لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الثامن
بسم الله الرحمن الرحيم
بذخشان
بلاد بذخشان في شرق طخارستان، يحدق بها ثلاثة جوانب المنعطف العظيم في نهر جيحون الأعلى، وقد وصف الاصطخري هذه البلاد: «لها رستاق كبير عامر جدّاً خصب وبها كروم وأنهار» وقصبتها باسمها، إلاّ أنّ نهر بذخشتان (أي گكچة) كان معروفاً عند العرب بنهر الضرغام. أمّا موضع مدينة بذخشان، فلم تفصح عنه كتب المسالك التي انتهت إلينا. إلاّ أنّه نظراً إلى مناعة أكثر هذه البلاد، فمن المحتمل على ما يبدو، أنّها كانت في الوادي حيث تقوم مدينة فيض آباد (فيزاباد)، قصبة البلاد الحالية.
وكانت بدخشان تشتهر منذ القديم بأحجارها الكريمة، لا سيما «معدن البلخش المقاوم للياقوت وبها معدن اللازورد». وقال المقدسي في المئة الرابعة (العاشرة) أنّه كان فيها عند معادن الجوهر حصن لزبيدة زوجة هارون الرشيد ونسب إليها، وفيها غير الياقوت والبلخش واللازورد: البلور وحجر البازهر. وبها أيضاً «الإسبست» وقد سمّاه العرب حجر الفتيلة وهو لا تحرقه النار. قال المقدسي «وينسج منه الخوان، فإذا اتسخت وأرادوا غسلها طرحوها في التنور فتعود نظيفة». وهكذا كانوا يصنعون بحجارة الفتيلة إذا اتسخت فإنّهم يطرحونها في النار المتأججة ساعة فتعود إلى ما كانت عليه، وزاد المقدسي على ذلك أنّه كان بها «حجر يجعل في البيت المظلم فيضيء أدنى شيء». ولعل هذا الحجر ضرب من الحجر الفسفوري المضيء (نوع من حجر الفلور).
وقد أعاد القزويني نقل أكثر هذا القول، وذكر أنّ في بذخشان، غير هذه الأحجار الكريمة، حجر البجاذي «وهو حجر كالياقوت». وقال إنّ حجر الفتيلة كان يحسبه العامة في أيامه «ريش الطائر لا تحرقه النار». وكان معدن البلخش يكثر بالقرب من مدينة يمگان في جوار معدن الفضة. وذكر أبو الفداء مدينة جرم وهو الاسم الذي أطلقه علي اليزدي على نهر بذخشان. ولمّا غزا تيمور بذخشان في النصف الثاني من المئة الثامنة (الرابعة عشرة) كانت قصبتها كِشْم، وفيها مقام ملك بذخشان. ومن أكبر مدنها كلاوقان، إلاّ أنّه لم ينته إلينا وصف لهما. ولا تعرف مواضعهما.
وقال الدكتور فرهاد دفتري إنّ «ناصر خسرو» حكيم بلخ أمضى السنوات الأخيرة من عمره في (يمگان» من بلدات بذخشان ولا تزال مقبرته قائمة هناك وربما دلّ هذا على استيعاب بلاد بذخشان للتشيع الإسماعيلي منذ القرن الرابع الهجري وما بعد ذلك. وممّا لا شك فيه أنّ بذخشان كانت قد أصبحت تحت تأثير دعوته بصورة ملحوظة. إضافة إلى ذلك فإنّ تواجد السادات هناك له تاريخ طويل. ففي عصر التيموريين كان يعيش عدد من السادات في هذه المنطقة وأنّ عدد أبناء الشيعة فيها كان ملحوظاً ومن السادات الشيعة في بذخشان هو الأمير مسيب الرازي وكان شاعراً جاء اسمه في كتاب «التحفة السامية»:
«الأمير مسيب الرازي من سادات بذخشان وكان سيداً ذا صفات إنسانية وإخلاق حسنة ففي العصر التيموري وما بعد ذلك كانت نزعة التشيع في هذه البلاد تحوّلت من «الإسماعيلية» إلى الإثني عشرية ولكن بسبب ابتعادها عن مراكز التشيع الرئيسية وكونها منطقة جبلية فإنّ ازدهار التعاليم الشيعية والتوصل إلى العلماء كان صعباً ولذلك بعثت بعض مناطق بذخشان موفدين إلى مشهد في القرن الحادي عشر لمعالجة هذا الوضع واستقدام مرشدين. يقول السيد عبد الحسين خاتون آبادي الذي كان شاهد بنفسه الموفدين عن قُرب:
«يقول كاتب وراقم هذه الحروف أنّه في سنة 1082هـ عندما كنت في مدينة مشهد جاء رجلان من مناطق بذخشان الجبلية من قِبل الشاه رئيس بن الشاه بابروكان سلطان البابرية وسلطان المنطقتين الجبليتين في بذخشان اللتين إحداهما تسمّى الإسكندرية والأخرى تسمّى البابرية وأنّ أهالي هاتين المنطقتين الجبليتين هم من أبناء الشيعة ولهم قصائد كثيرة يمدحون فيها الأئمة الإثني عشر وسبب إيفاد هذين الرجلين هو أنّ الشاه رئيس كان قد طلب من مسؤول عتبة مشهد المقدسة إيفاد رجل علم لتعليم الطريقة الشيعية الإمامية في ولاية البابرية وليكون معلمهم ومفتيهم هناك وأنّ هذين الرجلين قالا إنّ مقبرة ناصر خسرو هي في منطقتنا الجبلية وأنّ الأهالي يقومون بزيارة هذه المقبرة».
ويقول الكاتب في مكان آخر من الكتاب بعد أن يشرح بعض التفاصيل عن مجيء هذين المبعوثين إلى مدينة مشهد:
«… وآنذاك كان المسؤول عن الآستانة والعتبة المقدسة رجل اسمه الميرزا شاه تقي خلف الميرزا بار المقولي خلف الميرزا محمد تقي بن السيد مير محمد جعفر وأنّ هذا المسؤول بعث بكتابهم والهدايا التي كانوا يحملونها معهم من بذخشان إلى دار السلطنة في أصفهان لعرضها على سلطان الزمان الشاه سليمان وأنّ الملك أجاب على كتابهم قائلاً: على مسؤول الآستانة والعتبة المقدسة أن يرسل رجلاً قديراً وأنّ المسؤول المذكور قال: في ليلة من الليالي خلال حديثه معي: إنّي استخرت الله أن أفوض هذه المهمة وألقي هذه المسؤولية عليك ولكن الاستخارة لم تكن جيدة فالرجاء أن تبحث عن رجل من طلاب العلوم يكون محترماً لأوفده إلى هناك. ولكنّه لم يوافق على الرجل الذي اخترته فكان النتيجة أنّ الرجلين عادا دون أن يأخذا معهما أحداً».
ممّا لا شك فيه أنّ التشيع في هذه المناطق بسبب تاريخها الماضي وابتعادها عن إيران لا يمكن أن يكون مثل التشيع في بقية مناطق أفغانستان الشيعية الحالية ولا يرتبط بالنهضة الشيعية التي بدأت في عهد الشاه إسماعيل الصفوي بعد انقراض السلالة التيمورية. الحقيقة هي أنّ التشيع في أفغانستان وما وراء النهر بعد الإجراءات التي مارسها الشاه إسماعيل أخذ بالتقهقر وأنّ الشيعة هناك واجهوا مشاكل كثيرة وهذه المشاكل كانت بسبب شدّة «السلطان الصفوي» وتطرّفه في إيران وغرب خراسان.
براءة
اسم سورة في القرآن
بغزوة تبوك استتبت كلمة الإسلام في شبه جزيرة العرب كلّها، وأمن محمد (صلّى الله عليه وآله) كلّ عادية عليها. والحق أنّه لم يكد يستقر بعد أن عاد من هذه الغزوة إلى المدينة حتّى بدأ كلّ من أقام على وثنيته من أهل شبه الجزيرة يفكر.
وكان لغزوة تبوك ولانسحاب الروم أمام المسلمين من الأثر أكبر ممّا كان لفتح مكة والانصار في حنين وحصار الطائف.
ومن حسن صنيع القدر أن كانت الطائف ـ التي قاومت النبي أثناء حصارها ما قاومت حتّى انصرف المسلمون عنها دون اقتحامها ـ وهي أوّل من أسرع إلى إعلان الطاعة بعد تبوك، وإن تردّدت طويلاً في إعلان هذه الطاعة.
وكانت سطوة محمد قد امتدت من بلاد الروم في الشمال إلى بلاد اليمن وحضرموت في الجنوب. وكانت هذه البلاد الباقية في جنوب شبه الجزيرة تتهيأ كلّها لتنضم إلى الدين الجديد، وكانت وفودها تسير لذلك من جهات مختلفة، قاصدة كلّها أي المدينة لتعلن الطاعة ولتدين بالإسلام.
بينما كانت الوفود تقبل إلى المدينة، اقترب موعد الحاج وكانت شبه الجزيرة ما يزال بها من لم يؤمن بالله ورسوله، ما يزال بها الوثنيون وما يزال بها اليهود والنصارى. والوثنيون على عهدهم بالجاهلية ما يزالون يحجون إلى الكعبة في الأشهر الحرم.
والعام يتلو العام والوثنيون ما يزالون يحجون بيت الله الحرام. أليس بين محمد والناس عهد عام ألاّ يصدّ عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم؟ أليست بينه وبين قبائل من العرب عهود إلى آجال مسمّاه؟ فما دامت هذه العهود فسيظل بيت الله يحج إليه من يشرك بالله ومن يعبد غير الله، وسيظل المسلمون يرون عبادة الجاهلية تؤدّي بأعينهم حول الكعبة وهم بحكم هذه العهود الخاصة وهذا العهد العام لا قبل لهم بصدّ أحد عن حجه وعبادته. وإذا كانت الأصنام التي يعبد العرب قد حطّم الكثير منها وحطّم منها كلّ ما كان في الكعبة أو حولها، فإنّ هذا الاجتماع في بيت الله المقدس، اجتماعاً يضمّ الثائرين على الشرك وعلى الوثنية والمقيمين على هذا الشرك وهذه الوثنية، تناقض غير مفهوم. وإذا استطاع أحد أن يفهم حج اليهود والنصارى جميعاً إلى بيت المقدس على أنّه أرض المعاد لليهود ومولد المسيح للنصارى، فلن يستطيع أحد أن يفهم اجتماع عبادتين حول بيت تحطم فيه الأصنام وتعبد فيه الأصنام التي حُطّمت.
لذلك كان طبيعياً أن يحال بين الوثنيين وبين الاقتراب من البيت الذي طُهر من الشرك ومُحيت منه كلّ معالم الوثنية، وفي هذا نزلت الآيات من سورة براءة. لكن موسم الحج بدأ والمشركون قد أتى منهم من اتى من كلّ فج يقضي مناسك حجه. فليكن هذا الاجتماع أوان تبليغهم أمر الله ينقض كلّ عهد بين الشرك والإيمان إلاّ من عهد عقد لأجل فإنّه يبقى لأجله. ولهذه الغاية أوفد النبي أوّلاً أبا بكر إلى الحج ومعه سورة (براءة) ثمّ عاد فأرسل علي بن أبي طالب ليأخذ السورة من أبي بكر فيكون هو الذي يتلوها لا أبو بكر.
فلمّا اجتمع الناس في (منى) يؤدّون الحج نادى علي بن أبي طالب في الناس وتلا عليهم سورة (التوبة) التي عرفت باسم (براءة) أيضاً والتي جاء فيها: {… أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وجاء فيها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا…}. فلمّا أتمّ تلاوتها وقف هنيهة ثمّ صاح بالناس: (أيّها الناس إنّه لا يدخل الجنّة كافر ولا يحج بعد هذا العام وثني، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عهد فهو إلى مدته). صاح علي في الناس بهذه الأوامر الأربعة، ثمّ أجلّ الناس أربعة أشهر بعد ذلك اليوم ليرجع كلّ قوم إلى مأمنهم وبلادهم ومن يومئذ لم يحج وثني ولم يطف بالبيت عريان. ومن يومئذ وضع الأساس الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية.
والحرص على أن يدرك العرب جميعاً هذا الأساس هو الذي دعا علياً إلى ألا يكتفي بقراءة هذه الآيات من براءة يوم الحج، على ما اتفقت عليه الرواية، بل جعله يقرؤها على الناس من بعد ذلك في منازلهم، على ما جاءت به روايات كثيرة. وإنّك إذ تتلو صدر (براءة) هذا وتعيد تلاوته بإمعان وروية لتشعر حقاً بأنّه الأساس المعنوي في أقوى صوره لكلّ دولة ناشئة تقوم. ونزول (براءة) كلّها بعد آخر غزوة من غزوات النبي، وبعد أن جاء أهل الطائف يلعنون انضمامهم إلى الدين الجديد، وبعد أن أصبح الحجاز كلّه ومعه تهامة ونجد منضوياً تحت راية الإسلام، وبعد أن أعلن كثير من قبائل الجنوب في شبه الجزيرة الإذعان لمحمد والانضواء إلى دينه، يجلو الحكمة التاريخية في نزول الآيات التي تنتظم أساس الدولة المعنوي في هذا الحين. فالدولة لتكون قوية، يجب أن تكون لها عقيدة معنوية عامة يؤمن بها أهلوها، ويدافعون جميعاً عنها بكلّ ما أوتوا من عتاد وقوّة. وأيّة عقيدة أعظم من الإيمان بالله وحده لا شريك له، أيّة عقيدة أكبر سلطاناً على النفس من أن يحسّ الإنسان نفسه تتصل بالوجود في مظاهره، لا سلطان عليه لغير الله ولا رقيب غير الله على ضميره فإذا وجد الذين يقومون في وجه هذه العقيدة العامة التي يجب أن تكون أساس الدولة، فأولئك هم الفاسقون، وأولئك هم نواة الثورة الأهلية والفتنة الماحقة وأولئك يجب ألا يكون لهم عهد ويجب أن تقاتلهم الدولة. فإن كانوا ثائرين على العقيدة العامة ثورة جامحة، وجب قتالهم حتّى يذعنوا. وإن كانت ثورتهم على العقيدة العامة غير جامحة، كما هو شأن أهل الكتاب، وجب أن يدفعوا الجزية.
النظر إلى المسألة من الجهة التاريخية والجهة الاجتماعية يهدينا إلى هذا التقدير لمغزى الآيات التي وردت في (براءة)، وهو يهدي إلى هذا التقدير كلّ منصف نزيه القصد. لكن الذين أسرفوا في أحكامهم على الإسلام وعلى رسوله يذرون هذا النظر جانباً ويعرضون لهذه الآيات القوية غاية القوة من سورة التوبة على أنّها دعوة إلى التعصب لا تتفق مع ما ترضاه الحضارة الفاضلة من تسامح، دعوة إلى قتال المشركين وقتلهم حيث ثقفهم المؤمنون في غير رفق ولا هوادة، دعوة إلى إقامة الحكم على أساس البطش والجبروت. هذا كلام تقرؤه في كثير من كتب المستشرقين. وهو كلام تهوي إليه الأذهان التي لم تنضج فيها ملكة النقد الاجتماعي والتاريخي حتّى من أبناء المسلمين. وهو كلام لا يتفق مع الحقيقة التاريخية ولا يتفق مع الحقيقة الاجتماعية بشيء. وهو لذلك يؤدّي بأصحابه إلى تفسيرهم ما أوردنا من السورة. وما جاء من مشابهة في مواضع كثيرة من القرآن تفسيراً يأباه منطق الحوادث في سيرة الرسول تمام الآباء، وتأباه حياة النبي في تسلسلها من يوم بعثه الله للدعوة إلى دين الحق إلى يوم اصطفاه الله إليه.
ويجمل بنا لبيان ذلك أن نسأل عن الأساس المعنوي للحضارة الحاكمة اليوم، ثمّ نقيس به هذا الأساس المعنوي الذي دعا محمد إليه. فالاساس المعنوي للحضارة الحاكمة اليوم هو حرية لا حدّ لها، ولا حدّ للتعبير عن مدلولها إلاّ بالقانون. وحرية الرأي هذه هي لذلك عقيدة يدافع الناس عنها ويضحون في سبيلها ويجاهدون لتحقيقها ويحاربون من أجلها، ويعتبرون ذلك آية من آيات المجد التي يفاخرون بها الأجيال ويتباهون بها على ما سبقهم من العصور. من أجل ذلك يقول المستشرقون الذين أشرنا إليهم: إنّ دعوة الإسلام لمقاتلة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر دعوة إلى التعصب تتنافى مع الحرية. وهذه مغالطة مفضوحة إذا عرفت أنّ قيمة الرأي الدعوة له والعمل به. والإسلام لم يدع إلى مناوأة المشركين من أهل الجزيرة، إذا هم أذعنوا ولم يدعوا إلى شركهم ولم يعملوا به ويقيموا عبادته، والحضارة الحاكمة اليوم تحارب الآراء التي تناقض مواضع العقيدة منها بأشد ممّا كان يحارب المسلمون المشركين. وتفرض على من يعتبر كتابياً بالنسبة لهذه الحضارة الحاكمة ما هو شر من الجزية ألف مرّة.
ولسنا نضرب المثل لذلك بما كان حين محاربة تجارة الرقيق، وإن آمن الذين كانوا يقومون بهذه التجارة بأنّها غير محرمة. لا نضرب هذا المثل حتّى لا يُقال: إنّنا لا نستنكر هذه التجارة وإن كان الإسلام لم يدع إلى أكثر من محاربة ما يستنكر. لكن أوروبا اليوم صاحبة الحضارة الحاكمة تؤيدها أميركا، قد حاربت الشيوعية وهي مستعدة لمحاربتها أشد الحرب. والشيوعية ليست مع ذلك إلاّ رأياً في الاقتصاد يحارب الرأي الذي تدين به الحضارة الحاكمة اليوم. أفتكون دعوة الإسلام إلى محاربة المشركين الذي ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه دعوة وحشية إلى التعصّب وضد الحرية، وتكون الدعوة إلى محاربة الشيوعية دعوة إلى الحرية في العقيدة والرأي وإلى احترامها.
ثمّ إنّ قوماً رأوا في غير بلد من بلاد أوروبا أنّ التهذيب النفسي يجب أن يتّصل به التهذيب الجسمي، وأنّ ما تواضع الناس عليه من ستر الجسم كلّه أو بعض أعضائه أشدّ إثارة للمعاني الجنسية في النفس، وأشدّ لذلك أفساداً للخلق، من أن يسير الناس وكلّهم عريان. وبدأ أصحاب هذا الرأي ينفذونه وأقاموا محلات العري في بعض المدن وأقاموا أماكن يغشاها من شاء للتدرّب على هذا التهذيب الجسمي لكن هذا الرأي ما بدأ ينتشر حتّى رأى القامون بالأمر في كثير من البلاد أنّ في انتشار مظاهره إفساداً للتهذيب الخلقي يضرّ بالجماعة، فحرّموا «محلات العري» وحاربوا القائمين بالرأي، ونهوا بالقانون عن إنشاء أماكن هذا التهذيب الجسمي. وما نشك في أنّ هذا الرأي لو انتشر في أمّة بأسرها لكان سبباً لإعلان الحرب عليها من أمم أخرى على أنّه مفسدة للحياة المعنوية في الإنسان، كما أثيرت حروب بسبب الرقيق، وكما تثار حروب أو ما يشبهها بسبب تجارة الرقيق الأبيض وبسبب الاتجار بالمخدرات. لماذا ذلك كلّه؟ لأنّ حرية الرأي على إطلاقها يمكن أن تحتمل ما بقيت حبيسة في حدود القول الذي لا يتصل منه بالجماعة ضر أو أذى. فإذا أوشك هذا الرأي أن يثير في الجماعة الإنسانية الفساد فقد وجبت محاربة هذه التأثيرات ووجبت محاربة مظاهر الرأي جميعاً، بل وجبت محاربة الرأي نفسه، وإن اختلفت مظاهر هذه الحرب بمقدار ما يترتب على هذه المظاهر من فساد في الجماعة يخشى منه على قوامها الخلقي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
هذه هي الحقيقة الاجتماعية المعترف بها والمقرّرة لدى الحضارة الحاكمة اليوم. ولو أردنا أن نستقصي مظاهر ذلك وآثاره في مختلف الشعوب لطال بنا الحديث، وليس ها هنا موضوعه. على أنّك تستطيع أن تقول إنّ كلّ تشريع يراد به قمع أيّة حرية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية إنّما هو حرب للرأي الذي تصدر عنه هذه الحركة. وهذه الحرب تجد ما يسوغها في مبلغ ما يصيب الجماعة الإنسانية من ضرر إذا نفذت الآراء التي تشب الحرب عليها. فإذا أردنا أن نقدّر دعوة الإسلام إلى مقاتلة الشرك وأهله وحربهم حتّى يذعنوا، وهل هذه الحرب مسوغة أو غير مسوغة، وجب أن ننظر فيما تمثله فكرة الشرك هذه وما تدعو إليه فإن اتفقت الكلمة على فادح ضررها بالجماعة الإنسانية في مختلف عصورها كان لإعلان الإسلام الحرب عليها ما يسوغه بل ما يوجبه.
والشرك الذي كان موجوداً حين قيام محمد (صلّى الله عليه وآله) بالدعوة إلى دين الله الحق لم يكن يمثّل عبادة الأصنام وكفى، ولو أنّه كان كذلك لوجبت محاربته، فمن الازدراء للعقل الإنساني وللكرامة الإنسانية أن يعبد الإنسان حجراً. لكن هذا الشرك كان يمثل مجموعة من التقاليد والعقائد والعادات، بل كان يمثل نظاماً اجتماعياً هو شر من الرق وشر من كلّ عقيدة وشر من كلّ ما يتصوّر العقل في هذا القرن المتم للعشرين. كان يمثل وأد البنات، وتعدّد الزوجات إلى غير حد، حتّى ليحل للرجل أن يتزوج ثلاثين وأربعين ومائة وثلاثمائة امرأة أو أكثر من ذلك. وكان يمثّل الربا في أفحش ما يستطيع الإنسان أن يتصوّر الربا، وكان يمثّل الإباحية الخلقية في أسفل صورها، وكانت جماعة الوثنيين العرب شر جماعة من الناس وضعت لنفسها اليوم نظاماً فيه من العقائد والعادات و وأد البنات، وتعدّد الزوجات، وإباحة الرق لسبب أو لغير سبب، واستغلال الأموال استغلالاً فاحشاً، ثمّ قامت ثورة على ذلك كلّه تحاول تحطيمه والقضاء عليه، أتتهم هذه الثورة بالتعصب وبالعمل ضد حرية الرأي؟ وإذا افترضنا أنّ أمّة اطمأنت إلى هذا النظام الاجتماعي المنحط وأوشكت العدوى أن تنتقل منها إلى غيرها من الدول فآذنتها هذه الدول بحرب، أتكون هذه الحرب مسوغة أم غير مسوغة؟ أو لا تكون مسوغة أكثر من الحرب الكبرى الأخيرة التي طاحت بملايين من أهل هذا العالم لغير سبب إلاّ الشره والجشع من جانب دول الاستعمار؟ وإذا كان ذلك شأنها فما عسى أن تكون قيمة نقد المستشرقين للآيات التي وردت في سورة براءة، ولدعوة الإسلام إلى حرب الشرك وأهله ممّن يدعون إلى إقامة نظام فيه ما ذكرنا وشرّ ممّا ذكرنا.
وإذا كانت هذه هي الحقيقة التاريخية في شأن هذا النظام الذي كان قائماً في بلاد العرب يظله علم الشرك والوثنية، فهناك أيضاً حقيقة تاريخية أخرى مستمدة من حياة الرسول. فهو قد أنفق منذ بعثه الله برسالته ثلاث عشرة سنة يدعو الناس فيها إلى دين الله بالحجة ويجادلهم بالتي هي أحسن. وهو فيما قام به من غزوات لم يكن معتدياً قط، وإنّما كان مدافعاً عن المسلمين دائماً، مدافعاً عن حريتهم في الدعوة إلى دينهم الذي يؤمنون به ويضحون بحياتهم في سبيله. وهذه الدعوة القوية غاية القوة إلى قتال المشركين على أنّهم نجس، وأنّهم لا عهد لهم ولا ميثاق، وأنّهم لا يرعون في مؤمن إلاّ ولا ذمة، إنّما نزلت بعد آخر غزوة غزاها النبي: غزوة تبوك، فإذا حلّ الإسلام ببلاد تفشى فيها الشرك، وحاول أن يقيم فيها هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي الهدام الذي كان قائماً في شبه الجزيرة حين بعث النبي، فدعا المسلمون أهلها إلى ترك هذا النظام، وإلى الأخذ بما أحلّ الله وتحريم ما حرّم فلم يذعنوا ـ فليس من منصف إلاّ يقول بالثورة عليهم، وبقتالهم حتّى تتم كلمة الحق، وحتى يكون الدين كلّه لله.
ولقد أثمر هذا الذي تلا علي من (براءة) وما نادى في الناس بألا يدخل الجنة كافر، و بألا يحج بعد العام مشرك، وبألا يطوف بالبيت عريان، خير الثمرات و أزال كلّ تردّد من نفوس القبائل التي كانت ما تزال متبائطة في تلبية دعوة الإسلام.
كان ذلك شأن الوثنيين من أهل شبه الجزيرة، سارعوا إلى الدخول في الإسلام، وتركوا عبادة الأوثان، وتطهرت بلاد العرب جميعاً من الأصنام وعبادتها. وتمّ ذلك كلّه بعد تبوك طواعية واختياراً، من غير أن تزهق نفس أو يراق دم.
كانت هذه الدعوة التي أذن علي بها، يوم الحج، آية إسلام الناس من أهل الجنوب في شبه الجزيرة ودخولهم في دين الله أفواجاً. فقد توالت الوفود على المدينة، ومن بينها وفود من الوثنيين ووفود من أهل الكتاب. وكان النبي يكرم كلّ وفد.
براثا
براثا قرية قديمة كانت في موضعها الحالي قبل إنشاء بغداد، واسم براثا من اللغة الآرامية (برثيا) ومعناه: الخارج. ولهذا الموضع شهرة قبل الإسلام واشتهر في العهد العباسي أيضاً لوقوع جامع براثا فيه. وكانت قرية براثا مع وقوعها خارج بغداد ذات شأن كبير بسبب هذا الجامع الذي يعدّه الشيعة من المواضع المقدسة لأنّ الإمام عليــاً (عليه السلام) صلّى فيه واغتسل بالقرب منه في قدومه لحرب الخوارج سنة 37هـ. وقد انتهي أمر براثا إلى أن اندمجت في بغداد، وفي عهد المقتدر العباسي (295-320هـ) هدم هذا المسجد تعصباً ثمّ أعيد بناؤه في زمن الرضي سنة 329هـ وأقميت فيه الخطبة إلى ما بعد سنة 450هـ ثم قطعت منه وخرب. والظاهر أنه بقيت بقاياه ألى أواخر القرن السابع الهجري وجاوزته.
وفي رواية أخرى أن صلاة الإمام علي (عليه السلام) واغتساله كانا في قرية سونايا. قال ابن عبد الحق: سونايا قرية قديمة كانت ببغداد، ولما عمرت بغداد دخلت في العمارة وصارت محلة من محالها وهي (محلة العتيقة) وبها مشهد لعلي بن أبي طالب يعرف بمشهد المنطقة.
وقد خلط بعضهم بين جامع براثا ومشــهد العتيقة المعروف قديماً وحديثاً بمشــهد المنطقة الواقع في الجنوب الشرقي من مدينة المنصور بين الكاظمية والجعيفر حالياً وهو إلى الجعيفر اقرب.
على أن ياقوت المتوفي سنة 626هـ يقول عن براثا ما يأتي: محلة في طرف بغداد في قبلة الكرج وجنوبي باب محول. وكان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة وقد خرب عن آخره، وكذلك المحلة لم يبق لها أثر. فأما الجامع فأدركت أنّ بقايا من حيطانه وقد خربت في عصرنا واستعملت في الأبنية. وفي سنة 329هـ فرغ من جامع براثا وأُقيمت فيه الخطبة، وكان قبل مسجداً يجتمع فيه قوم من الشيعة (وهنا ذكر ياقوت ما لا أصل له ممّا كانت توحيه التعصبات المذهبية في تلك العصور) إلى أن يقول ياقوت: فكبسه الراضي بالله وأخذ من وجده فيه وحبَسَهم وهدمه حتّى سوّى به الأرض، وأنهى الشيعة خبره إلى بجكم الماكاني أمير الأمراء ببغداد فأمر بإعادة بنائه وتوسيعه وإحكامه، وكتب في صدره اسم الراضي. ولم تزل الصلاة تقام فيه إلى بعد الخمسين وأربعمائة، ثمّ تعطلت.
البربر([1])
من الكلمات ما شاع إطلاقه خطأ على غير أهله ورغم رفضهم له بقي علماً بالغلبة عليهم عند أكثر المؤرخين حتّى عند أولئك الذين تحرّوا الدقة وحثوا غيرهم على توخيها([2]) ولا يتبين هذا المعنى في كلمة بقدر ما يتبين في كلمة البربر في عرف اليونان والرومان التي عرف بها سكان شمال إفريقية الأقدمون ولم تكن من قبل علماً على جنس معين أو فصيلة معينة. وكان من الحق أن ترتبط ببعض شعوب أوروبا من القبائل الجرمانية المهاجرة ومن ضمنها وندال شمال إفريقية الذين كانوا حرباً على العمران وعلى مظاهر الحضارة الرومانية بدرجة يستحقون معها أن تلصق بهم كلمة البربر لا بسكان شمال إفريية المسالمين الذين ارتضوا لأنفسهم اسماً محلياً يدل على طبيعتهم واتجاههم وهو اسم مازيغ([3]) الذي نطق به وفدهم أمام الخليفة عمر بن الخطاب عندما سألهم عن نسبهم بين الشعوب. وبقيت قبائل منطقة زكار تحتفظ به حتّى عهود متأخرة([4]). وأشبه الكلمات بمصطلح البربر عند الإغريق كلمتا «عجم» و«علوج» عند العرب فقد أطلقوا الكلمتين على الشعوب التي لا تتكلم لغتهم ولو كانت من التي لها ماض عريق في الحضارة مثل الفرس([5]).
وقد ورد في القرآن الكريم لفظ الأعجمي «في مقابل كلمة» العربي في قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ…} [سورة فصلت 44] ووصف القرآن مرّة بأنّه «غير ذي عوج» لأنّه بلغة العرب في قوله تعالى: {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [لزمر: 28]. ووصف مرّة أخرى بأنّه مفصل الآيات واضح القسمات في قوله تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3].
وذكر أبو التاريخ اليوناني (هيرودوت) في ديباجة كتابه «إنّ الغرض من أبحاثه الدقيقة هو أن يحفظ من النسيان وقائع الأجيال الماضية والحاضرة وعظائم الإغريقيين والبربر وأعمالهم العجيبة»([6]). فجاءت كلمة البربر في مقابل كلمة الإغريق لتشمل كلّ الشعوب والفصائل غير الإغريقية وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل قطعاً، على خطأ في التقدير وعلى انحراف عن المفهوم الصحيح.
وأساس ذلك استعلاء جنسي وثقافي كان يشعر به سكان شبه جزيرة اليونان، وعنصر الإغريق عموماً، تجاه غيره من الشعوب.
وأصبح ذلك من سمات ورثة حضارتهم المباشرين وهم الرومان والروم البيزنطيون، كما لم يسلم من ذلك من تأثّر بهم وأخذ عنهم، وهم العرب الذين صدروا في إطلاق كلمة «العجم»([7]) على شعوب أخرى، لكلّ منها اسمه الخاص، وتراثه وتاريخه عن إحساس بالتفوّق السياسي أو الثقافي عن الأتراك، والفرس وغيرهم من الشعوب غير العربية.
وقد يبرّر إطلاق كلّ من كلمتي البربر والعجم في عرف الإغريق والرومان والعرب، عمّن سواهم من الشعوب المجاورة والبعيدة، سلطان سياسي واسع ورصيد حضاري قوي اكتسبته اللغات اليونانية واللاتينية والعربية في عصر ازدهار الحضارة الإغريقية والرومانية والإسلامية هذا بالقياس إلى بدائية لغات بعض الشعوب الأخرى أو انحلال سلطانها السياسي ونضوب معين لغاتها القومية تبعاً لضآلة قوّة الدفع السياسي في بلدانها.
ولعل ممّا يؤيد وجود فكرة الإحساس بالتفوق وتبادل التأثير وراء إطلاق كلمتي بربر وعجم وحدة معناهما في اللغات العربية واليونانية واللاتينية وتدور حول انعدام الفصاحة في النطق والخلط في الكلام، وما يلازمهما عادة من الانفعال السريع، والتأخّر الفكري.
وأغلب هذه المعاني تظهر في قول الشاعر العربي القديم([8]):
بربرت كنعان لما سقتها
من بلاد الضنك للخصب العجيب
أي أرض سكنوها ولقد
فازت البربر بالعيش الخصيب
وإذا تجاوزنا بعض الاعتبارات التي أملت إطلاق اسم البربر على سكان شمال إفريقية وحدهم حتّى أصبح علماً بالغلبة عليهم ولصقاً بهم، يعرفون به دون سائر إخوانهم أبناء مازيغ.
وإذا تجاوزنا ذلك ـ لاحظنا عدّة أمور هامة منها:
1 ـ أنّ اسم البربر يعتبر أقدم اسم ذي مدلول يظهر منذ بدء عصر التاريخ وينطوي تحته سائر سكان شمال إفريقية، وبلا المغرب سواء كانوا من أهل السواحل، أو من أهل الدواخل، من سكان الصحراء، أو من أهل التلول والجبال والسهول من ذوي البشرة البيضاء أو الزنجية بحيث لا تماثل كلمة البربر في مدلولها الشامل في حدود منطقة المغرب أيّة كلمة قبل ظهور العرب المسلمين في الناحية إذا ـ استثنينا ـ كلمة «ليبي» في العصر القديم.
أمّا بعد أن تمكّن المسلمون من ناصية الأمور وفتحوا بلاد المغرب فتحاً سياسياً وثقافياً، فقد أصبح لكلمة «مسلم» في المنطقة نفس الدلالة الشاملة التي تتجاوز قطعاً معنى ومدلول كلمة «عربي» كما تتجاوز أيضاً مدلول كلمات «نوميدي» و«موريطاني» و«جيتولي»([9]) التي أطلقت على مناطق محدودة من شمال إفريقية في عرف المؤرخين والرحالة غير المسلمين.
2 ـ ثمّ إنّ دور العرب المسلمين، نسابة ومؤرخين، في تسمية السكان بالبربر اقتصر فقط على تبنّي المصطلح كاسم جامع شامل لكل السكان محاكاة لمن سبقوهم في المنطقة، ويعني هذا أنّهم لم يكونوا أوّل من ابتدعه، أو أطلقه، أمّا سرّ تمسّكهم به، فهدفه التيسير والالتزام بالعرف المألوف دون أن يكون في اعتبارهم ملاحظة المعنى السيىء الذي كان يلازم الكلمة في أذهان القدماء، ويلازمه الآن عند بعض المحدثين.
3 ـ ثمّ إنّ نسابي البربر وجلّهم قد نبه ذكره، وازدهر إنتاجه وتفتقت ذهنيته في ظل الإسلام، قد استساغوا بالكلمة وأخذوا بها وأقرّوها في كتبهم دون ما شعور بالنقص أو بالهضيمة، وانطلقوا منها، إلى آفاق أخرى حول فرعي البربر وتحقيق نسب كلّ منهما.
وممّا يلاحظ أنّ كتب هؤلاء النسابة والمؤرخين المحليين، كانت متداولة، ولم تضع إلاّ في العهود المتأخرة وآية ذلك أنّ أصداءها تظهر في العديد ممّا دوّنه المؤرخون المسلمون منذ بدء حركة تدوين التاريخ إلى عصر مؤرخ الدولة العلوية الشريفية في المغرب الأقصى وهو أبو القاسم الزياني (ت1249هـ/1809م).
فقد سجل هذا المؤرخ والرحالة المغربي، ضمن ذكرياته ومشاهداته في مدينة تلمسان إحدى قواهد زناتة البترية، أنّه نزل بجوار ضريح الغوث أبي مدين (ت 594هـ/1197ـ1198م) وهو من مشاهد المدينة. وطلب من خطيب المسجد بعض ما يفيده ويسليه، فأتحفه بكتب تاريخية هامة منها: الكتب التي ألفها مشاهير نسابة البربر وهم: سليمان بن أبي لؤي الأوروبي. هذا عدا تاريخ العقباني عن دولة بني إسحاق المطماطي، وهانىء بن مصدور الكومي وكهلان بن زيان وتاريخ ابن مرزوق عن مناقب السلطان المريني أبي الحسن والمعروف «بالمسند الصحيح الحسن في محاسن أبي الحسن» و«واسطة السلوك في سياسة الملوك» لأبي حمو موسى وهو من سلاطين دولة بني زيان([10]).
وفيما عدا الأخير والذي قبله من هذه الكتب، لا يوجد أي أثر للكتب وللاعمال السابقة خاصّة منها أهمها، وهي كتب النسابة المحليين إذا استثنينا بعض النصوص والفقرات المقتبسة والتي نجدها في ثنايا وتصانيف ما كتبه النسابة، والمؤرخون المسلمون مثل محمد بن يوسف الوراق، وابن حزم وابن عذاري، وأبي المجد، وابن عبد الحليم الذي يظن أنّه هو صاحب كتاب الأنساب الذي اختيرت منه نبذة عن مفاخر البربر، وابن خلدون وأبي العباس السلاوي (ت 1315هـ/1897م) الذي يرجح أنّه استفاد كثيراً من كتب هؤلاء النسابة ومن غيرها، نظراً لقصر الفارق الزمني بين عصره وعصر أبي القاسم الزياني.
وقد ترعرع كلّ منهما في عصر الدولة العلوية الشريفية، وينتسب أحدهما وهو الزياني إلى البربر.
4 ـ لم ينكر الباحثون المحدثون كلمة البربر وحتّى أولئك الذين ينتسبون إلى عنصر البربر، نلاحظ أنّهم يبدون اهتماماً خاصاً بالتسمية. ربمّا فاق اهتمام الباحثين القدماء ونراهم يتمسكون بالكلمة اعتزازاً وفخراً، ويتصيدون منها الدليل على انفصالهم وتفرّدهم بمميزات الأمة المستقلة على غيرها. وقد لا يختلف اعتزاز هؤلاء بالكلمة، عن مستوى اعتزازهم وتغنّيهم بكلمة أخرى، وهي مازيغ ومشتقاتها وتعني في نظرهم الشرف والنبالة وتعشق الحرية الفردية.
وهنا قد يعرض للباحث سؤال هام فحواه، كيف غدت كلمة البربر علماً بالغلبة على سكان المغرب الأقدمين؟
ولتوضيح المقصود من السؤال لا بد من الإشارة إلى عدّة ملاحظات هامة:
أ ـ أولاها ما أشار إليه المؤرخون من أنّ إفريقش بن قيس بن صيفي بن سبأ وهو من ملوك التتابعة، الذي غزا المنطقة، وباسمه سمّيت إفريقية هو الذي سمّى السكان باسم ـ البربر ـ عندما سمع رطانتهم ولهجاتهم المتنوعة، وقد تصيد النسابة كلمة البربر من قوله لهم متعجباً ما أكثر بربرتكم!!
إنّما يؤخذ على هذه الرواية أنّ الملك الحميري لم يأت أرض المغرب غازياً، لاستحالة ذلك عادة. وإن صحّ افتراض مجيئه، فكيف لا يفهمهم وهو قائدهم الذي نصرهم في أرض الشام حسب الرواية نفسها… وبهم فتح الأمصار في أرض المغرب، فكيف يصحّ أن يقبل تعجّبه من رطانتهم في هذا المكان. وكان قد سبق له أنّ عرفهم في أرض الشام وسافر بهم هذه المسافة الطويلة([11]).
ب ـ أمّا الملاحظة الثانية فتتمثل في طبيعة العلاقة السياسية بين المتجاورين في بلاد الشام، وما كان يحدث بينهم من نزاع وحروب في المنطقة خاصة بين الكنعانيين أهل البلاد، وبين العبرانيين الطارئين، الذين انتظم أمرهم بقيادة «يوشع بن نون» النبي وحاربوا خصومهم وأجلوهم عن وطنهم واستمر اضطهاد من بقي في عصر طالوت (شاؤول) (1095ق.م) أوّل ملوك بني إسرائيل بعد عصر القضاة، كما استمرّ أيضاً في عصر داوود النبي.
وهؤلاء المضطهدون هم الذين كانوا نواة للهجرات الكنعانية إلى أرض المغرب فلعل العبرانيين الذين وجدناهم يجلون الكنعانيين عن بلدهم، هم الذين أرادوا المبالغة في الإساءة إليهم، فأطلقوا عليهم كلمة البربر ـ تشنيعاً، فلمّا هاجر هؤلاء إلى بلاد المغرب حملوا معهم هذا الاسم([12]).
وهذا الافتراض ربّما يؤكده ميل اليهود إلى الالتواء وسلوكهم سبيل التحريف حتّى في الكتب المقدسة، كي يرضوا ما في أنفسهم ضد أي خصم من خصومهم أو معاند لهم، ولو كان قريباً منهم في الأصل، ويشترك معهم في الشجرة النسبية. وأوضح مثال على ذلك إقصاء اليهود للكنعانيين خصومهم عن نسب سام بن نوح، وإلحاقهم حسب جدول الأنساب الوارد في التوراة، بنسب أخيه حام. وهدفهم من وراء ذلك تحقير الكنعانيين وإذلالهم لأنّ حاماً في زعمهم على عكس سام ـ كان ابناً عاقاً، وغير مطيع لأبيه([13]) ورغم أنّ بعض المؤرخين المسلمين ومنهم ابن خلدون ـ قد أخذوا بنسبة كنعان لحام، فإنّ بعض الباحثين المحدثين قد أبدى الشك في مدى صحة جدول الأنساب الوارد في التوراة، على أساس أنّ اليهود أقصوا بني عمومتهم عمداً لأسباب سياسية ودينية([14]).
جـ ـ وقد يكون سبب إطلاق كلمة البربر على السكان ما يفيد معنى نسبتهم إلى أحد أجدادهم القدامى. لأنّ بعض المؤرخين المسلمين ذكروا أنّهم من ولد: بربر بن كسلوجيم، أو بربر بن مازيغ أو بربر بن تملا([15]).
د ـ ولا يستبعد أيضاً أن تكون كلمة البربر العربية هي نفس الكلمتين اليونانية (Barbaros, Barbaroi) واللاتنية (Barbarus, Barbari) بدون تحريف وأنّ الإغريق واللاتين كانوا يسمّون بها كلّ من لم يعرف لغتهم، وحضارتهم أو عاداتهم ولم يخضع لسلطانهم السياسي ومن هؤلاء سكان بلاد المغرب الذين قاوموا الحكم الروماني، والبيزنطي مقاومة عنيفة، ولم يقم المؤرخون المسلمون بشيء غير نقلهم الكلمة إلى العربية كما فعلوا ذلك بالنسبة لأسماء أجنبية أخرى، مثل أطرابلس، وبنطابلس وإفريقية.
هـ ـ ثمّ إنّ كلة البربر أطلقت أيضاً على الشعوب الجرمانية، الذين اشتهروا بتخريب مظاهر الحضارة والعمران في كثير من ولايات الإمبراطورية الرومانية الشرقية والغربية ومن هؤلاء فرع الوندال الذين سلكوا سلوكاً وحشياً مع سكان شبه جزيرة ايبريا، وشمال إفريقيا([16]) حتّى غدا اسمهم علماً على التخريب والتدمير في لغات العالم (Vendalisme).
ويبدو أنّ الأعمال التي ارتكبها الوندال في شمال إفريقية بحق السكان ومظاهر العمران، في القرن 5م، هي التي جعلتهم جديرين في نظر الإمبراطورية بلقب البربر بكلّ ما يتضمنه من معان سيئة وقد ألصقت الكلمة تبعاً لهم برعاياهم في ذلك الوقت وهم سكان البلاد الأقدمون، وعندما اختفى من ميدان شمال إفريقيا كيان الوندال كأمّة وكدولة وسيقوا عبيداً وحشماً إلى القسطنطينية في عصر جستنيان، حيث ذابوا وسط المجتمع البيزنطي بقي التاريخ يعي من ذكراهم فضلاً عن معاني التخريب والوحشية كلمة البربر التي بقيت في ذاكرة الشعوب وتجري على ألسنتها إنّما على غير مستحقيها([17]).
وعن أصل البربر بين شعوب العالم القديم، نلاحظ أنّ النسابين العرب والبربر، والمؤرخين القدماء والمحدثين جالوا في كلّ مجال، وافترضوا كلّ افتراض ولم يتركوا سلالة من سلالات البشر إلاّ وظنّوا أنّ البربر منها ممّا يجعل من المتعذر الاعتماد على رأي أو على نقل في مثل هذه المشكلة.
ولقد تميّزت طريقة القدماء من المؤرخين والنسابة المسلمين بالاعتماد على الروايات والنقول الخاصة بالأنساب التي تعتمد في أغلبيتها على شجرة الأنساب الواردة في التوراة.
والذي يلاحظ على الروايات التي سبقت من أنساب البربر القلق والاضطراب والتناقض ودورانها على فكرة أنّ هؤلاء البربر كلاًّ أو بعضاً غير أصلاء في بيئتهم المغربية، أي أنّهم طارئون عليها من المشرق أتت بهم الهجرات في ظروف تاريخية غامضة في فترة غير محددة، ثمّ تختلف الآراء بعد ذلك حول أي البلاد كانت منطلقاً لهجرة البربر؟
فعلى رواية أنّها مصر، فهم إذاً أبناء مصرايم، أو قبط بن حام، وإن كانت من الشام فهم أبناء كنعان بن حام وإخوة الفلسطنيين، وعلى رأي أنّ تيار الهجرة انطلق من شبه الجزيرة العربية وبلاد اليمن منها بنوع خاص يكون البربر من حمير، أي من عرب الجنوب، أو من بعض قبائل مضر، الشماليين.
وقد بدا لبعض المتأخرين من المغاربة وهو مالك بن المرحل أن يوفق بين هذه الآراء فظهر بفكرة أنّ البربر خليط جنسي من العناصر السابقة كلّها مع من انضاف إليها من عناصر سامية أو حامية([18]).
ويبدو لي أنّ هذه الآراء كلّها مجتمعة تعبّر عن أثر ما من الحقيقة التي ينشدها الجميع وإن بقيت هذه الحقيقة غير معروفة في ظل اضطراب الآراء وتناقضها. ورغم اقتناعي بأنّ البحث عن أصل البربر بحث عقيم وغير مجد ومسدود المنافذ إلاّ أنّ ما يظهر لي ملاحظته هو أنّ هذه الآراء السابقة تعبّر إمّا عن نوع الجاليات والشعوب التي كانت لها صلة احتكاك بالمنطقة وبسكانها القدماء، أو على الجماعات التي ترسبت في المنطقة واستقرّت بجوار سكانها السابقين وبطول العهد تناسى الناس أصلها الأوّل، فأصبحت كغيرها من سكان البلاد ذات طابع قومي لا يلتفت أحد إلى مواطن انطلاقها القديمة، ولعل هذا هو منشأ الخلط في الروايات السابقة بدرجة لا تتضح معها الحقيقة، وتوضيح جانب من هذه الحقيقة، يؤدّي إلى أنّ البربر فيما يرجح، هم من سكان البلاد الأصلاء وقد انحدر جانب منهم من آخر سلالة الإنسان القديم، الذي عرفته شمال إفريقية، كما عرفته بلدان أخرى في عصر ما قبل التاريخ([19]).
وإنّ سماتهم الخلقية وأهمها الشعر، بروز الأنف وسواد العيون واعتدال القامة لا تخرج عن تلك التي تتميز بها مجموعة سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، وجنوب غرب آسيا.
ولقد انضافت إليهم في أزمنة لاحقة، وعن طريق الهجرات التي انطلقت عبر الصحراء أو البحر، بواسطة المنافذ المؤدية إلى شمال إفريقية وهي باب المندب وبرزخ السويس، ومضيق جبل طارق، عناصر أخرى وموجات بشرية بعضها من السلالة السامية والبعض الآخر ينتمي إلى السلالة الحامية وبذلك نصل إلى حقيقة أنّ البربر قدماء في بلادهم وفدت عليهم من الخارج عناصر مهاجرة، وامتزجوا بهم عن طريق التزاوج فأصبح السكان في المنطقة خليطاً([20]).
ويلاحظ أنّ ظاهرة اختلاط الأجناس هي السمة العامّة في سائر البلدان إذ النقاء في الجنس البشري، سواء في العالم القديم أو الحديث لا وجود له تقريباً، مع وجود المصاهرة والجوار وتدفق سيل الهجرات في موجات بشرية مستمرة وابن خلدون رغم أنّه غرق في بحر من الروايات المتناقضة، وانساق وراء النقول المختلفة، ولم يستخدم ما قرّره في المقدمة من ضرورة التمحيص والنقد، نلمس عنده اتجاهاً لرفض فكرة الهجرة خاصّة منها هجرة البربر من الشام أو من اليمن ويعني هذا أنّه يميل بقوّة إلى تأييد فكرة أصالة السكان في منطقتهم وذلك نلحظه من خلال نصوص كثيرة نكتفي منها بقوله في معرض إقامة الدليل على رفض فكرة الهجرة «لأنّ مثل هذه الأمّة المشتملة على أمم وعوالم ملأت جوانب الأرض لا تكون منتقلة من جانب آخر وقطر محصور ولأنّ البربر معروفون في بلادهم وأقاليمهم، متميزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام».
وفي مناسبة أخرى يستهل حديثه عن البربر بقوله «إنّ هذا الجيل من الآدميين هم سكان المغرب منذ القديم».
وفي معرض حديثه عن زناتة يذكر أنّها كغيرها من البربر في مضاربها «منذ أحاب متطاولة لا يعلم بعدءها إلاّ الله»([21]).
ويؤكد هذا المعنى بوضوح في قوله: «لم تزل بلاد المغرب إلى طرابلس بل إلى الاسكندرية عامرة بهذا الجيل منذ أزمنة لا يعرف أوّلها ولا ما قبلها»([22]).
ثمّ نلاحظ أنّه عندما يستبعد فكرة الهجرة الحميرية وينفي النسبة السامية عن البربر، ينتهي إلى رأي يعتبره الحق والصواب، وفحواه أنّهم أبناء مازيغ بن كنعان وهم ذوو رحم مع الفلسطينيين، لذلك انتصروا لهم ضد جموع بني إسرائيل في الحروب التي نشبت بين الطرفين([23]).
وابن خلدون لم يمنعه رفضه لفكرة الهجرة الخارجية من رواية بعض آراء النسابين المسلمين التي تنسب بعض قبائل المنطقة إلى أصل حميري، أو مضري وإنّما ساق الرواية في كتابه، لكي يدحضها، ويؤكد أنّ جميع قبائل المنطقة بحكم لهجاتها المتشابهة ومضاربها المتقاربة تجمعها وحدة الأصل وتقارب الطباع، وهي أقرب الشعوب إلى العرب، في أنماط الحياة الاجتماعية وفي وجوه الكسب وغيرها([24]).
والذي يبدو لي أنّ رفض ابن خلدون لمبدأ الهجرة غير سليم لأنّ المنطقة كانت مفتوحة على ثلاث قارات، والقول بأنّ هذه القبيلة أو تلك تنتمي إلى هذا الصقع أو ذاك، إنّما يعبّر على تأييد فكرة الهجرة، غير أنّ وجود بعض الفوارق الاجتماعية بين قبائل المنطقة التي تبرز أحياناً بشكل واضح هي التي دفعت البعض لاستنتاج أنّها ناشئة فعلاً عن فارق سلالي، ولا ننسى أنّ تفوّق بعض النزعات القبلية في الميدان السياسي مدعاة لانجذاب بعض القوم اليها فينتحلون نسبها أو يرتبطون معها برابطة الحلف والولاء.
وقد لا يبدو مستبعداً أنّ شعوراً بالنقص في وقت ما هو الذي حمل بعض نسابة البربر على انتحال انساب غيرهم حتّى يمحوا عن أنفسهم ذل المغلوب ولينعموا بممارسة الحياة السياسية الجديدة على قدم المساواة مع العرب الفاتحين([25]).
ويذهب بعض الباحثين المحدثين من المغاربة مذهباً خاصاً في أصل البربر يتمثل في أنّ منطقة شمال إفريقية خلال تاريخها الطويل قد داهمتها موجات من الهجرات البشرية من جهات مختلفة استطاعت هذه العناصر المهاجرة أن تمكّن لنفسها في مهجرها الجديد وتختلط وتتكامل وتندمج مع مجموعة السكان السابقين بحكم رابطتي الجوار والمصاهرة والحياة المشتركة في بيئة واحدة. وبطول المدة تكوّن من هؤلاء واولئك شعب ذو ميزات خاصة([26]).
وهذا الرأي فضلاً عن كونه يؤكد فكرة الهجرة ولا ينفي النسب العربي عن بعض قبائل البربر هو أقرب الآراء لفكرة مالك بن المرحل التوفيقية.
الدكتور موسى لقبال
البربر
ـ2ـ
لم يخلد التاريخ أثراً عظيماً لاسم البربر التي كانت تقطن إفريقيا قبل مجيء الفينيقيين، سوى أنّنا نعلم أنّهم كانوا قبائل منتشرة في البلاد، لا حضارة لهم، يعيشون عيشة الأمم البدائية، حياتهم على غاية البساطة، فمساكنهم الأكواخ، واشتغالهم الصيد أو شيء من فلح الأرض وتربية المواشي.
وأوّل من عَرَف البربر هم قدماء المصريين في زمان الفراعنة، وكانوا يعرفونهم باسم (اللبيو) المشتق من نعت بلادهم (ليبيا). وذلك أنّ البربر كانوا في سني الجدب يشنون الغارة على ساحات وادي النيل الخصبة. وبهذه الوسيلة احتكوا بالمدنية المصرية واقتبسوا منها بعض أسباب الحضارة وشيئاً من العقائد والتقاليد التي انتشرت من هنالك في الشمال الإفريقي بأسره.
والبربر عنصر قوي البنية، موصوف بالجَلَد والصبر على مضاضة العيش، وقد قسمهم العرب إلى فرعين عظيمين هما: البتْر والبَرانس، وكلّ منهما يتجزأ إلى قبائل وعشائر شتّى، مثل: (لِواتة) في برقة، و(هَوّارة) في ليبيا وتونس، و(زِناتة) و(صنهاجة) في الجزائر، وكذلك: (كُتامة) في جبل زواوة و(مصمودة) و(مكناسة) و(يفرن) و(هِنتاتة) في المغرب([27]).
البربر أيام الرومان
بنتيجة الحروب الثلاث الكبيرة بين القرطاجنيين والرومان التي دامت ما يزيد على المئة عام (من سنة 264ـ164ق.م.) سقطت دولة قرطاجنة بعد أن دامت أكثر من ستمائة عام، ودمرت المدينة تدميراً، واستولى الرومان على إفريقيا وبعد مئة عام من هذه الأحداث أسّس الرومان على أطلال قرطاجنة الفينيقية مدينة عظيمة عرفت باسمها الأوّل وصارت قاعدة المستعمرة الجديدة.
وقد قسّم الرومان هذه المستعمرة إلى قسمين كبيرين: الأوّل هو: (إفريكا) وتشتمل على شمال تونس. والثاني هو (نوميديا) وتشتمل على الجهات الوسطى والجنوبية من تونس وعمالة قسنطينة.
فالقسم الأوّل (إفريكا) حكمه الرومان مباشرة. والقسم الثاني (نوميديا) وزعوه بين أمراء البربر.
واشهر هؤلاء الأمراء هو (يونُمْرطة) الذي بعد أن تغلب على غيره من الأمراء شق عصا الطاعة على الرومان وحارب جيوشهم وانتصر عليهم، وعادوا فانتصروا عليه فلجأ إلى أقربائه في المغرب ولكنّهم سلموه إلى جمهورية روما فسجنته حتّى مات جوعاً سنة 106ق.م.
ومن أمراء البربر (يوبا الثاني) أمير نوميديا الذي درس في روما وصار عالماً في آداب الرومان وألّف كتباً منها كتاب في تاريخ الرومان وكتاب في جغرافية إفريقيا وكتاب في جغرافية جزيرة العرب. وقد توفي في سنة 22 بعد الميلاد، ولا يزال قبره معروفاً في تونس بقبر الرومية قرب شرشال بولاية قسنطينة.
وبتوالي الزمن اندمج البربر بالرومان حتّى صاروا كالقطعة منهم، وقد وصل بعضهم إلى أعلى المراتب حتّى أنّ أحدهم وهو (سبتم سيفاروس) اعتلى عرش السلطة الرومانية بانتخاب الجند سنة 193م.
على أنّ بعض القبائل البربرية انحازت إلى الجبال المنيعة وحافظت على تقاليدها القومية ولغتها وعاداتها. ومن هذه القبائل انبعثت الثورات البربرية العديدة في وجه الرومان، فكانت إحدى العوامل الكبرى في سقوط دولتهم.
وعندما حلّ (الوندال) محل الرومان صار معظم جيشهم من البربر، وقد سلك الملك (جنسريق) مع البربر سياسة اللطف والمجاملة فكانوا أكبر مساعديه على الفتك بالرومان والنزول ببلادهم (توفي جنسريق سنة 477م).
على أنّ الأمور تبدّلت بعد (هنريق) بن (جنسريق) حتّى أدّى إلى تطاول البربر على سلطة الوندال وإعلانهم الاستقلال في الجهات الجنوبية.
وبعد انقسام المملكة الرومانية سنة 395م وقيام بيزنطة واستيلائها على إفريقيا سنة 534م لم تكن علاقات البيزنطيين علاقات ودية بالبربر حتّى لقد ثاروا على البيزنطيين ثورة أخدمها الوالي البيزنطي (يوحنا تروغليطا) المعين من قبل القيصر سنة 546م وظلّت الأمور غير صافية بين الفريقين حتّى وصول الإسلام إلى إفريقيا سنة 27هـ (647م).
البربر كما يعرّفهم ابن خلدون
البربر جيل من الآدميين، سكان المغرب على القدم، ملؤوا البسائط والجبال من تلوله وأريافه وضواحيه وأمصاره. يتخذون البيوت من الحجارة والطين ومن الخصاص والشجر، ومن الأشعار والأوبار، ويظعن أهل العز منهم والغلب لانتجاع المراعي فيما قرب من الرحلة، لا يتجاوزون فيها الريف إلى الصحراء والقفر الأملس، ومكاسبهم الشاء والبقر، والخيل في الغالب للركوب والنتاج، وربّما كانت الإبل من مكاسب أهل النجعة منهم شأن العرب.
ومعاش المستعضفين منهم في الفلح والدواجن السائمة، ومعاش المعتزين من أهل الانتجاع والأظعان في نتاج الإبل، وظلال الرماح وقطع السابلة، وأكثر أساسهم من الصوف، ويشملون الصماء بالأكسية المعلمة ويفرغون البرانس الكحل. ورؤوسهم في الغالب حاسرة وربّما يتعاهدونها بالحلق. ولغتهم (الشلحة) من الرطانة الأعجمية متميزة بنوعها، وهي التي اختصوا لأجلها بهذا الاسم.
والبربر قبائل كثيرة وشعوب جمّة، وهي: هوّارة وزناتة، وضريسة، ونغزة، وكتامة، ولواتة، وغُمارة، ومصمودة، وصنهاجة.
وما كان للبربر من آثار ما يشهد أخباره كلّها بأنّه جيل عزيز على الأيام، وأنّهم قوم مرهوب جانبهم، شديد بأسهم، كثير جمعهم، مضاهون لأمم العالم وأجياله من العرب والفرس والروم (انتهى).
دخول الإسلام
ونترك الكلام هنا للدكتور محمد عبد المنعم الشرقاوي:
أحدث دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا انقلاباً ضخماً وغيّر من حضارة السكان الأول وهم البربر الذين يمثلون قسماً من السلالة الحامية التي تتبع مجموعة البحر المتوسط، إحدى مجموعات الجنس القوقازي الثلاث الكبرى، ومن ثمّ فقد اختلطت العناصر العربية التي حملته بالسكان الأصليين اختلاطاً واسعاً.
وإذا كان البربر هم أساس التكوين الجنسي لبلاد المغرب فقد ذهب كون Coon إلى تقسيم سكان البلاد على هذا الأساس إلى قسمين هما:
البربر الشرقيون وهم سكان تونس والجزائر، والبربر الغربيون وهم سكان المغرب.
الشرقيون: أمّا سكان تونس فلا يزيد عدد المتكلمين بالبربرية فيهم 1% من مجموع السكان وتتوزع هذه النسبة الضئيلة في جزء من جزيرة جربة وفي سبع قرى صغيرة في النطاق الجبلي الممتد من نفوسة إلى دوريت وتامزرت([28]). ولكن هذه النسبة ترتفع في الجزائر فتصل إلى 29% من مجموع السكان؛ وربّما وصلت إلى أكثر من 33% في بعض جهات مقاطعتي قسنطينة والجزائر، وأهم الجماعات التي تتكلم البربرية هي الشاوية والقبائل، غير أنّها قد تنخفض في بعض الجهات إلى 1% كما هي الحال في وهران حيث تعيش جماعات بني سوس وبني بوسعيد في الجزء الشرقي من هضبة تلمسان.
ويقسم سلجمان Seligman البربر الشرقيين على أساس صفاتهم الجنسية إلى ثلاثة عناصر متميزة هي:
1 ـ عنصر متوسط القامة (165 سم) طويل الرأس (تتراوح النسبة الرأسية فيه بين 72 و73) يميل وجهه إلى القصر والاستعراض؛ والنسبة الأنفية متوسطة والشفاه ممتلئة والبشرة سمراء وكذلك العيون، ويوجد هذا النوع في حالة نقية نسبياً في الجهات الجبلية سواء في تونس الشمالية أو في ولاية قسنطينة في شرق الجزائر أو حول مدينة الجزائر نفسها. ويرى سلجمان أنّه لا بدّ من إرجاع غالبية السكان إلى هذ النوع ويعتبره أقدم من سكن شمال غرب أفريقية من سكانها الحاليين؛ ويمتد انتشار هذا العنصر حتّى الأقاليم الجنوبية حيث تتمثّل في السكان الصفات المذكورة ولكنّها متأثرة إلى حد ما بمؤثرات زنجية.
2 ـ عنصر قصير القامة (أقل من 165 سم) عريض الرأس، عريض الوجه أي أنّ هناك تناسقاً بين العضوين وهو في الوقت نفسه قصير الأنف نسبياً إذ تتراوح النسبة الأنفية عنده بين 70 و72. ويتوزع هذا العنصر في جزيرة جربة التي تعتبر معقل الرؤوس العريضة في بلاد المغرب، كما يظهر في الساحل المقابل لهذه الجزيرة، وقد تظهر صفات هذا العنصر في جماعات القبائل في الجزائر كما تظهر في الجنوب في جماعات بني مزاب التي تتميز بشرة كثير منهم بأنّها أفتح نسبياً.
3 ـ عنصر طويل القامة (170 سم) طويل الرأس (تتراوح النسبة الرأسية بين 74 و75) والوجه والأنف متناسقان ويتيمز هذا العنصر كذلك ببشرة فاتحة وملامح متناسقة ممّا جعله بصفاته هذه شبيهاً بالعناصر النوردية الأوربية، وينتشر هذا العنصر في وسط تونس، ويمتد غرباً في الجزائر حيث يظهر في القسم الشرقي منها بصفة خاصة في منطقة الحدود بينها وبين تونس، ويلاحظ أنّ هذا العنصر باستثناء منطقة القبائل الشرقية إنّما يوجد في جهات بعيدة عن الشواطىء، وقد يحدث بعض الأحيان كما هي الحال في جبال أوراس أن يختلط بالعناصر ذات الرؤوس العريضة وهذا هو الذي يفسّر ميل الرؤوس إلى الاستعراض بين الشاوية والقبائل.
ويرى Coon أنّ كل تقسيم للبربر الشرقيين على أساس جنسي فيه شيء من التعسف، ومن ثمّ فهو يفضّل أن يقسمهم على أساس البيئة واللغة إلى أربعة أقسام وهي:
1 ـ بربر الجبال وربما كانوا أقدم الأقسام الأربعة في الإقليم وينتمي إلى القسم الشاوية والقبائل ويسمّيهم كون «زراع المدرجات».
2 ـ سكان الواحات الذين يتكلمون البربرية وينتشرون في واحات غردابة وتديكلت وبسكرة وغيرها، ويكونون مجموعة متميزة من الناحية الحضارية، وخير من يمثّلهم المزابيون ويمكن أن نضم إلى تلك المجموعة سكان جزيرة جربة.
3 ـ القبائل التي تتكلم العربية وتسكن السهول والهضاب في كلّ من الجزائر وتونس، وهم رعاة متنقلون يتبعون أنواعاً خاصّة من الهجرات الفصلية.
4 ـ سكان المدن ويمثّلون خليطاً يرجع لأصول متباينة تختلف من مكان إلى آخر، فنجد المسيحيين الموجودين قبل دخول العرب وهم من أصل أوروبي وإليهم ترجع بعض العناصر والصفات في سكان تونس، ونجد اليهود الذين يقومون بالتجارة في المدن والذين يكوّنون جالية ذات عدد كبير، ونجد الزنوج وهم بقايا الرقيق، كما نجد إلى جانب هؤلاء وهؤلاء الأتراك الذين يمثلون ما تبقى من أثر الحكم التركي للبلاد.
ومن أهم قبائل البربر الشرقيين الشاوية والقبائل بنو مزاب وزناتة.
أمّا الشاوية فمسكنهم جبال أوراس، وتمتد ديارهم إلى الجنوب من بطنة وإلى الشرق من القنطرة، ومركزهم لمبسه Lambess وهي قرية بنيت على عهد الاستعمار الفرنسي في مكان مستعمرة فرنسية قديمة تحمل نفس الاسم وأهم ما يلاحظ في جماعات الشاوية أنّهم يشبهون إلى حد كبير النورديين في شمال غرب أوروبا، ويرى راندل ماك أيفر وولكن في كتابهما «مذكرات ليبية» أنّهم يشبهون سكان شرق النرويج شبهاً بعيداً، ومع أنّ الشاوية يشبهون النورديين في القامة وشكل الرأس والوجه ولون البشرة إلاّ أنّهم يختلفون عنهم بسواد الشعر والعيون ومع أنّ نسبة البياض في لون البشرة عالية فإنّ الزرقة في العيون لا تزيد على 30% بينما تنخفض نسبة الشقرة في الشعر فلا تزيد على 4% ويُقال إنّ أسلاف الشاوية كانوا أكثر شقرة وإنّ السمرة الحالية إنّما ترجع إلى اختلاطهم بالعناصر العربية وبعناصر بربرية أخرى، وهي مسألة لا يزال ينقصها البرهان على أي حال، وتميل الرؤوس عند الشاوية إلى الاستعراض والأنف محدب وربّما مال أحياناً إلى التقعر أمّا القامة فطويلة يبلغ متوسطها 170 سم.
ويطلق اسم القبائل بعامّة على الجماعات التي تسكن سلاسل الجبال الساحلية في الجزائر، ويقسم نهر ساحل الصغير أوطانهم إلى قسمين متساويين تقريباً وتقع في القسم الغربي سلسلة جبال جرجورة ويسمّى سكانها القبائل العظمى، أمّا القسم الشرقي فيسمّى سكانه القبائل الصغرى ويعيش معظم القبائل في قرى بنيت على التلال المنخفضة الواقعة بين سلاسل الجبال المرتفعة فهم ليسوا سكان جبال بالمعنى الصحيح ولهذا يشبههم راندل وماك أيفر بالسويسريين وسكان التيرول.
وتشبه القبائل إلى حد كبير جماعات الشاوية ولكنّهم أقصر قامة فمتوسط طولها عندهم 165 سم وتتراوح النسبة الرأسية بين 76، 81 بمتوسط 77.6، ويذكر كون أن هناك تشابه في المقاييس الأنثروبومترية وبخاصة مقاييس القامة والرأس بين القبائل وسكان مرتفعات جنوب غرب الجزيرة العربية أي مرتفعات اليمن، وليس هناك اختلاف بينهما إلاّ في الجبهة والفكين عند القبائل أوسع نسبياً منها عند اليمنيين.
ورغم وجود حالات شقرة واضحة في القبائل فإنّ السمرة هي التي تسود البشرة، أمّا لون الشعر فإنّ 85% من مجموع الحالات التي درسها “كون” يغلب عليها سواد الشعر أو كستنائيه ولا تظهر شقرة الشعر كاملة إلاّ في 4% فقط، وتصل نسبة الزرقة في العين إلى 16% ويقتسم الباقي اللون العسلي الغامق واللون العسلي الفاتح؛ والشعر عند قبائل في الغالب مسترسل أو مموج، وتظهر المؤثرات الزنجية في الشعر عند 12% من الحالات التي كانت موضوع الدراسة ولكنّها على أي حال تمثّل حالات متفرقة لا مجموعة مترابطة متماسكة.
ويسكن بنو مزاب واحدة غردابة. ويمثلون طبقة تجار في بلاد المغرب إذ ينصبون خيامهم في أسواق المدن والقرى في الجزائر وتونس ثمّ يعودون إلى واحاتهم بعد أن يجمعوا شيئاً من الثروة ويشرعون في الراحة والزواج. ويتميز المزابيون بالإضواء أي الزواج من نفس القبيلة وقد حال هذا النظام دون اختلاطهم بجيرانهم، ويرى البعض أنّ بني مزاب إنّما يرجعون بأصولهم إلى هجرة قديمة من هجرات الخوارج.
والمزابيون قصار القامة إذ يبلغ متوسط الطول بينهم 163 سم وتتراوح النسبة الرأسية بينهم بين 71 و85 بمتوسط 77,3، ويرجعهم “كون” إلى أصلين جنسيين أحدهما طويل الرأس والآخر عريضه وقد نتج عن هذا الاختلاط النسبة الرأسية المتوسطة التي تسود بينهم في الوقت الحاضر، أمّا البشرة فسمراء بعامّة ولا تتعدّى نسبة الشقرة فيهم الخمسة في المائة من مجموع الحالات التي درسها “كون”، الشعر أسود أو كستنائي ويكاد ينعدم الشعر الأشقر.
وزناتة إحدى الجماعات المستعربة ويتميزون بطول القامة التي يبلغ متوسطها 170سم ويبدو أنّهم طوال الرؤوس أو متوسطوها، طوال الأنف مع ميل كبير إلى التحدّب والارتفاع، وهم رحل أو شبه رحل، يسكنون السهول والهضاب ويتكلمون العربية رغم أصولهم البربرية.
ويمن أن نلحق ببربر الشرق الجرباويين سكان جزيرة جربة وتظهر بينهم أكثر الرؤوس استعراضاً في بلاد المغرب سواء في ذلك المتكلمين بالبربرية أو العربية إذ يرتفع متوسط النسبة الرأسية عندهم إلى 82 وربّما وجدت حالات تصل فيها النسبة إلى 95 وهم متوسطو القامة سمر البشرة بصفة عامة.
بربر المغرب
ظلّ المغرب معقل البربر يعتصمون في جباله المرتفعة ويساعدهم على ذلك موقعهم في أقصى الغرب من بلاد المغرب ولذلك كانت أقل الدول الثلاث تأثّراً باللغة العربية وما زال أكثر من نصف سكان المغرب لا يعرفون سوى لهجاتهم البربرية الحامية القديمة. ويتوزّع المتكلمون بالبربرية بطبيعة الحال على الهضاب المرتفعة وسفوح السلاسل الجبلية التي تشغل جزءاً كبيراً من مساحة المغرب بينما يحتل العرب أو المستعربون من البربر السهول وبخاصّة السهل الساحلي المطل على المحيط الأطلسي وكذلك الأراضي المنخفضة التي يقع فيها ممر تازا، وهو بمثابة البوابة التي اخترقها العرب نحو ساحل المحيط، وتكاد تقسم هذه الأراضي المنخفضة بلاد البربر إلى قسمين متميزين الأمر الذي دعا (كون) إلى أن يقسم البربر الغربيين كما يسمّيهم إلى مجموعتين: شمالية وتشمل أهل الريف وصنهاجة والغومارا والجبليين وجنوبية وتشمل مساحة أوسع وتضمّ عدداً كبيراً من الجماعات الحامية يأتي في مقدمتها البرابر والشلوح.
ويقسم هارس Harris البربر في المغرب إلى أربع مجموعات هي:
1 ـ مجموعة تحتل الشريط الطويل من الأراضي الساحلية المطلة على البحر المتوسط بين الحدود الجزائرية ـ والجبال الواقعة إلى الجنوب من تطوان ويمثّل هذه المجموعة أهل الريف وصنهاجة والغومارا والجبليون.
2 ـ جماعات البرابر في المغرب وتسكن السفوح الشمالية والوسطى لسلاسل الأطلس العظمى ويفصل بينها وبين المجموعة الأولى الأراضي المنخفضة التي تسكنها بعض القبائل العربية وتمثّل هذه المجموعة أكثر عناصر البربر نقاء في المغرب بل وفي شمال إفريقيا كلّها وأهم أقسام البربر، بنو مجلد وبنو مطير.
3 ـ جماعات الشلوح في جنوب غرب المغرب، إلى الجنوب الغربي من السفوح الغربية للأطلس كما يعيشون على طول وادي سوس وأهم أقسامهم قبائل سوس وهاها ومتوجا وغيرها.
4 ـ مجموعة تسكن أقصى جنوب المغرب على الحافة الشمالية للصحراء الكبرى وادي دراع، وتسمّى الدراعيون ويسمّيهم جيرانهم الحراتين.
ويلاحظ أنّ تقسيم (هارس) لا يختلف عن تقسيم (كون) إلاّ في أنّه أكثر تفصيلاً:
أمّا الريفيون فيسكنون أطلس الريف، وهم أكثر الجماعات البربرية شبهاً بالنورديين ولعل ذلك راجع إلى أنّ منطقة الريف هي أقرب أجزاء إفريقية إلى أوروبا ومؤثراتها، ولا ترجع القبائل الريفية إلى أصل واحد، فبعضهم يرجع إلى أصل زناتي أو صنهاجي والبعض الآخر يرجع إلى أصل عربي، وأقل القبائل الريفية تأثّراً بالمؤثرات العربية هي بنو أورياغل وبنو أمرت، والريفيون بعامّة طوال القامة أو متوسطوها، وتتراوح النسبة الرأسية بين 74 و76 بمتوسط 75 كما تتراوح النسبة الأنفية بين 61 و62، ويتدرج الشعر من مموج إلى مجعد ولكنّه لا يصل مطلقاً إلى الشعر الزنجي، وتميل البشرة إلى الشقرة المشربة بحمرة، وتعتبر القبائل الريفية أكثر قبائل البربر شقرة وتظهر شقرة البشرة بنسبة 65% من مجموع الحالات التي درسها “كون” أمّا ربلي فيرى أنّ نسبتها في أهل الريف بعامّة لا تزيد على 40%.
ويقسم (كون) أهل الريف إلى أربع مجموعات هي:
1 ـ مجموعة ذات وجه طويل وأنف شبيه بالسنارة وهم سمر اللون في مجموعهم ويسود هذا العنصر في الشرق وبخاصة بين الرجل ويرجح أنّ هذه المجموعة إنّما هي نتيجة اختلاط بين زناتة والعرب.
2 ـ عنصر بحر متوسط قديم أسمر اللون، منحدر الجبهة قليلاً، مستقيم الأنف وتسود هذه الصفات في القبائل الوسطى والغربية من الريفيين.
3 ـ عنصر نوردي أو قريب من النوردي كستنائي الشعر أزرق العيون حتّى ليكاد يشبه كثيراً من سكان غرب أوروبا.
4 ـ عنصر يتميز بكبر الجسم وامتلائه؛ رأس كبير ولكن النسبة الرأسية متوسطة؛ والوجه عريض والأنف قصير مستقيم، ولون البشرة خليط والشعر كستنائي وقد يميل إلى الحمرة، ويسود هذا العنصر في العائلات الريفية الأصلية التي قلّ اختلاطها بغيرها من العناصر.
ويسكن الغومارا على الساحل إلى الغرب من الريفيين، وعلى السفوح البحرية لسلاسل جبال الريف، ويرجعون إلى هجرة قديمة أتت من الجنوب وتتشابه تقاليدهم مع تقاليد الشلوح الذين يسكنون الأطلس العظمى.
والغومارا شقر كالريفيين ولكنّهم أقصر قامة، فمتوسط القامة بينهم 156سم وهم متوسطو الرؤوس إذ تبلغ النسبة الرأسية عندهم 77,3 ولا تمثّل العناصر العريضة الرؤوس منهم سوى أقلية ضئيلة وربّما كانت هذه الأقلية هي التي أثّرت إلى حد ما في رفع النسبة الرأسية نسبياً.
وتعيش قبائل صنهاجة إلى الجنوب من الغومارا وإلى الغرب من الريفيين. ولهجة صنهاجة لا يفهمها الريفيون بينما يفهمون لهجة الغومارا وقد بدأ كلّ من صنهاجة والغومارا يفقدون لهجاتهم الأمازيغية وأخذوا يتكلمون العربية وإن كان معظمهم في الوقت الحاضر يتكلم اللغتين.
والصنهاجيون أكثر سمرة من الريفيين ولا تقتصر المؤثرات الزنجية فيهم على البشرة بل تتعداها وتظهر أكثر وضوحاً فيهم منها في باقي أقسام المجموعة الشمالية من أمازيغ مراكش، ويشبه الصنهاجيون إلى حد كبير جيرانهم من الريفيين في المقاييس الأنثروبومترية ولكنّهم أصغر رؤوساً.
أمّا الجبليون فيسكنون إلى الغرب من بلاد صنهاجة وغومارا وقد اكتسبوا اسمهم من طبيعة أوطانهم الجبلية وهم يختلفون كثيراً من الناحية الحضارية عن الريفيين، ولم تؤخذ أي مقاييس أنثروبومترية لهم ولكن يمكن أنّ نصفهم بعامة بأنّهم قصار القامة، سود الشعر تختلف ألوان العيون فيهم وبشرتهم في مجموعها فاتحة اللون.
وينزل البربر في السلاسل الوسطى من جبال الأطلس العظمى، ويمثلون إحدى المجموعات الرئيسية في المغرب، وهم أكثر الأمازيغ عزلة وساعدهم على عزلتهم بيئتهم الوعرة التضاريس ممّا مكّنهم من الاحتفاظ بنقائهم الجنسي والثقافي إذ يصعب أن تصل إليهم المؤثرات الجنسية والثقافية، ولم تؤخذ لهم مقاسات أنثروبومترية ولكنّهم على العموم أطول الأمازيغ قامة وهم سمر البشرة بصفة عامة.
ويمثّل الشلوح مجموعة رئيسية من أمازيغ الغرب ومفرد شلوح شلح وهي في لغتهم تعني النبيل. ويختلفون عن أمازيغ الشمال في أنّ الشقرة عندهم نادرة إذ تنخفض إلى أقل من 25% وتدل المقاييس الأنثروبومترية على أنّهم ينتمون إلى جنس البحر المتوسط فهم متوسطو القامة (165سم) وتبلغ النسبة الرأسية فيهم 74,5 والأنف مستقيم، وكلّ ما يشذ في صفاتهم عن صفات جنس البحر المتوسط المثالية هو المؤثرات الزنجية الخفيفة التي وصلت إليهم بحكم وقوع أوطانهم في جنوب المغرب.
ويسكن الحراتيون الشريط الشمالي من الصحراء ومركزهم قرب قصور الواقعة في وادي دراع ولذلك فقد يسمّون أحياناً الدراعيون، وهم أكثر جماعات الأمازيغ تطرّفاً نحو الجنوب ولذا فهم أكثر اختلاطاً بالزنوج، وقد ظهرت آثار هذا الاختلاط في لون البشرة بصفة خاصّة حتّى أنّ من يراهم يعتقد أنّهم زنوج أكثر منهم أمازيغ رغم أنّ لغتهم أمازيغية حامية وقد هاجر كثير من الحراتيين إلى داخل المغرب والجزائر بسبب قلّة الموارد الاقتصادية في بلادهم.
صفات تحتاج إلى تعليل
رأينا ممّا سبق أنّ سكان شمال إفريقيا سواء رجعوا في أصولهم إلى الأمازيغ أو إلى العرب، فهم إنّما ينتمون إلى أصل واحد هو جنس البحر المتوسط ولهذا كانت صفة استعراض الرأس وشقرة البشرة من الأمور الشاذة في شعوبٍ هم سلالة حامية أو سامية أو هم خليط من السلالتين.
وقد حاول كتّاب كثيرون تعليل ظاهرة استعراض الرأس، فذهب بعضهم إلى أنّ أصحاب الرؤوس العريضة إنّما هم سلالة من العرب الجنوبيين القصار القامة ذوي الروؤس العريضة وعلى هذا فقد وصلت هذه المؤثرات مع العرب الذين حملوا الإسلام واللغة العربية إلى هذه الديار.
ويرى برتلون Bertholon وشانتر Chantre في كتابهما «دراسات أنتروبولوجية عن البربر الشرقيين» أنّ من بين ذوي الرؤوس العريضة هنا ما يشبه الألبي الشرقي أو النوع الأرمني والبعض الآخر منهم لا يختلف كثيراً عن الألبي الغربي أو السفني Cevenole، وقد اتخذ سلجمان على الأرجح هذا القول أساساً لفكرته الخاصّة بأنّ ذوي الرؤوس العريضة في شمال غرب إفريقية إنّما يرجعون إلى أصلين مختلفين فيرجع سكان الساحل في جزيرة جربة وما يقابلها من اليابس إلى هجرات بحرية أتت من ساحل شرق البحر المتوسط في أواخر القرن الخامس عشر أمّا تلك الرؤوس العريضة الموجودة في الأقاليم الداخلية فترجع إلى موجة قديمة ترتبط أو تعاصر الموجة التي حملت نفس الظاهرة إلى بلاد اليونان حوالي الألف الأولى قبل الميلاد.
أمّا ظاهرة الشقرة فيمكن أن نفرق بين منطقتين تظهر فيها في شمال إفريقيا: الأولى في السفوح الداخلية لجبال الأطلس والأخرى على طول ساحل البحر المتوسط ممثلة في بربر الريف، ويمكن القول بأنّ خمسي (5/2) بربر الريف شقر البشرة وهناك أقوال أخرى ـ يغلب عليها أن تكون مغالية تذهب إلى أنّ أكثر من ثلث سكان مراكش عناصر شقراء وأنّ ثلثي سكان إقليم الريف شقر، وأنّ جبال الأطلس تسكنها بعامّة عناصر شقراء تتميز بالعيون الزرق أو الرمادية أو الخضراء.
وترتبط مسألة الشقرة هنا بالتشابه في القامة بين بعض البربر وبعض العناصر النوردية في شمال أوروبا ولم يقتصر التشابه على القامة وحدها بل تعدّاها إلى شكل الرأس والأنف، فقد وجد أن أفتح البربر بشرة هم أطولهم قامة وهم أصحاب الرؤوس النوردية ممّا جعل من الطريف أن يستنتج سلجمان نوعاً من الترابط على أساس المقاييس التي جمعها برتلون وشانتر في كتابهما ويذكر الأرقام التالية:
| النسبة الرأسية | النسبة الأنفية | طول القامة | |
| البربر الشماليون | 74,20 | 66,54 | 170سم |
| الفرنسيون | 75,13 | 67,67 | 170سم |
| السويديون | 75,00 | 67,50 | 170سم |
هذا التشابه كان له أثره في توجيه آراء معظم الكتّاب فاعتقدوا أنّ شقرة الأمازيغ مصدرها أوروبا، وكان شو Shaw من أوائل الكتّاب الذين حاولوا تعليل هذه الظاهرة فقال بأنّ البربر الشقر إنّما يرجعون إلى الوندال الذين جاؤوا إلى بلاد المغرب غازين في القرن الخامس الميلادي، ولكن يشكّك في هذا الرأي ويقلّل من أهميته أدلة كثيرة يذكرها الكتّاب منها:
1 ـ كشفت مقبرة مصرية بها رسومات ليبيين ذوي بشرة فاتحة وعيون خضراء وشعر خفيف، وهذه المقبرة ترجع إلى عهد الدولة الحديثة في مصر ممّا يدل على أنّ الشقرة وصلت إلى شمال إفريقية قبل مجيء الوندال بزمن طويل.
2 ـ ظهرت الشقرة في مصر في الأسرة الثالثة عشرة (حوالي 1700 ق.م.) فوالدة الملك أمنحتب الرابع كانت شقراء زرقاء العينين من اصل غريب عن الدلتا.
3 ـ خلال عهد الأسرة التاسعة عشرة (حوالي 1400 ق.م.) جاء إلى مصر من الغرب غزوة كبيرة لقوم رحّل ذوي عيون زرقاء وشعر مصفر.
4 ـ في حكم سيتي الأوّل غزا الليبيلون مصر السفلى وصدّ هجومهم ابنه رمسيس الثاني وكان بين الغزاة عناصر شقراء بقيت بمصر وأصبح منها حاشية الملك.
5 ـ المعروف أنّ الشقرة في الأمازيغ تقلّ كلّما اتجهنا نحو الشرق فهي واضحة في المغرب وتكاد تختفي تماماً في ساحل تونس الشرقي وهذا بعكس انتشار موجة الوندال في شمال إفريقية فقد تركزوا في تونس ولم يصل منهم إلى بلاد الريف إلاّ القليل.
وبناء على هذه الآراء يمكن أن نستبعد تماماً الرأي القائل بأنّ الشقرة في شمال إفريقية إنّما ترجع إلى الوندال.
وقد حاول توبنار Topinard أن يفسّر هذه الظاهرة الغريبة بعد دراسات طويلة وذكر خمسة آراء بدون تعليق أو ترجيح لأحدهما على الآخر:
1 ـ يحتمل أن تكون من آثار الوندال وأظن أنّ هذا الرأي لا يحتاج بعد الذي ذكرناه إلى تفنيد.
2 ـ قد يكون مرجعها إلى الجنود المرتزقة الذين أتى بهم الرومان من بلاد الغال إلى إفريقية ويرد على الرأي الأوّل بأنّ الشقرة في هذه البلاد أقدم من عهد الرومان.
3 ـ وربّما كانت من آثار بعض سكان من الشرق يرجع تاريخهم إلى زمن غزو الهكسوس لمصر.
4 ـ أو ترجع إلى (جنس) فاتح البشرة يسكن شمال إفريقية منذ القدم.
وقد قام هذا الجنس أو عناصر منه بغزو مصر وأوروبا عن طريق بوغاز جبل طارق.
5 ـ أو يحتمل أن يكونوا قد وصلوا من الشمال (أوروبا) في زمن قديم بدليل وجود المخلفات المعروفة باسم دولمنز Dolmens والتي تمتد على شكل خط متصل الحلقات من سواحل بحر البلطيق حتّى تونس وهو هنا يردّد رأي فيدهرب Faidherbe في الموضوع.
وهناك من يذهب إلى أنّ الشقرة في شمال إفريقية إنّما ترجع لمؤثّرات البيئة، ولكن سرجي Sergi وهارثمان يعارضان هذا الرأي ويعتمدان على أنّ ما أثبته بروكا Broca من أنّ الشقر في إفريقية طوال الرؤوس بينما يتميز الجنس الألبي كما هو معروف بالرؤوس العريضة.
ويرى ديسور Disor أنّ الشقر في بلاد المغرب ربّما كانوا بقايا جماعات التمحو الليبية القديمة ويتساءل لماذا لا نسلّم بحدوث هجرة من جنس أشقر البشرة بدأت من شمال أفريقية وانتهت إلى أوروبا بدلاً من العكس؟!
ويعتقد هارثمان أنّ الشقرة الحقيقية أو الخالصة كشقرة النورديين لا توجد مطلقاً في شمالي إفريقية وكلّ ما تجده ما هو إلاّ اللون الأسمر المشرّب بالحمرة ونجده عند أفراد لا جماعات، ويذكر أنّه لا بدّ وأن نضع في اعتبارنا درجة الشقرة ونوعها في دراساتنا لشمال إفريقية. ومن أبحاثه عن البربر يذهب إلى أنّ تفسير الشقرة عند التمحو والسمرة المشربة بالحمرة عند بعض سكان شمال إفريقية لا بدّ وأن نبحث عنه في إفريقية ذاتها.
أمّا رأي سرجي نفسه ويؤيده فيه إلى حد كبير ربلي Ripley فهو إرجاع الشقرة في شمال غرب إفريقية إلى العامل الطبيعي، فالشقرة في بلاد المغرب تسود سكان الجبال المرتفعة حيث المناخ بارد يشبه مناخ غرب أوروبا وهذا العامل في نظرهما يساعد على وجود الشقرة، فكأنّ في الإقليم الذي نحن بصدده منطقة شقرة محلية لا علاقة لها بمنطقة الشقرة في شمال غرب أوروبا. ولا ينكر سرجي أنّ الشقرة على السواحل أوربية الأصل وإنّما يقصد برأيه السابق الشقرة الموجودة في سكان وديان سلاسل الأطلس.
وقد اعتمد سرجي في رأيه هذا اعتماداً كبيراً على مقاسات ليفي Livi الأنثروبومترية التي أجراها على المجندين في إيطاليا والتي خرج منها بالقول بأنّ الشقرة ترتبط بالارتفاع عن سطح البحر فقد وجد أنّها تغلب على السمرة فوق خط كنتور 400 متر فوق سطح البحر وأنّ السيادة للسمرة فيما دون هذا الخط، وقد أجرى ليفي مقاساته على مجندين من بيدمونت وليجوريا ولمباردي وكلابريا وصقلية وسردينيا وجهات أخرى في إيطاليا.
ولكن هذا الرأي يمكن الاعتراض عليه من وجوه كثيرة، فليس من الضروي أن يكون المناخ البارد من العوامل التي تؤدّي إلى شقرة البشرة فجهات التندرا تمتاز ببردها القارس ومع ذلك فالكثير من سكانها تغلب السمرة على لون بشرتهم، وإذا نظرنا إلى الوطن الأصلي للعناصر الشمالية النوردية لوجدناه منطقة لا تتميز بالمناخ الشديد البرودة بقدر ما تتميز بالسماء الملبدة بالغيوم لفترة طويلة من السنة، وعلى العكس من ذلك نجد شمال غرب إفريقية فهو يتميز بالسماء الصافية معظم السنة وحتّى في الأقاليم المرتفعة نجد أنّ فترات التلبد بالغيوم أقل كثيراً من فترات الصحو.
ويميل “ولكن” و”ماك أيفر” في كتابهما «مذكرات ليبية» إلى افتراض أنّ هذه العناصر الشقراء في شمال غرب أفريقية هي بقية قديمة جاءت من الشرق الأدنى، تلك المنطقة التي كانت تدفع بالموجات البشرية إلى مختلف الجهات وأنّه لا بدّ من إرجاع العناصر الشقراء إلى القسم الشرقي من حوض البحر المتوسط.
وهناك رأي آخر يبدو غريباً وهو رأي برنتون Brinton، وكين Keane فهما يعتبران منطقة شمال غرب إفريقية هي الوطن الأصلي للشقرة الأوروبية، ويبدو أنّ هذا الافتراض مبني على محاولة إثبات الرأي القائل بأنّ الوطن الأوّل للإنسان هو في إفريقية لا في آسيا. وهكذا اختلف الكتاب وتضاربت آراؤهم في تعليل وجود الشقرة في إفريقية لدرجة جعلت دي كاترفاج De Quatrefages يعتقد أنّ وجود الشقرة في القارة السوداء أمر لا يمكن تعليله.
الدكتور محمد عبد المنعم الشرقاوي
البربر والتشيع
الدولة الشيعية الأولى في شمال إفريقيا دولة الأدارسة قامت على أكتاف البربر فهم الذين احتضنوا إدريس الأوّل مؤسسها الذي وصل إلى المغرب بعد أن نجا من مذبحة (فخ) مجتازاً وادي تازة حتّى وصل إلى طنجة فأقام فيها، ثمّ انتقل إلى (وليلي) الواقعة تحت جبل زهرون، وكان يسكنها قبائل بربرية شديدة البأس تتقدّمها جميعاً قبيلة أوربة بزعامة إسحاق بن محمد بن عبد الحميد الأوربي، فمضى إدريس إليه وحلّ ضيفاً عليه، فوجد عنده ترحيباً فبايعه وبايعته القبيلة كلّها، ثمّ بايعته القبائل المجاورة زناتة وزواغة وزوادة ولماية وسدراتة ومسارتة ونفرة ومكناسة وغمارة وبلك كان قيام الدولة الإدريسية في شمال إفريقيا.
وحتّى ذلك الوقت لم يكن الإسلام قد عمّ البربر، بل ظلّ أكثرهم على أديانهم القديمة. وزادهم نفوراً من الإسلام ظلم الحكام الأمويين والعباسيين. وبقيام الدولة الإدريسية انتشر الإسلام في بلاد البربر جميعها، فكان لهذه الدولة الشيعية فضل إدخال البربر كلّهم في الإسلام، يقول صاحب (الاستقصا) عن إدريس الأوّل: «لمّا استوثق له الأمر زحف إلى البربر وأكثرهم على غير دين الإسلام فأسلموا على يده». اهـ.
ويقول الشبيبي في كتابه (ابن الفوطي):
والعمل الأكبر الذي يتوّج كفاح الأدارسة هو تعميم الإسلام بين القبائل البربرية وترسيخ قوّته فيها حتّى أصبحت من أشدّ قبائل المغرب الأقصى شكيمة وأحسنها بلاء في الدفاع عن بيضة الإسلام، وكان أكثرها على غير ملّة الإسلام.
ولمّا وصل إدريس الأكبر إلى المغرب أقام في بلادهم وتزوّج إليهم وولد له ثمّ لأولاده من أمهات بربريات اندمجوا هم وأحفادهم من بعدهم في القبائل البربرية. ويقول غير واحد من المؤلفين والمؤرخين في هذا الصدد ـ أي في صدد اندماج أعقاب إدريس الأوّل في قبائل البربر: «تبرير ولده». وهم ـ أعني هؤلاء الأدارسة المندمجين في البربر ـ الذين قاموا بنشر الدعوة إلى الدين الحنيف في تلك الأقطار الشاسعة فأنشؤوا دولتين من أشهر الدول الإسلامية في تلك البلاد». اهـ.
وبعد زوال سلطة الأدارسة من المغرب قامت لأعقابهم دولة شيعية في الأندلس، عرفت باسم دولة بني حمود، نسبة إلى حمود الذي هو من سلالة إدريس بن عبدالله بن الحسن، وترى تفصيل الحديث عنها في بحث الأدارسة في المجلد الثالث ممّا لا نعيده هنا، بل نكتفي بذكر ما له علاقة بالبربر.
يقول الشبيبي:
«عاشت الدولة الحمودية إلى منتصف المائة الخامسة، ولا حاجة إلى القول بأنّ هذا العصر هو العصر الذي تبربر فيه الحموديون ـ كما تبربر قبلهم الإدريسيون ـ فلم يعد هناك فرق بين الإدريسي أو الحمودي وبين البدوي البربري لغة وزياً وطباعاً إلى غير ذلك، بل عنى غير واحد من مؤرخي المغرب بالإشارة إلى هذه العجمة التي غلبت على ألسنة بني حمود في المغرب والأندلس حتّى أصبحت البربرية لغة ثانية وربّما تغلبت على العربية». اهـ.
ويقول الشبيبي عن البربر بعد الأدارسة:
«وقد خلفت هذه القبائل البربرية دولة الأدارسة بعد ذلك في المغرب وما يليه من بلاد الاندلس وأسّست غير دولة من دول البربر كدولة المرابطين والموحدين وبني مرين ولبعض هذه الدول البربرية مواقف مشهورة في الدفاع عن بيضة الإسلام في الأندلس والنكاية بمن هاجمها من طغاة الفرنجة مثل ملوك أرغان وشتالة في غرب الأندلس.
وقد توارثت هذه القبائل إلى اليوم و لاء أهل البيت والإخلاص لهم، وما أكثر بيوت العلويين على اختلاف بطونهم في المغرب، وما زالوا يتمتعون بحرمة وافرة». اهـ.
ونعقب على قول الشبيبي قائلين:
مع هذا الولاء لأهل البيت والإخلاص لهم فإنّه لا يوجد اليوم في المغرب بعامّة وفي البربر بخاصّة شيعي واحد، بل هم يسيئون القول في الشيعة، وذلك لقوّة دعاية الافتراءات التي توالت ولا تزال تتوالى في جميع أرجاء العالم الإسلامي من نسبة عقائد الشيعة إلى الباطل ممّا لا أصل له وممّا هو افتراء محض، وهؤلاء المغاربة لا يعلمون أنّهم في حقائقهم الأصولية شيعة دون أن يدروا. وأنّ الشيعة لا يفترقون عنهم إلاّ في فروق محدودة لا تبعدهم عنهم وعمّا يعتقدون.
وأذكر أنّني لقيت مرّة في باريس أحد نجباء المغاربة من الشبان الذين بدؤوا دراستهم على بعض شيوخ جامع القرويين، فسألته عمّا إذا كان يوجد شيعة في المغرب فأجابني بأنّه لا يوجد من يعتقد عقائد الشيعة كالحلول والتناسخ والغلو وغير ذلك. أمّا تفضيل علي بن أبي طلب على غيره من الصحابة والتعلّق بأهل البيت فإنّه منتشر بين المغاربة، وقد كان شيخي في (القرويين) يقول علانية بأنّ علي بن أبي طالب هو أفضل الناس بعد رسول الله.
فقلت له: إنّ عقيدة الشيعة لا تتجاوز أبداً عقيدة شيخك، وإنّ هذا الذي تنسبه أنت إليهم كما ينسبه غيرك في المغرب هو افتراء محض افتراه عليهم المفترون.
على أنّ من عجائب الدهر أنّ يوم عاشوراء يوم مقتل الحسين (عليه السلام) يُحتفل به في المغرب على أنّه يوم عيد. يُحتفل به كذلك دون أن يدري المحتفلون بماذا يحتفلون، وكلّ ما يعرفونه أنّه يوم عيد، وعندما يُسألون عن سبب اتّخاذه عيداً يقولون إنّهم لا يعرفون!! وكذلك الحال في تونس.
وقد علّل ذلك مؤلف كتاب: (فاس في عصر بني مرين) فيما ذكره عن أعياد المغرب بما يلي:
«وكان العيد الثالث هو عاشوراء، وهو عيد نمته التقاليد ولم تنص عليه الشريعة. والناحية الدينية منه شيعية أصلاً، إذ إنّه كان إحياء لذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام). إلاّ أنّ التقليد الشعبي في فاس أضاف إلى ذلك إحياء ذكرى وفاة فاطمة، وحتّى وفاة الرسول الكريم نفسه، ولو أنّ النبي أسلم الروح في 13 ربيع الأول سنة 11 (8 حزيران 632م). إذاً فيوم عاشوراء، بل الشهر نفسه كان وقتاً مخصصاً للحزن. فقد كان الموسيقيون المحترفون يمتنعون عن العمل في شهر محرم، إلاّ أنّ الأولاد كانوا يتلقون فيه الهدايا الكثيرة ممّا يدخل السرور إلى نفوسهم. والتفسير الشعبي الذي كان شائعاً في فاس لهذا التناقض له روايتان: أولاهما أنّه لمّا بلغت روح الرسول التراقي أخذ صغار البيت بالنحيب، فأعطوا أشياء يتلهون بها. والثانية هو أنّ هذا حدث بالنسبة لأولاد الحسين الذين أعطوا لعباً يتلهون بها عن أنباء وفاة والدهم. وبقطع النظر عن الأسباب فإنّ أطفال فاس لم يعرفوا الحزن في يوم عاشوراء.
وقد كانت الليلة السابقة ليوم عاشوراء ليلة توقد فيها الشموع في قاعات الدرس في المدارس القرآنية، وقبل أن يعود الأولاد إلى بيوتهم مع الفجر كان معلموهم يلقنونهم درساً قصيراً أملاً في أن تكون السنة خيراً على الناس. ومثل ذلك كان يفعل الصنّاع والتجار، إذ يعمل الأولون في المصانع ويفتح الآخرون حوانيتهم فترة قصيرة جدّاً أثناء الصباح أملاً في أن تكون السنة سنة ازدهار…».
إلى آخر ما ورد في الكتاب المذكور…
ونحن نقلنا هذا الكلام على علاّته لا سيّما فيما يتعلّق بأطفال الحسين (عليه السلام) ليكون لدى القارىء فكرة عمّا يجري هناك.
وكما قامت الدولة الإدريسية على أكتاف البربر، كذلك فإنّ قبيلة كتامة البربرية هي التي امدّت داعية الفاطميين أبا عبدالله بالمقاتلين في حربه مع الأغالبة وتوطيد أسس الحكم الفاطمي.
كما ساهمت قبيلة صنهاجة([29]) وكانت لها الزعامة في المغرب ـ مساهمة فعالة في فتوح المعز لدين الله الفاطمي في بلاد المغرب الأقصى. وقد قدّر هذا الخليفة جهودهم ونفوذهم فأناب زعيمهم أبا الفتوح يوسف بلكين بن زيري بن بناد على بلاد المغرب بعد رحيله إلى مصر. وكذلك ساهم المصامدة مع جوهر قائد المعز في فتح مصر.
أمّا الدولة الشيعية البربرية المحضة فهي دولة (الموحدين) التي قامت أوّل الأمر في شمال إفريقية ثمّ امتدّت إلى الأندلس. ولم يكن يبدو التشيع لدى الموحدين كما كان يبدو لدى شعرائهم الذين لم يكن يختلف شعرهم عن أي شعر شيعي آخر، كما ذكرنا في بحثنا عن الموحدين في مكانه.
وممّا فاتنا ذكره هناك قصة الشاعر صفوان بن إدريس بن عبد الرحمن التجيبي المرسي (561ـ598هـ).
فقد قال عنه لسان الدين بن الخطيب إنّه انفرد برثاء الحسين. وقال ابن الأبار: له قصائد جليلة خصوصاً في الحسين. رحل إلى مراكش فقصد دار الخلافة مادحاً فما تيسّر له شيء، فقال لو مدحت آل البيت (عليهم السلام) لبلغت أملي، فمدح، وبينما هو عازم على الرجوع طلبه الخليفة فقضى مآربه فعكف على مدح آل البيت (عليهم السلام) ورثائهم.
والذي يبدو ممّا ذكره ابن الأبار أنّ الرجل قصد خليفة الموحدين في مراكش مادحاً، فلم يبال الخليفة بمدحه الشخصي وأعرض عن الشاعر، فلمّا وصله مدحه لآل البيت ورثاؤه للحسين (عليهم السلام) اهتمّ به وأكرمه وكافأه.
وإذا كان ابن الأبار لم يذكر اسم الخليفة المقصود فإنّ من معرفتنا بتاريخ وفاة الشاعر سنة 598م وتاريخ وفاة الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور سنة 595هـ ندرك أنّ الخليفة الذي جرى له مع الشاعر ما جرى هو أبو يوسف يعقوب المنصور.
ومن رثاء صفوان للحسين (عليه السلام) قوله من قصيدة:
أبكي قتيل الطعن فرع نبينا
أكرم بفرع للنبوة زاكي
ويل لقوم غادروه مضرجاً
بدمائه نضواً صريع شكاك
متعفراً د مزقت أشلاؤه
فرياً بكل مهند فتاك
أيزيد لو راعيت حرمة جدّه
لم تقتنص ليث العرين الشاكي
أو كن تصغي إذ نقرت بثغره
قرعت صماخك أنة المسواك
وقوله أيضاً:
أومض بيرق الأضلع
واسكب غمام الأدمع
واحزن طويلاً واجزع
فهو مكان الجزع
وانثر دماء المقلتين
تألماً على الحسين
وابك بدمع دون عين
إن ل فيض الأدمع
قضى لهيفاً فقضى
من بعده فصل القضا
ريحانة الهادي الرضا
وابن الوصي الأنزع
ومن رثاء صفوان للحسين (عليه السلام) قصيدة قال عنها الدكتور عبد اللطيف السعداني إنّها كانت مشهورة ينشدها المسمعون:
سلام كأزهار الربى يتنسم
على منزل منه الهدى يتعلم
على مصرع للفاطميين غيبت
لأوجههم فيه بدور وأنجم
على مشهد لو كنت حاضر أهله
لعاينت أعضاء النبي تقسم
على كربلاء لا أخلف الغيث كربلا
وإلاّ فإنّ الجمع أندى وأكرم
مصارع ضجت يثرب لمصابها
وناح عليهن الحطيم وزمزم
ومكة والأستار والركن والصفا
وموقف جمع والمقام المعظم
وبالحجر الملثوم عنوان حرة
ألست تراه وهو أسود أسحم
وروضة مولانا النبي محمد
تبدي عليه الثكل يوم تخرم
ومنبره العلوي للجذع معول
عليهم عويلاً بالضمائر يفهم
ولو درت تلك الجمادات قدرهم
لدك حراء واستطير يلملم
وما قدر ما تبكي البلاد وأهلها
لأل رسول الله والرزء أعظم
لو أنّ رسول الله يحيى بعيدهم
رأى ابن زياد أمّه كيف تعقم
وأقبلت الزهراء قدس تربها
تنادي أباها والمدامع تسجم
سقوا حسناً للسم كأساً روية
ولم يقرعوا سناً ولم يتندموا
وهم قطعوا رأس الحسين بكربلا
كأنّهم قد أحسنوا حين أجرموا
فخذ منهم ثأري وسكن جوانحاً
وأجفان عين تستطير وتسجم
أبي، وانتصر للسبط واذكر مصابه
وغلته والنهر ريان مفعم
وأسر بنيه بعده واحتمالهم
كأنّهم من نسل كسرى تغنموا
ونقر يزيد في الثنايا التي اغتدت
ثناياك فيها أيّها النور تلثم
صدق الصديق حملة مقدم
وما فارق الفاروق ماض ولهذم
وعاث بهم عثمان عيث ابن مرة
وأعلى على كعب من كان يهضم
ولكنّها أقدار رب بها قضى
فلا يتخطى النقض ما هو يبرم
قضى الله أن يقضي عليهم عبيدهم
لتشفى بهم تلك العبيد وتنقم
هم القوم، أمّا سعيهم فمخيب
مضاع وأما دارهم فجهنم
فيا أيها المغرور والله غاضب
لبنت رسول الله أين تيمم
ألا طرب يقلى ألا حزن يصطفى
ألا أدمع تجري ألا قلب يضرم
قفوا ساعدونا بالدموع فإنّها
لتصغر في حق الحسين ويعظم
ومهما سمعتم في الحسين مراثيا
تعبر عن محض الأسى وتترجم
فمدوا أكفاً مسعدين بدعوة
وصلّوا على جسم الحسين وسلموا
ولقد كان يبدو لي غريباً ما قرأته في سيرة ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين والمتشيع الأوّل فيهم ـ من أنّه في رحلته إلى بغداد قد درس على الغزالي. ولكن هذا الاستغراب زال بعد ما قرأت في كتاب (سير أعلام النبلاء) للذهبي وهو يترجم للغزالي ما يلي:
قال: «ولأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب رياض الأفهام في مناقب أهل البيت، قال: ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه: (سر العالمين وكشف ما في الدارين)، قال في حديث: (من كنت مولاه فعلي مولاه) إنّ عمر قال لعلي: بخ بخ أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة. قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضا (إلى آخر ما قال). ثمّ يقول الذهبي: والظاهر أنّه (الغزالي) رجع عنه، إن لم يكن هذا وضع هذا وما ذاك ببعيد، ففي هذا التأليف بلايا لا تتطبب. وقال في أوّله: إنّه قرأه عليه محمد بن تومرت المغربي سرّاً بالنظامية (ج19 ص328).
وهكذا عرفنا أنّ ما كان يدرسه ابن تومرت على الغزالي هو كتاب في مناقب أهل البيت وفي طليعة تلك المناقب هي قول النبي (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) في محضر من المسلمين العائدين معه من حجة الوداع، عندما وقف بهم في (غدير خم) من كنت مولاه فعلي مولاه.
وما قاله النبي في ذلك اليوم لعلي هو من الركائز القوية التي تقوم عليها العقيدة الشيعية.
التشيع بعد الموحدين
ماذا كان مصير التشيع بعد الموحدين البربر؟
1 ـ الحفصيون: هم فرع من فروع الدولة الموحدية وينتسبون إلى الشيخ أبي حفص عمر الهنتاني وهو أبرز القائمين بدعوة عبد المؤمن بن علي خليفة ابن تومرت. وإذا كان ابن تومرت هو منشىء دولة الموحدين فإنّ خليفته عبد المؤمن هو الذي ثبت أركانها وأقام بنيانها، وقد كان أبو حفص أهم من عاونوه في ذلك. وعلى حد تعبير المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب: «فقد كان للشيخ أبي حفص الصوت الأعلى والمقام الأسمى في دولة عبد المؤمن وأبنائه من بعده. وهو الذي رفع راية الموحدين بالأندلس وأيّد سلطانهم بتلك الناحية.
ويقول ابن خلدون عن (هنتانة)([30]) التي ينتسب إليها الحفصيون: «هم السابقون للقيام بدعوة الإمام المهدي (ابن تومرت) والممهدون لأمره وأمر عبد المؤمن من بعده» وعن أبي حفص يقول: «هو أوّل من بايع للإمام المهدي من قومه واختصّ بصحابته فانتظم في العشرة السابقين إلى دعوته، وكان تلو عبد المؤمن فيهم، ولم يكن من ميزة عبد المؤمن عليه إلاّ من حيث صحابة المهدي… وكان يسمّى بين الموحدين بالشيخ كما كان المهدي يسمّى بالإمام، وعبد المؤمن بالخليفة. سمات لهؤلاء الثلاثة من بين أهل الدعوة تدل على اشتراكهم في الجلالة».
وهو الذي قام بأمر عبد المؤمن بعد موت ابن تومرت وقال له: نقدمك كما قدمك الإمام و حمل المصامدة على طاعته فلم يختلف عليه اثنان.
فلمّا توفي سنة 571؟هـ (1175م) تداول أبناؤه الرئاسة وتقلبوا في الإمارة بإسبانية والمغرب وإفريقية مع جماعة من بني عبد المؤمن.
ولمّا أفضت الخلافة للناصر الموحدي وعاود يحيى الميورقي ثورته على الموحدين وجاء الناصر إلى تونس وعهد إلى عبد الواحد بن أبي حفص بإخماد الثورة فثار بجيش لقتال الثائر فلقيه بناحية قابس وأوقع به وشرد عصابته سنة 602هـ (1206م) ولمّا عاد الناصر إلى بلاده استخلف على إفريقية ثقته ووزيره أبا محمد عبد الواحد جدّ الأمراء الحفصيين سنة 603هـ (1207م) فكانت بداية الدولة الحفصية. واستتب أمر البلاد التونسية من ذلك الحين بيد الولاة الحفصيين إلى أن أعلنوا استقلالهم بها وانفصلوا عن المملكة الموحدية([31]).
وقد اتّسعت رقعة الإمارة الحفصية حتّى شملت طرابلس والجزائر وما يعرف اليوم بالمغرب، كما بايعهم أمير مكة وأهل الحجاز سنة 658هـ. وفي عهد المستنصر أغار لويس التاسع ملك فرنسا على تونس في الحملة الصليبية الثامنة فكان من أمره ما كان 1270م. ولم تلبث هذه الدولة الفتية أن تمزقت فاستقل بنو يملول في توزر وبنو خلف في نقطة، وبنو مكي في قابس، وبنو ثابت في طرابلس.
ثمّ عادت الحياة والقوّة إلى الدولة الحفصية في أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع الهجريين بفضل الخليفة أبي العباس وأبي فارس فامتدّ نفوذ الحفصيين إلى المغرب الأوسط والمغرب الأقصى والأندلس، ثمّ عادت الدولة إلى التدهور مرّة ثانية حتّى لم يبق تابعاً لها في أواخر القرن التاسع الهجري إلاّ مدينة تونس.
وما دام أبو حفص الجد الأعلى للحفصيين من الركائز الكبرى التي قامت عليها دولة المحدين الشيعية وما دام أبناؤه قد ظلّوا كذلك مع خلفاء الموحدين فلنا أن نقول استنتاجاً: إنّ جذورهم التي نبتت عليها أصولهم وفروعهم كان موغلة في التشيع…
وإذا كانت المصادر التفصيلية تعوزنا لإبتعادنا عن الأرض التونسية وخزائن مخطوطاتها فلنا أن نذكر ما قاله الكاتب المغربي محمد بن تاويت في مجلة (دعوة الحق) مشيراً إلى التشيّع في عهد الحفصيين ثمّ السعديين حين كان يتحدّث عن الموحدين ونهاية دولتهم: «… ولكن النشاط تحوّل إلى تونس مرّة أخرى وتجدّدت الدولة بالحفصيين منها، ولا نستبعد أن يكون ابن الأبار (الشيعي) كتب لهم (درر السمط) ـ وهو كتاب في رثاء الحسين ـ وهي آخر ومضة للتشيع في هذه الدولة، الى أن كانت دولة السعديين فعاد المنصور إلى هذه النغمة في أشعار بلاطه التي تردّدت في مولديات القشتالي وعبد الواحد بن أحمد وأبي الحسن الشياظمي. وقد جازى المنصور سعيد الماغوس بالآلاف على شرحه (درر السمط…).
في هذا القول إشارة واضحة إلى التشيع عند الحفصيين، وبالرغم من وضوحها فهي تحتاج إلى شرح وتفصيل وتفسير!… فلأجل أن يؤلف ابن الأبار للحفصيين كتاب «درر السمط» يجب أن تكون شعلة التشيع وضاءة في تلك الدولة ثمّ كانت من ومضاتها، شرح درر السمط.
ويؤسفنا أنّ لا مصادر في أيدنا هنا في المشرق نستطيع معها أن نرى أوّل ومضة في الشعلة ثمّ تكامل لومضات في جذوة وقادة، ثمّ آخر ومضة على حد تعبير ابن تاويت، ثمّ الانطفاء([32])!.
2 ـ السعديون بنو سعد: في القول المتقدم لابن تاويت عن كون كتاب درر السمط آخر ومضة للشيع في الدولة الحفصية، أشار إلى أنّ نغمة التشيع عادت في دولة السعديين وفصّل ذلك بعض التفصيل وبالرغم من أن موضوعنا هو (البربر)، وكان حديثنا عن الحفصيين باعتبارهم دولة بربرية وإن قالوا إنّهم قرشيو النسب من بني عدي رهط عمر بن الخطاب (رض) فإنّ الحديث عن التشيع في البربر يجرّنا إلى الحديث عن السعديين الأسرة الهاشمية العلوية التي حكمت المغرب بعد أن خلّفت سنة 951هـ (1554م) أسرة الوطاسيين (بني وطاس). وكانت الدعوة التي قامت على أساسها هذه الدولة هي طرد البرتغاليين من البلاد.
وهذه الدولة إذ لم تكن دولة بربرية فإنّها مثل الدولتين الشيعيتين: الدولة الإدريسية والدولة الفاطمية اللتين احتضنهما البربر وقامتا بتعضيدهم.
فبالرغم من أنّ الوطاسيين كانوا من بني البربر، فقد انضمّ البربر إلى السعديين في صراعهم مع بني وطاس، ولم ينظروا إلى عصبية النسب، على حد تعبير كتاب (الأدب المغربي).
وكما أنّ تشيع (الموحدين) لا يبرز في شيء كما يبرز في شعر شعرائهم، كذلك الحال في (السعديين).
فالشاعر عبد العزيز الفشتالي (957ـ 1032هـ) يمدح المنصور السعدي مشيراً إلى فتح السودان فيقول فيما يقول:
يعنو إلى المسنون من أسيافه
قلب المعاند وهو قلب واجب
أيروم أحزاب الضلال سفاهة
غلباً لحزب الله وهو الغالب
صبت على السودان منه صواعق
فهمت على إسحاق منه مصائب
يروي عن المنصور فيه (محمد)
ما أسندته إلى (الوصي) مناسب
وهل أبلغ في إظهار التشيع من تلقيب علي بن أبي طالب بلقب (الوصي) ومن الملامح الشيعية في شعر الفشتالي([33]) قوله في مدح المنصور:
إذا زأر استكان الأسد رعباً
وترهب منه إن هدر الفحول
بني المهدي أنتم للبرايا
شموس لا يعارضها أفول
وأقرب ما لكم في الغيب ملك
إلى عيسى ابن مريم لا يزول
وجاء في كتاب (الأدب المغربي) وهو يوازن بين شعراء الدول الشيعية الثلاث: الفاطمية والموحدية والسعدية خلال حديثه عن شاعر السعديين (أبي عبد الله الهوزالي)([34]):
«إنّ مدح المنصور السعدي كان ينال منه الرضا إذا ما اعتمد على تلك الجزالة التي تصل في بعض الأحيان إلى درجة الجلبة، وهي جزالة سبق أن أغرم بها الخلفاء الفاطميون في شاعرهم ابن هاني، ثمّ أغرم بها الخلفاء الموحدون في شاعرهم ابن حبّوس ومن أتى بعده مثل الجراوي والسلمي ثمّ الخطابي. ولا غرو فإنّ هؤلاء جميعاً من مدعي الفاطمية والخلافة، وكانوا جميعاً بذلك الطموح الذي حقق مراميه الفاطميون في الشرق بعد الغرب، ثمّ وجدنا الموحدين يحلمون بتحقيقه في الشرق بعدما أحرزوا الفتوح العظيمة في الغرب، وكذلك وجدنا السعديين يحلمون بهذه الأحلام بعدما مدّوا فتوحاتهم التي انتهت أيام المنصور إلى أواسط إفريقيا السوداء». (انتهى)
وللهوزالي قصيدة في مدح المنصور بعد أحد فتوحاته هي من أعرق شعر الشعراء في التشيع وفي الدلالة على ما كانت عليه دولة السعديين من إعلان به وتمسك بشعاراته فمنها:
فتوح جنى المنصور في عرصاتها
أزاهر نصر يانع من غصونها
ولا غصن إلاّ من قناة قويمة
ولا زهر إلاّ من شباة سنانها
ولا روض إلاّ من حماة كماتها
ولا سقي إلاّ ما جرى من طعانها
كتائب منصورية قذفت بها
مرام نأت عن أرضها ومكانها
تهيم بها الأرواح حتّى كأنّها
تناغي عزيف الجن في دورانها
وتطوي بساطاً أرضها بقنابل
سنابكها أطوى لها من بنانها
سحائب من مرّاكش قد أثارها
صبا النصر يحدوها حراء عنانها
يؤم بها الصحراء يرتاد أمّة
سدى أنفت آسادها من عرينها
فكم ملك قد رامها فتعصبت
عليه ومحت في مجون حرانها
فلمّا همت تلك السحائب فوقها
أفاقت وهبت من كرى هيمانها
إلى الملك الشهم الذي لقحت به
لقاح الحروب بكرها وعوانها
إلى ابن البتول المجتبى من نجارها
وفرع العلا المختار من حرانها
إلى ابن الهدى وابن الندى وردى العدا
وفخر بنات المصطفى وهجانها
وما نذكره من الشعر لم نذكره بعد استقصاء وتتبع، لأنّ هذا الاستقصاء وهذا التتبع متعذرين علينا الآن، كما كانا متعذرين قبل الآن لبُعدنا عن الخزائن المحتوية على ذخائر التراث التي خلفته تلك الدول وعدم استطاعتنا الوصول إلى تلك الذخائر الخطية التي تحفل بها خزائن المغرب العربي في شمال إفريقيا. والذي أخذناه من الشعر وقرأه القارىء فيما مرّ من القول، إنّما هو نتف وقعنا عليها مبثوثة في بعض ما انتشر من تلك الذخائر لم يتعمد ناشروها أخذه فيما نشروه وإنّما جاء صدفة، ولو تعمد أحد الاستقصاء لظفر بكنوز من ذلك.
كما لا شيء لدينا من شعر عبد الواحد بن أحمد وأبي الحسن الشياظمي، هذا الشعر الشيعي الذي أشار إليه محمد بن تاويت فيما تقدّم من القول.
وكان أوّل من تولّى السعديين محمد الملقب بالمهدي وبالقائم بأمر الله، وقد أقامه أوّل الأمر عبد الله مبارك الموصوف بأنّه ولي كبير في السوس، أقامه على رأس القبائل التي كانت تقاتل البرتغاليين فانتصر عليهم، ثمّ عمل على توطيد سلطانه حتّى بلغ شمالي السوس ونادى بنفسه سلطاناً سنة 915هـ (1509م) وتوفي حوالي سنة 924هـ (1517م) وقام صراع بين خليفتيه أحمد ومحمد من جهة وبين البرتغاليين وعملائهم من جهة أخرى أدّى إلى أن أصبحا سيدي قصبة مراكش الجنوبية، ثمّ قام صراع بينهما وبين الوطاسيين، ثمّ تمّ الأمر لمحمد وحده بعد أن نفي أحمد من البلاد، ثمّ أصبح محمد بعد أحداث مسيطراً على بلاد مراكش دون منازع، ودخل فاس سنة 951هـ (1554م) حيث نودي به سلطاناً وانتصر على البرتغاليين وأجلاهم عن حصن فونتي وأجيلا وأسفى وأزمور وغيرها.
ويعتبر محمد هذا المؤسس الحقيقي لدولة بني سعد، وانتهت حياته اغتيالاً وقام بعده خلفاؤه متأثرين والبلاد متأثرة معهم بالصراع بين الأتراك والإسبان والبرتغاليين، باذلين جهدهم في دفع الأوروبيين عن البلاد، فقاوموا الإسبان والبرتغاليين والأتراك والوطاسيين في وقت واحد واستطاعوا أن يفوزوا باستقلال المغرب والمحافظة عليه.
وأبرز ملوك السعديين: عبد الملك الذي انتصر في معركة وادي المخازن على دون سبستيان ملك البرتغال (1578م) ولقي فيها الملك وقواده حتفهم. ومات عبد الملك في المعركة، فخلفه أخوه أحمد المنصور الذهبي([35]) الذي بويع في ميدان المعركة. واسترجع المغرب في عهده أمجاده السابقة وفتح السودان الغربي (سنغاي) ودخلت في جيوشه (تمبكتو).
ويقول مؤلفا كتاب (الأدب المغربي) عن معركة وادي المخازن: «كان السعديون قد تولّوا أمر المغرب ولديهم جيش منظّم مدرب على أصول الحرب الفنيّة يندر وجود مثله في ذلك الحين عند الممالك المعادية كالإسبان والبرتغاليين، وهما إذ ذاك من أعظم شعوب أوروبا بأساً وقوّة».
ويقول المؤلفان إنّ رجال الجيش البرتغالي في معركة وادي المخازن كان عددهم مائة ألف جندي.
وفي معركة وادي المخازن يقول عبد المنعم الدغوغي من قصيدة له:
جنى النصر ما بين الظبا والكنائن
على سابقات المذكيات الصوافن
وماذا يفيد الجيش إن كان ربّه
(كسبستيان) عند وادي المخازن
يقود لها ما يحجب الشمس نقعه
مياسره لا تلتقي بميامن
أتى سادراً يختال في غلوائه
وفي صدره للدين غلي الضغائن
يسرّب نحو المغربين جنوده
كمثل الدّبا عن ماخرات السفائن
إذا أرعدت تلك المدافع أبرقت
صقيلات بيض الهند فوق اليمائن
فذلك يوم مثل بدر وصنوه
حنين بأد المؤمنين الميامن
ويقول مؤلفا كتاب (الأدب المغربي)، عن عبد المجيد بن جلود إنّه قال: «ولم تكن هذه المعركة حاسمة بالنسبة لمراكش وحدها، وإنّما كانت حاسمة أيضاً بالنسبة للقارة الإفريقية كلّها، كانت معركة وادي المخازن بالنسبة للمسلمين في إفريقية من حيث الأهمة مثل معركة (لابواتيه) بالنسبة للمسحيين في أوروبا… فقد استأصل الجيش المغربي الجيش البرتغالي… وأقبرت هذه المعركة أحلام البرتغاليين إلى الأبد، فأصبحوا من بعد ذلك دولة صغيرة لا شأن لها خلف حدودها، بعد أن كانت أوّل دولة.
وانتهى ملك السعديين بقتل أحمد العباس آخر ملوكهم سنة 1064هـ (1654م) بعد أن حكمواأكثر من قرن من الزمن وعلى ما قال ابن تاويت فقد كان للشعر الشيعي سوق رائجة عند السعديين لا سيّما منهم (المنصور) الذي زخر بلاطه بشعراء التشيع وكافأ شارح درر السمط بالآلاف على شرحه هذا.
وكلّ ذلك يحتاج إلى توسّع في الدرس والبحث ممّا هو غير متيسر لنا الآن.
ممّا يذكر في هذا المقام محاولات التحالف بين الوطاسيين والسعديين لمقاومة الخطر البرتغالي الذي امتدّ إلى شمال إفريقيا، ومن ذلك ما قام به الحسن الوزان الذي عرف بعد ذلك باسم (ليو الإفريقي) ممّا نلخصه فيما يلي خاصين الوزان بشيء من التفصيل لما أحاط بحياة هذا الرجل من تطورات فريدة:
ولد الحسن بن محمد الوزان في (غرناطة)، واختلف المؤرخون في سنة مولده، ورجح المهتمون بذلك أنّ مولده كان حوالي (888هـ/1483م)، أي قبل سقوط غرناطة بنحو عشر سنوات، ولا بدّ أنّ اسرته العربية التي كانت تعمل في التجارة، وتتعاطى العمل الدبلوماسي، المنحدرة في الاصل من قبيلة بني زيات الزناتية المغربية، وقد أحسّت كغيرها بالخطر الإسباني الداهم على آخر معقل انحصر فيه سلطان العرب في مملكة غرناطة (1236ـ1493م)، فانتقلت الأسرة إلى (فاس) التي كانت مزدهرة في مطلع حكم (بني وطاس) الذين استعادوها إلى حكمهم في قسم من المغرب الذي كان يعاني نفسه من صراع الأمراء وتنافسهم.
وفي مدينة فاس نشأ الحسن الوزان، وتتلمذ على علماء ومشايخ (القرويين) المشهورين، وتخرّج في علوم اللغة وآدابها، والفقه، والتفسير، والحديث، والمنطق، وسائر المعارف العربية والإسلامية المعروفة، وأظهر نباهة، ونبوغاً مبكراً، فقرض الشعر صغيراً، وجادل العلماء والفقهاء وناظرهم، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره، ونال الإعجاب وحصل على الشهرة.
قام الحسن الوزان في عام 915هـ/1509م بمهمة سياسية إلى جنوب المغرب، لعلها من أوائل المهام التي كلّفه بها سلطان فاس، وذلك للتحالف مع إمارة السعديين الناشئة لمناهضة البرتغاليين المحتلين، وتوحيد الصف ضد المتآمرين المحليين معهم، وقد تردّد بين مملكة فاس وهذه الإمارة غير مرّة لهذا الغرض. وبعد عامين أوفده السلطان الوطاسي مع عمّه في سفارة إلى بلاد السودان، تباحث فيها مع ملك سنغاي «محمد أسكيا» الكبير الذي كان قد توسّع حكمه واحتلّ تومبوكتو التي توغل فيها الوزان، فقام بزيارة الممالك الإسلامية والوثنية في وسط إفريقيا وغربيها.
وفي العام التالي (918هـ ـ 1513م) قام بمهمة سياسية إلى الأطلس الكبير، دامت سبعة أشهر، تباحث فيها مع القبائل الساكنة في (دادس) وما حولها. ومن ناحية أخرى كانت إمارة السعديين في جنوب المغرب بزعامة محمد القائم بأمر الله قد توسّعت، بعد مبايعة قبائل المنطقة لهذا الأمير، فامتدّ سلطانه حتّى سفوح الأطلسي الغربية والشمالية، ومن جديد كلّفه سلطان مملكة فاس محمد الوطاسي الاتصال بالأمير السعدي الذي سبق أن توطدت صداقته معه، فرحل إليه بعد أشهر قليلة من عودته سنة (919هـ/1514م). وكان من نتائج زيارته الناجحة تأكيد الود والتعاون بين عاهلي المملكتين في الشمال والجنوب.
ويتضح الدور البارز المهم لحسن الوزان باختياره من قبل ملك فاس ليكون سفيره إلى بلاط أكبر قوّة في الشرق (السلطان العثماني سليم الأوّل)، حيث توجّه إلى الآستانة، لكنّه ما وصلها حتّى كان السلطان سليم قد غادرها على رأس حملته للاستيلاء على بلاد الشام ومصر، في صيف عام 922هـ ـ 1516م، فلحق به السفير الوزان، وحضر معه المعارك التي انتهت في ربيع عام 923هـ/ ابريل 1517م، وتمّ القضاء على مقاومة المماليك ونهاية حكمهم في مصر وبلاد الشام.
وبعد أن أمضى السلطان سليم بضعة أشهر في مصر وثبت خلالها حكمه في المشرق العربي عاد أدراجه بحراً من الإسكندرية إلى مقر الخلافة العثمانية في القسطنطينية.
وغادر السفير الوزان مصر راجعاً إلى بلاده، بعد رحلة زار خلالها السودان وبعض موانىء البحر الأحمر.
كان الحسن الوزان يتنقل بين بلدان الشمال الإفريقي عامين متتاليين، وحين غادر بحراً تونس سنة 926هـ/1520م عائداً إلى المغرب، ساقه سوء الطالع لتقع سفينته في يد القراصنة الطليان، الذين كانوا كغيرهم من القراصنة، يجوبون البحار للسطو والنهب، فأسروه بالقرب من جزيرة (جربة) التونسية، ليحدث منعطف مغاير وجديد في حياة الحسن الوزان ومستقبله، حيث أوقعته الأقدار ليسوقه القراصنة مع رفاقه إلى نابولي، لكنّهم لم يبيعوه كغيره في (سوق النخاسة)، فقد تبيّن لهم فيما يبدو أنّهم ملكوا أسيراً غير عادي، فنقلوه هدية إلى بابا روما (ليو العاشر) الذي وجد في الأسير المسلم بغيته.
لهذا فليس من شك بأنّ البابا «ليو» قد سعد بهذه الهدية. وسرعان ما وثقت الصلة بينهما، لا صلة سيد بأسير، ولكن صلة قريب بقريب. كان ينشد ضالة فعثر عليها، ولعل من أسباب هذا التقارب والتجاوب ذكاء الحسن الوزان، وسرعة تأقلمه مع البيئة المسيحية، فهو موريسكي، فتح عينيه في غرناطة التي كانت اللغة القشتالية الوثيقة الصلة باللاتينية منتشرة فيها والكنائس بأساقفتها وطقوسها منبثة في جوانبها. ولا نظن إلاّ أنّه كان يتفاهم مع البابا بلغة أعجمية، ويقدر ظروف أسره، مدركاً أنّه لا يمكن أن يعيش عيشة إسلامي في بؤرة المسيحية، فتظاهر بالمسيحية وحمل اسم مالكه وحاميه البابا، فصار يدعى ليون، أو يوحنا الأسد الغرناطي أو الإفريقي، تستراً عملاً بقول الله تعالى: {مَن كَفَرَ بالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيمَانِ}. وعلى عكس ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن تحوّل الوزان إلى النصرنية، بعد أن عمّده البابا بنفسه ومنحه اسمه، كان بوازع من نفسه دون إجبار، دلّل معرباً في كتابه (وصف إفريقيا) على استمرار إسلام الحسن الوزان وثبات عقيدته طوال السنين الثلاثين التي قضاها أسراً في إيطاليا، بأدلة من كتابه (وصف إفريقيا) الذي ترجمه إلى الإيطالية بناءً على رغبة البابا، ومن ذلك الصيغة الإسلامية المتجلية في الكتاب واهتمامه بالملامح الإسلامية في المدن والقرى التي زارها المؤلف، واعتزازه بالتعرّف على حملة الشريعة الإسلامية فقهاء وقضاة ومُفْتِين، وكذلك من أنّ التواريخ المذكورة في (وصف إفريقيا) كلّها هجرية، إلاّ مرّات نادرة ورد فيها التاريخ الميلادي، وأخيراً «تمسّك الوزان باسمه الإسلامي على الرغم من مرور سنين عديدة على أسره وتداول اسمه المسيحي، فهو حينما يوقع في نابولي أو روما أحد كتبه يقول: «العبد الفقير إلى الله مؤلفه يوحنا الأسد الغرناطي، المدعو (من) قبل الحسن بن محمد الوزان الفاسي…».
أمضى الحسن الوزان في إيطاليا ثلاثة عقود، هي كهولته وبداية الشيخوخة، أجاد فيها عدّة لغات، وتأثّر بعصر النهضة والإحياء، وأثّر في تلاميذه ومريدي الثقافة العربية الإسلامية التي رأى فيها روّاد الإحياء والبعث جسراً حضارياً بين حضارات أسلافهم اليونان والرومان وثقافتهم، لكنّه بالتأكيد على الرغم من حسن الرعاية والاحترام وعلاقات الودّ والصداقة التي أقامها في بيئته الأوروبية المسيحية الجديدة، كان دائم التوق في الخلاص من واقع الرّق وازدواجية الشخصية المفروضة عليه، وما هروبه في آخر الأمر إلا تأكيداً لذلك، ورغبة ملحة في الرجوع إلى وطنه ودينه، وقد كان له ذلك. إذ إنّه اختفى من روما «في ظروف غامضة حوالي عام 957هـ/1550م، والتحق بأقرب نقطة إليه في بلاد الإسلام، حيث عاد إلى حياته الإسلامية الأولى» وللأسف فإنّ أحداً لا يدري بعد ذلك هل بقي في تونس التي وصلها أم عاد إلى أهله في فاس، كما أنّ مكان وفاته وتاريخها مجهولان أيضاً، وقد ذكر بعض الباحثين بأنّه توفي في عام 959هـ/ 1552م، ومال معرباً في كتابه (وصف إفريقيا) إلى القول إنّه مات بعد سنة فراره.
3 ـ الدولة المرينية: ويبقى الحديث عن الدولة البربرية الأخرى: الدولة المرينية.
بنو مرين من قبائل البربر المخيمة جنوب المغرب حيث سجلماسة وهم ينتمون إلى زناتة، قام بدعوتهم عبد الحق بن محيو المريني عند ضعف دولة الموحدين أوائل القرن السابع للهجرة. وقد دخلوا تاريخ المغرب سنة 612هـ (1215م) وقد كانوا إلى ذلك الوقت لا يعدون أن يكونوا قبيلة بربرية مثل غيرهم، كانت تنتقل بين فقيق ومولوية. ولمّا أحسّوا أنّ دولة الموحدين بدا عليها بعض العجز غامروا في شمال المغرب، وانتصروا على جيوش الموحدين الذين كانوا يحاولون صدّهم، وتسلّطوا على جزء من البلاد باستثناء المدن التي ظلّت على ولائها للدولة. ولم يتمكنوا من احتلال فاس وإقامة دولتهم هناك إلاّ سنة 646هـ (1248م). إذ أفادوا من انكسار كبير أصاب الموحدين في منطقة تلمسان. وعلى كلّ فقد ظلّ الموحدون أصحاب السطوة في الجنوب حول مراكش، كما أنّ أسرة بربرية منافسة أقامت لها ملكاً في تلمسان.
ثمّ تمكّن أبو يوسف المريني (656هـ = 1258م ـ 685هـ = 1286م) من القضاء على الموحدين والاستيلاء على مراكش سنة 667هـ (1269م) وإلقاء الرعب في قلب حاكم تلمسان.
وما كاد المرينيون يثبتون سلطانهم على أسس راسخة حتّى اتخذوا مدينة فاس عاصمة لهم وكان ذلك في أواسط القرن السابع (الثالث عشر) ولم تصبح فاس عاصمة مملكة المرينيين المستقرة فحسب بل كانت مركزاً مهماً للتجارة تربطها المصالح التجارية بالأقطار الأوروبية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط وببلاد الشرق العربي وبلاد السودان فيما وراء الصحراء الكبرى.
وفي سنة 646هـ (1248م) استطاع مسيحيو قشتالة أن يحتلوا إشبيلية بعد أن كانوا قد استولوا على بلنسية وقرطبة قبل ذلك بسنوات وهددوا المنطقة الإسلامية الوحيدة الباقية هناك وهي مملكة غرناطة التي كان يحكمها بنو الأحمر وببني مرين استنجد بنو الأحمر في غرناطة لمّا شعروا بالخطر الإسباني عليهم، فأرسلوا إلى أبي يوسف وفداً أندلسياً يستصرخه للغوث والجهاد، وممّا جاء في رسالة ابن الأحمر:
مرين جنود الله أكبر عصبة
فهم في بني أعصارهم كالمواسم
مشنقة أسماعهم لمدائح
مسورة إيمانهم بالصوارم
فأنجدهم أبو يوسف وسار بنفسه إلى الأندلس في صفر سنة 674هـ (1275م) في جيش كثيف من البربر انتصر به على الإسبانيين. ثمّ عاد إلى المغرب في أواخر شهر رجب 674هـ.
وعندما كان أبو يوسف لا يزال مقيماً في الجزيرة بعد إجازته الثانية إلى الأندلس ساورت ابن الأحمر الشكوك وتذكر ما كان من يوسف بن تاشفين والمرابطين من ابن عبّاد، فانقبض ابن الأحمر عن لقائه وأرسل إليه قصيدة نظمها له كاتبه أبو عمر بن المرابط معاتباً مستنجداً يقول له:
أتعز من أرض العدو مدائن
والله في أقطارها لم يعبد
وتذل أرض المسلمين وتُبتلى
بمثلثين سطوا بكلّ موحد
كم جامع فيها أعيد كنيسة
فاهلك عليه أسى ولا تتجلد
القس والناقوس فوق منارة
والخمر والخنزير وسط المسجد
كم من أسير عندهم وأسيرة
فكلاهما يبغي الفداء فما فدي
كم من عقيلة معشر معقولة
فيهم تود لو أنّها في ملحد
كم من تقي في السلاسل موثق
يبكي لآخر في الكبول مقيد
أفلا تذوب قلوبكم أخواننا
ممّا دهانا من ردى أو من ردي
أفلا تراعون إلاًّ وذمة بيننا
من حرمة ومحبة وتودد
أكذا يعيث الروم في إخوانكم
وسيوفكم للثأر لم تتقلد
أبني (مرين) أنتم جيراننا
وأحق من في صرخة بهم ابتدي
هذي الثغور بكم إليكم تشتكي
شكوى العديم إلى الغني الأوجد
أنتم جيوش الله ملء فضائه
تأسون للدين الغريب المفرد
فردّ أبو يوسف بقصيدة من نظم شاعره مالك بن المرحّل([36]):
شهد الإله وأنت يا أرض اشهدي
أنّا أجبنا صرخة المستنجد
لمّا دعا الداعي وردد معلناً
قمنا لنصرته ولم نتردّد
نسري له بأسنة قد جردت
من غضبها والصبح لم يتجرد
لولا الأسنة والسنابك ما درى
أحد بسير خيولنا في الفرقد
والخيل تشكونا ولا ذنب سوى
أنّا نروح بها وأنّا نغتدي
لو أنّها علمت بنا في قصدنا
كانت تطير بنا ولم تتردد
الله يعلم أنّنا لم نعتقد
إلاّ الجهاد ونصر دين محمد
إخواننا في ديننا وودادنا
ولهم مزيد تحبّب وتودّد
نسري بأجنحة البزاة إلى العدا
مثل الحمام الحائمات الورّد
واستقبلت بحر الزقاق بعصبة
نفذت عزائمها ولم تتعدد|
ثمّ التقينا بالذين استصرخوا
منّا لكل مؤيد ومسدد
وعن التشيع في المرينيين ولا سيما منهم أبو منصور أورد ما يلي وهو ما قرأته في العدد الرابع والخامس المزدوج للسنة الثانية الصادر في يناير ـ غشت 1965م من مجلة (البحث العلمي) التي يصدرها المركز الجامعي للبحث العلمي في الرباط (المغرب) في الصفحة 97 من بحث طويل في القسم الثاني منه بعنوان (كتاب ذكر مشاهير أعيان فاس في القديم) لمؤلف مجهول حقّقه وعلّق عليه عبد القادر زمامة.
قرأت في هذا البحث ما ذكره عن بيت بني أبي مرين إلى أن وصل إلى ذكر (ابن العربي) فقال:
وابن العربي المذكور هو الشيخ الإمام الفقيه العلاّمة المدرّس أبو بكر محمد بن العربي المعافري الإشبيلي. والمعافر قبيلة من العرب وهم من شيعة بني أمية، ولمّا كانوا بالشام كانوا يظاهرون بني أمية ويقاتلون عليهم بني العباس، فلمّا غلبت بنو العباس على بني أمية فرّوا منهم إلى الأندلس إذ لا ملجأ لهم إلاّ فيها، أمّا المعافر فكان منهم أبو بكر المذكور استخدمه من كان من الموحدين بالأندلس فولّوه قضاء إشبيلية عن كره من أهلها.
إلى أن يقول:
ثمّ إنّ بعض الطلبة وقف على كلامه في كتابه (العواصم من القواصم) في جانب أمير المؤمنين مولانا الحسين السبط ابن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو أن أمر يزيد لعنه الله بقتله إنّما قتله بسيف جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ثمّ إنّ الفقيه المذكور نادى بالعوام وقرأ عليهم كلام ابن العربي الذي في الكتاب المذكور، قال لهم: ظاهر كلامه أنّه استباح قتل الحسين وأحلّ دمه، فثار العامّة بإشبيلية وقالوا يجب علينا تأديب هذا المبتدع وقصدوه وهو في داره، فلمّا بلغه الخبر هرب فوراً وركب البحر إلى المغرب، وسار إلى مراكش واشتكى إلى أميرها، فوجد الخبر قد وصله فأمره بالمسير إلى مدينة فاس فسار إليها ليستوطنها فمرض في الطريق بالحقد على أهل إشبيلية لمّا وصله ما فعلوه بداره وتوفي في مرضه ذلك في اليوم الذي كان فيه على فاس.
وأمّا أهل إشبيلية فلمّا بلغوا إلى داره ووجدوه قد فرّ منها، قالوا نهدم هذه الدار ونحرق هذه الكتب لأنّها كلّها كتب فاسدة مثل هذا لئلا يضلّ المسلمون بها فهدموا داره وأحرقوا كتبه ثمّ يتمّم المؤلف كلامه قائلاً:
ولمّا وقف أبو عنان على كلامه في الكتاب المذكور أراد تحريق قبره، وكان آن ذاك حينئذ حاضراً ابن الخطيب السلماني([37])، وجّهه رسولاً صاحب الأندلس ابن نصر إلى أبي عنان المريني المذكور (752ـ760هـ/ 1351ـ1358م)، فكلّمه فيه، وقال له: لا تفعل فإنّه مضى إلى ما تقدمت يده، فتركه حينئذ ولم يحرق قبره وزعم بعضهم أنّ ما أصاب ابن الخطيب من الحرق جزاء على منع أبي عنان من ذلك.
وفي هذا الموقف الذي يقفه أبو عنان المريني من صاحب (العواصم من القواصم)، وغضبه الغضب الشديد لما أورده عن الحسين (عليه السلام)، وعزمه على تحريق قبره انتقاماً منه لتجرئه على مقام سيد الشهداء دليل على تشيع عارم يملأ قلب هذا الملك المريني. وإذا كان قد عزم على تحريق قبره وهو ميت، فلا شك أنّ ما كان سيناله من العقاب لو ظفر به حياً عقاباً عظيماً.
وليس من المعقول أن يكون أبو عنان وحده من بين قومه ذا نزعة شيعية، لا سيّما وأنّ هذه النزعة تبلغ هذا الحدّ من التأجج والاندفاع.
وإنّه ليلفت النظر أيضاً قول الراوي:«وزعم بعضهم أنّ ما أصاب ابن الخطيب من الحرق، جزاء على منع أبي عنان من ذلك».
وطبيعي أنّ هذا الاعتقاد بسبب ما جرى على ابن الخطيب هو اعتقاد شعبي وهو ما يدل على تغلغل التشيع في الأوساط الشعبية المرينية.
البربر واللغة العربية
كانت اللغة العربية هي لغة الدواوين والتأليف والتعليم والقضاء في جميع الدول التي كوّنتها القبائل البربرية مثل المرابطين والموحدين والمرينيين ومن تلاهم ولم تعرف تلك الدول في دواوينها وفي ترسلها غير العربية، ولم يكتب بغيرها حملة الأقلام.
ولنا أن نقول: إنّ أعلاماً من البربر الأقحاح بزّوا غيرهم في خدمة العربية وعلومها، وحسبنا منهم ابن آجرّوم الصنهاجي من أهل فاس صاحب المقدمة الآجرومية. والجزولي مؤلف الجزولية و(الأمالي) وغيرها في النحو، وكتب أخرى في الأدب العربي.
وصف السيوطي ابن آجرّوم بالصلاح والبركة والإحاطة بعلم النحو قائلاً: وممّا يدل على صلاحه عموم نفع المبتدئين بمقدمته التي صنفها وهو مجاور بمكة. ومعنى آجروم بلغة البربر (الصوفي الفقير). ويستنتج السيوطي من دراسة هذه المقدمة المشهورة أنّ صاحبها على مذهب أهل الكوفة في علم النحو كما يظهر ذلك من مصطلحاته التي استعملها في المقدمة. وكانت وفاته بفاس سنة 723هـ.
هذا وهناك من يرى أنّ كتاب (الجمل) للزجاج هو أصل (الآجرومية) الصنهاجية.
أمّا الجزولي عيسى بن عبدالعزيز بن يلل بخت ـ ومعناه المحظوظ بالبربرية ـ وفي نسبه أسماء بربرية ترجمها المعنيون بكتابة سيرته، ومنهم السيوطي في البغية، توفي سنة 607هـ.
وفي أخذ البربر بالعربية وعلومها وآدابها وغير ذلك يقول عبدالعزيز الملزوزي([38]) في ملحمته:
فجادت زنانة البرابرا
فصيروا كلامهم كما ترى
ما بدل الدهر سوى أقوالهم
ولم يبدل منتهى أحوالهم
بل فعلهم أربى على فعل العرب
في الحال والإيثار ثمّ في الأدب
كذلك كانت قبلهم مرين
كلامهم كالدار إذ يبين
على أنّه قد جاء في الكتب التي عنيت بسيرة يوسف بن تاشفين ملك المرابطين أنّه كان يجهل العربية. قالوا: ولكنّه كان ذكي الطبع يجيد فهم المقاصد، وكان له كاتب يعرف العربية والبربرية ويترجم له من لغة إلى أخرى. ولمّا وصلت رسائل الاستغاثة من ملوك الطوائف بالأندلس إلى ابن تاشفين، وكانت مكتوبة باللغة العربية لم يفهم ما ورد فيها إلاّ بعد الترجمة، وإذا صحّ ذلك فإنّه لا بدّ من القول إنّ بعض ملوك الدول البربرية كانوا يُمدحون بالشعر العربي كما كانوا يراسلون بهذا الشعر فيأمرون شعراءهم بالإجابة كما رأينا فيما تقدّم في الحديث عن دولة بن مرين وهذا يدل على إجادتهم اللغة العربية وتذوقهم آدابها وتأصّل شعرها في أوساطهم.
وإذا كان الشعر الذي مرّ ليس على المستوى العالي فإنّ ذلك يعود إلى عدم وجود الشعراء المبدعين لا إلى عيب في استعراب ملوك البربر في تفهّم الشعر العربي، وإذا رجعنا إلى القصيدة التي بعث شاعر ابن الأحمر الغرناطي العربي الصميم نراها دون القصيدة التي أجاب بها شاعر أبي يوسف المريني البربري الصميم، أو بالأحرى إنّ قصيدة شاعر البربر العربي أقل رداءة من قصيدة شاعر العرب!.
وممّا مُدح به بنو مرين قصيدة لشاعر تونسي كان يعتبر من ناشئة أهل الأدب هو أبو القاسم الرحوي الذي كان من بين شعراء تونس الذين رفعوا إلى أبي الحسن المريني قصائدهم يهنئونه على استيلائه على تونس والمهدية، وهو الذي اتّسعت ممالكه ما بين مسراته والسوس الأقصى من العدوة الإفريقية إلى رندة من عدوة الأندلس. ونرى في قصيدة الرحوي شعراً عربياً أصيلاً لا ينحدر إلى ما رأيناه من قبل من الشعر المتقدم ذكره. ولوا أنّ هذا الشاعر وغيره من الشعراء يرون أنّ لشعرهم وقعاً حسناً وتفهّماً وتذوقاً واستحساناً عند الملك المريني البربري لما عنوا بالنظم، ورفعوا إليه الشعر.
قال الرحوي في قصيدته الطويلة:
أجابك شرق إذ دعوت ومغرب
فمكة هشّت للقاء ويثرب
وناداك مصر والعراق وشامه
بداراً، فصدع الدين عندك يشعب
وحيتك أو كادت تحيي منابر
عليها دعاة الحق باسمك تخطب
وتاقت لك الأرواح حباً ورغبة
وأنت على الآمال تنأى وتقرب
ولمّا أقدم ثائرون في الأندلس على خلع ابن الأحمر أبي عبدالله وبايعوا غيره واضطر هو إلى الفرار إلى وادي آش وأرسل الملك المريني أبو سالم من أحضر ابن الأحمر من وادي آش إلى المغرب وعمل على إطلاق وزيره ابن الخطيب من معتقله وإحضاره هو الآخر إلى المغرب. أنشد ابن الخطيب في حفل استقبال حاشد أقامه أبو سالم لابن الأحمر ووزيره قصيدة استصراخ واستعطاف واسترحام يقول فيها:
بلادي التي عاطيت مشمولة الهوى
بأكنافها والعيش فينان مخضر
فمن لي بنيل القرب منها ودوننا
مدى طال حتّى يومه عندنا شهر
ولله عيناً من رآنا وللأسى
ضرام له في كلّ جاحة جمر
قصدناك يا مولى الملوك على النوى
لتنصفنا ممّا جنى عبدك الدهر
وأنت الذي تدعى إذا دهم الردى
وأنت الذي ترجى إذا أخلف القطر
وأنت إذا جاد الزمان بحكمه
لك النقض والإبرام والنهي والأمر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا
بآل (مرين) جاءه العز والنصر
همُ القوم إن هبوا لكشف ملمة
فلا الملتقى صعب ولا المرتقى وعر
إذا سئلوا أعطوا وإن توزعوا سطوا
وإن وعدوا أوفوا وإن عاهدوا بروا
اللغة البربرية([39])
هناك من يسمّي البربرية (اللغة المرابطية) وهي تسمية طريفة واصطلاح لا بأس به. وعلى كلّ حال فالبربرية أو (الشلحة) ـ كما تسمّى في المغرب ـ لغة خطاب ليس لها حروف، ولذلك لا يكتبون بها و(الشلحة) من لهجات البربر منسوبة فيما نرى إلى (الشلوح). قال ابن منظور: «الشلوح طوائف من البربر يتكلمون بألسنة مختلفة مساكنهم بأقصى بوادي المغرب».
على أنّ البربر يرفضون اسم (البربر) وتسمية لغتهم (اللغة البربرية) ويطلقون على أنفسهم اسم (الأمازيغ) وعلى لغتهم (اللغة الأمازيغية). وما دام الأمر كذلك، فعلينا أن نحترم إرادتهم ولا نتعداها. وإذا كنّا لم نأخذ بذلك فيما نكتبه هنا فلأنّ الأمر لم ينتشر بعد، على أنّنا سنستعمل ذلك أحياناً.
ولا بدّ من التفصيل عن اللغة البربرية:
أهم مناطق اللغة البرية هضبة القبائل ويكاد يجهل سكانها اللغة العربية، وكذلك هضبة الأوراس حيث تعيش قبائل الشاوية ويشبهون أهل هضبة القبائل في كثير من نواحي حياتهم الاجتماعية ولكنّهم يختلفون عنهم اقتصادياً إذ تقوم حياتهم على الرعي نظراً لطبيعة بلادهم ونوع المناخ السائد فيها، ومعنى لفظة (الشاوية) الراعي، وهم يتنقلون بقطعانهم من مرعى إلى مرعى تاركين قراهم لمدّة طويلة من السنة. وتتكلم الشاوية والقبائل بلهجات بربرية مختلفة حتّى أنّهم لا يستطيعون التفاهم فيما بينهم بالرغم من تجاورهم.
أمّا في المملكة المغربية فإنّ للغة البربرية فيها منطقتان رئيسيتان، إحداهما تطل على ساحل البحر المتوسط من طنجة حتّى حدود الجزائر، وهي منطقة الريف، والأخرى في منطقة الأطلس وتشمل نحو خمسين في المائة من مساحة المملكة المغربية. ويرجع احتفاظ المغرب باللغة البربرية إلى عاملين: أوّلهما أنّ المناطق الجبلية المنعزلة في المغرب فسيحة المساحة، وهي في الوقت نفسه صعبة الاختراق ومن ثمّ استطاع سكانها أن يحتفظوا بثقافتهم القديمة أكثر من احتفاظ إخوانهم في الجزائر وتونس.
أمّا العامل الآخر فهو أنّ المغرب أكثر تطرّفاً إلى الغرب. ومن ثمّ فقد اقتصرت العربية فيها على المرور من ممر تازه في شعبتين إحداهما اتجهت شمالاً إلى الأندلس، واتجهت الأخرى نحو الجنوب الغربي إلى السهول المطلة على المحيط الأطلسي، وفيما عدا هذه المناطق السهلية تركت اللغة البربرية تتطور في بطء في معاقلها الجبلية ولم تتوغل اللغة العربية في شمال إفريقيا على حد قول ابن خلدون إلاّ في القرن الثامن (الرابع عشر الميلادي). وكانت قبل هذا مقصورة على المدن فقط لأنّ العرب عند فتح البلاد في القرن الاوّل (السابع الميلادي) استقرّت عساكرهم في المدن التي ترجع إلى العصر البيزطني أو الروماني أو في المدن القليلة التي بنوها. ولم تستعمل البربرية في الحكومة لا سيما وأنّها لغة غير مكتوبة. ومن ثمّ كانت المدن جزراً عربية ذات حضارة أجنبية في ذلك المحيط البربري الواسع، ولم تنتشر العربية انتشاراً واسعاً إلاّ حينما وفدت هجمات عربية اختلفت عن الهجرات الأولى في أنّها لم تكن من عسكر نظاميين، بل كانت من قبائل متجولة مكوّنة من عائلات فيها النساء والأطفال.
ولمّا كان العرب من سكان البوادي السهلة التضاريس فقد كان انتشارهم جنساً ولغة وديناً أوّل عهدهم بشمال إفريقيا محدوداً يكاد يقتصر على المناطق السهلية المكشوفة التي اتخذوها طريقاً لفتوحهم. أمّا المناطق المحمية والمنعزلة فقد نجحت في أن تحتفظ بحضارتها وتقاليدها ولغتها ثمّ بدأ الاختلاط تدريجياً مع استقرار الحكم وبدأت اللغة العربية تجد طريقها وئيداً إلى الجهات التي استغلقت عليها أوّل الأمر.
وظلّت اللغة البربرية آخذة في التراجع أمام التوسع التدريجي للغة العربية التي أصبحت الآن تمثل اللغة المشتركة، فهي لغة الدين الذي يسود البلاد، وهي لغة المعاملات التجارية، وهي اللغة المكتوبة، فالبربر لا يعرفون الكتابة بلغتهم، فإذا كتبوا فإنّما يكتبون بالعربية.
على أنّه لا بد من الإشارة إلى أمرين:
1 ـ جاء العرب إلى إفريقيا فاتحين وهم يجهلون لغة أهلها البربرية، وأهلها البربر يجهلون اللغة العربية، فكيف كان يتم التفاهم بين الفريقين ومن كان يقوم بدور المترجم؟
يرى بعض المؤرخين رأياً أحسبه من الوجاهة بمكان. وهو أنّه كان يوجد ناحية نائية بالبلاد المصرية يسكنها من قديم الزمان قوم من سلالة البربر، وهي ناحية الواحات المصرية، منها (سيوة) وغيرها، وأنّ هؤلاء السكان حافظوا ـ ولا يزالون محافظين ـ على تقاليدهم وعوائدهم ولغتهم البربرية، وعندما فتح العرب مصر دخلت الواحات في فتوحهم، فيجوز أنّ الفاتحين استصحبوا منهم أفراداً في جيوشهم المرسلة إلى إفريقية، واتخذوا منهم تراجمة([40]).
2 ـ كيف كان البربر بعد انتشار الإسلام فيهم ـ كيف يتدارسون القرآن ويتعمون في اللغة العربية والتفقه في الدين؟ لقد نقل أقدم المؤرخين الإفريقيين سلام بن عمر خبراً يرشد إلى ذلك. قال: «أخبرني أبو صالح النفوسي بتوزر قبل سنة أربعين ومائتين أنّ أوّل من علم القرآن بجبل نفوسة([41]) عمر بن يَمَكْتن، علمه بمنزل (ايفاطمان)، ويُقال إنّ عمر هذا إنّما تعلّم القرآن بطريق (مُقَمَداس)، كان يلتقي فيها السابلة والمارة من المشرق فيكتب عنهم لوحة من القرآن وينصرف إلى منزله، فإذا حفظ ما فيه رجع إلى المحجة فيكتب من المارة والرفاق كذلك حتّى حفظ القرآن. ثمّ قال: «وذلك لحرصه على طلب العلم والقرآن في أوّل الإسلام وقلة المعلمين في البلدان».
وكان عمر بن يمكتن المذكور يعيش في أوائل الدولة العباسية في حدود سنة 140هـ (757م).
يستفاد من الخبر المتقدم أنّ الطريقة المشار إليها من ترصد ناشئة البربر للسابلة من العرب القادمين من مصر إلى القيروان في مبتدأ المائة الثانية للهجرة إنّما حصلت لقلة وجود المصاحف المكتوبة في ذلك العصر حتّى يحتاج المتعلمون للتعرّض إلى المسافرين الوافدين من الشرق وتلقي سور القرآن بالإملاء عنهم ورسمها على الألواح بقصد حفظها.
على أنّه يجب أن نذكر لعمر بن عبدالعزيز أنّه أرسل إلى إفريقية بعثة تعليمية مؤلفة من عشرة من وجوه التابعين بقصد تفقيه البربر، فبنى كلّ منهم داراً لسكناه وبنى بحذائها مسجداً لعبادته ومجالسه، واتخذ بقربه كُتّاباً لتحفيظ القرآن وتلقين مبادىء العربية لصغار أطفال البلد.
وعن أسباب انتشار اللغة العربية وسيطرتها في بلاد البربر، يقول بعض الباحثين: «إنّ العرب المهاجرين في القرون الأولى قبل زحفة بني هلال كانوا أكثرهم من الحضر. فكانت المدن التي كانوا فيها جزءاً لا يستهان به من السكان مراكز للتعريب، وكانت اللغة العربية بحكم ما كان للمنتصرين من هيبة وبحكم التعليم الموجود في الكتاتيب والمساجد، وبحكم الروابط الاقتصادية والتردّد على الأسواق، تنتشر مع انتشار الإسلام في المدن وما حولها».
ويقول كاتب تونسي عن هذا الموضوع: «بعد أن زحف بنو هلال وسليم، ورغم ما قاموا به من أعمال، وهم أجداد الكثيرين منّا في تونس ولا يليق بنا أن نتحدّث عنهم حديث من لا يتورع عن سبّ أجداده، فإنّه من الملاحظ أيضاً أنّ هؤلاء الأعراب كانوا أشد انسجاماً مع البربر من العرب الحضر الأولين الذين دخلوا البلاد في قرون الفتح الأولى».
ويقول بعض الباحثين في الموضوع نفسه: «إنّ هؤلاء البدو المشارقة الذين انصهروا في حياة البربر أشد الانصهار كان لهم القسط الأوفر في نشر اللغة العربية غير أنه يجب أن نقرأ حساباً، علاوة على تعريب البربر، لبربرة هؤلاء العرب واستقرارهم في المدن والقرى شيئاً فشيئاً وانتحالهم لحياة أصيلي البلاد».
ويقول أيضاً: «إنّ المجموعات البربرية الساكنة في السهول والنجاد اختلطت بالعرب وأخذت شيئاً فشيئاً تتخلى عن لغتها وعاداتها، حتّى أنّها فقدت اسمها الأصلي لتعويضه باسم شخص يرفعون نسبهم إليه وهكذا حتّى تعربوا».
ويقول الكاتب التونسي: «إنّه رغم ما وجده العرب الفاتحون في أوّل الأمر من صعوبات وما خاضوه من فتن كان سكان البلاد يثيرونها في وجه المسلمين فإنّهم ما لبثوا أن انصهروا بالعرب وخاصّة في بلاد مثل بلادنا ليس فيها جبال ضيقة كما هو الشأن في الجزائر وفي المغرب الأقصى.
وهذا يدعو إلى الاستغراب من قوم لم يعرفوا الانصهار تماماً في الأقوام الذين سبقوا العرب مثل الرومان الذين بقوا في البلاد قروناً ولم يصلوا إلى النتيجة التي وصل إليها العرب في بضعة قرون».
وعن سبب عدم قيام كيان بربري سائد وعدم سرعة تطوّر البربر وبنائهم حضارة كبيرة، وعدم قيام عاصمة قارة نهائية لهم ممّا لم يتح لهم أن يحققوا وحدتهم حول عاصمة ما.
عن سبب ذلك يقول الباحث التونسي البشير بن سلامة: إنّ الباحثين علّلوا هذا بالتجزؤ الجغرافي وصعوبة المواصلات وانعدام الأودية الواصلة بعضها ببعض وعدم صلاحية الأنهار وعداء البحر وقلّة الأراضي النافعة. كما علّلوه بانعدام مركز طبيعي يفرضه وضع بلادهم الجغرافي. ومنهم من يعلّل ذلك بالصراع الدائم بين البدو والحضر الذي لم ينتهِ بفوز واحد على الآخر.
حتّى يذهب البعض إلى أنّ هذه الثنائية تعذر القضاء عليها، وهي تعلّل في الظاهر كيف أنّ بلاد البربر كان لها دائماً أسياد أجانب.
ويرد على ذلك الباحث التونسي بأنّ هذا الوضع لم يكن من نصيب بلاد البربر فقط، بل إنّ بلداناً أخرى عرفت التجزؤ الجغرافي ونالت منها الطبيعة واستأثرت بأماكن منعزلة وعرفت الصراع بين البدو والحضر وبين القبائل نفسها ولم يكن أمرها أمر البربر، ويذكر على سبيل المثال الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام بأحقاب. وهو يرى أنّ الفارق بين قبائل الجزيرة العربية والقبائل البربرية هو أنّ عرب الجزيرة وصلوا قبل البربر إلى نوع من روح المؤالفة والتعاون وأنّ العامل الكبير الذي سهل ذلك بالنسبة للعرب هو اللغة. فلو أنّ البربر اعتنوا بلغتهم مثلما اعتنى العرب وجعلوها عنصراً من عناصر التقارب لتمّ لهم ذلك. فالذي أعاق البربر عن سرعة التطور وبناء حضارة كبيرة هو أنّهم ـ برأيه ـ لم يعتنوا بلغتهم ولم يفجروا فيها المعاني ولم يجعلوها عنصر مؤالفة وتعاون مثلما كان الشأن عند العرب.
ويرى في تعليل ذلك هو أنّ البربر لم يجدوا الوقت لبناء حضارتهم في تلك الفترة وفوجئوا وهم يحاولون ذلك بالأقوام الغريبة تنزل عليهم من كلّ جانب بينما بقي العرب في جزيرتهم دهوراً طويلة لا يقدر عليهم أحد فتفاعلوا مع أنفسهم ومع الفرس والروم بدون غلبة.
تحرّك بربري
ومنذ شهر نيسان سنة 2001 قامت في منطقة القبائل في الجزائر اضطرابات بربرية دامية إثر مقتل طالب بربري في مركز للدرك في هذه المنطقة، ثمّ توسّعت إلى مناطق أخرى في البلاد وأوقعت ستين قتيلاً وأكثر من ألفي جريح.
ويبدو أنّه من جرّاء ذلك أعلن ملك المغرب محمد السادس في شهر تموز من سنة 2001 إنشاء معهد ملكي للثقافة الأمازيغية (البربرية) هدفه النهوض بالثقافة الأمازيغية والإعداد لعملية دمج اللغة الأمازيغية في نظام التعليم. ومن المقرر أن تناط بالمعهد مهمة تعزيز الأمازيغية اجتماعياً وثقافياً وإعلامياً. وتفسح الخطوة وهي الأولى من نوعها، المجال أمام التيار الأمازيغي في المغرب إلى بدء تنفيذ مطالبه الرامية إلى إقرار الأمازيغية في دستور البلاد ونظام التعليم ومناحي الحياة الاجتماعية والسياسية. وينظر إلى تأسيس المعهد الملكي الأمازيغي على أنّه يرمي إلى احتواء الملف الأمازيغي، بعد تزايد المطالب في شأن سن سياسة واضحة إزاء الأمازيغ. وكانت السلطات المغربية حظرت كل مسيرات الأمازيغ في المغرب الرامية إلى دعم مسيرات بربر القبائل في الجزائر أو في إبراز مطالبهم المحلية. وأبدى الملك المغربي حرصه على «تقوية دعائم الهوية العريقة وإعطاء دفعة للثقافة الأمازيغية التي تشكل ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها والنهوض بها». كما قالت الصحف المغربية، وهذا القول يراعي شعور البربر الذين صاروا ينفرون من كلمة (البربر) ويعبرون عن أنفسهم بـ (الأمازيغ). وفي اليوم الثاني خطب الملك بالضباط المتخرجين من المدرسة الحربية.
وشدّد على حرصه على استمرار المغرب موحداً بكلّ فئاته، في إشارة إلى المطالب المتنامية للتيار الأمازيغي منذ ثورة أمازيغ القبائل في الجزائر والدعوات «المتطرفة» لبعض فصائل بربر المغرب في خصوص تشكيل تنظيمات خاصة لها تكوينها ولهجتها ولغتها، والمطالبة بتغيير جذري في الدستور المغربي لجعل الأمازيغية لغة رسمية. لكن المخاوف الحالية نبعت خصوصاً بعد ارتفاع أصوات خلال تظاهرات نُظّمت في عيد العمال في أيار (مايو) نادت بـ «طرد العرب من شمال إفريقيا»، وهو ما اعتُبر «كفيلاً بتنامي مشاعر العداء بين العرب والأمازيغ» في المنطقة.
وأطلق الملك على الفوج الجديد من الضباط المتخرجين اسم دورة «محمد المختار السوسي» في خطوة تعني التجانس بين المغاربة مهما كانت أصولهم. ومحمد المختار السوسي علاّمة أمازيغي مشهور بين بربر المغرب لمسيرته الوطنية ودفاعه عن وحدة البلد. وقال الملك إنّ اختياره ذلك العلاّمة الأمازيغي عنى به «تجسيداً لسيرته المأثورة في التحام مقومات الهوية المغربية بتعدديتها الثقافية الجامعة بين التجذّر في التراث الأمازيغي العريق وبين الإيمان الراسخ بالإسلام ولغة القرآن».
وتعتبر هذه المرّة الأولى التي تُثار فيها القضية الأمازيغية والتهديدات المحيطة بها في خطاب يوجهه الملك إلى قادة الجيش. وقالت مصادر سياسية إنّ كلمته هذه تُعتبر امتداداً لقراره إنشاء معهد ملكي للثقافة الأمازيغية من شأنه أن «يجمع الشمل ويتفادى الفرقة بين أبناء الشعب الواحد». وقد يكون في توجيه الخطاب إلى ضباط الجيش حرص على «ضمان وحدة الجيش» الذي تنتسب قيادات عديدة في داخله إلى التيار الأمازيغي.
يسأل سياسي مغربي مخضرم عن أعداد الرعايا العرب الذين وصلوا إلى منطقة الشمال الإفريقي، وتحديداً المغرب، إبان فترة الفتح الإسلامي، ليخلص إلى أنّ غالبية السكان الأصليين في المغرب والنازحين إليه يتحدّرون من أصول أمازيغية، ويرى أنّ إثارة القضية الأمازيغية في البلاد من منطلق الغالبية والأقلية ليست واردة. لكنّه ينظر إلى البُعد الثقافي والتزام الهوية كمسألة حيوية، أقلها الاعتراف باللغة الأمازيغية في التعليم والمعاملات. محذراً من سابقة «الظهير البربري» الذي أقرّته السلطات الفرنسية في مرحلة الاستعمار للتفريق بين العرب والبربر لبسط نفوذها في البلاد.
في منتصف تسعينات القرن العشرين اعتقلت السلطات المغربية نشطاء أمازيغيين لمجرد أنّهم رفعوا لافتات كُتبت بالأمازيغية خلال مسيرة لمناسبة عيد العمال، أمّا الآن فقد أصبح في وسع هؤلاء أن يصدروا صحفاً أمازيغية وأن يطالبوا بتعديل الدستور لإقرار الأمازيغية وأن يتحدّثوا عن حقوق «الشعوب الأصلية». لكن في إطار ترسيخ مظاهر تعددية ثقافية وسياسية في إطار الوحدة.
لا يعني ذلك أنّ الملف لم يكن مطروحاً سابقاً. ففي السنوات الأولى لاستقلال البلاد تأسّس أوّل حزب ذي هوية أمازيغية وكان الأمر بمثابة رد على تنامي التيار القومي المرتبط بأدبيات الوحدة العربية إلاّ أنّ دستور البلاد ينص على أنّ المغرب دولة إسلامية لغتها العربية وامتدادها إفريقي. والأرجح أنّ هذه المقاربة الدستورية التي لم تحل دون انتماء المغرب إلى جامعة الدول العربية، استطاعت إلى فترة طويلة أن تستوعب فسيفساء التركيبة السكانية في البلاد، وإن كان أمازيغيون يحبذون فكرة «الاتحاد المغاربي» إقليمياً على حساب «إتحاد المغرب العربي».
وأبعد من الصيغة الدستورية لحل هذه المشكلة يبرز في المغرب والشمال الإفريقي عموماً، هاجسان إسلامي وأمازيغي. وقد تكون التجربة الجزائرية في التعاطي مع القضية انسحبت في تداعياتها، خصوصاً أنّ تمرّد القبائل الذي وصل إلى حد طلب «حكم ذاتي» ينذر بمضاعفات أكثر خطورة. والحال أنّ الأمازيغيين في المغرب يطالبون أيضاً بأن يكون لهم نصيب أكبر في المراكز الإدارية المتنفذة وفي الحكومة، لكن الملك الحسن الثاني اختار المصاهرة مع قبائل أمازيغية في الأطلس المتوسط الذي تنتمي إليه السيدة لطيفة أمّ الملك محمد السادس. كما أسند مسوؤليات رفيعة في قيادة الجيش إلى عسكريين من أصول أمازيغية. وكان قد أقرّ الانفتاح على الأمازيغية في الإعلام والتعليم في صيف 1994، عبر إجراءات رامت تنقية ملف المغرب في قضايا حقوق الإنسان، ممّا يعني إضفاء البُعد الحقوقي على القضية. وقد يكون الملك محمد السادس اختار مناسبة عيد الجلوس لإعلان إحداث معهد ملكي للأمازيغية، لتأكيد انتمائه الأمازيغي واحتواء جراح قديمة كانت انفجرت في «تمرد الريف» في المحافظات الشمالية، في السنوات الأولى للاستقلال. وكان الملك محمد السادس اختار زيارة المحافظات الشمالية في الأيام الأولى لاعتلائه العرش لتضميد تلك الجراح.
ثمّة مخاوف ألا يقتصر الهاجس الأمازيغي على الحقوق الثقافية، كون جهات أجنبية متنفذة ترعى المؤتمر الدولي للأمازيغية. كما أنّ التقسيم الجغرافي لمراكز تجمعات السكان الأمازيغ يجعلها تتحرّك في مناطق حدودية شمال البلاد أو جنوب شرقها. وعلى رغم أنّ أوضاع المحافظات الصحراوية مختلفة تاريخياً لأنّها كانت مصدر نزوح الأسر الحاكمة المتعاقبة مثل المرابطين والعلويين، فإنّ تجربة منحها نوعاً من الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية سيلقي بظلال على مسار التعاطي مع مسألة الهوية.
(راجع: الأدارسة، وراجع: إفريقيا: وراجع: الأندلس، وراجع: الأربس، وراجع: كتامة).
فرنسا والمسألة الأمازيغية بالمغرب قبل سنة 1912
تحدّث الأوروبيون، الذين كتبوا عن إفريقيا الشمالية قبل سنة 1830، عن «الإيمازيغن» وعن كثرة عددهم وتشبثهم بلهجاتهم وعاداتهم وأعرافهم ومحافظتهم على حريتهم واستقلالهم، خصوصاً بالمناطق الجبلية.
ويعد بدء احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830، ترسخ هذا التصوّر في الأذهان، خصوصاً أذهان الفرنسيين الذين أكدوا أنّ الصراع والتناحر بين العرب والإمازيغن يطبعان تاريخ إفريقيا الشمالية منذ الفتح العربي الإسلامي. وتجاوز العديد منهم ذلك ليقول إنّ العنصر الأمازيغي، لفتوره الديني وضعف تأثّره بالإسلام، أسهل منالاً وأكثر قابلية للتطور ولتقبل الحضارة الأوربية من العنصر العربي الذي وصف بكلّ الصفات القبيحة إنّ هذا التصوّر،الذي اصطلح على تسميته بـ «الأسطورة البربرية»، فرض نفسه، بقوّة، على فرنسيي الجزائر إلى درجة أنّهم عملوا على تطبيعه وبلورته على أرضية الواقع، خصوصاً بمنطقة «القبائل الكبرى».
وبعد اشتداد الضغط الإمبريالي على المغرب في مطلع القرن ارتفعت، طبعاً، أصوات تنادي بضرورة مراعاة أصالة وخصوصية الإيمازيغن ووضع الاختلافات الموجودة بينهم وبين العرب والمور في الاعتبار. وقد كانت فرنسا. في هذه الأثناء قد احتلت أجزاء واسعة من الجنوب الشرقي المغربي (واحات توات، تبديكلت وكورارة…) وشعرت بضرورة تهييء «سياسة مغربية» نشيطة وواضحة المعالم تمكّنها من تحقيق أهدافها الإمبريالية. وإذا كان الصراع، داخل الوسط الإمبريالي، قد احتدم أساساً بين تيارين يتمثلان في أنصار «سياسة المخزن» ومؤيدي «سياسة القبائل»، فإنّ المدافعين عن «السياسة البربرية، عملوا ما في وسعهم من أجل إسماع صوتهم للمسؤولين الفرنسيين. وما شجعهم على ذلك الأفكار الرائجة آنذاك عن «السيبة البربرية».
1 ـ «سياسة القبائل» والمسألة الأمازيغية:
كثر حديث الفرنسيين عن عجز المخزن عن فرض سيطرته وإحكام قبضته على القبائل السائبة القاطنة بالجبال والأصقاع النائية. والسيبة، وفق ما نجده في التأليف الفرنسي، ظاهرة سياسية ارتبط وجودها بضعف المخزن وطبيعته الاستبدالية والطفيلية من جهة وميل القبائل الغريزي أو الفطري للاستقلال وللعيش في فوضاها التقليدية ورفضها الاندماج في كيان تنظمه وتؤطره سلطة مركزية عليا. لكن بعض الفرنسيين، قبل مطلع القرن العشرين، تحدّثوا عن السيبة كظاهرة عرقية تشمل القبائل الأمازيغية فقط، فأحدثوا بذلك تطابقاً بين ما سمّي بـ «بلاد السيبة» والمناطق التي تقطنها هذه القبائل. وقد فرض هذا التصوّر نفسه، بعد سنة 1904، حتّى على بعض الخبراء والباحثين العارفين بالقضايا المغربية، مثل إيدمون ميشوبيلير Edmond Michaux-Bellaire وألفريد لوشاتولي Alfred Lechatelier اللذين لم يحصرا خصوصية الأمازيغي في رفض الخضوع للمخزن، مثل العنصر العربي المستقر بالسهول، والمحافظة على الأعراف رغم مناقضتها للشرع، بل تجاوزا ذلك ليتحدثا عن محافظته على حيويته وأسلوبه الخاص في الحياة. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الرؤية قامت على أساس انتقاد، بل رفض، فكرة عروبة المغرب.
2 ـ النزعة الأمازيغية لدى الفرنسيين:
لم تحظ هذه الرؤية، مع ذلك باهتمام وتأييد كلّ الباحثين والمؤلفين. فقد رفض البعض فكرة التعارض التام بين العرب والإيمازيغين، في حين لم يرَ البعض الآخر في المغرب إلاّ بلداً عربياً وجزءاً من الشرق الإسلامي. لكن الصورة التي كونوها عنه أو رسموها له كانت سلبية وقاتمة. فقد كتب كابرييل شارم، Gabriel Charmes مثلاً، بعد زيارته لفاس سنة 1887 ما يلي: «لقد تأكدت من دونية المغاربة بالمقارنة مع العرب الآخرين في إفريقيا الشمالية. إنّ ألعابهم مبتذلة تجعلنا نحسّ برداءة عرق في طريق الانحطاط، عرق فقد خصاله السالفة وجمد نفسه في الماضي». أمّا… شيڤريون Chevrillon فقد قال إنّ المغرب أكثر أجزاء الشرق قتامة وعتمة وبلد مريض تظهر عليه علامات الموت؛ بلد فقد فيه الإسلام بساطته فأصبح ديناً واهناً، وفقد فيه الشعب حيويته فأصبح يحب الموت وينطفىء في الفقر والعفن.
إنّ العرب فقدوا، في نظر العديد من الفرنسيين وغيرهم، حيويتهم وعزتهم لاعتناقهم لدين يدفع معتنقيه إلى التعصب ويحرضهم على الثورة ضد الأوربي حامل لواء الحضارة العصرية ويمنعهم من التطور والتقدم. أمّا الإيمازيغن فإنّهم لم يحافظوا على أصالتهم وحيويتهم وقدرتهم على التطور والتكيف مع الظروف والمستجدات إلاّ لضعف تديّنهم وعدم تمكّن الإسلام منهم. هذا ما حمّس البعض إلى الدفاع عن فكرة تطويرهم بمنأى عن العرب والحضارة العربية الإسلامية. فقد ذكر المستشرق لويس ماسينيون Louis Massignon أنّ «النزعة البربرية Le berberisme شكلت بالنسبة له هاجساً أو هماً علمياً ودينياً منذ سنة 1909، وأنّ الراهب شارل دي فوكو Charles de Foucauld هو الذي أقنعه بأن يكرس لها حياته قصد إزالة اللغة العربية وإحلال اللغة الفرنسية والمسيحية محلهما. وكان القبطان موريس لوكلي Maurice le Glay بدوره، مهووساً بالمسألة الأمازيغية ومقتنعاً بضرورة تطبيق «السياسة البربرية» بالمغرب، لهذا نجده يتصل بليوتي، المسؤول العسكري الفرنسي بالمغرب الشرقي، من أجل إقناعه بتطبيقها. نفس الشيء فعله فرنسيون آخرون. فحين اقترب ليوتي بجيشه من ممر تازة أوحوا له بتأسيس «بربرستان». لكنّه رفض ولو أنّه كان، هو أيضاً، مقتنعاً بصحة الأطروحة الداعية إلى ضرورة وضع الاختلافات الموجودة بين العرب والإيمازيغن في الاعتبار…
3 ـ سياسة القبائل والسياسة البربرية:
ورغم كلّ ممّا ذكر فإنّ معظم منتقدي المخزن وسياسة الاعتماد على السلطان من أجل فرض السيطرة الفرنسية على المغرب لم يقدموا «السياسة البربرية» كبديل أو كصيغة استعمارية يجب وضعها في الاعتبار وإنّما دافعوا عمّا سمّي بسياسة القبائل التي تقوم على أساس عدم إدخال المخزن إلى القبائل السائبة وتجنّب فرض التقاليد والمؤسسات المخزنية عليها. وتجدر الإشارة، مع ذلك، إلى أنّ معظم الباحثين والخبراء العارفين بالواقع المغربي لم يلغوا المخزن نهائياً بل دعوا إلى الجمع بين السياستين، أي «سياسة المخزن وسياسة القبائل». وهذا يعني اشتراك السلطان في كلّ عمل سياسي أو عسكري تقوم به فرنسا بالمناطق التي لا تنالها الأحكام السلطانية وخلق توازن، في «السياسة المغربية» بين المخزن والقبيلة مع العمل على تجنّب كلّ ما يمكن أن يثير هذه الأخيرة أو يستفزها.
ويعد ألفرد لوشاتوليي من أبرز الفرنسيين الذين عبّروا عن هذا الرأي. فقد انتقد المخزن وسياسة المخزن لكنّه، بالمقابل ألحّ على ضرورة هذا الجهاز المخزني ليكون الأداة الضرورية التي يرتكز عليها التدخل الفرنسي بأكمله. لهذا نجده يقترح على فرنسا:
أن تلعب دور الوسيط بين السلطان من جهة وبين «البرابر» وكلّ القبائل التي استعصى على المخزن إخضاعها لسلطته بالمناطق الشرقية من جهة ثانية.
أن تتعهد بالمحافظة على الأمن باسمه وعلى نفقتها.
ألا تعمل على نهج سياسة مخزنية تتجاهل القبيلة. فعدم خلق توازن بين المخزن وبين هذه الأخيرة لن يؤدي في رأيه إلاّ إلى تعثّر السياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب.
لقد دافع لوشاتوليي عن «سياسة القبائل» وتحدث عن السيبة كظاهرة خاصّة بالقبائل الأمازيغية التي كان يرى أنّها تختلف اختلافاً واضحاً عن العرب والمور القاطنين بالسهول المغربية لكنّه أكد، من جهة ثانية على نقطتين أساسيتين:
الأولى: وهي أنّ سلطة الشرفاء العلويين تبقى، رغم هشاشتها أساس البناء الاجتماعي المغربي. وهذا دفعه طبعاً إلى رفض فكرة التعارض التام والجذري بين «بلاد المخزن» و«بلاد السيبة» على اعتبار أنّ المنطقتين متداخلتين ولا توجد بينهما حدود قارة وثابتة.
والثانية: وهي أنّ مصلحة فرنسا بالمغرب تكمن في عدم نهج سياسة موحدة تجاه كلّ القبائل الأمازيغية على اعتبار أنّ الوسط الأمازيغي يتكوّن من أصناف بشرية متعددة ومتباينة ولا يشكّل مجتمعاً عضوياً». وأنّ المجتمع المغربي ما زال متفككاً لدرجة أنّ سماته الاجتماعية وأعرافه وتقاليده لا يمكن أن تتفاعل وتنسجم إلاّ مع سياسة تضع في الاعتبار كثرة التقاليد المحلية واختلافها وليس التقاليد المشتركة أو العامة.
هذه الاعتبارات كلّها دفعت لوشاتوليي إلى تفضيل صيغة «سياسة القبائل» على «السياسة البربرية» ولو أنّ تصوّره يستمد بعض مضامينه وأفكاره ممّا كان يروج آنذاك عن الإيمازيغن. ويلتقي هذا الفرنسي في ذلك مع العديد من الخبراء والباحثين الفرنسيين الذين تعاملوا مع القضايا الاجتماعية المغربية بحذر وروية ونظروا إلى السيبة كظاهرة معقدة يتطلب تحليلها استبعاد أسلوب التعميم والتصنيف المبسط. وقد أدّى كلّ ذلك، طبعاً إلى اختلاف الرؤى وتعدّد الآراء حتّى في وسط المدافعين عن سياسة القبائل. فإذا كان لوشاتوليي، مثلاً، قد تحدّث عن السيبة كظاهرة خاصّة بالبربر فإنّ الباحث أوكستان برنار Augustin Bernard لم يكن له نفس الرأي. فهو قد قلّل من أهمية الاختلافات الموجودة بين العرب أو المعربين وبين الإيمازيغن مشيراً إلى أنّ هذين العنصرين اختلطا وامتزجا فيما بينهما لدرجة يصعب معها خلق تعارض جذري بينهما. لكنّه دعا، مع ذلك، إلى ضرورة استغلال الاختلافات المتبقية والمحافظة على «الجماعات» الموجودة بالقبائل الأمازيغية ودعم سلطتها. والأكثر من ذلك هو أنّه اقترح على فرنسا طبعاً، تطبيق هذا التنظيم الاجتماعي الأمازيغي حتّى بالمناطق التي تنتشر بها القبائل العربية أو المعربة نفسها. ولم يكن هذا الرأي الذي دافع عنه هذا الباحث، يلقى التأييد التام والقبول الكامل. فبعض الفرنسيين لم يهتموا نهائياً بما كان يُقال عن التعارض أو الاختلاف بين العرب والإيمازيغن، فهم قد تحدّثوا عن سياسة القبائل، كظاهرة سياسية تهم القبائل التي رفضت الخضوع للمخزن سواء كانت عربية أو أمازيغية. ونجد من بين هؤلاء الاشتراكي والنائب البرلماني جان جوريس الذي دافع بحماس عن سياسة القبائل لكنّه ألحّ على ضرورة أن تنهج فرنسا بالمغرب، سياسة عربية تكون امتداداً لتلك التي كانت تطبقها بالجزائر.
4 ـ المسؤولون الفرنسيون والمسألة الأمازيغية:
ما يهمّنا رصده الآن، هو الكيفية التي تعامل بها المسؤولون الفرنسيون أصحاب القرار، مع المسألة الأمازيغية بالمغرب ابتداء من مطلع القرن العشرين إلى سنة 1912. إنّ باريس، طيلة هذه الفترة، أعطت الأولوية لسياسة الاعتماد على المخزن من أجل تنفيذ مخططها الإمبريالي. واختيارها هذا عرضها لانتقادات أنصار الاستعمار على الطريقة الجزائرية (استعمال القوّة) ومؤيدي سياسة القبائل. ولم تعمل الحكومة الفرنسية على تغيير موقفها حتّى بعد اصطدام جيشها، الذي شرع في احتلال الجنوب الشرقي المغربي بمقاومة القبائل الأمازيغية القاطنة بمنطقة تافيلالت وجبال الأطلس. فهذه القبائل لم تنتظر قدوم العدو لتكتفي بالدفاع عن أراضيها بل كانت تهيىء الحركات للهجوم عليها بالمناطق التي احتلها رغم بعدها عن مقر إقامتها. ففي الأطلس المتوسط مثلاً، وفق ما ذكره الماركيز روني دي سوكنزاك الذي زار المنطقة سنة 1901، تعدّدت الدعوات للجهاد وتهيّأت الحركات من أجل ذلك. ومن الذين شاركوا فيها فتيان بني مكليد الذين قصدوا توات من أجل محاربة الكفار([42]).
ورغم أنّ القبائل «العربية» انضمت إلى فلول المجاهدين وشاركت في الحركات الجهادية فإنّ ما استرعى انتباه الفرنسيين، آنذاك، هو المقاومة التي كانت تبذلها القبائل الأمازيغية، خصوصاً تلك التي اصطلح على الإشارة إليها باسم «كتلة» أو «اتحادية البرابر». وهي تتألف من قبائل فظة وصعبة المراس تشكل مناطق استقرارها، بناء على ما نجده في التآليف الفرنسية، قلب بلاد السيبة، وقد ذكر ألفريد لوشاتوليي أنّ «اتحادية البرابر الكبرى تقطن منطقة واسعة تمتد من ناحية وادي درعة إلى حوض ملوية الأوسط وأنّها عبارة عن جبهة مغربية أمامية أو متقدمة، مواجهة للفرنسيين في الجنوب الشرقي. وهو لم يتحدث عنها إلاّ ليبرز قوّتها والمشاكل التي يمكن أن تخلقها أمام الجيش الفرنسي المحتل. ولدعم رأيه كتب ما يلي: «يمكن تقدير عدد المحاربين فيها بثلاثين ألفاً على الأقل وخمسين ألفاً على الأكثر. وهم مسلحون كلّهم تقريباً ببنادق ذات الطلقات السريعة، بل ذات الطلقات المتعددة في الغالب. أمّا الذخيرة متوفرة. ليس هناك خوف في الظروف العادية نظراً للانقسامات العديدة التي تطبع القبائل، من أن يجتمع أزيد من ألف أو ألفي محارب. ومع ذلك فأثناء انتفاضة الجنوب الوهراني انعقد تجمّع عام حضره ممثلو كلّ الأفخاذ، أي حوالي الألف تقريباً. فمسألة البرابر إذن يمكن أن تصبح في أي وقت من الأوقات خطيرة». وفعلاً فقد أثارت «مسألة البرابر» هاته قلق باريس لأنّ القبائل الأمازيغية تصدّت للجيش الفرنسي وقامت بالهجوم على القوافل والثكنات العسكرية الفرنسية في الجنوب الشرقي وعند الحدود المغربية الجزائرية. وطبعاً أحرجت هذه الحركات الجهادية المخزن العزيزي الذي كان يدعو القبائل إلى التزام السكينة والهدوء حتّى لا تعطى لفرنسا الإمبريالية الفرص التي تمكنها من فرض نفسها عليه بشكل أقوى وأشمل، والمثير للانتباه هو أنّ باريس لم تتعامل مع هذه القبائل الأمازيغية المقاومة لها كقبائل سائبة، فالحكومة الفرنسية حملت المخزن مسؤولية الأحداث التي تسببت فيها القبائل وألحّت وثائقها على مسؤولية المخزن الذي اتّهم بتحريض القبائل ضد الفرنسيين. وهي بذلك تعترف، ضمنياً، بسيادة السلطان على مناطق تسكنها قبائل تعتبر سائبة، وتتجاهل، في نفس الوقت، ما روّجه البعض عن ضرورة إقصاء المخزن، ممثل العنصر العربي، من المناطق التي تقطنها القبائل الأمازيغية السائبة. فكان ذلك تعبيراً عن تشبّثها (بسياسة المخزن). وإذا كانت الحكومة الفرنسية قد اختارت هذه السياسة فذلك، أوّلاً، لاعتقادها أنّ المخزن يشكل النواة أو السلطة التنظيمية الوحيدة التي يمكنها الاعتماد عليها لتحقيق أغراضها، وثانياً، لتخوّفها من تدخل الدول الإمبريالية الأخرى، المنافسة لها بالمغرب، في حالة عدم اعتمادها على السلطان، خصوصاً وأنّ كلّ هذه الدول كانت تعترف بوحدة المغرب الترابية وبسيادة السلطان عليه.
5 ـ ليوتي والمسألة الأمازيغية:
عيّن هوبير ليوتي Hubert Lyautey، بعد أن رقي ليصبح جنرالاً، في أكتوبر 1903 قائد لواء بعين الصفراء عند الحدود المغربية الجزائرية، ليراقب النصف الجنوبي من الإقليم الشرقي المغربي ويشرف على العمليات العسكرية. وبعد سنة 1906 أصبح نفوذه يشمل الإقليم كلّه. وليوتي هذا، كان في البداية، مع سياسة المخزن، لكنّه سرعان ما غيّر رأيه، إذ شرع في انتقادها، منذ نهاية سنة 1904، مؤكداً أنّ الحكومة الفرنسية باعتمادها هذه السياسة تسعى إلى تكوين دولة مغربية قوية وخلق كيان واع بذاته. وهذا، في نظره، أمر غير معقول لأنّ المغرب كيان سديمي وبلد يطبعه الانقسام. ودافع الجنرال ليوتي، بالمقابل، عن سياسة «بقعة الزيت» أو «تقنية التوسع التدريجي»، وما هذه إلاّ وجه آخر لسياسة القبائل. وهي توم على المزج بين العملين العسكري والسياسي، ويتمثل العمل السياسي في:
أ ـ إقناع الخصم بعدم جدوى المقاومة عن طريق إظهار القوّة مع محاولة تجنّب استعمالها.
ب ـ استدراج القبائل إلى صف الفرنسيين ومحاولة إقناعها بإيجابيات الوجود الفرنسي، وذلك عن طريق ربط علاقات تجارية معها واحترام عاداتها وتقاليدها وأيضاً بتجنّب كلّ أساليب العسف والظلم في التعامل معها.
وقد احتك ليوتي أثناء توسّعه في شرق المغرب، بالقبائل الأمازيغية، وشعر هو أيضاً بالخطر الذي قد يتهدّد الوجود الإمبريالي الفرنسي بالمغرب في حالة التفاف هذه القبائل حول بعضها، ومع ذلك فإنّه لم يفكّر أبداً في نعت سياسته بما يسمّى بـ «السياسة البربرية» رغم إيمانه آنذاك بوجود فوارق بين العرب والإيمازيغن. وحين طلب منه البعض سنة 1910تطبيق هذه السياسة وتاسيس «بربرستان» أجاب قائلاً «إنّني موجود بالمغرب لتوطيد سلطة السلطان على كلّ البلاد. هكذا فإنّ ليوتي الذي كان ضد سياسة المخزن بعد سنة 1904 أصبح منذ سنة 1910 يعيد الاعتبار لسياسة الاعتماد على المخزن ولو أنّ ذلك لم يمنعه من الاستمرار في تطبيق «سياسة بقعة الزيت» ومن استعمال القوّة في توسيع رقعة الاحتلال ولم يعلن ليوتي عن تشبّثه بـ «سياسة المخزن» إلاّ لحاجة فرنسا إلى السلطان لفرض سيطرتها على المغرب.
نرى، إذن، أنّ مبادىء «السياسة البربرية» لم تكن غائبة عن أذهان الفرنسيين قبل سنة 1912. لكن التصوّر الذي فرض نفسه، إلى جانب «سياسة المخزن»، يتمثّل في «سياسة القبائل» التي دافع عنها حتّى أولئك الذين دافعوا عن أمازيغية المغرب. وينبغي القول، مع ذلك، بأنّ «سياسة القبائل» و«السياسة البربرية» تلتقيان في بعض النقاط. فالثانية اقتبست بعض مبادئها واستلهمت بعض أفكارها من الأولى. وهذا شيء طبيعي لأنّ التصورين معاً ينطلقان من إطار مرجعي واحد متمثل في «السيبة» ويدافعان عن فكرة عدم فرض المخزن والمؤسسات والتقاليد المخزينة على القبائل التي تفتخر باستقلالها وتتشبث بتقاليدها وأعرافها.
ولم يعمل المسؤولون الفرنسيون: أصحاب القرار السياسي، على تطبيق «السياسة البربرية» إلاّ بعد توقيع عقد فاس، في 30 مارس 1912 وشعورهم بالخطر المحدق بنظام الحماية فقد مرّ، هذا الأخير، في بداية عهده، بظروف صعبة تمثّلت في اندلاع انتفاضة فاس والتفاف القبائل حول حركة الهيبة في الجنوب ولم يزدد الوضع إلاّ تأزّماً بعد اصطدام الجيش الفرنسي بقبائل الأطلس المتوسط الأمازيغية التي لم تكن فرنسا تعرف عنها وعن أراضيها أي شيء تقريباً. فنتيجة لكلّ هذه الأشياء، وبعد المعارك الحقيقية، الضارية والعنيفة، التي خاضتها الجيوش الفرنسية عند السفوح الشمالية للأطلس بين سنتي 1911 و1913 تقرّر تطبيق «السياسة البربرية»، لكن أوّل قرار رسمي صادر في هذا الشأن، وهو يتمثل في ظهير 11 شتنبر 1914، لم يصدر إلاّ بعد أن اندلعت الحرب العالمية الأولى وقرّرت باريس سحب معظم قواتها العسكرية من الساحة المغربية.
عبد الحميد أحساين
الظهير البربري
الصادر في 16 ماي 1930
لقد قيل الكثير عن مخلفات إصدار هذا الظهير، الذي يعتبر بمثابة ميلاد الحركة الوطنية. وتمّ الاعتراف بالإجماع أنّه، لا يشكل إجراء غير مناسب، فحسب، بل يعتبر كذلك خطأً سياسياً فادحاً، تمّ البحث من أجل التخفيف من مسؤوليات المقيم العام، «لوسيان السان» في ارتكابه، عن أكباش فداء فنسبه البعض إلى «المتعصبين المسعورين، والماسونيين الصداميين»، ونسبه بعض آخر إلى «الدوائر الفلسفية المؤلفة من فعاليات مسيحية ويسارية»، وحتّى «المستشار قانوني اشتهر بتعصّبه الطوباوي، لما سمي بسياسة المجموعة البربرية».
لكن يبدو أنّ لا أحد أتى بتوضيحات دقيقة، حول الظروف، التي هُيِّىءَ فيها هذا الظهير. وتمكن بعض الوثائق الأصلية، التي توفر عليها، من ملء هذا الفراغ، إلاّ أنّه قبل تفحصها، لا بد من تلخيص المسألة بكيفية موجزة.
فلأسباب سياسية وعسكرية معاً، استطاع المقيم العام لويتي، انتزاع توقيع المولى يوسف (وذلك بعد جهد وعناء، حسب تصريح مستشار الحكومة الشريفة، خلال اجتماع 13 مارس 1930)، على ظهير 11 شتنبر 1914، المصاغ في التعابير التالية «نظراً لضمّ قبائل جديدة يومياً للمملكة، بفضل تقدّم عمليات التهدئة ونظراً لأنّ لهذه القبائل البربرية» قوانين وأعراف، يعملون بها، منذ القدم، وبناء على مصلحة رعايانا، وهناء مملكتنا، يجب احترام القانون العرفي السائد في هذه القبائل…
الفصل 1: تحكم وتنظّم قبائل العرف البربري، بمقتضى قوانينها، وأعرافها الخاصّة، تحت رقابة السلطات، وتظل محكومة ومنظمة كذلك.
الفصل 2: تصدر قرارات من وزيرنا الأكبر (الصدر الأعظم)، باتفاق مع السكرتير العام للحكومة الشريفة، تعيّن شيئاً فشيئاً، عند الاقتضاء.
1 ـ القبائل التي تدخل في نطاق العرف البربري.
2 ـ نصوص القوانين والأنظمة التي تطبق على قبائل العرف.
وإلى حدود سنة 1924، بقي هذا الظهير بدون مفعول، إلاّ أنّ في هذا التاريخ بالضبط، صدرت مذكرتان عن المقيم العام، أولاهما بتاريخ 29 يناير، تنظّم الجماعات القضائية في جزئياتها وتفاصيلها، حيث حوّلتها إلى محاكم حقيقية، بينما صدرت الثانية بتاريخ 14 فبراير، في موضوع تقنين وتنظيم طريقة انعقاد الجلسات، وطريقة تعبئة السجلات، وفي ثامن أكتوبر اجتمعت لجنة برئاسة السيد «دوسوريبي دوبوينادوريس»، الكاتب العام للحماية، تحت اسم «لجنة دراسة قوانين العدلية البربرية»، حدّدت مهمها، في العمل على تحديد اختصاصات الجماعات القضائية. واقترحت إدارة شؤون الأهالي في هذا الاجتماع، للجماعات عدّة اختصاصات في مجال الأحوال الشخصية والإرث، ومجال العقار، والمجال المدني والتجاري، بينما جعلت معاقبة المخالفات الجنائية، من اختصاص القواد. وقد وافقت اللجنة بالإجماع على هذه المقترحات موضحة «أن ليس هناك مانع لتعليق التنظيمات القانونية، بالمنطقة الفرنسية، إن كان ذلك من أجل توية العنصر البربري، الذي سيلعب مستقبلاً دور الموازن، بل إنّه من الناحية السياسية هناك بعض الفائدة» ولاحظت اللجنة ـ من ناحية أخرى ـ أنّه من السابق لأوانه، بسط أو توسيع اختصاصات القضاء الفرنسي في البلاد البربرية، حيث يبدو النموذج الجزائري في إنشاء قضاة الصلح، وقضاة الحق العام، ما زال غير قابل للتطبيق في المغرب، بينما لاحظت إمكانية الربط بين العدالة الفرنسية والبربرية، عن طريق محاكم الاستئناف، دون أن يعني ذلك رئاسة جلسات الاستئناف للجماعات الجهوية من طرف قاض فرنسي، وإنّما يرأسها ـ مرحلياً ـ المراقب، في أفق استبداله، على المدى البعيد بالقاضي الفرنسي. وبهذا يظهر أنّ مسألة العدلية البربرية، طرحت منذ أكتوبر سنة 1924، أي قبل مغادرة ليوتي منصب الإقامة العامة.
وعرف التنظيم المستمد من المذكرتين المذكورتين، نجاحاً ملحوظاً، منذ البداية، إذ إنّ الجماعات القضائية، المنتقاة، من طرف المعنيين بالأمر، من بين أعيان القبيلة، المسنين، والملمين بشؤون الأعراف، حضت بارتياح وثقة مطلقتين، فكانت الإجراءات مجانية، وسريعة، وذات فعالية.
وفي أواخر سنة 1929، وصل عدد الجماعات القضائية، في مجموع القبائل المرتبة، قبائل عرف بمقتضى قرار وزاري، واحد وثمانون جماعة قضائية، تضمّ حوالي مليوني نسمة، لكن هذا التنظيم كان يشكو من نقص أساسي، تجلّى في اقتصار مشروعيته على مذكرتين إداريتين، الأمر الذي جعل قرارات وأحكام الجماعات في غياب سند قانوني، ناقصة مقارنة مع السلطات القضائية الأخرى (الفرنسية أو المغربية)، الموجودة فوق تراب المملكة، ومقارنة كذلك مع السلطات القضائية الأوربية، التي كان يهمها الأمر، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مجال العقار. ولمعالجة هذا الوضع، أصدرت الإقامة العامة بتاريخ 7 دجنبر 1929 قراراً تأسّست بموجبه لجنة مكلفة بدراسة وتسيير العدلية البربرية. عقدت أولى جلساتها في 26 فبراير 1930، حيث طرح على أنظارها، مشروع ظهير أعدّته إدارة شؤون الأهالي. ومنذ البداية تعارضت في الاجتماع أطروحتان، عرضت أولاهما هيئة المحامين، مساندة من طرف جل أعضاء اللجنة من المدنيين وفيها دعت إلى حل الجماعات البربرية، وتعويضها بمحاكم فرنسية، يرأسها قاض للصلح في مناطق المراقبة المدنية، وضابط عسكري في مناطق المراقبة العسكرية، كما دعت إلى إصدار قانون جنائي موحد لجميع المجموعات البربرية، واقترحت أحكاماً قضائية، في أفق تطوير العرف نحو المبادىء القانونية الفرنسية.
ولقد تمّ تلخيص هذه الأطروحة، في مذكرة أنجزها نقيب محاميي الرباط، وألحقت بمحضر جلسة 26 فبراير. ويمكن إدراج بعض مقتطفاتها:
«نريد تجنب تأثيرات الإسلام على قبائل العرف، وإذا كانت الحتمية تدفع إلى تطور القوانين، فإنّنا نريد لهذا التطور أن يتجه نحو حضارتنا الفرنسية، وليس في اتجاه الحضارة العربية…». «إنّ كلّ ما حققناه في بلاد القبائل الجزائرية، سنة 1874، يجب إنجازه سنة 1930، بالمغرب، حيث البربري الذي لا يهمه سوى تطبيق أعرافه، لا يطلب أكثر من أن يكون خاضعاً لسلطة قاض فرنسي، لا يكترث بأي ضغط أو توجيه من طرف القبيلة أو القايد…».
«يجب توقع جهاز استئنافي يصبح بشكل طبيعي المحكمة المختصة، داخل تراب القبيلة، يلحق بها مساعدين «بربريين»، وفي اعتقادي أنّ هذا الرأي، ليس رأي رجال الأعمال فحسب بل هو كذلك رأي المحامين، وكلّ الفرنسيين، المتطلعين إلى بسط إشعاع النفوذ الفرنسي على المغرب، وخصوصاً على البربر الذين لا يرغبون في أكثر من الالتحاق مباشرة بمؤسساتنا، وحضارتنا». وقد عارض هذه الأطروحة، أطروحة إدارة شؤون الأهالي، التي كانت تميل إلى تكريس ما كان قائماً، عن طريق نص تشريعي إذ جاء على لسان عارضها، الجنرال نوجيس: «يجب قبل كلّ شيء النظر للأمر، من الناحية السياسية، فالبربر مرتاحون، لعدليتهم، ولا شيء يدل على أنّهم سيكونون كذلك غداً، عندما سيمثلون أمام قاض فرنسي، لذا علينا أن نكون حذرين جداً، وإلاّ دخلنا في مواجهة مع الأهالي… ذلك أنّه إذا أضفينا الصبغة القانونية على الجماعات، أرضينا الجميع، أمّا إذا أردنا الوصول إلى قاض فرنسي، فيجب أن نفعل ذلك بكثير من الحيطة والحذر، إذ لا يمكن حسب ما يبدو حالياً، تجاوز فكرة القاضي التي أدخلت لمحاكم الاستئناف…».
وتساءل رئيس اللجنة، عمّا إذا كانت الحكومة، راغبة في الحفاظ على ما هو قائم، كوسيلة تفتح آفاقاً في المستقبل، فأجاب نوجيس قائلاً: «إنّ الحكومة تريد تكريس الواقع». عندئذ عمل الرئيس، على أن ينصب النقاش في هذا الاتجاه، وأضاف موضحاً «إنّ الجماعات تعمل على ما يرام، وذلك راجع للعبقرية الفرنسية، ويكفي دعم النفوذ والسلطة القضائية الموجودة، واستمرار النهج المتبع حتّى الآن، والحرص على عدم الخروج عن ما هو مؤقت، إذ ليس هناك حل آخر في هذه الظروف… وإذا كان بالإمكان التخلي عن فكرة إصدار نصوص، فذلك أفضل». لكن كان من الضروري منح الطابع القانوني والشرعي لأحكام الجماعات. وصرّح «بينازيط»، مدير شؤون الأهالي من جهته، «يجب تنظيم ما هو قائم، فمن الناحية السياسية، لا شك أنّ كلّ تغيير أو تجديد، سيخلق عدّة عراقيل، لهذا يجب ترك المسألة في إطارها العملي: هل البربر مرتاحون لنظامهم القضائي؟ نعم، هل يكون الأمر كذلك عند إلحاقهم بالمحكمة الفرنسية؟ لا…». وفي الأخير لاحظ مدير شؤون الأهالي «أن ليس بإمكانه مطالبة السلطان بظهير عام، ينشىء قضاء غريباً عنه، «لكن من الممكن مطالبته بإصدار نص قصير، يعترف من خلاله بالنظام المعمول به في الواقع» وفي الأخير تبنت اللجنة هذا التصوّر، واقترحت مشروع ظهير يدعو إلى:
1 ـ تحديد اختصاص رؤساء القبائل في المجال الجنائي فقط، وتكليف الجماعات بكلّ ما يتعلق بالمجال المدني، والتجاري، وما يتعلق بالمنقول والعقار، والأحوال الشخصية والإرث.
2 ـ إنشاء محاكم استئنافية عرفية، تتلقّى استئنافات المحاكم الابتدائية، وذلك من أجل تحرير العدلية البربرية من أي تدخل للمحكمة العليا الشريفة، ومحكمة الاستئناف الشرعية.
3 ـ تعيين مندوب عن الحكومة، وكاتب ضبط، بكلّ محكمة عرفية، أو استئنافية. (ويجب التذكير بأنّ مشروع الظهير الأوّل الذي اقترحته إدارة شؤون الأهالي، نص على أن يرأس المحاكم الاستئنافية قاض فرنسي).
وكان من الممكن أن يختم السلطان هذا النص، دون أن يثير ذلك معارضة، أو انتقاد نخبة مثقفي المدينة، إذ كانت تلك النخبة تجهل كلّ شيء عن المناطق البربرية، كما كانت تقاسم السلطان مولاي حفيظ، نفس الشعور إزاء البربر، ذلك الشعور الذي عبّر عنه السلطان، في رسالة وجهها إلى باشا مدينة طنجة، بعد الهجوم الذي تعرّضت له مدينة فاس، سنة 1911، من طرف القبائل المجاورة بقوله: «لهؤلاء البربر طبع لا يدعو إلى الثقة، والارتياح، ومنذ غابر العصور، لم يقبلوا أي تنظيم». إضافة إلى أنّ هذه النخبة لم يكن لها رأي يذكر، عند تاسيس القضاء العرفي الجديد، ولا خلال السنوات الستة، التي عمل به فيها على مرأى ومسمع الجميع، كما أنّ أي قاض لم يبد رغبته في إقامة محكمة، ببلاد البربر. لكلّ هذا لم يكن هناك سبب لتغيير موقفها، طالما احترمت مبادىء الحماية (مجرد مراقبة من طرف السلطات الفرنسية)، وعكس ما كان منتظراً، اقترح رئيس اللجنة، إضافة النقطة التالية إلى مشروع الظهير المذكور أعلاه ستختص المحاكم الفرنسية، في معاقبة الجرائم المرتكبة في بلاد البربر، وستستعين للنظر في هذه القضايا، بلجنة مكوّنة من ثلاثة مساعدين بربر. وبهذه الطريقة، يمكن تفادي الصعوبات التي يطرحها عدم الاختصاص، وضمان وحدة الزجر في جميع المناطق التي تعاني من مشكل الأمن. وقد أثارت هذه النقطة المضافة، نقاشاً مسهباً. واقترح أحد أعضاء اللجنة، بدعوى ضرورة ضمان الأمن، تمديد هذا الإجراء إلى البلاد الخاضعة للشرع. وفي المقابل أبدى مدير شؤون الأهالي، تحفّظه، بقوله: «إنّ تطبيق ما اقترح سيطرح عدّة عراقيل، فحينما يقتل شخص منحدر من بلاد الشرع، بربرياً، على تراب منطقة الشرع، سيتدخل المخزن لا محالة… إلخ، لذا فمن الأفضل الوصول إلى هذا الإجراء تدريجياً». غير أنّ اللجنة تعاملت مع كلّ هذه التحفظات باستخفاف، ووافقت على الإجراءات المقترحة بأغلبية ساحقة.
وبما أنّ رئس اللجنة، كان معروفاً بالحذر والامتثال، للسلطة السائدة، يمكن التساؤل عن الأسباب التي دفعته، لاتخاذ مثل هذه المبادرة الخطيرة. رغم أنّها لم تكن مسجلة في جدول الأعمال، ومنافية تماماً للتعليمات (تفادي كلّ تجديد). وقد أدلى بهذه الأسباب خلال الاجتماع المنعقد في 14 مارس 1934، تحت إشراف المقيم العام «بونصو»، قصد تعديل ظهير 16 ماي 1930. قائلاً: «كان المقيم العام في سنة 1930 منهمكاً في بسط اختصاصات المحاكم الفرنسية على كلّ الأهالي المغاربة».
«وحينما اهتمّت الحماية، بالقضاء الجنحي في بلاد العرف، اقترحت ثلاثة حلول:
- تأسيس محاكم جنحية بربرية.
- الاحتفاظ باختصاص المحكمة العليا الشريفة.
- اختصاص المحاكم الجنحية الفرنسية.».
«وقد تقرّر التخلي عن الحل الأوّل، بسبب استحالة إنشاء مثل هذا القضاء، أمّا الحل الثاني، فطرح صعوبة قصوى، نظراً لكونه لا يأخذ بعين الاعتبار الالتزامات التي قطعتها السلطات على نفسها إزاء السكان البربر الذين تمّ إخضاعهم مؤخراً، كاحترام أعرافهم. أمّا الحل الثالث. وهو الحل الوسط. والذي يعتبر تمهيداً أولياً، لإعادة تنظيم القضاء المرسوم للمغرب، فرغم أنّه لم يعط نتائج جيدة على الصعيد السياسي، كان بالإمكان الاحتفاظ به لمزاياه من الناحية القضائية. ويجب الاعتراف بهذا».
وختمت اللجنة، المؤسسة بمقتضى قرار 7 دجنبر 1929، أشغالها، موضحة أنّها عبرت عن رأي تقني، في مسألة العدلية البربرية، أمّا تبنّي، واتخاذ الإجراءات فهو من اختصاص الحكومة، فالمقيم العام «لوسيان السان».
إذن هو الذي يتحمل كامل المسؤولية، في ظهير 16 ماي 1930، الذي تمّ انتزاع التوقيع عليه، من ملك شاب، منعدم التجربة.
وقد اشترط هذا الظهير، وبالخصوص في بنده السادس، أن تبقى ـ في أوّل المطاف وآخره ـ المخالفات الجنحية، المرتكبة في المناطق البربرية، من اختصاص المحاكم الفرنسية فقط، تلك المحاكم التي أنشأت بظهير 12 غشت 1913، وترك قضاء الحق العام من اختصاص المحكمة العليا الشريفة.
وهذا الفصل هو الذي أثار ضجّة عارمة، لا في المغرب فحسب، بل حتّى في إفريقيا الشمالية برمتها، والشرق الأوسط، وعموماً في كلّ البلاد الإسلامية. ممّا دعا إلى تليين مقتضياته، إلى أقصى حد، حيث تقرّر:
1) عدم إرسال وكلاء، أو قضاة تحقيق إلى المناطق العرفية، وتكليف ضابط عن شؤون الأهالي أو مراقبين مدنيين توكّل لهم سلطات الشرطة القضائية، بمهمة التحقيق.
2) أن تعرض كلّ القضايا الجنحية على مصلحة شؤون الأهالي، لتقرّر هل هي جنحية فعلاً، أم لا، وبعد ذلك تقدّمها للمحاكم العرفية. لذا لم تبث المحاكم الفرنسية إلاّ في 47 قضية فقط، من أصل 217. وشكلت هذه الطريقة نفسها خرقاً لمقتضيات ظهير 12 غشت 1913، التي تهم المحاكم الفرنسية، إضافة إلى كونها تؤدّي إلى تمديد فترة التحقيق (7 أشهر على الأقل)، وفي ذلك مس بحقوق الفرد.
وللخروج من هذا النفق، اجتمعت، تحت إشراف المقيم العام، لجنة مكوّنة من أهم مساعديه المهتمين بالمسألة: (نائب الإقامة، الكاتب العام للحماية، مستشار الحكومة الشريفة، مدير شؤون الأهالي، مدير المراقبة المدنية، رئيسا محكمة الاستئناف). ونتج عن أعمال هذه اللجنة، ظهير 8 أبريل 1934، الذي أخضع (في المجال الجنائي)، محاكم الباشوات والقواد، إلى نظام موحد، وجعل المملكة برمتها، من اختصاص المحكمة العليا الشريفة (وبهذا أصبح الفصل السادس من ظهير 16 ماي 1930، لاغياً). لكن بالنسبة للجنح نص الظهير على إنشاء فرع خاص، داخل المحكمة العليا، سمّي بالقسم العرفي الخاص، مثل في الواقع قضاء مستقلاً، إنّه مجمع قضائي يتكوّن من رئيس ومساعدين، يختلفان عن قضاء المحكمة العليا الشريفة، وعن مندوب الحكومة، وكاتب ضبط خاص. ويمكن لهذه الهيئة القضائية. إذا طلب منها ذلك المتهم أو مندوب الحكومة أن تبت في القضايا، بعدما يلحق بها عدلان، مختاران من بين أعيان المناطق العرفية، يلعبان دوراً استشارياً.
ولمّا تمّ الرجوع إلى مبدأ المراقبة الفرنسية، المنحدر من مفهوم الحماية، خفتت الضجة، رغم أنّ النظام الجديد، أخذ طابعاً بربرياً خاصاً.
وتمّ إلحاق المصلحة المركزية للقضاء البربري، المؤسسة والمسيرة من طرف إدارة الشؤون السياسية، بإدارة الشؤون الشريفة، بمقتضى ظهير 26 مارس 1935. وأصبحت كمثيلاتها، المحكمة المخزنية أو المحكمة الشرعية، جهازاً شريفاً، تابعاً للصدر الأعظم الذي فوّض له السلطان تطبيق النصوص الأساسية (ظهائر: 11 مارس 1914، 16 ماي 1930، 8 أبريل 1934).
وبعد تسوية وضع القضاء البربري، تمّ العمل بهن دون عراقيل، ولا صعوبات، منذ ذلك الحين، إلى أن استقلّ المغرب، ووحّد نظامه القضائي، لاغياً بذلك المحاكم الفرنسية والعرفية، والإسرائيلية.
جوزيف لوسيوني
ترجمة: محمد المؤيد
الظهير البربري، وتجذير الحركة الوطنية السياسية
تربط جل الكتابات المهتمة بتاريخ الحماية بالمغرب، بين الظهير البربري، الصادر سنة 1930، والحركة الوطنية السياسية، ربطاً جعل بعضها يعتبر ذلك الظهير بمثابة «صك تعميد الوطنية المغربية».
والحقيقة أن المتتبع لتطوّرات العمل الوطني في مستهل الثلاثينات، يلاحظ كيف أنّ تجذير هذا العمل، وتقعيد أساليبه، تبلور في خضم حركة الاحتجاج ضد هذا الظهير الذي عرف الوطنيون الشباب في سياق بحثهم عن وسيلة لتحريك وعي مواطنيهم كيف يجعلون منه سلاحاً ممتازاً بين أيديهم.
لم يكن الظهير البربري لسنة 1930، سوى حلقة من حلقات السياسة البربرية التي اعتمدتها الإيدويولوجيا الاستعمارية بالمغرب، منذ بداية الاحتلال. وقدّمتها المقاولة الفرنسية مفتاحاً للهيمنة الفرنسية بالمغرب موظفة ثنائية عرب/ بربر، التي اختلطت فيها التوجهات العرقية، مع التوجهات الانقسامية، إضافة إلى مسحة تبشيرية ساهم فيها مبشرون من قساوسة، ورهبان، وغيرهم. إنّها ثنائية لم تختلف في عمقها كثيراً عن ثنائيات شبيهة، خاصة ثنائية بلاد المخزن/ وبلاد السيبة، التي كانت في مجملها مبنية على تصوّرات وأفكار مسبقة.
كان هدف السياسة البربرية، هو إدماج إفريقيا الشمالية في المجموعة الفرنسية، إلاّ أنّ الاعتقاد الذي ساد ساعتئذ لاحظ أنّ هذا الإدماج لا ينجح إلاّ إذا كان البربر والأوربيون من أصل واحد، بحيث يستحيل على البربر استيعاب الحضارة الغربية، إذا كانوا ينتمون لجنس غير أوربي.
وما دام الأمر كذلك، فلا بدّ من أوربة البربر، وجعلهم «أقارب الأوربيين القدامى»، وإشاعة كلام جعل من «بلاد البربر، بلاداً أوربية». بشكل استهوى عدداً من دعاة السياسة البربرية، فاستمروا متشبثين به حتّى بعد تداعي هذه السياسة.
ويعود ترويج النظرية القائلة بأنّ أصل البربر من أوربا، إلى مجموعة من العسكريين، والموظفين الفرنسيين، بإعانة بعض المترسلين، وكان الاهتمام بالتاريخ القديم لإفريقيا الشمالية، وبتاريخ القبائل البربرية إحدى أسسها. إذ كما كانت الغاية من الاهتمام بالتاريخ القديم تدور حول النيل من الإسلام لفائدة المسيحية، وإضفاء صبغة الشرعية والأصالة، على أعمال الغضب، والاستغلال الاستعماري، اعتماداً على الإرث الروماني. كان النيل من العروبة أحد أهداف الاهتمام بتاريخ القبائل البربرية.
لهذا لا يستغرب المرء، حينما يقرأ في كتابات بعض الفرنسيين، ـ ومن تبعهم ـ عن الإسلام السطحي للبربر، وتمسّكهم بالوثنية، أو ببعض الطقوس المسيحية، ومقاومتهم الإسلام، وتفضيلهم استعمال لغتهم وتقاليدهم وأعرافهم، ورفضهم الخضوع لحكومة المخزن… فالهدف لا يعني أكثر من تقديمهم داخل إطار حضارة، تختلف عن الحضارة العربية الإسلامية، وثقافة متميزة في نشأتها وتطوّرها التاريخي، وتفكيرها، وأعمالها وسماتها الروحية والمادية، وانعكاس ذلك على السياسة والحقوق والدين، وما إلى ذلك من أوجه النشاط البشري.
من هنا كان الاحتجاج ضد السياسة البربرية بالمغرب، ورفضها ممثلة في ظهير سنة 1930، دفاعاً عن أهم مقومات الوحدة بين عناصر الشعب المغربي، ودفاعاً عن الهوية المغربية في جل أبعادها، بشكل كان له دور فعال في ترتيب وتنظيم، العمل الوطني السياسي.
1 ـ عموميات حول السياسة البربرية قبل ظهير 1930:
أ ـ شذرات حول تجربة الجزائر:
وظّف الفرنسيون من أجل ترسيخ نفوذهم الاستعماري بالشمال الإفريقي. إلى جانب سلاح القوّة ـ أسلحة إيديولوجية. على رأسها ما أطلق عليه اسم «السياسة البربرية». وهي سياسة طمحت إلى فصل عنصري مجتمع الشمال الإفريقي عن بعضها، واستغلال أحدهما وهو العنصر البربري في سبيل تمرير مخطط الإدماج المرحلي للمنطقة ابتداء من المناطق الجبلية، التي توهم منظرو هذه السياسة، وجود اختلافات بينها، وبين المناطق السهلية، على عدّة مستويات يمكن ـ في نظرهم ـ أن تسهّل مأمورية الاحتلال المعنوي. وبناء على ذلك ادّعى بعض هؤلاء «أنّ الشمال الإفريقي من أكادير إلى قابس مروراً بمدينة الجزائر، ومن بوذنيب إلى الدهيبات، مروراً بابن صالح، تسود نفس المؤسسات، ونفس بنية التجمعات الخاضعة لقوانين المدرسة المالكية، في كلّ المدن والقبائل التابعة لها بمعنى، نصف المنطقة، بينما الجهات الجبلية التي تشكل النصف الباقي، لا تجري المعاملات بين سكانها إلاّ عن طريق العرف».
واعتماداً على هذه الثنائية (شرع/ عرف)، طمح الفرنسيون إلى بلورة أسس تفرقة دينية بين العرب والبربر، معزّزة بأطروحات حول الاختلافات الإثنية بين العنصرين، في أفق فصل اجتماعي وسياسي بينهما: اجتهد في محاولات البحث عن مبرراته، ومحاولات تنفيذه، مجموعة من «الباحثين»، والعسكريين والإداريين، ـ جمع بعضهم بين الصفات الثلاث، شكّلت بلاد الجزائر قبل المغرب مكاناً خصباً لأعمالهم وتجاربهم، أكثر من البلاد التونسية التي لم تكن موضوع أبحاث كثيرة في هذا الميدان، إذا استثنينا أهل جربة الذين أنجزت حولهم عدّة دراسات مونوغرافية.
فمفهوم «خصوصيات البربر» هو أحد معطيات الاثنوغرافية الفرنسية بالجزائر، ظهر منذ سنة 1826 ضمن صفحات كتاب يتحدّث عن «التاريخ الفلسفي والسياسي للمؤسسات وتجارة الأوروبيين بإفريقيا الشمالية». ينسب تأليفه إلى «القس رينال» أحد المساهمين في رسم مراحل فكرة العرقية.
فقد لخص هذا الكتاب الخطوط العريضة لخصوصيات البربر في أصولهم الوندالية، وضعف تشبثهم بالإسلام، وتقديسهم الأولياء، وتشبثهم المطلق بالاستقلال، وهي نفس الأطروحة التي ردّدها ـ مع شيء من التفصيل ـ دعاة السياسة البربرية، حيث انتشر الحديث منذ سنة 1837 على العرب الرحل، والبربر المستقرين، وكتب «توكفيل» بأنّ «جوارح القبائل مفتوحة لنا، رغم أنّ بلادهم مقفولة في وجهنا»، كما فكّر «ديفيفي DUVIVIER» سنة 1841 بأنّ «استقرار القبائل وحبّهم للعمل سيصبحان محاور أساسية للسياسة الفرنسية». بينما ذهب «بوديشون BODICHON» أبعد من ذلك بدعوته لاستغلال الأحقاد بين العرب والقبائل بشكل ممنهج لإلغاء العرب والالتحام بالقبائل، زاعماً أنّهم «آريو الأصل» ولم ينسوا المسيحية التي عرفوها قبل الإسلام». وتردّدت هذه الأطروحات ذات الأفق الإدماجي داخل الأوساط الاستعمارية بدون كلل، وكثر الحديث حول القبائل، ونعتهم بالأهالي الأصليين والحقيقيين للجزائر، وعدتها ومستقبلها، وأنّهم الأقرب إلى الفرنسيين، بل إنّ «إميل مسكيراي»، المعروف بنظرته الانقسامية، رأى أنّ القبائل سيصبحون «العنصر الاستعماري الجيد الذي سيوظفه الفرنسيون ليجعلوا من الجزائر فرنسا حقيقية».
وحتّى لا تظهر هذه الأفكار غير مقبولة، بحث البعض لها عن أصول تاريخية وهمية، فاعتبر فارنيي WARNIER القبيلة البربرية منحدرة من المستلحقات الرومانية، وتجاوزه «لافيجري»، كبير أساقفة الجزائر، للحديث عن «نفس الدم، ونفس الأصل الروماني، ونفس النوع المسيحي بين القبايليين والفرنسيين، ولا يلزم سوى ترك الأمور تعمل لتصبح أرض القبائل مسيحية»، داعياً إلى «تحرير البربر الذين يعانون ـ حسب زعمه ـ من ضغط العرب، واستغلال الترك».
ولا شكّ أنّ هذه الأفكار، ومثيلاتها، هي التي شجّعت خيال الضابط «أوكابيتان»، على حصر المدّة اللازمة لأنّ يصبح القبايل فرنسيين في مائة عام.
لقد كان بعض هذه الأفكار سابقاً، للعمل الميداني التطبيقي، وبعضها الآخر جاء نتيجة محاولات التطبيق، التي شحذت أذهان دعاة السياسة البربرية، وكان التركيز على منطقة القبايل من وراء الترادف الذي أصبح بين مفهوم «السياسة البربرية»، ومفهوم «السياسة القبايلية». فلتنفيذ هذه السياسة اختار دعاتها والمشرفون عليها، للقيام بأوّل تجربة، مجموعة «القبائل» لتطبيق العرف، و«شاوية الأوراس»، للاحتفاظ بالشرع، على أساس استخلاص نتائج محدّدة مسبقاً.
وإذا كانت السياسة البربرية بالجزائر، قد اهتمت بميادين مختلفة، فإنّ الجانب الذي استهلكته كثيراً، هو القضاء والعدلية، من أجل تفكيك القاعدة القانونية، التي وحّدت سكان البلاد، واستبدالها بالقانون الفرنسي، تمهيداً لإدماج نهائي عبر خطوات، كان الإسلام، واللغة العربية مستهدفين رئيسيين فيها. ذلك أنّ الفرنسيين حملوا مسؤولية، عرقلة عملهم بالجزائر إلى الميول العربية، وإلى القرآن، الذي اعتبره أحد النواب في البرلمان الفرنسي، محرّضاً للمسلمين على إذاية الفرنسيين كما اعتبره أحد الأساقفة، مولداً للعصبية الإسلامية وطالب بـ «مقاومته، وكسره بالعنف كلّما واتت فرصة لذلك».
وضمن الخطوات الإجرائية لهذا العمل، تمّ في سنة 1841، انتزاع اختصاص الجنح والجنايات، والنظر في شؤون الملكية من المحاكم الشرعية، وتحويله إلى المحاكم المدنية الفرنسية، كما أصبح على المتقاضين الجزائريين ابتداء من سنة 1854، رفع شكواهم إلى محاكم الصلح، التي تأسّست للنظر في الشؤون المدنية.
وفي سنة 1859، أصدر الفرنسيون مرسوماً ينحي أحكام الشرعية الإسلامية من بلاد القبايل، بذريعة أنّ البربر هم الذين طالبوا بالاحتفاظ بأعرافهم، وأنظمتهم القضائية، وتمّ الاعتراف بمجلس «الجماعات البربرية»، وتطبيق العرف قضائياً بدل أحكام الشريعة. غير أنّ «الجماعات البربرية» سرعان ما أُزيحت عن المهات التي أوكلت لها، بقرار صدر سنة 1874، عوضها بقضاة فرنسيين تحت اسم «قضاة الصلح»، استعانوا في أعمالهم لتغطية جهلهم بالأعراف، ببعض الأهالي، إلى حين، حيث تمّ الاستغناء عنهم ـ إلاّ فيما يخصّ الأحوال الشخصية ـ ابتداء من سنة 1889. وكان الفرنسيون قد أصدروا قبل هذا التاريخ، أي منذ سنة 1886، قانوناً أوكل جميع اختصاصات المحاكم الإسلامية إلى محاكم الصلح الفرنسية. وبذلك ما كادت تسعينات القرن التاسع عشر تطل حتّى كان مسلمو الجزائر، عرباً وبربراً، يرجعون في قضاياهم إلى القضاة الفرنسيين، تمهيداً لقانون الإلحاق الذي تلاه إخضاع كلّ المحاكم الشرعية لوزارة العدل بباريس، ثمّ للحاكم العام ابتداء من سنة 1896.
ب ـ بعض قنوات السياسة البربرية بالمغرب:
أثناء غزو المغرب، وبعد احتلال السهول الأطلسية طرح ليوتي مشكل بربر الجبال بحدّة، وشاع الحديث عن ضرورة غزو ثقافي معنوي، لاجتذاب النفوس، بعدما ظهر أنّ الاحتلال العسكري غير كاف.
وقد شجّعت بعض النتائج التي حصل عليها الفرنسيون من وراء السياسة البربرية بالجزائر، أنصار هذه السياسة للإلحاح على تطبيقها بالمغرب، مؤملين في تحقيق ما عجزت عنه آلة الحرب.
ورغم أنّ السياسة البربرية لم تنفضح إلاّ بعد نهاية مدّة مسؤولية المقيم العام ليوتي، فإنّ تجذّرها وبناء أسسها، كان وليد مدّة إقامته (1912ـ1925)، ذلك أنّ هذا المقيم لم يكن معارضاً لغلاة السياسة البربرية، كما كان شائعاً، وإنّما كان فقط ينتظر تنوّع الصيغ والطرق، من أجل تكييف هذه السياسة مع أوضاع المغرب.
فمنذ سنة 1913، غداة وصول الفيالق الفرنسية إلى الجبال، ومهاجمة القبائل البربرية الأولى: بنى مگليد، وبني مطير، اهتم مسؤولو الحماية بضرورة تنفيذ سياسية بربرية بالمغرب، حث صرّح أحد قواد هذه الفيالق، الجنرال «هنريس» بمناصرة ومشايعة سياسة تصون أصالة عالم بربر المغرب، وتدعم عزلتهم التقليدية، كما تحافظ على أعرافهم، ولتوضيح هذه الفكرة لليوتي كتب نفس الجنرال في ماي من سنة 1914، «ويظهر لي بوضوح أنّه سيكون من غير السياسة، عدم وضع الحالة الخاصّة لهذه القبائل التي سنواجهها في الحسبان».
وتجدر الإشارة إلى أنّ الحديث عن أصالة البربر، وعن تقاليدهم، الذي شاع في هذه الفترة لم يكن سوى محاولة للفصل بين سكان الجبال والحضارة والثقافة العربية الإسلامية، والعودة بهم إلى المراحل السابقة عليها، المرحلة الرومانية أو ربّما حتّى المرحلة البدائية» من منطلق بعض وظائف الانتروبولوجيا الاستعمارية، التي كانت «ترى ضرورة تكيف الاستعمار مع المؤسسات المحلية، أي اتباع سياسة بدائية تراعي الخصوصيات». فكلام هنريس وأضرابه عن شروط وجود البربر قبل وصول الاستعمار، لا يخرج عن محاولة وصف نمط هذا الوجود، قبل أن يصار للقضاء عليه. كما أنّ التركيز على الأعراف في سياق هذا الاهتمام، انطلق من الاعتقاد بانّ «العرف البربري فيه من المرونة ما يجعله قابلاً للتعديل، والتغيير طبق الظروف ووفق الحاجات».
من هنا جاءت ضرورة التخلص من كلّ ما من شأنه أن يعرقل مرونة التحوّلات، خصوصاً الإسلام، الذي رأى فيه بعض الفرنسيين معقداً لمأموريتهم أكثر بحيثياته الدينية، واللغة العربية التي رأوا فيها «عاملاً إسلامياً، وتعلمها يعتمد القرآن». هكذا انتشرت مجموعة مقولات عن إسلام البربر السطحي، تارة، وعن وثنيتهم أخرى، وادّعى دعاة السياسة البربرية، أنّ «الشعب البربري غير خاضع للإسلام»، وأنّ ليس للبربر «من الإسلام إلاّ القشرة أو بعض الكليشيهات»، وأنّ البربري «لا يعرف شيئاً عن دينه، سواء بالعربية أو اللهجة البربرية… ولا يعتني بالفرائض الأخلاقية والروحية كالصلاة والصوم والزكاة والحج» وأنّ «لديه طقوس وثنية» و«طب يعتمد السحر»، وممارسات تتنافى مع العقيدة الإسلامية».
ولكي تتكامل هذه الصورة، كان لا بد من مرادفتها بصورة أخرى، مفادها أنّ البربر «استغنوا عن اللغة العربية منذ أمد طويل». وكان الهدف من ترويج كلّ هذه الأفكار، غير مستتر، بل مصرّح به علناً، حيث أكد أصحاب هذه الطروحات على «وجوب العمل على ارتداد البربر عن دينهم الإسلام، والعمل على فرنستهم»، مقدمين مطمحهم هذا في صورة سهلة المنال، «إنّ ضعف نفوذ الدين يفتح لنا آفاقاً كبيرة وأمكانية الفعل والتربية، أكثر ممّا هو الحال في السهول»، وتمّ اللجوء لتأكيد هذه الصورة إلى تقديم الشعب البربري في الكتابات والتصريحات، متميزاً بقابلية «أن يُدجن ويتكيف، بسهولة كبرى»، وأنّه «يستطيع ويجب أن يصبح في فترة وجيزة فرنسي اللسان والروح».
فالإدماج إذن هو المقصود، وعملية الإدماج لا تتم إلاّ إذا سهلت مأموريتها بالتماثل، الذي «هو جعل الآخرين مشابهين لنا»، والذي لا يتحقق مع أعراق أخرى إلاّ إذا كان هناك اقتناع بقابلية تلك الأعراق له، وربّما هذا ما برّر الحديث عن الأصول الأوربية للبربر، وعن بعض الشبه بين بربر الجبال بالمغرب، وفلاحي بعض جهات فرنسا في العصور الوسطى. وقد تزداد هذه المسألة وضوحاً إذا عرفنا أنّ من بين مميزات الإمبريالية الفرنسية السعي نحو التماثل الفرنسي بشكل أكثر في لغته الإثنية المركزية. وأنّ الاستعمار ليس توسعاً وسيطرة اقتصادية فقط، وإنّما كذلك سيطرة وإثنية مركزية، تفترض الإيمان بثقافة واحدة.
وفي سبيل الإسراع بعملية الإدماج والتماثل، كان نشاط المبشرين الكاثوليك حاضراً بكثافة، مقدماً نفسه أداة وذريعة لجلب البربر، تحت طائلة الاعتقاد، أو الادعاء بأنّ «إخضاع البربر معنوياً، يمكن أن يتم بواسطة رسل البعثات المسيحية».
وهو اعتقاد جعل المبشرين في طليعة العملية الاستعمارية التوسعية بالمغرب، وغالباً ما كان بعضهم باحثاً، ومبشراً في نفس الوقت، ونادراً ما فرّقوا بين الدين و«الرسالة التمدينية» للاستعمار، «فالمسيحية تخلق أسس «العقلنة» ممّا يتيح للمواطنين فيما بعد الاستفادة من المدنية المسيحية، وما تنتجه من أدوات». لهذا نادوا «بتهيىء إدماج وتمسيح البربر»، بمختلف الطرق، وهي مناداة تحكمت فيها فكرة سرت بين المبشرين الكاثوليك مفادها «أنّ المسيحيين الأفارقة سيتمكنون من اكتساب الحضارة بسهولة أكثر من الوثنيين».
ولم يكن الكم الكبير من التنظيرات، والأفكار المسبقة التي أنتجت، كافياً لبرمجة سياسة بربرية عملية، لهذا انطلقت الأعمال الميدانية، رغبة من مسؤولي الحماية في معرفة البربر معرفة صحيحة، ودراستهم، وتصنيفهم على خرائط وبيانات قبل البدء في عملية تمدينهم أو دمجهم، وتكلفت المصالح المغربية لشؤون الأهالي، والمراقبة المدنية، بالإشراف على أبحاث حول «العقلية البربرية»، ودراسة العادات والتقاليد، ومؤسسات القبائل الجبلية، وأصول اللهجات البربرية، وتدوين الأعراف العتيقة، كما تمّ تأسيس «المدرسة العليا للغة العريية واللهجات البربرية»، وأسندت مهمة التدريس بها إلى مجموعة من دعاة السياسة البربرية. ولم تأت سنة 1915، حتّى أصدر المقيم العام أمره بتكوين لجنة خاصّة بالأبحاث البربرية، حدّد أهدافها في جميع الأبحاث المتعلقة بالقبائل البربرية في جميع جهات المغرب، واستخراج نتائج عملية منها تساعد فرنسا على تنظيم هذه القبائل، وإدارتها بشكل يتفق مع المصلحة الفرنسية… ووزعت في نفس الفترة، على الضباط نشرة أكدت على تبني السياسة البربرية وضرورة صيانة أعراف البربر من منطلق «أنّها لا تبعد بين البربر والحضارة الفرنسية، بل بالعكس تسهل تطورهم نحوها» بمعنى أن هذا الاهتمام بالبحث والتنقيب، لا يهدف إلى أكثر من العمل على اختفاء هذه التقاليد و الأعراف من الممارسة والحياة العملية، وتعويضها بغيرها.
وكانت الوجهة التي سارت فيها هذه الأبحاث والدراسات، تفرض منح هذه السياسة قوّة قانونية، جعلت سلطات الحماية تعمل على استصدار مجموعة من الظهائر والقرارات الوزيرية، والتعليمات المقيمية، بشأن السياسة البربرية، جاء على رأسها جميعاً، ظهير 11 شتنبر 1914، الذي تمّ الاستناد في إصداره إلى حيثيات أكدت على تمسّك البربر الشديد، بقوانيهم الخاصّة، وأعرافهم منذ الزمن القديم، وعلى ضرورة رعاية الوضع العرفي لهذه القبائل، كما نصّ فصله الأوّل على أن «تحكم وتنظّم قبائل العرف البربري بمقتضى قوانينها وأعرافها الخاصّة، تحت رقابة السلطات، وتظلّ محكومة ومنظمة كذلك»، بينما نصّ الفصل الثاني على إصدار «قرارات… تعين شيئاً فشيئاً، وحسب الحاجة: القبائل التي تدخل في نطاق العرف البربري، ونصوص القوانين والأنظمة التي تطبق عليها».
ورغم اقتصار هذا الظهير على فصلين فقط، فقد جاء جامعاً لأمور أساسية، جعلت منه إطاراً مرجعياً لما جاء بعده، ومقياساً لتهيىء مستقبل السياسة البربرية، واعتبره الفرنسيون إقراراً من السلطان «بمبدأ عدم إسلام القبائل البربرية، وانعدام خضوعها للشريعة الإسلامية»، كما صنّفوه «وثيقة شرعية تجعل من عرف القبائل البربرية قانوناً يضاهي الشريعة الدينية».
وبموازاة الظهائر والمراسيم والقرارات، ومختلف الوثائق التي اجتهدت في تحديد صيغة قانونية للسياسة البربرية، كانت سلطات الحماية تجتهد في سبيل ترسيخ هذه السياسة، عن طريق قنوات أخرى، على رأسها الإدارة والمدرسة، والعدلية.
فممّا لا شك فيه أنّ الإحباط الذي أُصيب به الفرنسيون أمام مقاومة سكان الجبال، جعلهم يشعرون بضرورة استبدال «حماس السيطرة»، «بواقعية الإدارة»، وانطلاقاً من أنّ فرض نوع من الإدارة هو بشكل أو بآخر فرض طريقة وعي، ادعوا «أنّ القبائل البربرية، ما عرفت في يوم من الأيام سلطة أحد من سلاطين المغرب، وأنّ فرنسا… هي أوّل دولة تخضع هذه القبائل»، وركز الجنرال هنريس، في وصفه بلاد البربر، على صورة «العزلة» وصورة «السيبة» مؤكداً ضرورة تجنّب «إعطائهم فكرة المخزن، ولو بصفة سطحية، لأنّ ذلك لن يؤدّي إلاّ استلابهم»، وتردّدت هذه المسألة باستمرار من طرف أنصار السياسة البربرية، الذين رفضوا توظيف اسم السلطان في العمليات التي أطلق عليها اسم «التهدئة» مؤكدين أنّ دخول الفرنسيين «لبلاد البربر سيكون باسم فرنسا، أفضل من أن يكون باسم السلطان».
ومنذ سنة 1915، بدأت سلطات الحماية في تطبيق نظام إداري ببلاد البربر، أساسه هو «الجماعة»، حيث حرصت على جعلها الشكل الوحيد للسلطة، أملاً في الانتقال التدريجي، المدروس، من الحالة «القديمة» إلى «المدنية»، بالاعتماد على «الجماعة» لبث النفوذ الفرنسي، وبناء الإدارة الفرنسية. ولمّا صدر ظهير 28 نونبر 1921، الذي أعطى للقبائل حق التطبيق الفعلي لقواعدها العرفية، تكوّنت بمختلف الجهات جماعات الفصائل، وجماعات القبائل في مناطق المراقبة المدنية، ومناطق المراقبة العسكرية، وأصبحت للجماعة صلاحيات تشريعية. كما تمّ الحرص على أن تحرر مداولات الجماعات البربرية، في السجلات، باللغة الفرنسية، وليس بالعربية.
أمّا في ميدان التعليم فقد دخل دعاة السياسة البربرية، ومن ورائهم سلطات الحماية في رهان جعل «المدرسة أداة رئيسية في الغزو المعنوي، وتحقيق ما لم يستطع تحقيقه الغزو العسكري»، وهو رهان تحكمت فيه على ما يبدو مضامين واستراتيجيات «الاحتكاك الثقافي»، وربّما «الاحتكاك العرقي»، كما يظهر ذلك من الاطمئنان إلى أنّ «المدرسة البربرية ستساعد على الاحتفاظ، وصيانة تقاليد مؤسسات البربر، وتعارض المدرسة القرآنية، وفي نفس الآن توجّه البربر وجهة فرنسية»، ومن التركيز في الناحية اللسانية على «ضرورة المرور مباشرة من البربرية إلى الفرنسية»، وعلى ضرورة «خلق مدارس فرنكوبربرية لتعليم الفرنسية لأطفال الإدارة العامة للتعليم العمومي بهذه المسألة، وتؤسس مدارس فرنكوبربرية، في أهم المراكز الجبلية المهدأة.
وقد جاء في تعريف هذه المدارس بأنّها «فرنسية بتعليمها وحياتها»، بربرية من حيث الواردين عليها، والوسط الذي توجد فيه… فرنسية من ناحية المعلم، وبربرية بتلاميذها، بينما تحدّدت المهمة التي أريدت لها، في جعلها مدارس «فرنسية بربرية، يقصدها الأطفال من أجل تعليم فرنسي محض، ذي اتجاه مهني وفلاحي بالدرجة الأولى». وفي سياق هذه المهمة بلغ الحرص على خصوصية هذه المدارس، حدّ محاصرة كلّ ما هو غير بربري، وغير فرنسي، «فتعليم العربية، وتدخل الفقيه، والتأثيرات الإسلامية يجب التخلص منها بكيفية محكمة». أمّا فيما يخص القيام بمهمة التعليم في هذه المدارس الفرنكوبربرية، فتمّ الاعتماد على عدد من الفرنسيين، وعدد من بربر الجزائر المنتمين إلى منطقة القبائل، في البداية، أملاً وتهييئاً لخلق «مدرسة للبربر وبالبربر»، ذلك الشعار الذي استطاعت سلطات الحماية نقله إلى ميدان الواقع، بتأسيس مدرسة عليا في مناخ بربري محض، تمّ فتحها في أكتوبر من سنة 1927 بأزرو، وحدّدت أهدافها في تكوين المعلمين، وكتاب الجماعات البربرية «بالجبال، والمحافظة عليهم، وحمايتهم من أي تلقيح عربي، ومن أي تأثير إسلامي»، بمعنى المحافظة عليهم «للنفوذ الفرنسي وحده».
ولم يخرج ميدان العدلية، عن نفس السياق، إن لم يكن باهتمام أكثر. ذلك أنّ دعاة السياسة البربرية، اقترحوا ضرورة خلق عدلية فرنسية بربرية في الجبال، مراهينين على أنّه بوجودها «لا شيء يمنع وقتئذ من أن يصبح البرابرة الموجودون في بلاد الشرع منضمين إلى اختصاصات القضاء الفرنسي، كباقي الفرنسيين». وكانت سنة 1915 سنة انطلاق عدلية بربرية، إذ فيها اهتمت سلطات الحماية بجمع معلومات مفصلة عن أنظمة القضاء بالجبال، بهدف إحلال القانون والإدارة المدنية مكانها، وفيها أعطى المقيم العام ليوتي تعليمات تفسّر الشروط والظروف، التي ستطبق فيها العدالة العرفية على القبائل البربرية، كما تمّ البدء في تكوين جماعات بربرية، وأنظمة قضائية لها، تعزّزت في سنة 1923 وسنة 1924، وبلغ عددها حوالي ثمانين جماعة، تولّت القضاء في حوالي أربعين مركزاً من المراكز الإدارية، مجهزة بمجموعة من الكتّاب الفرنسيين. وكانت الاقتراحات السائدة منصبة في مجملها حول جعل «محاكم الاستئناف البربرية تحت رئاسة قاضي فرنسي على الدوام، حتّى يكون رابطة بين العدلية البربرية، والعدلية الفرنسية، ويوجه العدلية العرفية اتجاهاً فرنسياً خالصاً»، وعليه لم تكن العدلية البربرية، أكثر من مجرد تثبيت وضع مؤقت متجه نحو قضاء فرنسي.
من خلال هذه الخطوط العريضة إذن، يبدو أنّ السياسة البربرية، هدفت ضمن ما هدفت إليه، الى خلق وتكريس نوع من التثاقف، ونقل مؤسسات وممارسات، وعقائد الثقافة الفرنسية، إلى مجتمع البربر، موارية تحت هذا المعنى المجرد والعام، المعنى الحقيقي الذي ليس شيئاً آخر غير الاستعمار، وموظفة سياسة «فرق تسد» موهمة بالعمل على استقلال البربر عن العرب، في حين كان الهدف الحقيقي هو توظيف «مؤسسات البربر» لفترة محددة في أفق هيمني طمح إلى استكمال بعض شروطه بصدور ظهير 16 ماي 1930.
2 ـ الظهير البربري وردود الفعل عليه
- إصدار الظهير:
لم يكن ظهير سنة 1930 المعروف باسم «الظهير البربري»، سوى حلقة متطورة ضمن السياسة البربرية التي تمّ نهجها منذ بداية الحماية. هددفت السلطة من ورائه إضفاء مسحة عملية أكثر، على برنامج إقرار هذه السياسة.
ويرجع التفكير في إصدار هذا الظهير إلى سنة 1924، حيث اتفت اللجنة الخاصة بتنظيم العدلية البربرية، في اجتماع لها بتاريخ 8 أكتوبر على ضرورة إصدار مرسوم موقع من طرف السلطان، يحتوي على أسس الجماعات القضائية البربرية، ويحدّد اختصاصاتها. ومنذ هذا التاريخ تكاثفت الاستعدادات قولاً وعملاً، وخاطب جورج سوردون ـ أحد أبرز دعاة السياسة البربرية ـ مستمعيه من ضباط الشؤون الأهلية، في المحاضرات التي كان يلقيها عليهم سنة 1927ـ1928، «أنّ عملية بسط السلم في البلاد البربرية ستكون بعد سنوات قليلة أمراً واقعاً، ولهذا فقد حان الوقت للعمل من أجل الوفاء بوعدنا الرسمي الذي قطعناه لكلّ قبيلة عند استسلامها، باحترام أعرافها»، كما خاطبهم بأنّه من أجل نجاح مجهود دعاة السياسة البربرية، والعاملين في سبيلها من مختلف المشارب والتخصصات، «يتحتم الآن الظفر بإجراء تشريعي جوهري، أصبح لازماً لكلّ تقدّم».
وتكاتفت إلى جانب الاستعدادات مجموعة خطوات عملية من أبرزها مصادقة إدارة الشؤون الشريفة، في ماي من سنة 1928، على مبدأ خلق مصلحة جديدة لمراقبة العدلية البربرية وإشراف مصلحة شؤون الأهالي على العمل من أجل تحضير قانون لهذه العدلية.
وإذا كانت الإقامة العامة في فترة المقيم العام «تيودور ستيغ» (1925ـ1928)، قد اكتفت بمحاولة تنظيم «الجماعات» إدارياً فقط، لتعذّر القيام بتنظيم تشريعي، وإنشاء محاكم عرفية، واستئنافية في عدد من المناطق، فإنّ فترة خلفه «لوسيان سان» (1929ـ1933)، تميّزت بحماس كبير ساهم في التعجيل بإصدار ظهير سنة 1930، إذ في السنة الأولى لوصول هذا المقيم ارتفع بشكل ملفت عدد الجماعات القضائية، داخل المناطق المصنفة في عداد قبائل العرف، وكثرت الكتابات والتصريحات المتكهنة بأهمية سنة 1930، فيما يخص السياسة البربرية، فقد أكد «فيال» نائب كنيسة الرباط ـ على سبيل المثال ـ في مؤتمر للمبشرين على أنّه «في سنة 1930 ستقوم بالمغرب أعظم حملة قام بها المبشرون لتنصير بربر الجبال»، كما تزايد نشاط توزيع الأناجيل المترجمة إلى البربرية في المناطق الجبلية، وصدر في نفس السنة قرار مقيمي، تكوّنت على إثره لجنة مكلفة بدراسة تنظيم وسير العدلية البربرية، عقدت أوّل اجتماع لها في فبراير من سنة 1930، ناقش فيه المجتمعون ـ بشكل أظهر تحمساً كبيراً حيال ضرورة الإسراع بالسياسة البربرية إلى منتهاها ـ، وجهتي نظر، قدمت إحداها هيئة المحامين، بمساندة الأعضاء المدنيين في اللجنة وتلخصت أطروحتها في المطالبة بإلغاء الجماعات البربرية، وتعويضها بمحاكم فرنسية يرأسها قاضي الصلح في المناطق المدنية. وضابط عسكري في المناطق العسكرية، وبإصدار قانون جنائي موحد لكل المجموعة البربرية، وتطوير العرف في اتجاه مبادىء القانون الفرنسي.
أمّا الأطروحة الثانية، فقدمتها إدارة الشؤون الأهلية، وأكد محتواها على ضرورة إقرار العرف بنص تشريعي، وعدم التسرع في التوجه نحو القانون الفرنسي، حيث لاحظ عارض الأطروحة «الجنرال نوجيس» ـ الذي كان يومها مديراً عاماً للشؤون الأهلية، والديوان العسكري ـ «إنّ البربر مبتهجون بعدليتهم، ولا بد من التحلي بالصبر، لأنّ مَنْح الجماعة قانوناً تشريعياً يمنح الرضى، أمّا الوصول إلى القاضي الفرنسي، فيجب العمل في سبيله باحتياط لأنّ ذلك غير ممكن حالياً.
وقد انتهت مناقشات اللجنة باتفاق على اقتراح مشروع ظهير يهدف إلى تحديد كفاءة رؤساء القبائل في القانون الجنائي، ورؤساء الجماعات في القانون المدني والتجاري، وقوانين المنقول والعقار، وما يتعلق بالأحوال الشخصية، والميراث، وضرورة خلق محاكم استئناف عرفية تقوم بحماية العدلية البربرية من أي تدخل للمحكمة العليا الشريفة أو محكمة الاستئناف، مع إحداث منصب مندوب للحكومة، وكاتب للضبط بكلّ محكمة عرفية ابتدائية أو استئنافية.
وعن طريق هذه المقترحات الإجرائية، عبرت اللجنة عن وجهة نظر تقنية حول مسألة تنظيم العدلية البربرية.
وبخصوص نص ظهير 16 ماي 1930، والشكل الذي صدر به، جاء في تقرير «فرنسا وسياستها البربرية بالمغرب الأقصى»، أنّه من وضع «ريبو»، أحد كبار دعاة السياسة البربرية، الذي حضر أطروحة، حول «الجماعات البربرية» نال بها درجة الدكتوراه في الحقوق من جامعة الجزائر، ونشرها قبل ثمانية أيام من تاريخ 16 ماي، متضمنة النص الذي أصبح فيما بعد بمثابة ظهير. بينما لاحظ محمد حسن الوزاني أنّ «نص ريبو»، كان مشروعاً أولياً فقط، وأنّ «جورج سوردون» هو واضع المشروع النهائي.
وكيفما كان الأمر، فمقترحات اللجنة المكلفة بدراسة تنظيم وسير العدلية البربرية، ومشروع «ريبو» الموزع بين خمسة فصول، ومشروع سوردون، لا تختلف عن الظهير الذي صدر في 16 ماي 1930، في الأساس والعمق.
لقد تمّ تحرير ظهير 1930 «الضابط لسير العدلية في قبائل العرف البربري التي لا توجد بها محاكم لتطبيق الشرع» بالرباط باسم السلطان، في 16 ماي، وأطلع عليه المقيم العام «لوسيان سان» قصد الإصدار والتنفيذ في 23 من نفس الشهر. ويتكوّن هذا الظهير من ديباجة اعتبرته تكملة للظهائر التي صدرت في عهد السلطان مولاي يوسف الخاصّة بالعرف البربري، ومن ثمانية فصول وزّعت النظر في قضايا العدلية بالمناطق المصنفة قبائل عرف، بين رؤساء القبائل لزجر المخالفات التي يرتكبها الرعايا، ومحاكم العرف الابتدائية والاستئنافية، للبث في المعاملات المدنية والتجارية والأحوال الشخصية وأمور الإرث، وأسند للمحاكم الفرنسية النظر في القضايا الجنائية.
ومن خلال هذا التوزيع، أصبح كلّ من المخزن المغربي، والشريعة الإسلامية بدون سلطة في بلاد البربر، الأمر الذي كان خرقاً لما التزم به الفرنسيون في معاهدة الحماية من احترام «الوضعية الدينية، وحرمة السلطان، ومكانته المعتادة، وتطبيق الدين الاسلامي، وصيانة المؤسسات الإسلامية». ورغم هذا الخرق اعتبرت الصحافة الاستعمارية، هذا الظهير «عملاً عظيماً، جديراً أن تهنأ عليه فرنسا… وأنّه يعتبر تقدّماً كبيراً في عهد المقيم العام لوسيان سان»، ورأت فيه خلاصاً «لقبائل البربر من سلطة الشريعة الإسلامية»، إلاّ أنّ ردود الفعل المناوئة التي أثارها، جعلت السياسة البربرية في مأزق، اعتبر هذا الظهير على إثره، من طرف البعض غلطة سياسية، وتجاوزاً للقانون، وخطأ حتمه التعصب المسعور لفرنسيين عنيدين، كما تمّ تحميل المقيم العام «لوسيان سان»، مسؤولية صدوره، واستغلال عدم تجربة سلطان شاب للتوقيع عليه.
- الحركة الاحتجاجية ضد الظهير البربري:
كانت حركة الاحتجاج ضد الظهير البربري، في صيف سنة 1930، تأسيساً عملياً للحركة الوطنية السياسية، إذ في خضم ردود الفعل، وما ترتب عنها من مواجهات، عرفت مبادىء الوطنية انتشاراً واسعاً، وتلقى عدد من الأشخاص، الذين أصبحوا فيما بعد زعماء الوطنية، تكوينهم الوطني عن طريق المواجهة والتحدّي.
ويعود تسريب خبر هذا الظهير إلى «عبد اللطيف الصبيحي»، أحد شباب الوطنية بمدينة سلا، تمكّن من الاطلاع عليه بحكم وظيفته في «مصلحة الشؤون الإدارية والسياسية»، بالإقامة العامة، وأبلغ بمحتواه، بعض شباب المدينة، الذي كان منتظماً منذ سنة 1927 في جمعية ثقافية تحت اسم «النادي الأدبي السلوي»، فتمّت على إثر ذلك اجتماعات بين وطنيي سلا لمناقشة ما كانت تبتغيه فرنسا من وراء سياستها البربرية، وركز «عبد اللطيف الصبيحي»، في تلك الاجتماعات حملته ضد الظهير البربري من منظور وطني علماني، أكد على ضرورة التشبث بوحدة الأمّة، ووحدة الأرض المغربية. إلاّ أنّ تطوّر النقاش أضاف للمسألة بُعداً دينياً، نتج عن التفكير في إمكانية استعمال رموز دينية، لتأليب الناس ضد فرنسا وابتداء من أحد أيام الأربعاء من شهر يونيو 1930، انطلقت «حركة اللطيف»، من كتاب الفقيه محمد بن سعيد، قبل أن يتم الصدع بها بعد صلاة الجمعة الموالي بالمسجد الأعظم، ثمّ في غيره من المساجد، حيث كان المصلون عقب الصلاة يردّدون «اللطيف» طلباً للطف الله «بأبناء، هذا الشعب المنكوب في دينه ومبادئه وأخلاقه»، ويختمونه بدعاء «اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادر، ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر».
ومن مدينة سلا تسرّبت الحركة نحو مساجد الرباط بواسطة مجموعة من وطنيي هذه المدينة، فأضحت المدينتان مركزاً للحركة الاحتجاجية، ما يزيد عن شهر من الأيام، قبل أن تنتقل إلى مدينة فاس ـ حيث عرفت تطوّراً نوعياً ـ، وإلى جهات أخرى من المغرب.
وكان يتخلل ترديد اللطيف بعد الصلاة بالمساجد، إلقاء خطب من طرف الوطنيين المتطوعين، ركزوا في مجملها على إدانة محاولة فرنسا تنصير البربر، وفصلهم عن إخوانهم العربن معتبرين الظهير البربري «كارثة يصاب بها أبناء الإسلام في الصميم»، داعين إلى التكتل دفاعاً عمّا يبيت للمغاربة وعقيدتهم من مكايد، وإلى التضامن لمقاومة كلّ ما يحاك ضد الإسلام والمسلمين من مؤامرات.
وفي مدينة فاس ـ كما سبقت الإشارة ـ عرفت حركة اللطيف تطوّراً متسارعاً نحو نوع من المهرجانات الخطابية بالمساجد، ثمّ إلى نوع من الاحتجاج الجماعي خارج المساجد، انطلق يوم 18 يوليوز من سنة 1930 بعد صلاة الجمعة، حيث ما كاد فقيه القرويين يختم الصلاة، حتّى جهر مجموعة من الشباب ـ طبقاً لاتفاق مسبق ـ بقراءة اللطيف، واستغل أحدهم، وهو الطالب «عبدالسلام بن إبراهيم الوزاني» حماس المصلين ليلقي فيهم خطبة تحريضية أعدّت لنفس الغرض نعت فيها الظهير البربري «بالكارثة العظمى»، وطالب مستمعيه بالدفاع عن الدين والمناضلة عن الشريعة، والقيام قومة رجل واحد لرفض فصل البربر عن الشرع، والاحتجاج ضد إرادة الحكومة الفرنسية، وختم خطبته منادياً جموع المصلين، «هيّا نخرج بصوت واحد متضرعين إلى الله تعالى بقلوب خاشعة، وعيون دامعة، حتّى نصل إلى ضريح مولانا إدريس نتوسل إليه تعالى بإيماننا الصادق، ويقيننا المبين أن يلطف بنا، ويثبت أقدامنا ويحفظنا في دنيانا…». فاندفع المصلون إلى الشارع مردّدين اللطيف، في أوّل مظاهرة ضد السياسة البربرية، عرفتها مدينة فاس، وكل المغرب، شكّلت بحكم ما ترتب عنها من نتائج أوّل منعطف في تطور الحركة الوطنية السياسية.
وقد دامت هذه الظاهرة التي أعطت نفساً جديداً لحركة الاحتجاج، من الظهر إلى الغروب، من مسجد القروين إلى الضريح الإدريسي، إلى مسجد الرصيف، ومجموعة من الطرق والأزقة والشوارع، نحو منزل رئيس المجلس العلمي، الفقيه «أحمد بن الجيلالي»، لاستنكار الموقف المتخاذل للعلماء من السياسة البربرية.
ومع مسيرة المتظاهرين، كانت الجموع تتعاظم بالانضمام، فتزداد الحمية الدينية والوطنية، والاندفاع، بشكل ألجأ بعض المتظاهرين إلى القيام بأعمال خلقت متاعب تنظيمية، وانضباطية لقيادة المظاهرة، لما حاول المتظاهرون مهاجمة منزل رئيس المجلس العلمي، ومنزل راهب أوروبي، ومنزل الجنرال حاكم مدينة فاس، ومحاولة إسقاط الراية الفرنسية من منزله وتمزيقها، وما شابه ذلك من تصرفات فرضت ضرورة تهدئة المتظاهرين، وإنهاء المظاهرة بطريقة تحول دون فتح المجال أو إعطاء الفرصة لتدخل قمعي أصبح وقوعه آنذاك شديد الاحتمال.
لقد أحيت هذه المظاهرة لدى سلطات الحماية، ذكرى الانتفاضة التي عرفتها مدينة فاس، في بداية عهد الحماية، والمعروفة لديهم باسم «أيام فاس الدموية»، فقرّرت التدخل قبل فوات الأوان، وألقت القبض بواسطة باشا المدينة «محمد بن البغدادي»، على محمد حسن الوزاني، بصحبة عدد من الشباب الذي شارك في قيادة المظاهرة، بتهمة إثارة الفتنة، وجلدتهم بالسياط، بواسطة الفلقة، كما ألقت بهم في السجون، مضيفة إليهم عدداً آخر من الوطنيين، بمن فيهم بعض من لم يشارك في المظاهرة مثل علال الفاسي…
وبموازاة سياستها القمعية، لجأت سلطات الحماية إلى مجموعة من الممارسات التمويهية، من بينها، عقد لقاءات متتابعة بين وفد من مدينة فاس، ونائب حاكم الناحية، من أجل توقيف حركة اللطيف، مقابل إطلاق سراح المعتقلين، والسماح لوفد عن المدينة بالتوجه إلى الرباط، لمقابلة السلطان، كما تمّت في مختلف مساجد البلاد قراءة رسالة باسم السلطان، دافع محتواها عن السياسة البربرية، مُقرّاً «أنّ للقبائل البربرية عوائد قديمة يرجعون إليها في حفظ النظام، ويجرونها في ضبط الأحكام»، واستنكر حركة اللطيف والاحتجاج، مصنّفاً القائمين بها صبياناً «يكادون لم يبلغوا الحلم» حوّلوا المساجد «من دور التضرع والتعبد إلى دور التحزب والتمرد» و«محلات اجتماعات سياسية تروج فيها الأغراض والشهوات»، وختمت الرسالة بضرورة لزوم «السكينة والوقار».
ورغم كلّ أنواع التنكيل، ومحاولات التمويه، دامت حركة الاحتجاج ضد الظهير البربري، حوالي ثلاثة أشهر، استعمل الوطنيون خلالها، طرقاً وأساليب مختلفة للمواجهة، عرضتهم للقمع الشديد، وهَدَتهم في نفس الوقت إلى التفكير في أساليب مواجهة طويلة الأمد، فشنوا حملة توعية بأخطار السياسة البربرية، انطلقوا فيها من اعتبار تلك السياسة حرباً صليبية تلزم مواجهتها عن طريق وثبة إسلامية، وأسسوا في هذا السياق جمعية للمحافظة على القرآن، كما تكتلت جهودهم، في سبيل تربية الناشئة المغربية على أساس الإسلام والوطنية، عن طريق الإكثار من الكتاتيب القرآنية المنظمة، وتوسيع نطاق المدارس الحرة، وتنظيمها، إضافة إلى منح حركة الدعوة السلفية الإصلاحية شحنة قوية في مستوى مواجهة حركة التبشير.
ولم يقتصر التنديد بالظهير البربري على المغرب، بل تعدّاه إلى جهات أخرى من العالم، خاصّة البلاد الإسلامية التي كانت معنية بالأمر مباشرة، وشنّت حملة على سياسة فرنسا بالمغرب، عزّز منطلقاتها، عضو الحركة الوطنية، «الحسن بو عياد»، الذي رحل إلى مصر، في مستهل شتنبر من سنة 1930، ووفد الطلبة المغاربة الذي استقرّ بفلسطين منذ سنة 1929، بتشريح السياسة البربرية، عبر سلسلة من اللقاءات، والمحاضرات، قدموا فيها الظهير البربري تهديداً مباشراً للدين الإسلامي.
وبسرعة كبيرة، استقطبت «المسألة البربرية» لجانب «القضية المغربية»، شخصيات، ومؤسسات، وصحف، عزّزت كفاح الحركة الوطنية في الداخل، وزودتها بنفس إضافي.
وحتّى في فرنسا بلد المسؤولين عن السياسة البربرية، لم يعدم المغاربة مناصرين لقضيتهم، حيث لعبت بعض عناصر اليسار الفرنسي، أدواراً طلائعية في التنديد بهذه السياسة، والتضامن مع الوطنيين، بتقديم مساعدات جلّى لحركتهم.
محمد معروف الدقالي
برس
برس، بضم أوله وإسكان ثانيه والسين المهملة. تل أثري كبير يبلغ ارتفاعه عن سطح الأرض زهاء 44 متراً ثمّ يقوم فوق ذروته بناء آجري منتصب إلى علو 50ـ12 متراً يمثّل خرائب زقورة تعود إلى معبد (ايزيدا) المكرس للإله (نابو) ابن إله البابليين (مردوخ)، ويرجح أنّ تاريخ إنشاء هذا المعبد يرجع إلى عهد نبوخذ نصر. وهناك تل آخر يقع شمال شرقي تل برس وهو أقل ارتفاعاً من الأوّل يسمّى تل إبراهيم الخليل. يقع هذا التل التاريخي المسمّى برس على بُعد 15 كيلومتراً جنوب غربي الحلة على يمين الذاهب من الحلة إلى الكوفة. وقد ورد ذكره في قصيدة للشيخ محمد علي اليعقوبي المتوفى سنة 1385هـ قالها في حادثة الرستيمة الموقع المعروف بالقرب من أطلال برس ويصف فيها صرعى الإنكليز الذين أوقع بهم الثوار عام 1920م، والشاهد منها وله:
فعادت جيوش القوم بين مجدل
وبين أسير في الكبول مصفد
وأجسادهم ما بين برس وبابل
كأبرج برس أو كأطلال ثهمد
وورد ذكره أيضاً في قصيدة باللغة العامية (الدارجة) لأحد أفراد عشيرة بني مسلم النازلة بالقرب من تل برس الحاج زاير بن عسكورة الدويجي المسلمي المتوفى سنة 1338هـ ـ 1920م يتذمر فيها من حياته وسوء معاشرة أصحابه والشاهد منها قوله:
بالفكر شائع صيتي
دون النتف بلحيتي
حين التصد البيتي
يشبه الطعرورة برس
ويحدّثنا الطبري في تأريخه عن معركة نشبت بين المسلمين والفرس في سفح تل برس المذكور سنة 15 للهجرة وعرف باسم يوم برس بما ملخصه: أنّ سعداً بن أبي وقاص لمّا فرغ من أمر القادسية قدم زهرة بن الحوية في المقدمات إلى اللسان([43]). ثمّ اتبعه عبدالله بن المعتم ثمّ اتبعه عبدالله شرحبيل بن السمط، وارتحل زهرة حين نزلا عليه نحو المدائن فلمّا انتهى إلى برس لقيه بها بصبهري في جمع فناوشوه فهزمهم فهرب بصبهري ومن معه إلى بابل، وقيل إنّ زهرة بن الحوية طعن بصبهري في يوم برس فوقع في النهر فمات من طعنته بعدما لحق ببابل. ولمّا هزم بصبهري أقبل بسطام دهقان برس فاعتقد من زهرة وعقد له الجسور وأتاه بخبر الذين اجتمعوا ببابل([44]).
وتحدّثنا كتب الأخبار عن أجمة واسعة كانت بالقرب من تل برس وتعرف بالنسبة إليه وأنّ الإمام علي (عليه السلام) ضمنها إلى جماعة بأربعة آلاف درهم وكتب لهم كتاباً في قطعة آدم، وإنّما دفعها إليهم على معاملة في قصبها([45]).
وكانت في سفح تل برس قرية كبيرة تعرف بالنسبة إليه. ورد لها ذكر في مراصد الاطلاع والقاموس وغيرهما من كتب المعاجم، وذكرها أيضاً صاحب كتاب عمدة الطالب وقال إنّها من قرى سواد الكوفة. بقيت هذه القرية عامرة حتّى منتصف القرن الثامن الهجري ثمّ تخربت وهجرت.
وينسب إلى هذه القرية جماعة من أهل الفضل منهم عبدالله بن الحسن البرسي كان من أجلة الكتّاب وعظمائهم، ولي ديوان بادوريا في أيام المعتضد العباسي وغيره، وعاش إلى صدر أيام المقتدر([46]) وينسب إليها أيضاً أبو عبدالله الحسين البرسي الذي ينتهي نسبه إلى زيد بن الحسن ابن أمير المؤمنين (عليه السلام)، كان يسكن في قرية برس وسكنها من بعده أولاده وبعض أحفاده فعرف الجميع بالنسبة إليها([47]) ومن العلماء الذين ينسبون إلى قرية برس الحافظ الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي، كان ولادته في قرية برس المذكورة ثمّ سكن الحلة وصار من أشهر علمائها وتوفي فيها بعد سنة 811هـ([48]).
والأراضي المحيطة بهذا الموقع التاريخي أراضي زراعية خصبة. كان يسمّى القسم الشمالي منها البرس الأعلى، ويسمّى الجنوبي البرس الاسفل. هكذا جاء في القائمة التفصيلية التي دوّنها قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي في كتابه المسمّى (كتاب الخراج) حول جباية السواد في أيام المعصم 218ـ227هـ = 833ـ842م قال ما نصّه: البرس الأعلى والأسفل 500 كر حنطة و5500 كر شعير و000 ,15 درهماً.
وفي أواخر أيام الدولة العباسية ماتت معظم الأراضي المحيطة بتل برس بسبب موت الفرات القديم (فرات الكوفة) وتحوّل مجراه إلى جهة فرات الحلة، واستمرّ موت تلك الأراضي مدّة تربو على ثلاثة قرون ثمّ عاد إلى جزء منها العمران بواسطة النهر المعروف اليوم باسم نهر الطهمازية التي أمر بحفره الشاه طهماسب الأوّل لغرض إيصال الماء إلى النجف الأشرف. فقد حدّثتنا الروايات التاريخية من أنّ الشاه طهماسب الأوّل الصفوي المذكور سار في شهر تموز من سنة 936هـ ـ 1530م إلى بغداد بجيش عظيم للقضاء على عصيان ذي الفقار، وبعد أن تمّ له ذلك أمر بحفر نهر اسمه (راقبة) من فرات الحلة إلى النجف، فحفر من شمال بلدة الحلة من نقطة تقع على بُعد ميل واحد من فوق صدر شط التاجية([49]) وأوصلوه إلى جنوب تل برس ووقف العمل([50])… وكان طول هذا النهر ستة فراسخ بعرض عشرة أذرع([51]). ثمّ إنّ الشاه طهماسب المذكور وهب في سنة 939هـ ـ 1532م الأراضي الزراعية الواقعة على نهر راقبة المذكور المعروف اليوم باسم نهر الطهمازية وكذلك الأراضي الزراعية الواقعة على نهر المكرية وجملى من الأراضي الزراعية الأخرى في الفرات الأوسط إلى الشيخ نورالدين علي بن الحسين بن عبد العالي العاملي الكركي المعروف بالمحقق الثاني المتوفى في النجف يوم السبت 18 ذي الحجة سنة 940هـ جعلها وقفاً عليه وعلى ذريته من بعده وكتب له بها صكاً مؤرخاً في 16 ذي الحجة من سنة 939هـ. وقد ورد في صورة هذه الوقفية التي هي باللغة الفارسية ذكر للأراضي التي وهبها طهماسب إلى الشيخ الكركي. وإليك بعض النقاط البارزة.
جاء بعد المقدمة الطويلة التي تضمّنت وجوب إطاعة العالم المجتهد نائب الإمام في عصرنا… فقد طلبنا من جميع ممالكنا وقوادنا وحكامنا وعلماء الشريعة أن يطيعوا أمرنا العالي بنصب العلامة المحقق من قبلنا وأن ينقادوا إلى تعييناته وأوامره وطلباته حكام البلاد وشيوخه الواجب على هذا العالم أن ينصب في كلّ بلد وقرية إمام جماعة يصلي بالناس ويعلّمهم أحكام الشريعة، وله العزل والنصب من دون مراجعتنا ولا يخالفه الحكام. وهكذا قررنا أن تكون مزرعة (كبيسة والدواليب) التي في تلك الأراضي الواقعة على نهر النجف الأشرف([52]) وعلى النهر الجديد المسمّى بـ (راقبة)([53]) سواء منها المزارع الشتوية والصيفية، ثمّ مزرعة (شويحيات) و(الرم زيب) من أعمال دار الزبيد بحدودها المحدودة في الوثيقة الملكية مع أراضي مزرعة (المم الغرامات، وأراضي كاهن الوعد) في الرماحية لأجل إحيائها. موقوفة على هذا العالم وقفاً صحيحاً شرعياً بأمرنا العالي، وبعد هذا لأولاده ما تعاقبوا وتناسلوا حسب ما هو مسطور في هذه الوقفية، وكون هداية الله التي يقوم بها هذا العلامة للخلائق، وأحياناً يتوجّه من النجف إلى بعض مسالكنا المحروسة لا سيما (الرماحية) و(الجوازر)([54]) في ذهابه وإيابه. عليكم أن تعظموه. وعلى كلّ سركال ومتعلقيه أن يقوموا بهذا الدستور وامتثال الأوامر التي يفرضها من حوالات ومطالبات من الضرائب مستثنى منها هذا العالم. وعلى حكام العراق وعربه حفظ هذه القاعدة، وليس عليهم أن يطمعوا باستقباله ورواحه إليهم بنفسه ولا يكلفوه حضور مجالسهم وإعادته لزيارتهم رعاية للأدب. وعليهم أن يسلموا ضريبة دار الضرب الباقية من السنين الماضية، وضريبة سكة مدينة المؤمنين (الحلة) الباقية، هذه الضرائب عند وكلاء الدولة والمودعة عندهم، وعليهم أن يتحفظوا من المخالفة ويحترزوا من عدم الطاعة… إلى آخر الحديث الطويل. كتب في 16 ذي الحجة من سنة 939هـ. وكتب الشاه طهماسب بخطّه في هامش هذه الوقفية بما هذا نصه: على جميع الحكام أن يمتثلوا هذا الأمر ومن خالف فهو ملعون ومطرود.
هذه خلاصة المطبوع في كتاب شهداء الفضيلة للشيخ عبد الحسين الأميني ص 110، وهو قسم من الأصل الموجود في المجلد الرابع من رياض العلماء للشيخ ملا عبدالله الأصفهاني المعروف بالأفندي.
ويطلق اليوم على الأراضي المحيطة بتل برس اسم (حرقة) وهي أراضي زراعية خصبة، يشغلها أفراد قبيلة طفيل، ومنم حيث الإدارة فتتبع ناحية الكفل. ويمرّ في وسط هذه الأراضي فرات الهندية الذي حفره آصف الدولة سنة 1208هـ ـ 1793م ويشطرها إلى شطرين غربي وشرقي، والقسم الشرقي منها يتصل بتل برس المذكور.
وإنّما سمّيت حرقة بسبب سواد تربتها، وأهل تلك المنطقة يعتقدون أنّها هي الأرض التي أحرق فيها إبراهيم الخليل، ويوجد اليوم في سفح تل برس من جهته الشرقية قبر تعلوه قبة بيضاء ينزل إليه بعدة سلالم ينسب إلى إبراهيم الخليل.
