنّما هو الأصول التي يكون الإيمان والاعتقاد بها شرطاً ليكون الإنسان مسلماً، ففي هذه الحال لا يلزم أكثر من أصلين اثنين: التوحيد والنبوّة؛ فمفاد الشهادتين هو هذان، لا غير.
غير أنّ الشهادة الثانية مرتبطة بالنبوة الخاصة، أي نبوة حضرة خاتم النبيين؛ والنبوة العامة أي: نبوة سائر الأنبياء، خارجة عن مضمون الشهادتين، والحال أنّ ما هو جزء من أصول الدين، والإيمان به لازم فعلاً، هو نبوة الأنبياء جميعهم.
وإذا كان المقصود بأصول الدين، هو الأصول التي هي في نظر الإسلام جزء من الأمور الإيمانية والاعتقادية، لا الأمور العملية، فإنّ ثمة أموراً أخرى أيضاً تناسب الأمور الإيمانية، مثل الملائكة، التي صرح القرآن بوجوب الإيمان بوجودها في قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} (البقرة: 285) وزيادة على ذلك، فأية خصوصية لصفة العدل ـ في أن تستقر وحدها صفةً للحق في دائرة الأمور الإيمانية، بينما استقرت سائر صفات الحق من قبيل العلم والحياة والقدرة والسميعية والبصيرية خارج دائرة الأمور الإيمانية؟ فإن كان الإيمان بصفات الله واجباً، وجب الإيمان بها كلها وإن لم يكن كذلك، فلا يجب الإيمان بأي صفة منها؟
الحقيقة هي أنّ الأصول الخمسة المذكورة، اختيرت ـ من جهة ـ كأصول يجب في نظر الإسلام الإيمان والاعتقاد بها، ومن جهة أخرى، لتكون معرّفاً ومميّزاً للمذهب.
أصل التوحيد وأصل النبوة وأصل المعاد ثلاثة أصول، يجب في نظر الإسلام على كل شخص أن يؤمن بها، أي: أنّ الإيمان بها جزء من مقاصد الإسلام، وأمّا أصل العدل فهو معرّف للمذهب الخاص بالتشيع.
وإن لم يكن أصل العدل جزءاً من المقاصد الإيمانية للإسلام، بمعنى أنّه لا تفاوت بينه وبين أصل علم وحياة وقدرة الحق، لا ولكنه يدلّ على كونه جزءاً من الأصول التي أعطاها التشيع رؤية خاصة في الإسلام.
أمّا أصل الإمامة في نظر الشيعة فله كلا الناحيتين: فهو داخل في دائرة الإيمانيات، وهو أيضاً معرّف ومميز للمذهب.
وما قيل من أنّ الإيمان بالملائكة لازم وضروري أيضاً بنص القرآن، فلماذا لم يُذكر كعنوان لأصل سادس؟
الجواب: هو أنّ الأصول الإيمانية تفوق كونها جزءاً من مقاصد الإسلام، يعني أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قد دعا الناس للإيمان بها، أي أنّ رسالة النبي إنّما هي مقدمة لهذه الإيمانيات؛ أمّا الإيمان بالملائكة، وكذلك الإيمان والاعتقاد بكل ضروريات الدين كالصلاة والصوم فليس جزءاً من مقاصد الرسالة، بل هو من لوازم الرسالة؛ وبعبارة أخرى: هو من لوازم الإيمان بالنبوة، لا من أهداف النبوة. ولو نظرنا إلى الإمامة من جهة اجتماعية وسياسية، يعني من جهة الحكومة والقيادة، فهي كالعدل، بمعنى أنّها ليست من الأمور الإيمانية، وأمّا إذا نظرنا إليها من جهة معنوية، يعني من زاوية أنّ الإمام ـ باصطلاح الأحاديث ـ «حجة الله» و«خليفة الله»، وإلى أنّها ارتباط معنوي وضروري لكل مسلم بالإنسان الكامل في كل زمان، فهي من المسائل الإيمانية.
نأتي الآن إلى ذكر العقائد الكلامية الخاصة عند الشيعة، واحدة فواحدة، دون الاقتصار على الأصول الخمسة المذكورة آنفاً، وغيرها.
أ ـ التوحيد
هو أحد الأصول الخمسة للمعتزلة كما أنّه أحد الأصول عند الأشاعرة، باختلاف بينهما هو أنّ التوحيد في نظر المعتزلة والذي يميز مذهبهم هو التوحيد الصفاتي، والذي وقع مورد إنكار عند الأشاعرة. والتوحيد في نظر الأشاعرة والذي يميز مذهبهم هو التوحيد الأفعالي، والذي ينكره المعتزلة.
تقدم القول: إنّ التوحيد الذاتي في العبادة، بما أنّهما مورد اتّفاق المسلمين فهما خارجان عن محل البحث والنظر.
والآن لنر التوحيد الذي تعتمده الشيعة، وأيّ توحيد هو؟
التوحيد الذي يراه الشيعة يشتمل ـ فضلاً عن توحيد الذات والتوحيد في العبادة ـ على توحيد الصفات وتوحيد الأفعال، بمعنى أنّ الشيعة في بحث الصفات يلتزمون بالتوحيد الصفاتي، وفي بحث الأفعال يلتزمون بالتوحيد الأفعالي؛ أمّا التوحيد الصفاتي عند الشيعة فيتفاوت مع التوحيد الصفاتي عند المعتزلة، كذلك فالتوحيد الأفعالي عند الشيعة يغاير التوحيد الأفعالي عند الأشاعرة.
توحيد المعتزلة في الصفات يعني خلوّ الذات من أي صفة، وبعبارة أخرى: بمعنى كون الذات فاقدة للصفات([386]). وتفصيل هذه المسألة يراجع في كتب الكلام والفلسفة عند الشيعة.
التوحيد في الأفعال عند الشيعة يختلف عنه عند الأشاعرة، فهو عند الأشاعرة بمعنى أنّ أي موجود لا يمتلك أي تأثير، وكل تأثير يرجع بشكل مباشر إلى الله.
وعلى هذا فالخالق المباشر لأفعال العباد هو الله أيضاً، أمّا العبد فليس بخالقٍ وموجدٍ لعمل نفسه وهذا مماثل لعقيدة الجبر المحض التي ثبت بطلانها ببراهين كثيرة.
أمّا التوحيد في الأفعال عند الشيعة فهو بمعنى أنّ لنظام الأسباب والمسببات أصالة، وكل تأثير هو في الوقت الذي يكون قائماً بسبب قريب، فإنّه قائم في ذلك الوقت عينه بذات الله وهذان القيامان هما في طول بعضهما، لا في عرض بعضهما.
ولتوضيح هذه المسألة يراجع كتاب «الإنسان والقدر» للكاتب.
ب ـ العدل
العدل محل اتّفاق الشيعة والمعتزلة، ومعناه أنّ الله يعطي فيضه ورحمته، وكذلك بلاءه ونعمته على أساس الاستحقاق الذاتي والقَبْلي، وأنّ في نظام الخلق ـ من حيث الفيض والرحمة والبلاء والنعمة والثواب والعقاب الإلهي ـ نظماً خاصاً مقرّراً.
الأشاعرة ينكرون العدل وينكرون نظاماً كهذا، وفي نظرهم أنّ الاعتقاد بالعدل، بهذا المنظار، يلزم عنه الجبر والاضطرار في ذات الحق، وهذا يتعارض مع قاهريته المطلقة.
وللعدل بدوره فروع نوضحها ضمن شرحنا لسائر الأصول الأخرى.
ج ـ الاختيار والحرية
أصل الاختيار والحرية عند الشيعة شبيه ـ إلى حدّ ما ـ بما يعتقده المعتزلة، غير أنّ هناك فرقاً بين الحرية والاختيار اللذين يقول بهما الشيعة وما يقول به المعتزلة.
القول بالاختيار والحرية عند المعتزلة يساوي «التفويض» ويعني إيكال الإنسان إلى نفسه، وعزل المشيئة الإلهية عن التأثير وطبيعي أنّ هذا محال.
القول بـ «الاختيار والحرية» الذي يعتقده الشيعة هو أنّ العباد خلقوا مختارين أحراراً، ولكن العباد شأنهم شأن المخلوقات الأخرى، في تمام وجودها وفي تمام شؤون الوجود منها شأن الفاعلية، قائمة بذات الحق تعالى ومستمدة من مشيئته وعنايته.
وهذا معنى أنّ القول بالاختيار والحرية في مذهب الشيعة يشكّل حدّاً وسطاً بين الجبر الأشعري والتفويض المعتزلي، وهذا معنى الجملة المعروفة التي وصلتنا عن الأئمة الأطهار: «لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين» «فأصل» الحرية والاختيار إنّما هو فروع أصل العدل.
د ـ الحسن والقبح الذاتيان
يعتقد المعتزلة بكون الأفعال تمتلك حسناً أو تمتلك قبحاً في حدّ ذاتها مثلاً: العدل في حدّ ذاته حسن، والظلم في ذاته قبيح، والحكيم يختار الأفعال الحسنة ويجتنب اختيار الأفعال السيئة؛ وبما أنّ الله حكيم فمن لزوم حكمته أن تصدر عنه الأفعال الحسنة وأن لا تصدر عنه الأفعال السيئة؛ إذاً، فلزوم الحسن والقبح الذاتيين للأشياء من جهة، وكون الله حكيماً من جهة أخرى، يؤديان إلى أن تكون بعض الأفعال «واجبة» على الله [أي أوجبها على نفسه] وبعض الأفعال «محرّمة» [لتنزّهه عنها].
والأشاعرة يخالفون هذا الاعتقاد بقوة، فهم كما ينكرون الحسن والقبح الذاتيين في الأفعال، ينكرون الحكم بـ «حلال» أو «حرام» على الله. اعتقد بعض الشيعة ـ بتأثير الكلام المعتزلي ـ بالأصل موضوع البحث وفق اعتقاد المعتزلة.
ولكن قسماً آخر ممّن أعملوا الفكر بشكل أعمق قالوا ـ في الوقت الذي سلّموا فيه بالحسن والقبح الذاتيين ـ: بعدم جريان هذه الأحكام في ساحة عالم الربوبية([387]).
هـ ـ اللطف واختيار الأصلح
جرى البحث بين الأشاعرة والمعتزلة حول: هل أنّ اللطف ـ بمعنى اختيار الأصلح لأحوال العباد ـ حاكم على نظام العالم أم لا؟ يعتبر المعتزلة أصل «اللطف» «تكليفاً» و«وظيفة» واجبين ولازمين على الله. والأشاعرة ينكرون «اللطف» ويرون انتخاب الأصلح.
وطبيعي أنّ قاعدة اللطف هي من فروع أصل العدل، وأصل الحسن والقبح العقليين.
بعض المتكلمين الشيعة قبلوا قاعدة اللطف بالشكل الذي قال به المعتزلة، لكنّهم اعتبروا مسألة «التكليف» و«الوظيفة» في حق الله غلطاً محضاً، ولهم في أصل «اختيار الأصلح» تصوّر مختلف لا مجال لشرحه الآن.
و ـ أصالة العقل واستقلاله وحجيته
ثبتت للعقل أصالة واستقلال وحجيّة في مذهب الشيعة أكثر من المعتزلة، ففي نظر الشيعة أنّ العقل نبي الباطن والداخل، وأنّ النبي هو العقل الظاهر والخارجي، وفي فقه الشيعة العقل أحد الأدلة الأربعة.
ز ـ لأفعال الله غرض وهدف
ينكر الأشاعرة هذا الأصل، وهو أنّ للأفعال الإلهية غرضاً وهدفاً أو أكثر من غرض وهدف، ويقولون إنّ الغرض والقصد في الفعل من خصوصيات البشر أو المخلوقات المشابهة، ولكن الله منزّه عن هذه الأمور، ذلك أنّ امتلاك الفاعل لغرض وهدف يعني أن يكون هذا الغرض والهدف حاكماً جبرياً على ذلك الفاعل والله منزّه ومبرّأ عن أي قيد ومحدودية، وعن أي محكومية، حتى لو كانت المحكومية وجود الغرض.
ويؤيد الشيعة المعتزلة في باب غرض الأفعال، ويعتقدون بوجود فرق بين غرض الفعل وغرض الفاعل، والمحال هو أن يكون في أفعال الله غرض وهدف يرجع عليه، أمّا أن يعود الغرض على المخلوق فإنّه لا يتنافى مع كمال الله وعلو ذاته وغناه الذاتي.
ح ـ البداء في فعل الله جائز
وهكذا فالنسخ في أحكام الله جائز، ويجب دراسة بحث البداء في الكتب الفلسفية المعمّقة مثل الأسفار.
ط ـ رؤية الله
ينكر المعتزلة بشدّة رؤية الله، ويقولون بالقدرة على الاعتقاد بالله فقط، فالاعتقاد والإيمان يرتبطان بالفكر والذهن، يعني أنّك تستطيع الإيقان بوجود الله في ذهنك وفكرك؛ وهذا هو الحدّ الأعلى للإيمان. والله غير قابل للرؤية والمشاهدة بأي شكل من الأشكال. والدليل القرآني هو قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
أمّا الأشاعرة فيعتقدون بقوة أنّ الله يُرى بالعين، ولكن يوم القيامة. ويستدلون على مدّعاهم ببعض الأحاديث والآيات ومنها: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.
والشيعة يعتقدون أنّ الله لا يرى بالعين أبداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما أنّهم لا يرون أنّ اليقين الفكري والذهني هو الحدّ الأعلى للإيمان، إذ اليقين الفكري هو علم اليقين، وأعلى من اليقين الفكري اليقين القلبي، وهو عين اليقين.
عين اليقين يعني شهود الله بالقلب لا بالعين، فالله إذاً لا يمكن رؤيته بالعين، ولكن يمكن رؤيته بالقلب؛ وقد سئل علي (عليه السلام): هل رأيت الله؟ فقال ما معناه: وكيف أعبد ربّاً لم أره، إنّه من تشهده القلوب، ولا تشهده الأبصار.
وقد سئل الأئمة إن كان النبي (صلّى الله عليه وآله) رأى الله في عروجه، فأجابوا بالعين، لا، أمّا بالقلب فنعم. وفي هذه المسألة، فللعرفاء فقط اعتقاد مشابه لاعتقاد الشيعة.
ي ـ إيمان الفاسق
تكرر الكلام في هذه المسألة، فالشيعة يتفقون فيها مع الأشاعرة لا مع الخوارج الذين اعتقدوا بكفر الفاسق، ولا مع المعتزلة الذين تبنّوا أصل المنزلة بين المنزلتين.
ك ـ عصمة الأنبياء والأولياء
من جملة ما اختصّ به الشيعة القول بأنّ الأنبياء والأئمة معصومون من الذنوب صغيرها وكبيرها، وما فوق ذلك.
ل ـ المغفرة والشفاعة
وفي هذه المسألة أيضاً يختلف الشيعة مع الاعتقاد الجاف للمعتزلة، وهو قولهم بأنّ من مات دون توبة فلا تشمله المغفرة والشفاعة، ولكنهم أيضاً لم يقبلوا رأي الأشاعرة حول أصل المغفرة والشفاعة.
مرتضى مطهري
الكلام (علم)
ـ2ـ
علم الكلام يقصد به في الاصطلاح الإسلامي: العلم الذي يُقتدر معه على إثبات الحقائق الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها([388]).
وقد سمّي علم الكلام بهذا الاسم لأنّه ينشئ الجدل والمحاجة في الشرعيات، كما يُعلّم المنطق الاستدلالي العقلي في الفلسفيات، أو لأنّه كثر فيه الكلام مع المخالفين بما لم يكثر في غيره، أو لأنّ مسألة الكلام أشهر أجزائه، أو لأنّه بقوّة أدلته صار هو الكلام دون ما عداه.
ويسمّى المشتغلون بهذا العلم باسم (المتكلمين)، وقد يسمّون باسم علماء التوحيد، وذلك لأنّ علم الكلام نفسه قد يطلق عليه (علم التوحيد) تسمية له بأهم أجزائه.
رأي سني
قال محمد فؤاد كوبرلي([389]): ظهرت التيارات الفلسفية الأولى بين المسلمين منذ القرن الأول الهجري، على شكل علم الكلام، وقد نشأت فرق دينية متعددة على صدر الإسلام الذي انتشر في ساحة واسعة عاشت فيها فلسفات مستوردة واعتقادات مختلفة. ومن بين هذه الفرق أصبحت المعتزلة تعنى عناية كبيرة بالمسائل الفلسفية وطرح نظرياتها في هذا المجال. فواصل بن عطاء (80ـ131هـ/699ـ748م) الذي يعتبر أشهر وأقدم شخصيات المعتزلة، وعمرو بن عبيد (144هـ ـ 761م) قد طرحا آراء تخالف عقائد أهل السنة في مسائل الصفات الإلهية والقدر والإرادة الجزئية والإمامة فنشأ بذلك (العلم الكبير) عندهم (المعتزلة) مقابل (الفقه الأكبر) عند أهل السنة. وبعد أن عرفت الآراء الفلسفية عند اليونان والفرس والمسيحية واليهودية في المحيط الإسلامي عقب ظهور تيارات ترجمة الكتب اليونانية والفارسية والهندية و… وغيرها التي انتشرت انتشاراً كبيراً منذ زمن المنصور (157هـ ـ 772م) والمأمون وخلفائهما، عمل المعتزلة على الاستفادة من هذه النظريات بغية الدفاع عن عقيدتهم بقوة أكبر. فالتأثيرات الفلسفية اليونانية كانت واضحة وضوحاً تاماً على كبار علماء المعتزلة في عهد المأمون كأبي الهذيل العلاف (135ـ226هـ / 752ـ840م) وإبراهيم النظّام (221هـ / 835ـ836م).
وإزاء ما قام به المعتزلة لم يقف علماء أهل السنة مكتوفي الأيدي، فأنشؤوا (علم الكلام) وذلك بفضل جهود أبي كلاب البصري وأبي الحسن الأشعري (260ـ324هـ ـ 873 ـ 935م). وأكمل هذا العلم عندهم من قبل أبي بكر الباقلاني (403هـ ـ 1012 ـ 1013م) وأبي المعالي الجويني المشهور بإمام الحرمين (478هـ _ 1085 ـ 1086م).
وفي هذه الأثناء كان علم الكلام عند أهل السنة قد مال في بعض موضوعاته إلى آراء المعتزلة، كما أنّ علم الكلام عند المعتزلة قد تغيّر تغيّراً كبيراً بالنسبة إلى سابق أوانه وبلغ حالة امتزج فيها كثيراً مع الفلسفة اليونانية.
ونشاهد أنّ علم الكلام قد دخل مرحلة جديدة مع أبي حامد الغزالي؛ (450ـ505هـ ـ 1058 ـ 1111م). ففي زمنه استقرّت النظريات التي تتعلق بالفلسفة اليونانية وازدهرت بين المسلمين بفضل الفارابي وابن سينا، وأدّى إلى نشوء زاوية لرأيين متضادين، فقرّر قبول كل ما يقوله الفلاسفة أو ردّه. وقد عارض الغزالي بكتبه المختلفة، زاوية هذين الرأيين، وبهذا دخل رد المواضيع الفلسفية المخالفة للعقائد الإسلامية وإبطالها كذلك إلى علم الكلام. ثمّ بلغ علم الكلام عند أهل السنة حالة تفاعل فيها مع فلسفة أرسطو على يد فخر الدين الرازي والآمدي (631هـ _ 1233 ـ 34م) والبيضاوي (689هـ ـ 1290 ـ 91م) وهو مقبول بين علماء السنة في هذا الوقت ويتضح مدى التأثير الذي أحدثته الفلسفة اليونانية تدريجياً في هذا المجال إذا ما قورن العلماء القدماء مع هؤلاء المتأخرين من علماء أهل السنة في علم الكلام.
وفي خارج نطاق علم الكلام عند المسلمين، فإنّ التيارات الفلسفية الأصلية التي ظهرت بعد الأخذ من المصادر الأجنبية مباشرة كالهندية والفارسية واليونانية بصورة خاصة بعد القيام بترجمة الكتب التي تتعلق بالفلسفة اليوناينة القديمة في العصر العباسي، وقد اكتسبت قوة بفضل الكندي (نحو 260هـ ـ 873 ـ 74م) والفارابي (339هـ ـ 950 ـ 951م) بصورة خاصة. وأنشأ ابن سينا (428هـ ـ 1037 ـ 1038م) نظاماً فلسفياً عظيماً بعد أن قام بإكمال وتركيب كافة العناصر الموجودة في كتب الفارابي. وبفضل الغزالي اكتسبت الفلسفة مكانة مرموقة في الدين الإسلامي ودخلت بقوة ـ كما ذكرنا ـ إلى علم الكلام عند أهل السنة كذلك. أمّا الذين درسوا في نطاق علم الكلام والذين جاؤوا بعد الغزالي، فهم أولئك الفلاسفة الذين تعمقوا جيداً في فهم الفلسفة اليونانية وعلومها ضمن شكلها الإسلامي.
وتنهض بعض الرسائل الفلسفية التي ألفت من قبل جماعة إخوان الصفا المتشكلة في بغداد في القرن العاشر، مع كبار الفلاسفة الذين نشؤوا في الأندلس من أمثال ابن رشد وابن ماجة وابن طفيل، كل على حدة، دليلاً على ازدهار الآراء الفلسفية الإسلامية بصورة واسعة في نطاق الحضارة الإسلامية. وإلى جانب هذا اعتبر الذين اشتغلوا بالفلسفة زنادقة وملحدين، فاضطروا ـ عدا الذين اشتغلوا بعلم الكلام ـ أن يتستروا بستار الدين أو أكثر منه بستار التصوف.
وإذا كانت مثل هذه التيارات الفلسفية لم تكن موجودة بين الأقوام الإسلامية ولم تنشر بقوة في ساحة واسعة، فإنّ الآداب الإسلامية وخاصة الآداب الفارسية والتركية لم تكن باقية بهذا القدر تحت التأثير الصوفي القوي.
رأي زيدي
وحدّ علم الكلام عند الزيدية ولخصّه الإمام الزيدي القاسم بن محمد المنصور المتوفى سنة 1029هـ مؤلف (الأساس)([390]) بقوله: هو بيان كيفية الاستدلال على تحصيل عقائد صحيحة جازمة تترتب صحة الشرائع عليها، أو الاستدلال بالكتاب والسنة، أو بأحدهما على شرائع وعقائد مخصوصة، وثمرته بيان معرفة الله سبحانه وعدله، وما يترتب عليها من أمور الدين، واستمداد بعضه من صنع الله سبحانه باستعمال الفكر، وبعضه من السمع المنير لدفائن العقول، وبعضه من السمع فقط. (انتهى).
1 ـ الجو الذي نشأ فيه علم الكلام
القرآن الكريم، احتوى فيما احتواه، التشبيه، والكناية، والمثل والاستعارة.
كان فيه النص، وكان فيه الظاهر. وكان فيه بالإضافة إلى كل ذلك، ما يسمّى بالآيات المحكمات والآيات المتشابهات. كما نص على ذلك الكتاب العزيز نفسه {منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأُخَرُ متشابهات}.
والمقصود بالآية المحكمة، تلك التي لا تحتمل إلاّ وجهاً واحداً من المعنى. والمقصود بالآية المتشابهة، تلك التي تحتمل ـ ابتداءً ـ معنيين أو أكثر، وتتردّد بين هذه المعاني.
والذي يبدو، أنّ كثيراً من علماء الإسلام اتفقوا على وجوب إرجاع هذه الآيات المتشابهة، إلى المحكم من الآيات، لتعين هذه المعنى المراد من تلك، فتعود محكمة.
فقد ورد في القرآن ـ مثلاً ـ توصيف الله بأنه سميع بصير في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وورد فيه {الرحمن على العرش استوى}.
كما ورد {وجاء ربك} {يد الله فوق أيديهم} {ولا أعلم ما في نفسك} إلى غير ذلك من الآيات المتشابهة.
موقف مسلمي العصر الأول
من المتشابه
وقد كان المسلمون في العصر الأول، يسلمون بهذه الآيات. ويعتقدون بها، من دون أن يتساءلوا، أو يستفسروا عمّا يراد منها، أو ترمي إليه.
ثم ابتدأ ـ في مطلع القرن الثالث للهجرة تقريباً ـ بشكل واسع، عصر الترجمات، وانفتحت عقول المسلمين على تراث اليونان، في شتى حقول العلم المطروقة آنذاك، وبخاصة التراث الفلسفي.
عند ذاك، ابتدأ عصر التساؤلات.
تساؤلات، كان منطلقها ما تشابه من الآيات.
الله سميع؟ ما معنى ذلك؟ وكيف يكون سمعه، هل هو كسمع كل واحد منّا؟
الله بصير؟ ما معنى ذلك، وكيف يكون إبصاره، هل هو كإبصار كل واحد منّا؟
الرحمن على العرش استوى؟ ما معنى ذلك؟ وما هي كيفية جلوسه واستوائه، هل هو كجلوسي وجلوسك؟ وما هي هيئة هذا العرش؟ هل هي كهيئة العروش المعهودة لدى الملوك والسلاطين؟ إلى غير ذلك من تساؤلات.
إلاّ أنّ عصر التساؤلات هذا، لم يؤثر على بعض العلماء، ولم يُجرّ كثيراً منهم إلى الخوض فيها. ولذا وجدنا، من توقف في شرح هذه الآيات، ووقف منها موقف المتهيب، فلم يأت فيها بتفسير أو تأويل.
بل وجد من علماء الإسلام من صرح بأنّ مثل هذه التساؤلات بدعة لا تجوز، إذ كل بدعة ضلالة، أمثال مالك بن أنس، حيث قال عند كلامه على الآية الكريمة {الرحمن على العرش استوى} (الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).
ويذكر الشهرستاني في الملل والنحل، أنّ السبب في توقف كثير من العلماء في تفسير متشابه القرآن وتأويله أمران:
الأمر الأول: «المنع الوارد في التنزيل، فقد قال الله تعالى في شأن القرآن: {منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأُخَر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} فنحن نحترز عن الزيغ…».
والأمر الثاني: «إنّ التأويل أمر مظنون بالاتفاق والقول في صفات الباري بالظن غير جائز. فربما أوّلنا الآية على غير مراد الباري فوقعنا في الزيغ».
2 ـ وجه تسمية هذا العلم
بعلم الكلام
وقد ذكرت وجوه عديدة، في منشأ تسمية هذا العلم بعلم الكلام: منها: أنّ المتكلمين «أرادوا مقابلة الفلاسفة، في تسميتهم فناً من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان»([391]).
ومنها: أنّه «كثر الكلام فيه مع المخالفين، ما لم يكثر في غيره»([392]).
ومنها: لأنّه ـ كما يذكر في شوارق الإلهام ـ بقوة أدلته، كأنّه صار هو الكلام دون ما عداه، كما يقال في الأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام»([393]).
ومنها: «أنّه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، كالمنطق في الفلسفيات»([394]). وهذه ـ كما يبدو ـ ما هي إلاّ وجوه استحسانية.
والذي أراه، وجهاً راجحاً، لتمسية هذا العلم، بعلم الكلام ناشئ من المحور الذي كان هذا العلم يدور حوله، وهو كلام الله، المتمثل في القرآن الكريم. بل إنّ السبب في نشوء هذا العلم ـ أصلاً ـ هو الوقوف في وجه التساؤلات التي كان منطلقها ـ كما سبق وذكرنا ـ الآيات المتشابهة في كتاب الله.
فضلاً عن أنّ أوسع خلاف قام بين المتكلمين، كان دوره حول كلام الله وأنّه قديم أو حادث. فلا غرو إذن، في أن يكون الوجه لتسمية هذا العلم بهذا الاسم، محورية كلام الله لكل المناقشات، والمخاصمات والمجادلات التي كانت تدور بين أربابه.
وإذا صح ما ذكرناه، من أنّ وجه تسمية هذا العلم بعلم الكلام، هو محورية كلام الله ـ أي القرآن ـ لكل المخاصمات التي كانت تدور فيه، يمكن الادعاء بأنّ هذا العلم قد خطا خطواته الأولى، في العصر الأول من عصور المسلمين وهو عصر النبي (صلّى الله عليه وآله) وما تلاه.
فقد روى ابن سعد في تاريخه «عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابني العاص، أنّهما قالا: جلسنا مجلساً في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كنّا به أشد اغتباطاً من مجلس جلسناه يوماً. جئنا فإذا أناس عند حُجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يتراجعون في القرآن. فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول الله خلف الحُجر يسمع كلامهم. فخرج علينا رسول الله مغضباً يعرف الغضب في وجهه حتّى وقف عليهم فقال: أي قوم، بهذا ضلّت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضهم ببعض، إنّ القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن ليصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به… إلخ([395]).
وروى ابن حجر العسقلاني، في الإصابة، قال: «قدم صبيغ المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، ضربه حتّى أدمى رأسه، ثمّ نفاه إلى البصرة، وأمر بعدم مخالطته»([396]).
هذان النصان، وغيرهما، يؤيدان ما قلناه، في تحديد الفترة التي نشأ فيها هذا العلم.
ولا يكون الالتزام بذلك، مناقضاً للرأي السابق القائل، بأنّ هذا العلم، قد نشأ في القرن الثالث الهجري، بعد ابتداء عصر الترجمات. إذ يكون معنى نشوئه في القرن الثالث، هو أنّ بروزه كعلم، له قواعده، وأصوله، إنّما كان في ذلك التاريخ.
والذي يؤيد هذا، ما ذكره الشهرستاني من «أنّ لفظ الكلام، أصبح اصطلاحاً فنياً في عهد المأمون، وكثيراً ما نصادف لفظ (كلّم)، بمعنى ناظر وجادل»([397]).
محمد جعفر شمس الدين
نشأة علم الكلام عند الشيعة
علم الكلام هو أصول الدين، أو علم العقائد الإسلامية، أو علم التوحيد والصفات، علم إسلامي النشأة، فهو لم يعرف من قبل عند الأديان والأمم الأخرى، وإن وظّف شيئاً من معطيات العقل البشري في المنطق والفلسفة في فترة لاحقة، كأدوات في منهج بحثه، وأسلوبه في المناظرة.
وقد ظهرت هذه التسمية (علم الكلام) فيما بعد، وذكرت عدّة تفاسير لها، من أبرزها، أنّه سمّي كذلك في المرحلة التي تعدّدت فيها الأقوال بشأن كلام الله، وهل هو مخلوق أم غير مخلوق، فكانت هذه المسألة هي محور معظم البحوث العقائدية في هذه الفترة.
ولكن نشأة البحث في العقائد الإسلامية والاستدلال عليها، ظهرت منذ بداية هبوط الوحي وبروز الدعوة، فإنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) حينما دعا المشركين إلى الإسلام، لم يستجب له الكثير منهم لأوّل وهلة، وبدرت منهم شكوك وتساؤلات متنوعة حول صحة هذه الدعوة، وكان النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ينقض شكوكهم الواحدة تلو الأخرى، ويجيب على أسئلتهم، ويبرهن على صدق رسالته بحجج دامغة، كما حكى لنا القرآن الكريم ذلك.
وعلى هذا يكون (البحث الاستدلالي في الأصول الإسلامية، قد نشأ من القرآن نفسه، كما في أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) وخطب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) تعقيباً وتفسيراً، وإن اختلفت صياغة وأسلوب هذه المباحث عن صياغة وأسلوب المتكلمين فيما بعد)([398]).
وعندما نريد اكتشاف مناهل علم الكلام عند الشيعة، سوف لا نجد منبعاً سوى القرآن الكريم، وما ورد عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، فكما أنّ التفكير الفلسفي لديهم ولد في أحضان القرآن والحديث، فإنّ الأمر كذلك في علم أصول الدين، وبعبارة أخرى، فإنّ ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من خطب ووصايا وكتب وأدعية، والتي جمعت فيما بعد في نهج البلاغة، وغيره من كتب الحديث والأدعية، هي المنهل الذي استقى منه المتكلمون الشيعة نظرياتهم، وللتدليل على ذلك يمكن مراجعة نهج البلاغة خصوصاً النصوص التي تدور حول توحيد الباري تعالى وصفاته ـ كما تقدّمت الإشارة لذلك ـ لمعرفة الينبوع الأصيل للكلام عند الشيعة، وبهذا يمكن تفسير تعاضد الكلام والحديث الشريف عند الشيعة، فلم يواجه الشيعة مشكلة انفصام علم الكلام عن الحديث، واستقلال المتكلمين عن المحدثين كما حصل عند غيرهم من المسلمين، الذين انقسموا إلى متكلم ومحدث.
وباعتبار وحدة الرافد الذي غذّى الفلسفة والكلام عند الشيعة، فإنّ (فلاسفة الشيعة، إذا تجاوزنا كونهم قد أخرجوا الفلسفة بقالب كلامي، فإنّهم استخرجوا أسلوب الحكمة البرهانية من أسلوب الحكمة الجدلية، وأحكموا العقائد والأصول الإسلامية باستلهامها من وحي القرآن وفيوضات قادة الدين. إذا أردنا من هذا المنطلق أن نعدّ المتكلمين الشيعة، ومقصودنا كلّ من امتلك نهجاً عقلياً بشأن العقائد الإسلامية عند الشيعة، فيجب أن نعدّ منهم جماعة من رواة الحديث، وكذلك جماعة من الفلاسفة الشيعة، ذلك أنّ حديث الشيعة وفلسفة الشيعة كليهما قد أدّيا وظيفة علم الكلام أفضل من علم الكلام نفسه)([399]).
لقد كانت الطبقة الأولى من المتكلمين الشيعة هم تلامذة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذين تلقوا علوم العقيدة منه مباشرة، ومن أبرز هؤلاء ميثم التمار الذي كان خطيباً ومتكلماً وموضعاً لسر أمير المؤمنين([400])، وأويس القرني، أحد الزهاد المعروفين، وكان عالماً متكلماً بارعاً اشتهر بالزهد فغلب زهده على علمه([401])، وسليم بن قيس الهلالي، وهو متكلم فقيه كثير السماع، أوّل من كتب في الحوادث الكائنة بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([402]). والأصبغ بن نباتة، وهو متكلم في الأصول عالم بالحديث([403])، كان من خاصة أمير المؤمنين (عليه السلام) وعمّر بعده([404]).
ثمّ تلت هذه الطبقة من المتكلمين جماعة أخرى في الحقبة التالية، ظهرت لديها بواكير المصنفات الكلامية عند الشيعة، ومن أشهر أعلام هذه الطبقة علي بن إسماعيل بن ميثم التمار، وهو حفيد ميثم التمار المذكور سابقاً، وصفه النجاشي بأنّه (كان من وجوه المتكلمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل والنظّام، له مجالس وكتب، منها: كتاب الإمامة… كتاب مجالس هشام بن الحكم…)([405]). وكان يناظر أبرز متكلمي عصره فيتفوق عليهم، فقد ذكر السيد المرتضى في الفصول المختارة من العيون والمحاسن للشيخ المفيد بعض المواضع التي تغلب فيها على خصومه([406]). وقد ذهب ابن النديم في الفهرست إلى أنّه (أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة)([407])، ولعله يعني أنّه أوّل من ألّف تأليفاً مستقلاً بعنوان (الإمامة)، لأنّ المتكلمين في مذهب الإمامة من أصحاب الأئمة تقدّموا عليه، وربما كان وجوده في عصر مؤسسي الطبقة الأولى للكلام المعتزلي، كعمرو بن عبيد وأبي الهذيل العلاف، واصطكاكه في مناظرات معروفة معهم جعله معروفاً بذلك عند الناس في عصره. ويبدو أنّ كتابه (مجالس هشام بن الحكم) الذي ذكره النجاشي، هو عبارة عن مناظرات أو أمالي في موضوعات علم الكلام كان استفادها من هشام. ومن المتكلمين المعروفين في هذه الفترة، مؤمن الطاق وهو أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي الكوفي، اشتهر بمناظراته مع أبي حنيفة، فألّف في ذلك كتاباً ذكره النجاشي بعنوان (كتاب مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة)([408])، وكان (متكلماً حاذقاً)([409]) كما وصفه ابن النديم في الفهرست.
وتعتبر هذه الفترة فترة ازدهار ونضج علم الكلام الشيعي، وفيها تحوّلت مدرسة الكلام الشيعية من الكوفة إلى بغداد، بعد أن غادر هشام بن الحكم الكوفة مهاجراً إلى بغداد سنة تسع وتسعين ومائة([410])، فأصبح من خواص يحيى بن خالد البرمكي، وكان هشام ممّن نهل العلم على يدي الإمام الصادق وولده الإمام الكاظم (عليهما السلام)، فإنّه كان من خواصهما([411])، وقد عرف بأنّه من أعظم متكلمي عصره، حيث وصفه ابن النديم بقوله: (كوفي تحوّل إلى بغداد من الكوفة، من أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمد (عليه السلام)، من متكلمي الشيعة، ممّن فتق الكلام في الإمامة، وهذّب المذهب والنظر، وكان حاذقاً بصناعة الكلام، حاضر الجواب)([412])، و(كان ليحيى بن خالد مجلس في داره يحضره المتكلمون في كل فرقة وملّة يوم الأحد فيتناظرون في أديانهم، يحتج بعضهم على بعض)([413])، وكان هذا المجلس أهم منتدى للمناظرة العقائدية يومذاك في بغداد، حتّى أنّ الرشيد عندما علم بهذا المجلس حرص على حضوره متنكراً في السفر، بيد أنّ المعتزلة بلغهم نبأ وفود الرشيد على المجلس، فعزموا (على أن لا يكلموا هشاماً إلاّ في الإمامة لعلمهم بمذهب الرشيد وإنكاره على من قال بالإمامة)([414])، فلما انعقد المجلس ناظروا هشاماً في الإمامة، وتناوب في إثارة الإشكالات عليه، عبدالله بن يزيد الإباضي، وضرار، وبيان الحروري، فأفحمهم هشام فيما أورده من إجابات (وكان هارون الرشيد قد سمع الكلام كله،… ثم عضّ على شفتيه، وقال: مثل هذا حي ويبقى لي ملكي ساعة واحدة؟! فوالله للسان هذا أبلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف…)([415]).
وقد بلغت منزلة هشام في علم الكلام درجة أهّلته لأن يكون رئيس هذا المنتدى الكلامي الأسبوعي في دار يحيى بن خالد، كما يبدو من قول ابن النديم، بأنّه (كان القيّم بمجالس كلامه ونظره). وبذلك استطاع هشام أن يشيد الدعائم الأساسية لمدرسة بغداد الكلامية عند الشيعة، التي بدأت بعد إقامة هشام في بغداد، ولم تنته إلاّ بعد الفتنة التي راح ضحيتها التراث المهم الذي جمعه الشيخ الطوسي، عندما هجموا عليه سنة 448هـ، فأحرقوا داره، ومكتبته، والكرسي الذي كان يجلس عليه للكلام.
وفيما يلي إشارة سريعة إلى أعلام متكلمي الشيعة الذين خلفوا هشاماً في بغداد، وهم:
1 ـ علي بن منصور، أبو الحسن الكوفي، ثم البغدادي، متكلم من أصحاب هشام([416]).
2 ـ محمد بن خليل السكاك، البغدادي، صاحب هشام وتلميذه([417]).
3 ـ يونس بن عبد الرحمن، الكوفي ثمّ البغدادي، صاحب هشام وتلميذه، توفي سنة 208هـ([418]).
4 ـ محمد بن أبي عمير الأزذي البغدادي، توفي سنة 217هـ([419]).
5 ـ علي بن إسماعيل، أبو الحسن الميثمي.
6 ـ أبو مالك الضحاك الحضرمي، من تلاميذ هشام.
7 ـ الحسن بن علي بن يقطين البغدادي، كان فقيهاً متكلماً([420]).
8 ـ الفضل بن شاذان، أبو محمد الأزدي النيشابوري، كان فقيهاً متكلماً، توفي سنة 260هـ([421]).
9 ـ إسماعيل بن علي بن إسحاق، أبو سهل النوبختي البغدادي، كان شيخ المتكلمين([422])، وله مجلس يحضره جماعة من المتكلمين([423]) توفي سنة 311هـ.
10 ـ الحسن بن موسى، أبو محمد النوبختي، وصفه النجاشي بقوله: (شيخنا المتكلم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها)([424])، وهو متكلم فيلسوف، كان يجتمع إليه جماعة من النقلة لكتب الفلسفة، وله مصنفات وتأليفات في الكلام والفلسفة وغيرها([425]).
11 ـ محمد بن بشر، أبو الحسين السوسنجردي الحمدوني، من تلاميذ أبي سهل النوبختي، متكلم، جيد الكلام، صحيح الاعتقاد، حسن العبادة والعمل([426]).
12 ـ الحسن بن علي، أبو محمد بن أبي عقيل العماني الحذاء البغدادي، فقيه متكلم([427]).
13 ـ علي بن عبدالله بن وصيف، أبو الحسن الحلاء البغدادي الناشئ الأصغر، شاعر متكلم([428])، توفي سنة 366هـ.
14 ـ المظفر بن محمد بن أحمد، أبو الجيش البلخي البغدادي، من مشاهير المتكلمين، ومن تلاميد أبي سهل النوبختي، وهو ثاني من قرأ عليهما الشيخ المفيد الكلام، توفي سنة 367هـ([429]).
15 ـ طاهر غلام أبي الجيش([430])، كان متكلماً، وقد تلمذ عليه الشيخ المفيد في البداية، حيث كان يقرأ عليه في منزله بباب خراسان في بغداد([431]).
16 ـ محمد بن محمد بن النعمان، الشيخ أبو عبدالله، ابن المعلم العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد، وصفه ابن النديم بقوله: (في عصرنا انتهت رئاسة متكلمي الشيعة إليه، مقدم في صناعة الكلام على مذاهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدته فرأيته بارعاً) ([432]) وكان له مجلس نظر بداره في درب رياح بغداد، كان يحضره العلماء من سائر الطوائف. وقد توفي سنة 413هـ، وكانت جنازته مشهودة حيث شيّعه عدد غفير من الناس.
17 ـ علي بن الحسين بن موسى، أبو القاسم، علم الهدى المرتضى، حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، وكان متكلماً شاعراً أديباً، عظيم المنزلة في الدين والدنيا([433])، متوحدا في علوم كثيرة، مجمعاً على فضله، مقدماً في العلوم([434])، إماماً في علم الكلام والأدب والشعر والبلاغة كثير التصانيف متبحراً في فنون العلم([435])، وهو أوّل من جعل داره دار العلم وقدّرها للمناظرة توفي سنة 436هـ.
عبد الجبار الرفاعي
علم الكلام الشيعي
قال الكاتب المغربي محمد دكير (وهو ليس شيعياً) في تعليقه على كتاب (محنة التراث الآخر ـ النزعات العقلانية في الموروث الإمامي)([436]):
ينطلق المؤلِّف، في هذا الفصل، من مقدمة يعدّها مسلّمة ونتيجة مستخلصة، يستدل عليها بعد ذلك من خلال بحوثه في علم الكلام والحكمة. هذه المسلّمة تؤكّد على ضرورة معرفة مجموعة من المقدمات العقلانية والعرفانية، لمن أراد أن تتيسر له «معرفة أحوال الاعتقاد عند الشيعة وذلك بسبب المحتوى الفلسفي والعرفاني، الذي تزخر به نصوص التشيُّع وأقوال أئمته وعلمائه. لكن ما يميِّز هذه المدرسة على المستوى العقائدي، هو تنوُّع خطابها العقائدي، حيث يجد فيه العامي والفيلسوف معاً احتياجاتهما المعرفية والعلمية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ومع أنّ هذه المدرسة نشأت وترعرعت في خضم صراع كلامي وفلسفي عميق ومتشعِّب، إلاّ أنّها استطاعت أن تحافظ على خصوصيتها، انطلاقاً من إيمانها بالأصول الخمسة، خلافاً للمعتزلة والأشاعرة، فهي وإن شاركت هاتين المدرستين في التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، لكنّها أضافت إليها أصل الإمامة والذي رفعته «من مستوى الفرع إلى درجة الأصل».
لم يقدِّم المؤلِّف عرضاً مفصّلاً لآراء هذه المدارس المتصارعة حول الأصول الخمسة، لأنّ ذلك يخرج عن أهداف بحثه، وإنّما ركّز معالجته حول «الجدل الكلامي الذي دار حول التوحيد والعدل» من خلال بعض المباحث الأساسية فقط. وعبر ذلك حاول إبراز المنظور العقائدي وآليّات النظر فيه لكل مدرسة على حدّة، مبتدئاً بأهم إشكالية عرفها وعالجها علم الكلام الإسلامي، وهي قضية الحُسن والقبح القوليين. فالنقاش في هذه القضية سيتمحور حول العقل بوصفه موضوعاً، متجاوزاً بعض المنطلقات الأخرى المهمّة، ليصل إلى محاولة «تحديد الموقف من العقل». الموقف الذي سيؤثر في بناء النسق الكلامي لكل مدرسة، وما سيتفرع عنه من التزام على المستويين العقائدي والتشريعي، سيكون محوراً لجدل طويل وعقيم في بعض جوانبه.
ومن خلال الموقف من العقل يظهر أهم ما تميَّزت به المدرسة الكلامية الشيعية ونقصد به «الوسطية»، فهم لم يقولوا باستغلال العقل مطلقاً، لأنّ «العقل يحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع»، وخلاصة موقفهم في معالجة جميع القضايا المتفرّعة في التوحيد والصفات الإلهية وإشكاليات التنزيه والتشبيه، وكذا العدل الإلهي، تتجلى في قول الإمام الصادق الذي لخَّص مذهبهم بقوله: «أمّا التوحيد فأن لا تجوّز على ربك ما جاز عليك، وأمّا العدل بأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه»، أو كما قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «التوحيد أن لا تتوهَّمه، والعدل أن لا تتهمه». وليس المذهب الإمامي الكلامي سوى شرح لهذه النصوص والاستدلال عليها بآليات النظر العقلي، لذلك قيل: «التوحيد والعدل علويان والتشبيه والجبر أمويَّان».
كما تظهر هذه الوسطية والتميز عن باقي المدارس الكلامية، في نظريتهم حول الجبر والاختيار، فالشيعة قالوا بالاختيار خلافاً للجبرية، أو أصحاب الكسب من الأشاعرة، لكنّهم لم يقولوا بالاختيار المطلق كما ذهبت إليه المعتزلة، بل قالوا: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»، وبذلك جمعوا، حسب قول المؤلف: «بين القول بالإرادة المطلقة للخالق وبين الاختيار الممنوح للمخلوق على الوجه الذي يغدو فيه الوعد والوعيد واقعيين في نطاق عدله باعتبار حرية المكلف ومسؤوليته». وهذا الموقف الوسطي هوالذي ميَّز الإمامية بشكل عام، سواء أكانوا فقهاء أم علماء كلام أم فلاسفة (انتهى قول دكير).
علم الكلام عند الشيعة
ـ1ـ
1 ـ المدخل
الكلام الشيعي نشأ أوّلاً وقبل كل شيء حول «الإمامة» ودار عليها منذ نشأته الأولى وإلى عصرنا الحاضر، والسر واضح، فإنّ الشيعة إنّما افترقوا عن غيرهم لقولهم بالإمامة. وغيرهم من فرق المسلمين إنّما اختلف معهم أوّل ما اختلف، لأنّهم لم يدِنْ بالإمامة كما دانوا. فمن الطبيعي أنّ هذا الاختلاف يستلزم المخاصمة، والمخاصمة تستدعي المناظرة، وإذا سلمنا بأنّ أوّل اختلاف حدث بين المسلمين إنّما حدث حول الإمامة، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ الذين أنكروا الإمامة كانوا الفئة الغالبة الحاكمة. والذين دانوا بها كانوا الفئة المعارضة، وأنّ المعارضة كانت كلامية وبالجدل والحجاج لا بالسيف والسلاح ـ وأنا هنا لا أبحث عن هذه النقاط وإنّما أذكرها كنتائج لبحوث انتهيت إليها، وقد فصّلتها في مناسبات أخرى ـ فعلى هذا كله يحق لنا أن نقول إنّ الكلام نشأ واستقرت طرقه ومناهجه عند الشيعة قبل غيرهم.
ولكن نقاط الخلاف قد تجاوزت الإمامة إلى غيرها وكلّما امتدّ الزمن بالمسلمين كثرت نقاط الخلاف فيما بينهم.
وهكذا واكب الكلام ـ الذي كان يدور أوّلاً حول الإمامة ـ المسائل المختلف فيها والمتناقش عليها، فشمل الجبر، والتشبيه والتجسيم بل وشمل الخلاف الفقهي، كالخلاف في بعض أحكام الوضوء والصلاة، والطلاق ثلاثاً، وسائر الخلافات الفقهية بين الشيعة وغيرهم، والكلام إنّما هو في أساسه أسلوب خاص للنظر والحجاج، وفيما بعد استقرّ في دائرة المسائل الاعتقادية وحدها.
وتوسّع الكلام أكثر فأكثر عندما اتّصل المسلمون بغيرهم من معتنقي الأديان كالمسيحية واليهودية أو منتحلي الفرق الفلسفية وغير الفلسفية. وأشير هنا إلى أنّنا نجد في ثبت مؤلفات المتكلم الشيعي الشهير هشام بن الحكم ـ كتباً له تتصل بالفلسفة اليونانية وأعلامها.
وستأتي الإشارة إلى هذا عند ذكره، وبهذا يصح لنا أن نحكم بأنّ الشيعة كانوا أسبق من غيرهم في هذا المجال أيضاً، لأنّي لم أجد لغيره ممّن كان يعاصره أن تناول ما تناوله هشام.
2 ـ المدرستان غير الشيعيتين:
الحديثية والكلامية
تختلفان إلى حد كبير
لا بدّ لنا من البحث ولو بصورة مقتضبة جداً عمّا يسمّى بمدرسة المحدثين غير الشيعة، إذ أنّ السّمات العامة التي يذكرونها لعقائد أهل الحديث والأثر، وعلى أساسها يقيسون آراءهم وعقائدهم بآراء غيرهم، إنّما قد أخذت من المدرسة غير الشيعية، والأدلة والشواهد التي تذكر في هذا المجال إنّما تتوافر بصورة كاملة في مجموعة الأحاديث التي يرويها المحدثون غير الشيعة، وعليها وحدها تُبنى الآراء التي تَبَنَّوْها أو نُسبت إليهم.
ويضاف إلى هذا: أنّ التضاد الفكري والعقائدي بين أصحاب المدرستين الحديثية والكلامية، وهؤلاء يومذاك كانوا المعتزلة، والجهمية، والمرجئة، والذين كانوا يسيرون في ركابهم، إنّما انتزع هذا التضاد والتقابل من الحديث غير الشيعي، ومن آراء المحدثين غير الشيعة، ومواقفهم من آراء المتكلمين ورفضهم لها وطعنهم في القائلين بها، بل وفي طعنهم بالاتجاه الكلامي بصورة عامة في العقائد الدينية.
فليس من الصحيح أن تجعل تلك السمات العامة وأن يجعل هذا التضاد والتقابل خصيصة عامة للاتجاه الحديثي الذي يعتمد على الكتاب والسنة، قبل كل شيء، في استنباط العقائد الدينية وصياغتها، سواء أكان المحدِّث شيعياً أم غير شيعي.
وما يسمّى بالمدرسة الحديثية ـ والتعبير الأوفق عند أصحابها، بل والمختار عندهم: أهل الحديث والأثر ـ ليست بمدرسة فكرية لها حدودها ومعالمها الواضحة من جميع الجهات، أو من أغلبها، كما هو الحال عند المعتزلة، والجهمية، مثلاً، والذي بإمكان الباحث أن يعين ما اتفقوا عليه، وبه امتازوا عن غيرهم. بل وهذه التسمية أيضاً لحقتهم لا من جهة أنفسهم، بل انتزعت من مواقفهم وآرائهم. وكل ما كان عندهم: أنّ الذين كانوا يُعنَون بالحديث لم يكونوا يتعدون في بيان آرائهم وتوصير عقائدهم عمّا جاءهم من الأحاديث التي آمنوا بصحتها، بل إنّهم كانوا يكتفون برواية ألفاظ الحديث غالباً للتعبير عن آرائهم، ولم يكونوا يحوّلون ألفاظه إلى ما يؤدي معناه.
والمحدّثون، لِما ذكرناه، لا يرجعون بالطبع إلى مستوى واحد، بل إنّهم في مستويات مختلفة، إذ أنّ أي واحد من المحدّثين إنّما يقاس مدى الخلاف بينه وبين من يسمّونهم بالمتكلمين بقدر ما يرويه هذا المحدّث كميّةً وبقدر ما يلتزم بصحته فيما يرويه. ومن الواضح أنّ المحدِّثين لا يتساوون في كمية الأحاديث التي يروونها، وكمية ما يؤمنون بصحته، بل يتفاوتون بين مقلّ ومكثر، وبين متساهل في الحكم بالصحة، ومتشدِّد لا يصحح إلا إذا توفرت شروط كثيرة، وعلى هذا الأساس تختلف الأحاديث بحسب ما اتفقوا على روايته وما لم يَروِه إلاّ بعضهم، وتختلف أيضاً بحسب ما اتفقوا على صحته وما اختلفوا فيه.
ويجب التنبّه إلى أنّ (المدرسة الأشعرية) وإن قامت على أساس رفض الفكر الاعتزالي والرجوع إلى السُّنة، إلاّ أنّ الدراسة الواعية والمستوعبة لها لتنتهي إلى أنّ أبا الحسن الأشعري، علي بن إسماعيل بن أبي بشر، البصري (260/874، أو 270/883، 324/936) إمام الأشاعرة إنّما اختلف مع أساتذته المعتزلة، في أنّهم ـ حسب رأيه ـ كانوا يرفضون ما خالف آراءهم وإن دلَّ عليه الكتاب أو السّنة الصحيحة في رأيه، ومحاولة الأشعري إنّما ترتكز على إيجاد الملاءمة لا الرفض. وليس هنا مجال للتبسّط في هذا البحث وإعطاء الأدلة عليه.
3 ـ نماذج من آراء المحدثين
ولا أتكلم هنا عن الأحاديث التي وصلتنا من طرق إخواننا غير الشيعية، وبإمكان الباحث أن يجدها مجموعة مستوفاة في المصادر التالية:
1 ـ محمد بن إسماعيل، أبو عبدالله البخاري (194/810 ـ 256/870 ): «خلق أفعال العبادة».
2- أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبدالله الشيباني (164/780 – 241/855) إمام الحنابلة: «الرد على الجهمية والزنادقة».
3 ـ أبو عبد الرحمن، عبدالله بن أحمد بن حنبل (213/828 ـ 288/901): «السنَّة».
4 ـ أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر الخلاّل البغدادي، الحنبلي (234/848ـ 311/923) شيخ الحنابلة في عصره: «السُّنَّة».
5 ـ عثمان بن سعيد، أبو سعيد الدارمي (ح199/ 815ـ280/894): «الردّ على الجهمية» و«الرد على بِشْر المرِّيسيّ».
6 ـ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السُّلَمي، النيسابوري (223/838ـ311/924): «التوحيد وإثبات صفات الرب».
7 ـ أبو بكر محمد بن الحسين بن عبدالله الآجُرِيّ الشافعي، البغدادي (ح280/893ـ 360/970): «الشريعة».
وللرجوع إلى تأويل الأشاعرة يراجع:
1 ـ أبو بكر، محمد بن الحسن بن فُورَك الأصبهاني، الأشعري، الشافعي (406/1015): «مشكل الحديث».
2 ـ أحمد (حَمَد) بن محمد بن إبراهيم، أبو سليمان الخطّابي، البُسْتي، الأشعري، الشافعي (319/931ـ388/998) وقد حكى الكثير منها البيهقي الآتي.
3 ـ أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر البيهقي، الأشعري، الشافعي (384/994ـ 458/1066): «الأسماء والصفات» و«الاعتقاد».
4 ـ علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي، الأشعري، الشافعي (499/1105 ـ 571/1176): «تبيين كذب المفتري في ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري».
وكلّ هذه المصادر مطبوعة، وآراء الخطّابي قد حكاها البيهقي. وإنّما أعرض نماذج من آراء أصحاب الحديث، وأتناسى من كان منهم إمام مذهب كإمام الحنابلة أحمد بن حنبل الذي تكون آراؤه وعقائده الحجر الأساس لعقائد ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحرّاني الحنبلي (661/1263 ـ 728/1328) ومحمد بن عبد الوهاب النجدي الحنبلي (1115/1703ـ 1206/1793) إمامَي السلفية وداعِيتيها، كما يسمّون بها أنفسهم، أو (الوهابية) كما يسمّيهم غيرهم، كما وتجنَّبتُ غيره من أئمة المذاهب. وعذري في هذا: تجنّبي أن ينسبني ناسب إلى خُلُق لا أريد لنفسي أن يُنْسب إليّ. ويكفي الباحث في دراسة آراء الحنابلة وغيرهم الرجوع إلى المصادر المتقدّم ذكرها، وبالنسبة إلى الدفاع عن أحمد بن حنبل الرجوع إلى المصدرين التاليين:
1 ـ عبد الرحمن بن علي بن محمد، أبو الفرج بن الجَوزي البغدادي، الحنبلي (508/ 1114 ـ 597/1201): «دَفْع شُبَه التشبيه بأكفّ التنزيه».
2 ـ أبو بكر محمد بن عبد المؤمن، تقي الدين الحِصْني، الدِّمشقي، الأشعري، الشافعي (752/ 1351 ـ 829/1426): «دَفْع شُبَه من شَبَّه وتمرَّد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد».
قال أبو الفرج بن الجوزي:
«واعلم أنّ عموم المحدِّثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات الباري سبحانه على مقتضى الحس فشبَّهوا، لأنّهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى الحكم…» ([437]).
وقال أيضاً: «واعلم أنّ الناس في أخبار الصِّفات على ثلاث مراتب: (إحداها) إمرارها على ما جاءت من غير تفسير ولا تأويل، إلاّ أن تقع ضرورة كقوله تعالى: {وجاء ربّك}([438]) أي: جاء أمره، وهذا مذهب السلف. (والمرتبة الثانية) التأويل، وهو مقام خطر. (والمرتبة الثالثة) القول فيها بمقتضى الحس، وقد عمّ جهلة الناقلين([439])، إذ ليس لهم حظ من علوم المعقولات التي يُعرف بها ما يجوز على الله تعالى وما يستحيل، فإنَّ علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه، فإذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضى الحس»([440]).
وقال تقي الدين، ابن تيمية، راداً على من قال: إنّ أكثر الحنابلة مجسَّمة ومشبَّهة:
«المُشبِّهة والمجسِّمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، فهؤلاء أصناف الأكراد، كلهم شافعية، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر، وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية، وأمّا الحنبلية المَحْضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم، والكرامية كلُّهم حنفية»([441]).
ولست أقرُّ ابن تيمية على دفاعه عن أهل مذهبه ولكنّي أسكت عنه.
ومعذرةً إلى إخواننا الأكراد الذين قال فيهم ابن تيمية ما قال، فإنّهم يعرفونه كما أعرفه، وأمّا أهل جيلان فقد زالت عنهم الشافعية والحنبلية منذ قرون، وهم اليوم كلّهم شيعة.
4 ـ نماذج مختارة
وكنموذج لما أشار إليه ابن الجوزي في كلامه عن المحدِّثين أختار ثلاثة لم يكونوا من الحنابلة الصرحاء، وأقدّم لكل منهم بعض الترجمة كي لا يتّهمني متّهم بأنّي عثرت على مغمورين خاملين لم يكونوا ذوي شأن عند المحدِّثين:
1 ـ إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلد بن إبراهيم، أبو يعقوب الحنظلي المروزي، ابن راهويه النيسابوري (161/778ـ238/853).
قال الخطيب: كان أحد أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين، اجتمع له الحديث والفقه، والحفظ والصدق، والورع، والزهد، ورحل إلى العراق، والحجاز، واليمن، والشام… وورد بغداد وجالس حفّاظ أهلها، وذاكرهم، وعاد إلى خراسان فاستوطن نيسابور إلى أن توفي بها، وانتشر علمه عند الخراسانيين.
وهكذا قال المزي والسبكي.
وهو شيخ البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وبقية بن الوليد، ويحيى بن آدم ـ وهما من شيوخه ـ وأحمد بن حنبل، وإسحاق الكوسج، ومحمد بن رافع، ويحيى بن مَعين ـ وهؤلاء من أقرانه ـ وجماعة.
قال نعيم بن حمّاد: إذا رأيت العراقيّ يتكلم في أحمد بن حنبل فاتّهمه في دينه، وإذا رأيت الخراسانيَّ يتكلم في إسحاق بن راهويه فاتهمه في دينه. وقال النسائي: أحد الأئمة، ثقة مأمون. وقال أحمد بن حنبل: إذا حدّثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسّك به. وقال أبو حاتم: إمام من أئمة المسلمين. وقال ابن حبان: وكان إسحاق من سادات زمانه فقهاً، وعلماً، وحفظاً، ونظراً، ممّن صنّف الكتب، وفرّع السنن، وذبّ عنها، وقَمَعَ من خالفها، وقبره مشهور يزار. وقال أبو عبدالله الحاكم: إمام عصره في الحفظ والفتوى. وقال أبو نعيم الأصبهاني: كان إسحاق قرين أحمد بن حنبل وكان للآثار مثيراً، ولأهل الزيغ مبيراً.
وقال الذهبي: الإمام الكبير، شيخ المشرق، سيد الحفّاظ، قد كان مع حفظه إماماً في التفسير، رأساً في الفقه، من أئمة الاجتهاد([442]).
أبو عيسى الترمذي ـ بعد أن أخرج الروايات التي تقول: إنّ الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه… الحديث ـ قال: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تَثْبُتُ الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يُتوهَّم، ولا يقال: كيف؟
هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك أنّهم قالوا في هذه الأحاديث: ففسَّروها على غير ما فسَّر أهل العلم، وقالوا: إنّ الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنّ معنى اليد ها هنا القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم([443]): إنّما يكون التشيبه إذا قال: يدٌ كَيَدٍ، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع، فهذا التشبيه. وأما إذا قال ـ كما قال الله تعالى ـ: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول مثل سَمْع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير}([444]).
2 ـ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السُّلمي النيسابوري (223/838ـ311/924) قالوا عنه: إنّه كان إمام نيسابور في عصره، فقيهاً، مجتهداً، بَحْراً من بحور العلم، اتفق أهل عصره على تقدمه في العلم، ولقّبه الصفدي، واليافعي، والذهبي، والسبكي، وابن الجَزري، والسيوطي، وابن عبد الحي بإمام الأئمة. وقال الدارقطني: كان إماماً معدوم النظير. وقال ابن كثير: هو من المجتهدين في دين الإسلام. وذكروا له الكرامات. وقال السمعاني: وجماعة من المحدّثين يُنْسَبون إليه، يقال لكلّ واحد منهم خُزَيميّ فهو إمام مدرسة حديثية. وهذا بعض ما قيل فيه([445]).
أثبت ابن خزيمة الوجه لله سبحانه، وقال: «ليس معناه أن يُشْبه وجهه وجه الآدميين، وإلاَّ لكان كل قائل إنّ لبني آدم وجهاً، وللخنازير، والقردة، والكلاب… ـ إلى آخر ما عدّد من الحيوانات ـ وجوهاً، قد شبّه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب…» ([446]).
وذكر مثل هذا في العين، واليد، والكف، واليمين، وقال: «إنّ عيني الله لا تشبهان أي عين لغيره» وأضاف: «نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السُّفلى وما في السماوات العلى وما بينهما (…) ونزيد شرحاً وبياناً ونقول: عين الله عزَّ وجلَّ قديمة لم تزل باقية، ولا يزال محكومٌ لها بالبقاء منفيٌّ عنها الهلاك والفناء، وعيون بني آدم مُحدَثة، كانت عدماً غير مكوَّنة فكوَّنها الله وخلقها بكلامه الذي هو صفة من صفات ذاته…»([447]).
وقال: إنّ لله يَدين: «ويدان قديمتان لم تزالا باقيتين، وأيدي المخلوقين مُحْدَثة (…) فأي تشبيه!…)([448]) ونفى التأويل عن كل هذا، خاصة تأويل اليد بالنعمة أو القوة([449]).
وذكر «أنّ كلام ربنا عز وجل لا يُشبه كلام المخلوقين، لأنّ كلام الله كلام متواصل لا سَكْتَ بينه ولا سَمْتَ، لا ككلام الآدميين الذي يكون بين كلامه سكتٌ وسمتٌ لانقطاع النَّفس، أو التذاكر، أو العي…»([450]).
3 ـ عثمان بن سعيد، أبو سعيد الدارمي، التميمي، السجستاني (ح199/815ـ280/894) الإمام العلامة الحافظ، الناقد الحجة، وكان جذعاً وقدّى في أعين المبتدعة، قائماً بالسُّنَّة ثقة، حجة، ثبتاً. وقيل فيه: كان إماماً يُقتدى به في حياته وبعد مماته. ذكره الشافعية في طبقاتهم، وعدّه الحنابلة من أصحاب ابن حنبل([451]).
قال الدارمي بأنّ لله مكاناً، حدَّه، وهو العرش([452]) و«هو بائن من خَلْقه فوق عرشه بفُرجةٍ بينه في هواء الآخرة، حيث لا خَلق معه هناك غيره، ولا فوقه سماء»([453]) وقال: «قد أيَّنا له مكاناً واحداً، أعلى مكان، وأطهر مكان، وأشرف مكان: عرضه العظيم (…) فوق السماء السابعة العليا، حيث ليس معه هناك إنسٌ ولا جانٌ، ولا بجنبه حُشٌ، ولا مِرحاض، ولا شيطان. وزعمت أنت([454]) والمضلّون من زعمائك أنّه في كلّ مكان، وكلّ حشّ ومرحاض، وبجنب كلّ إنسان وجان! أفأنتم تشبّهونه إذ قلتم بالحلول في الأماكن أم نحن؟!»([455]).
وقال: «ولو لم يكن لله يدان بهما خلق آدم ومسّه مسيساً كما ادعيت، لم يجز أن يقال [لله]: بيدك الخير…» ([456]) وأحال في ذلك كل معنى أو تأويل من نعمة، أو قوة، إلاَّ اليدين([457]) [بما لهما من المعنى، وهو العضو الخاص المحسوس]، «وأنّ لله إصبعين، من غير تأويل بمعنى آخر»([458]) «والقدمان قدمان من غير تأويل»([459]) «غير أنا نقول، كما قال الله: {ويبقى وجه ربك}([460]): إنّه عنى به الوجه الذي هو الوجه عند المؤمنين، لا الأعمال الصالحة، ولا القِبلة…» ([461]) وإنّ نفي التشبيه إنّما هو بأن يكون لله كل هذا، ولكن لا يُشبه شيء منه شيئاً ممّا في المخلوقين»([462]).
وقد سُقت ما تقدّم كنماذج مختارة ممّا جاء عن أعلام المدرسة الحديثية غير الشيعية، ولا أعلق على شيء ممّا جاء فيها، غير أنّي أرى من الضروري أن أنبّه ـ ولو بصورة مختصرة جداً ـ أنّ المقصود بالتجسيم والتشبيه التي نفاهما النُفاة عن الله سبحانه، والتي دلّت الأدلة القطعية على نفيهما: أنّ القول بالجسمية أو ما يستلزم الجسمية، من الأعضاء والجوارح، والمكان، والزمان بمعانيها الحقيقية يلزم منه تشبيه الله سبحانه بالمخلوقين، وهذا التشبيه إنّما يكون في أصل الجسمية ولوازمها، لا في نوعيتها وكيفيتها. فالقول بأنّ لله ـ سبحانه ـ رأساً، أو بَطناً، مثلاً ـ تعالى الله عن ذلك ـ يلازم الجسمية وينتهي إلى أن يكون لله ـ عزَّ وجل ـ شبيهاً بالمخلوقين، سواء أكان رأسه أو بطنه يُشبه رؤوس من لهم رؤوس، أو بطون من لهم بطون، أو لا يشبه أيّاً من تلك الرؤوس والبطون، بل يمتاز عن جميعهم برأس لا يُشبه رؤوسهم، وبطن لا يشبه بطونهم، وهكذا، غير الرأس والبطن…
بالإضافة إلى أنّ الحديث الذي يروونه وقد التزموا بصحته ـ وسيأتي ذكره بمصادره ـ: «إن الله خلق آدم على صورته» عند من يفسره بصورة الله، سبحانه، والحديث الآخر: إنّ آدم خلق على صورة الرحمن، لا يرجعان إلى القول بأنّ لله صورةً ووجهاً فحسب، بل إنّ صورته ووجهه تشبهان وجه آدم وصورته، فتشبهان وجوه بني آدم وصورهم.
5 ـ ونموذج شيعي:
وشيخنا الصدوق علم بارز من علماء الحديث والرواية الشيعيين، وكان من أسرة اشتهرت بعلم الحديث وتحمله. وقد أخذ عن شيوخ المحدثين وأعلامهم، وقد سار هو على هديهم واستنّ بسنّتهم، وكل ما يقوله إنّما يمثل ما اتفق عليه علماء الحديث الشيعة ـ وخاصة مدرسة القميين منهم ـ، أو أخذ به معظمهم ـ على أقل التقادير ـ إلاّ في موارد قليلة، كقوله بسهو النبي (صلّى الله علي وآله) في الصلاة، الذي تبع فيه شيخه محمد بن الحسن بن الوليد، والذي لم يقرّه عليه معظم العلماء، محدثين وغير محدثين.
والدراسة المقارنة بين (اعتقادات الشيعة)، وما علَّق عليه الشيخ المفيد في (تصحيح الاعتقاد) لتكشف عن الاتفاق في أصول العقيدة وتفاصيلها بين ما يسمّى بالمدرسة الحديثية والمدرسة الكلامية الشيعيتين، إلاّ في موارد اختلفتا فيها، وهي قليلة جداً، إن قيست بالنسبة إلى موارد الاتفاق. نعم: الفارق إنّما يكون في نوعية الاستدلال، وكيفية سوق الدليل والبرهنة على الرأي الاعتقادي.
وتكشف أيضاً: أنّ هذا نقد المتكلمين الشيعة للأحاديث التي يعتمد عليها المحدثون لا يكون نابعاً أوّلاً وبالذات من موقفهم العقائدي، ومخالفتها لأحكامهم الكلامية، وإنّما يرتكز على موازين نقد الحديث الذي يأخذ به كل محدث، من الطعن في سند الحديث بتجريح رواته وأنّ فيهم من لا يصح الاعتماد عليه، أو التشكيك في دلالته، أو طرحه لمعارضة دليل أقوى له من آية كريمة أو حديث أقوى منه سنداً أو أصرح منه دلالة.
على العكس ممّا تتهم به المدرسة الحديثية غير الشيعية جمهور أصحاب الكلام من جهمية، ومعتزلة، ومرجئة، وغيرهم: بأنّهم يردون آي الذكر الحكيم والسُّنة النبوية الثابتة جملةً وتفصيلاً، إن خالفت ما ذهبوا إليه من الآراء الكلامية.
ولعل السر في هذا الفارق بين سلوك المدرستين الحديثيتين، الشيعية وغير الشيعية يعود أولاً: إلى الفرق بين طبيعة الحديث الشيعي، وبين الحديث غير الشيعي، كما سنشير إليه، وثانياً: إلى أنّ المتكلمين الشيعة يمتازون عن غير الشيعة، بأنّه قلّ ما يوجد متكلم شيعي إلاّ وكان أيضاً من حملة الحديث وعلومه، فكان يجمع الميزتين، مشاركاً فيهما، لا أنّه إن كان يختص بالحديث، كان يجهل الكلام بل يقف منه موقف الخصومة والعداء، وإن كان متجهاً إلى الكلام ومسائله فإنّه كان يجد نفسه في غنى من الحديث وتحمله وروايته، كما قالوا عن غيرهم.
وإنّ دراسة الكتاب الآخر للشيخ المفيد: (أوائل المقالات في المذاهب والمختارات) لتكشف عن نقاط الخلاف بين علماء الشيعة إلى عصر المفيد، سواء كانوا علماء حديث وفقه فحسب، أم علماء كلام فحسب ـ ولم أجد فيه مثالاً لهؤلاء إلاّ بعض بني نَوْبَخْت ـ، أم الذين جمعوا بين الأمرين،ونقاط الخلاف هذه قليلة جداً إن قيست بما اتفقوا عليه. وتكشف أيضاً عن نقاط الخلاف بينهم وبين غيرهم من فرق المسلمين البارزين إلى عصر المفيد.
ومهما يكن، فقد كنت أعددت العدّة لبحث مفصَّل أقارن فيه بين كتابي الصدوق والمفيد، ولكنّي هنا ـ ولا يسع المجال لذلك ـ أكتفي بالنتائج التي انتهى إليها باحث غربي، وهو الأستاذ (مارتن مكدرموت) في كتابه: (نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد) وأقتطع منه مقاطع صغيرة، قال:
«كان ابن بابويه (الصدوق) محدثاً، وإذا أراد أن يحل مشكلة أو يجيب عن مسألة، فإنّه بدل أن يأتي من نفسه بدليل (بفكرة)، فإنّه كان يحب أن يروي حديثاً، وحتّى أنّ رسالته الاعتقادية (رسالة الاعتقادات)([463]) أكثر ما جاء فيها إنّما هي أحاديث اتصل بعضها ببعض. ومع كل هذا فإنّه كان يعتقد بالأحكام والآراء التي كان يعتقد بها المتكلمون، وإذا واجه حديثاً يكون ظاهره مخالفاً للآراء الكلامية، مثلاً فيما يرجع إلى التوحيد، أو العدل الإلهي، فإنّه كان يصوغ بنفسه تفسيراً أو تعبيراً يلائم به الحديث المبحوث عنه مع الحكم الكلامي.
وهذه الجهة هي الفارق بين ابن بابويه وتلميذه المفيد الذي كان متكلماً ومحدثاً. فإنّ المفيد إذا واجه أمراً يمكن إثباته عن كلا طريقي الوحي، والاستدلال العقلي، فإنّه كان يفضّل البرهان العقلي، ويجعل الحديث أو النص القرآني برهاناً مكمّلاً له.
لأنّ أكثر الآراء الكلامية التي أخذ بها ابن بابويه تتفق مع ما ارتآه تلميذه المفيد (…) ـ ثم يستعرض نقاط الخلاف بينهما، الأمر الذي يلمسه القارئ للكتابين بنفسه، فيقول: إنّ ابن بابويه محدّث يُشبه في بعض آرائه مع المعتزلة في آرائها وأحكامها، والشيخ المفيد متكلم وفي الحال نفسها محدِّث، وأنظاره التي تتفق في الأساس مع أنظار ابن بابويه قد سلكت شوطاً أبعد في الاتجاه الاعتزالي»([464]).
ولا أعلق هنا على كلام (مكدرموت) بشيء، وسيجد القارئ الكريم بعض الاختلاف في وجهات النظر والاستنتاج فيما سيستقبله من البحوث.
6 ـ مثال آخر للفرق بين الشيعة
وغيرهم في هذا المجال:
وسيأتي الكلام عن الهشامين، هشام بن الحكم وهشام بن سالم، اللذين اتهما بالتجسيم والتشبيه. وأمّا غيرهما وغير من ذكر اسمه إلى جنبهما فلا أنفي أنّه كان في الشيعة من يقول بالجبر والتشبيه، أو اتُّهم بهما، ولكنهم قليلون جداً. ومن الطبيعي بالنسبة إلى جميع الفرق، وفي تجميع التجمعات الفكرية أو العقائدية أن يشذّ فرد أو أفراد، فينفردون بآراء ومعتقدات لا يرتضيها التجمع الذي ينتمون إليه، ولا يصح الحكم على المجموعة نفسها بأحكام منتزعة من مواقف هؤلاء إلاَّ إذا بلغوا من الكثرة أو البروز والتفوق، الحد الذي يصبحون وجهاً لطائفتهم وعنواناً لها.
ونموذج آخر يشهد لما قلت، وهو دراسة شروح الكافي، فيما يرجع إلى أحاديث التوحيد الواردة في كتاب التوحيد: فإنّ هناك من شروح الكافي الكثيرة شروحاً أربعة مطبوعة كلها، لعلماء أربعة متعاصرين، وهم:
1 ـ صدر الدين، محمد بن إبراهيم بن يحيى القوامي، الشيرازي، صدر المتألهين (979/1571ـ 1050/1640): «شرح الكافي» الذي وصل به إلى أوائل كتاب الحجة من أصول الكافي.
2 ـ محمد صالح بن أحمد المازندراني (0000 ـ 1086/1675) العالم والمحدّث الشهير: «شرح أصول الكافي والروضة».
3 ـ الفَيْض الكاشاني، محمد محسن (1010/1599 ـ 1091/1690) في تعاليقه على أحاديث توحيد الكافي في كتابه «الوافي».
4 ـ المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي (1037/1628ـ1110/1699): «مرآة العقول» شرحه للكافي بأجمعه.
