لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد السادس
بسم الله الرحمن الرحيم
إمام
ويُقال الإمام: والمنسوبون إليه يعرفون بالإمامي من أشهر قرى الديلم شمال غرب مدينة قزوين في أعلى قمم سلسلة جبال ألبرز الشامخة وتقع هذه القرية على الخط الجغرافي عرضاً 53 دقيقة و36 درجة وطولاً 4 دقائق و50 درجة وترتفع عن سطح البحر 1710 أمتار. في التشكيلات الإدارية الحالية تتبع (شهرستان) منطقة رودسر. وكانت قرية الإمام إحدى ثغور العلويين وقلاعهم ومحل تجمعاتهم وانطلاق ثوراتهم ضد النظامين الأموي والعباسي حيث نهض العلويون بعدد من الثورات في جبال الديلم وبويع لهم وتواريخها مسطورة في كتب التاريخ يطول علينا شرحها. وقد اتخذوا قرية الإمام عاصمة لهم. وهناك في هذه القرية عدد من قبور لأكابر زعماء العلويين منهم السيد كمال الدين المرعشي وأولاده والسيد غياث الدين ابن السيد عبد الوهاب المرعشي وغيرهم من المراعشة والعلويين الذين استلموا زمام الحكم وبويع لهم في الديلم ومازندران يقول السيد ظهير الدين المرعشي في كتابه [تاريخ طبرستان ورويان ومازندران] ما هو تعريبه: (… والسيد نصير الدين الذي كانت أمه تركية وله ولدان وهما السيد غياث الدين وقبره في قرية الإمام في هراة ودفن هناك…) ومما يجدر ذكره هنا أنّه قد نبغ في قزوين في أواخر القرن الخامس ومطلع القرن السادس أسرة عرفت بآل الإمامي نسبة إلى قرية الإمام، منهم الشيخ القاضي الديلمي القزويني، والشيخ أبو جعفر محمد بن علي القاضي الإمامي، والشيخ القاضي ناصر الدين ناصر بن أبي جعفر الإمامي وغيرهم والمذكور بعضهم في كتاب الفهرست لمنتجب الدين بن بابويه وقال الشيخ عبد الجليل القزويني في كتابه النقض: وبيت الإمامي وهم كثيرون ومنهم أبو جعفر الإمامي وأشار الدكتور السيد جلال الدين المحدّث في تعليقه على الفهرست إلى قرية الإمام ولا تزال هذه القرية معروفة حتّى اليوم باسم الإمام.
عبد الحسين الصالحي
إمام باره
إنّ كلمة (باره) هي صورة أخرى لكلمة (بارو) التي تعني في اللغة الفارسية القلعة أو السور أو الأرض التي يحيط بها جدار، وإمام باره: إضافة مقلوبة تعني قلعة الإمام أو سور الإمام، ويطلق هذا الاصطلاح في عرف الشيعة الهنود الناطقين باللغة الفارسية أو لغة الأردو على تكايا الشيعة وحسينياتهم ومراكز تجمعهم، وهي تشبه التكايا والحسينيات والمراكز الموجودة في إيران، والتي يستفاد منها كأماكن للتعازي والندبيات وحفظ الرايات والأعلام وسائر وسائل التعازي الأخرى ويستفاد منها أيضاً لإقامة الشعائر الدينية والأعياد ومجالس الفاتحة وغيرها من المراسم الأخرى، وعادة تكون أماكن الإمام باره هذه من الموقوفات والأماكن الخاصّة بالشيعة.
تبنّى هذه الأماكن في مراكز تجمّع الشيعة في جميع بلاد الهند وباكستان وبنغلادش وسريلانكا والبورمة وغيرها، وغالباً ما تقام إلى جانبها المساجد والمقابر.
أكبر أماكن الإمام باره وأشهرها، هي الموجودة في مدينة لكنهو والتي شيّدها سلاطين (أود) ذوو الأصل الإيراني.
إمام باره الآصفية
باني (الإمام باره) هذه ومسجدها الكبير ومناراتها هو آصف الدولة (1212هـ) ابن شجاع الدولة وهو رابع ملوك لكنهو من سلالة نواب أود، وقد فرغ من بنائها عام 1198هـ، بعد أن أنفق عليها عشرة ملايين روبية.
تحتوي هذه (الإمام باره) على مجلس ملكي أقامه آصف الدولة في سنة القحط لإطعام الجياع فيه، ثمّ أصبح هذا المجلس الملكي في السنين التالية جزءاً من الحسينية، ويستخدم في أيام عاشوراء وأيام العزاء الأخرى لإطعام المشاركين في مراسم التعازي.
تحتوي (إمام باره آصفية) على صحن واسع جدّاً وبناء رائع وكتابة مرمرية فارسية نفيسة. وفي الحسينية قاعة واسعة ذات طاق مقوس، يبلغ طولها 163 قدماً وعرضها 53 قدماً وارتفاعها 49 قدماً وتتوسطها مقبرة آصف الدولة. ويذكر أنّه لم تشاهد قلعة ذات طاق مقوس بمثل هذا الحجم في أي مكان آخر.
وكما كانت مراسم العزاء تقام في هذه (الإمام باره) وسائر إمام بارات لكنهو في زمن آصف الدولة، فإنّها لا تزال تقام في كلّ عام، حيث تفرش بأنواع السجاد الثمين وتكسى الجدران بالأقمشة السوداء وتضاء أجواؤها بآلاف المصابيح الملونة وتقام المراسم فيها باللغتين الفارسية والأردوية، وتسمّى (إمام باره آصفية) بالإمام باره الكبرى لكونها أكبر من سائر إمام بارات لكنهو الأخرى.
إمام باره حسن آباد
بنيت هذه الحسينية في مدينة لكنهو من بلاد الهند في عام 1837م بأمر من محمد علي شاه (1824ـ1837م) سادس نواب أود الشيعة.
تحتوي هذه الحسينية على صحن واسع جدّاً ومجالس ملكية كبيرة وأماكن كافية لإقامة مراسم التعزية والمراثي الحسينية. وممّا يضفي عليها جمالاً إلى جمالها وجود البرد العالي ذي الطبقات السبع الذي يسمّى بـ (سات خانه) أي (البيوت السبعة)، وكذلك وجود الحوض المرمري الكبير وسط الصحن.
تضاء آلاف المصابيح الملونة في أيام عاشوراء ويغرق برج وجدران وأشجار هذه الحسينية بالأنوار الساطعة، ويبذل الطعام لآلاف الأشخاص في ليالي عاشوراء.
وإلى جانب (إمام باره حسين آباد) يقع مسجد لكنهو الجامع بقببه المرمرية الثلاث ومنارتيه، وهو مطل على نهر (ﮔومتي)، وقد باشر ببناء هذا المسجد ملك أود ثمّ تابعت زوجته البناء بعد موته. وتبدو الخطوط الفارسية الجميلة في الحسينية وفي المسجد أيضاً.
الامتثال
1 ـ الامتثال في اللغة:
يقال: امتثلت مثال فلان: احتذيت حذوه وسلكت طريقه([1]).
وأما في الاصطلاح: فقد عرف بتعاريف، منها: الامتثال هو الطاعة. وهذا التعريف لجمعٍ من الأصوليين منهم المرتضى والتوني([2]).
وقد ورد في كثيرٍ من كتب الأصوليين ذكر الطاعة والامتثال مترادفين([3]).
ومنها: الامتثال هو الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب([4]).
ومنها: الامتثال: قصد الطاعة بفعل المأمور وترك المنهي([5]).
ويمتاز هذا التعريف عن سابقه بأنّه يعم امتثال الأمر والنهي بينما التعريف الثاني يختص بامتثال الأمر.
2 ـ مقوّمات الامتثال:
اعتبر الأصوليون أنّ تحقق الامتثال يتوقّف على توفّر أمور وإن ناقش بعضهم في البعض منها، وهي:
أوّلاً ـ القصد: ويوجد هنا اتّجاهان:
الاتجاه الأوّل: يرى أنّ الامتثال لا يتحقّق إلاّ بأن يتم فعل المكلف عن قصد([6]). وقد انقسم أصحاب هذا الاتجاه على رأيين:
أ ـ إنّ مقومية القصد للامتثال استفيدت من قوله (صلّى الله عليه وآله): «إنّما الأعمال بالنيات». ويبدو أنّ هذا رأي مَن تطرّق من أهل السنّة إلى هذه المسألة ومن بينهم: الاسنوي، والقرافي([7]).
ب ـ إنّ مقومية القصد للامتثال يحكم بها العرف. وهذا رأي الأصوليين من الإمامية، ومن بينهم الأنصاري والقمي([8]). وحمل بعضهم الرواية الآنفة على كونها ناظرة إلى اشتراط النية في العبادات فقط([9])، وإن جعلها البعض الآخر ـ مثل القمي ـ دليلاً آخر على مقومية القصد([10]).
وهذه النظرة العرفية دفعتهم ـ أي الشيعة ـ إلى أن يبحثوا حول نوعية القصد الذي يراه العرف مقوّماً للامتثال فبرز هنا قولان:
القول الأوّل: إن القصد المعتبر هنا هو قصد الامتثال بمعنى أن يكون غرض المكلف في فعله امتثال التكليف الصادر عن الشارع. وهذا القول يبدو من المحقق القمي([11]).
القول الثاني: إنّه يكفي في تحقّق الامتثال رجاء حصول الامتثال. بمعنى أن يكون قصد المكلف في فعله التوصّل به إلى ما يتحمل كونه تكليفاً([12]). وهذا قول المشهور عند الشيعة([13]).
ويبدو من بعض أصحاب هذا الاتجاه القائل بمقومية القصد للامتثال بأن لا فرق في الاحتياج إلى القصد بين الواجب التعبدي والتوصلي، ومن بين هؤلاء الأنصاري([14]) والقرافي([15])، بل صرّح البعض بذلك ومن جملة هؤلاء القمي([16])، وكذا الاسنوي كما نقل عنه الشعراني([17]).
ويبدو من كلماتهم أنّهم لا يعنون بقولهم هذا وجوب قصد الامتثال في التوصلي إذ إن عدم وجوبه محل وفاق بل يعنون أنّ الامتثال في التوصلي ـ كما هو في التعبدي ـ لا يتحقق إلاّ بالقصد([18]). ويبقى الفرق بين التعبدي والتوصلي في أنّ الامتثال في التوصلي ليس بواجب([19])، إذ ليس غرض الشارع منه إلاّ إيجاده في الخارج بأي نحو كان ـ أي: وإن لم يكن فعله مقروناً بالقصد ـ ولكن يترتب الثواب لو قرنه به([20]).
الاتجاه الثاني: يرى أن تحقّق الامتثال عرفاً لا يتوقف على أن يكون للمكلف قصد في فعله، وإنما وجب القصد في التعبدي لقيام دليل شرعي من الخارج.
وهذا الاتجاه هو للطباطبائي من الشيعة([21]) ويستظهره من بعض استدلالات علمائهم على اشتراط النية في بعض الأفعال وعدمه وكذا يستظهره من استدلال أبي حنيفة على عدم اشتراط النية في الوضوء بإطلاق دليله. وللمزيد يراجع مفاتيح الأصول.
ثانياً: العلم بالتكليف: ويوجد هنا رأيان:
الرأي الأول: يرى بأن العلم بالتكليف مقوم للامتثال، وهذا قول بعض علماء أهل السنّة([22]) وبعض علماء الشيعة([23]) وعللوا ذلك (أي: اعتبار العلم مقوماً) بأنّه لو لم يكن للمكلف علم بصدور التكليف فكيف بإمكانه قصد امتثاله.
الرأي الثاني: يرى بأن الامتثال يصدق حتّى مع عدم العلم بالتكليف. وهذا قول أصحاب القول الثاني حول نوعية القصد المعتبر (أي: الذين ذهبوا إلى الاكتفاء بقصد التوصل إلى مطلوب الشارع) غير أنهم يعدونه امتثالاً احتمالياً يكفي في تحقّق الطاعة([24]).
ثالثاً: المباشرة: وقد اعتبرها الأصوليون في موردين:
الأوّل: فعل المأمور به([25]).
والثاني: نيته([26])، فلا يعدّ المكلف ممتثلاً ما لم يباشرهما بنفسه، وقد استثنوا منها موارد دلّ الدليل فيها على عدم المباشرة، كما في موارد جواز النيابة.
3 ـ مراتب الامتثال:
اعتبر الأصوليون للامتثال مرتبتين هما:
الأولى ـ الامتثال العلمي: والمقصود منه إتيان المكلف بالتكليف الذي يعلم صدوره من الشارع، سواء كان بالعلم الوجداني أم الامارات والأصول المحرزة([27]).
وفيه مرتبتان:
أوّلاً ـ الامتثال العلمي التفصيلي: وهو إتيان المكلف بعمل يعلم أنّه المكلف به، كإتيانه بصلاة الظهر المعلوم أنها المكلف بها.
ثانياً ـ الامتثال العلمي الإجمالي: وهو إتيان المكلف بجميع الأطراف التي يتردّد التكليف بينها كإتيانه صلاتي الظهر والجمعة فيما لو تردّد الواجب يوم الجمعة بينهما([28]).
المرتبة الثانية ـ الامتثال غير العلمي: والمقصود منه إتيان المكلف بالتكليف الذي لا يعلم صدوره من الشارع. وفيه مرتبتان:
أوّلاً ـ الامتثال الظني: وهو الإتيان بالتكليف الذي حصل الظنّ غير المعتبر أنّه صادر من الشارع([29]).
ثانياً ـ الامتثال الاحتمالي: وهو الإتيان بالتكليف الذي يحتمل صدوره من الشارع، وقد ذكروا أن الامتثال الاحتمالي يمكن حصوله في موردين([30]):
المورد الأول ـ الشبهة البدوية: كما لو احتمل وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فأتى به.
المورد الثاني ـ العلم الإجمالي وإتيان المكلف بطرف من الأطراف فحسب.
4 ـ حكم الامتثال:
هناك أحكام تخصّ الامتثال أهمها ما يلي:
أوّلاً: وجوب امتثال التكليف الشرعي، وهذا موضع اتفاق الجميع. وقد صرّح الكثير من أُصوليي الإمامية وصاحب فواتح الرحموت من أهل السنّة بأنّ الحاكم بوجوب الامتثال هو العقل([31]). وذكر بعضهم أنّ أمر الشارع بوجوبه يُحمل على كونه إرشاداً لحكم العقل([32]). كما صرّح جملة من أُصوليي الإمامية بأنّ للشارع أن يتدخل في كيفية الامتثال([33]) بمعنى أن يقيد الامتثال بشروط معينة زائداً على ما يحكم به العقل، كاعتبار الشارع لزوم خلو العبادة عن أدنى شائبة الرياء([34]).
ثانياً: إنّ الرأي السائد لدى الأصوليين من الإمامية أنّه لا يصل الدور إلى الامتثال غير العلمي ما دام الامتثال العلمي ممكناً. كما إنّه لا يصل الدور في الامتثال غير العلمي إلى الاحتمالي ما دام الظني ممكناً([35]).
وجرى البحث بينهم في أنّه هل يصح الامتثال الإجمالي فيما لو كان التفصيلي ممكناً. وهنا أقوال أهمها ما يلي:
القول الأول: إنّه لا يصح ذلك فيما إذا توقف الامتثال الإجمالي على تكرار العمل، كإتيان المكلف بصلاتي الظهر والجمعة اللتين يتردّد الواجب بينهما. وهذا قول جمع من الأُصوليين منهم صاحب الحدائق والأنصاري والنائيني([36]).
القول الثاني: إنّه لا يصحّ مطلقاً، أي حتّى لو لم يتوقّف على التكرار، كأنّ شكّ المكلف في جزئية شيءٍ في الصلاة فأتى بها معه، مع إمكان تحصيل العلم في ذلك وامتثاله تفصيلياً. وهذا قول السيّدين الرضي والمرتضى([37]).
القول الثالث: إنّه يصحّ مطلقاً وإن توقّف على التكرار وهو القول السائد لدى متأخري الشيعة([38]).
ثالثاً: لو حصل امتثال غير علمي ثمّ انكشف أن ما أتي به هو التكليف المجعول بحقّه فهل هو مجزٍ أم لا؟ فهنا أقوال ثلاثة:
القول الأول: صحة وإجزاء المأتي به، وهو للإمام الخميني رحمه الله([39]).
القول الثاني: التفصيل بين ما إذا كان الامتثال العلمي ممكناً فعدم الصحة والإجزاء، وبين ما إذا كان غير ممكن فالصحة والإجزاء، وهذا ما ذهب إليه النائيني([40]).
القول الثالث: التفصيل بين ما إذا أدّى المكلف الفعل على أساس أنّه عبادة واجبة فعدم الصحة والإجزاء وبين ما إذا أدّاه على أساس أنّه عبادة مستحبة فالصحة والإجزاء، وهذا للميرزا الشيرازي([41]).
أحمد المبلغي
الأمثال السائرة
من شعر المتنبي
إنّ أبا الطيب لما ذاع صيته ولمع نجمه؛ لم تجد الأوساط الأدبية حديثاً أجمل من التحدّث عنه، ولا سمراً ألذَّ من تداول شعره، فسار به من لا يسير مشمِّراً، وغنّى به مَنْ لا يغني مغرِّداً.
ولذلك أصبح من أسمى أماني الوزراء والأمراء حينذاك أن يستقدموا هذا الشاعر الفحل ليخلدهم برائعة من روائعه السائرات، ويؤرخهم بقصيدة من قصائده الغرِّ العامرات. وكان هذا التمنّي يشتد ضراوة وإلحاحاً في نفوس أولئك الشبان الكتّاب الذين تقوى فيهم غريزة الطموح وحب الشهرة، ويرسخ في قرارة ضمائرهم شعور الكبراء والعُجب بالنفس كالصاحب ابن عباد.
ولهذا «يُحكى أنّ الصاحب أبا القاسم طمع في زيارة المتنبي إيّاه… وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذْ ذاك شابٌّ؛ وحاله حُوَيْلَة؛ ولم يكن استوزر بعد، وكتب إليه يلاطفه في استدعائه، ويضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزناً، ولم يُجِبْهُ عن كتابه ولا إلى مراده» فغضب ابن عباد من ذلك أشدَّ الغضب، ووُلِدَتْ في نفسه فكرة الانتقام والثأر للكرامة المجروحة، فكانت حصيلة ذلك رسالته في «الكشف عن مساوىء شعر المتنبي».
وعلى الرغم من الدوافع العدائية الحاقدة لتأليف تلك الرسالة؛ فإنّ ذلك العداء والحقد لم يطمس حسنات المتنبي فين ظر ابن عباد، ولم يمنعه من التأثُر بهذا الشاعر الكبير ومن الاستشهاد بشعره، بل من غربلة سائر قصائده ونخلها نخلاً دقيقاً لاستخراج «الأمثال السائرة» في ذلك الشعر وجمعها في رسالة منفردة.
لم تشر كتب قدماء المؤرخين إلى هذه الرسالة، ولعلَّ أوّل مَنْ ذكرها وكشف النقاب عنها هو السيد علي بن معصوم ـ الذي سيرد ذكره بالتفصيل بعد قليل ـ.
وذكرها من المتأخرين المستشرقين الألماني بروكلمان وأسماها «الأمثال السائرة من شعر المتنبي» وأشار إلى وجود نسخة مخطوطة منها في القاهرة، وذكره الزركلي فقال: «قد جمع الصاحب ابن عباد لفخر الدولة نخبةً من أمثال المتنبي وحِكَمِه». كذلك أسماها بالاسم السابق أيضاً بعض الباحثين المعاصرين الذين ترجموا للصاحب وذكروا أسماء مؤلفاته.
ولمّا كان الرسالة مؤلَّفة لـ «الأمير السيد الشاهنشاه فخر الدولة» فهي من أواخر مؤلفات ابن عباد إن لم تكن آخرها بالضبط، وقد كُتبتْ بعد عام 372هـ الذي أصبح فيه فخر الدولة شاهنشاهاً. وليس لدينا من كتب الصاحب ما نعلم تأليفه بعد هذا التاريخ.
إنّ النسخة الأُمّ لهذه الرسالة هي التي أوردها السيد علي خان المشتهر بابن معصوم المدني المتوفى عام 1118هـ في كتابه أنوار الربيع في أنواع البديع نقلاً عن نسخة معاصرة للصاحب نفسه، وقد قدَّم لها ابن معصوم في كتابه بما نصّه:
«7مدار الناس الآن على أمثال أبي الطيب المتنبي دون غيرها غالباً، وقد جمع منها ابن حجة في شرح بديعيته جملة حسنة. ولكنّي وقفتُ للصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد ـ رحمه الله تعالى ـ على رسالةٍ جمع فيها أمثال أبي الطيب السائرة لمخدومه فخر الدولة، ووُجِد بخط فخر الدالة على نسخة الأصل علامات على رؤوس بعض الأبيات، وهي علامات ما اختاره من الأمثال. وقد رأيتُ أن أُثبت الرسالة المذكورة بعينها، وأُثبت العلامات المزبورة لفخر الدولة ـ وهي خاء معجمة ـ علامة الانتخاب، وإنّما نقلتُها على ما هي عليه تعجُّباً من جودة نقده ودلالةً على أنّه اختيار الملوك وذوي الهمم العالية».
وعن كتاب ابن معصوم هذا نُشِرَتْ في مجلة ثقافة الهند؛ كما صرَّح بذلك الناشر في التمهيد لها.
ونشرتْ مجلة المقتطف هذه الرسالة من دون أيّة إشارة إلى المصدر الذي اعتمدتهُ أصلاً للنشر، وجاء في التقديم لها: «أمثال المتنبي: جمعها الصاحب ابن عباد لفخر الدولة، ويليق بكل طالب أن يكثر من تلاوة هذه الأبيات حتى يستظهرها ويصير قادراً على استحضارها».
واستخرج أحد الناشرين اللبنانيين ما جاء في المقتطف وزاد ونقْص فيه وأضاف إليه بعض الشروح التوضيحية ونشره باسم «أمثال المتنبي» سنة 1950.
ولديَّ ـ إضافةً إلى ما مرَّ ـ نسخة مصوَّرة بواسطة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة عن نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم (11 ـ أدب)، وهي في 16 صفحة من القطع الكبير؛ بحجم 3،22 سم ث 4،33 سم، وقد كُتبتْ بخط نسخ حديث، وليس في آخرها ذكر لاسم الناسخ أو سنة النسخ.
وقد أشار الدكتور محمد مندور إلى هذه الرسالة عند حديثه عن رسالة «الكشف عن مساوىء شعر المتنبي» فشكَّ في صحة انتسابها للصاحب وقال: «والذي يدهشنا من أمر الصاحب هو أن نراه ينقد [على] المتنبي هذا النقد المرَّ، مع أنّه قد تأثَّر به وأخذ عنه… ويزيدنا دهشة أنّ بدار الكتب الملكية رسالة منسوبة إلى الصاحب بعنوان ـ كتاب الأمثال السائرة من شعر المتنبي ـ، وفي مقدمتها يقول المؤلف إنّه قد وضعها لفخر الدولة بن بويه، وفيها زهاء ثلاثمائة وسبعون (كذا) بيتاً تجري مجرى الأمثال».
ثمّ يذهب الدكتور مندور بعد ذلك إلى الشك في نسبة الرسالة للصاحب، من دون أن يذكر لشكِّه سبباً سوى نقد الصاحب المر وتحامله الشديد على المتنبي وشعره في رسالة «الكشف».
ولو تصفَّح الدكتور مندور مقدمة «الكشف» لوجد الصاحب فيها معترفاً بإجادة المتنبي وإصابته في شعره، فهو يقول:
«… فسألني عن المتنبي فقلتُ: إنّه بعيد المرمى في شعره، كثير الإصابة في نظمه، إلاّ أنّه ربّما يأتي بالفقرة مشفوعة بالكلمة العوراء… وقد قيل: أي عالم لا يهفو، وأي صارم لا ينبو، وأي جواد لا يكبو».
فالصاحب ـ إذن ـ لا ينقد على المتنبي هذا النقد المرَّ لينكر إجادته وإبداعه في كلّ ما نظم، ولذلك سجّل ـ بعد الكشف عن مساوىء شعره ـ مجموع الأمثال السائرة التي تضمَّنها ذلك الشعر أيضاً.
اعتمدتُ في نشر هذه الرسالة على مصدرين:
1 ـ مخطوطة دار الكتب المصرية التي مرّت الإشارة إليها، وقد اعتددتُها الأصل.
2 ـ أنوار الربيع للسيد علي بن معصوم، طبعة إيران سنة 1304هـ.
ومع المقارنة بين هذين المصدرين فقد قارنتُ كلّ الأبيات الواردة في الرسالة بديوان المتنبي، وأشرتُ إلى مواضع وجودها في الديوان تسهيلاً على الراغب في مراجعته، وأثبتُ علامات اختيار فخر الدولة، بالشكل الذي وردتْ فيه أنوار الربيع.
قال الصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد:
الحمد لله الذي ضرب الأمثال للناس، {لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}، وصلّى الله على أفصح العرب، وسرِّ عبد المطلب، (صلّى الله عليه وعلى آله)؛ أخيار الأمم، وأنوار الظُّلم.
كم مثَلٍ ضُرِبَ، فيه الحجةُ البالغة، والحكمةُ الواضحة.
ثمَّ أنَّ الله تعالى قد أحيا بالأمير السيد شاهنشاه([42]) فخر الدولة وملك الأمّة ـ أطال الله بقاه، ونصر لواه –([43]) داثر([44]) العلوم والآداب، وأقام برأيه ورايته([45]) أسواقهما وكانت([46]) في يد الكساد بل الذهاب، فهو يُقدِّم على المعرفة، ويقرِّب على التبصرة، لا كالملوك الذين يقال لهم:
دعِ المكارمَ لا تنهضْ لبُغيتها
واقعدْ فإنَّكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي([47])
ومن نِعمِ الله تعالى([48]) عليه – أدام الله تعالى النِّعَمَ لديه – أنّ الله قرن ألفاظه بفَصْل المقال، ووشَّحَ كلامَه بضرب الأمثال، وسمعته – أعزَّ اللهُ نصره – يتمتّل كثيراً بفصوصٍ من شعر المتنبي هي لبُّ اللب، يضعُ فيها أمناءَ موضعَ النُقب.
وهذا الشاعر مع تمييزه([49]) وبراعته؛ وتبريزه في صناعته؛ له في الأمثال خصوصاً مذهب سبق به أمثاله، فأمليتُ ما صدر عن ديوانه من مَثَلٍ رائعٍ([50]) في فنِّه، بارعٍ في معناه ولفظه، ليكون تذكرةً في المجلس العالي، تلحظها العين العالية، وتعيها الأذن الواعية.
ثمَّ إنْ أمر – أعلى اللهُ أمرهُ – أمليتُ بمشيئة الله ما وقع من الأمثالِ في (كلِّ) شعرٍ جاهلي أو مخضرم أو إسلامي، فما أَجدُ مَنْ عمل في ذلك من الأدباء كتاباً مقنعاً، أو جمعاً مشبعاً. قَرَنَ اللهُ بالسعادة بأيَّامهِ، والمناجح بأعلامه، إنه فعّالٌ لما يريد.
مثال من الأمثال
قال المتنبي:
فَعُدْ بها لا عدمتُها أبداً
خيرُ صِلاتِ الكريمِ أعوَدُها
* * *
صبراً بني إسحاق عنه تكرُّماً
إنَّ العظيمَ على العظيم صَبورُ
* * *
يمَّمْتُ شاسعَ دارهم عن نيِّةٍ
إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ يزورُ
محمد حسن آل ياسين
أمْرُوهة
مدينة تابعة لمراد آباد من محافظة أوتربرادش (لكنهو) التي كانت قبل تقسيم الهند مركزاً من مراكز الإسلام والتشيع. ولا يزال عدد المسلمين إلى الآن يفوق عدد الهندوس فيها.
يعود الجزء الأكبر من بناء هذه المدينة للسادة الأشراف من أولاد الإمام علي الهادي النقي (عليه السلام) (214هـ). والجد الأعلى لهؤلاء السادة هو شرف الدين شاه الولاية الذي حطّ رحاله في هذه المدينة عام 700هـ وفارق الحياة فيها أيضاً. وقبره مزار فيها.
بني مسجد أمروهة الجامع في زمن حكوم كيقباد بن بغراخان ابن السلطان بلين في أواخر القرن السابع الهجري على أنقاض معبد هندوسي. وقد كان هذا المسجد مزاراً للمسلمين والهندوس، حيث يقصده كلا الطرفين للاعتكاف فيه بقصد التبرّك والاستشفاء. وينقل أنّ المصابين بأمراض نفسية يشفون حينما يلجؤون إلى هذا المستشفى ببركة الشيخ صدر الدين وهو أحد أولياء الله وكان مؤذناً في هذا المسجد. وبالإضافة إلى هذا المسجد، فهناك مائة مسجد في هذه المدينة وينسب إليها العديد من المشايخ والشعراء.
أمل الآمل في علماء جبل عامل
كتاب لمحمد بن الحسن الحر العاملي
يتألَّف الكتاب من قسمين تسبقهما مقدمة وتليهما خاتمة، أوّل القسمين «أمل الآمل في علماء جبل عامل»، وثانيهما «تذكرة المتبحّرين في العلماء المتأخّرين»، والمقصود المتأخّرون عن زمن «شيخ الطائفة» أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385ـ460هـ)، ويضيف إليهم بعض المعاصرين له من قارب زمانه.
وتتضمَّن كل من المقدّمة والخاتمة «فوائد تتحدَّث عن موضوع الكتاب وخصوصيّة هذا الموضوع، وأسباب تأليفه ومشروعية ذلك، والمنهج المتبع ومصادره، والاعتذار عن التقصير، إذ كان لا بد من أن يحدث ذلك في كلّ مؤلّف.
ولد محمّد بن الحسن، الحرّ العاملي، في بلدة مشغرة، الواقعة في البقاع الغربي، ليلة الجمعة الثامن من رجب سنة 1033هـ/1623م. في أسرة علميَّة عريقة أنجبت، ولا تزال تنجب، الكثير من العلماء ـ الفقهاء والشّعراء. قرأ في بلدته جملةً من كتب العربيّة والفقه وغيرها على أبيه وعمّه الشيخ محمد الحر وجدّه لأمّه الشيخ عبد السلام بن محمد الحر وخال أبيه الشيخ علي بن محمود، ثمّ انتقل إلى بلدة جباع، وكان يقطن فيها عدد من أفراد أسرته، وقرأ فيها على عدد من المشايخ، ونال إجازاتهم، وأقام فيها إلى أن دعته ظروف الحياة في جبل عامل إلى اتخاذ قرار بالهجرة إلى إيران.
عاش في وطنه أربعين سنة، حجَّ فيها مرَّتين، وزار الأئمّة (عليهم السلام) في العراق، ثمّ زار، في السّنة 1073هـ ـ 1662م، الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد ـ إيران، واتفق فيها مجاورته له، وسكن في تلك المدينة، حيث تولّى منصب شيخ الإسلام وقاضي القضاة، وعلّم في الصّحن الرّضوي، إلى أن توفّي سنة 1104هـ ـ 1692م، ودفن في المكان الذي أحبّ وجاور.
ألَّف الكثير من الكتب معظمها في الحديث، ومنها: كتاب «الجوهر السَّنيَّة في الاحاديث القدسيَّة» و«الصَّحيفة الثّانية من أدعية الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)» و«تفصيل وسائل الشّيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، و«هداية الأمَّة إلى أحكام الأئمَّة (عليهم السلام)» و«فهرست وسائل الشيعة» و«الفوائد الطوسيَّة» و«إثبات الهداة بالنّصوص والمعجزات» و«أمل الآمل في علماء جبل عامل»، و«الفصول المهمَّة في أصول الأئمة»، علاوة على عدد من الرّسائل، منها: «رسالة الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرَّجعة»، ورسالة في الردّ على الصوفيَّة، ورسالة تسمية الإمام المهدي اسمها «كشف التَّعمية في حكم التّسمية».
وله ديوا شعر لا يزال مخطوطاً، ذكر هو، في كتابه «أمل الآمل»، أنّه يتضمَّن، وكان ذلك عام 1073هـ، ما يارب العشرين ألف بيت، وتوجد نسخة منه في «كتابخانه ملك» في طهران، ونسخة أخرى في مكتبة السيّد الحكيم العامّة في النجف الأشرف.
تفيد قراءة هذا التراث، من الكتب والرّسائل، أنّ صاحبه فقيه محدّث، وشاعر أديب، وعالم معلّم. ويجد قارىء سيرته إجماعاً على وصفه بالمحدّث، فيقرأ في وصفه عباراتٍ مثل: «شيخ المحدِّثين»، «محدِّث القرن الحادي عشر» و«نابغة الرّواية» و«خرّيت علمي الفقه والحديث».
ويرى كاتبو هذه السّيرة أنّه كان أخباريّاً صرفاً في اتجاهه الفقهي. والأخباري يقف عند الحديث الشّريف، ولا يعدوه إلى غيره، أي إلى علم الأصول. وقد تحقّق تصاعد الحركة الأخبارية على يديه، ويعدّه بعض الباحثين المؤسّس الحقيقي لهذه الحركة. غير أنّه، وهو في هذا المقام في اتجاهه، لم يذهب مذهب التَّعصُّب ومعاداة الاتجاه الآخر = الاتجاه الأصولي، فهو يذكر في كتبه، ومنها «الوسائل» و«أمل الآمل» أعلام الفريقين بكلّ تجلَّة واحترام. ويصفه السّيد الخونساري، وهو أصولي كبير، «بسلامة النفس وجلالة القدر ومتانة الرأي ورزانة الطّبع والبراءة من التعصّب». ولا يجد رخصة لمن يقول عنه: «ليس حيقياً أن يُقلَّد، ولا يجوز الاستفتاء عنه، ولا يجوز العمل برأيه لأنّه أخباري».
عرف الكتاب، منذ نُشر، باسم قسمه الأوّل، ويُعرف الآن بهذا الاسم: «أمل الآمل». وهو كتاب في تراجم العلماء يُصنَّف في علم الرِّجال، وهذا علم يقدّم، كما يقول السيّد شهاب الدّين الحسيني المرعشي النجفي «معرفةً بحياة العلماء في طيلة أعمارهم». وهو؛ إذ يقدّم هذه المعرفة إنّما يكتب التاريخ الثقافي للحقبة التي عاش فيها هؤلاء العلماء، فيكون بذلك كتاباً في التاريخ الثقافي يُعنى بسيرة العلماء بخاصّة.
يتضمَّن الكتاب، في قسمه الأوّل، تراجم مئتين وأربعة عشر عالماً من العلماء العامليّين، يعود زمن أوائلهم إلى بدايات النهضة العلميّة التي عرفها جبل عامل منذ أواخر القرن السادس الهجري، وينتهي إلى معاصريه. ويستنتج القارىء زمن بدايات هذه النهضة من القرائن، فالمؤلِّف لا ينصُّ على ذلك، وإنَّما يقدّم ما يفيده، فنذكر، على سبيل المثال، ممّا يقدّمه ترجمة الشيخ نجم الدّين طومان بن أحمد الشامي العاملي المناري (نسبةً إلى المنارة، القرية العامليّة المحتلّة). يوصف هذا العالم، في كتب التراجم، بـ «الشيخ الأجل العالم الفقيه المجتهد»، وقد هاجر من جبل عامل وقرأ في الحلّة ـ العراق ابتداءً من سنة 630هـ/1233م إلى سنة 637هـ ـ 1239م، ما يعني أنّه يُفترض في منطقة تخرَّج فيها مثل هذا العالم أن تكون قد عرفت مستوى من النهضة العلميَّة يتيح فرص التعلُّم. ونذكر مثالاً آخر يفضي إلى النتيجة نفسها، وهو: «ذكر الشهيد الأوّل، في بعض إجازاته، أنّ والده جمال الدين أبا محمد مكي، رحمه الله، من تلامذة الشيخ العلاّمة نجم الدّين طومان والمتردّدين إليه…». وجاء في ترجمة الشيخ طه بن محمد بن فخر الدين، جدّ الشهيد محمد بن مكي: «عالم ثقة زاهد». فإن يكن الشهيد ابن مكي قد استشهد سنة 786هـ. فإنّ جدّه يكون قد تلقّى علومه في أواخر القرن السادس الهجري، أو أوائل القرن السابع الهجري، وهذا يقتضي أن يكون المحيط الذي عاش فيه قد عرف حالةً علميَّة تتيح هذا التعلُّم.
ويتضمَّن الكتاب، في قسمه الثاني، تراجم ألف ومئة وأربعة وعشرين عالماً من علماء المسلمين الشيعة، الإماميَّة، المتأخّرين عن زمن الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460هـ، وصولاً إلى معاصري المؤلّف ومن قارب زمنه.
ويمكن للباحث، إن تبيَّن دلالة دافع المؤلّف إلى تأليف كتابه، أو سبب التأليف، أن يعرف طبيعة النهضة العلميّة العامليّة وخصوصيّتها، فهو يقول، في مقدمة كتابه: «قد خطر في خاطري وبالي، ومرّ بفكري وخيالي أن أجمع علماء جبل عامل ومؤلّفاتهم وباقي علمائنا المتأخّرين ومصنّفاتهم إذ لم أجدهم مجموعين في كتاب، وإن وجد بعضهم في كتب الاصحاب».
يُصنّف هذا الكتاب في باب كتب التراجم، أو علم الرّجال. والتأليف في هذا العلم قديم عند المسلمين بعامّة والشيعة بخاصّة. والمعروف أنّ كتب الأوائل التي ألّفت ما قبل القرن الرابع الهجري فُقدت. ويعتمد الشيعة حتّى عصر الشيخ الطوسي أربعة أصول هي:
1 ـ «اختيار معرفة النّاقلين عن الأئمة الصّادقين»، لأبي عمرو ومحمد بن عمر بن عبدالعزيز الكشي، من أعلام القرن الرّابع الهجري.
2 ـ «معرفة النّاقلين عن الأئمة الصّادقين»، المعروف بـ «اختيار معرفة الرّجال» وبـ «رجال الكشي» للشيخ الطوسي، وهو تهذيب للكتاب الأوّل، وقد هُجر الأصل، وعُرف هذا الاختيار.
3 ـ «الأبواب»، المعروف بـ «رجال الشيخ»، للشيخ الطّوسي، ويتضمّن تسعة آلاف وثمانمائة ترجمة لرواة الحديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) ولأرباب التآليف، ويختم بباب «من لم يرو من الرّجال».
4 ـ «الفهرست» للشيخ الطوسي، ويتضمن تراجم تسعمائة مصنّف مع ذكر آثارهم وكتبهم.
ومن كتب الرّجال الأخرى الكتاب المعروف باسم «رجال النجاشي» لأحمد بن العباس النجاشي الأسدي (372ـ450هـ) وكتاب منتجب الدين علي بن عبيدالله… بن بابويه (ت ما بعد 600هـ)، وفيه خمسمائة وأربعون ترجمة لمن عاشوا بعد الشيخ الطوسي، وكتاب «معالم العلماء» لمحمد ب شهرآشوب المازندراني (489ـ588هـ)، وفيه ألف ترجمة مختصرة استدرك بها على الفهرس، وكتاب للحسن بن داود الحلّي (747 ـ ما بعد 707هـ)، المعروف باسم «رجال ابن داود»، وكتاب العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر (648 ـ 726هـ)، المعروف باسم «رجال العلاّمة»، وكتاب ميرزا محمد الأسترابادي (ت1026)، وهو «منهج المقال في تحقيق أحوال الرّجال». وكتاب نقد الرّجال لمصطفى التفريشي من أعلام القرن الحادي عشر، وفي هذا الموضع من هذا السّياق يأتي كتاب «أمل الآمل…» للشيخ الحر العاملي.
وقد رأى الشيخ الحر العاملي أنّ القسم الثاني من مؤلّفه «يليق أن يكون متمماً للكتاب الكبير في الرّجال لميرزا محمد بن علي الاسترابادي…، وإن كان كتاب ميرزا محمد جامعاً لأكثر علماء الإماميّة المتقدّمين فهذا الكتاب جامع لأكثر المتأخّرين». والمقصود المتأخّرلاون عن الشيخ أبي جعفر الطّوسي، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ الرّجال المتقدّمين على زمن الشيخ الطوسي ومعاصريه قد استوفيت ترجمتهم، علاوة على أمر آخر ذي أهمية كبرى، وهو موقع الشيخ الطوسي في تاريخ الحركة العلميّة عند الشيعة ودوره في تأصيلها وتطويرها.