حمود الساعدي
برغان
قصبة من ضواحي مدينة كرج التابعة للعاصمة طهران ولها طريق خاص من كرج عبر كمال آباد تمتد حوالي 17 كيلومتراً ومن الطريق العام لطهران ـ قزوين 24 كيلومتراً من جهة الشرق للجادة العامة وتقع في سفح جبال سلسلة البرز الشامخة وهي مركز لأربعة عشر قرية وعدد سكان برغان 1200 عائلة أي حوالي سبعة آلاف نسمة تقريباً ويزداد عدد سكانها في الصيف إلى أكثر من ضعفين أو ثلاثة أضعاف، ولها نهر كبير وماء وهواء نقي عذب وتتشكّل جميع المنطقة من بساتين خضراء وأهم محصولاتها الگوجة المشهورة في إيران والجوز وتعتبر من أحسن مصايف العاصمة طهران. وفيها مسجدان كبيران وحسينية ضخمة وأحد المساجد منها أثري يزوره المصطافون والسائحون وحكي عنه أنّه كان من معابد الزردشت (آتشكده) وعند دخول الإسلام إلى برغان استبدل به مسجد ويقع في صحن الجامع شجرتان يعود عمرهما إلى أكثر من ستة آلاف سنة تآكل وسطهما على مرور الزمان وفي وسط إحداهما حالياً غرفة مساحتها حدود عشرة أمتار وجاء في كتابة المسجد عند المدخل من الباب الرئيسي وهي كتابة طويلة من القاشاني سجل عليها تاريخ المسجد من القرن الثامن الهجري والتعميرات التي أجريت عليه وأهمها تعمير المولى الشيخ محمد الملائكة البرغاني المتوفى سنة 1200 هجرية جدّ أسرة البرغانيين وقد نبغ منها جمع من العلماء الشيعة والخطاطين والفنانين وأشهر علمائها المولى الشيخ محمد تقي البرغاني الشهير بالشهيد الثالث المستشهد في سنة 1263 هجرية والمولى الشيخ محمد صالح البرغاني المتوفى سنة 1271 هجرية وغيرهما وفيها مكتبة عامة وذكر اسم برغان في أكثر كتب التراجم والسير قال سيدنا الأمين في أعيان الشيعة ج9 ص369 (… برغان قصبة تابعة لإقليم قزوين عذبة الماء والهواء وتقع في سفح سلسلة جبال البرز بين طهران وقزوين) أقول وهي تابعة إلى طهران كما أثبتناه وما يجدر ذكره هنا أنّ برغان تكتب بالغين وأمّا برقان بالقاف شرقي جيحوان على شاطئه ومنها نبغ الحافظ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني وبرقان ايضاً من قرى جرجان نسب إليها حمزة بن يوسف السهمي وبعض الرواة والبرقان بالقاف أيضاً موضع في البحرين.
عبد الحسين الصالحي
البركة النقية
مياه الأمطار في جبل عامل هي مورد لأهله سواء منها ما كان لري الأرض أو لشرب الإنسان أو الماشية. ولضمان الأمر الثاني فلا بد في كلّ بيت من حفر بئر إلى جانبه تتجمّع فيه مياه الأمطار يشرب منها سكان البيت. ولا بدّ في كلّ قرية من وجود مستودع مكشوف للماء تتدفق إليه مياه الامطار السائلة في أزقة القرية وفي بعض أطرافها ليكون مورداً للماشية ولبعض المصالح الأخرى كغسل الملابس حوله وأخذ الماء لري (شتلات الدخان) عند غرسها.
وهذا المستودع يكون محفوراً في الأرض على شكل بحيرة صغيرة، ولا بدّ من وجوده في مكان منخفض شرقي القرية، فوجوده في مكان منخفض يسهّل تدفق مياه الأمطار إليه حتّى لكأنّ الماء نهيرات جارية لتصبّ في البحيرة. ووجوده في الشرق يحول دون طيران البعوض المتولد منه إلى القرية، لأنّ الهواء الدائم في تلك القرى هو الهواء الغربي المنطلق من شواطىء البحر والواصل إلى أقصى قرية في جبل عامل، ومهما ضعف جري الهواء فإنّه يظل أقوى من ضعف البعوض الذي يعجزه هذا الهواء أو حتّى هذا النسيم عن الانطلاق من مياه البركة إلى بيوت القرية.
وعدا البركة الكبرى فقد كان في قرية (شقرا) بركة بعيدة عن القرية، قائمة على مرتفع من الأرض مشرف على ما حوله من أرض واسعة تزدهر أيام الربيع بخضرة الحقول والمروج فكيتسب موقعها منظراً جميلاً يعذب ارتياده.
وتسمّى هذه البركة باللهجة المحكية (بركة النقية)، وهي في الأصل (البركة النقية) ولم تُنشأ هذه البركة لغرض من الأغراض المنشأة لأجلها بركة القرية القريبة، بل أنشئت في مكانها البعيد جنوبي القرية ليتحقق بوجودها اجتماع (الماء والخضراء) لناشدي الاستمتاع ببهجة الربيع، فضلاً عن إرواء الماشية التي تكون في المراعي.
ولهذا كان يقصدها في هذا الفصل بعض العلماء الشعراء من آل الأمين المقيمين في (شقرا) فينصبون حيالها مخيمهم ويقيمون عليها أسابيع طويلة بائتين في الخيمة ليلاً ومستمتعين نهاراً بتموج الاخضرار اليانع فيما يكتنفها من سهول وشعاب وهضاب.
وعدا (البركة النقية) هذه فقد كان في (شقرا) في أرض بعيدة واقعة في الغرب الجنوبي بركة كانت تقصد لمثل ما تقصد (بركة النقية). وفي إحدى السنين خيّم السيد محمد الأمين المتوفى سنة 1344هـ على (بركة النقية)، وخيّم شقيقه السيد علي محمود الأمين على البركة الأخرى. فأرسل السيد محمد هذه القصيدة إلى أخيه السيد علي:
أربوع بركتنا النقية
حيتك وطفاء رويه
تغشى رياضك بكرة
ولدى الأصائل والعشية
ترخي العزالي رحمة
بفناء تربتك النديه
وتجر فيك ذيولها الأر
واح نافحة زكيه
متأرجات لم تزل
عبقات نفحتها شهيه
بأريج نوّار بدا
يزهو بروضتك البهية
جم الصنوف فناصع
كالورد حمرته نقيه
متلفع بمطارف
تحكي الثياب السندسيه
وكمثل لون الورس أصفر والكوؤس العسجدية
وشبيه لون الأرجوا
ن كسى البرود زبرجديه
فأجابه بعض تلاميذ أخيه بهذه القصيدة:
يا بركة المرج النقية
حيتك ساكبة رويه
وسقتك وطفاء السحائب في البكور
وفي العشيه
فلأنت آجن مورد
في هذه الدنيا الدنيه
ولأنت فيما قاله
بالأمس سيدنا مليه
وصفات قبحك عن مقا
ل الواصفين لها غنيه
لولا نزول محمد المحمو
د ذي الهمم العليه
بفناء ساحتك التي
عن كلّ مكرمة خليه
ما كنت أستسقي السحا
ب لأرض بقعتك الرديه
فالآن فقت على مرا
بع (زوطر) و(المالكيه)
وأخذت أطراف الفخا
ر على ربوع (البابليه)
وسموت فخراً شامخاً
(عدلون) ثمّ (الكوثريه)
وبصوت قعقعة الضفا
دع فيك صرت (القاقعيه)([55])
وأرسل السيد محمد مرّة أخرى إلى أخيه السيد علي:
أعن بركة حفت بزهر الكواكب
تأخرتم من غير عذر مناسب
أحاشيكم أن لا تميلوا إلى التي
تخيرها رب الحجى والمناقب
أبوكم (علي) وهو خير مهذب
يرى نزهة الأرواح ضربة لازب([56])
وكان إذا ما السحب جفت ضروعها
وأخصب بعد الجدب وجه السباسب
يقيم بمغناها وينحو ظلالها
ومن حوله أصحاب كالكواكب
ويضرب فسطاطاً رفيعاً عماده
مؤنقة أطنابه بالثواقب
فهبّوا إليها بالضوامر واركزوا
رماحكم من حول تلك المضارب
وقودوا إليها خمسة ذات أربع
لعشر ويقفوها كمال المصاحب
برلاك
ذكر المؤرخ الحاج زين الدين في كتابه (تاريخ اجيه دون نوسانتارا) أنّه وصل إلى برلاك جماعة من العرب والهنود، من بينهم سيد علوي النسب تزوج بنتاً لملك برلاك فكان له ذرية هناك، وبعد خمسين عاماً صارت برلاك سلطنة إسلامية سنة 470هـ ـ 1078م ولكن محمد يونس جميل يقول في كتابه «كاجه بوتيه» إنّ تأسيسها كان في سنة 225هـ ـ 840م إلى 692هـ ـ 1293م وهؤلاء هم سلاطين برلاك كما في تأليف الحاج زين الدين.
1 ـ علاء الدين شاه 520ـ544هـ (1126ـ1149م) واسمه السيد عبد العزيز وهو من الشيعة، أمّه بنت ملك برلاك.
2 ـ عبد الرحيم بن عبد العزيز 544ـ568هـ (1149ـ1172م).
3 ـ عباس بن عبد الرحيم 568ـ594هـ (1172ـ1197م).
4 ـ علاء الدين مؤيد شاه 594ـ597هـ (1197ـ1200م).
5 ـ عبد القادر شاه، ولقبه أورانغ كايا 597ـ641هـ (1200ـ1242م) وهو من أسرة أمير برلاك الأصلية التي قاومت أسرة عبدالعزيز.
6 ـ علاء الدين محمد أمين بن عبد القادر 641ـ665هـ (1243ـ1267م) وهو من العلماء أسّس قبل توليه الحكم مدرسة عالية في بايون (ارمية ـ جونكالا) ووسع ملكه إلى حدود جمبواير. وفي عهده أنشىء ميناء «باسما» بلدة جديدة بين برلاك وجمبواير، وهو الذي تزوج الملك الصالح سلطان باسي ابنته، وله بنت أخرى تزوجها اسكندر شاه ملك توماسيك (سنغافورا).
7 ـ عبد الملك بن محمد أمين 665ـ674هـ (1267ـ1275م) وفي عهده حدثت قلاقل وفتن دامت سنوات، خلا فيها كرسي السلطنة وانشقت إلى إمارتين، إحداهما برلاك الجنوبية وعليها علاء الدين محمود (تولى 28 محرم 678هـ ـ 1280م) وتوفي بذي الحجة 691هـ ـ 1292م، والأخرى برلاك الشمالية وعليها المخدم ملك إبراهيم 678ـ695هـ (1280ـ1296م)، وبعد وفاته اتّحدت الإمارتان تحت ملك إبراهيم.
وحاولت مملكة سري ويجايا الوثنية إخضاع هذه الإمارة المسلمة التي أخذ عمرانها يتقدّم وشأنها يظهر، ولكنّها رفضت الخضوع، فجهزت سري ويجايا حملة عام 670هـ ـ 1271م عليها، وعلى الرغم من وجود نزاع داخلي في برلاك فإنّ المسلمين اتّحدوا ضد العدو المهاجم بقيادة السلطان ملك إبراهيم، واستمرّت الحروب سجالاً ثلاث سنوات، واندحر السملمون عن الشواطىء إلى الأماكن الداخلية، ولكن الحرب لم تخمد. ثمّ انسحبت قوات سري ويجايا عام 673هـ ـ 1275م لتواجه زحفاً جديداً عليها من قبل «كرتانكارا» ملك جاوا، وعاد المسلمون إلى وطنهم، وبقي آخرون منهم في الدواخل يمهدون فيها وسائل العمران والزراعة. «راجع: اجّيه. وراجع: أندونيسيا».
ضياء شهاب
برملاحة
أو الكفل
قرية قديمة راكبة على الضفة اليسرى لفرات الكوفة، في نقطة تقع في منتصف طريق الحلة ـ الكوفة القديمة فهي قريبة من النخيلة معسكر الكوفة.
كانت تعرف قديماً باسم قرية بئر ملاحة ووردت في المعجم والمراصد باسم برملاحة([57]) وهي اليوم مركز لناحية مسماة باسمها تابعة إلى قضاء الهندية، تحيط بها بساتين النخيل والمزارع من كلّ جهاتها ويمر بها الجدول الشرقي من جهتها الجنوبية، وجادة سيارات الحلة ـ الكوفة من جهتها الشرقية وبرغم أهمية موقعها ومن قدمها فهي لا تزال بلدة بسيطة يبلغ عدد نفوسها ألف وسبعمائة نسمة يسكن كثير منهم في بيوت مشيدة من الطين ومن سعف النخيل، وفيها سوق معقودة بالحجارة وهي من أملاك اليهود القديمة، ومدرستان حديثتان ابتدائيتان إحداهما للذكور والثانية للإناث، وفيها جامع جدد بناؤه أخيراً بعدما نقضه الإنكليز في ثورة العشرين، وحسينية كبيرة أنشئت قبل بضعة أعوام، وكان يربطها بالحلة خط حديد أنشأته حكومة الاحتلال لأغراض عسكرية ثمّ رفع بعد ثورة العشرين وفي سنة 1956م أنشىء لها جسر على الفرات. وسكان هذه القرية جلّهم من أفراد قبيلة بني حسن المحيطة بها وغيرهم من أبناء المدن الفراتية.
وفي هذه القرية مدفن حزقيل المسمّى بذي الكفل وعليه ميل يماثل ميل زمرد خاتون والشيخ عمر السهروردي في بغداد، ويتّصل بالقبر من الجهة الغربية جامع فيه منبر ومحراب ومنارة، وفي أواخر العهد العثماني تطاول عليه اليهود وبنوا فيه مخازن وبيتاً وغرفاً يأوي إليها الزائرون منهم في أعيادهم ومواسمهم. وفي سنة 1305هـ ـ 1887م رفع سادن مرقد ذي الكفل عريضة إلى السلطان عبد الحميد بحث فيها عن الجامع وحدوده ومساحته وتاريخ المنارة وموضع المحراب والمنبر، وذكر تطاول اليهود عليه وتملكهم له وما أنشؤوه لهم فيه من بنايات إلى غير ذلك فجاءت على أثر ذلك لجنة من الأستانة لاستيضاح الحقيقة، وما إن وصلت بغداد حتّى اتّصل بها اليهود وقدموا لها هدايا ثمينة. فكتبت اللجنة تقريراً مخالفاً للواقع ونفت فيه وجود المنارة في الكفل وبعثت في تأييد قرارها من أخذ صورة للقرية من إحدى جهاتها التي لا يظهر فيها شكل المنارة. ومن هذا التاريخ صار الناس يضربون المثل منارة الكفل بالنسبة لنكران الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان.
ويرجع تاريخ بناء جامع الكفل وملحقاته إلى أيام السلطان المغولي أولجايتو([58]) ذكر أحد مؤرخي الدولة الإيلخانية في كلام له عن هذه القرية فقال: إنّها بلدة وسطى فيها قبر ذي الكفل الذي يقدّسه اليهود وقبر يونس وقبر حذيفة اليماني (كذا) وكانت مفاتيح القبر بيد اليهود فلمّا وصل إليها أولجايتو بنى فيها جامعاً ومنبراً وأخذ المفاتيح من اليهود وأعطاها المسلمين([59]).
وفي سنة 727هـ مرّ بالكفل ابن بطوطة وهو في طريقه من الكوفة إلى بغداد ووصفها بقوله: ثمّ رحلنا ونزلنا برملاحة وهي بلدة حسنة بين حدائق نخل ونزلت بخارجها وكرهت دخولها لأنّ أهلها روافض.
هذا وقد وقعت في قرية الكفل وفي الأراضي المجاورة لها حوادث كثيرة، ففي أوائل سنة 1138هـ ـ 1725م اجتمعت في الكفل قبائل شمر وبني لام وساعدة وآل شبل وعدّة قبائل أخرى، وتحالفوا فيما بينهم وتعاهدوا على مقاومة الحكومة التركية، وأغاروا على القرى والضياع وقطعوا الطرق، وبعد أن استمروا على هذا بضعة شهور، غزاهم والي بغداد الوزير أحمد باشا بجيش جرار إلى مكان تجمّعهم في ذي الكفل في غزة شهر رمضان من السنة المذكورة، فتمكّن منهم وشتّت شملهم ثمّ رجع إلى بغداد وقد هنأه بهذه المناسبة جماعة من شعراء بغداد منهم الشيخ عبدالله السويدي بقصيدة مطلعها:
بشرى فذي منة من أعظم المنن
لم تتفق لوزير قط في زمن
ومنهم السيد عبدالله أمين الفتوى بقصيدة طويلة مطلعها:
أحمد الله والصلاة لأحمد
حيث فضلاً قد منّ في عود أحمد
وللشيخ حسين الراوي قصيدة طويلة يمدحه بها بهذه المناسبة استهلها بقوله:
يا دار مية بين الرئد فالكاد
من الحجون إلى أكناف بغداد
وجاء فيها قوله:
لامت بنو لام (حماما) و(غانمها)
أضحى غنيمة أعراب وأكراد
سيوفه أفطرت شهر الصيام بهم
فكان إفطار تفطير وأكباد
وليحيى أفندي بن مراد أفندي العمري الموصلي قصيدة تشتمل فيها على 26 بيتاً في الوالي المذكور ويذكر فيها هذه الوقعة وغيرها من الوقائع التي حصلت له مع عرب العراق استهلها بقوله:
سعدتم بما رمتم وحفكم البشر
وحيث اتجهتم معكم الفتح والنصر
وجاء فيها قوله:
ألم تعلم الأعراب وقع سيوفكم
وفي كلّ قفر موحش لهم قبر
وشمر لما شمروا الساق في الوغى
غدوا ككلاب حين يلحقهم ذعر
وأمّا بنو لام فكل يلومهم
لما نابهم قتل وحاط بهم أمر
فما بالهم لا أنعش الله حالهم
قد عميت أبصارهم أم وهي الفكر
وهناك وقائع كثيرة حصلت في الأراضي المحيطة بالكفل، منها واقعة الرارنجية المشهورة التي تغلب الثوار العراقيون فيها على الحملة البريطانية التي جاءت من الحلة لاسترجاع الكفل والكوفة من أيديهم في 7 ذي القعدة من سنة 1338هـ ـ 24 تموز 1920م.
حمودي الساعدي
وقد زرت هذا المكان في سنة 1941م فكتبت عنه ما يلي:
دخلنا بلدة الكفل وقصدنا إلى مقام (ذي الكفل) فعبرنا في سوق معقود السقف بالآجر حتّى لكأنّه حجرة واحدة، إلى أن كنّا أمام المقام فرأينا المنارة العالية التي تبدو للناظر قبل الوصول إلى البلدة. وتقوم تحت المنارة ساحة خربة دخلنا منها إلى صحن تقوم على جدرانه أروقة معدّة لنزول الزائرين، وقد رأينا فيها بعض اليهود الشيوخ رجالاً ونساءً. ثمّ دخلنا المقام، فإذا بناء مستطيل الشكل معقود السقف على أركان، فرشت أرضه بالسجاد وظهرت على جدرانه كتابات عبرانية منقوشة في الرخام الأبيض، وأشعلت على جوانبه ـ في النهار ـ السرج ذوات الزيت والفتيل ثمّ دخلنا في باب آخر إلى حجرة مستطيلة مفروشة بالسجاد ومضاءة بالسرج في وسطها قبر مستطيل الحجم مجلل بستور بسيطة وفوقه قبة مزخرفة، كما أنّ جدران الحجرة مزخرفة ومنقوشة عليها الكتابات العبرانية العديدة. وإلى جانب هذه الحجرة حجرة أخرى ينسبونها للخضر، وبناء متّصل بها رأينا فيه خمسة قبور: أربعة منها على امتداد واحد، وقبر واحد منفرد إلى الجانب. ويسمّي المسلمون أصحاب هذه القبور (العلويات) أمّا اليهود فلها عندهم تاريخ خاص. فقد حدّثنا طالب يهودي صحبنا في زيارة المقام أنّها قبور بعض أسرى اليهود الذين أتى بهم بختنصر من فلسطين.
وإلى جانب المقام رأينا مساكن قذرة يسكنها فقراء اليهود.
كما أنّني كتبت أصف الإقبال على الكفل قادمين من الحلة إلى الكوفة بما يلي:
… وبعد سير بدا لنا سواد غطّى وجه الأفق عرفنا فيه نخيل (الكفل)، ثمّ بدت لنا منارته الشاهقة، ولم نبصر من البلدة شيئاً لأنّها كانت مغمورة بالنخيل، بل أبصرنا مضارب منتشرة حولها، ثمّ كنّا بين النخيل نسير في ظلاله.
البرهان
اسم كتاب لابن سينا
لم يكن المجهود الذي بذلته في قراءة هذا الكتاب الهام وتفهّم معانيه، ومقارنته بكتاب البرهان لأرسطو، إلاّ خطوة من خطى كثيرة يجب أن يخطوها الباحثون في طريق شاق طويل قبل أن يقولوا كلمتهم الأخيرة في منزلة ابن سينا من تاريخ الفلسفة الإسلامية بوجه خاص، ومكانته من تاريخ الفكر الإنساني بوجه عام فإنّ حكمنا على إنتاج ابن سينا وقيمته وصلته بالتراث الفلسفي السابق عليه ـ إن لم يكن مستنداً إلى دراسة تحليلية عميقة لآثار الفيلسوف نفسه جاء فجاً قاصراً خاطئاً ومضللاً كتلك الأحكام التي أصدرها على ابن سينا وعلى الفلسفة الإسلامية برمتها مؤرخو القرن التاسع عشر الأوروبيون.
وأنا اليوم لا أدّعي حكماً عاماً على الفلسفة الإسلامية برمتها ولا على ابن سينا في جملة انتاجه، ولا على منطقه كلّه، بل على جزء محدود من ذلك المنطق هو كتابه في البرهان وذلك بعد أن درسته وقارنته بالكتاب الرابع من منطق أرسطو المعروف بأنالوطيقا الأواخر أو التحليلات الثانية([60]) والنتيجة التي وصلت إليها هي أنّ كتاب البرهان لابن سينا صورة عربية مكبرة لتحليلات أرسطو الثانية. أمّا كيف أخذت هذه الصورة عن الأصل ولماذا جاءت أكبر من الأصل وما هي درجة القرابة بينها وبين الأصل، فهذه أمور أرجو أن أجليها أثناء هذا الحديث.
ولو كانت الصلة بين ابن سينا وأرسطو مباشرة لكان الخطب أيسر، ولكنّنا لسوء الحظ مضطرون إلى النظر في وسطاء عديدين بين الفيلسوفين وهم وسطاء كان لهم من غير شك أثر بالغ في تشكيل التحليلات الثانية الأرسطية على النحو الذي عرض به ابن سينا مادتها في كتاب البرهان.
ولهذا نجد أنّ مشكلة الصلة بين الكتابين ذات شقين مختلفين يجب النظر في كلّ منهما على حدة وإن كان كلّ منهما مكمل الآخر. الشق الأوّل هو صلة ابن سينا بأرسطو في هذا الكتاب: أو بعبارة أخرى: العناصر الأرسطية المنطقية المستمدة من التحليلات الثانية. والشق الثاني هو الطرق التي بوساطتها وصلته المادة الأرسطية: فإنّنا نعلم أنّ ابن سينا لم يكن يعرف اللغة اليونانية فيأخذ ما أخذه أرسطو مباشرة، كما أنّه ممّا لا شك فيه أنّه لم يعرف التحليلات الثانية الأرسطية وحدها عندما عرفها مترجمة إلى اللغة العربية وإنّما عرفها بما عليها من شروح الشراح اليونان والسريان وتعليقات بعض مفكري المسلمين. ولذا كان لمعرفتنا بالأدوار التي مرّ بها كتاب أرسطو وما عمل له من ترجمات وما وضع عليه من شروح قبل وصوله إلى ابن سينا قيمة بالغة في فهم كتابه وإدراك العناصر المختلفة: الأرسطية وغير الأرسطية: التي نجدها فيه.
أمّا الشق الأوّل من مشكلتنا فقد عالجته بأن قمت بتحليل فصول كتاب البرهان إلى أهم عناصرها، وحاولت ـ كلّما استطعت ـ أن أقارنها بأصولها من التحليلات الثانية لأرسطو حيثما وجدت. فوضح لي وضوحاً تاماً أنّ ابن سينا أخذ مادة كتابه في هيكلها العام من هذا الكتاب الأرسطي، وإلى حد ما من كتب أرسطو المنطقية الأخرى، بل ومن كتبه غير المنطقية. إلاّ أنّ أخذه عنه يختلف درجة ونوعاً: فهو أقوى من المقالتين الثالثة والرابعة، وأضعف في المقالتين الأولى والثانية. فهو يلخص في مقالته الثالثة المقالة الأولى من التحليلات الثانية، ويلخص في مقالته الرابعة المقالة الثانية من الكتاب المذكور. أمّا في مقالتيه الأولى والثانية فهو أكثر استقلالاً عن أرسطو في منهج التأليف وطريقة عرض المسائل وترتيبها وشرحها.
وأمّا الشق الثاني من المشكلة ـ أعني الطرق التي بوساطتها عرف ابن سينا التحليلات الثانية ـ فيقتضينا أن ننظر في المراحل التي مرّ بها كتاب أرسطو في الترجمة والشروح والتعليقات قبل عصر ابن سينا، لأنّ الصلة التي تربطه بمترجم أرسطو أياً كان ذلك المترجم والتي تربطه بشراح أرسطو، لا تقل في نظرنا أهمية عن تلك التي تربطه بأرسطو نفسه. إذ على هؤلاء عول وعنهم أخذ أخذاً مباشراً. بل ربّما كان لهم أثر غير قليل في فهم ابن سينا لمادة كتاب البرهان ودقته أو عدم دقّته في فهمها وعرضها وصياغتها.
أمّا في الترجمة، فالذي نعرفه من المراجع التي بين أيدينا هو أنّ كتاب التحليلات الثانية لأرسطو قد نقل إلى اللغة العربية على مرحلتين. نقله إلى السريانية إسحاق بن حنين (المتوفى سنة 298هـ) ثمّ نقل أبو بشر متى بن يونس المترجم النسطوري (المتوفى سنة 328) ترجمة إسحاق إلى العربية([61]).
وهذه هي الترجمة التي نشرها سنة 1949م الدكور عبدالرحمن بدوي عن مخطوطة باريس في المجلد الثاني من منطق أرسطو. ولكن الأستاذ مينو بالويلو يحدّثنا عن ترجمة عربية أخرى لكتاب التحليلات الثانية عرفها ابن رشد واعتمد عليها في شروحه على أرسطو كما انتفع بها معاصر لاتيني له هو جرار الكريموني (المتوفى سنة 1187م)([62]) ولكن ليس لهذه الترجمة ذكر في المراجع التي بين أيدينا كما أنّ ابن رشد لم يذكر اسم واضعها. وأمّا عن شروح التحليلات الثانية فيقول ابن النديم «شرح ثامسطيوس هذا الكتاب شرحاً تاماً وشرحه الإسكندر ولم يوجد، وشرحه يحيى النحوي. ولأبي يحيى المروزي الذي قرأ عليه (متى بن يونس) كلام فيه. وشرحه (أبو بشر متى والفارابي والكندي).
فالظاهر من عبارة ابن النديم:
أوّلاً: أنّ العرب قد عرفوا شروح ثامسطيوس والإسكندر ويحيى النحوي. وهم إن لم يكونوا قد عرفوا هذه الشروح كلّها في ترجمة عربية كاملة فقد عرفوا على الأقل أجزاء منها. وابن سينا واحد منهم.
ثانياً: أنّ أبا يحيى المروزي أستاذ متى بن يونس كان أوّل شارح للتحليلات الثانية في العالم الإسلامي. وأغلب الظن أنّه كتب باللغة السريانية لأنّها كانت اللغة التي ألّف بها([63]).
ثالثاً: أنّ أوّل شارح لهذا النص باللغة العربية كان أبا بشر متى بن يونس الذي كانت شروحه على كتب أرسطو المنطقية الأربعة ـ على حد قول القفطي ـ ممّا يعوّل عليه الناس في قراءتهم.
رابعاً: أنّ الفارابي كتب شرحاً على هذا الكتاب ولكن الذي نعرفه أنّ للفارابي تعليقات عليه وهي موجودة في مجموعة تفاسيره في منطق أرسطو وتعاليق ابن باجه عليها في مخطوطة بالاسكوريال([64]). ولسوء الحظ لم تتح لي فرصة الاطلاع على هذه التعليقات بعد. وأغلب الظن أنّها عظيمة القيمة في بحثنا هذا.
أمّا شرح الكندي الذي يشير إليه ابن النديم فلا أعلم عنه شيئاً ويبعد أن يكون الكندي قد كتب شرحاً على التحليلات الثانية بالمعنى الصحيح: لأنّ الكتاب لم يكن معروفاً في ترجمة ما: سريانية أو عربية إلى عهد الكندي، بل لم يكن يسمح بتدريسه في الأوساط العلمية التي عاش فيها الكندي، وإنّما كان يقف المتعلمون عند آخر الأشكال الوجودية من التحليلات الأولى: وذلك لأنّ الأوساط الدينية المسيحية كانت تخشى شيئاً من زعزعة العقائد عند المتعلمين، إذا هم درسوا الحق كما يقرّره الدين والحق كما يقرّره صاحب البرهان (التحليلات الثانية).
كانت هذه حال كتاب التحليلات لأرسطو وشروحه في العالم الإسلامي إلى زمن ابن سينا: فمن أي مصدر من هذه المصادر استمدّ مادته في كتاب البرهان؟ فقد اطّلع من غير شك على ترجمة عربية لكتاب أرسطو لأنّه يشير صراحة إلى مترجم ما من غير أن يذكر اسمه فيقول «ثمّ إنّ المترجم أبا بشر متى بن يونس أم صاحب الترجمة الأخرى التي تحدّثنا عنها؟ ثمّ إنّ عبارة ابن سينا السابقة تدل على أنّ المترجم الذي يتحدّث عنه كان يعرف اللغة اليونانية لأنّه ـ في الموضع الذي يشير إليه فيه ـ يناقش مسألة لغوية يونانية. وأبو بشر ـ على ما تعلم ـ لم يكن يعرف اليونانية وقد نقل كلّ ما نقله من السريانية إلى العربية.
لقد اطّلع ابن سينا من غير شك أيضاً على شروح للتحليلات الثانية ـ لا على شرح واحد ـ كما يدل عليه قوله «وقد أوردوا في الشروح» وقوله «فهذه الأقوال ممّا قيل في التعليم الأوّل (أي منطق أرسطو)([65]) وفي الشروح» وقوله «فأمّا بعض المفسرين فيقول»([66]) وغير ذلك من العبارات الكثيرة التي تفيد أنّه كان على إلمام بشروح الكتاب الأرسطي إلى جانب إلمامه بنص مترجم.
بل لا يخامرني شك في أنّه عرف شرحي الإسكندر الأفروديسي ويوحنا النحوي على نص أرسطو ـ إن لم يكن في ترجمة عربية كاملة لهذين الشرحين ـ فعلى الأقل في بعض أجزائهما التي تسرّبت إلى البيئات المنطقية الإسلامية ابتداء من النصف الثاني من القرن الثالث الهجري عن طريق مدرسة العراق السريانية المسيحية. كما أنّه ليس ببعيد أن يكون قد اطلع على تعليقات الفارابي على التحليلات الثانية وانتفع بها كما انتفع بواضعها في فنون أخرى من فنون الفلسفة. أمّا معرفته بشرحي الإسكندر ويحيى النحوي فطاهرة من بعض تعليقاته على النصوص الأرسطية التي يقتبسها من الكتاب مثل ذلك قوله في الفصل الثالث من المقالة الثالثة من كتابه البرهان فقد «قيل التعليم الأوّل ما هذا لفظه: وأيضاً في الأشياء التي يوضع الأوسط فيها خارجاً إنّما يكون البرهان على «لم» هو «إذا كان أخبر بالعلة نفسها. فإن لم يخبر بها نفسها لم يكن برهان على لم بل على «أن» وفي تفسيره لهذه الفقرة يقول إنّها تحتمل وجهين ويذكر وجهي نظر الإسكندر الأفروديسي ويحيى النحوي فيها من غير أن يذكر اسميهما. والأمثلة على ذلك كثيرة وما على الباحث في كتاب البرهان إلاّ أن يدقّق النظر في المواضيع التي يفصل فيها ابن سينا الآراء ويناقشها، ليتبين له مدى ما أخذه عن الشراح ومدى ما استقل به عنهم.
ولكن ابن سينا إن استمدّ بعض مادة كتابه في البرهان من أرسطو فقد استمدّ الجزء الأكبر والأهم منه من النص الأرسطي نفسه: ذلك النص الذي حاذاه ـ على حد قوله ـ وأخذ منه كثيراًمن مسائله بترتيبها وأمثلتها واصطلاحاتها.
وهنا يحق لنا أن نتساءل أي نص عربي لكتاب التحليلات الثانية الأرسطية عرفه ابن سينا وبنى عليه دراسته في البرهان؟ لو لم نعلم بوجود ترجمة أخرى لهذا الكتاب غير ترجمة أبي بشر لجزمنا بأنّ ترجمة أبي بشر كانت المصدر الذي أخذ عنه ولكن عندي من المبررات ما يحملني على الاعتقاد بانّها لم تكن ذلك المصدر:
أوّلاً: أنّ مقالة النصوص التي اقتبسها ابن سينا من أرسطو اقتباساً مباشراً او نص على أنّها من أقوال المعلم الأوّل بلفظه بنظائرها في ترجمة أبي بشر قد أثبتت أنّه لا تطابق بينها إلاّ في حالة واحدة هي ترجمة فقرة وردت في 76ب: 25ـ30 من كتاب أرسطو([67]) أمّا ما عداها من الاقتباسات فلا مطابقة البتة بينها وبين نظائرها في ترجمة أبي بشر، فلو أنّ ابن سينا استعمل ترجمة أبي بشر لأورد النصوص التي اقتبسها من المعلم الأوّل بعبارة أبي بشر دون تغيير أو تصرف ولكنّه لم يفعل.
ثانياً: أنّ ترجمة أبي بشر للتحليلات الثانية ترجمة سقيمة عقيمة مستغلقة المعنى مستحيلة الفهم مجافية للذوق العربي، لا يستطيع القارىء فهمها إلاّ إذا فهم الأصل لأنّه حرص على ترجمة ألفاظ الاصل ترجمة حرفية ووضع هذه الألفاظ بعضها إلى جانب بعض من غير أن تفيد معنى عاماً في معظم الأحوال.؟ فمن غير المحتمل أن تكون هذه الترجمة المصدر الذي أخذ عنه ابن سينا مادته في كتاب البرهان وهي مادة واضحة مفهومة في جملتها. وليس هذا رأيي وحدي في أبي بشر وأسلوبه في الترجمة فقد عرف له القدماء ركاكته وعجمته واستغلاق معانيه فوصفوه بالوصف الذي هو جدير به. يقول فيه ابن النديم (وكتبه مطرحة مجفوة لأنّ عبارته كانت عفطية غلقة)([68]) وفي اعتقادي أنّ أبا بشر أسوأ مترجمي الأرجانون على الإطلاق إذا قورن بإسحاق بن حنين الذي ترجم كتابي المقولات والعبارة أو بأبي عثمان الدمشقي الذي ترجم كتاب الجدل أو غيرهما من مترجمي المنطق الأرسطي.
وقد أشرت إلى أمر يصحّ أن نتخذ منه دليلاً ثالثاً على أنّ النص الأرسطي الذي استخدمه ابن سينا لم يكن ترجمة أبي بشر: وهو أنّ مترجم النص الأرسطي الذي عرفه ابن سينا كان ملماً باللغة اليوناينة وأبو بشر لم يكن يعلم هذه اللغة.
لهذه الأسباب مجتمعة استبعد احتمال أن يكون ابن سينا أخذ مادته من ترجمة أبي بشر ـ أو على الأقل منها وحده، وأرجح أحد احتمالين آخرين:
أوّلاً ـ أن يكون قد عرف الترجمة الأخرى التي عرفها ابن رشد وجيرار الكريموني وانتفع بها إلى جانب انتفاعه بالشروح المختلفة التي كانت شائعة في عصره. وهذه الترجمة لسوء الحظ لا نعرف عن واضعها شيئاً.
الثاني ـ أنّه لم يعرف هذه الترجمة الثانية بل عرف ترجمة أبي بشر ولكنّه عرفها مع شرح أبي بشر نفسه عليها ومع الشروح الأخرى. أمّا قيمة شرح أبي بشر على النص الأرسطي وأسلوبه ودرجة وضوحه فهذه أمور لا نستطيع الحكم عليها لعدم وصول هذه الشروح إلينا.
والآن نشير إلى منهج ابن سينا في الكتاب وإلى الدور الخاص الذي قام به فيه.
لم يلتزم ابن سينا منهجاً واحداً في معالجته لموضوعات كتاب البرهان كلّها، ولذا اختلفت فصول الكتاب اختلافاً بيّناً في طريقة معالجة المسائل وعرضها. فبعض الفصول لا يعدو أن يكون تلخيصاً للأفكار الأرسطية يسير فيها على نفس النمط الذي سار عليه أرسطو في كتابه ويعرضها فقرة فقرة شارحاً لها تارة ومعلقاً عليها تارة أخرى. وهذه هي الفصول التي ذكر أنّه (يحاذي فيها المعلم الأوّل) وهي محاذاة واضحة كلّ الوضوح في جميع فصول المقالتين الثالثة والرابعة اللتين لخّص فيهما أهم ما أورده أرسطو في الفصول 13ـ34 من مقالته الأولى، وجميع فصول المقالة الثانية: أقول لخص فيهما أهم ما أورده أرسطو لأنّه لم ينقل عن أرسطو كلّ شيء بل اكتفى بالمسائل الرئيسية وترك التفاصيل كما ترك معظم الأمثلة الرمزية الصورية التي يلجأ إليها أرسطو في إيضاح قواعده. وكثيراً ما يتخلل تلخيص ابن سينا وشرحه وتعليقاته اعتراضات يثيرها في صورة «فإن قيل كذا وكذا» وأغلب الظن أنّها اعتراضات أثارها الشراح ـ ويجيب عنها إجابة منتصر لتعاليم أرسطو غير خارج على أقواله.
وفي الكتاب عدد غير قليل من الفصول التي جمع ابن سينا مادتها من أجزاء مختلفة من التحليلات الثانية لأرسطو ولم يلتزم فيها ترتيب فصول المعلم الأوّل، أو جمعها من التحليلات الثانية ومن كتب منطق أرسطو المنطقية الأخرى ثمّ شرحها وفصّل القول فيها. وهذا النوع غالب على فصول المقالة الثانية.
وباقي الفصول هو من النوع الذي استقل فيه ابن سينا عن أرسطو استقلالاً ملحوظاً فوضعه وضعاً أو استوحى فيه أقوال الشراح. وهذا غالب على الفصول الأولى من المقالة الأولى من الكتاب.
قد يتبادر إلى الذهن بعد كلّ الذي ذكرناه أنّ ابن سينا ليس مؤلفاً بالمعنى الصحيح لكتاب البرهان لأنّه لم يضع كتاباً جديداً ولم يبتكر نظريات منطقية لم يسبق إليها ولم يتجه بنظرية البرهان الأرسطية وجهة جديدة بل لم ينقدها في ناحية من نواحيها وأنّ الأجدر أن يوصف بأنّه جامع لمسائل البرهان الأرسطي عارض وشارح ومبسّط لها. ولكن هذا حكم فيه الكثير من القسوة ومجافاة العدل والإنصاف فإنّنا لا نستطيع أن نصفه بأنّه شارح لكتاب البرهان على نحو ما نصف ابن رشد أو أي شارح أرسطي آخر: لأنّه لم يعن بتفسير النص الأرسطي بقدر ما عني بتوضيح القواعد الأرسطية. كما أنّه لم يكن جماعاً لمادة أرسطو في البرهان على نحو ما وضعت المجاميع والملخصات للكتب الأرسطية بل هو جماع يختار ما يرتضيه من الآراء ويترك ما لا يرتضيه ويوائم بين ما يختاره في نسق منتظم متماسك، ويناقش كلّ ذلك ويعلله ويفسره.
على أنّ ابن سينا لم يلتزم في كتابه حدود كتاب البرهان الأرسطي بل تجاوزها في استطراداته إلى ميادين أخرى من ميادين المنطق، بل إلى ميادين علم النفس والطبيعة وما بعد الطبيعة وغير ذلك ممّا تظهر فيه شخصية الفيلسوف وسعة عمله وعمق تحليله وتفكيره. ومن أمثلة ذلك أنّه بعد أن شرح القاعدة الأرسطية القائلة إنّك إذا فقدت حاسة فقد فقدت علماً يستطرد فيتكلم في أنواع العلم المكتسب بها بالحس والمكتسب بغيره ويدلل على إمكان الوصول إلى المعاني العقلية وغير ذلك ممّا بسطه فيما بعد في كتاب الإشارات([69]).
وإذا لم يؤلف ابن سينا كتاباً جديداً في البرهان، بل كان مجهوده فيه مجهود جامع ملخص عارض شارح معقب معلق على برهان أرسطو فأين فضله إذن وما هي قيمة كتابه؟ الحق أنّ فضله إنّما هو في هذه كلّها مجتمعة. وليس بفادح في قيمة الكتاب أنّ مادته هي مادة البرهان الأرسطي في جوهرها.
لم تكن المهمة التي اضطلع بها ابن سينا مهمة يسيرة، أو هينة، فقد كان عليه أن يعرض لأوّل مرّة في تاريخ المنطق في العالم الإسلامي صورة من صور البرهان الأرسطي في لغة إن لم تكن واضحة الوضوح كلّه، فهي على الأقل لغة مفهومة في جملتها، خالية من العجمة والركاكة اللتين امتازت بهما ترجمة متى بن يونس.
وليست موضوعات البرهان الأرسطي من الموضوعات التي يسهل فهمها واستيعاب معانيها ومراميها حتّى على المتمرسين بصناعة المنطق والفلسفة، بل تحتاج إلى تأمّل عميق وفهم دقيق وإحاطة شاملة بالتراث الأرسطي المنطقي والفلسفي. كما أنّ لغة أرسطو في البرهان ليست باللغة المستقيمة الواضحة، بل هو أعقد وأعوص كتبه المنطقية وأكثرها تركيزاً على الإطلاق.
فإذا استطاع ابن سينا أن يخرج للعالم العربي في مثل ظروفه القاسية المظلمة، ومن غير استعانة بأستاذ ما، كتاباً في نظرية البرهان يمكن فهمه واستساغته: كتاباً كان يعتمد عليه كلّ باحث عربي في العالم الإسلامي من بعده، كان ذلك فضلاً عظيماً له ولكتابه ونصراً مبيناً لعبقريته.
على أنّ هناك حقيقة يجب ألا نتجاهلها في حكمنا على ابن سينا وعلى منطقه بوجه خاص، وهي أنّه يمثّل في تاريخ نقل التراث الفلسفي إلى العالم الإسلامي مرحلة وسطى بين مرحلتين: الأولى مرحلة الترجمة التي كان هم أصحابها نقل الكتب اليونانية إلى اللغة العربية من غير محاولة لتجديد فيما نقلوه أو إضافة شيء عليه أو نقد له. والثانية مرحلة التأليف الحر غير المقيد بالأصول اليونانية على الرغم من تأثّره بهذه الأصول فابن سينا يقف وسطاً بين هذين الطرفين لا هو حر على الإطلاق ولا هو مقيد على الإطلاق بل يتردّد بين الحرية والتقيد. وهذه ظاهرة نلمسها في أسلوبه في كتاب البرهان كما نلمسها في مادته. بل إنّ الغموض الذي نصادفه في بعض أجزاء الكتاب إنّما مردّه في اعتقادي إلى شدّة حرصه على متابعة الأصول التي ينقل منها ومهما يكن من شيء فإنّنا يجب ألاّ نحكم على إنتاج ابن سينا بموازين الدراسات الأرسطية في القرن العشرين بعد أن فرّقت القرون العشرة الماضية بيننا وبينه، وباعدت بين أسلوبنا وأسلوبه وتفكيرنا وتفكيره. ولن نستطيع أن نرجع بعجلة الزمان هذه القرون العشرة فنجعل من كلّ دارس لأرسطو تلميذاً كابن سينا. ومع هذا سيحفظ له التاريخ منزلة مرموقة في سجل الأفراد الذين تدين لهم الإنسانية بالشيء الكثير في تطوّرها الفكري.
أبو العلاء عفيفي
ابن سينا
وعن ابن سينا صاحب البرهان ننشر ما يلي:
قال حمود غرابة:
تختلف الأديان عن الفلسفة الأخلاقية في الوسيلة وإن اتّحدت معها في الهدف. فالأنبياء والفلاسفة الأخلاقيون جميعاً يهدفون إلى غرس بذور الفصيلة في نفوس البشر حتّى يتهيأ المجتمع الصالح الذي يسعد بفضيلته ويهنأ بحياته. ولكن الفلسفة تعتمد في ذلك على العقل والإقناع والأديان جميعها تعتمد في ذلك على العقيدة التي هي مزيج من الفكر والعاطفة.
هذه العقيدة لا بد لكمالها وفاعليتها من الإيمان بحقائق ثلاث:
1 ـ اليقين بوجود إله خالق يعلم العالم ويعنى به وبيده أن يسعد الأخيار وأن يعاقب الأشرار.
2 ـ الجزم بحياة أخرى أسمى من هذه الحياة. حياة تتلاءم فيها السعادة مع الفضيلة وتتكافأ فيها الآلام مع الآثام.
3 ـ التسليم بوجود ذلك الكائن البشري الذي يستطيع بعد اتصاله بعالم القدس أن يترجم عن إرادة السماء. فهل تشتمل الفلسفة السيناوية على الإيمان بهذه الحقائق السامية؟ وهل بذل ابن سينا من عقله ومنطقه ما يؤيد تلك الدعامات الثلاث التي لا بدّ منها لصحة الأديان وقداسة النبوة وجلال الرسالة؟
لست الآن بصدد الحديث عن منهج ابن سينا في إثبات ذلك كما أنّني لست بصدد الكشف عن قوّة براهينه أو ضعفها فقد حاولت ذلك كلّه في كتابي (ابن سينا بين الدين والفلسفة) الذي أرجو أن يكون قد وصل الآن إلى أيديكم ولكنّي أسجل هنا فقط ما آمن به الرجل من حقائق وما وصل إليه من نتائج عاش ومات وهو يقوم بتأييدها والعمل على إقرارها.
1 ـ يعتقد ابن سينا ـ كما يبدو ذلك واضحاً في فلسفته ـ بوجود إله واحد له الملك والجود ويسمو بحقيقته عن كلّ موجود. كلّه حق وكلّه خير. منزّه عن النقص وبعيد عن الشر. جدير بالحب والعشق والإجلال لأنّه على أسمى ما يكون الجمال والجلال. مصدر الخير ومبعث الرحمات وهو وحده الدليل على غيره من الكائنات. إلى غير ذلك من الصفات التي يقصر دونها وصف المتكلمين وتترك وقدة الحب والشوق في قلوب السالكين.
وكيف يمكن في رأيه إسناد وجود الأشياء إلى الأشياء نفسها على ما فيها من نظام وغائية لا يمكن أن تكون نتيجة الاتفاق والمصادفة؟ وكيف ننكر ـ كما فعل أرسطو ـ القول بالخالقية ونقصر العلاقة بين الله والعالم على العشق والجاذبية مع أنّ تعدّد العالم وتغيّره ناطق وإمكانه ناطق باحتياجه إلى مبدأ وعلّة؟. وكيف نسلم مع أرسطو الذي يقرّر في «كلام عامي جداً» إنّ الله لا يعلم العالم وبالضرورة لا يعنى به وخصائص الله من اللطف والتجرّد تقتضي هذه المعرفة بل وتقتضي عنايته. لأنّ العناية معناها العلم بالكل على حسب النظام الأكمل علماً يترتب عليه صدور الكائنات عنه على أكمل ما يرجى منها وما قدّر لها. فكلّ شيء قد أخذ مكانه في سجل الوجود وكلّ كائن قد ساهم في إبداع لحن الخلود. وليس في هذا الوجود على رأيه شرور وكيف يمكن أن يلحق الشر صنعة الخالق المنزّه عن العيوب. فما يخيل للإنسان أنّه شر لا شر فيه بحسب حقيقته وإنّما يعرض له الشر من ظروفه وبيئته. فسبحان الخالق الذي شمل برحمته جميع الكائنات وأفاض الجمال والحب على سائر الكائنات. فأي إيمان بالخالق أعمق أو أجمل من إيمان ابن سينا به؟
2 ـ وابن سينا في سبيل تحقيق أهداف الدين يخاطب الإنسان بلغة الإنسان فيلفته في قوّة إلى ما في حياة الفكر والفضيلة من سعادة وروعة مندّداً بحياة الشهوة وما فيها من انحطاط وضعة ومتخذاً من تجارب الإنسان نفسه دليله على ذلك فيخاطبه بقوله: إنّك إذا تأمّلت عويصاً يهمك وعرضت عليك شهوة وخيرت بين الطرفين استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس وكيف لا تستخف بالشهوة ومكانك في سلم الوجود وسط بين عالم الظلمة وعالم النور وحياة الشهوة تهبط بك إلى هذا الوجود الأدنى وحياة الفكر والفضيلة ترتفع بك إلى المقام الأعلى فأي المقامين أجدر بك يا خليفة الخالق في الأرض؟ قد تظن أنّ حياة الشهوة تجلب لك من اللذة مقداراً أكبر ممّا تجلبه حياة الفكر والفضيلة وهذا وهم قاتل وسراب خداع فاللذة في حقيقتها هي إدراك كمال خيري للمدرك فإذا كان الإدراك أكمل والمدركات أكثر وأشمل كانت اللذة الناتجة عن ذلك بداهة أعظم وأبهج. والمدركات العقلية أعلى كيفاً من المدركات الحسية بل وأكثر عدداً. فكيف تعرض بعد ذلك عن حياة الفكر والفضيلة مع أنّ هذه الحياة الفاضلة العقلية بمقتضى هذا المنطق تحقق لك سعادة أوفر وأدوم. وليس ذلك فحسب فحياة الشهوة اشتهاء دائم. والإشتهاء ألم لا يهدأ حتّى يشبع. ووسيلة الشبع البدن والبدن يفنى بالموت وتبقى النفس التي تعوّدت على هذا النوع من الشهوة فكيف تحصلها وقد انعدمت وسيلتها من الأعضاء والآلات؟ وكيف لا تطلب الكمالات العقلية التي تستمد وجودها من الجوهر العاقل فتسعد أبداً لبقاء مصدرها وهو النفس الخالدة. فأكثر الناس شقاء في الآخرة ـ عند ابن سينا ـ هم الجهلة الفساق الذي نبهوا إلى كمالاتهم من الحق والخير فأعرضوا وأشدّ الناس بهجة ونعيماً هم العارفون المتنزهون الذين جمعوا بين كمال العلم والعمل. فطوبى لهم يوم أن يفتح لهم الحق صدره ويمدّ إليهم يده ويشملهم بالحب ويحوطهم بالرعاية ويسمح لهم بالجوار. فأي منطق في الدعوة إلى الخير أقوى من منطق ابن سينا وأي إيمان بالترابط بين نوع الحياة في الدنيا ونوعه في الآخرة أقوى من هذا الإيمان؟
3 ـ بقيت بعد ذلك الدعامة الثالثة للأديان وهي النبوة والإيمان بالمعجزة وابن سينا في هذه المسألة بالذات استطاع أن يمنح الاسلام وغيره من الاديان ما يجعلها مقبولة لدى العقلاء والمفكرين. فهو يتساءل في وجه المنكرين لإمكانية الاتصال بعالم السموات والاطلاع على المغيبات قائلاً ما الذي يمنعكم من التصديق بإمكان ذلك مع أنّه واقع فليس أحد من الناس إلاّ وقد جرب ذلك في نفسه تجارب ألهمته التصديق فكم من مرّة يرى الإنسان في نومه ما سيكون منه أو ما سيكون له. وإذا كان لنا ونحن أناس عاديون أن ننتقش بهذه المعلومات ونحن في حالة النوم فما الذي يمنع النفوس الصافية أن تنتقش بذلك في حال اليقظة والنوم معاً إذا كانت معرضة عن جانب الفناء إلى جانب البقاء؟. ويقول لهؤلا ء المتشكيين في المعجزة: وهل كشفت الطبيعة عن جميع أسرارها؟ وإذا كان في الكون ما يعجز الإنسان عن تفسيره أو تعليله فلماذا تتخذ من مخالفة المألوف دليلاً على عدم الوقوع والاستحالة. أليس يمسك المريض عن الطعام زمناً لو أمسكه السليم لهلك، أَوَليس يستطيع الإنسان في حالة الغضب وثورة الانفعال أن يأتي بالغريب من الأفعال وإذا كان التفاوت بين الحالين والأثرين ـ أعني حالة الغضب وحالة الهدوء ـ واقعاً ملموساً فما الذي يمنع العقل من التصديق بأنّ النبي يستطيع أن يأتي من الأعمال ما يعتبر معجزة حقاً في حال اشتغاله بالملأ الأعلى وفرحه برؤية الحق أو عند إحساسه بعزة دينية أو حمية إلهية؟ ولم يكتفِ ابن سينا بذلك بل أضفى على الأنبياء أسمى صفات بشرية وحدّد لهم من الخصائص ما لا يعرفه حماة العقيدة أنفسهم. فالنبي في نظره يتمتع بقوّة محرّكة تستطيع أن تخرق العادة وتفعل المعجزة وله إلى جانب ذلك قوّة قدسية بها يدرك الحق حدساً من غير اعمال فكر ولا رويّة كما يفعل الفلاسفة. وله أيضاً مخيلة قويّة تصله بعالم السماء في أي وقت يشاء. فهو أرقى من الفيلسوف إدراكاً ووسيلةً. ومع ذلك فهو أرقى منه مهمة ووظيفة. لأنّه يدرك الحق ويعلمه. ويعصم نفسه من الرذيلة ويجاهد في سبيل عصمة غيره. ومع ذلك فالثابت من تاريخ الرجل أنّه رغم أعبائه وفوق أعبائه كان يقوم بواجباته الدينية وأنّه قبض إلى ربّه والمصحف بين يديه.
فلم يكن ابن سينا ملحداً يرمي إلى هدم الدين كما يرى ابن تيمية. ولم يكن شيطاناً يسعى لإفساد عقائد الناس كما يرى ابن الصلاح. ولم يكن إنساناً يستحق اللعنة والمقت والكراهية كما يرى الرازي وغيره من حماة العقيدة ورجال الشريعة رغم انتفاعه بمنطقه وفلسفته ولكنّه كان إنساناً يخطىء ويصيب وهدفه دائماً هو الوصول إلى الحق والمعرفة وإن أخطأ بعض الأحيان في النتيجة.
فقد أنكر ابن سينا اقتران علم الله بالزمان لأنّه يحتاج في رأيه إلى آلة جسمية فلجأ إلى القول بأنّه يعلم الجزئيات على وجه كلي غير مقترن بالزمان لتنزهه عن ذلك. وإذاً فالهدف هو تنزيه الخالق واحترام العقيدة. وابن سينا يوم أن قال بقدم العالم لم يهدف إلى أكثر من تنزيه الله عن التغيّر والاستحالة التي تلحق الأشياء الحادثة وإذاً فتنزيه الخالق واحترام الدين القائل بالخلق هي البواعث التي أملت عليه هذا الرأي ولا يوجد في العالم ما هو أنبل من هذه البواعث. أمّا مشكلة البعث والأبدية فقد كان ابن سينا في ذلك الوقت ضحية لمقررات العلم في أيامه فقد رأى العلم ـ وكم يخطىء ـ أنّ التغيّر مستحيل على عالم السموات وإذاً فلا مكان لتفسير مثل قوله تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلَ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّمَوَاتُ} تفسيراً حقيقياً وإذاً فليبق النص رمزاً ولتؤول النصوص الأخرى الواردة في ذلك فابن سينا يوم أن قال بالرمزية كان يحترم العقل والعلم ويفسح مع ذلك مكاناً للدين في نفسه.
إنّ مقررات العلم اليوم في صالح الأديان وإن المكتشفات الحديثة تجعل نهاية هذا العالم ممكنة بل متوقعة وإذاً فلم يكن هناك علم صحيح ليقتضي تأويل النصوص ورمزيتها وحبّذا لو شكّ ابن سينا في معارف زمنه الكونية فإنّه كان بذلك يسير بالإنسانية ما يزيد عن عشرة قرون إلى الأمام وربّما كان قد احتلّ مكانه بين بناة النهضة العلمية الحديثة. ولكن حسبه أنّه قد بذل جهده وكان نبيلاً في مقصده ولذلك كلّه يشارك الأزهر في عيده الألفي اعترافاً بفضله فيما أصاب فيه وتقديراً لبواعثه فيما أخطأه التوفيق في تقريره والعصمة لله وحده والله ولي السداد.
وقال الشيخ محمد رضا الشبيبي بعنوان:
جوانب متعددة من ابن سينا
كتاب المباحثات مجموعة أسئلة وأجوبة ورسائل متبادلة بين ابن سينا وبعض أصحابه تختلف نسخها وترتيب موادها وطريقة تأليفها بحيث لا يعلم على التحقيق من جمعها ولا من أطلق اسم المباحثات عليها وقد نظّم تلميذه الجوزجاني فهرساً معروفاً لكتبه عدّ بينها كتاب المباحثات.
وردت في الكتاب أسماء جماعة من أصحاب الشيخ منها «بهمنيار» وهو يكثر من توجيه الأسئلة ويعني الشيخ بالإجابة عن أسئلته وليس لنا دليل قاطع على تعيين من عني بجمع الكتاب من بين هؤلاء وإن اشتهر أنّه بهمنيار، وإذا لاحظنا كثرة التفاوت والفروق البعيدة بين نسخ المباحثات جاز لنا أن نقول: إنّ جماعة من أصحابه وفي مقدمتهم بهمنيار عنوا بجمع رسائله وأجوبته المدونة في الكتاب كلّ على طريقته ووسائله الخاصّة ولهذه الناحية اختلفت النسخ والأصول حتّى لا نجد أحياناً شبهاً ما بين نسخة وأُخرى والظاهر أنّ هذا الكتاب مؤلف من مجموع ما وجد متفرقاً في آثار بهمنيار وأستاذه من جزازات ومن أجوبة الشيخ عن رسائله إليه وبعضها بخط الشيخ وبعضها بخط بعض تلاميذه ووراقيه وفي المباحثات فوائد عن باقي كتب الشيخ مثل الإشارات والشفاء والإنصاف والفلسفة المشرقية وقد ردّ أبو علي بعض أجوبته هذه على بعض معاصريه ممّن كان يناقش فلسفته ولكنّه تناولهم بلهجة جافة ما كنّا نتوقع صدورها منه وفي الكتاب أيضاً نبذ يستفاد منها شيء لم يعرف من قبل عن أحوال الشيخ الرئيس.
مدار البحث في الأسئلة والأجوبة الواردة كلام طريف في أقسام الحكمة والفصل بين العملية منها والنظرية في المباحثات على مسائل من الفلسفة الإلهية والطبيعية وفي البحوث النفسية منها فوائد طريفة عن الفرق بين نفسي الإنسان والحيوان الأعجم وبين شعوره وشعور الحيوان. ويستفاد من دراسة المباحثات ـ فيما نرى ـ فوائد جمّة أهمها الأمور الآتية:
1 ـ دلالة بعض نصوص الكتاب على ناحية طريفة من سيرة ابن سينا وأخلاقه.
2 ـ كشف عن خطر الصراع بينه وبين فلاسفة عصره.
3 ـ أسلوب الشيخ في ترسله.
وقال يتابع كلامه بعنوان:
معركة ابن سينا
لا نهاية لمعركة ابن سينا التي بدأت في عصره فهي مستمرة إلى الآن وما زال المعنيون بالفلسفة فريقين في موقفهم منه فريق له وفريق عليه ولا عجب فإنّ عصره عصر احتدام الآراء ومصادمة الأفكار طوراً بين أشياع الفلسفة وخصومها وتارة بين أصحاب المذاهب الفلسفية أنفسهم من قدماء ومحدثين طبيعيين وإلهيين.
في هذا العصر نبّه ذكر الشيخ وشدّت الرحال إليه لأخذ الفلسفة وفنون الطلب والحكمة وكثر عدد تلامذته وكان الصراع في عصره كما هو اليوم وكما هو بعد اليوم قائماً بين معاني الحياة في ناحية الروح والمادة والشك واليقين واليأس والرجاء والحق والباطل أو دائراً على البحث في طبيعة النفس والوجود وحقائق الموجودات وغير ذلك من مطالب الفلسفة وقد أبلى الشيخ بلاءه في هذا الصراع دفاعاً عن نفسه وعن آرائه ومعتقداته وبذل جهده في الرد على مخالفيه وتفنيد آراء المشنعين عليه.
وفي هذه الفترة تعدّدت الفرق والأحزاب المعنية بالفلسفة وتميّزت منها فرقتان الأولى أشياع الفلسفة القديمة أو الفلسفة المادية كما يُقال لها أحياناً والثانية الفرقة المشائية أشياع أرسطو وهي فرقة مشهورة معقودة اللواء في هذا العصر لابن سينا ومركزها في أصفهان وغيرها من حواضر الدولة السامانية. أمّا الفرقة الأخرى فلا يعرف لها رئيس في هذا العصر على أنّ أشهر مراكزها بغداد وبعدها البصرة، والغالب أنّ جلّ المعنيين بالفلسفة من العراقيين والبغداديين لم يكونوا من أشياع المشائين ومن هذه الناحية شجر ما شجر من الخلاف بين الفرقتين وعنيت كلّ فرقة بالردّ على الثانية مراسلة وكتابة كما يشهد بذلك كتاب المباحثات.
لا ينكر نشاط البغداديين المعنيين بالفلسفة في هذا العصر في الكتابة والتأليف ومناقشة آراء ابن سينا ولا ينكر وجود حركة عقلية قوية في عاصمة بني العباس مستقلة عن مدرسة الشيخ الرئيس في أصفهان وخوارزم والري متجهة غير وجهته منتحية نحو معارضته في كثير من الأحيان ولما تفاقم خبرها لدى الشيخ وتلامذته عنوا بجلب تصانيف البغداديين إلى أصفهان على مغالاة أصحاب هذه الكتب بالسوم ولكن أصحاب ابن سينا لم يضنوا بالمال مهما بلغ في هذا السبيل حتّى أسهم في ذلك بعض الأذكياء من أبناء الأمراء. كلّ ذلك بغية الاطلاع عليها والوقوف على مدى تباين وجهات النظر ومناقشة آراء البغداديين من هذه الناحية. هذا مع أنّ الشيخ كان بحاجة إلى الاستجمام في هذه الآونة بعد هزيمة أصفهان التي اجتاحت كتبه على باب المدينة المذكورة.
ويعد كتاب المباحثات على إيجازه المخل أحياناً وعلى ما فيه من تعقيد بمثابة سجل لهذه الأحداث والأبحاث. ونحن ننقل بعض ما جاء في هذا الباب منه بشيء من التصرّف وحذف ما لا حاجة به من العبارات قال بهمنيار «كان قد اتفق من الدواعي عام طروق ركاب السلطان الماضي رحمة الله عليه هذه البلاد ما بعثه على الاشتغال بكتاب سمّاه «الإنصاف» اشتمل على جميع كتب أرسطاطاليس إنّما خفّف على نفسه ما يحتاج أن ينقل فترك له فرجاً وعلامات وكان عدد ما تكلم فيه وجعله موضع نظر ونسب الكلام المقدم فيه إلى ظلم أو تقصير أو تحريف فوق سبعة وعشرين ألف موضع وقبل أن ينقل ذلك إلى المبيضة وقع عليه قطع في هزيمة ألمّت بأسبابه وكتبه كلّها على باب أصفهان فلمّأ عاد إلى الري بهر لمعاودة ذلك التصنيف ففر،ّ فإنّ معاودة المفروغ منه متثقلة، فلم يترك يحرّض ويبعث وقيل له لعلك إن استدعيت ما أحدثه المحدثون بمدينة السلام كانت الخواطر الجديدة تحرّك منك نشاطاً للحكم عليها بالتصويب أو بالتخطئة، وانبرى بعض أولاد الأمراء من أهل الفضل قائلاً إنّه يستقبح (يبذل) من ماله إلى مدينة السلام لاستدعاء ما وجد للشيخين بها فامتعض وكره أن يقف موقف البخلاء ورسم لبعض أصدقائه أن يبتاع ما تجدّد من كتب الشيخين فلم يظفر إلاّ بكتب الشيخ الباقي منها فلمّا تأملناها رأينا شيئاً لا عهد لأهل التحصيل به تشويشاً واختلاطاً فطال لسانه على ممرضيه وقال ألم أقل لكم إنّ الطبقة هذه الطبقة وأنّ التصرّف هذا وأنّ أبا الخير ابن الخمار وابن السمح على ضيق مجالسهما برواية بعض الكتب كانا أحسن حالاً من غيرهما والشأن من إعظام القوم للطلبة ومقالاتهم في العين كأنّهم يهذون ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وقد كان بلغني أنّ ذلك الشيخ يعني «أبا الفرج ابن الطيب» قد خولط وقتاً ما في عقله للأمراض التي تصيب أهل الفكر ولعل هذا من تصنيفه ذلك الوقت وبقينا نعجب ممّن يقنع بهذا القدر اليسير ثمّ لهذا النمط المختل من البيان. ولعمري لقد أراح هؤلاء أنفسهم. ورفضوا المنطق مطلقاً. وليس هو هذا اليوم بل منذ زمان وأمّا من جهة صورتها فهؤلاء خاصّة أغفلوها وكلّما عالجوها حادوا عن الجادة لأنّهم لم يحصلوا ملكة التصرّف ولم يقاسوا من الجزئيات عناء التحليل، وأنا أسأل الشيخ أن يعرض هذه الصورة على أهل التحصيل ليعلموا أنّه لم يكن في أوّل الأمر إلى ثلب الكتب فاقة تحمّل ذلك الاشتطاط، ولا في الأمر لها بعد ذلك اقترار عين ثم قال: وسبيل هذه الكتب أن تردّ على بائعها ويترك عليه أثمانها».
وبعد أن أشار بهمنيار إلى موضوعات هذه الكتب من منطقية وفلسفية عاد إلى نقدها والتنديد بها قائلاً «فمن عرض عليه من أهل العراق هذه الأحرف واشتبه عليه الحال في صدق جماعتنا فليعين على أي موضع يشاء من المعاني التي تشتمل عليه هذه الكتب لا سيما الطبيعية والإلهية حتّى يكتب بعض ما فيه من الفساد والخروج عن النظام والهذيان.
فلذا حمى وطيس المعركة في عصر ابن سينا وبعد ذلك العصر بين أنصاره وخصومه فكلّما تصدّى للرد على الشيخ أو التشنيع عليه أحد الخصوم نهض أنصاره للدفاع عنه فهذا ابن رشد صنّف في الرد على أبي حامد الغزالي لردّه على ابن سينا وغيره من الفلاسفة وإن لم يتفق ابن رشد مع الشيخ كلّ الاتفاق في تحرير الفلسفة القديمة وهذا نصير الدين الطوسي أشرع قلمه للذبّ عن ابن سينا رادّاً على الشهرستاني في كتابه «مصارعة الفلاسفة» وعلى فخر الدين الرازي في «المحصل» و«شرح الإشارات» وانبرى للذبّ عنه من الفلاسفة المتأخرين «ابن كمونة» فإنّه لخّص كتاباً في نقض الإشارات لنجم الدين النخشواني فقال إنّ أكثر هذه الاعتراضات غير واردة. هذا ولصدر الدين الشيرازي مواقفه في الرد على الرازي فخر الدين. وإياه أراد الشيرازي بقوله في تعليقاته على إلهيّات الشفاء: «كان هذا المرء المعروف بالذكاء سريع المبادرة في الاعتراض على الشيخ قبل الإمعان والتفتيش لعجلة طبعه وطيشه».
خصوم الشيخ:
هناك ثلاث طبقات ناهضت فلاسفة الإسلام وشدّدت النكير عليهم منذ عصر ابن سينا حتّى اليوم.
1 ـ قوم خرجوا عن حدود الاعتدال في المناقشة إلى المهاترة والإسفاف شعارهم الغيرة على الفضيلة ولا شأن لنا بهؤلاء إذ كفانا أبو حامد الغزالي مؤونة الدخول في المناقشة معهم فقال «إنّهم لمكان جمودهم وعجزهم أشد نكاية بالإسلام من الفلاسفة والغزالي ـ كما لا يخفى ـ أغزر المعنيين بالرد على الفلاسفة مادة وأبعدهم أثراً في هذه الناحية.
من هذا القبيل ما جاء في المختصر المسمّى: «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» للقفطي، في هذا المختصر من إسفاف وبذاءة في التحامل على الفارابي وابن سينا لا يصدق وروده في كتاب يعني مؤلفه بتاريخ الحكماء، ومن المفيد أن نقول في هذا الصدد: «إنّ هذا المختصر كتاب ملفق مبتور وأنّ جامعه جانب الأمانة في النقل فهو يسطو على الكتب وعلى أقوال المؤلفين ويوردها في كتابه بدون أن يشير إلى ذلك كما فعل بكتاب «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسي وغيره أيضاً، والخلاصة: إذا محصنا هذا المختصر بمنظار النقد العلمي لم نجده في الكتب الجديرة بالثقة بل نجد جامعه مجرّداً من مميزات العلماء.
2 ـ ومن المنحرفين عن ابن سينا طبقة من أرباب القلوب والأمزجة الصوفية والشعرية الذين أضناهم السير في طلب الحقيقة ولم يزدهم النظر في تصانيف الفلاسفة إلاّ بُعداً عنها ومن ثمّ وبعد محن وتجارب صوفية قاسية أوسعوا الكتب الفلسفية ذماً فيما لهم من منظوم ومنشور نظير ما قاله علاء الدين علي بن الحسن بن الحسن الجوادي الكاتب حسبما رواه ابن الفوطي في تاريخه المسمّى «تلخيص مجمع الآداب»:
تصفحت «الشفاء» على كمال
وطالعت «النجاة» على تمام
فلم أرَ في «النجاة» سوى هلاك
ولم أرَ في «الشفاء» سوى سقام
وهذا أبو سعيد بن أبي الخير من الشيوخ العارفين يقول بعد انقطاع الصحبة بينه وبين الشيخ الرئيس وما انقطعت تلك الصحبة إلاّ بعد محنة صوفية وأزمة نفسية عنيفة:
قطعنا المودة عن معشر
بهم مرض من كتاب «الشفا»
فماتوا على ما يرى رسطليس
وعشنا على ملة المصطفى
يعدّ ابن أبي الخير هذا من ألصق أصحاب ابن سينا به وأكثرهم أخذاً عنه ورسائل الشيخ إليه تدل على إكبار بالغ وهو يلقبه «سلطان العارفين وخاتمة المشايخ» ويلقبونه أيضاً «قطب الأولياء» على أنّ أبا الخير نفسه كما يبدو من بعض رسائله كان يرى في الشيخ مرشداً أو مرجعاً في حل المشكلات إلى أن شجر بينهما نوع من الخلاف في المنحى والطريقة فابن سينا يستوحي عقله في البحث عن حقائق الأشياء وابن أبي الخير يستوحي قلبه وشعوره الفياض وهو خلاف معروف بين أصحاب الحكمتين البحثية والذوقية.
تحفل خزائن الكتب برسائل نادرة متبادلة بين الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير وابن سينا في أحوال النفس والزهد والعزلة إلى أسئلة أخرى لا تخلو من شطحات المتصوفة وقد اشتهرت وصية أوصى بها الشيخ صاحبه المذكور وهي التي يقول في آخرها «خير العمل ما صدر عن حسن نيّة وخير النيات ما ينفرج عن جناب علم والحكمة أم الفضائل بمعرفة الله أوّل الأوائل إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه».
من هذه الوصية نسخ عدّة مخطوطة ولكنّها كثيرة التفاوت والاختلاف وفي الجزء الثاني من أجزاء رسائل ابن سينا التي نشرت أخيراً في السنة الماضية في الآستانة نص كامل من هذه الوصية وقد أورد ابن أبي أصيبعة جزءاً منها في عيون الأنباء ونشرت رسالة ابن أبي الخير وقسم من الوصية في أوّل الطبعة المصرية من كتاب «النجاة» هذا إلى أصول أخرى تختلف كلّ الاختلاف فهي لذلك جديرة بالمقارنة والتحقيق ويحسن أن يتناول تحقيق هذه الوصية تنافر الأساليب في بعض فقراتها فإنّ بعضها بأساليب المتصوفة المتأخرين أشبه من أساليب الشيخ الرئيس فليلاحظ ذلك.
هؤلاء وأمثالهم نفر من الصوفية والشعراء زجّت بهم الأقدار في خضم الحياة فهم يتطلعون إلى ساحل الأمان من خلال كتب الفلسفة فلمّا خابت أمانيهم ولمّا طال عليهم التسكع في مجاهل القلق والحيرة هجروا الفلسفة وكتبها وانحوا باللائمة عليها وليس الذنب ذنب تلك الكتب في الحقيقة.
هذا ويلاحظ أنّ بين أرباب القلوب والأحوال من المتصوفة والشعراء طبقة أخرى نظرت نظرة الرضا إلى أسلوب ابن سينا في قصصه الرمزية الفلسفية مثل قصة «حي بن يقظان» و«رسالة الطير» و«سلامان وابسال» في «حي بن يقظان» يقول ابن الهبارية الشاعر العباسي المشهور المتوفى سنة 504 بكرمان:
حي بن يقظان ما حي بن يقظانا
سبحان موجد ذاك الشيخ سبحانا
شيخ من الولد القدسي منشؤه
سرى إلينا وحيانا فأحيانا
عني فريق من المتصوفة والأدباء بشرح قصة حي بن يقظان كما عني بنظمها شعراء آخرون ومنهم ابن الهبارية على ما تشير إليه فهارس بعض المكتبات ولا شك أنّ ابن الهبارية جود نظمه لحي بن يقظان كما فعل في نظم كليلة ودمنة في ديوان سمّاه نتائج الفطنة وكما فعل في الصادح والباغم الذي نظمه على هذا الأسلوب هذا مع العلم بأنّ منظومته المذكورة لم تصل إلى أيدي الباحثين ولا يخفى أنّ ابن الهبارية نشأ في العصر الثاني لعصر ابن سينا متأثراً بآرائه معنياً بنظم كتب الحكم والأمثال وصلت إلينا قصة حي بن يقظان منظومة نظماً شائقاً في أكثر من أربعمائة بيت من إنشاء هبة الله بن عبدالواحد أحد شعراء القرن السادس والنسخة التي وصلت إلينا من هذه المنظومة منقولة عن خط الشيخ عبدالرحمن العتائقي من أعلام العراق في منتصف القرن الثامن وله عليها تعليقات لطيفة وفي أولها يقول الناظم المذكور:
تيسرت لي من بلادي برزه
صحبت فيها سادة أعزه
فسرت يومين عن المدينة
في رفقة رفيقة أمينه
فأنست عيناي في البيداء
شيخاً بهي العقل والرواء
قد مرّت السنون والأعوام
عليه وهو حدث غلام
3 ـ الطبقة الثالثة معاصرو الشيخ المعنيون بالفلسفة القديمة ووضع الكتب فيها وجلّهم من أهل بغداد وبعضهم من المسيحيين السريان وهو يسمّيهم في بعض رسائله «نصارى مدينة السلام» ولم تظهر من الشيخ عناية بما يكتبه هؤلاء البغداديون إلاّ بعد محنته على باب أصفهان حيث أراد أصحابه التسرية عنه واستئناف نشاطه في البحث فجلبوا له مؤلفات البغداديين لدرسها والنظر في وجوه الخلاف بينهم وبينه في تحرير الفلسفة كما أشرنا إلى ذلك قريباً ومن مشايخ هؤلاء الفلاسفة البغداديين الذين ورد ذكرهم في المراسلات الدائرة بين الشيخ وأصحابه أبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن الخمار شيخ من شيوخ هؤلاء البغداديين في الطب والفلسفة أقام مدّة في مملكة بني سامان روى عنه ابن النديم في فهرسته فهو معاصر له ولابن الخمار على ما جاء في الفهرست وغيره كتب في الردّ على أرسطو فهو من طبقة مشايخ ابن سينا بيد أنّ تلامذته من المعاصرين للشيخ عنوا بالرد على ابن سينا ودخلوا في النقاش معه ونقدوا آراءه في الطب وفي الفلسفتين الطبيعية والإلهية إذ إنّ لابن الخمار تلامذة نجباء في الفلسفة ذاع ذكرهم واشتهرت مؤلفاتهم منهم أبو الفرج بن هندو وأبو الفرج عبدالله بن الطيب والأخير من المعروفين بمناقشته لابن سينا ومنافسة ابن سينا له في الطب والمنطق ومن فلاسفة بغداد في هذه الفترة مسكويه صاحب «تهذيب الأخلاق» وابن السمح البغدادي له تصانيف مشهورة وغيرهم ممّن اشتهروا بالانحراف عن طريقة المشائين.
غمز ابن سينا في المراسلات التي دارت بينه وبين أصحابه وفي الأقوال المروية عنه في كتاب المباحثات أكثر هؤلاء الخصوم البغداديين المعاصرين له وطعن في مآخذهم للفلسفة وسوء فهمهم للعلم الإلهي خاصّة ـ على ما يقول ـ بل تهكم عليهم وسخر منهم سخرية لاذعة أحياناً بيد أنّه كان متحفظاً في الكلام عن ابن الخمار وابن السمح وفي ذلك ما فيه من الدلالة على منزلتهما العلمية والمرجح أنّ ابن سينا لم يبدأهم بهذا الضرب من الطعن والغمز وإنّما كان يدافع عن نفسه وعن طريقته وعن مذهبه وآرائه التي نوقشت مناقشة شديدة لا تخلو من التشنيع والتشهير في كثير من الأحيان فكلما ظهر له كتاب ظهرت على أثره كتب تعارضه وتتحداه.
ولا تخلو كتب ابن سينا من التشهير بهذا النمط من الفلاسفة المعاصرين له وتنقصهم والتشنيع عليهم ونسبتهم إلى التمويه والمغالطة ولنعتبر قوله في آخر منطق الشفاء وهذا نصه: ولقد رأينا وشاهدنا في زماننا قوماً كانوا يتظاهرون بالحكمة ويقولون بها ويدعون الناس إليها ودرجتهم فيها سافلة فلمّا ظهر للناس أنّهم مقصرون أنكروا أن يكون للحكمة حقيقة وللفلسفة فائدة. وكثير منهم لما لم يمكنه أن يدعي بطلان الفلسفة من الأصل قصد المشائين بالثلب. وصناعة المنطق والبانين عليها بالعيب فأوهم أنّ الفلسفة أفلاطونية وأنّ الحكمة سقراطية وأنّ الدراية ليست إلاّ عند القدماء من الأوائل. والفيثاغوريين من الفلاسفة، وكثير منهم قال إنّ الفلسفة وإن كانت حيقيقية فلا جدوى في تعلّمها. وأنّ النفس الإنسانية كالبهيمة باطلة ولا جدوى للحكمة في العاجلة. وأمّا الآجلة فلا أجلة ومن أحب أن يعتقد أنّه حكيم وسقطت قوّته عن إدراك الحكمة أو عاقه الكسل والدعة عنها لم يجد من اعتناق صناعة المغالطة محيصاً ومن هذا بحث عن المغالطة» هذا ما قاله الشيخ في آخر كتاب المنطق من الشفاء ولهذا السبب صار البحث عن فن المغالطة جزءاً من أجزاء المنطق الثانية.
وكتب ابن سينا لا تني من جهة إشادة بأرسطو وكتبه وتنويهاً بالمشائين وآرائهم في المنطق والفلسفة حتّى إذا ذكرهم في الشفاء وغيره قال أصحابنا «المشاؤون» ولا تخلو كتب الشيخ من جهة أخرى عن غمز أفلاطون وسقراط وأشياع الفلسفة القديمة أو الإشراقية وهو يميل فيها إلى تنزيه أرسطو عن النقص والخطأ في صناعة المنطق ولذلك يقول في آخر منطق الشفاء «انظروا معاشر المتعلمين هل أتى بعده أحد زاد عليه أو أظهر فيه قصوراً مع طول المدّة وبُعد العهد بل كان ما ذكره هو التام الكامل والميزان الصحيح والحق الصريح» ولم يحجم بعد ذلك عن غمز أفلاطون وسقراط فقال «وأمّا أفلاطون الإلهي فإن كانت بضاعته من الحكمة ما وصل إلينا من كتبه وكلامه فلقد كانت بضاعته في العلم مزجاة» وناقش مذهبه في المثل الأفلاطونية فقال في بحثه عن المثل المذكورة «كان المعروف بأن أفلاطون ومعلمه سقراط يفرطان في هذا القول» وفي قوله المعروف بأفلاطون ما فيه من غميزة أمّا كتب الفرقة الأخرى فنّها حافلة كذلك بمناقشة المشائين والرد عليهم.
ترسل الشيخ في المباحثات:
ويلاحظ أنّ أسلوب الشيخ في رسائله المدرجة في المباحثات أسلوب أدبي بليغ يضاهي أساليب بلغاء المترسلين في عصره وما إليه وهم كثيرون ولهم في النثر أساليب خاصّة معروفة. وتبدو لنا الفروق بعيدة إذا قارنا بين أسلوب الشيخ في رسائله الأخوانية في المباحثات وغيرها وأساليبه الأخرى المألوفة في أسفاره الفلسفية الكبرى حيث يغلب عليها جفاف الأساليب العلمية البحتة. ويبدو لنا الشيخ أيضاً رقيق الحاشية جم الأدب في مخاطبة أصحابه وتشهد هذه المراسلات شهادة قاطعة بوجود رابطة أكيدة وصلات وثيقة وإخلاص متناه بين الجانبين. هذا وقد اضطر الشيخ خلال مناقشة معارضيه إلى استخدام بعض العبارات الجافية التي لا تليق بأمثاله ويلاحظ أنّه كان مع هذا سديد المنطق قوي الحجة ولذلك أسباب تقدّمت إليها الإشارة.
كانت للأدب دولة راقية في عصر السامانيين كما تشهد بذلك مؤلفات الثعالبي وفي مقدمتها يتيمة الدهر وذيولها في هذا العصر حيث كثر عدد الشعراء والمترسلين والأدباء النابهين في خوارزم والري وأصفهان ونيسابور وما وراء النهر وكثير منهم من معاصري ابن سينا بيد أنّنا لم نجد للشيخ ذكراً في تلك الدواوين والأسفار الأدبيّة وهو أمر يدل على أنّ صلة الشيخ برجال الأدب لم تكن وثيقة وقلّما اتّصل به غير رجال الفكر والفلسفة. عني مؤرخو ابن سينا بشتى نواحي حياته ويلاحظ أنّهم غفلوا من بين ذلك ناحية لها خطرها في تاريخ الناس وهي ناحية الخلف والذرية فلم يذكر لابن سينا ولد أو نسل كأنّما وجد بكتبه وأسفاره وبنات أفكاره بديلاً عن ذلك ولم يخرج ابن سينا في هذا الشأن عن كثير من الأعاظم الذين لا يعرف لهم نسل ولا تذكر لهم ذرية ترسم خطاهم وتنسج على منوالهم سنة الله في بعض خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً وهذه ناحية تستحق التوسع في البحث والدراسة.
وقال الأستاذ قدري طوفان:
أثر ابن سينا في الغرب
لقد سحرت عبقرية ابن سينا المستشرقين والعلماء في الشرق والغرب على السواء فلقبه بعضهم بأرسطو الإسلام وأبقراطه، وجعله (دانتي) بين أبقراط وجالينوس. وقال (دي بور) «… وكان ابن سينا أسبق كتّاب المختصرات الجامعة في العالم…» ويرى فيه مثلاً للرجل الواسع الاطلاع والمترجم الصادق عن روح عصره. وإلى هذا يرجع تأثيره العظيم وشأنه في التاريخ. كما كان يرى (مونك) في ابن سينا أنّه من أهل العبقرية الفذّة ومن الكتّاب المنتجين. أمّا (اوبرفيك ـ Ueberweg) فيقول إنّ ابن سينا اشتهر في العصور الوسطى وتردّد اسمه على كلّ شفة ولسان «ولقد كانت قيمته قيمة مفكر ملأ عصره. وكان من أكابر عظماء الإنسانية على الإطلاق…».
ولقد أجمع علماء الشرق والغرب على تقدير ابن سينا وتمجيده، واستقوا من رَشْحِ عبقريته وفيض نتاجه فكان من الذين ساهموا مساهمة فعّالة في تقدّم العلوم الطبيعية والفلسفية والنفسية.
وقد ظلّت الفلسفة الأرسطية المصطبغة بمذهب الأفلاطونية الحديثة معروفة عند الشرقيين في الصورة التي عرضها فيها ابن سينا. وكثيراً ما اعتمد (باكون Bacon) في توضيح آراء أرسطو على ابن سينا.
وبقيت كتب ابن سينا في الفلسفة والطب تدرس في الجامعات في أوروبا إلى القرن السابع عشر للميلاد. ويقول (دي بور) «وكان تأثير ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن. واعتبر في المقام كأرسطو…».
وتأثّر به اسكندر الهالي الإنكليزي وتوماس اليوركي الإنكليزي أيضاً. وتأثّر بابن سينا كذلك كبار فلاسفة العصور الوسطى أمثال البرت الكبير والقديس توما الأكويني، فقد قلّدوه في التأليف وتبنّوا بعض نظرياته و آرائه. وقال سارطون «إنّ فكر ابن سينا يمثّل قمة الفلسفة في القرون الوسطى».
بروجرد
مدينة إيرانية تاريخية أصل اسمها (بروگرد) بالكاف الفارسيّة، هي حاضرة محافظة (لرستان) الواقعة غربي إيران ويُقال إنّها من المدن التي أنشأتها الأسرة الساسانية. ويبلغ عدد نفوسها حوالي 35 ألف نسمة وترتفع عن سطح البحر 1700 متر، وتقع في منتصف الطريق بين طهران والمحمرة، وسكانها خليط من قبائل الكرد واللّرّ والبختيارية، وأرضها زراعية تنتج الغلال والقطن، وتحتوش المدينة البساتين النضرة ذات الفواكه المختلفة، وهي معروفة بزراعة الزعفران؛ أمّا جوّها فمعتدل. وفيها أبينة وآثار تاريخية منها مسجد قديم البناء.
وكان يحيط بها سور مرتفع ذو عدّة أبواب تهدم بمرور الأيام.
وقد استوطنها منذ أواسط عهد الخلافة العباسية بعض السادة الحسنيين الطباطبائيين وامتلكوا فيها العقارات الوافرة والأملاك الشاسعة وصاروا من ذوي النفوذ الكبير فيها.
أشهر من نسب إليها في هذا العصر السيد حسين البروجردي المؤسس الثاني للحوزة العلمية في مدينة (قم) بعد المؤسس الأوّل الشيخ عبدالكريم الحائري والمتوفى سنة 1380هـ.
ومنها أصل الأسرة العلمية الشهيرة المعروفة بآل بحر العلوم، والمنسوبة إلى السيد مهدي الذي لقب ببحر العلوم والمتوفى سنة 1212م وقد انتقل منها مع والده إلى كربلاء والنجف واستوطنها ومنه تفرّعت الأسرة.
برورش
اسم جريدة إيرانية صدرت بين عامي 1316 و1318هـ (1898م و1900م) خارج إيران فهاجمت الحكم الإيراني والبلاط ورجاله. أصدرها ميرزا علي محمد خان الكاشاني الذي توفي خارج وطنه.
وبرورش بالباء الفارسية معناه التعليم.
بُزقوش (جبال)
سلسلة جبال في آذربيجان، تمتد من الشرق إلى الغرب وتقع إلى الجنوب من جبال سيلان وتنتهي من جهة الغرب بكتلة سهند البركانية. ويزيد ارتفاع قمم بزقوش عن 3000م حيث يبلغ ارتفاع أعلى قمة فيها 3302م.
ويتفرّع من هذه السلسلة عدد من الجبال باتجاه الشمال والجنوب كجبل عون بن علي (1800م) الواقع إلى الشمال الشرقي من تبريز حيث تقع فيه مقبرة الأمير عون بن علي أحد أحفاد الإمام علي (عليه السلام)، وكذلك جبل موروداغ الواقع إلى الشمال من تبريز.
بزوفر
بفتح الباء وسكون الواو وفتح الفاء: قرية كبيرة من ضواحي قوسان قرب واسط وبغداد على النهر الموفقي في غرب دجلة.
جاء في أعيان الشيعة (والبزوفري) (منسوب إلى بزوفر كغضنفر قرية كبيرة من أعمال قوسان قريبة من واسط في غربي دجلة).
وقال ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هـ (بزوفر: بفتحتين وسكون الواو وفتح الفاء قرية كبيرة من أعمال قوسان قرب واسط وبغداد على النهر الموفقي في غربي دجلة).
وقال الميرزا عبدالله أفندي المتوفى سنة 1130هـ (والبزوفري على المشهور بكسر الباء الموحدة وفتح الزاء المعجمة ثمّ الواو الساكنة وفتح الفاء ثمّ الراء المهملة أخيراً وفي نسخة من الخلاصة للعلامة قد ضبطه بعض الأفاضل بفتح الباء الموحدة وضم الزاء المعجمة ثمّ نقل عن العلاّمة التستري فيما علقه على هذا الموضع من الخلاصة أنّ البزوفري منسوب إلى قرية اسمها بزوفر بقوسان…) وقال صفي الدين البغدادي من مراصد الاطلاع ج1 ص194 بزوفر: بفتحتين وسكون الواو وفتح الفاء قرية كبيرة من أعمال قوسان.
وقد نبغ من هذه القرية جمع كثير من علماء الشيعة منهم الشيخ أبو علي أحمد بن جعفر بن سفيان البزوفري كان حياً عام 365هـ من أكابر المحدثين وطرق الروايات وأئمة الفتوى.
روى عن أبي أحمد بن إدريس الأشعري المتوفى سنة 306هـ وحميد بن زياد النينوي الحائري المتوفى سنة 310هـ مؤسس الحوزة العلمية في كربلاء ثمّ انتهى إلى كرسي التدريس ومن أشهر تلامذته الشيخ المفيد، والغضائري، والتلعكبري وغيرهم ومنهم أبو عبدالله الحسين بن علي بن سفيان بن خالد بن سفيان البزوفري المتوفى بعد سنة 352هـ من أعلام علماء الحديث وثقات علماء الشيعة أخذ في كربلاء عن حميد بن زياد النينوي الحائري ثمّ تصدّر للتدريس ومن أشهر تلامذته الشيخ المفيد المتوفى سنة 413هـ ومنهم الشيخ أبو جعفر بن الحسين بن علي بن سفيان من أكابر علماء الشيعة ومنهم الشيخ محمد بن سعيد بن يحيى من أئمة الفقهاء في القرن الرابع للهجرة، من أشهر تلامذته الشيخ محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني الذي كان من مشايخ الصدوق وغيرهم من علمائنا الأعلام.
عبد الحسين الصالحي
بست
بُست (أو بَست) على نهر هيلمند، عند ملتقى النهر الآتي من ناحية قندهار معه. وقد كانت دائماً موضعاً جليلاً. قال الإصطخري «على باب بست، جسر من السفن كما يكون على أنهار العراق» وعليه يعبر الطريق الآتي من زرنج. وكانت بست في المائة الرابعة (العاشرة) ثانية المدن الجليلة في سجستان. «وزيّ أهلها زي أهل العراق، وبها متاجر إلى بلد الهند، وبها نخيل وأعناب، وهي خصبة جداً». وكانت بست تعدّ أجل مدن البلاد الجبلية في شرق سجستان التي تشتمل على الناحيتين الكبيرتين: زمين داور ورخج. قال المقدسي إنّ حول بست وقلعتها أرباضاً كبيرة على فرسخ فوق ملتقى نهر خردروي (نهر أرپنداب الحالي) بهيرمند (هيلمند). ولها جامع حسن وأسواق عامرة. «وعلى نصف فرسخ من نحو غزنين (غزنة)، مدينة صغيرة تسمّى العسكر، ينزلها السلطان» وقال ياقوت في المائة السابعة (الثالثة عشرة)، إنّ الخراب في بست ظاهر، ونوّه بأنّها «من البلاد الحارة المزاج، وهي كثيرة الانهار والبساتين». وفي ختام المائة الثامنة (الرابعة عشرة) أوقع تيمور بها وبما جاورها، الدمار حين زحفه إليها من زرنج، وخرّب في طريقه أحد السكور العظيمة في هيلمند المسمّى بند رستم، وكان هذا السكر يسكر المياه التي تسقي الرساتيق في غرب سيستان.
وما زال الوادي العريض الذي يجري فيه نهر هيلمند منحدراً من جبال هندوكش إلى بست، يعرف باسم زمين داور، وهو الاسم الذي أطلقه البلدانيون العرب على ناحيته، وهذه هي التسمية الفارسية، ويقابلها بالعربية أرض الداور أو بلد الداور. ومعنى هاتين التسميتين واحد، هو أرض الأبواب أي دروب الجبال. وكانت هذه البلاد في القرون الوسطى خصبة عامرة كثيرة السكان، بها أربع مدن جليلة، هي درتل ودرغش وبغنين وشروان. ولها قرى ورساتيق عديدة. وأكبر مدن هذه الناحية درتل أو تل، على ما كتب الإصطخري اسمها. والظاهر أنّه يطابق المدينة التي وصفها المقدسي باسم الداور وقال «الداور: كبيرة طيبة وهي ثغر جليل عليها حراس مرتبون» إذ كانت في المائة الرابعة (العاشرة) على حد جبال الغور وهي عند ضفة نهر هيلمند على ثلاث مراحل فوق بست. وورد في أخبار الفتوحات الإسلامية الأولى، أنّ بالقرب منها جبل الزور حيث الصنم العظيم المسمّى زور أو زون. وقد غنمه العرب. وكان هذا الصنم كلّه من ذهب وعيناه مرصعتان بياقوت.
بستان آباد
بلدة تقع على طريق طهران ـ تبريز، يبلغ عدد نفوسها نحو عشرة الآلاف نسمة وتبعد عن تبريز خمسين كم، تحتوي على الكثير من الآثار المغولية فقد كانت مصيفاً لملوك المغول الإيلخانيين وكبار رجالهم وفيها الكثير من قبورهم.
ومن آثارهم فيها (غزيل كوشك) أي: القصر الذهبي، وهو اليوم بقايا أطلال. كما أنّ فيها بركة اسمها: (غازان خان كلي) نسبة إلى الملك المغولي الإيلخاني (محمود غازان). وفيها بركة أخرى تسمّى (قوري كل) أي: البركة اليابسة، تهاجر إليها الطيور في فصل الربيع. وفيها حمامات معدنية حارة تقصد من كلّ مكان.
تشتهر بستان آباد بعمل الجبن الذي يصدر منها إلى كلّ إيران، وفيها مصانع لحياكة السجاد: ظهرت فيها أسرة علمية هي (آل المدرس) التي أنجبت العديد من العلماء.
البُسيطة
قال القاضي عبدالعزيز بن علي الجرجاني: إنّه سأل من لا يحصى من الأعراب عن وحش وَجْرة فلم يروا له فضلاً عن غزلان بسيطة([70]) فكأن بُسيطة هذه مشهورة منذ القدم بالغزلان، وهذا صحيح.
وقد عرف ياقوت بسيطة فقال: بُسيطة بلفظ تصغير بسطة: أرض في البادية بين الشام والعراق، حدّها من جهة الشام ماء يُقال له أمر، ومن جهة القبلة موضع يُقال له قعبة العلم، وهي أرض مستوية، فيها حصى منقوش أحسن ما يكون، وليس بها ماء ولا مرعى، أبعد أرض الله من السكان. سلكها أبو الطيب المتنبي لمّا هرب من مصر إلى العراق، فلمّا توسطها قال بعض عبيده وقد رأى ثوراً وحشياً: هذه منارة الجامع. وقال آخر منهم وقد رأى نعامة: وهذه نخلة، فضحكوا، فقال المتنبي:
بسيطة مهلاً سقيت الفطارا
تركت عيون عبيدي حيارى
فظنّوا النعام عليك النخيل
وظنّوا الصوار عليك منارا
فأمسك صحبي بأكوارهم
وقد قصد الضحك منهم وجارا
وقال نصر: بسيطة: فلاة بين أرض كلب وبلقين بين عفر أو أعفر. وقيل: على طريق طيىء إلى الشام([71]).
يقول حمد الجاسر المعاصر: تسمّى بسيطة الآن البسيطاء. ولا تزال معروفة بكثرة الغزلان، وقد رأيت عند مروري ببلدة النبك قاعدة القريات في مزرعة هناك سرباً من الغزلان في حظيرة المزرعة، ومعها أطلاؤها. وأخبرني صاحب المزرعة بكثرة الظباء في تلك الجهات.
وتقع البسيطة غربي وادي السرحان ممتدة بامتداد الوادي، مبتدئة من الشمال من واد يدعى حِذرُج إلى قرب نهاية وادي السرحان من الجنوب، وهي أرض كما وصفها ياقوت، وفي أطرافها الشرقية والجنوبية أفواز من الرمال.
البشارات
لإبراهيم بن مهزيار
إبراهيم بن مهزيار، أبو إسحاق الأهوازي، من المحدّثين في القرنين 2 و3/8 و9، ليس لدينا عن تاريخ حياته سوى معلومات يسيرة كان أجداده يعيشون في الدورق بخوزستان، وكان أبوه نصرانياً ثمّ اعتنق الإسلام. ويمكن تخمين تاريخ حياته بين 195ـ265/811ـ878، لأنّه كان من أصحاب الإمام الجواد (تـ 220/835) والإمام الهادي (تـ 254/868) والإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (تـ 260/874).
وقد نسب إليه كتاب البشارات ويحتمل أنّه نفس كتاب البشارات لأخيه علي الذي رواه إبراهيم، وجعله النجاشي باسمه.
پشاور
تقع مدينة بشاور في الإقليم الشمالي الغربي من باكستان وهي إحدى المدن الهامة التي تلفت نظر السواح في العالم كلّه لما لها من المعالم والآثار التاريخية الشهيرة غير أنّ مدينة بشاور تمتاز بميزات أخرى غير المعالم والآثار وهذه الميزات هي الطقس البارد وجودة الهواء والبساتين الغنّاء من حولها ويبلغ ارتفاع بشاور ألف ومائة وخمسين قدماً عن سطح البحر وتحيط بها جبال شامخة وبين جنباتها معالم تاريخية يعود عهدها إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة قبل الميلاد ومدينة بشاور لها تاريخ حافل بالحوادث الجسام إذ إنّها تقع على الطريق التجاري الهام بين الشرق والغرب فقد كانت القوافل التجارية تمرّ بها إلى الشرق وآسيا الوسطى والصين شرقاً والشرق الأوسط وما وراءها من البلدان غرباً، على أنّ بشاور لعبت دوراً هاماً في تاريخ شبه القارة الهندية الباكستانية إذ دخلت جحافل الغزاة من ممر خيبر فالذي استطاع أن يخضع بشاور فقد عبر ومهد طريقه إلى غزو سهول وادي كنج الهندي والاستيلاء عليه دون أن يلاقي أدنى مقاومة وعلى الرغم من أنّ وسائل المواصلات الحديثة والحركات الثقافية قد وجدت طريقها إلى هذه المنطقة الجبلية فإنّ بشاور لم تفقد مناعتها ولم يفقد سكانها ميزاتهم الخاصة بهم وهي الشجاعة والروح العسكرية والتشبث بالتقاليد القديمة. وبفضل المواصلات الحديثة مثل الطريق المعبد والسكك الحديدية والطيارات فقد أصبح الوصول إلى بشاور أمراً سهلاً وممتعاً جداً كما تجد هناك من المرافق الحديثة ما يوفر لك جميع أسباب الراحة والمتعة، فإنّنا نجد في بشاور فنادق كبيرة وأحواض سباحة وميادين للألعاب الرياضية. وأكثر ما يلفت النظر إليه في بشاور هو المتحف الذي يحوي كثيراً من الآثار الفنية النادرة من حضارة غاندرا التي يرجع عهدها إلى حوالي الألفي سنة وتجد أنواعاً أخرى من آثار هذه الحضارة العريقة إنّك تجد بجانب التماثيل والسلاح والمخطوطات العربية والفارسية النادرة في هذا المتحف الذي تحيط به بساتين شاه باغ ووزير باغ المزدهرة بالزهور المختلفة الأنواع ومن المعالم الشهيرة الجميلة في بشاور مسجد مهابت خان الأبيض الذي شيد قبل ثلاثة قرون وبجانب الآثار القديمة توجد في بشاور مبان حديثة منها سد ورسك على نهر كابل وقد بني هذا السد على بُعد بضعة أميال من مدينة بشاور ليسد الحاجة إلى الماء والكهرباء ومن المباني الحديثة جامعة بشاور على أنّ أهم ما تمتاز به مدينة بشاور هو ممر خيبر التاريخي على طريق أفغانستان الرئيسي وتحيط بمدينة بشاور جبال شامخة وعندما تسير على الطريق الذي يبلغ ارتفاعه ثلاثة آلاف وخمسمائة قدم ترى جبالاً شامخة على طول الطريق.
ويحيط بمدينة بشاور جو شاعري رائع يجعلها تختلف عن أي مدينة أخرى في الباكستان. فالجو الشرقي بكلّ ما فيه من سحر تقليدي يخيم على هذه المدينة التي تلتقي في أسواقها القوافل الجميلة القادمة من أفغانستان والتي يصادف المرء على جوانب الشوارع فيها أنواع الصيد من طير أو حيوان وهي تشوى على الأسياخ. ومع أنّ هذه المدينة قد تطورت بتطور الزمن إلاّ أنّها لا تزال تحتل مكاناً وسطاً بين الحياة التقليدية في جنوبي آسيا وبين حياة الحب والأغاني التقليدية في آسيا الوسطى.
حسن الأمين في بيشاور سنة 1964
ولقد كانت بشاور ولا تزال مركزاً من المراكز الأمامية في شبه القاهرة الهندية الباكستانية التي لا بد لأي تيار قادم من آسيا الوسطى أن يمر بها قبل أن ينتقل إلى السهول الخصبة في الجنوب كما أنّها كانت ولا تزال تستمد أهميتها من عاملين اثنين أوّلهما أنّها بوتقة تنصهر فيها شتى الأجناس والعناصر وثانيهما موقعها الجغرافي الهام الذي يجعلها تسيطر على مدخل ممر خيبر التاريخي الذي عبرته موجات متتالية من الغزاة القادمين من آسيا الوسطى وعلى مسيرة بضعة أميال خارج ممر خيبر تقع مدينة (طورخم) التي تفصل بين الباكستان وأفغانستان وتأتي بعد طورخم العاصمة الأفغانية كابول فالطريق إلى آسيا الصغرى.
وحين يمر المرء بممر خيبر اليوم يرى أمامه صفحات لم تطو بعد من التاريخ… فهو يرى المراكز الدفاعية والحصون وهي تقف شامخة فوق الصخور الصماء. إنّ السلام يخيم اليوم على هذه الصخور التي لا تزال ترتسم على صفحاتها ذكريات المعارك التي دارت بي البريطانيين وسكان هذه المنطقة من رجال القبائل. والواقع أنّ هذه المنطقة التي أصبحت الآن من المناطق السياحية الجميلة خلدت اسمها في التاريخ بصورة لم يسبق لها مثيل في أي بقعة أخرى من العالم.
ولقد كان لبشاور تاريخ قديم حافل يرجع إلى أيام الحضارة البوذية، وكانت بشاور في هذه الفترة إحدى مدن البلاد المعروفة باسم قندهار التي كانت تضمّ المنطقة الواقعة بين أتوك شرقاً وكابول غرباً. ولقد كانت بشاور عاصمة للبوذيين معقلاً لهم خلال حكم اسوكا وكانشكا. ثمّ تحوّلت إلى مركز ديني ثقافي للبوذيين بعد أن اعتنقوا مذهب «مهايانا».
وتتمتع بشاور بشهرة واسعة في آثارها القديمة التي تعطي المرء فكرة واضحة عن الحضارة الزاهرة التي قامت في هذه المنطقة في يوم من الأيام ولا ريب في أنّ أعمال الكشف في هذه المناط ستسفر في يوم من الأيام عن انجلاء بعض نواحي الغموض في تاريخ الهند. ويضم متحف بشاور اليوم نماذج رائعة من آثار حضارة قندهار التي لا تضارعها سوى آثار اليونان ومصر.
وإذا تركنا تاريخ هذه المدينة في الأزمان الغابرة نجد أن تاريخها الحديث زاخر بالأساطير التي تلقي هالة من الجو الشاعري حول منطقة الحدود الشمالية الغربية. ولقد كانت بعض هذه الأساطير هي التي أمدت رديارد كبلنج وغيره من الكتّاب بذخيرة لا تنضب من القصص.
ولا يزال التجار يفدون إليها من أفغانستان وآسيا الوسطى ودير سوات ومنطق القبائل. وهي تشتهر بما يعرضه رجال القبائل في أسواقها من الأبسطة والسجاجيد والجلود والفواكه المجففة والحرير.
ومن أشهر أسواق بشاور سوق خلده رديار كبلنج في قصصه. ولقد كانت هذه الأسواق منذ القدم ملتقى القصاص الذين كانوا يردّدون فيها قصص الحب والبطولة.
الشيعة في بشاور
وفي بشاور الكثير من الشيعة ويسكنون في الأحياء الآتية: مرويها، وآسية، وكوجه رسال دار، وكنج وخداداد، وصدر بشاور. ولهم سبعة مساجد وخمس وثلاثون حسينية بينها إحدى عشرة حسينية كبيرة، وأكبر هذه الحسينيات ثلاث:
حسينة حسين آباد تتّسع لخمسة آلاف شخص بناها خان باباخان منذ أكثر من خمسين سنة وحسينية مير حيدر شاه بناها مير حيدر شاه منذ 150 سنة وتليها حسينية مير فضل علي شاه.
أمّا عدد الشيعة فيها فيصعب تحديده لعدم وجود إحصاء دقيق. ولغة بشاور ومنطقتها هي «البشتو» وهي ككلّ لغات الباكستان والهند تحفل بشعراء المراثي الحسينية والمدائح العلوية الذين يبدعون كلّ الإبداع. ويجعلون منها لغة ملاحم وشعر قصصي، ومن بين هؤلاء الشعراء نذكر شاعرين هما خشحال خان ختك وهو شاعر صوفي ومحمد مزيد الدين، وفي بشاور اليوم عدّة شعراء شيعة منهم من ينظم بالأردية ومنهم من ينظم بالبشتوية ومنهم من ينظم بالفارسية.
وعلى بُعد نحو أربعين ميلاً من بشاور تقع مدينة كوهاك ويوجد فيها قليل من الشيعة، وهناك في قرية تابعة لها تسمّى (شاهبور) تقطن أسرة كياني الشيعية التي خرج منها محمد رستم كياني رئيس المحكمة العليا الباكستانية وكان من ألمع خطباء اللغة الإنكليزية والأردوية وقد نشر له مجموعتان من الخطب باللغة الإنكليزية توفي سنة 1962م.
ومقاطعة الحدود الجبلية (سرحد) تشتمل على منطقتين: منطقة (بنكش) ويوجد فيها نحو ثلاثين ألف شيعي يعمل معظمهم في زراعة القمح والبطاطا والفواكه ومنطقة (كورم) ويوجد فيها نحو سبعين ألفاً من الشيعة كما أنّ فيها ما يقارب العشرين ألفاً يرتبطون بالشيعة، ولكن لهم تصرفات غريبة منها أنّهم في الأيام العشرة الأولى من المحرم يستعملون الآلات الموسيقية من طبول وزمور وصنوج وينادون: يا حسين وهم يضربون الأرض بأقدامهم ويهتزون ويبكون، ويستعملون كذلك ما يستعمله أرباب الطرق من إدخال النار في أفواههم ثمّ قذفها، وهذا الفريق يطلق عليه اسم (مياني مريد)، أمّا الآخرون فيطلق عليهم اسم (درى وندى) ويغلب على أبناء هذه النواحي الفقر وهم يعملون في زراعة الحنطة والرز وتربية المواشي والدواجن وفي التجارة.
وتقع في قمة الجبل بلدة (تيراه) ويسكنها الشيعة وغيرهم بعدد متساو وهم جبليون أقحاح يعملون في الزراعة وفي منطقة (هزاره) الباكستانية يوجد الشيعة بأعداد قليلة ويتركزون في قاعدة المقاطعة (ايبت آباد) وفي القرى وهم مزارعون.
بُصْرى
ـ1ـ
بُصرى عاصمة جنوب سورية (حوران) وهي موقع أثري مهم كانت قديماً عاصمة للمقاطعة العربية وقصراً أسقفياً في المرحلة المسيحية. كما تمتاز بموقع جغرافي متميز وذلك لوقوعها في سهل النقرة الخصيب الذي تحدّه من الغرب مرتفعات الجولان والشرق جبل العرب وتشكّل منطقة اللجاه البازلتية الحدود الشمالية لها وتقع في جنوب البادية الأردنية.
تحوّلت بصرى في العهود الإسلامية إلى مركز تجاري وذلك لوقوعها على نقطة تجارية مهمة، بالإضافة إلى غناها الزراعي ولكونها موصولة بالطرق الساحلية والداخلية كما من مظاهرها الجسور المرتبطة بالطرق التجارية المنطلقة منها والمقامة على وادي الزيدي الواقع إلى الشمال منها على بُعد 2 كيلومتر تقريباً.
تعتبر بصرى المحطة الأخيرة على طريق الحج القديمة قبل اجتياز المسالك الصعبة في البادية العربية، وتمتاز بصرى بوجود عدّة مصادر للمياه منها نبع يزوّد السكان عادة بماء الشرب بالإضافة إلى الأحواض الكبيرة لتجميع المياه. ومن هذه الخزانات بركتان لا تزالان قائمتين إحداهما في الطرف الشرقي لتزويد حمامات المدينة بالمياه والثانية اسمها بركة الحج لإرتباطها بدرب الحج الإسلامي.
توجد في بصرى عدّة حمامات نظراً لكثرة الوديان الجارية والآتية من جبل العرب، من أهمها الحمامات الجنوبية التي تعود للقرن الثاني الميلادي، وما زالت بصرى تحتفظ إلى الآن بأجزاء مهمة عنها ساعدت في معرفة الأساليب التقنية التي كانت متبعة فيها. وهناك حمامات «خان الدبس» وهي مجاورة للسوق وكانت مخصّصة للتجار الذين يعبرون المدينة، وهي تحتل مساحة أوسع من الحمامات الجنوبية. وهناك أيضاً حمامات المعسكر وتقع داخل المعسكر الروماني في شمال المدينة، كذلك يوجد حمام يعود للفترة الإسلامية المملوكية ويحمل كلّ صفات العمارة المملوكية من مقرنصات ومحاريب وتناوب الحجر الأبيض والحجر الأسود.
الحمامات الجنوبية
تقع في وسط المدينة، بنيت جدرانها من الحجر البازلتي الأسود وسقوفها من الحجر الخفان الخفيف وذلك بسب سعة القاعات إذ يبلغ طول إحداها 13 متراً، وقد استخدمت بذلك طريقة القبب وبنيت على شكل هرم مقطوع وترتكز على الجدران وعلى عقود حجرية ضخمة، غير أنّ حالة الحفظ الخارقة التي يتميز بها البناء تسهل مهمة تفحص الأساليب التقنية التي استعملت في تجهيزه والتي تتّسم بطابع مبتكر، مثل إدخال أقنية التدفئة في داخل الجدران أو سقف الممرات ضمن العقود الحجرية، التي تتألف من أقبية من الآجر.
مدينة بصرى
وتتألف هذه الحمامات من عدّة قاعات أكبرها قاعة رئيسية مثمّنة تقدّر أبعادها بثلاثة عشر متراً وارتفاع عشرة أمتار، وجميع قاعاتها ما زالت إلى اليوم في حال جيدة ما عدا السقف الذي تعرّض للانهيار كما أنّ جميع المواقد ما زالت قائمة وقد بنيت من الآجر الأحمر.
وتعتبر هذه الحمامات كاملة الأقسام وتحوي قاعات. كلّ قاعة تختلف عن الأخرى باختلاف الحرارة حيث ينتقل المستحم من القاعة الحارة إلى الدافئة إلى الباردة كما أنّ أقنية التدفئة والتي كان الهواء الساخن المتصاعد يمر فيها ليدفىء القاعة قد أدخلت ضمن الجدران، وتمتاز بتقنية عالية كونها حفرت بدقة ضمن هذه الجدران كذلك تمتاز الحمامات بوجود الأحواض الداخلية المتعددة والتي تحتويها القاعات، كذلك توجد أحواض صغيرة للشخصيات البارزة ويدل على ذلك استقلاليتها وقد بنيت بين قاعتين وبشكل منفرد ومستدير وجميل كذلك وجدت فيها فتحات بالسقف مزوّدة بحواجز مزججة تساعد على دخول الضوء للقاعة كما تغطي جدران هذه القاعات ألواح من الرخام بيضاء ورسومات جدارية فوق طبقة من الجص.
حمامات بصرى
كما تحتوي هذه الحمامات أمكنة للاستراحة وأمكنة للرياضة والتدليك، وفي الجزء الغربي من الحمامات وتحت أرضيات الحجرات وجدت شبكة من المداخن يبلغ عمقها قرابة المترين استخدمت للوقود كما بنيت خزانات المياه التي تغذي هذه الحمامات في القسم الشمالي منها وقد أوضحت الحفريات بأنّ مراحل البناء الأولى تعود للقرن الثاني الميلادي التي حصلت عند إنشاء الولاية العربية وبقيت تستخدم حتى العهد الأموي.
حمامات السوق
من خلال أعمال الكشف الأثري الذي أجري حديثاً في بصرى تبيّن أنّ معظم أجزاء حمامات السوق تشكل مجمعاً استحمامياً كان مجهولاً. وتختلف أحواض الاستحمامات هنا عن الحمامات المركزية بتنوع أشكالها وبسعة أحواض الاستحمام فيها إذ إنّها هنا ذات أشكال مختلفة منها بيضوي بطول 25م وعرض 12م وبنيت بداخله حجرات جانبية ومنها ذو شكل مستدير ولكن بحجم أصغر. وقد أظهرت الاكتشافات الأثرية كذلك أنّ لهذه الحمامات أبواباً تفتح على السوق مباشرة وأبواباً من الجهة الأخرى باتجاه الشمال ووجدت في هذه الحمامات عدّة أفران لتسخين المياه وأقنية جدارية لتسخين القاعات.
حمام المعسكر
ويقع هذا الحمام إلى شمال المدينة وقد أُقيم للفيلق المقيم في بصرى والمعروف بـ «الفرقة البرقاوية الثالثة» وقد استقدمت هذه الفرقة من مصر عام 119م وعسكرت في بصرى واعتبرت كحامية للمدينة وللطرق التجارية، ويبدو أنّ حمامات المعسكر كانت واسعة إلاّ أنّها تعرّضت للتدمير فبقيت معظم أجزائها محجوبة عن الأنظار تحت الردم ولم يسلم منها سوى صالة واحدة مسقوفة لا تزال قائمة إلى الآن.
حمام المنجك
أنشىء هذا الحمام على يد نائب سورية ودمشق منجك اليوسفي المملوكي عام 732ـ772هـ، وهو يعتبر مثالاً رائعاً وفريداً عن الهندسة المعمارية في العصور الوسطى ويقدّم دليلاً واضحاً على استمرار أهمية المدينة حتّى العصور الوسطى المتأخرة وعلى استمرار تطوّر المرافق العامة لخدمة الحجاج المارين ببصرى إلى المدن المقدسة في الحجاز.
كما صنعت القباب العلوية من حجر الجير الأبيض والتي كانت فوق فتحة المدخل، وكذلك نوافذه والتي تحمل النص الذي يشير إلى تأسيس المبنى وشعار منجك اليوسفي مؤسّس الحمام، وما زالت موجودة في أحد البيوت المجاورة.
أمّا من الناحية المعمارية فيتكوّن المبنى مثل كلّ المباني التي أنشئت لهذا الغرض من ثلاثة أجنحة كجناح الاستقبال والحمام نفسه وغرف الخدمات، ومن شبكة محكمة من الأنابيب الفخارية المزدوجة، وعثر أيضاً في الحمام على أماكن الاستحمام الثمانية عشر، كذلك يوجد خط للماء البارد حتّى حوض الماء الموجود في غرفة الاستقبال.
ووجدت أرضية الحمام مغطاة بحجارة مختلفة عثر فيها على قطع رخامية ذات تشكيلات مختلفة الأحجام والألوان، وكان للأرضية انحدار خفيف يسمح بصرف الماء المستخدم في الاستحمام حين يبدأ جريانه من قسم المدخل إلى جناح الاستحمام، ثمّ بعد ذلك يتم تصريفه بعيداً عن أرضية غرف الاستقبال عن طريق قنوات تسير حول حوض الماء.
إنّ بناء هذا الحمام يمثّل براعة ودقّة ملاحظة مؤسسة منجك اليوسف الذي وصل إلى أعلى مرتبة كنائب للسلطان الملوكي الأشرف شعبان. ولم يكن الهدف من بناء الحمام تطوير المرافق العامّة لمدينة بصرى فحسب وإنّما من أجل إعمار طريق الحج. ويقدّم ترميم هذا الحمام الذي استمرّ عدّة أعوام من جديد دليلاً على المستوى الرفيع الذي وصلت إليه الحضارة العربية الإسلامية خلال العصور الوسطى.
وساهم بكشف الحمام المملوكي وترميمه في بصرى الأثرية بعثة أثرية سورية ـ ألمانية برئاسة ماينكه مدير المعهد الألماني في دمشق والمديرية العامة للآثار والمتاحف متمثلة بدائرة آثار بصرى. وأصبح هذا الحمام الآن متحفاً إسلامياً لتوثيق المباني التاريخية الإسلامية في مدينة بصرى، كما ساهمت البعثة الأثرية الفرنسية ـ السورية المشتركة برئاسة جان مارين ونتزر بدراسة الحمامات الجنوبية في بصرى وما زال العمل يجري لترميم الحمامات نظراً لما تقدّمه من شواهد ومعطيات تلقي الضوء عن إرث حضاري وفن معماري عريق.
سناء كنش
الكليبة أو سرير بنت الملك
بُصرى
ـ2ـ
تكاد مدينة بصرى أن تكون مدينة أثرية، نظراً إلى ما تحتويه من صروح خالدة، متعدّدة ومتنوعة، هي شواهد حيّة على حضارات مرّت، ولم تزل تتحدّث إلينا بلغة العمارة القديمة مرّة، وبالمنحوتات المعبّرة مرّة أخرى. زائر مدينة بصرى تدهشه أماكن كثيرة تجمع بين جبروت الرومان وقسوتهم وبين قداسة الإسلام وعظمته. فمن قلعتها الشهيرة بمدرجها الكبير إلى «مبرك الناقة»، حيث تروي الحكاية أنّ ناقة الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله) قد طبعت قدميها على الصخور السوداء فتحوّلت الآثار إلى مسجد يعاد في هذه الأيام تأهيله من جديد بعد قرون طويلة من بنائه.
آثار مدينة بصرى فيها الصروح التي تجسّد استخدامات عسكرية أو حتّى شبه عسكرية، كما فيها أبنية تحكي أساطير قديمة هي أقرب إلى الشعر منها إلى الحقيقة كما هو حال «الكليبة» أو «سرير بنت الملك». سكان مدينة بصرى يتداولون أسطورة تقول بأنّ أحد ملوك المدينة لم يرزق من الأولاد سوى بنت واحدة كانت على قسط كبير من الجمال والثقافة، ولمّا بلغت سن الشباب خاف عليها من الموت في عزّ الصبا فأقام لها قصراً أقامت في أعلاه حيث ترفع إليها حاجاتها. وفي إحدى المرّات رفعت إليها سلّة من العنب كانت تحجب في إحدى قطوفها عقرباً ساماً وما أن تناولته الفتاة حتّى لسعتها العقرب فماتت لحينها.
«الكليبة» أو «سرير بنت الملك» يعتقد علماء الآثار وبعيداً عن الأسطورة ـ أنّها معبد وثني أقيم لحفظ نذور الضباط وأوسمتهم، يتألف البناء من عناصر معمارية تعود لبناء أقدم، وعلى العموم فإنّ تاريخه يرجع للقرن الثالث الميلادي. ويبدو أنّ القسم الشمالي والقسم الشرقي من البناء قد تهدما، ولم يبق من عناصره سوى العمود الكورنثي القائم من الجهة الشمالية وبعض أجزاء سفلية من الركيزة المقابلة له.
أمّا دير الراهب بحيرا فيعدّ أقدم كنيسة بنيت في المدينة على الطراز البازيلكي ويرجع تاريخها للقرن الرابع بعد الميلاد وتختلف في أسلوب بنائها عن جميع الكنائس في بصرى، أجمل أجزائها يتمثل في المذبح وقوسه الشاهق المبني على شكل بيضوي تستند عليه نصف القبة المبنية بالأحجار البركانية المحروقة التي يتألف منها سقف المذبح وتبدو واجهة الدير بشكل يختلف عن وضعها السابق الذي كان مزيناً بجبهتين على شكل هرمين يعلو أحدهما الآخر. ومن نصف عمود على الطراز الأيوني في كلّ جانب من جوانب الواجهة، وكان موقوفاً بأعمدة وألواح خشبية على شكل هرمي وقد زالت جميعها.
دير الراهب بحيرا من الخارج
وليس بعيد عن دير الراهب بحيرا، يقع جامع مبرك الناقة، والذي يقترن بناؤه بذكريات تاريخية متعددة، فعلى أرضه بركت أوّل ناقة حملت نسخة من القرآن الكريم إلى سورية وحفظت فيه، فيما يؤكد البعض أنّ ناقة الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله) بركت على أرضه عندما جاء مع عمّه بتجارة إلى بصرى ثمّ عاد إليها وهو شاب ومكث فيها بضعة أيام. وقد أصبح المكان في العهد الأتابكي مركزاً للدراسات الدينية والفقه الحنفي. ومن اشهر من درس فيه الشيخ صفي الدين أبو قاسم التميمي وولده الشيخ فخر الدين والأمير علم الدين سليمان الصراوي والشيخ ابن كثير البصراوي ثمّ الدمشقي صاحب تاريخ البداية والنهاية.
يتألف البناء من ثلاثة أقسام: الأوّل يضم أقدم جزء وفيه الصخرة التي تشير إلى موقع برك الناقة ومحراب الجامع الأساسي الذي عثر فوقه على كتابة تشير إلى أنّه مسجد الرسول. والقسم الثاني وهو أحدث من القسم الأوّل ومن الثالث، ويبدو أنّه بني بعد عمارة المدرسة لتتّسع إلى عدد إضافي من الطلاب. أمّا القسم الثالث الذي يقع شرق المسجد فيتألف من قاعة كانت مغطاة بقبة شاهقة ومحاطة بغرف أرضية وعلوية كانت معدّة لحفظ الكتب الدينية، ومنامة لبعض الطلاب.
ويرجع تاريخ بناء المدرسة إلى عام 530 هجرية (1126 ميلادية)، كما هو وارد في كتابة في الواجهة الشمالية.
إنّ بناء الجوامع يعكس تطوّر الطراز المعماري أكثر من أي منشآت أخرى عبر التاريخ الإسلامي، وهذا يتّضح جلياً في أبنية المساجد القائمة في مقاطعة الحدود الجنوبية في سورية أي في منطقة حوران التي تتألف في أربعة مراكز هي مدينة بصرى ودرعا وأزرع وصلحذ وما كان يجمل هذه المراكز وجود الجوامع الكبيرة التي تفي حاجة السكان المسلمين التعبدية.
كانت حوران قبل الفتح الإسلامي عام 13هـ مقاطعة بيزنطية فاندمجت في جسم الدولة الإسلامية الناهضة بدليل غياب أبنية جديدة تعود بتأريخها إلى الأيام الباكرة من حكم المسلمين باستثناء بناء وحيد تنفرد به بصرى في ما يبدو حتّى الآن وتعتبر مدينة بصرى العاصمة السابقة للمقاطعة البيزنطية المعروفة باسم المقاطعة العربية.
أسفرت التحريات الأثرية الحديثة التي تقوم بها الجامعة الأميركية في بيروت عن أبنية سكينة واسعة تعود للعصر الأموي وذلك في التل الشمالي الغربي القديم الواقع قرب نبع الجهير الذي كان يشكل في الماضي شريان الحياة للمدينة منذ القدم، بالإضافة إلى ذلك عثرت البعثة الأثرية على كتابتين تؤرخان بـ 102هـ (720ـ721م) ـ 128هـ (746ـ774م)، عثر عليهما معاً ضمن مجموعة الكتابات اليونانية واللاتينية وتظهر هذه الكتابات استعمالها بشكل ثانوي في بناء جوامع بصرى، وهي لا تزال، هذه الكتابات، موضع بحث ودراسة. وانطلاقاً من هذه الكتابات بات بحكم المؤكد الأصل الأموي لجامع بصرى الكبير المسمّى بالجامع «العمري» وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجامع الكبير في درعا. فكلاهما يحمل ملامح معمارية تمّت بالنسب إلى جامع بني أمية الكبير في دمشق، فهما نموذج المسجد ذي الصحن المحاط بأروقة مقنطرة ومصلّى عمد المعمار إلى التشديد على جعل محاوره مركزية تماماً كما هو الحال في تصميم الجامع الأموي في دمشق.
ازدادت أهمية حوران من الناحية الوظيفية لوقوعها في منطقة يتقاطع فيها طريق الحجاج المسمّى بدرب الحج للوصول إلى مكة والمدينة، وعلى رغم تعاظم أهمية حوران المستمرة في العصر الإسلامي لم تسفر الدراسات الحديثة للأبنية التاريخية من العصور الإسلامية والتي استمرّت حوالي عقد من الزمن عن أي شاهدة تشير إلى وجود جوامع كبيرة في حوران ذات الأصل المبكر.
ـ الجامع العمري في مدينة بصرى: يعتبر آية من آيات الترميم المعماري وذلك بسبب تهدمه بشكل لا مثيل له في فترة الركود الاقتصادي في العصر العثماني، ومنذ بدايات هذا القرن تداعت معظم منشآته الداخلية ولم يسلم من الجامع إلاّ القسم الجنوبي ورواق القبلة والأروقة الشرقية من صحن الجامع الذي ظلّ قائماً من دون أذى. وأعيد بناء أقسامه المتهدمة عبر مراحل عدّة من الفترة الواقعة ما بين العامين 1938ـ1965. ويقوم الجامع اليوم بوظائفه الدينية بصفته مركز الحياة الدينية لمدينة بصرى، أمّا الطراز المعماري للجامع فيذكرنا بصفات الجامع الأموي الكبير في دمشق كوجود الدعائم المربعة للأقواس المركزية التي تقودنا إلى المحراب الكائن وسط الجدار الغربي إنّ التبعية لنموذج الجامع الأموي في دمشق يمكن ملاحظتها أيضاً في معظم ملامح الشكل في جامع بصرى، ولكن إذا كانت كلّ أبنية المساجد تأثّرت بجامع دمشق الأموي الذي يعتبر النموذج العمراني الأمثل حتّى العصور الوسطى فهذا لا يعني بالضرورة أنّ صلة جامع بصرى بنموذج دمشق من ناحية الشكل تؤرخه في ذلك العصر، والحقيقة انّ تأثير الجامع الأموي الكبير في دمشق بقي طوال العصور الوسطى يشكّل أحد الملامح الأساسية في عمارة المساجد في معظم بلدان العالم الإسلامي. كذلك نجد أنّ البناء في بصرى على علاقة وثيقة بالتطور الذي حدث في العصور الوسطى بدليل وجود الكتابات الدالة على أنّ الجامع أعيد بناؤه سنة 506هـ (1112م) على يد القائد التركي عز الدين أبو منصور كمشتكين.
عاشت بصرى في القرون الوسطى ذروة ازدهارها وخصوصاً في أيام الأمير الأيوبي الصالح إسماعيل الذي ورث الحكم عن أبيه العادل أبو بكر سنة 615هـ (1218م).
مسجد مبرك الناقة
ـ جامع صلحذ الكبير: شهد هذا الجامع فترتين زمنيتين إذ تعتبر صلحذ التوأم لبصرى حيث تبعد عنها 25 كلم شرقاً. ففي ذروة التطور الحضاري توسع بناء جامع صلحذ مع المئذنة عام 630هـ (1232م) وتحتل المئذنة اليوم مكاناً منفرداً بالقرب من واجهة البناء حيث يعتبر مخطط المئذنة مقتبساً اقتباساً مباشراً عن نماذج عمرانية كلاسيكية وتشير كتلتان موجودتان في المئذنة إلى تاريخ تشييد المئذنة ورواق المسجد من قبل عز الدين أيبك المعظم.
جامع درعا الكبير: يشكل نموذجاً آخر من مخطط بناء الجامع الأموي. ودرعا مدينة مجاورة لبصرى تبعد عنها حوالي 40 كلم غرباً، إلاّ أنّ جامع درعا خضع لتعديل مناسب يطابق أصول العمارة في حوران، وكما خضعت بصرى لأعمال الصيانة والترميم فإنّ جامع درعا في شكله الحالي هو حصيلة مجهود مكثّف من الترميم والصيانة. وعلى رغم أنّ جامع درعا الكبير مصمم ليكون أكثر اتساعاً من جامع بصرى إلاّ انّه يتبع في مخططه كلياً نموذج الجامع الأموي في دمشق. ويعتبر جامع درعا أقدم عنصر وثائقي متوافر. هذا ما تؤكده كتابة عربية جنائزية وجدت في إحدى دعائم الجناح، وتذكر الكتابة التي دوّنت عام 651هـ (1253ـ1254م) بأنّ بناء الرواق تمّ بأمر من حاكم دمشق الأيوبي الناصر يوسف.
ـ جامع أزرع الكبير: يعتبر هذا البناء أطلال جامع أزرع، وأزرع هي المركز الإداري لمنطقة اللجاة التي تبعد حوالي 45 كلم شمال غربي بصرى. ويعتبر هذا الجامع مثالاً على المدرسة المحلية من هندسة عمارة المساجد وجامع أزرع أكثر اتساعاً من جامع بصرى ويعود تاريخ هذا البناء إلى العصور الوسطى، وتعكس الاختلافات الواضحة في المسجدين التسلسل الهرمي للمراكز المدنية. ففي درعا نجد أنّ هندسة بناء المسجد مصممة لتكون صنواً لجامع المدينة السورية. واستخدم في بناء الجامع طراز معماري غير معهود في الأبنية الحجرية في حوران واستخدمت أيضاً طريقة مشابهة في بصرى، وبحسب ما يعرف الآن في مساجد صلحذ أيضاً حيث تجاوزت تصاميم البناء مخزون التصاميم المحلية في مدرسة حوران المعمارية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن زخارف جامع أزرع الثانوية تعكس تيار التطور الرئيسي لعمارة سورية في القرون الوسطى بينما التصميم العام يتبع النماذج التقليدية في حوران.
ونلاحظ أنّ بقايا جامع كبير في كلّ من بصرى ودرعا وأزرع وصلحذ وإن كانت هذه البقايا لا تمثل إلاّ جزءاً من البناء على أقل تقدير إلاّ أنّها تشكل ذروة النهضة في حوران في العصور الوسطى عندما شهدت المنطقة ازدهاراً اقتصادياً، إضافة إلى ذلك يبدو أنّ عهد تأسيس الإسلام التدريجي واعتناق الدين الجديد المتزايد من قبل السكان لم يمنع من استخدام الأبنية التراثية القديمة السابقة لأغراض الدين الجديد في كلّ أنحاء سورية كما في دمشق وتدمر.
وبناء عليه لم تدع الضرورة إلى تأسيس أبنية جديدة في بداية انتشار الإسلام في مقاطعات سورية إلاّ عندما ازداد عدد السكان نتيجة الاستقرار السياسي. عندئذ كان لا بد من وجود مساجد واسعة جامعة فنجم عن ذلك بناء سلسلة جديدة في أبنية المساجد ويتضح ذلك في جوامع حوران.
الشيعة في بصرى
في بصرى الألوف من الشيعة، هم في أصولهم مهاجرون قدماء من جبل عامل، وقليل منهم من دمشق. ولهم في بصرى مسجدان، أحدهما قديم يسمّى مسجد الخضر، والثاني حديث. كما أنّ لهم فيها حسينية.
البصرة([72])
ـ1ـ
«إنا نزلنا أرضاً نشاشة، طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج جانب منها منابت القصب وجانب سبخه نشاشه لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاه، تأتينا منافعنا في مثل مرىء النعامة» هذا الوصف الذي وصفه الأحنف بن قيس للخليفة عمر بن الخطاب لأرض البصرة قبل تأسيس المدينة عليها.
أسّست سنة 14هـ على يد عتبة بن غزوان، وقد جاءت تسميتها من وصفها هذه أرض بصرى أو بصرة أي الحجارة الرخوة البيضاء فأخذت المدينة اسمها (البصرة) من ذلك.
وهناك من يرى أنّ هذا الاسم قبل الفتح الإسلامي إذ يروى أنّ نافع بن الحارث الثقفي قال لعمر: «إنّي مررت بمكان دون دجلة فيه قصر وفيه مصالح يُقال له الخريبة، ويسمّى أيضاً البصرة».
والبصرة اسم عربي يستدل على ذلك من وجود الألف واللام فيه فمن النادر أن يسمّي العرب مدينة باسم غير عربي ويلحقون به الألف.
بنيت بيوت مدينة البصرة في بادىء الأمر بالقصب والجريد فلمّا كثرت فيها الحرائق تمّ بناؤها بالآجر وغيره.
كان تخطيط المدينة القديمة أوّل الأمر على شكل معسكرات إذ كان القصد من بنائها في ذلك الموضع أن تكون مركزاً للجيش الإسلامي.
قسمت البصرة إلى دوائر قبلية سمّيت بالأخماس وهي:
أهل العالية، تميم بكر بن وائل، عبد القيس، الأزد. ويعدّ مسجد البصرة أوّل مسجد بني في العراق في بداية الفتح الإسلامي سنة 14هـ وهو مسجد الإمام علي (عليه السلام) وتطوّر المسجد بتطوّر المجتمع حيث أصبح ذا مكانة مرموقة خاصّة بعد أن اتخذ مدرسة تدرس فيها العلوم الدينية مثل الفقه كما كانت تعدّ فيه حلقات القضاة حيث كانوا يناقشون فيه الأمور الفقهية.
وقد نمت مدينة البصرة نمواً سريعاً وأصبحت دورها وصورها تعكس ملامح عمارة قوية وكانت تلعب دوراً في تنمية الحياة العقلية والأدبية، ويذكر أنّ كثيراً من القصور كالقصر الأحمر والأبيض وقصر النواهق وقصر النعمان وقصر أوس وغيرها، كانت مجالس للمناضرة واجتماعات الأدباء والعلماء؛ فكانت تشارك المساجد والأسواق في تنشيط الحركة الأدبية والعلمية.
ويذكر الرواة دائماً سوق البزازين بالمربد تلك السوق التي وصل الأمر بها إلى أن تكون عين الدنيا.
وقد شهد المربد آبان القرن الأوّل الهجري نهضة شعرية قوامها الفخر والهجاء بين فحول الشعراء كجرير والفرزدق والأخطل والعجاج وغيرهم.
ومن أبرز أعلام البصرة ورجال العلم والكلام فيها، أبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة ومحمد بن الحسن الهيثم سنة 38هـ وواصل بن عطاء سنة 139هـ مؤسس المعتزلة. ويونس بن حبيب النحوي سنة 140هـ وعبقري البصرة في اللغة والنحو والعروض الخليل بن أحمد الفراهيدي وكذلك الجاحظ وهناك شعراء معروفون مثل بشار بن برد وأبو نواس وغيرهم.
تعرّضت البصرة لعدّة أحداث دامية من الاعتداءات المتكررة التي قام بها الزنج حيث قاموا بنهب وسلب وتخريب وإحراق المدينة وكذلك اعتداءات القرامطة الذين اشتبك معهم أبناء المدينة أكثر من مرّة.
خضعت للسيطرة الأجنبية بعد احتلال بغداد سنة 656هـ.
واستمرّت خاضعة للحكم الأجنبي لفترة من الزمن.
البصرة سنة 1936
تمّ تشكيل بلدية البصرة عند زيارة مدحت باشا إلى لواء البصرة في سنة (1286هـ ـ 1869م) فاستحدث قضاء البصرة.
وكانت البصرة آنذاك تنقسم إلى قسمين هما:
البصرة القديمة وتقع على ضفتي نهر العشار بعد امتداد القسم الأكبر على الضفة الجنوبية والأصغر على الضفة الخالية: وأهم محلات البصرة القديمة آنذاك العباسية، السيمر، جسر المالح، الباشا، سوق الدجاج، الخضر، المعصرة، أبو الحسن، يحيى بن زكريا، المجصة، المشراق، القبلة، نظران، كوت الحجاج، العبودية، البوصالح، الصبخة الكبيرة والصغيرة وخفاجة.
والقسم الثاني: العشّار ويقع في الزاوية الشمالية من نهر العشار وإحدى واجهاتها على شط العرب والثانية على نهرالعشار ويسمّى في ذلك الحين بالمقام نسبة إلى الجامع المعروف بمقام الإمام علي (عليه السلام).
وأهم محلاته آنذاك، الساعي، أم البروم، العشار، المام، أم الدجاج، الرباط الكبير والرباط الصغير، الكزارة، المناوي، البراضعية، وكانت تقوم بين البصرة والعشار بساتين وأنهار عديدة تملأ المساحة الممتدة بينهما ومن الجسور المهمة فيها آنذاك، جسر الخندق، جسر الرباط، جسر العشار، جسر الغربان، جسر الخضراوية.
وعرفت البصرة منذ وقت مبكر وسائل الإعلام إذ كانت تصدر فيها (جريدة البصرة) باللغتين العربية والتركية وكذلك مطبعة.
وفي العهد الملكي في العراق 1921م ازداد عمران البصرة واتّسعت المدينة وشيّدت المونىء والمطارات والمعسكرات وشقّت الطرق وأنشئت السكك الحديدية وازداد عدد المطابع والصحف والمجلات الأدبية والسياسية والاقتصادية وازدادت أهمية البصرة بعد إنشاء ميناء البصرة إذ ترسو فيه السفن من مختلف أنحاء العالم إضافة إلى وجود النفظ فيها ممّا زاد من أهميتها.
أصبحت مدينة البصرة من المدن الضخمة تتخللها الشوارع الفسيحة والحدائق الواسعة، وتقسم إلى ثلاثة مناطق سكنية هي البصرة والعشار والمعقل.
شيّدت فيها المدارس على مختلف مراحلها والمعاهد والجامعات المختلفة الاختصاصات وتشتهر البصرة باحتضان حركة ثقافية وأدبية واسعة في عصرنا الحديث تجسّدت بشعر بدر شاكر السياب، ومحاولات محمود البربكان
وغيرهما.
قوارب راسية في نهر العشار في البصرة (صورة من العام 1915) «كتاب العراق»
بيوت البصرة القديمة بشرفاتها الجميلة التي تعرف بالشناشيل
يتكوّن الأساس الاقتصادي لمدينة البصرة من القطاعات الاقتصادية الأساسية وهي الخدمات والصناعة والزراعة. فقطّاع الخدمات يأتي بالمرتبة الأولى من حيث الأهمة الاقتصادية باعتبار مدينة البصرة مركز محافظة وميناء العراق المهم وتشمل هذه الخدمات الأسواق والوكالات التجارية والمطاعم والفنادق السياحية. ومن جانب الصناعة فهناك عدد كبير من المنشآت الصناعية الكبيرة والصغيرة كالصناعات الغذائية وصناعة الغزل والنسيج وصناعة الورق وصناعة النفط والخشب وغيرها من الصناعات الأخرى. أمّا الزراعة، تتوفّر في البصرة بساتين كثيفة من أشجار النخيل والفواكه إذ تعتبر البصرة أوّل محافظة في إنتاج التمور.
عباس السلطاني
البصرة
ـ2ـ
تُعدّ مدينة البصرة واحدة من أقدم المدن الإسلامية وأشهرها، وهي أوّل مدينة عربية إسلامية أسّسها المسلمون منذ بداية الفتوحات الإسلامية. وشُيّدت معظم مبانيها ودُورها السكنية في بداية الأمر بالقصب من قبل عتبة بن غزوان العام 14هـ (636م) ثمّ أعيد بناؤها باللبن ـ وهو كُتل من الطين المخمر والمخلوط بالتبن في قوالب مضلعة الشكل المجففة بواسطة أشعة الشمس ـ والطين بعد أن التهم حريق هائل معظم منشآت المدينة.
خططت مدينة البصرة تخطيطاً هندسياً كاملاً، وجُعل لكلّ قبيلة حي خاص بها سُمّي باسمها. ودعيت الشوارع الرئيسية بأسماء تلك القبائل أيضاً، وكانت تؤدي جميعها إلى المسجد الجامع، ودار الإمارة، وترتبط بشوارع ثانوية تتفرّع منها الأزقة، وكانت تتوسط كلّ حي رحبة أو ساحة مربعة الشكل طول ضلعها ستون ذراعاً، أمّا دور الناس فتكون متلاصقة ولا يزيد عدد الغرف في الدار الواحدة عن ثلاث، ولا يرتفع البناء فيها أكثر من طابق واحد.
وكانت أرض البصرة قبل اختيارها أرضاً خالية من المباني إلاّ من بعض المسالح القديمة وقصر قديم، وشيّدت بالقرب من قرية تدعى «البصيرة» تعود إلى العصور القديمة في التاريخ.
وجاء في «معجم البلدان» لياقوت الحموي عن تسمتيها الآتي: «قال ابن الأنباري: البصرة في كلام العرب الأرض الغليظة، وقال غيره: البصرة حجارة رخوة فيها بياض، وقال ابن الأعرابي: البصرة حجارة صلاب، وذكر الشرقي بن القطامي أنّ المسلمين حين وافوا مكان البصرة للنزول بها نظروا إليها من بعيد وأبصروا الحصى عليها فقالوا: إنّ هذه أرض بَصَرةُ، يعنون حصبة، فسمّيت بذلك، وذكر بعض المغاربة أنّ البصرة الطين العلك، وقيل: الأرض الطيبة الحمراء». ولعبت البصرة تزامناً مع مدينة الكوفة على مَرّ العصور الإسلامية دوراً حضارياً وثقافياً وسياسياً وعسكرياً في تاريخ العراق والعالم الإسلامي. فعلى مقربة منها جرت معركة الجمل العام 36هـ (657م). وبدأت بالاتساع ثمّ شهدت ازدهاراً كبيراً، حين قصدها طلاب العلم والأدب واللغة وبرز فيها أعلام كان لهم دور بارز في علوم اللغة والفقه والأدب. ولكن هذا التقدّم الذي شهدته هذه المدينة لم يدم طويلاً إذ مرّت عليها الكثير من الحروب والاضطرابات. وفي سنة 255هـ (869م) احترقت على أثر الأحداث التي جرت في زمن الخليفة العباسي المهتدي، ممّا عُرف بحركة الزنج.
وكذلك تعرّضت للخراب على أيدي القرامطة سنة 310هـ (923م)، واستعادت بعد ذلك شيئاً من ازدهارها، ولكن بدأ الانحطاط يشملها منذ سنة 656هـ (1258م)، ثمّ احتلها الأتراك سنة 1078هـ (1668م)، فالإنكليز سنة 1332هـ (1914م).
وتأتي أهمية مدينة البصرة اليوم من موقعها المطل على الخليج، فهي تعتبر منفذ العراق الوحيد للاتصال بالعالم الخارجي بحراً من طريق أم قصر والفاو، وتبعد عن بغداد نحو 540كلم جنوباً وإلى الشمال منها في القرنة يلتقي نهرا دجلة والفرات مكونين شط العرب الذي يمرّ فيها.
وتشتهر البصرة بمعالم بارزة منها عمارتها القديمة وكثافة نخيلها وسوق المربد في جنوبها الغربي وكذلك بيوتاتها التراثية التي تميّزت بشناشيلها الجميلة التي تطل على شوارعها وأزقتها القديمة.
سفينة قديمة في شط العرب (ملتقى نهري دجلة والفرات)
وأبرز مشاهد البصرة العمرانية القديمة اليوم، مئذنة مسجد الإمام علي (عليه السلام) وجامع الكواز، وجامع السراجي، ومسجد مقام الإمام علي (عليه السلام) الذي يقع بالقرب من شط العرب وكذلك جامع ومرقد الزبير بن العوام، ومرقد الحسن البصري، ومرقد ابن سيرين.
ولهذه المدينة آثار أخرى منها أطلال مسجدها الجامع ودار إمارتها، وقصور الخاصة، ودور العامة. وهذه جميعها تقع في الجهة الجنوبية الغربية من البصرة الحديثة التي تتصل بمدينة الزبير على بُعد حوالي 35 كلم.
ومن الآثار المهمة الأخرى في البصرة، مواقع تعرف باسم «تلال الشعبية» وتبعد حوالي 30 كلم عن المدينة وإلى الغرب منها، وكُشف في إحدى هذه التلال عن دار للسكن يعود تاريخها إلى القرن الأوّل الهجري، وكذلك عثر في خرائب البصرة القديمة على قصور واسعة، شيّد قسم منها باللبن، وبعضها الآخر شيّد بالآجر والجص.
البصرة
ـ3ـ
قامت في جنوب «البصرة» الحالية بين «نهر دجلة» و«نهر كارون» خلال عهد الدولة الساسانية في العراق «226ـ636م» إمارة فارسية سمّاها المؤرخون إمارة «ميشان» وذكر التاريخ من مدنها المشهورة يومئذ العاصمة «ميشان» و«الأبلة» و«هشتاباذ أردشير» وكانت المدينة الأخيرة مسلحةً من مسالح الفرس على الخليج، فلمّا بدأت الفتوحات الإسلامية بعث سعد (سعد بن أبي وقاص)، عتبة بن غزوان المازني إلى جهة موضع البصرة، فسار عتبة فنزل حيال «الجسر الصغير» فبلغ القائد الفارسي نزوله فتوجّه لقتاله بجموعه فكانت الغلبة للمسلمين، واستولوا على عدد من الحصون والمخافر بينها المسلحة «وهشتاباذ أردشير» التي احتفرها العرب بعد هدمهم إياها وسمّوها «الخريبة» ـ تصغير خربة ـ على ما رواه ياقوت الحموي في مادة «خريبة»([73]).
واجتمع أهل «الأبلة» على قتال عتبة بن غزوان «فناهضهم عتبة وجعل قطب بن قتادة السدوسي وقسامة بن زهير المازني في عشرة فوارس وقال لهما كونا في ظهرنا فتردان المنهوم وتمنعان من أرادنا من ورائنا»([74]) فأوقع فيهم وفرق جموعهم واضطرهم إلى الجلاء عن مدينتهم فحملوا ما خفّ من الأموال وعبروا النهر لائذين بأذيال الفرار فدخلها القائد المازني في شهر رجب سنة 14هـ (635م) وعسكر على طرف البر إلى جانب المسلحة المذكورة عند حدود موضع الزبير الحالي و«كتب إلى عمر بن الخطاب يعلمه نزوله إياها وإنّه لا بدّ للمسلمين من منزل يشتون به إذا شتوا ويسكنون فيه إذا انصرفوا من غزوهم فكتب إليه أن اجمع أصحابك في موضع واحد وليكن قريباً من الماء والمرعى واكتب إليّ بصفته فكتب إليه: إنّي وجدت أرضاُ كثيرة القصبة([75]) في طرف البر إلى الريف ودونها مناقع ماء فيها قصباء فلمّا قرأ الكتاب قال هذه أرض قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب وكتب إليه أن أنزلها الناس فأنزلهم إياها فبنوا مساكن من قصب وبنى عتبة مسجداً من قصب وذلك في سنة أربع عشرة»([76]).
وبنى عتبة دار الإمارة «دون المسجد في الرحبة التي يُقال لها رحبة بني هاشم وكانت تسمّى الدهناء وفيها السجن والديوان وحمام الأمراء بعد ذلك لقربها من الماء فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب ثمّ حزموه ووضعوه حتّى يعودوا من الغزو فيعيدوا بناءها كما كان»([77]) وكانت الدور في أوّل أمرها خصاصاً وأكواخاً وفي وسطها رحبة عرضها ستون ذراعاً تتخذ سوقاً للعرب يعرضون فيها سلعهم ولم تكن تلك السوق ملكاً لأحد بل كانت مشاعاً بين المسلمين يحوزها السابق على اللاحق طيلة يومه فإذا انقضى النهار وانفض عادت تلك السوق رحبة فارغة.
ومات عتبة المازني عام 14هـ (635م) فخلفه المغيرة بن شعبة في إمارة البصرة ولكنّه عزل بعد عامين وولي محله أبو موسى الأشعري فحدث في أيامه حريق خافه الناس كثيراً فاستأذنوا الخليفة في البناء باللبن فأذن لهم وكتب إليهم يقول «افعلوا ولا يزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البناء والزموا السنة تلزمكم الدولة»([78]) فخططوا المناهج والشوارع وجعلوا المدينة خططاً بحسب القبائل لكل قبيلة خط وجعلوا عرض شارعها الأعظم ستين ذراعاً وعرض سواه عشرين ذراعاً «ثمّ إنّ الناس اختطوا وبنوا المنازل وبنى أبو موسى الأشعري المسجد ودار الإمارة بلبن وطين وسقفها بالعشب وزاد في المسجد»([79]) فلمّا استعمل معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه على البصرة سنة 45هـ (665م) زاد في المسجد زيادة كبيرة وبناه بالآجر والجص وسقفه بالساج وجاء بالسواري من جبل (الأهواز) فأصبح من أحسن المساجد.
وقد بلغ الخليفة أنّ العرب على خشونتهم في العيش لم يستسيغوا ماء «البصرة» الآجن ولا وبالة هوائها فاهتم لذلك أشد الاهتمام وأمر فاحتفر نهر «الأجانة» وزادهم في العطاء تشجيعاً لهم على الاستيطان، وبعد أن كان موضع البصرة معسكراً للجيش الإسلامي تقيم فيه العرب مع نسائهم وأولادهم كما يعيش جيش الاحتلال الآن، صار ذلك الموضع مدينة كبيرة ذات أسواق واسعة وبيوت فخمة وعمارات عديدة حتّى بلغ عدد المنازل فيها خمسة وسبعون ألفاً وبلغت مساحة المعمور فيها (26) ميلاً. أمّا نفوسها فقيل إنّها كانت تربو على مليون نسمة لأنّ أبا جعفر المنصور بعث مليون درهم إلى البصرة وأمر أن توزّع بين الرجال فقط فكانت أعطية الرجل درهمين([80]) وقد ذاع اسم البصرة حتّى دعيت «قبة الإسلام» ولقبت «خزانة العرب»([81]) وإنّما سمّيت بالبصرة لأنّها أقيمت على طرف من البر في أرض العرب «الأرض الغليظة التي فيها حجارة تقلع وتقطع حوافر الدواب»([82]) فكانت عربية الاسم والمنشأ إسلامية الأخلاق والعادات، ولا يزال هذا الطابع العربي الإسلامي لامعاً فيها حتّى اليوم رغم ما مرّت به من أحداث وعهود، ورغم من حكمها من الأعاجم والأعراب.
ومن العمارات التي اشتهرت في «البصرة» قديماً قصر أوس بن ثعلب عامل الأمويين في العراق الذي يقول فيه الشاعر وفيما حوله من حدائق وبناء وأطيار وأفراح:
بغرس كأبكار الجواري وتربة
كأنّ ثراها ماء ورد على مسك
فيا طيب ذاك القصر قصراً ونزهة
ويا قبح سهل غير وعر ولا سهل
ولم تخل «البصرة» في أيام بني العباس ولا في أيام الأمويين الذين تقدموهم من المصائب والإِحن فقد ذكر التاريخ وقائع كثيرة لو أردنا الإلمام بها لعاد هذا البحث كتاباً قائماً بنفسه ولعلّ أكثر تلك الحوادث شيوعاً استيلاء صاحب الزنج على «البصرة» عام 255هـ (868م) فقد ادّعى الغيب في خلافة المهتدي بالله في السنة المذكورة، رجل اسمه علي بن محمد بن عبد الرحيم وقال إنّه من نسل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) (وجمع حوله الزنج الذين كانوا يسكنون السباخ فالتف حوله منهم نحو الألفين فقوي بهم وهاجم البصرة فأخذها وصار يحرق المنازل والقصور ويخرب الأسواق والقيساريات ويضع السيف في النساء والأطفال والشيوخ([83])، فتصدّى عامل الخليفة لقتاله فلم يقو عليه فهرب من البصرة من نجا وقتل من بقي ودام السلطان لصاحب الزنج سبع سنوات لم يبطل خلالها قتال وتوسّع نفوذه حتّى امتدّ إلى «الأهواز» و«عبادان» و«واسط» فلمّا كانت سنة (261هـ (874م) أرسل الخليفة المعتمد على الله أخاه الموفق إلى البصرة لاستخلاصها منه وجهز له جيشاً جراراً فكانت الحرب سجالاً وتمّ النصر للأخير سنة 270هـ (883م) فانكشفت هذه الغمة وقطع دابر هذه الفتنة ورجع الفارون إلى منازلهم ولكن «بعد خراب البصرة» فذهبت مثلاً ثمّ داهمها القرامطة ففعلوا فيها ما فعله صاحب الزنج، ثمّ دخلت في ولاية بني بويه، وفي سنة 499هـ (1105م) ملكها سيف الدولة المزيدي صاحب «الحلة» ولم تزل تنقلب عليها الأيدي حتّى أصبحت خرائب وآكاماً تشاهد اليوم على مسيرة (14) كيلومتراً من البصرة الحالية بينها وبين الزبير جنوباً، ويرى في وسطها إلى الآن بقية باقية من مأذنة ذلك المسجد العظيم الذي كان أحدوثة الناس في سالف الزمان.
البصرة الحالية
لمّا نهد الموفق العباسي لمحاربة صاحب الزنج سنة 261هـ (864م) لاحظ أنّ غريمه قد ابتنى مدينة كبيرة بالقرب من «البصرة» سمّاها «المختارة» وخصّها بالأسوار والأبراج فشرع هو أيضاً في بناء مدينة صغيرة على نهر «الابلة» لتكون مقراً لحركاته العسكرية وحمل إليها الصناع والآلات من البر والبحر، واتخذت بها الأسواق وجمعت فيها المرافق حتّى صارت تنسب إليه فسمّيت «الموفقية» فلمّا انتصر على غريمه انتصاراً نهائياً وقتله في سنة 271هـ (884م) أهمل اسم «الموفقية» فسمّيت «البصيرة» بالتصغير وأصبحت متنزهاً ومصيفاً للولاة والوجهاء فابتنوا فيها القصور والمنازل وانتقل إليها أصحاب السرف واللهو حتّى توسّعت عمارتها وأخذ البصريون يهاجرون إليها فما تمّ خراب «البصرة» القديمة إلاّ وصارت «البصيرة» مدينة كبيرة تدعى البصرة منذ عهد السلطان غازان الأيلخاني في القرن الثامن للهجرة والرابع عشر للميلاد، وقد زارها الرحالة ابن بطوطة عام 725هـ (1324م) فقال في وصفها «ومدينة البصرة إحدى أمهات العراق الشهيرة الذكر في الآفاق، الفسيحة الأرجاء، الموفقة الأفناء ذات البساتين الكثيرة والفواكه الأثيرة توفّر قسمها من النضارة والخصب لما كان مجمع البحرين الأجاج والعذب… وأهل البصرة لهم مكارم أخلاق وإيناس للغريب وقيام بحقه فلا يستوحش فيما بينهم غريب وهم يصلون الجمعة في مسجد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)… وهذا المسجد من أحسن المساجد وصحنه متناه الانفساح (؟)»([84]).
ولم تخل المدينة الجديدة أو «البصرة» الثانية من الكروب والمحن منذ طوي بساط بني العباس وزالت دولهم فقد تحوّلت عنها النعمة وتوافدت عليها الأمراض والطواعين وكثر بها الغرق وتسييب المياه وعاودتها حياة البداوة بعد أن ازدهرت بالحضارة وأخذت معاول الهدم تعمل على التقويض مدّة عهد المغول والتاتار. أمّا في حوادث الصفويين والعثمانيين وفي أيام شيوخ الجزائر وموالي الحويزة فقد كانت مسرحاً تمثّل عليه الرواية المتباينة والمهازل المختلفة حتّى إذا وصل السلطان سليمان القانوني إلى بغداد سنة 941هـ (1541م) خافه شيخ البصرة وهو يومئذ «الشيخ راشد الطوال» فشخص بنفسه إلى بغداد وسلم إليه مفاتيحها فما كان من السلطان إلاّ أنّ أقرّه على ملكه وأعاده إيه سالماً آمناً، ولكن راشداً طغى واستبدّ بعد بضعة أشهر فاضطرت حكومة بغداد أن ترسل قوّة لطرده قادها الوزير اياس باشا وظلّت البصرة بيد الترك يتولاها أمراؤهم أو ولاتهم. فلمّا كانت سنة 1005هـ (1596م) عجز حاكمها التركي درويش علي باشا عن تسديد أرزاق الجند واتفق مع كاتبه أفراسياب الديري السلجوقي على بيعه إياها بثمانية أكياس من الذهب على أن يخطب لسلاطين آل عثمان على منابر «البصرة» ويضرب النقود بأسمائهم فرضي الكاتب بذلك ولكن سرعان ما توسّعت أيامه فقد حسنت سيرته فأحبّه الناس وقوي أمره واستولى على أكثر الجزائر وظلّ السعد يخدمه إلى أن مات سنة 1012هـ (1603م) فتولّى الإمارة ابنه علي باشا بوصية منه، وكان علي حازماً محبوباً كأبيه فلمّا توفي سنة 1075هـ (1664م) خلفه ابنه حسين باشا فخالف سنن أبيه وجدّه فاستبدّ بالأمر وأساء السيرة والتدبير فسيرت الحكومة العثمانية جيشاً لطرده وإرجاع الولاية إلى أحضان السلطنة العثمانية وكان ذلك في سنة 1063هـ (1649م) وقد قاد هذه الحملة والي بغداد مرتضى باشا فهزم حسين باشا وحل محله ولكن الوالي سار اسيراً ذميماً، حمل البصريين على طرده وإرجاع الحاكم الفار إلى منصبه، فلم يسع السلطان العثماني إلاّ أن أقرّ هذه العودة غير أنّ حسين باشا عاد إلى الانتقاض على السلطان بعد حين فسيرت الحكومة عليه جيشاً طرده طرداً مؤبداً في عام 1078هـ (1667م)([85]) وانتهى بذلك استقلال الولاة بالبصرة وأصبحت ولاية عثمانية بحتة قرنين ونصف قرن تخللها عصيان متقطع واحتلال غير دائم. وفي عهد أسرة أفراسياب وتحت حمايتها «فتحت ميناء البصرة للتجارة الأوروبية»([86]) فلمّا أعلنت الحرب العالمية الأولى (1914ـ1918) احتلتها الجيوش البريطانية في غرة المحرم سنة 1333هـ (22 تشرين الثاني 1914م) فاتخذتها ميناء رئيسياً لتموين القوات البريطانية في العراق وأخذت يد العمران تمتد إلى كلّ ناحية فيها بسرعة فائقة فقامت بها المؤسسات والبنايات والمنشآت النافعة بشكل لم تعهده «البصرة» من قبل وتسلمتها الحكومة العراقية في 18 ذي الحجة 1339هـ (23 آب 1921م) فاستمرّ فيها الإنشاء والإعمار. أي أنّها شهدت عصوراً مختلفة وأزمنة متعاقبة تناولتها فيها يد الرقي والتقدّم كما تناولتها فيها يد الاضمحلال والتأخر فلمست ناحية الغنى كما لمست ناحية الفقر، ورأت ضروب المآسي والمحن كما رأت ضروب النعمة والغنى وقد أنجبت في الزمن القديم علماء وفقهاء وشعراء عظاماً اضراب أبي الأسود الدؤلي والحسن البصري ومحمد بن سيرين مفسّر الأحلام والخليل بن أحمد النحوي والأصمعي وسيبويه والشاعرين المعروفين الفرزدق وبشار بن برد والحريري صاحب المقامات المشهورة باسمه (وفيها اجتمع إخوان الصفا وألفوا فيها رسائلهم المشهورة وهم على ما قاله عمدة المحققين أبو حيان التوحيدي، زيد بن رفاعة وأبو سلمان محمد بن مشعر البستي المعروف بالمقدسي وأبو الحسن علي بن هارون الريحاني وأبو أحمد المهرجاني والعوني وغيرهم وكانوا من أهل القرن الرابع الهجري([87]).
أمّا البصرة اليوم فمدينة ضخمة تتخللها شوارع فسيحة وتقطعها في جل ممراتها حدائق واسعة وهي ببنائها القديم شرقية الهندسة والعمران، وبعمارتها الحديثة غريبة الوضع والطراز، لها منظران جميلان متباينان فيهما جلال المظهر وسذاجته ودلائل الحضارة وعظمتها، فهي برية وبحرية يلتقي عندها الحادي والنوتي، وتسمع فيها رغاء الإبل البوارك وزعيق البواخر الماخرة، تناغيها البلابل وتجري فيها الأنهار فلا يستطيع الشاعر أن يصفها ولا يمكن للفنان أن يخط صورة لها. تمتد قصورها من «كرته علي» شمالاً وتنتهي «بنهر الخورة» جنوباً من جهتها النهرية. أمّا من جهتها البرية فتمتد من «ساحل شط العرب» الأيمن شرقاً إلى «باب الزبير» غرباً في مساحة لا تقل عن خمسين كيلومتراً مربعاً. فمن شوارعها الرئيسية الشارع الممتد بين «البصرة» و«العشار» وهو الذي يحاذي «المدة» فترى السيارات والعربات تغشاه منذ الصباح الباكر حتّى منتصف الليل وقد قامت على جانبه المحاذي للمدّة الأشجار المختلفة وشيّدت على الجانب الآخر المخازن والمتاجر وبعض دور الشركات. وفي عام 1940م شرعت السلطات الإدارية في تنفيذ مشروع «الكورنيش» فكان من أهم المشاريع العمرانية الحديثة إذ يصل «البصرة» بـ «الخورة» مباشرة وبخط مستقيم بواسطة شارع عظيم بديع يوازي ضفة شط العرب اليمنى وتقوم عليه بدائع القصور والحدائق والمقاهي والمتنزهات ذات المنظر الساحر الذي يخلعها عليها الشط المذكور وهو بذلك شبيه بعض الشبه بشارع «أبي نواس» في بغداد الذي يمتد من الباب الشرقي حتّى «الكرادة الشرقية» كما أنّ هناك مشروعاً ثانياً لوصل «البصرة» بـ «العشار» يمتد على ضفة «نهر العشار» اليمنى «أي المدة».
ومن مباني «البصرة» الجديرة بالذكر صرح الحكومة الفخم في مدخل «العشار» وبناء المحاكم المدنية في مدخل «البصرة» والمستشفى في «باب الزبير» ويعدّ من المستشفيات الحديثة في الشرق الأوسط، وتقابله بناية السجن المركزي ثمّ المدرسة الإعدادية ودائرة البلدية ومقر دائرة الأوقاف والقنصليات الأجنبية ومعامل تصدير التمور ومعمل تصليح البواخر وبنايات المدارس الحكومية والأهلية والطائفية للبنين والبنات، وكذا دور الإرساليات التبشرية ودوائر الشركات والمصارف الأجنبية وفي «البصرة» عدا ما تقدّم، مكتبات عامة وخاصّة وصحف ومطابع ودور تمثيل وسينما ومؤسسات صناعية كثيرة وحركة عمرانية واسعة وهذا العمران في توسّع مستمر ومنه «المحلة السعودية» التي أصبحت من أبدع المحلات العصرية المضاهية لأرقى الأحياء الجديدة في بغداد وكانت قبل اليوم أراض مهجورة تتخللها المستنقعات.
وكانت «البصرة» حتّى نهاية الحرب العالمية الأولى موطناً لبعض الأوبئة الفتاكة ولا سيّما الملاريا حتّى أنّ ذكر «حمى البصرة» كان يثير مخاوف السامعين ويبعث القشعريرة في الجسم أمّا اليوم فقد دخل كلّ ذلك في خبر كان بفضل التدابير الصحية العصرية المتخذة فيها مثل مكافحة البعوض وردم المستنقعات وتعقيم مياه الشرب، وكان الأهلون يستقونها من قبل من «المدّة» و«المدّة» قناة تعرف بـ «نهر العشار» تصل «البصرة» بـ «شط العرب».
وعلى بُعد خمسة كيلومترات من «البصرة» شمالاً يقع الميناء الجوي الذي يعدّ من الموانىء العالمية الرئيسية فقد أعدّ فيه مطار لنزول الطائرات الجوية والنهرية وزوّد بمختلف الوسائل الحديثة ففيه إدارة للرصد وأخرى للملاحة وثالثة للبرق والبريد ورابعة لجهاز اللاسلكي كما جهّز بفندق فخم لنزول الركاب والمسافرين تتخلل حجره وسائل التبريد الصناعي وأعدت فيه بركة للسباحة وبطرية للدفاع ومرافق مختلفة أخرى. ويلي هذا المطار «ميناء البصرة» الذي تمّ إنشاؤه وتجهيزه بعد حفر قناته بحيث يتسنّى لأكبر باخرة من عابرات المحيط أن تجتازه إلى ملتقى الرافدين «دجلة والفرات» وتمتدّ هذه القناة إلى مياه الخليج وقد أُنفق عليه نحو 125 مليوناً من الدنانير وجهّز بالآلات الرافعة الكهربائية والبخارية فأصبح مستكلماً كلّ تشكيلاته فترى السفن الحربية والتجارية رائحة غادية تملأ الميناء لتنفض حمولتها فإنّ «البصرة» فضلاً عن أهميتها العظمى بصفتها مركزاً تجارياً للعراق من حيث التصدير والاستيراد عن طريق البحر فإنّها في الحرب العالمية الثانية (1939ـ1945م) اكتسبت أهمية تجارية أعظم إذ أصبحت مركز ترانسيت للشرق الأوسط ولا سيما لتركية على أثر إغلاق «البحر المتوسط»في وجه القوافل التجارية لسبب التطورات الحربية. وهنالك عمارة فخمة لموظفي إدارة الميناء تعدّ من المباني العصرية بحسن هندستها وجمال منظرها تجاورها ويحيط بها بنايات متفرقة تحف بها الجنان النضرة وتظللها العرائش الزاهرة تلك هي «المعقل» التي بوشرت فيها العمارة في بدء الاحتلال البريطاني الأوّل 1333هـ (1914م) وسمّيت «نهر المعقل الذي ينسب إلى معقل بن يسار المزني على ما رواه البلاذري في فتوح البلدان وابن الأثير الكامل إذ كان الخليفة عمر بن الخطاب (رض) قد أمر معقلاً بحفره، وقد أصبحت «المعقل» قصبة قائمة بنفسها فيها من القصور والبيوت والمرافق كالتي في مدينة البصرة نفسها.
وبمنزلة أهمية ميناء «البصرة» ومطارها الجوي من طرق المواصلات المهمة في العراق سككها الحديدية فهي على جانب عظيم من الأهمية إذ تتصل بجميع المدن الرئيسية في العراق وبأقصى ناحية في أوروبة بواسطة «قطار الشرق السريع» ولهذا تعتبر مركزاً جغرافياً ممتازاً.
وتشتهر «البصرة» بكثرة أسماكها الطرية وتعدّد أنواعه البحرية والنهرية ولذيذ طعمها أمّا تمرها فيعدّ من أهم حاصلات العراق الجنوبية وتلتف غاباته الكثيفة حول شط العرب، مساحة عظيمة وتصدر مصانع تحضير التمر كميات منه كبيرة إلى مختلف أنحاء العالم ويبلغ عدد النخل في لواء البصرة عشرة ملايين و780 ألف نخلة على حين أنّ مجموع عدد النخل في العراق (23) مليون نخلة.
وتعدّ (قصبة العشار) التي تقع على مسافة كيلومترين من (البصرة) شرقاً، جزءاً مشابه لمدينة البصرة أو هي سوقها التجارية الكبرى وهي قائمة على ضفة شط العرب اليمنى والذي يلاحظ على أسواقها كثرة البضائع الهندية المكدسة فيها حتّى أنّ الذي زار «الهند» ودخل هذه الأسواق يشعر كأنّه في سوق من أسواقها.
عبد الرزاق الحسني
أثر ثورة الزنج
إنّ ثورة الزّنج التي صمدت زمناً طويلاً، قد أحدثت ضرراً بليغاً في الحياة الاقتصادية لتلك المرحلة. فقد سقطت رقعة كبيرة في قبضة الزّنج، ففرّ من أهلها مَنْ فرّ، وظلّت هذه الرقعة، طَوَال خمسةَ عَشَرَ عاماً، عُرْضة للاضطرابات. ولم تهدأ النفوس وتعود الامور إلى نصابها إلاّ في عام 270هـ، عندما سقطت عاصمة الزّنج وقُتل صاحبهم، وأرسل الموفّق نداء إلى أهل البصرة والأبُلَة والأهْواز وواسِط في الرجوع إلى أوطانهم.
ثمّ اتّسعت فتوحات الزّنج، فدخلوا «الأُبُلَه التي كانت مبنيّة بالسّاج. فاحترقت والريح تعصف بها. واستسلمت عبّادان خوفاً من شرّ المصير. وسقطت الأهْواز تحت ضربات سيوف الزّنج. وهكذا بثّوا الرعب حولهم، فارتعد أهل البصرة، وجلا كثير منهم عن المدينة «وتفرّقوا في بلدان شتى». وضرب الزّنج الحصار على البَصْرة، ثمّ دخلوها عام 257هـ من جهات ثلاث. وأضرم الزّنج النار، فأحرقت الكلأ وأتت على «كلّ شيء مرّت به من إنسان وبهيمة وأثاث ومَتَاع» ثمّ انسحب منها الزّنج. وقال اليعقوبي: إنّه لم يبق فيها منزل يسكن.
رثاء البصرة
قال ابن الرومي يرثي البصرة إثر نكبتها باستباحة الزّنج لها:
ذادَ عَنْ مُقْلِتي لَذيذَ المَنامِ
شُغلُها عَنْهُ بالدُموعِ السُجامِ([88])
أيُّ نَوْم، من بعد ما حل بالبصْـ
ـرَة، مَا حَلّ، مِنْ هناتٍ عظام؟([89])
أيُّ نومِ، مِنْ بَعْدَ مَا انْتَهَكَ الزّ
نْجُ، جَهاراً، مَحارِمَ الإسلام؟
إنَّ هَذا، مِنَ الأُمُورِ، لأمْرٌ
كادَ أنْ لا يَقُومَ في الأوْهَام
لَهْفَ نَفْسي عَلَيْكِ أيَّتها البصْـ
ـرَةُ لَهْفاً كَمِثْلَ لَهْبِ الضِّرام!
لَهْفَ نَفْسي علَيْكِ، يا مَعْدَنَ الخَـ
ـيرات، لَهْفاً يُعِضُّني إبْهامي!
لَهْفَ نَفْسي يا قُبَّة َ الإ
ـسْلامِ، لَهْفاً يَطُولُ مِنْهُ غَرامي!([90])
لَهْفَ نَفْسي علَيْكِ، يا فُرْضَةَ البُلـ
ـدانِ، لَهْفاً يَبْقى على الأعْوَامِ!([91])
لَهْفَ نَفْسي لِجَمْعِكِ المُتَفاني!
لَهْفَ نَفْسي لِعِزّكِ المُسْتَضامِ!([92])
بَيْنما أهْلُها بِأَحْسَنِ حالٍ
إذْ رَماهُمْ عَبيدُهُمْ بِاصْطِلامِ([93])
دَخَلوها، كأنَّهُمْ قِطَعُ اللْيـ
ـلِ، إذا راحَ مُدْلَهِمَّ الظَلامِ
أيَّ هَوْلٍ، رَأوا بِهِمْ؟ أيّ هَوْلٍ!
حُقَّ، مِنْهُ يَشيبُ رَأسُ الغُلامِ!([94])
إذْ رَمَوْهُمْ بِنارِهِم مِنْ يَمينٍ
وشِمالِ وخَلفِهِمْ وأِمَامِ
كَمْ أغصُّوا مِن شارِبٍ بشرابٍ!
كَمْ أغَصّوا مِنْ طاعِمٍ بِطَعامِ!
كَمْ ضَنينِ بِنَفْسِهِ رامَ مَنْجًى
فَتَلَقّوا جَبِينَهُ بِالحُسامِ!
كَمْ أخٍ قَدْ رَأى أَخَاهُ صَريعاً،
تَرِبَ الخَدِّ بينَ صَرْعى كِرامِ!ِ
كَمْ أبٍ قدْ رأى عزيزَ بَنيهِ
وَهْوَ يُعلَى بِصارمِ صَمْصَامِ!([95])
كَمْ مُفدًّى في أهْلِهِ أسْلَمُوهُ
حينَ لَمْ يَحْمِهِ هُنالِكَ حامي
كَمْ رَضيعٍ هُناكَ قدْ فَطَمُوهُ
بِشَبا السّيْفِ قَبْلَ حينِ الفِطامِ([96])
كَمْ فَتاةٍ مَصونَةٍ قَدْ سَبَوْها
بارِزاً وَجْهُها بِغَيْرِ لِثامِ
صَبَحوهُمْ، فكابَدَ القَوْمُ منهم،
طولَ يَومٍ، كأنَّهُ ألْفُ عامٍ
مَنْ رآهُنّ في المَساقِ سِبايا
دامياتِ الوجوهِ لِلأقْدامِ([97])
مَنْ رآهُنّ في المقاسمِ وسْطَ الزِّنْـ
ـنجِ يُقْسَمنَ بينُهم بِالسِّهامِ([98])
مَنْ رَآهُنَّ يُتَخَذْنَ إماءً
بَعْدَ مِلْكِ الإماءِ والخُدَّامِ؟
ما تَذَكّرْتُ ما أتى الزّنْجُ إلاَّ
أُضْرِمَ القَلْبُ أيُّما إضْرامِ
ما تَذَكّرْتُ ما أتى الزّنْجُ إلاَّ
أوْجَعَتْني مَرارَة ُ الإرْغامِ([99])
رُبَّ بَيْعٍ هُناكَ قَدْ أرْخَصُوهُ،
طالَما قَدْ غَلا على السُّوّامِ
رُبَّ بَيْتٍ هُناكَ قد أخْرَبُوهُ،
كانَ مَأوى الضِّعافِ والأيْتامِ
رُبَّ قَصْرِ هُناكَ قَدْ دَخَلوهُ،
كانَ مِنْ قبْلِ ذاكَ صَعْبَ المَرامِ
رُبَّ ذي نِعْمَةٍ هُناكَ ومالٍ،
تَرَكوهُ مُحالِفَ الإعْدامِ([100])
رُبّ قَومٍ باتوا بأجْمعِ شَمْلِ
تَركوا شَمْلَهُمْ بِغَيْرِ نِظامِ
عَرِّجا، صاحِبِيّ، بِالبَصْرَةِ ِ الزَّ
ـهْراءِ، تَعْريجَ مُدْنَفٍ ذي سَقامِ([101])
فَاسْألاها، ولا جَوابَ لَدَيْها
لِسُؤالٍ، ومَنْ لها بالكَلامِ!
أيْنَ ضَوْضاءُ ذلكَ الخَلْقِ فيها؟
أيْنَ أسْواقُها ذَواتُ الرِّخامِ؟
أيْنَ فُلْكٌ فيها، وفُلْكٌ إليها،
مُنشآتٌ في البَحْرِ كالأعْلامِ؟([102])
أيْنَ تلكَ القصورُ والدّورُ فيها؟
أيْنَ ذاكَ البُنْيانُ ذو الإحْكامِ؟
بُدِّلَتْ تِلكُمُ القُصورِ تِلالاً
مِنْ رَمادٍ، ومِنْ تُرابٍ رُكامِ([103])
سُلِّطَ البَثْقُ والحَريقُ عليها،
فَتَداعَتْ أرْكانُها بانْهِدامِ([104])
وخَلَتْ مِنْ حُلولها، فَهْيَ قَفْرٌ،
لا ترى العَينُ بين تلكَ الأكام([105])
غيرَ أيْدٍ وأرْجُلِ بائِناتٍ،
نُبِذَتْ بَيْنَهُنَّ أفْلاقُ هامِ([106])
ووُجوهٍ، قَدْ رَمَّلْتْها دِماءٌ،
بأبي تِلْكُمُ الوُجوهُ الدوامي!([107])
وَطِئَتْ بالهَوانِ والذُّلِّ قَسْراً،
بعدَ طولِ التَبْجيلِ والإعْظامِ
فتراها تَسْفي الرياحُ عليْها،
جارِياتٍ بِهَبْوَةٍ وقَتامِ([108])
خاشِعاتٍ كأنَّها باكِياتٌ،
بادِياتِ الثّغورِ، لا لابتسامِ
بلْ ألِمَّا بِساحةِ المَسْجِدِ الجا
مِعِ، إنْ كُنْتُما ذَوِي إلمامِ
فَاسْألاهُ، ولا جَوابَ لَدْيهِ،
أينَ عُبادُهُ الطوالُ القِيامِ؟
أيْنَ فِتْيانُهُ الحِسانُ وُجُوهاً؟
أينَ أشْياخُهُ أُولو الأحْلامِ؟
بِأبي تِلْكُمُ العِظامُ عِظاماً؛
وسَقَتْها السّماءُ صَوْبَ الغَمامِ
وعليْها، مِنَ المَليكِ، صَلاةٌ
وسَلامٌ مُؤكَّدٌ بِسَلامِ
أُنْفُروا أيُّها الكِرامُ خِفافاً
وثقالاٍ إلى العبيد الطغامِ
أبْرَموا أمرَهُمْ، وأنتُمْ نِيامٌ
سَوْءَة ً سَوْءَة ً لِنوْمِ النيام
صَدِّقوا ظنَّ إخوَةٍ أمَّلوكمْ
ورَجَوْكُمْ لِنَوْبَةِ ِ الأيامِ
أدْرِكوا ثأْرَهُمْ فذاك لديْهِمْ
مثلُ ردِّ الأرواحِ في الأجسامِ
أشعار أصحاب الزنج.
قال أحمد جاسم النجدي:
عرف علي بن محمد الورزنيني ثائراً وقائداً لثورة الزنج، تلك الثورة التي اندلعت في البصرة في أواسط القرن الثالث للهجرة واستمرّت حتّى عام 270هـ، وهو عام مقتل قائدها علي ابن محمد.
على أنّ الجانب السياسي من شخصيته ليس هو الأوّل والأخير، فقد كان الرجل ـ كما أشار القدامى إلى ذلك ـ شاعراً تروى له أشعار كثيرة في البسالة والفتك([109]). وقد تهيأ لي أن أهتم بهذا الجانب من شخصيته عندما بدأت بإعداد رسالتي للماجستير «الشعر والشعراء في البصرة خلال القرن الثالث الهجري».
وقبل أن أعرض هذه الأشعار أشير إلى مسألة أثارها المرزباني في صحة نسبة أشعار صاحب الزنج إليه، وهي ادعاء ابن دريد أنّ هذه الأشعار المروية لصاحب الزنج وضعها هو ونحلها صاحب الزنج([110]).
ويقول الحصري: «وما أرى هذا يصح لأنّه لا يشاكل طريق ابن دريد»([111]).
الأشعار
(1)
لا تضعفن إذا طلبت جلالة
حتى تجاوز منكب الجوزاء
فلئن هلكت دعيت غير مقصر
ولئن حييت غدوت في الشجعاء
(2)
إذا شرب الناس ماء الكروم
شربنا على الصافنات الدماء
(3)
ببيض الصفاح وسمر الرماح
طلبت العلا وعلوت الرتب
وإني كالشمس بي يهتدى
إذا غطت الشمس سود السحب
(4)
سأغسل عني العار بالسيف جالبا
علي قضاء الله ما كان جالبا
وأذهل عن داري وأجعل نهبها
لعرضي من باقي المذلة حالبا
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها
تراث كريم لا يبالي العواقبا
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه
ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه
ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
(5)
أما والذي أسرى إلى ركن بيته
حراجيج بالركبان مقورة حدبا
لأدرعن الحرب حتى يقال لي
قضيت ذمام الحرب فاهتجر الحربا
(6)
إن الخلافة لم تزل محجوبة
خمسين عاما تبتغي أربابها
تدعو إلينا كل عام مرة
حتى إذا بلغ الكتاب أجابها
(7)
متى أرى الدنيا بلا مجبر
ولا حروري ولا ناصب
متى أرى السيف دليلا على
حب علي بن أبي طالب
(8)
قلبي نظير الجبل الصعب
وهمتي أكبر من قلبي
فاستخر الله وخذ مرهفا
وافتك بأهل الشرق والغرب
ولا تمت إن حضرت ميتة
حتى تميت السيف بالضرب
(9)
لقد علمت هاشم أننا
صباح الوجوه غداة الصباح
وأنا إذا زعزعت في الوغى
ذيول الرياح ذبول الرماح
نسوق السيوف بدفع الحتوف
وننكى الجراح بكف الجراح
ونسمو سماحا أكف السماح
بقسم رماح وبيض صفاح
وقرم صبحناه في داره
بكل أقب ونهد وقاح
فغودر بعد عناق الملاح
ضجيع النجيع مراح الجراح
كليل الأنين مذال الجبين
مهين السلاح مهيض الجناح
صلى نور عيني بنور الأقاح
وراح الأكف بماء وراح
فما طول عشقي مزاح الملاح
بمشتغل عن صياح الصباح
(10)
أحلف بالقتل وبالذبح
مجانبا للعفو والصفح
لا عاينت عيني أحلامكم
إلا أميراً أو على رمح
(11)
رأيت المقام على الاقتصاد
قنوعا به ذلة في العباد
وفي الاضطراب وفي الاغتراب
منال المنى وبلوغ المراد
إذا النار ضاق بها زندها
ففسحتها في فراق الزناد
إذا صارم قر في غمده
حوى غيره السبق يوم الجهاد
(12)
قال يخاطب العباسيين([112]):
بني عمنا لا توقدوا نار فتنة
بطيء على مر الليالي خمودها
بني عمنا إنا وأنتم أنامل
تضمنها من راحتيها عقودها
بني عمنا وليتم الترك أمرنا
ونحن قديما أصلها وعمودها
فما بال عجم الترك تقسم فيئنا
ونحن لديها في البلاد شهودها
فأقسم لاذقت القراح وأن أذق
فبلغه عيش أو يباد عميدها
(13)
بجمع مثل سدل اللّيـ
ـل منظوم من الربد
(14)
ومن شعره في الغزل:
ولما تَبَيَنْتُ المنازل بالحمى
ولم أقض منها حاجة المتزود
زفرت إليها زفرة لو حشوتها
سرابيل أبدان الحديد المسرد
لذابت حواشيها وظلت بحرها
تلين كما لانت لداود باليد
(15)
أورقت في أوانها الأشجار
وتهادت في وكرها الأطيار
ومقام الفتى على النقص لوم
وأخو الذل معجل مسيار
جرد المشرفي وارحل كريما
فالتواني مذلة وصغار
لا ينال الضعيف بالضعف غنما
إنما يغنم الفتى السيار
وهي نفس إما تؤوب بهلك
أو بملك وليس في الهلك عار
(16)
إذا فارس منا مضى لسبيله
عرضنا لأطراف المنية آخرا
(17)
كم قد نماني من رئيس قسور
دامي الأنامل من خميس ممطر
خلقت أنامله لقائم مرهف
ولدفع معضلة وذروة منبر
ما أن يريد إذا الرماح شجرنه
درعا سوى سربال طيب العنصر
يلقى السيوف بنحره وبوجهه
ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا
فعقرت طرف المجد إن لم تعقر
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل
متسربل سربال ليل أغبر
أوما إلى الكوماء هذا طارق
نحرتني الأعداء إن لم تنحري
(18)
وعزيمتي مثل الحسام وهمتي
نفسي أصول بها كنفس القسور
وإذا تنازعني أقول لها قري
موت يريحك أو صعود المنبر
ما قد قضي سيكون فاصطبري له
ولك الأمان من الذي لم يقدر
(19)
ولست بنظار إلى جانب الغنى
إذا كان العلياء من جانب الفقر
(20)
إن الذي جعل النجوم زواهرا
جعل الخلافة في الإمام الظاهر
قاد العساكر من «بلنجر» مسحرا
بأتم إقبال وأيمن طائر
حتى أناخ على «الأبلة» بعدما
ترك البصيرة كالهشيم الداثر
(21)
أسمعاني الصياح بالامليس
وصياح العيرانة العيطموس
واتركاني من قرع مزهر «ريا»
واختلاف الكؤس بالخندريس
ليس تبنى العلا بذاك وهذا
لكن الضرب عند أزم الضروس
عيفت عن كل اللبانات نفسي
وسمت نحو غير ذاك حدوسي
وخلا من هواجس النأي قلبي
كخلو الطلول بعد الأنيس
واسبطرت حمالق القوم للمو
ت وصارت نفوسهم في الرؤوس
رب سيد يحمي الخميس بعضب
ويجلي ظلام ليل الخميس
عممته يمنى يدي بعضب
تركت جنبه كجنب العروس
تخبرنك الكماة عن غدواتي
في غداة الوغى أبا قابوس
فسلوا عامرا وعارض لما
أن لقوا بالفجور والتدليس
أتروني أقر بالنوم غمضا
يا عبيد الصليب والناقوس
(22)
لهف نفسي على قصور ببغدا
د وما قد حوته من كل عاص
وخمور هناك تشرب جهرا
ورجال على المعاصي حراص
لست بابن الفواطم الغر إن لم
أجل الخيل حول تلك العراص
(23)
وفي كل أرض أو بكل محلة
أخو غربة منا يكايد مطمعا
كأنا خلقنا للنوى وكأنما
حرام على الأيام أن تتجمعا
(24)
سأبغي العلا بالبيض والسمر جاهدا
فعجز الفتى عن مطلب الرزق قاطعه
إذا المرء لم يحفظ من الذل عرضه
فلا السيف مغنيه ولا الرمح نافعه
وهل يتقي الليث الهصور إذا ونى
عن الصيد والجوع المعفر فاجعه
(25)
يستأنس الضيف في أبياتنا أبدا
فليس يعلم خلق أينا الضيف
(26)
الموت يعلم لو بدا
لي خلقه ما هبت خلقه
والسيف يعلم أنني
أعطيه يوم الروع حقه
وإذا اشتكى سغبا إليّ
جعلت هام الصيد رزقه
ومدجج كره الكما
ة نزاله فضربت عنقه
وقبلت ما أوصى به
جدي أبي وسلكت طرقه
وعلمت أن المجد ليـ
ـس ينال إلا بالمشقة
(27)
قال بعد اخفاقه في البحرين قبل ان يقود ثورة الزنج
أيا طائر السمّان مالك مفردا
تأسيت بي أم عاق الفك عائق
عدمت عتاق الخيل إن لم أزربها
عليها الكماة الدارعون البطارق
عليها رجال من تميم وقصرها
كليب بن يربوع الكرام المصادق
وجثوتها سعد وفي جنباتها
نمير وبيض من كلاب عواتق
وإن لم أصبح عامرا ومحاربا
بخطة خسف أو تعفني العوائق
أيحسبني العريان أنسى فوارسي
غداة نزال الدوم والموت عالق
(28)
وإنا لتصبح أسيافنا
إذا ما اصطبحنا بيوم سفوك
منابرهن بطون الأكف
وأغمادهن رؤوس الملوك
وما لي في الخلق من مشبه
ولا في اكتساب العلا من شريك
(29)
كأن على افرنده موج لجة
تقاصر في ضحضاحه وتطول
تعود قبض الروح حتى كأنه
من الله في قبض النفوس رسول
(30)
قال في الغزل:
ونظرة عين تعللتها
خلاسا كما نظر الأحول
تقسمتها بين وجه الحبيب
ووجه الرقيب متى يغفل
(31)
أتحسب عبد القيس أني نسيتها
ولست بناسيها ولا تاركا تبلي
(32)
قال في قتيل فخ:
هاج التذكر للفؤاد سقاما
ونفى المنام فما أحس مناما
منع الرقاد جفون عيني عصبة
قتلوا بمنعرج الحجون كراما
(33)
عليك سلام الله يا خير منزل
خرجنا وخلفناه غير ذميم
فإن تكن الأيام أحدثن فرقة
فمن ذا الذي من ريبهن سليم
(34)
أهل النبي الذي لولا هدايتهم
لم يهد خلق إلى فرض ولا سنن
مشتتين حيارى لا نصير لهم
مشردين عن الأهلين والوطن
في كل يوم أرى في وسط دارهم
بالسلة البيض والهندية اللدن
هذا بأن رسول الله جدهم
أوصى بحفظهم في السر والعلن
جاءوا بقتل علي وسط قبلته
ظلما وثنوا بسم لابنه الحسن
وأشهروا ويلهم رأس الحسين على
رمح يطاف به في سائر المدن
(35)
ما تغطى عساكر الليل مني
ما تجلى مضاحك الصبح عني
جسم سيف في جوف غمد ثياب
صدر أنس من تحته قلب جني
ميت حس وحي نفس كما الشمـ
ـس يرى مشيها بعين التظني
شمري إذا استقل بعزم
لم يعرج بليتني ولو اني
ما ينال الكرى سويداه إلا
حسوة الطائر الذي لا يثني
إن رماه خطب قرى الخطب رأي
فيه روع النجا وحكم التأني
كم ظلام جعلته طيلساني
صاحبي همتي وقلبي مجني
كم حبال قطعت في وصل أخرى
تاركاً ما أخاف من سوء ظني
مستخف بذا وذاك وهذا
لم أسمع ندامتي قرع سني
أنا روض الربيع في كل زهر
فيلسوف الزمان في كل فن
(36)
ينثني الصارم المهند والرمـ
ـح الرديني والشجاع الجري
حيث لا أنثني ولا يتثنى
بيدي صارم ولا سمهري
من رآني فقد رأى مشرفيا
ماضيا في يمينه مشرفي
شأني الفارس المدجج في النقـ
ـع إذا نازل الكمي الكمي
ورأيت الفضاء أضيق ما يُسـ
ـعى به حتى كأنه مطوي
يا ابنة العم أوقدي النار في الليـ
ـل فإني لكل آت أتي
أكرمي الضيف ما استطعت لأني
مطعمي حاضر وكأسي روي
كيف لا تزهق النفوس لشخصي
حين أغشى الوغى وجدي علي
ذو التقى والنبل وذو العلم والحلـ
ـم ومن خير طينة والوصي
والذي قال إنه اليوم مني
مثل هارون من أخيه النبي
(37)
إذا اللئيم مط حاجبيه
وذب عن حريم درهميه
فاقذف عنان البخل في يديه
وقم إلى السيف وشفرتيه
فاستنزل الرزق بمضربيه
إن قعد الدهر فقم إليه
ابن الرومي
أبو الحسن علي بن العباس الرومي راثي البصرة.
ولد في رجب سنة 221 بالعتيقة من الجانب الغربي من مدينة السلام وتوفي في الجانب الشرقي في مشارع سوق العطش في جمادى الأولى سنة 283 ودفن في مقابر باب البستان وكان ملازماً للحسن والقاسم ابني عبيدالله بن سليمان في وزارة أبيهما فيُقال إنّ ابن فراس الكاتب احتال عليه بشيء أطعمه إياه بامر القاسم بن عبيدالله وكان سبب موته لهجائه ابن فراس.
وهو أشعر أهل زمانه بعد البحتري وأكثرهم شعراً وأحسنهم أوصافاً وأبلغهم هجاءً وأوسعهم افتناناً في سائر أجناس الشعر وضروبه وقوافيه، يركب من ذلك ما هو صعب متناوله على غيره ويلزم نفسه ما لا يلزمه ويخلط كلامه بألفاظ منطقية يجعل لها المعاني ثمّ يفصّلها بأحسن وصف وأعذب لفظ، وهو في الهجاء مقدم لا يلحق فيه أحد من أهل عصره غزارة قول وخبث منطق ولا أعلم أنّه مدح أحداً من رئيس ومرؤوس إلاّ وعاد عليه فهجاه ممّن أحسن إليه أو قصر في ثوابه فلذلك قلّت فائدته من قول الشعر وتحاماه الرؤساء وكان سبباً لوفاته، وكانت به علة سوداوية ربّما تحرّكت عليه فغيّرت منه. هذا ما قاله المرزباني في معجم الأدباء.
القرن الثالث
عاش ابن الرومي في القرن الثالث الهجري وهو قرن امتلأ بأبحاث شتى سياسية، وحركات اجتماعية وأخرى عقلية. قرن التقى فيه العلم بالفلسفة، والتحلل الخلقي بالتصوّف، والتقى الأدب واللغة والفقه بمفهوماتها القديمة مع الهندسة والتنجيم والكيمياء والرياضة والمنطق بمفهوماتها الحديثة مع ثمرات النقل والترجمة. وفي هذا القرن تميّز العصر العباسي بالتوسّع في المصطلحات اللفظية والتوليد في المعاني نظراً لاختلاط العرب بغيرهم والميل إلى التحرر، كما تميّز بالتجدّد اللفظي بظهور النقد البياني الذي جعل أساس البلاغة في الألفاظ السهولة والحلاوة والجزالة، وكذلك تميّز بالتفنن في المعاني الشعرية الخاصّة بضروب التمثيل والتشبيه والاستعارة. في خضم هذا العصر الراقي عاش ابن الرومي معاصراً جمهرة طيبة من علماء الدين المعروفين والفلاسفة والأطباء المشهورين، والنحويين والأدباء والشعراء الكبار، والجغرافيين والمؤرخين الثقاة. فمن بين علماء الدين نذكر: البخاري والطبري، وابن ماجه. ومن الفلاسفة: الكندي والفارابي. ومن الأطباء: يوحنا بن ماسويه، وابن سهل الرازي. ومن الأدباء: الجاحظ وابن عبد ربّه، وابن قتيبة. ومن النحويين: الزجاج، وابن الأنباري، ونفطويه، ومن اللغويين: ابن دريد، وعبد الرحمن الهمذاني، والسجستاني. ومن المؤرخين: البلاذري وابن طيفور، والطبري ومن الجغرافيين: ابن الحائك وابن الفقيه. ومن الشعراء: علي بن الجهم وابن المعتز، وغيرهم.
أصله
لم يكن ابن الرومي عربي الأصل، وإنّما كان مستعرباً، وكانت العربية لغته، قد شبّ وشاب بين العرب، نطق بلسانهم، وحذق علومهم، واستظل بمدنيتهم، غير أنّه احتفظ بطبيعة جنسه حتّى صارت روميته المتمسك بها مفتاح شعره ونفسه. وقد وصف العقاد ذلك بقوله: «فالرومية هي أصل هذا الفن الذي اختلف به ابن الرومي عن عامّة الشعراء في هذه اللغة، وهي السمة التي أفردته بينهم، إفراد الطائر الصادح في غير سربه».
وهو يذكر في عدّة مواضع في ديوانه أنّ الروم أصله، وإن كان جدّه لأمّه فارسياً، كما أنّ جدّه لأبيه رومي… فهو القائل:
وإذا ما حكمت ـ والرومي قومي ـ
في كلام معرب كنت عدلا
أنا بين الخصوم فيه غريب
لا أرى الزور للمحاباة أهلا
شعره
ابن الرومي شاعر فحل، ومصوّر بارع، دقيق المعاني، عميق الفكر، بديع التصوير، وهو عند ابن رشيق القيرواني، أولى الناس باسم الشاعر لكثرة اختراعه، وحسن افتنانه. وقد أعجب به ابن خلكان فقال: «هو صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، يغوص على المعاني النادرة، فيستخرها من مكامنها ويبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتّى يستوفيه إلى آخره، ولا يبقى فيه بقية». ويمتاز شعره بطول النفس مع المحافظة على السلالة، فهو مقتدر على الإسهاب في النسج دون تعب أو تكلّف ظاهر، فنحن لا نرى لشاعر عربي ما نراه لابن الرومي من كثرة المطولات التي تتجاوز المئة والمئة والخمسين بيتاً، وأكثرها حسن السبك، كثير الألوان المعنوية، تدل على غزارة مادته اللغوية ومهارته في استخدام الألفاظ لمعانيه. فهو فياض كثير الأطناب والمراجعة بعيد المدى في ميدان النظم. وقد خالف الشاعر سنة الذين جعلوا البيت وحدة النظم وجعل القصيدة كلاً واحداً لا يتم بغير لمام المعنى الذي أراده على النحو الذي نحاه. فقصائده موضوعات كاملة، مؤلفة تأليفاً منطقياً وفنياً لا عوج فيه ولا ضعف. ولم يكن ابن الرومي المفرد العلم من شعراء عصره النازع إلى التحليل والتعمّق في الشعر، فقد كان أبو تمام شديد النزوع إلى هذا الباب، إلى أبعد الحدود، وقد بلغ الولوع بالمعاني عند الشاعرين حتّى إنّهما أكثرا من توكيد المعنى بالمعنى في شعرهما.
عرف ابن الرومي أنّه برع في «التمثيل» وهو أدق من التشبيه وأكثر لطفاً وأجمل صفاء، فقد يكون قصارى الشاعر المشبه أن يشبه ممدوحه بالبحر في الجود، والقمر في السناء، والسيف أو القدر في المضاء، ولكن الشاعر بزّ بهذه الأبيات التي يمدح فيها أبا القاسم وزير الخليفة المعتضد بقوله:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده
لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرته
تضاءل النيران: الشمس والقمر
وإن نضا حده أو سل عزمته
تأخّر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذراً من سطو صولته
لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
ينال بالظن ما يعيا العيان به
والشاهدان عليه: العين والأثر
ويعين ابن الرومي على قدرة الوصّاف فيه، عين المصور الماهر، وريشته الساحرة، فقد شغف الشاعر بالحياة وأحب أن يعيش قوياً ليتمتع بجمالها وأطايبها، فكان كلّه شهوات حين يأكل وحين يشرب وحين يجلس إلى مائدة فيصوّرها بما فوقها من أطايب الطعام. وقد وهبته الطبيعة حسّاً دقيقاً، فكان يرى فيه أدق الألوان وأخفى الأصوات والحركات. وقد ترك لنا أوصافاً كثيرة تجعله من كبار الوصافين في الرياض والأزهار والفواكه والطعام والشراب والطيور وبني الإنسان، وقد رسمها في لوحات كاملة رائعة ذات ظلال وأضواء جميلة متناسقة خلابة… لاحظ كيف يصف رياضاً تختال في أزهارها مراقباً صحوات الحياة فيها بدقة وانتباه فيقول:
ورياض تخـايل الأرض فيها
خيـلاء الفـــتاة في الأبراد
ذات وشي تنـاسـجته سـوار
لبــقات بحـوكـه وغـواد
شكرت نعمة الولي على الوسـ
ـمي ثم العـهاد بعد العــهاد
فهي تثـني على السمـاء
ثنـاء طيّب النشر شائعاً في البــلاد
من نسـيم كأن مسـراه في الأر
واح مسرى الأرواح في الأجساد
حملت شكـرها الريــاح فأدّت
مـا تـؤديه السـن العـــوّاد
تتداعـى فيها حمــائم شــتى
كالبواكي وكالقيان الشـوادي
من مثان ممتّــعات قــران
وفـراد مفجّــعات وحــاد
تتــغنّى القران منهنّ في الأيـ
ـكِ وتبكي الفراد شجو الفراد
وأبدع في وصف الشيب والشباب والبكاء على عهود الصبا النواضر، فأطال فيها وأجاد متوافراً على استيفاء المعاني وتقصيها، وتدقيقه في رسم الظلال لها، وهو بذلك يسجل أجمل ما قيل في هذا الباب ممّا يقل نظيره في الأدب العربي.
وفيه يقول مرحباً:
وقلت مسلماً للشيب: أهلاً
بهادي المخطئين إلى الصواب
ألست مبشري في كلّ يوم
بوشك ترحلي أثر الشباب
لقد بشرتني بلحاق ماض
أحب إليّ من برد الشراب
فلست مسمياً بشراك نعيا
وإن أوعدت نفسي بالذهاب
وأنت وإن فتكت بحب نفسي
وصاحب لذتي دون الصحاب
فقد أعتبتني وامت حقدي
بحثك خلفه عجلاً ركابي
إلى أن يقول:
يذكرني الشباب جنان عدن
على جنات أنهار عذاب
تفيء ظلّها نفحات ريح
تهز متون أغصان رطاب
إذا ماست ذوائبها تداعت
بواكي الطير فيها بانتحاب
يذكرني الشباب وميض بر
وسجع حمامة، وحنين ناب
فيا أسفاً ويا جزعاً عليه
ويا حزناً إلى يوم الحساب
أأفجع بالشباب ولا أعزى
لقد غفل المعزي عن مصابي
تفرقنا على كره جميعاً
ولم يك على قلى طول اصطحاب
وكانت ايكتي ليد اجتناء
فعادت بعده ليد احتطاب
ثمّ استمع إلى تعليقه في حبّه للوطن وحنينه إليه وارتباطه الوثيق به:
وحبب أوطان الرجال إليهم
مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
فقد ألفته النفس حتّى كأنّه
لها جسد، إن بان غورد هالكا
مدحه
لم يدرك ابن الرومي المعتصم والواثق إلاّ صبياً صغيراً، وقد أدرك سن البلوغ في زمن المتوكل وعاش إلى خلافة المعتضد، ومع ذلك لا نرى في شعره ما يدل على تقرّبه من الخلفاء والحظوة عند الأمراء، ولعل السبب أنّه لم يدرك منهم غير المستضعفين كالمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد، وكلّهم قتل أو خلع أو حكم. وقد عاش مدّة أربع سنوات في خلافة المعتضد وله فيه بعض المديح. وهو مدح آل وهب، وآل طاهر، وآل المنجم، وآل نوبخت، وبني المدبر، وبني مخلد وغيرهم. وعلى الرغم من كثرة ممدوحيه فإنّه لم يحظ من مدائحه بكبير طائل، رغم قوّتها وأصالتها.
وبينما نرى زملاءه من كبار الشعار كالبحتري قد فاض كسبهم، نراه وهو في الخمسين من عمره يشكو وطأة الزمان، ونار الحرمان فيقول لمن عاب قريضه:
أبعدما اقتطعوا الأموال واتخذوا
حدائقاً وكروماً ذات تعريش
يحاسدوني وبيتي وبيت مسكنة
قد عشش الفقر فيه أي تعشيش
هجاؤه
لم يكن ابن الرومي مطبوعاً على النفرة من الناس، ولكنّه كان فناناً بارعاً في ملكه التصوير ولطف التخيل والتوليد وبراعة اللعب بالمعاني والأشكال، فإذا قصد شخصاً أو شيئاً صوب إليه (مصورته) الواعية فإذا ذلك الشخص أو ذلك الشيء صورة مهيأة في الشعر تهجو نفسها بنفسها و تعرض لنظر مواطن النقص من صفحتها كما تنطبع الأشكال في المرايا المحدبة، فكلّ هجوه تصوير مستحضر لأشكاله ولعب بالمعاني على حساب من يستثيره.
رثاؤه
يبرز ابن الرومي بين شعراء الرثاء المجيدين لأبنائهم أمثال أبي ذؤيب الهذلي والقرشي والخنساء وعبدالله بن الاهتم وابي العتاهية وجرير، وابن عبد ربّه، والتهامي وغيرهم. وقد أجاد في مرثيه ابنه الأوسط (محمد) وهي تعدّ من أرق ما فاضت به عواطف والد على ولد عزيز. وقد استهلها مخاطباً عينيه بقوله:
بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
فجودا فقد أودى نظيركما عندي
ألا قاتل الله المنايا ورميها
من القوم حبات القلوب على عمد
توخى حمام الموت أوسط صبيتي
فلله كيف اختار واسطة العقد
طواه الردى عني فأضحى مزاره
بعيدا على قرب قريبا على بعد
وقد أبدع في وصف الداء الذي أصابه، وما كان من التأثير فيه، شارحاً العواطف، الأبوية المتألمة شرحاً يحرّك أوتار القلوب. فتصوّر شدّة ألمه وروعة تصويره وأصالة فنّه حين يقول:
ألح عليه النزف حتى أحاله
إلى صفرة الجادي عن حمرة الورد
وظل على الأيدي تساقط نفسه
ويذوي كما يذوي القضيب من الرند
وإني وإن متعت بابني بعده
لذاكره ما حنت النيب في نجد
محمد ما شيء توهم سلوة
لقلبي إلا زاد قلبي من الوجد
أرى أخويك الباقيين فإنما
يكونان للأحزان أورى من الزند
إذا لعبا في ملعب لك لذعا
فؤادي بمثل النار عن غير ما قصد
وقد أرصد الدهر سهامه لابن الرومي في أهله وأسرته، فراح يرثي الراحلين منهم مراثي مؤثرة، فرثى والديه وأمه وخالته وزوجته وأخاه الأكبر… ويبدو أنّ الأحزان لم تعد تشغله عن رزئه في نفسه، فقد كانت فجيعته في حياته أشد وأنكى من فجيعته في موت أهله وبنيه:
رأيت الدهر يجرح ثم يأسو
يوسي أو يعوض أو ينسي
أبت نفسي الهلاع لرزء شيء
كفى شجواً لنفسي رزء نفسي
وقد يجد أغلبنا راحة وتأسياً في أحزان غيره وبلواهم، فتهون عليه بلواه، ولكن ابن الرومي لا يرى ذلك البتة فيقول:
وما راحة المرزوء في رزء غيره
أيحمل عنه بعض ما يتحمل
كلا حاملي عبء الرزية مثقل
وليس معيناً مثل الظهر مثقل
ورثى الشهيد يحيى العلوي، وهو حفيد الإمام علي، بمرثية طويلة فاجعة.
المؤرخون يظلمون ابن الرومي
ما رجعت مرّة إلى سيرة هذا الشاعر العربي إلاّ أخذني شيء من السخط، أو شيء من الحقد على هؤلاء المؤرخين الذين كتبوا قديماً تاريخ الفكر العربي في القرن الثالث الهجري.
فقد رأيت هؤلاء يقتصدون في تاريخ سيرة ابن الرومي اقتصاداً يبلغ حدّ الأجحاف والتقتير، حتّى تكاد سيرته لا تتجاوز عندهم بضعة سطور، فإذا تاريخ حياته كلّها ينحصر في انّ اسمه علي وأنّ أباه العباس بن جريج أبو جورجيس، الرومي أصلاً، وأنّ أُمّه فارسية، وأنّه ولد في بغداد عام 221 وأنّه لم يبرح بغداداً طوال حياته إلاّ مرّة إلى بعلبك وبضع مرّات إلى سامراء وما جاورها، ثمّ هم لا ينسون أن يؤكدوا أنّه كان مولى لأحد أحفاد الخليفة العباسي المنصور وهو عبيدالله بن عيسى بن أبي جعفر المنصور.
ولا يبلغ المؤرخون هذا الحد حتّى يقفزوا اثنين وستين سنة عاشها ابن الرومي، لكي يقولوا إنّه مات عام 283 بقرص مسموم من الحلوى (خشكنانجة) أطعمه إيّاه القاسم بن عبيدالله من آل وهب حين كان هذا وزيراً للخليفة المعتضد لكي يتقي شر هجائه.
وعلى رغم هذا الاقتصاد العجيب في تاريخ حياة الشاعر، ترى هؤلاء المؤرخين يفيضون في أخبار تطيّره وتشاؤمه، إفاضة تحملك على الظن بأنّ القوم يأتمرون عمداً بهذا الشاعر لكي يمسخوا وجه حياته ويصوّروه للأجيال إنساناً ضعيف العقل مهدم الأعصاب، خائر الهمّة، تستعبده العاطفة، وتستأثر به الشهوات الحسية إلى حد الغلو والشذوذ في النهم للطعام والشراب والنساء.
ومن هنا حكم هؤلاء المؤرخون على ابن الرومي، أنّه لم يكن أهلاً «للحظوة» لدى الملوك ومنادمتهم، وأنّه كان من الفاشلين في «صناعة» المديح، ثمّ يتزيدون في تشويهه حتّى يكون من المسلم عندهم أنّ ابن الرومي كان حسوداً حقوداً لئيم الطبع.
والعجيب في هذا كلّه، أنّ أكبر المحدثين، ولا سيما بعض المعاصرين، قد تابعوا أولئك الذين كتبوا قديماً تاريخ ابن الرومي على هذا الوجه الممسوخ الشائه، فإذا سيرة هذا الشاعر العبقري، تلقى اليوم إلى طلبة المدارس ممسوخة مشوهة تثير ضحك الساخرين أو تثير إشفاق المشفقين أكثر ممّا تهدي أذهان الطلبة إلى نواحي العبقرية عنده وإلى مواطن الجمال الفني في شعره وإلى أثر الظلم الاجتماعي في توجيه عبقريته وفنّه وجهة الألم الجامح والهجاء اللاذع.
ويصحّ في ظنّي أنّ قدامى المؤرخين قد صنعوا هذا كلّه في سيرة ابن الرومي لأنّ حقيقة التاريخ كانت عندهم مجرد تاريخ الملوك والأمراء والوزراء ومن يدور مدارهم من شعراء وندمان وكتاب وحجاب وجواري وقيان ومغنين، وإنّما تكبر عندهم أو تصغر قيمة شاعر من الشعراء أو مفكّر من المفكرين على قدر ما يكون نصيبه من شرف الحظوة في مجالس الحاكمين.
ويا لعنة التاريخ لشاعر أو مفكّر أبعدته طبيعته أو ظروفه عن قصور الملوك وحاشيات الملوك، كما أبعدت ابن الرومي إذ أبت عليه أن يتصرّف مع الملوك تصرّف ذوي الملق والزلفى إليهم فأبغضوه وأهانوه وأنكروا شأنه، فإذا هو محروم مزري محقور، وإذا المؤرخون يعرفون من سيرة بعض المغنين اضعاف ما يعرفون من سيرة شاعر عظيم كابن الرومي.
ولقد كان من إهمال المؤرخين لتفاصيل حياته، إنّنا لا نزال نجهد في البحث عن حلقات مفقودة من سيرته فلا نجد منها إلاّ قليلاً في شعره فإنّ هؤلاء المؤرخين على كثرة ما رووا من اخبار تطيّره وتشاؤمه وشذوذه في التطيّر والتشاؤم، لم يقولوا لنا كيف عاش ابن الرومي ولا كيف تعلّم وتثقف ولا كيف اتفق له أن عاصر الخلفاء، دون أن يتصل بواحد منهم، بمدح أو حظوة أو منادمة أو مجالسة، أو ما يشبه ذلك من الصلات.
ومهما يكن من أمر فإنّ المؤرخين مع إهمالهم شأن هذا الشاعر وظلمهم إياه، فإنّنا نستطيع باستقصاء أحواله ومراجعة أشعاره ومدارسة جملة الأخبار التي تناثرت في كتب أهل الأدب، من قدامى ومحدثين عن صلاته بالناس وصلات الناس به طوال حياته ـ نستطيع بهذا كلّه أن نعلم أنّ ابن الرومي لم يكن كما زعم قدامى المؤرخين، وكما يقلدهم بعض مؤرخي الأدب المعاصرين، من أنّه ضعيف العقل وأنّه حسود حقود لئيم الطبع، وأنّه بلغ من التطيّر والتشاؤم ما يصفون ويبالغون.
وإنّما نعلم أنّ ابن الرومي كان إنساناً قوي الإحساس بالحياة قوي الحب لها، قوي الرغبة في الاستمتاع بطيباتها ولكنّه لا يستطيع بلوغ ما يشتهي منها ثمّ نعلم، إلى هذا، إنّه رجل نال نصيباً وافراً من ألوان المعرفة والثقافة في عصره، لقد كان على علم واسع بفقه اللغة ومفرداتها وآدابها وفقه الشريعة والفلسفة وعلوم الرياضة والفلك، وكان من ذوي الرأي في المذاهب الفلسفية والعقلية المعروفة يومئذ.
ثمّ نعلم أنّه إلى سعة علمه وعبقرية فنّه الشعري، كان قليل موارد العيش، وكان يرى من حقّه أن ينال منزلته لدى الخلفاء كغيره من أدباء عصره، بل كان عنده من الاعتداد بنفسه بحيث يرى أنّه أحق من غيره في أن ينال أعلى منازل الكرامة في بلاط الخلفاء، وأن تحوز يداه أسنى الجوائز والعطايا ليعيش موفوراً خلي البال من أمر القوت والجهد في تحصيله.
ولكنّه لم ينل شيئاً من هذا الذي يراه حقاً له، لأنّ الخلفاء عرفوا به رجلاً لا يصلح لمجالسة الملوك ونيل الحظوة عندهم وإنشاء المدائح بين أيديهم بما كان من ثقته بنفسه حتّى لا يرى حاجة للالتزام بما كان يلتزم به الشعراء والمداحون من التملّق والتزلّف واصطناع أسباب الحيلة للوصول إلى مجلس الخليفة وانتزاع عطفه وتقديره، وبما كان في طبعه من الصراحة والوضوح بحيث لا يخفي ما في نفسه نقداً أو عتباً أو ملاماً إذا ما اقتضى الأمر شيئاً من النقد أو العتب أو الملام، وهذا يخالف «تقاليد» الملوك والأمراء والكبراء.
من أجل هذا كلّه ظلّ بعيداً من قصور الملوك والخلفاء، ولكنّه كان على صلة بعدد من الأمراء والوزراء والكتّاب والندماء، كأمراء آل طاهر وآل وهب وكنيس بن أبي صاعد وأبي سهل النوبختي وابن ثوابة الكاتب وإسماعيل بن بليل وعلي بن يحيى القديم غير أنّ هؤلاء جميعاً، كيف يقدمون شاعراً جفته قصور الخلفاء، وهم إذا قدموه أشبعوه منّاً وأذى أكثر ممّا أعطوه من حقّه وقدره.
وقد كان ابن الرومي لا يحتمل المن والأذى من هؤلاء، ولا يحتمل أن يبخسوه حقّه وقدره فلا يكاد يمدح أحدهم، وينتقص قدره أو يبخس حقه، حتّى يتبع المدح بالعتاب والملام، وقد يتبعه بالهجاء أقسى الهجاء.
كان ابن الرومي محباً للحياة قوي الإحساس بها فأحس لذعة الحرمان وأبى أن يصانع الملوك كما كانوا يريدون فنبذوه واحتقروه، وتبعهم المؤرخون. وقلد هؤلاء من جاء بعدهم من كتاب التاريخ حتّى يومنا هذا فإذا ابن الرومي مظلوم في حياته وفي مماته معاً، وليس يكفيه انصافاً أن يعرف الناقدون مذاهبه الفنية وكفى. بل الإنصاف الحق لابن الرومي أنّه كان في الفكر العربي من أعلام المفكرين والواعين الأحرار الذين اضطهدهم ذوو السلطان لوعيهم مصادر الظلم الاجتماعي ولتعبيرهم عن هذا الظلم بمختلف ألوان التعبير، بل بأروع ما يعرف الحرف العربي كيف يعبر ويصوّر ويلهم ويوحي للنفوس بالصور تتلاحق ملامحها وتتكامل حتّى تكون منها بدعة الفن وبدعة الفكر، وبدعة الحقد الإنساني النبيل الخير الذي ينبع من أقدس ينابيع الحب والخير. لقد حقد فعلاً وامتلأ قلبه حقداً شديداً عنيفاً غير أنّ حقده هذا ما كان طبعاً لئيماً فيه كما يشاء أن يقول المؤرخون، وإنّما كان حقداً يصدر عن إحساسه القوي بالحياة، وعن حبّه العميق للحياة وعن شوقه العارم لكلّ طيبات الحياة ومشتهياتها، كان يحقد على الحرمان وحده على الذين حرموه طيبات الحياة فقد كان رجلاً محروماً وكان شعوره بالحرمان عنيفاً على نفسه مرهقاً شديد الإرهاق لعصبه وحسّه فقد حرمه نظام مجتمعه الفاسد أن يستمتع بأبسط حقوه الانسانية فكيف إذن لا ينقم على من يستمتعون بأطايب الحياة دونه ودون الفقراء والمعوزين من سائر فتات الشعب مع أنّه كان يرى أولئك أقل منه كفاءة عقل وعلم وأنّه أعظم منهم في مواهب الفن العبقري.
كيف لا يحقد ابن الرومي على ذوي السلطان وعلى كلّ مستأثر بأسباب النعمة من رجال الدولة وعلى كلّ محتكر لموارد الثروة من دون فئات المجتمع كلها؟ كيف يستطيع أن لا يحقد على هؤلاء جميعاً حين يرى إلى هذا الحمال الأعمى كما وصفه في هذه القطعة الإنسانية البارعة:
رأيت حمالاً حبيس العمى
يعثر في الأكم وفي الوهد
محتملاً ثقلاً على رأسه
تضعف عنه قوّة الجلد
بين جمالات وأشباهها
من بشر ناموا عن المجد
وكلّهم يصدمه عامدا
أو تائه اللب بلا عمد
والبائس المسكين مستسلم
أذل للمكروه من عبد
وما أشتهي ذاك ولكنّه
فرّ من اللؤم إلى الجهد
فرّ إلى الحمل على ضعفه
من كلمات المكثر الوغد
أهذا هو الحسد والحقد ولؤم الطبع في ابن الرومي؟ أترى ما يكون الحق على الظالمين والمحتكرين لؤماً، أم تراه يكون نبلاً ورحمة وسمواً؟…
فابن الرومي إذا كان ذا طبيعة إنسانية رحيمة وكان ألمه لنفسه ولغيره، أي لحرمانه وحرمان غيره من الجماهير في مجتمعه، وكان إحساسه بالظلم ليس إحساساً ساذجاً سلبياً، ولكن كان إحساساً واعياً يعرف الأسباب والمصادر، ويحسن تعليل الظلم وتعليل النوازع النفسية التي تتأثر بالظلم.
حقاً كان ابن الرومي ساخراً، وذلك لأنّ سخريته كانت على قدر استخفافه بمن يملكون الجاه والسلطان، أو يملكون الشرف والنعيم، وهم دون غيرهم كفاءة وموهبة وعقلاً وأدباً. وعلى قدر ما يرى في مجتمعه ذاك من شخوص تقعد في غير مقاعدها، ومن أوضاع تجري في غير مجاريها، فإذا كلّ ما في المجتمع مقلوب يثير السخر والتندر فكان ابن الرومي لذلك أقدر الساخرين وأبرع شاعر أو «كاريكاتوري» عرفته عصور الأدب العربي.
تطيّره
لقد كانت الدولة تجفو هذا الشاعر وتبخسه قدره يضاف إلى هذا أنّه كان على شيء كثير من رهافة الحس وسرعة التأثّر والانفعال ببواعث الألم، وإنّ بواعث الألم هذه تكثر في حياته وتكثر في مجتمعه الذي كان يشرف يومئذ على الانحلال الاجتماعي والانهيار الاقتصادي بما كان ينخر في جسم الدولة من علل الفساد والبغي والاستئثار.
ويضاف إلى هذا أيضاً أنّ الشاعر كان يرى إلى كثير من المقربين في مجالس الخلفاء وكبار رجال الدولة تغدق عليهم ألوان الترف والنعم وهو كان يعلم أنّ أحداً منهم لم يستحق شيئاً من هذا بكفاءته وموهبته وإنّما استحقه بمجرد اتقانه فن الخداع والزلفى وأساليب المكر والرياء.
ثمّ يضاف إلى كلّ ما تقدّم أنّ ابن الرومي لم يكن على بسطة في عيشه بل كان في أكثر أيامه في ضيق العيش محتاجاً إلى المعونة، وما كان له من مورد يكفيه الطلب إلى إخوانه أو إلى بعض ممدوحيه سوى موارد ضئيلة جار عليه الناس فاغتصبوه إياها ولم يسعفه أحد بدفع العدوان عنه.
وقد امتحن إلى هذا كلّه محنته العاطفية إذ فقد أولاده الثلاثة ثمّ فقد أمّه فأخاه الأوحد فزوجه. وكان أثر هذه الفواجع على حسّه عنيفاً وعلى عصبه الضعيف وطبعه الانفعالي.
وهكذا اجتمعت على ابن الرومي كلّ هذه الأسباب والعوامل فإذا هو أضعف من أن يطيق احتمالها، وإذا هو ينقلب إنساناً يرى الحياة ظلاماً وقتاماً وشؤماً، ثمّ إذا كلّ خاطر من خواطر السوء وكلّ هاجس من هواجس النحس يتجسّم في نظره ويكبر حتّى صار معدوداً في التاريخ من المتطيرين وحتّى ضربت الأمثال بطيرته وتشاؤمه.
ومن هنا يظهر بوضوح أنّ طيرة ابن الرومي جاءت من خارج نفسه، أي من ظروف حياته كلّها، وليست طبعاً أصيلاً قد خلقت فيه.
وينبغي أن نشير أيضاً إلى أنّ هذه الأخبار نفسها التي يرويها الرواة عن طيرته وتشاؤمه مطعونة بالغلو والمبالغة.
مكانته عند العرب والمستشرقين
لم يلق شاعر من شعراء العربية ما لقيه ابن الرومي من إغفال مقصود أو غير مقصود لفنّه ومواهبه في الأدب العربي… غير أنّه لم يعدم بعض النقاد الذين أنصفوه وتعرّضوا لبعض أشعاره. فالمرزباني عقد موازنة طريفة بينه وبين البحتري في الهجاء، وانتصر له. وقال عنه ابن رشيق: «إنّه أكثر المولدين اختراعاً». ومدحه ابن شرف القيرواني بقوله: «إنّه شجرة الاختراع وثمرة الابداع، وله في الهجاء ما ليس له في الإطراء، فتح فيه أبواباً، ووصل منه أسباباً». وأشاد بشعره وصياغته ابن خلكان، وأبو علي القالي، وبديع الزمان الهمذاني، وأبو هلال العسكري، وابن عمار، والثعلبي، وغيرهم.
وحظي ابن الرومي بعناية بعض المستشرقين الكبار ونال إعجابهم. فالمستشرق الألماني بروكلمن تحدّث عنه في الجزء الأوّل من كتابه المشهور في تاريخ الأدب العربي. والمستشرق الفرنسي اميل درمنجهم اختار له أربع قصائد كأجمل ما في النصوص العربية وترجمها إلى الفرنسية. والأستاذ الفرنسي كليمان هيوار أشاد بشعره وأعجب بجمال تعبيراته وأفكاره.
خلاصة القول في شاعريته
في أي باب من أبواب الشعر كان ابن الرومي يجيد خاصة؟ سؤال لا بد أن يخطر في بالنا في معرض الكلام على صناعته وأسلوبه وأرى أنّ الكثيرين سيقولون ـ أو قالوا ـ إنّه هو باب الهجاء لأنّه اشتهر به وشاع أنّه مات بسببه، فلنعلم أنّهم مخطئون في هذا الحكم لأنّ ابن الرومي كان يجيد في أبواب الشعر كلّها على حدّ سواء، ويعطي قصائده جميعاً بمقدار واحد من عنايته واتقانه.
وخذ مثلاً أقواله في الحكمة وهي أقل ما اشتهر به تجد له مئات من الأبيات التي تسير مسير الأمثال وتخرج عن عداد تلك الأفكار المطروقة التي يتفيهق بها من يحبون الاشتهار بالبيت الحكيم والمثل السائر، ولو أنّنا، رجعنا إلى أبياته لما ألفينا بينها تفاوتاً في الطبقة بين غرض وغرض وباب وباب، وإنّما اشتهر بالهجاء لأنّ الهجاء أشهر وأَسْير، لا لأنّه يجيد فيه أكثر من إجادته في المديح أو بالوصف البارع.
وأغرب من هذا الاستواء في طبقة القول إنّك تقرأ أشعاره فتحسب أنّها نظمت كلّها في عمر واحد فلا تدري أيها شعر الشباب وأيّها شعر الكهولة والشيخوخة. إلاّ ما يندب فيه شبابه ويتبرم بسنه. فقصائده التي نظمت من العشرين إلى الستين طبقة واحدة من هذه الناحية لا تستطيع أن تتحقق فيها مزية سن على سن ولا فترة على فترة. وتعليل ذلك صعب في الشعراء المطبوعين غير ابن الرومي، أمّا هو فلا صعوبة في تعليل هذا الاستواء في تركيبه والتشابه في روحه ونسجه لأنّه ينسج من غزل واحد وبضاعة واحدة، وهي الشعور الجديد أو شعر الطفولة الفتية التي لازمته في حياته من المبدأ إلى النهاية. فلم يتغيّر فيه إلاّ القليل بعدما درس نصيبه من اللغة والعلم واستوفى مادته من الفن والصياغة، وكأنّ الشجرة نضجت مكبرة وبلغت تمامها ورسخت تربتها، فثمرتها اليوم كثمرتها بعد سنوات عشر أو عشرين وثلاثين، ولا عيب في ذلك إلاّ أن تكون الثمرة شراً لا خير فيه. أمّا إذا كانت ثمرة جنينة كأطيب الثمر في النظرة والحلاوة فالتبكير إذاً أصلح من التأخير والبقاء على طبقة واحدة أحبّ وأكمل من التغيير.
فالكلمة الأولى والأخيرة في هذا العبقري النادر أنّه كان شاعراً في جميع حياته، حيّاً في جميع شعره وإنّ الشعر كان لأناس غيره كساء عيد وحلّة موسم ولكنّه كان له كساء كلّ يوم وساعة بل كان له جسماً لا تكون بغيره حياة. «انتهى مقام الدكتور مروة».
تشيعه
يقول الاستاذ العقاد:
«كان ابن الرومي شيعياً ومعتزلياً». ثمّ يقول: «وكان مذهبه في الاعتزال مذهب القدرية الذين يقولون بالاختيار وينزهون الله عن عقاب المجبر على ما يفعل».
ويستشهد الأستاذ العقاد على ذلك بقوله في العباس بن القاشي ويناشده صلة المذهب:
مقالة «العدل والتوحيد» تجمعنا
دون المضاهين من ثنى ومن جحدا
ثمّ يقول العقاد:
«فواضح من كلامه هذا أنّه معتزلي وأنّه من أهل العدل والتوحيد وهذا الاسم الذي تسمّى به القدرية لأنّهم ينسبون العدل إلى الله فلا يقولون بعقوبة العبد على ذنب قضي له وسيق له، ولأنّهم يوحدون الله فيقولون إنّ القرآن من خلقه وليس قديماً مضاهياً له في صفتي الوجود والقدم. وقد اختاروا لأنفسهم هذا الاسم ليردّوا به على الذين يعتقدون القدر وأولى بأن ينسبوا إليه إنّما نحن أهل العدل والتوحيد لأنّنا ننزّه الله عن الظلم وعن الشرك».
هذا ما قاله الأستاذ العقاد. ولكن الواقع أنّ موافقة المعتزلة للشيعة في بعض الأقوال، كالقول بالاختيار وخلق القرآن والحسن والقبح العقليين جعلت بعض الباحثين ينسبون كثيراً من رجال الشيعة إلى الاعتزال حتّى لقد قال بعضهم عن السيد المرتضى والصاحب بن عباد أنّهما معتزليان وهما من هما في التشيع.
كما قال آخرون عن عبدالحميد بن أبي الحديد المعتزلي أنّه شيعي، وهو مثل ما قاله الأستاذ العقاد عن ابن الرومي الشيعي، وأين الاعتزال من التشيع، فإذا اتفقا في بعض الأشياء فقد اختلفا في أشياء وأشياء. فإنّ ابن الرومي شيعي، ولا يمكن أن يكون الشيعي معتزلياً ولا المعتزلي شيعياً.
وإذا قال ابن الرومي بالعدل والتوحيد والاختيار وخلق القرآن فلأنّ الشيعة والمعتزلة متفقان في هذا على حين أنّهما مختلفان في غير هذا.
ابن الرومي في هجائه
وقال الدكتور محمد مصطفى هدارة:
لم ينل شاعر من إعراض مؤرخي الأدب مثل ما لقيه ابن الرومي، بسبب كثرة خصوماته في عصره وإفراطه في الهجاء حتّى صدق ما قاله فيه أحد معاصريه أنّ لسانه أطول من عقله. والمتصفح لديوان ابن الرومي سواء ما طبع منه، أو الجزء الذي لا يزال مخطوطاً، يرى الهجاء غالباً على كلّ ما عداه من فنون الشعر فيما عدا المديح، حتّى ليرسخ في النفس أنّ هذا الشاعر عدو للناس والمجتمع، بعيد عن الاتزان وضبط النفس، وهما سمة الإنسان العاقل، قريب من معاداة الإنسانية بمعناها العام، بل لقد يحسّ كذلك أنّه اتّخذ الهجاء صناعة بحكم علله النفسية وما يشعر به من نقص وحقد وحسد وغيرة إزاء الناس والمجتمع.
وكثيراً ما كان الهجاؤون يعانون مثل هذه العلل والنقائص التي تدفعهم إلى التعويض بسلاطة اللسان، والتهجّم على الأعراض، وتخويف من عداهم من البشر المسالمين.
ولكنّنا ننفي ذلك كلّه عن ابن الرومي من واقع أخباره وأشعاره، ونرى أنّه في كلّ أهاجيه ـ برغم كثرتها وفحشها وسلاطتها كان الضحية المعتدى عليه، وأنّ هجاءه كان سلاحاً للدفاع عن النفس، في عصر لا يبر الضعفاء، ولا يرحم المساكين، وإنّ هذا السلاح لم يكن ابن الرومي يشرعه إلاّ في حالة الاضطرار والاستفزاز.
كان ابن الرومي بطبعه مصافياً للناس يألفهم ويألفونه، ويبرهم ويبرونه، ولكنّه كان فقيراً يكتسب بشعره، شديد الحساسية في احتفالٍ بكرامة نفسه وكرامة شعره على السواء، وكان فيمن صادقهم ابن الرومي في حياته الغني الذي يريد استعباده بماله، والعابث الذي يلمح فيه مواطن الضعف فيلحّ عليها بعبثه، والغبي الذي يجهل قيمة شعره، وأمثال هؤلاء كانوا يستفزون ابن الرومي فيضطر إلى هجائهم، ويحركون فيه طبعه الحاد، أو طبعه المقاتل الذي لا يستسلم، ولا يستكين لمهاجمة.
وقد يغفر بعض الباحثين هجاء ابن الرومي للكثرة الهائلة من شعراء عصره وكتابه وعلمائه من أمثال البحتري، والناجم، والناشىء، والمبرد، ونفطويه، والاخفش، وقد يتسامحون في هجاء ابن الرومي للمغنين والمغنيات في أيامه، ولكنّهم يقفون من ابن الرومي موقف التشكك والاتهام بالنسبة لهجائه من سبق له مدحهم من ذوي المناصب العامة، هؤلاء الذين كان يتوجّه إليهم بمديحه، ليستعين بجوائزهم على مواصلة الحياة، فهل كان ابن الرومي إنساناً غير سوي الطبيعة، مرائياً منافقاً عديم الوفاء؟ وأيّهما كان أصدق: مديحه السابق أم هجاؤه اللاحق؟ وإذا كان مديحه نفاقاً في سبيل لقمة الخبز، فما جدواه من وراء هجاء ذوي المناصب، وبعضهم كان لا يزال في منصبه؟ هل نجد في شخصية ابن الرومي تهوّراً واندفاعاً في سبيل الهجاء، بحيث ينكب عن ذكر العواقب جانباً؟
إنّ مصاحبتنا لشعر ابن الرومي تجعلنا نؤكد أنّه لا يبتدر خصومه بالهجاء، بل يظل يصبر عليهم حتّى لا تبقى للصبر بقية، وهو حذر جداً في علاقته بذوي السلطان، لأنّه شديد الإحساس بعوزه وحاجته إلى التكسب بشعره، ومحال أن يقطع معين رزقه لاندفاع أو تهور، بل ما أعجبه حين يصف لنا حذره من ذوي السلطان، ويضع بنفسه حدوداً لهجائه في قوله:
لا أقذع السلطان في أيامه
خوفاً لسطوته ومر عقابه([113])
وإذا الزمان أصابه بصروفه
حاذرت رجعته ووشك مثابه([114])
واعد لؤماً أن أهم بعضه
إذ فلت الأيام من أنيابه
تالله اهجو من هجاه زمانه
حرمت مواثبتيه عند وثابه([115])
فليعلم الرؤساء إنّي راهب
للشر، والمرهوب من أسبابه
طب بأحكام الهجاء، مبصر
أهل السفاه بزيفه وصوابه
حرم الهجاء على امرىء غير امرىء
وقع الهجاء عليه من أضرابه
أو طالب قوتاً حماه قادر
ظلماً حقوق طعامه وشرابه([116])
ما أحكم هذا الدستور الذي وضعه ابن الرومي لهجائه وما أشد صرامته، إنّه لا يهجو أصحاب السلطان وهم في أوجهم، خوفاً من سطوتهم وعقابهم، فإذا خان الزمان أحدهم عف ابن الرومي عن هجائه خوفاً من عودته إلى السلطة مرّة أخرى. ولكن هذه العفة لا تقوم على أساس الخوف وحده، بل على أساس من كريم الخلق، فمن اللؤم هجاء إنسان تعرّض لمحنة. وكم من الشعراء كانوا ينهشون ممدوحيهم السابقين بمجرد تجرّدهم من السلطة، وكان البحتري مشهوراً بذلك، فقد هجا نحو أربعين من ممدوحيه السابقين بعد تجرّدهم من السلطان. وابن الرومي يطمئن الرؤساء من ناحيته، فهو يرهب الشر، وهو خبير بأحكام الهجاء: متى يجوز ومتى لا يجوز، وهو يقصر جواز الهجاء على موضعين: الرد على من يهاجيه من أقرانه، وردع الظالمين الذين يمنعون الفقير حق ما يقتات به. فإذا كان ابن الرومي قد خرج على درستور الهجاء الذي وضعه، فليس من سبب لهذا الخروج إلاّ أن يكون اضطراراً يستفز الشاعر لهذا الهجاء.
وأوّل من يلقانا من أصحاب المناصب، ممّن هجاهم ابن الرومي بعد مدح، إبراهيم بن المدبر الكاتب الذي شغل عدّة مناصب هامّة، كان من بينها منصب وزير المعتمد. ويترجم له ياقوت فيقول عنه «إبراهيم بن محمد بن عبيدالله ابن المدبر، أبو إسحاق الكاتب، الأديب الفاضل، الشاعر الجواد المترسل، صاحب النظم الرائق والنثر الفائق، تولّى الولايات الجليلة، ووزر للمعتمد، توفي 279هـ وهو يتقلد ديوان الضياع للمعتضد ببغداد» وقد مدحه ابن الرومي بمناسبة هروبه من سجن الزنج سنة 257هـ، ولكن يبدو أنّ ابن المدبر لم يكن كريماً مع ابن الرومي بحيث يمنحه جائزة سخية على مديحه، بل لعله ـ بحكم شاعريته ـ خاض في نقد شعر ابن الرومي، ولهذين السببين استحق الهجاء، ويطالبه ابن الرومي ـ في بعض هجائه ـ برد قصائد مديحه فيه، ولو ممزقة، يقول:
أردد علي قراطيسي ممزقة
كيما تكون رؤساً للدساتيج([117])
فإنّ ذلك أدنى من تشاغلها
بحفظ مدحك يا علج العلاليج
ومن أصحاب المناصب الذين سبق لابن الرومي أن مدحهم ثمّ عاد فهجاهم، أحمد بن محمد الطائي الذي كان والياً على الكوفة سنة 269هـ وظلّ في منصبه حتّى قبض عليه سنة 275هـ كما يذكر المسعودي والطبري في أحداث تلك السنة. وقد هجاه ابن الرومي لسببين يزكيان خروجه عن دستوره في الهجاء، أمّا السبب الأوّل فهو مماطلة الطائي في تحقيق وعد قطعه على نفسه بإجراء عطاء على ابن الرومي، والسبب الآخر اختطافه ابن أحد الكتّاب واتّخاذه رهينة بسبب خوفه من القتل في أثناء وزارة ابن بلبل في واسط، أي حوالي سنة 273هـ، كما نعلم من تتبع حياة ابن بلبل. يقول ابن الرومي في هجائه للطائي مطمئناً وهو في حمى ابن بلبل:
علج ترقى رتبة فرتبة
ولم يكن أهلاً لهاتيك الرتب
فزل من تلك المراقي زلة
أصبح منها مشفياً على العطب
وهكذا، كلّ ارتقاء في العلا
قريب عهد بارتقاء في الكرب
وعلى الرغم من صلة ابن الرومي القوية بأبي الصقر إسماعيل بن بلبل الذي تقلب في عدّة مناصب رئيسية، فكان رئيساً لديوان الضياع في سامرا سنة 255هـ، وكان وزيراً في أيام الموفق، وعلى الرغم من مدائح ابن الرومي المطولة فيه في مناسبات مختلفة، وعلى مدى سنوات كثيرة ـ إلاّ أنّه ناله بهجائه، وكان السبب الواضح في ذلك إغفال ابن بلبل المتعمد لابن الرومي، ومنعه ما يستحق من جوائز على مديحه، فهو يقول له:
ما بال شعري لم توزن مثوبته
وقد قضت منه أوزان وأوزان
ويستخدم ابن الرومي ـ قبل أن يتحوّل تماماً إلى هجاء ابن بلبل ـ أسلوباً طريفاً في الهجاء يبدؤه بمعنى صريح غايةً في الصراحة وهو أنّ مديحه لابن بلبل ليس نابعاً من محبة شخصية أو إعجاب به، ولكن للحصول على عطائه فحسب، يقول:
أظنُّك خُبِّرتَ أنّي امرؤٌ
أبَرُّ الرجالَ بشعري احتسابا
وذلك أحسنُ ما في الظنون
إذا ما أخٌ بأخيه استرابا
ول غيرُك السائِمي ما أَرى
لشعَّبتُ للظن فيه شِعابا
فقلتُ: غبيٌّ كسا جهلُهُ
نواظرَهُ دون شمسي ضبابا
ورانَ على قلبه رَيْنُهُ
فليس يُريه صوابي صوابا
أذلك؟ أو قلت: كان امرأً
رأى الجودَ ذنباً عظيماً، فتابا؟
هفا هفوة ً بالندى، ثم قال
أنبتُ إلى اللَّه فيمن أنابا؟
أذلك؟ أو قلت:ُ بل لم يزلْ
أخا البخل إلا عِداتٍ كِذابا
يُريغُ ثناءً بلا نائل
يُمنِّي أمانيَّ تُلْفَى سرابا
إلى كل ذاك تميلُ النفو
س أخطأ ظنٌّ بها أم أصابا
وابن الرومي في هذه القصيدة يستخدم أسلوباً غير مباشر في الهجاء، يقوم على الظن والافتراض الذي قد يكون مردّه إلى الخطأ، ولكنّه بعد كلّ ظن يقول له: أذلك وكأنّه يريد أن ينتزع منه اعترافاً بصحة كلّ ما افترضه فيه من سوء الظن.
وقد ألحّ ابن الرومي على ادّعاء إسماعيل بن بلبل نسباً عربياً في شيبان، وكان ادعاء العروبة بين ذوي الأصول الأعجمية كثيراً منذ القرن الثاني الهجري. يقول ابن الرومي فيه:
عجبت من معشر بعقوتنا
باتوا نبيطاً، وأصبحوا عربا
مثل أبي الصَّقر إنَّ فيه وفي
دعواه شيبان ـ آية عجبا
بيناه علجاً على جبلَّته
إذ مسَّه الكيمياء، فانقلبا
عرَّبه جدُّه السعيد كما
حوَّل زرنيخ جدِّه ذهبا
يا عربياً، آباؤه نبط
يا نبعة كان أصلها غربا
كم لك من والدٍ ووالدة
لو غرس الشَّوك أثمر العنبا
بل لو يهزان هزة نثرت
من رأس هذا وهذه رطبا
لم يعرفا خيمةً، ولا وتداً
ولا عموداً لها ولا طنبا
ولم يكن ابن الرومي في هجائه إسماعيل بن بلبل متجنياً، بل إنّ هذا الرجل قد أذلّه بحيث جعله يعري مشاعره بصورة كاملة، فإذا بنا أمام إنسان مظلوم قهره الظلم، يبيع عصارة فكره ولا يجد من يشتري، بل إنّ الممدوحين يحاولون إذلاله وإساءة معاملته، فهو يقول لإسماعيل بن بلبل هذا:
كم نُسامُ الأذى، كأنَّا كلاب
كَمْ، إلى كَمْ يكون هذا العتابُ
كلما جئتُ قاصداً لسلامٍ
ردَّني عن لقائكَ البوَّابُ
ما كذا يفعل الكرامُ، ولا تَرْ
ضى بهذا في مثليَ الآدابُ
أنا حرٌّ، وأنتَ من سادة ِ الأحـ
ـرارِ أهلِ الحجا المُصاصُ اللُّبابُ
وقبيحٌ بعد الطلاقة ِ والبشـ
ـرِ بذي المجد نَبوة ٌ واحتجابُ
وجميل من ابن الرومي أن يذكر ممدوحه بأنّه حر مثله، وليس عبداً يقرع، أو كلباً يطرد. وهذا الموقف اللاأخلاقي من جانب إسماعيل بن بلبل جعل هجاء ابن الرومي ذا نفحة إنسانية، على الرغم من تعبيره عن ذاتيته فهو يقول:
حرمت في سني وفي ميعتي
قراي من دنيا تضيفتها
لهفي على الدنيا، وهل لهفة
تنصف منها أن تلهفتها؟
كم آهة قد تأوهتها
فيها، ومن اف تأففتها
أغذو، ولا حال تسفعتها
فيها، ولا حال تردفتها
قبحاً لها، قبحاً، على أنّها
أقبح شيء حين كشفتها
تعسفتني أن رأتني امرءاً
لمت رني قط تعسفتها
كددت النفس، من بعدما
رفهتها قدما وعففتها
لا طالباً رزقاً سوى مسكة
ولو تعدّت ذاك عنفتها
طالت ما يمسكنها مجملا
فطفت في الأرض وطوفتها
وناكد الجد، فمنيتها
وماطل الحظ، فسوفتها
ما أشد إحساس ابنا لرومي بعذابه في هذه الدنيا التي لم يرد منها إلاّ ما يمسك عليه حياته، ومع ذلك يأبى الحظ أن يماطله عن طريق أولئك الممدوحين الذين لا يثيبونه على شعره الرائع، وليس غير هذا الشعر وسيلة لاكتساب الرزق الشحيح، الذي لا يحصل عليه إلاّ بعد كد ومعاناة.
ونستفيد ممّا تقدّم، ومن كثير غيره أنّ ابن الرومي كان مظلوماً في هجائه لممدوحيه السابقين، فقد كان موقفهم منه مخزياً متعفناً وقد صدق العقاد حين قال: «وأنت تقلب ديوان ابن الرومي فتقرأ فيه عشر قصائد في الشكوى والتذكير والاستبطاء والإلحاح والإنذار والهجاء، إلى جانب قصيدة واحدة في المدح».
ويعدّد العقاد مواقف الممدوحين المخزية من ابن الرومي، فإسماعيل بن بلبل يسيء فهم مديحه الرائع فيه ويظنّه هجاه، ومحمد بن عبدالله بن طاهر يهجو شعر ابن الرومي:
مدحت أبا العباس اطلب رفده
فخيبني من رفده، وهجا شعري
ويكتب قصيدة في عتاب أبي سهل النوبختي، فيراها ملقاة في جانب الدار، وقد خطط في ظهرها بالمداد، والرياح تتلاعب بها، ولهذا يقول له:
رقعة من معاتب لك ظلت
ولها في ذراك مثوى مهان
سطر العابثون فيها أساطيـ
ـر عفت متنها، فما يستهان([118])
خط ولدانكم أفانين فيها
أو رجال كأنّهم ولدان
وقبيح يجوز كلّ قبيح
وقعة من معاتب لا تصان
وكان ابن الرومي يشعر باستبعاد الممدوحين له، فهم يمنون عليه أن قبلوه في مجالسهم، وأحضروه موائدهم، ويفرضون عليه وفاء العبد للسيد، والصنيعة لولي النعمة، ويظنون أنّهم كلفوه بالعيش الرغيد، والظل الظليل، يقول ابن الرومي في ذلك:
إذا امتاحهم اكلة عبدو
ه تعبيد رب لمربوبه([119])
يخالون أنّهم بلغو
ه بالقوت أفضل مطلوبه
وإنّهم حرسوا نفسه
به من غوائل مرهوبه
يذيل مضيفهم ضيفه
كملبوسه أو كمركوبه([120])
ولهذا هجا ابن الرومي ممدوحيه السابقين، وكان يروي أنّهم غافلون عن شعره:
ما خمدت ناري، ولكنّها
ألفت قلوباً نارها خامدة
أو هم جاهلون لا يفهمون:
ما بلغت بي الخطوب رتبة من
تفهم عنه الكلاب والقرده
وما أنا المنطق البهائم والطيـ
ـر سليمان قاهر المرده
وقد بالغ العقاد في الدفاع عن موقف ابن الرومي من هجاء ممدوحيه فجعلهم ـ كلّهم أو أكثرهم ـ لصوصاً، لا ينقضي على أحدهم في المنصب أشهر أو سنوات حتّى يعمر بيته بالمنهوب والمسلوب من أرزاق الرعية الضعفاء، وليست القضية بهذا التعميم، كما أنّها ليست قضية لصوصية الممدوحين بل قضية إنسانيتهم المضيعة إزاء هذا الشاعر الذي ذوّب عصارة فكره في تمجيدهم، ولم يقبض منهم إلاّ على هواء، فعاش مضطهداً كسيراً، ومات مهضوماً مظلوماً.
من شعره
نظرت فاقصدت الفؤاد بسهمها
ثمّ انثنت عنه فكاد يهيم
الموت إن نظرت وإن هي أعرضت
وقع السهام ونزعهن أليم
وله في وصف السيف وهو نهاية في معناه:
يشيعه قلب رواء وصارم
صقيل بعيد عهده بالصياقل
تشيم بروق الموت في صفحاته
وفي حدّه مصداق تلك المخايل
وقد أكثر الشعراء في ذكر الأوطان ومحبتها والشوق إليها فجاء ابن الرومي مع قرب عهده فذكر الوطن وبيّن عن العلة التي لها يحب وزاد عليهم أجمعين وجمع ما فرقوه في أبيات من قصيدة يخاطب بها سليمان بن عبدالله بن طاهر وقد أريد على بيع منزله فقال:
ولي وطن آليت أن لا أبيعه
وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة
كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وقد ألفته النفس حتّى كأنّه
لها جسدان غاب غودر هالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم
مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
وله في معناه:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا
ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثّل في الضمير رأيته
وعليه أغصان الشباب تميد
وله وسمعه البحتري فاستجاده:
يقتر عيسى على نفسه
وليس بباق ولا خالد
ولو كان يستطيع من بخله
تنفس من منخر واحد
وله من قصيدته الطويلة:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها
يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وانها
لا فسح ممّا كان فيه وارغد
وله في إبراهيم بن المدبر وكان ردّ عليه قصيدة مدحه بها:
ردتت علي مدحي بعد مطل
وقد دنست ملبسه الجديدا
وقلت امدح به من شئت غيري
ومن ذا يقبل المدح الرديدا
ولا سيما وقد عبقت فيه
مخازيك اللواتي لن تبيدا
وهل للحي في أثواب ميت
لبوس بعدما امتلأت صديدا
وأورد له في شرح رسالة ابن زيدون في الشماتة وقد بالغ فيها:
لا زال يومك عبرة لغدك
وبكت لشجو عين ذي حسدك
فلئن بكيت فطالما بكيت
بك همة لجأت إلى سندك
أو تسجد الأيام ما سجدت
إلاّ ليوم فت في عضدك
يا نعمة ولّت غضارتها
ما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد بدت برداً على كبدي
لما غدت حراً على كبدك
ورأيت نعمى الله زائدة
لما استبان النقص في عددك
لم يبق لي ممّا برى جسدي
إلاّ بقايا الروح في جسدك
ومن شعره الذي يدل على قوله بالعدل وعدم الجبر قوله في ذكر مساوي الحقد من قصيدة:
يا ضارب المَثَلِ المزخرفِ مُطْرياً
للحقد لم تَقْدح بزَنْدٍ وارِي
شبَّهتَ نفسك والأُلى يولونها
آلاءهم بالأرض والعُمَّار
وزعمتَ فيك طبيعةً أرضيةً
يا سابق التقرير بالإقرار
فينا وفيك طبيعةٌ أرضيةٌ
تهوي بنا أبداً لِشرِّ قرارِ
هبطت بآدمَ قبلنا وبزوجهِ
من جنّة الفردوس أفضل دارِ
فتعوَّضا الدنيا الدنيّة كاسمها
من تلكمُ الجنَّاتِ والأنهارِ
بئستْ لَعمرُ الله تلك طبيعةً
حَرمتْ أبانا قرب أكرم جارِ
واستأسرت ضعفي بنيه بعده
فهم لها أسرى بغير أسار
لكنّها مأسورة مقسورة
مقهورة السلطان في الأحرار
فجسومهم من أجلها تهوي بهم
ونفوسهم تسمو سمو النار
عرفوا لروح الله فيهم فضل ما
قد أثرت من صالح الآثار
فتنزهوا وتعظموا وتكرموا
عن لؤم طبع الطين والأحجار
لا ترض بالمثل الذي مثلته
مثلاً ففيه مقالة للرازي
الأرض في أفعالها مضطرة
والحي فيه تصرف المختار
فمتى جريت على طباعك مثلها
فكأنّ طرفك بعد من فخار
أخرجت من باب المشيئة مثلما
خرجت فأنت على الطبيعة جاري
أنّى تكون كذا وأنت مخيّر
متصرف في النقض والأمرار
أين انصراف الحي في أنحائه
وحويله فيما سوى المقدار
أين اختيار مخيّر حسناته
إن كنت لست تقول بالإجبار
شهد اتفاق الناس طراً في الهوى
وتفاوت الأبرار والفجار
إنّ الجميع على طباع واحد
وبما يرون تفاضل الأطوار
قاد الهوا الفجار فانقادوا له
وأبت عليه مقادة الأبرار
لولا صنوف الاختيار لاعنقوا
لهوى كما اتسقت جمال قطار
ورأيتهم مثل النجوم فإنّها
متتابعات كلّها لمدار
متيممات سمت وجه واحد
ولها مطامع حجة ومجاري
وله في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من قصيدة:
يا هند لم أعشق ومثلي لا يرى
عشق النساء ديانة وتحرجا
لكن حبي للوصي مخيم
في الصدر يسرح في الفؤاد تولجا
فهو السراج المستنير ومن به
سبب النجاة من العذاب لمن نجا
وإذا تركت له المحبة لم أجد
يوم القيامة من ذنوبي مخرجا
قل لي أأترك مستقيم طريقه
جهلا وأتبع الطريق الأعوجا
وأراه كالتبر المصفى جوهرا
وأرى سواه لناقديه مبهرجا
ومحله من كل فضل بين
عال محل الشمس أو بدر الدجى
قال النبي له مقالا لم يكن
يوم الغدير لسامعيه ممجمجا
من كنت مولاه فذا مولى له
مثلي وأصبح بالفخار متوجا
وكذاك إذ منع البتول جماعة
خطبوا وأكرمه بها إذ زوجا
وقال في أمير المؤمنين علي (عليه السلام):
تراب أبي تراب كحل عيني
أما رمدت جلوت به قذاها
تلذّ لي الملامة في هواه
لذكراه واستحلي أذاها
قال من قصيدة يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين ثار على الظلم وفساد الحكم أيام العباسيين:
أمامك فانظرْ أيّ نهجْيك تنهجُ
طريقان شتى مستقيم واعوجُ
ألا أيهذ االناسُ طال ضريرُكم
بآل رسول اللَّه فاخشوا أو ارْتجوا
أكل أوانٍ للنبي محمد
قتيلٌ زكيٌ بالدماء مُضرَّجُ
تبيعون فيه الدينَ شرَّائِمة
فلله دينُ اللَّه، قد كاد يَمْرَجُ([121])
بني المصطفى كم يأكل الناس شُلَوَكم؟
لِبَلْواكُم عما قليل مُفَرَّجُ
أما فيهم راعٍ لحق نبيّهِ
ولا خائفٌ من ربه يتحرجُ
لقد عَمَهُوا ما أنزل اللَّه فيكُم
كأنَّ كتاب الله فيهم مُمجمج([122])
الأخاب من أنساه منكم نصيبَه
متاعٌ من الدنيا قليلٌ وزبرج
أبعد المُكنّى بالحسين شهيدكم
تضيئ مصابيح السماء فتسرج
لنا وعلينا ولا عليه ولا له
تسحسح أسراب الدموع وتنشج
وكيف نُبكِّي فائزاً عند ربه
له في جنان الخلد عيشٌ مُخرفجُ([123])
فإنْ لا يكن حيا لدينا فإنه
لدى الله حيٌ في الجنان مزوج
وكنا نرجّيه لكشف عماية
بأمثاله أمثالُها تتبلَّجُ
فسَاهَمنَا ذو العرش في ابن نبيه
ففاز به، والله أعلى وأفلجُ
أيحيى العلي لهفى لذكراك لهفة
يباشر مَكْواها الفؤادَ فيَنْضجُ
لمن تستجدُ الأرضَ بعدك زينة
فتصبح في أثوابها تتبرّجُ
سلامٌ وريحان وروح ورحمة
عليك وممدود من الظل سجسجُ
ولا برح القاع الذي انت جاره
يرفّ عليه الاقحوان المفلّجُ
ويا أسفي ألاَّ تَرُدَّ تحية
سوى أرج من طيب رمسك يأرجُ
ألا انما ناح الحمائم بعدما
ثَوَيْتَ وكانت قبل ذلك تَهْزَجُ
ألا أيها المستبشرون بيومه أظلت
عليكم غُمة ٌ لا تفرَّجُ
أكلُّكُم أمسى اطمأن مِهادُه
بأن رسول الله في القبر مُزعجُ
فلا تشمتوا وليخسأ المرء منكم
بوجهٍ كأَنَّ اللون منه اليَرَنْدَجُ([124])
فلو شهد الهيجا بقلبِ أبيكُم
غداه التقى الجمعان والخيل تمعجُ
لأعطى يدَ العاني أو ارتدّ هارباً
كما ارْمَدَّ بالقاع الظليمُ المهيَّجُ([125])
ولكنه ما زال يغشى بنحره
شَبا الحرب حتى قال ذو الجهل: أهوجُ
وحاش له من تلكم، غير إنه
أبَى خطة َ الأمر التي هي أسحجُ
وأين به عن ذاك؟ لاأين ـ إنه
إليه بِعِرْقَيْهِ الزَّكيين مُحْرَجُ
كأني به كالليث يحمي عرينه
وأشباله لا يزدهيه المهجهجُ
كدأب علي في المواطن قبله
أبي حسن، والغصن من حيث يخرج
كأني أراه إذ هوى عن جواده
وعفر بالتراب الجبين المشجج
فحبِّ به جسماً الى الأرض إذ هوى
وحُبَّ به روحاً إلى اللَّه تعرجُ
أأرديتم يحيى ولم يطوأيطلٌ
طِراداً ولم يُدْبر من الخيل مَنْسِجُ
تأتتْ لكم فيه مُنى السوء هينة
وذاك لكم بالغي أغرى وألهجُ
تمدون في طغيانكم وضلالكم
ويستدرج المغروب منكم فيدرج
أجنوا بني العباس من شنآنكم
وأوكوا على ما في العياب وأشرجوا
وخلوا ولاة السوء منكم وغيهم
فأحربهم أن يغرقوا حيث لججوا
نَظَارِ لكم أنْ يَرجع الحقَّ راجعٌ
إلى أهله يوماً، فتشجُوا كما شجوا
على حين لا عُذْرَى لمُعتذريكُم
ولا لكم من حجة الله مخرجُ
فلا تلقحوا الآن الضغائن بينكم
وبينهم أنّ اللواقح تنتج
غررتم لأن صدقتم أنّ حالة
تدوم لكم والدهر لونان اخرج
لعل لهم في مُنْطوِي الغيب ثائراً
سيسمو لكم، والصبح في الليل مولجُ
أفي الحق أن يمسوا خماصا وأنتم
يكاد أخوكم بطنة يتبعج
وتمشون مختالين في حجراتكم
ثقال الخطى أكفالكم تترجرح
وليدُهُم بادي الطَّوى ووليدكم
من الريف ريَّانُ العظام خَدَلَّجُ
بنفسي الألي كظتهم حسراتكم
فقد عَلِزُوا قبل الممات وحَشرجوا([126])
وعيرتموهم بالسَّواد ولم يزل
من العرب إلا محاض أخضر أدعجُ
ولكنكم زرقٌ يزين وجوهكم
بني الروم! ألوانٌ من الروم نعّجُ
أبى الله إلا أن يطيبوا وتخبثوا
وأن يسبقوا بالصالحات وتُفْلَجُوا
وإن كنتم منهم وكان أبوكم
أباهم فان الصفو بالرنق يمزجُ
وقال في أهل البيت:
إن يوال الدهر أعداء لكم
فلهم فيه كمين قد كمن
خلعوا فيه عذار المعتدي
وغدوا بين اعتراض وارن([127])
فاصبروا يهلكهم الله لكم
مثل ما أهلك أذواء اليمن
قرب النصر فلا تسبطئوا
قرب النصر يقيناً غير ظن
ومن التقصير صوني مهجتي
فعل من أضحى إلى الدنيا ركن
لا دمي يسفك في نصرتكم
لا ولا عرضي فيكم يمتهن
غير أنّ باذل نفسي وإن
حقن الله دمي فيما حقن
ليت أنّي غرض من دونكم
ذاك أو درع يقيكم ومجن
أتلقى بجبيني من رمى
وبنحري وبصدري من طعن
إن مبتاع الرضى من ربّه
فيكم بالنفس لا يخشى الغبن
وله في رثاء شبابه:
أبَيْنَ ضُلوعي جمرة تتوقد
على ما مضى أَمْ حسرَة ٌ تتجدَّدُ
خليليَّ ما بعد الشَّبابِ رَزِيَّة
يُجَمُّ لها ماء الشؤون ويُعْتَدُ
فلا تَلْحَيَا لِلْجَلْدِ يبكي فربّما
تفطَّر عن عينٍ من الماء جَلْمدُ
شبابُ الفتى مجلودُه وعزاؤه
فكيف وأنَّى بعده يتجلدُ
وفَقْدُ الشَّبابِ الموتُ يوجد طعْمُهُ
صُراحاً، وطعمُ الموتِ بالموتِ يفقد
رزئت شبابي عَوْدة ً بعد بَدْأة
وَهُنَّ الرزايا بادئاتٌ وعُوَّدُ
سُلِبتُ سوادَ العارضَيْن وقبلُهُ
بياضَهما المحمودَ إذ أنا أمْردُ
وبُدِّلْتُ من ذاك البياض وحسنِه
بياضاً ذميماً لا يزال يُسَوَّد
لَشتَّان ما بين البياضَيْن مُعْجِبٌ
أنيق ومَشْنُوءٌ إلى العين أنكدُ
وكنتُ جِلاءً للعيون من القذى
فقد جعلَتْ تقذَي بشيبي وتَرمدُ
هي الأعين النُّجْل التي كنتَ تشتكي
مواقِعَها في القلب والرأسُ أسودُ
فما لك تأسَى الآن لما رأيتها
وقد جعلتْ مَرْمى سِوَاكَ تَعَمَّدُ
تَشَكَّى إذا ما أقصدتْكَ سهامُها
وتأسَى إذا نكَّبْنَ عنك وتَكْمدُ
كذلك تلك النَّبْلُ من وقعت به
ومن صُرِفَت عنه من القوم مُقْصَدُ
إذا عَدَلْت عنا وجدنا عُدُولها
كموقعها في القلب بل هو أَجحدُ
تَنكَّبُ عنا مرة فكأنما
مُنَكِّبُهَا عنا إلينا مُسَدِّدُ
كفى حَزَناً أن الشباب مُعَجَّلٌ
قصيرُ الليالي والمَشِيبَ مخلَّدُ
إذا حَلَّ جَارَي المرء شأْوَ حياته
إلى أن يضمَّ المرءَ والشيبَ مَلْحَدُ
أرى الدهرَ أجْرَى ليله ونهاره
بعدلٍ فلا هذا ولا ذاك سَرْمدُ
وجارَ على ليلِ الشباب فَضَامَهُ
نهارُ مشيب سَرْمدٌ ليس يَنْفَدُ
وعزاك عن ليل الشباب معاشرٌ
فقالوا نهارُ الشيب أهدى وأرشدُ
وكان نهارُ المرء أهْدَى لسعيه
ولكنَّ ظلَّ الليل أنْدَى وأبردُ
أأيَّامَ لَهْوِي هل مَواضيكِ عُوَّدٌ
ولهل لشباب ضل بالأمس مُنْشَدُ
أقول وقد شابتْ شَوَاتِي وَقَوَّسَتْ
قناتي وأضْحَت كِدْنِتي تَتَحدَّدُ
ولَّذَّتْ أحاديثي الرجالُ وأعرضتْ
سُليمى وريا عن حديثي ومَهْدَدُ
وبُدِّل إعجابُ الغواني تعجُّباً
فهنَّ رَوانٍ يَعْتَبِرْن وصُدَّدُ
لِمَا تُؤذن الدنيا به من صروفها
يكون بكاءُ الطفل ساعة َ يُولَدُ
وإلا فما يبكيه منها وإنها
لأفْسَحُ ممَّا كان فيه وأرْغَدُ
وللنفس أحْوال تظلُّ كأنها
تشاهِد فيها كلَّ غيب سيُشهَدُ
ومالي عزاء عن شبابي علمتُه
سوى أنني من بعده لا أُخَلَّدُ
وأن مَشِيبي واعدٌ بلَحَاقه
وإنْ قال قوم إنه يَتَوَعَّدُ
البصرة
ـ4ـ
من أمهات المدن العراقية تقع على الشاطىء الغربي لنهر شط العرب الذي يتكوّن من التقاء دجلة بالفرات. وهي منفذ العراق البحري إلى الهند وبقية دول شرق آسيا. ويقدّر إنتاجها من التمور بحوالي 130 ألف طن سنوياً وقد قدّروا عدد أشجار النخيل في البصر فوجدوها تزيد على 14 مليون نخلة. وفي محافظة البصرة يقع أهم حقلين من حقول النفط الرئيسية في المنطقة الجنوبية ويوجد أحدهما في قضاء الزبير، والثاني في الرميلة.
وهي أوّل مدينة عراقية في العهد الإسلامي، وفي أوّل عهد خلافة علي (عليه السلام) لجأ إليها طلحة والزبير وعائشة واستطاعوا إثارة فريق كبير من أهلها على علي فوقعت معركة الجمل الشهيرة وبذلك ظلّت البصرة منحرفة عن علي ثمّ تطوّر الزمن حتّى صارت البصرة اليوم من مراكز التشيّع الكبرى.
وذكر الباحثون أنّ (تريدون) الكلدانية كانت قائمة هناك وبعد أن خربت قامت على أنقاضها مدينة فارسية ثمّ خربت هذه المدينة فعرف مكانها عند العرب باسم الخريبة وعلى أنقاضها قامت مدينة البصرة.
ويقول الأب إسحاق ساكا:
يعتقد البعض أنّ البصرة أنشأها الخليفة عمر في القرن السابع الميلادي، وأنّها لم تكن قبل ذلك الحين في عالم الوجود. وجلاء للحقيقة وخدمة للتاريخ الصحيح، نقول:
كانت البصرة موجودة قبل ذلك الحين بقرون. وكانت تسمّى «ميشان» وسكانها خليط من قوميات متباينة. وسمّاها بعضهم فرأت ميشان، وبرات ميشان، وكرخاديشان وسمّاها اليونان خارك أو جارك. وسمّاها العرب دست ميسان وميسان.
وكان الخليفة الأوّل أبو بكر، بعد أن أتمّ القضاء على فتنة الردة ودانت له الجزيرة العربية، قد وجّه في سنة 632م أمراً إلى القائد خالد بن الوليد أن يسير إلى فتح العراق مبتدئاً من الجنوب بإمارة ميشان فتوجّهت الجيوش العربية إلى هناك وخاضت ثلاث معارك عنيفة مشهورة في التاريخ هي الحفير، والثنبى (المذار) والأيلة. وكان النصر حليف العرب. ثمّ فتحوا ميشان (البصرة) وأخضعوها على عهد الخليفة الثاني.
وفي سنة 16هـ 637م. حدث حريق بالبصرة أدّى إلى خرابها، فأمر الخليفة عمر ببنائها من جديد، فبنيت مدينة كبيرة ذات أسواق واسعة وبيوت فخمة، وسكنها أشراف العرب من أهل البادية وكان على تنزيلها أبو الحرباء عاصم بن دلف وتولّى عليها أبو موسى الأشعري وسمّيت «بالبصرة» منذ ذلك الحين لأنّها بُنيت على أرض غليظة ذات حجارة بيضاء. إذ تسمّي العرب مثل هذه الأرض «بالبصرة». «انتهى».
ويرد على ذلك عبدالقادر باش أعيان:
«البصرة لم يكن اسمها ميشان ولا أسّست على أرض ميشان. وبما أنّني أقوم بتأليف كتاب شامل بعنوان (تاريخ البصرة الكبير) فإنّني أستطيع أن أؤكد أنّ ما ذهب إليه الأب إسحاق ساكا في كلمته مخالف للحقيقة والتاريخ.
«إنّ منطقة ميشان هي التي تسمّى الآن (ميسان)، وهي منطقة لا مدينة أسموها (العزير) سابقاً، وتمتد شرقاً إلى حدود (الحويزة) وجنوباً إلى القرنة».
«ولو عدنا إلى الوراء، إلى ما قبل الفتح العربي لإقليم العراق، لوجدنا أنّ البصرة بلدة قديمة كانت تحمل أسماء غريبة وقديمة، حتّى تسنّى للمسلمين فتح العراق بقيادة سعد ابن أبي وقاص وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه».
«ومن تلك الأسماء (تدمر) أو (تروم) أو (ترون) وهي أسماء آرامية كانت تطلق عليها في عهد الكلدانيين، على نحو ما يقول العلاّمة هارثمن».
«وفي رواية أخرى أنّ المثنى بن حارثة الشيباني ما انفك يشن الغارة بعد الغارة على بلدة (وهشتا باذا أردشير) وهي تسمية فارسية، حتّى خرب تلك البلدة، فلمّا قدمها العرب سمّوها (خريبة)، تصغير خربة».
«ومن تلك الأسماء لفظة (بصرياته) الآرامية وقد وردت في نبذة نقلها المستشرق (المسترانج) في عرضه لكتاب جغرافي لابن سرابيون. ولفظ (بصر) بالكلدانية يعني الجزء الضعيف (وبصرايا) و(بصربي)، أي الأقنية، و(بيت صربي) و(باصربي) و(باصرا) محل الأكواخ».
وقد تعرّضت البصرة، قبل الفتح الإسلامي لغزوات الفرس المتتالية، فإذا بها تسمّى باللسان الفارسي (بسي راه). ويقول الحمزة بن الحسن الأصبهاني في ذلك إنّ لفظة (البصرة) تعريب (بسي راه) إذ كانت البلدة ذات طرق كثيرة ومتشعبة».
«وقد أسّس مدينة البصرة عتبة بن غزوان سنة 14 للهجرة الموافقة لسنة 635 ميلادية». «انتهى».
ويقول الكاتب المغربي محمد بن تاويت:
كلمة البصرة: فارسية فهي ليست الحجارة ولا غيرها ممّا حاولوا به تعليل الاسم. بل هي كما قيل من عمل مؤبذ بن هوشست، مؤلفة من «يس» أي كثير، ومن «راه» أي طريق، ويعني الاسم أنّها ذات طرق متشعبة كثيرة يفضي منها وإليها فهي كالأسواق المفتوحة لعدّة أصواب، ثمّ أصبحت مدينة. ولهذا فليس عمر هو الباني الأوّل أو المؤسس لهذا المكان، بل كان معروفاً بهذا الاسم وكان أحد الأسواق الهامة. ولم يكن من عادة العرب أن يخلقوا أسماء للأماكن التي أقاموا بها. بل كانوا يحافظون على أسمائها القديمة مع تعريب بسيط ممّا نجده في الشرق والغرب والأندلس.
نهضة البصرة وتأخرها
نزل المسلمون «الخريبة» سنة 14 هجرية فبدؤوا بتخطيط البصرة فلم تأت نهاية ذلك القرن حتّى كانت البصرة من أهم الأوساط العلمية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تنوّعت فيها الحركة الفكرية ووضعت مبادىء الفلسفة الإسلامية والتصوّف وعلم الجدل وجعلت العقل ميزاناً حتّى للعلوم اللفظية كالنحو والصرف وفقه اللغة، ففي تلك القواعد والقوانين التي وضعتها لتلك العلوم اللفظية سلطة للعقل وتنظيم، وكوّنت لها شخصية علمية حيث قيل: هذا مذهب البصريين وهذه مقالتهم. وبغضون ثلاثين عاماً انتقلت البصرة من معسكر إلى مدينة.
وبقيت البصرة والكوفة شبه عاصمتين حتّى أنشأ (المنصور) مدينة بغداد فأزالتهما عن مكانتهما ولم تبق لهما تلك القوّة. وقد حاول (الحجاج) من قبل أن يحل محل البصرة والكوفة مدينته الجديدة «واسط»، ولكن واسط عجزت عن ذلك.
وقد كان لحركة الزنوج أثر كبير في إزالة البصرة عن مكانتها العالية فإنّ الأثر التي تركته هذه الحركة كان كافياً لتحطيم البصرة وعدم قدرتها على النهوض ثانية.
كيف نشأت البصرة وتقدّمت
كانت (الابلة) تبعد عن البصرة مسافة أربعة فراسخ، وكانت البصرة موغلة في البادية وكان (المربد) داخلاً في البصرة ولكن السور الذي أقامه المنصور العباسي اقتطع المربد فصار خارج البصرة إلاّ أنّه بقي المركز الحقيقي للأدب والتجارة، وكانت مساحة البصرة عند تأسيسها فرسخين في فرسخ وقيل في فرسخين ونشأت أوّلاً كمجموعة من أكواخ القصب وفي عهد الأشعري كانت بنايات من اللبن ثمّ صار الآجر بمكان اللبن، بدأ تخطيط البصرة كما قلنا عام 14 هجرية وخططت على نظام قبلي فكانت أخماساً لكل قبيلة مهمة حضرت البصرة وقت التخطيط ناحية وأوّل دار فخمة نهضت في البصرة دار ابن الحارث، ودار معقل بن يسار ثمّ توسّعت العمارة حتّى بلغ عدد المنازل من دور وقصور 75 ألفاً، وجدّدت عمارة المسجد فأتقنت ريازته وحملت له الأعمدة من مرمر الأهواز فأصبح من أبدع الجوامع ولا تزال آثار أنقاضه ماثلة يمر بها العابرون من الموفقية إلى قصبة الزبير، وبلغت مساحة المعمور من البصرة 36 ميلاً مربعاً ومن الأدلة على توسّع البصرة ما جاء في حوادث عام 140هـ أنّ محمد بن سليمان عامل المنصور هدم 3000 دار من دور البصرة وقلع مائتي ألف نخلة عقاباً للخارجين مع العلوي إبراهيم، وفي أوائل القرن الثالث تضخمت الثروة وكثرت النفوس وتوسّع العمران فبلغت مساحة غرس النخيل 54 فرسخاً في ثلاثة فراسخ يتخللها 12,000 جدول ونهر وساقية متشعبة من شط العرب وأحصيت السفن الواردة والصادرة فكانت 15,000 وبلغت ثروة أحد البصريين وهو محمد بن سليمان الواردة من أملاكه يوماً 100,000 درهم.
أثر حوادث الزنج
وبينما البصرة في زهوها إذا أطلت حوادث الزنوج فانعكس الطالع، وقد دامت تلك الأحداث أربعة عشر عاماً لم تبق ولم تذر من عظمة البصرة وبعد أن استقرّت أيام صاحب الزنج أمّن من سلم من القتل من الأهلين وبنى لهم مدينة أبي الخصيب على النهر الذي اختطه الخصيب عامل المنصور عام 140هـ ولمّا سار الموفق العباسي لمحاربة صاحب الزنج شرع في بناية مماثلة لبنانية صاحب الزنج سمّيت بالموفقية أو البصيرة وبنى فيها أبو أحمد المسجد الجامع واتّخذ داراً للضرب فضرب الدنانير والدراهم البصرية وجمعت هذه المدينة الحديثة كلّ مرافق الحياة ولما انكشفت الغمة تراجع البصريون. وقد كان ترف البصريين من أهم الأسباب لحرمة الزنج إذ كان كلّ نابه من البصريين وكلّ مترف في حوزته العشرات من الزنوج والزنجيات. وهذا البطر أوجد في أوساط البصرة حركة الملونين ومن هنا نجم قرن صاحب الزنج، وإلى أيامنا هذه توجد في البصرة زاوية للنابه من الزنوج وكانت له إتاوة على زنوج البصرة وله علم يرفع يوم الخميس وتقيم فيه زنوج البصرة ألعابهم ويقدّمون نذورهم.
بقيت الموفقية زاهية ومن القرن الثالث بدأ الانتقال إليها من البصرة تدريجاً حتّى صارت هي البصرة واندثرت الأولى ومسافة ما بينهما 14 كيلومتراً وآخر ما بقي من محلاتها محلة العجم ومحلة بني حرام ومحلة حذيل فقط، ولكن الحيوانات المفترسة كانت تهاجمها وتختطف أهل تلك الخرائب فانتقل الناس إلى البصرة الجديدة وطويت البصرة القديمة في القرن الثامن من الهجرة.
أيام العباسيين وبعدهم
وزهت البصرة في العهد العباسي كلّ الزهو وفي كتاب الأغاني ما يدهش عن زهوها حيث كانت قصورها أجمل القصور وكان البصريون يتفاخرون بالطيلسان وغيره من فخامة المظهر وبلغت حياة اللهو والمجون في البصرة أقصى ما بلغته في بلد مترف ناعم. ودارت الأيام بالبصرة وصارت مباءة للإحن وأخذت معاول الهدم في تقويضها فوقفت الحركة الاقتصادية العظيمة وأصبحت البصرة بلد تمر وسمك، وكثر تسيب المياه فتوافدت الأمراض عليها وعادت الحياة البدوية وأصبحت خصاصاً وأكواخاً. وكانت ناحية الفرات ريفاً وبادية خاضعة للمنتفك حتّى بلاد السماوة تقريباً ومصعدة من ناحية دجلة إلى موضع الكوت وبادرايا وفي هذه الناحية كانت السلطة موزعة بين المنتفك وبني لام وكان قسم من الجزائر تابعاً لموالي الحويزة، وفي القرن الحادي عشر للهجرة ظهرت في تلك الأنحاء أربع إمارات: حكومة الدورق وحكومة القبان وحكومة الحويزة وحكومة البصرة وفي نفس هذا التاريخ لعب آل افرسياب دورهم وكان المالكون منهم ثلاثة يحيى ثمّ علي ثمّ حسين ومدّة سلطتهم سبعون عاماً جاؤوا أوّلاً من الدير المشهور قرب البصرة وإليه ينسب نوع من التمر يسمّى (الديري) وخرجوا أخيراً هاربين من طريق الحويزة، وجاء متسلم البصرة معشوق باشا وتقدّم النفوذ العثماني ينتزع السلطة من الزعماء ويشكل النظام الحكومي وهكذا تقدّم النفوذ العثماني إلى عهد نامق باشا وفيه تخلصت البصرة من تصرفات العشائر وبقي نفوذ المنتفك في ناحية الفرات من موضع الشرش إلى العرجة وفي العرجة هذه المقاربة الناصرية تأسّس أوّل مركز للحكومة العثمانية في المنتفك وكان فيها قائمقام وقاض ثمّ انتقلت الحكومة إلى سوق الشيوخ ثمّ إلى الناصرية.