وهؤلاء الأربعة مختلفون بحسب اتجاهاتهم الفكرية ومشاركتهم في العلوم وتخصصهم في فروعه. ففيهم من يُعدّ من الأقطاب البارزين في الفلسفة الإسلامية وصاحب مدرسة شهيرة فيها كصدر المتألهين، وفيهم من جمع بين الفلسفة والفقه والحديث كالفيض، ومن اتجه إلى العناية بالحديث وعلومه كالمجلسي وصهره المازندراني. فإنّ دراسة شروح هؤلاء ومواقفهم من الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، في التوحيد والعدل لتعطي أقوى الشواهد على ما قلته من أنّ الشيعة، مهما اختلفت اتجاهاتهم، لم تختلف آراؤهم فيما يرجع إلى أصول العقيدة.
والسر في ذلك يعود بالدرجة الأولى على طبيعة الحديث الشيعي نفسه وأنّه يختلف عن الحديث غير الشيعي. وذلك أنّ الاحاديث التي رويت من طرق غير الشيعة ـ وقد قدمت أسماء الكتب التي تجمع هذه الأحاديث، والتي تتناول تفسيرها، وتأويل ما يحتاج منها إلى التأويل ـ لا تحمل في طياتها ما ينفي التجسيم والتشبيه والجبر، بينما تتوفر فيها الأحاديث التي يكون ظاهرها إثبات التجسيم، والتشبيه والجبر، وهي كثيرة جداً، فلم يجد المؤوِّلون ـ إلى جنب الأحاديث المثبتة ـ أحاديث تنفي بصورة مباشرة، تمكّنهم من حل المشكلة عن طريق تفسير الحديث بالحديث، وتأويل ما ظاهره الإثبات بما يكون نصاً في النفي، فاضطروا إلى اللجوء إلى طرق أخر من التأويل.
ويظهر هذا بوضوح من صنيع ابن فورك، والخطابي، والبيهقي ـ الذين تقدم ذكرهم ـ وما صنعه أبو المعالي الجويني، عبد الملك بن عبدالله النيسابوري الشافعي (419/1028 ـ 478/1085) المتكلم الأشعري الشهير في كتبه الكلامية، وفخر الدين الرازي، محمد بن عمر الشافعي (544/1150 ـ 606/1210) الإمام المتكلم والمفسر الأشعري الشهير، في تفسيره الشهير وكتبه الكلامية. وما ذكره من التأويل ابن الجوزي، وتقي الدين الحصني في كتابيهما اللذين تقدم ذكرهما. فإنّ دراسة هذه التأويلات لتقدِّم أقوى الأدلة على ما قلناه.
والحال في الحديث الشيعي على النقيض من هذا، فإنّ أحاديث التوحيد والعدل قد ذكرت في «كتاب التوحيد» من «الكافي» للكليني «كتاب التوحيد» للشيخ الصدوق، و«كتاب التوحيد والعدل» من الموسوعة الحديثية الشهيرة «بحار الأنوار» للمجلسي، والذي استوعب هذا الأخير كل ما ورد في مصادر الشيعة مسنداً أو مرسلاً، صحّ سنده أو لم يصح، وجاء في الطبعة الحديثة من البحار في ستة أجزاء (ج3 ـ ج8). ومن يرجع إليها لا يجد الحال فيها ما يجدها عند غيرهم، بل هي مليئة بالأحاديث الصحيحة، بل المتواترة، إجمالاً، أو معنىً، الدالة بصراحة على نفي التشبيه، والتجسيم، والجبر، خاصة دلالتها على بقية ما تعتقده الشيعة في أمر التوحيد والعدل، سواء الذي امتازت به أم الذي اشتركت فيه مع غيرها من المسلمين. ولأجل هذا لم يجد الكليني والصدوق، للدلالة على النفي، أي عناء سوى سوق الأحاديث الكثيرة الدالة عليه بصراحة ووضوح.
نعم، كل ما هناك ما أشار إليه شيخنا الصدوق في فاتحة «كتاب التوحيد» حيث قال:
«إنّ الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا أنّي وجدت قوماً من المخالفين لنا ينسبون عصابتنا إلى القول بالتشبيه والجبر، لما وجدوا في كتبهم من الأخبار التي جهلوا تفسيرها ولم يعرفوا معانيها، ووضعوها في غير مواضعها، ولم يقابلوا بألفاظها ألفاظ القرآن [أي جاء فيها ما جاء في القرآن الكريم من ألفاظ وتعابير، فإن كان القرآن الكريم دالاً على التشبيه والجبر فهي دالة أيضاً، وإن لم يقولوا بدلالة القرآن على ذلك فكيف قالوا بدلالة تلك الأحاديث] فقبَّحوا بذلك عند الجهّال مذهبنا، ولبَّسوا عليهم طريقتنا، وصدُّوا الناس عن دين الله، وحملوهم على جحود حجج الله، فتقرَّبت إلى الله، تعالى ذكره، بتصنيف هذا الكتاب في التوحيد ونفي التشبيه والجبر…» ([465]).
وخلاصة الكلام أنّ الشيعة إن دُرست عقيدتها على ضوء ما ورثته من أحاديث الأئمة (عليهم السلام)، فإنّ هذه الدراسة لتكشف بوضوح أنّ ما تعتقده إنّما ينبع من تلك الأحاديث، والأحاديث نفسها تتّفق في مضمونها بين التي روتها عن أوّل أئمتها، أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبين التي جاءتها من الإمام الحادي عشر أو الحجة المنتظر (عليه السلام)، مثلاً، وأساس ذلك يرجع إلى أنّ الشيعة بعد أن دانت بالإمامة والتزمت بطاعة الأئمة (عليهم السلام) ـ كما قدَّمت في مدلول الإمامة عند الشيعة ـ فإنّها قد أخذت عقائدها منهم كما أخذت أحكامها، ودراسة الكتابين؛ «اعتقادات الإمامية» للصدوق، و«تصحيح الاعتقاد» للمفيد كافية في إثبات ذلك، خاصة بعد أن كان كتاب الصدوق لا يتعدّى عن سرد مضامين الآيات والأحاديث، بل بنفس الألفاظ والتعابير، كما قدَّمناه.
فالقول بأنّ الشيعة أخذت عن المعتزلة وتأثّرت بهم فيما اتفقت معهم في العقيدة لا أقول فيه سوى إنّه باطل لا أساس له من الصحة جملة وتفصيلاً، ولا سند له من دراسة عقائد الشيعة والأسس التي قامت عليها تلك العقائد. والسؤال الذي يكون وجيهاً ـ والحال هذه ـ: هل غيرها أخذ عقيدته من أئمتها؟ ولا أحاول هنا أن أبحث عن هذا الجانب ولكنّي أشير إلى أنّ الكعبي البلخي، والقاضي عبد الجبار، وابن المرتضى، ونشوان الحِميري يسندون مذهب المعتزلة في العدل والتوحيد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)([466]).
[ابن] النديم: «أسماء من أخذ عنه العدل والتوحيد»: قرأت بخط أبي عبدالله بن عبدوس؛ قال أبو الحسن أحمد بن يحيى بن علي بن يحيى المنجّم، أخبرني أبي، وأخبرني عمي أحمد، وعمي هارون، قالوا: حدثّنا أبو يعلى زُرْقان ـ واسمه محمد بن شداد، صاحب أبي الهذيل ـ قال: حدّثنا أبو الهذيل العلاف، محمد بن الهذيل، قال:
أخذت هذا الذي أنا عليه من العدل والتوحيد، عن عثمان الطويل ـ وكان معلّم أبي الهذيل ـ قال أبو الهذيل: وأخبرني عثمان أنّه أخذه عن واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً أخذه عن أبي هاشم عبدالله بن محمد ابن الحنفية، وأنّ عبدالله أخذه من [؟] أبيه محمد ابن الحنفية، وأنّ محمداً أخبره أنّه أخذه عن أبيه علي (صلّى الله عليه وآله) وأنّ أباه أخذه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأنّ رسول الله أخبره أنّ جبرئيل نزل به عن الله جلَّ وتعالى.
وقال الذهبي: قال زُرقان([467]): حدَّثنا أبو الهذيل العلاّف، قال:
أخذت ما أنا عليه من العدل والتوحيد عن عثمان الطويل، وأخبرني أنّه أخذه عن واصل بن عطاء، وأخذه عن عبدالله بن محمد ابن الحنفية، وأخذه من أبيه، وأخبره أنّه أخذه عن أبيه علي، وأنّه أخذه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأخبره أنّ جبريل نَزَل به عن الله تعالى. رواه جماعةٌ عن زُرقان([468]).
ويجب أن ننبّه إلى أنّ ما جاء في «اعتقادات الإمامية» ولم يعلق عليه المفيد، أو الذي أقرّه المفيد عليه، وهكذا المناقشات التي ذكرها المفيد والنقاط التي لم يقبلها أو لم يرض بالدليل الذي ذكره الصدوق لها، ليس مدلول كل ذلك أن غيرهما من علماء الشيعة يتفق مع أحدهما أو معهما في الرأي، أو يرضى بصحة الدليل أو يقر دلالته على ما يقولانه، أو يقر بمناقشة المفيد ويرتضيها. ومن الطبيعي أنّ هذا الجانب من الكتابين إنّما يختص بالتفاصيل التي جاءت فيهما، لا في أصول العقيدة التي تتفق عليها الشيعة بأجمعها.
7 ـ نموذج من الحديث الشيعي:
ومثال واحد أذكره من مئات الأمثلة التي تدل على طبيعة الحديث الشيعي، وإبائه عن أن تستقر في نفس من يؤمن به نزعة التجسيم والتشبيه أو الجبر ما روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله (عليه السلام) في خطبته الشهيرة، وهذه الخطبة ذكرها الشريف الرضي، أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي (359/970 ـ 406/1015) في «نهج البلاغة» ورواها من محدثي الإمامية ممّن سبق الشريف الرضي، الشيخ الصدوق (ح306/919 ـ 381/991) في «كتاب التوحيد»([469]) روى قطعة كبيرة من أولها، وألفاظها فيها بعض الاختلاف عما في النهج، وشرح بعض ما جاء فيها. ورواها أيضاً أبو النضر محمد بن مسعود السُّلمي العياشي (؟ ـ ح320/932) وأخرج قسماً منها في (التفسير([470]). وكلّ هؤلاء ينتهي السند عندهم إلى مسعدة بن صدقة وهو رواها عن الإمام الصادق، عن أبيه (عليه السلام). وهو أبو محمد مسعدة بن صدقة العبدي، من أصحاب الصادق والكاظم (عليهم السلام) له: «كتاب خطب أمير المؤمنين (عليه السلام)»([471]).
ورواها محدثو الزيدية، فرواها يحيى بن الحسين الحسني، الناطق بالحق، الإمام الزيدي (340/952 ـ 424/1033) بسند آخر ينتهي إلى زيد بن أسلم ـ وأرى أنّ هذا تصحيف، والصحيح: زيد بن وهب، وهو الجهني ( ـ 96/715) من كبار التابعين، ومن أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، له: «كتاب خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر في الجُمع والأعياد وغيرها»([472]) رواها مباشرة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولفظه قريب من لفظ الصدوق، وإن كان السند مغايراً([473]).
وذكرها أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي المالكي (246/860 ـ 328/940) في العقد الفريد([474]).
وهذه الخطبة خطبها أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة، وذلك: أنّ رجلاً قال له ـ وهو يخطب ـ صِف لنا ربنا مثل ما نراه عياناً (…) فغضب (عليه السلام)، ونادى الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس حتّى غصَّ المسجد بأهله، فقال ـ في جملة ما قال، وأنا أذكر رواية الشريف الرضي ـ:
فأشهدُ أنَّ من شَبَّهكَ بِتبايُن أعضاء خلقك، وتَلاحم حِقاقِ مفاصِلهم المُحتجبة لتدبير حكمتك، لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يُباشر قلبه اليقينُ بأنّه لا نِدَّ لك، وكأنّه لم يسمع تبرُّؤ التّابعين عن المتبوعين، إذ يقولون: {تالله إن كنّا لفي ضلال مبين * إذ نسوّيكم برب العالمين}([475]) كَذَب العادلون بك، إذ شبَّهوك بأصنامهم، ونَحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزَّؤوك تجزئة المجسَّمات بخواطرهم، وقدَّروك على الخِلقة المختلقة القوى بقرائح عقولهم.
وأشهدُ أنَّ من ساواك بشيءٍ من خَلقك فقد عدَل بك، والعادلُ بك كافرٌ بما تنزَّلت به محكَماتُ آياتك، ونَطقت عنه شواهد حجج بيِّناتك، وإنّك أنت الله الذي لم تَتَناهَ في العُقول، فتكون في مهبِّ فكرها مكيّفاً، ولا في رويَّات خواطرها محدوداً مُصَرَّفاً… ([476]).
ولا أريد أن أشرح هذه الفقرة من الخطبة والتي يشير فيها الإمام (عليه السلام)، إلى أسباب حدوث التشبيه والتجسيم عند المسلمين في نشأته الأولى «إذ شبَّهوك بأصنامهم…» وإنّما أقول: إنّ مَن يؤمن بهذا الكلام ـ وبغيره من أحاديث أئمة آل البيت (عليهم السلام) ـ كنصّ صادر من إمام معصوم، له من الطاعة ما لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ليس من الطبيعي إذن، إلاَّ في حالات شاذة، أن يقول بالتشبيه والتجسيم إلاَّ بصورة لاشعورية… قال القاضي عبد الجبار المعتزلي الشافعي:
«فأمّا أمير المؤمنين (عليه السلام) فخطبه في بيان نفي التشبيه، وفي إثبات العدل أكثر من أن تحصى…»([477]).
وقال أيضاً: «وأنت إذا نظرت في خطب أمير المؤمنين وجدْتها مشحونةً بنفي الرؤية عن الله تعالى»([478]).
8 ـ لكن الخصوم اتهموا الشيعة
بما يبرأ الحديث الشيعي منه:
ومهما يكن فإنّ أخف جوانب الاتهام الذي وجّهه إلى الشيعة خصومهم، هو ما تقدّم من أنّ الشيعة كانوا في بداية أمرهم ـ وإلى عصور تلتها ـ كانوا قد حصروا أنفسهم وعقائدهم في حدود المداليل اللفظية للكتاب والسُّنة، ولم يتعدوا ذلك إلى المجال العقلي والاعتماد على العقل كمصدر لشرح العقيدة وتوجيهها، والاستعانة به في الاستدلال على إثباتها وردّ شبه خصومها، وإبطال حججهم.
ولكنّ خصوم الشيعة لم يقفوا عند هذا الحد، بل تجاوزوه إلى اتهام الشيعة، بأنّهم قبل اتصالهم بالمعتزلة:
1 ـ كانوا يقولون بالتجسيم والتشبيه الصريحين.
2 ـ لم يكونوا يقولون بالعدل كأصل ديني له خصائصه ومسلتزماته.
3 ـ لم يكونوا يعرفون الفروق الدقيقة والبحوث النظرية الراجعة إلى التوحيد والعدل، والتي أشرت إليها بإجمال عند الكلام عن عقائد الشيعة، ولم يكونوا على علم بالجهات التي تفرّق بين صفات الذات وصفات الفعل ـ مثلاً ـ إذ لم يكونوا بعد قد اعتمدوا على البحوث العقلية التي تنتهي إلى استكشاف تلك الأسس الدقيقة وتركيز تلك التفاصيل عليها.
4 ـ كانوا يقولون بالجبر ـ بل والشديد منه ـ.
يقول أبو الحسين الخيّاط المعتزلي:
«وأمّا جملة قول الرافضة، فهو: إنّ الله عزَّ وجلَّ ذو قَدٍ، وصورة، وحدّ، يتحرّك ويسكن، ويدنو ويبعد، ويخف ويثقل…» هذا توحيد الرافضة بأسرها، إلاَّ نفراً منهم يسيراً صحبوا المعتزلة واعتقدوا التوحيد، فنفتهم الرافضة عنهم، وتبرَّأت منهم، فأما جُملَتهم ومشايخهم، مثل: هشام بن سالم، وشيطان الطاق، وعليّ بن ميثم، وهشام بن الحكم، وعليّ بن منصور، والسكّاك، فقولهم ما حكيت عنهم…»([479]).
ويحكي (م. مكدرموت) عن ابن تيمية: أنّ القول بالعدل الإلهي قد أخذه متأخرو الشيعة [كالمفيد (336/948 ـ 413/1022)] [والموسوي الشريف المرتضى (355/966 ـ 436/1044)] [والكَرَاجِكيّ (ح369/980 ـ 449/1057)] ولا أثر له فيمن تقدمهم من الشيعة. ويأخذ عليه (مكدرموت) بأن الخيّاط يشير إلى وجود أقلية اتصلت بالمعتزلة فتأثرت بعقائدهم، وهكذا الأشعري يذكر مثل ذلك في مقالاته. ويمثِّل لهم (مكدرموت) بالنَّوْبختيين الذين كانوا في أواخر القرن الثالث [أوائل القرن العاشر الميلادي]([480]).
«كان المفيد قد ورث تراثين: الأول ما ورثه من متكلمي الشيعة الأوائل، وخاصة النوبختيين الذين كانوا في أواخر القرن الثالث على اتصال بالمعتزلة، والثاني المدرسة القمية لأصحاب الحديث والتي كان يمثلها ابن بابويه القمي [الصدوق]…)([481]).
ولكنّ شمس الدين الذهبي صاحب ابن تيمية (673/1274 ـ 748/1348) يتقدّم بالزمان على ما قرّره زميله فيقول: «ومن حدود سنة 370 [980] إلى زماننا تصادق الرفض والاعتزال وتواخيا»([482]) ولكن ابن حجر العسقلاني لا يقره على هذا التحديد التأريخي ويقول:«ليس كما قال، بل لم يزالا متواخيين من زمن المأمون [الخليفة العباسي (170/786 ـ الخلافة 198/813 ـ 218/833)]»([483]).
وأتغافل أنا عن كل هذه الأقوال، وأعني فحسب بالبحث عمّا استندوا إليه. وعمدتهم في ذلك كلّه إلى ما حكاه هؤلاء الخصوم عن بعض أعلام الشيعة والمتقدمين من محدثيهم ومتكلميهم، كالذين سمّاهم الخيّاط، من القول بالتجسيم والتشبيه الصريحين، بل والانتهاء فيهما إلى حد السُّخف وهُجر القول.
وأنا لا أطمع ـ ولا أرجو، بل أتمنى، كما يتمنّى المرء المحالات! ـ أنّ يعدِل هؤلاء الخصوم ـ الماضين منهم والمعاصرين ـ عن آرائهم، ولا أن يرجعوا عن ترديد اتهاماتهم، ولا أن يعيدوا النظر في أحكامهم، ولا أريد أن أذكر الأسباب التي جرَّتني إلى هذا المستوى الرفيع من حسن الظنِّ بهم وبعدالتهم وإنصافهم، ونزاهتهم عن الكذب والافتراء، و… و…
ولكنّي إيماناً منّي بالإنسانية ونزاهتها في الحكم، وبالباحث وتطلُّعه إلى كشف الحقائق، والأهم من هذا كلّه إيماناً منّي بالإسلام وما يفرضه على المسلم الصادق من سماع للقول أيّاً كان قائله ثمّ اتباع أحسنه، وإنصافٍ في الحكم أيّاً كان المُنتفع به، وقولٍ للحق وإن كان على نفسه، وخضوع لقول الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إنّ الله خبير بما عملون}([484]) إيماناً منّي بهذا كلّه أدرس هذا الجانب من الاتهام دراسة موجزة، وأخص بحثي بالهشامين، هشام بن الحكم، وهشام بن سالم لا أتعداهما، وعلى ما ينتهي إليه البحث عنهما من نتائج فقِسْ ما سواهما!
9 ـ هشام بن الحكم، بعض جوانب شخصيته:
أبو محمد، هشام بن الحكم الكندي، مولاهم، الكوفي، ثم البغدادي (ح 105/723 ـ 189/805) شيخ متكلمي الشيعة ورائدها.
ولد بالكوفة، ونشأ بواسط ـ وكلاهما من مدن العراق، ولا زالت الكوفة عامرة ـ ثم عاد إلى الكوفة فعاش بها، وكان له بها متجر ومتجر ببغداد، ثم تحول إلى بغداد سنة 179/796 فسكنها بصورة دائمة. لقي هشام الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، وعاش بعد الكاظم لكنّه لم يتمكن من لقاء الرضا (عليهم السلام). قال فيه علماء الشيعة:
«كان ثقة في الحديث، حسن التحقيق [أي المعرفة والثبات] في مذهبه، فقيهاً، متكلماً (…) حاذقاً بصناعة الكلام، حاضر الجواب. ورويت عن الأئمة، الصادق، والكاظم، والرضا، والجواد (عليهم السلام)، مدائح له جليلة، وأثنوا عليه ثناءً وافراً»([485]).
وقال شيخنا المفيد:
وبلغ من مرتبته وعلوّه عند أبي عبدالله جعفر بن محمد (عليه السلام) أنّه دخل عليه بمِنى وهو غلام، أوّل ما اختط عارضاه، وفي مجلسه شيوخ الشيعة كحُمران بن أعين، وقيس الماصر، ويونس بن يعقوب، وأبي جعفر الأحوال [مؤمن الطاق، وهشام بن سالم] فرفعه على جماعتهم، وليس فيهم إلاّ من هو أكبر سناً منه، فلما رأى أبو عبدالله (عليه السلام) أنّ ذلك الفعل قد كبر على أصحابه، قال: «هو ناصرنا بقلبه، ولسانه، ويده»([486]).
وبمثله قال ابن شهر آشوب، وأضاف:
«وقوله [الصادق] (عليه السلام): هشام بن الحاكم رائدُ حقِّنا، وسائق قولنا، المُؤيِّد لصدقنا، والدافعُ لباطل أعدائنا، من تَبِعَه وتَبع أثره تَبِعنا، ومَن خالفه وألحد فيه عادانا وألحد فينا»([487]).
كان هشام بن الحكم متكلماً، قوي الكلام، بصيراً بالحجة والجدل، حاضر البديهة، قويَّ الذاكرة، عميق المعرفة، واسع الثقافة، متعدد الجواب، كثير النشاط، مناظراً جَدِلاً، اتصل بعامة أصحاب المقالات، ومتكلمي الفرق مسلمين وغير مسلمين، وناظرهم، وتكلم معهم، بل وصادقهم، حتّى ضرب المثل بصداقته وحسن صحبته لمن يصادقه وإن تناقضت آراؤهما.
وهذا جانب من خلق هشام هامٌ جدّاً في تفهّم شخصيته. فإن أحدَ مَن صادقهم وبصداقته معه ضرب المثل هو: عبدالله بن يزيد الفَزَاري، الكوفي، المتكلم الإباضي، وكان هو وأصحابه أقرب فرق الخوارج إلى أهل السُّنَّة([488]). وكان من كبار الخوارج ومتكلميهم، ومؤلفي كتبهم، وذكروا له من الكتب: كتاب التوحيد، كتاب الرد على المعتزلة، كتاب الرد على الرافضة([489]).
«فكان عبدالله بن يزيد الإباضي من أصدق الناس لهشام بن الحكم، وكان يشاركه في التجارة»([490]) وجعلهما الجاحظ أفضل المتضادَّين ممّن «لم يجْر بينهم صُرْمٌ، ولا جَفْوة، ولا إعراض (…) فإنّهما صارا إلى المشاركة بعد الخلطة والمصاحبة (…) فهما أفضلا على سائر المتضادَّين بما صارا إليه من الشركة في جميع تجارتهما»([491]).
«وكان عبدالله بن يزيد الإباضي بالكوفة يختلف عليه أصحابه يأخذون عنه، وكان خرّازاً شريكاً لهشام بن الحكم، وكان هشام مقدَّماً (…) تختلف عليه أصحابه من الرافضة يأخذون عنه، وكلاهما في حانوت واحد، على ما ذكرنا من التضاد في المذاهب من التشري([492]) والرَّفض، ولم يجر بينهما مسابّة ولا خروج عمّا يوجبه العلم، وقضية العقل، وموجبات الشرع، وأحكام النظر والسير»([493]).
وخُلق هشام هذا كان يدعو الكثير ممَّن يخالفونه في العقيدة أن يتصلوا به ابتداءً، إذ لم يكن يعرّض من يتصل به إلى الأخطار، ولم يكن يخاف منه سوء الأدب وقبح العشرة، أو الخروج عن أدب المعاشرة أو أدب الكلام. يروي ابن قتيبة: أنّ هشاماً جاءه مِلحد، فقال له: أنا أقول بالاثنين، وقد عَرَفْتُ إنصافك فَلَسْتُ أخاف مشاغبتك، ثمّ ناظره فقطعه هشام بسرعة وأجابه بما أقنعه([494]).
وما قدَّمناه من خلق هشام هو الذي أوجب أن يتحوَّل اتصال أبي شاكر الدَّيصاني ـ أحد مشاهير الزنادقة ـ بهشام إلى صداقة وصحبة بينهما، بعد أن كانت في أصلها صلة جدل ونظر ونقاش فيما كانا يختلفان فيه من وجهات الرأي والعقيدة. وربما سأله أبو شاكر أن يستأذن له في الدخول على الإمام الصادق (عليه السلام)([495]).
وبما تناظرا، فكان البحث ينتهي إلى مدى لم يكن لهشام فيها من جواب ـ كما يحدثنا هشام ـ ويقول: إنّه اجتمع بالصادق (عليه السلام) بالمدينة وتعلم منه الجواب، ثم اجتمع بأبي شاكر بالكوفة فذكر له الجواب، فقال الديصاني: هذه نُقِلَت من الحجاز([496]).
ولكن هذا الخلق الرفيع تحوَّل عند خصومه إلى طعن وتجريح، يقول الخياط راداً على ما اتّهم المعتزلة بأنّهم أخذوا بعض آرائهم عن الديصانية:
«بل المقروف [المتهم] بقول الديصانيّة شيخ الرافضة وعالمها هشام بن الحكم المعروف بصحبة أبي شاكر الدَّيصاني…»([497]).
10 ـ شخصيّته الكلامية ونشاطه الفكري:
وقد زادت صلة هشام بالمتكلمين وزعماء الفرق، بعدما تزعم النَّدوة البرمكية. فإنّه بعد أن اعتقل الخليفة هارون الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) سنة 179/975 اضطر أن يهاجر إلى بغداد بصورة دائمة، وأن يلتجئ إلى يحيى بن خالد البرمكي (120/738 ـ 190/805) الوزير العباسي الشهير، ليحتمي به، فصار كما قال المترجمون له: «وكان منقطعاً إلى يحيى بن خالد البرمكي، وكان القيّم بمجالس كلامه ونظره»([498]).
و«كان ليحيى بن خالد مجلس في داره يحضره المتكلمون من كل فرقة وملة يوم الأحد فيتناظرون في أديانهم، يحتج بعضهم على بعض»([499]).
ومن الطبيعي أنّ هذه الندوة الكلامية، التي كانت تنعقد أسبوعياً بمحضر أقوى رجل في الدولة بعد الخليفة، وكان هشام هو الذي يرأسها ويديرها، وهذا هو المفهوم من قولهم: «وكان القيم بمجالس كلامه ونظره» كانت توفر له الاتصال بالكثيرين ممن لا تسمح الظروف الاعتيادية، ولو لمتكلم بارز كهشام، الاتصال بهم والاستماع إلى آرائهم وحججهم، ومناقشات بعضهم لبعض، ثمّ الإشراف على سير البحث، وتقييم الحجج وإعطاء الرأي الفاصل.
ويحكي المسعودي مجلساً واحداً من ذلك، فيقول في مقدمة الحكاية: «وقد كان يحيى بن خالد بن برمك ذا علم ومعرفة، وبحث، ونظر، وكان له مجلس يجتمع فيه كثير من أهل البحث والنظر من متكلمي الإسلام وغيرهم من أهل الآراء والنحل، فقال لهم يحيى يوماً، وقد اجتمعوا عنده: قد أكثرتم الكلام في الكمون والظهور، والقدم والحدوث، والنفي([500]) والإثبات، والحركة والسكون، والمماسة والمباينة، والموجود والمعدم([501])، والإجسام والأعراض، والتعديل والتجريح، ونفي الصفات وإثباتها، والاستطاعة والأفعال، والجوهر، والكمية والكيفية، والمضاف، والكون والفساد، والإمامة أنصّ هي أم اختيار؟ وسائر ما توردونه من الكلام في الأصول والفروع، فاشرعوا الآن في الكلام في العشق…» وهكذا ذكر كثيراً من عناوين البحوث، ثمّ ذكر الذين اشتركوا في هذا البحث، وسمّاهم ومنهم: «علي بن الهيثم([502]) كان إمامي المذهب من المشهورين من متكلمي الشيعة» وهو أولهم. والثاني «أبو مالك الحضرمي، وكان خارجي المذهب، وهم الشُّراة» والثالث «محمد بن الهذيل العلاّف، وكان معتزلي المذهب وشيخ البصريين» والرابع: «هشام بن الحكم الكوفي شيخ الإمامية في وقته وكبير الصَّنْعة في عصره»، والخامس: «إبراهيم بن سيّار النّظّام وكان معتزلي المذهب وكان من نظّار البصريين في عصره» والسادس: «علي بن منصور، وكان إمامي المذهب من نظّار الشيعة، وهو صاحب هشام بن الحكم» والسابع: «معمّر بن سليمان وكان معتزلي المذهب وشيخاً من شيوخها المقدمين فيها» والثامن: «بشر بن المعتمر، وكان معتزلي المذهب وشيخ البغداديين وأستاذ النظارين والمتكلمين منهم مثل جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر([503]) وغيرهم من متكلمي البغداديين» والتاسع: «ثمامة بن أشرس، وكان معتزلي المذهب» والعاشر: «وهو السكال([504]) وكان إمامي المذهب وصاحب هشام بن الحكم» وآخرين([505])…
ولكني هنا أكتفي بالإشارة إلى من ذكروا أنّ هشاماً اجتمع بهم من المعتزلة خاصة دون غيرهم:
11 ـ خاصم المعتزلة هشاماً فافتروا فصدَّقهم
خصومهم فيه، ولم يصدقوهم في غيره:
1 ـ أبو عثمان، عمرو بن عبيد التيمي البصري (80/699 ـ 144/761) ثاني رائدَي الاعتزال وداعيتيها. اجتمع به هشام في جامع البصرة وتناظر معه في الإمامة، وكانت الغلبة فيها لهشام «فقطعه هشام» كما عبروا([506]).
2 ـ عبد الرحمن بن كَيْسان، أبو بكر الأصم البصري ( ـ 200/816) من أعلام المعتزلة وذوي المكانة فيهم. ولكن الأصم كان من نواصب المعتزلة، يبغض أمير المؤمنين (عليه السلام). «ويقدح في إمامته»([507]) «وفيه ميل على أمير المؤمنين (عليه السلام) وبذلك كان يُعاب»([508]) وتعليله للطعن في إمامته (عليه السلام) ويقصد به عدم عدّه رابع خلفائهم، لا الإمامة بالمعنى الذي تقول به الإمامية([509]) ورأيه في من قاتله([510]) يدلّ على نزعته العدائية له (عليه السلام). «وكان يقول في علي ومعاوية أقوالاً جعل معاوية فيها أحسن حالاً من علي»([511]). قال القاضي عبد الجبار المعتزلي، وابن المرتضى الزيدي المعتزلي: «والذي نقم عليه أصحابنا (…) ازوراره عن علي (عليه السلام) ـ وعن ابن المرتضى: ويجري منه حيف عظيم على أمير المؤمنين ـ وكان أصحابنا يقولون: بُلي بمناظرة هشام بن الحكم فيغلوه هذا ويغلوه هذا([512])،([513]) ولعلّ لموقفه من أمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ألّف بِشر بن المعتمر ( ـ210/825) من أعلام المعتزلة: «كتاب الرد على الأصمّ في الإمامة»([514]) وللأصمّ: «كتاب بالرد على هشام في التشبيه» و«كتاب الجامع على الرافضة»([515]) ومَن تبلغ به الخصومة والعناد إلى أنّ يقول في علي (عليه السلام) ما لم يرتضه منه إخوانه في المذهب فهل تراه يلتزم الصدق والنَّصف فيما يقوله عن هشام والرافضة!
3 ـ محمد بن الهُذَيْل العبدي، مولاهم، أبو الهذيل العلاّف البصري (135/753 ـ 235/850).
قال الشهرستاني: «وجرت بينه [بين هشام] وبين أبي الهذيل مناظرات في علم الكلام، منها في التشبيه، ومنها في تعلق علم الباري تعالى»([516]).
ويحكي إحداها المسعودي ويقول في آخرها: «فانقطع أبو الهذيل ولم يرد جواباً»([517]) ولكن ابن حجر العسقلاني حرَّف كلام المسعودي ـ وأتمنى لو كان بغير عمد ـ فقال في ترجمة أبي الهذيل: «وذكر [المسعودي] مناظرة بينه وبين هشام بن الحكم الرافضي، وأنّ هشاماً غلبه أبو الذيل فيها»([518]) ولا أظن أن ابن حجر وجد في كلام المسعودي غموضاً فأساء فهمه!
4 ـ إبراهيم بن سيار، أبو إسحاق النَّظّام البصري (ح 160/776ـ231/845) قال المترجمون له من المعتزلة: «خرج النَّظّام إلى الحج فانصرف على طريق الكوفة، ولقي بها هشام بن الحكم وغيره، وناظرهم في دقيق الكلام»([519]).
وتاريخ هذا الاجتماع لا بد وأن يكون سابقاً على 179/796 السَّنة التي هاجر فيها هشام من الكوفة إلى بغداد وسكنها بصورة دائمة، وعمر النظّام يومذاك لم يكن قد تجاوز العشرين، بل لم يكن قد بلغه، فإن صحت الحكاية، فلا بدَّ وأن يراد بالمناظرة المساءلة والمناقشة ـ كالتي تجري بين الأستاذ والتلميذ ـ وأنّ النّظّام الشاب لما اجتمع بهشام سأله عن دقيق الكلام، وفي هذا دلالة على ذكاء النظام وقدرته على طرح الأسئلة الكلامية الدقيقة وتفهّم الأجوبة العميقة من متكلمين بارزين كهشام وغيره. ولعل إحدى هذه المناظرات ما يحكيه المقدسي([520]) فإنّها ليست مناظرة ومجادلة بالمعنى الدقيق، بل إنّ النظّام فيها يطرح السؤال فقط، كما يطرحه أي تلميذ، بل لا يناقش حول ما يسمع، ولو في مستوى مناقشة التلاميذ لأستاذهم، وهشام يجيب، من غير أن يتلقى معارضة أو مناقشة.
ولكن مناظرة جرت بينه وبين هشام حول خلود أهل الجنة في جنتهم، وخلود نعيمهم لهم، حيث كان النّظّام ينكر ذلك، غلبه فيها هشام([521]).
و«خالط هشام بن الحكم الرافضي» فأخذ عنه بعض آرائه([522]).
ولكن الذي يجب أن أنبّه عليه أنّ هشام بن الحكم لم يكن موالياً للآراء الفلسفية ـ وخاصة اليونانية منها ـ التي كانت قد وفدت حديثاً يومذاك إلى الرقعة الإسلامية، واستأثرت باهتمام كبير من قبل ذوي الشأن والسلطنة، خاصة بالبرامكة وبعدهم المأمون الخليفة العباسي. فإنّ المترجمين لهشام يذكرون: أنّ حبّ يحيى البرمكي لهشام، وإيواءه إياه وحمايته له لم يدوما له، لأنّ «يحيى بن خالد البرمكي كان قد وجد على هشام بن الحكم شيئاً، من طعنه على الفلاسفة…»([523]).
ويقولون إنّه أحد الأسباب التي دعت البرمكي إلى أن يغري الخليفة هارون الرشيد بهشام.
ولهشام: «كتاب الرد على أرسطاطاليس في التوحيد»([524]).
وخلق هشام هذا قد توارثه تلامذته من بعده، فإنا نجد في قائمة الكتب التي ألفها المتكلم والعالم الإمامي الشهير الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري (ح195/811 ـ 260/873) كتباً يرد فيها على الفلاسفة. والفضل يسلسل أساتذته إلى أن ينتهي بهم إلى هشام بن الحكم([525]).
12 ـ من تناظر معهم هشام من المعتزلة:
وإنّما عنيت بهشام بن الحكم وبعده بهشام بن سالم، لأنّ خصوم الشيعة قد جعلوا منه الثغر الذي حاربوا منه الشيعة بكل ما لهم من حول وطول، ووجهوا إليه، وعن طريقه إلى الشيعة، كل ما أمكنهم من الطعن والذمّ والتجريح والتحامل وسوء القول، ونسبوا إليه ما صح ـ وما أقلّ ذلك ـ وما لم يصح، وهو الأكثر، بل ونسبوا إليه الآراء المتناقضة. ومن عجيب أمر هؤلاء الخصوم أنا نجدهم قد ألقيت بينهم العداوة والبغضاء منذ نشأة الفرق التي ينتمون إليها، وإلى يومنا هذا وأرجو الله أن لا تستمر، فهم متنافرون متخاصمون بعضهم مع بعض على أشد ما تكون المنافرة والخصومة، وينسب كل منهم إلى الآخر ما لا ينسبه المسلم إلى مَن يراه أخصاً في الدين، ولكنّهم نجدهم قد جمعهم العداء والخصومة للشيعة عامة ولهشام وأمثاله خاصة، فهم يصدّق بعضهم بعضاً، ويشد بعضهم أزر بعض.
والعداء لهشام بن الحكم بدأ من المعتزلة، وهم الذين خاصمهم هشام فيمن خاصم، وهم الذين نسبوا إليه ما نسبوا، ـ وسيأتي ذكر هذا ـ، وأقل ما ينسبه خصوم المعتزلة إليهم، أمثال عبد القاهر البغدادي، والملطي، وابن حزم، والاسفراييني، وابن تيمية، وزميله الذهبي، وتلميذه ابن قيِّم الجوزية، وابني كثير وحجر، الابتداع الشديد، والكذب، وعدم الثقة بهم وبما يحكونه، بل نسبوا إليهم أنّهم جعلوا الكذب والافتراء ديناً لهم، وأنّهم لم يكونوا يتقيدون بأحكام الشريعة، بل وتجاوزه كثير منهم إلى نسبتهم عامة أو إلى نسبة كثير من أعلام المعتزلة خاصة، إلى الكفر والزندقة، والخروج عن الملة، ولعنوهم وتبرّؤوا منهم، ولكن هؤلاء كلّهم صدّقوا المعتزلة فيما نسبوه إلى الشيع وإلى هشام وأمثاله من متكلميهم. وأنّهم مارقون من الدين إلاّ إذا خاصموا الشيعة وأنّهم كذبة مفترون إلاّ إذا نسبوا إلى الشيعة قبيحاً أو حكوا عنهم فضيحة. ولا أطيل الكلام فيما قالوه في واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل، وثمامة بن أشرس، والنّظّام، والجاحظ، وأمثال هؤلاء من أقطاب المعتزلة وعلمائها.
والأنكى من هذا أنّ هؤلاء قد ساروا على نهج أسلافهم المعتزلة ـ الذين هم خصومهم العقائديون ـ فحرّفوا وغيَّروا، وحذفوا وأضافوا، وأكملوا بذلك ـ بزعمهم ـ ما وجدوه من نقص في سلاح المعتزلة، وتلافوا ما عثروا عليه من ضعف. وقد سقت أمثلة لهذا فيما تقدم، وسيأتي بعض الأمثلة. ولا أقصد من كلامي هذا أن يرجع الذّيول عمّا ألفوه من طباع أسيادهم، فقد قدَّمْت أنّ مثل هذا الرجاء قد انقطع عني ـ إلاّ إذا تحرروا من تلك الطباع وما أصعب هذا التحرر! ولكن قلت ما قلت لكي أجعله تمهيداً لبعض الكلام عن هشام بن الحكم والآراء التي نسبت إليه.
13 ـ نماذج ممّا نسبوه إلى هشام:
ولا يسعني هنا أن أحكي بالتفصيل كل ما نسبوه إلى هشام من آراء، وبإمكان القارئ الكريم أن يرجع إلى ما أحكيه عن مقاتل بن سليمان، وداود الجواربي، فإنّها نماذج صالحة تشبه ما حكوه عن هشام، وأكتفي هنا ببيان النقاط التي تدعونا إلى رفض نسبة مثل ذلك إلى هشام:
أ ـ إنّ هشام بن الحكم كان في أوّل أمره جهمياً، من أتباع جهم بن صفوان (ـ128/745) ثم عدل عنه بعد أن اجتمع بالإمام الصادق (عليه السلام)، وتبيّن له خطؤه فيه([526]).
وجهم بن صفوان، كما هو المعلوم من مذهبه، كان يعارض التجسيم والتشبيه إلى أبعد الحدود، وكان مذهبه في صفات الله تعالى مذهب المعتزلة في نشأته الأولى، فإنّه كان معاصراً لواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد رائدي الاعتزال وزعيميها، ولم ينقما عليه إلاَّ القول بإفناء الجنة والنار، وأنّ النعيم والعذاب لا يخلدان، ونقما عليه قوله بالإرجاء ـ لا بالمنزلة بين المنزلتين، الذي هو رأيهما في مرتكب الكبيرة ـ([527]) ولكن نقطة الخلاف الرئيسية بينه وبين المعتزلة بأجمعهم هي قوله بالجبر، وقولهم بالقدر إذ في المعتزلة المتأخرين من كان يقول بالإرجاء، وفيهم من كان يقول بفناء الجنة والنار.
لكنّهم كلّهم يتفقون على القول بالقدر ونفي الجبر. ولأجل هذا عدّه الشهرستاني ممّن «نبغ من المعتزلة أيام نصر بن سيار وأظهر بدعته [عن آراء المعتزلة] في الجبر»([528]).
ومن تأثر هشام بن الحكم بآراء جهم، قوله عن الله سبحانه: «هو جسم لا كالأجسام» ـ كما سيأتي ـ فإنّه قول جهم بن صفوان، كما يحكي الأشعري أنّه كان يقول: «إنّ لله جسم» ويقول: «إن معنى الجسم هو الموجود»([529]).
وهذا نفس ما حكي عن هشام، ومن ذلك أنّه حكي عنه أنّه كان يقول: «إن علم الله مُحْدث، وإنّه كان غير عالم فعلم»([530]).
وهذا إن صحَّ عنه فإنّه ترديد لقول جهم.
وقد أخذه أيضاً عن جهم([531]).
وشبّه الشهرستاني «إثبات جهم وهشام علوماً لا في محلّ([532]) بإثبات الأشعرية تكليماً لا في محل»([533]).
وقد ذكروا أنّ المتكلم المعتزلي الشهير، أبو الحسين، محمد بن علي بن الطَّيِّب، البصري، الحنفي (ـ436/1044) أخذ برأي هشام هذا في علم الله سبحانه. قال الشهرستاني: «وله ميل إلى مذهب هشام بن الحكم في أنّ الأشياء لا تعلم قبل كونها»([534]).
ولكنّهم حكوا عن هشام قولاً آخر قد يناقض ما تقدّم، وهو: «لم يزل الباري تعالى عالماً بنفسه، ويعلم الأشياء بعد كونها بعلم لا يقال فيه: إنّه مُحْدث أو قديم، ولأنّه صفة والصفة لا توصف، ولا يقال فيه هو أو غيره» وأضافوا: وليس قوله في القدرة والحياة كقوله في العلم، إلاّ أنّه لا يقوم بحدوثهما([535]).
ولكن شيخنا المفيد أنكر صحة نسبة هذا الرأي إلى هشام وسيأتي كلامه.
وممّا نسبوه إلى هشام قوله بالإجبار الشديد، الذي لا يبلغه القائلون بالسُّنَّة كما قال ابن قتيبة([536]).
فإن صحّت هذه النسبة فإنّ هشاماً تبع فيه جهماً، كما تقدم من أنّه إنّما امتاز عن إخوانه المعتزلة في قوله بالجبر المطلق، وقولهم بالاختيار التام، أي القدر كما يعبر به خصومهم.
وعلى ضوء ما تقدم، فإن ما نسب إلى هشام ينقسم إلى قسمين:
الأول: ما يتفق مع جهميته السابقة، وبالإمكان تصديق النسبة، إن صدقت الحكاية، وهي نماذج محدودة أحصيتها وعددتها.
الثاني: وهو أكثر ما نسبه إليه خصومه، وهذا لا يتفق لا مع جهميته السابقة، ولا مع تشيّعه اللاحق، فلا يبقى أمامنا إلاّ أن نحكم بأنّه مفترى عليه جملة وتفصيلاً، وإن صح أنّ هشاماً قال ببعضه ـ وهذا مجرد فرض لا واقع له ـ فإنّه لم يكن جاداً فيه ـ كما سيأتي ـ ويجب أن أنبّه إلى أنّ جهمية هشام لا بد وأنّها كانت في أوائل شبابه، بل وحين أن كان يافعاً فحسب، إذ أن هشاماً بعد أن أصبح شاباً، وهو لا يزال «أوّل ما اختط عارضاه» ـ كما تقدم ـ لم يكن يعتقد بالإمامة فحسب، بل كان يجادل عنها، ويناهض خصومها ومنكريها ويناظرهم في ذلك. وأرى أنّ الأقرب إلى الصواب، والأوفق بالحقائق الثابتة من حياة هشام وسيرته: أنّ جهمية هشام كانت ترجع إلى متابعة جهم بن صفوان في بعض آرائه، وهي الأمثلة الثلاثة التي ذكرتها سابقاً، والتي لا تتنافى مع القول بالإمامة، والالتزام بلوازمها، والدفاع عنها. لا (الجهمية) بجميع أبعادها وحدودها، فلم يكن هشام يوماً ما جهمياً إلاّ في نطاق ضيق لا أنّه كان يتبعه في جميع آرائه وعقائده.
14 ـ موقف الشيعة ممّا نسب إلى هشام:
ب ـ وقد بحث علماء الشيعة ـ قديماً وحديثاً ـ حول الآراء التي نسبت إلى هشام ودافعوا عنه ونفوا نسبتها إليه، وأجمعها ـ مع اختصاره- ما ذكره الشريف المرتضى، أبو القاسم، علي بن الحسين، علم الهُدى، الموسوي (355/966ـ 436/1044) قال رحمه الله:
«… فأمّا ما رُمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم، فالظاهر من الحكاية عنه بالقول بـ «جسم لا كالأجسام»، ولا خلاف في أنّ هذا القول ليس بتشبيه، ولا ناقض لأصل، ولا معترض على فرع، وأنّه غلط في عبارة([537]) يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللغة، وأكثر أصحابنا يقولون: إنّه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة، فقا لهم: إذا قلتم: إنّ القديم تعالى شيء لا كالأشياء، فقولوا إنّه جسم لا كالأجسام، وليس كل من عارض بشيء وسأل عنه أن يكون معتقداً ومتديناً به، وقد يجوز أن يكون قصد به إلى استخراج جوابهم عن هذه المسألة ومعرفة ما عندهم فيها، أو إلى أن يُبيِّن قصورهم عن إيراد المرتضى([538]) في جوابها، إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع ذكره.
«فأمّا الحكاية أنّه ذهب في الله تعالى أنّه جسم له حقيقة الأجسام الحاضرة، وحديث (الأشبار) المُدَّعى عليه([539]) فليس نعرفه إلاَّ من حكاية الجاحظ عن النظّام، وما فيها إلاَّ متهم عليه غير موثوق بقوله، وجملة الأمر: إنّ المذاهب يجب أن تؤخذ من أفواه قائليها وأصحابهم المختصين بهم ومَنْ هو مأمون في الحكاية عنهم، ولا يرجع فيها إلى دعاوى الخصوم (…) وممّا يدل على براءة هشام من هذه التهم، ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: (لا تزال يا هشام مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك). وقوله (عليه السلام) حين دخل عليه مشايخ [وقد تقدّم نقله عن المفيد] وقوله (عليه السلام): [وذكر ما حكيناه عن ابن شهر آشوب في صدر ترجمة هشام] وأنّه (عليه السلام) كان يرشد إليه في باب النظر والحِجاج ويحثّ الناس على لقائه ومناظرته. فكيف يتوهَّم عاقل ـ مع ما ذكرناه في هشام ـ هذا القول بأنّ ربّه سبعة أشبار بشبره! (…).
وأمّا حدوث العلم [الإلهي] فهو أيضاً من حكاياتهم المختلقة، وما نعرف للرجل فيه كتاباً ولا حكاه عنه ثقة.
فأمّا الجبر وتكليفه [تكليف الله] بما لا يطاق ممّا لا نعرفه مذهباً له…» ([540]).
وأنا أعلق بعض التعليق على ما ذكره سيدنا الشريف، أختصره من بحوث أوسع:
1 ـ قال الشهرستاني: «وهذا هشام بن الحكم صاحب عور في الأصول، لا يجوز أن يُغْفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم، ودون ما يُظهِره من التشبيه، وذلك: أنّه ألزم العلاّف، فقال: إنّك تقول: الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، فيُشارك المُحدَثات في أنّه عالم بعلم، ويُباينُها في أنّ علمه ذاته، فيكون عالماً لا كالعالمين، فلم لا تقول: إنّه جسمٌ لا كالأجسام، وصورة لا كالصورة، وله قدر لا كالأقدر؟! إلى غير ذلك»([541]).
2 ـ يذكر المترجمون لهشام من الكتب والرسائل التي ألَّفها ما يربو على الثلاثين، وما يرجع منها إلى التوحيد وفروعه:
1 ـ كتاب التوحيد.
2 ـ كتاب المجالس في التوحيد.
3 ـ كتاب الشيخ والغلام في التوحيد.
4 ـ كتاب الرد على أرسطاطاليس في التوحيد.
5 ـ كتاب الدلالات على حدث (حدوث) الأجسام.
6 ـ كتاب الردّ على الزنادقة.
7 ـ كتاب الرد على أصحاب الاثنين.
8 _ كتاب الرد على أصحاب الطبايع، والمقصود منهم الذين كانوا يقولون بأنّ الأشياء بطبعها ولا تحتاج في وجودها إلى الله سبحانه الذي يكون هو الخالق لها، وهذه إحدى الجذور التاريخية لفكرة المادية الحديثة، وإن كان ـ أولئك أيضاً على مستويات مختلفة، بين من يقول بالمادية الساذجة البسيطة ـ العامية في المادية ـ وبين المتأثرين بأفكار وفلسفات يونانية، أو بعقائد بوذية أو هندوسية.
9 ـ كتاب في الجبر والقدر.
10 ـ كتاب القدر.
11 ـ كتاب الاستطاعة.
12 ـ كتاب المعرفة.
13 ـ كتاب الألطاف.
14 ـ كتاب الألفاظ، ولعله كان يعني شرح المصطلحات التي كان يستعملها هو أو كانت تستعمل في الكلام([542]).
فلو كانت هذه الآراء آراء ثابتة لهشام لذكرها في كتبه، ولحكاها المترجمون له من الشيعة، وهم الذين ورثوا علمه وقرؤوا كتبه ـ التي لم تصل إلينا ولا واحد منها ـ ولجاءت الإشارة إليها في روايات الشيعة ـ كما جاء ذكر بعض آرائه في أحاديثهم، كما سيأتي.
يضاف إلى هذا: أنّ ما حكاه الخصوم من آراء هشام إنّما ذكروا أنّه قالها عند المناظرة والجدل مع خصومه المعتزلة، ولم ينسبوا ولا واحداً منها إلى كتاب من كتبه، فلو كان هؤلاء الخصوم قد عثروا على شيء منها في أحد كتبه لنسبوه إلى الكتاب نفسه.
3 ـ إنّ قول هشام «جسم لا كالأجسام» كان في الأصل رأياً لجهم بن صفوان، وإن قال به هشام فإنه تبع جهماً في ذلك ـ كما تقدم ـ، ولعل هشاماً، بعد أن أرجعه الإمام الصادق (عليه السلام) عن جهميته، كان يستعمله عندما كان يناظر المعتزلة خصوم الجهمية. وبقي هذا القول عالقاً في ذهن تلاميذه أو غيرهم من الشيعة، ولما لهشام من مقام رفيع ومنزلة عند الأئمة (عليهم السلام) والشيعة أجمع، سألوا عنه الأئمة (عليهم السلام) ـ كما سيأتي ـ فلا يصح أن نردّ قول الشريف المرتضى من أنّ هشاماً كان يستعمله عند المناظرة بما جاءنا من الأحاديث التي أشارت إلى قول هشام في الجسم.
4 ـ إنّي حسب ما بحثت، وفي حدود ما أملك من المصادر ـ وهي قليلة جداً، إذا قيست بالنسبة إلى ما ضاع ـ أكاد أجزم لأسباب لا يسع المجال ذكرها أنّ أبا الهُذيل العلاّف يعتبر المحور الرئيس لأغلب ما نسب إلى هشام بن الحكم([543]).
وما حكي عن غير أبي الهذيل، فهناك قرائن تدلنا أنّ ذلك ينتهي إليه ـ إن صدق الحاكون ولم يفتعلوا الحكاية ـ ومنها: أنّ الحاكون كلهم تنتهي سلسلة تعلمهم الاعتزالي إليه. فإنَّ أبا الهذيل تتلمذ عليه النظّام، وثُمامة بن أشرس، النُّمَيْري البصري ( ـ213/828) ـ أحد معاصري هشام من المعتزلة ـ، وجعفر بن حرب البصري، ثم البغدادي (177/793ـ 236/850)([544]).
وعلى النّظام تتلمذ زُرْقان، محمد بن شداد بن عيسى البصري ( ـ278/891) مؤلف «كتاب المقالات» الشهير، الذي يعتبر من المراجع الأساسية لذكر المقالات والفرق([545]) والجاحظ، عمرو بن بحر (163/780 ـ 225/869)([546]).
وعن الجاحظ أخذ ابن قتيبة الدينوري، عبدالله بن مسلم (213/828 ـ 276/889)([547]).
وعلى جعفر بن حرب تتلمذ أبو الحسين الخياط، عبد الرحيم بن محمد البغدادي (ـ ح 300/912) صاحب «الانتصار والرد على ابن الروندي الملحد»([548]).
وعلى الخيّاط تتلمذ الكعبي البلخي، عبدالله بن أحمد (273/886 ـ 319/931)([549]).
ومن بعد هؤلاء من أئمة المعتزلة كالجُبَّائيَّيْن أبي علي وابنه أبي هشام، والقاضي عبد الجبار أخذوا عن هؤلاء. فالعلاّف يعدّ رأس السلسلة في هذه القائمة.
وابن الروندي يتّهم الجاحظ بأنّه أفرط لا في الخصومة لهشام فحسب، بل إلى حد انتصر لخصوم أمير المؤمنين (عليه السلام) و«إنّ الذي حمل الجاحظ على ذلك العصبية وطلب ثأر أستاذيه من هشام بن الحكم»([550]) ولم يعيّن ابن الروندي من هما، والنّظّام أحد أستاذي الجاحظ بلا شك «اتفقت المصادر على تتلمذ الجاحظ على النّظّام»([551]). والجاحظ يكثر الحكاية عنه في كتبه والثناء عليه([552]). ويظهر من تعقيب الخياط أنّ الثاني هو أبو الهذيل العلاّف، والجاحظ نفسه يحكي عن أبي الهذيل([553]).
ولأبي الهذيل ثأر آخر عند الشيعة، فإنّ أحد أعلام متكلمي الشيعة، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن شُعيب بن مَيْثم، الميثمي، الكوفي، ثمّ البصري، المعروف عندهم بعلي بن ميثم ـ وسيأتي ذكره عند الكلام حول هشام بن سالم ـ «كان من وجوه المتكلمين من أصحابنا، كلّم أبا الهذيل، والنّظّام، له مجالس وكتب»([554]).
وراجع نماذج من مناظراته مع أبي الهذيل الذي قطعه فيها([555]).
ومنها ما يحكيه ابن حجر عن أبي القاسم التيمي في كتاب الحجة: أنّه تناظر معه عند أمير البصرة فارجع إلى لسان الميزان 5/265ـ266 لِتَرَ ما صنع به!
15 ـ جسم لا كالأجسام:
ج ـ نعم، جاء في أحاديث الشيعة نسبة القول بالجسم إلى هشام بن الحكم، وهذه الأحاديث بين ما نسب إليه القول بالجسم ولم يفسّر فيه قوله([556]).
وما فصّل فيه قوله، ومنها: حديث يونس بن ظبيان، الذي يحكي فيه للإمام الصادق (عليه السلام) قول هشام، ويقول:
«فزعم أنّ الله جسم، لأنّ الأشياء شيئان: جسم وفعل الجسم، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل. فقال أبو عبدالله (عليه السلام: ويحه، أما علم أنَّ الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية، فإذا احتمل الحد احتمل الزيادة والنقصان، وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقاً…» ([557]).
وبمعناه ـ بل أكثر وضوحاً وبياناً منه ـ الحديث الآتي عند الكلام حول هشام بن سالم.
وحديث الحسن بن عبد الرحمن الحِمّاني، قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): إنّ هشام بن الحكم زعم أنّ الله جسم ليس كمثله شيء([558]) عالم، سميع، بصير، قادر، متكلم، ناطق، والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحداً ليس شيء منها مخلوقاً. فأنكر (عليه السلام) القول بالجسم، لأنّ الجسم محدود، ونبّه أنّ هذه الصفات لا تجري مجرى واحداً، فمنها ما هو من صفات الذات كالعلم والقدرة، ومنها ما هو من صفات الأفعال كالكلام والنطق… ([559]).
وجاء في حديث علي بن أبي حمزة، أنّه قال: «قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم: إنّ الله جسم، صمديّ، نوري، معرفته ضرورة يمُنُّ بها على من يشاء من خلقه»([560]) ولكن من المحتمل احتمالاً قوياً أنّ الراوي خلط بين كلام هشام بن الحكم وبين ما نسب إلى هشام بن سالم ـ كما سيأتي ـ ومهما يكن فإنّ معنى الحديث لا يختلف عمّا تقدمه.
وقد حكي عن هشام نفس هذا القول في كتب المقالات: «هو جسم لا كالأجسام» وأنّ هشاماً كان يقول: إنّما أريد بقوله «جسم» أنّه موجو، وأنّه شيء، وأنّه قائم بنفسه، لأنّ ما هو موجود، إمّا أن يكون جسماً أو صفة من صفات الأجسام، ولا ثالث([561]) وقد تقدَّم أنّ هشاماً أخذ قوله هذا عن جهم بن صفوان.
وعذر هشام في ذلك أنّه لم يعثر على لفظ آخر يؤدّي معنى الموجود القائم بنفسه غير «الجسم»، والخطأ والصواب في هذا التعبير يعود إلى اللغة لا إلى الاعتقاد، كما قال الشريف المرتضى، حيث إنّ «الجسم» في اللغة العربية له معنى واضح محدد، ولا يصح إطلاقه على غير هذا المعنى إلاّ مجازاً وبقرينة.
وكان هشام يعيش في بداية عصر وضع المصطلحات الكلامية والفلسفية في المسلمين، وكان هو من الروّاد في محاولة «وضع معجم فلسفي وافٍ ببيان المعاني في اللغة العربية» كما قال([562]).
ولعلَّ السر في هذا التشدد من الأئمة (عليهم السلام)، وهذا النهي القاطع الصريح عمّا كان يعبر به هشام يرجع إلى «الجسم» ـ كما أشرنا سابقاً ـ له مدلوله الواضح عند عامة الناس المنبعث من معناه في اللغة العربية، فإذا أطلق «الجسم» على الله سبحانه ـ وإن أضيف له «كالأجسام» ـ فإنّه يحمل أو ينتهي في ذهن العامة إلى التجسيم والتشبيه لا محالة، إذ يفسّر «جسم لا كالأجسام» عندهم بتفسير يقرب ممّا حكيناه سابقاً من أقوال المحدثين غير الشيعة، الذين قالوا بالتجسيم، والأعضاء، والأجزاء لله سبحانه، ولكنّه ـ عزّ وجلّ ـ لا يشبه في شيءٍ منها بشيء ممّا للخلق من الجسم، والأعضاء، والأجزاء، فإنّ قولهم ـ المتقدم ـ معناه ـ وإن لم يصرّحوا به ـ: إنّ لله سبحانه «رأس لا كالرؤوس» و«يد لا كالأيدي» و«عين لا كالأعين»… فهو «جسم لا كالأجسام» ويبقى لفظ «الجسم» يحمل نفس المعنى الذي يفهمه كل أحد منه، لا ذلك المعنى الدقيق الذي يقصده هشام والذي يرتفع عن مستوى الفهم العام، بل وعن فهم العلماء غير المختصين بعلم الكلام، والذي لا يمكن لهشام أن يعبّر عنه بلفظ «الجسم» إلاّ بتفسير وقرينة واضحة. ولأجل هذا يكون لهذا التعبير إيحاء في ذهن السامع بالتجسيم والتشبيه، وإن لم يقصدهما القائل الذي وضع هذا المصطلح، وخاصة إذا كان هذا القائل مثل هشام بن الحكم، بما له من المنزلة السامية عند الأئمة (عليهم السلام)، والمقام العلمي والديني المسلم به عند شيعتهم.
ويشهد لما قلناه الحديث الآتي عند الكلام حول هشام بن سالم، وفيه يرضى الإمام (عليه السلام) بما قاله هشام بن الحكم وأصحابه، حيث كان المخاطبون من المختصين بعلم الكلام، وهم يفرّقون بين المصطلحات العلمية وبين المعاني اللغوية العامة.
16 ـ رأي غير الشيعة:
ومن المناسب، بل من الطريف جداً أن أنقل حول «جسم لا كالأجسام» رأياً لعالم من أشد علماء المسلمين غير الشيعة تشدداً وتعنتاً فيما يرجع إلى العقيدة، ومن أكثرهم وقوفاً عندما جاء في الكتاب والسُّنَّة ـ حسب رأيه ـ وجموداً على ألفاظهما، ومن أعظمهم إنكاراً لما يراه بدعة وإلحاداً في الدين وهو أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم الأندلسي (384/994 ـ 456/1064) قال:
«فإن قالوا لنا: إنّكم تقولون إنّ الله عزّ وجل حيّ لا كالأحياء، وعليمٌ لا كالعلماء، وقادر لا كالقادرين، وشيءٌ لا كالأشياء، فلِمَ منعتم القول بأنّه جسم لا كالأجسام؟! قيل لهم ـ وبالله تعالى التوفيق ـ: لولا النص الوارد بتسميته تعالى بأنّه حي وقدير وعليم ما سمّيناه بشيءٍ من ذلك، لكن الوقوف عند النص فرض، ولم يأت نصٌ بتسميته تعالى جسماً، ولا قام البرهان بتسميته جسماً، بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى، ولو أتانا نصٌ بتسميته تعالى جسماً لوجب علينا القول بذلك، ولكنّا نقول إنّه لا كالأجسام، كما قلنا في عليم وقدير وحي، ولا فَرق. وأمّا لفظة «شيء» فالنص أيضاً جاء بها والبرهان أوجبها…» ([563]).
وقال أيضاً: «ومن قال إنّ الله تعالى جسم لا كالأجسام فليس مشبّهاً لكنّه ألحدَ في أسماء الله تعالى، إذ سمّاه عزّ وجلّ بما لم يسمّ به نفسه، وأمّا من قال إنّه تعالى كالأجسام فهو ملحد في أسمائه ومُشَبِّه مع ذلك»([564]).
وقال ابن أبي الحديد الشافعي المعتزلي:
«فأمّا من قال: إنّه جسم لا كالأجسام، على معنى أنّه بخلاف العَرَض الذي يستحيل أن يُتوهَّم منه فعلٌ، ونَفَوْا عنه معنى الجسمية، وإنّما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنّه شيء لا كالأشياء، وذات لا كالذوات، فأمرهم سهل، لأنّ خلافهم في العبارة، وهم: علي بن منصور، والسَّكاك، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وكلُّ هؤلاء من قدماء رجال الشيعة (…) والمتعصبون لهشام بن الحكم في وقتنا هذا يزعمون أنّه لم يقل بالتجسيم المعنوي([565]) وإنّما قال: إنّه جسم لا كالأجسام، بالمعنى الذي ذكرناه عن يونس والسَّكاك وغيرهما، وإن كان الحسن بن موسى النوبختي، هو من فضلاء الشيعة، وقد روي عنه التجسيم المحض في كتاب «الآراء والديانات»([566]).
وما ذكره النوبختي إنّما حكاه عن طريق خصوم هشام المعتزلة الذين سمّى بعضهم الشريف المرتضى ـ في كلامه المتقدم ـ، وحكاه عنه وعن كتابه ابن الجوزي، قال: «وذكر أبو محمد النوبختي، عن الجاحظ، عن النَّظّام…» ([567]). ولكن ابن أبي الحديد حذف السند، والسبب لا يخفى.
وقال شيخنا المفيد: «إنّ الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه، وإنّه لا حادث إلاّ وقد علمه قبل حدوثه (…) وهو مذهب جميع الإمامية، ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه([568]) وعندنا أنّه تَخَرُّصٌ منهم عليه، وغلطٌ ممَّن قلَّدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه، ولم نجد له كتاباً مصنّفاً ولا مجلساً ثابتاً([569]) وكلامه في أصول الإمامة ومسائل الامتحان يدل على ضدّ ما حكاه الخصوم عنه…»([570]).
وهكذا ظهر أن خصوم الشيعة، في موقفهم تجاه هذا القول «جسم لا كالأجسام» كانوا أكثر تسامحاً، وأنّ الأئمة (عليهم السلام) كانوا أكثر تشدداً، وقد تقدم منّي ذكر ما أراه سبباً لهذا التشدد، ولكنّي مع كلّ هذا لا أرجو ولا أطمع في أن يرجع خصوم الشيعة وخصوم هشام خاصة عن موقفهم تجاههم وتجاهه! وأرجو الله سبحانه أن يخيّب ظنّي هذا خاصة!
17 ـ براءة هشام من التجسيم والتشبيه:
د ـ هناك مجموعة من الأدلة والشواهد تؤكد لنا بصورة قاطعة براءة هشام بن الحكم ممّا نسبه إليه خصومه من التجسيم والتشبيه، بل وإنّ قوله «جسم لا كالأجسام» لم يستقر عليه، نذكر منها ما يلي:
1 ـ روى علماؤنا أنّ هشاماً رجع عن قوله «جسم لا كالأجسام» بعدما أنكره عليه الإمام الصادق (عليه السلام)([571]).
2 ـ كلام هشام بن الحكم الذي يرويه الكليني في باب (إبطال الرؤية)، في سياق أحاديث الأئمة (عليهم السلام)، ويعلّله العلاّمة المجلسي بقوله: «لأنّه من أكابر أصحاب المعصومين (عليهم السلام)، وكان [كلام هشام] مظنّة لأن يكون مأخوذاً عنهم»([572]) يستدل فيه هشام على استحالة رؤية الله سبحانه مطلقاً، بأنّ الرؤية لا يمكن أن تتعلق إلاّ بالأجسام، ويقول في آخره: «تعالى الله أن يُشْبِهه شيء»([573]). فلو كان هشام ممَّن يقول بالجسمية لما أمكنه أن يقول ما قال.
3 ـ كلامه الذي يرويه الصدوق عنه أجاب به من سأله: بم عَرفت ربَّك؟ فقال: «عرفت الله جلّ جلاله بنفسي، لأنّها أقرب الأشياء إليَّ» ثم استدل بتركيب جسمه واختلاف أجزائه، وإحكام صنعتها، فيقول: «استحال في العقول وجود تأليف لا مؤلِّف له، وثبات صورة لا مُصور لها، فعلمت أنّ لها خالقاً خَلَقَها، ومُصوراً صوَّرها، مُخالفاً لها في جميع جهاتها (من جميع جهاتها) ([574]) قال الله عزّ وجل: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}([575])([576]).
4 ـ قدمنا أسماء مجموعة من كتب هشام المرتبطة بالتوحيد والبحث الراجعة إليه، وكان من جملتها: «كتاب الدلالة على حدث (حدوث) الأجسام» وإن جاء عند الطوسي: (الأشياء) بدل (الأجسام)([577]).
فمن يصف الله سبحانه بأنّه «جسم» كيف يؤلف كتاباً يثبت فيه أنّ الجسام فيها دلالة على أنّها حادثة مخلوقة غير قديمة!
ولكن هذا الكتاب ككتب هشام الأخرى، وكعامة كتب علماء الشيعة في القرون الأربعة الأولى لم تصلنا، وأنّ من يرجع إلى الفهرستين الشهيرين لكتب الإمامية، فهرست شيخ الطائفة الطوسي، وفهرست النجاشي يجد أن تسعين بالمائة من ألوف الكتب الواردة أسماؤها فيهما قد ضاعت، ولم يبق منها أي أثر سوى أسمائها المذكورة في الفهارس. وقد شرحت بعض أسباب ذلك عندما ترجمت لشيخ الطائفة الطوسي في مقدمة توحيد الكافي، واستعرضت مكتبته الشهيرة التي أحرقها الخصوم عدّة مرّات، كما أحرقوا غيرها من المكتبات!
فلم يبق أمامنا أي طريق إلى دراسة هشام من خلال كتبه الكثيرة التي ألَّفها سوى الاهتداء من عناوينها إلى موضوعاتها، ومن هذا البصيص الضئيل من النور الاهتداء إلى الآراء التي استعرضها المؤلف فيها، ومن دراسة كتب هشام نستطيع أن نحكم بأنّه ناهض الزنادقة وردَّ عليهم، وناهض أصحاب الاثنين، وناهض المادية التي كانت قائمة يومذاك، والتي كان يُعبر عن معتنقيها بأصحاب الطبايع. ولكنّا مع كل هذا نجد في الخصوم من يتهمه وأصحابه بالزندقة، ومن يتّهمهم بأنّهم إنّما أخذوا عقائد من أصحاب الاثنين!
5 ـ ما سيأتي في ترجمة هشام بن سالم من أنّ هشام بن الحكم إنّما كان يعارضه لأنّ آراءه التي اعتمد فيها على أحاديث إمّا غير صحيحة، أو أنّه لم يفهمها على الوجه الصحيح، ويتهمه بأنّ هذه الآراء إنّما تنتهي إلى القول بالتجسيم، وأنّ هشام بن الحكم كان ينفي التجسيم.
18 ـ أبو محمد، هشام بن سالم
الجواليقي، الكوفي:
قال عنه المترجمون له من الشيعة: «كان هشام بن سالم مولى بشر بن مروان، من سَبْي الجُوْزَجَان([578]) روى عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهم السلام) ثقة، ثقة، صحيح العقيدة، معروف الولاية، غير مدافَع»([579]).
ومولاه هو بشر بن مروان بن الحكم الأموي (ح 30/651 ـ 75/694) ولي الكوفة لأخيه الخليفة عبد الملك في أول سنة خلافته 71/691، ثم جمع له البصرة والكوفة في 12/74 ـ 694، ولم تدوما له إلاّ أشهراً قليلة، فمات في أوائل 75/5 ـ 6/694([580]).
ولا بدّ لنا من وقفة ـ ولو قصيرة ـ عند هذا الجزء من سيرة هشام، إذ أنّ له صلة وثيقة بالذي نذكره حول آراء هشام بن سالم وطبيعة الأحاديث التي اعتمد عليها في القول بما قاله.
والظاهر أنّ الذي سُبي يوم فتح الجُوزجان كان أبو هشام سالمٌ لا هشام نفسه، إذ من البعيد جداً امتداد عمر هشام ـ مهما فرضنا مبلغ عمره ـ منذ سنة 32/653 عام فتح الجُوزجان إلى بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السالم) سنة 148/765، فمهما فرضنا مبلغ بقائه بعده، بالإضافة إلى أنّ سالماً اسم عربي كان من المتعارف يوم ذاك تسمية العبيد به، ولا تصح هذه التسمية إلاّ إذا كان المسبيّ يوم فتح الجوزجان أبا هشام، فوضع له اسم عربي، ولا معنى لوضع اسم عربي لمشرك لم يدخل في الإسلام أو في سبي المسلمين، كي يغيّر اسمه السابق غير العربي إلى اسم عربي.
ولعل نسبة الولاء التي يذكرها شيخ الطائفة الطوسي لهشام بن سالم: (الجُعْفي، مولاهم)([581]) إنّما ورثها هشام من أبيه سالم، لأنّ الذين سبوه كانوا من قبيلة جُعْفي اليمانية القحطانية، وبهذا لا يتناقض مع ما ذكره عامة المترجمين لهشام من أنّه كان مولى بشر بن مروان الأموي القرشي العدناني. فإنّ هذا يدل على أنّ هشاماً نفسه كان ولاؤه لبشر لأنّه الذي اشتراه ولا يدل على أكثر من ذلك، وهذا اللاحق فَسَخ ولاءه السابق الذي ورثه عن أبيه، ولعل هذا هو السر في تناسي عامة المترجمين له ذكر ولائه السابق المنسوخ، والاكتفاء باللاحق وحده.
ولا أدري متى اشتراه بشر، وكم كان عمره يوم أن اشتُري، ولكن من المطمأن به أنّ هشاماً كان يومذاك صغيراً، بل ولعله لم يكن قد بلغ الحلم حين مات مولاه بشر سنة 75/694. كما أن من الموثوق به أن هشاماً لم يكن إمامي المذهب حينما اشتُري، إذ من البعيد أن يبيع مواليه السابقون عبداً شيعياً لبشر بن مروان الأموي البعيد عن التشيع، أقصى ما يمكن أن يفرض من البُعد، إن كانوا هم شيعة، وكان بشر يتبعهم في العقيدة، فالظاهر من هذا أنّه لم يكن شيعياً، بل كان غير شيعي ولاءً وعقيدة، ولعله أصبح أموي العقيدة بعدما أصبح أموي الولاء. ويبدو من آرائه التي سأذكرها فيما بعد أنّه كان قد اتجه إلى سماع الحديث، ويبدو من تلك الآراء، وبحكم نشأته غير الشيعية أنّه اتّجه إلى سماع الحديث غير الشيعي، وقد تطبّعَتْ آراؤه وأفكاره بالأحاديث التي سمعها بحيث كان من الصعب عليه التخلي عن هذه الآراء! ويبدو أيضاً أنّ هشام بن سالم بعد سنين طويلة من عمره، ولعله عندما بلغ الخمسين أو تجاوزه اختار مذهب الشيعة. ويشهد لهذا أنّ أوّل من اتصل به من الأئمة (عليهم السلام) كان الإمام الصادق (عليه السلام) 83/702 ـ 148/765)، مع أنّه أدرك عصر الإمام السجاد (38/659 ـ 94/712) وعصر الإمام الباقر (57/676 ـ 114/733) (عليهم السلام)، إذ أنّا إنْ قدّرنا عمر هشام عند وفاة مولاه بشر 75/694 عشر سنوات ـ وفي رأيي أنّ هذا أقل التقادير لعمره ـ فإنّه يكون لهشام عند وفاة الإمام الباقر (عليه السلام) خمسون سنة. وإحجامه هذه المدة الطويلة عن الاتصال بإمام زمانه، وتأخّر الاتصال إلى عصر الإمام الصادق (عليه السلام) ليس له تفسير معقول سوى أنّه لم يكن قد قال بالإمامة إلاّ في عصره (عليه السلام)، فاتصل به.
وقد طال بهشام العمر، فعاش إلى عصر الإمام الكاظم (عليه السلام) (129/746 ـ 183/799).
19 ـ ما نسب إليه من التجسيم والتشبيه:
وهشام بن سالم ثاني الهشامين، الذين نسبوا إليهما التجسيم والتشبيه الصريحين ونحن نستعرض ما ذكروه ـ سواء الذي جاء في أحاديث الشيعة أو الذي جاء عند غيرهم:
1 ـ جاء في حديث محمد بن حكيم أنّه قال: «وصفت لأبي الحسن (عليه السلام) قول هشام الجواليقي وما يقول في الشاب المُوفَّر…» ([582]).
وحديث إبراهيم بن محمد الخزّاز، ومحمد بن الحسين، قالا: «دخلنا على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فحكينا له أنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) رأى ربّه في صورة الشاب المُوَفّر، في سنّ أبناء ثلاثين سنة، وقلنا: إنّ هشام بن سالم، وصاحب الطاق([583]) والميثمي([584]) يقولون: إنّه أجوف إلى السُرَّة، والبقيّة صمد…»([585]).
وحديث أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن الرضا (عليه السلام)، قال: «قال لي: يا أحمد، ما الخلاف بينكم وبين أصحاب هشام بن الحكم في التوحيد؟ قُلت: جعلت فداك، قلنا نحن بالصّورة، للحديث الذي روي: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأى ربّه في صورة شاب، فقال هشام بن الحكم بالنفي، بالجسم…»([586]) ويقصد أنّ هشاماً نفى الصورة، لأنّ إثباتها لله سبحانه يلازم أن يكون جسماً.