يحدّد المؤلّف موضوع كتابه، بقسميه، بدقّة، فيبحث في القسم الأوّل في «علماء جبل عامل»، وفي القسم الثاني «في العلماء المتأخرين»، ويتقيد بذلك فيقول: «واقتصرت على المعاصرين للشيخ والمقاربين لزمانه، ولم أذكرهم كلّهم لأنّ الغرض الأهم ذكر المتأخرين عنه إلاّ في أهل جبل عامل».
يذكر المؤلف ما أنجزه ومراحل هذا الإنجاز بدقّة وموضوعيّة، فيقول: «وقد أتعبت الفكر في جمعه وترتيبه، وبذلت الجهد في تحقيقه وتهذيبه، وصرفت النظر نحو تحريره، وأنفقت مدّة طويلة في تحبيره…». ويبدو المنهج التعليمي واضحاً في عمله، فيضيف: «… تسهيلاً للأخذ والتناول، وتقريباً للتحصيل والتداول». ونلمس الأمانة العلميّة بيسر عندما نقرأ… قوله: «وصرَّحت باسم المؤلّفين والمؤلّفات وما أنقل منه من الإجازات والتّصنيفات لكثرة وقوع الاشتباه في الرموز والإشارات».
والتراجم مرتبة وفق ترتيب الحروف الهجائية «على النهج المألوف في الأسماء وأسماء الآباء ونحوها»، غير أنّه يراعي الحرف الأوّل من الاسم فحسب. ويميّز، في التراجم، العالم الشاعر من العالم غير الشاعر لأسباب يذكرهان وقد تحدّثنا عنها من بل. ويبدو جهده في جمع المادّة وتحقيقها في متن الكتاب، إذ أنّه كثيراً ما يذكر أنّه قرأ هذه الإجازة أو تلك، أو هذا الكتاب أو ذاك، في خزائن كتب المشهد الرضوي، وقد وجد ضالته، كما يصرّح، بعد بحث طويل.
ويذكر، في كثير من الأحيان، مصادره، وقد أشار إلى ذلك في المقدّمة، فقد اقتصر في معظم معلومات القسم الأوّل على ما تيسّر له من معرفته من الإجازات ونحوها؛ إذ لم يسبقه أحد إلى تاليف ذلك. واعتمد في القسم الثاني على ما جاء في كتب الرجال، ومنها: فهرست الشيخ منتجب الدين بن بابويه، ومعالم العلماء لابن شهرآشوب وسلافة العصر للسيّد علي بن ميرزا أحمد الموسوي وكتاب الرّجال لابن داود وكتاب الدر المنثور للشيخ علي بن محمد بن الحسن ابن الشهيد الثاني، ورسالة ابن العودي في أحوال الشهيد الثاني… إلخ».
وإن يكن قد صرّح، في مقدّمة الكتاب، بأسماء مصادره، فقد تحدّث في خاتمته عمّا يمكن تسميته نقد المصادر، فقال عن الكتب مجهولة المؤلّفين التي اعتمد عليها ابن شهرآشوب: «وأمثال هذه الكتب لا يعتمد على نقلها، لكنّه مؤيّد لغيره، وفيها فوائد كثيرة في غير الأحكام الشرعيّة».
وهذا النقد يدل على موضوعية وحرص على تقديم الحقيقة، ويتمثل هذا الحرص في غير موضع ومظهر، ومن ذلك، فضلاً عمّا ذكر، أنّه كان يعيد النظر في كتابه ويهذّبه، ويتضح هذا من النسخ الموجودة للكتاب، كما يقول محقّّقه.
يتّصف المؤلّف، كما تبيّن لنا، بموضوعية العلماء المحقّقين ودقّتهم وتواضعهم، فلا يدّعي الإحاطة والاستقصاء والكمال، فيقول على سبيل المثال، وبوضوح: «مع أنّي لم أطّلع عى الجميع ولا على مؤلّفاتهم كلّها…»، هذا ما وصل إليه جهدي، وقد بذلت قصاراه، أو هذا ما يحضرني من أسماء علمائنا… ولعلّ من كان أكثر منّي تتبّعاً يكون أقدر على الزّيادة.
فهو يقدّم ترجمات مركّزة يغلب عليها الاختصار والتعميم ويتفاوت حجمها بين علم وآخر، فتقتصر الترجمة على كلماتٍ كما في ترجمة الشيخ «طه بن محمد بن فخر الدين، جد الشيخ الشهيد محمد بن مكي»: «عالم ثقة زاهد» وعلى أسطر كما في ترجمة «الشيخ إبراهيم بن إبراهيم بن فخر الدين العاملي البازوري». وعلى صفحات كما في ترجمة «الشيخ الأجل زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح العاملي الجبعي، الشّهيد الثاني». وهذا التفاوت، الملحوظ أيضاً في ذكر الاسم والنسب، يعود إلى أمرين أوّلهما ما يتوافر لدى المؤلّف من معلومات عن المترجم له، وكثيراً ما يعبّر ذلك بقوله: «ما يحضرني»، وثانيهما مكانة المترجم له العلميّة.
وتتضمّن الترجمة، في الغالب، اسم العالم ونسبه والبلدة التي يُنسب إليها، كما في قوله: «والبازوريّة بلدة يُنسب إليها» وأسماء شيوخه وتلامذته ومؤلفاته وصفاته، ويميّز المؤلف العالم الشاعر من العالم غير الشّاعر، ويذكر نماذج من شعره.
وهذا يجعل الكتاب المصدر الأهمّ من مصادر الشعر العاملي حتّى أواخر القرن الحادي عشر الهجري، علاوة على كونه كتاب مختارات شعريّة تدلّ على مفهوم الحر العالمي للشعر، وللجيد منه، إذ أنّه كان، أحياناً، يحكم على الشعر الذي يختار ومن نماذج ذلك قوله في ترجمة «الشيخ الأجل زين الدّين بن محمد بن الحسن بن زين الدين، الشهيد الثاني الجبعي» وقوله في قصيدة:
كم ذا أواري الجوى والسُّقم يبديه
وأحبس الدَّمع والأشواق تجريه
شابت ذوائب آمالي وما نجحت
وليل هجرك ما شابت نواصيه
… وشعره كلّه جيّد، ما رأيت له بيتاً واحداً رديئاً كما قالوه في شعر الرضي.
وهذا الشّعر الذي وصفه بالجيّد يتميّز بالصَّنعة الذهنية اللغوية القائمة على المفارقات والمقابلات الثنائيّة.
وفي كثيرٍ من الحالات كان يتجاوز التّعليق السّريع، فيقدّم معلوماتٍ تُصنَّف في تاريخ الأدب، ويختار نماذج شعريّة، وينصّ على الخصائص ويناقش الآراء المتداولة في هذا الشأن، وينتهي إلى رأي يؤيّده بالأدلّة. ومن نماذج ذلك ما جاء في ترجمة «أبي الحسين أحمد بن منير العاملي الطرابلسي الشامي، الملقّب مهذب الدّين، عين الزمان المشهور…»، فيعرّف الشاعر وينص على أبرز خصائصه: «وكان يضرب به المثل في الهزل الذي يُراد به الجدّ». ويذكر ما قيل فيه، ومنه: «… وكان رافضيّاً، كثير الهجاء، قاله ابن خلكان…». ويعقّب على ذلك فيقول: «وهذا الرّجل كان من فضلاء عصره، شاعراً، أديباً…».
يقدّم المؤلّف ترجماته بلغة ديقة الأداء، موضوعيّة، سهلة واضحة، عباراتها قصيرة مركَّزة: بسيطة التركيب، متينة السَّبك في آن.
ويعمد المؤلّف، وهو يختار النماذج الشعريّة الجيّدة، إلى تحقيق النّصوص، وملاحظة حضور نصّ في نصٍّ آخر، وهو ما سمّاه القدماء الأخذ أو السرقة الشعرية، ونسمّيه اليوم التأثّر والتأثير، أو التناصّ.
يعدّ كتاب «أمل الآمل…»، بوصفه كتاب تراجم للعلماء العامليّين في الوطن والمهاجر، وللعلماء المتأخرين، كتاباً في تاريخ علوم الدين واللغة والأدب، أو العلوم الأصليّة والفرعيّة، أي يعدّ كتاباً في التاريخ الثقافي، وهو وثيقة أساسيّة تأسيسيّة، حفظ تراثاً ضخماً من الضياع. ولا يقلّل من أهميته الكبرى بعض المآخذ التي أخذها عليه بعض الباحثين، ومنها:
1 ـ لم يفضّل الكلام، ولم يشبع المقام عند ذكر بعض أعااظم الأعلام.
2 ـ إهماله بعض معاصريه المشهورين.
3 ـ وقوعه في بعض الأخطاء، ما يستدعي التهذيب والتنقيح والتحرير.
وقد أوجد هذا الكتاب، علاوة على أهميته هذه، حركة علميّة يتحدّث عنها السيّد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي، فيقول: «إنّ هذا الكتاب: «أمل الآمل» مع صغر حجمه قد حوى تراجم جمّ غفير وجمع كثير، فلأجل ذا جالت أقلام الأفاضل بالتعليق عليه والمستدرك له، فجادت يراعهم بعدّة آثار نفيسة في هذا الأمر الخطير».
ميَّز الحرّ العاملي، في مؤلّفه، كما مرّ بنا، العلماء الشعراء، وهو منهم. ونحاول، في ما يأتي، معرفة مفهومه الشعري وخصائص شعريه من خلال قراءة نجريها في مصدرين: أوّلهما شذرات نقتبسها من كتابه «أمل الآمل» وثانيهما ما يتوفّر لنا من نصوص شعرية مستلَّة من ديوانه الذي لا يزال مخطوطاً، في مكتبتي السيّد الحكيم العامّة في النجف الأشرف و«كتابخانه ملك» في طهران.
نظّم الحرّ العاملي الشعر في أوائل الشباب. يقول في ترجمة الشيخ نجيب الدين الجبيلي ثمّ الجبعي: «وقد كتبت الرحلة المذكورة [رحلة منظومة لطيفة نحو ألفين وخمسمائة بيت] بخطي من خطّه في أوائل الشباب، وكتبت على ظهرها من شعري هذه الأبيات:
يا رحلةً بديعة في فنّها
كاملة في لطفها وحسنها…
«وله ـ كما جاء في ترجمته لنفسه سنة 1073هـ ـ ديوان شعر يقارب عشرين ألف بيت أكثره في مدح النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). وفيه منظومة في المواريث ومنظومة في الزكاة ومنظومة في الهندسة ومنظومة في تاريخ النبي (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام).
ويقول في مقدّمة ديوانه محدّداً موضوعات شعره: «فنظمت قصائد كثيرة في مدح أهل البيت (عليهم السلام) وغير ذلك من القصائد التي اعتنى بها أرباب الألباب والأفهام».
ويبدو أنّ قسماً كبيراً من شعره قد فقد، إذ لم يتبقّ من شعره سوى عشرة آلاف بيت فقط، فأين العشرة آلاف الأخرى؟ وأين ما نظّمه بعد 1073هـ؟ وفقد الشعر ظاهره في الشعر العاملي، ناتجة عن عدم الاسترار والرحيل الدّائمين، وقد تحدّث الحر العاملي عن «ذهاب» قسم من شعره، وهو في أوج نشاطه، ونذكر من ذلك على سبيل المثال:
ـ يقول في ترجمة عمّه محمد بن علي الحرّ العاملي: «وقد كنت مدحته بقصيدة ورثيته بأخرى ذهباً في ما ذهب من شعري».
ـ ويقول في ترجمة شيخه زين الدين حفيد الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني: «وقد رثيته بقصيدة طويلة بليغة، قضاء لبعض حقوقه، لكنّها ذهبت في بلادنا مع ما ذهب من شعري».
الدكتور عبد المجيد زراقط
أَمْلَشْ
يبلغ عدد سكان مدينة أملش 9488 حسب إحصائية عام 1986م وهي مركز ناحية أملش، إحدى نواحي قضاء رودسر التابع لمحافظة گيلان في إيران.
تقع أملش على خط طول 11،50 شرقاً وخط عرض 28،37 شمالاً في السفوح لجبال ألبرز، على بُعد 13 كلم إلى الجنوب الغربي من رودسر، وهي تشتمل على 84 قرية حسب إحصائية عام 1976م.
يتميّز مناخها بالاعتدال والرطوبة، وتكثر فيها المحصولات الزراعية مثل الأرز والشاي والقمح والشعير والحمضيات والبندق والقنب وتشتهر أملش إلى جانب ذلك بتربية المواشي وصيد الأسماك وتربية ديدان القز.
ترجع ناحية أملش في تاريخها إلى ما قبل التاريخ، وقد أظهرت الحفريات فيها وجود بعض الآنية والقبور التي ترجع إلى ما قبل التاريخ والقرون الأولى لظهور الإسلام.
أمّا تاريخها الحديث فيبتدىء قبل 500 سنة، حيث هاجرت إليها قبيلة من خراسان في زمن الشاه طهماسب الأول الصفوي في عام (984هـ)، ويبدو أنّ اسم أملش محرف عن كلمة آبلش أو صولش التركية.
وقد اختلط المهاجرون الخراسانيون بالسكان الأصليين، فذابوا فيهم بالتدريج، بحيث يتكلم اليوم جميع أهالي هذه الناحية باللهجة الگيلكية.
يشتغل أغلب أهالي أملش في الزراعة وتربية المواشي وصيد الأسماك.
الأمنية
قال السيد محسن الأمين:
المقصود بها ما ورد في هذه الآية: في سورة الحج: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً … (55)} «الآية».
في الكشاف: إنّ السبب في نزول هذه الآية أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمّا أعرض عنه قومه وعشيرته وشاقوه تمنّى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم لعلّه يتّخذ ذلك طريقاً إلى استمالتهم حتّى نزلت عليه سورة النجم وهو في نادي قومه فأخذ يقرؤها فلمّا بلغ قوله {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها أي وسوس إليه بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، وروي الغرانقة. ولم يفطن له حتّى أدركته العصمة فتنبّه عليه وقيل نبّهه جبرائيل أو تكلّم الشيطان بذلك فأسمعه الناس فلمّا سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي وطابت نفوسهم (انتهى ما جاء في الكشاف). (والغرانيق) كمصابيح. جمع غرنوق كعصفور وهو الحسن الجميل. ويُقال في مفرده أيضاً غرانق ولمفرده صيغ أخر كثيرة ويجمع على غرانق كمساجد وغرانقة ويُقال شباب غرنوق وغرانق إذا كان ممتلئاً رياً قال الشاعر:
ربع لقاتلة الغرانق ما به
إلاّ الوحوش خلت له وخلا لها
وفي أسباب النزول للواحدي قال المفسرون لمّا رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تولّي قومه عنه وشقَّ عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنّى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب به بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في نادٍ من أندية قريش كثير أهله وأحبَّ يومئذ أن لا يأتيه من الله تعالى شيء ينفرون عنه وتمنى ذلك فأنـزل الله تعـالى سورة النجم فقرأها (صلّى الله عليه وآله) حتّى بلغ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)}. ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدّث به نفسه وتمناه: تلك الغزانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قراءته فقرأ السورة كلّها وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجـوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبا أحيحة سعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود. وتفرّقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق لكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإن جعل لها محمد نصيباً فنحن معه. فلما أمسى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتاه جبريل عليه السلام فقال ماذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله سبحانه وقلت ما لم أقل لك فحزن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً كبيراً، فأنـزل الله تعالى هذه الآية، فقالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منـزلة آلهتنا عند الله، فازدادوا شرّاً إلى ما كانوا عليه. ثمّ روى الواحدي بسنده عن سعيد بن جبير: قرأ رسول الله {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)}. فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى ففرح بذلك المشركون وقالوا قد ذكر آلهتنا فجاء جبرائيل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال اعرض عليّ كلام الله فلمّا عرض عليه قال أمّا هذا فلم آتك به هذا من الشيطان فأنزل الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ…} (انتهى).
وذكر قريباً من ذلك السيوطي في أسباب النزول فإنّه روى عن سعيد بن جبير وابن عباس وغيرهما أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قرأ بمكة سورة النجم فلمّا بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى، فال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل هذا اليوم فسجد وسجدوا فنزلت ثمّ ذكر أنّ طرق هذه الرواية كلّها ضعيفة أو منقطعة سوى طريق واحد لسعيد بن جبير. ثمّ نقل عن ابن حجر أنّه حكى عن ابن العربي وعياض أنّ هذه الروايات باطلة لا أصل لها. وفي تفسير الجلالين ما نصّه:
وقد قرأ النبي (صلّى الله عليه وآله) في سورة النجم بمجلس من قريش بعد: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)}، بإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه (صلّى الله عليه وآله) به تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترجى ففرحوا بذلك ثم أخبره جبرائيل بما ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك فحزن فسلي بهذه الآية ليطمئن «الآية».
وذكر الفخر الرازي في تفسيره نقلاً عن المفسرين نحواً ممّا مرّ عن الواحدي في سبب نزول الآية إلى قوله: فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ قال: هذه رواية عامّة المفسرين الظاهرين أمّا أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. أمّا القرآن فآيات: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا} {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِيْ} {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ} {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى}. وأمّا السنة فما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنّه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة وصنّف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في هذه القصة: غير ثابتة من جهة النقل، ثمّ أخذ يتكلم في أنّ رواتها مطعون فيهم. وروى البخاري في صحيحه أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق ثمّ قال: (وأمّا المعقول) وذكر فيه خمسة وجوه نقتصر على الخامس منها قال وهو أقوى الوجوه: إنّا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كلّ واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك (إلى آخر ما قال).
وأفحش من ذلك وأشنع ما رووه أنّ ذلك جرى على لسانه في الصلاة وبقي عليه لمّا استقرأه جبرائيل قال الرازي في تفسيره: يروى عن قتادة ومقاتل أنّهما قالا إنّه (صلّى الله عليه وآله) كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان فلمّا فرغ من السورة سجد وسجد كلّ من في المسجد وفرح المشركون بما سمعوه وأتاه جبرائيل فاستقرأه فلمّا انتهى إلى الغرانيق قال أنا لم آتك بهذا فحزن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أن نزلت هذه الآية «انتهى».
أقول: وأمّا الشيعة المفسرون منهم وغيرهم فاتفقوا على بطلان هذه الخرافة. قال السيد المرتضى علم الهدى في كتابه تنزيه الأنبياء والائمة: أمّا الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة التي قضوها وليس يقتضي الظاهر إلاّ أحد أمرين إمّا أن يريد بالتمنّي التلاوة([51]) كما قال حسان بن ثابت.
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة
وآخرها لاقى حمام المقادر
أو يريد بالتمنّي تمنّي القلب. فإن أراد التلاوة كان المراد أنّ من أرسل قبلك من الرسل كان إذا تلا ما يؤدّيه إلى قومه حرفوا عليه وزادوا فيما يقوله ونقصوا كما فعلت اليهود في الكذب على نبيهم فأضاف ذلك إلى الشيطان أانه يقع بوسوسته وغروره ثمّ بيّن أنّ الله تعالى يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه ويحسم مادة الشبهة به
وإنّما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له (صلى الله عليه وآله) لما ذكب المشركون عليه وأضافوا إلى تلاوته من مدح آلهتهم ما لم يكن فيها.
فإن كان المراد تمنّي القلب فالوجه في الآية أنّ الشيطان متى تمنّى النبي (صلّى الله عليه وآله) بقلبه بعض ما يتمنّاه من الامور يوسوس اليه بالباطل ويحدّثه بالمعاصي ويغريه بها وأنّ الله ينسخ ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان وعصيانه وترك استماع غروره. أقول: لا يبعد ظهور الآية في التمنّي بمعنى القراءة بقرينة قوله: فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثمّ يحكم الله آياته فإنّ الآيات ظاهرة في الآيات القرآنية لا سيّما بملاحظة ينسخ ويحكم المناسب للآيات القرآنية والذي لا يتناسب مع الوسوسة القلبية وقوله: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} {فإنّه لا ربط لذلك بالوسوسة إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وقوله {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} (الآية) فإنّه أيضاً لا يتناسب مع الوسوسة القلبية ولا يرتبط بها ولا يصلح علّة لدفع الله وسوسة الشيطان عن النبي (صّلى الله عليه وآله) كما لا يخفى. ثمّ قال المرتضى: فأمّا الأحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل (صلّى الله عليه وآله) عنه، هذا لو لم تكن في أنفسها مطعونة مضعفة عند أصحاب الحديث بما يستغنى عن ذكره. وكيف يجيز ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله) من يسمع الله تعالى يقول: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} يعني القرآن {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}. {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} على أن من يجيز السهو على الأنبياء (عليهم السلام) يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنكرة لما فيها من غاية التنفير عن النبي (صلّى الله عليه وآله) لأن الله تعالى قد جنّب نبيّه من الأمور الخارجة عن باب المعاصي كالغلظة والفظاظة وقول الشعر وغير ذلك مما هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالى. على أنه لا يخلو (صلى الله عليه وآله) وحوشى مما قذف به من أن يكون تعمد ما حكوه وفعله قاصداً أو فعله ساهياً ولا حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب والعمد لظهوره. وإن كان فعله ساهياً فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقها ثم لمعنى ما تقدمها من الكلام لأنّنا نعلم ضرورة أنّ من كان ساهياً لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها وفي معنى البيت الذي تقدمه وعلى الوجه الذي يقتضيه فائدته وهو مع ذلك يظن أنه من القصيدة التي ينشدها.
(أقول): من وقوع ذلك منه سهواً يزعم أنّه بإسهاء الشيطان له. فإذا جاز أن يكون للشيطان قدرة على إسهائه (نعوذ بالله من ذلك) جاز أن يكون له قدرة على أن ينطقه من غير قصد بما يكون الشيطان قد رتبه وجعله ملائماً لما تقدّمه من الكلام. ثمّ قال المرتضى: على أنّ بعض أهل العلم قد قال: يمكن أن يكون وجه التباس الأمر أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا تلا هذه السورة في نادٍ غاص بأهله وكان أكثر الحاضرين من قريش المشركين، فلمّا انتهى إلى قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى} وعلم من قرب من مكانه من قريش أنه سيورد بعدها ما يسوءهم به فيهن قال كالمعارض له والراد عليه: تلك الغرانيق إلخ فظنّ كثير ممّن حضر أنّ ذلك من قوله (صلّى الله عليه وآله) واشتبه عليهم الأمر لأنّهم كانوا يغلطون عند قراءته (صلّى الله عليه وآله) ويكثر كلامهم وضجاجهم طلباً لتغليطه وإخفاء قراءته. ويمكن أن يكون هذا أيضاً في الصلاة لأنّهم كانوا يقربون منه (صلّى الله عليه وآله) في حال صلاته عند الكعبة ويسمعون قراءته ويلغون فيها «انتهى». وحكى هذا الوجه في مجمع البيان عن السيد مع بعض التغيير والزيادة حيث قال بعد نقل ما رواه العامة عن ابن عباس: فهذا الخبر إنّ صحّ فمحمول على أنّه كان يتلو القرآن فلمّا بلغ إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من دعائه أنّه يعيبها قال بعض الحاضرين: تلك الغرانيق إلخ وألقى ذلك في تلاوته ليوهم أنّ ذلك من القرآن فأضافه سبحانه إلى الشيطان لأنّه إنّما حصل بإوائه ووسوسته وهذا أورده المرتضى في كتاب التنزيه، وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية. وهو وجه حسن في تأويله «انتهى». فكأن المرتضى أراد ببعض أهل العلم الناصر وهو جدّه لأمّه فاطمة بنت الناصر. ثمّ قال المرتضى: وقيل أيضاً إنّ÷ كان إذا تلا القرآن على قريش توقّف في فصول الآيات وأتى بكلام على سبيل الحجاج لهم فلمّا تلا: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20)} إلخ قال (صلّى الله عليه وآله): تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى؟! على سبيل الإنكار عليهم وأنّ الأمر بخلاف ما ظنّوه من ذلك، وليس يمتنع أن يكون هذا في الصلاة لأنّ الكلام في الصلاة حينئذٍ كان مباحاً وإنّما نسخ من بعد. وقيل إنّ المراد بالغرانيق الملائكة قد جاء مثل ذلك في بعض الحديث فتوهّم المشركون أنّه يريد آلهتهم. وقيل إنّ ذلك كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فتلاه الرسول (صلّى الله عليه وآله) فلمّا ظنّ المشركون أنّ المراد به آلهتهم نسخت تلاوته. وكلّ هذا يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} لأنّ بغرور الشيطان ووسوسته أُضيف إلى تلاوته (عليه السلام) ما لم يرده.
الأميّة والأميّون
كان العرب، يختصّون أنفسهم باسم «العرب»، ويعمُّون من عداهم جميعاً باسم «العَجَم» أو «الأعاجم»، وهذه التسمية ناشئة عن التفرقة اللسانية فكلام بعضهم لبعض «مُعرَب» أي مفهوم في الجملة عند سائرهم مهما تختلف بينهم اللهجات، وأمّا كلام غيرهم فهو عليهم مُعجَم أو أعجمي، أو ليس بواضح ولا مفهوم، فالتفرقة العرقية بينهم وبين غيرهم قائمة على أخص خصائصهم، وهي لغتهم. كما سمّى العرب غيرهم «أعاجم» كان الرومان يسمّون من عداهم (جنتيل) Gentilis بمعنى شعور أجنبية أو غريبة.
وقبل الرومان كان اليونان يسمّون من عداهم «البربر» ولم يكن يقصد بها سوى أنّهم غرباء، ولم يستثن اليونان من هذا الاسم أوّلاً غير الشعوب التي تتلمذوا عليها، وتعلّموا منها، وفي مقدمتها المصريون الذين سبقوهم إلى الحضارة والثقافة.
أمّا اليهود فيقسمون الناس قسمين: يهوداً، وجوييم Gentilis أو جنتيل أي غير يهود، والكلمة جوييم لا تعني في أصلها لغوياً إلاّ الأقوام والأمم بعامّة، ولكنّهم يختصّون بها الأمم الأخرى (غير اليهودية) اصطلاحاً بينهم، كما غلبت في لغتنا أحياناً كلمة «الشعوبيين» اصطلاحاً على بعض من يعادون العرب من الشعوب الأخرى، مع أنّ العرب أنفسهم أحد الشعوب. وإذن فالدلالة اللغوية أصلاً لكلّ من الكلمتين ـ جوييم عندهم، والشعوبية عندنا تختلف عن دلالتها الاصطلاحية.
وقد تُرجمت كلمة «جوييم» قبل الإسلام بالكلمة العربية «الأمم» في حدود معناها الاصطلاحي عند اليهود، ونُسب إلى مفردها «أمّة» فقيل «أميون» أي «غير يهود» ثمّ صارت تشمل غير اليهود وغير المسيحيين، واستعمالها بالمعنى الأوّل «غير يهود» هو الذي غلب في القرآن الكريم والحديث النبوي.
وقد دعت إلى هذا التغيير أسباب تاريخية تتّصل بأحوال اليهود قبل ظهور المسيحية، وفي أوائل انتشارها، ويكفينا هنا أن نعلم منها أنّ اليهود ولا سيّما عزرا الكاهن وأتباعه ـ عقب عودة بعضهم من السبي في بابل إلى فلسطين ـ نفخوا ملء أفواههم وقلوبهم في نيران القطيعة ثمّ نيران الحقد والعداء بين اليهود وغيرهم، وأبرزوا بما لا مزيد عليه من الوضوح عقيدة «الشعب المختار» أي اليهود، وأنّهم وحدهم شعب ربّهم «يهوه Jehova» الذي اختارهم دون سائر البشر، وقد خصّهم بشريعة منه فلا تلتزم مع غيرهم، ولهم أن يفعلوا بغيرهم ما يشاؤون، لأنّ العالم وسكانه ملك لهم وحدهم، وذلك كلّه ما وضّحه القرآن الكريم ورفضه حين ذكر «الأميين» وذكر موقف اليهود وأتباعهم في هذه العقيدة تجاه غير اليهود أو تجاه الأميين، ويشير إليها قوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
ونبدأ بالقرآن الكريم لأنّ المعنى الديني لكلمة «الأميين» فيه أوضح منه في أي مصدر وثيق آخر، ولا يدل على المعنى الذي شاع وطغى بعد ذلك وهو «الجاهل بالكتابة» أو «الجاهل بالقراءة والكتابة» وهو المعنى الذي لم يزل طاغياً حتّى الآن.
ففي سورة آل عمران الآية (75) ـ خلال مناقشة لعقائد أهل الكتاب وبيان معاملاتهم مع غيرهم ـ جاء ما يأتي {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}والمعنى القريب لقولهم هذا هو إنّنا غير ملزمين برد الأمانة في معاملة الأميين، أي من عدانا، فشريعتنا لا تضع علينا أي التزام شرعي في معاملة الآخرين، «ليس علينا فيهم سبيل» بل كلّ السبل مباحة. والأسفار اليهودية تعج ببيان هذه العقيدة، وتلحّ فيها إلحاحاً شديداً، فلا معنى للأميين هنا إلاّ «غير اليهود» وهم وحدهم الذين يستبيحون اعتقاداً وعملاً ـ كل السبل للمكر بغيرهم دون حرج، بل بتشجيع من شريعتهم التي يقدسونها، ولا يحتكمون لغيرها، وهذه العقيدة ركن من أركان العقيدة الكبرى «الشعب المختار» وخلال إرشاد لما ينبغي أن يكون عليه موقف النبي حين تقع المناظرة بينه وبين أهل الكتاب في حقيقة الإسلام ـ بمعنى توحيد الله وإسلام المرء نفسه إليه، وأنّه دين كلّ الأنبياء قبله ـ {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} فالأميون هنا تقابل أهل الكتاب، فمعناها هو غير الكتابيين، وقد فهم بعضهم من كلمة الكتابيين (التي تقابل الأميين) أنّها نسبة إلى الكتابة أو الكتاب (مصدراً، بمعنى الكتابة أيضاً) فتوهم أنّ الكتابيين من يكتبون، والأميين من يجهلون الكتابة، ولا موضع لهذا المعنى في الآيتين السابقتين، ولا سيما الآية الأولى، لأنّ أهل الكتاب هؤلاء إنّما يستبيحون الخيانة مع الأمي، لا لأنّه يجهل الكتابة والقراءة، بل لأنّه أجنبي عنهم، أي ليس من قومهم، فليس مناط معاملته بالشريعة هو علمه أو جهله بالكتابة والقراءة بل الصلة القومية (ثمّ الدينية)، فقريبهم قوميّاً (ثمّ دينياً) يُعد منهم، وهم ملزمون معه بالشريعة، وإن كان جاهلاً بالكتابة، وأكثرهم يومئذٍ كان يجهلها كسائر الشعوب قديماً، ومن لم يكن قريبهم فليس عليهم فيه سبيل، أو هم غير ملزمين معه بالشريعة، ولو كان يعرف الكتابة، بل لو كان من كبار العلماء وكان كاتباً ارئاً بعدّة لغات.
وهذا المعنى لكلمة «الأميّ» هو الذي يطّرد فيها حيث وردت في آيات القرآن الكريم، وهو يبدو شديد الوضوح في ضوء هذه الآيات القرآنية، ومن ذلك الآية (2) في سورة الجمعة {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ}([52]) والآيتان (157) و(158) من سورة الأعراف في وصف المؤمنين {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} و{فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ}، ففي الآيات الثلاث دفع لعقيدة يهودية هي ادعاؤهم أنّ النبوة أو الهداية الآلهية منحصرة في بني إسرائيل وهم ـ بحجة هذا الاحتكار ـ يرفضون هداية النبي محمد (صلّى الله عليه وآله)، لأنّه «أميّ» أي غير إسرائيلي أو غير يهودي، وهذه النظرية أو العقيدة تناقض النظرية أو العقيدة الإسلامية في عموم الهداية الإلهية، وأنّها ليست خاصة يقوم دون قوم. والآيات الثلاث السابقة إذن ـ على وفق هذه النظرية الإسلامية ـ إنّما هي ردّ على اليهود في رفضهم لنبوة محمد (صلّى الله عليه وآله)، بحجة أنّه ليس من بني إسرائيل.
وفي ضوء هذه الآيات ومقارنة هذه العقائد بين النظريتين الإسلامية واليهودية، نلتفت إلى هذه الآية (78 من سورة البقرة) في الكلام على أهل الكتاب {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}([53]) بمعنى أنّ من أهل الكتاب أميّين لا يعرفون كتابهم إلاّ تخرّصاً بالباطل، لا يتبعون في ذلك إلاّ الظن، وهم في الحقيقة جاهلون به، وهذا ما أشار إليه بعض السلف من المفسرين. ومعلوم من التاريخ أنّ الديانة اليهودية قد اعتنها كثير من غير اليهود، إمّا إكراهاً، وإمّا اختياراً ولو دون تبشير بها، وقد وقع ذلك في اليهودية منذ أقدم عصورها حتّى اليوم، وكان منه ـ والنبي (صلّى الله عليه وآله) في المدينة ـ تهوّد بعض أبناء الأنصار، وجلاؤم معهم عن المدينة حين أجلاهم النبي (صلّى الله عليه وآله) عنها.
فهؤلاء الأتباع من الشعوب الأخرى إنّما هم «أميّون» أي ليسوا من الجماعة اليهودية أصلاً، ولذلك لا يعرفون مضامين الكتب اليهودية التي تتلى عليهم في الصلوات وغيرها، وإنّما حفظهم منها أظانين، بل قد يحفظون بعضها سماعاً دون فهم، وهذه ظاهرة كانت ـ ولم تزل ـ منتشرة بين أتباع الأديان ممّن لا يعرفون اللغات التي بها تتلى عليهم كتبها، ويُصِرُّ قادتُهم على قراءتها باللغات الأصلية، لا مترجمة إلى اللغة التي يعرفها هؤلاء الأتباع، وقد يكون في القادة أنفسِهم من يجهلها، ولكنّه يحفظ بعض نصوصها سماعاً ويرتلها، وقد رأينا ذلك عياناً في بعض المساجد والكنائس بلغات كثيرة.
ويقول النبي (صلّى الله عليه وآله) «إنّا أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» الحديث، في رواية ابن كثير ـ وفسّره بقوله أي ولا تفتقر عبادتنا في مواعيدها إلى كتاب ولا حساب، وعبادة الإسلام كذلك حقاً من صلاة وحج وصيام وأعياد، فهي تعتمد على رؤية القمر في تحديد الشهور وعلى رؤية الشمس في تحديد الأوات، وليس الأمر كذلك عند من يستعملون التقويم الشمسي وحده، أو مع التقويم القمري. ولا شك أنّ العرب أمّة «أمية» بمعنى أنّها «غير يهودية» وأمّأ جهل الكتابة فقد كان عاماً بين العرب كما كان عاماً في غيرهم، حتّى اليهود، وإن قلنا إنّه كان في العرب أكثر منه في بعض الأمم الأخرى.
وكثير من سلفنا بين المفسرين واللغويين يفسّرون كلمة «الأميين» بمعنى العرب، وهو تفسير يسند رأينا في أنّ «الأمية» يقصد بها معنى قومي واعتقادي، لا صلة له بجهل الكتابة، فالعرب إذن «أميون» بمعنى «غير يهود» وهذا معنى جزئي للكلمة، لأنّها في معناها العام تشمل غير اليهود سواءً كانوا عرباً أو غير عرب. وقد استعملها أيضاً بمعنى «العرب» الإمام اللغوي ابن دريد (223ـ321هـ) في أوّل كتابه «الاشتقاق» الذي دافع فيه عن مذاهب العرب في تسمية أبنائها وعبيدها ونحو ذلك، ووضَّح اشتقاق هذه الأسماء وأسبابه.
ورأينا هنا في كلمة «الأميين» مسبوق، سبقنا إليه كثير، منهم محمد عبده والعقاد، وكان مصدر اهتدائنا إلى هذا المعنى الواسع ـ هو الآيتان القرآنيتان الأوليتان من الآيات الست المذكورة آنفاً.
ثمّ هناك كثير من المهذبين من أهل الكتاب يصفون النبي بأنّه رسول «الأميين» أو رسول «العرب»، وهذا تفسير صحيح للأميين لكنّه جزئي قاصر، فالأميون عند اليهود هم من ليسوا يهوداً، سواءً كانوا عرباً أو غير عرب.
ولا شك في أمية النبي بمعنى أنّه ليس من اليهود، وهذا واضح في الآيات القرآنية السابقة، وهو أوضح ما يكون في الآيتين الأوليين من الآيات الست التي أوردناها، ثمّ في الحديث النبوي، كما لا شك في أمية النبي (صلّى الله عليه وآله) بمعنى عدم معرفته الكتابة، ولكن لا بدليل الآيات الست السابقة، بل بدليل آية أخرى من القرآن الكريم أيضاً هي {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} وأنّ الآيات الأخرى افترى عليه أعداؤه في حياته مفتريات كثيرة ذكرها القرآن الكريم وردّ عليها بالنفي، وليس منها فِرية، أنّه كان يعرف الكتابة، وبقية أخبار السيرة تؤيد عدم معرفته بالكتابة (وأهمها أخبار صلح الحديبية) ولا شك عندنا أنّه لم يكن يقرأ أو يكتب، وهذا ما تتفق عليه كلّ الأخبار، ولا يقف على مماحكات المستشرقين في ذلك إلاّ من كان مثلهم مُغرضاً، و«الغرض مرض» كما يُقال.
ولا شكّ أنّ العرب استعملوا «الأميّ» بمعنى الجاهل بالكتابة، ويعلل ابن جرير الطبري ذلك فيقول: «نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمّه في جهله بالكتابة، دون أبيه» وخالفه بعض المفسرين في هذا المعنى، ولم يعللوا مثله هذه النسبة، ويظهر من هذا التعليل أنّ كلمة «الأميّ» وإن كانت واحدة، لكن لها مرجعين في النسب أو النسبة: أحدهما «الأمّة» والآخر «الأم» والمنسوبان متحدان في اللفظ، ومختلفان في المعنى، وما أجدر هذه التفرقة أن تكون صحيحة، ولكن لا بد هنا من ملاحظة، فإنّ نسبة المرء إلى أمّه، لجهله بالكتابة ليست تتأتى إلاّ حيث تنتشر معرفة الكتابة بين الرجال، ولم يكن ذلك شائعاً بين عرب الشمال في الجاهلية وصدر الإسلام، بل كان نادراً كالعدم، فأمّا أن تكون الكلمة بمعنى «جهل الكتابة» قد ظهرت بعد شيوع معرفة الكتابة بينهم، وذلك لم يتم إلاّ بعد انتشار الإسلام، أو أنّ هناك «خطوة» متوسطة خطتها الكلمة ولم يُتنبه إليها، وهي «الأميّ» ـ نسبة إلى الأم ـ بمعنى الساذج، أو الغُفل الذي لم يثقف ولم يصقل اجتماعياً، وهذا لا يتم إلاّ بمعاشرة الرجال في المجتمع ـ ويمثلهم الأب ـ ولا يكفله الجوُّ البيتي بنسائه وفي مقدمتهن «الأم» وكلهنّ كالأمهات، ولهن طباعهن وعاداتهن الخاصّة، ويشهد لهذه الخطوة أنّ «الأميّ» ـ كما جاء في لسان العرب ـ هو «العيي الجلف الجافي القليل الكلام»، واستشهد لذلك بقول الراجز:
ولا أعود بعدها كَرِيّا
أمارس الكَهلةَ والصبيا
والعزب المُنَفَّهَ الأميا
أي لا أسير سيرة المُكارين والأجراء في ملاعبة الفارغين من الكَهلة والصبي والعزب الضعيف أو الجبان الغفل الساذج، ثمّ عقب لسان العرب بقولهك «قيل له «أميّ»، لأنّه على ما ولدته أمّه من قلّة الكلام وعجمة اللسان» ولنا أن نتوسّع فنقول: «ساذج» أي لم يصح بعدُ لمجتمع الرجال، وهذه الخطوة لازمة للانتقال بمعنى الأميّ ـ نسبة إلى الأم من معنى الساذج الذي لم يهذبه مجتمع الرجال، إلى معنى الجاهل بالكتابة التي هي من الخطوات الأولى للدخول في المجتمع الذي لا بد أن تكون الكتابة منتشرة فيه، وغير نادرة، ولم تنتشر الكتابة بين عرب الشمال ولا سيما البدو إلاّ بعد انتشار الإسلام، وميلهم إلى الاستيطان.