وفي القرن الثالث عشر للهجرة عادت البصرة ميدانياً للعشائر خصوصاً قبائل كعب والمنتفك فأقام متسلم البصرة عبدالله بك سوراً على البصرة من جهة البادية ممتداً إلى موقع (الدوسر) حماية للبصرة وكانت حوالي البصرة قصبتا الكويت والزبير وكانت البصرة من جهة النهر مكشوفة ومعرضة لعبث العابثين فاتفقت الحكومة مع مشيخة الزبير ومشيخة الكويت على نظارة البصرة خصوصاً في موسم التمور لقاء رسم قدره 150 كارة من التمر لكلّ من المشيختين والكارة عشرون قوصرة والقصورة 60 حقة ولكن هاتين القبيلتين أصبحتا أشد وبالاً من عادة البدو فكانوا يتصرفون في حيازات الملاكين حتّى صاروا أولى بها من أهلها ودامت هذه الحال إلى 1277هـ وفي ذلك العهد ضربت الحكومة على أيدي المفسدين وقتلت زعيمهم (فنجان) ونشأت مشيخة آل الزهير النجديين في قصبة الزبير وأوّلهم سليمان الزهير وانقطعت النظارة، ولكن بقي نفوذ المشايخ وأثره المحسوس إلى آخر العهد العثماني وقبل السقوط كان الأثر البادي لنفوذ آل صباح ونفوذ ابن مرداو شيخ المحمرة وزعيم كعب وكانت البصرة طيلة القرن الثالث عشر منحطة اقتصادياً وعمرانياً وصحياً فكانت مياه الفرات تتغلب عليها فتغمر الأرض وتصيرها بطائح خصوصاً من جهة الزبير وذلك لأنّ أنهار بز الفرات لا تستوعب الفرات الطاغي ومن جهة شط العرب كانت دجلة، وهكذا فتكون البصرة كجزيرة بين فيضين فهي دائماً في رطوبة تنتشر فيها أنواع الأمراض خصوصاً في النشء الصغار، فكان البصريون يلوذون بأولادهم إلى قصبة الزبير والكويت وسوق الشيوخ ولا يردونهم إلاّ بعد أن يبلغوا أشدهم وفي سنة 1277هـ تشكل في البصرة مجلس إعماري وقدمت للمجلس خارطة لجزائر البطائح مع كشف تقديري للنفقات ولكن نامق باشا الذي أعقب منيب باشا ألغى ذلك المشروع، وفي عهد هداية باشا تأسّست محلة العشار على شط العرب، وكانت البصرة آنذاك في تضخم بالثروة وفيها حركة فكرية وحركة اقتصادية. ولم يستقر حكم الأتراك في البصرة، وكان أكبر حظ الأتراك منها أنّهم حسبوها من ولاياتهم، وقاموا بحملة عسكرية بقيادة إياس باشا عام 1153هـ ولكن ما لبثوا أن انقشعوا وقد تكرّرت الحملات التركية الفاشلة ولما عرفت البصرة بمقاومتها للأتراك صار بعض الولاة الذين يحاولون الانفصال يتعربون طمعاً في الاستقلال بالبصرة وذلك لما لمسوه من صلابة روح المقاومة هناك وكثيراً ما لعبت أصابع السياسية في البصرة من طريق العربية فإنّ رجال آل افرسياب بعثوا الشعور القومي في الأدب والتقاليد وغيرها من الأمور التي نوّه عنها ابن معتوق في ديوانه والكعبي في رسالته وبذلك جذبوا شيوخ الجزائر والجوازر وزعماء البادية وثبتت أقدام جنودهم في (العلية) وهي القلعة التي أقامها علي باشا افرسياب في موقع القرنة. وهكذا استمرّت حال البصريين ففي عام 1102هـ وقع الاشتباك بينهم وبين حسين باشا مراد وقد اندحر الباشا، وفي عام 1111هـ وقعت الحرب بينهم وبين الوزير علي باشا، وفي 1112هـ جاء دالدبان مصطفى باشا وقدم لمعونته يوسف باشا الحلبي وقباد باشا حاكم العمادية ومحمد باشا والي ديار بكر وسار دالدبان بجيشه وكان مائتي ألف وبعد مناورات صالح على البصرة شيخ المنتفك مانع فعاد إلى بغداد.
البصرة اليوم
إنّ للبصرة اليوم منظرين جميلين فيهما جلال المظهر ودلائل العظمة وأهمية التركة الموروثة إنّها برية ونهرية، فهي من الوجهة النهرية عراقية بحتة حقول زراعية ونخل عال وطرق نهرية وأكواخ وخصاص ونساء مكورات الرؤوس هذه تحمل جرتها على متنها وتلك تجذب زورقها وأخرى تجمع نجيلاتها وفتيات يحزمن القصب والبردي وأطفال ملطخون بالطين يتغاطسون مع الوز ويدبون مع البقر وفراخ الشاة بين الأكواخ والعرايش وبنات الحي حلقة حول حلقة صور عراقية قديمة تبرز فيها آثار كلدانية ونبطية وعربية وإذا كان بقي شيء من معالم النبط في العراق فإنّها ولا شك في جنوب البصرة وشمالها، وأعجب ما شاهدت في شط العرب وخلال تلك الحركة الصاخبة أمران قديمان الأوّل نشيد أولئك النوتية الذين يعملون في السفن البحرية الشراعية إنّهم عندما يتعاطون أعمالهم الشاقة يرتلون لتنبيه العصب والاستعانة على المتاعب نشيداً غريباً في اللهجة تكثر فيه الرطانة رغم كونه عربياً فلا نشك أنّه بقية محفوظة من بقايا القديم للنوتية العرب في الخليج يوم كان أسطول مازن العربي يمخر ذاك العباب، ولذلك النشيد طابع يغلب عليه تمجيد خالق البحور، وطلب الغوث منه والاستعانة به ويلوح عليه خشوع النوتي وهو في كنف الله تتقاذفه الأمواج ويستطلع عجائب البحر ومخاوفه وتلك الرهبة التي تجلل نفوس العامة في الليل وفي البحر وفي أمثالهما من مدهشات الكون.
الأمر الثاني ما يمر بين آونة وأخرى مصعداً أو منحدراً قارب عراقي قد انساب بعائلة عراقية تعيش على وجه الماء طيلة الحياة، وذلك القارب بيتهم بل مدينتهم بل قطرهم يحمل لوازم الحياة البسيطة لتلك العائلة البسيطة، ففي القارب شاتهم ودجاجاتهم وأطفالهم وقد علقوا على عود السمك الذي اصطادوه وفي راوية ذلك البيت النهري رحى الطحن وتنور الخبز ومرجل الطبخ وبادية الأكل وحزمات الحطب ممّا تنبت الأجراف وغابات القصب والبردي وفي وسط ذلك القارب أبو العائلة قد جلس إلى جنب موقد من طين فيها أباريق القهوة والشاي ونساء تلك العائلة ترى الحازمة منهن تقبض على دفة القارب وتزجيه والباقيات بيدهن المجاذيف يسيرن القارب بتلك السواعد السمر ويتطارحن الحديث ممزوجاً ببعض الحركات اللاتي تعطي عملهن صبغة رقص نهري، ومنظر البصرة من وجهة النهر يجعلها بوضعية هندسية لا توجد لغيرها من المدن العراقية لا من تلك القصور القوراء الناشرة أجنحتها على حافتي شط العرب وسط الخمائل وخلال السعفات الخضر، إنّما تلك الوضعية الهندسية هي تشعب العمارة بتشعب الأنهار. إنّ وضع البصرة يجعل لكل محلة نهراً خاصاً يتخللها فيسقي البساتين والدور، وأكثر عمارات البصرة مغطاة بأطراف النخيل وعذبات الشجر فهي مدينة خضراء تناغيها البلابل وتجري من تحتها الأنهار هذه هي البصرة العراقية من جهة النهر، أمّا البصرة العربية من جهة البرية فإذا كنت في ركب هابط إلى جنوب العراق من البادية الواقعة بين البحرين وذي قار ترى وأنت في وسط القفر بين تموج الرمل ولمعان السراب هلالاً أخضر أو أسود ملتفاً بسعف أخضر لذلك النخل الذي يهز رأسه ملوحاً لك من بعيد وقد قام ذلك السواد على طف الحماد واتصل ملتصقاً بالجزيرة بدون أن يفصل بحرث أو نهر أو قرية زراعية حتّى أنّك تجد أثيلات الجزيرة متلابسة ومتشابكة بصفصاف النهر وقد عانقت شجرة الرمان وناشت عذوق التمر، إنّك لتتحوّل فجأة من البادية إلى الريف بدون تمهيد ولا ترويض، وهناك تجابهك ثلاثة زوايا للعمارة يطلق عليها البصرة القديمة وبجنبها مدينة الزبير وهو بلد أجرد شاخص في السهل الفسيح وقد وقف بجانبه المربد، والعمارة الثانية التي تلوح هي عمارة معقل الواقعة في المكان الذي كان يمر به نهر معقل والثالثة هي البصرة الحديثة وعشارها، وتتفاوت العمارة في الجهات الثلاث فبلد الزبير شرقي الطراز وعمارة معقل غربية أمّا البصرة وعشارها فشرقية وغربية والأثر الشرقي فيها أظهر، ومعقل خططت في عهد الاحتلال البريطاني وهي بلد فاره على نشز من الأرض بعيد عن بوغاء الأجراف والتبخرات المائية ذات شوارع فسح شجراء منجمة بالحدائق ومبلطة وفي كلّ رحبة منها تتصلب الشوارع وتنتظم دوراً متباعدة وغير متحاشكة تحف بها الجنائن وتظلّلها العرايش، جميلة تلك البلدة الجديدة بعماراتها ومرافقها ووسائط نقلها فهي ابتسامة الثغر ترى مصابيحها الكهربائية تتلألأ وسط ذلك الصقع الخراب أمّا مدينة البصرة ففيها تجدّد ودثور ودثورها أكثر من تجدّدها وقد جدت في البصرة أعمال كثيرة، لقد كانت محاطة بالمياه المتبطحة والأهوار ولكن الحكومة عملت على تجفيف المستنقعات وردم مسارب البطائح، وكانت شوارعها رخوة تكثر فيها الأوحال وتلتهب فيها الشمس بحرارة مزهقة لأنّها تشرق في أرض سبخة ذات ذرات ملحية فتداركت الحكومة ذلك بالتبليط، وكان الماء فيها آجناً غير نقي لأنّ الأهوار التي تعترض مجراه تفسد طعمه وتجعله غير سائغ وتزيد في ذلك أنهار شوارع البصرة فإنّها مكشوفة يلوثها البشر والحيوان فأصلحت ذلك الحكومة بمصنع مائي ومصفاة حتّى صار الماء العذب يوزع على الدور بواسطة قساطل وأنابيب حديدية مدفونة فساغ الشراب، وقد كان الغمق والهواء المضغوط بسعفات النخل المتحاشك والأبخرة المائية المتصاعدة من الوجه البحري يجعل أكثر مساكن البصرة وغرفها قليلة التهوية تشعر الساكن بثقل التنفس وضيق الصدر ولكن المراوح الكهربائية ومكيفات الهواء خدمت البصريين من هذه الجهة أكبر خدمة، لقد كانت الشكوى في البصرة من الماء والأرض. أمّا الماء فقد أصبح سائغاً وأمّا الأرض فقد أصلحت، وبقيت السماء تنتظر اللطف فإنّ الوجه البحري مؤثر عليها أشد التأثير، إنّ سماء البصرة سريعة التبدل في الهبوب الذي يناوحها من هنا وهناك فهي إذا هبت شمالاً تكون بعافية وإذا هبت جنوباً فمرض ووباله وقديماً قالوا: البصرة الرعناء، وذلك لكثرة تقلبات الطقس بخفة وبسرعة هبوب مختلفة، فالبحر من جانب والبر من جانب وجبال إيران من جانب وسباخ الأهواز ورطوبة البطائح كلّ ذلك مجتمع على جو البصرة.
البصرة والعشار
يبدو للناظر أنّ البصرة قد رثت وولت أيامها فإنّ بيوتها القديمة وإن كانت لها آثار عظيمة أرستقراطية وعمارة فخمة لكنّها مجللة بالوحشة لقد تحوّل الأمر إلى العشار الزاهي الذي تضاحكه الطبيعة بذلك الثغر وهو راكب على أكتاف شط العرب إنّه محلة الحركة والبصرة محلة السكون والعشار بلاد الجاليات الجديدة فيه شتى العناصر والقوميات الحية ولا تزيد عمارة البصرة القديمة اليوم على مئات المنازل وعدا ذلك تكثر فيها الأكواخ والخصاص وقد اندثر سورها إلاّ قليلاً منه. وأكثر ما يتعاطون في البصرة غرس النخل وأطلق عليهم أهل السعفة، وكانت قبائلها تأنف من البستنة وتستخدم لذلك جماعة من بلاد الأحساء حتّى عرف ما بينهم فلاح النخل باسم حساوي ولكنّهم أخذوا يزاولون تلك المهنة ويسمّون الفلاح بأصدق تسمية يسمّونه (تعّاب).
فينيسيا العراق
ويتشعب من شط العرب 600 جدول وهذه الجداول تجعل البصرة «فينيسيا العراق» حيث ترى ذلك الزورق العراقي «البلم العشاري» يتهادى بمجذافه أو شراعه متنقلاً بالأهلين من ملتقى الرافدين إلى آخر مسكن على شط العرب وكأنّه الجندول الإيطالي يتهادى بين بيوت فينيسيا، ومن خلال السعف الحاشد تلوح لعينيك السفن الشراعية وهي تتخافق بالسعفات البيض تلك الشرع المنتشرة بين السعفات الخضر، وتخلب اللب تلك الصفوف للبواخر البحرية المصطفة على جانبي الشط الرهيب التي يقدر الوافد منها شهرياً بمائتين وخمسين باخرة ومعظم تلك البواخر من ناقلات النفط، وتدفق نفط البصرة على الضفة الغربية لشط العرب بمسافة 50 كيلومتراً حيث توجد آبار البترول حول موقعي الزبير والرميلة وهناك في دجلة الليل يتلألأ ذلك النور المندلع من أفواه الآبار، وكان اكتشاف البئر الأولى حول موقع الزبير عام 1948م والثانية حول الرميلة عام 1952م.
سفينة قديمة في شط العرب (ملتقى نهري دجلة والفرات)
مدرسة البصرة
يمتاز العراق بأنّه بلاد حضارات متعاقبة لها آدابها وعلومها وفنونها من سريانية وكلدانية وسومرية ويونانية ورومانية وفارسية وعربية كما أنّ له اتصالات واحتكاكاً بجهات أخرى كالهند والصين، وعند الفتح ترك المسلمون داخل العراق لأهله وضبطوا المواقع العسكرية ومراكز الحكم وبقي القطر مأهولاً بفرس وصابئة وهنود ورومان وفيه أديان وملل، وكان الكثير من علية أولئك الأقوام، من رجال الحكم والديوان ومن ذوي الاختصاص والفنون تعربوا وكانت في العراق وقريب منه مدارس ومعاهد علمية لأولئك الأقوام ومن كلّ ذلك كان للعرب في العراق مادة أدبية ومادة علمية لا يعوزها إلاّ لغة ثرية وإلاّ الترجمة وقد كانتا متوافرتين فاللغة العربية تستوعب كلّ اصطلاحات تلك العلوم وأسماء مفرداتها والترجمة كانت متيسرة في الحيرة والبصرة والكوفة وبغداد فقال عرب العراق بالواجب وقدموا أجل خدمة لدمشق ومصر والاندلس وأرى أنّ الأدب يعمر بحركتين: النظم والنثر وأعتقد بأنّ الكوفة في النظم أكثر من البصرة وأنّ البصرة أبدعت في النثر أكثر من الكوفة، وها أنا أرمز لذلك بشخصيتين أبي الطيب المتنبي لمدرة الكوفة وأبي عثمان الجاحظ لمدرسة البصرة.
المربد ومنبره
إنّ موقع المربد اليوم حسبما يعتقد البصريون بين الموضع المعروف (بمصلى العبد) ومقبرة حسن البصري قبالة قصبة الزبير وقد كان ضاحية فارهة من ضواحي البصرة القديمة ويبعد عنها ما يقارب الثلاثة أميال وهو في الجهة الغربية منها ممّا يلي البادية، لقد كان مؤتمراً للشعر والأدب وأكاديمية المتفاخر بالبيان والبلاغة والتصوير الأدبي وكان سوقاً للتجارة خصوصاً لتجارة الإبل وهذا هو سر تسميته بالمربد ثمّ عظم شأنه بعد تخطيط البصرة فصار مركزاً للدعاية والسياسة ومنبراً عالياً للنشر ثمّ نادياً كبيراً للأدب ثمّ مدرسة للغة العربية يقطنها فصحاء الجزيرة الذين هبطوا إلى البصرة وأقاموا بالمربد محاضرين وإن شئت فقل متاجرين بالبضاعة الأدبية من أخبار ووقائع وقصائد ورجز وقصص وأمثال وحكم، كان المربد باب الجزيرة العربية ومدخلاً للبصرة وكان عرب البصرة ممّن يستثقل هواءها يبنون في المربد بيوتاً فرهة وصارت عماراتهم متنزهاً للبصريين الذين يزهقون من البصرة طلباً لانتشاق هواء البرية ومدّ البصر في أفق البادية الفسيح، وقد اتّسعت العمارتين البصرة والمربد حتّى القرن السابع للهجرة وفيه خرب ما بين المربد والبصرة وبقي المربد كمدينة صغيرة مستقلة وكانت العرب تقول العراق عين الدينا و البصرة عين العراق والمربد عين البصرة، المربد مدرسة مهدت للحضارة وآداب الحضارة على أقوى أساس وأحسن تمهيد إنّ البحث وآثار البحث تصرح بأنّ المربد كان قبل الإسلام ولا يمكنني التحديد بالضبط إلاّ أنّه ورث عكاظاً وبقي إلى القرن السابع للهجرة كما ينوّه بذلك ما ذكره الحموي في معجم البلدان وإنّ هذه السوق فقدت أهميتها الاقتصادية بعد الفتح الإسلامي لأنّ العرب اتصلوا بالمدن الكبرى فتحوّلت إليها صادراتها ووارداتها ولكن بقيت للمربد بضاعته الذهنية الأدبية، وإذا كان لعكاظ فضل الاتجاه لتوحيد اللغة وتوحيد الاتجاه الأدبي فللمربد الفضل في تثبيت اللغة العربية وضبطها بعد أن كثر الاختلاط بغير العرب حتّى أمكن أن يقال إنّ المنبر العربي في المربد كان أهم من المنبر الأدبي في عكاظ وإذا كان لعكاظ ما كان من الامتيازات عند العرب فللمربد أهميته وامتيازه بالمنبر السياسي والمنبر العلمي أنّه قد وجدت فيه ألوان للأدب العربي لم تكن أدركتها عكاظ ففي المربد إضافة إلى الأدب الجاهلي أدب المخضرمين وأدب المولدين وفي زمن المربد الأخير احتاج الناس إلى مدرسة لآداب اللغة العربية تحافظ على المزايا من الضياع في ذلك العهد المخلوط بالفارسية والهندية فكان المربد المتصل بأدباء البادية يؤدّي هذه المهمة.
والمربد يوم كان داخل البصرة أو يوم فصله المنصور ما كان إلاّ سوقاً واسعة للقوافل المستوردة والمصدرة أنواعاً من الأموال التجارية وزاد عليها أن كان مركزاً ثقافياً تباع فيه بأغلى الأثمان البضاعة الأدبية وفي هذا الوسط كان الشعراء يتساجلون على مشهد من ذواق الأدب وعشاق الشعر.
علي الشرقي
محافظة البصرة
1 ـ تقع محافظة البصرة ضمن المحافظات الجنوبية أي في القسم الجنوبي من الجمهورية العراقية وتعتبر البصرة المنفذ الرئيسي لتجارة العراق عن طريق الخليج.
ويحدّ محافظة البصرة من الشمال لواء العمارة ومن الشرق إيران ومن الغرب لواء الناصرية والديوانية ومن الجنوب الكويت والخليج وما يسمّى المملكة العربية السعودية.
تبلغ مساحة المحافظة 20702 كلم2 ويكاد يناهز عدد نفوس المحافظة 600 ألف نسمة.
2 ـ تقسم المحافظة إدارياً إلى أربعة أقضية هي:
أ ـ مركز قضاة البصرة، ب ـ القرنة، ج ـ أبو الخصيب، د ـ قضاء الفاو.
ويبلغ عدد النواحي الملحقة بهذه الأقضية 7 نواحي ويبلغ عدد القرى في المحافظة 242 قرية.
3 ـ أمّا أنهار اللواء فهي: نهرا دجلة والفرات وشط العرب الكبير ونهر الكباسي وشط العرب الصغير والدعيجي التي تسقي ناحية شط العرب حيث يوجد على شط العرب ميناء لتحميل النفط ومشروع حفر سد الفاو والمملحة الحكومية ونهر السراجي ونهر مهيجر ونهر حمدان وفيه مشروع لتصفية المياه النقية ونهر أبي مغيرة.
4 ـ الآثار التاريخية الموجودة في اللواء: في البصرة مساجد ومراقد أكثرها يعود أصله إلى صدر الإسلام.
وضمن المراقد مرقد الزبير بن العوام ويقع في الزبير التي سمّيت باسمه ومراقد طلحة وابن سيرين والحسن البصري، وبالقرب من الزبير مدينة البصرة القديمة الواقعة على بُعد 15 كلم إلى الجنوب الغربي من مدينة البصرة الحالية.
5 ـ الزراعة في المنطقة: معظم أراضي البصرة زراعية تسودها بساتين أشجار الفواكه والنخيل ويقدر عدد أشجار الفواكه في اللواء بحوالي 200,000 شجرة أمّا النخيل فتبلغ عددها 13,400,000 نخلة وهذا يساوي حوالي 45 بالمائة من مجموع أشجار النخيل في العراق وبذلك تحتل محافظة البصرة المرتبة الأولى في عدد نخيلها وتسقى معظم الأراضي الزراعية بالمد والجزر أو السيح من شطر العرب وهناك ما يقارب ربع الأراضي الزراعية تسقى بالمضخمات التي يبلغ عددها 137 مضخة.
إنّ أهم الغلال التي تنتجها المنطقة هو التمر وتقدر الكمية التي ينتجها من مختلف الأنواع سنوياً حوالي 130 ألف طن من مجموع إنتاج العراق البالغ 350 ألف طن علاوة على الحاصلات الشتوية مثل الحنطة والشعير والذرة والدخان، والحاصلات الصيفية مثل الرز والخضروات والفواكه.
6 ـ أهم المشاريع الصناعية: النفط: وتقع في المنطقة حقول النفط الرئيسية فمنها حقول الزبير الذي ينقل منه النفط الخام بخطين من الأنابيب تمتد بين الزبير وشط الفاو ويوجد خط آخر بين حقل نفط الرميلة والزبير وفي البصرة يقع مصفى المفتية الذي أنشىء على حساب الحكومة العراقية ويصفي ما لا يقل عن 150 ألف طن من نفط الزبير الخام سنوياً ومن المقرر استثمار الغاز الطبيعي من حقول الرميلة على أن ينقل بالأنابيب إلى البصرة لتمويل المشاريع الصناعية المقترح إنشاؤها في البصرة بالوقود اللازم لها.
ومن المشاريع الصناعية التي أجريت دراسات عنها مشروع معمل الورق على أن يستخدم القصب المتوفر بكميات واسعة في منطقة البصرة كمادة أولية في الإنتاج.
البصرة
البصرة مدينة أثرية مندرسة في المغرب. أسّسها الأدارسة في القرن الثالث الهجري، وصارت لها شهرة كبيرة في الازدهار والعمران حتّى القرن الرابع الهجري ثمّ خربت بعد ذلك. وقد اختلف المؤرخون والجغرافيون حول تحديد مكانها بالضبط فقالوا إنّها كانت بين طنجة وفارس، وإنّها كانت تعرف ببصرة الكتان لاشتهارها بتجارة الكتان، وتعرف أيضاً بالحمراء لأنّها حمراء البرية، وإنّها أسّست في الوقت الذي بنيت فيه مدينة أصيلا. بينما يرى البعض الآخر أنّ أطلالها في الكيلومتر 22 في الطريق المؤدية من سوق الأربعاء إلى وزان.
البطالية
تُنسب إلى مالك بن بطّال، أحد رجال الدولة العيونية التي حكمت المنطقة، وقد مدحه ابن المقرّب العيوني بقوله:
ومالك حين ندعوه فأي فتى
حرب إذا ما التقى الرجاف فالتطما
والبطالية قرية قريبة من مدينة هجر التي كانت معروفة في العهد الإسلامي ـ كما يقول الشيخ حمد الجاسر ـ الذي زارها عام 1358هـ فقرّر أنّها قائمة على أنقاض مدينة الاحساء التي اتخذها (القرامطة) منطلقاً لهم، وأنّها كانت تتكوّن من أحياء أربعة، وقال إنّها تروى من عيني (الحارّة والجوهرية).
وشاهد الجاسر مساحة واسعة يطلق عليها الناس (قصر قريمط)… وكانت هناك آثار أخرى مثل (المسجد الجامع) الذي يسمّيه الأهالي (مسجد قريمط)، وكذلك آثار الحمّام الذي قتل فيه آخر رؤساء القرامطة. غير أنّ هذه الآثار زالت وأنشئت على أنقاضها أبنية حديثة.
قال لوريمر عن سكان البطالية في مطلع القرن العشرين، أنّ فيها 325 منزلاً، وأنّ سكانها من الشيعة… وقال آل عبد القادر «وجميع أهلها شيعة فلاحون».
بعلبك
تقع مدينة بعلبك على بُعد 85 كلم إلى الشرق من بيروت فوق أعلى مرتفعات سهل البقاع، وعلى متفرق عدد من طرق القوافل القديمة التي كانت تصل الساحل المتوسطي بالبر الشامي شمال سورية وفلسطين. وأفادت عبر تاريخها الطويل من هذا الموقع المميز لتصبح محطة تجارية مهمة ومحجاً دينياً مرموقاً.
اسم بعلبك يقترن مباشرة بالهياكل الرومانية التي أعطتها شهرتها وميزاتها وجعلت منها إحدى أهم المدن اللبنانية وأكثرها شهرة آثارية وسياحية. ولكن هذا لا يعني أنّها لا تحوي آثاراً أخرى لا تقل أهمية ومنها تحديداً الآثار العربية الإسلامية التي تشكل حلقة مهمة من حلقات التطور لهذه المدينة. ولكن شهرة المعابد والهياكل الرومانية طمست ما تبقى من تاريخ بعلبك وآثارها في الحقبة الإسلامية التي تمتد على مئات السنين. وتعتبر المدينة موقعاً أثرياً مهماً أسهمت في إبرازه حفريات قامت بها بعثات أجنبية كثيرة. وكتابات المؤرخين إضافة إلى بعض البقايا الأثرية تثبت أنّ المدينة كانت محاطة بسور كبقية المدن العربية. وكان هذا السور محمياً بخندق، واستعملت جدران المعابد القديمة لهذه الغاية، يقول القلقشندي في كتابه «صبح الأعشى» إنّه: «يستدير بالمدينة والقلعة جميعاً سور عظيم البناء مبني بالحجارة الضخمة الشديدة الصلابة، كما يذكر فلونسي أثناء زيارته بعلبك في القرن الثامن عشر سوراً يحيط بالمدينة وتدعمه أبراج مربعة مهدمة. هذا السور كانت تخترقه خمس بوابات تعتبر المداخل الرئيسية للمدينة.
كان وجود الهياكل المتينة البنيان أعظم سبب لإغراء العرب الفاتحين على الانتفاع من هذه التحصينات، فشيدوا فيها الأبراج المزينة بالشرفات واستعملوا السقاطات والأبواب المنكسرة وزادوا من علو الأسوار، كما أحاطوا القلعة بالخنادق الواسعة. أمّا في الداخل فبنوا بالحجر الصغير الجوامع والبيوت والحمامات وفرشوا بعض أبنيتها بالفسيفساء الملونة.
كان باب القلعة في وسط الجانب الغربي منها، وهو من الأبواب المنكسرة حيث ينعطف الداخل يميناً ويساراً مرّات عدّة مارّاً بأقبية تؤدّي إلى أبواب ثانوية وذلك لعرقلة أي هجوم. وأقام المسلمون في الجهة الغربية من القلعة تحصينات قوية لسد تلك الفجوة المعرضة للعدو، وهي عبارة عن صفين من القناطر فوق بعضها بعضاً، يتألف الصف الأوّل حالياً من سبع قناطر والثاني من ثماني قناطر وتتصل هذه التحصينات ببرج الأمجد بواسطة أبواب صغيرة.
أمّا بالنسبة إلى الأبراج فأهمها:
البرج المملوكي: ويقع في الجهة الشمالية من معبد باخوس، ويعتبر البناء الإسلامي الوحيد في القلعة، بناه السلطان قلاوون سنة 1282م. وتوجد كتابة حجرية في الطابق الثاني من البرج بالخط النسخي المملوكي تثبت هذه الحقيقة. يتألف هذا البرج من ثلاثة طوابق مهدومة كلياً. الطابق الأوّل يتكوّن من ثلاث غرف فيها أربعة قناطر وعدد من مرامي السهام موجهة إلى الناحيتين الشمالية والجنوبية من البرج… يصعد إلى الطابق الثاني بدرج، مكوّن من أربع غرف، كلّ غرفة في أحد الزوايا، إحدى هذه الغرف كانت تستعمل سجناً عرف باسم «حبس الدم» أمّا الطابق الثالث فيصعد إليه بالدرج نفسه.
برج الأمجد: أنشأه السلطان الأمجد بهرام شاه في الجهة الجنوبية من القلعة. وهناك نص كتابي على حائط البرج يثبت ذلك. ويتألف من ثلاثة طوابق ندخل الأوّل منها من باب ضيق إلى الجنوب. والطابق الثاني يتصل بالجامع بواسطة باب صغير من الناحية الشمالية. أمّا الطابق الثالث فهو متهدم لم يبق منه سوى بعض الجدار الشمالي الشرقي.
برج باب الهواء: يقع في الناحية الشمالية الغربية من القلعة. هذا البرج مربع الشكل يدخل إليه من باب عريض، وبواسطة درج نصعد إلى الطابق الثاني المهدم الذي لم يتبق منه سوى بقايا من جداره الشرقي.
المباني الدينية:
بعلبك
ـ1ـ
بَعْلبَكُّ: بفتح الباء الموحّدة وتسكين العين، وفتح اللام والباء والكاف المشدّدة. وضبطها المسعودي والقلقشندي (بَعَلْبَك) بفتح العين وتسكين اللام، وهي لغة عامّة الناس. والاسم مركب من (بعل ـ بك) لا خلاف حوله، لكنّ التأوّلات كثرت حول اللغة الأولى التي انطلقت منها التسمية. قيل فينيقيّة (بعل ـ بك) أي (بيت العدل)، أو مدينة البعل. وتضاربت الآراء حول أصل الاشتقاق بين عبري وسرياني ويوناني وروماني ومصري وعربي… وبدّل اسمها اليونان إلى مدينة الشمس (هيليوبولس) Heliopolis، مترجمين اسمها ترجمة دقيقة، لأنّ «بك» بمعنى بولس «مدينة»، والمقاربة لا تخفى بين «بعل» شمس الفينيقيين، و«إليو» شمس اليونانيين. وأكّد (كاران) هذا الرأي، لأنّ الشمس كانت معبودَ أهلها.
ربضت عند سفح الجبل الشرقي Anti-Liban في القسم الشمالي الشرقي من سهول البقاع. وتقع في عرض 34 درجة و10 ثوان شمالاً، و36 درجة و11 شرق «غرينويتش». ومتوسط ارتفاعها عن سطح البحر 1165م وتبعد عن بيروت مسافة 86 كلم.
وكشفت الحفريات عن وجود الظرّان (العهد الظرّاني 6000ـ3000ق.م.) الأدوات الحجريّة المصنوعة من الصّوان. مثل الفؤوس، والمكاشط، والسكاكين، والنبال… ومحترفات نحت الحجارة توزّعت في كهوف بعلبك. وخصوصاً إذا عرفنا أنّ الأحجار الصوّانية متوافرة بكثرة، وتحيط بالمدينة في السهل وعلى سفح الجبل.
وبلغت المدينة عهد التاريخ المدوّن بالعاديّات والنقوش، وطقوس العبادة توحي بأنّ بعلبك كانت كنعانيّة في الألف الثالث قبل المسيح، ولمّا وفد الآراميون إلى بلاد سورية، اختلطوا بالكنعانيين، وعرف الشعب المولد بالفينيقيين.
وأكّد بوسيفوس المؤرخ اليهودي، أنّ (هليوبولس) قدّمت خضوعها لبومبايوس عندما فتح سوريّة، وقد مرّ بها وهو زاحف إلى دمشق سنة (690ـ691م من تاريخ روما)، أي سنة 64ق.م. وغرّم أمير عنجر (الكيس) بطليموس بن منايوس بألف وزنة، وأسرة منايوس كانت تخدم في مركز بعلبك الديني. واستغلّ الكاهن مركزه فادعّى علم الغيب، حتّى أنّ الإمبراطور تراجان Trajan (98ـ117م) استشار عرّاف هياكل بعلبك قبل البدء بحملته الثانية ضد (البرثيين) سنة 116م، وتمّت الاستشارة بعد امتحان للعرّاف. لقد أرسل تراجان ظرفاً مختوماً فيه صحيفة ورق بيضاء لا كتابة عليها…
وتحوّلت بعلبك إلى مستعمرة رومانية بفضل الإمبراطور ساويروس.
والواقع أنّ هذا الإمبراطور، عزّز امتيازات المدينة. لأنّ هناك مسكوكات تحمل رسوم أباطرة رومان سبقوه في الحكم، وضربت في هيلوبولس. وتشير إلى كونها مستعمرة رومانيّة. ونقش سفيروس على مسكوكاته البعلبكيّة صورة هيكل يتقدّمه عشرة أعمدة، وعلى نقود أخرى من أيامه، صورة هيكلين أمام الواحد عشرة أعمدة، وعلى نقود أخرى من أيامه، صورة هيكلين أمام الواحد عشرة أعمدة وأمام الآخر ستة. والرسوم نفسها تظهر على مسكوكات ابنه كراكلاً.
ونقل الإمبراطور قسطنطين (306ـ337م) عاصمته من روما إلى بيزنطة. وفي عاصمته الجديدة، منع بناء المعابد الوثنيّة. ثمّ أصدر أمراً بإغلاق المعبد الكبير في هليوبولس (بعلبك). وأمر أن تبنى فيها كنيسة. وام شمّاس المدينة كيرللس بكسر العديد من الأوثان والأصنام المنصوبة في هليوبولس تمثلاً بعمل قسطنطين، ومنحت بعلبك امتيازاً بأن يكون لها كنيسة يترأسها مطران يعاونه شمامسة، وما إن أطلّ القرن الخامس، حتّى أخذ أساقفة هليوبولس يقومون بدور مهم في حياة الكنيسة وأخبارها.
وقصدت جيوش المسلمين بعلبك مرّتين، الأولى: سنة 13هـ. والثانية: سنة 14هـ. لكن الأحداث المتسارعة في بلاد الشام، حالت دون مهاجمة المدينة، وتؤكد الأخبار أيضاً، أنّها فتحت مرّتين، وتمتا سنة 15هـ. الأولى: قبل معركة اليرموك. والثانية: بعدها. بعد معركة (فحل) كانون الثاني 635م، فتح المسلمون دمشق إثر حصار دام أربعة أشهر، (رجب 14هـ أيلول 635م). وسار أبو عبيدة إلى بعلبك عن طريق جوسية ـ اللبوة، ولمّا شارفها، صَدَفَ قافلة من قوافل الروم تحتمل إلى بعلبك تجارة من السكر والزيت والفستق والتين… فقال أبو عبيدة لرجاله: «أنّ بعلبك لنا حرب وليس بيننا وبينهم عهد فخذوا ما قد ساقه الله إليكم فإنّها غنيمة من عند الله». فرّت جماعة من القافلة وأخبرت بطريق بعلبك (هربيس) بقدوم العرب، وكان شجاع القلب شديد البأس… فجمع جيشه واستعدّ لمقابلة المسلمين، فقصدهم إلى خارج المدينة يحيط به سبعة آلاف فارس، سوى من اتّبعه من سواد بلده، فنشب قتال لم يكن عنيفاً، أصيب خلاله هربيس بسبعة جراح، فلاذ هو ورجاله بالمدينة وتحصّنوا داخل أسوارها. فتقدّم المسلمون وضربوا الحصار حولها، وكتب أبو عبيدة أماناً إلى أهل بعلبك. وأرسله مع رجل من المعاهدين، لكن هربيس مزّق الكتاب وصمّم على القتال، وجلس في أحد أبراج القلعة وقد عصب جراحه، ووضع في عنقه صليباً من الذهب، تحفّ به البطارقة وقد قلّدوه في حمل الصلبان وبأيديهم القسي والسهام، وبدأت المعركة برشق السهام والحجارة، وأصيب من المسلمين اثنا عشر رجلاً في اليوم الأوّل. وفي اليوم الثاني خرج الروم من المدينة، ودارت معركة شرسة كانت الجيوش فيها بين كرّ وفرّ، حتّى تمّ النصر للمسلمين. ووقّعوا الصلح مع هربيس مقابل «ألفي أوقية من الذهب، وخمسة آلاف سيف، وأداء الجزية كلّ عام». بعد إتمام شروط الصلح، دعا أبو عبيدة برجل من سادات قريش اسمه رافع بن عبدالله السهمي وولاّه بعلبك، وأمره على (900) تسعمائة فارس لحماية المدينة. لكن هرقل جمع جيشاً كبيراً، وتقدّم باتجاه بلاد الشام، فتراجع المسلمون عن حمص وبعلبك إلى السلطة البيزنطيّة. ثمّ التحم جيش المسلمين مع الروم في معركة اليرموك في رجب سنة 15هـ/ آب 636م، وعادت جيوش المسلمين تندفع بسرعة إلى المدن التي تخلّت عنها، فدخلت بعلبك في شهر ذي القعدة من سنة 15هـ.
ومن الذين نسبوا إلى بعلبك أو حدّثوا فيها: أبو الفضل عقيل بن محمد الفارسي الفقيه، نزيل بعلبك، المتوفى سنة 470هـ. وأبو الرضى محمد بن الغرضي من فرس بعلبك، وحدّث فيها عن محمد بن هاشم البعلبكي. وأبو صالح محمد بن حفص الفارسي البعلبكي. وأبو السري محمد بن داود بيوس البعلبكي الفارسي وأبو محمد بن عمر الفارسي وعلي بن محمد بن حفص الفارسي، الذي حدّث.
وفي العام 142هـ/759م. ظهر رجلٌ اسمه (بندار)، نادى بنفسه ملكاً ولبس التاج. فاجتمع عليه نصارى جبل لبنان وغيرهم من أهل الذمّة، وأعلنوا عصيانهم. ورفضوا أداء الخراج للعباسيين، وزحفوا بجموع منظّمة، باتجاه بعلبك لقتل عامل الخراج «إسماعيل بن الأزرق». وكتب بندار إلى أهل بعلبك يتهددهم وينذرهم باقتحام مدينتهم، ويطلب منهم الطاعة والاستسلام. ثم غزاهم بجيش يقارب خمسة آلاف رجل. لكنّه هزم، وقتل عدد كبير من جماعته، ولاذ بقلعة المنيطرة. وعزم (صالح بن علي) أمير الشام ومصر، على استئصال شأفة المتمردين، فأمر عامله فجهّز جيشاً بقيادة ابنه «يزيد بن عثمان المري» وكتب إلى والي بعلبك «يزيد بن روح اللخمي» يأمره بالمير إلى قتال المتمردين. وتقدّم أيضاً جيش الساحل من أهل الديوان. وكان الإمام الأوزاعي من جملة المكتتبين في ديوان الساحل. وتمكّن جيش بعلبك من محاصرة قلعة المنيطرة واعتلاء سورها، ولمّا استووا على ظهره صاحوا مكبّرين، وانقضّوا على من فيها، وما لبثت أن سقطت القلعة بأيديهم وفرّ المتمردون إلى قرى النصارى في جبال لبنان. في حين تسلل بندار إلى الساحل وأبحر إلى بلاد الروم. لكن صالح بن علي، كتب إلى الولاة يأمرهم بإخراج من بقي من أنباط لبنان من قراهم، وتفريقهم في بلاد الشام. فأصاب الظلم من لم يكن ممالئاً للخارجين، فكتب الأوزاعي كتابه الشهير إلى صالح بن علي، وذَكَّرَهُ بحكم الله أن: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.
وخضعت بعلبك للدولة الطولونية سنة 264هـ/878م، ثمّ تعرّضت لغارات القرامطة ابتداء من سنة 290هـ/905م، ودخلت تحت راية الأخشيد سنة 330هـ/941م حتّى دخلها سيف الدولة سنة 335هـ/946م. وظلّت حصناً له حتّى مماته في سنة 356هـ/967. وبعد وفاته غزاها الروم، ونهبوها مع سائر المدن الحمدانية.
وأيام الفاطميين وصل (جوهر) قائد المعز الفاطمي إلى دمشق وتملكها، وتقدّم إلى بعلبك وأخضعها سنة 359هـ/970م. وأذّن فيها (بحي على خير العمل)، وألحقت بنائب دمشق جعفر بن فلاح، وفي سنة 360هـ. هاجم القرامطة دمشق وبعلبك وغلبوا عليهما، وكان على بعلبك موهوب بن ظالم العقيلي. ولم تلبث أن تعرّضت إلى هجوم البيزنطيين بقيادة ابن الشمشقيق سنة 364هـ، فدخلها وغنم أسلاباً كثيرة وأسر بعض رجالها. وفي سنة 377هـ/986م تولّى أمر بعلبك جلّنار للعزيز الفاطمي. بَيْدَ أنّ صالح بن مرداس، الذي خلف الحمدانيين على حلب هاجمها سنة 414هـ/1024م وضمّها إلى عاصمته. وبعد ست سنوات، جهّز الظاهر الفاطمي جيشاً بقيادة (أنوشتكين الدزبري)، فاستعاد دمشق وبعلبك سنة 420هـ/1030م. ثمّ غابت شمس الفاطميين عن سمائهما سنة 468هـ، عندما أقدم (أَتْسَزْ بن أرتق) الخوارزمي ـ أحد أمراء السلطان ملكشاه السلجوقي ـ على إخضاعهما، وقطع الخطبة للمستنصر الفاطمي، وخطب للمقتدي العباسي.
ثمّ إنّ ثلاثة من أصل خمسة تعاقبوا على ملك دمشق باسم الدولة البورية، كانوا حكاماً لبعلبك، وأولياء عهد لملك الشام.
1 ـ تاج الملوك بوري بن طغتكين: ملك دمشق (522ـ526هـ) (1127ـ1131م) حكم بعلبك من سنة 503هـ إلى سنة 522هـ. وكان طيلة هذه الحقبة ولي عهد والده الأتابك طغتكين.
2 ـ شمس الملوك إسماعيل بن بوري (526ـ529هـ/1134م)ز
3 ـ شهاب الدين محمود بن بوري: (529ـ533هـ/1138م).
4 ـ شمس الدولة محمد بن بوري: 533ـ534هـ/1139م. حكم بعلبك منذ سنة 522هـ وحتّى 533هـ.
5 ـ مجير الدين أرتق بن محمد بن بوري: 534ـ549هـ حكم بعلبك سنة 533هـ وكان ولي عهد والده شمس الدولة.
وتولّى الضحاك بن قيس البقاعي الجندلي بعلبك للبوريين، بعد عطاء السلمي في جمادى الثانية سنة 548هـ/1154م. وكان شجاعاً حسن الرأي، فساس أمورها بحكمة ورويّة، ولمّا تقدّم نور الدين زنكي واحتلّ دمشق سنة 549هـ (1155م) وأنهى حكم البوريين فيها، اتّجه إلى بعلبك ليأخذها، فامتنع الضحاك بالقلعة وعصى فيها. فعدل نور الدين عن محاصرتها لقربه من الفرنج، فتلطف الحال معه إلى سنة 552هـ. فملكها واستولى عليها. وشهدت حركة عمرانية وعلمية قادتها المدرسة النوريّة، والمستشفى النوري، والربط الصوفية.
وحكاية الأيوبيين مع بعلبك، بدأت في غرّة محرّم سنة 534هـ (1140م) عندما فتحها الأتابك عماد الدين زنكي بن قسيم الدولة آقا سنقر، وأقطع ثلثها لنجم الدين أيوب، وولاّه دواداراً عليها. وتذكر المصادر أنّ بعض أبناء أيوب وأحفاده وُلدوا في بعلبك ونشؤوا في ربوعها، منهم شاهنشاه بن أيوب الذي ولد سنة 534هـ. وبعده شقيقه العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب الذي ولد في بعلبك سنة 542هـ (1148م). بَيْدَ أنّ أزهى أيام بعلبك كانت مع الملك الأمجد بهرام شاه، الذي جعلها مملكة مستقلة، وحكمها قرابة نصف قرن (587ـ643هـ). شهدت بعلبك خلال حكمه حركة عمرانية وأدبيّة وعلمية، كادت أن تكون أفضل حقبها الإسلاميّة. كما شهدت استقلالية سياسيّة مع قوّة عسكريّة سمحت لها بالتدخل في شؤون المدن المجاورة.
السامرة: قبيلة من قبائل بني إسرائيل، وهم قوم من اليهود يخالفونهم في كثير من الأشياء، وإليهم ينسب السامري الذي عبد العِجل.
ووفدت قلّة من اليهود السّامرة إلى بعلبك سنة 575هـ، في حاشية فرخ شاه الأيوبي. وكان على رأسهم الطبيب مهذّب الدين يوسف بن أبي سعيد بن خلف السامري، الذي التحق بخدمة فرخشاه وغدا طبيبه الخاص، واعتمد عليه في تصريف بعض الشؤون العامّة. ولمّا توفي فرخشاه سنة 578هـ، انضمّ مهذب الدين إلى حاشية الأمجد وأقام عنده في بعلبك، فاستصفاه لنفسه، وأغدق عليه العطايا، وكان يستشيره بأمور الدولة، ويعتمد عليه بالمهمات، ثمّ استوزره ومنحه صلاحيات واسعة فصار «هو المدبّر لجميع الدولة والأحوال بأسرها، لا تعدل عن أمره ونهيه». ولمّا كان مهذّب الدين جميل الصورة، ثارت الشكوك حول العلاقة بين الرجلين، ألمح إليها ابنُ نظيف في تاريخه المنصوري عندما قال: وكان الأمجد يعشقه ويحبّه، فنظم الشعراء بذلك أشعاراً للتفكه، أمثال: فتيان الشاغوري الذي قال:
الملك الأمجدُ الذي شهدت
له جميعُ الملوكِ بالفضلِ
أصبح في السامري معتقداً
معتَقَد السامري في العجل
استغلّ السامرة نفوذهم، وقوّتهم، وتحصّنوا بسلطة مهذب الدين الوزير، وسيطروا على مقدرات بعلبك، واستأثروا بالمهن الشريفة والوظائف الرئيسية، وأكلوا أموال المدينة، واستظهروا على شعبها، وكانوا بالنسبة لفرخشاه، والملك الأمجد، والملك الصالح إسماعيل، أشبه بمكانة البرامكة لدى العباسيين. كما تعرّضوا لنكبة، طالت أموالهم فقط في عهد الأمجد. ثمّ تعرضوا لنكبة ثانية في عهد الملك الصالح نجم الدين، الذي نفذ حكم الإعدام بأمين الدولة أبو الحسن بن غزال السامري، الذي أظهر إسلامه وبنى المدرسة الأمينية في بعلبك وبموته شنقاً سنة 648هـ (1250م) انتهى نفوذ السامرة في بعلبك.
واقتصرت كتب التاريخ على عبارات مقتضبة في وصف الغزو المغولي لبعلبك، قال أبو الفداء: «ثمّ توجّهوا إلى بعلبك، ونازلوا قلعتها. فتسلموها قبل تسليم عجلون وخربوا قلعتها أيضاً». وهذا الاقتضاب قابله إهمال مطلق لدى ابن تغري بردي. وفي السلوك: «وساروا إلى بعلبك فخربوا قلعتها». وقيّض لبعلبك في هذه الحقبة أحد أبنائها، شهد نزول التتار عليها فأرّخ أحداثها، مبيناً عملية الاستيلاء ومراحلها، لأنّ هولاكو كان يتهيب قلعتها الحصينة، فاختار الصلح، وأوكل أمر ذلك إلى تقي الدين الحديثي الحشائشي البعلبكي الطبيب، وكان يعمل في خدمة هولاكو. وبناء لوساطته تمّ تسليم المدينة، «فأحسن إليهم هولاكو غاية الإحسان، وخلع عليهم خلعاً سنيّة. وهذا لم يجر لغيرهم مع التتر»([128]).
وأنهى المغول دولة الأيوبيين، وقد سئم الناس مشاحنات الأيوبيين الأشقاء، وأبناء الأسرة الواحدة، وارتضى العرب حكم المماليك، لا فرق عندهم بين الأكراد، أو المغول، أو المماليك الأتراك، وكأنّ العنصر العربي قد تلاشى وفقد قدرته على الحكم أو شاخ ورُدَّ إلى «أرذل العمر» وخضعت بعلبك لحكم الظاهر بيبرس سنة 569هـ؛ فأمر بعمارتها وتشييد أسوارها. وأمر ببناء مسجد رأس العين. وتولاها في عهده عز الدين أيبك الإسكندري الصالحي، وبعده كمال الدين إبراهيم بن شيث.
وفي سنة 674هـ (1275م) تولاها نجم الدين حسن الظاهري، وفي العهد المملوكي قويت شوكة عشران بعلبك، وأكثروا من غاراتهم على الساحل.
وأبرز خصائص الحقبة المملوكيّة، تناقض بين الحياتين الثقافية والسياسية: الأولى كانت في قمة التوهج، والثانية عانت من كثرة الفتن والاضطرابات.
أ ـ الحياة الثقافية:
تنامت حركة الفقه في بعلبك أيام المماليك، وآتت أُكلها، قادتها مدرستان: النورية والحنبليّة. وبلغ التنامي حدّ النضوج مع القرن الثامن الهجري. إذ ترجم ابن حجر العسقلاني لأكثر من مائة وسبعين عَلَماً بعلبكياً خرَّجتهم مدارس بعلبك، ولعشرات سواهم أمُّوا بعلبك وأفادوا من علمائها في قرن واحد.
ب ـ الحياة السياسية:
لم تكن مضطردة مع الحياة الثقافية، إذ تميّزت بكثرة الفتن واضطراب الأوضاع، وتركز الإقطاع، والاستهتار بحق المزارعين، ومصادرة منتوجاتهم، ممّا حمل البعلبكيين على اختيار الخدمة العسكرية، فتولوا (أرباب إيزاك) يحرسون طرقات دمشق وبيروت وطرابلس وصيدا، ويرابطون في ثغور الساحل. وبناء لسطوتهم تولّوا أعمال (الروك) وجباية الأعشار في مناطق جبل لبنان. واستغلوا وظائفهم العسكرية لسلب الأموال فكثرت الشكاوى ضد أعمالهم المتسمة بالعسف، وهذا ما ردّده مراراً صالح بن يحيى في تاريخ بيروت.
وفي الرابع والعشرين من شهر آب سنة 1516م. جرت معركة مرج دابق شمال حلب، بين السلطان سليم العثماني، وقانصوه الغوري، وتمّ النصر للعثمانيين على المماليك. ودخلت بلاد الشام تحت سلطة الأتراك. لكن الحرافشة أمراء بعلبك، وناصر الدين بن الحنش أمير البقاع أعلنوا عصيانهم، وتمرّدوا على الحكم الجديد، فبادر جان بردي الغزالي، واحتال على ابن الحنيش ونصيره ابن الحرفوش، وألقى القبض عليهما، وقطع رأسيهما وأرسلهما إلى استانبول سنة 924هـ (1518م) تزلُّفاً للأتراك، واعتبر القضاء على الزعيمين العربيين «من سعد بن عثمان». ولم يتبدّل نظام الحكم في لبنان، واستمرّ إقطاعياً كسالف عهده. وتمكّنت إحدى الأسر الإقطاعية أن تحكم بعلبك حقبة امتدّت ثلاثة قرون ونصف تقريباً.
الحرافشة
ينتهي نسبهم إلى حرفوش الخزاعي القحطاني، من خزاعة العراق، سار جدّهم حرفوش الخزاعي مع سرايا الفتوح، واستقرّ في غوطة دمشق، ولمّا توجّه أبو عبيدة بن الجراح إلى بعلبك، عقد للخزاعي رايةً بقيادة فرقة. ويبدو أنّ السكنى راقت له في بعلبك، فأقام مع رافع السهمي يدرأ عنها أخطار الروم. وتكاثر أبناؤه وأحفاده وقد اتصفوا بالشجاعة، والكرم، والبطش، والظلم أحياناً.
يبدأ تاريخهم المدوّن مع شمس الدين بن طولون الذي أكّد ان الحرافشة كانوا على نيابة بعلبك سنة 903هـ (1497م). إذ روى الحادثة التالية قال: «في شهر ذي الحجة سنة 903هـ. حاصر الدوادار آبردي دمشق بعد وفاة نائبها قانصوه اليحياوي، والتفّ عليه من المقدّمين: شيخ بلاد نابلس حسن بن إسماعيل ونائب بعلبك ابن الحرفوش، ومقدّم الزبداني وغيره.
وعبارة «المقدّمين» توحي بأنّ الحرافشة نالوا بادىء الأمر رتبة المقدّمين وارتقوا إلى الأمارة… ويظهر أنّ الأمير موسى الأوّل، من أقدم الأمراء الذين لعبوا دوراً في توجيه الأسرة إلى استلام حكم بعلبك والبقاع. وخدمة أحمد بن الأقرع، الذي حاول بعد وفاته أن ينتزع الحكم من ابنه الأمير علي الحرفوشي.
ومع الأمير علي بن موسى تبدأ تحرّكات الحرافشة في بعلبك والبقاع. وجبال لبنان بشكل فعّال، ومدوّن. إذ جمع من كسروان والشوف، وعيّن دارة ألفي رجل لمحاربة قرقماس بن الفريخ، وأحمد بن الأقرع خادم أبيه. ورغم هزيمة الأمير علي في الجولة الأولى. استطاع أن يقتل ابن الأقرع في حدود سنة 997هـ وقيل في حدود سنة 1001هـ، ممّا أغضب والي دمشق والصدر الأعظم، لأنّ الأقرع قدّم رشوة للدفتر دار محمود قدرها خمسة عشر ألف دينار مقابل حكم بعلبك. ممّا أدّى إلى النزاع وخراب المدينة، وتهجير السكان. وبعد مناورات نفذ الصدر الأعظم حكم الإعدام بالأمير علي الحرفوشي سنة 999هـ، وقيل 1001هـ. وخلفه ابنه الأمير موسى الثاني، (999هـ ـ 1016) (1590 ـ1607م). تحالف مع ابن معن للوقوف بوجوه ولاة دمشق الجشعين، الذين كانوا يعمدون إلى إشعال الفتن بين أمراء لبنان إضعافاً لهم. تحرّكت الرسل بين الأميرين فخر الدين وموسى بن الحرفوش في مستهل ربيع الثاني سنة 1002هـ وقيل 1003هـ/1594م واتفقا على قرقماس بن الفريخ في قب الياس، واتفق أن جاءه نذيرٌ فخرج إلى ابن الحرفوش والتقيا في (زيتون). وكتب النصرُ للأمير موسى، إذ قتل قرقماس، ومصطفى بن طبولة (هبولة)، وبعض فرسان من آل فريخ، وقطع رؤوسهم وأرسلها إلى فخر الدين. وتصاعد مركز الأمير موسى، وبلغ جيشه خمسة عشر ألف مقاتل، زحف على رأسهم إلى غزير لمقاتلة يوسف باشا سيفا حاكم طرابلس. وكانت الجولة الأولى لصالح ابن سيفا. فبعث الأمير حسن الأعوج رسالة إلى الأمير موسى يحرضه على القتال، وضمّنها بيتين من الشعر:
غزيرٌ طورٌ ونار الحرب موقدة
وأنت موسى وهذا اليوم ميقات
ألقِ العصا لتلقف كلّ ما صنعوا
ولا تخف، فحبالُ القوم حيات
وكانت الجولة الثانية قرب نهر الكلب، ودارت الدائرة على يوسف سيفا. وهجم رعد بن تبعة الطبشاري البعلبكي من جند الحرفوشي على الأمير علي سيفا ابن شقيق يوسف وقتله، فتمزق شملُ العساكر الطرابلسية، وجنى الأمير فخر الدين، حليف ابن الحرفوش، نتيجة النصر، فتولّى على كسروان، واحتلّ بيروت، وضبط أرزاق العسافين وتألّف حلف ثلاثي من فخر الدين المعني، وموسى الحرفوشي، وعلي جان بولاد أمير حلب واجتمع الثلاثة على نبع العاصي قرب الهرمل، وتشاوروا في أمر العصيان واحتلال دمشق. وقاد الأمير موسى مفاوضات للصلح لكنّه أخفق، وتمّ مهاجمة دمشق واحتلالها، وانتهى الخصام بصلح أعطى بعلبك للأمير يونس بن حسين الحرفوشي. لأنّ الأمير موسى كان قد تخلّى عن فكرة الحرب. وبينما كان الأخير يستعد لاسترجاع سلطته توفي سنة 1016هـ (1608م).
وكان الأمير يونس بن حسين الحرفوشي: (1608ـ1626م) طموحاً، ذكياً، شجاعاً، محباً للعمران، سعى إلى الارتباط بأمراء جبل لبنان والتخفيف من سلطة ولاة دمشق، والميل إلى الاستقلال الذاتي. فأغضبت تحركاته السلطان أحمد العثماني، فأوعز إلى والي دمشق أحمد باشا الحافظ سنة 1020هـ (1611م)، أن يجهز جيشاً ويقتل الأمير يونس. لكن الأمير فخر الدين المعني، ساعد الأمير يونس وخلّصه من القتل. وبادر الأمير يونس في سنة 1613م بردّ الجميل للمعني، فأرسل إلى إربد فرقة من جنوده، لمعاونة الأمير علي بن فخر الدين في حروبه ضد عساكر دمشق. وما لبث الخلاف أن دبّ بين الأميرين، فكلّ واحد منهما كان يطمع في حكم لبنان، ولمّا وقعت الفرقة بين الوالي أحمد باشا الحافظ والأمير المعني، انضمّ الأمير يونس إلى جيش الوالي، وشارك بحصار قلعة الشقيف. وبعد رحيل فخر الدين إلى أوروبا، قام الأمير يونس بالوساطة بين الأتراك والأمير علي المعني. وتولّى سنة 1616م سنجقيّة حمص. وحاول التوسع فبعث ولده الأمير أحمد الحرفوشي ليقيم في مشغرة، وشرع ببناء قصر يسكنه، وكتب إلى مشايخ جبل عامل الشيعة يدعوهم للوحدة، والتعاون، فوافاه الحاج ناصر الدين بهدايا زعمائهم من آل داغر، وعلي الصغير، وابن منكر… ولمّا عاتبهم علي المعني، اعتذروا بأنّ الحاج ناصر الدين ذهب للتسليم على أخيه الحاج علي بن منكر الذي لجأ إلى الحرافشة. وأحسّ علي المعني بالخطر الذي يتهدّد إمارتهم، بولادة حلف قوي من الشيعة، يمتد من بعلبك إلى كرك نوح، فقب الياس، فمشغرة، فجبل عامل، فصفد. فاختار المعني السيد نور الدين من قرية (جبع)، لينقل رسالته إلى الأمير يونس ومضمونها: «إن كان مرادكم محبتنا وصداقتنا فامنعوا ولدكم الأمير أحمد من البناء في قرية مشغرة، ومن السكن بها أيضاً، فإنّه ما يتأتى من ذلك إلاّ العداوة والبغضاء». فاعتذر الأمير يونس بأنّه لا يبغي إلاّ التقرّب من المعنيين، والذي خطر في ذهن ابن معن، لم يخطر على بال ابن الحرفوش. ولمّا عاد فخر الدين من أوروبا إلى لبنان سنة 1617م، سارع أحمد بن يونس الحروفش للسّلام عليه وقدّم له خيلاً كدليل على دوام العلاات الوديّة بين العشيرتين. بيد أن يوسف باشا سيفا، حاول أن يوغر صدر فخر الدين على الحرافشة، فبعث بواسطة الأمير علي الشهابي رسالة جاء فيها: «… سبحان الله دائماً ما ينظر الأمير فخر الدين إلاّ عداوتنا، والأمير يونس بن الحرفوشي قتل السكمانية الذين جاؤوا من عند ولده من البرية، وراح إلى عند الوزير وتسبّب في هدم القلاع، وأمس أرسل ولده الأمير أحمد إلى قرية مشغرة، وصار يكاتب بني متوالي([129]) وينصحهم ويفسخهم». فحمل فخر الدين على الشيعة في جبل عامل، فقبض في عكار على الحاج ناصر الدين بن منكر، لأنّ أخاه علي بن منكر، لاذ بالحرافشة، وحرّضهم على أخذ جبل عامل وتخليصها من المعنيين، فبادر الأمير يونس إلى إنقاذ الحاج ناصر الدين، إذ افتداه مقابل اثني عشر ألف غرش، سدّدها الأمير يونس عن المعني لأرباب الدين في دمشق. ولما طالبت الدولة التركية فخر الدين بالأموال، سارع وفرض على بلاد جبل عامل ضرائب خمس سنوات، وضيّق على مشايخها.
قال الشدياق: «فنزحت مشايخ بلاد بشارة([130]): وبنو علي الصغير إلى بلاد بعلبك إلى الأمير يونس الحرفوشي» فهدم فخر الدين منازل أولاد منكر في عيناتا، والحاج علي بن أبي شامة في بنت جبيل، وفرحات بن داغر في قرية أنصار والحاج ناصر الدين بن منكر في قرية الزرارية، وولده في قرية حومين الفوقا، وضبط جميع غلتهم».
رغم هذه التصرفات العنصرية الطائفية، حافظ الأمير يونس على الصداقة مع المعنيين. ففي صفر سنة 1028هـ (1618م) عزم فخر الدين على محاربة يوسف باشا سيفا، ففوّض الأمير يونس الحرفوشي أن يضبط ممتلكات آل سيفا من المواشي والغلال في القيرانية والهرمل، فتوجّه الأمير يونس إلى القيرانية وحاصر سكمانية ابن سيفا واستولى على قلاعهم في ثلاثة أيام، وصادر مواشيهم التي وفدت من جهة عكار. ثمّ أرسل الحرفوشي أربعة بلوكباشية من سكمانيته لنصرة فخر الدين في بلاد عكا. ولتقوية هذه الروابط بدافع من مواجهة جشع ولاة دمشق الأتراك، تمّت المصاهرة بين المعني والحرفوشي إذ تزوّج الأمير أحمد بن يونس من ابنة الأمير فخر الدين، وما لبث أن توفي الأمير أحمد لكن الأمير يونس رغب في استمرار المصاهرة، وطلب من الأمير فخر الدين الموافقة على زواج الأمير حسين بن يونس من أرملة أخيه كريمة الأمير فخر الدين لقاء ثمانية آلاف غرش إرضاء لخاطره. وتمّ الزواج بإشراف الحاج كيوان، والسيد نور الدين الجبعي. وغدا الأمير يونس منافساً للمعني على زعامة البلاد، ومقاسماً له في المغانم. في ربيع الأوّل سنة 1032هـ (1622م) وزعت استانبول ولاتها على طرابلس وحماه وجبلة، وعزلت يوسف باشا سيفا، فكتبت أحكاماً «لباشا الشام وعساكرها، وللأمير فخر الدين بن معن، والأمير يونس بن الحرفوشي، بأن يكونوا لهؤلاء من المساعدين على ضبط هذه المناصب، وضبط أملاك ابن سيفا». واشتدّت المنافسة بين الأميرين الحرفوشي والمعني، فجمع الأخير رجاله وأخذ يعدّد أمامهم تجاوزات الأمير يونس ضدّهم: لقد منع أهل الشوف من الزراعة في أرض البقاع، وبسط نفوذه على أملاكهم التي ابتاعوها من أيام المنصور بن الفريخ، وصادر «تل النمورة» قرب قب الياس، وهو للأمير علي المعني، وتل سكمان علي المعني، وأسهم في هدم قلاعهم (أرنون والشقيف…)، وغدا يعتز بقوته ويطمع في الاستيلاء على لبنان بالتحالف مع شيعة جبل عامل. بعد هذا العرض، تمّ الرأي على وضع حد لتعديات ابن الحرفوشي. ونهض فخر الدين من بيروت في شهر ذي القعدة سنة 1032هـ (1622م) إلى قب الياس. واتصل بوالي دمشق وبذل له مائة ألف ذهب لأخذ بلاد بعلبك، وكتب بمثل ذلك إلى دفتردار الشام ورئيس الانكشارية فيها.
هذه المشاحنات، أدّت إلى نشوء حلفين في بلاد الشام، الأوّل الشام يقوده فخر الدين، ومعه ابنه علي، وأخوه يونس، وعلي الشهابي، وأحمد الشهابي، والبلوكباشي الحاج كيوان، والفريق الثاني يقوده يونس الحرفوشي، ومعه ابن حسين، وعمر بن سيفا، وعباس أمير عرب بلاد حمص والبلوكباشي كرد حمزة، وهؤلاء لبسوا ثوب الشرعية، فأمّروا عليهم والي الشام مصطفى باشا. تقدّم فخر الدين إلى كرك والي الشام مصطفى باشا. تقدّم فخر الدين إلى كرك نوح وغدر بحاميتها وأحرقها وكانت تابعة للحرافشة، ثمّ التقى الفريقان في عنجر. روى الصفدي مؤرخ فخر الدين، أنّ بداية المعركة كانت نصراً للحرفوشي وابن سيفا، إذ دحرا قوات المعني قال: «وأطلعوهم من قرية المجدل حتّى أوصلوهم إلى كعب البرج وضايقوهم، وملكت سكمانية ابن سيفا وابن الحرفوش البلد» وأضاف: أنّ مائة خيال فقط هجموا على عسكر مصطفى باشا المكوّن من عشرة آلاف رجل، فانهزم واستسلم للأسر. أمّا المحبي فشرح أسباب نقمة أهل الشام على يونس الحرفوش وتتلخص، بأنّ الحرفوشي أخذ يضيّق على السنّة في بعلبك، فنزحت منهم عائلات كثيرة إلى دمشق، وهناك حرّضت عساكر الشام ضدّه، ثمّ عمد فشيّد أوّل مسجد للشيعة في بعلبك سنة 1028هـ (1618م)([131])، وقد أزعجت اتصلاته بمتاولة بلاد بشارة (شيعة جبل عامل)، المعنيين والشهابيين والسلطات في دمشق. وتعرّضت بعلبك وقراها لحرق وسلب وتعدّيات لم تشهدها خلال الغزو المغولي. لقد أحرق القرى وقطع الأشجار وهدم المنازل. قال الصفدي: «أمر فخر الدين مائة وخمسين رجلاً من الفعلة والمعلمين والقلاّعين بمباشرة هدم قلعة بعلبك، فشرعوا في هدمها بالآلات وفي نقبها بالدبورة». وظلّ الأمير يونس مُطارداً من السلطات التركية، كلّما حاول أن يعيد العلاقات الوديّة مع ولاة دمشق وحلب أخذوا أمواله، وقلبوا له ظهر المجنّ. وفي محرم سنة 1037هـ (1626م) تمّ قتل الأمير يونس الحرفوشي على يد والي الشام؛ بدسيسة من فخر الدين المعني.
في 31 تشرين الأوّل سنة 1689م، زار بعلبك الرحالة الفرنسي (جان دي لاروك)، وأقام فيها حتّى 15 تشرين الثاني، وسجّل ملاحظات قيّمة عن الحياة السياسية والاجتماعية، والعمرانية والاقتصادية، وأفاض في حديثه عن شيخ بعلبك أي الأمير شديد الحرفوش. وأدرك (دي لا روك) أنّ حاكم بعلبك ليس شيخاً عادياً، إنّما يتيمز بكلّ صفات الباشا، مع أنّه لم يحصل على هذا اللقب، وهو صاحب فضل وكرم ومعرفة، بيد أنّه يأنف من تعلّم التركية، ولا يؤمن بالخرافات والأوهام التي تغلب على تفكير الشعب، والسائدة في بعلبك حتّى عند رهبان النصارى وحاخام اليهود. وكان الأمير يقيم الولائم العامة، ويمارس هواية صيد الطيور. ومن ملاحظاته الاجتماعية، الإحصاء السكاني للمدينة التي تضم بعض المنازل الحديثة البناء. وعدد سكانها يتراوح بين ستة أو سبعة آلاف نسمة غالبيتهم من المسلمين، وجماعة من النصارى الروم والموارنة، ولكلّ طائفة كاهنها الديني وهناك بضع أسر يهودية لها حاخام هو رئيس الكنيس وكان يتقن مجموعة لغات. ومعلوماته عن هياكل بعلبك لا تتعدّى الخرافات ومردة سليمان. وكان يمتلك مكتبة غنية بالمخطوطات التاريخية، وتضم (مفرح النفوس) للطبيب بدر الدين البعلبكي. إنّ النزعة الاستقلالية لزعماء الشيعة في البقاع وجبيل وجبل عامل، حملت ولاة دمشق وطرابلس وعكا وأمراء لبنان على محاربتهم لإلغاء وجودهم السياسي.
في سنة 1692م، أصدر كاتب الصدر الأعظم محمد باشا (وكان سابقاً والياً لطرابلس) أمراً بعزل الحرافشة عن بعلبك، وألحقت بوالي طرابلس الجديد علي باشا، الذي كُلّف رسمياً بالقضاء على النفوذ الشيعي في المنطقة. وطلب إليه أن يرسل ثلاثة عشر رأساً من أعيان بيت قانصوه وحمادة الشيعة، وإنهاء وجودهم العسكري والسياسي، فعزل الأمراء الحرافشة عن بعلبك وسلّمها إلى أحمد آغا الكردي، وسلّم بلاد الحماديّة إلى النصارى. لكن طموحات الحرافشة وحلفائهم الحمادية أمكنتهم من الحفاظ على وجودهم العسكري: وفي مطلع القرن الثامن عشر، كان على بعلبك الأمير حسين الحرفوش، وكان ذا سطوة وقوّة لجأ إليه الأمير حيدر الشهابي لمّا طرده بشير باشا والي صيدا، واختبأ الأمير حيدر بادىء الأمر في مغارة عزرائيل بجوار الهرمل. ثمّ طلب مساعدة حاكم بعلبك الأمير حسين الحرفوش فمنحه الحماية. وزوّده بألفين وخمسمائة رجل من شجعان بلاد بعلبك. وعاد الأمير حيدر مع هذه القوّة إلى رأس المتن، فالتف حوله أمراء القيسيّة، وارتفع عدد أنصاره إلى أربعة آلاف رجل خاض بهم معركة (عين دارا) سنة 1711م، ضد قوات اليمنية وبقيادة محمود أبي هرموش وأمراء آل علم الدين، ومساندة نصوح باشا والي دمشق، وبشير باشا والي صيدا، وكتب النصر للأمير حيدر وجند بعلبك، وفرّ اليمنيون مخلّفين على أرض المعركة قرابة خمسمائة قتيل.
تغنّى مؤرخو لبنان بمعركة (عين دارا) ونتائجها، لأنّها «كانت المعركة الفاصلة في شأن لبنان، إذ جاء بها النصر التام على الحزب اليمني فهلك معظمهم في حومة الوغى، وتفانى قوام عصبيتهم كلّ التفاني، وفي جملتهم أمراء آل علم الدين، الذين كانوا صدعاً مستمراً في بناء سلطة المعنيين والشهابيين. لقد نسبوا النصر إلى أمراء جبل لبنان ومشايخه ومقدميه، وطمسوا معالم الحقيقة، وكشفها قنصل فرنسة في صيدا (استيل) Estelle برسالته الى وزير الدولة بون شرتران Pon Chartrain، التقرير المؤرخ في الثالث والعشرين من ايار سنة 1711م. وجاء فيه: طلب الأمير حيدر الحماية من شيخ بعلبك القوي جدّاً، فمنحه الحماية وأعطاه قرابة ألفين وخمسمائة رجل من خيرة جنود هذا البلد…». وقيل إنّ الأمير حسين قتل سنة 1724م بظروف غامضة، ومقتله كان سبباً لحدوث مجزرة «جنينة اللطامة». وحكم بعده الأمير إسماعيل بن شديد الحرفوش، الذي بنى داراً للإمارة انتهى من تشييدها سنة 1141هـ (1726م). وتوالى على إمارة بعلبك بعده الأمير حيدر، وشقيقه الأمير حسين، مع خلافات حادّة بين الأخوين، وبعد موتهما تولّى الأمر أخوهما مصطفى سنة 1774م. ثمّ أخوه محمد سنة 1776م. وفي العام نفسه نال أحمد الجزّار ولاية صيدا، وأخذ يجوب أرض لبنان مدمّراً مخرّباً، وتوجّه إلى البقاع، فهاجم قرية زحلة في 19 تموز سنة 1776م، وتصدّى له سكانها من الشيعة والدروز والنصارى، ودحروه بمساندة الأمير مصطفى الحرفوش. وأخذ مشايخ الشيعة في جبل عامل، يفدون إليه فراراً من أذى الجزار، فاستقبلهم الحرافشة وأكرموا وفادتهم. واغتاظ الجزار من الحرافشة، واتفق مع درويش باشا والي الشام على إنهاء حكم الحرافشة الشيعة. فأنفذ محمد درويش جيشاَ قوياً إلى بعلبك لتنفيذ المهمة. فألقى القبض على الأمير مصطفى وإخوته وبعض أقاربه، وحملوهم إلى دمشق وأعدموا ثلاثة منهم. وعيّنوا على بعلبك متسلّماً جديداً هو رمضان آغا. لكن الجزار بدهائه نقل حكم بعلبك إلى سلطته في السنة نفسها، وأرسل سليم آغا حاكماً من قبله.
وأفلت جهجاه بن مصطفى من عسكر الشام وتوارى عن الأنظار، وأخذ على عاتقه استعادة حكم الحرافشة لبعلبك، فلاح بارق أمل في العراق عند أبناء عمومته عرب الخزاعة. فقصدهم، وطلب مناصرتهم فمنحوه مالاً وفيراً، وفرساً صفراء كريمة الأصل، وعاد إلى البقاع سنة 1786م يتسقط أخبار بعلبك، وتحرّى قوّة واليها محمد آغا العبد. وجمع قرابة مائة فارس بذل لهم الأموال الطائلة، وتقدّم بهم إلى بعلبك ليلاً «وقد نعل الخيل بلبّاد»، وقتلوا كلّ من صادفوه في طريقهم حتّى سالت الدماء سواقي. وفرّ محمد آغا العبد إلى دمشق. وتسلّم جهجاه زمام الأمور، واستعاد حكم أجداده على بعلبك. وكانت حياة جهجاه بين كرّ وفرّ إذ تعرّض لحملات متلاحقة من قبل ولاة الشام. بَيْدَ أنّه ثبت بعناد أمام المؤامرات والجيوش وجشع الحكام. وكان شقيقه سلطان يسانده في هذه المهمات، بَيْدَ أنّ الشقاق دبّ بينهما سنة 1807م. وحصل الأمير سلطان على ولاية بعلبك، بعد أن قدّم رشوة لوالي دمشق كنج يوسف باشا. لكن جهجاه استعادها برشوة مماثلة، وظلّ يضبط شؤون المدينة حتّى آذار سنة 1817م عندما أدركته الوفاة. فضبط أخوه أمين جميع متروكاته واستطاع أن يمارس صلاحيات الحاكم باسم ابن أخيه القاصر «نصح بن جهجاه» وأخلص الامير أمين للأتراك فانحاز إلى جانبهم ضد إبراهيم باشا المصري الذي استعان بالأمير جواد الحرفوش. فاضطر الأمير أمين وابنه قبلان أن يقصدا استانبول، ولما أدركاها، أُنزلا أرفع منزلة، وأقاما حتّى غادر إبراهيم باشا بلاد سورية سنة 1257هـ (1841م). وعزم الأتراك، بعد القضاء على ثورة إبراهيم باشا على إلغاء الامتيازات الإقطاعية في لبنان، فقضوا على الشهابيين والحراشفة. وتوجّه مصطفى باشا ومعه ثلاثة آلاف جندي إلى بعلبك فحاصرها، ثمّ دخلها وألقى القبض على أمراء الحرافشة: حمد وابنه يوسف، وخنجر وسلمان وفاعور وشديد، وسليمان وقادوهم إلى دمشق. ومن هناك نُفُوا مع الأميرين محمد وعساف إلى جزيرة كريت. وألغيت إمارة بعلبك وتحوّلت سنة 1850م إلى مركز يدير شؤونها قائمقام.
دور الحرافشة في بعلبك
اتفقت المصادر التي ذكرت أخبار الحرافشة على وسمهم بصفات هي: الكرم، والشجاعة، والغيرة، والظلم، والأصل العربي، والتشيع… ومن هذه الخلال انطلقوا لتأسيس امارتهم على بلاد بعلبك والبقاع منذ مطلع القرن السادس عشر حتّى 1850م.
ما كان الأتراك يسمحون للحرافشة الشيعة بحكم البقاع البعلبكي، لولا وجود الصراعات الطائفية في لبنان. إذ تبلورت في عهد الأتراك النظم الطائفيّة، فظهرت التكتلات المذهبيّة مثل الدروز والشيعة والموارنة… وبرزت الأسس الأقطاعيّة:المعنيون، والحرافشة والسيفيون، والشهابيون… وحاول الحرافشة أن يربطوا بعلبك بجبل لبنان مثلما كانت في الحقبة الفينيقية واليونانية والرومانية. فالوشائج الحضاريّة كانت متينة بين بيروت وبعلبك المستعمرتين المميزتين في العهد الروماني.
إنّ مصادر جبل عامل تثني على دور الحرافشة في حماية علماء الشيعة العامليين من تسلّط باشوات الأتراك، وتجاوزات المعنيين الدروز. لقد استقبلوا زعماء جبل عامل وعلماءه بحفاوة، وأكرموا وفادتهم، وزادوا عنهم أذى الجزار، ورد في مجلة العرفان مقال للشيخ سليمان ظاهر: «إنّ من الأسر العامليّة الوجيهة التي فرّت من مظالم الجزار، بعد مقتل الشيخ ناصيف النصّار، أسرة الحر. فنزحت من بلدها جباع قاعدة إقليم التفاح من أعمال صيدا إلى مدينة (بعلبك)، معتصمة بحماية أمرائها الحرافشة. وكان كبير هذه الأسرة في ذلك الحين من العلماء الأعلام الشيخ عبدالسلام، وكان من عطف أولئك الأمراء عليهم في موطنهم الجديد، ورعايتهم لهم ما أنساهم موطنهم القديم، فأمنوا سطوة الجزار الجبار…».
وعرف الأمير يونس الحرفوش أنّ ولاة الأتراك ارتفاعاً إلى الصدر الأعظم والسلطان يبيعون الولايات بأكياس الفضّة. فاهتمّ الأمير يونس باستغلال سهل البقاع: (سوريّة المجوّفة)، فاقتنى حوالي أربعين قطيعاً من المواشي، أي ما ينيف عن عشرين ألف رأس من الماعز والغنم وأكثر من ألف جاموس وامتلك ألف فدان فأعاد إلى سهل البقاع ثوبه الأخضر الذي ارتداه في العهد الروماني يوم كان (إهراءات روما).
ثمّ خلعه أحقاباً من الدهر حتّى جاء يونس الحرفوش فأحيا مواته، وحوّله إلى حقل أخضر يجود بغلال وفيرة. أمّا البساتين، فانتشرت في القرى، وكانت تغص بالأشجار المثمرة التي تزيد ثروة الأمير. وبذلك حوّل البقاع إلى (إهراءات استانبول)، فأحياناً كان يبعث القمح لينوب عن الأموال السلطانيّة المقرّرة على بلاده.
ولم يتحمس الحرافشة للأدب والشعر حماستهم للفروسيّة وضروب الشجاعة.
بيد أنّهم لم يهملوا الشعر ديوان العرب، وهم عرب صُرَحَاء، فقد نبغ منهم بعض العلماء والشعراء، أمثال الشيخ محمد بن علي بن محمد الحرفوش الشهير بالحريري، لأنّه كان يعمل بالحرير، ذكر له المحبّي، والحر العاملي أكثر من اثني عشر مصنفاً: في اللغة والفقه والأدب والشعر. وديوانه ما زال مخطوطاً، توفي سنة 1059هـ. وابنه الشيخ إبراهيم بن محمد توفي سنة 1080هـ بطوس. ومنهم الأمير موسى بن علي المتوفى سنة 1608م وكان محباً للشعراء، مدحه درويش محمد الطالوي الأرتقي. المتوفى سنة 1014هـ (1605م) بقصيدة ذكر فيها الحرافشة وكرمهم وشجاعتهم، وركّز على محبتهم لآل البيت، جاء فيها:
إلى حضرةٍ يعلو الكواكبَ قدرُها
وتسمو بها العلياءُ أشرف رتبةِ
أميرُ المعالي وابنُ نجدتها التي
زكا فرعه، من أصل خير أرومةِ
سلالةُ حرفوشٍ نصيرُ الأئمةِ
حامي حماها بالظُّبا والأسنَّةِ
سقى قبرَه جودٌ كجودِ يمينهِ
فما قَدْرُ ما يسقيه هطلُ غمامةٍ
فيا آل حرفوش أحاديثُ جودكم
وإن تكُ صحت في الليالي القديمة
وأثبتتِ الأيامُ صدقَ ولائكم
إلى الآل، آل الفخر في كلّ ملَّةٍ
فأفضلُك موسى وفضلُ أبيه لا
يرى فيه شكاً غيرُ واهي العقيدَةِ
فيا من يرومُ الحقّ، والحقُّ ظاهرٌ
ولكنما الأهواءُ عَمَّت فأعمتِ
عليك بإخلاص الولاء لحيدرِ
أمام الورى، والعلم باب المدينة
فحبُّ عليّ في الحياةِ وسيلتي
وحبّ عليّ في الممات ذخيرتي
له في صميم القلبِ منّي محبّةٌ
أرجّي بها في الحشرِ أعظمَ زُلْفةِ
لقد استقبل الحرافشةُ الشعراء، وسمعوا مدائحهم وأجازوهم… وأشهر الشعراء الذين عثرتُ على قصائدهم في الحرافشة هم: عبدالرحمن التاجي البعلبكي (توفي سنة 1704م)، ونقولا الصايغ الحلبي (1692ـ1756م)، والسيد حسين الحسيني آل مرتضى (1842م) وطرز الريحان البعلي، والسيد محمد الحسيني…
وبعد إنهاء حكم الحرافشة، انتهى حكم الإقطاع في بعلبك، وتحوّلت إلى لواء بعلبك وشرقي البقاع، يشرف عليه متصرّف أو قائمقام يرتبط بوالي الشام. وجرت عادة الدولة التركية، أن تحدّد مدّة المتصرّف بسنة، لكنّها قد تعزله قبل إتمام المدّة، أو تجدّد له الولاية بناء لخدماته، ومقدرته على ضبط الأمن، وجباية الأموال. كان تيمور باشا أوّل قائمقام لبعلبك. اقتصرت مهمته على مطاردة فلول الحرافشة لكنّه أخفق فعزل سنة 1851م. وخلفه فرحات باشا ثمّ صالح زاكي، فشاكر بك (1856م)، مصطفى راشد، وفارس آغا قدور (1858م)، وأمين بك (1861م)، ثمّ محمد باشا اليوسف (1866م).
وظلّت بعلبك رأس لواء حتّى سنة 1871م، عندما سلخ عنها شرقي البقاع، وتحوّلت إلى قضاء. وشهدت في هذه الحقبة إعلان الدستور ومحاولات الانفصال عن تركية التي انتهى حكمها سنة 1918م مع نهاية الحرب العالمية الأولى. واستقبلت بعلبك الاستعمار الفرنسي باستنكار عبّر عنه مئات الشباب بعصيان مسلح ما لبث أن انتهى. وتمّ إعلان ضمّ بعلبك إلى لبنان بحفلة شبه رسمية في اليوم الأوّل من آب سنة 1920م، أقامها الكولونيل (نيجر). وتحوّلت بعلبك إلى قضاء عدد سكانه 32128 نسمة، ويتألف من خسمة مديريات. وتوزّع سكانه على الطوائف التالية: الشيعة (19534 نسمة)، روم كاثوليك (4626) السنّة (3556)، الموارنة (3018)، روم أرثوذكس ((991 نسمة) بروتستانت (22)؛ دروز (8) أديان مختلفة (22)؛ أجانب (351).
وبلغ عدد القرى التابعة لها ثمانين قرية باستثناء المزارع، وأهم ما شهدته من الأحداث، الثورة على الانتداب الفرنسي، أعلنها توفيق هولو حيدر في آذار سنة 1926م. ونتج عنها إحراق سراي الحكومة، ومجموعة معارك خسر فيها الفرنسيون عدداً من جنودهم. ثمّ أصاب المدينة إهمال عام من قبل الدولة، ونواب المنطقة، وما زالت تعاني من انحطاط وتأخّر وغدت مدينة ميتة لا حياة فيها. ويمكن أن نصفها بأنّها قرية كبيرة. تضمّ عشرة مساجد عامرة، وأنشئت فيها مدارس دينية ما تزال في بداية الطريق، إلى جانب ثلاثين مدرسة رسمية وخاصة، وتضمّ بعض المكتبات الخاصة، في حين اختفت الصحافة المحليّة.
الدكتور حسن نصرالله
بعلبك
ـ2ـ
* إذا كانت بعض المدن قد حظيت بعناية التاريخ لها للدور الذي لعبته في كثير من مجالات الحياة والشعوب المختلفة بحكم موقعها من ناحية، ولعوامل أخرى ساهمت مع الأيام في إيجاد خصائص مميزة لها، فإنّ مدينة بعلبك واحدة من هذه المدن التي لعبت دوراً كبيراً في تاريخ عدد من الشعوب ابتداء من العهد البرونزي القديم (2900ـ2300ق.م.) والعهد البرونزي المتوسط (1900ـ1600ق.م.)، وهذا يعني أنّ تاريخ هذه المدينة تمتد جذوره العريقة إلى أكثر من أربعة آلاف سنة.
ومدينة كهذه لا شك في أنّها قد تأثّرت بكلّ العصور على مدى كلّ الحقب التاريخية، وهذا التأثير منحها مكانة، جعلتها تستأثر باهتمام المؤرخين، وعلماء الآثار.
وإذا كانت تلك هي مكانة بعلبك على صفحات التاريخ القديم فإنّها لم تفقد تأثيرها في التاريخ المعاصر، وما زالت تحظى بالاهتمام الكبير على المستوى العلمي، ومستوى الأفراد الذين يأتون إلى لبنان لقراءة التاريخ على الطبيعة من خلال آثارها الباقية التي لم تؤثّر فيها عوامل الزمن بصورة تفقدها بريقها، وتألقها.
الموقع
تقع مدينة (بعلبك) على ارتفاع 3770 قدماً عن سطح البحر، في وادي البقاع الخصيب الذي كان يسمّى في التاريخ القديم (سورية المجوفة). وتحدّ وادي البقاع من الشرق ومن الغرب جبال لبنان الشرقية والغربية، ويتراوح عرض هذا الوادي بين ستة وعشرة أميال، وبقرب هذه المنطقة تقع نقطة توزع المياه حيث يتجه نهر العاصي Orontes ببطء نحو الشمال، بينما يتجه نهر الليطاني Leontes نحو الجنوب. وهي بهذا تسيطر على حوضي الليطاني والعاصي.
وكما هي الحال في كثير من المدن التاريخية والقديمة هنالك (بعلبك) الحديثة بأسواقها ومساجدها ومقاهيها الفسيحة وفنادقها السياحية ومهرجانها الدولي، وهي اليوم المدينة الرئيسية وأكبر مركز زراعي في محافظة البقاع في لبنان. وهناك بعلبك الأثرية التي تكاد تمتزج ببعلبك الحديثة فتتداخل البيوت والبساتين مع الآثار.
لقد اجتذبت (بعلبك) القديمة، نظراً لوقوعها على طرق التجارة قوافل التجار إليها فكان على القوافل القادمة من موانىء المتوسط والمتجهة إلى الداخل والقوافل القادمة من بلاد ما بين النهرين الى الشرق أن تتوقف هنا فتحط الرحال إلى حين، قبل أن تتابع رحلاتها. ولعلّ وفرة المياه العذبة في منطقة (بعلبك) كانت سبباً من أسباب توقّف القوافل، فنبع (رأس العين) مثلاً لا يبعد عنها كثيراً ويقع إلى الجنوب الشرقي منها، وهنالك نبع آخر في (عين لجوج) على بُعد ستة كيلومترات، يمدّ المدينة بالمياه العذبة.
في إعراب بعلبك
جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي ما يلي:
«ولهذا الاسم ونظائره من المركبات أحكام، فإن شئت جعلت آخر الأوّل والثاني مفتوحاً بكلّ حال كقولك: هذا بَعلَبكَّ، ورأيتُ بعلَبكَّ، وجئت من بَعلَبَكَّ، فهذا تركيب يقتضي بناؤه؛ فكأنّك قلت بعلَ وبَكَّ، فلمّا حذفت الواو أقمت البناء مقامه ففتحت الاسمين كما قلت خمسَة عشرَ، وإن شئت أضفت الأوّل إلى الثاني فقلت: هذا بعلبكِّ، ورأيتُ بعلبكُ، ومررتُ ببعلبكِّ، أعربتَ بعلاً وخفضت بكاً بالإضافة، وإن شئت بنيتَ الاسم الأوّل على الفتح وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف فقلت: هذه بعلَبَكُّ، ورأيت بعلَبَكَّ، ومررت ببعلَبكَّ.
وتصغير بعلبك بُعَيْلَبَكّ، كما تقول في طلحة طُليحة. وتقول في ترخيمه لو رخمته (يا بَعْلُ) كما تقول (يا طلحُ) وتقول في النسب إليه (بَعْليّ)، كا تقول (طلحي)، وأمّا من قال (بَعلَبكيّ) فليس بعلبك عنده مركبة ولكنّه من أبنية العرب».
بعلبك أو هيليوبولس
بَعْلَبَك: من الأسماء السامية مركب من (بَعْل) و(بَك)، وقد ذكرها الهمذاني في كتابه (صفة جزيرة العرب) وعربها (باعِلُ بَك). وقال ياقوت في المعجم: «اسمها مركب من (بعل) اسم صنم (وبَكَّ) عنقَهُ أي دقها».
وكلمة (بعل) في اللغة السامية تعني (السيد)، وفي اللغة العربية (البعل) هو الزوج. وكلمة (بعلبك) تعني (بعل البقاع). ويبدو أنّ عبادة (بعل) قد انتشرت بين الأقوام السامية، واتّخذ هذا الوثن أسماء متعددة فهو بعل أو حدد أو أداد (عند الأكاديين) أو (بعل شمين في مملكة تدمر). وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخَالِقِينَ}.
وقد تغيّر اسم المدينة من بعلبك إلى (هيليوبولس) في عهد الإغريق. وبما أنّ الإغريق طابقوا (بعلاً) مع (هوليوس) وجعلوه معادلاً له، وذلك في سبيل قيام علاقات متقاربة بين مصر وسورية تحت حكم البطالسة (حوالي 301ق.م.) فإنّ هؤلاء المكدونيين قد وجدوا أنّه من المناسب إطلاق هذا الاسم (هليوبولس) عليها، وذلك لربط المراكز الوثنية فيها مع المراكز الوثنية في (هليوبولس) في مصر. وأصبحت بعلبك تعرف باسم (هليوبولس) أي مدينة الشمس منذ ذلك الوقت، واحتفظ الرومان بهذا الاسم الإغريقي للمدينة. ومع ذلك فإنّ التأثير السامي لم ينقطع وبقي العرب يعرفونها باسم (بعلبك)، وقد ذكرها امرؤ القيس فقال:
لقد أنكرتني بعلبك وأهلها
ولابن جريح في قرى حمص أنكرا
وهكذا نجد أنّ أكثر المقاطعات والجبال والأنهار التي اتخذت أسماء يونانية أو رومانية تعرف اليوم بأسمائها السامية.
في العهود السامية والإغريقية
يعود تاريخ بعلبك إلى أكثر من أربعة آلف سنة. وقد وجدت آثار تحت القاعة الكبرى لمعبد (جوبيتر) تشير إلى أنّ هذه المنطقة كانت مأهولة قبل الإغريق والرومان. فقد كشفت الحفريات عن أساسات لمنازل من العهد البرونزي المتوط (1900ـ1600ق.م.)، كما وجدت قطع من الأواني الفخارية وغيرها تعود إلى العهد البرونزي القديم (2900ـ2300ق.م.). ووجدت آثار تعود إلى عهود الكهسوس (1730ـ1580ق.م.) ولا نعلم عن بعلبك قبل وصول الرومان إليها سوى أنّها كانت مركزاً لعبادة بعل أو حدد. ولم يرد اسمها في الألواح التي أثبتت المعاهدات الحربية الآشورية، كما لم يرد ذكرها في تاريخ الآراميين أو فتوحات وغزوات الفرس. ولا بد أنّ بعلبك كانت حينذاك مركزاً تجارياً صغيراً على طريق القوافل، ويجمع المؤرخون على أنّه في تلك الحقبة سادت فيها عقيدة وثنية غامضة، وبعد ذلك نشأت عقيدة وثنية تقدس ثلاثة أنواع من الأصنام هي: (بعل أو حدد) ورفيقته (آتار جاتيس)، ووثن آخر قد يكون (هيرمز أو عطارد). وأهم تلك الأصنام كان بعل أو حدد، فكانوا يعتقدون ويزعمون أنّه يرسل المطر أو يمنعه عنهم عندما يغضب منهم!! وكانوا يخافونه لأنّه ـ كما يقولون ـ يرسل الخراب والدمار مستخدماً السيول والصواعق. كما كانوا يقدسون وثناً آخر على شكل امرأة يدعونها (آتار جاتيس أو عتار)، تحيط بها تماثيل الأسود، بينما كانت تحيط ببعل تماثيل الثيران، وهذا الأخير دعي فيما بعد بأسماء مختلفة فهو زيوس في فترة الإغريق، وهو جوبيتر عند الرومان.
وعندما اخترق الإسكندر الأكبر المكدوني سورية خلال زحفه من آسيا الصغرى إلى مصر ضمّ سورية إليه ودمجها في إمبراطوريته المكدونية. وعندما حاصر مدينة صور في سنة 332ق.م. قرّر أن يسير داخل سورية على رأس بعض الفصائل من الرماة والفرسان، وقطع وادي البقاع ووصل إلى بعلبك. وبعد وفاة الإسكندر سنة 323ق.م. انقسمت إمبراطوريته بين قواد جيشه، وهكذا كانت سورية من نصيب (سلوقس) Seleucus، ومصر من نصيب (بطليموس) الذي أضاف إليها فيما بعد فينيقيا وسورية، وأصبحت سورية ولبنان تحت حكم البطالسة. وفي سنة 219ق.م.، قام أحد أحفاد (سلوقس) وهو (أنطيوشيوس) الثالث باحتلال فينيقيا وأخرج البطالسة منها وبقيت تحت حكم السلوقيين حتّى سنة 69ق.م.، عند سقوط أسرة السلوقيين وبداية الحكم الروماني.
ومعابد بعلبك توضح هذا الأثر المزدوج للتأثير الهليني (الإغريقي ـ السوري) والروماني. فوضع المعابد شرقي ورؤوس أعمدتها إغريقية (كورنثية) والإضافات إليها تعتبر رومانية الطراز.
في العهد الروماني
في سنة 69ق.م.، انهارت دولة السلوقيين وذلك عندما قام الرومان بقيادة (بومبي) Pompey بحملة ضد الشرق جعلوا فيها من سورية ولاية رومانية وأصبحت بعلبك مستعمرة رومانية. ولم يؤسس الرومان سوى مستعمرات قليلة في سورية، فكانت لهم جالية من المحاربين في بيروت وأخرى في بعلبك. وقد فطن الرومان إلى أهمية المدينة من الناحية العسكرية والاقتصادية والدينية. فمنحوها فيما بعد قابلية تطبيق القانون الروماني فيها واعتبارها أرضاً رومانية غير مشمولة بنظام المستعمرات. وهذه المنحة المسمّاة Ius Italicum لا تعطى إلاّ للمدن التي تحوز على رضاهم وإعجابهم. وقد حدث ذلك في عهد الإمبراطور الروماني (سيبتيموس سيفروس) الذي حكم من 193ـ211م، كما أعفى سكانها من الضرائب.
وقد وجد الرومان أنّه من المناسب من الناحية السياسية أن يقيموا معبداً لبعل محدد وأن يعطوه اسم وثنهم جوبيتر. وأقيم المعبد الأصلي وبدأ الأباطرة الرومان بتوسعته. وقام تراجان باختيار مقدرة الكهنة على التنبؤ وذلك قبل أن يبدأ حملته الثانية ضد القريتيين في سنة 116م. وقد تلقى جواباً على أسئلته بصورة رمزية وكان الجواب عبارة عن حزمة من العيدان ملفوفة بقطع من القماش. وكان موت تراجان في (كلكيلية) سنة 117م، ونقل رفاته إلى روما تفسيراً كاملاً إن لم يكن متأخراً لما ظهر من المعبد.
وقد بدأ التوسع المتقن لمعبد هيليوبولس في عهد (أنطونيوس بيوس)، (من 161ـ183م). واستمرّ حتّى زمن (كاراكالا) (من211ـ217م)، وغيره من أباطرة السلالة السورية، الذين أتموا البناء وجعلوه من عجائب الدنيا.
وتظهر صورة المعبد لأوّل مرّة على أحد وجهي نقود سيبتيموس سيفروس. وحفر ابنه الإمبراطور كاراكالا ووالدته الحمصية جوليا دومنة كلمة (هيليوبولس) على نقودهما. ولا تزال النذور على شرف هذين الاثنين مقروءة جزئياً في اللغة اللاتينية على قاعدة رواق المعبد، حيث تقول الكتابة الأثرية إنّ الأعمدة النحاسية قد دشنت وطليت بالذهب على شرفهما.
كما يرد اسم المعبد على نقود الإمبراطور فيليب العربي (244ـ249م)، وكان عربياً من قرى حوران كما كان قائداً للحرس قبل أن يعتلي عرش الإمبراطورية. وكانت تقام في المدينة احتفالات سنوية، ومعرض تجاري وألعاب رياضية. وقد جعل المعبد من بعلبك أشهر مدينة في منطقة لبنان وثاني مدينة بعد أنطاكية في ولاية سورية لعدّة قرون.
وعندما اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية عام 312م، قام بإغلاق المعابد الوثنية، وأمر ببناء كنيسة في الطرف الغربي، وهي من نوع (البازيلكا). ولكن الوثنية عادت من جديد في عهد جوليان (331ـ363م)، فأعاد فتح معابد الأوثان في بعلبك وهدمت الكنائس وتمّ نهب محتوياتها وحدثت مذابح ضد المسيحيين في عهده.
وقد نقل الإمبراطور جوستنيان من بعلبك الأعمدة من (البورفير) التي جلبت بالأصل من مصر، واستعملها في بناء كنيسة القديسة صوفيا، وظهر في أحد هذه الأعمدة، بعد أن كسر، المعدن الذي يصل بين أقسامه.
وهكذا استطاع الرومان ـ من بعلبك ـ أن ينقلوا ثقافتهم وحضارتهم إلى أجزاء أخرى من إمبراطوريتهم.
الفتح الإسلامي
يذكر المؤرخ والجغرافي (سترابو) الذي عاش في القرن الأوّل بعد الميلاد، أنّ منطقة البقاع يسيطر عليها العرب. وهذا يدل على أنّ القبائل العربية استوطنت المنطقة وامتزجت مع السكان المحليين. ويضيف (سترابو) أنّ هذه السلالات العربية حكمت البقاع وأرهبت المناطق المجاورة خلال حكم السلوقيين وحتّى الحكم الروماني. وكان هؤلاء العرب من الأنباط ويسمّيهم (سترابو) (بالعرب والعيطوريين)، وقد تمّ ذلك قبل العهود المسيحية بفترة طويلة.
وبعد انقسام الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين في القرن الخامس بعد الميلاد أصبحت سورية ولبنان في نطاق الإمبراطورية الشرقية، أي النصف البيزنطي. وقد كانت تلك الفترة مليئة بالحروب ولم يسد السلام بين الفرس والروم.
وقد تمّ لأبي عبيدة فتح المدن السورية التي سارعت إلى فتح أبوابها لاستقباله، وخرج أهلها يصحبهم الناقرون على الدفوف والمنشدون.
ويقول ياقوت الحموي في معجمه: «ولما فرغ أبو عبيدة بن الجراح من فتح دمشق في سنة أربع عشرة للهجرة، سار إلى حمص، فمرّ ببعلبك فطلب إليه أهلها الأمان والصلح، فصالحهم على أن آمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وكتب لهم كتاباً أجلهم فيه إلى شهر ربيع الآخر وجمادي الأولى، فمن جلا سار إلى حيث شار ومن أقام فعليه الجزية».
ويبدو من النقود الأثرية أنّ دار سك العملة في بعلبك استمرّت في عملها في العصر الأموي. وقد وجدت عملات تعود إلى بداية حكم معاوية وهي تحمل صورة هرقل واسم (هليوبولس) بأحرف يونانية كلمة (بعلبك) بالأحرف العربية. وصدر بعد ذلك نوع جديد من العملة يحمل صورة تمثل الخليفة بردائه العربي مع عبارة (أمير المؤمنين) وعبارة (محمد رسول الله). ويبدو أنّ هذا النوع من العملات قد أبطل تداوله، وأصبحت العملات الجديدة التي لا تحمل صوراً، بل شعار الإسلام: (لا إله ألاّ الله محمد رسول الله) يضاف إليها أحياناً عبارة: (ضرب في بعلبك).
وقد تحوّلت معابد بعلبك إلى قلعة حصينة في العهود الإسلامية. وأزيلت عن المعابد الزخارف الخارجية البارزة خشية تسلقها من قبل الأعداء، وحفر حولها خندق يمنع الوصول إليها. كما بنوا أبراجاً حربية على سطح الأعمدة في الزاوية الجنوبية الشرقية لمعبد (باخوس)، ورفعوا جداراً ضخماً تزيد سماكته على ثلاثة أمتار أمام مدخله الرئيسي. وقد هدم بأمر والي سورية العثماني رشيد باشا عام 1870م، وقد أضاف إليها العرب عنابر للجنود واسطبلات للخيل وخزانات للمياه وبنوا في داخلها مسجداً. كما كان يحيط بالمدينة سور ضخم، ومع ذلك كان السكان يلجؤون إلى القلعة للاحتماء بها أثناء حصار المدينة.
وقد بقيت بعلبك، خلال فترات طويلة، جزءاً من إقليم دمشق وأحياناً كانت تابعة لباشا طرابلس، إلى أن جاءت السلطة الفرنسية المنتدبة فضمّتها إلى لبنان.
أمّا تاريخ بعلبك فهو تاريخ حافل تعرّضت فيه للحصار والغزوات والفتن، وخلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، أحاطت بها الويلات من كلّ جانب وهذه الفترة تخللتها الحروب والفياضانات والزلازل والفتن الداخلية.
ففي سنة 901م، قام قائد القرامطة (زكرويه) بزحفه على سورية وهزم الحامية الطولونية وحاصر دمشق واحتل حمص وقضى على عدد كبير من أهالي حماة ومعرة النعمان وكاد أن يبيد سكان بعلبك.
وفي عهد الحمدانيين بعد موت سيف الدولة حدثت فتن داخلية وانقسامات ممّا مكّن نقفور من بسط سلطانه على الجزء الشمالي من سورية في سنة 968م، وبعد ذلك بست سنوات قام بإخضاع المدن الساحلية ومنها بعلبك.
كما مرّ الفرنج عبر وادي البقاع أثناء حروبهم المتكررة علماً أنّ المدن الداخلية نظير حمص وحلب وحماه وبعلبك ودمشق لم تقع بيد الصليبيين مع أنّها كانت هدفاً لشن غارات عليها بين الحين والحين. وفي عهد دولة الأتابكة ألحقت بعلبك بسلطة عماد الدين زنكي.
وفي عام 1157م، خضعت المدينة لسلطة صلاح الدين الأيوبي بعد أن كان النزاع مستحكماً بين الأمراء والأتابكة.
وفي عام 1258م، زحف هولاكو من الشرق وقضى على الخليفة العباسي ودمّر معظم المدن السورية، وعندما وصل إلى بعلبك أمر جيشه بنهبها وتخريبها، ولم تسلم مساجدها من الدمار.
ويبدو أن بعلبك عانت كثيراً من حكامها في عهد المماليك حتّى أنّ الأوامر السلطانية كانت تنقش على الجدران الحجرية بكف يد الولاة وجامعي الضرائب الزائفين، أو بإعفاء السكان من الضرائب وإعطائهم حريتهم في التجارة والمعاملات.
الكشف عن آثار بعلبك
أثارت بعلبك المؤرخين والجغرافيين العرب منذ مطلع القرن التاسع الميلادي، وجاء وصفها وتحديد موقعها في مؤلفات كثيرٍ منهم، ونذكر منهم على سبيل المثال: المقدسي والإدريسي والدمشقي وأبو الفداء وياقوت والمسعودي وابن بطوطة وغيرهم.
ونسب بعض منهم بناءها إلى الجن وقال إنّها كانت للنبي سليمان (عليه السلام) وإنّه قدّمها مهراً لبلقيس.
وقال ياقوت الحموي: إنّ «يونان قد اختارت لهذا الهكيل قطعة أرض في جبل لبنان ثمّ في جبل سنير، فاتخذته بيتاً للأصنام. وهما بيتان عظيمان أحدهما أعظم من الآخر، وصنعوا فيهما من النقوش العجيبة المحفورة في الحجر الذي لا يتأتى حفر مثله من الخشب. هذا مع علو سمكها وعظم أحجارها وطول أساطينها».
وجاء في نيل الأرب: «هي هليوبوليس القديمة، موقعها قرب منبع نهر العاصي الشهير، كانت قديماً مدينة عظيمة من أحسن المدن وأمتعها، وكان فيها أسواق عديدة وسور عظيم، تراكم عليه السيل مرّة فدفعه، وطغت المياه فوق المدينة فدمّرت ما ينيف عن الألف وخمسمائة بيت، وهي شهيرة بقلعتها البديعة البناء، بأركانها، وأعمدتها، وحجارتها الهائلة…».
ولقد استأثرت هذه الآثار الرائعة بإعجاب القدماء بأحجارها الضخمة وأعمدتها العالية. ويبلغ قياس الجوانب في ثلاث من هذه الحجارة التي تعلو عشرين قدماً عن سطح الأرض 62×14×11 قدماً لكلّ حجر منها. وقد قدّر أنّ الحجر الواحد يكفي لبناء بيت مربع الجوانب يبلغ سمك جدرانه قدماً واحداً وطول واجهته ستين قدماً وعلوّه أربعين قدماً! ولا تزال صخرة من هذه الصخور موجودة في المقلع الكائن في ضواحي المدينة. وهكذا فإنّ خرائب معبد هليوبولس تفوق أيّة خرائب أخرى وصلتنا من عهد الرومان بما فيها خرائب روما نفسها.
وقد قام الإسباني (بنجامين توديلا) برحلته من سنة 1160 وحتّى 1173م، إلى المشرق العربي فأثارت دهشته تلك الحجارة الضخمة التي تقف دون أن يمسكها جص أو ملاط.
وفي سنة 1432م، زارها (دولا بروكيير) ووصفها بقوله: «مدينة جميلة تحيط بها أسوار حصينة وفي وسطها حصن مبني بحجارة ضخمة». ففي تلك الفترة كانت تظهر آثارها وكأنّها قلعة، لأنّ العرب قد حصنوا مجموعات الأعمدة ودعموها وحوّلوها إلى قلعة حربية.
وأوّل من حاول أن يدرس آثار بعلبك وأن يرسم مواقعها وخرائط مبانيها هو (روبرت وود) وزميله (جيمس داوكنز) في عام 1751م، وقد استطاعا الحصول على أمر (فرمان) من السلطان العثماني وكتاب توصية من باشا طرابلس في ذلك الحين.
وفي القرن التاسع عشر تدفق كثير من السياح الأجانب إلى بعلبك، ولم يكتف بعضهم بنقش اسمه على الأعمدة بل حمل معه إلى بلاده ما أمكن نقله من كنوز بعلبك الأثرية من تماثيل وغيرها. ولذلك قامت الحكومة العثمانية في عام 1874م، باتخاذ الإجراءات القانونية لحظر الاتجار بآثار بعلبك أو نقلها، كما قامت بنقل بعضها إلى متحف القسطنطينية.
وفي الحقية فإنّ آثار بعلبك لم تدرس بشكل جدي. إلاّ في نهاية القرن التاسع عشر من قبل بعثة أثرية ألمانية كما سيأتي.
البعثة الأثرية الألمانية
بدأ الاهتمام الأوروبي بخرائب بعلبك في القرن السادس عشر. وقد بقي هذا الاهتمام على صعيد الاهتمامات الفردية حتّى قبل انصرام القرن التاسع عشر بقليل. ففي عام 1898م، قام الإمبراطور الألماني (ولهام) الثاني بإقامة علاقات دبلوماسية متينة مع السلطان عبدالحميد الثاني، وقام بزيارة القسطنطينية مع عائلته وحاشيته. وزار قبر صلاح الدين في دمشق في الثامن من تشرين الثاني (نوفمبر)، وبعد ذلك بيومين قام بزيارة بعلبك. وأحيطت الزيارة بكثير من مظاهر الاحترام، وقام العثمانيون بتكريم القيصر وتخليد زيارته بأن وضعوا لوحاً كبيراً على جدار المعبد، نقش فيه، باللغتين التركية والألمانية ما يلي:
«من السلطان عبدالحميد الثاني إمبراطور العثمانيين، إلى صديقه المستنير ولهلم الثاني إمبراطور وملك بروسيا، والإمبراطورة أغوسطا فكتوريا، بمناسبة زيارة عظمتهم الإمبراطورية لبعلبك في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1898م، تخليداً للصداقة الدائمة والمتبادلة».
وقد طلب القيصر من السلطان العثماني أن يقوم العلماء الألمان بالتنقيب الأثري في بعلبك لدراسة تاريخها والقيام بحفظ آثارها من عوامل التآكل والسقوط. وقد وافق السلطان على ذلك، وباشرت البعثة مهامها في نفس العام وانتهت بعد خمس سنوات في عام 1903م.
وقد أثارت تلك الزيارة والبعثة الألمانية أيضاً حفيظة الفرنسيين والإنكليز في ذلك الوقت.
وتبيّن أنّ القوى الطبيعية من أمطار وسيول وزلازل قد دمّرت بعلبك. وتشاهد في الجدران آثار الاضطرابات التي سببتها الزلازل، وفي العصور القديمة وقبل الفتح الاسلامي بقرن من الزمان تقريباً، حدث زلزالان في فترات متقاربة، أوّلهما سنة 526م، والثاني سنة 551م، ممّا أدّى إلى تدمير المعابد والبيوت ومقتل كثير من الناس. كما حدث زلزال عنيف سنة 1759م، أسقط كثيراً من الأعمدة والحجارة والإهمال الذي لقيته في تلك الفترة جعل كثير من السكان يستخدمون الأحجار ويقطعونها لإعادة بناء بيوتهم التي هدمها الزلزال.
يضاف إلى ذلك الحروب وغزوات الروم البحرية، وهجمات المغول المتكررة، وقطع الحجارة وإعادة استعمالها، وطمع بعض الناس في آثارها، أو استخراج المعدن الذي يصل بين أجزاء الأعمدة لإعادة استخدامه في الحاجة اليومية، كانت من العوامل التي أدّت إلى إضعاف البناء ودماره.
ويعترف المؤرخون بفضل العرب في محافظتهم على آثار بعلبك إذ إنّ القلعة العربية التي ضمّت المعبد الكبير والمعبد الصغير والتحصينات والأبراج التي أقاموها دعمت البناء وحفظت الآثار حتّى بداية الكشف التاريخي في مطلع هذا القرن.
وقد استمرّت عملية التنقيب والترميم الجزئي ـ أحياناً ـ في عهد الانتداب الفرنسي. وبذلت الحكومة اللبنانية كثيراً من الجهود في أعمال الترميم والصيانة.
كيف بنيت المعابد
يعتقد المؤرخون أنّ هذه الحجارة الضخمة قد استخرجت من المقالع القريبة من بعلبك، ما عدا الأعمدة (الغرانيتية) التي جلبت من مصر. كما يؤكدون أنّه قد استخدمت في جرّها ورفعها إلى مكانها في البناء آلات شبيهة بما نعرفه اليوم.
وقد وضع المهندس (ماركوس فيتروفيوس بوليو) الذي عاش في القرن الأوّل الميلادي، كتاباً في فن العمارة اسمه De architectura، استقاه من خبراته الشخصية، وما استند عليه من أعمال نظرية قام بها المهندسون الإغريق مثل (هيرمو جينس) الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد. كما كان هنالك مهندس شهير اسمه (حيرون الإسكندري) عاش في القرن الأوّل بعد الميلاد وله مؤلف في الميكانيكا Mechanics (علم الحيل) كتب في العصر الذي بنى فيه معبد جوبيتر. وقد فقدنا ما كتبه حيرون باللغة الإغريقية، لكنّنا وجدناه باللغة العربية. إذ إنّ قسطا بن لوقا البعلبكي قام بترجمة هذا الكتاب في القرن التاسع الميلادي إلى اللغة العربية. ويبدو من هذه الأعمال أنّ مهندسي الإغريق والرومان عرفوا استخدام الروافع ومجموعات البكرات والحبال بنفس الطريقة المستخدمة اليوم. وبالطبع كان الحيوان يحل محل الآلة وأحياناً أخرى الجهد البشري. وتشاهد اليوم في حجارة بعلبك ثقوب في أعلاها وأسفلها، كانت تستخدم لإدخال أطراف الروافع والحبال فيها. ولم يستخدم البناؤون أي نوع من الملاط بين الأحجار بل اكتفوا بتركيزها بشكل جيّد ووصلوا فيما بينها بأوتاد من البرونز أو الحديد المغطس في الرصاص منعاً للصدأ.
المعبد الكبير
قلعة بعلبك
ويسمّى معبد (جوبيتر)، وقد استخدم الرومان المصطبة الخاصّة بمعبد (بعل) والتي ترتفع (15) متراً عن سطح الأرض، وقد ارتبط بناؤه بمعطيات السياسة الرومانية الخارجية، إذ أرادوا أن يبرهنوا لأتباع الديانات الأخرى ـ في مستعمراتهم خاصّة ـ على مقدرتهم في فنون العمارة والهندسة. وتحيط بمعبد جوبيتر مجموعة أعمدة كبيرة من الحجر ذات تيجان كورنثية تعلوها الأفاريز، ولا تزال ستة من هذه الأعمدة قائمة إلى اليوم تواجه جبال لبنان بروعة مهيبة. ويرتفع كلّ عمود منها إلى علو (62) قدماً، ويبلغ قطره سبعة أقدام ونصف القدم. ويتألف كلّ عمود من ثلاث قطع من الصخر نضدت فوق بعضها وربطت بينها أوتاد من المعدن في تجويفها. ويبلغ طول كلّ جانب من الباحة التي أقيم فيها المذبح نحو (340) قدماً.
وتقوم المصطبة التي ينتصب عليها المعبد على مجموعة هائلة من الأقبية. وكان يزين المعبد مختلف أنواع النقوش والتماثيل الخاصّة بالأباطرة والأصنام والحيوانات الخرافية ونبات القمح والخشخاش (اللذين يرمزان عندهم للحياة والموت)، وصور الجن المجنحين، وكيوبيد الذي يحمل السهام وغير ذلك من نقوش ونذور وكتابات.
المعبد الصغير
ويطلق عليه معبد (باخوس) ويعتقد رئيس البعثة الألمانية أنّه كان مخصّصاً (لديونيسيوس). ويرى الدكتور جورج حتي أنّه كان معبد (أتار غارتيس)، بينما يرى آخرون أنّه كان لفينوس أو ميركوري. وليس هناك رأي قاطع في ذلك. ويبلغ عرض بوابته الرئيسة ستة أمتار ونصف المتر، وارتفاعها ثلاثة عشر متراً ونصف المتر. ويقوم المعبد على قاعدة ارتفاعها خمسة أمتار، وكان يصعد إليه بثلاث وثلاثين درجة. وكان للمعبد (47) عموداً، (15) منها في كلّ واجهة وثمانية على كلّ طرف. ويعتبر هذا الأثر أفضل أثر روماني في العالم من حيث انحفاظه وبقائه.
وبسبب الهزات الأرضية انزلق الحجر الأوسط في عتبة البوابة العلوية عدّة أقدام إلى أسفل وقد تمّ تدعيمه مؤقتاً في عام 1870م، ببناء جدار تحته يمنعه من السقوط. وجدران المعبد من الداخل تحتوي على كوى غير نافذة موزعة على مسافات منتظمة، ويحيط بكلّ كوة عمودين من كل جانب.
وفي العهود الإسلامية تمّ تدعيم وتحصين مجموعات الأعمدة للمعبدين الصغير والكبير وشكلا معاً قلعة دفاعية حصينة.
المعبد المستدير
هو معبد دائري رشيق الشكل. كان مكرساً لوثن أنثوي هو (نيش) أو (فورتونا) Fortuna، لكن أوائل المرتحلين إليه أطلقوا عليه اسم (معبد فينوس) وبقي هذا الاسم ملتصقاً به. وعند قدوم العرب بقي هذا المعبد خارج تحصينات القلعة العربية وهو يبعد عنها بحوالي (300) متر. وقد ابتلعته مدينة بعلبك الناشئة في القرون الوسطى. وعندما بدأت البعثة الألمانية أعمالها، كان هذا المعبد داخل البيوت السكنية والحدائق. واضطرت البعثة أن تزيل خمسة أمتار من الأنقاض والمخلفات للوصول إلى الدرجة الأولى في سلم المعبد. وقد أدّت الزلازل العديدة إلى تهدمه وما بقي منه هو الجزء الجنوبي، وفيما بين عام 1931ـ1933م، أعيد تركيب ما بقي من حجارته. وتوجد في المعبد ستة أعمدة ذات رؤوس كورنثية تحيط به، كما أظهرت الحفريات الأثرية بالقرب منه وتحت مسطبته شوارع مرصوفة (بالموزاييك)، ومعبداً آخر اسمه (معبد الملهمات) Temple of Muses.
مسجد أبي عبيدة
ينسب بناء هذا المسجد إلى الصحابي أبي عبيدة بن الجراح، ويرجح أنّه بني، في زمن ما، من العصر الأموي، نظراً لأنّه أموي الطراز، ولذلك يطلق عليه (المسجد الأموي)، والمساحة الظاهرة للمسجد تبلغ حوالي (2800) متر مربع، وقد تكون أكثر من ذلك، نظراً لأنّ بيوت بعلبك القائمة اليوم قد زحفت إليه وأدخلت أجزاء منه في بنائها.
ويتألف المسجد من حرم داخلي وخارجي، ومئذنة مربعة يبلغ ارتفاعها (20 متراً)، وقد تهدم الجزء العلوي منها، وفيه غرف لطلاب العلم، وهناك ملحقات لم يكشف عنها بعد.
وقد تقشع سقف الحرم الداخلي تماماً وتهدمت بعض أجزائه ولم يبق منه إلاّ أعمدته الرشيقة ذات التيجان المزركشة التي تعلوها أقواس مقنطرة ذات حنيات جميلة. وفي الحرم الداخلي ثلاثة صفوف من الأعمدة الحجرية تقوم على قواعد متينة. وترتبط الأعمدة مع بعضها عن طريق الأقواس. ويقع في الجانب القبلي محراب المسجد. وفي الحرم الخارجي ميضأة كبيرة تحيط بها أربعة أعمدة. ويدخل إلى المئذنة من بوابة في الحرم الخارجي تفضي إلى درج حجري لولبي الشكل.
ويتراوح سمك جدار هذا المسجد بين متر وربع ومترين ونصف المتر، ويرتفع سوره القبلي إلى سعبة أمتار. كما رصفت أرض المسجد بالبلاط الحجري.
ومن المرجح أنّه قد استخدمت في بنائه حجارة وأعمدة جاهزة كانت في معبد قديم لعطارد يقع على تل الشيخ عبدالله، كما استخدمت هذه الحجارة بعد أن نقلت في تحصين القلعة العربية.
وتظهر الكتابات المنقوشة في الأحجار باللغة العربية أنّه تمّ تجديده أو توسعته عدّة مرّات من قبل ولاة الأمر. وتشير إحدى هذه اللوحات الحجرية أنّه تم ترميم بعض أجزائه وإصلاحه خلال حكم المماليك في عهد قلاوون (1277ـ1290م).
وإذا كان لنا أن نفكر بإحياء آثار بعلبك القديمة فيجب أن لا يغيب عن بالنا هذا المسجد الأثري التاريخي.
بعض مشاهير بعلبك
كانت مدينة بعلبك موطناً لكثير من الرجال المشاهير. وقد برز منهم العالم والفقيه عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (707ـ774م)، واشتهر بالعلم والزهد والجرأة الأدبية، وعندما قدم المنصور إلى سورية سمع الأوزاعي يخطب فأعجب به إعجاباً شديداً. وقد وضع هذا الفقيه مذهباً فقهياً شاع في سورية نحواً من قرنين.
ومنهم الطبيب البارع قسطا بن لوقا الملقب بالبعلبكي المولود عام 820م. وكان نطاسياً بارعاً حذق في مختلف العلوم والفنون كما ترجم العديد من الكتب الإغريقية إلى اللغة العربية بتكليف من الخليفة العباسي المستعين بالله.
كما كانت موطناً للشيخ عبدالله اليونيني الذي اعتزل عن الناس في الجبال وكان الناس يفدون إليه. وهنالك تل يقع في الجهة الجنوبية الغربية من المعابد الرومانية ينسب إليه ويعرف باسم (تل الشيخ عبدالله).
كما أنّ السلطان صلاح الدين الأيوبي قدم إلى بعلبك سنة 1139م، ـ وكان عمره سنة واحدة ـ مع والديه وذلك عندما تمّ تعيين والده (أيوب) قائداً لحماية بعلبك بأمر نور الدين زنكي. وهكذا قضى صلاح الدين في ربوع بعلبك شطراً من طفولته وصباه. وكان هنالك فرع من سلالة أيوبية تتحدر من بعلبك من (توران شاه) شقيق صلاح الدين.
كما أنّ تقي الدين أحمد المقريزي (1364ـ1441م)، المؤرخ الذي عاش في مصر يتحدّر من عائلة بعلبكية. ولا نستطيع أن نذكر هنا كلّ مشاهير بعلبك، ولو فعلنا لضاق بنا المقام، لكثرتهم، وقد ذكر ياقوت في معجمه بعض رجال بعلبك.
الدكتور فوزي الأحدب
بغداد([132])
كانت بغداد قبل أن بناها المنصور قرية تقام فيها سوق عظيمة في كلّ شهر مرّة، فيأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد، وقد عرف العرب أهمية موقعها نظراً إلى التجارة والسياسة فأشاروا على المنصور أن يتخذ هذه البقعة عاصمة المملكة. أمّا تسمية بغداد ففي التاريخ دلائل كثيرة تدل على أنّها ترتقي إلى عهد قديم جدّاً لقد ورد ذكر مدينة (بكداد) من زمن الملك حمورابي (القرن الثاني عشر قبل الميلاد) وورد ذكر إقليم باسم (بغدادي) في لوح يرجع إلى زمن الملك الكشي (نازي ـ ماراتاشل) (القرن الرابع عشر قبل الميلاد). وقد ورد أيضاً اسم أرض واقعة قرب بغداد في حجر يرجع إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وفي حجر آخر في نفس القرن ورد ذكر مواضع في مقاطعة (بكدادي) وذكرت بغداد في وثيقة وجدت في نينوى يرقى تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد. وقد ورد ذكر بغداد في كثير من الروايات التاريخية التي دوّنها الفردوسي في الشاهنامه في أخبار العهد الساساني.
كلّ ذلك يدل على أنّ تسمية بغداد كانت راسخة في أذهان سكان هذه المنطقة منذ أقدم العصور بحيث بقي اسمها محافظاً على مكانته حتّى اليوم رغم محاولة المنصور استبدال (مدينة السلام) به. وقد ورد هذا الاسم بأشكال مختلفة فقيل، (بغداد وبغداذ وبغدان ومغدان).
صورة العراق كما صورها ابن حوقل في سنة 367 هـ (978م) ومما فيها موقع كل من بغداد وكلواذا والمدائن ونهر عيسى ونهر الصراة ونهر الملك
ويمكن أن نستنتج من الأخبار والآثار التاريخية أنّ موضع قرية بغداد القديمة كان مركزاً حربياً واقتصادياً وتجارياً، وقد انتشر في جواره العمران من كلّ صوب لوقوعه في بقعة متوسطة بين مراكز المدنيات للبابليين والأشوريين والكشيين واليونان والفرس فكان نقطة التقاء بين الأمم المتمدنة المختلفة.
وأبو جعفر المنصور خلف أخاه في السلطة في عاصمتة التي أنشأها وسمّاها (الهاشمية) إلاّ أنّ المنصورسرعان ما واجه ثورة الراونديين المتطرفين ولاقى صعوبات ومشاكل كثيرة حتّى تخلص منهم. إنّ هذا الحادث يعتبر من أسباب استيائه من هذه المدينة. ومن هنا بدأ يبحث عن مكان جديد مناسب لعاصمته حتّى تمّ اختيار هذا المكان غربي نهر دجلة ومنذ زمن طويل كانت فيها قرى عامرة وإحدى هذه القرى كانت تسمّى بغداد التي شيّدت في مكانها مدينة بغداد، وأخرى كانت تسمّى كرخاً وهي التي شيّدت فيها محلة الكرخ التي
صارت إحدى أكبر محلات الشيعة. وثالثة كانت قد اشتهرت باسم بُراثا، شُيّدت مكانها إحدى المحلات في ضاحية بغداد. وكان سكان هذه القرى من المسيحيين الآراميين ومن المحتمل جدّاً أن كلمتي بغداد والكرخ أصلهما آرامي. وفي قرية كرخا منذ أعوام طويلة قبل إنشاء بغداد وإلى أعوام بعدها كانت تقام سوق تجارية كبرى وكانت سبباً في إعمار المناطق المحيطة بها.
صورة الجزيرة العربية كما صورها ابن حوقل في سنة 367 هـ (978م) ومما فيها موقع كل من بغداد وكلوذا والأنبار والمدائن ونهر عيسى ونهر الصراة ونهر الملك
ولقد ورد في الكتابات المسمارية التي ترجع إلى العصرين البابلي والآشوري اسم بصورة «بغدادو» وبغدادي، وبكدادو، وتقرأ خدادو أيضاً. وبعض هذه الكتابات جاء من أوائل الألف الثاني قبل الميلاد.
ويتبين منها أنّ مدينة قرب بغداد الحالية وإقليماً أيضاً كانا يعرفان بمثل هذا الاسم حينذاك، فالاسم الحالي انحدر إلينا من هذا الاسم القديم. مع ذلك فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنّ أصل اسم بغداد فارسي وهو ما كان قد ذهب إليه بلدانيو العرب أيضاً نقلاً عمّن سبقهم، فقالوا إنّ اسمها مركب من كلمتين فارسيتين «بغ داد» ومعناهما عطية الإله.
إنّ المكان الذي اختاره المنصور لبناء عاصمته كان صالحاً للغاية، حيث أنّه من جهة على طريق قوافل التجار والمسافرين والزائرين من كثير من مدن ومناطق العالم الإسلامي ممّا كان يجعل من المدينة قاعدة كبرى للتجارة والسياحة والإقامة والسكن ومن جانب آخر كان مناخها جيّداً وأرضها خصبة مؤهلة للزراعة والبستنة وهي قريبة من نهرين عظيمين هما دجلة والفرات والأنهار والترع التي كانت تربطهما أو تتفرّع من كلّ منهما وتروي الأراضي الواقعة بين هذين النهرين.
إنّ مجموعة هذه الأمور والاهتمام الذي بذله العباسيون ورجال بلاطهم والأموال التي كانت تتدفق على هذه المدينة من جميع أنحاء العالم الإسلامي جعلتها في ازدهارها وجمالها وعمرانها مدينة منقطعة النظير في مساحتها وعظمتها وزيادة العمارات والقصور وكثرة سكانها وثروتها وطيب مناخها وكثرة بساتينها. ولم يمضِ نصف قرن على إنشاء هذه المدينة حتّى أصبحت مركز ثروة العالم والمركز الرئيسي للسياسة العالمية. وكانت منافستها الوحيدة في العالم في تلك الأيام مدينة القسطنطينية.
منظر عام من الجسر لالى المكينة ـ بغداد
بدأ إنشاء بغداد سنة 145 هجرية وفي سنة 146 انتهى بناء قصر المنصور الخاص وجامع المدينة خلف القصر. واستمرّت عملية البناء حتّى عام 149 ويُقال إنّ مئة ألف شخص شاركوا في البناء. ويقول المسعودي: كان خمسون الفاً من العمال يشتغلون يومياً في البناء. والمبالغ التي صُرفت في إنشائها تقدّر في أكثر حد بثمانية عشر مليوناً من الدنانير ويعتقد بعض المحققين أنّ هذا المبلغ مبالغ فيه.
شًيّدت المدينة على شكل مستدير، وهو الشكل الذي لم يكن جديداً خلافاً لما كان يعتقده علماء الجغرافيا القدماء، فقد عرف ذلك في إنشاء مدن: همدان وخرّان ودارابجرد. وكان في المدينة أربعة أبواب توصلها بالخارج ولكلّ باب بابان حديديان، كانت تفتح وتغلق بمجموعة من الرجال. كانت الأبواب عالية إلى درجة أنّه كان بإمكان فارس يحمل علماً أو فارس يحمل رمحاً طويلاً، أن يدخلها من الباب دون تنحية العلم أو الرمح. يقول اليعقوبي: إنّ عرض جدار المدينة الرئيسي كان تسعين ذراعاً في الأسفل وخمسة وعشرين ذراعاً في الأعلى وكان ارتفاعه ستون ذراعاً ويقول اليعقوبي في تاريخه إنّ عرض الجدار في الأسفل كان سبعين ذراعاً. وقال آخرون إنّه كان خمسين ذراعاً.
كان يجب على الذي يريد أن يدخل المدينة أن يعبر الخندق أوّل الأمر ثمّ يصل إلى الباب الحديدي خارج المدينة وكان ارتفاع هذا الجدار نصف ارتفاع الجدار الذي كان خلفه. وبعد المرور من هذا الباب كان يمرّ من دهليز مسقوف طوله مئة ذراع ثم يصل إلى الباب الثاني وكانت بين الجدارين أرض فارغة من البناء تسمّى الفصيل، كانت تستخدم مكاناً للعمليات العسكرية والدفاعية. والجدار الرئيسي للمدينة كان الجدار الثاني الذي أشرنا إلى عرضه وارتفاعه. وبعد العبور من هذين البابين كان يصل إلى شارع المدينة الرئيسي الذي كان يمتد إلى القصر الملكي وإلى جامع المدينة وكان بإمكان الإنسان أن يدور حول القصر ويخرج من الباب المقابل. والحقيقة أنّ أبواب المدينة كانت تقع الواحدة منها مقابل الآخر وكان متّصل بعضها مع البعض الآخر بشوارع عريضة مستقيمة. وكانت هذه الشوارع تقسم المدينة إلى أربع أقسام.
الأبواب الأربعة في المدينة كانت:
1 ـ باب البصرة وكان يقع في الجنوب الشرقي من المدينة.
2 ـ باب الكوفة وكان يقع في الجنوب الغربي وكانت قوافل الحجاج تمرّ من هذا الباب إلى مكة.
3 ـ باب الشام وكان يقع شمال غربي المدينة.
4 ـ باب خراسان وكان يسمّى باب الدولة. وكان يقع في الشمال الشرقي من المدينة وينتهي إلى نهر دجلة.
كان المنصور قد شيّد داخل قلعة المدينة قصوراً وبيوتاً لنفسه ولأقربائه. وكان قصره الفخم المسمّى باب الذهب أو القبة الخضراء، يقع وسط المدينة وكان شُيّد على شكل مربع طول كلّ واحد من أضلاعه أربعمائة ذراع، أو مائتي متر. وكانت جدران القصر من الرخام وبابه من الذهب ولهذا سُمّي بقصر باب الذهب. وكانت قبة خضراء فوق الإيوان مرتفعة تزيّن واجهة القصرة وكانت واجهة قصر المنصور وإيوانها الفخم مقابل باب الكوفة والجامع الذي كان خلف القصر تماماً في مواجهة باب خراسان والشرق وكان المسجد على شكل مربع و طول كلّ واحد من أضلاعه مئتي ذراع أو حوالي مئة متر. وكما أشرنا كان الجامع وقصر المنصور يقعان داخل ساحة مستديرة واسعة في وسط المدينة. ولم تكن في هذه الساحة أيّة بناية أخرى عدا قصر باب الذهب بجدرانه المرتفعة وجامع المدينة وأماكن للشرطة والمراقبين الخاصين. وكانت الساحة المدورة محاطة من كلّ جانب بجدران.
بعد هذه الساحة كانت قد شُيّدت قصور أبناء الخليفة وبيوت الغلمان الخاصين والخدم. وبعد هذه المرحلة تقع الدوائر الحكومية وكانت تعتبر الحلقة الثانية بعد قصر الخليفة. وبعد الدوائر الحكومية كانت بيوت أمراء الجيش وكبار رجال الدولة. وكان المنصور قد أعطى هؤلاء أراضي داخل المدينة وخارجها لإقامة بيوت لأنفسهم ولذويهم.
سوق بغداد
سبق أن قلنا إنّ في المدينة شارعين رئيسيين يربطان الأبواب الأربعة بعضها مع البعض وطول كلّ شارع وهو يعتبر قطر المدينة المستديرة، حوالي 2600 متر. وحتّى سنة 157 هجرية توسّع عرض هذين الشارعين حتى وصل إلى أربعين ذراعاً. وكانت أطراف الشارعين الرئيسيين أزقة عريضة سقفها مغطّى طول كلّ زقاق مئة متر وعرضه حوالي ثمانية أمتار. وكانت هذه الأزقة المسقوفة تسمّى (طاق). وتتّصل هذه الطاقات بأزقة ضيقة كانوا يسمّونها (درب). أمّا الأزقة الصغيرة وكانت تسمى (سُكة) فكانت تتفرّع من هذه الدروب وتصل إلى البيوت. وكانت أزقة المدينة قد صممت بالشكل الذي ليس لها فيه طريق يوصلها بالقلعة وبساحة المدينة المركزية وكان في جانب كلّ زقاق باب يمكن غلقه عند الحاجة للمحافظة على البيوت. وكانت الطاقات المختلفة تسمّى باسم قائد جيش أو شخصية كبيرة كانت تعيش في هذا الحي أو بأسماء العشائر أو المدن التي كانوا قد هاجروا منها. وحسب أمر المنصورة كانت قد أوجدت أسواق في كلّ حي ومحلة للاتجار بمختلف أنواع البضائع
والمنتجات الداخلية والخارجية. وأسواق ومخافر شرطة كلّ حي كانت موجودة في طاقاتها. وكلّ باب من الأبواب الأربعة كان يحافظ عليه ألف جندي مسلح كانوا بإمرة قائد جيش. وبهذا وقبل أن تكون بغداد مدينة كانت تشبه قلعة عسكرية بل وحسب أقوال اصحاب الرأي كانت أقوى مدينة محصنة بين المدن الشرقية، وكان هدف المنصور من إقامة مثل هذه التحصينات صيانة نفسه من الاضطرابات والثورات التي كانت تهدّد حكومته من كلّ جانب حتّى قيل إنّه كان قد صنع أنفاقاً تحت الأرض ممتدة من مقرّه إلى خارج بغداد في مسافة حوالي عشر كيلومترات كي يتمكن من أنقاذ نفسه إذا هُدد من قبل الأعداء.
ولكن وبالرغم من كلّ هذه التمهيدات سرعان ما تبيّن أنّ أولئك الذين يحافظون على أمن المدينة هم الذين يهددون حياته. ولذلك فكّر المنصور في تدبير الأمر بإشارة من أحد رجال الحكومة. فأرسل ابنه المهدي مع عدد كبير من أفراد الجيش إلى الجانب الثاني من نهر دجلة وشيّد قصراً هناك لإقامة المهدي. وكانت هذه المنطقة تسمّى في أوّل الأمر (عسكر المهدي) ولكن عُرفت بعد ذلك بالرصافة وببغداد الشرقية، ثمّ انتقل الخلفاء العباسيون إلى هذه المنطقة وأصبحت القاعدة الرئيسية للقدرة في العالم الإسلامي.
محلة الكرخ وسوقها
وقلنا إنّ أسواق المدينة كانت موزّعة داخل الطاقات المختلفة في المدينة وكان التجار الأجانب والقوافل التجارية تدخل المدينة وتستقر في هذه الأسواق وتزاول أعمال التجارة فيها. ولم تمض مدّة طويلة حتّى ندم المنصور على إقامة هذه الأسواق داخل سور المدينة وأمر بنقلها خارج أبواب المدينة. وعلى هذا الأساس تمّ إنشاء محلة الكرخ.
ومن أجل أن تتمّ عملية نقل التجار إلى محلة الكرخ بسرعة وبسهولة فقد أصدر أمراً بمنح المساعدات المالية لكلّ من ينقل مركزه التجاري إلى محلة الكرخ. وبادر بتوسيع وتعريض الشوارع الرئيسية في المدينة حيث أدّت هذه العملية إلى تخريب بعض المتاجر والحوانيت. فمجموعة هذه الأمور كانت السبب أن تنتقل المراكز التجارية في أقل مدّة إلى خارج باب الكوفة بجنوب غربي بغداد وبهذا ظهرت محلة الكرخ الكبرى. المحلة التي لعبت دوراً كبيراً في تاريخ بغداد.
كان الهيكل الأوّل لسوق الكرخ الذي أسّسته الحكومة، يقع بين نهر عيسى ونهر الصراة جنوب مدينة بغداد آنذاك. إنّ هذه المنطقة كان بإمكانها أن تتّصل بالمدينة عن طريق باب الكوفة، وباب البصرة. والمخطط الذي أمر به المنصور لبناء سوق الكرخ قد خصّص مكاناً لكلّ مجموعة من التجار وأصحاب المهن وكان قد أصدر أمراً بأن تكون سوق اللحامين في نهاية جميع الأسواق. ثمّ أنشأ مسجداً جامعاً في الكرخ ليقيم التجار وأصحاب المهن الصلاة فيه دون الدخول إلى المدينة.
لم ينته نقل أسواق بغداد إلى الكرخ في هذه المرحلة حيث أنّه في عهد المهدي انتقلت أيضاً أقسام من الأسواق الداخلية في بغداد إلى الكرخ. ويذكر أنّ في هذه الانتقالات لم تنقل المحلات التجارية والحوانيت إلى الكرخ فحسب بل إنّ بيوت التجار وأصحاب المهن انتقلت إلى الكرخ أيضاً، وبهذا لم تكن محلة الكرخ مركزاً تجارياً فحسب بل وأصبحت مكاناً للسكن أيضاً.
أوّل وصف لهذه المحلة في مدينة بغداد جاء في كتاب اليعقوبي: يقول هذا الرحالة والمؤرخ المعروف والمؤلف الجغرافي حوالي سنة 279 هجرية ما مضمونه: «سوق الكرخ الكبير يبدأ من قصر وضّاح حتّى سوق الثلاثاء وطوله فرسخان وعرضه فرسخ واحد من أرض ربيع حتّى نهر دجلة، ولكلّ مجموعة من التجار ولكلّ نوع من التجارة توجد أسواق خاصّة وتوجد في الأسواق دكاكين وحوانيت وساحات بحيث لا تندمج أيّة مجموعة مع الأخرى ولا أيّة مهنة مع المهنة الأخرى ولا تباع في هذه الدكاكين والحوانيت بضائع مختلفة وكلّ سوق منفصل عن الآخر وأنّ كلّ مجموعة من أصحاب المهن تعمل في مهنتها وبين هذه المحلات توجد أراضٍ شيّدت فيها بيوت الناس من جنود وفلاحين وتجار وغير ذلك وتسمّى الأزقة بأسماء هؤلاء».
وعلى أساس ما كتبه اليعقوبي، ففي العصر الذي ألّف كتابه أي حوالي مئة وثلاثين عاماً بعد الانتهاء من بناء بغداد، فإنّ محلة الكرخ وسوقها كانا أكبر أحياء بغداد ومن أجمل محلاتها، وعلى أساس هذه الوثيقة فإنّ محلة الكرخ كانت من الغرب تتصل بقصر وضّاح بالقرب من بغداد القديمة وشرقي نهر الصراة ومن الشرق تمتد إلى سوق الثلاثاء حيث كان يقام فيه سوق يوم الثلاثاء. إنّ طول هذه المحلة حوالي الفرسخين وعرضها يبدأ من أراضي ربيع مولى المنصور ومن الجانب الآخر إلى نهر دجلة.
بهذا فإنّ الكرخ لم يكن سوقاً فحسب ولم يكن حياً من أحياء بغداد بل أصبح مدينة طولها حوالي الفرسخين وعرضها حوالي فرسخ واحد ولكنّها ليست على شكل مستطيل، ويقول اليعقوبي إنّه إضافة إلى الأسواق الكبيرة الكثيرة في هذه المحلة فإنّها كانت محل سكن الكثير من التجار وأصحاب المهن والصناعات والعسكريين والفلاحين وأصحاب المهن الأخرى ومختلف طبقات الناس.
يستمرّ الكرخ في النمو والإعمار بحيث يقول الكُتّاب في القرن الرابع الهجري إنّه من أكثر مناطق بغداد عمراناً وإنّ صيته قد بلغ إلى حدٍ سُمّي الجانب الغربي من بغداد باسم الكرخ. وفي سنة 441 هجرية أنشأ أهالي الكرخ جداراً أو سوراً حول محلتهم لصيانته من هجمات المتعصبين من الفرق الأخرى. وبقي هذا الجدار قائماً لسنوات طويلة بحيث نقرأ في رحلة ابن جبير في أواخر القرن السادس (حوالي سنة 580 هجرية) أنّ الكرخ من حيث الازدهار أصبح مدينة لها سور.
ودُمّرت بعد ذلك جميع محلات الناحية الغربية من بغداد، أمّا الكرخ فأخذ يزداد ازدهاراً ويتوسع كثيراً بحيث امتدّ من جانب الشمال إلى قرب الكاظمية ومن جانب الجنوب إلى مقبرة معروف الكرخي ومن جانب الشرق إلى مصب نهر الصراة في دجلة. واليوم يسمّى الجانب الغربي من بغداد باسم الكرخ.
ري بغداد والكرخ
من أكبر الأنهار التي توصل نهر الفرات بنهر دجلة نهر كبير قديم يسمّآ (رُفيل) ثمّ سُمّي بعد ذلك (نهر عيسى). يتفرّع من هذا النهر الكبير بالقرب من بلدة المحوّل على مسافة فرسخ واحد من بغداد، نهرٌ تفرع فيما بعد إلى ثلاثة فروع بأسماء خندق طاهر والصراة الصغرى والصراة العظمى. يجري نهر خندق طاهر نحو الشمال ويروي المناطق الغربية من بغداد المنصور. أمّا الصراة العظمى والصغرى فيجريان نحو محلة الكرخ ويرويانها. ونهر كرخايا أو كرخيان يتفرّع من نهر عيسى بالقرب من بُراثا ويجري نحو بغداد والكرخ. وتتفرّع من نهر كرخايا أنهار صغيرة تتوزّع على المحلات المختلفة وعلى سوق الكرخ. ولمّا تصل هذه الأنهار إلى الأحياء السكنية تجري تحت الأرض على شكل قنوات ومجاري مبنية من الطابوق ولها جدران قوية. وحُفرت هذه الأنهار بحيث تجري المياه فيها في جميع فصول السنة وتروي الأزقة الكبرى والأحياء السكنية.
إنّ الأنهار المذكورة فضلاً عن تأمينها مياه الشرب لسكان بغداد وضواحيها فإنّها تساعد على تطوير البساتين الكثيرة وتوسيعها في أطراف المدينة. وإنّ نضارة هذه المناطق كانت إلى حدٍ أنّ ابن حوقل في القرن الرابع شاهد البساتين والمزارع في هذا الجانب من بغداد ممتدة على مسافة ثلاثين فرسخاً. وبسبب هذه المياه الجارية ومناخ بغداد فإنّ النخيل كان يعطي ثماراً أفضل وأكثر من النخيل في البصرة والكوفة والمناطق الخرى. وكذلك العنب والرمان. وكان يُزرع القطن والقمح والشعير وغيرهما من الحبوب وكذلك البقول. ومن الموارد الأخرى المهمة في الاستفادة من هذه الأنهار، نقل البضائع التجارية. يقول اليعقوبي: ما مضمونه أنّ السفن الكبيرة تصل إلى أسواق الكرخ عن طريق نهر عيسى قادمة من الرقة وعلى ظهرها مختلف أنواع البضائع والمحاصيل الغذائية. إنّ هذه السفن تسير في الأنهار الفرعية إلى داخل محلة الكرخ وترسو إلى جانب الأسواق وتفرغ حمولاتها أو تحمل حمولات ثانية.
يبدو واضحاً مدى تأثير هذا الأمر في الازدهار الاقتصادي وازدهار التجارة والاستيراد والتصدير في سوق الكرخ الكبير. إنّ حجم المواصلات الاقتصادية بلغ إضافة إلى الاستيراد والتصدير بين المدن والبلاد الإسلامية الأخرى إلى أن تصل بضائع تجارية إلى بغداد والكرخ بالذات من الصين وأوروبا. وإنّ وصول البضائع النادرة من مختلف مناطق العالم إلى هذا السوق كان أحد أسباب ازدهاره. وأكثر من ذلك وحسب أقوال المحققين فإنّ بغداد كانت إحدى المدينتين اللتين تعينان أسعار البضائع في الاقتصاد العالمي. ونظراً للدور الرئيسي الذي يلعبه الكرخ في اقتصاد بغداد، فإنّ بالإمكان جعل الكرخ مكان بغداد وبهذا فإن بغداد والكرخ كان بيدهما نبض اقتصاد العالم الإسلامي بل العالم آنذاك. وإذا فرضنا أنّ بغداد كانت خلال سنوات طويلة من عمرها عاصمة إحدى أكبر الإمبراطوريات فإنّ قبول هذا الأمر يبدو سهلاً بسيطاً.
سكان الكرخ
ليست هناك أيّة معلومات عن سكان الكرخ الأوائل. ولكن يبدو أنّه لم يسكن أحد في البداية هناك عدا التجار وأصحاب المهن البغداديين. وإذاً فإنّ علينا استناداً إلى الوثائق أن نستقصي المعلومات عن أهالي مدينة بغداد. إنّ أكثر المعلومات وأفضلها التي يمكن أن نتوصّل إليها عن سكان بغداد موجودة في كتاب «البلدان» لليعقوبي، وقد أشرنا إليها فيما مضى بصورة عابرة، وحسب ما جاء في كتاب اليعقوبي. إنّ المنصور خصّص بعض الأراضي والبيوت في بغداد وضواحيها لأولاده وبعض أفراد الأسرة العباسية وبعض الغلمان الأوفياء وقادة الجيش وأنصاره. وجاء ذكر أسماء هؤلاء في كتاب اليعقوبي بينهم من العائلة العباسية، إسماعيل بن علي، وسري بن عبدالله، وقثم بن العباس، والعباس بن محمد، وعبد الوهاب بن إبراهيم. وكان يملك كلّ واحد من هؤلاء الأراضي الكبيرة والبساتين والمزارع الكثيرة التي كانت تعطي أرباحاً وفيرة.
ومن بين غلمان المنصور وابنه وعبيدهما نذكر أسماء ربيع ونازي وسوار أبو السري، ونجيح، وواضح، ووضّاح، ونصير الوصيف وسلمة الوصيف وكان لكلّ واحد منهم أراضٍ ومزارع كانوا يعيشون فيها مع أسرهم وذويهم.
ويعطينا اليعقوبي معلومات حول أهالي بغداد وسكانها ويقول إنّه كانت إلى جانب نهر الصراة في ضاحية المدنية وفي الجنوب والجنوب الغربي من مدينة بغداد القديمة، محلة تسمّى قطيعة الصحابة كان يعيش فيها سكان من قبائل قريش والأنصار وربيعة واليمن.
وعندما يتحدّث اليعقوبي عن أهالي باب الشام يقول ما مضمونه أنّه توجد محلة داخل بغداد كبيرة واسعة فيها الكثير من الأزقة والأسواق، أهاليها من سكان بلخ ومرو وختل وبخارى واسبيشاب واشتاخنج وكابل وخوارزم ومن خراسان بالذات.
ويقول اليعقوبي أيضاً ما مضمونه إنّه في الجانب الجنوبي من بغداد عندما نخرج من باب الكوفة أو باب الكرخ في الجانب الأيمن تقع أراضي (ربيع) العبد الذي حرره المنصور وتعتبر هذه الأراضي الحد الجنوبي لمحلة الكرخ، وفيها البستانين والمزارع والأسواق والحوانيت ويمارس فيها التجار من خراسان الأعمال التجارية. ثمّ يقول: وخلف أراضي ربيع كان تجار وسكان من مختلف مناطق البلاد يعيشون هناك وقد سمّيت الأزقة بأسماء سكانها.
ووردت عبارة قصيرة من المؤرخين الذين كانوا قبل اليعقوبي حول أهالي الكرخ نقلها الواقدي في كتابه لا تخلو من الغموض والإبهام. جاء في هذه العبارة التي نقلها الخطيب البغدادي عن الواقدي: الكرخ مَفيض السفّل: إنّ الخطيب البغدادي ونظراً لتعصّبه المذهبي الشديد يشرح هذه العبارة بالشكل الذي لا نفهمه جيّداً ويحتمل أنّ وجهة نظر الواقدي من هذه العبارة هي الإشارة إلى الطبقات الفقيرة التي كانت تعيش إلى جانب المراكز التجارية والصناعية وتشتغل بأشغال مختلفة مثل الحمالة والعمل أو التسوّل، وهذا في حد ذاته مسألة طبيعية جداً. ولكن كما جاء في كتاب اليعقوبي أنّ أهالي الكرخ إضافة إلى التجار، كانوا من الفلاحين والعسكريين ومختلف الطبقات وأنّ جميع هؤلاء قد شمهلم وصف الواقدي الذي كان يجالس الخلفاء العباسيين ووزراء آل برمك حتّى أنّه شغل منصب القضاء في بغداد (الرصافة) في عهد هارون والمأمون.
التشيّع في الكرخ
إنّ الوثائق والمصادر القديمة لا تزودنا بكثير من المعلومات حول مذهب أهالي الكرخ وعقائدهم في السنين الأولى من تاسيس هذه المحلة. إنّ هذه المعلومات إضافة إلى أنّها قليلة جدّاً فهي غامضة وموجزة أيضاً ويجب الكشف عنها بمساعدة مثيلاتها وقريناتها الخارجية.
1 ـ جاء في سيرة هشام بن الحكم المتكلم الشيعي الكبير ومن أصحاب الإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم (عليهم السلام): «كوفي تحوّل إلى بغداد من الكوفة… وكان ينزل الكرخ من مدينة السلام». إنّ إقامة هذا المتحدث والمدافع الكبير عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في الكرخ قد يكون حدثاً بسيطاً وعادياً. كما قد يكون دليلاً على وجود تقارب فكري وعقائدي ومذهبي بين أهالي الكرخ وبين هذا العالم الكبير، وقد يكون من نتائج هذه الهجرة والتوطن في الكرخ، الأثر في انحياز أهالي هذه المنطقة من بغداد نحو الشيعة.
2 ـ بعد وفاة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في سجن هارون الرشيد سنة 183 هجرية. قامت السلطة تحسباً لأي خطر يمكن أن يهددها من جراء هذا الأمر، قامت بالبحث عن شهود، يشهدون أنّ الإمام مات موتةً طبيعية. يقول المؤرخون إنّه جيء بجماعة من العدول من محلة الكرخ إلى السجن، كي ينظروا أنّ موسى بن جعفر (عليه السلام) قد مات موتة إلهية. إنّ مجيء أهالي الكرخ إلى السجن ليروا جثمان الإمام الطاهر ويشهدوا أنّ الدولة الهارونية لم تقتل الإمام، دليل على وجود الصلة والعلاقة بين أهالي الكرخ وبين الإمام (عليه السلام). وفي غير هذه الحالة فإنّه في عهد هارون كان مركز الحكومة وأكثر العمران في الجانب الشرقي من نهر دجلة وأنّ رجال الحكومة وأصحاب المناصب والعلماء والقضاة كانوا يعيشون في بغداد الشرقية. إنّ اختيار عدول الكرخ لأداء الشهادة دليل على وجود نوع من الصلة المذهبية والعلاقة بين محلة الكرخ وبين أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
3 ـ في أواخر القرن الثاني أي في سنة 188 هجرية اعتقل هارون الرشيد، أحمد بن عيسى حفيد زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) وألقاه في السجن في (رافقة) ولم تمض مدّة طويلة حتّى هرب أحمد بن عيسى من السجن وذهب إلى البصرة. وأرسل رسائل من هناك إلى الشيعة ودعاهم الانضمام إليه. ولمّا فشل رجال هارون في البحث عن أحمد بن عيسى اعتقلوا صديقه وحليفه ومسير أموره «الحاضر» بدلاً منه وأخذوه إلى بغداد. ولمّا وصلوا إلى بغداد دخلوا المدينة من جانب الكرخ. ولمّا وصل «الحاضر» إلى الكرخ صاح بصوت عالٍ: أيّها الناس، أنا «الحاضر» صديق وحليف أحمد بن عيسى بن زيد العلوي وأنّ الخليفة قد اعتقلني… فمنعه رجال هارون من الاستمرار في كلامه ومات تحت التعذيب بأمر من هارون.
المهم في هذا الحادث، والذي يلفت الانتباه هو أنّ «الحاضر» لم ينطق ولم يعرب عن مظلوميته وصلته بعائلة الرسول والعلويين في أي مكان من هذا الطريق الطويل بين البصرة وبغداد، ولكن ولأوّل مرّة صاح بهذه الحقيقة عندما وصل إلى الكرخ وهذا يؤكد أنّ الكرخ كان آنذاك مركزاً للشيعة أو على الأقل كانت تعيش فيه جماعة كبيرة وقوية من أنصار أهل البيت.
إنّ معلوماتنا عن مذهب أهالي الكرخ الأوائل تقتصر على هذه الأمور القليلة الغاضة. ولكن الأمر الذي يمكن أن نعتمد عليه ليعطينا دليلاً قوياً هو أوّلاً أنّ محلة الكرخ شيّدت خارج باب الكوفة وأنّ باب الكوفة كان على طريق القوافل الذاهبة من بغداد إلى الكوفة ومنها إلى المدينة ومكة، وأنّ المسافة بين الكوفة وبغداد كانت لا تتعدّى عدّة مواقف والثاني أنّ الكوفة كانت أوّل مركز لنشر ونمو التشيّع نحو العالم الإسلامي ومن هنا انتشر التشيّع إلى المناطق الأخرى، إذاً فمن الطبيعي جدّاً أن يكون دعاة التشيّع قد نزلوا في الكرخ أوّل مرّة في هجرتهم من الكوفة إلى بغداد وبدؤوا ينشرون عقيدتهم ومذهبهم.
بغداد ـ مقطع من الرصافة
عدا هذه النماذج فليست هناك أيّة إشارات أو أدلة تشير إلى حقيقة مذهب أهل الكرخ. إنّ الوثائق والمستندات طوال القرن الثالث الهجري التي تتحدّث عن الكرخ لا تشير إلى مذهب أهاليها. واليعقوبي والطبري وابن الأثير وابن كثير وأبو الفداء وابن الجوزي لا يشيرون في حديثهم عن الكرخ إلى مذهب أهل الكرخ أو الخلافات العقائدية في هذه المنطقة من بغداد مع بقية محلاتها. ولكن في القرن الرابع الهجري يتحدثون بصراحة تامة عن المذهب الشيعي كمذهب لأهالي الكرخ. يقول ابن الجوزي في أحداث سنة 231 هجرية: «وفيها كثُر الرفض ببغداد». في هذه السنة انتشر التشيّع في بغداد… وسنة 331 هجرية كان لم يمض سنوات كثيرة على خلافة المقتدر «295 حتّى 320» ووزارة الوزراء الشيعة من آل الفرات ونفوذ وقوّة هذه الأسرة الشيعية. إنّ ضعف دولة العباسيين وفترة وزارة آل الفرات ونفوذ العلماء والمتكلمين النوبختيين في أجهزة الدولة وحضور النواب الأربعة للإمام الثاني عشر في بغداد الذين تزعموا الشيعة بدراية وبصيرة وعلم كان من الأمور التي تزيد من قوّة وعدد الأقلية الشيعية في بغداد:
في أحداث سنة 314 أي سبعة عشر عاماً قبل التاريخ المذكور، قيل إنّ جماعة من الشيعة أو حسب ما يذكره المؤرخون الرسميون غير الشيعة: جماعة من (الروافض) اجتمعوا في جامع بُراثا في الجنوب الغربي أو في قبلة محلة الكرخ وألقوا بعض المحاضرات… إنّ هذه هي أوّل المعلومات الصريحة الدقيقة التي حصلنا عليها عن مذهب أهل الكرخ ونفوذ الشيعة في بغداد. بعد ذلك وفي سنة 334 هجرية وبدخول دولة البويهيين الشيعة إلى بغداد فإنّ العباسيين كانوا لمدّة حوالي 110 أعوام تحت راية قوّة البويهيين. فمنذ هذا التاريخ نقرأ أخباراً كثيرة عن تشيّع الكرخيين والأحداث التي مرّت على سكان هذه المحلة في كتب التاريخ، وأكثر هذه الأخبار وللأسف منازعات وخلافات دموية وقعت بين حنابلة بغداد والشيعة في الكرخ. إنّ المؤرخين يعتبرون السنوات 361 و363 و380 و381 و384 و389 و391 و406 و408 و417 و422 و437 و444 و445 و449 و450 و479 و480 و482 و486 هي السنوات التي تصاعدت فيها الفتن والنزاعات الناجمة عن التعصبات المذهبية العمياء».
وخلال البحث عن جذور هذه الأحداث يقول ابن الجوزي صاحب «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» ما مؤداه: إن أغلبية هذه المنازعات الدامية كانت بسبب الفتن والتحرشات التي قام بها «القصّاصون». والقصّاصون كانوا جماعة يقومون بالدعايات المذهبية إضافة إلى كونهم فقهاء ومفتون ومدرسون وخطباء وأئمة الجمعة والجماعة. وكان القصّاصون كالوعاظ يعملون في موعظة الناس وفي بعض الأوقات كانوا يشرحون ويفسرون المعارف والعقائد. وكان الفرق بين الوعاظ والقصّاصين أنّ الوعاظ كانوا من العلماء الدينيين الكبار وكلّ ما كانوا يعبرون عنه كان مستنداً إلى الكتاب والسنّة وسيرة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وكبار رجال الدين. بينما معلومات القصّاصين كانت غير كافية ولا وافية ولذلك لم يكونوا يخافون من تزوير أو اختلاق القصص والأخبار التاريخية والأحاديث. إنّ هؤلاء كانوا يستغلون أصواتهم الجميلة وفصاحتهم وبلاغتهم في الحديث والكلام لتمشية أمورهم ولمّا كان مستمعو هؤلاء من عامة الناس كانوا يلجؤون إلى مختلف الحيل والتدابير لتشغيل أفكار الناس.
السبب المهم الذي كان بإمكانه أن يوفّر للمجتمع الشيعي في بغداد الفضاء المناسب لازدهار العلم والثقافة وتواجد النواب الأربعة للإمام الثاني عشر (عليه السلام) في هذه المدينة. كانت ولادة الإمام في سنة 255 هجرية أو 256 وبدأت الغيبة الصغرى في سنة 260 واستمرّت حتّى سنة 329 أي لمدة 69 سنة.
النواب الأربعة حسب ترتيب تسلّمهم المنصب هم:
1 ـ أبو عمرو عثمان بن سعيد العَمري.
2 ـ أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العَمري، نجل النائب الأوّل.
3 ـ أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي.
4 ـ أبو الحسين علي بن محمد السَمْري.
مدّة نيابة عثمان بن سعيد وولده محمد بن عثمان كانت من سنة 260 هجرية إلى سنة 304 أو سنة 305. ومدّة نيابة حسين بن روح من سنة 305 إلى سنة 326 ومدّة نيابة علي بن محمد السمري من سنة 326 إلى سنة 329 أي إلى السنة التي بدأت منها الغيبة الكبرى.
إنّ إقامة هؤلاء النواب الأربعة في بغداد ساعدت على إنماء وازدهار الشيعة بزيادة عددهم في بغداد والكرخ بالذات. وإنّ موقعهم الذي كسبوه في بغداد طوال إقامتهم الطويلة هناك كانت السبب في توافد علماء الشيعة من المناطق الأخرى على بعداد وكان هذا الأمر سبباً آخر أيضاً في ازدهار الثقافة والمعارف الشيعية في هذه المدينة فعندما حضر محمد بن عثمان العمري الموت حضر جماعة من كبار الشيعة حول فراشه بينهم أبو علي محمد بن علي الأسكافي الذي قال عنه الشيخ الطوسي والنجاشي: «شيخ أصحابنا ومتقدّمُهم له منزلة عظيمة كثير الحديث». وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي الذي يقول عنه الشيخ: «شيخ المتكلمين من أصحابنا ببغداد». إنّ تواجد الكليني والصدوق وابن قولويه في عهد الغيبة الصغرى أو بعد ذلك بقليل من بغداد دليل على قوّة ووسعة المجتمع الشيعي وقيمة وقدرة الطريقة العلمية الشيعية في هذه المدينة. لهذا وعندما سافر الصدوق إلى بغداد وجلس على كرسي نقل الحديث، كما قال الطوسي والنجاشي: «سمع منه شيوخ الطائفة» إنّ هذا الكلام دليل على مدى قدرة وقيمة المجتمع العلمي الشيعي في بغداد آنذاك حيث كان بإمكانه أن يستوعب جماعة عظيمة من العلماء ومن شيوخ الشيعة.
كانت في هذه الفترة أسباب ملحوظة أخرى بإمكانها إنماء المجتمع الشيعي بصورة عامّة وإعطاؤها قوّة وعلماً وثقافة. هذه الأسباب هي:
1 ـ نفوذ الشيعة بصورة عامّة في أجهزة العباسيين الحكومية بأشكال مختلفة وخير مثال لذلك أسرة النوبختي التي وصل الكثير من رجالها إلى المناصب الحكومية المختلفة. يقول أحد المحققين: «إنّ الشيعة في ذلك العهد أي في أيام الغيبة الصغرى كان من رجالهم مثل أبو الحسن علي بن عباس (244حتّى 324) وأبو القاسم حسين بن روح (المتوفى سنة 326 هجرية) في بغداد وكانوا أصحاب قوّة وقدرة وكانوا يعيشون تحت اهتمام وإرشاد أبو سهل إسماعيل بن علي (النوبختي) بعزّ وجلال عظيمين.
2 ـ نيل آل الفرات مناصب الوزارة في الدولة العباسية في عصور مختلفة، ونظراً لأهميتها الكبيرة يمكن أن تكون سبباً منفصلاً عن الآخرين، خاصّة وأنّ هذه الأسرة بذلت جهوداً ومساعي كثيرة في تعزيز وتأييد ودعم الشيعة وكانت سخية جدّاً في البذل والعطاء ودعم العلماء.
بعد الغيبة الصغرى بقليل ظهر في بغداد العصر الأوّل للمرجعية الشيعية والحوزة العلمية بمفهومها القريب ممّا هي الآن وكان مؤسسها الشيخ الجليل محمد بن محمد بن نعمان المعروف بـ (المفيد) كان والد الشيخ من أهالي واسط وكان معلماً هناك ثمّ انتقل فيما بعد إلى عُكبرا، على مسافة عشرة فراسخ من بغداد وولد الشيخ هناك (11 ذي القعدة سنة 336 أو 338 هجرية). ومن المحتمل أن تكون المراحل الدراسية الأولى للشيخ قد جرت مع والده. سافر والده مع أسرته عندما كان الشيخ شاباً إلى بغداد. وفي بغداد حسب تصريح أحد المحققين، تلقّى أوّل دروسه على يد أستاذ معتزلي هو أبو عبدالله البصري. ثمّ توجّه إلى درس أحد المتكلمين الشيعة الكبار وكان معروفاً بـ (أبو الجَيش) وكان تلميذاً لأبي سهل النوبختي، ويعتقد النجاشي أنّ أبو الجيش هو أوّل أساتذة المفيد. ويقول الطوسي عن هذا العالم: «مظفر بن محمد الخراساني المُكنى بـ (أبو الجيش) كان من المتكلمين. وله مؤلفات حول الإمامة وكان عليماً بعلم الحديث. وكان تلميذاً لأبي سهل النوبختي… وأنّ أستاذنا أبو عبدالله (عليه السلام) درس على يده وأخذ الحديث منه». ومن أساتذة الشيخ المفيد أيضاً أبو الحسين علي بن عبدالله بن وصيف الناشىء الأصغر الذي كان يعيش في الفترة بين سنوات 271 إلى 365. وكان متكلماً معروفاً وشاعراً كبيراً ومن مشاهير مداحي أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) وكان في الكلام تلميذاً لأبي سهل النوبختي وألّف كتاباً في الإمامة.
بقية أساتذة الشيخ المفيد هم:
أبو القاسم علي بن محمد الرفاء بقي مجهولاً عندنا حتّى الآن.
أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي التلميذ الكبير المعروف للكليني وابن عُقدة ويقول عنه العلاّمة الحلّي: «كلّ ما يوصف به الناس من جميل وثقة وفقه فوقه».
أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المحدّث الشيعي الكبير الشأن وصاحب كتاب من لا يحضره الفقيه وهو من الكتب الأربعة، وذكر المحقون أسماء ما يقارب الخمسة والخمسين من الأساتذة ومشايخ الحديث كانوا أساتذة للمفيد. وكان المفيد عالم عصره في علم الحديث والتاريخ والفقه والأصول والكلام والمناظرة والجدل، ومن إحدى فضائله التي يعترف بها الصديق والعدو هو قدرته على المناظرة والجدل وسرعة الإجابة.
يقول الخطيب البغدادي ببالغ الحمية والعصبية: محمد بن محمد بن نعمان… شيخ الروافض وصاحب الرأي في عقائدهم. صنّف كتباً كثيرة في ضلالة هؤلاء والدفاع عن عقائدهم وآرائهم وطعن الماضين أي الصحابة والتابعين وعموم الفقهاء أصحاب الرأي. هو أحد أئمة الضلال، غوي وتاه وهلك جماعة من الناس على يده.
إنّ ما يعتقده الخطيب بحمية وعصبية وهلاك الناس على يد المفيد ما هو إلاّ أنّ الشيخ الجليل كان يجذب مختلف طبقات العلماء والناس عن طريق المباحثة والجدل إلى نفسه وإلى مذهبه الذي كان يدافع عنه وهذه كلّها ناجمة عن قدرته في المناظرة والجدل وسرعة الجواب.
يعترف الذهبي العالم السني الكبير بهذه المسألة ويقول ما مضمونه: المفيد شيخ الفرقة الكبير وهو فقيه وجدلي شيعي، وكان يقوم بقدرة كبيرة على أنصار جميع العقائد بالجدل والمناظرة. عاش ستة وسبعين عاماً وصنّف أكثر من مائتي كتاب.
يشير ابن النديم بألفاظ مؤدبة إلى هذا التفوّق ويقول: «وصلت إليه رئاسة المتكلمين الشيعة وكان متقدماً في علم كلام الشيعة على غيره، وله ذكاء وتوقّد ودقة ومعرفة»، وإذا أضفنا نفوذ الحكومات الشيعية آنذاك إلى تأثيرات الشيخ وأساتذته وطلابه نفهم صحة أقوال ابن كثير المؤرخ الشامي الذي قال إنّ أغلبية الناس مالوا إلى التشيع في هذا العصر.
كان الشيخ يعد مجالس دروسه في جامعة في زقاق درب الرياح في محلة الكرخ أو في منزله في نفس المحلة. وكان يشترك في هذه المجالس جميع أهل العلم والمعرفة. وحسب ما نعلم أنّ أولى الحوزات العلمية المنتظمة أسّست على أيدي الشيخ المفيد في محلة الكرخ، إنّ قيمة الشيخ الاجتماعية بلغت إلى درجة أنّ الأمير عضد الدولة الديلمي كان يزوره في بيته أو يشترك في مجالسه. وربّما كان هذا الأمر هو العامل على أنّ المرتضى والرضي عندما بلغا سن الدراسة أخذتهم والدتهم إلى جامع الشيخ وسلمتهم بيدها إليه. وهناك قصة طريفة تظهر فيها قداسة وتقوى وعظمة الشيخ وقد جاءت هذه القصة في كتاب ابن أبي الحديد وهي معروفة مشهورة. وبعد وفاة الشيخ المفيد، تسلّم الشريف المرتضى زعامة الحوزة العلمية ومرجعية الجامعة الشيعية التي كان يتولاها أستاذه الشيخ المفيد.
يقول أبو منصور الثعالبي (429 هجرية): «وقد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم».
ويقول ابن بسام الأندلسي في كتابه «الذخيرة»:
«كان هذا الشريف إمام أئمة العراق بين الاختلاف والاتفاق، إليه فزع علماؤها وعنه أخذ عظماؤها، صاحب مدارسها وجماع شاردها وآنسها، ممّن سارت أخباره وعرفت له أشعاره».
ويقول ابن خلّكان: «كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر».
وكان ذلك من أهم أسباب انتشار العلم والمعرفة والثقافة الإسلامية الشيعية. لذلك نرى أنّ في عصر الشيخ المفيد كانت مجالس الدرس والبحث تعقد في مسجده في محلة الكرخ، ولكن في عصر المرتضى والرضي كانت المعارف عمّت وتوسّعت أكثر فأكثر إلى درجة أنّ السيد المرتضى والسيد الرضي أنشأ كلّ واحد منهما دار علم للتحقيق والمطالعة والتدريس وأنّ مجالس دروسهما كانت مشحونة بالعلماء والفقهاء والأدباء من جميع الطوائف الإسلامية.
كان والد الشريف المرتضى أبو أحمد يملك داراً في باب المحوّل وكان ولداه يعيشان في تلك الدار أيضاً، إلاّ أنّ الشريف المرتضى شيّد ثلاث بيوت أخرى إضافة إلى دار والده، على ضفة نهر الصراة وفي زقاق درب الجميل في الكرخ وعلى ضفة نهر دجلة. أمّا البيت الأوّل فقد هُدِّم وأُحرق في أحداث فتنة الحنابلة المتعصبين ربّما سنة 422 هجرية وانتقل السيد بعد ذلك إلى بيته الثاني في الكرخ. وهذا البيت هو نفس البيت الذي لجأ إليه جلال الدولة ابن بهاء الدولة الملك الديلمي مرّتين. ويقول المحققون إنّ جميع هذه البيوت كانت محط ضيافة الواردين وملجأ اللاجئين ومحل الدرس والبحث وفيها مكتبات نفيسة.
إنّ أحد هذه البيوت أصبح داراً للعلم وهي تشبه ما نسمّيه اليوم مراكز التحقيق التابعة للجامعات حيث يقوم المحققون فيها بالمطالعة والتحيق والاختبار. كانت الدراسة والبحث جاريين في دار العلم إضافة إلى المطالعة والتحقيق والاختبار وكان الشريف المرتضى كان قد خصّص لتلاميذه رواتب شهرية ليستمروا في الدراسة مرتاحي البال لا تشغلهم أمور المعيشة. ومن الأمور الأخرى التي نُقلت عنه وقفه قرية من ممتلكاته خصّصت مواردها لشراء الورق للعلماء وتأسيس مكتبة كبيرة فيها مجموعة عظيمة من الكتب.
وكان الشريف الرضي يمضي جنباً إلى جنب مع شقيقه في كثير من الأمور. وأسّس هو أيضاً مركزاً علمياً باسم دار العلم، أعدّ فيه جميع ما يحتاجه طلاب العلوم.
إذاً فإنّ المجتمع العلمي والبحث والدراسة والتحقيق، كلّ ذلك أُسس على يد الشيخ المفيد في الكرخ الشيعي وازدهرت المعارف والعلوم في الكرخ وبلغت الكمال بفضل السيدين المرتضى والرضي وازداد بذلك طلاب العلم، بحيث أنّه في العصر الذي تلا هذا العصر أي عصر زعامة الشيخ الطوسي، كانت شيعة الكرخ تملك أكبر منصب علمي في بغداد والعالم الإسلامي وكان المقعد الرسمي للتدريس فوّض إلى الشيخ الجليل محمد بن حسن الطوسي وكان يشترك في دروسه عدد ملحوظ من الطلاب من مختلف الطوائف الإسلامية. إضافة إلى ما قام به كلّ من الشيخ المفيد والسيد المرتضى والسيد الرضي والشيخ الطوسي في إشاعة العلم والثقافة في الكرخ وبغداد والبذل والعطاء الذي قدّموه في هذا المجال فإنّ أصحاب المناصب الحكومية من الشيعة شاركوا في هذا الأمر أيضاً منهم شاپور بن اردشير وزير بهاء الدولة وشرف الدولة الديلمي حيث أسّس مكتبة مثالية فيها أكثر من عشرة آلاف مجلد نفيس من المخطوطات بخط مؤلفيها سنة (381هـ). وكانت المكتبة لسنوات طويلة مركزاً للمطالعة.
في ختام المقال من الضروري الإشارة إلى موضوعين هامين ضرورين.
الأوّل: إنّ التنمية والازدهار والكمال والعلم والثقافة والتحقيق في الكرخ استمرّ حتّى سنة 448 هجرية أو 449. ففي هذه السنة وبعد دخول طغرل أوّل ملوك السلاجقة وقواته إلى بغداد فإنّ نيران العصبية العمياء للأتراك السلاجقة وحنابلة بغداد دمّرت وأبادت كلّ شيء. أبيد مقعد تدريس الشيخ ومكتبته الشخصية ومكتبة شاپور العظيمة ونهبت أموال وأرواح الأهالي وأهم من كلّ ذلك فإنّ بساط العلم والثقافة اجتثت جذورها بعد هجرة الشيخ من بغداد.
الثاني: أنّ القرنين الرابع والخامس اللذين عاش فيهما أولئك الأجداد. كانا عصري ازدهار العلم والمعرفة والإبداع والتجربة والتحقيق في العالم الإسلامي وكان الاهتمام كثيراً في هذين القرنين بالعلوم الطبيعية ومعرفة العالم. وظهر علماء أمثال أبو نصر الفارابي وأبو الحسن المسعودي ويحيى بن عديّ وأبو الفرج الأصفهاني وأبو الحسن العامري وأبو سليمان المنطقي السجستاني وابن هيثم وعلي بن عيسى وعمر الخيام وناصر خسرو والغزالي وبهمنيار. ولكن في القرون التي تلت هذين القرنين لا نشاهد فيها مثل هذه الكثرة من العلماء وانتشار العلوم والثقافة والإبداع.
مدرسة بغداد
بدأ ازدهار التشيّع في بغداد باحتلال البويهيين عاصمة الخلافة العباسية سنة 334هـ/945م، وبظهور شخصيات شيعيّة في غاية الازدهار العلمي.
فقد شهدت هذه الفترة الزمنية بالذات انقسامات سياسية، وبقيام دول صغيرة مُنيتْ بها المملكة الإسلامية، وانفصلتْ عنها([133]). وكانت بغداد لمّا نزل بيد الخلفاء العباسيين الذين كانوا بدورهم محتفظين بسيادةٍ معنوية على الدويلات المنفصلة عنها، والتي كانت تُقدّم للخليفة العباسي الدعاء، والخُطب في المناسبات الدينية وتشتري منه الألقاب([134]).
وكان بنو بويه من الديلم، وهم مُقيمون بالجبال الواقعة في الجنوب الغربي من شاطىء بحر (قزوين)، وقد أسلموا على يد فقيه شيعي كبير هو الحسن بن علي الأطروش([135]) المُلقّب بالناصر الكبير صاحب الديلم (ت: 304هـ/916م)، الذي جمعهم، واستولى بهم على طبرستان سنة 301هـ/913م([136]).
ولمّا تدهورت الأحوال في عاصمة الخلافة بسبب الصراع على إمارة الأمراء، والحروب بين طوائف الجُند من الديلم والتُرك؛ زحفَ أحمد بن بويه إليها، فهرب الجُندُ من الأتراك بعدما عجزوا عن ردّه، فاستقبله الخليفةُ المُستكفي، وولاّهُ إمارة الأمراء، ولقّبه «مُعزّ الدولة».
وقد حَرِصَ البويهيون على استمرار منصب «أمير المؤمنين» للخليفة العباسي باعتبار أنّ النظرة الدينية إلى الخلافة العباسية كانت لا تزال قوية. بحيث أنّ البويهيين لم يجرؤا على اتخاذ خطوة لها، كما لم يكن لهم مشروعٌ عقائدي محدّد حتّى يُطالب الرأي العام الشيعي بإقرار مشروعه السياسي.
وفي مقابل حفاظ البويهيين على منصب «الخلافة»، فقد حاولوا سلب الخلفاء نفوذهم العام، ولم يُبقوا من الخلافة إلاّ مظهرها. وقد عمدوا إلى إطلاق ألقاب من نوع آخر اختصّتْ بالخلفاء وقد استعيضَ بها عن التفوّه باسم الخليفة، ومن تلك الألقاب «المقامات الشريفة»، و«المجلس»، و«الحضرة» كتعويض عن النفوذ المفقود، أو رغبة في الاحتفاظ بمراسم (الخلافة التي ضاع سلطانها الفعلي)([137]).
عمل البويهيون بسياسة الانفتاح، وإطلاق الحريات الفكرية، وهذه السياسة ميّزت العصرَ البويهي عن غيره من العصور المتقدمة أو المتأخرة عليه. فقد كانت سياستُهم قائمةً على أساس التقارب بين المذاهب الفكرية، وإعطاء الفرصة الكاملة للتعبير عن الرأي([138])، وفسح المجال لزعماء المُتكلمين من الأشاعرة والمُعتزلة، وغيرهما من التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم في مُناقشات حُرّة مع أرباب المذاهب والفِرق الاعتقادية.
إنّ هذه الفترة بالذات ـ حفلتْ بظهور فرق، ونحل، وبانقسام كبير في الآراء في مجادلات فكرية مُعقّدة خصوصاً في مجال علم الكلام؛ حَيث كثُر النقاش حول مواضيعهِ؛ ومن ذلك الجدال في صفات الخالق»، و«أفعال الإنسان في الجبر والاختيار»، وحول «الإمامة والخلافة»، وما يتّصل بمسائل كلامية كانت جميعاً محور جدل بين الكبار.
الفقهاء الثلاثة
وخلال العهد البويهي ظهر ثلاثة فقهاء كبار تناوبوا بنجاح على قيادة الشيعة، وكان محمد بن محمد بن النُعمان المُلقب بالشيخ المفيد 336ـ413/ 948ـ 1022) الفقيه الأوّل الذي يُعتبرُ الرائدَ الأوّل لمدرسة الاجتهاد عند الإثنا عشرية، وتبعهُ إثنان من تلامذته هما؛ الشريف المُرتضى، والشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385ـ460هـ/ 995ـ1068م).
وقد أدّى هؤلاء الفقهاء الثلاثة أدوارهم العلمية تبعاً للظروف التي أحاطتْ بهم، كما أسّس هؤلاء الثلاثة أركان المذهب الشيعي، واستفادوا من تنقية التراث الذي وصلهم من إرساء الأسس العقائدية للطائفة.
وقد إمتدّت حياتُهم لتشملَ حكم عُضد الدولة البويهي (367ـ372/ 978ـ983)، ثمّ استمرّت حتّى سقوط البويهيين، واحتلال السلاجقة لبغداد عام 448/1056.
وقد تميّزت المرحلة الأولى من نفوذهم باستقرار الحكم البويهي، أمّا المرحلة الثانية فقد سادتْها الاضطرابات الداخلية.
ونتيجةً للحرية التي تمتّع بها هذا العصر فقد أصبحتْ (بغداد) مركزاً إستقطبَ قادة المذاهب الدينية، على اختلاف مشاربهم، من مختلف بقاع العالم.
وبالرغم من ظهوره الشيعة كمدرسة بدأتْ تتبلور فكرياً من هذه المرحلة ـ إلاّ أنّ المؤسسة الدينية المتمثلة لم تُسجّلْ أيّ نشاط سياسيّ يخدم السلطة البويهية بشكل مباشر، لم تُسهم في مناصب حكوميّة مهمة؛ بل حرصتْ على أداء وظيفتها بطريقة متوازنة مع الظروف السياسية غير المستقرة.
حيث استطاع المفيد أنّ يقتعد المدرسة العلمية الشيعية، ويوطدُ أركانها.
وكان هذا التيار التقليدي ـ الذي يمثلهُ المفيد ـ مدعوماً من قبل البويهيين أنفسهم وبالتحديد من قبل عضد الدولة، وكان هذا الحاكم القوي يقصد زيارة شيخ الشيعة في داره، كما كان يعقد مجالس فكرية عامة لمناقشة الاختلاف بين وجهات نظر التيارات الكلامية المتباينة يحضُرها بنفسه. ولمّا تفوّق المفيد في بحث «الإمامة» على القاضي عبدالجبار المعتزلي ت: (415/1024) قيل إنّ عضد الدولة قدّم له هدايا ثمينة، واقتطعَ له بعض القُرى التي تُحيط ببغداد، كما أجرى الرواتب لتلامذته([139]).
العمل المتكامل للفقهاء الثلاثة
واجه المُفيد التيارات الفكرية التي عصفتْ بالمذهب الشيعي، وقد تحمّل عبء فترة ما بعد الغيبة الكبرى التي تصدّى أستاذه محمد بن أحمد ابن الجُنيد الأسكافي (ت: 381هـ/991م)، وفقيه آخر هو الحسن بن علي بن أبي عقيل العمري (كان معاصراً للكليني المُتوفى سنة 329هـ/941م) لملء فراغها. ونتيجةً للاجتهاد في الرأي أدانَ جمهورُ علماء الشيعة محاولة ابن الجُنيد في الأخذ بالاجتهاد في الأحكام الشرعية لاتهام طريقته خروجاً عن طريقة المذهب الذي ينفي الأخذَ بالقياس، أو استخدام (الرأي) الشخصي في استنباط الأحكام. وممّا ساعدَ على انتصار هذا الخط إنّ (القياس)، و(الرأي) مُصطلحان ظهرا في المدارس السُّنيَّة منذ فترةٍ مُبكّرة، وجُوبهَ بالرفضِ من أئمة الشيعة أنفسهم.
من هنا كان (المفيد يقظاً تجاه الاجتهادات الفكريّة المتباينة، وتيارات الفرق الغالية؛ لذلك كان عملُه مبتنياً على محورين:
الأوّل: على الصعيد المذهبي (الداخلي)
حيث انصبتْ جهودُهُ على:ـ
أ ـ تصحيح ما يتّصل بالمذهب الشيعي، وتنزيهه من الانحراف العقائدي الذي يمكن أن يتسرّب إليه من ظهور التيارات الغالية. كما حرص في عملية تشريع الأحكام على الالتزام بالأصول المعتمدة في عملية التشريع، ورفض ما تسرّب إلى المذهب عن طريق فقهاء ردّ استاذهُ ابن الجُنيد ـ الذي نُقِلَ عنه الأخذ ببعض المقولات السُّنية ـ ردّاً عنيفاً، وخطأهُ في موارد عديدة([140]).
وقد أثّر هذا المسلك على تلامذة المُفيد فاعتمدوا آراء أستاذهم في ردّ ابن الجُنيد. إلاّ أنّ اعتبار هذا الفقيه أُعيدَ بعد قرنين من الزمن على يد فقهاء مدرسة الحلّة، حيث اعتمدَ المُحقق الحلّي (602ـ676هـ/ 1206ـ1277م)، والعلاّمة الحلّي (648ـ726هـ/ 1250ـ1325م)، على مؤلفاته، ونقلوا كثيراً من آرائه الفقهية في كتبهم.
ويبدو أنّ الأسلوب الذي اتبعه المُفيد في ردّ أستاذه كان ضرورة لإصلاح المذهب من جهة، والاطمئنان إلى عمل المفيد نفسه من خلال بيان حرصه على سلامة المذهب ـ من قِبل المتحفظين ـ وإبعاد موارد النقد عن طريقتهِ الاجتهادية من جهة أخرى.
ب ـ الاهتمام بالكفاءات المؤهلة للزعامة الدينية؛ فقد تخرّج عليه مجموعة من العُلماء كان من أهمهم (المرتضى) الذي تولّى زعامة الشيعة بعده، والطوسيّ، وأبو الفتح الكراجكي (374ـ449هـ/ 984ـ1057م) الذي تولّى زعامة الشيعة في بلاد الشام.
الثاني: على الصعيد الخارجي
دأبَ المُفيد على مكافحة التيارات العقائدية المُخالفة بالحوار المُباشر مع كبار قادتها، وبالتصدّي لنقدها فكريّاً عن طريق إفرادِ بحث أو رسالة تتضمن مناقشة الآراء المختلفة، وإقرار الرأي الذي يَراهُ من خلال مصادره الخاصة به.
وقد اشتهرَ (المفيد) بالمناظرت، وعُرفَ بالجدل، وعُدَّ من المُتكلّمين حيث غلبتْ هذه الصفة على ملكاته العلمية الأخرى. وقد حرص على تسجيل «مناظراتهِ» بنفسه في كتاب خاص سمّاه «العيون والمحاسن» حاول تلميذُهُ (المرتضى) أن يُصححه ويختصرَهُ بكتاب سمّاه «الفصول المختارة من العيون والمحاسن».
مضافاً للأسماء الكبيرة التي ظهرت في ثنايا هذا الكتاب كأسماء زعماء المعتزلة والأشاعرة، والزيدية والإسماعيلية، والمُحدّثين، وغيرهم، فقد أوضحتْ هذه المجالس طبيعة الحياة الاجتماعية، ومنحى الإتجاه العقلي في تلك المرحلة كما رسمت صورة للمناظرات التي كانت تعقد في بيوت الاشراف، والقُضاة، وغيرهم. وحرصتْ بعض المناظرات بإحصاء عدد الحاضرين، والجهات التي تصدّى (المفيد) لمناظرتها.
ونظراً لما تحتلُّ هذه المجالس من الشهرة والصدارة العلمية فقد أشارَ إليها مؤرخون كبار كاليافعي، وابن النديم، وأبو حيّان التوحيدي([141]).
أمّا على الصعيد السياسي الشيعي فقد كان الحُسين الطاهر (والد الشريفين المرتضى والرضي) ممثلاً لهذا الإتجاه، وكان هذا الرجل قد جَمعَ بين السلطتين الدينية والسياسية، وقد ظهرت سلطتُه الدينية في المفاوضات التي أدارها بين دولة البويهيين، ودولة الحمدانيين والتي نجحَ فيها بتقريب أوجه الاختلاف بين الدولتين الشيعيتين.
أمّا نفوذُهُ السياسي فقد ظهرَ في إخماد الفتن التي حلتْ ببعض المناطق المتمردة على السلطة البويهية عام 368هـ/979م، والتي تمكن من إخضاع أهلها بعد حرب شديدة. ونتيجةً لتزايد نفوذ الحسين الطاهر بعد الانتصار الذي حققه على خصومه البويهيين في «ديار مُضر» خشيَ عضد الدولة منه، فاعتقله في شيراز سنة 369هـ/ 980م، وبقي منفياً حتّى وفاة عضد الدولة سنة 372هـ/ 983م. وقد حاول شرف الدولة البويهيّ إعادته من منفاه إلى العراق، بعد وفاة أبيّه عضد الدولة، وقلّدهُ مناصب رسميّة تتناسب مع مكانتهِ الروحية حيث ولاّهُ «نقابة الطّالبيين، ثمّ القضاء، وولاية الحج»([142]).
ونظراً لاتجاه المرتضى العلميّ فقد كان متمماً للجهود التي قدّمها المفيد، والتي كانت بدايات التأليف في المسائل المذهبية المختصة بعلم الكلام، أو علم استنباط الأحكام (أصول الفقه) حيث طوّر تلك المباحث، وهذّبها، وأفردَ لها بحوثاً مُطوّلة.
شكّل (المرتضى) ظاهرةً متميزةً في تأريخ الفقهاء الشيعة على الإطلاق حيث أحدثَ انعطافاً عقليّاً هائلاً مكّنه من تشكيل نظريات المذهب الشيعي الإمامي على وفق قواعد جديدة. وتعتبرُ مرحلتهُ نقلةً في تاريخ التأليف المذهبي للشيعة على الإطلاق، وقد شهد بذلك العلاّمة الحلّي الذي اعتبرَ مؤلفاته الاساس الذي ابتُنيَ عليه المذهب الشعي الإمامي([143]).
تميّز المرتضى بمنهج الرفض العقلي الذي صَبغَ فيه كتاباته في علم الكلام، والتشريع وتفسير القرآن.
ونتيجةً لهذا المنحى العقلي الحاد فقد رفَضَ أخبار الأحاد، واقتصرَ على الأخذ بالروايات المتواترة فقط، وهو بذلك كان من السابقين إلى الدعوة لفتح باب الاجتهاد([144]).
وقد حاول الاستقلال بمنهجه العقلي، وصياغة مؤلفاته على هذا المنهج، وبذلك ناقش أستاذه المفيد في كثير من المسائل المتعلقة بعلم الكلام، واختلف معه([145]). كما ناقش من جهة ثانية المُعتزلة الذين يُشاركونه في المسلك العقلي أيضاً، وردّ على عبدالجبار المُعتزلي بكتاب كبير في موضوع الإمامة سمّاه الشافي([146]).
وقد توسّعت زعامة المرتضى بعد وفاة المفيد عام 413هـ/ 1022م، واتجهتْ أنظار الشيعة في البلدان المُتاخمة إليه تسألُهُ عن مشكلات المسائل الدينيّة، وتنتظرُ أجوبته عليها. وقد تشكّل من ذلك مجموعة كبيرة من الكتابات طُبعتْ عام 1985م بعنوان «رسائل الشريف المرتضى». وقد حوت هذه الرسائل الاستفتاءات في المسائل الدينية والبحوث الكلامية والفقهية، ومواضيع متعددة أخرى. كما ظهرت من بينها رسالة (العمل مع السلطان)([147]) كان أوّل مَنْ تنبّه إلى أهميتها من الباحثين هو البروفسور Wil Ford Madelung الذي ترجمها إلى اللغة الإنكليزية، ووضع مقدمة لها.
وفي ظلّ زعامته سعى (المرتضى) إلى تنظيم الدراسة الدينيّة، والاهتمام بطلبة العلم؛ حيث خصّص رواتب شهرية لهم، ووفّر مستلزمات التأليف من الورق والمحارب كان يُنفقُ أغلبُهُ من الموارد الخاصّة التي كانت تُدرُّ عليه من أراضٍ زراعيّة كان يمتلكها([148]).
وقد تخرّج عليه تلامذة، كبار حفظوا مدرسة الاجتهاد؛ وكان محمد بن الحسن الطوسي (ت: 460هـ/ 1068م) أعظم تلامذته على الإطلاق، وهو الزعيم الثالث في مدرسة بغداد الذي استطاع أن يُكمل أهداف هذه المدرسة، ويكون آخر فقيه كبير للشيعة ليس لهذه الفترة فحسب، بل لفترة طويلة من تاريخ مدرسة الاجتهاد وصلتْ بعد أكثر من قرن من الزمان إلى فقهاء مدرسة الحلّة.
وقد إلتزمَ الطوسي ـ الذي لُقّب بشيخ الطائفة([149]) الخطّ العلميّ الذي بدأهُ أستاذاهُ المفيد، والمرتضى، ولم تُسجل حياتُهُ التي قضاها تحت ظلالهما سوى شرح لكتاب فقهي كانَ المفيد قد عَمِدَ فيه إلى الإفتاء بمتون الروايات بحذف إسنادها؛ حَيثُ أرجعَ الطوسيُّ مصادر الفتوى إلى الأحاديث التي اعتبرها موثقة، واختار ما رآه صحيحاً من كتاب (الكافي) للكليني، وبعض المجاميع الحديثة القديمة. وقد اصبحَ كتاب (المُقْنِعَة) بفضل هذا الجُهد أحد كُتبٍ أربعةٍ مُعْتَمَدة في علم الحديث عند الشيعة والذي أطلق عليه اسم «تهذيب الأحكام».
أمّا بعد تولّي الطوسي رئاسة المذهب فقد قدّم جهوداً علمية استطاع من خلالها أنْ يجمَعَ بين المنحى العقلي والنقلي، ويُقَلّل من حدّة الانعطاف العقلي الحاد الذي انتهجه أستاذاهُ المفيد والمرتضى.
وقد أصبح الطوسيّ الوريث الأوّل للتراث الشيعي حيث قام باعادة صياغتهِ وتنقيحهِ وفقاً لمنهجهِ العلميّ المتوازن. وأهمُ المواضيع التي كتبَ بها، وأصبحتْ مصدراً من مصادر الفكر المذهبي الشيعي هي: تفسير القرآن، الفقه، أصول الفقه، الحديث، علم الرجال، الفقه المُقارن.
وتعتبرُ المرحلة التي عاشها الطوسيّ في بغداد ـ والتي تُقدّر بأربعين عاماً ـ من أخصب الفترات التي ساعدتهُ على وضع مؤلفاته المهمة. وقد اكتسبت هذه الكتب ميزة خاصّة جعلت معظم مؤلفي الشيعة في القرون اللاحقة يستقون منها مادتهم العلمية، ويكوّنون مؤلفاتهم، لأنّها حوت الكتب المذهبيّة القديمة والأصول القديمة التي كتبها الشيعة قبله([150]).
ونظراً لمكانة الطوسيّ العلمية أرادَ الخليفة العباسيّ القائم بأمر الله (ت: 422ـ467هـ/1031ـ1074م) تعميم محاضراته على طلبة الدراسات الدينيّة من مختلف المذاهب الإسلامية؛ مخصّص لهذا الغرض «كرسيّ الكلام» له؛ الذي اعتبَرهُ بعض الكُتّاب المعاصرين منصباً رسمياً لا يتأتى إلاّ لذوي المكانة العلمية المتميزة([151]).
وبعد احتلال السلاجقة لبغداد عام 447هـ/1055م تعرّض الطوسي للتعصّب حيث كُبستْ دارُهُ، وأُحرقت مكتبته الفريدة على وجبات نظراً لغزارتها أمام محضر حاشد من الناس وفي ميدان عام من ميادين العاصمة([152])، كما أُحرقَ «الكرسيّ» الذي خصّصه الخليفة العباسيّ له([153]).
وبعد عام من سيطرة السلاجقة على بغداد كانت مدينة النجف المحطّة التي اختارها الطوسي لنشاطه العلمي حيث قضي اثني عشر عاماً في تربيّة الفقهاء، والمتكلمين الذين زخرتْ بهم هذه القرية الصغيرة، ولم يؤلف شيئاً عمّا ألّفه ببغداد سوى المحاضرات التي ألقاها على تلامذته، والتي جُمِعَتْ تحت عنوان (الأمالي).
وبالرغم من أنّ الشيعة تعرّضوا لإرهاب السلاجقة في بغداد، حيث أحرقوا مكتباتهم الشهيرة والثمنية كمكتبة أبو نصر سابور بن أردشير ـ وزير بهاء الدولة البويهي (379ـ403هـ/ 989ـ1012م)([154]) الزاخرة بالكتب النادرة.
وقد تراجعَ الوجود العلميّ الشيعي ببغداد وانحسر إلى قُرى متفرقة، وأصبحتُ عاصمة الخلافة العباسية التي خضعت للسيطرة السلجوقية مع مُدنٍ أخرى تتحرّك تحرّكاً فكرياً يختلفُ عمّا كان عليه الاتجاه الفكري أيّام البويهيين، وذلك بعد إنشاء المدارس النظامية([155]) بجهود الوزير نظام المُلك (ت: 486هـ/ 1093م) ـ، وكان الغرض منها تقوية التيارات التقليدية مقابل التيار العقلي الذي يُمثّله المُعتزلة والشيعة.
بدأتْ مدينة النجف تستقطبُ طُلاّبَ العلم المهاجرين إليها. وبالرغم ممّا قيلَ عن كثرة عدد طلاب العلوم الذين كانَ الطوسي يشرفُ على دراستهم ببغداد، والذين قُدّرَ عدد المجتهدين منهم بثلاثمائة مجتهد؛ إلاّ أنّه لم يُعرف من أسماء الذين إحتَضنتْهم النجف سوى أربعينَ إسماً فقط، أو ما يزيدُ عليه قليلاً([156]).
وبعد وفاة الطوسي فَقَدتْ مدينةُ النجف نفوذها، وبقي تلامذته من الفقهاء وعلى رأسهم ولده أبو علي، الذي تُوفي بعد عام 515هـ/ 1121م محافظين على التركة العلمية الضخمة التي قدّمها شيخُ الطائفة لهم، ومقدسين آراءهُ، ونظرياتِهِ التي خَبَرها طوالَ أكثر من ربع قرن منذ تسلّمه زعامة الطائفة الشيعية.
وقد أُطلقَ اسم (المُقلّدة) على الفقهاء الذين تبنّوا منهجه وحافظوا على طريقته، والذين لم تُسجّلْ أيّ محاولة لهم، ولأتباعهم من شأنها أن تُطوّر الدراسات التي أرسى قواعدها فقهاء بغداد.
وقد استمرّ الركودُ العلمي في الفكر الاجتهادي الشيعي حتّى ظهور ابن إدريس الحلّي (543ـ598م/ 1148ـ1201م) زعيماً للشيعة والذي تعهّد عملياً بتطوير آراء الطوسي، وإستدلالاته المنهجيّة في الفقه.
المظاهر الفكرية لمدرسة بغداد
شهدت هذه المرحلة تطوّراً من خلال المؤلفات التي وضعها فقهاء هذه المدرسة، وقد شمل هذا التطوّر ميادين (علم أصول الفقه، الفقه المُقارن، علم الحديث، علم الرجال، علم التفسير، علم الكلام)، كما أصبحتْ هذه الكتابات من المصادر الأساسية للمذهب الشيعي.
أصول الفقه
ففي مجال علم أُصول الفقه؛ بدأ هذا العِلمُ يتخلّصُ من حالته البسيطة الأولية، وينالُ قسطاً من النضج، والتكامل. وأوّل رسالة وصلتْ إلينا في هذا المجال هي رسالة (مختصر أصول الفقه) التي ألّفها الشيخ المفيد؛ حيث أفردَ علم أصول الفقه عن غيره من العلوم التي اختلطتْ به كعلم الكلام، وعلم الحديث، ولم نقف على تأليف في هذا الموضوع قبل الشيخ المفيد بالرغم ـ ممّا قيل ـ من وجود وسائل لبعض أصحاب الأئمة في مباحث أصولية مُحدّدة، وليس في تمام مباحث علم الأصول([157]).
والسببُ في ذلك ـ كما اعتقده بعض الباحثين ـ أنّ فقهاء الشيعة لم يشعروا بالحاجة الى الاجتهاد بمعناه الواسع في عصر الأئمة، والذي استمرّ حتّى عصر الغيبة الكبرى عام 329هـ/940م؛ لكنّ الحاجة إلى ملء الفراغ في مجال التشريع ظهرتْ بعد هذه الفترة؛ أي أنّ بدء التصنيف في علم الأصول بدأ على الصعيد الشيعي من مطلع (القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي) في حين أنّ التصنيف منه كان قد بدأ على الصعيد السُنّي أواخر القرن الثاني الهجري؛ حيث ألّف الإمام الشافعي (ت: 204هـ/819م) رسالة في أصول الفقه، والتي أُعتبرت أولى الأعمال التي وصلتنا في هذا العلم([158]).
وذَهبَ بعض كُتّاب الشيعة إلى أنّ تأسيس علم أصول الفقه كانَ على يد الأئمة الشيعة أنفسهم خصوصاً الإمامين الباقر (عليه السلام) (57ـ114 أو 116هـ/ 677ـ732 أو 734م)، والصادق (عليه السلام) (83ـ148هـ/ 702ـ765م) اللذين أمليا على تلامذتهما قواعدَهُ، أي أنّ ذلك كان قبل زمن الغيبة الكبرى([159]).
واستدلّ أصحابُ هذا الرأي بأنّ الإمامين الباقر، والصادق (عليهما السلام) كانا قَدْ أمليا من خلال الروايات مباحث هذا العلم لكنّها لم تُجمع في تأليف مُستقل؛ لذا حاول بعضُ مُحدّثي الشيعة جمعَ هذه الروايات، وترتيبها على أبواب علم أصول الفقه مكونين منها كتباً تحكي زمان تلك المرحلة المتقدمة من التأليف؛ كما فعل ذلك الحر العاملي (ت: 1104هـ/1693م) في كتاب (الفصول المُهمة في أصول الأئمة)، وعبدالله شُبّر (1188ـ1242/ 1774ـ1826) في كتاب (الأصول الأصلية)([160])، ومحمد هاشم الخونساري (ت: 1318/1900) في كتاب (أصول آل الرسول)([161]).
وذكرَ مؤرخو الشيعة أنّ أوّل مَنْ صنّف في مسائل علم أصول الفقه هو هشام ابن الحكم (ت: 199/815) حيث ألّف كتابَ (الألفاظ ومباحثُها)، ثمّ يونس ابن عبدالرحمان آل يقطين البغدادي (ت: 208/824) صنّف كتاب (إختلاف الحديث ومسائله)، وهو مبحث تعارض الحديثين، وقد رواهُ عن الإمام الكاظم (128أو129ـ183/746 أو 747ـ799).
وبالرغم من أنّ هذين الكتابين هما في عِداد المفقودات إلاّ أنّ بعض الكُتّاب إعتبرهما أوّل الكتابات الشيعية التي ظهرت في علم الأصول، ولهذا السبب ذهب السيد حسن الصدر (1272ـ1354/ 1856ـ1935) إلى أنّ الإمام الشافعي لم يكن أوّلَ مَنْ ألّف في هذا العلم، بل سبقه هشام ابن الحكم تلميذ الإمام الصادق إلى ذلك([162]).
كما ذهب الدكتور أبو القاسم گرجي أنّ رسالة الشافعي لم تطرح مسائل علم الأصول بشكلها المُجرّد بل طرحتْ هذه المسائل من خلال الكتاب والسُنّة، لذلك ظهرتْ عناوين في الرسالة لا تندرج في مباحث علم الأصول بل هي من مباحث الفقه، وعلم الحديث([163]).
وبالرغم من هذه الملاحظات إلاّ أنّ رسالة الشافعي تبقى المحاولة الأولى لجمع مباحث هذا العلم سواءً أكانتْ تأليفاً أو أمالي.
وبالرغم من أنّ المؤلفين في علم الأصول ممّن أفردّ بحثاً في جميع مسائله كالشافعي، أو غيره ممّن كتب في بعض المباحث الأصولية إلاّ أنّ دراسة مباحث هذا العلم بقيت مختلطة بمباحث علوم أخرى. وفي النطاق الشيعي كانت رسالة الشيخ المفيد «مختصر أصول الفقه» أوّل محاولة من فقيه شيعي للقيام بفصل مباحث الأصول عن غيره من مباحث علم الكلام، والحديث. وقد قسّم المفيد الأصول التي تستند عليها أحكام الشريعة إلى:
1 ـ الكتاب (القرآن).
2 ـ السُّنّة.
3 ـ أقوال الأئمة المعصومين.
كما قسّم الأخبار إلى:
أ ـ الخبر المتواتر وأراد به خبر جماعة بلغوا من الكثرة والتباعد فيما بينهم حدّاً يُمتَنعُ معه عادة توافقهم على الكذب.
ب ـ الخبر الواحد معه قرينة تشهد بصدقهِ، ويُريدُ به الخبر الذي لم يبلغ حدّ التواتر من الأخبار.
حـ ـ الخبر المُرسل في الإسناد وهو الذي يعمل به «أهل الحقّ على النفاق».
ولم يذكر المفيد الدليل العقلي وهو الدليل الرابع من أدلّة الاستنباط في جملة أدلّة الأحكام، بل ذكر أنّ الطرق الموصلة إلى أصول الأحكام (الكتاب، السُّنّة، أقوال الأئمة) تكون عن طريق:
أ ـ العقل وعرفّه بأنّه السبيل إلى معرفة حُجيّة القرآن، ودلائل الأخبار.
ب ـ اللسان (اللغة) وهو السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام.
جـ ـ الأخبار: وهي السبيل إلى إثبات أعيان الأصول من الكتاب والسُّنّة، وأقوال الائمة.
وقد بحث الشيخ المُفيد في رسالته المختصرة مباحث أصوليّةٌ تتعلّقُ بالأوامر والنواهي، ومباحث الألفاظ، والخصوص والعُموم، والنَسخ، والحقيقة والمجاز، والقياس، والرأي، والإجماع، والاستصحاب، واختلاف الأخبار. وطُبعتْ رسالتُهُ عام 1322هـ/1904 بإيران، ثمّ أُعيد طبعُها ضمن كتاب كنز الفوائد لتلميذه الشيخ الكراجكي عام 1985م في (15) صفحة.
وبالرغم أنّ مباحث الشيخ المُفيد الأصولية لم تَصلْ إلينا بشكل كامل حيثُ أنّ رسالتَهُ في أصول الفقه هي على ما يبدو مختصر لمباحثه في هذا العلم إلاّ أنّها مهّدتْ لمباحث أُصولية مُسْتَوْعَبَة طوّرها تلميذه الشريف المرتضى من خلال كتابه «الذريعة إلى أُصول الشريعة» الذي يمكن أنْ يُعدّ أوّل كتاب شيعي تناولَ مباحثَ أصول الفقه بشكل مُسْتَوْعَب. وقد أصبح مصدراً من أهم المصادر في هذا العلم، وبقي مداراً للدراسة حتّى زمان المحقق الحلّي (ت: 676هـ/1277م).
وترجع أهميّة الكتاب إلى أنّ مؤلّفه استطاع أن يفصل بين مسائل أصول الفقه، ومسائل أصول الدين كما نبّه على ذلك في مقدمة كتابه هذا([164]).
وقد ذكر المرتضى أنّه قدّم مباحث متكاملة في علم أصول الفقه دون أنْ يَسْتَعينَ بالكتب التي صُنّفتْ قبله([165])، ولعلّه أرادَ بذلك اتخاذ منهج لا يعتمد على بعض طرق الاستنباط التي تعتمدُها المذاهب السُّنيّة من استخدام (الرأي) و(القياس).
وكان تلميذُهُ الشيخ الطوسيّ من أوائل الذين تنبّهوا إلى ضرورة إفراد مباحث علم الأصول بشكل مستقل، وتأليفها، وقد حاول أن يقوم بهذه المهمة من خلال كتابه (العُدَّة). وقد أشار الطوسيّ في مقدمة كتابه إلى أنّ كتاب (المختصر في أصول الفقه) هو أوّل كتاب شيعي جمع مباحث الأصول وإن لم يكن متكاملاً([166])، كما أنكرَ أنْ يكونَ للمرتضى كتابٌ في علم الأصول على كثرة أماليه في هذا العلم على طلابه الأمر الذي يدل على الأمر الذي حمل الفقيه المعاصر السيد محمد باقر الصدر للاعتقاد أنّ المرتضى لم يكن قد أعلنَ عن كتابِهِ بَعدُ، أو لم يكن قد ألّفه بعد([167]).
ثمّ عاد الطوسيّ في كتابه (العُدّة) نفسهُ مقتبساً جملةَ مباحث أصولية عن كتاب (الذريعة)، مع الإشارة إلى مواضع الاقتباس، والنقل عن أستاذهِ، وتأثّره في منهجه، ونظرياته.
ومن خلال الجمع بين النصين يتّضح أنّ الطوسيّ كتبَ المباحث الأولى من (العُدَّة) في حياة المرتضى وهي الربع الأوّل من الكتاب، أمّا بقية الكتاب فقد ألّفه بعد وفاتِهِ.
ويمتاز عمل الطوسيّ بأنّه أراد أن يشذّبَ مباحث (الذريعة) من المباحث غير الأصولية وإنْ كانت قليلة، كما أراد أنْ يُثبّت وجهات نظره المخالفة في بعض المسائل لوجهة نظر المرتضى خصوصاً في موضوع (أخبار الآحاد).
إنّ علم الأصول مِنْ خلال جهود المُرتضى والطوسيّ بلغ تطوّراً له أهميتُه في هذا الميدان، ولم تشهد المدرسة الشيعية كتاباً ثالثاً إلاّ على يد فقهاء مدرسة الحلّة عندما كتبَ المحقق الحلّي كتابه (المعارج).
وقد استطاعَ المُرتضى من خلال فَهمه للاجتهاد أنْ يَضعَ قواعدَهُ، ويُنظّرَ مباحثَهُ. وترجع أهميّة عملهِ إلى أنّ ممارسة الاجتهاد عملياً بدأتْ منذ عهد ما بعد الأئمة على يد الجُنيد، وابن عقيل، وتبعهما المُفيد؛ لكنّ وضع مباحث الاجتهاد نظرياً لم يتم إلاّ على يده، وقد كتبَ المُحقّق الحليّ في (الاجتهاد)، وأضافَ إضافةً مهمة للمبحث الذي كتبهُ المرتضى قبله بقرنين من الزمن، وذلك عندما أعطى مفهوماً جديداً لكلمة (الاجتهاد) أخرجها عن مفهومها الضيق الذي كان يُمثّل في تلك المرحلة الزمنية معنى رأي المُجتهد الشخصي إلى معنى عملية استنباط الأحكام الشرعيّة من مداركها الأصلية([168]).
وقد جرتْ عملية مُقارنة بين مباحث (الذريعة)، و(المعارج) في مبحث مدرسة الحلة مع مقارنة آراء المرتضى، والمحقق بما كتبه العلاّمة الحلّي في كتابه (مبادىء الوصول).
الفقه المُقَارن
ومن المظاهر الفكرية التي تميّزتْ بها مدرسة بغداد التأليف في مجال (الفقه المقارن) ويبدو أنّ هذا الاتجاه نشأ من خلال الحرية الفكرية التي اتّسمَ بها هذا العصر. فقد تصدّى الشيخ المُفيد للكتابة في هذا الميدان بكتاب سمّاه الإعلام فيما اتفقتْ عليه الإمامية من الأحكام»([169]) قارنَ فيه آراء فقهاء الشيعة الإمامية بمن خالفهم من فقهاء المذاهب الأخرى.
كما كتبَ المُرتضى كتابَ (الانتصار)([170]) وقد درس فيه المسائل الفقهية التي انفردَ بها فقهاء الشيعة عن غيرهم من فقهاء المذاهب الإسلامية.
وقد هدفَ المرتضى إلى ردّ الزعم القائل أنّ الشيعة أنفردوا بمسائل أفتوا بها لم يكن فيها موافق لهم من بقية فقهاء المذاهب الفقهية الأخرى.
أمّا منهجُه من البحث فقد تركّز على بيان المسائل الفقهيّة التي انفردَ بها الشيعة؛ بذكر المسألة أوّلاً، ثمّ عرض أراء زعماء المذاهب السّنيّة، والموازنة بعد ذلك بينها، واستخلاص حكمه الذي يعتبرُهُ رأي فقهاء الشيعة في المسألة، وذلك بإيراد الأدلة التي يعتمدُها من خلال القرآن، والسّنّة والإجماع، والعقل. وهو بذلك إستقرأ مسائل الفقه في جميع مباحثه إبتداءً من العبادات وانتهاءً بالمواريث.
وقد ذكرَ جملةً من المصادر التي اعتمدها، والتي تُعتبرُ مصادرَ رئيسية تعكس آراء أصحابها.
ويظهر أنّ محاولة المرتضى كانتْ تهدفُ إلى تقريب شقة الخلاف في المسائل الفقهية باختلاف وجهات نظر فقهاء المذاهب، ومُقارنة بعضها ببعض على أساس تقديم الدليل؛ وبذلك تُوصدُ أبواب المنازعات التي لم تُبتنَ على أصول البحث الجاد.
وفي هذا المجال أيضاً وضَعَ الطوسيُّ كتابَهُ الخلاف (طهرانَ، 1950م)، الذي يُعتبرُ موسوعة للفقه المقارن تناولتْ باستيعاب المسائل الفقهية المقارنة بين الفقه الشيعي، وغيره من المذاهب غير الشيعيّة سواءً المذاهب التي لم يَدمْ لها البقاء كمذهب زُفر، والأوزاعي، والبصري، والسَّدي، والظاهري، أو المذاهب التي كُتبَ لها الاستمرار كالمذاهب السُّنيّة الأربعة.
وميزةُ (الخلاف) أنّه أصبحَ سجلاً حفظ بعض آراء فقهاء المذاهب البائدة التي قد لا توجد في غيره من الكتب([171])، كما اعتبر سجلاً هاماً لآراء فقهاء الشيعة أيضاً. ومن خلال هذا الجهد كان الطوسيّ بالرغم من علمه بفقه الشيعة، وكونه من أكثر فقهائه؛ على علم بفقه المذاهب الأخرى([172]). وقد نهجَ بشكل أكثر استيعاباً إلى ذكر المسائل المُختلف فيها، وأدلتها، وكان يختار منها ما وصل إليه اجتهادُه([173]).
ولم تشهد فترة ما بعد مدرسة «بغداد» عملاً فقهياً مُقارناً إلاّ على يد العلاّمة الحلّي (726/1325) أي بعد أكثر من قرنين من الزمن.
الفقه
أمّا في مجال الدراسات الفقهية فبالرغم من الجهود التي قدّمها الفقهاء فإنّ التأليف الفقهي تطوّر خلال فترة (مدرسة بغداد)، وقد وصلَ ذروته على يد الطوسيّ من خلال كتابهِ (المبسوط) الذي يُعدُّ من أعظم مؤلفات شيخ الطائفة بل من أعظم كتب الفقه في مجال ممارسة العمل الاجتهادي، وطريقة استنباط الأحكام الشرعية.
وقد كانت طريقة التأليف الفقهي السائدة في الفقه الشيعي مقتصرة على نقل الروايات الواردة عن الأئمة، واستخراج «الفتوى» منها، مع الحفاظ على ذكر إسناد الحديث.
وأوّل فيه خَرَجَ على هذه الطريقة هو علي بن الحُسين ابن بابويه القُمي (260ـ329/ 874ـ941) في كتابه «الشرائع» الذي اعتمدَ فيه على الإفتاء بمتون الروايات مع حذف إسنادها؛ وقد بثَّ ولدُهُ الشيخ الصَدُوق (306ـ381هـ/ 918ـ991م) هذا الكتاب في متون كتبه (الفقيه، المُقنع، الهداية). وقد نَهج الشيخ المُفيد النَهجَ نفسَهُ في كتابه (المُقْنِعَة)، الذي قامَ الطوسيّ بتتبّع مصادرهِ الحديثية بالاعتماد على الروايات الموثّقة.
وقد عوّل الفقهاءُ على هذه الكتب، وعاملوها معاملة الكُتب الحديثية لأنّ متونها مأخوذة من الروايات نفسها، واعتمدوا عليها عند إعوازهم إلى النصوص. وقد سمّى الفقيه السيد حُسين البروجردي(1292 ـ1380هـ/ 1875ـ1960م) هذه الكتب بـ (المسائل المُتلقاة) ويعني بذلك المُتلقاة عن الأئمة، كما سُمّيت أيضاً بـ(الفقه المنصوص)([174]).
وقد مرَّ فقهُ الطوسيّ بمرحلتين:
الأولى: المرحلة التقليدية حيث ألّف في إبان شبيبتهِ كتاب (النهاية) الذي اعتمدَ فيه على ذكر ألفاظ الحديث بدلاً عن الفتيا والذي هو أقرب ما يكون إلى كتب الرواية منه إلى كتب الفتوى، وقد تَسالمَ الشيعة على دراسته حتّى عصر المُحقق الحلّي الذي أزاحه بكتابِهِ (شرائع الإسلام).
الثانية: مرحلة التجديد الفقهي وذلك من خلال كتابه (المبسوط) الذي حاولَ فيه أنْ ينقلَ البحث الفقهي من نطاقهِ المحدود في اقتباس الفتوى من نصوص الأحاديث إلى ممارسة الاجتهاد بشكله العام، وذلك بتطبيق القواعد الأصولية والمقارنة بين الأحكام في عملية تُظهرُ جُهدَهُ في ممارسة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المُعتمدة.
وقد ذكرَ الطوسيّ من مقدمة (المَبْسُوط) أنّ بعضَ الفقهاء (ويعني الشيعة) لم يتحملوا مخالفة الطريقة التقليدية في الفقه حتّى لو استعيضَ عن المسألة الفقهية معناها بغير اللفظ المُعتاد»([175]). وكان هدف الطوسيّ من تأليف (المبسوط) منصباً على:
1 ـ استيعابُ الأبواب الفقهية في كتاب واحد يشمل أصول المسائل وفروعها وقد أشار إلى أنّ كُتُبَ فقهاء الشيعة لم تستوعب جميع المسائل الفقهية، وقد عبّر عن هذه الكتب «بالمُختصرات»([176]).
2 ـ التخلّص من الاتجاه التقليدي في التفكير الفقهي المُعتمد على نقل الأخبار ومحاولة الجمع بين الاتجاهين النقلي والعقلي في مضمار الدراسات الفقهية.
3 ـ الردّ على اتهام بعض فقهاء المذاهب الإسلامية بعدم قدرة الفقهاء الشيعة على استنباط الأحكام الشرعية لنفيهم (القياس)، و(الرأي) في الاجتهاد([177]).
أمّا في مجال الرسائل الفقهية المُختصرة فقد تميّزتْ رسالة (جُمل العلم والعمل) التي كتبها الشريف المُرتضى باقتراح من أستاذه الشيخ المُفيد بأنّها وضِعَتْ أساساً للمبتدئين بدراسة الفقه([178]). ولم تقتصر على الفقه وحده، بل قدَّم لها فصلاً بعنوان «مختصر في أصول الدين» في صفحات عشرة، شمل على مباحث عقائدية نظرية بحتة تشمل (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، وهو ـ باختصار ـ أجملَ منه اعتقاد الشيعة بالمسائل المتعلقة بأصول الدين والمذهب، وقد شرحَهُ الطوسيّ بكتابٍ كبير سمّاه (تمهيد الأصول في علم الكلام)([179]).
ويبدو أنّ الفقهاء المتصدين لزعامة الطائفة ـ فيما بعد ـ دأبوا على وضع رسالة فقهية تتضمّنُ بيان آرائهم في المسائل الفقهية، وقد جرت العادة على تضمين رسائلهم هذه بمقدمة في أُصول الدين، وقد سُمّي هذا النوع من التأليف (بالرسالة العملية). والغرض من ذلك تسهيلُ مسائل الفقه للمبتدئين للرجوع إلى فتوى (المُجتهد).
وقد تطوّرت (الرسالةُ العملية) عند الفقهاء، وأضيف إليها قسمٌ آخر مكمل؟ لمباحث (العبارات) أسموهُ بقسم (المعاملات) وهو يتضمّن الأحكام الفقهية التي تتعلّق بالبيع والشراء والهبة، والوقف وغير ذلك. وقد اعتبرت (الرسالة العملية) سمة من سمات الفقيه الذي انقادت الزعامة الدينية إليه، أو هو مُرشّح لها.
علم الحديث
وفي هذا العهد أُلّفتْ الجوامع الحديثة، وطبع الوافي عام 1910 (طهران) الكاشاني (1007ـ1091/ 1599ـ1680). وأوّل مَنْ جمع الأحاديث المروية عن الأئمة هو محمد بن يعقوب الكليني (ت: 328 أو 329هـ/ 941 أو 942) في كتابه (الكافي: الذي يُعدّ أوّل موسوعة جمعتْ أحاديث الأئمة؛ كما قام الصدوق ت: (381هـ/991م) بتأليف «مَنْ لا يحضرُهُ الفقيه». وقد أصبحَ هذان الكتابان مع كتابي الطوسيّ تهذيب الأحكام، والاستبصار، مصادرَ أساسية من مصادر الحديث، وسُمّيت هذه المجاميع بـ «الكتب الأربعة».
وبالرغم من أنّ كتابي «التهذيب» و«الاستبصار»، عُدّا من كتب الحديث الأساسية إلاّ أنّ الطوسي لم يقتصر على جمع الأحاديث فقط بل مارس جُهداً اجتهادياً واضحاً في تقديم روايات الأحكام التي يبحث عنها الفقيه من خلال التوفيق بين الأخبار، والجمع بينهما. وقد اعتمد مؤلفو الكتاب الأربعة على الكتب المؤلفة في علم الحديث التي جمعها قدماء مُحدّثي الشيعة ممّا وصل إليهم من أخبار الأئمة، وقد سُمّيتْ هذه المصنفات «بالأصول الأربعة».
وقد نصّ كُتّابُ الشيعة الأوائل على أنّ هذه الأصول أُلّفتْ في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) وأنّ الأحاديث الواردة فيها كانت من أمالي الإمام الصادق على تلامذته.
وذكر المُحقق الحلّي أنّها كُتبتْ من أجوبة مسائل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أربعمائة مُصنَّفٍ لأربعمائة مُصنِّف سمّوها «أصولاً»([180]). وقد أُهملتْ هذه الأصول لاحتواء الكتب الأربعة، وجوامع الحديث عليها، وعلى غيرها من مصادر أحاديث الشيعة. وقد ضمّن محمد باقر المجلسي (1037ـ1111/ 1628ـ1699) بعض ما عثر عليه من هذه الأصول كتابه «بحار الأنوار»([181]).
وكانت مكتبة «دار العلم» التي أسّسها عام 381/991 الوزير أبو نصر سابور بن أردشير (ت: 416هـ/1025م) قد حوت على نفائس الكتب التي قدّر عددها بعشرة آلاف مُجلّد وقد ضمّت كُتباً بخطوط الأئمة المُعتبرة، وأصولها المحررة([182]). وكانت هذه المكتبة بالذات مصدراًمن المصادر الأولى التي ساهم مؤلفو كتب الحديث الأربعة بالاعتماد عليها، واستخراج كتبهم منها؛ إلاّ أنّ هذه المكتبة أحرقها السلاجقة سنة (451/1059)([183]).
ويُلاحظ أنّ فترة الاستقرار التي شَهِدَتْها مدرسةُ بغداد في ظل الحكم البُويهيّ هي التي ساهمت في وضع كتب الحديث، ولم تظهر مجاميع حديثيّةٌ أخرى بعد هذه الفترة؛ إلاّ بعد قرون وفي ظل دولة شيعيّة هي (الدولة الصفوية)، حيث عادَ علماء الشيعة إلى وضع مجاميع حديثيّة أخرى أكثر ترتيباً، واستيعاباً لأبواب الحديث.
فقد ألّف الفيض الكاشاني (1007ـ1091هـ/ 1599ـ1680م) كتاب الوافي (طهران، 1910)، كما ألّف العامليّ (ت: 1104/1692) كتاب (وسائل الشيعة)([184]) وقد أوردا في كتابيهما ما تضمنته الكتب الأربعة.
وجمع المجلسيّ الأحاديث المروية عن النبيّ، والأئمة في كتاب يُعدُّ من أوسع المجموعات الحديثيّة سمّاه «بحار الأنوار»، طُبع في (110) مُجلدات.
أمّا علم (دراية الحديث) الذي يختصُّ بمعرفة الأحاديث الصحيحة عن غيرها فلم يكن من مختصات المُحدثين، وإنّما كان من مختصات الفقهاء المجتهدين([185]) لذلك خَضعت كتب الحديث لقواعد النقد التي تكفّل بها علم (دراية الحديث)، وقد ظهر معيار جديد على يد فقهاء (مدرسة الحلّة) يحدّدُهُ (سند) الحديث بعدما كان المعيار عند المُحدّثين الأوائل معتمداً في معرفة الحديث الصحيح على اعتبارات نفسية خاضعة للرضى والتسليم([186]).
وقد قُسّمتْ أحاديث الكتب الأربعة إلى خمسة أقسام (الصحيح، الحسن، المُوثّق، القوي، الضعيف)، ونُسِبَ هذا التقسيم إلى أحمد بن طاووس (ت: 673هـ/1274م)، أو إلى تلميذه العلاّمة الحلّي، وتابعهما سائر الفقهاء. وقد رفض الإخباريون ـ وهم إتجاه ظهرَ أواخر الدولة الصفوية ـ هذا التقسيم، واعتبروا أنّ جميع الأحاديث المروية هي صحيحة حتّى لو كانت نسبة الكتاب إلى مؤلّفه غير متواترة([187]).
وفي هذا المضمار قدّم زين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني (911ـ965/ 1505ـ1558) دراسة مستفيضة عن (سند) أحاديث الكافي، وانتهى إلى أنّ كتاب الكافي ضمّ (5072) حديثاً صحيحاً، و(144) حديثاً حسناً، و(1118) حديثاً موثّقاً، و(302) حديثاً قويّاً، و(9485) حديثاً ضعيفاً، كما قام الفقيه الشيعي جمال الدين الحسن ابن الشهيد الثاني (959ـ1011هـ/ 1552ـ1602م) باستخراج الأحاديث الصحيحة من الكتب الأربعة وألّف منها كتاباً سمّاه (مُنْتَقى الجُمان في الأحاديث الصحاح والحسان) لكنّه لم يكمل عمله الذي يُعتبرُ متفرداً بين جهود فقهاء الشيعة([188]).
علم الرجال
ومضافاً إلى جهود الطوسي في مجال علم الحديث يظهر جهده في مجال علم الرجال المختص «بتشخيص رواة الحديث»([189])، ولمّا كانت أحاديث النبيّ والأئمة (عليهم السلام) تُشكّل مصدراً من مصادر التشريع كان تمييز صحيح الأخبار عن غيرها متعلقاً بمعرفة الرواة، وناقلي الأحاديث الذين عن طريق معرفة وثاقتهم تُعرفُ صحةُ الحديث.
وقد اعتُمدتْ «كتبٌ أربعة» في علم الرجال؛ كان أقدَمها رجال الكشي (الذي كان معاصراً لابن قولويه المُتوفى عام 369/979) المُسمّى (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين)؛ إلاّ أنّ هذا الكتاب لم يصل إلاّ عن طريق الطوسيّ بعدما وجدَ فيه أغلاطاً كثيرة كانت تستوجب التصحيح من قِبله([190])، وقد سمّاه «إختيار الرجال»، وأملاهُ على تلامذته أيام إقامته في النجف سنة (456/1064). أمّا الكتاب الثاني فهو كتاب (الرجال للنجاشي) (ت: 450هـ/1058م) الذي يُعتبرُ عمدة الأصول الرجالية نظير الكافي في علم الحديث([191]).
أمّا الكتابان الآخران فهما (الرجال) و(الفهرست) للطوسيّ.
رتّب الطوسيّ كتاب (الرجال) على أبواب بعدد رجال أصحاب النبيّ، وأصحاب كلّ واحد من الأئمة، وقد تضمّن ما يقارب (8900) اسم، وكان غرضه محاولة جمع أسمائهم، وتمييز طبقاتهم([192]).
أمّا (الفهرست) فقد ذكر فيه أصحاب الكتب والأصول مع المحافظة على ذكر أسانيده الرواة عنهم، وأحصى ما يزيد على (900) إسم من أسماء المُصنّفين([193]) وقد عمد الطوسيّ في (الفهرست) إلى تمييز الرواة، وأمّا في الرجال فقد أحصى مؤلفي الشيعة فقط دون تمييز الممدوح منهم من المذموم([194]).
وقد حاول الطوسيّ من خلال كتابيه أنْ يسدّ الثغرة التي ظهرت في علم الرجال بعد فقدان كتابين مهمين ألّفهما أحمد بن الحسين الغضائري (ت: 411 هـ/1020م)، وأشار إلى أنّ عمله لم يستوف ذكر جميع أسماء المؤلفين لاستحالة الإحاطة بهم في البلدان المتفرقة في ذلك الوقت([195]).
وقد استدرك مُنتجب الدين ابن بابويه الرازي (كان حيّاً عام 600/1203) عليه بكتاب (فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم)، كما استدرك عليه ابن شهرآشوب (ت: 588/1192) بكتاب (معالم العلماء). وقد اشتمل الأوّل على (553) مؤلفاً، كما اشتمل الثاني على (1021) اسماً. وقد تصدّى هذان المُحدثان لتتمة (فهرست) الطوسيّ في عصر واحد، ولم يعلم كلّ منهما بعمل الآخر([196]).
وقام القهبائي (كان حيّاً عام 1016/1607) بجمع الكتب الرجالية الأربعة في كتاب واحد سمّاه (مجمع الرجال) ([197]).
الخلاصة
1 ـ وضع زعماء مدرسة بغداد وهم (الشيخ المفيد، الشريف المرتضى، الشيخ الطوسيّ) أساس التفكير العقائدي للشيعة.
2 ـ بلغ علم أُصول الفقه درجة من التكامل على يد المرتضى، وذلك باستقلاله عن مسائل علم الكلام، والتخلص منها نسبياً.
3 ـ تطوّر الاستدلال الفقهي من مرحلة الاعتماد على النصوص الحديثية في استخراج الفتوى والحكم الشرعي، إلى عملية ممارسة اجتهادية تعتمدُ المصادر الأساسية للتشريع.
4 ـ شهدت هذه الفترة ظهور علم الحديث، وعلم الرجال معاً؛ حيث جُمعتْ الكتب (الأربعة) في علم الحديث، والكتب (الأربعة في علم الرجال).
5 ـ كتب المرتضى مبحثاً حول (الاجتهاد) ومبحثاً حول (التقليد). وقد تعرّض إلى الشرائط، والضوابط المتعلقة بهما؛ ممّا يدل على أنّ مبدَأيْ الاجتهاد والتقليد كانا معروفين منذ ذلك العهد.
6 ـ الاتجاه السائد لدى علماء مدرسة بغداد كان اتجاهاً علميّاً محافظاً، ولم تسجّل هذه الفترة نشاطاً سياسياً مهماً لهم.
جودت القزويني
تطور مدارس الفقه بين السنّة والشيعة
من الطبيعي أن لا يختلف علم الفقه الإسلامي عن سواه من العلوم الأخرى، فيتطوّر كما تطوّرت، وتتكوّن فيه مدارس كما تكوّنت فيها.
ولعل الفارق بينه وبين الكثير منها تعدّد المدارس في كلّ من الطائفتين الشهيرتين: الشيعة، وأهل السنّة.
فقد كانت هاتان الطائفتان في بدء انبثاقهما في القرن الأوّل الهجري بمثابة مدرستين، ثمّ وبفعل عوامل مختلفة تحوّلتا إلى طائفتين، وكان لكلّ طائفة منهما مدارسها.
والفارق بين مدارس الطائفة منهما والأخرى أنّها عند أهل السنّة بدأت بمدرسة الرأي، ثمّ قامت مدرسة الحديث، واتّخذت مدرسة الرأي الكوفة مركزاً لها عن طريق عبدالله بن مسعود الذي كان أبرز من تبنّى منهج وفكر مدرسة الرأي.
ومن أشهر أعلام هذه المدرسة في الكوفة ابن أبي ليلى، وابن شبرمة.
وأخذت طابعها الواضح، وراحت تضع بصماتها على الكثير من مراكز الدراسات الفقهية الإسلامية على يد إمام المذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي.
أمّا مدرسة الحديث فاتّخذت من المدينة المنورة مركزاً لها، واشتهر من أعلامها الفقهاء السبعة:
1 ـ سعيد بن المسيب.
2 ـ عروة بن الزبير.
3 ـ أبو بكر بن عبدالرحمن المخزومي.
4 ـ عبيدالله بن عبدالله.
5 ـ خارجة بن زيد بن ثابت.
6 ـ القاسم بن محمد بن أبي بكر.
7 ـ سلمان بن يسار.
وقد قيل في منهجهم وتعداد أسمائهم:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر
روايتهم عن العلم ليست خارجة
فقل:
هم عبيدُ الله، عروةُ، قاسمٌ
سعيدٌ، أبو بكرٍ، سليمانً، خارجة
وانتهت رئاسة هذه المدرسة إلى إمام المذهب مالك بن أنس، وعن طريقه انتشرت في البلدان الإسلامية.
ومنذ البدء، وعلى عهد الصحابة، كانت المدرستان معاً في زمن واحد، وسارتا تموِّنان الفقه السني في هدي منهجيهما بالفكر الفقهي الإسلامي من الحديث، أو منه ومن الرأي.
بينما كان التطوّر عند الشيعة، أو قل: في مذهب أهل البيت تطوّراً طولياً أو امتدادياً كالتالي:
1 ـ فأوّل ما كان مدارسه مدرسة النص وكانت تعدّ المقابل لمدرسة الرأي، حيث كان المصدر فيها الكتاب والسنّة فقط، والاجتهاد الفقهي فيها محوره نصوصهما، ويتحرّك في إطار فهمها لاستفادة الحكم.
في الوقت الذي كان مصدر مدرسة الرأي: الكتاب والسنّة، مضافاً إليهما الرأي، وكان الاجتهاد الفقهي فيها يتحرّك داخل إطار النصوص للقرآن والسنّة وخارجَهُ في هدي ما يقدّره رأي المجتهد من المصلحة والمفسدة.
2 ـ وفي عهود الأئمة أبناء علي (عليهم السلام) حيث انتشر التشيّع، وكثر عدد الشيعة، وتوزّع الرواة عن الأئمة في مختلف البلدان الإسلامية، نشأ ما نسمّيه بمدرسة الفقهاء الرواة، تلكم المدرسة التي كان علماؤها من أمثال: زرارة بن أعين، وأبي حمزة الثمالي، وأبان بن تغلب، ومحمد بن مسلم، ويونس بن عبدالرحمن، يجتهدون في فهم دلالة الحديث، وفي تطبيق الأحاديث التي هي بمثابة قواعد عامة على مواردها.
وقد أغنت هذه المدرسة الفكر الفقهي الشيعي بالحديث الفقهي، حيث خلفت أربعمائة أصل، وأكثر من هذا الكمّ من الكتب الأخرى.
3 ـ وامتدّت هذه المدرسة حتّى نهاية القرن الثالث الهجري، وفي القرن الرابع الهجري تمثّلت في ما نسمّيه بمدرسة الفقهاء المحدّثين.
ويمكننا ان نطلق على فكرها الفقهي اسم الفقه المأثور، لأنّ أعلامها كانوا يفتون بالمأثور، أي يتخذون من عبارة ومتن الحديث فتوى يلقون بها إلى مقلديهم.
وكان زعيما هذه المدرسة في نهاية الغيبة الصغرى، وبداية الغيبة الكبرى المحدّثين الصدوقين اللذين أصدقا وصدّقا المنهج المشار إليه في الرسالة المسمّاة بـ (الشرائع) للصدوق الأب علي بن الحسين بن بابويه القمي، وكتاب (من لا يحضره الفقيه) للصدوق الابن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي.
وتركّزت هذه المدرسة في (قم)، وعرف أصحابها في الفقه الشيعي بلقب (القميين)، ونسبت إليهم فتاوى تفرّدوا بها.
4 ـ وفي هذه الفترة، فترة الانتقال للشيعة من عهد الحضور إلى عهد الغيبة، كان بدء استقلال الفقهاء الشيعة بمهمة الزعامة للشيعة نيابة عن الإمام، وبوظيفة الافتاء دون أن يكون هناك لقاء بالإمام لأخذ الحكم الشرعي منه.
إنّ هذا الاستقلال فرض عليهم أخذ الأهبة الكافية والاستعداد الوافي للقيام الكامل بالمسؤولية المناطة بهم، فانتهى مركز قم العلمي إلى ما أشرت إليه من الفقه المأثور، وهو قد يقابل ما عرف عند أهل السنّة بمدرسة الحديث، وانبثق في مركز بغداد العلمي، وعلى يدي القديمين ابن أبي عقيل، وابن الجنيد، شيء منه استخدام الرأي، وربّما كان للأجواء العلمية في بغداد آنذاك، حيث كانت الامتداد الطبيعي لمركز الكوفة العلمي، تاثير عليهما، بغية الإعداد لهذا الاستقلال الذي أشرت إليه، فجاء منهما في الفكر والمنهج ما يشبه الموجود في مدرسة الرأي عن أهل السنّة، فقد عرف عن أبي الجنيد استخدامه القياس، ذلك الاستخدام الذي دفع غير واحد من علمائنا للافتاء بالمنع من الرجوع إلى مؤلفاته لما فيها من نتائج أملاها عليه قياسه، وإستناده إلى طريقة الرأي.
فأصبح في هذه الآونة القصيرة من الزمن عند الشيعة ما يماثل أو يقارب ما عند أهل السنّة من وجود مدرستين: مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، الأولى مركزها في قم، والثاينة في بغداد.
5 ـ ولعل من وفاء وسخاء المناسبة أن يزور الشيخ الصدوق بغداد في عصر الشيخ ابن الجنيد، ويقوم بالتدريس والتحديث، ويحضر حلقة درسه، وتحت منبره الشيخ المفيد، فنصيب مدرسة الفقهاء المحدّثين في حوزته.
وفي الوقت نفسه كان الشيخ المفيد قد تتلمذ على يدي الشيخ ابن الجنيد، فهضم وتمثّل منهج وفكر مدرسة القديمين.
تأسيس المفيد للمدرسة الأصولية الشيعية
لأنّ الشيخ المفيد كان حديد الذهن، شديد الذكاء، عقلاني التفكير، نزّاعاً ـ وبقوّة ـ إلى أن يترسم فقهُ أهل البيت طريقهُ في وضوح ونقاء، مزج بين المدرستين، واستخلص الزّبْدَ من مخيضهما، فخرج من بينهما بما أطلقت عليه اسم (المدرسة الأصولية)، حيث وضع الأصول التي جمعت بين النقل والعقل، فأخذ من هذه وتلك، في ضوء ما استهداه من معطيات الشرع الحنيف.
وتمثّل عمله لإرساء قواعد المدرسة الأصولية بالتالي:
1 ـ تأليفه في أصول الفقه:
فقد ألّف في أصول الفقه الذي هو بمثابة المنهج العلمي للبحث الفقهي والاجتهاد الشرعي، ألّف كتابه المعروف بـ (التذكرة) والذي اختصره تلميذه الشيخ أبو الفتح الكراجكي، وأودعه كتابه الموسوم بـ (كنز الفوائد)، المطبوع أكثر من مرّة، ثمّ نشر مستقلاً بيروت سنة 1408هـ ـ 1988م.
وهو ـ في حدود ما وقفت عليه في فهارس الكتب المطبوعة: أوّل كتاب في أصول الفقه يضمّ بين دفتيه جميع مباحث أصول الفقه المعروفة آنذاك، ولكن بشكل مختصر، فقد ذكر من المؤلفات في أصول الفقه قبل الشيخ المفيد أمثال كتاب (الألفاظ) لهشام بن الحكم، وهذا الكتاب فيما أخال أنّه ليس في أُصول الفقه لعدم وصول شيء من محتوياته يشير إلى هذا، ولأنّ عنوان (الألفاظ) من العناوين المستعملة قديماً في علم المنطق، وفي الفلسفة، ويراد به المصطلحات المنطقية أو الفلسفية، ولأنّ هشاماً عرف بتخصّصه بالحكمة، فمن المظنون قوياً أنّه في مصطلحات الحكمة.
يضاف إليه أنّ الشيعة في عهد هشام لم يكونوا بحاجة ماسّة لأصول الفقه لوجود الأئمة بين ظهرانيهم، ويُسْرُ الرجوع إليهم، وكلّ الذي كانوا بحاجة إليه بعض القواعد العامّة، وبخاصّة ما يرتبط بتقييم الراوي وتعارض الروايتين، وأمثال هذه، فلا أخال أنّ هشاماً وهو يعلم هذا يقوم بوضع شيء في الأصول، ودون أن يضمنه أحاديث عن الأئمة تعرب عن القواعد الأصولية، ولو أشير فيه إلى ذلك لنقل عنه لأهمية الموضوع.
وذُكرتْ أيضاً كتب أخرى في بعض موضوعات من أصول الفقه أمثال كتب أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي من القرن الثالث الهجري، وهي:
ـ الخصوص والعموم.
ـ إبطال القياس.
ـ نقض اجتهاد الرأي.
ـ وكتب الحسن بن موسى النوبختين وهي:
ـ خبر الواحد والعمل به.
ـ الخصوص والعموم.
وهذا ـ كما ترى ـ يعني أنّ الشيخ المفيد أوّل من قام بتدوين كامل لعلم أصول الفقه.
ولمسؤوليته في تكوين المدرسة الأصولية التي تحمّلها أثر واضح في هذا.
2 ـ تأليفه في المتن الفقهي:
فقد ألّف فيه رسالته المسمّاة بـ (المقنعة)، وهي مجموعة فتاواه لمقلديه، ولم يلتزم فيها بمتون وعبارات ونصوص الأحاديث، وإنّما كانت من تعبيره وبأسلوبه الخاص.
وهو يهدف بهذا إلى إنهاء ما التزمت به مدرسة الفقهاء المحدّثين من الفقه المأثور أو الإفتاء بالمأثور.
وهي أوّل رسالة ـ في حدود اطلاعي ـ تؤلّف بهذه الطريقة التي لم تلتزم الإفتاء بالمأثور.
3 ـ تأليفه في نقد الحديث:
حيث ألّف فيه كتابه المذكور اسمه في قائمة مؤلفاته، وهو (الكلام في فنون الخبر المختلف بغير أثر).
ومن عنوان الكتاب يفهم أنّه يريد أن يُلمس أهل الحديث أنّ في المرويات مختلفات، فلا بدّ من تلمّس الطريق إلى نقد الحديث، والتوقّف عن التطرّف في الإفراط بالعمل به دونما تأكد من صدوره عن المعصوم.
وألّف فيه أيضاً كتابه الآخر، والمذكور عنوانه في قائمة مؤلفاته أيضاً، وهو (مقابس الأنوار في الرد على أهل الأخبار).
وعنوانه صريح في تحديد موقفه من الإفراط في الأخذ بالحديث.
4 ـ تأليفه في نقد اجتهاد الرأي والقياس:
فقد ذُكر في قائمة مؤلفاته الإسمان التاليان:
ـ كتاب النقض علي ابن الجنيد في اجتهاد الرأي.
ـ مسألة القياس.
5 ـ تدريسه الفقه وأصوله:
وكما رأينا أنّ المؤلفات المذكورة أسماؤها في أعلاه كان لها الدور الكبير في التخفيف من ثقل مدرسة المحدّثين، ومن ثقل مدرسة القديمين، لئلا يكون في البين منهجان وخطان متعارضان أو متوازيان.
وقد استطاعت أن تحقق أهدافها بتدعيمه لها من خلال تدريسه للفقه وأصوله.
6 ـ تربيته لتلامذته على الالتزام بخط مدرسته:
ومن أبرز هؤلاء الذين أكّد وركّز على تربيتهم: الشريف المرتضى والشيخ الطوسيّ.
وقد رأينا أثر تربيته في كتابيهما الكبيرين في أصول الفقه (الذريعة) و(العدة)، فقد بُنيا على ما أسّس أستاذهما المفيد في أصول الفقه تأليفاً وتدريساً.
وبهما ـ أعني الذريعة والعدة ـ تركّز أصول الفقه، وهيمن على الجو العلمي الشرعي، واستقطب حلقات الدرس الفقهي.
وصارا المصدرين الأساسيين اللذين رجع إليهما كلّ من ألّف في أصول الفقه من العلماء من تلامذة السيد والشيخ، ومن جاء بعدهم.
7 ـ تكوين بغداد مركزاً علمياً للشيعة:
وبفعل جهود الشيخ المفيد، وعلاقته بالحكم من آل بويه استطاع أن يكوّن من بغداد مركزاً علمياً للفقه الشيعي وأن يقيم مدرسة الشيعة التي استقطبت وجلبت الطلاب من كلّ بلاد المسلمين، وازدهرت بما تفوّقت به على ما سواها من مراكز بالنتاج الفكري الجديد في الفقه وأصوله، والحديث ورجاله، والعقيدة ومقالاتها، وما إلى هذه.
8 ـ فتح الفروع العلمية:
فقد ذكر تاريخياً أنّ الشيخ المفيد وتلامذته، وبخاصّة الشريف المرتضى والشيخ الطوسيّ، عملوا على فتح فروع علمية لمركز بغداد.
ومن أهمّ هذه الفروع مركز حلب العلمي الذي أدار الحركة العلمية فيه؛ القاضيان ابن البراج والديلمي، وكان من أعلامه بنو زهرة، فقد أسهم هذا المركز إسهاماً ملحوظاً في تركيز المدرسة الأصولية.
9 ـ توسيع نطاق المرجعية:
ولأجل أن يرسّخ الشيخ المفيد أُسُسَ مدرسته الأصولية عمل على توسيع مسؤوليات المرجعية بما يشمل الإفتاء والتدريس وإدارة شؤون التعليم الفقهي بإقامة منشآته والصرف على طلابه ومختلف احتياجاته واحتياجاتهم، وتعيين الوكلاء في المناطق وإيفاد المبلغين، ونصب القضاة في البلدان، وجباية الأموال الشرعية، وتعهد شؤون الشيعة بخاصّة والمسلمين بعامّة في إطار التوجيه إلى الصالح، والدفاع عن حقوقهم أمام الحكّام والموظفين من قبلهم. وهو عامل مهمّ في نشر الفكرة وتوطيد المبدأ.
وبتأثير هذه الأعمال حقّق الشيخ المفيد النجاح لمدرسته، واستطاع أن يجعلها الوريث السليم السوي لمدرسة المحدّثين ومدرسة القديمين في الهيمنة على مراكزهما أيضاً.
10 ـ معالم مدرسته الأصولية:
وأهم وأبرز معالم مدرسة الشيخ المفيد الأصولية، هي:
1 ـ تربيع مصادر الفقه.
فقد ذكر الشيخ المفيد في كتابه (أصول الفقه) منها:
ـ الكتاب.
ـ السنّة.
ـ حديث الأئمة.
وأشار فيه إلى أهمية العقل، وإلى مصدريته ومصدرية الإجماع في كتب أخرى له ـ كما سيأتي.
وذكر تلميذاه المرتضى والطوسيّ في (الذريعة) و(العدة):
ـ الكتاب.
ـ السنّة.
ـ الإجماع.
وأثار الشريف المرتضى إلى مصدرية العقل في أحدى رسائله.
2 ـ توثيق السنّة:
وذلك بلزوم دراسة السند، كما هو واضح في عدة الشيخ الطوسيّ في مبحث خبر الواحد.
3 ـ استخدام القواعد الأصولية في دراسة دلالات الألفاظ لاستفادة الحكم الشرعي من نصوص القرآن والحديث، وفي بيان وظيفة المكلف عند الشك في الحكم.
ترى هذا مجموعاً ومتفرقاً في مؤلفات المدرسة في تلكم الحقبة من الزمن.
4 ـ اعتماد دراسة رجال الحديث.
وتمثّل هذا في مؤلفات الشيخ الطوسيّ: الاختيار والأبواب والفهرست، وفي كتاب معاصره في الزمن ومزامله في الدرس الشيخ أبي العباس النجاشي.
5 ـ اعتماد طريقة الاستدلال الفقهي.
وبدأ هذا في كتاب (المبسوط في فقه الإمامية) للشيخ الطوسيّ.
11 ـ نصوص في تراثه:
وبعد هذا التعريف الموجز لعمل الشيخ المفيد في تأسيس المدرسة الأصولية، والتي عليها مدار الدرس والاجتهاد منذ عهده حتّى الآن، من المفيد أن أذكر بعض النقول من كتبه التي تشير إلى شيء ممّا تقدّم وهي:
1 ـ نص منقول من رسالته (جوابات المسائل السروية) من ص (222) إلى ص (224) ينقد فيه طريقة شيخه أبي جعفر الصدوق وأتباعه من أصحاب الحديث، وطريقة شيخه ابن الجنيد، ثمّ يبيّن طريقته التي شرعها مستفيداً إيّاها من واقع الموروث الشرعي وخطوات التعامل معه، وهو:
«لا يجوز لأحد من الخلق أن يحكم على الحق، فما وقع فيه الاختلاف من معنى كتاب أو سنّة أو مدلول دليل عقلي لا يعمل به إلاّ بعد إحاطة العلم بذلك، والتمكّن من النظر المؤدّي إلى المعرفة، فمتى كان مقتصراً على علم طريق ذلك فليرجع إلى من يعلمه، ولا يقول برأيه وظنّه، فإن عوّل على ذلك فأصاب الاتفاق لم يكن مأجوراً، وإن أخطأ الحق فيه كان مأزوراً».
والذي رواه أبو جعفر فليس يجب العمل بجميعه إذا لم يكن ثابتاً من الطريق التي تعلق بها قول الأئمة (عليهم السلام)، إذ هي أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملاً، وروايتها عمّن يجوز عليه السهو والغلط.
وإنّما روى أبو جعفر ما سمع، ونقل ما حفظ، ولم يحسن العهدة في ذلك.
وأصحاب الحديث ينقلون الغث والسمين، ولا يقتصرون في النقل على المعلوم، وليسوا بأصحاب نظر وتفتيش، ولا فكر فيما يروونه وتميّز، فأخبارهم مختلفة لا يتميز منها الصحيح من السقيم إلاّ بنظر في الأصول، واعتماد على النظر الذي يوصل إلى العلم بصحة المنقول.
فأمّا كتب أبي علي بن الجنيد فقد حشاها بأحكام عمل فيها على الظن، واستعمل فيها مذهب المخالفين، والقياس الرَذِلَ، فخلط بين المقول عن الأئمة (عليهم السلام)، وبين ما قاله برأيه، ولم يفرد أحد الصنفين من الآخر، ولو أفرد المنقول من الرأي لم يكن فيه حجة لأنّه لم يعتمد في النقل المتواتر من الأخبار، وإنّما عوّل على الآحاد.
وان كان في جملة ما نقل غيره من أصحاب الحديث ما هو معلوم (إلاّ أنّه لم) يتميز له ذلك، لعدولهم عن طريق النظر فيه، وتعويلهم على النقل خاصّة، والسماع من الرجال، والتقليد دون النظر والاعتبار.
فهذا ما عندي في الذي تضمنته الكتب للشيخين المذكورين في الحلال والحرام من الأحكام.
ولشيعةٍ أخبارٌ في شرائع مجمع عليها من عصابة الحق، ومختلف فيها، للعاقل المتدبّر أن يأخذ بالمجمع عليها، كما أمر به الإمام الصادق (عليه السلام)، ويقف في المختلف فيه ما لم يعلم حجة في أحد الشيئين منه، ويرده إلى من هو أعلم منه، ولا يقنع منه بالقياس فيه دون البيان على ذلك والبرهان، فإنّه يسلم بذلك من الخطأ في الدين، والضلال إن شاء الله.
وقد أجبت عن كثير من الأخبار المختلفة في مسائل ورد عليّ بعضها من نيسابور، وبعضها من الموصل، وبعضها من فارس، وبعضها من ناحية تعرف بمازندران، وكلّ تلك تتضمن مسائل مختلفة جاءت فيها الأخبار عن الصادقين (عليهم السلام).
وأودعت في كتاب (التمهيد) أجوبة عن مسائل مختلفة، جاءت فيها الأخبار عن الصادقين (عليهم السلام)، وأفتيت بما يجب العمل عليه من ذلك بدلالة لا يطعن فيها، وجمعت معاني كثيرة من أقاويل الأئمة (عليهم السلام) يظن كثير من الناس أنّ معانيها تتضاد، ويثبت إتفاقها في المعنى، وأزلت شبهات المستضعفين في اختلافها.
وذكرت مثل ذلك في كتاب (مصابيح النور في علامات أوائل الشهور).
وشرعت طرقاً يوصل فيها إلى معرفة الحق فيما وقع فيه الاختلاف بين أصحابنا من جهة الأخبار.
وأجبت عن المسائل التي كان ابن الجنيد جمعها وكتبها إلى أهل مصر، ولقبها بـ (المسائل المصرية)، وجعل للأخبار فيها أبواباً، وظنّ أنّها مختلفة في معانيها، ونسب ذلك إلى قول الأئمة (عليهم السلام) فيها بالرأي، وأبطلت ما ظنّه في ذلك وتخيله، وجمعت بين جميع معانيها حتّى لم يحصل فيها اختلاف… فمن ظفر بهذه الأجوبة، وبانصافٍ قرأها، وفكّر فيها فكراً شافياً، سهّل عليه معرفة الحق في جميع ما يظن أنّه مختلف، ويتقن ذلك ممّا يختص بالأخبار بالمروية عن أئمتنا (عليهم السلام)…».
2 ـ نص منقول من رسالته (جوابات المسائل الصاغانية) ص10 يشير فيه إلى طريقته في الجمع بين النقل والعقل، وهو: «إنّا نقول في الشريعة ما يوجب اليقين منها والاحتياط للعبادات، نعوّل على الحكم في الأشياء بما يقتضيه الأصل إن كان يدل عليه دليل خطر أو إباحة من طريق السمع أو العقل».
3 ـ نص منقول من كتاب (التذكرة) في أصول الفقه ـ وهو الأصل الذي اختصر من كتابه (أصول الفقه) المقدم ذكره ـ ص 193 يحد ويحدّد فيه الإجماع عند الإمامية، وهو:
«وليس في إجماع الأمّة حجة من حيث كان إجماعاً، ولكن من حيث كان فيها الإمام المعصوم، فإذا ثبت أنّها كلّها على قول، فلا شبهة في أنّ ذلك القول قول المعصوم، إذ لو لم يكن كذلك كان الخبر عنها بأنّها مجمعة باطلاً، فإنّها تصحّ الحجة بإجماعها لهذا الوجه».
4 ـ نص منقول من رسالته وجوابات أهل الموصل (في العدد والرؤية) ص25ـ26 يوضح فيه المقصود من مصطلح (العامّة) المذكور في الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الترجيح بين الحديثين المتعارضين، وهو:
«والحديث المعروف قول أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: إذا أتاكم عنّا حديثان مختلفان فخذوا بما وافق منهما القرآن، فإن لم تجدوا لهما شاهداً من القرآن فخذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، فإن كان فيه اختلاف وتساوت الأحاديث فيه، فخذوا بأبعدهما من قول العامّة.
والحديث في العدد يخالف القرآن فلا يقاس بحديث الرؤية الموافق للقرآن، وحديث الرؤية قد أجمعت الطائفة على العمل به فلا نسبة بينه وبين حديث يذهب إليه الشذاذ، وهو موافق لمذهب أهل البدع من الشيعة والغلاة».
5 ـ نص منقول من كتاب (أوائل المقالات) ص154 يشير فيه إلى وفاء النصوص المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) بتزويد الفقيه بالأحكام لكلّ الوقائع، فلا يحتاج معها إلى الرأي والقياس وأمثالهما، وهو:
«أقول: إنّ الاجتهاد والقياس في الحوادث لا يسوغان للمجتهد ولا للقائس، وإنّ كلّ حادثة ترد فعليها نص من الصادقين (عليهم السلام) يحكم به فيها، لا يتعدّى إلى غيرها، بذلك جاءت الأخبار الصحيحة والآثار الواضحة عنهم (عليهم السلام)، وهذا مذهب الإمامية خاصّة، ويخالف فيه جمهور المتكلمين وفقهاء الأمصار».
6 ـ نص منقول من رسالته (جوابات المسائل السروية) ص222 ينقد فيه مرويات الصدوق، يقول:
«والذي رواه أبو جعفر ـ رحمه الله ـ فليس يجب العمل بجميعه إذا لم يكن ثابتاً من الطرق التي تطلق بها قول الأئمة (عليهم السلام)، إذ هي أخبار آحاد، لا توجب علماً ولا عملاً».
د. عبد الهادي الفضلي
محلات بغداد
ولقد نشأت مع الأيام أرباض واسعة حول المدينة المدورة. ولم يمض وقت طويل حتّى اندمجت في نطاق المدينة نفسها. وكان الربض العظيم الممتد من باب الكوفة إلى خارج الأسواق يعرف بالكرخ وقام غرب المدينة ربض باب المحول وكان في شمال باب الشام محلة الحربية سمّيت بذلك نسبة إلى قائد من قواد المنصور يُقال له حرب كان معسكره هناك. ووراءها مقابر قريش في الشمال يجاورها محلة باب التبن وعندها يقع مشهد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، قامت حوله بلدة الكاظمية العامرة اليوم ونشأت خارج باب البصرة محلة باب البصرة ويتاخمها محلة الشرقية.
وامتدّ العمران إلى الجانب الشرقي فعرف بعسكر المهدي، ثمّ اتّسعت بغداد الشرقية وقامت فيها ثلاث محلات: محلة الرصافة قرب رأس الجسر وعندها مشهد الإمام أبي حنيفة نشأت حوله بلدة الأعظمية العامرة إلى وقتنا. ومحلة الشماسية فوقها على النهر ومحلة المخرم تحتها وأحيطت كلّها بسور نصف دائري يبدأ من ضفة النهر فوق الشماسية وينتهي بالنهر أيضاً تحت المخرم. ونستطيع القول إنّ هذه المحلات كانت تمتد من موضع باب المعظم إلى ما يعرف بالصليخ في الوقت الحاضر ولم يبق من هذا السور أيضاً أثر في يومنا، وكان يخترق بغداد الشرقية أوّل طريق خراسان الذي يعبر الجسر الكبير من باب خراسان في مدينة المنصور، ثمّ يخرج من باب خراسان في بغداد الشرقية حتّى يبلغ أقاصي أقاليم الدولة في الشرق.
اتساع بغداد
وفي غضون القرون الخمسة التي عاشت فيها الخلافة العباسية تغيّرت خطط بغداد وأراضيها تغيّراً كبيراً لاتّساع المدينة من جهة وخراب بعض أقسامها من جهة أخرى، فإنّ الحروب الداخلية قد أوقعت الدمار والخراب في المدينة المدورة، وقل شأن بغداد وانحطّت مكانتها لما نقل الخليفة المعتصم بن هارون الرشيد مقام الخلافة في سنة 221هـ ـ 836م إلى سامراء وأقام في هذه العاصمة الجديدة سبعة من الخلفاء من بعده. ولمّا عاد كرسي الخلافة إلى بغداد بعد نحو من خمسين سنة كانت بغداد الشرقية قد خلفت مجد المدينة المدورة بما استجد فيها من القصور الكثيرة التي شيّدها الخلفاء والأمراء والوزراء. وأقام الخلفاء في الجانب الشرقي خلال القرون الأربعة التالية حتّى الفتح المغولي، فازداد الجانب الغربي بذلك خراباً على خراب.
وقد ابتنى الخلفاء في أواخر العصر العباسي قصورهم في جنوب محلة المخرم وما عتم أن نشأ حول هذه القصور أرباض جديدة. ولم يمض عليها غير وقت قصير حتّى أحيطت هي أيضاً بسور عظيم نصف دائري. وكان سور بغداد الشرقية الجديد يضمّ قسماً من محلة المخرم العتيقة ويبدأ من ضفة النهر فوق القصور وينتهي في ضفة النهر تحتها. وقد شرع في بناء السور الخليفة المستظهر بالله في سنة 488هـ ـ 1095م وأكمله المسترشد بالله سنة 517هـ ـ 1119م ثمّ رمّم غير مرّة إلاّ أنّه في سنة 656هـ ـ 1258م لم يقو على صدّ هجوم المغول فانتهى الأمر بسقوط الخلافة العباسية.
أبواب سور بغداد الشرقية
وظلّ معظم هذا السور قائماً مع أبوابه إلى عهد قريب، فقد كان يكتنف المدينة من أعلاها مبتدئاً من النهر عند القلعة فباب المعظم (وكان يسمّى في القديم باب سوق السلطان) فالباب الوسطاني (وهو باب الظفرية) فباب الطلسم فالباب الوسطاني (وهو باب الحلبة) فالباب الشرقي في الجنوب (وهو باب البصلية أو باب كلواذي لأنّه يفضي إلى طسوج وبلدة كلواذي وهي تسمّى اليوم الكرادة الشرقية. حتّى يتّصل بالنهر ثانية. وقد اندثر هذا السور على عهد الوالي مدحت باشا. ثمّ زالت البقية منه مع أبوابه بعد ذلك ولم ينته إلينا منه غير باب واحد في جهته الشمالية الشرقية هو الباب الوسطاني الذي رمّمته مديرية الآثار العامّة واتّخذت منه متحفاً للأسلحة القديمة في سنة 1939م. أمّا باب الطلسم فقد نسفه الأتراك سنة 1917م حين خروجهم من بغداد وكانوا قد استعملوه مخزناً للسلاح والذخيرة. وباب المعظم هدم في أوائل الاحتلال البريطاي بعد الحرب العالمية الأولى. كما هدم الباب الشرقي قبل أكثر من أربعين سنة.
لقد زالت معالم هذا السور زوالاً تاماً، ولم يبق منه على ما بيّناه سوى باب واحد هو (الباب الوسطاني) أي باب الظفرية قديماً أمّا بغداد نفسها فقد اتّسعت عمارتها في السنوات الأخيرة بعدما أصابها من تقلّص وقلّة سكان في القرون الستة الماضية. فامتدّت خارج حدودها القديمة مسافات بعيدة. فاتّصلت البنايات من جهة باب المعظم في الجانب الشرقي حتّى بلغت الأعظمية فالصليخ، أي إنّها شملت ما كان يعرف قديماً بمحلات المخرم والرصافة والشماسية وسوق العطش. ومن الجنوب اتّصلت من الباب الشرقي حتّى الزوية والسبعة قصور وامتدّت شرقاً إلى بغداد الجديدة، أي إنّها شملت ما كان يُعرف قديماً بطسوج كلواذي وجزءاً من طسوج نهر بوق. أمّا في الجانب الغربي وقد كان إلى سنوات قليلة يقتصر على ما كان يعرف بالكرخ، فقد امتدّ العمران فيه إلى الكاظمية شمالاً وكرادة مريم والدورة جنوباً والحارثية والمأمون غرباً، أي شملت ما كان يعرف قديماً بمدينة المنصور المدورة وما حولها من محال وقسماً من طسوجي بادوريا وقطربل. فأصبح طول بغداد اليوم من أقصى شمالها إلى أصى جنوبها أكثر من عشرين كيلومتراً ومثلها من شرقيها إلى حدّها الغربي. فلم تبلغ في عصر من عصورها ما بلغته اليوم من سعة وعمران.
العمائر القديمة في بغداد
بعد أن تمكّن السلاجقة من فرض سلطانهم على إيران والعراق والشام، واستقرّ لهم الحكم اتجهوا نحو البناء وشيّدت في عهدهم خصوصاً في إيران والعراق أبنية كثيرة متنوعة. وما زال الكثير من أبنيتهم ماثلاً للعيان إلى يومنا هذا خصوصاً في العاصمة العراقية بغداد، وهي ذات أنماط معمارية مختلفة، وتمتاز بخصائص عمرانية أبرزها استخدام القباب والأقواس والأواوين الضخمة العالية وباستعمال الطابوق (الآجر) والجص في البناء من دون تغطيته بأي طلاء، وكذلك استخدام أسلوب النحت على الآجر للحصول على زخارف هندسية متنوعة جميلة وهذا ما ظهر على أبنية المدرسة المستنصرية والقصر العباسي ومآذن الشيخ معروف والخفافين وقُمريّة.
ومن الأبنية المهمة التي شيّدها السلاجقة في بغداد جامع ومرقد الإمام أبي حنيفة الذي جدّد سنة 459هـ (1066م) من قبل العميد شرف الملك أبي سعيد مستوفي المملكة السلجوقية أيام السلطان ألب إرسلان في عهد الخليفة العباسي القائم بأمر الله، حيث شيّد على القبر قبّة عالية بيضاء وزاوية يقدّم فيها الطعام لزائري المرقد.
ومن المباني السلجوقية الشهيرة التي شيّدت في بغداد أيضاً، «المدرسة النظامية» وذلك سة 459هـ (1066م) قرب الضفة الشرقية لنهر دجلة في وسط سوق الثلاثاء الذي كانت في آخره المدرسة المستنصرية القائمة إلى اليوم وقد أمر ببنائها نظام الملك، وأشار إليها الرحالة ابن جبير عند ذكره لمدارس بغداد بقوله: «إنّها ما فيها مدرسة إلاّ وهي يقصر القصر البديع عنها، وأعظمها وأشهرها النظامية». كما ذكرها أيضاً الرحالة ابن بطوطة حيث قال: «بأنّه يوجد في وسط سوق الثلاثاء المدرسة النظامية العجيبة التي صارت تُضرب الأمثال بحسنها».
وفي عهد السلاجقة أيضاً شيّدت أوّل مئذنة لجامع الخليفة المكتفي بالله الذي عُرف أيضاً بجامع القصر، وكان يقع في الجانب الشرقي من بغداد، حيث تمّ بناؤها وأذن فيها سنة 479هـ (1086م). وجاء في كتاب «مشهد الكاظميين» للدكتور مصطفى جواد و«تاريخ المشهد الكاظمي» للشيخ محمد حسن آل ياسين: «في زمن السلطان السلجوقي بركيارق بن ملكشاه لسنة 490هـ (1097م) قام الوزير أسعد البراوستاني الملقب بـ «مجد الملك» ببناء مئذنتين للمشهد وداراً للزوار وزين القبة بالفسيفساء.
ومن الأبنية المهمّة التي شيّدت في العهد السلجوقي السور الكبير المحيط ببغداد الشرقية، وجاء في «دليل خارطة بغداد» للدكتور مصطفى جواد وأحمد سوسة وكذلك في «فيضانات بغداد» لأحمد سوسة، أنّ الخليفة العباسي المستعين بالله عندما ترك سامراء وعاد إلى بغداد محتمياً بها قام سنة 251هـ (865م) ببناء سورين أحدهما يحيط بالجانب الغربي من بغداد والثاني بالجانب الشرقي، ويبدو أنّ هذين السورين كانا في حالة سيئة أو متهدمين في عهد السلاجقة أيام الخليفة العباسي المستظهر بالله، لذلك بدأ بإنشاء السور المحيط ببغداد الشرقية سنة 488هـ (1095م)، وأكمل بناؤه في عهد الخليفة المسترشد بالله 512ـ529هـ (1118ـ1135م). وقد ظلّ هذا السور قائماً حتّى أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع عشر الميلادي).
وجاء في «دليل خارطة بغداد» للدكتور مصطفى جواد وأحمد سوسة: «إنّ سور بغداد كان يتألف من جدار سميك من الآجر مدعّم بأبراج عديدة، ويتقدّمه خندق عميق يتّصل بنهر دجلة وحوله مسناة. وكانت بداية السور من الشمال عند نهر دجلة قرب الركن الشمالي من وزارة الدفاع الآن، ونهايته من الجنوب عند دجلة في منطقة الباب الشرقي قرب جسر الجمهورية، وكانت له أربعة مداخل ويصل الداخل إلى بغداد بواسطة جسر متحرّك، وهي من نوع المداخل المنحنية لذلك وجب على الداخل أن ينحرف نحو اليسار عند اجتياز المدخل». أمّا أبواب السور الأبعة فهي: باب السلطان، وباب البصلية، وباب الظفرية، وباب الحلبة.
باب السلطان (باب المعظم)
سُمّي بهذا الاسم نظراً إلى نزول السلطان السلجوقي «طغرل بك» بقربه، ثمّ دخوله منه إلى بغداد، فأصبحت هذه الحادثة سبباً لإطلاق هذه التسمية. كما سُمّي أيضاً «باب المعظم» نسبة إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة، حيث لا يزال هذا الاسم يطلق على المنطقة التي كان يقع فيها هذا الباب عند مدخل شارع الرشيد. وباب السلطان يعتبر أوّل مدخل في السور من جهته الشمالية.
باب البصلية (الباب الشرقي)
جاء في «معجم البلدان» لياقوت الحموي: سُمّي هذا الباب بالبصلية نسبة إلى إحدى محلات (حارات) بغداد الواقعة بقربه وهو المدخل الجنوبي بالنسبة إلى السور حيث كان يقع عند نهايته الجنوبية قرب نهر دجلة، وكان يدعى أيضاً «باب كلواذا» لأنّ الطريق الذي يخرج منه يؤدّي إلى قرية كلواذا التي كانت على مقربة من بغداد حينذاك. وأطلق عليه في الفترة الأخيرة اسم «الباب الشرقي» وقد هدم هذا المدخل في العام 1938م، غير أنّ اسم الباب الشرقي ما زال يطلق على الموضع الذي كان قائماً فيه.
باب الظفرية (الباب الوسطاني)
يقع باب الظفرية بالقرب من مرقد الشيخ عمر السهروردي. وجاء «في معجم البلدان» لياقوت الحموي: «سمّيت بهذا الاسم نسبة إلى ظفر أحد خدم دار الخلافة العباسية، وكانت تقع في محلة الظفرية المنسوبة إلى المملوك المذكور أيضاً. وسمّيت ايضاً باب خراسان لأنّها تؤدّي إلى طريق خراسان.
وجاء في البحث عن «أسوار بغداد وقلاعها» المنشور في مجلة النفط، سنة 1957 في بغداد لناصر النقشبندي: أنّ هذا الباب يسمّى أيضاً بـ «الباب الوسطاني» لتوسّطه سور المدينة.
وقد ضاعت جميع أبواب بغداد في الوت الحاضر، ولكن بقيت بوابة واحدة قائمة هي باب الظفرية، وما تزال محتفظة بشكلها وزخارفها القديمة.
باب الحلبة (باب الطلسم)
جاء في كتاب «خطط بغداد» لكليمان هوار ترجمة ناجي معروف أنّ هذا الباب سمّي بباب الحلبة نسبة إلى ميدان السباق الذي كان في ذلك الموضع قبل إنشاء السور، ويقع حالياً في محلة باب الشيخ وقد جدّده الخليفة العباسي الناصر لدين الله سنة 618هـ (1221م) كما تشير إلى ذلك الكتابة التذكارية الموجودة عليه، وأطلق على هذا الباب أخيراً اسم باب الطلسم نسبة إلى الزخارف التي على واجهته. وظلّ هذا المدخل قائماً حتّى سنة 1917م حينما نسفه الأتراك بعد انسحابهم من بغداد.
أمّا أبرز معالم العمارة السلجوقية في بغداد فهي:
مئذنة جامع الشيخ معروف
يقع هذا الجامع الذي تعود إليه هذه المئذنة في المقبرة المعروفة باسمه في الجانب الغربي من بغداد إلى الشرق قليلاً من مرقد الست زبيدة.
وجاء في «وفيات الأعيان» لابن خلكان و«دليل خارطة بغداد» للدكتور مصطفى جواد وأحمد سوسة أنّ الشيخ معروف الذي يعرف الجامع باسمه من موالي الإمام علي بن موسى الرضا، عاش في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد وتوفي سنة 200هـ (816م).
وجاء في «المنتظم» لابن الجوزي أنّ المسجد الذي تعود إليه هذه المئذنة كان يُعرف قديماً بمسجد الجنائز أو مسجد باب الدير نسبة إلى مقبرة باب الدير التي يقع فيها.
شيّدت مئذنة جامع الشيخ معروف على غرار مئذنة جامع الخفافين في بغداد، واستعمل الآجر والجص في بنائها وزخارفها وهي تتألف من قاعدة مثمنة يعلوها جسم اسطواني الشكل في أعلاه مقرنصات تحمل الشرفة، ثمّ يأتي عنق المئذنة الأسطواني الشكل أيضاً ولكنّه أقل في قطره من الجسم، وينتهي العنق برأس المئذنة.
مرقد زمرد خاتون
يقع هذا المرقد في الجانب الغربي من بغداد بالقرب من جامع الشيخ معروف ويُعرف خطأ عند الناس بقبر الست زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد.
والسيدة زمرد خاتون هي زوجة الخليفة العباسي المستضيء بالله وأمّ الخليفة الناصر لدين الله. وتوفيت سنة 599هـ (1203م).
وقبّة هذا المرقد من القباب المخروطة المقرنصة وتعتبر من الإنجازات الهندسية الحضارية الرائعة وهي إحدى أشهر القباب المخروطة في العالم الإسلامي والتي لا زالت شاخصة إلى يومنا هذا.
مرقد الشيخ عمر السهروردي
يقع هذا المرقد بجوار الباب الوسطاني أو ما يسمّى باب الظفرية، وهو من أبواب سور بغداد الشرقية، وفي المقبرة الوردية المعروفة حالياً بمقبرة الشيخ عمر. ويسنب هذا المرقد إلى الشيخ شهاب الدين عمر بن محمد بن عمويه السهروردي وهو من مواليد قرية سهرورد في إيران سنة 539هـ (1144م)، وبعد أن بلغ السادسة عشرة غادرها إلى بغداد. وتتلمذ على يد عمّه الشيخ أبي النجيب السهروردي والشيخ عبد القادر الكيلاني وذاع صيته في زمن الخليفة العباسي الناصر لدين الله. وكان من أوجه شيوخ بغداد والمتصوفة في عصره، شافعي المذهب. وفي سنة 632هـ (1235م) توفي الشيخ عمر وشيّد لقبره ضريح مربع الشكل طول ضلعه حوالي 15 متراً تعلوه قبّة مخروطة مقرنصة.
مئذنة جامع الخفافين
يقع هذا الجامع على الشاطىء الشرقي لدجلة ولا يبعد عن المدرسة المستنصرية سوى أمتار عدّة، ويسمّى أيضاً بجامع الصاغة، وكان يسمّى في العصر العباسي مسجد الحظائر. شيّد هذا المسجد من قبل السيدة زمرد خاتون أم الخليفة الناصر لدين الله قبل وفاتها سنة 599هـ (1203م)، وتعدّ مئذنة هذا الجامع أقدم المآذن الموجودة في بغداد، وقد ظلّت قائمة منذ بنائها في أواخر القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) وإلى يومنا هنا.
مئذنة جامع قُمريّة
جاء في «المنتظم» لابن الجوزي: إنّ الجامع الذي تعود إليه المئذنة سمّي بهذا الاسم لأنّه يحتل رقعة من الأرض كانت تُعرف قبل بنائه باسم «قُمريّة».وتعتبر مئذنته التي تطل على الضفة الغربية من نهر دجلة ويعود تاريخها إلى سنة 626هـ (1228م) من المآذن الباقية من العهد السلجوقي، وقد حافظت على بنائها على رغم الترميمات التي أجريت عليها. وتذكر المصادر التاريخية أنّ الخليفة العباسي المستنصر بالله عني ببناء مسجد قُمريّة وزخرفته.
القصر العباسي
يقع هذا المبنى في الجانب الشرقي من بغداد عند الركن الجنوبي الشرقي من وزارة الدفاع الحالية على ضفة نهر دجلة، وقيل إنّ هذا البناء كان مدرسة وليس قصراً ولذلك يطلق عليه أيضاً المدرسة الشرابية. شيّد المبنى سنة 622هـ (1225م)، ويقول بعض المؤرخين إنّ الخليفة الناصر لدين الله هو الذي بنى هذه المدرسة، وينسب آخرون هذا البناء إلى شرف الدين إقبال الشرابي الذي بنى ثلاث مدارس أخرى تحمل اسمه في بغداد والكرت ومكة المكرمة.
المدرسة المستنصرية
تقع هذه المدرسة على الضفة الشرقية من نهر دجلة بالقرب من جسر الشهداء، وتعدّ من أشهر أبنية العصر العباسي المتأخر، أمر ببنائها الخليفة العباسي المستنصر بالله سنة 631هـ (1234م). وتشكل المدرسة المستنصرية من الوجهة الفنية والتاريخية والمعمارية نموذجاً رائعاً من الأمثلة العمرانية خصوصاً بما ينطوي عليه تكوين البناء على خصائص، مميزة في العمارة الإسلامية، منها التنسيق الذي اتبع في تدرّج الفضاءات ابتداءً بالفضاء المكشوف والنور المباشر، ومروراً بالفضاء نصف المكشوف ثمّ انتهاء بالفضاء المستقف ذي الإضاءة الداخلية وهو يشير إلى النظام المتبع في المباني الإسلامية وإلى أسلوب التخطيط العمراني الذي أكدته البيئة ومتطلبات الحياة الاجتماعية.
القصر العباسي في بغداد
د. رؤوف الأنصاري
عمائر الجلائريين
وعن عمائر الجلائريين يتحدّث الدكتور الأنصاري:
جلاير هي كبرى قبائل المغول، وإليها ينسب الجلائريون. وكانت تشكّل الدعامة الرئيسية التي قامت عليها الإمبراطورية المغولية (الإيلخانية)، كما كانت معروفة بقوّتها وصلابتها. بعد موت السلطان المغولي محمد خدابنده سنة 716هـ (1316م)، دبّ الضعف في الإمبراطورية المغولية، فكثرت فيها الفتن والاضطرابات، ما أدّى بعد فترة وجيزة إلى انقسام الإمبراطورية، وتحوّلها إلى دويلات محلية تحكمها أسر مغولية.