2 ـ ما رواه الكشي عن عبد الملك بن هشام الحناط أنّه قال لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): «جعلت فداك، زعم هشام بن سالم: أنّ الله عزّ وجلّ صورة، وأنّ أدم خُلق على مثال الرب، ويصف هذا ويصف هذا، وأوميت إلى جانبي وشعر رأسي([587]) وزعم يونس [ابن عبد الرحمن، تلميذ هشام بن الحكم] مولى آل يقطين وهشام بن الحكم: أنّ الله شيء لا كالأشياء وأنّ الأشياء بائنة منه وهو بائن من الأشياء، وزعما: أنّ إثبات الشيء أن يقال جسم، فهو جسم لا كالأجسام، شيءٌ لا كالأشياء، ثابت موجود، غير مفقود ولا معدوم، خارج من الحدّين: حد الإبطال([588]) وحدّ التشبيه، فبأيّ القولين أقول؟
فقال (عليه السلام) أراد هذا [هشام بن الحكم] الإثبات، وهذا [هشام بن سالم] شبّه ربّه تعالى بمخلوق، تعالى الله الذي ليس له شبيه، ولا عَدل، ولا مثل، ولا نظير، ولا هو في صفة المخلوقين، لا تقل بمثل ما قال هشام بن سالم، وقل بما قال مولى آل يقطين [يوسف] وصاحبه [هشام بن الحكم]…»([589]).
3 ـ ذكر أصحاب المقالات: أنّ هشام بن سالم الجواليقي وأصحابه كانوا يقولون:
«إنّه تعالى على صورة الإنسان، أعلاه مُجوَّف وأسفله مُصْمَت، وهو نور ساطع يتلألأ بياضاً، وله حواس خمس كحواس الإنسان، ويد، ورجل، وأنف، وأذن، وفم، وله وَفْرٌ سَوداء هي نور أسود [إذ كان كله نور، فجسمه نور أبيض، ووَفْرتُه نور أسود!] لكنّه ليس بلحم ولا دم»([590]).
وأثبوا له كل عضو من أعضاء الإنسان (إلاّ الفَرْجَ واللحية)([591]).
«وأنكروا مع ذلك أن يكون جسماً»([592]).
وذكروا أنّ هذا كان رأي مؤمن الطاق، وعلي بن ميثم([593]).
لكنّ الشهرستاني والصفدي حكيا عن مؤمن الطاق أنّه كان يقول:
«إنّ الله تعالى نور على صورة إنسان ربّاني» ونفى أن يكون جسماً، لكنّه قال: «قد ورد في الخبر: (إنّ الله خلق آدم على صورته) و(على صورة الرحمن) فلا بدّ من تصديق الخبر»([594]).
وأضاف الشهرستاني: «وما يُحكى عنه من التشبيه فهو غير صحيح»([595]).
ولكنّهم ذكروا أنّه كان يقول بالجبر والتشبيه هو وأصحابه (الشيطانية)([596]).
و«إنّ الله جسم محدود متناه»([597]).
وذكروا (الشيطانية) في (المشبِّهة)، وقالوا: «إنّهم ينتسبون إلى شيطان الطاق، وحكي عنه: أنّه كان يقول بكثير من تشبيهات الروافض [؟]…»([598]).
ومن جانب آخر ذكروا في ترجمة مؤمن الطاق: «وكان معتزلياً»([599]) «شارك كلاً من المعتزلة والروافض بِدَعَهم»([600]).
4 ـ وأضافوا إلى هؤلاء يونس بن عبد الرحمن اليقطين، البغدادي _ح 125/742 ـ 280/823 ـ 824) المحدث والمتكلم الإمامي الشهير وتلميذ هشام بن الحكم.
قالوا فيه: «وهو من مشبّهة الشيعة»([601]) «وأفراط يونس في باب التشبيه»([602]) «وزعم أنّ الملائكة الذين هم حملة العرش يحملون الباري»([603]) «واستدل على أنّه محمول بقوله: {ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية}([604])»([605]) و«إذ قد ورد في الخبر: أنّ الملاكئة تَئِطُّ أحياناً من وطأة عظمة الله تعالى على العرش»([606]).
20 ـ الحديث غير الشيعي:
ومن الواضح: أنّ هذه الآراء ـ صحَّت نسبتها أم لم تصحّ ـ إنّما هي انعكاسات لأحاديث سمعها القائلون، فآمنوا بصحتها وحملوها على ظاهرها. وما جاءت الإشارة إليه من الأحاديث في الآراء نفسها، كما يلي:
1 ـ حديث أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ـ الصحابي الشهير ـ قالت:
سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يذكر: أنّه رأى ربّه في المنام في صورة شابٍ مُوَفّر «في خضر، على فراش من ذهب، في رجليه نَعلان من ذهب»([607]).
وقوله: «مُوَفَّر» يعني: «ذا وَفْرة»([608]) وقوله: «خُضْر» أي: في ثياب خضر([609]).
وانظر رأي الذهبي في الحديث([610]) ودفاع السيوطي عن صحّته! ([611]).
وجاء في ترجمة أبي الحسن، علي بن محمد بن بشّار البغدادي، الحنبلي (ـ313/925) المحدِّث الزاهد، الذي ذكروا له الكرامات، وأنّ من كان يحبّه فهو صاحب سُنَّة، وكان قبره إلى عدّة قرون بعده ظاهراً معروفاً ببغداد يتبرّك الناس بزيارته([612]).
«قال أحمد البرمكي: سألت أبا الحسن بن بشار عن حديث أمّ الطُّفَيْل، وحديث ابن عباس [سيأتي] في الرؤية [رؤية الله سبحانه] فقال: صحيحان. فعارض رجلٌ، فقال: هذه الأحاديث لا تُذْكر في مثل هذا الوقت! فقال ابن بشّار: فيُدرسُ الإسلام؟!!»([613]).
وحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): رأيت ربّي في صورة شابٍ له وَفْرَة([614]).
وحديث مُعاذ بن عَفْراء: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أنّه رأى ربَّ العالمين، عزَّ وجلَّ، في حظيرة القدس، عليه تاج يلتمعُ البصر([615]).
وحديث ابن عباس، عنه (صلّى الله عليه وآله) قال: رأيت ربي تعالى في صورة شاب أمرد، عليه حُلةٌ حمراء([616]).
وحديثه الآخر، عنه (صلّى الله عليه وآله)، قال: رأيت ربّي عزَّ وجلَّ، شابٌ، أمرد، جَعْد، قَططُ، عليه حُلَّةٌ حمراء([617]).
وأحاديث كثيرة أخرى.
2 ـ وأمّا رؤية النبي (صلّى الله عليه وآله) ربّه ليلة المعراج (الإسراء) فما أكثر ما جاء فيها من طرق غير الإمامية:
فيقول ابن عباس، ويحلف على ذلك: أنّه رأى بعينه ربّه مرتين([618]).
وكان الحسن البصري يحلف بالله: لقد رأى محمد ربّه([619]).
وكان عكرمة يقول: نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه حتى ينقطع النفس([620]).
وقال النووي: «وذهب جماعة من المفسرين إلى أنّه رآه بعينه، وهو قول أنس، وعكرمة، والحسن، والربيع…» ([621]).
وسئل أحمد بن حنبل عن ذلك، قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه رأى ربه، رآه، رآه ـ حتّى انقطع نفس أحمد ـ([622]).
وقال النووي: «والراجح عند أكثر العلماء: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأى ربّه بِعَيْنَيْ رأسه ليلة الإسراء (…) وأمّا رؤيته، عزَّ وجلَّ يوم القيامة في الموقف، فعامّة لكل أحد من الخَلق: الإنس والجن، من الرجال والنساء، المؤمن والكافر، والملائكة، وجبريل، وغيره…»([623]).
وأمّا الأحاديث نفسها ـ وما أكثرها ـ فلا أذكر شيئاً منها سوى حديث واحد رواه محمد بن إسحاق المحدّث والمؤرخ الشهير، بسنده عن عبدالله بن أبي سلمة، قال:
إنّ عبدالله بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبدالله بن عباس يسأله: هل رأى محمد (صلّى الله عليه وآله) ربَّه؟ فأرسل إليه ابن عباس: أنّ نعم! فردَّ عليه عبدالله بن عمر رسوله: أن كيف رآه؟ فأرسل: إنّه رآه ـ زاد يونس [أحد الرواة عن ابن إسحاق] في روايته: في صورة رجل شاب ـ في روضة خضراء، دونه فراشٌ من ذهب، على كرسي من ذهب، يحمله أربعة من الملائكة: ملَكٌ في صورة رجل، وملكٌ في صورة ثور، ومَلكٌ في صورة نَسر، ومَلكٌ في صورة أسد([624]).
3 ـ وأمّا ما جاء فيه ذكر الأعضاء والجوارح ـ إمّا مجازاً كالذي ورد في القرآن الكريم وكثير من أحاديث السُّنة، وحمله على المعنى الحقيقي المحسوس غفلة أو تغافل، وإمّا ما يكون ظاهره المعنى الحقيقي المحسوس ولا يقبل التأويل إلاّ بصعوبة، وهو أيضاً في السّنّة كثير ـ فأمثلته كثيرة جداً، وقد تقدّم في النماذج التي حكيناها من أقوال المحدثين غير الإمامية الإشارة إلى أمثلة منه. وممّا جاء ـ ولم نذكره ـ قوله (صلّى الله عليه وآله) ـ فيما يروونه عنه ـ: «يكشف ربنا [يوم القيامة] عن ساقه فيسجد له كلُّ مؤمن ومؤمنة…»([625]).
وما جاء في أحاديث عديدة بألفاظ مختلفة: «يقال {لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}([626]) فلا تمتلئ حتّى يضع الرَّبُّ/ رب العالمين/ الرحمن/ فيها قدمه (ويُزوِي بعضها إلى بعض) فهناك تمتلئ ويُزوَى بعضها إلى بعض، وتقول: قطِ، قط، (قَطِ)/ قَدِ، قَدِ قدِ/ قَدِي، قَدِي/ قَدْني، قَدْني([627]) وعزَّتِكَ…» ([628]).
4 ـ ما جاء في حديث أبي هريرة: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً»([629]).
وما جاء في حديث عبدالله بن عمر: «لا تُقَبِّحوا الوجه فإنّ ابن آدم خلق على صورة الرحمن»([630]).
وما جاء في أحاديث القيامة: «فيأتيهم [المؤمنين يوم القيامة] الله في صورته التي يعرفون [بعد أن أتاهم في صورة لم يعرفوه بها فأنكروه] فيقول: أنا ربكم! فيقولون: أنت ربنا…»([631]).
5 ـ وأما المكان، فمن أطرف ما جاء فيه، ما جاء حول «العرش» و«الكرسي» في قوله تعالى: {وسع كرسيه السموات والأرض}([632]). من قول ابن عباس: «الكرسي/ كرسيّه موضع قدمه/ قدميه/ والعرش لا يُقدِّر قَدَره إلاّ الله»([633]).
وبمعناه حديث عمر بن الخطاب، وأبي موسى الأشعري، وأبي ذر، وابن مسعود([634]).
وهكذا فسَّر كثير من قدماء المفسرين([635]).
وما جاء حول جلوس الله سبحانه فوق العرش: «إنّ الله فوق عرشه، وإنّه لَيَئِطُّ به أطيط الرَّحل الجديد بالراكب، إذا ركبه من يُثْقِلُه»([636]) «وإنّه ليقعد فما يفضل منه ألاَّ قدر أربع أصابع»([637]) وإنّ هذا الموضع الذي يفضل ـ قدر أربع أصابع ـ قد أعدّه الله سبحانه وأخلاه لمحمد (صلّى الله عليه وآله)، ليُجلسه عليه يوم القيامة([638]) وذلك تفسير قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً}([639])، ([640]).
وقد دافع ابن جرير عن صحة هذا التفسير، وعن الجلوس دفاعاً حاراً([641]) كما قد دافع عنه الخلاّل دفاعاً أقوى من ابن جرير بكثير، في كتابه([642]) وقد رواه عن عبدالله بن سلام ومجاهد، وأتبعه بمنامات وحكايات، وأقوال محدِّثين، وأنّ من أنكره جهميّ، ثنويّ، كافر، زنديق، يجب قتله!
وحكى أبو بكر النقّاش، عن أبي داود السجستاني، سليمان بن الأشعث (202/817 ـ 275/889) صاحب السنن الشهيرة، أنّه قال: «من أنكر هذا الحديث [حديث الجلوس] فهو عندنا مُتَّهم [بالردة والخروج عن الدين] فما زال أهل العلم يُحدِّثون به [خوفاً من الاتهام]»([643]).
وحكى ابن قيّم الجوزية، تلميذ ابن تيمية الشهير، عن القاضي أبي يعلى الحنبلي أنّه قال: صنّف المَروزي كتاباً في فضيلة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وذكر فيه إقعاده على العرش. وذكر القاضي أنّه قول جماعة [وعدَّهم سبعة وعشرين وذكر أسماءهم] وأضاف ابن القيّم: «وهو قول ابن جرير الطبري، وإمام هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير، وهو قول أبي الحسن الدارقطني…»([644]).
والمروزي هو: أحمد بن محمد بن الحجّاج، أبو بكر المَرْوذي (المَرْوَرُوذي) البغدادي (ح 200/816 ـ 275/888). قال فيه الذهبي: الإمام، القُدوة، الفقيه، المحدِّث، شيخ الإسلام([645]) (…) وكان إماماً في السُّنَّة، شديد الاتباع، من أجلِّ أصحاب أحمد بن حنبل والمقدَّم فيهم لورعه وفضله ولأنّه حمل عن أحمد علماً كثيراً، وكان أحمد يأنس به ويَنْبَسِط إليه، وهو الذي تولّى إغماض أحمد لمّا مات وغسَّله، وروى عنه مسائل كثيرة، وأسند عنه أحاديث صالحة؛ كما قالوا في ترجمته([646]).
وقد وقعت بسبب هذا القول وكتاب المروذي فيه فتنة دامية ببغداد، كما يذكر ابن الأثير وغيره في أحداث سنة 317/929 «ففيها وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين غيرهم من العامة، ودخل كثير من الجند فيها، وسبب ذلك: أنّ أصحاب المروزي قالوا، في تفسير قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً} هو: أنّ الله سبحانه يُقْعِدُ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) معه على العرش، وقالت الطائفة الأخرى: إنّما هو الشَّفاعة [وهو التفسير الصحيح المتفق عليه بين الشيعة وكثير من علماء السُّنَّة] فوقعت الفتنة واقتتلوا، فقُتِل بينهم قتلى كثيرة»([647]).
6 ـ ولم أجد تفسيراً معقولاً لما نسب إلى الجواليقي من قوله: إنّه سبحانه أجوف إلى السُّرَّة، والبقية صَمَدٌ، سوى أنّه فسّر «الصمد» بالمُصْمَت ـ التفسير الذي ستأتي الإشارة إليه ـ ووجد ما دلَّ على أنّ لله سبحانه من الأعضاء والجوارح ما يتنافى وكونه مُصْمتاً من رأسه إلى قدمه! وقد مرَّ أنّه أثبت له سبحانه، كل عضو «إلاّ الفَرج واللحية» فاضطر إلى أن يجزّئه سبحانه جُزأين: أعلى مجوَّف، وأسفل صَمَد مُصْمَت لا فرج له!
21 ـ ما نسب إلى الهشامين
جاء منسوباً إلى غيرهم:
ومن المناسب جداً أن نذكر أنّ ما نسبوه إلى هشام بن الحكم أو إلى هشام الجواليقي قد حكوه عن آخرين سبقوهما أو كانوا معاصرين لهما، منهم:
1 ـ أبو الحسن مقاتل بن سليمان الأزدي، البلخي، المروزي (ح 70/689 ـ 150/767) سمع الكثير وحدَّت الكثير، واختص بالتفسير. جال في البلاد الإسلامية: مرو، ثم العراق، والحجاز، والشام، ففسر وحدّث بمكة، وبغداد، وبيروت، واستقرّ أخيراً بالبصرة وبها مات. اشتهر بتفسير القرآن الكريم حتّى قال عنه الشافعي: الناس عِيال على مقاتل في التفسير. وكان ممّن يُضرب به المثل في القول بالتجسيم والتشبيه الصريحين، والكذب في الحديث. خاصم بلدَيَّه جهم بن صفوان عقائدياً وسياسياً. قال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنّصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبّهاً يشبّه الربّ بالمخلوقين([648]).
قال هو وأصحابه: إنّ لله جسم، وله جُمَّة([649]) وإنّه على صورة الإنسان، لحم، ودم، وشعر، وعظم، له جوارح وأعضاء، من يد، ورجل، ورأس، وعينين، مُصْمَتٌ، وهو مع هذا لا يُشْبه ولا يُشْبِهُه غيره([650]).
وأضاف المقدسي ونَشوانُ الحميري: وأنّه سبعة أشبار بأشبار نفسه([651]) ويقصدون من أصحاب مقاتل جماعة من أصحاب الحديث تأثروا به، وقالوا بمثل مقالته، منهم:
أ ـ ربيبه نوحُ بن أبي مريم (يزيد)، أبو عِصْمة المَروزي، الحنفي، قاضي مرو (ح100/719 ـ 173/789) سمع الكثير وروى الكثير، وتفقّه على أبي حنيفة، وخرّج حديثه الترمذي وابن ماجة في التفسير. تزوّج مقاتلٌ أمَّه فربَّاه، فأخذ أبو عِصْمة منه آراءه، وقالوا فيه ما قالوا في شيخه مقاتل([652]).
ب ـ وأبو عبدالله، نُعيم بن حماد بن معاوية الأعور الخُزاعي، المروزي، ثم البصري (ح148/765 ـ 228/843) من أعلام المحدّثين، كان إماماً في السنَّة. خرَّج حديثه البخاري، ومسلم في مقدمة صحيحه وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة. حُمِل من مصر إلى العراق في خلافة المُعتصم العباسي لامتناعه عن القول بخلق القرآن، فحُبس إلى أن مات فدُفن بقيوده، ولم يُكفَّن ولم يصلَّ عليه.
كان كاتباً لأبي عِصْمة فربَّاه ومنه تعلم، ووضع كتباً كثيرة في الرد على الجهمية. وقالوا فيه ما قالوه في شيخيه، ولكنّهم لم يذكروه صريحاً، إلاّ الدولابي، والأزدي، لأنّهم عدُّوه من شهداء مِحنتهم([653]).
وراجع النصَّ على أنّهما تبعا مقاتلاً في التشبيه والتجسيم، هما وداود الجواربي ـ الآتي ـ (الملل والنحل 1/187، تلبيس إبليس: 86، شرح ابن أبي الحديد 3/224).
2 ـ أبو المُثَنّى مُعاذ بن مُعاذ العَنْبري، البَصري، قاضي البصرة (119/737 ـ 196/812) من أعلام المحدّثين، اتفقوا على توثيقه وتخريج حديثه، منهم أصحاب الكتب السِّتَّة وغيرهم([654]).
قال بعض الرواة: سألت معاذاً العنبري، فقلت: أله وجهٌ؟ فقال: نعم! حتّى عددت جميع الأعضاء من أنف، وفم، وصدر، وبطن، واستَحييتُ أن أذكر الفرج، فأومأت بيدي إلى فرجي؟ فقال: نعم! فقلت: أذكر أم أنثى؟ فقال: ذكر!([655])
ودخل إنسان على معاذ بن معاذ قاضي البصرة يوم عيد، وبين يديه لحم في طبيخ سِكْبَاج، فسأله عن الباري تعالى في جملة ما سأله، فقال: هو، والله! مثل هذا الذي بين يدي، لحم ودم!([656])
3 ـ داود الجَواربي: لم يذكروا عنه شيئاً بل ولا اسم أبيه، سوى ما حكوه عن يزيد بن هارون الواسطي (118/736 ـ 206/821) ـ من أعلام المحدّثين المتفق عليهم ـ الجواربي والريسي [بشر بن غياث] كافران. وكان يذكر أنّ داود الجواربي عَبَر جسر واسط فانقطع الجسر، فغرق من كان عليه [سوى داود الذي نَجَا] فكان يزيد يقول: إنّ الذي خرج شيطان فقال: «أنا داود الجواربي»([657]).
ومن هذا يظهر أنّه كان عراقياً، وأنّه وبشراً متعاصران.
عدّ الأشعري داوداً وأصحابه من فرق المُرْجئة، وعدّه الشهرستاني، هو ونُعْيم بن حماد من مُشبِّهة أصحاب الحديث الحشوية الذين وافقوا مقاتل بن سليمان. وهكذا صنع عبد القاهر البغدادي، وأبو المظفّر الاسفراييني، وغيرهما فعدّوه من «المشبّهة» لا من «الرافضة» أو «الرافضة المشبّهة».
وحكوا عنه أنّه كان يقول: «إنّ معبوده جسم، ولحم، ودم، وله جوارح وأعضاء، من يد، ورِجْل، ورأس، ولسان، وعَيْنَيْن، وأذنَيْن، ومع ذلك جسم لا كالأجسام، ولحم لا كاللحوم، ودم لا كالدِّماء، وكذلك سائر الصِّفات، وهو لا يُشْبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيءٌ، وهو أجوف من أعلاه إلى صدره، مُصْمَتُ ما سوى ذلك، وانّ له وفرةٌ سوداء، وله شعْر قَطَطُ». وكان داود الجواربي يقول: «اعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عمّا وراء ذلك، فإنّ في الأخبار ما يثبت ذلك»([658]).
ولكن ابن حزم عدَّه في ملة الشيعة([659]) وقال: «وكان داود الجواربي([660]) من كبار متكلّميهم، يزعم أنّ ربّه لحم ودم، على صورة الإنسان»([661]).
وقال السمعاني: «وعنه [عن هشام الجواليقي] أخذ داود الجواربي قوله: إنّ معبوده له جميع أعضاء الإنسان، إلاّ الفرج واللحية»([662]).
وقال الذهبي، وأقرّه عليه ابن حجر العسقلاني: «داود الجواربي، رأس في الرافضة والتجسيم، من مرامي جهنم»([663]). وقال الذهبي أيضاً: داود الجواربي كان رافضياً مُجَسِّماً كهشام بن الحكم([664]).
ولم تذكره المصادر الإمامية بشيء، بل لم يأت اسمه في أي منها، قديمها وحديثها.
22 ـ هشام بن الحكم والرد على الجواليقي
وما نسب إليه من الرد على مؤمن الطاق
ولم تكن معارضة الجواليقي فيما يقوله خاصة بالأئمة (عليهم السلام)، فقد كان هشام بن الحكم وأصحابه يعارضون الجواليقي، كما جاء فيما رواه علي بن إبراهيم بسنده الصحيح، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البَزَنطي ـ وقد تقدّم الحديث ـ.
ولهشام بن الحكم: «كتاب الرد على هشام الجواليقي»([665]).
وذكر المترجمون لهشام بن الحكم في قائمة كتبه: «كتاب الرد على شيطان الطاق»([666]) ولم يصلنا الكتاب نفسه حتّى نعرف الذي يقصده هشام بـ «شيطان الطاق»، ولم يفسّره الذين ذكروا الكتاب له، ولعل التفسير الذي يبدو لأول مرة: أنّ المقصود به مؤمن الطاق، أبو جعفر البجلي، المتقدم ذكره مع هشام الجواليقي، هو والميثمي، ولكنّي في شك مريب من هذا التفسير، بل أكاد أجزم بعدم صحته، وأنّه تفسير خاطئ، وذلك:
أنّ علماء الشيعة متفقون على أن تلقيب أبي جعفر الأحول، البَجَلي بشيطان الطاق إنّما جاء من قبل المخالفين «الخصوم» للشيعة، والشيعة يلقبونه «مؤمن الطاق»([667]) وقد علم به غيرهم فحكاه عنهم([668]) وذكروا له لقباً آخر: «شاه طاق/ شاه الطاق» «مَلِكُ الطاق»([669]) وقال ابن النديم: «وشيعته تسمّيه شاقّ الطاق أيضاً»([670]).
بل إنّ ابن حجر يحكي عن ابن أبي طيئ ـ العالم الإمامي الشهير ـ أنّ أحد الأقوال في تلقيبه «مؤمن الطاق» ما عبّر عنه ابن حجر بلسانه الخاص: وقيل: إنّ هشام بن الحكم شيخ الرافضة لما بلغه أنّهم [خصوم الإمامية] لقّبوه شيطان الطاق، سمّاه هو مؤمن الطاق([671]).
ولم يكن هذا اللقب «مؤمن الطاق» قد استقر له بعد عصره، بل إنّ المعاصرين له كانوا يلقبونه به، فجاء عن هشام بن سالم الجواليقي نفسه([672]) وفي حديث آخر([673]) ويونس بن يعقوب([674]) وأبان بن عثمان الأحمر([675]) وأبي مالك الأحمسي([676]) وشريك بن عبدالله النخعي([677])، فمن البعيد جداً ـ والحال هذه ـ أن ينبزه مثل هشام بن الحكم بهذا اللقب الذي لا ينبزه به إلاّ خصوم الشيعة ـ وقابلهم أصحابه الشيعة بلقب آخر يليق به وبكرامته ومنزلته ـ بل إنّ هشاماً نفسه هو الذي بدأ بمعارضتهم واختار له «مؤمن الطاق» في أحد الأقوال في سبب تلقيبه بهذا اللقب المؤمن، وقد تقدم.
ويضاف إلى هذا أنّي لم أجد في أحاديث الشيعة ما يدل على وقوع الخصومة بين هشام ومؤمن الطاق، بلا ولا أي نوع من الخلاف بينه وبينه بصورة مباشرة ـ كما وجدنا ما دل على الخلاف بينه وبين هشام الجواليقي ـ ومثل هذا التلقيب ليس له من مبرر، ولا فيما إذا اشتدت الخصومة والعداء، إلاّ عند المهاترة والتنابز بالألقاب. نعم جاء فيما ذكرته سابقاً، عند الكلام عن الجواليقي أنّ مؤمن الطاق والميثمي تبعا الجواليقي في رأيه، فالرد عليه رد عليهما، وهشام بن الحكم قد فعل ذلك.
ويضاف إلى هذا كله ما ذكرته عند الكلام عن سيرة هشام بن الحكم من شهادة أعدائه بخلق هشام، وأنّه تصادق مع خارجي أباضيّ تلك الصداقة التي استمرّت سنين طويلة، والتي ضرب بها المثل في حسن الصحبة وجميل العشرة، والتي أفضلت على جميع المتضادين ـ كما يقول الجاحظ ـ فهذا النبز، بهذا المستوى ممّا يأباه خلو من لم يكن في مستوى هشام بن الحكم، فكيف به!
فمن هذا كله وغيره أقول ـ وأنا واثق بصحة ما أقول ـ: إنّ هشاماً في كتابه هذا يرد على شخص آخر غير مؤمن الطاق وكان هذا اللقب «شيطان الطاق» له قبل أن يلقّب مؤمن الطاق به، وكانت خصومته للشيعة ولهشام بلغت الحد الذي لم يجد هشام بأساً في نبزه بمثل هذا اللقب الشائن، ولكن الخصوم قد حرّفوا اللقب عن موضعه، ونبزوا به مؤمن الطاق، لأنّه كان يسكن طاق المحامل بالكوفة، فكان يقال له «الطاقيّ» أو «صاحب الطاق»([678]) وتُنُوسِيَ صاحب اللقب الأول إلى أن نُسِي، فحصل مثل هذا اللَّبس، وفيما قدَّمتُ من النماذج الكثيرة من فعل الخصوم ما يبرر لي مثل هذا الظن الحسن بهم وبخُلقهم وسلوكهم!
وممّا يدل على أنّ هذا اللقب لم ينبز به مؤمن الطاق وحده أنّ الخطيب يترجم لراوٍ غير إمامي ويقول: «أحمد بن هارون، يعرف بشيطان الطاق، من أهل سُرَّ من رأى([679])…([680]).
22 ـ نظرة إلى الحديث غير الشيعي:
ومن دراستنا هذه التي اضطررنا إليها ظهر أنّ من اتهموا من الشيعة بالتجسيم والتشبيه ـ سواء أصحّت عليهم التهمة أم لا ـ إنّما قامت التهمة على أساس إيمانهم بأحاديث تسرَّبت إليهم من طريق غير الشيعة ـ وما قدمنا من الأمثلة تشهد بذلك ـ، وكانت هذه الأحاديث نفسها هي التي جرَّت غيرهم إلى التجسيم والتشبيه عالمين أو غير عالمين وبذلك توافقت آراؤهم ـ أو توافق ما حكوه من آرائهم، وإن لم يثبت أنّهم، أو أنّ البعض منهم قد آمن بها ـ.
وكمثال واحد لتأثير هذه الأحاديث في البيئة الشيعية، يضاف إلى الأمثلة المتقدمة، ما يرويه الصدوق بسنده عن يعقوب السرّاج، قال:
قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّ بعض أصحابنا يزعم أنّ لله صورة مثل صورة الإنسان، وقال آخر: إنّه في صورة أمرد، جَعْد، قطَطَ [راجع ما تقدم] فخرَّ أبو عبدالله (عليه السلام) ساجداً، ثم رفع رأسه، فقال: سُبْحانَ الله الذي ليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار، ولا يُحيطُ به علم، لم يلد، لأنّ الولد يُشبه أباه، ولم يُولد فيُشْبه من كان قَبله، كفواً أحد، تعالى عن صفة من سواه عُلُواً كبيراً([681]).
وهناك عامل آخر، أكتفي فيه بذكر شاهد واحد عليه ولا أشرح ولا أعلق، وهو ما جاء عن ابن أبي عمير، محمد بن زياد الأزدي البغدادي (** ـ 217/832) المحدث والعالم الشيعي الشهير، فيما يرويه الكشي عن الفضل بن شاذان، قال:
سأل أبي محمد بن أبي عمير، فقال له: إنّك قد لقيت مشايخ العامة([682]) فكيف لم تسمع منهم؟ فقال: قد سَمِعْتُ منهم، غير أنّي رأيت كثيراً من أصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة، فاختلط عليهم، حتّى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة وحديث الخاصة عن العامة، فكرهت أن يختلط عليَّ فتركت ذلك وأقبلت على هذا([683])»([684]).
وهذان العاملان ـ ويضاف إليهما عوامل أخر ـ يفسّران التأكيد الذي صدر عن الأئمة (عليهم السلام) لشيعتهم على أخذ عقائدهم وأحكامهم من الأئمة (عليهم السلام) وحدهم، والاعتماد على الصادقين الموثوق بهم ممّن يروي عنهم. وسامح الله إخواناً لنا فسّروه على أنّه قطيعة بين الإخوة المسلمين، وحوّلوه إلى مطعن أضافوه إلى مطاعنهم علينا!
وتبيّن من دراستنا هذه أنّ خصوم الشيعة، مهما اختلفت آراؤهم وتباينت عقائدهم، لم يتورّعوا في سلوكهم مع الشيعة عمّا كانوا يتورعون عنه ـ ويدّعون أنّهم يتورّعون عنه ـ فيما بينهم، وقد قدّمت أمثلة كثيرة لذلك، وتركت التعليق عليها، ولكنّي هنا أحكي رأياً لعالم غير شيعي حول كتاب من أشهر كتب المقالات والفرق، ويعدّ بمنزلة الأم لعامّة من كتب في هذا الموضوع قديماً وحديثاً، وهو الكتاب «الفَرْق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منها» تأليف أبي منصور، عبد القاهر بن طاهر البغدادي، الأشعري، الشافعي (**ـ429/1038) وبمعناه كتابه الآخر: «الملل والنحل» وكلاهما مطبوعان، وكتاب آخر لا يقل عنه أهمية، إن لم يَفُقْه، وهو كتاب «الملل والنحل» تأليف أبي الفتح، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479/1086 ـ 548/1153).
يقول فخر الدين الرازي العالم المتكلم والمفسر الشهير حول كتاب «الملل والنحل» تأليف الشهرستاني ـ من أشهر الكتب في هذا الموضوع ـ: «إنّه كتاب حكى فيه مذاهب العالم بزعمه، إلاّ أنّه غير معتمد عليه، لأنّه نقل المذاهب الإسلامية من الكتاب المسمّى بـ «الفَرْق بين الفِرق» تأليف الأستاذ أبي منصور البغدادي، وهذا الأستاذ كان شديد التعصب على المخالفين، ولا يكاد ينقل مذهبهم على الوجه الصحيح. ثمّ إنّ الشهرستاني نقل مذاهب الفرق الإسلامية من ذلك الكتاب، فلهذا السبب وقع الخلل في نقل هذه المذاهب»([685]).
وقبل أن أنهي البحث لا بد لي من كلمة موجزة حول دور المعتزلة في هذا المجال. إنّ المعتزلة وإن واجهوا منذ نشأتهم طائفتين من الخصوم: إحداهما أصحاب الحديث والسنّة، أو مَن يسمّيهم المعتزلة بالحَشويّة والنابتة، والثانية المتكلمون الذين كانوا يختلفون معهم في الرأي. والمحدثون لم يقابلوا المعتزلة بسلاح الكلام والجدل ومقارعة الحجة بالحجة، بل قابلوهم بالتبديع والتفكير، والاتهام بالزندقة والمروق من الدين، وإثارة العامة وسواد الناس عليهم، فتحوّلت خصومتهم إلى «صراع جسدي»، اضطر المعتزلة فيها أن يكسبوا سلاح السلطان بعد أن لم ينجحوا في كسب سلاح العامة! ومن هم مأهم مظاهرها المآسي التي حفل بها تاريخ عصر المأمون، والمعتصم والواثق، والمتوكِّل العباسيين (198/813 ـ 247/861)، كان المعتزلة فيها هم الفائزون في عصر الخلفاء الثلاثة الأول، عن طريق كسب سلطان الخليفة وسلاحه إلى جانبهم، وهي المآسي التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بمحنة خلق القرآن، ولكن المعتزلة دالت دولتهم بعد أن مال المتوكل إلى خصومهم المحدثين، فخسروا السلطة وسلاحها بعد أن كانوا قد خسروا العامة وسلاحهم من قبلُ.
وأما خصومهم المتكلمون ـ وأهم خصومهم كان متكلِّمو الشيعة ـ فكانت خصومة المعتزلة معهم تدور في إطار فكري بحت، إذ كانت الأطراف المتنازعة متكافئة القوى، لا يملك أيُّ منها لا سلاح السلطان ولا سلاح العامة، بل كانت المعتزلة، أقرب إلى قلب السلطان وعطفه، فمكنها ذلك من الاستعانة بسطوته وسلاحه! فاستعان المعتزلة بكل الأسباب والوسائل، واتبعوا كافة السبل التي تمكنهم من الفوز. وإذا كانت خشية العامة أوّلاً، ثم خشية السلطان والعامة معاً فيما بعد غلَّت أيدي المعتزلة أمام المحدثين، فإنّها لم تغلّ أيديهم أمام الشيعة، ولأجل هذا لا نجد في كتب المعتزلة بالنسبة إلى المحدّثين ذلك التهجّم الفاضح، والنقد اللاذع الجريء، والخصومة السافرة، ما نجد مثله بالنسبة إلى الشيعة.
وأنا أرى أنّ ما نسبه المعتزلة إلى الشيعة ـ وعنهم أخذه غيرهم ـ إنّما سمعوه أوّلاً من المحدثين، فمقاتل بن سليمان استقرَّ في البصرة أواخر حياته، وفيها نشر آراءه ـ كما تقدّم ـ «والبصرة عُش القدر» كما يقول الذهبي([686])، ومعاصره حماد بن سَلَمة البصري (88/707 ـ 167/784) مفتي البصرة وفقيهها، والمحدّث الشهير، وهو منْ تدور عليه أكثر أحاديث «الصفات» [صفات الله] التي يستدل بها المُجسِّمة والمُشبِّهة، والتي يقولون إنّ ربيبه عبد الكريم بن أبي العوجاء الزنديق الشهير قد دسّها في كتبه، فكان حماد يحدّث بها ويدافع عن صحتها([687])، ومُعاذ العنبري قاضي البصرة ومحدّثها، بل وداود الجواربي، كانوا إمّا بصريين أو لهم صلة بالبصرة، فسمع المعتزلة كل ذلك منهم، ولكنّهم لم يسعهم التهريج به عليهم مباشرة، فاستعملوه أمام الشيعة، بأن نسبوا ذلك إليهم أولاً، ثمّ التهريج به عليهم بعد ذلك!
24 ـ مقارنة ومناقشة:
وآخر ما أريد ان أذكره: إنّ قياس «تصحيح الاعتقاد» للمفيد إلى «اعتقادات الإمامية» للصدوق لا يكشف لنا إلاّ عمّا اشتركت فيه المدرستان الحديثية والكلامية عند الشيعة وما اختلفتا فيه خلال القرون التي تنتهي بالقرن الخامس (الحادي عشر). وأمّا الانتهاء بهذا القياس إلى تعليل الفرق الذي نجده في جانب المفيد بأنّه يرجع إلى تأثّره بالاعتزال فهو استنتاج ينقصه الكثير من مقومات الاستنتاج الصحيح المرتكز على دراسة صحيحة مستوعبة.
فإنّ الشيعة منذ أوّل عصورهم كانت توجد فيهم هاتان المدرستان، وقد قدمنا أنّهما وإن كانتا متغايرتين في الأسلوب ونوعية الاستدلال، إلاّ أنّهما لم تكونا متضادتين متخاصمتين كما نجدهما عند غير الشيعة. وقد ذكرت تأريخاً متسلسلاً لمتكلمي الشيعة، ترجمت فيه لهم إلى عصر أبي جعفر الطوسي، وذكرت ما ذكر لهم من الكتب الكلامية. ولكن الكتب الذي ذكرتها هناك قد ضاعت كلها ولم يصل إلينا منها إلاّ النزر القليل، على أنّها بعناوينها وأسمائها وما توحيه هذه العناوين، تدل على أنّ الكلام الشيعي سلسلة متصلة متواصلة، عاشت واستمرّت إلى عصر الشيخ المفيد، وما لم نحصل على نماذج منها فلا أقل من أن ندرس عناوينها وما تبقى من النماذج القليلة من محتوياتها وإلاّ فلا تكون دراستنا إلاّ ناقصة مبتورة، ولا يصح لنا أن نحكم بأنّ ما نراه ميزة عند المفيد إنّما أخذ عن المعتزلة، بل إنّ هناك من الأدلة التي تدلنا على أنّ هذه الميزة توارثها متكلّمو الشيعة كعقيدتهم التي توارثوها بما لها من الخصائص، وقدّمت سابقاً بعض الكلام حول الفرق المنهجي بين الأسلوب الحديثي والأسلوب الكلامي. ومنه يظهر أنّ تلك الأحكام الصارمة الباتة التي حكموا بها قديماً وحديثاً حول تأثّر الشيعة بالمعتزلة، ليس لها ما يبررها. وقد بيّنت أنّهم في عقائدهم لم يتاثروا بالمعتزلة، وكانت هذه مهمتي في هذا المدخل، وأمّا البحث عن الجوانب الأخر فأرجئ التبسط فيه إلى مجال آخر.
ولكنّي هنا أسوق مثالاً واحداً لتلك الأحكام الصارمة، وهو أخف الأمثلة وأقلّها جَوراً وتعسفاً، لصلته بالصدوق والمفيد. يذكر (م. مكدرموت): أنّ «كتاب التوحيد» للصدوق متأخر في تأليفه عن كتابيه الآخيرين «اعتقادات الإمامية» و«الهداية» وأنّ الصدوق فيه كان أقرب إلى الفكر الاعتزالي منه فيهما، إذ أنّ الصدوق بعدما هاجر إلى الري كان يعيش في بلاط البويهيين هناك، ولعل هذا الفرق يعود إلى «ضغط الوزير الصاحب بن عبّاد [وزير البويهيين (326/938 ـ 385/995)] والأثر الذي كانت تتركه أدلة المعتزلة في نفس الصدوق، اللذين أوجبا التغيير الذي حصل في تفكير الصدوق»([688]).
وأنا أضع أمامه وأمام الباحثين مثالاً أسبق عصراً وأرفع مستوى، وهو الكليني، الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي، ثم البغدادي (**ـ329/941) شيخ محدّثي الشيعة، وكان يعيش في الري، ثم هاجر إلى بغداد في أواخر عمره وبها مات([689]).
فإنّ الكليني عقد باباً في توحيد الكافي: «تأويل الصمد» وذكر فيه حديثين فسّرا «الصَّمَدَ» بالسيد المصمود إليه كلُّ شيء، في القليل والكثير([690]) ثم قال:
«فهذا هو المعنى الصحيح في تأويل «الصمد»، لا ما يذهب إليه المُشَبِّهة: إنّ تأويل الصَّمد: المصْمَت الذي لا جَوْف له، لأنّ ذلك لا يكون إلاّ من صفة الجسم، والله، جلّ ذكره، متعالٍ عن ذلك (…) ولو كان تأويل «الصمد» في صفة الله، عزّ وجلّ المصْمَت، لكان مخالفاً لقوله عزّ وجلّ: {ليس كمثله شيء}([691]). لأنّ ذلك من صفة الأجسام المصْمتة التي لا أجواف لها، مثل الحجر، والحديد، وسائر الأشياء المصمتة (…).
فأمّا ما جاء في الأخبار من ذلك «فالعالِمُ أعلم بما قال…» ثم استدل بأدلة لغوية على صحة هذا التفسير([692]).
وبهذا سبق بأكثر من قرن الشيخ الطوسي تلميذ المفيد الذي يقول: «ومن قال الصمد بمعنى المصْمت، فقد جهل الله، لأنّ المصمت هو المتضاغط الأجزاء، وهو الذي لا جَوف له، وهذا تشبيه وكفر بالله تعالى»([693]).
وما أشار إليه الكليني من الروايات التي لم يذكرها، والتي فسر «الصمد» بالذي لا جوف له، قد ذكرها الصّدوق ولم يتغافل عنها في «كتاب التوحيد» ـ الذي تأثّر فيه بالمعتزلة أكثر من رسالته وهدايته، كما يقول مكدرموت([694]) ـ وجمع بينه وبين المعنى الذي اختاره الكليني عندما فسّر «الصمد» وأخذ بهما جميعاً، وأنّ أوّل «الصمد» بما لا يلزم منه الجسمية([695]) ومن هذا يظهر أنّ الكليني كان أكثر اعتزالاً من الصدوق!
ولعل الاحتفاظ بقدسية تلك الأحكام التي صدرت حول الشيعة، قديماً وحديثاً، وأنّهم عيال على المعتزلة يَعُولونهم بآرائهم وأدلتهم، يدعو البعض إلى أن يجد أو يُوجد بلاطاً اعتزالياً آخر عاش فيه الكليني ووزيراً معتزلياً آخر ضغط عليه! ولا أمنع بأي وجه أن يتأثر عالم شيعي بأستاذه المخالف له في العقيدة، أو بالجو المخاصم له، ولكن الذي لا أقبله هو ما يوحي به رأي (م. مكدرموت) من أنّ الصّدوق تنازل عن بعض آرائه، أو أخفى جانباً منها، مراعاةً للصاحب أو المعتزلة، وأن يكون هذا تحفُّظاً على قدسية تلك الأحكام التي تقول إنّ أي تعديل حصل في رأي الشيعة إنّما كان من جرّاء تأثّرهم بالمعتزلة!
والصّاحب بن عبّاد لم يكن في رأي الصدوق ذلك المعتزلي الذي تصوّره مصادر المعتزلة، بل كان شيعياً إمامياً إثني عشرياً يمدح الأئمة والرضا خاصة (عليهم السلام)، في قصائد يصرّح فيها بإمامتهم، ويؤلف له الصدوق «عيون أخبار الرضا (عليه السلام)» ويصرّح بذلك في فاتحة الكتاب، ويذكر شعر الصاحب في ذلك([696]).
ويجب التفريق في المسائل الكلامية بين المسائل التي تمسّ العقيدة مباشرة، وبين ما لا يكون كذلك، كالمسائل التي كانوا يعبّرون عنها يومذاك باللطيف من الكلام. وقد ذكر شيخنا المفيد كثيراً من عناوينها في آخر أوائل المقالات([697])، ومهمّتي تنحصر، في هذا المدخل، في أنّ الشيعة لم يأخذوا عقائدهم من المعتزلة، ولم يحكمهم التشبيه والجبر يوماً ما قبل أن يتّصلوا بالمعتزلة، وأمّا التأثّر في مثل هذه المسائل، أو التأثّر في نوعية الاستدلال في المسائل المتفق عليها فلا أمنعه، بل هناك شواهد كثيرة على وقوعه، ولكنّه تأثر وتأثير متقابل، ولكن الذي يحزّ في النفس إغفال تأثر النّظام وأبي الطيب المعتزليّين بهشام بن الحكم مثلاً، والاهتمام بتأثّر المفيد بالمعتزلة! ولعل الآثار التي تركها متكلّمو الشيعة والمعتزلة على حدٍ سواء، كانت قد سلمتْ من الضّياع ووصلت إلينا، لكان لنا رأي آخر، ولعلنا كنّا نرجّح حينئذٍ: أنّ التأثّر في جانب الاعتزال بالشيعة كان أقوى وأكثر من تأثّر الشيعة بالمعتزلة.
وأمّا مدى تأثّر المفيد خاصة بالمعتزلة في مثل هذه المسائل «اللطيف من الكلام» وفي المسائل التي لا تمس العقيدة مباشرة، وخاصة متابعة المفيد لآراء الكعبي البلخي، الذي ملأ به (م. مكدرموت) كتابه: «نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد» فلا أناقش شيئاً ممّا ذكره، إذ الأصول التي قد اعتمد عليها قد ناقشتها وذكرت رأيي فيها، وأمّا التفاصيل فللحديث عنها مجال آخر.
ويجب أن ننتبه أيضاً إلى أنّ الأخذ عن متكلم غير شيعي لا يعني بالضرورة متابعة التلميذ لآراء أستاذه ـ وخاصة فيما يختلف معه في العقيدة ـ، والمتكلمون غير الشيعة يومذاك كانوا معتزلة، وبعد عصر أبي جعفر الطوسي كانوا في الأغلب أشاعرة، وقد حضر عليهم جمع من علمائنا الشيعة، وعكس هذا أيضاً، وهو حضور غير الشيعي على متكلِّم شيعي، كتلامذة نصير الدين الطوسي، المتكلّم والفيلسوف الشهير، صحيح. وما هذا إلاّ كالأخذ عن محدّث غير شيعي، وما أكثر شيوخ الحديث غير الشيعة الذين أخذ عنهم المفيد، والمرتضى، والطوسي، والكراجكي وأمثالهم، بل ومن سبقهم كالصدوق، ومن لحقهم كالعلامة الحلي! فإنّ هؤلاء كانوا يقيسون ما يسمعونه من الحديث بالمقاييس التي صحَّت عندهم، وبها يجب أن تستكشف صحة الحديث أو زَيْفُه، في رأيهم، والغاية من ذلك أن يستعين المحدث بما يسمعه من شيخه غير الشيعي في إثبات ما يعتقده من شؤون الإمامة وحالات الأئمة (عليهم السلام)، أو في ردّ حجج الخصوم. وهكذا الحال في علم الكلام، والتفسير، والفقه، وأصول الفقه، فإنّ مثل هذا الحضور يفيد أولاً تعلم ما ينفع فيما يرجع إلى ما اتفق عليه الطرفان، وإلى الاستعانة بعلم الأستاذ في الدفاع عما يراه التلميذ حقّاً، ثانياً.
2 ـ تطور الكلام عند الشيعة
25 ـ نظرة عامة، من غير تفصيل:
وأقصد بالتطور هنا المسيرة الفكرية التي تجتازها العلوم والأفكار البشرية منذ نشأتها، فتغذ السير تارة وتتباطأ أخرى بل وقد تحبو أو تطلع في سيرها أحياناً، ولست أقصد بالتطور معناه البيولوجي المراد به في عالم الأحياء، ولا المفهوم الماركسي الذي كثيراً ما تستعمل الكلمة فيه من الماركسيين وغير الماركسيين، بعمد أو عن غفلة وقلت هذا لأنّي لم تحضرني الآن كلمة أخرى أقرب إلى سمع القارئ وأحضر في ذهنه منها.
والحديث هنا طويل يستدعي ملء الفجوة الزمنية بين عصر النشأة وعصر المفيد بتراجم أعلام متكلمي الشيعة، حسب التسلسل الزمني وذكر خصائصهم وميزاتهم، ولا مجال لهذا البتة. ولهذا فإنّي سأختصر البحث ضمن النقاط التالية:
1 ـ إن كانت الكوفة قد احتضنت الحديث والفقه الشيعي ثم بعد قرنين من الزمان كانت قم إحدى المدن التي ملكت الكثير من هذا العلم. فإنّ الكلام الشيعي قد احتضنته بغداد منذ أيامه الأول. فقد قدّمت أنّ هشام بن الحكم كانت له صلة قوية ببغداد منذ فجر الدولة العباسية، وسكنها في أواخر أيامه وكان يدير ندوتها الكلامية التي كانت تنعقد في ظل البرامكة. واستمرّ فيها تلامذته المتكلمون يدرسون ويناظرون ويورثون عملهم من يحل محلهم من بعدهم.
والحديث والفقه الشيعيان وإن كانا وجدا في بغداد منذ نشأتها إلاّ أنّ بغداد قد أصبحت حاضرة الحديث والفقه بعد أن انتقلوا إليها من الكوفة مباشرة، ومن قم بصورة غير مباشرة. ولكنّها كانت حاضرة الكلام الشيعي من يومها الأول.
2 ـ الفكر الاعتزالي وإن نشأ من نقطة لم يلتق فيها بالفكر الشيعي، وهي موقف رائدي الاعتزال؛ واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد من مرتكبي الكبيرة وقولهما بالمنزلة بين المنزلتين وبقيت هذه الركيزة هي التي تجمع شتات المعتزلة، إلاّ أنّ رفض المعتزلة للجبر والتشبيه والتجسيم قد أشرنا سابقاً إلى أنّه مسبوق بمثله عند الشيعة، إن لم يكن مأخوذاً منهم. وبهذا حكمنا بأنّ الكلام الشيعي كان أصيلاً غير تابع ولا مُسْتجدٍ من غيره، لأنّ الله أغناه بأئمته الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) عن الاستعطاء والاستجداء عقيدةً وشريعةً، خلقاً وسيرةً، في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين.
ولا يسع المجال هنا سوى أن أنبّه إلى أنّ الكلام الشيعي وإن رفض الجبر والتشبيه والتجسيم ولكنّه لم يؤد به هذا الرفض بأي حال إلى التعطيل أو الاتهام به الذي يُتَّهم بمثله الفكر الاعتزالي، صحّ هذا الاتهام أو لم يصح.
3 ـ ولا بدّ هنا من الإشارة المقتضبة إلى أعلام متكلمي الشيعة الذين خلفوا هشاماً في وطنه الأخير بغداد:
1 ـ علي بن منصور، ابو الحسن الكوفي، ثم البغدادي.
2 ـ يونس بن عبد الرحمن، أبو محمد اليقطيني، الكوفي ثم البغدادي (نحوه 125/742 ـ 208/823ـ824) صاحب هشام وتلميذه (وكان جماعة لهم (من) الشيعة قد أدبهم هشام ويونس وعلّماهم الكلام) (الكشي/ 498، مجمع الرجال 2/34).
وأرى أنّ قول الرجاليين: (يونس) عند التعريف يقصدن منه التلمذة ليونس في الكلام لا مجرد أخذ الحديث عنه. ولا مجال هنا لهذا البحث.
3 ـ محمد بن أبي عمير(ة) أبو محمد الأزدي البغدادي (**ـ217/832).
4 ـ علي بن إسماعيل، أبو الحسن الميثمي.
5 ـ أبو مالك، الضحاك الحضرمي.
6 ـ محمد بن الخليل أبو جعفر السكاك البغدادي وكلاهما من تلاميذ هشام.
7 ـ الحسن بن علي بن يقطين البغدادي.
8 ـ الفضل بن شاذان، أبو محمد الأزدي النيسابوري (ح 195/811 ـ 260/873).
وكان يقول: أنا خلف لمن مضى، أدركت محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وغيرهما، وحملت عنهم منذ خمسين سنة، ومضى هشام بن الحكم (رحمه الله) وكان يونس بن عبد الرحمن (رحمه الله) خليفة له، وكان يرد على المخالفين، ثم مضى يونس بن عبد الرحمن ولم يخلف خلفاً غير السكاك، فردَّ على المخالفين، حتّى مضى، (رحمه الله)، وأنا خلف لهم من بعدهم. (راجع ترجمته في الكشي/ 537ـ44، والنجاشي/306ـ307، وفهرست شيخ الطائفة/ 150/151، وغيرها).
والفضل وإن سكن نيسابور في آخر حياته، إلاّ أنّ قسماً كبيراً من نشاطه العلمي قام به في بغداد.
9 ـ إسماعيل بن علي بن إسحاق، أبو سهل النوبختي البغدادي (237/850 ـ 311/923).
من أعلام المتكلمين في بغداد، وكان له مجلس يحضره المتكلمون. وقد ذكرت في ترجمته أنّ ما يدعيه المعتزلة: أنّه أخذ عن أبي هاشم الجبّائي لا يصح بأي وجه وأنّ أبا سهل إنّما كان في طبقة أبيه أبي علي وكانت له معه مناظرات ومساجلات، وأنّ أبا هاشم حينما انتقل من البصرة إلى بغداد كان لأبي سهل من السن والمكانة العلمية والثراء الفكري ما أغناه عن أبي هاشم وأمثاله.
10 ـ الحسن بن موسى، أبو محمد النوبختي (** ـ ح310ـ922).
ومن أعلام المتكلمين، بل والعارفين بالفلسفة وكان له مجلس يحضره المتكلمون والفلاسفة والعلماء، مسلمين وغير مسلمين قال (ابن) النديم: وكانت المعتزلة تدّعيه، والشيعة تدّعيه، ولكنّه إلى حيز الشيعة ما هو، لأنّ آل نوبخت معروفون بولاية علي وولده (عليهم السلام). (ابن النديم/ 225ـ226).
وقال فيه المعتزلة ما قالوا في خاله أبي سهل.
11 ـ محمد بن بشر، أبو الحسين السُّوسَنْجردي الحمدوني من تلاميذ أبي سهل النوبختي.
12 ـ الحسن بن علي، أبو محمد بن أبي عقيل العُماني الحذّاء، البغدادي.
فقيه متكلم، كان المفيد يكثر الثناء عليه.
13 ـ علي بن عبدالله بن وَصِيف، أبو الحسن، الحلاء البغدادي الناشئ الأصغر (271/884 ـ 366/976) المتكلم والشاعر الشهير وكان من تلاميذ أبي سهل.
14 ـ المظفر بن محمد بن أحمد، أبو الجيش البلخي، البغدادي (** ـ 367/977ـ978) من كبار المتكلمين وحملة الحديث. ومن تلاميذ أبي سهل النوبختي قال فيه أبو حيان التوحيدي: شيخ الشيعة وكان متكلم الشيعة» (أخلاق الوزيرين/ 203، 206ـ207).
وهو ثاني من قرأ عليهما المفيد الكلام. (الطوسي، الفهرست/198، النجاشي/422).
4 ـ وهؤلاء الذين ذكرناهم والذين اختصرنا فيهم والذين تجاوزوا الخمسين من متكلمي ذلك العصر الممتد من هشام إلى عصر المفيد، هؤلاء كلهم لم يأخذوا الكلام إلاّ عن مصدر شيعي، ولم يذكر لهم شيخ غير شيعي، وأنّ أبناء نوبخت مع شموخهم العلمي لم يُسمّ لهم أستاذ معين عندما تُرجم لهم ممّا يدل دلالة قاطعة على أنّ نشأتهم العلمية كانت ضمن الدائرة الشيعية وعلى أيدي شيوخ شيعة قد أغنوهم عن الرجوع إلى غيرهم.
نعم إنّ الفاعلية الكاملة تجاه المخالفين، والقدرة على التأثير القوي المثمر يستدعيان الاتصال الفكري بأعلام متكلمي غير الشيعة وكانوا هم المعتزلة ولم يكن متيسراً هذا لهم ـ خاصة يومذاك ـ إلاّ عن طريق الحضور عند شيخ غير شيعي، ولا سيما في مقتبل العمر، وعندما لم تتهيأ بعد لهم المكانة العلمية والشخصية البارزة التي تجعل من مجالسهم ندوات علم وملتقى فكر ـ كما حصل لأبناء نوبخت، وكما حصل للمفيد والمرتضى فيما بعد.
والحال هي نفسها بالنسبة إلى الحديث أو الفقه غير الشيعي، وهذا هو الذي اضطر الشيخ المفيد إلى الحضور عند متكلمين غير شيعة كما اضطره هو وغيره من أعلام الشيعة إلى تحمّل الحديث أو تعلم الفقه عند محدّثين أو فقهاء غير شيعة.
5 ـ نعم كان هناك روافد من الفكر الاعتزالي تلتقي بالكلام الشيعي عن طريق متكلمين معتزلة. تحوّلوا إلى القول بالإمامة. ولم أعثر إلاّ على مثالين:
1 ـ محمد بن عبدالله، أبو عبدالله بن مُمْلك الأصبهاني متكلم جليل القدر، كان معتزلياً ثم قال بالإمامة وله مجالس وردود على أبي علي الجبائي في الإمامة وتثبيتها.
2 ـ محمد بن عبد الرحمن، أبو جعفر بن قِبَة الرازي (**ـح315/927).
متكلم، عظيم القدر، قويّ في الكلام، كان قوياً في المعتزلة وتبصر وانتقل.
وإنّما قلت: (روافد اعتزالية) مسايرة لمن يرى أنّ أمثال هؤلاء إن تخلّوا عن رأيهم حول الإمامة، فإنّهم لم يتخلّوا عن بقية آرائهم، وأرى أنّ الانتقال إلى القول بالإمامة يلزمه التمسك الاعتقادي الفكري في شتى شؤون المعتقد، والانتقال في أمر الإمامة ينتهي إلى التأثّر التام في سائر المناحي الفكرية.
يضاف إلى هذا أنّنا إن سلمنا بأنّهم احتفظوا لأنفسهم ببقية أجزاء عقيدتهم بعدما تخلوا عن الجزء الراجع إلى الإمامة، فإنّهم لم يكونوا من الشدّة والقوة والعدد ما يمكنهم من التأثير البيّن ـ أو المصيري كما يُعبِّرون ـ ولا يُخيَّل إلى أحد أنّي أنكر آثار الاحتكاك الفكري، بل إنّ الاحتكاك ينمّي التفكير، ويصحح طرق الاستدلال ويقصر السُّبل ويُسَهلُها، وهذا ما حدث ـ في رأيي ـ لكلا الفريقين: الشيعة، والمعتزلة على سواء فبعد أن تعرّف كل منهما على الآخر أمكنه ـ عن طريق هذه المعرفة ـ الوصول إلى النتائج التي ذكرتها، بل وإلى تصحيح الأخطاء في كيفية الاستدلال، بل وفي تصوير المعتقد إلى حد ما، ولكن هذا شيء لا يختص بأحد الفريقين دون الآخر كي يصح أن يقال: إنّ الشيعة تأثروا، وغيرهم بقي كالصخرة الصمّاء الصامدة لا يهزها شيء!
6 ـ ولا بد لنا من وقفةٍ أمام هذا الانقسام الذي نجده في الفكر الاعتزالي. فالمعتزلة قد انقسموا إلى مدرستين: المدرسة البغدادية والمدرسة البصرية، وأقربهما إلى الشيعة هي البغدادية، وأبعدهما البصرية، فلماذا حصل هذا؟ ما هي العوامل التي جعلت المدرسة البغدادية تلتقي مع الكلام الشيعي في كثير من النقاط، بل وحتّى في النظرة المذهبية إلى إمام الأئمة وسيد العترة أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فالمعروف عن معتزلة بغداد أنّهم مفضّلة يرونه (عليه السلام) أفضل الخلق بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولا يستثنون أحداً ممّن تقدّم عليه أو تأخر، ولا مجال للتوسع واستقصاء المصادر، وفيما سيأتي من الكلام عن المفيد وأستاذيه المعتزليين مثال لما قلت. وعلى العكس من هذا معتزلة البصرة، فبعد أن نجد في تأريخ رائدي الاعتزال: واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ما فيه غمط لحقِّه وإنكار لفضله (علي(ع))، بل والنّصب والبغض ـ وإن كانا خفيفين ـ، وأصبح هذا خلقاً لرجال المدرسة البصرية كالأصم وغيره.
هذا جانب من الافتراق، وأمّا في الجوانب الأخر، فإنّ كثيراً من الأمثلة قد أشرت إليها عندما تكلمت عن موقف الشيخ المفيد من المعتزلة، وأنّه عندما يستعرض نقاط الخلاف بين المدرستين نجده يذكر أنّ معتزلة بغداد يوافقون الشيعة، وأنّ معتزلة البصرة يناهضونهم.
وقد ساق مكدرموت أمثلة كثيرة لذلك قارن فيها بين آراء المفيد وآراء القاضي عبد الجبار، وذكر أنّ المفيد يميل إلى معتزلة بغداد، وأنّ القاضي يميل إلى البصريين. (راجع مكدرموت، النص الإنكليزي/ 79ـ307).
وسيأتي الكلام في هذا وأنّ القاضي إنّما تبع في ذلك ما تلقاه من أستاذه أبي عبد الله البصري الذي كان يمثل معتزلة البصرة.
بل إنّ المفيد قد ألّف: (الرسالة المقنعة في وفاق البغداديين من المعتزلة لما روي عن الأئمة (عليهم السلام)) (راجع كتب المفيد: 20)، وفي هذا كفاية لما أريد أن أقول.
وقد ذكر مكدرموت مثالاً لهذا، وأنّ معتزلة بغداد وافقوا فيها رأي جمهور آل البيت (عليهم السلام) (مكدرموت، النص الإنكليزي/ 80/81)، وانظر في الموضوع نفسه أوائل المقالات ـ ط المؤتمر/ 61).
وليست بغداد بأرضها شيعية والبصرة سنية، فإنّ بغداد كانت يومذاك موئل السّنّة ومركز علمهم وحديثهم وفقههم، ولم تكن البصرة يومذاك في مستواها، وهذا واضح لمن درس (تاريخ بغداد) للخطيب وغيره من تواريخها.
إنّما الفارق بين البلدين وجود الشيعة في بغداد وعدم وجودهم في البصرة.
وكل الشواهد والأدلة تسوقنا إلى أنّ معتزلة بغداد من بشر بن المعتمر فمَنْ بعد إنما افترقوا عن إخوانهم البصريين لاتصالهم بمتكلمي الشيعة الذين كانوا يوجدون في بغداد دون البصرة، وقد مرَّ القول عندما ترجمنا بعض الشيء لهشام بن الحكم والندوة البرمكية التي كان يتزعمها، ومن حضّارها بشر بن المعتمر وغيره من شيوخ المعتزلة، وليس تأثر النظام بالشيعة أقوى من غيره، ولا مجال هنا للاستمرار في البحث وإعطاء الأمثلة وذكر المصادر.
وكلّ هذا يؤكد لنا أنّ هذا الافتراق إنّما حَصَل من جهة احتكاك المعتزلة في بغداد بالشيعة فتأثروا بهم دون معتزلة البصرة الذين انطووا على أنفسهم ـ ولو من جهة عدم وجود الإمامية هناك ـ فعاشوا كما نشؤوا، ولم يتغيروا عمّا كانوا عليه.
7 ـ والآن يحق لي أن ألخص جميع ما قدمت في النقاط التالية:
أ ـ إنّ الكلام الشيعي منذ أن نشأ كان له وجوده الخاص وكيانه الخاص وخصائصه المميزة له عن غيره، لم يستعط غيره، ولم ينعم عليه غيره بآرائه وأفكاره، كان له وجود مستمر على الساحة العقائدية، نشط فعال له في كل عصر أعلامه ورجاله إلى عصر الشيخ المفيد الذي أخذ الكلام الشيعي من أساتذة شيعة، وإنّه إن رجع إلى غيرهم، لم يرجع لحاجة داخلية ترجع إلى المجتمع الشيعي، وإنّما رجع لحاجته إلى من يصور له المدرسة البغدادية ويدافع عنها أمام مدرسة البصرة.
ب ـ إنّ المعتزلة هم الذين تأثّروا بالشيعة لا العكس، فالمعتزلة في بدء نشأتهم تأثّروا بهم في النقاط التي يتفق عليها المعتزلة ـ ومن الطبيعي أن يكون ضمن الحدود المعقولة لهم ككيان سُني مستقل لا يقول بالإمامة ولا بلوازمها، وعندما افترقوا إلى مدرستين، فالعامل الذي أوجب انفصال البغداديين عن إخوانهم البصريين، لم يكن سوى أنّ هؤلاء احتكوا بمتكلمي الشيعة فكرياً فتأثروا بهم، دون أولئك.
وهذا هو التعليل المعقول الذي يتفق مع كل الاعتبارات التاريخية والمذهبية، وليس اعتباطياً ومجازفة في القول، أو تخرصاً بالغيب!
ج ـ ومن الخطأ في التعليل والاعتباط في الرأي أن نجعل موافقة الشيعة للمعتزلة دليلاً على تأثّرهم بهم، وهكذا حضور شيعي عند معتزلي شاهداً على استجداء العقيدة واستماحة الفكرة.
لا يصح هذا لا في المفيد، ولا فيمن سبقه من متكلمي الشيعة ولا فيمن تأخر عنه.
د ـ نجده عند غير الشيعة من انقسامهم إلى مدرستين: مدرسة أصحاب الحديث، ومدرسة المتكلمين، وإنّ الذي يتجه إلى الحديث كلما توغل فيه أكثر فأكثر والتزم بمضمونه ابتعد عن الكلام ومسائله، وعلى العكس كلما توغل في الكلام ابتعد من الحديث والالتزام به.
إنّ هذا الانقسام لا نجده عند الشيعة، فالمحدثون لا يفترقون في أصول العقيدة وفيما يجب الإيمان به عن إخوانهم المتكلمين. والافتراق إنّما يرجع إلى كيفية الاستدلال وبرمجة الفكرة، وعرضها في قالب فكري.
هـ ـ إنّ الاتهام الذي يوجهه أصحاب مدرسة الحديث غير الشيعة إلى إخوانهم المتكلمين، بجهلهم بالحديث، وزهدهم في سماعه وتحمله، وترفعهم عن الالتزام بمضمونه ـ ولا أريد أن أقرهم أنّهم على حق، فإنّ المتكلمين عذرهم المعقول والمقبول في رفض الحديث غير الشيعي أو عدم الالتزام العقائدي بمضمونه، وقد قدمت أمثلة لذلك.
أقول: إنّ مثل هذا الاتهام لا أثر له عند الشيعة. فإنّ كبار متكلمي الشيعة ـ ومنهم الشيخ المفيد ـ كانوا رواة للحديث بما له من سعة وشمول، ورعاة لمضامينه ومداليله بنفس المستوى الذي نجده عند من لم يُعْن إلاّ بالحديث وحده.
محمد رضا الجعفري
علم الكلام عند الشيعة
ـ2ـ
الحتمية التاريخية والحتمية الكونية
في التاريخ العقلي الفلسفي نلتقي نظريتين تنطلقان من منطلق الحتمية.
أحدهما: تخص السلوك الإنساني، الفردي والاجتماعي خصوصاً.
والأخرى: تتعلّق بالنظام الكوني عموماً.
فتتجه النظرية الأولى إلى الإيمان بحتمية السلوك الإنساني وتعطيل إرادة الإنسان، وسلب أي دور لإرادته في سلوكه.
وتتجه النظرية الثانية إلى تثبيت الحتمية في النظام الكوني بشكل عام، وتذهب إلى أن الكون كلّه يتحرك ضمن نظام دقيق بموجب قانون العلّية. وهذا النظام يجري ضمن حلقات متسلسلة، كلّ حلقة منها ترتبط بالحلقة السابقة واللاحقة. ضمن نظام حتمي لا يمكن أن يتغير ولا يمكن أن يتخلف، ولا يمكن ان تتدخل إرادة أحد مهما كان في تغييره. ولو افترضنا أنّنا اطلعنا على رؤوس هذه الحلقات في النظام الكوني العام، وأمكننا قراءة التسلسل النظامي لحلقات هذا النظام، أمكننا التنبؤ بكل ما يجري في الكون من الأحداث إلى أن ينتهي أمد هذا الكون.
وهاتان النظريتان تجريان في كل من الاتجاهين الفكريين المعروفين؛ الاتجاه الإلهي، والاتجاه المادي على نحو سواء.
فإنّ طائفة من الذين يؤمنون بالحتمية في سلوك الإنسان وتاريخه يؤمنون بالله تعالى، ويذهبون إلى أنّ مصدر هذه الحتمية هو الله تعالى. بينما يذهب آخرون من الاتجاه المعاكس (الاتجاه المادي) إلى نفس النتيجة من منطلق قانون العلّية أو النظام الفكري الديالكتيكي.
فيذهب كل من هذين الاتجاهين إلى الحتمية في سلوك الإنسان وتاريخه على نحو سواء.
وكذلك الحتمية الثانية (الحتمية الكونية) لا تختص بهذا الاتجاه أو بذلك الاتجاه. فمن الممكن أن يذهب إلى هذه الحتمية أصحاب الاتجاه المادي أو الإلهيون.
واليهود من (الإلهيين) الذين يذهبون إلى هذا الاتجاه في الحتمية الكونية. يقول تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (المائدة ٥: ٦٤).
كما أنّ في المسلمين طائفة واسعة وكبيرة وهم (الأشاعرة) يذهبون إلى هذه الحتمية في سلوك الإنسان.
والماركسيون من الاتجاه المادي يذهبون إلى هذه الحتمية في تاريخ الإنسان.
هاتان الحتميتان تؤديان إلى نتائج سلبية في التاريخ العقلي للإنسان، كما تؤديان إلى نتائج سلبية في التاريخ السياسي للإنسان. فإنّ النتيجة التي تؤدي إليها هاتان الحتميتان بالضرورة هي افتراض وجود نظام قاهر في الكون، يمتنع على كلّ تعديل وتغيير وتبديل، وهو بمعنى تعطيل سلطان إرادة الله تعالى، وعدم الاعتراف بنفوذ سلطانه تعالى على النظام الكوني. هذا في الحتمية الكونية.
والنتيجة الضرورية التي تؤدي إليها الحتمية السلوكية والتاريخية للإنسان هي الإيمان بتعطيل ارادة الإنسان.
وهاتان نتيجتان خطيرتان تترتبان بالضرورة على هاتين الحتميتين.
وقد وقع كل من هاتين الحتميتين في موضع الاستغلال السياسي من قبل الحكام والأنظمة بشكل واسع.
فإنّ الإيمان بالحتمية التاريخية والسلوكية يعطّل دور الإنسان الفاعل وإرادته في تغيير ظروفه المعيشية وتاريخه السياسي، ويحولّه من عنصر فاعل ومؤثر في تغيير حركة التاريخ، وتغيير ظروفه الاجتماعية والمعيشية إلى عنصر عائم في تيار التاريخ والحياة، يجري حيث يجري التيار.
وهذا النوع من التفكير ينفع الأنظمة السياسية الاستبدادية عادة.
فلا تكاد تبرز معارضة ظاهرة للنظام السياسي، في وسط اجتماعي يؤمن بالتقدير والحتمية والجبر بهذه الصورة.
ولهذا السبب تلقى النظرية الحتمية في التاريخ تأييداً ودعماً من الأنظمة المعروفة بالاستبداد السياسي غالباً. ويشجع الحكام هذا التوجه الفكري في مسألة القضاء والقدر ليأمنوا من غضب الناس وثورتهم واعتراضهم.
فلا مجال للغضب والسخط والاعتراض لأحد، إذا كان ما يجري من الظلم وسفك الدماء يجري بقضاء الله وقدره، ولم يكن لأحد من الناس قدرة في تغييره وتعديله.
والمعروف أنّ بني أُميّة كانوا يتبنّون الاتجاه الجبري في تفسير التاريخ والسلوك ويوجهون مايمارسونه من ظلم وتعسف واضطهاد وسلب لبيت المال وحقوقه بأنّ ذلك من قضاء الله تعالى الذي لا رادَّ لقضائه ولا يحق لأحد أن يعترض عليه، ولا يملك أحد أن يصد عنه.
وكان الحسن البصري يميل إلى مخالفة بني أُميّة في مسألة (القدر) ويرى أنّ الناس أحرار في تقرير مصيرهم، وليس عليهم قضاء حتم من الله تعالى، وكان يجاهر برأيه هذا أحياناً، فخوّفه بعضهم بالسلطان.
(روى ابن سعد في الطبقات عن أيوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرة، حتى خوفته من السلطان، فقال: لا أعود)([698]).
والسلطان الذي كان يحكم الناس في عهد الحسن البصري هو سلطان بني أُميّة. ومن هذه الرواية التاريخية يظهر أنّ بني أُميّة كانوا يتبنون مذهب الحتمية التاريخية والسلوكية إلى حدود الإرهاب والتعسف.
ومن العجب أنّ أئمّة الشرك كانوا يوجّهون شركهم بالله وعبادتهم للأوثان ودعوتهم إليها بمثل هذه الحتمية.
يقول تعالى عن لسانهم: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} (الزخرف ٤٣: ٢٠).
وكما كان للسياسة دور في استغلال دور الحتمية الاُولى، كذلك استغلت الحتمية الثانية استغلالاً واسعاً. فإنّ الحتميّة الكونيّة تؤدي بشكل قهري إلى عزل سلطان الارادة الإلهية عن الكون. ولا ينافي ذلك الإيمان بأنّ الله تعالى هو خالق هذا الكون، فقد كان اليهود يؤمنون بالله تعالى ويؤمنون بأن الله تعالى هو خالق هذا الكون. الا أنهم كانوا يعتقدون أنّ هذا الكون يجري ويتحرك بعد أن خلقه الله تعالى ضمن نظام قهري قائم على أساس الأسباب والمسببات، دون أن يكون لله تعالى أيّ دور في تدبير وادارة الكون، وبتعبير آخر كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالق هذا الكون دون أن يكون له دور في تدبير الكون، ودون أن يكون مهيمناً عليه، بينما يؤكد القرآن على صفة الخلق، والهيمنة، والتدبير لله تعالى جميعاً، وفي وقت واحد.
وبقدر ما يضعف في نظر الإنسان، سلطان الله ونفوذه وتأثيره الفعلي في الكون تضعف علاقته وارتباطه بالله.
وبقدر ما يضعف إيمان الإنسان بسلطان الله ونفوذه وتأثيره المباشر الفعلي في الكون، تضعف علاقته بالله، وبقدر ما تضعف علاقته وارتباطه بالله يضعف هو، ويضعف حوله وقوته ومقاومته.
وبالعكس، كلّما يزداد إيمانه بالله تعالى وبتأثيره وهيمنته وسلطانه الفعلي على الكون يزداد ارتباطه بالله وتتوثق علاقته به تعالى. وكلّما توثقت علاقته بالله يزداد قوة وحولاً، حيث يتصل حوله وقوته بحول الله وقوته، وتزداد مقاومته وأمله.
وهذا أمر يهم الحكام والأنظمة التي تحكم الناس بالإرهاب والاستبداد بطبيعة الحال. هذا أوّلاً.
وثانياً: هذا التصور للحتمية الكونية يعمّق الاحساس بدور المادة والأسباب المادية في نفس الإنسان وعقله أكثر من قيمتها الحقيقية. ويُضعف دور الغيب في نفس الإنسان ووعيه، ويسطّح الايمان بالغيب في نفس الإنسان دون قيمته الحقيقية ودوره الحقيقي، بعكس ما يصنعه القرآن.
ففي القرآن نجد اهتماماً كبيراً بالإيمان بالغيب ومحاولة تعميق هذا الايمان وتثبيته وترسيخه في النفس، في الوقت الذي لا ينتقص القرآن دور المادة وحجمها في الكون، في طائفة واسعة من الآيات.
وللاِيمان بالغيب تأثير كبير في طريقة تفكير الإنسان، ومنهج حركته، وفي طموحاته وآماله، وبالتالي في تحركه وقدرته على تحمل ومواجهة الصعاب والمتاعب والتحديات.
وإضعاف الإيمان بالغيب وتسطيحه وترسيخ الإيمان بالمادة وتعميقها بأكثر من قيمتها الحقيقية يضعف دور الإنسان وفاعليته وحركته، ويؤثّر بصورة مباشرة على طريقة تفكيره.
ويحكي القرآن الكريم عن اليهود الايمان بالحتمية الكونية بهذه الصورة المطلقة، وسلب كل نفوذ وسلطان لارادة الله تعالى في تغيير مسلسل الأحداث الكونية والتاريخية بالشكل الذي تفرضه الحلقات المتقدمة لهذا المسلسل. يقول تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} (المائدة ٥: ٦٤).
العلاقة بين الحتميتين
وهاتان الحتميتان وإن كانتا مختلفتين في الشكل والمضمون إلا أنهما تلتقيان وتصبّان في تعطيل دور الإنسان التغييري والقيادي للنظام السياسي والاجتماعي.
فإنّ التغيير يعتمد على أمرين اثنين وهما:
١ـ إيمان الإنسان بالله تعالى وحوله وقوته وسلطانه، وتوكّله على الله تعالى، وثقته به. فإنّ الإنسان إذا أوصل حبله بحبل الله، وحوله بحول الله، وقوته بقوة الله تعالى، إستمد من الله تعالى حولاً وقوةً عظيمين، واكتسب أملاً وثقة لاحدّ لهما.