وأسلفنا أنّ اليهود حتّى اليوم يسمّون من عداهم «جوييم»([54]) وقد ترجمت هذه الكلمة في اللغات الأخرى بكلمة تدل على «الآخرين» مطلقة في ظاهرها، ونسبية في حقيقتها، لأنّ هذه الكلمة أياً كانت ترجمتها لا بدّ أن تكون دالّة على استثناء من شيء تغايره وتقابله، ومن هذه ـ كما أسفلنا ـ الكلمة اللاتينية (جنتيل) Gentilis، التي لا تعني لغوياً إلاّ «الآخرين» وفي الاصطلاح الديني بمعنى «غير اليهود» ثمّ شمل معناها أخيراً «غير اليهود والمسيحيين»، لأنّ بعض المسيحيين من أصول يهودية ربطوا المسيحية باليهودية، في عهد واحد متصل، ثمّ قسّموه قسمين: قديماً وجديداً، وسمّوا أسفار اليهود «العهد القديم» وأسفار المسيحية «العهد الجديد» ولا موجب لهذه التسمية ولا لهذا العهد عند المسيحيين من أصول وثنية، أو أصول غير يهودية. ووجهة الأوّلين هي التي سادت في المسيحية أخيراً، فبقي الهعد متصلاً، أو بقي العهدان متصلين، وكلمة جنتيل اللاتينية هي التي انتشرت ـ مع بعض التغيير ـ في كثير من اللغات الأوروبية، بمعنى «غير اليهود» أحياناً، ومعنى «غير المسيحيين واليهود» أحياناً.
ولا نعلم الكلمة العربية التي وضعها مترجمو أسفار العهدين أو أحدهما إلى العربية في العصر العباسي حين ترجموا كلمة جوييم أو جنتيل وما يرادفهما، إذ لا شك أنّ بعض هذه الأسفار قد ترجم إلى العربية، ولكن هذه الترجمات ليست في أيدينا الآن، وأخيراً جاء المحدّثون من مترجمي هذه الأسفار إلى العربية فترجموا هذه الكلمة أو هاتين الكلمتين بكلمة «الأمم» جمعاً، ونسبوا إليها فقالوا: «أممي» و«أُمَمِيَّة» وهي ترجمة سديدة، ثمّ هي لازمة بعد أن شاع لفظ «الأميّ» و«الأميين» لمن يجهل الكتابة، حتّى لقد نسخ ذلك ما سواه من معانيه الكثيرة، فالنسبة إلى الجمع على لفظة صحيحة وشائعة وضرورات التفرقة بين المعاني أو الحاجة إليها تسوغ ذلك إن لم توجبهن فأمّا ترجمتها بكلمة «الأجانب» فاصرة غامضة، وأشد منها قصوراً وغموضاً وخروجاً عن العربية ترجمتها ـ كما يفعل كثير من المترجمين المتعجلين ـ بكلمة «الأغيار» جمع «غير» لأنّ كلمة «غير» مُغرقة في الإبهام، فما لم يكن المقابل لها حاضراً معها لم يُفهم لها معنى، ولا شك أنّ كلاً من لفظي «الأمي» و«الأميين» الذي ورد في القرآن الكريم والحديث النبوي وكلام العرب القدماء كان أولى بالاستعمال، لولا التباسُ المعاني بعضها ببعض، وجهلُ المقصود بالكلمة، ومن واجب اللغات أزالة كلّ لبَس ما أمكنت أزالته، كما لا شك أنّ لفظ «الأميّ» يرجع إلى كلمتين: «الأمّة» و«الأم». فإذا نسب إلى الأمّة كان معناه «غير اليهودي» وإذا نسب إلى الأم كان معناه الغفل الذي لا يقرأ ولا يكتب كأنّه الصبي الذي لم يفارق أمّه.
محمد خليفة التونسي
أنــار
مدينة يبلغ عدد سكانها 7541 نسمة حسب إحصائية عام 1986 وهي تابعة لقضاء رفسنجان في محافظة كرمان (إيران).
تقع أنار على خط طول 21،55 شرقاً وخط عرض 52،30 وعلى بُعد 80كلم إلى الشمال الغربي من رفسنجان و200 كلم إلى الغرب من كرمان.
يتميّز مناخها بالاعتدال صيفاً وبالبرودة النسبية شتاءً، وهي تعتمد على القنوات في توفير مياهها، وتزدهر فيها الزراعة وتربية المواشي، ومن أهم محصولاتها الزراعية: الحبوب والفستق والقطن.
وأنار كانت قرية قديمة ويوجد قبر بشر الحلفي (م226هـ) وهو من كبار الصوفيين وأصحاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في (بشر آباد) بالقرب منها.
وأنار حسب التقسيمات الإدارية لعام 1937 كانت إحدى المناطق الريفية التابعة لناحية رفسنجان التابعة بدورها لقضاء كرمان، وعندما أصبحت ناحية رفسنجان قضاةً عام 1945، ظلّت منطقة أنار الريفية ملحقة بهذا القضاء.
بلغ عدد المدارس في أنار عام 1984 عشر مدارس تضم 1576 طالباً، وتحتوي على خمسة مساجد ومكتبتين عموميتين تحتويان على 8806 كتب.
ويتحدّث أهالي أنار اللغة الفارسية، ومن أشهر علماء أنار الشيعة: محيي الدين بن بدر الدين الأناري، المعاصر للشاه إسماعيل الصفوي الأوّل المتوفى عام 930هـ.
الأنبار
كانت الأنبار من مدن العراق العظيمة أيام العباسيين. ويرتقي زمنها إلى ما قبل الفتح الإسلامي. وقد سمّاها الفرس فيروز سابور (وباليونانية بيريسابور (Perisabor وكان أوّل من عمّرها شابور، وصار اسم فيروز سابور يطلق في أيام العرب على الطسوج الذي يكتنفها. ويُقال إن هذه المدينة إنّما سمّيت بالأنبار «لأنّه كان يُجمع بها أنابير الحنطة والشعير والقتّ والتين، وكانت الأكاسرة ترزق أصحابها منها، ثمّ جدّدها أبو العباس السفّاح أول خلفاء بني العباس وبنى بها قصوراً وأقام بها إلى أن مات». وأقام بها أيضاً أخوه المنصور حيناً من الزمن. وحكى المستوفي، أنّ اليهود الذين سباهم نبوخذ نصّر من بيت المقدس إلى بابل كانوا قد حُبسوا في الأنبار. وقال: إن دُور أسوارها كان في المائة الثامنة (الرابعة عشرة) خمسة آلاف خطوة
ومنزلة الأنبار في أنّها عند مخرج أوّل نهر كبير صالح لسير السفن يحمل من الفرات إلى دجلة ويصب في الفرضة جنوبي المدينة المدوّرة في الجانب الغربي. وهذا النهر هو نهر عيسى، وإنّما عُرف بذلك نسبة إلى عيسى الأمير العباسي، وهو إمّا أن يكون عيسى بن موسى ابن عم المنصور، أو عيسى بن علي عمّ (وإليه ينسب النهر في الأغلب). ومهما يكن الأمر، فإنّ الأمير عيسى أُطلق اسمه على النهر إذ جدّد حفره وجعله صالحاً لسير السفن من الفرات حتّى بغداد. وكان على هذا النهر بعد خروجه من الفرات أسفل الأنبار بشيء قليل، قنطرة مهولة يُقال لها قنطرة دمما نسبة إلى قرية دمما وكانت على ضفة الفرات عند الفلّوجة. ثمّ يمرّ فيسقي قرى طسوج فيروز سابور وضياعه حتّى ينتهي إلى المحوّل على فرسخ واحد من أرباض الجانب الغربي من بغداد. فإذا صار إلى المحوّل تفرّع من يساره نهر الصراة وهو النهر الذي يلف الحد الفاصل بين طسوج قطربل في شمال بغداد الغربية وطسوج بادوريا في جنوبها. ونهر الصراة الذي كان يجري غالباً بموازاة نهر عيسى يصبّ في دجلة أسفل من باب البصرة أحد أبواب المدينة المدوّرة. وكانت تتفرّع من هذين النهرين جميع أنهار بغداد الغربية إلاّ ما تفرّع من نهر دُجَيل وهو قليل.
الأنبار
تقع أطلال مدينة الأنبار على الضفة اليسرى أو الشرقية لنهر الفرات جنوبي قرية الصقلاوية الحالية، وعلى بُعد زهاء ستة كيلومترات من جنوب صدر جدول الصقلاوية الحالي. جنوبي خط طول 43،43 شرقاً وخط عرض 33،22،5 شمالاً ويقول جغرافيو العرب إنّها على مسيرة اثني عشر فرسخاً من بغداد، أي ما يقارب 68 كيلومتراً إذا اعتبرنا أن الفرسخ يساوي 7/5 من الكيلومترات. إلاّ أن ياقوت يذهب إلى أنّها تبعد عن بغداد بمقدار عشرة فراسخ. وموقع الأنبار في شمالي منطقة السواد سهل قابل للزراعة على مقربة من نهر عيسى وهو القناة الصالحة للملاحة من نهر الفرات إلى نهر دجلة. وموقعها هذا جعلها تسيطر على ممر مهم في الفرات.
وممّا يروي البلاذري في فتوح البلدان عن سبب تسميتها بهذا الاسم أنّها كانت أهراء البلاد الفارسية، ومن ذلك أنّ أصحاب النعمان كانوا يُعطَون أرزاقهم منها.
ومن الدراسات التي قام بها بعض الأثريين لما بقي من الأطلال القائمة الآن يتبين أنّ المدينة أقدم من الساسانيي. كما أنّها أصبحت من أهم المدن في عهد الساسانيين. وكانت في عهد أميانوس تعتبر بعد طيسفون من أهم مدن بابل، كما أنّها اتُّخذت كقاعدة عسكرية لتكون معدّة أمام ما يحتمل من هجمات الروم على العاصمة الفارسية.
وإذا كان قد قيل إنّ الذي اختط الأنبار هو الملك الساساني سابور الأوّل الذي حكم من العام 310 إلى العام 379م فيبدو أن ذلك يعني أنه هو الذي جدّدها وأعاد بناءها وحصّنها لا أنّه كان أوّل من أنشأها. وقد عرفها الفرس باسم فيروز سابور. ثمّ عرفها العرب باسم الأنبار، وأصبح اسم فيروز سابور يشمل مقاطعة الأنبار بما فيها من القرى. على أنّ في مؤرخي العرب من اعتبرها من مدائن كورة سامراء. وقد أطلق أميان مرقلان على المدينة اسم بيريسابوراس، وذلك عند وصفه لحملة يوليانس (363م) كما أنّه وصف سورها المضاعف المنيع.
على أنّه لا بد من القول إنّ اسم الأنبار قد عرفه العرب لمكانين آخرين غير الأنبار الكبرى التي نتحدّث عنها، هما: الأنبار القرية التابعة لبلخ والتي يُنسَب إليها أبو الحسن علي بن محمد الأنباري، وسكة الأنبار بأعلى مرو وإليها ينسب أبو بكر محمد بن الحسين عبدويه الأنباري.
الأنبار في العهد الإسلامي
المثنى بن حارثة الشيباني هو أوّل من دخل الأنبار في الفتح الإسلامي في عهد أبي بكر وكان أوّل أمير عليها الزبرقان بن بدر في السنة الثانية عشرة من الهجرة. وظلّ أمرها أمر غيرها من الولايات الإسلامية حتّى خلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام). وقد أرسل معاوية سفيان بن عوف الغامدي ليُغير عليها وكان من وصيته له: «فاقتل مَن لقيته ممّن ليس هو على مثل رأيك واخرب كلّ ما مررت به من القرى، واحرب الأموال فإنّ حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب»([55]).
ونحن حين نقارن بين هذه الوصية ووصية منقوخان إلى أخيه هولاكو حين أرسله لغزو البلاد الإسلامية وفتح بغداد، والتي يقول فيها: «أمّا مَن يعصيك فأغرِقه في الذل والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكلّ ما يتعلق به وابدأ بإقليم قهستان في خراسان فخرّب القِلاع والحصون».
حين نقارن بين وصية الملك المغولي التتري ووصية معاوية نعلم أنّ الوصيتين من منبع واحد مع العلم أنّ جيوش هولاكو جيوش وثنية تغزو بلاداً إسلامية وعربية، وجيوش معاوية جيوش يدّعي صاحبها العروبة والإسلام ويغزو بها العرب والمسلمين ولا أدري كيف يصح لنا في المنطق الإنساني والمقياس الإسلامي والمعيار العربي أن نستبشع ما فعلته جيوش هولاكو ثمّ نغض الطرف أو أن لا نبخل بالاحترام على من أمر جيوشه أن تفعل في بلاد العرب وديار المسلمين ما لم تفعل أكثر منه بعد ذلك جيوش المغول والتتار.
الغارة على الأنبار
وقد قاد الغامدي ستة آلاف مقاتل فقابله أشرس بن حسّان البكري. وقد روى حبيب بن عفيف ما جرى قائلاً: «كنت مع أشرس بن حسان البكري بالأنبار على مصلحتها إذ صبحنا سفيان بن عوف الغامدي في كتائب تلمع الأبصار منها فهالونا والله وعلمنا إذ رأيناهم أنّه ليس لنا طاقة بهم ولا يد، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا فلم يَلقَهُم نصفُنا. وايم الله لقد قاتلناهم فأحسَنّا قتالهم حتّى كرهونا، ثمّ نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى: { فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}. ثمّ قال لنا: من كان لا يريد لقاء الله ولا يَطيب نفساً بالموت فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم، فإن قتالنا إياهم شاغل لهم عن طالب هارب، ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار. ثمّ نزل في ثلاثين رجلاً فهَمَمتُ بالنزول معه ثمّ أبَت نفسي واستقدم هو وأصحابه فقاتلوا حتّى قُتلوا.
ولما بلغ علياً ما جرى خطب خطبته الشهيرة التي يقول فيها: «ما غُزي قومٌ قطّ في عُقر دارهم إلاّ ذلوا» والتي وصف فيها بعض ما نفذه جنود معاوية من أوامر القتل والسلب والتخريب: «…ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المُعاهِدة([56]) فينزع حِجلها وقُلُبها وقلائدها ورعاثها ما تمتنع عنه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام».
وهكذا نرى أن جنود معاوية وقائدهم كانوا جديرين بالمهمة التي كلّفهم بها أميرهم فاستقوَوا حتّى على النساء العربيات المسلمات وغير المسلمات اللواتي وصف الإمام عليٌّ عليه السّلام بعض ما نالهنّ فضلاً عما نال غيرهنّ.
ثمّ استنفر الإمام علي (عليه السّلام) جيشاً عدّته ثمانية آلاف بقيادة سعيد بن قيس الهمداني لمطاردة المعتدين، فتعقبهم حتّى بلغ أداني قِنّسرين وقد فاتوه فانصرف.
كانت الأنبار أيام الساسانيين من أكبر المدن الآهلة، وبعد الفتح وقيام الكوفة والبصرة وغيرها بدأت الأنبار تفقد أهميتها وأخذت بالتدهور.
ولما جاءها أبو العباس السفّاح الخليفة العباسي الأول (132هـ/750م) واتّخذها عاصمة له سنة 134هـ وبنى فيها قصراً سماه الهاشمية يعني مدينة الهاشمية استعادت مكانتها وتجدد فيها العمران حتّى عادت من أكبر المدن. قال ابن قتيبة في الأخبار الطوال: «ثمّ إن الإمام ـ أي أبا العبّاس السفاح ـ سار من الحِيرة في جموعه حتّى أتى الأنبار فاستطابها فابتنى بها مدينة بأعلى المدينة عظيمة لنفسه وجموعه وقسّمها خططاً بين أصحابه من أهل خراسان وبنى لنفسه في وسطها قصراً عالياً منيفاً فسكنه وأقام بتلك المدينة طوال خلافته وتسمّى إلى اليوم مدينة أبي العباس» وفي الأنبار فتك السفّاح بالأمويين بعد أن أنشده الشاعر سديف أبياته السينية التي يقول فيها:
واذكروا مصرع الحسين وزيداً
وقتيـلاً بجـانب المِـهـراسِ
والقتيلَ الـذي بحـرّانَ أضحى
ثاويـاً بيـن غربـةٍ وتنـاسي
ثم أعقبها بهذين البيتين:
لا يَغُرّنْكَ مـا ترى من رجـالٍ
إنّ بيـن الضـلوع داءً دَوِيّــا
فضَعِ السيفَ وارفَعِ السوطَ حتّى
لا ترى فوق ظهرهـا أُمـويّـا
وتوفي السفاح في الأنبار سنة 136هـ وفيها بويع بعده أخوه أبو جعفر المنصور. ثمّ بنى بعد ذلك بغداد وانتقل إليها. وقال المستوفي وقد زارها في القرن الرابع عشر الميلادي: إن طول سورها يبلغ زهاء خمسة آلاف خطوة. وذكر ابن شاكر الكتبي في ترجمة الأنبار وبها قبره، وأن الهاشمية([57]) أخذت اسم الأنبار وأن الأنبار الأولى دَرَسَت. وقد زارها ابن بطوطة (سنة 748هـ /1347م)، ومنها سافر إلى هيت والمدينة وعانة. واستولى عليها سنة (814 هـ/1411م) الأمير عجل بن نعبر الطائي بعد أن كسره الأمير قرّة يوسف القره قوينلي وأخرجه من عانة، على ما ذكر ابن حجر في إنباء الغمر في أبناء العمر في حوادث سنة 814، والمقريزي في تاريخه السلوك للسنة نفسها. وآخر ذكر وقفنا عليه للأنبار في حوادث تاريخ العراق (سنة 824هـ/1421م)،فقد ذكر الغياث البغدادي في تاريخ الغياثي (ص187) أن أبا علي خرج من الأنبار مع أخيه ناصر الدين علي وذهب إلى الحلة لاستيفاء أموال فيها، وحكم في الحلة ثلاثة أشهر وعشرين يوماً. والظاهر أن الأنبار بدأ خرابها بعد هذا التاريخ لكثرة الحروب واختلال الأمن فيها. وقد انتقل جماعة من أهل الأنبار إلى بلدة المسيّب. ثمّ انتقل فوج منهم إلى الكاظمية ولا تزال محلتهم فيها تعرف بمحلة الأنباريين. كما أنه لا تزال بعض الأسر في المسيّب تعرف بالأنباري.
الأنبار حين زرتها في العام 1941
زرت أطلال الأنبار العام 1941، وإليك ما دونته عنها يومذاك:
… بعد خمس عشرة دقيقة من خروجنا من الفلّوجة كنّا على أنقاض الأنبار، فقصدنا أوّل ما قصدنا إلى القبر الذي يسمّيه سكان تلك النواحي (أبو فياض) فدخلنا باباً إلى ساحة مملوءة بالأتربة ومحاطة بسور يدور عليها من جوانبها الأربعة وفي وسطه بنية وفوقها قبة كبيرة حولها عدّة قباب صغار. ودخلنا باب البنية إلى قبر مستطيل وصلنا بعده إلى باب ولجناه إلى حجرة مظلمة وفي وسطها قبر تقوم عليه القبة الكبيرة. وجميع هذه الأبنية مهشمة مشوهة وهي بسيطة لا أثر للفن والزخرفة فيها. ، فكنّا أمام تلال واسعة هي ركام المدينة المنقرضة فأخذنا طريقنا فيها فنرى قطع الخزف المحطّم والزجاج المكسّر والحلي المهشمة. وكنّا نتطلع أمامنا فنرى إلى أقصى النظر طلولاً وفجوات وأخاديد ووهدات هي كل ما بقي من مدينة الأنبار. فلا أثر للبناء ولا بقية للعمران. فإن يد الهدم عملت عملها في مخلفات المدينة فنقلت آجرّها إلى الفلّوجة لتبني فيه من جديد وتستعمله في إنشاء البلدة المحدثة.
ثمّ كنّا أمام قبة أخرى دخلنا إليها باباً أوصلنا إلى باب دخلنا منه إلى غرفة مظلمة فيها قبران متوازيان يعرفهما الناس هناك بقبر أبي القاسم. ثمّ سرنا بين الأنقاض إلى قبر ثالث يعرف باسم أبو خمرة
فمن هم يا ترى أصحاب هذه القبور الذين استطاعت قبورهم أن تتغلب على الزمن فتنقرض المدينة ويزول أثرها ويتهدم كل بناء فيها وتظل قبورهم مرفوعة العماد مشيدة الأركان يقصدها الناس في المواسم والأعياد.
ومن هم أبو فياض وأبو القاسم وأبو خمرة، هل هذه الأسماء أسماؤهم الحقيقية أم هي أسماء حوّرها الزمن ولاكتها الألسنة فوصلت إلينا بهذا الشكل؟ وهل لأبي العباس السفاح الذي اقترن اسمه باسم الأنبار قبر بين هذه القبور ومقام بين هذه المقامات؟
لقد تهدم قبر أبي خمرة ولم يبق منه إلاّ رسمه وما ندري إذا كانت القبور الأخرى ستستطيع الصبر على قراع الدهر طويلاً فيُكتَب لها من الخلود أكثر مما كُتب أم أنها ستُلحق بالقبر المهدوم؟
ورحنا نمشي في التلال هابطين وصاعدين حتّى كنا في ساحة واسعة في وسطها صخرة كبيرة أسطوانية الشكل يسمّونها(شمرة علي) ويروون لها قصصاً كثيرة مرتبطة بحياة أمير المؤمنين (عليه السّلام).
وهل للبكري قبر؟
وبعد رحلتنا هذه بعدة سنين زار الأنبار سائح آخر هو السيد علي النجفي فكتب في بعض ما كتبه:
«… وشاهدت قبراً آخر فسألت عنه، فأجابوا هذا قبر أبو خمرة، ورحنا نسير بين الأطلال والأنقاض حتّى بدت لنا قبة بيضاء كروية الشكل. لقد أخنى عليها الدهر وراحت ترزح تحت كلكله وعليها علم أسود صغير تداعبه الشمال، على قبة مرقد أبي العباس السفاح مؤسس الخلافة العباسية».
فهو إذن يرى أنّ قبر أبي فياض هو قبر السفاح دون أن يذكر على أي شيء استند في ذلك.
ثمّ يقول: «اتجهنا نحو الجنوب بين الأنقاض والحفر حتّى أوقفنا الخادم على معالم مرقد في وسط هوة وعليه الصخور والآجرّ وعلم أخضر مركوز على تلك الأنقاض، فأشار بيده وقال: هذا قبر حسان بن حسان البكري»([58]).
ولعل المقصود بمعالم المرقد هو ما ذكرنا أن الناس سمّوه لنا قبر أبي القاسم. ونحن لم يذكر لنا أحد اسم حسان البكري بين اسماء أصحاب القبور.
الانتصار
كتاب للسيد المرتضى، موضوعه ما انفرد به الشيعة من الآراء الفهية وأدلتهم على هذا الانفراد.
طبع لأوّل مرّة على الحجر في طهران سنة 1276هـ ضمن الجوامع الفقهية. وبعد تسع وثلاثين سنة طبع طبعة ثانية في إيران على الحجر أيضاً طبعة مستقلة (1315هـ) ثمّ طبع طبعة حديثة العام 1391هـ ـ 1971م في النجف قوبلت على نسخة مصوّرة بخط أبي الحسين علي بن إبراهيم بن الحسن بن موسى الفراهاني سنة 591هـ كما وبلت على نسخة مخطوطة في مكتبة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في النجف مكتوبة سنة 1087هـ.
وقدّم لهذه الطبعة السيد محمد رضا الخرساني بمقدمة ترجم فيها للمؤلف وعرّف بالكتاب.
الانتقاد (كتاب)
تأليف الشيخ محمد مهدي ابن الشيخ علي أصغر ابن الشيخ محمد يوسف القزويني كان حيّاً سنة 1129 هجرية وهو من أعاظم النحاة في عصره وأكابر علماء الشيعة، لغوي متبحر وأديب شاعر يقع الكتاب في مجلد واحد يبحث في جميع أبواب علم النحو وهو شرح على كتاب المجمل في النحو لأستاذه الشيخ ملا خليل القزويني المتوفى سنة 1089 هجرية. ويقول المصنّف في الورقة الثانية من النسخة الموجودة عندنا (… رأيت كتاب المجمل الذي صنّفه أفضل المدققين وأكمل المحققين أعلم العلماء المتبحرين جامع المعقول والمنقول حاوي الفروع والأصول المؤيّد… المدعو بخليل الرحمن أديمت إفاداته في النحو مجملاً غاية الإجمال وموجزاً غاية الإيجاز بحيث كاد أن يعد من الألغاز سنح لي أن أشرحه شرحاً مشتملاً على أصوله وقواعده محتوياً على فروعه وشواهده…).
ويشتمل على ديباجة يليها سبعة فصول ويعبر المؤلف عن كلّ فصل بالأمر وشرح في الأمر الأوّل علم النحو وفي الأمر الخامس يذكر النحاة المشهورين وشرع بأبي الأسود الدؤلي ثمّ أشار في الأمر السادس إلى معاني النحو وختم كلامه في الأمر السابع ببيان غرض القوم بمصطلحاتهم وهو من أهم وأحسن وأشهر الكتب النحوية التي صنّفت في العصر الصفوي. أوّله بعد البسملة: (الحمدلله الذي أسماؤه متدسة وآلاؤه متناثرة وألطافه متظاهرة… أمّا بعد فيقول الفقير إلى رحمة ربّه الغني مهدي بن علي أصغر القزويني…) ثمّ تطرّق المصنّف إلى جميع أبواب النحو واستشهد في بحثه بأقوال الشعراء وذكر شيئاً كثيراً من الشعر الجاهلي والعصر الإسلامي كما استشهد في كلامه بالآيات القرآنية ويظهر منها تبحّره في علم النحو واللغة والأدب وهو كتاب فريد من نوعه في علم العربية والنحو.
لم يقف عليه شيخنا الأستاذ الإمام الرازي وإنّما ذكره نقلاً عن الحر العاملي([59]) في موسوعته الخالدة الذريعة إلى تصانيف الشيعة ويقول (الانتقاد: في النحو للمولى محمد مهدي ابن المولى علي أصغر بن محمد يوسف القزويني صاحب ذخر العالمين الذي فرغ منه سنة 1119 ذكره أمل الآمل) ([60]) ثم أشار إليه ثانية في المجلد الخامس ص 142 من الذريعة وقال إنّه شرح كتاب المجمل.
لم أجد له ذكراً في فهارس المكتبات العامة والخاصة وعندنا منه نسختان نسخة بخط المؤلف ونسخة ثانية من عصر المؤلف مقرونة بالحواشي الكثيرة. وجاء في آخر بعض الحواشي (منه سلمه الله) وهي من مخطوطات مكتبتنا بقزوين.
عبد الحسين الصالحي
أنجُدان
تقع أنجُدان أو أنحدان في سفح سلسلة جبال قليلة الارتفاع على مسافة سبعة وثلاثين كلم شرقي مدينة أراك (سلطان آباد سابقاً) وحوالي هذه المسافة نفسها غربي مدينة محلات في إيران المركزية. وتعتبر من القرى المهمة في ناحية مشكاباد في سهل فراهان الخصب. ولهذا من المظنون أن تكون هذه المنطقة مزدهرة بالسكان في زمن الأئمة الإسماعيليين النزاريين.
يبدأ عصر أنجُدان في تاريخ النزارية بعد ألموت في السنوات الأخيرة من القرن التاسع/ الخامس عشر بالإمام القاسم شاهي الثاني والثلاثين أي علي شاه المعروف بالمستنصر بالله الثاني وهو أوّل إمام نزاري له صلة بصورة قاطعة يقينة مع أنجُدان. وبقي هذا المكان مقراً للأئمة القاسم شاهية حتّى أواخر القرن الحادي عشر/ السابع عشر أي خلال قرنين من الزمن. وهذا العصر يصادف القسم الأكبر من العهد الصفوي في إيران.
ويعيش في الوقت الحاضر في أنجُدان حوالي ألف نسمة جميعهم من الشيعة الإثني عشرية ويتكلمون اللغة الفارسية ومهنتهم زراعة الفواكه. من الآثار القديمة التي حصل عليها المستشرق الروسي إيڤانوڤ سنة 1937م في أنجُدان، مسجد قديم وثلاث مقابر فيها أضرحة عدد من الأئمة النزاريين وأقربائهم. ولمّا زار الدكتور فرهاد دفتري سنة 1976 أنجُدان لأوّل مرّة، كانت بعض الآثار القديمة التي أشار إليها إيڤانوڤ ووصفها قد أبيدت لعدم الاهتمام بترميمها. ويقول الدكتور فرهاد دفتري: وجدير بالذكر إنّه لمّا قام الملك ناصر الدين شاه القاجاري في شهر ذي القعدة سنة 1309/يونيو 1892 بزيارة أنجُدان لم يفهم صلتها الماضية بالإسماعيلية النزارية.
جلس المستنصر بالله الثاني، حوالي سنة 868/1463ـ1464 على كرسي الإمامة وتوفي سنة 885/1480. هذا التاريخ منقوش على الصندوق الخشبي الذي كان قد وضع على ضريح هذا الإمام. إنّ ضريح المستنضر بالله ذا الاضلاع الثمانية الذي ما زال السكان المحليون يطلقون عليه اسم شاه قلندر هو أقدم بناء أثري نزاري في أنجُدان. وحسب رواية نزارية فإنّ المستنصر توفي سنة 880/1475ـ1476. وهذا التاريخ يتفق مع التاريخ الموجود على ضريحه الذي شُيّد في عصر مامة ابنه عبدالسلام شاه. غير أنّ الروايات الشائعة بين أنصار الفرقة تشير إلى أنّ مقرّ المستنصر بالله الثاني وبعض الأئمة بعده كانت في مدينة بابك في ماطعة كرمان. ولم يُعثر على مقبرة عبدالسلام الذي قيل حسب روايات الفرقة إنّه توفي سنة 899/1493ـ1494. غير أنّ ضريح ابنه عباس شاه الذي خلفه في الإمامة وكان لقبه المستنصر بالله أيضاً ما زال موجوداً في أنجدُان. إنّ هذا الإمام الذي هو الإمام الرابع والثلاثون من سلالة الأئمة النزاريين والذي يطلق عليه: غريب ميرزا ولا يزال سكان أنجُدان الذين لا يعرفون الهويات الحقيقية للشخصيات النزارية التي دفنت في قريتهم، يذكرونه باسم شاه غريب (الملك الغريب). وهو في الحقيقة الإمام الإسماعيلي الثالث الذي يحم لقب المستنصر بالله. وحسب توالي الأئمة النزاريين القاسم شاهيين فإنّ الأئمة الذين جاؤوا بعد غريب ميرزا (المستنصر بالله الثالث) الذي توفي سنة 904/1498 هم حسب التوالي: أبو ذر علي (نور الدين) ومراد ميرزا وذو الفقار علي (خليل الله الأوّل) ونور الدهر (نور الدين) علي وخليل الله الثاني (المتوفى سنة 1090/1680) وهو آخر إمام كان يقيم في أنجُدان.
عصر أنجُدان هو عصر تجديد حياة الدعوة الإسماعيلية النزارية ونشاطات نزاريي إيران الأدبية. إنّ هذا التجديد النزاري بعد عصر ألموت أو بعبارة أدق إنّ هذا التجديد النزاري القاسم شاهي يعود إلى عصر الإمام القاسم شاهي الثاني والثلاثين أي المستنصر بالله الثاني. ونتيجة لذلك وبعد ظهور الأئمة في أنجُدان حوالي منتصف القرن التاسع/ الخامس عشر، فإنّ نشاطات الدعوة النزارية القاسم شاهية كان بإمكانها أن تصبح أكثرعلنيةً. وهذا التجديد في حياة هذه الفرة سرعان ما كان السبب في انتشار النهضة النزارية القاسم شاهية وتثبيت دعائم قوّة الأئمة في هذا الفرع على بقية الجماعات النزارية في المناطق البعيدة.
الانحلال
١ – الانحلال في اللغة: الانفكاك([61])، وهو مصدر لفعل المطاوعة (انحل).
أما في الاصطلاح فقد ورد الانحلال في موارد عديدة من الأصول([62]) والمورد المهم منها انحلال العلم الإجمالي.
والمقصود من انحلال العلم الإجمالي هو: انفكاك العلم بالجامع إلى العلم بفرد معين منه والشك البدوي في غيره([63]).
ومثاله: ما إذا كان هناك علم بنجاسة أحد الأواني ثمّ حصل العلم بأحدها المعين فهنا ينحل العلم الإجمالي إلى علم بنجاسة الطرف المعين وشكوك بدوية في الأطراف الأخرى بعد أن كان الشك في جميع الأطراف مقرونا بالعلم الإجمالي([64]).
ونتيجة الانحلال هي جريان الأصل الترخيصي في غير ما حصل فيه العلم من الأطراف([65]) وذلك لأنّ الشك فيها صار – كما قلنا – بدويا وهو من قبيل الشك في التكليف الذي هو مجرى للبراءة([66]).
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا المصطلح لم يبرز إلاّ عند متأخري الأصوليين من الإمامية. وأمّا في الفقه فقد استعمل هذا المصطلح من قبل فقهاء المسلمين في بعض الموارد الفقهية كانحلال اليمين والنذر والعقد([67]).
أقسامه:
٢ – ينقسم الانحلال إلى أقسام ثلاثة:
أولاً: انحلال الحقيقي: والمقصود منه زوال العلم بالجامع حقيقة بسبب قيام القطع بأحد الأطراف([68]) كما في المثال السابق الذي أوردناه في التعريف.
ثانياً: الانحلال الحكمي: والمقصود منه ما لم يَزُل فيه العلم بالجامع حقيقة وإنّما تجري فيه نتيجة الانحلال والتي هي جريان الأصول الترخيصي في غير الطرف الخارج عن العلم الإجمالي([69]).
وهذا القسم إنّما يتصور فيما إذا قامت أمارة على طرف من الأطراف، كما لو قامت أمارة على وقوع النجاسة في طرف معين من الأطراف التي علم إجمالا وقوع نجاسة في أحدها.
ثالثاً: الانحلال التعبدي: والمقصود منه ما إذا حصل الانحلال حقيقة بسبب قيام طريق تعبدي بالنسبة إلى طرف من أطراف العلم الإجمالي([70]) وقد يطلق على هذا القسم الانحلال الحكمي([71]).
وبهذا يعلم إنّ التعبدي وإن كان كالحقيقي في حصوله حقيقة ولكنه يمتاز عنه بأن سببه قيام أمارة أو اصل على أحد الأطراف فيما يكون سبب الانحلال الحقيقي قيام القطع بأحد الأطراف.
كما يعلم أن الفرق بينه وبين الانحلال الحكمي هو أن التعبدي انحلال حقيقة، بينما الحكمي ليس هو انحلالا وإنّما تجري فيه نتيجة الانحلال الحقيقي([72])، وإن كانا يشتركان في قيام الأمارة أو الأصل على أحد الأطراف، وهذه التفرقة ناجمة من أننا لو اعتبرنا أن للأمارة آثار العلم والتي منها الانحلال، فبسبب قيامها يحصل الانحلال التعبدي، وحينئذ لا حاجة في إجراء الأصل الترخيصي إلى الإلجاء إلى الانحلال الحكمي، أما لو نفينا هذا الأثر للأمارة فينفتح المجال حينئذ للأخذ بالحكمي. بمعنى أن قيام الأمارة في طرف يؤدي إلى إمكان إجراء الأصل الترخيصي في الأطراف الأخرى، وأما إنه كيف يؤدي إلى إمكان إجراء الترخيص فللقائلين بالانحلال الحكمي مباحث فنية في ذلك([73]).
حكم الانحلال:
٣ – وفيما يلي نذكر حكم الأقسام:
أ – الانحلال الحقيقي: لاخلاف في حصول الانحلال في حالة العلم بانطباق المعلوم بالتفصيل على المعلوم الإجمالي([74]) كما لو علمنا إجمالاً بسقوط قطرة في أحد الأواني ثمّ علمنا تفصيلاً بأن تلك القطرة – والتي تعلق بها العلم الإجمالي – قد سقطت في هذا الطرف المعين، كما إنه لا خلاف في عدم حصول الانحلال لو علمنا بأنهما غير منطبقين([75]) كما لو علمنا بأن قطرة أخرى – غير الأولى – من النجاسة قد سقطت في طرف معين.
وإنّما الخلاف فيما لو احتمل الانطباق وعدمه([76]) فهنا أقوال:
الأول: أنّ احتمال الانطباق يكفي في حصول الانحلال وممن ذهب إلى هذا القول النائيني([77])، والإمام الخميني([78])، كما أنّه هو الظاهر من الكفاية([79]).
القول الثاني: إنّ احتمال الانطباق لا يكفي في حصول الانحلال. وقد ذهب إلى هذا القول المحقق العراقي([80]).
القول الثالث: التفصيل بين صورتي إحراز المعلوم التفصيلي مصداقا للمعلوم الإجمالي وعدم إحراز ذلك، فيحصل الانحلال في الأوّل ولا يحصل في الثاني([81]).
وهذا التفصيل يعني أن مجرد احتمال الانطباق غير كاف في حصول الانحلال، بل يجب معه إحراز مصداقية المعلوم التفصيلي للمعلوم الإجمالي، فمثلاً لو علمنا بسقوط قطرة في أحد الأواني، ثم علمنا بوقوع قطرة لا ندري هي نفس الأولى أم غيرها في إناء معين، فهنا وإن كان احتمال الانطباق موجوداً إلاّ أن المصداقية غير محرزة بل محتملة، والمصداقية تُحرز فيما إذا كانت نسبة المعلوم الإجمالي إلى الأطراف متساوية، كما إذا حصل علم إجمالي بنجاسة أحد الأواني الذي هو في معرض استعمال الكافر لمجرد استبعاد أن يمر زمان طويل بدون أن يستعمل بعضها، ثم يحصل علم تفصيلي بنجاسة إناء معين فهنا يكون المعلوم التفصيلي (أي نجاسة إناء معين باستعمال الكافر) مصداقا يقينيا للمعلوم الإجمالي، غير أن ما تعلق به العلم الإجمالي لم يكن خصوص هذا الاستعمال، فالانطباق سعة وضيقا غير محرز لأن شرط الانطباق هو أن لا يكون له إلاّ هذا المصداق كما في مثال العلم بالانطباق، وهذا لا يحرز كون المعلوم التفصيل مصداقا وحيداً له، وهذا القول (أي التفصيل) هو للسيد الصدر([82]).
ب – الانحلال التعبدي والحكمي: اختلفت الأقوال هنا. فمن يرى أن دليل حجية الأمارة يرتب جميع آثار العلم على الأمارة، والتي من جملتها الانحلال، فهو يقول بالانحلال التعبدي، ومن لا يرى ذلك لم يقل بالانحلال التعبدي، بل قال بالانحلال الحكمي([83]).
كما أن من لم يقل بالانحلال الحقيقي في مورده قال بالانحلال الحكمي([84]).
ومن هذا يظهر أنّ للأخذ بالانحلال الحكمي موردين:
أحدهما: فيما لو لم يؤخذ الانحلال الحقيقي في مورد حصول العلم بأحد الأطراف.
والثاني: فيما لو لم يؤخذ بالانحلال التعبدي في مورد قيام أمارة أو أصل.
أحمد المبلغي
الأندلس
المسلمون في تاريخهم عرفوا إسبانيا باسم الأندلس، وهو في الواقع اسم مقاطعة من ماطعاتها وقد حكم الرومان والفاندال إسبانيا، ولكن استقرّ فيها بالنهاية حكم القوط. وفي عهدهم فتحها المسلمون، نزل المسلمون إسبانيا بجيش مؤلّف من سبعة آلاف مقاتل من البربر ليس فيهم إلاّ ثلاثمائة عربي، يقوده طارق بن ز ياد موفداً من موسى بن نصير والي المغرب.
فعبر طارق بحر الزقاق ونزل بجيشه جبل كَلْبه Galpe الذي سمّي منذئذٍ باسمه جبل طارق، ثمّ عرف بعد ذلك باسم جبل الفتح. وأسرع لذريق لملاقاة الغزاة فالتقى بهم على نهر بارباته الذي عرف في الروايات العربية باسم وادي لَكْو، أو: لكه وهو تحريف وادي لاغو Lago فانتصر المسلمون وقُتل لذريق في 19 تموز سنة 711م (92هـ).