وقد تولّى حكم إقليم فارس المظفرون، واستقلت دولة الكرت التي يرجع نسبها إلى الغوريين في الهند، أمّا الجلائريون فقد حكموا العراق وغرب إيران بزعامة الشيخ حسن الجلائري مؤسسة الدولة الجلائرية التي كانت عاصمتها تبريز في إيران. وعلى رغم قصر فترة الحكم الجلائري للعراق فقد تميّزت بالاستقرار النسبي الذي ساعد في قيام نهضة عمرانية وعلمية وفنية. وشيّد في عهدهم الكثير من العمائر المهمة في العراق خصوصاً في بغداد على عهد الوالي أمين الدين مرجان حاكم بغداد في فترة السلطانيين الشيخ حسن الجلائري وابنه اويس، الذي يعتبر واحداً من أشدّ الولاة حباً للعمارة في القرن الثامن الهجري (14 ميلادي)، إذ قام بتشييد المدرسة المرجانية وخان مرجان ودار الشفاء في بغداد.
لم يقتصر العمران خلال هذه الفترة على بغداد فقط بعد تعدّاها إلى كلّ من الكوفة وكربلاء والنجف، وينسب إلى الجلائريين بناء بعض المراقد المقدسة كجامع ومرقد الامام الحسين في كربلاء وبناء مئذنة ومدخل مسجد الكوفة القديم الذي هُدم سنة 1376هـ (1956م) وأُعيد بناؤه أخيراً مع مئذنة جديدة. ويذكر بعض المصادر التاريخية أنّ الكثير من المباني الإسلامية التي شيّدت في هذا العهد خصوصاً في بغداد لم يبق لها أي أثر، ومنها المدرسة المسعودية التي أمر بتشييدها خواجة مسعود بن منصور بن أبي هارون في زمن السلطان أحمد بن أويس سنة 785هـ (1383م).
جامعة المستنصرية في بغداد
ومن المباني التي تنسب إلى السلطان أحمد بن أويس الذي حكم ما بين سنتي 784 ـ 794هـ (1382ـ1392م) قلعة في الجانب الغربي من بغداد (الكرخ) كانت تسمّى قلعة الأمير أحمد وكذلك خان يعرف بالقلندرخانة أو خان القلندرية بناه لمجموعة من المتصوفة الذين يعرفون بهذا الاسم.
من العمائر الجلائرية التي تذكرها المصادر التاريخية أيضاً عمارة الأيكجية، وربّما كانت المدرسة التي شيّدت سنة 763هـ (1361م) بأمر من مخدوم شاه داية (مربية) السلطان أويس الجلائري وتلقب بـ (ايكجي) وهي كلمة تركية تعني الغزل، وكان يطلق على سوق الغزل في ذلك الوقت اسم «سوق الايكجية»، وكذلك المدرسة الإسماعيلية التي أمر ببنائها وزير بغداد إسماعيل الجلائري والمدرسة الوفائية التي شيّدت من قبل وفاء خاتون حوالي سنة 800هـ (1400م). ويذكر بعض المصادر التاريخية أسماء لأبنية اسلامية شُيّدت أيضاً خلال الحكم الجلائري للعراق كعمارة الأربعيني ودار العبادة اللؤلؤية في الجانب الشرقي من بغداد (الرصافة) وكذلك جامع سراج الدين وجامع النعماني وجامع سيد سلطان علي.
وأورع ما أدخل في العهد الجلائري من فنون العمارة الإسلامية أسلوب زخرفة المباني الدينية بالنقوش الآجرية الرائعة والذي ظهر في الواجهات الخارجية لجامع ومدرسة مرجان، وكذلك النقوش الخزفية، أي استخدام قطع صغيرة من الفسيفساء والخزف البراق المتعدد الألوان في تغطية الواجهات والسطوح بالإضافة إلى البلاطات الخزفية (القاشاني) المتعددة الألوان.
مدرسة وجامع مرجان في بغداد
وتعرض العراق لموجة أخرى من المغول سنة 795هـ (1393م)، فدخل تيمورلنك بغداد ما أدّى إلى تخريب ونهب وتدمير بعض المدن العراقية وهروب السلطان أحمد الجلائري إلى الشام ومنها إلى مصر محتمياً بسلطانها الملك الظاهر برقوق. ولكن السلطان أحمد تمكّن من استرداد بغداد بعد سنتين، فعاود تيمورلنك الكرة ودخل بغداد مرّة أخرى سنة 803هـ (1401م)، ولم تستقر الأوضاع، وقتل بعد ذلك السلطان أحمد، وبذلك انتهت فترة الحكم الجلائري للعراق.
أمّا أبرز معالم العمارة الجلائرية في بغداد فهي:
* مدرسة وجامع مرجان.
* خان مرجان.
* جامع سيد سلطان علي.
مدرسة وجامع مرجان
تقع المدرسة المرجانية في جانب الرصافة من بغداد بالقرب من المدرسة المستنصرية وبجانب احد أسواق بغداد القديمة الشهيرة وهو سوق الشورجة.
شيّدت المدرسة من قبل حاكم بغداد أمين الدين مرجان سنة 758هـ (1357م) وسمّيت باسمه، وقام بتمويل هذا البناء السلطان الشيخ حسن الجلائري. وتحوّلت هذه المدرسة في ما بعد إلى مسجد جامع يعرف اليوم بجامع مرجان.
وتتكوّن المدرسة من طابقين وتحتوي على غرف كبيرة للدراسة وغرف صغيرة لسكن الطلاب، كما في المدرسة المستنصرية.
تمّ بناء المدرسة بالطابوق (الآجر) والجص، وتتميّز بزخارفها الآجرية الرائعة وكذلك بكثرة نصوصها التاريخية والدينية وتتركز الزخارف خصوصاً على بوابة المدخل من الخارج والداخل وعلى جدران مصلّى المدرسة، الذي يعتبر روعة في فن الزخارف الآجرية في العراق.
يتألف مصلّى المدرسة من قاعة مستطيلة الشكل مقسّمة إلى ثلاثة أقسام عن طريق عقود مدببة تحمل مع باقي جدار المصلّى القباب الثلاث التي تغطي المصلّى. ويتّصل المصلّى بصحن المدرسة عن طريق ثلاثة مداخل معقودة، الأوسط منها أوسع وأعلى ارتفاعاً من المدخلين الجانبيين. وهذه الظاهرة تتميز بها القبة الوسطى للمصلّى، فهي أعلى وأوسع من القبتين اللتين على جانبيها. أمّا محراب المصلّى فهو على شكل مستطيل داخل حنية زيّن من الداخل والخارج بزخارف آجرية جميلة تشكل مع زخارف جدران المصلّى ومناطق انتقال القباب وعقودها كساء جميلاً يغطي معظم سطوح جدران المصلّى الداخلية.
وشيّد إيوان المدرسة بشكل ضخم على غرار الأواوين البغدادية المعروفة آنذاك كالقصر العباسي أو المدرسة الشرابية والمدرسة المستنصرية. والفرق الوحيد هو كونه مبيضاً بالجص ولا تزينه الزخارف الآجرية، كما هو موجود في القصر العباسي والمدرسة المستنصرية. وربّما كان في الاصل مزخرفاً، وقد تساقطت زخارفه نتيجة الإهمال وفي مراحل تاريخية مختلفة.
هُدِم معظم أقسام المدرسة المرجانية من قبل أمانة العاصمة ما بين 1945 و1948م لتحقيق استقامة شارع الرشيد. وتمّ نقل بعض الكتابات التاريخية والزخارف الآجرية العائدة لهذه المدرسة إلى القاعة الإسلامية في المتحف العراقي.
ومن أجزاء مبنى المدرسة المرجانية التي لا تزال قائمة البوابة الفخمة التي تحوي المدخل الرئيسي وتحف به مئذنة المدرسة الواقعة على يسار الداخل. وهذه البوابة شبيهة ببوابة المدرسة المستنصرية والقصر العباسي من حيث الشكل ونوعية الزخارف الآجرية.
خان مرجان
يقع خان مرجان في جانب المدرسة المرجانية المعروفة اليوم بجامع مرجان في سوق الثلاثاء القديم في الموضع المعروف حالياً بسوق البزازين، قرب شارع الرشيد في جانب الرصافة من بغداد. وقد شيّد في العام 760هـ (1359م)، بأمر من أمين الدين مرجان في عهد السلطان أويس بن الشيخ حسن الجلائري.
يُعرف خان مرجان هذا بخان الأورطمة أو الأورتمة بمعنى الخان المستور المغطّى ـ في اللغة التركية ـ بخلاف سائر الخانات الموجودة في بغداد، ويتميز بفخامة بنائه وطرازه المعماري الفريد الذي عرفته الهندسة المعمارية الإسلامية خلال القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). تعرّض الخان للإهمال في مراحل تاريخية مختلفة وأجريت عليه الصيانة الأثرية من قبل مديرية الآثار العامة، وطرأت عليه التغييرات الهندسية المعمارية من قبل المؤسسة العامة للسياحة. وفي الوقت الحاضر اتّخذ كمطعم سياحي.
يتألّف الخان من طابقين: الأرضي يحتوي على 22 غرفة والأوّل على 23 غرفة، وتفتح أبواب الطابق الأرضي على بهو كبير طوله يقارب 30 متراً وعرضه 10 أمتار. أمّا غرف الطائف الأوّل فتفتح على ممر يطل على البهو في الطابق الأرضي ويحيط به من جهاته الأربع وعلى ارتفاع 6 أمتار. ويرتفع سقف البهو عن أرضيته نحو 14 متراً وهو عبارة عن ثمانية عقود (أقواس) مدببة الشكل شيّدت من الطابوق (الآجر) والجص، عرض الواحد منها أكثر من مترين، وتستند هذه العقود على جدران شاقولية، شيّدت أيضاً من الآجر والجص، وفي أطراف العقود شبابيك للإنارة والتهوية والواقع أنّ هذا الطراز من التسقيف يشكّل بحد ذاته نموذجاً معمارياً متميزاً.
أمّا مدخل الخان، من جهة سوق البزازين، فكبير الحجم مستطيل الشكل قريب الشبه بمداخل العمائر الإسلامية في بغداد، كما هي الحال في القصر العباسي والمدرسة المستنصرية والمدرسة المرجانية.
جامع سيد سلطان علي
ينسب هذا الجامع إلى السيد علي بن إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق، وبجانب مبنى الجامع يقوم مرقده، ويقع في جانب الرصافة من بغداد في محلة (حارة) سلطان علي التي سمّيت باسمه ولقبه. شيّد هذا الجامع خلال فترة الحكم الجلائري للعراق، وجدّد عمارته السلطان العثماني عبد الحميد الثاني سنة 1310هـ (1893م)، ثمّ جددت عمارته مديرية الأوقاف العامة سنة 1385هـ (1965م).
وللمبنى قبتان إحداهما تعلو الجامع وهي بيضاء اللون، أمّا الأخرى فتعلو المرقد وقد غطيت بالبلاط القاشاني الأزرق.
ضريح الست زبيدة
وعمّا عُرف بضريح الست زبيدة يتحدّث الأستاذ لطيف علي:
تعدّ قبة زمرد خاتون أجمل تجسيد للقباب المخروطية في العراق، فهي تجمع عناصر معمارية وزخرفية تمثّل نقلة نوعية في فنون العمارة بين الأجيال السابقة واللاحقة لهذا الفن الأصيل.
يقوم هذا المشهد في مقبرة الشيخ معروف الكرخي وعلى مقربة من مئذنة جامع باب الدير أو الجنائز ويعرف بين الناس باسم الست زبيدة. وأوّل من ذكره بهذا النعت الرحالة الدنماركي كارستن نيبور الذي زار بغداد العام 1766.
وأكدت المراجع التاريخية أنّ البناء يضم قبر السيدة زمرد خاتون زوجة الخليفة المستضيء بالله، أمّ الناصر لدين الله والمتوفاة العام 599هـ/1202م إذ من المعروف أنّ هذه السيدة شيّدت لنفسها مشهداً قبل وفاتها وألحقت به مدرسة وأوقفت عليهما أوقافاً كثيرة وكان البناء متيناً جدّاً لأنّه شيّد بالطابوق والجص وكسيت جدرانه من الداخل بالجص أيضاً، فقاوم عوامل التخريب وظلّ شاخصاً إلى يومنا هذا. أمّا المدرسة فقد اندثرت ولم يبق من آثارها شيء. ولهذا يعدّ هذا الموقع فريداً في شكله، جميلاً في مظهره. وامتاز بتقنيته وعناصره المعمارية والزخرفية النادرة.
يتألّف البناء من غرفة مثمنة من الداخل والخارج يبلغ طول ضلعها 7,65 متر من الخارج وترتفع بمقدار 8,30 متر وجدرانها سميكة جدّاً تزيد في أسفلها على ثلاثة أمتار. ويتوسط المدخل أحد أضلاعها الشمالية وينفتح عليه من الجهة اليسرى ببوابة سلم يقود إلى السطح من داخل الجدران. وتمّ إلحاق بناء مستطيل به غطّى المدخل وكوّن دهليزاً يتصل بالباب الأصلي. وزينت جدران البناء من الخارج بحنايا ذوات عقود مدببة مطولة لا تغور كثيراً داخل الجدران وترتفع إلى مستوى معين من بدن الغرفة ويبلغ عددها اثنتين في كلّ ضلع، وتخلو بواطن هذه الحنايا من التشكيلات الزخرفية ولكن يعلوها صف من أشكال مستطيلة منخفضة قليلاً عن مستوى وجه الجدار وعددها اثنان في كلّ ضلع، وفيها تشكيلات زخرفية دقيقة محفورة على الآجر. أمّا جدران الغرفة من الداخل فخالية من أيّة تشكيلات معمارية أو زخرفية عدا حنية المحراب التي تقابل المدخل تماماً.
وتقوم على هذه الغرفة قبة مقرنصة مخروطة يبلغ ارتفاعها 13,30 متر، واستخدم المعمار هنا المقرنصات للحصول على هذا الشكل المخروطي المقبب من الخارج والمكوّن من حنايا ذوات عقود مدببة مائلة أو بارزة إلى الأمام من الداخل، ويبلغ عدد صفوف المقرنصات من الداخل اثني عشر صفاً صمّمت الثلاثة الأولى من الاسفل بتقنية خاصّة، أمّا الصفوف التسعة التالية فيتألف كلّ صف منها من ست عشرة مقرنصة أو حنية تميل إلى الداخل كلّما ارتفعت إلى الأعلى وتنتهي بشكل نجمة ثمانية ترتفع فوقها قبة ثمانية أيضاً يتوجها رأس مخروطي مدبّب.
ويُشغل كلّ ضلع من داخل المئذنة بثلاث حنايا أو مقرنصات، الوسطى منها عريضة نسبياً ولا يبرز عقدها إلى الأمام ويحيط بها من اليمين واليسار مقرنصة أو حنية مسطحة ذات عقد مدبب مطول يبرز إلى الأمام. وتتكرّر هذه التشكيلة ثماني مرّات وتصبح كلّ من المقرنصتين الضيقتين متجاورتين، وتكوّن روؤسهما قاعدة المقرنصة في الصف الثاني والتي برز رأسها إلى الأمام أكثر من بروز رؤوس الحنايا في الصف الأوّل. وتتبادل هذه الحنية مع حنيتين أو مقرنصتين مجوفتين يكون تجويفهما امتداداً للحنية الرئيسية في الصف الأوّل، أمّا الصف الثالث فمقرنصاته مرتبة بشكل معين ناتج عن تقاطع عقدين تنشأ عنهما وحدة من ثلاث مقرنصات وتتكرّر بشكل دائري. أمّا من الخارج فيبلغ عدد صفوف المقرنصات تسعة فقط، وثمة أربع نوافذ في الصف الأوّل من المقرنصات يشغل كلّ منها تجويفاً من تجويفات الحنايا. وبالإضافة إلى ذلك فهناك فتحات دائرية أخرى تشغل قمة كلّ حنية من الصفوف التالية، الغرض منها إدخال النور إلى داخل التربة.
تتكوّن الزخارف التي تشغل بطون المستطيلات من حشوات هندسية ذات زخارف نباتية حفرت تفريغاً على الطابوق، وتتنوّع الأشكال الهندسية فتضمّ معينات وأشكال نجوم مثمنة ومثلثات ومربعات ومستطيلات وأشكالاً أخرى رتّبت في أوضاع جميلة ضمن تشكيلة تتلاحم فيها هذه الأشكال مع أشكال أخرى نتجت عن التفنن في صف الطابوق غير المزخرف بأوضاع مختلفة.
وتتألّف الزخارف النباتية هنا من أغصان تلتف وتلتوي لتتكيّف مع الأشكال الهندسية التي تؤطرها وتنتهي بمراوح وانصاف مراوح نخيلية. والزخارف النباتية المحفورة تفريغاً والمتلاحمة مع الأشكال الهندسية المعمولة من التفنن في صف الطابوق هي مثال جيّد لما وصل إليه هذا الفن في العمارة البغدادية التي تعود إلى نهاية القرن السادس الهجري، وهو الفن الذي بلغ أوج عظمته في النصف الأوّل من القرن السابع عشر الميلادي (النصف الأوّل من القرن الثالث عشر الميلادي) كما هو واضح في التشكيلات التي تزيّن أجزاء واسعة من جدران المدرسة المستنصرية.
وأخيراً فهذه التربة تجمع في شكلها وعناصرها المعمارية والزخرفية بين ما كان سائداً قبلها بشكل متطوّر ومتقدم، وهي أجمل تجسيد لهذا النوع من القباب المعروفة في عدد من مشاهد العراق.
جامع الخلفاء ومنارة سوق الغزل
يقع جامع الخلفاء في جانب الرصافة من بغداد. شيّد في زمن الخليفة العباسي المكتفي بالله (289ـ295هـ/902ـ908م) ليكون خاصاً بصلاة الجمعة. وكان يُعرف بجامع القصر، ثمّ أطلق عليه اسم جامع الخليفة ثمّ جامع الخلفاء بعد ذلك. وكان هذا الجامع أحد ثلاثة جوامع كبيرة شيّدت في بغداد، إذ كان بني قبله جامع المنصور (وهو أوّل جامع بني في بغداد) ثمّ جامع الرصافة. لكن معالم الجامعين الأخيرين اندثرت ولم يبق شيء من آثارهما.
وتذكر المصادر التاريخية أنّ جامع الخلفاء هدم ثمّ أعيد بناؤه في عهد حاكم العراق عطا ملك الجويني وذلك سنة 678هـ (1280م). إلاّ أنّ مئذنة الجامع المشهورة كان قد جُدّد بناؤها سنة 670هـ، ثمّ سقطت فأعيد تجديدها مع الجامع العام 678هـ. وهي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا وتعرف محلياً باسم «منارة سوق الغزل» بعد أن اقتطعت مساحة الجانب الشرقي من أرض الجامع لتقام فيها سوق لبيع الغزل.
كان هذا الجامع متصلاً بقصور الخلفاء ودورهم، وتحيط به الأزقة والأسواق المزدحمة والمساجد. وقد شيّد في ما بعد جامع صغير في غرب المئذنة في عهد سليمان باشا العثماني سنة 1775 وعرف بجامع سوق الغزل وتمّت إزالته سنة 1957 بسبب فتح شارع الجمهورية.
إنّ المئذنة مشيّدة من أساسها إلى وجه الأرض. بالآجر والنورة والرماد، وما بعدها مشيد بالآجر والجص إلى قمتها، وهي تتميز بضخامتها وجمالها المعماري الفني الأصيل، وأكثر ما يتمثل ذلك في حليتها الزخرفية الآجرية وفي صفوف المقرنصات المتراكبة البديعة.
ويبلغ ارتفاعها 33 متراً عن سطح الأرض، وقد بنيت بشكل أسطواني على قاعدة مرتفعة مضلعة قوامها إثنا عشر ضلعاً يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار، وهذه القاعدة تختلف في شكلها الهندسي عن بقية قواعد المآذن في بغداد. أمّا محيطها فيبلغ 20,64 متر. أمّأ بدن المئذنة فنصفه إثنا عشري، والنصف الآخر أسطواني. ويضم الجزء الأسطواني نوافذ صغيرة للنور والهواء، وينتهي من الأعلى بشرفة محدّدة ومزينة من أسفلها بمُقرنصات وقد زيّن بدنها بزخارف هندسية محفورة على الآجر حفراً غائراً أو بارزاً، وتغطي القسم الأسطواني من البدن إلى أوّل الشريط الكتابي الذي تحمله المئذنة في قسمها الأعلى. وتعتبر هذه المئذنة من أضخم مآذن بغداد وأطولها في ذلك الوقت.
قامت بلدية بغداد بتقوية قاعدتها بعد سنة 1917. فقد كانت المئذنة محاطة باصطبلات وحوانيت، ومنها محل للحدادة. كما أنّ مديرية الآثار أولتها العناية منذ العام 1938، كما قامت بأعمال صيانة في قسمها العلوي منذ العام 1945. وتمّ في العام 1960 استظهار أسس قاعدتها القديمة. وبعد تنظيفها، تمّ صبّها بالإسمنت، ثمّ أُعيدت جميع زخارف القاعدة الآجرية الدقيقة كما كانت عليه في السابق استرشاداً ببقايا من الزخارف القديمة، وكذلك جرت أعمال تبليط وتسييج.
وفي سنة 1969 باشرت هيئة فنية جديدة العمل فيها، فتمّ قلع الأقسام المتآكلة والزخارف المشبعة بالرطوبة المحيطة بقاعدتها من الجهات الإثنتي عشرة، ونظف بدنها إلى حد الطابوق القديم وتمّ رشّه بالإسمنت، وبعد عمل زخارف آجرية بالأحجام والنقشات الأصلية، تمّ صبّها حسب تناسقها في الأشكال الهندسية الزخرفية الباقية، ووضعت بدل الزخارف المتآكلة في أماكنها، فضلاً عن صيانة القاعدة.
أمّا الجامع الذي هدم بعد فتح شارع الجمهورية فقد أعيد بناء ما تبقى منه حديثاً بجانب المئذنة بمقياس عمراني يتناسب مع مكانة الجامع الأوّل باعتباره كان أحد الجوامع الكبرى في بغداد. وقد نجح المصمم في تحقيق متطلباته ضمن حدود مساحة الأرض المتعرجة المخصصة للبناء فأوجد كياناً جديداً عزّز فيه مكانة المئذنة وأهميتها ضمن الأبنية الملحقة بها كالأروقة والقبة، بحيث يحقق المنظور في الزوايا المتعددة لبدن المئذنة صوراً مختلفة تظهر فيها المئذنة بكاملها أو بأطرافها مع التكوين الجديد، وبذلك جاءت الأروقة المفتوحة من جهة الصحن الأمامي للجامع وارتفاعاتها متميزة بخصائص معمارية رائعة تتلاءم وبدن المئذنة، الأمر الذي أبرز أهمية هذه المئذنة في الجامع والشعور بوجودها من جميع الاتجاهات. وقد أظهر التصميم في كلّ نواحيه العرض الآجري للمباني الجديدة للجامع التي تؤكد وتعيد صدى النقوش الآجرية الرائعة الموجودة في المئذنة.
والدراسة الجديدة التي قام بها المعماري المصمم للزوايا البصرية لمنظور المئذنة في اتجاهاتها المختلفة عمدت إلى توظيف كلّ الفضاءات في حدود الإمكانية، لتحقيق زوايا منظورة، والاستفادة من نظريات خداع البصر لتحقيق سعة وهمية للجامع أكثر ممّا هي في الواقع. وقد تمكّن المصمم أيضاً من استخدام الهيكل الإسمنتي في الجامع كوحدة مستقلة عن الوحدات الآجرية، بحيث أصبحت الوحدات الآجرية عناصر عمرانية تشكيلية مستقلة في رؤية الحداثة وارتباطها بالتراث.
دار الخلافة العباسية
وتعيين موضعها
يراد بدار الخلافة العباسية منذ أواخر القرن الثالث للهجرة البقعة الشرقية من بغداد التي كانت فيها قصور الخلفاء العباسيين ودورهم ومجالسهم ودواوين دولتهم ومخازنهم، وبساتينهم وحدائقهم، ودور رجال دولتهم المقربين ومماليكهم الأدنين. وكان فيها أبنية أخرى لمصالح أخر ومحلات لأرباب الجاه والثراء والتجار الأغنياء وأصحاب الأملاك، فهي دار بالاسم ومدينة في الحقيقة.
والمهم هو تعيين موضعها من بغداد الحالية، فأعسر الأمور في خطط بغداد هو معرفة أسمائها ومواضعها ومواقعها معاً، لأنّ الأسماء تغيّرت والأنهار اندفنت، والمباني اندثرت، والحدود زالت، وصار الناس يحسبون أنّ الجانب الشرقي هو محلة الرصافة، وأنّ الجانب الغربي هو الكرخ مع أنّ الرصافة كانت محلة عليها سور وكانت قرب قبر الإمام أبي حنيفة من جهة الجنوب، وأنّ الكرخ كان محلة مسورة بالجانب الغربي في موضع الشالجية وما يليه من الشرق.
والبحث في خطط بغداد التطبيقي ينبغي أن يعتمد على ركائز قائمة ومنها تبدأ حركة التعيين، فلها في الجانب الغربي قبر الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) وتربة الشيخ معروف الكرخي ومشهد المنطقة المسمّى اليوم بجامع براثا، ومسجد قمريّة وتربة الشيخ صندل المنسوبة إليه محلة الشيخ صندل، وركائز البحث في الجانب الشرقي قبر الإمام أبي حنيفة وقبر أم رابعة شاه لبنى الأيوبية، والمدرسة المستنصرية، وجامع الخفافين المجاور لها من الجنوب، وتربة الشيخ عبدالقادر الجيلي المعروف بالكيلاني وجامع الخليفة المعروف بجامع سوق الغزل، ومواضع وقطع من سور شرقي بغداد فإذا قال لنا القائل كيف استدللتم على أنّ هذا الجانب الشرقي من بغداد العتيقة غير الرصافة؟قلنا: قال ياقوت الحموي في مادة الرصافة من معجم البلدان: «رصافة بغداد بالجانب الشرقي، لمّا بنى المنصور مدينته بالجانب الغربي واستتمّ بناءها أمر ابنه المهدي أن يعسكر في الجانب الشرقي وأن يبني له فيه دوراً، وجعلها معسكراً له، فالتحق بها الناس وعمروها فصارت مقدار مدينة المنصور، وعمل المهدي بها جامعاً أكبر من جامع المنصور وأحسن، وخربت تلك النواحي كلّها، ولم يبق إلاّ الجامع وبلصقه مقابر الخلفاء لبني العباس وعليهم وقوف ـ أي أوقاف ـ وفراشون برسم الخدمة ولولا ذلك لخربت وبلصقها محلة أبي حنيفة الإمام وبها قبره، وهناك محلة وسويق وتلاصقها دار الروم، لم يبق شيء غير هذا، فالموضع الملاصق محلة الإمام أبي حنيفة لا يمكن أن يكون منها على مسافة أكثر من كيلومترين كشرقي بغداد العتيقة الحالي، إذن كيف نعين موضع دار الخلافة ولم يبق من بنيانها شيء ولا من مرافقها أثر؟ نعينها باتخاذ المدرسة المستنصرية ركيزة للتعيين، قال ابن أبي الحديد عبدالحميد شارح نهج البلاغة في ذكر المستنصرية:
مخيمة على نهر المعلى
فدجلة لا المنيفة فالضمار
فالمستنصرية مخيمة على نهر المعلى المستمد ماءه من نهر موسى، المستمد ماءه من نهر بين، المستمد ماءه من النهروان فوق الجسر أعني فوق بلدة جسر بوران التي كانت على النهروان على مقربة ممّا يسمّى بكاسل بوست الآن.
وقال الخطيب البغدادي في وصف دار الخلافة راوياً عن غيره: «كانت دار الخلافة التي على شاطىء دجلة تحت نهر المعلى قديماً للحسن بن سهل وتسمّى القصر الحسني»([198]). فالمستنصرية كانت توصف بأنّها مخيمة على نهر المعلى ودار الخلافة كانت على شاطىء دجلة تحت نهر المعلى، فهي تحت المستنصرية بالتحقيق، فينبغي تحديد هذا «التحت» أقريب هو أم بعيد؟ قال أبو الفداء في تاريخه في الكلام على سيرة الخليفة المستنصر بالله: «وهو الذي بنى المدرسة ببغداد المسمّاة بالمستنصرية على شط دجلة من الجانب الشرقي ممّا يلي دار الخلافة»([199]). وهذا قول جمال الدين محمد بن واصل الحموي المؤرخ الفيلسوف في كتابه «مفرج الكروب في أخبار بني أيوب» وقد طبع منه ثلاثة أجزاء ولم يصل الطبع إلى هذا القول، قال في سيرة المستنصر «وعمرت البلاد في أيام المستنصر بالله عمارة عظيمة، وأثر فيها الآثار الجميلة من ذلك أنّه بنى على شط دجلة من الجانب الشرقي ممّا يلي دار الخلافة مدرسة سمّيت بالمستنصرية لم يبن على وجه الأرض مدرسة أحسن منها ولا أكثر وقفاً»([200]).
وبما قدمنا علمنا أنّ دار الخلافة كانت على مقربة من المدرسة المستنصرية من الجنوب بحيث كان موضعها يلي دار الخلافة أي يقرب جدّاً منها، وهذا الفعل «يلي» يستعمل كثيراً لبيان القرب الذي هو دون الملاصقة، قال أبو الفرج بن الجوزي في ذكر زوارق جاءت في دجلة: «فربطت فيما يلي باب المدرسة»([201]). وهذا القرب يقاس بهذا الفعل حين لا تكون المسافة مقيسة بمقاييس الطول القديمة المعروفة، وحين يكون قياسها ذا فائدة توجب ذكره.
فهذه هي الطريقة العلمية في تعيين المواضع العمرانية التي ذهب عمرانها وزالت آثارها، وخفيت معالمها كدار الخلافة العباسية الأخيرة، وقد علمنا بما نقلنا من النصوص الجغرافية التاريخية أنّها كانت على مقربة من المدرسة المستنصرية من جهة الجنوب، وقد ذكرنا أنّها كانت ذات سعة قدرها ابن جبير بأكثر من ربع الجانب الشرقي، وقال ياقوت الحموي في مادة «الحريم» من معجم البلدان: «حريم دار الخلافة ببغداد، ويكون بمقدار ثلث بغداد، وهو في وسطها ودور العامة محيطة به وله سور يتيمز، ابتداؤه من دجلة وانتهاؤه إلى دجلة كهيئة نصف دائرة، وله عدّة أبواب، أوّلها من جهة الغرب باب الغربة وهو قرب دجلة جدّاً ثمّ باب سوق التمر وهو باب شاهق البناء أغلق في أوّل أيام الناصر لدين الله بن المستضيء، واستمرّ غلقه إلى هذه الغاية ثمّ باب البدرية ثمّ باب النوبي وعنده العتبة التي تقبلها الرسل والملوك إذا قدموا بغداد، ثمّ باب العامّة وهو باب عمورية أيضاً ثمّ يمتد [السور]قرابة ميل ليس فيه إلاّ باب البستان قرب المنظرة التي تنحر تحتها الضحايا ثمّ باب المراتب، بينه وبين دجلة نحو غلوتي سهم في شرقي الحريم، وجميع ما يشتمل عليه هذا السور من دور العامّة ومحالها وجامع القصر، وهو الذي تُقام فيه الجمعة ببغداد، يسمّى الحريم، وبين هذا الحريم المشتمل على منازل الرعية وخاص دور الخلافة التي لا يشركه فيه أحد سور آخر يشتمل على دور الخلافة وبساتين ومنازل نحو مدينة كبيرة([202]).
وذكر شمي الدين الذهبي في كتابه المشتبه في أسماء الرجال في الحريمي حريم دار الخلافة في نسب الحريمي وذكر «باب القصر» مكان باب البستان وهذه التسمية أطلقها على هذا الباب الخليفة المسترشد بالله باعث النهضة الأخيرة في الدولة العباسية، أطلقها تقليداً للفاطميين في تسميتهم أحد أبواب القاهرة «باب النصر»، كما قلّد المنصور هشام بن عبدالملك في تسمية مقر المهدي في الجانب الشرقي بالرصافة، فلهشام رصافة في بلاد الشام كما هو معروف مشهور.
إنّ وصف سور الحريم المذكور بالهلال ونصف الدائرة يقرب من أذهاننا شكله، ولا بدّ للسور في أصول العمارة القديمة الزمان من مساحة كالساحة تفصل بينه وبين غيره تمهيداً للدفاع في يوم الهجوم والقراع، وهذا الفاصل قد زال واتخذ دوراً ومنازل ومرافق أخرى كالدكاكين والأسواق وكان ذلك بعد زوال دولة بني العباس، فلذلك يصعب علينا تحديده فضلاً عن تعيينه إلاّ أنّ جامع القصر الذي هو جامع سوق الغزل يكون في نقطة هندسية من نقاطه الشرقية من غير شك، والظاهر أنّها أبعد نقطة من الشرق.
وأصبحت الشوارع مطابقة لمبدأ سور دار الخلافة الكبير هو شارع السموأل الممتد من شارع الرشيد والمنتهي إلى المشرعة عند قهوة الشط، وفي هذا الشارع ينبغي أن يظن وجود الأبواب العليا قديماً أعني أبواب السور، وأوّلها باب الغربة، نسبة إلى شجرة غرب كانت مغروسة عنده في أوّل إنشائه، وهو مطابق لباب شارع المستنصر الحالي، المسمّى قبل عدّة سنوات بشارع النهر. ولقائل أن يقول: ولماذا لا تعد سوق البزازين الكبيرة القريبة من شارع السموأل الموازية له تقريباً، الشارع أو الدرب المحاذي لسور دار الخلافة؟ والجواب أنّ هذه السوق كانت من أقسام سوق الثلاثاء ببغداد، قال ابن بطوطة في رحلته في ذكر الجانب الشرقي من بغداد، وهذه الجهة الشرقية من بغداد حافلة الأسواق عظيمة الترتيب، وأعظم أسواقها سوق تعرف بسوق الثلاثاء كلّ صناعة فيها على حدة، وفي وسط هذه السوق المدرسة النظامية العجيبة، التي صارت الأمثال تضرب بحسنها، وفي آخره المدرسة المستنصرية ونسبتها إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر»([203]). فخط سور دار الخلافة يبدأ إذن من آخر شارع السموأل المفضي الى شط دجلة ويمتد شرقاً على خط نصف دائرة، على التقريب حتّى ينتهي في الجنوب عند شط دجلة أيضاً، كما يستخلص من النصوص التي أثرناها وأثرناها. ولكن كيف نعين موضعه في الجنوب؟ نعينه بذكر باب قديم العهد من أبواب دار الخلافة هو «باب الخاصة» الجديد([204])، قال ياقوت في معجم البلدان: «باب الخاصة كان أحد أبواب دار الخلافة المعظمة ببغداد أحدثه الطائع لله تجاه دار الفيل وباب كلوذاي، واتخذ عليه منظرة تشرف على دار الفيل وبراح واسع واتفق أن كان يوماً في هذه المنظرة وجوزت عليه. جنازة… الزاهد المعروف بغلام الخلال فرأى الطائع منها ما أعجبه فتقدّم أي أمر بدفنه في ذلك البراح الذي تجاه المنظرة وجعل دار الفيل وقفاً عليه ووسع به في تلك المقبرة وهي الآن على ذلك إلاّ أنّ هذا الباب لا أثر له اليوم، ويتلو هذا الباب من دار الخلافة باب المراتب ولهذه الأبواب ذكر في التواريخ.
فالزاهد المعروف بغلام الخلال هو الخلاني، وقد دفن كما مرّ في النص في البراح المقابل لباب الخاصّة المذكور، وبه نعلم تقدير المسافة بين سور دار الخلافة من الجانب الشرقي وقبر الشيخ الخلاني، وقولي «باب الخاصة القديم» لأنّ باب البدرية المقدم ذكره آنفاً كان يسمّى في أيام المعتصد بالله «باب الخاصة» ثمّ نسب إلى بدر أحد الأمراء المماليك فقيل باب بدر ثمّ قيل باب البدرية من أجل المحلة المنشأة حياله، ولعله بدر المعتضدي والظاهر أنّ الشعب هو الذي سمّاه بذلك الاسم فغلبت تسمية الشعب على غيرها.
فسور دار الخلافة من جهة الجنوب كان يصل إلى محلة المربعة ولا يتجاوز محلة رأس الساقية، وفيها اليوم الشارع الممتد من شارع الرشيد إلى تربة الشيخ عبدالقادر الجيلي، ويؤيد ما قلت ما ذكره ابن جبير في تعيين الموضع الذي رأى فيه أبا الفرج بن الجوزي يعظ الناس فيه، قال: «ثمّ شاهدنا صبيحة السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي بإزاء داره، على الشط بالجانب الشرقي وفي آخره، على اتصال من قصور الخليفة، وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي([205]). فباب البصلية هو باب كلواذي آخر أبواب بغداد الشرقية من جهة الجنوب الشرقي وهو اليوم الباب الشرقي.
وتسأل بعد ذلك ما كان داخل سور دار الخلافة الصغير القائم وراء سورها الكبير المحيط بدور الخلفاء ومجالسهم ومرافقها ومنازهها؟ قال الخطيب البغدادي: «كانت دار الخلافة التي على شاطىء دجلة تحت نهر المعلى قديماً للحسن بن سهل» وزير المأمون وحميه أي والد زوجه السيدة خديجة بوران، وذكر بعد ذلك أنّها تسمّى أي الدار (القصر الحسني) فلمّا توفي الحسن بن سهل صارت الدار لابنته بوران فاستنزلها عنها الخليفة المعتمد على الله قبل سنة 271هـ فاستنظرته أياماً لتفريغها وتسليمها ثمّ رممتها وعمرتها وجصصتها وبيضتها وفرشتها بأجل الفرش وأحسنه وعلّقت أصناف الستور على أبوابها وملأت خزائنها بكلّ ما يصح للخلفاء، ورتبت فيها من الخدم والجواري ما تدعو الحاجة إليه، فلمّا فرغت من ذلك انتقلت من الدار وأرسلت إلى المعتمد على الله تدعوه إلى الانتقال إليها، فانتقل وبهذا الانتقال تركت عاصمة الدولة سامراء ونقلت الخلافة إلى بغداد واتخذت عاصمة كما كانت في أيام المنصور ومن بعده من الخلفاء حتّى عهد المعتصم بالله المنتقل إلى سامراء.
ولمّا و لي الخلافة المعتضد بالله استضاف إلى تلك الدار ممّا جاورها كلّ بقعة توسعها وتكبرها، وبنى عليها سوراً جمعها به وحصنها وتولّى الخلافة بعده ابنه المكتفي بالله فبنى قصر التاج على دجلة وأنشأ عنده قباباً ومجالس تناهى في توسعتها وتعليتها، واستخلف المقتدر بالله فزاد في ذلك بما أنشأه واستحدثه من البنيان»([206]).
لم يذكر المؤرخون أوصاف البنيان، بحيث يستفيد من وصفهم أبناء هذا الزمان، فالتاج العظيم لم نعلم من وصفه إلاّ ما ذكره ياقوت من أنّ وجهه ـ ولا تقل واجهته ـ كان مبنياً على خمسة عقود كلّ عقد على عشر أساطين بخمسة أذرع، وفي أيام المقتضي لأمر الله في أواسط القرن السادس وقعت صاعقة عليها فتأججت فيها، وفي قبة الحمار التي كان يصعد إليها في مدرج على حمار صغير، وكانت عالية على شكل نصف دائرة، وشبّت النار في الدار التي فيها القبة وبقيت النار تستعر تسعة أيام ثمّ أطفئت، قد صيّرت القصر كالفحمة ثمّ أعاد المقتفي البناء على الصورة الأولى ولكن بالجص والآجر أي الطابوق بغير أساطين رخام وأهمل اتمامه حتّى مات وبقي كذلك إلى عهد المستضيء بأمر الله فأمر بنقضه وإبراز المسناة التي بين يديه حتّى تحاذي مسناة التاج فشق الاساس ووضع البناء على خط مستقيم من مسناة التاج واستعملت أنقاض التاج مع ما كان أعدّ من الآلات في عمل هذه المسناة، وأنشىء هناك صحن وهو الصحن الذي يبايع الناس فيه الخلفاء عادة([207]).
ومن أشهر المباني في دار الخلافة «دار السيدة بنفشة» حظية الخليفة المستضيء بأمر الله وكانت في موضع خان الدامرجي وما حوله، وكانت تشرف على شط دجلة وكانت تسمّى أيضاً «دار سوق التمر» قال صفي الدين عبدالمؤمن البغدادي في مراصد الاطلاع: «دار سوق التمر هي الدار المتصلة بباب الغربة ومن الجهة الأخرى بالبدرية وهي دار عظيمة من دار الخلافة مشرفة على مشرعة الإبريين لها باب عال و دركاه في صدر المخلطيين» وقال تاج الدين ابن الساعي: بنى الإمام المستضيء بأمر الله للسيدة بنفشة داراً مجاورة لباب الغربة الشريف على شاطىء دجلة فجاءت عالية البناء واسعة الفناء تشتمل على مقاصير وحجرات ومناظر ومنتزهات، ويجاور هذا الدار أربعة دواليب تستقي الماء من دجلة إلى دار الخلافة المعظمة كلّ واحد أعلى من الآخر، فيأخذ الأوّل من دجلة والثاني من الأوّل والثالث من الثاني والرابع من الثالث»([208]).
وكان في دار الخلافة قصر الفردوس الذي أنشأه المعتضد بالله ودار الشجرة المعلومة الأخبار، وخان الخيل وهو دار أكثرها أروقة بأساطين رخام، ودار السباع، والجوسق المحدث، وهو دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعي، حواليها نهر رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة، طول البركة ثلاثون ذراعاً في عشرين ذراعاً، وكان فيها الدار المربعة، والدار المثمنة التي قعد فيها هولاكو في احتلاله بغداد، لما رغب في أن يرى دار الخلافة، وقد صحفتها التواريخ الفارسية إلى «دار الميمنة» مع أنّها المثمنة أي الثمانية الجدران ذكر ذلك الخطيب البغدادي وياقوت الحموي ورشيد الدين.
وكان فيها دار الفلك أنشأها الخلفية الناصر لدين الله رباطاً للنساء العابدات سنة 596هـ ورتب فيها رئيسة للزاهدات ابنة الأمير السيد العلوي الملقبة بست الخدور([209]). ولم نقف على صريح اسمها فيما وقع إليها من التواريخ، وأبوها فقيه علوي حنفي مشهور.
وبعد أن ذكرنا موجز أخبار التأسيس لدار الخلافة العباسية نقلاً من تاريخ الخطيب نذكر أخبار التأسيس مفصلة أكثر ممّا ذكره ياقوت الحموي منها في كلامه على التاج، قصر المكتفي في معجم البلدان، وهذا التفصيل وجدناه في بعض تواريخ المؤرخ الكبير تاج الدين علي بن أنجب بن الساعي، حيث ذكر سيرة السيدة خديجة بوران بنت الحسن بن سهل إحدى زوجات المأمون قال:
«وذكر عبيدالله بن أحمد بن أبي طاهر أن بوران توفيت يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعين ومائتين وقد بلغت من السن ثمانين سنة. قلت: وكانت وفاتها ببغداد لأنّها كانت تسكن بالقصر الحسني المنسوب إلى أبيها الحسن بن سهل، وهذا القصر كان أوّلاً يسمّى (القصر الجعفري) نسبة إلى جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، وهو أوّل بناء وضع في قديم الزمان بمدينة السلام([210]). أخبرني أبو القاسم علي بن عبدالرحمن بن علي [ابن الجوزي] إذناً عن أبي محمد عبدالله بن الخشاب النحوي قال حدّثنا أبو القاسم الربعي أخبرنا أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي أخبرنا أبو علي الأزدي قال حدّثنا أبو جز (كذا) قال حدذثنا أبو العيناء قال: كان جعفر بن يحيى البرمكي شديد الشغف بالإخوان، كثير المحبة للقيان، قد أعطى اللذات قياده، وجعل مواسم القصف واللهو أعياده، وكثر ذلك منه، واشتهر عنه، وتكلم الأعداء فيه بسببه، فخلا به والده وأنكر عليه فعله وقال له: إذا لم يكن لك قدرة على الاستتار في لهوك وشربك، والكتم لمجالس أنسك ولعبك، فاتخذ لنفسك قصراً بالجانب الشرقي، تجمع فيه ندمائك وقيانك، وتقطع معهم زمانك، وتبعد عن أعين العامة، وتخفي أمورك على أكثر الخاصّة، ويقل القول فيك، وينقطع الكلام عنك، ويكون أصلح لشأنك عند سلطانك. فعمد جعفر إلى الجانب الشرقي واتخذ به قصراً شيّد بناءه، وأوسع فناءه وفضاءه، واتخذ فيه بستاناً ذا رياض مخصبة مريعة، وغرس به من أنواع الشجر ما يثمر بكل ثمرة بديعة، وبالغ في إنفاق الأموال، وجمع الصناع والرجال، فلمّا قارب الفراغ من بنائه، صار إليه ومعه أصحابه وفيهم مؤنس بن عمران، وكان عاقلاً لبيباً كاملاً فطاب به واستحسنه، وقال من حضر من أصحابه في ذلك فأكثروا القول، ومؤنس ساكت، فقال له جعفر: ما لك لا تتكلم؟ قال: فيماذا؟ قال: فيما قال أصحابنا. قال: كفاني قولهم ولا زيادة فيه، وكان جعفر ذكياً، فعلم أنّ تحت قول مؤنس معنى، فقال: وأنت أيضاً فقل: قال: هو ما قالوا: قال [جعفر]: أقسمت عليك لتقولن. فقال له: إذا أبيت إلاّ أن أقول أفتصبر على الحق؟ قال: نعم. قال: أريد خلوة. فلمّا خلا به قال: أأطيل فيما أقول أم أختصر؟ قال: بل اختصر. قال: أسألك إن خرجت الساعة فمررت بدار لبعض أصحابك تشبه دارك هذه أو تقاربها ما كنت صانعاً وقائلاً؟ قال: قد فهمت، فما الرأي؟ قال: هو رأي إن أخّرته عن ساعتك هذه فات. قال: وما هو؟ قال: لست أشك في أنّ أمير المؤمنين قد طلبك وسأل عن خبرك أنّك قد ركبت إلى قصرك، فضجر من تأخّرك فأصل اللبث ها هنا ثمّ امض إليه من فورك، وعليك أثر الغبار، فإذا سألك عن حالك، فقل: صرت إلى القصر الذي بنيته للمأمون. ثمّ اتبع ذلك من القول بما أنت أعلم به.
وكان جعفر قد اتخذ في هذا القصر ثلاثة وستين مرفقاً ما بين مجلس ومستشرف وحجرة وخيش وخزانة، وكتبت إلى كلّ ناحية بأن تتخذ لكلّ مقصورة فرش على مقادير أبنيتها، وكان القول قد كثر جدّاً في ذلك البناء وما كتب في استعماله من الفرش له، فأقام جعفر في القصر هنيئة ثمّ مضى من فوره فدخل على الرشيد، فسأله [الرشيد] عن خبره ومن أين جاء؟ قال: كنت في القصر الذي اتخذته لمولاي المأمون بالجانب الشرقي على دجلة. فقال له الرشيد: أو للمأمون بنيته؟ قال: نعم، فإنّك يا أمير المؤمنين في ليلة ولادته شرفتني بأن جعلته في حجري قبل جعله في حجرك واستخدمتني له، وعرفت محله من قلبك فدعاني ذلك إلى أن اتّخذت له هذا القصر بالجانب الشرقي في موضع معتدل الهواء، طيب الثراء، ما بين رياض زاهرة، ومياه جارية، بعيداً عن أصوات الناس والدخاخين المؤذية، والروائح المنتنة، لتسكنه حواضنه وداياته، وجواريه وقهرماناته، فيصحّ بذلك مزاجه، ويتم نشؤه ويصفو ذهنه، ويذكو قلبه، وينمو لبّه، ويضيء فهمه، ويحسن لونه، ويزيد جسمه، ومع ذلك فإنّني قد كتبت إلى النواحي جميعاً باتخاذ فرش لهذا البناء على مقاديره، وبقي شيء لم يتهيأ اتخاذه إلى الآن، وقد عوّلنا على خزائن أمير المؤمنين، إمّا عارية أو هبة. قال: بل هبة. وأسفر إليه، وأقبل وجهه عليه، وقال: أبى [الله] أن يُقال عنك إلاّ ما هو لك، وأن يطعن فيك، إلاّ بما يرفعك ويعليك، والله لا سكنه أحد سواك، ولا تتم ما يعوزه من المفارش إلاّ من خزائننا. وزال من نفس الرشيد بتلك الفعلة ما كان حمل عليه من السعايات، وظفر بالقصر، وانقطعت الأقاويل عنه. ولم يزل جعفر يتردّد إليه في كلّ أوقات أفراحه، إلى حين واقعتهم، وانقضاء دولتهم، وإلى حينئذ كان يسمّى (القصر الجعفري).
قال ابن الساعي بعد ذلك:
ذكر انتقال هذا القصر وكيف صار إلى المأمون، وما أضاف إليه من الأبنية.
ذكر بعضهم أنّ هذا القصر صار إلى المأمون، وكان من أكمل القصور وأبهاها، وأحب المواضع إليه وأشهاها، لإطلاله على دجلة وكماله في النظر، واشتماله بالعروض والشجر، واكتسائه بالنور المشرق النائر، والزهر المؤنق الزاهر، فنزل بساحته، وحلّ به حبى راحته، وجرّر على رياضه ذيوله، وطارد في ميدان سروره خيوله، ملتذاً بسكناه، معتداً بهواه، وصار منزل صيده وقنصه ومحل نزهه وفرصه، واقتطع جملة من البرية فعملت ميداناً لركض الغلمان، واللعب بالكرة والصولجان، وحيراً لجمع الوحوش في أوقات تصيّده، وفتح له باباً شرقياً إلى جانب البر، واتخذ على أعلاه منظرة تشرف على مرام واسعة، لمن عساه يصل من طريق خراسان، ونواحي همذان وآذربيجان، وأجرى على ذلك الباب نهراً ساقه من نهر المعلى، وابنتنى عليه وقريباً منه منازل برسم خاصته، وأصحابه وحاشيته، سمّيت المأمونية وهي الآن محلة الشارع الأعظم([211]) فيما بين عقدي المصطنع والزرادين».
وعنون ابن الساعي بعد هذا كلامه بما يلي السطر:
«ذكر انتقال هذا القصر إلى الحسن بن سهل واشتهاره به وما زاد فيه من الأبنية كان المأمون بخراسان مع والده، فلمّا توفي والده هناك بويع المأمون بخراسان وبويع أخوه الأمين ببغداد وجرت الفتن العظيمة إلى أن قُتل الأمين (رحمه الله)، فلمّا وصل البريد بخبر قتله إلى المأمون أرسل الحسن بن سهل خليفة له على العراق([212])، لتدبير الأمور بها، فوردها بعد انقضاء فتنة الأمين في سنة ثمان وتسعين ومئة، ونزل القصر المأموني المذكور، وتزوّج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل بمرو، بولاية عمّها الفضل بن سهل: فلمّا قدم المأمون خراسان في يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر من سنة أربع ومائتين دخل إلى قصر الخلافة بالخلد بالجانب الغربي فسكنه، وبقي الحسن بن سهل مقيماً بالقصر المأموني إلى أن عمل عرس بوران بفم الصلح ونقلت إلى بغداد وأنزلت بالقصر. وطلبه الحسن من المأمون فكتبه لهن ومذ ذلك الوقت أضاف إليه ما حوله، وغلب اسم الحسن عليه وعرف به ونسب إليه. ذكر أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد قال: حدّثني بعض مشايخنا قال: لمّا بنى الحسن بن سهل قصره هذا جعل بين سوره وبين شط دجلة فضاءً كبيراً، فقيل له: لو جعلته راكباً على دجلة كان أحسن، فقال: ما أنا والنزهة والإشراف إلى دجلة؟ إنّما يفعل هذا أهل الفراغ والبطالة ونحن عن الزهة في شغل ثم ابتاع الموفق بالله هذا القصر ونزله ثمّ هدمه المعتضد ابن الموفق وبناه وزاد فيه ومدّه إلى حد([213]) نهر بين ونزله المكتفي([214]).
وقال الخطيب البغدادي: «ثمّ استضاف المعتضد بالله إلى الدار ممّا جاورها كلّ ما وسعها به وكبرها و عمل عليها سوراً جمعها به وحصنها، وقام المكتفي بالله بعده ببناء التاج على دجلة وعمل وراءه من القباب والمجالس ما تناهى في توسعته وتعليته، ووافى المقتدر بالله فزاد في ذلك وأوفى ممّا أنشأه واستحدثه، وكان الميدان والثريا وكذا حير الوحش متصلاً بالدار»([215]). وقد قدمنا ذلك ثمّ قال في ذكر جوامع بغداد: «فلم تكن صلاة الجمعة تقام بمدينة السلام إلاّ في مسجدي المدينة والرصافة إلى وقت خلافة المعتضد، فلمّا استخلف المعتضد أمر بعمارة القصر المعروف بالحسني على دجلة سنة ثمانين ومائتين، وأنفق عليه مالاً عظيماً، وهو القصر المرسوم بدار الخلافة، وأمر ببناء مطامير في القصر رسمها هو للصناع، فبنيت بناء لم يرّ مثله، على غاية ما يكون من الإحكام والضيق، وجعلها محابس للأعداء، وكان الناس يصلون الجمعة في الدار، وليس هناك رسم لمسجد، وإنّما يؤذن للناس في الدخول وقت الصلاة، ويخرجون عند انقضائها، فلمّا استخلف المكتفي في سنة تسع وثمانين ومائتين نزل([216]) القصر وأمر بهدم المطامير التي كان المعتضد بناها، وأمر أن يجعل موضعها مسجد([217]) جامع في داره، يصلي فيه النانس، فعمل ذلك وصاروا يبكرون إلى المسجد الجامع في الدار يوم الجمعة فلا يمنعون من دخوله، ويقيمون فيه إلى آخر النهار، وحصل ذلك رسماً باقياً إلى الآن»([218]) توفي الخطيب سنة 463هـ.
وقد أنشىء لهذا المسجد مئذنة وهي التي تعرف غالباً باسم المنارة، وآخر منارة له هي هذه القائمة اليوم فيما بقي من المسجد المعروفة بمنارة جامع سوق الغزل المطلة على شارع الجمهورية المشتق في هذه الأيام، وكانت قد جددت سنة «670هـ» في أيام الملك آباقا بن هولاكو الإيلخاني وولاية علاء الدين عطا ملك الجويني إلاّ أنّها سقطت، ثمّ أعيد بناؤها على هذه الصورة الماثلة من الضخامة والقوّة والمتانة والرصانة، وإن تحيفها الزمان، وأثرت فيها الرياح والأمطار على اختلاف الأعصار ما تؤثره في أمثالها من البنيان، من الآجر ومشتقاته لا من الحجر والصوان، جاء في أخبار سنة «670هـ» ما هذا نصه:
وفيها أمر علاء الدين صاحب الديوان بتجديد عمارة منارة جامع الخليفة، وكان صدر الوقوف([219]) يومئذ شهاب الدين علي بن عبدالله، فشرع في ذلك، وانتجزت في آخر شعبان ثمّ سقطت في شهر رمضان بعد فراغ الناس من صلاة التراويح ولم يتأذ أحد ممّن كان هناك»([220]).
وفي سنة 678هـ تمّ تجديد عمارتها الحالية، فقد جاء في أخبارها ما هذا نصّه «وفيها تمّت عمارة منارة عمارة جامع الخليفة، وكانت قد سقطت في شهر رمضان سنة سبعين [وستمائة]»([221]).
وقد ذكر هذا المسجد ومنارته السيد محمود شكري الألوسي في كتابه تاريخ مساجد بغداد وآثارها قال: «كان هذا هو المسجد الجامع أيام الدولة العباسية([222])… وكان مصلّى خليفة المسلمين من بني العباس، ومصلاه يومئذ يسع جمعاً لا يحصون، بعمارة تروق الناظر إحكاماً وصنعة، وفيه مئذنة شامخة تناطح السحاب، فلمّا دارت دوائر البلى على مدينة السلام انهدّت أركانه، واندرست رسومه وآياته، ولم يبق منه إلاّ مئذنته التي بقيت تندب قومها وتبكيهم، ثمّ صار هذا الجامع محلة كبيرة وسوقاً واسعة تسمّى (سوق الغزل) وبقيت عرصة خالية، فعمر فيها أبو سعيد سليمان باشا والي بغداد في سنة 1193م مسجداً إبقاء لذكرى هذا المعبد الشهير وعيّن له مدرساً وإماماً وجملة من الخدم». وقد اهتمت مديرية الأوقاف في هذه الأيام ثمّ وزارتها الحالية بهذا الجامع المبارك فامتلكت بالشراء عدّة دور كانت قد اغتصبت أرض الجامع قديماً لتنشىء على أرضها مسجداً صغيراً يحفظ على هذا المعبد الإسلامي العظيم حرمته وكرامته وتاريخه الزاهي، ونعم ما فعلت.
جامعة المستنصرية في بغداد
الدكتور مصطفى جواد
بغداد في عهد بني بويه
يبدأ عهد بني بويه باستيلاء معز الدولة أوّل أمراء بني بويه على زمام الحكم سنة 334هـ واحتلاله لبغداد وينتهي باحتلال طغرل بك السلجوقي لهذه المدينة سنة 447هـ وقد حكمت هذه الأسرة بغداد مائة وثلاث عشرة سنة وكان عدد أمرائها أحد عشر أميراً أوّلهم معز الدولة وآخرهم أبو نصر خسرو نيروز وكان عهدهم في بغداد كما وصفه طه الراوي: (في عهد بني بويه وصل العلم والأدب في بغداد إلى القمة العليا فنشأ أكابر المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والكتّاب والشعراء وأساطين علوم العربية والحذاق في المعارف الكونية).
وكان البويهيون من الشيعة لذلك ارتفع الضغط عن الشيعة في عهدهم وأطلقت لهم الحرية فاحتفلوا بذكرياتهم التاريخية والدينية ولا سيما ذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام).
السلاجقة
وجاء السلاجقة مكان البويهيين فافتتح طغرل بك أوّل ملوكهم عهده بإثارة الفتن المذهبية وأدّت تصرفاته إلى إحراق أشهر مكتبة في بغداد وهي المكتبة التي أنشأها أبو نصر سابور والأمير بهاء الدولة البويهي والتي قال عنها ياقوت الحموي: لم يكن في الدنيا أحسن كتباً منها. وهكذا فالبويهيون أنشؤوا المكتبة والسلاجقة أحرقوها، كما نهبوا وأحرقوا كتب أبي جعفر الطوسي. قال ابن الجوزي في حوادث سنة 448هـ: وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره. ثمّ قال في حوادث سنة 449هـ: وفي صفر من هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام فأحرق الجميع.
وينحدر السلاجقة من أصل تركي ويبدأ دور سيادتهم الكبرى في إيران من سنة 447هـ سنة استيلائهم على بغداد وينتهي سنة 553هـ.
ولم يقم ملوك السلاجقة في بغداد بل كانوا يكثرون الإقامة في إيران وفيها عاصمتهم أصفهان. وفي عهد السلطان ألب ارسلان أنشئت المدرسة النظامية نسبة إلى نظام الملك وزير ألب ارسلان وابنه ملكشاه سنة 457هـ وكانت المدرسة في وضع حسن عندما زارها ابن بطوطة سنة 727هـ. وظلّت حتّى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي ولكن لم يبق لها اليوم أي أثر.
وكان إنشاء هذه المدرسة بقصد تدريس الفقه الشافعي والدعوة له، ولمّا رأى الحنفية ما عزم عليه نظام الملك الشافعي من تأسيس المدارس النظامية في أمهات المدن لا سيما بغداد أسرع العميد شرف الملك أبو سعد المستوفي إلى بغداد سنة 459هـ وجدّد مقبرة أبي حنيفة وأنشأ مدرسة بإزائها وأنزلها طلاب الفقه([223]).
وقد تقلّصت بغداد في عهد السلاجقة وانحصر عمرانها في آخر عهدهم في القسم الشرقي من المدينة. ولم يمضِ زمن طويل على انتهاء العهد السلجوقي حتّى تهدّمت أكثر المحلات الشمالية في بغداد الشرقية وتهدّمت أكثر المحلات والعمارات في الجانب الغربي([224]).
وأهم ما أنشىء في بغداد في آخر عهد العباسيين المدرسة المستنصرية نسبة إلى الخليفة المستنصر الذي أتمّ بناءها سنة 631هـ ولا يزال بناؤها قائماً حتّى الآن. وقد فاقت على المدرسة النظامية التي أنشئت قبلها بنحو قرنين، وكان فيها أربعة أواوين لتدريس الفقه على المذاهب السنية الأربعة. كما كانت فيها مكتبة قيّمة ومستشفى خاص بالطلاب.
تتابع الدول على بغداد
وظلّت بغداد حتّى عام 740هـ ـ 1340م تابعة للمملكة الإيلخانية أو (الهولاكية). وجعلت حاضرة للعراق العربي…
وفي عام 740هـ، ظهر حسن الكبير واستقل بالأمر في بغداد، وأسّس الدولة الجلائرية([225]) وقام بتشييد مدرسة تمّ بناؤها في عهد والده أويس عام (756هـ ـ 1357م) وسمّيت المرجانية، ولا يزال بناؤها قائماً… واستمرّ حكم الأسرة الجلائرية إلى عام 1410م، وفي أيامها استولى تيمورلنك على بغداد مرّتين ـ عام 795هـ ـ 1392م وعام 803هـ ـ 1401م… ورجع السلطان أحمد الجلائري إلى بغداد بعد وفاة تيمورلنك عام 807هـ ـ 1405م، وأصلح بقدر إمكانه، الأسوار التي هدمها تيمورلنك، ولم ينقض وقت طويل حتّى قتله قره يوسف أمير القطيع الأسود (قره قوينلو) من التركمان عام 813هـ ـ 1410م واستولى رجاله على المدينة وظلّت في حوزتهم إلى عام 873هـ ـ 1468م، إلى أن اقتطعها منهم تركمان القطيع الأبيض (اق قويونلو) بقيادة اوزون حسن… وفي عام 914هـ ـ 1508م، غزا الشاه إسماعيل الصفوي بغداد، وظلّت في حوزة خلفائه إلى 941هـ ـ 1534م.
وفي عام 941هـ ـ 1534م، دخل السلطان سليمان الأوّل مدينة بغداد، وظلّ يحكمها منذ ذلك الوقت والي من قبل الأتراك إلى أن طلب الثائر بكر صبحي معونة الشاه عباس الصفوي، فاستولى هذا على بغداد عام 1033هـ ـ 1623م. ولم يكن الترك عازمين على ترك المدينة، فاستعادوها عام 1048هـ ـ 1638م بقيادة السلطان مراد الرابع… ورمّم مراد هذا عدّة أضرحة مثل ضريح أبي حنيفة وضريح الشيخ عبدالقادر الكيلاني… ثمّ أضحت بغداد من جديد قصبة ولاية تركية.
وتتميز ولاية مدحت باشا([226]) من عام 1869ـ1872م = 1285ـ1288هـ في تاريخ بغداد بأنّها كانت عهد نهضة حقيقية.
وترك الترك بغداد في شهر مارس 1917م وليس فيها من الحضارة والعمران ما يستحق الذكر… ودخلها الإنكليز… ثمّ قام الحكم الوطني في 31 آب 1921م.
العهد العثماني
كان العراق بعد فتح السلطان سليمان القانوني بغداد خصوصاً بعد أن استردّها السلطان مراد الرابع مستقلاً استقلالاً إدارياً يقوم بإدارته والي مركزه بغداد. وكان منصب الوالي في الدولة العثمانية خطيراً ويغلب عليه لقب الوزير. وكانت منطقة العراق إمارة كبيرة تسمّى (ايالة) وتنقسم إلى عدّة ولايات وتضمّ في أكثر الأحيان ولاية الموصل وكردستان والجزيرة وقد أصاب بغداد خلال هذه الفترة أنواع المصائب والأهوال بسبب استبداد الولاة الذين لم يكن يطلب منهم غير جمع الأموال واستيفائها من الإغنياء وفرض الضرائب الثقيلة. وكان ينتقض بعض الولاة على السلاطين ويعلنون استقلالهم ممّا يؤدي إلى نشوب حروب بينهم وبين السلاطين وأصيبت بغداد بسبب ذلك بأنواع المصائب والنكبات والآفات ـ كما تتابعت عليها حوادث الغرق العديدة.
جامعة المستنصرية في بغداد
بغداد اليوم
في مطلع القرن العشرين… كانت مساحة بغداد ستة كيلومترات مربعة فقط، وصلت في عام 1954م إلى 80 كيلومتراً. أمّا اليوم فقد أصبحت حدود أمانة العاصمة تضم 810 كيلومترات مربعة، أي عشرة أضعاف مساحتها منذ 6 سنوات، ولكن هذا التضخم لم يكن يتم طبقاً لخطة تنظيمية موضوعة.
فقد كان أهل بغداد يخافون من فيضان مياه دجلة، فكانوا يبنون منازلهم داخل منطقة سد من الرمال يحيط بالعاصمة اسمه «السدة». وكان هذا الخطر يجعل الناس في حالة خوف مستمر منذ أقدم العصور. فقد شهدت بغداد من هذه الفيضانات أهوالاً جساماً، حتّى عام 1954م وفيه حدث فيضان عظيم سبّب خسائر فادحة قدّرت قيمتها بـ 18 مليون دينار.
وكان هذا آخر فيضان تشهده بغداد، إذ أُقيم بعده مباشرة سد «الثرثار» شمال العاصمة، وكلف إنشاؤه 16 مليون دينار… وقد حمى هذا السد البلاد من خطر فيضان ساحق عام 1957م، إذ استطاع أن يحجز كمية المياه التي ارتفع منسوبها عن منسوب فيضان عام 1954م.
وكان من نتائج سياسة «الخوف من الغرق» أن أصبحت بغداد تمتد طولياً على شكل خط رفيع طوله 35 كيلومتراً، يخترقه نهر دجلة فيقسمه إلى قسمين تتناثر عليهما الأحياء والمناطق المتعددة.
محافظة بغداد
1 ـ تقع محافظة بغداد في وسط الجمهورية العراقية، بين محافظة الموصل وبادية الجزيرة ومحافظة كركوك شمالاً ومحافظة ديالى شرقاً ومحافظة الكوت والحلة جنوباً ومحافظة الرمادي غرباً.
تبلغ مساحة المحافظة حوالي 19357كلم2 ويبلغ عدد سكانها 1,306,604 نسمة ومعدل كثافة السكان 102 نسمة للكم2.
2 ـ تقسم المحافظة إدارياً إلى سبعة أقضية ويتعدّى ذلك إلى وجود نواحٍ عديدة وقرى وأرياف كثيرة.
وأقضية المحافظة هي:
أ ـ قضاء الرصافة. ب ـ قضاء الكاظمية . جـ ـ قضاء المحمودية. د ـ قضاء الأعظمية. هـ ـ قضاء الكرخ. و ـ قضاء سامراء. ز ـ قضاء تكريت. أهم نواحي المحافظة: سلمان باك، الكرادة الشرقية، المأمون، اليوسيفية، اللطيفية، أبو غريب، الطارمية، الإبراهيمية، الدورة، بيجي، الراشدية…
وتتوزّغ بغداد بين قضاءين من أقضية محافظة بغداد هما قضاء بغداد وقضاء الكاظمية، وهي من حيث الأقسام الإدارية تتكوّن ممّا يأتي:
1 ـ مركز قضاء بغداد: ويتكوّن من مدينة بغداد الرئيسية التي تضم محلات مدينة بغداد القديمة الواقعة على جانبي نهر دجلة، ويسمّى القسم الشرقي منها «الرصافة»، والقسم الغربي (الكرخ). ويتألف هذان القسمان من 76 محلة منها 54 محلة في الجانب الشرقي و22 محلة في الجانب الغربي، وتبلغ مجموع مساحة هذين القسمين 11421 دونماً عراقياً و15 أولكاً.
وتقطع جانب الرصافة ثلاثة شوارع رئيسية متوازية تقريباً من شمالها إلى جنوبها أولّها من الجهة الغربية «شارع الرشيد» الذي بدأ الترك فتحه في الحرب العالمية الأولى وأتمته السلطات البريطانية بعد احتلالها بغداد، وثانيها شرقاً الشارع الذي فتحته أمانة العاصمة عام 1936م، وثالثها شرقاً أيضاً «شارع الشيخ عمر» الذي يمتد بموازاة حدود المدينة الشرقية وهناك شارع رابع ضيق يمتد بصورة غير منتظمة بموازاة نهر دجلة، أي غرب شارع الرشيد، يعرف باسم «شارع النهر» وقد أطلق عليه مؤخراً اسم «شارع المستنصر» و«شارع حسن باشا». وتتفرّع من هذه الشوارع شوارع عرضية تصل الشوارع الرئيسية الأربعة بعضها ببعض. وتقع أهم مؤسسات العاصمة في هذا القسم.
وفي هذا القسم أيضاً عمارات المصارف والمتاجر والفنادق والسينمات الشهيرة وأكثر المفوضيات الأجنبية. كما فيه المتاحف الأثرية وهي: «المتحف العراقي الرئيسي، متحف القصر العباسي، متحف دار الآثار العربية في خان مرجان، متحف الأزياء، متحف الأسلحة».
وأهم ما في هذا القسم أيضاً مرقد وجامع الشيخ عبدالقادر الجيلي (الكيلاني) مؤسّس الطريقة القادرية المتوفى سنة 561هـ ـ 1165م وعدد كبير من الجوامع والمساحد التاريخية في بغداد، ومن أقدم الآثار القديمة في هذا القسم من بغداد جامع سوق الغزل ومنارته وهو موضع جامع الخليفة القديم الذي يرجع إلى عهد المكتفي (289ـ295هـ) وقد شيّدت منارته الحالية في سنة 678هـ أي قبل حوالي 700 سنة، والمدرسة المستنصرية التي شيّدها المستنصر بالله في سنة 630هـ، والقصر العباسي الذي يظن أنّه من عهد الخليفة الناصر لدين الله 575ـ622هـ وقد رمّم واتخذ متحفاً للآثار العربية، والمدرسة المرجانية التي أسّسها مرجان مولى الشيخ أويس الإيلخاني 755ـ773هـ.
وكان هذا القسم من مدينة بغداد يضم دار الخلافة العباسية في آخر عهدها كما كان يضم أهم محلات بغداد وأسواقها ودورها القائمة حول الدار المذكورة، وفي أوائل القرن السادس الهجري سوّر هذا القسم بسور عظيم يحيط به خندق واسع وقد جعل للسور أربعة أبواب فسمّي الباب الشمالي «باب السلطان» (باب المعظم الحالي)، وسمّي الباب الثاني «باب الظفرية» أو «باب الوسطاني» وما زال هذا الباب قائماً وقد أنشىء فيه متحف للأسلحة، وسمّي الباب الثالث «باب الحلبة» أو «باب الطلسم» وقد نسف الأتراك هذا الباب عند خروجهم من بغداد سنة 1917م، وسمّي الباب الرابع «باب كلواذي» وكان موقعه في المحل المسمّى الآن «الباب الشرقي» وقد اتخذه الإنكليز كنيسة لهم إلى أن نقض. وقد ظلّ هذا السور قائماً حتّى أوائل القرن الحالي أي ما يقارب الثمانمائة عام وما زال جزء منه متخذاً كسد لحماية هذا القسم من بغداد من الغرق.
هذا فيما يختص بالقسم الشرقي (الرصافة) أمّا القسم الغربي «الكرخ» فمرتبط بقسم الرصافة بجسور حديدية حديثة.
وفي الكرخ محطتا البصرة والموصل للسكك الحديدية كما فيها بعض السفارات وبعض المواقع الأثرية التاريخية منها مرقد الشيخ معروف الكرخي المتوفى سنة 200هـ ويوجد عند مقبرته جامع فيه منارة ترجع إلى زمن الناصر لدين الله 575ـ622هـ وكانت مقبرته هذه تسمّى «مقبرة باب الدير»، ومنها مرقد الشيخ جنيد المتوفى سنة 298هـ وكانت مقبرته تعرف باسم «المقبرة الشونيزية»، ومنها قبة الست زبيدة التي يعتقد الباحثون أنّها مرقد السيدة زمرد خاتون زوج الخليفة المستضيء بأمر الله وأمّ الناصر لدين الله توفيت سنة 599هـ.
ويرجع تاريخ تسمية الكرخ إلى العهد الساساني إذ كانت في ذلك العهد قرية فارسية قرب هذا الموقع تعرف بالكرخ، ولمّا أنشأ المنصور مدينته المدورة في جوار هذه القرية أصبحت المنطقة التي تقع فيها القرية المذكورة محلة من أكبر محال بغداد الغربية حتّى أخذ يعرف جانب غربي بغداد كلّه باسم الكرخ في الزمن المتأخر.
2 ـ القسم الواقع ضمن ناحية الأعظمية
ويقع في الجانب الأيسر من نهر دجلة شمال «الرصافة» ويسمّى «الأعظمية» الحالي مقبرة عامة في العهد العباسي تعرف باسم «مقبرة الخزيران» ولمّا توفي الإمام أبو حنيفة حوالي سنة 150هـ دفن في هذه المقبرة، وفي سنة 459هـ بني مشهد وقبة على قبره كما بني عنده مدرسة كبيرة، وقد سمّيت المحلات الواقعة في جوار المشهد باسم «الأعظمية».
وكانت الأعظمية قبل الحرب العالمية الأولى تعدّ من المواضع التي تقع خارج مدينة بغداد تفصلها بساتين كثيفة، أمّا الآن فقد اتصلت بمدينة بغداد وقد حلّ محل معظم البساتين الواقعة بين بغداد الرئيسية والأعظمية محلات جديدة ودور عصرية وشوارع منتظمة حتّى أصبحت جزءاً متمماً للمدينة الرئيسية. ومن الآثار الماثلة في الأعظمية الآن مسجد أبي حنيفة والمسجد المنسوب إلى بشر الحافي في مسجد الشيخ جلال وغيرها.
ويرجع تاريخ تأسيس العمران في موضع الأعظمية إلى حوالي أواسط القرن الثاني الهجري حين اتخذه المهدي مقراً لجنده وهو مقابل مدينة المنصور المدورة الواقعة على الجانب الغربي من دجلة، وقد سمّي في أوّل الأمر باسم عسكر المهدي. وأوّل بناء شيّد في الأعظمية هو جامع المهدي الكبير وقصر المهدي في جوار الجامع ثمّ عقب ذلك إقامة الدور والقطائع حولها. وكانت بجوار جامع المهدي وفوقه قليلاً المقبرة الكبيرة التي دفن فيها الخلفاء العباسيون المتأخرون وكانت تعرف باسم «ترب الخلفاء» وإلى الشمال أيضاً قبر أبي حنيفة الذي صار مركزاً لمحلة أطلق عليها اسم محلة أبي حنيفة بعد ذلك.
3 ـ القسم الواقع ضمن ناحية الكرادة الشرقية
ويقع في الجانب الشرقي من دجلة أيضاً جنوب المدينة الرئيسية ويسمّى «الكرادة الشرقية»، ويتكوّن هذا القسم من أربع محلات. وكانت الكرادة الشرقية حين دخول الإنكليز بغداد سنة 1917م قرية تشتمل على دور للفلاحين والمزارعين تفصلها عن المدينة الرئيسية بساتين متلاصقة كثيفة ولا تحوي من العمران سوى بعض قصور لأثرياء بغداد، وكان أهل القرية يسقون بساتينهم ومزروعاتهم بالكرود (آلة رافعة بدائية) فسمّيت قريتهم «الكرادة». أمّا اليوم فقد اتصلت هذه المنطقة بمدينة بغداد الرئيسية وتربطها بها عدّة شوارع رئيسية عريضة وقد أصبحت قصورها ودورها متصلة بعمران بغداد الرئيسية وأصبحت جزءاً متمماً لها من الناحية الجنوبية كما أصبحت الأعظمية جزءاً متمماً لها من الناحية الشمالية.
4 ـ القسم الواقع ضمن ناحية الدورة
ويقع في الجانب الغربي من نهر دجلة جنوب غربي الكرخ ويكون جزءاً صغيراً من ناحية الدورة التابعة لقضاء بغداد ولا يوجد في القسم عمران حيث يتألف معظمه من مزارع وبساتين.
5 ـ القسم الواقع ضمن ناحية مركز قضاء الكاظمية
ويقع في الجانب الغربي من دجلة غرب وشمال غربي الكرخ ويتكوّن من بلدة الكاظمية التي كانت في السابق تشكّل بلدية مستقلة عن مدينة بغداد ثمّ ضمّت إلى بلدية العاصمة (بغداد) ومن معامل الشالجية العائدة إلى السكك الحديدية ومن المطار المدني ومن مدينة المنصور الحديثة وما يجاورها من مزارع وبساتين، وأهمّ ما في هذا القسم بلدة الكاظمية وهي إحدى المدن المقدسة في العراق يقع في وسطها المشهد الكاظمي الذي يضم ضريحي الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد (عليهم السلام). ويُقال إنّ المنصور كان أوّل من جعل هذا الموضع مقبرة لما ابتنى مدينته المدورة الشهيرة في جواره وأوّل من دفن فيها كان ابنه جعفر الأكبر الذي توفي سنة 150هـ ـ 767م ثمّ صارت تدعى بالكاظمين نسبة إلى الإمامين الكاظم والجواد (عليهم السلام) اللذين دفنا فيها في سنة 183 و220هـ (799 و835م) على التوالي. وكانت تعرف هذه المقبرة بمقابر قريش ولا يزال القسم الغربي من صحن المسجد يسمّى «صحن قريش» إلى اليوم. وقد توسعت بلدة الكاظمية في السنين الأخيرة في عمارتها حتّى امتدّت القصور والدور إلى ساحل نهر دجلة.
الكرّادة
ثمّة أكثر من ضاحية في أطراف بغداد تعرف بهذا الاسم، الذي يشير إلى كثرة استعمال الكرود وسائط للإرواء الزراعي، وأصل التسمية (كرّاد) على وزن فعّال، وهو صاحب الكرد ويجمع على كرّادة. وهذه الصيغة من الجموع تكثر في اللغة الشعبية الدارجة. ومثالها:
زرّاعة جمع زرّاع
عمّالة
جمع عمّال ـ وهو العامل ويطلق غالباً على عمّال البناء.
بلاّمة جمع بلاّم ـ وهو صاحب الزورق
سمّاچة جمع سمّاچ أي السمّاك
والضواحي التي تسمّى بهذا الاسم تمتد على جانبي دجلة. وهي: كرادة الصليخ، شمالي بغداد على الجانب الشرقي من النهر، والكرادة الشرقية إلى الجنوب وتقع على الجانب الشرقي أيضاً. وكرادة مريم على الجانب الغربي المقابل للكرادة الشرقية. وكانت هذه الضواحي الثلاث تشتمل على مزارع وبساتين كثيفة تروى من دجلة بواسطة الكرود المنتشرة على الضفاف، وذلك قبل البدء باستعمال المضخات الآلية.
إنّ الكرادة الأولى الواقعة في منطقة الصليخ. لم تشتهر طويلاً بهذا الاسم، الذي صار يطلق فقط على من يسكن إحدى الكرادتين، مريم والشرقية([227]).
كانت الحرفة الرئيسية لأهل الكرادة هي الزراعة. وكان معظم المزارعين يملكون الأراضي التي يزرعونها. ولم تكن الأرباح المتأتية من الزراعة تمكّن المزارع من توسيع رقعة الأرض التي يزرعها، ولذلك حافظت الملكيات الزراعية على حجمها الصغير. ومن نتائج هذا الوضع أنّ الكرادة لم تشهد أي نوع من التمييز الحاد بين السكان بسبب الفقر والغنى، إذ لم يكن في المجتمع الكرادي كلّه غني بالمعنى الصحيح.
واشتغل بعض الكرادة بالزوارق ـ الإبلام ـ التي كانت تتولّى النقل بين ضفتي دجلة. وعندما ظهرت الزوارق البخارية واستخدمت للنقل عبر المسافات الطويلة، عمل فيها جماعة منهم. وكانت منطقة عملهم على ظهور هذه الزوارق تنحصر بين سيد سلطان علي والزوية في الكرادة الشرقية.
وامتهن آخرون صيد السمك. وهؤلاء هم (الثعالبة) الذين يسكون الطرف المسمّى باسمهم. وفي مواسم الفيضان حين كان الهور الواقع خلف سدّة المسعودي يمتلىء بمياه نهر الفرات يحصل أهل الكرادة على عمل يدر عليهم رزقاً لا بأس به، ذلك هو صيد سمك (أبو سويف) أو السويفي. وهذا النوع من السمك يكثر في هور المسعودي ولم يكن يباع، لكثرته، بل كانوا يقلونه لاستخلاص دهنه. ويجمع هذا الدهن في صفائح ويباع لأهل السفن لاستعماله في طلاء سفنهم حماية لها من التآكل.
ومن الأعمال الرئيسية لأهل الكرادة بيع الفجل. وكانوا يسمّونه (أبو خوصة الذهب) دلالة على الريح الوفير الذي يتحصل من بيعه. والخوصة مفردة الخوص وتتخذ عادة لشدّ باقة الفجل. وكانوا يبيعونه على أهل بغداد في الكرخ والرصافة.
وثمة مهن لم يكن في الكرادة من يمتهنها. كالخياطة ـ الرجالية ـ والحلاقة. وقد كان الرجال يذهبون إلى بغداد لخياطة ملابسهم. أمّا الحلاق فكان يأتيهم من بغداد، وكان متجولاً يحمل (عليجة) وهي كيس من القماش السميك، يضع فيها أدواته المؤلفة من موسى وماكنة قص الشعر. واعتاد الحلاق أن يقعد زبونه على حافة إحدى السواقي أو على شاطىء النهر ويبلل رأسه بالماء، ثمّ يحلقه دون استعمال الصابون. وكان الحلاق يلتزم المنطقة بحيث لا ينافسه أحد. أمّا أجرته فتدفع له على شكل محاصيل زراعية في نهاية كلّ موسم. ونادراً ما كان يقبض أجرته نقوداً.
وليس في الكرادة حوانيت ولا عطارون بل كانوا يذهبون إلى أسواق الشواكة وعلاوي الحلة لشراء ما يحتاجونه.
وثمّة مواد كان أهل الكرادة يحصلون عليها مجاناً وكانت عندهم في حكم المشاع. وهذه هي: التمر والدبس واللبن والمخضرات والفجل والنبق والحطب. وهم يبيعون هذه الأصناف لأهل بغداد ولا يتبايعون بها في منطقتهم. وكانوا ينكرون على أحدهم أن يشتريها من السوق ويعد المزارعون ذلك إهانة لهم. وقد جرت العادة أن يذهب ربّ الأسرة إلى المزارع ويقول له: (عندي اليوم لحم) يقصد أنّه يريد طبخ المرق لأهله، وعن ذاك يعمد صاحب الزرع إلى حقله فيجني له ما يسد حاجته من المخضرات. ولقد مارست هذه الظاهرة تأثيرها على أبناء الجيل الجديد في المحلة فكانوا ـ إلى زمن قريب ـ يتحرجون من شراء ثلاثة من هذه الأصناف المشاعة وهي التمر والتوت والنبق ويعتبرون الحصول عليها بطريق الشراء أمراً غير طبيعي.
الحياة الاجتماعية
يرتبط معظم سكان الكرادة بالقرابة أو بالمصاهرة. وكان التماسك بينهم قوياً والتعاون سنة متبعة. ولذلك امتازت حياتهم اليومية بالنشاط والحركة الدؤوب. وهم بتظافرهم قلّما احتاجوا إلى غيرهم. وأكثر ما تبرز هذه الروح عند وقوع الحوادث والنكبات كالمرض والموت والحريق وسطوة اللصوص، ففي حالات كهذه ما على المنكوب إلاّ أن يطلق صيحة عالية ـ وهذه المهمة تقوم بها نساؤهم خير قيام ـ حتّى يزحف الطرف بأسره نحو مصدر الصوت، وفي الحال: إن كان حريق أطفأَوْه، أو لص طاردوه، أو ميت تجمعوا حوله فقاموا بكلّ ما يجب نحوه ونحو أسرته، وإن كان عراك حالوا دون الفريقين وأصلحوا بينهم.
وقد تردّد ذكر الكرادة في الأمثال والكتابات البغدادية. ويلاحظ أنّ البغداديين كثيراً ما كانوا يتهكمون من أهل الكرادة. ويستند هذا التصرّف إلى اعتقاد البغدادي أنّ الكرادي غير متحضر وأن درجته في سلم التطور الاجتماعي أدنى من درجته. وليس لأهل بغداد يد في هذا الاعتقاد فهو من نتائج الشعور بالتفوق الذي يلازم أهل المدن ويغرس في أذهانهم مثل هذه الأفكار والغرور.
يقترن اسم كرادة مريم بالكسلة المشهورة التي كان يؤجج أوارها أهل بغداد. وقد فاتنا أن نشير إلى ضريح يقع في وسط الناحية وينسب إلى السيدة مريم بنت عمران والدة المسيح ومنه استمدّت كرادة مريم اسمها. والمرجح أنّ هذا القبر يعود لامرأة صالحة من نساء العهد العثماني اسمها مريم، وقد التبس الأمر على الناس فشاع بينهم أنّها السيدة العذراء. والعذراء لم تأت إلى العراق ولا عهد لها بالكرادة.
كان أهل الكرادة يقدسون ضريح مريم تبعاً لهذا الظن. واتخذوا من الأرض التابعة له مقبرة.
أمّا أهل بغداد فكان هذا المشهد متنزهاً لهم يجتمعون حوله في كلّ عام مرتين: في الجمعة الأولى بعد عيد الفطر والجمعة الأولى بعد عيد الأضحى، وهذه هي (الكسلة)… والكسلة في بغداد ثلاثة أيام، فإلى جانب كسلة مريم كانت كسلة السيد إدريس في الكرادة الشرقية ويحتفل بها في الأحد الأوّل بعد العيدين. وكسلة أبو رابعة في الأربعاء الأوّل بعد العيدين وكانت تتوهج حول ضريح (أبو رابعة) في الأعظمية.
عندما يحين موعد الكسلة في كرادة مريم كان الناس يأخذون ـ منذ الصباح الباكر ـ بالزحف نحو ضريح السيدة من كلّ جهة من جهات بغداد حتّى تضيق بهم البساتين والحقول المحيطة بالضريح. ويأتي مع الناس، الباعة المتجولون بأنماط شتّى من الأطعمة والمرطبات واللعب. ومع هواة الطرب ألوان ممّا عرفت بغداد في ذلك الوقت من أدوات اللهو والغناء. ويكون يوماً مشهوداً يفوق في صخبه ومسراته أيام العيد ويطبع في الأذهان ذكريات لا تنسى.
أمّا أصل الكسلة فمجهول، وكذلك المعنى الذي ينطوي عليه، وأغلب الظن أنّها وجدت بدافع الرغبة في مداومة المرح والتعطل الذي يستروحه الناس طوال أيام العيد. على أنّ امتداد العمران في بغداد قد حوّل الكرادة إلى أحياء بغدادية عامرة بالدور والقصور والشوارع والحدائق.
يقول حسن الأمين: خلال إقامتي في بغداد قلت في الكرادة الشرقية:
كرادة الشرق البهيج تألقي
حول الضفاف الزاهرات وأشرقي
هجيت أشجان الفؤاد الشيق
لمّا طلعت بكل حسن مونق
يا ليت أحبابي بسفحي جلق
يدرون ما يلقى المحب وما لقي
*
كم يستطاب على شواطيك السمر
وتلذ لي فيك الأصائل والبكر
كم يستثير كوامني ضوء القمر
ويهيج تحناني الظلام المعتكر
ما أجمل الصفصاف والنخل النضر
متدلياً بالزهر يعبق والثمر
*
حول الضفاف أزاهر تتفتق
ومفاتن تجلى وحسن يشرق
وعلى العباب مراكب تتألق
ومواكب تشدو هوى وتصفق
يا نهر: كم يحلو عليك الزورق
مترنحاً بيد النسائم يخفق
*
النهر منضور الضفاف مُنَوّر
تزهو عليه الباسقات وتثمر
والليل معطار النسائم مقمر
يلهو الجمال بضفتيه ويسمر
سمراء رنحها الدلال وأسمر
يلويها كالغصن حب مسكر
*
ما أورع الشط المرقرق ساجيا
طوراً وطوراً بالأواذي طاغيا
كم كان في الهم الطويل عزائيا
وكم لمست بضفتيه شفائيا
ما أعذب الملاح يغدو شاديا
ويروح في الليل البهيم مناجيا
*
ملاح: يا حلو الشمائل أنشد
ما شئت من لحن الغرام ووردِ
يهتاجني في الليل زورقك الندي
ويبل شدوك غلة القلب الصدي
أنا سامع بفؤاديّ المتوجد
فاهتف بلحنك في الضفاف وغردِ
*
أنا في الضفاف على شجوني مفرد
لا طلعة تحنو عليّ ولا يد
الأمس أضواني فهل يضوي الغد
أفكلما خلق الأسى يتجدد
يا ليل هل يدري هناك الهُجّد
أني بوادي الرافدين مسهّد
حول سقوط بغداد
ورد لكاتب عن سقوط بغداد في أيدي المغول ما أوجب الرد عليه بما يأتي:
1 ـ قال الكاتب ما يلي: «لقد كان الطوسي على علم بما كان يبيّته ابن العلقمي والدواتدار للإطاحة بالخليفة العباسي وإسناد الخلافة للعلويين أو أحد الأمراء العباسيين».
2 ـ نسب عبارة «لحبيب السير» وهي قوله: «إنّ حادثة بغداد إنّما وقعت بناء على مشاورة الخواجه نصير الدين الطوسي من جهة، ومن جهة أخرى الوزير المكار (ابن العقلمي)، الذي مهد السبيل لحملة المغول، وهو الذي فرّق جيش الخلافة في أطراف البلاد، ثمّ أرسل رسولاً إلى هولاكو وأخبره بتفرّق العساكر. كما أرسل رسالة أخرى إلى هولاكو: أنّه بعد وصول جيوشكم إلى بغداد، سأقطع علاقتي بالعباسيين الذي سينقطع أثرهم ودابرهم».
نقل الكاتب هذا القول دون أن يعلق عليه بكلمة، ممّا يدل دلالة واضحة على أنّه يتبناه ويأخذ به.
3 ـ قال وهو يحلل كلام رشيد فضل الله الهمذاني: «ثمّ إنّ إصرار ابن العقلمي الوزير العباسي على هولاكو في الهجوم على بغداد…».
4 ـ قال في مكان آخر: «وقد أثارت هذه الحوادث الوزير العلقمي، فحملته على مكاتبة هولاكو واستدعائه لطي بساط العباسيين».
هذه هي التهم الصريحة التي وجهها الكاتب إلى الوزير المفترى عليه (ابن العقلمي)، وشارك فيها المفترين في افتراءاتهم، دون أن يحسب أي حساب للحقائق التاريخية التي تصفع كلّ باطل جاء به المبطلون!…
فما هي الحقائق في ذلك؟:
نريد أوّلاً: أن نفنّد الزعم القائل: بأنّ ابن العقلمي (هو الذي فرّق جيش الخلافة في أطراف البلاد)، إضعافاً للدفاع عن بغداد، كما نقل الكاتب عن حبيب السير متبنياً قوله هذا!!
إنّ أمر الجيش لم يكن بيد ابن العلقمي، ولا كان هو الذي يفرض جمعه أو تفريقه أو الإنفاق عليه، ولم تكن له أيّة صلاحية في شأن من شؤونه. وإن صحّ تفريق الجيش، فإنّ الذي يكون قد أمر بتفريقه هو الرجل المسؤول عن ذلك ومن بيده أمر تصريف شؤون الجيش وهو غير ابن العقلمي كما سنبيّنه هنا:
فإليك هذه النصوص التاريخية التي جاءت في كتاب (الحوادث الجامعة)، فقد أورد مؤلفه وهو يذكر حوادث سنة 650 ما يلي:
«وفيها فارق كثير من الجند بغداد لانقطاع أرزاقهم ولحقوا ببلاد الشام»([228]).
ومن حوادثهم أنّهم طالبوا بزيادة أعطياتهم ولمّا رفض الشرابي قائد الجيش طلبهم، حاولوا الإخلال بالأمن وطالبوا بإخراج المحبوسين منهم، ثمّ خرجوا إلى ظاهر بغداد وأقاموا هناك بضعة أيام مظهرين الرحيل، ثمّ سألوا الصفح عنهم عندما اجتمع بهم أحد الشيوخ الزاهدين. وقد وصف في كتاب (الحوادث الجامعة) ما جرى بما يلي:
«وفي شعبان حضر جماعة المماليك الظاهرية والمستنصرية([229]) عند مشرف الدين إقبال الشرابي للسلام على عادتهم، وطلبوا الزيادة في معايشهم، وبالغوا في القول، وألحّوا في الطلب، فردّ عليهم وقال: ما نزيدكم بمجرد قولكم، بل نزيد منكم من نزيد إذا أظهر خدمة يستحق بها، فنفروا على فورهم إلى ظاهر السور، وتحالفوا على الاتفاق والتعاضد، فوقع التعيين على قبض جماعة من أشرارهم. فقبض منهم اثنان، وامتنع الباقون وركبوا جميعاً وقصدوا باب البدرية، ومنعوا الناس من العبور، فخرج إليهم مقدم البدرية وقبّح لهم هذا الفعل، فلم يلتفتوا إليه، فنفذ إليهم سنجر الياغر فسألهم عن سبب ذلك فقالوا نريد أن يخرج أصحابنا وتزاد معايشنا. فأنهى سنجر ذلك إلى الشرابي، فأعاد عليهم الجواب: أنّ المحبوسَيْن ما نخرجهما وهم مماليكنا نعمل بهم ما نريد، ومعايشكم ما نزيدها فمن رضي بذلك يقعد، ومن لم يرض وأراد الخروج من البلد فنحن لا نمنعه. وطال الخطاب في ذلك إلى آخر النهار، ثمّ مضوا وخرجوا إلى ظاهر البلد، فأقاموا هناك مظهرين للرحيل، فبقوا على ذلك أياماً، فاجتمع بهم الشيخ السبتي الزاهد، وعرّفهم ما في ذلك من الإثم ومخالفة الشرع. فاعتذروا وسألوه الشافعة لهم، وأن يحضر لهم خاتم الأمان ليدخلوا البلد، فحضر عند الشرابي وعرّفه ذلك، وسأله إجابة سؤالهم، فأخرج لهم خاتم الأمان مع الأمير شمس الدين قيران الظاهري والشيخ السبتي، فدخلوا والشيخ راكب حماره بين أيديهم، وحضروا عند الشرابي معتذرين، فقبل عذرهم، وكانت مدّة مقامهم بظهر السور سبعة أيام».
وبعد وفاة الشرابي كان أمر الجيش وكلّ ما يتعلّق بشؤونه بيدي مقدّم الجيش مجاهد الدين أيبك الدواتدار الصغير خصم ابن العلقمي وعدوّه اللدود، فقد كان هو الذي يتولى منصب قائد الجيش.
وما ذكره مؤلف (الحوادث الجامعة)، يعطينا صور واضحة عمّا كانت عليه حال الجيش في بغداد من التمزق والتشرذم والفوضى قبل تولّ ابن العلقمي الوزارة، ثمّ استمر ذلك حتّى وصول جيوش المغول. وأنّ المسؤولين عن ذلك هم الشرابي ومجاهد الدين أيبك الدواتدار الصغير وأمثالهم ممّن كان إليهم التصرّف بأمر الجيش.
ومن أعاجيب هذا الكاتب ما ذكره عن اتفاق ابن العلقمي والدواتدار على الإطاحة بالمستعصم!…
مع أنّ هذين الاثنين لم يتفقا في حياتهما على شيء، بل كانت العداوة بينهما مستمرة على أشدها، أمّا عن المؤامرة فنقل ما ذكره المؤرخ رشيد الدين فضل الله الهمذاني بنصه ليرى القارىء أنّ الأمر كان عكس ما ذكره الكاتب. قال الهمذاني:
«ولمّا لمس (الدواتدار) في نفسه القوّة ورأى الخليفة المستعصم عاجزاً لا رأي له ولا تدبير وساذجاً، اتفق مع طائفة من الأعيان على خلعه وتولية آخر من العباسيين في مكانه. وعندما علم مؤيد الدين بن العلقمي نبأ تلك المؤامرة، أخبر الخليفة على انفراد قائلاً يجب تدارك أمرهم».
إذن فصاحب المؤامرة هو الدواتدار، والذي قاومها وأفشى أمرها للمستعصم هو ابن العلقمي، كما أنّه لم يكن عند المتآمرين تفكير بإسناد الخلافة للعلويين كما يزعم الكاتب، بل إلى آخر من العباسيين. لأنّ المتآمرين هم في الأصل ضد العلويين أمّا عن اتهام ابن العلقمي بالتعامل مع المغول فنقول:
إنّ الأصل في إرسال هذه التهمة هو عدو ابن العلقمي الدواتدار فقد قال المؤرخ رشيد الدين فضل الله الهمذاني ما نصّه:
«ولمّا كان الدواتدار خصماً للوزير، فإنّ أتباعه من سفلة المدينة وأوباشها كانوا يذيعون بين الناس أنّ الوزير متفق مع هولاكو».
هذا هو الأصل في كلّ ما ذكر أمّا ما ذكر بعد ذلك، فهو ما توسع به المتوسعون، وأضافه المفترون.
وإذا كان سفلة المدينة وأوباشها هم أصل التهمة فإنّ سفلة التاريخ وأوباشه هم من تبناها ونشرها.
عدو عريق في عداوته يريد أن ينال من عدوه، فينشر في أوساط السفلة والأوباش إشاعة، فيأتي بعد ذلك من توافق هذه الإشاعة هواهم فيفرغها كلّ منهم في القالب الذي يختاره حتّى يبلغ بهم التناقض أحياناً مداه، ثمّ يولع بعضهم بالافتراء فيضيف أشياء لم يقل بها الذين سبقوه ممّا سنراه فيما يلي:
أبو شامة المتوفى سنة 665هـ (1262م) يقتصر في تهمته وهو يتحدّث عن حوادث سنة 656هـ (1258م) على هذا القول: «استولى التتار على بغداد بمكيدة دبرت مع وزير الخليفة».
وجاء قطب الدين اليونيني المتوفى سنة 726هـ (1325م) فأعاد العبارة نفسها، ثمّ راح يعلل أسباب ذلك، بأنّ الدواتدار والأمير أبا بكر ابن الخليفة تقدما إلى الجند بنهب الكرخ، فهجموا ونهبوا وقتلوا وارتكبوا العظائم، فشكا أهل الكرخ (وهم من مذهب الوزير) ذلك إلى الوزير فأمرهم بالكف والتغاضي، وأضمر هذا الأمر في نفسه، وحصل بسبب ذلك عنده الضغن على الخليفة.
ثمّ يوغل اليونيني بالتفاصيل بما لا يخرج عن الاتهام. ويزيد على ذلك، بأنّ صاحب الموصل بدر لؤلؤ، كاتب الخليفة سراً في التحذير من المغول. وأنّ الوزير لم يكن يوصل رسله إلى الخليفة.
ثمّ جاء الذهبي المتوفى 748هـ (1347م) فقال وهو يتحدّث عن أحداث سنة 648هـ (1250م): «وأمّا بغداد فضعف دست الخلافة وقطعوا أخباز الجند الذين استجدهم المستنصر. كلّ ذلك من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي، جهد في أن يزيل دولة بني العباس ويقيم حكماً علوياً، وأخذ يكاتب التتار ويراسلونه والخليفة غافل لا يطلع على الأمر ولا حرص له على المصلحة».
ثم جاء عبدالله بن فضل الشيرازي الذي ألّف كتابه حوالي سنة 729هـ (1328م) ما ملخصه: إنّ الخليفة كان منصرفاً إلى اللهو والراحة، وكان وزيره ابن العلقمي مستبداً بالأمور، وأنّ فاجعة الكرخ الذي كان قائدها ابن الخليفة الذي أرسل جنوداً أغاروا على الكرخ وأسروا البنين والبنات وبينهم العلويات كانت السبب في نقمة الوزير ممّا دعاه إلى مرسالة المغول ودعوتهم إلى بغداد.
وهنا يتناقض هؤلاء القوم، فبينا رأينا فيما تقدّم أنّ تمزق الجيش وتشرذمه كان معروفاً، إذا بالشيرازي يقول: «إنّ حصانة بغداد وكثرة جنودها كان أمراً مشهوراً، وإنّه بينما كان الخليفة منصرفاً لسماع الأغاني والاجتماع بالجواري والمغنيات، كان ابن العلقمي يفرّق الكلمة ويشرد جميع الأفراد وينفر الجنود، وإنّ الشرابي والدواتدار يحذرون الخليفة وابن العلقمي يسخف أقوالهم».
يقول الشيرازي هذا القول، بينما رأينا فيما تقدّم، موقف الجند من الشرابي وما جرى بينه وبينهم. كما رأينا أنّ أمر الجند والجيش لم يكن بيد ابن العلقمي بل بيد الشرابي نفسه، ثمّ بعد وفاته في يد مجاهد الدين أيبك الدواتدار الصغير.
وهكذا يرى القارىء أنّه كلّما مرّ الزمن وجاء مفتر جديد، يختلق أشياء جديدة لم يذكرها الذي قبله، ويتوسّع في الخيال بما يدعم به افتراءه.
فأوّل هؤلاء (أبو شامة)، لم يزد في اتهامه على نسبة المكيدة لابن العلقمي، ثمّ توسّع المتوسعون ما رأيناه في أقوالهم المتقدمة.
ثمّ تجيء الفضيحة الكبرى بمجيء ابن شاكر الكتبي المتوفى سنة 764هـ (1362م) الذي رأى أن لا يكتفي بتكرار ما اخترعه الذين تقدّموه، وزيادة شيء يمكن أن يكون معقولاً. بل عمد إلى شيء مضحك مبكِ معاً، فهو لشدّة حرصه على إثبات التهمة، نسي عقله ونحاه جانباً واختلق شيئاً لا يمكن أن يختلقه إذا لم يكن عقله منسياً منحى، وفَاتَه أنّ تصوير أداة الجريمة بالصورة التي صوّرها بها، كافٍ لإسقاط التهمة من أساسها فقال:
«لمّا كان (ابن العلقمي) يكاتب التتار، تخيّل إليّ أنّه أخذ رجلاً وحلق رأسه حلقاً بليغاً وكتب ما أراد عليه بالإبر ونفض عليه الكحل وتركه عنده إلى أن طلع عليه شعره وغطّى ما كتبه فجهزه وقال: إذا و صلت مُرْهُمْ بحلق رأسك ودعهم يقرؤون ما فيه. وكان في آخر الكلام: (قطّعوا الورقة)، فضربت عنقه، وهذا في غاية المكر والخزي».
هذه هي الصورة المضحكة المبكية ـ كما قلنا ـ التي صوّر ابن شاكر الكتبي أداة الجريمة فكان بذلك في غاية المكر والخزي: المضحكة لهذا التخيّل الفاضح، والمبكية لأنّ تبلغ الأهواء بمن أؤتمنوا على كتابة التاريخ إلى هذا المدى!.
ونسي ابن شاكر أنّ يبيّن لنا كيف استطاع صاحب الرأس المكتوب عليه بالإبر، كيف استطاع تحمّل آلام الإبر وهي تغرس في رأسه في الرسالة الطويلة:
ويعلّق الدكتور مصطفى جواد على هذا القول مستهزئاً: فليت شعري من خَبَّر بهذا الفعل ـ لو صحّ ـ ابن العلقمي؟ أم الذي قُطع رأسه؟ أم المغول الذي يعتبر هذا من أهم أسرارهم؟!
ثمّ يجيء تاج الدين السبكي المتوفى سنة 771هـ (1369م)، فتعجبه الصورة التي رسمها ابن شاكر الكتبي فرأى أن يتبناها، ولكنّه كغيره ممّن تقدّموه رأى أن يزيد عليها فقال: «إنّه (أبن العلقمي) حلق رأس شخص وكتب عليه بالسواد وعمل على ذلك وأصار المكتوب كلّ حرف كالحفرة في الرأس، ثمّ تركه عنده حتّى طلع شعره وأرسله إليهم».
كلّ حرف كالحفرة في الرأس، ومهما كانت الرسالة موجزة ـ مع أنّه ليس من المعقول أن تكون موجزة ـ فلنتصوّر كم حفرة تكون قد حفرت في ذلك الرأس!…
ولم يخبرنا هذا المؤرخ المبدع!! عن الأداة التي حفرت بها تلك الحفر!! ولا عن حالة صاحب الرأس وهم يحفرون في رأسه الحفرة بعد الحفرة!!
يقول الدكتور جعفر خصباك:
«وعندما نصل إلى أواخر القرن العاشر الهجري، نجد أنّ قصة سقوط بغداد وخيانة ابن العلقمي تتّسع إلى حد غير معقول وتختلط بأقاصيص غريبة على يد الشيخ حسن الديار بكري المتوفى سنة 990هـ (1582م). ثمّ ينقل الدكتور خصباك النصوص التي ذكرها الديار بكري في كتابه (تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس)، وهي نصوص طويلة اخترع فيها أشياء لم يذكرها أحد ممّن تقدّموه وفيها العجائب الغرائب، يطول بنا المقام لو أردنا نقلها هنا.
ثمّ يأتي الديار بكري بعد ذلك بالطامة الكبرى فيقول عن ابن العلقمي: «فلم يلبث أن أمسكه هولاكو بعد قتل المستعصم بأيام ووبخه بألفاظ شنيعة معناها أنّه لم يكن له خير في مخدومه ولا دينه، فكيف يكون له خير في هولاكو، ثمّ إنّه قتله شر قتلة»!!
هكذا استسهل هذا المؤرخ الفذ أن يختلق قتل هولاكو لابن العلقمي، ومن يستسهل هذا الاختلاق، أيصعب عليه أي اختلاق آخر؟!
والذي يبدو أنّ ما حمل الديار بكري على هذه الكذبة المفضوحة، أنّ من سبقوه اتخذوا من بقاء ابن العلقمي حياً بعد فتح بغداد، ثمّ مشاركته في اللجنة التي أعادت تنظيم بغداد والعراق، اتخذوا من ذلك دليلاً على ما اتهموا به ابن العلقمي، ثمّ تبين لمن جاء بعدهم أن ليس في هذا ما يمكن أن يكون دليلاً على ثبوت التهمة، وذلك لأنّه ليس هو الوحيد الذي سلم من القتل ثمّ شارك في اللجنة الإدارية. بل كان ذلك شأن غيره من أركان الدولة العباسية كما سيأتي. فارتأى الديار بكري أن يتجاوز ما ذكره من قبله، وأن يخترع خبر قتل هولاكو لابن العلقمي، هكذا بكلّ سهولة، بل بكل وقاحة!
هذا هو موجز نصوص التهمة التي وجّهت إلى ابن العلقمي، فما هي الحقيقة في ذلك؟
1 ـ إنّ أحداً من المؤرخين الشرفاء من ذوي النزاهة لم يقل بهذه التهمة، وإنّما اقتصر القول بها على المؤرخين المتعصبين الذين لا يبالون في سبيل هواهم النّحَلي أن يقولوا أي شيء.
فهناك مثلاً عطا ملك الجويني صاحب كتاب (جهانكشاي) المعاصر لتلك الأحداث. وعبدالرحمن سنبط بن قنينو صاحب كتاب (العسجد المسبوك) وهو عراقي معاصر لها أيضاً. وأبو الفرج بن العبري صاحب كتاب (تاريخ مختصر الدول) وهو أيضاً معاصر لها. وعبدالرزاق بن الغوطي البغدادي وهو أيضاً معاصر لها. ولو كان لهذه التهمة أي نصيب من الصحة، لأشار إليها هؤلاء المؤرخون المعاصرون، المتصلون بالأحداث عن كثب، والمطلعون على أدق التفاصيل فيها.
2 ـ إنّ المتهمين جميعاً يجعلون سنة 654هـ (1256م) هي السنة التي قرّر فيها هولاكو الزحف على بغداد بسبب تحريض ابن العلقمي له على ذلك وتهوين الأمر عليه، وذلك انتقاماً لفاجعة الكرخ التي حدثت في السنة المذكورة.
وهذا القول يقوله من يظن أنّ الناس على قدر من السذاجة بحيث يصدقون معه قوله. مع أنّ غزو العراق ـ كما يعرف ذلك كلّ من له إلمام بتاريخ تلك الفترة ـ وكما يقول الدكتور جعفر خصباك: «كان أمراً تتضمنه طبيعة الغزو المغولي الذي كان يستهدف السيطرة على العالم، وقد استولى المغول فعلاً على أكثر الصين وأواسط آسيا وإيران وأوروبا الشرقية، وبقيت بلاد الإسماعيلية والعراق وسورية ومصر جيباً جغرافياً وعسكرياً كان لا بد من الاستيلاء عليه، وهذا ما قام به هولاكو. وإذا كان العراق قد سقط بأيدي المغول نتيجة لخيانة وزيره ابن العلقمي، فكيف نفسّر سقوط كلّ هذه البلاد الممتدة من المحيط الهادي إلى أواسط أوروبا؟ ومن هم الخونة الذين سلّموها إلى الأعداء؟ ثمّ كيف نفسّر احتلال هولاكو لسورية واستعداده للزحف على مصر»؟
ويزيد الدكتور خصباك قائلاً: «إنّ كلّ ما قيل عن رسل الوزير إنّما كان مجرد إشاعات لا تستند إلى أي دليل، فليس هناك حتّى من ادّعى أنّه رأى رسل ابن العلقمي إلى هولاكو أو قبض عليهم أو تحدّث إليهم أو شهدهم يدخلون على هولاكو».
ومصدر هذه الإشاعات الوحيد ـ كما قلنا من قبل ـ هو (الدواتدار) الصغير عدو ابن العلقمي اللدود.
3 ـ أنّ ما حاول أن يستند إليه مرددو التهمة من سلامة ابن العلقمي وإشراكه في اللجنة التي شكّلت لإدارة شؤون العراق بعد الفتح، يرده أن ممّن سلموا وأشركوا في تلك اللجنة من كان من أركان الدولة قبل الفتح ومنهم صاحب ديوان الخليفة المستعصم، أي وزير ماليته، وحاجب الباب في عهده أي مدير شرطة العاصمة. كما كان من بين السالمين أقرب مستشاري الخليفة إليه صديقه عبد الغني الدرنوس.
وكان لا بدّ للمغول ممّن يعهدون إليه بإدارة شؤون البلاد، من أهل البلاد نفسها فاختاروا من اختاروهم، وكان فيهم ابن العلقمي، وقد كان مقياس الاختيار ـ كما يظهر جلياً ـ هو تمرّس المختار بالأعمال الإدارية من قبل، لذلك اختاروا كبار رجال الحكم السابقين.
وقد أدرك فساد هذا الدليل من جاؤوا من بعد، لذلك رأينا الدينار بكري يختلق قصة قتل هولاكو لابن العلقمي.
وما أحسن ما قاله الدكتور جعفر خصباك في هذا الموضوع: «ويبدو أن إلصاق تهمة سقوط بغداد بابن العلقمي إنّما غايتها تبرير الإهمال والتسيّب اللذين سيطروا على إدارة العراق منذ بداية الغزو المغولي لدولة خوارزم سنة 616هـ (1219م) وقد كانت الخطة الصحيحة المناسبة آنذاك هي محاربة المغول منذ أوّل ظهورهم في بلاد ما وراء النهر وخراسان، وليس التفرّج على هجماتهم وفظائعهم وانتظارهم عند أسوار بغداد، ثمّ اتهام الوزير بأنه السبب في سقوط المدينة.
الطوسي يحمي كتب بغداد
لا نريد هنا التحدّث بالتفصيل عمّا جرى في فتح بغداد، بل أنّنا نريد معرفة مصير كتب بغداد وحماية نصير الدين الطوسي لها:
فمن أقدم الإشارات إلى ذلك ما ورد في الكتاب المنسوب ـ اشتباهاً وغلطاً إلى ابن الساعي ـ المتوفى سنة 674هـ قوله: «ويُقال إنّهم (المغول) بنوا اصطبلات الخيول وطولات المعالف بكتب العلماء عوضاً عن اللبن». ثمّ ما ورد عن ابن خلدون المتوفى سنة 808 من أنّ المغول استولوا على قصور الخفاء وذخائرها «وعلى ما لا يبلغه الوصف ولا يحصره الضبط والعد، وألقيت كتب العلم التي كانت بخزائنهم في دجلة وكانت شيئاً لا يعبر عنه». كما يذكر القلقشندي المتوفى سنة 821 عن خزائن كتب الخلفاء ببغداد عند الغزو المغولي بأنّها «ذهبت فيما ذهب وذهبت معالمها وأعفيت آثارها». ويذكر ابن تغري بردي المتوفى سنة 874 عن كتب بغداد بأنّها أحرقت. كما يقول إنّ المغول «بنوا بها جسراً من الطين والماء عوضاً عن الآجر». ويقول: «وقيل غير ذلك». وهناك نص طريف لمؤرخ مكي توفي سنة 988 أو 991هـ جعل فيه بغداد على الفرات وقال: «ورموا كتب بغداد في الفرات وكانت لكثرتها جسراً يمرون عليها ركباناً ومشاة وتغيّر لون الماء بمداد الكتابة إلى السواد».
هذه أهم النصوص التي تدين المغول الذين غزوا بغداد سنة 656 بإتلاف الكتب وخزائنها. وسأناقشها بعد أن أشير بإيجاز إلى المصادر التي سكتت عن مصير الكتب عند حادثة سقوط بغداد. وقد يفيد السكوت عدم حصول أي حادث للكتب.
فمن أهم المصادر التي سكتت عن هذه المسألة ما دوّنه رشيد الدين فضل الله الهمذاني المتوفى سنة 718 والذي يعتبر بحق مؤرخ المغول الأوّل، فقد سكت في تاريخه عن مصير الكتب، ولكنّه ذكر القتل العام والنهب والإحراق والاستيلاء على قصور الخلفاء. كما نلاحظ السكوت أيضاً عند اليونيني المتوفى سنة 726 وأبي الفداء المتوفى سنة 732 والذهبي المتوفى سنة 748 وغيرهم من المتأخرين كابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ.
أمّا المصادر التي أنارت الطريق للكشف عن المسألة، ففي مقدمتها معجم ابن الفوطي الموسوم بتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب. حيث يذكر لنا هذا المؤرخ البغدادي المعاصر للحوادث التي نحن بصددها في ترجمة عز الدين بن أبي الحديد ما نصّه: «ولمّا أخذت بغداد كان (ابن أبي الحديد) ممّن خلص من القتل في دار الوزير مؤيد الدين مع أخيه موفق الدين، وحضر بين يدي المولى السعيد خواجه نصير الدين الطوسي وفوّض إليه أمر خزائن الكتب ببغداد مع أخيه موفق الدين والشيخ تاج الدين علي بن أنجب. ولم تطل أيامه فتوفي رحمه الله في جمادى الآخرة من سنة ست وخمسين وستمائة». وفي الحوادث الجامعة في سنة 656: «كان أهل الحلّة والكوفة والمسيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة فانتفع الناس بذلك وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة…»([230]) وفيه أيضاً أنّ علي شهاب الدين بن عبدالله عيّن صدراً في الوقوف وقد عمّر جامع الخليفة الذي أحرق أثناء الحادثة ثمّ فتح المدارس والربط وأثبت الفقهاء والصوفية وصرف لهم رواتبهم لمّا سلمت مفاتيح دار الخليفة إلى مجد الدين محمد بن الأثير وجعل أمره إليه». وفيه كذلك في حوادث سنة 626 خبر قدوم نصير الدين الطوسي إلى بغداد لتفقد الأحوال والنظر في الأوقاف والأجناد والممالك وزيارته لواسط والبصرة وجمعه الكثير من كتب العراق لأجل الرصد. وأكد ذلك ابن شاكر الكتبي الذي يذكر تأسيس الطوسي لرصد مهم بمراغة فيه خزانة كتب مهمة ملأها من كتب بغداد وغيرها من المدن «حتّى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد». وذكر ابن كثير ذلك ايضاً وقال: «نقل إليه ـ يعني الرصد ـ شيئاً كثيراً من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد». وهناك إشارة عند ابن الفوطي إلى سوق الكتب ببغداد سنة 722 كما أنّ المدرسة المستنصرية قد نجت أثناء حادثة سقوط بغداد «إذ كانت على وضعها حين وصفها ابن بطوطة سنة 727 مطنباً في تصوير عظمتها. وقد ذكرها حمد الله المستوفي بعد زمن ابن بطوطة باثنتي عشرة سنة فقال: «إنّ بناءها من أجمل المباني الباقية في بغداد يومئذ». ولدى القلقشندي عن أوقاف بغداد ما يفيدنا في فهم مدى أثر المغول في نظم بغداد بعد سقوطها حيث يقول: «وأوقافها جارية في مجاريها لم تعترضها أيدي العدوان في دولة هولاكو ولا فيما بعدها، بل كلّ وقف مستمر بيد متوليه ومن له الولاية عليه، وإنّما نقصت من سوء ولاة أمورها لا من سواها»([231]).
والآن بعد ما أوردنا من نصوص، لنا أن نناقش الموضوع فنقول: إنّ أهم المصادر الأولية في موضوعنا هذا هي كتاب رشيد الدين فضل الله الهمذاني ومعجم ابن الفوطي والحوادث الجامعة. فالمصدران الأوّلان لم يذكرا شيئاً عن الكتب بوجه الخصوص، وإنّما أشارا إلى النهب والقتل اللذين صاحبا الحادثة بوجه عام. في حين أنّ المصدر الثالث وهو معجم ابن الفوطي ذكر إناطة أمر خزائن كتب بغداد بعد سقوطها بابن أبي الحديد وأخيه موفق الدين وابن الساعي، وذلك بأمر من نصير الدين الطوسي.
وهذا النص يشعرنا ببقاء خزائن كتب بغداد على حالها، وأنّها كانت بتصرّف نصير الدين الطوسي الذي أمر بتعيين ثلاثة من كبار أدباء ومؤرّخي العصر للإشراف عليها وإدارتها. كما أنّ النص ـ في الوقت نفسه ـ يدلنا على مدى التلاعب والتزوير في الكتاب المنسوب لابن الساعي الذي سبق لنا أن نقلنا ما ورد فيه عن مصير كتب بغداد حيث بدأ خبره بالتشكيك بلفظ: (يُقال) ـ بأنّ المغول بنوا اسطبلات الخيول وطولات المعالف بكتب العلماء. في حين أنّ ابن الساعي وهو المؤرّخ الكبير المعروف كان ببغداد وقت الحادثة وهو ممّن نجا منها، فلماذا يشكّك في الأمر ولا يجزم فيه وهو شاهد عيان. هذا إلى جانب كونه أحد الثلاثة الذين أناط بهم نصير الدين الطوسي مسؤولية خزائن كتب بغداد بعد سقوطها. ولعل هذا الخبر عن كتب بغداد في هذا الكتاب كخبر الآخرين عن إسلام هولاكو قبل موته بطريقة عجيبة وبمعجزة للرفاعيين. وإخباره عن أبي سعيد آخر سلاطين الإيلخانيين الذي كانت وفاة ابن الساعي قبل ولادته بأكثر من ثلث قرن من الزمان.
ثمّ إذا لاحظنا ما ذكره صاحب الحوادث الجامعة أيضاً و ابن شاكر الكتبي وابن كثير والمقريزي عن نقل الطوسي للكثير الكثير من كتب بغداد والعراق إلى الرصد الذي أسّسه بمراغة نشعر ايضاً بانتقال قسم كبير من كتب بغداد إلى خزانة الرصد المذكور. وبملاحظتنا لما نقله القلقشندي عن أوقاف بغداد بعد سقوطها نستشعر بأنّ قسماً من كتبها ـ وهو جزء من الأوقاف ـ لم تعترضه أيدي المغول. وفي بقاء المدرسة المستنصرية على حالها وسلامتها من أذى الغزو، مع علمنا بأنّها كانت تضمّ خزانة كتب عظيمة فريدة لأمر يجلب الانتباه حقّاً، ويفيد ببقاء خزانتها على ما كانت عليه قبل الغزو([232]).
بين جنگيز وهولاكو والطوسي
يقول محمد مدرسي زنجاني: في كتابه (سركزت وعقائد فلسفي خاجه نصير الدين الطوسي): فضلاً عن مقام الطوسي العلمي استطاع بتأثيره على مزاج هولاكو أن يستحوذ تدريجياً على عقله وأن يروّض شارب الدماء فيوجهه إلى إصلاح الأمور الاجتماعية والثقافية والفنية».
ويقول الدكتور جعفر خصباك في كتابه: (العرق في عهد الملوك الإيلخانيين):
«وقد كثر الكلام عن التخريبات الواسعة التي أحدثها الغزو المغولي للعراق ولسنا في مجال الدفاع عن أولئك الغزاة البرابرة أو النيل منهم ولكن دراستنا للنصوص التي وصلتنا عن المراجع المعاصرة والمطلقة انتهت بنا إلى نتيجة تخالف نوعاً ما ما هو شائع. فالمغول لم يخربوا نظام الري في العراق، وتخريبهم للمدن كان محدوداً في مناطق معينة…».
ثمّ يقول: «هولاكو لم يجر على سُنّة جدّه جنگيز خان بتخريب أكثر أو كلّ المدن التي تقع في طريق زحفه وقتل سكانها. ويبدو لنا أنّ الصورة التي رسمها المؤرخون لفاتح بغداد المغولي إنّما هي انعكاس للأعمال التي قام بها جدّه فيما وراء النهر وخراسان…».
ثمّ يقول: «وقد عهد هولاكو أمر تنظيم العراق وإدارته بعد الفتح إلى مسلمين يعرفون شؤونه ويعطفون على أهله فعملوا على إعادة تعميره ونشر الاستقرار فيه…» ([233]).
ثمّ يقول: «إنّ الكثير من تنظيمات العراق الإدارية والاقتصادية وأحواله الاجتماعية لم تخضع لتغييرات مفاجئة أو عميقة، بل إنّ الاستمرارية ظلّت واضحة فيها فكأنّ البلاد فقدت الخليفة العباسي ووزراءه وعدداً من وظائفه، ولكنّها احتفظت بالكثير من نظمهم ووظائفهم الإدارية».
ثمّ يقول: «… وأخذت شخصية البلاد الثقافية الناتجة من تراثها الغني العميق تعود إلى الظهور من جديد، كما ظهر بنو العباس وصارت لهم نقابة خاصّة بهم».
ويقول عن بغداد: «… ومن هذا كلّه يبدو أنّ عبارات التخريب التي أوردها المؤرخون عمّا جرى للمدينة (بغداد) مبالغ فيها لأنّ المعالم الرئيسية للمدينة كقصور الخليفة والمدارس والأسواق وغالب المحلات بقيت دون أن يصيبها غير تخريب محدود أمكن إصلاحه في وقت قصير…».
ويقول: «يضاف إلى ذلك أنّ الكتاب الموسوم بالحوادث الجامعة ـ وهو معاصر ـ يؤكد وجود دار الخلافة ودار الدويدار الكبير وجامع الخليفة والمدرسة النظامية وسوقها والمدرسة المستنصرية والمدرسة التتشية ومدرسة الأصحاب ومدارس وربط أخرى».
ويقول في (الحوادث الجامعة) ص333، وفي (جامع التواريخ)، ج2، قسم 1، ص595: إنّ هولاكو قد أمر بعد انتهاء عمليات الاستباحة بإصلاح ما خرب من المدينة وترميم أسواقها وإعادة أعمال أهلها إلى ما كانت عليه سابقاً. (انتهى).
رأينا فيما تقدّم أسماء أربعة أشخاص عيّنهم هولاكو على رأس الحكم فور سقوط الحكم السابق لإدارة العراق بأيد عراقية وهم مؤيد الدين بن العلقمي وعلي بهادر وفخر الدين الدامغاني والقاضي عبدالمنعم البندنيجي.
وإذا كان علي بهادر غير عراقي الأصل فهو متعرق، ويكفي أن يكون مسلماً، ولم يكن يومذاك للفروق العرقية ما لها اليوم من البروز، فقد كان الأصل وجود (وطن إسلامي) كلّ المسلمين مواطنوه.
وهكذا نرى أنّ هولاكو لم يحكم العراق حكماً مغولياً برجال مغول، بل ترك حكمه لأهله مستقلين به.
ويمكنا القول إنّ أوّل حاكم فعلي حكم العراق بعد سقوط بغداد مباشرة هو عماد الدين عمر بن محمد القضوي القزويني، وهو وإن كان غير عراقي، ولكنّه كما قلنا مسلم من مواطني الوطن الإسلامي الذي يشترك في مواطنيته العرب والفرس والترك والكرد وغيرهم.
وكلّ الأحداث تشهد أنّه حكم العراق حكماً مستقلاً، وأنّ يده أطلقت في هذا الحكم إطلاقاً كاملاً لا تدخل مغولياً فيه، ولا سيطرة (هولاكوية) تحول بينه وبين تنفيذ ما يخطط لإنهاض الوطن.
ويصفه المؤرخ العراقي المعاصر للأحداث والمشاهد لها عن كثب، عبدالرزاق بن الفوطي بمثل هذا القول: «كان من أعيان أهل قزوين المعروفين بمتانة الدين وحسن اليقين»([234])، اهـ.
إذن فاختيار الحكام لا سيّما الحاكم العام لم يكن اعتباطياً ولا عشوائياً، ولا يعهد به للمستهترين الطغاة الظالمين المستغلين للشعب، بل للمعروفين بمتانة الدين وحسن اليقين.
ثمّ يصف ابن الفوطي بعض ما فعله هذا الحاكم، في العراق عامّة وفي بغداد خاصة: «… تداركهم الله بلطفه فقدمها (بغداد) وعمّر المساجد والمدارس ورمّم الربط والمشاهد وأجرى الجرايات من وقوفها للعلماء والفقهاء والصوفية، وأعاد رونق الإسلام بمدينة السلام وحاز بهذا الفعل الجميل الذي يبقى على جبهات الزمان حسن الأجر والثناء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
وإذا كانت كلّ جملة في هذا الكلام تستحق الوقوف عندها طويلاً، فإنّنا نكتفي بالوقوف أمام جملة واحدة تغني عن الوقوف على كلّ ما عداها: «أعاد رونق الإسلام بمدينة السلام».
لقد عاد رونق الإسلام إلى مدينة السلام: عمرت المساجد والمدارس والربط والمشاهد، وأجريت الجرايات للعلماء والفقهاء والصوفية… أجل عاد رونق الإسلام إلى بغداد في ظل الحكم الاستقلالي الذي توفّر للعراق بعد فتح بغداد!…
ونعيد هنا مفصلاً ما قلناه من قبل موجزاً من أنّ الشاعر شمس الدين الكوفي الهاشمي الواعظ الذي رثى بالأمس بغداد عند سقوطها بيد هولاكو بمثل قوله:
لسائل الدمع عن بغداد أخبار
فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا
فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخلافة والربع الذي شرفت
به المعالم قد عفاه إقفار
أضحى لعطف البلى في ربعه أثر
وللدموع على الآثار آثار
عاد اليوم يقول في حاكم بغداد الجديد عماد الدين عمر بن محمد القزويني:
يا ذا العلى يا عماد الدين يا ملكاً
بعدل سيرته يسمو على السير
لما اصطفاك لهذا الأمر منزله
جبرت منّا ومنه كلّ منكسر
أحيا المدارس من بعد الدروس بإ
لقاء الدروس حياة العلم والفكر
وعاد كل رباط بعدما هجرت
أرجاؤه عارماً بالذكر والسمر
رددت للجامع المعمور رتبته
الأولى وأبقيت فيه أحسن الأثر
فيه صلاة وتذكير وموعظة
وجمعة وقبول البحث والنظر
ألبست مشهد موسى([235]) إذ حللت به
الحلي بعد لباس البؤس والضرر
فالله يشكر ما أوبيت من حسن
وسائر الخلق والمبعوث من مضر
وإذا كان مدّة عماد الدين في حكم العراق لم تطل فقد خلفه في منصبه علاء الدين عطا ملك الجويني سنة 657 الذي تركه المغول يستقل بالعراق استقلالاً كاملاً والذي تفوّق على سلفه في التوسّل بجميع الوسائل الممكنة لبعث حركة عمرانية كبرى في العراق بأسره، فهو الذي جدّد المدارس المتداعية وأنشأ جملة من المدارس ودور الكتب وغير ذلك، كما أنشأ جملة من الرباطات والملاجىء والمستشفيات وأجرى عليها الجرايات، وعني بتعمير المشاهد في النجف وكربلاء والكاظمية، وحفر الأنهار والترع. وهو الذي شجع حركة التأليف والمؤلفين وأجزل العطاء والبذل لهم. ومن هذه الناحية نجد جملة من أمهات الأسفار والمصنفات في شتى الموضوعات العلمية والأدبية والتاريخية مهداة لخزانته أو خزائن أهله وذويه. وفي الوسع أن نقول: أنّ الجويني بز جميع من حكموا في عهد المغول في بعث حركة إنشائية كبيرة شملت العراق وفارس وآذربيجان([236])، واستمرّ عطا ملك في منصبه طوال حكم هولاكو إلى أن توفي هذا سنة 663 وحلّ محله ابنه آبقا، فظلّ عطا ملك في عهده مستقلاً بحكم بغداد وسائر العراق، وكان مهتماً ـ كما قلنا ـ بتعمير البلاد وصالح العباد فخفّف من الضرائب التي كانت تجبى من الفلاحين والدهاقين وأجرى القنوات وأنشأ القرى وشقّ نهراً من الفرات إلى الكوفة والنجف وكلّفه ذلك قرابة مئة ألف دينار ذهباً وأسّس على ضفافه مئة وخمسين قرية فعمرت الأراضي القاحلة واخضوضرت، كما بنى رباطاً قرب مشهد أمير المؤمنين في النجف. ولم تمض مدّة وجيزة على سقوط بغداد بيد المغول حتّى عادت إلى وجهها المشرق واطمأن الناس فعادوا إلى أعمالهم وزراعاتهم، فتضاعفت عائدات بغداد. حتّى ليقول ابن شاكر الكتبي في كتابه: (فوات الوفيات) ج2، ص75ـ76: كانت بغداد أيام علاء الدين عطا ملك أجود ممّا كانت عليه أيام الخليفة. كما قال اليونيني في ذيل مرآة الزمان: (ج4 ص224ـ225)، عن عطا ملك: كانت سيرته من أحسن السير وأعدلها بالرعية.
واستمرّ حكمه في بغداد ما يقرب من أربع وعشرين سنة، ست منها في عهد هولاكو وسبع عشرة سنة في عهد أباقا إلى سنة 680، والسنة الأخيرة كانت في عهد تكودار.
ويقول الشبيبي في الجزء الثاني من كتابه ابن الفوطي: «وفي سيرة علاء الدين (عطا ملك) الجويني كلّ ما يدل على التنكّر للوثنيين الطغاة من حكام المغول وإعادة الأمم الاسلامية المغلوبة على أمرها في الشرق إلى العيش في ظلّ راية إسلامية ولو كان هؤلاء المسلمون من الشعوب المغولية اهـ.
ونقول: إنّ معظم إنجازات عطا ملك عمله متعاوناً مع رجال أسرته على إدخال المغول في الإسلام. وهذا ما قد نتحدّث عنه في موضع آخر.
بين الطاغيين
جنگيز وهولاكو هما من طينة واحدة: طينة الطيغان والظلم وسفك الدماء وإخراب العمران. وكلّ منهما هاجم الوطن الإسلامي وانتصر عليه، وقد رأينا فيما تقدّم مصير البلدان الإسلامية التي افتتحها الطاغية السفاح هولاكو، فبغداد مثلاً بدأ فيها القتل والتخريب ثمّ أوقفا في الحال، ولم يلبث أن حكمها وما إليها، حكام مسلمون استقلوا بها استقلالاً تاماً أعادوا إليها رونقها وبهجتها، ما فصلناه فيما تقدّم.
ولم تتعرض أي مدينة إسلامية للإحراق والتخريب والهتك في الزحف المغولي الهولاكوي منذ التقاء نصير الدين الطوسي بهولاكو، ما عدا الموصل التي لم يعرض لها المغول بشيء أوّل الأمر إلى أن عادت فثارت عليهم فنالها ما نالها من الأذى. وعدا حلب في بلاد الشام ما يحتاج إلى توسّع ليس هذا مكانه.
ولنقارن هذا المصير الذي صارت إليه المدن التي دخلها جنگيز جد هولاكو، ولنبدأ بالمدينة الأولى (بخارى): إنّ بخارى لم تصمد للحصار سوى ثلاثة أيام ثمّ طلبت الأمان وفتحت أبوابها لجنگيز وجيشه، فكان أن انطلق المغول فيها يقتلون وينهبون ويهدمون ويهتكون الأعراض، ثمّ أشعلوا فيها النار ومضوا عنها إلى سمرقند مستصحبين معهم من سلم من البخاريين أسارى.
وكذلك فعلوا في سمرقند التي دخلوها في شهر المحرم سنة 617 فأعلنوا في المدينة بأن يخرج أهلها جميعاً ومن تأخّر قتل، فخرج الجميع رجالاً ونساءً وأطفالاً، فأعادوا ما فعلوه في بخارى من القتل والنهب والاسر والهتك والتعذيب والتخريب.
وظلّوا على ذلك في كلّ ما فتحوه من مدن، قتلاً وأسراً ونهباً وهتكاً وتخريباً.
لماذا سار جنگيز ذاك المسار الفظيع فيما اجتاز من بلاد؟ ولماذا لم يسر هولاكو الذي لا يقل عنه شراسة وعنفاً واستهانة بإهراق الدماء وإحراق المدن ونهب الشعوب؟!
قد يصعب الجواب عند غير المتعمّق في درس وقائع التاريخ وأحداثه وعند غير المدقق في استطلاع رجال التاريخ صانعي تلك الوقائع والأحداث، وعند من ظلّ أسير رواسب عششت في قلبه وعقله، فلم يتخلص منها…
ولكنّه لا يصعب عند من يقدر له الغوص في أعماق التاريخ البعيدة… البعيدة، وعند من يدرس التاريخ بحثاً عن الحقيقة مهما كانت هذه الحقيقة…
مضى جنگيز فيما مضى فيه من أصالة الشر في نفسه لأنّه كان يمضي بلا كابح يلوي عنانه ويروّض جماحه ويثني من انطلاقه!
فالمسلمون الذي صحبوه كانت لهم مصالحهم التجارية ومنافعهم الشخصية وضعفهم النفسي، وقد كانت انتصارات جنگيز تؤمن لهم المصالح والمنافع فلم يبالوا بغيرها، وحتّى لو بالوا أو بالى بعضهم فقد كانوا في نفوسهم أضعف من أن يتصدّوا لشيء، وكانوا في واقعهم أصغر من أن يبالي بهم جنگيز.
أمّا هولاكو الذي لا يقل أصالة في الشر عند جدّه جنگيز فقد كان له كابح يلوي عنانه ويروّض جماحه يثني من انطلاقه، هذا الكابح الذي لم يكن مثله لجنگيز.
هذا الكابح تمثّل في شخص الرجل المخلص القوي النفس الماضي العزيمة الذي إذا قال عنّأ السامع لقوله، ولو كان هذا السامع هولاكو الجبار العاتي…
ما كان أبلغ كلمة محمد مدرسي التي افتتحنا بها هذا الفصل وهي: «فضلاً عن مقام الطوسي العلمي استطاع بتأثيره على مزاج هولاكو أن يستحوذ تدريجياً على عقله وأن يروّض شارب الدماء فيوجهه إلى إصلاح الأمور الاجتماعية والثقافية والفنية».
كان فضل نصير الدين الطوسي على العالم الإسلامي باضطراره لمصاحبة هولاكو ـ كان فضله إن لم يكن مصير: قزوين وهمذان والدينور وكرمنشاه وحلوان وأسدآباد والبصرة وتستر وكلّم دن خوزستان، ثمّ بغداد([237]) وبعد ذلك ديار بكر ومدن الجزيرة وحماه وحمص والمعرة ثمّ دمشق وصولاً إلى غزة لم يكن مصيرها مصير بخارى وسمرقند وكلّ ما كان في طريق جنگيز الطويل من مدن، حرقاً واستباحة وتدميراً وأسراً وانتهاكاً.
وكمثال على ما كان يجريه هولاكو على المدن التي كان يفتحها قبل ملاقاته نصير الدين الطوسي نذكر مدينة (شاه) التي بدأت فيها المذابح واستمرّت هذه المذابح حتّى مدينة (تون) التي خربها هولاكو وقُتل جميع أهلها عدا النساء الشابات، على ما يذكر الجويني، مضافاً إليهن أصحاب المهن على ما يذكر الهمذاني وبعد تون كان الوصول إلى القلاع الإسماعيلية فكانت مذبحة خورشاه وبعدها كان لقاء هولاكو بالطوسي فتوقفت المذابح وتوقف التخريب.
ثمّ كان فضل نصير الدين بأن حمل هولاكو على أن يمنح البلاد استقلالها الكامل فيحكمها المسلمون لا المغول وأن يختار لحكمها الحكام الصالحين العادلين الذين قادوها في معارج الرقي والنهوض والإعمار والعلم، والذين كانوا ـ كما وصفهم معاصر لهم ـ: «معروفين بمتانة الدين وحسن اليقين…».
وكان من فضله أن أقام تحت سمع هولاكو وبصره معاهد العلم وخزائن الكتب وأغدق على العلماء المال فتجرّدوا لنشر العلم وتأليف كتبه. يقول ابن الفوطي في (الحوادث الجامعة) ص353: «إنّ هولاكو كان يحبّ العلماء والفضلاء ويحسن إليهم ويجزل صلاتهم ويشفق على رعيته ويأمر بالإحسان إليهم والتخفيف عنهم ولم يثقل عليهم ولا كلّفهم ما جرت عادة الملوك به من التكليفات والتوزيعات وغير ذلك»، وانظر أيضاً شذرات الذهب 5/316 ونقول: هذا كلّه كان بتوجيه نصير الدين. ثمّ مهّد الطريق لإسلام المغول وأعدّ جيلاً واعياً ليوالي المسيرة بعده.
المخطط الذي وضعه نصير الدين الطوسي لإنقاذ العالم الإسلامي من براثن المغول ووثنيتهم الحاقدة على الإسلام وأهله، والهادفة إلى تقويضه في دياره بالقضاء على سلطانه ثمّ زلزلة العقيدة وتحطيم الفكر ونشر الجهل…
المخطط الهادىء المتواري عن الشبهات الذي وضعه نصير الدين كان يؤدي ثماره ثمرة بعد ثمرة. فالكتاب الإسلامي سلم من الاندثار، والعلماء المسلمون عاد فاجتمع شملهم من جديد، والمدرسة الإسلامية استأنفت سيرها، والفكر الإسلامي أخذ بالتألق والازدهار!.
ثمّ بقي التغلب على المغول نهائياً. التغلب العسكري كان مستحيلاً، ولكن لماذا التفكير بالتغلب عليهم عسكرياً، لماذا لا نذيبهم في الإسلام؟ لماذا لا نتغلب عليهم عقائدياً بدل أن نتغلب عليهم عسكرياً، إذا استطعنا أن نحيلهم مسلمين وننتزع الوثنية من نفوسهم كان ذلك هو النصر الأكبر.
هذه هي الخطوة الكبرى التي كان يخطط لها الطوسي بعد نجاحه في الخطوات الأولى. إنّ نجاحها ـ لما يعترض طريقها من مصاعب ـ، كان يبدو مستحيلاً…
ولكن الذي استطاع أن «يروّض شارب الدماء»، وأن يستغفل الجبار الطاغية فيقيم تحت سمعه وبصره مكتبة الإسلام ويشيد مدرسة الإسلام ويقيم مجمع علماء الإسلام، سيستطيع بإخلاصه وإيمانه الذين لا حدّ لهما وبعقله الكبير وفكره المنظّم وتدبيره الحازم، سيستطيع أن يشرب قلوب المغول الميل إلى الإسلام، ثمّ اعتناق الإسلام.
فأعدّ لهذه المرحلة الحاسمة جماعات واعية تحسن التخطيط والتنفيذ كان في الطليعة منها: (آل الجويني) الذين نشأوا على حب أهل البيت، وما يبعثه هذا الحب من إخلاص وحمية ونضال وتفان في سبيل الإسلام.
ثمّ في النهاية أسلم المغول على يدي تلاميذ الطوسي، ونجح مخطط الطوسي نجاحه الأكبر.
لقد أجبر (هولاكو) بجبروته نصير الدين الطوسي على السير في ركابه قصداً لاستغلال علمه، ولكن الطوسي عرف بعلمه وعقله وتدبيره كيف يستغل هولاكو، فانهزم الطغيان أمام الإيمان والعلم والعقل الكبير المدبّر.
إنّ الطوسي وتلاميذه صمدوا للجيوش الجرّارة فاستحالت بهم مسلمة بعد وثنيتها… فكان الطوسي بطل الإسلام في عصر عزت فيه البطولات.
يوجز الزكرلي في كتابه (الأعلام) وصف الطوسي قائلاً: «فيلسوف كان رأساً في العلوم العقلية، علامة بالأرصاد والمجسطي والرياضيات. علت منزلته عند هولاكو فكان يطيعه فيما يشير به عليه».
الأسير المغلوب على أمره عاد يأمر فيطاع، عاد الآسر أسيراً، والأسير آسراً!.
كانت في هولاكو إلى قوّة الجند وقوّة السلطة: قوّة الشخصية. ويقابل ذلك في الطوسي قوّة العلم وقوّة الفكر، وإلى ذلك قوّة الشخصية…
عنا القوّي في جنده وسلطته إلى القوّي في علمه وفكره، لأنّ كلّ ما لدى الأوّل من سيوف ورماح ونبال وتروس لا يستطيع أن يرفع حجراً فوق حجر في جهاز المرصد، ولا أن يقيم آلة من آلاته. فكلّ ما لدى هولاكو من سيوف ورماح ونبال وتروس لا يوازي في هذا المقام جرّة قلم يقلّبه الطوسي بين أنامله… وهولاكو مشغوف بالمرصد طامح لإقامته، فلا بدّ له من أن يعنو!.
وهنا بقي التقابل بين الرجلين في قوّة شخصية كلّ منهما، فبان التفوّق في شخصية الطوسي فيما عبر عنه الزركلي بقوله: «علت منزلته عند هولاكو فكان يطيعه فيما يشير به عليه».
وكان فيما أشار به عليه أن لا يرهق البلاد المفتوحة وأن لا يسير فيها بسيرة جدّه من الإحراق والتخريب والقتل والنهب، فأطاعه…
وأن يترك حكم البلاد لأهلها وأن يطلق يدهم في النهوض بها وإصلاحها وإعمارها فأطاعه…
وأطاعه في كلّ ما أمر به من خير، وفوّض إليه أموال الأوقاف الإسلامية لينفقها على المدارس والعلماء والمتعلمين، وعلى الكتب والمؤلفين…
لم يكن مستطيعاً أن يحول بين هولاكو وبين الفتح، ولكنّه استطاع بإخلاصه وإيمانه وقوّة شخصيته أن يحول بين هولاكو وبين السير على طريقة جنگيز في شرور هذا الفتح، ثمّ استطاع أن يحفظ للبلاد المفتوحة حريتها واستقلالها وحكمها بأهلها…
وختم حياته بأن مهّد لدخول المغول في الإسلام… فتمّ له ما أراد.
بغداد في الشعر
طالما استقطبت بغداد الأعداد الكثيرة من السياسيين والمفكرين والعلماء من أقطار العالم المختلفة وألفوا فيها المصنفات الموسعة منذ تأسيسها في منتصف القرن الثاني الهجري حتّى الوقت الحاضر.
وقد كتبوا فيها الكتب ونظموا الشعر، وألفوا الحكايات والقصص ووضعوا عنها الأساطير عبر أيامها ولياليها وما ألفُ ليلة وليلة إلاّ واحدة من تلك القصص والحكايات عن بغداد.
وكان العلماء والفقهاء يشدّون إليها الرحال ولقد كتب المؤرخون الكثير عن بغداد من مسلمين وأجانب سواء كانوا قدماء ومُحدّثين. وقد سمّيت بغداد بعدّة أسماء وكان من أشهر أسماءها (الزوراء) وسمّيت بذلك لازورار قبلتها أي لانحراف قبلتها، وقد ذكرها عدد من الشعراء منهم السيد محمد سعيد الحبوبي بقوله:
هزّت الزوراء أعطافَ الصَّفا
وصَفتْ لي رغدةَ العيش الهني
والجواهري يقول:
أحبائي بالزوراء كيف تغيَّرتْ
رسومُ هوًى لمْ يرعَ جانبهُ بعدي
وسمّيت كذلك (دار السلام)، وقد يتحسّرْ على فراقها كلّ من سكن فيها وذاق عذوبة مائها ولهذا يصف الشاعر ذلك فيقول:
سلامٌ على بغداد في كلّ موطنٍ
وحقّ لها مني المضاعفُ
وكانت كخلٍ كنتُ أهوى دُنوهُ
وأخلاقه تنأى به وتُخالفُ
هذا وقد تشوّق إليها الكثير من الشعراء فقال أحدهم:
آهاً على بغداد وعِراقها
وضيَائها والسحرُ في أحداقها
وجمالها عند الفرات بأوجه
تبدو أهلتها على أطواقها
وتغنّى الشعراء ببغداد كما تغنّى الحبيب بحبيبته التي أبعده الزمان عنها:
عيناك يا بغدادُ منذ طفولتي
شمسان نائمتان في أهدابي
بغداد عشتُ الحسن في ألوانه
لكن حُسنك لم يكن بحسابي
وقال البياتي:
بغداد يا أغرودة المنتهى
ويا عروسَ الأعصرُ الخاليه
بغداد الليل في عينيك مستيقظٌ
وأنتِ في مهد الهوى غافيه
بغداد هذي دمعتي في الهوى
وما دموعي غير أشعاريه
بغداد إنّي ظامىءٌ في الهوا
فعطّري بالحب أجوائيه
ودجلةَ العاشق ترنيمهُ
تشدو بها أنسامك السارية
فكانت بغداد في مخيلة شعرائها وأبنائها الذين عاشوا فيها و تفيأوا بظلال نخيلها الوارف وشربوا من مائها العذب وفارقوها بلوعة وحسرة فجاشت مخيلة الشاعر بقوله:
أبغداد لا فاتتك منّي تحيةٌ
يُفسّر منها ما أراد المُفسّرُ
حنيناً إلى الزورا حنيناً إلى الصّبا
حنيناً إلى العود الذي هو أخضرُ
وهناك عدد من الشعراء المعاصرين تغنّوا ببغداد وحنّوا إليها كثيراً:
مري على الجرح فهو الجمرُ واللهبُ
وعانقيه فقد أودى به التعبُ
وأسرجي من بقايا القلب أقبيةٌ
ظلماء تعبدُ فيها اللاتُ والنصبُ
وأطفىء النور في أحداق فاجرةٍ
ما هزَّها ظمأ الألاف والسُغبُ
وكان كلّ من دخل بغداد يشعر بأنّها وطنه الثاني:
حيث التفتُ أرى ملامح موطني
وأشم في هذا التراب ترابي
لم أغتربْ أبداً فكلّ سحابةٍ
زرقاءَ فيها كبرياءُ سحابي
إنّ النجوم الساكناتُ هضابكمْ
ذاتَ النجوم الساكناتُ هضابي
وإنّنا لننشر هنا عدداً من القصائد لشعراء معاصرين:
قال الشيخ حميد السماوي سنة 1941 خلال الحرب العالمية الثانية متحدّثاً عن بغداد:
ساد الوجوم فساد كل متمتم
فتكلمي إن شئت أن تتكلمي
وترنمي فعسى يجس بك الهوى
أوتار قلب الشاعر المترنم
فيروح يعرب عن مثار شعوره
بفم أمام الجور لم يتلعثم
قد أعجمت عنك اللغات وفي الهوى
لا يحسن الإفصاح غير الأعجم
وجمت وكم من شاعر في جنبها
ختمت على فمه وكم من ملهم
خطت له في صدر كلّ صحيفة
من فوق سطر النور سطراً من دم
فقرأت منه كلّ سفر غامض
فمترجم منها وغير مترجم
حم القضاء وهل تراني ناقضاً
ما أبرمته يد القضاء المبرم
كم رحت أبحث عن شؤون أسدلت
من دونها حجب الزمان المظلم
فلمستها في جنب قلب بائس
وسمعتها في أنّة المتظلم
ورجعت لا صول ولا قول فهل
شدت يدي بالعدل أو سدت فمي
ولطالما استهدفت منها جانباً
فجعلت أهداب الحوادث سلمي
ما في الوجوم عن الحقيقة من عنا
ان العناء خطاب من لم يفهم
كم مدلج رصد الصباح بطرفه
حتّى إذا لاح الصباح له عمي
ومعوّه كره الزمان حديثه
فأشاح عنه بوجهه المتجهم
ما راح يدغم لفظه إلاّ لكي
منّا يفكك كلّ حرف مدغم
ومعظم في نفسه انجرفت به
الأهواء حتّى عاد غير معظم
قد أرغمته على الرضوخ وأيّما
حرّ على علاتها لم يرغم
ذهبت متابعه سدًى فكأنّه
يقظ أهاب من الغواة بنوم
ولقد هممت بما يهم بمثله
مثلي وعدت إليك غير مذمم
صرخت في وجه الحوادث صرخة
يندك منها كلّ صرح محكم
وشققت اثياج الخطوب إليك في
قلب بأنوار الحقيقة مفعم
كالت لي الدنيا مواعيداً فما
انطبقت يدي إلاّ على متوهم
رعناء ما كادت تصيح لواعظ
حتّى ضربنا عرسها بالمأتم
طفقت تجشمني المسير بها وقد
حمل الزمان على سنامي منسمي
إن ساءني عنت الطريق فطالما
قد ساء هوجاء العواصم مقدمي
ذهبت بواحدة تنوء وأقبلت
من سوء طالعها تنوء بتوأم
طفحت على وجه الردى وتجرّدت
لتقوم في صدر السنين القوّم
لم تبق رائعة الخطوب لها سوى
شلو بأظفار الزمان مخذم
أنت كما أنّ السليم ولم تكن
وضعت يديها بين لحيي أرقم
ولقد وقفت أمامها متبرماً
لو كان يجديني هناك تبرمي
فوجدت دست الحكم أجوف فارغاً
لا ابن الفرات به ولا ابن العلقمي
رامتك يا أم الحواضر صرخة
تسمو إليك من السواد الأعظم
دوّت بأقطار البلاد وجلجلت
للرافدين بكلّ معنى مبهم
فاضت شوارعك الفسيحة بالثرى
فاستنزفت قلب الشقي المعدم
وجرت رصابك بالأشعة فامتلت
حتّى النوافذ بالشعاع المظلم
ولقد وجدت بكلّ صرح قائم
انقاض قلب من بنيك مهدم
وسمعت فيك بكل جوف أنّة
قطعت أواصر مجدك المتصرم
كم رحت تسمعني الأغاني في الدجى
صوت الضعيف وأنّة المسترحم
صوت له ارتجف الفضا واهتز من
نبراته سمع الزمان الأبكم
صوت الضعيف ولا أخاً لك هامساً
إلاّ ليعلو صوت كلّ مهمهم
لا تبتئس بالحادثات أو ابتئس
فلربما مني الظلوم بأظلم
ما يطرب المظلوم من قيثارة
صدحت بجنب الظالم المتلثم
ذابت على أنغامها حسراته
فتشاءمت بالطارق المتشأم
ولقد جهلتك إذ جهلت وطالما
قد كنت أعلم منك ما لم تعلمي
ما كنت لما كنت حاضرة الألى
حلم الزمان لهم بما لم تحلمي
إلاّ شعار سوابغٍ ونوابغ
ومثار ذكرى سابق ومطهم
ولقد نسجت لك القوافي حلة
موشية بالدم لا بالعندم
وفرشت قلبي دون جنبك واثقاً
أنّي فرشت له حشاشة ضغيم
ووقفت فيك كما يكيفني الفضا
ما بين معوّج وبين مقوّم
فإذا انتصبت يميل هذا أكثري
وإذا انحنيت يقيم هذا معظمي
أتميمة النهرين قد جد القضا
والدهر بين معوّذ ومتمم
أودى فصيلك فارأميه فما عسى
يجدي حنان الأم ما لم ترأم
أو كلّما اقترفت يداك خطيئة
كبرى يؤاخذ فيك غير المجرم
نقيّ يديك من الخضاب فإنّه
قد راح يزعم عنك ما لم تزعمي
إنّ الجميلة كيف كيفها الشقا
لجميلة تبدو بغير موشم
خادعت فيك صبابتي فتناحرت
شططاً عليّ مع الليالي لومي
ووهبت قلبي للجمال وطالما
ملك الجمال فؤاد غير المغرم
هل ين جسرك والرصافة تعبر
الأملاك أم بين الحطيم وزمزم
ملئت شواطي دجلة ورحابها
وتبعثرت في الهيكل المتنظم
فتمر ضاحية كما شاء الضحى
وتناط داجية مناط الأنجم
لم أدر ما سر اندحارك بعدما
دوّى صدى الأجيال فيك ألا أقدمي
أحجية بفم الزمان تعقدت
وطلاسم رقمت بغير مطلسم
ما في كتاب الأرض من وحي السما
إنّ السماء كتاب كلّ منجم
لم يبق من معناك سر غامض
إلاّ فحصناه بألفي معجم
شقي بآفاق السعادة مطلعاً
إنّ الشقاء عليك غير محتم
ماذا وقوفك في طريق لم يزل
بالركب يضرب معرقاً في مشئم
لا بد من إحدى اثنتين ففي الغد
الآتي ستنهزمين إن لم تهزمي
فالأفق أما وجه صبح مفعم
بشعاعه أو جنح ليل مسدم
لا تحجمي إنّ الطريق معبد
ولربّما ردم الطريق لتحجمي
سيري مع الأمم البعيدة وامسحي
ببنانها وجه الشعاع المعلم
إن وزعتك الحادثات فطالما
جمعت شظايا قلبك المتقسم
ولربما بلت أوامك قطرة
تنهل من ضرع السحاب المرزم
فتجشمي البيداء واعتسفي الدجى
إّنّ الظلام مطية المتجشم
لا تدفع الجلي سوى الجلي ولا
يخشى مناجاة الكمي سوى الكمي
ستهابك الأهوال وحشاً ضارياً
عرك الأسنة لهذماً في لهذم
لم يدر من قد ذاق من أري الجنا
ما الشهد حتّى ذاق طعم العلقم
أو يحتفي الغربي فيك وما رأى
من وجهك الشرقي غير المبسم
فلها على شفتيك بسمة خائف
وعلى لسانك لهجة المستسلم
عضت على كلتا يديك ولم تزل
من قبل تبسم عن ثنايا الأهتم
واستدرجتك إلى الشقاء وما الذي
يرضي من العصفور أم القشعم
لا مرهف صافي الفرند تهزه
في وجه قادتها ولا أنف حمي
ولأن تكن قد قلمت أظفارنا
منها فظفر الدهر لم تتقلم
أنّى تجود لها البلاد بدرها
ورضيعها في حجرها لم يفطم
هلا نظرت إلى ملامح هذه الد
نيا الجديدة نظرة المتوسم
جاشت وما شقت سماك بمطلع
زاه ولا سمت ثراك بميسم
فكأنّ جنب الأفق غير مكوكب
وكأنّ وجه الروض غير منمنم
ما فاتها القلب الجريء وإنّما
قد فاتها القلب الذي لم يرحم
عبثاً تمنيها الثواب وإنّها
لتبيع كلتا الجنتين بدرهم
هرمت وشابت فيك كلّ فضيلة
والدهر في ريعانه لم يهرم
لم يبق من ربع لديك ولا حمى
فلمن تمنين العوالم في حمي
محجوجة بلسان عدل صامت
مأخوذة بوجوب شكر المنعم
فعلام رحت أقول باكرك الحيا
وإلى م أنشد فيك يا دار اسلمي
لا في الظعون هوادج مناولا
في الظاعنين ربيعة بن مكدم
أيّها عباقرة البيان وقادة الـ
ـشعب المهان إلى المقام الأكرم
من يمتطي ظهر الخطوب ويرتمي
فيه إلى حيث المكارم ترتمي
هل منجد منكم يثور لشعبه
فيرد عادية الزمان المتهم
أو مصلح يهب البلاد شعوره
فيحل عقدة وضعه المتأزم
نضت القيود ولم تزل مكتوفة
وسرت مهرولة فلم تتقدم
قد أدركت عهد البلوغ ولم تزل
بالرغم خاضعة لأمر القيم
طافت على عهد المغول ولم تكن
غسلت يديها من دم المستعصم
نشرت بني سلجوق نشر مؤمل
وطوت بني العباس طي مؤلم
أنى بجيش لها القضاء (بمالك)
والدهر يسمعها رثاء (متمم)
سدوا فراغاً لا يسدّ بغيركم
واملو خلاء سوارها بالمعصم
فالسيف تعوزه اليمين وما عسى
يجدي المهند في يمين الأجذم
والصرح لا يرسو على وجه الفضا
العادي ولا يسمو إذا لم يدعم
والنفس مهما حلقت آمالها
واستعصمت في حيز مستعصم
لا يزال يعوزها الطموح بقصدها
فالنفس عند القصد ما لم تسأم
وقال مصطفى جمال الدين في الاحتفال الألفي لتأسيس بغداد، وقدّم لها بما يلي:
تستعرض هذه القصيدة صور (العصر الذهبي) لمدينة بغداد في: الحكم، والسياسة، والعلم، والأدب، والفن، وغيرها. ثمّ تتساءل عن بُناة هذا العصر: أهم الخليفة، والوزير، والحاجب والأمير؟ حيث لا نجد في تاريخنا العربي غير: (بغداد المدوّرة) للمنصور، و(عصر المأمون) و(الجامعة المستنصرية) و(النهر الإسحاقي) و(دار العلم لسابور) وأمثالها؟ أم هم: القائد، والمعلم، والمهندس، والفيلسوف، والشاعر، والفنان والمزارع وأمثالهم ممّن تناسى التاريخ مساهماتهم في بناء هذه الحضارة العربية؟! وتدعو في النهاية لتكريم بناة بغداد الحقيقيين، وبخاصّة و(العيد الألفي) كان مشتركاً بين بغداد وفيلسوفها أبي يوسف الكندي:
بَغدادُ… ما اشْتَبَكَتْ عليكِ الأعصُرُ
إلاّ ذَوَتْ… وَوَرِيقُ عُمرِكِ أخضرُ
مَرَتْ بكِ الدنيا، وصُبحُكِ مُشمِسٌ
وَدَجَتْ عليكِ، ووَجْهُ لَيلِكِ مُقمِرً
وقَسَتْ عليك الحادثاتُ، فَراعَها
إنَّ احتمالَكِ، مِن أذاها أكبَرُ
حتّى إذا جُنَّتْ سِياطُ عَذابِها
راحتْ مَواقِعُها الكريمةُ تَسْخَرُ
فكأنّ كِبْرَكِ ـ إذْ يَسومُكِ (تَيْمرٌ)
عَنَتاً ـ دَلالُكِ إذْ يَضُمّكِ (جعفر)([238])
وكأنّ نُوُمَكِ ـ إذْ أَصِيلُكِ هامِد ـ
سِنَةٌ، على الصبحِ المُرفِّهِ، تَخطُرُ
لِلَّهِ أنتِ… فأيُّ سِرِّ خالدِ
أنْ تَسْمَني، وغِذاءُ رُوحِكِ يُضْمِرُ!!
أنْ تَشْبَعي جُوعاً، وصَدرُكِ ناهِدٌ
أو تُظلِمي أُفُقاً، وفُكرُكِ نَيّر!!
* * *
بغدادُ بالسَحَرِ المُندّى بالشذى الـ
ـفوّاحِ مِنْ حُلَلِ الصَبَا([239]) يَتَقطّرُ
بالشاطىء المسحورِ يَحضُنُه الدجى
فيكادُ مِنْ حُرَقِ الهوى يَتنوَّرُ
بالسامرينَ أثابَهمْ مِن لُهْوِهِمْ
وَهَجُ الضحى… وكأنّهم لم يَسمروا
وبراقدٍ، و(الخُلْدُ) ([240]) بعضُ جِنانِهِ
والسُحبُ مِلْكُ يديهِ أنّى تَمطُرُ
وإذا تَهدَّجَ بـ (الرُصافَةِ) صوتُهُ
جَفَلَتْ بمصرَ، على صداهُ، (الأقصُرُ)([241])
والحُوْرُ بين يَديهِ تَرتجِلُ الهوى
غَزَلاً به حتّى الستائرُ تسكُرُ
يَرقى لعَيْنَيْهِ السّهادُ، لحُرّةٍ
في الرومِ، تَهتِفُ باسمِهِ وتُحذِّرُ([242])
فَيَرُدُ كأسَ الحبِ عن شَفَةٍ بها
شوقٌ إلى كأسِ الحَميّةِ أسعَرُ
* * *
وبساهِرِ (المستنصريّةِ)([243]) طَرْفُهُ
في حيثُ تأتَلِقُ الحروفُ مُسمَّرُ
تَعِبتْ عُيونُ النجمِ، وهو كأمسِهِ
حَدِبٌ على صَقْلِ المواهبِ يَسهَرُ
ظمآنَ، والكأسُ المُفاضَةُ دونَهُ
لو كان يُخْدَعُ بالسرابِ ويُمْكَرُ
يَشوي على اللَهبِ المُقدَّسِ رُوحَهُ
لِيَقُوتَ جِيلاً حولَهُ يَتضوَّرُ
ويَشيعُ في غَمْرِ الدجى، ويَراعُهُ
إحدى عَطاياهُ الصباحُ المُسفِرُ
ما ضَرَّ عاطشةَ القلوبِ إذا ارتَوتْ
بالعُودِ مِن لَفْحِ التَقشُفِ يَقطُرُ
وكَفاهُ مَهزولاً تَعيشُ بقلبهِ
أُمَمٌ، وتَسمَنُ من حَشاهُ أعصُرُ
تَأتيهِ أجساداً، فَيَصنَعُ رُوحَها
والطينُ ـ لَولاهُ ـ الكثيرُ الأوفرُ
* * *
بغدادُ بالذكرى الحبيبةِ بالصدى الـ
ـمِرنانِ من خَلفِ الأعاصرِ يَهدِرُ
قُصِّي فنحنُ وَراءَ (ألفِكِ) ليلةٌ
أُخرى، يَطولُ بها الحديثُ ويَقصُرُ
وَدَعي الخَيالَ فـ (شَهْرَيارُكِ)([244]) سمعُهُ
لِلآنَ من صَخَبِ الحوادثِ مُوقَرُ
وتَحدّثي ـ فَجَلالُ عِيدِكِ لا يَرى
أنْ تَصمُتي، وقُرىً سِواكِ تُثرثِرُ!!
عن (عَصرِكِ الذهبيّ) ما طالَ المَدى
إلاّ وناصِعُ وجهِهِ المًتصدِّرُ
تَعيى بحَلْبتِها العُصورُ، وشوطُهُ
أبداً على نشزِ الحواجزِ يَطفُرُ
ما اخْضرَ من تِلَعِ الثقافةِ مَنكِبٌ
إلاَّ ومنكِ رُواؤُهُ يَتمطّرُ([245])
وستفخر الأجيالُ، بَعْدَكِ، أنّها
كانتْ على بُقيا بِساطِكِ تَسمُرُ
ستَظلُّ قَيُنَةُ (دارِ سابورِ) بما
أسْدتْ إلى (شيخِ المَعرَّةِ) تُشكَرُ([246])
ويَظَلُّ كَرْمُ (أبي نُوَاسِكِ) بَينَنا
عذبِ الخُمارِ، وإنْ أُجِدَّ المُعصَرُ
وإلى غدِ، وبمتنِ دجلةَ سامِرٌ
مِمّا يَنْثُّ (الأصمعيُّ) مُعطَّرُ
* * *
بغدادُ، واستقصي الحوادثَ واكشفي
غَبَشاً يَطوفُ بصبحِها فَيُغيِّر
وحَذارِ أنْ تَثِقي برأي مؤرُخٍ
للسيف ـ لا لِضميرِهِ ـ ما يَسطُرُ
وتساءَلي عن (مَعرِضٍ) يَجلوكِ في
أبهائِهِ صُوَراً تُسِرُّ وتُسحِرُ:
لِمُفكِّرٍ يَجلو دُجاكِ، وقائدٍ
يَروى به ظَمأُ الفتوحِ فتُزهِرُ
ومُهندسٍ يَبني الصُروحَ… وشاعرٍ
بِنَثاهُ يُسرَجُ لَيلُها ويُعطَّرُ
ومُعلْمٍ لم يَدرِ شارِبُ كأسِهِ
ماذا يُقطعُ من حَشاهُ ويَعصِرُ
بغدادُ أُولاءِ الذين تَحمَّلوا
أعباءَ مَجدِكِ في الخلودِ وأُوقِروا
فإذا تَصفّحناكِ سِفْرَ كرائمٍ
لم نَلْقَ إلاّ صُورةً تتكرّرُ
لخليفةٍ ووَزيرِهِ، ولحاجِبٍ
وأميرِهِ… ولِمَنْ بهم يَتأطَّرُ
فَهُمُ الذين رَقَوِكِ مجداً شاهقاً
وبُناتُهُ، مِن حَولِهِ، تَتحسَّرُ
وإذا زَرعْتِ الأرضَ فجرَ حَضارةٍ
وتمدّنٍ… سَبَقوا لها فاستثمروا
(الخُلْدُ) والُقُبَبُ الشواهقُ حوله
إبداعُهُمْ… ويَدُ المُهندسِ تَصفِرُ
والفِكرُ تَقبِسُهُ القرائحُ مِن هنا
وهناكَ… وهيَ على اللظى تَتسعّرُ
فإذا تَجسَّدَ واستطالَ جهادُها
صَعِدوا على شُرُفاتِهِ، وتجبّروا
* * *
بغدادُ آنَ لكِ الأوانُ لتُرجِعي
ما ابتزَّ مِنكِ الحاكمون وزَوَّروا
فَوراءَ مجدِ يرفعون ضمائِرٌ
تُعنى بصدقِ حديثِهِ وتُفسر
فَتَنقّدي (ذَهَباً) يُؤطَّرُ عَصْرَكِ الـ
ـزاهي بما يُعشِي العيونَ ويَبْهَرُ
هل كان إلاّ من (حِديدٍ) هَمُّهُ
حَصدُ النفوسِ لِيَستقرَّ (المِنبَرُ)
وتباركتْ مُهَجٌ تذوبُ بحَرَّهِ
فَتَشوبُ كالِحَ لَوْنِهِ وتُموَّرُ
بغدادُ آنَ لكِ الأوانُ لتَحطِبي
خُشُباً بآلاء الشعوبِ تَنَضَّرُ
ما عادَ مجدُكِ يَستكينُ لِفَارِهٍ
يَبتَزُّ جُهْدَ سواه حين يُؤمَّرُ
من كل مَشغولِ بلَيْلةِ قَصفِهِ
وصَباحِ نُزْهتِهِ، وما يتَبطَّرُ
المالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَطرَبُ أغْيَدٌ
بِبليغِ رَنَّتِهِ، ويَرقُصً أحورُ
فإذا تَطلَّعَ (للسَوَادِ)([247]) بَرِيقُهُ
بُحَّ الرنينُ به، وغاضَ العُصفُرُ!!
* * *
بغدادُ لم يَعُد الزمانُ كأمسِهِ
فِكَراً تُباعُ، وخاطِراً يُستَأجرُ
وهَزِيلَ رأيٍ أسْمَنَتْهُ على الطَوى
قِيَمٌ بما يَضْوي عليه مُفكَّرُ
فَمَضَتْ (كوافيرٌ) بريشةِ شاعرٍ([248])
كانتْ تُزوَّقُ خدَّها فتُصعَّرُ
وتَهرّأتْ لُغةُ المَفاخُرُ، فانطوى
(لَقَبٌ) وأوحَشَ لابِسِيهِ مَفْخَرُ
بالأمسِ كان بكِ الأديبُ، وثغرُهُ
أبداً يُسبِّحُ حاكماً ويُكبِّرُ
ويُعُدُّ «رؤيتَهُ التي فازوا بها
من أنْعُمَ الله التي لا تُكفَرُ»([249])
واليوم عادَ، وليس غَيرَ يَراعِهِ
سيفٌ تُراعُ به الطُغاةُ وتُذْعَرُ
وعلى شُموخِ ضميرِهِ يَسمو له
ما بين أذرعِ حاضِنِيهِ المِنبَرُ
وبما تَهدَّمَ من بقايا روحِهِ
يبني عزائِمَ جيلِهِ ويُعمَّرُ
وإذا دَجا لَيْلُ القُنوطِ، وأوشَكَتْ
باليأسِ أجفانُ المنى تَتخدَّر…
… ألقى بوَقْدةِ روحِهِ، فإذا الدجى
مُهَجٌ على اللَهَبِ المخاطِرِ تَجمْرُ
* * *
والآنَ يا بغداد يأزَفُ مَوعِدٌ
لكِ في الخلودِ قلوبُهُ تنتظَرُ
مِنْ كلْ مَنْ أعطاكِ غَضَّ شبابِهِ
ومضى بذابلِ عُمرِهِ يتعثَّرُ
يَترقبونكِ… والطريقُ أمامَهم
جَهْمُ المسارب، ضيّق، مُستوعَرُ
يَبِسَ الزمانُ، وهم على أطرافِهِ
عَذَبٌ ـ بما تَعِدِينَهُ ـ مُخضوضِرُ
فتعهّدي ما يأملونَ وانْعِشي
لُقياهُمُ، فهُمُ بمجمدِكِ أجدَرُ
رَفَعوكِ من قِطَعِ القلوبِ وحَقُّهمْ
منكِ الوفاءُ لهمْ بما هو أكثر
وفَعَلْتِ([250])… والحرُّ الكريمُ رَهِينَةٌ
لِيَدِ تُبادِلُهُ السماحَ فيشكُرُ
اليوم (للكنديّ) قَلبُكِ حافلٌ
ويداكِ حاضنةٌ، وعقلُكَ مُكبِرُ
وغداً سيلقاك (الرضيُّ) وصحبُهُ
في موكبٍ جَمِّ السنى يتبحتر
وأنا الزعيمُ بأنّ قلبِكِ في غدٍ
أندى، وأحفَلُ بالوفاءِ، وأطهرُ
وبأنّ يومَكِ وهو عيدُ مُروءةٍ
سيُعيضُ عن غَدرِ الهوى ويُكفَّرُ
وفي سيطرة الطاغية صدام التكريتي على بغداد قال الشاعر جودة القزويني:
عَادتْ كما ابتدتْ بالقَهرِ أوغادُ
إلى حِماها بُعيدَ الذُلِّ (بغدادُ)
تَصْطَكُّ فيها نُسورٌ كُلَّما طرقَتْ
لم يَعْدُ إلاَّ رميمَ الهولِ جلاَّدُ
خَطَّتْ على أرضِ (بغدادِ) أنامِلُها
ناراً لها زُعنفاتُ الشرِّ تَنقادُ
فالأرضُ مِنْ حَطبِ الأشلاء خاويةٌ
ما كان فيها سوى الخَطيِّ ميَّادُ
عَادَتْ لبغدادَ أيامٌ وأمجادُ
كما تَعودُ إلى الآجامِ آسادُ
عَادَتْ، وأشلاءُ قَتْلانَا مُبعثرةٌ
كأنَّها في ذُرى الهيجاءِ أطوادُ
هذي لياليكِ يا (بغدادُ) يائِسَةٌ
فالرُعبُ للمُستَردِّ الحقَّ مِرْصادُ
حَتّى تَفَجَّر شَعبُ الرافدينِ أسًى
وقَدْ تَهاوتْ على كفيهِ أصفادُ
ما كانَ للثائرِ الجبَار مُنعطَف
كلا، وليسَ لحدِّ السيفِ أغمادُ
إنَّ الدماءَ التي رَوَّتْ ثرى وطني
منها سَتَنبتُ ـ في بَغدادَ ـ أورادُ
ويا رَبيبَ الخَنَا، لو كُنتَ ذا غِيَرٍ
ما استعبدتْكَ بوادي الغَرْبِ أسيادُ
إلى (العثروبةِ) تُنمي يابنَ زائفةٍ
وأنتَ للعُهرِ قَدْ لفَّتْكَ أجدادُ
(صَدَّامُ)، لا دارَ ظُهرٍ قد تركتَ، ولا
بيتاً به ـ من ثِقاتِ الخَلقِ ـ عُبّادُ
أيامُكَ السودُ أحلامٌ مُهرَّأةٌ
قَدْ صَارَ (يُفتي) بها ـ للبعثِ (قَوَّادُ)
لَنْ تَدرِ خَفايا الظُلم صاعقةٌ
وأنَّ كُلَّ خُطى التأريخِ أحادُ
بغداد كما رآها محمود الحبوبي سنة 1933.
بغداد يا موطن الأملاك من مضر
ما أنصفتك يد الأحداث والغير
إن كان أمسك بشرى هانىء جذل
فليس يومك إلاّ هم مدَّكر
هلا أعدت لنا عصراً مآثرنا
تشع في أفقه كالأنجم الزهر
أيام كانت ملوك الأرض يرهبها
توحُّد الرأي بين البدو والحضر
فما تزال تصافينا مودَّتها
ولم تشب صفو ما نختار بالكدر
وما تزال بأقصى الأرض يقلقها
ما جاءها عن فتوح العرب من خبر
وما تزال ـ وإن عزَّت ـ تروعها
ذكرى لواء على الآفاق منتشر
فكم لنا ادخرت أغلى نفائسها
حذار كلّ فتى للهول مدخر
وكم أرينا العدى ـ والحرب قائمة ـ
بعد انتصار عليهم عفو مقتدر
حتّى انتهى الأجل المحدود فاكتأبت
وجوه ضاحكة الآصال والبكر
واسترجع الدهر ما أولاك من نعم
فاضت عليك كغيث جدّ منهمر
ولم تزل فيك حتّى الآن باقية
بقية السوء من ترك ومن تتر
* * *
بغداد عزَّ علينا أن تزاحمنا
فيك الطغام ولم نثأر ولم نثر
وأن يكون لنا من غرس تربتنا
ما لم يطب، ولهم ما طاب من ثمر
وأن تكون على الأبواب واقفة
عرب كرام، وأعلاج على سرر
من كل منتفخ الأوداج ممتلىء
جهلاً، وأرعن بين الناس محتقر
وخائن ليس يدري من وظيفته
إلاَّ ليبلغ ما يرجوه من وطر
ينهى ويأمر مزهوّاً بما ملكت
يداه للناس من نفع ومن ضرر
وجالسٍ فوق كرسي قوائمه
ـ لسوء ما حملت ـ في الأرض كالإبر
فلو وضعنا أناساً حسب شأنهم
لكان أرفعَ منه ساكن الحفر
ولو كسوناهم أولى الثياب بهم
لما كسوناه إلاَّ جلدة البقر
ومائع ترفاً ما في ملامحه
من الرجولة من عين ولا أثر
لم يعن إلاَّ بأثوابٍ وأربطة
ولمعة في محياه وفي الشعر
أهولاء بهم تبني البلاد لها
مجداً يسير مع الآباد والعصر
يرجون أبعد ما يرجى، ويضحكنا
ما في العزائم من ضعفٍ ومن خور
ليت الذين بنوا هذي القصور لهم
بنوا لهم همماً للمجد والخطر
وليتهم من شباب الغرب قد عرفوا
كيف المساعي لنيل الفوز والظفر
عزمٌ، وحزم، وعلم، ملء أنفسهم
من المعالي إلى أمثالها الآخر
* * *
بغداد والشعب منهوب إلى فئة
منهومة لم تدع شيئاً لم تذر
أخفّ من كلّ إمضاء توقعه
على الوثائق وقع الناب والظفر
وثائق زخرفت والشر يملؤها
مثل الأفاعي خلال الروض والزهر
ما ضمنتها سوى ما تشتهيه ولم
تعبأ بشعب من الإرهاق منفجر
في كلّ يوم لسوء الحال طائفة
تشكو، وفي كلّ بيت عقد مؤتمر
إنا لنأسى على شعب أزمته
تلقى إلى تلكم الأشباح والصور
زرأيَّهم شئت وأفحص قدر ما عملوا
إن شئت تعجب من سخريّة القدر
هياكل ليس يرجو بعض منفعة
منهم سوى من يرجى النفع من حجر
ويل «العراق» إذا دامت نتائجه
لكلّ جانٍ به، أو إثم أشر
تدر شبه الحيا خيراته، وترى
من أهله كلّ طاوٍ شبه محتضر
إن كان أخصب أرض بقعةً فلمن
هم فيه لاهون عن شكوى وعن ضجر
ممّا ينفر عنك النوم أنَّ به
خيراً ولكنَّه وقف على نفر
أن يسلم القصر، والساقي، وخمرتهم؛
فالشعب، والناس، والدنيا، إلى سقر
وقال إبراهيم الوائلي وهو في مصر عام 1949:
بغداد إن طال الفراق وشفني
ظمأ فحسب تعلتي ذكراك
أنا إن بعدت فلي خيال هائم
عبر الفضاء يطوف في مغناك
وجوانح لم تحو في أعماقها
ما يستجيب له الهوى إلاك
روح تهيم على شواطىء دجلة
وتحوم فوق جمالها الضحاك
وتعود يحملها الجوى خفاقة
لتصيخ منّي للنشيد الباكي
بغداد أشتاق النسيم متى سرى
حول المهب معطراً بشذاك
وإذا أطلّ الفجر يمسح ناظري
مترفاً أبصرت فيه رؤاك
أو طاف ما بين الخمائل صادح
أحسست في شفتيه رجع صداك
بغداد ما أحلى المساء ودجلة
تنساب كالنسمات بين رباك
في كل ضاحية فتون طافح
ملء الفضاء يشيعه مرآك
وعلى الشواطىء من دجاك مناظر
لم تتشح إلاّ لسحر دجاك
نشرت على الأفق الرحيب ظلالها
ومشت خطاها تلتقي بخطاك
وتناثرت على جانبيك مواكب
تستقبل الأحلام في دنياك
فهنا مشاهد للجمال طليقة
جلت روائعها عن الإدراك
وهناك سرب من منهاك وليت لي
كبداً تذوب على خدود مهاك
أنا من سفكت على الصخور مآربي
ونشرت أمالي على الأشواك
أصوي الدجى يقظان ملء جوانحي
حرق وفي ثغري صداها الحاكي
بغداد ما أحلاك باسمة الرؤى
للسامر النشوان ما أحلاك
تلقاك بالمرح النفوس ولم تكن
لولا المباهج والمنى تلقاك
وعلى الضفاف الحالمات موائد
قد نضاتها في الدجى كفاك
رقَّ النخيل لها وفاض مدامعاً
كالفجر يلمع في متون فضاك
وحنا عليها الكرم يسفح لبّه
فيها ويخضب بالدماء ثراك
فلكم خيال كالنسيم يروقه
أنّ لا يسامر غير شهب سماك
يختال في الأفق الرحيب محلقاً
بجناح طير أو جناح ملاك
* * *
بغداد يا طيف المهوَّم إن دجا
ليل ويا ألق الشعور الذاكي
كم في صباحك قد بعثت خواطري
شعراً ورحت أبثّه لمساك
وكم احتوتني والليالي سمحة
لحظات صفو لم ترق لولاك
متع نهزت بها انتهازة عابر
وصحبتها ذكرى معي لأراك
وهي نسبت من الصبا أحلامه
أفهيّن في الحب أن أنساك
مرّت يداك على شفافي خلسة
يوم الرحيل وتمتمت شفتاك
ثمّ انثنيت مودعاً فإذا على
قلبي تطلّ مع الدجى سيماك
وتموج في شفتي نغمة حائر
يطوي الظلام مردّداً نجواك
* * *
بغداد والألم الدفين يهزني
فإذا شكوت فلست أوّل شاكي
لي مثل ما للشاعرين تعتب
لو تستجيب لعاتب أذناك
أتبيت دنياك الضحوك مدلةً
وعلى مآسيها تبيت قراك
فتذكري الريف الحزين ومن به
والقاطنين صوامع النساك
الحاصدين من السهول رمالها
والنائمين على الطوى الفتاك
واللابسين من الشتاء عراءه
في حين طاب السامر مشتاك
والزارعين ودون ما جهدوا
رصد يبث لهم من الإشراك
ريف لو ادكرت حياتك أنّها
ضيف عليه لساءها مجراك
يشقى ليحرس منك ليلاً باسماً
ويعيش في غلس لكي يرعاك
بغداد هذا اللحن نجوى شاعر
ما اهتاجه في الذكريات سواك
أنات قلب أن أثارك شجوها
أو لم يثرك فإنّها ذكراك
وقال نعمان ماهر الكنعاني:
بغداد، يا نجوى الخيالِ
غنَّتكِ أحلام الليالي
يا طلعةَ اللألاءِ مشر
قةً على أفقِ المعالي
يا كبرياءَ المجد يرفل
بالفتوّةِ والصيال
أقسمتُ بالعزماتِ ما
ترتدُّ في الشوط الطُوالِ
بسماحة الكفِّ الخصيبِ
بنشوةِ العفِ المغالي
تدري الحضارةُ أنّها
بكِ قد علَتْ عرشِ الجمالِ
وروتْ عن (المنصورِ) للأ
جيالِ ملحمةِ الجلال
* * *
بغدادُ كم حام القصيدُ
على ذراكِ بلا كلالِ
تاقت إليكِ لحونهُ
تَوْقَ العروس إلى الحجالِ
ناجاكِ يهتف والقوا
في ساجعاتٌ في ابتهالِ
ويردّد الأنغامَ سحرَ
متيّم وعزاءَ قالي
ليقالَ قد رضيَتْهُ بغـ
ـدادٌ فتاقَ إلى الكمالِ
ما المجدُ ما الآمالُ ما
حَلَباتُ إبداعِ الرجالِ
إلاَّ الذي في راحتيكِ
وراحتاكِ جَنى النضالِ
* * *
قالوا، ودجلةُ كم سقتـ
ـكَ الحُبَّ في كأسِ الوصالِ
حيثُ المواعيدُ الخصيبةُ
باسمات للنوالِ
حيثُ الشبابُ مرنَّح الـ
أعطافِ يزهو في اختيالِ
حيثُ الليالي ما تردّ
متى تمادت في السؤالِ
والنخلُ عانقَ شاطئيُـ
ـها واستراح إلى الظِلالِ
والموجُ تركبُهُ الزوا
رقُ كالسهولِ أو التلالِ
وتبادل الأنغامِ بيـ
ـن أخي هوًى دنِفٍ وسالي
فتنتْهما الأمواجُ والـ
ـقمرُ المعلّقُ في الأعالي
فإذا الهوى والشوقُ يستبقانِ من كَلِفٍ وخالي
قالوا ودجلةُ قلتُ آهٍ
يا لذكراها ويالي
كانت مناجاتي لها
أنشودةَ المتُع الغوالي
أجني لذائذَ حاضرٍ
سمْحٍ بما أعطى مُوالي
وأعيدُ ماضيها المذهّبَ ذكرياتٍ للخيالِ
فأعود بالنغمينِ نشو
انين من غانٍ وحالي
قالوا ربيعُكِ قد مضى
بغدادُ في العُصُر الخوالي
واعتضْتِ عنه الذكرياتِ
وهنْ أشباحٌ بوالي
وأقول لا، لم ينصفوا
فعُلاكِ بسخر بالزوالِ
ها أنتِ فوق الشاطئين
عليك إشراقُ اللآلي
فمن الرياضِ أريجُ خِصْـ
ـبٍ عطّرتْهُ صَبا الدوالي
ومن النخيلِ جنًى كذو
بِ التبرِ مؤتلقِ الغِلالِ
ومن القصور كواكبُ
يطلعْن في أُفقِ الدلالِ
والليلُ ليلُكِ علْم الـ
ـعشاقَ ما ألق الليالي
فالنجمُ والأنسامُ والـ
أمواجُ سمّارُ احتفالِ
هي في مناجاةِ الفتونِ
فخذ بها حتّى الشمالِ
* * *
وعلى المآذن صدْحةٌ
ظُلٌ عليكِ من الضلالِ
أندى على سمعِ العقيد
ةِ من مساجلةِ الجدالِ
الفجرُ يُطلقها فيمشـ
ـي النور يروي عن بلالِ
وتُعاد خمساً يغمر الـ
ـدنيا بها أرجُ الغوالي
خمسٌ تعيد النوء
مخضر الربيعِ على المالِ
والضادُ للنسبِ الكريمِ
وما أفاءَ على المعالي
نطقتْهُ عصرَ الجاهلية
في ملاحمها الطِوالِ
وأتى به الفرقانُ
مصقول اللغى عذّب المقالِ
وقالت وديعة الشبيبي:
طوّقيني بهالحنانْ
واغمريني بالأمانْ
واملأي قلبيَ شعراً،
ونشيداً، وبيانْ
لكِ يا بغداد حُبّي
لكِ روحي، والحَنانْ
أنتِ مجدٌ عربيّ
ملتقاه الرافدانْ
وسع الكونَ مداه
فمداه الخافقانْ
كم تضوعتِ عبيراً
فانتشى منكِ الزمانْ!
وتهاديتِ جمالاً
فتهادى النيرانْ
وتمثلتِ جلالاً
لاح في مجد الأذانْ
كشعاع عبقريٍّ
فيه سحر اللمعانْ
كم رداءٍ من سنى
الشمسِ، ولوْنِ الأرجوانْ
قد بدت أرضك فيه
والسما في مهرجانْ
كم توشحتِ نجوماً
لامعات في افتنانْ
وتعاليتِ مناراً
والدجى في عنفوانْ
لَيْلُكِ النشوانُ شعر
ذاب فيه عاشقانْ
فجرك النديان حمد
كدعاء الكروانْ
أُفقك الورديُّ عطر
نصرته وردتانْ
نهرك الفضيُّ يصبو
لأغاريد الحسانْ
صدحت فيه الأغاني
خافقاتٍ بمعانْ
هي للعليان هتاف
عمَّ أرجاءَ المكانْ
أو نشيد أزليٍّ
قد وعاهُ القمرانْ
رددته باقتدارٍ
وازدهاءٍ موجتانْ
* * *
أيُّها النهرُ تدفقْ
واروِ أحداثَ الزمانْ
كم عصورٍ، وعهودٍ
كم وُعودٍ، وأمانْ
قد طواها الموجُ سراً
فهيَ سِرُّ الفيضانْ
موثلَ الشعرِ بياناً
رُبّما كَلَّ اللسانْ
هاتِهِ منكِ حديثاً
وانثري عقدَ الجمانْ
أنتِ للمجد قصيدٌ
أنشدته نجمتانْ
أو حديث شاعريٌّ
قد رواهُ الشاطئانْ
وضفافٌ نضراتٌ
والشذا، والأقحوانْ
بسمت فيكِ الأماني
ثمّ فاضت بالحنانْ
فإذا أفقكِ حلمٌ
ورواء، وأغانْ
وإذا دُنياكِ صفو
وربيع، وجنانْ
رقصت فيها الصبايا
فتجلَّتْ للعيانْ
رانياتٍ للمعالي
وهي شوق وافتتانْ
* * *
في رحاب النور سيري
أسرِعي ملءَ العنانْ
هواذا المجد يناديك
مشيراً بالبنانْ
ربةَ المجدِ جهاداً
فلقد آنَ الأوانْ
أنْ تعيديهِ إلينا
مثلما كنتِ، وكانْ
عربياً في اعتزاز
يملأ الدنيا كيانْ
فاخفقي فينا لواءً
ضمَّ عزاً لنْ يُهانْ
وَلْيَعِشْ حبُّكِ فينا
ما تغنَّى غَرِدانْ
وقال إبراهيم النصيراوي في غربته عن بغداد، وهو ممّن شردهم الطغيان الصدامي التكريتي:
الجرح ينزف يا بغداد في كبدي
قد طال ليلي ولا صبحاً أرى لغدي
يهزني مضجعي أنّي على سفر
حتّى بنومي يدور الشوق في خلدي
للَّه وجهك يا بغداد وانطفأت
كلُّ القناديل إلاّ شمعة بيدي
عشقت أرضي وأمي حين تحملني
تقول ما أنت والعشاق يا ولدي
فقلت لو قطعوني بالمدى قطعاً
أظلّ أصرخ يا بغداد يا بلدي
يا قصة جئت أرويها فتطربني
كأنّها بسمة تفتقر عن نضدِ
كحلت منك عيوني كيف أطبقها
على الفراق وأن تطوى على السهد
أسائل الأمس والأطياف تغمرني
ونحن عندك أطفال على مهد
أسائل النخل والنهرين منبهراً
ونشوة الفجر إذ تلتف في العضد
ما بال عين العراق اليوم ساهرة
كأنّها طلبت شيئاً فلم تجد
سألتها كيف نحر الصدر مبتسم
يقول للسيف خذ ما شئت بل وزد
ولا يزال الدم الدفاق وهج مدى
تصوغ منه المنايا بأس ذي زرد
سألتها فعلاها الفخر واختنقت
بعبرة وعلا الشدقين كالزبد
فودّعتني وهذا حبّها لغتي
ووجهها قبلتي أفياؤها رصدي
وفرقتنا يد الحسّاد عن بلد
(حتّى على الحب لم أسلم من الحسد)
بغداد حزنك بحر قد يتيه به
حتّى السفين فلا عتبي على أحد
وإن سرت فيه أسراباً زوارقنا
كلّ يحاول صيداً وهو لم يصد
وقد وردنا ولا أخفيك يا بلدي
إلى سراب وردنا ثمّ لم نرد
وللثكالى فم توحى به لغة
إنّ الذي اختط وعداً بعد لم يعد
نخطو ملياً ويخطو الذئب مفترساً
وراءه ألف ذئب حاقد حرد
وبين كرّ وفرّ نجتري زمناً
تمرّ أيامه الحبلى بلا عدد
ققل لكلّ سجين لا يرى حلماً
إكليلك النصر بعد العيشة النكد
سيكتب الصبر من عينيك أغنية
دقات قلبي لها لحن ونبض يدي
أوراحنا نسمة النهرين ضاحكة
تشم غصنك يا بغداد وهو ندي
ننأى فيشتدّ فينا الوجد يا بلداً
فديته ببقايا الروح والجسد
نحب أرض علي حبّ والهة
ومن علي دمانا وهو معتقدي
كأنّي حينما ضيّعت لي وطناً
وحق عينيه لم أولد ولم ألد
يقول حسن الأمين:
كانت حياتي التدريسية في بغداد من أعذب أيام حياتي. وقد ودعت بغداد بهذه القصيدة:
إنّي عهدتك في النوى متجلدا
هيهات هذا اليوم أن تتجلدا
أرق الدموع فلست أوّل شاعر
يبكي الأحبة والديار توجدا
لمن الدموع تصونها إن لم تكن
لفراقهم ولمن تجود بها غدا
ودع شذا بغداد ودع دجلة
والألمعية والبسالة والندى
لن تبصر النخل النضير ولن ترى
في الجزرتين سناءها المتوقدا
هفت النواظر للعراق فلم تبن
خضر الضفاف ولا النخيل بها بدا
نأت الرصافة واختفت أعلامها
والكرخ من عيني أوغل مبعدا
بغداد غابت وانطوى نخل الربى
والشمل شمل الأوفياء تبددا
هيهات بعد اليوم وجدك ينقضي
هيهات شوقك أن يلين ويبردا
تلك الضفاف وكم مرحت بظلّها
شغفاً وكم حنّ الفؤاد وكم شدا
النخل كالوسنان أسبل جفنه
والنهر كالسكران هاج معربدا
والورد كالجذلان يبسم ثغره
والطير كالولهان يهتف منشدا
والظل كالهيمان مدّ ذراعه
شوقاً وعاوده الحيا فترددا
قل للأحبّة والديار بعيدة
هيهات قلبي بعدكم أن يسعدا
الصبح يعلم كم هفوت مروعاً
والليل يدري كم سهرت مسهدا
هذا الفؤاد المستهام بحبكم
هيهات يخمد حبه إلاّ الردى
بيني وبينكم القفار قصية
ما أطول المسرى عليَّ وأبعدا
ما زلتم أدنى إليّ ولم تزل
أيامكم أهنا لديّ وأرغدا
تلك الشواطىء ما نسيت عهودها
تلك الخمائل ما جحدت لها يدا
يا نخل ما أبهاك عندي منظراً
يا ماء دجلة ما ألذك موردا
سأظل أرسل في هواك قصائدي
سأظل بالحب الوفي مغردا
سأظل بالنخل النضير متيماً
سيظل قلبي في الهوى متبغددا
البقاع
البقاع اسم لمنطقة واسعة في لبنان قاعدتها مدينة زحلة. وكان اسم البقاع في القديم لا يشمل ما يشمله اليوم وإنّما كان يدلّ على ما هو أضيق رقعة من البقاع الحالي. قال ياقوت الحموي: «البقاع موضع قريب من دمشق وهو أرض واسعة بين بعلبك وحمص».
ومن بلدا البقاع اليوم بلدة بعلبك وبلدة الهرمل، والأولى فيها أكثرية شيعية والثانية كلّها شيعة. كما أنّ في البقاع كلاًّ من القُرى الآتية وكلّ أهلها شيعة: سحمر ويحمر ولبايا وزلايا وقليا وعين التينة. كما أنّ في مشغرة أكثرية شيعية وفي المعلقة أقلية شيعية.
وعدا عن بعلبك نفسها فإنّ في القُرى التابعة لها اكثرية شيعية وكذلك الهرمل فإنّ القُرى التابعة لها كلّ أهلها شيعة.
وكان سهل البقاع في عهد الإمبراطورية الرومانية يشمل كلّ المنطقة في إقليم البقاع وأعالي نهر العاصي. وتالياً يشمل منطقة بعلبك وحماه وحمص.
وكان من أهم السهول الانخفاضية الوسطى التي تشكّل إقليماً طبيعياً له ميزاته الخاصّة في البنية والتكوين، وهو عبارة عن سهول منخفضة تحدّها خطوط انكسارية تمتدّ من الشمال إلى الجنوب، ومن الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي. اشتهرت بينابيعها التي شكّلت العامل الأوّل في اختيار مواقع الاستقرار البشري.
تميّز سهل البقاع خصوصاً بزراعة الكرمة والأشجار المثمرة والزيتون والقمح.
وكان يشكّل مع أنطاكية، قيصرية، بيروت، قيصرية فلسطين، اللاذقية، بيبلوس، صور وصيدا، المراكز الرئيسية في تمويل الإمبراطورية الرومانية ومصدر عيشها، إضافة إلى كونها المراكز الحضارية الأهم في الصناعة والتجارة والزراعة. لذلك دعيت باسم إهراءات الإمبراطورية.
أهمّ منتوجاتها: الأشجار المثمرة، الكرمة، الحرير، القمح والخشب للبناء.
صدرت هذه المدن في كلّ عام، زيت الزيتون والتمر والجلد والطحين. واعتبرت الغابات مصدراً غنياً للبناء والطاقة والسفن.
البقيع
ـ1ـ
البقيع أشهر موقع من مواقع المدينة، بل من أشهر مواقع الحجاز قاطبة ويطلق عليه اسم بقيع الغرقد، وهو الذي ورد ذكره في مرثية عمرو بن النعمان البياضي لقومه وكانوا قد دخلوا في بعض حروبهم حديقة من حدائقهم وأغلقوا بابها عليهم ـ على ما يروون ـ ثمّ اقتتلوا فلم يفتح الباب إلاّ بعد أن قتل بعضهم بعضاً!! فقال في ذلك:
خَلَتِ الديارُ فَسُدت غيرَ مسوَّدِ
ومن العناءِ تفرّدي بالسؤددِ
أين الذين عدتُهم في غبطةٍ
بين (العقيق) إلى بقيع الغرقدِ
كانت لهم أنهابُ كلّ قبيلةٍ
وسلاحُ كلّ مُدرَّبٍ مستنجدِ
نفسي الفداءُ لفتيةٍ من عامرٍ
شربوا المنيّة في مقام أنكد
قوم هُمُ سفكوا دماء سُراتهم
بعض ببعضٍ فعلَ من لم يرشد
يا للرجال لفتيةٍ من دهرهم
تُرِكتْ منازلُهم كأن لم تعهدِ
واتّخذ البقيع مقبرة وسمّيت ببقيع الغرقد لأنّها كانت مغطاة بالنباتات الشوكية المعروفة بالغرقد، أمّا كلمة البقيع فمعناها المكان المزروع بعدد من أنواع الشجر ولذلك سمّاها الرحالة السويسري (برخارت) (جنة البقيع).
وشهرة البقيع قد رافقته منذ أن أصبح مدفناً لعدد من عظماء المسلمين وأئمتهم وأعلام الأنصار والمهاجرين. وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يقصد البقيع يؤمّه كلّما مات أحد من الصحابة ليصلي عليه ويحضر دفنه، وقد يزور البقيع في أوقات أخرى ليناجي الأموات من اصحابه ويطلب لهم الرحمة.
وقد روى مسلم في الصحيح عن عائشة أنّها قالت: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كلّما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول:
«سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللَّهُمَّ أغفر لأهل البقيع الغرقد».
وحدّث محمد بن عيسى عن خالد عن عوسجة قال: كنت أدعو ليلةً إلى زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي تلي باب الدار فمرّ بي جعفر بن محمد (عليه السلام) فقال لي:
ـ أعن أثر وقفت هاهنا؟
ـ قلت: لا…
ـ قال: هذا موقف نبي الله (صلّى الله عليه وآله) بالليل إذا جاء يستغفر لأهل البقيع.
لذلك كبر شأن البقيع، وكثر روّاده بقصد الدعاء والاستغفار أو التسلية إذ أصبح ملتقى الجماعات وأشبه ما يكون بالمنتدى والمجلس العام لاجتماع الناس في أوقات فراغهم، فقد روي أنّ عمر بن الخطاب أمر الذين يريدون أن يتحدثوا في أمور دنياهم في المسجد أن يخرجوا إلى البقيع ليتحدّثوا هناك بشؤونهم الخاصّة.
واتّسعت رقعة البقيع وعظم شأنها حتّى قيل أنّ عدد الذين دفنوا فيها من الصحابة كان عشرة آلاف صحابي.
وهذه المقبرة ظلّت عامرة بأضرحتها وأبنيتها الضخمة، والقبب القائمة على مدافن المشاهير والأعلام حتّى قيام الوهابية فهدّمت تلك الأضرحة والمدافن كضريح العباس بن عبدالمطلب، والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وإبراهيم ابن النبي (عليه السلام) والإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأئمة علي بن الحسين زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق (عليهم السلام) وعدد كبير من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
وعبر ابن جبير الرحالة في القرن السادس الهجري بالبقيع فيصف المقبرة وصفاً خلاصته: أنّ بقيع الغرقد واقع شرقي المدينة تخرج إليه على باب يعرف بباب البقيع، وأوّل ما تلقى عن يسارك عند خروجك من الباب المذكور مشهد صفية عمّة النبي (صلّى الله عليه وآله) وهي أمّ الزبير بن العوام، وأمام هذه التربة قبر مالك بن أنس الإمام المدني وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء، وأمامه قبر السلالة الطاهرة: إبراهيم ابن النبي (صلّى الله عليه وآله) وعليه قبّة بيضاء وعلى اليمين منها تربة ابنٍ لعمر بن الخطاب اسمه عبدالرحمن الأوسط وهو المعروف بأبي شحمة، وهو الذي جلده أبوه الحدّ فمرض ومات، وبإزائه قبل عقيل بن أبي طالب وعبدالله بن جعفر الطيار وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي (صلّى الله عليه وآله) وتليها روضة العباس بن عبدالمطلب (عليه السلام) والحسن بن علي (عليه السلام) وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور وعن يمين الخارج منه، ورأس الحسن (عليه السلام) إلى رجلي العباس (عليه السلام) وقبراهما مرتفعان عن الأرض متّسعان مغشيّان بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مرصّعة بصفائح الصفر ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر، وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ابن النبي (صلّى الله عليه وآله) ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويعرف بـ «بيت الحزن»([251]) يُقال إنّه البيت الذي آوت إليه والتزمت فيه الحزن على موت أبيها المصطفى (صلّى الله عليه وآله)، وفي آخر البقيع قبر الخليفة عثمان وعليه قبة صغيرة مختصرة، وعلى مقربة منه مشهد فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ثمّ يقول ابن جبير: ومشاهد هذا البقيع أكثر من أن تحصى لأنّه مدفن الجمهور الأعظم من الصحابة المهاجرين والأنصار، وعلى قبر فاطمة المذكورة ـ بنت أسد ـ مكتوب: «ما ضمّ قبل أحد كفاطمة بنت أسد (رضي الله عنها) وعن بنيها».
ويمرّ ابن بطوطة بعد ابن جبير بما يقرب من 150 سنة بالبقيع فيصف البقيع وصفاً مطابقاً لوصف ابن جبير في تحديد هذه المشاهد والقبور والأضرحة.
وعلى مرور الزمن نال البقيع بسبب الإهمال وعوادي الدهر ما ذهب بروعة هذه البقعة من الشجر والكثير من الأبنية والغالب أنّ هذا الإهمال قد لحق البقيع بعد القرن السابع الهجري، والغريب في الأمر أن يزور صاحب كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار([252]) في القرن السادس والبقيع على ما تنقل الروايات في ذلك العصر كان في أزهى أدواره فيقول عنه:
«بقيع المدينة من ناحية الشرق، فأوّل ما تلقى إذا خرجت، إلى البقيع: قبر مالك وهو قبر مهمل مبني بالحجر والطين، مرتفع من الأرض نحو 4 أشبار، وعند رأسه حجر أدكن كنقوش تاريخه من يوم مات، ثمّ تسير منه قليلاً وقد بصقت القبور موتاها ورفضت الأرض جميع ما دفن فيها من صغير وكبير ولم يبقَ في بطنها منهم شيء إلاَّ رفضته على وجهها، فلم يبق عضو من أعضائها، ولا عظم من عظامها ولو كان مقدار خردلة إلاَّ وخرج على الأرض من ناس أهل المدينة خاصّة!! وترى البقيع شبه المقتلة من دفن قديم وحديث، وجماجم الموتى بالية قديمة، وأخرى حديثة، فهذا عبرة لمن اعتبر ثمّ تسير قليلاً فتلقى روضة العباس بن عبد المطلب (عليه السلام) عمّ النبي ثمّ روضة إبراهيم وُلِد النبي، ثمّ روضة عثمان بن عفان، وروضات كثيرة.
لم تكن للبقيع قيمة بذاته إلاَّ بعد أن أصبح مقبرة تضمّ رفات خيرة الصحابة والأئمة والأولياء والصالحين والشهداء.
قبور أئمة أهل البيت (ع) في البقيع قبل الهدم
فقد دفن فيه لأوّل مرّة الصحابي عثمان بن مظعون أوّل من توفي من المهاجرين في المدينة وذلك في الثالث من شعبان للسنة الثالثة من الهجرة، ويومها أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن تقطع بعض أشجار الغرقد ليدفن ابن مظعون في وسطها، ووضع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيديه حَجَرين شاهدين عند رأسه وقدمه، وقد أزالهما بعد ذلك مروان بن الحكم والي معاوية على المدينة لأمرٍ في نفسه. وقد استنكر الصحابة فعلة مروان هذه، ثمّ ما لبث أن أُعيدت العلامات لقبر عثمان بن مظعون وابتنيت عليه قبّة.
قبور أئمة أهل البيت (ع) في البقيع بعد الهدم
وفي العام الثامن من الهجرة توفي إبراهيم ابن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فدفنه الرسول (صلّى الله عليه وآله) بيده في البقيع، وبمرور الأيام أصبح البقيع مدفناً لأهل يثرب، حيث رغب الناس في أن يدفنوا موتاهم في تلك البقعة المباركة، التي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد دفن فيها خيرة أصحابه والتي كان يزورها في آخر الليل ويستغفر لأهلها.
وبتقادم الأيام اتّسعَت مساحة البقيع التي حوت ما يزيد على سبعة آلاف قبر من قبور الصحابة، عدا من دُفن فيها من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وعدد كبير من التابعين.
فأوّل من دُفن فيه من قرابة الرسول ابنه إبراهيم ـ كما تقدّم ـ الذي وُلِد في المدينة المنورة، من مارية القبطية، عن عمرٍ قارب السنتين.
وفي البقيع دُفنت ابنة الرسول (صلّى الله عليه وآله) السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ـ على بعض الروايات ـ، والسبط الأكبر للرسول (صلّى الله عليه وآله). الحسن (عليه السلام)، وزين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) ومحمد بن علي الباقر (عليه السلام)، وجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وصفية بنت عبد المطلب (عمّة الرسول (صلّى الله عليه وآله))، وعاتكة بنت عبدالمطلب (عمّة الرسول (صلّى الله عليه وآله))، والعباس بن عبدالمطلب (عمّ الرسول (صلّى الله عليه وآله))، وفاطمة بنت أسد أم علي (عليه السلام)، وعبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب.
دفن عدد من أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله)، أمهات المؤمنين:
زينب المتوفاة سنة 4هـ، وريحانة المتوفاة سنة 8هـ، وماريا القبطية المتوفاة سنة 16هـ، وأم حبيبة المتوفاة سنة 43/44هـ، وحفصة المتوفاة سنة 45هـ، وسودة المتوفاة سنة 50/54هـ، وصفية المتوفاة سنة 50هـ، وجويرية المتوفاة سنة 50/56هـ، وعائشة المتوفاة سنة 52هـ، وأمّ سلمة المتوفاة سنة 61هـ.
ولا يخفى أنّ قبر السيدة خديجة في مكة لأنّها توفيت قبل الهجرة، وقبرها في شعب أبي طالب، وقبر ميمونة بسرف.
وقد كان هدم قبور أئمة البقيع (عليهم السلام) بأيدي الوهاببين يوم 8 شوال سنة 1344هـ وفي ذلك يقول الشيخ جواد البلاغي من قصيدة مطلعها:
دهاك ثامن شوال بما دهما
فحق للعين إهمال الدموع دما
وفيها يقول:
يوم البقيع لقد جلّت مصيبته
وشاركت في شجاها كربلا عظما
وقال السيد رضا الهندي وقد وقف على البقيع بعد تهديم قبور الأئمة:
أعز اصطباري وأجرى دموعي
وقوفي ضحى في بقاع البقيع
على عترة المصطفى الأقربين
وأمهم بنت طه الشفيع
هم آمنوا الناس من كلّ خوف
وهم أطعموا الناس من كلّ جوع
وهم روعوا الكفر في بأسهم
على أنّ فيهم أمان المروع
وقفت على رسمهم والدموع
تسيل ونار الجوى في ضلوعي
وكان من الحزم حبس البكاء
لو أنّ هنالك صبري مطيعي
وهل يملك الصبر من مقلتاه
ترى مهبط الوحي عافي الربوع
وقيّمه يمنع الزائرين
من لثم ذاك المقام المنيع
إذا همّ زواره بالدنو
يذودنهم عنه ذود القطيع
وهذا مقام يذم الصبور
عليه ويحمد حال الجزوع
ويا ليت شعري ولا تبرح الليالي تجيء
بخطب فظيع
أكان إليهم أساء النبي
فيجزونه بالفعّال الشنيع
لئن كان في مكة صنعهم
بحجاجها نحو هذا الصنيع
فلست أرى الحج بالمستطاع
ولا واجد المال بالمستطيع
وقال الشيخ موسى الهر في حادثة تهديم ضرائح البقيع:
مصاب دهى الإسلام والشرعة الغرّا
فأمست برغم الدين أدمعها عبرا
مصاب له عين النبي بكت دماً
وحيدرة والطهر فاطمة الزهرا
وقامت أصول الدين تنعى فروعه
بحادثة فقماء زلزلت الغبرا
فأضحت عيون الرشد تهمل بالدما
وأصبح وجه الغي مبتسماً ثغرا
فهل نابها من فادح الدهر فادح
أسال عقيق الدمع من مضر الحمرا
وعادت لنا الأيام يوم مذلة
به أصبح الإسلام منقصماً ظهرا
أجل جلّ رزء الدهر هدم قبورهم
له انبجست عين الورى أدمعاً حمرا
أثامن شوال غدوت محرماً
وقد نصبت منك المآتم في الشعرا
وقال الشيخ عبدالكريم الممتن مؤرخاً هدم قبور الأئمة في البقيع من قصيدة:
قباب برغم العلى هُدّمت
وهيهات ثاراتها تذهب
إلامَ معاشر أهل الأبا
يصول على الأسد الثعلب
لئن صعب الأمر في دركها
فترك الطلاب بها أصعب
أليس كما قال تاريخه
بتهديمها انهدم المذهب
وقال أيضاً:
خليليَّ اهجرا طيب الهجوع
وتذكار الأحبة والربوع
وجدا بالمسير بيعملات
برئن من البرى ومن النسوع
يجوب مديد أربعها طويلاً
خفيفاً عاد بالسير السريع
إلى نادي الذين إذا ينادي
بهم لبسوا القلوب على الدروع
فقولا يا حماة الدين هبوا
أصيب الدين بالخطب الفظيع
دهى الإسلام رزء قام يدعو
مؤرخه لتارات البقيع
وقال شاعر آخر:
لمن أبقيت وكاف الدموع
أما تبكيك فاجعة البقيع
وقال الشيخ حسن سبتي:
سل طيبة عنهم لا طاب عيشهم
فكم بها هدموا قبراً لكل أبي
من عالم أو صحابي وذي شرف
وهاشمي منافي ومطلبي
فيا له حادثاً قد عمّ فادحه
كلّ البرية من عجم ومن عرب
وفجعة ذابت الصم الصلاد لها
فأي قلب بهذا الرزء لم يذب
ونكبة عمّت الأقطار قاطبة
ما مثلها نكبة في سالف الحقب
وينفرد الشيعة في إفريقيا الشرقية بإحيائهم ذكرى يوم 8 شوال، يوم هدم القبور باحتفالات شجية.
ومن الشعر الذي ورد فيه ذكر البقيع قبل هدم القبور قول الفقيه العراقي الشيخ باقر حيدر المتوفى سنة 1333هـ من قصيدة:
يا رسولي إلى الرسول المفدَّى
فوق كوماء مثل قصر مشيد
قف بها في البقيع لوث إزار
مستفزاً بني نزار الرقود
يا أسود العرين شم العرانين
وعز الذليل غيظ الحسود
إنّ حرباً شنت عليكم حروباً
شاب منها أو كاد رأس الوليد
وقال الشاعر العراقي مدين الموسوي وقد زار قبر النبي (صلّى الله عليه وآله) ثمّ زار البقيع في شهر ذي القعدة سنة 1413هـ:
وقفت على قبر النبي وأعيني
تكاد بأن تأتي عليها دموعها
وأرخيت أجفاني لتسكب عبرة
تفجر من أرض العراق نقيعها
بكيت بها حزناً لآل محمد
وقد راعني في كلّ أرض مضيعها
لماذا خبت منهم شموس وغيبت
بدور مع القرآن كان طلوعها
أسائل عن نار ببابك لم تزل
تحرق أكباداً تضرَّى صريعها
أسائل عن أرض وقد ضمَّ تربها
طهارة أجداث عبيراً تضوعها
فما راعني إلاَّ صدى جاوب الصدى
وقد صمَّ من تلك القلوب سميعها
هي الآن قاعاً صفصفاً غير أنّها
تحشد أملاك السماء ربوعها
سلاماً أبا الزهراء إنّ عصابة
توالت على إيذاك ساء صنيعها
وأنّ يداً أعفت قبوراً بطيبة
وباسمك بعد الله زال خنوعها
لها من أكف سالفات وراثة
غداة أحاطت بالحسين جموعها
وأنّ أكفاً أضرمت باب حيدر
بنار وللزهراء راحت تروعها
هي الآن تمري الضرع سماً تدوفه
فتقطر من حقد علينا ضروعها
تبادلنا كأساً بكأس نقيعة
فنسكرها حباً ويطغى نقيعها
لقد رويت منّا دماء ولم يزل
يطارد أشلاء الملايين جوعها
وقد قطعت منّا رؤوساً كريمة
وقد أضرمت ناراً ترامى وسيعها
فمنا بكوفان أبيحت حرائر
وبغداد ما زال تسيل صدوعها
وفي كربلا حيث الزمان تفصمت
عراة وقد جلى السماء صديعها
وفي أرض فخ لا تزال جماجم
معلقة مالت عليها جذوعها
وقد حسبت أنا إذا السيف حكمت
قواعده فينا تطول قطوعها
وقد حسبت أنا إذا غاب بعضنا
فأخلى لها درباً يسود جميعها
وما علمت أنا بقية صرخة
تردّد في صم الزمان رجيعها
وأنا غراس ثابتات بأصلها
وقد ناطحت هام السماء فروعها
عزاء أبا الزهراء لست معزياً
سواك بمن يوم الحساب شفيعها
بأمّة ظلم أجمعت فيك رأيها
وعنك تخلى جلفها ومطيعها
وطال بوجه الله عمداً وقوفها
وفي حضرة الشيطان دام ركوعها
غداة أزاحت عن علاها عليها
ورفع من جهل عليها وضيعها
وراحت تكافيك الصنيع فتارة
بنار وأخرى سمها ونقيعها
وفي كربلا لم تبق منك بقية
ليفنى عليها شيخها ورضيعها
وأخرى وقد لاحت لآلك قبّة
يلامس أبراج السما سطوعها
عفتها لتعفي نورها وسموّها
وقد خاب، إلاّ أن تطول، صنيعها
عزاءً أبا الزهراء في كلّ بقعةٍ
تساوي عليها طفلها وبقيعها
وقال الدكتور جودت القزويني عندما زار البقيع سنة 1413هـ (1993):
طوالُ اللحى، وقصارُ الثيابِ
يظنونَ ذلكَ عينَ الصوابِ
ويمشونَ في الأرض (كالخنفساء)
إذا اصطدمتْ بمهيلِ التُرابِ
تراهم فتُبصرُ وجهَ الزمان
كالبوم يحيا بأرضِ الخرابِ
كأنَّهمُ في (صَحَارى) الخيال
يعيشونَ في مُلتقىً كالذئابِ
(عِقالٌ) مَهيبٌ بتلك الرؤوس
لكنَّما العقلُ عقلُ الغُرابِ
رأيتُهمُ فوقَ قبر (النبيّ)
كلاباً تُبرِّرُ فِعلَ الكلابِ
لَقَدْ حَجَبُوا قَبْرَهُ المُستنيرَ
عَنْ أُمَّةٍ آمنتْ (بالكتابِ)
ويَرمونَ (بالشِركِ) كُلَّ الأنام
وهم وحَدهُم شُرّفوا بالصوابِ
فيا قَبرَ (أحمدَ) خيرَ الأنام
أحاطوكَ (أعرابُنا) بالحِرابِ
ويا بُقعةٌ من (بقيع) الهوان
جَرْدَأءَ محفوفةً بالخرابِ
دنَوتُ إليها بِقَلْبٍ كسيرٍ
والحُزنُ مُنْحَبِسٌ في إهابي
وشَارَفَني الذُلُّ حَتَّى غَدا
نَشِيْجيْ يُعبِّرُ حُزناً لِما بِيْ
أَتَرْضَى أنوفُ بني (هاشم)
يُرغُمها (وَغْدُ) تلكَ الشِعابِ
البقيع
ـ2ـ
من أكثر الأمور التي نتجت عن سيطرة الوهابيين على الحجاز أهميّة… تدمير الآثار الإسلامية، الذي تجلّى في تدمير مقبرة المعلّى في مكّة المكرمة، والبقيع في المدينة المنورة… حيث يُعدّ الأخير أكثر أهمية من سابقه، لأنّه يضمّ رفات الآلاف من الصحابة والتابعين.
ويطلق الكثيرون خصوصاً مسلمو القارة الهندية على البقيع اسم «جنة البقيع»، ربّما لأنّهم عدّوه روضة من رياض الجنة لكثرة من دفن فيه من الصحابة والتابعين، وربّما كانت التسمية راجعة إلى الزرع المنتشر حيث كان المكان جنّة خضراء.
ولم تكن للبقيع قيمة إلاّ بعد أن أصبح مقبرة تضمّ رفات خيرة الصحابة والأئمة والأولياء والصالحين والشهداء… وأوّل من دفن فيه هو الصحابي عثمان بن مظعون وهو أوّل صحابي يتوفّى من المهاجرين، وكان ذلك في الثالث من شعبان للسنة الثالثة من الهجرة ـ كما تقول الروايات ـ … ويومها أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأن تُقطع بعض أشجار الغرقد ليدفن ابن مظعون في وسطها، ووضع (صلّى الله عليه وآله) بيديه حجرين شاهدين عند رأسه وقدمه، أزالهما فيما بعد والي معاوية على المدينة مروان ابن الحكم، وقد لقي هذا الفعل استهجان البقيّة الخيّرة من الصحابة، وفي السنوات التالية توفي ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (إبراهيم) ودفنه بيديه وبكى عليه، وعلّم القبر… فأصبح البقيع مع الأيام مدفناً لأهل يثرب، حيث رغب الناس في أن يدفنوا موتاهم في تلك البقعة المباركة التي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد دفن خيرة أصحابه فيها، والتي كان يزورها في آخر الليل ويستغفر لأهلها بقوله «سلام عليكم دار قوم مؤمنين… وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد».
وهكذا اتّسعت مساحة البقيع، التي حوت ما يزيد على قبور سبعة آلاف صحابي، عدا من دفن فيها من أهل البيت والكثير من التابعين… ففيها دفن الإمام الحسن (عليه السلام) بعد أن منع الأمويون دفنه إلى جانب جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورشوا جنازته بالنبل، وقبله دُفنت الزهراء (عليها السلام) ـ على أقرب الروايات إلى الصحة ـ، ودفن فيها الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام)، والإمامان محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام). وضمّ البقيع رفات زوجات النبي وأبنائه الآخرين وعمّاته وأعمامه… فهناك قبر صفية بنت عبدالمطلب، وقبر العباس بن عبدالمطلب، وقبر فاطمة بنت أسد أم الإمام علي (عليه السلام)، وقبر عبدالله بن جعفر بن أبي طالب… هذا إضافة إلى قبر حليمة السعدية مرضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وقبر الخليفة عثمان الذي كان خارج البقيع فوسّع ليدخل فيه، وقبر الإمام مالك بن أنس ونافع شيخ القرّاء… وكذلك قبور الآلاف من التابعين.
وعلى مرّ القرون، كان البقيع ـ كما مقبرة المعلّى بمكة المكرمة ـ معظّماً لدى المسلمين الذين أشادوا القبب على قبور الصحابة والأئمة والأولياء احتراماً وتكريماً وتقديساً لمن صنعوا التاريخ ومجد الإسلام. ولم يتعرّض البقيع للأذى، ولرفات هؤلاء بالانتقاص والامتهان إلاّ في عهد الوهابيين.
وبقي البقيع على حاله هذه تقريباً، مع ملاحظة تعميره بين مدّة وأخرى… إلى أن جاءت نكبة الوهابيين في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي فدمروا المشاهد وأهانوا الموتى والشهداء والصالحين، وتعرّضوا لبقية المسلمين بالتكفير والحرب والقتال، بما لم يفعله مسلم ولا كافر في التاريخ من قبل.
نكبة البقيع الأولى
يرى الوهابيون أنّ تعظيم قبور الأنبياء وأئمة أهل البيت والصحابة والأولياء يعني عبادة أصحاب هذه القبور وهو شرك بالله، بل هو كفر صريح وزندقة، يستحق معظمها القتل وإهدار الدم وسلب أمواله وسبي ذراريه، وكانوا ـ ولا زالوا ـ يطلقون على المسلمين القائلين بتعظيم القبور وأهلها الصالحين لفظة «القبوريين» التي تعني عبّاد القبور، مقارنين بينها وبين فعل الجاهليين تجاه أوثانهم. وقد خالفوا بآرائهم هذه جمهور المسلمين، الذين يرون أنّ من حق «المسلم» أن يجتهد، ولكن ليس إلى حد تكفير أخيه وإهدار دمه وسبي ذرّيته… ولم يتحفّظ الوهابيون في تبيان آرائهم، بل شرعوا في تطبيقها على الجمهور الأعظم من المسلمين بقوّة الحديد والنار.
إنّ مجمل الفكر الوهابي يعتبر تعظيم أصحاب القبور من الأنبياء والصالحين ضلالة.
أمّا بقية المسلمين الذين خالفوا الوهابيين في آرائهم فيعتقدون بتكريم وتبجيل القبر الذي هو في حقيقة الأمر تبجيل لصاحبه الساكن به…
ولقد انصبّ الجهد الوهابي في كلّ مكان سيطروا عليه، على هدم قبور الصحابة والتابعين وخيرة أهل بيت النبي (عليهم السلام)… وكانت المدينتان المقدستان «مكة والمدينة» لكثرة ما بهما من آثار دينية، من أكثر المدن تعرّضاً لهذه المحنة.
بين عامي 1205هـ ـ 1217هـ، حاول الوهابيون السيطرة على الحجاز في حروب لم تتوقف، زادت على الخمسين حرباً، ولكنّهم فشلوا في مساعيهم وكان الصلح بينهم وبين الأشراف ـ حكّام الحجاز ـ يُعقد ثمّ ما يلبث أن ينتقض. وفي أواخر عام 1217هـ احتلّ الوهابيون الطائف وأقاموا مجزرتهم الدامية المشهورة… وفي عام 1218هـ احتلوا مكة بدون حرب وأعملوا في الأماكن المقدسة هدماً وتدميراً، وانصبّ سخطهم على تدمير كلّ القبب المقامة، حتّى تلك التي كانت على بئر زمزم فساووها بالأرض… إلاّ أنّ الشريف غالب حاكم الحجاز الذي عقد الصلح مع الوهابيين خوفاً على الأماكن المقدسة، لم يستمر في المهادنة، فانتقض الصلح، الأمر الذي دفع الوهابيون لإعادة احتلال مكة مرّة أخرى سنة 1220هـ.
وفي عام 1221هـ احتلّ الوهابيون مدينة الرسول، فلم يبقوا في البقيع ولا خارجه حجراً على حجر، حتّى المساجد هدموها، وحاولوا مراراً هدم قبّة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلاّ أنّهم غيّروا رأيهم… وفي ذات الوقت منعوا جميع المسلمين من الحج إلاّ أتباعهم ـ وهم قلّة قليلة ـ … ففي عام (1220هـ) انقطع الحج العراقي والإيراني، وبعد عام واحد (1221هـ) انقطع الحج الشامي، وفي عام (1222م) انقطع الحج المصري… والسبب في هذا كلّه أنّ سعود الكبير أراد أن يجبر الحجاج على اعتناق مذهبه والالتزام بدعوته، ولمّا رفض المسلمون ذلك، منعهم من الحج واعتبرهم هراطقة كفرة.
لقد خرّب الوهابيون ودمّروا قبور شهداء أحد، والمسجد المقام على قبر سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، ودمّروا المساجد التي خارج البقيع، مثل مسجد الزهراء (فاطمة)، ومسجد المنارتين، ومسجد المائدة ـ وهو الموقع الذين نزلت فيه على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سورة المائدة ـ، وكذلك مسجد الثنايا الذي دفنت فيه ثنايا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) التي تكسّرت في معركة أحد.
أمّا البقيع فأصبح قاعاً صفصفاً، لم يبق به أيّة قبّة، وأصبح ذلك المزار المهيب على مرّ القرون للملايين من المسلمين مجرّد مزبلة، لا يكاد يعرف الزائر بوجود قبر فيه، فضلاً عن أن يعرف صاحبه.
أدّى استيلاء الوهابيين على الأماكن المقدسة ومنعهم المسلمين من أداء فريضة الحج وإجبار المسلمين على اقتفاء أفكارهم وآرائهم الدينية، أدّى إلى هروب عشرات الآلاف من المدينة ومكة فراراً من الاضطهاد العقائدي، وتردّي الوضع السياسي والاقتصادي، وبدأ المسلمون يتذمرون، وراح الرأي العام يضغط على دولة الخلافة لتتولّى مهمّة تحرير الحرمين والسماح للمسلمين بالحج وإعادة إعمار العتبات المقدسة، فجهّزت حملة محمد علي باشا التي ما أن وصلت إلى يابسة الحجاز، حتّى سارعت القبائل وأهالي المدن إلى دعمها، فأُعيدت السيطرة على المدينة ثمّ مكة. ويذكر الجبرتي أنّ القاهرة احتفلت على أثر وصول نبأ فتح مكّة إليها خمسة أيام متواليات، وأقيمت الأفراح والاحتفالات في كلّ بلاد العالم الإسلامي.
وخير من يصف البقيع في نكبته الأولى الرحالة السويسري لويس بورخارت الذي ادّعى الإسلام، وسمّى نفسه إبراهيم، وقدم على محمد علي في مصر ثمّ رافق حملته لاستئصال الوهابيين سنة 1815م، وكان من بين ما قاله الرحالة عن مقبرة البقيع التالي:
«هي عبارة عن مربع كبير تبلغ سعته مئات من الخطوات، محاط بجدار يتّصل من الجهة الجنوبية بضاحية البلدة، وبساتين النخيل الأخرى. وتبدو المقبرة حقيرة جدّاً لا تليق بقدسية الشخصيات المدفونة فيها. وقد تكون أقذر وأتعس من أيّة مقبرة موجودة في المدن الشرقية الأخرى التي تضاهي المدينة المنورة في حجمها. فهي تخلو من أي قبر مشيّد تشييداً مناسباً، وتنتشر القور فيها وهي أكوام غير منتظمة من التراث، يحدّ كلّ منها عدد من الأحجار الموضوعة فوقها… ويُعزى تخريب المقبرة إلى الوهابيين»… ثمّ يأتي بورخارت إلى وصف بقايا القبب والمباني الصغيرة التي تعرّضت للتخريب كقبور أئمة أهل البيت، وقبر العباس، وعمّات النبي (صلّى الله عليه وآله) وعثمان، ليصل إلى نتيجة: «فالموقع بأجمعه عبارة عن أكوام من التراب المبعثر وحفر عريضة، ومزابل…».
ثمّ يصف بورخارت زيارته لجبل أحد، حيث وجد المسجد الذي شيّد على قبر الحمزة وغيره من شهداء أحد، مثل مصعب بن عمير وجعفر بن شماس وعبدالله بن جحش قد هدمه الوهابيون… إلاّ أنّه أشار إلى أنّ قبر حمزة لم يعبث به كغيره… وعلى مسافة من هذا المسجد وجد قبّة مهدمة مخربة وصغيرة تشير إلى المكان الذي أصيب فيه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في أحد… وعلى مسافة وجد قبور اثني عشر صحابياً من شهداء أحد «وقد خرب الوهابيون قبورهم وعبثوا بها».
وبعد هزيمة الوهابيين، بُدىء في عام 1818م، وفي عهد السلطان العثماني عبدالمجيد ثمّ في عهد السلطان عبدالحميد. بإعادة الإعمار للحرم المدني وللبقيع ولتراث المسلمين الخالد في أحد… ثمّ جُدّدت الأبنية كما يبدو بين عام 1848ـ1860م، وصُرفت مبالغ هائلة قدّرت بسبعمائة ألف جنيه استرليني بعضها من أموال الحجرة النبوية.
محنة الأماكن المقدسة للمرّة الثانية
أشاد العثمانيون القبب والمساجد بشكل فني رائع، وقد ذكر مؤلف (مرآة الحرمين) هذه الأضرحة والقبب، وصوّرها في كتابه قبل أن يدمّرها الوهابيون للمرّة الثانية.
في النصف الثاني من عام 1853م، وفي زيارة خاصّه له للبقيع، أشار الرحالة البريطاني ريتشادر بورتون، الذي انتحل الجنسية الأفغانية وسمّى نفسه عبدالله… أشار إلى الروايات القائلة، بأنّ البقيع يضمّ رفات سبعين ألف قديس، أو مائة ألف، بينهم 7ـ10 ألف صحابي وعدد آخر لا يحصى من «السادة» دفنوا فيه واندرست قبورهم. وأضاف بأنّه دخل المقبرة وقرأ الزيارة العامة التي حظر الوهابيون قراءتها، وأعقبها بقراءة سور من القرآن… وتابع: «حينما سرنا في ممر ضيق يؤدّي من جهة البقيع الغربية إلى الجهة الشرقية، دخلنا مرقداً متواضعاً أقيم فوق قبر الخليفة عثمان… وبعد هذا سرنا خطوات قليلة إلى الشمال وتوجهنا نحو الشرق فزرنا أبا سعيد الخدري ـ صاحب النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ الذي يقع قبره خارج البقيع… وكان المكان الثالث الذي زرناه قبّة تضمّ قبر السيدة حليمة مرضعة النبي… ومن هناك توجهنا إلى الشمال فوقفنا أمام مبنى صغير يحوي أشكالاً بيضاوية من الأحجار، وهي قبور شهداء البقيع الذين قتلهم «مسلم» قائد كبير الفاسقين يزيد. أمّا الوقفة الخامسة فكانت بالقرب من وسط المقبرة على قبر إبراهيم ابن النبي (صلّى الله عليه وآله) وزرنا بعد هذا نافع بن عمر المسمّى نافع القارىء، وإلى جنبه مالك بن أنس… وكانت الوقفة الثامنة على قبر عقيل بن أبي طالب أخي الإمام علي (عليه السلام) وزرنا بعد هذه البقعة التي دفنت فيها أزواج النبي جميعاً ـ عدا خديجة التي دفنت بمكة ـ، وبعد أمهات المؤمنين قرأنا الفاتحة على قبور بنات النبي (صلّى الله عليه وآله)».
وأضاف بورتون «وقبل أن نترك البقيع وقفنا وقفتنا الحادية عشرة عند القبّة العباسية، أو قبّة العباس عمّ النبي، وهي أكبر وأجمل جميع القبب الأخرى… وتوجد في القسم الشرقي قبور الحسن بن علي سبط النبي، والإمام زين العابدين بن الحسين، وابنه محمد الباقر، ثمّ ابنه الإمام جعفر الصادق، وهؤلاء جميعاً من نسل النبي، وقد دفنوا في نفس المرقد الذي دفن فيه العباس… وبعد أن خرجنا وتخلّصنا من أيدي الشحاذين الصغار، وجّهنا وجهنا نحو الجدار الجنوبي الذي يوجد بقربه قبر ينسب إلى السيدة فاطمة وقرأنا الدعاء المعروف»… وفصّل بورتون مسألة غموض موقع قبر الزهراء ولكنّه أكّد أنّ الإخفاء كان بوصيّة منها… وتابع «أتينا على قبّة صغيرة تحوي قبور عمّات النبي، ولا سيّما صفية بنت عبدالمطلب أخت حمزة، وإحدى بطلات الإسلام في أوّل عهده.
وحسبما يذكر بورتون أنّ في المدينة 55 مسجداً وبقعة مقدسة، عدّد أكثرها وأشار إلى القبب المقامة عليها، ومن بينها «قبّة المصرع» وهو المكان الذي خرّ فيه حمزة صريعاً…
هذا هو حال المدينة وبقيعها بعد تعميره… وقبل تدميره من جديد على يد الوهابيين. وفي الوقت الذي وصف فيه المغامر الإنكليزي جون كين المدينة أثناء حج عام 1877ـ1878م بأنّها تشبه استانبول أو أيّة مدينة أخرى من المدن الجميلة في العالم، حيث تبدو أسوارها البيضاء، ومنائرها العديدة المطلية بالذهب، ووصفها حين تشرق الشمس على حقولها الخضراء المحيطة بها كجوهرة متلألئة محاطة بفسيفساء من اللؤلؤ… جاء (ايلدون رتر) ليصف قراها المحيطة بها بعد المحنة التي عصفت بها على يد غلاة الوهابيين، بأنّ القرى والبيوت الواقعة بين محيط المزارع وأشجار النخيل مهجورة خربة، وأنّ الحقول أصبحت جرداء غير عامرة بالزرع بسبب الحصار الذي فرضه الوهابيون على المدينة قبل سقوطها… ولاحظ رتر خارج السور عدداً غير يسير من المباني والقصور التي كانت منيفة قبل تهديدات الوهابيين.
وأشار رتر إلى حصار الوهابيين للمدينة الذي استمرّ خمسة عشر شهراً، حيث ألجأ السكان البالغ عددهم بين 70ـ80 ألف نسمة إلى الفرار، فلم يتبق منهم سوى ستة آلاف نسمة فقط. وفي حين وصف جون كين المدينة بأنّها محظوظة لأنّها تحتوي على جميع ما يمكن أن يريده العقل الشرقي ويرتاح إليه، من البيوت المنظمة، والحقول النضرة، والمياه الجارية وغيرها… إضافة إلى شوارعها النظيفة المنتظمة جدّاً والرفاه والازدهار وغيره… يأتي رتر ليقدّم الصورة المتناقضة، فـ«الشوارع والأزقّة فارغة والبيوت متهدّمة»، وملامح الإعياء بادية ظاهرة، وكأنّ الزلزال أصابها.
أمّا البقيع فقد وصفه رتر وصفاً مروعاً فقال: «حينما دخلت إليه وجدت منظره كأنّه منظر بلدة قد خربت عن آخرها. فلم يكن في أنحاء المقبرة كلّها ما يمكن أن يشاهد، سوى أحجار مبعثرة وأكوام صغيرة من التراب لا حدود لها، وقطع من الخشب، مع كتل كثيرة من الحجر والآجر المنكسر هنا وهناك، وقد كان ذلك أشبه بالبقايا المبعثرة لبلدة أصابها الزلزال فخربها كلّها».
«,الفيت بجانب السور الغربي للمقبرة أكواماً كبيرة من ألواح الخشب القديمة، والكتل الحجرية وقضبان الحديد… وقد أزيلت الأنقاض من بعض الممرات الضيقة… وفيما عدا ذلك لم يكن هناك ما يدل على شيء من الانتظام، فقد كان كلّ شيء عبارة عن وعورة تتخللها مواد الأبنية المهدَّمة وشواهد القبور المبعثرة، ولم يحدث هذا بفعل الزمن وعوارض الطبيعة، بل صنعته يد الإنسان عن عمد وتقصّد».
ويضيف: «لقد هدمت واختفت عن الأنظار القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي وقبر الخليفة الثالث عثمان، وقبر الإمام مالك وغيرهم… وأصاب القبور الأخرى نفس المصير، فسحقت وهشمت، حتّى الأقفاص المصنوعة من أعواد الجريد التي كانت تغطي قبور الفقراء من الناس عُزلت جانباً أو أحرقت… وحينما توغلنا داخل المقبرة لمشاهدة الأكوام التي تدل في يومنا هذا على قبور المسلمين الأوائل الذين صنعوا التاريخ الحافل، سمعت دليلي يكرر بهمس: أستغفر الله، أستغفر الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله. وكان القلّة ممّن بقي من سدنة القبور التي بقيت معالمها شاخصة للعيان يقفون أو يجلسون بجنبها بأوجه غير معبرة، ومن دون أن تبدر منهم أيّة حركة… فلم يطلبوا الصدقة، ولم يتكلموا بشيء سوى بعض الكلمات الخافتة، برغم عدم وجود أحد من الوهابيين على مقربة منهم، غير اثنين من عبيد ابن سبهان بالباب».
ويتابع: «وسرنا في ممر ضيق، نظف من بين الزبل المبعثر نحو قبر عثمان الواقع في الجهة الشرقية من المقبرة… وفيما كنّا نخطو هذه المسافة خطواً متأنياً، التقينا بجماعة من الهنود راجعين من زيارة هذا القبر… وكان الذي يتقدّمهم رجلاً مسناً ذا لحية طويلة قد وخط الشيب سوادها، وكان وهو يمشي منتصب الرأس لا يحرّك عينيه يمنة ولا يسرة، بل كان ينظر إلى الإمام على الدوام والدموع تنحدر منهما بتيار مستمر».
لقد انطلق الوهابيون في صفر 1343هـ ـ 1924م لاحتلال الحجاز بقيادة سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي وفاجأوا مدينة الطائف، كالسيل الجارف فقتلوا من وجدوه في الشوارع والطرقات، واقتحموا البيوت ونهبوها، كما قتل العديد من رجال الدين والنساء والأطفال.
وسقطت مكة ودمرت كلّ آثارها الدينية، تماماً مثلما فعلوا بالطائف التي دمروا فيها قبر ابن عباس وغيره من القبور.
وكان سقوط المدينة قد تمّ في أواخر ديسمبر 1925م، وراح الوهابيون يمارسون ما يبتغونه من العنف في تخريب الأضرحة والآثار الإسلامية… ولم يسلم سوى قبر الرسول الذي استطاع ابن سعود بدهائه السياسي الحيلولة دون هدمه، خوفاً من ردّ فعل العالم الإسلامي العنيف، وكان فعله هذا مخالف لقواعد المذهب الوهابي… وإنّك لتجد حتّى اليوم أسفاً لدى الوهابيين بانّ القبّة المشادة على القبر الكريم لم تدمر… يقول إبراهيم الجبهان: «نحن لان ننكر أنّ بقاء البنية التي على قبر الرسول مخالف لما أمر به… وإنّ إدخال قبره في المسجد أشدّ إثماً وأعظم مخالفة».
ولمّا كان قبر حمزة، والمسجد المشاد عليه، وكذلك قبور شهداء أحد، خارج المدينة المنورة التي كانت تحت الحصار، فقد أصبحت أوّل الأماكن التي دمّرها الوهابيون عن آخرها، كما تعرّضت قبّة المسجد النبوي الشريف للقصف المدفعي، ويومها أرسل أعضاء مسلمون من الجمعية التشريعية في الهند تلغرافاً لابن سعود يطلبون فيه معلومات أصلية عن تقارير تدمير أضرحة الصحابة… وممّا جاء في التلغراف المرسل بتاريخ 27/8/1925 الآتي: «إنّ مسلمي الهند مهتمّون للتقارير القائلة بأنّ قبّة المسجد التي فوق ضريح الرسول دمّرت، وأنّ مسجد حمزة أزيل من الأساس، وذلك أثناء قصف المدينة من قبل قواتكم».
وثارت ثائرة العالم الإسلامي خاصّة في الهند ومصر وإيران، لسماعهم أخبار تدمير الأماكن المقدسة في مكة. وثار نقاش طويل في الهند بقيادة جمعية الخلافة، وفي إيران ناقش البرلمان مسائل التدمير هذه وأرسل وفداً إلى مكة وصلها في أكتوبر 1925 لمناقشة ابن سعود في أفعال قواته…
وصادف أنّ وفداً من جمعية الخلافة وقبيل سقوط جدّة والمدينة كان يؤدّي فريضة الحج، وقيل إنّه جاء يقصد التأكد من مصير الأماكن المقدسة والاطمئنان على مستقبلها… فكتب أعضاؤه التالي: «أبلغنا من مصادر موثوقة، أنّ الوهابيين بدأوا بالهجوم على المدينة المنورة، وقد ألحقت الأضرار بقبّة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، كما أنّ مسجد سيدنا حمزة قد أزيل نهائياً». أمّا مكة التي كانوا فيها فقالوا عنها: «دمرت في مكة مقبرة المعلّى، والبيت الذي ولد فيه الرسول… وتزعم الحكومة النجدية لنا أنّه لن يحدث نفس الأمر للمدينة. ويقول فيلبي أنّ هذا الوفد غادر الديار المقدسة في يناير 1926 وهو نصف مقتنع بمستقبل الحجاز المضمون.
وفي مايو 1926 عاد الوفد ثانية إلى الحجاز، وكانت المدينة المنورة قد ضربها الزلزال الوهابي للتوّ، فقضى على كلّ آثارها… وجاء في تقرير الوفد: «في 22 مايو 1926م وصلت إلى جدّة السفينة أكبري، حيث سمعنا أوّل أنباء سيئة للغاية عن التدمير المحزن لقبب البقيع والأماكن الأخرى… لقد تردّدنا في تصديق ذلك، لأنّ الملك أكّد لنا خطيّاً في لقاء سابق بأنّ قبب المدينة وغيرها من الآثار سوف تبقى على حالها».
«وحال دخولنا مدينة جدة، كان أوّل عمل لنا هو مقابلة الشيخ الحكومي عبدالعزيز العتيقي والاستفهام منه حول الأمر، فأكد الأخبار التي سمعناها، وقال بأنّ النجديين اعتبروا القبب وغيرها بدعة وكفراً، وأضاف: «نحن في هذا الأمر لا نهتم بالرأي العام الإسلامي، أو أنّ المسلمين يعجبهم ذلك أم لا!».
«إنّنا نشعر بالحزن لإبلاغكم ـ خطاب موجّه للمسلمين الهنود ـ بأنّ مثل مكة المعظمة ومساجد المدينة المنورة لم تحفظ حرمتها، وأنّ مثل قبب المساجد قد أزيلت نهائياً… وهذه قائمة المساجد المدمرة: مسجد فاطمة ألحق بمسجد قبا، مسجد الثنايا، مسجد المنارتين، مسجد المائدة، مسجد الإجابة».
واعتبر يوم الثامن من شوال 1344هـ يوماً أسود بالنسبة للمسلمين، ففي ذلك اليوم بدأ الوهابيون تدمير البقيع بناء على فتاوى الشيخ عبدالله بن بليهد… والوهابيون الذين يحتفظون اليوم بآثار العائلة المالكة السعودية ويصرفون الملايين عليها (كما هو حال المصمك)، لا شك يدركون حجم الكارثة التي سببها تدميرهم للآثار الإسلامية…
ومصيبة الحجاز، لم تكن فقط بهدم القباب والقبور، بل كلّ الآثار الإسلامية الأخرى، كمنازل الصحابة وبني هاشم، فإذا كان عذر الوهابيين بأنّ القبور تعبد، فهل المساجد تعبد من دون الله، وهل بيت الرسول، ومنزل السيدة خديجة، وفاطمة الزهراء، ومنزل حمزة، وسقيفة بني ساعدة، ودار الأرقم بن أبي الأرقم، ومكان العريش التاريخي في بدر الذي أشرف منه الرسول على المعركة، هل مثل هذه الأمكنة يمكن تبرير تدميرها بمثل ما برره الوهابيون؟!
ويتألّم مؤلف (في ظلال الحرمين) من تدمير الآثار الإسلامية، فرغم تأييده للسعوديين، إلاّ أنّ نفسه لم تطاوعه في مدحهم على ما اقترفوه في البقيع… فقد حجّ المؤلف سنة 1373هـ، وقال عن البقيع إنّه يضمّ «قبور عشرة آلاف من الصحابة والشهداء والأئمة وأهل بيت النبوة، أولئك الذين سطروا بدمائهم وأرواحهم آيات البطولة والاستشهاد في سبيل الله، وأقاموا بتضحياتهم الفذّة وإيمانهم العميق دعائم الدين الحنيف… على أنّك لا تستطيع أن تتبيّن قبراً واحداً من أولئك الصحابة الشهداء والأئمة وأهل البيت، إلاّ إذا صحبك الدليل… ذلك لأنّ جميع هذه القبور قد سويت مبانيها ومعالمها بالأرض كما سويت قبور المعلّى؛ بمكة، وهو ما عيب على الحكومة السعودية… وكان يجدر أن يظل على كلّ قبر شاهد يحمل اسم صاحبه للذكرى، فليس في نشدان الذكرى والترحّم على الصحابة والشهداء والأئمة وأهل البيت وغيرهم ما يتنافى مع ما أوصى به الرسول (صلّى الله عليه وآله) وشرعه في زيارة القبور»… ثمّ يتحدّث عن فعله (صلّى الله عليه وآله) حينما قبر ابنه إبرهيم، ويعود فيركز على جرائم (الإخوان) وليس على زمرة المفتين الذين بفتاواهم السابقة والحالية، تمّ تدمير تراث المسلمين المجيد، يقول: «فما كان أحرى غلاة الإخوان الذين هدموا معالم البقيع، كما هدموا معالم المعلا، أن يقيموا على قبورها علامات ـ على الأقل ـ كتلك التي أقامها محمد (صلّى الله عليه وآله) على قبر إبراهيم، وألا يدعوا هذه القبور التي تضم بين صفائحها الكثير من أهل الجنة، مجهلة لا يهتدي إليها الزائر».
أمّا الدكتور محمد حسين هيكل فأشار إلى تسوية القبور بالأرض وإلى أنّ بعض الأحجار تميّزها «ولولا هذه الأحجار لخلتها ـ أي المقبرة ـ فضاءً مسوراً لا شيء فيه ألبتة».
حمزة الحسن
بين البقيع وخراسان
قال هاشم الأمين لمّا زار مقام الإمام علي الرضا (عليه السلام) في خراسان:
هذا أبو الحسن الرضا
وجلاله ملء الربوع
والهرجان ومجده
دفق الجموع على الجموع
السابحات على العطور
الساطعات على الشموع
من مهجة حرى ومن
دمع ومن خد ضروع
أو مشرق متهلل
نضر التشوف والنزوع
أو هانىء قسماته
صفو الوداعة في الوديع
وضجيج أفراح وأحزان
وتحنان وروع
والصوت ترجيع الملائك
بالصفاء وبالنصوع
والذكريات تمور بالدامي
وتجار بالوجيع
ضربت رواق محامد
كالشمس قدسي السطوع
يزهو بآل محمد
لا بالذليل ولا الخنوع
أيام ثاروا للكرامة
واستطالوا عن خضوع
ومضوا على سنن الكرامة
من شريد أو صريع
فسل القطيع أكان
غير الذل جزار القطيع
بمذلة الجوعان هان
الحق لا جور المجيع
ما ساد رب العبد لولا
خسة العبد المطيع
أمحمد ولك العزا
بالبيت والشمل الجميع
ما كان عهدك من (خراسان)
كعهدك في (البقيع)
ترعاكم ساسان لا نسب
سوى الشرف الطبيع
وتعقكم عدنان بين الو
حي والرحم الضليع
يخلو حماك لغاصب
هو منه في الرحب الوسيع
وعلى بنيك مضيق
ما بين عان أو مروع
لم يقصروا عن عاجزين
ولم يعفوا عن رضيع
بالسيف بالتشريد
بالترويع بالسم النقيع
البلاغة العربية
يمكن القول إنّ أوّل من ألّف في (البلاغة) هم الشيعة، وإنّ أوّل من فعل ذلك منهم ووضعه وألّف فيه هو المرزباني أو عبدالله محمد بن عمران الكاتب الخراساني البغدادي، يروي عنه السيد المرتضى في أماليه كثيراً.
قال ابن النديم عنه: آخر من رأينا من الإخباريين المصنفين واسع المعرفة بالروايات، كثير السماع. وعدّ من مؤلفاته: كتاب المفصل في البيان والفصاحة نحو ثلاثمائة ورقة. على أنّ السيوطي يقول في الأوائل: أوّل من صنّف في المعاني والبيان: الشيخ عبدالقاهر الجرجاني.
ونقول: إنّ المرزباني توفي سنة 378هـ والشيخ عبدالقاهر الجرجاني توفي سنة 471هـ فيكون المرزباني أقدم. ويأتي بعد المرزباني: الشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني المتوفى سنة 679هـ والمعاصر للسكاكي صاحب المفتاح وأستاذ السيد الشريف الجرجاني، ينقل عنه الشريف في أوائل فن البيان من شرح المفتاح، معبّراً عنه ببعض مشايخنا. له كتاب (تجريد البلاغة) في المعاني والبيان، ذكره في كشف الظنون.
ومن المؤلفين في البلاغة من الشيعة: المقداد السيوري المتوفى سنة 792هـ والشيخ عماد الدين يحيى بن أحمد الكاشي، وهو مجهول العصر ومنهم أبو جعفر قطب الدين محمد بن محمد الرازي الدمشقي المتوفى سنة 766هـ وغيرهم.
وقد كان لا بد من هذه المقدمة الموجزة قبل أن نترك الكلام للأستاذ محمد محمد بن غالي:
يرمي بعض الدارسين البلاغة العربية بأنّها أخذت معظم مباحثها من بلاغات أجنبية، وخاصّة البلاغة اليونانية، فالبلاغة ـ إذن ـ دخيلة على العربية، وليس بينهما إلاّ نسب مدعى كالذي يقوم بين إنسان ومتبنيه.
هذا اتهام كثيراً ما يواجه به الدارس للبلاغة العربية، وكثيراً ما أثيرت حوله المناقشات: إثباتاً ونفياً، تأييداً ومعارضة، تأكيداً ودحضاً.
وها أنذا أحاول أن أتتبع المسألة من جذورها، علّي أصل إلى نتيجة ترضي ضمير الباحث الذي لا يقبل إلاّ الرأي المسبب.
لذلك تتبّعت البلاغة العربية منذ أن كانت ملاحظات تلقى هنا وهناك إلى أن استوت علماً قائماً بذاته على يد الإمام عبدالقاهر الجرجاني في أواخر القرن الخامس الهجري.
ملاحظات بيانية
كان العرب في الجاهلية أمّة أميّة، لا يعرف القراءة والكتابة منهم إلاّ نفر جدّ قليل، ومع ذلك ازدهرت عندهم بعض الفنون الكلامية حتّى بلغت شأواً بعيداً. فقد عرف العرب الخطابة، واستخدموها في أغراض متعدّدة، في الحرب والصلح، في التعزية والتهنئة، في الزواج والطلاق، في الوعظ والكهانة، في المفاخرة والمنافرة. وعرفوا الأمثال التي كانت ـ ولا تزال ـ تضرب فتصيب المفصل والمحز! وعرفوا الشعر الذي هو ديوانهم الجامع لأخبارهم، والمسجل الدقيق لأوضاعهم وأحوالهم.
كلّ ذلك دونما مدرسة معروفة، وإنّما هي السلقية والفطرة، والذهن الثاقب الذي يعين صاحبه على إدراك ما لا يدركه الكثيرون بالدراسة والتعب والنصب.
نعم، لم تكن هناك مدارس بالمعنى الذي نفهمه للمدارس والمعاهد العلمية، وإن كان هناك وسائط أخرى للثقافة كمجالس الملوك ومشاهير زعماء القبائل حيث يَفِد إليها الشعراء، والخطباء والحكماء، فيلقون ما عندهم بين يدي الملك أو الزعيم ويتلقف الحاضرون ما يلقى، ثمّ يقومون بإذاعته على الملأ، وينشرونه في الآفاق. كما أنّ «الأسواق» ـ كسوقي عكاظ وذي المجاز ـ لعبت دوراً كبيراً في نشر الثقافة بين القبائل العربية، فقد كانت تضرب القباب للمشاهير من الشعراء والخطباء في هذه الأسواق، ويأتي الناس إليهم يستمعون ويتلقون ما أحدثه هؤلاء المشاهير خلال السنة أو الأشهر التي مضت. ثمّ يعودون بما أخذوه إلى بيوتهم وقبائلهم جنباً إلى جنب مع البضائع التي يجتلبونها من هذه الأسواق.
وهناك عامل آخر لعب دوراً كبيراً في هذا المجال هو «الرواية» فقد كان كلّ شاعر بارز يلازمه «راو» أو أكثر يستمع إلى شعره، وأحياناً يشترك معه في تصحيحه وتنقيحه، ثمّ يقوم بإذاعته بين الناس.
ثمّ كان هناك تتلمذ الشعراء على الشعراء، كما قيل إنّ أمرأ القيس أخذ الشعر عن خاله المهلهل، وكأخذ الشاعرين الحطيئة وكعب بن زهير على الشاعر الكبير: زهير بن أبي سلمى والد كعب.
إذن، فقد كانت هناك بيئة ثقافية صالحة، تستعذب الفن الأدبي، فإنّ هؤلاء الشعراء والخطباء والحكماء لم يكونوا ليلقوا إنتاجهم بين أناس لا يقدرونه حق قدره، ولا يفرقون بين جيّده ورديئه. وإلاّ لضاع هذا الإنتاج وضاع أصحابه! ولمّا حفل بهم أو به التاريخ الأدبي. ولكن الحقيقة الملموسة أنّ التاريخ حفظ لنا هذا الإنتاج، وخلّد أسماء أصحابه، بالإضافة إلى تسجيل وقع هذا الإنتاج الأدبي على الناس الذين استقبلوه بما يليق به استحساناً أو استهجاناً، حفاوة أو نفوراً، قبولاً أو رفضاً، وهذه بعض الأحكام التي أصدروها حول أعمال أدبية:
1 ـ لقب العرب الشعراء بألقاب تدل على مدى إحسانهم في نظرهم مثل المهلهل والأفوه والنابغة والمنخل والمتنخل والمثقب والمرقش.
2 ـ حكى أبو الفرج الأصفهاني أنّ أمرأ القيس نازع علقمة بن عبدة الشعر فقال علقمة: قد حكّمت بيني وبينك امرأتك أم جندب، فرضي امرؤ القيس، فقالت لهما أم جندب: قولاً شعراً على روي واحد وقافية واحدة، صفا فيه الخيل فأنشد أمرؤ القيس قصيدته:
خليليَّ مرّا بي على أم جندب
أقضّ لبانات الفؤاد المعذب
وأنشد علقمة:
ذهبت من الهجران في غير مذهب
ولم يكُ حقاً كلّ هذا التجنّب
فغلّبت علقمة، فقال لها زوجها: بأي شيء غلبته؟ فقالت لأنّك قلت:
فللسّوط ألهوب وللسّاق درّة
وللزّجر منه وقع أهوج مِنْعَبِ
فجهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك وزجرك، وأتعبته بجهدك، وقال علقمة:
فولّى على آثارهن بحاصب
وغيبة شؤبوب من الشدّ مُلْهبِ
فأدركهنّ ثانياً من عنانه
يمر كمرّ الرائح المتَحَلّب
فلم يضرب فرسه بسوط، ولم يمره بساق، ولم يتعبه بزجر([253]).
3 ـ ذكر أبو الفرج أيضاً «أنّ العرب كانت تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوه منها كان مقبولاً، وما ردّوه كان مردوداً، فقدم عليهم علقمة بن عبدة، فأنشدهم قصيدته التي يقوم فيها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم
فقالوا: هذا سمط الدهر. ثمّ عاد إليهم العام المقبل فأنشدهم:
طحا بك قلب في الحسان طروب
بعيد الشباب عصر حان مشيب
فقالوا: هاتان سمطا الدهر([254]).
4 ـ كان النابغة الذبياني حكماً بين الشعراء، فقد كانت تضرب له قبّة بسوق عكاظ، ويأتيه الشعراء فينشدونه، فمن نوّه به دوت شهرته في الآفاق، وقد فضل مرّة الأعشى على حسان بن ثابت، فثار حسان عليه وقال له: أنا والله أشعر منك، فقال له النابغة حيث تقول ماذا؟ قال حيث أقول:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق
فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنما
فقال له النابغة: «إنّك لشاعر، لولا أنّك قلّلت عدد جفانك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك»([255]).
ونلاحظ هنا أنّ نقد النابغة الذبياني شمل كلاًّ من اللفظ والمعنى، فقد انتقد اختيار حسان بن ثابت جمع المؤنث السالم: «الجفنات» ـ وجمع المؤنث السالم من جموع القلّة كما هو معروف ـ بدل استعمال جمع التكسير «الجفان» الذي يدل على الكثرة، ومن ثمّ فهو أكثر دلالة على الكرم وذلك لكثرة الضيوف الذين يصيبون الطعام من أولئك الجفان التي لا تعد ولا تحصى. أمّا نقد المعنى فحين استهجن النابغة افتخارحسان بالفروع بدلاً من الأصول، ومقاييس العرب في الفخر تستلزم العكس.
كلّ هذا كان في الجاهلية، وحينما ظهر الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي جاء بكتاب أخذ المسلمون في تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، بل أخذوا يحفظونه عن ظهر قلب، ويتدارسونه ممّا كان له الأثر على خطبهم وأحاديثهم وطرق تعبيرهم، بالإضافة إلى حديث النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله)، الذي كان يلقيه أمام بعض أصحابه فيحفظ وينشر على أوسع نطاق، وقد كان الرسول (صلّى الله عليه وآله) يعنى أشد العناية بتخيّر ألفاظه، فقد أثر عنه أنّه قال: «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: قلست نفسي»([256]) وذلك كراهة أن يضيف الإنسان الخبث إلى نفسه.
ومع تقدّم الزمن بالدولة الإسلامية اتّسعت رقعتها، فأنشئت المدن الجديدة كالكوفة والبصرة والفسطاط وبغداد، وجددت مدن قديمة كدمشق والإسكندرية، ومع استقرار العرب في هذه المدن، وإصابتهم شيئاً من الحضارة، كثرت دواعي الكلام: شعراً وخطابة ورسائل، واتّسعت ميادين الأدب، وتعدّدت مجالات القول، واشتهر الكثير من الفحول في كلّ هذه المجالات.
وقد لقي الإنتاج الأدبي من الناس المعاصرين له ما يلقاه الإنتاج الأدبي في بيئة واعية، بصيرة بجيده، عارفة برديئه.
وكثرت الملاحظات البيانية، التي تهدي الأدباء والشعراء، وترسم لهم الطريق الأمثل، وقد جاءت هذه الملاحظات من مختلف المستويات كملاحظة عبدالملك بن مروان على الشاعر جرير بن عطية الخطفي حينما أنشده قصيدته:
أتصحو أم فؤادك غير صاح
عشية هم صحبك بالرواح
إذ صرخ فيه عبدالملك بقوله: «بل فؤادك» وذلك لأن هذا الاستهلال لم يعجب عبدالملك لما يوهمه الخطاب من أنه هو المقصود به.
ومن ملاحظات الشعراء على الشعراء ما ذكر من أنّ عمر ابن لجأ قال لبعض الشعراء: أنا أشعر منك، قال: وبم ذاك؟ قال: لأنّي أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمّه. ومن ذلك ما روي من أنّ ذا الرمة كان يلقي إحدى قصائده بسوق «الكناسة» بالقرب من الكوفة، فلمّا وصل إلى البيت:
إذا غير النأي المحبين لم يكد
رسيس الهوى من حب مية يبرح
صاح به ابن شبرمة: أراه قد برح، إذ لم يعجبه التعبير بقوله: لم يكد، ففكّر ذو الرمة هنيهة ثمّ عاود إنشاء البيت على النحو التالي:
إذا غير النأي المحبين لم أجد
رسيس الهوى من حب مية يبرح
ومن تعرّض اللغويين للشعراء بالنقد ما فعله عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي مع الفرزدق فقد قال الفرزدق في مدح يزيد بن عبدالملك:
مستقبلين شمال الشام تضربهم
بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى وأرحلنا
على زواحف تزجى مخَّها ريرِ
«فقال له ابن أبي إسحاق: أسأت، إنّما هو «ريرُ» وكذلك قياس النحو في هذا الموضع».
وأنشد الفرزدق قصيدته:
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
فمرّ فيها بالبيت:
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع
من المال إلاّ مسحتاً أو مجلّف
فقال له الحضرمي: علام رفعت مجلفاً؟ قال على ما يسوءك.
هذا وقد ازدهر الشعر في العصر العباسي، وازدهرت الثقافة عموماً، وخاصّة بعد إنشاء «دار الحكمة» وانكباب طائفة من التراجمة فيها على الترجمة من مختلف اللغات القديمة التي حوت معارف الأمم السالفة، حيث نقل إلى العربية في هذا العصر الكثير من الكتب عن السريانية والفارسية والهندية واليونانية.
وفي هذا العصر اشتهر كثير من عمالقة الشعر أمثال بشار ابن برد ومسلم بن الوليد والعباس بن الأحنف وأبي نواس وأبي العتاهية وابن الرومي وأبي تمام والبحتري، وظهرت اتجاهات جديدة في معاني الشعراء فمن ذلك رفض أبي نواس لفكرة القدماء من وجوب بدء القصيدة بالوقوف عند الأطلال، والتحدّث إليها، وبثّها لواعج الشوق والحنين. ومن ذلك ما تعمده مسلم بن الوليد ـ وتبعه في ذلك أبو تمام وأفرط فيه ـ من الإكثار من المحسنات البديعية، كالمطابقة ومراعاة النظير والازدواج والسجع.
هذه الملاحظات التي تناثرت حول أساليب ومعاني الشعراء، كانت وحي الخاطر، وإلهام السليقة، ولم تكن نتيجة دراسة وتمحيص، ولكن هذا لا يعني ـ إطلاقاً ـ أن تكون هذه الملاحظات فجّة أو لا يستقيم لها شأن إذا ما أخضعت للدراسة الممحصة، والنظرة الدقيقة، بل على العكس كانت نظرات صائبة، ولمحات موفقة، حتّى أنّ العلماء فيما بعد حينما أخذوا في تقنين البلاغة العربية، وإعطائها سمة العلم الخاضع لحدود وقواعد تراعى ظلّت تلك الملاحظات منارات يهتدي بها العلماء والباحثون.
بداية التأليف في البلاغة([257]).
واستمرّت الملاحظات تنثر هنا وهناك، إلى أن بدأ التأليف فيما يتصل بالعلوم البيانية، فقد كتب إمام اللغة المشهور أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 208هـ كتاباً سمّاه «مجاز القرآن»، والحق أنّ أبا عبيدة لم يقصد بكلمة «المجاز» المجاز البلاغي المعروف، وإنّما قصد بها الدلالة الدقيقة لطرق التعبير القرآني، ووجه كل عنايته لتفسير الآيات وتأويلها.
وقد قيل إنّ الأصمعي المتوفى سنة 211هـ ألّف كتاباً في التجنيس، أشار إلى ذلك ابن المعتز في كتاب «البديع».
الجاحظ
غير أنّنا نقول هنا مطمئنين إنّ التأليف الحقيقي في البلاغة ابتدأه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ الذي جمع كثيراً من الملاحظات البيانية، وبوّبها، وشرحها، وعلّق عليها، وذلك في كتابه النفيس: «البيان والتبيين»، ولم يكتف بذلك، بل ساق كثيراً من ملاحظاته الشخصية التي دللت على ذوق حسن، وتأمّل مدروس في العربية وأساليبها، وما ينبغي أن تكون عليه التراكيب، وطرائق الكلام، تأمل معي هذه اللفتة البارعة: «وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عامياً، وساقطاً سوقياً، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريباً وحشياً، إلاّ أن يكون المتكلم بدوياً أعرابياً، فإنّ الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي، وكلام الناس في طبقات، كما أنّ الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام الجزل والسخيف، والمليح والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل، وكلّه عربي، وبكلّ قد تكلموا، وبكلّ قد تمادحوا وتعايبوا».
ولعمري إنّها اللغة الأدب حقاً، تلك التي يقترحها الجاحظ: تبسيط في غير ابتذال، وتأنق بلا تقعر، وسمو باللغة عن مستوى الحديث اليومي دون الوصول إلى حد الإغراب والإلغاز والتعمية والأحاجي.
ومن ملاحظات الجاحظ القيّمة أنّ لكلّ مقام مقالاً: فبعض المقامات يستدعي الإطالة، كما أنّ بعضها الآخر يستدعي الإيجاز.
ولمّا كانت هذه الفكرة موجودة في البلاغة اليونانية، فقد قال بها أرسطو، فقد ادّعى من يرون أنّ البلاغة العربية منقولة عن اليونان، أنّ هذا دليل على ذلك، ولمّا كانت الدلائل القوية تؤكد أنّ ما ترجم من كتب أرسطو إنّما ترجم بعد وفاة الجاحظ فقد زعموا أنّ الجاحظ علم بكتاب الخطابة، «وعلم بأنّه وقع في حديث الناس، والجاحظ كان يتلقف الفكرة، في أي أفق ظهرت فيه، وكان يعرف المترجمين ويهزأ بهم، كلّ ذلك ممكن». نعم، كلّ ذلك ممكن، وإنّما الذي لا يمكن في نظر هؤلاء هو أن يهتدي أحد إلى مثل ما اهتدى إليه سابقه من غير أن يطلع على ما كتبه السابق، ولكن لندع هذا الآن، ونواصل تتبّعنا مسيرة البلاغة العربية مع الجاحظ.
أنحى الجاحظ باللائمة على الذين لا يشترطون في الكلام البليغ إلاّ أن يكون مفهوماً، ورد عليهم رداً مفحماً حقاً: «فمن زعم أنّ البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة، والخطأ والصواب، والإعلان والإبانة، والملحون والمعرب كلّه سواء، وكلّه بياناً، ولولا طول مخالطة السامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام، لما عرفه، ونحن لم نفهم عنه إلاّ للنقص الذي فينا. وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم، كما لا يعرفون رطانة الرومي والصقلي، وإن كان هذا الاسم إنّما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيراً من حوائجهم، فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيراً من حاجاته، ونفهم بضغاء السنور كثيراً من إرادته، وكذلك الكلب، والحمار، والصبي الرضيع».
كما ذكر الجاحظ حد البلاغة عند العتابي، وعمرو بن عبيد وعند صحار العبدي، وتعريفها عند بعض الحكماء، وعند الهنود.
هذا ولا نستطيع أن نورد في هذه العجالة كثيراً من استنباطات الجاحظ وآرائه، ويكفي ما أشرنا إليه تدليلاً على الجهد الضخم الذي أسهم به في مجالات الدراسات البيانية.
عبدالله بن المعتز
بعد الجاحظ يجيء الخليفة الشاعر: عبدالله بن المعتز الذي ساءه أن يدعي بشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبو نواس وأبو تمام (أو يدعى لهم) أنّهم اخترعوا «البديع»، وأنّهم بذلك فاقوا من تقدّمهم، فذكر ابن المعتز أنّ الأمر ليس كذلك، وأنّ البديع موجود في القرآن، وموجود في كلام العرب وشعرهم مذ عرف هذا الشعر وذلك الكلام، وأنّ الشعراء المذكورين إنّما توسّعوا فيه، توسّعاً أفضى ببعضهم ـ أبي تمام مثلاً ـ إلى الإساءة وإفساد الشعر وانغلاق معانيه في كثير من الأحيان.
لذا، فقد ألّف ابن المعتز كتاباً أطلق عليه اسم «البديع» لا لغرض إلاّ ليثبت أنّه ليس جديداً وقد ذكر غرضه هذا في أوّل جملة من الكتاب.
على أنّ هنا شيئاً ينبغي التنويه إليه، وهو أنّ ابن المعتز لا يقصد بكلمة «البديع» ما عرف فيما بعد باسم المحسنات البديعية، لفظية كانت أو معنوية، وإنّما يقصد بها ما يشمل كثيراً من مباحث البلاغة بمعناها الأعم الأشمل، فقد ضمن كتابه كثيراً من الاستعارات والكنايات والمجازات العقلية بالإضافة إلى المحسنات البديعية التي تناولها.
ولعل أهم ما يذكر لهذا الكتاب أنّه أوّل كتاب اقتصر على المباحث البلاغية دون سواها.
قدامة بن جعفر
أمّا قدامة بن جعفر صاحب كتاب «نقد الشعر» وكتاب «نقد النثر» ـ على خلاف في نسبة الثاني إليه ـ فقد كان تأثّره واضحاً بالمنطق اليوناني، ويظهر هذا التأثّر في تلك الأقسام العقلية التي يوردها، والحدود المنطقية التي يذكرها، فهو أوّل من عرف الشعر بأنّه: «قول موزون مقفّى يدل على معنى»، ثمّ طفق يشرح هذا التعريف، وما يدخله كلّ ركن من أركانه وما يخرجه، ليخلص في النهاية إلى أنّ هذا التعريف ينطبق تماماً على الموضوع المعرّف، ثمّ انطلق يبيّن «نعوت» اللفظ، والوزن، والقوافي، و«نعوت» المعاني من مدح، وهجاء، ورثاء، وتكلم على ائتلاف اللفظ مع المعنى، والتمثيل، والمطابق، والمجانس، والعيوب التي تلحق هذه الأشياء.
وقدامة بن جعفر في «نقد النثر» يستشهد بكلام أرسطو في أكثر من موضع ممّا يدل دلالة قاطعة على اطلاع كاتب هذا الكتاب على بعض ما كتبه أرسطو سواء في ترجمته العربية أو في لغة أخرى، وهذا ـ من جملة أسباب أخرى ـ ما جعل بعض الدارسين يظنّون أنّ البلاغة العربية احتذت حذو البلاغة اليونانية، وتتبعت خطاها، واقتفت أثرها، بل إنّ بعضهم يذهب إلى القول بأنّ البلاغة العربية ـ أو كثيراً من مباحثها ـ منقول عن اليونان.
ونحن لن نناقش هذه القضية الآن، ولكنّنا نشير هنا إلى أنّ كتاب «نقد النثر» هذا ليس له تأثير ما على البلاغة العربية، فلم يكن يتمتع بشهرة أقل كتاب من كتبها، ولم ينل منه أحد من العلماء، بل لم يشيروا إليه إطلاقاً ممّا يجعل نسبته إلى قدامة المشهود له بالتمكن في البلاغة أمراً ليس مشكوكاً فيه فحسب، بل يكاد ينفى تماماً.
البلاغة وإعجاز القرآن
عندما بدأ محمد (صلّى الله عليه وآله) في نشر دعوته جاء بكلام لم يألفه العرب من قبل، وقال إنّه القرآن، كلام الله، ثمّ تحدّى العرب بأن يأتوا بمثله أو بمثل أي جزء منه، فلم يحاولوا مع توفّر الدواعي والبواعث، ذلك أنّهم بذلوا جهوداً ضخمة في إنكار الدعوة الإسلامية، محاولين إبقاء أوضاعهم على ما كانت عليه، وما ألفوه وألفه آباؤهم من قبل.
وليست المسألة عدم محاولتهم معارضته فحسب، بل إنّ بعضهم اعترف بأنّ هذا القرآن ليس من كلام الإنس ولا الجن. وروي أنّ قريشاً أرسلت عتبة بن ربيعة ـ وكان ذا بصر بكلام الشعراء والكهان والسحرة ـ إلى محمد (صلّى الله عليه وآله) يسمع منه، ثمّ يأتيهم ببيان عن أمره، فمضى إليه، وحاوره، وعرض عليه أموراً كثيرة، علّه يرجع عن دعوته التي قلقلت مضاجع قريش، وهزّت العرب هزّاً عنيفاً.
بعد أن سمع محمد اقتراحاته، تلا عليه آيات من القرآن هي الآيات الأولى من سورة «حم. السجدة» إلى أن وصل إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}. قال الزمخشري: «فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلمّا احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلاّ قد صبأ، فانطلقوا إليه وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنّا إلاّ أنّك قد صبأت، فغضب، وأقسم لا يكلم محمداً (صلّى الله عليه وآله) أبداً، ثمّ قال: والله لقد كلمته فأجابي بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر».
نعم، إنّ القرآن معجز، ولكن أحداً لم يحاول أن يعرف سر هذا الإعجاز إلاّ بعد أن ازدهرت الثقافة، وكثر الجدل بين الفرق المختلفة، عند ذاك بدأ كثير من العلماء يولي هذه المسألة عنايته، وكان البعض ـ كالنظام أستاذ الجاحظ ـ يرى أنّ الإعجاز إنّما كان لأنّ الله صرف العرب عن معارضته. ولكن هذا الرأي لم يرض كثيراً من العلماء، لأنّه يتضمن أنّ معارضة القرآن والإتيان بمثله أمر ممكن، وأنّه إذا كنّا لم نر ذلك قد وقع، فإنّ ذلك يعود إلى أمر خارجي، وليس مردّه إلى القرآن نفسه، فانبرى طائفة من العلماء يردون هذا الرأي ويعارضونه، ويبيّنون أنّ سبب إعجاز القرآن إنّما هي بلاغته التي فاق بها كلّ كلام.
الخطابي
كان أوّل من تناول هذه المسألة بمؤلف مستقل هو حمد بن محمد الخطابي المتوفى سنة 338هـ، فقد كتب رسالة في بيان إعجاز القرآن ذكر فيها أنّ أساليب الكلام الجيّد ثلاثة: البليغ الرصين الجزل، والفصيح القريب السهل، والجائز الطلق الرسل، ثمّ قال: إنّ القرآن حوى كلّ هذه الأساليب بشكل لا يتاح مثله للبشر. ثمّ راح يحلل بعض النصوص القرآنية تحليلاً جميلاً، يكشف عن بصر بمواطن الجمال في الكلام.
الرمّاني
أمّا أبو الحسن علي بن عيسى الرمّاني المتوفى سنة 386هـ فقد ألّف رسالة سمّاها «النكت في إعجاز القرآن» ذكر فيها أنّ «وجوه الإعجاز تظهر من سبع جهات: ترك المعارضة مع توفّر الدواعي وشدّة الحاجة، والتحدّي للكافة، والصرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياسه بكلّ معجزة»، ثمّ يكاد الرمّاني ينصرف كلية عن هذه الوجوه ما عدا وجهاً واحداً، هو البلاغة التي يفيض في الحديث عنها، ويقسمها إلى عشرة أقسام هي: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان، ثمّ تكلم عن كلّ باب من هذه الأبواب بالتفصيل مطبقاً ما يقول على القرآن الكريم.
الباقلاني
بعد ذلك يأتي كتاب «إعجاز القرآن» لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى 384هـ. والكتاب مقسّم إلى فصول، ذكر في الفصل الأوّل أنّ نبوة النبي (صلّى الله عليه وآله) معجزتها القرآن، ثمّ ابتدأ في الفصل الثاني ـ بعد أن أثبت أنّ القرآن الموجود في المصحف هو ما جاء به النبي ـ الكلام على إعجاز القرآن، وأنّ النبي تحدّى العرب بالقرآن، وأنّهم لم يأتوا بمثله، وعجزوا عن ذلك، ثمّ ذكر جملة وجوه إعجاز القرآن وأنّها ثلاثة:
الأوّل: تضمن القرآن الإخبار عن الغيب.
الثاني: إتيان القرآن بأخبار ما حدث، وأخبار الأنبياء الأولين، من بدء الخليفة إلى زمنه، مع أنّ النبي أمّي لا يستطيع قراءة كتب السابقين.
الثالث: حسن نظم القرآن، وعجيب تأليفه، وبلاغته المتناهية، إلى حد عجز البشر عن محاكاته، ثمّ ذكر أنّ في هذه الوجوه وجوهاً، وراح يفصّل ذلك، مبيّناً أنّ نظم القرآن على تصرّف وجوهه خارج عن المعهود من نظام العرب في كلامهم، مباين للمألوف من ترتيب خطبهم، فليس هو شعر ولا سجع.
وقال: إنّ من هذه الوجوه أنّ أسلوب القرآن لا يتفاوت ولا يتباين مع اختلاف أغراضه، من ذكر قصص، ومواعظ، واحتجاج، وحكم أحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق، في حين أنّ الشاعر المفلق والخطيب المصقع يختلف أسلوبه باختلاف هذه الأمور.
ومنها أنّ الله سهّل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة.
ثمّ أخذ الباقلاني يشرح هذه الوجوه بالتفصيل، مطبقاً ما يقوله على أمثلة كثيرة من القرآن، ومدللاً بهذه الأمثلة على صحة ما يذهب إليه.
ونلحظ أنّه يستعمل كلمة «البديع» في معناها الواسع الذي يشمل البلاغة كلّها كعادة من سبقوه، فيطلقه على الاستعارة: {وَاخْفِضَ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} كما يطلقه على الإيجاز: {وَلَكْمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ} لأنّه أورد هذه كمثل من الكلمات الجامعة الحكيمة، مع أنّها تتضمن طباقاً بين كلمتي «القصاص» و«حياة» ممّا يجعلها مثلاً صالحاً من أمثلة البديع بمعناه الاصطلاحي المعروف.
وهنا يخرج الباقلاني عن غرضه الأساسي في بيان إعجاز القرآن إلى تتبع وجوه البديع في الحديث، والشعر، وكلام الصحابة، وغيرهم من فرسان الكلام. وهنا زعم أنّ «المساواة» أي مساواة اللفظ للمعنى بدون زيادة ولا نقصان إنّما هي من البديع، ومثل لها بقول زهير:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وكذلك الالتفات كما في قول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمى
بعود بشامة؟ سقي البشام
وبعد أن ذكر كثيراً من وجوه البديع بين أنّه لا يمكن استفادة إعجاز القرآن منها لأنّها إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصّل إليها بالتدريب، ولأنّها ليس فيها ما يخرق العادة، ويخرج عن المألوف.