ومن دون أن يصل الإنسان حبله بحبل الله لا يمكن أن يملك هذا الأمل وهذه الثقة مهما كانت قوته وسلطانه وكفاءته. وإذا فقد الإنسان الأمل والثقة بالله سبحانه وانقطع حبله عن حبل الله، ضعف إلى حد بعيد عن المواجهة، ولن يملك في ساحة العمل والحركة ومواجهة التحديات إلاّ حوله وقوته، وهو حول ضعيف وقوة محدودة.
والايمان بالحتمية الكونية وسلب سلطان الله تعالى في التأثير والنفوذ في مسلسل أحداث الكون على الطريقة اليهودية يفقد الإنسان هذا الارتباط النفسي بالله تعالى، ويسلب الإنسان الثقة والأمل بالإمداد الغيبي من جانب الله تعالى في حركته وعمله.
٢ـ إيمان الإنسان بحرية إرادته وقدرته على تغيير مسلسل (التاريخ) وتقرير مصيره ومصير التاريخ.
وهذا الايمان يمكّن الإنسان من التحرك والعمل والتغيير، وبعكس ذلك يفقد الإنسان القدرة النفسية على التحرك والتغيير إذا فقد هذا الإيمان وآمن بأنّ تاريخه ومصيره قد كُتب من قبل بصورة حتمية، ولا سبيل لتغييره وتبديله، وإنّه عجلة ضمن جهاز كبير يتحرك ويعمل دون أن يملك من أمر حركته وعمله ومن أمر تاريخه ومصيره شيئاً.
وبهذا الشرح فإنّ الايمان بهاتين الحتميتين، يحجب الإنسان عن الله تعالى وعن نفسه وإمكاناته، ويسلبه (الأمل) و(الحرية) في الحركة والقرار.
وبذلك يتحول الإنسان إلى خشبة عائمة في مجرى الأحداث والتاريخ.
وهذا وذاك أمر يطلبه الحكام والأنظمة التي تحكم الناس بالاستبداد والإرهاب.
وموقف القرآن من هاتين الحتميتين موقف واضح. ففي الحتمية (التاريخية) و(السلوكية) يقرّر القرآن الكريم بشكل صريح حرية إرادة الإنسان ومسؤوليته عن أعماله.
يقول تعالى: {إنّا هَدَيناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِراً وإمّا كَفُوراً} (الإنسان ٧٦ـ٣).
{إنّ اللهَ لا يَظلِمُ النَّاسَ شَيئاً وَلكِنّ النَّاسَ أنفُسَهُم يَظلِمُونَ} (يونس ١٠ـ٤٤).
{قُل يا أيُّها النَّاسُ قَد جَآءكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُم فَمَنِ اهتَدَى فَإنَّمَا يَهتَدِي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا} (يونس ١٠ـ١٠٨).
{فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} (الإنسان ٧٦ـ٢٩).
وفي نفس الوقت يقرر القرآن بشكل واضح مبدأ سلطان إرادة الله تعالى في حياة الإنسان وتاريخه، دون أن يلغي ذلك حرية إرادة الإنسان.
يقول تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إلاّ أن يَشَآءَ اللهُ إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} (الإنسان ٧٦ـ٣٠).
{وَمَا تَشَآءُونَ إلاّ أن يَشَآءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} (التكوير ٨١ـ٢٩).
{قُل إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهدِي إليهِ مَن أنَابَ} (الرعد ١٣ـ٢٧).
{يَهدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} (النور ٢٤ـ٣٥).
{وَلَو شَآءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَن في الأرض كُلُّهُم جَمِيعاً أفَأنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ* وَمَا كَانَ لِنَفسٍ أن تُؤمِنَ إلاّ بإذنِ اللهِ وَيَجعَلُ الرِّجسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعقِلُونَ} (يونس ١٠: ٩٩ـ١٠٠).
وهذا التأثير المباشر لسلطان إرادة الله تعالى في حياة الإنسان، وتاريخه إلى جانب حرية إرادة الإنسان، وقراره، هو المبدأ المعروف بـ(الأمر بين الأمرين) الوارد عن أهل البيت (عليهم السلام).
وهو مبدأ وسط بين مذهب الجبر الذي يتبناه الأشاعرة من المسلمين وبين مبدأ التفويض الذي يتبناه المفوّضة.
وسوف نقدم لذلك شرحاً أكثر فيما يلي من أبحاث هذه الرسالة.
وعن الحتمية الثانية يقرر القرآن الكريم بشكل واضح مبدأ نفوذ سلطان إرادة الله تعالى في الكون، وهمينة الله تعالى الدائمة والمستمرة على الكون.
يقول تعالى: {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغلُولَةٌ غُلَّت أيدِيهِم وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَل يَدَاهُ مَبسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيفَ يَشَآءُ} (المائدة ٥ـ٦٤).
ويقول تعالى: {يَمحُو اللهُ مَايَشَآءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ} (الرعد١٣ـ٣٩).
دون أن يكون معنى هذا المبدأ الذي يقرّه القرآن إلغاء أو تعطيل مبدأ العلّية والحتمية، وكل القوانين والأصول العقلية الناشئة من العلّية. ونحن نجد في القرآن الكريم إلى جانب هذه الآيات طائفة واسعة من كتاب الله تقرُّ بمبدأ العلّية بشكل واضح ودقيق.
وقد واجه أهل البيت (عليهم السلام) عبر التاريخ الإسلامي انحرافاً فكرياً، عقائدياً، لدى طائفة من المذاهب الإسلامية في فهم حركة التاريخ والكون، وذلك بتبنّي مذهب الحتمية والجبر في تاريخ الإنسان وسلوكه، وتبنّي مبدأ الحتمية في حركة الكون. وكان لرأي الحكام في العصرين، الأموي والعباسي، اللذين عاصرهما أهل البيت (عليهم السلام) عليهما تأثير في هذا وذاك.
فوقف أهل البيت (عليهم السلام) موقفاً قوياً ضد هذا الاتجاه وذاك، وأعلنوا عن رأيهم في حرية إرادة الإنسان وقراره، دون أن يعطّلوا دور إرادة الله تعالى في حياة الإنسان، وهو ما عبّر عنه أهل البيت (عليهم السلام) بـ (الأمر بين الأمرين).
(روي أنّ الفضل بن سهل سأل الرّضا (عليه السلام) بين يدي المأمون، فقال: يا أبا الحسن الخلق مجبورون؟ فقال (عليه السلام): «الله أعدل من أن يجبر خلقه ثمّ يعذبهم». قال: فمطلقون؟ قال (عليه السلام): «الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه»)([699]).
وروى الصدوق عن مفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين».
كما أعلن أهل البيت (عليهم السلام) عن رأيهم في الحتمية الثانية: عن ابن سنان عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) يقول: «إن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب»([700]).
وقد اشتهر نفي هذه الحتمية وتلك عن أهل البيت (عليهم السلام) بصورة متواترة، وعرف قولهم في نفي الحتمية السلوكية والتاريخية ب(الأمر بين الأمرين) وعرف قولهم في رفض الحتمية الكونية بـ(البداء).
وقد أولى العالم الشيعي الكبير أبو عبدالله الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد كلاً من هاتين الحتميتين اهتماماً علمياً خاصاً في دراساته العقائدية من قبيل (كتاب اوائل المقالات) و(تصحيح الاعتقاد).
وقد كان للشيخ المفيد في دراساته الكلامية العميقة والرائدة دور كبير في تجلية وتحديد هذه المفاهيم وبصورة واضحة وعلمية محددة.
وليس من شك أن الدراسات العقائدية العميقة عند الشيعة إلى حد بعيد لهذا الشيخ الجليل، الذي مكَّنه الله تعالى من وضع النقاط على كثير من الحروف، وتحديد جملة واسعة من الأفكار والمفاهيم الكلامية، ومراجعة وجرد الفكر الشيعي من جملة مما أضيف إليه خلال فترة الصراع العقائدي الدائر بين العدلية ومناوئيهم من المذاهب الكلامية والإسلامية.
الحتمية الأولى
الحتمية الأولى تتعلق بسلوك الإنسان الفردي، وبتاريخ الأمم والجماعات البشرية.
والنظريات الحتمية تعم هذا وذاك، أو تختص بالسلوك الفردي حيناً، وبتاريخ الإنسان حيناً آخر.
وهذه النظريات تعتمد أحياناً الإيمان بالله أساساً ومصدراً للحتمية، وهي النظريات الحتمية الإلهية.
وتعتمد أحياناً عوامل أُخرى أساساً ومصدراً للحتمية في السلوك الفردي وفي حركة التاريخ، ويمكن تسمية هذه الطائفة من النظريات بنظريات الحتمية المادية.
والنظريات التي تعتمد (الحتمية) أساساً في فهم سلوك الإنسان وتاريخه وتفكيره وتطوره، عريقة وقديمة في تاريخ الثقافة الإنسانية. وتتداخل عوامل كثيرة: دينية وفلسفية وسياسية، في صياغة هذه النظريات، ومن الصعب جداً فهم النظريات الحتمية في إطار العلم والفكر فقط دون أن نأخذ بنظر الاعتبار العوامل السياسية والدينية التي ساهمت في بلورة الصيغة الفلسفية لهذه النظريات.
النظريات الحتمية عند الإلهيين تتعلق غالباً بالسلوك الفردي للإنسان وتتجه إلى نفي إرادة الإنسان في سلوكه وفعله، ونفي أي دور أو سلطان للإنسان على أفعاله. وهذه النظرية هي المعروفة بـ(الجبر).
وأشهر المذاهب الإسلامية التي تؤمن بالجبر هو مذهب الأشاعرة([701])، أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (المتوفى سنة ٣٣٠هـ) وهذا المذهب لا ينفي إرادة الإنسان وقدرته رأساً، ولكنّه يرى أنّ فعل الإنسان ليس ناشئاً من إرادة الإنسان وقدرته، وإنّما هو مخلوق لله تعالى.
وليس للإنسان دور في إيجاد العمل وإبداعه، وإنّما يقتصر دوره على كسب العمل فقط لا إيجاده.
وبذلك يحاول الشيخ الأشعري أن يجمع في هذه النظرية بين أصلين أساسيين هما: (التوحيد) و(العدل).
فهو يرى: أوّلاً: أنّ كلّ عمل للإنسان مخلوق لله تعالى، وليس للإنسان أي دور في إيجاد العمل وإبداعه وإحداثه، فإنّ الله تعالى يقول:
{وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)([702]) (الصافات: 96).
وليس للعباد شأن أو شرك في إيجاد أعمالهم وإبداعها.
فإنّ الإيجاد يختص بالله تعالى في الأعمال والأعيان على نحو سواء، وهذا هو مقتضى أصل (عموم التوحيد) على رأي الشيخ الأشعري.
فهو في الحقيقة يؤمن بمبدأ العلّية، ولا ينفي أصل العلّية، ولكنّه يؤمن بأنّ الله تعالى هو علّة لكلّ شيء مباشرةً، وليس على نحو التسبيب، فَيُحلّ علّة واحدة محل العلل الكثيرة التي تتطلبها المخلوقات الكثيرة. ويرى أنّ الاعتقاد بأنّ لإرادة الإنسان وقدرته دوراً في إيجاد العمل من الشرك الذي تنفيه الآية الكريمة (وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات: ٩٦).
وهذا هو الأصل الأول لدى الشيخ الأشعري. والأصل الثاني لدى الشيخ الأشعري هو أصل (الكسب) والتزم به الأشعري لئلاّ ينتهي به الأمر إلى (الجبر) وإبطال الثواب والعقاب وارتفاع المسؤولية عن الإنسان، وبالتالي لئلاّ يضطر إلى نفي صفة (العدل) عن الله تعالى([703]).
فإنّ افتراض نفي كل سلطان ودور للإنسان في أفعاله يؤدي بالتالي إلى إبطال الثواب والعقاب معه، وليس من العدل عقاب العبد على فعل لم يكن له دور وسلطان في إيجاده بأي شكل.
وقد اختلفت كلمات الأشاعرة في توجيه وتفسير (الكسب). ومن أفضل من حاول توجيه الكسب من متكلّمي الأشاعرة هو أبو بكر الباقلاني، المتكلم المعروف.
وخلاصة رأي الباقلاني في تفسير (الكسب): إنّ لكل فعل جهتين: جهة الإيجاد، وجهة الخصوصية والعنوان الذي جعله الله تعالى مناطاً للثواب والعقاب.
وهاتان جهتان مختلفتان، ونسبة كل واحدة منهما تختلف عن نسبة الأخرى.
فالجهة الأولى: هي (الإيجاد) وتنتسب إلى الله تعالى، ونسبة الإيجاد إلى غير الله تعالى من الشرك بالله.
والجهة الثانية: هي العنوان الذي يكتسب به العبد الثواب أو العقاب نحو (الصلاة) و(الصيام) و(الحج) و(الغيبة) و(الكذب) …
وكما لا يجوز نسبة الأولى إلى العبد، لا يجوز نسبة الثانية إلى الله تعالى. وقدرة الإنسان وإرادته تتعلقان بالثانية فقط دون الأولى، وهي مناط الثواب والعقاب.
وبذلك يتم لهذه المدرسة كما يعتقدون الجمع بين (أصل التوحيد) و(أصل العدل) أو (استحقاق الثواب والعقاب).
إذن، للفعل الواحد جهتان اثنتان وليس جهة واحدة. وهاتان الجهتان متعلقتان لقدرتين مختلفتين، قدرة الله تعالى وقدرة العبد. ولا ضير في ذلك، فإنّ اختلاف الجهة يبرّر تعدد القدرة التي يتعلق بها الفعل.
ولعلّنا لا نستطيع أن نصل إلى أمر محصل واضح عن (الكسب)، فإنّ هذه العناوين التي يكسبها المكلف هي عين (الإيجاد) الذي تنسبه الأشعرية إلى الله تعالى. فلا معنى لإقامة الصلاة، وإتيان الحج، إلاّ إيجاد هذه الأعمال والحركات التي إذا اجتمعت تعنونت بعنوان الصلاة والحج.
والأعمال التي هي من قبيل الصوم والتي تتقوم بعدم تناول الأكل والشرب وسائر المفطرات فحقيقتها (الكف) وهو فعل من أفعال النفس، شأنها شأن سائر أفعال الجوانح.
و(النية) التي يحاول أن يوجّه بها الشيخ الباقلاني مسألة الكسب، مدعياً أنّ العمل الواحد يختلف حاله من نية إلى نية أخرى، فالقتل بنيّة العدوان جريمة، ونفس العمل بعنوان القصاص والحد تكليف شرعي، يثيب الله تعالى به العبد … ونفس الفعل من جانب الله، ولكن النية التي يوجه بها الإنسان العمل الصادر عنه هي من جانب الإنسان، والثواب والعقاب ليس على أصل القتل فلا علاقة له به، ولكن على النية التي نواها في القتل … فهذه هي وحدها التي يتحمل مسؤوليتها والتي يقوم بها.
… أقول: إذا صحَّ هذا الكلام، فإنّ النية أيضاً عمل من أعمال الجوانح، ولا يختلف عمل عن عمل، ولا أعلم لماذا تصح نسبة النية إلى الإنسان ولا تصح نسبة أصل العمل. فالعمل عمل، سواء كان من أعمال الجوارح أو من أعمال الجوانح. وإذا صححنا نسبة النية إلى الإنسان نفسه، فلا بأس علينا بنفس الملاك والتبرير أن ننسب إلى الإنسان كل عمل يقوم به، سواء كان من أعمال الجوارح كالصلاة والحج، أو من أعمال الجوانح كالكف في الصيام بنية الصيام.
ومهما يكن من أمر فلا نريد أن نستسهل مناقشة نظرية كلامية أخذت وقتاً طويلاً وجهداً كثيراً من متكلّمي الإسلام بهذه الطريقة … إلاّ أننا نريد أن نطلّ على هذا الموضوع إطلالة، ونحيل القارئ إذا أراد التفصيل إلى مكان هذه الدراسة من الموسوعات الكلامية من قبيل شروح المقاصد والمواقف.
الحتميات المادية المعاصرة
ولا نقصد من النظريات المادية النظريات القائمة على أساس رفض الإيمان بالله تعالى. وإنّما نقصد بذلك ما يقابل الحتمية الإلهية التي يتبناها الأشاعرة من نسبة كل فعل إلى الله تعالى في حياة الأفراد وفي حركة التاريخ. وهي التي تنسب الحتمية في سلوك الأفراد والجماعات إلى مصادر أخرى غير الله تعالى.
وهذه النظريات تفسّر السلوك الفردي للإنسان بالحتمية، كما تفسر السلوك الجمعي وحركة التاريخ بالحتمية، إلاّ أنّ الغالب على هذه النظرية تفسير المجتمع والتاريخ، بالحتمية. أمّا الفرد فلا يمكن أن ينفصل مصيره وحركته عن حركة المجتمع والتاريخ.
يقول (ادوارد هالت كار) في كتابه «المجتمع الجديد».
«هناك صلة مباشرة، وعلاقة قوية بين الماضي والحاضر على أساس التأثير والتأثّر والفعل والانفعال، ولا يمكن فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل، ونحن مدينون في هذا التصور الجديد للتاريخ للاتجاه العلمي الجديد الذي يبحث في العلوم عن القوانين والأصول القابلة للتعميم»([704]).
ومن رواد هذه النظرية في الغرب (منتسكيو) في كتابه (روح القوانين)، و(اشبنكلر) في كتابه (تدهور الحضارة الغربية)، و(دور كهايم) العالم الاجتماعي الفرنسي الشهير. ويذهب هذا الأخير إلى أنّ الحياة الاجتماعية تتقرر بصورة منفصلة عن إرادة الأفراد ورغباتهم. وتتصف العلاقات والشؤون الاجتماعية من الأخلاق والمعارف والثقافة الاجتماعية، واليسر والعسر بثلاث خصال لا تنفك عنها، وهي: (الخارجية) و(الحتمية) و(التعميم).
فإنّ الشؤون الاجتماعية بكل تفاصيلها نابعة من عوامل خارجية، وليست نابعة من داخل الأفراد ورغباتهم وإرادتهم، والفرد يقع تحت ضغط الحياة الاجتماعية بصورة قهرية، كما أنّ الحياة الاجتماعية تقع تحت ضغط العوامل القهرية الموجبة لها وهذه هي (الخارجية) وطبيعة هذه العلاقة بين الأسباب والمسببات في حركة التاريخ، وحركة المجتمع (حتمية) لا يمكن أن تتخلف المسببات عن أسبابها، ولو أنّنا تمكّنا أن نقرأ الأحداث في حلقات عللها وأسبابها لكنّا نتنبأ بها من دون ترديد وهذه هي (الحتمية).
والخصلة الثالثة هي (التعميم) فما يحدث في مكان وزمان لابد أن يحدث في كل مكان وزمان إذا توفرت الأسباب والشروط نفسها.
ومن أشهر الحتميات المادية المعاصرة هي نظرية كارل ماركس، فردريك انجلس، التي تحاول تقنين حركة التاريخ وترحيلها ضمن خمس مراحل عبر عامل الصراع الطبقي بين الطبقة المستثمِرة (بالكسر) والطبقة المستثمَرة (بالفتح).
إلاّ أنّ هذه النظرية انتكست في بداية ظهورها انتكاسات قوية في مرحلة التطبيق، وأثبت الواقع خلاف ذلك، وبقيت هذه النظرية تدرس على الصعيد النظري فقط.
ومهما يكن من أمر هذه الحتميات المادية في تفسير التاريخ، فإنّ منها ما هو حق ومنها ما هو باطل، بغض النظر عن التفاصيل الدقيقة الواردة في النظرية.
أمّا الحق فهو ربط التاريخ بالقوانين العلمية والعلل والأسباب التي تستوجب حركة التاريخ.
والحدث التاريخي كأي ظاهرة أخرى في الكون يخضع للأسباب والعلل الموجبة له. إذن قانون العلّية يحكم الحدث التاريخي كما يحكم الظاهرة الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية بشكل دقيق في كل أصولها العقلية المعروفة كالحتمية والسنخية وغير ذلك.
وهذا هو الحق ولا يمكن التشكيك فيه، عدا النظرية الماركسية التي تنفي قانون العلّية رأساً وتضع محلها النظرية المادية الديالكتيكية التي اقتبستها من (هيگل).
أمّا الباطل في هذه النظريات فهو نفي الإنسان وقراره المستقل في صناعة التاريخ، واعتبار الإنسان خشبة عائمة على أمواج التاريخ القهرية، وتقرير مصير واحد للتاريخ والإنسان، لا يتعدد، ولا يختلف. وهذا باطل بالتأكيد، فإنّ الإنسان (الفرد، والمجتمع، والتاريخ) لا يقع على طريق علة واحدة فقط، وإنّما على مفترق طرق غالباً، واختيار نوع الطريق يرتبط بارادته ووعيه وثقافته وقراره إلى حد كبير جداً، فإذا سلك أحد هذه الطرق بموجب إرادته وقراره ورأيه لم يكن له أن يتخلص من الآثار القهرية المترتبة عليه بموجب قانون العلية.
ولنضرب على ذلك مثالين، أحدهما: عن الفرد، والآخر: عن المجتمع.
أمّا التمثيل بالفرد: فإنّ الإنسان الفرد إذا تحرك ونشط وتعلم يشق طريقه إلى الحياة، وإذا خمل وكسل وركن إلى الجهل والكسل، يبقى ضعيفاً مغموراً لا شأن له ولا قوة في الحياة.
وكل من هاتين النتيجتين تتصف بالقطعية والحتمية إذا اختار الإنسان الطريق المناسب لها. إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ الإنسان يواجه قضاءً وقدراً ذا بعدٍ واحد في حياته لا يمكنه أن يحيد عنه.
وأمّا التمثيل بالمجتمع، فالمجتمع الذي يقاوم ويضحّي ويتحمل عذاب المواجهة وقسوة المقاومة يسلم من الظلم والاستبداد السياسي والإرهاب.
والمجتمع الذي ينقاد ويستسلم ولا يقاوم يبتلى بأبشع أنواع الاستبداد السياسي والإرهاب.
وهذا وذاك حكمان حتميان لا سبيل للتخلص منهما في حياة الأمم. ولكن المجتمع يقف على مفترق طريقين في حياته السياسية، فإذا اختار الطريق الأول كانت النتيجة الأولى قطعية، وإذا اختار الطريق الثاني كانت النتيجة الثانية قطعية.
وإختيار هذا الطريق أو ذاك يدخل في حيز إرادة الإنسان وإختياره ولا يقع تحت نظام الحتمية.
وسوف نعود إلى دراسة هذه النقطة مرة أخرى في سياق هذا البحث.
وأكثر النتائج السلبية المترتبة على الإيمان بهذه الحتميات، تعطّل دور الإنسان وحركته في بناء التاريخ، وتعطل دوره في تقرير مصيره. فإنّ الإنسان إذا آمن بأنّ حركته وفعله يخضع لسلسلة من العوامل الحتمية الخارجة عن إرادته وإختياره يشعر بأنّه عنصر فاقد التأثير، لا دور له في صناعة مصيره ومصير مجتمعه، ومع هذا الإيمان وهذه القناعة لا يمكن أن يكون الإنسان مصدراً للتحرك والتغيير في حياته الفردية والاجتماعية.
ولذلك، فإنّ الإيمان بالحتمية (التاريخية والفردية) كان موضع تبنّي الأنظمة الاستبدادية في تاريخ الإسلام.
فإنّ هذا الإيمان يطوّع الناس للاستسلام السياسي ويروّضهم لقبول الظلم.
وقد كان بنو أُميّة يتبنون نظرية الجبر. يقول أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ الله يريد أفعال العباد كلّها([705]). ولما اعترض عبدالله ابن عمر على معاوية في تنصيب ابنه يزيد خليفة من بعده. قال له معاوية: (إنّي أحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملأهم، وأن تسفك دماءهم، وإنّ أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم)([706]).
وبنفس المنطق واجه معاوية عائشة لما اعترضت عليه في أمر تنصيب يزيد خليفة على المسلمين من بعده. قال لها: (إنّ أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم)([707]).
وقد نهض بعض العلماء لمواجهة تيار الجبر الذي تبناه بنو أُميّة، وكان أشهر هؤلاء معبد الجهني من العراق، وغيلان الدمشقي من الشام. عُرف عنهم القول بالاختيار وحرية الإرادة والدعوة إلى هذا الرأي.
وقد خرج معبد على الأمويين مع ابن الاَشعث فقتله الحجاج. وأمّا غيلان فقد أحضره هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي واستنطقه فصلبه بعد أن قطع يديه ورجليه.
وكان الحسن البصري فيما يظهر على هذا الرأي الاختيار .
يقول المقريزي: إنّ عطاء بن يسار ومعبد الجهني دخلا على الحسن البصري، فقالا له: إنّ هؤلاء (حكام بني أُميّة) يسفكون الدماء، ويقولون: إنّما تجري أعمالنا على قدر الله! قال: كذب أعداء الله. فطعن عليه بهذا([708]).
وكان الحسن البصري يجاهر برأيه المعارض لسلطان بني أُميّة هنا وهناك، فلمّا خوفوه من سطوة السلطان امتنع عن ذلك.
يقول ابن سعد في الطبقات عن أيوب، قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتى خوفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم([709]).
أمّا بنو العباس فلم يشذّوا عن سياسة بني أُميّة في تبنّي القدر على رأي الأشاعرة، غير أنّ المأمون والمعتصم اختلفا عنهم في هذا الرأي، وتبنّوا رأي المعتزلة في الاختيار والتفويض، فلمّا تولّى المتوكل الحكم تبنّى رأي الأشاعرة في الجبر، وكان يحاسب ويعاقب عليه، وتبعه الخلفاء من بعده على هذا الرأي.
التفويض
يسود في التاريخ الإسلامي في مسألة الحتمية والاختيار في سلوك الإنسان الفردي رأيان متقابلان:
وهما: الجبر والتفويض.
أمّا المذهب الأول: فيتبناه الأشاعرة، وأمّا المذهب الثاني: فيتبناه المعتزلة.
ومذهب المعتزلة في التفويض: أنّ الله تعالى فوّض إلى الإنسان اختيار ما يعمل، والإنسان مستقل استقلالاً كاملاً فيما يصنعه.
وهذا المذهب يأتي في مقابل المذهب الأول تماماً.
ولئن كان التبرير الفلسفي والعقائدي للمذهب الأول هو الاحتفاظ بـ(أصل التوحيد) وإرجاع كل شيء في هذا الكون من الأعيان والأعمال إلى الله تعالى (وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعَمَلُونَ) (الصافات ٩٦)… فإنّ التبرير العقائدي لهذا الاتجاه هو تنزيه ساحة الله تعالى من أن يكلّف الإنسان بما لا يقدر عليه، فيما كان قضاء الله تعالى وقدره بعكس ما يأمر به وينهى عنه، وتنزيه الله سبحانه من أن يخلق السيئات والمعاصي والكفر والشرك والظلم والعدوان في سلوك العباد.
يقول عبد القادر البغدادي في (الفرق بين الفرق) في بيان آراء المعتزلة: (ومنها قولهم جميعاً إنّ الله تعالى غير خالق لأكساب الناس ولا لشيء من أعمال الحيوانات، وقد زعموا أنّ الناس هم الذين يقدّرون أكسابهم، وأنّه ليس لله عزّ وجلّ في أكسابهم ولا في أعمال سائر الحيوانات صنع ولا تقدير) ([710]).
وقال السيد الشريف في (شرح المواقف):
(إن المعتزلة استدلّوا بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد، وهو أنّه لولا استقلال العبد بالفعل على سبيل الاختيار لبطل التكليف وبطل التأديب الذي ورد به الشرع وارتفع المدح والذم).
وروى زهدي جارالله عن (المعتزلة): إجماعهم على أنّ العباد خالقون لأفعالهم مخترعون لها، وأنّ الله تعالى ليس له في أفعال العباد المكتسبة صنع ولا تقدير([711]).
ويقول صدر المتألهين:
(ذهبت جماعة كالمعتزلة ومن يحذو حذوهم إلى أنّ الله تعالى أوجد العباد وقدّرهم على تلك الأعمال وفوض إليهم الاختيار. فهم مستقلون بايجاد تلك الأفعال على وفق مشيئتهم وطبق قدرتهم، وقالوا: إنّه أراد منهم الإيمان والطاعة وكره منهم الكفر والمعصية. وقالوا: على هذا يظهر أُمور، الأول: فائدة التكليف بالأوامر والنواهي وفائدة الوعد والوعيد. والثاني: استحقاق الثواب والعقاب. والثالث: تنزيه الله سبحانه عن القبائح والشرور وأنواع الكفر والمعاصي والمساوي)([712]).
ويذهب الشهرستاني في (الملل والنحل) إلى إجماع المعتزلة على اعتبار العباد خالقين لأفعالهم مخترعين لها، وأنّ الله تعالى ليس له في أفعال العباد المكتسبة صنع ولا تقدير([713]).
والمعتزلة لجأوا إلى القول بالتفويض واستقلال الإنسان في أفعاله هروباً ممّا وقع فيه الأشاعرة من القول باستحقاق الإنسان للعقاب من جانب الله تعالى دون أن يكون له دور أو سلطان فيما صدر منه من ذنب وإجرام، ومن القول بتكليف الله تعالى للإنسان فيما لا قدرة له عليه، فيما كان القضاء والقدر بخلاف ذلك.
ولكي ينزّهوا الله تعالى من هذا وذاك، سبحانه وتعالى عن كل ذلك، لجأوا إلى القول بالتفويض، والإيمان بأنّ الله تعالى قد فوّض الإنسان أُموره ومنحه القدرة الكاملة على الاستقلال في كلّ أفعاله وتصرفاته… وبذلك وقعوا فيما هو أبشع ممّا وقع فيه الأشاعرة، وذلك هو الشرك بالله تعالى، وفصل فعل الإنسان وعمله بشكل كامل عن إرادة الله تعالى وإذنه ومشيئته وخلقه، وهو بحدّ الشرك إن لم يكن هو من الشرك فعلاً.
وفرق واضح بين نظرية التفويض الإلهي واستقلال الإنسان في عمله مستقلاً عن إرادة الله تعالى وإذنه ومشيئته وبين مبدأ حرية الاختيار.
وسوف يأتي توضيح لهذا الأمر فيما يأتي من هذا البحث.
موقف القرآن من مسألة
(الحتمية) و(استقلال الإنسان)
ونحاول الآن أن نعرف موقف القرآن من مسأله الحتمية. إنّ قراءة أولية للقرآن تظهرنا على نقطتين هامتين وهما:
ـ إنّ القرآن ينفي مبدأ الحتمية بالطريقة التي يطرحها الأشاعرة.
ـ وينفي مبدأ التفويض بالطريقة التي يقررها المعتزلة.
في النقطة الأولى يقرر مبدأ حرية الإرادة بشكل واضح ويقرر في النقطة الثانية مبدأ عدم استقلال الفرد في الإرادة واتخاذ القرار.
وهاتان النقطتان لا تتناقضان وإنّما تتكاملان، ومنهما نكتشف مذهباً ثالثاً لا هو بالاتجاه الأول، ولا هو بالاتجاه الثاني. وإلى هذا المذهب يذهب أهل البيت (عليهم السلام) وسوف نوضح ذلك فيما بعد.
والآن ننتقل إلى قراءة هاتين الطائفتين من آيات القرآن.
١ـ مبدأ حرية الاختيار في القرآن:
وفيما يلي نستعرض من كتاب الله الآيات التي تقرر مبدأ حرية الاختيار في حياة الإنسان. وهي إضبارة من آيات القرآن الكريم اخترناها من مجموعة واسعة من الآيات في كتاب الله.
يقرر القرآن أوّلاً: مبدأ التكليف بشكل واضح وصريح، ولا معنى للتكليف من دون الاقرار بمبدأ الاختيار.
يقول تعالى: (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا) (آل عمران ٣: ٩٧).
(كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) (البقرة ٢: ١٨٣).
(يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (الجمعة ٦٢: ٩).
ويقرر القرآن ثانياً: أنّ الله تعالى لم يكلّف عباده إلاّ بعد أن منحهم العقل والوعي والتمييز:
يقول تعالى: (ألم نجعل له عينين * ولساناً وشفتين * وهديناه النجدين) (البلد ٩٠: ٨- ١٠).
(إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفورا) (الإنسان ٧٦: ٣).
ويقرر القرآن ثالثاً: أنّ الله تعالى لا يكلّف عباده إلاّ بعد أن يتمّ عليهم الحجة بالبلاغ وإرسال الأنبياء مبشرين ومنذرين:
يقول تعالى: (وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا) (الإسراء ١٧: ١٥).
(قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها) (الأنعام ٦: ١٠٤).
(وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في أمّها رسولاً يتلوا عليهم آياتنا وما كنّا مهلكي القرى إلاّ وأهلها ظالمون) (القصص ٢٨: ٥٩).
ويقرر القرآن رابعاً: أنّ الله تعالى لا يكلّف عباده فيما لا يستطيعون ولا يكلّفهم إلاّ بقدر وسعهم:
يقول تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (البقرة ٢: ٢٨٦).
ولا يصح كلّ هذا التأكيد على أنّ التكليف من جانب الله لا يكون إلاّ بعد أن يمنح الله عباده التمييز، وبعد أن يبعث إليهم الأنبياء مبشرين ومنذرين، ولا يكلّفهم فيما لا يستطيعون، لا يصح كلّ ذلك إلاّ إذا كان التكليف يستتبع تقرير مبدأ حرية الاختيار.
وينسب القرآن خامساً: الأعمال التي تصدر عن الإنسان إلى الإنسان نفسه، وإنّها ما كسبت وجنت يداه، ولا يصح ذلك لولا أنّ الإنسان يختار بنفسه ما يفعل بإرادته، وليس هو موضعاً وظرفاً للفعل الصادر منه، كما يقول القائلون بالجبر.
يقول تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) (الشورى ٤٢: ٣٠).
(فويل لهم ممّا كتبت أيديهم وويل لهم ممّا يكسبون) (البقرة ٢: ٧٩).
(بلى من كسب سيّئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (البقرة ٢: ٨١).
ويقرر القرآن سادساً: مبدأ ارتباط الإنسان بعمله، وعودة العمل إلى الإنسان، خيراً كان أو شراً. واعتبار الجزاء نحو من أنحاء عودة العمل إلى صاحبه وهو من الجزاء التكويني الذي نظّمه الله تعالى في دورة الكون، ولا يصح ذلك إلاّ عندما يتحمل الإنسان مسؤولية عمله، والمسؤولية دائماً تتبع حرية الاختيار.
(قد جاءكم بصائر من ربّكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها) (الأنعام ٦: ١٠٤).
(يا أيّها الناس قد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها) (يونس ١٠: ١٠٨).
(لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (البقرة ٢: ٢٨٦).
ويقرر القرآن سابعاً: مبدأ الجزاء في الدنيا قبل الآخرة. والجزاء دائماً يتبع المسؤولية، والمسؤولية تتبع حرية الاختيار. يقول تعالى: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (النحل ١٦: ١١٢).
(فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون) (البقرة ٢: ٥٩).
(ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس) (الروم ٣٠: ٤١).
ويقرر القرآن ثامناً: مبدأ الجزاء في الآخرة في الصالحات والسيئات، وقد ذكر آنفاً أن الجزاء لاينفك عن الاختيار ولا يصح الجزاء إلاّ في حالة الاختيار.
(ووفيت كلّ نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون) (الزمر ٣٩: ٧٠).
ويقرر القرآن تاسعاً: أنّ الله تعالى يجزي كلّ واحد بفعله ولا يعاقب أحداً بسيئة غيره. يقول تعالى: (ولا تزرُ وازرة وزر أخرى) (الأنعام ٦: ١٦٤).
ويقرر القرآن عاشراً: ندامة الإنسان يوم القيامة على ما فرط منه من سيئات الأعمال في الدنيا. والندامة من آثار وأمارات الاختيارات، ولا ندامة على ما ليس للإنسان فيه اختيار.
(يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (الحجرات ٤٩: ٦).
(وأسرّوا الندامة لما رأوا العذاب وقُضي بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون) (يونس ١٠: ٥٤).
والحادي عشر يقرر القرآن: أنّ عمل الإنسان هو الذي يقرر مصير الإنسان فيفلحه أو يخيبه. يقول تعالى: (ونفس وما سوّيها * فألهمها فجورها وتقويها * قد أفلح من زكّيها * وقد خاب من دسّيها) (الشمس ٩١: ٧ -١٠).
والثاني عشر: أنّ التغيير الذي يحدثه الله تعالى في حياة الناس والأمم من إغناء وإثراء أو إهلاك أو استدراج أو عذاب أو مكر إنّما هو نتيجة أعمالهم. وليس يصح ذلك إلاّ إذا كان الإنسان يتمتع بكامل حريته.
يقول تعالى: (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) (الرعد ١٣: ١١).
(ذلك بأنّ الله لم يك مغيّراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) (الأنفال ٨: ٥٣).
والثالث عشر: أنّ الله تعالى يعطي عباده من الدنيا والآخرة بعض أو كلّما يطلبون بأعمالهم كما يريد سبحانه. وإذا كان العطاء من الله تعالى وبإرادته ومشيئته فإنّ الطلب من الإنسان. والعطاء من الله إجابة لطلب الإنسان. ولا معنى لكل ذلك إلاّ إذا كان الإنسان حراً مختاراً فيما يطلب.
(من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنّم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً * كلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظورا) (الإسراء ١٧: ١٨ ٢٠).
والرابع عشر: إنّ الله تعالى لا يظلم عباده وإنّما الناس هم الذين يظلمون أنفسهم: والآيات التي تشير إلى هذه الحقيقة تقرب من ثمانين آية في كتاب الله. وهذه الآيات جميعاً تقرر بوضوح مبدأ الاختيار في الإنسان. فإنّ معاقبة العبد بأشد العقاب والعذاب على شيء لا إرادة له فيه، من الظلم الذي يتنزه عنه سبحانه وتعالى: يقول تعالى: (وما ربّك بظلام للعبيد) (فصلت: ٤٦).
(فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (التوبة: ٧٠).
(ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها وهم لا يظلمون) (الأنعام: ١٦٠).
(وتوفّى كلّ نفس ما عملت وهم لا يظلمون) (النحل: ١١١).
(وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم) (هود: ١٠١).
(وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (النحل: ١١٨).
(وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) (الزخرف: ٧٦).
٢ـ نفي التفويض واستقلال الإنسان في القرآن:
كما ينفي القرآن بشكل قاطع الحتمية في سلوك الإنسان الفردي والاجتماعي، كذلك ينفي بشكل قطعي أيضاً استقلال الإنسان في سلوكه عن الله، وتفويض أموره وحركته إليه من جانب الله تعالى كما يقول المفوضة من المعتزلة، وفيما يلي نستعرض من كتاب الله تسع طوائف عن آيات القرآن تنفي بشكل واضح مبدأ التفويض واستقلال الإنسان في أفعاله من الله تعالى. وإليك الطوائف التسع من كتاب الله:
الطائفة الأولى: الآيات التي تقرر حاجة الإنسان وفقره الدائم إلى الله تعالى. كقوله تعالى:
١ـ (يا أيّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد) (فاطر: ١٥).
الطائفة الثانية: الآيات التي تقرر سلطان الله تعالى المطلق على الإنسان من دون قيد أو استثناء. كقوله تعالى:
٢ـ (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إنّ الله على كلّ شيء قدير) (البقرة: ٢٠).
٣ـ (وإن يمسسك الله بضرّ فلا كاشف له إلاّ هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) (الأنعام: ١٧).
٤ـ (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مُرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم) (فاطر: ٢).
٥ـ (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) (البقرة: 20).
6ـ (قُلْ لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً إلاّ ما شاء الله) (يونس: ٤٩).
7ـ (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) (يس: ٦٦).
8ـ (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم) (يس: ٦٧).
الطائفة الثالثة: الآيات التي تقرر بأنّ الإيمان لا يتم ولا يتحقق في حياة الناس إلاّ بإذن الله ومشيئته نحو قوله تعالى:
9ـ (وما كان لنفس أن تؤمن إلاّ بإذن الله) (يونس: ١٠٠).
الطائفة الرابعة: تعليق الإضرار بإذن الله فيما علَّم الشياطين الناس من السحر ممّا أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وغيره، وكانوا بهذا السحر يفرقون بين المرء وزوجه ويضرّون الناس. إلاّ أنّ القرآن يقرر أنّهم لم يكونوا قادرين على إضرار أحد بهذا السحر إلاّ بإذن الله. يقول تعالى:
10ـ (وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن الله) (البقرة: ١٠٢).
الطائفة الخامسة: الآيات التي تدل على أنّ الله تعالى قادر على أن يحول بينهم وبين ما يفعلون. يقول تعالى:
11ـ (ولو شاء الله ما فعلوه) (الأنعام: ١٣٧).
12ـ (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكنّ الله يفعل ما يُريد) (البقرة: ٢٥٣).
الطائفة السادسة: الآيات التي تدل على أنّ النصر والهزيمة بإذن الله.
13ـ (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) (البقرة: ٢٤٩).
14ـ (فهزموهم بإذن الله) (البقرة: ٢٥١).
الطائفة السابعة: الآيات التي تدل على أنّ مشيئة الإنسان بمشيئة الله، فلا يشاء الإنسان إلاّ بمشيئة الله. يقول تعالى:
15ـ (وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله إنّ الله كان عليماً حكيماً) (الإنسان: ٣٠).
16ـ (وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله ربُّ العالمين) (التكوير: ٢٩).
الطائفة الثامنة: الأمر لتعليق إرادتنا ومشيئتنا وأعمالنا على مشيئة الله تعالى.
17ـ (ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غداً * إلاّ أن يشاء الله …) (الكهف: ٢٣ ٢٤).
الطائفة التاسعة: تعليق الأعمال والخصال والأحوال جميعاً على مشيئة الله تعالى.
18ـ (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) (القصص: ٢٧).
19ـ (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) (الصافات: ١٠٢).
20ـ (لتدخُلُنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم) (الفتح: ٢٧).
هذه تسع طوائف من آيات كتاب الله تدل بصورة واضحة على نفي التفويض واستقلال الإنسان في أفعاله وإرادته، وهي واضحة وصريحة في ذلك كما كانت المجموعة الأولى من الآيات واضحة في نفي الحتمية والجبر في سلوك الفرد.
فإن الناس في كل شؤونهم فقراء إلى الله، ومن يكون فقيراً في كل شأن من شؤونه وفي كل حال من أحواله كيف يستقل عن الله تعالى في فعاله أو خصاله وهو خاضع لسلطان الله تعالى، إن شاء أخذه، وإن شاء مسخه، وإن شاء ذهب بسمعه وبصره، وإن شاء طمس على عينيه، ولا يملك الإنسان من دونه تعالى لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يتأتّى له أن يستقل عن الله مع هذا السلطان الإلهي الواسع على حياته وأعماله وجوارحه وجوانحه؟!
ولا يؤمن أحدٌ إلاّ بإذن الله ..
ولا يضر أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله ..
ولا يقاتل أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله ..
ولا ينتصر المنتصر إلاّ بإذن الله ..
ولا يهزم أحدٌ أحداً إلاّ بإذن الله ..
بل ولا يشاء أحدٌ شيئاً إلاّ بمشيئة الله ..
ولا يصح منّا أن نعزم على شيء إلاّ بمشيئة الله وإذنه، ولا يصبر الصابرون، ولا يفلح المفلحون، ولا يصلح الصالحون إلاّ بإذن الله بصريح القرآن ومحكمه.
ومع هذا التأكيد العجيب في القرآن على ارتباط الإنسان بالله تعالى في كل شيء وفي كل حال فكيف يصح دعوى استقلال الإنسان عن الله؟ ودعوى تفويض الأمر إليه والقول بأنّ الله تعالى خلق الإنسان ماشاء، ومنحه من المواهب، ثمّ أوكل أمره إليه، وفوّض إليه أموره بشكل مطلق؟
مذهب أئمة الشيعة / أهل البيت (عليهم السلام)
لسنا نحتاج إلى كثير من التفكير والتأمل لنقول إنّ المذهب القرآني في هذه المسألة الحساسة والخطيرة في حياة الإنسان لا هو بالمذهب الأول ولا هو بالمذهب الثاني، وفيما استعرضنا من آيات القرآن قبل قليل ما يكفي لاثبات هذه الحقيقة.
إذن، المذهب الذي يختاره القرآن هو مذهب ثالث بين المذهبين المعروفين.
وهذا المذهب الثالث هو الذي تبنّاه أهل البيت (عليهم السلام) ونسبوه إلى القرآن وعُرف عنهم ب(الأمر بين الأمرين).
أي المذهب الوسط الذي يقع بين المذهبين.
وهو مذهب ثالث حقاً يقع وسطاً بين المذهبين المتطرفين المتصارعين في التاريخ العقلي الإسلامي. وأهل البيت هم روّاد هذا المذهب القرآني وأوّل من كشف للناس هذا المذهب الفكري للقرآن.
ومن العجب أن هذا التفسير الوسط لمذهب القرآن في مسألة أفعال الإنسان وسلوكه على وضوحه، ظل مختفياً في العصور الإسلامية الأولى عن الحوار العقلي الذي كان يجري بين علماء المسلمين في مذهب القرآن من هذه المسألة.
وحتى بعد أن أعلن أهل البيت (عليهم السلام) هذا الرأي واشتهر عنهم، ظل هذا الرأي مجهولاً غير معروف في الحوار العقلي الذي كان يجري يوم ذاك في العصر العباسي وما بعده، وهو أمر مثير للسؤال فعلاً. كيف انشطر علماء المسلمين من غير مدرسة أهل البيت إلى هذين المذهبين رغم صراحة القرآن ووضوحه في نفي كل منهما.
إنّ السبب في ذلك كما يبدو أنّ المعتزلة أرادوا بمسألة استقلالية الإنسان في الاختيار والإرادة التخلص من تبعة إلقاء مسؤولية الظلم الذي يرتكبه العباد على الله تعالى وتنزيه الله تعالى من كل ظلم يرتكبه الناس. وهذا هو السبب الذي دعى المعتزلة إلى أن يختلفوا مع الأشاعرة وينسبوا الفعل إلى الإنسان نفسه، ولا ينسبوه إلى الله تعالى، ولنفس السبب أصرّوا على استقلال الإنسان في الاختيار ونفوا أن تكون لله تعالى إرادة واختيار وسلطان على الإنسان في اختياره وفعله، إلاّ أنّه تعالى خلقه ومنحه المواهب التي تمكنه من الاختيار ثمّ أوكله إلى نفسه في الإرادة والاختيار.
ولا ينافي الخلق والابداع استقلال الإنسان في الاختيار فإنّ حاجة الممكن إلى الواجب (حسب هذه النظرية) في مرحلة الحدوث فقط، فإذا حدث، استقلّ عن الواجب وكان مستقلاً في كل فعله واختياره عن الله تعالى، ويعتقدون أننا إذا سلبنا الاستقلال من الإنسان في الاختيار وجعلنا اختيار الإنسان في طول اختيار الله وجعلنا إرادة الإنسان في طول إرادة الله وجعلنا لله تعالى سلطاناً على فعل الإنسان واختياره، وقعنا في نفس المشكلة التي وقع فيها الأشاعرة من قبل وهي نسبة الظلم والسيئات إلى الله تعالى. أمّا حينما يكون الإنسان مستقلاً في إرادته واختياره وفعله، ولم يكن لله تعالى سلطان على فعله وإرادته، لولا أنّه خلقه ومكّنه من الاختيار والأعمال وذلك لا ينافي استقلال الإنسان في الاختيار والفعل…
أقول: أما حنيما يكون الإنسان مستقلاً في إرادته وفعله عن الله تعالى فلا ينسب شيء من فعله إلى الله تعالى.
وبهذه الطريقة يحاول المعتزلة أن يحافظوا على (العدل الإلهي) إلاّ أنّهم يسلبون من حيث يعلمون أو لا يعلمون سلطان الله تعالى الدائم على عباده، ومشيئته المستمرة في خلقه وهي نقاط حساسة تمسّ التوحيد بالذات.
وإذا كان المذهب الذي يذهب إليه الأشاعرة يمسّ (عدل الله) فإنّ المذهب الذي يذهب إليه (المعتزلة) يمسّ (توحيد الله) بشكل واضح وصريح، وقد وجدنا في ما سبق أنّ تأكيد القرآن على سلطان الله الدائم على خلقه ونفي استقلال الإنسان في شأن من شؤونه، لا يقل عن تأكيد القرآن على حرية الانسان في الاختيار.
وهذه العقدة – في رأيي ـ هي التي ألجأت علماء المسلمين من غير مدرسة أهل البيت إلى الالتزام بأحد المحذورين، ولولا ذلك لا نجد توجيهاً للغفلة عن كل هذه الآيات التي ذكرناها آنفاً من كتاب الله بما لها من دلالة واضحة وصريحة على نفي الجبر والتفويض ونفي استقلال الإنسان في إرادته وفعله.
ولا بدّ أن أشير، قبل أن أنتقل إلى البحث عن المنهاج الذي تخلّص به علماء مدرسة أهل البيت من نسبة الظلم إلى الله تعالى في الوقت الذي لم يفرّطوا في القول باتصال سلطان الله تعالى ونفوذه المستمر على فعل الإنسان واختياره … قبل أن ادخل هذا البحث أحب أن أنبّه إلى أنّ الاختيار لا يساوق الاستقلال، وليس السبب في انصراف علماء المسلمين من غير مدرسة أهل البيت عن الأمر بين الأمرين. تصوّر أنّ الاختيار بمعنى الاستقلال وأنّ مذهب (الأمر بين الأمرين) يسلب الإنسان الاستقلال في الاختيار، وبالتالي يسلبه الاختيار، ومرّة أُخرى يؤدي بنا (الأمر بين الأمرين) إلى مذهب الحتمية الذي حاولنا أن نتخلّص من تبعاته … نقول: هذه الشبهة لا تستحق إطالة الكلام، فليس من شروط الاختيار أن تكون القدرة مطلقة غير معلّقة على اختيار آخر أو فعل آخر، وليس من بأس أن يكون عمل واحد تحت اختيار طرفين لكل منهما اختيار وفعل، ولا يتم لأي منهما الاختيار والفعل إلاّ مع اختيار وفعل الطرف الآخر. أو يكون اختيار الثاني معلّقاً على اختيار الأول وفعله دون العكس وهذا واضح، ولذلك فلا نحتاج إلى توقف كثير عند هذه النقطة لنثبت أنّ (الاختيار) ليس بمعنى (الاستقلال).
والآن نحاول أن نعرف كيف تخلّص علماء مدرسة أهل البيت من هذه المشكلة وجمعوا بين الأخذ بما ورد في القرآن بالصراحة من اتصال سلطان الله ونفوذه على اختيار عباده وأفعالهم، وبين تنزيه الله سبحانه من كل ظلم وسوء، وكلاهما صرّح به القرآن، وقد رأينا من قبل، أنّ الأشاعرة أخذوا بالأولى وفرطوا بالثانية، والمعتزلة أخذوا بالثانية وفرطوا بالأولى.
فيما سبق تحدّثنا عن المذهب القرآني في ارتباط الإنسان بالله واستمرار هذا الاتصال والحاجة والفقر إلى الله حدوثاً وبقاءً. وقد رأينا أنّ القرآن يزيل في ذلك كل غشاوة ويثبت بما لا مزيد عليه، أنّ الإنسان يبقى فقيراً إلى الله تعالى في كل شؤونه وحاجاته وفي كل مراحله، ولا ينقطع سلطان الله وإرادته وهيمنته وتدبيره عن الإنسان واختياره وفعله في لحظة من اللحظات… والآن نشير إلى التنظير الفلسفي لهذه المسألة.
١ـ إستمرار حاجة المعلول إلى العلة في مرحلتي الحدوث والبقاء:
إنّ المفوّضة يبنون رأيهم في استقلال الإنسان عن الله تعالى في الاختيار والفعل على أساس رأي فلسفي في استغناء المعلول عن العلة في مرحلة البقاء، واقتصار الحاجة إلى العلة في مرحلة الحدوث فقط.
وهذا رأي يذهب إليه بعض المتكلّمين، ويعتمد هذا الرأي بعض المشاهدات غير العلمية كاستمرار الحركة في الجسم المتحرك بعد انفصال القوّة المحركة عنه، وبقاء الحرارة في الجسم الذي امتص الحرارة من مصدرها بعد انفصال مصدر الحرارة عنه.
وبقاء البناء بعد أن يكمله البنّاء وذهابه لشأنه، وما يشبه ذلك.
وإلى هذا الرأى يشير الشيخ ابن سينا في الاشارات: (وقد يقولون: إنّه إذا وجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل حتى إنّه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً كما يشاهدونه من فقدان البنّاء وقوام البناء، وحتى أنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول: لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرَّ عدمه وجود العالم، لأنّ العالم عندهم إنّما احتاج إلى الباري تعالى في أن أوجده، حتى كان بذلك فاعلاً، فإذا جُعل وحصل له الوجود من العدم فكيف يخرج بعد ذلك الوجود إلى العدم حتى يحتاج إلى الفاعل؟)([714]).
والمفوضة، بناء على هذا التنظير الفلسفي يذهبون إلى أنّ الإنسان يستقل عن الله تعالى بعد أن يخلقه، ولذلك فهو مستقل في اختياره وفعله عن الله تعالى تماماً.
وهذا رأي باطل لا يقاوم الأدلّة العقلية القطعية التي تقرر بأنّ حاجة المعلول إلى العلة ليس في مرحلة الحدوث فقط بل في الحدوث والبقاء على نحو سواء، وإذا زالت العلّة زال المعلول تماماً، فإنّ المعلول قائم بالعلّة وبزوال العلّة يرتفع المعلول إذ ليس للمعلول وجود مستقل غير ما تفيض العلّة على المعلول (وهو علاقة العلّة بالمعلول) ومتى انقطعت هذه العلاقة وانتهت هذه الافاضة ينتهي المعلول بطبيعة الحال.
وما يتراءى لنا من النظرة الساذجة الأولى من استمرار وجود المعلول رغم انفصال العلّة وزوالها مشاهد ابتدائية ساذجة، لا علاقة لها بحديث العلّة والمعلول وقانون العلّية.
ولا نتوقف هنا أكثر من ذلك في تقرير هذه المسألة ومن يطلب المزيد فيها ففي الاَبحاث الفلسفية إفاضة وسعة في تناول هذه المسألة من الناحية العقلية.
2 ـ نظرية الحركة الجوهرية:
في بداية الألف الثاني من الهجرة ظهر في الساحة العقلية الإسلامية فيلسوف كان له دور كبير في بناء الفلسفة الإسلامية المعاصرة وهو صدر الدين الشيرازي، المعروف على لسان محبيه وتلامذته بـ (صدر المتألهين).
كشف (صدر المتألهين) عن نظرية جديدة، وهي وقوع الحركة في جوهر الأشياء وكنهها وليس في المكان والزمان والكيف (وسائر الأعراض التي تعرضها الحركة). وكانت الفلسفة الرسمية من قبل صدر المتألهين تذهب إلى أنّ الحركة تختص بجملة من الأعراض فقط كالزمان والمكان والكيف والكم.
طرح صدر الدين هذه النظرية قائلاً بأنّ وجود الموجودات في تبدل دائم وحركة سيالة، وما يتراءى لنا من ثبات الموجودات هو كما يتراءى لراكب السيارة حيث يرى ظل السيارة يلاحق السيارة ويسير بنفس سرعة السيارة، فتصوّر في بادئ النظر أنّ هذا الظل له وجود ثابت مستقر يلاحق السيارة وهذه نظرة ساذجة أولية، وإذا أمعن النظر يرى أنّ هذا الظل في كل لحظة ينعدم ويتولد من جديد طبقاً للنقطة الجديدة التي تنتقل إليها السيارة، ففي كل نقطة تنتقل إليها السيارة في أي لحظة يتولد الظل من جديد وينعدم الظل الأول، وتتابع انعدام وولادة الظل بصورة سريعة يولد لدينا إحساساً خاطئاً بوجود ظل واحد متحرك للسيارة، وكذلك حالة ضوء الشمس على وجه الأرض فلأن النظرة البدائية الساذجة تصوّر لنا أنّه حالة واحدة متصلة وممتدة من شروق الشمس إلى غروبها، وهذه النظرة الساذجة تتغير ببعض الإمعان في النظر ونجد أنّ هذا الضوء في حال تبدل دائم ومستمر بصورة متلاحقة وسريعة نتيجة إرسال الشمس للنور بصورة مستمرة ومتوالية، فلو فرضنا أنّ هذا الإرسال انقطع لوجود حاجب أو أمر آخر في أية لحظة تحول الضوء في نفس تلك اللحظة إلى ظلام دامس.
واستمرار إرسال شعاع النور من جانب الشمس يوهمنا بوجود حالة واحدة متصلة من الضوء في الأرض وهو إحساس خاطئ قطعاً، كذلك الوجود في إفاضة مستمرة متصلة من جانب الله فإذا انعدمت هذه الإفاضة في أي لحظة يتحول الكون كله إلى ظلمات دامسة من العدم ليس فيه من نور الوجود شيء، فإنّ هذا الوجود يفيض من جانب الواجب تبارك وتعالى وعمّ فيضه ونواله على الكون والأشياء (الماهيات) بصورة متصلة ومستمرة، واتصال إفاضة الوجود من جانب الله تعالى يوقعنا في وهم من هذا القبيل فنتصور أنّ الموجودات حالات ثابتة مستقرة. خلقها الله تعالى وأبدعها ثم انقطع ما بينه تعالى وبينها من علاقة الإفاضة وبقيت هي تواصل وجودها باستمرار.
والإنسان لا يخرج عن هذا القانون فهو مما خلق الله تعالى وأفاض عليه الوجود وهو في ذلك كسائر الموجودات في ارتباط دائم وعلاقة متصلة بالله تعالى ولو انقطعت هذه العلاقة والإفاضة لحظة واحدة لم يكن من الإنسان ومواهبه وأفعاله واختياره عين ولا أثر.
هذه النظرية التي اكتشفها صدر المتألهين وعرفت بـ (نظرية الحركة الجوهرية) وارتبطت باسمه تؤكد لنا بصورة مشهودة الرأي الرافض لاستقلال الإنسان والرأي النافي لنظرية (التفويض). وبملاحظة مجموعة هذه الأفكار ابتداء من التصورات التي يقدمها القرآن إلى النظريات الفلسفية العميقة التي ذكرها محققو الفلسفة الإسلامية وروادها، يتبيّن لنا بصورة واضحة ضعف نظرية (التفويض) و(استقلال الإنسان) التي يؤمن بها ويأخذ بها المعتزلة.
مناهج علماء الشيعة لتفسير
(الأمر بين الأمرين)
في ضوء ما سبق لا مجال للتردد في سقوط نظرية التفويض المعتزلية من الناحية القرآنية والناحية العقلية على نحو سواء.
والآن كيف السبيل إلى تقرير نظرية (الأمر بين الأمرين) التي تنفي الحتمية في سلوك الإنسان في الوقت الذي تنفي فيه استقلال الإنسان وتفويض أموره إليه؟
فإنّ نفي استقلال الإنسان ونفي التفويض كما ذكرنا يؤدي بنا بعد التمحيص والتدقيق إلى الالتزام بنسبة المظالم والسيئات إلى الله تعالى، وهو ما حاول المعتزلة أن يتخلصوا منه.
وليس الاعتراف بـ (الأمر بين الأمرين) مع إصرار القرآن عليه ممّا يشق على هؤلاء العلماء، ولكن الذي يشق عليهم هو أنّ يجدوا من خلال هذه النظرية القرآنية التي أعلنها وكشف عنها أهل البيت (عليهم السلام) طريقاً يسلمون فيه من نسبة الظلم إلى الله تعالى كما سلموا من نسبة الشرك.
وهذا ما حاول علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أن يهتدوا إليه من خلال النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير وتوجيه وتقرير هذه النظرية.
التفسير الشهير عند علماء مدرسة أهل البيت يعتمد الأصل الذي شرحنا في ارتباط الوجود كله بالله تعالى بصورة متصلة ومستمرة، والإنسان في هذا الكون، يرتبط بالله تعالى بالفقر والحاجة ويرتبط به تعالى بالإفاضة والإيجاد. وهذه الإفاضة متصلة ومستمرة ولو أنّها انقطعت لحظة واحدة عن الإنسان لانتهى الإنسان وما بيده وماله، وإرادة الإنسان ومشيئته وفعله من ذلك. فلولا هذه الإفاضة المتصلة لم يكن للإنسان أن يكون أو يريد شيئاً أو يفعل شيئاً ولكن الإنسان هو الذي يريد ويختار. ولولا ذلك لم يفرض عليه الله عملاً. بلى لو أنّ الله قطع عنه فيض الوجود وإمداد القوة والعزم والعقل والوعي والبصيرة والمشيئة والاختيار لم يكن له أن يختار أو يفعل شيئاً، إلاّ أنّه على كل حال هو الذي يريد ويختار ويفعل وليس يصّح لذلك أن ينسب فعله إلى غيره فهو المسؤول عن فعله.
(ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) (البقرة: ٢٠).
(ولو شاء الله ما فعلوه) (الأنعام: ١٣٧).
أرأيت لو أنّ المهندس المسؤول عن مركز انتاج الطاقة الكهربائية فتح التيار الكهربائي على بيت وأبقاه مفتوحاً ليستخدمه فيما ينفعه… فلو أنّ صاحب البيت أساء استعمال الطاقة الكهربائية وانتحر أو قتل بالتيار الكهربائي شخصاً أو أضرّ به فلا ينسب الفعل إلاّ إليه، وإن كان هو لا يقدر على شيء من ذلك لو أنّ المهندس المسؤول عن مركز الطاقة الكهربائية قطع التّيار عنه، أو لم يبقه مفتوحاً على بيته، إلاّ أنه يبقى هو وحده الّذي ينسب إليه الفعل وهو المسؤول عن فعله، فلا يقال إنّ المهندس المسؤول هو الّذي قتل صاحب البيت (إذا انتحر) ولا يكون المهندس المسؤول عن المركز مسؤولاً عن انتحاره. ولعل من أفضل الأمثلة الّتي تذكر في هذا المجال من حيث الدقة العلمية هو المثل الّذي ضربه آية الله المحقّق السيد الخوئي:
لنفرض إنساناً كانت يده شلاّء لا يستطيع تحريكها بنفسه، وقد استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إرادية وقتية بواسطة قوّة الكهرباء، بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك يده بنفسه متى وصلها الطبيب بسلك الكهرباء، وإذا انفصلت عن مصدر القوّة لم يمكنه تحريكها أصلاً، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلاً، وابتدأ ذلك الرجل المريض بتحريك يده، ومباشرة الأعمال بها ـ والطبيب يمده بالقوّة في كل آن ـ فلا شبهة في أنّ تحريك الرجل ليده في هذه الحال من الأمر بين الأمرين، فلا يستند إلى الرجل مستقلاً، لأنه موقوف إلى إيصال القوّة إلى يده، وقد فرضنا أنّها بفعل الطبيب ولا يستند إلى الطبيب مستقلاً، لأنّ التحريك قد أصدره الرجل بإرادته، فالفاعل لم يجبر على فعله لأنه مريد، ولم يفوّض إليه الفعل بجميع مبادئه، لأنّ المدد من غيره، والأفعال الصادرة من الفاعلين المختارين كلّها من هذا النوع.
فالفعل صادر بمشيئة العبد ولا يشاء العبد شيئاً إلاّ بمشيئة الله. والآيات القرآنية كلّها تشير إلى هذا الغرض، فهي تبطل الجبر الّذي يقول به أكثر أهل السُنّة لأنّها تثبت الاختيار، وتبطل التفويض المحض الّذي يقول به بعضهم لأنّها تسند الفعل إلى الله. (وسنتعرّض إن شاء الله تعالى للبحث تفصيلاً، ولإبطال هذين القولين حين تتعرّض الآيات لذلك).
وهذا الّذي ذكرناه مأخوذ عن إرشادات أهل البيت (عليهم السلام)([715]).
وكان الشيخ محمد رضا المظفر يقول: إنّ للفعل الصادر من البُعد نسبتان، ولكل نسبة طبيعة تختلف عن النسبة الأخرى.
والنسبة الاولى هي النسبة (ما منه الوجود) كما كان يسمّيها وبهذه النسبة يتصل الفعل بالله تعالى، فهو تعالى مصدر الوجود ومبدأ الوجود= ومنه الوجود، وهذا الفعل ما كان داخلاً في دائرة الوجود فلا محالة يكون وجوده من الله تعالى.
ولكن الفعل اكتسب هذا الوجود بواسطة الإنسان نفسه ولولا الإنسان واختياره وحركته لم يقع الفعل فهو وحده المسؤول عن الفعل، وإليه وحده ينسب النسبة التي حمّل صاحبها مسؤولية الفعل.
وبذلك تصح نسبة الفعل إلى الله تعالى وإلى العبد دون أن يؤدّي بنا ذلك إلى نسبة الظلم إلى الله، ودون أن يضر ذلك بتنزيه الله تعالى ممّا لا يليق بشأنه.
وكان له رسالة في ذلك يشرح فيها هذا التفسير ولا تحضرني الآن تلك الرسالة، ولعلّ الفكرة أيضاً لا تحضرني بصورة دقيقة كما كان يصيغها هو في دروسه الفلسفية.
ورأي الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمد بن النعمان (رحمه الله) يقع في هذا الاتجاه من الرأي في تفسير (الأمر بين الأمرين).
ويمكننا أن نلّخص رأي الشيخ (رحمه الله) ضمن نقطتين أساسيتين هما ركنا مسألة الأمر بين الأمرين وهما:
١ رفض نسبة أفعال الناس إلى الله:
النقطة الأولى: إنّ أفعال الناس ترجع إلى الناس أنفسهم وليست هذه الأفعال من خلق الله، وهذه النقطة هي المفترق بين مدرسة أهل البيت والمدرسة الجبرية المعروفة في التاريخ الإسلامي.
فقد كانوا يرون أنّ ما يصدر عن الإنسان من الأفعال صادر عن الله تعالى في الحقيقة ومخلوق له، وليس الإنسان إلاّ ظرفاً لهذه الأفعال ولا شأن له بها غير ذلك، وإنّما كانوا يصرّون على ذلك للاحتفاظ بأصل التوحيد ونفي وجود مصادر متعددة في الكون للأشياء وللأفعال، وهذه المدرسة لا تنفي (أصل العلّية) رأساً، ولكنّها لا تعرف للكون غير علّة واحدة وهو الله تعالى، وينسب كلّ شيء وكلّ فعل إلى الله تعالى مباشرة، ويواجه المفيد (رحمه الله) هذا الاتجاه من الرأي بعنف، ويرده من غير رفق.
يقول الشيخ المفيد: (الصحيح عن آل محمّد (صلى الله عليه وآله) أنّ أفعال العباد غير مخلوقة لله).
وقد روي عن أبي الحسن الثالث (الإمام الهادي (عليه السلام)) أنّه سئل عن أفعال العباد. فقيل له هل هي مخلوقة لله تعالى؟ فقال (عليه السلام): «لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه: {إنّ الله بريء من المشركين ورسوله} (التوبة: ٣) ولم يُرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنّما تبرأ من شركهم وقبائحهم.
وسأل أبو حنيفة أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أفعال العباد ممّن هي؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام): «إنّ أفعال العباد لا تخلو من ثلاثة منازل:
إمّا أن تكون من الله تعالى خاصّة، أو منه ومن العبد على وجه الاشتراك فيها، أو من العبد خاصّة.
فلو كانت من الله تعالى خاصّة لكان أولى بالحمد على حسنها والذمّ على قبحها، ولم يتعلّق بغيره حمد ولا لوم فيها.
ولو كانت من الله ومن العبد، لكان الحمد لهما معاً فيها والذمّ عليهما جميعاً فيها. وإذا بطل هذان الوجهان ثبت أنّها من الخلق. فإن عاقبهم الله على جنايتهم بها فله ذلك، وإن عفى عنهم فهو أهل التقوى وأهل المغفرة».
وفي أمثال ما ذكرناه من الأخبار ومعانيها ممّا يطول به الكلام([716]).
ويستدل الشيخ المفيد بالقرآن على رفض نسبة أفعال الناس إلى الله.
يقول (رحمه الله): (وكتاب الله مقدّم على الأحاديث والروايات، وإليه يتقاضى في صحيح الأخبار وسقيمها، فما قضى به فهو الحقّ دون ما سواه.
قال الله تعالى: {الّذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين} (السجدة: ٧). فخبر بأنّ كلّ شيء خلقه فهو حسن غير قبيح، فلو كانت القبائح من خلقه لما حكم بحسنها.
وفي حكم الله تعالى بحسن جميع ما خلق شاهد ببطلان قول من زعم أنّه خلق قبحاً)([717]).
ويعلّق السيّد هبة الدين الشهرستاني (رحمه الله) على كلمة الشيخ المفيد (رحمه الله)، فيقول: (ليس هذه الآية وحدها شاهد الفئة العدلية لإسناد أفعال العباد إلى أنفسهم، إذ كلّ آية نزّهت ربّنا سبحانه عن الشرور وخلق الآثام تؤيده)([718]).
ويفتح الشيخ المفيد (رحمه الله) باباً واسعاً لمناقشة أدلّة الّذين يستدلّون بالقرآن على صحة نسبة أفعال الناس إلى الله تعالى.
ومن ذلك استدلالهم بقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً} (الأنعام: ١٢٥).
حيث نسبت الآية الكريمة الاضلال إلى الله تعالى. وقوله تعالى:
{ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً} (يونس: ٩٩).
حيثُ استفادوا منها صحّة نسبة الاضلال في غير المؤمنين إلى الله تعالى لأنه لو شاء لآمنوا جميعاً.
وقد ناقش الشيخ المفيد هذه الأدلّة بتفصيل نذكر نماذج من ذلك:
يقول: (فأمّا ما تعلقوا به من قوله تعالى: {(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً} (الانعام: ١٢٥)… فليس للمجبرة به تعلّق ولا فيه حجّة، والمعنى فيه: أنّ من أراد الله تعالى أن ينعّمه ويثيبه جزاءً على طاعته شرح صدره للإسلام بالألطاف الّتي يَحْبُوهُ بها فييسّر له بها استدامة أعمال الطاعات. والهداية في هذا الموضع هي: النعيم.
قال الله تعالى فيما خبّر به عن أهل الجنّة: {الحمد لله الّذي هدانا لهذا} (الأعراف: ٤٣) أي أنعمنا به وأثابنا إيّاه. والضلالة في هذه الآية هو: العذاب، قال الله تعالى: {إنّ المجرمين في ضلال وسُعُر} (القمر: ٤٧) فسمّى العذاب ضلالاً والنعيم هداية، والأصل في ذلك أنّ الضلال هو الهلاك والهداية هي النجاة.
قال الله تعالى حكاية عن العرب: {أإذا ضللنا في الأرض أإنّا لفي خلق جديد} (السجدة: ١٠) يعنون إذا هلكنا فيها، وكان المعنى في قوله: {فمن يرد الله أن يهديه} ما قدّمناه وبيّناه ومن يرد أن يضلّه ما وصفناه، والمعنى في قوله: {يجعل صدره ضيّقاً حرجاً} يريد سلبه التوفيق عقوبة له على عصيانه ومنعه الألطاف جزاء له على إساءته، فشرح الصدر ثواب الطاعة بالتوفيق، وتضييقه عقاب المعصية بمنع التوفيق، وليس في هذه الآية على ما بيّناه شبهة لاَهل الخلاف فيما ادّعوه من أنّ الله تعالى يضلّ عن الإيمان ويصدّ عن الإسلام ويريد الكفر ويشاء الضلال.
وأمّا قوله تعالى: {ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعاً} (يونس: ٩٩)، فالمراد به الاخبار عن قدرته، وأنّه لو شاء أن يلجئهم إلى الإيمان ويحملهم عليه بالإكراه والإضطرار لكان على ذلك قادراً، لكنّه شاء تعالى منهم الإيمان على الطوع والاختيار، وآخر الآية يدلّ على ما ذكرناه وهو قوله تعالى: {أفأنت تكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين} (يونس: ٩٩) يريد أنّه قادر على إكراههم على الإيمان لكنّه لا يفعل ذلك ولو شاء لتيسّر عليه، وكلّما يتعلقون به من أمثال هذه الآية فالقول فيه ما ذكرناه أو نحوه على ما بيّناه، وفرار المجبرة عن إطلاق القول بأنّ الله يريد أن يُعصى ويُكفر به ويُقتل أولياؤه ويُشتم أحبّاؤه [أعدائه] إلى القول بأنّه يريد أن يكون ما علم كما علم ويريد أن تكون معاصيه قبائح منهياً عنها، وقوع فيما هربوا منه وتورّط فيما كرهوه، وذلك أنه إذا كان ما علم من القبيح كما علم وكان تعالى مريداً لأن يكون ما علم من القبيح كما علم فقد أراد القبيح وأراد أن يكون قبيحاً، فما معنى فرارهم من شيء إلى نفسه وهربهم من معنى إلى عينه، فكيف يتم لهم ذلك مع أهل العقول، هل قولهم هذا إلاّ كقول إنسان: أنا لا أسب زيداً لكنّي أسبّ أبا عمرو. وأبو عمرو هو زيد، أو كقول اليهود إذ قالوا سخرية بأنفسهم: نحن لا نكفر بمحمّد (صلىالله عليه وآله) لكنّا نكفر بأحمد، فهذا رعونة وجهل ممّن صار إليه وعناء وضعف عمل ممّن اعتمد عليه.
٢ـ نفي استقلال الإنسان في أفعاله:
النقطة الثانية في كلام الشيخ المفيد (رحمه الله) هي نفي استقلال الإنسان في فعله، يقول (رحمه الله) في تصوير القول الوسط بين القولين (الجبر والتفويض):
(والواسطة بين هذين القولين: أنّ الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم ومكّنهم من أعمالهم، وحدّ لهم الحدود … فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها ووضع الحدود لهم فيها)([719]).
ويروي السيد أحمد الفهري في ترجمته لبحث الطلب والإرادة للسيد الخميني مثالاً عن الشيخ المفيد في نفي استقلال الإنسان، ولم يشر إلى المصدر الذي نقل عنه هذا المثال.
والمثال هو: (لقد يوكل التاجر أحداً على تجارته ويمكّنه من محل عمله وبضائعه وأمواله ويطلق يديه في كل ذلك. فكل عمل يصدر عنه يكون هو (العامل) مسؤولاً عنه مباشرةً، لكن لصاحب المتجر أن يعزله ويفصله عن عمله في أي لحظة، ويسحب عنه ما أعطاه من الصلاحيات في أمواله وبضاعته)([720]).
ومهما يكن من أمر فإنّ كلمات الشيخ المفيد ترسم لنا في ضوء النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) صورة جديدة لعلاقة الفعل بصاحبه.
استنطاق النصوص
عندما نقرأ النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في مجرى الصراع العقائدي والحوار الدائر بين أطراف هذا الصراع نلتقي صورة حيّة عن حقيقة الصراع وعن حقيقة موقف أهل البيت(عليهم السلام) تختلف عن الصورة الّتي تعكسها الدراسات الكلامية بعض الاختلاف.
فقد دخل أهل البيت (عليهم السلام) في الفترتين السياسيتين الأموية والعبّاسية صراعاً عقائدياً قوياً في هذه المسألة…
ولم يكن هذا الصراع صراعاً عقائدياً كلامياً خالصاً كما ذكرت من قبل، بل تداخلت فيه العوامل السياسية إلى جانب العامل العقلي في البحث الكلامي العقائدي. وكان طرف هذا الصراع حيناً النظام الحاكم ومتبنيات النظام العقائدية، وحيناً آخر المعارضة السياسية للنظام. فقد كان المعتزلة يقعون أحياناً في طرف المعارضة السياسية، أو أنّ المعارضة السياسية كانت تكتسب منهم دعماً سياسياً وشعبياً.
ومهما يكن من أمر، فقد كان هذا الصراع من أعمق الصراعات العقائدية التي خاضها أهل البيت (عليهم السلام) وأكثرها حسّاسية وخطورة، فقد كانت السلطة تتبنّى وجهة نظر الجبر بشكل واضح وصارخ، حتّى أنّ غيلان الدمشقي قُتل على يد هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي بتلك الطريقة الفظيعة الّتي يرويها المؤرخون بجريمة الإيمان بـ(الأختيار) و(التفويض).
وكان لكلّ من هذين المذهبين آثاراً سلبية واسعة على العقلية الإسلامية كما كان لهما آثاراً على الحالة السياسية في العالم الإسلامي.
وكان أهل البيت (عليهم السلام) يقفون ضد هذا التيار تارة وضد ذلك التيار تارة في جبهتين مختلفتين.
وأولى هاتين الجبهتين هي الجبهة الكلامية الرسمية أو شبه الرسمية التي كانت تلتزم مبدأ (الحتمية) بشكل سافر، وتؤمن بتدخّل الإرادة الإلهية بصورة مباشرة في كلّ فعل للإنسان، وهي جبهة (الأشاعرة) فقد كان الأشاعرة ينفون علاقة السبب والعلّية بين الأشياء، ولا يرون علاقة بين شيء وآخر في هذا الكون، ولا يرون في هذا الكون مؤثّراً مباشراً إلاّ الله تعالى.