وممّا سهل على المسلمين الفوز أنّ كان في إسبانيا نقمة من بعض من فيها على حكامها فأغروا المسلمين بالقدوم ثمّ انحازوا إليهم عند القتال. وبعد هذه المعركة الحاسمة تلاشت المقاومة الإسبانية الفعالة، فأسرع موسى بن نصير بجيش جديد فلم يصادف مقاومة تذكر ولم تمض أربع سنوات حتّى كان المسلمون قد سيطروا على القسم الأكبر من شبه الجزيرة. ومن الأندلس تابع المسلمون غزواتهم بعد ذلك في فرنسا حتّى صدّهم شارل مارتل في معركة بواتيه وقتل قائدهم عبدالرحمن الغافقي سنة 114هـ (732م).
وبقيت الأندلس ولاية إسلامية قاعدتها إشبيلية، ثمّ قرطبة. وقد توالى في خلال خمس وأربعين سنة اثنان وعشرون والياً منذ الفتح حتّى وصول عبدالرحمن الداخل حفيد هشام بن عبدالملك الذي وصلها فارّاً من العباسيين فنودي به أميراً على الأندلس سنة 756م وبذلك انفصلت الأندلس عن الدولة الإسلامي وغدت إمارة مستقلة عاصمتها قرطبة. وتوالى بعده الأمراء حتّى عهد عبدالرحمن الثالث الناصر الذي أعلن نفسه خليفة سنة 929م وتسمّى أمير المؤمنين. وجاء عهد هشام الثاني 976ـ1008م وكان ضعيفاً فسيطر على الحكم وزيره ابن أبي عامر المعروف بالمنصور وكان حازماً قوياً. وبموته سنة 1002م بدأ انهيار الخلافة فتتابع عليها سبعة خلفاء في أقل من ربع قرن كانت نهايتهم جميعاً الخلع والقتل، فأدّى ذلك إلى انفصالات عن الحكم المركزي وقيام إمارات مستقلة حتّى إذا خُلع آخر خليفة وهو هشام الثالث المعتدّ سنة 1031م انتهى أمر الخلافة وبدأ عهد ملوك الطوائف.
وكمظهر من مظاهر الصراع بين الحكمين المشرقي العباسي في بغداد، والمغربي الأموي في الأندلس نورد هنا ما ذكره المؤرخ المغربي عبدالهادي التازي في مجلة دعوة الحق: «ومن هذا القبيل بعث الخليفة هارون الرشيد سنة 184هـ (801م) بسفارة هامّة إلى أيكس لا شابيل كان هدفها الاستعانة بالإمبراطور شارلمان على خصوم الخليفة الذين يوجدون على حوض البحر المتوسط: الأمويين (في الأندلس) والرستميين والإدريسيين (في شمال إفريقيا). وباسم الأمويين راحت سفارة عام 255هـ (839ـ840م) باسم عبد الرحمن الناصر (الثالث) إلى إمبراطور بيزنطية (Theophelus) لإثارته ضد الخافة، وذلك كرد فعل لما قام به هارون الرشيد من مساع مع الإمبراطور شارلمان». «انتهى».
ويذكر محمد عبدالله عنان في العدد 88 من مجلة الرسالة المصرية هذه المحالفات المتضادة قائلاً: «ومن ثمّ كانت هذه العلاقات والمراسلات الدبلوماسية التي تبادلتها الخلافة العباسية مع مملكة الفرنج. ولم تكن بلا ريب بعيدة عن الفكرة المشتركة في التعاون على سحق الدولة الأموية الجديدة في الأندلس. وكانت ثمة فكرة مماثلة تحمل الدولة الأموية في الأندلس والدولة البيزنطية خصيمة الدولة العباسية ومناوئتها في المشرق على عقد التفاهم والصلاة الودية، فكانت بين أمراء بني أمية وقياصرة قسطنطينية مراسلات وسفارات سياسية هامة».
ثمّ يشير عنان إلى الوفد الذي بعثه الإمبراطور «تيوفيلوس» سنة 225هـ (839م) إلى عبدالرحمن بن الحكم أمير الأندلس يدعوه فيه إلى التحالف. وردّ عبدالرحمن بإرسال سفيره يحيى بن الغزال «فأحكم بينهما الصلة والتحالف». «انتهى».
قام عهد ملوك الطوائف وتشتّت أمر الأندلس وقامت النزاعات والحروب الداخلية وبدأ التراجع أمام الضغط الإسباني لاسترداد البلاد. ولكن ذلك لم يمنع من الازدهار الاقتصادي والثقافي والفني وترف الحياة.
وكان بعض دويلات الطوائف يدفع الجزية لملوك الإسبان المجاورين، وبعضها يستنجد عند اشتداد الضغط بحكام إفريقيا الشمالية حتّى كان العام 897هـ (1492م) وفيه دخل الملك الإسباني فرناندو وزوجته إيزابيلا غرناطة وانتهى الحكم الإسلامي في الأندلس.
وبعد هذا نترك الكلام للأستاذ محمود علي مكي ليحدّثنا عن التشيّع في الأندلس:
التشيّع في الأندلس
استقرّ في الأندلس منذ فتحها عدد كبير من موالى بني أمية وجنودهم المخلصين، كما أنّ معظم من اشتراك في الفتح من العرب كانوا من الشاميين الذين قامت على أكتافهم الدولة الأموية. وقد ظهر صدى الدعوة الأموية فيما كان يحدث حينذاك من حروب أهلية. وقد كان جنود بلج بن بشر([85]) الشاميون يذكرون والي الأندلس عبد الملك بن قطن الفهرى بأنّه إنّما أفلت من سيوفهم يوم الحرة (وكان ابن قطن قد اشترك في هذه الموقعة التي أشرنا إليها في صف الأنصار وضد جيش يزيد بن معاوية) وكان جزاؤه على ذلك أن صلبوه ومثلوا به سنة 123هـ (741م). ويجب أن نذكر كذلك أنّه كان من بين جنود بلج هؤلاء عدد اشتراك في الحروب التي اشتعلت بين الأمويين وخصومهم الشيعة في العراق. ومن أهم هؤلاء شمر بن ذى الجوشن الكلابي الذي قتل الحسين بن علي بيده في كربلاء ثم هرب من الكوفة إلى الشام خوفاً من انتقام المختار بن أبي عبيد الثقفي، ودخل الأندلس مع بلج، وكان حفيده الصميل بن حاتم من أكبر القواد في الأندلس ووزيراً لأميرها يوسف بن عبد الرحمن الفهرى.
مراكز الثورات الشيعية الأولى
وهكذا فإنّ الأندلس منذ فتحت كانت أموية النزعة ولهذا فقد بدأ التشيع فيها ضعيفاً. وقد وجد في الأندلس ـ رغم اتجاهها الأموي القوي ـ مركزان للتشيّع كانا مصدراً للثورات:
الأول: بين البيوت العربية التي دخلت الأندلس، وكانت تدين بنصرة آل علي من قبل فظلت فيها هذه النزعة متوارثة.
والثاني: بين القبائل البربرية.
بيـن العـرب
وأوّل الثورات العربية التي كان لها صلة بالعلويين هي ثورة عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر، وجدّه عمار كان من أشد أصحاب علي إخلاصاً له وتقانياً في الدفاع عنه، وقد قتل عمار في صفين بأيدي الأمويين، ويجب ألا ننسى مدى الصلة الوثيقة بين المنازع الحزبية والعصبية القبلية المتوارثة في هذه الفترة من حياة المسلمين، فقد ظل عبد الله بن سعيد هذا معادياً للحزب الأموي في الأندلس، ويشير ابن حيان إلى أن هذه العداوة قد استغلها يوسف بن عبد الرحمن الفهرى أمير الأندلس عند قدوم عبد الرحمن الداخل، فعهد إلى الياسريّ بقتاله لما كان يعرفه من الخصومة والثأر بين عائلتيهما، ولكن هذه الثورة لم يكتب لها النجاح.
والثورة الثانية هي التي قام بها الحسين بن يحيى بن سعد بن عبادة الخزرجى، فقد ثار في سنة 165هـ (782م) بسرقسطة وخلع طاعة عبد الرحمن، وشايعه سليمان بن يقطان الأعرابي، وممّا يذكر أنّ جدّ هـذا الثائر سعيد بن سعد كان من شيعة علي (عليه السلام)، وقد ولى له اليمن وولى أخوه قيس بن سعد مصر لعلي (عليه السلام) كذلك. ويقول ابن حزم إنه كان من سلالة هذه الأسرة الشاعر أبو بكر عبادة بن ماء السماء الذي أصبح شاعر الحموديين والناطق بلسان الشيعة في أيام ملوك الطوائف.
بين البـربـر
والمركز الثاني للتشيّع ـ وهو الأهم ـ هو القبائل البربرية، لقد كانت بلاد شمال إفريقيا تربة خصبة للدعوات الشيعية، وقد تردّد صدى التشيّع في الأندلس لأوّل مرّة بين صفوف البربر الذين اشتركوا مع العرب في الفتح، واستأثر دونهم العرب بمغانم الانتصار وثمراته. ولهذا كان علينا أن نتتبع البيئات التي استقرّ فيها البربر في الأندلس؛ ونستطيع أن نقول بوجه عام إن البربر استوطنوا على الأغلب المناطق الجبلية والهضاب المرتفعة لا سيما الممتدة في وسط شبه الجزيرة، وهي المنطقة التي كانت تعرف «بالجوف» وكذلك المناطق الجبلية في جنوب شرق الأندلس في كورة البيرة، وهذا هو ما ترك لهم السادة العرب بعد أن احتلوا أهم الوديان الخصبة والسهول، وقد كانت المناطق البربرية ميداناً لجميع الثورات الشيعية التي عرفتها الأندلس كما سنرى.
ثورة شقيا بن عبد الواحد
وأول الثورات البربرية الشيعية هي التي قام بها شقيا بن عبد الواحد المكناسى في منطقة شنتبرية «Santaver»، وكانت أخطر الثورات التي هددت عبد الرحمن الداخل وأطولها إذ استمرت من 151هـ إلى 160هـ (768ـ777م)، وقد امتدت ما بين ماردة «Mérida» وقورية «Goria» غرباً إلى ثغور وادي الحجارة «Guadalajara» وكونكة «Cuenca» شرقاً، أي في جميع الهضبة التي تتوسط شبه الجزيرة. وكان هذا الثائر معلم صبيان أصله من لجدانية (؟) «Labidenia» (وادي الحجارة) ، وكانت أمّه تسمّى فاطمة، فادّعى أنّه فاطمي وتسمّى بعبد الله بن محمد، وقد سير عبد الرحمن الداخل جيوشاً كثيرة لمحاربته، منها جيش كان على قيادته عثمان بن مروان العثماني، فانتصر عليه الفاطمي وقتله، وكان يستخدم أسلوباً حربياً مألوفاً لدى البربر، وهو تجنب المعارك الحاسمة في السهول والفرار إلى قمم الجبال إذا أحس بالخطر. ولم يتمكن عبد الرحمن من هذا الثائر إلا بمؤامرة دبرها بعض أصحابه له فاغتالوه سنة 160هـ (776ـ777م). ولعل هذه الثورة هي أول محاولة لإقامة دولة شيعية في الغرب الإسلامي، إذ أنها سبقت تكوين دولة الأدارسة العلوية بنحو عشرين سنة. وقد كشفت هذه التجربة عما يمكن للدعوات الشيعية أن تصيبه من النجاح في أوساط القبائل البربرية. ولسنا نعلم شيئاً مفصلا عن تعاليم هذا الثائر، إلا أن ابن عذارى يسميه «الداعى الفاطمى» وربما دل هذا على أنه كان يدعو لغيره بالخلافة، وعلى أية حال فقد كان لثورته طابع روحي مذهبي، ويذكر صاحب «أخبار مجموعة» أن القائد الأموي وجيهاً الغساني ـ وهو الذي وجهه عبد الرحمن لمحاربته ـ اقتنع بدعوته وآمن بها وصار من أكبر أعوانه، وظل مخلصاً له حتى بعد قتله، إذ هرب إلى جبال إلبيرة وما زال يقاتل جيوش عبد الرحمن بشجاعة واستبسال حتى قتل.
ثورة شرق الأندلس
وفي نهاية القرن الثاني الهجري تجد الدعوات الشيعية كثيراً من الرواج في العالم الإسلامي كله، لا سيما بعد أن أوقع العباسيون بالثوار العلويين الذين تزعمهم الحسين بن علي بن الحسن في موقعة فخ سنة 169هـ (786م) تلك الموقعة التي اعتبرها الشيعة كربلاء أخرى، وكان لها أثر بعيد في مصير هذا الحزب، فقد أفلت من هذه الوقعة شخصان قدر لهما النجاح في تكوين دولتين شيعيتين: وهما يحيى بن عبد الله بن الحسن الذي استولى على الديلم في شمال إيران وأخوه إدريس الذي استطاع أن يقيم دولة الأدارسة في المغرب الأقصى سنة 170هـ. وقد كان لهذا الاضطراب السياسي والفكري الذي عم العالم الإسلامي صداه في الأندلس وبين البربر الذين أثبتوا حاجتهم إلى زعيم روحي جديد. وقد تمثل هذا الزعيم في شخصية معلم آخر لم تحتفظ لنا المراجع باسمه قام في شرق الأندلس([86]) سنة 237هـ (851م) وادعى النبوة، وكان يتأول القرآن على غير تأويله وكان من شرائعه النهي عن قص الشعر وتقليم الأظفار. وقد قبض على هذا المتنبئ وحوكم بتهمة الزندقة وعرضت عليه التوبة فلمّا أبى صلب([87]).
على أنّ قتل هذا الثائر لم يقض على الحركات الشيعية في الأندلس، إذ أن الدعايات الفاطمية كانت قد بلغت في هذا الوقت ذروة نشاطها في المشرق والمغرب: أما في الشرق فكان الشيعة الإمامية في العراق وغيه على نشاطهم، بينما كان الشيعة الإسماعيلية أو السبعية يبشرون بظهور إمامه ويجوسون خلال البلاد الإسلامية باحثين عن البيئة الملائمة لدعوتهم، وقد تبينوا أن جماعات البربر في شمال إفريقية أصلح ما تكون لها، وصادف ذلك تفكك الوحدة السياسية والعنصرية للإمارة الأموية في عهد الأمير عبدالله. فاستغلت الدعوة الفاطمية هذه الفرصة، وحاولت الاستفادة من الثورات في الأندلس، كما أرادت هذه الثورات أن تستند إلى حجة دينية ولم تر خيراً من الدعوة العلوية.
وكانت أخطر هذه الثورات هي التي قام بها عمر بن حفصون في جنوب الأندلس، وقد امتدت سنين طويلة، واستغرقت إمارة عبد الله بن محمد (275 ـ 300هـ) وجزءاً من إمارة عبد الرحمن الناصر. وقد استغل عمر بن حفصون الدعوات العلوية في شمال إفريقية، ويذكر ابن حظم أنّه خطب للقاسم ابن إبراهيم الإدريسي صاحب البصرة([88]). أما ابن الخطيب فيذكر أنه خاطب الفاطميين في إفريقية فوجه إليه هـؤلاء داعيين ممن يعتقد بمذهبهم وقدم هذان، فحضا عمر بن حفصون على التمسك بطاعة الفاطميين وإقامة دعوتهم بالأندلس وقد أقام هذان الداعيان لدى ابن حفصون واستعان هذا بهما في حروبه ضد بني أمية ثم وجه بهما مرسلا معهما هدية إلى الخليفة الفاطمي.
ثورة أحمد بن معاوية القط
على أن الحركة التي تأثرت بالدعوة الفاطمية تأثراً عميقاً هي ثورة أحمد بن معاوية بن هشام الأموي المعروف بالقط الثائر سنة 288هـ (901م). ومرّة أخرى نرى هذه الدعوة تجد آذاناً صاغية بين القبائل البربرية في نفس المنطقة التي انتشرت فيها الدعوات الشيعية من قبل، أي منطقة «الجوف» على طول الثغر الأدنى والحدود بين المملكة الإسلامية والمملكة المسيحية: ما بين ماردة ووادي الحجارة، ولكن هذه الثورة التي وجهت بعد ذلك للجهاد ضد المسيحيين في إسبانيا سرعان ما تحطمت على أسوار سمورة «Zamora» على يد ألفونسو الثالث ملك أشتوريش «Asturias». وعلى الرغم من أن قائد الثورة كان أحد أفراد البيت الأموي إلا أن اللون الفاطمي كان واضحاً فيها كل الوضوح كما سنبين:
1 ـ فإمامنا أولا تسميته «بالمهدي»، ويضيف ابن حيان أنه كان يسمى أيضاً «فائز الدين وعاصم المسلمين» وهي ألقاب لم نسمعها قبل في الأندلس، وإن كانت في المشرق شائعة بين الشيعة على الخصوص.
2 ـ ثمّ هناك الاهتمام الكبير بأن يكون لهذا الامام «داعٍ» ذو شخصية قوية ينظم الأمر ويجمع له الأنصار، وكما كان داعي الإسماعيلية في المغرب أبا عبد الله الشيعي كان داعي المهدي الأندلسي أبا على السراج الذي تقلد له الأمر ونشر الدعوة معتمداً على نقباء بثهم في صفوف القبائل البربرية كما كان الشيعي يعتمد كذلك على طائفة كبيرة من الدعاة الذين كانوا يسمون «النقباء» أيضاً. وقد صور ابن حيان لنا مدى ما كان يتمتع به هذا الداعي من احترام بين أنصاره الذين كادوا يقدسونه. وتبدو لنا فكرة الداعي وطبقات النقباء بعده منقولة عن نظم الإسماعيلية التي جعلت ﻟ «داعي» الدعاة مركزاً كبيراً يلي رتبة الإمام واهتمت بأحكام طبقات الدعاة اهتماماً لم تعرفه حركة سرية من قبل.
ولعل هذه الثورة التي أشرنا إليها هي آخر المحاولات المسلحة لإقامة دولة على أسس شيعية في الأندلس. وقد انقطعت هذه الثورات بطبيعة تغير الموقف السياسي الداخلي بعد ذلك. ونعني بهذا عودة الخلافة الأموية إلى السيطرة القوية على الأندلس منذ أيام عبد الرحمن الناصر، فلم يكن هناك مجال يتسع لثورات من هذا القبيل إلى انتهاء دولة بني مروان وانقراضها فظهرت على مسرح السياسة من جديد الدعوة العلوية الحمودية وأقامت دولة لها كيان. على أن هذا لم يمنع تسرب بعض الثقافة الشيعية إلى الأندلس في أيام الخلافة عن طريق احتكاكها المتواصل بالشيعة كما سنبين.
نقل الثقافة الشيعية إلى الأندلس
وقد دخل التشيّع الأندلس عن طريقين:
أولهما: الأندلسيين الذين رحلوا إلى المشرق وأخذوا بقليل أو كثير من الثقافة الشيعية لا سيما في العراق أو مصر أو المغرب.
وثانيهما: بعض المشارقة الذين باشروا نشاطاً دعائياً في الأندلس أو قاموا بدور التجسس لمصلحة مواليهم الشيعة.
رحلة الأندلسيين للمشرق وأثرها في ذلك
ويبدو أنّ أّول من نقل شيئاً من الثقافة الشيعية إلى الأندلس هو محمد بن عيسى القرطبي المعروف بالأعشى (ت 221هـ) ، وقد رحل في سنة 179هـ فذهب إلى العراق مخالفاً بذلك زملاءه الأندلسيين الذين كانوا في ذلك الوقت يترددون على المدينة للتفقة على مالك بن أنس وتلاميذه. وقد كانت نتيجة دراسته في العراق أن نقل إلى الأندلس بعض كتب وكيع بن الجراح الذي كان من أكبر المحدثين الشيعيين، وله كتب في الدفاع عن مبادئ الشيعة الزيدية. وقد عرض عليه القضاء في الأندلس فرفض وكان يذكر فضل على بن أبي طالب ويتخذه قدوته في حياته([89]).
وممن رحل إلى العراق بعد ذلك عباس بن ناصح الثقفي الشاعر الذي أوفده عبد الرحمن الأوسط سنة 201 في التماس الكتب القديمة([90])، وقد كان رفيقاً في رحلته وحياته الدراسية في المشرق ليونس بن إلياس البرغواطى الذي طلب علم النجوم والكهانة والجدل، ثم عاد إلى بلاده ليحيى الديانة البرغواطية وهي ديانة تستمد أكثر أصولها من التشيع.
على أن أمثال هؤلاء لم يجاهروا بنزعة شيعية صريحة وإن نقلوا بعض ألوان التفكير الشيعي. ولكن انتشار الدعاية الفاطمية في نهاية القرن الثالث جعل بعض العلماء الأندلسيين يعتنقون هذا المذهب، ومن هؤلاء محمد بن حيون الحجارى (ت 305هـ) الذي لم يكن يذهب مذهب مالك وكان معاصروه يتهمونه بالتشيع، ولكن يبدو أنه كان حريصاً على كتمان مذهبه حتى لا يتعرض للاضطهاد من جانب الفقهاء وعملا بمبدأ التقية الذي كان أصلا من أصول التشيع.
وهكذا ألمّ الأندلسيون بشيء عن الشيعة ومبادئهم وفرقهم ولكنه كان شيئاً ضئيلا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد تدخلت الدولة في الأمر إذ كان من مصلحة الحكومة الأموية أن يفهم التشيع على أنه مجموعة من الضلالات والبدع لا تتفق مع ما يجب أن يكون عليه المسلم الصحيح من سير بمقتضى السنة وابتعاد عن محدثات الأمور. ولعل مما يمثل نظرة الأندلسيين المثقفين إلى التشيع ومدى ما كانوا يعرفونه منه ما ورد عنه في كتاب أبي عمر أحمد بن عبد ربه المشهور (ت 328هـ) «العقد الفريد».
تصوير الشيعة في كتاب العقد الفريد
وفد أفرد المؤلف من كتابه فصلاً لأصحاب الأهواء تكلم فيه ببعض التفصيل عن الشيعة وفرقهم فهو يتناول بعض العقائد الغريبة التي دانت بها فرق شيعية متطرفة كالسبئية والمغيرية والمنصورية ويأتي ببعض نصوص شعرية لكُثِّير عزة والسيد الحميري وغيرهما في تأييد مذاهبهم. ثم يأتي بكثير من أقوال العلماء في ذم الشيعة والتبرؤ من عقائدهم والمقارنة بينها وبين العقائد اليهودية([91]) ونلاحظ أنه يكثر الرجوع إلى كتاب ابن أبي شيبة([92]) ويعتمد كذلك على ابن قتيبة([93]) مما يجعلنا نرجح أن كثيراً مما ذكره ابن عبد ربه قد عرف من قبل عن طريق هذه الكتب المشرقية.
والذي نلاحظه أنّ ابن عبد ربه لا يذكر لنا شيئاً مطلقاً عن التشيع الإسماعيلي الذي كان في وقت تأليف كتابه (300 ـ 322هـ) قد ملأ شمال إفريقية منذ سنة 296هـ حيث استطاع أن يزيل دولة الأغالبة السنية ويقيم الدولة الفاطمية العبيدية؛ هذا على الرغم من أن كثيراً من تعاليم الشيعة تسرب حينئذ إلى الأندلس نفسها. وربما كان إضراب ابن عبد ربه عن ذلك تمشياً مع السياسة التي رسمها لكتابه، وهي الاهتمام بالمشرق قبل كل شيء وتقديمه على كل ما يتصل ببلده أو بالمغرب على وجه العموم، أو لعله رأى أن الإشارة إلى مبادئهم في كتابه ربما كانت وسيلة غير مباشرة لنشرها وهو ما لم تكن تقره سياسة الدولة الأموية في الأندلس.
رأى في تشيع ابن عبد ربه
وتعرض لنا هنا مسالة عرضت من قبل للأستاذ جبرائيل جبور في بحثه الذي أشرنا إليه وهي تشيع ابن عبد ربه فقد رأى الأستاذ الباحث أن ابن عبد ربه متشيع معتدل، وقال إنه ليس من الغريب أن يكون مولى للأمويين ومتشيعاً فكذلك كان أبو الفرج الأصبهاني وأن مظاهر تشيعه ذكره علي بن أبي أبي طالب مشفوعاً ﺒ «رضي الله عنه» وذكره وجهة نظر العلويين في النزاع بين علي (عليه السلام) ومعاوية وقوله عند الكلام عن يزيد بن معاوية: «لا رحمه الله» وهي مظاهر رآها الباحث كافية لإثبات اتجاه ابن عبد ربه الشيعي.
ونحن نرى أن ابن عبد ربه لم يكن متشيعاً على الإطلاق وأنه فضلا عن كونه مولى للأمويين فقد كان مرتبطاً بسياسة الدولة الأموية ارتباطاً شديداً، ونظرة إلى الحالة السياسية في هذا الوقت (300 ـ 322هـ) تجعلنا نؤكد أن الدولة لم يكن لتتسامح مع مؤلف شيعي النزعة لا سيما إن كان كاتباً له شهرته ومكانته كابن عبد ربه وفي الوقت الذي توترت فيه العلاقات بين حكومة قرطبة الأموية وحكومة القيروان الفاطمية. ولا ننس أن في هذه الفترة (في 316 = 929) أعلن عبد الرحمن الثالث نفسه خليفة للمسلمين وأميراً للمؤمنين معلناً أن كل من ادعى هذا اللقب غيره فهو منتحل له دخيل فيه متسم بما لا يستحقه منه. ولا ريب أنه يعني بهذا التعريض العباسيين والفاطميين معاً بل إن العداوة بين الدولتين المختلفتين في المذهب وصلت إلى حد التدخل العسكري السافر فنجد عبد الرحمن في 319هـ (931م) يحتل سبتة من أرض المغرب وتخطب له مساجدها متحدياً الفاطميين بذلك في صراحة. ولا ريب أن كاتباً كان ينطق بلسان الأمويين حينئذ ما كان باستطاعته ولا من مصلحته أن يكون متشيعاً في هذه الظروف. ثم إن ابن عبد ربه لو كانت له مثل هذه النزعة لما تردد خصومه الكثيرون في اتهامه بها كما اتهموا ابن حيون الحجاري من قبل وما كان ليغفلها من ترجموا له.
أما ما يذكره الباحث من ترحمه على علي (عليه السلام) أو ثنائه عليه ولعنه ليزيد فما كان هذا يستغرب من أي مسلم سنى، وحتى هذه العبارات أظنها من زيادات النساخ الذين كانوا يلذ لهم أن يقحموها تقرباً إلى الله. وقد لاحظ الباحث نفسه أن «العقد» قد زيد فيه الكثير بعد موت صاحبه([94]).
على العكس كان ابن عبد ربه أموياً سنياً متعصباً يكره الخروج على الجماعة([95]) وتناوله لفرق الشيعة نفسه وعرضه لبعض أقوالهم إنما يدل على كراهيته لها وعدم اقتناعه بها وسخريته منها([96])، وليس فيها ما يدل على أي ميل شيعي، وقد احتفظ لنا ابن الفرضى بقصيدة لابن عبد ربه يحمل فيها حملة شديدة على كل مذهب يخالف السنة والجماعة، ولندع هذه النقطة لتفصيل أكثر حين نتعرض لرد الفعل الأموي ضد التشيع.
ابن مسرة القرطبي
وأمّا بشأن ما تسرّب إلى الأندلس من العقائد الباطنية في ذلك الوقت فقد تكلم عنه أسين بلاثيوس في بحثه القيم عن «ابن مسرة ومدرسته»([97]) ونود أن نشير هنا إلى أن ابن مسرة (ت 419/931م) قضى فترة من حياته الدراسية في القيروان في الفترة التي بلغ نشاط الدولة الفاطمية الفتية أوجه من الناحية السياسية والدعائية. وقد نبه المستشرق الإسباني الكبير إلى أن هناك آراء لابن مسرة كانت تستوحي من تعاليم الباطنية مثل قوله إنه من الممكن اكتساب النبوة وإنها ليست اختصاصاً أصلا، وقد رد أسين هذا الرأي إلى فكرة المهدي عند الباطنية وقد قاربوا بن مرتبة النبوة وأنا أرى كذلك أن رد ابن مسرة تدبير العالم إلى «العرش» لا يخلو من التأثر بعقيدة الإسماعيلية في ذلك. هذا إلى طائفة كثيرة من التعاليم التي أخذها ابن مسرة عن الأفلاطونية الحديثة أو من المدارس الاعتزالية عن طريق الباطنية. وقد استمر تلاميذ ابن مسرة متأثرين بهذه الآراء وظلت آثارهم واضحة فيمن تلاهم من مفكري الأندلس ومتصوفتها. غير أن الدولة رأت أن أمثال هؤلاء المفكرين الذين يتجهون اتجاها باطنياً إنما يكونون خطراً حقيقياً على الدولة إذ أنهم كانوا من ناحية عاملا من عوامل التفكك المذهبي ومن ناحية أخرى فإنهم ربما كانوا أدوات ـ ولو من طريق غير مباشر ـ للسياسة الفاطمية التي كانت تطمع في تحطيم دولة بني أمية.
منذر بن سعيد البلوطى
وبرغم ذلك فقد كان هناك من المفكرين من نزع إلى اتجاه شيعي معتدل دون أن يكون خطراً يهدد الدولة، ومن أمثلة هؤلاء منذر بن سعيد البلوطي (ت 355) الذي وصل إلى منصب قاضي الجماعة بقرطبة. وقد خالف منذر جمهور علماء عصره كذلك في مذهبه الفقهي فبينما كانت الدولة تدين بمذهب مالك نراه هو ينزع إلى المذهب الظاهري ويؤلف في الدفاع عنه كتباً، على أنه كان حريصاً برغم ذلك على احترام وحدة الدولة من الناحية المذهبية فكان إذا جلس للقضاء لا يحكم إلا بمذهب مالك، وهذا ما يجعلنا نعتقد أن منذراً لم يحاول أن يفرض تشيعه على الناس بل احتفظ به لنفسه ولم يجعل له أثراً في حياته الرسمية إذ كان يتولى أكبر المناصب بعد الخليفة.
أما مصادر تشيع منذر فمن الممكن أن نردها إلى ثلاثة: أوّلاً أصله فإنه كان بربرياً ينتسب إلى قبيلة نفزة، وثانياً أسرته فالذي بقى من الأخبار عن عائلة منذر يدل على أنها اعتنقت مبادئ شيعية منذ زمن طويل، وقد كانت قبيلته نفزة أول من آمن بدعوة ابن القط وقام بنصرته سنة 288هـ وهو يذكر أن خاله كان من أتباع هذا المهدى وكان ممن حضر وقعة سمورة معه. وقد نقل ابن حيان عن منذر بن سعيد طائفة من الأخبار الطريفة عن هذه الثورة رواها منذر عن بعض قرابته وثالثاً البيئة التي عاش فيها فقد قضى منذر جل حياته في منطقة «الجوف» وتولى القضاء بماردة وما ولاها من المدن ثم تولى هذا المنصب بالثغور الشرقية وقد رأينا أن هذه البيئات كانت أكثر بلاد الأندلس صلاحية للمبادئ الشيعية وربما أضفنا إلى هذا الثقافة التي تلقاها في المشرق فنحن نعلم أنه درس مع أبي بكر بن المنذر النيسابوري في مكة كتاباً يتناول الفرق الإسلامية واختلافها وهو «كتاب الأشراف» الذي ربما عالج تعاليم بعض فرق الشيعة فلقيت هذه التعاليم من نفس منذر رغبة وهوى.
وقد بدا تشيع القاضي القرطبي في مظاهر مختلفة: نذكر من أولها هذه الحكاية التي ذكرها ابن الأبار ونقلها عنه المقرى ويقول راويها وهو أبو عبيد القاسم بن خلف الجبيري إن أباه استضاف بطرطوشة منذر بن سعيد أيام ولايته للثغور الشرقية وذلك قبل أن يلي قضاء الجماعة بقرطبة([98]) فكان منذر إذا تفرغ نظر في مكتبة مضيفه، فمر على يديه يوماً كتاب فيه أرجوزة لابن عبد ربه يذكر فيها الخلفاء الراشدين ويجعل معاوية رابعهم ولم يذكر علياً فيهم، ثمّ وصل ذلك بذكر الخلفاء من بني مروان إلى عبد الرحمن بن محمد، فلما رأى ذلك منذر غضب وسب ابن عبد ربه وكتب في حاشية الكتاب:
أَوَمَـا على ـ لا برحت معلنـاً
يابن الخبيثة ـ عندكم بإمـام؟
رب الكسـاء وخيـر آل محمد
دانى الـولاء مقـدم الإسـلام
ومظهر آخر من مظاهر تشيع منذر هو في ما نقل عنه من آراء عمد فيها إلى تأويل القرآن تأويلات غريبة تعرض ابن حزم بعد ذلك بقرن لتفنيدها والرد عليها([99]) وقد تأثر في ذلك بالتأويلات الباطنية التي أكثر منها الشيعة وأصبحت من أهم ما يميزهم([100])، وربما كثر لذلك دوران كلمات الظاهر والباطن في كلامه وقد حفظ لنا النباهي منه جملة صالحة. ولعل هذه النزعة هي التي جعلت مؤرخاً سنياً متحرجاً هو ابن الفرضى يقول في ترجمته إنه كان ينحل في اعتقاده أشياء الله مجازيه بها ومحاسبه عنها.
الدعاة الفاطميون وأثرهم
أما المشارقة الذين كانوا يقدمون إلى الأندلس بقصد الدعاية الشيعية فإنهم كانوا يسترون أهدافهم الحقيقية بستار من المصالح المشروعة كالتجارة أو العلم أو السياحة الصوفية. والواقع أنه في نهاية القرن الثالث وأثناء الرابع انتشر جواسيس الفاطميين في جميع أنحاء الأقطار الإسلامية وربما كانت الدعوة الإسماعيلية خير دعوة استغلت سلاح الجاسوسية بمهارة وإحكام منقطعي النظر وكان الفاطميون في المغرب يجسون النبض ويترقبون للهجوم إما شرقاً نحو مصر أو شمالاً نحو الأندلس ولهذا دخل كثير من عيونهم وجواسيسهم إلى الأندلس ليعملوا على استطلاع أحوالها وتعرف مداخلها ومواطن الضعف فيها ودراسة نظمها السياسة والاقتصادية والدينية ثم بث دعايتهم بقدر ما وسعهم.
أبو اليسر الرياضي
ويبدو أنّ من أول الجواسيس المشارقة في الأندلس شاعراً مغامراً هو أبو اليسر الرياضي وليس هناك عنه أخبار مفصلة ولا في المراجع ما يصرح بأنه كان جاسوساً([101]) ولكن ما بقى من أخباره يحملنا على ترجيح هذا الرأي. ويذكر صاحب «أخبار مجموعة» أنه أديب محتال دخل الأندلس في أيام الأمير محمد مفتعلا كتاباً على لسان أهل الشام يستدعون فيه للدولة المروانية الأندلسية ويعرضون الخطبة لها في بلادهم، ولكن يبدو أن الأمير محمداً فطن إلى أغراضه الخفية ولكنه اختفى به وأكرمه دون أن يمكنه من مباشرة نشاطه، فاضطر إلى مغادرة الأندلس وذهب إلى مصر ولعله استمر يبث دعايته الفاطمية هناك حتى «وقع صاحبها على خبره فأمر بحبسه». وكان يحكم مصر حينئذ أحمد بن طولون الذي كان يتوجس خيفة من الدعوات الشيعية لا سيما وأنه قاسي كثيراً من ثوراتهم المتوالية في مصر. ولسنا نعرف كيف تخلص أبو اليسر من سجنه إلا أننا نراه بعد ذلك في القيروان متولياً على الكتابة في أيام إبراهيم بن أحمد الثاني وعبد الله الثاني ابنه ثم لزيادة الله الثالث آخر ملوك الأغالبة وتولى للأخير إلى جانب الكتابة بيت الحكمة([102]).
فلمّا سقطت دولة الأغالبة (296/908) وقبض عبيد الله المهدي([103]) على ناصية الأمر استمر أبو اليسر على الكتابة له، وربما كان هذا مكافأة له على خدماته السابقة، وقد نص ابن عذارى على أن أبا اليسر كان من وجوه دعوة أبي عبد الله الشيعي وقد رافقه في الحملة التي سيرها الداعي الفاطمي لتخليص الإمام عبيد الله المهدي من سجن بني مدرار وذلك بعد افتتاحه القيروان. وقد استمر الرياضي في خدمة عبيد الله المهدي حتى مات سنة (298/910) وإذا كان أبو اليسر الرياضي لم ينجح كل النجاح في مهمته السياسية في الأندلس فلا ريب أنه استطاع أن ينقل إلى هذه البلاد بعض الثقافة الأدبية الشيعية، فقد أدخل في الأندلس شعر أبي تمام وكذلك شعر دعبل الخزاعي الذي كان من أهم ألسنة الشيعة في المشرق، هذا إلى كثير من رسائل الكتاب العباسيين المحدثين، وله مؤلفات أذاع بعضها في الأندلس منها مؤلف في القرآن ومشكلة وإعرابه ومعانيه، ولا نستبعد أن يكون قد اتجه فيه اتجاهاً يلائم الدعوة التي كان ينتسب إليها.
ابن هارون البغدادي
وقـد استعان الفاطميون بعد موت أبي اليسر بجاسوس آخر هـو أبو جعفر محمد بن أحمد بن هارون البغدادي، ويذكر ابن الفرضى أنه تردد بالأندلس أعواماً، وينقل عن سليمان بن أيوب صراحة أن دخول ابن هارون كان بقصد التجسس، ويظهر أن هذا الجاسوس وفق فيما لم يوفق فيه الرياضي من قبله([104])، إذ أن عريب بن سعد يقول إن عبيد الله المهدي استكتبه بعد أبي اليسر واستعان به على أمر دعوته، فكان له في ذلك رأي جميل ونفع عظيم، ويبدو أنه لخبرته بأمور الجاسوسية ودربته عليها ولاه عبيد الله المهدي (300/ 912) فضلاً عن الكتابة ديوان البريد الذي كان له أهمية كبرى في الدولة الفاطمية فلم يزل يتولى هذا المنصب حتى مات(1). وقد كان ابن هارون يباشر سلطان واسعة فقد كان هو الذي يولى على القضاء والوثائق في شتى أقاليم الدولة الفاطمية حتى كانت زيادة نفوذه مما شكا منه بعض كبار الموظفين، على أن ذلك لم يحد من سلطانه، بل إن عبيد الله المهدي حين مات (سنة 322/933م) وولى بعده ابنه القائم أقرّ أبا جعفر على جميع أعماله من بريد وكتابة، وفوض إليه كثيراً من أعمال المملكة. أما نشاط أبي جعفر البغدادي فلا نعرف بالتفصيل مدى توفيقه في دعايته السياسية والمذهبية، وإن كان يبدو أنه أفاد مواليه الفاطميين بمعلومات على جانب كبير من الأهمية فيما يتعلق بأوضاع الأندلس الاجتماعية والدينية، وذلك بدليل أنهم عهدوا إليه بأكبر مناصب دولتهم، على أننا نعلم شيئاً عن نشاطه الثقافي وذلك لأنه دخل الأندلس متستراً بغرض العلم، ولا ريب أن الثقافة كانت تكوِّن كذلك جزءاً مهماً من برنامج الدعوة الفاطمية، وإلى أبي جعفر البغدادي يرجع فضل نشر كتب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وكذلك كتب ابن قتيبة، وقد نبه الأستاذ أسين بلاثيوس إلى فضل ابن هارون في إذاعة تعاليم الشيعة الفاطميين وكذلك المعتزلة في نفس الوقت([105])، ويجب أن نشير هنا إلى ما بين الفاطميين والمعتزلة من صلة وثيقة في بعض نواحي تفكيرهم، وإلى أن الاعتزال يعتبر خطوة ممهدة للدخول في المذهب الإسماعيلي.