ثمّ يورد الباقلاني العشرات من الخطب والعهود والوصايا، ثمّ يطلب إلى القارىء أن ينظر «بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل في ذلك، فسيقع لك الفصل بين كلام الناس، وبين كلام رب العالمين، وتعلم أنّ نظم القرآن يخالف نظم كلام الآدميين».
ثمّ يدرس الباقلاني جملة من شعر الشعراء، الذين اشتهروا وتقدّموا غيرهم، في عصور مختلفة، كلّ ذلك ليبيّن أنّ كلّ كلام مهما قيل في شأن بلاغته لا يمكن أن يقارن بالقرآن.
ثمّ عاد فقرّر في شأن «البديع» قراراً مختلفاً وهو أنّ كلّ ما لا يضبط حدّه، ولا يقدر قدره، كالاستعارة والبيان، يتعلق الإعجاز به، وأنّ كلّ ما يمكن تعلّمه، ويتهيأ تلقنه، ويمكن تحصيله، كالتجنيس، والتطبيق، لا يصح أن يطلب وقوع الإعجاز به.
وقبل أن ينهي الباقلاني كتابه ذكر أنّ «الجملة» تشتمل على بلاغة منفردة، وأنّ «الأسلوب» يختص بمعنى آخر من الشرف. ثمّ الفواتح والخواتم، والمبادىء والمثاني، والطوالع والمقاطع، والوسائط والمفاصل. ثمّ الخروج من فصل إلى فصل، ووصل إلى وصل، ومعنى إلى معنى، ومعنى في معنى، والجمع بين المؤتلف والمختلف، والمتفق والمتسق.
والحق أنّ كتاب الباقلاني كتاب جيّد، ونظراته صائبة، واستنتاجاته بارعة، ولكن يؤخذ عليه أنّه أحياناً ـ في محاولته تبيان أنّ النقص مستول على كافة البشر ـ يقع في نقد ما لا ينتقد، ويعيب ما لا يعاب، وهذا بلا ريب ثمرة التطرّف، ونتيجة المغالاة.
عبدالقاهر والبلاغة العربية
ولد عبدالقاهر بن عبدالرحمن الجرجاني بإقليم «جرجان»، لأبوين فارسيين وتاريخ ميلاده غير معروف، ولكن تاريخ وفاته سنة 471هـ، والذي يكاد يبلغ العلم به درجة اليقين، يساعدنا على الظن أنّ ميلاده كان في أخريات القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس الهجريين.
عاش عبدالقاهر في فترة قلق من الناحية السياسية، فقد انقسمت الدولة الإسلامية فيها إلى عدّة دول، تتخاصم وتتحارب، ولكن هذه الفترة نفسها تعتبر فترة ازدهار علمي وأدبي، فقد كان من مظاهر «الحرب» بين الدول الإسلامية التي قامت في هذا العصر، التنافس في الإغداق على العلماء، وتقريبهم، وتشجيعهم، ومعاونتهم على متابعة جهودهم العلمية، فكان العلماء يتنقلون هنا وهناك طلباً للعلم أو نشراً له.
ولكن عبدالقاهر الجرجاني لم يرتحل كثيراًسواء في طلب العلم، فلا يعرف أنّه أخذ عن أحد من مشاهير عصره سوى أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسي ابن أخت العالم النحوي الشهير أبي علي الفارسي، ويُقال إنّه أخذ عن العالم الناقد علي ابن عبدالعزيز الجرجاي، أو في محاولة التقرّب إلى الأمراء والسلاطين، وإن عرف عنه أنّه كان معجباً بوزير آل سلجوق: نظام الملك، وقد مدحه ببعض الشعر.
وللتعويض عن قلّة المشايخ الذين أخذ عنهم انطلق يقرأ كثيراً من الكتب المعروفة لمعاصريه وسابقيهم، فقد نقل في مؤلفاته عن: سيبويه، وأبي علي الفارسي، والجاحظ، وابن قتيبة، وقدامة، والآمدي، والقاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاي، وأبي هلال العسكري.
ولعبدالقاهر تآليف عديدة، وفي مجالات مختلفة، ولكن من بين كلّ كتبه يبرز كتابان هما: «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» فقد أعطياه شهرة مدوية، وجعلاه ـ بحق ـ إمام البلاغة العربية بغير منازع.
شرح عبدالقاهر في هذين الكتابين نظريته في إعجاز القرآن، وتتلخص هذه النظرية في أنّ الإعجاز القرآني لا يرجع أبداً إلى ألفاظه ولا إلى معانيه، وإنّما يرجع إلى طريقة القرآن في «نظم» الكلام وتركيبه وترتيبه، وقد فسّر هذا النظم بأنّه ليس سوى «تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض»، أمّا الكلمة المفردة فلا توصف بالبلاغة، فضلاً عن الإعجاز، وذلك «أنّك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثمّ تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، كلفظ «الأخدع» في بيت الحماسة:
تلفّت نحو الحي حتى وجدتني
وجعت من الإصغاء ليتا و أخدعا
وبيت البحتري:
وإنّي وإن بلّغتني شرف الغنى
وأعتقت من رق المطامع أخدعي
فإنّ لها في هذهين المكانين ما لا يخفى من الحسن. ثمّ إنّك تتأملها في بيت أبي تمام:
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد
أضججت هذا الأنام من خرقك
فتجد لها من الثقل على النفس، ومن التنغيص والتكدير، أضعاف ما وجدت هناك من الروح والخفة، والإيناس والبهجة». هذا بالإضافة إلى أنّ الألفاظ «لا تفيد حتّى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب».
وإذا كانت اللفظة الواحدة، أو الألفاظ المتعددة ولكن دون نظم وتركيب، كلّها مستبعد من أن يرجع إليها شيء من المزية، فإنّ المعاني أيضاً مستبعدة: «قد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم، وتفخيم قدره، والتنويه بذكره، وإجماعهم أن لا فضل مع عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ».
نعم، إنّ عبدالقاهر يجعل المزية كلّ المزية للنظم والتركيب والترتيب، ولا شيء منها يعود إلى اللفظ أو إلى المعنى، ولكن ترداد عبدالقاهر لكلمة «معاني» جعل بعض الباحثين مثل الدكتور بدوي طبانة يظن أنّ عبدالقاهر يرجع سر البلاغة وإعجاز الكلام إلى المعنى، انظر إلى قول الدكتور: «وفكر النظم التي بسطها عبدالقاهر في (دلئل الإعجاز) هي الفكرة نفسها التي يذكرها في كلّ مناسبة في (أسرار البلاغة)، وكذلك نظرته إلى المعنى، وإكباره، وجعله أساس كلّ جمال في العمل الأدبي هي السائدة في هذا الكتاب»، ثمّ قوله: «وإلحاح عبدالقاهر على الفكرة على هذا النحو كان في أغلب الظن رد فعل للرأي الذي نادى به الجاحظ، وهو أنّ المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتمييز اللفظ وسهولته، وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنّما الشعر صناعة وضرب من الصيغ، وجنس من التصوير… وكما كان الجاحظ مغالياً في تقدير اللفظ، كان عبدالقاهر مغالياً في تقدير المعنى، ومن هو الأديب الذي يبدّد كلماته، وينثر ألفاظه كيف تجيء وكيف تتفق، من غير محاولة للترتيب ورعاية التركيب كما يزعم عبدالقاهر»؟
ونحن نعلم أنّ عبدالقاهر ليس صاحب هذا الرأي، ولم يقل به، وإنّما هو وهم محض، من أستاذنا الدكتور أوقعه فيه كما قلنا: كثرة ترداد عبدالقاهر لكلمة «معاني» التي يقصد بها «المعاني النحوية» التي لها تعلق بتركيب الكلام ونظمه، والتي يتوخاها صاحب الكلام بكلامه، والشاعر بشعره، وذلك من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وحذف وذكر، وإظهار وإضمار، وفصل ووصل، وخبر وإنشاء إلى غير ذلك.
وقد عرفنا أنّ عبدالقاهر يرى أنّ سر الإعجاز إنّما يقع في النظم، ثمّ فسّر النظم في كثير من المواضع، فبالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً، قال عبدالقاهر في تفسيره: «واعلم أنّ ليس النظم إلاّ أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها». وقال: «اعلم أنا إذا أضفنا الشعر أو غير الشعر من ضروب الكلام إلى قائله، لم تكن إضافتنا له من حيث هو كلم وأوضاع لغة، ولكن من حيث توخّى فيها النظم، الذي بيّنا أنّه عبارة عن توخّي معاني النحو في معاني الكلام، وذاك أنّ من شأن الإضافة الاختصاص، فهي تتناول الشيء من الجهة التي تختص منها بالمضاف إليه، فإذا قلت: غلام زيد، تناولت الإضافة الغلام من الجهة التي يختص منها بزيد، وهي كونه مملوكاً له، وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي لنا أن ننظر في الجهة التي يختص منها الشعر بقائله، وإذا نظرنا، وجدناه يختص به من جهة توخّيه في معاني الكلم التي ألفه منها ما توخاه من معاني النحو»، وشبيه بهذا ما قاله في «أسرار البلاغة» تعليقاً على قول القائل:
وكل امرىء يولي الجميل محبب
فقد قال: «صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب، وإنّما له ما يلبسه من اللفظ ويكسوه من العبارة، وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه، والكشف وضده»، وقال عبدالقاهر أيضاً: «وإذ قد عرفت أنّ مدار أمر النظم على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أنّ الفروق والوجوه كثيرة، ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها… وإنّما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنّك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش في ثوبه الذي نسج، إلى ضرب من التخيّر والتدبّر، في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها ومقاديرها، وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهدَّ إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشعر، في توخيهما معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنّها محصول النظم».
وإذا كان عبدالقاهر ينصر جانب المعنى ويبخس جانب اللفظ في تقديره القيمة الفنية للعمل الأدبي، وكان ذلك رد فعل لمذهب الجاحظ في انحيازه إلى جانب اللفظ كما يقول الدكتور طبانة، فهل نجد في أقوال الجرجاني ما يثبت هذا الرأي؟ الحقيقة أنّنا نجد العكس تماماً، فعبدالقاهر ـ حقاً ـ رفض وأنكر أن ترجع المزية البلاغية إلى الألفاظ، ولكن إذا كانت مبعثرة، وغير مركبة التركيب الذي يعول عليه ويؤخذ به، أمّا إذا كانت مركبة التركيب المطلوب، ومنظومة النظم الموصوف، فإنّ عبدالقاهر يحلّها في المحل الأرفع، وليس أدل على نفيه أن يكون منحازاً إلى جانب اللفظ دون المعنى من قوله هذا: «واعلم أنّ الداء الدوي، والذي أعيى أمره في هذا الباب، غلط من قدم الشعر بمعناه، وأقل الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية أنّه هو أعطى، إلاّ ما فضل عن المعنى، يقول: ما في اللفظ لولا المعنى؟ وهل الكلام إلاّ بمعناه؟ فأنت تراه لا يقدم شعراً، حتّى يكون قد أودع حكمة وأدباً… ومعلوم أنّ سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأنّ سبيل المعنى الذي يعبّر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب، يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أنّ محالاً، إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته، أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة، أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه، وكما أنا لو فضلنا خاتماً على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود، أو فصَّه أنفس، لم يكن ذلك تفضيلاً له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتاً على بيت من أجل معناه أن لا يكون تفضيلاً له من حيث هو شعر وكلام، وهذا قاطع فاعرفه».
أهذا كلام من ينصر جانب المعنى؟
ثمّ إنّ عبدالقاهر ينقل رأي الجاحظ السابق وهو أنّ المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي… إلخ ولا ينقله عبدالقاهر مستهجناً له، مزرياً به، منكراً عليه، بل ينقله مستهشداً به على صحة دعواه، ومبرهناً به على الرأي الذي ارتآه.
فكيف يكون رأي عبدالقاهر رد فعل لرأي الجاحظ هذا؟ بل كيف يكونان متخالفين؟
ولقد توسعنا في هذه المناقشة بعض الشيء، وليس غرضنا الأساسي منها الرد على الدكتور طبانة، وإنّما كان غرضنا إثبات أنّ عبدالقاهر لا يرى المزية البلاغية، وروعة الفن الأدبي، وتفاوته في هذه الروعة وتلك المزية إنّما يرجع أوّلاً وأخيراً إلى نظم الكلام لا إلى لفظه ولا إلى معناه.
إنّ الذي ينصر جانب المعنى لا يكون بلاغياً أبداً، قد يكون فيلسوفاً أو منطقياً أو متكلماً أو أي شيء آخر، أمّا أن يكون بلاغياً فلا، ألا ترى أنّ الكلام الأدبي ربّما ترجم من لغة فيحتفظ بنفس المعنى، ولكن هل يحتفظ بمستواه من الناحية الفنية؟ تأمّل معي هذا البيت الجميل:
ناظراه فيما جنى ناظراه
أو دعاني أمت بما أودعاني
فقد ترجمه Hellmut Ritter محقق كتاب «أسرار البلاغة» على النحو التالي: Call Him to account for the Wrong his two eyes have done, or Let me die of which they put into my heart!
لا شك أنّ الترجمة دقيقة، والمعنى باق كما هو، ولكن الرونق، والنضارة الموجودين في البيت العربي قد ذهبتا تماماً مع أنّ المترجم أدّى المعنى كاملاً غير منقوص.
ونعودد إلى عبدالقاهر و«نظمه»، فقد مضى عبدالقاهر يشرح هذا النظم مستهشداً بالمئات من النصوص، قرآناً وحديثاً، حكمة وأمثالاً، شعراً ونثراً، محللاً لها، مبيّناً سر الجمال فيها، تحليلاً وتبييناً لا تكاد تجد لهما نظيراً.
وفي شرحه لمعاني النحو تناول في «دلائل الإعجاز» أبواباً مثل: التقديم والتأخير، التعريف والتنكير، الحذف والإثبات، فروق في الخبر، فروق في الإنشاء فروق في الحال، الفصل والوصل، القصر والإطلاق وما إلى ذلك من المواضيع التي خصّها علماء البلاغة فيما بعد باسم «علم المعاني».
هذا، وإن كان يؤخذ على عبدالقاهر شيء، فهو اعتباره هذه المعاني «معاني نحوية» فإنّنا إذا رجعنا إلى حقيقة النحو تبيّن لنا أنّه لا يبحث في تراكيب الكلام إلاّ بالقدر الذي يؤثر به التركيب في حركات أواخر الكلمات. إذن فإنّ هذه الأبواب بعيدة عن النحو لأنّ المفعول به أو الحال أو الخبر تظل حركات إعرابها كما هي قدموا أم أخرّوا كما أنّ الحذف والذكر، والإظهار والإضمار، والفصل والوصل، ليس لها من تأثير في حركات الإعراب.
وقد يجاب على هذا المأخذ بأنّ العلوم العربية لم تنفصل عن بعضها البعض هذا الانفصال، ولم تتحدّد هذا التحديد الذي نعرفه الآن.
أمّا في كتابه «أسرار البلاغة» فقد تناول عبدالقاهر بالبحث والدرس موضوعات الجناس، السجع، الطباق، التشبيه، الاستعارة، التمثيل (وبحثه فيه من أمتع البحوث)، التخييل، المجاز العقلي، كلّ ذلك كعادته من الإكثار من النصوص، وتحليلها تحليلاً يبرز مواطن الجمال فيها، ويدلل على ما يقصده من إيراده لها.
هذا، والقسم الأكبر من «أسرار البلاغة» يتناول ما عرف فيما بعد باسم «علم البيان».
وبـ «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» عرف عبدالقاهر الجرجاني بأنّه واضع ومخترع علمي المعاني والبيان.
البلاغة العربية… أصيلة أم وافدة
بجهود عبدالقاهر ودراسته وأبحاثه في كتابيه «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» استوت البلاغة العربية على سوقها، وبلغت أشدها. نعم، إنّها ولدت قبله بقرون مع أوّل ملاحظة على أساليب الشعراء والخطباء، ولكن الطفرة الرائعة، والقفزة العملاقة التي تمّت بصنيع عبدالقاهر في القرن الخامس الهجري غطّت على ما قبلها وما بعدها أو كادت.
إنّ العلماء الذين جاؤوا بعد عبدالقاهر لم يستطيعوا أن يضيفوا شيئاً إلى ما صنعه عبدالقاهر، وكلّ ما فعلوه أشياء شكلية، لم تضف إلى جوهر الموضوع شيئاً. فقد أخذوا ينظمون المباحث، ويفصلون الأبواب والموضوعات، وتارة يلخصون، وأخرى يشرحون ما لخصوه، لعيدوا تلخيصه مرّة أخرى، ثمّ شرحه مرّات.
وجهد كجهد عبدالقادر دفع ببعض الباحثين في العصر الحديث إلى القول بأنّ عبدالقاهر أخذ ما أتى به عن فكر أجنبي هو الفكر اليوناني، انظر إلى الدكتور طه حسين يجزم بهذا حينما يقول: «لم يكن عبدالقاهر الجرجاني عندما وضع في القرن الخامس كتاب (أسرار البلاغة) المعتبر غرة كتب البيان العربي إلاّ فيلسوفاً يجيد شرح أرسطو والتعليق عليه». ثمّ يعود إلى نفس الرأي، ولكن هذه المرّة حول «دلائل الإعجاز»: «ولا يسع من يقرأ دلائل الإعجاز إلاّ أن يعترف بما أنفق عبدالقاهر من جهد صادق، خصب في التأليف بين قواعد النحو العربي، وبين آراء أرسطو في الجملة، والأسلوب، والفصول، وقد وفق عبدالقاهر فيما حاول توفيقاً يدعو إلى الإعجاب». وقال في موضع آخر: «وبعد فنحن نعرف مجاز أرسطو الذي يجيز إطلاق اسم الجنس على النوع، واسم النوع على الجنس، واسم النوع على نوع آخر، فمجاز أرسطو هذا هو ما يسمّيه عبدالقاهر (مجازاً مرسلاً)، وأمّا المجاز الذي يقوم على التشبيه، والذي يسمّيه أرسطو (صورة) فيسمّيه عبدالقاهر (استعارة)، وهو لفظ كان القدماء يطلقونه على المجاز بكافة أنواعه، ولكي يقرّر عبدالقاهر مذهبه هذا، يتعمّق في دراسة المجاز والتشبيه تعمّقاً لم يسبق إليه، ولكن من غير أن يخرج بحال عن الحدود التي رسمها أرسطو».
ونحن نسلّم بوجود التشابه في بعض المباحث بين ما قاله أرسطو وما يقوله عبدالقاهر، ولكن هذا التشابه ـ وحده ـ لا ينهض دليلاً على الأخذ والاحتذاء والسرقة، ودليلنا ما يلي:
1 ـ التقاء الأفكار حول معنى من المعاني أو حول قاعدة من القواعد، وخاصّة في مجال الدراسات الإنسانية ليس مستحيلاً، بل وجد قديماً، وقد عبروا عنه بوقوع «الحافر على الحافر»، فكما أنّ الفرس في عدوه وركضه يقع حافره على أمكنة حوافر الأفراس التي ركضت قبله في نفس الطريق، دون قصد منه لذلك، كذلك العلماء والشعراء والفنانون يقع منهم نفس الشيء، وما لم يقم دليل قوي على الأخذ والسرقة، فالأحرى بالإنسان وخاصّة الباحث العلمي أن يتوقف، ولا يلقي الكلام على عواهنه، ولا يوزع الاتهامات جزافاً.
هذا، وقد التقى الفكر العربي الجاهلي ـ وقبل أن تبدأ ترجمة الفكر اليوناني إلى العربية بقرون ـ بالفكر اليوناني فقد ادّعى أفلاطون أنّ مصدر الشعر إنّما هو الإلهام، وأنّ أحداً من الشعراء لا يستطيع أن يقول إلاّ ما تلهمه إيّاه ربَّة الشعر، وقد وجدت هذه الفكرة بعينها في الشعر الجاهلي فقد قال شاعرهم:
إنّي وكل شاعر من البشر
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
زاعماً أنّه ما دام الذكر أقوى من الأنثى من الناحية الجسمية، فلا بد أن يكون الأمر كذلك في الشعر، وزعم آخر أنّ ملهمه هو من قبيلة مشهور من قبائل الجن هم «بنو الشيصبان» وأنّه وقرينه يتناوبان القريض:
ولي صاحب من بني الشيصبان
فطوراً أقول وطوراً هوه
وزعموا أيضاً أنّ أحسن الشعر ـ والفكر عموماً ـ هو ما اجتلب من «وادي عبقر» وهو واد مزعوم ادعوا أنّ الجن تسكنه.
فأنت ترى أنّ الفكرة واحدة، ولكن أحداً لا يستطيع أن يدّعي أنّ هناك سرقة أو انتهاباً لسبب بسيط وهو استحالة ذلك.
2 ـ إذا كان أرسطو وعبدالقاهر قد بحثا أموراً متشابهة، تتصل بفن القول وطريقة التعبير، فليس مستبعداً أن ينتهيا إلى نتائج متشابهة.
3 ـ قال الدكتور طه حسين نفسه: إنّ العرب لم يفهموا كتابي (الخطابة) و(الشعر) لأرسطو، فالجاحظ «سمع شيئاً يروى عن آداب الأعاجم وبلاغتهم، ولكن من المرجح جدّاً أنّه لم يخرج منها إلاّ بصورة غامضة، وأنّه إنّما عرف إرشادات لا قواعد، وشذرات لا كتباً، ومن المؤكد أنّه لم يعرف شيئاً عن كتاب (الخطابة) لأرسطو». وابن سينا «يصرّح في عدّة مواضع بأنّه لم يفهم جملاً بعينها واردة في كتاب (الخطابة)». وابن رشد يكتب عن كتابي (الخطابة) و(الشعر) ما «لا يتفق بوجه من الوجوه ومعاني أرسطو. ذلك لأنّ ابن رشد لم يفهم هذه المعاني فحرفها جهد استطاعته».
إذن كيف يتهم الدكتور البيانيين العرب بالأخذ عن أرسطو إذا كان فلاسفة العرب وكبار مفكريهم لم يفهموه؟
4 ـ يقول الدكتور طه حسين: «إنّ الفوارق التي كانت بين لغة القرآن، وبين اللغات الأعجمية ذوات الثقافة لذلك العهد، كانت من الجسامة بحيث يستحيل معها مجرد التوفيق بين اللغة العربية، وبين أي بيان أعجمي واحداً كان أو أكثر».
إذن، فإنّ عبدالقاهر لم يكن مجرد شارح لأرسطو، لأنّه لم يوفق بين البيان الذي أتى به وبين اللغة العربية فحسب، بل طبقه على أبرز نصوص هذه اللغة تطبيقاً لا نبوَّ فيه ولا تكلف، وإذن ـ مرّة أخرى ـ فإنّ البلاغة التي ندرسها ونتذوقها عربية الجذور، عربية الأفرع والسيقان، عربية الأوراق والأزهار والثمار.
محمد محمد بن غالي
بلتستان
التبت الصغرى
منطقة بلتستان المعروفة باسم «التبت الصغرى» هي جنة عشاق الطبيعة الجبلية، إذ تحتشد فيها أعلى الجبال والقمم الشاهقات بما فيها القمة المشهورة المدعوة «ك ـ 2» التي يبلغ ارتفاعها 28250 قدماً، وهي ثاني أعلى القمم في العالم بعد قمة افرست. وتتوسط بلتستان كلاًّ من: إقليم لداخ من جهة الشرق، وولاية كشمير الملحقة بالهند من جهة الجنوب، وإقليم غلغيت من الغرب ومقاطعة سنكيانغ الصينية من جهة الشمال.
ولا يجتمع في أي مكان آخر في العالم مثل هذا الحشد الكبير من القمم الشاهقة والكتل الجليدية الضخمة مثلما تجتمع في هذه البقعة التي تبلغ مساحتها 10118 ميلاً مربعاً، وهي تتكوّن من خمسة أودية هي: شيغر، وسكردو([258])، وروندو، وخبلو، وخرمنغ.
ومنذ القرن الماضي، كان هذا الجزء من الباكستان مسرح نشاطات العديد من عشاق تسلق الجبال الذين كانوا يتوافدون إليه من جميع أنحاء العالم بغرض استكشاف معالم هذه المنطقة أو لقياس مقدار ارتفاع هذه القمم السامقة لسلسلة جبال قره قورم الضخمة التي تمتد عبر أرجاء بلتستان بكاملها.
إنّ منظر هذه المنطقة من الجو يملأ نفس الإنسان بشعور من الروعة لا يوصف كما تشتمل هذه المنطقة الجبلية أيضاً على وديان ساحرة الجمال تجذب لزيارتها كلّ سنة عدداً كبيراً من السواح من ديار نائية.
لمحة تاريخية
لقد تمتعت ديار الأودية الخمسة هذه المسورة من جميع نواحيها بقمم عالية بمكانة فريدة في التاريخ… وقد ظلّت حتّى أواسط القرن التاسع عشر متحررة من كلّ غزو أجنبي، وكان يحكمها زعماؤها المحليون… ومن أبرز هؤلاء الزعماء علي شريخان انشان (ومعناها العظيم) وشيرشاه وعلي شاه الذي امتدّ سلطانه حتّى شترال غرباً وبورانغ في التيبت شرقاً…
وقد زوّج علي شريخان انشان ابنته للأمير سالم (الإمبراطور جيهانكير) كما تزوّج هو نفسه أميرة مغولية وذلك خلال عهد الإمبراطور أكبر. وقد وضعت علاقات وروابط القربى والنسب مع أباطرة المغول هذه حكام بلتستان تحت حماية أباطرة المغول من جهة كما أنّها، من جهة أخرى، مهّدت السبيل أمام ازدهار الفنون والثقافة المغولية في هذه المنطقة.
وقد أدّى انحلال إمبراطورية المغول إلى زيادة المصاعب التي يواجهها زعماء بلتستان. وكان أحمد شاه آخر زعماء بلتستان المستقلين يسيطر على جميع أنحاء بلتستان بالإضافة إلى منطقة «تلال» في وادي كشمير ومنطقة أستور (في إقليم غلغيت). وبسقوط إمبراطورية المغول ظهر السيخ كقوّة حقيقية في هذه المنطقة. وقد أقدم حاكم كشمير بن المهراجا رانجيت سنغ ويدعى شيرسنغ على غزو منطقة استور التي كانت حينئذ تحت سيطرة أحمد شاه، وبعد قتال عنيف لحقت الهزيمة بالسيخ وردّوا على أعقابهم… غير أنّ الشقاق والخلاف ما لبث أن استعر بين زعماء بلتستان كما اشتدّ النزاع بين أحمد شاه وابنه الأكبر ممّا أضعف مركز بلتستان بدرجة كبيرة. وفي 1834 أفلح الراجا غلاب سنغ زعيم جمو في بسط سيطرته على الوادي إثر قيامه بحملة حربية مظفرة لغزو لداخ والتيبت.
وفي عام 1840 هاجم الوزير زوراوار سنغ وهو أحد قادة جيش دوغرة بلتستان عن طريق كرغل. وفي ذلك الوقت كان يحكم مناطق بلتستان عدد من الراجات المستقلين في كلّ من: اسكردو، وشينغر، وخبلو، وخرمنغ وروندو وتولتي، وكيرس. وقد استسلم راجا خرمنغ لجيش دوغرة دون مقاومة بل ساعدهم في إخضاع راجات تولتي وخبلو واسكردو. أمّا راجات شيغر، وروندو، وكيرس فلم يكونوا في وضع يمكنهم من التصدي لجيش دوغرة فأذعنوا لوصاية مهراجا دوغرة عليهم، ومقابل إذعانهم هذا منحهم بعض الهبات النقدية والأملاك.
أمّا أحمد شاه آخر زعماء بلتستان، فبعد هزيمته أمام جيش دوغرة جرى نفيه وأفراد أسرته إلى جمو. ولكن ما لبث أن دار التاريخ دورته، فبعد وفاة الوزير زوراوار سينغ الذي قتل خلال نزاع مع أهالي التيبت، وحد زعماء بلتستان صفوفهم تحت إمرة الراجا حيدر خان زعيم شيغر ضد الدوغرة ولكنّهم عجزوا عن تحرير أنفسهم من نير احتلاهم.
ولم يتسن لشعب بلتستان أن يحمل السلاح ثانية ضد الدوغرة إلاّ بعد انقضاء 107 سنوات من خضوع شعب تلك المنطقة لسيطرتهم، فأفلحوا أخيراً في عام 1947 في تحرير منطقتهم عندما انتزعت شبه القارة الهندية بأكملها استقلالها من البريطانيين. ورغم أنّ أهالي بلتستان كانت تنقصهم المعدات والذخائر إلاّ أنّهم أفلحوا في إلحاق الهزيمة بالهنود الذين خفوا لنجدة الدوغرة على كلّ الجبهات، وقد كان ثوار بلتستان المقاتلون من أجل الحرية على بُعد بضعة أميال فقط من مدينة «ليه» عاصمة لداخ عندما جرى تنفيذ وقف إطلاق النار بإشراف منظمة الأمم المتحدة. وبعد استقلال الباكستان أصبحت منطقة بلتستان مقاطعة كاملة تضم ضمن حدودها الأودية الخمسة.
قمم شاهقات
تشتمل بلتستان على عدّة مجموعات من قمم جبال قره قورم. ومن أهم هذه القمم مجموعة «اغل» التي تضمّ قمة «ك ـ 2»، ومشربروم، وغشربروم، وبيجو، وتشوغوليسا وسلتورو. ويقدّر أنّ هنالك زهاء 150 قمة شاهقة في بلتستان. وتوجد في سلسلة «بلتورو مزتغ» في جبال قره قورم العظمى أعلى القمم وهي «ك ـ 2» وعدد آخر من القمم مثل قمم غشربروم الست التي يزيد ارتفاع كلّ منها على 26000 قدم. أمّا أعلى قمم سلسلة مشربروم وهي «ك ـ 1» فيبلغ ارتفاعها 25660 قدماً، ولا يقل ارتفاع أي من القمم التسع في هذه السلسلة عن 20000 قدم. ويتراوح ارتفاع قمم سلسلة سلتورو الواقعة في جبال قره قورم الشرقية ما بين 23960 قدماً و25400 قدم، وأعلاها هي قمة سلتورو كنغري. وأعلى قمة في سلسلة بنمه مزتغ هي قمة «اوغر» وارتفاعها 23900 قدم. ولا يقل ارتفاع أي من قمم هذه السلسلة الخمس عن 21350 قدماً.
أمّا أعلى قمم سلسلة سياخن مزتغ فهي قمة تيرام كنغري التي يبلغ ارتفاعها 24489 قدماً وتليها كلّ من قمة جبل روز وابسرس.
طرق المواصلات
تقع سكردو عاصمة مقاطعة بلتستان على ارتفاع نحو 8000 قدم عن سطح البحر وتحيط بها الجبال من جميع نواحيها، وبسبب وعورة المنطقة هناك لا سبيل للاتصال بين سكردو وبقية أنحاء البلاد سوى بواسطة الجو… والرحلة بالطائرة إلى هذه المدينة هي أكثر إثارة من الرحلة إلى غلغيت. وتسلك الطائرة في رحلتها من راولبندي إلى سكردو الخط ذاته الذي تسلكه في رحلتها إلى غلغيت ثمّ تنعطف إلى اليمين وتطير فوق أخدود نهر السند بين قمم صخرية هائلة حتّى يخيّل للمرء بأنّ جناحي الطائرة سيصطدمان بهذه الصخور في أيّة لحظة…
كما أنّ الطرق البرية إلى سكردو بالغة الصعوبة. وقد شقت مؤخراً طريق تصلح لسير سيارات الجيب بين سكردو وغلغيت عبر هضبة دوساي وأخرى على امتداد مجرى نهر السند، بيد أنّه لا توجد هنالك طريق برية تصل سكردو مباشرة بسهول الباكستان الواقعة إلى الجنوب منها، ولكن توجد طرق صالحة لسير سيارات الجيب فقط بين سكردو وكلّ من داو، وداسو، وستكشو، وخرمنغ، وشغرتنغ، ودبا وتقع جميعها في بلتستان. ولم يكن هناك، خلال عهد دوغرة أي طريق يصلح لسير سيارات الجيب في مقاطعة بلتستان، فكان الناس يضطرون للتنقل على ظهور الخيل أو مشياً على الأقدام طيلة أيام حتّى يصلوا إلى بغيتهم، ولكن قبل نهاية عام 1965م بلغ طول ما تمّ شقّه من الطرق الصالحة لسير سيارات الجيب 316 ميلاً علاوة على 89 ميلاً من المسالك الصالحة لسير الحيوانات، وهي تربط سكردو بكلّ من خبلو، وشيغر، وروندو، وخرمنغ وعدد آخر من المواقع السياسية الهامة.
البحيرات المجاورة لمدينة اسكردو
يوجد في اسكردو وجوارها عدد من الأماكن التي تهمّ السواح. فتقع على الطرق بين مبنى مقر مقاطعة بلتستان في اسكردو والمطار قلعة اسكردو التاريخية التي تقبع على مرتفع جبلي. وقد اعتصمت قوات دوغرة في هذه القلعة لتحمي نفسها من هجوم ثوار بلتستان، ولكنّها اضطرّت للاستسلام في النهاية. وتدعى هذه القلعة «مندق خر» أي حصن الملكة مندق. وقد شيّدت في وقت ما بين عام 1595 وعام 1633 ميلادية. وتوجد في جوار مدينة اسكردو بحيرتان جميلتان هما بحيرة كتشورا التي تقع على مسافة 20 ميلاً من سكردو وتعتبر منتجعاً سياحياً مثالياً إذ تحيط بها الجبال العالية من جميع الجهات، وهي تشتهر بتفاحها الشهي. أمّا البحيرة الأخرى فتدعى سطبرة وتقع على بُعد نحو 10 أميال إلى الجنوب من اسكردو. ويمتد أمام العين من هنا السور القديم العظيم وأبراج المراقبة فيه والذي يمتد بين شغورتنغ وثرغر. وقد أقيمت على ضفة البحيرة دار استراحة جميلة كما يوجد هناك أيضاً «كوخ سياحة» وزوارق. أمّا بحيرة شيغر فهي من أجمل البقاع في وادي شيغر. ويكثر في جميع بحيرات بلتستان سمك السلمون المرقط. وتقع على بُعد نحو 600 متر فقط من طريق صالحة لسير سيارات الجيب بحيرة جميلة تدعى كتشورا العليا وهي تشتهر أيضاً بوفرة سمك السلمون فيها. وتوجد هنالك أيضاً بحيرات أخرى جميلة منها بحيرة سرفرانغا الواقعة قرب شيغر. وهناك بحيرة اصطناعية تدعى كتبانا يكثر فيها البط في فصل الشتاء. وتقع بحيرة «بارابين» الصغيرة على الطريق المؤدية لوادي خبلو. ويوجد عند موقع «هرغيسانوللـه» على الطريق إلى سكردو، وليس بعيداً عن سطبرة، معبد بوذي.
أودية خلابة
وادي شيغر هو أجمل الأودية الخمسة التي توجد في مقاطعة سكردو وأبهاها، وقد حبته الطبيعة جمالاً أخّاذاً وخصوبة شديدة. ويبلغ طوله 25 ميلاً وعرضه في عدّة أماكن نحو ثلاثة أميال، وهو يرتفع عن سطح البحر نحو 8000 قدم. وتوجد حول وادي شيغر العديد من الجبال الجليدية، ويسقي الوادي نهر شيغر الذي يتغذى بالماء من الجليد الذائب. وهو يلتقي مع نهر السند عند مدينة سكردو وبعد هذا الملتقى يتلوى نهر السند ويتمعج عبر أرجاء بلتستان. أمّا الأنهر الأربعة الأخرى وهي شيوك وسلتورو وقندس وهستري فتتدفق مياهها الباردة الصافية الرقراقة أو تتجمد حسب الأحوال الجوية ودرجات الحرارة.
ووادي شيغر هو أوّل محطة أمام الجوالة وعشاق تسلق الجبال الذين ينطلقون من سكردو قاصدين الكتل الجليدية في بلتورو ومنها إلى القمم العظمى. وتبدأ مرتفعات بلتورو التي تعدّ أعظم وأضخم الجبال الجليدية في جبال قره قورم من طرف الوادي الشمالي الغربي. وهناك واد آخر هو وادي خبلو ويحاذي إقليم (لداخ)، ويبلغ ارتفاعه عن سطح البحر زهاء ثمانية إلى تسعة آلاف قدم. وتعتبر بساتين وادي خبلو وجنائنه متعة للعين والفم معاً. ومن هذا الوادي يستطيع المرء أن يتمتع بمناظر الكثير من القمم الشاهقات لا سيما قمم مشربروم. ويتوجب على عشاق تسلق الجبال الذين يرغبون في تسلق سلسلتي جبال مشربروم أو سلتورو أن يعبروا من هذا الوادي.
الجبال الجليدية المنزلقة
إنّ ما تدعى الجبال الجليدية وهي الكتل الجليدية الضخمة سواء منها المنزلقة أو الثابتة هي مصدر متعة وعجب دائمين لعشاق الطبيعة. وعندما تبدأ هذه الكتل الجليدية، أو بالأحرى الجبال الجليدية، تزحف زحفها البطيء، ولكن بصورة منتظمة ومتواصلة تجرف معها كلّ ما تصادفه في طريقها ولحسن الحظ أن مثل هذا الزحف ليس كثير الوقوع. والجبال الجليدية في بلتستان لا تقل في أحجامها عن الجبال الجليدية في المنطقة القطبية. فكلّ من بلتورو وبيافو، وهسبار، وسياخن، ورينو، وغوردوين أوستن هي جبال جليدية تجعل من بلتستان حوضاً جليدياً هائلاً. ويبلغ طول جبال بلتورو الجليدية 36 ميلاً وعرضها ميلين ونصف الميل. أمّا جبل بيافو الجليدي الذي يعرف باسم «بحيرة الثلج» بسبب منظره البديع من ممر هسبار فيمتد على خط مستقيم مسافة 54 ميلاً.
أمّا جبل بيافو ـ هسبار الجليدي الهائل فيشمخ على امتداد 76 ميلاً مكوّناً منظراً ساحراً خلاباً لا يوجد له نظير سوى في المنطقة القطبية. وأيضاً هنالك منظر آخر لا ينسى يوجد في سلسلة جبال قره قورم الشرقية حيث ينساب جبل سياخن الجليدي الذي يبلغ طوله 46 ميلاً ليلتقي بنهر «نوبرا» أحد روافد نهر شيوك. ويدخل نهر شيوك منطقة بلتستان عند شولنخه ثمّ يواصل تدفقه إلى أن يصب في نهر السند العظيم. وينسحب منحدراً نحو نهر شيوك أيضاً جبل ريمو الجليدي الكائن في جبال قره قورم الشرقية. ومن أجمل الجبال الجليدية غوردوين أوستن الذي يخلب بجماله ألباب عشاق تسلق الجبال. وتكمن أهميته بصورة خاصّة في اتصاله مع القمة الشهيرة «ك ـ 2».
الحيوانات البرية
تكثر في أرجاء بلتستان حيوانات الصيد سواء الكبيرة منها أو الصغيرة. فكثيراً ما يشاهد في بلتستان النمر الجليدي، ويصادفه المرء أثناء تجواله بين التلال، ويكون بوسعه حينئذ أن يتأمله عن كثب. ولا يحتاج المرء إلى مهارة فائقة في الصيد حتّى يستطيع اصطياد النمر الجليدي، إذ إنّ المرء قد يصادفه في أي واد أو وهد. ومن حيوانات الصيد البري التي تكثر في بلتستان المرخور، وهو من أنواع الماعز الجبلي، ويمتاز بقرنيه الحلزونيين الكبيرين. ويكثر وجوده في أودية سكردو الثلاثة، لا سيما في أنحاء كواردو وسترانغد ونغمو، كما يوجد في مناطق نوللـه، وستكتشو، وتشمتشو وسكويو، وبيتشه، وتشري، وتنغوس، وأيضاً يوجد فيما بين سلاسل جبال باشو ويمندي في منطقة روندو، وفي منطقة نيالي في شيغر ويكثر في بلتستان أيضاً حيوان الوعل أو ما يدعى تيس الجبل، وهو يتوفر في شتى أودية المنطقة، وإن كان يكثر بصورة خاصّة في: شغرتنغ، ونار، وغورو في سكردو وهشوبي، والتشوري في شيغر وفي تللي، وهيشي، وكندي، وبارا، وكندس، وستلورو، وفرانو في خبلو، وفي كاتيشو، ونانتو في خرمنغ، وفي باشو، وتورميك، وبغخا في روندو.
أمّا حيوان الشابو فلا يوجد سوى في مناطق غول ونار في سكردو، وسرفرنغا، وشورها، والتشوري، وهشوبي في شيغر، وفي تللي وبارا، وكندس في خبلو.
ويبدأ فصل الصيد في مناطق بلتستان في تاريخ 16 تشرين الثاني ـ نوفمبر ويستمر حتّى 15 آذار ـ مارس. ويستطيع الإنسان أن يستمتع برياضة الصيد المثيرة في تلك المناطق المدهشة مقابل رسم تصريح يبلغ 300 روبية مقابل صيد الرأس الواحد من الماعز الجبلي المرخور و400 روبية للرأس الواحد من الوعول. أمّا حيوان الشابو فرسم صيده أدنى من ذلك بكثير فهو يعادل 50 روبية لكلّ رأسين من الشابو في فصل الصيد الواحد ـ علماً بأنّ هذه الرسوم تشمل أيضاً رسوم صيد حيوانات وطيور الصيد الصغيرة.
حيوانات الصيد الصغيرة
إنّ رسوم صيد حيوانات وطيور الصيد الصغيرة مثل الحجل والبط والتشيكور هي رسوم اسمية تعادل 50 روبية لفصل واحد كامل من فصول الصيد.
أمّا هواة صيد الأسماك فيجدون ضالتهم في بحيرات كتشورا السفلى وكتشورا العليا، وأيضاً في بحيرات كتشورا نوللـه فيما وراء جسر بهرام، وبكوره نوللـه وسطبره، وسرفرانغه. ولا يزيد رسم صيد الأسماك بالصنارة المفردة ليوم واحد من الصيد في أي من البحيرات المذكورة على أربع روبيات فقط. بيد أنّ صيد الأسماك ممنوع خلال المدّة الواقعة بين 1 تشرين الأوّل ـ أكتوبر و31 آذار ـ مارس.
وادي غلغيت
يبدو أنّ الطبيعة قد ادّخرت كلّ جمالها الأصيل وخلعته على هذه البقعة من الأرض التي تبلغ مساحتها 17000 ميل مربع وتدعى وادي غلغيت. فالقمم الشامخة، والبحيرات العذبة الرائقة، والجداول الرقراقة المشعة، والمروج المزهرة، وبساتين الفاكهة الغنّاء، وفوق هذه جميعاً متعة الحياة وانشراحها في الخلاء الرحب الفسيح في التلال والوديان، هذه جميعها تجعل من غلغيت أمتع منتجع للنزهة والاستجمام تتوق إليه جوارح الإنسان. ولا غرو، إذن أن يقصد هذا الوادي للاستجمام كلّ سنة عدد كبير من السواح ليس من باكستان فحسب بل من شتى أنحاء العالم.
تحاذي غلغيت من الجهة الشمالية كلاًّ من الصين والاتحاد السوفياتي وأفغانستان. ورغم أنّ الأراضي السوفياتية لا تجاور حدود غلغيت مباشرة فإنّ المسافة الفاصلة بينهما وهي شريط ضيق من الأراضي الأفغانستانية، ضئيلة بحيث يستطيع المرء أن يرى أطراف الأراضي السوفياتية بالعين المجردة إذا نظر إليها من أعلى قمة تريفور.
أمّا طريق الحرير التاريخية التي كان لها الفضل في تنمية التجارة والروابط الثقافية بين هذه المنطقة والصين فقد كانت تمر بهذه الأراضي مخترقة جبال قره قورم عبر ممر منتيكا. وحتّى زمن غير بعيد كانت القوافل التجارية تأتي إلى غلغيت من مناطق أواسط آسيا، لا سيّما من الصين، أو بالعكس. وعبر القرون كان يعبر هذا الوادي العديد من العلماء والرحالة قادمين من أواسط آسيا والصين في طريقهم إلى شبه القارة الهندية. وقد انقطعت طريق الحرير في عام 1949م، غير أنّه تمّ الاتفاق بين باكستان والصين على إعادة فتحها ابتداءً من عام 1969م.
تبلغ مساحة ولاية غلغيت 17000 ميل مربع ويزيد عدد سكانها عن مائتي ألف نسمة، وهي تضم محافظتي غلغيت وأستور وإقليم تشيلاس والمقاطعات الأربع بونيال وياسي وايشكومن وكوهي ـ غيزر وولايتي هونزا ونغر الملحقتين بها. وتضمّ ولاية غلغيت أيضاً منطقتين قبليتين صغيرتين هما داريل وتنغر.
وتتكوّن أراضي غلغيت بأكملها من جبال ووديان تشتمل على عدد من أعلى قمم العالم أهمها: ننغا، وبربات، وركبوشي، وبتورا، ومستغ، وكمبير ديور وحرموش، وكنجوتسار، ودستغل سار، وتريفور، وملوبيتنغ وغيرها. وتشتمل سلسلة جبال ننغا بربات الواقعة في محافظة أستور على عدد من القمم المتجاورة منها قمم رخيوت، وتشونغره العظمى، وتشونغره الجنوبية، وبولدر، وكنالو، ومنزينو وغيرها، ولهذا السبب بالذات تعتبر غلغيت بمثابة مركز انطلا تسلق الجبال للذين يفدون إلى هذه المنطقة، من شتّى أرجاء العالم ليتسلقوا قممها. وتمتاز هذه المنطقة، بالإضافة إلى قممها الشاهقة، بوفرة الكتل الجليدية فيها. وبعض هذه الكتل الجليدية هي من أضخم ما يوجد منها في العالم خارج المناطق شبه القطبية.
لقد وجد الرحالة الصينيون الذين قادتهم السبل إلى غلغيت ومنها إلى السهول الكائنة وراءها أنّ الديانة البوذية مزدهرة في هذه المناطق حتّى بعد وفاة الملك اشوكا. ويدل العدد الكبير من النصب والمنحوتات البوذية الموجودة في وادي غلغيت لا سيّما على صخور التلال المجاورة على عظمة مجد الديانة البوذية في تلك الأيام…
لقد جاء الإسلام إلى هذه الديار، أوّل ما جاء، في حوالي العام 1322م. ومنذ ذلك الحين ظلّ الإسلم، وما زال حتّى الآن، وهو الديانة السائدة في هذه المنطقة. وخلال الحكم المغولي نعمت المنطقة الشمالية بأكملها بالازدهار وطيب العيش. وبعد زوال الإمبراطورية الإسلامية العظيمة في شبه القارة الهندية تشكّلت في هذه المنطقة دويلات عديدة يحكمها زعماء العشائر وشيوخها. وبعد المغول حكم السيخ أيضاً هذا الوادي بعض الوقت.
وعندما انتهت مقاليد الأمور في شبه القارة الهندية إلى البريطانيين مضى وقت طويل قبل أن يوطدوا أقدامهم في هذه المنطقة نظراً للمقاومة التي أبداها السكان لحكمهم. وقد عيّن أوّل معتمد سياسي بريطاني ليحكم هذه المنطقة نيابة عن حكومة الهند البريطانية في العام 1878م.
وفي عام 1947م، عندما استعادت شبه القارة الهندية استقلالها سلم البريطانيون مقاليد أمور منطقة غلغيت إلى مهراجا كشمير الذي بعث في شهر آب (أغسطس) من تلك السنة الزعيم غنسرة سنغ ليحكم هذا الإقليم نيابة عنه. بيد أنّ هذا الحكم الكشميري لم يدم طويلاً إذ ثار عليه شعب هذه المنطقة الشجاع بعد أربعة شهور من قيامه. وقد قاد هذه الثورة عدد من العناصر الوطنية يتزعمهم نفر من ضباط قوات كشمير المسلحة. وبعد قتال قصير استسلم الحاكم الكشميري ووقع أسيراً في أيدي المجاهدين. وبعد أن سيطر الثوار على مقر الإقليم يمّموا وجوههم شطر بنجي التي كانت مركزاً مهماً في ذلك الوقت، فاستولوا عليها بعد قتال شديد. ومضى الثوار قدماً في سعيهم لتحرير المنطقة بأكملها من نير حكم مهراجا كشمير فتوجهوا شطر أستور بصفتها أحد مراكز المقاطعات. وبعد أن استولوا عليها عبروا سهول هضبة ديوساي لاحتلال سكردو عاصمة إقليم بلتستان. وعندئذ وصل الجيش الهندي لنجدة مهراجا كشمير، فاحتدم القتال بينه وبين الثوار في هذه المنطقة الجبلية. وبينما كانت إحدى مجموعات الثوار تقترب من حملتها المظفرة من ليه عاصمة لداخ تدخلت منظمة الأمم المتحدة في النزاع الناشب وقبلت تأكيدات من الحكومة الهندية بأن تجري هذه استفتاء شعبياً في الولاية لتقرير مصيرها. وبناء على هذه التأكيدات أمرت بوقف إطلاق النار في الأوّل من كانون الثاني (يناير) عام 1949م.
هذا هو بإيجاز التاريخ السياسي لهذه المنطقة.
حتّى نهاية القرن الماضي كان الوصول إلى غلغيت صعباً للغاية. وكان يضطر سكان هذه المنطقة وكذلك سكان أواسط آسيا الذين يودّون السفر إلى شبه القارة الهندية أن يقطعوا رحلة صعبة محفوفة بالمخاطر يتسلقون خلالها الجبال ويعبرون الأنهر ويخترقون الغابات طيلة أيام كثيرة. أمّا الآن فبفضل تقدّم الطيران أصبح بوسع المرء أن يطير إلى غلغيت من أيّة بقعة في العالم، إذ تقوم شركة الخطوط الجوية الباكستانية الدولية بتسيير رحلات منتظمة بواسطة طائرات «فوكر» من راولبندي إلى غلغيت وكذلك إلى سكردو. وهذه هي أكثر رحلة طيران مثيرة في العالم حتّى أنّها لا تنمحي من ذاكرة من يقوم بها أبداً، فليس هنالك أيّة رحلات طيران منتظمة أخرى في العالم فوق جبال بمثل هذا العلو.
وتخضع مواعيد القيام بهذه الرحلات الجوية إلى أحوال الطقس. ويستحق طيارو الخطوط الجوية الباكستانية الدولية وطيارو سلاح الطيران الباكستاني الثناء لقيامهم بنجاح بتسيير هذه الرحلات المثيرة التي تستحق الوصف:
بعد أن تقلع الطائرة من مطار تشكلالا في راولبندي تتجه نحو التلال الشمالية وتأخذ في الارتفاع. وبعد مرور دقائق معدودة يصبح بوسع المرء أن يرى أسطحة منازل مري الصغيرة. ثمّ بعد مضي دقائق قليلة تحلّق الطائرة فوق أبوت آباد. وخلال هذا الطيران ترتفع الطائرة باستمرار إلى أن تصبح على ارتفاع يتراوح بين 12 إلى 14 ألف قدم. وبعد انقضاء بعض الوقت تأخذ الطائرة تحلق فوق مناظر خلابة قمم مكلّلة بالثلوج وبحيرات وجبال جليدية. وعندما تحلّق الطائرة فوق كغان يقع بصر المرء على بحيرة سيف الملوك التي تبدو من الأعالي كبقعة غامقة الزرقة من الأضواء الملونة أو الزجاج المشع تحيط بها الجبال العالية، كما تحلّق الطائرة فوق بحيرة لالازار، وبعد ذلك فوق ممر بابوسار الذي يبلغ ارتفاعه 12000 قدم، ومن ثمّ تسلك خط مجرى نهر السند العظيم الذي يبدو من الأعالي يتلوّى كشريط رفيع. وبعد دقائق معدودة تبدو للناظر قمة ننغابربات المذهلة التي تأسر بمنظرها الخلاب لب المرء وتجعل قلبه يخفق رهبة ووحشة. وفوق هذه المرتفعات تصبح الطائرة على ارتفاع يتراوح بين 17000 و18000 قدم، وبعد ذلك تأخذ الطائرة في الانخفاض رويداً رويداً مقتربة من غلغيت. وعنذئذٍ يبدو من الطائرة منظران جميلان هما قمة حرموش من جهة الشرق «وركها بوشي» في الوسط. وقبل أن تهبط الطائرة في مطار غلغيت تمر فوق نهر هنزا ثمّ نهر ياسين. وواقع الأمر أنّ الطائرة تتّخذ من مجرى هذين النهرين مسلكاً لهبوطها.
أمّا أولئك الذين عرفوا مطار غلغيت قبل عقدين من الزمان فسيجدونه اليوم مختلفاً كثيراً عمّا كان عليه. فقد استبدل المدرج الطيني القديم الذي كان الهبوط عليه محفوفاً بالمخاطر عند هطول الأمطار بمدرج واسع من الإسمنت المسلح، كما أنّ برج المراقبة القديم المتداعي قد استبدل أيضاً ببناية جميلة من الحجر تتوفّر فيها جميع المرافق العصرية.
ويمكن الوصول إلى غلغيت، علاوة على السفر بالطائرة، بواسطة طريق بري يجتاز وادي كغان ويعبر ممر بوبسار مخترقاً مقاطعة تشيلاس. ولكن لا يصلح من هذا الطريق للسير طوال أيام السنة سوى الجزء الممتد من راولبندي إلى بلاكوت وطوله 135 ميلاً، بينما بقية الطريق الممتدة من بلاكوت إلى غلغيت وطولها 210 أميال هي خطرة جدّاً… فهذا الجزء من الطريق هو عبارة عن مسلك جبلي ضيق تكثر فيه المنحدرات الشديدة المنعرجات الحادّة ويسير ملتوياً على أطراف مرتفعات صخرية معلقة فوق وديان سحيقة. ولا تفتح هذه الطريق لحركة السير سوى مدّة ثلاثة شهور من تموز (يوليو) إلى أيلول (سبتمبر) بسبب الثلوج التي تغطي ممر بابوسار. والطريق من بلاكوت إلى نران حالها أفضل من الأجزاء الأخرى ممّا يتيح للسائق التمتع بمناظر الوادي الخلابة. أمّا الأجزاء الباقية من الطريق الواقعة بين نران وبوري فهي شديدة الانحدار كثيرة المتعرجات.
وتتيح هذه الرحلة البرية للمسافر التمتع بمناظر جبال الهملايا والقره قورم الخلابة. وبعد بوروي هنالك انحدار شديد في الطريق مقداره 4000 قدم في مسافة أربعة أميال فقط، وبعد ذلك تأتي تشيلاس مقر مساعد المعتمد السياسي، وهي تبعد عن بوروي مسافة واحد وعشرين ميلاً فقط. والرحلة من تشيلاس إلى غلغيت تستغرق حوالي خمس الى ست ساعات بسيارة الجيب حيث تسير إزاء مجرى نهر السند. وواقع الأمر أنّ هذا الجزء من الطريق الممتد من تشيلاس إلى غلغيت وطوله 90 ميلاً هو جزء من طريق وادي السند التي يبلغ طولها 300 ميل والتي تربط غلغيت ببقية أنحاء البلاد بطريق صالحة للسير طوال السنة وذلك عن طريق سوات. وسيكون لطريق وادي السند هذه التي أكملت مؤخراً دور كبير في تحسين حالة سكان المنطقة الشمالية الاقتصادية والاجتماعية كما يتوقع أنّها ستفتح أمامهم عهداً جديداً من الازدهار والرخاء.
تقع مدينة غلغيت بين سلسلتين جبليتين وعرتين، وهي ترتفع عن سطح البحر 4770 قدماً، ولا تبعد عن المطار أكثر من ثلاثة إلى أربعة أميال… وقد تطوّرت مدينة غلغيت كثيراً بالمقارنة بما كانت عليه قبل الاستقلال. فقد أصبحت فيها الآن منطقة تجارية منتعشة فيها عدد كبير من الحوانيت والمصارف ومكاتب البريد والمكاتب الإدارية. وقد جعلتها الحكومة مؤخراً مقراً إدارياً لعموم المنطقة الشمالية. ويعيش في غلغيت أعلى مسؤول إداري في المنطقة ويسمّى المعتمد السياسي. وبالمقارنة مع الماضي، أصبحت تتوفّر لسكان هذه المنطقة الآن مرافق وخدمات اجتماعية أفضل. فقد أنشىء فيها منذ الاستقلال عدد كبير من المدارس والمستشفيات، كما تمّ تزويد المدينة بحاجتها من المياه، فقد أنشىء عدد كبير من القنوات الصغيرة التي تنقل الماء إلى المدينة من وادي كوغه نوللـه على بُعد بضعة أميال إلى الشمال فتزود السكان بالمياه اللازمة للري علاوة على حاجتهم من مياه الشرب…
وقد أنشئت مؤخراً بجوار غلغيت دار استراحة جديدة للسواح على مقربة من مجرى نهر ياسين. وتنظم دائرة للسياحة رحلات إلى هذه المنطقة لتتيح لهواة الطبيعة التمتع بكنوز جمالها الطبيعي الخلاب، كما درجت دائرة السياحة، مؤخراً على تنظيم مباريات في البولو هنا، إذ تعدّ البولو اللعبة القومية في هذه المنطقة. والبولو التي يلعبونها في هذه المنطقة تختلف عن البولو التي تلعب في المناطق السهلية. فهي هنا أشدّ وأصعب، كما لا يجري استبدال الخيول أثناء اللعب، بل يستمرّ استخدام الحصان ذاته طوال المباراة. وكانت مباريات البولو تجري هنا في السابق في ميدان طيني يحيط به جدار حجري يصل ارتفاعه إلى الخصر. أمّا الآن فقد تمّ إنشاء ميادين للبولو مكسوة بالعشب. وقد ازداد إقبال الناس من شتى أرجاء البلاد على السفر إلى غلغيت للتمتع بمشاهدة مباريات البولو فيها. وهم ينتقلون إليها بواسطة رحلات طيران تنظم خصيصاً لهذا الغرض.
توجد على ضفة نهر ياسين خلف بناية المطار حديقة تشينار الشهيرة التي أقيم فيها نصب للشهداء لتخليد التضحيات التي قدّمها شعب هذه المنطقة خلال حرب التحرير عام 1947م.
لقد أقيم على نهر ياسين واحد من أطول الجسور المعلقة في العالم، وهو يربط غلغيت بكلّ من ولايتي هنزه ونغرد وهذه هي الطريق التي تصل هذه المنطقة بالصين. وخلال حرب التحرير كان هذا الجسر هدفاً دائماً لقاذفات سلاح الجو الهندي، ولكن جميع غاراتها باءت بالفشل وظلّ هذا الجسر قائماً وقوياً دون أن يعتريه خلل.
يشتهر إليم غلغيت بمناطقه السياحية الخلابة، فوادي نلتر الذي يقع على بُعد نحو 30 ميلاً من مدينة غلغيت يعدّ بمناظره الساحرة من أروع الوديان في المنطقة. وتقع بلدة نلتر على ارتفاع نحو عشرة آلاف قدم فوق سطح البحر، وهي تتّصل بمدينة غلغيت بطريق تصلح لسير سيارات الجيب. وتمتاز بلدة نلتر علاوة على ما حباها الله به من جمال جبالها وجداولها ومروجها بمناخ صحي منعش. وتزيّن سفوح الجبال المحيطة بها شلالات ساحرة الجمال، فحيثما تلفّت المرء يقع بصره على منظر يأسر الفؤاد بروعته وجماله.
وقد أنشأت الخطوط الجوية الباكستانية في نلتر مركزاً للتزلج يستخدم لتدريب الضباط على أصول التزلج على الجليد. وتكثر في منطقة نلتر الحيوانات والطيور البرية ممّا يجعلها منتجعاً مثالياً لهواة الصيد.
ويجري على بُعد نحو أربعة أميال من غلغيت وادي كوغه نوللـه الشهير الذي تمّ تطويره فأصبح بقعة سياحية خلابة. ويتبع هذا الوادي كتلة جليدية فوق الجبال المجاورة وتمتدّ حتّى حدود شيترال. ويكثر في وادي كوغه نوللـه هذا سمك السلمون، ويُقال إنّه في عام 1919م قام المعتمد البريطاني في هذه المنطقة حينئذ العقيد ثي. هـ. كوب بزرع أسماك السلمون في هذا الوادي الذي أصبح الآن من أروع الأمكنة لصيد السمك بالصنارة. ويوجد في المرتفعات المطلة على هذا الوادي كثير من الوحوش والحيوانات البرية الكبيرة الحجم مثل الوعل (تيس الجبل) والدب البني وفهد الثلوج. وهذا الفهد اتّخذته الكشافة الشمالية وهي فرق شبه عسكرية شعاراً رسمياً لها. وحتّى اليوم يجد المرء على صخرة شديدة الانحدار تطل على الوادي منحوتة ضخمة للإله بوذا، وربّما يعود زمن نحت هذه المنحوتة إلى عهد الملك اشوكا.
ويوجد في منطقة غلغيت بعضاً من أضخم الكتل الجليدية في العالم و من بينها بتوره، ومينابن، وديمبر، وشندور. وتوجد معظم هذه الكتل الجليدية على قمم المرتفعات المطلة على أودية أو أخاديد سحيقة. وبعض هذه الكتل الجليدية تشكّل منذ زمن يزيد على القرنين. كما يوجد في تلك المنطقة، علاوة على هذه الكتل الجليدية الضخمة، عدد من الكتل الجليدية الاصطناعية الصغيرة التي أقامها السكان على رؤوس التلال لأغراض الري.
وتوجد في وادي غلغيت خمسة ينابيع مياه معدنية على الأقل هي بدالوس، ومرتضى اباد، ومسكين، ودركوت، وشوروت. كما توجد في جوار غلغيت ما يزيد على اثنتي عشرة بحيرة أهمها بحيرة شاهدر، وفندر، وبلوغه، وتقع بحيرة بلوغه هذه على ارتفاع يزيد عن عشرة آلاف قدم على ظهر وادي كوغه نوللـه على بُعد عشرة أميال من غلغيت.
وتقع على بُعد سبعين ميلاً إلى الجنوب من غلغيت بلدة أستور المقر الإداري لمقاطعة أستور. ومن يزورون أستور لا ينسون مطلقاً الرحلة المدهشة التي يقطعونها بسيارة الجيب على الطريق الملتوي على امتداد مجرى نهر أستور. وبلدة أستور أشدّ برودة من مدينة غلغيت. وتوجد في منطقة أستور أكثف غابة من أشجار المسك. وتعتبر منطقة أستور هذه جنة لهواة الصيد والرياضة إذ يكثر فيها الماعز الجبلي (المرخور)، وفهود الجليد، والدببة وتشكيلة كبيرة من الطيور.
وتقع على بُعد بضعة أميال إلى الشمال من أستور بلدة رامه. والرحلة بسيارة الجيب إلى هذه البلدة ممتعة حقاً لأنّها تسبح في بحر من الخضرة. وقد بنت دائرة السياحة في سطح أحد تلال رامه كوخاً سياحياً يطل على مناظر رائعة للجبال المجاورة. وتوجد على بُعد أميال قليلة من رامه بحيرة سنغوسار الشهيرة التي تتغذّى بالمياه من إحدى الكتل الجليدية. وعندما يذوب الثلج في فصل الصيف يستمتع المرء بمناظر انعكاسات القمم المكللة بالجليد على البحيرة الزجاجية الشفافة، وهي مناظر ساحرة حقّاً.
وتشتهر منطقة أستور بإنتاج حب الصنوبر وبذور الكمون. ويزرع الكمون في سهول رتو والتلال المجاورة لها. وتتّصل بلدة أستور بمدينة غلغيت بخط هاتفي مباشر، كما يوجد فيها مستشفى ومكتب برق.
وإذا اتجهنا جنوباً من أستور سائرين مع نهر أستور نصل إلى غوريكوت وهي من البلدان المهمة في مقاطعة أستور. وبعد غوريكوت تتألق المنطقة بجمالها، فما أن يجتاز المرء ممر كمري (13368 قدماً) حتّى تصبح الطريق حتّى تشيلات تشوكي أسطورة من الجمال. ويبدو أنّ الطبيعة أغدقت جمالها كلّه على هذا الوادي الذي يبلغ طول الطريق فيه حتّى ممر برزل (13775 قدماً) حوالي أربعين ميلاً. ويوجد على هذا الطريق عدد من بيوت الاستراحة الصغيرة التي أقيمت في مواقع غاية في الجمال. ويكثر السمك في جداول هذه المنطقة وأنهارها الصغيرة.
وبعد أن يجتاز المرء ممر برزل يعبر إلى هضبة ديوساي التي ترتفع عن سطح البحر أكثر من 14000 قدم وتمتد على مساحة مقدارها نحو خمسين ميلاً مربعاً. وتقع في هذه الهضبة بحيرة ديوساي. وهذه الهضبة قفر لا يسكنها أحد بسبب قسوة طقسها وتراكم الثلوج عليها، وهي موحشة حقّاً. وهنالك أسطورة طريفة تستمد عناصرها من وحشة هذه الهضبة وإقفارها المرعب. فكلمة ديو معناها عملاق، وكلمة ساي معناها جنية. وتقول الأسطورة إنّ ديو كان دائم التجوال في أرجاء هذه الهضبة باحثاً عن إحدى الجنيات، وقد قتل خلال تجواله عدداً من الناس الذين صادف مرورهم في تلك الهضبة بالقرب منه. وبسبب شدّة الأحوال الجوية السائدة في هضبة ديوساي وقسوتها لم يجرؤ إلاّ القليل من الناس على اجتيازها. بيد أنّ الحكومة قامت مؤخراً بإنشاء طريق تصلح لسير سيارات الجيب عبر سهول هضبة ديوساي وتصل غلغيت ببلدة سكردو.
أمّا و ادي كغان الذي يمتد أمام ناظري الزائر فيقبع بين سلسلتي جبال تتراوح ارتفاعاتهما بين 12000 قدم و17000 قدم. وبحيرة سيف الملوك هي الدرة التي تتوج مجد وادي كغان هذا، وهي تشتهر بوفرة أسماك السلمون فيها. أمّا قصة سيف الملوك فهي قصة ذائعة الصيت ويعرفها الناس من مكران إلى لاس بيلا. وتقول القصة إنّ الأمر سيف الملوك قد قام برحلة جريئة محفوفة بالمخاطر إلى هذه المنطقة بحثاً عن فتاة أحلامه بدر الجمال. وترمز أسطورة سيف الملك إلى روح الإنسان المغامر وإرادته التي لا تغلب لقهر جميع العوائق والمصاعب التي تعترض سبيله في الوصول إلى أهدافه. وتخلد بحيرة سيف الملوك اسم بطل هذه الأسطورة حتّى يومنا هذا.
وكأنّ محبي الأسفار الذين يصلون في تجوالهم إلى بحيرة سيف الملوك هذه ـ درة وادي كغان إنّما يعبرون بزيارتهم هذه عن إجلالهم لبطولة سيف الملوك بطل هذه الأسطورة.
غلغيت وبلتستان
ليس هنالك ما هو أمتع ولا ما هو حافل بالمغامرة أكثر من رحلة إلى منطقة غلغيت ـ بلتستان. ويمر الطريق البري إلى هذه المنطقة عبر وادي كغان، فنصل أوّلاً إلى بلاكوت. والمسافة بين بلاكوت وغلغيت هي 210 أميال. وخلال الأميال الستين الأولى تمتد الطريق على ارتفاع يتراوح بين 4000 و9000 قدم فوق سطح البحر مارّة عبر تلال من وادي كغان ممر بابوسار الذي يوجد على بُعد نحو 100 ميل من بلاكوت عند الطرف الشمالي من وادي كغان ممر بابوسار الذي يقع على ارتفاع 14400 قدم فوق سطح البحر. وبعد هذا الممر تنحدر طريق سيارات الجيب إلى بلدة غونر التي تقع على ارتفاع 2500 قدم فقط فوق سطح البحر. أمّا الأميال الثلاثون الأخيرة من هذه الطريق فتسير بمحاذاة ضفة نهر السند اليسرى حتّى تبلغ غلغيت. وتحيط بمنطقة غلغيت ـ بلتستان سلسلتا جبال القره قورم والهملايا الشاهقتان، واللتان يتراوح ارتفاعهما بين 15000 قدم و25550 قدماً.
غلغيت
يشتمل وادي غلغيت على عدد من أحلى المواقع الطبيعية وأغناها بالجمال. ويوجد في شمالي الوادي عدد من أضخم الكتل الجليدية في العالم، كما يوجد في جوار غلغيت نحو 15 بحيرة جميلة رقراقة المياه وخمسة ينابيع مياه معدنية تتمتع مياهها بالخصائص الشافية للأمراض الجلدية. أمّا بلدة أستور التي تبعد عن غلغيت زهاء 70 ميلاً فيشتمل جوارها على لوحات خلابة من الجمال الطبيعي تأسر الفؤاد بروعتها.
تقع مدينة غلغيت على الضفة اليمنى لنهر غلغيت على ارتفاع نحو 4900 قدم فوق سطح البحر. وهنالك رحلات جوية منتظمة بين راولبندي وغلغيت، كما تتّصل أيضاً مدينة غلغيت ببلدة بلاكوت بطريق بري يمر عبر ممر بابوسار ولكن هذا الطريق لا يفتح لحركة السير سوى خلال شهور الصيف فقط بسبب الثلوج وقسوة الجو خلال الفصول الأخرى. ومدينة غلغيت هي المقر السياسي للمناطق الشمالية. ويبلغ عدد سكانها 12000 نسمة. وقد تمّ مؤخراً إعادة فتح طريق القوافل القديمة التي تصل بين الصين وغلغيت عبر هنزه وليس بالأمر المستهجن في هذه المنطقة أن يقطع السكان المحليون في رحلاتهم مسافة تزيد على مائة ميل سيراً على الأقدام.
ويحضر السكان إلى أسواق المدن الفواكه المجففة والحطب والمنسوجات الصوفية التي ينسجونها بأنواعها اليدوية وجلود الحيوانات وما إلى ذلك من المواد الخام ويبدلونها بأواني الطعام والملح والكيروسين والسكر والأدوات وغير ذلك من اللوازم والحاجيات اليومية. وتمثّل الوجوه التي يراها المرء في سوق غلغيت عينات من جميع الأجناس الآسيوية تقريباً.
أمّا بلدة نلتر التي ترتفع عن سطح البحر 11000 قدم فتقع على نهر نلتر على بُعد نحو 32 ميلاً شمال غرب مدينة غلغيت، وعلى بُعد نحو 12 ميلاً شمال بلدة نومل. وتتّصل نلتر بمدينة غلغيت بطريق صالحة لسيارات الجيب. ومنطقة نلتر هي من المناطق القليلة التي تغطّيها الغابات في إقليم غلغيت. وتغطي أشجار الصنوبر مساحات كبيرة من هذه المنطقة. ويقطع سكان نلتر أخشاب الصنوبر ويحملونها على الدواب إلى مدينة غلغيت حيث يبيعونها. ويقدر عدد سكان منطقة نلتر بحوالي 1000 نسمة يعيش غالبيتهم في بلدة نلتر وجوارها، أمّا بقية سكان هذه المنطقة فشبه رحّل يتنقلون بمواشيهم خلال الصيف من مرعى إلى آخر. وفي الشتاء يسيرون بقطعانهم مع نهر نلتر إلى جوار بلدة نومل.
وهناك بلدة بلتيت التي ترتفع على سحط البحر 8000 قدم وتقع على بُعد 64 ميلاً شمال شرق غلغيت. وهي توصف بأنّها جنّة باكستان الغربية نظراً لروعة مناظرها الطبيعية ولأنّ سكانها يعمرون طويلاً. وتشتمل منطقة بلتيت التي يقدّر عدد سكانها بحوالي 15000 نسمة على خمس قرى تقع على مسافة أربعة أميال من نهر هونزه، ووسيلة الوصول إلى بلدة بلتيت هي سيارة الجيب حيث لا يوجد هناك طريق بالمعنى الصحيح بل مسلك ضيق محفوف بالمخاطر. وبلدة بلتيت هي عاصمة ولاية هونزه التي حكمها أمير. ويعرف سكان هذه المنطقة بوداعة خلقهم وحبّهم للمسالمة أكثر من أي مجتمع قبلي آخر في العالم.
سكردو([259])
بلدة سكردو هي المقر السياسي لمنطقة بلتستان، وتقع في واد واسع على نهر السند على بُعد نحو 100 ميل إلى الشمل من غلغيت. ووسيلة الاتصال الوحيد المتيسرة على مدار السنة بين بلدة سكردو وباكستان الغربية هي الطائرة، وإن كان هنالك درب تسلكه الحيوانات يصل بين غلغيت وسكردو.
وسكان منطقة سكردو قصار القامة بوجه عام، وملامح وجوه كثيرة منهم منغولية.
وكما يمكن أن يتوقع المرء، أنّ وسائل المواصلات ومرافق الحياة المتوفرة هنا متواضعة ومتخلفة. والسكان في هذه المنطقة عددهم قليل وموارد رزقهم محدودة بسبب قسوة الطقس معظم أيام السنة وقلّة الأراضي الصالحة للزراعة، وهم يعيشون من رعي الماشية.
أمّا بالنسبة للسواح والزوار، فلهذه المنطقة سحرها وجمالها الخاص بها، إذ تتيح لهم تغيير نمط حياتهم العصرية المتوترة وقضاء وقت طيب في هذه الزاوية الهادئة من العالم.
أتوك
إذا ما انطلقت من تكسيلا مروراً بجوار «حسن عبدل» مخترقاً كملبور من جهة الجنوب الغربي فسيؤدّي بك الدرب إلى بلدة أتوك حيث ينتابك الشعور بأنّك دخلت إلى عالم غريب، فحيثما تلفّت تهب عليك نسمات رقيقة منعشة عبر نهر السند. وينساب عبر الأجواء صوت خرير النهر الرتيب المتولد من تدفّق مياهه تحت جسر أتوك.
وعندما يتوقّف القطار في مدينة أتوك تتعالى صيحات الباعة المتجولين الذين يبيعون السمك المقلي. ترقد مدينة أتوك على حافة النهر، وهي تبدو بأبنيتها المتآكلة وصخورها المتجهمة كبوابة القدر. ولا يستطيع المرء عندما تطأ قدماه أرض أتوك لأوّل مرّة سوى أن يتوقّف ويتأمّل أتوك وجوارها فقد حدثت هنا بعض أهم الأحداث في التاريخ، وتاريخ هذه المنطقة وجوارها مرتبط بذكريات بعض من أهم الشخصيات وبطولاتهم وانتصاراتهم وهزائمهم.
وقد سجّل كلّ من ببور والفنستون ورافرتي وصفاً دقيقاً وشيقاً بهذه المنطقة وسكانها. وذات يوم قطع ببور نهر السند بقارب في موقع التقائه برافده كابول. وعندما وقف قرب الضفة الأخرى سحره منظر الطبيعة الخلابة، لا سيّما مروج الزهور الزاهية على الطريق إلى بيشاور، فوصفها قائلاً:
«اتخذت لي مقعداً على مرتفع من الأرض قرب المخيم لأستمتع بمنظر أحواض الزهور جميعها وكانت الزهور إلى جانبي صفراء، وفي الجانب الآخر أرجوانية مغروسة في أحواض سداسية. وعلى امتداد النظر كانت مروج من الزهور من النوع ذاته. إنّ الزهور في منطقة بيشاور في فصل الربيع خارقة الجمال.
ومن أتوك نعبر نهر السند إلى الضفة الأخرى حيث نتوجّه إلى خير آباد ومنها إلى أكوراختك مسقط رأس خوشل خان ختك أعظم شعراء قبائل الباتان. وقد تغنّى هذا الشاعر الخالد قبل ثلاثمائة سنة بجمال هذا الجزء من باكستان بأسلوبه الساحر الذي لا يبارى، فقال:
«طوبى للجليل أكوري الذي اتّخذ سوراي موطناً له».
«صدقوني، وأنا على يقين ممّا أقول، إنّها خير الأماكن طرّاً»…
«وهناك معبر أتوك الذي يرتجف خلال عبوره النهر الأمير والشحاذ على حد سواء».
«وكلّ ما تغلّه الأرض من محاصيل يرد إليها».
وعندما يهطل المطر ما أحلى الربيع هناك وأبهاه»!
«وحيثما تلفت تجد الطرائد للصيد بالباز الصقر أو الكلاب»!
«بوركت يا كلاباني ما أروع مطاردة الصيد في رحابك»!
«أشداء وأقوياء شبابك، فطناء ورشيقون في شتى الأشياء»!ّ
عيونهم يطفح منها السرور، وبشرتهم شقراء مشربة بالحمرة، وينتصبون طوالاً أمام الناظر».
وفي الأبيات التالية يصف هذا الشاعر الخالد جمال وادي سوات فيقول:
«مناخه رائع، أرق من مناخ كابول».
«وهواؤه وطفح الخضرة فيه مثل هواء كشمير وخضرتها».
«وفي كلّ بيت فيه هنالك شلالات ونوافير».
«يا لها من ديار حباها الله بمثل هذا المناخ، وبمثل هذه الجداول».
«حيث كلّ بقعة فيها هي بطبيعتها حديقة من الأزهار».
شترال
لا تقلّ منطقة شترال جمالاً وروعة عن غلغيت أو وادي كغان. ورغم أنّ سوات لها سحرها الخاص بها، فإنّها لم يعد فيها سحر الأرض البرية التي ينشدها الإنسان بحثاً عن تجربة جديدة وروح جديدة. فقد أصبحت سوات أشبه ما يكون بمنتجع صحي قريب المنال مثل موري وأبوت حيث تتوفّر فيها كلّ أسباب الراحة ممّا يفقدها جو المغامرة والمخاطرة.
تبلغ مساحة ولاية شترال 4500 ميل مربع، ولها حدود تحاذي ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي والصين وأفغانستان. وتوجد فيها سلسلة من الوديان تشكّلت بين عدّة سلاسل جبلية أبرزها جبال هندو كوش وقره قورم.
وتقع مدينة شترال على ضفة نهر شترال على ارتفاع 4900 قدم فوق سطح البحر تحيط بها الجداول الطبيعية وبساتين الفاكهة.
ويستطيع المرء أن يصل إلى مدينة شترال بالطائرة أو بطريق البر، وفي الحالة الثانية بوسعه أن ينتقل إليها إمّا عن طريق أبوت أباد ووادي كغان أو عن طريق ولاية دير وممر لوراي الذي يفتح لحركة السير مدّة ثلاثة شهور فقط خلال فصل الصيف. وسوف ينشأ نفق لتسهيل الانتقال إلى شترال. إنّ الطريق إلى شترال التي تمرّ بوادي كغان هي أشدّ إثارة وروعة ولكنّها حافلة بالمخاطر، ولذلك ينصح الأشخاص الذين يتقون ركوب المخاطر الشديدة أن يسلكوا طريق نوشيرا ـ مردان ـ ملكندر تشكدارا ـ دير وممرّ لواري.
وكما لا بد وأن يلاحظ الزوار والسواح، تختلف شترال عن المناطق الجبلية المجاورة في نواح معينة، ولكنّها تشابهها من وجوه عديدة لا سيّما من حيث جمالها الطبيعي، ومناخها الصحي، وسكانها المضيافين ووفرة محاصيل أرضها الطيبة.
وهنالك في ربوع شترال ثروة من الجمال الطبيعي يتألق على امتداد البصر: قمم مكلّلة بالثلوج تطلّ على وديان يانعة خصبة تتخللها غدران صغيرة، وجداول تندفع بغزارة كالشلال في أرض زاخرة بشتّى أنواع الحيوانات والنباتات. وولاية شترال غنية بشتّى أنواع الفواكه لا سيّما العنب والخوخ والتفاح والمشمش والجوز واللوز.
وسكان شترال أشداء أقوياء يشتهرون بشجاعتهم وفروسيتهم. واللغة الرسمية في ولاية شترال هي الفارسية، ولكن السكان يتكلمون بلهجات محلية منها: الشترالية، والنصرانية والدركشية وغيرها.
وهنالك بلدة أخرى هامّة في ولاية شترال وهي بلدة داروش التي هي بوابة سلسلة جبال كالاش، وتقع على بُعد 26 ميلاً إلى الجنوب من مدينة شترال. وكانت بلدة داروش في الماضي عاصمة ولاية شترال. وهي تمتاز بمناخها اللطيف.
ويلقب حاكم ولاية شترال باسم «مهتار» ومعناها بالفارسية «الأسمى» ويساعده في إدارة شؤون الولاية مجلس من الشيوخ (الأعيان).
ومعظم السكان الذين يقطنون سلسلة جبال كالاش هم من عبدة الطبيعة، ولهم تقاليدهم وثقافتهم القديمة التي يتمسكون بها حتّى يومنا هذا. وهم مغرمون بالموسيقى والرقص وحسن ضيافتهم. وعندما يحلّ فصل الربيع يقيمون احتفالات صاخبة ينغمسون خلالها بالعربدة إلى آخر مدى.
جنة السواح
هنالك ثلاث طرق، بما فيها الطريق الجوي، للوصول إلى «جنة السواح» هذه (جبال كالاش)، بيد أنّ أكثر هذه الطرق الثلاث شيوعاً هي طريق نوشيرا ـ فردان ـ ملكند ـ ولاية دير ـ ممر لواري ـ داروش.
تقع بلدة داروش على بُعد 26 ميلاً إلى الجنوب من مدينة شترال، وهي ثاني مدن هذه الولاية من حيث أهميتها… وهي تعتبر بمثابة بوابة وادي بومبرت الذي يدعى أيضاً وادي كالاش، والاسم الشائع لهذه المنطقة هو كافرستان ومعناها «بلاد الكفرة» ولكن قرابة ثلثي سكانها المبعثرين الذين يبلغ عددهم نحو 3000 نسمة هم مسلمون. والوثنيون يؤمنون بتعدّد الآلهة، ويعبدون عشرات الآلهة. ويدعى كبير آلهتهم «كالاش»، ولكن الإله «كالاش» هذا يأتي من مرتبة ثانية بعد الإله الأعظم. وهم وإن كانوا يعبدون العديد من الجن والآلهة والآلهات فإنّهم يعتقدون أنّ الإله كالاش هو الذي يرعى أمورهم ويرفع مطالبهم إلى المقام الأعلى، ولعلّ هذا هو مرد تسميتهم أيضاً قبائل كالاش، وهم يضحون لآلهتهم أضاح حيوانية ليسترضوها بها ويتقوا غضبها كما يؤدّون لآلهتهم رقصات دينية للفوز برعايتها ومحبتها. وهم في ديانتهم هذه يشبهون أولئك الذين يدينون بعبادة الخصوبة، ولذلك فهم يعتبرون الأرض والفصول مقدسة إلى أبعد حدّ، ويحتفلون بمهرجانات الربيع ورأس السنة بحماس ديني فائق الشدّة.
يعتمد سكان هذه المنطقة في معيشتهم، بصورة رئيسية، على الزراعة، فيزرعون الذرة بأنواعها في حقولهم المعلقة على سفوح الجبال، وهم يروون هذه الحقول بمياه الينابيع والغدران بواسطة قنوات صغيرة يشقونها بمهارة فائقة. وهم يربون الأغنام والماعز بأعداد كبيرة فيعيشون على حليبها ولحمها، ويستخدمون صوفها في صنع الملابس والمفروشات والأكياس. والماعز حيوان مقدّس عندهم يضحّون به لآلهتهم ليفوزوا برضاها. وهم يغرسون أشجار الفواكه مثل: التفاح والعنب والجوز، وهم ماهرون في أساليب حفظ هذه الفواكه وتصنيعها، كما ينتجون أيضاً قدراً وفيراً من النبيذ والعسل.
ويعيش سكان كافرستان في بيوت من الطين والحجر والخشب مؤلفة عادة من طابقين يستخدم الطابق الأعلى منها مسكناً للعائلة بينما يستخدم الطابق الأرضي كمخزن أو كحظيرة للحيوانات. وطقس هذه المنطقة منعش ومنشط كما توجد فيها الفواكه بوفرة ولذلك يتمتع سكانها بالعافية وبنيتهم متينة.
ورجال هذه المنطقة متوسطو القامة وعيونهم زرقاء أو خضراء اللون، أمّا نساء هذه المنطقة فبشرتهن شقراء مشربة بحمرة، وعيونهن زرقاء أو عسلية اللون. وتتألف ملابس الرجال من قماش صوفي خشن، وتكون ضيقة أو فضفاضة حسب مقتضيات الطقس والفصول. وهم يعتمرون بقلنسوة من الطراز ذاته الشائع في منطقة شترال ويحتذون بأحذية من الجلد الخام، وإن كانوا يسيرون حفاة في معظم الأحيان. أمّا النساء فيلبسن أردية سوداء اللون مصنوعة من قماش صوفي، مفتوحة عند الصدر، ويضعن على رؤوسهن قبعات مميزة أشبه بقلنسوة فضفاضة تغطّي الرأس والجبهة وتتدلّى على مؤخرة الرأس وتزيّن بعدد وافر من الخرز الملوّن والودع (أصداف صفراء). ويجدلن شعرهن جدائل أنيقة يرخينها على الجانبين، كما تتزيّن هؤلاء النساء بحلي من النحاس والبرونز والفضة وقلائد من الخرز الزاهي الألوان. وهذه الحلي والزينات الأنيقة تضفي على وجوه هؤلاء النساء، المتألقة عافية وحيوية مزيداً من الجمال والجاذبية ممّا يزيدهن فتنة ورواء.
الاحتفالات والمهرجانات
تتّسم حياة أهل «كافرستان» بحبّ المرح والسرور فيقيمون الاحتفالات في شتّى المناسبات وعند تغيّر المواسم ونضوج المحاصيل. وتوجد لديهم احتفالات دينية عديدة ينغمسون خلالها في ضروب المرح الصاخب والعربدة ويستمتعون بالتهام اللحوم والفواكه والنبيذ حتّى التخمة. ويستمتع بهذه الاحتفالات رجالهم ونساؤهم معاً فيغنون ويرقصون سوياً على أنغام الموسيقى الإيقاعية العذبة في إطار شاعري من الأمسيات القمراء والقمم الجبلية المكللة بالثلوج وأريج الزهور الفواح ونضرة الأشجار المزهرة.
وأهم احتفالاتهم هو مهرجان الربيع الذي يشبه إلى حد بعيد احتفالات شهر أيار (مايو) الت تقام في بعض الأقطار الأوروبية، ويقيم الكافرستانيون احتفالهم هذا في منتصف شهر أيار (مايو). فيزدهي كلّ واحد منهم، في هذا اليوم، بحلّة جديدة قشيبة، ويصدحون فيه بالأغاني الشعبية التي تتغنّى بمآثر الرعاة، ويزيّنون خلاله الأغنام والماعز بالحلي ويطلقون العنان لأنفسهم مرحاً وفرحاً وصخباً.
ومن احتفالات أهالي «كافرستان» الهامّة أيضاً مهرجان العنب الذي يحتفلون به في الأسبوع الأخير من شهر أيلول (سبتمبر) عندما ينضج العنب، فيحتسون خلاله عصير العنب الطازج بكميات كبيرة في جو من البهجة والمرح. وهم يحتفلون بالسنة الجديدة في الأسبوع الأخير من شهر كانون الأوّل (ديسمبر). وفي هذا الاحتفال يقيم الشبان والشابات حلقات الرقص والغناء والشراب في جو بهيج من المرح والصخب، كما يقرؤون الحظ لكلّ فرد في السنة الجديدة، ويتنبؤون بأحداث العام القادم، وهل سيكون عام حرب ودماء أم دعام سلام وطمأنينة وبركة!!
التشيع في بلتستان
تعتبر بلتستان من المواطن الشيعية العريقة، وقد وصلها التشيع مع غيرها من البلاد النائية على أيدي النازحين فراراً من المذابح، الذين كانوا لا يقفون في نزوحهم حتّى يطمئنوا إلى أنّهم حلّوا أرضاً لا خطر عليهم فيها وقد كان انتشار الإسلام فيها بجهود الدعاة الإيرانيين الشيعة ولذلك لا يزال الاثر الإيراني بارزاً في بلتستان سواء في الأدب أو الشعر أو الموسيقى وبصورة عامة في الثقافة والحياة كلّها.
وبجهود مير سيد محمد نور بخش وبعده بجهود مير شمس الدين العراقي انتشر الإسلامي هناك، ولا يزال حتّى الآن فرقة (نور بخشيد) في مقاطعات جوربت وخبلو وكريس وشكر.
وجاء السيد علي الطوسي والسيد ناصر الطوسي إلى بلتستان عن طريق تركستان الصينية وبدأ التبشير بالإسلام. ثمّ جاء السيد مير مختار ثمّ يحيى عن الطريق نفسه. وجل السلالة النبوية في بلتستان الآن هم من ذرية السيد مير مختار.
بهؤلاء المتقدمين بدأت الاحتفالات الحسينية في القرن الرابع عشر الميلادي. وأقيمت الحسينيات في كلّ بقعة من بقاع بلتستان، وتسمّى هناك (مأتم سرائي). ويسمّآ القارىء (سوز خوان). وأكثر ما تبدأ المجالس بعد ذكر النبي وآله بقراءة شيء من شعر الشاعر الإيراني الشهير (وصال). ويعتبر الشاعر البلتستاني راجا حسين علي خان المعروف بالمحب عند البلتستانيين بمنزلة شاعر الأردوية الكبير (أنيس) في مراثيه الحسينية ولا يرون أفضل من مراثيه عبارة وأسلوباً وجزالة. وشعراء المراثي الحسينية في اللغة البلتية يختون مراثيهم بتضمين معنى آية من الآيات القرآنية المرتبطة بحياة آل البيت. وبعد تلاوة المرثية يتلى ما يسمّى (نوحة)، ثمّ تتلى زيارات الأئمة.
ويقول السيد مختار حسين الموسوي في مقاله: (الرثاء الحسيني في اللغة البلتية) الذي نشره في مجلة كشمير الصادرة في مدية راولبندي في 24 حزيران 1961م ما يلي:
إنّ للغة البلتية ميزة خاصّة في ميدان الرثاء الحسيني بعد اللغات العربية والفارسية والأردوية.
وعندما ندقّق في مراثي تلك اللغة المنتشرة في بلتستان ولاداخ نجد أنّها تقف على جنب اللغات الكبرى في هذا المجال. وإذا لم يكن إنشاد الشعر ضرورياً دائماً في مجالس شبه القارة الهندية الباكستانية، فإنّ هذا الإنشاد لا بدّ منه في مجالس اللغة البلتية، وتعرض المراثي صبر الحسين وأصحابه وثباتهم تبيان مبادئهم وأثر المأساة في النفوس الإنسانية السليمة. كما أنّ المرثية على العموم تبدأ أوّل ما تبدأ بأبيات تمهيدية في وصف الدنيا وغدرها، ثمّ في عرض موقف من مواقف كربلا الرائعة.
إنّنا لا نعلم أسماء الشعراء الرواد الذين بدؤوا قبل غيرهم في نظم المراثي في اللغة البلتية، والذين لا تزال مراثيهم العظيمة محفوظة، لأنّه لم تكن غايتهم الشهرة، بل كانوا يفعلون ذلك بإخلاص المؤمن ويقينه لذلك ضاعت أسماؤهم وبقيت أشعارهم.
وبعد راجا حسين علي خان (المحب) يأتي بين الشعراء المعروفين راجا محمد علي خان الملقب بالذاكر، وآخوند محمد علي وغيرهما.
في مقال آخر للسيد مختار حسين الموسوي في مجلة كشمير الأسبوعية يتحدّث عن احتفالات العشرة الأولى من المحرم قائلاً:
لا يختلف الاحتفال بذكرى الحسين في المحرم في بلتستان عن الاحتفالات الشبيهة في إيران والعراق. وبدأت الاحتفالات والذكريات الحسينية منذ الزمن الذي وصل فيه الإسلام إلى بلتستان على أيدي السادات الذين قدموا من إيران وطوران وتركستان جيلاً بعد جيل فنجد أثر إيران على الثقافة وكلّ ما يتّصل بالذكرى الحسينية. ويمكن أن نعدّ من ذلك كتاب (روضة الشهداء) لملا حسين الكاشفي الذي أخذت المجالس الإيرانية اسمها منه، وصارت تسمّى (روضة خواني). وتبدل هذا الاسم في البلتية من روضة إلى ربضة. فيقولون: اليوم ربضة في بيت فلان.
بلخ
ـ1ـ
في التاريخ القديم لدولة (آريانا) أو أفغانستان القديمة، وفي حضارة الشرق القديمة:يتكرر اسم بلخ (بأشكال الضبط المختلفة) وتعدّ ضمن قائمة البلاد الآرية والشرقية القديمة جدّاً
وبالرغم من أنّ تاريخ بلخ ـ اليوم ـ غامض جدّاً، بل إنّ تحديد موقع هذه المدينة وتحولاتها التاريخية أمر عسير، إلاّ أنّ شهرة هذه المدينة التاريخية [وبأشكال الضبط المختلفة التي وردت مكتوبة بها] وفي جميع المراحل الأدبية والتاريخية للبلاد، تدلل على أنّ ذكرها كان يتكرر كثيراً، وأنّها كان تحظى بمكانة خاصّة منذ بدء التاريخ، أو بعبارة أخرى: منذ بداية نمو الحضارة الهندو إيرانية ـ حيث كان الآباء الآريون لا زالوا يعيشون معاً على ضفاف نهر أكسوس الكبير ـ فما بعد وفي جميع المراحل التاريخية اللاحقة.
ويرى هيرن (Heeren) أّن موقع بلخ هو في منطقة يُحتمل أنّ النوع البشري حسب اعتقاده قد خطا فيها أولى خطواته نحو الحياة المدنية.
وردت «بلخ» باسم (بلهيكة) في أولى الأدبيات الآرية القديمة، في اللغة السنسكريتية القديمة للعصر الڤيدي([260])، والتي يطلق عليها السنسكريتية الكلاسيكية، في (أترويد) أو المجموعة الملحمية التي تعدّ امتداداً لأدبيات (ڤيدا)، سمّيت القبائل الآرية المختلفة التي هاجرت من (بلهيكة) إلى ما وراء (السندهو) ـ كذلك ـ بنفس هذا الاسم. أصل هذه الكلمة وجذرها هو (بهلي) أو (باهلي) Bahli.
(بخدي) هو الشكل الأوستائي([261]) لاسم بلخ، والذي يظهر هذه المرّة في لغة الـ (زند) إحدى اللهجات القديمة للغة الهندو إيرانية. وفي تسلسل قائمة الأراضي الأوستائية الست عشرة، يحتل (بخدي) المرتبة الرابعة؛ وذكر فيها باسم (بخديم سريرام أردود درفشام) أي (لبلخ الجميلة رايات عالية). وهذا الموضوع جدير بالتأمّل، فإنّ اسم بلخ يتردّد دائماً (في جميع الأدوار والمراحل التاريخية وبلغات البلاد المختلفة، بل وحتّى في الأدبيات الأجنبية) بصفة الجميلة والوضيئة ـ في الآوستا سمّيت بـ (تجديم سريرام) أي بلخ الجميلة؛ في الأدب البهلوي دعيت (بخل باميك) ومعناها الأوّل (بلخ الجميلة) ومعناها الثاني (بلخ الوضيئة أو المتلألئة). فرخي السيستاني، الدري [نسبة إلى إحدى اللغات الفارسية القديمة]:سمّى مديته: (بلخ گزين)([262]). أمّا المسعودي: فأطلق عليها (بلخ الحسناء). فيظهر من ذلك جلياً أنّ هذه المدينة نفسها تذكر دوماً في الأدب الزندي والبهلوي والدري والعربي ـ [وكل من هذه اللغات يمثّل أحد الأدوار الأدبية للبلاد الآرية] ـ تذكر بصفة محددة ومعينة غدت ـ أي هذه الصفة ـ جزءاً تاماً منها تقريباً. وأضافت المصادر العربية إليها صفتي (قبة الإسلام) و(أم البلاد).
بما أنّ موضوع تحوّلات (بلخ) وضبط أسمائها أمر مهم، فإنّنا ـ بعد دراستنا للشكل السنكسريتي لها: (بلهيكة)، والزندي: (بخدي) ـ سندرس بقية الأدوار.
في الأدب البهلوي جاء اسم بلخ بصورة (بخل، بهل، بخلي)، والصورة الموجودة لكلمة بلخ [والتي تستخدم لأكثر من ألف سنة تقريباً في الأدب الدري] وردت بتغيير موضع الخاء واللام؛ وكما لاحظنا فإنّ (بخل باميك) وردت ـ بتغيير الاسم والصفة ـ بلفظة: (بلخ بامي). وقد استعمل هذا اللفظ ليس في النثر الدري فحسب، بل وفي الشعر أيضاً. أمّا في المصادر اليونانية. فإنّ مدينة بلخ والولاية التابعة لها قد ذكرت هكذا: (بكتر، بكترا، بكتريان)، ولا شك أنّ جذر هذه الكلمات جميعاً هو (باختريش) الفارسية الهخمنشية. وهناك احتمال كبير أن تكون للحكمة المحلية الأخرى (أپاكترا A-pactra) دخل في ذلك؛ لأنّ معناها: الشمالي: وهو ما يتوافق بصورة كاملة مع موقع مدينة بلخ في شمال آريانا.
إنّ مدينة «بلخ» المذكورة في اللغات والأدوار الأدبية المختلفة للبلاد، كان لها بالتأكيد ـ وجود خارجي في الأدوار التاريخية المقابلة. ولكن هل بالإمكان تحديد موقع بلخ القديمة منذ البدء وحتّى الانتهاء؟ هذا العمل يبدو ـ في العجالة ـ أمراً في غاية الصعوبة. إلاّ أنّه يحتمل أن تنجح الحفريات المستقبلية يوماً ما في إلقاء الضوء الكاشف عليه.
في السهول المنبسطة شمال هندوكش [التي يُقال عنها أنّها كانت تضم ألف مدينة في يوم من الأيام، أمّا اليوم فتضمّ آثاراً وبقايا عمران القرون المتمادية، من نهايات (بدخشان) القديمة حتّى سواحل مرغاب] ثمّة هضاب وتلال باقية بارتفاعات ومساحات مختلفة.
إنّ تحديد موقع المدينة القديم أمر في غاية الصعوبة؛ لأنّ ما نسمّيه ـ اليوم ـ (بلخ)، ويشكل رواقُ مسجد الخواجه محمد بارسا مركزها تقريباً، فإنّ أكثر القرائن والعلامات المبنية والمهدمة فيها منذ بداية العهد الساماني فما بعد زائلة؛ وإنّ الشواهد الموجودة إلى الأسفل منها إنّما تتعلّق بالأدوار الكوشانية الأخيرة. وبناءً على ذلك، فإنّ بلخ العصر اليوناني وما قبله ينبغي أن يبحث عنها في مواضع أخرى.
وأغلب الظن أنّ ما يرشدنا إلى تحديد موقع «بلخ» القديمة ـ أو على الأقل: «بلخ» ما قبل الإسلام ـ الأمور التالية:
1 ـ مجرى نهر (بلخ آب) أو نهر بكتروس (Bactrus) القديم وخاصّة: الأقسام السفلية منه قرب أكسوس (آمودريا).
2 ـ تحديد موقع المعبد القديم لـ (أناهيتا) أو (ناهيد) آلهة أمودريا. وكان ـ أي المعبد ـ معموراً آهلاً منذ العصر الأوستائي وحتّى العصر الكوشاني الأخير. وكان له أتباع ومريدون. وكان ـ حسب أكثر الروايات ـ يشكّل النواة المركزية لبلخ القديمة.
3 ـ تعيين محل (معبد النار) لـ (وهران)، والذي كان (سپندات) أو اسفنديار ابن (ويستاسپه) قد بناه في (بخل باميك) أو (بلخ بامي).
4 ـ المعبد البوذي لنوبهار (ناواويهارا) الذي كان مبنياً ـ على حدّ تعبير الزائر الصيني لـ (هيوان): تسنغ ـ في (راجاگريه) أو «بلخ» الصغيرة.
وكلّما كان تحديدنا لموقع هذه الأشياء الأربعة أكثر دقّة، كان اقترابنا إلى موقع بلخ الأولى والقديمة ـ أو بلخ ما قبل الإسلام بشكل عام ـ أكثر. وهنا ـ من دون ادعاء الحل لهذه الموضوعات الغامضة، أو حتّى الادعاء في الوصول إلى نتيجة أساسية ـ نسجّل شروحاً للموضوعات أعلاه.
إنّ نهر بكتروس الذي هو عبارة عن نفس (بلخ آب) اليوم، ويشتمل على مياه «بندامير» التي تنتهي أخيراً إلى السلسلة الجبلية جنوب بلخ الفعلية، حيث تنبع من مضيق جشمه شفا (عين الشفاء). وكما نعلم فإنّه ـ ولغرض إرواء مزارع السهول في أطراف بلخ ـ فإنّه (أي النهر) يتفرّع إلى 18 نهراً.
ومن المعروف أنّ أنهر مناطق شمال هندوكش لم تكن هكذا دائماً. وبغض النظر عن الفترة التي كان فيها (اكسوس) ينتهي ببحيرة الخزر، فإنّه ـ في تلك الأزمنة التي كان اكسوس يصبّ في أورال ـ كان نهر بكتروس أو (بلخ آب) يصل نهر أمودريا.
ويذكر (استرابون) الجغرافي الكلاسيكي المعروف هذا الموضوع بصورة صريحة؛ وثمة شواهد أخرى يمكن الوصول من خلالها إلى تعيين موقع مصبّ (بكتروس) في (اكسوس)؛ وهي عبارة عن النقطة المقابلة لمدينة (ترمذ) الحالية.
مدينة (ترمذ) ـ في الأصل ـ بناها الملك اليوناني الغربي دمتريوس؛ حيث بنى في السواحل الشمالية لـ (اكسوس) مدينة سمّاها باسمه، أي (دمتريا). وكانت تلفظ بالسنسكريتية: (دهر مه ميتا) Dhermamita ـ ومن تلك المصادر التبتية صنعوا (ترميتا) Tarmita وأخيراً فإنّ (ترمده) Termedh و(ترمز) Termes هي الباقية إلى هذا اليوم. وكانت موجودة على معبر (بلخ ـ سمرقند) المعروف.
ولمّا كان نهر بكتروس ـ في بعض الأزمنة ـ طريقاً للبضائع التجارية الهندية والآرية إلى سواحل أمودريا اليسرى في مقابل «ترمذ»، أو كان ثمة إمكان لوصولها هناك، فإنّه يتضح من ذلك: أنّ مصب (بكتروس) أو (بلخ آب) إلى آمودريا كان في النقطة المقابلة لترمذ الحالية. والطريق البري اليوم ـ الذي يذهب من مزار شريف وبلخ إلى آمودريا كان ينتهي إلى نهر كبير في مقابل «ترمذ».
وقد تناول موضوع حركة التجارة على نهر بكتروس إلى آمودريا (باتروكل) Patroclus في تقريره إلى (أنتيو كوش) الأوّل، في باب تجارة الهند النهرية؛ وهو التقرير الذي يقول إنّ البضائع الهندية ينبغي أن تمر عبر (بلخاب) أي بكتروس إلى أمودريا (أكسوس)؛ ومنه ـ ثانية ـ عبر الماء والنهر، ثمّ عن طريق البر، إلى بحيرة الخزر. ومن ثمّ إلى البحر الأسود عبر نهر سيروس Cyrus وفازس Phasis.
ولم يتحدّث التقرير المذكور ولم يوضح لنا هذا الموضوع، وهو وجود مثل هذا الطريق أو عدم وجوده آنذاك بصورة عملية أو هل كان ثمة احتمال لأن يكون كذلك؟ على أيّة حال، فلا حاجة لنا بهذه المسألة بشكل عام، وإنّ غرضنا متحقق؛ وهو التحام واتحاد بلخاب بآمودريا.
ومع أن پيلني ينقل عن لغة الـ (فارو) Varro أنّ البضائع الهندية كانت تصل إلى أكسوس عبر بكتروس خلال سبعة أيام، إلاّ أنّ هذا الموضوع مبالغ فيه؛ لأنّ وجود مثل هذا الطريق المائي في العصر اليوناني الغربي (قبل الميلاد) أمر غير ثابت إنّنا نكتفي ـ في هذه العجالة ـ بهذا القدر وهو أنّ بلخاب أو بكتروس كان يصل ـ خلافاً لما هو عليه اليوم ـ إلى أكسوس أو آمودريا وأنّ مصبّه ـ أيضاً ـ كان في نقطة مقابلة لمدينة «ترمذ».
الآن وقد اتّضح لنا ـ إلى حد ما ـ أنّ مياه بلخ تصب في آمودريا، نحاول الإجابة على السؤال التالي، وهو: ألم تكن بلخ القديمة ـ أو على الأقل أحد مواقع بلخ ما قبل الإسلام ـ واقعة على نقطة ما من ضفاف ذلك النهر بين بلخ الحالية وآمودريا؟
ولا حاجة للتذكير بأنّ ضفاف الأنهار كانت ولا تزال ـ منذ بداية حياة السهول وحتّى اليوم ـ أفضل موقع للانطلاق وأنسب مكان للعمران وإقامة المدن. وإنّ العقل يحكم من دون الحاجة إلى إقامة الدليل والبرهان ـ أنّ بلخ القديمة والأولى ـ وسواها طبعاً ـكانت قرب مجاري المياه وعلى ضفاف الأنهار. ولكن أين كانت بالتحديد؟ وعلى أيّة مسافة من نهر آمودريا الكبير؟
إنّ «بلخ» اليوم، والتي مركزها مسجد خواجه محمد بارسا تقع في موقع يبعد حوالي (5) كلم عن آخر سلسلة من جبال الجنوب، و(50) كلم عن مجرى نهر «آمودريا».
نقوش عمود مسجد بلخ
مدخل مزار أبو نصر بارسا في بلخ
واستناداً إلى بعض الملاحظات والمعلومات المقدمة من قبل الجغرافيين والمؤرخين الكلاسيكيين حول معبد (أناهيتا) [أقدم وأعظم أعجوبة للبلخيين] يظهر أّن بلخ كانت أكثر ما تقع إلى الشمال من موقعها الحالي، ولم تكن بعيدة جدّاً عن مجرى «اكسوس».
والأمر الآخر الذي لا تنكر مدخليته في تحديد موقع بلخ القديمة، هو موضوع معبد (أناهيتا) أو (ناهيد) التي كانت في السابق آلهة «آمو» ثمّ أصبحت فيما بعد آلهة الخصب والنماء.
إنّ اسم أتاهيتا يتكرّر مئات المرّات في النصوص الأوستائية هكذا: (أردوي سورا أناهيتا)؛ حتّى لقد عُرفت كأقدم آلهة يونانية.
ويعتقد گايگر المستشرق الألماني المعروف أنّ «أردوي سورا» كان بالأصل اسم نهر «اكسوس» وأنّ «أناهيتا» كانت تعدّ في الآوستا (يزتا) أي «جنّية» هذا النهر الكبير.
وتتلخص نظرية أكثر الباحثين أمثال «راولنسن»الإنكليزي، و«مدام تريڤر» من روسيا أن «أناهيتا» كان لها ـ في الأزمنة القديمة ـ معبد عظيم في الغرب قرب بحر «آمو». بل إن (روالنسن) يذهب إلى أكثر من ذلك فيجعل معبد أناهيتا ـ في كتابه «بكتريا» ـ واقعاً في مدينة «بكترا» حيث يقول: «إنّ أفخم معبد لأناهيد أو (أناهيتس) التي كان الفرس يسمّونها «تاتانا»، وذكرها الأوستا باسم أناهيتا، كان يقع في مدينة «بكترا».
ولا يخفى أنّ التعريف بشكل أناهيتا وصورتها وثيابها وتاجها الذهبي ذي الأشعة الثماية، ونهودها البارزة، قد جاء في الفقرات (119ـ132) من صحف الآوستا بشكل مفصل ودقيق؛ حتّى أنّ أكثر العلماء اعتبر ذلك شرحاً دقيقاً لتمثال ناهيد في معبد بلخ.
وإذا ما ثبت هذا الأمر، فإنّه يتّضح أنّ معبد أناهيتا كان واقعاً ـ حين ظهور صحف الأوستا ـ في مدينة بكترا، وكان هيكل ناهيد الجميل موجوداً في ذلك المعبد هناك.
توجد ثمّة أمور أخرى تؤيّد وجود معبد ناهيد وهيكلها الجميل في ذلك العصر اليوناني الغربي والكوشاني [من القرن الثالث قبل الميلاد حتّى القرن الثالث الميلادي] في مدينة بلخ القديمة. لقد ضرب ديمتريوس الملك اليوناني الغربي في مسكوكاته صورة هيكلها مع تاجها ذي الأشعة الثمانية.
آخر من شهد على وجود معبد أناهيتا في مدينة بلخ، ورأى تمثالها في داخل المعبد هو الراهب والعالم «كليمانت» من أهالي الإسكندرية المتوفى حوالي السنة (220) الميلادية. فالثابت قطعاً بالاستناد إلى مشاهداته ـ أنّ تمثال ومعبد ناهيد كانا لا يزالان موجودين في بلخ حتّى الثلث الأوّل من القرن الثالث الميلادي. وكان لهما أتباع؛ وأنّ (كنيشكار) إمبراطور كوشان القوي ـ أيضاً ـ قد سكّ النقود وفيها صورة الهيكل كما أنّ بعض الملوك الإسكائيين (غير ديمتروس وكنيشكا) قد فعل ذلك أيضاً.
كانت ناهيد قد صارت رمزاً لنهر اكسوس العظيم، وآلهة الخصب والنماء في الغرب، واحتل معبدها النواة المركزية لمدينة «بكترا»، حيث كان الغرب آنذاك عبارة عن نهر آمودريا، كما كانت مصر عبارة عن نهر النيل، وفقاً لتعبير «تارن». وهكذا كانت «ناهيد» آلهة النهر آلهة الغرب كلّه وحامية مدينة بكترا. وكما كان معبد «أساجيلا» E-Sagila قائماً في بابل، ومعبد (نانايا) Nanaia في مدينة سوز، فإنّ معبد ناهيد ـ أيضاً ـ كان يحتل مركز الصدارة لمدينة بكترا([263]).
وهكذا، لا يبقى أي مجال للشك في أنّ معبد أناهيدا كان موجوداً في مدينة بكترا. وبما أنّ البعض قال بوجود هذا المعبد على ضفاف آمويه، فإنّه يمكن القول إنّ مدينة بكترا كانت أقرب إلى سواحل آمور، من الخرائب الموجودة في بلخ جهة الشمال.
وإلى الشمال من خرائب بلخ الحالية، ولمسافة (30) كيلومتر تقريباً عن ضفاف (امو) توجد قباب عجيبة على ارتفاع عشرة أمتار تقريباً، هي التي يسمّونها اليوم بـ «أورته گنبد» أي «قبّة أورته». وكلّما اقتربنا من هنا باتجاه الشمال الشرقي من ضفاف إكسوس أكثر، تواجهنا آثار وخرائب كبيرة جدّاً متناثرة على هيئة تلال. (قبة أورته) أو «أورته گنبد» لا علاقة ظاهرية لها بمعبد النار، ولا هي من بقايا المعابد البوذية. فهل ثمة علاقة بين هذه القبة وبين معبد أناهيد؟ ألا يمكن اعتبار الخرائب القريبة المتناثرة حولها (والتي سبقت الإشارة إليها)… ألا يمكن اعتبارها بلخ القديمة «أي بكترا»؟ هذه أسئلة قد تقلب إجاباتها جميع التوقّعات تماماً.
الأمر الثالث الذي يساعدنا في العثور على موقع بلخ القديمة أو واحدة من مواقع بلخ ما قبل الإسلام، هو معرفة موقع معبد نار وهران، في إحدى النسخ الأوستائية التي عثر عليها في سمرقند ورد أن سپندات ابن ويستاسيه بنى في (بخل باميك) مدينة باسم نڤازاك Navazak وأقيمت هناك نيران بعظمة وهران Vahran. يقول (جاكسون) إنّ هذا الموضوع جاء في تاريخ (سبوس) Sebeas أيضاً. وفي بعض تحقيقاته اعتبر مدينة نڤازاك هي (نين پك)، وترجمها «گنبد» [گنبد بالعربية تعني قبة] البعض الآخر يرى أنّ مدينة نڤازك إنّما كانت مدينة (نويده) «Nawidah» التي كانت تقع على بُعد 30 ميلاً شمال بلخ، بالقرب من نهر اكسوس، وكانت مدينة حدودية على طريق بلخ وسمرقند. استرابون أيضاً يشير إلى معبد النار في بلخ ويسمّيها (هزار اسپ) Azar-Asp، ويقول: إنّ معبداً للنار كان يوجد على جانبي نهر بكتروس.
وهناك احتمال قوي بوجود معابد للنار في بلخ [التي كانت عاصمة البلاد زمن (ويشتاسپه) وابنه (سپندات)] فإذا اعتبرنا بلخ ذلك الزمان هي (نڤازاك) أو (نويده)، ونقلنا موقعها إلى 30 ميلاً شمال خرائب بلخ الحالية، فسنصل ـ كذلك ـ إلى الموقع الذي أشرنا إليه سابقاً، أي أقرب إلى نهر آمو في أطراف (أورته گنبد) أو قبة أورته، وتلالها الشمال شرقية.
الأمر الرابع الذي تعيننا دراسته على التعرّف على موقع بلخ القديمة أو أحد مواقعها قبل الإسلام، هو [ناواويهارا] أو (نوبهار) بلخ: أو يكشف لنا ـ على الأقل ـ عن موقع ومحل مدينة (شاهي بلخ) الصغيرة التي سمّاها الرحالة الصيني لـ «هيوان» أي: تسنغ، باسم: (راجاگريه).
لقد كتبت الصحف عن معبد نوبهار بعض المقالات، كما جرت تحقيقات عملية حول الموضوع من قبل موسيو فوشيه. لا شك أنّ (توپ رستم) إنّما هو الـ (استوپه) الكبرى لمعبد نوبهار؛ ولا يبتعد عن السور الجنوبي لبلخ الموجودة بأكثر من كيلومتر واحد. وبناءً على هذا، يمكن اعتبار بلخ البوذية التي بُني إلى جوارها معبد واستوپه نوبهار، بل وعدّة مئات من الأستوپهات الصغيرة والكبيرة الأخرى أيضاً… يمكن اعتبار بلخ البوذية هذه واقعة في أطراف ونواحي خرائب توپ رستم.
لو دققنا جيّداً في ما مرّ، للاحظنا أنّ الاختلاف الموجود بين النتائج الحاصلة من دراسة الموارد الثلاثة المتقدمة وهذا المورد، هو أنّه: وفق الشواهد الثلاثة الاولى فإنّ خرائب بلخ القديمة كانت تقع إلى الشمال من بلخ الحالية وأقرب إلى مجرى نهر اكسوس، وإنّ بلخ البوذية كان تقع إلى الجنوب من سور بلخ الحالي. وحتّى لو كانت المدينة أبعد من متحجرات نوبهار وأقرب إلى العمران، فإنّ النظرية لا تختلف كثيراً. ولكن على أيّة حالة ليس بتلك الدرجة التي تقرّبنا (في تحرينا عن بلخ البوذية) من مجرى نهر اكسوس.
من خلال الشرح المتقدم، يمكننا ـ إلى حد ما ـ أن نعين موقع بكترا في جانبين:
1 ـ ثمة احتمال قوي أنّ أيّة بلخ كان فيها معبد ناهيد ومعبد نار وهران، كانت معمورة آهلة أي أنّ بلخ قبل العصر البوذي إلى شمال الخرائب الموجودة كانت أقرب إلى مجرى نهر آمودريا وفي هذه الحالة يحتمل أنّ تلك الخرائب كانت عبارة عن تلال شمال شرق «أورته گنبد» أو (قبة أورته).
2 ـ بلخ العصر البوذي المتصلة بسور بلخ الجنوبي الحالية كان تقع في أطراف (توپ رستم) الحالية، أو أن تكون مدينة بلخ الإسلامية، والتي هي الخرائب الموجودة حالياً مبنية في قسم وجانب من المدينة البوذية.
إنّ ما يظهر من «أشكال العالم» للجيهاني هو أنّ بلخ العصر الساماني كانت في نفس المكان الذي يوجد فيه الآن سورها الضخم. وإليك ما ورد في تقرير الجيهاني عن مدينة «بلخ».
«بلخ مدينة على أرض هامون. بينها وبين الجبل أربعة فراسخ. لها اصطبل ومربض. يقع المسجد الجامع في المدينة حيث يحيطها السوق. المدينة فرسخ في فرسخ. بناؤها من الطوب لها بوابات كثيرة؛ أحدها توبهار والآخر رِخنه، ونو (أي الجديد)، وباب الهنود، وباب اليهود…
… تحيط أبواب المدينة البساتين والأعناب. ليس لمربضها خندق. أمّا الإصطبل فمبني من الطوب».
وهذا التعريف ينسجم تماماً مع الخرائب المتبقية لبلخ الموجودة ـ اليوم ـ من حيث الموقع والمواد والسور والمربض والإصطبل والخندق و…
لقد قامت هيئة الحفريات الفرنسية عام 1950م بتحقيقات علمية واسعة استغرقت خمسة أشهر كاملة في هذا المجال، وحفرت في أكثر من 60 نقطة مختلفة من ساحة بلخ العالية. وأكثر الشواهد التي حصلت عليها كان يتعلق بالعصور الإسلامية.
إنّ الدراسات والتحقيقات العلمية أثبتت وعلى وجه اليقين أنّ خرائب بلخ الموجودة حالياً بدأت منذ الأدوار الكوشانية الأخيرة واستمرّت خلال العصور الإسلامية.
صفات الله جمالي
بلخ
ـ2ـ
نبدأ الحديث عنها أوّلاً، ثمّ عن المزار الشريف الواقع في ضاحيتها، لارتباطه بها. ومقال (المزار الشريف) مكتوب بقلم: الشيخ عبد الحسين الصالحي:
بلخ: سمّي بها رابع أرباع خراسان وما كان من هذا الربع خارج حد قصبته، انقسم إلى قسمين: الغربي منهما في الجوزجان، والشرقي في طخارستان، ناحيتيه العظيمتين.
وفي المئة الثالثة (التاسعة) تكلم اليعقوبي على بلخ، وقال إنّها مدينة خراسان العظمى، وكان عليها في متقدم الأيام ثلاثة أسوار وثلاثة عشر باباً([264]). وزاد المقدسي عليه: «يُقال إنّ اسمها في كتب الأعاجم بلخ البهية». وفي ظاهر المدينة ربض النوبهار. وكانت مساحة المدينة ثلاثة أميال في مثلها. ولبلخ، على ما ذكر اليعقوبي نيف وأربعون منبراً([265]). وأشار الإصطخري إلى أنّ مدينة بلخ «في مستو وبينها وبين أقرب الجبال إليها نحو أربعة فراسخ، ويسمّى جبل كو. وقال إنّ بناءها من الطين وكذلك سور المدينة. ويحف بالسور خندق عميق. وكان المسجد الجامع في المدينة في وسطها، وأسواقها حوالي المسجد الجامع، ولها نهر يسمّى دهاس ومعناه (بالفارسية) على قول ابن حوقل عشر أرحية». وهو بعد أن يديرها يمر على باب النوبهار ويسقي رساتيقها إلى سياه جرد في طريق ترمذ. ويحف ببلخ البساتين وفيها النارنج والنيلوفر وقصب السكر والأعناب، وتحمل منها إلى سائر الجهات. وأسواقها عامرة كثيرة التجار.
وللمدينة سبعة أبواب هي: باب النوبهار، وباب رحبة، وباب الحديد، وباب الهندوان (أي باب الهندوس) وباب اليهود، وباب شست بند (أي باب الستين سدّاً) وباب يحيى. ووصف المقدسي حسن موقعها وبهاءها ويسارها وكثرة أنهارها ورخص أسعارها ووفرة غلاتها وسعة طرقها. وذكر سورها ومسجد جامعها وإشراق قصورها. وبقيت بلخ على ما كان عليه من بهائها هذا وحسنها، حتّى منتصف المئة السادسة (الثانية عشرة) حين استوحذ عليها الخراب أوّل مرّة باستيلاء الغزّ الأتراك عليها في سنة 550هـ (1155م). إلاّ أنّهم بعد أن تخلّوا عنها عاد إليها أهلها وجدّدوا بناء مدينتهم في موضع آخر مجاور لموضعها الأوّل، وما عتمت بلخ أن استعادت بعض سابق عزّها، فوصفها ياقوت في أوائل المئة السابعة (الثالثة عشرة)، وهي في حالها هذا، قبيل خرابها الثاني على يد المغول.
أمّا ربض بلخ الكبير. المسمّى النوبهار، وقد كان فيه أيام الساسانيين على ما ذكر السمعودي، بيت نار من أكبر بيوت المجوس، فقد جاءنا عن ياقوت وصف طويل له، نقله عن عمر بن الأزرق الكرماني، وللقزويني وصف مشابه له. كان السادن الأكبر لبيت النار هذا، يسمّى برمك، وهو جد البرامكة. وكانت هذه الأسرة في أيام الساسانيين تتوارث رئاسة الدين الزردشتي في هذه المدينة. وجاء عن النوبهار أنّهم اتّخذوا بيت النار فيها «مضاهاة لبيت الله الحرام» في مكة. فزيّنوا جدرانه بالجواهر النفيسة وعلّقوا عليها ستائر الديباج والحرير وكانوا يكللونه بالريحان لا سيّما في وقت الربيع. فمعنى نوبهار أوّل الربيع وبواكيره. وفيه يكون الحج إلى هذا البيت. وكان على البناء قبة عظيمة يسمّونها الأستن، «وارتفاعها فوق مائة ذراع بأروقة مستديرة حولها، وكان حول البيت ثلاثمائة وستون مقصورة يسكنها خدّامه وقوّامه وسدنته. وكان على كلّ واحد من سكان تلك المقاصير خدمة يوم لا يعود إلى الخدمة حولاً كاملاً». وكانت الأعلام تنصب على أعلى قبته. ويُقال إنّ الريح ربّما حملت الحرير من العلم الذي فوق القبة مسافة لا تصدق وكان في هذا البيت كثير من الأصنام؛ بينها الصنم الأكبر، يحج الناس إليه من كابل ومن الهند والصين، فيسجدون له ثمّ يقبلون يد برمك السادن الأكبر. وكان ما حول النوبهار من الأرضين سبعة فراسخ في مثلها وقفاً على هذا البيت تغل مالاً عظيماً. ولمّا افتتح الأحنف بن قيس بلاد خراسان في أيام عثمان بن عفان، نقض بيت النوبهار العظيم وأدخل أهلها في الإسلام.
وفي سنة 617هـ (1220م) دمّر المغول مدينة بلخ. وذكر ابن بطوطة أنّ جنكيزخان «هدم من مسجدها نحو الثلث بسبب كنز ذكر له أنّه تحت سارية من سواريه». ولمّا زار ابن بطوطة هذه الناحية في النصف الأوّل من المائة الثامنة (الرابعة عشرة) كانت بلخ «خاوي على عروشها غير عامرة، ومساجدها ومدارسها باقية الرسوم». يزورها أهل التقى والورع. وكثيراً ما تردّد ذكر بلخ في أخبار حروب تيمور، في ختام المائة الثامنة (االرابعة عشرة) وهذا يدل على أنّها استعادت حينذاك شيئاً من سالف مجدها. وكان تيمور قد جدّد القلعة التي في ظاهر أسوارها المعروفة بقلعة الهندوان أي قلعة الهندوس، واتّخذت مقاماً لعامله عليها. ثمّ إنّه جدّد بناء قسم كبير من المدينة القديمة.
أمّا اليوم، فإنّ بلخ تعدّ من أجمل مدن أفغانستان الحديثة. وفي مقاطعتها يقع المزار العظيم المشهور المعروف بـ «مزار شريف» ـ ويسمّى شاه مردان «أي ملك الرجال». ـ وعلى قول خواندامير، إنّ هذا القبر الوهمي لعلي الشهيد قد اكتشف في سنة 885هـ (1480م) يوم كان ميرزا بيقرا حفيد تيمور والياً على بلخ. ففي السنة المذكورة اطّلع ميرزا بيقرا على كتاب تاريخ كتب في أيام السلطان سنجر السلجوقي، جاء فيه أنّ علياً مدفون في قرية خواجا خيران وهي تبعد ثلاثة فراسخ عن بلخ. وبناء على ذلك، ذهب الوالي إلى تلك القرية، ليتحرّى الأمر فاكتشف لوحاً فيه ما نصّه بالعربية: «هذا قبر أسد الله ووليّه علي أخي (عوضاً عن ابن عم) رسول الله». فأقيم على هذا القبر مزار عظيم.
وقول خواندامير هذا، وأقوال غيره التي هي من هذا القبيل مستندة إلى أوهام محضة. والحقيقة هي ما سيراه القارىء فيما يلي من القول وهو ما حقّقه الأستاذ الشيخ عبدالحسين الصالحي:
المزار الشريف
مدينة المزار الشريف هي إحدى المراكز الشيعية في أفغانستان ولها أسماء عديدة أشهرها: 1 ـ المزار الشريف. 2 ـ بلخ. 3 ـ خيرو ويُقال خواجه خيران وهو اسم قديم كان يطلق عليها في القرون الوسطى، وقرية خواجه خيران هي موقع مدينة المزار الشريف حالياً وكانت تبعد عن مركز مدينة بلخ 14 ميلاً نحو الشرق.
موقع المزار الشريف وتاريخه
كانت مدينة بلخ من أهم مدن خراسان وتقع حالياً ضمن أفغانستان وجاء ذكرها في التشكيلات الإدارية الأفغانية باسم مدينة بلخ، وتقع شمال أفغانستان وشمال غرب العاصمة كابل وتحدّها من الشرق ولاية (قندز) ومن الغرب (شبرغان) ومن الشمال نهر آمو وموقعها تقريباً بين خطوط 66 درجة و25 دقيقة و68 درجة و40 دقيقة طولاًو35 درجة و10 دقائق و37 درجة و30 دقيقة عرضاً وهي من أشهر وأقدم مدن آسيا ولها ماض تاريخي وحضارة قديمة وتراث عظيم وفتحت مدينة بلخ بين أعوام 23 و31 هجرية في خلافة عثمان على يد الأحنف بن قيس الذي أرسله بهذه المهمة عبدالله بن عامر على رأس جيش من أهل الكوفة وقال الطبري فبلخ من فتوح أهل الكوفة. ونبغ منها علماء أعلام في مختلف العلوم والفنون الإسلامية قال السمعاني في كتابه الانساب (… بلدة من بلاد خراسان)، (خرج منها عالم لا يحصى من العلماء والأئمة والمحدّثين والصلحاء قديماً وحديثاً…) وذكر المؤرخون مظاهر التمدّن فيها من كثرة المساجد والعمارات العامة حيث ذكروا أنّ في مدينة بلخ 1200 مسجد و1200 حمام و1000 مدرسة وهذا ممّا يرشدنا إلى عظمة هذه المدينة وما وصلت إليه من الرقي والحضارة الإسلامية وعلى أثر الحملة المغولية في سنة 617 هجرية دمّرت هذه المدينة عن بكرة أبيها ووصف لنا ابن بطوطة المتوفى سنة 777 هجرية مدينة بلخ التي دخلها بعد خرابها على يد المغول حيث قال: (… إلى مدينة بلخ وهي خاوية على عروشها غير عامرة ومن رآها ظنّها عامرة لإتقان بنائها وكانت ضخمة فسيحة ومساجدها ومدارسها باقية الرسوم حتّى الآن ونقوش مبانيها مدخلة بأصبغة اللازورد والناس ينسبون اللازورد إلى خراسان… وخرب هذه المدينة جنكيز اللعين وهدم من مسجدها نحو الثلث بسبب كنز ذكر له أنّه تحت سارية من سواريه وهو من أحسن مساجد الدنيا وأفسحها ومسجد رباط الفتح بالمغرب يشبهه في عظم سواريه ومسجد بلخ أجمل منه في سوى ذلك…).
أسطورة القبر المنسوب
إلى الإمام علي (عليه السلام)
في بلخ حسب الروايات الأفغانية
القبر المنسوب إلى علي (عليه السلام) في قرية خيران في ضواحي مدينة بلخ وبعد أن توسّعت مدينة بلخ اتصلت القرية المذكورة بها وفي حوالي القرن التاسع والعاشر للهجرة تحوّل اسم مدينة بلخ إلى اسم المزار الشريف تكريماً وتخليداً لصاحب القبر المنسوب لعلي (عليه السلام) ولقد انفرد المؤرخون في أفغانستان وخرقوا إجماع الأمّة بنسبتهم قبر بلخ لعلي (عليه السلام) لبعض الأخطاء والالتباسات التي حصلت ممّا سنتحدّث عنه بعد قليل وتقول الروايات الأفغانية في هذا الصدد إنّ أبا مسلم الخراساني الذي كان أحد دعاة الخلافة العلويين كتب كتاباً إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وأراد أن يبايعه على الخلافة فلم يقبل الإمام (عليه السلام) وطلب منه إذا كان يريد أن يقدّم خدمة إلى هذا البيت فلينقل رفات جدّه علي (عليه السلام) من النجف الأشرف إلى مدينة بلخ حتّى تنتهي فتنة بني أمية والخوارج ثمّ ينقل جثمانه الطاهر إلى المدينة المنوّرة ويدفن هناك وعندما بلغ أمر الإمام (عليه السلام) إلى أبي مسلم الخراساني قام بالمهمة المودعة إليه فنقل رفات الإمام علي (عليه السلام) من النجف الأشرف إلى بلخ في صندوق محفوظ ودفن في قرية خيران الواقعة في الطرف الشرقي من مدينة بلخ([266]).
يقول الأستاذ محمد عمر فرزاد في روايته المزعومة في كتاب موجز تاريخ الروضة شاه ولايت مآب في بلخ ما هو تعريبه (… وفي أيام خلافة هارون الرشيد (170ـ193 هجرية) قام الخليفة العباسي هارون الرشيد شخصياً بالتفحص الواسع والتنقيب في النجف الأشرف والتحقيق من معمري رجال الكوفة باحثاً عن موضع قبر علي (عليه السلام) حتّى تمكّن من العثور على الحفرة التي نقل منها رفات الإمام علي (عليه السلام) بواسطة أبي مسلم الخراساني إلى بلخ فنصب على تلك الحفرة عمارة لا تزال معروفة في النجف الأشرف حتّى اليوم…)([267]) وهذه الرواية هي أسطورة من الأساطير التي لا تمت إلى الحقيقة بسبب.
ظهور القبر والعمارة الأولى
من المزار الشريف
ذهب الأفاغنة في مزاعمهم على كيفية عثورهم على القبر بنقل روايات كثيرة ويذكرون معاجز عديدة ظهرت من المرقد في عصر معز الدين أبي الحارث السلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي في سنة (511ـ552 هجرية) ويقولون إنّه بعدما تأكد السلطان سنجر من محل وجود قبر الإمام علي (عليه السلام) في المحل الذي ظهر منه معاجز أمر ببناء عمارة على القبر المذكور وكانت العمارة الأولى باقية حتّى حملة المغول في سنة 617 هجرية على بلخ التي دمروا فيها في طريقهم كلّ شيء وتأثّرت هذه العمارة بالخراب.
كشف حقيقة القبر المنسوب
في المزار الشريف
إلى الإمام علي (عليه السلام)
يقول السيد جمال الدين أحمد بن علي المعروف بابن عنبة (المولود حدود سنة 748 والمتوفى سنة 838 هجرية) في كتابه (أنساب آل أبي طالب) بالفارسية المخطوط الذي ألّفه بعد كتابه (عمدة الطالب) وعندنا منه نسخة، قال فيه: إنّه دخل المزار المعروف ببلخ بعنوان مزار الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقرأ المكتوب على الصخرة فوق القبر تحت الصندوق في الروضة الشريفة وفيه: (هذا قبر أمير المؤمنين أبي الحسن علي ابن أبي طالب بن عبيدالله بن علي بن الحسن بن الحسين بن جعفر بن عبيدالله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين السبط (عليه السلام) فعلم أنّه من بني الحسين الذين ملكوا تلك البقاع وكانوا امراء في بلخ. والاشتراك في اللقب والكنية والاسم واسم الأب هو الذي أوجب هذا الالتباس والاشتباه على عوام الناس ونقل عن كتاب (أنساب آل أبي طالب) كلام ابن عنبة السيد حسن الصدر عن نسخة العلاّمة النوري وشيخنا الأستاذ أقابزرك الطهراني في الذريعة([268]). وكما صرّح ابن عنبة في كتابه (الفصول الفخرية) الفارسي أيضاً أنّ جملة من بني الحسين الذين كانوا أمراء ونقباء وملوك في بلخ ومنهم المدفون في قرية خيران من ضواحي بلخ والمعروف حالياً بالمزار الشريف والذي نسب قبره إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان عالماً فاضلاً نقيب العلويين في بلخ وهو أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبيدالله. إلاّ أنّ ابن عنبة لم يذكر هنا ما صرّح به في مشاهدته في المزار الشريف والذي ذكره في كتابه (أنساب آل أبي طالب)، بل قال في (الفصول الفخرية) ما هذا تعريبه (وذرية جعفر الحجة ابن عبيدالله الأعرج هم أمراء في مدينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأيضاً منهم ملوك ونقباء في مدينة بلخ ومن ذريته ولدان الحسن والحسين وأمّا الحسين فهو الذي هاجر من الحجاز إلى مدينة بلخ وسكن هناك ومن ذريته في بلخ السيد الفاضل أبو الحسن علي بن أبي طالب البلخي نقيب العلويين في بلخ… ([269]). أقول ويستفاد من بعض القرائن أنّ قرية خيران الواقعة في ضواحي مدينة بلخ من أملاك هذا السيد الجليل العظيم الشأن العالم الفاضل نقيب النقباء في بلخ وبعد وفاته دفن بها وكتب لقبه وكنيته واسمه ونسبه المشابهة كلّها لما هو معروف عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) على الصخرة التي وضعت على قبره وظلّت مقبرته مقصداً للزائرين الوافدين ومع مرور الزمان اشتبه الأمر على الأجيال. والسبب في هذا الالتباس هو التشابه في اللقب والكنية والاسم واسم الأب مع الإمام (عليه السلام) وربّما لم يتمكّنوا من قراءة باقي نسبه أو لم يعلنوا ذلك سهواً، وربّما بعضهم عمداً وأخذوا ينسجون تلك الأساطير مثل نقل رفات الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بواسطة أبي مسلم الخراساني من النجف الأشرف إلى بلخ.
العمارة الثانية في المزار الشريف
العمارة الثانية في المزار الشريف المقامة في سنة 885 هجرية هي من أضخم وأجل العمارات ومن أحسن ما وصلت إليه يد الإنسان في ذلك العصر.
وهي عبارة عن الضريح وما أحاطه من حرم ثمّ الأروقة المستطيلة الشكل البديعة الصنع التي تحيط بالرواق الكبير من جميع الجهات والقبة الكبيرة التي فوق القبر المزينة بالقاشاني وللمقام صحن كبير أقيم في أطرافه أربع حدائق كبيرة والمقام الشريف في وسط تلك الحدائق وقد حفر نهر وجلب الماء من نهر بلخ، وعرف هذا النهر بنهر شاهي وذلك لإرواء الحدائق ولشرب سكان مدينة المزار الشريف وصرفت على ذلك الأموال الكثيرة وفي سنة 1004 هجرية قام عبدالمؤمن خان ابن عبدالله خان أزبك شاه بتعميرات واسعة في الروضة وأضاف بجانب القبة الاولى قبة ثانية ضخمة والحاقات إلى الحرم والأروقة وفي سنة 1285 هجرية شرع بتزيين جميع جدران الروضة بالقاشاني البديع الصنع. وتقام هناك مجالس العزاء في كلّ عام من عشرة المحرم وتعرف هذه الروضة في المزار الشريف باسم (روضة حضرت شاه ولايت مآب) وهي من الأسماء الشيعية ويزور هذه الروضة في كلّ عام عشرات الألوف من الشيعة في أفغانستان ومن الهند والباكستان والصين وتبت وكشمير وأمّا الشيعة في إيران فإنّهم لا يزورونها.
عبدالحسين الصالحي
بلخ
ـ3ـ
هي من المدن الكبيرة المعروفة جدّاً ولها تاريخ غنيّ. وقلّما نجد مدينة في سهل إيران لها ماضيها الثقافي والحضاري والصيت مثل مدينة بلخ. كانت هذه المدينة تسمّى في الماضي «أمّ البلاد» و«قبة البلاد» و«قبة الإسلام».
بعد أن دخلت مدينة بلخ أحضان الإسلام، توافد عليها المهاجرون العرب المسلمون ومن هذه الناحية تحتل المرتبة الأولى بين مدن خراسان القديمة. وبين بلدان سهل إيران استوعبت العدد الكبير من السادات العلويين وتأتي في المرتبة الثانية بعد «طبرستان».
بدأت هجرة السادات إلى بلخ في القرن الثاني الهجري وأنّ هؤلاء السادات كانوا من ذرية «الحسين الأصغر» ابن الإمام «زين العابدين» (عليه السلام). وفي بعض عصور التاريخ تقلّدوا مناصب الإمارة والنقابة في بلخ. ونقرأ في كتاب «الفصول الفخرية» أنّ ملوك بلخ ونقباءها كانوا من ذرية الحسن والحسين ابني «جعفر الحجة» بن «عبيدالله الأعرج» بن «الحسين الأصغر بن زين العابدين»، والحسين أوّل العلويين الذين وصلوا إلى مدينة بلخ. انّ عدداً من السادات في «بلخ» هم من ذرية «حمزة» بن «موسى بن جعفر الكاظم» (عليه السلام) وهم يتصلون بهذا الإمام بعد سبع ذريات.
و«المجدي في الأنساب» يذكر أنّ عدداً من السادات في بلخ هم من الزيدية وأنّه يحسب أنّ عدداً كبيراً منهم من ذرية «عمر الأطرف» ابن الإمام علي (عليه السلام). ولكن «الفصول الفخرية» ينقل عن «أبو نصر البخاري» عدم صحة هذا الادعاء. ويقول: «في بلخ جماعة ينسبون إلى «إسماعيل» بن «عمر» بن «محمد» وأنّ نسبهم غير صحيح.
وعلى أي حال، فإنّ السادات في بلخ كانوا يشكلون جماعة ملحوظة وكانوا يحظون بثقة وعزة واحترام لدى أهالي بلخ. وكان عدد منهم يلقبون بـ «السيد». خلافاً لمدن العراق والشام خاصّة في العصر الأموي وبداية العصر العباسي حيث كان العلويين مضطرين للتخفي ويتحملون الشدائد والمحن وأنّ من أسباب هجرتهم هي هذه المشاكل المضنية.
وفي نظرة واحدة يمكن تسمية بلخ بعهد «العرفان» فإبراهيم بن الأدهم البلخي وشقيق البلخي وحاتم (الأصم) بن عنوان البلخي وجلال الدين محمد البلخي (صاحب المثنوي) وولده وكثير من الأكابر مثل «ابن سينا» وتلميذه «الجوزجاني» المعروفان في الفلسفة والعرفان، أصلهم جميعهم من أرض بلخ العريقة بالحضارة.
ونظراً لتاريخ بلخ في قبول المهاجرين من السادات وتربية العرفان والعرفاء الإسلاميين المعروفين والصلة القريبة بين السيادة والعرفان مع التشيع، وبغض النظر عن أيّة وثيقة يجب أن نعترف بالتشيع في هذه المدينة الهامة وكان دعاة الإسماعيلية تغلغلوا في شمال أفغانستان في القرن الرابع. وفي الأعوام التالية قام أحد كبار الدعاة الإسماعليين في الشرق، الشاعر المعروف والحكيم الفذ «ناصر خسرو البلخي» من هذه المدينة وبذل مساع كبيرة حتّى آخر أيام حياته في سبيل تنمية مذهبه. وأنّ هجرة جموع غفيرة من «السادات» خلال القرون المتتالية تشير إلى موقع التشيع في هذه المدينة، وإلى تعزيز وازدياد أبناء الشيعة فيها. حيث أنّ «حضور السادات في المدن المختلفة دليل على وجود التشيع في هذه المدن. فالسادات بصورة عامّة هم من الشيعة».
على هذا الأساس، فإنّ إيفانوف يعتبر مدينة «بلخ» المركز الرئيسي للتشيع في القرن الرابع. وفي القرن الخامس (عصر السلطان محمود، مسعود الغزنويين) وبالرغم من أنّ التشيع كان يعاني ضغوطاً شديدة وأنّ ناصر خسرو اضطر لمغادرة بلخ والذهاب إلى «ميكان» في بدخشان ليكون في مأمن من ضغوط عمال الغزنوية واخطارهم ولكن رغم كلّ ذلك فإنّ مصباح التشيع لم يطفأ لا في بلخ ولا خراسان بل إنّه ازدهر في بعض المناطق الأخرى وفي بلخ والجوزجان وأطرافهما إضافة إلى كثرة عدد السادات فيهما، فإنّ من أسباب حفظ التشيع وانتشاره هو وجود مزار «يحيى بن زيد» أنّ هذه البقعة الماركة هي مزار أبناء الشيعة وقد حافظت على جاذبيتها وشعبيتها. وأعيد بناء هذا المزار عدّة مرّات وحجر القبر المودود حالياً هو من عصر السلاجقة. ويظهر من الكتابات الموجودة على هذا الحجر أنّ صانعه وكاتبه كانا من الشيعة الإثني عشرية ويؤكد ذلك قوّة الشيعة الإثني عشرية وقدرتهم في القرنين الخامس والسادس الهجريين. والحجر هو كما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا قبر السيد يحيى بن زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قتل بارغوي في يوم الجمعة في شهر شعبان المعظم سنة خمس وعشرين ومئة قتله مسلم بن أحوز في ولاية نصر بن سيار في أيام الوليد بن يزيد لعنهم الله، ممّا جرى على يد أبي حمزة أحمد بن محمد غفر الله له ولوالديه… ممّا أمر ببناء هذه القبة الشيخ الجليل أبو عبدالله محمد بن شاذان الفارسي (القادسي؟) حشره الله مع محمد وأهل بيته… ممّا عمل الترمذي غفر الله له ولوالديه برحمتك يا أرحم الراحمين… الأمير أبي بكر والأمير محمد بن أحمد وأحشرهم مع محمد المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وعلي المرتضى وليّه المجتبى… الحسينية محمد بن شاذان الفارسي ابتغاء ثواب الله وتقرّباً إلى رسول الله ورحبته لأهل بيته الطيبين». لم يكن لدى الخوارزمشاهية العصبية التي كان في السلاجقة حتّى أنّ آخر سلطان خوارزمي السلطان محمد بزحفه على بغداد ومعارضته للخليفة العباسي حاول من الناحية السياسية تقوية التشيع إذاً ففي عصرهم لم يواجه التشيع في بلخ وأطرافها موانع أكيدة وجدية وكانت بلخ من المدن التي اجتاحتها جحافل جنكيز خان فدمرتها كما تحمّلت خسائر جسيمة في هجوم تيمور عليها ودمّرت قلعة «هندوان». في ذلك الزمان وأنّ شاهرج ميرزا عمّرها وأعاد بناءها. ومن أهم الأحداث المذهبية في بلخ في عهد التيموريين، هو الكشف عن مرقد ومزار عرف باسم مزار علي بن أبي طالب (عليه السلام). هذا الحادث حصل في عهد «السلطان حسين بايقرا». ويشير إلى موقف الشيعة في تلك المدينة. يقول مؤرخ البلاط التيموري «خواندمير» ما يلي: «في شهور سنة 855 حين رفع معين السلطنة والخلافة الميرزا بايقرا لواء الأيالة والرعية في قبة الإسلام بلخ فقد حدث أمر في غاية الغرابة. الحادث على سبيل الإجمال هو أنّ رجلاً جليلاً اسمه شمس الدين محمد ويعود نسبه إلى حضرة زبدة الأولياء الكرام وعمدة الأصفياء العظام السلطان أبو يزيد البسطامي قدس سرّه. في السنة المذكورة ذهب من كابل وغزنين إلى قبة الإسلام بلخ وتشرّف بمقابلة الميرزا بايقرا وعرض عليه تاريخاً كان قد صنّف في عهد السلطان سنجر ملكشاه السلجوقي وجاء في الكتاب أنّ مرقد ملك الأولياء وعمدة الأصفياء محط أنوار العواطف والمواهب، أسد الله الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه هو في قرية «خواجه خيران» في الموضع الفلاني. ولذلك استدعى بايقرا ميرزا السادات والقضاة والأعيان والأشراف في بلخ واستشارهم وذهب إلى القرية المذكورة التي تبعد عن بلخ ثلاثة فراسخ ورأى في ذلك الموقع، قبة تحتها قبر وأمر بحفر ذلك القبر ولمّا بدؤوا بحفر القبر ظهر حجر من الرخام الأبيض كتب عليه: هذا قبر أسد الله أخ رسول الله علي ولي الله» وفجأة بدأ الحاضرون بالصراخ والعويل والبكاء وأخذ الجميع بوضع وجوهم على تلك التربة الطاهرة وقدموا النذورات إلى المستحقين وفتحوا أبواب الحاجة والإخلاص…».
إنّ هذا الحادث أثار ضجة كبرى وردود فعل كثيرة. وبناءً على الوثائق الموجودة فإنّه حتّى سنة واحدة بعد هذا الحادث كان البلاط وكانت الحكومة أسيرة كيفية مواجهة هذه الحالة وكان الحديث حول انتقاله إلى هرات وبعد عام واحد عقد السلطان حسين اجتماعاً بحضور العلماء والفقهاء في العاصمة ومنهم «جامي» واستشارهم لنقل «الجثمان الجليل شرعاً وعقلاً من خطة بلخ إلى هرات وبعد الاستشارة والبحث أجمع العلماء على إبقائه على حاله».
وبهذا، فإنّ القضية باتت محلولة من جانب الحكومة حسب الظاهر ولا شك أنّ الشيعة لعبوا دوراً هاماً في إقناع السلطان ورجال البلاد ويمكن إدراك هذا الأمر من ردّ فعل واهتمام السلطان وجامي بذلك. حيث أنّ السلطان وضمن ترحيبه بهذا، عيّن لهذه البقعة خيرات وأوقافاً ومشرفاً وغير ذلك ولكنّه لم يجعلها مساوية لمشهد الرضا (عليه السلام) وبسبب اهتمام السلطان حسين بأهل البيت (عليهم السلام) وقدرة الشيعة والسادات فإنّ هذا الكشف لاقى قبولهم. وكان بداية حركة الشيعة في رواج عقائدهم.
إنّ التقارير التي جاءت في التاريخ عن ردود فعل الناس دليل على زيادة عدد الشيعة وكثرتهم في بلخ وأطرافها ويقول نظامي الباخرزي عن ذلك: «في عهد حكومة السلطان كشف قبر حضرة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حسب الروايات المتعددة في حوالي مدينة بلخ وأنّ طبقات الجمهور من خراسان وما وراء النهر هرعوا بزيارة هذا القبر».
لا شكّ أنّ الزوار لم يكونوا كلّهم من الشيعة ولكن أكثرهم وتعدادهم الرئيسي كان من الشيعة وهذا يشير إلى اهتمام أهالي هرات وبلخ والمدن المجاورة بالتشيع في هذا العصر. أنّ الشيعة كانوا في كلّ مكان يتحدّثون عن كرامات هذا المزار وشرافته وأهميته وبذلك كانت رغبة الناس تثار تدريجياً نحو التشيع إلى درجة أنّ بعض علماء السنّة شعروا بالخطر وما كان أمامهم حيلة إلاّ إنكار هذا الأمر. يقول أحد الكتّاب بمرارة: «حتّى شهور 884 أنّ شرذمة الروافض كانوا يبالغون في ذلك وكان يظهر من كلّ جانب مفسد يقول بأنّه اجتمع الأمير المقدس في ذلك المكان وأنّ أئمة الزمان كانوا يحكمون بتكفير هؤلاء». والجدير بالذكر أنّ زعيم جماعة التكفير كان «الجامي» ورغم أنّه كان يؤيد الكرامات التي يدّعيها الشيعة وحتّى كرامات العرفاء والزهاد ولكنّه كان يؤيد التكفير ويبرّره. أنّ هذا الامر يشير إلى أنّ التكفير كان حكماً في صالحهم ـ لا حكماً شرعياً ـ يستخدمونه للحيلولة دون تنمية التشيع.
وبعد هذا الحادث وبالرغم من أنّ ولاية بلخ مشت خطوات نحو الازدهار وجلب اهتمام الزوار والمشتاقين خاصّة أبناء الشيعة نحوها إلاّ أنّ مدينة بلخ التاريخية والأسطورية أعطت مكانها إلى «مزار شريف» أنّ هذه المدينة التي تقع في أطراف المرقد وسمّيت باسم الإمام علي أصبحت مركز ولاية بلخ.
والحقيقة هي أنّ «مزار شريف» مرقد أحد السادات الذي كان اسمه علي بن أبي طالب بن عبيدالله وقد حكم ولاية بلخ فترة من الزمن وهو من ذرية الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وتصل ذريته إلى الإمام الحسن بعد تسعة أعقاب: «أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبيدالله بن علي بن الحسن بن الحسين ابن جعفر بن عبيدالله بن حسين الأصغر بن علي بن الحسن السبط (عليه السلام)».
سبق أن أشرنا إلى أنّ الشيعة اتخذوا من مسألة مزار شريف ذريعة لبيان أفكارهم وعقائدهم والدعاية لها. رغم أنّ السلطان حسين بايقرا عجز عن نقله إلى هرات إلاّ أنّه خصّص الأراضي الكثيرة والبساتين ومياه النهر الشاهي وقفاً لتلك الروضة المباركة وجعل لها مسؤولاً وبنى حولها بعض المدارس وعيّن لهذه المدارس، مدرسين. يقول السيد غبار عن ذلك: «رغم أنّ التاريخ لم يصدق مثل هذا الأمر إلاّ أنّ السلطان حسين أمر ببناء عمارة فوق ذلك القبر، وسوقاً وحماماً، وأوقف السلطان مياه النهر الشاهي لهذا المزار الجديد البناء وعيّن السيد تاج الدين الاندخوئي مسؤولاً وعيّن شمس الدين محمد (الشيخ البسطامي) شيخاً على هذا المزار كما عيّن عاملين لتلك الموقوفات. ومنذ ذلك الحين فإنّ قرية خواجه خيران تبدّل اسمها إلى «مدينة مزار شريف». وأصبحت معمورة تدريجياً وأصبحت مركز الولاية بدلاً من بلخ القديمة.
كانت الجماهير تأيت بصورة موسعة للزيارة وتقدّم النذورات والمساعدات الكثيرة وأصبح هذا المزار المبارك قاعدة وبؤرة لنشر العقائد الشيعية ومركزاً للاهتمام بمعارف أهل البيت (عليهم السلام) وجذب قلوب الشعب نحوهم. يقول السلطان حسين في الأمر الذي أصدره إلى قوام الدين أبي القاسم وعيّنه ناظراً ومشرفاً على العمارة والزراعة هناك: «على جميع المسؤولين في الدوائر الحكومية والمشرفين على أعمال الأمّة والجمهور من جميع طبقاتهم وجميع أهالي مدينة بلخ المحروسة وتوابعها، أن يعلموا أنّه بما أنّ بعد التوفيقات الإلهية ظهور المرقد المقدس سلطان الأولياء والأصفياء إمام الأتقياء والعرفاء والخلفاء أمير المؤمنين وإمام أئمة الهادين المستهدين مظهر العجائب ومظهر الغرائب مولانا ومولى الثقلين أبو الحسن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في تلك البقعة الرضوانية من خصائص زمان العدل والدين فإنّ تخليد وإحياء مراسم العمارة وإعلاء المبادىء تؤدّي إلى مزيد معرفة قبلة إقبال الأمم وكعبة آمال العرب والعجم وهذه الأمور تكون من مقتضيات خلوص العقيدة ومقتضيات إحراز الدنيا والآخرة…».
وفي مرسوم آخر عيّن بموجبه الخواجه ناصر الدين ضياء الملك الجامي الترمذي بصفته مدرساً لمزار شريف يقول: «فوّضنا شيخ الإسلام زاده بقية أعاظم المشايخ والسادة الخواجه ناصر الدين ضياء الملك الجامي منصب التدريس في مزار حضرة أمير المؤمنين وإمام المتقين سلطان الأولياء وبرهان الأتقياء مطلوب كلّ طالب وغالب مولانا ومولى الثقلين أسد الله الغالب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ليمارس تدريس العلوم الشرعية ليستفيد ويتمتع بها أصحاب الطبع السليم وأصحاب العقل المستقيم…».
ويستفاد من نصوص المراسيم المذكورة إضافة إلى عقيدة السلطان حسين الشيعية ما يشير إلى قوّة أبناء الشيعة وقدرتهم في بلخ وتوابعها، حيث أنّ كلّ إنسان أو كلّ قارىء يطالع ولو مرّة واحدة رسائله التي كتبها في عهد حكومته ومنها كتاب «منشأ الإنشاء» يفهم أنّه لم يستعمل مثل هذه الألفاظ والجمل والعبارات للحكام والمدرسين من السنّة أو يخاطب بها المسؤولين والجماهير من السنّة، رغم أنّه لم يشر في رسائله إلى الخلفاء والأئمة (عدا الإمام علي وأولاده (عليهم السلام)).
تأليف «من لا يحضره الفقيه» كان في بلخ.
قال آصف فكرت، في القرن الرابع الهجري وضع مشروع تأليف واحد من الكتب الأربعة الذي يدور حول استنباط الأحكام الشرعية في المذهب الشيعي يقول الشيخ الصدوق مؤلف كتاب «من لا يحضره الفقيه» في مقدمة هذا الكتاب، لمّا ذهبت إلى إيلاق بلخ لزيارة السيد أبو عبدالله محمد بن الحسن العلوي المعروف بالنعمة، تحدّث السيد عن «من لا يحضره الطبيب» لمحمد بن زكريا الرازي وطلب من الشيخ الصدوق أن يؤلف كتاباً شاملاً في أحكام الدين وأن يسمّيه «من لا يحضره الفقيه» بدأ الشيخ الصدوق تأليف «من لا يحضره» في بلخ وانتهى من تأليفه في بلخ أيضاً.
إنّ وجود كثير من المصادر والمآخذ والوثائق والمستندات في الحديث وفي فقه الشيعة في مدينة بلخ في القرن الرابع وفرت للشيخ الصدوق إمكانية تأليف هذا الكتاب الثمين. وفي إحدى مخطوطات«من لا يحضره الفقيه» ما يدل على مكوث الشيخ في بلخ حوالي أربع سنوات أو أكثر.
بلد أو بلد السيد محمد
هي البلدة المدفون في جوارها السيد محمد ابن الإمام علي الهادي وهي تابعة إلى قضاء سامراء مشهورة ببساتينها من الكروم والنخيل والحمضيات وتبعد عن بغداد نحو 80 كيلومتراً، وبالقرب منها (مرقد السيد محمد) يشاهده المسافر من مسافة بعيدة وهو محاط بصحن مربع الشكل يبلغ طول كلّ ضلع 150 متراً وفي وسط الصحن القبة التي يبلغ محيطها نحو 50 متراً وارتفاعها نحو 45 وبجانبها منارة يبلغ ارتفاعها 40 متراً أنشئت سنة 1960م وقد امتدّت يد التعمير إلى قبة السيد محمد عدّة مرّات وكان أوّل تعمير ما ذكره الميرزا عبداللطيف التستري في كتابه (تحفة العالم) فقال (إنّ المولى محمد رفيع بن حمد شفيع الخراساني الأصل والتبريزي المسكن كان من جملة من كان له يد في عمارة مشهد السيد محمد (عليه السلام) لأنّه كان وكيلاً من قبل أحمد خان الدنبلي) سنة 1198هـ.
أمّا العمارة الثانية فقد ذكرها الشيخ ذبيح الله الحلاتي في كتابه (مآثر الكبراء) فقال (بذل العلاّمة المهذب البارع الشيخ زين العابدين السلماسي جهده لعمارته فبنى عليه قبة من الجص والآجر وأحدث خاناً في شرقيها للزائرين وكان ذلك في حدود سنة 1208هـ. وبعض الروايات تشير إلى أنّ هذه العمارة كانت سنة 1250هـ ـ (1834م) وأنّ الذي أنفق عليها الأمير حسين خان السردار.
وأمّا العمارة الثالثة فقد كانت سنة 1301هـ ـ (1893م) كما هو مكتوب على واجهة القبة وذلك من قبل الحاج ميرزا حسين النوري.
أمّا العمارة الرابعة وهي الأخيرة التي بدئت سنة 1380هـ إلى سنة 1384هـ فكانت نفقاتها عبارة عن تبرعات من أهل الخير والإحسان.
وتوجد مجموعة من التلول الواسعة قرب مرقد السيد محمد تمتد إلى دجلة تعرف بتل الذهب وهي إلى الشمال بقليل من التقاء نهر العظيم بدجلة وقد اعتد بعض الباحثين بأنّ هذه البقايا هي مدية أوبس الشهيرة التي ذكرها هيرودوس وزينفون إلاّ أنّه لا توجد أدلة قاطعة على ذلك.
وكانت ولادة السيد محمد في حدود سنة 228هـ وفي أحد الأسفار كان مسافراً بين سامراء وبغداد فوافته المنية ودفن في المكان الذي توفي فيه وذلك في حدود سنة 252هـ وذلك قبل وفاة أبيه بسنة أو بسنتين، حيث كانت وفاة أبيه الإمام علي الهادي في سنة 254هـ وقد ذكر أبو الحسن العمري النسابة في كتابه المجدي (أنّ أبا جعفر السيد محمد أراد النهضة إلى الحجاز فسافر في حياة أبيه حتّى بلغ بلداً وهي قرية فوق الموصل بسبعة فراسخ فمات بالسواد فقبره هناك وعليه مشهد وقد زرته).
وهذا غلط لأنّ المشهد الذي في بلد الموصل هو مشهد عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كما ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان في ذكر بلد فقال: (بلد مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل بينهما سبعة فراسخ وبينها وبين نصيبين ثلاثة وعشرين فرسخاً، وربّما قيل بلط بالطاء وبها مشهد عمر بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)).
يونس السامرائي
بلوجستان الإيرانية
موقعها وحدودها
تقع الأرض التي تسمّى اليوم بـ (بلوجستان) بغض النظر عن تقسيمها وحدودها السياسية الحالية، بين 25 درجة و32 درجة عرض شمالاً 58 و70 درجة طول شرقاً بالنسبة إلى مرصد (كرينج)، وتحدّها من الشمال أجزاء من كرمان باسم (نرماشير) وسبشان وأفغانستان ومن الشرق باكستان، ومن الجنوب بحر عمان ومن الغرب كرمان (رودبار ـ بشاگرد) وتبلغ مساحتها 471000 كلم مربعاً.
تشكّل هذه الوراية قسماً من صحراء إيران ووردت في كتاب بيستون باسم (ماكا) كجزء من الساتراب الرابع عشر لداريوش الكبير. وذكرها بعض المؤرخين اليونانيين باسم (گدروزيا)، وتحد گدروزيا من الشمال زرنگا (سيستان اليوم) و(هرخواتيشن) التي تقع في محل قندهار اليوم والتي كان يسمّيها اليونانيون بـ (آراخزيا) ويسمّيها العرب بـ (الرخج) ومن الشرق ميندوس (نهر السند) وتنتهي في الجنوب ببحر عمان وفي الغرب بكرمانا (ولاية كرمان).
وتسمّى بلوجستان ـ على رأي ـ في زمن الساسانيين بـ(كوسون)([270]) ولكن أقدم أسمائها هو (ماكا) وأسماها هيرودوت بـ (مكيا) ([271]) أو (ميكيان) ([272]) ويظهر واضحاً أنّ هذه الأسماء كانت مستعملة بين الأهالي إلى ما قبل الإسلام لأنّها حينما سيطر عليها العرب في القرن الأوّل الهجري([273]) كان اسمها (مكران) وأثبته الجغرافيون المسلمون([274]) بهذا الاسم أيضاً. وحسب الظاهر أنّ الإملاء الصحيح لها هو مكران (بفتح الميم وضم الكاف) كما هو مستعمل إلى الآن بين البلوج أنفسهم.
ويذكر المستشرق الروسي بارتولد في وجه تسمية گدروزيا ومكران…
«من المعروف أنّ الآريين قد استولوا على المنطقة الساحلية بعد كرمان والظاهر أنّ الاسم اليوناني لهذه الولاية هو گدروسيا (گدروزيا) قد اشتق من اسم هذه الشعبة من الشعب الإيراني التي أسماها هيرودوت بـ (دروسيابوي) وليس الاسم الحالي للولاية ـ مكران ـ هو اسم لقوم من الأقوام الآرية الذين عاشوا في هذه المناطق. ويذهب بعض العلماء إلى الاعتقاد إلى أنّ اسم مكران مشتق من اسم إحدى الأقوام الدراويدية التي يسمّيها اليونانيون بـ (ماكاي) أو (موكاي) ويطلق عليها في الكتابات المسمارية اسم (ماكاوماسيا).
ويطالعنا استفان البيزنطي ـ الجغرافي اليوناني ـ باسم ماكاره نه في كتابه كإسمٍ لهذه الولاية([275]).
وكذلك ذكر بعض المسافرين وموظفي السياسة الإنكليزية في ما يخص تسمية (مكران) بعض البحوث، ومنهم السير توماس هولديج([276]) والسير برس سايكس، وسنذكر هنا بعض هذه البحوث:
يعتد هولديج، أنّ اسم مكران مكوّن من مقطعين فارسيين هما (ماهي) أي سمك و(خواران) أي آكلون فتتركّب من الاثنين كلمة (ما هي خواران) أي آكلو السمك، ثمّ تحوّرت هذه الكلمة بعد كثرة الاستعمال إلى مكران.
ويقول سايكس «كانت تسمّى مكران في أيام الإسكندر بـ (ايكتيوفاجي)([277]) أو (آكلو السمك) لقربها من البحر وتسمّى المنطقة المشرفة على داخل البلاد بـ (گدروسيا).
ولا يعرف الباحثون على وجه الدقّة، ومن خلال دراستهم لتاريخ الآشوريين، هل المقصود بـ (مكا) هو شبه جزيرة سينا، أمّ الأراضي التي تشتمل على عمان وتقع في ما وراء البحرين، ولكن في كلّ الأحوال تبقى كلمة (مكيان) أو (ميكيان) التي ذكرت في كتاب هيرودوت هي نفسها كلمة (مكان)([278]) التي ذكرت في الكتب القديمة.
وكانت مكران منذ القدم تعرف بكثرة مستنقعاتها، وهي من حيث الأوضاع الطبيعية لها تشبه ناحية (ران كيج)([279]) المحاذية لها: وهذه الكلمة باللغة السانسكريتية هي (آرانيا) أو (ايرينا) أي المستنقع، ومن ثمّ فمن المحتمل أن يكون (مكاايرينا)([280]) بمعنى المستنقع.
ويلفظ الأهالي المحيطون بمكران هذه الكلمة بفتح الكاف، وفي هذه الحال، لا يصبح لدينا أدنى شك أنّ أصلها من كلمتي ران (المستنقع) ومكا. وأمّا ما يخصّ لغة وأصل الأهالي البلوج، وفي أي الأزمان سمّيت المنطقة ببلوجستان فذلك ما سيأتي بحثه في محله.
جبال بلوجستان
ترجع جبل بلوجستان إلى العصرين الجيولوجيين الثاني والثالث، وصخورها هي صخور جصية، ويعتقد بعض علماء الجيولوجيا أنّ بعض هذه الجبال ومنها بركان (تفتان) ترجع إلى أواخر العصر الثالث وأوائل العصر الجديد (دورة بليستوسن).
وتعتبر أراضي بلوجستان الشرقية منها والغربية والناحية المركزية من جبالها وأجزائها الشمال غربية إلى حدود (گودزرة)([281]) أراضي صحراوية ورملية وتتكوّن أجزاؤها الجنوبية أي المحاذية لسواحل البحر من مرتفعات يدخل في تكوينها الرمل والحصى الصغير.
ومن مرتفعاتها الشرقية المهمة هي جبال سليمان التي تعتبر امتداداً لجبال أفغانستان وتمتد من الشمال إلى الجنوب بين 29 درجة و32 درجة عرض شمال وتسمّى قمتها بـ (تخت سليمان) أي عرش سليمان، ويبلغ ارتفاعها 3443م، وتشكل سلسلة خيرتار المشرفة على وادي السند، الحدود الشرقية الطبيعية لبلوجستان.
وتعتبر جبال بلوجستان الجنوبية ـ أي سواحل مكران ـ امتداداً لنفس الجبال الغربية والمركزية لإيران التي تمتد بارتفاعات مختلفة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وكذلك السلسلة الغربية لبلوجستان امتداداً للجبال المركزية لإيران، وأشهرها (بزمان) الذي يبلغ ارتفاعه 3497م وتفتان الذي تبلغ أعلى قمة فيه (3972م) عن سطح البحر، ويعدّ إلى اليوم من البراكين النشطة.
وتمتد عدّة سلاسل جبلية أخرى من الشمال إلى الجنوب وأهمها (موريج وبيرك وبيرشوران) التي يبلغ ارتفاعها على التوالي 2863 و2750 و2233م ومنها أيضاً سلسلة جبال (بم بشت) المعروفة التي تمتد من الشرق إلى الغرب بارتفاع (1700م) وجبال (سياهان كوه) التي تمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي وتبلغ أعلى قمة فيها (2000م).
وفي الناحية الشمال شرقية لبلوجستان المجاورة لـ (كويته) الباكستانية هناك سلاسل جبلية تمتد من الجنوب ومن الغرب حتّى تلتقيا عند شمال معبر (بولان) ويشكلان قمم مرتفعة مثل (جهارتن) بارتفاع 3305م و(مردار) و(نكتو) و(زرغون) التي يبلغ ارتفاعها بصورة عامّة أكثر من ثلاثة آلاف متر، في حين يبلغ ارتفاع صحراء كويته 1700م وكلات 2066م.
وتنخفض الأراضي في أطرافها الغربية، ويقع عند نهايتها (هامون لوره)، وأمّا المرتفعات الرئيسة التي تقع إلى الشمال مجاورة لحدود أفغانستان وبلوجستان فهي (كوه جاغثي بارتفاع 2336م) و(رأس كوه بارتفاع 3016م) الذي يشرف على صحراء خاران وجبل سلطاني بارتفاع 2325م وآخر سلسلة جبلية لا بد من ذكرها هي (كجه كوه) بارتفاع 2121م وجبل (ملك سياه بارتفاع 1642م) ويمثّل الأخير الحدود المشتركة لأفغانستان وإيران وبلوجستان، وتقع السلسلتان الأخيرتان في الجهة الشمال غربية لبلوجستان.
المناجم
توجد في جبال بلوجستان مناجم عديدة للكبريت والرصاص والحديد والنحاس والفحم الحجري والنفط.
وفي جالوان([282]) هناك مناجم للذهب والفضة وفي نوشكر هناك مناجم للمرمر الأبيض([283]).
وبالإضافة إلى هذه المناجم التي أكتفيَ بمعرفتها ولم يباشر بالانتفاع منها كغيرها من المناجم العديدة في البلاد، فهناك معادن أخرى في بلوجستان اكتشفها الآخرون منذ فترات طويلة واستغلوها وانتفعوا منها بدون حق ونحن الإيرانيون المالكون الحقيقيون لهذه الثروات لا نزال بعيدين عن هذه الأمور بل ونغط في نوم عميق.
النباتات والحيوانات
إنّ أغلب جبال بلوجستان هي جبال جافة وجرداء وعارية من أي غابات أو أشجار، ولكن ثمة وديان خضراء وجميلة في النواحي الغربية ومنها جبال (بم بشت) و(كوة تفتان) ([284]). وكذلك في الأجزاء الشمالية الشرقية لبلوجستان أي في المناطق الخاضعة لبريطانيا ثمة غابات صغيرة، ومنها جبال (سليمان) حيث يوجد فيها الصنوبر والبلوط وفي جبال (شنغار) هناك الزيتون، وتوجد في بعض الغابات تمور الغابات التي تؤكل ثمارها ويصنع من أوراقها الحصران (وفي مكران وخصوصاً في ينجگور وماشكيد توجد التمور العادية بكثرة).
وثمة نباتات أخرى في بلوجستان توجد بصورة وفيرة، ومنها النباتات الطبية كنبات الثعلب، ويوجد أيضاً نبات الصمغ الأصفر (المعروف بالصمغ العربي) في بعض المناطق وكذلك السنبل الهندي المشهور في بلوجستان منذ القدم.
وأمّا حيوانات بلوجستان فهي من نوع حيوانات ساحل الخليج الفارسي وأهمها النمر والذئب وابن آوى والثعلب والأرنب ومعز الجبل. وليس ثمة أسود ولا نمور في داخل بلوجستان إلاّ بأعداد ضئيلة، وموجودة في بلوجستان الغربية. وهناك أيضاً الدب الأسود الذي يتواجد في بعض الجبال.
وتوجد أعداد كبيرة من الإبل ذات السنام الواحد في بلوجستان وتستعمل للحمل والتنقل. وأكثر الخيل فيها هي من النوع الأصيل ومن الأنواع العربية. ولكن خيول گنداوه (الواقعة إلى الجنوب الشرقي لكلات) أقوى من خيول كلات ولكنّها أيضاً أصغر حجماً من خيول مكران وأضعف بنية منها. وثمة أبقار وأغنام كثيرة، ويشتغل أكثر الأهالي هناك بتربية المواشي. وتتواجد أيضاً أنواع من الجاموس بالقرب من الأنهار والمياه الوفيرة.
وهناك الكثير من الحيوانات المؤذية من قبيل الأفاعي والعقارب، ويشاهد الخنزير البحري في سواحل مكران والتمساح في بلوجستان الشرقية ومنها نهر (هب) والأنهار التي تنبع من جبال (مرى وبكتى) وسلسلة جبال سليمان.
وتندر الأسماك في الأنهار الداخلية لبلوجستان، ولكنّها توجد بأعداد كبيرة في سواحل بحر عمان، وبالإضافة إلى أنّ الغذاء الرئيسي للأهالي هو الأسماك، فإنّهم يطعمونه أبقارهم وأغنامهم ودجاجهم أيضاً، ومن ثمّ فقد عرف الأهالي هناك ـ ومنذ القدم ـ باسم آكلي الأسماك.
ورغم أنّه لم يجر لحد الآن أي تحقيق علمي على نوعية الطيور الموجودة في المناطق المختلفة لبلوجستان وكما هو الحال في سائر أنحار إيران، إلاّ أنّه يمكن القول بصورة إجمالية إنّها من نوع طيور الخليج الفارسي وأهم هذه الطيور هي:
الكركس والصقر والباز والغراب واللقلق، وتوجد أعداد كبيرة من هذا الأخير في سواحل البحر. وثمّة أنواع ثلاثة من الدرّاج الذي يهاجر في فصل الصيف إلى الجبال ويعود إلى المناطق الساحلية المنخفضة في فصل الشتاء وتتواجد أيضاً أنواع من الطيور المائية في فصل الشتاء.
المناخ
يعتبر المناخ في جنوب بلوجستان حاراً ورطباً وغير صحي لقربه من البحر، وخصوصاً مدينة منطقة مكران التي عرفت منذ القدم بأجوائها السيئة بين السواح والجغرافيين. وأمّا الأجزاء الشمالية الغربية منها فإنّها حارة في الصيف وذات ريح حارقة لكونها عرضة للرياح الشمالية الحارة (رياح المائة وعشرين يوماً لسيستان)، وتحت تأثير صحراء (سياه رك وتالاب وخاران) الجافة. ولكن نواحي كويته وكلات أفضل نسبياً، وأفضل منها المناطق الشرقية والشمال شرقية، كونها مناطق جبلية مرتفعة، وهي أفضل أيضاً من جميع المناطق الأخرى من حيث الأمطار، حتّى يمكننا القول بأنّ بعض أجزاء بلوجستان بحرية وأخر برية.
يبلغ معدل الأمطار في (شاهرغ) 3/1 317 ميليمتر وفي (كجي) 76,2 ميليمتر، وفي (كلات) 127 ميليمتر، وعلى العموم فإنّ أمطار بلوجستان هي قليلة وفصول هذه الأمطار غير منتظمة. ومن ثمّ فإنّ سكان تلك المناطق وخصوصاً أهالي مكران لا يمكنهم تأمين احتياجاتهم الغذائية من نفس أرضهم، وليس ليهم محصولات زراعية يُعتد بها، لذلك فهم يضطرون في أكثر الأحيان لتوفير ما يحتاجونه من خارج أرضهم([285]).
الأنهار
تعتبر أنهار لوجستان بصورة عامة صغيرة وذات مياه قليلة، عدا بعض الأنهار المهمة والمعروفة والدائمة المياه.
وتقسم الأنهار الدائمة هذه إلى قسمين، القسم الأوّل: هو الأنهار التي تجري فوق سطح الأرض والنوع الثاني هو الأنهار التي تجري تحت سطح الأرض بحيث تظهر حيناً وتختبىء تحت المناطق الرملية حيناً آخر.
ومن الأنهار الرئيسية في شرق بلوجستان هو نهر (گومل) الذي يشكل قسم منه الحد الفاصل بين بلوجستان وأفغانستان، ويصب هذا النهر في نهر السند بعد اتحاده مع (كند) و(كروب)، وكذلك ثمّة أنهر أخرى (ناري) و(بولان) و(مولا) التي يستفاد من مياهها قبل أن تصب في نهر السند.
والأنهر الجنوبية التي تصب في المحيط الهندي وبحر عمان وهي من الشرق إلى الغرب كالآتي:
نهر (هب) الذي يصب بالقرب من مصب نهر السند، و(بورائي) الذي يعتبر من الأنهار التاريخية المهمة التي كان اليونانيون يطلقون عليه اسم (آرابيوس) ويصب في البحر في خليج سونمياني بعد أن ينضم إليه فرع آخر هو (أوراج). وثمة نهر آخر هو (هنگول) الذي يجري في وادعريض وخصب، ويصب في البحر في خليج يحمل نفس الاسم.
ويتكوّن نهر (دشت) من فرعين أصليين، أحدهم من جهة الشرق، والآخر من جهة الغرب باسم (نهضك) الذي ينبع من جبال بم بشت ولهذا النهر فرع باسم (شهري).
ويصب نهر دشت في خليج گواتر بعد اجتيازه من ناحية الشرق للتلال الواقعة في (ابل) في الشمال الغربي لرأس الخليج الجنوبي. والنهر الآخر هو نهر (دشتياري) الذي ينبع من جبال بمبور الجنوبية ويصب شمال گواتر في الخليج المذكور.
وبعد اتحاده مع أنهر (سوران) و(لاشا) و(كاجو) وبعد أن يجتاز أرض (كلات) و(دشتياري).
والأنهار الأخرى المشهورة في جنوب بلوجستان هي نهر (سرپان وگه) (بكسر الكاف الفارسية والذي أصبح اسمه الجديد هو نيكشهر) ويدخل إلى خليج يزم باسم كهير. ونهر (ربيج) الذي يعبر (فنوج) و(بنت) ويصب في الشمال في خور (ربيج). وينبع نهر (سيديج) من جبال (رمشك الجنوبية ويصب في البحر بعد أن يجتاز مناطق المستنقعات. وآخر الأنهار المهمة في الجنوب هما نهرا (جگين) و(كابريك) اللذين ينبعان من جبال (شاگرد) ويعتبران من الأنهار الكثيرة المياه والقابلة على استيعاب حركة الزوارق.
وثمة أنهار في بلوجستان تدخل إلى المستنقعات ومصالح هامون لوره وماشكيد وجزموريان وأهمها:
نهر ماشكيد الذي ينبع من جبال بلوجستان الغربية ويتجه إلى الشرق في جنوب كوهك بعد أن تنضم إليه مياه وديان سلسلة جبال (سياهان كوه) ونهر (گزبستان)، ثمّ يتّصل بنهر (بخشان) ويتجه بعدها إلى الشمال، ثمّ يصب في هامون ماشكيد (ويبلغ ارتفاع هامون عن سطح البحر 487م) والنهر الآخر هو (تالاب) أو (تلخ آب) (الذي يتلفظه البلوج ته لاب) الذي ينبع من جبال دزد آب الواقعة من جنوب شرق زاهدان، ويلتحق بنهر لادز الذي ينبع من جبل تفتان، وكذلك ينضم إليه نهران آخران هما جوزكَ وگزو من طرفيه، ثمّ يدخل (هامون ماشكيد) من جهة الشرق.
وتقع (هامون لوره) في الجهة الشمالية لبلوجستان بالقرب من الحدود الحالية لبلوجستان وأفغانستان ويصبّ فيها عدّة أنهار، منها نهر (لوره) الذي ينبع من جبال (بيثين)، وثمة في بلوجستان الغربية مستنقع (جازموريان) الذي يصب فيه نهر هليرود (هليل أو خليل رود) ونهر بميور، وهذا الأخير هو من الأنواع التي تجري تحت الأرض والتي مرّ الحديث عنها، ويجري من جبال (كارواندر) الشرقية، الواقعة على بُعد 60كلم جنوب (خواش) ويتّجه إلى الجنوب ثمّ ينحرف إلى الغرب، شرق نهرج (ايرانشهر الحالية وبهره([286]) سابقاً) ويصب في (جازموريان) بعد أن تنضم إليه عدّة فروع.
والقليل من مياه بلوجستان هي العذبة والقابلة للاستعمال، وأكثر أنهارها مالحة، وغير قابلة للاستعمال.
سكان بلوجستان القدماء
كما ذكرنا سابقاً أنَ بلوجستان الحالية كان تسمّى في عصر الخامنشيين بـ (ماكا) أو (مكيا) وأسموها اليونايون بـ (گدروزيا) والمسلمون بـ (مكران)، ولكن ليس بين أيدينا معلومات صحيحة عن أوضاع سكانها القدماء. هل البلوج اليوم هم بقايا السكان الأصليين لتلك المناطق، أم كما هو مشهور بين أكثر المحققين أنّ هؤلاء هاجروا في البداية من بحر الخزر إلى كرمان وسيستان ثمّ إلى مكران والأراضي المجاورة لها إلى حدود السند، ومع مرور الوقت ذاب السكان الأصليون بهؤلاء حتّى عرفت المنطقة باسم بلوجستان.
ويبدو أنّه لم يحقق في الحضارة القديمة لبلوجستان عدا بعض السائحين والسياسيين الممثلين للحكومة البريطانية مثل راولين سن([287]) وموكلر([288])، وفي افترة الأخيرة أورل اشتين([289])، ولكن لم تتوفر إلى الآن تحقيقات مكتملة بحيث يمكن الاستناد إليها في معرفة الآثار الماضية لحضارة السكان الأصليين في المنطقة، على الرغم من أهمية هذا الجزء من إيران من حيث علم الآثار، ولو توفرت عليها بعض جهود الحفريات لأمكن اكتشاف الكثير من المسائل التي لا زالت إلى الآن مبهمة وغامضة.
ويذهب بعض المحققين إلى الاعتقاد بأنّ سواحل الخليج الفارسي كانت في العصور القديمة وحتّى حدود مكران تسكنها الأقوام الحبشية، ثمّ سيطر السومريون عليها. ويسمّي الآريون إحدى المناطق هناك باسم أوره (Ora) التي يسمّيها أهلها باسم أوريتاي (Oritai) وتقع قرب أرابيوس (Arabios) الذي هو نهر بورال الحالي. ويذكر هيرودوتس أنّ ثمة محاربين أشداء مثل باكتيان (Paktian) بين الأهالي من الميكيين (Mykian) ويوتيين (Utian) والباركانيان (Parkanian).
ويشبه اسم أوره اسم مدينة أور([290]) الواقعة في أرض كلدة إلى حد بعيد، وهذا ما يؤيد كون جميع منطقة بلوجستان أو بعضها كان خاضعاً للسومريين ويعتقد أيضاً هولديج ـ الذي مرّ ذكره ـ أنّ اسم گدروسيا يعود إلى طائفة گدرو الحالية التي تسكن في ناحية (لس بيلا).
وتقتصر البحوث التي يتعرض فيها اليونانيون ضمن شرحهم للحوادث التاريخية لإيران القديمة لبعض الأمور التي تتعلق بقوم الايكتيو فاجي (آكلو السمنك) وكذلك تواريخ الذين أرّخوا لصدر الإسلام في معرض حديثهم باختصار عن أهالي مكران أقول لكون هذه البحوث تقتصر في أكثرها على تسجيل الحوادث التاريخية، ولا تعير أهمية لقضية الأصول واللغات وهما من الأركان المهمة للقومية، فإنّها لا تفيدنا إلاّ بالقليل عن الخصوصيات العرقية للناس، ولا تعرفنا بسكان بلوجستان قبل أن يقطنها البلوج. ولكنّا أمكننا العثور على بعض الأحاديث عن الأوضاع الجغرافية والسكانية لبلوجستان في تلك العصور فمن طيات بعض الأخبار والحوادث التاريخية المشهورة، ولا نرى خيراً في الاطلاع عليها: حيث ينقل أنّ احتلال البنجاب والسند بواسطة داريوش الكبير قد تمّ عن طريق بلوجستان. وحين كان هذا الملك في الهند، صنع سفناً وعيّن القائد اليوناني (اسكولاكس)([291]) عليها، وأمره بالخروج للسياحة والتحقيق في سواحل بحر عمان والخليج الفارسي (512ق.م.)، وألّف هذا كتاباً كان موجوداً في العصور الماضية([292]). ويذكر أيضاً أنّ الإسكندر كان قد عسكر في مدينة باتلا الواقعة في تفرّع نهر السند، أثناء عودته من احتلال الهند. وأمر أحد قادته وهو كراتوس ـ بالمسير إلى إيران بفِيَلَتِهِ وجيوشه عن طريق آداخزيا وزرنكا، وسير نئارخوس أمير البحر في عدّة سفن إلى سواحل بحر عمان والخليج الفارسي. وتحرّك هو بجيوشه من مصب نهر السند إلى نهر آرابيوس (بورالي) وعبر الأراضي البور الخالية من الزرع المجاورة لبحر عمان، لوجود الجبال الصعبة العبور في مالان ومرّ فوق نهر همگول (Himgol) وحوالي برنه (Barna) (ميناء يسنى الحالي)، وميناء گوادر، وذهب أخيراً إلى بوره (فهرج الحالية)([293]) بعد أن تكبّدت جيوشه خسائر جسيمة في الأرواح إثر شدّة الحرارة وقلّة الماء ـ ولا يزال طريقه الذي سلكه إلى بوره هو طريق القوافل إلى اليوم. وعبر من هناك إلى ياسارگاد التي هي مشهد مرغاب أو مشهد (مادر سليمان) الحالية، سالكاً طريق بمبور وهليرود، وعبر نهر بار وسيرجان في كرمان وبلوك بونات في فارس، حتّى وصل عام (325ق.م.).
وسجّل نئارخوس معلومات مفيدة حول سواحل الخليج الفارسي، خلال رحلته التي بدأت من مصب نهر السند وانتهت في بوابة الخليج الفارسي. ومن ضمن ما كتبه كان بخصوص أهالي مكران حيث قال:
كانت أشكالهم غريبة حيث غطّى أبدانهم الشعر الكثيف الذي يشبه شعر رؤوسهم، واختفت جميع أعضائهم بالصوف، وأمّا أظافرهم فهي غاية في الطول والقوّة وتشبه أظافر السباع، وتصل في ذلك حدّاً أنّ صاحبها يمكنه أن يشطر سمكة إلى نصفين بضغطة بسيطة، والبعض الذي يرتدي لباسه فإنّ لباسه هذا يقتصر على جلود الحيوانات والحيتان. وبعد توقّف دام ستة أيام، تحرّكنا في اليوم السابع ووصلنا الى نتوء مالانا([294]) بعد أن قطعنا ثلاثمائة استاد([295])، ويُشبه أهالي هذه السواحل الهنود بلباسهم وأسلحتهم، إلاّ أنّهم يختلفون عنهم في لغتهم. وهم من أقوام التيونال([296]) (آكلو الأسماك) الذين يعيشون في سواحل مكران، ويسكنون هنا قرية تبعد عن ساحل البحر بحدود ستين استاد، واسمها (بذيرا).
اسم وعنوان البلوج
هناك عدّة آراء حول وجه تسمية هؤلاء القوم بالبلوج، وأكثر هذه الآراء تقترب من الأساطير، وهي بذلك لا يمكن الاعتماد عليها في البحوث العلمية. ويقول البلوج أنفسهم إنّ هذه الكلمة تتركّب من جزأين الأوّل هو بل ويعني (أخ) والثاني لوج ويعني (العاري)، ولأنّ هؤلاء الأقوام كانوا مشهورين منذ القدم بقطع الطريق وكثرة الغزو، فلربّما يفهم من هذا أنّ معنى الاسم هو أنّ البلوجي يعري حتّى أخاه من لباسه. أو كما ذكر صاحب مرآة البلدان من أنّ البلوج بالأصل هي (بلخت) أي (العاري)، إذ إنّهم يزعمون عدم قدرتهم على ارتداء الثياب كونهم ولدوا عراة. وتحوّلت هذه الكلمة لكثرة استعمالها إلى بلوج. وثمّة أيضاً بعض المحققين الأجانب الذين بحثوا في أصل تسمية البلوج والكوج. حيث ينقل سايكس (عن راولينسن): أن كلمة البلوج هي التحوير الفارسي لبلوغ ملك بابل وتنطبق على نمرود بن كوش، حيث تبدّلت (بلوص وكوش) بمرور الأيام إلى كوج وبلوج، واسم كج أيضاً مستقى من نفس هذه الكلمات. وكانت بلوجستان تسمّى في عصر الساسايين باسم كوسون التي يحتمل أنّها مشتقّة أيضاً من (كوش): (ثمان سنوات في إيران ص94).
وخلافاً لهذا الرأي فإنّ (بلوج وكوج وكوفج) هي ألفاظ فارسية دون شك، وقد عرّبها الإصطخري والمسعودي والآخرون إلى (بلوص وقفص) وقد ورد ذكرهم في ملحمة فردوسي (الشاهنامه) وغيرها من مؤلفات القرن الرابع الهجري الفارسية بنفس هذين الاسمين وبنفس الإملاء. وقد اشتهرت (كونج) في تاريخ كرمان حتّى ذكرت في أكثر الكتب التاريخية والجغرافية بعد الاسلام، وتسكن هذه القبيلة في جبال كرمان، وكثيراً ما نسمع باسم كفجان في زمن هجوم العرب.
وقد ورد ذكر الأقوام الكاسية أو الكوشية والتي يسمّيها اليونانيون بالكيسيين والكوسيين في تاريخ بابل بكثرة. وينقل في كتاب (مجمل التواريخ والقصص وطبع السيد بهرا ص69) بعد ذكره للملك بهرام: أنّه أتى باثني عشر ألف مطرب ومطربة من الهند وهؤلاء اللوريون الموجودون اليوم هم من أصل أولئك المطربين.
ويذكر الفردوسي في ملحمته أشعاراً بهذا الخصوص تقترب من هذا المعنى، ويستنتج من مجموع هذه القصص وأقوال المؤرخين أنّ اللوريين أو اللولبيين الذين يسكنون الآن في نقاط مختلفة في إيران تحت أسماء (كولي أو كاولي ـ أو كابلي) وغربتي هم من أصل الجط (وفي العربي الزط) ويسكنون الآن في نواحي السند ومكران، ويتكلمون بلغة اسمها (جطگالي)([297])، ويُقال إنّ مكران قبل هجرة البلوج إليها كانت في يد هؤلاء الجط.
ويعتقد أنّ أقدم كتاب يذكر أقوام البلوج والكوج فيما بعد الإسلام (في اللغة الفارسية) هو كتاب ملحمة الفردوسي في معرض ذكره لجيوش كيخسرو، ويذكر في محل آخر من ملحمته أنّ أنو شيروان هاجم (الآن) وأقوام گيل وبلوج (دون ذكر اسم كوج) ودمرهم.
(والآن) هذه هي الناحية الجنوبية لداغستان في القفقاز الحالية، وتجاور بحر الخزر، وتقرأ أيضاً باسم (اران)، وتجاور أيضاً أراضي گبلان وموغان. ورغم أنّ الفردوسي لم يذكر في ملحمته محل سكن البلوج بصراحة، لكنّه ذكر (الآنيين) مع الآلانيين والگيلانيين في موضع واحد، ومن ثمّ يمكن أن يحتمل أنّ البلوج كانوا إلى ذلك الوقت لا يزالون يعيشون في سوحل بحر الخزر. ويعتقد أنّ هجرة البلوج إلى كرمان ونواحي سيستان ترجع إلى زمن حروب الهياطلة والهون البيض في زمن أبو شيروان، ولكن ذلك ليس أمراً مؤكداً، وليس ثمة دليل يدعم هذا القول. ولكن من المسلم به تقريباً أنّ الكوج والبلوج كانوا يجاورون بعضهم في جبال گرمان، ولا يمكننا أن نعرض ـ بهذه العجالة ـ لكيفية انتقال هؤلاء الذين عرفوا بقطع الطريق والغزو، وبطبيعتهم الجبلية إلى جنوب وشرق مكران، حيث من المعروف أنّهم أدّبوا بواسطة الأمير عضد الدولة الديلمي، والسلطان مسعود بن محمود وفي عصر السلاجقة. ونسمع لأوّل مرّة باسمهم في نواحي السند في عام 650هـ. ويظهر أنّ جبال گلات التي هي الآن بيد القبائل البراهوئية كانت في ذلك الوقت تحت سيطرتهم، حيث يذكر سايكس وغيره أنّ جماعة كثيرة من البلوج (بلوج مير جاكر رند ومير سهراب دوداني)، و(رند) و(دوداني) هما قبيلتان من قبائل البلوج، اضطرّت في أحداث المغول إلى الهجرة إلى ولاية السند والبنجاب، وتنسب أسماء مناطق غازي خان وإسماعيل وفتح خان وهي أسماء المناطق والمدن الواقعة في أطراف نهر السند إلى أولاد مير سهراب.
أصل البلوج ولغتهم
ليس هناك أدنى شك لدى عموم علماء العروق والباحثين المخلصين في أنّ بلوج إيران هم من الأصول الإيرانية مثلهم في ذلك مثل الطاجيك والأكراد وغيرهم، وهم فرع من الأصول الآرية، وقد استطاعوا أن يحافظوا على خصائصهم العرقية واللغوية بصورة جيّدة، رغم اختلاطهم في صدر الإسلام بالعرب وبعد ذلك بالغزاة المغول والتتر وأخيراً بحكم جوارهم بالهنود.
والبلوج بصورة عامة من ذوي القامات الطويلة، والمتوسطة الطول عندهم خمسة أقدام وثلاثة أنجات إلى سبعة أنجات (تقريباً 1,60 إلى 1,70م) وأكثرهم من ذوي (الرؤوس العريضة)([298]) حسب اصطلاح علماء العروق، وتبلغ أحجام جماجمهم من 80ـ81. وأنوفهم طويلة، وشعرهم كثيف في رؤوسهم ولحيتهم، ولون عيونهم وشعرهم غالباً هو الأسود، ويوجد بينهم ذوو العيون النرجسية، وألوان أبدانهم هي الحنطية الفاتحة([299]).
وتبتني اللغة البلوجية على اللغة الفارسية القديمة وكما ذكر موكلر فهي شعبة من اللغة الفارسية البهلوية. وهي مأخوذة من أصل واحد مع تفاوت واختلاف بسيط بين اللهجات المختلفة للأهالي.
وإضافة إلى البلوج والتاجيك وبعض الهنود فإنّ ثمّة قبائل مختلفة من البراهوائيين من السكان الرئيسيين لبلوجستان، ومعهم أيضاً بعض الهنود والعرب وغيرهم من الأصول الغير آرية التي نسبها بعض الأجانب عن قصد أو غير صد إلى البراهوائيين.
ويتواجد البراهوائيون بكثرة في شمال غرب بلوجستان وخصوصاً من ناحية الحدود وأطراف خواش. لكنّهم في أكثرهم يسكنون في أطراف كلات والجبال والصحارى التي تمتد من كويته إلى لس بيلا، حيث تفصل أراضي البراهوائيين في سراوان وجالوان بين أراضي البلوج في جبال سليمان وإلى الشمال من وادي السند وجنوب البنجاب والبلوج الذين يسكنون مكران وإلى الحدود الشرقية لكرمان.
ويعتقد البعض أنّ اسم براهوائي هو تحريف لاسم (إبراهيم) كما يسمّي الأكراد في غرب إيران اسم (إبراهيم) بـ (برو) ويذكرون تفسيراً آخر لهذ الاسم ربّما كان حظّه من الصحة أكبر وهو (به روهي) أي (أعلى الجبل).
ويذكر بارتولد (في ص128 من الجغرافيا التاريخية) نقلاً عن الإصطخري أنّ «البدو الرحل والوثنيين من البرهة يتجارون مع قندابيل، ويفهم أنّ المقصود هو قوم البراهوائيين الذي يجب أن يسمّى بـ (البرهة) وقد ورد ذكر قندابيل في (حدود العالم) ويعتقد أنّه نفس كنداوة الحالية الواقعة على بُعد 100 كلم إلى الجنوب الشرقي لكلات
وقد اعتبر بعض الأجانب ومن ضمنهم سايكس ـ خطأ ـ أنّ البراهوائيين من الهنود لكونهم يختلفون عن البلوج من حيث الأبدان واللغة، بينما من المسلم به أنّهم من الأكراد، وخصوصاً فقد ذكر موكلر في مقدمة رسالته التي أشرنا لها سابقاً «أنّ البراهوائيين يتكلمون بلغة خاصّة، تسمّى بالكردية أو الكردگالية».
ولا تزال قبائل البراهوائيين الساكنة في نواحي لسن بيلا تسمّى باسم كردگالي.
الأوضاع الاجتماعية والعقائد الدينية
تعتبر القبائل البلوجية من البدو الرحل عدا البعض القليل من سكنة القرى والقصبات، الذين يعملون في الزراعة، ويعتبر العمل الرئيسي للبلوج هو تربية المواشي (وأكثرها الإبل والمعز).
ويعتمدون في بنائهم على الطين وعلى النمط القديم في البناء، وأكثر بيوتهم من جذوع وسعف وخوص النخيل، ويسمّونها البلوج بـ (كوتوك). وتتميز ألبستهم بالبساطة، وهي عبارة عن عمامة وقميص طويل يصل حتّى الركبتين، وسروال طويل يضيق عند كعبي الرجلين. وهكذا لباس النساء أيضاً فهو عبارة عن قميص طويل، ويربطن حلقة مرصعة أو من المعدن البسيط في أنوفهن كما تفعل أكثر النساء خلخال.
ويعتمدون في أكلهم على خبز الشعير والذرة والتمر والجبن والحليب والرز وبعض الحبوب عدا سكان مكران الذين يعتمدون السمك كغذاء رئيسي لهم.
وتحل الحكومة الاختلافات الداخلية لقبيلة ما، من خلال عقد اجتماع خاص باسم (جرگه) مع رئيس هذه العشيرة. ومن خلاله تتوصل إلى حل جميع القضايا المرفوعة بين الأطراف سواء كانت حقوقية أو جزائية. وإذا ما نشب خلاف بين رؤساء القبائل أو احتيج إلى مشورة بخصوص أمرهم فإنّه حينئذ يُعقد المجلس السامي للمشاورة المسمّى (جرگه شاهي) ويتخذ هذا من (سييى) مقراً له على بُعد 110 كلم عن كويته.
وكما هو شأن كلّ القبائل والعشائر الرحل، فإنّ البلوج يخضعون لرؤساء قبائلهم خضوعاً مطلقاً، وينفذون أوامرهم تنفيذاً مطلقاً وأعمى. والأمر الملفت للنظر هو الصراع المستمر والخلاف الذي ينشأ في أغلب الأحيان بين البلوج والبراهوائيين، والذي يكون منشؤه التعصب الأعمى، والأخلاق البدوية للطرفين، ومن البديهي أنّ هناك أيادٍ أجنبية وراء إطلاق هذه الخلافات وتجديدها للوصول إلى الأهداف المغرضة.
ويمكن القول بصورة إجمالية أنّ قبائل البلوج محرومة من العلم والثقافة، بل يمكن اعتبارهم أسوأ بكثير من القبائل الرحَّل في إيران في هذا المجال. ولكنّهم في نفس الوقت من ذوي الذكاء والاستعداد الفكري بحيث لو تهيأت الظروف المساعدة لتعلمهم، وتبنى ذلك أولياء الأمور لأمكن الاستفادة منهم في البلاد، وكما يقول سايكس فإنّ أصعب عقوبة لهم هي النفي من بلادهم، وهذا أكبر دليل على وطنيتهم وتعلقهم بتربتهم، وارتباط هؤلاء الإيرانيين والآرايين بوطنهم. ومن الصفات التي يشهد لهم بها العدو والصديق هي الكرم وحب الضيف والغريب. والصدق وحفظ الأمانة.
ويذكر علي خان الكرماني في معرض الحديث عن شجاعة البلوج «كان تقليد البلوج ولا يزال، هو أنّهم حينما يتقابلون مع العدو، سواء منهم الفارس أو الراجل يستلون سيوفهم، ويطلّقون نساءهم ثمّ يحملون على العدو حملة رجل واحد، وفي اعتقادهم أنّ نساءهم تحرم عليهم إذا «فرّوا في قتالهم مع الأعداء».
والدين الشائع بينهم هو الإسلام، ويوجد بعض الهنود السيخ والمهرات الذين هاجروا أخيراً إلى بلوجستان لأغراض التجارة وغيرها من الهند. وعموم قبائل البلوج والراهوائيين واليهواريين (التاجگيين) وكذلك الجدگاليين هم أتباع الإسلام ويعتنقون المذهب الحنفي، وبينهم بعض الشيعة المعدودين، ورغم كون مذهبهم هو المذهب السني إلاّ أنّ ثمة بعض الشعائر الشيعية توجد عندهم ومنها التعلق الخاص بالإمام الحسين (عليه السلام). واحترام أيام عاشوراء.
ويشيع بينهم احترام الأماكن المباركة وقبور أولياء الله، وأهم هذه المزارات هي مقبرة (هنگلدج) الواقعة في مكران الشرقية قرب بحر عمان، والتي ترجع في تاريخها إلى ما قبل الإسلام، ويكن لها الهندوس الاحترام أيضاً. وكذلك ثمة قبر آخر هو قبر (سخي سرور) الذي يقع في سفوح جبال سليمان قرب ديرة غازي خان و(لال شهباز) أو (جيوه لال) في حدود السند والذي يكن له البلوج غاية الاحترام والإجلال.
ومن المزارات القديمة في شمال بلوجستان (بير سهري) من ناحية بكتى و(زندة بير) في لند، والجبل المعروف بـ (جهل تن) إلى أربعين شخصاً بالقرب من كويته، والذين يعتقدون أنّ أربعين رجلاً قد اختلفوا فيه ومثل هذه العقيدة توجد أيضاً في جبل تفتان حيث يشتهر المكان باسم (جهل تن).
ومن ضمن المزارات الموجودة في بلوجستان الغربية، مزار السلطان الواقع في تلال (بگ) قرب محطة القطار في بلوجستان، وكذلك (مزار ملك سياه) الذي يقع على بُعد 46 كلم شمال زاهدان بين بلوجستان وخراسان، حيث ينسب جبل (ملك سياه) الذي مرّ ذكره إلى هذا المزار. وبالقرب منه ثمة صخرة في واد يعتقد البلوج بأنّها كانت رجلاً حلّ به سخط الملك الأسود (ملك سياه) فاستحال صخرة هامدة، ومن ثمّ فإنّهم يلقون عندها بنذورهم وأضحياتهم وحاجاتهم.
وتقع بالقرب من (بيرعمر) على بُعد حوالي 40 كلم جنوب شرقي (قصدار) ([300]) عين يغتسل بها المذنبون.
زاهدان
واسمها في الأصل هو «دزدآب»، وتعتبر من المدن الرئيسية من حيث اتصال السكك الحديد في بلوجستان ووجود الجمارك فيها. وتقع على عرض 29 درجة و29 دقيقة و30 ثانية وعلى طول 60 درجة و51 دقيقة و40 ثانية، وعلى ارتفاع 1334م عن سطح البحر. وزاهدان ذات مناخ حار ورياح محرقة في فصل الصيف وخلال النهار منه بينما في الليالي تتحول إلى هواء عذب وسماء صافية.
وأكثر سكان زاهدان هم من التجار اليزديين (المجوس) والهنود السيخ، وثمّة طريقان تمتدان من زاهدان، إحداهما إلى مشهد عن طريق هرمك وبيرجند، والأخرى إلى كرمان عبر نصرت آباد ونهرج كرمان وبم، وثمّة طريقان آخران يربطان زاهدان بخواش إحداهما عبر مير جاوه والأخرى عبر گوهر كوه.
سراوان([301])
وتشتمل على عدّة أماكن سكنية ومركزها دزك، التي اشتهرت في الفترة الأخيرة باسم (داوربناه)، وتضمّ قلعة قديمة وهي تبعد عن مدينة خواش حوالي 150 كلم إلى الجنوب الشرقي منها، وتتميز سراوان بكونها منطقة جبلية وبجوها المعتدل والرطب، ويسكنها عدّة قبائل من البلوج. ومن مدنها المشهورة، جالق([302]) التي تقع على بُعد 45 كلم إلى الشمال الشرقي من دزك.
ومناخ جالق حار، ومحصولاتها الزراعية هي الشعير والقمح وأنواع الحبوب، وثمة أشجار التين والعنب والرمان بالإضافة إلى النخيل وهناك منطقة أخرى هي كوهك التي تقع على بُعد 90 كلم إلى الجنوب الشرقي من دزك، وفيها قلعة قديمة ومقبرة شمس الدين([303]).
بزمان
تقع على بُعد 101 كلم إلى الشمال الغربي من فهرج (ايرانشهر) وفي السفوح الجنوبية للبركان المعروف بـ (بزمان) وتشتهر هذه المنطقة بخيراتها. وتضم عدّة مدن هي: بزمان وبجساره وعلي آباد وكيمان وگركان ومگسان.
بمپور
بعرض 27 درجة و12 دقيقة وطول 60 درجة و27 دقيقة وعلى بُعد 24 كلم غرب فهرج. وتعدّ من أقدم مدن بلوجستان، وكانت على خط عبور الإسكندر، وتوجد فيها الآن قلعة أقيمت على تل صناعي وتشبه هذه القلعة من حيث البناء قلعة بم في كرمان. وتضم ايرانشهر عدّة قرى، وتسكنها عدّة قبائل بلوجيه.
ومن المناطق الجديرة بالذكر في بلوجستان إيران هي، مگس (المعروفة بقلعة الزابلي) وسرياذ اللذين يقعان على التوالي على بُعد 95 كلم إلى الشرق من فهرج و80 كلم إلى الجنوب الشرقي منها. وگه (بالكاف الفارسية المكسورة) والتي تعرف الآن بـ (ينكشهر) وهي واقعة على عرض 26 درجة و13 دقيقة و13 ثانية وطول 60 درجة و12 دقيقة و40 ثانية. وكذلك قصرقند التي كانت تعرف سابقاً بـ (كوكش قند) وتقع على بُعد 55 كلم إلى الشرق من گه. وثمة منطقة أخرى باسم (باهو كلات) على بُعد 63 كلم عن ميناء گواتر.
المهندس محمد علي مخبر
بم (كورة ومدينة)
كورة بم (ويكتبها البلدانيون العرب بتشديد الميم)، هي حول المدينة التي بهذا الاسم، في الجنوب الشرقي من ماهان، على شفير المفازة العظمى، وعند الحد الشرقي لكرمان. وصف ابن حوقل مدينة بم في المائة الرابعة (العاشرة). بأنّها أكبر وأصح هواء من جيرفت، بها نخيل، ولها قلعة منيعة مشهورة. «وبمدينة بم ثلاثة مساجد يجمعون فيها الجمعات، فمنها مسجد للخوارج، ومسجد جامع في البزازين، ومسجد جامع في القلعة». «ويعمل ببم، ثياب من قطنهم فاخرة حسنة، تحمل إلى أباعد الديار، ويحمل من بم أيضاً العمائم والمناديل والطيالسة». وذكر المقدسي: «عليها حصن بأربعة أبواب: باب نرماسير، باب كوسكان، باب أسبيكان، باب كورجين. فيها بعض الأسواق وبقية الأسواق خارجها. وفي وسط البلد نهر يجري على حافة البلد ويدخل القلعة. ومن أسواقها سوق جسر جرجان. ومن حماماتهم المذكورة، حمام زقاق البيذ. وجبل كود منها على فرسخ، بقربها قرية عظيمة، أكثر ما يعمل من الثياب بها» وأشار المستوفي في المائة الثامنة (الرابعة عشرة) إلى قلعة بم المنيعة وتكلم على هوائها وقال إنّه حار.
بَمْ (قلعة)
تقع هذه القلعة على بُعد ستة كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة بم، وتبلغ مساحتها حوالي ستة كيلومترات مربعة.
تتكوّن في الأصل من سبعة أقسام، لا تزال خمسة منها قائمة إلى الآن، وتعتبر أكبر قلاع إيران. وإذا لاحظنا أسطورة «هغتواد» والسكك النقدية القديمة التي وصلت إلينا، فإنّها تشير إلى أنّ أقدم تاريخ للسكن في هذا المحل يرجع إلى عهد الإشكانيين.
وقد ورد الحديث عن (بَمْ) في كتاب حدود العالم حيث يقول: «… بم مدينة ذات هواء عذب، وفيها سور محكم، وثلاثة مساجد جامعة، وهي أهم من جيرفت، وتنتج الكرابيس (جمع كرباس) وأنواع الثياب والمناديل، ويكثر فيها التمر».
وينسب بعضهم بناء قلعة بم إلى بهمن بن اسفنديار. ويحيط بالقلعة خندق لا تزال بعض آثاره موجودة إلى الآن. وتوجد في جدران السور بعض آثار الطوب المعروف في العصر الساساني يتراوح عرض الخندق بين ثمانية وعشرة أمتار ويبلغ عمقه ستة أمتار وفي بعض الأماكن أربعة أمتار. وتؤمن مياه القلعة بواسطة قناة تجري عبر طريق (شترگلو) وتدخل القلعة بعد ذلك.
يبلغ ارتفاع السور 21م وهو في أسفله بالغ المتانة، ولكن متانته تقل في أعلاه فتبلغ مترين. ويتميز الطوب المستعمل في بناء القلعة بقوّته وإحكام صناعته. وتنتشر على مسافات محدّدة من السور أبراج مستديرة ونصف أسطوانية. وللدخول إلى القلعة، ينبغي اجتياز الممر الوحيد المؤدّي إلى داخلها ويقف على جانبيه برجان بارتفاع 17م، وبعد تجاوز ثماني عشرة درجة من سلم الدخول يبدأ الممر المقابل لبوابة الدخول ليفضي إلى منطقة السوق التي يبلغ طولها ستين متراً.
ينقسم السوق إلى أربعة أقسام، وكان الشغل فيه مستمراً حتّى حدثت ثورة آقاخان المحلاتي في عام (1253هـ). وفي نهاية السوق ثمة ميدان كبير كان موضعاً لإقامة مراسيم العزاء بالإضافة إلى الحركة التجارية فيه. وبعد تجاوز هذا الميدان نصل إلى مواضع الاصطبلات ومحل الطاحونة الهوائية. وبالقرب من مواضع الاصطبلات يُوجد حصن ثانٍ يحتوي على حُجُرات للحراس.
وتتعلق الزخارف وأنواع التزيينات الجدارية الموجودة في الاصطبلات وأماكن العلف بالعصر الإيلخاني وربّما العصر التيموري. ثمّ نصل بعد تجاوزنا لهذه الأماكن إلى ميدان المدفعية الذي يرجع تاريخ أحداثه إلى زمن فتح علي شاه وحكومة إبراهيم خان ظهير الدولة، وأمّا بناء ترسانة الأسلحة فيتألف من طابقين، وأغلب الظنّ أنّ هذه الترسانة تتعلق بالعصر الصفوي أو التيموري. ويوجد خلف السور الثاني، جدار آخر مشيّد على صخور تل موجود هناك. ومن الأبنية الأخرى الملفتة للنظر والتي ترجع إلى العصر الصفوي أو التيموري؛ الدهاليز والممرات الملتوية التي ذُكر بأنّها كانت تستخدم كسجون.
والقسم الخامس من القلعة وهو أعلى الأقسام جميعاً، كان يتّخذ منه مركز لاستقرار حاكم القلعة وقد شيّد في العهد الصفوي على الآثار المتبقية من العهد الساساني. ومن بين هذه المجموعة، ثمة بناء يعرف باسم (جهار فصل) يتكوّن من أربعة إيوانات تتوسطها قبة، وهو مشيّد على الآثار الساسانية القديمة بالطوب الكبير، ومن أبرز الآثار الموجودة في هذا البناء، برج المراقبة الذي يبلغ ارتفاعه 15م وهو مقام إلى جانب مقر الحاكم، ويتكوّن سلَّمُه من عدّة درجات، توجد فاصلة بين كلّ ثلاثة منها، ويبدو أنّ التعمير والترميم الأساسي الذي طرأ على هذا البرج يرجع إلى العهد الصفوي. ومقر الحاكم عبارة عن بناء منظّم يحيط بصحن مستطيل.
والأبنية الأخرى الموجودة في قلعة بم، عبارة عن المحلات السكنية العامّة التي تشتمل على أزقة ملتوية متداخلة، وتتفاوت بيوت هذه المحلات بمساحتها فبعضها كبير والبعض الآخر صغير ويرجع بناء بعض هذه البيوت إلى العهد السلجوقي.
ومن الأبنية الرئيسية الأخرى في قلعة بم، يمكن أن نذكر مسجدها، الذي يعتقد البروفسور (يو رنان) بأنّ بناءه يرجع إلى عهد الصفاريين ثمّ تعرض لبعض التغييرات. وتوجد نقوش على محراب المسجد ترجع إلى عام 810هـ. وقد تحدث بوب عن هذا المكان قائلاً: «يبدو من خلال ملاحظة مسجد قلعة بم وأسفل جدرانه المهدمة، أنّ غرفة عظيمة كانت قائمة هناك، ولا تزال بعض التزيينات الموجودة في أسفل الطاق القديم والطيقان النصف دائرية قابلة للرؤية إلى الآن. وفي نهاية الإيوان ثمة محراب قديم وهو أجمل من الطاق الموجود في الإيوان، ويعتبر آية من آيات العظمة الآيلة لعهد الصفاريين ومن الأبنية الأخرى الموجودة في هذه القلعة، وينسب بناؤها إلى العهد التيموري؛ بناء الخانقاه أو المدرسة، وهو عبارة عن ساحة في الوسط، تنتصب إلى جانبيها الشرقي والغربي حجرات الطلاب، وللبناء بوابتان، إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب وتوجد في القلعة بناية «الزورخانه»([304])، وحمام خلف البرج الغربي الكبير، ولا يزال اثنان من خزاناته موجودة آثارهما.
بناء المقالة الفاطمية
في نقص الرسالة العثمانية
تأليف: السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن موسى بن طاووس الحسني الحلّي، المتوفى سنة 673هـ. ردّ على الجاحظ في رسالته «العثمانية».
بنت جبيل
من أمهات بلدات جبل عامل تقع على سفح جبل مارون الراس الشمالي الذي يفصلها عن الحدود الفلسطينية على ارتفاع يتراوح بين 750م و850م عن سطح البحر. عند التقاء خط عرض 33 و7 شمالاً وخط طول 35 و26 شرقي خط غرينتش.
وقد أهل لها موقعها حقبات تباعدت في قدمها، احتلال مكانة مرموقة مكّنتها من أن تلعب دوراً مهماً في الأحداث المتتابعة في عهد الحكم الإقطاعي، وحتّى ما بعد زوال الحكومات الإقطاعية المحلية، حافظت بنت جبيل على مكانتها على الرغم من انتقال الحاضرة السياسية، إلى سواها.
ومتانة مكانة بنت جبيل وديمومة دورها تجد تفسيرها في الدور الاقتصادي الذي كانت تلعبه البلدة سواء في التعامل الداخلي (جبل عامل) أو في التعامل الخارجي (لبنان ـ فلسطين ـ سوريا).
فعلى صعيد التعامل الداخلي لم يحدث أن استطاعت أيّة بلدة في منطقة بنت جبيل أن تنتزع منها امتياز الصدارة في التسويق الداخلي.
وعلى صعيد التعامل الخارجي، كانت بلدة بنت جبيل نظراً لتوسط موقعها بين لبنان وفلسطين وسوريا قبلة التعامل التجاري.
وكانت بنت جبيل حتّى مطلع القرن العشرين قرية متواضعة، لا يتجاوز عدد سكانها الألفين وفي سنة 1930م أصبح عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة ثمّ تضاعف هذا العدد خلال عشرين عاماً فبلغ في التقدير الإحصائي عام 1953م (5836 نسمة). وهذا العدد لا يعطي الرقم الصحيح لعدد السكان، نظراً لأنّ البلدة كانت تابعة لقضاء صور حتّى سنة 1951م. وهذا يجعل كثيراً من الأهالي يتعاونون في تسجيل أبنائهم في دائرة النفوس التي كانت موجودة آنذاك في صور والتي تبعد زهاء أربعين كيلومتراً عن بنت جبيل. وفي عام 1961م أجرت الدولة تقديراً إحصائياً يحدّد عدد سكان بنت جبيل بـ (9253 نسمة) كما حدّد عدد سكان قضاء بنت جبيل بـ (20621 نسمة). أمّا إحصاء عام 1965م فقد حدّد عدد سكان بنت جبيل بـ (10718 نسمة) مقسمين بين 5211 ذكوراً و5507 إناثاً). وعدد سكان القضاء (69950 نسمة). وهي تشكل مع مجموعة القرى التي تدور في فلكها والمرتبطة بها اقتصادياً، مجموعة سكنية كبرى، إذا ما قورنت ببقية قرى القضاء. إذ إنّها تضمّ ست عشرة قرية من أصل 36 قرية ويبلغ عدد سكانها حوالي (49414 نسمة).
سوق الخميس
يقوم في بنت جبيل سوق عام كلّ يوم خميس في كلّ أسبوع ولهذا سمّي «بسوق الخميس» وهو من أعظم المحلات التجارية في المنطقة، ولولا هذا السوق لكانت بنت جبيل قرية بسيطة ككل القرى اللبناية التي تشبهها في الموقع وعدد السكان. ولكن سوق الخميس أكسب بنت جبيل الصفات التجارية وأسبغ عليها وضعاً خاصّاً جعل يوم الخميس فيها معرضاً عاماً عجيباً تلتقي فيه مختلف الوجوه من مختلف البلدان. وتباع فيه كلّ السلع من الإبرة إلى الجمل. ويجتمع فيه من الخمسة إلى الستة آلاف شار وبائع، كانوا يفدون إليه من مختلف أنحاء فلسطين حتّى قطاع غزة ومن منطقة حوران السورية، بالإضافة إلى القرى اللبناية المجاورة التي تصل بامتدادها أحياناً إلى صور وصيدا. وبانقطاع الصلة مع فلسطين للاحتلال الصهيوني ضعف أمر السوق.
البند في الأدب العراقي
إنّ الكثرة الغالبة من القرّاء، بل الكثير من أبناء الأمّة العربية في مختلف أقطارها لا يعرفون شيئاً عن (البند) الذي شاع استعماله في الأدب العراقي خلال القرون الماضية، واختفى أثره أو يكاد يكون دون أن ينال ما يستحقه من عناية واهتمام.
بنت جبيل
إنّ كلمة البند فارسية الاصل ذات معانٍ متعددة، عرّب بعضها وورد في معاجم اللغة العربية منها ما يعني (العلم الكبير) أو (علم الفرسان) أو (اللواء الضخم) ومنها ما يشير إلى أنّ من معاني (البند): البحيرة، الفصل والفقرة من الكتاب، القيد، والرباط، والحيلة… إلخ وجمعه (بنود) غير أنّ هذه المعاني وغيرها كثير، ليست هي المقصود فيما نحن بصدد البحث عنه.
ولعل خير تفسير لمعنى (البند) الذي نريد توضيحه هو ما نشرته مجلة (اليقين) البغدادية في عددها الأوّل الصادر في 16 نيسان عام 1922 والذي سجّله لها الأب انستاس ماري الكرملي حيث قال:
«ومن معانيه (البند) أيضاً: البيت ينظم عدّة أبيات ويعاد، وله قافية تختلف عن قوافي سائر البيوت».
ومن تتّبع دراسات مؤرخي الأدب العربي الذين عنوا بتسجيل تاريخ الأدب في القرون المتأخرة يظهر لنا بعضها أنّ (البند) من الصناعات اللفظية التي شاع ابتداعها (منذ القرن السادس للهجرة) في الأندلس حتّى ورثها (الخلف العاق) كما يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه (تاريخ آداب العرب) «فتجاوزوا إليها حقائق المعاني وتعبّدوا الألفاظ وساعدتهم أحوال الزمان فكان الواحد منهم إذا نظم قصيدة أو كتب رسالة فتح بقلمه قبراً من قبور اللغة ولم تزل تلك حالتهم حتّى انتصف القرن الثالث عشر فأخذت تلك الجراثيم تضعف ثمّ تتلاشى إلى النهضة فماتت إلاّ في بعض زوايا المساجد وبقيت في الزوايا خبايا».
ومن تلك الصناعات التي بحث فيها هؤلاء المؤرخون كما هو معروف «لزوم ما لا يلزم» والقوافي المشتركة، والقصائد المعراة ومحبوك الطرفين، وذات القوافي، والقوافي الحسية، والتاريخ الشعري والتخميس والتشطير وما يقرأ نظماً ونثراً، والملاحن والألغاز والمعمى والأحاجي والبنود وما إلى ذلك». والثابت تاريخياً أنّ (البند) لم يكن معروفاً في العراق وخارجه قبل أوائل القرن الحادي عشر للهجرة إلاّ أنّ أوّل شاعر عرفه وسلك طريقه كان الشاعر العراقي المعروف بابن معتوق المتوفى سنة 1087هـ.
وقد اعتبر عباس العزاوي (أدب البند) هذا «بذرة التجدد المشهودة في حياة الأدب العربي عندنا في العراق خاصّة».
أمّا محمد الهاشمي صاحب مجلة اليقين البغدادية فقد قال (إنّ البند من مخترعات العراقيين أو هم أوّل من كتب به في اللغة العربية، كما اخترع الأندلسيون الموشح المعروف وقد قال السيد محسن الأمين في كتابه (معادن الجواهر ونزهة الخواطر) بأنّ البند من (مخترعات أهل الحويزة) ولعل الذي حمله على هذا الرأي كون الشاعر ابن معتوق الموسوي من شعرائها. على أنّ الحويزة والبصرة وما جاورهما من مناطق الجنوب كانت تحت إمارة حسين باشا آل افراسياب وأنّ الشاعر المذكور قد سكن العراق مدّة من الزمن وعلاقته به وثيقة.
ولقد ذهب عبدالكريم الدجيلي في كتابه (البند في الادب العربي) إلى القول «بأنّ البند قد اقتبسه ابن معتوق أو غيره من الأدب الفارسي إذ أنّ ذكره ورد في كتاب «المعجم في معايير أشعار العجم» الذي عرف البند بـ «موقوف المعاني» غير أنّ المستشرق (ادوارد جرانفيل براون) أشهر من أرّخ الأدب الإيراني، لم يورد أي ذكر (للبند) على الصورة التي بدا بها في الشعر العراقي، حين سجل بحور الشعر الإيراني، إنّما الذي ذكره منها (الترجيع بند) و(التركيب بند) وقد شرح لنا هذين النوعين قائلاً:
«وهذان النوعان من القصائد الموشحة يشتمل كلّ واحد منهما على عدد من الوحدات تكون في العادة متساوية في عدد أبياتها وتكون كلّ واحدة منها قافية واحدة ويفصل بين الوحدة والأخرى بيت مستقل من الشعر ليبين لنا نهاية الوحدة التي سبقته وبداية الوحدة التي تليه فإذا تكرر بيت بعينه بعد نهاية كلّ وحدة (وهي ما تسمّى بالبند) فإنّ المنظومة تسمّى بـ (الترجيع بند).
أمّا إذا تكرّرت أبيات مختلفة بعد نهاية الوحدات وكانت هذه الأبيات متفقة القافية مع بعضها ومختلفة عن سائر الوحدات فإنّ المنظومة تسمّى في هذه الحالة بـ (التركيب بند) ويجب أن تجري المنظومة من هذين النوعين على وزن واحد في جميع أبياتها».
ويجدر بنا قبل أن ندخل في بيان مميزات البند وموقفه من الشعر أو النثر، أن نقرأ معاً بنداً من بنود (ابن معتوق) باعتباره أوّل شاعر نظم فيه قبل حوالي ثلاثمائة عام ليسهل أمام القارىء متابعة البحث.
قال ابن معتوق (في وصف الآيات السماوية):
«أيّها الراقد في الظلمة، نبّه طرف الفكرة، من رقدة ذي الغفلة، وانظر أثر القدرة، وأجل غسق الحيرة، في فجر سنا الخبرة، وارن الفلك الأطلس والعرش، وما فيه من النقش، وهذا الأفق الأدكن، في ذا الصنع المتقن، والسبع السماوات، ففي ذلك آيات، هدى تكشف عن صحة إثبات. إله كشفت قدرته عن غرر الصبح، وأرّخت طرر النجح على نحر ضياء فغدا يغسل من مبسمه الأشنب في مضمضتي نور سناه لعس الغيهب واستبدلت الظلمة من عنبرها الأسود بالأشهب واعتاضت من مفرقها الحالك بالأشيب وانصاعت من خوف كميت الشفق المعلم، دهم الغسق المظلم إذ سار من المشرق في سابقة الأشقر، ملك فلك الأعظم، وانيت من النور وأجرى لجج الليل بثوب السبج الأسحم كالسيل فاسود، وأبدى زبد النجم من خالص بلور وعسجد فكسته حلة النيل وحلته بإكليل وجلته بمصباح من البدر لاح ومن كوكب زهراء بقنديل، ومن شهب ثرياه بمشكاة فسواه منيراً. فهو الأوّل والآخر والباطن والظاهر، والقابض والباسط والباعث والوارث، والعادل والظالم في خائنة الأعين سراً وجهراً».
ومن إنشاد هذا البند إنشاداً صحيحاً لا بدّ لنا أن نتساءل مع القارىء (الذي لم تقع عيناه على هذا الضرب من الأدب قبلاً) هل هذا الذي أثبتناه هو من الشعر أم النثر أم شيء آخر؟! ولكي تسهل علينا الإجابة لا بدّ لنا من الرجوع إلى من درسه من مؤرخي الأدب عسانا نستطيع بعد الوقوف على آرائهم فيه أن نكون لنا رأياً خاصاً في هذا الأمر.
فالرافعي يرى البند «نوعاً من السجع الذي بنيت جمله على التوقيع وقسمت إلى أجزاء قصيرة من العروض تنتظم أوزاناً مختلفة فتلبسها شبهاً من الشعر وهي ليست منه».
أمّا محمد الهاشمي فقد اعتبره «ضرباً من الكلام المسجع الموزون أشبه ما نسمّيه في هذه الأيام (بالشعر المنثور) وبعض أساجيعه آتية على وزن (بحر الهزج) وهو:
مفاعيلن مفاعيلن
مفاعيلن مفاعيلن
في حين يراه عباس العزاوي «أشبه ما يكون بالنظم إلاّ أنّه أقرب إلى النثر أو هو حلقة وسطى بينهما إذ لا كلفة فيه من جرّاء أنّه لا يلتزم بقافية وربّما صحّ أن نقول إنّه (شعر حر) كما يسمّى هذه الأيام».
أمّا عبدالكريم الدجيلي فيقول:
«فهو ليس بالموزون المقفى فيعد من باب الشعر العربي المعروف ولا هو بالذي انتزعت عنه هاتان الصفتان (الوزن والقافية) فيكون من قبيل النثر وبابه فهو إذن الحلقة الوسطى بين النظم والنثر اقتضته شرعة التطور وأوجده عامل الزمن كما أوجد الموشح والرباعيات وأخيراً الشعر الحر وما شاكله».
ثمّ يضيف إلى ما تقدّم قوله:
«وإذا أردنا التعبير القويم عنه فهو أشبه بما نسمّيه اليوم (بالشعر المنثور) إلاّ أنّه يختلف عنه للموسيقى التي تكتنفه والإيقاع الجميل الذي يأخذ بالألباب والفكر خاصّة منه هذا المسجع وكثيره يعنى بالبديع وجمال اللفظ من ترصيع وازدواج وغيرهما».
وهكذا ومن حصيلة هذه الآراء وما فصله البعض في دراسته يبدو أنّ (البند) في نظرهم يجري على بحر (الهزج) بينما يذكر لنا الشاعر السيد علي باليل المتوفى عام 1186هـ بأنّه نظم بنوده على وزن بحر (الرمل).
وتعترض الشاعرة العراقية نازك الملائكة بأنّها لم تكن قد سمعت بالبند قبل عام 1953 على قوّة اهتمامها بالشعر العربي، لأنّ كتب العروض (كما تقول) وكتب الأدب المتداولة لم تشر له كما أنّ مدرسي الأدب لم يذكروه في صفوفهم وحتّى كبار الشعراء في عصور الأدب الزاهرة لم يمارسوا نظمه وإنّما اقتصر على استعماله شعراء العراق المتأخرون. ولقد توفّرت على دراسة البند دراسة عميقة وأحاطت به وبفنّه إحاطة تامّة وأفردت له في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) فصلاً خاصاً بعنوان (البند ومكانه من العروض العربي) وقالت في مفتتح ذلك الفصل (ولقد ألِفَ الشعراء الذين ينظمون البند أن يكتبوه كما يكتبون النثر بحيث يبدو لنا حين ننظر إليه وكأنّه نثر اعتيادي) والبند في رأيها أقرب أشكال الشعر العربي إلى (الشعر الحر).
ولقد مرّ بنا أنّ بعض الكتّاب قد قالوا بأنّ شعر البند يستند إلى بحر (الهزج) فلا يتقيد بأسلوب الشطرين اللذين تقيد بهما الشعراء العرب منذ أقدم العصور. ولكن (نازك) قد اكتشفت بعد دراستها المركزة له «أنّ القاعدة العروضية للبند، هي أنّه شعر حر تتنوّع أطوال أشطره ويرتكز إلى دائرة (المجتلب) مستعملاً منها الرمل والهزج معاً» وقد وضعت خطة عامّة للتفعيلات في البند رغبة منها في مساعدة الراغبين في نظم البند من القرّاء.
وتعتبر محاولتها هذه أوّل محاولة لاستقراء مقياس عروضي للبند لا سيّما بعد أن أهملته كتب العروض إهمالاً ملحوظاً لأنّها (نازك) بعد أن درست وجهات نظر الذين مارسوا نظمه واعتبروه من بحر الهزج لا يتخطاه ويكتب على أسطر متتالية كما يكتب النثر، رأت أنّ غير قليل من الشعراء قد حزر أنّ الهزج يتحوّل إلى الرمل أحياناً غير أنّهم لم ينتبهوا إلى ضرورة التمهيد للانتقال وحسبوا أنّ ذلك يمكن أن يتم بقفزة من الهزج إلى الرمل وبالعكس دون أن يفطنوا إلى أنّ هناك خطة محكمة للوزن يتبعها (البند) وبها يصل إلى تلك الموسيقية العذبة التي يمتلكها. كما رأت أنّ من هؤلاء الشعراء طائفة لم تلاحظ على الإطلاق أنّ البند يقوم على أساس (التفعيلة) وأنّ ذلك فيه هو الذي يبرّر تنوّع أطوال الأشطر وهي الميزة التي اختص بها دون الشعر العربي السابق كلّه.
والبند حسب رأي نازك ذو خاصتين:
1 ـ إنّه شعر ذو أشطر غير متساوية الطول. وكلّما كان تنوّع الأطوال أوضح كان البند أكثر موسيقية وأصالة.
2 ـ إنّه شعر ذو وزنين هما (الرمل والهزج) يتداخلان تداخلاً فنياً مستنداً إلى قواعد العروض العربي فلا تختتم أشطر الرمل إلاّ بالضرب (فاعلاتان) الذي يمهد لبحر الهزج فيصحّ أن يليه. وعندما يبدأ الهزج يستمرّ الشاعر عليه حتّى يورد في آخر أحد الأشطر الضرب (فعولن) الذي يمهد لبحر الرمل فيصحّ أن يعود ثانية وهكذا. وإذا اختلّ أي من هذين الشطرين كانت النتيجة نظماً آخر لا صلة له بالبند.
ومن البنود الهامّة التي ذاعت شهرتها في الأوساط الأدبية العراقية (بند ابن الخلفة). وابن الخلفة هذا هو محمد بن إسماعيل كان أديباً شاعراً يعرب الكلام على السليقة وكان يتحرف بالبناء. توفي عام 1247هـ. و(بنده) هذا، هو الذي نظمه في مدح الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) وها نحن نثبت قسماً منه فيما يلي:
«ألا يا أيّها اللائم في الحب، دع اللوم عن الصب، فلو كنت ترى الحاجبي الزج فويق الأعين الدعج، أو الخد الشقيقي، أو الريق الرحيقي، أو القد الرشيقي، الذي قد شابه الغصن اعتدالاً وانعطافاً، مذ غدا يورق لي آس عذار أخضر دب عليه عقرب، الصدغ، وثغر اشنب قد نظمت فيه لآل لثناياهن في سلك دمقس أحمر جل عن الصبغ، وعرنين حكى عقد جمان يقق قدره القادر حقاً ببنان الخود ما زاد عن العقد، وجيد فضح الجؤذر مذ روعه القانص فانصاع دوين الورد يزجي حذر السهم طلا عن متنه في غاية البُعد، ولو تلمس من شوقك ذاك العضد المبرم، والساعد والمعصم، والكف الذي قد شاكلت أنمله أقلام ياقوت فكم أصبح ذو اللب من الحب بها حيران مبهوت، ولو شاهدت في لبته يا سعد، مرآة الأعجايب، عليها ركبا حقان من عاج، هما قد حشيا من رائق الطيب، أو الكشح الذي أصبح مهضوماً نحيلاً، مذ غدا يحمل رضوى، كفلا بات من الرص، كموار من الدعص، ومرتج بردفين عليها راكبا من ناصع البلور ساقين، وكعبين اديمين، صيغ فيهن من الفضة أقدام، لما لمت محبا في ربا البيد، من الوجد بها هام! أهل تعلم أم لا أنّ للحب لذاذات، وقد يعذر لا يعذل من فيه غراماً وجوى مات، فذا مذهب أرباب الكمالات فدع عنك من اللوم زخاريف الحكايات، فكم قد هذب الحب بليداً، فغدا في مسلك الآداب والفضل رشيداً، صه فما بالك أصبحت غليظ الطبع لا تعرف شوقاً لا ولا تظهر توقاً، لا ولا شمت بلحظيك، سنا البرق اللموعي، إذا أومض من جانب أطلال خليط منك قد بان، وقد عرس في سفح ربا البان ولا استنشقت من صوب حماء نفحة الريح، ولا هاجك يوماً للقاء من جوى وجد وتبريح، لك العذر على أنّك لم تحظ من الخل بلثم وعناق وضم والتصاق، وغرام واشتياق، لم تكن مثلي قضيت ليال سمح الدهر بها مذ بات سكرى قرقف الريق بتحقيق، فما هوة إبريق، ومشمومي ورد لاح في وجنة خد فاح لي عرف شذاه وإذا ما جنّ ليل الشعر من طرته أوضح من غرته صبح سناه لو ترانا كلنا يبدي لدى صاحبه العتب ويبدي فرط وجد مؤلم أمضره القلب سحيرا، والتقى قمصنا ثوب عفاف قط ما دنس بالإثم سوى اللثم لأصبحت في الحيرة حتّى جئتني من خجل تبدي اعتذاراً ولأعلنت بذكر الشادن الأهيف سراً وجهاراً».
وقد تناول شعراء البند في القرون الثلاثة الماضية مختلف الأغراض الشعرية من مدح وهجاء ورثاء وغزل ونسيب وتشيب وتصوّف وما إلى ذلك ولئن بانت على الكثرة الغالبة من تلك البنود ملامح التأثّر بالأفكار السائدة والآراء التي لا تتفق وآراء اليوم فلا لوم على الشاعر في منحاه لأنّه ابن بيئته وربيب مجتمعه، فليس العيب (إن وجد) في البند، ولكنّه أثر المجتمع وثقافة العصر! ومهما يكن من شيء فقد أثبت البند قدرته على معالجة مختلف قضايا الحياة وأنّه قابل للتطوّر ويا حبذا لو درس دراسة موسعة (كما درسته نازك) في مختلف الأوساط الأدبية في البلاد العربية وعني به الشعراء المحدّثون، إذن لعرفوه ولأعجبوا بما فيه من جمل الموسيقى وعذوبة الإيقاع وعزفوا عن ممارسة نظم الشعر الحر أو الشعر المنثور أو قصيدة النثر على الأقل!!
وكمثال جميل على مسايرة البند لعصرنا الحاضر وقدرته على الاستجابة للأغراض والأهداف الوطنية، هذا (البند) الذي نظّمه ضياء شكارة في نهاية عام 1957 بعنوان (يقظة العرب) نثبت منه مقدمته حيث يقول:
«ألا يا ساهر الليل، تناجي الليل يقظان، وتقضي الليل حيران، وقد ضاق بك الصبر، وضاع الخبر والخبر، فلا بدّ من الفجر ليهدي كلّ إنسان!
فقد طال بك الليل، وما أسعفك النجم، فمن عزم إلى عزم، فما أرهبك الحكم، ولا روعك السقم، ولا دنت إلى الظلم، وإن مال بثهلان!!
ولا نسأل عن البرق، وأنّى هو قد لاح، ففي مصر وفي الشام بدا للعين وضاح، يضيء الدرب للركب ويحيي الأمل العذب، وينجاب به الصعب، ازدهاراً بعد أزمان!!
ولا تأس على الماضي، فإنّ الأمر قد جدّ، ولاحت سحب الذر من الآفاق تمتد، ولا عتبى ولا عتب إذا ما افتضح الصب، أو اشتدّ به الكرب، يريد الوحدة الكبرى من (الفاو) لـ (تطوان)!!
ولا تسأل عن العرب، فما مثلي ينبيك ويشكيك ويبكيك، ولا بدّ من الشرح، إذا ما أشكل الأمر.
وهكذا وعلى نفس الأسلوب يأخذ في وصف كفاح الشعب العربي في أقطاره المختلفة من الخليج إلى المحيط، ويختم بنده هذا (بالعراق) إذ يقول:
«وإن عدت إلى الفيحاء واستشرفت بغداد، فلا تسأل عن العهد وقد طال بك الجهد، وأضواك السرى في البر والبحر، فلا بدّ إلى الأحرار يوماً تبلغ القصد، فتبدو لحظة الفجر، تضيء الكون بالنصر، وتحيي الأمل القفر، فلا مستعمر قذر ولا سارق للبذر، ولا ظل لذي قصر، ولا كيد ولا مكر، ولا خطة للغدر، وإذ ذاك يطيب القول في السر وفي الجهر، ويحلو النظم والنثر، فأشدو وطني الغال ومن ضاقت به الدنيا لأجيال وأجيال، بأنعام لها في القلب أشجان وبند مثل نور الشمس فتان!!».
وبعد فهذا هو البند وهذا هو موقفه من الأدب العراقي، كان لوناً من ألوان الأدب العربي وضرباً من ضروبه، شاع استعماله كما رأينا منذ أوائل القرن الحادي عشر للهجرة فنظم فيه كثير من أدباء العراق والخليج خلال الفترة التي انتهت في بداية النهضة الحديثة فلا عجب أن بقي مطموراً في المجاميع المخطوطة أو على ألسنة العامة. وقد شاء له الحظ أن يكون موضع عناية ودراسة عدد من أفاضل أساتذة الأدب العربي ومؤرخيه ولولا جهودهم المشكورة لظلّت (البنود) في زوايا النسيان ولما استطعنا أن نقدّم للقرّاء ما قدمناه لهم في هذه الصفحات عن البند وموقفه في الأدب العراقي ومن ثمّ في الأدب العربي.
عبد الرزاق الهلالي
البند والشعر الحر
قرأت بحثين يتصلان بالبند والشعر الحر، أولهما عن (التفعيلة في الشعر العربي) للدكتور حسين نصار، وثانيهما عن (البند في الأدب العراقي) لعبد الرزاق الهلالي، وقد اعتمد كلّ من الباحثين على كتاب نازك الملائكة (قضايا الشعر المعاصر) في مقدار الصلة بين البند والشعر الحر، وإن كان هدف كلّ منهما يختلف عن هدف صاحبه.
فقد كانت مهمة الدكتور نصار هي تنبيه القائلين بأنّ الشعر الحر يقوم على أسس شبيهة بتلك التي يقوم عليها البند من الشعر العراقي (كذا) باعتباره الفن الوحيد الذي يشترك مع الشعر الحر في قيامه على أساس التفعيلة، في حين يرى الدكتور نصار: إنّ هناك فنوناً شعرية أخرى قامت على الأُسس نفسها. ولكن النقاد تجاهلوها» ثمّ يضرب لذلك أمثلة من (الكان وكان) و(القوما)([305]) من الفنون الشعبية البغدادية التي تختلف أطوال أشطرها في عدد التفعيلات.
والحقيقة أنّ كلاً من (الكان وكان) و(القوما) لا يشبهان الشعر الحر أو البند، لأنّهما ـ وإن تغيّر عدد التفعيلات فيهما بين شطر وآخر إلاّ أنّهما التزما بنظام مطرد، سواء في الوزن أو القافية، فإذا كان الشطر الأوّل من أربع تفعيلات والثاني من ثلاثة ـ مثلاً ـ فإنّ كلّ شطر أوّل وثانٍ كذلك. وهذا شيء وجد في بعض الموشحات الأندلسية أيضاً، ولكن الأمر ليس كذلك في الشعر الحر والبند، لأنّهما لم يلتزما بمثل هذا النظام، فقد كان من أبرز ملامحهما الحرية في عدد التفعيلات والقوافي، دون الالتزام بنظام تجري عليه القصيدة بين شطر وآخر غير الالتزام بالتفعيلة التي قد تتكرّر مرّتين أو ثلاثاً أو أكثر دون تنظيم.
أمّا عبدالرزاق الهلالي فقد كان بحثه دراسة مختصرة عن البند، وعرضاً موجزاً لبعض نماذجه، ولكن الذي يعنيني منه، هو اعتماده في دراسته على رأي نازك الملائكة من التفريق بين عروض البند وعروض الشعر الحر، حيث جعلت البند يتألف من بحرين متداخلين هما (الرمل) و(الهزج)، أمّا الشعر الحر فهو من وزن واحد، وقد أخذ الهلالي هذا الرأي دون أن يكلف نفسه مناقشته.
كما كنت اطلعت ـ على كتاب (فن التقطيع الشعري) للدكتور صفاء خلوصي فوجدته قد عرض وجهة نظر (نازك) الملائكة في وزن البند إلى جانب الرأي المشهور القائل بأنّه جار على وزن الهزج وحده، دون أن يناقش أحد الرأيين!!
وحيث أنّ لي محاولات سابقة في بحث هذا الموضوع كانت أولاها عن (الشعر الحر: تاريخه وتطوّره) سنة 1956 فقد أوضحت فيها الصلة بين الشعر الحر والبند، وكانت الثانية حين صدر كتاب قضايا الشعر المعاصر، فكانت لي مع المؤلفة وقفات طويلة حول عروض الشعر الحر وعروض البند. لذلك فقد رأيت أن أعقب على هذا الموضوع، لا لأصحّح خطأ وقع فيه الإخوان الذين كتبوا عنه، وإنّما لأضع بين أيديهم معلومات توفّرت عليها في دراسة طويلة لعروض هذين الفنين.
ترتأي نازك أنّ عروض البند يجب أن يتألف من وزنين متداخلين ـ الهزج والرمل ـ فيبدأ الشاعر بأشطر رملية (فاعلاتان فاعلاتن) غير متساوية الطول، على أن لا يختمها إلاّ بالضرب (فاعلاتن) لأنّ الجزء الأكبر منها (علاتان) مساوية في وزنها لتفعيلة الهزج (مفاعيل) وبهذا الضرب يمهد للانتقال للبحر الثاني (الهزج) فيستمر في تفعيلاته (مفاعيلن مفاعيلن) على أن لا يختمها إلاّ بالضرب (فعولن) الذي يمهد له العودة إلى الرمل. وهكذا من الرمل إلى الهزج، ومن الهزج إلى الرمل حتّى ينتهي البند. أمّا إذا استمرّ الشاعر في قصيدته على وزن واحد ـ كأن يكون الرمل مثلاً ـ فهو شعر حر وليس بنداً. وهذا هو الفارق الوحيد بين الفنين الشعريين القائمين على أساس التفعيلة.
وترى المؤلفة أنّ الشعر الحر أسهل من البند في خطته لأنّه يقوم على بحر واحد، مقتصراً على تشكيلة واحدة منه لا يتخطاها، شأنه شأن الشعر العربي في أسلوب الشطرين، فلا يستطيع الشاعر الحر أن يجمع بين التشكيلتين التاليتين:
مفاعيلن مفاعيلن
مفاعيلن فعولن
أمّا في البند فإنّ هاتين التشكيلتين تجتمعان للتمهيد للانتقال إلى البحر الآخر، وليس ذلك مستساغاً فحسب بل هو مطلوب في البند.
وقد طبقت الشاعرة هذه الخطة التي اكتشفتها لعروض البند على بند ابن الخلفة الحلي المشهور: (أيّها اللائم في الحب، دع اللوم عن الصب).
وإذا كان لكلّ اكتشاف سبب، فإنّ السبب الذي دعاها لاكتشاف هذه المجاهل العروضية في البند هو أنّها وجدت جماعة ممّن تعرّضوا للبند زعموا أنّه لا يتألف إلاّ من بحر الهزج وحده، بزيادة سبب خفيف في أوّله:
أي يها اللائـ ـم في الحب
دع اللوم عن الصب
مفاعيلُ مفاعيلُ
مفاعيلُ مفاعيلُ
فقالت: (لسنا نعرف في الشعر حرفاً إلاّ وهو داخل في وزن الشطر أو البيت، فبأي حق نفرد سبباً خفيفاً فلا نزنه) ـ ص 170 ـ لذلك فإنّها قطعت البند المذكور، على أساس عدم الزيادة فيه فكانت النتيجة أنّه من الرمل، لما بينهما من تشابه ـ فإنّنا لو أزدنا أي بيت من الهزج سبباً خفيفاً لانقلب إلى رمل ولو انقصنا بيت الرمل سبباً خفيفاً لانقلب الى هزج ـ ولا بدّ أنّها استمرّت، وإن لم توضح ذلك ـ مع تدفق التفعيلة (فاعلاتن) فلم تقف على نهاية للشطر الأوّل إلاّ بعد ثماني عشرة تفعيلة، لذلك جعلت خاصيّة الأولى ـ ص 177 ـ (أنّه شعر ذو أشطر غير متساوية الطول وكلّما كان تنوّع الأطوال أوضح كان البند أكثر موسيقية وأصالة)، حتّى إذا وصلت إلى شطر ينتهي بالضرب (فاعلاتان) رأت البند ينقلب إلى هزج، فاكتشفت السر وأصدرت حكمها على أنّ كلّ بند يجب أن يجمع بين البحرين المتشابهين.
ولا بدّ أن تكون الناقدة قد استنتجت هذه الخطة العروضية الطريفة من استقرائها لكلّ أو أغلب النماذج البندية الموجودة بين أيدينا، كما فعل الخليل بن أحمد حين استفرغ وسعه في قراءة الشعر العربي حتّى استقام له أن يضع هذه القواعد الثابتة لعلم العروض.
ولكن الذي آسف له أنّ مؤلفة قضايا الشعر المعاصر ـ مع احترامي لموضوعية أكثر ما قرأته من نقدها ـ إمّا أن تكون غير جادة في دراستها لعروض البند، وإمّا أنّها لم تستطع الوقوف على مجموعة كافية من البنود، وإلاّ فلو أنّها أخذت بالصبر والإناة على تتّبع تجارب البند الدقيقة لغيّرت هذا الرأي جملة وتفصيلاً وذلك للملاحظات التالية:
1 ـ البند لم يقتصر على الهزج:
فليس صحيحاً ما اعتمدته المؤلفة من الرأي المشهور بأنّ البند يتألف من الهزج وحده، لأنّه ما دام يعتمد على (التفعيلة) المتكررة أساساً له، فيمكن أن يجري في البحور ذات التفعيلة المتكررة، وهو في ذلك كالشعر الحر إلاّ أنّ الموجود، بين أيدينا منه ـ وذلك راجع إلى ما بين عصري البند والشعر الحر من فروق ـ ثلاثة أنواع فقط:
أ ـ نوع من الرمل الصافي، الذي لم تخالطه تفعيلات الهزج، ويوجد منه مائة وخمسون بنداً (للسيد علي باليل) في الجزء الثالث من (أنيس الخاطر) للشيخ يوسف البحراني ـ وقد طبع مرّتين ـ وعشرون بنداً في (معادن الجواهر ج3) للسيد محسن الأمين، وقسّم منها في مجموعة (البنود) للأستاذ عبدالكريم الدجيلي، وهي مطبوعة أيضاً وهذا نموذج منها:
يا مناخ السعد والعز جمالا
ومحيط المجد والفخر رحالا
سرت كالشمس وما الشمس لمولاها مثالا
أنّها سوف تلاقي دون علياك زوالا
جمعت فيك صفات أعجزت، قبل، منالا
بعضها جود غياث يجعل الغيث انهمالا
وكمال. علم البدر كمالا
وجمال بهر العالم بهرا
وقد أشار السيد علي باليل إلى البحر الذي اختاره لبنوده فقال:
قد أنارت كلماتي
فيه كالشهب وزينت بها في كلّ (بند)
(فاعلاتن) ست مرّات فما فوق حوالي
برزت من حجل الفكر تجلّى
كشموس بزغت في (رمل) الأبحر من نظم ابن باليل على
فاخطب الأفكار ـ أن كنت لها كفواً ـ وأهد السمع مهرا
والسيد علي باليل هذا أقدم بكثير من ابن الخلفة، فقد توفي الأخير سنة 1247هـ، أمّا باليل فلم أستطع العثور ـ رغم التتبع ـ على سنة وفاته، إلاّ أنّ بنوده هذه، قد ذكرها مؤلف (أنيس الخاطر) المتوفى سنة 1186هـ وطبيعي أن يكون شاعر هذه البنود أقدم من هذا التاريخ.
ب ـ وهناك نوع من الهزج الصافي الذي لم تخالطه تفعيلات الرمل، وقد نظم فيه الكثيرون أمثال السيد نصرالله الحائري (1156هـ) وهو أقدم من ابن الخلفة. والشيخ عبدالحسين صادق والسيد محمد القزويني وغيرهم ممّن توجد بنودهم في مجموعة الأستاذ الدجيلي، أو في دواوين بعضهم المطبوعة كالسيد الحائري، وهذا أنموذج من بنده الموجود في الديوان:
سلاما ما شذى الزهر وقد باكره القطر
ولا العود على الجمر
ولا نغمته المطربة النفس
ولا العقد من الدر
ولا جيد مها الأنس
ولا زهر نجوم الأفق قد فارقها البدر
ولا وشي الطواويس ولا الخمر… إلى آخر البند
جـ ـ وهناك نوع ثالث يتذبذب بين الرمل والهزج ـ وهذا هو الذي وقفت عليه السيدة الملائكة وحسبته هو البند دون سواه ـ والحقيقة أنّ تذبذب هذا النوع بين الوزنين واضطرابه العروضي ناشىء من:
1 ـ التشابه بين تفعيلتي الهزج والرمل بحيث يمكن، نتيجة لتدفق التفعيلة الواحدة، أن يسرح الشاعر ـ وهو لا يدري ـ من مفاعيلن إلى فاعلاتن، لما بينهما من تقارب سبقت الإشارة إليه.
2 ـ إنّ أكثر هؤلاء الذين تذبذبت بنودهم بين الوزنين، هم قليلو الممارسة لفنون الشعر، ويعوزهم الإحساس المرهف بموسيقاه، بل لعل بعضهم ـ كابن الخلفة ـ مثلاً، كان من شعراء الشعر الشعبي، ثمّ نظم الفصيح على السليقة، ولهذا وقع في جملة أخطاء نحوية وعروضية كقوله (فلو كنت ترى الحاجبي الزج).
3 ـ يضاف إلى ذلك أنّ الفترة التي نشأ فيها البند، فترة خمود الحركة الأدبية، وأغلب النصوص التي وصلت إلينا منه، نقلت على ألسنة جماعة من الرواة الأميين أو القليلي الخبرة بفنون الأدب، فهم قد يزيدون وقد ينقصون وهم لا يشعرون بأنّهم يتحرفون فيما رووه من نصوص.
وهذه الأسباب ـ مجتمعة أو متفرقة ـ هي التي أدّت إلى هذا الخلط بين بعض نماذج البند، كما يوجد اليوم ما تنعاه المؤلفة نفسها على الشعراء المعاصرين من خلط التشكيلات المختلفة للبحر الواحد، في قصيدة واحدة.
من ذلك يظهر أنّ اعتماد المؤلفة على قول العروضيين الذين تعرّضوا للبند: أنّه لا يكون إلاّ من الهزج وحده، يعوزه الكثير من الدقة، في مثل هذا البحث التأسيسي لعروض جديد.
2 ـ زيادة السبب الخفيف:
قلت إنّ السيدة الملائكة اعتمدت على رأي من يقول بزيادة سبب خفيف في أوّل البند، ووجدت بعض النماذج ومنها بند ابن الخلفة المذكور وفيه هذه الزيادة، فأنكرتها مدعية بأنّ الشعر العربي لم يعرف هذه الزيادة. ومن أجل ذلك اكتشفت خطتها لعروض البند، وسوف يكون نقاشنا معها من عدّة جهات:
1 ـ إنّ هذه الزيادة الموجودة في بعض البنود ليست شرطاً ـ كما ذكرت ـ وإن أصبحت (تقليداً) شائعاً ذلك لأنّ كثيراً من النماذج البندية ليست فيها زيادة، فهنالك البنود الرملية لعلي باليل التي سبقت الإشارة إليها… وبين يدي الآن من بنود (الهزج) سبعون بنداً في مجموعة الأستاذ الدجيلي، منها أربعة وثلاثون بزيادة سبب، وستة وثلاثون بلا زيادة. ومن جملة بنود الهزج هذه بند لابن الخلفة نفسه يفتتحه من دون زيادة سبب خفيف:
أيا مرتقيا سرج جواد من جياد الخيل طماح
رباعيا من الضمير في غرته النجم إذا لاح
على أنّ هناك من يروي بنده المشهور ـ كاليعقوبي في البابليات 3/52 ـ على الصورة التي أثبتها الأستاذ الهلالي بلا زيادة سبب:
ألا يا أيها اللائم في الحب
دع اللوم عن الصب
2 ـ القول بأنّ الشعر العربي لم يعرف هذه الزيادة في وزن الشطر أو البيت، قول يعوزه القصد، فقد نصّ العروضيون على (علّة) من علل الزيادة تسمّى (الخزم) ـ وهي زيادة ما دون خمسة أحرف في صدر البيت ـ ولكنّها جارية مجرى الزحاف في عدم اللزوم، قال في (ميزان الشاعر 39): وقد وقع الخزم في شعر العرب ندوراً وقيل كثيراً، ويجوز استعماله للمولدين وقيل لا يجوز، ثمّ يضرب له أمثلة.
ومن أمثلته في زيادة السبب قول الشاعر من الكامل:
(يا) مطر بن ناجية بن سامة إنّني
أجفى وتغلق دوني الأبواب
ومن أشهر أمثلته ما ينسب للإمام علي (عليه السلام) من الهزج:
(اشدد) حيازيمك للموت
فإنّ الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت
إذا حلّ بناديكا
وقد علّق عليه المبرد في (الكامل) ـ 2/138ـ بقوله: (والشعر إنّما يصحّ بأن تحذف أشدد ولكن الفصحاء من العرب يزيدون ما عليه المعنى ولا يعتدون به في الوزن، ويحذفون من الوزن علماً بأنّ المخاطب يعلم ما يزيدونه فهو إذا قال حيازيمك للموت فقد أضمر أشدد، فأظهره ولم يعتد به».
3 ـ وإذا كان العروضيون قد نصوا على جواز الخزم، وعلى وجوده في شعر العرب ـ قليلاً كان أم كثيراً ـ فقد سهل علينا مناقشة الخطة المفترضة لعروض البند وذلك:
أ ـ لأنّنا إذا تمشينا مع فكرة المؤلفة وأردنا تقطيع أي بند، تعذّر علينا الوقوف فيه على شطر متعارف الطول، وهذا المثال من بند ابن الخلفة على فرض أنّه يبدأ بالرمل (فاعلاتن فاعلاتن):
أيّها اللا ئم في الحب دع اللو م عن الصب
ب فلو كن ت ترى الحا جبي الزج ج فويق ال
أعين الدعـ جج أو الخدد د الشقيقي ي أو الريـ
ـق الرحيقي ي أو القد د الرشيقي ي الذي قد
شابه الغصـ ـن اعتدالا وانعطافا
وقد بلغ طول هذا الشطر تسع عشرة تفعيلة حتّى وصل إلى كلمة تصلح للوقوف هي (انعطافاً) وأكثر منه طولاً (الشطر!!) الذي يليه. ولكنّنا لو استثنينا الخزم، وهو هنا سبب خفيف، ومشينا على تفاعيل الهزج (مفاعيلن مفاعيلن) لاستطعنا الوقوف على أكثر من شطر:
(أي)
يها اللائمـ م في الحب
دع اللوم عن الصب
فلو كنت ترى الحاجـ ـبي الزج
فويق الأعـ ـين الدعج
أو الخدالـ ـشقيقي
أو الريق الـ ـرحيقي
أو القد الـ ـ رشقيقي
الذي قد شا به الغصن اعـ ـتدالا وانـ ـعطافا
ومن الطبيعي أن يكون هذا التقطيع أقرب إلى روح الشعر وموسيقاه.
(ب) ـ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّه إذا جاز أن يتجاوز الشطر الواحد هذا المقدار من التفعيلات دون توقف فإنّ الخطة المذكورة تتهدم تلقائياً، وتصبح القطعة التي ادعي أنّ الشاعر تنقّل فيها بين البحرين على خطة مرسومة، إنّما هي من بحر واحد فقط هو الهزج.
فالسيدة الملائكة اختارت القطعة التالية من بند ابن الخلفة، وقسمتها إلى أشطر مع الإشارة إلى عدد تفعيلاتها:
فكم قد هذب الحب بليداً 3
فغدا في مسلك الآداب والفضل رشيدا 4
صه فما بالك أصبحت غليظ الطبع لا تعرف شوقا 5
لا ولا تظهر توا 2
لا ولا شمت بلحظيك سنا البرق اللموعي الذي أومض من جانب اطلال خليط عنك قد بان 9
وقد عرس في سفح ربى البان 3
فوجدت ـ وهي على حق ـ أنّ الشاعر بدأ بالهزج ولكنّه ختم الشطر الأوّل بالضرب (فعولن) لينتقل إلى الرمل في الأشطر التي تليه حتّى وصل إلى الشطر الخامس فختمه بالضرب (فاعلاتان) ليرجع إلى الهزج مرّة أخرى.
ولكن ـ مع افتراض أن يطول الشطر الواحد هذا الطول النابي كما تقدّم ـ فإنّ هاتين التفعيلتين الناشزتين (فعولن، وفاعلاتن) تندكان في طول الشطر وتتحولان إلى تفعيلتين عاديتين من تفعيلات الهزج (مفاعيلن مفاعيلن) ولا يكون حينئذ موضوع للخطة المذكورة، لأنّ الأبيات جرت حسب التقطيع الجديد على وزن الهزج وحده هكذا:
فكم قد هذ ذب الحب بليدا فيـ ـغدا في مسـ
ـلك الادا ب والفضل رشيدا صه فما بال
ك أصبحت غليظ الطبـ ـع لا تعر ف شوقا لا
ولا تظهـ ـر توقا لا ولا شمت بلحظيك
سنا البرق الـ ـلموعي الـ لذي أومـ ـض من جانـ
ب أطلال خليط عنـ ـك قد بان وقد عر
س في سفح ربى البان
3 ـ مناقشة الخطة المفترضة لعروض البند:
هذا على أنّنا لو تجاوزنا كلّ الملاحظات السابقة، وافترضنا سلامة ما توصّلت إليه الناقدة من عروض البند، فإنّ هذه الخطة المفترضة ـ في نفسها ـ لا تسلم لها حتّى في القسم الثالث من البنود التي قلنا بأنّها تتذبذب بين بحري الرمل والهزج، وهذا أكبر دليل على أنّها ليست (خطة عروضية) وإنّما هي اضطراب نشأ عن عدم وعي لمسؤولية العروض.
تقول المؤلفة إنّه يجب على شاعر البند أن يبدأ بالرمل في عدّة أشطر، ولا ينتقل إلى الهزج حتّى يهيأ للانتقال بالضرب (فاعلاتان)، وبعد أن يستمرّ في الهزج في عدّة أشطر، لا يعود إلى الرمل إلاّ بتهيئة العود إليه بالضرب (فعولن) وهكذا.
ومن الطبيعي أن تكون هذه القاعدة التي وضعتها السيدة الملائكة للبند مطردة في البنود كلّها، أو البنود المضطربة التي وقفت عليها ـ على الأقل ـ ولكن حتّى هذا القليل لم يخضع للقاعدة العتيدة. فإنّ شاعر البند قد ينتقل من الرمل إلى الهزج بدون (فاعلاتان) ومن الهزج إلى الرمل بدون (فعولن)، وقد توجد هاتان التفعيلتان ولا يتحوّل الشاعر إلى الوزن الآخر، فأين قانونية ما ذكرته الشاعرة؟؟
(آ) ـ فمن النوع الأول ـ الانتقال إلى الوزن الآخر بدون تهيئة ـ قول ابن الخلفة نفسه في نفس البند الذي أجرت عليه التجربة، وهو مستمر في الهزج:
ومرتج بردفين
عليها ركبا من ناصع البلور ساقين
وكعبين أديمين
صيغ فيهن من الفضة أقدام
وقد انتقل في الشطر الرابع إلى الرمل دون توطئة (بفعولن) كما هو المفروض. ومثله قوله في بنده الآخر (الرحلة إلى بغداد) وقد انتقل في الشطر الثالث إلى الرمل دون تهيئة:
وقف وقفة مبهوت
على دجلة وانظر قبة خضراء قد حلّ بها النعمان ذو القدر
فتحاماها وسلم
ومنه قول عبدالغفار الأخرس، وقد انتقل من الرمل إلى الهزج دون توطئة بـ (فاعلاتان):
ولقد طالت عليه حسراتي بعدما كانت قصارا
فهل يرجع ما فات وهيهات وهيهات
وكذلك قوله:
أشبهت من وضح الصبح ضياء وبهاءً
وصفت حتّى حكت ودي لسلمان صفاءً
كريم الأب والجد
(ب) ـ ومن أمثلة النوع الثاني ـ عدم الانتقال إلى الوزن الآخر مع وجود الضرب المفروض ـ قول ابن الخلفة، وهو يستمر في الهزج، مع وجود (فعولن) في آخر البيت الثالث:
فإن جئت إلى سوق الكمالات
بأهليه المكنى هو في (سوق الجديد) الشاهق المرشد من دون دلالات
حقيق ذاك ان يوصف في سوق (عكاظ)
بما قد حاز من كلّ فتى أمضى من السيف
وكذلك استمراره في الهزج مع وجود (فعولن) في آخر البيت الأوّل:
فإن قال فلم يترك لذي قول (مقالا)
وإن قلت فلن تترك من الخوف انتقالا
واستمرّ في الرمل مع وجود (فاعلاتان) في آخر الشطر الأوّل:
ما ابن عباد ـ وإن جاد ـ وما في الشعر حسان
ما جريري المعاني
ما بديعي الزمان
ما أبو الطيب، والطائي، والصابي، وقيس، وابن هاني.
كذلك فإنّ عبدالغفار الأخرس، لم ينتقل من الهزج مع وجود (فعولن) في قوله:
وقد أورثني حبك من طرفك سقماً وانكسارا
وقد أجّج من وجدي سنا نور محياك ـ وايم الله ـ نارا
وفي قوله:
وهل لي غيرك اليوم ملاذ حين لا ألقى ملاذا
إذا ما ضامني الضيم عياذا
وبعد فأظن أنّ في هذه الشواهد ـ وأمثالها كثير ـ ما يكفي لإقناع السيدة الملائكة بأنّ الخطة المذكورة ليست خطة بمقدار ما هي تشويش واضطراب.
يؤيد ذلك أنّ هذا الضرب (فعولن) ورد بين ضروب كثير من بنود الهزج الصافي حتّى عند الشعراء المرهفين أمثال الشيخ عبدالحسين صادق، والسيد القزويني، وليس إلاَّ من باب الجمع بين تشكيلات البحر المختلفة في قصيدة واحدة، وهو شائع حتّى في الشعر الحر، وحتّى عند السيدة الملائكة نفسها وبكثرة.
4 ـ الخلط بين الأوزان في الشعر الحر:
ثمّ إنّ هذا الخلط بين وزنين ليس من خصائص البنود المضطربة فحسب، بل قد وقع في الشعر الحر أيضاً كالذي فعلته الشاعرة فدوى طوقان في قصيدتها (الكون المسحور) حين مزجت بين المتدارك والرمل، وكالذي صنعه كاظم جواد في قصيدته (الشمس تشرق من المغرب) إذ تنقّل الشاعر فيها أكثر من أربع مرّات، بين بحرين من نفس دائرة المجتلب هما الهزج والرجز، وهذا نموذج منها:
ألم تلمح لواء الجبهة الحمراء خفاقاً يحييك
ألم تسمع أجل أنشودة التاريخ في المعبر والغاب
وفي الآفاق صوب الهيكل المصدوع حرى تطرق الباب
سنقتص سنقتص سنقتص
أتسمعين ضجة الرفاق من بعيد
دفاقة الأصداء كالينابيع الغزار
والريح في الأبعاد تقفو خطوة الصدى
والنسر يرخي الجنح في ظهيرة الذرى
فهو في الأشطر الأربعة الأولى من هذه القطعة جار على الهزج (مفاعيلن مفاعيل) ولكنّه خرج عنها في الأربعة التالية إلى تفاعيل من الرجز المضطرب في تشكيلاته (مستفعلن مستفعلن).
وهناك أمثلة أخرى وقفت عند بعضها السيدة الملائكة نفسها، كقصيدة نذير عظمة من الهزج المخلوط بالرمل، وقالت عنه ـ بناء على سلامة القاعدة التي وضعتها للبند ـ (من المؤسف أنّ ناظم هذا الشعر لا يدري أنّه يكتب بنداً لا شعراً حراً ص 179).
والواقع أنّها غالت كثيراً في إعطاء الأهمية لهذه الخطة المفترضة للبند، فهي لم تكتفِ بعرضها كنظرية قابلة للنقد، بل اعتبرتها قانوناً ترجع إليه كلّ شعر حر اضطربت تفعيلاته، والحقيقة أنّ قلّة إرهاف الحس الموسيقي عند بعض الشعراء يجعلهم يخلطون بين بعض الأوزان المتشابهة، أو بعض التشكيلات المختلفة للبحر الواحد، لا فرق في ذلك بين شعراء البند وشعراء الشعر الحر.
البند والشعر الحر
والخلاصة: ـ إنّ كلاً من البند والشعر الحر جار على أساس التفعيلة الواحدة التي قد تتكرر في أشطره مرّة أو مرّتين أو أكثر حسب حاجة الشاعر، وإنّهما في الواقع مصطلحين لفن واحد هو فن الالتزام بأساس التفعيلة، في مقابل الشطر المتحد الطول في الأرجوزة، أو الشطرين في البيت، أو الدور في الموشحات. وقد سمّي هذا الفن الواحد مرّة (بالبند) وأخرى بالشعر المنطلق، وثالثة بالشعر الحر.
وإنّ هذه المحاولة من السيدة الملائكة للتفريق بينهما، من ناحية القالب العروضي، اعتماداً على بعض الانحرافات العروضية في بعض تجارب البند. لا تستند على أساس منطقي سليم، لأنّ الواقع لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن تكون هذه الاضطرابات ليست هي الخطة الأساسية لعروض البند، فيكون البند هو الشعر الحر بنفسه، وإمّا أن تكون هي البند ولا بند سواها، فتكون بنود باليل الحسيني والسيد الحائري وأمثالهما من البنود الصافية ـ هزجية أو رملية ـ شعراً حراً خالصاً، وإذن فكلّ ما حدث من ضجة حول حركة الشعر وإنّها حركة جديدة نشأت على يد السيدة الملائكة، أو بدر السياب، أو خليل شيبوب، مع زوبعة لا واقع لها.
نعم هناك فرق واحد بين الشعر الحر والبند ـ بالإضافة إلى فروق المضامين بينهما ـ هو أنّ البند اقتصر على تجاربه على بحري الرمل والهزج وترك لوليده الشعر الحر أن يكتب فيهما وفي البحور الستة الأخرى ذات التفعيلات الواحدة.
مصطفى جمال الدين
بندر (قلعة)
ثمّة قلعة على بُعد أقل من نصف فرسخ عن شيراز، يُسمّيها الأهالي هناك بقلعة بندر، ولأنّه لم يعرض لها أحد بالتفصيل كما فعل فرصت الشيرازي([306]) في كتابه القيم آثار العجم والحاج ميرزا حسن فسائي([307]) في كتابه «فارسنامه ناصري»، لذلك ننقل خلاصة كتابتهم ثمّ نضيف بعض الملاحظات عليها. وعين عبارة (آثار العجم) في فصل قلاع شيراز صفحة 416ـ418 بمتنها وحاشيتها وإلى حيث يهمّ موضوعنا هو الآتي:
«قلعة بندر: تقع بالقرب من شيراز على بُعد أقل من ميل إلى الشرق منها وفيها حديقة غنّاء. وتسمّى القلعة أيضاً باسم قهندز بضم القاف وكسر الدال وهو معرب (كهن ذر) إلى القلعة القديمة. وفي شيراز ثمة قلاع تحمل الاسم نفسه، وهو اسم علم يشمل كلّ قلعة قديمة وفي سائر البلاد حيث يُوجد هذا الاسم قهندز في الكثير من المدن حيث يطلق على قلاعها القديمة. وتسمّى القلعة المذكورة أيضاً بـ (فهندز) بفتح الفاء وهو معرب لكلمة (يهن ذر) ويزعم أنّ (يهن) هو اسم شخص سنعرض له في ما هو آت. وذكر في بعض المؤلفات أنّ اسم الشخص هو فهندز ولكن الأوّل أصح. وليس ذلك مانعاً للجمع بين المعنيين، فالاسم العام هو قهندز والاسم الخاص هو فهندز. وهي مشهورة الآن باسم قلعة بندر، وكلمة البندر (الميناء) هي محل تصدير واستيراد البضائع وأكثر ما تكون على سواحل البحر. وكما هو معروف فإنّ قلعة بندر كانت في وقت ما محاطة بالماء من كلّ جوانبها بحيث ينتقل منها وإليها بواسطة السفن، ولكن لم أقف على حقيقة الأمر. وتقع قلعة البندر على جبل قليل الارتفاع ويُحاذيها سفح يمتد إلى الصحراء، بينما تتّصل أطرافها الأخرى بجبل آخر. وقد بُنيت جدران القلعة من الصخور والجص لتكون في مأمن من هجمات الأعداء ولم يبقَ من هذه الجدرا إلاَّ الآثار. ويوجد على قمة الجبل الذي يمثّل وسط القلعة بئر في غاية العمق ويبلغ محيط ثغرها 14 ذراعاً ويبلغ عمقها حواي 100 ذراع وليس فيها ماء. وقد قيست عمق البئر بواسطة حبل شُدَّ إلى أطرافه شاقول. ولا يخفى أنّ الأطفال هناك اعتادوا على أن يلقوا في البئر الحجر كلّما مرّوا بجوارها، وهو على هذا العمق رغم كلّ الأحجار التي ألقيت فيها. ومع أنّ البئر قد نضبت ماؤها إلاّ أنّه يمكن الاهتداء إلى وجود الماء فيها سابقاً من خلال الحوض والمنبع اللذين أقيما مع الآجر إلى جانبها. ويُلقون النساء اللواتي يجب قتلهن في هذه البئر.
وثمّة بئران أخريان في القلعة، الآن أقطارهما أقل من قطر الأولى. وفي الحقيقة أنّ سبب تسميتها (بيهن ذر) يرجع إلى أنّ يهن هذا الذي هو أخو شابور ذو الكتاف قد فرّ من أخيه ولجأ إلى شيراز بجيش من أتباعه، وأذعن لطاعته جماعة من البدو فأقام القلعة وبعض البنايات الأخرى وتحصّن فيها وأسمى المحل باسمه» انتهى…
وقد ورد ذكر هذه القلعة التي يسمّيها (بهن دز) في كتاب فارسنامه ناصري حيث يذكر في المجلد الثاني ص 333 «تقع قلعة بهن دز على حافة جبل على مسافة نصف فرسخ إلى الشرق من مدينة شيراز، وإلى جانبها بستان جميل. وارتفعت جدرانها المقامة من الجص والآجر إلى ثلاثمائة ذراع، وثمّة بئر فيها بقطر 4 أذرع وقد شقّت من خلال الجبل حتّى وصلوا إلى الماء. ولم يبقَ الآن من السور والأبراج شيء يعتد به».
ويذكر السير برس سايكس([308]) في كتابه الموسوم بـ (ده هزار ميل در إيران) ([309]) (في المجلد الثاني من الترجمة الفارسية، طبع طهران عام 1316 شمسي ص 162). بخصوص هذه القلعة قائلاً «ويشاهد أيضاً في شيراز آثار قلعة كبيرة، تحتوي على بئرين عميقتين من الحجر، وإلى الفترة الأخيرة كانوا يلقون كلّ امرأة تتهم بالزنا في إحدى هاتين البئرين. وعلى أوجه اليقين فإنّ هذه القلعة قد أقيمت قبل الإسلام لأنّ الرسوم التي أقيمت عليها تشبه الرسوم الموجودة في مرودشت» انتهى.
ويقول صاحب هذه السطور إنّ هذه القلعة التي تسمّى في لسان عامة الأهالي باسم (قلعة بندر) قد وردت في أغلب الكتب باسم قلعة فهندر أو بهندر (بفاء وهاء ونون ودال مهملة وراء مهملة) ومن جملة هذه الكتب كتاب (شد الإزار در مزارات شيراز) للمؤلف معين الدين جنيد الشيرازي الذي صنّفه في عام 791هـ حيث ورد في هذا الكتاب اسم قلعة فهندر ضمن شرحه لسيرة شيخ الدولة ابن إبراهيم بن مالك الأشتر (رقم 200 من تراجم الكتاب).
والكتاب الآخر هو (تاريخ ملوك آل مظفر فارس) تأليف محمود گيتي أو كتبي والذي صنّفه عام 823هـ. وثمة نسخة واحدة وقديمة لها وقد كتبت عام 857هـ وطبعت عام 1328هـ.ق. في مطبعة الأوقاف الخيرية لـ (گيب) حيث ورد في صفحات 663، 674، 686، 688، 695 (ثلاث مرّات في الصفحة الأخيرة) سبع مرّات اسم هذه القلعة بنفس الإملاء الذي ذكرناه قبل سطور، وفي أغلب هذه الموارد قد ذكر اسمها بالحروف التالية (بفتح الفاء وفتح الهاء وسكون النون وفتح الدال المهملة وفي آخرها حرف راء مهملة وعلى وزن قلندر).
والكتاب الآخر الذي ذكرت فيه هذه القلعة هو تاريخ ابن الأثير طبع مصر سنة 1303هـ المجلد 9 ص198 في حوادث سنة 443هـ تحت عنوان (ذكر ملك الملك الرحيم اصطخر وشيراز) حيث ذكر اسم القلعة ثلاث مرّات بنفس الإملاء المذكور وهو بهندر بفرق باء بدل الفاء، ويظهر من إملاء ابن الأثير أنّ الاسم المعروف لها في الفارسية هو (بهندر) بباء فارسية، حيث تحوّرت بفعل تأثير اللغة العربية إلى كلمة فهندر. ومثل ذلك ورد في كتاب تاريخ آل المظفر لمحمود گيت، حيث ذكرها تارة بنفس إملاء ابن الأثير وأخرى بالفاء ومرّة ثالثة بنفس اللفظ الدارج هذه الأيام وهو (بندر) ([310]) أي المدينة التي تقع على ساحل البحر وتكون محلاً لاستيراد وتصدير البضائع ورسو السفن واللفظ الدارج هذه الأيام هو أقرب صورة للحقيقة حيث تحور اسم (بهندر) بتدرج طبيعي في اللغة الفارسية من جهة أي بهندر = بندر = وفي جهة أخرى في اللغة العربية من بهندر = فهندر وبهندر = مهندر بالميم. وقد وردت بصورتها الأخيرة أي بالميم في كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم تأليف أبي عبدالله محمد بن أحمد المقدسي البشاري وهو من جغرافيي العرب المشهورين، الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن الرابع، وقد أمضى بنفسه فترة في شيراز. حيث يذكر هذا المؤلف في معرض حديثه عن البوابات الثمان لشيراز التي كانت قائمة آنذاك، في صفحة 430 من الكتاب المذكور طبع ليدن (هولندا) اسم بوابة مهندر بعد ذكر البوابات الأخرى مثل بوابة اصطخر، وبوابة سليم، وبوابة كوار إلخ، ويظهر أنّ هذه البوابة سمّيت بهذا الاسم لكونها تقع في محاذاة الشرق إلى جهة قلعة (بهندر) ويقول (دخويه)([311]) في حاشية هذا الموضوع «وهذه الكلمة (يعني مهندر) هي اسم القلعة نفسها التي تسمّى اليوم بـ (فهندر) وقد وصفها أوزلي([312]) في المجلد الثاني من كتاب رحلته في ص 29».
ويغر خاف أنّ هذا التشابه الخطي الكامل بين لفظي فهندر التي نحن بصددها وكلمة قهندز (بالقاف في أوّلها وفي آخرها الزاي) التي هي معربة لـ (كهن ذر) أقول إنّ هذا التشابه، أوقع بعض المؤلفين في الخطأ ممّا ورد في كتاب (شيراز نامه ص 26ـ28) حيث ذكر الكلمة الأولى محرّفة إلى الكلمة الثانية. خصوصاً وأنّ ثمة تشابه بين مفهومي اللفظين حيث إنّ فهندر التي نحن بصدد الحديث عنها هي اسم لقلعة قديمة وكذلك فإنّ قهندز وكما ذكرنا هي بمعنى القلعة القديمة بصورة عامة ـ ومن ثمّ يجب الانتباه التام لهذا وعدم تكرار الخطأ.
وغير خاف أيضاً أنّ لفظ هندز لا يطلق على كلّ قلعة وإنّما استعمل في القرون الوسطى وعلى وجه خاص للقلاع المحكمة التي كانت موجودة آنذاك في المدن الإيرانية الكبيرة، مثل قلعة (قهندز مرو) و(قهندز نيشابور) وقهندز بلخ وبخارى وسمرقند وغيرها والتي كانت تستعمل في الكتب القديمة بصورة متكررة لمثل هذه القلاع وحسب، إذ لم تكن هذه الكتب لتسمي القلاع المنفردة التي لا تقع في مدينة كبيرة بهذا الاسم (يراجع في ذلك معجم البلدان تحت عنوان قهندز).
ويذكر مؤلف فارسنامه ناصري في مؤلفه هذه الكلمة (قلعة فهندر) الواقعة إلى الشرق من شيراز والتي نحن بصدد الحديث عنها بهذه الصورة (بهن دز) بباء فارسية في أوّلها وزاي معجمة في آخرها. ويظهر أنّه وقع تحت تأثير الفكرة القائلة بأنّ هذه الكلمة تتكوّن من شطرين هما (بهن ودز) ولذلك أثبتها بهذه الصورة في كلّ كتابته عنها بالرغم من أنّ كلّ المؤلفين يذكرونها بلفظها الذي ينتهي بالراء المهملة وبالرغم من أنّ الأهالي هناك يلفظونها بالراء أيضاً.