فإذا تعوّمت خشبة على الماء، ولم تتعوّم حجارة، فليس لسبب في الخشبة يقتضي التعويم لا يوجد في الحجارة، وإنّما لأنّ الله تعالى شاء أن تتعوّم الخشبة ولا تتعوّم الحجارة، وجرت عادته على ذلك.
وليس في هذا الكون قانون ولا علّة ولا سبب غير عادة الله (وهذا هو القانون) وسلطان الله وإرادته وهذا هو (السبب).
وأفعال الإنسان ليس بدعاً عن سائر ما يجري في هذا الكون… فهي من خلق الله تعالى وليس للإنسان فيه دور وسلطان.
وهذا التصور على ما فيه من فجاجة ظاهرة كان هو التصوّر الرسمي لطائفة واسعة من علماء المسلمين، وكان جهاز الخلافة الأموية ثمّ العبّاسية عدا فترة قصيرة يتبنّى ذلك ويحاسب ويعاقب عليه.
وقد وجد أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الاتجاه الفكري خطراً على العقلية الإسلامية، وعلى حياتهم السياسية، وعلى فهمهم للقرآن والسنّة.
فإنّ هذا التصور يلغي قانون العلّية ويسمح بأن يكلف الله تعالى الإنسان على ما لا يقدر عليه.
ويسمح بعقوبة الإنسان من جانب الله تعالى على ما لا سلطان له فيه، وما لا قدرة له عليه، ويقرّ نسبة الظلم والتعسف إلى الله تعالى.
ويحوّل الإنسان إلى خشبة عائمة في مجرى التاريخ، لا سلطان له، ولا فعل ولا تأثير في تقرير مصيره.
ويطلق أيدي السلطة الحاكمة في الاستبداد والإرهاب وسلب حقوق الناس والفتك والبطش بهم.
وبعض هذه التبعات والآثار السلبية تكفي لضرورة الوقوف في وجه هذا التيار.
وكانت هذه هي المواجهة الأولى في الصراع الفكري الذي خاضته مدرسة أهل البيت(عليهم السلام).
وفي مقابل هذا الاتجاه ظهرت المعتزلة كرد فعل للاتجاه الأشعري… وتطرّف المعتزلة في فهم الكون والإنسان كأي رد فعل آخر وذهبوا إلى أنّ الله تعالى خلق الكون وانقطع بعد ذلك مابينه وبين هذا الكون من صلة، ويجري هذا الكون ضمن أنظمة وقوانين ثابتة، منفصلة في مرحلة الاستمرار عن إرادة الله تعالى، كما لو أنّ مهندساً أنشأ معملاً كاملاً وأودعه لدى المهندسين المكلفين بتشغيله وانصرف هو لشأنه، فإنّ هذا المعمل يجري ويعمل ضمن أنظمة ثابتة حتى مع غياب المهندس الذي أنشأ هذا المعمل… كذلك تتصور المعتزلة علاقة الله تعالى بهذا الكون، علاقة في مرحلة الحدوث فقط، والإنسان بعد ذلك يعمل باختياره وإرادته في الأرض، وقد فوّض الله تعالى إليه أمره كلّه ولم يكن بينه تعالى وبين الإنسان من علاقة إلاّ ما كان من أمر الإيجاد والابداع والخلق والتكوين في مرحلة الحدوث.
وهذا التصور يسلم عن نسبة الظلم إلى الله تعالى، ولكنّه يسلب سلطان الله عن الكون والإنسان، ويحصر سلطان الله تعالى على الكون في مرحلة واحدة، ويقطع نظرياً إمداد الله تعالى وتوفيقه وفضله عن حياة الإنسان، ويذهب إلى أنّ الله تعالى خلق الإنسان ومنحه ما وهبه من المواهب ثمّ تركه وأوكله إلى نفسه يواجه مصيره ومسؤولياته لوحده.
وأخطر ما في هذا الاتجاه، بعد الجانب العقائدي والناحية العقلية، أو قبلهما، أنّه يقطع أو يضعف علاقة الإنسان بالله تعالى في حياته اليومية وعمله وتحركه.
فإنّ أكثر اتصال الإنسان بالله تعالى ليس من خلال (العقيدة) و(العبادة) فقط وإنّما من خلال حاجاته اليومية في حركته وعمله إلى الله تعالى، وتأييده وإسناده وإمداده، في السوق والبيت، والعمل السياسي، ومشاكله ومتاعبه. وهذه المشاكل والمتاعب التي تواجه الإنسان هي التي تلجئه إلى الله تعالى وتربط ما بينه وبين الله تعالى.
وهي سر ابتلاء الله تعالى لعباده الصالحين.
يقول تعالى: {فأخذناهم بالبأساء والضرّاء لعلّهم يتضرّعون} (الأنعام: ٤٢).
ونظرية استقلال الإنسان في الاختيار والفعل تقع في النقطة المقابلة لهذا الاتجاه تماماً، وتقطع ما بين الإنسان وبين الله تعالى من صلة في حركته اليومية، فإنّ الاتجاه المعتزلي يعمّق في مقابل الاتجاه الأشعري حالة استقلال الإنسان في الاختيار واتخاذ القرار والفعل والحركة، ويؤكد أنّ الله تعالى خوّل للإنسان هذه المهام ومنحه كل متطلبات ذلك، ومنحه الاستقلال في القرار والاختيار والفعل.
وهو ما يؤكد القرآن خلافه، ويعمّق في النفس إحساساً مخالفاً له.
والذي يقرأ القرآن لا يشك أنّ هذا الكتاب يحاول ويعمل على أن يشدّ إحساسنا، وعقولنا، وقلوبنا، بالله تعالى من خلال هذه النقطة بالذات، بعكس الاتجاه المعتزلي تماماً.
يقول زهدي جارالله في كتابه عن (المعتزلة):
(وكأنّ المعتزلة في دفاعهم عن مبدأ الوحدانية راحوا يحاربون كلّ شيء يتعارض مع هذا المبدأ ويفندونه … وقالوا: إنّه تعالى ساوى في النعم الدينية، ولم يخص الأنبياء والملائكة بشيء من التوفيق والعصمة ولا بشيء من نعم الدين، دون سائر المكلفين.
ثمّ إنّ المعتزلة أنكروا الشفاعة في الذنوب يوم القيامة لأنّها تتضمن معنى المحاباة.
وإذا وردت في القرآن آيات كثيرة تحمل معنى الهداية من الله لخلقه والتوفيق والاضلال والخذلان والختم والطبع على القلوب… اعتقدوا أنّ مثل هذه الآيات مناقضة لمبدأ العدل الإلهي، ولفكرة (الحرية الفردية) فإنّهم شددوا في وجوب تأويلها جميعاً فقالوا في الهداية: إنّها على معنى التسمية والحكم والارشاد وإبانة الحقّ، وليس له تعالى من هداية القلوب شيء.
وقالوا في التوفيق: إنّه توفيق عام، يكون باظهار الآيات وإرسال الرسل وإنزال الكتب.
أمّا الاضلال: فقد أوّلوه على معنيين أحدهما:
أنّ الله تعالى أضلّ، بمعنى: أسماه ضالاً، أو أخبر أنّه ضالّ. والثاني: على معنى أنّه جازاه على ضلالته، وكذلك الخذلان معناه التسمية أو الحكم بأنّهم مخذولون، وليس الاضلال والاغواء والصد عن الباب…
وكان (الفوطي) وتلميذه عباد بن سليمان أكثر المعتزلة تشدداً في هذا الأمر، فإنّ الفوطي كان يمنع إضافة بعض الأفعال إلى الله تعالى، ولو ورد بها التنزيل، فلا يجب أن نقول أنّه تعالى يؤلّف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم، ولا أنّه تعالى يحبّب إليهم الإيمان، ويزيّنه في قلوبهم، ولا أنّه يضلّ الفاسقين)([721]).
وإذا كان التصور الأول يمسّ (عدل) الله تعالى فإنّ هذا التصور يمسّ (توحيد) الله وعلاقة الإنسان بالله، وقد وجد أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم أمام جبهة ثانية للصراع لا تقل خطورة وأهمية عن الجبهة الأولى.
وإذا كانوا في الجبهة الأولى في موقع الدفاع عن (العدل) فإنّهم في الجبهة الثانية كانوا في موقع الدفاع عن (التوحيد).
لقد واجه أهل البيت (عليهم السلام) هذا الركام الهائل من الأخطاء والانحرافات في اُصول التصور الإسلامي التي تمسّ العدل والتوحيد في الصميم، وكانت أصابع السياسة تمتد إلى هذه الاُصول والأفكار بوضوح فلننظر كيف واجه أهل البيت (عليهم السلام) هذه الحالة وكيف عالجوها.
أهل البيت أئمة الشيعة (عليهم السلام)
في موقع الدفاع عن (التوحيد) و(العدل)
وفي ما يلي نحاول أن نجمع ونصنف الاُصول الفكرية التي طرحها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لإزالة هذه الغشاوة والالتباس عن التصور الإسلامي وهذه الاُصول عشرة نقدمها واحداً بعد آخر.
١ـ نظام القضاء والقدر في الكون:
النظام الحاكم على هذا الكون نظام (ضروري حتمي) و(متقن ودقيق) ولا يمكن أن يحدث في نفس الظروف والعوامل إلاّ ما حدث. وهذا النظام قائم على أساس نظام العلّية والمعلوليّة الساري في كلّ الكون ولا يختص هذا النظام بالعالم المادي الفيزياوي وإنّما يشمل عالم ماوراء المادة والفيزياء (الميتافيزيقي) كذلك.
ونظام (العلّية) هو نظام القضاء والقدر. فإنّ من اُصول العلّية (حتمية) وجود المعلول عند وجود العلّة و(تشخّص) المعلول من حيث الكم والكيف. فإنّ احتكاك عود الثقاب بالغشاء الكبريتي يُولد الحرارة والنار بالضرورة (لولا الموانع) وبشكل حتمي وقطعي كما أنّ كمية الحرارة المنبعثة من هذا الاحتكاك كمية محدودة معروفة مشخّصة تناسب عود الثقاب ودرجة الاحتكاك والغشاء الكبريتي، وحتمية حدوث المعلول هي (القضاء)، وتشخّص المعلول من حيث النوع والكم والكيف هي (القدر). فإنّ (القضاء) بمعنى الحتم والحكم الالزامي، و(القدر) بمعنى التقدير والمقدار.
روى الكليني عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «يا يونس …فتعلم ما القدر»؟ قلت: لا. قال (عليه السلام): «هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء».
ثمّ قال: «والقضاء هو الإبرام …»([722]).
إذن هذا الكون مجموعة منظمة مرتبة من حلقات متسلسلة والقانون العام الذي يجري في هذا الكون هو الحتمية والضرورة والتقدير والتحديد.
وحياة الإنسان الفردية والاجتماعية ليست بدعاً ولا استثناءً في هذا الكون. وإنّما يعمه ما يعم الكون، من الاُصول والقوانين، فيدخل الإنسان وفعله وحركته الفردية والاجتماعية في دائرة القضاء والقدر. فإذا نَصَرَ الله وأعطى وضحّى نصره الله، قال تعالى: {إن تنصروا الله ينصركم} (محمّد: ٧)، وإذا تخاذل وتهاون أوكله الله إلى نفسه، وإذا تحرّك ونشط وعمل أغناه الله، وإن كسل وضعف أوكله الله إلى ضعفه وكسله، وإذا صدق وفّقه الله وأعانه، وإذا كذب وتحايل أوكله الله إلى كذبه وتحايله ومكره وخداعه. وكل ذلك من سنن الله وقضائه وقدره. والإنسان يعيش في دائرة قضاء الله وقدره بشكل كامل، بما للقضاء والقدر من حتمية ونظام وتقدير.
روى محمّد بن يعقوب الكليني مرفوعاً قال: كان أميرالمؤمنين (عليه السلام) جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ أقبل شيخ فجثى بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة ولاهبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر». فقال له الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أميرالمؤمنين. فقال له: «مَهْ يا شيخ، فو الله لقد عظّم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم قائمون([723])، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين». فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟ فقال: أتظنُّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي، والزجر من الله، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن على مسيء لائمة ولا المحسن محمدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالإحسان من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وحزب الشيطان، وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها، إنّ الله تبارك وتعالى كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطعْ مكرهاً، ولم يُمّلك مفوّضاً، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار». قال: فنهض الشيخ وهو يقول:
أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته
يوم النجاة من الرحمن غفراناً
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً
جزاك ربّك بالإحسان إحساناً([724])
والشطر الأول من النص هنا ظاهر في عموم القضاء والقدر، وشموله لكل فعاليات الإنسان وحركته وهو قوله (عليه السلام): «أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر».
٢ـ القضاء والقدر هو النظام الإلهي
في الكون وحياة الإنسان:
هذا النظام بكل تفاصيله من خلق الله تعالى وإبداعه. وهو تجسيد لإرادة الله ومشيئته. وما نجد في الكون كله وفي حياة الإنسان من فعل وإنفعال وحركة وولادة وهلاك ونمو وضعف إنّما يجري بموجب إرادة الله تعالى ومشيئته في دائرة القضاء والقدر ونظام السببية الساري في الكون. ومن العجب أن بعض الناس يبحثون دائماً عن الله تعالى وفعله في اختراق هذا النظام الكوني فقط وليس في أصل النظام وكأن هذا النظام يجري من جانب آخر غير جانب الله تعالى، وفعل الله تعالى في هذا النظام هو اختراقه وإيقافه وتبديله. يقول صدر المتألهين (رحمه الله) في مناقشة فخرالدين الرازي:
(وأعجب الأمور أنّ هؤلاء القوم متى حاولوا إثبات أصل من اُصول الدين، كإثبات قدرة الصانع، أو إثبات النبوّة والمعاد، اضطروا إلى إبطال خاصية الطبائع ونفي الرابطة العقلية بين الأشياء والترتيب الذاتي الوجودي والنظام اللائق الضروري بين الموجودات التي جرت سنّة الله عليها ولا تبديل لها).
وهذه عادتهم في إثبات أكثر الاُصول الاعتقادية، كما فعله هذا الرجل إمام أهل البحث والكلام (أي الرازي صاحب التفسير الكبير).
والإيمان بأنّ كلّ ما يجري في الكون وفي حياة الإنسان من خير وشر من قضاء الله تعالى وقدره ولا يجري في الكون شيء إلاّ بقضاء من الله وقدره من الإيمان الذي لابدّ منه في عقيدة الإنسان المسلم.
روى الصدوق عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:
«لا يؤمن أحدكم حتّى يؤمن بالقدر خيره وشرّه وحلوه ومرّه»([725]).
وروى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): كان أميرالمؤمنين (عليه السلام) يقول: «لا يجد عبد طعم الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنّ الضارّ النافع هو الله عزّ وجلّ».
وعن الصدوق في التوحيد عن علي بن موسى الرّضا (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «قال الله جلّ جلاله من لم يرض بقضائي ولم يؤمن بقدري فليلتمس إلهاً غيري»([726]).
٣ـ القيمومة الإلهية الدائمة على
نظام القضاء والقدر في الكون:
قد يتصور البعض أنّ الله تعالى أبدع نظام القضاء والقدر في الكون، وفي حياة الإنسان وانفصل عنه بعد ذلك ويجري ويتحرك هذا النظام في الكون والمجتمع كما يتحرك ويعمل المعمل الذي أنشأه المهندس الذي صمّمه وصنعه من دون حاجة إلى حضوره هو في تشغيله وحركته. والكون كذلك يجري بموجب نظام القضاء والقدر الذي أبدعه الله تعالى غير أنّ ارتباط هذا النظام كان بالله تعالى في مرحلة الحدوث ثمّ انفصل عنه تعالى بعد ذلك واستقل.
وكذلك الإنسان يختار ويعمل في دائرة نظام القضاء والقدر مستقلاً عن إرادة الله تعالى ومشيئته، وإن كان هذا النظام من إرادة الله ومشيئته في حال حدوثه وخلقه وهو تصور قديم لليهود في انقطاع سلطان الله ونفوذه في الكون بعد أن خلق الكون {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} (المائدة: ٦٤).
والتصور القرآني يختلف اختلافاً جوهرياً عن التصور المتقدّم ويتلخصّ هذا التصور:
في قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان}، وفي أنّ الله هو الحي القيّوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ولا تنقطع قيمومته عن هذا الكون إطلاقاً. إذن هذا النظام يجري في الكون والمجتمع بإرادة الله تعالى ومشيئته، ولا ينفصل الإنسان ولا الكون عن إرادة الله ومشيئته لحظة واحدة.
حتى أنّ مشيئة الإنسان تجري بمشيئة الله. يقول تعالى {وما تشاءُون إلاّ أن يشاء الله ربّ العالمين} (التكوير: ٢٩).
{وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله إنّ الله كان عليماً حكيماً} (الإنسان: ٣٠).
روى الصدوق عن رسول الله (صلّى الله علي وآله) أنّه قال: عن الله أروي حديثي: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: «يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، وبعصمتي وعوني أديت إليّ فرائضي… الخ»([727]).
وفي حديث لاَمير المؤمنين إلى الشيخ الّذي سأله (عليه السلام) عن مسيرهم إلى صفّين «ولم يملّك مفوّضاً» بمعنى أنّ الله تعالى لم يفوّض أحداً في ملكه وسلطانه، بل هو قائم عليه قيم به، وهو الحي القيّوم، والّذي يتصور أنّ الله تعالى فوّض إليه أمره، ورفع عنه قيمومته واستقل عن الله تعالى في فعله واختياره، فقد أوهن الله عزّ وجلّ في سلطانه كما ورد في النص.
عن الصدوق عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنّ الله عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم الله في حكمه، فهو كافر، ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليه، فهذا قد أوهن الله عزّ وجلّ في سلطانه، فهو كافر، ورجل يزعم أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم مالايطيقون، وإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله، فهذا مسلم بالغ»([728]).
فلا يوجد في هذا الكون ولا في حياة الإنسان قبض وبسط وسعة وضيق ويسر وعسر إلاّ بحكم الله ومشيئته.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما من قبض ولا بسط إلاّ ولله فيه مشيئة وقضاء وابتلاء».
إذن لله تعالى الحضور الدائم المتّصل في هذا الكون كلّه، وفي كلّ مساحة القضاء والقدر، لا يغيب عنه شيء، ولا يجري في هذه المساحة بشيء من دون حضوره، وله قيمومة دائمة على كلّ الكون وهو الحيّ القيّوم {الله لا إله إلاّ هو الحيُّ القيُّوم لا تأخذه سِنةُ ولا نوم} (البقرة: ٢٥٥).
٤ـ تتّم المعاصي من الناس بقضاء الله
وقدره ولا يُعصى مغلوباً:
وإذا كان كلّما يجري في هذا الكون وفي حياة الإنسان يجري بقضاء وقدر. وإذا كان ما يجري من القضاء والقدر بإرادة الله ومشيئته، فلا محالة تجري أفعال الإنسان جميعاً من خير وشرّ، وطاعة ومعصية بإذنه وإرادته، ولا يمكن أن يقع من الإنسان عصيان أو ذنب خارج دائرة سلطانه وقضاءه وقدره وإذنه. يقول تعالى: {وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن الله} (البقرة: ١٠٢).
{ولو شاء الله ما فعلوه} (الأنعام: ١٣٧). {ولو شاء الله ما اقتتلوا} (البقرة: ٢٥٣). {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} (البقرة: ٢٠).
فإذا عصى الإنسان ربّه عزّ وجلّ فإنّما يعصيه بما آتاه من سلطان وحول وقوة، ولو أنّ الله تعالى سلب عنه حوله وقوّته لم يتمكّن من معصية الله، وهي حقيقة يقرّها القرآن ولابدّ من الاعتراف بها. رغم مناقشات الأشاعرة الطويلة حول هذا الموضوع.
روى الكليني عن حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاستطاعة فلم يجبني، فدخلت عليه دخلة أُخرى… فقلت: أصلحك الله، إنّي أقول: إنّ الله تبارك وتعالى لم يكلّف العباد ما لا يستطيعون، ولم يكلّفهم إلاّ ما يطيقون، وإنّهم لا يصنعون شيئاً من ذلك إلاّ بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره.
قال: فقال (عليه السلام): «هذا دين الله الّذي أنا عليه وآبائي»([729]).
وروى علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: «لا يكون شيء إلاّ ما شاء الله، وأرادته وقدره وقضائه».
وروى الصدوق في التوحيد باسناده عن علي بن يقطين عن أبي إبراهيم قال: «مرّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) على جماعة بالكوفة وهم يختصمون في القدر، فقال لمتكلّمهم: أبالله تستطيع أم مع الله، أم من دون الله تستطيع؟ فلم يدر ما يردّ عليه، فقال له أميرالمؤمنين (عليه السلام): إنّك إن زعمت أنّك بالله تستطيع فليس لك من الأمر شيء، وإن زعمت أنّك مع الله تستطيع، فقد زعمت أنّك شريك معه في ملكه، وإن زعمت أنّك من دون الله تستطيع فقد ادّعيت الربوبية من دون الله عزّ وجلّ»([730]).
وروى الكليني، عن علي بن الحكم، وعبدالله بن يزيد، جميعاً عن رجل من أهل البصرة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاستطاعة، فقال (عليه السلام): «أتستطيع أن تعمل ما لم يكوّن»؟ قال: لا، قال (عليه السلام): «فتستطيع أن تنتهي عمّا قد كوّن»؟ قال: لا، قال: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): «فمتى أنت مستطيع»؟ فقال: لا أدري، فقال: أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّ الله خلق خلقاً فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثمّ لم يفوّض إليهم، فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل إذا فعلوا ذلك الفعل، فإذا لم يفعلوه في ملكه لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلاً لم يفعلوه، لأن الله عزّ وجلّ أعزّ من أن يضادّه في ملكه أحد»، قال البصري: فالناس مجبورون؟ قال (عليه السلام): «لو كانوا مجبورين كانوا معذورين»، قال: ففوّض إليهم؟ قال (عليه السلام): «لا»، قال: فما هم؟ قال (عليه السلام): «عَلِمَ منهم فعلاً فجعل فيهم آلة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين». قال البصري: أشهد أنّه الحقّ وأنّكم أهل بيت النبوّة والرسالة([731]).
روى الكليني عن محمّد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد وعلي ابن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن صالح النيلي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام): هل للعباد من الاستطاعة شيء؟ قال: فقال لي (عليه السلام): «إذا فعلوا الفعل كانوا مستطيعين بالاستطاعة الّتي جعلها الله فيهم». قال: قلت: وما هي؟ قال (عليه السلام): «الآلة مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعاً للزناً حين زنى، ولو أنّه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعاً لتركه إذا ترك قال: ثمّ قال ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعاً». قلت: فعلى ماذا يعذّبه؟ قال (عليه السلام): «بالحجّة البالغة والآلة التي ركّب فيهم، إنّ الله لم يجبر أحداً على معصيته، ولا أراد إرادة حتم الكفر من أحد، ولكن حين كفر كان في إرادة الله أن يكفر، وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير». قلت: أراد منهم أن يكفروا؟ قال (عليه السلام): «ليس هكذا أقول، ولكنّي أقول: علم أنّهم سيكفرون، فأراد الكفر لعلمه فيهم وليست هي إرادة حتم إنّما هي إرادة اختيار»([732]).
وروى الصدوق عن حفص بن قرط عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من زعم أنّ الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة الله فقد كذب على الله، ومن كذب على الله أدخله الله النار»([733]).
روي في الصحيح من طريق الصدوق في التوحيد والعيون أنّه قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن خالد البرقي عن أبيه عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: ذكر عنده الجبر والتفويض فقال: «ألا اُعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا يخاصمكم فيه أحد إلاّ كسرتموه»؟ قلت: إن رأيت ذلك. فقال (عليه السلام): «إنّ الله عزّ وجلّ لم يُطَعْ بإكراه، ولم يُعصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإنّ ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الّذي أدخلهم فيه. ثمّ قال (عليه السلام): من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»([734]).
وروى الكليني عن إسماعيل بن جابر قال: كان في مسجد المدينة رجل يتكلّم في القدر والناس مجتمعون، قال فقلت: يا هذا أسألك؟ قال: سل، قلت: يكون في ملك الله تبارك وتعالى ما لا يريد؟ قال: فأطرق طويلاً ثمّ رفع رأسه إليّ فقال: يا هذا! لئن قلت: إنّه يكون في ملكه ما لا يريد، إنّه لمقهور، ولئن قلت: لا يكون في ملكه إلاّ ما يريد أقررت لك بالمعاصي، قال: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): سألت هذا القدري فكان من جوابه كذا وكذا، فقال (عليه السلام): «لنفسه نظر أما لو قال غير ما قال لهلك» (٢).
وروى الصدوق في التوحيد بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) قال: «حدّثنا أبي عن آبائه عن الحسين بن علي (عليهم السلام) قال: سمعت أبي عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) يقول: الأعمال على ثلاثة أحوال:
١ـ فرائض. ٢ـ وفضائل (نوافل).٣ـ ومعاصٍ.
فأمّا الفرائض: فبأمر الله عزّ وجل وبرضا الله وبقضاء الله وتقديره ومشيّته وعلمه.
وأمّا الفضائل: «النوافل» فليست بأمر الله، ولكن برضاء الله وبقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه.
وأمّا المعاصي: فليست بأمر الله، ولكن بقضاء الله وبقدر الله وبمشيّته وبعلمه، ثمّ يعاقب عليها»([735]).
وهذا النصّ واضح في أنّ ما يجري من الإنسان من المعاصي والذنوب هي بقضاء الله وقدره وعلمه، وليست بأمر الله.
5- التفكيك بين إرادة الله التكوينية والتشريعية:
وإذا كان الله تعالى لا يعصى مقهوراً، فلا بدّ أن تكون المعصية بإذنه ومشيئته وإرادته. وهذه حقيقة لابد أن ننتهي إليها. وعندئذ من الحقّ أن نتسائل: كيف يريد الله معصية الله، وهو ينهى عنها ولا يرضاها ولا يريدها؟ وهذه (عقدة) كان يقف عندها غالباً الحوار الّذي يجري بين الأشاعرة والمعتزلة في التاريخ.
يقول ابن الخيّاط: إنّ هشام بن عبد الملك لمّا بلغه قول غيلان (الدمشقي) بالاختيار، قال: ويحك يا غيلان! لقد أكثر الناس فيك، فنازعنا في أمرك، فإنّ كان حقّاً اتّبعناك. فاستدعى هشام ميمون بن مروان ليكلّمه، فقال له غيلان: أشاء الله أن يعصى؟ فأجابه ميمون: أفعصي كارهاً؟ فسكت غيلان، فقطع هشام بن عبد الملك يديه ورجليه([736]).
وقيل إنّ (غيلان الدمشقي) الّذي كان يذهب مذهب الاختيار وقف على رأس (ربيعة الرأي) الذي كان يذهب مذهب (الجبر) في القضاء والقدر. فقال: أنت الّذي يزعم أنّ الله يحبّ أن يعصى؟
فقال له ربيعة: أنت الّذي يزعم أنّ الله يعصى قهراً؟([737])
وتنحل هذه العقدة العجيبة بالتفكيك بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، وهو ما صنعه أهل البيت (عليهم السلام) في حلّ هذه المشكلة، ولربّما لاوّل مرّة في التاريخ العقلي الإسلامي. وعندئذ يكون جواب غيلان لميمون بن مروان أو لربيعة الرأي واضحاً، ولن يطول تردّده طويلاً في الاجابة القاطعة على هذا التساؤل الغريب.
والجواب:
إنّ الله لا يعصى كارهاً ولا مقهوراً، إذا كان المقصود من الكراهية والقهر (الإرادة التكوينية) وإنّما يعصى بإرادته سبحانه وتعالى من دون كراهية وقهر كما بيّنا ذلك بوضوح في الفقرة السابقة.
وأمّا إن كان الكراهية بـ (الإرادة التشريعية) فليس من بأس أن يعصى الله تعالى وهو يكره المعصية، فإنّ الناس يكثرون من معصية الله تعالى، والله تعالى يكره معصيتهم ويمقتها ويغضب عليهم من أجلها، وإن كانت هذه المعاصي تجري جميعاً بإرادته وإذنه، وفي ملكه وسلطانه، وبما أتى عباده من حول وقوّة وطول. واختلاف الإرادتين في الإذن وعدم الإذن ليس من التناقض في شيء، إذا ميّزنا بشكل دقيق بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية، ولسنا نعلم هل كان التفكيك بين الإرادتين والتمييز بينهما معروفاً في هذا التاريخ أم لا.
ويغلب على الظنّ أنّ هذا التفكيك لم يكن معروفاً. وإلاّ لم يتوقّف (غيلان الدمشقي) يومذاك عن جواب ميمون، أو ربيعة الرأي، إذا صحّت الرواية.
وعلى أيّ، فلنتأمّل في النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في التفكيك بين هاتين الإرادتين.
روى الكليني بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول:
«أمر الله ولم يشأ، وشاء ولم يأمر. أمر إبليس أن يسجد لآدم، وشاء أن لا يسجد، ولو شاء لسجد. ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها، ولو لم يشأ لم يأكل»([738]).
ومنها ما روي من طريقه أيضاً عن علي بن إبراهيم، عن المختار بن محمّد الهمداني ومحمّد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلوي جميعاً، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إنّ لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم، وإرادة عزم، ينهي وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت انّه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى. وأمر إبراهيم أن يذبح إسماعيل ولم يشأ أن يذبحه، ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله»([739]).
ومنها ما روي من طريق الصدوق بسنده عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد العلوي عن فتح بن يزيد الجرجاني قال: لقيته على الطريقة ـ إلى أن قال ـ: قلت: إنّ عيسى (عليه السلام) خلق من الطين طيراً دليلاً على نبوته، والسامري خلق عجلاً جسداً لنقض نبوة موسى (عليه السلام)، وشاء الله أن يكون ذلك كذلك إنّ هذا لهو العجب فقال (عليه السلام): ويحك يا فتح إنّ لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنّه نهى آدم زوجته عن أن يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك ولو لم يأكلا ولو أكلا لغلبت مشيئتهما مشيئة الله. وأمر إبراهيم بذبح ابنه (عليه السلام) وشاء أن لا يذبحه ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله عزّ وجلّ. الحديث.
٦ـ حرّية الاختيار لدى الإنسان داخل الدائرة الحتمية للقضاء والقدر:
وهذه النقطة بالذات هي عقدة البحث، فإذا انحلّت هذه النقطة واتّضحت اتضح ما قبلها وبعدها.
إنّ الإنسان يملك بصريح الوجدان والقرآن كامل حرّيته في الاختيار والفعل وإمارة حريته في الاختيار تردده في الانتخاب. ومسؤوليته عن فعله وإحساسه بالندم والراحة عند انتخاب ما يصلح وما لا يصلح. والوجدان أقوى شاهد على هذه الحقيقة. وقد رأينا في موضع سابق من هذا البحث أنّ القرآن يقرر حرّية اختيار الإنسان في طوائف كثيرة من الآيات. ولسنا بصدد إثبات هذه الحقيقة الآن أكثر من ذلك. واختيار الإنسان يقع على مفترق طرق يقف عنده الإنسان غالباً أو دائماً. ولأيّ سبيل من هذه السبل يختاره الإنسان حكم قطعي وحتمي في دائرة القضاء والقدر المحكم والمتقن الّذي شرحناه من قبل.
فليس من سبيل للإنسان أن يخرج عن دائرة (القضاء والقدر) وحكمه القطعي المتقن والدقيق، وهو لا محالة يعيش ويتحرّك ويعمل ويختار في هذه كما ذكرنا. ولكنه يملك مطلق الاختيار دائماً أو غالباً في اختيار سبيل من هذه السبل المختلفة الّتي يجدها أمامه عن معرفة ووعي.
المريض إذا اهتم بمرضه وراجع الطبيب واتّخذ العلاج يشفى، وإن أهمل مرضه يتضاعف المرض عنده. والطالب إذا نشط واجتهد ينجح وإذا كسل وأهمل دروسه يفشل. والعامل إذا عمل وتحرّك في السوق، يغنيه الله، وإذا تهاون في البحث عن العمل يفتقر. والإنسان إذا عاشر الصالحين يصلح ويأخذ منهم الصلاح. وإذا عاشر الفاسدين يأخذ منهم الفساد.
وكلّ هذه النتائج من القضاء والقدر الحتم والمتقن الّذي لا سبيل للتشكيك فيه. فإنّ الإنسان الّذي يجتهد في طلب العلم يكون عالماً بالضرورة والحتم، وهذا هو (القضاء) وتكون معرفته في الحقل الّذي اجتهد فيه، دون غيره من الحقول، وبمقدار اجتهاده ودراسته، وهذا هو (القدر).
إنّ اختيار الإنسان في المبادئ دائماً والأحكام الفعلية الّتي قلنا إنّها من القضاء والقدر هي في النتائج دائماً.
وهذه المبادئ تستتبع هذه النتائج دائماً بصورة قطعية ومتقنة. ولا سبيل للإنسان للتخلّص من هذه النتائج القطعية، وإن كان له مطلق الحرية في اجتناب واحد أو أكثر من هذه السبل في البدء.
ولعلّ الآية الكريمة من سورة الرعد، لا تكون بعيدة عن هذا المعنى: {إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم} (الرعد: ١١) وبهذه الصورة نرى أنّ الله تعالى مكّن الإنسان أن يمارس اختياره وحرّيته في وسط نظام محكم ومتقن من القضاء والقدر في الحياة الاجتماعية وفي الكون. فلا يضرّ الاختيار بحتمية القضاء والقدر ولا يمس القضاء والقدر من حرّية الإنسان في الاختيار على الإطلاق. وإلى هذا المعنى الدقيق يشير حديث أميرالمؤمنين (عليه السلام) مع الشيخ الّذي سأله عن مسيرهم إلى أهل الشام بعد منصرفه من صفّين. وقد قدّمنا هذا الحديث في النقطة الأولى من هذه النقاط. ففي بدء الحديث يقول له الإمام (عليه السلام): «أجل يا شيخ ما علوتم من تلعة ولاهبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر» وهذه الفقرة واضحة أنّهم في خروجهم إلى صفّين ومحاربتهم لمعاوية وعودتهم إلى الكوفة، كانوا يتحرّكون في دائرة القضاء والقدر ولم يخرجوا من دائرة القضاء والقدر إطلاقاً.
فلمّا فهم الشيخ من كلام الإمام (عليه السلام) إنّ هذه الحتمية (القضاء) كان في مرحلتي المبادئ والنتائج معاً، وأنّهم لم يملكوا من أمرهم شيئاً في هذه المرحلة الطويلة، فقال: (عند الله أحتسب عنائي يا أميرالمؤمنين) وضّح له الإمام (عليه السلام) ما اشتبه عليه من الأمر فقال: «أتظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً؟! لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي… إنّ الله تعالى كلّف تخييراً ونهى تحذيراً».
إنّ القضاء والقدر لن يكون إلاّ حتماً ومقدّراً بصورة دقيقة، ولكن الّذي يملك الاختيار في المبادئ يملك الاختيار في النتائج بالضرورة. فإنّ النتائج تتبع المبادئ، فإذا مكّن الله الإنسان من المبادئ مكّنه من النتائج أيضاً، وإن احتفظت النتائج بصفتها الحتمية والمقدّرة في ظروفها وشروطها. وهذا هو معنى كلام الإمام (عليه السلام) للشيخ السائل «أتظنّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً؟ لو كان كذلك لبطل الثواب».
وتعبير القرآن عن هذا التراوح الّذي يتمّ بين الاختيار في عمل الإنسان والحتمية في النتائج المترتبة على عمله … تعبير دقيق يقول تعالى: {كلّ نفس بما كسبت رهينة} (المدّثر: ٣٨).
فالعمل الّذي يعمله الإنسان ويكسبه لنفسه باختياره وحرّيته، ولكنّه لايملك التخلّص من النتائج القطعية المترتبة على هذا العمل فيبقى (رهيناً) له.
إذن الإنسان وإن كان يعيش في وسط نظام محكم متقن، ولكن بامكانه أن يتحوّل من قضاء إلى قضاء، ومن قدر إلى قدر.
روى الأصبغ بن نباته أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء الله؟
قال (عليه السلام): «أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ»([740]).
وروى الصدوق باسناده عن إبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام)عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «في كلّ قضاء لله خيرة للمؤمنين»([741]).
وروى الصدوق (رحمه الله) في الاعتقادات: انّه سئل الصادق (عليه السلام) عن الرُقى هل ترفع من القدر شيئاً؟ فقال (عليه السلام): «هي من القدر».
وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه سُئل هل يغني الدواء والرُقية من القدر؟ فقال لمن سأله: «الدواء والرُقية من قدر الله»([742]).
الله أرحم من أن يعذّب خلقه على ما أكرههم عليه:
ولمّا كانت هذه النقطة بالذات محور الصراع والخلاف الفكري مع الأشاعرة الّذين كانوا يذهبون إلى حتمية السلوك لدى الإنسان، ويسلبون منه الإرادة والاختيار فقد ورد التأكيد عليه كثيراً في نصوص أهل البيت، كما ورد التأكيد كثيراً في النقطة المقابلة لها، وهي رفض استقلال الإنسان ورفض التفويض الّذي كانت المعتزلة تذهب إليه، وهي النقطة الثالثة من هذه المجموعة من النقاط.
روى الكليني في الكافي، والصدوق في التوحيد عن يونس بن عبد الرحمن عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: «إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون»([743]).
وروى الكليني (رحمه الله) عن الحسين بن علي الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من زعم أنّ الله يأمر بالفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ الخير والشرّ إليه فقد كذب على الله»([744]). والنقطة الأولى إشارة إلى الاتّجاه الجبري الّذي كان يتبنّاه الأشاعرة حيث ينسبون ما يأتي من الإنسان من المعاصي إلى الله تعالى مباشرة. والنقطة الثانية إشارة إلى ما يتبنّاه المفوّضة من نسبة قضاء الخير وقضاء الشرّ إلى الإنسان مباشرة.
والنصوص عن أهل البيت (عليهم السلام) كثيرة بهذا الصدد.
٧ـ مسؤولية الإنسان في فعله:
وهذه النقطة تتبع النقطة السابقة، والإنسان لو كان هو الّذي يختار (في مرحلة المبادئ) السبيل الّذي يسلكه يتحمّل بالضرورة، نتائج ومسؤوليات كلّ ما يترتّب على فعله من آثار ونتائج قطعية ومتقنة. والمسؤولية هي نتيجة الاختيار، وفي نفس الوقت فإنّ الاحساس الوجداني الواضح عند الإنسان بالمسؤولية هو أمارة الاختيار والقرآن يعمّق الاحساس بالمسؤولية عند الإنسان يقول تعالى:
{وقفوهم إنّهم مسؤولون} (الصافّات: ٢٤).
{فلنسألنّ الّذين أُرسل اليهم ولنسألنّ المرسلين} (الأعراف: ٦).
{فوربّك لنسألنّهم أجمعين} (الحجر: ٩٢).
{ولتسألنّ عمّا كنتم تعملون} (النحل ١٦: ٩٣).
{ثمّ لتسألنّ يومئذ عن النعيم} (التكاثر: ٨).
إذن لوجود عامل الاختيار في سلوك الإنسان تنسب أعمال الإنسان إليه، كما يتحمّل هو مسؤولية نتائج أعماله.
روى الكليني في الكافي والصدوق في التوحيد عن الحسين بن علي الوشّاء، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال سألته: فقلت: الله فوّض الأمر إلى العباد؟ قال: «الله أعزّ من ذلك».
قلت: فجبرهم على المعاصي؟
قال: «الله أعدل وأحكم من ذلك».
ثمّ قال: «قال الله عزّ وجلّ:
يا ابن آدم، أنا أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيّئاتك منّي. عملتَ المعاصي بقوتّي الّتي جعلتها فيك».
٨ـ الهيمنة الإلهية على حركة القضاء والقدر في الكون والتأريخ:
عرفنا من قبل أنّ نظام (القضاء والقدر) هو النظام الحاكم على الكون والتأريخ. وبعد ذلك عرفنا أنّ هذا النظام هو نظام ربّاني من خلق الله تعالى وإبداعه. ثمّ قلنا إنّ هذا النظام قائم بالله تعالى في كلّ لحظة، وفي كلّ حال، ولم ينفصل ولم يستقلّ عن الله في لحظة واحدة والله تعالى هو القيّوم والقيّم على هذا النظام ويتّصل سلطانه ونفوذه وقيمومته على الكون. هذا ما ذكرناه من قبل، والآن نقول: إنّ علاقة الله تعالى بالكون لا تقف عند حدود القيمومة، وحفظ النظام ولكن الله تعالى هو (المهيمن) على الكون.
وتحتاج هذه الفقرة إلى شيء من التوضيح: أنّ نظام القضاء والقدر الحاكم في الكون ليس نظاماً ذا بعد واحد وإنّما هو نظام متعدّد الابعاد، وكلّ بُعد منه يجري بموجب النظام بشكل قطعي ومتقن. والله تعالى مهيمن على هذه الأبعاد جميعاً. يمحو منها ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب. إذن: نظام القضاء والقدر في الوقت الّذي لا يتخلّف ولا يتزعزع، نظام خاضع لسلطان الله تعالى وهيمنته بالمحو والاثبات، فيثبت منه ما يشاء ويمحو منه ما يشاء ويغيره، وليس معنى المحو إلغاء نظام القضاء والقدر أو تعطيله، وإنّما معناه تبديله بغيره. وهذا أمر يدخل في حيّز سلطان الله تعالى المطلق. يقول تعالى: {يمحواْ الله ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب} (الرعد: ٣٩) والإنسان يتعامل مع نظام القضاء والقدر، ويتحرّك ويعمل، ويختار ضمن هذا النظام الخاضع لقيمومة الله تعالى وهيمنته المطلقة. فلا يمكن أن ينفصل أو يستقلّ عن إرادة الله ومشيئته في حركته وعمله في دائرة هذا النظام. كيف وهذا النظام وسيط متّصل بالله تعالى. وخاضع لقيمومته، وهيمنته في كلّ لحظة.
٩ـ قانون الإمداد والخذلان الإلهي في حياة الناس:
لا شكّ أنّ الله تعالى وهب أفراد الإنسان الاختيار في الفعل عند مفارق الطرق، ووهبهم العقل والوعي والتمييز، وأتاهم البيّنات، كلّ ذلك صحيح. ولسنا نتصور رحمة فوق هذه الرحمة، ولكنّ الله تعالى وهو المهيمن على الكون، والإنسان، يمد الإنسان عند كلّ مفترق طريق، وكلّما يشقّ على الإنسان الاختيار، وعند كلّ خيار صعب من خيارات الهدى… يمده من عنده بالتوفيق والتأييد والتسديد إذا أراد الطاعة.
وإذا أراد المعصية لم يتركه لنفسه، وانما يخذله عن المعصية، ويدفعه عنها.
فإذا أصرّ وأبى وركب رأسه وعاند تخلّى عنه وأوكله إلى نفسه وأضلّه الله تعالى.
روى الصدوق (رحمه الله) في (عيون أخبار الرضا) عن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي، قال: دخلت على علي بن موسى الرضا(عليه السلام) بمرو فقلت له: يابن رسول الله(ص) روي لنا عن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) انّه قال: «لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين» فما معناه؟ فقال (عليه السلام): «من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر، ومن زعم أنّ الله عزّ وجلّ فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال بالتفويض، فالقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك». فقلت له: يابن رسول الله فما أمر بين أمرين؟ فقال (عليه السلام): «وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه». فقلت له: فهل لله عزّ وجلّ مشيئة وإرادة في ذلك؟ فقال (عليه السلام): «أمّا الطاعات فارادة الله ومشيئته فيها الامر بها والرضا لها والمعاونة عليها، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها». قلت: فللّه عزّ وجلّ فيها القضاء؟ قال (عليه السلام): «نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير وشرّ إلاّ ولله فيه قضاء». قلت: فما معنى هذا القضاء؟ قال (عليه السلام): «الحكم عليهم بما يستحقّونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، ولكن العبد إذا أصرّ على العصيان والتمرّد أحاله الله تعالى إلى نفسه، وأوكله إليها، وحجبه عن الايمان».
روي من طريق الصدوق في (العيون) أنّه قال: حدّثنا عبد الواحد ابن محمد بن عبدوس العطار قال: حدّثنا محمّد بن علي بن قتيبة النيسابوري، عن حمدان بن سليمان النيسابوري قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً} (الانعام: ١٢٥) قال (عليه السلام): «من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنّته ودار كرامته يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون على ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيّقاً حرجاً، يشكّ في كفره، ويضطرب من اعتقاده قلبُه حتى يصير كأنّما يصّعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون»، وقد عرفت فيما مضى المراد من شرح الصدر وضيقه.
10ـ الأمر بين الأمرين:
والنتيجة الّتي ننتهي إليها بعد هذه الجولة في كلمات أهل البيت (عليهم السلام)، في هذه المسألة الحسّاسة: إنّ الإنسان يقع وسطاً بين (الجبر) و(التفويض) وهو ما أسماه أهل البيت (عليهم السلام) بـ (الأمر بين الأمرين) وليس الأمر بين الأمرين تلفيقاً بين الجبر والتفويض بمعنى أن في سلوك الإنسان شيء من الجبر وشيء من التفويض. بل بمعنى نفي الجبر والتفويض و(الاستقلال) في سلوك الإنسان.
فهو من جانب: حرٌّ في الاختيار يختار بكامل حرّيته، ومنحه الله تعالى كلّ المواهب التي تتطلبها هذه الحرّية من العقل والتمييز والرشد.
ومن جانب آخر: يرتبط ويتعامل في اختياره وفعله مع نظام القضاء والقدر الخاضع لقيمومة الله تعالى وهيمنته، ويقع هو واختياره وفعله وسط هذه القيمومة، والهيمنة والرعاية الإلهية.
روى الصدوق عن حريز بن عبد الله، عن الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنّ الله عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم الله في حكمه، فهو كافر.
ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم، فهذا قد أوهن الله عزّ وجلّ في سلطانه، فهو كافر.
ورجل يزعم أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، وإذا أحسن حمد الله واذا أساء استغفر الله، فهذا مسلم بالغ».
وروى الصدوق عن سليمان بن جعفر الجعفري، عن الرضا (عليه السلام) قال: ذكر عنده الجبر والتفويض، فقال (عليه السلام): «ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه، ولا تخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه»؟ قلنا: إن رأيت ذلك، قال (عليه السلام): «إنّ الله عزّ وجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، وهو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً، ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل. وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الّذي أدخلهم فيه ثمّ قال (عليه السلام) من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»([745]).
وروى الصدوق عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين»، قال: فقلت وما أمر بين الأمرين؟
قال (عليه السلام): «مثل ذلك: مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك، فتركته، كنت أنت الّذي أمرته بالمعصية»([746]).
وقد يتصوّر الإنسان أن مساحة الأمر بين الأمرين مساحة محدودة في حياة الإنسان. وأمّا مساحة الجبر والتفويض فهي أوسع مساحة في حياته، فإنّ الإنسان يتعامل فعلاً مع نظام القضاء والقدر بشكل مباشر من خلال اختياره ولا يشعر بالرعاية الإلهية وهيمنة الله تعالى على حركته وحياته إلاّ نادراً. وهو لاشكّ إحساس خاطئ ينشأ من احتجابه عن الله تعالى وألطافه الخفية، وإلاّ فإنّ مساحة الأمر بين الأمرين هي كلّ مساحة حياة الإنسان، وهو في كلّ شؤونه وأعماله وحركاته يتعامل مع الله تعالى، ويأخذ من الله من حيث لا يشعر، ولله تعالى في حياة الإنسان إمدادات غيبيّة وألطاف خفية لا يشعر بها الإنسان، إلاّ من آتاه الله تعالى من عنده بصيرة وفقهاً ومعرفة.
روى الكليني (رحمه الله) في (الكافي) والصدوق في (التوحيد) عن يونس بن عبد الرحمن، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهماالسلام قالا:
«إنّ الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون». فسئُلا هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا عليهماالسلام: «نعم، أوسع مما بين السماء والأرض».
وفي رواية اُخرى للكليني (ره) في (الكافي) عن يونس، عن عدّة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال له رجل: جعلت فداك، أجبر الله العباد على المعاصي؟ قال (عليه السلام): «الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها». فقال له: جُعلت فداك، ففوّض الله إلى العباد؟ قال (عليه السلام): «لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي». فقال له: جعلت فداك، فبينهما منزلة؟ قال: فقال(عليه السلام): «نعم أوسع ما بين السماء والأرض»؟.
وهذه الأحاديث والنصوص تبيّن لنا حقيقة هامّة يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار، ونلتزم بها، وهي أن نلمس يد الله تعالى ورعايته لنا في حياتنا، ونستشعر معيّة الله تعالى لنا في كلّ حركة وسكون. والإنسان عندما يتجرّد عن الحوار العقائدي القائم في التأريخ العقلي الإسلامي ويعود إلى نفسه يؤمن بشكل واضح – ومن غير تردد – إنّ الله تعالى لم يتخلّ عنه في لحظة من لحظات حياته، ولم ينفرد الإنسان ولم يستقل عن رعاية الله ويد الله في شيء من حياته.
ولو أنّ الله تعالى تخلّى عن الكون لتلاشى الكون. ولو أنّ الله تعالى تخلّى عن الإنسان وأوكله إلى نفسه، وإلى نظام القضاء والقدر لبلغ الإنسان منذ أمد بعيد طريقاً مسدوداً.
ولكن رعاية الله تعالى تواكب مسيرة الإنسان وحركته الفردية والتأريخية، وترعاه عند كلّ منعطف، وفي كلّ مشكلة، وتسدّده، وتهديه، وتعينه، وتلطف به، وتستر عليه، وتحفظه. إنّ قراءة عامّة لكتاب الله تعالى تعمّق فينا هذا الاحساس بشكل واضح، وتشعرنا أنّ القرآن يريد أن يربط مسيرتنا وحياتنا بالمعية والرعاية الإلهية، ويربّينا على الاحساس بالستر الدائم المتّصل لله علينا، وبحفظ الله لنا وإمداده المتّصل، وليس في القرآن كلّه رغم حرص القرآن على تثبيت مبدأ الاختيار إشارة أو إيهام بأنّ الإنسان يستقل عن الله تعالى في الاختيار والقرار والفعل، أو أنّ الله تعالى أوكل الإنسان إلى نفسه في الاختيار والفعل والقرار. وويل للإنسان إذا أوكله الله تعالى إلى نفسه. ومن غير الممكن في نظام الوجود وقانون العلّية والإمكان من الناحية العقلية أن يستقلّ الإنسان عن الله تعالى في القرار، والفعل والاختيار، ولكن لو فرضنا إمكان ذلك من الناحية العقلية واستقلّ الإنسان عن الله تعالى، وأوكل الله أمر الإنسان إليه وإلى نظام القضاء والقدر لسقط الإنسان منذ أمد بعيد ووصل إلى طريق مسدود لاخلاص له منه في بعض هذه المآزق والأزمات.
محمد مهدي الآصفي
وجهات نظر شيعية
شرعت البحوث الكلامية عند منتصف القرن الأول الهجري ـ كما ينبئنا التاريخ ـ وكانت مسألة «الجبر والاختيار» أقدم بحوث الكلام. وفي الدرجة الأولى فإنّ بحث «الجبر والاختيار» موضوع إنساني، وفي الدرجة الثانية فإنّه موضوع إلهي أو طبيعي. فإذا كان موضوع إنساني. وإذا كان البحث منصباً على موضوع القضاء والقدر وإرادة الله سبحانه أهي قد تركت الإنسان حراً أم جعلته مجبوراً فتلك مسألة إلهية. وإذا كان البحث متجهاً إلى نظام العلة والمعلول والعوامل الطبيعية الأخرى أهي قد سلبت حرية الإنسان أم احترمت إرادته؟ فتلك مسألة طبيعية.
ولكنها على أيّة حال مسألة إنسانية تتعلق بمصير الإنسان، ولعله لم يوجد إنسان دخل مرحلة الفكر العلمي والفلسفي ولو حديثاً ولم يواجه هذه المسألة. وكذلك فإنّه لم يوجد مجتمع بدأ حياته ولم يتدارس هذه المسألة.
ولما ورد المجتمع الإسلامي مرحلة الفكر العلمي بتلك الصورة السريعة لأسباب عديدة ليس هنا محل ذكرها فإنّه قد منح الأولوية لمسألة الجبر والاختيار.
وليس من الضروري لبيان سبب ذلك التناول السريع لهذه المسألة في القرن الأول الهجري أن ننسب ذلك إلى عوامل خارجة عن العالم الإسلامي، فطرح تلك المسألة في ذلك الوقت في العالم الإسلامي طبيعي جداً، ولو لم تطرح لتساءلنا حينئذٍ: كيف يمكن في مجتمع بدأ هذه الحياة العقلية المتوثبة أن لا تطرح فيه تلك المسألة.
إنّ المجتمع الإسلامي مجتمع ديني يتخذ القرآن دستور حياته، وقد أثار هذا الكتاب العظيم مسائل عديدة مثل الجبر والاختيار، والقضاء والقدر الإلهي، الجزاء والمكافأة وبصورة كثيفة.
ولما كان القرآن يدعو إلى التدبر والتفكير فقد توجه المسلمون وبعمق نحو البحث في الجبر والاختيار شاؤوا ذلك أم أبوا.
مسألة العدل: إنّ بحث «الجبر والاختيار» يؤدي بذاته إلى البحث في «العدل» فهناك رابطة مباشرة بين الاختيار والعدل من جهة، والجبر ونفي العدل من جهة أخرى، أي عندما يكون الإنسان مختاراً فإنّه يصبح للجزاء والمكافأة العادلة مفهوم ومعنى أمّا الإنسان المسلوب الإرادة والمحروم من الحرية أو الذي يقابل الإرادة الإلهية أو العوامل الطبيعية مغلول اليدين مغمض العينين فإنّه لا معنى للتكليف ولا للجزاء بالنسبة إليه.
وقد انقسم المتكلمون المسلمون إلى فئتين:
الفئة الأولى: وتسمّى «المعتزلة» وهم يناصرون العدل والاختيار. والفئة الثانية: وتسمّى «الأشاعرة» أو أهل الحديث أو السنيين ويناصرون الجبر والاضطرار، ولا بد من التنبيه على أنّ منكري العدل لم ينكروه صراحة لأنّ القرآن الكريم الذي يعتمد عليه كلا الطرفين قاوم الظلم ونفاه عن ذات الله سبحانه ودعا إلى العدل وأثبته لذات الله سبحانه. ولكن الأشاعرة فسّروا العدل تفسيراً خاصاً فقالوا إنّ العدل ليست له حقيقة ثابتة من قبل بحيث نستطيع تحديدها وجعلها معياراً ومقياساً لأفعال الباري جلّ وعلا. فإذا جعلنا مقياساً ومعياراً لأفعال الله سبحانه فإنّ ذلك يعتبر تحديداً وتقييداً لارادة الله ولمشيئته، ولا يمكننا أن نفرض قانوناً ثم نجعل هذا القانون حاكماً حتى على أفعال الله سبحانه وهو حاكمها المطلق، وكل فرض يتضمن تبعية الإرادة الإلهية فإنّه مخالف لصفات الله تعالى من علو وقدرة مطلقة. وليس معنى كونه عادلاً أنّه يتبع قوانين سابقة هي قوانين العدل، ولكن معنى ذلك أنّه سر منشأ العدل، فكل ما يفعله هو عدل، وليس كل ما هو عدل فهو يفعله، فالعدل والظلم متأخران ومنتزعان من فعل الله سبحانه. فالعدل ليس مقياساً لفعل الله، ولكن فعل الله هو مقياس العدل: «كل ما يفعله خسرو فهو حلو».
أما المعتزلة فقد ناصروا العدل وقالوا: إنّ العدل له حقيقة مستقلة ولما كان الله سبحانه حكيماً وعادلاً فهو ينجز أفعاله حسب معيار العدل فلو نظرنا إلى ذات الأفعال بغض النظر عن أنّها قد تعلّقت بها إرادة الله التكوينية أو التشريعية لوجدنا بعض الأفعال بذاتها تختلف عن بعضها الآخر، بعض الأفعال بذاتها تتصف بالعدل مثل مكافأة عاملي الخير، وبعضها بذاتها تتصف بالظلم مثل معاقبة فاعلي الشر، ولما كانت الأفعال بذاتها تختلف مع بعضها وكان الله جلّ وعلا خيراً مطلقاً وكمالاً مطلقاً وحكمة ومطلقة وعدلاً مطلقاً فإنّه يجعل أفعاله حسب معيار العدل، ويصبّها في قالبه.
الحسن والقبح الذاتيان:
وهنا تطفو على السطح مسألة أخرى هي امتداد لموضوع العدل وتلك هي مسألة «الحسن والقبح الذاتيين» للأفعال. ألا توجد للأفعال بذاتها صفة الحسن أو صفة القبح؟ وهل الصدق والأمانة والإحسان وأمثالها حسنة بذاتها وممّا يجب فعلها؟ وهل الكذب والخيانة والبخل وأمثالها قبيحة بذاتها وممّا يجب الامتناع عنها؟
والصفات من قبيل الجمال واللياقة أهي صفات واقعية للأشياء وذاتية لها بحيث إنّ كل فعل بقطع النظر عن فاعله وشروطه الخارجية أحياناً يملك هذه الصفات ويفقد أضدادها؟ أم هذه الصفات اعتبارية توجد عندما يتم التصالح والاتفاق عليها وتنعدم عندما يسحب هذا الاتفاق منها؟
المستقلات العقلية:
كان حديثنا عن الصفات الذاتية للأفعال وهنا نتساءل: هل يستقل العقل باكتشاف هذه الصفات؟ أي أيستغني العقل في إدراكه لحسن الأشياء وقبحها عن المعين والدليل بل هو قادر بنفسه على القيام بتلك المهمة؟ أمّ أنّه لا يستطيع إدراك ذلك إلاّ بمساعدة الشرع؟ ولهذا السبب أطلق على «الحسن والقبح الذاتيين» اسم «الحسن والقبح العقليين».
فالمعتزلة تشدّدوا في مناصرة القضية القائلة إنّ العقل يستطيع مستقلاً إدراك ما في ذات الأفعال من حسن وقبح وطرحوا مسألة «المستقلات العقلية»، وأعلنوا أنّنا ندرك بالبداهة أنّ الأفعال بذاتها تتفاوت حسناً وقبحاً وأنّ عقلنا مع غض النظر عن إرشاد الشارع له يستطيع أن يحيط بهذه الحقائق المسلمة علماً.
أمّا الأشاعرة (أهل السنة) فباعتبارهم قد أنكروا كون الأفعال بذاتها تملك صفة قبلية لهذا فإنّهم ينفون أيضاً كون هذه الأفعال حسنة أو قبيحة بذاتها، وتبعاً لهذا فإنّهم أنكروا قدرة العقل على إدراك ما فيها من حسن وقبح ذاتي. وزعموا أنّ الحسن والقبح أمور نسبية وتابعة لشروط زمانية ومكانية خاصة ومتأثرة بسلسلة من التقاليد والتلقينات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى رأوا أنّ العقل لا يستقل في إدراك الحسن والقبح بل يستعين لتعيين أي واحد منهما بالشرع.
فالأشاعرة (وهم جمهور أهل السنة) أنكروا استقلال العقل بالإدراك، وتبعاً لذلك فإنّهم أنكروا «المستقلات العقلية» وهاجموا عقيدة المعتزلة القائلة بأنّ العقل البشري قادر بمفرده من دون حاجة إلى إرشاد الشارع على إدراك ما يجب وما لا يجب وزعموا أنّ الأسئلة الآتية: ما هو العدل؟ ما هو الظلم؟ ما هو الخير؟ ما هو الشر؟ هذه الأسئلة كلها لا بد من أخذ أجوبتها من لسان الشارع، ولا بد لنا في هذه الأمور أن نتبع «السنة الإسلامية» ونسلم بها ولهذا فقد أطلق عليهم «أهل السنة» أو «أهل الحديث». وبهذا الاسم فقد كسب هؤلاء «قاعدة اجتماعية» ضخمة من أوساط الناس. فالاختلاف بين المعتزلة والأشاعرة والذي كان أساسه قبول أو رفض المستقلات العقلية، تلقاه عامة الناس على أنّه اختلاف أساسه قبول أو رفض «السنة» أو «الحديث»، أو بصورة تعارض «العقل» مع «السنة» فقويت القاعدة الاجتماعية للأشاعرة وامتدت، وضعفت القاعدة الاجتماعية للمعتزلة وانكمشت.
وفي الحقيقة لم يكن المعتزلة غير مبالين بـ «السنة» وإنّما الأشاعرة باختيارهم هذا الاسم «أهل الحديث» قد أغرقوا المعتزلة ـ وهي المعارضة لهم ـ في الظلام، وقد ساهم هذا في هزيمة المعتزلة في أوائل القرن الثالث عند عامة الناس، ولم يقتصر هذا التصور الخاطئ للمعتزلة على عامة الناس بل تعداهم إلى بعض المستشرقين الذين أطلقوا على المعتزلة اسم «المفكرين الرافضين للسنة»، بوعي من هؤلاء المستشرقين أو بدون وعي. أمّا المطلعون فيعلمون أنّ اختلاف المعتزلة والأشاعرة لم يكن في قضية الارتباط أو عدمه بالإسلام، فلقد كان المعتزلة في العمل للإسلام وإقامة ركائزه أحرق قلباً وأقوى ارتباطاً وأعمق تضحية.
قد تعوّدت النهضات الفكرية مهما كانت متكاملة وخالصة من الشوائب أن تتلقى صدمات واتهامات مؤلمة في أوساط العامة من أولئك المتظاهرين بالعبادة والتسليم وهم في الحقيقة فارغون من الصفاء العلوي والإخلاص في النية.
وصحيح أنّ الاختلاف بين المعتزلة والأشاعرة قد بدأ في مورد استقلال العقل أو عدم استقلاله في المسائل المرتبطة بالعدل، أي في حسن الأفعال الذاتي وقبحها ولكنّه امتد في النهاية إلى المسائل المرتبطة بالتوحيد، فقال المعتزلة إنّ للعقل حق التدخل في مسائل التوحيد، أمّا الأشاعرة فزعموا أنّهم يتعبدون بظواهر الأحاديث. وسوف نتناول هذا الموضوع بتفصيل أكبر فيما بعد.
الغرض والهدف في أفعال الله:
وهكذا نصل إلى الموضوع الرابع الذي هو من المواضيع الرئيسية في علم الكلام، وناتج أيضاً من المواضيع السابقة، وهذا الموضوع الجديد يتلخص في أنّ أفعال الباري سبحانه أهي معللة بأغراض وغايات أم لا؟
ونحن متأكدون أنّ أفراد الإنسان يهدفون إلى «غرض» في أفعالهم التي يؤدّونها، فالإنسان في كل عمل له يوجد لديه «لأجل»… لماذا تدرس؟ «لأجل» أن أكون متعلماً وقادراً. لماذا تعمل؟ «لأجل» أن أكسب وأعيش. وهكذا يوجد لكل «لماذا» جواب يتضمن «لأجل». وهذه الكلمة «لأجل» تجعل لعمل الإنسان «معنى». فكل فعل يملك هدفاً معقولاً، أي أنّه لمصلحة وخير، يعدّ فعلاً ذا معنى. والفعل الفاقد للهدف كاللفظ الفاقد للمعنى وكالقشر الذي لا لب فيه. ثمّ إنّه من الممكن أن يكون لكل «لأجل» وكل «معنى» بدوره «لأجل» أخرى و«معنى» آخر، ولكنه في النهاية لا بد أن نصل إلى شيء هو الغاية والمعنى بصفة ذاتية أي أنّه «الخير المطلق» كما يقول الحكماء.
فالإنسان على أية حال يملك في أعماله العقلية والمنطقية هدفاً وغرضاً، ولديه في مقابل كل «لماذا» توجد «لأجل»، وإذا افتقد الإنسان في أعماله جواب «لماذا» وضيّع «لأجل» أصبح عمله لغواً وعبثاً وقشراً فارغاً من المضمون.
وقد أثبت الحكماء أنّ العبث الواقعي من المستحيل أن يتصف به عمل الإنسان وذلك بأن يكون خالياً من أي غرض ومن أية غاية، فكل عبث في أعماله إنّما هو نسبي بالقياس إلى غيره وليس عبثاً مطلقاً، مثلاً إذا صدر من الإنسان فعل وكان مبعثه الشوق أو الإدراك الخيالي وكان يهدف إلى غاية تتناسب مع ذلك الشوق أو الإدراك، فلأنّه يفقد الغاية العقلانية نسمّي ذلك العمل «عبثاً». فهذا العمل بالنسبة إلى مبدئه الذي أوجده ليس عبثاً ولكنّه بالقياس إلى مبدأ آخر مناسب ولائق يعتبر «عبثاً».
والأمر المقابل «للعبث» إنّما هو «الحكمة»، فالعقل المتصف بالحكمة هو الذي لا يفتقد الغرض حتّى على المستوى النسبي، وبعبارة أوضح هو الفعل الذي يمتلك غرضاً معقولاً بالإضافة إلى أنّه قد اختير حسب مقياس الأصلح والأرجح.
فاتّصاف عمل الإنسان بالحكمة مرتبط ارتباطاً عضوياً بوجود غاية له على أن تكون تلك الغاية مورد قبول العقل وتشخيصه لها بأنّها هي الأرجح والأصلح.
فالإنسان الحكيم إذن أولاً: لا بد أن يكون له في عمله غرض وغاية. وثانياً: لا بد أن يكون قد اختار تلك الغاية على أساس الأصلح والأرجح، وثالثاً: للوصول إلى تلك الغاية فإنّه يختار أفضل وأقصر وسيلة. وبعبارة أخرى لا يتصف الإنسان بالحكمة حتى يستكمل شوط المعرفة لاختيار أفضل الأهداف في ظل أنقى الشروط. وبعبارة ثالثة: الإنسان الحكيم هو ذلك الذي قد أعدّ لكلّ «لماذا» قد تواجهه «لأجل» مقنعة سواء أكانت تلك الأسئلة متعلقة بالأهداف او بالوسائل.
لماذا فعلت هذا على ذلك النحو؟
لأجل الهدف الفلاني.
ولماذا فضلت ذلك الهدف؟
بدليل أنّ فيه تلك المزية.
ولماذا استفدت من الوسيلة الكذائية دون غيرها؟
لأجل المرجح الفلاني.
فكل فعل في حياة الإنسان لا يستطيع أن يجيب فيه عن السؤال، «لماذا» جواباً معقولاً وبأي مقدار فإنّه يعتبر نقصاً في حكمة ووعي ذلك الإنسان.
هذا كله مع الإنسان.
أمّا بالنسبة إلى ذات الباري ـ جلّ وعلا ـ فكيف يكون الأمر؟
أتكون أفعاله ـ مثل أفعال الإنسان ـ معللة بأغراض؟ أتكون أفعاله ـ مثل أفعال الإنسان ـ فيها «لماذا» و«لأجل» وفيها أيضاً اختيار الأصلح والأرجح؟
أم هذه كلّها مختصة بالإنسان وتعميمها بحيث تشمل ذات الباري نوع من «تشبيه» أو «قياس» الخالق على المخلوق؟
ذهب المعتزلة إلى أنّ الفعل الإلهي له غرض وغاية لأنّه صادر من حكيم، وقد ورد ذلك مكرراً في القرآن الكريم فهو سبحانه في أفعاله يهدف إلى غرض وهدف، وعن طريق كمال علمه يختار أفضل الوسائل وأرجحها للوصول إلى ذلك الهدف.
أمّا الأشاعرة (أهل السنة) فقد أنكروا أن يكون لله سبحانه غرض في فعله، أمّا صفة الحكمة الواردة في القرآن الكريم والمنسوبة إلى ذات الله فقد فسروها كما فسروا العدل فيما سبق، أي أنّهم قالوا: ما يفعله الله سبحانه فهو عين الحكمة، وليس ما هو حكيم فإنّ الله يفعله.
وعلى هذا تكون أفعال الله سبحانه ـ حسب وجهة نظر المعتزلة ـ سلسلة من المصالح، أمّا الأشاعرة فإنّهم يهاجمون ذلك بشدة زاعمين أنّ الله سبحانه كما خلق وأبدع المخلوقات فإنّه قد خلق هذه الأشياء التي تسمّى بالمصلحة دون أن يكون هناك مخلوق واحد قد أوجد من أجل تلك المصلحة، ودون أن تكون هناك رابطة تكوينية وذاتية أو علية بين هذه الأشياء وتلك المصالح التي فرض وجودها.
تميز الصفوف:
بطرح مسألة «الحسن والقبح العقليين» ومسألة «كون أفعال الباري معللة بأغراض» إلى جانب المسألتين السابقتين وهما مسألة «العدل» ومسألة «الجبر والاختيار» بطرح هذه كلها قد تميزت الفئات تماماً. فالمعتزلة ناصروا العدل والعقل والاختيار والحكمة، أمّا الأشاعرة الذين كانوا يسمّون بـ «أهل السنة» أو «أهل الحديث» فقد عارضوا المعتزلة بشدّة ووقفوا ضد طريقة تفكيرهم.
وقد عرف المعتزلة بـ «العدلية» ولم تكن هذه الكلمة لتشير إلى العدل المعتزلي فحسب، وإنّما كانت تشير ـ بالإضافة إلى ذلك ـ إلى اختيار الحسن والقبح العقليين واختيار الإنسان وتعليل أفعال الباري بأغراض أيضاً.
العدل أو التوحيد؟
الملاحظة الدقيقة التي كان يأخذها الأشاعرة على المعتزلة ولم يكن لهؤلاء جواب صحيح عليها هي: أنّ أصل العدل (بمفهومه الشامل للاختيار والحسن والقبح العقليين وتعليل أفعال الباري بأغراض) لا ينسجم مع التوحيد في أفعال الباري ولعله متضاد مع توحيد ذات الله. لهذا كان اختيار المعتزلة نوعاً من أنواع «التفويض». أي أنّ اختيار المعتزلة الذي يقتضي «التفويض» يقتضي أيضاً سلب الاختيار عن ذات الحق جلّ وعلا، ويتعارض مع توحيد أفعاله تعالى الثابت بالبرهان العقلي والوارد في مختلف آيات القرآن الكريم. كيف يمكننا بعذر تنزيه الله سبحانه من نسبة الأفعال القبيحة ـ من وجهة نظرنا ـ إليه أن نجعل له شريكاً في الفاعلية؟
فنحن بمقدار ما ننسب إلى الإنسان من فاعلية مستقلة عن فاعلية الله نكون قد أشركنا في فاعلية الله الثابتة له عقلاً وبنصوص القرآن الكريم.
{وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا}.
إنّ الحكمة والمصلحة التي يفترضها المعتزلة في أفعال الله تتنافى مع توحيد ذاته وغناها ونزاهتها عن أن تكون معلولة لعلة، لذا فإنّ الإنسان إذا كان يؤدي أعماله من أجل غايات وأهداف فإنه يقع ـ في الحقيقة ـ تحت تأثير تلك الغايات والأهداف، أليست العلة الغائية علة للعلة الفاعلية، أي أن العلة الغائية توجب فاعلية الفاعل، وإذا لم توجد العلة الغائية فإنّ الفاعل لن يكون فاعلاً؟ والإنسان عندما يهدف في أفعاله إلى غرض وغاية فإنّ ذلك الهدف ـ في الواقع ـ يحكم عليه ويجبره، أمّا ذات الله سبحانه فإنّها منزهة عن كل لون من ألوان الجبر ومنزهة عن أن تكون محكومة لأي شيء مهما كانت جبرية الغرض والهدف حاكمة على غيرها.
فالأشاعرة قد زعموا أنّ مسألة الحسن والقبح الذاتيين العقليين والحكم بأنّ أفعال الله سبحانه لا بد أن تجيء على معيار ذلك الحسن والقبح، هذه كلها نوع من أنواع تعيين الوظيفة لله سبحانه وكأنّنا قلنا إنّ الله مجبور على أن يؤدي «أفعاله» في «إطار» يعينه له عقلنا البشري، والإرادة المطلقة لله ومشيئته الحقة تأبى هذا التحديد وترفض هذا التعيين.
ويتلخص مما سبق أنّ الأشاعرة يرون ما يسميه المعتزلة عدلاً أو عقلاً أو اختياراً أو استطاعة أو حكمة ومصلحة إنّما هو قياس للخالص على ما وجدنا عليه المخلوق، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنّ هذا ينافي التوحيد الذاتي وتوحيد الأفعال لذات الحق جلّ وعلا.
أما المعتزلة فقد اعتبروا عقائد الأشاعرة منافية لأصل «التنزيه» الوارد في القرآن الكريم مرات عديدة وقالوا إنّه يلزم من عقائد الأشاعرة أن ننسب إلى ذات الله أموراً هي منزهة عنها، والقرآن الكريم يصرّح بتنزيهها عنها، من قبيل الظلم والعبث والفحشاء. وقالوا لو لم يكن في البين عدل ولا اختيار فلا بد حينئذٍ أن نعتبر الله «ظالماً» حيث خلق العباد مضطرين ومجبورين ثم يكلفهم، وهذه المخلوقات المجبورة التي لا تملك اختيار نفسها يعاقبها حين تذنب ولما كان كل فعل يؤديه العبد ليس في الواقع هو الفاعل له بل الله هو الذي يفعل من خلال الإنسان، فعندما يفعل الإنسان شيئاً قبيحاً فإنّه في الحقيقة لم يفعله الإنسان وإنّما فعله الله، ولما كان فعل الله ـ حسب عقيدة الأشاعرة ـ خالياً من كل غرض وغاية، فإنّ الله إذن قد فعل فعلاً عابثاً لا عائد منه ولا فائدة فيه.
فثبت على هذا أنّه يلزم من عقائد الأشاعرة أشياء من قبيل نسبة العبث والظلم والفحشاء إلى الله، وقد نزّه عنها سبحانه بنصوص القرآن الكريم وبالبرهان العقلي.
فكل من مذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة كان يتمتع بنقطة قوة، ولكنّه مصاب أيضاً بنقطة ضعف. ونقطة قوة كل منهما تكمن في الإشكالات التي يوردها على المذهب المخالف. ونقطة ضعف كل منهما تظهر حينما يحاول أن يجعل مذهبه مذهباً متكاملاً ويدافع عنه.
فأتباع كل مذهب حاولوا إثبات صحة واستقامة مذهبهم في الوقت الذي حاولوا فيه إسقاط المذهب المخالف، دون أن يوفقوا توفيقاً تاماً في الدفاع عن مذهبهم والخروج من عهدة الإشكالات الموجهة إليهم. إنّ أتباع كل مذهب عرفوا بصورة جيدة ودقيقة نقاط الضعف في المذهب الآخر وهاجموها بشدة.
يقال إن: «غيلان الدمشقي» الذي كان تابعاً لعقيدة الاختيار جاء يوماً إلى «ربيعة الرأي» الذي كان منكراً للاختيار ووقف على رأسه وقال: «أنت الذي يزعم أنّ الله يحب أن يعصى»، أي أنّه يلزم من عقيدتك الجبرية أن تكون معاصي الخلق بإرادة الله، والله نفسه يريد ويحب من الخلق أن يعصوه. وبدون أن يتجه ربيعة الرأي إلى الدفاع عن عقيدته اتجه إلى مهاجمة نقطة الضعف التي في عقيدة غيلان الدمشقي وقال: «أنت الذي يزعم أنّ الله يعصى قهراً» أي أنّ الله يريد شيئاً والإنسان يريد شيئاً آخر ثم تصبح إرادة الله مقهورة وتابعة لإرادة الإنسان.
وكان القاضي عبد الجبار المعتزلي جالساً يوماً في مجلس الصاحب بن عباد فدخل عليهم أبو إسحاق الإسفراييني، وكان أبو إسحاق جبرياً على خلاف مذهب القاضي عبد الجبار الذي كان نصير الاختيار، فبمجرد أن وقعت عين القاضي على أبي إسحاق صاح منادياً: «سبحان من تنزّه عن الفحشاء»، كناية عن أنّك يا أبا إسحاق تنسب كل الأشياء ومن جملتها الفحشاء إلى ذات الله.
ومن دون أن يدافع أبو إسحاق عن عقيدته ردّ قائلاً: «سبحان من لا يجري في ملكه إلاّ ما يشاء»، كناية عن أنّك أيها القاضي عبد الجبار بإيمانك بعقيدة «التفويض» فإنّك تجعل لله شريكاً في أفعاله حين تقول إنّ الإنسان مستقل في أفعاله وليست له حاجة إلى الله.
والمعتزلة يطلقون على أنفسهم «أهل التوحيد» و«أهل العدل»، ويقصدون بذلك توحيد صفات الله، أي أنّ صفات الله ليست مغايرة لذات الله بينما كان الأشاعرة يرون أنّ صفاته مغايرة لذاته مثل العلم والقدرة والحياة فإنّ كلّ واحد منها له حقيقة مغايرة لذات الله وإنّ كلّ هذه الصفات قديمة مثل ذاته.