ابن حوقل النصيبي
ومن الجواسيس الفاطميين الذين قاموا بدور مهم في الأندلس ـ ابن حوقل النُّصيبي (ت 367هـ/977م)، دخل الأندلس متستراً بالتجارة على ما يبدو([106]). ويذهب دوزي «Dozy» إلى أنه دخل ليستطلع أحوال الأندلس ولدارستها لمصلحة مواليه الفاطميين، وذلك حينما كانوا يفكرون في توجيه ضربتهم إلى هذه البلاد. ولعل هذا هو ما يفسر اهتمامه بصفة خاصة بتسجيل دخل الدولة ومواردها الاقتصادية وتعداد خيراتها، ووصفه طرقها ومسالكها، ثم أحوالها من الناحية العسكرية، كل ذلك اهتم ابن حوقل ببيانه في دقة تستوقف النظر، وقد حاول في كتابته أن يقنع الفاطميين بضرورة فتح الأندلس لكثرة خيراتها من ناحية ولضعف أهلها عن الدفاع عنها من ناحية أخرى، ولكن يظهر أن مشروعه لم يظفر بالتأييد من جانب الحكومة الفاطمية.
مدى نجاح الدعاية الفاطمية
على أية حال كان نجاح الدعاية الفاطمية في اجتذاب أنصار لها من الأندلس محدوداً جداً، وذلك لما كان للمذهب السنى من قوة متأصلة، وإن كان ذلك لا يمنع من القول بأنهم أفلحوا في ضم بعض رجال الفكر إلى صفهم، ومن أمثلة هؤلاء ابن أبي المنظور الذي ولى القضاء لإسماعيل المنصور ثالث الخلفاء الفاطميين (334 ـ 341 هـ/945 ـ 952م). وربما كان من ثمرات دعاية الفاطميين شاعر إليبرى قضى فترة شبابه في الأندلس، ثم طرد منها حين عرف اتجاهه الفاطمي، وهذا هو ابن هانئ الأندلسي (ت 362/972م) الذي التحق بخدمة المعز لدين الله الفاطمي، ثم صار الشاعر الرسمي لدعوة الشيعة الفاطمية.
رد الفعل الأموي ضد التشيع تشجيع المذهب السني في الأندلس:
ولكن الأمويين لم يكونوا ليقفوا مكتوفى الأيدي من الدعوات الشيعية التي ظلت تلح على الأندلس إلحاحاً شديداً، فوقفوا منذ اللحظة الأولى موقفاً عدائياً صارماً، وواصلوا في الأندلس السياسة التي رسمها لهم أسلافهم في المشرق من المحافظة على المذهب السني والقضاء على كل نزعة تمت إلى التشيع بصلة، ولكن كانت نزعتهم الأموية رغم ذلك معتدلة إلى حد ما، فلم يأمروا بلعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولا أحد من أهل البيت على المنابر كما فعل الأمويون في المشرق، وقد كان عملهم حينذاك مما أثار عليهم أهل السنة المعتدلين الذي كانوا يرون لعلي من قرابته وفضله ما يلحقه بالخلفاء الراشدين([107])، دون أن يدخلهم ذلك في زمرة الشيعة، وإننا نجد ابن حزم رغم نزعته الأموية القوية يعيب على خلفاء المروانيين في المشرق ما ارتكبوه من ذلك، بينما يعد من فضائلهم في الأندلس أنهم امتنعوا عن لعن السلف.
على أنهم كانوا يحاولون تجاهل فضائل عَلِيّ مع ذلك في بعض أوقات التوتر السياسي بينهم وبين الدول الهاشمية، ومن أمثلة ذلك ما يقصه الخشنى في معرض الحديث عن اشتغال الأمير محمد (238 ـ 273هـ/852 ـ 886م) بمسألة تعيين قاض للجماعة في قرطبة، فيذكر ان الأمير رأى في المنام كأن النبي والخلفاء الراشدين يقدمون فيسلمون على رجل بعينه… إلى آخر القصة، وجدير بالذكر أن الخلفاء الراشدين الذين رآهم الأمير الأموي كانوا أبا بكر وعمر وعثمان، أما على فقد أسقطه منهم.
وأدل على ذلك الأرجوزة التي ألفها ابن عبد ربه، وسرد فيها الخلفاء الراشدين فذكر أبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية، وقد رأينا كيف أثار هذا حنق منذر بن سعيد البلوطي حتى أنه لعن ابن عبد ربه ورد عليه([108]). ويذكر ابن الفرضى في ترجمة محمد بن أحمد بن قادم القرطبي([109]) (ت 380هـ/990م) وكان من المحدثين المشهورين أنه سمعه غير واحد يطعن في علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد سمعه ابن الفرضى نفسه ينتقص الحسن بن علي (عليه السلام) حفيد النبي (صلّى الله عليه وآله). كما يترجم ابن الفرضى لأحد الأمويين وهو ابن الأزرق الحصنى (ت 385هـ/995م) وكان قد خرج من مصر (سنة 343هـ/954م) وصار إلى القيروان، فقبض عليه الشيعة وحبس بالمهدية أكثر من ثلاث سنوات، ووصل إلى الأندلس سنة 349هـ/960م، فأنزله الحكم المستنصر وتوسع عليه، وكان هذا الأموي محدثاً شارك بقدر ما وسع علمه في الحملة ضد الفاطميين، ويبرز ابن الفرضى بين ما رواه حديثاً في تكذيب ما يدعيه الشيعة في مسألة المهدى، يروى فيه عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه لا مَهْدِىَّ إلا عيسى بن مريم.
موقف الأمويين من يوم عاشوراء
ومن الأشياء التي لها دلالتها في هذا الشأن موقف الأمويين من يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي في كربلاء (61هـ/680م)، وهو يوم يعتبره الشيعة على اختلاف طوائفهم وفرقهم يوم حداد وحزن، وقد عمد غلاة أهل السنة إلى اعتبار هذا اليوم عيداً يظهرون فيه الفرح ويتوسعون في الأطعمة، وذلك مكايدة للشيعة وشماتة بهم، وقد اخترع كل فريق من الأحاديث التي أجروها على لسان النبي ما يؤيدون به آراءهم. أما في الأندلس فقد اتجهوا كما هو منتظر اتجاه الغلاة من أهل السنة، وتروى لعبد الملك بن حبيب (ت 238هـ/842م) كبير فقهاء قرطبة في أيام عبد الرحمن الأوسط ـ أبيات يخاطب بها الأمير يقول فيها:
لا تنس ـ لا ينسك الرحمن ـ عاشورا
واذكره، لا زلت في التاريخ مذكوراً
قـال النبي ـ صـلاة الله تشـمله ـ
قـولا وجـدنا عليه الحق والنورا:
فيمـن يوسـع فـي إنفـاق موسـمه
ألاَّ يـزال بذاك العـام ميسـوراً
وهكذا نراه يحض الأمير على الاحتفال بهذا اليوم ناظماً بذلك الحديث الذي يستندون إليه في هذه المسألة.
تأصل التعلق بالأمويين في الأندلس
وقد نجح الأمويون في أن يصبغوا الأندلس بلون أموي، واستطاعوا أن يؤصلوا في نفوس شعبهم كراهية التشيع، واستمر ذلك طوال الوقت الذي كانت تحتفظ فيه الخلافة الأموية بقوتها ووحدتها، وإذا كان بعض العقائد الشيعية قد تسرب في هذه الأثناء إلى الأندلس، فقد كان أثرها السياسي ضعيفاً، واستمرت الأندلس أموية متعصبة، وربما صور ذلك الطريقة التي تناول بها المؤرخون الأندلسيون المتقدمون تراجم من نُسِبَتْ إليهم آراء شيعية، فابن حيون الحجارى يُزَنُّ (أي يتهم) بالتشيع، ومنذر بن سعيد له معتقدات «الله مجازيه بها»، ويكتب المقدسى عن الأندلس في القرن الرابع، فيقول: إن الأندلسيين إذا عثروا على شيعي فربما قتلوه. وليس في هذا القول كثير من المبالغة.
وحتى ابن حزم([110])، على رغم اعتداله وتفضيله علي بن أبي طالب على (عليه السلام) معاوية، فإنه حين عرض للخلاف بينهما انتهى إلى صحة إمامة عَلِيّ (عليه السلام) وأنه أحق بالخلافة من الناحية النظرية، وأما موقف معاوية فإنه كان عن اجتهاد منه أخطأ فيه وهو مأجور على خطئه، فالنبي يقول: «إن المجتهد إذا أخطأ فله أجر وإذا أصاب فله أجران»، كما أنه يصحح إمامة معاوية من ناحية أخرى: وهي أنه كان أعرف بالسياسة من علي (عليه السلام) وهذا من شروط الإمامة، حتى وإن كان علي (عليه السلام) أكثر منه ديناً وفضلاً([111]).
وكما دافع ابن حزم عن شرعية الدولة الأموية في المشرق، دافع كذلك عن شرعيتها في الأندلس بحرارة وإخلاص، مبيناً ما وصلت إليه الأندلس في أيامهم من ازدهار وعظمة(5)، وكان يرى أن سقوط الدولة المروانية الأندلسية إنما هو بداية لنهاية الإسلام في هذه البلاد(6). ولعله لهذه النظرية وصفه ابن سعيد في ترجمته له بأنه كان متشيعاً لبني أمية منحرفاً عمن سواهم من قريش(7).
الدعاية الأموية
في المشرق وشمال إفريقية
هذا هو ما كان يدين به الأندلسيون بوجه عام في أيام الخلافة، وقد تبع الاحتكاكَ القويَّ بين الدولة الأموية والدول الشيعية التي أحاطت بها منذ عهد بعيد أن حاول الأندلسيون نشر آرائهم بشتى الطرق بين هذه الشعوب الشيعية سواء في المشرق، أو في شمال إفريقية. وقد اتخذ نشاط الأندلسيين مظاهر شتى: مظاهر سياسية حاولوا فيها أن يتصلوا بأنصارهم ويشعلوا الثورات ضد خصومهم الشيعة، ومظهراً ثقافياً كان يمثله العلماء الذين جندهم الأمويون للدفاع عن آرائهم السنية وإذاعتها.
ثورة أبي ركوة الأموي في برقة
أما من الناحية السياسية فإنهم حاولوا إثارة الثورات في المشرق في وجوه بني العباس والعلويين، وقد خصص ابن حزم في كتابه «نقط العروس» فصلاً لمن خَطَبَ باسم بني أمية في المشرق، ويهمنا من الثورات الأموية تلك التي قام بها أحد أفراد البيت الأموي ضد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، ويحدثنا المؤرخون أنه في سنة (395هـ/م1005) خرج على هذا الخليفة في برقة ثائر يسمى الوليد بن هشام من ولد المغيرة بن عبد الرحمن الداخل وكان يلقب بأبي ركوة، وكان قد خرج من الأندلس مظهراً التصوف واشتغل بتعليم الصبيان، ثم زعم أن مسلمة بن عبد الملك بشر بخلافته. ودعا على المنابر باسم الخليفة الأندلسي هشام المؤيد، وكان يلعن الحاكم بأمر الله وآباءه، واستولى على برقة، وانتصر على جميع الجيوش التي وجهها إليه الحاكم، واستطاع في سنة (397هـ/1007م) أن يطارد الجيوش الفاطمية حتى أهرام الجيزة، ولكنه انهزم أخيراً وأسر وعرضه الحاكم في شوارع القاهرة عرضاً مزرياً، ثم قتله وصلبه.
وهذه الحركة ـ على رغم تأثرها بالثورات الشيعية ـ لا نستبعد أن يكون للعامريين أو لوسطائهم يد في تحريكها في قلب الدولة الفاطمية، لا سيما ونحن نعلم مدى مطامح المنصور بن أبي عامر الذي كان يرجو أن يمد سلطانه إلى المشرق فيصل إلى وادي النيل ويملك الشام والحجاز كما صرح في أبيات له.
السياسة الإفريقية للخلافة الأموية
وهناك الميدان الذي تنافست فيه سياستا الدولتين الفاطمية والأموية، وهو شمال افريقية. ولسنا نريد هنا تفصيل السياسة الإفريقية التي اتبعتها الدولة الأموية الأندلسية، أو مراحل التنافس والاحتكاك بينها وبين الدولة الفاطمية، ولكنا سنعرض لبعض آثار هذه السياسة في النشاط الدعائي والثقافي الذي باشره الأندلسيون في البلاد الخاضعة للنفوذ الفاطمي.
وينبغي أن نبين هنا أن الإمارة الأندلسية كانت تعمل منذ عهد بعيد على محاربة أي دعوة شيعية في شمال إفريقية، فمنذ تكونت دولة الأدارسة الشيعية في المغرب الأقصى (172هـ/788م) عملوا في توطيد صلاتهم ببعض الدويلات المغربية حتى ما كان يخالفها في الناحية المذهبية كدولة بنى رستم الخارجية في تاهرت، وذلك حرصاً على إضعاف جيرانهم الأدارسة العلويين.
وكانت لقرطبة كذلك بعواصم المغرب إلى جانب العلاقات السياسية ـ صلات أخرى أهمها التجارية، وإننا نلاحظ أنه في القرن الثالث الهجري بدأ الأندلسيون يتدفقون إلى السواحل الإفريقية وجزر البحر الأبيض، فنراهم يحتلون جزيرة اقريطش (كريت) بعد ثورة الربض، وهم يشاركون في فتح صقلية، ثم يبدأون غزو المغرب الأوسط فينشئون معظم ثغور هذا الجزء من إفريقية مثل تنس Tene’s ووهران Oran وبونة Bona وبجاية Buji’a ومرسى الدجاج. وقد تبع هذا النشاط السياسي والتجاري بلا شك آثار ثقافية ظهرت بعد ذلك عندما استفحل النزاع بين الأمويين والفاطميين في شمال إفريقية.
الدعاية الأندلسية للمذهب السني في المغرب
وقد ضاعف الأندلسيون نشاطهم حين ظهرت الدولة الفاطمية وتزايد اهتمام الخلافة القرطبية بالشئون الإفريقية وبدت آثار هذا النشاط في مظاهر شتى:
1 ـ كان لحكومة قرطبة عيون ووسطاء منبثون في جميع أنحاء المغرب، وكان هؤلاء الجواسيس يوافون حكومتهم بما يهمها من أخبار هذه البلاد، وساعد هؤلاء في مهمتهم وجود جاليات أندلسية ضخمة في كل مدينة إفريقية تقريباً، ولم تكن هذه الجاليات ـ في الغالب ـ تحرص على مصلحة البلاد التي استوطنوها بقدر ما كانت تحرص على مصلحة البلد الذي كانت هجرتهم منه، كما كانت، شديدة الكراهية للمذهب الشيعي إلى حد الاستماتة في قتاله.
ويدلنا على هذا أن الفقهاء الأندلسيين هم الذين كانوا يحملون لواء المعارضة للفاطميين دائماً، ومن أول هؤلاء الفقيه القرطبي يحيى بن عمر (ت 289هـ/901م) الذي استوطن القيروان العاصمة الأولى للدولة الفاطمية، وكان سنياً شديد الحملة على البدع، وقد كان هذا الفقيه دائم الفخر بأنه أموي الولاء والمنزع([112]).
ويذكر ابن الأبار أن عبيد الله المهدي كتب إلى سعيد بن صالح أمير نكور([113]) أبياتاً من الشعر يدعوه فيها إلى طاعته، فكلف سعيد شاعره بأن يرد على أبياته بأبيات شديدة اللهجة، وكان هذا الشاعر هو الأخمش الطليطلى.
وفي مصـر
وأما في مصر، فقد وصل إلى رياسة فقهاء المالكية بها إبان الدولة الإخشيدية فقيه أندلسي الأصل هو أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان المعروف بابن القرطبي، وكان هذا الفقيه يذم الفاطميين أشد الذم، وكان يدعو على نفسه بالموت قبل مجيء دولتهم، ولعله من أجل هذا استحق مكافأة الحكم المستنصر الذي بعث إليه بصلاته من قرطبة، وقد مات هذا الفقيه بمصر سنة (355هـ/966م) قبل الغزو الفاطمى.
استقبال الأندلس للاجئين السياسيين
2 ـ وإتماماً لهذه السياسة، كانت قرطبة تفتح ذراعيها لكل لاجئ سياسي يهرب إليها من الشيعة، سواء من شمال افريقية أو من مصر: ومن أمثلة القادمين من مصر ابن الأزرق الأموي الذي أشرنا إليه فيما سبق وكان قد خرج من مصر فحبسته الحكومة الفاطمية في المهدية ربما لشكهم في كونه جاسوساً أموياً، ثم تمكن من الهرب، فأكرمه الحكم المستنصر، وظل في ضيافته حتى توفي سنة (385هـ/995م). ومنهم كذلك إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي الذي رحل من مصر سنة (360هـ/970م) بعد أن افتتحها الفاطميون، فحل من المستنصر محلا طيباً، وكان فقيهاً مالكياً له مكانته.
أما الوافدون على الأندلس من المغرب فمنهم ابن الخراز المليلى الذي كان قاضياً بمليلة «Melilla»، وهرب إلى قرطبة سنة (325هـ/936م) خشية من جنود الشيعة، فسجل له الناصر على قضاء بلده، وكان فقيهاً شاعراً. وكذلك حكم بن محمد القيرواني القرشي (ت 370هـ/980م) الذي تردد بين قرطبة والقيروان، وأكرمه الحكم المستنصر أيضاً، وربما شارك في النشاط الأموي ضد الشيعة، بدليل ما يذكر من أنه تعرض لسجن عبيد الله المهدي بسبب مهاجمته للفاطميين.
تشجيع التأليف في الشؤون الإفريقية الشيعية
3 ـ كذل عُيِنَتْ الخلافة أشد العناية بتشجيع حركة التأليف في الشئون الإفريقية، لا سيما ما يتصل منها بالشيعة. ويكاد الخليفة الأموي العالم الحكم المستنصر أن يكون هو صاحب هذه السياسة، فقد كلف محمد بن يوسف القيرواني التاريخي الوراق بتأليف موسوعة له في إفريقية ومسالكها وممالكها وحروبها والقائمين عليها. ولسنا نرى أن هذا كان بقصد العلم فقط، بل ربما كان كذلك تمكيناً للسياسة التقليدية التي جرت عليها الخلافة الأندلسية في الشمال الإفريقي. وقد انتهز الحكم كذلك فرصة سفارة أبي صالح زَمُّور البرغواطى حين قدم عليه من قبل حليفه أمير برغواطة سنة (352هـ/963م)، فسأله أن يكتب له أخبار برغواطة ونسبهم وديانتهم، فأخبره بذلك، وأمر المستنصر بترجمة كتابه إلى العربية (من البربرية). وعن هذا الكتاب نقل كثير من المؤرخين معلوماتهم عن تلك الديانة. وقد وجه الحكم عناية خاصة إلى الشئون الشيعية، وما يتعلق بالعلويين على وجه العموم، بل شارك هو في ذلك، فألف بنفسه كتاباً في أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب، وقد نقل عنه ابن عذارى رأيه في مسألة نسب عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية، ومن الغريب أنه يرى صحة هذا النسب. وقد كلف معاويةَ بن هشام المرواني المعروف بابن الشِّبَانِسيَّة بأن يؤلف له كتاباً آخر في نسب العلوية وغيرهم من قريش، فوضع له كتاب «التاج السَّنِىّ في نسب آل عَلِيّ» الذي يحتوي ـ كما يبدو ـ على كثير من الأخبار عن الشيعة في المغرب والأندلس(1).
التشيع في أيام ملوك الطوائف
قيام الدولة الحمودية
1 ـ حينما سقطت الخلافة الأموية في قرطبة، وفشلت جميع المحاولات التي بذلت لإعادتها، بدا أن الجو أصبح صالحاً لكي تثمر الدعوات الشيعية التي ابتدأت تنتشر في الأندلس منذ زمن بعيد، وقد أحسن العلويون فعلا انتهاز هذه الفرصة وتحقق لهم تكوين أول دولة علوية يخطب باسمها على منابر الأندلس، وتلك هي الدولة الحمودية، ولكنها لم تلبث إلا فترة قصيرة، إذ انتهت بعد نحو نصف قرن، وهو تاريخ ـ على قصره ـ حافل بالحوادث محتاج إلى مزيد من الدراسة. والحموديون ينتسبون إلى إدريس بن الحسن العلوي الذي كون سنة (172هـ/788م) أوّل دولة علوية في الغرب الإسلامي.
تفكك العناصر الاجتماعية
2 ـ وقد تميزت هذه الفترة من الناحية الاجتماعية بانحلال العناصر التي كان المجتمع الأندلسي يتكون منها، والتي استطاعت الخلافة الأموية أن تجعل من جميعها كتلة واحدة ومجتمعاً متماسكاً. وقد تبع الانحلالَ السياسيَّ الذي أصيبت به الأندلس بعد سقوط الخلافة ـ تفكُّكٌ اجتماعيٌّ عنصريٌّ: فانحاز الصقالبة أو الفتيان العامريون إلى شرق الأندلس، وبقى الزعماء العرب مسيطرين على جزء كبير من غرب شبه الجزيرة، وأما البربر فتجمعوا في الجنوب الشرقي قريباً من العدوة المغربية. وقد رأينا من قبل كيف كان التشيع ينتشر حيث يوجد البربر([114])، وفعلاً كانت الدولة الحمودية بربرية خالصة، وينقل ابن بسام عن ابن قتيبة في ذكر العلويين من أجداد بني حمود أنهم انتهوا «إلى طرف بلاد البربر فنكحوا إليهم وتبربروا معهم». وكان علي بن حمود أول خلفائهم كثيراً ما يتكلم بالبربرية رغم أصله العربي. وحتى الإمارات البربرية المستقلة كانت تدين بالدعوة الحمودية، مثل دولة بن زيرى الصنهاجيين في غرناطة، الذين بقيت نزعتهم الشيعية حتى نهاية دولتهم تقريباً. أما الأندلسيون فإنهم رأوا لذلك في الدعوة الشيعية احتلالا بربرياً مقنعاً، فقاوموها بكل ما لديهم من قوة، وقد كان هذا أيضاً مما دفع البربر إلى التكتل والتجمع، حتى لا يفتك بهم الأندلسيون.
الحرية الفكرية
3 ـ أما من الناحية الفكرية فإننا نلحظ طوال هذه الفترة حرية لم تكن الأندلس تتمتع بها في أيام الخلافة المروانية، وكان لهذه الحرية أثر في عودة كثير من العقائد الشيعية إلى الظهور، دون أن تلاحقها المطاردة والاضطهاد من جانب الحكومة. وقد أوضح الأب «لوبِث أورتِث» عجز ما سماه ﺒ «محاكم الإيمان» في ذلك الوقت عن إدانة من اعتنق عقيدة تخالف الجمهور، وإلى ضعف هذا اللون من المحاكم بعد قوته وسيطرته أيام الخلافة الأموية. وفعلا نرى في هذا الوقت من واصل تعاليم مدرسة ابن مسرة، دون أن يتعرض لأدنى اضطهاد من الدولة([115]).
تأثير بغداد على الثقافة الأندلسية
وقد سمحت هذه الحرية لمختلف ألوان الثقافة الشرقية بالانتشار في الأندلس، بعد أن كانت الخلافة الأموية تفرض عليها رقابة قوية، وتختار منها ما يتناسب مع ما يكفل لها السلطة الروحية في البلاد، وتدين ما سوى ذلك. وقد استطاع الأستاذ «غرسبة غومس» أن يبرز في قوة وبيان مدى ما كان للحضارة البغدادية من نفوذ طاغٍ على هذه الممالك الأندلسية الصغيرة، التي لم تكن إلا صوراً للمدينة الشرقية العظيمة. وعلينا أن نذكر أن بغداد في هذا الوقت كانت من أهم المراكز الشيعية، منذ استطاع بنو بويه ـ وهم من غلاة الشيعة ـ الاستيلاء عليها سنة (334هـ/945م)، وقد ازدهرت في أيامهم شتى ألوان الثقافة الشيعية. وانتقل إلى الأندلس منها الكثير: ففي هذا العهد نقلت رسائل إخوان الصفا التي كان أول من أدخلها إلى الأندلس أبو الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرماني القرطبي (ت 458هـ/1065م)، وهي رسائل ذات نزعة شيعية واضحة، حتى إنها نسبت إلى بعض أئمة العلويين. كذلك كانت أيام بني بويه في أواخر القرن الرابع الهجري وأوائل الخامس هي أزهر عصور الأدب الشيعي، وفي ظلها نشأ أبو بكر الخوارزمى (ت 385هـ/995م) وبديع الزمان الهمذاني (ت هـ398/1007م) الكاتبان المعروفان، ومن الشعراء الشريف الرَّضِىُّ (ت 405هـ/1014م) ومهيار الديلمى كما سنبين، وقد استفاد الأندلسيون من معظم هؤلاء عن طريق المجموعة الأدبية الضخمة التي ألفها أبو منصور الثعالبي النيسابوري (ت 429هـ/1037م) باسم «يتيمة الدهرة»، وقد كان لها مكانة ممتازة وأثر عظيم في الأندلس.
ازدياد صلة الأندلس
بمصر وشمال افريقية
ثمّ إن الصلة لم تنقطع بين الأندلس ومصر وشمال إفريقية، حيث كانت الدولة الفاطمية الإسماعيلية لا تزال تحكم، بل إن هذه الصلة زادت وقويت بسقوط الدولة المروانية وقيام الدعوة العلوية في بعض جهات الأندلس، وقد تبودلت بعض الرسائل بين علي بن مجاهد العامري صاحب دانية «Denia» والخليفة الفاطمي المستنصر بالله في سنة (452هـ/1060م)، وقد قام بكتابتها من جانب علي بن مجاهد الأديب المشهور أبو الأصبغ عبد العزيز ابن أرقم الوادي آشى، كما هاجر الكثيرون من الأدباء من شمال إفريقية ومصر إلى الأندلس، وقد خصص ابن بسام الشنتريني لهؤلاء الغرباء جزءاً من القسم الرابع من كتابه «الذخيرة».
مظاهر التشيع في الحياة الفكرية
تصوير الشيعة في «الفصل» لابن حزم
خير ما يطلعنا على مدى معرفة الأندلسيين بالتشيع والمذاهب الشيعية في هذا الوقت هو الكتاب الذي وضعه أبو محمد ابن حزم الظاهري (ت 456هـ/1063م) وهو المسمى ﺒ «الفصل في الملل والأهواء والنحل»([116])، وهو ثاني مؤلف أندلسي يتكلم عن فرق الشيعة بعد كتاب العقد لابن عبد ربه، وإذا قارنا بين ما يحتوي عليه الكتابان، تبين لنا مدى ما عرفه الأندلسيون عن التشيع في خلال قرن من الزمان: فكلام ابن حزم أدق وأضبط، وأكثر استقامة مع الواقع التاريخي، وأشد اهتماماً بالنواحي العَقَدِية ووجوه الخلاف بين الشيعة والسنة، بينما كلام ابن عبد ربه تشيع فيه الروح الأدبية والاهتمام بالمختارات والنوادر، وابن حزم يتكلم عن طوائف الشيعة معدداً إياها بكثير من التفصيل([117])، كما أنه يتعرض للتشيع الأندلسي وممثليه ومن تأثر به قليلاً أو كثيراً، وهذا ما يخلو منه كتاب ابن عبد ربه تماماً. كذلك تعرض ابن حزم لبيان الشيعة الباطنية (الإسماعيلية) وهم الذين كانوا يحكمون حينئذ في مصر وشمال إفريقية، وأورد بعض آرائهم مع تعليقه ونقده، كما نراه في موضع آخر من بعض كتبه يفصل الكلام عن نسب هؤلاء الإسماعيلية ويبدى رأيه في مدى صحة هذا النسب، وكل هذا يدل على أن كثيراً من المعلومات الدقيقة وصلت إلى علم الأندلسيين عن مختلف فرق الشيعة.
ومن مظاهر التأثير الشيعي في هذه الفترة أن مدرسة ابن مسرة قد استمرت ممثلة في طائفة من المفكرين كان من أبرزهم إسماعيل بن عبد الله الرعينى الذي عاش في المرية «Almer’ia» وكان أنصاره يعتبرونه إماماً يؤدون إليه الزكاة، ويذكر أنه كان يتنبأ بأشياء قبل وقوعها فتقع، وإلى ابن حزم يرجع الفضل في الاحتفاظ ببعض آرائه ومناقشتها، وهي آراء يبدو فيها تأثير الباطنية([118])، وإن لم تخل من أثر التشيع العراقي الذي قوى تياره في هذا الوقت، وذلك في مثل قوله بنكاح المتعة، وقد كان هذا المبدأ من أهم الأشياء التي تمسك بها الشيعة الاثنا عشرية في فقههم. وهذا يدلنا على أنه كانت لهم مدرسة واسعة الانتشار حينئذ في المرية.
وممّن أشار إليه ابن حزم كذلك محدث من معاصريه كان في طلبيرة Talabera يسمّى محمد بن إبراهيم بن شق الليل الطيطلى (ت 455هـ/1063م)، وكان له مشاركة في كثير من العلوم، وله عناية بأصول الديانات وإظهار الكرامات، وكان يدين بالرجعة على ما يبدو من مناقشة ابن حزم لبعض آرائه.
مدى تشيع الحموديين([119])
وقد كان من المنتظر أن تزدهر الثقافة الشيعية في الأندلس في ظل الدولة الحمودية حيث كانت تتمتع بحماية السلطان، وهذا يدعونا إلى النظر في تشيع الحموديين: ما مداه؟ وأيَّ الفرق كانوا يتبعون؟ الواقع أن الحموديين كانوا شيعة معتدلين إلى حد بعيد، فلم تتخذ دولتهم طابعاً دينياً قوياً، ولم يكن لهم مذهب كامل واضح المعالم، ولا فلسفة تقوم على أسس ثابتة، ولا فقه خاص يميزهم عن غيرهم، كما نجد ذلك في الدولة الفاطمية في مصر، أو البويهية في إيران، حقيقةً كانوا يدينون ببعض المبادئ العامة التي قام عليها التشيع. ولكنا نراهم حتى في ذلك معتدلين كثيراً، ويشير ابن حزم إلى عدم جرأتهم أول الأمر على التسمى بالخلافة، وحتى على بن حمود أولَ خلفائهم لم يستند في دعواه على قرابته من النبي (صلّى الله عليه وآله) بقدر ما اعتمد على حجته في أن هشاماً المؤيد الأموي عهد إليه بالطلب بدمه، وبهذا أخرج كتاباً للناس أول ولايته نسبه إلى هشام، وفيه يستغيث من سليمان بن الحكم المستعين، ويولى ابن حمود أمر الأخذ بثأره، وقد رأى أنه بهذا يكسب دعواه مظهراً من الشرعية والحق، وبهذا الكتاب مدحه الشعراء المتشعيون، يقول أبو بكر عبادة بن ماء السماء:
فكل من ادعى معك المعـالى
كذوب مثلمـا كذب الدَّعِىُّ
أبى لك أن تهاض عُلاك عهدٌ
هشاميّ وجـدٌّ هاشـميّ
ومن هذا يبين لنا مدى اعتدال الحموديين في تشيعهم، ويقول «بريتو فيفس» إن الخليفة الحمودى الثاني القاسم بن حمود كان يدين بمبادئ شيعية، إلا أنه لم يحاول مطلقاً أن يفرضها على أحد في دولته([120]).
وبالرغم من ذلك فقد احتفظ لنا ابن بسام برسالة طريفة بقلم أبي جعفر بن عباس وزير زهير الصقلبى في المرية، وتتضمن هذه الرسالة طائفة من التهم التي كان يُرمى بها الحموديون في عقيدتهم وشريعتهم باعتبارهم شيعة، يقول ابن عباس (والكلام عن أحد خلفاء بن حمود): «مُلحِدٌ رِجْسٌ، لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يؤاخى إلا كلَّ منافق كافر، يسب الصحابة والأبرار، ويُكَذِّبُ بالجنة والنار، ولا يرجو حساباً ولا يحذر عقاباً، ادعى خلافة الله فهي منه تضج… يأخذ الرشوة على بيت الله الحرام، ويستخف بشرائع الإسلام… إلى أن يقول: بئس الشيعة وقودُ جهنم وحطبُها، وعليهم يزداد حنقها وغضبُها». وواضح أنه لا يمكن الثقة في صحة هذه التهم لصدورها عن عدو متحامل.
وهكذا نستطيع أن نقول بوجه عام إن تشيع الحموديين كان تشيعاً باهتاً لا روح فيه، وهو تقليد للمشرق لا تجد فيه أثراً للشخصية الأندلسية، ثم هو سطحي لا عمق فيه، مقتصر على مظاهر كثيرٌ منها كاذب متكلف([121]).
أسباب ضعف التشيع في هذه الفترة
ويمكن أن نرد هذه الظاهرة إلى أسباب منها:
1 ـ أن الدولة الحمودية كانت منذ نشأتها محاطة بجو من الكراهية الشديدة من جانب الأندلسيين الذين كان المذهب السني قد تأصل فيهم منذ الإمارة الأموية، فكان على الحموديين أن يجاروا هذا الجو، فلم يستطيعوا إلا أن يكونوا معتدلين مسايرين للمذهب السني وهكذا لا نراهم يغيرون شيئاً من النظم الإدارية والقضائية التي كانت موجودة في أيام بني أمية.
2 ـ وكان حكم الحموديين قصيراً تتخلله الثورات والحروب الأهلية، ولم يدع هذا لهم مجالا للاستقرار، وتكوين حكومة قوية تستطيع أن تفرض آراءها ومعتقداتها.
3 ـ وهم أخيراً لم يحكموا كل الأندلس، بل لم تتجاوز دعوتهم قرطبة والجزيرة الخضراء وغرناطة ومالقة تقريباً، وكانت بقية إمارات الأندلس: إما تدين بخلافة دَعِىِّ هشام الذي نصبه ابن عباد، أو مستقلة تماماً، أو محالفة للدول النصرانية، وهكذا لم يمكنهم نشر دعوتهم نشراً كافياً لتثبيت دعائمها.
آثار بعض العقائد الشيعية في التفكير الأندلسي
وعلى رغم ذلك، فقد كان للدعوة العلوية في أول ظهورها أثر على التفكير الديني والسياسي في الأندلس، وذلك عند ما بدأت ظواهر الانحلال في جسم الدولة الأموية وقد شاعت في هذا الجو الأساليب والألقاب التي اتخذها الشيعة دائماً.
الأدب الشيعي في ظل الحموديين
كان التشيع في المشرق من أكبر العوامل التي غذت الأدب العربي وأمدته بألوان جديدة، وكما كان الحزب الشيعي هو أول حزب إسلامي ديني سياسي، فكذلك كان أدب الشيعة أول أدب سياسي حاول شعراؤهم أن يحتجوا فيه على خصومهم مدافعين عن نظريتهم في الإمامة. وقد كان أدب الشيعة يمتاز كذلك بصدق العاطفة وقوة الشعور الديني، ولهذا فقد كانت مدائح شعرائهم تختلف عن مدائح غيرهم لما فيها من الحرارة والإخلاص، وهو ما يفتقر إليه شعر المديح عموماً في الشعر العربي.
أما في الأندلس، فقد وافق قيام الدعوة العلوية بها هذه الفترة التي أشرنا إلى بعض ما امتازت به من مظاهر الازدهار الأدبي، ومحاولة كل أمير من أمراء تلك «الطوائف» أن يجمع حوله أكبر عدد ممكن من الأدباء، وعلى الرغم من أن على بن حمود أول خليفة علوي كان يفهم العربية بكثير من الصعوبة، إلا أنه كان «يصغى إلى الأمداح ويثيب عليها»، ولعله فطن إلى مدى خطر الشعر في توجيه السياسية، وقد كان من تبعه من الحموديين مثله أو أكثر منه تشجيعاً للأدب وإغداقاً على الشعراء، وهكذا نجد في بلاطهم عدداً كبيراً من الأدباء احتفظت لنا المراجع بأسماء الكثيرين منهم.
ابن دراج القسطلى
ويعدّ ابن دَرَّاج القَسْطَلِّىُّ (ت هـ421/1030م) أفضل الشعراء الذين اتصلوا بالحموديين، ولم يبق لنا من شعره الشيعي إلا قصيدةٌ هاشميةٌ مدح بها على بن حمود، واحتفظ لنا ابن بسام بأكثرها، مفضلاً إياها على هاشميات كُثَيِّر عزة والكُمَيْتِ بن زيد والسَّيِّد الحميرى ودِعْبل، وفي هذه القصيدة يحتج ابن دراج لإمامة الحموديين ويقول إنها ثابتة بنص القرآن، وبدليل العقل، وبحكم حقهم في ميراث النبي (صلّى الله عليه وآله):
فأنتـم هـداة حيــاة ومـوت
وأنتــم أئمـة فعـل وقيـلِ
وسـادات من حل جنات عـدن
جميـع شـبابهـم والكهـول
وأنتـم خـلائف دنيـا وديـن
بحكم الكتـاب وحكم العقـول
وابن دراج أول من ذكر مناقب أهل البيت في أسلوب حزين مؤثر، كان نواة للقصائد الأندلسية التي تناولت مراثى أهل البيت من بعد:
ووالـدكم خـاتـم الأنبيــاء
لكم منـه مجـدُ حَفِـيٍّ كفيـل
تلــذ بحملكـم عــاتقـاه
عـلى حمـله كلَّ عِبْءٍ ثقيـل
ورحبٌ على ضمـكم صـدره
إذا ضـاق صدر أب عن سليل
ويطرقه الـوحى وهنـاً وأنتم
ضجيعـاه بيـن يـدي جبرئيل
والحقيقة أنّ هذه القصيدة تعتبر من خير ما أنتجه الأدب الشيعي، وقد بلغت في وقتها من الانتشار حداً بعيداً، واهتم بها رواة الشعر وأفردوها بالدراسة والحفظ.
مدى إخلاص ابن دراج في تشيعه
ولكن، هل كان ابن دراج مخلصاً حقاً في هذا التشيع؟
قد عرض لهذه المسألة المستشرق الفرنسي الأستاذ «بلاشير» في بحثه الذي أفرده عن ابن دراج، فقال إنه من المبالغة أن نظن به هذا الإخلاص، وإن الدليل على ذلك تأييده للحزب الأموي الذي تزعمه خيران العامرى، والذي ترك الدعوة للحموديين سنة (408هـ/1017م)، ودعا للخليفة الأموي عبد الرحمن المرتضى. وهذا صحيح، فإن هذا الشاعر الذي دافع عن حق العلويين في الإمامة لا نلبث أن نراه بمثل هذه الحماسة يدافع عن حق الأمويين فيها، ومن قوله في سليمان بن الحكم المستعين الأموي:
وجَدَّد للإسـلام سـور خـلافة
عليها من الرحمـن نور وبرهانُ
قريب النبي المصطفى وابن عمه
ووارث ما شادت قريش وعدنان
وما ساقت الشورى وأوجبه التقى
وأورث ذو النـورين عَمُّك عثمان
وما حكمت فيه السيوف وحـازه
إليك أبو الأملاك جـدك مـروان
على أنه ينبغي ألا نندهش لهذا التقلب السريع، فقد كان ابن دراج من هؤلاء الشعراء التعسين الذين جنت عليهم «الفتنة» القرطبية: فراحوا يستجدون بشعرهم كل ثائر، دائرين مع الريح حيث دارت، باكين مع ذلك مجد الأندلس الذي عصف به سقوط الخلافة الأموية، وهكذا كان شعر القسطلى الهاشمي قليل النصيب من الصدق والإخلاص، على رغم إحكام صنعته واهتمامه الفائق بالأسلوب.
ابـن شُـهَيد
وكذلك كان شاعر آخر ليس أقل من ابن دارج شهرة، هو أبو عامر بن شُهَيْد (ت 426هـ /1034م). وهو يشترك مع سابقه في أنه من الشعراء الذين وصفوا «الفتنة»، وقد رثى قرطبة بقصائد مؤثرة عرَّض في أثنائها بالبربر وبدعوتهم الشيعية، وربما كان من أجل ذلك الاضطهاد الذي لحقه من جانب الحموديين فترة من الزمن(1)، ولكنه اضطر بحكم السياسة أن يمدح العلويين ولعله فعل بعد أن يئس من عودة الدولة الأموية، ولهذا فنحن نراه هارباً من قرطبة لاحقاً بيحيى المعتلى بن علي بن حمود (ت 421هـ/1030م) في مالقة، وقد صور في شعره هذا التحول إلى الحزب الشيعي مندداً ببني أمية:
لئن أَخْرَجَتْنِي عنكمُ شر عصبة
ففي الأرض إخوانٌ عَلَيَّ أكارمُ
وإن هشـمت حقى أمية عنـدها
فهاتا على ظهر المحجة هاشم([122])
ويبدو أن الحموديين في مالقة أحسنوا استقباله، وحاولوا أن يجعلوه من ألسنتهم، حتى إنه ليعترف بفضلهم عليه وإيوائهم له وذلك في بعض رسائله، ولكن أيا عامر لم يكن مع ذلك مخلصاً للدعوة العلوية، ثم إنه اعتزل السياسة أخيراً وكان له في إكبابه على لذاته ما يشغله.