محمد القزويني
بندر عباس
ـ1ـ
بندر: كلمة فارسية معناها: فرضة على البحر. وبندر عباس مرفأ بحري في أقصى الشمال من مضيق هرمز على بُعد 16 كيلومتراً شمال غربي جزيرة هرمز عند مدخل الخليج الفارسي، منسوب إلى الشاه عباس الصفوي.
وكان البرتغاليون قد استولوا عام 920هـ (1514م) على جزيرة هرمز، وظلّت في حكمهم زهاء قرن، ثمّ استعادها منهم الشاه عباس، ثمّ عمرت بلدة كمرون التي كانت تواجه جزيرة هرمز. فأطلق الشاه عباس عليهم اسم بندر عباس وأصبحت المرفأ الأكبر لإيران، ينافسها في ذلك بندر بوشهر الذي أقامه نادر شاه بعد ذلك وأصبح هو الأشهر.
وفي العام 1793م استأجر إمام عُمان المدينة وما يجاورها على طول الساحل من لنكه إلى يشك، بمسافة طولها 150 كم، وظلّت بيده إلى أن استردتها إيران سنة 1868م وجو بندر عباس شديد الحرارة صيفاً لذلك يلجأ أهله إلى الجبال المجاورة.
بندر عباس
ـ2ـ
كان تاريخ بندر عباس كجزء من تاريخ الخليج الذي دونه (ج. ج. لوريمر) في مؤلفه الضخم «دليل الخليج» واحداً من التواريخ التي يكتبها الغربيون عن الجنوب والشرق.
يرى «لوريمر»، أوّل ما يرى، أنّ أوّل الخطى في تاريخ الخليج تؤخذ من بدء ظهور البرتغاليين فيه سنة 1507 حتّى تأسيس الشركة الإنكليزية للهند الشرقية سنة 1600… فيقول إنّ الدول الأوروبية عرفت الخليج للمرّة الأولى خلال المحاولات التي بذلها البرتغاليون في القرن السادس عشر للخلاص من احتكار العرب (في منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط) الوساطة في التجارة بين آسيا وأوروبا. فقد كانت التجارة بين الشرق والغرب تسلك طريقين رئيسيين هما: طريق البحر الأحمر ومصر، وطريق الخليج والشام، وكلاهما كانا تحت سيطرة العرب، وكانت المشكلات والخلافات السياسية أحياناً تغلق أحدهما أو كليهما، وحين كان الطريقان يغلقان في وقت واحد فإنّ مدد البضاعة الشرقية كان ينقطع عن أوروبا إلاّ بالقدر الذي كان يمكن فيه سلوك طريق وعر غير مأمون عبر آسيا الوسطى.
وكانت الدول الأوروبية التي لها أعظم نصيب من تجارة الشرق في مطلع القرن الخامس عشر هي جنوا والبندقية، لكن جنوا فقدت مكانتها في عالم التجارة الشرقية نتيجة سقوط القسطنطينية في أيدي الأتراك سنة 1453، ولم يمضِ إلاّ قليل وقت قبل أن تؤدي الشحناء بين مماليك مصر والبندقية إلى تجريد الأخيرة ممّا كان بقي لها من مزايا، وكان واضحاً أنّ اكتشاف طريق غير مطروق يصل إلى الهند أمر سيعود بثروة ومكانة عظيمتين على الدول التي تستطيع الإفادة منه، وكان البلد الذي كرّس نفسه تكريساً مخلصاً في البحث عن مثل ذلك الطريق هو البرتغال.
اندفع البرتغاليون بنجاح ناحيتي الشرق والغرب، خاصّة في عهد دونجوا الثاني 1481ـ1495 الذي كان متشوقاً لنشر المسيحية وطامعاً في ارتياد طريق جديد في الهند واكتشاف الأرض التي يجلبون منها القرفة والفلفل وشتى التوابل. فاكتشف بارثليميو دياز طريق رأس الرجاء الصالح سنة 1498 وخرج «جوا بترس دي كوافيلوا وألفونسو دي بيف» للبحث عن بلاد التوابل… فانطلق من عدن إلى كلكتا وجوا وهرمز على الخليج واتجه غرباً حتّى بلغ القاهرة والتقى مع «لميجو» الذي كان قد أعدّ تقريراً عن جزيرة هرمز. ومن ثمّ احتلت البرتغال عدن وهرمز وملقا لتمسك بعصب التجارة بين الشرق والغرب، كما كان للبرتغال أيضاً سلطان على الهند في ذلك الوقت. ولم تكفِ ثورات الأهالي، ففي عام 1522 أدّى تعيين موظفين جمركيين في هرمز إلى سخط الأهالي ممّا دفع شيخ هرمز إلى شن هجوم بري وبحري على البرتغاليين لخلع نيرهم وعاد بعد الظفر إلى قشم ولكنّه قتل وأرسلت البرتغال أسطولها في الهند فقمع الثوار وفرض الحماية على هرمز وأخضعها للإشراف الدقيق. وفي ذلك التاريخ صار للبرتغاليين الذين كانت أعلامهم تسود البحار قلاع على البر حيثما حلّوا وسيطروا وما زالت إلى اليوم آثار قلاعهم في هرمز وقشم.
وتوالت لعبة الكراسي الموسيقية الجهنمية بين إمبراطوريات أوروبا ليحترق بها العالم. سيطرت إسبانيا على البرتغال وبرز الهولنديون في سنة 1600 فأسّسوا الشركة الهولندية للهند الشرقية لكن في آخر يوم من أيام سنة 1600 تأسّست شركة الهند الشرقية الإنكليزية. وبين الصعود والهبوط واللمعان والأفول طرد الإيرانيون البرتغاليين من بندر عباس سنة 1615 وكانت بندر عباس درعاً ضد محاصرة هرمز من البر.
ثمّ راحت بندر عباس تتطوّر من مجرد درع بري لجزيرة هرمز الصغيرة في فوهة الخليج إلى قلعة تجارية مشتهاة على طريق التوابل والبهار. ويعود اسم بندر عباس إلى الشاه عباس الأوّل الذي أنشأها لمنافسة هرمز، أمّا الأوروبيون في القرنين السابع عشر والثامن عشر فقد كانوا يعرفونها باسم جمبروان أو كومارون، وقد أطلق عليها البرتغاليون هذه التسمية على سبيل السخرية فهي تعني في لغتهم: «برغوث البحر» أو «الجمبري». لكن هناك من يربط هذه التسمية بالكلمة الفارسية «جميوك» التي تعني ضرائب جمركية، وفي هذا إشارة إلى وظيفة هذا المكان في وعي الناس.
وسواء كانت جمبرون أو جميوك، فإنّ بندر عباس تعدّ مثالاً ساطعاً على الشرق الذي اكتوى ـ دون ذنب ـ بنيران المطامع لدول أوروبا الاستعمارية الآفلة. وهي مطامع تقاطعت خطوطها، واختلطت أوراقها حتّى إنّ المتابع لصراع هذه المطامع يعجز عن التمييز بين السياسي والاقتصادي والديني في نسجيها.
لقد تتابع تناطح الأساطيل والشركات الأوروبية بشكل يبدو مثيراً للمتتبع، ففي ديسمبر 1920 كسر الأسطول الإنكليزي أسطول البرتغال عند هرمز ثمّ هيمنت إنكلترا على هرمز عام 1622، ثمّ شهد المضيق ملامح لحرب الإنكليز والهولنديين عام 1653، وكان من انعكاسات ذلك تأجج الصراع السياسي والتجاري الذي صبّ نيران المدافع الهولندية عام 1645 عندما هاجم الهولنديون جزيرة قشم.
بدا أنّ إنكلترا البروتستانتية تضرب البرتغال الكاثوليكية ثمّ تستدير إلى هولندا التي تماثلها، لكن الحقيقة أنّ الصراع كان صراع تجار واستعماريين على مفصل مهم في طريق التوابل والبهار، فلم تلبث ساحة الصراع أن دخلتها فرنسا التي تحالفت مع الإنكليز ضد الهولنديين حتّى عام 1667، ثمّ تحالفت مع الهولنديين ضد الإنكليز عام 1678 ثمّ تحوّل الصراع بينها وبين الإنكليز إلى حرب سافرة بلا حلفاء من 1702 إلى 1713.
وبين كلّ هذه التقاطعات كانت بندر عباس وما حولها تشهد تسللات للروس وللألمان أيضاً.
إنّها صراعات السعار الأوروبي على مفرق أسواق الشرق التي شهدها الخليج وعاينها مضيق هرمز وبواباته في بندر عباس وقشم وبندر لنجة وغيرها من جزر فوهة الخليج المفضية إلى المحيط الهندي.
إنّ هذه المدينة هي مقصد طرق عديدة، ومصب لالتقاء البشر على اختلاف جذورهم. فنظرة ممعنة إلى الملابس تكشف عن تعدد الجذور للبشر المقيمين في بندر عباس أو العابرين بها. فمن عُمان نلمح العمائم التي تكوّنها البشاكير الملونة، ومن البنجاب نلمح السراويل الملونة المطرزة المحكمة حول الأرساغ، والعباءات الإيرانية ترتديها البنات وإن كانت في بندر عباس ملونة وبها زهور. والنقاب على وجوه الشابات والسيدات على السواء وإن كان يأخذ شكل قناع يرتكز على الأنف بقصبة تسمّى (البتورة). خليط من الأزياء الهابطة من الشمال (الإيراني) والآتية من الجنوب (العربي) ومن الشرق البعيد (في الهند). وهذه هي المنابع العرقية لسكان بندر عباس والتي امتزجت عبر التاريخ منذ النشأة، وحتّى الصعود كمركز تجاري يسيطر على أسواقه الهنود، ثمّ أخيراً كمرفأ إيراني مهم على الخليج تختلط به كلّ هذه الأعراق وتمتزج وتتعايش.
وبندر عباس هي أكبر مدن محافظة هرمزغان، ولعله يكون مناسباً التطرّق إلى المحافظة ككل قبل التوقف عند المدينة التي تمثل مركز ثقلها وميناءها على الخليج وعاصمتها أيضاً. ومحافظة هرمزغان تبلغ مساحتها 68472 كيلومتراً مربعاً وتحدّها من الشمال والشمال الشرقي محافظة كرمان، ومن الغرب والشمال الغربي محافظة فارس ومحافظة بوشهر، ومن الشرق سيستان وبلوشستان ومن الجنوب ـ بالطبع ـ مياه الخليج وبحر عمان. وهذه المحافظة تعتبر من أكثر محافظات إيران حرارة وجفافاً لأنّها تستعير مناخ الصحراء وشبه الصحراء. والمحافظة تنتج التمر ـ أساساً ـ والموز، والموالح، إضافة للحنة والتبغ والمانجو والحبوب والبطاطس، وهذه كلّها نجدها بكثرة في أسواق بندر عباس. أمّا الصناعة فهي في هرمزغان مكرّسة لتغطية احتياجات السكان من منسوجات البروكاد الملونة والأصواف والسيراميك والبلاستيك وغير ذلك ممّا يحتاجه سكان المحافظة البالغ عددهم أكثر من سبعمائة ألف إنسان أكثرهم في المناطق الريفية ويتحدّثون بالفارسية ذات اللكنة المميّزة وينقسمون بين طائفتي الشيعة والسنة ويتوزعون بين 45 قرية و18 مركزاً و6 مدن كبيرة على رأسها بندر عباس.
وجزيرة قشم هي أكبر جزيرة على الساحل الإيراني في مضيق هرمز، يقع رأسها ومدينة قشم نفسها مقابل بندر عباس ويمتد جسمها المستطيل إلى الغرب في موازاة الشاطىء الإيراني. في الشمال الشرقي منها جزيرة هرمز الشهيرة وفي الجنوب الشرقي جزيرة لاراك وجنوبها جزيرة هنكام، وهي جميعاً جزر صغيرة حتّى أنّ قشم تبدو مثل الحوت، وهذه الجزر من حولها تبدو كأسماك صغيرة تسبح من حول ذلك الحوت الكبير.
إنّها قطعة من بندر عباس وسط مياه المضيق «هرمز»، فالسكان الذين يبلغ عددهم من 60 إلى 70 ألف نسمة يكررون الملامح ذاتها ويرتدون خليط الثياب التي ترى في بندر عباس ومعظمهم من المسلمين السنة يعيشون على صيد الأسماك.
وفي الجزيرة قلعة برتغالية تذكر بزمن الغزاة البرتغاليين والمغامرين الباحثين عن طريق التوابل والبهار. ومعبد هندي عمره ثلاثة قرون وما زال يحيا مذكراً بزمن سيطرة الهنود الممثلين لشركة الهند الشرقية الإنكليزية على واسطة التجارة في هذه الجزيرة كما في بندر عباس.
بنگناباله
مقاطعة شيعية في جنوبي الهند كان حاكمها يلقب بـ (النواب) ثمّ ضمّت سنة 1948م إلى ولاية مدراس، وكان عدد نفوسها يومذاك 44,631 ويعود حكامها إلى أصل فارسي هاجر جدّهم مير طاهر علي في عهد الشاه عباس الثاني الصفوي إلى بيجابور ولم يستقم له الأمر في إقامته بل قتل في منازعات عائلية فلجأ أبناؤه إلى فوجار المغل في أركوت وتزوج أحدهم حفيدة جاگير دار بنگناباله فاستقرّت الأسرة فيها.
بنو الأعرج
بنو الأعرج أو الأعرجيون سادة حسينيون، ينتهي نسبهم إلى عبيدالله الأعرج بن الحسين الأصغر ابن الإمام زين العابدين (عليه السلام) وسمّي أعرجاً لأنّه كان في إحدى رجليه نقص، وعرفت ذريته ببني الأعرج، منهم بيت في الحلة وقد ظهر من هذا البيت في المائة السابعة والثامنة للهجرة جماعة عرفوا بالعلم والفضل والأدب.
منهم:
1 ـ مجد الدين بن الأعرج:
هو مجد الدين أبو الفوارس محمد بن علي بن الأعرج، قال فيه صاحب أمل الآمل: «كان عالماً فاضلاً محققاً يروي عنه ابن معية».
كان مجد الدين متزوجاً بنت الشيخ سديد الدين يوسف ابن المطهر، وكان له منها خمسة بنين منهم النقيب الجليل جلال الدين علي، وعميد الدين عبدالمطلب، وضياء الدين عبدالله.
ولصفي الدين الحلي قصيدة في رثاء مجد الدين منها:
سألت حمى الفيحاء ما بال ربعها
جديباً وقد كانت نضارته تبدو
وما بالها لم يرو من مائها الصدى
لظام ولا يورى لقاصدها زند
فقالت قضى من كان بالسعد لي قضى
وصوح نبت العز وانهدم المجد
فتى علمته غاية الزهد نفسه
فأصبح حتّى في الحياة له زهد
2 ـ عميد الدين عبدالمطلب:
هو عميد الدين عبدالمطلب بن مجد الدين أبي الفوارس محمد بن علي بن الأعرج الحسيني الحلي المشتهر بالعميدي.
كان من أجلّة العلماء والثقات ومشايخ الروايات فاضلاً محققاً أصولياً ماهراً مجتهداً حسن التصرّف والتصنيف.
قال ابن معية عند ذكر روايته عنه: «درة الفخر وفريد الدهر مولانا الإمام الرباني…».
يروي عن خاله العلاّمة الحلي ويروي عنه الشيخ عبدالحميد النيلي، وولده السيد جمال الدين ابو طالب والسيد حسن بن أيوب الشهير بابن نجم الدين الأطراوي العاملي.
له مؤلفات هي شروح منها: كنز الفوائد في شرح القواعد لخاله العلاّمة، قد ذكر فيه جملة من محاوراته مع خاله العلاّمة وأورد نبذة من مذكراته معه في مجلس الدرس. شرح أنواع الملكوت للعلاّمة في شرح كتاب الياقوت في أصول الكلام لابن نوبخت. شرح تبصرة الطالبين في شرح نهج المسترشدين. شرح على مبادىء الأصول لخاله العلاّمة. رسالة في مناسخات الميراث وكتب الشيخ أحمد بن الحداد عليها قصيدة تقريضاً لها. شرح كتاب التهذيب لخاله العلاّمة.
كان مولد عميد الدين ليلة النصف من شعبان سنة 681هـ بالحلة وتوفي ليلة الاثنين عاشر شعبان سنة 754هـ ببغداد، ودفن في النجف.
3 ـ ضياء الدين عبدالله:
هو ضياء الدين عبدالله بن مجد الدين أبي الفوارس جاء في روضات الجنات نقلاً عن السيد أحمد بن علي بن الحسين النسابة الحسيني تليمذ ابن معية: «الفاضل العلاّمة ضياء الدين عبدالله والد شيخنا السيد العالم المحقق فخر الدين عبدالوهاب» وقد أثنى عليه صاحب لؤلؤة البحرين، فقال:
«وأمّا السيدان عميد الدين عبدالمطلب وأخوه ضياء الدين عبدالله فهما فاضلان فقيهان قد أثنى عليهما مشايخنا في أجازتنا».
يروي عنه ابن معينة، وقد ذكره في إجازته وأثنى عليه وذكر فضله وأنّه كان جامعاً لفنون العلوم، وأنّه كان عظيماً في عيون الخلق، وأنّه كان طويل العمر.
يوسف كركوش
بنو الجزار
في أوخر الدولة الأغلبية اشتهر بالقيروان من الشيعة أفراد بيت واحد برعوا في علم الطب واحترفوا به في حذق وأمانة، وقد توارثوه خلفاً عن سلف وتناقلوه ما يزيد عن المائة عام، وهم: (بنو الجزار). ومن دواعي الأسف أن أغفل أصحاب الطبقات تراجمهم ـ لتشيعهم ـ ولم يذكروا منهم سوى واحد وهو أحمد الذي غمرت شهرته بقية الأسرة.
1- أمّا محمد بن أبي خالد بن الجزار عمّ أحمد، فقد تلقى علم الطب في صغره عن إسحاق بن عمران، وعن تلميذه إسحاق الإسرائيلي، كما أخذ عن زياد بن خلفون وعن غيرهم من أطباء بني الأغلب. وقد وصفه ابن أخيه وتلميذه أحمد في تأليفه «نصائح الأبرار» فقال: «كان عمّنا عالماً بالطب حسن النظر فيه». وذكر في كتابه هذا عدّة أدوية وأشربة ومعاجين وترياقات ركبها عمّه محمد، وقال: «عالج بها سادة من ذوي الأقدار العالية وأهل الترف والنعمة». ثمّ قال: «وقد جربتها فحمدتها»، ويقصد بأهل الأقدار الخلفاء والأمراء من الفاطميين برقّادة والمهدية. ونقل ابن حماد في كتابه (أخبار بني عبيد وسيرتهم) أنّ ابن الجزار (محمد) عالج المهدي عبيدالله في مرضه الذي مات فيه وسقاه دواء (حب السورلجان) لنقرس كان يشكو منه سنة 332هـ (933م) ونعلم من ناحية أخرى أنّ من كبار حرفاء محمد بن الجزار، الحاجب جعفر بن علي البغدادي حاجب المهدي، ويظهر من كلام ابن أخيه أحمد أنّ لمحمد هذا مؤلفات في الطب والنبات ولم نقف على أعيانها ولا على أسمائها لفقدانها.
وكانت وفاة محمد في النصف الأوّل من القرن الرابع للهجرة، وقد جاوز السبعين من العمر.
2 ـ إبراهيم بن أبي خالد بن الجزار، هو أخو محمد السالف ووالد الطبيب أحمد كان ممّن تعلّم الصناعة الطبية وزاول فنونها مع أخيه، وكان باشر مهنة الكحالة في القيروان في آنٍ واحد مع أخيه، ولا ندري من أخباره إلاّ ما ساقه ابن جلجل في ترجمة ولده أحمد حيث يقول: وهو طبيب ابن طبيب وعمّه محمد طبيب. وفي يقيننا أنّ شهرة ابنه أحمد حوّلت أنظار الباحثين عن أخبار سلفه. وذلك لنبوغه النادر وبعد صيته وكثرة تصانيفه، وهو بلا ريب مفخرة الأسرة.
ويقول المؤرخ التونسي حسن حسين عبدالوهاب: وربّما كان ميله لآراء الشيعة هو السبب الذي حمل أصحاب الطبقات من الأفارقة المالكيين على التغافل عن إيراد ترجمته في مصنفاتهم.
بنو الحسن
يعنينا من ذكر الطالبيين والعلويين حسنيين وحسينيينن أنّهم ممّن سنّوا للعرب وللناس كافة، سُنّة الأنفة والإباء، وعلموهم معنى الصبر والنجدة واختيار الموت على الحياة الدنيا، وتقبل مذاهب الأجداد في إباء الضيم والعزوف عن الذل، فمنهم القائل: «ذل من أحب الحياة» ومنهم من قال: «لا أعطيكم إعطاء الذليل» كرهوا الدنيا وفضلوا عليها المنية، إلى غير ذلك من محاسن الشيم والأخلاق.
يعرف كثير من العلويين([313]) ـ في الكتب المؤلفة في أنسابهم خاصّة ـ بألقاب لا تعرف في كتب التاريخ العامة، ومن ذلك عبدالله بن الحسن أبو الأخوين محمد النفس الزكية وإبراهيم قتيل باخمرى، فهو في كتب الأنساب «عبدالله المحض» وفي كتب التاريخ عبدالله بن الحسن، ويعرف أبوه الحسن «بالحسن المثنى»([314]) في كتب الأنساب لمطابقة اسمه لاسم أبيه، ويعرف أخوه الحسن بن الحسن «بالحسن المثلث» في كتب الأنساب ولا يعرف بذلك في كتب التاريخ، ومن ألقابهم «موتم الأشبال» و«ذو الدمعة» و«الأطروش» و«الغمر» و«الجون» و«الديباج» و«الأعرج» و«الأفطح» وهي ألقاب لا تعرف في كتب التاريخ الكبرى حيث تجد أسماءهم مجردة من هذه الألقاب، أمّا في كتب الأنساب فإنّها ألقاب معروفة مقرونة بذكر أسبابها.
أعيان بني الحسن وأشهر مشاهيرهم في صدر الدولة العباسية ـ عبدالله المحض وأبناؤه وإخوته وأبناؤهم ـ كانوا على جانب كبير من الوجاهة والرياسة ونفاذ الكلمة، بويع بعضهم بالخلافة.
امتاز هذا الفرع من العلويين بمناوءة العباسيين وخروج من خرج منهم واحداً بعد آخر في الدولة العباسية طلباً للخلافة.
كابد بنو الحسن ما كابدوا في سبيل تضامنهم إزاء العباسيين وبقاء رابطة العشيرة قائمة وثيقة فيهم مهما تحملوا في سبيلها، فقد كانوا مثلاً في التضامن إذا استثنينا بعض من شذ منهم([315]) ومالأ المنصور على بني عمّه، ومن أجل ذلك حاول رجال المنصور في المدينة التفريق بين العلويين من حسنيين وحسينيين، وميّزوا بعضهم على بعض في المعاملات([316])، ومن أجل ذلك نكل المنصور بهم ذلك التنكيل الشديد حتّى مات كثير منهم في السجون وقتل باقيهم بعد خروج محمد بالمدينة([317]).
كان ولاة المدينة من قبل العباسيين يتهيبون بني الحسن في الحجاز ويخشون بأسهم ويلاحظون منزلتهم وفي مقدمتهم عميدهم عبدالله بن الحسن فيعجزون عن ملاحقة أولاده، وهم يعدّون العدّة للخلاف والخروج على المنصور، بل كان محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم يتردّدان على المدينة بدون حرج وعلى مرأى ومسمع من الولاة المذكورين إذ كان لوجاهة أبيهم ونفاذ كلمته شأن يذكر في دفع غوائل السلطان عنهم في المدينة وقد أحفظ ذلك المنصور وراح يحرق الأرم عليه، وممّا زاد في الطين بلّة وأزعج المنصور جدّاً تحزّب جمهور كبير من أهل المدينة لبني حسن عليه وكثرة المؤامرات فيها ومحاولة الفتك به في بعض مواسم الحج حتّى لم يعرج على هذا البلد في موسم سنة 144 وهو الموسم الذي كان التنكيل ببني الحسن إحدى الغايات من شهوده، وممّا يؤكد كون المدينة موالية لمحمد بن عبدالله الحسن معادية للمنصور دخول محمد لها من حين إلى آخر ـ كما مرّ ذلك آنفاً ـ واجتماعه بأصحابه وأنصاره وذويه فيها مع شدّة الطلب والملاحقة له([318]).
نشأت من بني الحسن دويلات في الشرق والغرب، ولهم في إفريقية ومصر وبعض بلاد الروم والفرنج فتوح يحتاج شرحها إلى تاريخ منفرد([319])، نشأ منهم أئمة الزيدية في بعض الأقطار العربية والإسلامية كالأدارسة مؤسسي الدولة المشهورة في مراكش والمغرب الأقصى وأئمة الزيدية في اليمن وبلاد الديلم والأقطار الفارسية.
هذا ويحسن بنا إيراد فذلكة عن أشهر مشاهير بني الحسن على الصورة الآتية:
عبدالله بن الحسن
يُعرف في كتب الأنساب بعبدالله المحض ـ كما مرّ ـ وأنّه أوّل من اجتمعت له ولادة السبطين ومن هذا لقب «المحض»، وكان المقدم بين بني الحسن علماً وسخاء ومن المنعوتين بأوصاف حسنة منها العلم والبيان والخطابة، وممّا يشهد بذلك أنّه أحد الثلاثة الذين حاول أبو سلمة عقد الأمر لهم من العلويين، وقد استجاب عبدالله بن الحسن لدعوة أبي سلمة ولم يلتفت إلى تحذير جعفر بن محمد إذ أعلمه أنّ أهل خراسان ليسوا من أنصاره وأنّ أبا سلمة مخدوع مقتول، والقصة مشهورة([320])، قبل عبدالله بن الحسن بعض الألطاف والكتب التي كتبها إليه بعض جواسيس المنصور على لسان أنصاره فكانت حجة للمنصور عليه وأمر بحبسه، وخلاصة القول وقع في فخ نصبه له المنصور وقامت عليه حجة حسب روايات بعض المؤرخين([321]). وقد روى عنه فريق من الأعلام منهم أبناؤه، ويقول أبو الفرج الأصفهاني أنّ مالك بن أنس احتج برأي عبدالله بن الحسن في بعض المسائل الفقهية([322])، ويعده الجاحظ من خطباء بني هاشم وقد روى له كلمة بليغة([323]) وسيرته وأخباره في عصور الأمويين والعباسيين معروفة في كتب التاريخ والأنساب([324]) ومن اشهرها وفوده على عمر بن عبدالعزيز وهشام بن الحكم في الدولة الأموية، ثمّ وفادته على أبي العباس السفاح في الهاشمية بعد بيعته، وقد صحبه في وفوده على السفاح أخوه الحسن المثلث وهو ممّن مات في سجن المنصور بعد ذلك وكانت حفاوة السفاح بهما بالغة وإن لم تخل من العتاب والسؤال والجواب بسبب تغيّب محمد وإبراهيم، وقد اعتذر الحسن المثلث عن ولدي أخيه بما يدل على علو منزلته، قال صاحب غاية الاختصار: «كان الحسن المثلث جليلاً نبيلاً ولو لم يستدل على شرفه إلاّ بالجواب الذي قاله لأبي العباس السفاح في قصة محمد وإبراهيم ابني أخيه لكفى»([325]).
كان لهذا الزعيم الحسني ـ أعني عبدالله بن الحسن ـ رأيه الخاص في الخطة التي رسمها العباسيون لإبادة بني أمية واستئصالهم أينما وجدوا في عصر أبي العباس السفاح، وهو ـ أي عبدالله ـ القائل لداود بن علي عم السفاح ـ وقد أمعن في قتل الأمويين في الحجاز ـ: «يا ابن عمي إذا فرطت في قتل أكفائك فمن تباهى بسلطانك؟، أوما يكفيك منهم أن يروك غادياً رائحاً فيما يسرك ويسوؤهم»([326])، وهو في هذا القول يرى رأي سياسي بعيد الغور.
قلّما عانى أحد من وجوه بني الحسن ما عاناه عبدالله هذا من الخليفة أبي جعفر المنصور فإنّه حبسه حبساً شديداً في المدينة ثمّ حمله وأفراد أسرته إلى العراق على حالة يرثى لها، وحبسهم في الهاشمية حتّى الموت، وقد أذاقهم من الأذى في حبوسهم ما تقشعر له الأبدان ممّا نعلم منه مبلغ حقد أبي جعفر المنصور على عبدالله بن الحسن وأبنائه([327]).
لم يفعل المنصور ما فعله من هذا القبيل ولم يرتكب ما ارتكبه إلاّ بعد أن لمس في عبدالله بن الحسن لدداً في الخصومة وصلابة في العقيدة وتصميماً على المعارضة، فقد أخفق المنصور في حمله على تسليم أبنائه أو الإيماء إلى الجهات التي يقيمون فيها، وطالما طلب إليه إحضار ابنيه بالتهديد والوعيد وطالما جرى بينهما كلام غليظ فما أجدى ذلك كلّه وحاول أن يقتله قبل حبسه ثمّ عدل عن ذلك([328]).
كان تخلّف محمد وإبراهيم ولدي عبدالله بن الحسن عن القدوم على أبي جعفر المنصور ـ بعد مبايعته بالخلافة في الكوفة وتشجيع عبدالله لابنيه المذكورين على الخلاف والثورة حتّى قال لهما فيما قال: «إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين»([329]) ـ في أولى البوادر التي أثارت شك المنصور وريبته في نيات بني الحسن، ثمّ توالت عليه أخبار وأنباء بعث بها إليه عيونه وأرصاده أكدت له خلاف بني الحسن وأنّ محمد بن عبدالله عازم على الثورة([330])، وكان بعض بني الحسن أنفسهم ـ وهو الحسن بن زيد بن الحسن ـ يؤكد لأبي جعفر المنصور أنّ بني الحسن ثائرون عليه لا محالة فأيقظ الحسن منه عيناً لا تنام، وفي الحسن هذا يقول موسى بن عبدالله بن الحسن ـ ثالث الأخوين محمد وإبراهيم ـ: «اللهم أطلب حسن بن زيد بدمائنا»([331]).
ولا شك أنّه كان عيناً للمنصور يرفع إليه أخبار بني الحسن([332])، وللحسن هذا ابن مشهور اسمه القاسم ورث عنه هذه الخصومة لأبناء عمّه وهو الذي حمل البشارة بمقتل النفس الزكية إلى المنصور([333]).
والواقع أنّ للحسن بن زيد أولاداً آخرين لم يتبعوا طريقة والدهم في مجافاة بني الحسن بل أنّهم التحقوا بثوار المدينة وكانت لهم صلة وثيقة بالنفس الزكية([334])، والحق أنّ المنصور كان بالغ القسوة شديد العقوبة والمؤاخذة لا يستطيع ضبط نفسه إذا رأى زعيماً من زعماء بني الحسن وخصوصاً أبا محمد هذا، بل كان لا يتردد من ضربهم وإهانتهم وتعذيبهم وزجّهم في السجون المطبقة في الحجاز والعراق، وقد عبّر عمّا يكن من حنق وحقد غالب عليه بقوله ـ والسياط تنهال بأمره على أحد بني الحسن في الربذة ـ: «هذا فيض فاض منّي فأفرغت منه سجلاً لم أستطع ردّه»([335]).
النفس الزكية:
أنجب عبدالله بن الحسن هذه السلالة التي قادت الجيوش وكانت شجى في حلق الطبقة الأولى من بني العباس، ولا شكّ أنّ المنصور قمع ثورة غير واحد من بني الحسن ـ وفي مقدمتهم النفس الزكية «قتيل أحجار الزيت»، وأخوه إبراهيم قتيل «باخمرى» ـ إلاّ أنّه قد استطاع غير واحد منهم أن ينشأ ملكاً عريضاً في غير ناحية من نواحي العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، فكانت لبعضهم دولة في المشرق وكانت لآخرين منهم دولة أخرى تعرف بدولة الأدارسة في المغرب، وكان لبعضهم ملك كبير في جهات أخرى.
لا شكّ أنّ أبعد بني عبدالله شهرة وأبقاهم ذكراً هو محمد المعروف بالنفس الزكرية الذي ناضل نضال الأبطال ـ حتّى مات ـ في طلب الإمامة.
ولدت مع مولد محمد بن عبدالله هذا فكرة الدعوة بالإمامة وقدر أهله ـ وفي مقدمتهم أبوه عبدالله الذي كان يطوف به على الأحياء ـ أنّه المهدي الموعود، وتقبل كثير من الحجازيين وأهل المدينة خاصّة هذه الدعوة ووقعت من نفوسهم موقعاً حسناً وصادفت هوى من قلوب المدنيين.
لقن محمد هذا وهو ناشىء أنّه المهدي وألقى في روعه وهو حدث إلى أن شب وترعرع أنّه الذي تحدّثت بظهوره الروايات فلا سبيل إلى مناقشته في هذا الأمر، بل كان من السهل وصم من يشك في إماماته بالمروق عند كثير من أهل الحجاز والمدينة، ومن شأن كلّ ناشىء على هذا النمط من التربية والتلقين أن يكون راسخ العقيدة شديد الإيمان بحقّه، وهكذا كان محمد بن عبدالله بن الحسن نشأ وهو واثق أنّه خليفة زمانه لم يتطرق إليه شك في ذلك وفي أنّ له حقاً مغصوباً وأنّ غاصبه هو المنصور، فلا مناص له من الخروج في سبيل الحق، أضف إلى ذلك أنّه كان في الواقع على قسط لا يستهان به من العلم والنسك والدين، ومن ذلك لقب النفس الزكية، وحسبك أن تتصفح الرسائل القيمة المتبادلة بينه وبين أبي جعفر المنصور قبل خروجه لتجزم بأنّه غزير العلم قوي الحجة بصير بالأخبار والأنساب([336])، لذلك مال الهاشميون المؤتمرون في الحجاز في ذيل الدولة الأموية إلى ترشيحه للخلافة وبايعه من بايعه منهم، وفي مقدمتهم أبو جعفر المنصور نفسه.
كان محمد بن عبدالله موقناً بأنّ بيعة المنصور له لا يمكن نقضها شأنه في ذلك شأن ذوي العقائد أو المبادىء الراسخة والمثل العالية وأنّها عقد لا يصح إبطاله وأنّ الخلافة أصبحت حقاً له لا ينازع فيه، والحق فوق القوّة، وكان المنصور على نقيض ذلك من الزعماء أو الساسة الواقعيين الذين يرون أنّ الحق للقوّة وأنّ العهود والمواثيق لا تعدو قصاصة ورق من السهل تمزيقها، وهكذا كان، فما أبعد الفرق بين المزاجين والخلقين!
من ذلك عني أبو جعفر بملاحقة عبدالله بن الحسن وأبنائه أشد العناية ـ على ما رأيت ـ، وكان بينه وبين سلفه أبي العباس السفاح بون بعيد في هذا الشأن.
بنو الحسن في خلافة السفاح:
كان أبو العباس ليّن العريكة إذا قورن بأبي جعفر المنصور لم يسرف كأخيه في سفك الدماء ـ إذا استثنينا وقايعهم مع الأمويين ـ، والحق أنّ المنصور يختلف عن سلفه اختلافاً ظاهراً من هذه الناحية ونحن نرى السفاح لا يعمل بكثير من آراء أخيه المنصور ولا يوافقه على صرامته وشدّته، أراده المنصور على قتل أبي مسلم الخراساني فنهاه عن ذلك قائلاً: «يمنعني عن قتله سابقته في الدعوة وجهاده في قيام الدولة»، ولم ينزل أبو العباس السفاح كذلك على رأي أخيه في قتل وزيره أبي سلمة الخلال ـ وهو الذي حاول نقل البيعة إلى العلويين ـ على أنّ السفاح لم يكن مصرّاً على ذلك ولهذا تولى قتله بعض العباسيين غيلة ـ بعد استشارة أبي مسلم الخراساني ـ في الكوفة([337])، ولا شكّ أنّ المنصور حاول الفتك بمن لقيه من بني الحسن في ولاية عهده للسفاح ولكن كان يحسب لغضب أخيه حسابه.
لمّا استخلف أبو العباس السفاح وفدت عليه ـ وهو في الأنبار قاعدة ملكه الجديدة ـ وفود العرب من كل فج وكان في طليعتها وفد كبير من الطالبيين والعلويين، وكلّهم من أهل المدينة يتقدمهم عميد بني الحسن عبدالله بن الحسن وأخوه الحسن، ويلاحظ أنّ الوفد اقتصر على فريق من مشيخة الطالبيين وآل الحسن ـ أمّا معظم الشبان وفي مقدمتهم أبناء عبدالله وأبناء أخيه فإنّهم تخلّفوا عن المجيء إلى العراق ـ وأنّ السفاح احتفى بالوفد المذكور حفاوة بالغة وكان يتفضل أمام عبدالله بن الحسن ويستقبله بمباذله محاولاً إزالة الجفاء والوحشة بين البيتين ومن ذلك أنّه احتمل أثناء هذه الحفاوة بضيوفه في الأنبار أقوالاً لا معنى لصدورها منهم إلاّ التعريض بالدولة العباسية، وقد أسمعه الضيفان الكبيران ما يوهم نزول العباسيين عن ملكهم إلى غيرهم في مستقبل الأيام([338])، ويلاحظ أيضاً أنّ الحديث على تشعبه بين هؤلاء الهاشميين في مدينة الأنبار لم يتناول موضوع «البيعة» وانّ المؤرخون الذين عنوا برواية أخبار عبدالله بن الحسن وأخبار من معه من الطالبيين في وفادتهم هذه لم يشيروا إلى البيعة ولا شيء أهم من الدخول فيها إذ ذاك، ومن رأينا أنّ هؤلاء العلويين والطالبيين اشترطوا في هذه الوفادة عدم التعرّض للبيعة كما أنّ السفاح لم يكن ملحاً عليهم في ذلك، ولذلك اعتبرت هذه الزيارة «أخوية بحتة» أو «شخصية» ولو كان المنصور مكان السفاح في ذلك الحين لأصرّ على الدخول في البيعة ولضرب أعناق القوم ـ لو امتنعوا ـ فوراً أو ألقاهم في السجون المطبقة والمطامير ليموتوا فيها أبشع ميتة كما قام بعد استخلافه بذلك.
كان زعماء العرب لا يرون في وفادتهم على أقرانهم وأندادهم وقبول الرفد والهدايا منهم شيئاً من الغضاضة لذلك نرى أبا العباس السفاح رضخ للوفد بمبالغ طائلة من المال([339])، ومن أهم العوامل في هذا السخاء أنّ المال كان ينفق في الحجاز وهو بلد قاحل جلّ سكانه من ذوي الفقر والخصاصة ولكنّه مهبط الوحي ومبعث الرسالة.
هذا ولا بد لنا من القول: إنّ السفاح أظهر قلقاً ووجلاً عظيمين من تخلف المتخلفين من شباب بني الحسن وفي مقدمتهم الأخوان محمد وإبراهيم ابنا عبدالله فألحف في الاستفسار عنهما وعن أسباب تخلفهما، ومن حق السفاح أن يساوره القلق فإنّهما تخلّفا لأمر عظيم إذ كان محمد بن عبدالله مشغولاً ببث الدعوة لنفسه في الحجاز والعراق وفي الأهواز وفارس وفي أقطار أخرى ـ وكان له ولأنصاره نشاط ملحوظ في هذه الأقطار يجري أكثره في الخفاء وإن لم يخف على عيون بني العباس([340]) ـ كما كان معنياً بإعداد عدّته للخروج، ولم يكن الغرض من ذلك الإلحاف تفقّداً أو حباً وإنّما هو الاطمئنان والوقوف على مذهب الأخوين أو نيتهما في طلب الخلافة، وفي وسعك أن تحكم على سياسة السفاح ومبلغ مجاملته لبني الحسن من تظاهره بقبول المعاذير عن الأخوين الغائبين على مضمض فإنّ الحسن المثلث أفهم السفاح بأنّ محاولاته في الوقوف على أمرهما من العبث([341])، ولذلك أراح السفاح نفسه باليأس من الظفر بالأخوين بعد الحديث المذكور مع أضيافه فأعرض عن طلبهم إلى أن فرّق بينهم الموت، وتعزى مجاملته لبني الحسن إلى خبرته بدخائل بني عمّه الهاشميين وإلمامه بما يخالج نفوسهم من الشعور بالأنفة، ولذلك نرى كثيراً من هؤلاء الطالبيين والهاشميين يخاطبون خلفاء بني العباس مخاطبة النظراء الأكفاء أو مخاطبة الأنداد، وقد يرون في آل عباس أتباعاً لا متبوعين ومرؤوسين لا رؤساء فيما مضى من خلافة الإمام علي وبعض الأئمة من أبنائه. فمن أشق الأمور على وجود العلويين أو الطالبيين أن يروا أنفسهم تابعين مرؤوسين للعباسيين بعد ذلك، وقد تعزى المجاملة المذكورة فيما تعزى إليه إلى تأثير عبدالله بن الحسن نفسه فقد اشتهر ـ كما مرّ بك أنّ لحديثه تأثيراً كتأثير السحر في النفوس حتّى كان الأمويون والعباسيون يحسبون لبلاغته وعارضته وملاحة أحاديثه حساباً([342]).
بنو الحسن في عصر المنصور:
كان استخلاف المنصور بعد أخيه السفاح إيذاناً بالانتقال إلى عصر جديد يمتاز بشدّته المتناهية واجتناب سياسة اللين والتهدئة وتفضيل الحلول الحاسمة على أنصاف الحلول، والواقع أنّ المنصور واجه في مستهل خلافته أخطاراً شتى منها القريب ومنها البعيد عنيَ بدفعها عن الدولة، فهذا عمّه الأمير الظافر عميد العباسيين بعد السفاح وقائد جيشهم وقاتل مروان الجعدي يمتنع من بيعة المنصور ويزحف على العراق مدعياً أنّ السفاح عهد بولاية العهد لمن يظفر بالأمويين وهو الظافر بهم غير مدافع ولذلك فهو أولى العباسيين بهذه الولاية، وهؤلاء بنو الحسن وأنصارهم في كلّ مكان لا يرون في بني العباس أهلاً للبيعة بل يرون فيهم غاصبين ناكثين بالعهود والمواثيق ولا بدّ لهم من وثبة على هؤلاء الناكثين الغاصبين، ثمّ هذه الفتن الناجمة والخوارج الخارجون في شتى الأقاليم.
لا شكّ أنّ المنصور واجه هذه الأحداث والفتوق في مستهل خلافته بجأش رابط وعزيمة ماضية فتغلب على عمّه بأبي مسلم الخراساني ثمّ ثني بأبي مسلم ففتك به وبأنصاره ثمّ قمع فتناً شتى في الشرق والغرب تفرّغ بعدها لمناجزة بني الحسن وقد كوّنت حركتهم خطراً من أعظم الأخطار على الدولة، وكان هذا الخليفة في كل هذه الأحداث ثابت الجنان يعتمد على القوّة ولا محل عنده للعفو والرحمة([343]).
من رأي أبي جعفر المنصور أنّ الأساس الذي قامت عليه دولة بني العباس وأخذت بموجبه البيعة لخلفائهم لم يزل مهدداً بالانهيار إذا أصرّ بنو الحسن على المطالبة بحقهم في البيعة ـ وأنّهم لمصرّون فعلاً ـ طبقاً لذلك الميثاق الذي اتّخذه الهاشميون في أيام بني أمية وإلى هذا الميثاق يستند بنو الحسن ومحمد بن عبدالله في طلب البيعة وإنّها لبيعة يعرفها العرب والهاشميون بأسرهم في ذلك الحين، وأوّل من عقدها للنفس الزكية هو السفاح، ويُقال إنّ المنصور بايعه مرّتين إحداهما بمكة في المسجد الحرام فلمّا خرج أمسك له بالركاب ثمّ قال: «إمّا أنّه إن أفضى إليك أمر نسيت لي هذا الموقف»([344])، ومن هذا نعلم أنّ مناط السياسة ومحورها الذي تدور عليه في مذهب المصور هو المصلحة لا غير، فهو يساوم ويماكس ولا يقيم وزناً لغير هذا النوع من السياسة سياسة المنفعة لا سياسة العاطفة.
كان خبر هذه البيعة ـ بيعة المنصور للنفس الزكية ـ من جملة الأخبار المشهورة المتعالمة في ذلك العصر، ومن الأدلة على ذلك حديث عثمان بن محمد بن الزبير مع أبي جعفر المنصور، وهو حديث يدل على ثبات نادر وجرأة بالغة، كان عثمان هذا من وجوه أصحاب محمد وليَ الشرطة له وله ذكر في بعض كتب الأخبار([345])، وقد هرب إلى البصرة بعد مقتل صاحبه فحمل منها إلى المنصور فقال له «هيه يا عثمان، أنت الخارج عليّ مع محمد؟» قال: «بايعته أنا وأنت بمكة فوفيت ببيعي وغدرت بيعتك» قال: يا ابن اللخناء، قال: ذلك من قامت عنه الأماء ـ يعني المنصور ـ فأمر به فقتل، وهذا الحديث يدل على أثر العقيدة في هذا الضرب من أصحاب محمد بن عبدالله وعلى تفانيهم في ولائه والإخلاص له([346]).
أضف إلى ما تقدّم ما تناهى إلى علم المنصور من أنّ للعلويين أو لبني الحسن في كثير من الأقطار أنصاراً يدينون لهم بالولاء ويبعثون لهم بزكاة الأموال وبمختلف الألطاف ويعنون كثيراً بأخبارهم ويتحدّثون بأحاديثهم، ومن هؤلاء من يرى رأي الزيدية في الخروج، ومنهم من يرى موالاة هؤلاء العلويين على كلّ حال، وكانت للقوم هيبة ومكانة في صدور الناس([347])، وإلى تلك المكانة الرفيعة والبيعة القائمة لبني الحسن في أعناق الأوّل من بني العباس مردُّ هذا الحرص من المنصور على الظفر بمحمد وبأخيه إبراهيم ليطمئن على ملكه الجديد ويقيمه على الأساس الذي يريد، وقد تذرّع إلى تحقيق بغيته بشتى الوسائل ونصب مختلف الحبائل([348]).
يدهش المتأمل في سيرة المنصور لعنائه البالغ بعد استخلافه ـ وقبل ذلك أيضاً ـ بالتضييق على وجوه بني الحسن، كان ذلك شغله الشاغل أينما حلّ، ملأ الجزيرة بالعيون والأرصاد وبذل الأموال الطائلة وفرّق الأعراب يفتشون عنهم في البوادي، وكان أولئك العيون والأرصاد يتلقون تعاليم دقيقة من المنصور([349]).
والحقيقة أنّ بني الحسن من ناحيتهم ـ وقد عقدوا النية وصمّموا على الخروج ـ أذكوا لهم عيوناً وجواسيس يوافونهم بأخبار المنصور بل كان إبراهيم بن عبدالله نفسه يتغلغل في مملكة المنصور وفي قواعده العسكرية في الشام والعراق، ويروى أنّه تناول الطعام على مائدة المنصور مرّة وحضر مجلسه متنكراً، وقد بلغ المنصور بذلك إلاّ أنّه عجز عن الظفر به، و يلاحظ أنّ عامة الناس في العراق كانوا يساعدون إبراهيم على الإفلات والنجاة([350])، وكان المنصور يقول: «غمض على أمر إبراهيم لما اشتملت عليه طفوف البصرة»([351]).
عزل المنصور ولاة المدينة واحداً بعد آخر لفتورهم في طلب القوم ونسب هؤلاء الولاة إلى الغش والمداهنة، والواقع أنّهم دهشوا وأخذتهم الحيرة من هذا الولاء البالغ الذي ينعم به هؤلاء العلويون في الحجاز وتفضيل القوم لهم على العباسيين فلم يجد الحكام مساغاً لإراقة الدماء نزولاً على هوى المنصور، والغالب أنّ لعبدالله بن الحسن والد الأخوين المتواريين دخلاً قوياً في ضعف هؤلاء الولاة عن الاهتداء إلى مكان أبنائه وعجز المنصور عن الظفر بهما، ومرد ذلك إلى منزلة عبدالله هذا وحرمته الكبيرة في الدنيا ولدهاء وعقل فيه، فكان الولاة المذكورون يسمعون عنه ويطيعون([352]).
المنصور يلح:
ما زال المنصور يلح وعبدالله يدافع، وقد نجح المنصور أو كاد في إشاعة الاضطراب والارتباك في نفوس بعض بني الحسن، وكانت بين عبدالله بن الحسن وسليمان بن علي ـ عمّ المنصور وعامله على البصرة ـ قرابة قريبة ومصاهرة فاستشاره في إظهار ابنيه على شرط أن يعفي عنهما فقال سليمان: لو كان المنصور من أهل العفو لعفى عن عمّه عبدالله بن علي([353]) ـ وهو أخو سليمان هذا ـ فلم يسع عبدالله بن الحسن إلاّ قبول هذا الرأي الذي ارتأه صهره وقريبه سليمان، ومن ثمّ أمعن في تشجيع أولاده على الثبات والمضي في الخلاف وهان عليه السجن في هذا السبيل وطال لبثه فيه على وجه أثار إشفاق أولاده ورثاءهم لحالته، وكان محمد ابنه يزوره في سجنه بالمدينة وخطر له أن يسلم نفسه للمنصور ليخلص والده ولكن الوالد الجلد الصابر ظلّ وهو رهين السجن يحثّ أولاده على الثبات والمقاومة حتّى الموت وقد اشتهر له في هذا الشأن كلمته التي خاطب بها ابنيه قائلاً «إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين»([354]). وكان عبدالله أوّل من بثّ الدعوة لابنه وبايعه، ولذلك كان المصنور يكنيه «أبا قحافة» تشبيهاً له بعثمان بن عامر التميمي لأنّ أبا بكر ابنه بويع وهو حي كما بويع النفس الزكية وأبوه على قيد الحياة([355]).
طلائع الثورة:
أجمع المؤرخون على أنّ طلائع الثورة الحسنية على الدولة العباسية بدأت بتضييق أبي جعفر المنصور على عبدالله بن الحسن وأهله وزجّهم في سجنهم الأوّل بالمدينة ـ بعد استخلافه بنحو سبع سنين ـ متهماً إياهم بتهم مختلفة ناسباً إليهم أنّهم يكيدون للدولة العباسية ويبغونها الغوائل، ولم يأمر المنصور بسجن عبدالله ـ بعد أن حاول قتله([356]) ـ إلاّ بعد أن أراده على إحضار إبنيه وهدّده وطالما تكاشفا وتغالظا في الكلام([357])، وقد أراد المنصور بالتضييق عليه في سجن المدينة أن يضطره إلى تسليم ابنيه ولما امتنع أشد امتناع أمر بإشخاص بني الحسن إلى العراق وأشرف بنفسه على وضع الأغلال في أعناقهم والقيود في أيديهم وسامهم في الطريق من الحجاز إلى العراق ألواناً من العذاب والتنكيل والقتل إلى أن أودع من بقي على قيد الحياة منهم سجنه في قصر ابن هبيرة أو الهاشمية([358])، وكان ذلك سنة 144هـ.
بقي عبدالله بن الحسن في سجن المنصور ثلاث سنين، وكان ينتحل لغياب ابنيه شتى الأعذار، مرّة يقول: إنّهما منهومان بالصيد وطلبه وإنّهما هجرا لذلك الأهل والديار، وتارة يقول: إنّه لا يعلم من أمرهما شيئاً، وطوراً يدّعي أنّ خوف المنصور أكرههما على الغياب وعلى الخروج إلى اليمن وإلى السند وإلى العراق وإلى أقطار أخرى.
كان محمد خبيراً بالتنكر والاختفاء جوّابة للبوادي ورّاداً على المياه الأواجن وقد تزيا بشتى الأزياء([359])، تزيا بزي الأعراب والعمال وغيرهم ولم يزل يتنقل من موضع إلى موضع إلى حين خروجه بالمدينة.
ظهور محمد بالمدينة:
ألحّ أمير المدينة في طلب محمد وضيّق عليه وأرهقه الطلب طبقاً للأوامر التي تلقاها من أبي جعفر المنصور بعد قفوله إلى العراق بمن حملهم من بني الحسن فلم يسع محمداً إلاّ الخروج والثورة بعد أن بعث بأخيه إبراهيم يجوس خلال مملكة المنصور في العراق، وهي الثورة التي قمعت على يد الأمير عيسى بن موسى ـ بعد ثلاثة أشهر ـ طبقاً لما توقعه الإمام جعفر بن محمد ـ وقد مرّ شرح ذلك ـ.
تتضارب أقوال المؤرخين في أسباب نجاح المنصور في قمع ثورة بني الحسن بمثل هذه السرعة فيقال: إنّ محمداً خرج قبل وقته الذي واعد أخاه إبراهيم على الخروج فيه وقيل خرج بميعاده وكان التأخير من أخيه([360])، ويبدو لنا أنّ أهل المدينة برموا من القلق والاضطراب وسئموا من الانتظار على وجه اضطر معه محمد إلى الخروج([361])، ويُقال أيضاً إنّ أهل المدينة لم يكونوا أهل حرب كأهل العراق وكانت ذخائرهم و مؤنهم قليلة، وقد اتّصل ذلك ببني العباس من جواسيسهم في الحجاز([362])، ومن أجل ذلك هان على المنصور إخماد الثورة فيها، وفي كتب التاريخ روايات تدل على أنّ المنصور كان بارعاً في نصب المكايد والخدع للثائرين فكانوا يتلقون رسائل مذيلة بتوقيع قواد الجيش العباسي وأمرائه يحثّون فيها بني الحسن على الظهور ويخبرونهم أنّهم من أنصارهم، إلى ذلك ونحوه ممّا جعل محمد بن عبدالله يعتقد بانحياز قادة الجيش العباسي إلى جانبه إذا ثار([363])، وما كتبت تلك الكتب والرسائل إليه إلاّ بأمر أبي جعفر المنصور.
عنيَ المنصور باستشارة أصحابه في كيفية التغلب على محمد بن عبدالله فكانت لهم آراؤهم في هذا الشأن، وكثير منهم هون على المنصور أمر الثورة قائلين إنّ أهل المدينة ليس معهم آلة الحرب ولا قدرة لهم على الزحف، وقد يستطيعون الدفاع مدّة قليلة([364])، وممّا يدل على ذلك أنّ عالماً كثيراً من سكان المدينة تركوها إلى البادية والجبال لما دنا منها جيش المنصور يقوده ابن أخيه الأمير عيسى بن موسى، ولم يبق مع محمد بن عبدالله عدد يؤبه له وتفرّق عنه جلّ أصحابه في أحرج لحظة([365]).
أضف إلى ذلك أنّ أصحاب محمد اختلفوا في كيفية إدارة رحى الحرب داخل أسوار المدينة([366]) بيد أنّ محمداً مع ذلك كلّه ثبت ثبات المؤمن بحقّه وقاتل قتال الأبطال حتّى قتل وقتل معه من أهل المدينة قوم لم يسع المنصور إلاّ الاعتراف ببسالتهم ونجدتهم البالغة([367]).
بعض مميزات الثورة:
امتازت ثورة النفس الزكية ببعض المميزات الخطيرة وفي مقدمتها مشاركة عدد غير قليل من وجوه الدولة العباسية بالدعوة والبيعة له في الشرق والعراق والحجاز ومنهم عدد من أحفاد الصحابة والتابعين وعدد من النساك والقرّاء والفقهاء ونقلة الحديث والأثر، وكان أعيان معتزلة البصرة من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد من دعاته وأنصاره، ويقول بعض المؤرخين: بايعه الأئمة من أهل عصره كمالك وأبي حنيفة ومن في طبقتهما([368]).
خرج مع محمد جماعة من آل أبي طالب من أبناء الإمام علي (عليه السلام) ومن أولاد جعفر الطيار وخرج معه اثنان من أولاد زيد بن علي عيسى وحسين وخرج معه جماعة آخرون اعتقدوا إمامته وقتلوا على ذلك، وممنهم بعض من آل الزبير كعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير المتقدم ذكره، وقد خرج أكثر من خرج معه على أنّه المهدي الموعود.
ومن السهل تعليل هذا التأييد الذي لقيه محمد بن عبدالله من العلويين والطالبيين وغيرهم وكذلك الانحراف الذي منيَ به المنصور والعباسيون فإنّ مردهما إلى الاعتقاد أو إلى القول بالإمامة فإنّنا نعرف عن أولئك الفقهاء ونقلة الأثر والحديث في ذلك العصر وأمثال هؤلاء ـ ممّن اعتزل الحكم وتجرّد للتفقه والنسك والعبادة ـ أنّهم يرون أنّ مناصب السياسة أهون من أن تراق في سبيلها ملء محجمة من الدم، ولمّا كان الأمويون ومن بعدهم العباسيون على النقيض من ذلك في عدم التحرّج من سفك الدماء في سبيل الملك والسلطان لم يسع أولئك إلاّ المجاهرة بالخلاف والخصومة العنيفة، وعقد غير واحد من المؤرخين فصولاً خاصّة سمّوا فيها من أجاب دعوة محمد بن عبدالله أو خرج معه من أعيان ذلك العصر وأئمته في عدّة من الأقطار([369])، وهي فصول تصلح للاحتجاج على متانة مركز بني الحسن من الناحية المعنوية في العصر المذكور وإن اضطربت آراء فريق من وجوه الطابيين في خروجه وامتنع من امتنع منهم عن تأييده([370]).
عمال محمد بن عبدالله:
أرسل محمد قبل ثورته وبعدها عماله ودعاته إلى مكة وإلى الشام واليمن والعراق، ومن أشهر هؤلاء العمال والدعاة أخواه إبراهيم بن عبدالله وجه به إلى العراق قبيل ثورته وموسى ويعرف «بموسى الجون» في كتب الأنساب، وقد استعمله على الشام، ومنهم محمد بن الحسن بن معاوية من أحفاد جعفر بن أبي طالب استعمله على مكة، ويظهر من قوائم المؤرخين التي وردت فيها أسماء عماله أنّه اختارهم من ذوي قرباه([371]) ولم يكتب لأكثر هؤلاء العمال نجاح يذكر في الأقطار المذكورة، فهذا عامله على مكة لم يقم إلاّ يسيراً فيها حتّى استدعاه محمد لمّا خرج إليه عيسى بن موسى ولكن محمداً قتل وعامله هذا في طريقه إلى المدينة فهرب إلى العراق ولحق بإبراهيم بن عبدالله وأقام عنده حتّى قتل([372])، وقد منيَ موسى أخو محمد وعامله على الشام بالفشل أكثر من غيره، تجهمه أهل الشام واستقبلوه استقبالاً ردياً وكان أثر الرعب والوجوم بادياً على القوم منذ زوال الدولة الأموية واستئصال أمرائها وإبادتهم. تدلنا على ذلك رسالته التي بعث بها إلى أخيه من دمشق وقد جاء فيها: «أخبرك أنّي لقيت الشام وأهله فكان أحسنهم قولاً الذي قال: والله لقد مللنا البلاء وضعفنا حتّى ما فينا لهذا الأمر موضع ولا لنا به حاجة، ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا وأمسيتنا من غد ليرفعن أمرنا، فكتبت إليك وقد غيبت وجهي وخفت على نفسي»([373]) وقد ترك موسى الشام بعد رسالته هذه إلى المدينة وقيل إلى البصرة. وهو الأصح فيما نرى. والمرجح أنّه ترك الشام بعد أن حوصر أخوه في المدينة وذهب رأساً إلى البصرة ملتجئاً إلى قريبه محمد بن سليمان العباسي في البصرة ولكن هذا وبّخه توبيخاً شديداً وجبهه بكلمات نابية تدل على اضطراب ورعب من المنصور، وقد أشار المؤرخون إلى مصير موسى بعد وصوله إلى العراق وسجنه في أيام المنصور والإفراج عنه في عصر ابنه المهدي وذكروا أنّه عاش إلى أيام هارون الرشيد وله معه أحاديث لطيفة([374]) هذا ولم يغفل المؤرخون أسماء ولاة محمد بن عبدالله وقضاته على المدينة ووزرائه في إدارة الشؤون الحربية والمالية والقضائية([375]).
إبراهيم يثأر لأخيه في العراق:
هرب عدد من أقرب المقربين إلى محمد بن عبدالله بعد مقتله سنة 145هـ وعدد من ولاته وعماله إلى البصرة، وقد اشتملت باديتها على كثير من أنصار بني الحسن عقدوا البيعة لأخيه إبراهيم بن عبدالله ونادوا بإمامته وأعلنوا الخلاف على الدولة العباسية.
يعدّ إبراهيم بن عبدالله أخو النفس الزكية من أشهر رجال بني الحسن علماً وفقهاً لم يملأ عين المنصور بعد أبيه وأخيه غيره من بني الحسن([376])، وله ضلع في الأدب ويروى له شعر، ومن رأى بعض المؤلفين في الأدب والتأريخ أنّ «المفضليات» من جمع إبراهيم بن عبدالله جمعها من دواوين العرب لما كان مختفياً في منزل«المفضل الضبي» فلمّا قتل إبراهيم نسبت المفضليات إلى المفضل المذكور، وكان المفضل زيدياً ومن رواة حديثه وشعره كما كان إبراهيم يكثر من الإقامة عنده([377]).
كثر المادحون من الشعراء لإبراهيم، ومن مداحه بشار بن برد، وحسبنا من شعره في إبراهيم قصيدته السائرة التي تعدّ من عيون الشعر العربي وفيها يقول:
أقول لبسام عليه جلالة
غدا أريحيا عاشقا للمكارم
من الفاطميين الدعاة إلى الهدى
سراج لعين أو سرور لعادم([378])
أتى إبراهيم نعي أخيه فخرج وأخبر الناس في البصرة، وكانت البصرة موالية له جدّاً كما كان البصريون من أكثر أنصاره وأشدهم انقياداً وطاعة له، ولإبراهيم كلمة بليغة في الثناء على البصريين لإيوائهم إياه مع أصحابه وقد اتّخذ أصحابه من هذه الكلمة شعاراً لهم وأنشودة ينشدونها، وقد جاء في ختام الكلمة قوله: «إن أملك فلكم الجزاء وإن أهلك فعلى الله الوفاء»([379]).
توالت على المنصور الفتوق ـ بعد خروج إبراهيم ـ من البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد إلى جانب كثير من أهل الكوفة([380])، ويبدو لنا أنّ كثيراً من زعماء العراق في الكوفة وفي الموصل وغيرهما مالوا إلى إبراهيم وبايعوه([381]). وقد أجمع المؤرخون على أنّ إبراهيم وجم واغتمّ بخروج أخيه وأمره إياه بالخروج فلعله كان يرى خروجه مبتسراً أي قبل أوانه، ويفهم أنّ المنصور أكثر من استشار رجال دولته في أمر إبراهيم وخروجه، وقد أخذ برأي من ارتأى منهم بأن يقاتله بجند من أهل الشام لأنّهم لا يميلون إلى آل أبي طالب بخلاف العراقيين([382]).
استولى إبراهيم على واسط والقسم الجنوبي من العراق وأرسل إلى تلك الجهات عماله، بايعه أهل واسط بعد البصريين وبايعه الزعماء والفقهاء ولم يبق أحد إلاّ تبعه، وقد سمّى أبو الفرج جميع من خرج معه من الفقهاء والمحدّثين ونقلة الآثار([383]) وكانت وجهته الكوفة وفيها المنصور، ويلاحظ أنّ كثيراً من أصحابه لا بصر لهم بفنون الحرب ولكنّهم شجعان([384]) وقد وقعوا في هفوات حربية إليها مرد ظفر الجيش العباسي([385]) وبعض هذه الغلطات الحربية في واقعة «باخمرى» أدّت إلى مقتله وتشجيع جيش أبي جعفر المنصور على الثبات بعد الهزيمة([386])، وعلى كلّ حال كانت ثورة إبراهيم في العراق أخطر من ثورة أخيه في المدينة، وبين الثورتين والأرواح وهي أضعاف ما ألحقته ثورة أخيه المذكورة وكانت وقعة باخمرى قريبة من الكوفة وفيها سرير المنصور.
نقلة الآثار يؤيدون الثوار:
خرج مع إبراهيم عدد غير قليل من أهل العلم والفقه ونقلة الآثار سمّاهم وترجم لهم أبو الفرج الأصفهاني([387])، كما أفتى بالخروج معه فقهاء آخرون سمّاهم غير واحد من المؤرخين كابن سعد والطبري، وقد علّلنا فيما مرّ تأييد أهل الفقه والنسك في صدر الدولة العباسية للثائرين عليها من العلويين، ومردّ ذلك إلى هوان السياسة وطلب الملك والدولة على هذا الفريق من الفقهاء والنساك وأنّ ذلك فيما يرون أقل شأناً من أن تُراق في سبيله الدماء وأحرى أن يركن بسببه إلى العزلة والانزواء فقد صحّ أنّ أبا حنيفة كان يجهر بآرائه في نقد سياسة المنصور وأصحابه نقداً لاذعاً يعلن عن مناواته للخليفة ولعماله في شدّة وطأتهم على العلويين على رؤوس الأشهاد، حتّى قال له بعض أصحابه: «والله ما أنت بمنته حتّى توضع الحبال في أعناقنا»([388])، والواقع أنّ أبا حنيفة عارض سياسة الأمويين المجافية للدين والمبنية على اضطهاد العلويين قبل معارضته لسياسة العباسيين فرفض ولاية القضاء في أيام مروان بن محمد، وضُرب وحُبس في هذا السبيل([389])، وفي هذا الامتناع الشديد عن ولاية القضاء في العصرين الأموي والعباسي بعد ذلك ما فيه من الدلالة على تبرّمه بالسياسة وعلى مجافاته للحكام من أمويين وعباسيين، ويعدّه المؤرخون كافة من الموالين لآل علي، وكان لخروج زيد بن علي وقتله على الصورة التي قتل فيها ـ في أيام هشام بن عبدالملك ـ أثر عميق في نفسه ومشت بين زيد الشهيد وأبي حنيفة رسل وبعث إليه بمال وأطلعه على بعض الموانع التي منعته من الخروج([390]).
وممّا لا شكّ فيه أنّ اغتباط أبي حنيفة كان عظيماً بزوال دولة بني أمية وانتقال الأمر إلى العباسيين، وتروى له خطبة في الكوفة عند بيعة السفاح استقبل فيها الدولة الناجمة استقبال الولي الناصر([391])، ولم تعرف عنه خصومة لهذه الدولة في أيام السفاح وفي شطر غير قليل من أيام المنصور، ولمّا خرج محمد بن عبدالله النفس الزكية بعد مضي عشر سنوات على بيعة المنصور ـ وكانت تربط أبا حنيفة بالنفس الزكية رابطة قديمة إذ كان أبوه عبدالله بن الحسن من أجل أشياخه ـ ظهرت الخصومة بينه وبين أمراء الدولة العباسية ولم يسعه إلاّ المجاهرة بآرائه في مناصرة العلويين، ذلك نرى كتب التاريخ حافلة بأخبار سخطه على بني العباس بعد هذه الثورة وبعد مقتل العلويين الثائرين.
أراؤهم في الخروج على السلطان:
وقد عقد الخطيب فصلاً عنوانه «ذكر ما حُكيَ عن أبي حنيفة من رأيه في الخروج على السلطان»([392])، وهذا الفصل عبارة عن أحاديث يستنتج منها أنّ أبا حنيفة يرى الخروج بالسيف على سلطان زمانه الجائر، وقد ناقش هذه الروايات فريق من المؤلفين والمحدّثين زاعيمن أنّها روايات واهية الإسناد، وقال آخرون: إنّها كذب وافتراء على أبي حنيفة ودليلهم على ذلك أنّ فقهاء الحنفية مجمعون على القول بعدم جواز الخروج على السلطان وأنّ طاعته واجبة ما لم يأمر بمعصية، ويفهم ممّا قالوه أنّ ما نقله الخطيب في هذا الشأن لا أصل له في مذهب أبي حنيفة([393]).
وممّن ناقش الخطيب البغدادي فيما حكاه عن أبي حنيفة وأسند إليه وإلى أصحابه أقوالاً تنافي الأقوال الواردة في تاريخه وأنكر تلك الأقوال المنسوبة إليه في جواز الخروج على ولاة الأمور الملك عيسى بن العادل الأيوبي في كتابه: «السهم المصيب» وقد نقل عن أبي حنيفة قوله «ولا نرى الخروج على أئمتنا وأولياء أمورنا وإن جاروا علينا وندعو لهم» ثمّ قال: «وإجماع أصحاب أبي حنيفة على ذلك»([394]).
ومن رأي بعض المؤرّخين أنّ هذا القول مرجوح وأنّ في إجماعهم على محنته ما يكفي لترجيح قول القائلين بخلاف ذلك، فالمنصور أعقل من أن يؤذي أبا حنيفة لمجرّد امتناعه عن القضاء وإنّما اتّخذ من هذا الإضراب ومن مواقف أخرى عارض بها أبو حنيفة رغبات المنصور([395]) ذريعة يتذرّع بها لإيقاع هذه المحنة، وقد ثبت أنّ في أعوان المنصور ووزرائه من يحرض على أبي حنيفة ويثير الخصومة بينه وبين الخليفة ومنهم الربيع بن يونس وأبو العباس الطوسي والأمير عيسى بن موسى أمير الكوفة الآنف ذكره وغير هؤلاء.
كان أبو حنيفة وهو في الكوفة يحثّ الناس على الخروج مع إبراهيم بن عبدالله ويأمرهم باتباعه ويشجع إبراهيم على الطلب بدم أخيه ويدعوه إلى نزول الكوفة مهوناً عليه أمر عيسى وعمّه المنصور، وقد أفتاه ـ على ما يقول هذا الفريق ـ أن يسير معهم سيرة جدّه مع أهل الشام([396])، وكان بقاؤه في الكوفة ـ وهي علوية في دعوتها ـ خطراً على القوم، ولذلك همّ واليها الأمير عيسى بهدر دمه ثمّ اكتفى بأن أشخصه من الكوفة إلى بغداد بأمر من المنصور، وتوفي أبو حنيفة سنة (151) على أصح القولين أي بعد مقتل إبراهيم بن عبدالله بست سنوات، ويجب أن تكون إقامته هذه المدّة ببغداد أو أنّه كان يتنقل بينها وبين الكوفة، وفي كيفية وفاته ببغداد أقوال بيد أنّ المؤرخين مجمعون على وفاته وهو في المحنة.
هذا ويلاحظ أنّ مذهب أبي حنيفة في الفقه أصبح مذهب الدولة العباسية في عصر الهادي والرشيد بعد أن نوهض صاحب المذهب في عصر المنصور، وقد اختير جلّ القضاة من بين المنتمين إلى المذهب المذكور، وكان لأبي يوسف([397]) صاحب أبي حنيفة شأن يذكر في ذلك حتّى قيل: مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان الحنفي في الشرق والمالكي في الغرب([398])، وكان مردّ رغبة كثير من الطلاب بعد ذلك بدرس الفقه الحنفي إلى تولّي المناسب القضائية([399]) أو مناصب التدريس.
محنة أخرى:
كان المنصور يلاحق من خرج مع محمد وأخيه إبراهيم أو أفتى بجواز الخروج معهما، وقد أجمعت كلمة المؤرخين على محنة امتحن بها مالك بن أنس المدني صاحب الموطأ فضرب بالسياط ومدّت يداه حتّى انخلعت كتفاه وقيل: ضرب سبعين سوطاً في المدينة([400]) هذا ما أجمع عليه المؤرخون وأصحاب السير، وفي أسباب هذه المحنة المتفق عليها أقوال أشهرها فتوى مالك المعروفة في «يمين المكره» وفي «طلاق المكره» إذ استفاض في كثير من كتب المؤرخين أنّ مالكاً أفتى بجواز الخروج مع محمد بن عبدالله وبصحة البيعة له: فقيل له: إنّ في أعناقنا بيعة للمنصور فقال إنّما بايعتم مكرهين([401]) أو قال: ليس على مكره يمين([402])، وقد احتجّ من احتجّ بهذا الحكم على بطلان بيعة أبي جعفر المنصور وبايع أهل المدينة النفس الزكية([403])، وعلى هذا فإنّ التحلل من بيعة أبي جعفر المنصور هو المقصود من هذه الفتوى ونفى آخرون عن مالك الخوض في السياسة والتحريض على السلطان ذاهبين إلى أنّ هذه الفتوى عامة لم تقصد بها إزالة أو حادثة بعينها وهذا الفريق من المحدثين والمؤلفين يذهبون إلى أنّ مالكاً التزم الحيدة في حرب المدينة بين الأمير عيسى بن موسى مقدّم جيش المنصور والعلويين ومقدمتهم النفس الزكية، بيد أنّ بعض حساد مالك ومثير الخصومة بينه وبين المنصور استندوا إلى هذه الفتوى فيما جرى بين مالك ووالي المدينة.
دولة لبني الحسن في المغرب:
لم يكن بنو عبدالله بن الحسن الذين خرجوا على بني العباس في صدر دولتهم أو في خلافة خلفائهم الأوّل دولة تذكر في المشرق ولا أمهلتهم الأيام أن يقوموا بذلك وإن قامت لأعقابهم وأحفادهم إمارات ودويلات بعد ذلك في بعض ديار العجم كبلاد الديلم وفي بعض بلاد العرب كاليمن، وإنّما قلنا دولة في المشرق لأنّ بني الحسن كوّنوا لهم ـ والحق يُقال ـ أكثر من دولة واحدة في المغرب الأقصى وفي بلاد الأندلس، عرفت الدولة الأولى في كتب التاريخ بدولة الأدارسة وعرفت الثانية بدولة بني حمود من أعقابهم، وقد استندت هاتان الدولتان في قيامهما على حزب لا يستهان بقوّته وشدّة مراسه قوامه البربر والمغاربة المراكشيون، وقد نسبت دولة الأدارسة إلى إدريس بن عبدالله بن الحسن وإلى ابنه الذي خلفه في المغرب وسمّي باسمه، ويُقال لإدريس بن عبدالله «إدريس الأكبر»([404]) تمييزاً له عن ابنه الذي يُقال له «إدريس الأصغر» كما يُقال لكلّ منهما «صاحب البربر» لأنّ جل من استجاب لدعوتهما وشد إزرهما من قبائل البربر ـ وكان ذلك في عصر هارون الرشيد ـ وإدريس الأكبر أو الأوّل ثاني اثنين من أولاد عبدالله بن الحسن المثنىء من وقعة «فخ» المشهورة([405])، أمّا أخوه وهو يحيى بن عبدالله الذي أفلت معه من هذه الواقعة فيُقال له «صاحب الديلم» خروجه على الرشيد في بلاد الديالمة([406]) وإن خاب يحيى في حركته بخلاف أخيه إدريس وأبنائه الذين حالفهم التوفيق في تكوين الدولة الأدريسية.
خيبة صاحب الديلم:
تيسّر للرشيد إحباط حركة يحيى لوقوعها في إقليم غير بعيد عن العراق، وشتان بين البلاد التي ظهر فيها إدريس ـ وهي المغرب ـ وبين بلاد الديلم من هذه الناحية، لذلك لم يستطع أن ينشىء ملكاً أو دولة كالتي أنشأها الأدارسة.
كان ساعد الرشيد في إحباط حركة صاحب الديلم الناجمة في المشرق وزيره الفضل بن يحيى، وهو وزير عُرف بحنكته وكياسته واجتنابه سفك الدماء وميله إلى حل المعضلات سلمياً، فلمّا ندب الرشيد وزيره المذكور إلى قتال هذا العلوي الثائر استماله وأقنعه بالتسليم بشروط، منها أخذ الأمان له بخط الرشيد في حادثة مشهورة([407]) وفي رواية ابن الأثير أنّ الرشيد حبسه فمات في الحبس بعد أن أفتاه بعض فقهائه بانّ أمانه منقوض([408])، هذا وليحيى بعد ذلك ضلع في التاريخ والعلم بالأنساب والأيام، ومناظراته مع بعض خصومه في مجلس الرشيد تدل على ذلك([409]).
ورثة الحاضرة الأندلسية:
بدأت دعوة الأدارسة في المغرب سنة 170، وفي قول بعد ذلك بقليل، وجلّ أنصارها من البربر الذين استجابوا لدعوة إدريس الأكبر([410]) ثمّ بايع البربر ابنه إدريس الأصغر، وهو أوّل من بويع بالخلافة من بني إدريس بيعة عامّة في البلاد المذكورة([411])، وقد خلفه من خلفه من أبناء إدريس الأكبر وأحفاده، والخلاصة: عبثاً حاول الرشيد وأد هذه الحركة الأدريسية بدسّ السم لإدريس الأكبر فإنّ أولاده خلفوا أباهم في تلك البلاد فعاشت هذه الدولة رغم إرادة بني العباس، ويقول ابن بسام – (542هـ) ـ في معرض ذكره لبني الحسن وأسباب خروجهم إلى المغرب ما هذا نصّه ـ «بلغني أنّ عقبهم إلى اليوم هنالك»([412]).
مقارنة بين الدولتين الفاطمية والأدريسية:
عاشت دولة الأدارسة مدّة تناهز مائة وثمانين سنة، وكان الفاطميون أنبه ذكراً وأبعد مغاراً حتّى أنّ دولة الأدارسة التي استولت على المغرب كانت خاملة الذكر بالنسبة إليهم، ومرد ذلك إلى انزواء الأدارسة في المغرب الأقصى واقتصارهم على الدفاع عن أنفسهم ومملكتهم وخوفهم من بني العباس بخلاف دولة الفاطميين التي غزت المشرق وهددت بني العباس في عقر دارهم وأزالت دولتهم من مصر والشام، إلى غير ذلك ممّا لم يحلم به الأدارسة، ومع ذلك لا ينكر فضل هؤلاء الأدارسة على المغرب، ففي عهدهم قطعت هذه البلاد شوطاً بعيداً في مراحل الحضارة، ومن مظاهرها تأسيس المدن الكبيرة.
لا شكّ أنّ المدن الكبرى في المغرب ـ وفي مقدمتها «فاس» وهي مدينة الأدارسة، و«ومكناس» و«سلا» و«تطوان» وغيرها من آثارهم أو ملحقات مملكتهم ـ تعدّ وارثة الحضارة الإسلامية في الأندلس، وأهلها ـ أعني أهل هذه المدن المغربية ـ يمثلون مسلمي الأندلس في عاداتهم وأطوارهم وثقافتهم، وتعدّ مدينة فاس([413]) معقل الثقافة الإسلامية في المغرب وبها جامع القرويين المشهور يؤمه طلاب العلم من سائر أنحاء البلاد.
إلى هؤلاء الأدارسة يعود قسط كبير من الفضل في نشر دعوة الإسلام بين قبائل البربر حتّى أصبحت من أشدّ قبائل المغرب شكيمة وأحسنها بلاء في الدفاع عن بيضة الإسلام، وكان أكثرهم على غير ملّة الإسلام([414]) لأنّ المسلمين الفاتحين ـ قبل ذلك ـ كانوا يلمون بقبائل البربر الماما في طريقهم إلى الأندلس، ولمّا فرّ إدريس الأكبر في خلافة الرشيد أقام في بلادهم وتزوج اليهم وولد له أولاد كثر من أم بربرية اندمجوا هم وأحفادهم من بعدهم في القبائل البربرية، ويقول غير واحد من المؤلفين والمؤرخين في هذا الصدد ـ أي في صدد اندماج أعقاب إدريس الأوّل في قبائل البربر المذكورة «تبربر ولده»([415])، وهم أعني هؤلاء الأدارسة المندمجين في البربر ـ الذين قاموا بنشر الدعوة إلى الدين الحنيف في تلك الأقطار الشاسعة، وقد توارثت القبائل البربرية ـ إلى اليوم ـ ولاء أهل البيت والإخلاص لهم، وما أكثر بيوت العلويين على اختلاف بطونهم في المغرب، وما زالوا يتمتعون بحرمة وافرة([416]).
محمد رضا الشبيبي
بنو زُهْرة
قدم التشيع في حلب([417])
بنو زُهرة من سلالة البيت النبوي الكريم ومن عظماء أشراف حلب القدماء الذين جمعوا إلى رئاسة الدين فيها نقابة أشرافها وتوارثوها كابراً عن كابر وهم من أعلام الشيعة ومنهم غير واحد انتهت إليه رئاسة المذهب.
كان القرن الرابع الهجري مبدأ هبوب ريح الشيعة بعد سكونها المستطيل حيث قامت لهم في هذا العهد بآجال متقاربة دول وإمارات نبه شأنها، وضخم سلطانها، وسما مكانها، فالدولة البويهية. وعلويو طبرستان. وإمارة بني حمدان. وبني صدقة وغيرها في المشرق. والدولة الفاطمية في المغرب ومصر وبعض ديار الشام وقبل ذلك الأدارسة في المغرب. فكانت حلب إحدى عواصم الإمارة الحمدانية الشيعية.
تنفّس الشيعة الصعداء في عهد تلك الدول والإمارات بعد أن ضربها الدهر ضرباته الأليمة، وشردها في الآفاق، وفرّقها في بلدان الله الواسعة الشاسعة شذر مذر محتجبة عن امتداد أيدي الظلمة إليها بحجب التقية.
أصبحت حلب من بدء ذلك العهد وهي عاصمة الحمدانيين بعد أن غلبوا عليها الأخشيديين ملوك مصر والشام مثابة الشيعيين ومختلف رجالاتهم ومستناخ رواحل الطارئين عليها من أمهات البلدان القريبة والسحيقة ينسلون إليها من كلّ حدب، حيث يستمرئون المرعى الخصيب، وينتجعون نجعة الراحة، ويعتبقون عبق الحرية المذهبية، فعمرت بهم بيوت العلم، وراجت فيهم سوقه، ونفدت سلعه. ولم تكن الرحلة إلى حلب وإن كانت قد أصبحت عاصمة الشيعة وقفاً على الشيعيين فقط بل كانت مشرعاً عذباً عاماً ومورداً مشاع المنهل بين الواردين إليه منهم ومن إخوانهم السنيين بفضل ترفيه الأمير سيف الدولة الحمداني على العلماء كافة من أي مذهب كانوا ولأية ملّة انتسبوا وانبساط كفّه إليهم بالأعطيات، واتساع صدره الرحيب إلى كلّ من يوءم حضرته ويتوسط فناءه لكسب مغنم أو فك مغرم. فكانت أيامه على الشيعة وعلى الخاصّة منها ومن غيرها وعلى المملكة الحلبية غرراً محجلة، وعلى بلاد الإسلام معقلاً منيعاً. وعلى العلم والآداب العربية بيضاء نقية مباركة.
ومن يطلب الاستزادة من معرفة أيادي ذلك الأمير العربي الجليل البيضاء على حلب وعلى العلم والعلماء فما عليه إلاّ أن يتصفح ما دوّنه منها الإمام الثعالبي في يتيمته، وناهيك بها معرفاً بفضله، ومنوهاً بقدره.
وبعد فقد تمتع الشيعة في هذا العهد بحريتهم المذهبية، وأصحروا بمعتقدهم غير موجسين خيفة من سلطان قاهر، ولا متهيبين فتكة من ذي أبهة قادر، وحسبك أن يسيّر الأمير أبو فراس ابن عم سيف الدولة الحمداني قصيدته الميمية التي مستهلّها:
الدين مخترم والحق مهتضم
وفيىء آل رسول الله مقتسم
يسيرها في البلاد ردّاً على ابن سكرة الهاشمي العباسي وفيها من النعي على بني العباس مثالب أوائلهم وهو لا يتهيب سلطان أواخرهم ولهم الخلافة والإمامة في بغداد، والبقية الباقية من السلطان والصولجان، وفيها من بيان مناقب العلويين والفاطميين ممّا لا يدانيهم فيه مدان من العباسيين، ما تبهر حجته، ويسطع برهانه، ويذر آخرهم متعثراً بأذيال الخجل ممّا جناه أولهم، ويدع ابن سكرة المنحرف عن الفاطميين والمتهجم بخطل قوله، وباطل شعره على ثلبهم قيد الإحجام والإفحام مسجلاً عليه عار ذمه أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرم تطهيرا.
وإذا لم تكن الإمارة الحمدانية السبب التام في ظهور أمر الشيعة في حلب وما إليها فهي ولا مراء من أقوى الأسباب التي أيّدت الشيعة ونشرت التشيّع.
وقال بعض أفاضل كتاب العصر: «وكانت حلب في المذاهب الإسلامية تختلف باختلاف الدول عليها شأنها في ذلك شأن دمشق فتارةً توالي علياً وأصحابه وأخرى توالي غيره.
وكان أهل حلب كلّهم سنية حنفية حتّى قدم شخص إلى حلب فصار فيهم شيعية وشافعية وهو الشريف أبو إبراهيم الممدوح.
وكان بنو حمدان وهم شيعة من جملة الأسباب التي نشرت التشيع في حلب وجوارها.
هذا ملخص كلامه وفيه ما لا يخفى من التهافت. هل كان الشريف أبو إبراهيم وهو الذي ينتهي إليه نسب بني زهرة وهو شيعي من دعاة مذهبي الشيعة والشافعية فإن أراد هذا فذلك قول طريف وإن أراد أن في دعوته إلى التشيع تمهيداً للدعوة الشافعية وظهورها فكأنّه بذلك كان داعية المذهبين فهو حسن أن ساعد عليه كلامه.
وماذا يريد من اختلاف حلب في موالاة علي وغيره باختلاف الدول عليها، فهل يريد بذلك اتحاد الموالاة واندغام أحد المذهبين بالآخر واضمحلاله البتة وانقلاب عقيدته إلى عقيدة صاحب مذهب المتغلب فهذا ممّا نربأ بالكاتب عنه. وإن أراد أنّ الكلمة النافذة والحرية الكاملة والصراحة التامة بإظهار تلك الموالاة كادت تكون في جانب أصحاب مذهب الغالب فذلك حق وإلاّ فإنّ حلب لم تتمحض في عهد المتسلطين عليها لموالاة مذهب أحدهم وسترى أنّ تلك الصراحة بالموالاة كانت لهم حتّى اليوم الذي لم تكن لهم فيه الإمارة الحلبية.
وأمّا قوله أنّ أهل حلب كانوا كلّهم سنية حنفية قبل قدوم الشريف أبي إبراهيم حلب فذلك ما لا نوافقه عليه لأنّ الشريف لم يقدم حلب إلاّ في عهد الإمارة الحمدانية الشيعية وفيه ظهر أمر الشيعة وتقدم قدومه إليها كما هو الظاهر والمعقول.
وإليك ما كتبه بعض علماء الشيعة عن قدم التشيع في حلب، قال صاحب رياض العلماء بعد كلام عن حلب ووصفها:
وكانت من القديم محطاً لرجال علماء الشيعة الإمامية. وأهلها أيضاً من أسلم أهالي الشامات قلباً، وأجودهم ذكاءً وفضلاً وفهماً.
وقال المولى محمد طاهر القمي الفاضل الثقة فيما نقل عن كتابه الموسوم بالفوائد الدينية:
«إنّ من البلاد القديمة التشيع مدينة حلب» وقال العلاّمة المجلسي في أحد مجلدات بحاره في ترجمة الإمام رشيد الدين بن شهر آشوب السروي من أعيان أعلام الشيعة في القرن السادس الهجري ومن الطارئين على حلب:
وكان انتقاله إلى حلب من جهة كونها في ذلك الزمان محط رحال علمائنا الأعيان بل كون الغالب على عامتها المماشاة مع الإمامية الحقّة في طريقتهم وسلوكهم لكون مملكتهم إذ ذاك بأيدي آل حمدان.
وفي كلام المجلسي نظر فإنّه إن أراد أنّ المملكة الحلبية كانت حتّى عهد ابن شهر اشوب بأيديهم ففيه مخالفة صريحة لنص التاريخ ولإجماع المؤرخين فإنّه لم يقل مؤرخ بامتداد ملكهم إلى هذا العهد بل المحقق أنّ دولتهم في حلب انتهت قبل انتهاء القرن الرابع الهجري وإن أراد غير ذلك فكلامه لا يفيده ولا يحتمله.
أمّا استفحال أمر الشيعة في حلب وما إليها فقد دام مؤيداً بقوّة الاستمرار الطبيعية لا بتأييد دولة منهم حتّى سنة تسع وسبعين وخمسمائة للهجرة وهي السنة التي تسلم فيها حلب سلماً السلطان صلاح الدين الأيوبي من صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود بن عماد الدين زنكي بن اقسنقر([418]).
بل كانت للشيعة الكلمة النافذة في حلب وأمرتها بأيدي مخالفيهم ومناهضيهم إنّ صاحب حلب اضطر في مقاومته صلاح الدين يوم جاء حلب فاتحاً إلى إجابة ما شرطه عليه الشيعة.
قال ابن كثير الشامي لمّا جاء صلاح الدين إلى حلب ونزل بظاهرها اضطرب واليها وطلب أهل حلب إلى ميدان العراق وأظهر لهم المودة والملاءمة وبكى بكاءً شديداً ورغبهم في حرب صلاح فعاهده جميعهم في ذلك وشرط عليه الروافض أموراً منها إعادة حي على خير العمل ومنها أن يفوض عقودهم وأنكحتهم إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني الذي كان مقتدى شيعة حلب فقبل منهم الوالي جميع تلك الشروط.
ولما أراد بدر الدولة أبو الربيع سليمان بن عبدالجبار بن ارتق صاحب حلب بناء أوّل مدرسة للشافعية في هذه المدينة لم يمكنه الحلبيون إذ كان الغالب عليهم حينئذٍ التشيع([419]).
قال محمد كرد علي في الجزء العاشر من المجلد السادس من مجلة المقتبس:
وقد أتى صلاح الدين يوسف بن أيوب وخلفاؤه على التشيع في حلب وكان المؤذنون في جوامعها يؤذنون بحي على خير العمل. وحاول السلجوقيون الأتراك مرات القضاء على التشيع في هذه الديار (الحلبية) فلم يوفقوا لذلك إلاّ الملك الناصر صلاح الدين كما ضرب على التشيع في مصر وكان على أشُدّه فيها على عهد الفاطميين بحيث لا يكاد عالم مصري يصرّح بمذهبه إذ ذاك.
إمّا قوله وكان على أشُدّه فيها على عهد الفاطميين إلخ… فإنّا لا نوافقه عليه وحسبك برهاناً على تمكين الفاطميين مخالفيهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم ما جاء في الجزء الثالث من صبح الأعشى للعلاّمة القلقشندي:
«وأمّا سيرتهم (الفاطميين) في رعيتهم واستمالة قلوب مخالفيهم. فكان لهم الإقبال على من يفد عليهم من أهل الأقاليم جلَّ أو دق ويقابلون كلّ أحد بما يليق به من الإكرام، ويعوضون أرباب الهدايا بإضعافها وكانوا يتألفون أهل السنة والجماعة ويمكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم، ولا يمنعون من إقامة صلاة التراويح في الجوامع والمساجد على مخالفة معتقدهم في ذلك (بياض بالأصل) بذكر الصحابة رضوان الله عليهم، ومذهب مالك والشافعي وأحمد ظاهرة الشعار في مملكتهم بخلاف مذهب أبي حنيفة، ويراعون مذهب مالك، ومن سألهم الحكم به أجابوه.
وأمّا قوله (بحيث لا يكاد عالم مصري يصرّح بمذهبه إذ ذاك) فيكفي في ردّه قول عمارة اليمني وهو الذي قتل في حبّهم وفي سبيل الوفاء لهم بعد انقراض دولتهم:
أَفاعيلهم في الجود أفعال سنة
وإِن خالفوني في اعتقاد التشيع
وهل يطلب برهاناً على منح الفاطميين مخالفيهم حرية التصريح بمذاهبهم أنصع من هذين البرهانين اللذين أوردهما القلقشندي في صبحه.
وأمّا السبب في استمرار قوّة التشيع في حلب مع زوال دولتهم منها فالذي يظهر لي أنّه مستند إلى أمور:
الأول: إنّ الأمرة الحلبية لم تتمحض إلى متغلبة مذهب دون مذهب بل كانت بعد انقراض دولة بني حمدان مرّة تقع في أيدي خلفاء مصر الشيعيين وأخرى في أيدي مخالفيهم متداولة بينهم بأزمنة متقاربة بحيث لا يتّسع المجال لواحد منهما مناهضة أبناء المذهب الآخر.
الثاني: أنّ الحرب كانت عليها سجالاً بين المتغلبين السنيين فلم يخل جوّها لمتغلب ليصرف إلى مناهضة أهل مذهب هو أحوج إلى تألفهم وضمّ قوّتهم إلى قوّته لرد عادية الطامعين في الاستيلاء عليها.
الثالث: تخوّف المتغلب من قوات الدول الشيعية المحيطة بالمملكة الحلبية من المشرق والمغرب إذا امتدت يده بسوء إلى أهل مذهبهم.
وبعد فإنّا نكتب ما نكتب لمحض العبرة وفلسفة التاريخ لا لغرض آخر وإنّه ليؤلمنا وأيم الحق تذكر تلك المنازعات المذهبية التي لم يسلم منها بلد في تلك القرون الخالية، ولا كانت حربها الضروس محصورة بين الشيعة والسنة. وحسبنا ما يؤلم حديثه ما كان يقع من المشاحنة فإهراق الدماء بين أبناء السنة أنفسهم من الشافعية والحنابلة في بغداد وغيرها من بلاد الإسلام وبين المالكية وغيرهم في الديار المغربية إن تلك العصبية على المخالف هي التي خلفت لنا إلى اليوم آثار الانحطاط وذهبت للمسلمين بكل ريح وقوّة.
آل أبي شعبة الحلبيون
أعلم أنّ آل أبي شعبة الحلبي من علماء الشيعة القدماء لهم فضل الصحبة بأئمة أهل البيت الذين عاصروهم من القرن الأوّل إلى القرن الثالث منسوبون إلى حلب وأبو شعبة مولى بني تميم الله بن ثعلبة أو مولى بني عجل في رواية أخرى وسبب نسبتهم الى حلب ذكره غير واحد من علماء الرجال الشيعة. قال أبو العباس أحمد بن علي النجاشي([420]) في ترجمة عبيدالله بن علي بن أبي شعبة([421]).
«أبو علي كوفي كان يتجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب فغلبت عليهم النسبة إلى حلب. وآل أبي شعبة بالكوفة بيت مذكور في أصحابنا. روى جدّهم أبو شعبة عن الحسن والحسين (عليهما السلام). وكانوا جميعهم ثقات مرجوعاً إليهم في ما يقولون».
وأورد ذلك بالحرف الواحد الميرزا محمد الاسترابادي([422]) في الجزء الثاني من كتابه منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال([423]) وإليك من التعريف بأسماء رجالهم المعروفين ما تكمل به الفائدة ولا يشذ عن الموضوع:
(1) أبو شعبة الحلبي هو الجد الأعلى الذي تحدر منه أولئك الرجال وعنه تسلسلوا وإليه انتسبوا. وقد مرّ بك آنفاً أنّه روى عن الحسن والحسين (عليهما السلام).
(2) ولده الأوّل علي قال الاسترابادي في منهج المقال علي بن أبي شعبة ثقة صه (الخلاصة) وفي حبش (النجاشي) وكش (الكشي) ما تقدم في ابن ابنه أحمد بن عمر([424]).
(3) ولده الثاني عمر قال الاسترابادي عمر بن أبي شعبة الحلبي ق (أي من أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام)).
(4) أحمد بن عمر الحلبي قال النجاشي (أحمد بن عمر بن أبي شعبة الحلبي ثقة روى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وعن أبيه من قبل وهو ابن عم عبيدالله وعبد الأعلى وعمران ومحمد الحلبيين. روى أبوهم عن أبي عبدالله (عليه السلام). وكانوا ثقات. لأحمد كتاب يرويه عنه جماعة إلخ).
وذكره الكشي في رجاله وأورد خبراً له عن الرضا (عليه السلام) ونقل العلاّمة الاسترابادي في منهج المقال ما جاء في كتابي الكشي والنجاشي برمته واستظهر من الرواية التي ذكرها الكشي أنّه روى عن الرضا وأبي جعفر الجواد (عليه السلام).
(5) عبيدالله بن علي بن أبي شعبة الحلبي. قال النجاشي عبيدالله بن علي بن أبي شعبة الحلبي مولى بني تيم اللات ابن ثعلبة إلى أن قال (وكان عبيدالله كبيرهم ووجههم، وصنّف الكتاب المنسوب إليه، وعرضه على أبي عبدالله (عليه السلام) وصححه. قال عند قراءته أترى لهؤلاء مثل هذا. والنسخ مختلفة الأوائل، والتفاوت فيها قريب. وقد روى هذا الكتاب خلق من أصحابنا عن عبيدالله والطرق إليه كثيرة إلخ).
وذكره الاسترابادي في منهجه ونقل أقوال علماء الرجال فيه ومنهم العلاّمة الحلي في خلاصته وعقب روايته عرض كتابه على أبي جعفر (عليه السلام) بقوله. وهو أوّل كتاب صنّفه الشيعة ومنهم البرقي قال في حقّه (كوفي وكان متجره إلى حلب فغلب عليه هذا اللقب مولى ثقة صحيح له كتاب وهو أوّل ما صنّفه الشيعة([425]).
(6) أخوه محمد بن علي بن أبي شعبة. قال النجاشي في رجاله (محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي أبو جعفر وجه أصحابنا وفقيههم والثقة الذي لا يطعن عليه هو وإخوته عبيدالله وعمران وعبدالأعلى له كتاب التفسير، قال وله كتاب مبوب في الحلال والحرام وجاء نحو هذا في الفهرست والخلاصة وهو من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام).
(7) أخوه عبدالأعلى بن علي بن أبي شعبة. قال الاسترابادي (عبدالأعلى بن علي بن أبي شعبة أخو محمد بن علي الحلبي ثقة لا يطعن عليه صه (الخلاصة) وفي جش (النجاشي) في أخيه محمد). وقد مرّ ما أورده النجاشي فيه وفي إخوته في أخيه محمد كما عرفت قريباً.
(8) عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي تقدّم ذكر النجاشي له مع إخوته في أخيه محمد وأمّا الاسترابادي فقد قال في حقّه (ثقة لا يطعن عليه. وكنيته أبو الفضل صه (الخلاصة) وفي ق (أصحاب الإمام الصادق (عليه السلم)) عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي الكوفي.
(9) ولده أحمد قال العلاّمة الاسترابادي في منهج المقال (أحمد بن عمران الحلبي (قر) ذكره في رجال الباقر (عليه السلام) ويحتمل أن يكون نشأ من الكنية بأبي جعفر (عليه السلام) فإنّ المعروف من عمران الحلبي أنّه من رجال الصادق (عليه السلام).
(10) يحيى بن عمران بن علي بن أبي شعبة قال النجاشي «يحيى بن عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليه السلام). ثقة صحيح الحديث له كتاب يرويه جماعة».
وذكر في أصحاب الصادق. والشيخ والاسترابادي ذكراه في كتابيهما الفهرست ومنهج المقال.
وبعد فإنّا لم نستطرد الكلام إلى ذكر هؤلاء الأعلام إلاّ لمناسبة نسبتهم إلى حلب وإن لم يكونوا حلبيين مغرساً ومنبتاً. والنسبة كالإضافة تصدق بأقل مناسبة. مضافاً إلى إزالة ما لعله يعلق في بعض الأوهام من أنّهم حلبيو المغرس والمنبت. وأن يتخذ عهدهم بدء تاريخ التشيع الحلبي القديم على أنّا إن كنّا لا نثبت ذلك لعدم وجود الدليل عليه فإنّا لا ننفيه لجواز أن يكون قد دخل حلب في ذلك العهد أو قبله ولكن بطريقة الكتمان. فإنّ الشيعة لم يك لديهم من حرية المجاهرة بمذهبهم ما يمكنهم من الإصحار به بل كانوا يكونون في كلّ بلاد إسلامية مستترين بحجب التقية وذلك يعمي على المؤرخ تحقيق بدء دخول التشيع حلب أو غيرها من بلاد الشام.
استدراك
اعلم أنّ الحلبي في مصطلح أهل الرجال هو الشيخ الفقيه الثقة الصدوق عبيدالله بن علي بن شعبة الحلبي وهو الخامس من رجال آل أبي شعبة الذي ترجمناه في هذا الفصل. وإذا أطلق في كلام الشهيد الأوّل فالمراد منه أبو الصلاح لا غير وهو الذي ستعرفه قريباً.
العلماء المنسوبون إلى حلب من عهد دولة التشيع فيها
وما بعده من غير بني زهرة
إنّ فريقاً من علماء الشيعة الحلبيين الذين خدموا العلم و الآداب والمذهب لم تحفل بهم معاجم إخوانهم السنيّين على كثرتها وفيها العامّة التي لم توضع لرجالهم خاصّة وهي لم تبخس كثيراً من غير الحلبيين الشيعة حقّهم وقد حفلت بهم كتب رجال الشيعة فقد رأينا خدمة للتاريخ والآداب وسداً لهذا النقص أن نلم بذكرهم بما يتّسع له المجال ولا نرى مع توخّي هذه الفائدة خروجاً عن موضوع المقال فنقول:
(1) أبو الصلاح تقي الدين بن نجم بن عبيدالله الحلبي قرأ على الشيخ الطوسي والمرتضى وقد ذكره الأوّل في كتاب رجاله المسمّى بالفهرست فقال:
(تقي الدين بن نجم الدين الحلبي ثقة له كتب قرأ علينا وعلى المرتضى يكنى بأبي الصلاح) وفي رياض العلماء انّ ذكر الشيخ له هكذا في كتابه مع كونه تلميذاً له دليل على غاية جلالة الرجل وعلو منزلته في العلم والدين.
وذكره الشيخ منتجب الدين في فهرسته وابن شهر اشوب في معالمه وابن داود في رجاله. وقال الاسترابادي فيه في الجزء الأوّل من منهج المقال:
تقي بن نجم الحلبي أبو الصلاح، ثقة عين له تصانيف حسنة ذكرناها في الكتاب الكبير. قرأ على الشيخ الطوسي وعلى المرتضى قدّس الله روحهما صه (الخلاصة) وفي لم (معالم العلماء) تقي بن نجم الحلبي ثقة له كتب قرأ علينا وعلى المرتضى يكنى أبا الصلاح.
وفي أمل الآمل: (تقي الدين بن نجم الحلبي أبو الصلاح يروي عنه ابن البراج معاصر للشيخ الطوسي. وكان ثقة عالماً فاضلاً فقيهاً محدثاً له كتب رأيت منها كتاب تقريب المعارف حسن جيّد وذكره الشيخ في رجاله (وأورد ما نقلناه عنه آنفاً) ونقله ابن داود وغيره. ووثقه العلاّمة في الخلاصة وأثنى عليه. وال ابن داود تقي بن نجم الدين الحلبي أبو الصلاح عظيم الشأن من عظماء مشايخ الشيعة (انتهى). وقال منتجب الدين الشيخ التقي بن النجم الحلبي فقيه عين ثقة قرأ على الأجل المرتضى علم الهدى وعلى الشيخ أبي جعفر وله تصانيف منها الكافي أخبرنا به غير واحد من الثقات عن الشيخ المفيد عبدالرحمن بن أحمد النيسابوري (انتهى).
وقال ابن شهر اشوب في معالم العلماء تقي بن نجم الحلبي من تلامذة المرتضى له البداية في الفقه. الكافي في الفقه. شرح الذخيرة للمرتضى (انتهى).
وفي روضات الجنات: الشيخ الفقيه النبيه الوجيه الشامي أبو الصلاح تقي الدين بن نجم بن عبيدالله الحلبي الثقة العين الفاضل الإمامي كان من مشاهير فقهاء حلب ومنعوتاً بخليفة المرتضى في علومه لكونه منصوباً في البلاد الحلبية من قِبل أستاذه السيد المرتضى رضي الله عنه كما أنّ ابن البراج المتقدم ذكره في باب الأحمدين كان خليفة الشيخ الطوسي في البلاد الشامية. ولنيابته عنه في التدريس حيث أنّ كليهما منصوص عليه.
وفي رياض العلماء (وإذا أطلق الحلبي في كلام الشهيد يراد منه أبو الصلاح لا غير كما أنّ الحلبيين بصيغة التثنية يراد منهما أبو الصلاح والسيد ابن زهرة صاحب الغنية. وفي صيغة الجمع هما وأبو الصلاح الحلبي إلى أن قال (والشاميين جميعاً عن الحلبيين مع الشيخ محمود الحمصي وابن زهرة وابن البراج كالقاضي للأخير).
وفيه أيضاً (إنّ الشاميين مقيداً بالثلاثة عبارة عن الحلبي. وابن البراج وابن زهرة. ومطلقاً عن الثلاثة مع الحمصي.
أمّا تاريخ وفاة المترجم فلم نجد تصريحاً به في كلمات العلماء الذين نرجع إلى كتبهم في ترجمته وترجمة غيره في هذا المقال ولا غرو فإنّهم جروا في ذلك على عادتهم من إغفال تاريخ الولادة والوفاة في أكثر كتب الرجال اللهم إلاّ القليل ولعل عذرهم أنّهم في صدد الجرح والتعديل ومقام ربط سلسلة الرواة والمحافظة على عنعناتها وأسانيدها. وليسوا في صدد التاريخ والبحث عن السير. وفي بيان محل الرجال من الوثاقة والعدالة والوّة والضعف غنية عن الإفاضة في الترجمة والتعرض لتاريخ ولادة المترجمين ووفاتهم والبحث في أحوالهم دقيقها وجليلها اللهم إلاّ ما له علاقة في الجرح والتعديل.
إنّ عَذَرَهم في ذلك مَنْ هو في موقف المحافظ على ربط سلسلة الرواة فلا يعذرهم من هو في موقف المؤرخ المنقب الذي يعنى بأمر الرجال عناية لا يغادر بها من أمورهم صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها. وحسبك أنّ ابن خلكان قد جعل ضبط تاريخ الولادة والوفاة ركناً من أركان معجمه (الوفيات).
وكيف كان فإنّ المترجم هو من رجال القرن الخامس الهجري ومن علية علمائه. وقد ذكره الشيخ يوسف البحراني من أعيان العلماء في القرن الثاني عشر الهجري في لؤلؤة البحرين ولم يزد على ما ذكرناه.
(2) الحسن بن حمزة الحلبي. قال صاحب أمل الآمل في حقّه: (كان عالماً فاضلاً فقيهاً جليل القدر) وقال صاحب روضات الجنات نقلاً عن رياض العلماء:
(ومنهم (فقهاء حلب) الشيخ العالم الفاضل الفقيه الجليل القدر الشيخ حسن بن حمزة الحلبي).
ولعله المذكور في بعض إجازات المحقق الشيخ علي بن عبدالعالي وقد ذكره صاحب الروضات بما هذا نصه:
(فمن فقهاء حلب الشيخ الأجل الفقيه هبة الله بن حمزة صاحب الوسيلة وقد رويت جميع مصنفاته ومروياته بالأسانيد الكثيرة والطرق المتعددة).
(3) الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن الحلبي. في أمل الآمل: (محمد بن علي بن الحسن الفقيه صالح. أدرك الشيخ أبا جعفر الطوسي (رحمه الله) وروى عنه وعن ابن البراج. وقرأ عليه السيد الإمام أبو الرضا والشيخ الإمام قطب الدين أبو الحسين الراوندي، قاله منتجب الدين وفي رياض العلماء كما نقله عنه صاحب الروضات ما هذا نصّه:
(ومنهم (فقهاء حلب) الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن الفقيه الصالح الراوي عن الشيخ وابن البراج كما نصّ على ذلك كلّه الشيخ منتجب الدين في فهرسته وهو أحد رجال سلسلة الرواية للعلاّمة رشيد الدين ابن شهر اشوب المتصلة بشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، نص على ذلك في مقدمة كتابه المناقب.
(4) الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الحلبي. كان محققاً مدققاً فاضلاً صالحاً عابداً يروي عن الشيخ الطوسي وعن ابن البراج هكذا جاء في أمل الآمل.
(5) الشيخ وثاب بن سعد بن علي الحلبي (فقيه دين أديب. قاله منتجب الدين) أورد ذلك صاحب أمل الآمل.
(6) الشيخ أبو علي الحسن بن الحسين بن الحاجب الحلبي. في أمل الآمل (الحسن بن الحسين بن الحاجب فاضل جليل، روى عنه أبو المكارم حمزة بن زهرة).
وفي الروضات نقلاً عن رياض العلماء: ومنهم (فقهاء حلب) الشيخ العفيف الزاهد القاري أبو علي حسن بن حسين بن الحاجب الحلبي وهو الفاضل الذي يروي عنه ابن زهرة).
(7) الشيخ ثابت بن أحمد بن عبدالوهاب الحلبي (فقيه صالح، قرأ على الشيخ التقي، قاله منتجب الدين) هكذا جاء في أمل الآمل.
(8) عبدالملك بن الفذة الحلبي (فقيه ثقة، قاله منتجب الدين) عن أمل الآمل.
(9) المظفر بن طاهر بن محمد الحلبي. قال في أمل الآمل: (فقيه صالح، قاله منتجب الدين).
(10) الشيخ أبو الحسن علي بن منصور بن أبي الصلاح الحلبي قال في الروضات: ثمّ إنّ من جملة علماء سلسلة صاحب الترجمة (أبي الصلاح المصدر باسمه أسماء العلماء الحلبيين) هو سبطه ونافلته الفاضل الفقيه الجليل إلخ. ولم يذكره صاحب أمل الآمل.
(11) كتائب بن فضل الله بن كتائب الحلبي. ال في أمل الآمل فقيه دين وورع، قاله منتجب الدين.
(12) يحيى بن أبي طي الحلبي. قال السيد حسن الصدر في كتاب (الشيعة وفنون الإسلام). ومنهم (النحاة) يحيى بن أبي طي أحمد بن ظاهر الطائي الكلبي الحلبي أبو الفضل النحوي. قال ياقوت: أحد من يتأدب ويتفقه على مذهب الإمامية وصاحب التصانيف في أقسام العلوم وكان في حدود ستمائة. قلت قال في كشف الظنون (أخبار الشعراء السبعة) لابن أبي طي يحيى ابن حميدة الحلبي المتوفى سنة 335 خمس وثلاثين وثلاثمائة رتب على الحروف (انتهى). وأظّنه وهم اوالصحيح أن تولده في شوال سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
قلت الذي رأيته في هذا المحل من كشف الظنون([426]) هو ما يلي: (أخبار الشعراء السبعة) لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفى سنة 630 ثلاثين وستمائة وهكذا أورد تاريخ وفاته تحت اسم كلّ كتاب أورده له اللهم إلاّ في مورد ذكره كتابه (معادن الذهب في الطب)([427]). فانّه قال بعد ذكره (لابن أبي طيب يحييبن حميدة الحلبي المتوفى سنة 230 ثلاثين ومائتين وهو تاريخ كبير وذيله له أيضاً).
وفي هذا الكلام من الخلط والتهافت ما لا يخفى ـ الأوّل ـ أنّ هذا التعريف بالكتاب لا ينطبق على المعرف الذي هو كتاب طبي، والتعريف بكتاب تاريخي والتعريف يصدق على كتاب (معادن الذهب) في تاريخ حلب وهو الذي أورده له في علم التاريخ حيث قال هناك([428]): «ومن تواريخه معادن الذهب لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفى سنة 630 ثلاثين وستمائة وهو تاريخ كبير وذيله له أيضاً ـ الثاني ـ الاختلاف العظيم بين تاريخ وفاته هنا وفي الموارد التي عرف فيها كبته الأخرى.
أمّا نسبة صاحب الشيعة وفنون الإسلام الوهم إليه بتاريخ وفاته عند التعريف بكتاب المترجم (أخبار الشعراء السبعة) فناشئة على ما أرى من ذكره بعد هذا الكتاب (كتاب أخبار الشعراء) لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة 335 خمس وثلاثين وثلاثمائة وهو الكلام الذي سبق إلى قلم صاحب كتاب الشيعة أنّه يحيى بن حميدة.
وإليك أسماء كتب في مختلف العلوم للمترجم غير كتابه أخبار الشعراء السبعة. ومعادن الذهب أخرجتها من كشف الظنون.
(1) جاء فيه تحت (استيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبدالله القرطبي وهذّبه ابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي) ([429]).
(2) (تاريخ ابن أبي طي) يحيى بن حميدة الحلبي رتب على السنين([430]).
(3) (حوادث الزمان) لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفى سنة 630 وهو في خمسة مجلدات على ترتيب الحروف([431]).
(4) «طبقات العلماء لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفى سنة 630»([432]).
(5) مناقب الأئمة الإثني عشر لابن أبي طي يحيى بن حميدة الحلبي المتوفى سنة 630 وفيها زجر البشر في مناقب الأئمة الإثني عشر وكتاب الآل والعذب الزلال. والذخائر العقبى. وبيان المعالم([433]).
(6) أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل. قال القاضي ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان: أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالشوا، الملقب شهاب الدين الكوفي الأصل الحلبي المولد والمنشأ والوفاة. كان أديباً فاضلاً متقناً لعلم العروض والقوافي، شاعراً يقع له في النظم معانٍ بديعة في البيتين والثلاثة. وله ديوان شعر كبير يدخل في أربعة مجلدات. وبعد أن سرد له أخباراً، وأورد له شعراً مختاراً وذكر شيوخه في الأدب ومتّه بأسباب صداقته منذ أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة إلى حين وفاته، قال وكان من المغالين في التشيع إلى أن قال: وكان مولده تقريباً في سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وتوفي يوم الجمعة تاسع عشر المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة بحلب ودفن ظاهرها بمقبرة باب انطاكية غربي البلد ولم أحضر الصلاة عليه لعذر عرض لي في ذلك (رحمه الله) فلقد كان نعم الصاحب.
وفي كشف الظنون([434]) تحت عنوان (قصيدة فيما يُقال بالياء والواو) للأديب أبي المحاسن إسماعيل بن علي الشواء الحلبي المتوفى سنة (كذا) أوّلها (قل([435]) إن نسيت عزوته وعزيته) إلخ والظاهر أنّه والد المترجم وكلاهما يكنى بأبي المحاسن، وبعد فهو من بيت علم وأدب كما يظهر.
علماء الشيعة وأدباؤها الطارئون على حلب
كانت حلب في عهد الأمير سيف الدولة الحمداني الرحلة يؤمها المسترشدون والمسترفدون من مختلف البلدان القاصية والدانية فأفنية الكرم فيها آهلة، وأندية الشعر حافلة، ومجالس العلم والتعليم معمورة وحضرة سيف الدولة كما قال الثعالبي في يتيمته: مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء، ويُقال إنّه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع به من شيوخ الشعر، ونجوم الدهر، وإنّما السلطان سوق يجلب إليها، ما ينفق لديها، وكان أديباً شاعراً محباً لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يمتدح به. وكان كلّ من أبي محمد عبدالله بن محمد القاضي الكاتب وأبي الحسين بن علي بن محمد الشمشاطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت([436]).
وأخبار سيف الدولة كثيرة مع الشعراء خصوصاً مع المتنبي والسري الرفاء والنامي والببغاء والوأواء وتلك الطبقة وفي تعدادهم طول.
ولقد كان له مجلس يحضره العلماء كلّ ليلة فيتكلمون بحضرته([437]).
إنّ ذلك الأمير الجليل وهو معدود في طبقة الشعراء والأدباء والنقدة الجهابذة باعتراف خرّيت الآداب العربية الثعالبي وهو الأديب الذي يشهد له ابن خالويه باعتلاقه بأهداب الأدب، واطلاعه على أسرار كلام العرب([438]) والذي يعزو أبو الطيب المتنبي وهو الشاعر الفحل تراجع شعره في آخر أيامه لما عوتب على ذلك إلى مفارقيه فنائه([439]) ومن يعز على ابن جني فيعاتب أستاذه المتنبي وقد قرأ عليه ديوانه وقوله في كافور القصيدة التي أوّلها:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
واعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
أن يكون هذا الشعر في مدح غير ه([440]) . .
إنّ ذلك الأمير وهو ما وصفناه يبعد أن يلتف حواليه، وينتظم في سلك حاشيته، إلاّ أمثال المتنبي والنامي والزاهي والناشي وابن نباتة السعدي البغداديين والخالديين والوأواء الدمشقي والصنوبري والتنوخي والببغا والجرجاني والخليع الشامي إلى كثيرين من طبقتهم من الشعراء.
وأمثال أبي بكر الخوارزمي وأبي الحسن الشمشاطي وأبي علي الفارسي وأبي عبدالله الحسين بن خالويه إلى كثير من رجال طبقتهم من رجال العلم والأدب.
ذلك الأمير هو الذي أتاه زائراً فيلسوف الإسلام أبو نصر الفارابي وقضى في كنف دولته بما فرض له من النفقة بقية حياته.
وهو الذي قصده إمام الأدب أبو الفرج الأصفهاني باهدائه إليه كتابه الأغاني فتقبله قبولاً حسناً ونفحه بألف دينار جزاء هديته إلى كثير غيرهما ممّن يطول بتعدادهم الكلام وبالجملة فإنّك لا تكاد تذكر من خدم لغة القرآن الكريم وآدابها إلاّ مع ذكر سيف الدولة في رأس الجريدة ولا تستحضر أسماء من أحسنوا إلى العلم والعلماء إلاّ بضم اسمه إليهم. ولا تعجب بالشعر والشعراء إلاّ وترى سيف الدولة أحق بالإعجاب وهو الذي بإغداقه عليهم هباته فتق أذهانهم فجاؤوا بالمعجب المطرب، ولو لم يكن من حسناته إلاّ أبو الطيب المتنبي الذي ولج من أبواب الإبداع والاختراع ما لم يلجه غيره، وحفلت برواية شعره محافل الأدب، وعمرت بحل معانيه محافل العلم لكفى. دع مآثره الأخرى التي وصفها الثعالبي بقوله([441]):
«وكان رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه، غرة الزمان، وعماد الإسلام، ومن به سداد الثغور، وسداد الأمور، وكانت وقائعه في عصاة العرب يكف بأسها، وتفل أنيابها، وتذل صعابها، وتكفي الرعية سوء آدابها، وغزواته تدرك من طاغية الروم الثأر، وتحسم شرهم المثار وتحسن في الإسلام الآثار».
وإلى القارىء الكريم أسماء طائفة من مشاهير الشيعة الوافدين على أمير حلب الحمداني والطارئين عليها في عهده وغير عهده ممّا تكمل به الفائدة.
(1) أبو بكر الخوارزمي. هو محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور وهو ابن أخت أبي جعفر بن محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ.
أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير. كان إماماً في اللغة والأنساب أقام بالشام مدّة. وسكن بنواحي حلب وكان يشار إليه في عصره([442]),
وكان في ريعان عمره، وعنفوان أمره، قد دوخ بلاد الشام، وحصل من حضرة سيف الدولة بحلب في مجتمع الرواة والشعراء، ومطرح الغرباء الفضلاء، فأقام ما أقام بها على أبي عبدالله بن خالويه. وأبي الحسن الشمشاطي وغيرهما من أئمة الأدباء وأبي الطيب المتنبي، وأبي العباس النامي وغيرهما من فحول الشعراء بين علم يدرّسه، وأدب يقتبسه، ومحاسن ألفاظ يستفيدها، وشوارد أشعار يصيدها، وانقلب عنها وهو أحد أفراد الدهر، وأمراء النظم والنثر، وكان يقول ما فتق قلبي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني وأرهف حد لساني، وبلغ هذا المبلغ بي إلاّ تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية، التي علقت بحفظي. وامتزجت بأجزاء نفسي وغصن الشباب رطيب، ورداء الحداثة قشيب([443]).
أصله من طبرستان. ومولده ومنشأه خوارزم. وكان يتّسم بالطبري ويعرف بالخوارزمي. ويلقب بالطبرخزمي.
فارق وطنه في ريعان عمره، وحداثة سنّه وهو قويّ المعرفة، قويم الأدب نافذ القريحة، حسن الشعر، لم يزل يتقلب في البلاد، ويدخل كور العراق والشام، ويأخذ عن العلماء، ويقتبس من الشعراء ويستفيد من الفضلاء حتّى تخرج وخرج فرد الدهر في الأدب والشعر. ولقي سيف الدولة. وخدمه واستفاد من يمن حضرته، ومضى على غلوائه في الاضطراب والاغتراب، وشرق بعد أن غرّب([444]).
وأطال الثعالبي الكلام في ذكر تنقلاته ورحلاته وختمه بحديث ابتلائه بأبي الفضل بديع الزمان الهمذاني وما مني به من مساجلته التي ركدت بها ريح شهرته. وكان في تلك السنة انقضاء أجله. وقال إنّ وفاته كانت في شوال سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. ومولده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وقال القاضي ابن خلكان في الوفيات: ولمّا رجع من الشام سكن نيسابور ومات بها في منتصف شهر رمضان. قال وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أنّه توفي سنة ثلاث وتسعين.
قلت الذي رأيته في الكامل هو أنّه ذكر وفاته مرّة في حوادث ثلاث وتسعين وأخرى في حوادث ثلاث وثمانين.
وحسبك دليلاً على تشيعه كتابه الذي كتب به إلى جماعة الشيعة بنيسابور لما قصدهم محمد بن إبراهيم واليها وترى ذلك الكتاب في رسائله([445]).
(2) أبو علي الفارسي. هو الحسن بن أحمد بن عبدالغفار بن محمد بن سليمان بن الفارسي النحوي.
قال ابن خلكان في الوفيات([446]) «ولد بمدينة نسا واشتغل ببغداد ودخل إليها سنة سبع وثلاثمائة. وكان إمام وقته في علم النحو ودار البلاد. وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان مدّة وكان قدومه عليه في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. وجرت بينه وبين أبي الطيب مجالس ثمّ انتقل إلى بلاد فارس وصحب عضد الدولة بن بويه وتقدّم عنده وعلت منزلته حتّى قال عضد الدولة: «أنا غلام أبي علي في النحو» وصنّف له كتاب الإيضاح والتكملة في النحو.
وله التصانيف الممتعة في علوم العربية وآدابها وبه تخرّج ابن أخته أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي. ومنه أخذ وعليه درس حتّى استغرق علمه. واستحق مكانه، وكان أبو علي أوفده على الصاحب فارتضاه وأكرم مثواه وقرّر مجلسه([447]).
وذكره صاحب (كتاب الشيعة وفنون الإسلام) في طبقة نحاة الشيعة وقال وهو من الشيعة الإمامية كما في رياض العلماء وغيره وقد وهمَ من نسبه إلى الاعتزال وكان مولده في سنة ثمان وثمانين ومائتين وتوفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ببغداد([448]).
(3) ابن خالويه. أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن خالويه النحوي اللغوي أصله من همذان ولكنّه دخل بغداد وأدرك جلّة العلماء بها وانتقل إلى الشام واستوطن حلب. وصار بها أحد أفراد الدهر في كلّ قسم من أقسام الأدب. وكانت إليه الرحلة من الآفاق وآل حمدان يكرمونه ويدرسون عليه. ويقتبسون منه. وهو القائل: «دخلت يوماً على سيف الدولة فلما مثلت بين يديه قال لي أقعد ولم يقل أجلس فتبيّنت بذلك اعتلاقه بأهداب اللغة، واطلاعه على أسرار كلام العرب»).
ولابن خالويه مصنّفات ممتعة منها كتاب (ليس في الأدب) وكتاب (الآل) وذكر فيه الأئمة الإثني عشر وتاريخ مواليدهم ووفياتهم وأمهاتهم وكتاب (الاشتقاق) وكتاب (المقصور والممدود) وقد استوفى عدّها صاحب كشف الظنون وذكر أكثرها صاحب الوفيات.
وذكره النجاشي في رجاله فقال: سكن حلب ومات بها. وأورد له بعض كتبه. وذكر مثل ذلك الاسترابادي في كتابه منهج المقال والشيخ والعلاّمة ذكراه في الفهرست والخلاصة والسيد حسن الصدر في كتابه (الشيعة وفنون الإسلام).
وممّا يستدرك أنّ ما صدر به ترجمته القاضي ابن خلكان هو بعينه ما صدر به الثعالبي في اليتيمة ترجمة أبي عبدالله الحسن بن خالويه وهذا شافعي المذهب يروي عن الشافعي بواسطتين وهو صاحب كتاب الطارقة والأوصاف التي ذكرها الثعالبي في ترجمة هذا أشد انطباقاً على المترجم.
ولابن خالويه مع أبي الطيب المتنبي مجالس ومباحث عند سيف الدولة وكانت وفاته بحلب في سنة سبعين وثلاثمائة.
(4) أبو الحسن علي بن محمد الشمشاطي([449]).
لم يترجمه الثعالبي في اليتيمة بل ذكره مرّة في مجمع الرواة والشعراء الغرباء الفضلاء من حضرة سيف الدولة بحلب بهذه الكنية المصدرة بها ترجمته ولم يسمه. ومرّة بكنية أبي الحسين مع التسمية. وأمّا أبو العباس النجاشي فقد ذكره في رجاله فقال علي بن محمد بن العدوي الشمشاطي أبو الحسن بن عدي بن تغلب بن عدي بن عمرو بن عثمان بن تغلب. كان شيخنا بالجزيرة، وفاضل أهل زمانه وأديبهم له كتب كثيرة. وذكر زهاء الأربعين كتاباً في فنون من العلم ومنها كتاب له مختصر تاريخ الطبري حذف منه الأسانيد والتكرار وزاد عليه من سنة ثلاث وثلاثمائة إلى وقته. تمّم كتاب الموصل لأبي زكريا زيد بن محمد وكان فيه إلى إحدى وعشرين وثلاثمائة فزاد عليه من هذا التاريخ إلى وقته. ومنها رسائل عدّة إلى سيف الدولة.
وقال النجاشي: ورأيت في فهرست كتبه بخط ابي نصر بن ريان (رحمه الله) كتباً زائدة على هذه الكتب.
وترجمه الاسترابادي في منهجه ولم يزد على ما ذكره النجاشي وذكره صاحب كتاب الشيعة وفنون الإسلام مرّتين: مرّة في طبقة جغرافيي الشيعة ومرّة في طبقات نحاتهم. وتسامح بعده في علماء المائة الثالثة مع أنّه عاصر سيف الدولة الحمداني فهو من رجال المائة الرابعة أمّا تاريخ ولادته ووفاته فلم نقف عليه. ولم أجد له ذكراً في كشف الظنون مع كثرة تصانيفه الممتعة.
(5) أبو الحسن علي بن عبدالله بن وصيف المعروف بالناشي الأصغر. قال القاضي ابن خلكان في وفياته([450]): وهو من الشعراء المحسنين وله في أهل البيت قصائد كثيرة. وكان متكلماً بارعاً أخذ علم الكلام عن أبي سهل إسماعيل بن علي بن نوبخت المتكلم وكان من كبار الشيعة وله تصانيف كثيرة وكان جدّه وصيف مملوكاً وأبوه عبدالله عطاراً. ومضى إلى الكوفة في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وأملى شعره بجامعها وكان المتنبي وهو صبي يحضر مجلسه بها وكتب من إملائه من قصيدة:
كأن سنان ذابله ضمير
فليس عن القلوب له ذهاب
وصارمه كبيعته بخمِّ
معاقدها من الخلق الرقاب
وكان قد قصد حضرة سيف الدولة بن حمدان بحلب ولمّا عزم على مفارقته وقد غمره بإحسانه كتب إليه يودعه:
أودع لا آني أودع طائعاً
وأعطي بكرهي الدهر ما كنت مانعا
وأرجع لا ألفي سوى الوجد صاحبا
لنفسيَ إن ألفيت بالنفس راجعا
تحملت عنا بالصنائع والعلا
فنستودع الله العلا والصنائعا
رعاك الذي يرعى بسيفك دينه
ولقَّاك روض العيش أخضر يانعا
وذكره النجاشي في رجاله إلاَّ أنّه كناه أبا الحسين لا أبا الحسن وكذلك وردت كنيته في اليتيمة وذكره الشيخ الطوسي وابن النديم وصاحب (الشيعة وفنون الإسلام) في طبقة متكلمي الشيعة وشعرائها والسمعاني وابن كثير الشامي. وقال السمعاني كما نقله عنه صاحب كتاب الشيعة ناشي بفتح النون وآخره شين معجمة يُقال لمن نشأ في فن من فنون الشعر واشتهر به قال المشهور بهذه النسبة علي بن عبدالله الشاعر المشهور وقال وهو بغدادي الاصل سكن مصر.
وقال ابن الأثير في الكامل في حوادث ست وستين وثلاثمائة «وفي صفر منها توفي أبو الحسن علي بن وصيف الناشي المعروف بالخلال([451]) صاحب المراثي الكثيرة في أهل البيت».
وقيل إنّه توفي سنة خمس وستين ببغداد، ومولده في سنة إحدى وتسعين ومائتين([452]).
(6) أبو القاسم الزاهي. هو علي بن إسحاق بن خلف البغدادي المعروف بالزاهي الشاعر المشهور. قال الثعالبي([453]): وصاف محسن كثير الملح والظرف. وقال ابن خلكان([454]): وكان وصافاً كثير الملح ذكره الخطيب في تاريخ بغداد فقال إنّه حسن الشعر في التشبيهات وغيرها، وشعره في أربعة أجزاء وأكثر شعره في أهل البيت ومدح سيف الدولة والوزير المهلبي وغيرهما من رؤساء وقته. وقال في جميع الفنون.
وذكره صاحب كتاب الشيعة وفنون الإسلام مبيّناً سبب نسبته إلى الزاهي التي شكّك فيها المسعاني([455]) فقال: وأوّل من زها في جميع فنون الشعر حتّى لقب بالزاهي علي بن إسحاق بن خلف الشاعر البغدادي. ولد سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. وتوفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
هذا ما رأينا إثباته في هذا القسم من تراجم الطارئين على حلب والوافدين على أميرها الحمداني من معاصريه وبقي كثيرون غيرهم من رجال طبقتهم ومن يفوقهم وينحط عنهم في الشهرة اضربنا عن ذكرهم مخافة التطويل الممل. ونختم هذا القسم بذكر بعض أعلام الشيعة الذين طرأوا على حلب في الأزمنة المتأخرة عن زمان أمراء حلب الحمدايين تتمة للبحث.
(1) الشيخ كردي بن عكبري بن كردي الفارسي. قال صاحب كتاب روضات الجنات نقلاً عن كتاب رياض العلماء: «ومن جملة فقهائهم (فقهاء حلب) المعروفين المنسوب إليه القول بعينية وجوب الاجتهاد وعدم جواز التقليد لأحد من الناس في فروع الشريعة مثل أصولها هو الشيخ كردي بن عكبري الفارسي الفقيه الثقة الصالح الذي قرأ على شيخنا الطوسي وبينهما مكاتبات وسؤالات وجوابات».
(2) أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي بن شهر اشوب بن أبي نصر بن أبي الجيش السروري المازندراني. وهو كما يظهر من رجال المائة الخامسة، هكذا ساق نسبه صاحب روضات الجنات وقال: كان عالماً فاضلاً ثقة محدثاً محققاً عارفاً بالرجال والأخبار أديباً شاعراً جامعاً للمحاسن له كتب ثمّ أورد أسماءها وترجمه غير واحد من رجال المعاجم السنّة والشيعة وكلّهم أجمعوا على مدحه بالعلم والتحقيق وممّن ترجمه من الشيعة السيد مصطفى التفرشي والمجلسي والاسترابادي والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في أمل الآمل والسيد الداماد في الرواشح وابن أبي طي في تاريخه. ومن علماء رجال السنّة ذكره شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداوودي تلميذ السيوطي في كتابه طبقات المفسرين وقال بعد التعريف به ووصف علمه و فضله: وكان إمام عصره، وواحد دهره في التأليف غلب عليه علم القرآن والحديث وهو عند الشيعة كالخطيب البغدادي لأهل السنّة. وابن حجر العسقلاني في كتابه لسان الميزان ومجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي في كتاب البلاغة. وجلال الدين عبدالرحمن السيوطي في كتاب بغية الوعاة. والصفدي في تاريخه (الوافي بالوفيات) وكلّهم وصفه بالعلم والزهد والتحقيق وجميع المحاسن.
وجاء في كشف الظنون عند ذكر كتابه (اسباب النزول) للشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن شعيب المازندراني فأنت ترى أنّه ذكر بدل شهر اشوب شعيباً وهو ما تفرّد به.
توفي (رحمه الله) ليلة الثاني والعشرين من شعبان المعظّم سنة ثمان وثمانين وخمسمائة 588 ودفن بظاهر حلب في سفح جبل هناك يُقال له جوشن. قال المجلسي وكان انتقاله إلى حلب من جهة كونها في ذلك الزمان محط رحال علمائنا الأعيان.
(3) الشريف جمال الدين النيسابوري عبدالله بن محمد بن أحمد الحسين نزيل حلب. وقال صاحب (كتاب الشيعة وفنون الإسلام) وقد عدّه في طبقة متكلمي الشيعة. كان الإمام في علم الكلام. ذكره ابن حجر في (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) قال كان بارعاً في الأصول العربية درّس بالأسدية بحلب وكان أحد أئمة المعقول حسن الشيبة يتشيّع مات سنة ست وسبعين وسبعمائة.
هذا ما رأيت إثباته بمقدمة موضوع مقالي (بنو زهرة الحلبيون) ولا أُبرّىء نفسي من استعمال الفضول الأدبي فيما كتبت ولعل ما جمعته من الفوائد يغفر لي ذنب هذا الفضول فضولياً في غير ذلك.
بنو زُهرة
أمّا شهرة هذا القبيل الفاطمي ببني زُهرة فهي من عمود نسبهم الثالث زُهرة أبي الحسن بن أبي المواهب علي بن أبي سالم. وأمّا العمودان قبله فالثاني منهما الشريف محمد أبو إبراهيم ممودح أبي العلاء والأوّل إسحاق المؤتمن وهم بحلب سادة نقباء علماء فقهاء متقدمون كثّرهم الله تعالى([456]).
وفي القاموس للفيروزابادي: (وبنو زُهرة شيعة بحلب) ومنه يعلم أنّهم كانوا معروفين إلى زمان مؤلفه لقباً وموطناً ومذهباً. وفي روضات الجنات بعد أن ذكر فريقاً منهم بالعلم والفضل والجلالة والشرف: «وبالجملة فهم بيت جليل من أجلاء بيوتات الأصحاب قلَّ ما يوجد له نظير».
عمود نسبهم الأوّل إسحاق
هو إسحاق المؤتمن ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
وهو الخامس من ولد جعفر الصادق المعقبين ويكنى أبا محمد ويلقب المؤتمن وولد بالعريض([457]) وكان من أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمّه أمّ أخيه موسى الكاظم. وكان محدّثاً جليلاً. وادّعت طائفة من الشيعة فيه الإمامة. وكان سفيان بن عيينة إذا روى عنه يقول حدّثني الثقة الرضى إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين هكذا جاء في عمدة الطالب.
وقال الشيخ المفيد في إرشاده: وإسحاق ومحمد لأم ولد. وكان إسحاق بن جعفر من أهل الفضل والصلاح والورع والاجتهاد وروى عنه الناس الحديث والآثار. وكان ابن كاسب إذا حدّث عنه يقول: حدّثني الثقة الرضى إسحاق بن جعفر وكان إسحاق يقول بإمامة أخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام).
وقال المقريزي في خططه([458]) وتزوج بنفيسة رضي الله عنها إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وكان يُقال له إسحاق المؤتمن وكان من أهل الصلاح والخير والفضل والدين روي عنه الحديث. وكان ابن كاسب إذا حدّث عنه يقول حدّثني الثقة الرضى إسحاق بن جعفر. وكان له عقب بمصر منهم بنو الرقي وبحلب بنو زُهرة. وولّدت نفيسة من إسحاق ولدين هما القاسم وأم كلثوم لم يعقبا.
دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق (عليه السلام) وقيل دخلت مع أبيها الحسن وأنّ قبره بمصر لكنّه غير مشهور وأنّه كان والياً على المدينة من قبل أبي جعفر المنصور وأقام بالولاية مدّة خمس سنين ثمّ غضب عليه فعزله واستصفى كلّ شيء له وحبسه ببغداد فلم يزل محبوساً حتّى مات المنصور وولي المهدي فأخرجه من محبسه وردّ عليه كلّ شيء ذهب له([459]).
أمّا خبر تزويج إسحاق بالسيدة نفيسة فقد رواه ابن خلكان في الوفيات والصلاح الكتبي في الفوات والمقريزي في الخطط وأرسلوه إرسال المسلمات حيث لم يشيروا إلى وجود المخالف فيه ولكن صاحب عمدة الطالب روى هذا الخبر بغير ما رووه ورجح خلاف روايتهم.
الشريف أبو إبراهيم عمود نسبتهم الثاني
هو محمد الحراني بن أحمد الحجازي بن محمد بن الحسين بن إسحاق المؤتمن هكذا أورد نسبه صاحب عمدة الطالب وصاحب أمل الآمل في ترجمة بعض أحفاده السيد علاء الدين أبي الحسين علي بن إبراهيم وأمّا صاحب لؤلؤة البحرين فقد أورد ما جاء في إجازة العلاّمة الحسن بن المطهر (رحمه الله) في نسبة السيد المشار إليه وهو مطابق لما في عمدة الطالب وأمل الآمل وزاد عليهما كنى آبائه وكنى عمود النسب الأوّل إسحاق المؤتمن بأبي إبراهيم وقد عرفت ممّا سبق أنّه كان يكنى أبا محمد ولا يبعد أن تكون كنيته بأبي إبراهيم مقارنة لاسمه وكنيته بأبي محمد حادثة من اسم ولده محمد الذي هو أكبر ولده ووقفت على سلسلة نسب لبعض أعقابه من بني زُهرة الفوعيين في هذه الأيام سقط منها اسم محمد بن الحسين([460]).
قال في عمدة الطالب قال الشيخ أبو الحسن العمري كان أبو إبراهيم لبيباً عاقلاً ولم تكن حاله واسعة فزوجه الحسين الحراني بن عبدالله بن الحسين بن عبدالله بن علي الطيب العلوي العمري([461]) بنتته خديجة المعروفة بأم سلمة. وكان أبو عبدالله الحسين العمري متقدماً بحران مستولياً عليها وقوي أمر أولاده حتّى استولوا على حران وملكوها على آل وثاب وقال فأمد أبو عبدالله الحسين العمري أبا إبراهيم بماله وجاهه وتبعه أبو إبراهيم وتقدّم وخلف أولاداً سادة فضلاء هذا كلامه.
أمّا زمن انتقاله من حران إلى حلب فغيرمعلوم تاريخه لأنّا لم نرَ في المصادر الحديثة التي نعتمدها في كتابة هذا المقال تعرّضاً له ولم نجد في معاجم السنّة والشيعة من أفرد للمترجم ترجمة مع شهرته بالعلم والشعر والجاه والدعوة إلى التشيع في حلب كما زعمه البعض. وجل ما جاء في التعريف به هو ممدوح أبي العلاء المعرّي كما في عمدة الطالب وذيل المختصر في أخبار البشر لابن الوردي والممدوح كما في المجلد السادس من مجلة المقتبس والظاهر أنّ انتقاله إلى حلب لم يتقدّم عهد أبي المعالي سعد الدولة شريف بن سيف الدولة الحمداني بدليل أنّه لم يرد له ذكر بين مذكوري شعراء عهد سيف الدولة ورجال عصره العلماء الأعلام وهو كما عرفت من رجال العلم والشعر أوّلاً وثانياً أنّه اشتهر بممدوح أبي العلاء وأبو العلاء ولد بعد وفاة سيف الدولة بسبع سنين لأنّ سيف الدولة مات سنة 356 وأبو العلاء ولد سنة 363 وثالثاً أنّ أبا العلاء رجع إلى المعرة ولزم منزله وشرع في التصنيف وأخذ عنه الناس وسار إليه الطلبة من الآفاق وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار وكان ذلك كلّه في أوائل المائة الخامسة، والشريف:
أبو إبراهيم وأبو العلاء
قال العلاّمة البهائي العاملي في كشكوله: ممّا كتبه الشريف جمال النقباء أبو إبراهيم محمد بن علي([462]) بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وهو أبو الرضا والمرتضى([463]) (رحمهم الله) إلى أبي العلاء المعري:
غير مستحسن وصال الغواني
بعد ستين حجة وثمان
فصن النفس عن طلاب التصابي
وازجر القلب عن سؤال المغاني
إنّ شرخ الشباب بدَّله شيـ
ـبا وضعفا مقلب الأعيان
فانفض الكف من حياء المحيا
وامعن الفكر في اطراح المعاني
وتيمن بساعة البين واجعل
خير قالٍ تناعب الغربان
فالأديب الأريب يعرف ما
ضمن طي الكتاب بالعنوان
اترجي مالاً رحيباً واسعا
د سعاد وقد مضى الأطيبان
غلف القلب عارضيك بشيب
انكرت عرفه أنوف الغواني
وتحامت حماك نافرة الغيد([464])
نفار المها من السرحان
ورد الغائب([465]) البغيض إليهن
وولى حبيبهن المداني
وأخو الحزم مغرم بحميد الذ
كر يوم الندى ويوم الطعان
همه المجد واكتساب المعالي
ونوال العاني وفك المعاني
لا يعير الزمان طرفاً ولا يحـ
ـمل ضيراً بطارق الحدثان
قال البهائي بعد إيراد هذه الأبيات: وهذه قصيدة طويلة جدّاً أوردها جميعها جدّي (رحمه الله) في بعض مجموعاته([466]) وفي تذييل تاريخ ابن الوردي على مختصر أبي الفدا جاء بعد المستهل هذا البيت:
كل علم مفرق في البرايا
جمعته معرة النعمان
وهذا بعض جواب أبي العلاء المعري على القصيدة. قال في ديوانه سقط الزند([467]): (ويُقال يجيب الشريف أبا إبراهيم موسى([468]) بن إسحاق عن قصيدة أرسلها إليه):
عللاني فإن بيض الأماني
فنيت والظلام ليس بفان
إن تناسيتما وداد أناس
فاجعلاني من بعض من تذكراني
رب ليل كأنه الصبح في الحسـ
ـنِ وإن كان أسود الطيلسان
قد ركضنا فيه الى اللهو وقف النجم وقفة الحيران
كم أردنا ذاك الزمان بمـدحٍ
فشغلنا بــــــذم هذا الزمان
فكأني ما قلت والبدر طفلٌ
وشـــباب الظلماء في العنفوان
ليلتي هذه عروس من الزنـ
ـــج عليها قلائد من جمان
هرب النوم عن جفوني فيها
هـرب الأمـن من فؤاد الجبان
ومنها:
وبلاد وردتها ذنب السر
حان بين المهاة والسرحان
وعيون الركاب ترمق عينا
حولها محجر بلا أجفان
وعلى الدهر من دماء الشهيدين
علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرا
ن وفي أولياته شفقان
ومنها من المديح:
يا ابن مستعرض الصفوف ببدر
ومبيد الجموع من غطفان
أحد الخمسة الذين هم الأغراض
في كلّ منطق والمعاني
والشخوص التي خلقن ضياءً
قبل خلق المريخ والميزان
قبل أن تخل السماوات أو تؤ
مر أفلاكهن بالدوران
ومنها:
أنت كالشمس في الضياء وإن جا
وزت كيوان في علو المكان
وافق اسم ابن أحمد اسم رسول
الله لما توافق الغرضان
وسجايا محمداً عجزت في الـ
وصف لطف الأفكار والأذهان
وجرت في الأنام أولاده السبعة جري الأرواح في الأبدان فهم السبعة الطوالع والأصغر منهم في رتبة الزبرقان ومنها:
وإذا الأرض وهي غبراء صارت
من دم الطعن وردة كالدهان
اقبلوا حاملي الجداول في
الأغماد مستلئمين بالغداران
قد أجبنا قول الشريف بقول
وأثبنا الحصى عن المرجان
أطربتنا ألفاظه طرب العشاق
للمسمعات بالإلحان
فاغتبقنا بيضاء كالفضة المحـ
ـض وعفنا حمراء كالأرجوان
إلى أن قال بعد إبداع في الوصف:
فاقتنع بالروي والوزن مني
فهمومي ثقيلة الأوزان
يا أبا إبراهيم قصر عنك الشعر
لما وصفت بالقرآن
اشرب العالمون حبّك طبعا
فهو فرض في سائر الأديان
بان للمسلمين منه اعتقاد
ظفروا منه بالهدى والبيان
وحدود الإيمان يقبسها منك
ويمتاحها أولو الإيمان
ومحياك للذي يعبد الدهر
واهباء طرفك الفتيان([469])
وآله المجوس سيفك إن لم
يرغبوا عن عبادة النيران
حلبا حجت المطي ولو أنـ
ـجمت عنها مالت إلى حران
وقال يجيبه عن قصيدة([470]) مستهلها:
ألاح وقد رأَى برقا مُليحا
سرى فأتى الحمى نضوا طليحا
ومنها بعد تفنن عجيب ووصف غريب:
وأرباب الجياد بنو علي
مزيروها الذوابل والصفيحا
وخير الخيل ما ركبوا فجنب
غرابا والنعامة والجموحا
واحمى العالمين ذمار مجد
بنو إسحاق إن مجد أبيحا
ومعرفة ابن أحمد امنتني
فلا أخشى الحقيب ولا النطيحا([471])
ومنها:
تبوح بفضلك الدنيا لتحظى
بذاك وأنت تكره أن تبوحا
وما للمسك في أن لاح حظ
ولكن حظنا في أن يفوحا
وقد بلغ الضراح وساكنيه
ثناك وزار من سكن الضريحا
وقد شرَّفتني ورفعت إسمي
به وانلتني الحظ الربيحا
أجل ولو أنَّ علم الغيب عندي
لقلت أفدتني أجلاً فسيحا
وكون جوابه في الوزن ذنب
ولكن لم تزل مولى صفوحا
وذلك أنّ شعرك طال شعري
فما نلت النسيب ولا المديحا
ومن لم يستطع إعلام رضوى
لينزل بعضها نزل السفوحا
شققت البحر من أدب وفهم
وغرَّق فكرك الفكر الطموحا
لعبت بسحرنا والشعر سحر
فتبنا منه توبتنا النصوحا
فلو صحّ التناسخ كنت موسى
وكان أبوك أسحاق الذبيحا
وفي سقط الزند قصائد أخرى لا أستبعد أنّها في ممدوحه فتركت الاختيار منه لأنّها لم تعنون باسمه ولم يلقب المترجم بممدوح أبي العلاء إلا لمدحه له بأكثر من القصيدتين اللتين اخترنا منهما ما اخترناه. وبعد فإنّا نختم هذا الفصل بإيراد ما يتّسع له المجال من قصيدته التي رثاه بها قال:
بني الحسب الوضاح والشرف الجم
لساني إِن لم أرثِ والدكم خصمي
شكوت من الأيام تبديل غادر
بوافٍ ونقلا من سرور إلى هم
وحالا كريش النسر بينا رأَيته
جناحا لشهم آض ريشا على سهم
فيا دافنيه في الثرى إن لحده
مقر الثريا فادفنوه على علم
ويا حاملي أعواده إن فوقها
سماوي سر فاتقوا كوكب الرجم
وما نعشه إلاّ كنعش وجدته
أباً لبنات لا يخفن من اليتم
ومنها:
فيا قلب لا تلحق بشكل محمد
سواه ليبقى ثلكه بيّن الوسم
فإِنّي رأَيت الحزن للحزن ماحيا
كما خط في القرطاس رسم على رسم
كريم حليم الجفن والنفس لا يرى
إذا هو أغفى ما يرى الناس في الحلم
فتى عشقته البابلية حقبة
فلم يشفها منه برشف ولا لئم
كأنّ حباب الكاس وهي حبيبة
إلى الشرب ما ينفي الحباب من السم
تسور إليه الراح ثمّ تهابه
كأنّ الحميا لوعة في ابنة الكرم
دعا حلبا أخت الغربيين مصرع
بسيف قويق للمكارم والحزم
أبي السبعة الشهب التي قيل أنّها
منفذة الأقدار في العرب والعجم
فإِن كنت ما سميتهم فنباهة
كفتني فيهم أَن أعرفهم باسمي
فهذا وقد كان الشريف أبوهم
أمير المعاني فارس النثر والنظم
إذا قيل نسك فالخليل ابن آزر
وإن قيل فهم فالخليل أخو الفهم
أقامت بيوت الشعر تحكم بعده
بناء المراثي وهي صور إلى الهدم
فيا مزمع التوديع إن تمس نائيا
فإنّك دان في التخيّل والوهم
تقرب جبريل بروحك صاعدا
إلى العرش يهديها لجدّك والأم
فلا تنسني في الحشر والحوض حوله
عصائب شتى بين غر إلى بهم
لعلك في يوم القيامة ذائري
فتسأل ربّي أن يخفّف من إثمي
أعقابه:
قال في عمدة الطالب: وعقب أبي إبراهيم المذكور المعروف الآن من رجلين أبي عبدالله جعفر نقيب حلب وأبي سالم محمد ابني إبراهيم ولأعقابها توجّه وعلم وسيادة فمن بني أبي سالم محمد. بنو زهرة. ومن أبي عبدالله جعفر بن إبراهيم بنو حاجب الباب، وهو شرف الدين أبو القاسم الفضل بن يحيى بن أبي علي بن عبدالله نقيب حلب بن جعفر بن أبي تراب زيد بن جعفر المذكور، بنو السيد العالم حافظ كتاب الله كان حاجباً لباب الفتوى([472]) بدار الخلافة ببغداد.
والذي يظهر من قول أبي العلاء المعري في القصيدة الأولى (وجرت في الأنام أولاده السبعة جري الأرواح في الأبدان) ومن قوله في مرثيته.
أبي السبعة الشهب التي قيل أنّها
منفذة الأقدار في العرب والعجم
إنّه تخلّف بسبعة ولكن المعقبين منهم اثنان كما ورد في عمدة الطالب.
عمود نسبهم الثالث زهرة
هو أبو المحاسن زهرة بن أبي المواهب علي بن أبي سالم محمد بن أبي إبراهيم محمد النقيب بن أبي علي أحمد بن أبي جعفر محمد بن أبي عبدالله الحسين بن أبي إبراهيم إسحاق المؤتمن بن الإمام أبي عبدالله جعفر الصادق (عليه السلام).
هكذا أورد نسبه صاحب لؤلؤتي البحرين عن العلاّمة جمال الملة والدين الحسن بن المطهر الحلي في المنقول من إجازته لبني زهرة.
وفيها بعض الاختلاف عن رواية عمدة الطالب فقد جاءت كنيته فيه (بأبي الحسن) لا بأبي المحاسن. وفي عمدة الطالب ابن أبي سالم محمد بن (إبراهيم) بإسقاط (أبي) والصواب ما جاء عن العلاّمة لأنّه لا يوجد في سلسلة آبائه اسم إبراهيم.
وقد رأينا فيما سبق من هذا المقال([473]) أنّ شهرة هذا القبيل الفاطمي ببني زهرة هي منه أمّا ترجمة أحواله فلم نقف على شيء منها في المعاجم وكتب الرجال التي نعول عليها في كتابة هذا المقال فوقفنا عند ما نعلم.
وبعد فلمّا كان المستصعب بل المتعذر علينا ربط رجال العلم وذوي الأقدار من أعقابه بسلسلته، وضمّ كلّ فرع منهم إلى أصله المتحدّر منه مثل تعذّر تنسيق أسماءئهم وتراجمهم مرتبة على السنين رأينا الاقتصار على سردها خلوا من الترتيب، ولئن فاتنا في ذلك رواة العقد منظوماً، فلن يفوتنا رواة دره منثوراً.
- الشريف زهرة
هو الشريف زهرة بن علي بن إبراهيم الإسحاقي الحسيني لم يذكره صاحب أمل الآمل ولا صاحب روضات الجنات واعتمد في ترجمته على ما كتبه العالم الأديب الشيخ محمد راتب طباخ الحلبي المعروف في جريدة الحقيقة([474]) تحت عنوان (حول افتتاح المدرسة الخسراونية) قال:
وأوّل مدرسة بنيت في مدينة حلب هي المدرسة الزجاجية أنشأها بدر الدولة أبو الربيع سليمان بن عبدالجبار أرتق صاحب حلب ابتدأ في عمارتها سنة عشر وخمسمائة وعلى حائطها مكتوب سنة سبع عشرة([475]).
ولما أراد بناءها لم يمكنه الحلبيون إذ كان الغالب عليهم التشيع. فكان كلّما بني فيها شيء نهاراً أخربوه ليلاً إلى أن أعياه ذلك. فأحضر الشريف زهرة بن علي بن إبراهيم الإسحاقي الحسيني والتمس منه أن يباشر بناءها فيكف العامة عن هدم ما يبنى فباشر الشريف البناء ملازماً له حتّى فرغ منها.
أمّا خبر معارضة الشيعة بناء هذه المدرسة فقد رويناه في القسم الأوّل من هذا المقال عن مجلة المقتبس بغير هذا التفصيل.
- علي بن الحارث بن زهرة
أورد صاحب الروضات اسمه نقلاً عن ابن شهر اشوب ونسب له كتاب قبس الأنوار. وقد عدّ هذا الكتاب في مصنفات السيد أبي المكارم حمزة بن زهرة كما سترى ذلك قريباً.
- السيد أبو المكارم حمزة بن زهرة الحلبي
هو عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن أبي المحاسن زهرة بن الحسن بن زهرة الحسيني الحلبي.
قال في الروضات ينتهي نسبه إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) باثنتي عشرة واسطة سادات أجلاء. وهو من كبار فقهائنا الأصفياء النبلاء… وكذا أبوه الفاضل الكامل الذي يروي هو عنه. وجدّه السيد أبو المحاسن وأخوه الفقيه الكامل الأديب السيد أبو القاسم عبدالله وكذا ابن أخيه السيد محيي الدين محمد بن عبدالله بل وسائر أولاده وأحفاده وبنو عمومته الذين من جملتهم السيد الفاضل الفقيه الكامل علاء الدين إلى أن قال:
فالسيد أبو المكارم المعظّم من أجلاّء علمائنا المشار إلى خلافاته في كلمات الأصحاب وأكثر أهل ذلك البيت المكرم فقهاً وعلماً وشهرة بين الطائفة وغيرها بالسيد ابن زهرة بحيث لا ينصرف الإطلاق منه إلاّ إليه([476]).
روى عنه ابن أخيه محمد بن عبدالله بن زهرة ومحمد بن إدريس.
وهو الذي أجاب صاحب حلب مقترح الشيعة بتفويض عقودهم وأنكحتهم إليه. وإعادة حي على خير العمل في الأذان حيث اشترطوا ذلك عليه يوم استنفرهم لمقاومة صلاح الدين حين جاء حلب فاتحاً وقد ذكرنا ذلك في تضاعيف هذا المقال.
وقال صاحب أمل الآمل في حقّه فاضل عالم ثقة جليل القدر عظيم المنزلة. له مصنفات كثيرة. وبعد إيراده أسماءها قال ويروي عنه شاذان بن جبريل. ومحمد بن إدريس وغيرهما.
وذكره ابن شهر اشوب وقال له قبس الأنوار في نصر العترة الأطهار وغنية النزوع حسن.
وقد عرفت آنفاً نسبة كتاب قبس الأنوار إلى علي بن الحارث بن زهرة.
ولد أبو المكارم سنة 511 وتوفي سنة 585 هـ.
- الشريف زهرة
لم أجد له ذكراً في غير الخطط للمقريزي([477]) وهذا نص ما جاء فيه:
أنشد الشريف زهرة بن علي بن زهرة بن الحسن الحسيني وقد اجتاز به (المعشوق)([478]) يريد الحج.
قد رأيت المعشوق وهو من الهـ
ـجر بحال تنبو النواظر عنه
أثر الدهر فيه آثار سوء
قد أدالت يد لحوادث منه
والظاهر أنّه أخو الشريف أبي المكارم حمزة الآنف الذكر.
- الشريف عبدالله
هو أبو القاسم عبدالله بن علي بن زهرة أخو أبي المكارم الشريف حمزة قال في حقّه صاحب أمل الآمل: فاضل عالم فقيه محق ثقة يروي عنه ولده السيد محيي الدين وجماعة جميع تصانيفه ثمّ عدَّ أسماءها وقد تقدّم ذكره في ترجمة أخيه أبي المكارم نقلناه عن الروضات.
- ابن أخيه السيد محمد
هو محمد بن عبدالله بن علي بن زهرة الحلبي.
قال في أمل الآمل، فاضل عالم جليل يروي عنه المحقق ويروي هو عن أبيه عن ابن شهر اشوب أيضاً، وقد تقدّم أنّه روى هو وابن إدريس عن عمّه الشريف أبي المكارم.
- السيد محمد بن زهرة
هو محيي الدين محمد بن زهرة أبو حامد الحسيني الحلبي الإسحاقي هكذا نسبه صاحب أمل الآمل وقال في وصفه: فاضل فقيه علاّمة يروي الشهيد عن الحسن بن نما عنه.
- السيد جمال الدين أبو الحسن علي بن زهرة الحلبي.
هو كما في أمل الآمل علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن زهرة بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق (عليه السلام).
كان عالماً ثقة جليل القدر استجاز العلاّمة فأجازه وأجاز ولده وأخاه وولديه إجازة طويلة مفصلة مثيرة الفوائد وأثنى عليهم ثناءً بليغاً وهذا ما جاء منها في لؤلؤتي البحرين مع كلمة للمؤلف.
وأمّا السيد ابن زهرة فهو السيد الأجلّ الأنبل علاء الملّة والحق والدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن زهرة الحلبي قال العلاّمة (رحمه الله) تعالى في إجازته له: «وبلغنا في هذه الأعصار ورود الأمر الصادر عن المولى الكريم، والسيد الجليل الحسيب النسيب نسل العترة الطاهرة، وسلالة الأنجم الزاهرة، المخصوص بالنفس القدسية، والرياسة الأنسية، الجامع بين مكارم الأخلاق، وطيب الأعراق، أفضل أهل العصر على الإطلاق، علاء الملّة والحق والدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن محمد([479]) بن أبي الحسن زهرة بن أبي المواهب علي بن أبي سالم محمد بن أبي إبراهيم محمد النقيب بن أبي علي أحمد بن أبي جعفر محمد بن أبي عبدالله الحسين بن إسحاق المؤتمن([480]) بن أبي عبدالله جعفر الصادق بن أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام) ابن أبي الحسن علي زين العابدين (عليه السلام) بن أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) السبط الشهيد بن علي (عليه السلام).
نسب تضاءلت المناسب دونه
فضياؤه كصباحه في فجر
أيّده الله بالعنايات الإلهية، وأمدّه بالسعادات الربانية، وأفاض على المستفيدين جزيل كماله، كما أنبع عليهم من فواضل نواله، تتضمن طلب إجازة صادرة من العبد له ولأقاربه السادات الأماجد، المؤيدين من الله تعالى في المصادر والموارد وأجوبة عن مسائل دقيقة رقيقة لطيفة، ومباحث عميقة شريفة، فامتثلت أمره، رفع الله قدره، وبادرت إلى طاعته، وإن التزمت سوء الأدب المغتفر في جنب الاحتراز عن مخالفته، وإلاّ فهو معدن الفضل والتحصيل، وذلك عن حجة ودليل، وقد أجزت له أدام الله أيامه ولولده المعظم، والسيد المكرم، شرف الملّة والدين أبي عبدالله الحسين. ولأخيه الكبير الأمجد، والسيد المعظم محمد بدر الدين أبي عبدالله محمد، ولولديه الكبيرين المعظمين أبي طالب أحمد شهاب الدين وأبي محمد عز الدين حسن عضدهم الله تعالى بدوام مولانا أن يروي هو وهم عني جميع ما صنّفته في العلوم العقلية والنقلية، أو أنشأته وأفتيت به. أو أجيز لي روايته. أو سمعت من كتب أصحابنا السابقين وجميع ما أجازه لي المشايخ الذين عاصرتهم، واستفدت من أنفاسهم إلى آخره ثمّ ساق طريقه إليهم.
(9)ولده أبو عبدالله الحسين
قد عرفت أنّه من رجال إجازة العلاّمة. كان عالماً فاضلاً فقيهاً جليل القدر روى عن العلاّمة واستجازه فأجازه كذا جاء في أمل الآمل.
(10)أخوه السيد بدر الدين أبو عبدالله بن إبراهيم بن زهرة.
(11) ابن أخيه أبو طالب شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن زهرة.
هو من رجال إجازة العلاّمة قال في أمل الآمل كان من علماء السادات وسادات العلماء من تلامذة العلاّمة.
هو من رجال إجازة العلاّمة لعمّه وأبيه. قال في أمل الآمل فاضل جليل يروي عن العلامة وله منه إجازة مع أبيه وعمّه وأخيه وابن عمّه وقد بالغ فيها في الثناء عليهم.
(12) ابن أخيه أبو محمد عز الدين حسن بن محمد بن إبراهيم بن زهرة.
هو من رجال تلك الإجازة قال في أمل الآمل كان عالماً فاضلاً فقيهاً جليل القدر روى عن العلاّمة واستجازه فأجازه.
(13) أبو طالب أحمد بن القاسم بن زهرة الحسيني عالم فاضل جليل يروي ع الشهيد. كذا في أمل الآمل.
(14) علي بن محمد بن زهرة الحسيني الحلبي.
قال في أمل الآمل ونقله عنه صاحب لؤلؤتي البحرين فاضل فقيه جليل القدر روى عن الشيخ طمان بن أحمد العاملي.
(15) النقيب بدر الدين محمد بن زهرة.
ذكره ابن الوردي في ذيل مختصر أبي الفداء في أخبار الأمير بدر الدين لولو القندشي حين دخل إلى حلب شادّاً([481]) على المملكة وعلى يده تذاكر. وصادر المباشرين وغيرهم. قال ومنهم النقيب بدر الدين جرى ذلك في حوادث سنة 733 وقال في حوادث سنة 736 فيها في المحرم. باشر السيد النقيب الشريف بدر الدين محمد بن السيد شمس الدين بن زهرة الحسيني وكالة بيت المال بحلب مكان شيخنا القاضي فخر الدين أبي عمر وعثمان بن الخطيب زين الدين علي الجويني.
وقال في حوادث سنة 739 وفيها في العشر الأواسط من ربيع الآخر توفي السيد الشريف بدر الدين محمد بن زهرة الحسيني نقيب الأشراف وكيل بيت المال بحلب.
ومن الاتفاق أنّه مات يوم ورد الخبر بعزل ملك الأمراء علاء الدين الطنبغا عن نيابة حلب وكان بينهما شحناء في الباطن قلت:
قد كان كلّ منهما
يرجو شفا أضغانه
فصار كلّ واحد
مشتغلاً بشانه
وكان السيد (رحمه الله) حسن الشكل، وافر النعمة معظماً عند الناس شهماً ذكياً. وجدّه الشريف أبو إبراهيم هو ممدوح أبي العلاء المعري.
(16) الأمير شمس الدين حسن بن السيد بدر الدين محمد بن زهرة.
كذا جاءت نسبته في ذيل المختصر لابن الوردي ذكره مع ابن عمّه السيد علاء الدين في حوادث سنة 747 قال وفيها ورد البريد بتولية السيد علاء الدين علي بن زهرة الحسيني نقابة الأشراف بحلب مكان ابن عمّه الأمير شمس الدين وأعطي هذا إمارة الطبلخانات بحلب.
أمّا السيد علاء الدين فأظنّه صاحب إجازة العلامة والذي سبقت ترجمته.
هذا جلّ ما استطعنا تجريده في هذا المقال من أسماء مشهوري (بني زهرة) ونعلم أنّنا لم نبلغ حاجة في نفوس قرّاء العرفان الأدباء. ولا في نفسنا وعذرنا انطماس آثارهم. وعجيب أن لا تفسح المعاجم مجالاً لذكرهم وأن لا يكون لهم حظ منها وهي قد تعرّضت لترجمة كثيرين ممّن ينحطون عنهم في مراتب العلم والشرف ولا يوازونهم في موازين الفضل والجاه ولا نرتاب بأنّ هناك رجالاً من تلك الأسرة الكريمة غير من سردنا أسماءهم في هذا القسم درست آثارهم، وطمست أخبارهم، وعميت علينا أنباؤهم.
وبعد فأنّى لنا بإيفاء الموضوع حقّه من التمحيص، وأن نحيط بما لها تلك الأسرة الأعلام من الآثار، وكلّ ما نستمد به مادتنا في الكتابة المعاجم، لا يعدو طريقة الفهارس. على أنّ في انقطاع العلم منهم بضعة وبعد شقة الاتصال بيننا وبين أعقابهم، ما يحول دوننا ودون ما نتوخاه من التحقيق.
وكيف كان فقد جرينا فيما كتبناه مع قول الشاعر:
إذا لم تستطع أمراً فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع
أعقاب بني زهرة اليوم
لبني زهرة أعقاب متفرقون في البلاد وجمهرتهم في الفوعة ونرى أنّ سياسة الغالب من غير أبناء مذهبهم أخرجتهم من حلب وهم لا يعرفون في هذه الأيام ببني زهرة ومنهم على ما روى لنا بعض الأعلام أسرة المرحوم نايف آغا الزعيم الشيعي في تلك الناحية والمظنون أنّ أسرة بدر الدين في النبطية تتصل نسبتها بسلسلة نسبهم الكريم وفي قرية شحور أسرة تحمل نسباً كما أخبرني بعض العلماء الأجلاء متصلاً ببني زهرة. وظنّ بعضهم أنّ نسبة الزهراوي أسرة العلاّمة المرحوم الشهيد السيد عبدالحميد الزهراوي إلى بني زهرة ولكن الذي يرويه ذلك العلاّمة أنّ النسبة إلى الزهراء (عليها السلام) وذلك الأصوب لأنّه أعرف بنسبه أوّلاً ولأنّ النسبة إلى زهرة الزهري لا الزهراوي ثانياً.
ولقد وقفت على صورة نسب لشريف فوعي يتّصل ببني زهرة ألمعت إليه في تضاعيف المقال.
سليمان ظاهر
بني حيّان
قرية صغيرة من قرى جبل عامل غير بعيدة عن حدوده مع فلسطين، خلدها وأذاع ذكرها أنّها أخرجت عالماً شاعراً هو الشيخ محمد الحياني الذي هاجر عنها إلى النجف الأشرف في العراق وإلى طوس في إيران، فنسب إليها فقيل: (الحياني) وظلّت ملء خاطره يحن إليها بشعره ويذكرها فيه وينسب شعره إليها.
والشيخ محمد هذا مجهول تاريخ الولادة وتاريخ الوفاة، ولكن الظاهر أنّه من رجال القرن العاشر الهجري، هاجر إلى النجف لطلب العلم، ثمّ مضى من هناك إلى مشهد الرضا في إيران. والشعر الذي يحن فيه إلى بني حيّان، لا ندري هل نظّمه وهو في العراق أم هو في إيران، ففي شعره ما يحتمل الأمرين. فهو يقول مثلاً:
ولولا ضريح أنت فيه موسد
لما اخترت غير الشام أرضي من بدل
ولا كنت عن أرض (التحارير) نائياً
ولا عن (بني حيان) ما ساعد الأجل
فصاحب الضريح الذي يخاطبه هنا يمكن أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) ويمكن أن يكون الرضا (عليه السلام).
أمّا (أرض النحارير) الواردة في أحد البيتين فقد حيّرت جميع العامليين الذين كتبوا عنه، فقد اختلفوا أوّلاً: هل هي (التحارير) بالتاء أم (النحارير) بالنون ثمّ تساءلوا: أين هي هذه التحارير أو النحارير؟ فليس اليوم في بني حيان ولا في جوارها ما يسمّى بهذا الاسم، ولم ترو إلاّ هنا وإلا في نسبة الشهيد الثاني، على أنّ نسبة الشهيد الثاني هي إلى (النحارير) لا إلى (التحارير).
وقد كرّر الحياني ذكرها فقال:
حييت يا شام من شام ومن سكن
ولا تعداك جون المزن يا وطني
وإن كان قاطناً أرض العراق ففي
أرض (التحارير) لي قلب بلا بدن
وقال جامعاً بينها وبين بني حيان:
إذا ما بدا من جانب الشام معرق
عساه لقلبي بالوصال يبشر
وإن هب من أرض التحارير نسمة
تنسمت روح الوصل فيها فأذكر
رعى الله أياماً تقضت وأعصراً
مضت في بني حيان والغصن أخضر
وهذه الأبيات الثلاثة هي من قصيدة طويلة ختمها أيضاً بذكر التحارير:
محمد الحيان ناظم درها
لها الشام ورد والتحارير مصدر
على أنّ من أطرف ما قال تعبيراً عن اعتزازه ببني حيان القرية العاملية البسيطة الصغيرة، هو ما قاله في ختام إحدى قصائده وهو يصف تلك القصيدة:
عربية الألفاظ حيانية
يعنو لمعنى حسنها حسان
على أنّه لن يفوتنا أن نذكر أنّ بعضهم قال إنّ (التحارير) هي الأرض الكائنة في تلك الجهات والمعروفة باسم (وادي الشحارير) وإنّ الاسم تحرّف مع الزمن وأنّها منسوبة إلى النحارير جمع نحرير لأنّ جماعة من العلماء النحارير كانوا يستغلونها فنسبت إلهيم. وكلّ ذلك مستبعد.
بَهار
مدينة تبعد عن همذان حوالي خمسة عشر كيلو متراً، جوّها بارد شتاءً صيفاً، تحوطها الأشجار الباسقة الكثيرة ولم يُعرف عن بهار تاريخ قديم ـ كما يبدو ـ إذ لم يَردْ عنها شيء سوى ما أشار إليه من ذكرها حمدالله المستوفي المؤرخ في القرن الثامن في كتاب (نزهة القلوب)، وبناءً على ما أشار إليه المستوفي فإنّ بهار كانت قلعة في القرن الثامن وكانت في زمان الملك سليمان دار ملكه.
ويستنتج من مقولة المستوفي آنفة الذكر بعد إنعام النظر والفحص الدقيق ـ أنّ الملك سليمان أحد ملوك المغول كان قد اتّخذ بهار مقرّه ودار ملكه حيث كان مسيطراً على كردستان وهمذان ولرستان، ثمّ تحوّلت هذه القلعة بمرور الزمن وتقادم المدّة إلى هذه المدينة المعروفة (ببهار)، ولا يوجد اليوم أي أثر من آثار تلك القلعة وما يؤيد مقولة المستوفي هو الدليلان التاليان:
1 ـ توجد في بهار اليوم محلة واسعة ما تزال تدعى باسم القلعة، وهي مقسّمة إلى قسمين باللهجة المحلية هناك، القلعة، ودولر قلعة([482]).
ومع الالتفات إلى معنى (دولر قلعة) ينقدح هذا الحدس وهو أنّ ساكني قسم من القلعة كانوا جنود المغول وحرس قصر سليمان، وبملاحظة أنّ أهل تلك المنطقة المعروفة بهار كانوا مستائين من ظلم المغول وما حملوه في صدورهم أباً عن جدّ من الفجائع المؤلمة منهم فقد أطلقوا هذه التسمية على تلك المنطقة.
والرأي الآخر الذي يبدو بعيداً هو أنّ هذه المنطقة هي محل ديوان حُسبة المغول، لكن يُرد على هذا الرأي بأنّ دولر هو جمع دو ومعناه الجن بينما جميع ديوان الحسبة أو المحاسبات هو (ديواتلر).
2 ـ توجد في بهار محلة أخرى تدعى بـ «آق دروازة) و(آق دروازة) معناها: البوابة البيضاء والتأمل في وجه هذه التسمية يقوي هذا الاحتمال وهو أنّه كانت لقلعة بهار. بوابات متعددة، وكلّ بوابة لها اسم، وواحدة منها البوابة البيضاء، وكانت تشرف على الطريق المؤدّي إلى كردستان.
فما بيّناه يؤيّد مقولة المستوفي بأنّ بهار كانت قلعة إذ لازم القلعة أن تكون لها بوابات.
لكن لم نقف على تاريخ قديم قبل القرن الثامن لهذه المدينة ولم يُعلم متى بُنيَت، وما اسمها القديم، ولماذا سمّيت هذه المدينة ببهار([483]).
ترى سمّيت بذلك لما لها من جو معتدل في فصلي الربيع والصيف، فاختير هذا الاسم لها أم أنّ اسمها مشتق من المعبد المعروف بـ نوبهار الذي كان معبد الشمس للمغول، أمّ أنّه مشتق من القبائل والرعاة (إيل بهارلو) التي كانت تسكن هذه المنطقة؟!…
وبوسعنا أن نذكر من رجال بهار المعاصرين: الحاج سيف الله بهمني، والعقيد عبدالله بهاري والمهندس فتح الله البهاري، والعقيد الدكتور تهريار بهاري، ويوسف القضائي المؤلف المعاصر، وغلام رضا بهمني وبالأخصّ الشيخ محمد البهاري والشيخ محمد باقر البهاري…
وممّا يذكره الخاطر وورد في البيبلوغرافيات([484]) الحديثة أسماؤهم رجلان من مشاهير بهار منسوبان إلى همدان هما:
1 ـ الشيخ محمد البهاري نجل الميرزا محمد البهاري النجفي كان يعرف في بهار بالشيخ أسد محمد البهاري وكان يُعدّ من علماء عصره وفضلائهم وأهل (العرفان).
سكن النجف الأشرف فترة ابتغاء الدرس والتدريس ثمّ عاد إلى مسقط رأسه بهار حتّى ودع دار الفناء في التاسع من شهر رمضان 1325هـ، وقبره معروف بين مقابر بهار العامّة.
من آثار الشيخ محمد كتاب (تذكرة المتقين) في شرح الزيارات وآداب التوحيد وسائر الأمور المذهبية وقد طبع عدّة مرّات ولم يكن بقي للشيخ محمد عقب من الذكور، ولذا فقد كتب في مقدمة كتابه مشيراً إلى ذلك قائلاً: لمّا لم يكن للمؤلف أولاد ذكور فقد طبع هذا الكتاب ليكون بدلاً عن أبنائه!
وللشيخ محمد مبرّات وعمارات ما تزال باقية وورد ذكرها في نهاية الكتاب المشار إليه وقد كتب عليها عبارات عربية كثيرة.
2 ـ الشيخ محمد باقر البهاري: نجل محمد جعفر، وكان أحد كبار همذان ومحدّثيهم وفضلائهم، وكان قد أنهى دراسته في النجف الأشرف، وحضر دروس الشيخ حبيب الله الرشتي و(الميرزا) حسين الخيلي والملا محمد كاظم الخراساني (الآخوند) وأفاد من دروس الملا حسين قلي الهمذاني الأخلاقية، وأجيز من قبله ومن علماء آخرين بالرواية وعاد إلى همذان سنة 1316هـ. وقام بدوره الشرعي هناك.
كان الشيخ محمد باقر رجلاً شديداً قاسياً لا يعرف قلبه الرحمة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد رُوي عنه أنّه حكم مرّة بضرب عنق فاسق فاجر في محلة تدعى اليوم بمقبرة الميرزا محمد تقي، ولمّا كان لا بدّ لعنق هذا الرجل الفاسق أن تضرب ضربة واحدة يحزّ رأسه بها فقد اضطرب أصحاب الشيخ من هذا الحكم ولم يجرأ أحد على تنفيذ هذا القرار فحسر الشيخ من ذراعيه وألقى عباءته على الأرض ورفع السيف وأهوى به كالمحارب على رقبة ذلك الفاسق فقطعها بتلك الضربة. كان الشيخ محمد باقر أحد رجال المشروطة في إيران، وقد ترك حوالي ستين كتاباً في فنون مختلفة، منها:
1 ـ الدعوة الحسينية، 2 ـ حاشية على شرح ألفية ابن مالك، 3 ـ شرح قطر الندى، 4 ـ عق الدرر في الإمام المنتظر، 5 ـ البيان في حقيقة الإيمان، 6 ـ حاشية على فوائد الشيخ الأنصاري، 7 ـ روح الجوامع، 8 ـ سلاح الحازم في دفع المظالم، 9 ـ نثار الباب في تقبيل التراب، 10 ـ النور، وكتباً ورسائل أخرى.
وكان ارتحاله عن دار الفناء سنة 1332هـ. في همذان.
أردشير بهمني
بهمن نامه
ملحمة شعرية للشيخ فخر الدين حمزة بن علي الطوسي الاسفراييني البيهقي المتخلص بـ (الآزري).
وهو أحد مشاهير مشايخ وشعراء القرن التاسع للهجرة، أمضى شطراً من حياته في الهند والشطر الأكبر منها في إيران. وقد ذكر دولتشاه اسمه بالصورة التي ذكرناها أمّا لقبه (فخر الدين) فهو مستقى أيضاً من دولتشاه حيث ذكر أنّ لقبه هو (مفخر الملة والدين) وهو نفس ما ذكره الحاج خليفة (في كشف الظنون) وإسماعيل باشا (في إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون ج2 بند 86) وعدد آخر من أصحاب التراجم والفهارس.
كان أبوه علي ملك واحداً من أعيان ناحية اسفراين ومن رجال السربداريين في بيهق، اشتهر بالطوسي لإقامته بعض الوقت في مدينة طوس، وأمّا شهرته بالاسفرايني فلولادته عام 784هـ في ناحية اسفراين، وذكر هو سبب تسميته بالآذري في جوابه لالغ بيك ميرزا وهو ولادته في شهر آذار([485])!
بدأ الشيخ فخر الدين الآذري نظم الشعر في عنفوان شبابه، ونال شهرته في هذا المجال، ومدح الميرزا شاهرخ بقصيدة «بلغ فيها من قوة الشعر شأواً بعيداً، فنهض الخواجه عبدالقادر العودي (من رجال عهد شاهرخ التيموري) لمعارضته وامتحنه بعدد من قصائد الخواجه سليمان، فأجاب الشيخ بجواب كان له وقع حسن على أكابر الحاضرين، فبادر شاه الإسلام لمدحه وتعظيمه ووعده بأن يجعله ملك الشعراء. ولكن في ذلك الوقت كان نسيم الفقر وعالم التحقيق قد لامس رياض قلبه وسطعت شمس الزهد على كوخ أحزانه… فخطا في عرصة التوصّف وهجر زخارف الدنيا، ولازم شيخ الشيوخ وقدوة العارفين الشيخ محيي الدين الطوسي الغزالي([486]) (قدّس سره العزيز)، وبعد وفاة الشيخ محيي الدين في حلب، توجّه الشيخ الآذري إلى السيد نعمة الله (قدّس سرّه) ولازمه فترة من الزمن وحظي منه على إجازة وخرقة التبرك، وبعد الرياضة والمجاهدة والسلوك اشتغل في السياحة واتصل بأولياء الله وحج بيت الله الحرا راجلاً مرّتين ـ ومكث بجوار البيت الحرام سنة كاملة كتب خلالها (سعي الصفا) وهو كتاب مشتمل على شرح مناسك الحج وتاريخ الكعبة المعظمة شرّفها الله تعالى. ثمّ عاد بعد ذلك إلى بلاد الهند وبقي فيها مدّة من الزمن([487]).
نقل البعض أنّ تغيّر حال الآذري والتحاقه بحلقة الصوفيين كان في سن الكهولة. ومن ثمّ فهو يشبه في ذلك الشيخ علاء الدولة شريف زاده السماني، وقد كان حتّى ذلك الوقت ملازماً لبلاط الميرزا شاهرخ والرجال والأمراء التيموريين ولا بدّ أن يكون لقاؤه بألغ بيك ميرزا في مشهد والحديث معه حول شهرته بالآذري في تلك الفترة بالذات.
وكما رأينا في نهاية حديث دولتشاه فإنّ الآذري عاد إلى بلاد الهند بعد حجّه الثاني وبقائه فترة في مكة. وفي الهند لازم الشيخ بلاط السلطان أحمد شاه البهمني (الذي حكم ما بين 825 و838هـ) وهو من السلاطين البهمنيين في دكن وگلبركه وكان معروفاً بحبّه للمشايخ وسالكي طريق الحق. فحظي الشيخ الآذري منه بلقب ملك الشعراء «وأنشد عدّة قصائد في مدحه ومدح مدينته وعماراته، ونال جوائز لائقة، ثمّ بدأ بنظم (بهمن نامه) استجابة لأمر السلطان. ثمّ سافر إلى خراسان، وتعاهد مع أحمد شاه أن يواصل في خراسان نظم (بهمن نامه) وبالفعل واصل النظم وكان يبعث سنوياً ما ينظّمه إلى دكن. وبعد وفاة أحمد شاه خلفه ابنه علاء الدين في الحكم (838ـ862هـ) ولم تنقطع الصلة بين الاثنين بل تواصلت المكاتبات بينهما.
توفي عام 866هـ في اسفراين، وكان عمره اثنين وثمانين عاماً، ولا يزال ضريحه مزاراً للناس.
ترك الآذري عدّة آثار في النظم والنثر. وديوان أشعاره لا يزال موجوداً وهو يشتمل على قصائد وغزل وترجيع وتركيب وقطع ورباعيات ومجموع أبياته لا تتجاوز الخمس الآلاف بيت.
أمّا (بهمن نامه) فهي في شرح سلطنة السلاطين البهمنيين في دكن. وكانت سلسلة هؤلاء السلاطين قد بدأت في الهند منذ عام 784 حين ثار علاء الدين حسن گانگو الملقب بظفر خان على السلاطين التغلقيين في الهند، واستمرّت حتّى عام 933هـ. وكان الآذري معاصراً لأحد سلاطين هذه السلسلة وهو السلطان أحمد شاه الأوّل الذي حكم من عام 825 إلى عام 838هـ ولازمه مدّة ثمّ ترك بلاطه عام 836 أي قبل وفاته بثلاثين سنة وتوجّه إلى خراسان وكان نظم الآذري لـ (بهمن نامه) استجابة لطلب هذا السلطان ـ كما تقدّم ـ، حيث نظّم تاريخ السلاطين البهمنيين منذ بداية عهدهم حتّى عهد أحمد شاه وكان يرسل ما ينظمه سنوياً إلى دكن. وكان جميع ما ورد في (بهمن نامه) من بدايتها حتّى قصة السلطان المعظّم البهمني([488]) من نظم الشيخ الآذري، ثمّ تلاه الملا النظيري([489]) والملا السامعي وغيرهما من الشعراء فواصلوا النظم حتّى انقراض الدولة البهمنية، كلّ حسب عصره وقدرته وألحقوا نظمهم به بمنظومة الشيخ الآذري. ونظم (بهمن نامه الآذري) كان بالبحر المتقارب وهي من المنظومات الحماسية التاريخية. وهذه المنظومة هي غير منظومة (بهمن نامه) الأخرى التي تتحدّث عن قصة بهمن بن اسفنديار التي نظمها الحكيم ايران شاه بن أبي الخير وتعدّ من المنظومات الوطنية الحماسية، وقد نسبت بعض المصادر نظمها للجمالي المهربگردي.
راجع: السر بداريون
بورما
جمهورية في جنوب شرق آسيا تقع على خليج البنغال جنوبي الصين بين تايلاند والصين وآسام، مساحتها 678,000 كيلومتر مربع، عاصمتها رانغون. من مدنها ماندلاي ومولين. ومحصولاتها: الأرز والسكر والقطن والشاي والحرير والبترول.
استقلت سنة 1947م بعد أن كانت جزءاً من إمبراطورية الهند أيام الإنكليز. ويعاني المسلمون فيها متاعب جمة من ذلك أنّه في شهر نيسان (إبريل) 1967م أجلت حكومة بورما بقوّة الجيش ألفين من المسلمين من أماكنهم من سكان مقاطعة أراكان وأبعدتهم من مدينة «بوتيدونغ» وصاروا لا يملكون شيئاً ولا مأوى.
وفي شهر حزيران (مايو) 1967م أجلت حكومة بورما ألفاً وستمائة مسلم من سكان «أكياب» الأصلاء وأبعدتهم من أماكنهم فالتجؤوا إلى حدود الباكستان.
وقد نشرت جريدة الشعب البورمية اليومية في عددها الصادر يوم 27 حزيران (مايو) 1967م خبراً عن حيثيات الإجلاء وقالت بأنّ هؤلاء المبعدين كانوا باكستانيين… مع أنّ الحقيقة الواقعة أنّهم من سكان بورما الأصليين ولديهم وثائق ثابتة وهويات وطنية رسمية.
وفي شهر حزيران (يونيو) 1967 أجلت بورما أيضاً سكان كياوك تاوي ومينبيا وميهونغ وغيرها من ولاية أكياب ومجموعهم ثلاثة عشر ألف مسلم وأبعدتهم من أماكنهم وأصبحوا بلا مأوى ولا غذاء.
وأصدرت حكومة بورما أمراً بأنّه لا يمكن للمسلمين من سكان مدينة مونغداي وبوتيدونغ من مقاطعة أراكان الشمالية مغادرة أماكنهم ومحلاتهم إلى أي مكان آخر في بورما إلاّ بإذن وترخيص خاص والمسلمون من خارج هذه المنطقة من سكان بورما مسموح لهم الوصول إلى هذه المناطق الآهلة بالمسلمين.
ويعاني المسلمون من لاجئي مدن كيوتار… وغيرها من المدن بجنوب أراكان أساليب الاضطهاد المستمرة.
وقد استولت حكومة بورما على جميع ما يملكه المسلمون وما عندهم من وثائق تثبت إثباتاً قاطعاً أنّهم من شعب بورما المواطنين الأصلاء وقد أجبرتهم الحكومة على أن يوقعوا بتوقيعاتهم وببصمات أباهمهم على أوراق بيضاء فارغة.
وتحت الأمطار المنهمرة الغزيرة وتحت لفحات الشمس المحرقة لم يجد المسلمون لهم مأوى يقيهم من برد المطر أو حرارة الشمس. وقد التجأ هؤلاء الضحايا المسلمون إلى مبنى مدرسة عالية في مدينة شيكدار وإلى المدارس الإسلامية ومدارس أخرى في مدينة مونغدو وقد قام المسلمون من سكان تلك المدن بمساعدة هؤلاء المنكوبين اللاجئين. ولكن اللاجئين المسلمين أبوا أن ينصاعوا لأوامر الحكومة وصاموا احتجاجاً على هذه التعسفات اللاإنسانية حتّى تعرّض بعض المسلمين اللاجئين إلى وهن وضعف ومرض واضطرت الإسعافات أن تسعفهم أو تنقلهم إلى المستشفيات. في يوم 6 كانون الثاني 1967م وعندما كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر بالتوقيت المحلي قامت فصيلة من الجيش البورمي بإجلاء اللاجئين المسلمين بالقوّة من المدرسة العالية وقام الجيش باستفزازات ومعاملات فظّة خصوصاً نحو النسوة وأبوا أن يتسامحوا مع الشيوخ والعجزة. وقد دافع المسلمون عن أنفسهم بالعصي والهراوات ومقاعد المدرسة ووقعت اشتباكات عنيفة بين المسلمين والجيش وفتح الجيش طلقات البنادق على المسلمين وسقط بعض المسلمين إثر ذلك بإصابات وجروح… وقد أصيب ضابط من الجيش البري البورمي بإصابة شديدة نقل بعدها في الحال إلى المستشفى لإسعافه.
وعندما سمع المسلمون هذه الطلقات المتواترة من القوات المسلحة وحصار الجيش للمدرسة خرج المسلمون لمعرفة الحادث فإذا بهم يرون بعد انتهاء المعركة أنّ ستّة من المسلمين اعتقلوا في مدينة مونغدو… ثمّ أصدرت القيادة أمراً بمنع السكان في البلد من الوصول إلى المدرسة والاتصال بالمسلمين أو تقديم أيّة مساعدة للاجئين البالغ عددهم ألفين.
وقد نقلوا جميعاً من المدرسة بالقوّة على سيّارات الناقلات الكبيرة بحجة أنّ الحكومة ستعيدهم إلى أماكنهم. ولكنّهم قي حقيقة الأمر نقلوا إلى محل آخر يبعد «15» ميلاً عن مدينة مانغدي. ثمّ فرضت القيادة قانون عدم التجوّل بعد الغروب في مدينة مانغدي وخطّطت الحكومة لإجلاء المسلمين من أماكن أخرى في أراكان ونقلهم إلى مانغدي وجمعهم لترحيلهم إلى باكستان… ولكن المسلمين عادوا إلى أماكنهم في أراكان حيث صارت البلاد مزدحمة باللاجئين من أماكن كثيرة.
وبعد حادثة 6 تموز 1967م بدأت حكومة بورما تجلي المسلمين فئة بعد فئة بدلاً من الإجلاء جماعياً… من مانغدي إلى الباكستان بالقوارب عبر النهر ليلاً… وينزلون المسلمين في الحدود الباكستانية. وكلّ قارب تحرسه قوّة من الجند… وبعد إنزال المسلمين يعود الجنود بنفس القوارب إلى بورما. وقد أنزل في دفعة واحدة «21» من المسلمين في الحدود الباكستانية ولكن حكومة باكستان بعد أن علمت رفضتهم وأرجعتهم إلى بورما. ولكن حكومة بورما أبت أيضاً قبولهم… وهكذا أصبح المسلمون ضحايا.
ومنذ عهد قريب أصدرت حكومة بورما أمرها بإلقاء القبض على كلّ من يساعد اللاجئين بالأكل والأغذية والأطعمة والملبس في أي محل كان في المدارس والمخيمات حيث يسكن المسلمون.
وقد ألقت حكومة بورما القبض على (17) مسلماً جلّهم من المثقفين لمحاولتهم تقديم المساعدة للاجئين بالغذاء والأطعمة.
والآن ونحن نعيد كتابة هذا البحث في طبعته الجديدة في شهر أيلول سنة 1992م نقرأ في الصحف مأساة جديدة من المآسي المتتابعة على المسلمين هناك، وهي أنّ آلافاً من اللاجئين منهم من لجأ إلى بنغلادش وتحاول بنغلادش ردّهم عن بلادها فيصطدمون بالجنود البنغاليين فيقع منهم قتلى وجرحى.
الشيعة في بورما
وأكثر ما يتجمع الشيعة في بورما في عاصمتها رانغون حيث يبلغ عددهم هناك خمسة آلاف نسمة، وجميع الشيعة البورميين هم في الأصل من مهاجري شبه القارة الهندية وإيران نزحوا في أوقات متفرقة واستوطنوها وتزوجوا بنساء بورميات أسلمن على أيديهم فنشأ من هذا أجيال بورمية خالصة.
ولهم في رانغون مسجد كبير يعتبر من أكبر مساجد العاصمة وهو مقسّم إلى أقسام ثلاثة: مسجد للنساء ومسجد للرجال وقسم ثالث مخصّص للاحتفالات الحسينية وأكثرهم يسكنون حول المسجد، وللمسجد مخازن موقوفة عليه متصلة به. وعدا عن المسجد الجامع فإنّ لهم سبع حسينيات.
وفيهم اليوم رجال يعتبرون من أبرز رجال مجتمع رانغون ولهم مكانتهم الكبرى فيه. ولهم جمعيتان: الهيئة العباسية، وجمعية الخوجا الإثني عشرية. وللإيرانيي الأصل هيئة تشرف على المسجد وإدارة الوقف.
ومن أبرز الاحتفالات التي يقيمونها الاحتفال السنوي بذكرى استشهاد الحسين حيث يبدؤون فيه من أوّل المحرم، ثمّ تخرج مواكبهم في اليوم العاشر منه، وتستمرّ الاحتفالات حتّى شهر صفر، وقد تسرّبت إليهم بعض التقاليد الهندية فيقوم فيهم خلال المواكب من يمشي على الجمر. وعدا العاصمة فإنّهم موجودون في مدينة (ماندلا) ويناهز عددهم فيها 500 نسمة وهم كسكان العاصمة مهاجرو الأصل من الهند وإيران ولهم في (ماندلا) مسجد وحسينية وللمسجد بيوت موقوفة عليه كما أنّهم موجودون في عدّة قرى متفرّقة.
وقد جرى شيعة شبه القارة الهندية في القديم على إقامة رمز لمقام الحسين في كلّ بلدة هو عبارة عن صورة مصغرة للمقام في كربلا، ويطلقون عليه اسم كربلا. والسبب في إقامة هذا الرمز هو بعد الشقة بين الهند وكربلا وصعوبة المواصلات في الماضي ممّا كان يتعذر معه على المؤمن الوصول إلى مقام الحسين، فأقاموا هذه المصغرات للمقام وسمّوها كربلا ليزورها من يتعذر عليه زيارة كربلا نفسها.
وجرى شيعة بورما على نفس الطريقة ففي خارج رانغون (كربلا) وفي خارج ماندلا كذلك (كربلا).
بوروندي
تقع جمهورية بوروندي في الجزء الشرقي في وسط إفريقيا وتحدّها رواندا (شمالاً) وتنزانيا (شرقاً وجنوباً) وبحيرة تنگانيكا (جنوباً بغرب) وزائير (غرباً)، لغتاها الرسميتان: الكيروندية والفرنسية، واللغة السواحلية شائعة جدّاً لكنّها ليست رسمية.
ثرواتها الحيوانية: الماشية. والزراعية: البن والقطن وهما يشكلان أهم صادراتها. وحدتها النقدية الفرانك البوروندي وعدد سكانها 5,356,000 نسمة حسب إحصائية 1990م وتعتبر البلاد ذات كثافة سكانية عالية لأنّ مساحتها 27,834 كلم2 فيَصل معدل متوسط السكان في الكيلومتر المربع إلى 193 نسمة وعاصمتها بوجمبورا.
وفدت إلى بوروندي في حوالي القرن الرابع عشر بعض القبائل الأثيوبية وبسطت سلطانها عليها، وخلال النصف الأوّل من القرن التاسع عشر احتلّ أحد ملوك بوروندي أجزاء من رواندا الجنوبية الحالية وأجزاء من تنزانيا الغربية الحالية. وفي عام 1890م أعلن الألمان أنّهم يعتبرون بوروندي جزءاً من «أفريقيا الشرقية الألمانية».
وبعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا جعلت عصبة الأمم بوروندي تحت الوصاية البلجيكية. وفي سنة 1946م أقرّت الأمم المتحدة وصاية بلجيكا عليها، وفي سنة 1962م أعلن استقلال مملكة بوروندي. وبعد 4 سنوات أطيح بالملكية وأُعلنت الجمهورية سنة 1966م من قبل «ميشيل ميكومبرو» الذي كان حينها رئيساً للوزراء. وبعد الجمهورية صار الرئيس الأوّل لجمهورية بوروندي، وبعد 11 سنة وبانقلاب آخر استلم الحكم العقيد «باكازا» واستمرّ إلى سنة 1987 حيث أطاح به «الميجر بويويا» واستمرّ بالحكم إلى سنة 1993م حيث أجريت الانتخابات في حزيران من نفس السنة وفاز بالانتخابات الرئاسية «اندكييا» وهو من قبيلة «الهوتو» وتولّى الرئاسة في شهر تموز ثمّ حدث انقلاب عسكري فاشل قتل على أثره الرئيس المنتخب.
ينقسم سكان البلاد من حيث الانتماء القبلي إلى قبيلتين رئيسيتين هما «الهوتو» و«التوسي».
وتشكّل الأولى 85% من السكان في حين تشكّل الأخرى 13% والبقية من قبائل مختلفة يعيش أكثرها في الغابات.
والتوسي قبيلة نازحة من الحبشة (أثيوبيا) تشبه سحناتهم السحنة الأثيوبية والصومالية.
وتشهد البلاد صراعاً دموياً بين القبيلتين بحيث أدّى إلى أكثر من 100,000 قتيل سنة 1972ـ1973م وتكرّر هذا سنة 1993م وكانت(هكذا) الحال في (رواندا) حيث تعيش القبيلتان أيضاً.
وفيها من الأديان: 1 ـ المسيحية بمذاهبها. 2 ـ الإسلام بمذاهبه. 3 ـ الوثنية. 4 ـ الهندوسية. 5 ـ البهائية.
والوثنية موجودة في أعماق الغابات والقرى البعيدة في شمال البلاد، والهندوس كلّهم من الهنود وهم أقلّ من 50 أسرة ولهم معبد في العاصمة (هندوماندل) وأمّا البهائية فأقل من500 شخص أكثرهم من البورونديين.
وكان دخول أوّل قافلة للمبشرين المسيحيين البيض سنة 1879م وفي سنة 1987م تأسّست أوّل بعثة تبشيرية في موياغا Muyaga وتلتها البعثة الثانية سنة 1899م في موغيرا Mugera، وقد أسّسوا بعض المدارس التي تدرس الكتاب المقدس باللغة المحلية وقبل ذلك لم تكن مدرسة في البلاد إطلاقاً، والناس يعبدون ما يسمّى بإله بوروندي ورغم تنصّر بعض الناس إلاّ أنّهم لم يتركوا أديانهم الموروثة تماماً.
كان التنسيق على أتمّه بين الاستعمار البلجيكي والكنيسة بحيث كانت الكنيسة لها يد في كلّ شؤون الدولة.
وكان نشاط الكنيسة واسعاً في مجال التعليم والثقافة بحيث أنّ رؤساء البلاد كلّها تخرّجوا من مدارس تبشيرية كما أنّ النشاط التنصيري واسع جدّاً فالكنائس منتشرة في أنحاء البلاد ففي كلّ قرية سكانها 200 نسمة لا بدّ من وجود كنيسة ومدرسة تبشيرية.
والأناجيل توزّع بكثرة وباللغة المحلية وعندهم نشاطات اجتماعية واسعة فيقدّمون المساعدات للناس.
والبروتستانت لهم وجود أقل من الكاثوليك ولكن لهم عدد من الأتباع.
وكان انتشار الإسلام يتمّ على أيدي التجار العرب، ونظراً لأنّ القارة كانت مجهولة فقد اقتصر انتشار الإسلام على الساحل الشرقي ولم يتوغل إلى الداخل إلاّ في القرون المتأخرة.
ودخل الإسلام إلى بوروندي في القرن التاسع عشر عن طريق تنزانيا من خلال التجار العمانيين واليمنيين. والذين اعتنقوا الإسلام في البداية لم يكونوا من أهل البلاد بل من زائير وتنزانيا المقيمين في بوروندي.
والبعض يشير إلى أنّ الإسلام دخل عن طريق العبيد الفارين من أسواق العبيد حينما كان الرق منتشراً في الكونغو (زائير حالياً) ولعل كلا السببين صحيح.
وكانت الأجواء مناسبة للعمل التبليغي ولكن التجار العرب تركوا التبليغ بعد فترة وانشغلوا بالتجارة وهذا أدّى إلى تخلّف الوجود الإسلامي خصوصاً إذا ضممنا إلى ذلك عدم توجّه المبلغين والدعاة الإسلاميين إلى تلك الأجزاء من العالم.
والمذهب السائد هناك إلى أواخر الستينات هو المذهب الشافعي ونسبة المسلمين إلى مجموع السكان لعلها بحدود 4ـ5% فعدد المسلمين قد يصل إلى 400,000 نسمة وهم يتوزعون على أنحاء البلاد وإن كان وجودهم يتركّز في العاصمة بوجمبورا.
يهتم المسلمون في بوروندي كغيرهم بالمساجد فعددها في البلاد يصل إلى 85 مسجداً منها ثلاثون مسجداً تقريباً في العاصمة.
والتعايش بين المسلمين وبقية الأديان قديم وكانوا كغيرهم يعانون الفقر والحرمان أيام الاستعمار ولكنّه ازداد بعد الاستقلال، فالفقر والحرمان والأميّة متفشية بينهم.
ولذلك لا تجد من المسلمين من يَتَسَنَّم المناصب العالية في الدولة. وفي أواخر الستينات بدأت الوهابية تمدّ يدها إلى بوروندي بواسطة شخصين أحدهما فلسطيني والآخر سوداني والمذهب منتشر الآن بين المسلمين إلاّ أنّهم لا يعرفون الكثير عنه فهم يعتنقونه بالاسم حيث ركّزت الحكومة السعودية جهودها لإشاعة الوهابية وذلك عن طريق تقديم المساعدات المالية إلى ما يسمّى الجمعية الإسلامية البوروندية وإلى إدارات المدارس الإسلامية التي يديرها خريجو الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، كما يتمّ تقديم بعض المساعدات عن طريق بعض التجار المسلمين من غرب أفريقيا (خصوصاً مالي) والمقيمين في بوروندي منذ فترة زمنية طويلة ويتم إيصال هذه المساعدات بواسطة مكتب رابطة العالم الإسلامي أو مكتب الإفتاء أو غيرهما.
وكان هناك نشاط فعّال للحكومة الليبية عن طريق جمعية الدعوة الإسلامية حيث بنوا أكبر مركز في بوروندي وهو مجمع كبير يحتوي على مسجد ومدرسة ومستوصف وقاعة محاضرات كلّف الكثير ولكن بعد الانقلاب الذي حدث سنة 1987م قلّصت الحكومة من نشاطهم خصوصاً أنّ العلاقة بين الرئيس ياكازا والقذافي كانت جيّدة جدّاً.
كما أنّ الأزهر يبعث بعض الأساتذة للتدريس في بوروندي، وهناك بعض المساعدات من قطر والإمارات العربية لكنّها محدودة جدّاً.
وتاريخ الشيعة في بوروندي يرجع إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى حيث استقرّ التجار الهنود والباكستانيون (الخوجة) في بوروندي ولكنّهم لم يحاولوا نشر المذهب حتّى إنّ الناس كانوا يظنون أنّ المذهب الشيعي إنّما هو مذهب خاص بالهنود.
وبعد فترة من الزمن اعتنق بعض البورونديين التشيع حيث كانوا يعملون عند أحد الشيعة الهنود واستمرّ الأمر إلى أن تأسّست مؤسسة «بلال مسلم مشن» التي سعت إلى نشر التشيع في البلاد وبُني مسجد للشيعة في محلة كناما وفيها ما يقارب 400 شيعي.
وللشيعة ثمانية مساجد منها ثلاثة في مسجد العاصمة. ومسجد الشيعة الخوجة يعتبر من أجمل المساجد في بوروندي حيث جدّد أخيراً، والشيعة هنا يهتمون كثيراً بالمناسبات الدينية ويحيونها كلّها خصوصاً في شهر محرم وشهر رمضان المبارك.
البويهيون
منذ عام (200هـ) كانت إيران خاضعة لسلالات من الحكام الإيرانيين، لكن تحت إشراف معنوي لخلفاء بغداد، من تلك الحكومات: الطاهريون، ثمّ الصفاريون ثمّ السامانيون. وكانت هذه السلالات تمتلك سلطة مستقلة عن حكومة بغداد، وكانوا يجبرون حكومة بغداد على أن تفوض إليهم حكم الولايات التي يسيطرون عليها. ولمّا كان الخليفة يبحث عن راحته، ويصعب عليه مواجهتهم؛ لذلك كان يكتفي بقبول الهدايا والخراج السنوي، ويفوض إليهم الحكم في بلدانهم.
وكان الخليفة نفسه يسعى في الوقت المناسب إلى إضعافهم من خلال الإيقاع بينهم.
ومع بداية القرن الرابع ضعفت حكومة الخلفاء العباسيين كثيراً، بحيث لم تبقَ عام (325هـ) أيّة منطقة بيد الخليفة سوى بغداد، وحتّى بغداد فقد سقطت على يد آل بويه. وابن خلدون يعتبر أنّ قدرة الخلفاء العباسيين ضعفت منذ المتوكل ومن تلاه، في حين يرى غيره أنّ سلطة الخلفاء ضعفت بعد العام (308هـ). آل بويه لم يكتفوا بمركز حكومتهم المحلية في الري وأصفهان وشيراز كسابق السلالات، بل دخلوا إلى بغداد عنوة، واستولوا على الخلافة وعلى الخليفة نفسه. وكان أوج سلطتهم منذ النصف الأوّل للقرن الرابع حتّى آخر النصف الأوّل من القرن الخامس، واستمرّت لأكثر من قرن. وكان سلاطين آل بويه من أقوى حكّام الدول الإسلامية. فقد نقل ابن خلدون أنّ آل بويه كانوا أصحاب سلطة عظيمة يتباهى الإسلام بها على سائر الأمم.
كان هناك ثلاثة إخوة من أبناء (أبو شجاع صائد السمك) أسماؤهم هي: أبو الحسن علي أو عماد الدولة، وأبو علي حسن أو ركن الدولة، وأبو الحسن أحمد أو معز الدولة. وكانوا ينسبون أنفسهم إلى ملوك إيران الغابرين، شأنهم في ذلك شأن الصفاريين والسامانيين. يُقال إنّهم كانوا عند (ناصر الحق العلوي) ثمّ عملوا في قوات (مرداويج) ولما أبدوه من لياقة عينهم (مرداويج) على نواحي أطراف الري. بعد مدّة استطاع عماد الدولة أن يجتذب الناس نحوه، وتوجّه إلى أصفهان، وكانت حركته تلك بداية نشاطهم المستقل.
وفي عام (322هـ) دخلوا إلى شيراز، وجعلوا منها مقراً محكماً لحكومتهم المستقبلية وكان تعاملهم مع الناس جيّداً. نقل ابن الأثير أنّ معزّ الدولة عندما وصل إلى شيراز نادى في الناس بالأمان وبث العدل. وكان لذلك تأثير كبير على الناس.
طوال المدّة التي كانوا يتهيؤون فيها لاحتلال بغداد، خاضوا عدّة مواجهات مع (مرداويج) وأخيه (وشمكير)، وبعد تثبيت أوضاعهم في بلاد فارس وخوزستان توجهوا نحو بغداد. وفي عام (334هـ) دخل معز الدولة إلى بغداد، واستولى على خلافة بغداد، وبلغت قدرته في بغداد حدّاً مكّنه من عزل الخليفة (المستكفي بالله) ونصب مكانه (المطيع لله).
لا نريد هنا بحث تفاصيل الحروب التي خاضها آل بويه مع الحمدانيين ومع السامانيين في شرق إيران، وجهودهم المتواصلة لاحتلال أراضيهم الأساسية أي الديلم ومازندران، ولا التصدّي لشرح المواجهات الداخلية بين آل بويه أنفسهم والتي جرت بعد عضد الدولة المتوفى عام (372هـ) بين أبنائه وأخيه؛ بل إنّ هدفنا هو استعراض الدور الذي لعبه آل بويه ـ كحكام لإيران والعراق ـ في نشر التشيع.
إنّ القرن الرابع كان قرن انتشار التشيع، هذا الانتشار يعود إلى عدّة عوامل، منها: قيام أربع دول شيعية، في مصر على يد الفاطميين، وفي العراق وإيران على يد آل بويه، وفي سورية على يد الحمدانيين وفي اليمن على يد الزيديين.
من الواضح أنّ مثل هذه الحكومات تحتاج إلى تمهيد، وهذا التمهيد لم يكن موجوداً في القرون السابقة رغم وجود نهضات شيعية، لكن القرن الرابع شهد ضعف الخلفاء العباسيين من جهة، واعتلى المناصب السياسية الهامة أشخاص أثرّوا تدريجياً على الوضع العقائدي المذهبي، إضافة إلى التطرّف الذي مارسه بعض أهل السنّة وخاصّة الحنابلة منهم، ممّا دفع بعض السنيّين إلى الميل نحو التشيع. بحيث أنّ الطبري رغم كونه من السنيّين واجه بعض أهل السنّة من الحنابلة. إلى الحد الذي اتّهموه بالرفض، ممّا دفعه إلى كتابة كتاب حول طرق حديث الغدير. ذلك الكتاب الذي خشيه الذهبي وغيره. إنّ حركات الحنابلة جعلت المواجهات الداخلية تصبّ في صالح نشر التشيع. ففي تلك الأيام فسّروا آية {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} بمعنى الجلوس في العرش عند الله، فرفض باقي السنيّين هذا التفسير، ممّا أدّى إلى وقوع المواجهة (عام 317هـ) وقد تصاعدت الخلافات إلى درجة أنّ (الراضي بالله) وجّه خطاباً عام (323هـ) يتّهم فيه الحنابلة بالتشبيه، وقال: إنّكم تطعنون في الأئمة، وتتهمون شيعة آل محمد بالكفر والضلالة. وهو ما يدل على وجود ونمو التشيع بين مواجهات أهل السنّة فيما بينهم.
إنّ انتشار الفكر الشيعي، والجهود التي بذلت في هذا القرن من قبل أفراد مثل الشيخ المفيد، كلّ ذلك أثّر في تحسين الظروف الاجتماعية للشيعة. ولم يكن التشيع هذا متعلقاً بإيران، بل على العكس من ذلك، حيث كانت إيران حينها من المراكز الأساسية لأهل السنّة، فأصفهان كانت تظهر محبة شديدة لمعاوية، ورغم الخوف من آل بويه كانت مستعدة لمصادمة تجار قم لأنّهم كانوا يعتقدون بولاية علي وأهل البيت (عليهم السلام) وشرق إيران بجنوبه وشماله كان على فكر أهل السنّة ونيشابور كانت من المراكز العلمية للسنيّين، السامانيون كانوا يضيقون الخناق على التشيع، ولم تكن حربهم مع علويي([490]) الشمال إلاّ لهذا السبب.
كان آل بويه أحد عوامل انتشار التشيع، رغم أنّهم لم يكونوا يؤكدون على هذه المسألة، ولم يظهروا تضادهم مع السنيّين، لأنّهم لو فعلوا ذلك لفشلوا سريعاً. لكن تسامحهم في الاختلافات المذهبية أدّى إلى حفظ التوازن السياسي، ورغم ذلك كانوا هم أنفسهم من الشيعة، وكانت القضايا السياسية عندهم أهم من أي أمر آخر. ولم يكونوا يفكّرون حقيقة بتسليم الحكم للعلويين، ولم يكونوا في نفس الوقت يتحملون وجود العباسيين. إنّ اعتبار وجود آل بويه كأحد عوامل انتشار التشيع لا يعني بتاتاً أنّهم قاموا بتهيئة الظروف لذلك، بل إنّ الظروف كانت مهيئة بل مجيئهم كما ينقل ابن الجوزي حيث يقول: في عام (331هـ) وقبل دخول آل بويه إلى بغداد ازداد الروافض.
وذكر أيضاً أنّ أحد الحنابلة المتعصبين قد خرج من مدينة بغداد احتجاجاً على ظهور إهانة من خاصم أهل البيت في مدينة بغداد، وهو ما يعدّ دلالة على انتشار التشيّع فيها.
كان المرجع الفقهي لمعز الدولة فاتح بغداد هو (ابن جنيد) وكان أحد فقهاء الإمامية.
ونقل (اشبولز) أنّ آل بويه كانوا منذ البداية من الشيعة الإثني عشرية، وبقوا أوفياء لعقيدتهم تلك. كما إنّ ولادتهم في الديلم، وأسماءهم تدل على أنّ والدهم الذي أطلق عليهم تلك الأسماء كان من الشيعة أيضاً، ووجود التشيع في الشمال يعاضد هذا الاعتقاد.
وتوجد شواهد أخرى منها: أنّ تعبير «غالياً في التشيّع» يستعمل عادة للشيعة الإثني عشرية.
ونرى أنّه قيل في عضد الدولة ـ أقوى حاكم بويهي ـ إنّه «كان أديباً، مشاركاً في فنون العلم، حازماً، لبيباً، إلاّ أنّه كان غالياً على التشيع».
إنّ تعبير الرفض الذي نعت به ابن كثير معز الدولة هو شاهد آخر على هذا الادعاء. و(ابن عماد الحنبلي) أيضاً كتب أنّ معز الدولة كان من الروافض.
وقد شهدت بغداد ـ مركز خلافة بني العباس ـ شيوع التشيع. ففي عام (352هـ) أقيمت مراسم عاشوراء الحسين (عليه السلام) في بغداد بشكل علني. وأمر معز الدولة بأن تغلق الأسواق. ونقل أنّ أهل السنّة لم يتمكنوا من منع إقامة تلك المراسم «لكثرة الشيعة وظهورهم وكون السلطان معهم» ولما كانت تقام هذه المراسم في بغداد فمن الطبيعي جدّاً أن تقام في باقي المدن التابعة لها. كما أنّ آل بويه كانوا يختارون ولاتهم من بني الشيعة أو ممّن لهم ميول شيعية، لكنّهم كانوا أحياناً يعينون وزراء غير مسلمين أيضاً، إضافة إلى وجود بعض الوزراء المتعصبين لأهل السنّة بين وزراء آل بويه. وعندما تسلّم عضد الدولة الحكم أمر بإجراء وبمنع الوعاظ الذين يصبّون الزيت على نار الفتنة من التحدّث على المنابر. هذا الأمر نشأ من روحية التسامح التي كان الحكام البويهيون يتحلّون بها، ورغم ذلك فإنّ جميع أفراد آل بويه قد احتفظوا بميولهم الشيعية.
من جهود البويهيين كان السعي إلى تقوية العلوم الشيعية، مثل: تقوية مدينة قم وتجهيزها لدراسة علم الكلام الشيعي، وقام (أبو نصر) أحد وزراء آل بويه عام (383هـ) بتأسيس أوّل دار للعلم في بغداد في محلة الكرخ الشيعية، ورق هذه الدار بالكتب الكثيرة. ونقل ابن كثير أنّ هذه الدار كانت أوّل مدرسة وقفت للفقهاء، وقد أسّست قبل المدارس النظامية بمدّة طويلة.
رسول جعفريان
الحكم البويهي
حكم آل بويه رقعة من العالم الإسلامي وأقاموا دولة كبيرة عرفت بالدولة البويهية ابتدأت من عام إحدى وعشرين وثلاثمائة للهجرة وشملت بلاد إيران والعراق، وبدأ حكم البويهيين للعراق سنة 334هـ وانتهى حكمهم بسيطرة السلاجقة على ممتلكاتهم ودخولهم بغداد سنة 447هـ.
واشتهر منهم أبوهم بويه ويذكر المؤرخون أنّه كان صياداً فقيراً على بحر قزوين، وله ثلاثة أولاد وقد اشتغل أولئك في خدمة مرداويج بن زيار الذي أسّس الدولة الزيارية وقد أظهر (علي بن بويه) كفاية ومقدرة وتبوأ مناصب رفيعة في تلك الدولة، وتولّى ولاية الكرج وصار أهل الولاية يظهرون له الحب إلاّ أنّه أثار شكوك مرداويج ومخاوفه، فبدأت المنافسة بين بويه ومرداويج، وتنفّس البويهيون الصعداء بمقتل مرداويج سنة 323هـ فاغتنم الإخوة الفرصة فاستولى الحسن على أصفهان والري وهمذان وشيراز وسيطر أحمد بن بويه على كرمان ونجح البويهيون في تأسيس دولتهم في إيران، وبعد فترة قصيرة هاجموا العراق عن طريق حلوان، وفي الحادي عشر من جمادى الآخرة نزل أحمد بن بويه في معسكره بباب الشماسية، وأخذت عليه البيعة للمستكفي العباسي واستحلف له بأغلظ الأيمان، وخلع عليه الخليفة الخلع ولقبه معز الدولة ولقب أخاه علياً بعماد الدولة كما لقب أخاه الحسن بركن الدولة، وأمر الخليفة بأن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم.
قال آدم متز في الجزء الأوّل من (الحضارة الإسلامية): كان سبب ارتفاع علي بن بويه سماحته وشجاعته وسعة صدره وحسن سياسته. وكان ذا فضل يتسامع به الناس فيَميلون إليه. وكان بنو بويه إلى جانب هذا يحسنون معاملة الأسرى، يعفون عنهم ويؤمنونهم من جميع ما يكرهونه على حين كان أعداؤهم يعدّون للأسرى قيوداً وبرانس ليشهروهم بها، ولقد ظفر علي بن بويه بأعداء له معهم هذه الآلات، فعدل عن العقاب إلى العفو وابتعد عن الطغيان.
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 322هـ: حين استولى علي على شيراز نادى في الناس بالأمان وبثّ العدل.
وفي هامش ابن الأثير: توفي بشيراز عن سبع وخمسين سنة، وكان من خيار الملوك في زمانه وفي معز الدولة يقول ابن الأثير وهو يتحدّث عن سنة 356هـ: في هذه السنة ابتدأ معز الدولة في بناء المارستان (المستشفى) وأرصد له أوقافاً جزيلة وتصدّق بأكثر أمواله وأعتق مماليكه وردّ شيئاً كثيراً على أصحابه. وكان حليماً كريماً عاقلاً.
وقال ابن الأثير: كان ركن الدولة حليماً كثير البذل بعيد الهمة متحرجاً من الظلم عفيفاً من الدماء يرى حقنها واجباً إلاّ فيما لا بدّ منه. وكان يجري الأرزاق على أهل البيوتات ويصونهم عن التبذل ويتصدّق بالأموال الجليلة ويلين جانبه للخاص والعام، رضي الله عنه وأرضاه، وكان له حسن عهد ومودة وإقبال. وفي جلال الدولة يقول صاحب النجوم الزاهرة: كان جلال الدولة ملكاً محباً للرعية حسن السيرة، وكان يحبّ الصالحين.
ولكي ندرك مدى ما جبلوا عليه من احترام حرية الرأي ننقل هذه الحادثة التي رواها عنه ابن الأثير في أحداث سنة 429هـ وخلاصتها أنّ الفقيه أبا الحس الماوردي رأى أنّه لا يجوز أن يلقب جلال الدولة بلقب ملك الملوك بينما أفتى بقية الفقهاء بجواز ذلك، وكان الماوردي أخصّ الناس بجلال الدولة وأقربهم منزلة منه، فلمّا أفتى بهذه الفتوى انقطع عن جلال الدولة ولزم بيته خائفاً. وفي ذات يوم استدعاه جلال الدولة فلبس وهو موقن بالهلاك ولكن جلال الدولة أكرمه وعظّمه وقال له فيما قال: إنّي أعلم بأنّك ما قلت وما فعلت إلاّ مرضاة لله والحق، وأنّك أعزّ لديّ من الجميع.
وقال السيد أمير علي في (مختصر تاريخ العرب): لقد شجع البويهيون الروح الأدبية وعضدوا مدرسة بغداد التي كان قد اضمحل شأنها في أثناء تدهور الخلافة، وحفروا الجداول وهيؤوها للملاحة حتّى مدينة شيراز فأزالوا بذلك خطر الفياضانات الدورية التي كانت تغمر المناطق كما شيّد عز الدولة مستشفى فخماً وفتح عدّة كليات في بغداد.
وقال الغناوي في كتاب (الأدب في ظل بني بويه):
امتاز عهد آل بويه بالخصب العلمي والأدبي بتأثيرهم الخاص أو بتأثير وزرائهم، ذلك أنّهم استوزروا أبرع الكتّاب وأبرزهم، واعتمدوا عليهم في تدبير شؤون الحرب وأمور السياسة والإدارة والمال جميعاً فلمعت أسماؤهم وعظمت هيبتهم وطار صيتهم في الآفاق فقصدهم أهل العلم والأدب فأفادوا منهم كثيراً وأنتجوا كثيراً في ميدان الأدب والفلسفة والعلم، فكان أثرهم في الحياة الفكرية قوياً جدّاً.
ويقول الدكتور حسين أمين:
قد لا أكون مغالياً إن قلت إنّ العصر البويهي هو العصر الذي بلغت فيه الحياة الثقافية العربية الإسلامية ذروتها، حيث سمت الآداب نثراً وشعراً وتطوّرات الدراسات اللغوية وازدهرت الحياة العقلية وتكاملت دراسات الفقه المختلفة، وظهرت البحوث الموضوعية العلمية في التاريخ والجغرافيا كما برزت الحركة الصوفية والدراسات الدينية على اختلاف مواضيعها من تفسير للقرآن الكريم ودراسات للحديث النبوي الشريف، كما تميّزت تلك الفترة بأنّ الدراسات أصبحت تعتمد على منهج علمي وأسلوب موضوعي. «انتهى».
وأشهر رجال الدولة البويهية هو عضد الدولة وقد جاء عنه في كتاب (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع لآدم متز، تعريب محمد عبدالهادي أبي ريده ما يلي:
كان عضد الدولة يمثّل الحاكم تمثيلاً حقيقياً، وقد عني بمعرفة الأخبار وسرعة وصولها شأن كلّ من يريد أن يحكم دولة كبيرة حكماً صحيحاً، وكانت الأخبار تنتقل بين شيراز وبغداد في سبعة أيام، أي أنّها كانت تقطع في كلّ يوم ما يزيد على مائة وخمسين كيلومتراً.
وقد طهر السبل من اللصوص ومحا أثر قطاع الطرق، وأعاد النظام إلى صحراء جزيرة العرب وصحراء كرمان وكانت مخيفة وكان سكانها يضعون الضرائب على قوافل الحج، فارتفعت وتحقّق الأمن، وأقام للحجاج السواقي في الطرق واحتفر لهم الآبار وفجر الينابيع، وأدار السور على مدينة الرسول. وأمر بعمارة منازل بغداد وأسواقها، وابتدأ بالمساجد الجامعة وكانت في نهاية الخراب وهدم ما كان متهدماً بنيانها وأعادها جديدة قوية، وألزم أرباب العقارات بالعمارة فمن قصرت يده أقرضه من بيت المال. وفي عهده امتلأت الخرابات بالزهر والخضر والعمارة بعد أن كانت مأوى الكلاب ومطارح الجيف والأقذار، وجلب إليها الغروس من فارس وسائر البلاد.
وكانت الأنهار ببغداد قد دفنت مجاريها وعفيت رسومها، فأمر بحفرها من جديد وأقام القناطر والجسور وعملت عملاً محكماً وحضر كثير من أهل البادية فزرعوا وعمروا البرية. ومع هذا لم تكن العراق مركز الدولة، بل كان مركزها في فارس، وبنى سوقاً للبزازين (تجار الأقمشة) وكان نقل إلى بلاده ما لا يوجد فيها من الأصناف وشيّد مارستاناً (مستشفى) كبيراً في بغداد وأمر بإدرار الأرزاق على قوام المساجد والمؤذنين وأئمة الصلاة والقرّاء وإقامة الجرايات لمن يأوي إليها من الغرباء والضعفاء، وتجاوزت صدقاته أهل الإسلام إلى غير المسلمين. وأذن للوزير في عمارة المعابد لليهود والأديرة للنصارى وإعطاء الأموال لكلّ محتاج وإن لم يكن مسلماً.
وكان ينفق كلّ جمعة عشرة آلاف درهم على الضعفاء والأرامل ويصرف كلّ سنة ثلاثة آلاف دينار ثمن أحذية للحفاة من الحجاج وعشرين ألف درهم كلّ شهر لتكفين موتى الفقراء واستحدث ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء، ولم يمر بماء جارٍ إلاّ بنى عنده قرية، وكان ينفق على أهل مكة والمدينة وطرقهما ومصالحهما مائة ألف دينار كلّ سنة. وكان يبذل مالاً كثيراً على عمارة المصانع وتنقية الآبار ويعطي سكان المنازل التي في الطرقات ليقدموا العلف لدواب المسافرين.
وكان يحبّ العلم والعلماء، ويجري الأرزاق على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين والنحاة والشعراء والنسابين والأطباء والحسّاب والمهندسين. وأفرد لأهل الاختصاص من العلماء والحكماء موضعاً يقرب من مجلسه، وأنشأ مكتبة تحتوي على كل كتاب صنف إلى وقته من جميع أنواع العلوم.
وفي كتاب (الكنى والألقاب) ما يلي:
كان عضد الدولة يعظّم الشيخ المفيد، وقد ألّف له العلماء العديد من الكتب وقصده فحول الشعراء ومدحوه بأحسن المدائح، منهم أبو الطيب المتنبي الذي قال فيه:
وقد رأيت ملوك الأرض قاطبة
وسرت حتّى رأيت مولاها
ومن آثاره تجديد عمارة مشهد علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان قد أوصى بدفنه فيه، فدفن بجواره، وكتب على لوح قبره: هذا قبر عضد الدولة وتاج الملة أبي شجاع بن ركن الدولة أحبّ مجاورة هذا الإمام المعصوم لطمعه في الخلاص يوم تأتي كلّ نفس تجادل عن نفسها، وصلاته على محمد وعترته الطاهرين.
هذه الأعمال العظيمة التي مرّ ذكرها فيما تقدّم جرت كلّها خلال فترة قصيرة إذ إنّه مات ولم يبلغ الخمسين.
ويقول الأستاذ حسن أحمد محمود الشريف في كتابه (العالم الإسلامي في العصر العباسي): إنّ الخلفاء العباسيين تعرّضوا (في عهد البويهيين) أقل للتغيير والتدبيل أو لمهزلة الانتخاب الشكلي، فلم يستبدل الخلفاء بسرعة كما كان في العصر السابق، فقد حكم المطيع 29 سنة (334ـ363هـ) والطائع 18 سنة (831هـ) والقادر 41 سنة (422هـ).
ثمّ يشير الأستاذ الشريف إلى أنّ البويهيين أظهروا احتراماً للخليفة في المواقف والمحافل الرسمية، وكانوا أكثر اتباعاً للأصول والمجاملات من القادة العسكريين الذين سبقوهم. ويستند على قول ابن كثير في البداية والنهاية: «أظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارساً وجدّد دار الخلافة حتّى صار كلّ محل منها آنساً» ويرى الأستاذ الشريف أنّ العصر البويهي عصر «حرية المذاهب» ويستند على أقوال الصاحب ابن عباد في رسائله حيث يقول: «وقد كتبت في ذلك كتاباً أرجوه أن يجمع على الإلفة ويحرس من الفرقة وينظّم على تلك المنازعة والجنوح إلى الموادعة، فإنّ المهادنة تجمل بين الملتين فكيف بين النحلتين، والله نسأل توفيقنا لأنفسنا وأنفسهم».
ويعلّق على ذلك الدكتور فاروق عمر وهو ينقل هذا الكلام في كتابه (الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية) قائلاً: «على أنّ لهذه السياسة جانبها الإيجابي حيث لجأت المذاهب المتنازعة إلى المنطق والفلسفة وعلم الكلام لتأييد آرائها، فحدثت نهضة علمية وكثرت التصانيف في المناظرات وأسّست دور العلم».
بغداد في عهد بني بويه
قال الأستاذ طه الراوي في رسالته عن بغداد: في عهد بني بويه وصل العلم والأدب في بغداد إلى القمة العليا فنشأ أكابر المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والكتّاب والشعراء وأساطين علوم العربية والحذاق في المعارف الكونية. وكان لبعض ملوكهم آثار في العمران وحسنات على أهل الفضل وأقمار الأدب، ففي عهدهم تولّى الوزارة في إيران أبو الفضل بن العميد وابنه أبو الفتح والصاحب بن عباد، وفي بغداد أبو محمد المهلبي الذي أفاض على رجالات العلم والأدب شيئاً من حسناته وفيضاً من نعمه.
تسلسل البويهيين
في أوائل القرن (4هـ/10م) بدأ الديلم حركات استقلالية في شمال إيران. فقام كلّ من: ماكان بن كاكي، وأسفار بن شيرويه، ومرداويج الزياري بتعبئة جيش وخرجوا من الديلم. فالتحق علي والحسن ابنا أبي شجاع بويه بما كان قائد السامانيين([491]). وكان علي يعمل سابقاً في خدمة (نصر بن أحمد الساماني).
وعندما هاجم مرداويج جرجان وطبرستان التحقا بمرداويج بموافقة ماكان، وذلك عام (321هـ/447م) فأكرمهم مرداويج وعيّن علي على حكومة كرج، لكنّه صرعان ما ندم. لكن علي اطلع من حسين بن محمد الملقب بالعميد على مضمون الرسالة التي بعث بها مرداويج، التي يطلب فيها منع علي من الذهاب إلى كرج، وأنّ يعود أدراجه. فتوجّه بسرعة إلى كرج، وقام بسلسلة أعمال، واحتل القلاع المتاخمة، وشكّل قوّة أثارت مخاوف مرداويخ. خاصّة وأنّ الرجل الذي بعثه مرداويخ إلى كرج لاعتقال علي، قد التحق به، وازدادت بذلك قوّته. فنوى احتلال أصفهان، فتغلب في البداية على قوات محمد بن ياقوت وهاجم أصفهان، لكن وسمغير أخو مرداويج شنّ عليه هجوماً، فتراجع علي. وبعد مدّة احتل أرجان ونوبندجان، وأرسل أخاه حسن لاحتلال كازرون. ففتح حسن كازرون، وجمع مالاً كثيراً، لكن جيش محمد بن ياقوت تمكّن من استرجاع إمارة أصفهان، وتوجّه لمقابلة أبناء بويه، فانهزم حسن، وعاد إلى أخيه علي. وفي العام الثاني هاجم حسن وإخوته** علي وأحمد شيراز، وأقاموا فيها دولتهم المستقلة، لكن المؤرخين اعتبروا أنّ بداية الدولة البويهية كان بفتح أرجان عام (321هـ/932م) وخلال 12 عاماً تلتها هاجم حسن الري وهاجم أحمد كرمان والعراق، وأصبحت دولة آل بويه قائمة على ثلاثة شعب كبيرة وشعبة صغيرة في كرمان وعمان.
البويهيون في بلاد فارس
(322ـ447هـ / 933ـ1056م):
1 ـ عماد الدولة أبو الحسن علي بن أبي شجاع بويه (338هـ/949م) بعد مدّة وجيزة من هجومه على أرجان ونوبندجان، وخوفاً من اتحاد الأعداء، التحق أحمد بعماد الدولة وعزم الثلاثة إلى اصطخر ثمّ إلى البيضاء، ومن هناك نحو كرمان. فواجههم في الطريق جيش محمد بن ياقوت، فهزموه. واستبدلوا وجهتهم من كرمان إلى شيراز فاحتلوها (322هـ/933م) ثمّ بشر الخليفة العباسي الراضي ووزيره ابن مقلة بإرسال ثمانية ملايين درهم في العام، لكنّه خدع مندوب الخليفة، وأبقاه حتّى مات في شيراز، ولم يرسل المال. ثمّ عقد صلحاً مع مرداويج الذي كان قد احتلّ الأهواز. وألقى خطبة باسمه في بلده. وبعد مقتل مرداويج عام (323هـ/935م) قام كلّ من: أبو الحسن علي من جهة، وياقوت وأبو عبدالله البريدي من جهة أخرى بشن هجوم على (الأهواز). فتغلب (علي) على جيش ياقوت في أطراف (أرجان) وعقدت مصالحة بينهم بطلب من أبو عبدالله البريدي وتأييد من الخليفة، وتقرّر أن يحكم علي بن بويه بلاد فارس، والبريدي وياقوت على الأهواز. وفي نفس العام أغرى البريدي ياقوتاً بمهاجمة بلاد فارس، فهزم، وعلى الأثر قام (علي) بشن هجوم على (رامهرمز). وأرسل عام (324هـ/936م) كهترين أخا أحمد لاحتلال (كرمان) وقيل هاجمها بنفسه. ففرّ (أبو عبدالله البريدي) من وجه (ابن رائق)، ولجأ إلى (علي بن بويه) وأغراه باحتلال خوزستان والعراق. فأرسل أبو عبدالله مع جيش بقيادة أخيه أحمد، ليسلم الأهواز والبصرة إلى البريدي شرط أن يرسل لعلي كلّ عام ثمانية ملايين درهم، ثمّ أرسل جيشاً آخر لدعمه، فتمكّن أحمد من احتلال الأهواز.
وفي عام (329هـ/941م) شنّ (وشمكير الزياري) عليه هجوماً، فردّ (حسن بن بويه) عليه بإشارة من أخيه، واحتلّ الري. في عام (334هـ/945م) شنّ أحمد هجوماً على بغداد، فقام الخليفة المستكفي على الأثر بمنح (أبو الحسن علي) لقب عماد الدولة، وبقي عماد الدولة في عرشه بشيراز حتّى توفي عام (338هـ/949م) ودفن في (اصطخر) ولم يترك من بعده أولاداً ذكوراً، فانتخب ابن أخيه ركن الدولة حسن خسرو أو يناه* خسرو.[* وردت: فنا]
2 ـ عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة.
اسمه «فناخسرو» وعضد الدولة لقبه ابن أبي علي الحسن الملقب ركن الدولة. ولد سنة 324 في أصفهان (936م) تولّى ملك فارس والعراق وغيرها وكان عالماً بالعربية ينظّم الشعر بها، نعته الذهبي بالنحوي. وهو أبرز ملوك الدولة البويهية وهو ممدوح المتنبي بقصائده الشهيرة.
قال آدم متز في كتاب الحضارة الإسلامية في القرن الرابع، الذي عربه محمد عبدالهادي ريده ما يلي:
كان عضد الدولة يمثّل الحاكم تمثيلاً حقيقياً، وقد عني بمعرفة الأخبار وسرعة وصولها شأن كلّ من يريد أن يحكم دولة كبيرة حكماً صحيحاً، وكانت الأخبار تنتقل بين شيراز وبغداد في سبعة أيام، أي أنّها كانت تقطع كلّ يوم ما يزيد على مائة وخمسين كيلومتراً. وقد طهر السبل من اللصوص ومحا أثر قطاع الطرق وأعاد النظام إلى الصحراء وكانت مخيفة وكان سكانها يضعون الضرائب على قوافل الحج فارتفعت وتحقّق الأمن. وكان يحبّ العلم والعلماء، فأفرد لأهل الاختصاص من العلماء والحكماء موضعاً يقرب من مجلسه، وأنشأ مكتبة تحتوي على كلّ كتاب صنف إلى وقته من جميع أنواع العلوم. إلى آخر ما قال متز.
وقال ابن الأثير:
في هذه السنة (369هـ) شرع عضد الدولة بعمارة بغداد، وكانت قد خربت بتوالي الفتن فيها وعمر مساجدها وأسواقها وأدار الأموال على الأئمة والمؤذنين والعلماء والقرّاء والغرباء والضعفاء الذين يأوون إلى المساجد، وألزم أصحاب الأملاك الخراب، بعمارتها، وجدّد ما دثر من الأنهار وأعاد حفرها وتسويتها، وأطلق مكوس الحجاج وأصلح الطريق من العراق إلى مكة شرفها الله تعالى، وأطلق الصلات لأهل البيوتات والشرف والضعفاء المجاورين بمكة والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهد علي والحسين وسكن الناس من الفتن وأجرى الجرايات على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين والنحاة والشعراء والنسابين والأطباء والحسّاب والمهندسين. وأذن لوزيره نصر بن هرون ـ وكان نصرانياً ـ في عمارة البيع والديرة وإطلاق الأموال لفقرائهم.
وقال ابن الأثير أيضاً:
كان ـ عضد الدولة ـ يخرج في ابتداء كلّ سنة شيئاً كثيراً من الأموال للصدقة والبر في بلاده ويأمر بتسليم ذلك إلى القضاة ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقيه. وكان يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم ويحاسبهم إذا عملوا، وكان محباً للعلوم وأهلها، مقرباً لهم محسناً إليهم، وكان يجلس معهم ويعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كلّ بلد وصنّفوا له الكتب، ومنها: الايضاح في النحو، والحجة في القراءات، والمكي في الطب، والتاريخ… إلى غير ذلك. وعمل المصالح في سائر البلاد كالبيمارستانات (المستشفيات) والقناطر (الجسور) وغير ذلك من المصالح العامّة… إلى آخر ما قال. توفي في بغداد سنة 372هـ (982م). وسيأتي تفصيل عن عضد الدولة.
3 ـ شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل (د 379هـ/989م) وقيل اسمه شيردل أي صاحب قلب الأسد بالفارسية:
عام (357هـ/968م) سلّمه أبوه عضد الدولة إمارة كرمان وبعد موت والده توجّه من كرمان إلى شيراز، وهاجم فارس، وأسقط اسم أخيه صمصام الدولة من الخطبة وكان قد عيّن في بغداد كخليفة لعضد الدولة. ثمّ أطلق سراح أبو أحمد الموسوي والد الشريف الرضي والشريف أبو الحسين محمد بن عمر العلوي اللذين كانا معتقلين في شيراز بأمر من والده. فلقباه بتاج الدولة. وبعد استقرار شرف الدولة في شيراز هاجم البصرة، واستولى عليها وسلّمها لأخيه أبو الحسين. وقام صمصام الدولة بإرسال قواته من بغداد لمواجهته، لكنّه هزم وتراجع، وبقيت دولته محدودة بالعراق.
عام (375هـ/985م) التحق (أسفار بن كردويه) بشرف الدولة، وسعى لأن يتولى بهاء الدولة حكومة العراق نيابة عنه، لكنّه لم يفلح في ذلك، فتوجّه إلى أبي الحسين بن عضد الدولة في الأهواز وفي نفس العام استعاد شرف الدولة الأهواز من أخيه، ثمّ هاجم البصرة. فعرض صمصام الدولة عليه الصلح، واقترح عليه أن يخطب باسمه في العراق. فلم يقبل شرف الدولة بذلك، واستمرّ بهجومه على العراق. والتحق صمصام الدولة بمعسكر شرف الدولة، فاعتقله، وهاجم شرف الدولة بغداد واستولى عليها. لكن لم يدم به المقام حتّى وقعت فتنة عظيمة بين الديلم المؤيدين لصمصام الدولة والترك المؤيدين لشرف الدولة، ممّا أجبر شرف الدولة أن يرسل صمصام الدولة إلى فارس.
وفي العام التالي أرسل شرف الدولة جيشاً بقيادة (قراتكين جهشياري) لقتال (بدر بن حسنويه) الذي بدأ يميل إلى عمّه فخر الدولة، فلم يفلح. وبعد مدّة أرسل من يعمي صمصام الدولة الذي كان مسجوناً في شيراز، لكنّه مرض ومات بعد مدّة، ونقل جسده إلى جوار حرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ودفن عنده.
4 ـ صمصام الدولة أبو كاليجار المرزبان (ح 353 ـ 388هـ/ 964ـ998م): بعد موت عضد الدولة أعلن أمراء دولته في بغداد وفاءهم لأبو كاليجار، وأطلقوا عليه لقب صمصام الدولة. فأعطى فارس لأخويه أبو الحسين أحمد وأبو طاهر فيروز شاه. لكن شرف الدولة سارعه بالاستيلاء على فارس، وهزم الجيش الذي أرسله صمصام الدولة لمواجهته. وقام أبو الحسين أحمد باحتلال الأهواز، وطمع بالملك (373هـ/ 983م). في نفس العام وبعد وفاة عضد الدولة قام أبو عبدالله حسين بن دوستك ـ المعروف بـ (باد)، من أكراد الحميدية ـ قام باحتلال (ميافارقين) واستولى على نصيبين، وهزم جيش صمصام الدولة، ولم يفلح الجيش الجديد الذي أرسله صمصام الدولة لمواجهته، فتمكن (باد) من الوصول إلى الموصل، وعزم على مهاجمة بغداد. وفي تلك الأثناء وجّه القرامطة جيشهم لاحتلال بغداد أيضاً، لكنّهم انسحبوا بعد أن أخذوا الذهب والفضة. عندها أرسل صمصام الدولة (زيار بن شهراكويه) فهزم (باد) واستولى على الموصل. وفي العام التالي أعلن (اسفار بن كردويه) من قادة الديلم الكبار عصيانه لصمصام الدولة، وسعى لأن يتولّى حكم بغداد بهاء الدولة نيابة عن شرف الدولة، لكنّه لم يفلح في ذلك، فهرب إلى الأهواز.
عام (376هـ/986م) واجهه شرف الدولة، ولم يوافق على اقتراح صمصام الدولة الذي كان قد وافق على أن يخطب باسمه في العراق، واعتقل صمصام الدولة بعد أن دخل معسكره، وأجبر فيما بعد على إرساله إلى فارس. وبقي صمصام الدولة هناك حتّى عام (379هـ/989م) حيث فقئت عيناه بأمر من شرف الدولة. وبعد انتشار خبر موت شرف الدولة، أطلق سراح صمصام الدولة، والتحق به الديلم، وجلس على كرسي الحكم في شيراز.
عام (380هـ/990م) أرسل جيشاً لمواجهة بهاء الدولة الذي قدم من العراق مهاجماً خوزستان، انهزم جيش صمصام الدولة في البداية، ثمّ انتصر على بهاء الدولة، وتقرّر أن يبسط صمصام الدولة حكمه على فارس وأرجان، وأن يكون العراق وخوزستان بيد بهاء الدولة.
وفي العام التالي احتل (عمرو بن خلف الصفاري) كرمان، وهزم جيش صمصام الدولة، لكن عاد وهزم عام (382هـ/ 992م) في مواجهة أخرى، وانسحب ورغم ذلك لم يبق الصفاريون مكتوفي الأيدي، ففي عام (384هـ/994م) توجّه (طاهر بن خلف) بجيش إلى (برد سير) لكنّه هزم عند تعرّضه لهجوم مضاد من قبل (أستاذ هرمز) أحد قادة جيش صمصام الدولة. واستولى أستاذ هرمز على كرمان.
وفي عام (385هـ/995م) قام صمصام الدولة بالقضاء على الأتراك في فارس، واحتل الأهواز، وعيّن أحد قادته (أبو القاسم علاء بن حسن) عليها، ثمّ من بعده عيّن أستاذ هرمز عليها.
عام (288هـ/998م) فرّ ابني عز الدولة بختيار (أبو النصر وأبو القاسم) من السجن، والتحقا مع الديلميين المعارضين بالأكراد. فخاف صمصام الدولة على نفسه، ولجأ إلى قلعة في بوابة شيراز. وفي وسط الطريق انقلب عليه حراسه، ففرّ صمصام الدولة ولجأ إلى دودمان قرب شيراز، لكن رئيس قلعة دودمان (طاهر) اعتقله)، وأرسله إلى أبو نصر بن بختيار، فقتله.
5 ـ بهاء الدولة أبو نصر فيروز (361ـ403هـ/ 972ـ1012م):
عام (357هـ/ 968م) انتفض (أسفار بن كردويه) على صمصام الدولة، محاولاً تسليم الحكم لبهاء الدولة نيابة عن شرف الدولة. فسجنه صمصام الدولة، فشن شرف الدولة هجوماً، فأطلق سراحه وأرسله إلى شرف الدولة.
في عام (379هـ/ 989م) مرض شرف الدولة، فطلب منه أمراء الدولة أن يعين بهاء الدولة نائباً عنه، ليتولى إدارة الشؤون خلال نقاهته. لكن شرف الدولة مات في مرضه ذاك، وتولّى بهاء الدولة زمام السلطة بموافقة وتعيين من قبل الخليفة الطائع لله، وسعى إلى توسيع رقعة حكمه.
وفي عام (380هـ/ 990م) توجّه إلى البصرة بهدف احتلال فارس، فاحتل (أرجان) وجمع مالاً وعدّة كثيرة، لكنّه هزم على يد جيش صمصام الدولة، وانسحب إلى الأهواز.
وفي العام التالي قام بتوقيف الخليفة الطائع طمعاً في الذهب والفضة، فصادر أمواله، وعيّن (القادر بالله) خليفة مكانه.
وفي أواخر العام نفسه استعاد الموصل بعد أن كان قد استولى عليها (أبو طاهر إبراهيم)، وأبو عبدالله حسين الحمداني).
وفي عام (383هـ/ 993م) وجّه قواته لمواجهة صمصام الدولة الذي كان قد احتل الأهواز، وجعل على قواته (طغان ترك) فهزم قوات صمصام الدولة.
وفي عام (386هـ/ 996م) فقد الأهواز، ثمّ البصرة، وأسقط اسمه من الخطب في تلك المدن.
وعندما كان بعيداً عن بغداد منشغلاً بالقتال مع صمصام الدولة، استولى (مقلد بن مسيب العقيلي أمير الموصل) على بغداد. فاضطر بهاء الدولة لإرسال أبو جعفر الحجاج إلى بغداد ليعقد صلحاً مع المقلد، فاشترط المقلد أن يرسل إلى بهاء الدولة عشرة آلاف دينار، وأن يخطب باسمه وباسم أبو جعفر الحجاج في مناطق حكمه، في المقابل يحمل المقلد لقب حسام الدولة، وتكون الموصل وكوته والقصر والجامعين من حصته.
في عام (389هـ/ 999م) قام بهاء الدولة بقتل صمصام الدولة، واستولى على فارس وخوزستان، وطرد ابني بختيار منهما، وأقام في فارس.
في العام التالي أرسل بهاء الدولة جيشاً لقتال (أبو نصر بن بختيار) الذي كان قد احتل كرمان، فاستعادها منه، وأمر بقتله.
في عام (393هـ/ 1003م) أجّج العيارون فتنة عظيمة في بغداد، فأرسل أبو علي ابن أبي جعفر أستاذ هرمز ـ ولقبه بعميد الجيوش ـ ليكون مكان أبو جعفر الحجاج في بغداد. ممّا دفع بأبي جعفر الحجاج أن يلتحق بالأكراد. وأن يهاجم بغداد عام (397هـ/ 1007م) برفقة قوات (بدر بن حسنويه). لكنّه خاف من قوات بهاء الدولة وعميد الجيوش، وعرض الصلح.
في عام (401هـ/ 1010م) قام (قراوش بن مقلد العقيلي) بذكر اسم الحاكم بأمر الله الفاطمي في الخطب ومبايعته في الموصل والأنبار والمدائن والكوفة، فطلب القادر بالله العباسي من بهاء الدولة إرسال قواته بقيادة عميد الجيوش لمواجهة (قرواش). لكن الأمر تمّ سلماً، فأسقط قرواش اسم الحاكم من الخطب.
وفي عام (403هـ/ 1012م) مات بهاء الدولة في أرجان عن عمر 42 عاماً و24 عام من الحكم، ودفن في جوار حرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) جنب أبيه عضد الدولة.
6 ـ سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة (393 ـ 415هـ/ 1003ـ1024م).
كان في (أرجان) عند وفاة والده، فتوجه إلى شيراز، وتسلم مقاليد الحكم.
في عام (405هـ/ 1014م) بعث (هلال بن بدر) على رأس جيش لقتال شمس الدولة الذي كان يحاول توسيع رقعة حكمه. فهزم هلال وقتل.
عام (407هـ/ 1016م) هاجمه أخوه أبو الفوارس قوام الدولة أمير كرمان، لكنّه انهزم والتحق بيمين الدولة محمود الغزنوي في خراسان، وجهز جيشاً آخر وعاد لمهاجمة شيراز، ودخل المدينة، وكان سلطان الدولة في بغداد، فعاد إلى شيراز فوراً، ورغم أنّه أرسل جيشاً واحتل كرمان، لكنّه عقد في النهاية صلحاً مع أبو الفوارس وعاد كلّ واحد إلى مكانه.
بعد عدة سنوات قام سلطان الدولة بتنظيم أوضاع العراق بعد أن مرّت عليه عدّة أعوام من الحروب المتوالية والمواجهات الشديدة بين الأتراك والديلم. ورغم ذلك وقع اختلاف بينه وبين عسكر بغداد، ممّا اضطره للذهاب إلى الأهواز، والرضوخ لضغوط مخالفيه بتعيين أخيه مشرف الدولة نيابة عنه في بغداد. لكن سارع (ابن سهلان) بالتوجّه من (شوشتر) إلى بغداد لطرد مشرف الدولة، وفشل في ذلك، واستحكم وضع مشرف الدولة في بغداد.
وفي الأهواز انتفض الأتراك ضد سلطان الدولة، مطالبين بحكومة مشرف الدولة. وأعاد مشرف الدولة الديلم الذين كانوا يريدون العودة إلى بيوتهم في خوزستان، أعادهم إلى الأهواز. لكن الديلم التحقوا بسلطان الدولة (412هـ/ 1021م)، ثمّ عقد صلح بينهما بوساطة وزيرهما (مؤيد الملك الرخجي) و(أبو محمد بن مكرم) على أن يتولى مشرف الدولة حكم العراق، وتبقى فارس وكرمان تحت حكم سلطان الدولة (413هـ/ 1022م) وبقي سلطان الدولة على كرسي الحكم في شيراز حتّى وفاته عام (415هـ/ 1024م) أو (413هـ/ 1022م).
7 ـ عماد الدين أبو كاليجار مرزبان بن سلطان الدولة (ح 400ـ440هـ/ 1010ـ1048م):
تولّى إمارة الأهواز في عام (412هـ/ 1021م) وبعد وفاة والده، دعاه (الأوحد أبو محمد بن مكرم) إلى شيراز ليتسلم زمام الحكم، لكن عمّه (أبو الفوارس) أمير كرمان عاجله بالإستيلاء على شيراز، فتغلب عليه أبو كاليجار، ودخل المدينة. وبعد مدّة انتفض الجند ضدّه طلباً للذهب والفضة، ففرّ إلى نوبندجان ثمّ إلى شعب بوان. فدعا الديلم أبو الفوارس إلى شيراز، فقدم إلى شيراز، ثمّ هاجم شعب بوان للقضاء على أبو كاليجار. لكن وقع بينهما صلح على أن تكون فارس وكرمان تحت سلطة أبو الفوارس، وأن يحكم أبو كاليجار خوزستان. لكن هذا الصلح لم يدم، حيث قام أبو كاليجار بمهاجمة فارس، وهزم أبو الفوارس في معركة أخرى دارت بينهما وبين البيضاء واصطخر.
عام (416هـ/ 1025م) بعد موت مشرف الدولة، بويع في بغداد باسم أبو كاليجار، لكن في عام (418هـ/ 1027م) أسقط الأتراك اسمه من خطبهم، وأعلنوا جلال الدولة حاكماً عليهم.
في عام (419هـ/1028م) قام أبو كاليجار باحتلال البصرة دفاعاً عن الديلم الذين هاجمهم الأتراك. وفي نفس العام استولى على كرمان بعد موت أبو الفوارس. وفي العام التالي مدّ يده إلى جلال الدولة ليتحّد معه خوفاً من محمود الغزنوي، لكن جلال الدولة أجابه بالهجوم على الأهواز، ونهبها، وهزم قوات أبو كاليجار. ورغم ذلك عاد جلال الدولة إلى بغداد.
في عام (422هـ/ 1031م) استولى السلطان مسعود على كرمان، وفي العام التالي انتفض أتراك بغداد ضد جلال الدولة، وبايعوا في خطبهم أبو كاليجار. لكن أبو كاليجار امتنع عن الذهاب إلى بغداد، فأسقطوا اسمه من خطبهم.
في عام (428هـ/ 1037م) وقع أبو كاليجار صلحاً مع جلال الدولة، وأرسل الخليفة القائم بأمر الله خلعة هدية لأبي كاليجار.
في عام 433هـ/ 1042م) احتلّ أبو كاليجار عُمان.
في عام (435هـ/ 1044م) مات جلال الدولة، فبايع أمراء وقادة بغداد أبو كاليجار، فدخل بغداد عام (436هـ/ 1044م) وكانت تقرع له الطبول في أوقات الصلاة الخمسة.
في عام (437هـ/ 1045م) خضع (أبو منصور بن علاء الدولة كاكويه) لطاعة أبو كاليجار، وخطب في أصفهان باسمه.
في عام (439هـ/ 1047م) عقد أبو كاليجار صلحاً مع السلطان طغرل بيك الذي كان طامعاً في أراضيه. وفي نفس العام استولى أبو كاليجار على (البطبحة) ومنها توجّه إلى كرمان، وبعد مدّة وجيزة مات في مدينة جناب كرمان عام (440هـ/ 1048م).
8 ـ الملك الرحيم أبو نصر خسرو فيروز بن أبي كاليجار (د 450هـ/ 1058م):
عند موت أبي كاليجار كان في بغداد، فبايعوه في خطبهم، فغادر في العام التالي إلى فارس، فواجه خلافاً شديداً بين أتراك بغداد وأتراك شيراز، فتوجّه إلى الأهواز، واستولى أخوه (فولادستون) على فارس، وهمّ باحتلال الأهواز، فواجهه أبو نصر، لكنّه هزم، وفقد الأهواز ايضاً. لكن وقع خلاف بين قوات (فولادستون) في الأهواز، فالتحق قسم منهم بأبو نصر، وترك الباقون المدينة، فعاد أبو نصر إلى الأهواز، وذلك عام (442هـ/ 1050م) وأقام في عسكر مكرم. وكان الأمير (أبو منصور فولادستون) وباقي الأمراء المهزومين ينوون الاستعانة بطغرل السلجوقي، وأراد أبو نصر خداعهم فأرسل أخيه الأمير أبو سعد إلى فارس، فاستولى عام (443هـ/ 1051م) على اصطخر وشيراز دون مقاومة ومن ناحية ثانية كان قادة جيش أبو نصر (مثل البساسيري ونور الدولة دبيس بن مزيد) قد تخلّوا عنه، فتوجّه إلى الأهواز، فنوى (فولادستون) أن يهاجمه، فهزمه بصعوبة، واحتلّ الأهواز، فتراجع أبو نصر إلى (واسط).
عام (445هـ/ 1053م) أخذ جيشاً من طغرل، واحتل شيراز، وخلال العامين التاليين استولى الملك الرحيم على البصرة وأرجان. لكن دقّت ساعة نهايته، فإنّ دولة السلجوقيين الجديدة بدأت تنمو بسرعة، وأجنحتها بدأت تنشر ظلالها على معظم البلدان الإسلامية. ومنذ مدّة بدأ طغرل السلجوقي يستفيد من ضعف آل بويه وخطط للاستيلاء على بغداد، وكان البساسيري قد أوجد الهلع في بغداد، فقام عام (447هـ/ 1055م) بش هجوم على بغداد، وبعث برسوله إلى الخليفة مظهراً له الطاعة، ووعد أتراك بغداد بالمال والإحسان إليهم، فرفض الأتراك ذلك. لكن الخليفة كان يخشى أن يحتل البساسيري قصره، فدعى طغرل إلى بغداد، وخطب باسمه يوم الجمعة (22 رمضان 447هـ/ 15 كانون أول 1055م). ودخل بغداد يوم (25 رمضان/ 18 كانون أوّل). وفي اليوم التالي وقع نزاع بين بعض الناس وأحد جنود طغرل، فظنّ الناس أنّ الملك الرحيم البويهي بدأ حربه على طغرل. فانتفض جميع أهالي بغداد لمقاومة طغرل، ما عدا شيعة الكرخ. فهزهم طغرل شر هزيمة، واعتقل الملك الرحيم، وأرسله إلى قلعة سيروان، وانتهت بذلك دولة آل بويه في بغداد.
وفي نفس العام استولى (فولادستون) على شيراز، وبقي فيها لعام واحد، وفي عام (448هـ/ 1056م) غافله (الفضل بن حسن فضلويه) ليلاً، فسجنه، وانتهت بذلك سلالة آل بويه في فارس أيضاً. ثمّ نقل الملك الرحيم إلى الري، وسجن هناك داخل قلعة حتّى مات عام (450هـ/ 1058م).
البويهيون في العراق
ونترك الكلام هنا للشيخ محمد حسن آل ياسين:
كانت بلاد الديلم مسقط رأس بني بويه ومربع صباهم، ومنها بدأ زحفهم للسيطرة على طبرستان وبلاد فارس، وبسواعد الديالمة قام سلطانهم واستقام أمرهم.
فهل كان هؤلاء البويهيون من أصل ديلمي كما يرجح مؤرخون معاصرون، أم كانوا فرساً قطنوا الديلم فنسبوا إليها كما جاء في عدد من أصول التاريخ؟
وانسياقاً مع ظاهر روايات المؤرخين القدامى نرى أنّ أصل هذه الأسرة يعود إلى فارس لا إلى الديلم، وأنّهم إنّما نسبوا إلى الديلم وrيل لهم الديالمة «لأنّهم سكنوا بلاد الديلم» و«كانوا بين أظهرهم مدّة» و«طال مقامهم ببلادهم». ولكونهم من الفرس سمّي حكمهم بالحكم الفارسي، وحاول بعض متأخري المؤرخين الربط بينه وبين ما سبقه من التغلغل الفارسي في حكومة بغداد منذ قيام الدولة العباسية.
وعلى هذا يكون تعبير بعض الكتّاب من أنّ البويهيين «أهم سلالة ديلمية» تعبيراً قائماً على شيء من عدم الدقة، كما يكون ما ذهب إليه البعض الآخر من انتساب بني بويه إلى الأمة الفارسية ومن أنّ أسرة آل بويه ديلمية منطوياً على شيء من الاضطراب وعدم الانسجام.
وحسبنا من إمارات فارسية هذه الأسرة ما روى المؤرخون لها من سلسلة نسب طويل، متصل بملوك الفرس القدامى قبل الإسلام، حيث ذكروا أنّ «بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهي بن شيرين الأصغر بن شيركوه بن شيرين الأكبر بن ميرشاه بن شير سر بن شاهنشاه بن سش بن فروين بن شيرد ابن غيلاد بن هرام جور الحكيم بن يزدجرد بن بهرام بن لوما شاه بن سابور ذي الأكتاف الساساني».
وروى ابن الأثير عن مسكويه: أنّ البويهيين كانوا يدعون «أنّهم من ولد يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس».
ولكن كاتب مادة «بويه» في دائرة المعارف الإسلامية ينفي صحة هذا النسب بكلّ صورة، ويرى أنّ شجرة نسب الأسرة البويهية «في مجموعها ليست سوى محاولة لتمجيد هذه الأسرة».
وإذا أجاز هذا المستشرق لنفسه أن يرسل الأحكام بلا دليل، فلن يسعنا ـ نحن ـ أن نهمل ما رواه الصابي وابن الجوزي وابن الأثير وابن الطقطقي وابن خلكان وابن كثير والمقريزي، بل ليس لنا ما نقوله بعد الاطلاع على روايات هؤلاء سوى الانسياق معهم في القول بانتساب هذه الأسرة إلى أصل فارسي عريق.
ولمّا كانت هذه الأسرة من بيت الحكم والملك، وكان الفتح الإسلامي الذي اجتاح إيران في العصر الإسلامي الأوّل مطارداً هؤلاء دون هوادة، فقد فرّ أفراد هذه الأسرة إلى الديلم ليحتموا بجبالها وكهوفها من الزحف القادم، وهذا هو الذي دلتنا عليه النصوص التاريخية التي صرّحت بأنّهم ليسوا من الديلم ـ وقد مرّ بعضها آنفاً ـ.
ولعلهم لمّا فرّوا إلى الديلم دخلوها متنكرين فلم يظهروا حقيقتهم، لأنّهم لم يدخلوها بالأبهة المناسبة لمقامهم الدنيوي، ومن هنا جهل الديلم نسبهم، فلم يعرف عنهم سوى كونهم لاجئين يطلبون الحماية والأمان.
ولمجموع هذه الأسباب المارّة الذكر ـ ومنها ما يتلاءم مع طبيعة الموقف والظروف يومذاك ـ نرجح صحة النسب وقربه إلى التصديق، ولا غرابة في اختلاف المؤرخين ـ بعد ذلك ـ في التفصيلات، فقد اختلفوا وتضاربت أقوالهم في كثير من الأنساب، بل في أنساب أبرز من نسب بني بويه وأظهر وأشهر.
ولهذا كلّه لا نستطيع الانسياق مع التصوّر فنعتقد ـ مع كاتب مادة بويه في دائرة المعارف الإسلامية ـ أنّ النسب موضوع ملفق لا يمت إلى الواقع بصلة. وحسبنا في ذلك أنّ الكاتب لم يشر إلى الدليل الذي اعتمد عليه في نفيه أو المصدر الذي استند إليه في الحكم بتلفيق النسب وتزويره.
ولهذا كلّه ـ أيضاً ـ لا نستطيع الانسياق مع الدكتور عبدالعزيز الدوري، حينما يتخذ من فتوى دائرة المعارف دليلاً لا يحوم حوله الشك، فيقول في هذا الصدد: «وبعد نجاحهم وضع لهم نسب يتصل بالملك الساساني بهرام جور أو بوزيره مهر نرسي»([492])، ثمّ يشير في ذيل الصفحة إلى مصدر رأيه وهو دائرة المعارف المذكورة آنفاً ومصدر آخر، هو كتاب ابن حسول في تفضيل الأتراك على سائر الأجناد، في حين أنّ كتاب ابن حسول ـ كما يدل عليه اسمه ـ لم يؤلف بموضوعية وحياد وإنّما لغرض تفضيل أمّة على أمّة، ولذلك لا يصحّ الاعتماد عليه مطلقاً.
وكان الدكتور محمود غناوي الزهيري ثالث النافين للنسب، وفي ذلك يقول: «ولكنّهم على ما يظهر لم يكتفوا بما تهيأ لهم من مجد حديث، بل حاولوا أن يصلوه بمجد قديم، فأوحوا إلى بعض الكتّاب بأن يخترعوا لهم نسباً مشرفاً يصلهم بملوك الفرس مآثر قديمة وأن يختلقوا لهم القدماء، ليجمعوا المجد من أطرافه ـ إلى أن يقول ـ غير أنّ الثقات من المؤرخين القدامى يؤكدون لنا أنّ آل بويه أوّل أمرهم لم يكونوا ذوي مآثر، كما لم يكونوا ذوي نسب في الملك عريق، وإنّما كانوا من دهماء الناس، فقد كان أبو شجاع بويه وأبوه وجدّه كآحاد الرعية الفقراء ببلاد الديلم»([493]).
وإنّنا إذ نؤكد كون أبي شجاع وأبيه وجدّه من آحاد الرعية الفقراء ببلاد الديلم ولا نرى في ذلك تعارضاً مع صحة النسب، يؤسفنا ـ كلّ الأسف ـ أن يغفل الكاتب ذكر أسماء أولئك الثقات من المؤرخين القدامى الذين ذهبوا ـ بل أكدوا ـ نفي النسب، ليكون في ذلك قطع النزاع.
والظاهر أنّ ما نسبه الزهيري إلى «الثقات من المؤرخين القدامى» من رأي وتأكيد لم يكن سوى استنتاج شخصي من كلام ثقة واحد من أولئك الثقات هو مسكويه حيث يقول: «وكان [يقصد عماد الدولة] يفسح لجنده وعسكره على طريق مداراتهم ما لا يمكن أحداً تلافيه وردّهم عنه، وكان مضطراً إلى فعل ذلك لأنّه لم يكن من أهل بيت الملك ولا كانت له بين الديلم حشمة من يمتثل جميع أمره»([494]).
وخلاصة ما نفهمه من هذا النص أنّ جيش عماد الدولة ـ وأكثره من الديلم ـ لم يكن يحتشم قائده ويحترمه كما يجب، لأنّ هذا القائد لم يكن من أهل بيت الملك في الديلم ليهابوه. وليس في ذلك أي دليل على نفي انتسابهم إلى أسرة الملك الفارسي قبل رحيلهم إلى الديلم وبل أن يحكموا الديلم بما يقرب من قرنين ونصف قرن من الزمن كما بيّنا فيما سبق.
ومهما يكن من أمر، فلسنا نستطيع أن نقول في هذا الموضوع ما قاله الدكتور غناوي من «أنّ مسألة انتساب البويهيين إلى ملوك الفرس هي من نسج الخيال ومن وحي الغرور الذي يصيب الأسر حين ترتفع من الضعة والخمول إلى ذروة المجد والعظمة» وما قاله بعد ذلك: «فإذا قدّر لأسرة وضيعة في مثل هذه المجتمعات أن تنهض وترتقي فتصل إلى المجد والسلطان حاولت أن تنتحل لنفسها سبباً عريقاً لتبرر سيادتها على الناس نظرياً كما بررته عملياً بالقوة أو الدهاء أو المكر أو غيرها، وذلك ما حصل بالضبط بالقياس إلى الأسرة البويهية والاسرة الفاطمية… إلخ»([495]).
إنّني لا أستطيع أن أقول مثل ذلك لعدم العثور على ما يدل عليه، بل لعل الدليل ـ وهو غير واحد ـ قائم على عكسه. أمّا الجمل الأخيرة من كلام الدكتور! فليست من البحث العلمي في شيء، وإنّما هي إلى الشتم والسب أقرب.
وإذا صحّ لي أن أقول بجزم: إنّ لنسب البويهيين ظلاً من واقع، فإنّه الظل الذي لا أستطيع تحديده بدقة، ولعل فيما تكشفه السنون والدراسات المقبلة ما يوضح الرؤية ويجلو الغموض.
وأمّا أبو الملوك أبو شجاع «بويه» فقد كان صياداً للسمك([496])، من ذوي الحال المتوسط([497])، وكان أولاده ـ في طفولتهم ـ يعينونه على العمل والكسب، حتّى نقل عن معز الدولة قوله: «كنت أحتطب الحطب على رأسي»([498])، وانفرد المستشرق نكلسن بالتصريح بأنّه كان «أحد الجنود المحظوظين الذين كثيراً ما نجابههم في تاريخ هذه الفترة، وقد ركب أبناؤه الثلاثة علي واحمد وحسن متن نفس السيرة المغامرة»([499]).
ومن طريف ما يروى عن مبدأ دولتهم ما حدث به شهريار بن رستم الديلمي فقال: «كان أبو شجاع بويه في مبدأ أمره صديقاً له، فدخلت عليه يوماً وقد ماتت زوجته أم أولاده الثلاثة الذين تملكوا البلاد وهم عماد الدولة أبو الحسن علي وركن الدولة أبو علي الحسن ومعز الدولة أبو الحسين أحمد، وقد اشتدّ حزن أبي شجاع بويه على زوجته، فعزيته وسكنت قلقه ونقلته إلى منزلي وأحضرت له طعاماً وجمعت إليه أولاده الثلاثة، فبينا هم عندي إذ مرّ بالباب شخص يقول: المنجم المعزم مفسر المنامات كاتب الرقى والطلسمات، فاستدعاه أبو شجاع بويه وقال له: قد رأيت البارحة رؤيا ففسرها لي: ثمّ قص عليه الرؤيا، فقال المنجم: هذا منام عظيم ولا أفسره إلاّ بخلعة وفرس، فقال له بويه: والله ما أملك إلاّ الثياب التي على جسدي وإن أعطيتك إيّاها بقيت عرياناً، قال المنجّم: فعشرة دنانير، فال له بويه: والله ما أملك دينارين فكيف عشرة؟ ثمّ إنّه أعطاه يسيراً، فقال المنجم: اعلم أنّه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ويعلو ذكرهم في الآفاق ويولد لهم جماعة ملوك، فقال له بويه: أما تستحي تسخر بنا؟ أنا رجل فقير مضطر وأولادي هؤلاء فقراء مساكين فمن أين هم والملك، فقال له المنجم: فأخبرني عن وقت ولادة واحد واحد من أولادك، فأخبره بويه بذلك فجعل ينظر إلى اصطرلابه وتقاويمه ثمّ نهض المنجم وقبّل يد عماد الدولة أبي الحسن علي وقال: هذا والله الذي يملك البلاد، ثمّ يملك هذا من بعده وقبض على يد أخيه أبي علي الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع بويه وقال لأولاده: اصفعوه فقد أفرط في السخرية بنا فصفعوه ونحن نضحك منه: فقال المنجم: لا بأس بهذا إذا ذكرتم لي هذا الحال عند ولايتكم، فأعطاه أبو شجاع عشر دراهم وانصرف»([500]).
وسواء كانت هذه الرؤيا وتفسيرها أمراً واقعاً أو خيالاً مجنحاً فقد دخل هؤلاء الإخوة الثلاثة سلك الجندية مع العلويين، ثمّ انحازوا بعد ذلك إلى ماكان بن كالي الديلمي فكانوا من جملة قواده، ولمّا فشل «ماكان» في حركته وأخذ يتراجع أمام عدوه مرداويج حتّى انتهى إلى نيسابور منهزماً صارحه عماد الدولة وأخوه ركن الدولة بنية افتراقهما عنه لعدم قدرته على القيام بواجبهما، فأذن لهما وسارا إلى مرداويج.
ولمّا انتهوا إلى مرداويج ـ هم وبعض القادة الآخرين من أصحاب ماكان ـ وليَ كلّ قائد منهم ناحية من نواحي الجبل، واختار علي بن بويه ـ عماد الدولة ـ لولاية الكرج، وكتب له العهد الرسمي بذلك، فسار هو وأصحابه كلّ لعمله، فمرّوا بالري «وبها وشميكر وأبو عبدالله الحسين بن محمد الملقب بالعميد… وكان نظاراً في الأمور بالري، فعرضت عليه بغلة حسنة كانت لعلي بن بويه أراد بيعها والاستعانة بثمنها وكان ثمنها ثلاثة آلاف درهم قيمتها مائتي دينار فاشتراها وحمل المال إليه، فظهر لعلي بن بويه أنّها تشترى لأبي عبدالله العميد فقادها إليه وحلف ألا يأخذ ثمنها، ثمّ تابع ذلك بملاطفات كثيرة إلى أن غمره بالبر، ثمّ أوجب الرأي عند مرداويج أن يتعقب ما أمر به من تولية أولئك القواد، وكتب إلى أخيه وشمكير وإلى أبي عبيدالله العميد بمنعهم من الخروج من الري وإن كان بعضهم خرج منع من بقي، وكانت الكتب تصدر أوّلاً إلى العميد فيقف عليها ثمّ تعرض على وشمكير جملتها، فحين وقف على الكتاب تقدّم إلى علي ابن بويه سراً أن يبادر إلى عمله، فسار من وقته وساعته وطوى المنازل، وأصبح العميد من الغد فأظهر الكتب، فلمّا عرضها على وشمكير كان قد صار علي بن بويه على مسافة بعيدة، فمنع من لم يكن خرج من أولئك القواد وفاز علي بن بويه بالولاية التي كان سبب ملكه»([501]) «وأراد وشمكير أن ينفذ خلف عماد الدولة من يرده فقال العميد: إنّه لا يرجع طوعاً وربما قاتل من يقصده ويخرج عن طاعتنا فتركه»([502]).
وانتهى المطاف به إلى الكرج فساس أهلها سياسة رشيدة حكيمة، وأحسن إليهم كلّ الإحسان، ولطف بعمال البلاد، فكانوا يكتبون إلى مرداويج شكرهم على حسن اختياره ويصفون سياسته وضبطه وحسن سيرته، وصادف في أثناء ذلك أنّه افتتح قلاعاً تعود للخرمية وظفر منها بذخائر كثيرة صرفها جميعاً في استمالة الرجال وصلاتهم وهباتهم، فشاع ذكره وقويَ أمره وعظم شأنه «وكان مرداويج ذلك الوقت بطبرستان، فلمّا عاد إلى الري أطلق مالاً لجماعة من قواده على الكرج، فاستمالهم عماد الدولة ووصلهم وأحسن إليهم حتّى مالوا إليه وأحبّوا طاعته، وبلغ ذلك مرداويج فاستوحش وندم على إنفاذ أولئك القواد إلى الكرخ، فكتب إلى عماد الدولة أولئك يستدعيهم إليه ويتلطف بهم، فدافعه عماد الدولة واشتغل بأخذ العهود عليهم وخوفهم من سطوة مرداويج فأجابوه جميعهم، فجبى مال كرج واستأمن إليه شيرزاد وهو من أعيان قواد الديلم فقويَت نفسه بذلك»([503]).
وعندما تمّ لعلي بن بويه في عام (321هـ) الاستيلاء على الكرخ، حدّثته نفسه بالهجوم على أصبهان فهجم عليها، وصادفته ظروف خاصّة أعانته على نجاح الهجوم، فاحتل أصبهان «وعظم في عيون الناس لأنّه كان في تسعمائة رجل هزم بهم ما يقارب عشرة آلاف رجل، وبلغ ذلك الخليفة فاستعظمه، وبلغ خبر هذه الوقعة مرداويج فأقلقه وخاف على ما بيده من البلاد واغتمّ بذلك غماً شديداً»([504]).
وقدمت جيوش مرداويج لقتال عماد الدولة، وقدم لها مرداويج مكيدة كان فيها النصر والفوز له، ولكنّها لم تنجح، إذ سرعان ما انسحب عماد الدولة من أصبهان وتوجّه إلى أرجان فاحتلها واستخرج منها أموالاً ضخمة شدّ بها أزر ملكه وجيشه.
وفي أثناء هذه السنة حبّب له أبو طالب النوبندجاني المسير إلى شيراز لضعف عاملها و سوء سيرته وشدّة وطأته على الناس في الجباية ونهب الأموال، فسار نحوها فاحتل النوبندجان بطريقه وأقام فيها مدّة، وبعث عماد الدولة أخاه ركن الدولة إلى كازرون وغيرها من بلدان فارس فدخلها وجبى منها أموالاً جليلة، فأنفذ عامل تلك المنطقة جيشاً لحرب ركن الدولة فواقعهم وهزمهم وهو في عدّة قليلة، وعاد غانماً إلى قواعد أخيه.
ثمّ توجّه علي بن بويه نحو شيراز فالتحم العسكران ـ عسكره وعسكر خصمه ياقوت ـ بحرب طاحنة، ووعد عماد الدولة أصحابه بالنزول معهم في ميدان الحرب ومناهم الأماني المعسولة، وصادف في أثناء ذلك أنّ جماعة من أصحابه استأمنوا إلى ياقوت فأمر ياقوت بضرب أعناقهم فأيقن أصحاب عماد الدولة أنّهم لا يأمنون على حياتهم عند يايقوت فقاتلوا قتال المستميت.
وقدم ياقوت أمام جيشه جمعاً غفيراً يقاتل بقوارير النفط والنار فانقلبت الريح في وجوههم واشتدّت، فلمّا ألقوا النار على خصمهم أعادتها الريح إليهم فعلقت بوجوههم وثيابهم وانهزموا شر هزيمة، فتبعهم أصحاب عماد الدولة وقتلوا منهم مقتلة عظيمة.
وصعد ياقوت على نشز مرتفع من الأرض ونادى في أصحابه الفارين أن يرجعوا، فاجتمعوا عليه ـ وهم ما يقارب أربعة آلاف فارس ـ فطلب منهم الكرة على أصحاب ابن بويه لانشغالهم بالنهب والسلب فثبت هؤلاء مع ياقوت.
والتفت ابن بويه إلى هذا الالتفات الخطير عليه فنهى أصحابه عن النهب وقال لهم: «إنّ عدوكم يرصدكم لتشتغلوا بالنهب فيعطف عليكم ويكون هلاككم، فاتركوا هذا وافرغوا من المنهزمين ثمّ عودوا إليه»([505])، فامتثلوا أمره وقصدوا فلول عدوهم، فلمّا رأى ياقوت ذلك خاب ظنّه وانفتل منهزماً لا يلوي على شيء، وتبعه وجيشه أصحاب عماد الدولة قتلاً وأسراً ونهباً وسلباً.
وعثر أصحاب ابن بويه في جملة الغنائم على برانس لبود عليها أذناب الثعالب وعلى قيود وأغلال، فسألوا عنها من لديهم من الاسرى من جيش ياقوت فأخبروهم أنّها أعدّت لهم لكي تجعل عليهم بعد أسرهم ويطاف بهم في البلاد على هذا الشكلن فلمّا سمع بذلك أصحاب ابن بويه طلبوا منه أن يجعل هذه الأغلال والبرانس على الأسرى ـ مقابلة بالمثل ـ، فامتنع عماد الدولة وأبى وقال: «إنّه بغي ولؤم ظفر ولقد لقي ياقوت بغيه»، ثمّ أحسن إلى أسراه وأطلقهم وقال: «هذه نعمة والشكر عليها واجب يقتضي المزيد»([506]).
وكانت هذه الحروب أوّل مناسبة نتعرّف فيها بمعز الدولة أحمد بن بويه، حيث نجده قد أبلى فيها بلاء حسناً، وهو شاب في مقتبل الصبا وعنفوان الشباب.
يقول ابن الأثير:
«وكان معز الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه في ذلك اليوم من أحسن الناس أثراً، وكان صبياً لم تنبت لحيته، وكان عمره تسع عشرة سنة»([507]).
وهكذا تمّ لعلي بن بويه الاستيلاء على شيراز، وإضافتها إلى رقعة ملكه، وصادفت في خلال ذلك عدّة صدف حسنة ساعدته على تحصيل أموال ضخمة وخزائن جليلة ملأت خزائنه وثبتت ملكه، وكان كلّ ذلك في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة([508]).
وما أن تمّت له السيطرة الكاملة على شيراز وفارس حتّى أرسل رسالة إلى الخليفة الراضي بالله ووزيره أبي علي بن مقلة، يظهر لهما فيها الطاعة، ويطلب منهما أن يقطعاه تلك البلاد التي تحت يده مقابل مليون درهم فأجيب إلى ذلك «وأنفذوا له الخلع وشرطوا على الرسول أن لا يسلم إليه الخلع إلاّ بعد قبض المال، فلمّا وصل الرسول خرج عماد الدولة إلى لقائه وطلب منه الخلع واللواء فذكر له الشرط فأخذهما منه قهراً، ولبس الخلع، ونشر اللواء بين يديه، ودخل البلد، وغالط الرسول بالمال، فمات الرسول عنده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وعظم شأنه، وقصده الرجال من الأطراف»([509]).