وقد اعتبر المعتزلة عقيدة الأشاعرة في باب صفات الباري عزّ وجلّ لوناً من ألوان الشرك، وذلك أنّ قول الأشاعرة بأنّ صفات الله مغايرة لذاته وأنّها جميعاً قديمة مثل ذاته، هذا القول يلزم منه الاعتراف بسلسلة من الأشياء القديمة، ومعنى القدم أنّها غير مخلوقة ولا معلولة وأنّها غنية بذاتها، إذن معنى عقيدة الأشاعرة تلك أنّ هناك وجود عدّة آلهة بعدد صفات الله ولكن المعتزلة أنفسهم لما كانوا يعتقدون بأنّ صفات الله غير مغايرة لذاته، فإنّه لا يلزم من ذلك إلاّ وجود قديم واحد، ولهذا السبب فقد أطلق المعتزلة على أنفسهم اسم «أهل العدل والتوحيد» ويقصدون بذلك توحيد صفات الله مع ذاته.
أمّا في باب توحيد الأفعال فقد تخاذل فرس المعتزلة وقام الأشاعرة منادين بتوحيد الأفعال وأطلقوا على أنفسهم اسم «أهل التوحيد في الأفعال».
وفي الحقيقة فإنّ المعتزلة في الوقت الذي أوردوا فيه إشكالات موجهة إلى الأشاعرة في موضوع توحيد الصفات فإنّهم قد تعثروا في بعض نقاط ذلك الموضوع نفسه، ومع أنّ المعتزلة لم يقولوا بمغايرة الصفات للذات ولكنهم لم يجيدوا إثبات عينية الصفات مع الذات، وطرحوا مسألة نيابة الذات عن الصفات، وتعدّ هذه نقطة ضعف كبرى في مذهب المعتزلة.
أمّا الأشاعرة فبالإضافة إلى نقاط الضعف التي كانوا يعانون منها وقد سبق لنا عرضها وهي مسائل العدل والعقل والاختيار والحكمة فإنّهم واجهوا مسألة التوحيد بحساسية فائقة وأظهروا عدم قدرة أيضاً في معالجتها. فقد أجبر الأشاعرة بعذر توحيد الأفعال الإلهية على إنكار النظام الذاتي للأسباب والمسببات واعتبروا كل شيء منبعثاً بصورة مباشرة من الإرادة الإلهية دون وساطة أي شرط وأي وسيط. وأهل الخبرة يعلمون أنّ عقيدة كهذه تتعارض مع بساطة وعلو وشموخ الذات الإلهية المقدسة.
فكل من المذهبين وجد نفسه حائراً بين اختيار العدل أو اختيار التوحيد الفعلي. فالمعتزلة اختاروا العدل وضحوا بالتوحيد الفعلي، واختار الأشاعرة العكس فقدموا العدل فداءً للتوحيد الفعلي. وفي الحقيقة فإنّه لا المعتزلة استطاعوا أن يعالجوا مسألة العدل بصورة صحيحة، ولا الأشاعرة استطاعوا أن يصلوا إلى عمق التوحيد الفعلي.
ومهما كانت موارد الاختلاف بين الأشاعرة والمعتزلة كثيرة فإنّها يمكن حصرها في مسألتين رئيسيتين هما: التوحيد، العدل. فالبحث الكلامي الذي مرّ سابقاً بدأ بمسألة العدل ثم امتد إلى مسألة التوحيد، والتوحيد له مراتب: توحيد الذات، توحيد الصفات، توحيد الأفعال، والتوحيد في العبادة.
في موضوع توحيد الذات لا يوجد اختلاف بين المسلمين، ومعنى ذلك توحيد الذات المقدسة في المرتبة الذاتية وأنّها ليس لها مثل ولا نظير {ليس كمثله شيء} فلا يوجد شيء في مرتبة ذاته سبحانه، كل شيء مخلوق منه ومحتاج إليه، وهو خالق كل شيء وغني بالذات. أمّا موضوع توحيد الصفات فقد وقع الاختلاف، فأنكر الأشاعرة التوحيد فيها وناصروا التكثير. وفي موضوع التوحيد الفعلي انعكس الأمر فمال الأشاعرة نحو التوحيد فيه واختار المعتزلة التكثير.
أمّا في موضوع التوحيد في العبادة فلم يحدث بين المسلمين أي اختلاف أيضاً فلم يدع أحد التكثير. واعتقد بعض العلماء المسلمين وعلى رأسهم «ابن تيمية» الشامي الحنبلي أنّ كثيراً من عقائد المسلمين وأعمالهم الجارية في حياتهم تتنافى مع التوحيد في العبادة مثل الاعتقاد بالشفاعة او التوسل بالأولياء، وأدّت هذه الافكار إلى إيجاد «المذهب الوهابي» فيما بعد.
تأثير الكلام الإسلام في الفلسفة الإسلامية
لم تصل بحوث علم الكلام إلى نتيجة نهائية ولكنّها أمدّت الفلاسفة الإسلاميين بمدد وافر في المسائل الإلهية. وقد افتتحت الفلسفة الإسلامية ميادين جديدة في مسائل الإلهيات بالمعنى الأخص وازدادت الفجوة اتساعاً بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة اليونانية وقد حدث ذلك كله بفضل علم الكلام الإسلامي. وقد افتتح علماء الكلام آفاقاً جديدة وطرحوا مسائل ذات أهمية فائقة، ومع أنّهم لم يتموا معالجتها والخلاص من عهدتها ولكنّهم قد وضعوها على عاتق الفلاسفة المسلمين.
وبالإضافة إلى أنّ المتكلمين قد طرحوا سلسلة من المسائل وافتتحوا أبواباً أمام عيون الفلاسفة فإنّهم قد أسدوا خدمة إلى النتائج العقلية أيضاً، وذلك أنّهم لم يقفوا موقف التسليم أمام الأفكار اليونانية بل عارضوها ومحصوا الفلسفة القديمة فكتبوا فيها وردوا عليها، ففتحوا أبواب الشك على مصاريعها وهبت رياح التردد على الأفكار الفلسفية واصطدمت عقائد المتكلمين مع آراء الفلاسفة، وقد سعى الفلاسفة بما يملكون من قوة العقل للخروج من ذلك الطريق المسدود، فأوجد ذلك حركة خاصة مثمرة في إلهيات الفلسفة الإسلامية، وخلال هذا السعي المجهد كسبنا جولات قيمة في ميادين جديدة.
المذهب العقلي الشيعي
يعتبر المذهب الكلامي والفلسفي الشيعي جالباً للنظر في هذا المضمار، فالمذهبان السابق ذكرهما، وهما مذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة مرتبطان بالعالم السني. أمّا الشيعة فكما أنّهم قد استقلوا في فروع الأحكام فكذلك هم مستقلون تماماً في أصولها وفي المسائل الكلامية والفلسفية، أي في باب المعارف الإسلامية.
ففي المذهب الكلامي والفلسفي الشيعي عولجت مسائل العدل والتوحيد بصورة أعمق. وفي المسائل الأربعة المشهورة وهي العدل والعقل والاختيار والحكمة ناصر الشيعة مذهب المعتزلة، ولهذا فهم يعتبرون جزء من «العدلية» أي من القائلين بالعدل الإلهي. ولكن المذهب الشيعي أعطى مفهوماً لهذه الأربعة يتفاوت مع مفهومها عند المعتزلة، فالشيعة مثلاً في مسألة الاختيار لم يفسروه بصورة «التفويض» المطلق للإنسان حيث يعدّ هذا سلباً للاختيار عن ذات الحق، ونوعاً من تأليه الإنسان وإشراكاً له في وظائف الإله، بل فسّر الاختيار ولأوّل مرة من قبل الأئمة الأطهار الذين يعتبرون الملهمين لهذا المذهب بأنّه: «أمر بين الأمرين».
وقد أيّد المذهب الشيعي أصل العدل بمفهومه الجامع دون أن يخدش في التوحيد الفعلي أو التوحيد الذاتي، فالعدل قد استقرّ في مكانه الصحيح إلى جانب التوحيد. وقد قيل بحق: «العدل والتوحيد علويان والجبر والتشبيه أمويان». وقد أثبت هذا المذهب أصالة العدل وحرمة العقل والشخصية الحرة المختارة للإنسان والنظام الحكيم للعالم دون أن يخل ـ قيد أنملة ـ بمبدأ التوحيد الذاتي أو الفعلي. فأقرّ المذهب اختيار الإنسان دون أن يجعله شريكاً في «الملك الإلهي» ودون أن يجعل الإرادة الإلهية مقهورة ومغلوبة للإرادة الإنسانية. واعترف المذهب بالقضاء والقدر الإلهي دون أن يحول الإنسان إلى آلة مسيرة تجاه هذا القضاء والقدر الإلهي.
وفي المذهب الكلامي الشيعي عولجت المسائل المرتبطة بالتوحيد بصورة تؤدي إلى التوحيد فعلاً. ففي مجال توحيد أو تكثير الصفات اختار الشيعة توحيد الصفات فوافقوا المعتزلة في ذلك وعارضوا عقيدة الأشاعرة، مع وجود تفاوت بين المعتزلة الذين نفوا الصفات واضطروا لإنابة الذات مكان الصفات، بينما الشيعة يقولون باتحاد الصفات مع الذات وعينية الذات مع الصفات ويعتبر هذا من أعمق المعارف الإلهية. وفي باب توحيد الأفعال أيّدوا الأشاعرة دون أن يضطروا إلى ما آل إليه أمر الأشاعرة من إنكار نظام العلل والمعلولات، والأسباب والمسببات، وأوضح المذهب الكلامي الشيعي موضوع توحيد الذات والصفات والذات والأفعال بصورة رائعة لم يسبق لها مثيل في العالم.
وأوضحنا في مقدمة الجزء الخامس من كتاب «أصول الفلسفة وطريقة معرفة الحقيقة» ما استلهمه الحكماء الإلهيون المسلمون من المعارف القرآنية والمصادر الإسلامية الأخرى أعمّ من الحديث والخطب والأدعية، ولا نجد هنا داعياً لتوضيح أكثر.
ووفِّقَ الحكماء المسلمون في موضوع الإلهيات بالمعنى الأخص أن يبنوا قواعد راسخة وذلك بفضل الأصول السليمة للبرهان من جهة، وفضل الاستلهام من المعارف الإسلامية من جهة أخرى. وفسّر الحكماء المسلمون العدل بحيث يتضمن حقيقة واقعية دون أن يستلزم ذلك كون الذات الإلهية محكومة لنوع من الجبر وتابعة لقانون سابق حتّى يخدش ذلك «السيرة» المطلقة الثابتة لذات الباري جل وعلا. أمّا الحسن والقبح العقليان فقد فسرا أيضاً بحيث يخرجان عن دائرة المعلومات النظرية التي تنحصر قيمتها في مقدار كشفها عن الحقيقة، ثم جعلا جزء من الأفكار الضرورية العملية الاعتبارية، وبهذا فهي لا تصلح لتكون معياراً ومقياساً لأفعال الباري. ولم يستفد الحكماء أبداً ـ على خلاف المتكلمين ـ من هذه المفاهيم في باب المعارف الإلهية.
أمّا مسألة الغاية والغرض فإنّها قسمت أيضاً إلى غاية الفعل وغاية الفاعل، ويصبح مفهوم الحكمة في حق الباري تعالى مساوياً لمفهوم العناية وإيصال الأشياء إلى غاياتها، وبهذا يتضح التكليف ههنا. وقال الحكماء إنّ كل فعل له غاية، وغاية الكل أو غاية الغايات هي الذات الإلهية المقدسة. فكل الأشياء صادرة منه وعائدة إليه: {وأن إلى ربك المنتهى}.
ومن المعلوم أنّ كلّ مبحث من هذه المباحث يمتلك أرضية عريضة من الأفكار لا يمكننا في هذا المجال المحدود استعراضها بصورة أكثر مما فعلنا.
في الحوزة الفقهية
يحسن بنا أن لا نقتصر على تناول مسألة «العدل» في العالم الإسلامي من وجهة نظر المتكلمين فقط، بل نتناولها أيضاً في إطار الفقه الإسلامي. فقد أسّس المجتمع الإسلامي في بداية تشكيله على ركيزتين هما الكتاب والسنّة. واستمدّ هذا المجتمع قوانينه ومقرراته العبادية والتجارية والمدنية والجزائية والسياسية من ذلك المنبع الإلهي. فأينما كان الحكم في أية حادثة وارداً في القرآن الكريم بصورة صريحة أو مبيناً في السنة القطعية المنتهية إلى شخص النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أو الأئمة المعصومين من وجهة النظر الشيعية، فإنّ التكليف حينئذٍ واضح لا غبار عليه. أمّا إذا لم تكن هناك آية صريحة ولا سنّة قطعية فاللجوء عندئذٍ يكون للاجتهاد والاستنباط.
أمّا متى بدأ الاجتهاد وكيف حدثت التحولات فيه عند أهل السنة وما هي التطورات التي لحقته عند الشيعة؟ فذلك بحث موسع ليس هنا محل الخوض فيه. ولكن الذي لا شك فيه ابتداء ذلك الجمهور منذ زمان النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلى الأقل في الأحداث المقارنة لأيام وفاته. ومسألة ما إذا كان ذلك الاجتهاد الوليد سليماً وصحيحاً أم لم يكن؟ فهي مسألة أخرى.
ثمّ تطوّر علم الفقه الإسلامي وتكامل بسرعة كالعلوم الأخرى، وقد وجدت فيه أساليب مختلفة، فعند أهل السنة وجدت طريقتان فقهيتان هما أولاً: طريقة أهل الحديث التي سادت بين فقهاء المدينة المنورة، وثانياً: طريقة أهل الرأي والقياس التي شاعت بين فقهاء العراق.
ولم تكن طريقة أهل الحديث سوى الرجوع في المسائل أوّلاً إلى القرآن الكريم فإن لم يوجد لها حكم في القرآن عرجوا على الأحاديث الواردة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فإذا اختلفت الأحاديث رجحوا بعضها بالنظر إلى سندها، وأمّأ إذا لم يوجد حكمها في الحديث أيضاً أو لم يوجد مرجح لبعض الأحاديث المختلفة على بعض فإنّهم يرجعون إلى أقوال وفتاوى الصحابة، وإذا لم يعثروا على ذلك أيضاً فإنّهم يجهدون أنفسهم ليفهموا شيئاً عنها من خلال النصوص المتوفرة وقليلاً ما يتفق لجوؤهم إلى الرأي والقياس.
أمّا طريقة أهل القياس فكانت مغايرة لتلك، لأنّهم عندما يفتقدون الدليل من القرآن أو السنة القطعية لا يعتمدون على أحاديث الآحاد لكونها موضوعة أو محرفة حسب دعواهم، ويعقدون أنّ الفقيه من كثرة ممارسته للمقررات القطعية الإسلامية ينفذ إلى روح القانون الإسلامي، وعن طريق هذا النفاذ يستطيع معرفة حكم المسألة المطروحة من مشابهاتها القطعية.
فأهل الرأي والقياس إذن كانوا يعتقدون بأنّ «العدالة» و«المصلحة» دليل مضمون النتائج للفقيه. ولا بد للفقيه من التفكير حسب ما تقتضيه «العدالة» وتفرضه «المصلحة» وبناء على ذلك وجدت اصطلاحات من قبيل «الاستحسان» و«الاستصلاح».
نزاع أهل الحديث مع أهل القياس
عدَّ أهل الحديث طريقة أهل القياس لوناً من ألوان الإفراط في الاعتماد على العقل، وتقصيراً في جانب الحديث، وبعبارة أخرى: اعتبروا هذه الطريقة نوعاً من النظر السطحي في كشف المصالح الواقعية وقالوا إنّ عمل الشارع هو جمع المفرقات وتفريق المجتمعات، ويتخيل ذوو العقول الساذجة أنّهم يستطيعون النفوذ إلى روح الأحكام الشرعية. أمّا أهل القياس فقابلوهم بالمثل واتهموهم بالتحجر والجمود.
وتوجد قاعدة في علم أصول الفقه تسمّى بـ «قاعدة الملازمة» أي الملازمة بين ما يحكم به العقل وما يحكم به الشرع، وعبروا عنها بقولهم: «كل ما يحكم به العقل يحكم به الشرع وكل ما يحكم به الشرع يحكم به العقل». والمقصود منها أنّنا إذا اكتشفنا في مكان «مصلحة» أو «مفسدة» قطعية، فبالدليل «اللمي» أي من طريق الاستدلال بالعلة على المعلول، نحكم بأنّ الشرع الإسلامي قد فرض هنا حكماً يدور مع استيفاء تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة إذا لم نجد حكماً نقلياً يعين لنا التكليف. وكلما وجدنا حكماً وجوبياً أو تحريمياً أو استحبابياً أو حكماً بالكراهة فبالدليل «الآني» أي من طريق الاستدلال بالمعلول على العلة نكتشف أنّ هناك مصلحة أو مفسدة مهما كان عقلنا غير واعٍ بما في ذلك الفعل من مصلحة أو مفسدة.
فمن وجهة نظر الفقهاء المسلمين وخاصة أهل الرأي والقياس يوجد تطابق كامل بين الشرع والعقل، ولا تعتبر الأحكام الإسلامية رموزاً ولا مجهولات معماة غير قابلة للفهم، وليست هي تعبدية محضة تطاع دون بحث، وإنّما العقل له دور في فهمها واستنباطها.
هؤلاء العلماء أدخلوا مسألة الحسن والقبح العقليين التي مرت والمعتبرة من مباحث علم الكلام ـ أدخلوها في علم أصول الفقه وأعطوا هذا الحسن وذلك القبح عناوين جديدة هي «المناطات» و«الملاكات»، للأحكام وقالوا إنّ العقل يدرك في موضوع المناطات والملاكات بشكل أوضح من أي شيء مسائل حسن العدالة وقبح الظلم والعدوان، وعلى هذا فقد اعتبروا العدل والظلم معيار للفقه الإسلامي.
وعدَّ أهل الحديث مصادر الفقه في الإسلام ثلاثة هي: الكتاب (القرآن) والسنّة والإجماع. أمّا أهل الرأي والقياس فعدّوها أربعة هي: الثلاثة الماضية مع إضافة الرأي والقياس.
واندفع أهل الحديث ينتقدون أهل الرأي والقياس ذاكرين في سلسلة من الأمثلة أنّ الاعتماد على الرأي والقياس في الأحكام الشرعية يقود إلى الانحراف والاشتباه.
وفي المقابل اتّهم أهل الرأي والقياس أصحاب الحديث بأنّهم يعتمدون هذا على مجموعة من الأحاديث المنقولة التي لم يتحقق من صحتها.
الأسلوب الفقهي الشيعي:
وكما أنّ الكلام والفلسفة قد اتخذا طريقاً مستقلاً عند الشيعية فكذلك الفقه والاجتهاد عندهم فقد اتجه اتجاهاً مستقلاً. فأيّد الفقه الشيعي أصل تبعية الأحكام الشرعية للمصالح والمفاسد الذاتية، قاعدة حكم العقل والشرع واحتفظ للعقل بحق الاجتهاد أمّا الرأي والقياس الذي هاجمه أهل الحديث واعتبروه من أخطاء أهل الرأي فقد اعتبره المذهب الشيعي خاطئاً أيضاً.
ولكن تخطئة الشيعة للقياس ليس لنفس السبب الذي احتج به أهل الحديث حيث قالوا ليس العقل حجة ولا دليلاً شرعياً في الأحكام، وإنّما لسببين آخرين هما: أوّلاً: الرأي والقياس عملاً بالظن وليس عملاً بالعلم، ومتابعة للخيال وليس طاعة للعقل. ثانياً: يلزم من الرجوع إلى القياس والرأي أن تكون الأصول والكليات الإسلامية غير وافية ولا تامة وهذا ظلم للإسلام أو جهل به. صحيح أنّ المسائل الجزئية والفردية لم توضح أحكامها، ولو أريد ذلك لما أمكن لأنّ الجزئيات غير متناهية، ولكن الكليات الإسلامية نظمت بنحو نستطيع تطبيقها على الجزئيات غير المتناهية في الأوضاع المختلفة من حيث الشروط والزمان والمكان، فليس واجب الفقيه أن يجمد على اللفظ وأن يطلب حكم كل جزئية من القرآن أو الحديث، وليس واجبه أيضاً أنّه حينما يفقد حكم مسألة فإنّه يتخذ ذلك عذراً للسير في طريق الخيال والقياس. وإنّما واجبه «التفريع» ورد الفروع إلى أصولها فقط. وكل الأصول الإسلامية موجودة في الكتاب والسنة ولكنّها تحتاج إلى «فن»، ذلك الفن هو المسمّى بـ «الاجتهاد» وهو التطبيق الواعي للكليات الإسلامية على مصاديقها المتغيرة.
ويوجد في كتاب الكافي باب عنوانه «لا توجد مسألة إلاّ ولها أصل من الكتاب أو السنة».
وعليه فقد اعترف الفقه الإسلامي الشيعي بأصل العدل وأصل تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الذاتية وأصل الحسن والقبح العقليين وأصل حجية العقل وأخيراً فقد احتل أصل «العدل» مكانه اللائق به في ذلك الفقه.
والفقه الشيعي قد فصل بين العقل والخيال، بين البرهان العقلي والقياس الظني وهو التمثيل المنطقي، واعتبر الفقه الشيعي مصادره أربعة هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فمع أنّ هذا المذهب الفقهي لم يعتبر الرأي ولا القياس ولكنّه اعترف بالعقل والبرهان.
مرتضى مطهري
علم الكلام بين الذم والمديح
يعرِّف علماء الإسلام المراد من علم الكلام بأنّه العلم الذي يتضمّن الذَّود عن العقائد الإيمانية بالأدلّة العقلية، والرَّدُّ على المبتدعة المنحرفين، في اعتقاداتهم، عن مذاهب السلف وأهل السنّة.
وقد يسمّى هذا العلم، أيضاً، بعلم التوحيد، من حيث إنّه يتناول بالدرجة الأولى الدفاع عن عقيدة التوحيد في الإسلام، إضافة إلى العقائد الدينية الأخرى التي لا بد للمسلم من أن يؤمن بها كالإيمان بالغيب والرُّسل والوحي والقضاء والقدر، وما إلى ذلك.
وقد كان من الطبيعي ـ بعدما سبق من تعريفات لعلم الكلام وإحاطة بأغراضه، التي يتضح أنّها أغراض نبيلة يقبلها كل مسلم يغار على دينه من كيد الكائدين وإلحاد الملحدين ـ كان من الطبيعي أن يكون هذا العلم من العلوم المرغوب فيها، بمقتضى الشرع والعقل، وأن تكون مدرسته وتعلّمه من الأمور التي يتقرب بها المسلم إلى ربّه وينال بها رضاه.
لكن الذي حدث أنّ موقفاً آخر على النقيض من ذلك قد جرى بشأن علم الكلام والمشتغلين به، من جانب عدد غفير من علماء أهل السنة الذين لهم أقدارهم ومكانتهم في الفقه والعلوم الدينية!
فقد قال الإمام الشافعي في شأن ذلك العلم: «لأن يلقى العبد ربّه بكل ذنب، ما عدا الشرك بالله، خيرٌ له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام»!ّ
وقال، أيضاً، في شأن العلماء المشتغلين به: «حكمي، في أصحاب الكلام، أن يُضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر. ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام»!
وقال الإمام أحمد بن حنبل ـ من دون تحفظ أو تحرّج ـ في شأن طائفة المتكلّمين: «علماء الكلام زنادقة، ولا يُفلح صاحب الكلام أبداً»! حتّى أنّه قد روي عنه أنّه هجر الإمام الحارث المحاسبي ـ رغم زهده وورعه ـ لتصنيفه كتاباً يرد فيه على أهل الابتداع في دين الله!
أمّا الإمام مالك فقد قال: «لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع»، وكان يقصد بهؤلاء أصحاب الكلام على أي مذهب كانوا!
وقال أبو يوسف، تلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان: «من طلب العلم بالكلام فقد تزندق». إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تنحصر في ذم الكلام وأهله([747]).
وقد كانت حُجَّة القوم، في ذلك، أنّ الحديث في فنون علم الكلام كالحركة والسكون والجوهر والعرض والجزء والطفرة وغير ذلك، يُعدُّ بدعة من البدع، وضلالة من الضلالات التي حدثت في الدين.
فلم يؤثر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه شيء من الكلام في هذه الأمور المبتدعة، وهذا يفسّر على أحد أمرين: أولهما أنّهم لم يعلموا هذه المسائل الكلامية ولم يدروا عنها شيئاً وثانيهما، أنّهم قد علموها ثم سكتوا عنها ولم يتكلموا فيها، وكلا الاحتمالين يدل على أنّ الحديث في ذلك شرّ لا يرجى منه خير، لأنّه لو كان خيراً ما جاز للنبي وصحابته أن يجهلوه على الاحتمال الأوّل، أو أن يسكتوا عنه مع علمهم به على الاحتمال الثاني، لأنّ الجهل بالأمور النافعة، أو السكوت عنها، لا يليق بالنبي وأصحابه، وبخاصة ما يتعلق بأصول الدين والشريعة!
والحقُّ أنّ هذه الأقوال والحجج التي ساقها المعترضون على علم الكلام والمشتغلين به، فيها الكثير من المغالطة والإجحاف بهذا العلم الجليل وأهله!
فهو العلم الذي يعتمد أساساً على العقل وأدلّته في محاجّة الكفار وأهل الأهواء والبدع، والعقل ميزان الله في أرضه وحجَّته على عباده يوم الحساب.
وهو العلم الذي يُستدلّ به على معرفة الله تعالى وتوحيده. وكيف تحرَّم معرفة الله بالدليل، وكيف يكون ذكر الحُجَّة والمطالبة بها والبحث عنها أموراً محظورة، وقد قال الله في كتابه: {قل هاتوا برهانكم} (البقرة: 111)؟! وقال تعالى: {إن عندكم من سلطان بهذا} (يونس: 68) أي حجة وبرهان، وقال تعالى لنبيّه (صلّى الله عليه وآله): {وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125).
وقد كان دأب الأنبياء دائماً جدال الكفار والمنكرين، وصولاً إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
ونذكر مثالاً على ذلك ما جاء في قوله تعالى في شأن أبي الأنبياء إبراهيم (عليه السلام): {ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربّي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} (البقرة: 258).
وكذلك ما جاء في شأن نوح (عليه السلام) من مجادلته قومه حتّى قالوا له: {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} (هود: 32).
وقد ورد عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) أنّ أحد المشركين قد جاءه حين نزل قوله تعالى: {إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} (الأنبياء: 98) قائلاً له: إذن يا محمد، فعيسى وعُزير والملائكة في النار لأنّهم معبودون، فردّ عليه النبي (صلّى الله عليه وآله) مجادلاً بالحق: لا، لأنّ الله تعالى يقول: {إنّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون} (الأنبياء: 101)([748])، هذه جميعها صور من المجادلات مع أهل الكفر والمعاندين، والتي هي أساس علم الكلام في الإسلام.
أمّا ما يمكن أن يقال، في الرد على إنكار المعترضين لمصطلحات علم الكلام من الجوهر والعرض والحركة والسكون وما إلى ذلك، وعلى قولهم بأنّه لم يرد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا الصحابة شيء من التلفظ بهذا الكلام، فهو ما قاله المتكلمون من أنّه ما من علم إلاّ وقد أُحدث فيه مصطلحات لأجل الإفهام والتوضيح، كعلم التفسير وعلم الحديث وعلم الفقه وغير ذلك من العلوم، ولم تكن تُعرف هذه المصطلحات على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) وصحابته، فلا حجر إذن في إحداث عبارة للدلالة بها على مقصود صحيح، ولو كان ما لم يتكلم فيه النبي (صلّى الله عليه وآله) والصحابة يُعدّ بدعة وضلالة، فبالقياس على ذلك يكون قول هؤلاء المعترضين قبلاً في قضية مثل قضية خلق القرآن بأنّ القرآن غير مخلوق يعدّ بدعة كذلك، لأنّه لم يرد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وصحابته القول بذلك!
ونحن، إذا نظرنا إلى أدلة المتكلمين وبراهينهم في إثبات العقائد، نجد أنّ أغلبها مستوحى من الأدلة الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، ما يدل على شرعية منهجهم وعلى الأصول الإسلامية التي يعتمدون عليها في طرق تفكيرهم.
فمن ذلك ما قرّره المتكلمون في الاستدلال على وحدانية الله تعالى، إذ أنّ أغلب براهينهم في إثبات هذه العقيدة راجع إلى الآية القرآنية الكريمة: {لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا} (الأنبياء: 22).
ومن ذلك، أيضاً، دليلهم على البعث، فقد اتخذوه، من قوله تعالى: {قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة} (يس: 78 و79)، فكانت الإعادة كالبدء لأنّها من معناها!
أمّا دليل المتكلّمين في الرد على الكفار الذين قالوا باستحالة البعث من التراب، لأنّ الحياة حارّة والتراب المتخلف من الأجسام بارد يابس فلا يمكن الجمع بين الحياة والتراب ـ فقد اتخذوه من الآية القرآنية {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون} (يس: 80)، فكان خروج النار على حرّها ويبسها من الشجر الأخضر على رطوبته ونداوته دليلاً على جواز ما حكم الكفار باستحالته من خروج الشيء من نقيضه! وقد استوحوا دليلهم للبرهنة على حدوث العالم من قصة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) حينما رأى كوكباً من السماء: {قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلمّا رءا القمر بازغاً قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين * فلمّا رءا الشمس بازغة قال هذا ربّي هذا أكبر فلمّا أفلت قال يا قوم قال إنّي بريءٌ مما تشركون} (الأنعام: 76ـ78).
وذلك لأنّ إبراهيم (عليه السلام) قد استدل بالحركة والسكون وكذلك الانتقال والأفول لكل من الكوكب والقمر والشمس على أنّ أياً منهم لا يصح أن يكون إلهاً لأنّه متغير، والإله يجب أن يكون خالياً من هذه التغيرات التي تدل على حدوثه، فقال المتكلمون: في هذا دليل إذن على حدوث العالم وعدم قدمه، لعدم خلوّه من التغيرات والحركة والانتقال إلى غير ذلك.
واستدل المتكلمون كذلك على خطأ من قال بأنّ الجزء يتجزأ إلى ما لا نهاية من الآية القرآنية الكريمة: {ربّي فلّما أفل قال لئن لم} (الأنعام:77)، وقالوا: إنّ هذا القول بتجزّؤ الجزء إلى ما لا نهاية لو كان صحيحاً لما أمكن إحصاء شيء مع تصريح القرآن بإحصاء كلّ شيء!
ثم استدلّوا في الردّ على الدهريّة بالحديث الشريف الوارد عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والذي يعترض فيه أعرابي على النبي (صلّى الله عليه وآله) حين قال: «لا عدوى ولا طيرة» فقال الأعرابي: «فما بال الإبل كأنّها الظباء تدخل في الجربى فتَجْرب؟!» فقال المتكلمون: في تلك الإجابة من النبي (صلّى الله عليه وآله) على الأعرابي ما يصلح ردّاً على فرقة الدهرية القائلين بأنّ ما من حركة إلاّ وقبلها حركة إلى ما لا نهاية!
وبعد، فمن كلّ هذا الذي بيّناه من شرعية علم الكلام وضرورته في حياة المسلمين، يتضح لنا مما سبق أن ذكرناه في بداية الحديث من أنّ هذا العلم يعتبر من العلوم المرغوب فيها وغير المنهي عنها شرعاً، وتعدّ مدارسته وتعلُّمه من الأمور التي يتقرب بها المسلمون إلى ربّهم، حيث يتمكّنون من الدفاع عن عقيدة الإسلام من كيد المغرضين والمبتدعين، وذلك ما أكّده حجة الإسلام الإمام الغزالي قال: «ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فنطقوا بها وكادوا يشوّشون عقيدة الحق على أهلها، فأنشأ الله تعالى طائفة المتكلّمين وحرّك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة، فقاموا بما ندبهم الله إليه، وأحسنوا الذبّ عن السنة والنِّضال عن العقيدة»([749]).
أحمد سامح علي
الفرق بين الفلسفة
والحكمة والكلام
هذا المقال مكتوب بالفارسية بقلم الشيخ محمد تقي الجعفري، وقد نقله إلى العربية وعلق عليه بحواش الأستاذ خالد توفيق:
دأبَ الباحثون في العادة وأولئك المشتغلون في مساير المعرفة الكلية، على وَضع الفلسفة والكلام في مقابل بعضهما، والمقارنة بينهما. ومِن البديهي أنّ هذه المقارنة إن لم تكن ناقصة فهي على الأقل محدودة.
وما سنضطلع به في هذا البحث هو دِراسة أقسام المعرفة الثلاثة الماثلة في: الفلسفة والحكمة، والكلام وتحليلها. وأوّل ما ينبغي أن نتشبه إليه على سبيل المقدمة، أنّ تعريف الفلسفة جاء أدق وأكمل وأشمل في رؤية فلاسفة المشرق الإسلامي، وما هو عليه في رؤى الأقاليم الأخرى. وبتعبير آخر: أنّ التعريف الذي طُرِحَ للفلسفة في المشرق هو أدق وأكمل.
وعلينا قبل أن نبحث في الفلسفة مِن خلال رؤية الشرق، أن نشير اختصاراً إلى نظرية الغرب حولها.
انطلاقاً من هذه الزاوية بالذات نجد أنّ الفلسفة تتحرك في ثلاثة مجالات، هي:
المجال الأوّل: رحلة ما قبل العلم، التي يُعبّر عنها أحياناً بمرحلة «النظرية» نظير «النظرية الذريّة» التي ذهبت إلى أنّ بنية الأجسام تتقوّم بالذرّات.
وأوّل مَن قال بمذهب الذرّة هُم الفينيقيون سنة (1200ق.م.) ثم طرح مجدداً على أيدي البراهمة الهنود في حدود سنة (480ق.م.) وبعدهم بواسطة دمكريت حوالي سنة (400 ق.م.) ثم جاءَ الدور لمتكلمي المسلمين الذين طرحوه على نحو أشمل وأدق، ومِن بعدهم بقرون دَخل المذهب ميدان العلم بواسطة جورج طومسون وآخرون.
المجال الثاني: مرحلة ما بعد العلم. أي حين توفّرت مسائل كلية مِن نتائج العلم. ففي هذه المرحلة صار يُنظر إلى معطيات البحوث العلمية المتزايدة بوصفها مقدمات لاستخلاص النتائج الفلسفية. وذلك من قبيل المعطيات الناتجة عن الحركة الفيزيائية، وحركة الكواكب، والتفاعلات الكيميائية. فمحصلة البحث في هذه المرافق اكتسبت في الدرس الفلسفي عنواناً كُلياً انصبّ على بحث «الحركة» بمعناها الكلّي، ودراسة طبيعة ارتباطها بالمادة.
المجال الثالث: ثمة حقل في البحث الفلسفي يتحرك في إطار المسائل الكلية التي تمتد في كل المراحل، سواء تلك التي تسبق العلم أو تليه أو ترافقه، مثل مسألة الوجود وفيما إذا كان متناهياً أم غير متناهٍ، والزمان، وطبيعة العامل المحرّك للتأريخ، وحقيقة ارتباط الجسم بالروح، والأصول السامية للقيم، وغير ذلك.
إنّ ما يمكن أن نستخلصه من حصيلة الدراسات التي أنجزت في حقل المعارف الكلية للفلسفة الغربية، تكمن في ترافق أوّل مرحلة لبروز الرؤية الفلسفية حول «الواقعيات»([750]) مع انبثاق الأسئلة والاستفهامات التي أثيرت، وطبيعة الأجوبة التي جاءت وهي تتجاوز المشاهدة العينية (الحسية) إلى أفقٍ أرفع.
صحيح أنّ الفلسفة تكتسب من خلال هذا الضرب من ضروب الممارسة معنى كلياً عاماً، بيدَ أنّ الصحيح أيضاً أنّ قدراً مهماً من الأسئلة والاستفهامات المثارة يمكن طرحها في مجال العلوم ـ بعيداً عن الفلسفة ـ.
تعريف الفلسفة:
نأتي الآن إلى تعريف المشرق للفلسفة، وبالذات الشرق الإسلامي، الذي أفرز ما يمكن أن نصفه بأدق تعريف وأكمله. وفي هذا السياق بلغ التعريف أوجه من زاوية الدقة والتكامل مع انبثاق النظام الفكري لصدر المتألهين الشيرازي([751])، بحيث نستطيع القول: إنّ تعريف صدر الدين الشيرازي هو الأشمل في نطاق منظومة الفكر الفلسفي التقليدي (الكلاسيكي).
يقول صدر المتألهين: «اعلم أنّ الفلسفة استكمال النفس الإنسانية بمعرفة دقائق الموجودات على ما هي عليه، والحكم بوجودها تحقيقاً بالبراهين، لا أخذاً بالظن والتقليد، بقدر الوسع الإنساني. وإن شئت قلت: نظم العالم نظماً عقلياً على حسب الطاقة البشرية ليحصل التشبّه بالباري تعالى».
ثم يذكر بعد أسطر، الفلسفة النظرية في إشارة بالغة الأهمية، حيث يقول: «أمّا النظرية فغايتها انتقاش النفس بصورة الوجود على نظامه بكماله وتمامه، وصيرورتها عالماً عقلياً مشابهاً للعالم العيني».
صحيح أنّ هذا القيد (تشابه عالم العقل بعالم الواقع والعين) جاءَ في مجال تحديد هدف الفلسفة وغايتها، إلاّ أنّه في الحقيقة جزء من تعريف الفلسفة نفسها. والسبب، أنّ النظام العقلي لعالم الوجود الذي يختزنه الذهن لا يمكن أن يكون مستنداً إلى العلم وقائماً على حقائق الموجودات، من دون أن يستند إلى العالم الواقعي ويعتمد على الجانب العيني [العالم الخارجي].
ثمة إشارات مهمة ينطوي عليها تعريف صدر المتألهين نمرّ عليها اختصاراً من خلال النقاط التالية:
أوّلاً: كان الأولى به أن يُعبّر بـ «الحكمة» بدلاً من الفلسفة في القسم الأوّل من التعريف؛ أي في قوله: «إنّ الفلسفة استكمال النفس الإنسانية بمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليه» وكذلك الحال في الشطر الأخير من التعريف الثاني؛ أي قوله: «… ليحصل التشبه بالباري تعالى» وذلك لوجود عبارة «استكمال النفس الإنسانية». والسبب أنّ الفلسفة بمعناها العام تجعل «استكمال النفس» هدفاً وغاية حسب ما يذهب إليه بعض أصحاب النظر الفلسفي قبل صدر المتألهين وبعده، خصوصاً أولئك الذين يُبعدون عن حيّزها معرفة حقائق الوجود انطلاقاً من الرؤية الإلهية وما وراء الطبيعة.
وربّما لهذا السبب بالذات اقترنت الفلسفة بالحكمة في رؤية صدر المتألهين حيث عبّر عن الفلسفة بالحكمة، حين أراد ـ بعد أسطر ـ أن يقسّم الفلسفة إلى: نظرية تجردية، وعملية تعلقية([752]).
ثانياً: حين نأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الاتجاهات وأدوات الإدراك والعلم بعالم الوجود، فإنّ ذلك سيكون باعثاً على محدودية كمية وكيفية في المعلومات والمعارف، باستثناء موردين هُما: العلم الحضوري([753])، ومعرفة الله اللذين لا يحتاجان إلى الواسطة أصلاً.
في ضوء ذلك يكون قيد «بقدر الوسع الإنساني» في التعريف ضرورياً جداً. وإذا كان بعضُ المفكرين لا يأخذ هذا القيد بنظر الاعتبار أو لا يذكره أصلاً، فمردّ ذلك يعود إلى بداهته لا غير. إلاّ أنّنا حين نذكر القدرة والوسع الإنساني كقيد ضروري في تعريف الفلسفة؛ سنواجه إشكالاً في قوله: «بمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليه» ذلك لأنّ هذا القيد يجعل لنا، وعلى نحوٍ كامل دوراً مزدوجاً نكون فيه ـ في الوقت نفسه ـ لاعبين ونظّاراً على صفحة الوجود.
ومثل هذا الدور يمنعنا من إقامة صلة علمية أو معرفية مع الواقعيات.
وما يمكن أن يقال في حلّ هذا الإشكال، أنّ غرض صدر المتألهين وأي فيلسوف آخر من وضع القيد آنف الذكر في التعريف، إنّ ما يجب أن يكون عليه الهدف المباشر للفيلسوف في بحثه الفلسفي هو معرفة الواقعيات كما هي عليه ـ وما يحول عادة دون تحقيق هذا المستوى من المعرفة، ويضفي على المعرفة الفلسفية ضرباً من ضروب المحدودية الكمية والنوعية، هي طبيعة العقبات الماثلة في الأهداف والوسائل والرؤى الشخصية والمتبنيات الأساسية.
غاية ما في الأمر، أنّ علينا أن نتنبه إلى أنّ هذه المحدّدات الطبيعية هي غير تلك الذرائع المتكلّفة التي تأسر عُبّاد الذات والأهواء ممّا يُبتلى به المقلدون.
ثالثاً: وَرَدَ في نصّ التعريف قوله: «والحكم بوجودها تحقيقاً بالبراهين لا أخذاً بالظن والتقليد» فإذا كان المقصود منه إثبات جميع المسائل الفلسفية لا بدّ أن يكون من خلال البرهان؛ وأنّ الاكتفاء بالظنّ والتقليد لا معنى له في البحث الفلسفي، ففي ذلك إشارة إلى قاعدة ضرورية. لأنّ استناد الدرس الفلسفي إلى البرهان واعتماده عليه هو ممّا يقود إلى نتائج مؤثرة على صعيد تقدّم الفكر البشري في معرفته للعالم.
أمّا إذا كان القصد أنّ جميع ثمرات الفكر الفلسفي ومعطياته المعرفية تستند إلى البرهان، فعلينا أن نذعن إلى عدم صحة هذه المقولة مطلقاً لافتقارها إلى «التمامية والكلية» خصوصاً ونحن نرى أنّ قدراً معتداً به من الاستنتاجات الفلسفية القائمة على أصول ومبانٍ معينة، لا ينال قبول جميع المفكرين ورضاهم. من ذلك مثلاً أنّه كان يُستدل على قدم الزمان ولا تناهيه بعجز الذهن عن تصوّر بداية ونهاية للزمان، بيد أنّ هذا المعنى لم ينل رضا جميع المفكرين والمشتغلين بالفلسفة. تماماً كما في الاختلاف الحاصل حول أصالة الوجود والماهية، ففيما ذهب السبزواري في المنظومة إلى أصالة الوجود مستدلاً على ذلك بأنّه منبع كل شرف، نرى أنّ امثال الميرداماد ذهب إلى القول بأصالة الماهية ولم يرَ في استدلال السبزواري سوى كونه مصادرة على المطلوب، إذ يمكن أن يقال ـ في المقابل ـ إنّ الأصالة للماهية لكونها منبع كلّ شرف.
معنى الحكمة في ضوء التعريف:
إذا كان غاية الفلسفة في ضوء التعريف هو:
1 ـ استكمال النفس الإنسانية.
2 ـ التشبّه بالله تعالى؛ فسيتضح معنى الحكمة. فحين نأخذ بنظر الاعتبار الموضوعين الآنفين اللذين يعبران عن حقيقة واحدة فسنصل إلى تعريف للحكمة؛ وإلى أنّ الفلسفة بمعناها الاصطلاحي العام الذي يعني تحصيل المعرفة بأجزاء وروابط عالم الوجود لا يكون لها ثمة معنى لدى المفكر دون أن تأخذ بنظر الاعتبار الغاية والهدف المذكورين أعلاه؛ إلاّ إذا اخذنا الفلسفة بما يدل عليه معنى اللفظ يونانياً من مفهوم «حبّ الحكمة».
وإذا شئنا أن نعرّف الحكمة في أكثر مواردها استعمالاً، فنستطيع أن نقول في جملةٍ واحدة: إنّ الحكمة هي عبارة عن معرفة حقائق العناصر الأربعة: الذات، الله، عالم الوجود، النوع البشري. وذلك بما يتّسع الإنسان من استعدادٍ وإمكانٍ في البحث عبر سيره التكاملي. وهذه المعرفة كما تدلنا آيات القرآن هي أكبر أهداف بعثة الأنبياء {ويعلمهم الكتاب والحكمة} (انتهى).
علم الكلام:
قيل في تعريف علم الكلام: إنّه علم يضطلع بإثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج وردّ الشبهات.
أمّا بعض المفكرين فقد ذهبوا إلى أنّه أيّة مسألة ترتبط بالإلهيات تدخل في علم الكلام.
وما يعنينا في هذا التعريف الإشارة إلى المسألتين التاليتين:
المسألة الأولى: ما هو منظور التعريف من الأدلة والحجج؟ أي من أي المقولات تنبع أدلة إثبات العقائد الدينية؟ فهل تنتمي إلى صنف المقولات العلمية والعقلية؟ أم يجب الاستفادة من الكشف والشهود في الإثبات؟ أمّ أنّها تعدّ من صنف المنقول مثل الكتاب والسنة والإجماع؟ للإجابة عن هذه الأسئلة التي تتّسم بأهمية بالغة، علينا أن نستعرض الأصول الأساس للعقيدة الدينية التي تتثمل بالأركان التالية:
1 ـ ضرورة الدين؛ التي يمكن إثباتها بما تنطوي عليه الحياة نفسها من غاية، والنزوع الداخلي الأصيل، والهيمنة العميقة على عالم الوجود.
2 ـ يتّسم الوجود ونظام الخَلَقة والتكوين بهندسة دقيقة تنتهي إلى خالق عالم قادرٍ فياض مطلق، هو الله الواحد، بكل ما له من صفات كاملة جمالية وجلالية.)وهذا الاصل يعرف بالتوحيد)
3 ـ ثمة للإنسان وسائط ارتباط بعالم ما و راء الطبيعة، لا يمكنه من دونها أن يمارس حياة معقولة، بل لا يكون من دونها ثمة معنى وتفسير منطقي لحياته أصلاً.
وهذه الوسائط تتمثّل بالأنبياء والرُّسل والأوصياء، يتبعهم الحكماء الحقيقيون الذين يوضحون للبشرية باستمرار خط التكامل. وهذا الأصل يشير إلى «النبوة».
4 ـ إنّ الأصل الأوّل الذي يقضي بالاعتقاد الضروري بوجود هدف للحياة يستلزم وجود هذا الأصل الرابع الماثل في زوال الحُجب وانكشاف الأستار، حيث يُواجه الإنسان في نهاية المطاف الحقائق الواقعية كما هي ويتحمل مسؤوليته كاملة ليبدأ عالم الأبدية. وهذا الأصل يُشار إليه في لغة الاصطلاح الديني بالمعاد.
5 ـ إنّ الله (سبحانه) جامع لكل الصفات الجمالية والجالية([754])، ومن جملتها: الحياة، العلم، القدرة، الحكمة، العدل.
6 ـ ضرورة أن تستند الحياة في حدّها المعقول إلى إمام مصدّق من جهة الغيب. وهذا الإمام هو من جملة وسائط الإنسان في الارتباط بعالم ما وراء الطبيعة. هذا الأصل يطلق عليه علم الكلام «الإمامة».
وبشكل عام يطلق على الاصول من (2ـ6) في لغة علم الكلام بأصول الدين.
أمّا إذا أردنا أن نعدّ الأصول الأولية للدين فهي أكثر من ذلك بكثير، وذلك نظير الأصول الأولية والضرورية التي تُشكل أسس الأحكام والحقوق والأخلاق الإسلامية وقواعدها. ومعيار احتساب أمر في عدّة الأصول يتمثل في أنّ عملية نفيه تستلزم نفي ما جاء به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعنوان الدين؛ أي أنّ نفي الأصل وإنكاره يستلزم نفي الدين وإنكاره.
المسألة الثانية: طالما كانت عقائد الإسلام في الأصول الخمسة تبتني على أساس الفطرة والعقل السليم، فلا يتعارض البحث فيها ـ عبر علم الكلام ـ مع الفلسفة والحكمة. وعلى نحوٍ خاص لا يمكن تصوّر التعارض بين منهجها البحثي الماثل في علم الكلام؛ والحكمة. لأنّ ما ذكرناه في تعريف الحكمة أو تحديد غايتها الماثلة في استكمال النفس الإنسانية لا يكون إلاّ بالاستناد إلى المعرفة والعلم كركيزتين. وهذان الرُكنان ينطوي عليهما قطعاً تعريف علم الكلام.
إنّ الوظيفة الحقيقية لعلم الكلام ليست نسج المصطلحات والمقولات التي يحذقها الحرفيون كما هو عليه حال بعض المشتغلين بالعلم من مفكري الشرق والغرب.
والسبب يعود إلى أنّ الكلام هو القسم الخاص من الحكمة في دائرة الإلهيات والعقائد الدينية الذي يستند إلى الواقعيات في الأمور التي ذكرناها آنفاً. أو لنقل: إنّ علم الكلام هو مثل الحكمة يهدف إلى معرفة حقائق الموجودات عبر اضطلاعه بالبحث في العقائد الأصلية التي تقع في صميم أولياته. في ضوء هذا نستطيع أن نقول إنّ علم الكلام هو في الواقع المنطق الخاص للأنبياء (عليهم السلام). وبهذا المعنى فهو لا يخالف العلم، والفلسفة بمعنى كونها مساراً لاستكمال النفس الإنسانية. ليس هذا وحسب، بل هو خلفية تعين على تنقية نَهجَي الفلسفة والحكمة من الخيالات والأوهام.
وبهذا تتبيّن لنا وحدة موضوع كلّ من الكلام والحكمة والفلسفة وهدفها.
وحين ندقق بتعريف الحكمة أو هدفها وغايتها، نحكم بيقين أنّ المتكلمين هم مجموعة من الحكماء، لهم آراء في أغلب مسائل الوجود، ولهم بحوثهم التحليلية.
صحيح أنّنا لا نقول: إنّ الخواجه نصير الدين الطوسي هو من فريق المتكلمين فقط، إلاّ أنّنا نجد مع ذلك أنّ كتابه «تجريد الاعتقاد» يشتمل على مسائل حكمية كلامية وفلسفية نظير أصول مباحث معرفة الوجود كالأمور العامة والمبادر المرسومة بالماهية، العلة والمعلول، الجواهر والأعراض، الأجسام أحكام الجواهر المجردة والأعراض. وكل هذه المباحث تُطرق بمنهج البحث العلمي والعقلي المحض.
ومِن البديهي أنّنا نعرف أنّ هذه المباحث التي تطرّق إليها المتكلم الطوسي هي المسائل التي تُبحث في الاتجاهات والمدارس الفلسفية والحكمية.
وبالنسبة للأشاعرة نجد أنّهم بحثوا مسألة الجزء الذي لا يتجزأ (الجوهر الفرد) أو (الذرة) بالاصطلاح المعاصر التي تعدّ أصغر الأجزاء الداخلة في تشكيل الأجسام، وسلكوا المسار العلمي ـ بقواعده السائدة في عصرهم ـ والطرق العقلية المحضة.
ومن جهةٍ ثانية نجد أنّ المعتزلة توفروا على بحث عقائدهم كما فعل أبو رشيد سعيد بن محمد النيسابوري في كتاب «المسائل في الاختلاف بين البصريين والبغداديين» وقد تُرجم الجزء المتعلق منه بالذرات وطُبع في «ليون» سنة 1903. وكذلك توفرت كتب أخر على ذلك نظير: «البحر الزخّار» لابن المرتضى، و«المواقف» للآيجي، و«الانتصار» لأبي الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط.
وحصل الشيء نفسه في كُتب: «مقالات الإسلاميين» لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، و«التمهيد» لأبي بكر الباقلاني، و«عقيدة السلف» لأبي إسحاق الشيرازي وغيرهم ممّن توفر على بيان عقائدهم وشرحها.
وحين نعود إلى كتاب: «مذهب الذرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهند» من تأليف د. س. بنيس، وحين نراجع فلسفة محمد بن زكريا الرازي، فإنّ أكثر ما يلفت نظرنا نقطة على غاية من الأهمية تتمثل بأنّ القواعد والمسائل والمباني التي يقوم عليها البحث هي مسائل فلسفية وحكمية محضة مع الإشارة أحياناً إلى المصادر الدينية وبالعكس. نستخلص ممّا مرّ أنّ الفلاسفة والحكماء يطرحون في إطار منظوماتهم الفلسفية المسائل العقائدية بشكل جادٍ وعميق. فابن سينا مثلاً توفر على بحث الإلهيات بشكل رفيع في العرفان النظري والعملي في النمط: 8ـ9ـ10 من الإشارات والتنبيهات. وتوفر أيضاً على بحث الأصول الكلية التي ترتبط بالمبدأ والمعاد والنبوة والشرائع في «الشفاء» من خلال رؤية تعتمد أصول الفلسفة والحكمة. أمّا صدر المتألهين الشيرازي الفيلسوف الكبير فقد توفر في كتابة «الأسفار» وكتبه الأخر، على بحث الإلهيات والعقائد الدينية من دون أن يفصلها عن سياق البحث الفلسفي وأصوله، وإنّما وَردَ البحث العقائدي عبر الفلسفة ومن خلالها.
مدخل إلى علم الكلام الجديد
كتب الأستاذ محمد مجتهد شبستري بحثاً بعنوان: مدخل إلى علم الكلام الجديد، قدّم له الشيخ عبد الجبار الرفاعي بمقدمة نذكرها أوّلاً ثمّ ننشر بعدها البحث.
علم الكلام من العلوم التي نشأت في المحيط الإسلامي بهدف بيان المفاهيم العقائدية، والبرهنة عليها، والدفاع عنها. وتمثلت بدايات هذا العلم بمجموعة مفاهيم وأفكار، غالباً ما جاءت كإجابات على استفهامات تتصل بمسألة القضاء الإلهي، وإرادة الإنسان، وأفعاله. ثمّ تطوّر بالتدريج البحث في هذه المسألة، وتشعّبت منها وأُضيفت إليها مسائل أخرى، وظلّت تتوالد البحوث العقائدية باستمرار تبعاً لاتساع رقعة العالم الإسلامي وقتئذٍ، ودخول جماعات وأقوام كانت تنتمي إلى أديان ومذاهب أخرى، ولم يتحرر وعيها بشكل تام من ترسبات عقائدها الماضية، مضافاً إلى تعاطي المسلمين فيما بعد للمنطق الأرسطي والموروث العقلي لمدرسة أثينا والإسكندرية، وتوظيفه كأداة منهجية في بناء علم الكلام وتطويره. وما واكب ذلك من تنامي الجدل السياسي حول مشروعية سلوك الخلفاء وممارساتهم الجائرة، وظهور جماعة من أهل العلم تسوِّغ تلك الممارسات، عبر صياغة مفاهيم عقائدية تمنحها المشروعية، وتجعلها في مصاف الفعل الإلهي الذي لا يجد الإنسان أمامه سوى الإذعان والتسليم.
كلّ ذلك أدّى إلى اتّساع علم الكلام وامتداده أفقياً ورأسياً، حتّى صار هذا العلم من أكثر العلوم الإسلامية تداولاً، بعد أن انخرط في تعاطي مسائله جماعات عديدة من الناس، ولم يقتصر على أهل الفن خاصة، وإنّما أضحت مفاهيمه تشغل شريحة واسعة من المجتمع، فالتبس فهمها وتناقضت الاجتهادات في تفسيرها وتحديد مدلولاتها.
وتعرّضت الأمة إلى انقسامات شتى أثر تنوّع التفسيرات وتعدّد المواقف إزاء هذه المفاهيم. وأدّى ذلك إلى تغلغل بعض العناصر في بنيته الأساسية، التي أعاقت نموّه، ووجهته وجهة نظرية تجريدية، استهلكت طاقة العقل الإسلامي في سجالات بعيدة عن حياته ومصيره، وفُرغت عقيدة التوحيد من مضمونها العملي، واستحالت مساحة منها إلى مفاهيم ذهنية محنطة لا صلة لها بمتطلبات المجتمع وهمومه. وقد اصطبغ مسار التفكير الإسلامي أثر ذلك بمشكلات مزمنة لم يتحرر منها إلى اليوم.
ومنذ أكثر من مائة عام انطلقت صيحات في العالم الإسلامي تدعو إلى إصلاح علم الكلام وتوظيف العقيدة في الصراع الذي تخوضه الأمة مع المشكلات الجديدة التي تفشت بين المسلمين، بعد تعرفهم على الفكر الغربي وما يموج به من تيارات واستفهامات لم يعرفها العقل المسلم من قبل.
وتبلورت هذه الصيحات في كتابات تدعو إلى تحديث علم أصول الدين، وإعادة بناء منهج التفكير الكلامي، وبمرور الأيام تطوّرت هذه الكتابات وازداد عددها، بعد أن ساهم فيها أبرز أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث.
وتجلت أبعاد صورة جديدة لعلم أصول الدين، اصطُلح عليها «علم الكلام الجديد» في العديد من المؤلفات والبحوث المتأخرة، ووسم المهتمون بدراسة الاتجاهات الحديثة في دراسة أصول الدين المحاولات التي ترمي إلى تحديث التفكير العقائدي بأنّها «علم كلام جديد».
وقد ألّف العالم الهندي شبلي النعماني المتوفى سنة 1332هـ كتاباً أطلق عليه «علم الكلام الجديد»، ونقل هذا الكتاب محمد تقي فخر داعي گيلاني إلى الفارسية وطبعه في طهران سنة 1329هـ بنفس العنوان. غير أنّا لا نستطيع أن نجزم بأنّ شبلي النعماني هو أوّل من نحت هذا المصطلح، وجعله عنواناً للاتجاه الحديث في إعادة بناء علم أصول الدين.
أمّا البواكير الأولى لذلك الاتجاه، وبواعثه، ورواده، فيمكن التعرف عليها عبر العودة إلى بعض المؤلفات العقائدية. فمثلاً تعتبر رسالة «الرد على الدهريين» للسيد جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني أوّل بحث تتجلّى فيه سمات أولية لتحديث الفكر العقائدي، وإقحامه في العصر واستفهاماته. وتبدو سمات التحديث بصورة أجلى في محاولة تلميذه محمد عبده في «رسالة التوحيد». فإنّ الأخير كان يرى أنّ تغيير الأنفس لا بد أن يسبقه إصلاح علم الكلام، ولذا لم يأتِ كتابه «رسالة التوحيد» استئنافاً للجهود الكلامية السالفة، وإنّما كان محاولة تهدف إلى استكشاف الفاعليات المختلفة التي يختزنها التوحيد.
ولم يمض أكثر من ربع قرن على محاولتي السيد جمال الدين وتلميذه محمد عبده حتّى قدّم محمد إقبال مشروعاً مبتكراً لـ «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، وطرحه للمرّة الأولى من خلال ست محاضرات ألقاها في مدارس سنة 1928م، وأكملها في إله آباد وعليگره بالهند، ثمّ صدرت في كتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، والذي كان من أبرز المؤلفات التي أنجزها العقل المسلم في المائة سنة الأخيرة، حتّى وصفه أحد الباحثين الغربيين بأنّه «أوّل محاولة تامة لإعادة بناء اللاهوت الإسلامي».
ثمّ أعقبت محاولة إقبال جهود واسعة أنجزها السيد محمد حسين الطباطبائي وتلميذه الشهيد الشيخ مرتضى المطهري والسيد الشهيد محمد باقر الصدر وغيرهم، وامتازت هذه الجهود بأصالتها وعمقها وتجاوزها لمحاولات السيد جمال الدين وتلميذه محمد عبده، بل ومحاولة محمد إقبال أيضاً؛ لأنّها استطاعت أن تعيد بناء علم الكلام، عبر إعادة النظر في مناهجه، ومبادئه، ومسائله، وموضوعه، وحقله الخاص.
ويمثل هذا البحث الذي نقدمه للقرّاء أحدث محاولة لتأصيل معالم ومرتكزات علم الكلام الجديد، يقدمها عالم دين ومثقف إسلامي مستنير، عُرف باهتمامه بدراسة علم الكلام والفلسفة، والمقارنات بين الأديان والمذاهب، كذلك اهتم برصد المناهج الجديدة في تحليل اللغة وتفسير النصوص، واكتسب خبرة واسعة بالعلوم الإنسانية المعاصرة، التي أعانه على استيعابها توفره على اللغة الألمانية، وإقامته لمدّة عشر سنوات في إدارة المركز الإسلامي في هامبورغ، بعد دراسته العلوم الإسلامية في حوزة (قم) بإيران.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأفكار الواردة في هذا البحث لم يزل معظمها افتراضات وملاحظات ورؤى في طور الصيرورة والتشكّل؛ وهي لم ترتق لمستوى المقولات أو النظريات، ولذلك ينبغي أن يبادر الباحثون من ذوي الاختصاص إلى مراجعتها، وتحليل مكوناتها، والتعرّف على مرجعياتها ومناهلها التي استقت منها.
عبد الجبار الرفاعي
المعرفة الدينية والمعرفة الإيمانية
سأحاول الإجابة عن سؤال مهمّ كثيراً ما يبتلى به الإنسان وهو: ما هي النسبة بين ما سمّاه أصحاب المنهج المعرفي بـ «المعرفة الدينية» وما يطلق عليه الإلهيون في المباحث المتعلقة بفهم الوحي اسم «المعرفة الإيمانيّة»([755])؟ فهل هذه المعرفة هي نفس تلك المعرفة أم أنّها تنفيها، وتحلّ محلّها، أم أنّ هاتين المعرفتين مستقلّتان عن بعضهما، وترتبطان بمجالين مختلفين، وأنّ أياً منهما لا يمكن أن يذهب ضحيّة للآخر؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن تجتمع حقانيّة وثبات المعرفة الإيمانيّة مع تحوّلاتها؟
أنا شخصياً أُؤيّد الإجابة الثالثة، وأرى أنّ الإلهيّين لا يستطيعون أن يضحّوا بما سمّوه بـ (المعرفة الإيمانيّة التي هي معرفة سابقة لصالح (المعرفة الدينيّة) التي هي أمرٌ تالٍ ولاحق، وفي الوقت نفسه فإنّني أؤمن بأنّ حقانيّة وثبات المعرفة الإيمانيّة يمكن جمعهما مع تحوّل هذه المعرفة.
وفي هذا المجال سأذكر أوّلاً الاختلافات الأساسيّة بين المعرفة الدينيّة لعلماء المعرفة، والمعرفة الإيمانيّة للإلهيّين، ثمّ أبيّن بعد ذلك كيفيّة الجمع بين الحقانيّة والثبات، وبين التحوّل في المعرفة الإيمانيّة.
طبقاً لرأي أصحاب المنهجية المعرفية، الذي يمثّل نظرة تالية صادرة من الخارج إلى تفكير علماء الدين وتحوّلات هذا التفكير، فإنّ المعرفة الدينية هي علم يحصل من خلال مراجعة علماء الدين للنصوص الدينيّة، وهذا العلم يتمتّع بهويّة جامعة وتأريخيّة، وهذه المعرفة تشتمل على جميع الآراء الحقّة والباطلة والصحيحة والمغلوطة ـ حسب رأي الإلهيّين ـ، وهي في حالة تحوّل دائم، وفي هذه المعرفة لا يمكن الحديث عن حقانيّة أو بطلان أيّ من الآراء الدينيّة، وبذلك فإنّ المعرفة الدينيّة لهؤلاء ليست إلاّ وصفاً، وبياناً، وتوصية في أفضل الأحوال، وهي ـ أساساً ـ عبارة عن بيان منطق تفكير علماء الدين، ومعرفة الأساليب فحسب.
أمّا «المعرفة الإيمانيّة» فتتعلّق بفهم الوحي، الذي يؤمن به الإلهيّون والذي أشير إليه في النصوص الدينيّة بتغيّرات من مثل «نور الإيمان»، و«البصيرة الداخليّة» و«الحكمة» و«العلم»، ويمثّل ـ أي الوحي ـ المضمون الرئيس للإيمان بالوحي، وبناء على هذا الادّعاء فإنّه يعتبر علماً منفصلاً تماماً، وهذه المعرفة هي معرفة سابقة لا لاحقة، وهي تعني نوعاً من المواجهة مع الواقع، وضرباً من انكشافه، وهي في الأصل والأساس تدرك بشكل فردي وشخصي لا جماعي وتأريخي، ففيها تصدق الحقانيّة والصواب فقط لا البطلان والخطأ، والمتعلّق بها هو أمر ثابت لا متحوّل، وهذه المعرفة تعتبر بالنسبة إلى الإنسان المؤمن حقيقية لا أمراً مفروضاً، فالإلهيّون يعتقدون أنّ مثل هذه المعرفة تحصل في مقام التعامل مع الكلام الإلهي (الوحي)، ومن الواضح أنّ هذه الحقيقة هي غير العلم بمعرفة الأساليب.
وحسب ما أرى، فإنّ الاختلافات بين هاتين المعرفتين جذريّة إلى درجة أنّ عالم الإلهيّات لا يستطيع مطلقاً أن يحلّ المعرفة الدينيّة محلّ المعرفة الإيمانيّة إلاّ إذا تنازل عن مكانة علم الإلهيّات.
والآن وبعد أن تمّت المحافظة على منزلة الإلهيّات أي على أصالة المعرفة الإيمانيّة يتبادر إلى الأذهان السؤال التالي وهو: كيف يمكن الجمع بين ادّعاء حقانيّة وصواب وثبات المعرفة الإيمانيّة، التي تتحصّل من خلال التعامل مع الكلام الإلهي، وبين تحوّلاتها التي يهتمّ بها علم المعرفة؟ الحقيقة أنّ عدداً من الإلهيّين المسلمين جمعوا بين هذين الموضوعين، وأنّ ما يجب أن نفعله هو الكشف عن أصول وآليّة هذا الجمع.
ورغم أنّ هؤلاء العلماء الإلهيّين الكبار عدّوا بعضاً من الاستنتاجات الدينيّة المستندة إلى الكتاب والسنّة مغلوطة، ولكنّهم كانوا يعتقدون بوجود معرفة صائبة نابعة من الوحي إجمالاً مع اختلاف المراتب، ودرجة الخلوص وعدمه في جميع التعاملات المختلفة للمتكلّمين والفلاسفة والعرفاء مع الوحي المحمّدي رغم تنوّع الآراء، واختلاف تعبيراتهم، فهم يرون أنّ اختلاف آراء وتعبيرات هذه الفرق لا تضرّ بحقانيّة وصواب وثبات المعرفة في الجملة، فهي سارية فيها جميعاً([756]).
ويمكننا إيضاح أصول وآليّة الجمع بين الحقانيّة، والثبات والتحوّل في المعرفة الإيمانيّة من خلال بيان عدد من الموضوعات:
1 ـ إنّ لفظة «الحقيقة» تستعمل بشكل رئيس في ثلاثة معانٍ مختلفة:
أ ـ الحكم المطابق للواقع.
ب ـ حقيقة شيء ما مثل حقيقة الحياة، وحقيقة الفنّ.
ج ـ الحقيقة المطلقة والنهائية التي تعني أساس ومبدأ جميع الوجود وهو الله ـ عزّ وجلّ ـ.
2 ـ إنّ طرف ومتعلّق معرفة المؤمنين من خلال التعامل مع الوحي عبارة عن الكلام الإلهيّ، ولأنّ الله هو المطلق، والنهائي الذي لا يمكن الإحاطة به، وبسبب هذه المواصفات فإنّ هذا الكلام ثابت، ومنزّه من أيّ تحوّل([757]).
3 ـ إنّ المعرفة الحاصلة من التعامل مع الكلام الإلهيّ هي الحقيقة أيضاً بمعناها المنطقيّ أي المعرفة المطابقة للواقع، والمطابقة لمحتوى الكلام الإلهيّ.
4 ـ ولكنّ هذه المطابقة هي في الإجمال وليست بالكلية أي أنّ الإنسان لا يستطيع الوصول إلى المعرفة الحقيقية الكاملة لكلام الله تعالى، ولا يحيط علماً بكلام الله بل يقترب من أبعاد معيّنة منه، ويعقد العلاقة معه طبقاً لمحدوديّاته وقيوده البشريّة، فالكلام الإلهيّ يحتوي دائماً على أبعاد أخرى لا تحصى، ولم توضع تحت تصرّف صاحب المعرفة في معرفة معيّنة([758])، وفي الحقيقة فإنّ هذا هو معنى كون معرفة الإنسان للكلام الإلهي هي معرفة مجملة.
5 ـ إنّ هذه المعرفة بإمكانها دائماً وفي الجملة أن تتحوّل على شكل جهاز للتفكير في شخص ما أو بين عدّة أشخاص في مرحلة التفسير أي مرحلة صياغة (الإلهيّات)، وعندما تتّضح أبعاد جديدة من الحقيقة المطلقة للكلام الإلهيّ للأشخاص المؤمنين، فإنّ تلك المعرفة السابقة تهتزّ عندما تخضع للشرح والتفسير، ويطرأ عليها التحوّل، لتكتسب أبعاداً جديدة، وتتّسع، وتتعمّق أكثر، وتقتضي طرح معارف ومعلومات أخرى، وترتبط بمسائل ونواحٍ لم تكن مطروحة سابقاً، وهي ـ على أيّ حال ـ تكتسب مضموناً جديداً، ومن الممكن أن يكون عامل تحوّل هذا التفسير التحوّلات، التي تحدث في سائر علوم ومعارف الإنسان المؤمن([759])، ومن الممكن أن تكون هي التحوّلات الداخليّة للشخص نفسه، وفي هذا البحث فإنّ القضيّة المهمّة هي الاهتمام بإمكانيّة هذا التحوّل لا تعيين عامله.
6 ـ إنّ التحوّل الذي يطرأ على المعرفة الإيمانيّة من ناحية التفسير والشرح، لا يعني اتّضاح كذب التفسير السابق، ذلك لأنّ هذه التفسيرات هي أيضاً في الجملة لا بها، ومن المعلوم أنّ امرين هما في الجملة من الممكن أن يتلاءما، وبناء على ذلك فإنّ التفسير قبل التحوّل، والمعرفة بعده يهتمّان ـ في نفس الوقت الذي يعتبران فيهما مختلفين عن بعضهما ـ كلاهما بحقيقة مطلقة ونهائيّة (الكلام الإلهيّ)، وكلا هاتين الحقيقتين يحملان معنًى منطقياً أيضاً، ولكنّهما يمثّلان حقيقة في الجملة، والإيمان بحقيقتين متفاوتتين لا يستلزم التناقض، كما أنّه لا يستلزم نفي تجسّد المعرفة الإيمانيّة في الواقع والالتزام بنسبيّتها.
7 ـ وهكذا فإنّ هناك شيئاً واحداً يبقى ثابتاً دائماً في مسيرة تحوّل تفسيرات المعرفة الإيمانيّة، وهو عبارة عن التجسّد الإجماليّ لهذه المعرفة المتحوّلة في كلّ مرحلة في الواقع.
8 ـ إنّ افتراض تجسيد الواقع في المعارف والتفسيرات المختلفة لا يقتضي أن نعتبر كلّ نظرية «مجسّدة للواقع»، وأن نكفّ عن نقد الرؤى المختلفة للكلام الإلهيّ، ولا نتحدّث عن الصواب والخطأ، والحق والباطل، فهذه الادّعاءات باطلة كلّها، فسريان التجسد للواقع لا يشمل إلاّ التفسيرات، التي تستطيع الثبات أمام «النقد» في مقام إصدار الأحكام، وبناء على ذلك فإنّ الانتقادات المتعلقة بمقام إصدار الأحكام والذي يشكّل علم الإلهيّات تبقى على حالها باعتبارها «جهاز تفكير».
9 ـ إذا كان القصد من الشريعة مضمون الكلام الإلهي ـ وطبقاً للتحليل السابق ـ فإنّ المؤمنين يمتلكون دائماً وبشكل إجماليّ الشريعة، ومن المعلوم أنّ الشريعة ليست صامتة.
إنّ قضيّة الجمع بين الثبات والتحوّل في المعرفة الإيمانيّة ليست قضيّة جديدة، فعلماؤنا السابقون كانوا يهتمّون بهذه المسألة اهتماماً كاملاً، وما هو جديد في هذا المجال ظهور علوم ومعارف جديدة في القرون الأخيرة، والتي تستلزم إيجاد تحوّلات جديدة في معرفتنا الإيمانيّة، إلاّ أنّ تفكيرنا الديني التقليدي لم يهتمّ بها للأسف.
لقد تحدّثنا عن «المعرفة الإيمانيّة» الحاصلة من التعامل مع الوحي، وبناء على الأسس، التي يؤمن بها الإلهيّون، فقد اعتبرناها غير المعرفة الدينية لأصحاب المنهجية المعرفية، ويشيع الآن السؤال التالي: ما هي هذه المعرفة الإيمانية، التي تمثّل أساس الإلهيات المؤمنة بالوحي في جميع الأديان؟ وكيف وبأي لسان يمكن الحديث عن أصالتها إزاء المذاهب الفلسفية العلمية المنتشرة اليوم؟ وكيف يمكن الحيلولة دون تحوّل الإلهيات إلى مجرّد معرفة للأساليب؟ إنّ هذه التساؤلات تمثّل أهم القضايا والمشاكل، التي يواجهها الإلهيون في القرون الأخيرة، والإلهيون المسلمون عليهم أن يواجهوا هذه القضية بشكل جدّي.
وهناك عدد من المفكرين في مجال الدين يتحدثون عن الإلهيات بشكل بحيث يبدو أنّ ليس هناك من حلّ سوى هذا التحويل، وهناك فريق آخر يرى أنّ هذا التحول يهدّد أساس الديانة الإلهية بالانهيار، وأنّه من الواجب المحافظة على أصالة المعرفة الإيمانية.
إنّ ما استهدفناه هنا هو الحيلولة دون الخلط بين مصطلحين مختلفين، وإلقاء نظرة جديدة إلى معنى المعرفة الإيمانية في تراثنا الديني السابق، والجمع بين الثبات والتحوّل فيها.
ثانياً: لماذا يجب نقد الفكر الديني؟
ربما كان العنوان مثيراً لدهشة البعض، ودافعاً إيّاهم إلى التساؤل: وهل يمكن نقد الفكر الديني أيضاً؟ وقبل الولوج في البحث ينبغي أن أذكّر بأنّ هذه الدهشة ناتجة عن عدم فهم معنى النقد، من جهة، والمساواة بين الفكر الديني السائد في أي عصر، والدين الإلهي، من جهة أخرى.
سنوضح ـ في سياق هذا البحث ـ أنّه لا النقد يعني السّباب والشتائم وتسقّط الهفوات، ولا الفكر الديني السائد في أي مجتمع وفي أي عصر يماثل الدين الإلهي، وفي نهاية المطاف سنثبت أنّنا نحاول قبل كل شيء الحصول على فائدة دينية من وراء نقد الفكر الديني.
1 ـ ما معنى النقد؟
إنّه يعني دراسة الجوانب المختلفة لأية دعوى أو أية فكرة، وأيضاً دراسة زواياها وتفاصيلها المختلفة، للوقوف على مدى كونها، أو كون بعض جوانبها، منطقية ومقبولة، ومدى كون الجوانب الأخرى غير منطقية ومرفوضة. لذلك فإنّ الإنسان يمتنع عن النقد ـ في الواقع ـ حينما يتقبّل فكرة أو كلاماً أو دعوى ببساطة، وبدون أن يسبر غورها، أو يتحرّى العناصر التي تكوّنها، والأسباب التي أدّت إلى نشوئها.
وعلى ذلك، فالنقد ينتج ـ دائماً ـ عن موقف متّخذ، موقف يشعر الناقد بالوفاء له والالتزام به، وليس هناك نقد محايد مطلقاً، لأنّه يتضمن حكماً وقضاءً ولا يمكن لهذا الأخير أن يكون محايداً [لأنّه يتأثر بالمواقف المسبقة لمن يمارس عملية الحكم والقضاء]، وكلّ من هذه الجوانب الخاصة بالنقد لا يتنافى ومنطقيته وعقلانيته، وهي لا تعتبر نقطة ضعف أو خلل فيه، وإذا كان ثمة خلل، فهو فينا نحن البشر، ذلك لأنّنا كائنات محدودة، زمانية ومكانية، ونسبية تبدأ أية حركة فكرية لها من موقف وزاوية خاصة.