عبادة من ماء السماء
على أنّه كان من بين الشعراء الذين اتصلوا بالحموديين من أخلص لهم وكاد يقتصر عليهم، ومن أمثلة هؤلاء أبو بكر عبادة بن ماء السماء (توفى بعد 421هـ/1030م)، وقد أشار المؤرخون إلى أنّه كان يتشيع، وافتخر هو بذلك في شعره فقال من قصيدة يمدح بها يحيى المعتلى الحمودى:
فهـا أنـذا يابـن النـبوة نـافث
من القول أريا غير ما ينفث الصِّلُّ
وعنـدى صريح من ولائك معرق
تَشـَيُّعُهُ محـض وبيعتـه بتـلُ
ووالى أَبِى قَيْسٌ أبـاك على العلى
فخيم في قلب ابن هند لـه غـلُّ
وهو يشير في البيت الأخير إلى عراقته في التشيع، إذ أن جدّه قيس بن سعد بن عبادة الخزرجى كان من أكبر شيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد أشرنا إلى أن أحد سلالة سعد بن عبادة قام من قبلُ بالثورة في وجه عبد الرحمن الداخل منذ كانت الإمارة الأموية في طور التكوين. وقد نقل ابن بسام بعض شعر عبادة، منه قصيدة قالها في رثاء علي بن حمود ومدح أخيه القاسم حين ولى الخلافة بعده:
وحكمة خضعت هـام الملوك بها
عـزاً فلا حُـرَّ موجـود بواديه
مؤيـد جـاءت الدنيـا إلى يـده
عفـواً ولبته من قـرب أمـانيه
جلت أيـاديه حتـى إن أنفسـنا
وما ملكنـاه جـزء من أياديه
ابن الحنـاط
واختص بالحموديين أيضاً أبو عبد الله محمد بن سليمان القرطبي المعروف بابن الْحَنَّاط الكفيف (ت 437هـ/1045م)، وكان قد نشأ في قرطبة نشأة أعانته على أن بلغ الغاية في العلوم، ولكن غلب عليه علم المنطق حتى اتهم في دينه، واضطر إلى الالتجاء إلى الجزيرة الخضراء، فعاش هناك في ظل محمد المهدى بن القاسم بن حمود (تولى من 428هـ/1036م إلى 440هـ/ 1048م)، وله قصيدة يصف فيها خروجه من قرطبة ورحلته إلى الجزيرة يقول في أولها:
تفرغت عن شغل العداوة والظعن
وصرت إلى در الإقامة والأمنِ
وما عن قلِىً فارقت تربة أرضكم
ولكنني أشفقت فيها من الـدفن
وتظهر في شعره بعض التعابير الشيعية مثل «الوصى»:
فبـوأت رحلى ظـل أروع ماجـد
يقول بلا خلف ويعطى بلا منِّ
إمام «وصى» المصطفى وابن عمه
أبوه فتم المجـد بيـن أب وابنِ
ولابن الحناط قصيدة في مدح القاسم بن حمود، يسجل فيها هزيمة عبد الرحمن المرتضى في سنة (409هـ/1018م) على أسوار غرناطة وكان القاسم قد احتفل بذلك اليوم في قرطبة، وأنشده ابن الحناط يومئذ([123]):
لـك الله خيـرانٌ مضى لسـبيله
وأصبح أمر الله في ابـن رسولهِ
وفُرِّقَ جمعُ الكفر واجتمع الورى
على ابـن حبيب الله بعـد خليله
وتظهر في هذه القصيدة العصبية البربرية التي كانت سند الدعوة العلوية، فيقول مُصوِّراً هزيمة خيران:
ولما دعا الشيطان في الخيل حزبه
وأقبل حـزب الله فـوق خيـوله
كتـائبُ مـن صِنهاجةٍ وزنـاتةٍ
تضايق في عرض الفضاء وطوله
تقـدم خيـران إليهـا بـزعمـه
ليدرك ما قـد فـاته من ذحـوله
فأحجم تحت النقع والخيـل تَدَّعى
كمـا ازدلف الليث الهـزبر لغيله
ابن مقـانـا الأشبونى
وأهم شعراء الحموديين بعد ذلك أبو زيد إدريس بن مقانا الأشبوني، وهو مشهور بقصيدته النونية في مدح إدريس بن يحيى العالى (تولى من 434هـ/1042م إلى 438هـ/1046م)، وفي هذه القصيدة نرى التشيع يبلغ غايته من التطرف والمبالغة، فهو يهتم بإبراز حق العلويين المقدس، وشعره واضح التأثر بشعر ابن هاني وذلك في ناحيتين: أما الأولى فهي اهتمامه بالوقع الموسيقي للألفاظ، وقد أعان ابنَ مقانا على التوفيق في هذه الناحية البحر الذي نظم فيه قصيدته والقافية التي تنتهي بها أبياتها، وأما الثانية فهي ما أسبغه على ممدوحه من صفات([124]):
يا بني أحمـد يا خيـر الـورى
لأبيكـم كـان وفـد المسـلمينْ
نـزل الـوحى عليـه فـاحتبى
في الدجى فوقهم الـروح الأمين
خلقـوا من مـاء عـدل وتقـى
وجميع النـاس مـن ماء وطين
انظـرونـا نقتبس مـن نوركم
إنه مـن نـور رب العـالمين
وقد مدح الحموديين غير هؤلاء من الشعراء؛ منهم أبو عبد الله محمد بن السَرَّاج، وإدريس بن اليمان اليابسى، وغانم بن الوليد، ممن لا يتسع لتفصيلهم المجال، ولكن النزعة الشيعية في شعرهم أقل وضوحاً وقوة ممن بينَّا.
قيمة الشعر الشيعي الأندلسي
لم يكن هذا الشعر الشيعي من الناحية الفنية إلا صورة صحيحة صادقة للتشيع الأندلسي الذي أسلفنا الكلام عنه، وقلنا إنه تشيع باهت تغلب عليه السطحية والتكلف، وتشحب فيه الشخصية الأندلسية حتى لا تكاد تبين، وكثير من مدائح شعراء الحموديين لهم لا تكاد تفترق عن مثيلاتها في غيرهم من ملوك الطوائف، إذ أن هؤلاء الشعراء لم يروا فيهم ما يميزهم عن غيرهم، بل إن كثيراً من الأمراء الحموديين أنفسهم لم يروا لأنفسهم الحق الشرعي الواضح في الخلافة، ولهذا فإنهم لم يحاولوا أن يفرضوا التشيع على الشعوب التي خضعت لهم كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
وقد ترتب على ذلك أننا نبحث عبثاً عن شاعر حمودى يمثل شعره فكرة كاملة متماسكة كما كان شعر «ابن هاني» بالنسبة للفاطميين.
والشيء الذي نلمس فيه بعض الحرارة والقوة هو الشعر الذي يتناول أهل البيت بالرثاء، وإنما أتى هذا من طبيعة الموضوع نفسه، وربما أعان عليه دخول الكثير من دواوين شعراء الشيعة المشارقة مثل الشريف الرضى ومهيار الديلمى إلى الأندلس في ذلك الوقت، وقد أشرنا إلى أن في شعر ابن دراج القسطلى مبادئ لهذا الموضوع، ولعل أولَ من اختصه بالنظم في آخر أيام ملوك الطوائف الكاتب أبو عبد الله ابن أبي الخصال الذي نظم قصيدتين في رثاء الحسين بن علي (عليه السلام)، وسنرى كيف تطور هذا الغرض فيما بعد حتى صار أيام الموحدين موضوعاً تفرد له الكتب والدواوين.
محمود مكي
بنو حمود
حمود هو من أعقاب إدريس بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وتجد سياق نسبه إلى إدريس في كتاب الذخيرة (ق1 ـ م1/78).
لمّا أشرفت دولة بنى أمية بالأندلس على الانقراض كان بالأندلس رجلان من آل إدريس دخلاها في جملة البربر الذين كانوا هناك، وهما على والقاسم ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن على بن عبدالله بن عمر بن إدريس فطار لهما ذكر في الشجاعة ولإقدام، ثمّ ترقت بهم الأحوال إلى أن ورثوا خلافة الأندلس من يد الأمويين.
وكان لبني محمد وبني عمر من ولد إدريس رئاسة على البربر في بلاد غمارة من الريف فلمّا قام سليمان بن الحكم الملقب بالمستعين على المهدي محمد بن هشام في جنود البربر وزناتة كان علي بن حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبدالله بن عمر بن إدريس وأخوه القاسم في جملتهم واشتد أمر البربر وزناتة أنصار المستعين على أهل الأندلس وحاصروا المهدي في قرطبة فخشي أهلها على أنفسهم من اقتحام البربر عليهم فقتلوا المهدي بن هشام واجتمعوا على تجديد البيعة لهشام المؤيد واستمر البرابرة على حصار قرطبة والمستعين بينهم إلى أن دخلوها عنوة سنة ثلاث وأربعمائة وفتكوا بهشام المؤيد ثمّ لمّأ افترق شمل جماعة قرطبة وتغلب البربر على الأمر قامع لي بن حمود وأخوه القاسم ودعوا لأنفسهم وتعصب لهم الكثير من البربر وملكوا قرطبة سنة سبع وأربعمائة وقتلوا المستعين وتمّ الأمر لعلي وتمكن سلطانه واتصلت دولته عامين وتلقب بالمأمون ثمّ قتله صقالبته في الحمام سنة ثمان وأربعمائة فولي مكانه أخوه القاسم وإلى ذلك يشير ابن الخطيب في منظومته بقوله:
ثمّ سليمان إلى الملك رجع
نبهه الدهر وما كان هجع
وكان شاعراً ومن أهل اللسن
وقيض اله له أبا الحسن
وهو ابن حمود تأتي من سبته
وسبب العزلة قد ثبته
صلّ عليه طالباً دم هشام
وقل من ونى عن الثأى ونام
فخذل الابن وثنى بالأب
بيده مبيناً للسبب
واستوثق الأمر قليلاً وانتظم
وانتصر الدهر به ممّن ظلم
وأغلظ الأحكام في بربره
وغالب الناس على سيره
واغتاله الصقلب في حمامه
فجرعوه الصرف من حمامه
وقام بالأمر أخوه القاسم
فوضحت في ملكه المراسم
ثمّ بعد أربع سنين من سلطنة القاسم نازعه ابن أخيه يحيى بن علي بسبتة وكان أميراً على تلك النواحي وولي عهد أبيه فزحف إلى قرطبة فملكها سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وتلقب بالمعتلي وفرّ عمّه المأمون إلى إشبيلية وبايع له قاضيها ابن عباد واستجاش بعض البربر ورجع إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة ولح المعتلي بمالقة وتغلب على الجزيرة الخضراء وتغلب أخوه إدريس على طنجة ولم يزل أمر المعتلي ينمو وسلطانه يعلو إلى أن قتله محمد بن عبدالله البرزالي البربري بمداخلة ابن عباد ثمّ استدعى أهل مالقة أخاه إدريس بن علي من طنجة، وبايعوه فتمّ أمره واتّسعت دولته ومات سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وبويع بعده لابن أخيه حسن ابن يحيى المعتلي ولقب المستنصر ثمّ مات مسموماً سنة ثمانٍ وثلاثين وبويع لأخيه إدريس بن يحيى ولقب العالي ثمّ ثار السودان عليه بدعوة ابن عمّه محمد بن إدريس بن علي وتلقب المهدي وأقام في ملكه بمالقة وأطاعته غرناطة وجيان وأعمالها إلى أن مات سنة أربع وأربعين ورجع العالي فبويع بمكانه بغمارة وكان فرّ إليها لمّا ثار عليه السودان ثمّ مات سنة سبع وأربعين وبويع محمد الأصغر بن إدريس بن علي وتلقب المستعلي ثمّ قام عليه باديس فتغلب على مالقة وسار محمد المستعلي منها إلى المرية مخلوعاً ثمّ استدعاه أهل مليلة وكلعية من وراء البحر وبايعوه سنة تسع وخمسين وأربعمائة وهو آخر من ملك الأندلس من الأدارسة ثمّ اقتسمت ملوك الطوائف جزيرة الأندلس إلى أن تغلب عليهم المرابطون بعد تغلبهم على المغرب ([125]).
دولة بني حمود
هي الدولة الثانية بعد الدولة الإدريسية من دول بني الحسن، وهذه الدولة ـ أي دولة بني حمود ـ إلى أن تكون دولة أندلسية أقرب من أن تكون دولة مراكشية، والواقع أنّ روايات المؤرخين فيما يتعلق بهذه الدولة في الأندلس لا تخلو من غموض واضطراب بل من تناقض في كثير من الأحيان، وقد مهد لظهور هذه الدولة الحمودية في الأندلس انحلال الدولة الأموية في قرطبة وغرناطة وإشبيلية، وهو انحلال نشأ عن الفساد والثورات والحروب الداخلية، وبعضها حروب تشيب لهولها الولدان مثل واقعة (الربض). وتاريخ القرطبيين والإشبيليين ومن إليهم من الأندلسيين حافل بمناوأة السلطات الحاكمة، هذا من جهة كما أنّه حافل من جهة أخرى بمظاهر الشدة والقسوة من الأمويين، ومن ذلك توالت الفتن والحروب بين الفريقين.
ملك بنو حمود جبل طارق ومالقة وأجاز من أجاز منهم العودة إلى الأندلس مع شيعتهم من البربر وحاربوا الأمويين في تلك البلاد وانتزعوا الملك منهم، وعلى يد بني حمود زالت الدولة الأموية من قرطبة وإشبيلية وغلبت دعوتهم على كلّ دعوة وبويع غير واحد منهم بالخلافة، وأوّل من بويع منهم بالخلافة في قرطبة ولقب بالناصر لدين الله ولم يتخلف أحد عن بيعته «علي بن حمود» في مستهل القرن الخامس.
عاشت الدولة الحمودية إلى منتصف المائة الخامسة ولا حاجة إلى القول بأنّ هذا العصر هو العصر الذي تبربر فيه الحموديون ـ كما تبربر قبلهم الإدريسيون ـ فلم يعد هناك فرق بين الإدريسي أو الحمودي وبين البدوي البربري لغة وزياً وطباعاً إلى غير ذلك. بل عني غير واحد من مؤرخي المغرب بالإشارة إلى هذه العجمة التي غلبت على ألسنة بني حمود في المغرب والأندلس حتّى أصبحت البربرية لغة ثانية وربما تغلبت على العربية.
مشاهير بني حمود
أشهر مشاهير بني حمود الذين ملكوا قرطبة وما إليها ثلاثة: علي وأخوه القاسم ابنا حمود ويحيى بن علي. وعلي أشهر بني حمود قاطبة ([126]) وقد نوّه المؤرخون بسطوته وسخائه وشجاعته وسيطرته على البربر كافة وأنّه استمال أهل قرطبة بعدله وحذوه في بعض سيرته حذو الصدر الأوّل، فجلس للمظالم بنفسه وانتصف من الظالم للمظلوم على ما يقول بعض المؤرخين ([127]) والواقع أنّ سيرته لا تخلو من شذوذ واضطراب بين صلاح وفساد وجور وإنصاف ورضا وسخط ([128]) إلى أن قتله بعض مماليك من الصقالبة في قرطبة سنة 408هـ.
كان الناصر علي بن حمود حسبما يقول المقري على عجة فيه يصغي إلى الشعر ويثيب عليه وله شعراؤه المختصون به وحسبك من هؤلاء ابن دراج القسطلي الذي كان يراسله نظماً ونثراً، ويظهر من أقوال ابن بسام أنّ ابندراج الشاعر الأندلسي المشهور كان إدريسي العقيدة ومن أولياء بني حمود، وقد أطلق على بعض قصائده التي أنشأها في مدح الأمير علي اسم «الهاشميات» ومنها قصائد أعجب بها أبو الحسن بن بسام ونشرها في الذخيرة.
أسباب سقوط بني حمود
استطاع الناصر علي بن حمود بما له من سلطان أن يجمع كلمة البربر من حوله وما أن قتل في قرطبة حتّى فتن أنصاره البرابرة وانشقّت كلمتهم فمال بعضهم إلى أخيه القاسم بن حمود وكان والياً على إشبيلية، ومال قوم من البربر وهم الأكثر إلى ابنه يحيى بن علي([129]) وكان والياً على سبتة، وتوالت الفتن بين يحيى وعمّه القاسم وتداولا قرطبة غير مرّة، وقد أشار المقري وغيره من المؤرخين إلى نتائج الانشقاق الذي استشرى بين بني حمود، ثمّ عصف بالدولة الحمودية بعد ذلك، ومجمل القول كانت هذه الفتن المستمرة بين بني حمود أنفسهم بعد مقتل الأمير علي علة العلل في سقوط دولتهم المذكورة على يد بني عباد امرأة إشبيلية، وبنو عباد هم الذين قتلوا يحيى بن حمود في وقعة طاحنة، ويلاحظ انتهاك المحارم في بني عباد وتحللهم من القيود الشرعية([130]) وهكذا مرج الأمر في الأندلس وانتقل السلطان من ملوك الجماعة إلى ملوك الطوائف بني عباد وبني جهور، وكانت خصومة ملوك الطوائف فيما بينهم أعنف وأشد من خصومتهم للفرنجة وللإسبانيين الواقفين للأندلسيين بالمرصاد، بل كانوا لا يحجمون عن التحالف مع هؤلاء الطواغيت المجاورين لهم ليأمنوا شرّهم في هذا النزاع القائم بينهم وبين غيرهم من أمراء الأندلس، وهكذا تطغى الأنانية وتغلب الأحقاد والجاهلية، وهكذا أسلموا الأندلس وفقدوا الكرامة والاستقلال وأكره من بقي منهم في البلاد على الخروج عن دينهم بعد ذلك، ولم يطل الأمر بأمراء الطوائف هؤلاء حتّى خضعت الأندلس لدول بربرية ناشئة من مرابطين وموحدين ومرينيين إلى أن طوي بساط الدولة البربرية المذكورة.
محمد رضا الشبيبي
التشييع في الأندلس في عهد بني حمود
إن التشييع الموروث لأولاد ادريس([131]) خلد هذه الدولة الى الابد في نفوس المغاربة والبربر بعامة، فلم تخب دولتهم ولا زال امرها بل سرعان ما انتقلت الى الاندلس لتزيل دولة بني امية وتخلفها،وكانت حركة اولئك النازحين الى هذه البلاد من تلك الاسرة الادريسية الذين استقرواسنة 324هـ بقرطبة تحت رعاية ملكها الحكم الاموي الرمز الاول لهذا الانتقال. كماانتقلت مع البربر الفاتحين للاندلس في ذلك العهد الذين حفظوا للشرفاء عهد المحبة والولاء، فما ان ظهر احفاد للادارسة على مسرح الحياة السياسية بالاندلس حتى التفواحولهم ودعوا لهم.. كان ذلك عندما عبر اثنان من اعقاب الادارسة الى بلاد الاندلس في خدمة سليمان بن الحكم الاموي، وهما القاسم وعلي ابنا حمود بن علي بن عبيداللهبن عمر بن ادريس الثاني بن ادريس الاول. وكان اول امرهما ومبدا نشاة الدولة في اسرتهما ان وليا قائدين على المغاربة في الاندلس، ثم وكل سليمان القاسم امورالجزيرة الخضراء، وعليا وهو الاصغر امور سبتة وطنجة. وقد كانت لقبائل صنهاجة([132]) وزناتة وبني يفرن بتاكرونة وبرغواطة اليد البيضاء في مدهم بالمساعدة وشد أزرهم، حتى قال الشاعر ابو عبيدالله الرعيني في مدح القاسم:
ولما دعا الشيطان في الخيل حزبه
واقبل حزب الله فوق خيوله
كتائب من صنهاجة وزناتة
تضايق في عرض الفضاء وطوله
ويكفي دليلاً على هذه الصلة الوثيقة التي كانت تربط هذه الاسرة الهاشمية وبين برابرة المغرب، هي أن زوال ظلهم عن قرطبة يعزى إلى ما أخذه عليهم أهل هذه البلاد من ميل إلى البربر([133]).
ولم يخف بعض الناصحين لملك سليمان من البربر الموالين للأمويين تخوفهم من تولية هذين العلويين الطالبيين([134]) إذ سيظل هذا الحق مطلوباً ما دام فيهم عرق ينبض… ولم يمض زمن يسير حتى بدت رايات الدعوة العلوية يقودها أحد ذينك النازحين الحموديين إلى الأندلس علي بن حمود سنة 457هـ، واستجابت الرغبة الدفينة في قلوب مواطنيهم الذين كانوا يسكنون قرطبة فسما ذكرهم([135]) ومنذ ذلك الحين تكوّنت هذه الدولة. أطلق بعضهم عليهم الحسنيين، وسماهم بعض آخرالعلويون أو العلويين الأدارسة وسموهم الفاطميون، ومهما تكن التسمية فإن هذه الدولة قامت لإرجاع الحق المغصوب لآل البيت من أسرتهم. ونلاحظ أن الظروف كانت تفرض قيام من يدافع عن هذا المبدأ إذ أنّ الشيعة كانوا يمرون بأوقات عصيبة، فقدساءت حالهم بتونس ولاقوا التقتيل والتعذيب، وقامت الفتن بين السنة والشيعة على أشدها في العراق بواسط([136]). من ذلك نستبين الهدف الذي قصدت إليه هذه الدولة، وقد كان في أمرين أساسيين:
أولهما مناهضة الحكم الأموي في الأندلس.
وثانيهما الدعوة للدولة العلوية وللمذهب الشيعي.
أما الهدف الأول فقد أصابت منه الكثير حتى ذكر اأهم كانوا سبب زوال الأمويين من الأندلس والقضاء على دولتهم([137]). أما الدعوة للدولة في آل البيت فإنهم نجحوا في القيام بها إلى حد بعيد فكونوا دولة بجميع مظاهرها وتلقبوا بألقاب الخلافة مثل (الناصرلدين الله) و(المأمون) و(المستنصر) و(المتأيد)، وبسطوا نفوذهم على كثير من بلاد الأندلس. فكانت عاصمتهم مالقة، وملكوا الجزيرة الخضراء وقرطبة وإشبيلية وغرناطة والمرية وقرمونة ورندة وأعمالها ومن مدن المغرب طنجة وسبتة. وخطب لهم في جميع هذه البلاد وضربت السكة باسمهم.
وأمّا تشيعهم فقد ظهر عليهم آثر ولكن المصادر التي بين أيدينا وهي مصادر في أغلبها تؤيد المذهب السني اكتفت بالقول بنّهم «تشيعوا» ولم يظهروا ذلك ولا غيّروا على الناس مذهبهم([138]) ولم تعقب على ذلك ولا علقت عليه مما يكاد يحس معه من الإشارات العابرة أنها أغفلت الحديث عن هذا الأمر، وغضت الطرف عنه ولم تذكر إلا ما اضطرت إليه اضطراراً عند نقل شعر لأحد شعراء الأندلس في هذه الفترة مثلاً إذ كان من اللازم الإشارة إلى الشعر الشيعي وقد بلغ في هذا العصر شأواً عالياً. على أننا يجب أن لا نغفل ما يكون قد ركن إليه دعاة هذه الدولة من السرية التي تحتمها الظروف القاسية التي تواجه كل عقيدة تحاول الظهور في محيط جديد.
ومع ذلك، نستطيعأ نتبين الجو الذي خلفه وصولهم إلى الحكم وآمال الناس فيهم. يقول أبو عبدالله الرعسيني الأعمى من قصيدة في القاسم بن حمود يذكر فيها خيران الصقلبي وقتل المرتضى المرواني وفتح غرناطة:
لك الخير خيران مضى لسبيله
وأصبح ملك الله في ابن رسوله
وفرق جمع الكفر واجتمع الورى
على ابن حبيب الله بعد خليله
وقام لواء النصر فوق ممنع
من العز جبريل أمام رعيله
وأشرقت الدنيا بنور خليفة
به لاح بدر الحق بعد أفوله
على أنّ ما كان الناس يمجدون به هذه الدولة وما يرجون منه كل الخير هو نسبهم الهاشمي، لذلك كان هؤلاء الأمراء يسلكون نهج أجدادهم في إعطاء صورة لتلك العهود التي يرجونها بوجودهم. فعندما تولى علي بن حمود، الملقب بالناصر لدين الله، أخذ الحكم بقوة وساس الناس بالعدل حتى نقلت في ذلك الاخبار العجيبة، ووجد الناس في كنفه الأمن والطمأنينة، وقد قصده الشاعر أحمد بن عبد المالك بن شهيد، وقال وهو يودع قرطبة ملتجئاً إلى مالقة:
عليكم بداري فاهدموها دعائما
ففي الأرض بناؤون لي ودعائم
إذا هشمت حقي أمية عندها
فهاتا على ظهر المحجة هاشم
وطبعاً كان كباقي أسرته متشيعاً. ونستطيع أن نستدل من الأوصاف التي وسم بها أن الأفكار الشيعية كانت تروج بالأندلس آنذاك، فقد كان ذا ولع بالأمداح النبوية، فكثر هذا الفن في عهده وشاع في الأندلس عند ذلك رثاء الحسين (عليه السلام)، وكان يجزل العطاء لشعر الأمداح النبوية، وقصده الشعراء المتشيعون، فهذا عبادة بن ماء السماء كان معروفاً بالتشيع يمدحه ويثبت أجقيته في الإمامة ويهيب بالناس إلى طاعته. يقول:
أبوكم علي كان بالشرق بدء ما
ورثتم وذا بالمغرب أيضاً سميه
فصلوا أجمعون وسلموا
له الأمر إذ ولاه فيكم وليه
ويصف أبو عبدالله الرعيني القرطبي علياً هذا بالامام فيقول:
سقا منبت اللذات منها ابن هاشم
إذا انهملت من راحتيه الغمائم
إمام: إمام الدين حد حسامه
طرير، ومنه في يد الله قائم
وقد قيلت في رثاء علي بن حمود إحدى الروائع من غرر الشعر الشيعي لأبي عمر أحمد بن دراج القسطلي أبدع فيها وأجاد فاستنزعت من أبي الحسن علي بن بسام في كتابه «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» إطراءً جميلاً واعترافاً جعلها في قمة الشعر الشيعي، فقال عنها: «وهذه القصيدة له طويلة، وهي من الهاشميات الغر… لو قرعت سمع دعبل بن علي الخزاعي، والكميت بن زيد الأسدي لأمسكا عن القول وبرئا إليها من الطول والحول، بل لو رآها السيد الحميري وكثيّر الخزاعي لأقاماها بينة على الدعوى، ولتلقياها بشارة على زعمهما بخروج الخيل من رضوى([139]) وتبدأ هذه القصيدة ببكاء شجي، بكاء تجهش به قلوب الشيعة في كلّ مكان ويتردد معناه في الشعر الفارسي، مستوحى من حمرة شمس الأصيل، يقول:
لعلك يا شمس عند الأصيل
شجيت لشجو الغريب الذليل
فكوني شفيعي إلى ابن الشفيع
وكوني رسولي إلى ابن الرسول
ثمّ يصف الواقعة الأليمة التي حلّت بآل البيت، فيقول:
تهاوت بهم مصعقات الرواعد في
مدجنات الضحى والأصيل
بوارق ظلماء ظلم قبيح
دمى من حمى أو دما من قتيل
فأذهل مرضعة عن رضيع
وأنسى الحمائم ذكر الهذيل
ويصف فيها علي بن حمود ونسبه، فيقول:
لعل عواقبه إن تنم
فتهدي الغريب سواء السبيل
إلى الهاشمي إلى الطالبي
إلى الفاطمي العطوف الوصول
إلى ابن الوصي إلى ابن النبي
إلى ابن الذبيح إلى ابن الخليل
وهذه القصيدة طويلة تنيف على سبعين بيتاً([140])، كلها ذات نفس واحد الى آخرها وقد ختمها مؤكداً مقام آل البيت وأحفادهم بني حمود، وإمامتهم المدعمة بالكتاب وبالمنطق، فيقول:
فأنتم هداة حياة وموت
وأنتم أئمة فعل وقيل
وسادات من حل جنات عدن
جميع شبابهم والكهول
وأنتم خلائق دنيا ودين
بحكم الكتاب وحكم العقول
أما ابن علي بن حمود، وهو يحيى بن علي بن حمود، الملقب بالمعتلي بالله، فقد زاد على من سبقه من بني حمود بمزية، رفعته مقاماً سنياً تلك هي كرم الولادة، فأمّه هي بنت محمد بن الأمير حسن بن القاسم، فهو إذن هاشمي الأبوين. وقل إن اجتمع ذلك لأحد من خلائف الاسلام إلا ثلاثة من أبناء القرشيات كان هو مكمل أربعتهم. أولهم جدّهم الاعلى سيدنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وثانيهم ابنه الحسن (عليه السلام) والثالث هو الأمين محمد بن هارون وقد زاد إلى هذا الشرف ولوعه بتهذيب النفس والتخلق بالفتوة شأن جده (الفتى) فكان شغوفاً بالفروسية وجري الخيل والخروج للقنص.
ولقد قصد الشعراء كما أشرنا في ما سلف بني حمود ينثرون في مدحهم درر الشعر. وإذا كان في عمل هؤلاء الشعراء ما يعبر عن عصرهم لأنهم لسان المجتمعات في مختلف العصور، فإنّنا نجد ذلك ـ إن أغفلنا جانب التقرّب في مديحهم ـ حيث إن شعرهم يحمل نزعة روحية ورسالة عقائدية تنم عن الإيمان بأهل البيت ومذهب أشياعهم في إمامتهم وعصمتهم وحقيقتهم التي قال عنها أحدهم: إنّها قبس من نور الله، بل إنّنا لنجد من بينهم بعض الشعراء ممّن عرفوا بالتشيع. ومن ذلك نجد قصيدة طويلة قالها أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا الفندقي اأاشبوني في إدريس بن يحيى بن علي بن حمود الملقب بالعالي (438-434هـ) وكان معروفاً بالخير والعدل ننقل منها هذه الابيات:
يا بني أحمد يا خير الورى
لأبيكم كان وفد المسلمين
نزل الوحي فاحتبى
في الدجى فوقهم الروح الأمين
انظرونا نقتبس من نوركم
إنه من نور رب العالمين([141])
هكذا عاش جزء كبير من الأندلس إحدى مراحل تاريخه في مطلع القرن الخامس، وظلّ تحت حكم آل البيت المتشيعين يتبادل السلطة فيه الأبناء والأخوة وأبناء الأعمام من بني حمود طوال ثمانٍ وخمسين سنة([142]) وهم يحاولون نشر الرخاء والإخاء وإقامة العدل حتى نجد هذه الصفة تلزم سيرة أكثر ملوك هذه الدولة في ما ذكر في شأنهم، وحتى قال الشاعر ابن مقانا في ذلك:
خلقوا من ماء عدل وتقى
وجميع الناس من ماء وطين
وحتى أنّ خمسة منهم قد لقبوا أنفهسم بالهداية، وفي ذلك أحد مظاهر نزعتهم الشيعية.
ومرّت هذه الدولة الهاشمية كما مرّت سابقتها يكتنف الغموض أمر الدعوة الشيعية في أيامها ومدى أثره في المجتمع الذي مارست فيه الحكم. ونحن لا يمكننا أن نقتنع باقتصار تأثيرهم على من حولهم من الشعراء فقط وعدم وجود صدى لهذه الدعوة بين مختلف الطبقات من الناس. ومن حسن حظنا هذه المرة أنّ أحد أعلام المفكرين في القرن الثامن الهجري لسان الدين بن الخطيب أتحفنا بإشارة ذات أهمية كبرى. والفضل في ذلك يعود إلى إحدى النسخ الخطية الفريدة من مؤلفه التاريخي إعلام الأعلام فيمن بويع بالخلافة قبل الاحتلام التي حفظتها لنا خزانة جامعة القرويين بمدينة فاس من عاديات الزمن وبهذه الإشارة تنحل العقدة المستعصية وينكشف لنا ما كان غامضاً من قبل مما أغفل الحديث عنه المؤرخون مما كان يجري في الأندلس من أثر التشيع. ذلك أن ابن الخطيب عند حديثه عن دولة يزيد بن معاوية انتقل به الحديث إلى ذكر عادات الأندلسيين وأهل شرق الأندلس خاصة في ذكرى مقتل سيدنا الحسين (عليه السلام) من التمثيل بلإقامة الجنائز وإنشاد المراثي. وقد أفادنا عظيم الفائدة حيث وصف إحدى هذه المراسم وصفاً حياً شيقاً حتى ليخيل أنّنا نرى إحياء هذه الذكرى في بلد شيعي. وذكر أن هذه المراثي كانت تسمّى الحسينية وأن المحافظة عليها بقيت مما قبل تاريخ عهد ابن الخطيب إلى أيامه. وأبادر الآن إلى نقل هذا الوصف على لسان صاحبه:
«ولم يزل الحزن متصلاً على الحسين، والمآتم قائمة في البلاد يجتمع لهما الناس ويختلفون لذلك ليلة يوم قتل فيه بعد الأمان من نكير دول قتلته ولا سيما بشرق الأندلس، فكانوا على ما حدّثنا به شيوخنا من أهل المشرق (يعني مشرق الأندلس) يقيمون رسم الجنازة حتى في شكل من الثياب يستجن خلف سترة في بعض البيت ويحتفل بالأطعمة والشموع ويجلب القرّاء المحسنون ويوقد البخور ويتغنى بالمراثي الحسنة».
وفي عهد ابن الخطيب كان لا يزال لهذه المراثي شأن أيضاً، فإنّه في سياق حديثه السابق زادنا تفصيلاً وبياناً عن الحسينية وطقوسها فقال:
«والحسينية التي يستعملها إلى اليوم المسمعون فيلوون لها العمائم الملونة ويبدلون الأثواب كأنّهم يشقون الأعلى عن الأسفل بقية من هذا لم تنقطع بعد وإن ضعفت ومهما قيل الحسينية أو الصفة لم يدر اليوم أصلها»([143]). وفي المغرب اليوم لا يزال أولئك المسمعون الذين أشار إليهم ابن الخطيب يعرفون بهذا الاسم وينشدون، وكثرت في إنشادهم على الأخص المدائح النبوية. كما أن الموسيقى الأندلسية الشائعة اليوم في بلاد المغرب تشتمل في أكثرها على الأمداح النبوية أيضاً.
كما أفادنا ابن الخطيب بنقله نموذجاً لهذه المراثي مدى عناية الشعراء بهذا الموضوع وعرفنا بأحد شعراء الشيعة في الأندلس الذي اشتهر برثاء سيدنا الحسين (عليه السلام)، وهو ابو البحر صفوان بن إدريس التيجيبي المرسى (561ـ598هـ) وهذه القصيدة كانت مشهورة ينشدها «المسمعون» وهي كما يلي:
سلام كأزهار الربى يتنسم
على منزل منه الهدى يتعلم
على مصرع للفاطميين غيبت
لأوجههم فيه بدور وأنجم
على مشهد لو كنت حاضر أهله
لعاينت أعضاء النبي تقسم
على كربلاء لا أخلف الغيث كربلا
وإلا فإن الدمع أندى وأكرم
مصارع ضجت يثرب لمصابها
وناح عليهن الحطيم وزمزم
ومكة والأستار والركن والصفا
وموقف جمع والمقام المعظم
وبالحجر الملثوم عنوان حسرة
ألست تراه وهو أسود أسحم
وروضة مولانا النبي محمد
تبدى عليه الشكل يوم تخرم
ومنبره العلوي للجدع معول
عليهم عويلاً بالضمائر يفهم
ولو قدرت تلك الجمادات قدرهم
لدك حراء واستطير يلملم
وما قدر ما تبكي البلاد وأهلها
لآل رسول الله والرزء أعظم
لو أن رسول الله يحيى بعيدهم
رأى ابن زياد أمه كيف تعقم
وأقبلت الزهراء قدس تربها
تنادي أباها والمدامع تسجم
سقوا حسناً للسم كأساً روية
ولم يقرعوا سناً ولم يتندموا
وهم قطعوا رأس الحسين بكربلا
كأنّهم قد أحسنوا حين أجرموا
فخذ منهم ثأري وسكن جوانحاً
وأجفان عين تستطير وتسجم
أبي، وانتصر للسبط واذكر مصابه
وغلبته والنهر ريان مفعم
وأسر بنيه بعده واحتمالهم
كأنهم من نسل كسرى تغنموا
ونقر يزيد في الثنايا التي اغتدت
ثناياك فيها أيها النور تلثم
إذا صدق الصديق حملة مقدم
وما فارق الفاروق ماض ولهذم
وغاث بهم عثمان عيث ابن صرة
وأعلى علي كعب من كان يهضم
ولكنها أقدار رب بها قضى
فلا يتخطى النقض ما هو يبرم
قضى الله أن يقضي عليهم عبيدهم
لتشقى بهم تلك العبيد وتنقم
هم القوم، أما سعيهم فمخيب
مضاع وأما دارهم فجهنم
فيا أيها المغرور والله غاضب
لبنت رسول الله أين تيمم
ألا طرب يقلى ألا حزن يصطفى
ألا أدمع تجري ألا قلب يضرم
قفوا ساعدونا بالدموع فإنّها
لتصغر في حق الحسين ويعظم
ومهما سمعتم في الحسين مراثياً
تعبر عن محض الأسى وتترجم
فمدّوا أكفاً مسعدين بدعوة
وصلّوا على جسم الحسين وسلموا
ونتلمس هذه الحركة في ما بعد عصر مبدع هذه القصيدة الحسينية فنعثر على أثر للفكرالشيعي حيث نلتقي بأحد أدباء الأندلس في النصف الأول من القرن السابع الهجري، هو القاضي أبو عبدالله محمد ابن عبدالله القضاعي البلنسي (المقتول في 20 محرم سنة 658هـ)، ونقف على اسم كتابين من مؤلفاته العديدة موضوعهما هو رثاء سيدنا الحسين. أولهما: اللجين في رثاء الحسين «ولا يعرف اليوم اثر لهذا الكتاب غير اسمه» وثانيهما: «درر السمط في أخبار السبط». وكان كل ما بقي من هذا الكتاب هو ما نقله المقري في كتابه «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». وقد اعترف المقري بأنّه أغفل نقل بعض الفقرات من الكتاب ممّا (يشم منه رائحة التشيع) ثمّ إنه اكتفى بنقل جزء من الباقي فقط. ونضيف هذا القول الواضح والشهادة الصريحة إلى ما أشرنا إليه سابقاً عن علة سكوت كتب التاريخ وغيرها عن الإشارة إلى آثار التشيع في المغرب والأندلس. ولم يخل عمل المقري مع ذلك، من إعطائه حكماً موضوعياً عن هذا الكتاب، فقال: «وهو كتاب غاية في بابه». وقد اكتشف هذا الكتاب أخيراً برمته، واستطعنا أن ندرك عن كثب أهميته البالغة في هذا الباب.
ومهما أطلنا في التنويه بهذا الكتاب وأسلوبه الجميل وبيانه الرائع وتّثيره البالغ في سامعيه بوصفه لتلك الحوادث المؤلمة من تاريخ الإسلام، فإنه لا يكفي لبيان منزلته في الأدب الشيعي، وهو على كل حال يقدّم لنا الدليل القاطع على رواج حركة التشيع في الأندلس في هذا العصر. ولكي نأخذ فكرة واضحة عن ذلك أنقل بعض الفقرات من هذا الكتاب ممّا لا يبقى معه شك بتشيع صاحبه. بدأ بتحية آل البيت والشهادة بحبهم: «أولئك السادة أحيي وأفدي، والشهادة بحبهم أوفي وأؤدي، ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه».
ثمّ خاطبهم وذكر نقاء حقيقتهم النبوية، وعاقبة أمرهم:
«يا لك أنجم هداية، لا تصلح الشمس لهم عن آية. كفلتهم في حجرها النبوة فلله تلك النبوة ذرية بعضها من بعض. سرعان ما لى منهم الجديد وغزي بهم الحديد نسفت أجبلهم الشامخة، وشدخت غررهم الشادخة، فطارت بطررهم الأرواح وراحت عن جسومهم الأرواح، بعد أن فعلوا الأفاعيل، وعيل صبر أقتالهم وصبرهم ما عيل».