وبلغت سَمْع مرداويج أخبار علي بن بويه وعلاقته ببغداد فقرّر أن يعاجل الأهواز فيحتلها ليقطع الطريق على عسكر الخليفة إذا ما رام انجاد ابن بويه، ثمّ يزحف بعد ذلك بكلّ جموعه على عماد الدولة، بأمل تحطيمه، أو تقليص ظلّه على أقل تقدير.
وبدأ مرداويج بتنفيذ الخطة فسار إلى الأهواز واحتلها ـ بعد حرب ضروس ـ، ولمّا بلغ عماد الدولة ذلك كتب كتاباً إلى كاتب مرداويج يستميله فيه ويتملقه ويقترح فيه عليه أن يكون وسيطاً بينه وبين مرداويج، فوافق الكاتب على الوساطة، وقبل مرداويج بالأمر بشرط أن يطيعه عماد الدولة ويخطب له. وبهذا استقرّ الوضع وحسنت العلاقات بين مرداويج وعماد الدولة، وأنفذ الأخير أخاه ركن الدولة ليكون رهينة عند مرداويج.
وتسير الأمور بضعة أشهر سيراً هادئاً لم تعكر صفوه المنازعات والحروب، ثمّ تدور الدائرة على مرداويج ـ في تفصيل لا يتّسع له المجال ـ، وتنتهي الأزمة بقتل مرداويج وفرار ركن الدولة الذي كان رهينة عنده وارتفاع أمر عماد الدولة بعد موت خصمه القوي العنيد.
وتحاول جيوش الخليفة العودة إلى الأهواز بقيادة ياقوت وكاتبه أبي عبدالله البريدي، فتلتقي بجيوش ابن بويه في نواحي أرجان، وتبدأ الحرب ويشتد الضرب فينهزم ياقوت ومن معه، ويقترح أبو عبدالله البريدي على ابن بويه الصلح فيجيبه إلى ذلك، فيكتب البريدي إلى خليفته طالباً إقرار ابن بويه، فيقرّه الخليفة على بلاد فارس.
وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة جهز عماد الدولة أخاه ركن الدولة وسيره إلى بلاد الجبل في جيش جرار، فسار إلى أصبهان واستولى عليها، وأزال عنها نواب وشمكير ـ خليفة مرداويج وأخيه ـ كما أزالهم عن عدّة مناطق أخرى.
وفي عام 324هـ كانت فارس كلّها في يد عماد الدولة، وكانت الري وأصبهان والجبل في يد أخيه الحسن ركن الدولة، وبقي أخوهما الثالث معز الدولة أحمد دونما ملك أو رئاسة، فرأى أخواه أن يسيراه إلى كرمان لاحتلالها والاستقلال بسلطانها.
وسار معز الدولة بجيش كثيف وجنّد مجندة، ووقعت له في أثناء سيره عدّة أخطاء عسكرية، نتيجة أخذه بمشورة بعض أصحابه ـ ومعز الدولة في ذلك الحين من أبناء الحادية والعشرين ـ، وكان من نتائج تلك الأخطاء أن قتل أكثر أصحابه، وأسر بعضهم، وأصابت معز الدولة نفسه عدّة طعنات وضربات، أدّت إلى قطع يده اليسرى من نصف الذراع، وبتر بعض أصابع اليد اليمنى([510]).
وسمع عماد الدولة بالأمر فأسرع إلى نجدة أخيه، وأقرّه بالمحل الذي هو فيه، فسمع محمد بن الياس ـ قائد جيش خراسان ـ بفشل معز الدولة فطمع فيه، وسار إليه، فوقعت الحرب بينهما و كان الفوز والظفر من نصيب ابن بويه هذه المرّة.
وعاد معز الدولة بعد ذلك إلى عدوّه الأوّل الذي سبّب له قطع يده، فأغار على بلاده، وقتل ونهب ما شاءت له دوافع الأخذ بالثأر، وبدأ عدوه بالتراجع أمام ضربات معز الدولة، ثمّ كتب إلى أخيه يعلمه واقع الأمر، فأرسل إليه أخوه أحد قواده يبلغه أمر عماد الدولة بضرورة العودة إلى فارس، فلم يجد معز الدولة بداً من الامتثال.
وفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة سار معز الدولة لاحتلال الأهواز فاحتلها بأسرع وقت، وكان لهجومه هذا ونجاحه فيه أسباب أهمها تشجيع أبي عبدالله البريدي لعماد الدولة وإظهاره سهولة الأمر ويسره.
ويرجع أمر البريدي هذا إلى عام (322هـ) حينما قلد الراضي بالله ياقوتاً اعمال الأهواز فاختار ياقوت أبا عبدالله كاتباً له، وصادف في هذه السنة هجوم مرداويج على الأهواز بجيش جرار اضطر ياقوتاً إلى الانسحاب إلى واسط وبها محمد ابن رائق، فأخلى غربي واسط لياقوت فنزل به، واستقام ياقوت بواسط حتّى بلغه قتل مرداويج فعاد إلى الأهواز مرّة أخرى، وفي خلال هذه المدّة كان أبو عبدالله البريدي يكتب له، ما خلا مدّة قصيرة من أوّل دخول ياقوت إلى واسط.
وفي سنة (323هـ) قويَ أمر البريدي وعظم شأنه، وصادف في أثناء ذلك أن حبّب البريدي لياقوت الهجوم على فارس فسار ياقوت إلى فارس وبقي البريدي بمكانه يجبي الأموال ويشتري حب الناس وإعظامهم له.
وتطوّر الأمر بالبريدي وصادف أنّ ياقوتاً كان من البساطة وضعف الرأي على جانب عظيم جدّاً، فطلب البريدي منه أن لا يرجع إلى الأهواز، فامتثل ياقوت أمره فبقي في عسكر مكرم، ثمّ طلب البريدي منه أن يرسل أصحابه إلى الأهواز ليختزل منهم العناصر الفاسدة ويستصفي منهم من يطمئن به، ففعل ياقوت ذلك وأرسل أصحابه إلى البريدي فاستصفى البريدي منهم من كان ذا قوة وأيد وأرجع إلى ياقوت من لا خير فيه.
وباختصار في المقام نقول إنّ الوضع بقي على هذا النحو عدّة أشهر حتّى بلغ الحال بالبريدي أخيراً أن يأمر بقتل ياقوت وأن يرسل لقتله جيشاً عظيماً، والتقى الطرفان عند نهر جارود وفيها دارت الدائرة على ياقوت والشرذمة الذين كانوا معه، وانجلت المعركة عن مقتل ياقوت ولفيف من أصحابه ـ في تفصيل لا يسعه المقام ـ.
وصفا الجو للبريدي بعد مقتل ياقوت فطغى، وبلغت أخباره مسامع الحكومة ببغداد، فأشار الوزير محمد بن رائق على الخليفة الراضي بالله أن يسير إلى واسط فيكون قريباً من الأهواز، ويراسل البريدي ويطلب منه تنفيذ شروط الولاية، فإن قبل فهو المطلوب وإن رفض سهل حرباً لقرب الخليفة وجيوشه منه.
ووافق الخليفة على الفكرة، فسار إلى واسط، وهيّأ جيشه للهجوم على الأهواز إذا ما اضطر لذلك، وراسل البريدي «في معنى تأخير الأموال وما قد ارتكبه من الاستبداد بها وإفساد الجيوش وتزيين العصيان لهم، إلى غير ذلك من معايبه، ثمّ يقول بعد ذلك: وإنّه إن حمل الواجب عليه وسلم الجند أقرّ على عمله وإن أبى قوبل بما استحقه، فلمّا سمع الرسالة جدّد ضمان الأهواز كلّ سنة بثلاثمائة وستين ألف دينار يحمل كلّ شهر قسطه، وأجاب إلى تسليم الجيش إلى من يؤمن بتسليمه إليه من يسير بهم إلى قتال ابن بويه، إذ كانوا كارهين للعود إلى بغداد لضيق الأموال بها واختلاف الكلمة»([511]).
وهكذا تمّ التفاهم بين الطرفين، ورجع الخليفة وأصحابه إلى بغداد. ثمّ تطوّرت الأمور بالبريدي فإذا به من أصحاب النفوذ والمركز الكبير ببغداد، وممّن يتّصل أوثق اتصال بالوزير ابن رائق.
وسرعان ما بدأت صلة البريدي بابن رائق تضعف وتنكمش حتّى انتهت إلى عداء شديد لا مزيد عليه، فأدّت الحال بابن رائق إلى أن يرسل له جيشاً بقيادة بدر الخرشني وبجكم، فسار الجيش إلى الأهواز والتحم بجيش البريدي وطالت الحرب وامتدّت، حتّى انجلى الغبار ـ أخيراً ـ عن فرار أبي عبدالله إلى جزيرة أوال ومنها إلى عماد الدولة بن بويه مستجيراً به من عدوه وكان ذلك عام (325هـ).
واستطاع أبو عبدالله بما أوتي من ذكاء وفطنة أن يقنع عماد الدولة ويطمعه في احتلال العراق، ويهوّن عليه أمر الخليفة ووزيره وجيشه، ويظهر استعداده بأن يجعل ولديه محمداً والفياض رهينة عنده.
وبالنظر لتركز عماد الدولة وتمركزه وقوّة جيشه فقد وافق بعد لأي على الفكرة، وندب أخاه أحمد معز الدولة للقيام بهذه المهمة.
وسمع ابن رائق في أثناء ذلك بحركة معز الدولة واتجاهه نحو الأهواز لاحتلالها ـ وكان ابن رائق بواسط ـ فطلب من بجكم التركي أن يسير بالجيش إلى الأهواز لصدّ الجيش الغازي وعدم تمكينه من احتلال هذه المنطقة، فأبى بجكم تحمّل هذه المسؤولية إلاّ إذا ولي الأهواز، فأجابه ابن رائق إلى طلبه وولاّه تلك النواحي وسيّره إليها.
والتحم العسكران ـ عسكر بجكم وابن بويه ـ بأرجان، وانجلت الحرب عن هزيمة بجكم وتراجعه «وكان سبب الهزيمة أنّ المطر اتصل أياماً كثيرة فعطلت أوتار قسي الأتراك فلم يقدروا على رمي النشاب، فعاد بجكم وأقام بالأهواز، وجعل بعض عسكره يعسكر مكرم، فقاتلوا معز الدولة بها ثلاثة عشر يوماً، ثمّ انهزموا إلى تستر، فاستولى معز الدولة على عسكر مكرم، وسار بجكم إلى تستر من الأهواز وأخذ معه جماعة من أعيان الأهواز، وسار هو وعسكره إلى واسط، وأرسل من الطريق إلى ابن رائق يعلمه الخبر ويقول له: إنّ العسكر محتاج إلى المال فإن كان معك مائتا ألف دينار فتقيم بواسط حتّى نصل إليك وننفق فيهم المال، وإن كان المال قليلاً فالرأي أنّك تعود إلى بغداد لئلا يجري من العسكر شغب، فلمّا بلغ الخبر إلى ابن رائق عاد من واسط إلى بغداد، ووصل بجكم إلى واسط فأقام بها»([512]).
وبانسحاب بجكم تمّ لمعز الدولة احتلال الأهواز فمكث في عسكر مكرم مدّة، ثمّ سار إلى الأهواز وبصحبته البريدي فأقام بها شهراً وخمسة أيام، وصادف في أثناء هذه المدّة أن هرب البريدي منه فكاتبه معز الدولة يعاتبه ويشير إلى غدره في هربه هذا.
وكان سبب هروب البريدي ـ حسبما يفهم من كلام بعض المؤرخين ـ أنّ معز الدولة قد طلب منه أن يستدعي جيشه المقيم بالبصرة ليسيروا لمعونة أخيه ركن الدولة في حروبه مع وشمكير، فامتثل البريدي هذا الأمر وأحضر من جيشه أربعة آلاف أُرسلوا لدعم موقف ركن الدولة، ثمّ طلب معز الدولة منه أن يسحب جيشه المقيم بحصن مهدي ليرسلهم إلى واسط لقتال بجكم، فخاف البريدي عاقبة هذا الصنيع وخشي أن يكون كلّ ذلك حيلة يقصد بها إضعافه وأفراده ليسهل حينذاك التخلص منه، فهرب، وأمر جيشه الصاعد إلى أصبهان بالرجوع إلى البصرة فأطاع ورجع…
وكتب أبو عبدالله لمعز الدولة كتاباً يطلب فيه من المعز أن ينسحب من الأهواز ويتركها له، مشيراً في ذلك إلى التفاهم السابق بينه وبين عماد الدولة من ضمان الأهواز والبصرة من قبله وتعهده بأن يرسل إلى عماد الدولة كلّ عام مبلغ ثمانية عشر ألف ألف درهم مقابل ذلك.
ولمّا وصل الكتاب إلى معز الدولة واطلع عليه أسرع في الانسحاب من الأهواز إلى عسكر مكرم خوفاً من أخيه عماد الدولة أن يقول له: «كسرت المال»([513])، فأرسل البريدي نائباً عنه الى الأهواز لاستلامها، ثمّ عاد البريدي فطلب من معز الدولة أن ينسحب أيضاً من عسكر مكرم إلى السوس، ليبتعد عن الأهواز، مبرّراً طلبه هذا بخوفه منه وخشيته على نفسه.
وانتهى الكتاب إلى معز الدولة فجمع أصحابه واستشارهم في الموضوع فمنعوه من تنفيذ هذا الطلب وأفهموه أنّ هذه الأساليب من البريدي ليست إلاّ محاولة للاستيلاء الكامل على حكم الأهواز وإغراء جيوش معز الدولة بالتفرق عنه ثمّ إنزال الضربة القاضية بعد ذلك بمعز الدولة نفسه وسوقه أسيراً إلى بجكم ليتقرّب بذلك إليه.
واقتنع معز الدولة برأي أصحابه فامتنع من الانسحاب، واستغل بجكم هذا الوضع المقلق المضطرب فأرسل جماعة من جنده فاستولوا على السوس وجنديسابور، ولم يبق بيد معز الدولة من منطقة الأهواز سوى عسكر مكرم الذي أقام به، وبقيت سائر بلاد الأهواز الأخرى بيد البريدي.
وما إن أصبح معز الدولة بهذا الشكل من المضايقة والشدّة حتّى فرّ منه بعض جيشه، وأراد الآخرون الرجوع إلى مواطنهم في فارس فمنعهم أكابر القواد من ذلك وضمنوا لهم أرزاقهم فهدؤوا وسكنوا.
واستنجد معز الدولة بأخيه العماد وكتب له كتاباً يشرح فيه تفصيل الموقف ودقنه وحراجته، فأنجده أخوه بجيش كبير قوي بهم أمره، فهجم على الأهواز، فأخلاها له البريدي وفرّ إلى البصرة فأقام معز الدولة بها، وكان ذلك عام 326هـ.
وبقي معز الدولة في الأهواز ثابتاً مستقراً، وتطوّرت الأحوال بخصمه البريدي صعوداً ونزولاً ـ على تفصيل لا مناسبة لذكره ـ حتّى دخل العام الثامن والعشرون بعد الثلاثمائة، فحدثت البريدي نفسه بالهجوم على الأهواز مرّة أخرى، فأنفذ جيشاً إلى السوس لاحتلالها، وقتل احد قواد الديلم في هذه الواقعة، ولكن عامل تلك البلدة ـ أبا جعفر الصيمري ـ تحصّن بالقلعة الموجودة هناك فلم يستطع جيش البريدي اقتحامها.
وراحت الرسل إلى معز الدولة تشرح له الأمر فخشي أن يسير له البريدي من البصرة بجيش آخر ويتقدّم هذا الجيش الأوّل نحوه فيقع بين الجيشين فلا يستطيع النجاة من هذا المأزق، فلم يجد بداً من مراسلة أخيه ركن الدولة والاستعانة به، فراسله وشرح له حقيقة الوضع القائم وطلب منه المعونة والنصرة، فسار أخوه نحوه مجدّاً مسرعاً حتّى انتهى إلى السوس فطرد الجيش الغازي، ثمّ سار نحو واسط لاحتلالها «فنزل بالجانب الشرقي منها وكان البريديون بالجانب الغربي، فاضطرب رجال ابن بويه فاستأمن منهم مائة رجل إلى البريدي، ثمّ سار الراضي وبجكم من بغداد نحو واسط لحربه، فخاف أن يكثر الجمع عليه ويستأمن رجاله فيهلك، لأّنه كان له سنة لم ينفق فيهم مالاً، فعاد من واسط إلى الأهواز ثمّ إلى رامهرمز»([514]).
وفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة زحف معز الدولة نحو البصرة لقتال البريدي وإجلائه عنها، فوصلها في المحرم ـ أوّل السنة ـ، وحارب البريديون حرباً طويلة الأمد، وكانت الظروف كلّها في صالح خصمه، ممّا دعا جماعة من القواد إلى الاستسلام للبريدي فاستوحش معز الدولة من ذلك وخشي من أصحابه الباقين أن يفعلوا فعل سابقيهم، فتراجع إلى مقرّه الأوّل ـ الأهواز ـ([515]).
وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة أنشىء شيء من التفاهم بين معز الدولة والبريديين، ولكنّه لم يكن تفاهماً مبنياً على أساس من التواد والعلاقة، بل كان ـ كما اعتقد ـ مكيدة من أبي عبدالله البريدي أراد بواسطتها أن يلقح الحرب بين معز الدولة وأمير الأمراء ببغداد ويظل هو بمكانه متفرجاً ينتظر النتيجة ويرى الضعيف فينقض عليه، وانطلت هذه المكيدة على معز الدولة فاعتقد بسلامة دوافع هذا التفاهم المزعوم.
وبلغ معز الدولة ـ أثناء ذلك ـ سفر توزون أمير الأمراء إلى الموصل لحرب بني حمدان، فأراد أن يستغل الفرصة فتحرّك بجيشه نحو واسط، وكان البريديون قد وعدوه النصرة والمدد العسكري في حركته فأخلفوه.
وسرعان ما رجع توزون من الموصل إلى بغداد، ومنها إلى لقاء معز الدولة فالتقيا بجيشهما ودامت الحرب بينهما بضعة عشر يوماً كان ابن بويه فيها هو المتقدم وتوزون وأصحابه في تقهقر مستمر، حتّى انتهوا الى نهر ديالى فعبره أصحاب توزون ووقفوا على جانبه الآخر ليمنعوا أصحاب ابن بويه من العبور، فرأى ابن بويه أن يصعد على ديالى ليبعد عن دجلة وقتال من بها ويتمكن من الماء فعلم توزون بذلك فسيّر بعض أصحابه وعبروا ديالى وكمنوا، فلمّا سار معز الدولة مصعداً وسار سواده في أثره خرج الكمين عليه فحالوا بينهما ووقعوا في العسكر وهو على غير تعبية، وسمع توزون الصياح فتعجل وعبر أكثر أصحابه سباحة فوقعوا في عسكر ابن بويه يقتلون ويأسرون حتّى ملّوا، وانهزم ابن بويه ووزيره الصيمري إلى السوس… ولحق به من سلم من عسكره… واستأمن كثير من الديلم إلى توزون»([516]).
ولم يهدأ معز الدولة بعد هزيمته هذه، إذ سرعان ما أعدّ العدّة وكرّ على واسط فاستولى عليها، وفرّ سائر أصحاب البريدي الذين كانوا فيها إلى البصرة للالتحاق بأصحابهم، ولكنّه بالرغم من هذا النجاح تراجع عن واسط إلى مقرّه الأوّل نظراً لضغط الجيوش البغدادية عليه.
وفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة عاد الأهبة وأعاد الكرة على واسط فاحتلها وأقام بها، فلمّا سمع توزون بالأمر سار هو والخليفة المستكفي بالله من بغداد إليها فبلغ ذلك معز الدولة ففارقها راجعاً([517]).
وما إن دخل العام الرابع والثلاثون بعد الثلاثمائة حتّى قضى فيه من المحرم توزون أمير الأمراء، فأجمع الجيش على انتخاب كاتبه أبي جعفر بن شيرزاد لهذا المنصب، فعيّن فيه، وأصبح أمير للأمراء ببغداد، فوضع في رواتب أفراد الجيش وزادهم زيادة كبيرة وعيّن من قبله والياً على واسط يدعى: «ينال كوشه» وآخر على تكريت يدعى الفتح اليشكري.
وسار (ينال كوشه) إلى واسط فأسرع في استدعاء معز الدولة وإطماعه في الاستيلاء على الحكم ببغداد فسار إليه معز الدولة بجيوشه الجرارة([518]).
وبلغ الخبر بغداد، فاضطرب الناس وماجوا، واختفى الخليفة المستكفي بالله وابن شيرزاد، وخاف الأتراك على أنفسهم ففرّوا إلى الموصل للأمن على حياتهم، ولمّا غادروا بغداد أظهر المستكفي نفسه وعاد إلى دار الخلافة.
وأرسل معز الدولة ـ لمّا قرب من بغداد ـ وزيره أبا محمد الحسن المهلبي فاجتمع بابن شيرزاد في محل اختفائه، ثمّ اجتمع بالمستكفي بعد ذلك، فأظهر ترحيبه وسروره بمقدم معز الدولة، واعتذر عن اختفائه بأنّه كان يهدف من ورائه إلى إخافة الأتراك وإشاعة الرعب في نفوسهم ليفرّوا من بغداد ويدخلها معز الدولة سلماً وبلا إراقة دم.
والشيء الذي أستطيع استخلاصه من نصوص التاريخ أن «ينال كوشه» لم يقم باستدعاء معز الدولة لاحتلال العراق بدافع ذاتي منه، بل اعتقد أن أميره ابن شيرزاد هو الذي دبّر أمر اختفاء الخليفة ثمّ اختفى هو أيضاً ليخاف الأتراك على أنفسهم ويفرّوا خارج بغداد فيدخل جيش صاحبه بشكل سلمي وبلا حرب، ولعله دسّ إلى الأتراك من أشاع الرعب في قلوبهم وهول الأمر عليهم وزيّن لهم الفرار إلى الموصل.
وممّا يدلنا على ذلك أنّ معز الدولة لمّا دخل بغداد طلب من الخليفة أن يأذن لابن شيرزاد بالظهور من مخبئه فأذن له بذلك، ظهر وولاه معز الدولة أمر الخراج وجباية الأموال، وهذا ممّا يشعرنا بالتفاهم السابق بينهما، ولولا ذلك لم يكن من المنطق أو السداد أن يولي معز الدولة أمراً مجهول الحال لم يكن في الظاهر من أعدائه السابقين مثل هذا المنصب الحساس في تلك الظروف الدقيقة.
ويزيدنا اعتقاداً بالأمر قول مسكويه: «فلمّا فرغ من اليمين سأل الأمير أبو الحسين المستكفي بالله في أمر ابن شيرزاد واستأذنه في أن يستكتبه، فأمنه وأذن له في ذلك»([519]) حيث يظهر من ذلك أنّ الخليفة كان غاضباً على ابن شيرزاد، ولم يكن هناك ما يبرّر الغضب سوى تفاهم ابن شيرزاد مع البويهيين.
ومهما يكن من أمر، فقد انتهى معز الدولة إلى بغداد في اليوم الحادي عشر من شهر جمادى الأولى([520]) سنة (334هـ) «فنزل بباب الشماسية، ودخل من الغد إلى الخليفة المستكفي وبايعه، وحلف له المستكفي وسأله معز الدولة أن يأذن لابن شيرزاد بالظهور، وأن يأذن أن يستكتبه، فأجابه إلى ذلك، فظهر ابن شيرزاد ولقي معز الدولة فولاّه الخراج وجباية الأموال. وخلع الخليفة على معز الدولة ولقبه ذلك اليوم معز الدولة، ولقب أخاه علياً عماد الدولة، ولقب أخاه الحسن ركن الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم. ونزل معز الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه في دور الناس»([521]).
وهكذا تمّ لمعز الدولة الاستيلاء على بغداد.
محمد حسن آل ياسين
البويهيون في بغداد
1 ـ معز الدولة أبو الحسين أحمد بن أبي شجاع بويه (ح 303ـ356هـ/ 915ـ967م):
أوّل ذكر لـ (كهترين ابن أبو شجاع بويه) يبدو أنّه كان خلال وقائع عام (322هـ/ 934م) عندما توجّه عماد الدولة إلى شيراز لاحتلالها. وبعد عامين من ذلك أرسل عماد الدولة أخيه ركن الدولة أبو الحسين أحمد لاحتلال كرمان بحثاً عن مركز لحكمه. فدارت معركة بين أحمد و(علي بن زنكي) المعروف بـ (علي كلويه) زعيم قبائل كوفيش وبلوش. فقطعت إحدى يدي أحمد وبعض أصابعه، فصار يعرف بالأقطع، ورغم القتال قام (علي كلويه) بمعالجة أحمد حتّى شفي. وعندما توجّه (محمد بن الياس) من سيستان لاحتلال كرمان، هزم. فقام أحمد بقتل رجال (كلويه) رغم إحسانه إليه عند جرحه. وعاد بعد مرّة إلى شيراز بأمر من عماد الدولة.
وفي عام (326هـ/938م) أغرى (أبو عبدالله البريدي) عماد الدولة باحتلال العراق، فبعث بأخيه أحمد على رأس جيشه إلى خوزستان، فاستولى أحمد بن بويه على الأهواز أوّلاً، ثمّ وقع خلاف بينه وبين البريدي، فتوجّه أحمد إلى عسكر مكرم، وبقي البريدي في الأهواز وخلال ذلك أرسل عماد الدولة جيشاً آخر إلى أبو الحسين أحمد، فاستطاع بمساعدة ذلك الجيش أن يحتل الأهواز، وبقي الخلاف بينه وبين البريدي على حاله.
وفي عام (328 و331هـ/ 940 و943م) هاجم البصرة مرّتين وفشل فيهما وتراجع. وفي عام (332هـ/ 944م) احتل واسط، وأخذ منها الضرائب والخراج، فعاد (توزون) أمير واسط من بغداد، وهزمه بصعوبة. وفي العام التالي شنّ هجوماً آخر على واسط وفشل فيه.
ورغم هزائمه تلك إلاّ أنّه استطاع خلال خمس حملات على العراق خلال الأعوام (331ـ334هـ/ 943ـ946م) أن ينفذ إلى منطقة حكم الخليفة أكثر فأكثر. وعندما اضطربت أوضاع بغداد بين أمير الأمراء ومدعي حكومة بغداد، واستغلال جماعة الخليفة؛ استغل أحمد ذلك وهاجم بغداد، فهرب من بغداد كلّ من: المستكفي بالله، وابن شيرزاد، وأمير الأمراء، وتراجع الأتراك إلى الموصل… وكان الخليفة يريد الخلاص من الأتراك، فعاد إلى بغداد. وبعد مدّة دخل أحمد بن بويه إلى بغداد في (11 جمادى الأولى 334هـ/19 كانون الأول 945م) ونال من الخليفة لقب معز الدولة ونال أخواه علي وحسن لقبي عماد الدولة وركن الدولة، وأمر الخليفة بضرب أسمائهم على المسكوكات. واستولى معز الدولة على الخليفة العباسي، وبعد اثني عشر يوماً قبض على الخليفة المستكفي وأودعه السجن، وعيّن الفضل بن المقتدر خليفة محله وسمّاه (المطيع لله) وحدّد له معاشاً يومياً قدره مائة دينار.
فاكتفى الخليفة بالقناعة، ولم يبقَ للخلفاء سوى إصدار البيانات وتقديم الخلغ والإجابة على رسائل ملوك الأطراف.
بعد ذلك بدأ معز الدولة مسيرة القضاء على أمراء الأطراف، فهاجم في البدء (ناصر الدولة الحمداني) فغادر بغداد متجهاً نحو (عكبرا) فاستغل ناصر الدولة ذلك واحتل بغداد، وحذف اسم آل بويه من المسكوكات. لكنّه لم يستمر، فاحتال عليه معز الدولة واستولى على بغداد مجدداً عام (335هـ/946م) وفرض على ناصر الدولة الصلح.
وفي عام (337هـ/ 948م) هاجم الموصل. وخلال ذلك استنجد به ركن الدولة ليعينه على الخراسانيين، فقفل عائداً، وسلم الموصل والجزيرة والشام إلى ناصر الدولة مقابل أن يدفع له سنوياً ثمانية ملايين درهم، وأن يذكر آل بويه في خطبه.
وفي نفس العام لجأ إليه (أبو القاسم البريدي) فمنحه معز الدولة بعض الأملاك. وكان معز الدولة حتّى ذلك الحين يحكم العراق نيابة عن أخيه الأكبر عماد الدولة الذي كان أمير أمراء بغداد رسمياً. وبعد موت عماد الدولة خضع الطاعة ركن الدولة، واستمرّ في حكم العراق نيابة عنه. وعندما استعان به ركن الدولة لمواجهة (نوح الساماني) الذي كان قد هاجمه عام (339هـ/ 950م) أرسل معز الدولة جيشاً بقيادة (سبكتكين) إلى أخيه، فاستطاع أن يهزم الخراسانيين في قرميسين وهمدان، وجاء ركن الدولة إلى همدان.
في عام (343هـ/ 954م) هاجم مؤيدو معز الدولة مؤيدي (ابن طغج) في مكة، وخطبوا في مكة باسم ركن الدولة ومعز الدولة وابنه عز الدولة بختيار.
وفي عام (345هـ/ 956م) انتفض عليه (روزبهان بن ونداد خورشيد الديلمي) وتوجّه إلى الأهواز، فقضى على تحرّكه وأمر بقتله.
ويروي الذهبي أنّ روزبهان هاجم بغداد. وقضى معز الدولة السنوات التالية في مهاجمة الحمدانيين واحتلال عمان. وفي عام (348هـ/ 959م) صدّ ناصر الدولة أيضاً ودحره حتّى حلب، ولم يتراجع عنه حتّى ضمن له أخوه سيف الدولة الخراج الذي كان في عنق ناصر الدولة.
وفي عام (354هـ/ 965م) أرسل قواته لاحتلال عمان، لكن القرامطة قاموا بعد عودة قواته باحتلال عمان، عند ذلك قاد معز الدولة جيشه بنفسه لاستعادة عمان، فبقي هو في (الأبله) وأرسل قواته معززة بقوات عضد الدولة إلى عمان، وتوجّه بنفسه إلى (واسط) ليواجه (عمران بن شاهين) الذي كان قد احتل (البطيحة) لكنّه مرض هناك، وذهب إلى بغداد في (356هـ/ 967م) وبعد أيام مات عن سن (53) عاماً.
2 ـ عز الدولة أبو منصور بختيار بن معز الدولة (ح 331ـ367/ 943ـ978م): تولّى الحكم بعد معز الدولة، وكان والده قد أوصاه بطاعة ركن الدولة وعضد الدولة، والمحافظة على أمراء الدولة وخاصّة سبكتكين الحاجب، لكنّه لم يعمل بوصيته تلك وسار مسيرة سيئة، وصادر أملاك الأمراء الديلم، ممّا جعلهم ينفضون من حوله، ومال عنه سبكتكين، وانتفض عليه الحبشي أخو عز الدولة في البصرة.
وفي عام (359هـ/ 970م) ذهب إلى (واسط) وأرسل وزيره (أبو الفضل عباس بن حسين الشيرازي) لمواجهة (عمران بن شاهين) في (جامدة) فلم يوفق، فصالحه على أخذ الذهب والفضة.
وفي عام (360هـ/ 971م) ساعد القرامطة في هجومهم على دمشق. وفي العام التالي طلب منه البغداديون أن يواجه الروم لأنّهم هاجموا الجزيرة. فأمر (سبكتكين) أن يجهز جيشاً، وأخذ هو ميزانية الحرب من الخليفة المطيع لله. لكن مواجهة مذهبية شديدة اندلعت في بغداد، وأحرق غير الشيعة محلة الكرخ الشيعية، وحرف (بختيار) ميزانية الحرب على أحواله، وتعطل الغزو بذلك.
عام (363هـ/ 974م) حمل على (أبو تغلب الحمداني) في الموصل، فانسحب (أبو تغلب) إلى سنجار، ونوى احتلال بغداد، فأرسل (بختيار) وزيره (ابن بقية) مع (سبكتكين) إلى بغداد مجدداً. وعندما لم يطق أبو تغلب المقاومة عرض الصلح عليهما، دفع لبختيار الغرامة، وعاد كلّ منهم إلى منطقته.
وفي تلك الأثناء كان (بختيار) يعاني من قلّة ذات اليد، فتوجّه إلى الأهواز، فأعطاه (بختكين آزاد رويه) مالاً كثيراً. لكن خلافاً وقع بين الأتراك والديلم، فهاجم بختيار الأتراك بنفسه، وصادر أملاك (سبكتكين) واحتال على أمّه وأخيه ليعتقل سبكتكين، ولم يوفق. فقام (سبكتكين) بإحراق بيت بختيار في بغداد، وأرسل أمّه وإخوته إلى واسط. والتحق أهل السنّة في بغداد بسبكتكين، وهاجموا الشيعة، وأريقت بذلك دماء كثيرة. فتوجّه (بختيار) إلى واسط، وطلب العون من: ركن الدولة، وعضد الدولة وعمران بن شاهين، وأبو تغلب الحمداني. فأرسل (أبو تغلب) جيشاً إلى (تكريت) وبقي ينتظر حتّى إذا ظفر الأتراك هاجم بغداد. و(عمران بن شاهين) لم يهتم بطلب ( بختيار). أرسل ركن الدولة جيشاً بقيادة وزيره (أبو الفتح بن العميد). وبقي عضد الدولة يتأمّل ما سيحصل لبختيار.
أراد الأتراك أن ينهوا أمر بختيار، فتوجهوا إلى (واسط) برفقة الخليفة الطائع والخليفة المخلوع المطيع. ودخل (أبو تغلب) إلى بغداد. فمات سبكتكين والمطيع في (دير العاقول) وتولّى قيادة الأتراك (الفتكين) وأكمل طريقه إلى (واسط). فوقع القتال بينهما لمدّة (50) يوماً. وكرّر بختيار طلب العون من عضد الدولة، وتوجّه هو مع جيشه إلى العراق. وتخلّى الأتراك أيضاً عن محاصرته وعادوا إلى بغداد. والتحق بختيار بعضد الدولة، وتوجّه الإثنان إلى بغداد، فخرج الأتراك من الجهة الأخرى، وتراجع (أبو تغلب الحمداني)، إلى الموصل. وكان عضد الدولة يتحيّن الفرصة ليستولي على العراق، فاستعمل الحيلة ليوقع بين بختيار وأعوانه، فانتفضوا عليه، فدفعه بذلك للاستقالة من الحكم، ثمّ اعتقله، واستولى على الحكم. وأدّى تصرّف عضد الدولة هذا إلى إيجاد اضطرابات في منطقته، وأغضب أباه ركن الدولة، وثار عليه (ابن بقية) في واسط. ممّا اضطر عضد الدولة أن يعيد بختيار إلى الحكم شرط أن يحكم العراق نيابة عنه. لكن طمع عضد الدولة بالعراق لم يخمد، فبعد أن مات أبوه ركن الدولة عام (336هـ/ 947م) ادّعى أنّ بختيار يميل إلى أعدائه أي: حسنويه وفخر الدولة وأبو تغلب الحمداني. فقام بمهاجمته. فأشار (ابن بقية) على بختيار أن يواجهه، لكنّه هزم في الأهواز. فتوجّه إلى واسط، ثم عاد إلى بغداد. عند ذلك احتل عضد الدولة البصرة، ثمّ توجّه إلى بغداد، وطلب من بختيار أن يأخذ مالاً وسلاحاً ويغادر بغداد. فوافق بختيار على ذلك، وتوجّه إلى الشام. ودخل عضد الدولة بغداد عام (367هـ/ 978م) وبايعوه في خطبهم في بغداد.
وخلال توجّه بختيار إلى الشام، دفعه أبو تغلب الحمداني لأن يعود ليحمل على بغداد، وساعده على ذلك. فوقعت المواجهة قرب تكريت، وانتهت بهزيمة بختيار وأسره. وأمر عضد الدولة بقتله. ورغم ذلك بكى عند جسده كثيراً.
3 ـ عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة (324ـ372هـ/ 936ـ982م): قبل عام من وفاة (عماد الدولة علي) انتخب عضد الدولة كولي عهد لعمّه رغم معارضة عدد من زعماء الديلم.
وفي عام (338هـ/ 956م) ثار عليه (بلكا بن ونداد خورشيد الديلمي) فقضى عليه بواسطة (أبو الفضل بن العميد).
وفي عام (352هـ/ 963م) حصل على لقب (عضد الدولة) من قبل الخليفة (المطيع). ويبدو أنّه حين ذاك طلب من الخليفة منحه لقب (تاج الدولة) فعارض ذلك (معز الدولة) لظنّه أنّ منحه ذلك اللقب، سيصدم منصبه كأمير للأمراء بعد (ركن الدولة)، واقترح أن يمنحه الخليفة لقب عضد الدولة، وهذا ما حصل. ولعل هذا الأمر كان وراء ضغط عضد الدولة فيما بعد للقضاء على فرع السلالة في العراق.
وفي عام (360هـ/ 971م) خطب أمير سيستان باسمه. وفي نفس العام وجّه جيشه بقيادة (عابدين علي) إلى (سيرجان) لقمع انتفاضة البلوش عليه في كرمان، فظفر بهم عام (361هـ/ 972م).
وفي العام التالي وقع الصلح بين (عضد الدولة وركن الدولة) من جهة والأمير (منصور بن نوح الساماني) من جهة أخرى بعد أن كان هناك تنافس فيما بينهم، وتقرّر أن يدفعا لمنصور كلّ عام (150,000) دينار.
وفي عام (363هـ/ 974م) توجّه إلى العراق لمساعدة ابن عمّه (بختيار) في مواجهة الأتراك، وهزم (الفتكين التركي) ودخل بغداد، وكان يضمر احتلال العراق، فقبل دعوة بختيار، وبعد مدّة احتال على بختيار واعتقله بموافقة الخليفة، وتولّى الحكم في بغداد. ولم يدم الأمر حتّى تحرّك عليه العديد، وغضب عليه والده (ركن الدولة) لاعتقاله بختيار، ولم يرض بوساطة (أبو الفتح العميد)، وهدّده أبوه بقدومه إلى العراق. فاضطر عضد الدولة أن يعيد بختيار إلى الحكم شرط أن يحكم العراق نيابة عنه، وعاد هو إلى فارس.
ولمّا كانت العلاقات بينه وأبيه متوترة، خشيَ أن يخسر الحكم ومنصب أمير الأمراء، فوسط (أبو الفتح بن العميد) ووزير ركن الدولة ليرتّب لقاءً بينه وبين والده. خلال هذا اللقاء استطاع تثبيت حكومته المستقلة على شيراز، ومنصبه كأمير للأمراء، ورئاسته العليا على إخوته، لكنّه لم يدر شيئاً عن (عز الدولة بختيار) ومنطقته. ويبدو أنّ ركن الدولة بعدم طرحه للمسألة أراد أن يعطي مسألة حكومة فرع العراق بقيادة بختيار اعترافاً رسمياً، وأن يمنع عضد الدولة ضمناً من التلاعب بتلك المنطقة.
ورغم ذلك ما إن مات والده، حتّى تحرّك عضد الدولة لتحقيق أمنياته، فاستولى على العراق. وعندما هاجمه بختيار وجيش (أبو تغلب الحمداني) لاستعادة بغداد منه، هزمه وقتله.
وفي عام (367هـ/ 977م) أخذ الموصل من الحمدانيين، ثمّ استولى على (ميافارقين) و(آمد) وبعض مناطق (ديار بكر) و(ديار مضر).
وفي عام (369هـ/ 979م) وبعد كدورة حصلت بينه وبين أخيه (فخر الدولة) هاجم (بلاد الجبل) وطرده إلى منطقة (قابوس بن وشمكير) ثمّ طارد أخاه فاحتل همدان، وسلّمها لأخيه الآخر (مؤيد الدولة).
وفي العام التالي انتفض إخوة (بدر بن حسنويه) على (بدر) فقتلهم، ثمّ طلب أخاه (فخر الدولة) من (قابوس بن وشمكير) فلم يستجب له فأرسل مؤيد الدولة مع جيشه إلى (جرجان) واحتلها. ومنذ ذلك الحين حتّى عام (372هـ/ 982م)، أي بعد عام من افتتاح المستشفى العضدي في بغداد، مات عضد الدولة، ولم يذكر أي توسّع في أملاكه. فدفن في بغداد، ثمّ نقل إلى مقبرة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
كان عضد الدولة أكبر حاكم في القرن الرابع الهجري، وكان عهده يمثّل العهد الذهبي في ذلك القرن، ورغم الجدال الشديد الذي جرى بينه وبين ابن عمّه وإخوته، لكنّه استطاع أن يبلغ بحكومة آل بويه القمة. فالقرائن التاريخية ـ مثل المسكوكات التي حملت رسوماً على مشاكلة رسوم المسكوكات الساسانية ـ تشير بوضوح إلى أنّه كان يسعى بعد ركن الدولة لإقامة حكومة واسعة.
واستطاع عضد الدولة أن يبني منظمة تجسّس منظمة جدّاً، بحيث كانت تصله أخبار أبعد نقاط دولته بسرعة. وكان قد أسّس ديوان البريد، الذي كان منظماً لدرجة أنّه كان ينقل الرسائل بين شيراز وبغداد خلال ثمانية أيام وكان له أشراف شخصي على جزئيات شؤون الحكومة، وكان يستعمل أحياناً العنف الشديد من أجل ضبط سيطرته. فنقل أنه رفس ابن بقية، وأنّه قطع رأس عز الدولة بختيار بيده. رغم أنّه أظهر اهتماماً خاصاً ببغداد بعد استيلائه عليها، لكن مقرّ دولته بقي في شيراز، وكان ينوب عنه في شيراز أحد وزرائه وقاضي القضاة، وكان نوابه يديرون شؤون القضاء في جهات بغداد الأربعة. وإن كان في البداية قد حكم فارس نيابة عن أبيه، ممّا يفهم من مسكوكات ذلك العهد.
وكان عضد الدولة أوّل من ذكر اسمه في الخطب إلى جانب اسم الخليفة، وكانت تقرع له الطبول في أوقات الصلاة عند باب (دار المملكة) أي مقرّه، ولم يحصل ذلك قبله إلاّ لمعز الدولة.
4 ـ شرف الدولة (انظر آل بويه في فارس في نفس هذه المقالة).
5 ـ صمصام الدولة (انظر آل بويه في فارس في نفس هذه المقالة).
6 ـ بهاء الدولة (انظر آل بويه في فارس في نفس هذه المقالة).
7 ـ سلطان الدولة (انظر آل بويه في فارس في نفس هذه المقالة).
8 ـ مشرف الدولة أبو علي حسن بن بهاء الدولة (393ـ416هـ/1003ـ1025م):
خلال حكم أخيه سلطان الدولة في بغداد ارتفع شأنه، فبلغ عام (411هـ/ 1020م) منصب أمير الأمراء، عندما ابتلي سلطان الدولة بانتفاضة جنده عليه، اضطر أن ينزل عند رغبتهم فعيّن مشرف الدولة مكانه، وتوجّه إلى الأهواز، لكنّه عندما وصل إلى (شوشتر) بعث بوزيره (ابن سهلان) إلى العراق ليطرد مشرف الدولة منها، وقرّر مشرف الدولة أن يحتفظ بالعراش، فجمع حوله أتراك واسط وهبّ للمواجهة، فهزم (ابن سهلان) وحاصره في واسط، ولمّا اشتدّ الأمر على ابن سهلان، طلب الصلح وسلّم واسط. في عام (412هـ/ 1021م) وفي بغداد أيضاً أسقطوا اسم سلطان الدولة من خطبهم، وحلّ محله اسم مشرف الدولة واستقرّت حكومة مشرف الدولة فيها.
وفي عام (412هـ/ 1021م) أراد الديلم أن يعودوا إلى بيوتهم في (خوزستان) فأجاز لهم الخروج، فالتحقوا بسلطان الدولة، فعاد الأمل لسلطان الدولة باستعادة السلطة. فأرسل ابنه (أبو كاليجار) إلى الأهواز، فاستولى عليها.
لكن في عام (413هـ/ 1022م) وبمروءة من (أبو محمد بن مكرم، ومؤيد الملك الرخجي) عقدت معاهدة صلح، تقرّر فيها أن يحكم مشرف الدولة العراق، وأن يتولى حكم فارس وكرمان سلطان الدولة.
وعام (415هـ/ 1024م) وقع خلاف بين (أبو القاسم المغربي وأثير عنبر الخادم) مع الأتراك، وتوجّها برفقة مشرف الدولة وجمع من الأمراء الديلم إلى (آوانا)، فخاف الأتراك، وأرسلوا مندوباً عنهم إلى مشرف الدولة، وأظهروا له الطاعة. فعاد مشرف الدولة إلى بغداد، ولكن حكمه لم يطل، فمات عام (416هـ/ 1025م) عن (23) عاماً.
9 ـ جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة (383ـ435هـ/ 993ـ1044م):
بعد موت والده بهاء الدولة، تولّى حكم البصرة عام (404هـ/ 1012م) بأمر من سلطان الدولة، وفي عام (411هـ/ 1020م) عقد اتحاداً مع مشرف الدولة على سلطان الدولة، ولعل ذلك كان السبب في ذكر اسمه في الخطب ببغداد بعد وفاة مشرف الدولة. فتوجّه إلى واسط بغية الذهاب إلى بغداد، لكنّه عاد إلى البصرة لسبب مجهول، ولعله الخوف من الأتراك الذين تعاظمت قوّتهم في بغداد. عندها خطبوا باسم (أبو كاليجار) ابن سلطان الدولة. وكان حينها يقاتل عمّه (أبو الفوارس) أمير كرمان، وذلك عام (416هـ/ 1025م).
عاد جلال الدولة، وتوجّه إلى بغداد، لكن جيش بغداد توجّه لمقابلته، فالتقوا في (سيب) من توابع النهروان، فهزم جلال الدولة، وعاد إلى البصرة. ورغم ذلك فعندما وقعت فتنة في بغداد في العام التالي، واستولى الأتراك، ولم يبق فيها من آل بويه أحد، دعا أمراء بغداد جلال الدولة للقدوم، فدخل بغداد عام (418هـ/ 1027م) وخطبوا باسمه.
في عام (419هـ/ 1028م) وقع ما كان يخشاه جلال الدولة، حيث ثار الأتراك عليه من أجل أجورهم، فحاصروه في بيته. فأراد جلال الدولة أن يخرج من بغداد، فمنعه الناس من ذلك. ثمّ عقد الصلح بوساطة من الخليفة القادر. ورغم ذلك ثار عليه الأتراك بعد أيام، حتّى اضطر جلال الدولة أن يبيع سجاداته وملابسه وخيمه ليدفع ثمنها إلى الأتراك ليهدأوا.
في نفس العام احتل (أبو كاليجار ابن سلطان الدولة) البصرة، واحتل في العام التالي (واسط) ونوى احتلال بغداد، فعاجله جلال الدولة وتوجّه بجيشه إلى واسط. لكن لقلّة ذات يديه توجّه إلى الأهواز طمعاً في كسب المال. ولمّا عرف أبو كاليجار أنّ (محمود الغزنوي) ينوي مهاجمة العراق، طلب من جلال الدولة أن يتحدا لمواجهة العدو المشترك. لكن جلال الدولة لم يوافق على ذلك، وهاجم الأهواز ونهبها، وأخذ من دار الإمارة (200,000) دينار. وتوجّه (أبو كاليجار) للمواجهة عام (421هـ/ 1030م) لكنّه هزم. واستولى جلال الدولة على واسط أيضاً، ثمّ عاد إلى بغداد. وحاول في نفس العام الاستيلاء على البصرة ثانية، لكنّه فشل في ذلك.
في عام (423هـ/ 1032م) ثار الأتراك ضد جلال الدولة مرّة أخرى. فتوجّه إلى (عكبرا) وخطبوا في بغداد باسم (أبو كاليجار)، لكنّه لم يأت إلى بغداد، فعادوا إلى اسم جلال الدولة، وطلبوا منه العودة، فعاد جلال الدولة إلى بغداد بعد (43) يوماً. ورغم ذلك فإنّ الجنود والأتراك ثاروا عليه عدّة مرّات، وفي عام (427هـ/ 1036م) أغاروا على بيته ونهبوه.
وفي عام (428هـ/ 1037م) حصل خلاف بين جلال الدولة وأحد أمرائه الكبار (بارسطغان) الملقب بحاجب الحجبة. فدعا (بارسطغان) أبو كاليجار ليأتي إلى بغداد، وذهب جلال الدولة مع (البساسيري) إلى (آواثا). فقدم أبو كاليجار إلى واسط، ثمّ توجّه إلى فارس عوضاً عن بغداد، وهرب (بارسطغان) إلى واسط، وعاد جلال الدولة إلى بغداد.
وفي نفس العام توسّط قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي، وأبو عبدالله المردوستي وآخرون، توسّطوا للمصالحة بين جلال الدولة وأبو كاليجار. لكن في عام (429هـ/ 1038م) طلب جلال الدولة من الخليفة أن يمنحه لقب ملك الملوك (شاهنشاه) وأفتى الفقهاء بجواز ذلك. لكن أبو الحسن الماوردي أفتى خلاف ذلك. ورغم ذلك خطبوا بلقبه ذاك. والسنوات اللاحقة لم يقضها جلال الدولة في هدوء وراحة، بل قضاها في دفع فتن الأتراك وأعدائه. حتّى مات عام (435هـ/ 1044م).
كان جلال الدولة رجلاً حسن الخلق، لكنّه ضعيف النفس، يهمل أمر الرعية. وكان يظهر القداسة، ويحبّ لقاء الصالحين ومجالستهم، ويزور مراقد الإمام علي والإمام الحسين (عليه السلام) صافياً.
10 ـ عماد الدين أبو كاليجار (راجع آل بويه في فارس، نفس المقالة).
11 ـ الملك الرحيم أبو نصر خسرو فيروز (راجع آل بويه في فارس، نفس المقالة).
البويهيون في الري وهمدان وأصفهان
(335 ـ 420هـ / ج 947 ـ 1029م)
1 ـ ركن الدولة أبو علي الحسن بن أبي شجاع بويه (د 366هـ/ 947م): عام (322هـ/ 934م) عقد صلح بين (مرداويج) و(عماد الدولة علي بويه) فاعتقل أخاه حسن وأرسله إليه وبعد عام قتل مرداويج ففرّ حسن وعاد إلى فارس.
وفي نفس العام أرسل عماد الدولة جيشه إلى بلاد الجبل واستولى على أصفهان.
في عام (327هـ/ 939م) هزم أمام جيش (وشمكير بن زيار) وفرّ إلى فارس. لكنّه عاد في العام التالي واحتل أصفهان.
وفي عام (331هـ/ 943م) أخذ الري أيضاً من (وشمكير) وبعد عامين من ذلك قدمت قوات (نوح الساماني) بقيادة (أبو علي بن محتاج) لاحتلال الري، فهزمهم لكنّه هزم في مواجهة أخرى، وذهب إلى فارس.
وفي العام التالي استولى معز الدولة على العراق، وحصل (حسن) على لقب ركن الدولة. وفي نفس التاريخ كان عماد الدولة يجري مفاوضات مع (نوح) عند باب الري، وتقرّر أن يتسلّم (نوح) (100,000) دينار من خراج (أبو علي بن محتاج) مقابل أن لا يتعرّض لحسن. ومن ناحية أخرى كان (أبو علي) يخشى حيل (نوح) فتوجّه أبو علي نحو خراسان، وحمل ركن الدولة على الري، وذلك عام (335هـ/ 946م).
وفي عام (337هـ/ 948م) هاجم أمير آذربايجان (مرزبان محمد بن مسافر) الري. فطلب ركن الدولة من إخوته المعونة، وأخذ يداور حتّى وصلت قوات عماد الدولة، فتمكّن من (مرزبان) وأسره. وحتّى ذلك الوقت كان ركن الدولة يعمل تحت إشراف ورئاسة أخيه عماد الدولة. وعندما مات عماد الدولة نصب أمير للأمراء، وكان أخوه الأصغر معز الدولة يحكم العراق نيابة عنه. لذلك فإنّ قولهم (إنّ عماد الدولة وركن الدولة كانا ـ حسب الترتيب ـ رئيس وأمير أمراء أسرة بويه) لا يخلو من التسامح. خاصّة وأنّ (أبو علي مسكويه) قد صرّح أنّ الخليفة هو الذي منح ركن الدولة لقب أمير الأمراء.
وعندما توجّه ركن الدولة إلى شيراز لتثبيت ابنه (عضد الدولة) في الحكم، قام (منصور بن قراتكين) بالتوجّه بجيشه من نيسابور إلى الري، فاحتل بلاد الجبل. إلى قرميسين، واستولى على همدان. فارسل معز الدولة (سبكتكين الحاجب) من العراق لينصر ركن الدولة، فهزم الخراسانيين، وذهب إلى همدان، فالتحق به هناك ركن الدولة. وكان على ركن الدولة أن يواجه أعداءه السامانيين والزياريين خلال تلك الأعوام ليحافظ على حدود حكمه. وكان أقوى أعدائه وأشد منافس للبويهيين هم السامانيون في خراسان الكبرى الذين دخلوا في عدّة معارك مباشرة مع البويهيين وثوروا الآخرين بوجههم أحياناً. ففي عام (342هـ/ 953م) قام وشمكير برفقة جيش نوح الساماني وبقيادة أبو علي بن محتاج بالتوجّه إلى الري، لكنّه لم يوفق. فردّ ركن الدولة على ذلك بشن هجوم على جرجان في العام التالي، وطرد وشمكير إلى خراسان. لكنّه اضطر أن يطلب النجدة من معز الدولة ليواجه قوات خراسان المتوجهة نحو الري. وقبل أن تصل قوات معز الدولة عقد صلحاً مع (بكر بن مالك) قائد قوات خراسان. ولكن هذا الصلح لم ينه المنافسة والخلاف بين السامانيين وركن الدولة.
ففي عام (355هـ/966م) توجّه جيش خراسان ليجاهد الروم، فدخل الري، ورغم أنّ ركن الدولة استقبل جنود ذلك الجيش، لكن الخراسانيين هاجموا الديلم، ونهبوا بيت ابن العميد فطردهم ركن الدولة.
وفي العام التالي جهّز الأمير (نوح بن منصور) جيشاً كبيراً بقيادة (محمد بن إبراهيم السيمجور الدواتي) ـ قائد قوات خراسان ـ وأرسله إلى الري، وطلب منه أن يطيع (وشمكير) الذي كان يتجهز لقتال ركن الدولة، وخلال ذلك مات (وشمكير) وامتنع (السيمجور الدواتي) عن القتال.
وفي عام (361هـ/ 972م) بمروءة من (سيمجور) نفسه عقدت معاهدة صلح بين (الأمير نوح بن منصور) وركن الدولة، وتقرّر أن يرسل ركن الدولة وعضد الدولة كلّ عام مبلغ (150,000) دينار إلى السامانيين، على أن لا يتعرض السامانيون للري وكرمان.
وفي عام (364هـ/ 975م) استولى عضد الدولة على العراق، وأودع (بختيار) السجن، فغضب ركن الدولة من ذلك غضباً شديداً بحيث طلب أن يتوجه الجيش إلى العراق لإسقاط ابنه. هذا التهديد دفع بعضد الدولة إلى إعادة (بختيار) إلى الحكم، وأن يعود هو إلى شيراز. لكن ركن الدولة لم يعش بعد ذلك طويلاً، فمات في (المحرم 366هـ/ أيلول 976م).
وحسب الوثائق والقرائن التاريخية كان ركن الدولة أطيب حكام آل بويه نفساً، وكان يلتزم بالعقود والعهود. وكان يعتقد أنّ قوّته في حكمه مرتبطة بسيرته، ولهذا كان يتغاضى عن صغائر الأمور، ويقول إنّ الناس بحاجة للقوت وتأمين معيشتهم. وعندما طلب منه (ابن العميد) أن يجيزه في القضاء على أخي زوجته (إبراهيم بن مرزبان) أمير أذربايجان، وأن يتسلم الحكم مكانه، رفض مجاراته في الغدر.
2 ـ مؤيد الدولة أبو منصور بن ركن الدولة (330ـ373هـ/ 942ـ983م).
كان خلال حياة أبيه في أصفهان. وعندما هاجم (محمد ابن ماكان) ـ قائد قوات خراسان ـ أصفهان، تراجع مؤيد الدولة مع الحرم والخزائن إلى (لنجان) والتحق به وزير ركن الدولة (أبو الفضل بن العميد) وقاتل حتّى هزم (ابن ماكان) وعاد مؤيد الدولة إلى أصفهان.
وفي عام (366هـ/ 977م) قسم ركن الدولة منطقة حكمه بين أبنائه، فتولّى مؤيد الدولة حكومة أصفهان والري وتوابعهما نيابة عن عضد الدولة. وكان يطيع عضد الدولة دوماً، وفي عام (369هـ/ 979م) عندما سحب عضد الدولة همدان والري من يد أخيه فخر الدولة، سلّمهما إلى مؤيد الدولة.
وفي عام (371هـ/ 981م) سلّمه حكومة جرجان أيضاً، فقام (حسان الدولة أبو العباس تاش) بأمر من (أبو القاسم نوح بن منصور) ورفقة (فخر الدولة الديلمي) و(قابوس بن وشمكير) بمواجهته، فحاصر جرجان. فاستمال مؤيد الدولة أحد أمراء خراسان (فائق الخاصّة)، ثمّ انقلب عليه. فهرب (فائق الخاصّة) وهزم بذلك الخراسانيون، وبقي مؤيد الدولة في جرجان حتّى مات عام (373هـ/ 983م).
3 ـ فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة (341ـ387هـ/ 952ـ997م): عيّنه ركن الدولة قبل موته حاكماً على (همدان والدينور وتوابع الجبل) نيابة عن عضد الدولة، لكن فخر الدولة خرج عن طاعة أخيه، ومال إلى عز الدولة بختيار حاكم العراق.
وفي عام (369هـ/ 979م) هاجمه عضد الدولة، فانضم كثير من أعوان فخر الدولة إلى معسكر عضد الدولة، وكان منهم وزيره (أبو الحسن عبيدالله بن محمد بن حمدويه). ففشل فخر الدولة وفرّ من همدان، ولجأ إلى جرجان عند (شمس المعالي قابوس بن وشمكير: فاستولى عضد الدولة على منطقة حكم فخر الدولة، وسلّمها إلى مؤيد الدولة. عندها طلب عضد الدولة ومؤيد الدولة من (قابوس) تسليمهم أخيهم، وأعطوه المواثيق والعهودن لكن (شمس المعالي) لم يرضَ بذلك، معتبراً أنّ ذلك مخالف لشريعة المروءة، وأنّ نقض العهد حرام. عند ذلك هاجم عضد الدولة جرجان، فاضطر قابوس أن يلجأ إلى حسام الدولة ومعه فخر الدولة.
وفي عام (371هـ/ 981م) عاد قابوس وفخر الدولة مع جيش خراسان بقيادة حسام الدولة ليهاجموا جرجان، لكنّهم هزموا وتراجعوا.
وفي عام (373هـ/ 893م) مات مؤيد الدولة، وقام وزيره (الصاحب بن عباد) بمبايعة فخر الدولة، وطلب من أمراء الدولة أن يدعوا فخر الدولة إلى جرجان وأن يطيعوه. وكان فخر الدولة حينها كبير آل بويه، فاستجاب لدعوة الصاحب وأمراء الدولة وبموافقة صمصام الدولة في بغداد. وقدم من نيشابور، وتربّع على العرش، وعيّن الصاحب وزيراً له. ولعلّه في هذه البرهة نال من الخليقة الطائع لقب (ملك الأمّة).
وفي العام التالي قام أولاد عضد الدولة (أبو الحسين وأبو الطاهر) بذكر فخر الدولة في خطبهما في الأهواز والبصرة. لكن لم يدم ذلك فقد قام (شرف الدولة أبو الفوارس) باحتلال الأهواز والبصرة.
بعد خمسة أعوام قام فخر الدولة بإشارة من (الصاحب بن عباد) بإرسال جيش معه لاحتلال العراق، وتوجّه هو بنفسه إلى خوزستان. ولمّا كان رجلاً ممسكاً فقد مال عنه جيشه، وهزم الصاحب في الأهواز على يد بهاء الدولة، وفشلا في احتلال العراق.
وفي عام (387هـ/ 997م) مات فخر الدولة في طبرك. واعتبر أنّ بداية حكومة فخر الدولة كان باستيلائه على جرجان بعد موت مؤيد الدولة، وباقتراح من (الصاحب عباد).
4 ـ مجد الدولة أبو طالب رستم بن فخر الدولة (379هـ/ 989م).
بعد موت والده، أجلسه أمراء الديلم على العرش، وكان اسم أمّه (شيرين) ومعروفة بالسيدة خاتون أو أم الملوك، وقد تولّت بعض الأعمال الحكومية نيابة عن ابنها، وذلك لمدّة ثماني سنوات، وعيّنت ابن خالها (أبو جعفر محمد بن دشمنزيار) الملقب بعلاء الدولة على حكومة أصفهان. وكان والد (دشمنزيار) أي خال السيدة خاتون يسمّى (كاكويه) أي الخال، ولهذا سمّي أبناؤه بآل كاكويه.
عام (398هـ/ 1008م) قام (الخطير أبو علي بن علي قاسم) وزير مجد الدولة بتنبيه، مجد الدولة لخطر أمّه عليه، وكسب ميل أمراء الدولة نحوه، وألبهم على السيدة خاتون. فذهبت أم مجد الدولة إلى (بدر بن حسنويه) وانضم إليها ابنها الآخر (شمس الدولة) مع جيش همدان، وهاجم الجميع الري فاحتلوها، وأسر مجد الدولة، وأمرت به أمّه إلى السجن، وانتقلت منطقة حكمه إلى شمس الدولة. وبعد عام وقع خلاف بين السيدة خاتون وابنها شمس الدولة، فقامت بعزل شمس الدولة وإطلاق سراح ابنها مجد الدولة من السجن، وسلمته الحكم. لهذا قام شمس الدولة بعد عدّة سنوات بمهاجمة الري، فهرب مجد الدولة وأمّه إلى (دماوند) واحتل شمس الدولة الري، وذلك عام (405هـ/ 1014م). لكنّه تراجع وانسحب إلى همدان بعد تململ جيشه عليه، وعاد مجد الدولة وأمّه السيدة خاتون.
وفي العام نفسه وصل (أبو علي سينا) إلى الري قادماً من جرجان، وكان مجد الدولة مريضاً فعالجه، وألّف كتاب المعاد هناك.
وفي عام (407هـ/ 1016م) قام (ابن فولاد) ـ من أمراء الديلم ـ على رأس جيش جهزه له (منوجهر بن قابوس) بمهاجمة الري، وأجبر مجد الدولة والسيدة خاتون أن يسلّماه أصفهان.
وفي عام (419هـ/ 1028م) ماتت أم مجد الدولة، وفقد مجد الدولة عام (420هـ/ 1029م) سيطرته على جيشه، فطلب المعونة من محمود الغزنوي، فأرسل له محمود جيشاً بقيادة (علي الحاجب) وأمره أن يعتقل مجد الدولة. فخرج مجد الدولة وابنه (أبو دُلف) لاستقبال الجيش، لكنّهما اعتقلا. ثمّ جاء محمود بنفسه إلى الري، وأرسل مجد الدولة إلى (غزنين) فانقرضت بذلك سلالة آل بويه في الري. وليس هناك تاريخ دقيق عن نهاية هذا الوضع وموت مجد الدولة، بل إنّ أقوال المؤرخين في هذا المجال متناقضة، فقال البعض إنّه مات عام (414هـ/ 1023م) لكن ذلك لا يتناسب مع القرائن التاريخية، وقال غيرهم إنّه مات بعد احتلال الغزنيين للري، وإنّ أمه هربت.
وقد تولّى إبان حكمه الوزارة كلّ من: بو سعد الآبي العالم والأديب المشهور، وأبو العلاء محمود بن علي بن حسول الشاعر والأديب.
5 ـ شمس الدولة أبو طاهر بن فخر الدولة:
بعد موت والده تولّى حكومة همدان وقرميسين.
وفي عام (397هـ/1007م) عندما لجأت أمّه السيدة خاتون إلى الري إلى (بدر بن حسنويه) قدم شمس الدولة بجيشه إلى أمه، وهاجما الري معاً، واحتلاها. فتولّى شمس الدولة الحكم مكان أخيه مجد الدولة لفترة، ثمّ وقع اختلاف بينه وبين أمه، فعاد إلى همدان.
وفي عام (405هـ/ 1014م) بعد مقتل والده، احتل جزء من منطقته. وهزم جيش (هلال بن بدر) وأسره ثمّ قتله. وهاجم الري في نفس العام، فهربت السيدة خاتون وهرب معها مجد الدولة، وتوجها إلى دماوند. فاستولى شمس الدولة على الري، ولم يدم الأمر حتّى انتفض عليه جيش الري، واضطر شمس الدولة للعودة إلى همدان ويبدو أنّ ابن سينا قدم آنذاك إلى همدان وعالج شمس الدولة، ثمّ عيّن وزيراً.
وفي عام (411هـ/ 1020م) ثار الأتراك في همدان، ونهبوا بيت الوزير، وطالبوا بقتله، فأقاله شمس الدولة من الوزارة. وبعد مدّة مرض شمس الدولة ثانية، فعالجه ابن سينا أيضاً، ثمّ عينه وزيراً، وبقي ابن سينا في منصبه ذاك حتّى نهاية حكم شمس الدولة
إنّ تاريخ وفاة شمس الدولة غير معروف بشكل دقيق، لكنّه حسب القرائن التاريخية ربما كان في أواخر عام (411هـ/ 1020م) أو (412هـ/ 1021م).
6 ـ سماء الدولة أبو الحسن بن شمس الدولة:
في عام (414هـ/ 1023م) تولّى حكومة همدان، وفي العام نفسه أرسل جيشاً لقتال (فرهاد بن مرداويج الديلمي) الذي كان متملكاً لبروجرد. فلجأ (فرهاد) إلى (علاء الدولة كاكويه) وهاجما معاً همدان وهزم علاء الدولة في المعركة الأولى، وفي الثانية تغلب على (سماء الدولة) واعتقله، واعتقل أمراء الديلم، وصادر أموالهم وأملاكهم وسجنهم داخل قلعة في أصفهان. وباعتقال سماء الدولة انتهت سلالة آل بويه كلياً من الري وهمدان وأصفهان.
آل بويه في كرمان
(324ـ448هـ / 936ـ1056م)
لقد شكّل أولئك فرعاً صغيراً من سلالة آل بويه، وكانوا في الغالب تابعين لدولة آل بويه في فارس والعراق. لذلك فإنّ أكثر حكام كرمان كانوا من ذينك الفرعين.
1 ـ معز الدولة (راجع آل بويه في العراق، نفس المقالة).
2 ـ عضد الدولة (راجع آل بويه في فارس، نفس المقالة).
3 ـ شرف الدولة (راجع آل بويه في فارس، نفس المقالة).
4 ـ بهاء الدولة (راجع آل بويه في فارس، نفس المقالة).
5 ـ قوام الدولة أبو الفوارس بن بهاء الدولة (د 419هـ/1028م):
بعد موت بهاء الدولة عيّنه سلطان الدولة على إمارة كرمان، وذلك عام (403هـ/ 1012م).
عام (407هـ/ 1016م): ألّبه الديلم على أخيه سلطان الدولة، فجهز جيشاً لمهاجمة فارس، لكنّه هزم، فطارده سلطان الدولة، فهرب إلى خراسان عند (يمين الدولة محمود: فجهزه محمود بجيش، ووجهه إلى كرمان، فاستولى عليها، وهاجم فارس، ودخل إلى شيراز، وكان سلطان الدولة في بغداد. فعاد سلطان الدولة مسرعاً وهزم أبو الفوارس، وتوجّه بجيشه إلى كرمان واحتلها. فالتحق أبو الفوارس بشمس الدولة في همدان. وتوجّه من هناك إلى (مهذب الدولة) في البطيحة، ثمّ عقد صلحاً مع سلطان الدولة وعاد إلى كرمان.
في عام (415هـ/1024م) مات سلطان الدولة، وبايع أتراك فارس (أبو الفوارس) فأسرع إلى شيراز، فتوجّه (أبو كاليجار ابن سلطان الدولة) من الأهواز إلى شيراز لمواجهته، فهزمه وانسحب أبو الفوارس إلى كرمان. ووقع خلاف في شيراز بين الديلم وأبو كاليجار، فغادر أبو كاليجار شيراز، وعاد أبو الفوارس إليها بدعوة من الديلم، ثمّ عقد صلحاً مع أبو كاليجار، على أن يتولى أبو الفوارس حكومة فارس وكرمان، ويتولّى أبو كاليجار حكومة خوزستان.
ورغم هذا الاتفاق، فإنّ سوء سيرة (أبو منصور حسن بن علي الفسوي) وزير أبو الفوارس، وتململ الناس من الحكم، بسبب قيام أبو كاليجار بمهاجمة فارس، وتراجع أبو الفوارس عنها.
وفي عام (418هـ/ 1027م) هاجم كرمان ولم يفلح، فطلب الصلح، وتقرّر أن يرسل كلّ عام (20,000) دينار إلى أبو الفوارس. لكن أبو الفوارس قام في العام التالي بتجهيز جيش ليحتل فارس، ولكنّه مات خلال ذلك.
6 ـ عماد الدولة أبو كاليجار مرزبان (راجع آل بويه في فارس، نفس المقالة).
7 ـ عز الملوك أبو منصور فولادستون بن أبي كاليجار.
بعد موت عماد الدولة أبو كاليجار، احتل فولادستون شيراز، ثمّ استعادها منه الملك الرحيم، وسجن فولادستون في قلعة (اصطخر). وفي عام (441هـ/ 1049م) فرّ (فولادستون) وشن هجوماً على شيراز بدعم من بعض الديلم، ففشل ثانية، فطلب دعم (طغرل السلجوقي) فأرسل له جيشاً ليسانده، فتمكّن بذلك فولادستون من الغلبة على جيش الملك الرحيم، ودخل إلى شيراز عام (445هـ/ 1053م) وخطب باسم (طغرل).
وفي عام (447هـ/ 1055م) قام (فولاد) أحد قادة الديلم بالاستيلاء على شيراز، فطرده (فولادستون) وحكم شيراز باسم الملك الرحيم، وبعد عام من ذلك استولى (طغرل) على بغداد، وأسر الملك الرحيم، غافل (الفضل بن حسن فضلويه) (فولادستون) واعتقله وسجنه عام (448هـ/ 1056م) وانتهت بذلك سلالة آل بويه كلياً.
المناظرة العقائدية الحرة في العهد البويهي
إنّ إحدى الخصائص المدهشة والمميزة للثقافة في ظل البويهيين هي أنّ أياً من الاتجاهات العقائدية التي نشأت وتطورت منذ ظهور الإسلام في جو من المنافسة الحادة لم يتغلب على الاتجاهات الأخرى بطريقة حاسمة. على العكس، كلّها راحت تشهد ازدهاراً وترعرعاً بفضل تضافر أو تداخل عاملين أساسيين التوتر (أو الصراع) الاجتماعي ـ السياسي من جهة، ثمّ تلك الحرية المدهشة للتفكير من جهة أخرى. فقد راح كلّ واحد من هذه الاتجاهات العقائدية يحظى بالأدبيات النضالية الغزيرة التي تدعمه. وبالكتب المدرسية التي تكرس نضجه واختلافه في آن معاً. هكذا راح الخط السني يترسَّخ من خلال المذهب الحنبلي الذي حاول الأشعري ترسيخه عن طريق اللجوء المحدود إلى علم الكلام أو عن طريق تحجيم علم الكلام. وراح الكليني يعارضه ويرسخ المذهب الشيعي عن طريق تقديم أوّل بلورة «أرثوذكسية» منتظمة لهذا المذهب([522]). وكان ذلك في «كتاب الكافي». هكذا راحت الأرثوذكسية الشيعية ترسخ ذاتها عقائدياً في مواجهة الأرثوذكسية السنيّة (الكليني مات عام 329). وأمّا المذهب الزيدي فقد لقي في أبي الفرج الأصفهاني مدافعاً ذكياً فطناً يعرف كيف يستخدم كلّ كنوز الكتابة الأدبية من أجل استمالة القلوب إلى حزبه (أو مذهبه). لقد عرف كيف يستخدم الأسلوب الرائج في ذلك الزمان، وبخاصة أسلوب القص الأدبي الذي يترعرع فيه الخيال (انظر كتابه الشهير: الأغاني). وقد مات الأصفهاني عام (356). وفي موازاة ذلك راحت الأعمال الفلسفية للفارابي والأعمال الموسوعية الغزيرة للمسعودي والأعمال الواسعة لجابر بن حيان تفتتح للجيل التالي الحقول الأساسية للصراع السياسي والبحث الفكري([523]). (يمكن القول بأنّ أعمال جابر كانت قد أنجزت حوالي عام 330. وأمّا الفارابي فقد مات عام 339، والمسعودي عام(355ـ356). ولنضف إلى ذلك، لكي تكتمل الصورة، ذلك التيار الدنيوي اللاهي الذي انتصر في المدن الكبرى وأشاع جو المرح والفرح والمتع والملذات في مواجهة التيار الزاهد المتقشف الذي لا ينفك يدعو إلى الأخلاق ومقاومة الشهوات. (تيار الظرف والظرفاء).
وفي أثناء النصف الثاني من القرن الرابع، حظيت كلّ هذه التيارات بمتابعين يسيرون على ذات الخط، وكانوا أصحاب مواهب ويشتغلون في ظل الهيمنة المتزايدة للعقل وضرورة التهذيب والتثقيف. فمثلاً فيما يخصّ الخط السني نلاحظ أنّ الوعاظ والفقهاء الحنبليين راحوا يستعيدون دون كلل أو ملل مقولاتهم الفظَّة والجافة من اجل إدانة كلّ البدع، أي كلّ التجديدات والاكتشافات، ثمّ لكي يحولوا «الشباب» و«غير العرب» إلى الإسلام الحقيقي([524]) (أو ما يعتقدونه كذلك). وقد ساعدهم على هذا النضال العقائدي أنصار الحركات القريبة منهم قليلاً أو كثيراً كأبي طالب المكي (مات عام 386)، وأبي بكر الآجري ( م. 360)، وابن سمعون (م387)، وهم أناس واقعون تحت تأثير الصوفية. كما و ساعدهم ذلك المحدثون التقليديون من أمثال قاسم الطبراني (م. 360)، والدارقطني (م. 385)، إلخ…
ومن المعلوم أنّ هذه العائلة الروحية (أي الحنابلة) كانت متعلقة قبل كلّ شيء آخر بحرفية النصوص المقدسة. وقد انفصل عنه بشكل واضح مفكّر أشعري كالباقلاني (م. 403). فقد ابتعد عن منهجية «الإمام ـ المؤسس» أحمد بن حنبل عندما أخذ يولي عناية خاصة للمحاجة العقلانية أو للقياس المنطقي. بل أكثر من ذلك فإنّ القاضي المالكي الشهير قد أخذ يستخدم قواعد النقد الأبي التي راحت تتّسع لكي تشمل كلتي «الصناعيتن»، أي صناعة الشعر وصناعة النثر، أقول أخذ يستخدمها لمعالجة موضوع خطير هو: إعجاز القرآن. إنّ تأسيس المعجزة القرآنية أو تبرير هذه المعجزة من خلال المعايير النقدية والأسلوبية المتشكلة تحت تأثير عوامل مختلفة من دنيوية محضة وأجنبية يبدو بالنسبة لنا ثورة أو جرأة ما بعدها جرأة لو أنّ الباقلاني كان واعياً بالأبعاد الحقيقية لما يفعله (فالقرآن ليس بحاجة إلى تأييد المعايير البلاغية والنقد الأدبي من أجل البرهنة على إعجازه. إنّه معجز بطبيعته وكفى. وكلام الله ليس بحاجة إلى كلام البشر لتدعيم موقفه. هذا ما تقوله المحاجة اللاهوتية التي لا تناقش… وبالتالي فلماذا لجأ الباقلاني إلى محاجات بلاغية للبرهنة على ما هو مبرهن سلفاً من قبل الحكم اللاهوتي أو ليس بحاجة إلى أي برهان؟ وهل كان واعياً أنّه ينقض بذلك ولو ضمنياً المحاجة اللاهوتية القائلة سلفاً بإعجاز القرآن؟ بالطبع لا. فهذا الشيء كان يمثل آنذاك ما ندعوه الآن باللامفكر فيه أو بالمستحيل التفكير فيه). لنضف إلى ذلك بأنّ الباقلاني، بصفته شخصية رسمية ومؤلفاً، كان يجسّد جميع التناقضات المفروضة على وضع الكثير من المثقفين في عصر البويهيين.
فعلى الرغم من أنّه كان منخرطاً في الدفاع عن الخلافة العباسية والنضال ضد أعداء السنّة (بمن فيهم اليهود والمسيحيون) فإنّه كان يتمتع بدعم عضد الدولة (الشيعي المذهب)!
بل ويُقال بأنّ عضد الدولة قد وكّل إليه مهمة تعليم أحد أبنائه في شيراز([525]).
وأمّا المذهب الشيعي الإثني عشري فقد لقي في شخص ابن بابويه الملقب بالشيخ الصدوق (م. 381) فقيهاً من حجم كبير. وكان يعمل في الري تحت حماية ركن الدولة. فقد راح يتابع أعمال الكليني ويطوّرها، وكان مؤلفاً غزيراً جدّاً، إذ خلَّف وراءه، رسائل في الفقه والكلام والأخلاق. وقد ابتدأنا بالكاد نتعرّف عليها ونكتشف أهميتها. وسوف يكون من المفيد جدّاً أن نقارن بين مواقعه العقائدية التي عبَّر عنها في عقيدته، وبين مواقع الباقلاني أو مسكويه([526]). فذلك سوف يضيء لنا أشياء كثيرة لو تمّ بشكل منهجي وتاريخي دقيق.
ولكن ينبغي أن نطرح بعض التساؤلات حول طبيعة العلاقات الكائنة بين «شيعية» ابن بابويه من جهة، وبين «معتزلية» القاضي عبدالجبار من جهة أخرى (م415). ومن المعلوم أنّه قد مثَّل الاتجاه المعتزلي بشكل رائع في المدينة نفسها والفترة ذاتها. في الواقع إنّ المقارنة بين كلا الاتجاهين، الشيعي والمعتزلي، تفرض نفسها علينا، وبخاصة أنّ الصاحب ابن عباد كان شيعياً ومعتزلياً([527]) في آن معاً (م. 386). أنّ الشخصية المعقدة لهذا الوزير القوي تكفي لوحدها في التدليل على مدى أهمية التداخل بين هذين التيارين الفكريين الذين نميل إلى الفصل بينهما بطريقة تبسيطية أكثر من اللازم. والواقع أنّ هذا الفصل يعتمد على مصادر أو مؤلفات متأخرة ومنخرطة في الصراع ضد «الزندقات». وهكذا يمكننا أن نجد علامات تدل على أنّ الصاحب كان إمامياً، ومعتزلياً، وزيدياً، وشافعياً، وحنفياً، وحشوياً([528]). في الواقع أنّه إذا تخلينا عن المنظور التشويهي للأدبيات البدعوية الكلاسيكية (أي كتب الملل والنحل) وتأمّلنا طويلاً في حالة الصاحب بصفته شخصية سياسية وأدبية في آن معاً، لوجدنا أنّه من السهل أنّ نبيّن أنّه كانت هناك طريقة لاستخدام كلّ هذه المذاهب، إن لم يكن لمصالحتها وإقامة التوافق بينها. إنّ الأدب بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي الأخذ من كلّ علم بطرف، كان يقدّم لكلّ إنسان مثقف نسبياً إطاراً مرناً وواسعاً بما فيه الكفاية لكي يعبر بشكل انتقائي عن مختلف هذه المذاهب والتيارات. نقصد بذلك أنّ كلّ عمل فكري كان ينجح في التوصل إلى أسلوب رائق جمالياً وإلى استخدام تقنيات التأليف السائدة في ذلك الزمان وإلى تحقيق الهدف الاساسي في تثقيف النفوس وتهذيبها، أقول إنّ كلّ عمل من هذا النوع كان قادراً على أن يخترق الجدران الطائفية والمذهبية ويصل إلى جميع الناس. وهكذا تشكّلت أدبيات كثيرة تستمد قيمتها ووحدتها من مقدرتها على هضم مختلف تيارات الرأي العام وتمثُّلها([529]).
ولكن على الرغم من كلّ ما قلناه سابقاً فإنّ الأدب يغطي على التناقضات بدلاً من أن يتجاوزها. أقصد الأدب كنوع كتابي وكما كان سائداً في المرحلة الكلاسيكية من عمر الحضارة العربية ـ الإسلامية. إنّه يجعل التحليلات النقدية والمراجعات الذاتية للذات، اللهمَّ عندما يمارس من قبل مفكر كبير كالتوحيدي. فهو عندئذ ينفتح على قيم الماضي والتعاليم المستمدة بشكل حي من الحياة اليومية في آن معاً. ونلاحظ أنّ الفلسفة قد لعبت دوراً خصباً جدّاً ومفيداً في مثل هذه الحالة الأخيرة (حالة التوحيدي وأمثاله). فالفلسفة هي وحدها القادرة في نهاية المطاف على تقديم الوسيلة الأكثر فعالية لتجاوز الانقسامات السياسية ـ الدينية (أو الطائفية والمذهبية). إنّها وحدها القادرة على تقديم حل معقول لتلك البشرية الواقعة فريسة الشك والارتياب والتعصب المذهبي الشديد. (فالفلسفة لا مذهب لها، الفلسفة فوق الطوائف والحزازات المذهبية. الفلسفة للجميع لأنّ مذهبها العقل).
نشر الفلسفة أو انتشارها
إنّ هذا الدور الذي لعبته الفلسفة يبدو لنا بمثابة الخصيصة الثالثة والأساسية للثافة في ظل البويهيين. وينبغي أن نلحّ على هذه النقطة هنا لكي نصحّح مرّة أخرى ذلك المنظور التاريخي الخاص بالفكر العربي. (المقصود المنظور الاستشراقي ـ الغربي القديم الذي لا يعتبر العرب جديرين بالفلسفة…) فالفلسفة لم تكن فعالية هامشية محصورة ببعض الشخصيات الفكرية الكبرى والمعزولة كما يوهمنا الاستشراق الكلاسيكي. على العكس كان هناك أجيال بأسرها تهتم بالفلسفة وتنخر فيها. فالجيل الذي كوّنه يحيى بن عدي (م. 364)، وهيمنت عليه لاحقاً شخصية أبي سليمان المنطقي (م. حوالي 391) من جهة، ومؤلفات «إخوان الصفاء» من جهة أخرى، أقول إنّ هذا الجيل كان قد أعطى انطلاقة جديدة للفكر الإغريقي كما فُهم وتجلّى من خلال الترجمات. ويبدو أنّ الفكر الإغريقي قد شهد عندئذٍ موجة واسعة من الانتشار، بل وأوسع من انطلاقته الأولى على يد المأمون. في الواقع إنّ التوحيدي لم يكن هو وحده الذي كرَّر تجربة الجاحظ عن طريق وضع أسلوبه الرائع وثقافته العربية الواسعة في خدمة العلم الأجنبي (أو العلوم الدخيلة كما كان يُقال آنذاك). بل كان هناك آخرون كثيرون. فالواقع أنّ هذا العلم الأجنبي قد ألهم بشكل مباشر أو غير مباشر القسم الأعظم من الإنتاج الفكري آنذاك. فالنحو، والنقد الأدبي، واللغة، وعلم التاريخ، والجغرافيا، وكتب المختارات، والمقالة، بل وحتّى الشعر، كلّها شهدت تأثّراً بالعلوم الدخيلة، وبدرجات متفاوتة. فتأثير «العلوم الدخيلة» على الثقافة العربية الإسلامية كان واضحاً وشاملاً. لقد أثّرت على مصطلحات علم الفلك والتنجيم، والعلوم الفيزيائية والطبيعية، وعلم مساحة الأرض، وعلم الأخلاق، وعلم السياسة. وبالإضافة إلى ذلك أثّرت على نوعية المسار «العلمي» أو المنهجي نفسه، أي على تقنيات الكتابة والتأليف والمحاجة العقلية وطريقة استخدام المصطلح والفكرة([530]). ولكن الفلاسفة من جهتهم راحوا لملاقاة الثقافة العربية ـ الإسلامية المحضة لكي يطلعوا عليها ويستفيدوا منها. فقد اطلعوا على كتب الأدب بالمعنى الواسع للكلمة (ككتاب «عيون الأخبار» مثلاً، أو كتاب «الأغاني…»)، كما واطلعوا على العلوم الدينية. واستمدوا منها أمثلتهم وأخذوا على عاتقهم همومها واهتماماتها، وأخضعوا معطياتها لمنهجية العقل وتمحيصه وهذا يعني أنّهم لم يذوبوا في الأجنبي ولم يستلبوا ثقافياً، وإنّما استخدموا الأجنبي لإغناء الثقافة العربية ـ الإسلامية. وهكذا ظهرت كتب من نوع «تهذيب الأخلاق»، و«الهوامل والشوامل»، و«كتاب السعادة والإسعاد»، و«المقابسات»، و«صيوان الحكمة»، إلخ… وكانت ميزتها هي أنّها أشاعت المصطلحات الفلسفية الصعبة بل وحتّى المواقف الفكرية المعمقة التي كانت محصورة حتّى ذلك الوقت بنخبة من المثقفين الاختصاصيين. لقد أشاعتها في أوساط جمهور واسع وعريض يتجاوز حدود الحلقة الضيقة. وهذا ما يفسّر لنا سبب قبول هذه الأدبيات في الوسط العربي بل وحصولها على ترخيص إسلامي أو جواز سفر حتّى من قبل المفكرين الأكثر «أرثوذكسية» وتشدّداً كالماوردي، والغزالي، بل وحتّى ابن تيمية([531]). بمعنى آخر فإنّ هذه الحركة المزدوجة التي كانت تجعل الفلسفة أدباً، والأدب فلسفة، راحت تؤدّي إلى تشكيل ذوق معين، وفضول معرفي، وأخلاق محدّدة تماماً. وراحت هذه الأشياء الثلاثة تترسخ، قليلاً أو كثيراً، في الثقافة العربية التالية([532]).
إذا كنّا قد توقفنا طويلاً عند دراسة المتغيرات التي طرأت على الدولة البويهية، فإنّ ذلك كان من أجل تفسير سبب هذه الخطوة التي لقيتها الفلسفة، وسبب هذا التوجّه الذي اتخذته. ونستطيع الآن أن نلاحظ أنّ هذه المعرفة الفلسفية كانت مناسبة لحاجيات وإمكانيات الأوساط الحضرية العراقية ـ الإيرانية في القرن الرابع الهجري. لقد كانت الفلسفة من حيث بنيتها ومقاصدها ملائمة لتلك البيئة حقاً وتتجاوب مع تطلعاتها. ولهذا السبب انتشرت وانتصرت لفترة من الزمن. وهكذا نلتقي مرّة أخرى بنظريات المفكر الفرنسي الكبير جان بيير ڤيرنان عندما تحدّث عن الحضارة الإغريقية والمدينة الإغريقية. فكلّ الخصائص المميزة التي استخلصها لوصف «المناخ الروحي» للمدينة الإغريية نجدها في المدن الكبرى البويهية. ما هي هذه الخصائص المميزة بحسب تحديد جان بيير ڤيرنان؟ إنّها تتمثّل في الأشياء التالية: «أولوية الكلام على كلّ شيء آخر». يحصل ذلك إلى درجة أنّ «فن السياسة هو أساساً فن استخدام اللغة أو المهارة في السيطرة عليها». ويتشكل عندئذٍ «منطق للصح خاص بالمعرفة النظرية وحدها. إنّه يتشكل ضد منطق المحتمل أو الممكن». «طابع الدعاية الواسعة التي تحظى بها تظاهرات الحياة الاجتماعية الأكثر أهمية». وهذا يؤدي إلى أن تصبح «المناقشة والمحاجة العقلية والمجادلة القواعد الأساسية للحياة الفكرية كما للحياة السياسية (يمكن القول أيضاً اللعبة الفكرية واللعبة السياسية). وأمّا الحكايات السرية والعبارات الباطنية فتكشف عن سرّها ومجهولها وجبروتها الديني لكي تصبح «الحقائق» التي سيتناقش حولها الحكماء». يضاف إلى ذلك أنّ وحدة المدينة ـ الدولة مؤسسة على التشابه الكائن بين أعضائها الموحدين عن طريق «الصداقة والمحبة بالمعنى الكلاسيكي الواسع للكلمة، وليس بالمعنى الحديث الضيق (أي بالمعنى الذي حدّده أرسطو وأخذه عنه التوحيدي ومسكويه في كتابي «الصداقة والصديق» و«تهذيب الأخلاق» ـ المترجم). إنّهم موحدون عن طريق الصداقة والمحبة في أمّة واحدة متضامنة على فعل الخير والمصلحة العامة. ثمّ يمكننا أن نتحدّث أخيراً عن أزمة هذه الحضارة باعتبارها تمثّل خصوصيتها الأخيرة. وقد شرطت هذه الأزمة بشكل خاص كبراء فلاسفة المسلمين»([533]).
لا ريب في أن تغلُّب التعاليم الدينية التوحيدية على تعاليم العقل المحض قد أوجد مناخاً فكرياً مختلفاً عن ذلك المناخ الذي فكّر فيه حكماء الإغريق الأوائل (أو فلاسفة الإغريق من أمثال أفلاطون وأرسطو). فحرية الفكر لدى الإغريق كانت أكبر. ولا ريب أيضاً أنّ تعددية التراثات الفكرية والعقائد السائدة في الشرق الأوسط القديم قد أدّت إلى تعقيد مهمة الفلسفة أكثر. ولكن هذه العوامل ليست كلّها سلبية. فهي تؤدّي إلى تحريك الرغبة أو تحريضها من أجل التوصل إلى حقيقة صالحة للجميع ولكل الأزمان. إنّ الحاجة إلى تجاوز الخصومات والاختلافات والتعصب الديني والمذهبي تصبح في مثل هذه الظروف حاجة ماسة. وهي تتغلب عندئذٍ لدى النخبة المثقفة الكثيرة العدد والمدعومة من قبل قادة مستنيرين، على التعلق السلبي أو الانتماء العاطفي المتعصب إلى الحلول الدوغمائية (أي الحلول المغلقة الضيقة التي تقدمها المذاهب والطوائف). وكنّا قد لاحظنا سابقاً أنّ هدف كتب المختارات هو التوصل إلى هذه النتيجة، وكذلك كان هدف كلّ أولئك الذين دخلت إلى عقولهم اليقينيات الفلسفية([534]). لقد فشلت الأمة كمشروع موحَّد كان النبي قد حدّد قواعده ورسالته في البداية. والدليل على ذلك انقسامها إلى مذاهب وفرق متصارعة. وأمام هذا الفشل لم يبق للمفكرين إلاّ أن يقوموا برد فعل متضامن من أجل إنقاذ مدينة مهدّدة (أو أمّة مهدّدة بالانقسامات). ولهذا السبب عادوا إلى تجربة الحكماء القدماء، أي إلى فلسفة أفلاطون وأرسطو وغيرهما، لكي يستمدوا منها خبرة جديدة ومعرفة توحد الأمّة المهددة والمنقسمة على نفسها. ولم يعودوا إليها لأسباب تجريدية نظرية، أو لتكرار نصوص عفا عليها الزمن، وإنّما عادوا إليها لتلبية حاجيات عملية مطروحة عليهم في مجتمعهم وعصرهم ومن أجل التضامن مع عصرهم. بهذا المعنى يمكن القول بأنّ الفلسفة العربية ـ الإسلامية ليست تقليداً حرفياً لفلسفة الإغريق (أي دون أصالة ودون ابتكار كما يقول الاستشراق الكلاسيكي). وإنّما هي إعادة تحيين وتجسيد لهذه الفلسفة في سياق آخر وظرف آخر (هو سياق القرن الرابع الهجري وظروف المجتمع البويهي). وبالتالي فمن المشروع القول بأنّ المصادر العربية المكتوبة مباشرة حتّى لو كانت تستعيد النصوص الإغريقية حرفاً حرفاً، هي أفضل وسيلة للتعبير عن المصادر الحيّة للقلق الفلسفي. (بمعنى أنّها مرتبطة بعصرها وظروفه وحاجياته وقلقة أكثر ممّا هي مرتبطة بالإغريق حتّى ولو قلدتهم حرفياً) ([535]).
البويهيون يطلقون الحريات العامة
أعاد العهد البويهي (334ـ447هـ) لبغداد انفتاح البرامكة والمأمون على المذاهب والأديان الأخرى، ففي عهدهم نشطت مجالس المناظرات الفكرية والفقهية بين أئمة المذاهب المختلفة. لذا نشط الشيعة والشافعيون والحنفيون والمعتزلة على السواء فكان قاضي القضاة الشافعي الأشعري، أبو الحسن الماوردي (ت 450هـ) وسيطاً بين دار الخلافة العباسية ودار المملكة البويهية([536]). وكان أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ)، إمام الأشاعرة في عصره، سفيراً لعضد الدولة البويهي (ت 372هـ) إلى ملك الروم البيزنطينيين([537]). كما أنّ الشيخ المفيد وتلامذته خلفوا آثار علمية جليلة في بغداد.
ومن الفقهاء الشافعيين الذين احتلوا مراكز قضائية، أثناء الحكم البويهي، القاضي أبو بكر الجرجاني (418هـ)، وقاضي القضاة المعتزلي عبدالجبار الأسداباي(ت415هـ)، كذلك قاضي بغداد عمر بن أكثم الأسدي (ت 357هـ)، وقاضي القضاة في العراق أبو السائب عتبة بن عبيدالله الهمداني (ت 350هـ)، وقيل هو أوّل من تولّى مهام القضاء من الشافعية([538]). وقاضي القضاة الحسين بن علي بن جعفر، المعروف بابن ماكولا (ت 447هـ)، صاحب كتاب «الإكمال»، وتولّى قضاء بغداد في السنة 420هـ. والقاضي أبو علي الحسن بن عبيدالله البندنيجي (ت 425هـ)، الذي تولّى قضاء بغداد: الرصافة ومدينة المنصور، وكان «يدرس في قطيعة الربيع، وله حلقة الفتوى في جامع المنصور»([539]).
ومع كثرة القضاة الشافعيين هناك من رفض هذا المنصب مبكراً، مثل: الحسين بن صالح بن خيران البغدادي (ت 320هـ).
ويشار إلى أبي علي الحسن بن محمد الزعفراني (ت 249هـ) بالنشاط الشافعي المبكر في بغداد، وأبو القاسم عثمان بن سعيد الأنماطي الشافعي (ت 282هـ)، وقيل إنّه كان «السبب في نشاط الناس بالأخذ بمذهب الشافعي في تلك البلاد (بغداد)». ثمّ القاضي أبو سريح أحمد بن عمر ابن سريح البغدادي (ت 306هـ)، الذي عمل على نشر الفقه الشافعي في أكثر الآفاق([540])، والفقيه أحمد بن محمد بن العلي السيبي (372هـ)، المنحدر من سواد الكوفة بناحية قصر ابن هبيرة. ومن أشهر الفقهاء والمؤلفين الشافعيين، في العهد البويهي، أبو بكر بن أبي داود السجستاني (ت 319هـ)، صاحب كتاب «المصاحف»، ونجل الحافظ السجستاني صاحب السنن([541]).
ويتضح نفوذ المذهب الشافعي في ظل البويهيين من تصرفات فقهائه وتدخلهم في شؤون المملكة والخلافة، وأفتى أبو الحسن الماوردي فتوى ضد تلقيب السلطان البويهي بملك الملوك «وشدّد في ذلك، وكان الماوردي من خواص جلال الدولة البويهي فلمّا أفتى بالمنع انقطع عنه، فطلبه جلال الدولة، فمضى إليه على وجل شديد، فلمّا دخل قال له: إنّ تحقق إنّك لو حابيت أحد لحابيتني، لما بيني وبينك، وما حملك إلاّ الدّين، فزاد بذلك محلك عندي»([542]). واحتفظ الماوردي بمركزه وقربه من الملك، وأثناء ذلك، كان يحمل سراً رسائل الخليفة العباسي إلى السلاجقة، في التنسيق ضد البويهيين([543]).
لكن شفاعياً آخر هو القاضي أبو الطيب الطبري (ت 450هـ) أفتى بجواز إطلاق لقب ملك الملوك، بمعنى ملك الأرض، مبرراً ذلك بوجود لقب قاضي القضاة، ووافقه في تلك الفتوى أحد فقهاء الحنابلة([544]). وقصة هذا اللقب، أن أمر الخليفة العباسي القائم بأمر الله (ت 467هـ)، في السنة 429هـ، «أن يزاد في ألقاب جلال الدولة بن بويه الشاهنشاه الأعظم ملك الملوك، وخطب له بذلك، فأفتى بعض الفقهاء بالمنع، وأنّه لا يُقال ملك الملوك إلاّ لله، وتبعهم العوام، ورموا الخطباء بالآجر، وكتب إلى الفقهاء في ذلك، فكتب الصيمري الحنفي: أنّ هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية»([545]).
ما تقدّم أشار بوضوح إلى رعاية البويهيين للعلم والفقه بمذاهبه المختلفة، وأن تشيعهم لم يمنعهم من تقريب المذاهب السنيّة: الحنفي والشافعي والحنبلي، لكن هجوم المؤرخين القدماء والمعاصرين، غير المنصف، عليهم كان بسبب رعايتهم المذهب الشيعي أسوة ببقية المذاهب الأخرى، في أن تكون له مدارس، وأن يحتفل بحزن عاشورا، الذي احتفل فيه ببغداد لأوّل مرّة بشكل رسمي برعاية آل بويه في السنة 354هـ، وأن يدفن عضد الدولة بن ركن الدولة (السنة 372هـ) في مشهد الإمام علي بن أبي طالب([546]). ومن التعسف بمكان أن يوصف البويهيون رغم انفتاحهم الفكري والفقهي «كانوا شيعة متطرفين، عملوا على إضعاف الخلافة السنيّة، وأضاعوا هيبتها، وشجعوا على نشر كثير من معتقداتهم([547]) الشيعية»([548]).
البويهيون والعلم والأدب
كان الملوك البويهيون الذين وصلوا إلى الحكم بعد الإخوة الثلاثة (عماد الدولة ومعز الدولة وركن الدولة) يتميزون بمعارف منوعة ويهتمون بالعلوم والعلماء، وكان عضد الدولة معدوداً في عداد علماء عصره وكان متبحراً في العلوم الأدبية والرياضيات، وكان ينشد الأشعار العربية وله بعض القصائد. وكان خبيراً في ذلك ولا يجرؤ أحد عدا الشعراء البارزين على إنشاد الشعر أمامه. ومن مظاهر فهمه للشعر: القصيدة المعروفة التي نظمت برثاء ابن بقية والتي مطلعها:
عُلُوٌّ في الحياة وفي الممات
لَحَقّ أنتَ إحدى المعجزات
فقد قال عضد الدولة لمّا بلغته: كنت أتمنى أن أكون القتيل ابن بقية وتكون هذه القصيدة في رثائي. أمّا عز الدولة فبالرغم من أنّه كان يقضي معظم أوقاته في اللهو واللعب. إلاّ أنّه كان يعقد المجالس العلمية وكان ينظم الشعر أيضاً. يقول الثعالبي: لم أسمع شعراً عن عز الدولة إلى أن دخل هارون بن أحمد الصيمري إلى نيشابور وعرض عليّ كتابه المسمّى بحديقة الحدق وكان قد نقل في ذلك الكتاب أشعاراً عن عز الدولة. ونقل الثعالبي ثلاث قطع من أشعار عز الدولة. ونقل الباخرزي قطعة من شعره. وقد وصف أبو حيان التوحيدي أحد المجالس العلمية التي انعقدت في شهر رمضان من سنة 360هـ في القاعة الكبيرة من قصر عز الدولة وكان أبو حيان نفسه حاضراً فذكر مشاركة عز الدولة في المباحثات ويقول إنّ نقيب المجلس كان أبا الوفاء المهندس البوزجاني من كبار الرياضيين في عهده.
وكان شرف الدولة ابن عضد الدولة من ملوك البويهيين، شديد الرغبة بعلم الفلك والنجوم وقد بنى مرصداً معروفاً في بغداد بالتعاون مع عدد من علماء الرياضيات والفلك والنجوم في ذلك العصر. ومن الذين كانت لهم مشاركة فعّالة في إقامة ذلك المرصد، أبو الوفاء البوزجاني المتقدم ذكره، وهو الفلكي والرياضي المعروف في عصر البويهيين والآخر هو بيجن بن رستم الكوهي الذي كان فريداً في علم الفلك وكان يتمتع بشهرة كبيرة وصيت واسع في صناعة أدوات المرصد وفي بنائه وكان بأمر من شرف الدولة يجلس في المرصد المذكور ليرصد حركة الكواكب السبعة وانتقالها من فلك إلى آخر([549]).
كما شارك أيضاً كلّ من أبي إسحاق الصابي وأحمد بن محمد الساماني([550])، الذي اشتهر في صناعة آلة الاسطرلاب([551]). وقد تمّ بناء المرصد المذكور في سنة 378 في نهاية البستان الذي كان فيه القصر الملكي ووضعت فيه الأدوات الفلكية اللازمة. وقد تمّ تسجيل هذا الأمر الذي أصدره شرف الدولة في وثيقتي استشهاد ووقع في ذيلها عدد من علماء الفلك والرياضيين وجمع من القضاة الذين كانوا في المرصد آنذاك([552]).
ويقول الثعالبي: إنّ تاج الدولة أبو الحسين أحمد أحد أبناء عضد الدولة كان أكثر سلاطين البويهيين إلماماً بالأدب والشعر. وكان في البداية حاكماً على الأهواز ولمّا اشتغل في الأدب انصرف من الأعمال الحكومية فأدخله أخوه أبو الفوارس السجن ونقل الثعالبي والباخرزي كثيراً من أشعاره([553]). وكذلك خسرو فيروز الملقب بالملك العزيز بن جلال الدولة الذي نقل الباخرزي عدداً من أشعاره([554]). وكذلك فناخسرو بن أبي طاهر بن بهاء الدولة وتوجد بعض أشعاره في دمية القصر([555]).
الكتب والمكتبات
كان عصر البويهيين يمتاز، عن العصور الأخرى بالعناية بالكتب والمكتبات. وقد تمّ تأليف أحسن الكتب وأنفسها في جميع فروع العلم والأدب في ذلك العهد كما تمّ تأسيس أضخم وأكبر وأهم المكتبات التي لا مثيل لها في أي عصر آخر. وقد كان لها بعد ذلك مصير محزن وسنذكر بعضها.
مكتبة عضد الدولة الكبرى في شيراز
كان المقدسي من علماء المسالك والممالك في القرن الرابع من الذين شاهدوا مكتبة عضد الدولة في شيراز واستفاد من الكتب الموجودة فيها والصور (الخرائط) والأشياء الأخرى. ويقول في وصف المكتبة المذكورة: خصص مكان في قصر عضد الدولة الكبير في مدينة شيراز للكتب وكان يعمل هناك عدد من العدول والذين يوثق بهم في شيراز بصفة وكلاء وخزنة في هذه المكتبة. وتوجد في هذه المكتبة جميع الكتب التي تمّ تأليفها حتّى عصر عضد الدولة في مختلف العلوم والآداب. والمكتبة تتألف من مبنى طويل وتوجد في كلّ جانب مخازن للكتب. وقد تمّ وضع الكتب المختصة بكلّ علم وفن في حجرة خاصّة، وتمّ إعداد فهارس سجلت فيها أسماء الكتب. ويوجد امام باب المكتبة حراس لا يسمحون لكلّ أحد بدخول المكتبة([556]).
ويقول المقدسي أيضاً: توجد في مكتبة عضد الدولة ومكتبة الصاحب بن عباد الخرائط والصور والنقوش، عن البر والبحر وكيفية اتصال البحار بالبر رُسمت على (القماش). ويقول المقدسي كذلك: إنّي شاهدت خرائط وصور نقشت على الورق، عند أمير خراسان (الأمير الساماني) وشاهدت أيضاً في مدينة نيشابور صورة نقشت على القماش عند أبي القاسم بن الأنماطي. وكانت هذه الخرائط والصور تختلف بعضها عن البعض الآخر، وبعضها على شكل الطيلسان، تضمّ بلاد الصين والحبشة، وجانباً منها بحر القلزم (البحر الأحمر) والجانب الآخر مدينة عبادان (آبادان)، وقد رسم هذه الصورة أبو زيد على شكل طائر منقاره نحو القلزم ورقبته نحو العراق وذيله بين الحبشة والصين([557]). وعدا الصور والخرائط الجغرافية، توجد في هذه المكتبة كتب عن أحوال سكان كلّ مدينة وناحية وأخلاقهم وصفاتهم والمواصفات لكلّ محل أو إقليم من ناحية المحاصيل والمناخ وأماكن السياحة والمصنوعات وما شابه ذلك([558]).
ولست أدري ماذا كان مصير هذه المكتبة، وربّما دمّرت في الحروب والفتن والخلافات التي برزت بعد وفاة عضد الدولة في إقليم فارس ومدينة شيراز.
المكتبات الأخرى
ومن المكتبات المعروفة الأخرى في ذلك العصر، مكتبة الصاحب بن عباد في مدينة الري، ويُقال إنّه لمّا دعاه نوح بن منصور الساماني سراً للذهاب إلى خراسان، كان من المعاذير التي ذكرها أنّه يجب إعداد أربعمائة بعير لحمل الكتب العلمية فقط. وكان فهرس المكتبة المذكورة في عشر مجلدات، ولكن لمّا دخل السلطان محمود الغزنوي مدينة الري، قالوا له إنّ الكتب الموجودة في هذه المكتبة هي كتب الرافضة وأصحاب البدع، فأفرز الكتب الخاصة بعلم الكلام من المكتبة وأمر بإحراقها([559]).
ويقول الصاحب بن عباد إنّ عدد الكتب الموجودة في مكتبتة كان مائتين وستة آلاف كتاب([560]).
ومن المكتبات المهمة في ذلك العصر، مكتبة أبو الفضل ابن العميد في الري. ويقول مسكويه خازن تلك المكتبة إنّه توجد فيها كتب في جميع العلوم وجميع أنواع الحكمة والأدب ولمّا نهب أبناء خراسان دار ابن العميد، وبلغه خبر ذلك، كان أوّل سؤال له، ماذا فعلوا بالمكتبة؟ ولمّا بلغه الخبر بأنّ المكتبة لا تزال قائمة على حالها لم يهتم بما فقده من أموال وقال كلّ شيء يعوّض، عدا الكتاب([561]).
وكان لابن معز الدولة مكتبة تحتوي على خمسة عشر ألف كتاب مجلد عدا الكتب غير المجلدة([562]).
وكان لرجال ووزراء البويهيين مكتبات خاصة بهم، حيث كان لأبي منصور بن فنه وزير أبي كاليجار (حفيد عضد الدولة) مكتبة تحتوي على تسعة عشر الف مجلداً. وكان في هذه المكتبة التي وقفها على طلاب العلم، أربعة آلاف ورقة مخطوطة بخط ابن مقلة (الكاتب المعروف) ([563]).
وأسّس شاپو بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة، مكتبة سنة 381هـ كانت تحتوي على كتب مختلفة في كلّ علم وفن وأسماها دار العلم بلغ عدد كتبها أكثر من عشرة آلاف مجلد وكانت للمكتبة موقوفات كثيرة([564]).
وربما أطلقوا عليها دار العلم لأنّها جمعت كتباً في الرياضيات والهندسة والطب وكان علماء تلك العلوم يرسلون نسخة كلّ مؤلف من مؤلفاتهم إلى تلك المكتبة. ويقول ابن أبي أصيبعة إنّ جبرائيل (بن بختيشوع) لمّا صنّف كتابه المعروف بالكناش الكبير للصاحب بن عباد وأسماه بالكافي بسبب لقب الصاحب (كافي الكفاة) أرسل نسخة من ذلك الكتاب إلى دار العلم([565]). وقد احترقت المكتبة المذكورة في سنة 450هـ عند دخول طغرل السلجوقي إلى بغداد([566]). وقيل إنّ الوزراء ورجال ذلك العصر، كانت لهم مخازن للكتب، ولمّا كانوا يُفصلون من أعمالهم ووظائفهم، كانوا يلجؤون إلى مكتباتهم([567])، كان أحسن شيء يمكن إهداؤه إلى أحد الوزراء، هو الكتاب.
وكان يحفظ في المكتبات إضافة إلى الكتب المختلفة، الأشياء الثمينة والنادرة كالخرائط والصور والنقوش ومخطوطات الخطاطين الكبار وكتباً مكتوبة بخط مؤلفيها ومختلف أنواع الورق والأقلام وأشياء أخرى. ويقول ياقوت الحموي كان يوجد في مكتبة بهاء الدولة بن عضد الدولة مختلف أنواع الورق السمرقندي والصيني والأوراق القديمة والنفيسة([568]).
وكان في المكتبة المذكورة تسعة وعشرون جزءاً من القرآن بخط ابن مقلة وأنّ الجزء الثلاثين المتبقي، كتبه أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب، الخطاط المعروف في عصره وخازن المكتبة المذكورة بمهارة خاصة لا يمكن لأحد أن يميز هذا الجزء عن الأجزاء التسعة والعشرين الأخرى([569]).
تنظيمات المكتبة
كان لكلّ مكتبة خازن تسلم إليه الكتب والأشياء الثمينة التي تحفظ في المكتبة. وكانت العادة أن ينتخب الخزنة من ذوي الخبرة والعلم ومن كبار الفضلاء والعلماء. فمثلاً كان خازن مكتبة ابن العميد، أبو علي مسكويه، المؤرخ والفيلسوف المعروف. وكانوا يعيّنون مساعداً للخازن في المكتبات الكبرى، ليساعده في أعماله، فمثلاً: مكتبة شابور ابن أردشير، بعد أن توفي شابور، فوّضت أمورها إلى الشريف المرتضى وأنّ هذا عيّن أبا عبدالله بن حمد ليساعد أبا منصور خازن المكتبة في أعماله([570]). وعدا الخازن كما ذكرنا في حديث المكتبة العضدية في شيراز فإنّ عدداً من العدول ـ أي كما نسمّيهم اليوم عمدة المدينة ـ كانوا يعملون في المكتبة بصفتهم نواب أو مشرفون.
وكان يعمل في المكتبات الكبرى، بعض من يسمّونهم بالوراقين([571]). وكانوا يستنسخون الكتب التي لم تكن موجودة في تلك المكتبة بعد أن يستعيروا تلك الكتب من المكتبات الأخرى، كما كان يعمل للمكتبات عدد من (المجلدين) (لتجليد) الكتب وتذهيبها. وكان ابن البواب، رغم كونه خطاطاً وخازناً لمكتبة بهاء الدولة ذا خبرة في تجليد وتذهيب الكتب([572]).
وكانت بعض المكتبات تدفع أجوراً للذين يراجعون المكتبة للمطالعة أو لاستنساخ الكتب. فمثلاً في مدينة رامهرمز (في القرن الرابع) كان يتسلم كلّ من يراجع المكتبة بانتظام للمطالعة أو لاستنتاخ الكتب، مبلغاً من المال([573]).
ترتيب الكتب في المكتبة
يقول ابن سينا واصفاً أمير خراسان: لمّا دخلت شاهدت بهواً فيه غرفاً كبيرة، وفي كلّ غرفة صناديق الكتب وضعت بصورة منظمة، ففي إحدى الغرف الكتب العربية ودواوين الشعر، وفي الأخرى كتب الفقه وعلى هذا الشكل في كلّ غرفة الكتب الخاصّة بالعلوم والمواضيع المختلفة([574]). وكان هذا النظام جارياً في المكتبة العضدية في شيراز كما أشرنا قبل هذا.
وفي بعض الأحيان كانوا يخصصون ألواناً مختلفة لمجلدات الكتاب يمكن التعرّف على تلك المجموعة من ألوان مجلداتها. فمثلاً الكتب الخاصّة بالعلم الفلاني مجلداتها حمراء اللون والكتب الخاصّة بالعلم الفلاني مجلداتها باللون الأصفر وما الى ذلك([575]).
فهرست الكتب
كانت العادة متبعة آنذاك في إعداد فهارس للكتب الموجودة في المكتبات. وربّما كانوا ينظمون الفهارس حسب ترتيب مواضيع الكتب. يقول ابن سينا طالعت في مكتبة الأمير الساماني فهرس كتب الأقدمين (حكماء يونان القدامى) وطلبت من مسؤول الكتب، تلك الكتب التي كنت بحاجة إليها. وقد ذكرنا سابقاً عن فهارس المكتبة العضدية في شيراز ومكتبة الصاحب بن عباد.
بعض الكتب التي
ألفت لضد الدولة
لمّا كان عضد الدولة نفسه من ذوي الفضل والعلم وكان يُعدّ من علماء عصره، كان يعاشره جمع من العلماء البارزين في مختلف العلوم ويتباحثون معه في المواضيع العلمية وإنّ هؤلاء العلماء صنّفوا وألّفوا له (وربّما بطلب منه) كتباً كثيرة، كلّ واحد منها يعتبر فريداً في حد ذاته. نذكر فيما يلي عدداً منها:
1 ـ (كتاب الإيضاح والتكملة): ألّف هذا الكتاب أبو علي الفارسي الفسوي (نسبة إلى مدينة فسا في مقاطعة فارس) عندما كان عضد الدولة يتعلّم عنده علم النحو، أي أنّه ألّف في البداية كتاب الإيضاح الذي يشتمل على 196 باباً (166 باباً في النحو، والباقي في الصرف) ولمّا طالعه عضد الدولة، قال إنّ هذا الكتاب مناسب للأطفال. وبعد مدّة من الزمن ألّف أبو علي كتاب التكملة وجاء به إلى عضد الدولة ولمّا طالعه قال إنّ الشيخ غضب وألّف كتاباً لا نفهمه نحن ولا يفهمه هو([576]).
إنّ كتاب الإيضاح والتكملة حسب ما أعلم غير مطبوع حتّى الآن ولكن توجد نسخ خطية كثيرة منه، فمثلاً هناك عدّة نسخ في مكتبات اسطنبول وتاريخ كتابة واحدة منها يعود إلى سنة 505 هجرية ونسختان في الخزانة المصرية واحدة منها كتبت في سنة 566هـ والأخرى في سنة 581هـ ونسخة أخر في الأسكوريال (إسبانيا) تاريخها سنة 605هـ وعدّة نسخة أخرى([577]).
2 ـ كتاب التاجي: كتاب التاجي الذي أسماه ابن النديم بكتاب دولة البويهيين وأخبار الديلم المعروف بالتاجي([578]) والذي أسماه السخاوي بكتاب أخبار الدولة البويهية([579])، هو من تأليف إبراهيم الصابي الحراني بأمر من عضد الدولة. وكلمة التاجي مأخوذة من أحد ألقاب عضد الدولة (تاج الملة). ويقول أبو شجاع الوزير إنّ الصابي كلّما انتهى من فصل من الكتاب، أخذه إلى عضد الدولة وكان عضد الدولة يجري التعديلات عليه ويزيد فيه أو ينقص منه([580]).
وكما يقول أبو شجاع إنّ كتاب التاجي يشبه كتاب تجارب الأمم لمسكويه وإنّ مواضيعه تنتهي في المكان الذي تنتهي مواضيع تجارب الأمم([581]).
وكان كتاب التاجي منذ تأليفه يعتبر من أهم مصادر تاريخ البويهيين وكان موجوداً حتّى القرن الثامن الهجري، حيث إنّ السيد تاج الدين النقيب من العلماء النّسابين في ذاك القرن، نقل عنه([582]). وإنّي لا أعلم ما إذا كانت نسخ منه موجودة بعد هذا القرن أم لا. ولم يحصل مؤلف كتاب حبيب السير على كتاب التاجي وقد قال إنّه يروى عن التاجي في الكتب المهمة أنّ نسب البويهيين يرجع إلى بهرام جور. وبالرغم من حصول مؤلف كتاب كشف الظنون على الكتب الموجودة في عصره (القرن الحادي عشر) إلاّ أنّه يبدو بأنّه لم يحصل على كتاب التاجي وأنّه نقل وصف هذا الكتاب عن ابن خلكان.
واليوم وبالرغم من جميع المحاولات التي تبذل للعثور على الكتب المفقودة حيث تمّ العثور على الكثير منها، فلم يتوصلوا حتّى الآن للعثور على كتاب التاجي ولكن لمّا كانت نسخ كثيرة من هذا الكتاب موجودة حتّى القرن الثامن فمن المؤمل أن تكون نسخة أو نسخ منه موجودة هنا أو هناك.
بعد سنين أو قرون من وفاة الصابي تمكّن أحد الكتّاب من تلخيص كتاب التاجي وأنّ النسخة المخطوطة من هذه الخلاصة موجودة في المكتبة المتوكلية في الجامع الكبير في مدينة صنعاء في اليمن وعنوانها: الكتاب المنتزع من الجزء الأوّل من الكتاب المعروف بالتاجي في أخبار الدولة الديلمية([583]). وذكرت مجلة رسالة الإسلام، الصادرة عن كلية أصول الدين ببغداد([584]) أنّ فيلمين من الكتاب المذكور محفوظان أحدهما في مكتبة الجامعة العربية في القاهرة تحت رقم 1262 والآخر ضمن مخطوطات دار الكتب المصرية تحت رقم 235.
3 ـ (صور الكواكب): موضوع الكتاب عن 48 صورة فلكية كتبها الفلكي الرياضي الكبير في القرن الرابع ـ أبو الحسين عبدالرحمن بن محمد الرازي المعروف بالصوفي، أحد أساتذة عضد الدولة، وقد تمّ طبع كتاب صور الكواكب في سنة 1954 ميلادية في مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد الدكن عن نسخة الأمير ألغ بيك لورگان([585]) وملحق بها أرجوزة حول مسائل الكواكب.
يقول الصوفي في مقدمة كتابه التي أهداها إلى عضد الدولة: ونستعين بالله على التوفيق والعون على ما يرضي الأمير الجليل عضد الدولة أطال الله بقاءه وتقرّب إليه وهو حسبنا ونعم الوكيل([586]).
4 ـ (كامل: الصناعة، أو الطب الملكي):كتاب كامل الصناعة الطبية وضعه علي بن عباس الأهوازي المعروف بالمجوسي أو ابن المجوسي لعضد الدولة ولهذا السبب عرف بالطب الملكي، ويسمّى ايضاً الكنّاش العضدي. ويشتمل الكتاب على الطب النظري والعملي، وكان موضع اهتمام الراغبين بالطب وقد عمّت دراسته إلى أنّ حلّ محله قانون ابن سينا. وإنّ لهذا الكتاب أهمية من الناحية العملية كما وأنّ كتاب القانون له أهمية من الناحية النظرية([587]). وقد تمّ طبع كامل الصناعة مراراً في ليدن ولاهور (الهند).
5 ـ (رسائل السجزي): مجموعة من خمس عشرة رسالة في علم الفلك والكواكب ونحوها. توجد نسخة ممتازة منها في المتحف البريطاني بلندن، والكتاب من تأليف أحمد بن عبدالجليل السجزي (نسبة إلى سيستان) من كبار الرياضيين والفلكيين في القرن الرابع الهجري وله مؤلفات كثيرة في النجوم والحساب والهندسة والفلك، ويبدو أنّه كان يعيش معظم أوقاته في شيراز في ظلّ عضد الدولة الديلمي وقد وشح كثيراً من مؤلفاته باسمه.
اهتمام عضد الدولة
بالعلماء وطلاب العلم
كان عضد الدولة، قد خصّص داراً إلى جنب مجلسه الخاص، للحكماء والفلاسفة، ليجلسوا ويناقشوا ويحققوا بعيداً عن ضوضاء عامّة الناس، ونتيجة لذلك برزت مرّة أخرى علوم الفلسفة والطبيعيات بعد أن أوشكت على الموت، وقد اجتمع أساتذة هذه العلوم بعد أن انتشروا هنا وهناك، وقد اهتمّ الشبان ورغبوا بالعلوم ومارس الأساتذة مهمة التدريس، وتحرّكت الأذواق وازدهرت العلوم بعد أن كانت على وشك الزوال([588]).
أعطى عضد الدولة أموالاً كثيرة إلى الشبان لتشجيعهم على الدراسة وليهتموا بالعلوم والآداب([589]). وكان كلّما وجد شاباً فيه الكفاءة لتحصيل العلوم يسعى في تربيته ويضع بين يديه كلّ ما يحتاجه. وصادف أن التقى في إحدى زياراته لمدينة أصفهان شاباً ذا كفاءة كبيرة، وكان اسمه طاهر وكان يدّعي أنّه من أحفاد أبي مسلم الخراساني، ورغم أنّه لم يتجاوز الرابعة عشر من العمر إلاّ أنّه كان يمتاز بكفاءة عالية وأخلاقية كبيرة، فأخذه عضد الدولة معه إلى بغداد، فتعلّم الفقه عند أبي عبدالله البصري في عام واحد وبعد مدّة قصيرة كان يتكلم بست لغات وهي العربية والفارسية والتركية والهندية والزنكية والرومية حيث كان المتكلمون بهذه اللغات كثيرون في بغداد آنذاك.
وكان هذا الشاب يحاور الصاحب ابن عباد بحضور عضد الدولة، وكان الصاحب يخجل من هذا الحوار([590])، وكان عضد الدولة قد خصّص رواتب لمختلف طبقات العلماء والمفسرين والمحدثين والمتكلمين والنسابين والشعراء وعلماء النحو والعروض والأطباء والفلكيين والمهندسين([591]).
علي أصغر فقيهي
ووجدتُ الكلمة التالية في المسودات عن البويهيين مصوّرة عن أحد الكتب دون الإشارة إلى مصدرها، ذلك أنّي عند تصويرها سهوت عن ذكر ذلك المصدر:
ولمّا دان شرقي إيران والعراق والجزيرة لسلطنة بني بويه ودخلت الخلافة العباسية في حمايتهم أخذت العلوم تزدهر ازدهاراً سريعاً حتّى صارت أيامها من أزهر العصور العلمية الإسلامية وذلك لتوفر الحرية الدينية والحرية القلمية وكانت هذه الحريات قبلهم مذمومة مكتومة وقد عوقب عليها قبلهم بالموت، كما جرى على الحسين بن منصور الحلاج وصاحبه شاكر. فظهرت الأقلام الحرة وصرحت النفوس الكاتمة، وتنفّست الصدور المحرجة واعترف بسلطان العقل فنفذ حكم المعقول في المنقول، وكان المنقول قبل ذلك مقدساً كائنة ما كانت حقيقته من حيث الصحة والاختلاف والإمكان والاستحالة.
التنظيم العسكري عند البويهيين
في العراق وإيران
هذا البحث بقلم: سي. اي. بوزورث([592])
ترجمه وعلق عليه الدكتور عبدالجبار ناجي
على الرغم من أنّ البروفسور (في مينورسكي) قد قام بمحاولات ضخمة من أجل إيجاد الرغبة في دراسة الفترة الديلمية من التاريخ الإيراني، فإنّه لا يمكن القول بأنّ المستشرقين قد استجابوا بحماسة. وممّا يبدو أنّ البعض منهم ما زال متأثراً بموقف المؤرخين المسلمين تجاه مختلف الإمارات الديلمية التي حكمت في المناطق الوسطى من العالم الإسلامي خلال القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر (انظر مثلاً انتقال مينورسكي لاتجاه شبولر المعادي للديلم والمتعاطف مع الأتراك في عرضه لكتاب سبولر «إيران في العصور الإسلامية الأولى».
«Iran in Fruh-Islamisher Zeit» in Gottingische Gelehrte Anzeigen, CCVII/3-4 (1953), (193-99).
فالكثير من هؤلاء المؤرخين المسلمين كتبوا في الوقت الذي كانت فيه محاولة الشيعة السياسية للحصول على المماثل في الأهمية المتمثل بالفدائيين الإسماعيليين([593]). وموقفهم نحو البويهيين ـ وهم أكثر الإمارات الديلمية شهرة ـ بناء على ذلك غير متحمس في أحسن الأحوال، حقيقة أنّ الجيل الأوّل للزعماء العسكريين الديالمة Condottierri وهم رجال أمثال ليلى بن نعمان، وماكان من كاكي، وأسفار بن شيرويه، ومرداويج([594]) بن زيار والإخوان البويهيين الثلاثة علي والحسن وأحمد (الذين تلقبوا فيما بعد بعماد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة) كانوا عنيفين في غرب إيران والعراق بلاد الحضارة والثقافة القديمة، وحقيقة أيضاً أنّ البيت البويهي ـ في النصف الأوّل من القرن الحادي عشر ـ قد انحل إلى جماعة متحاربة غير متميزة، غير أنّه في النصف الثاني من القرن العاشر عندما بلغت سلطة البويهيين أوجها وعندما اتّسعت بلادهم فامتدّت من العراق وعمان إلى حدود خراسان وبلوجستان كانت هناك فترات طويلة من السلام والرخاء في أفياء عصر الثقافة المشرقة في الفكر والأدب العربيين، وتكفي الملاحظة أنّ كتاب الأغاني وعضديات المتنبي قد كتبا تحت رعاية البويهيين، وأنّ علماء كباراً من أمثال أبي الفضل بن العميد والصاحب بن عباد قد خدموهم كوزراء. وفوق هذا فإنّ عاهلاً كعضد الدولة فناخسرو([595]) لم يقيّم حق تقييم حتّى الوقت الحاضر. علماً ـ وهذا يثير الدهشة ـ أنّ الإعجاب بهذا الأمير الشيعي جاء من قبل نظام الملك، الذي كان مصمّم رد الفعل السنّي في الفترة السلجوقية. ففي كتابه «سياسة نامه» روايات تمتدح حكم عضد الدولة ونظامه الإداري والعسكري. واعتبره نظام الملك الشخصية الثانية لمحمود الغزنوي نموذجاً وقدوة.
ارتقى البويهيون السلطة كجنود هدفهم الإثراء، وكان الدور الذي لعبه قومهم الديالمة في التاريخ الإسلامي عسكرياً إلى حد ما. وفي الواقع لم يظهر من هذه المنطقة الجبلية الواسعة، والمتأخرة ثقافياً، من إيران علماء أو أدباء ولكن الأمراء البويهيين اعتمدوا على موظفين ومساعدين من البلدان العربية أو من بقية إيران لغرض إدارة دفة حكومتهم بصورة سهلة: لذلك يعدّ الجانب العسكري من الحكم البويهي مهماً دائماً، إذ ظهرت ـ بفعل الحاجات والمقتضيات العسكرية ـ عدّة تغيّرات إدارية وإقليمية أثّرت باستمرار على منطقتي غربي إيران والعراق اللتين سيطر عليهما ووسعهما بشكل أبعد دخول السلاجقة.
كانت الإمارة البويهية في فترة انتعاشها ـ أي في عهد كلّ من ركن الدولة ( 38-366هـ49-977م)، وعضد الدولة( 372-33هـ) وفخر الدولة (366ـ387هـ/ 977ـ997) ـ توسعية، فاصطدمت بالسامانيين[596]) والزياريين([597]) في المشرق وبالحمدانيين وإمارات عربية أخرى في أطراف الصحراء السورية في الغرب. فيذكر الثعالبي في كتابه «لطائف المعارف» أنّ عضد الدولة، الذي حصل على عدد من المناطق، كان أميراً وحيداً بين معاصريه «تحقيق دي يونج، ليدن 1867م» ص56ـ57، كذلك تحقيق الأبياري والصيرفي «القاهرة 1960م» ص83ـ84. وترجمه بوزورث تحت عنوان([598]): Tha’alibi’s Book of Curious and Entertaining Information [Edinburgh 1966].
الفصل المعنون «ملك ملك في عصرنا هذا ممالك تسعة من الملوك الكبار إمّا غلبة، وإمّا وراثة، ولا يعرف في الإسلام مثله على ما حكى أبو منصور البريدي»([599]).
بالإضافة إلى هذا الجانب التوسعي الذي امتازت به الدولة البويهية فإنّ هناك سبباً تكنيكياً جعل من التنظيم العسكري عند البويهيين يستحق دراسة منفصلة وهو الطبيعة التكوينية الخليطة للجيوش البويهية ومكانتها بالنسبة إلى تطوّر الجيوش ذات القوميات المتعددة. إذ إنّ الجيوش التي ترتكز على المماليك كانت صفة متميزة للفترة الوسيطة من تاريخ العباسيين وما بعدها. ففي خلال القرن التاسع الميلادي تحوّل جيش الخلفاء القديم المتكوّن من المقاتلة العرب والحرس الخراسانيين إلى قوّة صار فيها الغلمان والمماليك هم المتنفذون. ولما كان هؤلاء جنوداً محترفين، ولما كانوا يرتبطون بالحاكم بروابط من الولاء الشخصي فإنّ هؤلاء الأتراك الرقيق منهم والأحرار كان ينتظر منهم أن يقدموا إخلاصاً مطلقاً لأسيادهم غير مقيدين بمصالح مكتسبة، مع العلم بأنّ هذه التوقعات، كما يظهر، لم تتحقق في تاريخ الخلافة لا سيما بعد مقتل المتوكل في سنة (247هـ/ 861م)([600]). ومع كلّ هذا فقد قلدت الإمارات الإقليمية الخلافة العباسية في تكوين هذه الجيوش المحترفة حتّى أصبحت فيما بعد قاعدة في العالم الإسلامي. ومن الممكن الملاحظة بأنّ هذا التطوّر بلغ أوجه في جيوش إمارات السامانيين والفاطميين والغزنويين([601]) والسلاجقة.
يعتبر الجيش البويهي مهماً لأنّه يشير إلى مرحلة انتقالية من التطوّر باعتباره يستند، جزئياً، إلى الاتباع الأهليين (أي جنود الأمراء الديالمة) كما كانت الحال في الجيوش العربية القديمة، كما يستند بعض الشيء إلى جماعات العبيد المرتزقة المألوفة آنئذ بنمط جديد (أي الأتراك). وأينما كانت ازدواجية كهذه في الجيوش الإسلامية فإنّه غالباً ما تنشأ متاعب بين الجماعتين. ويمكن ملاحظة هذا بوضوح في الفترة السلجوقية، وذلك لأنّ السلاجقة نادراً ما أفلحوا في التوفيق بين العنصر التركماني القبلي وفكرة الجيش المحترف المرتبط برواتب أو أرزاق، غير أنّه من الممكن توضيح التوتر بين العنصرين المختلفين في الفترة البويهية بسهولة. إنّ هذا التوتر لم يكن يحدث دون أن يؤثر بعض التأثير على مصير الإمارة وبصورة خاصة في الفترة المتأخرة التي انعدم فيها وجود قيادة قوية([602]).
إنّ التمعن في دراسة العنصر الديلمي في الجيوش البويهية ينبغي أن يبدأ من منطقة الديلم نفسها، إذ إنّ هناك عدداً من المشاكل التي تفرض نفسها. لماذا كان سكان هذه المنطقة، منطقة قزوين، الغامضة ـ التي في الحقيقة لم يلتفت إليها المؤلفون المسلمون ـ قد قفزوا إلى مثل هذه الشهرة والنفوذ خلال القرن العاشر؟ وكيف استطاعت هذه المنطقة أن تجهز قوة بشرية لعمليات عسكرية واسعة كتلك التي أخذ مختلف الزعماء العسكريين الديالمة على عاتقهم القيام بها؟ فمن الواضح أنّ الحياة في منطقة الديلم كانت صعبة. عندما أرسل مرداويج بن زيار إلى أخيه وشمكير في جيلان رسولاً غير ديلمي، فإنّ هذا الرسول وجد وشمكير مع جماعة يزرعون الأرز، حفاة ونصف عراة، عليهم سراويل مرقعة، وقمصان قديمة بالية. وكان رد فعل وشمكير في بداية الأمر لعروض أخيه أنّه «ضرط بفمه في لحية أخيه»([603]). وقد فزع الرسول لخشونة وشمكير وقال إنّه خجل من التفكير بها بعد ذلك (ابن الأثير ج8 ص182ـ183، انظر أيضاً مجمل التواريخ ص389). بمثل هذه الفرص المحدودة في ديار الديالمة فإنّه ليس هناك ما يثير العجب في أن يتدفق هؤلاء إلى الخارج لاحقين بقوادهم الموفقين أمثال مرداويج (انظر ابن الأثير ج8 ص167، 199)، ومن المحتمل أنّ هذا التدفق قد خفّف من ضغط السكان في موطنهم. وفي غضون القرنين العاشر والحادي عشر صرنا نجد الجنود الديالمة المرتزقة في جيوش الفاطميين والغزنويين (انظر في أدناه صحيفة 25ـ57). ولقد أوضح مينورسكي أنّ من بين أسباب ضعف الديالمة السياسي تشتت قواهم البشرية غير الكثيرة جدّاً على مساحة واسعة.
أمّا المشكلة الأخرى فهي إلى أي مدى يمكن حسبان أي عوامل دينية تكمن وراء هذا الانفجار، سواء كانت إيرانية قديمة أو شيعية. صحيح أن بعض الزعماء الديالمة الأوائل قد احتفظوا بالعقائد الإيرانية القديمة التي حسبما يظهر بقيت حيّة في مكان صعب المنال كالديلم حتّى القرن الثامن وما بعده. وهذا هو الشائع في حالة مرداويج الذي أطلق عليه مينورسكي (Fantasque et barbare) (أي البربري وغريب الأطوار).
وفي القرن الثامن دخلت طبرستان والديلم أفكار شيعية فعالة من قبل دعاة حسينيين. والذي يبدو أنّ هذه العقائد كان لها تأثير فعال في إطلاق وتحرير قوّة الديالمة إلى خارج منطقة جبال البرز([604]) Elburzû ومن المؤكد أنّ المذهب الشيعي صار صفة متميزة للديالمة. والزياريون (وكانوا من أصل جيلاني وليس ديلمياً) في طبرستان وجرجان هم الوحيدون الذين جعلوا من أنفسهم ممثلين للمناخ الديني السنّي القوي في خراسان والشرق.
للإجابة على هذه المشاكل لا بد من البحث أوّلاً في بلاد الديلم ذاتها، ومعلوماتنا عن التركيب الاجتماعي والاقتصادي لهذه المنطقة وأحوالها الثقافية والدينية مقتضبة، وليس من المحتمل أنّها ستتسع كثيراً. إنّ أكثر المعلومات نفعاً تلك التي قدمها أحمد كسروي في كتابه «شهرياران كمنام».
Shahriyaran-I gurn-nam «أي ملوك غير مشهوري ـ المترجم» (طهران 1307ـ1309هـ/ 1928ـ1930م) 2ج، ص2 وما بعدها.
يشير أقدم ما ذكر عن الديالمة إلى حبهم للحرب ونزعهم الحربية. فقد حصل هؤلاء الجبليون على سمعة مشهورة بكونهم جنوداً مرتزقة، وفوق كلّ هذا من المشاة الرجالة Infantrymen ودورهم يشبه دور السويسريين في أواخر العصور الوسطى وعصر النهضة في أوروبا. وسجل كسروي الروايات التي تتعلق بالجنود الديالمة خلال الفترات القديمة الساسانية والبيزنطية. وتعدّ المعلومات التي كتبها بروسوبيوس Procopius في كتابه([605]) «De Bello Persico» طريفة بصورة خاصّة، فالديالمة المستقلون خدموا الساسانيين كجنود مرتزقة. وكات الصفة المميزة لتجيهزاتهم القتالية هي السيف والدرع والرمح Javelin (أي الجوبين الإسلامية). وأنّ هذه الصورة تتطابق تماماً مع صفاتهم الإسلامية المتأخرة([606]). بقيت الديلم غير مفتوحة من قبل العرب في القرون الإسلامية الأولى، وقد عانت الاتصالات على طول الحافة الجنوبية لجبال البرز كثيراً من حملات المغيرين الديالمة وقطاع الطرق، ولذلك بات من الضروري أن تحصن مدن أمثال شالوس في طبرستان وقزوين وقم تحصيناً قوياً بوجه الغزاة.
لقد ازداد الطلب على الجنود المرتزقة في الخلافة العباسية خلال القرن التاسع لغرض استخدامهم حراساً في القصر وبدرجة واسعة في الجيش، ولذلك ابتدأ تدفق الديالمة باتجاه الجنوب، علماً بأنّ هذا التدفق لم يكن من الناحية العديدة كبيراً إلى درجة كافية حتّى يمكن اعتباره تجمّعاً جنسياً كبيراً كالأتراك والخراسانيين والفراعنة والمغاربة المصريين العرب. ففي الجرد الذي قدمه هلال الصابي المتعلق بالمصروفات الإدارية للخلافة خلال فترة المعتضد([607]) (279ـ289هـ/892ـ902م) تعداد لجماعات الحرس ويتضمن أصحاب([608]) المصاف الذين يصطفون في قاعة استقبال القصر ـ أي صحن القصر ـ المترجم ـ (وممّا لا شك فيه، كما أشار سورديل في مقالته «غلام» المنشورة في دائرة المعارف الإسلامية طبعة جديدة، القسم الأوّل «الخلافة» (أنّ هؤلاء كانوا يشكلون نواة الرجالة المصافية الذين يرد ذكرهم في المصادر المتأخرة». وكان من بين هؤلاء الجنود الديالمة والطبرية أي الذين قدموا من الديلم وطبرستان([609]). ومنذ سنة 300هـ/912ـ913م وحتّى سنة 304هـ/916ـ917م كان علي بن وهسوذان ـ وهو جندي ديلمي ـ متقلداً أعمال المعاون بأصبهان للخليفة المقتدر([610]). واستمرّت العادة في أن يحتوي حرس الخليفة الخاص على الديالمة والأتراك أيضاً لعدّة عقود تأتي. فحينما كافأ الخليفة([611]) الطائع عضد الدولة بلقب تاج الملة وخلع عليه الخلع ومرسوم التأييد كان الديالمة مصطفين في الجانب الأيسر من قاعة الحضور([612]) ـ الصحن ـ والأتراك من الجانب الأيمن في حفل استقبال الأمير البويهي([613]). ولقد وجد المغامرون الديالمة طريقهم إلى قوات القوى الإقليمية المجاورة في العقود الأولى من القرن العاشر عندما صار جميع شمالي وأواسط إيران بعيداً عن سيطرة الخليفة. فقد دخل علي بن بويه خدمة نصر ابن أحمد الساماني (301ـ331هـ/914ـ943م) لمدّة من الوقت، كما استعمل ناصر الدولة أبو محمد صاحب الموصل (317ـ356هـ/ 929ـ967م) ومؤسس الإمارة الحمدانية في فترة مبكرة الديالمة والغلمان الأتراك، وبذلك تجنب الاعتماد المطلق على الأعراب البدو الذين كانوا عرضة لأن يرفضوا القتال في الشتاء([614]).
غير أنّ الأمر المهم في هذا المجال هو أنّ الديالمة والجيلانيين شكلوا الخلفية القومية لإسناد الإخوان البويهيين الثلاثة، وكان كثيراً ما يشار إليهم بالأولياء([615]).
استمرّ الديالمة يلعبون دورهم التاريخي خلال الفترة البويهية كرجالة محاربين أشداء بسيوفهم ودروعهم البراقة، وفؤوسهم الحربية، وسهامهم وأقواسهم، وفوق كل هذا بمزاريقهم Zupins (يشبهها مؤلف المقال بـ javelin’s التي تستعمل إمّا للطعن أو لرمي الأعداء. والجوبين (أو ما يقاربه باللغة العربية مزراق انظر عريب القرطبي: صلة تاريخ الطبري القاهرة، الحسينية ج12 ص83) يميز في المصادر باستمرار عن الرمح العادي الذي كان يستعمل من قبل المحاربين العرب في القوات البويهية([616]). وعودة إلى منطقة الديلم فإنّ الديالمة كانوا دائماً يحملون هذه الجوبينات في اجتماعاتهم العائلية والقروية([617]). كما ويعتبر الجوبين والدرع من الصفات المميزة للحرس الديالمة يحملونها في المناسبات في القصور البويهية، كما هو الحال بالنسبة للصولجان mace لغلمان البلاط عند الغزنويين([618]). وفي القصة الرومانسية التي ترجع للقرن الحادي عشر، ويس ورامين([619]) Vis u Ramin التي كتبها فخر الدين سعد جرجاني وصف واضح للرجالة الديالمة في المعركة. ويرى كسروي في كتابه شهرياراني كمنام (ص4ـ5) أنّ ذلك الفصل يرجع بشكل مباشرة إلى أصل فرثي غير أنّ مينورسكي في مقالته «ديس ورامين كقصة عشق فرثية»([620]) Vis u Ramin, A Parthian Romance يشير إلى أنّه من المحتمل جدّاً أنّ المعلومات استندت إلى ملاحظات جرجاني الشخصية في شمال إيران. إنّ الأمر الذي يستحق الملاحظة في تلك المعلومات إشارتها إلى المعدات الحربية المتميزة للديالمة هي الجوبين والدرع والناوك([621]) Nawak (وهو عبارة عن قوس أو أي وسيلة مشابهة لذلك تستعمل لإطلاق السهام من أنبوبة).
أشارت المصادر أكثر من مرّة إلى مقدرة الجندي الراجل الديلمي العالية على تحمّل المصاعب وإلى شجاعته بالمقارنة بالجنود الأتراك. ففي سنة 340هـ/951ـ952م قام القائد الساماني منصور بن قراتكين أسفيجابي([622]) بالاشتراك مع الجنود الأتراك بحملة ضد ديالمة ركن الدولة في منطقة الجبال، وقد تكبّد كلا الطرفين خسائر فادحة بسبب حرارة الصيف ونقص المؤن. غير أنّ الديالمة ظلّوا محتفظين بتماسكهم ووحدتهم ومعنويتهم في الوقت الذي أصبح فيه أتراك منصور في حالة تمرّد، فالديالمة كانوا أكثر اقتصاداً واعتدالاً في حياتهم من الأتراك، وأنّهم كانوا عندما يذبحون جملاً أو فرساً يقسّمونه بين عدد كبير منهم. كذلك كان جنود ركن الدولة الديالمة مفضلين بالمقارنة بالجنود الأتراك الذين كانوا مع القائد الساماني أبي علي أحمد بن محمد بن محتاج أثناء حملته الشتائية حول الري. وقد حصل الجنود الديالمة على الأفضلية في مناسبة أخرى عندما كان معز الدولة يحاول السيطرة على الأهواز في سنة 326هـ/ 938م، إذ عجز رماة السهام الأتراك الموجودون في جيش بجكم ـ قائد محمد بن رائق([623]) أمير الأمراء في بغداد ـ عن الصمود أمام الجيش البويهي بفعل الأمطار المستمرّة التي عطلت أوتار قسيهم([624]). وعندما اتجه الروس Rus نحو برذعة([625]) في آران سنة 332هـ/934ـ944م هرب الأكراد والجنود الآخرون وجميع المطوعة الذين كانوا مع الأمير ابن مسافر([626]) أمام الغزاة ما عدا ثلاثمائة من الديالمة صمدوا بقوّة حتّى قتلوا جميعاً إلاّ أولئك الذين كان لديهم خيول إذ استطاعوا الهرب([627]).
لقد ورد ذكر عدد من الأساليب الحربية الشائعة بالنسبة للرجالة الديالمة. اعتيادياً كان المشاة يتقدّمون نحو العدو بشكل صفوف متراصة (مصاف)، فإذا استطاع الجانب المعادي اختراق صفوفهم وتمكّن فرسانه من النفاذ إلى مؤخرة المشاة فإنّ تشكيل الديالمة في المعركة يؤول إلى التشتّت الذي لا يمكن معالجته([628]). وهناك أسلوب حربي آخر خاص يتقدّم فيه جماعة من الديالمة نحو العدو خلف جدار متين وقوي من الدروع، ومن هنا يقومون باستخدام فؤوسهم الحربية ومزاريقهم([629]) (جوبينات).
اعتادت الديالمة أيضاً تشييد خيمة أثناء المعركة (أغلب الظن أنّها كانت تمثّل نقطة تجمّع) غير أنّهم كانوا يهدمونها في حالة اندحارهم. وعلى أيّة حال فإنّهم كانوا دائماً ينصبون موضعاً لحفظ آخر احتياطي من القوّة لديهم كي يقدّموا جهوداً إضافية شديدة في القتال قبل تسليمهم، مخافة أن يظن بأنّهم إنّما استسلموا بسبب ضعفهم أو عجزهم([630]). وبطبيعة الحال فإنّ استراتيجية تباعد صفوف الجنود الرجالة كان مضراً لأنّه يقلّص من قابليتهم على الحركة بالمقارنة بالفرسان، غير أنّ هذه يمكن تذليلها عن طريق حمل الرجالة إلى ساحة المعركة على البغال والجمال([631]). فالغزنويون كانوا أيضاً يحملون قوّتهم الممتازة المتكوّنة من جنود البلاط([632]) Piyadagani-Daraghi إلى مكان المعركة على جمال سريعة([633]). ومع ذلك فإنّ الجنود المشاة كان يصعب عليهم الفرار من ساحة المعركة واستعادة تجمّعهم وتنظيمهم مرّة أخرى إذا ما سارت الأمور بشكل سيء. ففي معركة قباب حميد على نهر دجلة Qibab Humaid التي وقعت سنة 332هـ/944م. لم يتمكن رجالة أحمد بن بويه الديالمة من الهرب من توزون القائد التركي فاضطر أكثر من ألف منهم أن يستسلموا لذلك القائد. غير أنّ للجند المشاة أفضلية واضحة على الفرسان في الأرض الصعبة والمضطربة. ففي أثناء العمليات الحربية التي قام بها عز الدولة في العراق والأهواز ضد المتمردين الأتراك حوصر في منطقة واسط ولم يستطع أن يتدبّر أمره بالثبات والصمود لولا أنّه كان قد أقام مركز قيادة جيشه وسط غابة من النخيل إذ كان لجنوده الديالمة قدرة على الحركة على عكس الفرسان الأتراك الذين لم يتمكنوا من ذلك([634]).
في الحقيقة ليس لدينا معلومات تتناول التنظيم القبلي والعائلي عند الديالمة أكثر ممّا قدّمه الجغرافيون المسلمون في القرن العاشر (أمثال الاصطخري، تحقيق دي غويه ص204ـ205، ابن حوقل، تحقيق كريمرز ص376ـ377، حدود العالم ص133ـ137، المقدسي ص368ـ370). فلقد ورد ذكر أسماء قبيلتين ديلميتين من قبل حمزة الأصفهاني في كتابه «تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء»([635]) هما ورداد أويندان Wardad Awendan (التي انحدر منها أسفار بن شيرويه) وشيرزيل أويندان([636]) Shirzil Awendan (التي انحدر منها البويهيون). وممّا يبدو أنّ هناك اهتماماً بنقاوة الدم وسلسلة النسب وهو أمر يمكن توقّعه في شعب جبلي فخور ومنعزل. ولهذا فإنّ المقدسي (ص368ـ369) يؤكد بأنّ الديالمة كانوا يحصرون الزواج داخل القبيلة، وكان الموت عقوبة للذي يتزوج من خارج قبيلته. وقد شاهد المقدسي نفسه عندما كان في الديلم عملية قتل شخص اتّهم بهذه الجريمة الاجتماعية([637]).
ويتحدّث مؤلف كتاب حدود العالم (ص137) عن عصبية أهالي منطقتي جيلان والديلم، تلك العصبية التي كثيراً ما أدّت إلى قتال دموي بين القرى المتجاورة، ولم يهدأ هذا العداء إلاّ عندما ترك هؤلاء الأهالي مناطقهم ودخلوا الجندية سعياً في الحصول على أرزاقهم. وبناء على قول البيروني في كتابه «الآثار الباقية» (ص224). إنّ الديالمة الوثنيين كانوا ينتظمون تحت رئاسة زعماء العوائل وإنّ كلّ زعيم كان يمارس سلطات رئيس العائلة Pater Familias ويلقب بلقب الكذخذا Kadhxudha وعلى أي حال فقد ألغي هذا النظام القبلي الأبوي من قبل الداعي الحسن بن علي الأطروش([638]).
ظلّت مشاعر التضامن الجنسي باقية بين الديالمة حتّى بعد أن تركوا بلادهم وأدرجوا في قوات الأمراء البويهيين. وممّا يبدو أنّ مطالبة الديالمة بأرزاقهم وامتيازاتهم غالباً ما أدّت إلى أن يدسّ الخارجون أنفسهم بين صفوفهم، ولذلك بات من الضروري عرض الجنود بين فترة وأخرى. وكانت مهمات العرض هذا من مسؤولية عارض الجيش (انظر في أدناه صحيفة 32ـ34). ففي سنة 356هـ/ 967م أسقط عز الدين جميع اولئك الذين لم يكونوا أصلاً ديالمة أو جيلانيين ولكنّهم اختلطوا بهم «من اختلط بهم ممّن ليس منهم»([639]). وفي سنة 388هـ/ 998م نصح صمصام الدولة صاحب فارس وكرمان من قبل نصحائه أن يعمل سجلاً لجميع الديالمة في مناطق نفوذه على أن يستبقي صحيحي النسب «صريح النسب والأصل» ويسقط أولئك المشتبه بنسبهم وأصلهم والدخلاء. وكان القصد من وراء ذلك أنّ الأمير يكون باستطاعته تجريد الأصناف الأخيرة ـ أي المشتبه في أصوله والدخلاء ـ من إقطاعاتهم. أمّا المشرف على عملية العرض أو الفحص هذه فإنّه كان أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن الخبير بأنساب الديالمة وقد استدعي من كرمان وابتدأ عمله في (فسا) Fasa حيث تركّزت بقوّة في مقاطعات الديالمة بصورة خاصّة. وبعد انتهائه من تسجيل الجنود واستجوابه إياهم أسقط 650 رجلاً، كما وأسقط وكيله أبو الفتح أحمد بن محمد بن المؤمل 400 رجل في كرمان. ثمّ أبعد هؤلاء الرجال من أملاكهم ومقاطعاتهم وتركوا ليبحثوا عن عمل جديد. وقد انتقد الروذراوري، مختصر كتاب هلال الصابي، هذه الحادثة كلية لما كان لها من عواقب وخيمة على صمصام([640]) الدولة، كما دوّنت في أدناه صحيفة 22ـ24.
ويبدو محتملاً أنّ بعض الضباط العسكريين من أصحاب الرتب العالية الذين يتكرر ذكرهم مرّات عديدة من قبل هلال الصابي بلقب «نقيب نقباء الديلم» كانوا يقومون بواجب الاحتفاظ بسجلات أنساب وتواريخ عوائل الجنود، كما هو الحال إلى حد كبير بالنسبة لنقباء العلويين والهاشميين فقد كانت لهم مسؤوليات مشابهة بالنسبة لجماعاتهم وطوائفهم الخاصّة. وممّا يسند هذا الرأي حادثة تتعلق بنقيب النقباء في زمن بهاء الدولة فقد قتل هذا من قبل منافسيه لأنّه كان يعرف كثيراً عن شؤون الديالمة وأصولهم وأنسابهم([641]).
إنّ حقيقة كون الديالمة جنوداً رجالة أصلاً أوجدت مشكلة عسكرية لزعمائهم ذلك لأنّهم، كما يتّضح، كانوا بحاجة إلى فرسان خلال توغلهم عبر الهضبة الإيرانية (فيذكر الاصطخري ص205 أنّ عدد الخيول في منطقة ديلم لم تكن كافية لحاجات المنطقة). لذا فقد كان الحل لهذه المشكلة اتباع الاتجاه العسكري السائد آنذاك المتمثل بتجنيد الفرسان الأتراك، إذ كانت هناك أعداد ضخمة منهم متهيئين للعمل في غربي إيران خلال السنوات الأولى من القرن العاشر الوقت الذي كانت فيه سلطة الخليفة متهافتة والفوضى متزايدة. وما لبث أن اعترف بقية الجنود الديالمة العاديين بهؤلاء الفرسان الأتراك الذين لا يمكن الاستغناء عنهم. ففي زمن مبكر كان لدى مرداويج بن زيار قوّة من الغلمان الأتراك، وكان لمعاملته القاسية لهم المتّصفة بالازدراء سبباً في مقتله سنة 323هـ/ 935م. وممّا يستحق الملاحظة أنّ هناك توتراً قائم بين العناصر الديلمية والتركية في صفوف جيش مرداويج، فإنّه استخدم الديالمة لإنزال ضروب التحقير والإذلال بالأتراك([642]). وقد انضم قسم من غلمان مرداويج الأتراك بعد موته إلى علي بن بويه، بينما «دخل الباقي في خدمة بجكم([643])، علماً بأنّه كان في جيش علي الخاص جنود أتراك قبل هذا الوقت لورود ذكر حاجب تركي اسمه قطلغ([644]) Qutlugh في سنة 322هـ/ 934م. وبعد سنتين من ذلك التاريخ صار في مقدور علي أن يضع تحت تصرّف أخيه الصغير أحمد قوّة مكوّنة من 1500 ديلمي و500 تركي وآخرين من أجل غزو عمان([645]).
ولم تمضِ فترة طويلة حتّى بدأ الأمراء البويهيون يضعوا ثقة كبيرة بغلمانهم الأتراك بدلاً من رعاياهم الديالمة، فالغلمان الأتراك العبيد منهم والأحرار كانوا خدم الأمراء البويهيين الخاصين ويرتبطون بهم من خلال روابط الولاء الفردية. ومن المحتمل ـ على الرغم من عدم وضوح المصادر ـ أنّ البويهيين بعد مجيئهم إلى السلطة ولبعض الوقت بدؤوا يفقدون اتصالهم برعاياهم إلى حد ما. ويحتمل أيضاً أنّ الديالمة أنفسهم وجدوا من الصعوبة أن يتكيفوا للمنزلة السامية الجديدة ولأبهة الملوك التي حصل عليها أمراؤهم. إنّ نمو مثل هذا الشعور سيشابه التباعد والتنافر التدريجي للسلاطين السلاجقة العظام عن مناصريهم الأتراك. ومن المؤكد القول بأنّ الأمراء البويهيين الأوائل لم يتمكنوا من أن يرتفعوا أكثر من اعتبار كلّ واحد منهم مقدم الأسوياء Primi inter pares بالنسبة لقوادهم الديالمة. فلقد ذكر أنّ عماد الدولة لم يكن يشعر أبداً بأنّه في حالة أمان بين قواده ذلك لأنّهم جميعاً رجال طموحون ويفكرون بأنّهم أفضل نسباً وعائلة([646]). وعلى أغلب الظن أنّ إرجاع شجرة أنساب العائلة البويهية إلى بهرام جور الساساني قد عملت من بقية الديالمة ووضعهم على نفس المستوى الذي تميّزت به الإمارات الإيرانية الأخرى كالباونديين([647]) Bawandids والسامانيين([648]).
ففي سنة 334هـ/ 945ـ946م حدث تمرّد بين صفوف جنود معز الدولة الديالمة الأمر الذي أجبر الأمير لأن يبني سياسة إصلاحية تجاه المتمردين عن طريق توزيع ضياع عليهم وعلى الأتراك في سواد العراق. وكانت تلك الضياع تخص الخلفاء العباسيين أو التي هرب منها مالكوها. ولكنّه بعد ذلك أخذ يفضل الأتراك علانية، وعندما أصبحت الخزينة عاجزة وفارغة فإنّ أرزاق الديالمة هي التي توقفت في الوقت الذي استمرّ فيه بمراضاة الأتراك. وقد أشار مسكويه إلى هذه الحالة بقوله «وقادت الضرورة ـ معز الدولة ـ إلى ارتباط الأتراك وزيادة تقريبهم والاستظهار بهم على الديلم. وبحسب انصراف العناية إلى هؤلاء، ووقوع التقصير في أمور أولئك فسدت النيات، وفسد الفريقان، أمّا الأتراك فبالطمع والضراوة وأمّا الديلم فبالضر والمسكنة…» ([649]).
وفي سنة 345هـ/ 956ـ957م حدث تمرّد ديلمي واسع في شيراز والأهواز وأسفل العراق قاده روزبهان بن ونداد خورشيد وأخواه. وشكل هذا العصيان أزمة مزعجة بالنسبة لمعز الدولة، ذلك لأنّ ولاء من تبقى من جنوده الديالمة أصبح أمراً مشكوكاً فيه. إذ انتقل رجال من جيش الوزير عبدالله بن يزيد المهلبي([650]) إلى جانب المتمردين، كما فعل الكثيرون الذين كانوا ضمن قواته الخاصّة. وكان باستطاعة معز الدولة أن يحافظ على ولاء الحرس الديالمة في بغداد ويطمئنهم عندما هددها الحمدانيون من الموصل، كذلك فإنّه عيّن حرساً على الطريق وعلى الجسر، تلك النقطة الاستراتيجية، من أجل أن يمنع الديالمة الذين قد توقف دفع أرزاقهم تواً من أن يتركوه وينضموا لروزبهان. وقد تركّز اعتماد معز الدولة على جنوده الأتراك في حربه ضد روزبهان، كذلك على جماعة من الغلمان الصغار وقليل من الديالمة المخلصين. وما إن انتهى من دحر روزبهان حتّى قام بطرد جميع أولئك الديالمة الذين سبق أن التحقوا بالمتمردين من جيشه، وعهد إلى المهلبي مسؤولية مرافقة الجماعات المطرودة من الجيش إلى الحدود تحت حراسة مشددة. ثمّ رقى جميع الأتراك رتبة أو درجة دفعها من الأموال التي تمكّن من ادخارها نيتجة للإجراء السابق، وشجعهم بأن يعيبوا على الديالمة عدم إخلاصهم في الولاء وشقّهم عصا الطاعة وأنّهم أدنى منزلة من الأتراك في القتال([651]).
حقيقة أنّ معز الدولة أوصى ابنه عز الدولة بختيار بمداراة الديالمة؟ ولكنّه أوصاه أيضاً باعتبار الأتراك النواة الحيوية في جيشه «جمرة عسكره» إذ يستطيع أن يستعملهم إذا ما اقتضت الضرورة أن يعالجوا شغب الديالمة. وفي الواقع ـ كما لاحظ مسكويه ـ أنّ عز الدولة خالف جميع وصايا والده عندما تبوأ السلطة سنة 356هـ/ 967م. فقد نفى كبار الديالمة طمعاً بأموالهم وإقطاعاتهم فكانت النتيجة أن أصبحوا متمردين ومطالبين بدفع أرزاق إضافية لأربعة شهور بمناسبة البيعة وتسلّم السلطة، وبإعادة الجنود الديالمة الذين طردوا من قبل معز الدولة إلى الخدمة. أمّا عز الدولة فإنّه تحصّن في قصره مع حرسه الأتراك، ولكن الوضع تغيّر أثناء ذلك بتمرّد الأتراك. وأظهر الديالمة والأتراك جبهة موحدة واتفقوا على عدم معارضة بعضهم مطالب البعض الآخر، وبذلك ازدادت مشاكل عز الدولة بشكل أكبر. وأخيراً اضطر إلى أن يستسلم للأمر الواقع ويصل إلى اتفاق مع الديالمة يتضمن إعطاءهم ثلث الرزقة التي سبق أن وعدهم بها. إنّ هذه الحادثة تعدّ وسيلة مناسبة عندما تفشل محاولات الأمراء في تحقيق أهدافها في تحريض بعضهم ـ أي الديالمة والأتراك ـ ضد البعض الآخر([652]).
وبناء عليه فإنّ عز الدولة غيّر من سياسته في سن 360هـ/ 971م بجلب العنصرين المتضادين عنصرياً سوية، وربطهم ببيته وعائلته الخاصة عن طريق روابط المصاهرات. فتزوّج أحد أبنائه، مرزبان، ابنة القائد التركي بختكين ازذاريه، وتزوّج الابن الآخر، سالار، ابنة قائد يسمّى بكتمور([653])، ثمّ حدثت مصاهرات أخرى. وأقسم على الولاء المتبادل بين الأمير عز الدولة وقائده سبكتكين العجمي([654]) والزعماء الكبار الآخرين. وبعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ انقلب عز الدولة بشدّة ضد الأتراك ممّا أدّى إلى اشتعال المنافسة بين الديلم والأتراك في الأهواز وتطورت إلى قتال انتشر بعد ذلك إلى العراق وهنا التزم سبكتكين قضية الأتراك وصار إلى جانبهم ضد الأمير عز الدولة، أمّا هذا فإنّه قام بعمل حاسم ضد الأتراك فقبض على رؤسائهم. وفي المقابل أحرق قصره في بغداد. تبنّى عز الدولة هذه الإجراءات الكابحة ضد مشورة القواد الديالمة الذين أشاروا عليه بأنّهم بحاجة إلى النشابين الأتراك والفرسان الأتراك في الحرب. إلاّ أنّ عز الدولة أصرّ على سياسته، ممّا جعل الحالة تزداد سوءاً في العراق بسبب الأتراك، واضطره هذا الموقف إلى البحث عن مساعدة من ابن عمّه عضد الدولة صاحب فارس([655]).
وبعد تسلّم بهاء الدولة السلطة في بغداد سنة 379هـ/ 989م على أثر موت أخيه شرف الدولة ثارت الضغائن بين الديالمة والأتراك بعنف. وتورط فيها عنصر مهم في سياسة الدولة، فالديالمة فضلوا عودة صمصام الدولة ـ الأعمى جزئياً والمعزول عن الإمارة ـ إلى السلطة، وهو الأخ الآخر لبهاء الدولة، فما كان أمام بهاء الدولة إلاّ أن يميل إلى جانب الأتراك، باعتبارهم الجانب العسكري الأقوى والأكثر إخلاصاً في ولائه. لهذا فإنّه ليس من الغرابة أن يصدر صمصام الدولة في سنة 385هـ/995 م- بعد أن استعاد سلطته في بلاد فارس ـ أوامره بقتل الأتراك هناك. وقتل الكثير منهم في شيراز بينهما هرب من تبقّى منهم إلى كرمان ثمّ إلى بلاد السند([656]). غير أنّ نتائج سياسة عدم الموازنة في تركيب تأييد صمصام الدولة العسكري ما فتئت أن أثبتت فسادها. فالديالمة، أصحاب النفوذ، صاروا جشعين ومتعاظمين أكثر فأكثر في الوقت الذي أخذت فيه مصادر صمصام الدولة في توزيع الإقطاعات تتناقض شيئاً فشيئاً. لذلك فإنّ الجنود الديالمة الذين طردوا في العرض الذي جرى في سنة 388هـ/998م التحقوا بابني عز الدولة اللذين نجحا في الإفلات من الأسر وأعلنا العصيان على صمصام الدولة ثمّ عزلاه وقتلاه([657]). وفي الأخير أذعن الديالمة من قبل أبي علي الحسن بن أستاذ([658]) هرمز في التوصل إلى سلام مع بهاء الدولة، وكان آنئذ صاحب الولايات المتحدة المتكوّنة من العراق والأهواز وفارس وكرمان، بأن يعاد دخولهم إلى خدمته مرّة أخرى، وأن تحسم نزاعاتهم مع الأتراك، وأن توزّع عليهم الإقطاعات، وأن تؤخذ منهم عهود الأمان والمسالمة. ثمّ استطاع أبو علي إسماعيل الموفق، وزير بهاء الدولة، وأبو علي الحسين الرخجي، الذي أصبح وزيراً فيما بعد، التوصّل إلى إعادة توزيع الإقطاعات في الأهواز بصورة صحيحة. وحينما وصل جيش الأمير إلى بلاد فارس أعاد الوزير تنظيم إقطاعات الديالمة هناك أيضاً([659]).
من المحتمل أنّ للاتجاهات الدينية دوراً في المنافسة بين العنصرين التركي والديلمي اللذين احتوتهما الجيوش البويهية فالديالمة كانوا شيعة بينما كان الأتراك بصورة عامّة سنّة، مع أنّه اعتماداً على مسكويه في التجارب (ج2 ص347، الترجمة الإنكليزية ج5 ص263ـ264، وابن الأثير ج8 ص421) فإنّ القائد سبكتكين كان ذا ميول شيعية وأنّه في إحدى المناسبات مال لأتباع دجال مشهور ادّعى من بين الأمور inter alia أنّه علوي والمهدي([660]) المنتظر. فقد مال الشيعة إلى الديالمة، بينما اتجه السنّة إلى الأتراك.
لمَ صار الأمراء البويهيون يعتمدون كثيراً على جنودهم الأتراك؟ لقد سبق أن اقترح كاهين في مقالة «البويهيون» المنشورة في دائرة المعارف الإسلامية ـ طبعة جديدة ـ أنّ من بين أسباب ذلك هو أنّ إمداد الجنود المرتزقة الديالمة أخذ ينضب بصورة مستمرة. ويحتمل أنّ هناك تحوّلاً واضحاً بالنسبة لوجهة النظر السابقة، إذ لم تكن أعداد الديالمة المستخدمين في الجيوش البويهية تبدو دائماً كبيرة([661]).
ومع ذلك فإنّه من الواضح أنّ إمداد الجنود الديالمة استمرّ حتّى القرن الحادي عشر على مستوى هام. إذ يدل وصف هلال الصابي لعرض الجنود الديالمة في كرمان الذي جرى سنة 390هـ/ 1000م على أنّهم ما زالوا يتزايدون باستمرار. فالصابي يتحدّث عن المرتبات والعلاوات التي كانت تدفع «للعجم الذين يردون من بلاد الديلم»([662]). وقد ظلّ استخدام الديالمة واضحاً للعيان في جيوش البويهيين المتأخرين، وأنّ عدم كفاية مجد الدولة في السيطرة على الأعداد الضخمة من الجنود الديالمة في عاصمته الري هي التي دفعته أن يتخذ خطوة غير سليمة باستدعاء محمود صاحب غزنة. زيادة على هذا فإنّ تغلغل الديالمة المرتزقة ظلّ سائداً في جيوش الأمراء الآخرين حتّى فترة طويلة. فإمارة العقيليين العربية في الموصل وأواسط العراق أضافت الديالمة إلى أعرابها([663]). وكان لدى كلّ من محمود الغزنوي ومسعود قوّة من الديالمة خلال فترة حكمهما (التي امتدّت من سنة 388 إلى 433هـ/ 998ـ1039م) وكان لقوادهم حظوة كبيرة. وكان من بين هؤلاء الجنود جماعة تقدّر من خمسين إلى ستين جندياً هم الصفوة والنخبة الممتازة، يحملون أتراساً مذهبة أو مرصعة بالجواهر ويستعملونها في المناسبات([664]). كما أن هناك فصيلة من الرجالة الديالمة في خدمة الفاطميين. فالرحالة ناصر خسرو كان في القاهرة في بداية حكم المستنصر([665]) (427ـ487هـ/ 1036ـ1094م) إذ رأى 300 ديلمي بمزاريقهم (جوبينات) وفؤوسهم الحربية يرافقون الخليفة بمناسبة مسيرته إلى النيل. وهناك محلة خاصّة للديلم في القاهرة([666]). وكان للديالمة مكان في جيوش السلاجقة المتعددة الجنسيات، وقد امتدحهم نظام الملك. فأوصى بضرورة تواجد قوّة منتقاة من الديالمة (مفردان mafrudan لغرض الخدمة في البلاط، كذلك ينبغي أن يتضمن الجيش بوجه عام العنصر الديلمي([667]) المهم. كما نجد جنوداً ديالمة في فترة متأخرة كالعقد الثامن من القرن الثاني عشر في جيوش أرسلان شاه بن طغرل شاه وأخيه ومنافسه بهرام شاه، وهم أمراء سلاجقة كرمان. وكان للديالمة في كرمان خلال هذه الفترة إقطاعات واسعة ووظائف إدارية عالية كولاة على مدن أو مراكز مهمة([668]).
أنشأ البويهيون نظاماً لدفع أرزاق جنودهم يرتكز على منح الإقطاعات، وفيه يخصّص للمقطع مقدار من حاصل خراج الضيعة أو المنطقة. ولم يقطن المقطع في الموضع، وعادة كان المقطع جندياً أو موظفاً يقوم بواجباته وعلى هذا فإنّه لا يستطيع الاستقرار في ذلك المكان بل يرسل وكيلاً عنه لجمع هذا الحاصل. كما أنّ المقطع لا يملك أي حقوق قانونية من الناحية النظرية، مع العلم بأنّ نمو التلجئة([669]) ـ التي تطابق الـ Commendatio في العصور الوسطى الأوروبية ـ أعطته حقوقاً مهمة تتمثل بالحماية ولم يقتصر استعمال الإقطاعات لدفع أرزاق الجنود فقط بل أيضاً لمساعدة الموظفين المدنيين. لهذا أبقى عز الدولة على وزير والده الكبير أبي الفضل عباس بن الحسين الشيرازي في منصبه، وأقطعه في سنة 357هـ/ 968م إقطاعاً تبلغ قيمته 50،000 دينار. وكان هذا هو الأجر الاعتيادي الذي كان يخصّص لمنصب الوزير([670]).
أمّا فيما يتعلق بحجم الإقطاع وقيمته فإنّ المرء باستطاعته فقط أن يبدي الملاحظة المعروفة وهي أنّ الإقطاعات الكائنة في الأراضي الخصبة التي تروى في العراق والأهواز تكون أغنى إنتاجاً من تلك الموجودة على الهضبة الإيرانية. فممّا يذكر أنّه عندما غزا فخر الدولة صاحب الري ابن أخيه بهاء الدولة صاحب الأهواز سنة 379هـ/ 989م أخذ قواده الدياملة يحسدون ويحقدون على القواد الديالمة في الأهواز، إذ قارنوا بين إقطاعات هؤلاء وبين إقطاعاتهم البسيطة في الجبال والري التي تبلغ قيمتها عشر قيمة تلك الإقطاعات. ومع ذلك فالديالمة الذين سبق أن أقاموا في كرمان لمدّة من الوقت قد جمعوا في حدود سنة 390هـ/ 1000م إقطاعات قيمتها أكثر من نصف مليون درهم على الرغم من أنّ منطقة كرمان لم تكن كثيرة الخصوبة. وممّا يجدر التنويه به أنّ تلك الزيادات الكثيرة في الضياع قد قلّلت في مناسبة إعادة تقسيم الإقطاعات التي أقيمت في كرمان في تلك الفترة([671]).
أخذ نظام الإقطاع عند البويهيين من تجربة قديمة كانت في بلدان الخلافة الوسطى، غير أنّه ـ وهذا ممّا أعطى أهمية للفترة ـ شاع خلال الفترة البويهية في تلك المناطق. وقد ورد في (تاريخ قم) للحسن بن محمد القمي ما يشير إلى تصرفات غير عادلة في شؤون الإقطاع. «ومع ذلك فإنّه في المصدر ذاته أبديت ملاحظة في صالح الحكم البويهي في الجبال (انظر ص 42)، فقد قام كلّ من مؤيد الدولة ووزيره الصاحب إسماعيل بن عباد في سنة 370هـ/980ـ981م بأعمال كثيرة تهدف إلى إصلاح القنوات في قم عن طريق جلب عمال مهرة في حفر القوات، كما أنّهما أنفقا أموالاً طائلة».
ويصف البروفسور كاهين في مقاله «تطوّر الإقطاع ص36ـ37» النظام الإداري عند البويهيين على أنّه نظام يدور في مدار حاجات الجيش.
وعندما واجه معز الدولة ثورات عسكرية نتيجة لتأخّر أرزاق الجند اضطر إلى مصادرة الضياع العائدة للخلفاء وتلك التي تعود ملكيتها للأفراد ثمّ منحها على شكل إقطاعات.
ثمّ إنّ معز الدولة لم يتمكن من أن يدخر أموالاً نقدية احتياطية تفيده وقت الحاجة ـ كالاحتياطي الذي دافع عن ضرورة وجوده نظام الملك في سياسة نامه فصل 19 ص246 ـ لذلك ما كان عليه إلاّ أن يعيش ليومه دون حساب للمستقبل to live from hand to mouth متجنباً لحاجات جنوده عن طريق القيام بمصادرات جديدة للضياع وإقطاعها لهم([672]). ومع كلّ هذا فإنّ معز الدولة استطاع إلى حد ما أن يخلّف بعد موته مبلغاً معتدلاً يقدّر بـ 400،000 درهماً. ذلك المبلغ الذي بدّده ابنه عز الدولة بسرعة([673]).
وبيّن البروفسور كاهين بأنّه نتيجة لهذه الاتجاهات والإجراءات تطوّر ديوان الجيش بحيث جعل الدواوين الأخرى تظهر أقل أهمية. فلم يقتصر علمه على الشؤون العسكرية كتنظيم العساكر وتجهيزاتهم وأرزاقهم بل أيضاً على الأمور المالية البحتة. فكان يوزع الإقطاعات ويحددها ويخططها ويقدر نسبة الدخل من تلك الإقطاعات.
أخذ البويهيون ديوان الجيش من الإدارة العباسية، ولدينا دراسة ممتازة عن الديوان العباسي كتبها هونرباخ W. Honerbach الموسومة بـ Zur Heeresverwaltung der, Abbasiden. Studie uber Abulfarag Qudama: Diwan algais.
يصف هونرباخ ديوان الجيش على أنّه كان في فترة حكم المقتدر (295ـ320هـ/ 908ـ933م) وذلك باعتماده على مادة من كتاب الخراج لقدامة بن جعفر، يلحقها بمادة أخرى من كتاب الوزراء لهلال الصابي ومصادر أخرى. وبعد أن يقدّم هونرباخ مسحاً عاماً لتاريخ الديوان خلال الفترات الإسلامية الأولى يلخص المعلومات الواردة في كتاب قدامة تحت ثلاثة عناوين بارزة هي: 1 ـ إجراءات التسجيل والتجنيد. 2 ـ تنظيم الوحدات العسكرية المركبة للجيش. 3 ـ ترتيبات دفع الأرزاق. ولقد آلت معظم الإجراءات التي فصلت في أعلاه إلى البويهيين بعد عدّة عقود. ومع أنّ المجال هنا لا يتّسع لدراسة مفصلة لسياسة البويهيين المالية المتعلقة بالضرائب، فإنّنا سوف نتفحص عدداً من الوجهات العسكرية الدقيقة لديوان الجيش عند البويهيين.
يترأس الديوان عارض الجيش، وكان مهتماً بتجنيد الجنود وتسجيلهم في السجلات (الجرائد)، كذلك بمعداتهم وتجهيزاتهم واستعداداتهم العسكرية وتوزيع أرزاقهم. وكان في فترة حكم كلّ من عضد الدولة وبهاء الدولة ـ وهي الفترة التي بلغ فيها رقي الدولة البويهية أوجه ـ عارضان منفصلان عن بعضهما، واحد منهم للديالمة والآخر للأتراك والأكراد والأعراب (غالباً ما كان للبويهيين فرق كردية وبدوية، وفي بعض الأحيان جنّدوا الزط من بلاط فارس والقفص Qufüs ([674]) من بلوجستان([675]). ونتيجة لهذه الازدواجية فإنّ المرء يواجه في المصادر استعمال ديوان الجيشين([676]). لقد ورد ذكر أسماء عارضي عضد الدولة على أنّهما أبو الحسن علي بن عمارة وأبو عبدالله الحسين بن سعدان (الذي أصبح أوّل وزير لصمصام الدولة فيما بعد). وكان الأمير يستقبلهما كلّ صباح بعد رؤيته الوزير مباشرة، ممّا يشير إلى الأهمية التي علقت بهما([677]). أمّا أسماء عارضي بهاء الدولة فقد ذكرهما مسكويه([678]) أيضاً. كان العارض غالباً ما يرافق الأمير البويهي، ويترأس العروض الدورية للجيوش (عروض مفردها عرض).
وفي كتاب الوزراء لهلال الصابي([679]) وصف مفصل للعرض بصورته الإسلامية القديمة ترأسه الخليفة العباسي المعتضد شخصياً، وقد أشير في هذا الوصف إلى جميع السمات الجوهرية للعرض البويهي. يجري في هذه العروض تفتيش الكفاية العسكرية، والأسلحة والمعدات والدواب، وفيه يفرز الرجال الذين دون المستوى.
ولمّا كان التسجيل في سجلات الديوان يمنح حق تسلّم الأرزاق وامتيازات أخرى، فإنّ الأهالي قاموا بمساع متكررة من أجل ضمان مكان لهم في تلك القيود أو السجلات. إنّ إخراج هؤلاء الدخلاء كان من اختصاصات المعارض المهمة، إذ يؤكد قدامة على الحاجة إلى كشف دقيق فيه صفات السيماء والصفات المتميزة للجنود، ويسمّيها (حلي الرجال)، وتفيد هذه لأغراض متعلقة بإثبات الهوية([680]). ويسقط من السجلات خلال التفتيش اسم المحتال، وقد اصطلح على هذا العمل اصطلاحاً فنياً هو وضع أو إسقاط في مقابل إثبات([681]). وممّأ يبدو أنّ الأهالي يواصلون سعيهم لفترة طويلة كي يحصلوا على مكان في السجلات. ففي سنة 325هـ/935م قام محمد ابن رائق، أمير الأمراء، بتفتيش الجنود الحجرية التابعين للخليفة في واسط، فكانت نتيجة هذا التفتيش أن أسقط الكثير من العناصر الدخيلة: وأنقص عدد خلفاء حجاب القصر من 500 إلى 60، وأفرز «الدخلاء والبدلاء والنساء والتجار ومن لجأ إليهم» ممّا أدّى إلى حدوث شغب([682]). ويذكر التنوخي في نشوار المحاضرة قصة ممتعة تتعلق بشخص من الأهواز تعلم اللغة الديلمية وصير نفسه مطلعاً على طوبوغرافية منظقة الديلم، وكان يأكل بشكل خاص كمية كبيرة من الثوم، ثمّ اتّخذ اسماً جيلانياً، واشترى معدات عسكرية مناسبة. ولمّا تعرّض لظروف قاسية دخل في قوات أبي القاسم البريدي على أنّه ديلمي في الأصل. وظلّ عدّة سنوات قبل أن يكتشف أمره([683]).
لقد ارتبطت هذه البواعث المالية من وراء البحث عن الدخلاء بالرغبة على المحافظة على نقاوة النسب بين الديالمة والجيلانيين.
يظهر أنّ سلسلة القيادة في الجيش البويهي، خلال فترة معز الدولة وعز الدولة على الأقل، كانت من نقيب إلى قائد ثمّ إلى حاجب([684]). ويلقب القائد العام بلقب اسبهسلار Ispahsalarû.
لدينا وصف جيّد لعرض بويهي جرى في كرمان سنة 390هـ/ 1000م بإشراف عمدة الدولة أبي علي بن إسماعيل الموفق وزير بهاء الدولة. وكان الهدف من وزرائه تهيئة سجل جديد، وتسلم الإقطاعات التي بحوزة جميع الديالمة وإعطائهم عطاء وتسبيبات في الحال([685]) «يوضح المؤلف التسبيبات على أنّها تعويضات تستند على مصادر خاصّة من الضرائب». ومنذ هذه الفترة فصاعداً صارت هذه هي الطريقة المتبعة في دفع أرزاق المجندين الديالمة الجدد. في العرض الحقيقي، يصطف الجيش للعرض ويقف القواد الديالمة على الجانب الأيمن بينما يقف القواد الأتراك على الجانب الأيسر. وكان لأبي علي ـ المشار إليه في أعلاه ـ عارضاه الخاصان ومساعدان، وتوضع أمامه السجلات. فكانوا يقرؤون في هذه السجلات، فيبطلون استحقاقات الديالمة الذين جمعوا عدداً من الإقطاعات زائدة عن الحد ويعطونهم بدلاً منها علاوات متواضعة. فتمكن عن هذا الطريق اكتشاف الدخلاء وإخراجهم، ثمّ طرد الجنود غير النافعين عسكرياً. وقد دخل بعض هؤلاء الجنود المطرودين في خدمة الأمير الصفاري طاهر بن خلف الذي كان يسعى للاستيلاء على السلطة في كرمان([686]). وكثيراً ما لجأ الأمراء الذي كانوا في حيرة من أمرهم في كيفية دفع أرزاق جنودهم، أو الذين كانوا يرغبون بتقليل نفوذ قوادم بتجريدهم من إقطاعاتهم، إلى عرض كهذا للسجلات والأرزاق. ومع هذا فإنّه من الضروري أن يكون الأمير في مركز قوي، فالمحاولة التي قام بها عز الدولة سنة 356هـ/ 967م التي أراد من ورائها تقليل عدد الجنود المسجلين في السجلات لم يكن لها أي فائدة من الناحية العملية.
لم يكن نظام دفع أرزاق الجنود عن طريق الإقطاع فقط نظاماً شاملاً وجامعاً لجميع الفترة البويهية، مع العلم بأنّه أخذ يصبح أكثر شيوعاً في الوقت الذي كان فيه الأمراء غير المتمولين مرغمين على إعطاء ضياع كثيرة كإقطاعات. بينما ظلّ قسم لا بأس به من الجنود مستمرين في استلام رواتبهم نقداً على شكل دفعات في أوقات معينة من السنة. وقد دعا الخوارزمي هذا النظام بنظام المرتزقة([687]) (أي الجنود الذين يدفع إليهم بانتظام). فيقول إنّ هذه الدفعات تدعى في ديوان العراق (أي خلال الفترة البويهية) بالرزقات ومفردها رزقة. ثمّ يستمر الخوارزمي فيضيف أنّ السامانيين ـ إذ كان الخوارزمي يكتب في مناطق نفوذهم ـ كانوا يوزعون هذه الدفعات ثلاث مرّات في السنة، أي كلّ 120 يوماً. أمّا الفترة المبكرة من الخلافة العباسية فكان هناك تفاوت واسع في فترة الدفع. فبناء على قول هلال الصابي في كتابه الوزراء([688]) إنّ غلمان الموفق([689]) الأحرار الذين كانوا يسمّون بالناصرية (التسمية مأخوذة من لقب الموفق الناصر لدين الله)، كان يدفع لهم في الأصل كلّ 40 يوماً، غير أنّ هذه الفترة زيدت في أوّل الأمر عشرة أيام (أي أصبحت كلّ 50 يوماً) ثمّ عشرة أيام أخرى (أي أصبحت كلّ 60 يوماً) في أيام المعتضد. وكان يدفع للجنود الحجرية زمن القاهر (الذي امتدّت خلافته من سنة 320ـ322هـ/ 932ـ934م) كلّ 50 يوماً، بينما كان يدفع للجنود الساجية (وهم جنود أبي الساج ديوداذ([690]) على نفس الأسس التي كان يدفع بها للغلمان وهي مرّة واحدة كلّ 60 يوماً فقط([691]). وعلى أيّة حال فإنّ كلاًّ من هلال وقدامة يقولان بأنّه من المحتمل أن الفرسان الأحرار الموجودين في الجيش كان يدفع إليهم مرّتين أو ثلاث مرّات فقط في السنة، لأنّهم كانوا يضمّون جنوداً ماهرين وآخرين أدنى في خبراتهم التدريبية([692]). ولم يكن إجراء البويهيين فيما يتعلق الأمر بهذا الصدد واضحاً، غير أنّ الصعوبات المالية المزمنة التي صاحبت عدداً من الأمراء البويهيين واضطرابات جنودهم وتمرداتهم المتكررة تظهر أنّ دفع الأرزاق كان غير منتظم في الغالب وكان يدفع متأخراً عن ميعاده([693]).
يؤكد امتداح هلال الصابي لعضد الدولة بسبب انتظام دفعه أرزاق جنده ومحافظته على المواعيد الانطباع بأنّ هذا الإجراء لم يكن قاعدة. وقد اشتغل عدد متزايد من الموظفين كالكتاب والمساعدين في ديوان العارض لغرض التعجيل في عمل دفع الأرزاق([694]). فاستلم غلمان قصره ـ وهم نواة قواته ـ منحاً شهرية (مشاهرات). وكان الأجراء المتبع في دفع الأرزاق أن يستلم الجنود تحويلات مالية من ديوان الجيش([695]) (صكك ومفردها صك)، إذ يكون الدفع على هذه السفاتج المالية في فصوله المقررة. كان الأمير اعتيادياً يصدر تحويلات مالية عامة إلى الخازن لصرف الأموال إلى العارض من أجل دفع الصكوك قبل ثلاثة أيام من نهاية كلّ شهر. وفي إحدى المناسبات نسي الموظف أن يسلم المشاهرات إلاّ بعد مضي أربعة أيام أخرى، لذلك لم يتسلم الغلمان أرزاقهم إلاّ بعد يوم من بداية الشهر. وقد نظر عضد الدولة إلى هذا الإهمال بشكل جدّي فوبخ الموظف بالعبارات التالية:
«المصيبة بما لا تعلم ما في فعلك من الغلط أكثر منها فيما استعملته من التفريط. ألا تعلم أنّا إذا أطلقنا لهؤلاء الغلمان مالهم وقد بقي في الشهر يوم كان الفضل لنا عليهم. وإذا انقضى الشهر واستهل الآخر حضروا عند عارضهم فأذكروه، فيعدهم ثمّ يحضرونه في اليوم الثاني فيعتذر إليهم، ثمّ في الثالث فتبسط في اقتضائه ومطالبته ألسنتهم، فتضيع المنة، وتحصل الجرأة، ونكون في الخسارة أقرب منّا إلى الربح([696])…».
حقاً إنّ جميع المؤسسات الحكومية خلال حكم عضد الدولة ارتقت من حيث كفايتها إلى أوجها. فقد كان لعضد الدولة شبكة كفوءة من عمال البريد والجواسيس (النوبيين) ([697]) وينتظم هؤلاء من خلال ديوان البريد([698]). كما أنّه جرب فنوناً عسكرية جديدة، فأعاد إدخال استعمال الفيلة الحربية إلى إيران التي لم تكن معروفة منذ الفتوحات العربية، مع العلم بأنّه لم يرد ذكر على أنّ الفيلة لعبت دوراً قيّماً في القتال([699]).
وهناك مرفقات أخرى تتعلق بأرزاق الجند تتضمن مبالغ إضافية تؤخذ كرهاً من قبل الجنود في حالة مجيء أمير جديد للعرش، يسمّى مال الضيعة([700]). ويقابل مال البيعة هذا الـ Cülŭs akcesi (اكثي جلوس) التي دفعها السلاطين العثمانيون إلى جنودهم الانكشارية. ومن الملاحظ أنّه كلّما كان هناك تنازع على السلطة فإنّ ولاء الجيش يكون إلى الجانب الذي يعرض ثمناً عالياً. ففي سنة 435هـ/ 1044م على أثر موت جلال الدولة ببغداد فإنّ ابنه الملك العزيز أبا منصور لم يكن باستطاعته دفع مال البيعة الضروري بسرعة، ممّا أدّى إلى تدخّل ابن عمّه عماد الدين أبي كاليجار صاحب فارس والأهواز واستحواذه على ولاء جنود بويهيي العراق([701]). ولم يشفع للأمراء في تجنّبهم دفع مثل هذه الدفعات الإضافية إلاّ حالة كونهم أقوياء، ويمتلكون ضماناً مالياً قوياً، فلقد ورد أنّ عضد الدولة امتنع عن إعطاء أيّة أرزاق إضافية زيادة على الرواتب الأساسية (زياداتت في الأصول) إلاّ في المناسبات المعذورة كمناسبة الانتصارات في الحروب، أو عندما تقتضيه سياسة المراضاة والمداراة بصورة خاصّة([702]).
وأخيراً فإنّ البويهيين كانوا يدفعون مكافآت عينية إضافية إلى ريع الإقطاعات والرزقات النظامية. ولمّا كانت الأسعار عموماً آخذة بالارتفاع فإنّ القيمة النقدية لهذه المكافآت أصبحت متزايدة بالنسبة للخزينة. لذلك أجرى أبو علي الموفق، وزير بهاء الدولة، سنة 386هـ/ 996م تغييراً لنظام إعطاء جرايات يومية إلى الجنودالأتراك في بغداد. إذ كان الجنود يحصلون على منح نقدية يشترون بواسطتها جراياتهم من الأطعمة. وكانت هذه المنح تدفع إليهم أسبوعياً (صارت فيما بعد شهرياً) وتعتبر جزءاً من أرزاقهم. وقد شمل هذا الإجراء الديالمة بعدئذٍ، فنتج بسبب ذلك توفير غير قليل الأهمية بالنسبة للخزينة([703]).
النهضات الحضارية
في عهد بني بويه
ألمحنا فيما تقدّم بشيء من هذا ولم نتوسّع به، ويرى القارىء هنا شيئاً من التفاصيل. وعندما يُقال إنّ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) هو قرن انبثاق الحضارة الإسلامية بكلّ فروعها، وقرن توهج هذه الحضارة توهجاً متمادياً. عندما يُقال ذلك لا يذكر القائلون أنّ الشيعة في ذلك القرن كانوا هم الحاكمين، وإن عواصم حكمهم الثلاث: القاهرة وحلب وبغداد كانت هي التي انطلقت منها النهضة الحضارية الإسلامية.
استناداً إلى الآثار والوثائق الكثيرة المتبقية، فإنّ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كان أبرز قرن للتحوّلات الاجتماعية والثقافية الشاملة. من هنا، فإنّ هذه المرحلة من التاريخ الإسلامي كان لها منزلتها الخاصة وأهميتها بين الدراسات التاريخية. هذه الأهمية تنبع من انهيار وحدة السلطة السياسية للخلافة في بداية هذا القرن الذي حصل بعد تصاعد حركات الاستقلال. ومن ناحية أخرى بسبب التأثّر بالتحوّلات التي جرت مع بروز النظرة الواقعية لقيادات تلك الحركات، والظروف الإقليمية وروح السيطرة لدى الحكام الجدد أو واضعي التقاليد الجديدة في أراضي الخلافة الشرقية، حيث كان لهذه التوجهات أثرها الفعّال في إيجاد أمور مستحدثة في مجال الثقافة والتحدّث الإسلاميين.
في ذلك العصر كانت حدود حكومة الخلافة قد امتدّت من بحيرة أرال إلى خليج عدن، ومن فرغانة وخراسان القديمة إلى طنجة. وكانت هذه المساحة مقسمة بين حكام غير متجانسين من الناحية الثقافية، والتطلعات والنظرة الاجتماعية. ولعل وجه الإشتراك الوحيد بينهم هو السعي للتخلص من سلطة الخلافة. فالسامانيون في خراسان، والديلم في فارس والري وأصفهان. ثمّ في العراق والجزيرة، البريديون في خوزستان وقسم من العراق، الحمدانيون في الموصل وديار بكر والجزيرة والشام، الأخشيديون في مصر والشام، الفاطميون في شمال أفريقيا، ثمّ في مصر، القرامطة في البحرين واليمامة. كلّهم منشغل بضرب السيف والاستيلاء. ولم يبق للخليفة سوى بغداد، وقد اكتفى الخليفة باسم الخلافة والعيش بعافية.
ومن بين أولئك الحكام كان لآل بويه أهمية خاصّة بسبب التحوّلات الاجتماعية والثقافية العميقة التي حدثت في مناطق نفوذهم، خاصّة عند اعتبارهم حلقة انتقال السلطة في الشرق الإسلامي إلى حكام مستقلين أتراك. وكان للأتراك قبل ذلك منزلة مميزة لدى أجهزة الخليفة والأمراء، وكان الأتراك يشكلون النواة الأساس للجيش. وقد تفوّقوا فيما بعد على الديلم. لكنّهم لم يشكلوا دولة مستقلة، متسلطة على جهاز الخلافة بعد الديلم مباشرة. إنّ الاتحاد القوي بين الحكام الثلاثة الأوائل لهذه السلالة لأبناء أبو شجاع بويه كان أهم عامل لتقدّمهم. ولم يمضِ عقدان على استيلاء عماد الدولة على فارس حتّى ضربت المسكوكات باسمهم في بغداد، وخضع الخليفة السنّي المذهب لطاعة أمير شيعي من الديلم. وكان ذلك بداية لبدء نشاط حرّ للشيعة بعد ثلاثة قرون من الصمت في الشرق الإسلامي.
التحولات المذهبية:
لا يمكن الحديث بجزم عن مذهب آل بويه، لكن لما كان معظم أهالي كيلان وطبرستان كانوا قد أسلموا على يد (الحسن بن علي الأطروش) المعروف بالناصر الكبير، لذلك يبدو واضحاً أنّ حكام آل بويه الأوائل كانوا من الشيعة، ورغم أنّ آل بويه كانوا غالباً يقفون على الحياد من النزاعات الدامية التي كانت تدور بين الشيعة وغير الشيعة أحياناً، بل إنّ معز الدولة أوقف الهاشميين مرّة، ليئد الفتنة. لكن لا شك أنّ شيعة تلك الديار يعتبرون أنّ انتظامهم مقابل غيرهم مدين لغلبة آل بويه، وخاصّة معز الدولة الذي أمر بإقامة مراسم عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، والاحتفال والفرح يوم عيد الغدير.
وكان الذي أسّس له معز الدولة هو إقرار عرف استمرّ من بعده. وكان عضد الدولة من أهل التسامح المذهبي بشكل علني، إلى درجة أنّه كان عنده وزير نصراني اسمه (نصر بن هارون) وأجاز له ترميم الكنائس والأديرة، وقرّر صدقات للنصارى. ووقعت فتنة في عهده بين المسلمين والمجوس في شيراز، ونهب المسلمون بيوت المجوس، وقتل بعضهم. فقام عضد الدولة بمعاقبة مفتعلي الفتنة. وعندما دخل بغداد اعتبر أنّ الخراب والفوضى التي تركتها النزاعات المتوالية بين الشيعة والسنيّين ناشئة عن سموم الوعاظ والقصاصين، فأمر بمنع الحديث عن الفتن في المساجدد والأزقة. وقصته مع أبو الحسن ابن سمعون الواعظ معروفة. على أنّه اعتقل رئيس العلويين([704]) في العراق (محمد بن عمر بن يحيى العلوي الحسني) وصادر من أمواله مليون دينار، واعتقل أيضاً (أبو أحمد الحسيني الموسوي) ـ والد الشريف الرضي. إضافة إلى أخيه (أبي عبدالله) وأرسلهما إلى شيراز. ولكن لا يمكن التغافل عن الدور العظيم الذي لعبه الشيعة في دولة آل بويه، وخاصّة الذين كانوا يشتهرون بالعلم. ومن أهمهم آنذاك الشيخ المفيد والشريف المرتضى والشريف الرضي، حتّى لقد كان عضد الدولة يزور الشيخ المفيد في بيته أحياناً. وفي العهد البويهي قامت لأوّل مرّة مدرسة الشيعة التي تولّى أمرها الشيخ المفيد، ثمّ خلفه السيد المرتضى، ثمّ خلف المرتضى أبو جعفر الطوسي. وبدخول سلاجقة بغداد، وبدء اضطهاد الشيعة وتعطيل الدراسة فيها، نقلها الطوسي إلى النجف واستمرّت على مدى العصور.
ويبدو واضحاً أنّ البويهيين كانوا أهل إصلاحات وعمران. ويظهر ذلك بوضوح شديد عندما نقايسهم بالأمراء الآخرين في العراق. فعندما دخل معز الدولة إلى العراق وجد أراضيها خربة بسبب الصراعات الدامية المتوالية بين الحكام والقادة العسكريين على السيطرة على مركز الخلافة، الذي يعدّ مركز السلطة والموارد. فبدأ إصلاحاته وأعماله العمرانية في العراق، وكان منها بناء سد (بادوريا) على مجرى نهر الرفيل، الذي أدّى إلى زيادة الإنتاج الزراعي، ودفع الناس إلى الإقبال على بغداد. من هنا يمكن فهم النقل الذي يقول أنّ بغداد في عهده كانت تحوي (17000) حمام عام. وفي أواخر عمره أمر ببناء مستشفى في بغداد، وأن توقف بعض الأملاك لصالح المستشفى، وذلك عام (355هـ/ 966م) لكن عمره لم يمهله فمات قبل تنفيذه. وكانت أكثر الإصلاحات والعمران في عهد عضد الدولة وقد ذكر المؤرخ أبو علي مسكويه لائحة طويلة لمنشآت عضد الدولة وقد يستفاد من دراسة بعضها في تحليل الخصال الشخصية لعضد الدولة. يقول مسكويه: لقد أمر عضد الدولة بإعادة بناء وترميم البيوت والأسواق والمساجد التي أحرقت أو تضرّرت خلال فتن بغداد، وطلب من أصحابها بناءها بأجمل شكل، وكان يقدّم القروض لمن لم يكن يمتلك ما يكفي لذلك. وإذا كان أصحابها غائبين كان يعين وكلاء عنهم ليقوموا بالأمر. وأسّس مستشفى في شيراز ومستشفى آخر معروف في بغداد، ودعا إليهما أطباء مشهورين، وزوّدهما بأجهزة ومعدات جيّدة. وكانت شيراز في عهده عامرة جدّاً بحيث لم يبقَ فيها مكان للجيش، فأنشأ محلة قرب شيراز باسم (فناخسرو كرد) وأسكن الجند فيها، وبلغ مدخول شيراز (20،000) دينار يومياً، وكان قصره عامراً، ووصفه (المقدسي) بالمدهش، فكان يضمّ (360) غرفة، وكانت جدران القصر مزيّنة بالكاشي الصيني. وبنى مدينة (فيروز آباد) مكان مدينة (أردشير خوره) أو القبر القديم. وبنى في(كازرون) سوقاً للسماسرة. وبنى سدّاً عظيماً في قوائم مقاومة للماء على نهر (الكر، وقد عرف بسد الأمير أو السد العضدي، ووضع عند طرفي السد عشرة دواليب، وتحت كلّ دولاب مطحنة. وقنوات شيراز كانت توصل المياه إلى ثلاثمائة قرية وفي كرمان أيضاً بنى قصراً ومنارة، وأوجد بين نهر أروند ونهر كارون لعبور السفن من نهري دجلة والفرات إلى كارون. وأحد أبرز أعماله العمرانية إظهار مرقد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وبناء مرقده.
ووالده (ركن الدولة) ترك من بعده بعض الآثار العمرانية التي تدل على رغبته في تأمين رفاه رعيته. فأوجد نهر (ركن آباد) في شيراز، ورمّم جسر (إيذه) في خوزستان.
العلم والثقافة
إنّ أهم مرحلة من مراحل التمدّن الإسلامي في القرنين الرابع والخامس الهجري (العاشر والحادي عشر الميلادي)، تلك المرحلة التي تعدّ مرحلة تطوّر العلوم والفنون في التمدّن والثقافة الإسلامية، بعد مرحلة النقل والترجمة والتفسير لعلوم الأوائل. فقد شهدت منطقة حكم آل بويه آثاراً بارزة للعلماء في المجالات العلمية المختلفة، كانت استمراراً وتكاملاً لمسيرة العلم والتحقيق في البلاد الإسلامية، لكن جزءاً كبيراً منها كان نتاجاً لوجود حكام يحترمون العلم من آل بويه، حيث كان كثير من أولئك العلماء وزراء وندماء وقضاة ومقربين من آل بويه. فكتاب الشفاء لابن سينا مثلاً قد ألّفه خلال تلك العهود، وبدأه في بلاط آخر أمراء آل بويه في الري. وأحد الآثار الطبية الهامة (كامل الصناعة) للمجوسي الذي كان يعدّ آنذاك حجة عند الجميع قد ألّف أيضاً في كنف حماية ودعم آل بويه. والأغاني تلك الموسوعة القيّمة في الأدب العربي لأبي فرج الأصفهاني. والفهرست لابن النديم ذلك المصدر المعبر عن كلّ ما كتب خلال القرون الأربعة الأولى من تاريخ الإسلام، كلّها حرّرت خلال عهد آل بويه.
وأحد العوامل المهمّة للتطوّر العلمي في ذلك العصر كان رواج الكتب، واتّساع سوق الورّاقين أو باعة الكتب، منها سوق الورّاقين في بغداد، قرب بوابة البصرة، كانت تلك السوق مركزاً لنشر الكتب، وكانت منتدى يجتمع فيه علماء جميع الفنون، فيتبادلون الآراء ويتحاورون. وكان حكام آل بويه لا سيّما بعد الجيل الأوّل من المثفين غالباً ومحبي العلم والمعرفة. فعضد الدولة كان قد تربّى على يد (أبو فضل بن العميد) ذلك الأديب والعالم والوزير المعروف في عهد والده. وكان قد درس على يد أساتذة كبار، كان يذكرهم بفخر واعتزاز. ولعلّ هذا ما دفعه إلى تعيين أجر شهري لكلّ عالم في أي فن، من الفقهاء حتّى الرياضيين،. وخصّص في بيته قاعة لاجتماعات العلماء، وبنى في شيراز مكتبة كبيرة، والحديث عن مبنى المكتبة ومديرها ومؤرشفها والمشرف عليها بل حتّى عن فهرس كتبها والخرائط التي ضمّتها، ممّا يثير العجب. وأسّس في شيراز وبغداد مستشفيات كبيرة فيها الخزنة والحرس والوكلاء والنظّار والأدوية والسجاد والتجهيزات حتّى أنّها عرفت باسمه، فكانت تسمّى (العضدية) لا سيّما مستشفى بغداد الذي ضمّ أطباء وجراحين وصنّاع أدوية ذوي خبرة، انتقاهم من خيرة مراكز التحقيق الطبي آنذاك. ونسب (الثعالبي) بعض الأشعار لعضد الدولة، ويبدو من خلال الرسالة التي بعث بها إلى (افتكين) مولى معز الدولة وفاتح دمشق أنّه كان متبحّراً بالأدب العربي. وقيل إنّه كان يفضّل الجلوس مع الشعراء على الجلوس مع الأمراء. وكان يعتبر نفسه غلاماً لأبي علي الفارسي.
وبشكل عام كان عهده عهد سوق أهل العلم والفضل والبلاغة، وكأنّ العالم كان غافلاً عن العلوم حتّى جاء عهده ليطلقها، لكنّه لم يدع استعمال العنف أحياناً، كما جرى مع العلماء، لأبي إسحاق الصابي، والقاضي (أبي علي التنوخي).
وشرف الدولة أيضاً كان محباً للعلم، وجمع العلماء حوله، وبنى بمساعدة (أبي إسحاق الصابي) و(بيجن بن رستم الكوهي) الذي كان من ذوي الخبرة الفائقة في صنع آلات الرصد وعلم النجوم ـ مرصداً في بغداد.
ونقل الثعالبي أشعاراً عن (عز الدولة بختيار) أيضاً، واعتبر أنّ (أبو الحسين أحمد بن عضد الدولة) كان أديب آل بويه.
ومجد الدولة آخر أمراء آل بويه في الري قضى معظم عمره في المكتبة. وكان المقرّبون من آل بويه ووزراؤهم من العلماء والأدباء المشهورين.
وكانت مكتباتهم ومجالسم العلمية والأدبية ومؤلفاتهم العلمية نادرة المثال.
ففي مجلس (أبو الفضل بن العميد) المقلب بالجاحظ الثاني كان يجتمع عدد كبير من الشعراء، وتدور فيه المناظرات الأدبية، ولم يأس على بيته الذي نهب، كأساه على نهب مكتبته العظيمة التي جمعها خلال عدّة أعوام. وقد ذكر الثعالبي أكثر من (23) شاعراً عربياً كانوا يحضرون مجلس (الصاحب بن عباد)، وكانت لديه مكتبة عظيمة مشهورة، قيل إنّها مكتبته كان يتألف من عشرة مجلدات. وأشهر من التحق به خلال شبابه هو (بديع الزمان الهمداني) صاحب المقامات المشهورة. ويحتمل أنّ المكتبة التي استولى عليها (محمود الغزنوي) عند احتلاله الري، ثمّ أحرق كتب الكلام التي كانت فيها هي مكتبة الصاحب بن عباد.
وفي منزل (ابن سعدان) وزير صمصام الدولة كان يجتمع علماء كبار مثل: ابن زرعة وأبي علي مسكويه وأبي الوفاء البوزجاني وأبي حيان التوحيدي. وتدور بينهم البحوث العلمية. و(أبو نصر شابور بن أردشير) وزير بهاء الدولة كان قد بنى داراً للعلم في محلة الشيعة في الكرخ ببغداد، واشترى كتباً كثيرة وأودعها المكتبة، وهي المكتبة التي أحرقها السلاجقة لمّا دخلوا بغداد.
و(مؤيد الملك الرخجي) وزير مشرف الدولة بنى مستشفى في (واسط) ووقف له أملاكاً كثيرة.
و(أبو علي ابن سينا) الذي تولّى عدّة وزارات في عهد شمس الدولة، وكان سبباً في شهرة شمس الدولة ـ كان أحد أبرز العلماء، وصاحب مؤلفات خالدة في الطب والفلسفة.
و(أبو علي سوّار) كان أحد كتّاب عضد الدولة، بنى مكتبتين في (البصرة) و(رامهرمز) ووقف عليها مجموعة مباني. وكان هناك أستاذ في مكتبة رامهرمز يدرس كلام المعتزلة، ويقبض أجوراً شهرية.
و(الشريف الرضي) ذلك الأديب الشيعي الكبير، ونقيب العلويين في العراق، كان قد أعدّ منزلاً خاصاً لتلامذته الذين لازموه، وأطلق عليه اسم (دار العلم).
ومن البديهي أنّ هذه المكتبات ودور العلم والمراكز العلمية ـ عدا المساجد والجوامع ـ كانت تشكّل في أنحاء العالم الإسلامي مراكز لتعليم العلوم الإسلامية والآداب. وعدا الشيخ المفيد والشريف المرتضى والشريف الرضي فقد كان في تلك العهود الكثير من علماء الشيعة وقد تركوا مؤلفات قيّمة جدّاً. وليس جزافاً القول أنّهم وجدوا في تلك العهود فرصة للنشاط، فدوّنوا خلال تلك الفترة الجزء الأكبر من المعارف الشيعية، وخاصّة علوم الكلام.
هناك تفاوت كبير مشهود بين سلطة آل بويه الشيعة وسلطة السامانيين السنيّين في خراسان الكبرى. وسبب ذلك يعود إلى اهتمام الأمراء السامانيين بالأدب الفارسي، وانتشاره في مناطق نفوذهم. في حين أنّ آل بويه لم يظهروا اهتماماً بنشر الأدب الفارسي في مناطق حكمهم رغم أنّ معظم علمائهم ووزرائهم كانوا من الإيرانيين. حتّى أنّ بعض حكام آل بويه ووزرائهم كانوا يكتبون باللغة العربية، وينظّمون الشعر بها. ولا يعني ذلك انعدام وجود الأدباء والشعراء الفرس في بلاطهم، ففي الري كان (أبو محمد منصور بن علي المنطقي الرازي) أستاذاً في الشعر الدري، وكان معاصراً للصاحب بن عباد، وكان الصاحب (الوزير) يحبّ شعره، وكان يختبر (بديع الزمان الهمداني) بشعره.
ومن جملة الشعراء الناظمين بالفارسية آنذاك في مناطق حكم آل بويه: خسروي السرخسي الملقب بالحكيم، الذي مدح الصاحب بن عباد. وأبو عبدالله محمد بن عبدالله الجنيدي، وأبو زيد محمد بن علي الغضائري الرازي. وكانوا جميعاً من مداحي أمراء آل بويه في الري.
أمّا عظماء العلم والأدب في عهود آل بويه منهم:
في الأدب: (الشعر، اللغة، النحو، الصناعة الأدبية):
ـ أبو علي محمد بن حمد بن محمد بن معقل النيشابوري الميداني (د 336هـ/947م).
ـ أبو الحسن حمد بن أحمد المافروخي (د 348هـ/ 959م).
ـ أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني (د 356هـ/ 967م).
ـ أبو سعيد الحسن بن عبدالله بن مرزبان السيرافي ـ صاحب: طبقات النجاة، وشرح كتاب سيبويه ـ (د 368هـ/ 978م).
ـ أبو سهل الصعلوكي النيشابوري (د 369هـ/979م).
ـ أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي (د 377هـ/ 987م) صاحب الإيضاح والتكملة في النحو، الذين ألفهما باسم عضد الدولة.
ـ أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (د 380هـ/ 990م) صاحب الجامع في علم القرآن، وشرح كتاب سيبويه.
ـ أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي، صاحب المجمل (د 395هـ/ 1005م).
ـ أبو الفضل أحمد بن حسن الهمداني، المعروف ببديع الزمان (د 398هـ/ 1008م) صاحب المقامات والرسائل المشهورة.
في القرآن والحديث:
ـ أبو أحمد محمد بن أحمد العسّال الاصفهاني (د 349هـ/ 960م).
ـ أبو أحمد محمد بن حسين بن الغطريف الجرجاني (د 376هـ/ 986م).
ـ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (د 386هـ/ 996م) صاحب كتب: السنن، علل الحديث، القراءات.
ـ أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (د 393هـ/ 1003م) صاحب كتاب الصحاح.
ـ أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيشابوري (د 405هـ/ 1014م) صاحب: المستدرك والصحيح وتاريخ نيشابور.
في الفقه والأصول والتفسير:
ـ أبو الحسن عبدالله بن حسين بن لال الكرخي الفقيه (د 340هـ/ 951م).
ـ أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني (د 371هـ/ 981م).
ـ أحمد بن حسين بن علي أبو حامد المروزي، المعروف بابن الطبري (د 376هـ/ 986م).
ـ أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد الاسفرايني (د 406هـ/ 1015م).
في التاريخ والجغرافيا:
ـ علي بن حسين بن علي المسعودي (د 345هـ/ 956م) صاحب مروج الذهب.
ـ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري (د 346هـ/ 957م) صاحب مسالك الممالك.
ـ الحسن بن محمد بن حسن القمي، صاحب تاريخ قم.
ـ أبو سعيد المنصور بن حسين الآبي (د421هـ/ 1030م) وزير مجد الدولة وصاحب كتب: تاريخ الري ونثر الدرر.
في الكلام والفلسفة والمنطق:
ـ القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي (د 415هـ/ 1024م) صاحب كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن.
ـ أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام المنطقي السجستاني (د. بعد 391هـ/ 1001م) صاحب الكلام في المنطق وتعاليق حكمية.
ـ أبو عبدالله محمد بن عمران البغدادي المرزباني (د 384هـ/ 994م) صاحب أخبار المعتزلة.
ـ أبو علي محمد بن يعقوب مسكويه (د 421هـ/ 1030م) صاحب تجارب الأمم وتهذيب الأخلاق.
ـ أبو علي حسين بن سينا (د 428هـ/ 1037م) صاحب كتب: الشفاء والقانون، والإشارات وأكثر من مئتي كتاب ورسالة أخرى.
ـ أبو القاسم علي بن حسين المشهور بالسيد الشريف المرتضى، والملقب بعلم الهدى (د 434هـ/ 1044م) صاحب كتب: الآمالي والشافي وديوان الشعر.
ـ أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي.
في التصوف:
ـ أبو عبدالله محمد بن خفيف الشيرازي (د 371هـ/ 981م).
ـ أبو إسحاق إبراهيم بن شيبان القرميسيني (د 337هـ/ 948م).
في الطب والرياضيات والنجوم:
ـ أبو الحسن سنان بن ثابت (د 366هـ/ 976م) صاحب كتاب المعالجات البقراطية.
ـ علي بن عباس المجوسي الأهوازي (د 384هـ/ 994م) صاحب دائرة المعارف الطبية الكبرى المعروفة بكامل الصناعة أو الكتاب الملكي.
ـ أبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن عباس البوزجاني (د 388هـ/ 998م) صاحب عدّة رسائل في الهندسة والحساب والنجوم، وقد فقد أكثرها.
ـ أبو الخير الجرايحي، رئيس جراحي المستشفي العضدي في بغداد.
ـ أبو إسحاق إبراهيم بن بكوس الأعشاري، صاحب الكنّاش الكبير، والقراباذين.
ـ أبو الحسين عبدالرحمن بن عمر المنجم.
ـ بيجن بن رستم الكوهي.
شجرة نسب آل بويه
أبو شجاع بويه
عماد الدولة (2)
معز الدولة (1)
عز الدولة (1)
عضد الدولة (3)
ركن الدولة (4)
فخر الدولة (4)
مؤيد الدولة (4)
شمس الدولة (4)
سماء الدولة (4)
مجد الدولة (4)
السيدة خاتون
شرف الدولة (3)
العراق (1)
فارس (2)
فارس والعراق (3)
الري وأصفهان
صمصام الدولة (3)
سلطان الدولة (3)
عماد الدين (3)
خسرو فيروز (3)
بهاء الدولة (3)
مشرف الدولة (1)
فولاد ستون
قوام الدولة
أبو علي خسرو
جلال الدولة (1)
مؤيد الدولة (4)
شمس الدولة (4)
سماء الدولة (4)
عن البويهيين
كتب كاتب بحوثاً عن البويهيين فكان ممّا علقت على بحوثه ما يلي:
وقت يقرن الكاتب حديثه عن عقيدة البويهيين مرّة بكلمة (احتمال) ومرّة بكلمة (فالأرجح) فيدل على التشكيك وعدم الجزم، يعود في النهاية فيجزم فيما لا يصحّ فيه الجزم. وعندما قلنا أن ليس الملوك البويهيون هم الذين أخذوا بالمذهب الشيعي الجعفري ليصحّ القول بأنّهم كانوا على المذهب الزيدي، ثمّ انتقلوا إلى المذهب الجعفري تحقيقاً لمآرب سياسية. بل أنّ الذين كانوا على هذا المذهب هم آباؤهم الأوّلون، وساروا هم على ما كان عليه آباؤهم.
عندما قلنا ذلك حكم الكاتب بأنّ آباءهم لم يكونوا على الإسلام ليُقال أنّهم كانوا على مذهب من مذاهبه، ودليله على ذلك أنّ الإسلام لم يعم الديلم إلاّ على يد الأطروش (290ـ340) وأنّ (الأرجح) أنّ هذه الأسرة دخلت الإسلام على يد الأطروش.
ونقول: لماذا يكون هذا هو (الأرجح)، ولا يكون (الأرجح) أن آباء هذه الأسرة دخلوا الإسلام قبل السنة الثانية والعشرين للهجرة، وهو الزمن الذي ثبت أنّ الإسلام قد وصل فيه إلى تلك البلاد، وإذا كان تعميم الإسلام فيها قد تمّ على يد الأطروش، فلماذا لا يكون هؤلاء فيمن أسلم قبل عهد الأطروش؟ وحتّى قبل السنة الثانية والعشرين؟
وأنّ كون مذهب دولة طبرستان زيدياً لا يمنع أن يكون بين رعاياها من هو غير زيدي، بل نحن نعرف أسماء لعلماء غير زيديين نشأوا في ظلال تلك الدولة مثل: ابن هندو المكنّى بأبي الفرج وأبي العباس بن سعد بن أحمد الطبري. وأبي هشام العلوي الطبري وغيرهم. هذا في العلماء وأمّا في جمهور الشعب فمن ذا يمكنه إحصاؤهم، ومنهم آباء الملوك البويهيين.
ويستدل بتقلباتهم السياسية على عدم استقرارهم المذهبي، ويعيب عليهم تلك التقلبات كأنّهم وحدهم المتقلبون في السياسة، المنتقلون فيها من ولاء إلى …………
ويقول الكاتب عن الحكام الشيعة في ذلك العصر كالحمدانيين والبويهيين: «ولم يحمل التشيع هؤلاء المتشيعين على استخلاف أحد أهل البيت». ثمّ يعلّل ذلك بالتعليل المنسوب إلى أحد الذين استشارهم أحد الحكّام في هذا الشأن.
والذي يعرف حقيقة العقيدة الشيعية في أمر الخلافة يدرك أنّ تلك القصة منحولة وأنّ تبنّي الكاتب لها في غير محله. فالشيعة لم يعد لهم بعد السنة 260 هجرية مرشح للخلافة، وأصبحوا لا يهتمون بمن يتولاها، وسيان عندهم أن تولاها أحد ممّن يتصلون بالنسب بآل البيت أو لا. فإذا كان الحكام الذين ذكرهم لم يولوا الخلافة أحداً ممّن يتحدرون من آل البيت فليس ذلك للسبب الذي ذكره ونقله عن غيره، بل لأنّه ليس في مذهبهم ما يحملهم على ذلك.
على أنّه هو نفسه يذكر ذلك بعد قليل ويؤكده دون أن ينتبه للتناقض بين القولين.
ويستهين الكاتب بعقيدة البويهيين ويرى أنّ اختيارهم لما اختاروه كان لمنافع دنيوية بحتة فيول: «واختاروا الإمامية من فرق الشيعة لأنّ الزيدية تلزم اصحابها بتأمير واحد من أهل البيت ولا تقبل بغير ذلك».
بهذا القول يؤيّد ما قلناه أنّه ليس في مذهب البويهيين ما يوجب عليهم تأمير واحد من سلالة أهل البيت للخلافة. أمّا أنّهم اختاروا ما اختاروه للسبب الذي ذكره فهو مخطىء في ذلك.
ليس عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد هم الذين اختاروا مذهب الإمامية، بل إنّ الذين كانوا على هذا المذهب هم آباؤهم الأوّلون الذين كانوا فقراء بسطاء لا يفكّرون في ملك ولا سلطة. وهؤلاء الملوك الثلاثة نشأوا في بيتهم الفقير على هذه العقيدة وشبّوا عليها ثمّ سادوا وهي في قلوبهم وعقولهم.
ومن أوهام الدكتور منيمنة وأوهام غيره أيضاً قوله: «وصبغ البويهيون التشيع الشعبي بصبغة لم تمحَ فسنّوا سنّة الاحتفال بعاشوراء على مثال بكائهم أمواتهم وانتحابهم عليهم في منتصف القرن الرابع، وجعلوا عيد غدير خم عيداً شعبياً كعيد الربيع».
ليس البويهيون هم الذين سنّوا سنّة الاحتفال بعاشوراء، بل إنّ الاحتفال بها كان متصلاً قبلهم بأبعد الأزمان، ولم يكن يجري بشكل جماهيري، لأنّ السلطات كانت تمنع ذلك، وكان يجري ضمن البيوت الرحبة الواسعة ويضم من الناس من يتّسع له كلّ بيت، وكانت تنشد في هذه الاحتفالات الأشعار الرقيقة التي تبكي الناس وتشجعهم. وكلّ ما فعله معز الدولة هو أنّه أباح الاحتفالات الجماهيرية، ومنح أصحابها حريتهم فاخرجوها من دائرتها الضيقة إلى الدائرة الأوسع.
وليس البويهيون وحدهم هم الذين يبكون على أمواتهم وينتحبون عليهم، ليكونوا مثالاً للباكين المنتحبين، فكلّ الناس تبكي على أمواتها وتنتحب عليهم.
وأمّا عن عيد غدير خم وأنّ البويهيين اخترعوه وجعلوه عيداً شعبياً شبيهاً بعيد الربيع، فهو ايضاً داخل في باب الأوهام، فعيد غدير خم الذي يطلق عليه اسم (عيد الغدير) كان يحتفل به قبل البويهيين. وما فعله البويهيون هنا هو عين ما فعلوه في احتفالات عاشوراء وهو أنّهم أطلقوا الحرية للناس فخرجوا به من النطاق الضيق إلى النطاق الواسع.
ولم تقتصر هذه الاحتفالات الواسعة على مناطق نفوذ البويهيين، ففي مصر الفاطمية كان يوم الغدير من الأيام المشهورة في تاريخها، ولا يزال عيد الغدير في اليمن العيد الشعبي الأوّل.
وأبو العلاء المعري نفسه كان يحتفل بعيد الغدير مع المحتفلين به في بلاد الشام فهو القائل:
لعمرك ما أسر بيوم فطر
ولا أضحى ولا بغدير خم
فما دخل البويهيين في احتفالات مصر واليمن وبلاد الشام.
البويهيّون والسلاجقة
أمّا قول الكاتب بأنّ البويهيين «حكموا العراق حين الناس فرق وأهواء وشيع فسلّطوا عليها الخلاف».
فنقول له: ما دام الناس فرقاً وأهواء وشيعاً ـ كما يقول الكاتب ـ فليسوا في حاجة لمن يسلّط عليهم الخلاف، ونسبة ذلك إلى البويهيين تتنافى كل التنافي مع ما مسجّل من سيرتهم.
نعم إنّ البويهيين حين حكموا وجدوا أنّ فريقاً من الشعب محروم من أبسط حرياته، ومضطهد مطارد، فمنحوه حريته ورفعوا عنه الاضطهاد والمطاردة، حتّى إذا حاول أحد من هذا الفريق أن يستغل ما منحوه ذرة من الاستغلال، أو يتجاوز شعرة من الحدود المرسومة للجميع أوقفوه حتّى إنّهم لم يتوانوا في أن ينفوا عن بغداد لفترة رجلاً كالشيخ المفيد هو الرجل الشيعي الأوّل والعالم الأكبر. وهكذا فهم لم يتحيزوا لأحد. ولاء حسبما تقتضيه المصلحة.
وإذا كان الإنكليز يقولون في هذا العصر: بأن لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة في السياسة، فقد كان هذا هو التطبيق العملي للناس جميعاً منذ وجدت السياسة حتّى اليوم. ولماذا يريد الكاتب أن ينفرد البويهيون من سياسيي العالم بفضيلة الثبات على الصداقة مهما تعارض هذا الثبات مع المصلحة؟ فإذا لم ينفردوا بها كان ذلك عنده دليلاً على التشكيك في ولائهم الديني.
ثمّ يتساءل عن مقدار تديّنهم، كأنّما المطلوب أن يكونوا أئمة جمعة وجماعة. ويذكر أنّ ابن الجوزي نقل ما يدل على جهل معز الدولة بأمور الدين، كأنّنا نقول أنّ معز الدولة فقيه الأمّة ومرجعها في الفتيا.
ويقول أنّ ابن الجوزي نقل أيضاً ما يدل على جهل معز الدولة نفسه حتّى بسيرة حياة الإمام علي، كأنّنا نقول أنّ معز الدولة كان أستاذاً للتاريخ في الجامعة على أنّنا لا نبرىء ابن الجوزي في الافتراء على البويهيين. ومن الأكيد أنّ أي شيعي ولو أميّاً ـ يعرف من سيرة علي (عليه السلام) ما لا يعرف مثله ابن الجوزي عن أي رجل من رجال التاريخ.
ونحن نسأل الكاتب هل بين الملوك السلاجقة من كان أعلى درجة من البويهيين سواء في مقدار التديّن أو في الفقه وفي التاريخ، وهل يقدح ذلك عنده في إيمانهم؟
ثمّ يقول: إنّ مسكويه قال إنّ لعلي بن بويه مجلس شراب، فإنّ هذا كان حال أخيه معز الدولة…
ونقول: إذا كان لمن كانوا يحملون لقب (أمير المؤمنين) مجالس شراب، فهل نستغرب أن يكون لمن دونهم مثل هذه المجالس؟! هذا على فرض صحة قول مسكويه.
ولا يرى الكاتب إيصاء الرجل بأن يدفن في بعض الضرائح ما يدل على التديّن. ونقول له: إنّ هذا أكبر دليل على التديّن، فغير المتديّن لا يهمّه أين يدفن.
وعن ركن الدولة البويهي يقول ابن الأثير: كان حليماً كريماً واسع الكرم كثير البذل، حسن السياسة لرعاياه وجنده. رؤوفاً بهم عادلاً في الحكم بينهم، متحرجاً من الظلم، مانعاً لأصحابه منه، عفيفاً عن الدماء يرى حقنها واجباً وكان يحامي على أهل البيوتات وكان يجري عليهم الأرزاق ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام للصلاة وينتصب للمظالم، ويتعهد العلويين بالأموال الكثيرة، ويتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات ويلين جانبه للخاص والعام.
ثمّ يختم ابن الأثير وصفه له بقوله: رضي الله عنه وأرضاه.
هذه صورة وضاءة عن الحكم البويهي جلاها لنا ابن الأثير، وإذا لم تكن هذه صفات المؤمن المتديّن الثابت على العقيدة، فكيف تكون صفاته؟ وحين يدعو ابن الأثير لركن الدولة البويهي بقوله: رضي الله عنه، فهو يقرنه بكبار الصحابة الذين يدعى لهم وحدهم بهذا الدعاء.
وإذا كان هذا رأي المؤرخين القدماء في واحد من حكام البويهيين فلنستمع إلى رأي مؤرخين حديثين في حكم البويهيين:
يرى الأستاذ حسن أحمد محمود الشريف في كتابه (العالم الإسلامي في العصر العباسي) أنّ العصر البويهي هو عصر «حرية المذاهب» ويستند إلى أقوال الصاحب بن عباد في رسائله حيث يقول: «وقد كتبت في ذلك كتاباً أرجوه أن يجمع على الألفة ويحرس من الفرقة وينظّم على ترك المنازعة، والجنوح إلى الموادعة، فإنّ المهادنة تجمل بين الملتين فكيف بين النحلتين».
ويعلق على ذلك الدكتور فاروق عمر وهو ينقل هذا الكلام في كتابه (الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية) قائلاً: «على أنّ لهذه السياسية جانبها الإيجابي حيث لجأت المذاهب المتنازعة إلى المنطق والفلسفة وعلم الكلام لتأييد آرائها، فحدثت نهضة علمية وكثرت التصانيف في المناظرات وأسّست دور العلم».
بيان الحق بضمان الصدق
كتاب للفضل بن محمد اللوكري، الفيلسوف الرياضي الأديب من رجال القرنين الخامس والسادس الهجريين (11 و12م). ولد في قرية لوكر في أطراف مرو وتعلّم فيها مقدمات العلوم ثمّ قصد الفيلسوف (بهمنيار) أحد تلامذة ابن سينا فأخذ عنه الفلسفة والعلوم. وكانت وفاته سنة 517هـ /1123م).
أمّا كتابه الذي ما يزال مجهولاً من عامّة المثقفين فهو واحد من أعظم كتب تراثنا الفلسفي الإسلامي، فهو ـ كالشفاء ـ يحتوي على تلخيص كتب أرسطو والفارابي وابن سينا وبهمنيار وغيرهم.
وأمّا عنوان الكتاب فهو كما ذكر في «تتمة صوان الحكمة»([705]) و«إتمام التتمة» هو «بيان الحق بضمان الصدق» فالذي ذكر في نسخة من هذا الكتاب الموجودة في المكتبة الأهلية بباريس بعنوان «بيان الحق وضمان الصدق»([706]) ونقله الأستاذ محمد محمود الخضري بعنوان آخر وهو «بيان الحق بميزان الصدق»([707]) كلّها خطأ. والأصح ما ذكرناه آنفاً لأنّ المصنّف قال في وجه تسميته في مقدمة الكتاب ما نصّه: (وهذا اسم «بيان الحق بضمان الصدق») يواف مسمّاه إذ غرضي فيه تبيين الحق بأصدق الرأي والقول ليكون دستوراً أرجع إليه متى أردت مدّة حياتي…» ([708]). وصرّح المؤلف في مقدمته بأنّه راغب في أن يجمع كتاباً على سبيل الشرح والتلخيص معاً، مستخرجاً ممّا بين يديه من جميع كتب الحكمة المنسوبة إلى ابن سينا والفارابي وسائر المحدّثين والمتقدمين. وقد وجدنا في تضاعيف الكتاب أنّه أراد بالمتقدمين أرسطو وأتباعه وبالمحدثين بهمنيار، لأنّه اعتمد في القسم الطبيعي من «بيان الحق…» على كتاب «السماع الطبيعي» لأرسطو فلخّصه وفي القسم الإلهي على كتابي «الشفاء» لابن سينا و«التحصيل» لبهمنيار فلخصهما. ويفهم من مقدمته أيضاً أنّه أهدى هذا الكتاب إلى شخص كان يتقرّب منه لأنّه ينعت المهدي إليه بهذه العبارة: «ورأيت أن أخدم بهذا الكتاب مجلس مولانا… ليكون أسير في الآفاق بذكره السائر المنيف ومشرفاً على ما سواه بتضمن اسمه الشريف، ولأنّه الصدر المعظم المعتني بإحياء معالم الحكمة بعد انمحائها، وتلافيها في آخر زمائها، فلا غنى لأصحاب الحكمة وطلابها عن لزوم حضرته والإقبال على خدمته»([709]) ففي النسخة الوحيدة الموجودة بين أيدينا اليوم من المخطوط، موقع الاسم المُهدى إليه بياضاً ويبقيه الكاتب خالياً.
والكتاب مشتمل على أقسام المنطق والطبيعي والإلهي من الفلسفة فقط، أي: إنّه لم يتعرض فيه للقسم الرياضي منها قائلاً بوضوح: «وأمّا العلم الرياضي فقد عُني به أقوام فكفى الأمر فيه وشفوا منه وإن أخّر الله الأجل فسألحق منه بهذا الكتاب ما يجب أن يلحق بأمثاله»([710]).
وكلّ قسم، أو لنقل كلّ كتاب ـ كما هو الواقع ـ من كتبه الثلاثة يحتوي بدوره على كتب وقد ضمن كلّ واحد من الكتب الثلاثة في صدره فهرسة لمطالبه وهي ما يلي فهارس مواضيع كتبه الثلاثة:
1 ـ كتاب المنطق
يصدر اللوكري هذا الكتاب بثلاثة فصول: أوّلها في تعريف العلم وأقسامه، وثانيها في تعريف علم المنطق وموضوعه، وثالثها في بيان الغرض من علم المنطق ومنفعته. أمّا الكتب التي يشتمل عليها كتاب المنطق كما يظهر من الفهرست فهي التالية:
1 ـ كتاب إيساغوجي في الألفاظ المفردة في 30 فصلاً.
2 ـ كتاب المقولات في 30 فصلاً.
3 ـ كتاب العبارة في 53 فصلاً.
4 ـ كتاب القياس في 54 فصلاً.
5 ـ كتاب البرهان في 27 فصلاً.
6 ـ كتاب الجدول في 14 فصلاً.
7 ـ كتاب المغالطات في فصل واحد.
8 ـ كتاب الخطابة في 11 فصلاً.
9 ـ كتاب الأقاويل الشعرية في فصل واحد.
2 ـ الطبيعيات
اعتمد فيها على كتب أرسطو التي شرحها وبسط الكلام فيها ابن سينا، فلخصها واختصرها ووضعها في كتابه على الترتيب نفسه، الذي اتبعه أرسطو في كتبه مضمناً كلّ كتاب ـ على عادته ـ فهرسته في أوّله، وتشتمل الطبيعيات في موسوعة اللوكري «بيان الحق بضمان الصدق» على ثمانية كتب يجعل فهرستها كما يلي:
1 ـ كتاب السماع الطبيعي في 26 فصلاً.
2 ـ كتاب السماء والعالم في 17 فصلاً.
3 ـ كتاب الكون والفساد في 17 فصلاً.
4 ـ كتاب المعادن في 5 فصول.
5 ـ كتاب الآثار العلوية في 6 فصول.
6 ـ كتاب النفس في 23 فصلاً.
7 ـ كتاب النبات في 7 فصول.
8 ـ كتاب الحيوان في 17 فصلاً.
3 ـ الإلهيات
هذا القسم هو ـ كما أسلفنا ـ ما ندرسه ونحققه من كتاب «بيان الحق…» لذا سنؤجل الحديث عنه إلى ما بعد هذه المقدمة التعريفية العامة لنتناوله هناك بما يتناسب مع الدراسة، في تفصيل وتحقيق مكتفين بالإشارة هنا إلى أنّه يتضمن ثلاثة موضوعات:
1 ـ العلم الكلي في 41 فصلاً وسنذكر فهرستها في نهاية الكتاب.
2 ـ العلم الربوبي في 28 فصلاً وسنورد أيضاً فهرستها.
3 ـ الملحقات وهي على قسمين أيضاً:
أ ـ نكت ومسائل منتخبة عن علم «ما بعد الطبيعة» وفيها أربعة أبواب.
ب ـ فصول منتخبة من علم الأخلاق وفيها خمسة أبواب.
موقع الكتاب من الإلهيات ومعناها عند المشائين
إنّ دراستنا هذه تختص بالإلهيات من كتاب «بيان الحق…» فيجدر أوّلاً أن نعرف المقصود بـ «العلم الكلي» و«العلم الأعلى» الذي يتكلمون عنه في بداية الإلهيات وأن نحدّد أيضاَ شمولها عند الإلهيين من الفلاسفة المشائين:
أ ـ قال الأستاذ إبراهيم مدكور في مقدمته على إلهيات «الشفاء»وأثناء حديثه عن الإلهيات في العالم العربي، ما نصّه: «سبق لنا أن عرضنا لأثر كتاب «الشفاء» في العالم العربي، وبينّا أنّه كان دعامة قوية من دعائم الفكر الإسلامي العلمي والفلسفي منذ القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر للهجرة. وإذا وقفنا عند «الإلهيات» خاصّة، وجدنا أنّه كان من أشد أقسامه تأثيراً، لأنّه يدور حول مشاكل شغلت الأذهان وكانت أساس البحث فيما سمّي بعلوم المعقول»([711]) وتابع تعريفه بهذا النمط من الأوصاف، والنعوت العامة الخطابية دون أن يشرح تحديداً وبصورة عملية كيفية تأثير الإلهيات وصور تطوّرها عبر القرون المذكورة ودون أن يتطرق إلى حدوده وشموله وأقسامه والسبب في حصره بأقسامه الأربعة أو الخمسة أو غير ذلك من الأمور التي يجدر ذكرها في هذا المقام، لذا رأينا أن نتناول نحن هنا ما أهمله الأستاذ مدكور تكملة للعمل ومزيد توضيح للبحث:
فنرى أنّ الفلاسفة في بداية كتبهم جعلوا الأشياء أو الموجودوات مقسماً حينما أرادوا تقسيم العلوم الحكمية إلى أنواعها لأنّ غرضهم من كلّ منها قد يحصل فبناء عليه، نقول: إنّ الأشياء التي تدور حولها أبحاث في الحكمة النظرية لا تعدو حالتين: إمّا أن تكون أموراً يجب أن لا يفتقر وجودها وحدودها إلى المواد الجسمانية والحركة أصلاً، أو أنّها تفتقر إلى تلك المواد والحركة، فإذا كانت من النوع الأوّل فالعلم الذي يتناولها هو «العلم الإلهي» و«العلم الأعلى» كذات الباري والعقول والعلة والمعلول والوجوب والإمكان والامتناع وغير ذلك، فإن خالط شيء منها المواد الجسمانية فلا يكون ذلك على سبيل الافتقار.
وقد ينقسم العلم الأعلى إلى علمين: علم المفارقات وعلم الكليات وموضوع هذين العلمين أعمّ الأشياء وهو الوجود المطلق من حيث هو هو.
وأمّا الذي يفتقر وجوده وحدوده إلى المادة، فلا يعدو أيضاً حالتين: إمّا أن يمكن تجريد الخيال عنها فلا يفتقر في كونه موجوداً إلى خصوص مادة واستعداد، أو لا يكون كذلك. فإذا كان الأوّل أي: إذا أمكن تجريد الخيال عن مادته وجسمانيته فهو «الحكمة الوسطى» و«العلم الرياضي» و«التعليمي» كالتربيع والتثليث والتدوير والكروية والمخروطية والعدد وخواصه، فهذه كلّها تفتقر إلى المادة في وجودها لا في حدودها. وإذا كان الثاني، أي: إذا تعذّر تجريد الخيال عن مادته وجسمانيته فهو «العلم الطبيعي» و«العلم الأسفل».
وأمّا التعليمي فقسّموه إلى أربعة أقسام، لأنّ موضوع «الكم» وهو إمّا متّصل أو منفصل. والمتّصل منه إمّا متحرّك وإمّا ساكن، فإذا كان متحرّكاً هو الهيئة، وإذا كان ساكناً هو الهندسة، والمنفصل منه إمّا أن تكون له نسبة تأليفية أو لا تكون مثل هذه النسبة، أي: ما كان له نسبة تأليفية، هو «الموسيقى» والثاني هو «الحساب».
ب ـ العلم الإلهي، قلنا: إنّ العلم الإلهي هو العلم بأمور لا تفتقر في وجودها وحدودها إلى المادة. فهذا الحد شامل لجميع مباحث هذا العمل فإن وقع لشيء من موضوعات مسائله اقتران بمادة لم يلزم من ذلك أن يكون له افتقار ذاتي إليها، لأنّه إن كان الافتقار إليها ذاتياً له لما تحقّق فرد منه مفارقاً عنها والأمر ليس كذلك فإنّ العلّة والمعلول والواحد والكثير والمتقدم والمتأخر وغير ذلك توجد وهي مفارقات عن المادة، هذا وإنّ الأجدر بهذا الاسم، أي: «العلم الإلهي» هو قسم الربوبيات والمفارقات المحضة، لأنّه علم بأمور هي مفارقة عن المادة من كلّ وجه معنى وذاتاً ووجوداً لكن الأمور العامّة التي ليست بمفارقات محضة، لما كان بينها وبين الربوبيات والمفارقات المحضة من النسبة والارتباط ما ليست بينها وبين غيرها من الأشياء جعلوا يبحثون عنها في هذا العلم من حيث إنّها توجد وهي مفارقات عن المادة أيضاً ـ كما ذكرنا ـ.
ج ـ وجه تسمية الفلسفة الأولى:
1 ـ من المعلوم أنّ واجب الوجود والوجود نفسه كانا يحسبان ويدرسان في الفلسفة الأولى لأنّهما من الأمور التي لها الأولوية على كلّ شيء:
أمّا واجب الوجود، فإنّ وجوده أوّل الوجودات وعلتها، كما سنذكر في محله.
وأمّا الوجود فإنّ معناه أوّل المعاني المفهومة من الأشياء وليس شيء من المعاني أقدم خطوراً بالبال من معنى الوجود، بل معناه أسبق من كلّ معنى ولهذا لا يمكن تعريفه بشيء من الأشياء فالعلم المشتمل عليهما يوصف بالأولي.
2 ـ ويمكن أن يُقال في التسمية: أنّ لهذا العلم تقدّماً بالطبع على سائر العلوم الفلسفية، لأنّ مبادىء تلك العلوم إنّما تثبت في هذا العلم، وهذا الوجه أوفق، لأنّه يثبت تقدّمه من حيث كونه علماً لا من حيث المعلوم به فقط، كما في الوجه الأوّل.
أمّا مؤلف الكتاب فهو الفيلسوف الرياضي الأديب من رجال القرنين الخامس والسادس الهجريين (11 و12م). ولد في قرية « لوكر»([712]) في أطراف مرو وتعلّم فيها مقدمات العلوم ثمّ قصد الفيلسوف بهمنيار أحد تلامذة ابن سينا فأخذ عنه الفلسفة والعلوم واستفاد منه كثيراً وكانت وفاته سنة 517هـ/ 1123م([713]). هذا خلاصة ما وصلنا من أخباره([714])، ولم تسعفنا المصادر بأخبار شافية عن هذا الرجل الذي انتهت إليه في القرن السادس (12م) زعامة الفلسفة في خراسان ونواحيها، والذي كان قبلة الأنظار بين أتباع ابن سينا ومدرسته. ولقد كان خليقاً بهذا الفيلسوف الفذ أن يكون له تاريخ حافل بالأخبار يحكي تفاصيل حياته ويروي دقائق طفولته وشبابه وكهولته ولعل القصور في ذلك يرجع إلى أنّه عاش حياة علمية خالصة، فلم يختلط بالناس وعلى ذلك لم تظهر له أخبار مثيرة وإن ذكر أنّه كان من أبناء السراة بكورة مرو([715]). وقد أشار البيهقي إلى أمور تدل على ما ذكرناه آنفاً، فقال ما نصّه: وسمعت من أثق به أنّه قال: يئست من زيادة في علمي ومعرفتي فلا زيادة لي على ما حصلت وصرت عاجزاً بسبب الضعف وعدم البصر واشتقت إلى العقبى، وكان يقول ذلك غير مرّة حتّى ظهرت لتلامذته ومن حوله، شدّة شوقه إلى الدار الآخرة واتفق أنّه تناول يوماً الراس المشوي ودعاه واحد من تلامذته إلى الحمام فكان ذلك سبب مرض موته وكان بعض تلامذته يعالجه وهو يقول: خلّني وربي فإن شفاني فله الأمر وإن أماتني فله الحكم فأنا لا أختار إلاّ ما اختاره الله([716]).
ومهما يكن من أمر فقد كان اللّوكري فيلسوفاً متفنناً وكان عالماً بدقائق العلوم الحكمية حتّى انتشرت عنه علوم الحكمة بخراسان. وكان كثير القراءة حتّى إنّه فقد بصره في شيخوخته([717]).
وقد اختلفت كتب الرجال اختلافاً كثيراً في تاريخ وفاته، والأقرب إلى الظن أنّه توفي بعد سنة 503هـ. لأنّ اللّوكري وضع فهارس لكتاب «التعليقات» لابن سينا وبقيت نسخ كثيرة منها محفوظة حتّى الآن وفي آخرها العبارة التالية: «تولى عمل هذا الفهرست الشيخ الإمام، الرئيس الحكيم الأديب وحيد الزمان برهان الحق أبو العباس الفضل بن محمد اللّوكري ـ رحمه الله ورضي عنه ـ في شهور سنة ثلاث وخمس مائة»([718]).
وقد نقل آغا بزرگ الطهراني عن «تذكرة شاهد صادق» أنّه توفي سنة 461([719]). وذكر عبد الرحمن البدوي عن بروكلمان أنّه توفي 517هـ/ 1123م، ثمّ قال: «ولسنا ندري من أين استقى بروكلمان هذا التاريخ»([720]). إلاّ أنّ ما ذكره بروكلمان أقرب إلى الواقع حسب ما ذكرنا من عبارة اللّوكري في ختام فهارسه للتعليقات، أمّا المدرس التبريزي فيقول: إنّه مات عام 458هـ([721]). وهكذا نرى أنّ الاختلاف في سنة وفاته يتأرجح بين 458هـ حتّى 517هـ، وهي فترة تسع و خمسين سنة إلاّ أنّنا إذا أخذنا بما ذكر في نهاية بعض نسخ التعليقات المذكورة فإنّ القول بأنّ وفاته كانت في 458 أو 464 هو قول بعيد عن الظن. ولقد كان ظهير الدين البيهقي أقدم من تكلم عنه، فقال: «إنّه كان تلميذ بهمنيار وهو من تلاميذ أبي عليّ ابن سينا»([722]) لكنّه لم يذكر أي شيء عن تاريخ وفاته ولا عن اتصاله بابن سينا. ويتحدّث كتاب «إتمام التتمة» عن بعض معاصري اللّوكري فيذكر منهم عمر الخيام (توفي 508هـ أو 526هـ أو 530هـ) وابن كوشك والواسطي إلاّ أنّه يضع اللّوكري في طليعة هؤلاء([723]). ويذكر البدوي في مقدمته للتعليقات عن إحدى نسخ كتاب «بيان الحق بضمان الصدق» الموجودة في المكتبة الأهلية بباريس تعود إلى القرن العاشر الهجري: «أنّ اللّوكري يعتمد فيه على كتاب «السماع الطبيعي» لأرسطو كما لخّصه وعرضه ابن سينا»([724]) إلاّ أنّ النسخة الموجودة في حوزتنا وهي نسخة مكتبة جامعة طهران المركزية التي تعود إلى سنة 601هـ([725]) لا تذكر فيها أي شيء عن صلته بابن سينا وعرضه عليه ما لخّصه، بل فيها أنّه دعا لابن سينا، بالمغفرة، وكتب في بداية قسم الطبيعيات من هذه النسخة ما نصّه: وهذا الكتاب يحتوي على كتب صغر من جملة كتب الحكيم أرسطو طاليس التي شرحها وبسط الكلام فيها الشيخ الرئيس حجة الحق أبو علي سينا ـ روح الله رمسه وقدس نفسه ـ فاختصرناها ولخصناها مرتبة على ترتيب كتب الحكيم مذكوراً فهرست كلّ كتاب في صدره». هذا ما جاء في نسختنا التي هي أقدم من النسخة التي ذكرها البدوي.
وأمّا ما نقل المدرس التبريزي عن كتاب «تعديل الميزان» للأمير غياث الدين منصور الحسيني الدشتكي الشيرازي من أنّ بهمنيار كان من تلاميذ اللّوكري([726])، فلا يعتد به لأنّ الشواهد الموجودة كانت بعكس ذلك كما أشرنا إلى بعضها، يذكر الأستاذ النفيسي بأنّ اللّوكري كان من العلماء البارزين في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس، وأنّه كان من العلماء الأفذاذ المعدودين، وقد أنيطت به مهمة الرصد سنة 427 مع عمر الخيام وأبي المظفر الأسفزاري وميمون بن نجيب الواسطي. وينقل أيضاً في ترجمة الخيام بأنّه بدأ بإصلاح التقويم بأمر من ملكشاه في سنة 468 مع عدد من معاونيه ومنهم اللّوكري([727]).
عندما نحاول أن نقارن بين التاريخين المذكورين (أي: 427 و468) تواجهنا بعض الصعوبات، فالتفاوت بينهما 41 سنة. وتزداد المسألة صعوبة عندما نقارن التاريخين المذكورين بما قبل من أن اللّوكري كان من العلماء البارزين في أواخر القرن الخامس. إذ أنّ تاريخ (427هـ) يشير إلى أنّ اللّوكري كان يتمتع بشهرة واسعة أواخر الربع الأولى أو أوائل الربع الثاني من القرن الخامس الهجري ممّا يجعله أهلاً لمساعدة الخيام في الرصد وإصلاح التقويم. ولكنّنا من جهة أخرى إذا أخذنا بعين الاعتبار معاصرة اللّوكري لأواسط عمر بهمنيار أو أواخر عمره لا أستبعد أن يكون من رجال أواخر القرن الخامس بما أنّ القرائن التي نستقيها من أخبار تلامذته تشير إلى أنّه كان يتمتع بمكانة مرموقة في النصف الأوّل من القرن الخامس. ولعل هذا يؤكد ما يقوله الخضيري من أنّه كان ذا عمر طويل، وأنّه توفي في أواخر القرن الخامس([728]). وعندما نستعيد ما ذكرناه قبلاً من أنّه كان ما يزال على قيد الحياة في 503، وأنّه مات في 517هـ، وقعنا في إشكالات كثيرة تتعلق بتاريخ نشأته وحياته ووفاته.
ثناء المؤلفين عليه
تحدث أصحاب التراجم التي تناولت اللّوكري عن صاحب «بيان الحق» بعبارات فيها من المديح والتقريظ، الشيء الكثير، نورد فيما يلي مقتطفات من هذه التقريظات. وأوّلها ما ذكره البيهقي في «تتمة صوان الحكمة» حيث قال: «ومن الأديب أبو العباس انتشرت علوم الحكمة بخراسان وكان عالماً بأجزاء علوم الحكمة، دقيقها وجليلها»([729]).
ومنها ما جاء في «إتمام التتمة» وهو: «أبو العباس الفضل بن محمد اللّوكري أسبق أقرانه الخيامي وابن كوشك والواسطي في ميدان الحكمة وإنّ قوماً هو صدرهم لكبار وأربعة هو أوّلهم لخيار، وله المصنف المترجم ببيان الحق بضمان الصدق في تلخيص كتب أبي علي وأبي نصر وما ظنّك بمتصرف في كلامهما بحمد سعيه فيه ومصنف مثل ذلك الكتاب الذي لم يسمع أو لم يسع لأحد أن يزيد ولو حرفاً عليه أوينقص ولو كلمة منه»([730]).
ومنها أيضاً ما جاء في نهاية بعض نسخ الفهرست الذي وضعه اللّوكري للتعليقات وهو ما يلي: تولّى عمل هذا الفهرست الشيخ الإمام الرئيس الحكيم الأديب وحيد الزمان برهان الحق أبو العباس الفضل بن محمد اللّوكري ـ رحمه الله ورضي عنه([731]).
وأمّا اللّوكري الشاعر الذي ذكره العروضي السمرقندي في كتابه «چهار مقاله»([732])، والعوفي في كتابه «لباب الألباب»([733])، فليس هو فيلسوفنا الذي ندرسه أبا العباس الفضل بن محمد اللّوكري بل هو لوكري آخر يدعى أبا الحسن علي بن محمد الغزالي اللّوكري وكان شاعراً للوزير أبي الحسن عبيدالله العتبي وزير السامانية بخراسان وهو من شعراء أكراد خراسان كما صرّح هو في شعره. فما بينه وبين أبي العباس اللّوكري الفيلسوف إلاّ اشتراك في النسبة فقط.
الدكتور إبراهيم الديباجي
بيرجند
يعتبر موضوع توزيع السكان ووجود المدن والقصبان والقرى من المواضيع الجغرافية الإنسانية الممتعة. ويظهر من خلال هذه البحوث أنّ العوامل الرئيسية في إيجاد مثل هذه المراكز هي مجموعة عوامل جغرافية من قبيل الأجواء المساعدة والقابلية على الزراعة أو بعض العوامل الصناعية والتجارية والطرق ومصادر الثروة أو سهولة التسويق، ويظهر أيضاً أنّ وجود مثل هذه المراكز بدون اجتماع هذه العوامل أمر مستبعد إن لم يكن محال. ومن هذه الناحية فإنّ وجود المدن والقصبات والأرياف يعتبر أيضاً في حكم الكائنات الحيّة التي تنمو وتترعرع تحت الظروف المساعدة وبغيرها فإنّها تزول من صفحة الوجود.
إنّ العوامل الجغرافية وخصوصاً تلك التي تساعد وترتبط بالحياة الاقتصادية والسياسية للمجتمعات البشرية مثل العوامل الطبيعية، إنّ هذه العوامل إمّا أن تكون غير ثابتة أو تكون في أكثرها خاضعة للتغيّرات والتحوّلات، ومن ثمّ فإنّ المدن والقصبات التي تأثّرت في وجودها بالعوامل الاقتصادية والسياسية، فإنّها تكون عرضة للتغيّر والتحوّل بنفس النسبة التي ارتبطت بها مع هذه العوامل في وجودها، ويرتبط وجودها إلى حد بعيد بوجود هذه العوامل.
ومن ثمّ فإنّا لو طالعنا تاريخ تحوّل وتغيّر المدن للاحظنا أنّ كلّ مدينة منها قد ارتبطت في وجودها بمجموعة من العوامل الجغرافية المحددة، وظلّت هذه المدينة قائمة ما دامت تلك الظروف التي أوجدتها قائمة أيضاً، ولكنّها بمجرد زوال هذه الظروف فإنّها تلحق بها وتزول معها شيئاً فشيئاً حتّى يأفل نجمها. والأمثلة على هذه المدن في البلدان التاريخية كثيرة جدّاً، على الرغم من كون بعض الحوادث التاريخية دخيل في أمر زوال هذه المدن، ولكن يبقى الدور الأكبر للعوامل الجغرافية، إذ نرى الكثير من هذه المدن تستعيد وجودها وحيويتها رغم الحوادث التدميرية التي تحل بها، بمجرد وجود العوامل الجغرافية المساعدة على هذا الوجود.
ومدينة بيرجند التي هي موضوع بحثنا، أفضل نموذج على المراكز الإنسانية التي تطوي خطوات حياتها الأخيرة لزوال العوامل التي ساهمت في إيجادها، ويمكن القول بأنّها تحتضر. ولكن يبقى أنّ المدن كما تتحوّل في نموّها ببطء وبصورة تدريجية فإنّها أيضاً في زوالها واندثارها تسير ببطء وعلى مهل. ولكن مع قليل من التفحص والنظر إلى البيئة الجغرافية نصل إلى نتيجة هي أنّ مدينة بيرجند لم تعد قادرة على الاستمرار في حياتها، ومحكوم عليها في مثل هذه الظروف اللامساعدة بالزوال وستؤول قريباً إلى قصبة أو قرية.
يوجد وادٍ جاف وغير ذي زرع بين سلسلتين من الجبال الشرقية والغربية جنوب خراسان، ويبلغ طول هذا الوادي 100 كلم، وينفتح بطرفيه على الصحراء المركزية والشرقية الجافتين من إيران، وبعبارة أخرى فإنّه يكون من حيث البُعد الجغرافي معرضاً لآثار الصحراء المركزية في الغرب وتحت تأثير صحراء خوسف من الشرق. ويقتصر الماء في هذا الوادي على العيون الواقعة في سفوح الجبال التي يرتبط مقدار مائها بمقادير الأمطار السنوية والثلوج الشتوية. وتتحدّد القرى والقصبة حول هذه العيون ويوجد إلى جانبها بعض المراكز الصغيرة والكبيرة بالقرب من القنوات تكون في أغلب الأحيان محرومة من المياه العذبة التي يقتصر وجودها على العيون، ومن ثمّ فإنّ أهلها إمّا أن يستخدموا هذه المياه المالحة التي تجري في القنوات، وإمّا أن يجلبوا المياه العذبة من أماكن أخرى. وتعتبر أراضي هذا الوادي من أخصب الأراضي وأكثرها استعداداً للزراعة، ولكنّها مع الأسف، تعتبر في نفس الوقت من أفقر الأراضي لعدم وجود المياه الكافية لزراعتها، وينبغي على أهلها أن يظلّوا في كدح مستمر لتوفير لقمة العيش.
وتشكل الزراعة وتربية المواشي العملين الرئيسين للأهالي، ولكن يرتبط نجاحهم في عمليهم هذين بالأمطار الشتوية والربيعية ارتباطاً كاملاً، إذ لا بدّ منها لتوفير مياه الشرب والزرع ولتوفير العلف الحيواني الكافي لمواشيهم وبغير هذه الأمطار فإنّ أهلها سيضطرون لتحمّل المشقة والصعوبات لتمضية عامهم.
في مثل هذه البيئة الجافة والظروف اللامساعدة وفي جزء من الوادي المذكور الذي يفصل الجبلين عن بعضهما بعشرين كيلومتراً، بُنيت مدينة بيرجند على بعض التلال التي لا ترتفع عن الأراضي المحيطة بها أكثر من 100م وللمدينة قناة واحدة بطول 18 كلم يجري فيها الماء المالح.
ويستنبط من الآثار الجغرافية للقرون الإسلامية الأولى أنّ بيرجند أو بيرگند من القرى الموغلة في القدم، وتشير الأسماء الفارسية الخاصّة لبعض القرى المجاورة وطريقة البناء فيها أنّ هذه المنطقة تعود إلى العصور التي سبقت الإسلام ولكن سكانها من تلك العصور ربّما لا يتجاوزون (3000 نسمة) ويمارسون الأعمال الزراعية البسيطة، ومن ثمّ فقد استطاعوا أن يمارسوا حياتهم في مثل هذه الظروف الجغرافية اللامساعدة وعلى مسافة لا تزيد عن 50 كلم عن الصحراء المركزية لإيران.
أصبحت هذه المنطقة مقراً لحاكم ولاية (قائنات) وكان لحكامها دور كبير في فتنة الأفغان وحملات نادرشاه واكتسبوا أهمية خاصّة من تلك الأحداث وأضفوا على مدينتهم رونقاً خاصاً، وأصبحت بيرجند مدينة بعد أن كانت قصبة وأخذ سكانها يتزايدون يوماً بعد آخر وهكذا أصبحت العوامل السياسية ذات دور كبير في إيجادها رغم العوامل الجغرافية اللامساعدة.
وكانت نفوس مدينة بيرجند قبل أن تبتدىء بتوسعها غير الطبيعي لا تتجاوز 4000 نسمة، ولكنّها ازدادت بالتدريج حتّى بلغ عددهم في سني الحرب العالمية الأولى 18000 نسمة وهكذا اتّسعت البيئة الجغرافية لأربعة أضعاف ما كانت تسعه في بادىء الأمر. وما دامت الزراعة وتربية المواشي المسببين الرئيسيين لمعيشة الأهالي في بيرجند فإنّ صعوبات الحياة أخذت تتزايد باضطراد كلما زاد عدد السكان، حتّى يمكننا أن نقول إنّ أحداً لم يتوفر لديه الغذاء الكافي من أهل المدينة طوال المائة سنة الأخيرة.
وفي غضون ما قبل 50 سنة، وحين انفتحت أبواب التجارة بين إيران والهند وأوروبا، بدأت العوامل الاقتصادية المساعدة تسهم إلى حد بعيد في توسيع المدينة لكونها تقع في ملتقى الطرق الواقعة في شرق إيران وأقرب مدينة إيرانية إلى الهند، ومن ثمّ فإنّها أحرزت أهمية اقتصادية وتجارية خاصّة، وحدث تغيّر هام في حياة أهلها الاقتصادية.
وكانت تصل الصناعات الأوروبية وخصوصاً منسوجات مانجستر وليفربول إلى إيران عن طريق موانىء الخليج الفارسي، قبل أن يكتمل خط السكك الحديد في شمال غربي الهند، وتنتقل المنتوجات التي تصل عن طريق ميناء (بندر عباس) إلى كرمان وخبيص ثمّ إلى بيرجند ومنها إلى جميع أنحاء خراسان لكونها تقع على الطريق الرئيسي المؤدي إليها، ولكن هذه المدينة أصبحت مركزاً لتوزيع المنتوجات والصناعات الهندية وشرق أوروبا مثل الشاي والسكر والأدوية والكبريت وغيرها و من ناحية أخرى مركزاً لتصدير منتجات القاينات وخراسان مثل الصوف والزعفران والجلود والحبوب بعد أن اقتربت خطوط السكك الحديد بين كراجي وبلوجستان من حدود إيران ومن ثمّ ارتباطه بزاهدان داخل الحدود الإيرانية. وكانت تصل الواردات عن طريق بيرجند إلى جميع أنحاء إيران وحتّى القفقاز وتركستان الروسية، ومن ثمّ أحدث هذا التحوّل الاقتصادي انقلاباً في النشاطات التجارية للمدينة، حتّى أقيم فيها فرع للمصرف الشاهنشاهي الإيراني وتجمع فيها التجار المعروفون، وكانت بدورها مركزاً لتوزيع المنتجات إلى جميع أنحاء القاينات بواسطة الإبل أوّلاً ثمّ بواسطة العربات بعد ذلك.
وأثر الارتباط المتزايد بين المدينة والقرى وحاجة الناس إلى الوسائل الحديثة لحياتهم مثل النحاس والسماور والمصابيح والصناعات القصديرية وغيرها، فقد حصلت حركة صناعية (طبعاً بمعناها المحدود) في بيرجند ونشطت الأعمال اليدوية بالتدريج واستحدث فيها مصنع لمثل هذه الأعمال، وفي غضون بضع سنين أقيمت عدّة أسواق للحدادة والسمكرة والخياطة والدباغة والنجارة وغيرها، ولكن هذه الأسواق لم يبقَ منها اليوم إلاّ اسمها ولربّما لا تتجاوز الدكاكين القائمة في المدينة هذه الأيام عدد الأسواق التي كانت قائمة آنذاك.
وطوال تلك الفترة كانت المحصولات الزراعية تستبدل بالصناعات اليدوية فكان أهالي المدينة والقرى يعيشون باطمئنان.
وحافظت مدينة بيرجند على موقعها التجاري بعض الوقت بعد الحرب العالمية الأخيرة واستحداث طريق مشهد ـ زاهدان، مع الفارق بأنّ الشاحنات قد احتلت مواقع قوافل الإبل، وتحوّلت محلات استراحة القوافل في بير جند إلى (كراجات)، ولكن كان من المعروف أنّ الوسائل الآلية للحمل والنقل ستكلف بيرجند غالياً، لأنّها من جانب لا تمكث في المدينة إلاّ قليلاً ومن جانب آخر فإنّ زوال قوافل الإبل وجّه صدمة عنيفة إلى المنتوجات الصوفية والجلدية لناحية قاينات وإضافة إلى ذلك فقد تضرّر الكثير من المزارعين الذين كانوا يشتغلون في تهيئة العلف لتلك القوافل، ومن هنا فقد بدأت الأزمة الاقتصادية.
وكسائر المدن الأخرى، فإنّ بيرجند فقدت مركزها التجاري، مع التغيّرات الاقتصادية التي حصلت في إيران بين الحربين العالميتين. ولكنّها ولكون العوامل الاقتصادية والسياسية هما السبب الرئيسي في أحداث هذه المدينة وتوسيعها فإنّها قد تضرّرت أكثر من غيرها من سائر المدن الإيرانية الأخرى. وقد غيّر خط السكك الحديد العام في إيران خطوط المستوردات الإيرانية من أوروبا والهند شيئاً فشيئاً وتركّزت هذه الخطوط في الحدود الغربية للبلاد بسبب المهاترات التي حصلت في سني ما قبل الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا.
ومن ناحية أخرى، فإنّ تأسيس الشركات المركزية في طهران وتمركز رؤوس الأموال فيها الذي كان من السياسات المغلوطة خلال السنين الأخيرة لإيران وبقدر ما أثّرت إيجاباً على توسع عاصمة إيران وإظهارها بمظهر جميل فإنّها أثرت سلباً على بقية المدن الإيرانية ومن بينها بيرجند التي تأثّرت أكثر من غيرها لعدم قابليتها الزراعية ولفقرها الطبيعي.
وخلاصة الأمر فأنّ العوامل التي أوجدت المدينة بدأت بالزوال وتسبّبت بالنزول التدريجي للمدينة، ولم تمض مدّة طويلة حتّى زالت الأسواق المزدهرة فيها، واضطر الكسبة والحرفيون إمّا إلى ترك المدينة أو إلى ترك مهنهم وأعمالهم وفي هذه الأثناء فإنّ معدل حياة الأهالي في القاينات وقوّتهم الشرائية بدأ بالنزول الفاحش وعمّ الفقر وضيق ذات اليد لدى جميع الطبقات هناك، ومن ثمّ فإنّ أهالي بيرجند أنفقوا ما لديهم، وراحت إمكانياتهم المادية تضعف باستمرار.
ولا بدّ أن نذكر هنا عاملاً جغرافياً آخر كان له دوراً في إضعاف هذه المدينة، وهو الوضع الإقليمي الخاص بها، ولأنّ البحث حول طبيعة الأجواء والمناخ لا يمكن أن يقتصر على مدينة معينة، لذلك نتوسّع بعض الشيء في هذا البحث، ونأخذ بنظر الاعتبار الوضع اللامساعد لجميع أنحاء ولاية قاينات من حيث البُعد الجغرافي.
يبلغ الجفاف وندرة الماء أقصاه في عموم صحراء إيران وصحرائها المركزية، ولهذا فإنّ قاينات التي تحيطها الصحراء من ثلاث جهاتها تكون نموذجاً بارزاً لجفاف هذه المناطق. إذ لا نرى في جميع أنحاء قاينات نهراً دائماً واحداً بل حتّى لا نرى قناة مهمة ودائمة يمكن مقارنتها مع ما هو موجود في النواحي الشمالية لخراسان. تتوقف حياة أكثر القرى في قاينات التي تقع بين سلسلة الجبال، وحياة الكائنات النباتية والحيوانية الأخرى على مياه العيون، وهذه بدورها تتوقّف على مقدار الأمطار السنوية، التي بمجرد انخفاضها عن المعدل الطبيعي الذي لا يتجاوز 19 سم سنوياً فإنّ آثار الجفاف تبدو ظاهرة في كلّ مكان، ومن ثمّ فإنّ هذه المناطق لجفافها تعتبر من أشدّ المناطق فقراً وأقلّها ثروة، ولا يكاد أهلها يوفرون لقمة عيشهم إلاّ بشق الأنفس.
ومضى على ولاية قاينات ثلاث سنوات متوالية، لم ترحمها الطبيعة فيها، وخيّم الجفاف الذي طالما عذّب الإيرانيين بحكمه عليها، واستطاع الأهالي أن يتجاوزوا جفاف عامي 1322 و1323 لوجود العوامل المساعدة الأخرى التي أعانتهم على تحمّل هذا الجفاف. ومن هذه العوامل وجود الطرق التي كانت يُحدثها الحلفاء، ولكن في السنة التالية انتهت هذه الطرق، وكان الناس يتوقعون أمطاراً وفيرة فيها، وهيؤوا بذورهم، لكن السماء لم تجد عليهم بقطرة واحدة، وعلى حد قول المعمرين الذين هم في التسعين من أعمارهم، لم تمر سنة جفاف على قاينات كعامهم هذا. فاضطر الأهالي إلى ترك أرضهم وتوجّه العديد منهم إلى خراسان، فغادرها ما يقارب 40،000 من أصل 250،000 وتناثروا في أطراف خراسان. حيث جفّت العيون ونضب ماؤها كلياً أو أوشك على ذلك ولا ترى في كثير من القرى إلاّ عدداً قليلاً من الناس الذين لا طاقة لهم على الفرار من كابوس القحط والجفاف.
إنّ ما ذكرناه بخصوص قاينات، يشمل بيرجند من باب أولى إذ هي مركز هذه المناطق ولأنّ أغلب أهلها بفعل العوامل التي ذكرناها قد تركوا أرضهم ووطنهم إلى مدن أخرى، وهؤلاء يضعون حياتهم بمنتهى الصعوبة في أجواء لا تساعد على الحياة. وكانت بيرجند أوّل مدينة إيرانية تزوّد بمياه الأسالة، ولكن هذه الأسالة لكونها تعتمد على العيون، فإنّ ماءها لا يكاد يكفي الأهالي لتوفير مياه الشرب لهم، بل راحوا ينفقون المبالغ الكبيرة لتوفير هذه المياه.
محمد حسن گنجي
بيروت
ـ1ـ
الأسطورة، أو التاريخ الفينيقي يقول، إنّ الإله اليون أحد الملوك الأوائل على جبيل اتّخذ من امرأة تدعى بيروت زوجة، فبنى إلى جنوب جبيل مدينة سمّتها زوجته باسمها وأهدتها إلى نبتون، إله البحار، وإلى جميع الآلهة الذين ركبوا ظهر البحر إلى الحياة، فركبه الفينيقيون من بعدهم إلى العالم.
وبرغم أنّ معظم المؤرخين يختلفون حول المكان الأساسي للمدينة، إذ يقول بعضهم إنّها كانت في رأس بيروت والبعض الآخر إنّها كانت في «الصيفي» فالواضح أنّها كانت تبنى دائماً سواء عندما أحرقها الإله تريفون عام 140ق.م.، أو عندما دمّرها الزلزال الشهير، على البحر.
من هنا يتف المؤرخون على القول إنّ كلّ شيء تغيّر إلاّ موقع الميناء!
ويقول جورج يزبك إنّ بيروت شهدت أتعس أيامها بين 1633 و1840م وأنّه عندما تسلّم الشهابيون أعناقها «كانت أقرب إلى قرية صغيرة منها إلى مدينة كبرى».
يقول المؤرخ هارفي بورتر إنّه من «الواضح أنّ بيروت تراجعت خلال القرن الثامن عشر أو أخفقت على الأقل في أن تحقق أي تقدّم. وأنّنا نلاحظ أنّ المؤرخين أشاروا إليها يومها، وحتّى في أوائل القرن التاسع عشر، على أنّها صغيرة، منازلها فقيرة، مبنية من الطين والأحجار الرملية وشوارعها ضيّقة وقذرة وميناؤها مليء بالرمال.
العام 1840م كان بداية التنظيم المدني (بضم الميم) وبداية حقبة الازدهار التجاري الذي تشهده المدينة اليوم. ولم يكن حجم بيروت آنذاك سوى نواة لما هي عليه الآن، سواء من حيث المساحة أو الأهمية التجارية والسياسية.
لقد كبرت المدينة بسرعة، يقول بورتر، بعدما شقّ الفرنسيون الطريق إلى دمشق عام 1863م وأصبح الانتقال انتظامياً بين المدينتين. وعام 1782م قدر عدد سكانها بزهاء ستة آلاف فقط، وحتّى 1848م لم يكن عدد السكان يزيد عن 16 ألفاً، لكن ابتداء من 1860 راحت تكبر بسرعة، خصوصاً بعد إنشاء الخط الحديدي مع دمشق وحلب، وبناء الميناء.
بيروت في العصور القديمة
إنّه من الصعوبة بمكان كتابة تاريخ حقيقي كامل لبيروت القديمة نظراً لضآلة ما يعرف عنها قبل العهد اليوناني ـ الروماني.
وما بين الألف الثالث والقرن السادس ق.م. كان لبنان مؤلفاً من دول مدينية مستقلة وبين القرن الخامس عشر والثالث عشر ق.م. خضعت لمصر ثمّ تحررت منها بين القرن الثاني عشر والتاسع. في هذه الأثناء تعاقب على لبنان عدد من الفاتحين الشرقيين، أوّلهم الأشوريون ثمّ البابليون ثمّ الفرس. وفي القرن الرابع بدأ العهد اليوناني ـ الروماني بدخول الإسكندر المكدوني فاتحاً.
إنّ اسم بيروت اليوم لم يتغيّر كما كان عليه في القرن الرابع عشر ق.م. ففيه دعيت حينذاك بيروت واللفظة سامية تعني الآبار لذلك يرجح أنّ سكانها كانوا يستعملون لغة سامية وأنّ الساحل اللبناني ابتداء من الألف الرابع ق.م. كان يقطنه شعوب سامية بدليل أنّ اثنين من حكام جبيل المجاورة لبيروت يحملان كلاهما اسماً سامياً.
إنّ هناك دليلاً على أنّ بيروت في القرن الثامن ق.م. كانت دولة مدنية ذات أهمية تجارية في المنطقة وهذا الدليل هو تمثال أبو الهول الذي عثر عليه منذ خمس وأربعين سنة في بقعة جنوبي ساحة البرج والذي ثبت أنّه واحد من الأنصاب التي كان المصريون يقيمونها في مدن الساحل الكبرى رغبة في تعزيز مصالحهم التجارية.
وهناك دليل آخر على أهمية بيروت الاقتصادية في هذه المدّة، هو القبور التي اكتشفت حديثاً بين سينما ريفولي وسينما بيبلوس وهي تعود إلى العصر البرونزي الأوسط أو المتأخر أي إلى القرن السادس عشر ق.م. فقد وجدت فيها آثار فخارية ومعدنية ومصنوعات مصرية الأصل تدل على حركة تجارية ناشطة ومبادلات مع المدن والبلدان المجاورة.
إنّ في رسائل تل العمارنة أخباراً عن استنجاد الأمراء المحليين بملوك مصر لكي يسعفونهم على الغزاة الحثيين وبينها رسالة من امونيرا ملك بيروت الذي لجأ إلى الهرب حين فشل في الحصول على النجدة التي كان ينتظرها.
وقد استطاع أمونيرا ملك بيروت الذي كان يحمل لقب شاروم (أي ملك) ويحكم مدينة لا تقل أهمية عن جبيل، أن يراسل الإمبراطور المصري ويتلقى منه وعداً بالنجدة التي لم تأت. على أن فشل الملك وهربه من الميدان لم يقضيا على مركز مدينته فقد دخلت مرّة أخرى في حوزة المصريين في القرن الثالث عشر ق.م. زمن سيتي الأوّل الذي خضع له «أمراء لبنان» كما تقول المصادر وبينهم حاكم بيروت على الأرجح. وبعده جاء رمسيس الثاني (1290ـ1224ق.م.) الذي هاجم الحثيين على طريق فلسطين ووادي الليطاني ودخل لبنان وترك نقوشاً على صخور نهر الكلب، وفي وثائق أخرى سجلت فيها فتوحاته ورد ذكر مدن وقرى لبنانية لا تزال حتّى اليوم تحمل الأسماء التي أطلقت عليها منذ ثلاثة آلاف سنة: قلحات، إردة، قلمون، بترون، حتشيت، مجدلون، أفقا، تربل. أمّا أسماء مدن الساحل الكبرى ومنها بيروت فغير واردة في تلك الوثائق.
ولكن عثر في أوغاريت على وثائق تعود إلى هذا القرن بعينه وتذكر علاقة هذه المدينة ببيروت. من ذلك كتاب توصية برسول وجّهه ملك بيروت إلى أوغاريت، إشارة إلى سبعة رجال من سكان أوغاريت كانوا محتجزين في بيروت وشكوى تجار أوغاريت من مظاهر عداء أبداها نحوهم البيروتيون.
ومن الدلائل الأخرى على أهمية بيروت التجارية أنّ القبر الذي اكتشف قرب البرج والذي يعود إلى العصر البرونزي المتأخر يحمل أدوات خزفية مستوردة من مدينة ميسيني اليونانية، وفي ذلك دليل على اتساع تجارة بيروت وشمولها سواحل المتوسط.
ولا نسمع بذكر بيروت منذ بداية القرن الثاني عشر ق.م. زمن سقوط الإمبراطورية المصرية، حتّى قيام الإمبراطورية الفارسية في القرن السادس ق.م. ولا نجد لهذا الإهمال تفسيراً إلاّ أن تكون المدينة قد أصابها الدمار أثناء الغزو الفلسطيني أو انضمت إلى مدينة أكبر منها نظير جبيل.
وليس لها ذكر في كتب العهد القديم ولا في تاريخ هرودوتس الذي زار الشرق في القرن الخامس ق.م. مع أنّها كانت قائمة حينذاك وقد أشار إليها المؤرخ أوسابيوس في اقتباسات مأخوذة من تاريخ فينيقية الذي وضعه فيلون الجبيلي واعتمد فيه على مصدر فينيقي لسنكونياتون الذي عاش في بيروت في منتصف القرن السادس ق.م. وقد تثبت المؤرخون من صحة الأخبار الواردة في المصادر المشار إليها، ممّا يؤكد أنّ سنكونياتون عاش في بيروت في القرن السادس وأنّ بيروت كانت بالتالي موجودة في ذاك القرن، وقد جاءت الآثار المكتشفة حديثاً تؤكد صحة هذا الرأي.
بانهيار الإمبراطورية الفارسية ينتهي تاريخ بيروت في العصور القديمة ويحدث التفاعل الحضاري الذي أنتجته فتوحات الإسكندر وتدخل مدن الشرق في العصر الهايتي الذي تلاه الفتح الروماني وانتشار حضارة الرومان في هذه البلاد. وقد ترك الرومان في بيروت آثاراً تفوق هذا العهد باستقلال داخلي.
الدكتور وليم وورد
بيروت في العهد العثماني
إنّ العثمانيين حكموا في سوريا ولبنان مدّة 400 سنة وسنتين تنقسم إلى دورين متميزين: الأوّل يشمل القرون الثلاثة الأولى 1516ـ1818م وفيه انحلت منزلة بيروت عمّا كانت عليه خلال القرن الرابع عشر وبداية الخامس عشر. ومع أنّها كانت في هذا الحين إحدى موانىء الشرق التجارية قد جاءت من حيث الأهمية التجارية في المرتبة الثانية بعد صيدا التي كانت هي بدورها تقل أهمية عن الموانىء الكبرى نظير الإسكندرية، أزمير، الإسكندرون (مرفأ حلب).
أمّا الدور الثاني الذي يبدأ حوالي 1815م فهو دور نمو مستمر بطيء في أوّله سريع فيما بعد. وأضحت فيه بيروت أعظم مركز تجاري في الشرق السوري وكان للاضطرابات السياسية التي قامت في هذه المنطقة بين 1831م و1840م ثمّ في 1845م و1870م يد في دفعها إلى الأمام عوضاً عن تأخيرها، حتّى كانت الحرب العالمية الأولى.
وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت بيروت في هذه المدّة مرفأ صغيراً تابعاً لولاية دمشق وواحداً من سناجقها العشرة. ويقيم فيها مندوب عثماني من قبل باشا دمشق وتتاخمها أراضي الأمراء اللبنانيين الذي تمتعوا في هذا العهد باستقلال داخلي، وكان منهم فخر الدين الثاني أمير الشوف الذي اتّخذ دير القمر عاصمة له وما لبث حتّى استولى على بيروت سنة 1603م.
وبعد رجوعه من إيطاليا (1612ـ1618م) اتّخذ بيروت مستودعاً لأمواله ومستقراً يجد فيه راحة ولهواً فبنى فيها قصراً فخماً كلّف بتصميمه مهندسين إيطاليين وأحاطه ببساتين واسعة غرست فيها أشجار الليمون ونصبت التماثيل الرخامية وانسابت المياه في القنوات وبرك الرخام. وهناك من يزعمون أنّ فخر الدين هو الذي غرس حرش الصنوبر، لكن الوثائق التاريخية تثبت وجوده منذ العهد الصليبي.
إنّ وضع بيروت لم ينل من اهتمام الأمير ما ناله تعميرها. فقد رمّم الجسر الروماني القديم على النهر لكن مركز المدينة التجاري ظلّ قليل الأهمية وانتهى عهده بكارثة أصابت المدينة. فقد أمر بطمر المرافىء وتغطيتها بالأتربة لمينع دخول الأسطول العثماني. وهدم برجين عظيمين سد بحجارتهما المصب والقناة وجرف البحر فوقها من الرمال ما يكلف نقله مبالغ طائلة من المال.