2 ـ ماذا نعني بمصطلح الفكر الديني؟
الفكر الديني يختلف عن القضايا العلمية والفلسفية، وهو يشمل كل وجود الإنسان المتديّن، ويؤثر فيه على الدوام، ويطلعه على مصيره. وربما أيقن الإنسان بعشرات القضايا العلمية والفلسفية، ولكنّه يظل غير مكترث بها، في حين أنّ إيمانه بوجود الله، لا يسمح له بمثل تلك اللامبالاة، أي أنّ الفكر الديني يتضمّن شيئاً يتجاوز التصوّر والتصديق المنطقي بكثير، فعلى سبيل المثال، إذا آمن الإنسان بوجود الله، فإنّ إيمانه هذا يعني أنّه لا معنى ولا إمكانية لوجوده بدون الله، إذن فقول الإنسان المؤمن: إنّ الله موجود، يتعدّى البُعد الإخباري، إلى كونه قضية تمنح وجود الإنسان والكون معنى وقيمة وعمقاً. على ذلك فالفكر الديني هو «إيمان» المؤمنين، أي تصوراتهم وتصديقاتهم وتلك الأفكار والعقائد الممتزجة مع المشاعر والأحاسيس الإنسانية الجياشة (وفي الواقع إنّ قضية امتزاج المشاعر والأحاسيس مع الأفكار والآراء، حتّى في مجال القضايا العلمية والفلسفية، موضوع جلب اهتمام عدد من الفلاسفة). من هنا، يتّضح أنّ الفكر الديني يخصّ ـ دائماً ـ إنساناً أو مجتمعاً معيّناً في عصر معين، ولهذا فالفكر الديني يختلف عمّا أنزله الله تعالى على قلب النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) (أي الوحي)، ويتّضح من خلال مطالعة تاريخ علم الكلام والفلسفة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية أنّ المسلمين كانوا يفرّقون ويميّزون على الدوام بين الوحي الذي نزل على الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وأفكارهم وآرائهم الفلسفية والكلامية، وكانوا لا يعتبرون تحوّلات الفلسفة والكلام تحوّلات في الوحي النبوي.
3 ـ كيف يمكن نقد الفكر الديني، وما هي أنواع وخصائص هذا النقد؟
إنّ هذا النقد يمكن أن يكون أحياناً من الخارج، وأحياناً أخرى من الداخل، وهناك فارق بين النقدين، فالنقد الخارجي هو نقد غير إيماني، أو يمكن القول على الأقل: إنّ الناقد لا ينطلق من منطلق إيماني حينما يمارس مثل هذا النقد، وعليه، فإنّ الانتقادات التي وجهها «فويرباخ» و«كارل ماركس» و«سيجموند فرويد» و«جان بول سارتر» إلى الفكر الديني، كانت جميعاً انتقادات خارجية ومفرغة من الإيمان ـ بل إنّها كانت تنطلق من مواقع معادية للإيمان. لقد أنكر فويرباخ في كتابه المعروف «جوهر المسيحية» الأصل الرباني للديانة المسيحية وألغاها من الأساس، فقد انتقد جميع العناصر الإيمانية المؤلفة للمسيحية، وزعم أنّ لهذه العناصر جميعاً مناشئ إنسانية، وادّعى أنّ كلّ ما تضمّنته المسيحية من صفات إلهية إنّما هي صفات الإنسان نفسه، الذي حلّق في سماء الأماني والخيال، و«خلق» إله المسيحية!!
إنّ هذا الكتاب لهو نموذج واضح لنقد الفكر الديني من الخارج، وقد فنّد العلماء والمفكرون في العالم المسيحي كل مزاعمه.
كذلك انتقد كارل ماركس الدين نقداً خارجياً منطلقاً من موقع مضاد للإيمان، فقد كان يدّعي أنّ الدين هو جزء من الإيديولوجيا المزيّفة، التي تظهر عادة في المجتمعات الطبقية!!
أمّا القسم الثاني من نقد الفكر الديني، فهو الذي ينطلق من داخل الفكر الديني ومن موقع الإيمان، وهذا النقد يستهدف خير الفكر الديني، لا تدميره واجتثاث جذوره كما يفعل الناقدون الخارجيون. ولا يمكن لناقد الفكر الديني من موقع الإيمان أن ينتقده كعالم اجتماع أو فيلسوف أو باحث نفساني، بل هو ينتقده من موقع الإيمان فحسب، مثلما فعل المصلحون الدينيون على مرّ التاريخ، لذلك فلا ينبغي الخلط بين النقدين الإيماني وغير الإيماني، الداخلي والخارجي، إذ أنّ النقد الإيماني ينطلق من موقع الحرص على الحقيقة النهائية، هذا الحرص الذي تفتقر إليه الفلسفة المعاصرة التي تكتفي بالتشكيك.
والمسألة الأخرى: أنّ نقد الفكر الديني من الداخل ينبغي أن يقوم على أساس محور «التوحيد» الذي هو أساس الإيمان الإسلامي، مع العلم أنّ الفكر التوحيدي أصيب بالتحجّر طيلة العصور، وهذا التحجّر يتضمّن ـ فيما يخصّ الفكر الإسلامي ـ ترسّب الأخطاء الفكرية والمشاعر والأحاسيس اللامعقولة، والمصالح الفئوية والطبقية، والتقاليد والعادات الخاطئة وغيرها، وتكلّسها حول الفكر التوحيدي، وشلّه في نهاية المطاف. إنّ الفكر التوحيدي هو العلاقة الإيمانية بين الإنسان وخالقه، وفي الواقع إنّ السلوك الإيماني عمل دقيق للغاية يستلزم يقظة دائمة.
فالدين ظاهرة ذات بُعدين، يوجد أحد بُعديها في هذا العالم، والآخر في العالم الآخر، وحينما يأتي الدين من العالم العلوي إلى العالم السفلي، فإنّ نواقص وظلمات هذا العالم تشوبه، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، كما أنّ رسالات الأنبياء كانت تستهدف إزالة هذه الشوائب، وعرض حقيقة الحياة التوحيدية. وهذه الرسالات كانت ـ في الواقع ـ نقداً نبوياً للفكر الديني الرسمي في المجتمعات المختلفة.
وقد أراد المصلحون الدينيون الصادقون ممارسة هذا العمل نفسه، وبناءً على ذلك، فإنّ إعادة العافية إلى الفكر الديني التوحيدي تتوقف على نقده نقداً إيمانياً وداخلياً. إنّ دراسة ونقد الأفكار الدينية لأي مجتمع، وبيان نوعية التفكير الديني الذي يلتزم به المجتمع، وحقيقة الأفكار السائدة والحاكمة باسم الله والدين، هي كلها مفيدة للدين والتدين، وفيها مصلحتهما قبل كل شيء، وإلاّ فماذا فعل علماء الكلام والفلسفة الإسلاميون في السابق، غير ما ذكرناه؟ وإذا كان التفكير الديني أمراً منتهياً، وإذا كان ما قيل وكتب وتعلّمه الجميع مساوياً للدين الإلهي، فلماذا ألّف علماء الفلسفة والكلام كل تلك الكتب المختلفة بمختلف وجهات النظر طيلة أربعة عشر قرناً؟
لقد جاء المتكلمون في البداية وطرحوا أفكاراً دينية واسعة النطاق، ثمّ رفض الفلاسفة المسلمون التفكير الديني للمتكلمين وانتقدوه، من قبيل رفض الفلاسفة البرهان الذي ساقه المتكلمون لتأييد رأيهم حول الحدوث والقدم، وتأكيد أولئك الفلاسفة على عدم إمكانية إثبات وجود الله عن طريق هذا البرهان، وإحلالهم برهان الوجوب والإمكان محله، وكل ذلك هو في الواقع نقد للفكر الديني.
إنّنا ورثنا اليوم ـ في مجال الفكر الديني ـ تراثاً صنعه نقد المتكلمين والفلاسفة، ونحن مسرورون لذلك، لأنّ تراثنا الديني صنع بهذه السعة والأبعاد المختلفة، مما يتيح لنا فرصاً كبيرة للبحث والاختيار. لقد أصبح تراثنا الديني من خلال ذلك النقد محيطاً متلاطماً، وليس بحيرة ضحلة ومحدودة. إنّ تراثنا الديني لم يصبح بهذا الاتساع والغنى وكثرة الأبعاد لو لم يتم نقد التفكير الديني على مدى التاريخ في أجواء منفتحة لا تحدّ منها سلطة دينية رسمية.
تبقى قضية أخرى، وهي: هل يمكن توجيه نقد الفكر الديني من الداخل، بدون الاهتمام بأقوال نقّاد الدين الخارجيين؟ كلا! ذلك لأنّ الإنسان المؤمن حينما يريد تعريف إيمانه في أي عصر، فإنّه يتعين عليه أن يأخذ جميع أبعاد المعرفة البشرية بنظر الاعتبار في سياق هذا التعريف. لا نريد القول: إنّ كلّ المعارف البشرية مجموعة واحدة ذات حركة واحدة، بل نريد القول: إنّه إذا أراد الإنسان أن يجعل من تجربته الإيمانية شيئاً معقولاً ومفهوماً بالنسبة له، فعليه أن يمارس هذا العمل بشكل لا يحصل فيه تناقض مع العلم والفلسفة، وفي مثل هذه الحال عليه أن يهتم بما يطرحه العلم والفلسفة. إنّ الانتقادات الخارجية للدين تأتي من منطلق العلم والفلسفة، لذلك ينبغي الإصغاء إليها لنرى ماذا يقولون. وقد أشارت التجارب إلى أنّ ما يطرح في الانتقادات الخارجية كثيراً ما ينفع في مجال تنقية الفكر الديني وإثرائه.
ومن جهة أخرى، يتصوّر أحياناً أنّ نقد الفكر الديني يتنافى مع المبادئ والأصول الإيمانية وقدسية حامليها، وهنا ينبغي التأكيد أنّ النقد الداخلي للفكر الديني ليس فيه مثل هذه النتائج، ولإيضاح ذلك، نحاول هنا تبيان مفهوم الإيمان، فالإيمان، في هذا السياق الذي نتحدث عنه ـ هو خيار مصيري، أي أنّ ثمة إنساناً يقف على مفترق طريقين، وعليه أن يختار نوعية حياته، فماذا يختار؟ إنّ هذا الإيمان المصيري يختلف عن تلك الطقوس والتقاليد التي يطلق عليها اسم التديّن، وهو يطرح بوعي عندما يخرج الإنسان من تضاعيف العوامل المذكورة، ويصل إلى وعي خاص يمكنه من اختيار ربّه إذا كان هذا هو معنى الإيمان، فإنّ المجتمع الذي يصبو إليه المؤمنون، هو الذي تتاح فيه فرص هذا الاختيار أو تجعله مستحيلاً. إنّ المجتمع المثالي المطلوب هو الذي يعرض فيه مفهوم الله، وتتم فيه الدعوة إليه بشكل صحيح، وعلى ذلك فنحن لا نتحدّث عن مجتمع تمّ تشكيله عبر طقوس وتقاليد ومظاهر وقوانين خاصة، ويسود فيه أسلوب تفكير واحد، لا يرى أهله ـ أي ذلك المجتمع ـ تقاليد وأعرافاً غيرها، وقد أغلقت أبصارهم وأسماعهم وحيل بينهم وبين الاختيار الذي لا يفهمون له معنى. إنّ أقرب المجتمعات إلى الصورة المثالية الموجودة في أذهان المؤمنين حول المجتمع هي التي تكثر فيها إمكانية الدعوة إلى الله، والتي تكون فيها هذه الدعوة بأكثر الأشكال معقولية وجذابية.
علاوة على ذلك، ينبغي أن ننتبه إلى أنّ هناك أقطاباً وعناصر كثيرة موجودة في المجتمعات المعاصرة، فقد أصبح العلم والفلسفة والحقوق والسياسة والفنون والآداب والصناعات والحرف أقطاباً ومؤسسات مستقلة، وهذه حقيقة لا يمكن تغييرها، فلقد تكاملت الأقطاب المذكورة وتحوّلت وتعقّدت ولا يمكن إنهاؤها، ويجب الإيقان بالحقيقة القائلة: إنّ هذه الأقطاب والمؤسسات المختلفة هي في الواقع منافسة للدين والتدين، ويجب الاعتراف رسمياً بها، وعلى المؤمنين أن يدركوا أنّهم يدعون إلى الله، ويعيشون في مجتمع توجد فيه أيضاً أقطاب أخرى.
إنّ على هؤلاء المؤمنين أن يسعوا إلى الدعوة إلى الله بأسلوب يتمتع بأقصى حدّ من الجذابية والمعقولية، لكي يأخذ مكانه إلى جانب كلام العلم والفلسفة والفنون، في مباراة جادة ومصيرية، ليس بهدف طرد الخصوم، بل نهدف إلى أن يستمع إلى نداء الدين أيضاً، من اعتادوا على سماع نداءات العلوم والفلسفات والفنون. على المؤمنين في العالم المعاصر توفير عوامل جذب الناس إلى العوالم الإلهية، وليس فقط تدمير عوامل الجذب غير الإلهية التي تشدّهم إليها عادةً.
إنّ كل ما سلف قوله، يقوم على أساس المبدأ القائل: إنّ حقيقة الإيمان هي خيار واعٍ، فلم تكن هناك ـ مثلاً ـ قيمة لمن آمنوا بالله ورسوله (صلّى الله عليه وآله) ـ بعد تحوّل المجتمع الإسلامي إلى سلطة سياسية واجتماعية ـ كقيمة أولئك الذين آمنوا بهما بوعي ويقظة داخلية منذ البداية بعيداً عن المصالح الاجتماعية والروابط القبلية.
ومثلما ينبغي أن يكون خيار الإيمان، خياراً واعياً، فإنّ استمرار الإيمان الحقيقي في أي مجتمع لا يكون ممكناً إلاّ إذا كان الإيمان بمنأى عن فقدان طبيعته وهويته المتمثلة بالاختيار الواعي، وذلك ما لا يتم إلاّ عبر اتباع المؤمنين والمتدينين لأسلوب منطقي ومتجدّد في التعامل مع أصحاب الثقافات الأخرى، مثلما تتجدّد الفلسفة والعلم وغيرها. وهذا الأمر لا يمكن بدون وجود تيار جدي لنقد الدين والتديّن والإيمان في المجتمع، ففي المجتمع الذي لا يوجّه فيه الانتقاد إلى الدين والتديّن والفكر الديني يفقد الإيمان مضامينه النقية، ويخرج من حالة الخيار الواعي، عبر اختلاط الأمور على الناس، وظهور الغرائز والمصالح البشرية وحبّ السلطة والجاه وكأنّها حصيلة للإيمان والتديّن، بحيث يتنازع الناس مع بعضهم ظانين أنّ هذه النزاعات هي لله، كما تسيطر المافيات والمجموعات اللامشروعة والمعادية للعدالة الاجتماعية والحرية، بعد أن تضفي على نفسها صبغة دينية، إلى الدرجة التي يقتنع فيها الناس بأنّ هذه المجموعات هي مجموعات وسلطات إلهية، وبالتالي ينشأ وضع فكري غير سليم، وعلاقات اجتماعية مبنية على التعسف والتسلط واستثمار القوي للضعيف، كل ذلك بزيّ وغطاء ديني وإيماني، ممّا يمكنه من الحلول محل الإيمان الصحيح، وإفراغ المجتمع من الإيمان النقي.
إنّ نقد الدين والإيمان والمؤسسات الدينية والمتدينين وعلماء الدين هو من الضرورات الملحّة في الحياة الإيمانيّة، وعلى المؤمنين أن يكونوا من مؤيدي وجود نقد الدين في المجتمع، وأن يسمحوا للآخرين بأن ينتقدوا معرفتهم وعملهم، لكي يصقل المؤمنون ـ على ضوء هذا النقد ـ معرفتهم ومشاعرهم وأعمالهم، ويجعلوها أكثر منطقية ونقاءً وصلاحاً.
والقضية الأخرى، هي أنّ ما يطرحه علماء الدين في المجتمع باسم الدين، هو بالطبع معرفة بشرية، ذلك لأنّ علماء الدين هم في المحصلة النهائية بشر يفهمون بمعايير بشرية دعوات الأنبياء والوحي، وعلى أية حال فإنّ قدسية هذه المعرفة تتأتّى من كونها معرفة بالله. وعلماء الدينخطاء الفكرية مقدّسون (أو موقرون) هم الآخرون في نظر المؤمنين، إذا كانت أقوالهم وأفعالهم قائمة على الإيمان النقي، وكانوا يدعون إلى هذا الإيمان ذاته، ولكن ما معنى القدسية في الحالين؟ معناها أنّ المؤمنين لا يحترمون العلوم الدنيوية كما يحترمون العلوم الدينية، غير أنّ المهم هو أنّ هذا الاحترام لعلوم الدين وعلمائه، الذي نطلق عليه مفردة القدسية اختياري كالإيمان تماماً، وينبغي أن يظل هكذا دائماً، أي أنّه لا يمكن فرضه على المؤمنين عبر البرامج السياسية والدعائية. وبالطبع فإنّ احترام علماء الدين والعلوم الدينية لا ينبغي أن يفهم منه أنّ المعارف، التي يعرضها علماء الدين باسم العلوم الدينية بعيدة دائماً عن الخطأ ولا ينبغي انتقادها، أو أنّه يمكن إغلاق باب الاجتهاد والإبقاء على فهم خاص معين للدين وتفضيله على الرؤى الأخرى. إنّ كل هذه الأساليب هي ترويج للتعسف في المجتمع الإيماني، ولا ينمو إيمان أو يستمر في ظل التعسّف والقوة، كما أنّ الأساليب المذكورة هي سدّ لباب الاجتهاد الحقيقي، وهي ليست في صالح العلوم الدينية والإيمان.
ينبغي أن تكون لدى المؤمنين دائماً إمكانية نقد وتقييم هذه القدسية، ونقد وتقييم علماء الدين وما يطرحونه باسم الدين، وتحديد مدى الصحة أو عدمها، ومدى إخلاص علماء الدين، ومدى كونهم خلاف ذلك، دون أن تتحول هذه التقييمات والانتقادات إلى نزاع سياسي ومشاجرات ذات تأثير سلبي على سلامة المجتمع دينياً وسياسياً.
إنّ على المؤمنين أيضاً أن يرحبوا بالنقد الخارجي والداخلي للفكر الديني، وأن يفسحوا المجال للعلماء والفلاسفة بانتقاد كل شيء دون خطوط حمراء؛ ذلك لأنّ إيمان المؤمن يصقل ويصبح أكثر معقولية وجذابية إزاء كثرة الانتقادات الموجهة إليه. وخلاصة القول: إنّ التصور القائل: إنّ الإنسان المؤمن بلغ الحقيقة، وصارت هذه الحقيقة بقضّها وقضيضها في راحة يده، وعلى الجميع أن يتبعوه ويقتفوا آثاره، ولا ينبغي لأحد أن ينتقده، ما هو إلاّ تصور ساذج أو أناني.
ثالثاً: نقد الفكر التقليدي
في علم الكلام الإسلامي
نحاول أن نجري تقييماً عاماً لعلم الكلام التقليدي في الإسلام، وسوف لا أتطرّق إلى إيضاح القضايا الكلامية الجديدة التي ظهرت الآن لعالم الكلام الواعي واليقظ في العصر الحاضر، بل إنّني سوف أحدّد المشكلة التي يواجهها الآن الفكر الكلامي في الإسلام، وكيفية حلّ هذه المشكلة.
في البدء من الضروري أن نسلّط الأضواء على موضوعين بشكل مختصر:
الموضوع الأول: هو أنّ المقصود من «النقد» هو تقويم الأساليب والبحوث الكلامية المتداولة بين علماء الكلام المسلمين، فيما يتعلق بالأسئلة المطروحة اليوم حول (الدين) و(التديّن) في العالم، فهل الفكر الكلامي التقليدي في الإسلام له القدرة على مواجهة هذه البحوث والقضايا أم لا؟
الموضوع الثاني: هو أنّ نقد الكلام أو الفلسفة الإسلامية لا يعني نقد الدين الإسلامي نفسه، فالأشخاص الذين يرون أنّ هذه الانتقادات تؤدي إلى تعريض الإسلام نفسه للنقد، إنّما هم على خطأ، فالإسلام ليس هو الكلام الإسلامي ولا الفلسفة الإسلامية، بل هو دين، وفي نطاق هذا الدين ظهر العرفان، والكلام، والفلسفة الإسلامية، ولذلك فإنّ نقد أي منها لا يعني نقد الدين نفسه.
وإذا ما أراد شخص أن ينقد ويقيّم ديناً باعتباره ظاهرة اجتماعية برزت في زمان و مكان معيّنين، وأوجدت أكمل العلاقات المعنوية والحياتية لجماعة ما، فإنّ عليه أن يستخدم أسلوباً آخر في النقد والتقييم.
ثلاث مهام:
1 ـ تبيين العقائد:
إنّ علم الكلام كانت تقع على عاتقه ثلاث مهام من جملتها أن يبيّن الأصول العقيدية والإيمانية للإسلام، ويحدّد أي نوع من الأصول هي، وقد ظهرت الحاجة إلى هذا الإيضاح عندما واجه المسلمون الأديان والفلسفات الدخيلة، ففي هذا النوع من المواجهات كانت تظهر الحاجة دائماً إلى رسم الحدود، فكان اتباع الأديان المختلفة يضطرّون إلى أن يعيّنوا بشكل دقيق الأصول العقائدية لأديانهم، وهذا التعيين للحدود يمتلك وجهين أحدهما داخلي، والآخر خارجي؛ فالوجه الداخلي يحدّد للمؤمنين معتقداتهم؛ في حين أنّ الوجه الخارجي يرينا ويحدّد لنا الفروقات بين هذه العقائد وعقائد اتباع الأديان الأخرى، وما هي العقائد التي لا يمكنهم قبولها، ومثل هذا التحديد الثنائي الجانب يجب أن يتمّ في صدد المواجهة، ففي هذا التحديد يجب أن يتم مرّة تشخيص ما في هذا الدين المعيّن، وما ليس فيه مرة أخرى، فهذه العملية تتطلّب النفي والإثبات معاً.
والحاجة إلى هذا التحديد تظهر عادة عندما توجب الضرورات أن يتحوّل الإيمان البسيط إلى (عقيدة)، وهذه مرحلة يمرّ بها دائماً أتباع الأديان، ففي بداية ظهور الدين يظهر الإيمان فقط، وفي هذه المرحلة يقوم المؤمنون ببيان إيمانهم على شكل مجموعة من الأصول العقيدية، فهم أتباع وسائرون ومنتمون ومحبّون يملأ نفوسهم الحماس، ويتحرّكون داخل تيار روحي يملأ وجودهم كلّه.
وفي اليهودية، والمسيحية، والإسلام، هذه الأديان النابعة من الموحي يتّضح هذا الموضوع بشكل كامل، فإذا ما درسنا تأريخ السنين الأولى لهذه الأديان فإنّنا سنرى أنّ ظاهرة جذب وانجذاب قد ظهرت في البدء فحسب، فقد ظهر أشخاص متحمّسون وسالكون ذابوا في العقيدة الإلهية إلى حدّ الذهول، وكان الإيمان هو المسيطر عليهم، ولكن ليس بحيث لا يمتلك هذا الإيمان المهيمن البُعد المعرفيّ، ولكنّ هذه المعرفة هي بحيث إنّ الإنسان المؤمن يبدو أنّه يصل إليها بكلّ وجوده لا بالعقل فقط.
وفي هذه المرحلة يفتقد الابتعاد عن موضوع الإيمان والتفكير فيه معناه، فضعف سيطرة الإيمان الذي يحيط بكلّ وجود المؤمنين يستغرق سنين طويلة، وحينئذٍ يفسح المجال لأن يفكّر المؤمنون في موضوع إيمانهم، وفي هذه المرحلة تدوّن (الإيمانيّات) على شكل أصول العقائد، ويظهر الحديث عن العقيدة، ويطرح السؤال التالي: بأيّ شيء نعتقد؟
وعندما حلّت هذه المرحلة بين المؤمنين بدأت عملية تدوين العقائد، وقد كان هذا التدوين في البدء مختصراً وإجمالياً، ففي ذلك العصر لم يكن مصطلح «علم الكلام» شائعاً، وبدلاً من ذلك كان تعبير «التفقّه» هو التعبير الشامل حول فهم ودراسة الدين بشكل عام، وهكذا فقد كان التفقّه يعني الدراسة والفهم الشاملين للدين، ولم يكن الفقه باعتباره علماً خاصاً يمتلك أسلوباً خاصاً وموضوعه أعمال المكلفين سوى قسم من ذلك التفقه.
إنّ سير تدوين أصول العقائد تقدّم بشكل تدريجي بين المسلمين، كما أنّ عملية رسم الحدود الداخلية والخارجية، التي أشرنا إليها فيما سبق أخذت مكانها أيضاً داخل الفكر الديني الإسلامي، وظهر التفريق بين أصول وفروع الدين، وبالتالي فقد اعتبرت أصولاً عقيدية معينة ذات تعاريف وحدود معينة وأركان الدين الإسلامي.
2 ـ إثبات العقائد:
وقد كانت هذه الحركة الفكرية للمتكلمين حركة من موقع الإثبات، وهذه الحركة تستند إلى هذه المقدمة وهي أنّ واجب الإنسان المؤمن عبارة عن تحصيل الأصول العقيدية المطابقة للواقع (أي العقائد الحقّة)، والاعتقاد بها، كما أنّ واجب المتكلم أن يفصل هذه العقائد الحقّة عن العقائد الباطلة التي لا تتطابق مع الواقع، ويثبت العقائد الحقّة، والمفروض في هذا المجال أنّ امتلاك هذه العقائد هو الطريق الوحيد للنجاة في الآخرة، فالشخص الذي يريد أن يحصل على هذه النجاة يجب أن يكون ممتلكاً لهذه العقائد، وقد كان عالم الكلام يقوم بعملية الكشف عنها، وتقديم الطريق إلى إثباتها.
3 ـ الإجابة عن الشبهات:
الواجب الثالث الذي كان علم الكلام يقوم به الإجابة: عن الشبهات التي كانت تاتي من خارج الدين، وعلى سبيل المثال فقد كانت هناك فئة تنكر نبوّة النبي (صلّى الله عليه وآله) فكانوا يثيرون الشُبه حولها، ولكنّ علماء الكلام كانوا يبادرون إلى الإجابة عن هذه الشبهات، وقد أثيرت حول القرآن الكريم بعض من هذه الشبهات أيضاً ناقشها المتكلمون وأجابوا عنها.
خصوصيتان رئيسيتان:
وعلى هذا فإنّ علم الكلام في الإسلام كان يقوم بثلاث مهمات، وإذا ما راجعنا الكتب المختصرة أو المفصّلة لعلم الكلام فإنّنا سنلاحظ أنّها قد ألّفت لأداء هذه الواجبات الثلاثة، فقد عيّنت في هذه الكتب أصول تحت عنوان «أصول العقائد»، ثمّ تكفّلت هذه الكتب بإثباتها أو إزالة الشبهات عنها، وهذه الهيكلية التي بيّنها تحتوي على خصوصيتين رئيسيتين.
-الخصيصة الاولى: أنّ الأسئلة المطروحة في علم الكلام الإسلامي هي أسئلة تأخذ بنظر الاعتبار الواقع من قبيل هل الله تعالى موجود أم لا، وكيف هو، وهل صفاته هي عين ذاته أم منفصلة عنها، وما هي النبوّة، وهل كان محمد (صلّى الله عليه وآله) نبيّأً؟ وما هو المعاد، وهل سيبعث ويحشر الناس؟ كلّ هذه الأسئلة متعلقة بالواقع، وهدف المؤمنين وعلماء الكلام من طرحها هو معرفة سلسلة من الأمور الواقعية حول الله، والمخلوقات، والإنسان ومصيره، والسبب في ذلك هو أنّه في ذلك العصر، الذي كان فيه علماء الكلام يسعون من أجل الحصول على العقائد الحقّة المسلّم بها والمتطابقة مع الواقع، كان المجال الفكري السائد على جميع نطاق التفكير، هو مجال البحث عن الحقيقة، والجزم، والمجال الذي كان فيه الناس يعتقدون أنّهم يصلون إلى مجموعة من الحقائق المطابقة مع الواقع بشكل دقيق.
وفي هذا الجوّ فإنّ الوصول إلى اليقين ليس ميسّراً فحسب، بل إنّ اليقين يعتبر ملاك التطابق مع الواقع، وفي هذا الجو فإنّ المعرفة التي يحصل عليها البشر لا تتوفر لهم من خارج مطالعاتهم، بلا إنّ المفترض أنّ المعرفة هي علاقة شفّافة بينهم وبين عالم الواقع، وحسب رأيهم فإنّ العلم هو عبارة عن الصورة الحاصلة للشيء لدى العقل، فتتركز جميع جهودهم على نيل الصورة المطابقة للواقع، وهذه الصورة تعود بدورها في نهاية المطاف إلى البديهيات، والبديهيات هي أمور لا مجال لمناقشتها، وفي هذا الجو من التفكير يعتبر انعدام اليقين، والشك أمرين استثنائيين، فالأصل الأوّل هو اليقين والقطع اللذان يجمعان بين إمكانية تصورهما، وسهولة الوصول إليهما.
وفي مثل هذا المجال يكتسب علم الكلام الإسلامي خصوصية أخرى وهي أن يبحث عن العقائد الحقّة المتطابقة مع الواقع تماماً، بحيث لا يتساءل أحد في ظلّ هذا الجوّ عن دور هذه الأصول الحقّة في الوقت الحاضر، وفي هذه الحياة الدنيا بالنسبة إليه، فالهدف هو الوصول إلى الحقائق، ويبدو أنّ اكتشاف الحقائق هو غاية ما يصبو إليه الإنسان، والعامل الوحيد لنجاته، وفي هذا الجو الفكري يسود الاعتقاد ـ كما قال أرسطو ـ إنّ تفكير الإنسان يبدأ من التعجّب، فالتعجّب هو الذي يدفع الإنسان باتجاه اكتشاف الواقع.
حاجة ناجمة عن التعجّب!
وكما يرى أرسطو فإنّنا نحن البشر نصاب بالتعجّب أوّلاً، ثم نفكّر بعد ذلك، فكلّ ظاهرة أو قضية نريد أن نعرفها، تثير فينا أوّلاً التعجّب، وتهزّنا. وسعينا من أجل المعرفة والإجابة هو حاجة ناجمة عن التعجّب، وقد كانت بنية علم الكلام في الإسلام متناسبة مع مثل هذا الجوّ، وقد أدّت دورها فيه بشكل جيّد، وعندما ندرس المجادلات الكلامية للأديان التي ظهرت في هذا الجو الفكري نرى أنّها جميعها تدور حول هذا المحور، فقد كانت المجادلة تدور حول تحديد المعتقدات المتطابقة مع الواقع، وعلى سبيل المثال ففي العالم المسيحي كان النقاش يدور حول أنّ المسيح (عليه السلام) هل عاش بطبيعتين إلهية وبشرية؟ وهل كانت حياته البشرية ذات طبيعة بشرية، وطابعه الإنقاذيّ ذا طبيعة إلهيّة؟ أمّ أنّه يمتلك طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية؟
إنّ هذه النقاشات الكلامية الساخنة، التي كانت شائعة بين المسيحيين كان تنظر إلى الواقع، وكأنّ الإنسان المسيحي لو أدرك أنّ المسيح كان يمتلك طبيعة واحدة أو طبيعتين ثم آمن بذلك واعتقد به فإنّ القضايا ستحلّ كلّها، وقد كان الموضوع على هذه الشاكلة أيضاً بين اليهود، والمسلمين، وسائر المتدينين في العالم.
دور العقل:
-الخصيصة الثانية: لعلم الكلام الإسلامي هي تصوّر إمكانية إثبات هذه القضايا الإيمانية عن طريق العقل، فهذه القضايا هي في ذلك الجو الفكري أمور يمكن إثباتها بالعقل، فالتوحيد، والنبوّة، والمعاد وما إلى ذلك يمكن إثباتها في ذلك الجو الفكري، فالأسلوب هو أسلوب الإثبات لا أسلوب العرض، والكلام، لا يدور حول عرض حقيقة بل حول إثبات حقيقة، وهذا الإثبات لا يقتصر على القضايا الدينية فقط، ففي الجوانب المعرفية الأخرى للبشرية يدور الكلام حول الإثبات، وهو لا ينحصر في العلوم الإلهية بل إنّ العلماء يتحرّون الإثبات في العلوم الطبيعية والفلسفة، فالقضية المطروحة هي ليست إيضاح نظرية، أو حلّ مشكلة على ضوئها.
وهكذا فإنّ علم الكلام الإسلامي أسّس على هاتين الميزتين، ونما على ضوئهما، ولكن الجو الفكري قد تغيّر في عصرنا، والقضية كلها تنبع من هذه الحقيقة، فالإنسان في القرون الأخيرة دخل مرحلة جديدة من التفكير، وقد أعطت هاتان الخصيصتان اللتان ميّزتا علم الكلام الإسلامي، مكانهما لخصائص أخرى، ففي هذا الجو الفكري الجديد فقد الجزم الفلسفي والعلمي، وأصبح الجري وراء اليقين بالشكل الذي كان يعمل به السابقون عديم الجدوى، فاستولت حالة انعدام الجزم على الفكر البشري في جميع المجالات.
لا يمكن تحديد النقد:
وفي القرون الأخيرة بدأت تظهر نقاشات معقّدة ومعمّقة حول المعرفة بحيث إنّ الإنسان أصبح يوجّه النقد إلى جميع أنواع معارفه، وإذا ما اطّلع الإنسان على ذهنه، ثم ابتعد عنه، ووجّه إليه الانتقاد فإنّ مشكلة كبيرة ستظهر، وهذه هي الحادثة التي وقعت في تأريخ الإنسانية، ولا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال أو التهرّب منها، فالنقد ليس مما يمكن تحديده بحدود معينة، وهناك البعض عندما يتناهى إلى سمعه هذا الكلام يبادر إلى استنتاج أنّ الحقيقة غير موجودة، ولكنّه في الحقيقة يستنتج استنتاجاً مغلوطاً بالكامل، فوجود الحقيقة يمثّل مسألة، وقدرة الإنسان على أن ينقد أي موضوع أو ادّعاء تمثّل مسألة أخرى، فليس من الصحيح أن نخلط بين هاتين المسألتين.
إنّ الإنسان في هذا الجوّ الفكري الجديد الذي نحن بصدد وصفه، يجد نفسه كائناً يجب عليه أن يفكّر على الدوام، ويضع على طاولة النقد القضايا، والنتاجات الفكرية التي حصل عليها، ويعيد النظر والتفكير فيها، ففي هذه المرحلة الجديدة يجرّب الإنسان نفسه كموجود من الواجب عليه أن يتحرّك دوماً دون أن يكون هناك أمامه أي هدف معين ومحدود، وكأنّ الإنسان يجمع بين كونه طريقاً، وسالكاً، وهدفاً، (وقد طرح هذا الموضوع في العرفان الإسلامي بمعنى إلهي في غاية الدقة والظرافة).
وفي هذا الجو الفكري الذي نحن بصدده فإنّ أسلوب الإثبات غير مطروح كما أنّه عديم الجدوى، فالإنسان لا يريد أن يثبت شيئاً بل يريد أن يحل مشكلة وقضية، فدور الإنسان هنا عبارة عن حلّ قضية لا إثباتها، فهناك قضايا كثيرة تواجه الإنسان دائماً وواجبه أن يحلّها، وبدلاً من النظرية القائلة: إنّ سلوك الإنسان يبدأ من الإعجاب، ثم ينهمك في تتبّع الظواهر ليصل إلى الأمور الواقعة، تطرح هذه النظرية وهي أنّ الإنسان يواجه دوماً تساؤلات، ويسعى بشكل مستمر لأن يعثر على إجابات عن تلك التساؤلات، وطبقاً لهذه النظرية يُعرّف الإنسان بأنّه «كائن يتساءل دائماً»، وفي مثل هذا الجو يفقد العالم صورة معينة كما أنّ الإنسان يفقد صورة معينة هو الآخر، فلا الفلسفة باستطاعتها أن تقدّم صورة ثابتة للعالم والإنسان ولا العلم، فالنظريات العلمية والفلسفية هي كلها في حالة تغيّر وتحوّل، وبناءً على ذلك فإنّ العلم والفلسفة المتغيرين والمتحولين كيف يكون بإمكانهما أن يقدّما صورة ثابتة عن العالم والإنسان؟!، وبالطبع ففي نفس الوقت الذي يفقد فيه الإنسان الجزم واليقين فإنّه يبذل قصارى جهده في سبيل أن يعثر على نقطة ارتكاز، ولكن نقطة الارتكاز هذه ما إن تكتشف، حتّى تتعرض بعد فترة إلى الانهيار، ورغم أنّ الإنسان يسعى دائماً من أجل أن يحول دون هذه الانهيارات ولكنّها تقع رغم ذلك.
هل يستطيع علم الكلام إنقاذ الإنسان؟
واليوم يريد المتدينون والمتكلمون أن يتحدّثوا في مثل هذا الجو، ومن المسلّم به أنّ علم الكلام ليس بمقدوره في مثل هذا الجو أن يحافظ على بنيته وخصائصه السابقة، لا يستطيع أن يحقق أهدافه السالفة، فما يطرح للإنسان في هذا الجو حول الدين والتدين أسئلة خاصة يعتبر محورها هذا السؤال الأساسي والرئيسي وهو: «ماذا يفعل الدين لي أنا الذي أفتقر إلى الرؤية والصورة؟»، فهل يمنحني الدين ويمنح العالم الصورة والمعنى، وأين يضعني في هذا العالم؟ إنّ القضية المهمة هي قضية الخروج من المتاهات، والإبهامات، ومشاعر القلق المفزعة، والاستناد إلى نقطة ما القضية… هي: كيف يأخذ الدين بيدي؟ فمشكلة الأخذ باليد هي المطروحة؛ ذلك لأن الإنسان قد أحاط علماً بوضعه، وهو يرى نفسه حاملاً لقضية، واليوم تطرح الأسئلة حول دور الدين بالدرجة الأولى، لا عن تطابق أو عدم تطابق الأسس والأصول الدينية مع الواقع.
الوجه الداخلي للإنسان:
إنّ القضية المهمة اليوم لم تعد أن يعثر الإنسان على المعتقدات الحقّة ليصدّقها، وليفوز بالنجاة في الآخرة، فالقضية هي أكثر أهمية وحضوراً بكثير من ذلك، وهذا يعني أنّ الإنسان المعاصر يريد الآخرة والنجاة معنوياً في هذه الحياة الدنيا، وقد قال عارفونا في هذا المجال: إنّ الآخرة ليست ممّا يأتي فيما بعد بل هي الوجه الداخلي للإنسان، وهي الآن موجودة ولكن الإنسان غافل عنها، وقد تمزّق حجاب الغفلة هذا بالنسبة إلى الكثير من البشر المعاصرين، فهم يتساءلون بكل وجودهم قائلين: ماذا يفعل الدين لنا الآن في هذه الحياة الملأى بالمشاكل الداخلية نحن المتحيّرين، القلقين؟ إنّهم لا يستطيعون أن يجلسوا، ليرضوا أنفسهم بوعود مؤجلة، كما أنّ العارفين أنفسهم لم يستطيعوا ذلك ففي المباحث الكلامية التقليدية تُقدّم للإنسان وعود مؤجلة، فعلماء الكلام يطلبون من الإنسان أن يؤمن بهذه المعتقدات المعينة، وأن يؤدي الأعمال المحددة لكي يصل إلى السعادة في الآخرة.
إنّ البشرية الواعية والقلقة لا تستطيع اليوم أن تكتفي بهذه الوعود، والعارفون هم الآخرون كانوا يمثّلون أشخاصاً لم يستطيعوا الاكتفاء بهذه الوعود، فقد كان هاجسهم يرتبط بالزمن الحاضر، وكان اضطرابهم حاضراً يعيش معهم، فهم لم يكونوا يريدون أن تقع لهم حوادث بعد الموت الجسدي بل كانوا يريدون أن تقع هذه الحوادث الآن، فألم الفراق والهجران يعذّبهم منذ الآن، وهم يريدون أن ينجوا من هذا الألم الآن، فالقضية بالنسبة إلى العارف بالله والآخرة هي قضية نقد لا تأجيل، وفي الجو الفكري للإنسان المعاصر تعد قضية الله والآخرة والدين من القضايا الحاضرة القابلة للتجربة، لا من القضايا المتعلقة بما بعد الموت، فالإنسان المعاصر يريد أن يبدأ تلك الحياة التي وعد بها في الآخرة منذ الآن وأن يستمر فيها إلى ما لا نهاية.
حياة جديدة:
من الواضح أنّه في مثل هذا الجو تصبح عملية إثبات سلسلة من الأصول العقيدية عديمة الجدوى، فما يتمخّض عن نتيجة هو نفخ حياة جديدة في البشرية من خلال عرض حقيقة جذابة ونهائية، ووضع كل وجود الإنسان إزاءها، وفي صدر الإسلام لم يكن النبي (صلّى الله عليه وآله) بصدد إثبات وجود الله، والنبوّة والمعاد…، فخطاب الله تعالى للإنسان في القرآن الكريم يقوم على العرض، فالله سبحانه وتعالى ليس بصدد إثبات وجوده، كما أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان هو الآخر يعرض نفسه ولم يكن يثبتها، فأسلوبه (صلّى الله عليه وآله) لم يكن إثبات نبوّته للناس من خلال الاستدلالات الكلامية، فالنبوة كانت ظاهرة تعرض، وتنتج الإيمان.
ونحن اليوم بحاجة إلى علم كلام يتحدّث عن الله، والنبوّة، والوحي، والمعاد، بأسلوب حاسم وباعث على التغيير بحيث لا يقتصر دوره على إضفاء المعنى للإنسان والعالم، بل وتتيسّر على ضوئه ولادةٌ وحياة جديدة للإنسان.
انحراف أم مرحلة من التفكير:
هناك موضوع آخر يجب أن نسلّط الضوء عليه وهو: هل هذه اللايقينيّة المسيطرة على فكر الإنسان المعاصر تعدُّ انحرافاً أم هي نفسها مرحلة من التفكير؟ وإلى أي ملاك نستند في إطلاق (الانحراف) على اللايقينيّة، واعتبار اليقين أصلاً وعدم انحراف؟ وإذا كان هناك انحراف فعمّن ينحرف الإنسان؟
البعض من الأشخاص يجيبون قائلين: إنّ الانحراف إنّما يكون عن فطرة الإنسان، والعقل السليم، والفطرة العقلائية، وهنا علينا أن نوجّه إليهم السؤال التالي: ترى ما هي الفطرة البشريّة، والعقل السليم، والفطرة العقلائيّة؟ وهل يمكننا أن نقدّم بشأنها تعريفاً جامعاً ومانعاً ندافع عنه؟ وهل بالإمكان تقديم مقياس واضح فنقول: إنّ هذا العقل سليم، وذلك العقل غير سليم؟
أمان جميلة:
إنّ النقاشات المتعلّقة بعلم المعرفة والمنطق حول مثل هذه الإصدارات للأحكام قد خلفت حقّاً مشكلة، فإذا ما نظرنا من الناحية التأريخية نلاحظ أنّ هذه اللايقينيّة هي مرحلة من التفكير كما أنّ اليقين السابق كان أيضاً يمثّل مرحلة أخرى، وبالطبع فإنّ هنا قضيّة تتمثّل في الأماني الجميلة لبعض الأشخاص في العودة إلى ذلك العصر اليقيني.
إنّ الشخص الذي يتمنّى العودة إلى يقين العصر السابق تمكن مقارنته بالعجوز الذي يحلم بالعودة إلى أيّام الشباب، فهذا الإنسان المتيقّن يقارن عصره بعصر اليقين، ويرى كم كان الإنسان في ذلك العصر يعيش بدون قلق وعذاب، فهو يتمنّى العودة إلى تلك الفترة.
إنّ الإنسان كان يظنّ أنّه ينظر إلى الواقع بشكل مباشر، وأنّه لا توجد أية مسافة بينه وبين هذا الواقع كما أنّي أرى الآن ـ من وراء نظّارتي ـ الأشياء بشكل مباشر على الظاهر، أشعر بأي مسافة وحجاب، وإذا ما أردنا أن نحلل هذه الرؤية بأسلوب علمي فإنّنا سنتورّط في مشاكل وتعقيدات كثيرة، فتزول بذلك صورة كون الارتباط مباشراً مع الأشياء. وفي السابق كان التصوّر السائد أنّ الإنسان يرى أمامه الواقع الخارجي بدون واسطة، ولكن هذا التصوّر قد زال اليوم، وبالنسبة إلى الماديين فإنّ اللايقينيّة تنشأ من أنّه تبيّن أنّ الواقع لا يتمثّل أمامنا بشكل مباشر، وأنّ علمنا به هو في الجملة لا بالجملة.
من الشباب إلى الشيخوخة:
ويبدو أنّ عصور تأريخ الفكر البشري تشبه السير من مرحلة الشباب إلى الشيخوخة، فاليقين ليس ممّا يمكن الوصول إليه من خلال التخطيط والحسابات، فهذا العصر لم يأت بوعي مخطط له سلفاً؛ لكي نستطيع استبداله بوعي آخر من هذا النوع، وحتّى في خلال تلك الفترة التي كان اليقين فيها هو السائد، فإنّه لم يكن هناك أشخاص كانوا قد أوجدوها بوعي مسبق وتخطيط، فهذه الأمور والأهداف ليست في الأساس مما يقع تحت اختيار وإرادة الإنسان.
وبناءً على ذلك فإنّ السعي من أجل إعادة عصر اليقين هو سعي عقيم وعديم الجدوى، فعلينا إذن أن نتحدّث عن الدين والتديّن مع الأخذ بنظر الاعتبار هذا الجو اللايقيني، فنحن المتديّنين نقف الآن على مفترق طرق، فإمّا أن نتراجع ونقول: إنّنا نستطيع أن نعيش ونتكلّم في الجوّ اليقيني فقط، وإنّ بإمكاننا أن نتحدّث من خلال الاستناد إلى تصوّرات وتصديقات الفلسفة الأوليّة، التي كانت تأخذ بنظر الاعتبار عالم الواقع بشكل مباشر، ولأنّنا غير قادرين على طرح هذه التصوّرات والتصديقات باليقين السابق، فليس لدينا كلام نقوله.
وإمّا أن نتحدّث في هذا الفضاء اللايقينيّ وبالاستناد إلى المفاهيم، والأساليب الجديدة بشكل بحيث يصغي الآخرون إلى حديثنا هذا. والخيار الأوّل لا يتلاءم مع مفاهيمنا الإيمانيّة، ولا مع مفهوم خلود الدين، فعندما نقول: إنّ الدين خالد فهذا يعني إمكانيّة الحديث عنه دائماً وفي أي جوّ، وعلى هذا فلا مناص لنا من اختيار الطريق الثاني، فليس أمامنا أيّ طريق آخر.
وهنا نضيف هذه الملاحظة وهي أنّ أولئك الذين يعتقدون أنّ مجتمعنا هو مجتمع مغلق، وأنّ جوّه هو جوّ اليقين، وأنّه ينتقد طرح مثل هذه الموضوعات، لا يمتلكون تقويماً صحيحاً للواقع. صحيح أنّ جو عامّة الناس مغلق، ولكنّ جوّ عدد كبير من المثقفين في مجتمعنا هو جوّ مفتوح لا يسوده التعصّب، ففي البلد الذي تدرّس في جامعاته فلسفة الغرب، والعلوم الاجتماعية، وفلسفة العلم وما إلى ذلك، ويرتبط بعلاقات علميّة مع العالم الغربي، وفي البلد الذي يتوجّه منه إلى الغرب طلاب العلوم الدينيّة للاطّلاع على الفلسفات والعلوم الغربيّة، لا يمكن أن يكون مجال التفكير فيه مغلقاً بشكل طبيعي، فغلق مجال التفكير من خلال الضغط والقوّة لا يحلّ مشكلة فحسب، وإنّما يؤدّي إلى ظهور مشاكل معقّدة، وعواقب وخمية جدّاً. إنّ علينا جميعاً أن نشجّع تحرّكات عميقة وجذريّة وبنّاءة، وعلى حوزاتنا الدينية أن تطرح هذه النقاشات وتثيرها، وتواجهها بكلّ صراحة.
محمد مجتهد شبستري
گلدر
قرية بين أهر وتبريز، تبعد عن الثانية ثمانية كيلومترات ويبلغ عدد نفوسها نحو الألف نسمة، يعمل أهلها في صنع السجاد وتربية المواشي والزراعة.
خرج منها الدكتور أحمد الصادقي من رجال القضاء، وهو مترجم كتاب «أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية»، ومؤلف كتاب «مقدمة في الوقف» بالفارسية.
الكناسة
«الكناسة» محلة كبيرة من محلات الكوفة القديمة، جرى ذكرها كثيراً في صفحات التاريخ، ونزلتها قبائل عربية عديدة أغلبها من بني أسد وعبس وضبة وتميم والتحق بها فيما بعد قبائل مضر وسليم. والكناسة: لغة تعني القمامة، وموضع الزبالة ومن ذلك اشتق اسم هذه المحلة إذ كانت بادئ الأمر قمامة لبني أسد، ثم إن توسع العمران وازدياد السكان بالكوفة جعل الناس يعمرونها وممّا حفزهم على ذلك، موقع الكناسة المتميز الذي يطل على المدينة من جهة ويطل من الجهة الأخرى على البادية العربية التي كانت تربطها بالكوفة أوثق الروابط والعلائق وسرعان ما شيّدت فيها الأماكن التجارية.
وكان سوق الكناسة من أكبر أسواق الكوفة التجارية ويباع فيه الإبل والرقيق، والمصنوعات الخزفية والفخارية ومختلف المنسوجات والملابس والعطور وفيه محلات خاصة للصاغة والصيارفة وغيرهم من أصحاب المهن الحرفية وكان من الطبيعي أن تصبح الكناسة سوقاً أدبياً يتفاخر فيه الشعراء ويتناظر فيه العلماء والأدباء حيث كان هذا السوق مجمع القوافل ومنتدى أسمارهم فكانت كناسة الكوفة مثل (عكاظ) عند العرب قبل الإسلام.
وإذا ما أردنا تحديد موقع الكناسة اليوم فأوّل ما يتبادر إلى الذهن أنّها تقوم حوالي المرقد المنسوب للشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) صليب الكناسة المشهور، وهو يقع الآن قرب مدينة الكفل وقد يبدو هذا التحديد مقبولاً لأوّل وهلة، ولو دققنا النظر أكثر لوجدنا أنّ هذا المرقد قد عرف منذ عهد قريب ولم نجد له ذكراً في المراجع التاريخية القديمة ولم يذكره أحد من الرحالة الذين زاروا الكوفة، وفي نفسء الوقت لم يعثر على شاهد مكتوب يؤكد لنا حقيقة هذا القبر وعلى هذا فالدلالة على صحة نسبته للشهيد زيد تفتقر إلى الكثير من الأدلة التاريخية.
والذي نعتقده أنّ الكناسة هي في موضع بين مسجدي الكوفة والسهلة من طرف البادية ويؤيدنا في ذلك أنّ الكناسة كما يعرض لها أصحاب التواريخ والسير، تقع في الجانب الغربي من الكوفة بينما يقع مرقد زيد في الجانب الشمالي منها، وليس من المستبعد أن يكون المرقد الماثل المعروف باسم زيد، هو لأحد العلويين الكوفيين وهو زيد بن الحسين بن عيسى ميتم الأشبال، وقد نسب لزيد الشهيد على سبيل شهرة الأخير وانتشار أخباره.
ومن الجدير بالإشارة هنا أنّ الكناسة نفسها كانت مدفناً لجمع غفير من العلويين ونقبائهم وممّن دفن فيها منهم، محمد الأدرع بن عبدالله بن الحسين بن جعفر بن الحسن بن علي بن أب يطالب (عليه السلام) وكان رئيساً بالكوفة وخراسان وما وراء النهر وقد مات بالكوفة ودفن بالكناسة، وكانت الكناسة أشبه بجبانات الكوفة ومقابرها من حيث كثرة المدفونين فيها من ذوي الرأي والمصلوبين فيها من ذوي الفكر المناهض لسياسة الدولة، فقد صلب فيها بعد زيد العشرات ومن المذكورين منهم عبد الكريم بن أبي العوجاء (خال معن بن زائدة) اتهمه المنصور بالمانوية وصلبه سنة (11هـ/ 771م).
وثمة ملاحظات تؤكد لنا بأنّ الكناسة كانت في الجانب الغربي من الكوفة ومن ذلك أنّ هذه المحلة كانت تعرف بكناسة بني أسد لنزولهم فيها كما تقدم، وتقع منازل بني أسد وخطتهم في الجهة الغربية من الكوفة حسب نظام الأسباع. وأنّ قبيلة تميم كانت في الجهة الشرقية قرب خطة عبدالله بن دارم المتصلة بدير هند من جهة الحيرة ثم انتقلت إلى (الجهة الغربية قرب الكناسة).
وورد أنّ مصرع هاني بن عروة كان شرقي الكناسة على تخوم محلة مذحج، ومذحج حسب نظام الأسباع تسكن جنوب غربي الكوفة، وأنّ سجن الكوفة القديم كان غرب المدينة قرب الكناسة، وأنّ قبيلة ثقيف كانت قرب الكناسة، والمعروف عن هذه القبيلة أنّها نزلت الثوية، والثوية على اتفاق الباحثين من المواقع الأثرية القديمة كانت تابعة لمملكة الحيرة وتقع غرب جامع الكوفة وفي الجهة الغربية من الكوفة ومن آثارها الشاخصة الآن ـ الحنانة ـ وضريح الشهيد كميل النخعي، ومن الدلائل على أنّها خطة ثقيف عثور أحد منقبي الأحجار القديم قبل (80) سنة تقريباً على شاهد قبر المغيرة بن شعبة الثقفي وهو ممّن دفن بجبانة ثقيف في الثوية.
ومن خلال هذه الملاحظات يبدو أنّ المنطقة كانت تمتد في الجهة الغربية من الكوفة من المسجد الجامع إلى مسجد السهلة فما بعده إلى منطقة (علوة الفحل) ممتدة إلى جهة البادية التي هي من أرض كربلاء الآن. ومن حدودها كري سعد والثوية.
وفي الحنين إلى الكوفة والكناسة منها يقول برهان الدين الكوفي الذي كان شيخ الإسلام في خراسان، وقد خفف الكناسة إلى (كناس):
إلا هل إلى أكناف كوفة عودة
تبل غليل الشوق قبل مماتي
وهل أغتدي بين (الكناس) وكندة
أسح على تلك الربى عبراتي
رعى الله صحبي في العراق وإن هم
رموا شمل عهدي منهم بشتات
كنز الفوائد
في تلخيص الشواهد
خزانة الشيخ فخر الدين الطريحي النجفي صاحب (مجمع البحرين) في اللغة المتوفى سنة 1085هـ من أقدم وأشهر خزائن الكتب في (النجف الأشرف) عدا خزانة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) المنشأة قبلها بثلاثة قرون ونصف على ما ظهر من الصكوك التاريخية.
وقد أنشئت هذه الخزانة في أواخر القرن السادس الهجري أي قبل الشيخ فخر الدين بعدة قرون إلاّ أنّها اشتهرت في عصره «بالخزانة الفخرية» لأنّه أضاف إليها آلافاً من الكتب ونسخ أكثرها بيده لأنّه كان سريع الخط، وكان يجيد الكتابة، فاشتهرت (هذه الخزانة) لهذا السبب المذكور باسمه، وكانت أكثر الكتب التي فيها وهي ذات نسخ متعددة وقفاً على الطلاب والمشتغلين من القاطنين في (النجف الأشرف) لطلب العلم.
ومع كل أسف لم يكن لهذه الخزانة (التاريخية) التي حوت نفائس الآثار ونقلت عنها أكثر (الخزائن النجفية) المنشأة بعدها في جميع العلوم والفنون فهرس نهتدي إلى إحصاء ما كان فيها من (الآثار المخطوطة) في الأعصر المتقدمة سوى ما هو مسطور على أظهر بعض الكتب الموجودة فيما بين أيدينا وفي بعض الدفاتر والأوراق بصورة غير منتظمة، وغير مرتبة على الحروف، وقد بقيت هذه (الخزانة الفخرية) يتناقلها الخلف عن السلف ويتسلمها جيل بعد جيل، وطبقة بعد طبقة حتى وصلت النوبة في (القرن الثالث عشر الهجري) إلى كبير هذه الأسرة أسرة (آل طريح) الشيخ نعمة الطريحي المتوفى سنة 1292هـ فاعتنى الشيخ نعمة بها عناية خاصة فلهذا هجر اسمها الأول (الخزانة الفخرية) وأصبحت في عصره يطلق عليها (خزانة الشيخ نعمة).
وقد تبعثرت هذه الخزانة بعد وفاة الشيخ المذكور، بسبب التشاكس والتباغض الذي وقع بين رجال الأسرة حتى أمست (هذه الخزانة) أثراً بعد عين، ومع كل ذلك يوجد فيها اليوم من (النفائس المخطوطة القيمة) ما قلّ نظيره في جميع الخزائن العراقية، ومن تلك الآثار المخطوطة الموجودة فيها كتاب «كنز الفوائد في تلخيص الشواهد». تأليف الشيخ فخر الدين الطريحي وهو تلخيص كتاب (معاهد التنصيص) لعبد الرحيم ابن الشيخ وجيه الدين عبد الرحمن أبي أحمد العباسي الشافعي، ويقع هذا الكتاب في ستين صفحة صغيرة بقطع الربع، وهو بخط مؤلفه فخر الدين، وقد انخرم مقدار من آخره وسقطت منه أوراق متعددة، ولذلك لن نستطع أن نهتدي إلى تأريخ السنة التي ألف فيها الكتاب المذكور وأكلت الأرضة بعض الشروح اللغوية المسطورة على هامش الكتاب.
- () «ه» و«ي» في هذا الاسم المركب، إنما يقوم الأول مقام الفتحة، والياء مقام الكسرة، وهذا بموجب الحروف الكردية التي وضعتها.إنّ هذه الإشارة من جملة الإشارات التي وضعتها لتيسير كتابة اللغة الكردية منذ خمسة وأربعين عاماً. وكنت قد استعملتها في كتابي «ده ستوري زماني كوردي» الذي وضعته على غرار قواعد اللغات الغربية وطبعته لأوّل مرّة في سنة 1929. وقد ترجم بكامله إلى اللغة الإنكليزية بتاريخ 1931. ثمّ ترجمت ذلك الكتاب إلى اللغة العربية وبدأت بطبعه بعنوان «قواعد اللغة الكردية». وقواعد كتابة اللغة الكردية، مدون في رسالة خاصة تؤلف الباب الأوّل من القواعد، وقد عمّ استعمال هذه الحروف كتاب الأكراد في المجلات والنشرات الرسمية والكتب بل في كتاب مبادئ القراءة للأطفال في المدارس الأولية.
ويلوح لنا أنّ التعرف بكيفية استعمال هذه الحروف سيفيد الكتّاب العرب أيضاً إذ سيتاح لهم كتابة الكلمات الأعجمية طبقاً لما تلفظ به. ↑
- () سترابو – 3 – ص144. ↑
- () نفس المصدر – ص144 – الحاشية الأولى. ↑
- () سترابو – ص144. ↑
- () Herzfeld, Archaeological History of Iran, p.9. ↑
- () Debevoise, a Political History of Parthia, p. 269. ↑
- () وفي اللغة الكردية أيضاً اسم «كه له ك» يستعمل بالخاصة اسماً للسور المبني بكوم الحجار حول منابع المياه والمراقد وغيرها، وتسمّى «كه له اله به رد» أي (سور من الأحجار) وكذلك المحلة، أو (الحارة) تسمّى «كه ردك».وربّما كلمة «كه له ك» (كلك) وهي اسم واسطة النقل في أعالي نهر دجلة وروافدها كالزابين ترجع إلى «كه رهـ ك» (كرك)، و«الكلك» مصنوع من مواد يتراكم بعضها فوق بعض كما هو معلوم. ↑
- )) Schaff, Parthian Stations by Isidore of Charax, pp. 17.30. ↑
- () تستعمل الآن هذه الأداة في اللغات الإيرانية جميعاً بأشكالها المتطورة، ومن هذه الأشكال المختلفة في اللغة الكردية نذكرها (h, uk, cka, ok, ak)، مثل:الاسم اسم واسم التصغير
د ه س (اليد) ده سك (اليد، الباقة)
كنده (القرية) كندك (القرية الصغيرة)
دندان (السن) دندك (المنقار)
باو (الأب) باوك (الأب)
منجل (القدر) منجلوكة (القدر الصغير)
جن (الجن) جنوكة (الجن)
قسر (القصر) قسروك (قصر صغير، اسم قرية في
كركوك)
كرم (الدودة) كرمه ك (حلية معدينة تلبسها النساء
تحت الحنك)
وتلحق أدوات التصغير بأسماء الأعلام أيضاً لإسباغ معنى المودة والشفقة عليها، مثل:
الاسم اسم التصغير
رمضان رموكة، يرموك، يرمو
حسين حسوكة، حسوك، حسو، حسكة، حسة
إسماعيل سموكة، سموك، سمو، سمه كه،
سمكون، سمة
وفي تشكيل اسم العلم المصغر، يطرأ على الاسم اختصار أولاً، فيلاحظ مثلاً، أنّ في تصغير اسم إسماعيل، حذفت خمسة أحرف من أحرفها السبعة، ثمّ أضيفت إليها أداة التصغير، فيكون الاسم «سموكة»، «سمه كه»، وفي بعض الجهات «سمكو».