ويتحسر عليهم ويعرض بأعدائهم فيقول:
«أشكو إلى الله ضعف الأمين وخيانة القوى. قعد بالحسين (عليه السلام) حقه وقام بيزيد باطله وأخلاقه، حضر موقف القضاء الخصمان، وعنت الوجوه للرحمن، جاء الحق وزهق الباطل، إن الإمامة لم تكن للئيم ما تحت العمامة من سبط هند وابنها دون البتول ولا كرامة، يسر ابن فاطمة للدين يسميه وابن ميسون للدنيا تستهويه، اعطوا فكل ميسر لما خلق له، فأما هذا فتحرج وتاثم، وأمّا ذاك فتلجلج وتلعثم، مشى الواحد إلى نور يسعى بين يديه، وعشى الثاني إلى ضوء نار لا يغروها لديه، يا ويح من وازى الكتاب فقال والدنيا أمامه، مانت بنو حرب فراعنة، فذهب ابن رسول الله ليخرجهم من العراق فانعكس الروم وحورب ولا فارس والروم». وعندما يصف الحادث المفجع لقتل سبط الرسول (عليه السلام) نحس أن قلبه يكاد ينفطر من الأسى، فيقول:
«عاشر محرم أبيحت الحرمات، وأفيضت على النور الظلمات، فتفاقم الحادث، وحمل على الطيبين الأخابث، وضرب السبط على عاتقه ويسراه، وما أجرأ من أسال دمه وأجراه، ثمّ قتل بعقب ذلكم ذبحاً وغودر حتى العاديات ضبحاّ». ويضيف مشيراً في الأخير إلى أنّ هذه الداهية كانت السبب في إدبار عزّ المسلمين: «أية فتنة عمياء، وداهية دهياء، لا تقوم بها النوادب، ولا تبلغ معشارها النوائب. طاشت لها النهى وطارت، وأقبلت شهب الدجى وغارت. لولاها ما دخل ذل على العرب ولا ألف صيد الصقر بالخرب ونسف النبع بالغرب. فانظر إلى ذوي الاستبصار خضع الرقاب نواكس الأبصار».
وإن قتيل الطف من آل هاشم
أذل رقاب المسلمين فذلت
وفي الأخير يعود إلى تأكيد الإيمان بهم والتعلق بحبهم وتفضيلهم على أعدائهم، يقول:
«ما عذر أمية وأبنائها، في قتل العلوية وإفنائها، أهم يقسمون رحمة ربك؟ كم دليل في غاية الوضوح، على أنهم كسفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق، ثمّ يحسسهم آل الطليق ويطرهم آل الطريد، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. نساؤهم أيامى أمية، وسماؤهم أرض بني سمية.
من عصبة ضاعت دماء محمد
وبنيه بين يزيدها وزيادها
كان الحسين يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً، ويزيد يتلف العمر تبريحاً وعدواناً.
عمرك الله كيف يلتقيان([144]).
وقد بقي لهذا الكتاب ونزعته الشيعية صدى انتقل إلى المغرب وظل بها زمناً طويلاً، فبعد ثلاثة قرون من تأليفه نعثر على شرح له لأحد المغاربة هو الفقيه الأديب سعيد الماغوسي الملقب ببوجمعة المولود سنة 950هـ ويعد هذا الشرح اليوم من المفقودات. غير أنّ ابن القاضي يخبرنا في كتابه درة الحجال([145]) أنّه كان موجوداً في خزانة المنصور السعدي بمدينة مراكش. وتظهر عناية ملوك المغرب بمثل هذه التآليف، فيما قيل من إنّ شارح هذا الكتاب أخذ مكافأة على تأليفه وزنه ذهباً.
وقال الدكتور محسن جمال الدين في العدد الأوّل من السنة الخامسة من مجلة البلاغ:
شرق الأندلس، بلنسية وما جاورها، كانت تقيم المآتم الحسينية في محافل رهيبة بمناسبة ذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام) ليلة عاشوراء من كل سنة في جو من الخشوع والمهابة والقداسة. ومن مراسيم هذه الذكرى مشهد جنائزي يشخص المأساة. كما تشعل الأضواء ويوقد البخور ويحضر القراء المحسنون والمنشدون البارعون وتقدم الموائد والأطعمة وترتفع الأصوات الجميلة منشدة المراثي الحسينية. «انتهى».
ومن الشعراء المتشيعين الأندلسيين عبادة بن ماء السماء: المتوفى بعد سنة 421هـ. وهو عبادة بن عبد الله الأنصاري من ذرية سعد بن عبادة. كان شاعراً موالياً للدولة العامرية والحمودية. ذكر صاحب (الذخيرة) أنّ الشاعر «كان يظهر التشيع» ومن قوله في يحيى بن حمود:
فها أنا ذا يا ابن النبوة نافث
من القول أريا غير ما ينفث الصل
وعندي صريح في ولائك معرق
تشيعه محض وبيعته بتل
ووالي أبي قيس أباك على العلا
فخيم في قلب ابن هند له غل
ومن قصيدة أخرى في علي بن حمود الحسني:
أطاعتك القلوب ومن عصي
وحزب الله حزبك يا علي؟
أبى لك أن تهاض علاك عهد
هشامي وجد هاشمي
وما سميت باسم أبيك إلا
ليحيا بالسمي له السمي
فإن قال الفخور أبي فلان
فحسبك أن تقول أبي النبي
وعن أدبيات التشيع في المغرب والأندلس يقول علي الغزيوي في بعض ما يقول:
هناك إشارات ووقفات عند بعض جوانب التشيع في المغرب والأندلس منها، على سبيل المثال، ما أشار إليه الدكتور عبدالسلام الهراس والشيخ سعيد أعراب في مقدمة تحقيقهما لكتاب «درر السمط في خبر السبط» لابن الأبار القضاعي.
ثم ازدهرت في العصور اللاحقة في الأندلس بعد القرنين الثالث والرابع للهجرة أدبيات التشيع بصفة عامة، والأدبيات الحسينية بصفة خاصة، فتعددت مراثي الحسين (عليه السلام)، وكثر البكاء على آل البيت الأطهار، وتنوّع توظيف مأساة كربلاء في الأشعار الأندلسية، بل ازدهرت حركة التأليف في الموضوع على يد أبي البحر صفوان بن إدريس، وأبي عبدالله بن أبي الخصال الشقوري، وابن الأبار القضاعي البلنسي صاحب التأليف القيم في الأدبيات الحسينية، وهو (درر السمط في خبر السبط)، ويعدّ واحداً من الآثار النفيسة التي سلمت من الضياع، وعرفت طريقها إلى التحقيق والنشر أكثر من مرّة، في المغرب والمشرق، وكذلك كتابه الآخر في بكاء الحسين (عليه السلام) وهو (معدن اللجين في مراثي الحسين)، وقد حدد الغبريني قيمته بقوله: «ولو لم يكن له من التآليف إلاّ هذا الكتاب لكفاه في ارتفاع درجته وعلو منصبه وسمو رتبته»، وألف أبو عبدالله التجيبي كتاباً بعنوان (مناقب السبطين) كان من جملة ما يُدرسه لطلبته في الأندلس، وممّن رواه عنه تلميذه ابن الأبار. كما تفرّغ عدد من الشعراء والأدباء لهذا الموضوع الطريف في البيئة الأندلسية على اختلاف العصور والتزموا به دون سواه، واستمرّ ذلك إلى العصور المتأخرة إبداعاً وتأليفاً، مع تفاوت في ازدهار هذه الأدبيات بين عصر وآخر، لأسباب عامة وخاصة، محلية نابعة من البيئة المغربية الأندلسية، أو طارئة وافدة من المشرق، ومرتبطة حيناً بالمذهبية الشيعية وما تقوم عليه من أيديولوجية ومتصلة حيناً آخر بظاهرة التعلق بالنبي (صلّى الله عليه وآله)، وبآل البيت الأطهار، وتطول القائمة لو حاولنا استعراض أسماء الشعراء والكتّاب الذين أسهموا في هذا الموضوع المؤثّر، وعناوين المصنّفات العديدة في هذا المجال…
وبالنظر إلى طرافة الموضوع وحيويته، وغنى ما وصلنا من نصوصه الشعرية والنثرية، وأهمية المؤلفات فيه، وتقديراً لما تحمله هذه الأدبيات من عمق في العواطف، وتنوّع في الأساليب، وغنى في الظواهر، وصدق في الأداء الفني، وبراعة في تشكيل الصور الفنية المؤثرة التي تساعد على تحقيق التجاوب الوجداني بين تلك النصوص والمتلقي المعاصر إلى اليوم.
غير أنّ ما سبق ذكره لا يعني اطراد هذه الأدبيات على وتيرة واحدة، فهي قد ظلّت مستمرة حاضرة لدى الأدباء، ولكن بعض البيئات والعصور كانت تعرف اهتماماً زائداً ونشاطاً ملحوظاً، بسبب ظهور بعض الأسباب والحوافز الذاتية حيناً. والموضوعية حيناً آخر، كقوة الرغبة الذاتية في التشيع، وشدّة الحنين إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وإلى آل بيته، وترجمة تلك الأحاسيس إلى رسائل شوق وتعلّق، أو مراثٍ وبكاء، لا فرق في ذلك بين علماء السنة وحفاظها وغيرهم، ويبدو أنّ التجارب الشخصية في حياة هؤلاء، وما تعرّضوا له من نكبات كانت في الغالب وراء هذه الميول الدفينة، وحافزاً من حوافز إنتاجهم الشعري والنثري والتأليفي في هذا الموضوع. كما أنّ ظهور بعض الدول ذات الميول الشيعية، أو المرتبطة بصلة من النسب بآل البيت النبوي الشريف كان وراء ازدهار هذه الأدبيات، والإكثار من القول في هذا الموضوع الذي تعلوه في الغالب مسحة من الحزن المؤثر.
ويبدو من خال تتبع المصادر الغميسة وما تضمنته من إشارات في هذا المجال أنّ النزعة الذاتية لم تكن وحدها وراء ازدهار أدبيات التشيع في المغرب والأندلس، إلى الدرجة التي تجعل منها موضوعاً قائماً بذاته، لافتاً للنظر، مطرداً في مختلف العصور وبيئات الغرب الإسلامي، بل كانت هناك دوافع أخرى في الغالب، وفي مقدمتها التوجهات السياسية وما تستند إليه من خلفية مرجعية مهما كانت درجتها من القوة أو الضعف، وذلك منذ عهد الأدارسة الذين أسّسوا أوّل دولة إسلامية مستقلة فيما يعرف اليوم بالمغرب الأقصى، وحققوا له الوحدة والاستقرار منذ ذلك العهد، على أساس مبدأ (البيعة) لسليل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما لهذا المبدأ الشرعي من دلالات مرتبطة بالعقيدة ونظرية الخلافة في الإسلام، وفي هذا السياق تدخل في الغالب ثورة حسين بن قنون «كنون» الحسني في القرن الرابع الهجري، بما كان وراءها من أسباب، وما ترتب عليها من نتائج وانعكاسات سلبية وإيجابية في الوقت ذاته، في المغرب والأندلس، وكذلك ما سبقها وما لحقها من حركات التفت بثياب التشيع أحياناً. وفي هذا السياق أيضاً يدخل اهتمام الخليفة الأموي الأندلسي الحكم المستنصر بالتأليف في الشيعة بصفة خاصة، وبالطالبيين والعلويين القادمين من المشرق بصفة عامة، وإن كان ذلك يبدو في الظاهر جزءاً من شغفه بالكتب وحرصه على إناء خزانته بالنفائس منها، وقد كان شغوفاً بالقراءة والتعليق على ما يقرأ، مشجعاً للمؤلفين والنقاد من أجل وضع المصنفات في مختلف العلوم والمعارف، وله ألف ابن الشبانسية كتاب (التاج السني في نسب آل علي) وبرسم خزانته الحكمية حبّره. والغالب أنّه غُني فيه بجمع كثير من الأخبار عن الشيعة في المغرب والأندلس، وهي مادة تساعد بدون شك على تحقيق التوازنات السياسية والاجتماعية في عالم ذلك الوقت، في إطار الصراع الأيديولوجي السائد، بما له من صلات قوية بالتجارة والاقتصاد وما يقومان عليه من موارد ومواد، وما تحتاج إليه حركة الملاحة والتجارة من جهة، والهيمنة السياسية من تحكم في المواقع الاستراتيجية على ضفتي البحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى.
ولقد مثلت (مأساة الحسين) أهمية كبيرة في ضمير الأمة الإسلامية، ولعل أهم من فصل القول فيها من المعاصرين هو الدكتور عبدالسلام الهراس في مقالاته المتتابعة التي نشر مجموعةً منها بمجلة «المناهل» التي تصدرها وزارة الشؤون الثقافية في المغرب، وقد بلغ الأمر بابن حزم الأندلسي ذي الميول الاموية القوية أن سجّل في بعض مصنفاته بكلّ صراحة أن مقتل الحسين (عليه السلام) يُعدّ من أكبر مصائب الإسلام الأربع إلى عهده.
وهكذا فإنّ الغرب الإسلامي عامّة، والأندلس خاصّة، من أهم البيئات غير الشيعية أصلاً التي تعلّقت بحب آل البيت إلى درجة كبيرة أثارت عجب عدد من أبناء هذه الأمصار أنفسهم.
حركة تشيع في قرطبة
في عمق بلاد الأندلس ظهرت حركة فاطمية كبرى تدعو للثورة على الحكم المستنصر، وتزعّمها داعً فاطمي من بين سكان قرطبة للخلافة الفاطمية، هو أبو الخير الداعي الذي وصفه أعداؤه بأبي الشر، وشهدوا عليه بما ادعوا أنّه كان يذيعه من آراء غريبة حول الرسول (صلّى الله عليه وآله) والصحابة والخلفاء الأمويين.
وحركة أبي الخير كانت أخطر الحركات التي واجهها نظام بني أمية في الأندلس، بعد وفاة عبدالرحمن الناصر وقبل انتقال المعز لدين الله إلى مصر.
وخطورة هذه الحركة تظهر في كونها لم تقتصر على قرطبة والزهراء، وإنّما كان لها تأييد في سائر كور الأندلس «وليس في الأندلس بلد، إلاّ هو يغلي بالشهادات عليه بما أذاع فيهم من هذا الإلحاد»([146]).
ولم يكن أبو الخير وحده في الدعوة للفاطميين بل كان له أعوان ومؤيدون في جهات من بلاد الأندلس أيضاً «وقد بلغني أنّ جماعة على مذهبه، أمرت الحكام بالتشدد عليهم وإخافتهم»([147]).
وكان أبو الخير صريحاً، وجريئاً في الدعوة لمذهب الغلو، وللثورة ضد الحكم المستنصر لإسقاط نظامه بالقوّة «ما كان أملي من الدنيا إلاّ خمسة آلاف فارس، أدخل بهم الزهراء وأقتل من بها، وأقوم بدعوة أبي تميم وكذلك يكون»([148]).
وكان يذيع بأنّ قتال بني أمية والفقهاء المالكية أضل من قتال الأعداء والمشركين([149])، ويعترف صراحة «بأنّ جراية الشيعية عليه وعلى أصحابه جارية»([150]) وبأنّه لو استطاع حرب بني أمية، وقتل أنصارهم وسبي نسائهم وذراريهم، لمّا تأخّر لحظة واحدة «لو كانت تسعة أسياف لكان سيفي العاشر ثمّ أضعف سيفي في باب القنطرة فلا نبقي أحداً»([151]).
وقد لوحظ عليه تعاطفه مع أحداث الفاطميين في بلاد المغرب، فقد اعتبر توفيق جوهر في حملته نصراً، هو مقدمة لفتح بلاد الأندلس([152])، وأنكر على أحد المهاجرين من القيروان خروجه عن بلده، بدعوى أنّ الفاطميين «هم أهل الحق والسنة، ولا ينجي منهم الفرار». كما كان يهتم بحال العلويين في المشرق أيضاً وقد سأل بعض القادمين منه عن حال العثمانية والبكرية والعلوية، ولما أجابه بغلبة النزعة العلوية، ردّ عليه بقوله «هذا الحق كأنّك ترى الألوية خارجة من داري»([153]).
وقد نقلت عن أبي الخير كثير من الآراء المتطرفة حول القرآن، والسنة والخلفاء الراشدين، وعائشة، كما أشاعوا عنه التهتك، والانحلال الخلقي، وترك الفرائض، وإنكار الحساب والعقاب، واعتبار الملائكة بنات الله، والمساجد دوراً للبقر، ثمّ سخريته ممّن يصلون أو يحجون لأنّهم «يتعبون أبدانهم، ويقصدون حجارة صماء» ونقل عنه أيضاً أنّه تمنّى أن يقلع الحجر الأسود من مكانه مثلما فعل غلاة القرامطة من قبل([154]).
ومن الطبيعي القول بأنّ هذا كلّه افتراء أريد به تشويه دعوته، وعندما استفاضت حركة أبي الخير، وشهد عليه أربعة وأربعون شاهداً ينتمون إلى طبات مختلفة في المجتمع الأندلسي([155]) عند صاحب الشرطة وهو قاسم بن محمد، استشار الأخير، الفقهاء منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة وأحمد بن مطرف صاحب صلاة الجماعة وإسحاق بن إبراهيم في أمره، فأفتوا بوجوب قتله دون إعذار، بعد استطلاع رأي الحكم المستنصر، وكان هذا رأي صاحب الشرطة أيضاً، على خلاف من أفتى بالأعذار إليه أوّلاً قبل قتله.
وقد أقرّ الحكم المستنصر الرأي الأوّل، وكتب إلى وزيره عيسى بن فطيس باستحسان رأي الفقهاء، منذر ابن سعيد ورفقائه، وجاء في سجله قوله «ورأيت هذا الأمر «التشيع» قد كثر، وكان ممنوعاً مطروحاً، فتقدّم إلى القاضي والحكام بالأخذ على أيدي الناس في هذا فمن خالف مذهب مالك بن أنس بالفتوى أو غيره، وبلغني خبره، أنزلت به من النكال ما يستحق»([156]).
وإثر قتل أبي الخير، ظهرت أصداء استحسان عند الفقهاء، الذين كتبوا ـ على لسان إسحاق بن إبراهيم بتأييد الحم المستنصر وتهنئته على قطع دابر الإلحاد والتطرّف([157]). فردّ عليهم بالشكر وبأنّه أمر بملاحقة جميع من يشتبه في أمره في سائر بلاد الأندلس، أو يفتي بغير مذهب مالك بن أنس، وبادر طلاب العلم إلى نسخ سجل الخليفة ولما تساءلوا عن حقيقة الجدل الذي جرى حول قتله هل يكون بإعذار أو بغيره كان ردّه حاسماً، وقاطعاً لكل ريبة أو اشتباه «لم تجر بيني وبين أصحابي فيما سألتهم عند المذاكرة، أكثر من اجتماعنا على وجوب قتله بغير إعذار»([158]). وأوضح لهم، أنّه يكفي لقتل هذا الملحظ تخذيله للسكان وتحريضه على الثورة والطعن على الخليفة وجنوحه لاستعمال القوّة ضد رعيته لقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم. وقد بلغت جرأته، أن نصح قوماً في نسائهم بأن «يطلقن الجمم، ويتخذن الضفائر، ويستعددن بها، فإنّه عن قريب يمتحن بالسبي من الشيعة، وأنّه مقدمتهم إليهن»([159]).
ويبدو أنّ حركة أبي الخير، لم تكن الوحيد، في شب جزيرة الأندلس غير أنّ انتقال الفاطميين إلى مصر هو الذي أضعف أنصارهم في كلّ الجهات المغربية وجعل حركاتهم ضعيفة، وأصداءها خافتة.
وثيقة اتهام أبي الخير
وفيها تتجلّى حقيقة الأحكام التي كانت تجري على من يخالف القوم في مذاهبهم، وما يدبرون له من تلفيقات، وما يزورونه من شهادات، وما يدعون عليه ممّا لا يتفق مع عقل ومنطق.
روى أبو الأصبغ عيسى بن سهل بن عبدالله الأسدي([160]) (ت 486هـ/1093م) في «الإعلام بنوازر الأحكام» قصة الشهادة على أبي الخير التي أدّت إلى قتله وصلبه على النحو الآتي:
«شهد عنه قاسم بن محمد صاحب أحكام الشرطة بقرطبة، وقاضي كورة استحله وقبره محمد بن عبدالله التجيني أنّه سمع أبا الخير يسبّ أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر، وعمر، وغيرهما وسمعه أيضاً يقول: إنّ علياً بن أبي طالب (عليه السلام) كان أحق بالنبوة من محمد النبي (صلّى الله عليه وآله) ويرى الخروج على الأئمة (رضي الله عنهم) وسمعه أيضاً يقول: إنّ الخمر حلال، وإنّه أتاه إلى السوق فقال له محمد بن عبدالله: إنّ السلطان ظلّ الله في الأرض، يأوي إليه كلّ مظلوم وقال أبو الخير: ما كان أملي من الدنيا إلاّ خمسة آلاف فارس أدخل بهم الزهراء وأقتل من بها وأقوم بدعوة أبي تميم، وكذلك يكون، فقال له محمد بن عبدالله: ليس أنت من الإسلام في شيء، لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول: من أظهر علينا السلاح، فليس منّا ودفعه عن نفسه».
وشهد محمد بن أيوب بن سليمان بن ربيع أنّه سمع أبا الخير يقول: الناس كالعشب رطب ويابس، ثمّ لا حساب عليهم ولا عقاب، فقال له محمد بن أيوب: فأين قول الله عزّ وجل؟ {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}، وقوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}، فقال له أبو الخير: بعض القرآن خرافة، وبعضه لا شيء وإنّما السيف يضطر الناس إلى الإقرار بهذا، وسمعه يطعن على أبي بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم)، ويطعن في خلافة أمير المؤمنين الحكم أعزّه الله ويقول: لو كان تسعة أسياف لكنت العاشر وعدد عليه شرب الخمر فقال له أبو الخير: هو أحلّ من الماء للشرب والطهور.
وشهد حسان بن محمل أنّه سمع أبا الخير يقول: الخمر حلال في كتاب الله عزّ وجل، ويحتج بقوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} فمن قال غير هذا فهو كاذب، ويعرفه تاركاً للصلوات الخمس في المساجد، وتاركاً لحضور الجمعة، وشارباً لخمر محللاً لها وسمعه أيضاً يقول في الملائكة إنّهم بنات الله.
وشهد علي بن عبدالله الحجري أنّه سأل أبا الخير عن عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) فقال دعها فعليها لعنة الله، لقد كانت من شدّة احتراقها، وأفصح أقبح من هذا القول فيها وفي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حتّى يصلي الصبح في الضحى، واجتمع به في مقبرة معه فقال له شهدت علي قال نعم فقال له أبو الخير مستهيناً بشهادته وشهادة من شهد عليه: اسمع ما أشهدك به على نفسي أنّي أزني وألوط، وأشرب وأسمع العود ثمّ قال له وقفني على هذه متى أحببت فإنّي أخذت بهذا عن نفسي كما أخبرتك.
وشهد أحمد بن سعيد بن بشر الأموي أنّه يعرف أبا الخير هذا من أهل الطعن على السنن وأهلها كادساً فيها، لا يرى إمامة أحد من أئمة المسلمين هازلاً بكتاب الله عزّ وجل طاعناً فيه.
وشهد سليمان بن منبّه أنّه يعرف أبا الخير من أهل المعروق والتهتر في الدين وسمعه يقول: لله در قرش عفر هذه الوجوه المنتنة بالتراب، وسمعه أيضاً يمدح الخمر ويقول: «لقد ظلم محمد في تحريمها ولقد أحلّ أشياء كانت الخمر خيراً منها».
وسمعه محمد بن عمر بن محمد بن عذرة في انصرافه من تشييع خال له خرج إلى الحج ولقيه ببلاط مغيث وسأله من أين إقباله فأعلمه فقال أبو الخير: ما أحمق الذين يتعبون أبدانهم ويخرقون ثيابهم ويقصدون حجارة صماء!!.
وشهد مسعود بن عمر بن خيار الأنصاري أنّه سمع أبا الخير والناس يصلّون وهو يقول: القوم يرفعون أستاههم ويخفضون رؤوسهم.. وسمعه يتأوّل حديث النبي في السواك يقول: في هذا الحديث معنيان أحدهما ظاهر والآخر باطن، فأمّا الظاهر فهو سواك الفم والثاني فيما أستر الله يعني الفاحشة.
وشهد محمد بن يحيى الحضرمي أنّه سمع أبا الخير يقول في النبي (صلّى الله عليه وآله) إنّ علياً (عليه السلام) كان أحق بالنبوة منه وإنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) غصبه إياها وإنّ محاربة بني أمية أحق من محاربة الشرك.
وشهد عبدالله بن بشر القشيري، أنّه سمع أبا الخير هذا وهو يتكلم مع نصراني في لحم الخنزير ويسأل النصراني أن يأتيه به فقال وكيف تأكله؟ فقال له أبو الخير: لست على دين محمد ولا أعتقده وسمعه سمى الجامع دار البقر ويحل الخمر.
وشهد أصبغ بن عيسى العيني أنّه سمع أبا الخير هذا يقول: لو استطعت أن أقلع الكعبة وأترك المسلمين بلا قبلة لفعلت.
وشهد محمد بن أحمد بن الحداد القروي أنّه يعرف أبا الخير هذا مستهزئاً بديانة الإسلام، يزري على سلف هذه الأمة وخلفهم ويقول ليس في جملة الصحابة إلاّ ستة: علياً (عليه السلام) وعماراً، والمقداد، وأنسيت الثلاثة وغيرهم على ضلال، وأنّهم ارتدّوا وعادوا كفاراً، وجميع من تبعهم من جملة المسلمين هم معهم على ضلال وباطل ورأيت له كتاباً جاوز فيه حدود الإسلام إلى معاني التعطيل، وذاكرته ما بلغني عنه من ذلك، وأشباهه فأقر بجميعه، ثمّ أظهر بعد ذلك النسك في أطمار صوف يطلب الصدقة، ولم يمض به عام أو نحوه حتّى اتّصل بي عنه شرب الخمرة، والبهتان العظيم، والنفاق وأفعال الفساق فاجتمعت به في طريق فقلت له يا أبا الخير، ما هذا الذي أنت فيه وبلغني عنك؟ أين التوبة؟ وما كنت تظهر من الزهد والتوبة فقال: إنّما تبت تقية وخوفاً، ولو أمنت لناظرت على أكثر مما كنت قلت ولأتممت الحجة في ذلك فقلت له ليست هذه دانة، ولا فعل من يؤمن ببعث ولا حساب، فقال لي هذه الأخبار الباردة، وهذا المجال أخرجك من بلدك فقلت له أخرجني الهروب، من الكفر وطلب السنن من أهل السنة فقال لي: الذين خرجت عنهم كانوا أهل الحق والسنة، لا الذين أنت معهم لأنّ أولئك أهل السبت، ولا ينجيك الفرار منهم.
وشهد عبد الرمن بن سعيد الأنصاري أنّه سمع أبا الخير يسب أبا بكر وعمر وأصحابهما وعائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) ويرميها بالبهتان، ولمّا قدم عبدالرحمن بن سعيد هذا من المشرق سأله أبو الخير من أكثر بالمشرق، العلوية، أو العثمانية، أو البكرية، فقال له لقد ظهر الآن العلويون فقال له أبو الخير: هذا الحق، كانّك ترى الألوية خارجة من داري.
وشهد أبو حفص الرعيني أنّه سمع أبا الخير يقول لو كانت تسعة أسياف لكان سيفي العاشر ثمّ أضع سيفي من باب القنطرة فلا نبقي أحداً.
وشهد يوسف بن سليمان بن داود الأموي أنّه يعرف أبا الخير هذا وضع كتاباً رد فيه على أهل السنة، يلعنها في كتابه وأقرّ عنده بالكتاب.
وشهد أصبغ بن عبدالعزيز أنّه اجتمع بأبي الخير هذا في سبتة فسمعه يقول بإنكار الشفاعة وتخليد المذنبين من الموحدين في النار.
وشهد عبدالله بن حرب الله السكسكي أنّه يعرف أبا لخير هذا بشنتمرين، وسمع رجلاً استفتاه في جارية عنده رهينة إن كان يحل له وطؤها. فقال وطؤها حلال فكذبته.
وشهد معاوية بن مسلمة السبائي أنّه سمع أبا الخير هذا يقول بمذاهب المشارقة عليهم لعنة الله وغضبه ويذهب مذهبهم وأنّ الملحد الشيعي أمير المؤمنين وفخر عليه أنّ جراية الشيعي عليه وعلى أصحابه جارية.
وشهد رشيد بن بخت أنّه سمع أبا الخير هذا في بعض المجالس وقد دارت بينهما مناظرة فقال له أبو الخير أين تلتزم في السوق، وما هو متجرك، فذكر له رشيد موضعه ومتجره فقال له أبو الخير: للسلطان إليكم سبيل فقال له رشيد: بلى فقال له أبو الخير: أنت ممّن يقرأ القرآن فقال له بلى فقال له: ألم تسمع الله تعالى يقول: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113]، فرضيت بأن تكون من أهل النار؟ فردّ عليه رشيد في ذلك بما استطاع من الرد فقال له أبو الخير: ليس هو من الأئمة الذين تحق إمامتهم ولا معاملتهم ولو استطعت محاربتهم لجاهرتهم وكان جهادهم عندي أفضل من جهاد العدو وكذلك فقهاء هذا الزمان بهذه الصفة عندي.
وشهد بدر مولى أحمد بن خيار أنّه سمع أبا الخير إذا خرج من الطبق، يقول ود سمع صياح صبيان، ما كنت أشتهي إلاّ أن أخرج بسيفي هذا ـ السيف كان معه ـ فأقتلهم صغارهم وكبارهم إلى باب القنطرة وترجع بدر على ما كان من جوهر من أهل فاس، فقال أبو الخير أما تقرأ القرآن: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}[النصر: 1]، فهذا نصر الله قد جاء إلى المغرب، والفتح يأتي بعده.
وشهد عبدالله بن عمران أنّه سمع أبا الخير يحل الخمر، وقال لقاسم بن محمد، صاحب الشرطة، إسحاق بن منذر بن السليم «تثبت من آثار أبي الخير هذا فإنّه أبو الشر، فاتق الله فيه وأنا شريكك في ترابه، وإن شئت أن تفردني بالثواب فافعل، فإنّي أتولى صلبه بيدي وإثمه في عنقي». وكانت شهادة جميع الشهود المسمين في هذا الكتاب على عين أبي الخير وبمحضره، وعرفوه حين شهدوا عليه بما ذكر عنهم من شهادتهم في هذا الكتاب، فقبل صاحب الشرطة شهادة ثمانية عشر شاهداً من هؤلاء وأجازها لمعرفته بهم… فقال الفقهاء قاضي الجماعة منذر بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم وصاحب صلاة الجماعة أحمد بن مطرف وغيرهم، نرى والله الموفق للصواب أنّه ملحد كافر قد وجب قتله بدون ما ثبت إيه، من أن يعذر إليه فيمن قبلت شهادته بعد أن ننهي ذلك إلى أمير المؤمنين أعزّه الله، وأشار عليه بعض من حضر من أهل العلم بأن يعذر إليه في ذلك فأخذ الناظر في أمره «قاسم بن محمد» يقول: من رأى أن يقتل بغير إعذار إليه، إذ كان ذلك رأيه أيضاً ومذهبه منه وأنهى قاسم بن محمد إلى أمير المؤمنين «الحكم المستنصر» أعزّه الله جميع ما نظر به من ذلك فرأى أمير المؤمنين أصلحه الله: أنّ الحق والصواب في قول من أشار بقتله بلا إعذار لما استفاض من إلحاد هذا الملحد، وانتشار ذلك عنه، فأمضى ذلك فيه، وأمر بصلبه غضباً لله عز وجل ولكتابه العزيز ولرسوله (صلّى الله عليه وآله) ليكون تشدياداً لمن ذهب إلى مذاهبه أو ثبت عليه سبب من أسبابه التي تثبت على أبي الشر هذا لعنه الله، وكتب أمير المؤمنين أعزّه الله إلى الوزير (عيسى بن فطيس) كتاباً:
بسم الله الرحمن الرحيم يؤخذ برأي القاضي وإسحاق، وصاحب الصلاة، فجازاهم الله عن الدين والذب عن السنة خيراً. وقد صرفت الوثيقة لتكون في البيت ورأيت هذا الأمر قد كثر وكان ممنوعاً مطروحاً فتقدم إلى القاضي والحكام بالأخذ على أيدي الناس في هذا فمن خالف مذهب مالك بن أنس رحمه الله بالفتوى أو غيرها، وبلغني خبره أنزلت به من النكار ما يستحق، وجعلته سداداً، وقد اختبرت فيما رأيت في الكتب أنّ مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب ولم أر في أصحابه ولا فيمن تقلد مذهبه غير السنة والجماع فليتمسك ولا فيمن تقلد مذهبه غير السنة والجماعة فليتمسك بهذا ففيه النجاة. ولما نفذ عهد أمير المؤمنين بصلب أبي الشر هذا، ظهر من سرور العامة والخاصة بذلك ما لم يظهر فيهم إلاّ يوم أصبحوا إلى ىخلافته أعلاها الله([161]).
التشيع في إشبيلية
يقول حسن الأمين:
ومما يذكر عن التشيع في الأندلس ما قرأته في العدد الرابع والخاسم المزدوج للسنة الثانية الصادر في يناير ـ غشت 1965 من مجلة (البحث العلمي) التي يصدرها المركز الجامعي للبحث العلمي في الرباط (المغرب) في الصفحة 97 من بحث طويل في القسم الثاني منه بعنوان (كتاب ذكر مشاهير أعيان فاس في القديم) لمؤلف مجهول حققه وعلق عليه عبدالقادر زمامة.
قرأت في هذا البحث ما ذكره عن بيت بني أبي مدين إلى وصل إلى ذكر (ابن العربي) فقال:
وابن العربي المذكور هو الشيخ الإمام الفقيه العلاّمة المدرس أبو بكر محمد بن العربي المعافري الإشبيلي. والمعافر قبيلة من العرب وهم من شيعة بني أمية، ولما كانوا بالشام كانوا يظاهرون بني أمية ويقاتلون عليهم بني العباس، فلمّا غلب بنو العباس على بني أمية فرّوا منهم إلى الأندلس إذ لا ملجأ منهم إلا فيها. أمّا المعافر فكان منهم أبو بكر المذكور استخدمه من كان من الموحدين بالأندلس فولّوه قضاء إشبيلية عن كره من أهلها.
إلى أن يقول:
ثمّ إنّ بعض الطلبة وقف على كلامه في كتابه (العواصم من القواصم) في جانب أمير المؤمنين مولانا الحسين السبط (عليه السلام) ابن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو أنّ أمر يزيد لعنه الله بقتله إنّما قتله بسيف جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ثمّ إنّ الفقيه المذكور نادى بالعوام وقرأ عليهم كلام ابن العربي الذي في الكتاب المذكور، وقال لهم: ظاهر كلامه أنّه استباح قتل الحسين (عليه السلام) وأحلّ دمه، فثار العامة بإشبيلية وقالوا يجب علينا تأديب هذا المبتدع وقصدوه وهو في داره، لمّأ بلغه الخبر هرب فوراً وركب البحر إلى المغرب، وسار إلى مراكش واشتكى إلى أميرها، فوجد الخبر قد وصله فأمره بالمسير إلى مدينة فاس فسار إليها ليستوطنها فمرض في الطريق بالحقد على أهل إشبيلية لما وصله خبر ما فعلوه بداره وتوفي في مرضه ذلك في اليوم الذي كان فيه على فاس.
وأما أهل إشبيلية فلمّا بلغوا إلى داره ووجدوه قد فرّ منها، الوا نهدم هذه الدار ونحرق هذه الكتب لأنّها كلّها كتب فاسدة مثل هذا لئلا يضل المسلمون بها فهدموا داره وأحرقوا كتبه ثمّ يتمم المؤلف كلامه قائلاً:
ولما وقف أبو عنان على كلامه في الكتاب المذكور أراد تحريق قبره، وكان إذ ذاك ـ حينئذٍ ـ حاضراً ابن الخطيب السلماني، وقد وجهه رسولاً صاحب الأندلس ابن نصر إلى أبي عنان المريني المذكور، فكلمه فيه، وقال له لا تفعل فإنّه قد قضى إلى ما قدّمت يده، فتركه حينئذٍ ولم يحرق قبره. وزعم بعضهم أنّ ما أصاب ابن الخطيب من الحرق جزاء على منع أبي عنان من ذلك…
وكانت وفاة ابن العربي سنة ثلاثين وخمسمائة.
من رجال الشيعة في الأندلس
مما يدل على رسوخ التشيع في الأندلس وامتداده حتى اواخر العهود الأندلسية، وجود رجل من كبار رجالات الأندلس وأشهرهم، كان عالي التشيع إلى أبعد حد، هو: محمد بن عبدالله القضاعي المعروف بابن الأبار الأندلسي.
وهو مؤلف كتاب (درر السمط في خبر السبط). وهو كتاب في سيرة الحسين (عليه السلام). وقد نقل صاحب كتاب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) فصولاً من درر السمط، ثم قال: «ولم أورد منه غير ما ذكرته لأنّ في الباقي ما تشم منه رائحة التشيع!…».
وقد علق في (أعيان الشيعة) على هذا القول بقوله:
«ولا يخفى أنّ رائحة التشيع العطرية ونفحاته المسكية مشمومة مما أورده أيضاً لظهوره في إخلاصه في حب أهل البيت الطاهر واعترافه بفضلهم الباهر الذي قلما يطيق كثير من الالسن ذكره أو تستطيع نشره. ولا شك أنّ ما تركه تحرجاً وتأثماً حتى كأنّه من الموبقات رائحة التشيع منه فائحة…».
وعن ابن الأبار هذا تحدث المؤرخ المصري محمد عبدالله عنان حديثاً نأخذه هنا لأهمية ابن الأبار في تاريخ التشيع وتاريخ الأندلس على السواء:
قال محمد عبدالله عنان:
يعتبر من أعظم شخصيات التاريخ الأندلسي، في تلك المرحلة القاتمة من مراحله، مرحلة التفكك والانهيار والسقوط.
ونحن لان قصد في هذا المقال، أن نقدّم ترجمة كاملة لحياة ابن الأبار، ولا أن نتحدّث عنه كفقيه راسخ، أو كاتب بلغ ذروة البيان، أو شاعر مبدع مبك، مؤرخ محقق، ما زالت آثاره وتراجمه، أهم وأوثق مصادرنا عن حوادث عصره، ورجالات عصره، ولكنّا نريد فقط أن نقدم بعض صفحات عن حياته السياسية والدبلوماسية، التي اقترنت بأهم حوادث عصره، والتي جعلت منه شخصية تاريخية بارزة، تفوق في أهميتها، وفي الأدوار التي قامت بها، شخصيات أمراء هذا العصر وسادته.
ويكفي أن نقول في نشأة ابن الأبار، إنّه ولد بثغر بلنسية، أعظم وأجمل حواضر شرقي الأندلس، في سنة (595هـ/1199م)، في بيت علم ونبل. وأصلهم من أندة الواقعة على مقربة من غربي بلنسية، والتي انتسب إليها كثير من أكبار العلماء. ودرس ابن الأبار الحديث والفقه، على أقطار عصره، وفي مدمتهم أبوه عبدالله، وبرع في اللغة والأدب، وشغف بالأخبار والسير، ثمّ رحل في مطلع شبابه إلى غربي الأندلس فزار قرطبة، ثمّ إشبيلية، وهو يأخذ أينما حل عن أساتذة العصر، ولما توفي أبوه سنة 610هـ، كان هو ما يزال بغربي الأندلس، في مدينة بطيوس، عاكفاً على دراساته، فعاد عنذئذٍ إلى بلنسية، موطنه، ومثوى أسرته.