ولم يحدث شيء ذو أهمية في بيروت حتّى نهاية القرن السابع عشر سوى ربط المدينة بولاية صيدا التي أنشئت سنة 1660م لمراقبة أحوال الجبل عن كثب لكن تعيين الشيخ أبي نوفل الخازن الكسرواني سنة 1655م نائب قنصل لملك فرنسا في بيروت كان فاتحة عهد نمو في العلاقات الاقتصادية بين تجار بيروت وتجار فرنسا، في أوائل القرن الثامن عشر كان نفوذ الدولة العثمانية آخذاً في التقهقر وأمراء الجبل أخذوا يستعيدون نصيبهم من الاستقلال الذي تمتع به فخر الدين. ونجح الشهابيون خلفاء المعنيين في الاستيلاء التدريجي على بيروت ليجعلوا منها مرفأ الجبل.
وكان الأمير الشهابي أوّل من حكمها سنة 1749.
وفي سة 1770م حين كانت روسيا في حرب مع تركيا طلب منها ظاهر العمر حاكم عكا والجليل أن تسعفه على قتال العثمانيين أعدائه الألداء. ولمّا انتمى الأمير يوسف الشهابي إلى الباشوات الأتراك رغم تحذير عمّه منصور والشيخ علي جنبلاط قام الأسطول الروسي بضرب بيروت سنة 1772م وإحراق ثلاثمائة من منازلها ثمّ احتلها الجزار بإيعاز من والي دمشق الشهابي لطرد الجزار لكن هذا نجح في السيطرة على ولاية صيدا فقتل الأمير يوسف الشهابي وخرب بيروت وهكذا كان أن خرجت بيروت سنة 1787م من حكم أمراء الجبل وعادت إلى حكم العثمانيين المباشر.
وأعاد بشير الثاني الشهابي إلى الجبل اللبناني بعض الذي كان له في عهد فخر الدين الثاني وسهل المواصلات فازدهرت التجارة بينه وبين الغرب بطريق بيروت لكن عهده كان كثير الاضطراب. فقد انحاز إلى محمد علي الذي استولى على مدن الساحل ومنها بيروت وعيّن ابنه إبراهيم باشا حاكماً في سوريا. وقبيل أن يثور عليه اللبنانيون ويطردوه أدخل على البلاد عدداً من الاصلاحات منها بناء الكرنتينا في بيروت. وحين برز الأسطول الأوروبي حليف تركيا لمساعدة السكان على طرد إبراهيم باشا كان نصيب بيروت الضرب بالمدافع للمرّة الثالثة مدّة أربعة أيام من 11ـ14 أيلول سنة 1840م.
وبعد الأمير الشهابي ظلّت بيروت مركز ولاية صيدا. ولكن المدينة أحرزت تقدماً سريعاً حين أخذ مرفأها يستقبل السفن البخارية فازدهرت ازدهاراً كبيراً وزاد عدد السكان من 15 ألفاً سنة 1843م إلى 45 ألفاً سنة 1859م. وساهم الانتعاش في خلق النهضة الأدبية. ثمّ تدفق عليها المرسلون الغربيون فأنشؤوا المدارس والمطابع كما هو معروف وفي أثناء حوادثها سنة الستين وما تلاها من فتن أصبحت ملجأ للهاربين من الجبل فتضاعف عدد سكانها.
وبين 1860 و1918م تطوّرت المدينة تطوّراً عظيماً، ففتحت فيها طريق دمشق (1863م) وجرت إليها مياه نهر الكلب (1875م) وانيرت بالغاز (1880م) وجرى توسيع المرفأ وبناء الحوض الأوّل برساميل شركة فرنسية، ثمّ أنشئت، السكة الحديدية بينها وبين دمشق واخترقت شوارعها حافلات الترام.
وبتكاثر المدارس الأجنبية والوطنية وتأسيس الجامعتين الأميركية والفرنسية أصبحت بيروت في القرن التاسع عشر مركزاً علمياً يقصده الطلاب من كافة أنحاء الشرق الأوسط.
وفي سنة 1906م وجد في بيروت 15 مطبعة و12 صحيفة عربية وازداد عدد المثقفين ازدياداً اضطر الكثيرين إلى الهجرة انتجاعاً للرزق.
وفي سنة 1912م ضربت مدافع الطليان مدينة بيروت أثناء حربهم مع تركيا وكانت هذه المرّة الرابعة التي تعرّضت فيها بيروت للضرب من البحر. ثمّ كانت الحرب العالمية الأولى التي أصبحت فيها المدينة مركزاً لحركة المطالبة بالانفصال عن الدولة العثمانية. وبعد أن حصدت المجاعة السكان وغصّت شوارع بيروت بالشحاذين وجثث الأموات وأغلقت أكثر المدارس وسدّت طريق البحر، أعلن انتهاء الحرب وانهيار الدولة العثمانية سنة 1918م عقب احتضار طويل الأمد. وتلا ذلك عهد الانتداب الفرنسي الذي أصبحت فيه بيروت مركز المندوب السامي لسورية ولبنان، وعاصمة لبنان ونمت نمواً هائلاً في ظرف قصير.
الأب هنري جالابير
الجاليات الأجنبية في بيروت
نقصد بهم الغربيين منهم أي الأميركان والأوروبيين وقد دلّت الإحصاءات على أنّ عددهم يبلغ أربعين ألفاً أي نحو عشر سكان بيروت إذا اعتبرنا عدده 450,500 أمّا أعمالهم فمتنوعة يمكن تفصيلها على النحو التالي: أوّلاً السلك الدبلوماسي. ونلاحظ أنّ أقدم قنصلية في لبنان هي قنصلية فرنسا([734]).
فقد أنشئت لها قنصلية في طرابلس أو في حلب سنة 1544م وفي صيدا سنة 1616م أمّا بيروت فلم ينشأ لها قنصلية قبل 1821م.
أمّا باقي الدول: روسيا، بريطانيا، أميركا، ألمانيا، النمسا، فقد أنشئت قنصلياتها بين 1817م و1900م.
وعدا القنصليات التي وجدت لحماية الجاليات الأجنبية وتنظيم العلاقات القائمة بين الدولة حصل الأجانب المقيمون في البلدان العثمانية على امتيازات تخوّلهم حق إقامة محاكم أجنبية خاصّة بدعاويهم وحقوقاً كإعفائهم من بعض الرسوم الجمركية. لكن هذه الامتيازات ألغيت أثناء الحرب العالمية الأولى.
شارع المعرض بيروت
إنّ أهمّ منجزات الأجانب في هذه البلاد تقع في حقل الثقافة والتعليم فالإرساليات الأجنبية الكاثوليكية بدأت تنشىء مدارسها هنا منذ 1600م وقد أسّس اليسوعيون في غزير سنة 1855م مدرسة انتقلت إلى بيروت وأصبحت بين 1875 و1881م جامعة القديس يوسف.
وجاء المرسلون البروتستان إلى بيروت سنة 1823م فأخذوا في إنشاء المدارس في أنحاء لبنان وفي 1834م أسّسوا في بيروت أوّل مدرسة ثانوية للبنات في الإمبراطورية العثمانية دعيت فيما بعد المدرسة الأميركية للبنات ومنها تفرّعت سنة 1926م كلية البنات ببيروت الحالية.
وتعدّدت في بيروت المدارس الأجنبية بين فرنسية وأميركية وإنكليزية وألمانية وإيطالية. وهناك قرب بيروت معهدان أحدهما إنكليزي والآخر دانمركي لتعليم الصم وسواهم من أصحاب العاهات.
وكان للبعثات الأجنبية الفضل في التنقيب عن الآثار المشهورة في بعلبك وجبيل وصور وبيروت وعنجر والقيام بأعمال الترميم وتنظيم المتحف الوطني.
وللأجانب عدا المعاهد مراكز ثقافية تابعة للسفارات. ومؤسسات علمية نظير مؤسسة فورد والمؤسسات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة وجميعها اتخذت بيروت مركزاً لها.
ويعود إلى الشركات الأجنبية فضل إنشاء أوّل طريق للعربات بين بيروت ودمشق وكان ذلك سنة 1861م ثمّ أنشئت السكة الحديدية من قبل شركة فرنسية سنة 1895م.
وفي سنة 1875م قامت شركة إنكليزية بجر مياه نهر الكلب إلى بيروت وقد تحوّلت الشركة إلى الفرنسيين في عهد الانتداب وأصبحت اليوم وطنية.
وقد أدخل الأجانب إلى بيروت الطباعة والصحافة واتخذوها مركزاً لمراسلي الصحف الأجنبية والوكالات الصحفية التي يبلغ عددها اثنتي عشرة في حين أنّ عدد الصحف الأجنبية التي يراسلونها تزيد على الثلاثين.
وفي بيروت ودائع مصرفية تزيد على ثلاثة بلايين ليرة لبنانية أودع القسم الأكبر منها في بنوك أجنبية. وفيها مكاتب الشركات الأجنبية التي تعمل في الخليج وسواه. وهي مقر كثيرين من الخبراء الأجانب العاملين في شتى حقول الصناعة والتجارة.
الدكتور ارتشي كروفورد
التركيب الاجتماعي
تقسم مدينة بيروت إلى ثلاث مناطق رئيسية من حيث التوزيع الاجتماعي والاقتصادي.
تمتد المنطقة الأولى من النهر حتّى طريق الشام ومعظم سكانها من أبناء الطوائف المسيحية المختلفة. وتقع المنطقة الثانية بين شوارع مار الياس وعبدالقادر وفخر الدين وطريق الشام. وغالبية سكانها من أبناء الطوائف الإسلامية المختلفة.
وأمّا المنطقة الثالثة الواقعة بين شارع مار الياس وكورنيش البحر فيسكنها أبناء الطوائف المختلفة.
ساحة البرج
اسم «البرج» أطل على المنطقة منذ أن بنى الأمير فخر الدين المعني البرج الشهير لمراقبة السفن الآتية من البحر، والذي كان قائماً حيث هي سينما متروبول اليوم. لكن المنطقة تجد لنفسها مكانة في التاريخ منذ أيام الرومان، ثمّ تشتهر في ما بعد، بين أمور أخرى، على أنّها الساحة التي صرع فيها القديس جرجس التنين.
ولا شكّ أنّ منطقة البرج عرفت أجمل أيامها، هندسياً على الأقل، في أيام فخر الدين أيضاً، ويقول هنري موندريل الذي مرّ بالمدينة عام 1697م: إنّه كانت في الساحة «حديقة ليمون مربعة مجزأة 16 مربعاً صغيراً أربعة منها في كلّ صف، تفصل بينها ممرات» وعلى طرفي هذه الممرات أشجار ليمون ضخمة الحجم، محملة بالثمار». لكن هذه الحديقة الجميلة رأى فيها موندريل ماعزاً وخرافاً ترعى، ومارة يغرقون في القذارة إلى ركبهم. ويعزو موندريل هذه الروعة في تصميم الحديقة والمنازل التي كانت تحيط بها في كلّ الأطراف، إلى أنّ فخر الدين نقل الفكرة معه من إيطاليا، لأنّ مثل هذه الهندسة لم تكن قائمة في مناطق الإمبراطورية التركية.
خلال القرن الثامن عشر بدأت حدائق فخر الدين تتحوّل إلى كثبان من الرمال ومراع خضراء، وكانت هناك منازل خارج السور الشرقي للمدينة، يتركها أصحابها في الليل ليحتموا داخل السور.
في 1825م كتب هنري غيز القنصل الفرنسي في لبنان مذكرات يصف فيها المكان. وهو يقول: إنّ أوّل شيء يراه المرء عندما يخرج من باب السراي هو المقابر، ويشير إلى أنّ المقابر كانت تحتل الجزء الشمالي من المنطقة.
وكانت أولى المنازل التي بنيت خارج المنطقة نحو العام 1810م عبارة عن أكواخ صغيرة استخدمت لإيواء دود القز. لكن عندما بدأ السكان يشعرون بالأمان خارج أسوار المدينة. شرعوا يبنون منازل يعيشون فيها. ومع العام 1840م أصبحت هذه المنازل أجمل مباني الضواحي. ويتبين من كتابات البريطاني جون كارف بين 1831م و1836م أنّ معظم المنازل التي بنيت خارج الأسوار آنذاك كانت ملكاً للمبشرين الأميركيين.
ويمضي كارف في وصف ميناء بيروت الذي كان يحتل آنذاك الجزء الشمالي من المدينة مباشرة فيقول: «رصيف مرفأ بيروت مصنوع من أعمدة الغرانيت القديمة. وإلى اليمين ترتفع المنازل الجميلة التي يسكنها القناصل الأجانب».
أمّا بالنسبة إلى الجزء الواقع ضمن أسوار المدينة فإنّ جورج يزبك يصف منطقة البرج في كتابه «بيروت في التاريخ» كالآتي:
«كانت بيروت القديمة المحصنة تمتد ضمن أسوارها في منطقة صغيرة كانت مساحتها في نهاية القرن الثامن عشر 380م من الشرق إلى الغرب و600 متراً من الشمال إلى الجنوب، وبقيت كذلك حتّى القرن التاسع عشر.
«وكانت أسوار المدينة تمتد من القلعة الكبرى، شرقي الميناء، عبر باب الدباغة، سوق سرسق وقليلاً نحو الجزء الشرقي من الكاتدرائية المارونية.
«وكانت البوابات المؤدية إلى المدينة كثيرة، لكن أهمها كان باب يعقوب وباب الدركي وباب العربين وباب السرايا، غرب البورصة حيث كانت تقوم سرايا فخر الدين القديمة، وباب الدباغة وباب إدريس عند بوابة سوق الجميل. وكانت هذه البوابات تغلق في الليل وتعطى مفاتحيها إلى حاكم البلدة الذي يحفظها معه حتّى الصباح.
«أمّا داخل المدينة فإنّه كان يضمّ عدداً من المباني الملتصقة ببعضها البعض مثل بيوت النمل. ومع ذلك فإنّ هذه المباني لم تكن تحتل كلّ مساحة المدينة، بل إنّ الأراضي الخالية كانت عبارة عن حدائق وكثبان من الرمل تنمو فيها النباتات البرية».
سقوط الأسوار: الحداثة
عام 1840م تعرّضت بيروت لقصف شديد من الأسطول البريطاني دمّر أسوارها الدفاعية وعدداً كبيراً من المنازل القائمة على أطرافها. ومع سقوط الأسوار بدأت حقبة جديدة لا نزال نعيش مراحلها: إنّها بداية بيروت الحديثة.
لقد سقطت أسوار المدينة القديمة ولن يكتب لها أن ترتفع مرّة أخرى، لأنّ جيشها، لا أسوارها، سيتولى الدفاع عنها بعد الآن. وبدأت المنازل تبنى خارج محيط الأسوار، هي أشكال هندسية جديدة، تغطي سطوحها العرائش وتحيط بها حدائق مزروعة بالأشجار المثمرة. وأخذت المدينة تمتد أوّلاً نحو النهر إلى الشرق ثمّ غرباً وجنوباً.
وفي هذه المرحلة أيضاً تمّ تشييد أوّل مبنى ضخم، هو دير الآباء اليسوعيين الذي أصبح في ما بعد نموذجاً للمباني الكبيرة و«رائداً» لها.
ويقول الدكتور لورتيت الذي زار لبنان بين 1875م و1880م إنّ بيروت «تختلف كثيراً اليوم عمّا كانت عليه قبل سنين. إنّ حياً رائعاً يرتفع وسط الحدائق المطلة على طريق واسعة، مع بعض المباني الدينية التي تعطي الحي الجديد طابعاً مثيراً».
والواقع أنّ الجزء الأوسط من البرج لا يزال، كما يقول المهندس رجائي خوري: «يحافظ على طابع الحديقة مع أنّ السيّارات البشعة تقوم الآن مكان الأشجار والأزهار».
بعد 1840م، والكلام أيضاً للمهندس رجائي خوري، لا يعود هناك أي ذكر للبرج، ممّا يحمل المرء على التساؤل إن كان لا يزال قائماً في ذلك الوقت أو كان قد هدم. ويعطي لورتيت وصفاً دقيقاً للمنطقة الحديثة حول ساحة البرج:
«إنّ المنازل الجديدة مبنية كلّها تقريباً على نمط واحد. طبقة أرضية تضمّ اسطبلاً وأقبة وغير ذلك، ثمّ درج رخامي أبيض يؤدّي إلى الرواق المركزي الذي يمرّ عبر المنزل كلّه من جانب إلى آخر. وتطل النوافذ الكبيرة الضخمة شمالاً على البحر وجنوباً على لبنان، وعلى طرفي المنزل يقوم عمودان لدعم السقف المختلف الارتفاع. وفي الواجهة الأمامية شرفة جميلة تفتح الطريق أمام الهواء النقي والشمس… وتغطى الأرض المصنوعة عادة من الرخام الإيطالي ببساط فاقع اللون. وفي كلّ هذه المنازل حركة كبرى للهواء تحمي السكان من حرارة الصيف المتعبة.
«وهذه المنازل مطلية من الخارج باللون الأصفر الفاقع الذي يجعلها بارزة جدّاً ضمن إطار من الحدائق الرائعة الغنية بالمزروعات. وتتدلى فوق جدران هذه الحدائق، طوال الشتاء، أغصان الورد والأكاسيا. ويجري توزيع المياه النقية والطازجة في قناة آتية من نهر الكلب بنتها شركة إنكليزية عام 1875م.
«والأمر مختلف في الأحياء القديمة التي لا تختلف عن مدن الشرق حيث تلعب الصدفة دور المهندس وتشرف على ترتيب البيوت ووسائل الاتصال. في هذا الجزء من المدينة الطرقات ضيقة جدّاً، رطبة ومظلمة وتقوم على جانبيها أرصفة للمارّة. وكانت الحمير والجمال والبغال وسائط النقل آنذاك. وفي الحي الحديث فقط يستطيع المرء أن يشاهد بعض العربات التي تستطيع التنقل في مناطق محددة بسبب رداءة الطرقات».
«والذي يعبر الأسواق يستطيع أن يشاهد الباعة جالسين يحتسون القهوة وينفخون النارجيلة والسجائر. ويستطيع المرء أن يشتري في حوانيتهم الصغيرة وغير الجذابة الأشياء الساحرة المصنوعة في بيروت: حرير مزوق كثيراً ومواد مطرزة وغلايات قهوة، وجواهر فضية مصنوعة بمهارة فائقة وذوق».
«أمّا المقاهي المتعددة، المفتوحة كلّها على الطريق مثل تلك التي في القسطنطينية، فإنّ لها دواوين حول جدرانها حيث يجلس الزبائن ويدخنون نراجيلهم وسجائرهم المصنوعة من تبغ ذي رائحة يزرعونه قرب جبيل».
«ويستطيع المسافرون الأوروبيون أن يجدوا الراحة بسهولة في فنادق ممتازة بنيت قبل نحو عامين على الشاطىء في الجانب الغربي من المدينة».
نهاية القرن التاسع عشر
نحو العام 1880م كان البرج عبارة عن بداية مشروع لمدّ طريق رئيسية من الميناء إلى سباق الخيل، وإلى كازينو كان قائماً مكان منزل السفير الفرنسي اليوم. ويُقال إنّ الفرنسيين شيّدوا المباني حول هذه المنطقة لكي يحصروها في ساحة بدلاً من أن تبقى مجرد طريق. وكانت هناك طريقان في وسط الساحة، تشقان الحدائق، غير أنّهما لم تكونا ممهدتين. وإلى الجانب الغربي منها كانت ثمة منازل صغيرة ذات طابع قديم كما كانت هناك بعض أجزاء من السور متداخلة مع هذه المنازل، التي يقع عند طبقاتها الأرضية مدخل ما يسمّى الآن سوق الصاغة. أمّا الجهة الشرقية فإنّها كانت مؤلفة من مبان حديثة شيّدتها الطبقة البورجوازية في المدينة. الجهة الشمالية كانت لا تزال مخصّصة للمقابر، والجنوبية كان حياً جديداً فيه بعض الخانات.
عام 1898م كلفت إحدى الشركات البلجيكية أنّ تمد خطوطاً للقطار الكهربائي إلى كلّ أنحاء المدينة. وهكذا تضاءلت، كما يقول الأب لويس شيخو المسافات داخل المدينة. وكان الترامواي يمرّ من نهر بيروت إلى المنارة في رأس بيروت ومن فرن الشباك والبسطة إلى البحر.
مع مرور الزمن أخذت المخازن تتجمّع حول هذه الطرقات. وعام 1895م كلفت الحكومة التركية مهندساً يدعى بشارة، الشروع في بناء السرايا الكبيرة في وسط الساحة، التي هدمت وأصبح مكانها الآن موقف لسيّارات التاكسي في مواجهة سينما ريفولي.
ليس معروفاً تماماً لماذا اختار الأتراك تلك النقطة مقراً للسرايا، لكن أيّاً كانت الدوافع فإنّ بناءها زاد إلى حدّ بعيد من أهمية المكان. ومع العام 1900م، أي بعد بداية القرن العشرين، أصبح عدد من المباني الحكومية يحتل جزءاً كبيراً من الساحة. فكانت دائرة الشرطة تحتل المبنى الذي فيه الآن محلات البحصلي للحلويات، في الجنوب الغربي من الساحة، كما كانت إدارة الداخلية تحتل مبنى في الجزء الشمالي من الساحة، وكان البنك العثماني يحتل مبنى قيادة الشرطة الحالي، واحتلت إدارة الأشغال العامة مكاناً في الجانب الغربي من المنطقة.
وهكذا فإنّ بناء السرايا الكبيرة، التي كانت تضمّ آنذاك المحاكم ومباني حكومية وسجناً، كان تأكيداً على أهمية المنطقة اجتماعياً بعدما كانت هذه الأهمية محصورة في الناحية التجارية.
أمّا السرايا الأخرى التي بناها فخر الدين فقد بدأت في هذه المرحلة تستخدم لأغراض عسكرية. ويقول الأب شيخو إن «شركة فرنسية بدأت تبني الطرقات في نهاية القرن التاسع عشر. ويجب أن نمتدح الفرنسيين أيضاً لأنّهم بدؤوا المساعدة في توسيع الميناء». وفي 1889م، كما تشهد رسوم وضعها كاريتا، كان ميناء بيروت أصبح ضخماً نسبياً وبدأت السفن الكبرى ترسو فيه، بحيث تحوّل إلى أهم ميناء في المنطقة.
بين 1905 و1910م حقّقت ساحة البرج المزيد من الأهمية التي هي عليها حالياً. فقد تمّ رصف طرقات الساحة وإقامة أرصفة ضيقة، وكانت عربات الخيل تنتقل على هذه الطرقات التي لم يكن يشقها بعد سوى خطين للحافلات الكهربائية. وكانت الساحة، كما نعرفها الآن، مؤلفة من طريقين ومساحة مركزية تسمّى «المنشية»، حولها حديقة يتسامر فيها الناس ومقهى تملكه البلدية يلعب فيه الرواد طاولة الزهر ويدخنون النارجيلة. وكانت هناك نافورتا مياه في الوسط، إحداهما داخل المجمع الذي يقع فيه المقهى والثانية قرب السرايا. وكانت الساحة المكشوفة في الوسط تستخدم لأغراض احتفالية، حيث كان الجيش يعزف الموسيقى في المهرجانات.
مراحل تاريخية
إنّ بيروت كانت في الواقع مملكة مستقلة لها أنظمتها وحكومتها وعملتها وغير ذلك من مقومات الدولة ولو بشكل محدود. إلاّ أنّ استقلال بيروت شأنه شأن استقلال المدن الأخرى لم يدم طويلاً لأنّ البلاد السورية كلّها كانت تخضع بين الحين والآخر للغزاة القادمين من بلاد ما بين النهرين في الشرق تارة ومن الغزاة القادمين من وادي النيل في الجنوب الغربي تارة ثانية. على أنّ بيروت خضعت، كسائر المدن الفينيقية القديمة، مدّة طويلة للحكم المصري وتأثّرت به. ولا تزال آثار الغزاة الذين احتلوا بيروت في التاريخ القديم ظاهرة عند مصب نهر الكلب، ففي هذا المكان يلاحظ المسافرون كثيراً من النصب التذكارية التي ترمز إلى الدول التي كان لها نصيب احتلال بيروت وغيرها من المدن الفينيقية.
مكانة خاصة
وبعد الاحتلال المصري كان الاحتلال الروماني الذي استمرّ مدّة طويلة وحظيت أثناءه بيروت بمكانة خاصّة. هذا العهد بالذات أطلق عليها اسم (المستعمرة الرومانية) وقد ازدهرت خلاله ازدهاراً مطرداً وأصبحت مقصداً لطلاب العلم والمعرفة وكذلك لطلاب اللهو والسلوى. فلقد أنشأ الرومان فيها مدرسة كبرى للحقوق كما أنشؤوا فيها الحمامات والمسارح الفنية، لكن الأقدار كانت لهذه العاصمة الجميلة بالمرصاد، فدهمتها بزلازل مدمرة كان أهمها الزلزال الذي حدث في أواسط القرن السادس للميلاد وهو الذي أتى على المدينة بما فيها من مؤسسات ومنشآت وأحرقها عن بكرة أبيها. ولم يجد من بقي حياً من أهاليها مكاناً يأويهم فأنشؤوا لأنفسهم مدينة جديدة في المكان الذي تقوم عليه خلدة اليوم. وكثيراً ما يكشف الأثريون في هذه المنطقة حتّى الآن بقايا القصور التي استحدثها الهاربون من زلزال بيروت العظيم.
العهد العربي
وبعد العهد الروماني خضعت بيروت لسلطان اليونان «الروم» الذي استمرّ بضعة قرون وانتهى بدخول العرب الفاتحين إلى المدينة سنة 13 هجرية ومنذ تاريخ الفتح العربي أصبحت بيروت وسائر المدن الفينيقية جزءاً لا يتجزأ من الوطن العربي واستمرّت كذلك في العهود السياسية التي مرّت على العرب حتّى الزمن الذي ساد فيه الفاطميون في مصر، وانتشروا منها في بلاد الشام والجزيرة العربية. وفي أيام الفاطميين ساد في بيروت التشيع. ولما دهم الصليبيون البلاد سقطت بيروت فيما سقط في أيديهم.
عهد الصليبيين
دخلت بيروت سنة 503هـ في حوزة السيادة الصليبية لتعيش تحت وطأة الاحتلال الأوروبي زهاء قرنين من الزمن تخللتهما فترة قصيرة من الحرية. ولقد حاول الصليبييون تغيير معالم بيروت الاجتماعية والعمرانية فهمدوا مساجدها وبنوا مكانها الكنائس حتّى اسم المدنية أرادوا إزالته فأطلقوا عليها إمارة (باروت) ومن آثار هؤلاء الباقية الجامع العمري الكبير الذي كان الصليبيون قد بنوه في الأساس كنيسة على أنقاض معبد روماني قديم وفي عهد السلطان الأشرف خليل ابن السلطان الناصر قلاوون سنة 690هـ تقدّم أحد قواده المعروف (سنجر الشجاعي) واقتحم معاقل الصليبيين في ساحل بلاد الشام وبيروت في جملة هذه المعاقل. وفي أثناء الحصار استخدم الصليبيون كنيستهم الكبرى حصناً كانوا ينضحون منه النبال والسهام على صدور الجيش القادم لتحرير المدينة. فلمّا تمّ تحريرها اعتبر المسلمون الكنيسة قلعة عسكرية فوثبوا عليها وعاملوها معاملة القلعة المهزومة، فاحتلوها احتلالاً عسكرياً ثمّ لمّا استقرّ لهم الأمر نهائياً جعلوها مسجداً ولا يزال الجامع العمري الكبير على ما جعله سنجر الشجاعي إلى اليوم وكان دخول (سنجر) الشجاعي نهاية عهد وبداية عهد آخر، ففي العهد المملوكي عاشت (بيروت) تحت حرز من القلاع والحصون والأسوار لم يبق منها اليوم إلاّ ذكريات تاريخية، منها بل أشهرها (البرج) الذي اكتسبت ساحة الشهداء منه اسمها القديم. وهذا البرج كان يقوم مكان سينما (متروبول) حالياً. وقد مرّ منذ تلك الأيام في مراحل مختلفة وتناولته أيدي كثير من الحكام بالتحوير والتبديل، إلى أن هدم حوالي سنة 1870م، وتحوّل مكانه إلى مرآب لعربات السفر وخان لنزول المسافرين ثمّ إلى ما هو عليه الآن.
وفي أيام المماليك ازدهرت مكانة بيروت التجارية، واقتصرت علاقاتها بالتجار الغربيين الذي أنشؤوا لهم أوّل قنصلية برعاية مواطنيهم الذين يقصدونها بين الفترة والفترة. وكانت أولى القنصليات تخصّ أهل البندقية، وهي عبارة عن خان كبير للإقامة والطعام والنوم إلى جانبه كنيسة للعبادة. ومن الطريف أنّ حكام بيروت من المماليك كانوا هم يتولون دفع مرتبات القنصل البندقي، أمّا مكان هذه المؤسسة القنصلية فكان يقع في نفس المكان الذي يقع فيه اليوم جامع الأمير منصور عساف الذي يعرف (بجامع السرايا).
وقد اهتم المماليك بعمران المدينة فضلاً عن المنشآت العسكرية. فهم الذين رصفوا شوارعها الداخلية وعبّدوها لتكون صالحة لمرور المشاة إذ خصّصوا أطرافها لهؤلاء كما خصّصوا وسطها لعبور الدواب. ولم تكن بيروت في عهد المماليك مدينة كبيرة، إذ لم يكن طولها يتجاوز ألفاً وخمسمائة متر في عرض لا يتجاوز السبعمائة متر. وكانت بيوتها قابعة ضمن سور تتخلله أبراج تستخدم للدفاع عنها. ولم يكن عدد سكانها يتجاوز الخمسة آلاف نسمة. ونظراً لعدم أهميتها العسكرية والسياسية آثر حكامها من المماليك أن يوجهوا عنايتهم إلى طرابلس التي كانت أكثر أهمية منها في ذلك الحين. وهي ما تزال تحتفظ حتّى اليوم بالكثير من آثارهم لا سيّما الدينية.
وعند بداية القرن العاشر من الهجرة شهدت بيروت حكاماً من لون جديد. ففي سنة 922 للهجرة دخلت جحافل السلطان سليم إلى بلاد الشام بعد أن وضعت حدّاً لحياة السلطان قانصوه الغوري وحكمه في معركة (مرج دابق) الشهيرة، وابتدأت مرحلة جديدة من مراحل تاريخ بيروت في ظل لواء آل عثمان استمرّت حوالي 400 سنة ولم تنته إلاّ بنهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918م.
كانت بيروت عندما دخلها العثمانيون تحت حكم واحد من أبناء البقاع، وهو المقدم محمد بن الحنش الذي حاول التمرّد على السلطان سليم والاستقلال بمنطقته، لكن سيوف العثمانيين حالت دون رغبته فذهب بعد أن ترك في بيروت نصباً شامخاً يذكره أبناء هذه المدينة كلّما دخلوا للصلاة في الجامع العمري الكبير وقرؤوا اسم ناصر الدين بن الحنش فوق مئذنة باب هذا الجامع والكلمات المنقوشة على باب المئذنة هي كلّ ما تبقّى من ابن الحنش في بيروت.
وأخذ حكّام محليون يدبّرون شؤون بيروت باسم السلطان العثماني، ومن أشهرهم فخر الدين بن قرقماش بن فخر الدين بن معن وعرف في التاريخ باسم الأمير فخر الدين المعني الثاني.
كان هذا الحاكم رجلاً طموحاً، فحاول أن يجعل من البلاد التي يديرها باسم السلطان إمارة مستقلة خاضعة له. وكانت هذه البلاد تمتد من طرابلس حتّى صفد شاملة الساحل المعروف اليوم بالجمهورية اللبنانية، وكذلك الجبال المطلّة عليه وسهل البقاع الذي يقع وراءه. وأصاب فخر الدين شيئاً من النجاح في محاولته. وبعد أن كان يتّخذ من الشوف مركزاً لجنده، ومن صيدا قاعدة لحكمه، عوّل على الانتقال إلى مدينة بيروت ليجعل منها عاصمة له. وهو في هذا السبيل بذل جهده ليجعل منها مدينة تشتمل على كافة المؤسسات التي يحتاجها لسكناه وإدارة إمارته، فاستقدم من أجل هذه الغاية العديد من المهندسين الأجانب لتخطيط المدينة وبناء قصر لائق به، وكذلك ترميم حصونها الدفاعية، لا سيّما البرج الذي أشرنا إليه من قبل.
وبالفعل شهدت بيروت أيام فخر الدين نهضة تميّزت بها من بين سائر المدن في ساحل بلاد الشام، وغدا مرفؤها صالحاً لاستقبال المراكب التجارية التي كانت ترسو في مياه البحر محملة بالبضائع الثمينة التي يتبادلها الشرق مع الغرب وبالعكس. وكثيراً ما كانت أرصفة المرفأ البيروتي في عهده تشهد حلقات الصيارفة وهم يتبادلون أنواع العملات المختلفة في أغراض التجارة والأعمال المصرفية.
اختار فخر الدين الساحة التي كان يطل عليها برجه لتكون منطقة لقصوره وحدائقه التي بناها ونسقها مهندسون إيطاليون استقدمهم بواسطة أصدقائه في إيطاليا من آل توسكانا. وفي بيروت بنى فخر الدين الكثير من الحمامات والمنتزهات ولعل أشهر شيء أوجده حديقة الحيوانات التي عرفها آباؤنا الأقربون باسم خان الوحوش مكان «سوق سرسق» اليوم.
على أنّ بيروت أفلتت من يد فخر الدين كما أفلتت سائر المناطق التي كانت تابعة له، وذلك بسبب تورطه مع الدول الأوروبية.
وبعد الأمير فخر الدين الثاني تسلّم حكم مدينة بيروت ابنه الأمير علي الذي اشتهر بحبّه للعمران وساد المدينة في أيامه نوع من الاستقرار والأمن والازدهار، ثمّ خلفه من بعده الأمير أحمد الذي كان خاتمة حكم آل معن في هذه البلاد.
وبموت هذا الأخير انقرضت سلالة المعنيين من جهة الرجال، وبقي أقرباؤهم من جهة النساء آل شهاب الذين اتفقت الكلمة على أن يكون الحكم لهم باعتبارهم ورثة شرعيين لأخوالهم آل معن. وهكذا انتقلت بيروت من عهدة المعنيين إلى عهدة الشهابيين.
ومن أشهر أمراء هذه العائلة الذين حكموا بيروت الأمير حيدر، ثمّ الأميران ملحم ومنصور. وهذان الأخيران دفنا في جامع الأمير منذر التنوخي المشهور بـ «النوفرة» في بيروت. ثمّ جاء الأمير يوسف الذي لعب دوراً كبيراً في تاريخ بيروت في القرن الثامن عشر.
ولقد تحمّلت المدينة الكثير من المصاعب من جرّاء الخلاف الذي نشب بين الأمير يوسف الشهابي وحاكم مدينة عكا أحمد باشا الجزار اللذين كانا يتنازعان الحكم في بيروت وينتزعانه الواحد من يد الآخر إلى أن استقرّ بعدئذ في يد الأخير الذي استمرّ حكمه زهاء ثلاثين عاماً «انتهى كلام الشيخ طه الولي». واستمرّت بيروت بعد ذلك خاضعة للحكم العثماني ينالها ما ينال غيرها من سائر الولايات العثمانية وحين زحف إبرهيم باشا بجيوشه كانت بيروت ممّا سقط في يده. ثمّ انسحب منها مع غيرها من البلاد التي كانت قد خضعت له واستمرّت في حكم الأتراك العثمانيين حتّى نهاية الحرب العالمية الأولى فاحتلتها الجيوش الفرنسية وأصبحت مقراً للمفوض الفرنسي العام الذي كان يحكم منها جميع البلاد التي يحتلها الفرنسيون.
ولما أعلن الجنرال (غورو) الكيان اللبناني الجديد الذي ضمّ إلى جبل لبنان كلاًّ من بيروت وجبل عامل وطرابلس والبقاع وحاصبيا وراشيا وبعلبك وسمّاه (لبنان الكبير) جعل بيروت عاصمة للدولة الجديدة الخاضعة للانتداب الفرنسي. ثمّ تحوّل اسم (لبنان الكبير) سنة 1926م إلى اسم الجمهورية اللبنانية وظلّت بيروت عاصمة الجمهورية الجديدة.
الشيعة في بيروت
لمّا غلب التشيع في القرن الرابع الهجري على الساحل من طرابلس إلى صور كان حكم بيروت حكم غيرها من البلدان. ولكن بينما أشار ناصر خسرو في رحلته التي كانت في أوائل القرن الخامس إلى الأكثرية الشيعية في كلّ من طرابلس وصيدا وصور لم يكن بأيدينا شيء عن بيروت. ولكن يمكننا أن نستنتج أنّ العوامل التي أثّرت في انتشار التشيع في بقية مدن الساحل قد أثّرت في انتشاره في بيروت وأنّ العوامل التي أثّرت بعد ذلك في تقلّصه في غيرها أثّرت كذلك فيها.
وجاء وقت فقد فيه التشيع في بيروت فلم يعرف بيروتي شيعي إلى أن بدأ الغرباء من الشيعة يصلون إليها ويقيمون فيها قبل الحرب العالمية الأولى. ثمّ كثر عددهم وملكوا المتاجر والحوانيت، ثمّ أصبحوا بعد الحرب العالمية الثانية يؤلفون جمهوراً كبيراً فيها. ولكنّه جمهور لا يضمّه حي واحد، بل يسكن أفراده في أماكن متباعدة بحسب أعمالهم. وإنّما يجتمعون في المناسبات والاحتفالات وأهمها الاحتفال بذكرى استشهاد الحسين بن علي (عليه السلام). ومنذ الحرب العالمية الثانية كثر النازحون إليها من شيعة جبل عامل وبلاد بعلبك والهرمل ودمشق وبانتهاء الحرب كان قد استقرّ فيها العديد الوافر منهم وفيهم كبار التجار كما أنّ فيهم صغار العمال، ثمّ أقبل إليها الوافدون من المهاجر الأفريقية بثرواتهم فشادوا فيها الأبنية الفخمة وأصبح الشيعة يؤلفون في بيروت عدداً له شأن كبير في كيان المدينة وحياتها.
هذا في المدينة نفسها. أمّا الضواحي المتصلة بالمدينة وهي الغبيرة وبرج البراجنة والشياح فالشيعة فيها قديمو العهد ولا يبعد أن يكونوا من بقايا الشيعة في القرن الرابع وما بعده، وهم يشكلون أكثرية عددية لها مساجدها ونواديها الحسينية وجمعياتها وعلماؤها. وهذه الضواحي المذكورة لم تكن تتبع بيروت بل كانت تتبع بعبدا إدارياً. ولا تزال تتبعها وبتوالي العمران في عصرنا هذا صارت متصلة ببيروت وأصبحت جزءاً منها وكثرت هجرة العامليين والبعلبكيين إليها ممّا زاد في عدد الشيعة فيها.
وبعد الحرب العالمية الثانية نشأت ضاحية جديدة عرفت باسم برج حمود لم تكن موجودة من قبل وإنما عمّرها مهاجرو الأرمن ونازحو الشيعة وتكاثر عدد الشيعة فيها وصارت لهم مساجدهم ومؤسساتهم كما انتشروا في بقية الضواحي مثل سن الفيل والدكوانة والمريجة وجسر الباشا والأوزاعي وحي السلم وغيرها… واستقرّوا في جميع هذه النواحي وبنوا الدور وأقاموا المتاجر وأسّسوا الجمعيات والنوادي والمساجد.
عدد السكان
في العام 1889م كان عدد سكان بيروت قد بلغ 107،000 حسب ما يقوله أمين الخوري في كتابه عن بيروت الذي صدر ذلك العام. وتدل إحصاءات سكان بيروت على الآتي:
مدينة بيروت كانت تضم في العام 1820م: 8 آلاف ساكن، وفي العام 1850م: 15 ألفاً، وفي 1873م: 45 ألفاً، وفي 1885م: 100 ألف، وفي 1910م: 150 ألفاً، وفي 1922م: 160 ألفاً، وفي 1930م: 200 ألف، وفي 1950م: 325 ألفاً، وفي 1955م: 375 ألفاً، وفي 1970م: نصف مليون ساكن و300 ألف في الضواحي عدا الطارئين أو اللاجئين أو الوافدين بطريق السياحة والآتين من خارجها للتجارة أو عمالاً.
بيروت اليوم
تكاد بيروت تكون نصف لبنان سكانياً، ولبنان اليوم قدر سكانه حول الثلاثة ملايين، ثمّ عمّا قريب تصبح مدينة بيروت ممتدة من الدامور جنوباً إلى جونيه شمالاً في شكل قوس يشمل بيت مري وعاليه.
وهذا النمو يخلق مشاكل لأنّه سريع وغير متكامل ولا يفسح في المجال لتوفير فرص التكافؤ، وما نتج منذ 30 عاماً على نمو بيروت من إقامة مراكز تجمّع ضمن تخاشيب أو بيوت تنك، يحدث مثله اليوم وإن تكن نظم السكن قد تبدّلت.
والواقع أنّ نمو مدينة بيروت الصارخ، وتضخم ضواحيها بهذا الشكل إنّما هو نمو «متطفل» بمعنى أنّه يعرقل تنمية المدن الأخرى، والمناطق الريفية ولا يساهم إلاّ مساهمة ضئيلة ونسبية في تنمية المناطق الداخلية.
ذلك أنّ المدينة مثلت دور الجاذب للثقل السكاني نتيجة عوامل متعددة، وفي طليعتها أنّها مجال لتقديم الخدمات في مقابل الجدب الاقتصادي الذي أصاب الريف بعد انهيار زراعة التبغ وصناعته عام 1935ـ1936م، ثمّ انهيار مواسم الحرير بعد الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من تطلبات اقتصادية واجتماعية، أدّت كلّها إلى موجة النزوح التي حدثت في اتجاه بيروت وضواحيها منذ نحو 30 عاماً.
هذه الظاهرة تبرز أهم مؤشر ديموقراطي يجب أخذه في الاعتبار عند تصميم أو تنفيذ أي خطة إنمائية، وهو مؤشّر النمو السكاني، فإذا كان معدل النمو هو 13 في المئة لكلّ لبنان، فإنّه في ضواحي بيروت أكبر ممّا في بقية المناطق، لأنّه يرتبط بنسبة الولادات من جهة وبالتحركات السكانية من جهة أخرى. ومن المؤسف ألا يكون بين أيدينا معدل نمو علمي، ولا صورة واضحة عن حركة النزوح إلى ضواحي بيروت، لكن المؤكد هو أنّ هذه الحركة مستمرة في اتجاهين خارجي من الدول العربية المجاورة، وداخلي من جبل عامل والبقاع والشمال وقليلاً من جبل لبنان.
وتبرز من جهة أخرى ظاهرة ارتفاع عدد الولادات أكثر ما يكون في ضواحي بيروت بينما هو أدنى ما يكون في بيروت.
وقد نتج عن هذا الوضع:
1 ـ تكثيف مدينة بيروت سكانياً وخنقها بالأبنية.
2 ـ خلق مدينة ثانية، هي مدينة الضواحي المؤلفة حالياً، وفي الدرجة الأولى، من الغبيري والأوزاعي وحارة حريك والشياح وفرن الشباك وعين الرمانة وسن الفيل وبرج حمود، تضاف إليها في الدرجة الثانية، برج البراجنة والحدث والحازمية وبعبدا والدكوانة والبوشرية والجديدة والزلقا وعمارة شلهوب.
بالأرقام قدّر عدد المساكن في مدينة بيروت (عام 1970م) بـ 95160 مسكناً، كما قدّر في ضواحيها بـ 87255 مسكناً، تضاف إليها 5300 كوخ من الخشب والتنك معظمها في مخيمات الفلسطينيين).
إلى ذلك نشأت داخل حدود المدينة إلى الشمال الشرقي والجنوب الغربي تجمّعات سكانية بائسة كالكرنتينا ومخيمات الفلسطينيين.
هذه الكتلة الحضرية التي اسمها بيروت، يشدّها حزام متخلف ذو مظهر متحضر. وهذا الحزام نظراً إلى حاجاته الإنمائية الملحة يضيق الخناق الاقتصادي على بيروت ويقضي بالتالي على عجلة الإنماء المتكامل فيها.
وهذه الحاجات لا يمكن تقويمها إلاّ في ضوء المشاكل الناتجة عن عملية التحضر السريع في بيروت وضواحيها وهي مشاكل اقتصادية ومادية واجتماعية.
إنّ النمو الاقتصادي في لبنان، والمتمركز في شكل خاص في مدينة بيروت وضواحيها، لم ينشأ نتيجة النمو الاقتصادي القومي، إنّما شأنه في كلّ البلدان المتخلفة والمستعمرة نشأ نتيجة التنمية الاقتصادية الموجهة في شكل رئيسي نحو البلد المستعمر. ونتيجة ذلك بقيت معظم النشاطات الاقتصادية والخدمات موجهة إلى الخارج أكثر ممّا هي إلى الداخل، وهذا التوجيه هو حلقة اتصال بين النخبة من الاقتصاديين في المدينة، وبين العالم الخارجي.
ويفسح قطاع الخدمات هذا في مجالات عمل مؤاتية للنازحين الذين لا تتوافر عندهم مهارات الاختصاص. وينتج عن ذلك:
1 ـ عدم تكافؤ في الإنتاجية.
2 ـ فروقات بينة في الأجور.
3 ـ الأخذ بمظاهر الحضارة.
4 ـ خفض معدل العلاقة بين السكان والأرض. إلى ذلك تعاني الضواحي مشكلة «زيادة التحضّر» فسكانها يعتبرون مقيمين في أماكن حضرية في الوت الذي لا تبرز درجة تطوّرها الاقتصادي هذا «التحضّر». ثمّ إنّ هذه المناطق لا تتوافر فيها قاعدة اقتصادية ملائمة لإمداد السكان فيها بمستويات متجانسة من الحضارة. ومن الملاحظ أنّ استمرار تطوّر معدلات التحضّر السريع سيزيد في فقر هذه المناطق وبؤسها بدلاً من أن يعمل على تخفيفها. وهذا ما يفرض وضع سياسة خاصّة لفرص العمل.
نصل هنا إلى المشاكل المادية وفي مقدمتها الحاجة إلى تخطيط دقيق لإقامة المدن. ولكن تواجه المخططين صعوبات قاسية ناجمة إلى حد كبير عن تدني مستوى الدخل وسرعة النمو السكاني بما في ذلك تجمعات النازحين من المناطق الجبلية. ومن هنا مثلاً ما يواجه إنشاء المساكن الشعبية وعملية تمركزها.
المشكلات الاجتماعية
وهي مشكلات معقدة ومتداخلة، وتعتبر في رأس هرم المشكلات، فالنازحون إلى المدينة يأتون غالباً من مجتمع متجانس فيصطدمون بما يصطدمون به، فتبدأ عملية التكيّف مع حياة المدينة والانتقال من نظام اقتصادي إلى نظام آخر والتعرّف على أساليب جديدة للترفيه والتسلية.
وتعتبر مناطق السكن الأولى للنازحين، الأحياء المتهدمة والمتخلفة في المدينة، وتنشأ عنها مشاكل صحية وغذائية حادّة فضلاً عن مشاكل الفقر المدقع وقسوة ظروف المعيشة، فتنكشف درجة من الانحلال الشخصي كمظهر ذاتي للانحلال الاجتماعي.
هذه المشاكل وما إليها تؤدّي إلى اختلال في النظام الداخلي لوجود فئة ذات مظهر حضري لا تنعم بمنجزات التحضّر، فهي محرومة من بيئة حضرية. ممّا يؤدّي إلى زيادة الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار الحكومي.
الوضع في الضواحي
تجذب بيروت وضواحيها 45 في المئة من سكان لبنان، وتعتبر هذه البقعة اهم مركز ثقل سكاني فتشتد الكثافة السكانية لتصل إلى 56 ألف شخص في الكيلومتر المربع الواحد (برج حمود).
إلى ذلك فإنّ الأوضاع السكنية هي غير متوافقة، إذ تتوزع المساكن في بيروت وضواحيها حسب مساحتها كالآتي:
1 ـ في بيروت: 21،6% مساحتها أقل من 30 متراً مربعاً.
34،2% مساحتها تتراوح بين 30 و80 متراً مربعاً.
25،0% مساحتها تتراوح بين 80 و120 متراً مربعاً.
13،1% مساحتها تتراوح بين 120 و200 متر مربع.
5،7% مساحتها أكثر من 200 متر مربع.
0.4 % غير معينة.
2 ـ في الضواحي تتوزع نسب المساكن حسن المساحات المبينة على التوالي: 23،6% و50،2% و20،7% و4،0% و1،2% و0،3%.
وهكذا نجد أنّ 55،8 في المئة من المساكن في بيروت مساحتها أقل من 80 متراً مربعاً و73،8 في المئة من المساكن في الضواحي، وتعيش في هذه المساكن النسب ذاتها من السكان تقريباً.
وتبلغ نسبة المساكن ذات الكثافة العادية والازدحام المعتدل والشديد 66،5 في المئة في بيروت و87 في المئة في ضواحيها. وهناك 46،8 في المئة من المساكن في الضواحي ذات ازدحام شديد، وترتفع هذه النسبة إلى 65 في المئة وأكثر في بعض الضواحي.
مميزات التجمع السكاني
عموماً يمكن تمييز تجمعات سكانية عدّة هي:
1 ـ بيروت العاصمة: تبلغ كثافة السكان فيها (1970م) 280 شخصاً في الهكتار، وهي مختلفة بين حي وآخر، 150 شخصاً في الهكتار في رأس بيروت و500 في الطريق الجديدة. ثمّ من ناحية أخرى لا يمكن التحدّث عن الكثافة السكانية في المناطق التجارية.
إنّ العاصمة بيروت تمتد فوق مرتفع هضبتين: شرقية وغربية تتقاسمان أكبر مجموعتين سكانيتين متجانستين إلى حد ما، بينما الأحياء أو المناطق الأخرى يقيم فيها مزيج من النازحين.
المناطق الشعبية تزنر العاصمة: كرم الزيتون وصبرا والكرنتينا ووطي المصيطبة.
إنّ حالة معظم السكان في هذه المناطق مزرية وبائسة. إنّهم يعانون سوء السكن والثقافة والغذاء والمستوى الصحي.
2 ـ الضواحي المباشرة: وتمتد في اتجاهين حول بيروت:
ـ الجهة الشمالية الشرقية.
ـ الجهة الجنوبية.
الأولى تتألف بصورة رئيسية من برج حمود ومن جزء من منطقة سن الفيل وتتميز بمجموعة سكانية تتألف في معظمها من العمال، حيث توفر لها المنطقة فرص عمل محلية.
والكثافة السكانية في هذا القطاع هي من أعلى الكثافات في لبنان: 575 شخصاً في الهكتار.
إنّ تجمّع برج حمود الذي يعتبر قلب هذا التمركز، نشأ تاريخياً من مخيم استقبال المهاجرين الأرمن ومن موجة سكانية ريفية أتت من جبل عامل. بمعنى أنّ هذا التجمّع ليس ثمرة انفجار سكان المدينة.
أمّا الجهة الجنوبية فتتألف من جزء كبير من فرن الشباك والغبيرة وهي عموماً أكثر حداثة من الأولى لكنّها ليست محور جذب للفلاحين خصوصاً من جبل عامل الذين يهتمون ببعض الأعمال داخل المجموعة الكبرى. إنّ كثافة السكان في هذا القطاع تتراوح بين 50 و150 شخصاً في الهكتار.
يتّضح إذاً أنّ الضواحي المباشرة هي ثمرة النزوح الكثيف والسريع نحو المدينة، وأنّ سكانها، تماماً كسكان حزام بيروت لم يتآلفوا مع نظم المدينة وحتمياتها، لذلك فإنّ أي تنظيم يجب أن يأخذ في الاعتبار الشعور الذي تبعثه هكذا تجمعات.
ونقيض هاتين المجموعتين، فإنّ الضواحي غير المباشرة هي ثمرة انفجار السكان في مدينة بيروت، فنجد البنايات الفخمة والفيلات في سفوح جبل لبنان انطلاقاً من سن الفيل وحتّى المنصورية وبعبدا والزلقا وانطلياس والرابية والنقاش وأدونيس…
التمركز الصناعي
إلى جانب التجمعات السكانية هناك تجمعات صناعية بحيث تتركز المصانع بنسبة 35 في المئة داخل مدينة بيروت و40،25 في المئة في ضواحيها (إحصاءات 1972م) أي نحو 7054 مصنعاً من أصل 9381 في لبنان. وهذه الصناعات هي كبيرة وصغيرة، وتستقطب بيروت 41 بالمئة من الصناعات الكبيرة وسن الفيل 18% وبرج حمود 10% والغبيرة 8% وبعبدا 5% وساحل المتن الجنوبي 5% والشويفات 3% وانطلياس 3% وجونيه 3% وفرن الشباك 2%.
أمّا الصناعات الصغيرة فتستقطب بيروت 47،5% منها وسن الفيل 17% وبرج حمود 12،2% والغبيرة 9% وفرن الشباك 2،7% وبعبدا 2،5% وانطلياس 1،75%.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار النشاطات الاقتصادية الأخرى فإنّنا نجد أنّ المشاكل الناتجة عنها تنحصر في الآتي:
1 ـ إنّ تجمّع المؤسسات الصناعية في بيروت وضواحيها (70%) يتسبّب من جهة في فقدان التوازن بين العاصمة وبقية أنحاء البلاد، ومن جهة أخرى يتسبّب في الضجة والتلوث نتيجة إنشاء المصانع داخل القطاعات السكنية أو بالقرب منها.
2 ـ نظراً إلى قرب هذه المؤسسات من المدينة، فإنّ التوسع الصناعي بات صعباً نظراً إلى ارتفاع أسعار الأراضي.
3 ـ إنّ تشتّت بقية النشاطات التجارية والإدارات المركزية يعوق عمليات الانتقال ويؤخر في إنجاز المعاملات الإدارية ويزيد من التنقلات التي لا فائدة منها.
4 ـ لا يمكن تأمين بعض النشاطات الترفيهية العامة (الحدائق العامة، ألعاب) لأنّ المساحات الخضراء باتت منعدمة، واحتلت الصناعات والأبنية السكنية الشواطىء.
5 ـ إنّ بيروت هي إحدى المدن النادرة في العالم التي تختلط فيها الأبنية السكينة بالنشاطات التجارية والصناعية.
وهذا الوضع لا يلائم النمو الطبيعي للمدينة لأنّ مشاكل السير والإزعاج تطرح في شكل حاد، في قلب المدينة كما في شارع الحمراء، وبرج حمود وبقية الضواحي.
إنّ بيروت وضواحيها تستقطب نصف سكان لبنان، وسنة 2000 يبلغ العدد 3 ملايين نسمة، هذا التضخم يضاف إليه النزوح من الريف يتسبّب في عدم توازن بين معدل النمو في المناطق ومعدل النمو في المدن. وقد وضعت حلول على أساس تنظيم مدينة بيروت الكبرى. وبعضها عالج التنمية المدينية في شكل عام.
توزيع السكان في بيروت وضواحيها
حسب تقديرات عام 1970م
| القطاع | عدد السكان | الكثافة هكتار |
| أ ـ بيروت والضواحي المباشرة: | ||
| 1 ـ بيروت المدينة | 474870 | 280 |
| 2 ـ الغبيرة | 154790 | 34 |
| 3 ـ فرن الشباك | 33750 | 142 |
| 4 ـ برج حمود | 118650 | 518 |
| 5 ـ الشويفات | 18830 | 15 |
| 6 ـ بعبدا | 43450 | 25 |
| 7 ـ سن الفيل | 113430 | 84 |
| ب ـ الضواحي القريبة: | ||
| 8 ـ انطلياس | 33065 | 47 |
| 9 ـ جونيه | 21300 | 18 |
| ج ـ الضواحي البعيدة: | ||
| 10 ـ كسروان | 10000 | 6 |
| 11 ـ المتن الشمالي | 26000 | 20 |
| 12 ـ المتن الجنوبي | 45000 | 13 |
| 13 ـ بعبدا ـ عاليه | 40000 | 57 |
| 14 ـ عاليه ـ الشوف | 22000 | 4 |
| المجموع | 1155135 | 50 |
بيروت
ـ2ـ
تؤكد بالملموس قراءة متأنية لفهرس الدوريات اللبنانية وفقاً لتسلسلها الزمني ما بين أعوام 1958م و1973م، والذي أصدره عالم المكتبات اللبناني يوسف أسعد داغر تحت عنوان «قاموس الصحافة اللنبانية 1858ـ1974م» ونشرته الجامعة اللبنانية في 1987م، إنّ الغالبية الساحقة من الدوريات التي صدرت خلال سنوات 1858ـ1870م تمركزت في بيروت بالدرجة الأولى. لكن المرحلة الممتدة من 1871 حتّى 1908م شهدت ولادة عدد كبير من الدوريات التي أصدرها اللبنانيون في القاهرة والإسكندرية، بالإضافة إلى بيروت وبلاد الاغتراب الأميركي خاصة البرازيل وعرفت مرحلة 1908ـ1914م ولادة عشرات الدوريات مجدداً في بيروت وطرابلس وعلى امتداد مناطق جبل لبنان ـ المتصرفية، مع استمرار اللبنانيين في إصدار بعض الدوريات في مصر والبرازيل وأرجاء أخرى من العالم. لكن مرحلة الحرب العالمية الأولى 1914ـ1918م تميزت بإصدار اللبنانيين لعدد وافر من الدوريات في أميركا اللاتينية بشكل خاص، واستمرّت وتيرة الإصدار هذه في السنوات القليلة التي أعقبت نهاية الحرب وحتّى عام 1920م.
ومع إعلان الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، شهدت بيروت وجوارها وصولاً إلى مختلف المناطق اللبنانية موجة واسعة من إصدار الصحف والمجلات أو نقلها من الخارج إلى دولة لبنان الكبير.
وبدأت تتقلص حركة اللبنانيين في إصدار الصحف والمجلات في مصر وبلاد الاغتراب الأميركي لصالح الإصدار في لبنان، وذلك بشكل واضح منذ إعلان استقلال لبنان عام 1943م وحتّى بداية الحرب الأهلية عام 1975م حيث شهدت الصحافة اللبنانية مرحلة أخرى من الازدهار خارج لبنان خصوصاً في أوروبا، وعلى الأخص في باريس.
ليست لدينا الإحصائيات الكافية للمقارنة الكافية بين حركة الإصدار في بيروت من جهة وباقي المدن العربية المشرقية من جهة ثانية، إبان الفترات المشار إليها أعلاه، لكن العدد الوافر من المصادر والمراجع التي اطلعنا عليها يسمح بالقول إنّ بيروت كانت فعلاً مطبعة الشرق كلّه، وإنّ اللبنانيين مارسوا بكفاءة عالية عملية إصدار الصحف والمجلات داخل لبنان وفي بلدان الاغتراب، حتّى بات هذا القطاع معلماً أساسياً من معالم نهضة لبنان الثقافية منذ أواسط القرن الماضي حتّى الآن، وتربّى فيه عدد كبير من أبرز الوجوه الثقافية في لبنان وباقي الأقطار العربية.
لا يتّسع المجال هنا لإبراز العوامل الكثيرة التي ساهمت في حركة إصدار الدوريات في بيروت ومصر والبرازيل وأوروبا، لكن من الواضح أنّ مناخ الحرية شكّل العمود الفقري الثابت لتلك الحركة. وسنقتصر هنا على المدلول الثقافي لعودة الصحافة بشكل مكثف إلى بيروت وجوارها منذ إعلان الدستور العثماني عام 1908م.
فعلى رغم ارتباك حركة إصدار الصحف والمجلات في بيروت طوال سنوات 1914ـ1920م بسبب ظروف الحرب فإنّ التأثير البالغ الذي تركته الصحافة على الحياة السياسية في لبنان الكبير، ومن ثمّ لبنان المستقبل، كان وما زال من أهم الركائز التي بنيت عليها نهضة بيروت كمطبعة للمشرق العربي.
الدور الذي انتظرته
بيروت طويلاً
لقد ساهمت مرحلة 1908ـ1914م إلى حدّ بعيد في دفع بيروت إلى مركز الصدارة في قطاع النشر على اختلاف انواعه حتّى وصل أثر اللبنانيين إبان تلك المرحلة إلى عاصمة السلطنة العثمانية نفسها، اسطنبول. ومن نافلة القول أنّ الصحافة جزء من قطاع النشر الواسع الذي يرتبط وثيقاً بالمطابع ودور نشر الكتب والثقافة وتحرير المرأة والتعليم وحركة الترجمة والمسرح وغيرها. وقد ركزنا على انطلاق 1908ـ1914م لأنّها شكّلت قاعدة صلبة لإنتاج الثقافة في بيروت التي ستتحوّل عام 1920م إلى عاصمة لدولة لبنان الكبير، لكنّها، في الواقع العملي، تحوّلت إلى عاصمة مميزة للثقافة والفن في جميع أرجاء المشرق العربي، بالإضافة إلى دورها المميز كعاصمة كوسموبوليتية للتجارة والخدمات ومختلف أشكال التبادل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
حقّقت بيروت قفزة نوعية إبان القرن التاسع عشر وذلك على مختلف الصعد. فقد ارتفع عدد سكانها من ستة آلاف نسمة في بداية القرن التاسع عشر إلى ثمانين ألفاً في 1860م، ليصل إلى 136 ألفاً عام 1908م. ودلالة هذه الأرقام أنّ مدينة بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين كانت تتحوّل إلى مدينة كوسموبوليتية ذات نشاط تجاري وثقافي ومالي واجتماعي بارز، فارتبط مرفؤها وأسواقها المحلية بالحركة العالمية للتجارة ونشط دور الوساطة فيها ممّا ساعد على استقرار جاليات أجنبية كثيرة على أراضيها مع بروز شرائح واسعة من البورجوازية الكومبرادورية (الوسطية) البيروتية أو الوافدة حديثاً إليها من سكان متصرفية جبل لبنان المجاورة لها. فازدهرت بذلك أعمال الوساطة التجارية للشركات الأجنبية والمحلية العاملة في بيروت واتّسعت آفاق الاستخدام والوظائف، ونشطت حركة التعليم والإرساليات والمعاهد العليا التي تحوّلت إلى جامعات كانت الاولى في المشرق العري لا بل في الوطن العربي كلّه. وإلى جانب حركة المرفأ والتعليم والأسواق المحلية ارتبطت بيروت بالداخل العربي عبر سكة حديد بيروت ـ دمشق التي تأسّست في أواخر القرن التاسع عشر، فسيطرت بيروت عبرها على حركة التصدير والاستيراد وإعادة التصدير والترانزيت ومارست تأثيراً كبيراً على أسواق دمشق وحلب وبغداد وأواسط الجزيرة العربية وصولاً إلى طهران، لذلك وصفها أحد الباحثين الفرنسيين بقوله: «بيروت تحجب لبنان ولبنان يحجب سورية».
مع ذلك، لم تكن الحياة السياسية في بيروت قادرة على إظهار ما يختمر داخل المدينة من اتجاهات إصلاحية وليبيرالية بسبب الرقابة العثمانية الصارمة. واضطر عدد من المفكرين البيروتيين أو من الذين وفدوا إليها من المناطق السورية المجاورة، إلى مغادرتها إلى مصر للعمل في صحافتها بأعداد كبيرة، حيث كانت إمكانية التعبير عن الرأي متوافرة إلى حد بعيد شرط ألا تزعج الإنكليز وسيادتهم في الوطن العربي. وكانت بيروت صلة الوصل الأهم بين المشرق والمغرب، خصوصاً في بلاد الشام، وبين أرض الكنانة، أو بالأحرى وادي النيل وصولاً إلى المدن الكبرى في السودان.
لعب (الشوام) دوراً هاماً في الصحافة المصرية والسودانية وفي مختلف المجالات الاقتصادية والعمرانية والتجارية والمالية والصحافية والسياسية والنقابية وغيرها. وكانت أعداد المهاجرين (الشوام) إلى مصر تتزايد باستمرار طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر واستمرّت وتيرتها بالتصاعد حتّى الحرب العالمية الثانية. وكانت بيروت مركز انطلاقة تلك الهجرة أو بالأصح مركز التجمّع الأساسي لانطلاقتها، فاستقطبت أيضاً عدداً كبيراً من الطلاب اللبنانيين الذين ولدوا في مصر وأرسلهم ذووهم لإكمال علومهم في مدارسها وجامعاتها ومعاهدها، والاستفادة من الخدمات الكثيرة فيها.
في إطار البحث ليس بالإمكان تقديم صورة شمولية، مهما كانت موجزة، عن نشاط بيروت خلال تلك المرحلة، لذلك سنكتفي، في الجانب الثقافي الفكري، وبشكل حصري بسنوات 1908ـ1914م استناداً إلى الوثائق والمصادر الأصلية لتلك الفترة المهمة في تاريخ بيروت.
لم يكن صدور الدستور العثماني عام 1908م حدثاً عادياً بالنسبة لبيروت التي استقبلته بفرحة عارمة، وبالزغاريد وهتافات الترحيب، ونزل البيروتيون إلى الشوارع يرقصون ويغنون، وانبرى الخطباء يدبجون الخطب والقصائد ترحيباً بالحدث السعيد وبالحرية التي طال انتظارها. ومن نافلة القول أنّه كان لفرح البيروتيين اسباب عميقة لا يمكن فهمها إلاّ من خلال إبراز حركية التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمالي لهذه المدينة الكوسموبوليتية الناشطة جدّاً في مطالع هذا القرن. وكان رجال السياسة والمفكرون والأدباء والشعراء يتحينون الفرص لإطلاق نهضة ثقافية وسياسية مقموعة بفعل الاستبداد الحميدي، فجاء دستور 1908م يعلن كسر القيد عن النهضة المكبوتة التي حقّقت خلال سنوات قليلة يقظة ثقافية وفكرية عارمة لم تشهدها بيروت من قبل. لقد فهم الناس أنّ عهد الاستبداد كما خبره البيروتيون وباقي سكان السلطنة العثمانية، شكّل عقبة أساسية أمام التقدّم والتطوّر بكلّ أبعادهما.
إنّ إعادة إعمار بيروت وفّرت فرصة نادرة لاكتشاف الكنوز المطمورة في عمق الأرض منذ آلاف السنين، والتي تعطي أبرز شهادة على أهمية بيروت ودورها في العصور الغابرة. فتاريخ بيروت يعود آلاف السنين إلى الوراء أي إلى العصر الحجري. والصعوبة في تحديده تعود إلى عدم القدرة على إجراء الحفريات الضرورية. فبيروت الحديثة مشيّدة تماماً فوق الطبقات الاثرية المتعاقبة. وقد سمحت لنا بعض الاكتشافات العرضية لبعض الأدوات الصوانية على شاطىء البحر، وأثناء إجراء حفريات الأساس للبنايات الحديثة، بتحديد جزء من تاريخ بيروت الذي يعود إلى ستمئة ألف سنة حين كان الإنسان يتجولّ كجماعات متفرقة على شاطىء البحر بحثاً عن الغذاء. وفي العصر اللاحق (العصر الحجري القديم منذ 120،000ـ40،000 عام) انتقل الإنسان ليؤم الكهوف الكبيرة التي ما زالت موجودة إلى اليوم. ومن أقدم هذه الكهوف في الشاطىء الشرقي للبحر الأبيض المتوسط تلك الموجودة في شاطىء رأس بيروت ومنذ 40،000ـ10،000 عام أصحبنا نرى تطوّراً في صناعة الأدوات الحجرية. وفي أهم كهوف هذه الحقبة (على بُعد ستة كيلومترات شمال بيروت)، ومنها كسار عقيل، وجد ما يفوق مليوني أداة مصنوعة من الصوان أو العظم، كما وجد هيكلان عظيمان يعدّان من أقدم ما وجد إلى يومنا هنا. وخلال العصر الحجري المتوسط (8،000ـ5،500 عام قبل المسيح) ابتدأ عصر تدجين الحيوانات والزراعة. وقد وجدت رؤوس أسهم وأدوات هندسية مصقولة على الشواطىء الجنوبية لمدينة بيروت وفي منطقة برج البراجنة.
ومن أوائل قرى العصر الحجري الجديد (6000ـ4000 عام قبل الميلاد) في منطقة بيروت كان تل إرسلان الذي تمّ اكتشافه عام 1930م. ولكنّه دمّر كلياً عندما تمّ بناء مطار بيروت الدولي عام 1948 وما تبقى لا يزال قابعاً تحت مدرج المطار. وهناك قرى أخرى كانت في ما هو الآن وسط العاصمة في منطقة بنايتي الريفولي والبيبلوس حيث تجري حفريات عدّة اليوم.
ويكون الشاطىء الجنوبي الغربي لمدينة بيروت على مسافة 10 كيلومترات بين الرملة البيضاء وجنوب منطقة خلدة أهم منطقة أثرية للعصر الحجري. ولكنّها الآن مغطاة بالأبنية الحديثة والطرقات المعبدة ومدرجي المطار ما يعوق إجراء الحفريات العلمية الضرورية لجلاء تاريخ بيروت خصوصاً خلال العصور الحجرية.
وقد تمّ اكتشاف أدوات عدّة راجعة إلى العصر النحاسي (4000ـ3000 عام ق.م.) على شاطىء الروشة جنوب صخرة الروشة على رغم الدمار الذي لحق بالمنطقة من جراء احتلالها من جانب فرقة مدفعية بريطانية في الحرب العالمية الثانية.
وكذلك تمّ اكتشاف مواقع وآثارات عدّة صدفة في وسط العاصمة: كشارع روماني مرصوف مع أعمدة جانبية وقنطرة (Architrave) تحت ساعة العبد في ساحة البرلمان الحالي، وحمام روماني في المنطقة بين مركز البريد الرئيسي والسرايا، وآثار أخرى في منطقة سوق البازركان المجاورة لشارع ويغان في باب إدريس. ومن الآثار الصليبية الوحيدة المتبقية كنيسة يوحنا المعمدان التي بناها فرسان مستشفى يوحنا المقدسي والتي تشكّل اليوم الجامع العمري المعروف.
وفي القرن الثامن عشر ب.م. شحن الجزّار كميات كبيرة من الأعمدة والحجارة الرومانية من بيروت وصيدا وصور ليبني جامعة عكا. وفي القرن التاسع عشر نقل الكثير من الآثار والكنوز التي اكتشفت في بيروت إلى متاحف الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا.
ونجد أوّل ما دوّن عن تاريخ بيروت في لوحات عمارنة الحجرية من مصر في القرن الرابع عشر ق.م. وقد بقي اسمها ذاته منذ ذلك الحين إلاّ لفترات وجيزة سنأتي على ذكرها لاحقاً. وقد سمّاها الكنعانيون بيروتا (Bi-ru-ta) أي مدينة الآبار، وذلك لكثرة الآبار الارتوازية التي كانت تغذيها بالمياه، تماماً كما هي الحال الآن.
واكتشفت لوحات عمارنة عام 1887ب.م. صدفة عندما كانت فلاحة مصرية تحفر في منطقة أخيطاتن (تل العمارنة)، عاصمة اخناطون، 190 ميلاً جنوب القاهرة. وقد عثر على 377 لوحة وهي من أرشيف آمنحوتب الثالث والرابع (اخناطون) وتحتوي على المراسلات بين الفرعون وبلدان الشرق الأدنى القديم. ومن خلالها نرى أنّ بيروت كانت مدينة مستقلة ذات أسطول قوي، تماماً مثل جبيل وصيدا وصور ويحكمها ملك يدعى عمونيرا. وكانت بيروت، كسائر المدن الفينيقية والمنطقة الداخلية، تعتمد على الفرعون للحماية من الغزاة. ولكن الفرعون لم يتدخل عندما هاجمتها قبائل الآموريين والخابيرو (وهي قد تكون قبائل عبرية) ونجحت باحتلالها.
والكتابات الفرعونية من السلالة التاسعة عشرة والأوغاريتية التي اكتشفت في رأس شمرا تدل أنّ بيروت كانت مدينة فينيقية مهمة إلى ما بعد القرن الثالث عشر ق.م. حين تنقطع أخبارها كلياً لمدّة ستة قرون، أي إلى القرن السادس ق.م. ولكن هذا الغموض يمكن أن ينجلي في ضوء الحفريات الحالية.
وتدل بعض التماثيل الفخارية من العصر الفارسي (550ـ330ق.م.) وبعض النقوش التي اكتشفت خارج لبنان وتعود إلى القرن الثاني ق.م. أنّ بيروت لعبت دوراً مهماً في تاريخ الشرق الأدنى. وكذلك فإنّ بعض النقوش من جزيرة ديلوس واليونان تشير إلى أنّ سكان بيروت كانوا يبدعون في التجارة أيضاً، كما هي حالهم اليوم. وقد كانت لهم مستعمرات تجارية عدّة في الخارج تدعى بوسيدونياستس بريتوس (Poseidoniastis of Berytus) وبوسايدون إله البحر، كان شفيع مدينة بيروت.
ويعتقد أنّ الملك السلوقي انطيويخوس الرابع (175ـ164ق.م.) غيّر اسم بيروت إلى اللاذقية، كما يظهر في النقود التي أصدرت فيها وتأتي على ذكر الاسم الجديد لبيروت كالآتي: «اللاذقية في كنعان أو فينيقية». ويظهر هذا الاسم الجديد أيضاً في بعض نقوش جزيرة ديلوس.
وقد دمّرت بيروت نحو العام 143ق.م. من جانب ترايفون (Tryphon) أثناء صراعه مع الملك السلوقي انطيوخوس السابع. ولكنّها تعافت بسرعة وعادت إلى سابق عهدها في أعمالها التجارية.
وفي عام 42 ق.م. سيطر ماركوس أنطونيوس على الشرق كلّه بعد معركة فيليباي، ووهب جميع المدن الفينيقية بما فيها بيروت (ما عدا صور وصيدا) مع أراضٍ أخرى لكليوباطرة ملكة مصر. وقد قامت هذه بصك نقود في بيروت تحمل صورتها مع ماركوس أنطونيوس. ولكن ذلك لم يدم طويلاً، ففي عام 29 ق.م. تولى أوكتافوس الحكم بعد هزيمة ماركوس أنطونيوس وانتحار كليوباطرة. وما بين عام 22 و 19 ق.م. قام أوكتافيوس إمبراطور الرومان الذي أصبح اسمه أغوسطس بزيارة لبلدان الشرق الواقع تحت سيطرته، وعيّن فيسبانيانوس أغريبا زوج ابنته جوليا حاكماً لبيروت. وقد بقيت فيها فرقتان عسكريتان رومانيتان، وامتدّت منطقة بيروت حينئذ إلى وادي البقاع حتّى ينابيع نهر العاصي. وقد وهب أغوسطس بيروت امتيازات وحقوقاً خاصّة كإعفائها من الضرائب، وأطلق عليها اسم ابنته جوليا إكراماً، وأصبحت تعرف باسم «جوليا أغوسطا بيريتوس السعيدة» (Julia Augusta Felix Berytus) وقد أعطيت بعض القرى الأخرى أسماء مشابهة كاغوسطا (غوسطا الحديثة) وبلّونة. ولسنين عدّة أصبحت بيريتوس أكثر مدن الشرق رومانية، ولكن القليل من آثار هذه الحقبة ما زال موجوداً، ولا نستطيع التعرّف إليها إلاّ من خلال صورها على النقود المسكوكة فيها ومن أهم الآثار المتبقية منها قناطر زبيدة شمال بيروت التي كانت تنقل المياه من نهر بيروت إلى المدينة.
وهذه الحقبة الرومانية تبقى أزهى فترة في تاريخ بيروت القديم وأسطعها. وقد وصفت بيروت في المصادر الكلاسيكية «بالمدينة الأكثر جمالاً بيريتوس، جوهرة فينيقيا». وقد اشتهرت بمعابدها ومبانيها الضخمة ومدرجاتها ومسارحها وأسواقها التجارية وميدان سباق الخيل.
وعلى رغم الينابيع الكثيرة لم تكن كمية المياه كافية للمدينة، وقد قام الرومان بجر المياه عبر أقنية خاصّة من نهر بيروت إلى جميع مناطق المدينة. وكذلك تمّ إنشاء شبكة لتصريف المياه الآسنة.
وقد قامت الضواحي المهمة لمدينة بيروت في ذلك الوقت، ومنها على امتداد الشاطىء الرملي الجنوبي وخصوصاً في منطقة الجناح والأوزاعي حيث تمّ اكتشاف آثار وفسيفساء مهمة.
وبحكم موقعها الجغرافي على تقاطع الطرق التجارية التي اتجهت نحو مرفئها، أصبحت مركزاً رومانياً مهماً للشرق وموقعاً تجارياً غنياً وقاعدة للأسطول البحري الروماني في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.
واشتهرت بيروت ايضاً بتجارة الحرير الذي كان يصدّر إلى مختلف أنحاء العالم، بعد أن تستورد المواد الأولية من الصين للتصنيع بواسطة الفرس حتّى العام 540ب.م. عندما أقنع الإمبراطور جوستينيانوس راهبين فارسيين مقيمين في الصين بتهريب أسرار صناعة الحرير إليه. وقد تمكن هذان الراهبان من تهريب بويضات دودة القز بواسطة قصبة مجوفة، وانتشرت بعد ذلك مزارع التوت لصناعة الحرير. وكذلك تميّزت بيروت بصناعة الزجاج الذي تمّ تصديره إلى بقية العالم المعروف أيضاً.
ولكن بيروت، بكلّ جمالها وتراثها وأهميتها، لاقت نهاية مفاجئة ومفجعة حين ضربتها في السنة 551 ميلادية هزة أرضية شديدة دمّرت معظمها، تلاها حريق هائل أتى على ما تبقى، ومن ثمّ موجة بحرية عارمة محت معالمها المتبقية. ونتج عن هذه الكوارث الطبيعية موت ثلاثين ألف شخص. ووصف ذلك الكاتب البيزنطي اغاثياس الذي عاصر تلك الحقبة: «بيريتوس الجميلة جوهرة فينيقيا محيت من الوجود بأبنيتها التي لم يبق منها سوى بعض الأساسيات».
وفي زمن الفتح الإسلامي في أوائل القرن السابع ب.م. كانت بيروت مدينة عادية لم تتعافَ بعد من آثار الدمار الشامل الذي لحق بها، وأصبحت مرفأ لدمشق.
وفي 13/5/1110 احتل الملك الصليبي بالدوين الأوّل بيروت بعد حصار دام شهرين، وفي العهد الصليبي وصف بيروت مسافر يدعى جوانس فوكاس الذي تنقل عام 1185 على الساحل في طريقه جنوباً إلى القدس: «ووصلت إلى بيريتوس، وكانت مدينة كبيرة مكتظة بالسكان محاطة ببساتين خضراء، وتحتوي على مرفأ كبير صنع بدقّة وجمال وتحوط به المدينة في شكل هلال».
وفي عام 1187 استعادها المسلمون بعد حصار دام ثمانية أيام. ثمّ استردّها الصليبيون سلماً بخيانة خائن. واستمرّت بيروت تحت الحكم الصليبي حتّى العام 1291. وبعد ذلك صار مرفأ المدينة إلى الخراب وفقدت زهوها وأهميتها. واستمرّت بيروت بالانحدار طوال العهد العثماني، إلاّ لفترة قصيرة أثناء حكم فخر الدين الثاني (1598ـ1635) ولكن قراره إغلاق المرافىء البحرية للحؤول دون وصول الذخائر والمؤمن العثمانية، أدّى إلى تدهور هائل في حركة بيروت التجارية. وكان فخر الدين قد استورد مهندسين إيطاليين لتشييد قصر عظيم محاط بجنائن فسيحة في الجزء الشمالي الشرقي من بيروت ـ منطقة البرج ساحة الشهداء الحالية. ومع أنّ القصر دمّر كلياً، فقد وصفه الكاتب هنري موندريل بدقة في كتابه «رحلة من حلب إلى القدس في عيد الفصح عام 1697ب.م.».
وفي أوائل القرن التاسع عشر ب.م. بدأت بيروت تستعيد حيويتها وأهميتها، وصارت من أهم المدن العربية، خصوصاً في ميادين الثقافة والتجارة والشؤون المالية. وكما تنبأ بذلك الكاتب ويليام تومسون في العام 1870 في كتابه «الأرض والكتاب» وقال: «عندما استولى محمدعلي على سوريا من السلطان العثماني في 31ـ1830 جعل من بيروت مقراً أساسياً للحجر البحري، وأكره جميع السفن بالتوقف في مرفئها. وكان التجار الأوروبيون قد أجمعوا عليها بصفتها المركز الأساسي للتجارة مع بلدان الشرق. ونتيجة تجمّع قناصل الدول الأجنبية فيها، قرّرت الحكومة جعلها عاصمة للبلاد. وكان عدد سكانها قبل ثلاثين عاماً خمسة آلاف فقط وكانت متاجرها تعتمد للتموين على بضائع من صيدا. والآن تحتوي بيروت على 40 ألف من السكان، وصيدا الآن تعتمد كلياً على بيروت. قبل ثلاثين عاماً لم يكن هنالك منازل خارج نطاق أسوار بيروت، ولكن الآن ثلثا السكان يقيمون في البساتين والضواحي المحيطة بالمدينة. ولم تضاهيها بالتوسّع السريع أي مدينة في الإمبراطورية الثعمانية، وستستمر في النمو والنهوض والثراء. وإذا تمكّنت بيروت من اجتذاب طرق التجارة العالمية، ستنهض حتماً إلى مصاف المدن العظمى في العالم. ولكن إذا لم تنجح، أو إذا لم يُسمح لها بذلك، فستضمحل وتأخذ مكانها مدينة شرقية أخرى».
بيروت في الشعر
قضى السيد محسن الأمين السنتين الأخيرتين من حياته في بيروت بعد أن نهاه الأطباء عن سكنى دمشق لبردها الشديد، فسكن في منزل قريب من حرج الصنوبر، فنظّم في ذلك هذه القصيدة:
تبدلت في بيروت لا عن تخير
عن (الربوة) الغناء غاب الصنوبر
يطالعني منه مساء وغدوة
إذا ما بعثت الطرف أجمل منظر
به الشجرات الباسقات تكللت
بتاج له لون الزبرجد أخضر
إذا مسّها مرّ النسيم تمايلت
بقد يحاكي مشية المتبختر
نسائمه مهما تهب تحملت
إلينا أريج المسك أو نفح عنبر
وعن بردى نهرا إلى الكلب ينتمي
حقيقاً بأن يسمّى بنهر الغضنفر
وعن وقع برد في دمشق مساور
يخالطه مهما بدا ريح صرصر
بجو حكى فصل الربيع شتاؤه
وأرجاؤه بالثلج لم تتأزر
أمامي طريق مستمر عبوره
نهاراً وليلاً في ورود ومصدر
فمن ذاهبات جائيات بسيرها
تفوت هبوب الريح أو لمح مبصر
زوافر يعلو الفضاء زفيرها
تكاد تحاكي قلبي المتزفر
ومن طائرات في الفضاء تصاعدت
إلى أن علت هام السحاب المسخر
ولم أتبدل عن صحاب أكارم
بجلق من شهم ومن سيد سري
وما كان في بيروت لي من لبانة
ولا سكن فيها ولا ريح متجر
نديماي فيها إن أردت منادماً
كتابي على مرّ الليالي ومحبري
على أنّ فيها عصبة قد تعاقدوا
على الخير والحسنى بسر ومجهر
سقى ربنا الرحمن أكناف (عامل)
بغاد من الغر السحائب ممطر
وما أنس مهما أنس طيب هوائها
وعيشاً بها قد مرّ غير مكدر
(ديار بها نيطت على تمائمي)
وأرض بها د كان منبت عنصري
لمربعها الفياح طال تذكري
وعن روضها النفاح قل تصبري
نبت بي وكم من منزل بك قد نبا
وأي صفا في الدهر لم يتكدر
وكم طوحت بي مرّة غربة النوى
وفارقت أهلي الأقربين ومعشري
وقد ذقت من حلو الزمان ومرّه
وعيش أخي عسر وعيشة موسر
فما كنت عند العسر يوماً بضارع
وما كان يسري في الزمان بمبطري
ولا قادت الأطماع نفسي لذلة
وإن عضّني دهري بناب ومنسر
ثمّ انتقل إلى محلة الطيونة في الشياح من ضواحي بيروت وكان أطباؤه قد نهوه عن القراءة والكتابة فقال:
أشاحت إلى الشياح بي غربة النوى
فها أنا فيها يا أميم غريب
وأصبح في الطيونة اليوم منزلي
يعاودني هم بها وخطوب
وقد زعموا الطيون للجرح شافياً
فهل لجراح القلب منه طبيب
تعاورني فيها اغتراب وعلة
بها ذاب جسمي واعتراه شحوب
على أنّ جسمي أن تعاوره الضنا
فها هو عزمي يا أميم صليب
نهاني عن لحظ الكتاب ونظرة
بما يحتويه عائد وطبيب
بيرون
هي البلدة التي ولد فيها أبو الريحان البيروني سنة 362هـ (973م) وتقع بيرون قرب مدينة كاث([735]) (Kath) التي أصبحت فيما بعد عاصمة خوارزم.
أمضى أبو الريحان 25 سنة من عمره في موطنه الأصلي، ودرس على بعض الأساتذة مثل منصور بن أيراك الجيراني وهو عالم في الرياضيات. وفي موطنه هذا بدأ أعماله الكتابية الأولية، وبدأ بمراسلة ابن سينا الشاب البخاري الأعجوبة الذي يصغره بسبع سنين([736]).
يعتقد بعض المؤلفين المعاصرين وبعض المؤلفين الذين تلوا البيروني بأنّ «بيرون» مسقط رأس البيروني ومدينة كاث، تقعان في وادي السند، وليس لدينا ما يثبت أو يبطل هذا الاعتقاد، ولكن على أي حال فإنّ مدينة كاث أو كات كانت مهمة وعامرة لقرون طوال، سواء قبل البيروني أو بعده.
ويكتب الاصطخري (المتوفى عام 346هـ = 7ـ958م) في كتابه المسالك والممالك ما مضمونه:
«ومدن خوارزم الأخرى هي: درغان، هزاراسپ، خيوه، خشميش، أردخشميش، سافردز، وگرگانج، وتدعى قصبة هذه النواحي «كاث»، وفيها قلعة قديمة. وقد أتى السيل على المدينة، فانتقل أهلها إلى مكان أعلى منها بعد أن بلغ السيل القلعة. وخشي على مسجد (آدينه) الواقع في القلعة وقصر خوارزمشاه المحاذي للمسجد، وعلى السجن المتآخم للقلعة. وثمة نهر صغير يجري وسط المدينة، ويقع على ضفتي هذا النهر سوق طويل ذو سماطين…» ([737]).
وكما يظهر من كتاب المسالك والممالك، فإنّ مدن خوارزم الأخرى هي درغان، هزاراسب، خيوه، خشميش، سافردز، وگرگانج وتعرف مدينة كاث عاصمة لهذه المنطقة. وكانت هذه المدينة طوال تاريخها مركزاً للحكومات المتعاقبة. وللمدينة سور وبرج أتى عليهما السيل بمرور الوقت، ولا تزال أطلالهما باقية إلى الآن. وقد استبدل الناس بهذه المدينة ـ بعد انهدام قلعتها وسورها وبرجها موضعاً آخر أعلى منها، بعد أن بلغت السيول القلعة، وخيف عليها وعلى مسجد آدينه ومقر خوارزمشاه وسجن المدينة المجاور للمسجد. وثمة نهر يجري وسط المدينة ترامت الدكاكين على ضفتيه. وتعرّضت بعض بوابات المدينة للخراب وأعيد بناء بعضها.
وفي معجم البلدان([738]) (616هـ) يكتب ياقوت:
«معنى الكاث بلغة أهل خوارزم الحائط في الصحراء من غير أن يحيط به شيء، وهي بلدة كبيرة من نواحي خوارزم إلاّ أنّها من شرقي جيحون دون جميع نواحي خوارزم، وإنّما هي من ناحية جيحون الغربية ـ وبين كاث وگرگانج-مدينة خوارزم عشرون فرسخاً.
ويكتب حمدالله المستوفي القزويني في كتابه (نزهة القلوب) ([739])، المصنف عام 740=1340م ما يلي:
«فرغانة؛ هي ولاية من الإقليم الخامس ـ وقد بناها أنوشيروان العادل، ونقل إليها بعض الأهالي من بيوت شتى، ومن ثم فقد سمّيت «هرخانه»([740]) (معنى هرخانه: كلّ بيت)، ثمّ تغيّر اسمها لكثرة الاستعمال إلى فرغانة، وقد أعيد بناؤها على يد قيدو بن قاشي بن أوگتاي قا آن ودوا بن براق بن يسون بن ماتكان بن جغتاي خان، وكان المشهور في العصور الغابرة: كاث وكاشان واخسيكت»، ففرغانة إذن هي إحدى ولايات الإقليم الخامس، وقد بناها أنوشيروان العادل، وقد سمّيت «هرخانه» لأنّ أهلها جمعوا من بيوت ونواح شتى، وبعد استعمال طويل تحوّل اسمها إلى (فرغانة) (Farghana)، واسمها الحالي هو أنديگان (Andighan). وكانت المدن الكبيرة في العصور الغابرة: فرغانة، كاث، كاشان، اخسيكت.
وظلّت كاث في معزل عن الأحداث حتّى أواسط القرن الرابع عشر، ومن حملة المغول إلى عام 1333م.
وخلال سفره من أورگنج إلى بخارى، لم يشر السائح العربي، ابن بطوطة إلى وجود مدينة في طريقه إلى كاث، حيث يقول ما مضمونه:
«وعندما عزمت على ترك خوارزم، استأجرت عدداً من الإبل، واشتريت هودجاً لبرودة الجو، وكان الخدم على ظهور خيولهم، بينما رزمنا الفراش والسجاد على ظهر الإبل. وفي سفرنا هذا ما بين خوارزم وبخارى، مررنا بصحراء، قطعناها في ثمانية عشر يوماً، ولم نجد طوال الطريق محلاً لاستقرارنا إلى مدينة كاث الصغيرة التي دخلناها بعد أربعة أيام من حركتنا. وقد نزلنا بالقرب من بركة ماء متجمّدة يلعب عليها الأطفال، تقع بالقرب من هذه المدينة. وقد حضر قاضي المدينة لاستقبالنا، ثمّ تبعه حاكمها وحاشيته، ودعونا لضيافتهم والإقامة عندهم»([741]).
ويشير ابن بطوطه إلى الوقت اللازم لقطع المسافة الفاصلة بين كاث وبخارى، في معرض حديثه عن شرح الأوضاع الطبيعية لهذه المنطقة، وكذلك يبدي رأيه بخصوص أهمية هذه المدينة، التي ولد فيها «البيروني» والذي اضطر لمغادرتها في أوائل شبابه.
ويبدو أنّ تيمور ضرب هذه المدينة في حوالي القرن الرابع عشر الميلادي، ولكنّها استعادت وجودها وأسوارها مرّة أخرى، وكما يظهر من حديث علي اليزدي([742]) في (ظفر نامه المجلد الأوّل ص237، 293، 449 لشرف الدين علي اليزدي) أنّها كانت في وقته لا تزال مدينة مهمة.
وينبغي التذكير بأنّ خوارزم وعاصمتها كاث كانتا في ذلك الوقت جزءاً من ترانسويانا (Transoiana)، وحينما بلغ البيروني سن الشباب، كانت هذه المنطقة خاضعة لسلطة السامانيين، إذ كان يحكم آنذاك نوح الثاني بن منصور 366ـ387هـ = 976ـ997م ومنصور الثاني بن نوح الثاني 387ـ489هـ = 997ـ999م، ويبدو أن البيروني امتدح الملك خلال سنتي حكم السلطان منصور الثاني بن نوح الثاني الساماني. وفي عام (384هـ = 994م) هزم الغزنويون السامانيين في الجزء الجنوبي لنهر جيحون، واستولوا على الأراضي التابعة لهم. وفي شمال نهر جيحون أوقف إيلك خان تركستان ـ زعيم قبائل الترك ما بين فرغانة وحدود الصين ـ جيوش السامانيين وقضى عليهم وأنهى بذلك سلسلة السامانيين بعد أن نهب ترانسويانا واحتل بخارى عام (380هـ = 990م) ([743]).
وبعد سنة من انقراض السلالة السامانية، رحل البيروني إلى جرجان (من الأجزاء الجنوبية لبحر الخزر) لغرض الإقامة الطويلة فيها. ويبدو أنّ ذلك كان في عام )838هـ = 998م) أي في الوقت الذي عاد فيه السلطان أبو الحسن قابوس بن وشمگير شمس المعالي (الزياري) من منفاه.
لم يذكر البيروتي جزئيات سفره من كاث إلى جرجان، ولذلك لم يستطع الباحثون اكتشاف الطريق التي سلكها في سفره بعد مضي ألف سنة عليه. ومن ثمّ فنحن مضطرون إلى مراجعة الحوادث التاريخية لابن حوقل (بين 350 و367هـ = 961ـ977م) أي مُعاصرة له أو متأخرة عنه قليلاً، لأنّها أقرب الحوادث إلى حياة البيروني وربّما أكثرها استدلالاً([744]). حيث كان البيروني قد سلك نفس الطريق التي سلكها ابن حوقل فيما بعد.
ويظهر من الخريطة أنّ كاث، عاصمة خوارزم الشرقية، تقع على الضفة الثانية من نهر جيحون، في أعالي النهر الذي يسمّى بـ (جاردو)، ويفصّل ابن حوقل الحديث عن الطريق التي سلكها في رحلته([745]).
قام أبو الريحان في أواسط عمره ـ بما يقارب اليقين ـ بعبور جيحون بزورق ثمّ وصل أردخشمين التي تقع على الطريق الرئيسية شمال خيوه، ووصل جرجان بعد اجتيازه لعدد من المدن الكبيرة التي لم يبق لها أي أثر في الوقت الحاضر.
ومجموع المسافات التي قطعها البيروني في الذهاب والإياب وفقاً لما ذكره البيروني بنفسه 518 ليكَ. وكما نعلم فإنّ الليكَ الواحد يعادل ثلاثة أميال إنكليزية([746]) فعلى هذا يكون ما قطعه البيروني في سفره من كاث إلى الري يعادل 960 ميلاً (للذهاب فقط) ومجموع المسافة ذهاباً وإياباً 1920 ميلاً. ولم يذكر البيروني الوقت الذي استغرقته رحلته تلك، ولكن يمكن تقدير هذا الوقت من خلال الحساب الزمني لقطع ليكَ واحد، حيث يبدو أنّ المسافة التي يمكن قطعها كحد متوسط هي ستة ليكَ، وعلى هذا الأساس يكون البيروني قد أمضى مدّة ثلاثة وأربعين يوماً في الذهاب فقط([747]).
وليس لدينا اطلاع دقيق وصحيح عن وسائل الحمل والنقل في زمن البيروني، ولكن يغلب على الظن أنّهم كانوا يستعملون الحيوانات التي لها القابلية على تحمّل المشاق، حيث يكتب ابن بطوطة ـ الذي سافر إلى نفس المناطق بعد البيروني، فيما بين عام 1325 و1354م ـ عن ذلك بقوله:
«استأجرت بعيراً بدلاً عن الحصان، لأغراض النقل والحمل، إذ لا يمكن إنجاز هذه الأعمال في المناطق الصحراوية إلا ّ بواسطة الإبل بسبب صعوبة الحصول على علف. ويحاول المسافرين قطع هذه الطريق بأقصى ما يمكنهم من سرعة، بسبب قلّة الماء والعلف، إذ كثيراً ما تموت بعض الإبل أثناء السفر لنفس هذه الأسباب. والحصول على الماء في المناطق الصحراوية يستلزم الكثير من الجهد والصعوبات، ولذلك ينبغي الاحتياط، والاستعداد لذلك بحفظ الماء بمختلف الطرق، ويستعين المسافرون بالآبار القليلة العمق، المعروفة الأماكن أو بالأحواض الصغيرة التي تتجمع فيها مياه الأمطار في الحصول على الماء»([748]).
بدأ البيروني بأكبر وأوّل الأعمال في مواضيع: مبدأ التواريخ، بحث التقاويم، الرياضيات، النجوم، الهيئة وغيرها من المواضيع الأخرى، وأسماها «الآثار البقاية عن القرون الخالية» ويحتمل أن يكون قد قدم عمله هذا إلى السلطان شمس المعالي أبو الحسن قابوس بن وشمگير الزياري في عام 390هـ.
وقد مكث البيروني في جرجان في بلاط السلطان قابوس بن وشمگير في السنين التالية: 366هـ (976م) و371هـ (981م) و389هـ (998م) 403هـ (1012م).
وبعد عودته من جرجان، التي يحتمل أن تكون بين عامي 1003م و1004م، استقبل بحرارة في مسقط رأسه من قبل الأمير أبي الحسن علي بن مأمون، وظلّ سبع سنوات برفقة أخي هذا الأمير، «أبي العباس مأمون بن مأمون خوارزمشاه»([749]) وأنيطت به عدّة مهام سياسية وإدارية.
وقوع البيروني في الأسر:
قام السلطان محمود الغزنوي في ربيع عام 408هـ (1017م) بفتح خوارزم، ثمّ نصب أحد أمرائه حاكماً للولاية وعاد إلى غزنة بغنائم كثيرة وجيش جرار، وأخذ معه عدداً من أمراء عائلة المأمون المخلوعة، وعدداً من الشخصيات كأسرى حرب، وكان البيروني من بين هؤلاء الأسرى([750]).
ولا نعرف إلى الآن كيفية وصوله إلى غزنة، وكذلك ليس هناك أي دليل على كون البيروني قد اشتغل في خدمة ملوك غزنة أو أنّه كان أحد وزراء هذه الولاية.
ونحن لا نعرف أيضاً الطريق التي سلكها السلطان محمود بغنائمه الحربية إلى غزنة، ولكنّا نستنبط ذلك من الأحداث المعاصرة لذلك الوقت. ويكون خط المسير الاحتمالي للاسرى والغنائم التي حملها السلطان محمود الغزنوي كالآتي:
من أورگنج إلى مرو:
من أورگنج إلى نزوار ـ 6 ليكَ ومنها إلى أندرآبيان 2 ليك ومنها إلى آردا خوش ميشان ـ 5 ليك ومنها إلى ده أزرق 7 ليكَ ومنها إلى هزاراسب 9 ليك ومنها إلى سادور 10 ليك ومنها إلى دهان شير 4 ليكَ ومنها إلى دارقان 5 ليك ومنها إلى جاكا ربند 7 ليك ومنها إلى رباط بوزنيه 9 ليكَ ومنها إلى رباط طهري (طهيرية) 5 ليكَ ومنها إلى زاغ آباد 6 ليك. ومنها إلى نوشاگرو 7 ليك ومنها إلى جاه هراوان 7 ليك ومنها إلى جاه صاحبي 7 ليك ومنها إلى جان خاك 7 ليك ومنها إلى راط سوران 5 ليك ومنها إلى قرية آبدان گنج 8 ليك ومنها إلى قرية سقري 2 ليك ومنها إلى قرية مرو 5 ليك.
ويصبح مجموع المسافة بين أورگنجج ومرو 124 ليكَ.
وأما الفاصلة بين مرو وهرات فهي كالآتي:
من مرو إلى فاز 7 ليك ومن فاز إلى مهدي آباد 6 ليك، ومن مهدي آباد إلى يحيى آباد 7 ليك ومن يحيى آباد إلى كريميان 5 ليك ومن كريميان إلى أسد آباد 7 ليك ومن أسد آباد إلى خوارات 5 ليك ومن خوارات إلى قصر الأحنف بن قيس 4 ليك ومن قصر الأحنف بن قيس إلى مرو أرود 5 ليك ومن مرو أرود إلى لوس رود 4 ليك ومن لوس رود إلى باغ شور 5 ليك ومن باغ شور إلى غزار دره 8 ليك ومن غزار دره إلى تون 5 ليك ومن تون إلى بادقيز إلى سكَ آباد 5 ليك ومن سكَ آباد إلى هرات 5 ليك.
فيصبح مجموع المسافة ما بين مرو وهرات 84 ليك([751]).
من هرات إلى غزنين:
ليس لدينا إطلاع دقيق عن فواصل المنازل الواقعة في هذه المنطقة إذ لم يتعرض أحد لذكرها سواء من السابقين للبيروني أو المعاصرين له.
ويبدو أنّ البيروني قد قطع في مسيرة أسره 80 منزلة (ما يقارب 1438 ميلاً) من أورگنج إلى هرات ومن هرات إلى غزنة ويكون معدل ما كان يقطعه في كل يوم 18 ميلاً.
وكانت جميع المناطق التي سلكها البيروني في رحلته تلك خاضعة للسلطان محمود، ومن المناطق الهامة التي تقع على طريقهم هي: خيوه، هزار أسب، داقان، طاهرية، آمل، مرو، مزورود، هرات، فرح جوواين، زرنج، وكانت بعض هذه المناطق آنذاك مراكز للحكم ومناطق ذات أهيمة كبيرة.
ويجدر بنا أن نذكر بعض الأحداث المعاصرة للبيروني، فعلى سبيل المثال يذكر البيروني أنّه سمع أصواتاً تحدثها بعض التلال الرملية، أثناء عبوره من تلك المناطق، فبالقرب من (كهان) يوجد تل رملي كبير نسبياً في وسط الطريق بين (پل فرح) و(جوواين)، ويعكس هذا التل الأصوات بشكل عجيب بحيث استرعى انتباه البيروني، فهذا التل يحدث صوتاً كصوت جلجلة الحروب المرعبة في حال سقوط ماء أو شيء آخر عليه.
- () البربر اسم أطلقه اليونان ثمّ الرومان على جميع الشعوب سواهم وتسمية سكان المغرب بالبربر تسمية قديمة عرفها اليونان والرومان والساميون كما عرفها العرب.ولا يعرف البربر أنفسهم هذا الاسم الذي أطلق عليهم ولا يوجد في لغتهم وإنّما يطلقون على بلادهم بلاد امازيغ أي الوطن الحر وعلى أنفسهم ايمازيغن أي الرجال الأحرار. والبربر يستقرون منذ أقدم العصور بالضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط من برقة إلى المحيط الأطلسي. واتفق علماء النسب على أنّ البربر يجمعهم جذمان عظيمان وهما البرانس والبتر.
فأمّا البرانس فأشهر قبائلهم:
أَوَرْبَة ـ ومسطاسة ـ وهوارة ـ وكتامة ـ وزرواوة ـ ومصمودة ـ وبرغواطة ـ وحاجة ـ ودكالة ـ ورجراجة ـ وگدميوة ـ وگلاوة ـ وكنفيسة ـ وغمارة ـ وهرغة ـ وهزرجة ـ وهزميرة ـ و هنتاتة ـ وهيلانة ـ ووريكة ـ ووزگيتة ـ وجزولة ـ ولمطة ـ وتارگة ـ وزناگة ـ و لمتونة ومسوفة وهسكورة إلخ.
ومن أشهر قبائل البتر:
لواتة وسدراتة وگومية ومديونة ومطماطة ومطغرة ومغيلة وزناتة وزواغة ومكناسة.
وتنتشر القبائل البربرية في كلّ من المغرب والجزائر وتونس وليبيا والصحراء الكبرى من المحيط إلى النيل. ومنهم بقايا بمصر بواحة سيوه وبالسودان وجزر البحر الأبيض المتوسط كجزر قرقنة وجرية ومالطة وسردينيا والجزر الخالدات وجزر أسور. ↑
- () ابن خلدون: تاريخ الدول الإسلامية 1، 106 ط دوسلان، 6، 175ـ176 ط: بيروت وفي مواطن كثيرة من الجزأين 6، 7 من كتاب العبر، مفاخر البربر المجهول 1 وما بعدها ابن حزم: جمهرة أنساب العرب 461:Encyclopedie de l’Islam. (Art Berbites) T.1 p 716 qq. ↑
- () ابن خلدون المصدر السابق 1، 7، 1، السلاوي: الاستقصاء 1، 35 ابن منصور قبائل المغرب 1،26. ↑
- () Christian Coutois: Les Vendales et l’Afrique p.119 n4. Tbid. P. 120. . ↑
- () فازيليف: العرب والروم، ترجمة شعيرة. دار الفكر 1934م. ↑
- () هيرودوت: تاريخ 11 هامش 2 من الكتاب الأوّل وعنوانه «كيلو» ترجمة عربية بعناية حبيب ستريس بيروت 1886م، أرسطو: السياسات 6 هامش 2، 7، 8 وغيرها ترجمة عربية بعناية أوغسطيس بربارة بيروت 1957. ↑
- () أمين واصف: الفهرست والخريطة التاريخية للممالك الإسلامية 16ـ17 ويرادف كلمة عجم عند العرب كلمة علوج. ↑
- () ابن خلدون: المصدر السابق 1، 111 ط دوسلان، ابن منصور: المرجع السابق 1، 268. ↑
- () يلاحظ جوتيه، أنّ من بين بقايا الجيتوليين في الواحات المغربية والجزائرية مجموعة الحارطان المزارعين، ثمّ بعض سكان مرتفعات التبستي (التبو وهم من الزنوج ويعرفون قديماً باسم (Melano Getules) انظر الصحراء 189، ترجمة عربية، سلسلة (1000 كتاب) رقم 117. ↑
- () الزياني: الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور براً وبحراً 144، نشرا الفيلالي ـ الرباط 1967 وعن أبي القاسم الزياني المؤرخ انظر: ليفي بروفنسال في: El, Art Zayani T 4p. 1269-70) ). ↑
- () ابن خلدون: المصدر السابق 1، 110. ↑
- () نفسه 1، 112، مفاخر (المجهول) 1.ابن العبري: تاريخ مختصر الدول 35ـ48: de l’Afrique du Nord. P. 41-42. GAUTIER Le Pass E.F. (نقلاً عن بروكوبيوس). ↑
- () ابن خلدون العبر 2، 11 ط بيروت، ابن منصور المرجع السابق 1، 226، ابن حزم المصدر السابق 461، نور الدين عبد القادر، صفحات في تاريخ مدينة الجزائر 34، الطبري: تاريخ الأمم والملوك 1، 97، 102. ↑
- () نفسه 11، 21 وهنا يبدو واضحاً اعتماد ابن خلدون على جدول الأنساب المذكور ونراه ينفي فكرة التحريف ويحملها على التأويل أو التبديل في الكلمات غفلة وقلة ضبط وجهلاً، وعلى حين يذكر من أبناء سام فارساً يحكي الاتفاق على بنوة كنعان لحام ويؤكد كنعانية البربر وهجرتهم ثمّ يستدرك فينسبهم لمازيغ ـ ابن منصور المرجع السابق 1، 256، نقلاً عن تاريخ اللغات السامية لبروكلمان، عبد الوهاب حموده: نظرية الأنساب في الميزان ص123ـ124 مقال مجلة كلية الآداب ـ جامعة القاهرة 1952. ↑
- () نفسه: 1، 110ـ111 ط. دوسلان سعد زغلول تاريخ المغرب 24 هامش 1 حيث يذكر افتراضاً آخر عن سبب تسمية البربر، ابن منصور 1، 266. ↑
- () أمين واصف المرجع السابق 16ـ17 سعيد عاشور: تاريخ أوروبا العصور الوسطى 1، 65ـ66، 89ـ90. ↑
- () سعد زغلول عبد الحميد: المرجع السابق 21ـ22. سعيد عاشور: المرجع السابق 1، 47 وما بعدها. ↑
- () الطبري: المصدر السابق 1، 106 وهنا ينسبهم إلى حام وفي مكان آخر ص105 يرجعهم إلى العاصمة، وهم من سام. ابن خلدون المصدر السابق 1، 115ـ117 ابن حزم المصدر السابق 461، ابن حوقل: صورة الأرض 97، اليعقوبي البلدان 1097 أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر 1، 97، ابن منصور المرجع السابق 1، 266 وما بعدها سعد زغلول، عبد الحميد: المرجع لاسابق 28، وقد لاحظ هذا المؤرخ أنّ الهجرة من بلاد الشام تعبّر فيما يبدو عن هجرة الفينيقيين إلى شمال إفريقية وهذه ثابتة تاريخياً، أبو حيان: المصدر السابق: ورقات 110، 111، 160، 167 وانظر عبد الحميد بن اشنهو في النصوص التي اختارها من ليو الإفريقي بعنوان: A l’Algerie en 1975, P. 98-90. BENNACHENOU. ↑
- () شارل اندريه جوليان: تاريخ شمال إفريقية 1، 67ـ68 ترجمة عربية بعناية محمد مزالي وابن سلامة تونس 1969. ↑
- () دوزي: تاريخ مسلمي إسبانيا 1، 140ـ141 انظر هامش 6 الذي يوضح تشابه العرب والبربر في الطباع وقد ترجم الكتاب حسن حبشي، ماجد: التاريخ السياسي للدولة العربية 1، 266، ابن منصور المرجع السابق 1، 267ـ268 شارل جوليان: المرجع السابق 1، 166 وما بعدها: حليمي عبد القادر جغرافية الجزائر 123 وما بعدها: E. F. GAUTIER, Le Pass de l’Afrique de Nord P. 41-42. A. LAROUI: L’histoire de Maghreb P. 21, S99 ↑
- () ابن خلدون، المصدر السابق، 2، 8 (ط دوسلان) يرى جوتيه أنّ ظهور زناتة مرتبط بظهور الجمل في الصحراء، وزناتة هم سكان الواحات ويرى أنّهم كانوا متأثرين باليهودية: الصحراء 123ـ124. ↑
- () نفسه: 1، 131. ↑
- () نفسه: 1، 117، مفاخر البربر (لمجهول) 68 وهنا يذكر صاحب المفاخر أنّ مازيغ اسم بلدة داخلية في منطقة الأطلس المتوسط ومثلها ايمازيغن لكنّها تقع على الساحل، سعد زغلول: المرجع السابق 26. ↑
- () نفسه: ↑
- () ابن خلدون: المصدر السابق 1، 127. حسن محمود: قيام دولة المرابطين 37. ↑
- () ابن منصور: المرجع السابق 1، 260، 279. ↑
- () تاريخ تونس. ↑
- () تبدو البربرية في تونس في كلّ من: تماغورت وسنيد ومطماطة وما جاورها من قرى، وفي قسم كبير من جزيرة جربة. ↑
- () وجدت هجرات بربرية إلى الأندلس، وكان الصنهاجيون بين من هاجر، وقد حافظوا في الأندلس أيام الدولة الأموية على تشيعهم وتمسكوا به، وبلغ نفوذهم، أن كانت لا تطبق عليهم أحكام المذاهب السنية في أيام عبد الرحمن بن المنصور المعروف بشنجول، كما فرض عبد الرحمن هذا على أهل دولته من الأندلسيين أن يتزيوا زي البربر الصنهاجيين (ابن عذاري: البيان المغرب 3/48). ↑
- () أطلق هذا الاسم على مجموعة من القبائل القاطنة بالأطلس الكبير في عصر الموحدين بين جبل كيك وتينمل. واندثر هذا الاسم منذ عصر السعديين.وكان لرجال هذه القبائل دور هام في الحروب التي خاضها الموحدون على خصومهم. وإليها ينتسب أنصار المهدي بن تومرت وكبيرهم أبو حفص الهنتاني جدّ الملوك الحفصيين بتونس.
وإلى هذه القبيلة الأطلسية التجأ أبو الحسن المريني بعد عودته من تونس عند زعيمها الأمير عبد العزيز الهنتاني إلى أن توفي بها سنة 752هـ. ↑
- () في عهد أبي زكريا بن أبي حفص بلغت الدولة الحفصية درجة من القوّة يحسب حسابها. وفي سنة 633هـ (1226م).استولى فرناندو ملك قشتالة على قرطبة في الأندلس. وكان خايمي الأوّل ملك أراغون يهزم سنة 634هـ قوى زيان أمير بلنسية في معركة أنيشه الحاسمة في مقربة من بلنسية ويحاصر بلنسية في شهر رمضان سنة 635 (نيسان 1238م)، فوجّه الأمير زيان وزيره وكاتبه ابن الأبار الى أبي زكريا الحفصي في تونس يستنجده لإنقاذ الأندلس. فألقى ابن الابار قصيدته السينية الرائعة بين يدي أبي زكريا في حفل مشهود. ↑
- () ممّا يذكر للحفصيين قوّتهم البحرية، لم يقل اهتمام الدولة الحفصية عن اهتمام الدولة الموحدية بالأسطول، فكان لمدينة المهدية أثر كبير في تقوية هذا الأسطول وتنميته، تلك المدينة البحرية التي مارست بحسن موقعها النشاط البحري منذ زمن الفاطميين.واستخدم الأمراء الحفصيون فرقاً بحرية خاصّة في أسطولهم الحربي تُستدعى حين اللزوم، وكان أبرز قواد هذا الأسطول زيد بن فرحون الذي ذاع صيته حتّى استعان به السلطان أبو الحسن المريني في إحدى المعارك الحربية مع الجيش الفرنجي في أثناء الأخذ بثأر ابنه (أبي مالك) المقتول بأيد فرنجية عندما كان والياً من قبل أبيه على أحد الثغور الأندلسية، فطلب الأمير المذكور من صهره السلطان أبي بكر الحفصي أن يمدّه بأسطوله. فاستجاب الأخير لطلبه، وفعلاً وصل الأسطول التونسي بقيادة القائد زيد بن فرحون إلى جبل طارق، وانضمّ إلى الأسطول المريني في حربه ضد الأسطول الفرنجي.
ومن قواده أيضاً رضوان الذي كانت له صولات وجولات مع العدو، والذي كلفه السلطان أبو فارس عبد العزيز بفتح جزيرة مالطة وأمره أن لا يتجاوز في حربه لها ثلاثة أيام فإن لم يستطع فتحها رحل عنها.
أمّا مراكز الأسطول: فكان له عدّة مراكز بالمغرب الأوسط علاوة على مراكزه بالمغرب الأدنى، من هذه المراكز، عناية، بجاية وغيرهما من المراكز الأخرى، وله عدّة قطع تختلف أسماؤها باختلاف أشكالها وأحجامها، من هذه القطع، قطع تسمّى بالحراريق يركبها الشجعان من الرماة والرؤساء المهرة، يقاتلون العدو على ظهرها، وغالباً ما كان يحالفهم النصر في معاركهم مع العدو، أمّا الأسطول التجاري: فلم يقل أهمية عن الأسطول الحربي بسبب موانئه المفتوحة مع اوروبا مثل المهدية وبجاية وعناية وغيرهما من الموانىء الأخرى التي كان لها الأثر الأكبر في ازدهار الاقتصاد في الدولة وبتخصيص وزارة خاصّة به سمّيت (بديوان البحر)، التي امتازت بكثرة ريعها، فعينوا لها وزيراً خاصاً بها سمّي بوزير البحر، من هؤلاء الوزراء ابن تافراجين، الذي جمع مالاً وفيراً من جباية السفن (121)، ولكنّهم فيما بعد فقدوا قوّة هذا الأسطول، وذلك لعدم اهتمامهم به وبالقائمين على شؤونه، وبخاصة من الأسر الأندلسية التي كان لها الخبرة أكثر من غيرها بحكم ممارستها لهذه المهنة من قبل (122).
ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ الاسم الشيعي لقائد الأسطول الحفصي (زيد). ↑
- () هو أبو فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالي وُلِد بفشتالة سنة 957هـ وتوفي سنة 1032هـ اتصل بالمنصور السعدي فولاه رئاسة الإنشاء في بلاطه. له كتاب (مناهل الصفا) في تاريخ السعديين، و(مدد الجيش) الذي ذيّل به (جيش التوشيح) لابن الخطيب. ↑
- () هو أبو عبدالله محمد بن علي الهوزالي شاعر السعديين في عهد المنصور. نشأ في كنف الدولة السعدية وكانت له مشاركة في الآداب والفنون متضلعاً في اللغة، بصيراً بنقد الكلام، وكانت له مكانة في الفتوى والقضاء الذي تولاه في صدر حياته بـ (بسكتانة) وتوفي في أوائل القرن الحادي عشر. ↑
- () لُقِب بالذهبي لأنّه كان له أربع عشرة مطرقة لسك النقود. ويقول عنه كتاب (الأدب المغربي) إنّه كان عالماً إلى درجة الاجتهاد، كما كان أديباً شاعراً. ↑
- () مالك بن المرحل السبتي المولود سنة 604هـ بسبتة والمتوفى سنة 699هـ بفاس (1207ـ1299م) تعاطى صناعة التوثيق في بلدته وتقرّب كثيراً من يعقوب المنصور وخصّه بمدحه، وكان إلى ذلك عالماً. ↑
- () هو محمد بن عبدالله بن سعيد السلماني، الغرناطي الأندلسي الشهير بلسان الدين ابن الخطيب: وزير مؤرخ أديب. انتهت حياته خنقاً في السجن وبعد دفنه يوماً أخرج شلوه فأحرق.وممّا قاله وهو في السجن متوقعاً الموت، من قصيدة:
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب
وفات فمن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم له
فقل يفرح اليوم من لا يموت
بلغت مؤلفاته ستين كتاباً منها: الإحاطة في تاريخ غرناطة وكان مقتله سنة 776هـ (1374م). ↑
- () هو عبد العزيز الملزوزي المكناسي المتوفى سنة 697هـ وهو شاعر الدولة المرينية على عهد يعقوب المنصور وولي عهده، وفي بني مرين يقول:هنيئاً يا مرين لقد علوتم
بني الأملاك بأساً وانتجابا ↑
- () قال جورج الراسي في كتابه (الإسلام الجزائري) ص25 معتمداً على دراسة للدكتور محمد بن عبدالكريم الجزائري المنشورة في جريدة الشعب الجزائرية بتاريخ 26 آذار سنة 1989:ظهرت في الجزائر في الأعوام الأخيرة دراسات عديدة تؤكد عمق الروابط بين اللغتين العربية والبربرية. وجاء في بعض هذه الدراسات أنّ ثلث مفردات اللغة البربرية عربية الأصل. وليس فيها مرادف للعديد من المفردات العربية التي دخلتها والتي لا يمكن تعويضها باللغة البربرية. فأيام الأسبوع مثلاً في البربرية عربية في مبناها ومعناها كذلك الأرقام. وهناك حروف في اللغة البربرية لا وجود لها إلاّ في اللغة العربية. ثمّ لا نكاد نجد حرفاً في هذه يعسر النطق به في تلك، مثل حروف الضاد والعين والغين والطاء.
وتجدر الإشارة إلى أنّ لغة الطوارق التي عدّها البعض أقل اللهجات البربرية تأثّراً بالعربية، وجدت بها أصول سامية فينيقية ترجع إلى أكثر من مئتي سنة ق.م. أي قبل دخول العرب إلى المغرب بثمانية قرون.
الطوارق كانوا يستعملون الحروف المعروفة بالليبية أو اللوبية في الأقاليم الشمالية. وتسمّى هذه الحروف عندهم (تيفيناغ) أي الحروف المنزلة. ولم تزد على أربعة عشر حرفاً، وقد بطل استعمالها بعد الفتح العربي ولم يبق منها سوى أثر قليل.
أمّا اللغة البربرية فقد ظلّت إلى حد كبير تراثاً شفهياً، ولم تبدأ محاولات تدوينها وإعطائها قواعد ثابتة إلاّ في وقت حديث نسبياً، (محاولات مولود معمري). كما أنّ هناك نزعة لنقلها مباشرة إلى أحرف لاتينية. وبالمقابل فهناك محاولات تاريخية عديدة لكتابة البربرية بالحروف العربية. على أي حال، إنّ الذين يتكلمون البربرية بلهجاتها المتعددة يتوزعون قبلياً وجهوياً ولغوياً على النحو الآتي:
1 ـ الشاوية، ويسكنون في شرق الجزائر بين باتنة وعنابة.
2 ـ القبائليون، ويسودون في مناطق القبائل الكبرى والصغرى.
3 ـ النمامشة، ويتمركزون في تبسة.
4 ـ السيزاريون، ويتمركزون في تبازة.
5 ـ الإباضيون أو الميزابيون، ويتجمعون في غرداية بالجنوب.
6 ـ الندرامة، وينتشرون في تلمسان.
7 ـ الحراكتة، ومركزهم في أم البواقي.
8 ـ البجاويون، وهم الذين يسكنون بجاية وتحمل اسمهم.
ويجمع الباحثون على أنّ لكلّ من هذه الجماعات البربرية لهجة خاصة بها مختلفة عن الأخريات بحيث يتعذر تماماً الاتفاق على لهجة موحدة بين الجميع.
عاشت مدينة تيزي راشد (منطقة القبائل الكبرى) أخيراً فعاليات المهرجان الوطني للمسرح الناطق بالأمازيغية وشاركت فيه مجموعة من الفرق المسرحية (الهاوية في أغلبها). جاءت من مختلف جهات الجزائر التي تتواجد فيها الأقليات البربرية، ذات اللهجات المتعددة (قبائلية، شاوية، تارقية، ميزابية وشنوية).
والأمازيغية (في مختلف لهجاتها) يتحدّث بها ما يقارب 25 في المئة من سكان الجزائر، يتمركز معظمهم في جبال جرجرة وشنوة في الوسط الجزائري وجبل الأوراس في أقصى الشرق الجزائري ووادي ميزاب والطاسيلي في الجنوب الصحراوي. ↑
- () توجد في الصحراء الغربية في مصر منطقة يتخاطب أبناؤها بلغة بربرية خاصة، وتضم هذه المنطقة التي يقرب عدد سكانها من الثمانية آلاف نسمة واحة سيوة وتوابعها بمحافظة مطروح. وقد أثبت العلامة (منيتولي) وهو أوّل من عنوا بدراسة اللغة السيوية أنّ هناك صلة وثيقة بينها و بين لغة الطوراق.وأكد الأصل البربري للغة السيوية أيضاً كثير من العلماء الآخرين أمثال: (رودلفس) و(شتايندورف) و(استانلي) و(هورتمان) و(هانوتو) و(شتومة) و(باسية).
وقد قسّم العلاّمة (ووكر) اللهجات البربرية المستعملة في شمالي إفريقيا إلى ثماني لهجات أو (لغات) وجعل (السيوية) إحداها.
ومن أهم الدراسات العربية عن اللغة السيوية، تلك التي ضمنها المهندس الزراعي المصري: عبداللطيف واكد، كتابه عن واحة سيوة المسمّى بـ (واحة آمون). وقد ذكر بضع مئات من الألفاظ البربرية التي تضمنتها تلك اللغة.
وإذا كانت هذه المنطقة تعدّ معقل اللغة البربرية في مصر، فإنّ كثيراً من ألفاظ هذه اللغة قد تسرب إلى لهجات المناطق المجاورة.
فمن الألفاظ البربرية الأصل التي تستخدم في لهجة أبناء محافظة الإسكندرية مثلاً:
ذكرونة: وهي السلحفاة.
حلوف: وهو الخنزير.
كرموز: وهو التين.
وتطلق هذه الكلمة الأخيرة على حي من أعرق أحياء الإسكندرية، وعلى عائلة من أقدم عائلاتها.
واسم سيوة عرف منذ قديم الزمان باسم «بنتا» وهو أوّل اسم لها وجد على جدران معبد أدفو. وأطلق عليها و احة آمون نسبة إلى معبد آمون القديم الموجود بها وأثناء العصر البطلمي أطلق عليها واحة «جوبيتر» على اسم أحد آلهة الروسان، أمّا في العصور الوسطى فأطلق عليها اسم «سانتاريه» كما سمّوها بعد ذلك الواحة الأقصى. ومنذ القرن السابع عشر عرفت باسم سيوة حتّى الآن.
وتعتبر سيوة من عجائب الواحات منذ التاريخ القديم إذ كانت مركزاً مهماً لتنبؤات آمون، الإله الرئيسي لطيبة ومصر كلّها في عصر الدولة الحديثة. كما كان معبد الوحي أهم أحد مراكز التنبؤات الثلاثة المهمة في العالم القديم. واشتهر المعبد داخل مصر وخارجها ما جعل الإسكندر الأكبر، يحرص على زيارته ليحظى بالمثول «داخل قدس أقداسه ويطلب رضاه ومشورته». كما تضم سيوة أيضاً مناطق أثرية أخرى منها قاعة تتويج الإسكندر الأكبر ومعبد أم عبيدة وجبل الموتى.
وتلعب العادات والتقاليد دوراً في تنشيط الحركة السياحية في واحة سيوة لا سيما ما يتعلق منها بالأفراح والمناسبات السعيدة عندهم.
وهناك أيضا عيد الصفاء إذ يخرج جميع الأهالي ويساهمون في كلفة الطعام وينتهي الاحتفال بالأدعية والابتهالات الدينية لله ليشمل الواحة وأهلها بالرعاية والوئام.
وتتعدّد مناطق الإقامة في الواحة. وتطورت الصناعة الأيوائية فيها ما جعلها تضم فنادق كثيرة أهمها «فندق كليوباترا». ↑
- () نفوسة جبل يقع في الناحية الجنوبية الشرقية من إفريقيا، وهو الآن في ليبيا، وفيه قُرى كثيرة عامرة. ↑
- () = [لم يوثق أو يعلق بأي شيء]. ↑
- () تاريخ الأمم والملوك. مطبعة الاستقامة ج3، ص113. ↑
- () كتاب الخراج لأبي يوسف المطبعة السلفية ص87. ↑
- () معجم البلدان م ـ1ـ مادة برس. ↑
- () عمدة الطالب ط الهند ص60. ↑
- () البابليات ج1 ص118 والذرية إلى مصنفات الشيعة ج1. ↑
- () وادي الفرات ومشروع سدة الهندية ج2. ↑
- () التاجية: نهر قديم كانت تعول عليه مدينة الكوفة في الإرواء وهو اليوم من الأنهر المندرسة. ↑
- () اليتيمة الغروية والتحفة النجفية للسيد حسون البراقي ـ مخطوط. ↑
- () تحفة العالم في شرح خطبة المعالم للسيد جعفر آل بحر العلوم ج1 ص296. ↑
- () المقصود بنهر النجف هنا المعروف اليوم باسم نهر المكربة المتفرع من فراغ الحلة وهذا النهر كما يحدّثنا التاريخ أمر بحفره الشاه إسماعيل الأوّل الصفوي سنة 914هـ ـ 1508م لغرض إيصال الماء إلى مدينة النجف وعرف في وقت باسم نهر الشاه، ثم طم مجراه، فسعى في كريه وتطهيره الشاه عباس الأوّل الصفوي سنة 1032هـ ـ 1622م فسمّي من أجل ذلك باسم نهر المكرية وهو لا يزال من الأنهر العامرة. ↑
- () هو النهر المعروف اليوم باسم نهر الطهمازية تصحيف الهطماسية. ↑
- () الرماحية بلدة مندرسة كانت مركز لواء مسمّى باسمها، وترى أطلالها وبقايا سورها اليوم غربي الديوانية على طريق الشامية ـ الشنافية. أمّا الجوازر فاسم يطلق على منطقة واسعة تبدأ حدودها من شرقي عفك وتنتهي بشط الغراف، وكان الجوازر في ديار ربيعة وفيها مركز أمرائها قبل أن ينتقلوا إلى أنحاء الكوت. ↑
- () زوطر، والمالكية، والبابلية، وعدلون، والكوثرية، والقاقعية: أسماء قُرى في جبل عامل، جرتها القافية ـ كما يقول المثل ـ إلى هذه القصيدة. ↑
- () هو السيد علي الأمين جد السيد محمد والسيد علي. ↑
- () راجع معجم البلدان ج2 ص153، ومراصد الاطلاع ج1 ص188 من طبعة دار إحياء الكتب العربية. ↑
- () أولجايتو أو خدابنده بن أرغون خان بن آباقا خان بن هولاكو. دام حكمه 13 سنة من 703ـ716هـ ـ 1303ـ1316م. ↑
- () نزهة القلوب لحمد الله المستوفي القزويني. ↑
- () عرف عند العرب أيضاً بكتاب البرهان. ↑
- () الفهرست ص348. ↑
- () وربّما انتفع بهذه الترجمة أيضاً الفارابي الذي حكى عن نفسه كما يقول صاحب طبقات الأطباء (ج1 ص135) إنّه تعلم من يوحنا بن حيلان إلى آخر كتاب البرهان، فربّما فهم من هذا أنّه قرأ معه كتاب البرهان في ترجمة عربية لا يحتمل أن تكون ترجمة أبي بشر. ↑
- () يقول القفطي ص36: ولأبي يحيى المروزي الذي قرأ عليه متى كلام فيه والظاهر أنّه سرياني. ↑
- () الأسكوريال رقم 612. ↑
- () كتاب البرهان مخطوطة المتحف البريطاني و1107. ↑
- () نفس المرجع و117ب. ↑
- () انظر ترجمة أبي بشر ـ منطق أرسطو ج2 ص340 وقارن برهان ابن سينا و96ب. ↑
- () الفهرست ط مصر ص 367 والعفطي بالكسر الألكن. ↑
- () انظر الإشارات في النمط الرابع في الوجود وعلله. ↑
- () الوساطة ص31 طبعة الحلبي. ↑
- () معجم البلدان. ↑
- () أوّل مدينة إسلامية في العراق هي مدينة البصرة التي تأسّست سنة 14هـ/635م.وقد مرّت على البصرة فترات ركود وتدهور، غير أنّها استعادت بعض صحتها خلال القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من هذا القرن وأصبحت ثغر العراق وميناءه الاقتصادي الأوّل، حيث تطوّرت فيها الزراعة والتجارة والملاحة وازدهرت الحركة الفكرية والاجتماعية فيها، غير أنّ أهميتها الاقتصادية والسياسية أخذت بالتدهور منذ بداية السبعينات من هذا القرن بعد أن حوّلت طرق التجارة والمواصلات، التي ارتبطت بخط سكك حديد «بصرة ـ بغداد ـ برلين» الذي يربط بصورة خاصة، بين العراق من جهة وتركيا وسوريا من جهة ثانية، إلى تركيا والأردن وعن طريق المواصلات البرية، وبذلك أهملت سياسياً واجتماعياً ولم تبذل في سبيل تطويرها أيّة جهود تذكر.
سُمّيت بـ «الرعناء» لاضطراب مناخها وهوائها، وبعد أن عدّد لنا الجاحظ الأعجوبات الثلاث التي تنفرد بها البصرة ذكر بعضاً من عيوبها فقال: «من عيوب البصرة، اختلاف أهوائها في يوم واحد لأنّهم يلبسون القُمص مرّةً والمبطان مرّةً لاختلاف جواهر الساعات».
وصف لنا «ابن لنك» هذا الطقس المتقلّب:
«نحن بالبصرة في لو
ن من العيش ظريف
نحنُ ما هبّتْ شمالٌ
بين جنّات وريف
فإذا هبّتْ جنوبٌ
فكأنّا في كنيف!» ↑
- () معجم البلدان: ج3، ص426. ↑
- () الطبري: ج4، ص150ـ151. ↑
- () لعله أراد القضة وهو صغار الحصى ليستقيم المعنى. ↑
- () فتوح البلدان للبلاذري، ص346، من طبعة ليدن. ↑
- () ياقوت الحموي: ج3، ص196. ↑
- () إبن الأثير: ج2، ص204. ↑
- () البلاذري ص347 من الطبعة الأوروبية. ↑
- () شرح مقامات الحريري للشريشي ص295 من الطبعة المصرية لسنة 1314هـ. ↑
- () تاج العروس في مادة بصر ج3، ص48 من الطبعة المصرية. ↑
- () معجم البلدان: ج2، ص196. ↑
- () ابن الأثير: ج7، ص68. ↑
- () رحلة ابن بطوطة: ج1، ص115ـ116. ↑
- () اطلب أخبار أفراسياب في رسالة زاد المسافر ومهنة المقيم والحاضر. ↑
- () دائرة المعارف الإسلامية ص671، ج3. ↑
- () الفهرست لأمين واصف بك ص27. ↑
- () ذاد: منع، طرد. السجام: السائلة. ↑
- () الهنات ج هنة، وهي كتابة عن كلّ اسم جنس، ومعناها الشيء. ↑
- () يعني بالغرام: اللوعة والحرقة. ↑
- () الفرضة من البحر محط السفن. ↑
- () المستضام: الذي ألحق به الضيم والظلم. ↑
- () الاصطلام: الاستئصال. ↑
- () حق: صار أمراً لا شك فيه. ↑
- () يعلى بصارم: أي يرتفع فوقه السيف ليقتل. الصمصام: السيف. الصارم: القاطع. ↑
- () شبا السيف: حدّه. ↑
- () المساق من الفعل «ساق» أي دفعة أمامه إلى السير، يريد سوق الزنوج لهن سبايا. ↑
- () الماسم ج مسم وهو المكان الذي تسم فيه الغنائم. السهام: ج سهم، وهو النصيب. ↑
- () الإرغام: المذلة. ↑
- () محالف الإعدام: حليف الفقر. ↑
- () عرجا: ميلا. المدنف: المشرف على الهلاك؛ الشديد المرض. ↑
- () الفلك: السفن، وواحدها فلك أيضاً؛ وفلك إليها أي آتية إليها. المنشآت: السفن المشرعة القلوع. الأعلام: ج علم، وهو الجبل. ↑
- () الركام: بقايا المنزل المتهدم، وفي البيت إشارة إلى إحراق المدينة وهدمها. ↑
- () البث: تفجير مياه النهر بكسر الضفة. تداعت: تساقطت. ↑
- () الحلول: الذين حلوا في المكان أي نزلوا فيه، والمفرد منها الحال. الأكام ج أكمة، وهي التلة؛ أي أنّ المدينة قد أصبحت بعد إحراقها تلالاً وآكاماً. ↑
- () بائنات: منفصلات عن أجسادها. نبذت: طرحت. الأفلاق: ج فلقة وهي الشطر. الهام: ج هامة، وهي الرأس. ↑
- () رملتها: أصابتها بالدم. ↑
- () تسفي؛ تحمل التراب وتذره. الهبوة: الغبار. القتام: ما تصاعد من الحريق. ↑
- () معجم الشعراء: ص148. ↑
- () معجم الشعراء: ص148. ↑
- () جمع الجواهر: ص190. ↑
- () قال الشاعر علي بن محمد الحمّاني وهو علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخاطب صاحب الزنج الذي ادّعى أنّه علويّ النسب:يقول لك ابن عمك من بعيد
لتبَّت(*) أو لنوح أو لهود؟
لهجت بنا بلا نسب إلينا
ولو نسب اليهود إلى القرود
لحقت بنا على عجل كأنّا
على وطن وأنت على بريد
فهبنا قدر ضيناك ابن عم
فمن يرضى بأفعال اليهود
(*) ربما هي إشارة إلى الآية الكريمة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}، وكأنّ الحمّاني يريد أن يقول له ساخراً:
إذا صحّت نسبتك إلينا فأنت من أبي لهب. ↑
- () اقذع: أي أرميه بسوء القول. ↑
- () مثابه: عودته. ↑
- () تالله أهجو: أي لا أهجو، لأنّ لا تحذف بعد القسم بالله والتاء. ↑
- () حماه بمعنى منعه. ↑
- () الدستجة: الكأس أو الزجاجة. ↑
- () أهي «يستبان»؟ لأنّ ما كتبه فيها العابثون محا متن القصيدة، فهو غير واضح. ↑
- () امتاحهم أي استمنحهم، وعبدوه أي استعبدوه. ↑
- () يذبل هنا بمعنى يهين، أي أنّه يهين ضيفه كما يهين ثوبه أو دابته. ↑
- () مرج الدين: اضطرب. ↑
- () مجج الكتاب لم يبن حروفه. ↑
- () ناعم واسع. ↑
- () زلج تقدم. ↑
- () فلونزل يحيى لمعترك وقلبه متخوف كقلب أبيكم لسلم نفسه للأسر أو ولّى هارباً كما يهرب النعام. ↑
- () علز أخذه القلق والهلع. ↑
- () الارن النشاط وإظهار القوة. ↑
- () القطب اليونيني في ذيل مرآة الزمان. ص/185. ↑
- () المقصود بهم: الشيعة. ↑
- () المقصود بها: جبل عامل. ↑
- () الحقيقة هي أن رؤيتهم قيام مسجد للشيعة في بعلبك هي التي أغضبتهم، واعتبروها تضيقاً عليهم، ولم يكن الحرفوشي في وارد التضييق عليهم بالمعنى الصحيح للتضييق. ↑
- () أظهرت التنقيبات الأثرية أنّ بغداد كانت في الفترات القديمة موطناً بشرياً مهماً يعود إلى العصر الآشوري قبل اختيارها لتكون عاصمة للخلافة العباسية. وممّا جعل لهذا الموقع اهميته الجغرافية والاستراتيجية توسطه مدناً حضارية إنسانية كبرى تمتد من شمال العراق إلى جنوبه، وأولى هذه المدن العاصمة السومرية أور في جنوب العراق. وكانت مدينة بابل الشهيرة الواقعة في وسط العراق امتداداً تاريخياً لمدن أور، وأريدو، وأوروك (الوركاء).أمّا في شمال العراق فبرزت مدن كانت لها مكانة مميزة ولعبت دوراً حضارياً في بلاد وادي الرافدين ومن أشهرها: آشور، كالح (نمرود)، نينوى، والحضر. ↑
- () ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية، (بيروت، 1980)، ص280. ↑
- () حول طبيعة علاقة البويهين مع الخلفاء العباسيين يُراجع:Kabir, Mafizullah, The Buwayhid Dynasty of Baghdad, Calcutta, 1964K P. 186. ↑
- () أكّد المرتضى في كتابه (شرح المسائل الناصرية المطبوعة مع الجوامع الفقهية بطهران عام 1276هـ/ 1860م) إلى أنّ الأطروش من علماء الإمامية، وذكر أنّ بنيه كانوا على عقيدته، وذكره النوري بقوله هو صاحب المؤلفات الكثيرة على مذهب الإمامية، التي منها مائة مسألة صحّحها سبطه علم الهدى، وسمّاها بالناصريات، وهو الذي خرج بطبرستان، والديلم في خلافة المقتدر، وتُوفي، أو استشهد بآمُل». ولعلّ الخلط بين كونه زيديّاً، أو إمامياً ناشىءٌ من تطابق الاسم واللقب، وموضع الوفاة بينه، وبين الحسن بن زيد (الذي قيل أنّه إمام الزيدية المُلقّب بالداعي إلى الحقّ)، وقد تُوفي بطبرستان سنة 250هـ/ 864م. تُراجع: النوري، الميرزا حسين، مستدرك وسائل الشيعة، ح3 (رقم 1321)، ص516. ومقدمة عبدالحسين الحلي على كتاب حقائق التأويل للرضي، والطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ح7، ص16، ومقدمة الصفار على ديوان المرتضى، ح1، ص48. ↑
- () باشا حسين دراسات في تاريخ الدولة العباسية، (القاهرة، 1975م)، ص86. ↑
- () باشا، دراسات في تاريخ الدولة العباسية ص93ـ94. ↑
- () شعبان، محمد عبد الحيّ، الدولة العباسية، ص196. ↑
- () يقول حسن الأمين:ننقل عن ابن الأثير ما يلي: في حوادث سنة 393: وفيها اشتدّت الفتنة ببغداد وانتشر العيارون والمفسدون فبعث بهاء الدولة عميد الجيوش أبا علي بن أستاذ هرمز إلى العراق ليدبر أمره فوصل إلى بغداد فزينت له وقمع المفسدين ومنع السنية والشيعة من إظهار مذاهبهم ونفى بعد ذلك ابن المعلم فقيه الإمامية واستقام البلد اهـ.
ويعلّق السيد محسن الأمين في (أعيان الشيعة) على ذلك قائلاً:
وربّما يستغرب مستغرب إقدامه على نفي الشيخ المفيد فقيه الإمامية الجليل العظيم الشأن، ولكن إذا علم أنّ في ذلك مصلحة الشيخ المفيد والشيعة وسائر المسلمين لم يستغرب ذلك فليس عضد الدولة الذي كان يزور الشيخ المفيد في داره حياً ليقيم الأود وتحفظ هيبته البلد وكذلك منع الطائفتين من إظهار مذاهبهم التي يؤول إظهارها إلى وقوع المنازعات والمجادلات واشتعال نار الفتن وقد وقع مثل ذلك من الحسن بن المظفر بن سهلان وزير سلطان الدولة البويهي، فإنّه أخرج الشيخ المفيد من بغداد لتسكين الفتنة. وفي ديوان مهيار: قال يرثي الصاحب عميد الجيوش أبا علي ابن أُستاذ هرمز وكانت درست بوروده العراق معالم الفساد وانتشرت الهيبة والكف عن أذية أهل الفضل والعفة بعد أطلال الفتن والمخافة (انتهى).
وعميد الجيوش هذا هو الذي رثاه الشريف الرضي بقصيدة يقول فيها:
فأين الفيالق مجرورة
وقد عضل اللقم اللاحب
وأين القنا كبنان الهلوك
بماء الطلى أبداً خاضب
كأن السوابق من تحتها
دبى طائر أو قطا سارب
نزائع لا شوطها في المغار
قريب ولا غزوها خائب
فسرج وغى ماله واضع
وجيش علا ماله غالب
وكنت العميد لها والعماد
فضاع الحمى ووهى الجانب
كما رثاه مهيار بقصيدة يقول فيها:
سوم خيولك للثغور مريدها
وأطمع وسم بالملك رخص مسام
واخلط بنوم مطمئناً حيث لم
يك مورد ليروم حط لجام
خلى لك الحسن السبيل وأخليت
منه عزائم رحلة ومقام
لا سدد الخطي في طلب ولا
شحذت لمثلك شفوتا صمصام
من للجيوش وقد أصيب عميدها
ما البيت بعد عماده لقيام
لا سد ثغرتنا سواك مفرقا
إلاّ امرؤ عن قوس رأيك رامي
يجري على سنن رآك نهجته
كالفتر معتمداً على الإبهام
↑ - () المعالم الجديدة، ص55. ↑
- () اليافعي، مرآة الجنان، ح3، ص28. وابن النديم، الفهرست، ص252. والتوحيدي، الأمتاع والمؤانسة، ح1، ص141. ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ح7، ص217. والمنتظم، ح7، ص226. ↑
- () النوري، مستدرك الوسائل، ح3، رقم، 1903م، ص516. ↑
- () محي الدين، عبدالرزاق، أدب المرتضى، (بغداد، 1957م)، ص168. ↑
- () ألّف سعيد ابن هبة الله الراوندي (579هـ/1183م) كتاباً في الاختلاف بين المفيد والمرتضى في بعض مسائل علم الكلام، وقد ذكر (95) مسألةً وقع الاختلاف بينهما فيها. الطهراني، الذريعة، ج6، ص314. ↑
- () طبع بتحقيق السيد عبدالزهراء الحُسيني الخطيب عام 1987م (في أربع مجلدات). ↑
- () رسائل الشريف المرتضى، ج2، ص89. ↑
- () البحراني، يوسف، لؤلؤة البحرين، (بيروت، 1986م)، تحقيق محمد صادق بحر العلوم، ص317. ↑
- () مقدمة السيد محمد صادق بحر العلوم على كتاب الفهرست للطوسي، (بيروت، 1983م)، ص5. وكذلك يُنظر:The First (al-Tusi) Hidayet, Hosain, M., Encyclopaedia of Islam, VIII, Leiden, 1987, p982. ↑
- () مقدمة الطهراني على كتاب (التبيان في تفسير القرآن) للطوسي. ↑
- () مقدمة حسن السعيد على كتاب (الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد)، للطوسي، (طهران، 1980م)، ص9. ↑
- () ابن حجر، لسان الميزان، ح5، ص135. ↑
- () المنتظم، ح8، ص173. ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج10، ص3. ↑
- () آل ياسين، محمد مفيد، الحياة الفكرية في العراق في القرن السابع الهجري، (بغداد، 1979م)، ص28. ↑
- () مقدمة الطهراني على كتاب (البيان في تفسير القرآن) للطوسيّ. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة للأصول، ص55. ↑
- () الشهابي، محمود، تقريرات الأصول، (طهران، لا. ت) ص43. والدواني، هزاره شيخ طوسي (فارسي)، ج2 (طهران، ص28). ↑
- () الصدر: المعالم، ص55. ↑
- () جمع عبد الله شُبّر المسائل الأصولية المنصوصة في الروايات وأحصاها في (1903) حديثاً، الذريعة، ج2، ص178. ↑
- () جمع الخونساري في كتابه (أصول آل الرسول) الأحاديث المأثورة في قواعد الفقه، ورتّبها على مباحث أصول الفقه، وقد جمع منها أربعة آلاف حديث في علم الأصول. «الطهراني، الذريعة، ج2، ص177». ↑
- () الصدر، تأسيس الشيعة، ص311. ↑
- () گرجي، أبو القاسم، نظرةٌ في تطوّر علم الأصول، مجلة الثقافة الإسلامية، العدد (7)، (بيروت، 1986م)، ص48. ↑
- () الذريعة، ج1، ص2. ↑
- () المرتضى، الذريعة، ج1، ص5. ↑
- () الطوسيّ، عُدّة الأصول (بومباي، 1894م)، ص2. ↑
- () الصدر، المعالم الجديدة، ص58. ↑
- () المرتضى، الذريعة ج2، ص308، والمحقق الحلّي، معارج الأصول، ص179. ↑
- () طُبعَ بتحقيق محمد الحَسّون؛ انظر: سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد، ج4 (بيروت، 1993). ↑
- () طُبع بتحقيق محمد رضا الخرسان في النجف عام 1975م. ↑
- () مقدمة محمود شهابي على كتاب «مسائل هامة من كتاب الخلاف»، للطوسيّ. ↑
- () أبو زهرة، محمد، الإمام الصادق، (القاهرة، 1962)، ص260. ↑
- () مقدمة محمد صادق بحر العلوم على كتاب الفهرست للطوسيّ (بيروت، 1983م)، ص5. ↑
- () يُنظر: سبحاني ـ جعفر، تطوّر الفقه عند الشيعة، مجلة تراثنا، العدد (2)، طهران ص29. ↑
- () الطوسي، المبسوط في فقه الإمامية، ج1 (طهران، 1967م)، صحّحه محمد تقي الكشفي، ص2. ↑
- () المبسوط، ج1، ص3. ↑
- () ذكر الشهيد محمد باقر الصدر أنّ تأليف (المبسوط) كان أيام إمامة الطوسيّ في النجف( المعالم الجديدة، ص63)، ويبدو أنّه اعتمد على وصف ابن إدريس للكتاب بأنّه (آخر ما صنّفه الطوسيّ في الفقه). وقد لاحظ حسن الحكيم أنّ الطوسيّ لم يؤلف خلال إقامته في النجف سوى كتابي (الأمالي) و(اختيار الرجال)، وعلى ذلك فإنّ تأليف (المبسوط) كان أيام النشاط العلمي للطوسيّ في بغداد قبل هجرته إلى النجف عام 448هـ/ 1056. الحكيم،حسن،الشيخ الطوسي،1975)م، ص105. ↑
- () رسائل الشريف المرتضى، ج3، ص9. ↑
- () وهو شرح على القسم النظري من رسالة جمل العلم والعمل للمرتضى طُبع بتحقيق الدكتور عبدالمحسن مشكاة، (قم، 1984م). ↑
- () الطهراني، الذريعة، ج2، ص129. ↑
- () الأمين، دائرة المعارف الشيعية، ج2، ص46. ↑
- () ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج2، ص99. وابن العماد، شذرات الذهب، ج3، ص104. والحموي، معجم البلدان، ج1، ص799. ↑
- () ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج5، ص6. ↑
- () استدرك النوري على كتاب الحرّ العاملي بكتاب (مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل) طبع محققاً عام 1986م في (18) مجلداً. ↑
- () الحكيم، محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن، (بيروت 1979) ص114. ↑
- () البهبودي، محمد باقر، زبدة الكافي، ط (بيروت، 1981م)، ص (ي). ↑
- () الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث، ط (بيروت، 1983م) ـ مبحث (روايات الكتب الأربعة ليست قطعيّة)، ص22ـ36. ↑
- () مقدمة البهبودي على زُبدة الكافي، ج1، ص (ي). وقد طُبعَ من منتقى الجُمان أربع مجلدات. ↑
- () مقدمة محمد صادق بحر العلوم على تكملة الرجال لعبد النبيّ الكاظمي، ج1 (النجف، 1974م)، ص10. ↑
- () النجاشي، الرجال، ص288. ↑
- () الذريعة، ج10، ص154. وقد طُبعَ رجال النجاشي بجزأين في بيروت عام 1988م، مُحققاً وعليه تعليقات محمد جواد النائيني. ↑
- () مقدمة محمد صادق بحر العلوم على كتاب رجال الطوسيّ، ص93. ↑
- () مقدمة بحر العلوم على كتاب رجال الطوسيّ، ص93. ↑
- () أيضاً، ص93. ↑
- () ذكر الشيخ الطوسيّ: أنّ الغضائري كتب كتابين في علم الرجال؛ الأوّل منهما في كتابات الشيعة، والثاني في المجاميع الأصلية للحديث. وقد فُقِدا بعد وفاته بسبب عدم نسخهما عن نسخة الأصل. الطوسيّ، الفهرست، ص28. ↑
- () مقدمة عبدالعزيز الطباطبائي على كتاب فهرست أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم، (بيروت، 1986)، ص48. ومقدمة محمد صادق بحر العلوم على معالم العلماء لابن شهرآشوب (بيروت 1985) ص30. ↑
- () طُبع بتحقيق ضياء الدين الأصفهاني عام 1965م. ↑
- () تاريخ بغداد ص99. ↑
- () المختصر في أخبار البش 2: 179. ↑
- () مفرج الكروب في أخبار بني أيوب نسخة دار الكتب الوطنية بباريس 1703 و40. ↑
- () المنتظم 10: 102 يعني باب المدرسة النظامية. ↑
- () معجم البلدان في مادة «حريم». ↑
- () تحفة النظار في غرائب الأمصار (1:121). ↑
- () قلت ذلك لئلا يلتبس بباب الخاصة العتيق، وهو باب بدر، تراجع «منظرة الريحانيين» من معجم البلدان، والمراصد، وكان في أعلى دار الخلافة العباسية، يراجع كتاب «رسوم دار الخلافةص76» لتصحيح التعليق. ↑
- () رحلة ابن جبير (ص220). ↑
- () تاريخ بغداد (99:1). ↑
- () تاريخ بغداد (1: 99). ↑
- () جهات الأئمة الخلفاء من الحرائر والإماء (طبعة دار المعارف ص113). ↑
- () مرآة الزمان (8: 201). ↑
- () لعله أراد «أوّل بناء في أسفل الجانب الشرقي من مدينة السلام بغداد». ↑
- () الشارع الأعظم في شرقي بغداد كان في موضع الشارع الكبير الذي يشتق الجانب الشرقي من محلة عقد الفشل إلى محلة الصدرية المجاورة لمحلة باب الشيخ عبدالقادر الجيلي المعروف بالكيلاني. ↑
- () قال الجوهري في الصحاح: «والعراق بلاد يذكر ويؤنث وقيل هو فارسي معرب». ↑
- () يعني المؤرخ بعده إلى نهر بين (على وزن تين) فتح طريق تحت الأرض مؤذخ أي معقود السقف يؤدي إلى قصره الجميل المعروف باسم الثريا المتصل بحير الوحوش. ↑
- () جهات الأئمة الخلفاء من الحرائر والإماء ـ ص 78 و72 طبعة دار (المعارف بمصر). ↑
- () تاريخ بغداد: (1: 99). ↑
- () في نسخة تاريخ الخطيب المطبوعة بمصر «ترك القصر» وهو ضد المراد والمعروف. ↑
- () هو المسجد المعروف بجامع سوق الغزل في أيامنا وكان يسمّى جامع القصر نسبة إلى قصر التاج وجامع الخليفة نسبة إلى منشئه ثم سمّي بجامع الخلفاء، وليس هذا الجامع جامع الرصافة الذي أنشأه المهدي في الرصافة قرب تربة أبي حنيفة. ↑
- () تاريخ بغداد (1: 109). ↑
- () يعني الأوقاف. ↑
- () كتاب الحوادث المذكور (ص408). ↑
- () يعني في القرن الثالث وما بعده. ↑
- () تاريخ مساجد بغداد وآثارها «ص39، 40». ↑
- () بغداد قديماً وحديثاً. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () يجعل بعض المؤرخين الجلائريين من الإيلخانيين، والحق أنّهم لا ينتسبون إليهم إلاّ عن طريق النساء. فإنّ حسن مؤسس هذه الأسرة كان حفيداً لأرغون من ناحية أمّه. ↑
- () ولد سنة 1822 يلقب بأبي الأحرار لعمله في سبيل الحرية في الدولة العثمانية ومباشرته الإصلاح العملي فيها. كان حاكماً في بلغاريا سنة 1864 و1869 فقام بإصلاحات عمرانية كبيرة، كما تولّى ولاية دمشق وولاية بغداد. وعن ولايته في الثانية يقول كاتب عراقي: «تولّى الولاية في بغداد في أوائل العام 1869، فأنجز من الاعمال الجليلة ما لا زالت آثارها باقية حتّى اليوم. إنّ أمد حكمه القصير في بغداد الذي لم يزد على السنتين ونصف السنة، كان مليئاً بالمشاريع المفيدة والإصلاحات العظيمة، فقد قضى على الأعمال اللصوصية وأعاد الأمن إلى نصابه ونظم المحاكم وأصلح جهاز الإدارة وأنشأ مبانٍ ضخمة لدوائر الحكومة ونظّم ماليتها ودفع المتراكم من رواتب الموظفين وأزال ظلم الشرطة وأسّس مطبعة الحكومة وأصدر جريدة رسمية وأسّس مدرسة صناعية ومدارس عسكرية ومدنية إعدادية ووضع مشروعات للري والزراعة». ويعدّد الكاتب بقية أعماله الإصلاحية الكثيرة. وعن ولايته لمدشق يقول كاتب سوري: «أنشأ الطرق والمدارس ونشط الزراعة والصناعات وضرب على أيدي المرتشين ونشر الحرية الشخصية ولقن الحكام والمحكومين دروساً في الوطنية والشعور بالواجب».والدستور الذي أعلن سنة 1877 لم يم إلاّ بمساعيه ومساعي رفاقه. فقد عيّن صدراً أعظم «رئيس الوزراء» سنة 1872 فتمكّن من خلع السلطان عبدالعزيز ثمّ مراد الخامس بعد ارتقائه العرش بشهور قلائل وتمكّن أن يجلس عبدالحميد الثاني على أريكة السلطنة وحمل السلطان الجديد على منح أوّل دستور عثماني وإنشاء حياة نيابية. ولكن عبدالحميد تنكر لذلك حين ثبتت أقدامه على العرش، فألغى الدستور وحلّ المجلس وشتّت أعضاءه وأمر بنفي مدحت باشا إلى الطائف حيث يُقال إنّه عمل على اغتياله هناك سنة 1884. ↑
- () هناك كرادة رابعة تعرف بـ (المنحور تقع في الأعظمية على شاطىء دجلة). ↑
- () ص 261. ↑
- () كان الدواتدار الصغير مجاهد الدين أيبك نفسه من المماليك الشراكسة، وهؤلاء المماليك الظاهرية والمستنصرية، كانت تتألف منهم جمهرة في الجيش.ويقول الذهبي في (سير النبلاء) عن الشرابي: جعل سنة ست وعشرين وستمائة مقدم جيوش العراق (ص370 ج23). ويصف الدواتدار بأنّه مقدم جيش العراق (ص271). ↑
- () قال الدكتور عبدالمجيد أبو الفتح بدوي في كتابه: (التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإسلامي) ص324:رشيد الدين الهمذاني يذكر أنّه أثناء حصار بغداد قدم على هولاكو وفد من مدينة الحلة والتمسوا أن يعين لهم شحنة فأرسل في أثرهم بعض جنده ليختبروا صدقهم ويقفوا على مدى إخلاصهم فأحسنوا استقبالهم وأقاموا الأفراح ابتهاجاً بهم (جامع التواريخ) (ج1، ص295ـ296).
ويناقش الدكتور عبدالمجيد هذا القول قائلاً:
إنّ ما ذكره رشيد الدين لا ينهض دليلاً على خيانة القوم بقدر ما يعكس لنا مشاعر الخوف التي سيطرت على عامة الناس: سنّيهم وشيعيهم على حد سواء.
إنّ الخيانة ـ في ظنّي ـ لا تتحقق إلاّ إذا وجدت القيادة الواعية المخلصة التي تجند الجميع في جهد منظّم لدرء خطر يتهددهم. أمّا في حالة الضياع وانعدام القيادة وترك الناس يواجهون مصيرهم فإنّ مقاييس الأمانة والخيانة تصبح مقاييس حساسة يجب أن تستعمل بدقة وحذر بالغين في الحكم على الناس الذين من حقهم في هذه الحالة أن يجتهدوا لدرء الخطر عن أنفسهم. ولقد كانت بغداد تعيش حالة الضياع هذه وهي تواجه أشرس عدو عرفته البشرية في تاريخها الطويل. ↑
- () إنّ نجاة المستنصرية وسلامة الأوقاف كان بمساعي الطوسي الذي استطاع إقناع هولاكو بأن يعهد إليه بأمور الأوقاف، كما أشرنا من قبل. ↑
- () الدكتور مفيد آل ياسين. ↑
- () عُيّن علي بهادر: شحنة، ومؤيد الدين بن العلقمي: وزيراً، وفخر الدين بن الدامغاني: صاحب الديوان، ونجم الدين أحمد بن عمران: صدراً للأعمال الشرقية، وأقرّ القاضي عبدالمنعم البندنيجي على القضاء وتاج الدين علي بن الدوامي صدراً للأعمال الفراتية.وكان هؤلاء باستثناء الشحنة من أهل العراق والعارفين بشؤونه والمشتغلين بإدارته في زمن الخليفة الأخير. وقد فوّض اليهم هولاكو أمر تنظيم أمر إدارة العراق فاجتمعوا وقدّروا أحواله ونظّموها وعيّنوا حكّامه وكبار موظفيه. وقد راعى هؤلاء ظروف البلاد الجديدة واحتفظوا بالوظائف المهمة الضرورية وألغوا وظائف أخرى أو قلّصوها وعيّنوا في بغداد نائب شرطة وخازن ديوان وصدر وقوف وهي وظائف عباسية قديمة وقسّموا البلاد إلى خمس مناطق إدارية و ضعوا على رأس كلّ منها موظفاً باسم (صدر) ثمّ عيّنوا النواب أي الموظفين والنظّار (الحوادث الجامعة، ص332ـ333). ↑
- () المعجم. (4/ مادة عماد الدين). ↑
- () مشهد موسى: مشهد الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد عليهما السلام. ↑
- () ابن الفوطي للشبيبي، ج2، ص145ـ146. ↑
- () يقول في (الحوادث الجامعة) ص333، وفي جامع التواريخ ج2، ق1، ص2595 ومؤلفاهما معاصران مشاهدان: إنّ هولاكو أمر بإصلاح ما خرّب من المدينة (بغداد) وترميم وإعادة أعمال أهلها إلى ما كانت عليه سابقاً.وهكذا نرى أنّ الطوسي حمل هولاكو على إعادة ما خرب أو احترق من المدينة على نفقة الدولة.
وصاحب كتاب (مراصد الاطلاع) الذي كتب كتابه بعد فتح بغداد يتحدّث عن محلات بغداد ومواقعها بما يدل على واقع الحال يومذاك:
فهو يقول عن سوق الثلاثاء إنّه (سوق بغداد من أعمر أسواقها وهو سوق البزازين).
وعن محلة المأمونية أنّها: «محلة كبيرة طويلة عريضة ببغداد بين نهر المعلى وباب الأزج». وعن باب الأزج أنّها (محلة كبيرة ذات أسواق كثيرة ومحال في شرق بغداد وعن قراح ابن رزين (وأهل بغداد يسمّون البستان قراحاً. وفي بغداد عدّة محال تسمّى بقراح مضاف إلى رجل يعرف باسمه). ثم يقول عن قراح ابن رزين إنّه (أقرب المحال في وسط البلد). وذكر أنّ محلة المقتدية في الجانب الشرقي وأنّ محلة المختارة (بين باب البرز وقراح القاضي ومحلة المقتدية) وعن قراح ظفر أنّه (ظاهر محلة الظفرية). وعن محلة قراح القاضي: (إذا خرجت من قراح بن رزين على يمينك درب واسع فيه درب قراح القاضي على يسارك ثمّ يمتد إلى قراح أبي الشحم، وفيه دروب عن يمينك وشمالك). وعن محلة القبيات أنّها (محلة ببغداد وراء قراح أبي الشحم). وقد وردت محلة البصيلته تحت اسم البصلة وورد عنها أنّها (محلة في طرف بغداد في الجاب الشرقي متصلة بباب كلواذي). وعن قطيعة العجم أنّها (بالجانب الشرقي في أسفل البلد بين باب الحلة وباب الأزج: محلة عظيمة كبيرة فيها أسواق كأنّها مدينة برأسها). وعن الظفرية أنّها (محلة ببغداد متصلة بالحريم الطاهري باقية إلى الآن وبها سوق) وعن نهر المعلى أنّه محلة وأنّه (من عقد الجديد إلى عقدي المصطنع في الشارع الأعظم من الريحانيين وباب النوبي إلى باب جامع القصر إلى العقدين وفيه السوق والدكاكين). وعن الجعفرية أنّها (محلة كبيرة مشهورة في الجانب الشرقي من بغداد). وعن القرية بالتصغير أنّها (محلتان ببغداد إحداهما في حريم دار الخلافة وهي كبيرة فيها محال وسوق والأخرى بالجانب الغربي) وعن الحلبة أنّها (محلة كبيرة ببغداد قرب باب الأزج). وقد أورد صاحب المراصد هذه المحلات دون أن يشير إلى خرابها. يضاف إلى ذلك أنّه أورد عدداً من الدور المهمة في بغداد. (ص40ـ59). يضاف إلى ذلك أنّ كتاب (الحوادث الجامعة) ـ وهو معاصر ـ يؤكد وجود دار الخلافة ودار الدويدار الكبير وجامع الخليفة وقد أحرق وأعيد إصلاحه، والمدرسة النظامية وسوقها والمدرسة المستنصرية والمدرسة التتشية ومدرسة الأصحاب ومدارس وربط أخرى (330ـ426). ↑
- () تيمورلنك المغولي الذي خرّب بغداد، وجعفر البرمكي الذي كانت زاهيةً في عهده. ↑
- () الصَبا: ريح تهب من جهة الشرق. ↑
- () قصر الخلد، وهو من قصور العباسيين ببغداد، والمقصود بالراقد الخليفة العباسي ـ لا على التعيين ـ وإنّما ليضرب به مثلاً للحاكم في بغداد أيام عصرها الذهبي. ↑
- () الرصافة: الجانب الشرقي من بغداد، وفيها قصر الخلد.والأقصُرُ: مدينة في صعيد مصر وفيها معبد الأقصر وآثار رعمسيس الثاني. ↑
- () إشارة إلى المرأة التي هتفت: (وامعتصماه) فأغاثها المعتصم، وأنزل بالبيزنطيين هزيمة نكراء بعد احتلاله عَمورية. ↑
- () المستنصرية: المدرسة التي بناها المستنصر بالله (الخليفة العباسي 623ـ640هـ) والمقصود بساهر المستنصرية: المعلمون والأساتذة الذين قادوا حركة التعليم في أوّل جامعة علمية. ↑
- () السلطان شهريار الذي كانت خليلته (شهرزاد) تقص عليه أقاصيصها في ألف ليلة وليلة، فصبر عليها حتّى ولدت له ابناً، فلم يقتلها كعادته. ↑
- () يتمطر: يطلب المطر. ↑
- () دار سابور: هي (دار العلم) المكتبة التي أسّسها سابور بن أردشير ببغداد، وزارها أبو العلاء المعرّي فقال فيها من قصيدة:وغنّت لنا في (دار سابورَ) قينةٌ
من الوُرِقِ مِطرابُ الأصائل ميهالُ
↑ - () كانوا يسمّون الجماهير بـ (السواد) أو سواد الناس، و(بحّ الرنين) و(غاض العصفر) كناية عن قلّة ما يعطى للسواد من دراهم الفضة بدلاً عن بريق الذهب الذي كان (بليغ الرنّة) في البيت السابق. ↑
- () كوافير: جمع (كافور) وهو الإخشيدي حاكم مصر، والشاعر: المتنبي. ↑
- () البيت للبحتري من قصيدة له في مدح المتوكل. ↑
- () في هذا الدور الختامي دعوة لتكريم بُناة بغداد من المفكرين، والأدباء، والشعراء، وقوله (وفعلتِ) إشارة لتكريم الفيلسوف العربي أبي يوسف الكندي الذي زامن تكريمه العيد الألفي لمدينة بغداد. ↑
- () ويسمّيه البعض بيت الأحزان. ↑
- () كتاب حقّقه وعلّق عليه الدكتور سعد زغلول عبدالحميد مدرّس التاريخ الإسلامي بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وهو من منشورات هذه الكلية ومطبوعات جامعة الإسكندرية، وقال محقّه الدكتور سعد عن مؤلف الكتاب المجهول: إنّه كاتب مراكشي من كتّاب القرن السادس الهجري، والذي يقرأ وصف البقيع إلى ما يقرب القرن الثامن الهجري عند الرحالة والمؤرخين يجد تبايناً كبيراً بين وصف البقيع عندهم ووصفه عند مؤلف هذا الكتاب من حيث خراب القبور واندراسها وتلاشي معالمها وتبعثر الجماجم والعظام بحيث يُحار القارىء في كيفية التوفيق بين آراء أولئك وفي طليعتهم ابن النجار (القرن السابع) ورأي هذا الكاتب المراكشي. صحيح أنّ ابن النجار ينفي وجود المعالم للقبور العامّة في القرن السابع ولكنّه لا يذكر شيئاً ولا بعض شيء ممّا ورد في كتاب الاستبصار المذكور إضافة إلى أنّه يصف الروضات وصفاً تاماً ويعين مثلاً روضة الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) والمدفونين في قبته، ويسهب في تعيين مواقع هذه الأضرحة، فإذا صحّ ما روى الكاتب المراكشي في كتاب الاستبصار فيجب أن تكون هنالك حوادث وقتية حدثت فآلت إلى مثل ذلك الخراب الشامل والحرث الذي أخرج الجماجم والعظام وبعثرها ثمّ عاد البقيع بعد ذلك إلى ما كان عليه ممّا فاتنا نحن الوقوف على أخباره. ↑
- () أبو الفرج الأصفهاني: (الأغاني) ج8 ص194 القاهرة: دار الكتب 1935م. ↑
- () أبو الفرج الأصفهاني (الإغاني) تحقيق: عبدالستار أحمد فراج. ج21 بيروت: دار الثقافة بيروت 1960م. ↑
- () أبو الفرج (الإغاني) ج9 القاهرة: دار الكتب 1935م. ↑
- () الجاحظ (الحيوان) تحقيق: عبد السلام محمد هارون ج1 ص335 القاهرة: مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر (الطبعة الأولى) 1938. ↑
- () راجع ما قلناه في أوّل البحث عمّن أوّل من ألّف في البلاغة (ح). ↑
- () ويزاد أحياناً على هذا الاسم ألف في أوّله فيقال: اسكردو (راجع بحث اسكردو في حرف الألف). ↑
- () راجع في حرف الألف بحث (اسكردو) والاسم يكتب (سكردو) بدون ألف في أوّله وأحياناً (اسكردو). ↑
- () نسبة إلى ڤيدا: اسم الكتب السنسكريتية المقدسة عند الهنود. ↑
- () نسبة إلى الآوسا: الكتاب المقدس لدى المجوس. ↑
- () لعل معناها المنتخبة. ↑
- () صفحة 15 من كتاب «اليونانيون في الغرب» تأليف: تارن. ↑
- () ما في اليعقوبي (البلدان ص287): إثنا عشر باباً (م). ↑
- () ذكر اليعقوبي (البلدان 288): أنّ لبلخ سبعة وأربعين منبراً (م). ↑
- () محمد عمر فرزاد: إجمالي أز تاريخ آرامياه حضرت شاه ولايت مآب در ولايت بلخ ص 7ـ8 منشورات رياست الروضة الشريفة مطبعة الحكومة بلخ سنة 1379 هجرية. ↑
- () نفس المصدر ص8. ↑
- () انظر الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج2، ص375ـ376، وج24، ص134. ↑
- () جمال الدين أحمد بن علي المعروف بابن عنبة في كتاب الفصول الفخرية تحقيق السيد جلال الدين الأرموي المحدّث ص180ـ181 طهران الطبعة الأولى سنة 1387 هجرية مطبعة جامعة طهران. ↑
- () Kussun. ثمان سنوات في إيران تأليف السير برس سايكس. ترجمة السيد حسين سعادت نوري. ↑
- () Mekia. ↑
- () Mykian. ↑
- () تمّ فتح بلوجستان بيد المسلمين في سنة 30هـ. ق. ↑
- () وتكرر اسم (مكران) عدّة مرّات في حدود العالم الذي ألّف في 372هـ وتاريخ بلوجستان المصنف في حوالي 445هـ. وفي معجم البلدان لياقوت الحموي (575ـ626هـ) ورد ذكر كران «بالضم ثمّ السكون وراء وآخره نون». ↑
- () نقل الكاتب نص العبارات أعلاه من الكتاب المسمّى بـ (تذكرة جغرافياي تاريخي إيران) من تأليف بارتولد وترجمة حمزة سردادور (طالب زاده) ومن ثمّ فليس لديه اطلاع حول صحة أو خطأ إملاء أسماء الأعلام. ↑
- () Sir Thomas Holdieh كان هذا الشخص في عام (1896م ـ 1313هـ.ق) رئيساً لهيئة ممثلي الحكومة البريطانية وبدرجة عقيد. وكان سايكس عضواً في هذه الهيئة الموفدة إلى حدود محلات. وكذلك أرسلت الحكومة الإيرانية هيئة إلى هذه الحدود برئاسة الميرزا علي اشرفخان احتشام الوزارة، وسيأتي شرح ذلك فيما بعد. ↑
- () Ichthyophagy. ↑
- () Magan. ↑
- () Ran of Kach وكيج أو كيث التي يقرأها الإنكليز (كج) بالكسر هي واحدة من مدن بلوجستان القديمة، وكما يكتب صاحب حدود العالم «ويستقر ملك مكران في مدينة كيج»، وأمّا (كسكوران) فهو مركب من كلمتي كيج ومكران ولا يزال متداولاً إلى اليوم (ثمان سنوات في إيران). ↑
- () Makalrina. ↑
- () كودرزه هي بحيرة مالحة وقليلة العمق، ويبلغ طولها تقريباً 100 كلم وعرضها من 25 إلى 40 كلم، وتقع جنوب نهر هيرمند إلى الجنوب الشرقي لنهر هامون (هامون سابوري أو شابوري وهامون الكبير). ورغم أنّ (ره أو زريه تعني باللغة الفارسية القديمة بمعناها العام هذه البحار السائدة هذه الأيام) ولكن كما يرى في الكتب الجغرافية القديمة فانّ لبحيرة هامون اسم خاص بها، ويمكن الاحتمال بأنّ كودرزه هو كلمة (رزه) القديمة، والتي تنسب لها المدينة المعروفة «زرنك» ويعني هذا أنّ بحيرة هامون كانت تمتدّ إلى حدود كودرزه الحاضرة، ولكنّها انفصلت منها بمرور الأيام وأصبحت بحيرتين وكما هو موجود الآن فإنّ بحيرة (شلاق رود) الموجودة بين البحيرتين على شكل ترعة، تكون حلقة وصل بينهما حينما تمتلىء بالماء، وممّا يؤيّد هذه النظرية هو وجود نهر (هيرمند) الذي يعتقد أنّه كان يصبّ في كودرزه، ولكنّه غيّر مجراه فيما بعد وأصبح يصب في بحيرة هامون. ↑
- () جالوان، تطلق في اصطلاح البلوج على الأراضي المنخفضة و(سروان) على الأراضي المرتفعة، وهما اسمان لمنطقتين من بلوجستان، وسنعرض للحديث عنهما في بحثنا للجغرافيا السياسية. ↑
- () يراجع مرآة البلدان ج1. ↑
- () توجد الغابات بكثرة في أطراف وسفوح هذا الجبل، وتعتمد في بقائها على مياه ثلوج الجبال.وهناك نوع واحد من العلف ينمو في هذا الجبل، ويستعمله أهالي سرحد في طعامهم (ويجب الالتفات إلى أنّ مراد الكاتب بكلمة سرحد هو اسم المنطقة الواقعة في بلوجستان والتي يقع جبل تفتان فيها وليس المراد هنا هو المعنى المتعارف عليه لهذه الكملة وهو الحدود)، وينثرون عليه التراب الناعم، حتّى يكتسب هذا التراب طعماً حامضاً من عصارة وندى هذا العشب، ثمّ يجمعون هذا التراب بعد أيام ويحتفظون به، ويضعونه في الماء عند حاجتهم فيصبح الماء عذباً وصافياً، ويستعملونه حين الأكل. وثمّة بصل أحمر ينمو بصورة طبيعية في هذا الجبل، ويقول الأهالي هناك بأنّه لذيذ الطعم، وثمّة أيضاً تراب أحمر اللون وآخر أسود اللون يستعمله الأهالي في صباغة ثيابهم. «مرآة البلدان ج1». ↑
- () قصد كاتب المقالة عموم جغرافية بلوجستان، ومن ثمّ فقد أرجئ البحث حول الأوضاع الاقتصادية لتلك المناطق إلى موضع آخر. ↑
- () كما سنرى بالتفصيل في الجغرافية التاريخية لبلوجستان، فإنّ بعض الباحثين يعتقدون أنّ بورا (Pura) هي نفسها فهرج الحالية، بينما يذهب البعض الآخر إلى أنّها هي بمبورا الحالية, ↑
- () Sir Henry Rawlinson. ↑
- () Major E. Moekler أجرى تحقيقات حول الآثار التاريخية لبلوجستان وكتب كذلك رسالة بخصوص لغة البلوج، ويحتفظ المؤلف بنسخة منها (طبع عام 1877م). ↑
- () Sir Aurel Stein. ↑
- () توجد هناك ثلاث خرائب لمدينة أور في أرض العراق، بالقرب من نهر الفرات، وتمرّ بالقرب منهما سكك الحديد بين البصرة وبغداد. ↑
- () Scylaxe. ↑
- () تاريخ إيران القديم. تأليف مشير الدولة. ↑
- () فهرج بلوجستان هي الواقعة إلى الشرق من بمبور بأربعة وعشرين كيلومتراً، وهي مركز كدروزيا، وأسموها اليونانيون بـ (بوره) وهو اسم هندي يعني (المدينة) وورد ذكرها في الكتب القديمة باسم (فهرج = فهره = بهره) وهو معرب بهره، ولا يزال البلوج إلى الآن يلفظونها بهذا اللفظ، وسمّيت أخيراً باسم ايرانشهر. وتوجد هناك مناطق أخرى في إيران تحمل نفس الاسم:الأولى: فهرج يزد وهي قرية تقع على بُعد 30 كلم إلى الجنوب الشرقي من يزد، وكانت موجودة حين هجوم العرب، وحرب العرب مع الإيرانيين في فهرج معروفة (تاريخ يزد ـ للسيد آيتي) والثانية: فهرج كرمان الواقعة على بُعد 54 كلم إلى الجنوب الشرقي من مدينة (بم) وهي آخر أرض ريگان ونرما شير گرمان وأوّل أرض بلوجستان ويذكر عنها صاحب حدود العالم (بهره: هي آخر كرمان وأوّل أرض بلوجستان، وتقع على حافة الصحراء ص76). ↑
- () Malana وكتب عنها صاحب مرآة البلدان (ويُعرف الآن هذا النتوء باسم مران)، ولكن يفهم من الأدلة المتوفرة أنّ مالان الحالية تقع على سواحل مكران بين مصب نهر هنگول وميناء أورماره. ↑
- () يبلغ الاستاد الواحد 177 ذراعاً أو 184م. ↑
- () المقصود هو (ايكتيوفاجي). ↑
- () كتبت هذه الكلمة في بعض الكتب الفارسية بهذه الصورة (جدگال) في الإنكليزية Jadgal، وهذه الطاء من الحروف الخاصّة بالهندية وليس لها مقابل في اللغة الفارسية لأنّها تلفظ لفظاً خاصاً. ↑
- () Brachycephal. ↑
- () إنّ البحث في عروق البلوج لا يزال يحتاج لتحيق ذوي الهمم من عشاق بلدهم، فكلّ ما نسمعه ونقرؤه هو من الأجانب الذين هم في أكثرهم ذوي مقاصد وآراء خاصّة. ↑
- () قصدار التي يخطىء بعض الباحثين والمؤلفين المتأخرين في ذكر إملائها وكذلك موقعها الجغرافي هي مدينة من مدن بلوجستان القديمة والمشهورة، التي تقع الآن على بُعد 135 كلم جنوب كلات بعرض 27 درجة و45 دقيقة وطول 66 درجة و35 دقيقة (شرق كرينج). وقد ورد في تاريخ سيستان (وكانت انتفاضة الملك شمس الدين علي بن مسعود بجيوش سيستان إلى الشمال و(مستونك) و(ستون) وحصار قدصار (كذا في الأصل) ومشكى وأطرافها في سنة 652… ص398) وإضافة إلى قصدار فإنّ هناك أماكن أخرى باسم مستونك ومشكى التي يمكن اعتبارهاحسب أقرب الاحتمالات على أنّها نشكى أو نوشكي الحالية وكلّ هذه الأماكن هي في بلوجستان، ونذكر من أجل إشباع البحث جزءاً من بحث (بارتولد) في باب قصدار «… وكانوا يسمّون الجزء الشمالي الشرقي من أفغانستان في ذلك الزمان بـ (توران) أو (طوران) ومن مدنها المهمة هي قصدار والتي لا تزال إلى اليوم باقية بنفس الاسم».«وفي ذلك الزمان كانت قصدار في بلوجستان مركزاً لخان صغير تابع لكلات المدينة الرئيسية في بلوجستان. ويظهر أنّ للأولى الأهمية نفسها التي تتميز بها اليوم كلات قبل عشرة قرون».
«ولا يعرف حاكم قصدار قدرة غير قدرة الخليفة، وقد اضطر السلطان محمود الغزنوي في القرن الحادي عشر إلى الحرب الشديدة مع قصدار». ↑
- () يجب الانتباه إلى أنّ هذه الناحية، هي غير الناحية التي تقع بالقرب من كلات، وتسكنها القبائل البراهوائية، إنّ هذا الاسم يعني عند البلوج؛ الأراضي الجبلية أو الأراضي المرتفعة.وقد ورد ذكرها في تاريخ سيستان (ص30): سروان هي جزء من كورة بست (كذا ورد في الأصل بألف واحدة)، وكذلك ذكرها مؤلف حدود العالم ضمن مدن خراسان حيث قال (سروان: مدينة صغيرة وتسمّى بـ (الين) وكذلك كرمسير وهي منبت خصب للتمور ص63). ↑
- () وقد وردت في بعض الكتب التاريخية بصورة جالق، وربذما تكون هذه هي الأصل، وجالق تعريبها، أو صالق وزالق… وقد كتب عنها سايكس «توجد في واحة جالق بعض البنايات التي بنيت قببها من الآجر، ويدعى بأنّها مقبرة للملوك الكيانيين، ولكن لا يمكن الجزم بذلك». ↑
- () ضمّت ولاية بلوجستان مدّة من الزمن إلى اقرمان بعد هجوم العرب، والإثنان يتبعان حاكماً واحداً، وكما يذكر مؤلف كتاب (سالاريه) أنّ بلوجستان لم تتبع كرمان مدّة 45 سنة منذ حكومة طغرل شاه السلجوقي، ثمّ ألحقت بها بأمر الملك زوزن، ثمّ أصبحت ثانية ضمن المدن الخاضعة لحكم عائلة الصفاريين، حتّى كان السلطان عباس الكبير فاستطاع گنجعليخان حاكم الحادثة – نفس المؤلف – قائلاً: «توجه گنجعليخان بجيش كرمان إلى بلوجستان بقصد احتلالها عن طريق جيرفت في سة 1202، وسمع بالخبر الملك شمس الدين الذي ينحدر من أصل الصفارية في سيستان ويعتقد بعض المؤرخين أنّه من أصل عربي، وكان هذا الملك يتخذ من قلعة ابن مهل مقراً لحكمه، والتي كانت في ذلك الوقت تسمّى بـ (بمبور)، فهيأ جيشاً من أهالي مكران الخاضعة لحكمه، واصطدم بجيش كرمان في كوج گردون على بُعد 5 فراسخ من بمبور، فهزم وتحصن بقلعة بمبور».وخلاصة الأمر أنّ هذا الملك وقع في قبضة الغزاة بعد شهرين من محاصرة قلعته.
وعهد بالحكم في هذه المناطق إلى الملك ميرزا الذي كان من سلالة الصفارية أيضاً. وأخذ يرسل هذا خراج البلاد إلى كرمان سنوياً. ↑
- () تشبه الزورخانه النادي الرياضي إلاّ أنّها تقتصر على لعبة إيرانية مشهورة. ↑
- () راجع بحث (القوما) وبحث (الكان وكان) في مكانه من (دائرة المعارف). ↑
- () الميرزا محمد نصير الحسيني الشيرازي: الملقب بميرزا آقا والمشهور بفرصت هو صاحب المؤلف المشهور (آثار عجم) الذي يعتبر لعدّة أساب مكملاً لكتاب الحاج الميرزا حسن الفسائي الحسيني(فارسنامه ناصري) ويعتبر الكتابان المذكوران من النفائس العديمة النظير في عصرنا الحاضر. وقد وُلِد فرصت الشيرازي في شيراز عام 1271هـ، ودرس في نفس المدينة العلوم المتداولة آنذاك من النحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق والحكمة، واشتهر في الشعر والشاعرية، وبرع في فن الرسم، وكلّ ما هو مصوّر في (آثار عجم) هو من نتاج ريشته، وله عدا هذا الكتاب وديوان الشعر مؤلفات خالدة ذكرها في آخر كتابه (آثار عجم)، وتوفي فرصت في شهر صفر من عام 1339هـ.ق. في شيراز ودفن في الحافظية. ↑
- () الحاج الميرزا حسن الحسيني الطيب الشيرازي المشهور بالفسائي صاحب الكتاب المشهور (فارسنامه ناصري) هو من ذرية الفاضل المعروف السيد علي خان مؤلف أنوار الربيع وسلافة العصر وشرح الصمدية. وسلوة الغريب وطراز اللغة وغيرها. وُلِد الفسائي في شيراز عام 1237هـ وتوفي في شيراز أيضاً في سن التاسعة والسبعين من العمر في شهر رجب من عام 1316هـ.ق. وقد تعرّض في المجلد الثاني من فارسنامه بالتفصيل لذكر أحواله وجميع آبائه وأجداده وأفراد عائلته ويعتبر كتاب (فارسنامه ناصري) من الكتب التي هي في غاية الأهمية ويمكن القول إنّها من قمم الأعمال والنتاجات التي أنتجت في القرن الأخير في إيران. ↑
- () الجنرال السير برسي سايكس Sir Percy Sykes وهو من أصحاب المناصب العسكرية في بريطانيا ومن الممثلين السياسيين لهذه الدولة، وقد أمضى في إيران حدود 25 سنة سائحاً ومحققاً في المناطق الشرقية والجنوبية من البلاد وقد أجرى تحقيقات تاريخية وجغرافية وألّف في هذا المضمار عدّة مؤلفات أثبتت جلّها في مقدمة ترجمة المجلد الأوّل: (تاريخ إيران) لنفس المؤلف والذي قام بترجمته السيد محمد تقي فخر داعي گلاني وطبع في طهران عام 1323هـ.ش. ومن ضمن تأليفاته التي كانت غاية في الإمتاع كتابه (ده هزار ميل در إيران) الذي ترجم إلى الفارسية في مجلدين بواسطة السيد حسين سعادت نوري. وطبع في سنوات 15ـ1316 شمسي في طهران. وقد توفي السير برسي سايكس في سن 78 سنة في موت مفاجىء في لندن عام 1945م. ↑
- () أي (عشرة آلاف ميل في إيران). ↑
- () وقد دفع هذا التشابه التصادفي بين اسم القلعة وكلمة بندر الأهالي هناك إلى وضع وجه خرافي للتسمية التي مرّ ذكرها في قول فرصت، حيث يعتقدون أنّها كانت تتصل بماء البحر ويعبر منها وإليها بالسفن. بينما الحقيقة هي ما مرّ ذكره من أنّ الاسم الحقيقي لها هو بهندر ثمّ تحوّلت بعد كثرة الاستعمال إلى بندر حيث حذفت الهاء. ↑
- () ميخائيل يان دخويه M. J. DeGoeje هو المستشرق الهولندي المشهور جدّاً، الذي طبع تاريخ الطبري وكتاب أحسن التقاسيم وسلسلة من الكتب الجغرافية للعرب وغيرها من الكتب العربية المهمة الأخرى. وقد توفي عن عمر الثالثة والسبعين في مدينة ليدن (هولندا) في السابع عشر من مارس عام 1909م الموافق للسادس والعشرين من ربيع الثاني سنة 1327هـ.ق. ↑
- () السير وليم أوزلي هو المستشرق الإنكليزي المعروف وصاحب المؤلفات العديدة ومن ضمنها كتاب رحلته في ثلاث مجلدات والذي عنوانه «السفر في النواحي المختلفة للشرق وخصوصاً إيران» وقد مات عام 1841م. ↑
- () يقصد بالعلويين: العلويي النسب. ↑
- () له ترجمة مفصلة في تاريخ دمشق لابن عساكر (4/162ـ166) وترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب (2/263) شهد مع عمّه كربلاء ولم يقتل لأسباب ذكرها المؤرخون، وله ذكر في مقاتل الطالبيين وعمدة الطالب وغاية الاختصار وكتب أخرى. ↑
- () هو الحسن بن زيد بن الحسن، الكامل (5/343) وتهذيب التهذيب لابن حجر (2/279) وغاية الاختصار (39ـ40) وعمدة الطالب (55) ومهذب تاريخ دمشق (5/459ـ464). ↑
- () تاريخ الطبري (9/192) والآداب السلطانية (119) والكامل لابن الأثير (5/247). ↑
- () تاريخ الطبري (9/199). ↑
- () تاريخ الطبري (9/202)، وانظر عن مجاملة ولاة المدينة لمحمد بن عبدالله وعن أسباب عزل المنصور لولاته عليها. الكامل لابن الأثير (5/243ـ245). ↑
- () راجع عن ذلك رسالة أوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج (3/492). ↑
- () يرجع إليها في كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري (86)، وعمدة الطالب لابن عتبة (88) ط النجف. ↑
- () انظر عن جواسيس المنصور علي عبدالله بن الحسن وأبنائه. تاريخ الطبري (9/181)، والكامل (5/244ـ251). ↑
- () هي مسألة «السدل» في الصلاة يرجع في ذلك إلى المقاتل لأبي الفرج (131)، ويكثر ورود السدل في كتب الحديث راجع هذه المادة في النهاية لابن الأثير وفي مجمع البحرين للطريحي. ↑
- () البيان والتبيين (1/127). ↑
- () قف على بعض أخباره في الأغاني (18/203ـ209)، والإصابة (5/133)، والمعارف (93)، وطبقات ابن سعد (5/235)، وله ترجمة في تاريخ الخطيب (9/433، وتاريخ دمشق لابن عساكر (7/354ـ363)، ومقاتل الطالبين لأبي الفرج، وعمدة الطالب لابن عنبة، والكامل لابن الأثير (5/246ـ251)، وشرح النهرج لابن أبي الحديد (3/473ـ488). ↑
- () للاطلاع على تفصيل القصة يرجع إلى غاية الاختصار (34ـ35) والحديث منقول في كثير من كتب الأخبار والتاريخ. ↑
- () شرح النهج (2/213)، وانظر هذا الموضع من الكتاب عن أشهر أمراء بني العباس في النكاية بالأمويين وفي مقدمتهم داود وسليمان وعبدالله أبناء علي بن عبدالله بن عباس، وهم أعمام السفاح، وراجع الآداب السلطانية لابن الطقطقي (108ـ109). ↑
- () للاطلاع على سوء معاملة هؤلاء المساجين من العلويين والتنكيل بهم داخل السجون يرجع إلى مروج الذهب للمسعودي (2/171ـ172)، وانظر المقاتل لأبي الفرج (148ـ155) ط. النجف، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (20/4)، والآداب السلطاية (118ـ119). ↑
- () عقد أبو الفرج في مقاتله فصلاً عنوانه: «ذكر السبب في أخذ عبدالله بن الحسن» (142ـ159). ↑
- () مقاتل الطالبيين (155). ↑
- () المصدر نفسه (146ـ147). ↑
- () الكامل (5/243ـ261). ↑
- () تاريخ الطبري (9/144). ↑
- () الكامل (5/260)، وراجع عن القاسم هذا كتب الأنساب، ومن ذلك عمدة الطالب (55) ط النجف وانظر عن جهود القاسم بن زيد بن الحسن هذا في جانب العباسيين وذلك في واقعة المدينة تاريخ الطبري (9/222ـ229). ↑
- () تاريخ الطبري (9/232)، وانظر عن شدّة أبيهم الحسن على أبناء عمّه المصدر نفسه (232، 234، 235). ↑
- () تاريخ الطبري (9/226). ↑
- () تجد هذه الرسائل في تاريخ الطبري وراجع عنها ذيل الصفحة (63) من هذا الكتاب. ↑
- () انظر عن مشاركة أبي مسلم في مقتل أبي سلمة كتاب الإمامة والسياسة (2/131/ والكامل (5/208) وراجع هامش الصفحة (61) من هذا الكتاب. ↑
- () من المراجع في هذا الباب تاريخ بغداد للخطيب (7/293) ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج وغاية الاختصار في أخبار البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار (28). ↑
- () غاية الاختصار (28ـ29). ↑
- () الكامل (5/245) وراجع الصفحة (94) من هذا الكتاب. ↑
- () انظر في ذلك تاريخ الطبري (9/184، 433) وتاريخ بغداد للخطيب (7/293ـ294) والمقاتل لأبي الفرج (133، 171) قال أبو الفرج: «خافه الأخوان وتواربا عنه وكانت بينهما ـ أي بين السفاح وعبدالله بن الحسن ـ مخاطبات». ↑
- () من المراجع في هذا الباب تاريخ الطبري (9/184، 193) وشرح النهج لابن أبي الحديد (3/474ـ475) قال شارح النهج شكا إلى عمر بن عبدالعزيز رجل من رهطه ديناً فاعتلّ عليه فقال الرجل فهلا اعتللت على عبدالله بن الحسن قال عمر: ومتى شاورتك في أمري، وهل أعطيته إلاّ بعض حقّه؟ قال الرجل: ولم تأخّرت عن كلّه، فأمر بإخراجه وما زال محروماً منه حتّى مات، قالوا: وأعطى هشام بن عبدالملك عبدالله هذا أربعة آلاف دينار وإنّما اشترى بها ملكه وحصن بها عن نفسه إلى غير ذلك. ↑
- () قف على ما رواه في تاريخه (9/255) من وصف بليغ لأخلاق المنصور، وراجع ما نقله الوطواط في غرره (259) وهذا نصه: كان المنصور قلّما يظفر بأحد إلاّ قتله، وهذا ما كان في أوّل خلافته وهو القائل لعبدالصمد بن علي ـ وقد لامه على إسرافه في القتل والعقوبة حتّى كأنّه لم يسمع بالعفو ـ «إنّ بني أمية لم تبل رممهم وأنّ آل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ونحن قوم رأونا بالأمس سوقة واليوم خلفاء ولا تتمهد الهيبة في صدورهم إلاّ باطراح العفو واستعمال العقوبة. ↑
- () مقاتل الطالبيين (209). ↑
- () المصدر نفسه (195). ↑
- () قف على هذا الحديث في تاريخ الطبري (9/234ـ235)، والكامل (5/261)، والمقاتل (97)، ولاحظ الاختلاف في سرد النصوص، وفي رواية صاحب المقاتل تفصيل لا يوجد في غيره من كتب التاريخ. ↑
- () مقاتل الطالبيين (209). ↑
- () تاريخ الطبري (9/191). ↑
- () انظر عن جواسيس المنصور على بني الحسن تاريخ الطبري (9/181)، والكامل (5/243ـ244، 251). ↑
- () من المراجع المفيدة في هذا الباب تاريخ الطبري (9/244ـ255). ↑
- () تاريخ الطبري (9/246). ↑
- () الكامل (5/246ـ248) وتاريخ الطبري (9/187) وراجع الصفحتين (92، 93) من هذا الكتاب. ↑
- () يراجع في هذا الباب المقاتل لأبي الفرج (146) والكامل (5/243). ↑
- () المقاتل (155). ↑
- () غاية الاختصار (25ـ26). ↑
- () تاريخ الطبري (9/183). ↑
- () تاريخ الطبري (9/243ـ244) والمقاتل (148ـ150) والغرر للوطواط (259) والكامل (5/247) وغاية الاختصار (29). ↑
- () الكامل (5/248ـ249). ↑
- () انظر عن تنكر محمد بن عبدالله في مختلف الأزياء وعن مختلف الجبال والأودية التي يتنقل بينها تاريخ الطبري (9/183، 190ـ191، 194، 203). ↑
- () الكامل (250). ↑
- () راجع المصدر نفسه (244). ↑
- () المصدر نفسه (253). ↑
- () تاريخ الطبري (9/205) والكامل (5/251). ↑
- () قف على آراء رجال الدولة الذين عني المنصور باستشارتهم في قمع الثورة في الكامل (5/252). ↑
- () الكامل (5/258ـ259). ↑
- () المصدر المذكور (255ـ258. ↑
- () المصدرذاته (260). ↑
- () خلاصة الكلام في أمراء البيت الحرام لابن دحلان ط. القاهرة سنة 1305. ↑
- () يرجع في ذلك إلى تاريخ الطبري (9/232ـ235)، وقد سمّى ابن سعد في طبقاته من خرج مع محمد من أهل المدينة (3/173) ط. ليدن، وفي مقاتل الطالبيين (192ـ206) ط. النجف فصل عنوانه «ذكر من عرف ممّن خرج مع محمد بن عبدالله بن الحسن من أهل العلم ونقلة الآثار ومن رأى الخروج معه وأفتى الناس»، وعقد ابن الأثير في الكامل (5/261ـ262) فصلاً عنوانه «ذكر بعض المشهورين من كان معه»، وانظر الصفحات التالية من تاريخ الطبري (9/203، 205، 206، 229، وانظر ميزان الاعتدال للذهبي (2/57). ↑
- () انظر عن أسماء هؤلاء المعارضين تاريخ الكامل (5/251). ↑
- () الكامل (5/256ـ258) وشفاء الغرام في أخبار البيت الحرام للفاسي ط. لايبسك (180ـ183). ↑
- () الكامل (5/256). ↑
- () الكامل (256). ↑
- () انظر عن موسى الجون هذا تأريخ الطبري (9/233ـ234) وعمدة الطالب (98ـ99) ط النجف، وغاية الاختصار (22ـ25). ↑
- () الكامل (5/251) وانظر عن ولاية بني الحسن على المدينة خلاصة الكلام في أمراء البيت الحرام لابن دحلان ط. القاهرة سنة 1305. ↑
- () المقاتل لأبي الفرج (227). ↑
- () المصدر نفسه (229، 252ـ255) وراجع عن أدب إبراهيم عمدة الطالب (95). ↑
- () وأبدع ما في قصيدة بشار هذه قوله:إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن
برأي صديق أو إشارة حازم
وخل الهوينا للضعيف ولا تكن
نؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
فإنّ الخوافي قوّة للقوادم
وحارب إذا لم تعط إلاّ ظلامة
شبا الحرب خير من ركوب المظالم
انظر الملاحم والفتن لرضي الدين بن طاووس (161ـ162) ورويت هذه المقطوعة لبشار في شرح «درة الغواص» للشهاب الخفاجي في بحث له عن لفظة «المشورة». ↑
- () المقاتل لأبي الفرج (227) وتجد بعض خطبه في غاية الاختصار (18). ↑
- () الكامل (5/268) وتاريخ الطبري (9/255). ↑
- () تاريخ الطبري (9/248ـ250). ↑
- () المصدر نفسه (248). ↑
- () المقاتل لأبي الفرج (239ـ241، 245) وعمدة الطالب (95) ط. النجف. ↑
- () المقاتل (232). ↑
- () عمدة الطالب (96). ↑
- () انظر عن معركة باخمرى وعن الهفوات الحربية فيها شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (4/249). ↑
- () المقاتل (239ـ241). ↑
- () قف على هذا القول واسم قائله في تاريخ الخطيب (13/330). ↑
- () عقد الخطيب فصلاً عنوانه «إرادة ابن هبيرة أبا حنيفة على القضاء وامتناعه على ذلك» تجده في تاريخ بغداد (13/326ـ329). وانظر مناقب المكي (2/21ـ24) عن هذه القصة ومنها يظهر أنّها وقعت في سنة 130 أي قبل قيام الخلافة العباسية بسنتين. ↑
- () انظر في هذا الباب مناقب أبي حنيفة للمكي (1/151) ط. حيدر آباد. ↑
- () رويت هذه الخطبة في مناقب المكي (1/151) ومناقب ابن البزاز» (2/200) ويذهب بعضهم إلى أنّ أبا حنيفة كان في مكة عند بيعة السفاح بعد فراره من ابن هبيرة، وقد يُقال: إنّه دعي دعوة خاصّة إلى حضور الاحتفال بالبيعة في مدينة الكوفة ثمّ عاد إلى مكة. ↑
- () تاريخ بغداد (13/395 وما يليها). ↑
- () انظر هذه الروايات و كيف نوقشت في تاريخ بغداد (13/395ـ399). ↑
- () السهم المصيب (60ـ63). ↑
- () قف على معارضة أبي حنيفة للمنصور في إنفاذ جيشه إلى الموصل للفتك بأهلها في الكامل (5/277). ↑
- () قف على تفصيل ذلك في مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصفهاني (247ـ248، 256). ↑
- () له ترجمة في تاريخ بغداد (14/242). ↑
- () يراجع في ذلك بحث للمقريزي في خططه (4/144ـ146). ↑
- () يراجع للوقوف على الأقاليم التي غلب فيها مذهب أبي حنيفة كتاب (أحسن التقاسيم) للمقدسي، ويراجع عن بعض البلدان التي شاع فيها المذهب المذكور معجم البلدان لياقوت (2/193) ومقدمة ابن خلدون (312ـ314) ط. المطبعة البهية. ومقدمة الفوائد للكنوي. ↑
- () روى ذلك الطبري في تاريخه (9/206) ونقله ابن الأثير في الكامل (5/251) والسمعاني في كتاب الأنساب في مادة (الأصبحي) من الورقة (41) وقد نسب الضرب إلى والي المدينة وسمّى في كتاب الأنساب هذا «سليمان بن علي» والمشهور أنّه «جعفر بن سليمان بن علي». انظر تاريخ الطبري (9/264، 278) وانظر كتاب الإمامة والسياسة، وقد ولاه المنصور المدينة وعزل به واليها عبدالله بن الربيع بقي جعفر على ولاية المدينة إلى سنة (150) وفيها عزله المنصور. ↑
- () انظر البداية والنهاية لابن كثير (10/84). ↑
- () هذا النص في تاريخ الخلفاء للسيوطي (102) وقال السمعاني لفتياه في يمين المكره، وقال ابن النديم سعى به إلى جعفر بن سليمان فقيل له، إنّه لا يرى إيمان بيعتكم انظر الفهرست (198). ↑
- () الانتقاء لابن عبد البر والبداية والنهاية لابن كثير (10/84)، ومن أوفى المراجع في قصة مالك مع والي المدينة جعفر بن سليمان ومع المنصور بعد ذلك كتاب الإمامة والسياسة للدينوري (150/159) وانظر عن حكم يمين المكره في البيعة وفتوى مالك بشأنها وعن محنته بسبب فتواه المذكورة مقدمة ابن خلدون (147) ط. المطبعة البهية. ↑
- () راجع عن سيرة إدريس هذا تاريخ الطبري (6/14ـ31) ومروج الذهب (2/182ـ184) ومقاتل الطالبيين ط. النجف (324ـ327) والكامل (6/36ـ38) والعبر (4/12ـ14) والبيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب لابن عذاري المراكشي ط. ليدن (82ـ84، 110ـ215)، وفي هذا الفصل أخبار الأدارسة من بعد دخولهم إلى المغرب، وراجع أيضاً نفح الطيب للمقري (1/124ـ217) وكتاب الاستقصا لدول المغرب الأقصى للسلاوي ط. مصر (1/67) وما يليها، ومنهج المقال للاسترآبادي ط. طهران وقد عدّه في أصحاب جعفر بن محمد، ولاحظ اختلاف الروايات في تاريخ خروج الأدارسة. ↑
- () واقعة «فخ» من أشهر الوقائع في صدر الدولة العباسية بين العباسيين وبني الحسن وأنصارهم وقعت سنة 169، ورد ذكرها في كثير من كتب الأخبار والتاريخ والأنساب، نجد تفصيلها في الكامل لابن الأثير (6/36ـ38) أمّا صاحب فخ فهو الحسين بن علي بن الحسن المثنى خرج في أيام الهادي العباسي وتغلب عليه عسكر العباسيين في «فخ» فقتل وقتل معه جمهرة من أهله وأبناء عمّه العلويين، ويروي له ابن الأثير (الكامل، 6/38) نادرة من نوادره في الكرم والسخاء، وممّا هو جدير بالذكر أنّ صاحب فخ أراد الإمام موس بن جعفر على البيعة فردّه ونهاه وأخبره بمقتله كما فعل أبوه جعفر بن محمد مع غيره من بني الحسن فكان كما قالاه وأخبرا به، انظر في هذا الشأن «باب تفضيل المحق من المبطل في الإمامة» من كتاب الكافي (185)، أثارت وقعة فخ حماسة الهادي بن المهدي ـ وكان شاعراً ـ فأنشأ فيها أبياتاً يراجع عنها معجم الشعراء للمرزباني (379). ↑
- () وممّا هو جدير بالذكر أنّ ملوك طبرستان والديلم وجرجان ومازندران والطالقان ملكوا تلك الأقطار أكثر من مائة وثلاثين سنة بعد ذلك، وخطب لهم على المنابر وضربت بأسمائهم النقود وحاربوا الدول وقادوا الجيوش وأحدثوا ما أحدثوه من الآثار ينتمون على الأكثر إلى زيد بن علي وبعضهم إلى غيره من أولاد الإمام الحسين. وجلّهم على مذهب الزيدية، انظر عن ذلك شرح نهج البلاغة (3/486ـ487) وكتاب غاية الاختصار (66ـ67، 78) وراجع عنهم مقاتل الطالبيين. ↑
- () قف على أخبار يحيى هذا في كتاب الوزراء للجهشياري (189) وتاريخ الطبري (10/84ـ89) والمقاتل (308ـ334) وشرح ابن أبي الحديد (3/488) والكامل (6/50)، ووفيات الأعيان 1/158) ط. باريس. ↑
- () انظر عن جمع الفقهاء بأمر الرشيد واستفتائهم في صك الأمان واختلافهم في الحكم كتاب المقاتل لأبي الفرج ط. النجف (319ـ320)، والكامل (6/50). ↑
- () يرجع في هذا الباب إلى المقاتل (316ـ320) وإلى شرح النهج لابن أبي الحديد (4/352). ↑
- () توفي إدريس بسم دسّه إليه الرشيد على يد أحد الزيدية من الفرقة البترية ودفن في جبل «زرهون» المطل على مكناسة، وفي تاريخ وفاته بعض الاضطراب، انظر عن كيفة سمّه كتاب الفرق بين الفرق (24). ↑
- () في تاريخ وفاته أقوال مضطربة قد يعزى بعضها إلى تحريف النساخ، وقد أورد ابن الأثير وفاته في حوادث سنة 214 قائلاً: «وفيها توفي إدريس بن إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالمغرب وقام بعده ابنه محمد بأمر مدينة فاس فولّى أخاه القاسم البصرة ـ بصرة المغرب ـ وطنجة وما يليها واستعمل باقي إخوته على مدن البرابرة. ↑
- () الذخيرة (ق 1/م1/78). ↑
- () يفهم ممّا يكتب عن «فاس» في أسفار البلدانيين أنّها تنقسم إلى عدوتين ـ أي جانبين ـ الأولى «عدوة الأندلسيين» أسّسها أهل ربض قرطبة إذ فرّوا من الحكم الربضي سنة 192، انظر معجم البلدان، وكان الحكم المذكور سفاكاً للدماء، جاهر الأندلسيون بعداوته وعداوة بني أمية، وثاروا عليه غير مرّة، الكامل (6/75، 80). ↑
- () الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوي 40 القاهرة. ↑
- () أعيان الشيعة، تذكرة المتقين، خطباء همذان بالفارسية. ↑
- () راجع: الأدارسة. ↑
- () ينقل المولوي في كتاب المثنوي قصة شاعر ورد حلب في عاشوراء، ورأى المدينة مجلّلة بالسواد ومعطلة الأسواق، فظنّ أنّ أمير فيها قد مات. وحين سأل الناس قالوا له: يظهر أنّك غريب. ↑
- () عن أبي الفدا. ↑
- () وكان ابتداء إمرة سليمان بن عبد الجبار على حلب سنة 515 وانتهاؤها سنة 517 وذلك بطريق الاستنابة من عمّه ايلغازي بن ارتق واستردها منه لعجزه عن حفظ بلاده وذلك بتسليمه حصن الأتارب إلى الفرنج. ↑
- () تخرج بالشيخ المفيد (ره) عاصر شيخ الطائفة الطوسي (ره) والشريف المرتضى (رض) ولد سنة 372 وتوفي سنة 450. ↑
- () في كتابة أسماء مصنّفي علماء الشيعة ص159. ↑
- () المتوفى سنة 1033 بمكة المكرمة. ↑
- () ص118. ↑
- () لا يخفى أنّ أحمد بن عمر هو ابن أخي علي لا ابن ابنه. ↑
- () جاء في فهرست النجاشي ما يستفاد منه أنّ في رجال الشيعة من سبق المترجم بالتصنيف وجاء في كتاب الشيعة وفنون الإسلام في هذا الموضوع ما فيه زيادة للمستزيد. ↑
- () ج1، ص61. ↑
- () ج2، ص457. ↑
- () ج1، ص224. ↑
- () ج1، ص43. ↑
- () ج1، ص214. ↑
- () ج1، ص455. ↑
- () ج2، ص94. ↑
- () ج2، ص531. ↑
- () ج2، ص232. ↑
- () في الأصل مل. ↑
- () اليتيمة الجزء الأوّل، ص9. ↑
- () الوفيات م1، ص51، 52. ↑
- () الوفيات م1. ↑
- () اليتيمة الجزء الأول ص62. ↑
- () الوفيات ص52. ↑
- () اليتيمة ج1، ص8 و9. ↑
- () الوفيات م1، ص747. ↑
- () اليتيمة ج1، ص8. ↑
- () اليتيمة ج4، ص123، 172. ↑
- () ص76. ↑
- () م1، ص481. ↑
- () عن اليتيمة الجزء الرابع ص280. ↑
- () هكذا أرخ وفاته ابن خلكان وأمّا ابن الأثير فقد أرّخ وفاته في كامله سنة ست وسبعين… ↑
- () نسبة إلى شمشاط وهي من الجزيرة الفراتية نقل القلقشندي في صبحه عن العزيزي ضبطها هكذا. ↑
- () منقول هذا الكلام عن الوفيات م1، ص504 و505. ↑
- () الذي في الوفيات الحلاّء لا الخلال بفتح الحاء المهملة تشديد اللام ألف وإنّما قيل له ذلك لأنّه كان يعمل حلبة من النحاس. ↑
- () عن الوفيات م1، ص505. ↑
- () ج1، ص173. ↑
- () م1، ص505. ↑
- () نقل عنه صاحب الوفيات ما يلي: قال السمعاني هذه النسبة إلى قرية من قرى نيسابور نسب إليها جماعة. ثمّ قال وأمّا أبو الحسن علي بن إسحاق بن خلف البغدادي المعروف بالزاهي فلا أدري ينسب الى هذه القرية أم لا غير أنّه بغدادي. ↑
- () عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب. ↑
- () العريض قرية على أربعة أميال من المدينة. ↑
- () الجزء الرابع، ص314. ↑
- () الوفيات. ↑
- () في شجرة نسب الشريف الفوعي ما يلي (محمد الأوّل أمير المدينة المنورة ابن أحمد المدني المنتقل إلى مدينة حران ابن الحسين المدني أمير المدينة المنورة ابن إسحاق المؤتمن). وفي هذا النسب ما لا يتفق مع النصوص التاريخية فإنّا لم نجد فيها من ولي إمارة المدينة من بني إسحاق المؤتمن والقلقشندي ذكر طبقات أمرائها من صدر الإسلام الى عهده ولم يذكر بين ولاتها أحداُ من بني إسحاق. ↑
- () في عمدة الطالب ابن الطيب بن عبدالله. وعبدالله بن محمد بن عمر الأطرف بن علي بن أبي طالب. وللحسين الحراني عدّة أولاد ومن عقبه الحرانيون الذين ملكوا حرّان على آل وثاب كما عرفت في المتن. ↑
- () نسبته هنا مطابقة لما ورد في عمدة الطالب وأمل الآمل إلاّ زيادة اسم علي فإنّه ابن أحمد كما عرفت لا ابن علي. ↑
- () لم يعرف بهذه الكنية وإنّا لنبرأ بالعلاّمة البهائي على تحقيه ومعرفته بالرجال أن يظن المترجم أبا المرتضى والرضي الموسويين. ↑
- () في الاصل عند. ↑
- () لعله العازب فإنّه الأنسب معنى وسبكاً. ↑
- () الكشكول ص 92. ↑
- () ص26. ↑
- () كيف تتفق تسميته بموسى هنا مع تسميته في مديح القصيدة بمحمد في قوله وافق اسم ابن محمد. وفي البيت الذي يليه وسجايا محمد… ↑
- () الإهباء إثارة الهباء وهو الغبار والفتيان الليل والنهار. ↑
- () سقط الزند ص16 وعنون اسمه فيه كما عنونه بالقصيدة السابقة وهنا صرّح فيها باسمه موسى ولم نجد في نسب بني إسحاق الذين ينتمي إليه المترجم من معاصريه من سمّي بهذا الاسم فليتأمل (العرفان ج8) (المجلد 7). ↑
- () الحقيب من يأتيك من خلفك والنطيح من يأتيك من أمامك. ↑
- () في الأصل الفنوني. ↑
- () العرفان م7، ج8، ص457. ↑
- () العدد 1545. ↑
- () إذا كان باني المدرسة بدر الدولة وهو لم يستتب من عمّه ايلغازي على حلب إلاّ سنة 515 وسنة 517 انتزعها منه ابن عمّه يلك بن بهرام بن ارتق كما ترى خبر ذلك مبسوطاً في كامل ابن الأثير ومختصر أبي الفدا فكيف يصحّ القول بعد هذا بأنّه ابتدأ في عمارتها سنة 510. ↑
- () في آخر أمل الآمل أنّ ابن زهرة يطلق على حمزة المترجم ويأتي لمحمد بن عبدالله. وأحمد بن إبراهيم. وغيرهما. ↑
- () ج3، ص259. ↑
- () اسم لمكان فيه أشجار بظاهر مصر. ↑
- () في الأصل إبراهيم محمد بحذف (ابن). ↑
- () في الأصل ابن (إبراهيم) إسحاق. ↑
- () الشاد العامل على المكوس. ↑
- () دولر قلعة معناها: الديوان: أو دار الملك. ↑
- () لا يخفى أنّ بهار باللغة الفارسية معناه الربيع. ↑
- () أعيان الشيعة، تذكرة المتقين، خطباء همذان بالفارسية. ↑
- () وهو الشهر التاسع من أشهر السنة الإيرانية. ↑
- () من أكابر مشايخ القرنين الثامن والتاسع. توفي عام 830هـ. ↑
- () تذكرة الشعراء (دولتشاه) ص448ـ449. ↑
- () المقصود هو علاء الدين شاه الذي حكم من عام 862 إلى 865هـ. ↑
- () الملا النظيري هو غير النظيري النيسابوري. وهو من المتربين على يد الخواجة عماد الدين محمود گاوان (م 886هـ)، وقد حصل في بلاط السلاطين البهمنيين على لقب ملك الشعراء، بدعم من الوزير الفاضل محمود گاوان. ↑
- () العلويو النسب. ↑
- () راجع: السامانيون. (**: هم3 اخوة:علي،حسن،وأحمد) ↑
- () دراسات في العصور العباسية المتأخرة: 244. ↑
- () الأدب في ظل بني بويه: 16. ↑
- () تجارب الأمم: 6. ↑
- () الأدب في ظل بني بويه. ↑
- () الفخري: 344 والبداية والنهاية: 11ـ173 وشذرات الذهب: 3ـ18. ↑
- () الكامل: 6ـ230. ↑
- () الفخري: 244 ويراجع وفيات الأعيان: 1ـ158 وشذرات الذهب: 3ـ18. ↑
- () تاريخ الأدب العباسي ـ ترجمة الدكتور صفاء خلوصي ـ: 26. ↑
- () الفخري: 244ـ245 وقريب منه في الكامل: 6/230ـ231 والبداية والنهاية: 11/173ـ174 والسلوك: 1/25. ↑
- () تجارب الأمم: 5/278 وقريب منه في الكامل: 6/231ـ232. ↑
- () الكامل: 6/232. ↑
- () الكامل: 6/232 في تجارب الأمم: 5/279. ↑
- () الكامل: 6/232، وفي البداية والنهاية: 11/74 «سبعمائة فارس». ↑
- () الكامل: 6/235. ↑
- () الكامل: 6/235 ومثله في تجارب الأمم: 5/283. ↑
- () الكامل: 6/235 ومثله في تجارب الأمم: 5/298. ↑
- () يراجع في تفاصيل الاتفاقات الحسنة تجارب الأمم: 5/298. ↑
- () الكامل: 6/235 وقريب منه في تجارب الأمم: 5/300 والفخري: 246. ↑
- () يراجع في تفاصيل هذه الواقعة: تجارب الأمم: 5/352ـ356 ووفيات الأعيان: 1/158. ↑
- () الكامل: 6/258. ↑
- () ن.م: 6/263، ويراجع في تفصيل ذلك تجارب الأمم:5/378. ↑
- () ن.م.: 6/264. ↑
- () ن.م.: 6/272، ويراجع تجارب الأمم: 5/410ـ411. ↑
- () تجارب الأمم: 6/37. ↑
- () الكامل: 6/296، وقريب منه في تجارب الأمم: 6/50ـ51. ↑
- () ويحدّثنا مسكويه عن سبب هذا التراجع فيعزوه إلى عدم استطاعة معز الدولة ضبط جنده وتنظيم أمورهم: وإلى شحة المؤمن وقلّتها، ممّا أدّى إلى ذبح عدد من الجمال التي كانوا بحاجة إليها، الأمر الذي انتهى بأسر جماعة من أصحاب معز الدولة ونهب كثير من متاعه وعتاده فلم يجد بدّاً من التراجع. تجارب الأمم: 6/77ـ78. ↑
- () يقول مسكويه: «ورد الخبر بدخول ـ ينال كوشه ـ في طاعة الأمير أبي الحسين أحمد بن بويه وأنّ الأمير قد تحرّك من الأهواز يريد الحضرة، فاضطرب الأتراك والديلم ببغداد، تجارب الأمم: 6/84. ويقول ابن الأثير: «كاتب ـ ينال كوشه ـ معز الدولة بن بويه وهو بالأهواز ودخل في طاعته». الكامل: 6/314. ↑
- () تجارب الأمم: 6/85. ↑
- () وفي تجارب الأمم: 6/85 «الإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة». ↑
- () الكامل: 6/314، ومثله في تجارب الأمم: 6/85 والبداية والنهاية: 11/212. ↑
- () حول كتب الحديث التي ألّفها الكليني انظر ما كتبه هنري كوربان في حوليات المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، 1966ـ1967. ولكن بقي الكثير لكي نفعله قبل أن نتعرّف على أعمال الكليني في كلّ أبعادها. وأمّا فيما يخصّ لجوء الأشعري إلى القياس والمعارضة التي لقيها بسبب ذلك فانظر بحث السيد ألاّر في مجلة الدراسات الإسلامية: «الاعتراض على الأشعري». وانظر أيضاً بحث جورج مقدسي «الأشعري والأشاعرة في تاريخ الدين الإسلامي». بحث منشور في ستوديا اسلاميكا، المجلد (XVII-XVIII).H. Corbin: Annuaire de L’E.P.H.E, 1966-1967.
M. Allard: L’Opposition Faite a Al- Asari, in R.E.I., 1960 pp. 93 sv.
G. Makdisi: Asari and the Asarities in Islamic Religion History. In S.I. XVII-XVIII. ↑
- () فيما يخص أعمال جابر بن حيان انظر الموسوعة الإسلامية، مادة جابر بن حيان. ↑
- () انظر هنري لاوست، عقيدة ابن بطة. H. Laoust: Professeion de Foi, P, XLVII.فيما يتعلق بكل المؤلفين المذكورين في هذه الفقرة انظر أيضاً هنري لاوست: «المذهب الحنبلي في ظل خلافة بغداد». بحث منشور في مجلة الدراسات الإسلامية، 1959، ص67 وما تلاها.
H. Laoust: Le Hanbalisme sous le Califat de Bagdad, in R. E. I., 1959, pp67 sv. ↑
- () حول الباقلاني انظر الموسوعة الإسلامية. لا توجد حتّى الآن إلاّ دراسات جزئية حول هذا المؤلف المهم. ↑
- () هكذا يمكننا أن نبرهن على أنّه لا توجد خلافات جذرية بينهم فيها يتعلق بالإشكالية المطروحة أو بالحلول المعتمدة. فمثلاً نلاحظ أنّ ابن بابويه يدين «الغلاة» أي الشيعة المتطرفين، كما ويدين «المفوضة» أي الذين يعتقدون بأنّ الله قد توقف عن كلّ فعل في العالم أو عن التدخل في العالم بعد خلق محمد وعلي. إنّ ابن بابويه يعتبرهم جميعاً كفّاراً، وهو بذلك يلتقي بالموقف السنّي تماماً. انظر كتاب العقيدة الشيعية المذكور سابقاً Asite Creed ص: 100ـ101. نلاحظ أيضاً أنّ الفقيه الشيعي يبدو أقرب إلى الفلاسفة منه إلى المتكلمين وذلك فيما يخصّ بعض النقاط (كمسألة الصفات، والأفعال البشرية، والروح، وعدالة الله). ↑
- () يقول حس الأمين: من الخطأ القول بأنّ الصاحب بن عباد كان شيعياً ومعتزلياً، فهو شيعي، والشيعة يوافقون المعتزلة في كثير من الأمور التي هي من صميم العقيدة الشيعية، وموافقتهم هذه لا تجعلنا نقول عن واحد منهم إنّه شيعي ومعتزلي. وكذلك القول في الصفات التي أطلقها المؤلف بعد ذلك على الصاحب. فالصاحب شيعي إمامي، وليس له غير هذه الصفة. ↑
- () انظر «الرسائل» تحقيق عبدالوهاب عزام وشوقي ضيف، القاهرة، 1366. ↑
- () انظر مثلاً الرسالة التي كتبها الصاحب لتعيين القاضي عبدالجبار (في «الرسائل»، ص 34 وما تلاها). وبشكل أعم نلاحظ أنّ استيعاب مختلف التيارات يتجلّى عن طريق استخدام معجم ديني لدى الفلاسفة، ومعجم فلسفي لدى الأخلاقيين الدينيين أو الوعظيين ولدى المتكلمين (وبخاصة المعتزلة). انظر الكتب التالية: «تهذيب الأخلاق»، «المغني»، «نهج البلاغة»، «الإمتاع والمؤانسة». ↑
- () أكتب هذه الفقرة وأنا أشعر بحجم الجرأة التي ارتكبتها فيها. في الواقع إنّ كلّ جملة، بل وكلّ كلمة بحاجة إلى أطروحة أكاديمية كاملة من أجل فهمها والتحقق منها. بانتظار أن يحصل ذلك يمكن للقارىء أن يطلع على كتاب أندريه ميكل «الجغرافيا البشرية للعالم الإسلامي». منشورات موتون، 1967. ففيه يجد ملحوظات عديدة وذكية تفيده في تحديد الموضوع العام للأدب (بالمعنى الكلاسيكي للكلمة). وفي حين أنّ أندريه ميكل يكتشف الأدب من خلال علم الجغرافيا الكلاسيكي، فإنّنا نحن نكتشفه من خلال الفلسفة. ونلاحظ أنّ الدور المحوري والهام الذي لعبته الفلسفة قد خفي على المؤلف. سوف نسجل هنا الملاحظة التالية التي تدل على ريح الوقت في ذلك الزمان أو على متغيرات الساعة: فالمعارف التي كانت تستخدم في القرن الثالث لمحاربة الفلسفة أصبحت الآن تستخدم كقاعدة أو نقطة انطلاق لإغناء ممارستها! هذا ما نعلمه من كتاب «البصائر والذخائر» للتوحيدي. ومن المعلوم أنّه يشكل النظير المضاد لكتاب «عيون الأخبار» أو كتاب «المعارف» لابن قتيبة. انظر كتاب «البصائر والذخائر»، طبعة الكيلاني، مقدمة الجزأين الأوّل والثاني. (ومن المعروف أنّ ابن قتيبة كان عدواً لدوداً للفلسفة ولكلّ ما يدعوه بالعلوم الدخيلة). ↑
- () انظر ابن تيمية في «كتاب الرد على المنطقيين»، منشورات بومبي بالهند 1949. ↑
- () حتّى لو كانت هذه الحكاية مزورة (أي حكياة المشاجرة بين مسكويه وابن سينا) إلاّ أنّها تعبّر عن هذا الخط في تقييم الفلسفة. فمع ابن سينا نلاحظ أنّ الجانب التأملي الصرف من التفلسف يتغلب على الجانب العملي (من هنا سر هجومه على البغداديين «الغربيين»). وهذا الجانب من الفلسفة هو الذي سوف يتمثّل بشكل دائم من قبل التراث الثقافي الإسلامي. ↑
- () انظر كتاب جان بيير ڤيرنان، ص 40 وما تلاها. ↑
- () هذا المصطلح ينبغي أن نحتفظ به في الأذهان: فمعظم الفلاسفة العرب ـ المسلمين يفرضون أنفسهم علينا بواسطة صلابة قناعتهم أكثر ممّا يفرضونها بواسطة ما ندعوه بشكل تعسفي غالباً بالأصالة أو بالابتكارية أو بالعبقرية الشخصية، إلخ… ↑
- () نزعة الأنسنة في الفكر العربي لمحمد أركون. ↑
- () أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر، 2/227. ↑
- () ابن الأثير، الكامل في التاريخ، السنة 371هـ، ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، 219. ↑
- () الأسنوي، طبقات الشافعية، 2/25. ↑
- () ابن الجوزي، المنتظم، 15/343. ↑
- () الأسنوي طبقات الشافعية، 1/45. ↑
- () المصدر نفسه، 2/21. ↑
- () المصدر نفسه، 2/35. ↑
- () السبكي، طبقات الشافعية الكبرى 5/71. ↑
- () ابن الجوزي، 16/85. ↑
- () السبكي. طبقات الشافعية الكبرى، 5/271. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () حسين أمين تاريخ العراق في العصر السلجوقي، 221. ↑
- () رشيد الخيون. ↑
- () القفطي ـ الصفحة 79 و351. ↑
- () أو حسب قول ابن العبري أحمد بن محمد المنطقي الصاباني المتوفى سنة 379هـ (تاريخ ابن العبري الصفحة 176). ↑
- () القفطي ـ الصفحة 79. ↑
- () جاء ذكر وثيقة الاستشهاد والتواقع التي عليها في تاريخ الحكماء للقفطي. الصفحة 351 وما بعدها. ↑
- () يتيمة الدهر ـ ج2 ـ الصفحة 5 ودمية القصر ـ ج1 الصفحة 266. ↑
- () دمية القصر ـ ج1 ـ الصفحة 261. ↑
- () ج1 ـ الصفحة 268. ↑
- () أحسن التقاسيم الصفحة 449. ↑
- () أحسن التقاسيم ـ مقتبس من الصفحة 10 ـ وتوجد نماذج لهذه الخرائط والصور في كتاب المسالك والممالك للاصطخري وكتاب صورة الأرض لابن حوقل ونزهة المشتاق للشريف الإدريسي. ↑
- () أحسن التقاسيم ـ الصفحة 258ـ و448. ↑
- () معجم الأدباء ج2 الصفحة 315 ـ يقول السلطان إنّ محمود بعد هجومه على الري وضع هذه الكتب تحت المشانق وأحرقها. ↑
- () معجم الأدباء ـ في شرح حياة أبي الفرج الأصفهاني. ↑
- () تجارب الأمم ـ ج6 ـ الصفحة 224. ↑
- () تجارب الأمم ـ ج6 ـ الصفحة 246. ↑
- () ابن الجوزي ـ ج8 ـ الصفحة 64. ↑
- () ابن الجوزي ـ ج8 ـ الصفحة 22. ↑
- () عيون الأنباء ـ الصفحة 212. ↑
- () ابن الأثير ـ ج7 ـ الصفحة 224. ↑
- () الفخري ـ الصفحة 3. ↑
- () معجم الأدباء ـ ج6 ـ الصفحة 447. ↑
- () معجم الأدباء ـ ج5 ـ الصفحة 446. ↑
- () الهفوات ـ الصفحة 143. ↑
- () سيأتي ذكر الوراقين في فصل خاص. ↑
- () معجم الأدباء ـ ج6 ـ الصفحة 447. ↑
- () أحسن التقاسيم ـ الصفحة 413. ↑
- () عيون الأنباء الصفحة 439. ↑
- () ابن الأنباري ـ الصفحة 205. ↑
- () كشف الظنون ج1 ـ الصفحة 211 و212. ↑
- () مراجعة كتاب تذكرة النوادر طبع حيدر آباد الصفحة 136 و137. ↑
- () الفهرست ـ الصفحة 194. ↑
- () الاعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ـ الصفحة 183. ↑
- () ذيل تجارب الأمم ـ الصفحة 23. ↑
- () ذيل تجارب الأمم ـ الصفحة 23. ↑
- () كتاب غاية الاختصار ـ الصفحة 5. ↑
- () للاطلاع مراجعة مقال س ـ م ـ خان ترجمة السيد أحمد آرام من مجلة راهنماي كتاب السنة الحادية عشرة الأعداد 1 و2 و3. ↑
- () العددين 5 و6 ـ السنة الثانية الصفحة 94 رمضان 1387 هجرية. ↑
- () الغ بيك من ملوك السلالة التيمورية الأفاضل كانت له رغبة شديدة في العلوم والفلك والهندسة وكانت مدينة سمرقند في عصره مجمعاً لكبار علماء الرياضيات والفلك منهم غياث الدين جمشيد الكاشاني. ↑
- () صور الكواكب ـ الصفحة 26 ـ طبع حيدر آباد. ↑
- () القفطي في أخبار الحكماء ـ الصفحة 232. ↑
- () مسكويه ـ ج6 ـ الصفحة 408. ↑
- () ابن الكازورني ـ الصفحة 193. ↑
- () محاسن أصفهان ـ الصفحة 25 ـ 26. ↑
- () مسكويه ـ ج6 ـ الصفحة 408. ↑
- () أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة مانشستر، له مؤلفات عديدة منها كتابه الموسوم بـ «إمبراطورية الغزنويين في أفغانستان وشرقي إيران» طبع سنة 1963م. وكتاب «الدويلات الإسلامية» طبع سنة 1967م ونشرت له مقالات عديدة في مجلات علمية مختلفة من خلالها تتضح معرفة المؤلف الواسعة واهتماماته الكبيرة بالدراسات الإسلامية، وبصورة خاصة بالأمور المتعلقة بجيوش عدد من الإمارات الإسلامية الشرقية مثلاً مقال «التنظيم العسكري عند الغزنويين». كذلك جيش الصفاريين وله مقالات وأعمال مترجمة أخرى لا يسع المجال هنا ذكرها. «المترجم». ↑
- () يقصد المؤلف من هذا الاستعمال الفعاليات السياسية الجريئة التي قام بها الدعاة الإسماعيليون ضد السلطة المركزية وضد من ناوأوا مبادئهم. إذ ذهب ضحية خناجرهم المشهورة عدد من الشخصيات البارزة من خلفاء وأمراء ووزراء. انظر كتاب البروفسور برنارد لويس الموسوم (The Assassins) لندن 1967م وكتاب هوجسن (The Order of Assassins) 1955م. «المترجم». ↑
- () وهم زعماء الديالمة الأول فـ (ليلى بن نعمان) ظهر سنة 308هـ واستولى على نيسابور. غير أنّ السامانيين قضوا عليه. أمّا (ماكان ابن كاكي) فكان قائداً في خدمة العلويين، وأخذ الري من السامانيين وكان (أسفار بن شيرويه) خصماً له. وأسفار شخصية عسكرية خشنة سيطر على آمل ثمّ طرد (ماكان) من الري. إلاّ أنّ مرداويج بن زيار، أحد قواده ثار عليه وقتله. ↑
- () هو أبو شجاع فناخسرو، ابن ركن الدولة الأكبر. كان في بداية حياته صاحب بلاد فارس بعد خاله عماد الدولة سنة 338هـ. وحصل على لقب عضد الدولة من الخليفة الميطع سنة 351هـ. ويعد من أشهر الأمراء البويهيين سواء من الناحية السياسية إذ بسط سلطته على مناطق واسعة أو من الناحية الإدارية إذ انتظمت الإدارة وعمّ السلام والهدوء وقضي على الفوضى أو من الناحية الاقتصادية والعمرانية إذ عمّ الخير وازدهرت الحياة الاقتصادية أو حتّى من الناحية الفكرية بتشجيعه الفكر والعلم والأدب. امتدّت إمارته على العراق خلال 367ـ372هـ. «المترجم». ↑
- () يرجع أصلهم إلى عائلة زرادشتية، أسلم جدّهم سامان على يد أسد ابن عبدالله القسري الوالي الأموي. وقد بلغت هذه العائلة أوجهاً زمن الخليفة المأمون إذ عيّن أولاد أسد بن سامان الأربعة في عدد من المناطق في ما وراء النهر كسمرقند وفرغانة وهراة. امتدّ حكمهم من سنة 261هـ إلى 389هـ في ما وراء النهر وإيران. وشجع السامانيون الشعراء الفرس كما أنّهم شجعوا على بعث النهضة الفارسية فكانت اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية. ↑
- () يرجع أصل الزياريين إلى مرداويج بن زيار الذي أعلن استقلاله في طبرستان وجرجان، واتّسع نفوذه بعد ذلك إلى أصفهان وهمذان. امتدّ حكم الإمارة الزيارية من سنة 316هـ إلى 434هـ «المترجم». ↑
- () لقد أضاف البروفسور بوزورث على ترجمته لكتاب لطائف المعارف هوامش عديدة مفيدة. «المترجم». ↑
- () يذكر الثعالبي هؤلاء الملوك التسعة والمناطق الخاضعة لهم… والملوك هم: محمد بن الياس، يوسف بن الوجيه، أبو الحسين ابن بويه، ناصر الدولة الحمداني وشمكير بن زيار، أبو علي بن بويه، علي بن بويه، صاحب الأحساء والقرامطة، صاحب البحر (ص83ـ84) «المترجم». ↑
- () لعب الزعماء العسكريون الأتراك دوراً رئيسياً في اختيار المتوكل خليفة بعد وفاة الواثق سنة 232هـ الذي رفض أن يسمّي الخليفة من بعده. وعلى هذا الأساس فإنّ العسكريين الأتراك وجدوا مجالاً فسيحاً لأنّ يتنفذوا ويقبضوا على زمام الأمور. وأهم ما اتّصفت به فترة الخليفة المتوكل: تزايد نفوذ الأتراك وتدخهلم في أمور البلاد، تصارع الخليفة مع الزعماء العسكريين الأتراك ونجاحه في بعض المحاولات إلاّ أنّه في النهاية ذهب ضحية. إذ قتل سنة 247هـ. ولمقتله أهمية خاصة فهو يعدّ أوّل نجاح حصل عليه الأتراك في تسلّطهم فكان بذلك بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العباسية. «المترجم». ↑
- () تمركزت الإمارة الغزنوية في أفغانستان والبنجاب وفي عهد مؤسسها سبكتكين امتدّت إلى خراسان أيضاً. امتد حكم الإمارة الغزنوية من سنة 351 إلى 582هـ.والسلاجقة إمارة تركية مشهورة، امتدّ نفوذ دولتهم من أقصى حدود غرب أفغانستان إلى ساحل البحر المتوسط. وانقسمت إلى عدد من الدويلات مثل سلاجقة إيران وسلاجقة الشام وسلاجقة العراق… إلخ. أمّا سلاجقة العراق فيمكننا القول بأنّ حكمهم امتد من سنة 447هـ عندما دخل طغرلبك بغداد ـ إلى سنة 590هـ. «المترجم». ↑
- () على الرغم من فقدان الكثير من الكتب التاريخية الفنية نسبياً عن الفترة البويهية، لدينا ما هو بالحقيقة مصدر معاصر لتاريخ الحياة الإدارية والعسكرية البويهية في تجارب الأمم لمسكويه. ويتضمن مادة من المؤرخين ثابت بن سنان بن قرة وهلال بن المحسن الصابي، وكذلك من موظفين ورواة في السلطة البويهية. ويعطي ابن الأثير صورة مترابطة عن تاريخ البويهيين، ويمكن القول إنّه قد استفاد من تاريخ هلال ومن ناحية أخرى فإنّه يبدو أنّ تكملة غرس النعمة- أبي الحسن محمد وهو ابن هلال الصابي معروفة فقط في كتاب سبط ابن الجوزي «مرآة الزمان».أمّا مؤلفات هلال الأخرى ككتاب «الوزراء» «ورسوم دار الخلافة» فإنّها تلقي ضوءاً قليلاً على الأمور العسكرية، على الرغم من أنّ الأوّل منهما يتعامل بصورة رئيسة مع الفترة التي سبقت مباشرة سيطرة البويهيين على السلطة. وفيما يتعلق بالمؤلفات الثانوية عن تاريخ البويهيين والحملات التي قامت بها جيوشهم فإنّهم يمكن الاعتماد على كتاب شبولر IRAN (بالألمانية) صحيفة 91 وما بعدها. وهناك مقالة عن السنوات الأخيرة للحكم البويهي كتبها هارولد بوين عنوانها «البويهيون المتأخرون» (باللغة الإنكليزية). غير أنّه بالاستطاعة أن نجد في كتاب آدم متز «الحضارة الإسلامية» (باللغة الإلمانية) صحيفة 19ـ28 معلومات عن سمات الإمارة البويهية. «المترجم». ↑
- () ذكر ابن الأثير اسم الرسول على أنّه ابن الجعد وقد أرسله مرداويج لإقناع وشمكير للالتحاق بأخيه فيقول ابن الأثير ما نصّه «فلمّا وصلت ـ الرسول ـ سألت عنه فدللت عليه فإذا هو مع جماعة يزرعون الأرز فلما رأوني قصدوني وهم حفاة عراة عليهم سراويلات ملونة الخرق، وأكسية ممزقة فسلمت عليه وأبلغته رسالة أخيه وأعلمته بما ملك من البلاد والأموال وغيرها، فضرط بفمه في لحية أخيه. وقال إنه لبس السواد وخدم المسودة يعني الخلفاء من بني العباس. فلم أزل أمنيه وأطعمه حتّى خرج معي فلما بلغنا قزوين اجتهدت به ليلبس السواد، فامتنع ثم لبس بعد الجهد. قال فرأيت من جهله أشياء أستحي من ذكرها…» ابن الأثير ج8 ص182ـ183. «المترجم». ↑
- () وهي الجبال الممتدة على الساحل الجنوبي لبحر قزوين «المترجم». ↑
- () أي الحرب الفارسية «المترجم». ↑
- () انظر كرستنس: «إيران في عهد الساسانيين» L’Iran sous les Sassanides (كوبنهاجن 1144) صفحات 204، 209ـ210. «والكتاب مترجم إلى اللغة العربية ترجمة د. يحيى الخشاب، 1957م، «المترجم», ↑
- () أبو العباس بن الموفق الملقب بالمعتضد بالله. خلف المعتمد على الله سنة 379هـ. وتعدّ فترته امتداداً لفترة أبيه الموفق القوية. إذ كمل عمل أبيه في إنعاش مركز الخلافة والتقليل من نفوذ الجنود الأتراك، كما أنّه ساعد على استقرار الأوضاع الاقتصادية والإدارية. وألغى المواريث وأسقط المكوس ونشر العدل ورفع الظلم عن الرعية «المترجم». ↑
- () الصابي: الوزراء ص15 (قال الصابي «وأصحاب المصاف بباب العامة» «المترجم». ↑
- () المصدر ذاته ص15. ↑
- () مسكويه: تجارب ج1 ص26، 38ـ39، الترجمة الإنكليزية ج4 ص29، 43. إنّ المقصود بالمعاون هنا «وظيفة الشرطة» وليست «جمع الضرائب» ويتثبت هذا التفسير بالإشارة الواردة في نفس المصدر ج1 ص139، الترجمة الإنكليزية ج1 ص156 المتعلقة بجندي تركي (إنّ نص الرواية هو «وفيها ـ سنة 312هـ ـ خلع على نجح الطولوني ورد إلى أصبهان لولاية أعمال المعاون بها». وممّا تجدر الإشارة إليه تعقيباً على قول البروفسور بوزورث إنّ هناك عدداً من الإشارات التي يفهم منها أنّ عامل المعاون المقصود به صاحب الشرطة فقط بل وأغا الأمير أيضاً، انظر مثلاً «متقلد الحرب والمعاون» أو «متقلد الحرب» أو «عامل الحرب» في مسكويه ج1 ص310، 364. واعتماداً على المقريزي (خطط ج2 ص323) أنّ صاحب الشرطة كان يسمّى أيضاً بالأمير. ومن المناسب القول بأنّ هناك بحثاً جيّداً عن موضوع الشرطة والمعاون كتبه Walter Behrnauer بعنوان: Memoire sur les Institutions de Police chez les Persian et les Turcs Journal Asiatique (XV 1860, Vserie) . in«المترجم». ↑
- () أبو عبدالكريم الملقب بالطائع جاء إلى الخلافة سنة 363هـ على أثر عزل بختيار البويهي للخليفة المطيع. وعاصر إمارة كلّ من بختيار وعضد الدولة وشرف الدولة وبهاء الدولة حتّى أجبر على خلع نفسه في سنة 382هـ «المترجم». ↑
- () يقصد المؤلف صحن السلام. انظر رسوم دار الخلافة ص81 «المترجم». ↑
- () هلال: رسوم دار الخلافة ص80ـ81. ↑
- () مسكويه ج2 ص90، 122، الترجمة الإنكليزية ج5 ص94، 126، انظر ابن الأثير ج8، ص310. ↑
- () أورده البروفسور بوزورث على هذا الشكلPartisans of the Dynasty par Excellence أي موالو الدولة الأوّل.«المترجم».كمثل على هذا انظر هلال في تجارب الأمم ج3 ص12، 41، 151، 242، 379، الترجمة الإنكليزية ج6 ص4، 39، 157، 256، 406. «ومن الجدير ذكره هنا أنّ المؤلف في الإشارات السابقة وغيرها كما سنبيّنه في أدناه يشير إلى هلال الصابي أو بعبارة أدق إلى قطعة من تاريخ هلال الموجودة في ذيل تجارب الأمم لأبي شجاع الروذراوري. والواقع أنّ تلك الإشارات لم تكن لهلال الصابي بل لأبي شجاع الروذراوري الذي ذيل تجارب الأمم لمسكويه. وأنّ القطعة من تاريخ هلال التي تحتوي على حوادث خمس سنين من سنة 389هـ وحتّى سنة 393هـ تبدأ من صحيفة 334 الى 460 من ذيل التجارب، «المترجم» انظر أيضاً التنوخي: نشوار المحاضرة ص154، الترجمة الإنكليزية ص168. لقد أوصى معز الدولة في وصيته (356/967) لابنه وخليفته في بغداد، عز الدولة بختيار، أن يرضي الديالمة ويرعاهم، ويلاحظ باستمرار انتظام دفع أرزاقهم، تجارب ج2 ص234 وما بعدها، الترجمة الإنكليزية ج5 ص248 وما بعدها (والنص هو «وصاه بمداراة الديلم وإزاحة عللهم عند أوقات استحقاقاتهم» المترجم).
غالباً ما يفرق مسكويه بين الديلم والجيل انظر مثلاً تجارب ج1 ص301، 302، ج2 ص85، الترجمة الإنكليزية ج4 ص340، 342، ج5 ص89. ويبدو أنّ هناك بعض المنافسة، إذا لم يكن عداء حقيقياً، بين المجموعتين. يذكر المسعودي أنه عندما حرّض الخليفة المقتدر نصر بن أحمد الساماني سنة 317هـ/929هـ ضد الداعي العلوي الحسن بن علي الأطروش وحليفه (ماكان بن كاكي)، أوصى نصر قائده أن يستفيد من الضغائن والتنافر الموجود بين العناصر الديلمية والجيلانية في صفوف جيوش (ماكان). انطر مروج ج9 ص706. ويمكن القول إنّ لهذه العداوة بعض الجذور الدينية. إذ يقدّم المقدسي ص367 ملاحظة تفيد بأنّ الديلم كانوا شيعة، بينما كان الجيلانيون سنة. غير أنّ السبب الأساس للانقسام كان بدون شك اجتماعياً وجغرافياً وتضارب المصالح بين الجيليين في الداخل والساحليين على سواحل بحر قزوين. ↑
- () مسكويه ج2 ص110. الترجمة الإنكليزية ج5 ص113. ↑
- () أحسن التقاسيم ص369 «إذ جاء أنّ الديالمة كان لهم مجالس في السكك والأسواق مرتفعة يجتمعون بها بأيديهم الزوبيات، وعليهم الأكسية الطبرية. «المترجم». ↑
- () هلال” رسوم دار الخلافة ص16، تجارب الأمم ج3 ص112، الترجمة الإنكليزية ج6 ص116ـ117. ↑
- () تشبه القصة العربية المشهورة قيس وليلى «المترجم». ↑
- () القسم الأوّل نشر في مجلة مدرسة الدراسات الشرقية BSOS مجلد 11 (1943ـ1946م) ص762. ↑
- () ناوك (مصغر ناو) جاء في المعجم الذهبي: «فارس عربي» إنّه سهم أو نبل صغير أو أنبوبة ترمى منها النبال الصغيرة. «المترجم».تلطف الدكتور دي. ان. مكنزي في درسة الدراسات الشرقية والإفريقية في لندن بأنّ أرسل لي ملاحظة لغوية تخص كلمة جوبين. والقسم الرئيسي منها هو الآتي «إنّ أصل الكلمة غير واضح، وهناك شكل آخر لها مثل Suvin Sevin أو svin ويظهر أنّها أمنية. وأنّ هوبخمان Hubschman في كتابه «قواعد اللغة الأرمنية» ِArmenische Grammatic (القسم الأوّل) «باللغة الألمانية» ليبزج 1895 ص394ـ395 قارن هذه الكلمة بكلّ من كلمة جوبين والأخرى إغريقية، ولكن السبب يتعلق باللفظ فإنّ الصبغة أو الشكل الأرمني لا يحتمل أن يكون مستعاراَ من الفارسة، ولا يظهر أنّ كلمة جوبين قد أثبتت في الفرثية أو الـ MP غير أنّه ليس هناك من سبب يدعو بأنّها لم تكن موجودة في مصدر «ويس ورامين» وهو مصدر الفترة التي سبقت الإسلام. ويستمر الدكتور مكنزي فيذكر B. Benveniste في مقالته الموس Noms d’Armes Orientaux «أي أسماء الأسلحة الشرقية في اللغة الإغريقية «المترجم» ونشرها في: en Grec Melanges, Emile Boisacq, Annunaire de L’Institute de Philologie et d’Histoire Orientales et Slaves, V (Brussels, 1937), P. 45-46.
وفي هذه المقالة يتحدّث (بنفنست) عن اتصالات الشعوب التي سبقت اليونانيين مع الشعوب المحاربة التراقية والسكثية (des Peupes Guerriers, Scythes et Thraces Mélés).
وهناك مثال ذوي مغزى عن اختلافات الأسماء والصيغ لكلمة رمح (un exemple significatif par la diversit ses forms est le nom de L’épieu). ويذكر المؤلف أشكال الكلمة في كل من اللغات الآتية، الإغريقية، اللاتينية Sibyna وsybina والفارسية Zopin, robin, zobin والأرمنية svin, sevin, suvin والسريانية swbyn والآرامية swpyn Festus P453, donne sybina pour illyrien, II se seut, quant ب L’origine imm إ diate. Mais ب travers L’illyrien, ce doit etre un mot thracoscyhe qui s’est propag إ simultan إ ment ب L’Ouest et ب L’Est de la Mer Noire.
والمقصود بهذه الجملة الفرنسية أنّ (فستوس) يقترح بأنّ أصل كلمة Sybina يرجع إلى اللغة الاليرية وعن طريق هذه اللغة أصبحت تراقية – سكثية وأخذت تنتشر في الوقت ذاته على السواحل الغربية والشرقية للبحر الأسود. «المترجم».
أمّا فيما يخص الناوك فإنّ الإشارة السابقة تؤكد الفكرة بأنّ القوس القديم الذي يرمى منه السهام والحجارة… إلخ وما شابه ذلك من الأقواس كانت معروفة في العالم الإيراني قبل 1100، وهذا ما يزعمه K. Hirri في كتابه:
Zur Geschichte des Mittellterlichern Geschutzwesens aux Orientalischen Quellen» (Helsinki 1941), P. 118 of 107.
وقد كرّره شبولر في كتابه (إيران في العصور الإسلامية الأولى ص491.
وهناك إشارة إلى ناوكيان (nawakiyan) في تاريخ بيهق لابن فندق يشير فيها إلى حوادث وقعت في نهاية القرن العاشر، وقد دوّنت مسبقاً من قبل كاهين في عرضه لكتاب Hurri في المجلة الآسوية JA مجلد CCXXXVI لسنة 1948م ص169. ويحتمل أنّ هناك إشارة أخرى وردت في سجستان في القرن التاسع ذكرت في «تاريخ سيستان» لمؤلف مجهول. تحقيق ام. اس. بهار (طهران 1314هـ/ 1935م) ص194، والتي يمكن قراءتها على شكل سري ناوك sar-I nawak كما استنتجه المحقق نفسه في هامش (6) من الصحيفة المذكورة. ↑
- () ذكر البروفسور الاسم على شكل قرتكين والأصح عند مسكويه واب الأثير قراتكين. أمّا بالنسبة إلى لقب الاسفيجابي فيرجع إلى بلدة اسفيجاب. وهي بلدة كبيرة من أعيان بلاد ما وراء النهر في حدود تركستان (معجم البلدان ج1 ص249). وقد وردت عن ابن الأثير (حوادث سنة 341هـ) على شكل اسبيجاب. «المترجم». ↑
- () كان محمد بن رائق متولياً أعمال البصرة وواسط قبل أن يصبح أمير الأمراء سنة 334هـ. وفي تلك السنة بلغت أمور الدولة العباسية المالية والإدارية أسوأ حالتها. فلم تأت التغيرات الوزارية التي قام بها الخليفة الراضي بنتائج إيجابية لإنقاذ الارتباك المالي. لذلك طلب من ابن رائق أن يتقلد الأمور في بغداد، ويلقبه بلقب أمير الأمراء «المترجم». ↑
- () مسكويه: تجارب ج2 ص140ـ141، 145، الترجمة الإنكليزية ج5 ص47، 165. ابن الأثير ج8 ص254ـ255، 367 (لم يرد ذكر الحادثة التي أشار إليها البروفسور في صحيفة 140 من التجارب، وقد وجدناها في ج1 ص378 في حوادث 326هـ إذ يبين مسكويه أسباب انهزام بجكم فيقول «إنّ المطر اتصل أياماً كثيرة فعطلت القسي ومنع ذلك الأتراك أن يرموهم بالنشاب» «المترجم». ↑
- () وهي مدينة في إيران وتعتبر آخر حدود آذربيجان. وهي مدينة كبيرة نزهة خصبة كثيرة الزرع والثمار وليس ما بين العراق وخراسان بعد الري وأصبهان مدينة أكبر ولا أخصب ولا أحسن موضعاً منها. معجم البلدان ج1 ص558 «المترجم». ↑
- () ذكره مؤلف المقالة «الأمير المسافري» وبناء على محقق تجارب الأمم أنّ المقصود به محمد بن مسافر الذي كان خليفة المرزبان ابن محمد على برذعة. انظر حاشية التجارب ج2 ص62. «المترجم». ↑
- () مسكويه ج2 ص62، الترجمة الإنكليزية ج5 ص68 (والنص «الا الديلم فإنّهم ثبتوا ساعة فقتلوا كلّهم إلاّ من كان بينهم فارساً واتبعوا الفل إلى البلد فهرب كل من كان له مركوب…» المترجم انظر مرغليوث في مقالته «سيطرة الروس على برذعة» (بالإنكليزية) نشرت في مجلة BSOS مجلد 1 (1917ـ1920م) ص88. ↑
- () هلال الصابي في مسكويه ج3 ص133، الترجمة الإنكليزية ج6 ص136ـ137 «الرواية المشار إليها التي حدثت وقائعها سنة 376هـ ليست لهلال الصابي بل لأبي شجاع الروذراوري. «المترجم» ↑
- () الطبري م3/1693 «حوادث سنة 253هـ وتقع في طبعة دار المعارف في مصر على جزء9 صحيفة 388. المترجم «مسكويه ج1 ص297ـ298، الترجمة الإنكليزية ج4 ص336ـ337 إذ تتعلق الرواية بمعركة لعلي بن بويه مع ياقوت والي بلاد فارس ووقعت سنة 322هـ/ 943م.ومن الممكن مقارنة هذه العملية بأخرى مشابهة لها تخصّ الجنود الرجالة عند الغوريين الذين يرد ذكرهم بعد قرنين، وكانوا أيضاً شعباً جبلياً شجاعاً كالديلم. فالجوزجاني يتحدّث عن استعمال الغوريين للكاروا Karwa وهو عبارة عن ستار للحماية معمول من جلد البقر ومبطن بالقطن ويوضع فوق الأكتاف كي يستعمل للدفاع عند التقدّم (انظر طبقات ناصري. تحقيق عبدالحي حبيبي، ط. ثانية، كابل 1342ـ43/1963ـ64) ج1 ص343. وقد ترجمه 1 ج. ج. جي. رافرتي (لندن 1881ـ1899) ج1 ص352ـ353. اعتماداً على (رافرتي) أنّ الكاروا كانت تستعمل في أفغانستان حتّى فترة دخول الأسلحة النارية. ↑
- () مسكويه ج2 ص77، الترجمة الإنكليزية ج5 ص81، هلال الصابي في التجارب ج3 ص321، الترجمة الإنكليزية ج6 ص344 «الرواية التي أشار إليها الأستاذ بوزورث ليست لهلال الصابي بل لأبي شجاع الروذراوري. «المترجم». ↑
- () مسكويه ج1 ص297ـ298، الترجمة الإنكليزية ج4 ص336ـ337، هلال في التجارب ج3 ص423، الترجمة الإنكليزية ج6 ص449 «ومن الجدير ذكره أنّنا لم نعثر على إشارة واضحة للنقطة التي أثارها البروفسور عند مسكويه ج1 ص297ـ298. «وأنّ ما جاء في النص هو (فحدثني من شهد الوقعة ـ 322هـ ـ من الديلم أنّه ترجّل ستة نفر من الديلم وضعوا تراسهم وتقدّموا زحفاً واستأخر من واجههم من أصحاب ياقوت… إلخ) «المترجم». ↑
- () تعني حرس البلاط. «المترجم». ↑
- () انظر بوزورث: التنظيم العسكري عند الغزنويين (مقالة بالإنكليزية) ص59. ↑
- () مسكويه ج2 ص77، 332، الترجمة الإنكليزية ج5 ص81، 360، انظر هلال في التجارب ج3 ص256، 271، الترجمة الإنكليزية ج6 ص272، 288ـ289 «الإشارة ينبغي أن تكون للروذراوري وليس لهلال الصابي». «المترجم». ↑
- () ورد الاسم في كتاب حمزة الأصفهاني على شكل وارداد اوندان وشيرذيل اوندان. انظر كتاب تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء بيروت 1961م. ص175 «المترجم». ↑
- () المصدر نفسه ص175. ↑
- () يذكر المقدسي أن «للديلم رسوم عجيبة لا يزوجون إلى غيرهم» أمّا الحادثة التي شهدها المقدسي فهي «وكنت في بعض الخانات فإذا بصبية تعدو ورجل شاهر سيفه يعدو خلفها يروم قتلها فقلت: ما فعلت حتّى استوجبت القتل. قال: إنّها زوجت إلى غيرنا» «المترجم». ↑
- () دخل الإسلام الديلم عن طريق عدد من الأئمة الشيعة وعلى رأسهم الحسن بن زيد الأطروش الملقب بالناصر الذي ذهب إلى منطقة جرجان وطبرستان في حدود سنة 250هـ فنشر الإسلام. «المترجم». ↑
- () مسكويه ج2 ص235ـ236، الترجمة الإنكليزية ج5 ص250 (والنص هو «واثبت كلّ من الديلم الساقطين كلّ من كان صريحاً في الديلم أو صريحاً في الجيل دون من اختلط بهم ممّن ليس منهم». «المترجم». ↑
- () تجارب ج2 ص312، الترجمة الإنكليزية ج6 ص333ـ334 «الرواية لأبي شجاع الروذراوري وليست لهلال الصابي. «المترجم» ابن الأثير ج9 ص100ـ101. انظر أيضاً عدم استحسان نظام الملك لعملية طرد الجنود في كتابه سياسة نامه «فصل 12» ترجمة Darke ص170ـ171، لأنّ رجالاً كهؤلاء ليس لهم تجارة أو حرفة عدا حرفة حمل السلاح فلا مفر لهم سيتحوّلون إلى قطاع طرق ومتمردين، مثل ما قع فعلاً زمن ملكشاه السلجوقي. انظر المجلة الآسوية (GA) ج10 ص76. ↑
- () مسكويه ج3 ص321، الترجمة الإنكليزية ج6 ص354، انظر أيضاً ج3 ص190، 331، 334ـ335 الترجمة الإنكليزية ج6 ص201، 357، 359ـ360. ↑
- () المسعودي: مروج ج9 ص29ـ30، مسكويه ج1 ص161، 310ـ315، الترجمة الإنكليزية ج4 ص182ـ183، 350، 356، مجمل التواريخ ص390. ابن الأثير ج8 ص222، 227. ↑
- () أحد قواد محمد بن رائق، أمير الأمراء، غير أنّه خرج عليه عند تضعضع موقفه. ودخل بجكم بغداد في سنة 327هـ إذ أصبح أميراً للأمراء بدلاً من ابن رائق سنتين من 327ـ329. «المترجم». ↑
- () ورد الاسم عند مسكويه على شكل خطلخ، وكان له الحجبة ورئاسة الجيش. تجارب ج1 ص204 «المترجم». ↑
- () مسكويه ج1 ص304، 353، الترجمة الإنكليزية ج1 ص344، 397، ابن الأثير ج8 ص226. ↑
- () ابن الأثير ج8، ص362، انظر أيضاً مسكويه ج2، ص115، الترجمة ج5 ص117. وفي هذه الرواية يظهر أنّ معز الدولة قد عانى الكثير من عدم احترام واحتقار أحد أقاربه له. (إنّ الشخص المشار إليه من نسل البروفسور بوزورث هو اصفهدوست أو اسفدوست وكان خال معز الدولة. أمّا الرواية فلقد جاءت على صحيفة 114 بدلاً من 115. وكذلك وردت عند ابن الأثير ج8 ص362. ونص الرواية كالآتي: كان يكثر الدالة عليه ويقل الهيبة له، وكان يزري عليه في كثير أفعاله) «المترجم». ↑
- () إمارة الباونديين الاسبهباذية لها جذور قديمة يمكن إرجاعها إلى زمن الساسانيين. دامت فترة وجودها من 45 إلى 750هـ/ 665ـ1349م. وكانت تسيطر على طبرستان. انظر مقالة البروفسور بوزورث.«The Political and Dynastic History of the Iraman World A.D. 1000- 1217th in The Cambridge History of Iran, Vol. 5. P. 27-29«المترجم» . ↑
- () انظر البيروني: الآثار الباقية ص28 الذي يستشهد بكتاب التاج لأبي إسحاق الصابي، كذلك مقالة Marquam «Der Stammbaum der Bujiden» in Beitrage zur Geschichte und sage von Eran. ZDMG XLIX )1895), P. 660-661. ↑
- () مسكويه ج2 ص96ـ100، الترجمة الإنكليزية ج5 ص100ـ105، ابن الأثير ج8 ص342ـ343، انظر امدروز Amedroz: الإدارة الشعبية في دور تدهورها من كتاب تجارب الأمم (الإنكليزية) ص827ـ828. «إنّ الإشارة المقتبسة من مسكويه تقع في صحيفة 100. «المترجم». ↑
- () أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي وزير معز الدولة وأحد قواده. عيّنه عبد وفاة الصيمري سنة 339هـ. وقد شارك في عدد من الحملات العسكرية منها الحملة التي أرسلها معز الدولة ضد عمران بن شاهين في البطيحة، كما أنّه سار من الأهواز إلى البصرة لصدّ هجوم القرامطة على المدينة سنة 340هـ. «المترجم». ↑
- () مسكويه ج2 ص162ـ166، 173ـ174، الترجمة الإنكليزية ج5 ص173ـ178، 186ـ188، ابن الأثير ج8 ص385ـ387. (قال مسكويه «فابتدأ ـ معز الدولة ـ يجازي الأتراك بالإحسن فقوّد منهم جماعة واستحجب جماعة ونقب جماعة ورفع كلّ طبقة إلى ما هو أعلى منها». أمّا فيما يتعلق بتوكيل المهلبي قال مسكويه ما نصّه «وكتب إلى وزيره المهلبي يجمعهم ـ الديلم ـ من جميع النواحي والاعمال، والتوكيل بهم والمسير معهم إلى آخر الحدود ليتفرّقوا حيث شاؤوا…» «المترجم». ↑
- () تجارب ج2 ص234ـ237، الترجمة الإنكليزية ج5 ص248ـ251، ابن الأثير ص426. ↑
- () جاء الاسم عند مسكويه على شكل بكتجور انظر ج2 ص282 «المترجم». ↑
- () يذكر عند مسكويه على شكل سبكتكين الحاجب، وجاء لقب العجمي في ج2 ص247 «المترجم». ↑
- () مسكويه ج2 ص282ـ283، 323 وما بعدها، الترجمة الإنكليزية ج5 ص302ـ303، 349 وما بعدها، ابن الأثير ج8 ص466ـ468، 476. ↑
- () هلال الصابي في التجارب ج2 ص158، 264ـ265 (الرواية لأبي شجاع الروذراوري وليست لهلال، المترجم) ابن الأثير ج9 ص43ـ44، 78. ↑
- () هلال في التجارب ج3 ص311ـ315، الترجمة الإنكليزية ج6 ص233ـ337، الإشارة لأبي شجاع الروذراوري إذ ذكر عدد الذين أسقطوا بـ 650 رجلاً أمّا أسماء ابني بختيار فهما: أبو القاسم اسبام وأبو نصر شهفيروز. «المترجم». ↑
- () كان في بداية الأمر قائد صمصام الدولة القدير، بعدها استسلم إلى بهاء الدولة ودخل خدمته. وعيّنه أوّلاً والياً على الأهواز ومنحه لقب عميد الجيوش ثمّ جعله حاكماً على العراق سنة 392هـ. «المترجم». ↑
- () هلال في التجارب ج3 ص319ـ321، 323ـ324، 327ـ328، الترجمة الإنكليزية ج6 ص342، 347ـ348، 352ـ353، «ترجع تلك الإشارات لأبي شجاع الروذراوري. «المترجم»، ابن الأثير ج9 ص106ـ107. ↑
- () «ممّا يجدر الإشارة أنّ البرفسور أوضح أنّ هناك دجالاً قد اتبعه سبكتكين بينما تذهب رواية كلّ من مسكويه وابن الأثير إلى أنّه في سن 357هـ ظهرت دعوة في بغداد بين الخاص والعام إلى محمد ابن عبدالله من أهل البيت وهو الذي وعد به الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأنّه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكان سبكتكين من جملة من بايعه إذ كان يتشيع. انظر تجارب ج2 ص247، الكامل ج8، ص431. «المترجم». ↑
- () يقدّم مسكويه وهلال في عدد من الحالات أعداد الجيوش المشتركة في الغزوات والحروب، نذكر بعضها كأمثلة. فقد احتوت القوات المتحدة للقائد الساماني ابن علي بن محتاج والأخوين البويهيين، علي والحسن، التي حاربت وشمكير بن زيار سنة 329هـ/ 941م على (7000) ديلمي وجيلاني بالإضافة إلى الأعراب والأتراك. وكان ضمن قوات بجكم (1500) ديلمي. وعندما قدم شرف الدولة بغداد سنة 376هـ/ 987م جمع قوّة مؤلفة من (1900) ديلمي وكان هؤلاء في جيشه الخاص، يضاف إليهم أولئك الذين كانوا في بغداد، و(3000) من الأتراك (لا يبدو أنّ رقم (19000) المرتفع يشير إلى نقص في أعداد الجنود الديالمة في نهاية القرن العاشر. والجيش الذي أرسل إلى الأهواز في السنة ذاتها (376هـ) من قبل فخر الدولة لصد هجوم قام به بهاء الدولة كان يضم (3000) من الـ ديالمة الخاصين ويضاف إليهم (4000) من أكراد حليفه بدر بن حسنويه وجماعة من الأعراب. انظر مسكويه ج2 ص5، 11ـ12، 13، ج3 ص132، 169، الترجمة الإنكليزية ج5 ص4، 11ـ13، ج6 ص137، 177ـ178. ↑
- () تجارب ج2 ص363، الترجمة الإنكليزية ج6 ص389. ↑
- () هلال في التجارب ج2 ص300، الترجمة الإنكليزية ج6 ص320 «الإشارة لأبي شجاع الروذراوري. «المترجم». وفي الرواية يشير إلى الجنود الديالمة والأكراد الذين كانوا في خدمة حسام الدولة أبي حسان المقلد بن المسيب سنة 387هـ/ 997م. انظر امدروز «ثلاث سنوات من حكم البويهيين في بغداد من سنة 389ـ393هـ» (بالإنكليزية) ص750 وما بعدها. ↑
- () البيهقي: تاريخ مسعودي. تحقيق غني وفياض، طهران 1324هـ/ 1945م، ص288. انظر بوزورث: التنظيم العسكري عند الغزنويين (بالإنكليزية) ص55ـ56. ↑
- () تعدّ فترة خلافة أبي تميم محمد بن الظاهر المستنصر من أطول فترات الخلافة الفاطمية في مصر إذ بلغت عشرين سنة. وتعتبر من الفترات المهمة في شتى النواحي، فامتدّت سلطة الفاطميين فيها على بلاد الشام والحجاز وشمالي أفريقيا والموصل وبغداد وانتعشت الحياة الاقتصادية وعمّ الرخاء في مصر خاصّة خلال القسم الأوّل من خلافته «المترجم». ↑
- () سفرنامه، تحقيق. أم. دي. سياقي (طهران 1335هـ/ 1956م) ص61، 63 (يعتقد أنّ المؤلف يشير إلى أشهر عيد في مصر وهو عيد ركوب فتح الخليج. يقول ناصر خسرو «وامامه ـ الخليفة ـ ثلاثمائة راجل عليهم ثياب رومية مذهبة، وقد حزموا خصورهم وأكمامهم واسعة… ومعهم النشاب والسهام وقد عصبوا سيقانهم» انظر سفرنامه: ترجمة د. يحيى الخشاب، بيروت 1970م، صفحات 93، 96، 99. «المترجم». ↑
- () سياسة نامه، ترجمة Darke (فصول 19، 24، 25) صفحات 96، 103، 104. ↑
- () محمد بن إبراهيم: تاريخي سلجوقيان كرمان، تحقيق هوتسما، ليدن 1886م، صفحات 43، 49، 71، 81. ↑
- () هناك وصف جيّد عن تطوّر التلجئة في رواية لمسكويه، وتتعلق هذه الرواية بجنود معز الدولة الأتراك في أعمال البصرة وواسط والأهواز خلال سنة 347هـ/ 958ـ959م. انظر ج2 ص173ـ174. ↑
- () تجارب ج2 ص241ـ242، الترجمة الإنكليزية ج5 ص256 (قال مسكويه «وأقطعه إقطاعاً بخمسين ألف دينار على رسم الوزراء» «المترجم». ↑
- () هلال في التجارب ج3 ص165ـ166، 362، الترجمة الإنكليزية ج6، ص173ـ174، 290. انظر صحيفة 34ـ35 من المقالة «الرواية لأبي الروذراوري المترجم». ↑
- () تجارب ج2 ص96ـ99، الترجمة ج5 ص100ـ104، ابن الأثير ج8 ص342ـ343. ↑
- () تجارب ج2 ص238، الترجمة الإنكليزية ج5 ص253. ↑
- () وتعني إدارة الجيش عند العباسيين: دراسة حول ديوان الجيش لأبي الفرج قدامة «المترجم». ↑
- () انظر تجارب ج2 ص368، ج3 ص348، 351 (ورد لفظ الرجالة الكوج) صحيفة 378، ابن الأثير ج9 ص115. ↑
- () انظر مسكويه ج 2 ص442ـ443، الترجمة الإنكليزية ج6 ص471 «الرواية ليست لمسكويه وإنّما لهلال الصابي في قطعة من تاريخه الموجودة في ذيل تجارب الأمم. «المترجم». ↑
- () هلال في التجارب ج3 ص40، الترجمة الإنكليزية ج6 ص198 «الرواية لأبي شجاع الروذراوري وليست لهلال الصابي. المترجم». ↑
- () مسكويه ج3 ص187، الترجمة الإنكليزية ج6 ص198 «الإشارة ينبغي أن تكون لأبي شجاع الروذراوري وليست لمسكويه أمّا الأسماء فهما: أبو الفضل محمد بن أحمد عارض الديلم، وعلي ابن أحمد عارض الأتراك، «المترجم». ↑
- () الوزراء ص17ـ18. ↑
- () انظر Hoenerbach, Zur Heeresverwaltung der Abbasiden, P. 269 ff. ↑
- () انظر الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص64ـ65. (يعرف الخوارزمي الوضع فيقول إنّه «أن يحلق على اسمه فيوضع عن الجريدة» «والتساقط الذي يموت أو يستغنى عنه فيوضع عن الجريدة» انظر مفاتيح: المطبعة المنيرية ص42ـ43 المترجم». ↑
- () مسكويه ج1 ص357ـ358، الترجمة الإنكليزية ج4 ص402ـ403، ابن الأثير ج8، ص246. ↑
- () نشوار المحاضرة (اسم الرجل ابن جان بخش، وأنّه قد ورث مالاً جليلاً… وبعد أن دخل الديلم الأهواز عاشرهم هذا وأنفق أكثر ماله عليهم، فتعلم الكلام بالديلمية… وعرف أسماء قراهم وعلامات بلدانهم… فلمّا خفّ ماله، اشترى بغلين، ودابتين، وزوبينات وسلاحاً وآلة الجند وجعل لرأسه شعراً مثل شعر الجيل والديلم، وسمّى نفسه حلوز بن باعلي… وهذا الاسم من أسماء الجيل. قال: كنت أداخلهم، أي الديلم، وأدعوهم ولا يشكون، وأعطيهم علامات بلدانهم فإذا ما وقع من يفطن بي أعطيته شطر الرزق. وكنت آكل الثوم ولا أتعالج للصنان، وأصير جيفة على مذاهب الديلم… إلخ المترجم)… ↑
- () مسكويه ج2 ص236، الترجمة الإنكليزية ج5 ص251 (يقول مسكويه «أن يسلك ـ عز الدولة ـ فيهم سبيل أبيه في الاستحجاب والتقويد والتنقيب والزيادة في المنازل والمراتب» (المترجم). ↑
- () مفاتيح العلوم ص62 (يعرف الخوارزمي التسبيب بأن يسبّب رزق رجل على مال متعذر ليعيد المسبب له العامل على استخراجه فيجعل ورداً للعامل وإخراجاً إلى المرتزق بالقلم… المترجم). ↑
- () هلال في التجارب ج3 ص362، 381، 384،الترجمة الإنكليزية ج6، ص389ـ390، 402، 411ـ412، ابن الأثير ج9 ص118ـ119، امدروز مقالة «ثلاث سنوات من حكم البويهيين في بغداد من سنة 389ـ393هـ» (بالإنكليزية ص523). ↑
- () مفاتيح العلوم ص65. ↑
- () الوزراء ص16. ↑
- (3) أبو أحمد طلحة الملقب بالموفق والناصر كان أقوى من أخيه الخليفة المعتمد على الله وأكثر كفاية إذ استطاع بفضل حزمه وحنكته في السياسة أن يجمع الأمور جميعها بيده فلم يبق لأخيه المعتمد إلا اسم الخلافة. وهو الذي ضرب على أيدي القواد الأتراك وكبح من تسلطهم ونفوذهم، كما أنّه أفلح في القضاء على بعض الحركات والثورات التي هددت كيان الدولة العباسية. توفي سنة 378هـ وتولّى ابنه المعتضد بالله الخلافة من بعده «المترجم». ↑
- () يوسف بن ديوداذ «المترجم». ↑
- () مسكويه ج1 ص261، الترجمة الإنكليزية ج4، ص296. ↑
- () انظر: Hoenerbach, Zur Heeresverwaltung der Abbasiden, P. 279-82 . ↑
- () انظر امدروز، مقالة «ثلاث سنوات» ص774ـ775 ↑
- () مسكويه ج2 ص43، الترجمة الإنكليزية ج6 ص4. ↑
- ()انظر مفاتيح العلوم ص56 (إذ يعرف الخوارزمي الصك بأنّه «عمل يعمل لما يجمع فيه أسامي المستحقين وعدتهم ومبلغ مالهم ويوقع السلطان في آخره بإطلاق الرزق لهم» (المترجم) كذلك انظر: Hoenerbach, Heeresverwaltung, P. 28.. ↑
- () تجارب ج3 ص45، الترجمة الإنكليزية ص42ـ43. ↑
- () الكلمة عند مسكويه «الدرب، والنوبة» والمقصود بها الذين يحملون البريد. «المترجم». ↑
- () هلال في التجارب ج3 ص40ـ41، 59، الترجمة الإنكليزية ج6 ص27ـ38، 59، الترجمة الإنكليزية ج6 ص27، 38، 59 «هذه الإشارات ينبغي أن تكون لأبي شجاع الروذراوري. المترجم» انظر ادم متز: الحضارة (بالألمانية) ص25. ↑
- () مسكويه ج2 ص268، الترجمة ج5 ص402 حيث استخدمت فيول مقاتلة ضد عز الدولة. ولقد أشار التنوخي إلى وجود الفيلة عند البويهيين قبل ذلك التاريخ لبضع سنوات، إذ قال إنّه رأى في سنة 339هـ/ 950ـ951م فيلاً صغيراً في البصرة قد أرسل من قبل محمد بن يوسف بن وجيه، حاكم عمان، إلى معز الدولة. ↑
- () ويسمّى أحياناً بـ «حق البيعة» انظر ابن الأثير حوادث سنة 435هـ «المترجم». ↑
- () اب الأثير ج9 ص353. ↑
- () هلال الصابي في التجارب (الرواية لأبي شجاع الروذراوري يقول الروذراوري «والزيادات في الأصول محظورة على العموم إلاّ عند الفتوح وما تدعو السياسة إليه من استمالة القلوب». المترجم). ↑
- () هلال في التجارب «الرواية لأبي شجاع الروذراوري. «المترجم». ↑
- () العلويو النسب. ↑
- () البيهقي ص121. ↑
- () راجع: التعليقات تحقيق البدوي، ص8ـ9. ↑
- () راجع: الكتاب الذهبي للمهرجان الألفي لذكرى ابن سينا، ص55. ↑
- () راجع: مقدمة الكتاب المخطوطة، مكتبة جامعة طهران، رقم: 108. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () راجع: الشفاء، المقدمة، ص25. ↑
- () الدكتور السيد إبراهيم الديباجي في مقدمة كتاب (بيان الحق بضمان الصدق) الذي حققه وقدّم له. ↑
- () الشيخ محمد رضا الأنصاري. ↑
- () رآها ياقوت في سنة 616هـ كما ذكر في «معجم البلدان» طبعة فستنفلد، ج6، ص370. ↑
- () راجع: التعليقات، تحقيق عبدالرحمن البدوي، ص8. ↑
- () راجع: البيهقي، ص120ـ122. الشهرزوري، ص78. ↑
- () راجع: البيهقي، ص121. ↑
- () البيهقي، ص121. ↑
- () نفس المصدر، ص122. ↑
- () راجع: التعليقات. تحقيق البدوي، ص9. ↑
- () راجع: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج9، ص948. ↑
- ()راجع: التعليقات، ص8. ↑
- () راجع: ريحانة الأدب، ج5، ص139. ↑
- () راجع: تتمة صوان الحكمة، ص120ـ122. ↑
- () راجع: إتمام التتمة، المصوّرة في مكتبة جامعة طهران، رقم: 1799. ↑
- () راجع: التعليقات، ص9. ↑
- () راجع: فهرست مكتبة جامعة طهران، ج1/3، ص162. ↑
- () راجع: ريحانة الأدب، ج5، ص139. ↑
- () راجع: تاريخ النظم والنثر في إيران وفي اللغة الفارسية حتّى انتهاء القرن العاشر، ج1، ص54ـ55، 60 وراجع: أيضاً فهرست مكتبة جامعة طهران المركزية، ج1/3، ص162. ↑
- () راجع: الكتاب الذهبي للمهرجان الألفي لذكرى ابن سينا القاهرة، 1952، ص55. ↑
- () البيهقي، ص121. ↑
- () راجع: إتمام التتمة، المصوّرة مكتبة جامعة طهران رقم 1899، ج2. ↑
- () راجع: التعليقات، تحقيق البدوي، ص9. ↑
- () لاحظ ما سيأتي عن عهد المماليك. ↑
- () راجع ( ريحانة الأدب) تأليف محمد علي مدرس التبريزي ج5 ص76ـ78. ↑
- () يور سينا سعيد نفيسي ص131. ↑
- () المسالك والممالك ص235 في الترجمة الفارسية، مصدر 168 في الترجمة العربية. ↑
- () معجم البلدان لياقوت الحموي المجلد الثاني ص327. ↑
- () نزهة القلوب، لحمدالله المستوفي ص228. ↑
- () تعني كلمة (هرخانة كلّ بيت). ↑
- () GF. Gibbi, H, A, . Ibn Battuta Travels in Asia and Africa 171 and Barthold, v. V. Four Studies on the History of Central Asia Vi, I. P. 55. ↑
- () «ظفر نامه» شرف الدين علي يزدي المجلد الأوّل من 237، 293، 449. ↑
- () Lane Poole the Mohammadan Dynesties. 132. ↑
- () ريحانة الأدب، المدرس التبريزي ج4، ص200. ↑
- () من كاث إلى جرجانية ثلاث مراحل، فمن كاث إلى أردخشميشن مرحلة ومنها إلى نور قار مرحلة ومن نوزقار إلى جرجانية مرحلة، ويجري نهر جيحون خلال هذه المسافة (ابن حوقل ص 233). ↑
- () ٍSacbau Dr. Adward Albirunis India II 434. ↑
- () إذ اعتبرنا أنّ المسافة المقطوعة في كلّ يوم هي 5 ليكَ (18 ميل)، فحينئذٍ تكون المدّة اللازمة لقطع 960 ميل هي 53 يوماً. ↑
- () Gibb h.a.r. Abn Battuta Travells in Asia and Africa. P167. ↑
- () Kennedy E.S. Dictionary of Scientific Biography p. 3.وكذلك لغتنامه دهخدا تحت عنوان (أبو العباس). ↑
- () CFSachau, L.IX: Ency IS-T, I 1236 and Lane Poole 2886. ↑
- () تركنا كلمة (ليك) كما هي، دون أن نطبق عليها القاعدة النحوية. ↑