والجدير بالذكر هنا أنّ أداة التصغير (ock) الأنكلو – سكسونية المبينة في الأمثلة الآتية:
التل الصغير Hillock
الثور، أو العجل الخصي Bullock
المرتع الصغير، المرج الصغير Paddock
السنام، الحدبة Hummock
قد يكون أصلها يتصل أيضاً بـ (ika, aka, ka) الهندسية – الإيرانية، وفي هذه الحالة، فإنّ إدارة (-ka) المعروفة الآن بالهندية – الإيرانية، يجب أن تكون من ضمن أدوات الهندية – الأوربية. ↑
- () تأليف جي. ب. أسمونس أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كوبنهاغن، نقله إلى العربية وعلق عليه جرجيس فتح الله المحامي. ↑
- () أود الإشارة بأنّي كتبتُ كلمتي كورد وكوردستان في هذا المبحث بالإملاء الكوردي. ↑
- () كركوك العراقية حاضنة قوميات ذات حضارات وثقافات متعددة. رؤوف محمد علي الأنصاري، باحث في العمارة الإسلامية، جريدة الحياة – العدد 13356 السبت تشرين الأوّل (أكتوبر) 1999م. ↑
- () توفيق وهبي. ↑
- () كركوك في ذاكرة التاريخ، الثقافة الجديدة – العدد 245، كريم زه ند، واضع جغرافية كوردستان، عام 1958م. ↑
- () يبدو لي من معنى الكلمة بأنّ قلعة كركوك هي المعنية بهذا الاسم، والمدينة أخذت الاسم ذاته، حيث ثبت تاريخياً بأنّ قلعة كركوك المتينة، ويعود تاريخها إلى آلاف السنين، وهي لا تزال قائمة ومسكونة من قبل الناس، في الثمانينات من القرن العشرين كان هناك حوالى خمسة آلاف نسمة يسكنون داخل القلعة، والحالة هذه نادرة في تاريخ القلاع. ↑
- () «كه ر مكان» يلفظ حرف الكاف على طريقة أهل مصر بتلفيظهم حرف الجيم. ومن الجدير يطلق الكورد على مناطق كركوك وما جاورها منطقة «كرميان» في الوقت الحاضر. ↑
- () عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، الجزء الخامس – ص104. ↑
- () معجم البلدان، الجزء الثالث، للشيخ ياقوت الحموي. ↑
- () جلب انتباهي في كتاب «بلاد ما بين النهرين الحضارات البابلية والآشورية» تأليف ل. ديلابورت، كلمة «كوركور»(Kourkour) وهو تعبير يطلق بصفة عامة على العالم الآهل بالسكان ولكن على الأخص خارج نطاق سومر من عالم خارجي، وودتُ الإشارة إلى ذلك فمن الممكن أنّ هناك صلة بين كوركور واسم كركوك الحالي، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار بأنّ كركوك تقع خارج منطقة سومر. ↑
- () زيارة للماضي القريب، جرجيس فتح الله المحامي. ↑
- () جرجيس فتح الله المحامي، المصدر السابق. ↑
- () جرجيس فتح الله المحامي، المصدر السابق، للاستزادة حول الكنائس القديمة، مراجعة كتاب(Tur Abdin) للمؤلف Hollerweger) Hans) باللغات التركية والألمانية والإنكليزية. فمثلاً هناك أسماء لبعض الكنائس القديمة هي أقدم من ما ورد في إشارة الباحث جرجيس فتح الله المحامي. وعلى سبيل المثال كنيسة (Mor Hsabo) في قرية قريبة من ميديات، بنيت في حدود 400م، المعلومات التي ذكرتها هي حصيلة مناقشات مع بعض الأصدقاء السريان في السويد. ↑
- () العراق الشمالي، دراسة لنواحيه الطبيعية والبشرية، الدكتور شاكر خصباك، مطبعة شفيق – بغداد 1973م. ↑
- () يرى البعض من الكتّاب الآشوريين بأنّ «تبديل كلمة الشين بـ الثاء – ففي العراق يعرف الآشوريين بالآثوريين – وإن كانت تبدو بالنسبة للبعض شكلية متعلقة بالفوتولوجيا (علم الكلام) غير أنّها أعمق من هذا بكثير، فلهذا الإبدال البسيط بين الحرفين (الشين) و(الثاء) مضمون سياسي وفكري في الفكر العراقي يجعل من هذا الاختلاف في نطاق هذين الحرفين سداً منيعاً وحاجزاً كبيراً يفصل بين التسميتين بهدف القول إنّ الآثوريين ليسوا الآشوريين القدماء الذين بنوا إمبراطورية واسعة وحكموا في الألف الأول قبل الميلاد مساحات شاسعة من منطقة الهلال الخصيب». الآشوريون في الفكر العراقي، أبرم شبيرا،/ ماجستير في علم الاجتماع، مجلة عشتار – العدد الأول، السنة الأولى، شتاء 1999م. سأستخدم التسميات حسب مصادرها، للتنويه. ↑
- () الآشوريون والمسألة الآشورية في العصر الحديث، ف.ب. ماتييف (بارمتي)، ترجمة ح. د. أ الأهالي للطباعة والنشر. ↑
- () عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء الأوّل في طبعته الموسعة والمزيدة. ↑
- () عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق. ↑
- () عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق. وترد تفاصيل أخرى لا مجال لذكرها هنا. ↑
- () عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق. ↑
- () جرجيس فتح الله، العراق في عهد قاسم، آراء وخواطر 1958-1988م، الجزء الثاني. ↑
- () «مجموعة مقررات مجلس الوزراء للأشهر نيسان وحزيران 1926م، ص:160-162» عبدالرزاق الحسني، تاريخ الوزارات، الجزء الثاني. ↑
- () أرى أنّه من قبيل التكرار الممل سرد تفاصيل المسيرة، وهي الأخرى كُتب عنها الكثير، ومحاولة كل طرف إلقاء التهمة على الطرف الآخر، لذا سيقتصر البحث هنا على آراء المؤرخين الذين تناولوا تلك الأحداث بروح حيادية بعيدة عن التزمت والتطرف العاطفي. ↑
- () حنا يطاطو، العراق، الكتاب الثالث، الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار، ترجمة عفيف الرزاز. ↑
- () في حديث نشرته مجلة الثقافة الجديدة في 6 أيلول 1983. ↑
- () جرجيس فتح الله، العراق في عهد قاسم، آراء وخواطر 1958-1988م، الجزء الثاني. ↑
- () الدكتور نوري طالباني، منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي، لندن 1995م. ↑
- () جرجيس فتح الله، المصدر السابق. ↑
- () ترد نفس المعلومة عند كلّ من الأستاذ حنا بطاطو في كتابه الآنف الذكر وكذلك عند الباحث جرجيس فتح الله. «تقرير موجه من مدير أمن كركوك إلى مدير الأمن العام بالكتاب المرقم 6433 وبتاريخ 17 من تموز». ↑
- () حنا بطاطو، المصدر السابق. ↑
- () الدكتور نوري طالباني، المصدر السابق. ↑
- () حنا بطاطون المصدر السابق. ↑
- () جرجيس فتح الله المحامي، المصدر السابق. ↑
- () انفرادات الشعر العراقي الجديد، اختيار وتوثيق وتقديم، عبد القادر الجنابي. ↑
- () شهادة فاضل العزاوي، مجلة فراديس – الأعداد 4 و5. ↑
- () شهادة سركون بولص، فراديس، المصدر السابق. ↑
- () انفرادات، المصدر السابق. وكانوا يلتقون في أغلب الأحيان في بيت القاص جليل القيسي. ↑
- () شهادة عبد الرحمن مجيد الربيعي، فراديس، المصدر السابق. ↑
- () أود الإشارة إلى هذا الشاعر الفذ، والذي يعتبره بعض الكتّاب التركمان مثل شاكر صابر وعطا ترزي باشي بأنّه تركماني. لكن للحقيقة التاريخية أقول: بأنّ هجري ده ده الكاكائي لم يدع بأنّه تركماني، بل تمنّى أن يدرج اسمه ضمن الشعراء الكورد، وكان الشاعر ده ده هجري يكتب الشعر باللغات الكوردية والتركية والفارسية، وله 18 مؤلفاً باللغات الثلاث وله ديوان بالفارسية بعنوان «التحفة السليمانية» يصف مدينة السليمانية ومناطقها وجمالها وأسماء العشائر وعوائلها المعروفة، وكان يجيد اللهجتين الكورديتين الموكرية والهورمانية ويكتب بهما الشعر، علماً بأنّ اللهجة الهورامية «الكورانية» هي اللهجة التي تتحدث بها عشيرة الكاكائي الكوردية المعروفة التي هي من العشائر العريقة في كركوك. وهجري ده ده كان من المشاركين في جريدة «كركوك» التي كانت تصدر في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين وكان ينشر غالبية أشعاره الكوردية في أعدادها، وكذلك كان ينشر أشعاره الكوردية في جريدتي (زين)و(زيانوه) الكورديتين اللتين كانتا تصدران في السليمانية. وألقى الشاعر ده ده هجري أربعة قصائد باللهجتين الكورديتين التي ذكرتهما وبالتركية والفارسية في تأبين صديقه الشاعر الكوردي الكبير المعروف بيره ميرد في 25/8/1950م في السليمانية وكان يلقي قصائده مع نشيج البكاء الحار لفقدان هذا الشاعر الكبير. (جاء بعض مما ذكرته في المقال الرابع للأديب غفور صالح عبدالله في جريدة المنار الكوردي – العدد 65، الاثنين في 13 أيلول 1999م). ↑
- () الأصح 28 وليس 26، وهم المتهمون في أحداث كركوك الدموية عام 1959م الذين جرى إعدامهم بعد انقلاب 8 شباط الأسود 1963م، والكثير منهم لم تتلطخ يده بدم شاة، حسب تعبير فتح الله المحامي. ↑
- () شهادة فاضل العزاوي، فراديس، المصدر السابق. ↑
- () كاتب المقال كردي مؤيد لكردية كركوك. وللتركمان وجهة نظر أخرى وأدلة أخرى تؤيد وجهة نظرهم (ح). ↑
- () الدكتور شاكر خصباك، العراق الشمالي، المصدر السابق. ↑
- () الموسوعة العربية العالمية – الجزء 19، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 1996م، صفحة 214. ↑
- )) Nar, Var, Hur 1975. ↑
- () كركوك قرن ونصف من التتريك والتعريب، الدكتور جبار قادر، الاتحاد – العدد 360، الجمعة 3/3/2000م السنة الثامنة. ↑
- () شمس الدين سامي، المصدر السابق. ↑
- () من حديث المهندس في شركة نفط العراق في كركوك، حسين غلام، ترجمتنا، صفحات من تاريخ التعريب في كركوك، المصدر السابق. ↑
- () الدكتور نوري طالباني، المصدر السابق. ↑
- () جرجيس فتح الله المحامي، زيارة للماضي القريب. ↑
- () عندما كان الدينار العراقي يساوي في تلك الأيام 3,3 دولاراً أمريكياً. ↑
- () الدكتور نوري طالباني، المصدر السابق. ↑
- () جريدة الشرق الأوسط، العدد 7745، الجمعة في 11/2000م. ↑
- () ترجمتنا، صفحات من تاريخ التعريب في كركوك، المصدر السابق. ↑
- () جريدة الحياة اللندنية، العدد 13699 في 13/9/2000م. ↑
- () جريدة المنار الكوردي، العدد 49، الجمعة 8 أيار 1998م. ↑
- () راجع: قره قوينلو. ↑
- () من أعلام العلويي النسب الكرد أيضاً القاضي ركن الدين الكردي، أحد أئمة عصره في الهند وكان ينتسب إلى الحسن (عليه السلام) (أخبار الأخيار للمحدث الدهلوي، ص57، وتذكرة علماء الهند، ص38) ومنهم القاضي تاج الدين الكردي الحسني أباً والحسيني أماً، وكان معاصراً للسلطان علاء الدين الخلجي في الهند (تذكرة مشايخ كرام، ص26). ↑
- () الجامع المختصر، ج9، ص271. ↑
- () ص316. ↑
- () ذكر المؤلف الباب الثاني بهذا الاسم مستنداً إلى المقدسي (ص282) ولكن ابن حوقل (ص501) سمّاه باب المدينة الداخلية. ↑
- () ص 20، ج 3. ↑
- () فصلنا هذه الأمور ليفهمها من لم يطلع على معانيها فيعم النفع فلا ينسبنا أحد في ذلك إلى ذكر ما لا لزوم له لأنها مبينة في مواضعها. ↑
- () احتراز عن مثل استعمال الحائط في الرجل الطويل لمناسبة الطول فإنه مستهجن عرفاً. ↑
- () وفيه نفي الإيمان أيضاً عن السارق وشارب الخمر والقاتل وسيأتي في الأمر السادس. ↑
- () الحديث في الهدية السنية، ص 66. ↑
- () صفحة 402 الجزء الأول بهامش إرشاد الساري. ↑
- () ص326، ج 3. ↑
- () ص18، ج 2. ↑
- () ص65. ↑
- () ص81. ↑
- () هذا ينطبق على الوهابية الممتنعين عن التزام تحريم دماء المسلمين وأموالهم. ↑
- () ص65. ↑
- () ص19. ↑
- () هو وضع إحدى اليدين على الأخرى خضوعا كالذي يفعل في الصلاة. ↑
- () ص65-86. ↑
- () ص81. ↑
- () صفحة 230. ↑
- () أي صغار العيون. ↑
- () ص140، ج 3، طبع عام 1320 بمصر. ↑
- () صفحة 19. ↑
- () صفحة 110. ↑
- () صفحة 49. ↑
- () صفحة 29. ↑
- () ص97. ↑
- () ص99. ↑
- () ص105 طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 45. ↑
- () صفحة 230. ↑
- () صفحة 12. ↑
- () صفحة 7. ↑
- () صفحة 12 طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 40. ↑
- () صفحة 47. ↑
- () وهذا جاء في سؤال ابن بليهد الموجه إلى أهل المدينة كما يأتي. ↑
- () صفحة 23. ↑
- () راجع صفحاتها من صفحة 57 إلى 72 تجد في كل منها شيئاً كثيراً من ذلك. ↑
- () راجع صفحة 7 و9 إلى 17 و20 و22. ↑
- () راجع الهدية السنية صفحة 10 إلى 15 و19 و20 و22 إلى 28 و30 إلى 34 و36 و37 و41 و42 و45 و53 و55 إلى 57 و59 و61 إلى 63 و65 و86 إلى 93 و95 و102 إلى 105 و107 ويوجد مواضع غير هذه كثيرة يجدها المتتبع. ↑
- () صفحة 229 – 330. ↑
- () صفحة 6. ↑
- () ص 40. ↑
- () ص44. ↑
- () اسم كتابه الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المكرم لا الدر المنظم فالظاهر أنه وقع سهو في إبدال أحدهما بالآخر وهذا الكتاب هو الذي يرد فيه على ابن تيمية ويذمه بأقبح الذم وسيأتي نقل كلامه فيه في فصل زيارة القبور وهو الذي أشاروا إليه بقولهم فإنا نعرف كلامه الخ. ↑
- () صفحة 37. ↑
- () صفحة 38-41. ↑
- () يقال إن رجلين رأيا غرباناً واقعة على الأرض فقال أحدهما هذه غربان وقال الآخر هذه معزى ثم طارت فقال الأول أعلمت أنها غربان فقال له الثاني هي معزى ولو طارت. ↑
- () صفحة 60. ↑
- () صفحة 10. ↑
- () صفحة 31. ↑
- () راجع إرشاد الساري، ص428، ج2. ↑
- () ص160، ج9، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 1-4- الموضوع عليها 24-27، طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 1-3- الموضوع عليها 56-58 طبع المنار بمصر. ↑
- () يأتي نظيره في كلام الصنعاني حيث يقول بل يسمونه معتقداً كما أن سائر كلامه متوافق معه. ↑
- () البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإن كان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها ولا تطرد عن ماء ولا مرعى ولو لقيها المعيي لم يركبها (والسائبة) كان الرجل يقول إذا قدمت من سفري أو برأت من مرضي فناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في تحريم الانتفاع (والوصيلة) كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا ذبحوه لآلهتهم فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر (والحامي)الفحل كان إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى (والنسئ) كانوا إذا احتاجوا إلى القتال في شهر حرام قاتلوا فيه وأخروه إلى شهر غيره وجعلوه مكانه فتركوا فيه القتال. ↑
- () صفحة 65-70. ↑
- () روى الترمذي عن أبي واقد الليثي خرجنا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فقلنا يا رسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى إجعل لنا إلها كما لهم آلهة الآية لتتبعن سنن من كان قبلكم. ↑
- () راجع الاقناع في حل ألفاظ أبي شجاع وحاشيته ص 229 ج 2 في الفقه الشافعي وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير لزكريا الأنصاري ص 390 ج 2 في الفقه الشافعي أيضاً. ↑
- () يتبين مما سيأتي في سبب نزول الآية إنهم لم يعترفوا بتلك الكلمة ولا ادعوا قولها لا على سبيل المزاح كما يدعيه ابن عبد الوهاب ولا غيره بل أنكروها بتاتاً وادعوا أنهم كانوا يمزحون بشيء غيرها. ثم إنه هنا يقول ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح وفي صفحة 72 من كشف الشبهات يقول. كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح فجزم بذلك فتناقض كلاماه وكلاهما للواقع فانظر إلى تحريفه الأخبار ترويجا لمقاصده. ↑
- () ص59 – 61 طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 3 – 16. ↑
- () المراد حديث سؤال الأعمى الآتي في الفصل الثالث في التوسل. ↑
- () صفحة 13. ↑
- () صفحة 11. ↑
- () صفحة 25. ↑
- () ص66 – 70 طبع المنار بمصر. ↑
- () ولا موحد إلا الوهابيين فلا شفاعة إلا لهم. ↑
- () صفحة 42. ↑
- () صفحة 25. ↑
- () صفحة 62 طبع المنار بمصر. ↑
- () ولا موحد إلا الوهابيون فلا شفاعة إلاّ لهم. ↑
- () صفحة 156. ↑
- () صفحة 225 ج لشرح الجامع الصغير. ↑
- () صفحة 58. ↑
- () بقوله ووفاتي خير لكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم كما مر في المقدمات. ↑
- () بناء على إشراك جميع المسلمين يلزم أن يكون الأربعون من أعراب نجد حتى تقبل شفاعتهم. ↑
- () صفحة 88، ج2. ↑
- () صفحة 155. ↑
- () صفحة 40. ↑
- () صفحة 156. ↑
- () صفحة 161. ↑
- () صفحة 162. ↑
- () صفحة 163 طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 157. ↑
- () صفحة 153-155 طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 62-64 طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 70 طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 71. ↑
- () صفحة 86. ↑
- () صفحة 86. ↑
- () صفحة 421، ج2، طبع عام 1326 بمصر. ↑
- () صفحة 155. ↑
- () كأن صوابه ومن المشروع في إجابة الدعاء دعاء غائب لغائب. ↑
- () صفحة 158. ↑
- () ج2، صفحة 421، طبع عام 1326 بمصر. ↑
- () كما في خلاصة تهذيب الكمال صفحة 313 طبع مصر. ↑
- () صفحة 425، ج2. ↑
- () صفحة 30. ↑
- () صفحة 164. ↑
- () ولا يخرج عنها ما ذكره ابن تيمية في كلامه الآنف الذكر من أنّ توسلهم به (صلّى الله عليه وآله) في حياته أنّهم يسألونه الدعاء لهم فيدعو ويدعون معه فيتوسلون بشفاعته ودعائه فإنّه إذا جاز التوسل بعمله من الشفاعة والدعاء جاز التوسل به نفسه (صلّى الله عليه وآله) وإن كان تفسيره للتوسل بذلك قصداً لتوهين أمره غير صحيح بل معناه ما ذكرناه في مآل الوجوه الثلاثة السابقة. ↑
- () الإشارة بذلك إلى ما رواه البخاري في صحيحه في الجزء الرابع منه في باب إجابة دعاء من برّ والديه من كتاب الأدب عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالاً عملتموها صالحة فادعوا الله بها لعل الله يفرجها فقال أحدهم اللهم إنّه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي وأنّه نأى به الشجر فما أتيت حتّى امسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتّى طلع الفجر فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله لهم فرجة حتّى يرون منها السماء و قال الثاني اللهم إنّه كانت لي ابنة عم أحبّها كأشدّ ما يحب الرجال النساء فطلبت إليها نفسها فأبت حتّى آتيها بمائة دينار فسعيت حتّى جمعت مائة دينار فلقيتها بها فلما قعدت بين رجليها قالت يا عبدالله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلاّ بحقه فقمت عنها اللهم فإن كنت تعلم أنّي قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج لنا منها ففرج لهم فرجة وقال الآخر اللهم إنّي كنت استأجرت أجيراً بفرق أرز فلمّا قضى عمله قال أعطني حقي فعرضت عليه حقه فتركه ورغب عنه فلم أزل أزرعه حتّى جمعت منه بقراً وراعيها فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني واعطني حقي فقلت اذهب إلى ذلك البقر وراعيها فقال اتق الله ولا تهزأ بي فقلت إنّي لا أهزأ بك فخذ ذلك البقر وراعيها فأخذه فانطلق فإنّ كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج ما بقي ففرج الله عنهم انتهى. ↑
- () ج2، صفحة 419. ↑
- () ج2، صفحة 419. ↑
- () صفحة 89، ج2. ↑
- () ج2، صفحة 422. ↑
- () الناقل ابن تيمية كما مر. ↑
- () صفحة 155. ↑
- () ج2، ص422. ↑
- () ج2، ص422. ↑
- () ج2، صفحة 425. ↑
- () صفحة 252. ↑
- () ج2، ص411. ↑
- () ج2، ص412. ↑
- () صفحة 423، ج2. ↑
- () يا عجبا لهؤلاء تارة يستدلون باتفاق العلماء وإجماعهم وتارة بقول الصنعاني أحد مؤسسي مذهبهم ان وقوعه محال كما مر في المقدمات. ↑
- () صفحة 220، ج2، طبع مصر. ↑
- () صفحة 420. ↑
- () راجع ج7، صفحة 224-226، طبع الهند. ↑
- () راجع صفحة 226، طبع مصر. ↑
- () صفحة 14. ↑
- () صفحة 15. ↑
- () صفحة 25. ↑
- () صفحة 358، ج9. ↑
- () صفحة 419، ج4. ↑
- () صفحة 224 – 227، ج ل بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 357، ج9. ↑
- () كذا وجدنا هذه العبارة في المسودة ولم تحضرنا نسخة مسند أحمد عند تبييضها فلتراجع. ↑
- () صفحة 358، ج9. ↑
- () صفحة 119، ج7، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 28. ↑
- () صفحة 308 طبع الهند. ↑
- () صفحة 22، ج3. ↑
- () صفحة 146، ج9، إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 312، ج4، إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 62، طبع المنار بمصر. ↑
- () قال الشيخ محمد عبده الشهير في كتابه الإسلام والنصرانية صفحة (55) إن من أصول الأحكام في الدين الإسلامي البعد عن التكفير وإن مما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم أنه إذاصدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر انتهى فما رأي الأستاذ صاحب المنار في الجمع بين هذا الكلام الصادر ممن يسميه الأستاذ الإمام حكيم الإسلام وبين أقوال أسياده الوهابية الذين ينشر لهم كتب دعوتهم التي يكفرون بها المسلمين ويستحلون دماءهم وأموالهم بقولهم يا رسول الله إشفع لي إقض حاجتي مع أنه لو احتمل الكفر من وجه واحد فهو يحتمل الإيمان من مائة وجه كما تعلمه من تضاعيف هذا الكتاب. ↑
- () صفحة 16. ↑
- () صفحة 12. ↑
- () صفحة 661. ↑
- () هذه العبارة في رسائل الوهابية وهذا مما يدل على أن الجواب من الوهابية وإليهم. ↑
- () صفحة 17-19، طبع المنار بمصر. ↑
- () الجزء 11، صفحة 125. ↑
- () ج11، صفحة 130. ↑
- () ج4، صفحة 115. ↑
- () ج11، صفحة 218، طبع الهند. ↑
- () ج3، صفحة 179. ↑
- () هذا هو التدليس وهو أن يروي عن رجل لم يلقه وبينه وبينه واسطة فلا يذكر الواسطة. ↑
- () ج1، صفحة 370، طبع مصر. ↑
- () ج4، صفحة 362. ↑
- () صفحة 286، ج ل. ↑
- () ج4، صفحة 312، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () ج2، صفحة 468. ↑
- () صفحة 84. ↑
- () ج2، ص84. ↑
- () شجر مخصوص، ولذلك قيل بقيع الغرقد (المؤلف). ↑
- () صفحة 96، ج2. ↑
- () صفحة 85، ج2. ↑
- () صفحة 100، ج2. ↑
- () زاد بعض الوهابية في رسالة الفواكه العذاب (وأن يكتب عليه) راجع صفحة 83 من الهدية السنية طبع المنار بمصر وليست هذه الزيادة في الرواية راجع صحيح مسلم بهامش إرشاد الساري جزء 4 صفحة 314 (المؤلف). ↑
- () تقصيصها تشييدها بالقصة وهي الجص (المؤلف). ↑
- () فيترك ذكر المجروح فيخيل لآخذ الحديث أنّه صحيح وهو ضعيف (المؤلف). ↑
- () في الصحاح التضجيع في الأمر التقصير فيه (المؤلف). ↑
- () صفحة 243 ج ل. ↑
- () صفحة 85، ج2. ↑
- () صفحة 100، ج2. ↑
- () في القاموس المهراس حجر منقور يتوضأ منه (المؤلف). ↑
- () صفحة 31، طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 400، ج3، بهامش السيرة الحلبية، طبع عام 1320 بمصر. ↑
- () كما دفع حديث «إن قتل علي لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين» تارة بتضعيف سنده وإنه موضوع وتارة بأنه كيف يكون قتل كافر أفضل من عبادة الثقلين ومنهم الأنبياء وأخرى بأن عمرو بن عبد ود لم يعرف له ذكر إلا في هذه الغزوة. (ورده) صاحب السيرة الحلبية بأن قلته كان فيه نصرة للدين وخذلان الكافرين وبأن عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحداً فلما كان يوم الخندق خرج معلماً جعل له علامة يعرف بها ليرى مكانه انتهى وأي عمل من الأعمال يعادل ضربته لعمرو بن عبد ود يوم الخندق حين عبر الخندق معلماً يطلب البراز فجبن عنه الناس كلهم إلا علي (عليه السلام) وأي خذلان كان يقع على الإسلام لو لم يقتل علي (عليه السلام) عمراً فبتلك الضربة أعز الإسلام وقويت شوكته واشتد ساعده وابن تيمية يوهن أمرها ويصغره {لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} (المؤلف). ↑
- () صفحة 398 ج ل. ↑
- () في القاموس النصع مثلثة جلد أبيض أو ثوب انتهى وليس فيه ما يناسب المقام غير هذا (المؤلف). ↑
- () صفحة 383-390 ج ل طبع مصر. ↑
- () ج ل صفحة 385. ↑
- () صفحة 386 ج ل. ↑
- () صفحة 388 ج ل. ↑
- () من الوصول (المؤلف). ↑
- () صفحة 404 ج ل. ↑
- () صفحة 388 ج ل. ↑
- () صفحة 401 ج ل. ↑
- () صفحة 398 ـ 399 ج ل. ↑
- () صفحة 408 ج ل. ↑
- () صفحة 408 ج ل. ↑
- () صفحة 405 ج ل. ↑
- () صفحة 406 ج ل. ↑
- () صفحة 427 ـ 432 ج ل. ↑
- () صفحة 435 ج ل. ↑
- () صفحة 442-453، ج1. ↑
- () صفحة 544 ج ل. ↑
- () صفحة 285 ج ل. ↑
- () قتادة رمي بالقدر وبأنه حاطب ليل يأخذ عن كل أحد وبأنه حدث عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم إلى غير ذلك مما حكاه ابن حجر في تهذيب التهذيب ثم قال: قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن: سمعت علي بن المديني يضعف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفاً شديداً وقال أحسب أن أكثر ما بين قتادة وسعيد فيها رجال انتهى. ولعلنا لو بحثنا عن باقي أسانيد هذه الأخبار نجد فيها أمثال هذا كثيراً لكن لم يتسع لنا الوقت للبحث عن جميعها (المؤلف). ↑
- () صفحة 159-206 طبع المنار بمصر. ↑
- () صفحة 16، ج2. ↑
- () صفحة 305 ج ل. ↑
- () صفحة 148، ج2. ↑
- () صفحة 88، ج2. ↑
- () صفحة 115، ج2. ↑
- () صفحة 105، ج2. ↑
- () صفحة 198، ج3. ↑
- () صفحة 159-160. ↑
- () مثل السجود لها والصلاة إليها كما يصلي إلى الوثن (المؤلف). ↑
- () راجع صفحة 22 و27 من تاريخ مكة بهامش خلاصة الكلام. ↑
- () صفحة 442-445، ج2. ↑
- () أو لا (ظ). ↑
- () يحتمل رجوع الضمير في استحسن إلى مالك ويحتمل إلى ابن حنبل (المؤلف). ↑
- () صفحة 410، ج2. ↑
- () بكسر الميم وسكون الحاء المهملة ونون عصا محنية الرأس (المؤلف). ↑
- () صفحة 380، ج5، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 115، ج2. ↑
- () صفحة 161، ج2. ↑
- () صفحة 23، ج2. ↑
- () صفحة 171، ج2، طبع عام 1320. ↑
- () صفحة 24، بهامش خلاصة الكلام طبع مصر. ↑
- () صفحة 408 ج ل. ↑
- () صفحة 17، ج3، عام 1320 بمصر. ↑
- () صفحة 27، ج6، من إرشاد الساري. ↑
- () فيه دلالة على أنّ قصر الصلاة في السفر لا يختص بحال السير لأنّ القسطلاني في الشرح قال إن ذلك كان بمكة وفي رواية مسلم ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة وفي سنن النسائي أقام خمسة عشر يوماً يصلي ركعتين ركعتين (المؤلف). ↑
- () صفحة 264، ج1، من إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 155-158، ج3، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 88، ج2. ↑
- () صفحة 89، ج2. ↑
- () صفحة 47، ج ل. ↑
- () صفحة 50، ج1، من وفاء الوفا. ↑
- () صفحة 19، ج1. ↑
- () صفحة 159. ↑
- () صفحة 416، ج2. ↑
- () صفحة 418. ↑
- () صفحة 152، ج3. ↑
- () صفحة 422، ج ل. ↑
- () صفحة 423، ج ل. ↑
- () صفحة 41 بهامش خلاصة الكلام طبع مصر. ↑
- () صفحة 45 بهامش خلاصة الكلام. ↑
- () صفحة 411، ج2. ↑
- () صفحة 394-402، ج2. ↑
- () فيه ثبوت الحق للعبد على الله عز وجل الذي أنكره الوهابية كما مر في الفصل الرابع وفاتنا ذكره هناك. (المؤلف). ↑
- () صفحة 404، ج2. ↑
- () صفحة 412، ج2. ↑
- () صفحة 417، ج2. ↑
- () صفحة 13 طبع عام 1279 بمصر. ↑
- () صفحة 409، ج2. ↑
- () صفحة 410، ج2. ↑
- () صفحة 411، ج2. ↑
- () صفحة 415، ج2. ↑
- () صفحة 245 ج ل. ↑
- () صفحة 325، ج4، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 325، بهامش إرشاد الساري (4) صفحة 245 ج ل. ↑
- () صفحة 286 ج ل. ↑
- () صفحة 318، ج4، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 413، ج2. ↑
- () صفحة 332، ج2، إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 329، ج2. ↑
- () صفحة 333، ج2. ↑
- () صفحة 37، ج6، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 111، ج6، بهامش إرشاد الساري. ↑
- () صفحة 414، ج2. ↑
- () صفحة 408، ج2. ↑
- () صفحة 417، ج2. ↑
- () صفحة 198، ج3. ↑
- () صفحة 112، ج2. ↑
- () صفحة 405، ج3. ↑
- () أمثال عروة بن حزام الذي يقول:جعلت لعراف اليمامة حكمه
وعراف نجدان هما شفياتي
↑ - () هو أوّل من أحدث عبادة الأصنام في العرب (المؤلف). ↑
- () في سيرة ابن هشام ما حاصله أنّه لما اجتمع قريش ليتشاوروا في أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقصدوا دار الندوة اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بتلة فوقف على باب الدار قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم وعسى أن لا يعدمكم منه رأياً ونصحاً قالوا أجل فدخل معهم وتشاوروا في أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال قائل منهم احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً ثم تربصوا به ما أصابه قبله الشعراء أشباهه من الموت فقال الشيخ النجدي ما هذا برأي لئن حبستموه ليخرجن أمره إلى أصحابه فيثبون عليكم فينتزعونه من أيديكم وقال آخر ننفيه من بلادنا فقال الشيخ النجدي ما هذا برأي لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بحسن حديثه وحلاوة منطقه ثم يسير بهم إليكم فقال أبو جعفر أرى أن نأخذ من كل قبيلة شاباً جليداً ثم نعطي كلاً منهم سيفاً صارماً فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب القبائل فيرضون بالدية فقال الشيخ النجدي هذا هو الرأي (المؤلف). ↑
- () في سيرة ابن هشام وغيرها أنّه قدم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)وقال يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال (صلّى الله عليه وآله) إنّي أخشى عليهم أهل نجد قال أنا لهم جار فبعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أربعين رجلاً من أصحابه فساروا حتى نزلوا بئر معونة فبعثوا أحدهم بكتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى عامر بن الطفيل فلم ينظر في كتابه وقتله واستصرخ عليهم قبائل العرب فقتلوهم (المؤلف). ↑
- () في سيرة ابن هشام أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه رداً منهم انتهى. وبنو حنيفة هم أصحاب مسيلمة الكذاب وكانوا في نجد (انتهى). ↑
- () فإنّه ادّعى النبوة بعد حجة الوداع وقتل في حياته (صلّى الله عليه وآله) ذكره ابن الأثير (المؤلف). ↑
- () في حاشية الكتاب: هو شيخ الحنابلة الحسن بن حامد بن علي البغدادي الوراق المتوفى سنة 403 هـ كان من أكبر مصنفيهم له شرح أصول الدين فيه طامات اهـ (المؤلف). ↑
- () صفحة 19 طبع دمشق. ↑
- () صفحة 46 طبع دمشق. ↑
- () صفحة 441، ج2. ↑
- () التي في رسالة محمد بن عبد الوهاب. ↑
- () كالحسينيات. ↑
- () مثل قراءة التعزية – (المؤلف). ↑
- () صفحة 166 طبع مصر. ↑
- () بعدما بيّناه فيما سلف نقلاً عن كتبهم المطبوعة من تكفيرهم جميع المسلمين وقول بعضهم إن كفرهم أصلي واستحلالهم دماءهم وأموالهم بل وأعراضهم لا يبقى مجال لهذا الكلام ولا احتياج إلى الجواب (المؤلف). ↑
- () هولستر – تاريخ الشيعة ص141. ↑
- () الشيخ إكرام: ماء كوثر (أردية) ص375. ↑
- () شيخ إكرام: ماء كوثر ص374-375. ↑
- () هولستر Hollister تاريخ الشيعة – ص142. ↑
- () هولستر – تاريخ الشيعة – ص142. ↑
- () تاريخ كمبريج – القسم الخاص بكشمير. ↑
- () الشيخ محمد أكرام – ماء كوثر – ص380-382. ↑
- () بهارستان شاهي – ص878. ↑
- () ميرزا حيدر ذوغلت – التاريخ الرشيدي ص434. ↑
- () ج. م. رضوي – الثقافة الإسلامية في كشمير ص18. ↑
- )) Walter Lawrence: The Valley of Kashmir p. 318. ↑
- () Francis Younghusband: Kashmir ed 1917. P. 129-130. ↑
- () أبو ريحان البيروتي – ما للهند ج1 – ص206. ↑
- () الميرزا حيدر- التاريخ الرشيدي- ص436. ↑
- )) SOFI: Islamic Culture in Kashmir. P. 175-177. ↑
- () هي الآن في باكستان. ↑
- () تقع كشمير بين سلسلة جبال بانجاب ومرتفعات الهملايا الشاهقة الارتفاع، (متوسط ارتفاعها 1,600م).تحتوي على عدد هائل من البحيرات التي يغذيها الكثير من الأنهار والروافد، خاصة نهر جهلوم ونهر السند الذي يعتبر أكبر الأنهار في آسيا من التيبت أو نهر اللوم والشتيناب ورافي وبيز، والتي تجري عبر مناطق البنجاب.
بينما تنهض خلف وادي كشمير مرتفعات الهملايا العظمى التي تقع في الغرب والتي تصل حتى نانجا باربات (الجبل العادي) على ارتفاع 8125م.
مساحة كشمير وجامو تبلغ 86,23 ميلاً مربعاً (حوالي 798 , 222 كيلومتر مربعاً). اتفقت الهند والباكستان عام 1972، على خط يقسمها إلى قطاعين، أحدهما تابع لباكستان (ومساحته 358 ,32 ميلاً مربعاً أو 806 ,83 كيلو مترات مربعة) وعاصمته مظفر أباد، والآخر خاضع للإدارة الهندية (ومساحته 665 ,53 ميلاً مربعاً، و992 ,138 كيلو متراً مربعاً) وعاصمته الصيفية سريناغار والشتوية جامو.
لغة كشمير وجامو هي الكشميرية، إحدى اللغات الهندية الآرية وتشتمل على عدد كبير من المفردات السنسكريتية والبنجابية والفارسية والعربية وهي تكتب عند المسلمين من أهل كشمير بالحروف العربية على الطريقة الفارسية، وتكتب عند الهندوسيين منهم بحروف ذات أصل هندي. ↑
- () كان يطلق على شيعة جبل عامل اسم (المتاولة)، وهو مأخوذ من (التولي) أي تولي أهل البيت (عليهم السلام). وقيل إنّه أطلق عليهم هذا الاسم لأنّهم كانوا يهتفون في حروبهم: مت ولياً لعلي. ↑
- () الخط الشريف هو الفرمان السلطاني وعليه خط السلطان. ↑
- () أرشيف دار الوثائق الوطنية في باريس مجموعة (A.E.B) الصادرة عن قنصلية صيدا سجل 1035 تاريخ 14/10/1771. ↑
- () تاتار أو ططر. هو ساعي البريد السلطاني. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () دارالوثائق الوطنية في باريس مجموعة (A.E.B) الصادر عن القنصلية الفرنسية في حلب سجل رقم 91، تاريخ 7/11/1771.ملاحظة: روى كتاب الحوليات والمؤرخين اللبنانيين أسباب هذه الحملة بخلاف ما ذكرناه، لمزيد من التفاصيل يراجع: طنوس الشدياق، أخبار الأعيان في جبل لبنان، بيروت 1970، ج3، ص330، حيدر الشهابي الغرر الحسان في أخبار أبناء الزمان، بيروت، 1933، ج1، ص91، سليمان الظاهر (أسماء وقرى جبل عامل)، العرفان، م8، ص653، أحمد رضا. (حملة الأمير يوسف على النبطية وجبل عامل)، العرفان م30، ص133، محمد جابر. تاريخ جبل عامل، (ص135ـ136) مجهول المؤلف. تاريخ الأمراء الشهابيين بقلم أحد أمرائهم في وادي التيم، بيروت، 1971. ↑
- () حيدر الشهابي، الغرر وسبق ذكره، ج1، ص291، حنانيا المنير، سبق ذكره، المشرق، م49، ص264، دار الوثائق الوطنية في باريس مجموعة (A.E.B) الصادرة عن قنصلية صيدا تاريخ 20/10/1771 و9/11/1771، وقنصلية حلب رقم 91 تاريخ 17/11/1771. ↑
- () المصدر نفسه، ص95 قدر عدد قوات العاملين بـ 3000 فارس وبأن علي ظاهر العمر كان يقاتل معهم، طنوس الشدياق، سبق ذكره، ص 30 ذكر أن ظاهر العمر كان مع القوات المدافعة، حنانيا المنير، سبق ذكره، المشرق م49، ص365، فرنسوا فولني. سوريا ولبنان وفلسطين، ترجمة حبيب السيوفي، جزءان، صيدا (1948ـ1949). ج1، ص77، ذكر أن علي ظاهر العمر كان يقاتل مع العامليين.ملاحظة: لم تشر المصادر الفرنسية إلى مقاتلة الزيادنة مع العامليين في هذه المعركة، يراجع أرشيف دار الوثائق الفرنسية مجموعة (A.E.B) قنصلية صيدا، سجل 1937 تاريخ 30/10/1771. ↑
- () إدوارد لكروي: أحمد باشا الجزار وأعماله في سوريا ولبنان وفلسطين، ترجمة جورج مسرة، سان باولو، (البرازيل) 1934. ص66، فرنسوا فولني. سبق ذكره، ج1، ص55، أرشيف دار الوثائق الفرنسية (A.E.B) قنصلية صيدا سجل 1037تاريخ 24/10/1771، لمزيد من التفاصيل يراجع: عبود الصباغ. الروض الزاهر في تاريخ ظاهر، مخطوط موجود في مكتبة يافت في الجامعة الأميركية في بيروت، ورقة 31، روفائيل كرامة. مصادر تاريخية لحوادث لبنان وسوريا (1745ـ1800) بيروت 1929، ص29، حنانيا المنير. سبق ذكره، المشرق م49، ص365، حيدر الشهابي، الغرر، سبق ذكره، ص91، سليمان الظاهر، سبق ذكره، العرفان، م8، ص331، و651، وم30، ص321، حيدر الركيني. (جبل عامل في قرن) العرفان، م38، ص55، محمد التقي الفقيه. (جبل عامل في التاريخ)، ص(119ـ133)، محمد جابر سبق ذكره، ص(130- 137). ↑
- () فرنسوا فولني. سبق ذكره، ج1، ص51. ↑
- () المكان نفسه، عبود الصباغ، ورقة رقم 31، حيدر الشهابي، ج1، ص291، فولني ـ سبق ذكره، ج1، ص51.ملاحظة: روى مؤرخو جبل عامل تفاصيل الاقتتال بخلاف ما ذكرناه، يراجع: سليمان الظاهر، مرجع سابق، العرفان، م8، (ص651ـ655) وم36 ص(359ـ363)، حنانيا المنيّر. مرجع سابق، المشرق م49، ص365. ↑
- () الغرر الحسان، ج1، ص92. ↑
- () الدر المرصوف، المشرق م49، ص365. ↑
- () خطط جبل عامل، ص102ـ103. ↑
- () الغرر الحسان، ج1، ص93. ↑
- () أخبار الأعيان، ج3، ص33. ↑
- () تاريخ الأمراء الشهابيين، ص114. ↑
- () الدر المرصوف، المشرق، م49، ص365. ↑
- () أرشيف دار الوثائق الفرنسية في باريس مجموعةA.E.B) ) صيدا، سجل رقم 1037، تاريخ 9/11/1771. ↑
- () راجع كتاب «الإنسان والقدر» للكاتب. ↑
- () راجع مقدمة «العدل الإلهي» للكاتب. ↑
- () المشهور أنّهما أبو علي وأبو هاشم، والأخير والد الأول. ↑
- () وردت هذه الرسالة في كتابه «اللمع»، ونقلاً عن كتابه «مقالات الإسلاميين» ص15ـ26، نقلها عبد الرحمن بدوي. ↑
- () يراجع كتاب «ابن تيميّة» تأليف محمد أبو زهرة. ↑
- () هذا ما ينسب إلى المعتزلة في مجال الصفات، ولكن ينقل عن بعض المعتزلة كأبي الهذيل العلاف عبارات مفادها عين ما يقول به الشيعة. ↑
- () راجع كتاب «العدل الإلهي» للكاتب. ↑
- () وقد نشأ بعد تفرّق المسلمين في الآراء والأهواء والمسائل الاعتقادية، كالجبر والتفويض والاختيار والعدل والإرجاء وغيرها. ↑
- () هو من ألمع كتّاب تركيا ولد في استنبول سنة 1890 ودرس في معاهدها ثمّ درّس في جامعات تركيا مدّة طويلة وتولّى في فترة سنة 1950ـ1956 وزارة الخارجية التركية. ↑
- () الأساس لعقائد الأكياس. ↑
- () (2) تعليقه في ذيل صفحة 50 من تاريخ الفلسفة في الإسلام لدى بور ترجمة محمد أبو ريده. ↑
- ↑
- () شوارق الإلهام لعبد الرزاق اللاهيجي ص4. ↑
- () تعليقة لمحمد أبو ريده على ترجمته لتاريخ الفلسفة في الإسلام لدى بور صفحة 50. ↑
- () كتاب الطبقات الكبير لابن سعد 4/141. ↑
- () الإصابة في تمييز الصحابة 2/198. ↑
- () الملل والنحل 18 وما بعدها. ↑
- () مطهري، الشيخ مرتضى. الكلام والعرفان. تعريب: الشيخ علي خازم. بيروت الدار الإسلامية، ط1، 1413هـ، ص11. ↑
- () المصدر السابق، ص49ـ50. ↑
- () الصدر، السيد حسن. تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام. طهران: منشورات الأعلمي، ص356. ↑
- () ن.م، ص357. ↑
- () ص ن.م،ص357. ↑
- () ن.م، ص358. ↑
- () النجاشي، أحمد بن علي. رجال النجاشي. تحقيق: السيد موسى الشبيري الزنجاني، قم: جماعة المدرسين في الحوزة، ص8. ↑
- () ن.م، ص251. ↑
- () الصدر، السيد حسن. مصدر سابق. ص353. ↑
- () ابن النديم، محمد بن إسحاق. الفهرست. تحقيق: رضا تجدد. طهران: ص223. ↑
- () النجاشي. مصدر سابق. ص326. ↑
- () ابن النديم، مصدر سابق، ص224. ↑
- () النجاشي. مصدر سابق. ص432. ↑
- () الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن. الفهرست. تصحيح: السيد محمد صادق بحر العلوم. قم: منشورات الرضي، ص174. ↑
- () ابن النديم، مصدر سابق، ص223. ↑
- () الصدوق محمد بن علي بن الحسين كمال الدين وتمام النعمة. تصحيح: علي أكبر الغفاري، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، 2: 362. ↑
- () ن.م، 362ـ363. ↑
- () ن.م، ص367ـ368. (لاحظ تمام المناظرة في المصدر ص362ـ369). ↑
- () النجاشي، مصدر سابق، ص250. ↑
- () ن.م، ص328، وابن النديم، مصدر سابق، ص225. ↑
- () ن.م، 446ـ448. ↑
- () ن.م، 326ـ327. ↑
- () ن.م، ص45. ↑
- () ن.م، ص306ـ307. ↑
- () ن.م، ص31. ↑
- () ابن النديم، مصدر سابق ص225. ↑
- () النجاشي. مصدر سابق، ص63. ↑
- () ابن النديم، مصدر سابق، ص225. ↑
- () النجاشي. مصدر سابق، ص381. ↑
- () ن.م، ص48، والطوسي، الفهرسـ ص54. ↑
- () ن.م، ص271. ↑
- () ن.م، ص422. ↑
- () غلام بمعنى تلميذ. ↑
- () النجاشي، مصجر سابق، ص208. ↑
- () ابن النديم. مصدر سابق، ص226. ↑
- () النجاشي، مصدر سابق، ص270. ↑
- () الطوسي، مصدر سابق، ص98. ↑
- () ابن خلكان، أحمد بن محمد. وفيات الأعيان، تحقيق د. إحسان عباس. قم: منشورات الشريف الرضي 3: 313. ↑
- () المقصود بالإمامي: الشيعي. ↑
- () تلبيس إبليس: ط إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة 1368/116. ↑
- () الفجر 89: 22. ↑
- () ويقصد بهم المحدّثين. ↑
- () دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، المكتبة التوفيقية، القاهرة 1976/73ـ74. ↑
- () المناظرة في العقيدة الواسطية، مجموعة الرسائل الكبرى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط2: 1392/1972، 1/418. ↑
- () التأريخ الكبير 1ـ1/379ـ380: 1209 ، التأريخ الصغير 2/368، الجرح والتعديل 1ـ1 (2)/209ـ210: 714، ابن حبان، الثقات 8/115ـ116، طبقات الحنابلة 1/109: 122، المنهج الأحمد 1/108ـ109: 43، تاريخ بغداد 6/345ـ335: 3381، حلية الأولياء 9/234ـ238 ابن خلكان 1/199ـ201، الأنساب 6/56ـ57، السبكي، طبقات الشافعية 2/83ـ93، ميزان الاعتدال 1/182ـ183، 733، سير أعلام النبلاء 11/358ـ382، تذكرة الحفاظ 2/433ـ435، العبر 1/426، الوافي بالوفيات 8/386ـ388، 3825، طبقات الحفاظ 188ـ189: 419، ابن كثير 10/317، تهذيب التهذيب 1/216ـ219، 408، تهذيب الكمال 2/373ـ383، 332، طبقات المفسرين 1/102ـ103، شذرات الذهب 2/89. ↑
- () هو إسحاق بن راهويه، عارضة الأحوذي: ج3/332. ↑
- () الجامع الصحيح، الزكاة (ما جاء في فضل الصدقة) 3/50ـ51 أي 662. ↑
- () الذهبي سير أعلا النبلاء: 14/365ـ382، تذكرة الحفاظ: 2/720ـ731، العبر: 2/149، السمعاني، الأنساب: 5/124، ابن الأثير، اللباب: 1/442، ابن الجوزي، المنتظم: 6/184ـ186، ابن كثير، البداية والنهاية، 11/149، السُّبكي، طبقات الشافعية: 3/109ـ119، الصَّفدي، الوافي بالوفيات: 2/196، اليافعي، مرآة الجنان: 2/264، ابن عبد الحي، شذرات الذهب: 2/262ـ263، السيوطي، طبقات الحفاظ: 310ـ311، ابن الجزري، طبقات القراء: 2/97ـ98. ↑
- () التوحيد وإثبات صفات الرب، راجعه وعلق عليه محمد خليل هراس، المدرس بكلية أصول الدين «بالأزهر»، مكتبة الكلية الأزهرية، القاهرة: 1387/1968/73. ↑
- () المصدر/ 50ـ52. ↑
- () المصدر/ 82ـ85. ↑
- () المصدر/ 85ـ87. ↑
- () المصدر/ 145. ↑
- () سير أعلام النبلاء: 13/326، تذكرة الحفاظ: 2/621ـ622، العبر: 2/64، مرآة الجنان: 2/193، ابن كثير: 11/69، طبقات الشافعية: 2/302ـ306، طبقات الحفاظ: 274، طبقات الحنابلة: 1/221، شذرات الذهب: 2/176. ↑
- () الرد على بشر المرِّيسي، عقائد السلف، نشر: دكتور علي سامي النشار، عمار جمعي الطالب، منشأة المعارف، الإسكندرية مصر: 1971/382. ↑
- () المصدر/ 439. ↑
- () يخاطب به بشر المرّيسي، الذي يرد عليه الدارمي، وهو بشر بن غياث المرّيسي، البغدادي، الحنفي (ح137/755ـ218/833) من أعلام الحنفية، وممّن نادى بخلق القرآن ودافع عنه، وعن كثير من آراء المعتزلة. ↑
- () المصدر/ 454. ↑
- () امصدر/ 387. ↑
- () «بما لهما من المعنى، وهو العضو الخاص المحسوس» المصدر/ 398. ↑
- () المصدر/ 420. ↑
- () المصدر/ 423ـ424، 427ـ428. ↑
- () الرحمن 55/27. ↑
- () المصدر/ 516. ↑
- () المصدر/ 432ـ433، 508. ↑
- () أي: اعتقادات الإمامية. ↑
- () مارتن مكدرموت، نظريات علم الكلام، عند الشيخ المفيد بالإنكليزية ـ دار الشرق، بيروت، 1978/367ـ369. ↑
- () التوحيد، مكتبة الصدوق، طهران 1387/17ـ18. ↑
- () البلخي، ذكر المعتزلة/64، القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وذكر المعتزلة/146ـ147، 150 ،163، 214ـ215، ابن المرتضى، المنية والأمل/26ـ17،15ـ126، 127ـ128، البحر الزخار، 1/44، نَشْوان الحِمْيَري، الحُور العين/206. ↑
- () المتكلم المعتزلي الشهير. ↑
- () سير أعلام النبلاء: 13/149. ↑
- () مكتبة الصدوق، طهران: 1387/48 ـ 56، وعنه في البحار 4/274ـ284. ↑
- () 1/163 أي 5 وعنه البحار 3/257، تفسير البرهان 1/271 أي 12. ↑
- () النجاشي/ 259، مجمع الرجال: 6/87، الذريعة: 7/191 أي 972. ↑
- () الطوسي، الفهرست: 97، معالم العلماء: 44، مجمع الرجال: 3/85، الذريعة: 7/189 أي 965. ↑
- () تيسير المطالب في أمالي الإمام أبي طالب، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان، 1395/1975/ 202ـ304، ذكر قسماً كبيراً منها. ↑
- () لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1381/1962، 4/152ـ154، ذكر قسماً كبيراً منها. ↑
- () الشعراء 26: 97 و98. ↑
- () نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ومحمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1/163ـ164، وانظر البحار، 77/318، وشرح ابن أبي الحديد (6/413ـ415 ↑
- () فضل الاعتزال وذكر المعتزلة/ 163. ↑
- () شرح الأصول الخمسة/ 368. ↑
- () الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد/ 14. ↑
- () نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد/ 2ـ3. ↑
- () المصدر/ 395. ↑
- () ميزان الاعتدال 3/149. ↑
- () لسان الميزان 4/248. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 8. ↑
- () المفيد، الفصول المختارة 1/28، الطوسي، الفهرست/ 203ـ204، النجاشي/ 304ـ305، ابن شهرآشوب، معالم العلماء/115، العلامة الحلي،خلاصة الأقوال/178، وعن هؤلاء عامة من ترجم له راجع: معجم رجال الحديث 19/331، وهكذا وصفه «ابن» النديم (الفهرست/203ـ204). ↑
- () الفصول المختارة، 1/28، البحار، 10/295ـ296، راجع الحديث، في الكافي، 1/171ـ173 أي 433/4، وفي كثير من مصادر الحديث. ↑
- () معالم العلماء/ 115، معجم رجال الحديث، 19/334، وكلام الصادق (عليه السلام) هذا حكاه الشريف المرتضى في الشافي/ 13. ↑
- () ابن حزم، الفصل، 2/112و«الإباضية» من فرق الخوارج أخذوا مذهبهم منه، ابن حجر، لسان الميزان، 3/378. ↑
- () الأشعري، مقالات الإسلاميين، 1/186، «ابن» النديم، الفهرست/233، الشهرستاني، الملل والنحل، 1/137، البغدادي، هداية العارفين، 1/446. ↑
- () كمال الدين، 2/363، البحار 48/198. ↑
- () الجاحظ، البيان والتبيين، 1/46ـ47، محاضرات الأدباء 2/7. ↑
- () عقيدة الشُّراة أي الخوارج. ↑
- () مروج الذهب، ط باريس، 5/443ـ444. ↑
- () عيون الأخبار، 2/154. ↑
- () التوحيد/ 290، البحار 3/50. ↑
- () الكافي 1/128ـ129 أي 266/9، التوحيد/133. ↑
- () الانتصار والرد على ابن الروندي الملحد/ 37. ↑
- () الطوسي، الفهرس/ 204، «ابن» النديم، الفهرست/ 223، 224، مجمع الرجال، 6/233، لسان الميزان 6/194. ↑
- () كمال الدين 2/362، البحار 48/179. ↑
- () في طبعة باريس: بواقي، وهو تصحيف. ↑
- () الوجود والعدم والجر والطفرة: في طبعة بيروت. ↑
- () في ط شارل بلا: علي بن ميثم، وهو الصحيح. ↑
- () في ط باريس: منتشر، وهو تصحيف. ↑
- () والصحيح: السكاك. ↑
- () مروج الذهب ط باريس، 6/368، ط بيروت، 3/370ـ372، وحذفت ط شارل بلا، 4/236ـ241 كلام السادس فما بعد. ↑
- () الكافي، 1/169ـ171 أي 432/3، الكشي/271ـ273، أمالي المرتضى 1/176ـ177، المسعودي مروج الذهب، ط باريس 7/234ـ236، ومصادر كثيرة. ↑
- () الشهرستاني 1/31. ↑
- () «ابن» النديم/ 214. ↑
- () مقالات الإسلاميين، 2/133، الشهرستاني، 1/31، 72ـ73. ↑
- () مقالات الإسلاميين، 2/130ـ131. ↑
- () البغدادي، أصول الدين/ 270، 287، 291. ↑
- () ولا أجد لهذا الكلام تفسيراً، سوى أنّهم يقصدون: أنّ اشتداد الخصومة بينهما أوجب أن يغلو كل واحد منهما في رأيه ويفرط في مذهبه. ↑
- () القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة/ 267، ابن المرتضى، المنية والأمل/ 156. ↑
- () «ابن» النديم/ 185. ↑
- () «ابن» النديم/ 214. ↑
- () الملل والنحل، 1/30، 184. ↑
- () مروج الذهب، 7/232ـ233، وفي ط شارل بلا 5/21ـ22. ↑
- () لسان الميزان، 5/414. ↑
- () القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وذكر المعتزلة/ 254، ابن المرتضى، المنية والأمل/149، الدكتور عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، 1/127، وأخطأ الدكتور في فهم كلام ابن المرتضى، الذي حكى عنه. ↑
- () البدء والتاريخ، 2/123ـ124. ↑
- () الكشي/ 274ـ275، مجمع الرجال 6/228. ↑
- () الفرق بين الفرق/ 50، 113ـ114، الملل والنحل، 1/56، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 1/481ـ482، مذاهب الإسلاميين، 1/201. ↑
- () الكشي/ 258، مجمع الرجال، 6/218، البحار، 48/189. ↑
- () الطوسي، الفهرست/ 204، النجاشي/ 305، «ابن» النديم/ 224، معالم العلماء/ 115، مجمع الرجال، 6/233، 234، الذرية، 10/183. ↑
- () راجع ترجمة الفضل بن شاذان في المدخل للترجمة الإنكليزية لكتاب التوحيد، من الكافي. ↑
- () الكشي/ 256ـ257، مجمع الرجال 6/216ـ217، «ابن» النديم، الفهرست «ط مطبعة الاستقامة، القاهرة/ 257» «ط تجدد، طهران/ 224 الهامش، وهذه الأخيرة هي التي أرجع إليها عموماً» المناقب، 4/244. ↑
- () ابن المرتضى، المنية والأمل/ 23، 107، وانظر: البلخي، ذكر المعتزلة/ 67، القاضي عبد الجبار، فصل الاعتزال/ 241. ↑
- () الملل والنحل، 1/32، راجع: دائرة المعارف الإسلامية ـ بالإنكليزية ـ الطبعة الحديثة، 2/388، والمختصر/82ـ83، والمصادر المشار إليها فيهما. ↑
- () مقالات الإسلاميين، 1/269، 2/164. ↑
- () الانتصار… /14، 50، الفصل، 2/126، 4/182، لسان الميزان، 6/194. ↑
- () الشهرستاني، الملل والنحل، 1/87، نهاية الإقدام/ 215، الفصل، 2/126، المعتمد في أصول الدين/ 45، ابن أبي الحديد، 11/63. ↑
- () «بالنسبة إلى الله سبحانه، لأنّهما حيث قالا بحدوث علمه تعالى، فإنّ جعلاه سبحانه محلاً لعلمه، فإنّه ينافي قدمه سبحانه، فقالا بهذا القول» بإثبات الأشعرية تكليماً لا في محل. ↑
- () نهاية الإقدام/ 245. ↑
- () الملل والنحل، 1/85، نهاية الإقدام/ 221. ↑
- () مقالات الإسلاميين، 1/268، الشهرستاني، الملل والنحل. 1/185، الفرق بين الفرق/ 49، ابن الحديد 2/219. ↑
- () تأويل مختلف الحديث/ 48، لسان الميزان، 6/194، عنه. ↑
- () إذ يقصد بالجسم الموجود، لا الجسم المادي، كما سيأتي. ↑
- () أي الجواب الصحيح الذي يُرْتَضَى به. ↑
- () إنّ هشاماً قال في ربّه: هو سبعة أشبار بشبر نفسه، وجاء ذكره في عامة المصادر غير الإمامية، ونقصها ابن المرتضى الزيدي المعتزلي شبرين، فذكر خمسة أشبار!، البحر الزخار 1/47، المنية والأمل/30. ↑
- () الشافي، طبعة الحجر/ 12ـ13. ↑
- () الملل والنحل، 1/185، وعنه الدكتور علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 2/220 ولم يناقش فيه. ↑
- () راجع: الطوسي، الفهرست/ 204، النجاشي، الفهرست/ 304ـ305 وفي طبعة 433ـ434 رقم 1164، «ابن» النديم، الفهرست/ 224، معالم العلماء/ 115، مجمع الرجال، 6/232ـ234، هدية العارفين 2/507، وغيرها. ↑
- () راجع الحكاية عن أبي الهذيل مباشرة: مقالات الإسلاميين، 1/103، 257، 258، وعنه الفَرْق بين الفرق/ 48، 216، وعن الفرق مذاهب الإسلاميين، 1/127، وعن أبي الهذيل: الفصل، 4/184، وعنه منهاج السُّنة، 1/203، ولسان الميزان، 6/194.عند أبي الهذيل: فضل الاعتزال/ 140، 262، والحور العين/ 254، والكرماني، الفرق الإسلامية/ 44. ↑
- () راجع الحكاية عنه: مقالات الإسلاميين، 1/110، وعنه الفَرْق/ 50، ومنهاج السُّنة، 1/214. ↑
- () راجع الحكاية عنه: مقالات الإسلاميين، 1/1209، وفي طبعة 109، 112، 2/232، وعنه منهاج السّنة، 1/208، وعن زرْقان: الحور العين/ 148ـ149، 170. ↑
- () راجع الحكاية عنه بلا إسناد منه إلى آخر: مقالات الإسلاميين، 1/104، 268، 2/161ـ162، وعنه لافرق/ 49، 216. ↑
- () راجع في روايته عن الجاحظ، عيون الأخبار، 3/199، 16، 249، وفي ما يحكيه عن هشام: تأويل مختلف الحديث/ 48، وعنه لسان الميزان، 6/194. ↑
- () راجع فيما ينسبه إلى هشام مباشرة: الانتصار/ 14، 37، 50. ↑
- () راجع الحكاية عنه: مقالات الإسلاميين، 1/104، 107ـ108، 2/163ـ164، 231، وعنه الفرق/49، 50، ومنهاج السُّنة، 1/207، 208، والفرق الإسلامية/ 44ـ45، وعن الكعبي: الملل والنحل، 1/184. ↑
- () الانتصار/ 103. ↑
- () راجع: فضل الاعتزال/ 265، المنية والأمل/ 153، 162، تاريخ بغداد، 7/97، 12/213، ابن خلكان، 3/471، معجم الأدباء، 6/57، نزهة الألباء/ 192، ومصادر كثيرة. ↑
- () راجع فهارس الأعلام في البيان والتبيين. والحيوان، وغيرهما. ↑
- () الحيوان، 6/166. ↑
- () النجاشي/ 176، مجمع الرجال، 4/167. ↑
- () في الفصول المختارة، 1/6، 55، البحار، 1/370ـ372. ↑
- () راجع الكافي، 1/105، أي 285،التوحيد/ 99، البحار، 3/303، وأيضاً الكافي، 1/105، أي 286، التوحيد/ 97، البحار، 3/303. ↑
- () الكافي، 1/106، أي 287، التوحيد/ 99، الفصول المختارة، 2/285، البحار، 3/302، 10/453. ↑
- () أي: جسم لا كالأجسام. ↑
- () الكافي، 1/106، أي 288، التوحيد/ 100، الاحتجاج، 2/115، البحار، 3/295. ↑
- () الكافي، 1/104، أي 282، التوحيد/ 98، البحار 3/301. ↑
- () مقالات الإسلاميين 1/257، 2/182، وراجع: الدكتور علي سامي النشّار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 2/230، سهير محمد مختار، التجسيم عند المسلمين/127، والمصادر المشار إليها فيهما. ↑
- () مونتجمري وات «عصر نشأة الفكر الإسلامي ـ بالإنكليزية ـ مطبعة جامعة أدنبرغ، 1973/248 وذكره بتفصيل في كتابه الآخر عن الإسلام، ط1974/ في الفصل: «قبول الآراء اليونانية»/ 136ـ140، وكلامه حول هشام/ 137 ـ والذي أكبر فيه محاولته هذه وإن لهما أهمية عظيمة. ↑
- () الفصل، طبعة الإفست، دار المعرفة، بيروت، 1395/1975، 2/118ـ119. ↑
- () جاء في المطبوع خطأ: مشتبهاً. ↑
- () المصدر 2/102. ↑
- () الذي معناه يلازمه الجسمية، ويقابله التجسيم اللفظي، أي التعبير عن الله تعالى بالجسم بما له من المعنى المادي. ↑
- () تلبيس إبليس/ 83. ↑
- () وهو ما تقدم من أنّهم نسبوا إليه أنّه كان يقول: إنّ الله تعالى يعلم الحوادث بعد حدوثها، الرأي الذي قال به جهم. ↑
- () يبيّن في رأيه مباشرة في علم الله تعالى. ↑
- () أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، تبرزي، ط2، 1371/21ـ22. ↑
- () المفيد، الفصول المختارة، 2/284ـ285، الكراجكي، كنز الفوائد/198ـ199، البحار، 3/290، 10/452، مرآة العقول، 2/5. ↑
- () مرآة العقول، 1/341ـ342. ↑
- () الكافي، التوحيد، 1/99ـ100 أي 269. ↑
- () أي لا يكون له ما لها التركيب والأجزاء، لأنّهما يستلزمان النقص والحاجة. ↑
- () سورة الذاريات، الآية: 21. ↑
- () التوحيد/ 289، البحار، 3/49ـ50. ↑
- () النجاشي، الفهرست/ 304، الطوسي، الفهرست/ 204، «ابن» النديم/ 224، معالم العلماء/ 115، مجمع الرجال، 6/232ـ233 إيضاح المكنون، 1/476، هدية العارفين، 2/507، الذريعة 8/254. ↑
- () اسم منطقة واقعة بين بلخ، غربيها ومرو الرُّوذ ـ معجم البلدان، 2/182، الروض المعطار/ 182، بلدان الخلافة الشرقية ـ بالإنكليزية/ 423 ـ فتحت سنة 32/653 في خلافة عثمان بن عفان ـ الطبري، 1/2900ـ2901 فتوح البلدان، 3/503ـ504. ↑
- () النجاشي/ 305 وفي طبعة/ 434 أي 1165، الكشي/ 281، البرق/ 34ـ35، مجمع الرجال، 6/234، 238، العلامة خلاصة الأقوال/179، أبو داود/ 368، معجم رجال الحديث، 19/363ـ364. ↑
- () الطبري 2/816، 822، 862، ابن الأثير، 4/331، 347، المعارف/355، 458، 571، تاريخ خليفة، 1/341، 345، 349، 384، 385، تاريخ دمشق، 10/111ـ129، سير أعلام النبلاء، 4/145ـ146، الوافي بالوفيات، 10/152،153. ↑
- () الرجال/ 329 أي 17. ↑
- () الكافي 1/106 أي 289، التوحيد/ 97، البحار 3/300. ↑
- () هو أبو جعفر محمد بن علي النعمان البجلي، «مؤمن الطاق»، الكوفي (… ح 160/777) المتكلم، الثقة الشهير. ↑
- () علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم، أبو الحسن الميثمي. ↑
- () الكافي، 1/100ـ102 أي 172 أي 172، التوحيد/ 113ـ114 البحار، 4/39ـ41. ↑
- () علي بن إبراهيم، التفسير، 1/20، البحار، 3/307، تفسير البرهان، 1/38، نور الثقلين، 5/155. ↑
- () أي يقول بالإشارة تهيباً من التصريح بمثله عن الله سبحانه خاصة أمام الإمام (عليه السلام). ↑
- () أي إبطال دلالة الصفات الإلهية، كالحي، والقادر، والعليم، والسميع، والبصير على معانيها، لأنّ إثبات الدلالة يلزم منه التجسيم والتشبيه، وقد جاء هذا المعنى، أي نفي الإبطال في كثير من أحاديث الإمامية، وهذا هو المقصود من التعطيل والمعطّلة كالجهمية. ↑
- () الكشي/ 284ـ285، مجمع الرجال 6/237. ↑
- () مقالات الإسلاميين، 1/105، 259، الشهرستاني، 1/185، الفرق بين الفرق/51، 320ـ321، الأنساب، الورقة 590/ ب، اللباب، 3/389، منهاج السُّنة، 1/203، 259، ومصادر أخرى. ↑
- () المقريزي، الخطط، 2/348ـ349. ↑
- () ابن أبي الحديد، 3/224. ↑
- () ابن أبي الحديد، 3/224، الحور العين/ 149. ↑
- () الملل والنحل، 1/187، الوافي بالوفيات، 4/104. ↑
- () الملل والنحل، 1/186. ↑
- () البدء والتاريخ، 5/132. ↑
- () المصدر، 1/85. ↑
- () الأنساب، 8/38ـ239، اللباب، 2/225. ↑
- () الوافي بالوفيات، 4/104. ↑
- () المقريزي، الخطط، 2/348، 353. ↑
- () الملل والنحل 10/188، الخطط 2/353. ↑
- () الفرق بين الفرق: 53، الأنساب، الورقة 603/ب، اللباب: 3/421. ↑
- () مقالات الإسلاميين: 1/106، منهاج السنة: 1/207، الفرق: 216، التبصير في الدين: 43. ↑
- () سورة الحاقة، الآية: 17. ↑
- () الفرق: 53، الأنساب: 603/ب، اللباب: 3/421, ↑
- () الملل والنحل: 1/188. ↑
- () في الطبراني: في خضر، عليه نَعْلان من ذهب، وعلى وجهه فراش من ذهب!! ↑
- () والوَفْرة: الشعْر المجتمع على الرأس، أو خصوص ما سال على الأذنين ـ الصحاح، 2/847، النهاية 5/210، القاموس، 2/155، تاج العروس 3/605، لسان العرب، 5/288ـ289، المعجم الوسيط، 2/1046. ↑
- () البيهقي، الأسماء والصفات/ 447ـ447؟، تاريخ بغداد، 13/311، أسد الغابة، 7/356، الطبراني، المعجم الكبير، 25/143، ابن أبي عاصم، السنة، 1/205 أي 471، ومصادر كثيرة أخرى. ↑
- () سير أعلام النبلاء، 10/602ـ604. ↑
- () اللآلي المصنوعة، 1/8ـ29. ↑
- () تاريخ بغداد، 12/66ـ67، المنتظم 6/198ـ199، شذرات الذهب، 2/267، 447، تاريخ الإسلام، (301ـ32)/ 457ـ458 أي 116. ↑
- () طبقات الحنابلة، 2/59، المنهج لأحمد، 2/8. ↑
- () رواه الطبراني في السُّنة، وحكى عن أبي زُرْعة الرازي، عبيد الله بن عبد الكريم (200/815 ـ 264/278) من أئمة الحديث، أنّه قال: هو حديث صحيح لا يُنكره إلاّ معتزلي: كنز العمال، 1/204، منتخبه ـ هامش مسند أحمد ـ 1/113، اللآلي المصنوعة، 1/29ـ30. ↑
- () كنز العمال، 1/204، منتخبه، 1/113، الآلي المصنوعة، 1/30، عن الطبراني في السُّنة، وأخرجه البغوي، كما في الإصابة، 6/140. ↑
- () تاريخ بغداد، 11/214، الآلي المصنوعة، 1/30. ↑
- () طبقات الحنابلة، 2/45ـ46 ودافع عن صحته. ↑
- () الترمذي، 5/395، المستدرك على الصحيحين، 1/65، التوحيد وإثبات صفات الرب 7/424، فتح الباري، 10/230، الدر المنثور، 6/124، فتح القدير 5/110، شرح المواهب، 6/117، ومصادر كثيرة أخرى. ↑
- () التوحيد…/199ـ200، شرح صحيح مسلم للنووي، 3/5، فتح الباري، 10/231، عمدة القارئ، 19/198، ومصادر أخرى. ↑
- () تفسير الطبري، 27/28، الشريعة/496، تفسير ابن كثير، 7/425، الدر المنثور، 6/124. ↑
- () شرح صحيح مسلم، 3/6، الرقاة في شرح المشكاة، 5/306. ↑
- () الشفاء، 1/260، شرح الشفا للخفاجي، 2/292، شرح الشفاء للقارئ، 1/442، الرَّوْضُ الأُنف، 3/445، شرح المواهب اللدنيَّة، 6/120، تاريخ الخميس، 1/314. ↑
- () شرح صحيح مسلن، 3/5 الرقاة، 5/308، السيرة الحلبية، 1/410 وراجع بتفصيل: القاضي عياض، الشفا، 1/257ـ260، الخفاجي، شرح الشفا، 2/285ـ292، القاري، شرح الشفا، 1/416ـ423، شرح المواهب اللدنية، 6/109ـ120. ↑
- () الأسماء والصفات/ 443، التوحيد وإثبات صفات الرب/ 198، الشريعة/ 494ـ495، الشفا، 1/258، شرحه للخفاجي، 2/287، شرحه للقاري، 1/418، الدر المنثور، 6/124 ومصادر أخرى. ↑
- () البخاري، 6/198، 9/159، الدّارمي، السنن، 2/326ـ327. ↑
- () ق، 50/30. ↑
- () أي اكتفيت. ↑
- () البخاري، 6/173، 9/143، 164، مسلم، 8/151ـ152، الترمذي، 4/691ـ692، 5/390، أحمد، 2/276، 314، 369، 507، 3/13، 78، 134، 141، 234، الدارمي، 2/340ـ341، الطبري، جامع البيان «التفسير» ط بولاق ـ 26/105ـ107، ومصادر كثيرة. ↑
- () البخاري، 8/62، مسلم، 8/149، أحمد، 2/315، التوحيد وإثبات صفات الرب/ 39ـ41، الشريعة/ 314. ↑
- () التوحيد…/ 38، الشريعة 315، ابن أبي عاصم، السُّنة، 1/228ـ229 أي 517، وانظر دفاع ابن راهويه، وأحمد بن حنبل، والذهبي عن صحة الحديث، ميزان الاعتدال، 2/419ـ420. ↑
- () البخاري، 9/156، مسلم، 1/113. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 255. ↑
- () المستدرك على الصحيحن، 2/282، وصححه الحاكم والذهبي، التوحيد وإثبات صفات الرب/ 107، 108، تاريخ بغداد 9/251ـ252، الأسماء والصفات/ 354، تفسير ابن كثير، 1/457، الدر المنثور، 1/327، فتح القدير 1//273، روح المعاني، 3/10، 16/154. ↑
- () الطبري التفسير ـ ط بولاق ـ 3/7، الأسماء والصفات/ 353ـ354، الدارمي، السنن، 2/325، المستدرك على الصحيحين، 2/364ـ365، الدر المنثور، 3/298، طبقات الحنابلة، 1/134. ↑
- () الطبري، التفسير 3/7. ↑
- () أبو داود، السنن 4/232، التوحيد وإثبات صفات الرب/103ـ 104، الشريعة/ 293، تفسير الطبري، 3/8، الأسماء والصفات/ 417ـ419، ابن أبي عاصم، السُّنة، 1/252ـ253. ↑
- () الدارمي الرد على بشر المريسي 574ـ576، عقائد السلف/ 432، تفسير الطبري، 3/8، عون المعبود، 13/32ـ33. ↑
- () تاريخ بغداد، 8/52، طبقات الحنابلة، 2/67. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 79. ↑
- () الدارمي، 2/233، ابن أبي عاصم، السُّنة، 1/305/695، الشفا 1/291، ابن الجوزي، زاد المسير، 5/76، الدر المنثور، 1/328، 4/198، شرح المواهب اللّدُنية، 8/367ـ368. ↑
- () جامع البيان، ط بولاق، 15/99ـ100، وقال القرطبي: وعَضَد الطبري جواز ذلك بشَطَط من القول ـ أحكام القرآن، 10/311. ↑
- () السُّنة، تحقيق الدكتور عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، ط 1، (1410/1989)، 1/209ـ269، 236ـ328. ↑
- () القرطبي، أحكام القرآن، 10/311، أبو حيان، البحر المحيط، 6/72، القسطلاني، المواهب اللدنية، 2/411، الزُّرقاني، شرح المواهب، 8/368، الشوكاني، فتح القدير، 3/252، الآلوسي، روح المعاني، 15/142. ↑
- () ابن القيم، بدائع الفوائد، 4/39ـ40، وذكر الخلال كتاب أستاذه المروذي في السُّنَّة 1/27: 249، وذكر بعده من وافقوه فيه 1/217ـ218، 266ـ267. ↑
- () سير أعلام النبلاء، 13/173، 175. ↑
- () تاريخ بغداد، 4/423ـ425، المنتظم، 5ـ2/ 94ـ95، طبقات الحنابلة، 1/56ـ63، المنهج الأحمد، 1/172ـ174، تاريخ الإسلام، 261ـ280/ 273ـ275، أعلام النبلاء، 13/173ـ176، العبر، 2/54، ابن كثير، 11/54، شذرات الذهب، 2/166، ابن الأثير، 7/435، مرآة الجنان، 2/189، الوافي بالوفيات، 10/393. ↑
- () ابن الأثير، 8/213، ابن كثير، 11/162، أبو الفداء، 2/74ـ75، ابن الوردي، 1/390، تاريخ الخلفاء/ 384. ↑
- () راجع: ابن حبّان، كتاب المجروحين «الضعفاء»، 3/14ـ16، تاريخ بغداد، 13/160ـ169، ميزان الاعتدال، 4/172ـ175، تهذيب التهذيب، 10/279ـ285، سير أعلام النبلاء، 7/201ـ202، تاريخ الإسلام/ 141ـ 160/369ـ642، طبقات المفسرين، 2/330 ـ 331ـ642. ↑
- () وَفْرَة، ما ترامى من شعر الرأس على المنكبين، المعجم الوسيط، 1/137. ↑
- () مقالات الإسلاميين، 1/213، 214، 258ـ259، الفصل 4/205، البدء والتاريخ 5/141، ابن أبي الحديد، 3/224. ↑
- () البدء والتاريخ، 1/85، 5/141، الحور العين/149. ↑
- () ابن حبّان، الضعفاء، 3/48ـ49، الميزان الاعتدال، 4/279ـ280، تهذيب التهذيب، 10/486ـ489، ومصادر أخرى. ↑
- () تاريخ بغداد 13/306ـ314، ميزان الاعتدال، 4/267ـ270، تهذيب التهذيب، 10/458ـ463، ومصادر أخرى. ↑
- () تهذيب التهذيب 10/194ـ195، تقريب التهذيب 2/275، تاريخ بغداد، 31/131ـ134. ↑
- () ابن أبي الحديد، 13/224ـ225. ↑
- () ابن المرتضى، المينة والأمل/ 116، ابن أبي الحديد، 3/225. ↑
- () ميزان الاعتدال، 2/23، لسان الميزان، 2/427، تاريخ الإسلام (221/230)/ 476ـ497. ↑
- () مقالات الإسلاميين، 1/214، 258ـ259، الملل والنحل، 1/105، 187، البدء والتاريخ، 5/140، الفرق بين الفرق/ 216، 320، أصول الدين/ 74، 337، التبصير في الدين/ 107، تلبيس إبليس/ 86، 87. ↑
- () الفصل، 2/112، 4/93. ↑
- () في المطبوع: الجوازي، وفي اللسان: الجواري. ↑
- () الفصل، 4/182، سير أعلام النبلاء، 10/544، لسان الميزان، 2/427. ↑
- () الأنساب، الورقة 590/ب، اللباب، 3/289. ↑
- () ميزان الاعتدال، 2/23، لسان الميزان، 2/427. ↑
- () تاريخ الإسلام 221ـ230/ 476ـ497. ↑
- () الطوسي، الفهرست/ 204، النجاشي/ 304، «ابن» النديم/ 224، معالم العلماء/ 115، مجمع الرجال، 6/232، 233، إيضاح المكنون، 2/298، هدية العارفين، 2/508، الذريعة، 10/237. ↑
- () الطوسي/204، النجاشي/305، «ابن» النديم/223، معالم العلماء/115، مجمع الرجال، 6/233، 334، هدية العارفين، 2/507، الذريعة، 10/203. ↑
- () الكشي/185، البرقي، الرجال/17، المفيد، الاختصاص/204، الطوسي، الفهرست/157، الرجال/359، النجاشي/228، ابن شهرآشوب، معالم العلماء/115. ↑
- () «ابن» النديم/224، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 10/553ـ554، الصفدي، الوافي بالوفيات 4/104، ابن حجر، لسان الميزان، 5/300، الشهرستاني، الملل، والنحل، 1/186. ↑
- () الطوسي، الفهرست/222، الرجال/302، مجمع الرجال، 6/7. ↑
- () تكملة الفهرست ـ راجع الفهرست ـ ط تجدد، الهامش/224، ط الاستقامة/258. ↑
- () لسان الميزان 5/300ـ301. ↑
- () الكشي/282، البحار 47/262. ↑
- () الكشي/275ـ277، البحار 47/407ـ408. ↑
- () الكشي/271. ↑
- () الاحتجاج، 2/140، البحار 46/180. ↑
- () الكشي/186ـ188 ـ في ثلاثة أحاديث ـ البحار، 47/405ـ406. ↑
- () الاحتجاج، 2/144ـ148، البحار، 47/396ـ400. ↑
- () راجع المصادر المتقدمة حول لقبه. ↑
- () أي: سامراء الحالية ـ العراق. ↑
- () تاريخ بغداد، 5/196. ↑
- () التوحيد/ 103ـ104، البحار 3/304. ↑
- () أي غير الشيعة. ↑
- () تركت رواية أحاديث غير الشيعة واقتصرت على أحاديثهم. ↑
- () الكشي/ 590ـ591، مجمع الرجال، 5/118، معجم رجال الحديث، 14/299. ↑
- () مناظرات فخر الدين الرازي في بلاد ما وراء النهر، تحقيق الدكتور فتح الله خليف، دار المشرق، بيروت، 1966 ـ مع ترجمته إلى الإنكليزية/ 99:39 وراجع ترجمته/ 62 :99. ↑
- () ميزان الاعتدال 3/91. ↑
- () ابن الجوزي، الموضوعات، 1/37، 100، 122، ابن فُورَك، مشكل الحديث/169، البيهقي، الأسماء والصفات/ 445، الذهبي، ميزان الاعتدال، 1/593، ابن حجر، تهذيب التهذيب، 3/15، السيوطي، اللآلي المصنوعة، 1/25، 2/468، ومصادر أخرى. ↑
- () نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد/ 323، 341ـ349. ↑
- () راجع ترجمته في فاتحة الترجمة الإنكليزية لكتاب العقل والجهل من الكافي. ↑
- () الكافي، 1/123ـ 124ـ 323، 324. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 11. ↑
- () الكافي، 1/124. ↑
- () التبيان، 10/431. ↑
- () التوحيد/ 93، 140ـ171. ↑
- () التوحيد/ 197. ↑
- () عيون الأخبار، 1/3ـ7. ↑
- () راجع/ 72، فما بعد. ↑
- () طبقات ابن سعد ٧/١٦٧. ↑
- () بحار الأنوار ٥/٥٦، ح١٢٠. ↑
- () التوحيد باب نفي الجبر والتفويض، ص360، ح8. ↑
- () الأشاعرة هم جمهور أهل السنة. ↑
- () هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بما يُريد الأشاعرة فهي تتعلق بالحوار الذي جرى بين إبراهيم (عليه السلام) والمشركين من قومه. فقال لهم مستنكراً: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) يعني إنّ الله خلقكم والأحجار التي تنحتونها أصناماً (وَمَا تَعْمَلُونَ). ↑
- () وإن كانوا لا يصرحون بهذا التوجيه الأخير. ↑
- () المجتمع الجديد: إدوارد هالت ص9ـ12 نقلاً عن الترجمة الفارسية. ↑
- () الأوائل 2/125 نقلاً عن الإلهيات (محاضرات الشيخ السبحاني 510). ↑
- () الإمامة والسياسة: لابن قتيبة/ نقلاً عن المصدر السابق. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () الخدد للمقريزي 2/356، نقلاً عن المصدر السابق. ↑
- () طبقات ابن سعد 7/167 ط بيروت نقلاً عن المصدر السابق. ↑
- () الفرق بين الفرق: ٩٤، دار الآفاق الجديدة بيروت. ↑
- () المعتزلة: ٩٢، وبنفس المضمون في الملل والنحل للشهرستاني ١/٩١. ↑
- () الأسفار ٦/٣٦٩ـ٣٧٠. ↑
- () الملل والنحل، للشهرستاني ١/٩١.ويروي زهدي جار الله هذا المعنى من المصدر السابق وطائفة من المصادر في كتابه (المعتزلة). ↑
- () الإشارات للشيخ: «أبو علي ابن سينا» 3/68. ↑
- () البيان في تفسير القرآن ـ المدخل إلى التفسير/ السيد أبو القاسم الخوئي، ص102. ↑
- () شرح عقائد الصدوق أو (تصحيح الاعتقاد) بتعاليق: السيد هبة الدين الشهرستاني: ١٩٧ـ٢٠٠ (المطبعة الحيدرية النجف ١٣٩٣اهـ). ↑
- () تصحيح الاعتقاد، للشيخ المفيد ص٢٠٠، (نفس الطبعة). ↑
- () تصحيح الاعتقاد، للشيخ المفيد ص٢٠٠: الهامش. ↑
- () تصحيح الاعتقاد: ٢٠٢. ↑
- () الطلب والإرادة: أبحاث الإمام الخميني ترجمة السيد أحمد الفهري ص65. ↑
- () المعتزلة، لزهدي جارالله: ١٠٠ـ١٠٢. ↑
- () اُصول الكافي ١/١٢١، ح ٤، منشورات المكتبة الإسلامية ١٣٨٨هـ. ↑
- () في نسخة: مقيمون. ↑
- () اُصول الكافي ١/ ١١٩ ـ١٢٠، المكتبة الإسلامية ١٣٨٨هـ. والتوحيد للصدوق (مؤسسة النشر الإسلامي قم) ص380، ح28. ↑
- () التوحيد، للصدوق (مؤسسة النشر الإسلامي قم) ص 380، ح27. ↑
- () المصدر نفسه: ص271، ح11. ↑
- () توحيد الصدوق (١٣٩٨هـ) ص340، ح10 وص338، ح6. وأصول الكافي (1388هـ) 1/142، ح13، ابن الأثير 5/57، ح104. ↑
- () بحار الأنوار ٥/٩ـ١٠، ح١٤ عن الخصال للصدوق. ↑
- () أصول الكافي ١/١٢٤، ح٤، والتوحيد للصدوق، ص346، ح3. ↑
- () التوحيد للصدوق (1398هـ) ص352، ح23، وبحار الأنوار 5/39، ح61. ↑
- () أصول الكافي 1/123، ح2 (1388هـ). ↑
- () المصدر نفسه، ح3. ↑
- () التوحيد للصدوق 359، ح2، وبحار الأنوار 5/52، ح85. ↑
- () التوحيد للصدوق 361، ح7، وبحار الأنوار 5/16، ح22. ↑
- () التوحيد للصدوق ص369، ح9، وبحار الأنوار 5/29، ح36. ↑
- () الإلهيات: الشيخ السبحاني ص603. ↑
- () الإنسان والتقدير(القدر): للشيخ المطهري، ص28. ↑
- () أصول الكافي (1/117، ح3، المكتبة الإسلامية 1388هـ). وبمضمونه التوحيد للصدوق (1398هـ) ص343، ح12. ↑
- () أصول الكافي 1/117، ح4. ↑
- () التوحيد للصدوق 369، ح8. ↑
- () المصدر نفسه، ص371، ح11. ↑
- () المختار في الجبر والاختيار للسيد محمد علي الصادقي 123. ↑
- () أصول الكافي (المكتبة الإسلامية 1388هـ) 1/121، ح9. ↑
- () المصدر نفسه: 1/120، ح2. ↑
- () التوحيد، للصدوق: ص361، ج7. ↑
- () المصدر نفسه، ج8. ↑
- () راجع: إحياء علوم الدين، دار الحديث، ج1، ص153. ↑
- () تفسير الجلالين، ص275. ↑
- () المنقذ من الضلال، ص35، 46، ط. الجندي. ↑
- () ينصب البحث الفلسفي في أولياته على سؤالين: هل هناك واقع خارجي؟ وهل يمكن التعرف إلى هذا الواقع؟ وبدون هذين السؤالين لا معنى للبحث الفلسفي. وهذا هو مبعث تكرار المقال لكلمة «واقع» و«واقعيات» والأخيرة هي في مقابل المتخيلات والوهميات. ↑
- () وُلد صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المشهور بصدر المتألهين في حدود سنة 979هـ في شيراز إحدى مدن محافظة فارس، وتوفي في البصرة عند عودته أو ذهابه إلى الحج سنة 1050هـ للمرة السابعة. يُعدّ مجدد الفلسفة الإسلامية من القرن الهجري الحادي عشر، ويمثل إنجازه الفلسفي الأساس كما يذهب لذلك السيد محمد حسين الطباطبائي في التوفيق بين العقل والكشف والشرع. ↑
- () الفلسفة النظرية هي ما ينبغي أن يُعلم ولها ثلاثة مجالات هي: الإلهيات والرياضيات، والطبيعيات. أمّا الفلسفة العملية فمتعلقها ما ينبغي أن يُعمل في مجال التكاليف والواجبات والأخلاق، ولها أيضاً ثلاثة مجالات، هي: تدبير النفس، تدبير المنزل، وتدبير سياسة المدن والدول. ↑
- () دَرَجَ المناطقة على تقسيم العلم إلى: حضوري وحصولي، والحضوري هو حضور نفس المعلوم بوجوده العيني الخارجي، ومثاله علم النفس الإنسانية بذاتها وعلم الله بنفسه ومخلوقاته. أمّا الحصولي فهو يتمثل بحضور صورة المعلوم وانتقاشها في الذهن، وهو ينقسم إلى تصوّر وتصديق. ↑
- () الصفات الجمالية، هي الصفات الثبوتية التي يلزم إثباتها للذات المقدسة، كالعلم، القدرة، الحياة، الغنى. أمّا الصفات الجلالية، فهي الصفات (السلبية) التنزيهية التي يلزم تنزيه الله سبحانه عنها وعن الاتصاف بها، نظير الاتصاف بالفقر، الموت، الجهل، العجز. ↑
- () إنّ هذه المعرفة بالمحتوى أو نتاج الإيمان بالوحي هي التي تتحصل من خلال التعامل مع الكلام الإلهي، ونحن هنا لسنا بصدد الاستناد إلى ظواهر الكلام وما يرتبط بمباحث الألفاظ. ↑
- () إنّ تشبيه الحقيقة المطلقة والنهائية بالفيل، واستنتاجات البشريّة بشأنها من خلال لمس بعض من أعضاء الفيل، هذا التشبيه المنقول عن عرفاء الهند القدماء، الذي نقله الشاعر المولوي في ديوانه، كان سعياً من أجل بيان كيف أنّ من الممكن أن تتحصل إدراكات متفاوتة في الجملة عن الحقيقة المطلقة والنهائيّة، وكيف أنّنا ـ ونحن البشر ـ من الممكن أن نقترب أكثر من تلك الحقيقة، ولكنّنا لا نستطيع أن نحصل عليها كلها، وكيف أنّ تجسّد المعرفة في الواقع يتلاءم مع تحوّلها، وإضافةً إلى ذلك فإنّ طرح القضايا الثلاث: الحقيقة، والطريقة، والشريعة من قبل العرفاء هو إيضاح آخر من أجل بيان سعة تلك الحقيقة النهائية من جهة، وكون معرفة الإنسان إجماليّة من جهة أخرى.وفي هذا المجال يقول الغزالي في كتاب «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» بعد أن يستثنى حالات معينة: «إنّ جميع الفرق الإسلاميّة ينطبق عليها حكم الإسلام رغم الاختلافات بينها، ولا يمكننا تكفير أحد». ↑
- () يرى الإلهيّون، والعرفاء المسلمون المتعمّقون في التفكير أنّ حقيقة الكلام الإلهيّ غير محدودة، ولا يمكن الإحاطة بها، وإنّ الكتب المستندة إلى الوحي هي عبارة عن الشكل الهابط، والمحدود لتلك الحقيقة لا كلها. ↑
- () أوضحتُ في مقالة «الدين والعقل» كيفيّة تدخّل العلوم، والمعارف البشريّة في تحوّلات المعرفة الإيمانيّة. ↑
- () يصدق هذا الموضوع أيضاً في مجال فهم كلام الإنسان رغم أنّ الإنسان وكلامه محدودان، فلا يوجد أي شخص يستطيع الإحاطة الكاملة بجميع الأبعاد المختلفة بكلام آخر، نعم من الممكن ـ من خلال مرور الزمن، وتدخّل العوامل الجديدة ـ فهم أبعاد جديدة حتى بالنسبة إلى الكلام العادي تماماً للأشخاص، فالإنسان لا يفهم كلام الإنسان الآخر إلاّ في الجملة أيضاً لا بالجملة، علماً أنّ قضية الناس مع بعضهم هي أكثر تعقيداً ممّا نتصوّره عادة. ↑