ويكفي أن نقول في نشأة ابن الأبار، إنّه ولد بثغر بلنسية، أعظم وأجمل حواضر شرقي الأندلس، في سنة (595هـ/1199م)، في بيت علم ونبل. وأصلهم من أندة الواقعة على مقربة من غربي بلنسية، والتي انتسب إليها كثير من أكابر العلماء. ودرس ابن الأبار الحديث والفقه، على أقطاب عصره، وفي مقدمتهم أبوه عبدالله، وبرع في اللغة والأدب، وشغف بالأخبار والسير، ثمّ رحل في مطلع شبابه إلى غربي الأندلس فزار قرطبة، ثمّ إشبيلية، وهو يأخذ أينما حلّ عن أساتذة العصر، ولما توفي أبوه سنة 619هـ، كان هو ما يزال بغربي الأندلس، في مدينة بطيوس، عاكفاً على دراساته، فعاد عندئذٍ إلى بلنسية، موطنه، ومثوى أسرته.
وكانت الحوادث في شرقي الأندلس، قد أخذت في هذا الوقت بالذات تؤذن بتطورات خطيرة. ونحن نعرف أنّ الأندلس كانت ما تزال حتّى ذلك الوقت ولاية مغربية تحت حكم الخلافة الموحدية، ولكن الدولة الموحدية، كانت قد بدأت قبل ذلك بقليل، منذ موقعة العقاب المشؤومة (سنة 609هـ ـ 1212م)، التي سحقت فيها الجيوش الموحدية، على يد الجيوش الإسبانية المتحدة، تدخل في دور انحلالها، وبدأ سلطانها بالأندلس، يهتز تحت ضربات الحركات القومية المحلية، وكان شرقي الأندلس بالأخص مسرحاً لموجة جديدة من الصراع بين القوى الوطنية والسيادة الموحدية.
وكان والي بلنسية يومئذٍ هو السيد أبا عبدالله بن يوسف بن عبد المؤمن.
ولدينا ما يدل على أنّ ابن الأنبار، عقب عودته من منطقة الغرب، قد تولى منصب الكتابة لهذا السيد. ولكن السيد أبا عبدالله توفي بعد ذلك بقليل في سنة 620هـ، وقام ولاية بلنسية مكانه ولده السيد أبو زيد عبدالرحمن، فاستمرّ ابن الأبار في منصبه كاتباً للوالي الجديد، وزادت حظوته ومكانته، ولم يلبث أن غدا موضع ثقة السيد وتقديره.
وكان سلطان الموحدين، في هذه المنطقة من الأندلس، منطقة الشرق، أضعف منه في أيّة منطقة أخرى، أوّلاً لنأيها وبُعدها عن مركز الحكومة العامة بإشبيلية، وثانياً لأنّ منطقة الشرق، كانت منذ أيام زعيم الشرق محمد بن سعد بن مردنيش، قبل ذلك بنحو سبعين عاماً، مركزاً لأعنف ثورة وطنية أندلسية، اضطرمت ضد الموحدين. ومن ثمّ، فإنّه لمّا انهارت قوى الموحدين العسكرية بالأندلس على أثر موقعة العقاب، عادت بوادر الثورة والاضطراب من جديد تعمل في منطقة الشرق. وكانت مرسية، وهي حاضرة الشرق الجنوبية أوّل مسرح لانفجار الثورة الوطنية، فقام بها محمد بن يوسف بن هود، واستطاع أن ينتزع السلطة من حاكمها الموحدي السيد أبي العباس (سنة 625هـ).
شعر السيد أبو زيد والي بلنسية بخطورة هذه الحركة، فسار في قواته لمقالة ابن هود، ولكن ابن هود هزمه، فارتد مفلولاً إلى بلنسية وهو يستشعر سوء المصير.
ذلك أنّه لم تمض على ذلك أشهر قلائل، حتّى ظهر صدى الحوادث في بلنسية ذاتها، واضطرم أهل بلنسية بالثورة ضد الموحدين، واتجهوا إلى الانضواء تحت زعامة الرئيس أبي جميل زيان بن مدافع بن مردنيش وزير السيد وكبير بطانته. وكان الرئيس زيان، وهو سليل آل مردنيش، ومن حملة لواء الثورة الوطنية من قديم ضد الموحدين، هو الزعيم الطبيعي لمثل تلك الحركة. وكان من أثر ذلك أن وقعت الوحشة بين الوالي السيد أبي زيد، وبين وزيره الرئيس زيان، وخشي زيان من نقمة السيد، فارتد مع أهله إلى حصن أندة القرية وامتنع به، وهو يرقب سير الحوادث.
وعندئذٍ اشتد الهياج في بلنسية، وهتف الشعب برئاسة زيان، وخشي السيد أبو زيد بدوره البادرة على نفسه، ولم يجد سبيلاً لمدافعة هذه الثورة الجارفة، فغادر بلنسية في أهله وأمواله، ومعه كاتبه ابن الأبار، والتجأ إلى بعض الحصون القريبة. وكان خروج السيد أبي زيد من لنسية في شهر صفر سنة (626هـ/1229م). وعلى أثر خروجه دخل الرئيس أبو جميل زيان بلنسية ونزل بالقصر ودعا للخليفة العباسي، واستقبله الشعب بأعظم مظاهر الحماسة والترحيب.
ولبث السيد أبو زيد مدى حين بمرّه على مقربة من بلنسية، فلما رأى تطوّر الأمور على هذا النحو، ولما لم يجد سبيلاً إلى استرداد سلطانه، عوّل على أنّ يلتجىء إلى خايمي الأوّل ملك أراغون، وكان يعقد بلاطه يومئذٍ بقلعة أيوب، فسار إليه ومعه كاتبه ابن الأبار.
وهنا تبدأ تلك الصفحات المشجية من حياة ابن الأبار الدبلوماسية. وقد وقفنا في أحد مخطوطات الأسكوريال على هذين البيتين، اللذين أنشدهما ابن الأبار حين مغاردته لبلنسية مع مخدومه السيد أبي زيد، وهما:
الحمدلله لا أهل «ولا ولد
ولا رار ولا صبر» ولا جلد
كان الزمان لنا سلماً إلى أمد
عاد حرباً لنا لما انقضى الأمد
ومنهما يبدو أن ابن الأبار، حين مغادرته لبلنسية، كان وحيداً، لا أهل له ولا ولد، ومن ثمّ كان إقدامه على مشاركة السيد في مغامرته، التي لم يكن يقدّر يومئذٍ مدى خطورتها، وكان ابن الأبار يومئذٍ شاباً في عنفوانه، في الحادية والثلاثين من عمره.
والحقيقة أنّ هذا الأمير الموحدي السيد أبا زيد كان ينوي أن يذهب في ارتمائه في أحضان النصارى، إلى أبعد مدى يمكن تصوّره. وكان خايمي الأوّل ملك أراغون، من جانبه يحاول أن يجتني لقاء معاونة الأمير المسلم، أقصى ما يمكن اجتناؤه من أشلاء الأندلس. وكان بلنسية بالذات هي أعز أمانيه، وتاج أطماعه. ومن ثمّ فقد عقدت بين الأمير الموحدي وملك أراغون، معاهدة صداقة وتحالف تقضي بأن يسلم الأمير الموحدي إليه جزءاً ممّا يفتتحه من الأراضي والحصون الإسلامية،، وأن يحتفظ الملك خايمي كذلك بكلّ ما يقوم بافتتاحه هو من الأراضي والحصون لنفسه، وأن يسلم إليه السيد أبو زيد عدّة حصون وبلاد هامة في منطقة بلنسية رهينة بولائه، وأن يقوم ملك أراغون لقاء ذلك بحماية السيد والدفاع عنه ضد أعدائه.
وليست لدينا تفاصيل عن الدور الذي أداه ابن الأبار، في عقد هذه المعاهدة. ولكن يبدو لنا من تصرّفه اللاحق، أنّه لم يكن راضياً عن هذا التسليم المزري، الذي عمد إليه أبو زيد، في أراضي الوطن الأندلسي وحصونه، تحقيقاً لأطماعه الشخصية. بل يلوح لنا أنّه كان فوق ذلك على علم بما ينتويه السيد من خطوات لاحقة، أبعد مدى وأشد إيلاماً للنفس. ذلك أنّ ابن الأبار ما لبث أن غادر مخدومه السيد أبا زيد، وعاد مسرعاً إلى بلنسية، وهناك التحق بخدمة أمير بلنسية الجديد أبي جميل زيان، وتولّى منصب كتابته، وكان ابن الأبار، قد ظهر في هذا الميدان ببلاغته الأخاذة وبيانه الرائع.
أمّا السيد أبو زيد، فقد ذهب في مغامراته إلى حد اعتناقه، دين النصرانية واتّخذ اسماً نصرانياً هو بشنتى Vicente أو بجنت بالعربية. وأصبح يسمّى في الوثائق النصرانية بثنتى ملك بلنسية وحفيد أمير المؤمنين. وتجمع الرواية الإسلامية على صحة واقعة تنصر هذا السيد الموحدي، وتنحي عليه بأشد ضروب الإنكار واللوم.
ولقد كان ابن الأبار صادق الحس، بعيد النظر، حينما ترك مخدومه الضال لمصيره المحزن، ومن المحقق أنّه نبذ في ذلك كلّ إغراء، وكلّ وعود براقة، ولم يقبل أن يتورط لحظة، فيما يعتبره خيانة لوطنه وأمته ودينه.
كانت هذه التجربة الأليمة أوّل عهد ابن الأبار بالمغامرات الدبلوماسية، بيد أنّ القدر كان يدخره لمهام دبلوماسية أخرى، أشد إيلاماً للنفس، وأبعث إلى الحسرة والأسى.
ذلك أن صرّح الأندلس القديم الشامخ، قد أخذ في تلك الآونة العصيبة يهتز ويتداعى. أجل إنّ قوى الأندلس المفككة، كانت عندئذ تحاول أن تجتمع فيا لشرق تحت زعامة المتوكل ابن هود، وفي الوسط والجنوب تحت زعامة محمد بن الأحمر، ولكن هذه الزعامات المحلية الجديدة، لم تكن لتستطيع، والفتنة تمز أوصال الأندلس، أن تصمد بمواردها المحدودة في وجه إسبانيا النصرانية. وكان خايمي الأوّل ملك أراغون، وفرناندو الثالث ملك قشتالة، يرقب كلّ منهما فرصته، لانتزاع ما يمكن انتزاعه من أشلاء الأندلس الممزقة.
وشاء القدر أن يكون ملك قشتالة هو السباق بانتزاع كبرى قواعد الأندلس التالدة ـ فاستولى على رطبة عاصمة الخلافة القديمة في شوال سنة (633هـ/يونيه 1226م).
وأخذ ملك أراغون من جانبه يمهد للاستيلاء على بالنسية، وذلك بانتزاع حصونها الامانية شيئاً فشيئاً. كلّ ذلك وزيان أمير بلنسية يقاوم الأرغونيين ما استطاع. وأخيراً مزقت قوى البلنسيين في معركة أنيشة الحاسمة على مقربة من بلنسية (سنة 634هـ).
وامتنع زيان بفلوله داخل الثغر العظيم، وعوّل ملك أراغون على أن يأخذ بلنسية بالحصار والمطاولة، فجمع جيشاً مختاراً من فرسان الداوية والاسبتارية والأرغونين والقطلان والمتطوعة الفرنسيين، وسار إلى بلنسية وطوقها بقواتها من البر، وضرب محلته بينها وبين البحر، لكي يقطع سائر علائقها مع الخارج، وبدأ هذا الحصار الشهير في رمضان سنة (635هــ/إبريل 1238م).
في تلك الآونة العصبية، اتجهت أنظار الأمير زيان، بتوجيه وزيره وكاتبه ابن الأبار إلى إخوانه المسلمين في الضفة الأخرى من البحر، إلى مملكة إفريقية (تونس) الفتية القوية أو مملكة بني حفص، وكان عاهلها الأمير أبو زوكريا بن أبي حفص قد استطاع أن يجعل منها في فترة قصيرة قوّة زاخرة بحسب حسابها. وبعث زيان إلى أمير إفريقية سفارة على رأسها وزيره وكاتبه ابن الأبار، يحمل إليه بيعته وبيعة أهل بلنسية، وصرخة بسرعة الغوث والإنجاد قبل أن يفوت الوقت، ويسقط الثغر الأندلسي العظيم في أيدي النصارى.
ولما وصل ابن الأبار إلى تونس، مثل بين يدي سلطانها الأمير أبي زكريا الحفصي، في حفل مشهود، وألقى قصيدته السينية الرائعة، التي اشتهرت في التاريخ، كما اشتهرت في الشعر، يستصرخه فيها لنصرة الأندلس، ونصرة الدين وهذا مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست
فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
وهي طويلة في سبعة وستين بيتاً، وكلّها تحسّر وأنين على ضياع الأندلس، وتمزّق أوصالها، وسقوط قواعدها.
فكان لإنشاد هذه القصيدة المبكية التي ما زالت تحتفظ حتّى يومنا برنينها المحزن، والتي كانت كأنّها نفثة الأندلس الجريحة، أبلغ الأثر في نفس الأمير أبي زكريا، فبادر بتجهيز أسطول، شحنه بالسلاح والأطعمة والكسى والأموال. وأقلعت هذه السفن المنجدة على جناح السرعة من ثغر تونس قاصدة إلى ثغر بلنسية ومعها ابن الأبار ورفاقه.
ولكن هذه السفن المنشودة لم توفق إلى تحقيق هدفها، لأنّها لم تستطع أن تصل إلى مياه الثغر المحصور بأيّة وسيلة، وطاردتها السفن الأرغونية، فاضطرّت أن تفرغ شحنتها في ثغر دانية وأن تعود أدراجها إلى تونس، واستطاع ابن الأبار ورفاقه أن يجوزوا إلى مدينتهم، وتركت بلنسية لقضائها المحتوم.
وهنا شدد الأرغونيون الحصار على المدينة، وبالرغم مما بذله الأمير زيان وقواته من ضروب الإقدام والبسالة، في مدافعة الجيش المحاصر، فقد كان من الواضح أنّه لا مفر من التسليم، إذا أريد أن تنجو المدينة من العبث والتخريب. ومن ثمّ فقد بدأت المفاوضة بين زيان وملك أراغون في شروط التسليم. وانتهى الأمر بالاتفاق على أن تسلم المدينة صلحاً.
وإيك كيف يصف لنا ابن الأبار، وقد كان شاهد عيان، ما تلا ذلك من لقاء بين الأمير زيان والملك خايمي، ومن إبرام شروط التسليم بينهما، وذلك في يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر صفر سنة (636هـ) قال:
«وفي هذا اليوم خرج أبو جمل زيان بن مدافع بن يوسف بن سعد الجذامي من المدينة، وهو يومئذٍ أميرها، في أهل بيته ووجوه الطلبة والجند، وأقبل الطاغية وقد تزيا بأحسن زي في عظماء قومه، من حيث نزل بالرصافة أوّل هذه المنازلة، فتلاقيا بالولجة، واتفقا على أن يتسلم الطاغية البلد سلماً لعشرين يوماً، ينتقل أهله أثناءها بأموالهم وأسبابهم، وحضرت ذلك كله، وتوليت العقد عن أبي جميل في ذلك، وابتدىء بضَعَفَةِ الناس، فسيروا في البحر إلى نواحي دانية، واتصل انتقال سائرهم براً وبحراً، وصبيحة يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر المذكور، كان خروج أبي جميل بأهله من القصر في طائفة يسيرة أقامت معه. وعندئذٍ استولى عليها الروم أحانهم الله».
ودخل خايمي الفاتح وجنده ثغر بلنسية في يوم الجمعة 27 صفر سنة 636هـ، الموافق لليوم التاسع من أكتوبر سنة 1238م، فكانت بلنسية، بعد قرطبة ثانية القواعد الأندلسية العظيمة، التي سقطت في تلك الفترة، في أيدي الإسبان، وقد كان انهيار هذه القواعد الأولى من الصرح الأندلسي الشامخ مقدمة لانهيار معظم القواعد الباقية تباعاً، في فترة قصيرة، لا تتجاوز العشرة أعوام.
هكذا كان الدور المؤلم الذي لعبه ابن الأبار في حوادث سقوط بلنسية. ولقد هزت هذه المحنة مشاعره إلى الأعماق، فلم يطق أن يبقى في الوطن المنكوب. فغادر أميره وغادر الأندلس كلّها وعبر البحر إلى تونس، فوصلها في أواخر سنة 636هـ، وعاش حيناً في كنف أميرها أبي زكريا يتولى له كتابة العلامة، ثمّ أخذ يتردّد حيناً بين تونس وبجاية، يدرس هنا وهنالك. ولما توفي الأمير أبو زكريا في سنة 647هـ، وخلفه ولده المستنصر بالله، التحق ابن الأبار ببطانته العلمية، ولكنّه لم يكن قريراً مطمئناً إلى هذه الحياة، لما كان يتخللها من غضب السلطان، بسبب دسائس خصومه أحياناً، وبسبب تصرفاته الشخصية النزقة أحياناً أخرى.
واستطاع خصوم ابن الأبار في النهاية أن يوقعوا به، ورفعت إلى السلطان بعض أقوال وأبيات نسبت إلى ابن الأبار طعناً في السلطان وتعريضاً به، فأمر السلطان بجلده، ثمّ بقتله، فضرب بالسياط، ثمّ قتل طعناً بالرماح، وأخذت كتبه وأحرقت في موضع قتله. ووقع مصرع ابن الأبار على هذا النحو المؤسف في الحادي والعشرين من شهر المحرم سنة (652هـ/ 8 يناير سنة 1260م) واختتمت بذلك حياة أعظم شخصية في أدب الأندلس في القرن السابع الهجري.
محمد عبدالله عنان
وابن الأبار من كبار رجال الشيعة في الأندلس ـ كما مرّ ـ وهو صاحب كتاب (درر السمط في خبر السبط) وعن هذا الكتاب كتب الدكتور رضوان الداية:
في الآثار الأدبية الأندلسية الباقية كتاب لطيف الحجم، بل هو رسالة صغيرة لابن الأبار القضاي البلنسي الأندلسي سمّاه: «درر السمط في خبر السّبط» ([162]) خصّصه لفصول قصيرة متلاحقة تتابع من وراء أسلوب أدبي ممتع أطرافاً من السّيرة النبوية ممّا يخصّ النبي الكريم (عليه أفضل الصلاة والتسليم)، وزوجه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها) وابنته البتول فاطمة الزهراء وابنيها الحسن والحسين (عليهم السلام).
وانفرد المؤلف بعد فصول بحديث أحد السبطين الكريمين فوقف عند أخبار من أخبار الحسين بن علي (عليه السلام). متابعاً الوقائع إلى ما بعد نكبة كربلاء بما فيها من أحداث جسام.
والكتاب، من حيث تقويمه وتبويبه كتاب نثر أدبي فني، لكنّه يتمركز حول قضية تاريخية. ومن هناك جاء الكتاب متميزاً بمزايا هذين الطرفين: طرف التاريخ من جهة وطرف التعبير الأدبي المؤثّر من جهة أخرى.
ولئن لم يكن الكتاب من حيث موضوعه وفكرته بِدْعاً في الآثار الأندلسية فإنّه متميز من حيث طريقة عرضه، ومستقلّ بأسلوبه وصياغته، وخاصّ من حيث الشحنة العاطفية الغامرة التي غلبت على جوانبه وفصوله.
لم يكن ابن الأبّار أوّل من التفت إلى المديح النبويّ، وتذكار ما أصاب الحسين بن علي (عليه السلام)، فقد سبقه عدد غير قليل من الأدباء والشعراء نذكر منهم الكاتب الفقيه أبا عبدالله محمد بن مسعود بن أبي الخصال ([163]) الغافقي المتوفى سنة 540 وأبا بحر صفوان ابن إدريس التُّجيبي (561ـ598) وغيرهما كثير.
ونذكر هنا أنّ ابن الأبّار روى كتاب (مناقب السِّبطين) لأبي عبدالله محمد التجيبي (540ـ610) وأجيز فيه (من المؤلف) وهو ابن ثلاثة عشر عاماً.
ويتألّف الكتاب على صغر حجمه من مقدّمة، وواحد وأربعين فصْلاً.
والمقدّمة قصيرة مهمتها أن تبدأ الكلام، وأن تسوقه دون إطالة إلى الفصل الأوّل الذي تتلوه الفصول الأخرى، دون مشقة.
وعنوان (الفصل) الذي يحجز فقرة عن أخرى هو في الحقيقة إشعارٌ بانتقال الكاتب عادة من جانب من جوانب الموضوع إلى طرف آخر جديد فكأنّها حلقات متسلسلة متواصلة، تتنامى فيها الأحداث، ويغزر عطاء الأخبار، وعرض الأسماء، وتقويمها، حين تبلغ تلك الأحداث الذروة، ثمّ تكون الخاتمة سريعة، فاصلة، مؤثّرة.
وكانت فصول الكتاب، من خلال عرض الكاتب البليغ قادرة على تصوير الأحداث بعنفها وانفعالها، وبنهايتها الدراميّة المأساوية. وكان تمكّن الكاتب ـ في الغالب ـ من ناحية اللغة هو الوسيلة التنيّة لحسن عرض الفكرة المختصرة من جهة ولتذويب أثر التكلف (من سجع وجناس خاصّة) من جهة أخرى.
وهذه قطعة من المقدّمة، نتعرّف من خلالها على نمط من أسلوب المؤلف، وطريقته في التناول: متنبّهين إلى ما في النص من الاقتباس والتضمين والإشارة إلخ، قال:
«رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، فروع النبوّة والرسالة، وينابيع السماحة والبسالة صوفة آل أبي طالب، وسراة بني لؤي بن غالب الذي حَيّاهم الروح الأمين، وحلاّهم الكتاب المبين. فقلْ في قوم شرعوا الدين القيّم، ومنعوا اليتيم أن يُقهر والأيّم. ما قُدّ من أديم آدم أطيب من أبيهم طينة، ولا أخذت الأرض أجمل من مساعيهم زينة…» إلخ.
وتسترسل الفصول على هذا النمط من العبارة، ويستفيد الكاتب من ثقافته اللغوية والأدبية والتاريخية، ومن الثقافة العامّة أيضاً ليوظف ذلك كلّه في فصوله، فيعطيها رصيداً ضخماً من الإشارات والإحالات، وليمزج النص النثري بألوان شعرية مختلفة. وقد استغل الأبيات الشعرية ذات الأغراض المتعدّدة المتباينة فوجّهها لتزيد النص ـ على ما قصد إليه ـ إثارة وإحكاماً.
قال في الفصل الثاني:
يا لك أنجم هِداية، لا تصلح الشمس لهم عن آية . كفلتهم في حجرها النبوّة: { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 34]. سرعان ما بلى منهم الجديد وغري بهم الحديد. نُسِفت أجبلهم الشامخة، وشُدِخَت غررهم الشارخة؛ فطارت بطررهم الأرواح، وراحت عن جسوسهم الأرواح؛ بعد أن فعلوا الأفاعيل، وعيل صَبْرُ أَقْتالهم وصبرُهم ما عِيل!
يودّ أعداؤهم لو أنهم قتلوا
وأنهم صنعوا بعض الذي صَنّعُوا
تذامروا والردى موجهُ يلتطم، وتوامروا والقنا يكسر بعضهُ بعضاً ويحتطم.
فإن يكونوا ما عرجوا في مراقي الملك فقد درجوا في مهاوي الهلك.
ونحن أناس لا توسط بيننا
لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وعلى هذا فقد نجموا ونجبوا مع الحتوف الشداد والسيوف الحِداد، والتمرُ أنمى على الجِداد. ما أعجب كلمة أبيهم ظهر صدقها فيهم: «بقية السيف أنمى عدداً وأنجبُ ولدا»، {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 196].
رضوا في ذاته رضا، فمشوا إلى الموت ركضاً «إنا والله لا نموتُ حبجاً كما يموت بنو مروان».
تسيل على حدّ الظباة نفوسنا
وليست على غير الظباة تسيلُ
وخلاصة القول:
ـ إنّ ما كتبه ابن الأبّار في (درر السمط في خبر السِّبط) هو نثر فَنّيٌ يعبّر عن موضوع تاريخي، مزجه الكاتب بطاقة وجدانية عارمة، وأعدّ له قدْراً كبيراً من الإشارات ووجوه الاحتجاج والاستشهاد، وعرض فيه براعته الفنيّة عَرْضاً معجباً، وإن أثقل النص باختياره الأسلوب الشائع في زمانه من القيود البديعية والتلميحات الواسعة والاتكاء على النصوص التراثيّة.
ـ والكتاب: ذو مقصد واحد واضح، أدّى التعبير عنه بنثر فني مزوّق منم متقن.
ـ والعبارة منمّقة، مسجوعة، تعتمد ـ بالإضافة إلى السَّجع ـ على ضروب من الجناس؛ وقد يخرج الكاتب في الفواصل (أواخر السَّجع) إلى لزوم ما لا يلزم، كقوله من الفصل الحادي عشر:
«إلى البتول سِيْر بالشرف التالد، وسيق الفخرُ بالأمّ الكريمة والوالد. حلّت في الجيل الجليل، وتحلّت بالمجد الأثيل ثمّ تولت إلى الظل الظليل…».
ـ ويتعانق الشعر والنثر في الفصول كلّها. ومعجم الشعر من قصائد مشهورة قديمة، ليست أصلاً من الشعر الذي قيل في المناسبات التاريخية ولا هو من الشعر الذي قيل في النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله)، وإنّما وظّفه الكاتب ليكون مجازياً للسياق، مناسباً للكلام، متداخلاً مع النثر ليعطي الإحساس المطلوب، ويساعد على ظهور المقصد، ويرتفع بالقارىء إلى درجة التأثّر القصوى.
ـ والنص يحفل بالاقتباس، والاستشهاد بآيات القرآن الكريم، والتحلية بالأحاديث النبوية، والأخذ من أقوال الصحابة والتابعين وغيرهمز
ـ والنص زاخر بالإشارات التاريخية والتلميحات إلى الخلفاء والقادة والأشخاص المعاصرين ذوي الشأن.
ـ وأسلوب ابن الأبّار في هذا الكتاب أُسلوب مقيد، مصنوع، قال فيه العبدري صاحب الرحلة إنّه نحا فيه منحى ابن الجوزي.
قال في ص (271ـ272) في ترجمة الشيخ الفاضل أبي محمد بن هارون (من علماء تونس): «وقرأت عليه: درر السمط في خبر السّبط لأبي عبدالله القُضاعي، وحدّثني به سماعاً وقراءة، وهو جزءٌ وضعه في مقتل الحسين (رضي الله عنه) نحا فيه نحو طريقه أبي الفرج بن الجوزي» قال: «وكنت أتكلم معه في تعقب مواضع منه فيعجبه قولي فيها»… ولم يبيّن لنا تلك المواضع التي كان العبدري ينتقد ابن الأبّار فيها، ولعلها في المواقف التاريخية خاصة.
ومعلوم أنّ بعض من ترجم لابن الأبّار أخذ عليه بعض شططه في طريقة تناول أحداث من التاريخ أو في طريقة عَرْضِها.
وللدارسين الباحثين من القُدامى والمحدثين كلامٌ في جوهر الكتاب وفي ألفاظ منه، وكلام آخر في الظروف التي أنشأ فيها الكاتب كتابه تستحقّ أن تكون جزءاً من دراسة واسعة أخرى عن النثر الفني في عصري المرابطين والموحّدين.
وأزيد أمراً آخر هو أنّني لاحظت أثر أبي عبدالله ابن أبي الخصال، الغافقي الأندلسي أحد كتّاب العصر السابق لابن الأبّار في كتاباته، وفي درر السّمط أيضاً. وكان ابن أبي الخصال يعرف بـ(رئيس كتّاب الأندلس) وكانوا يحفظون رسائله حفظاً ويستظهرونها زيادة في الإعجاب بها والتأثر، والنسج على منوالها.
وعدا عن الكتب التي ذكرت في ترجمته فإنّ له من المؤلفات: (رسالة المسفى الجميل ومحاذرة المرعى الوبيل في معارضة فلقي السبيل). نشرها المنجد في (رسائل ونصوص).
وله ديوان شعر نشره الدكتور عبدالسلام هراس في الدار التونسية سنة 1985.
وقد سردت كتب التراجم لابن الأبّار أكثر من أربعين كتاباً ورسالة وفي جملتها (معدن اللجين في مراثي الحسين) وهو كتاب مفود ود قال عنه الغبريني في عنوانه الدراية: ولو لم يكن له من التآليف إلاّ هذا الكتاب لكفاه في ارتفاع درجته وعلو منصبه وسمو رتبته.
وتتوزعكتبه في الاهتمام بالحديث والتاريخ والأدب والتراجم والفقه. وقد ألّف ابن الأبّار في تراجم الأندلسيين وأخبار بلادهم كتباً مهمة ضاع كثير منها، وبقي القليل.
ووالد ابن الأبّار هو عبدالله بن أبي بكر بن عبدالله المولود سنة (571هـ/1175م) والمتوفى في بلنسية سنة (610هـ/1222م) وهو من أعيان علماء الشيعة في الأندلس وأكابر المحدّثين في عصره أخذ العلم عن أجلاء أهل الفضل في الأندلس منهم الشيخ أبو عبدالله بن نوح الأندلسي وغيرهم. وكتب ابن الأبّار عن تاريخ حياة والده قال: (كان من أهل العلم والدين، درس على أجلاء أهل العلم في عصره وأجاز له الكثيرون منهم رواية كتبهم ورواياتهم، وكتب إليه القاضي أبو بكر بن أبي حمزة يجيز له ولي معه جميع روايته مرتين إحداهما في غرة رجب سنة 597 والثانية في منتصف ذي القعدة من العام المذكور وأنا إذ ذاك ابن عامين وأشهر مولدي عند صلاة الغداة من يوم الجمعة في أحد شهري ربيع سنة 595 وكان رحمه الله ـ ولا أزكيه ـ مقبلاً على ما يعنيه شديد الانقباض بعيداً عن التصنّع حريصاً على التخلص مقدماً في حملة القرآن كثير التلاوة له والتهجد بهن صاحب ورد لا يكاد يهمله ذاكراً للقراءات مشاركاً في حفظ المسائل آخذاً فيما يستحسن من الأدب معدّلاً عند الحكام وكان القاضي أبو الحسن بن واجب يستخلفه على الصلاة بمسجد السيدة من داخل بلنسية. قرأت عليه القرآن بقراءة نافع مراراً وسمعت منه أخباراً وأشعاراً واستظهرت عليه مراراً أيام أخذي على الشيوخ، يمتحن بذلك حفظي، وناولني جميع كتبه وشاركه في أكثر من روى عنه وسمعته يقول: حضرت شيخنا أبا عبدالله بن نوح، وقد زاره بعض معارفه فسأله عن أحواله وبالغ في سؤاله فجعل يحمد الله ويردد ذلك عليه ثمّ أنشد متمثلاً:
جرت عادة الناس أن يسألوا
عن الحال في كل خير وشر
فكل يقول بخير أنا
وعند الحقيقة ضد الخبر
حدّثني أبي رحمه الله غير مرّة أنّه ولد بأندة سنة 571 وتوفي ببلنسية وأنا حينئذٍ بثغر بطليوس عند الظهر من يوم الثلاثاء الخامس لشهر ربيع الأوّل سنة 619 ودفن لصلاة العصر من يوم الأربعاء بعده بمقبرة باب بيطالة وهو ابن ثمان وأربعون سنة، وحضر غسله أبو الحسن بن واجب وجماعة معه، وكانت جنازته مشهودة والثناء عليه جميلاً، نفعه الله بذلك.
ولابن الأبّار ترجمة مفصلة في أعيان الشيعة أسرته من البيوت العلمية الشيعية المعروفة في بلنسية وكان لها الدور الخطير في مقاومة صليبيي الأندلس.
ومن شعراء الشيعة في الأندلس:
صفوان بن إدريس النجيبي:
ولد سنة 560 في مرسية (الأندلس) وتوفي سنة 598.
كان أبوه وخاله من مشاهير علماء عصرهم في الأندلس ونشأ محباً للعلم في بيئة مثقفة وسط علماء عُرفوا بالتقوى والصلاح فدرس أوّلاً على يد والده إدريس بن إبراهيم التجيبي (ت606 هـ) العالم بالوثائق والعقود، وخاله القاضي أبي القاسم محمد بن العباس ابن إدريس (ت 601هـ) ثمّ انتقل بعدها إلى دراسة العربية واللغة والأدب على يد أبي بكر عبدالرحمن بن مغاور الشاطبي (ت 287)، وأبي رجال بن غلبون (ت 589هـ) إذ وصف الأول في كتاب له، بأن له حق التعليم، والتدريس عليه، وأبي القاسم خلف بن عبدالملك بن بشكوال (ت 578هـ)، وأبي العباس أحمد بن مضاء القرطبي (ت 592هـ). كما درس عند أبي الوليد بن رشد (ت 595هـ) وأبي القاسم عبدالرحمن بن حبيش (ت 584هـ) وابن حوط الله (ت 612هـ) وغيرهم.
ولا نعلم متى رحل صفوان إلى قرطبة وإشبيلية وشاطبة وبلنسية غير أنّه من المؤكد قد فعل ذلك، ودخل غرناطة وامتدح القائد أبا عبدالله بن صناديد بمدينة جيان حسبما يظهر في عجالته من غير تقحيق.
كما رحل إلى مراكش أيام المنصور الموحّدي في حاجة مالية، فلم يوفق إلى ذلك فصرف نفسه إلى امتداح الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته وكان ذلك عام 590هـ ومنها نعرف أنّ صفوان كان متزوجاً وله أبناء قد كبروا، وكانت رحلته هذه سبباً في ذلك:
إذ أراد تزويج إحدى بناته فلم يستطع في البداية كما نعرف أنّ له أخاً يعرف بإبراهيم، وكان شاعراً أيضاً: ثمّ إنّ صفوان شرع في مدح أهل البيت (عليهم السلام)، وهو إيذان بصعود نجمه، وقد ترك صفوان تلامذة مشهوري منهم أبو عبدالله بن أبي البقاء، وأبو الربيع بن سالم (ت 634هـ) الذي كتب لهُ بعد انفصاله من بلنسية يُصوّر فيها الغربة التي كان يعانيها بعد تركه موطنه وأهله كما كان له أصدقاء يراسلونه ويستجيزونه، وله مراسلات ومساجلات أدبية حافلة.
ويتضح من خلال هذه المساجلات أهمية ابن إدريس وقيمته الأدبية ومقدرته الفنية، والصور التي يرسمها لنا عن ثقافة عصره ومجتمعه. خاصة وأنّ صفوان هذا قد حفظ لنا في مؤلفه زاد المسافر ترجمة (63) شاعراً وأديباً من شعراء وأدباء القرن السادس الهجري، وهو عمل كبير، إذ حفظ لنا جملة أسمائهم ونتاجاتهم، وقد اعتمد عليه جميع الكتاب الذين جاؤوا بعده. ومن بين أصدقائه المشهورين:
1 ـ مرج الكحل: أبو عبدالله محمد بن إدريس (ت 634هـ) من أهل جزيرة شقر، الشاعر المعروف الذي كان يكتب لصفوان بن إدريس قصائد ينتظر الإجابة عليها وهو ما كان صفوان بن إدريس يعملها دائماً مع أصدقائه.
2 ـ أبو بكر البلنسي: كتب له يستجيزه في أبيات فأجابه إلى ذلك وقد وردت هذه الأبيات عند ابن ظافر الأزدي.
3 ـ أبو محمد عبدالله بن حامد الوزير: كانت بينه وبين صفوان بن إدريس صداقة وأخوّة وصفه أبو بحر في (زاد المسافر) بقوله:
«ما عسى أن أقول فيه، واسمه يُحسبه ويكفيه، انفرد بالسؤدد، فأمن من الاشتراك» وكان بينهما إخلاص ومودّة ومراسلة وثناء فمدحه بأبيات أثبتها في مصنّفه.
كان صفوان شاعراً يتمتع بإحساس رقيق وعاطفة وقّادة، وخيال خصب وأنّ شعره لا يعدو الوصف والغزل والمدح والرثاء، وأنّ غزله عفيف ثمّ إنّه مدح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقصائد جميلة، وابن الأبّار عقد مقارنة بينه وبين ابن بقي (ت 540هـ). وفوق هذا فقد حظي صفوان بشهرة واسعة خاصة بالمغرب والأندلس، إذ كان يقوم بتهيئة العزاء الحسيني في عاشوراء، ويسير أمام الموكب لينشد الناس المشاركين في المسيرة المهيبة قصائد تمثّل صوراً للمأساة التي حلّت بالحسين (عليه السلام)، ومصرع أهله وأصحابه في واقع كربلاء سنة 61هـ وسبي نسائه وأهله وأطفاله، وقد وصف ابن الخطيب صورة العزاء الذي كان يُعرف بالأندلس بالحسينية وهي عادة قديمة لا يُعرف تاريخها على وجه التحديد، لكنّها كانت تقام في مرسية وبلنسية إذ انتشر الولاء والحبّ لأهل البيت (عليهم السلام) في هذه المدن. كما كان الناس يسيرون في مواكب مهيبة توقد فيها الشموع، وتنشد قصائده في جوٍ من الخشوع يُصوّر فيها المأساة ضمن مراسم يُقام فيها مشهد جنائزي ترتفع فيها أصوات المنشدين الجماعية بالبكاء على الحسين (عليه السلام)([164])؛ ومهما قيل في الحسينية فلم تعرف اليوم أصولها. ورثاء صفوان وبكاؤه على الحسين (عليه السلام) يتّسم بعمق الإحساس، ولوعة الأسى، وتوهّج العاطفة فهو يصوّر لنا مشاهد تنبض بالانفعال والحياة في جوّ موسيقي حزين ونبرات متوجّعة، وأنّات محترقة([165]) يستحضر من مشاهده شخوصاً لتثير المُشاهد فيتأثّر بعمق المأساة فيصوّر لنا فاطمة (عليها السلا) باكية شاكية إلى أبيها مصرع ولدها الحسين (عليه السلام) وهي تذرف الدموع الغزار([166]).
توفي صفوان وسنّه سبع وثلاثون سنة وقد تولّى أبوه الصلاة عليه وترك مؤلفات عديدة أشهرها:
1 ـ زاد المسافر وغرّة محيا الأدب السافر: وهذا الكتاب كما ذكرنا عبارة عن تراجم لأدباء وشعراء من القرن السادس الهجري، وأورد فيه أشعاراً كتبت خصيصاً له لشعراء كانوا أساتذة أو أصدقاء له وتبدو فيها أهمية صفوان الأدبية ومنزلته العلمية والاجتماعية في ذلك العصر كما أورد في هذا الكتاب ترجمة لعائلته وخصّ والده وخاله بالذكر وقد اعتذر المؤلف في نهاية الكتاب وذكر أنّه لم يرد الفخر بذلك، ولهذا أرجأهم غلى آخر الكتاب([167])؛ وكلّ من جاء بعد صفوان قد استفاد من هذا الكتاب ونقل عنه([168]).
2 ـ عجالة المستوفز وبداهة المتحفّز، سمّاها ابن الأبّار «عجالة المتحفّز وبداهة المستوفز»([169]). وهو مجموع ما ترك ابن إدريس من شعر ونشر غير زاد المسافر. ضمَّ رسائله النثرية وقصائده التي قيلت في مناسبات مختلفة وأغراض متنوعة كذلك ضمّ هذا الكتاب مجموعة الرسائل التي خوطب فيها والأشعار التي أرسلت إليه([170])، ويذكر ابن الخطيب أنّه في مجلّدين([171])، يضمّ الأوّل ديوان شعره، ويضم الثاني رسائله النثرية وقد أورد ابن الخطيب بعض شعره ونثره نقلاً عن العجالة. ويبدو أنّ هذا المجموع اشتمل على آثار صفوان بن إدريس جميعها حتّى تلك الرسالة التي فاضل فيها بين مدن الأندلس، وأوردها المقري في نفح الطيب([172]). لكن يهمنا في هذا المقام المخمسة التي تحتفظ بها مكتبة الاسكوريال وهي مبنية على حروف المعجم خمس بها قصيدة امرىء القيس: (ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي) وعددها ثمانٍ وعشرون خماسية في رثاء الحسين (عليه السلام)([173]) والنسخة كثيرة الأخطاء ولم نهتد إلى تصحيح بعضها.
ـ 1 ـ
سلامي وإلمامي وصوبُ بكائي
على معهدٍ للسادة النجباءِ
ثوى أهلُهُ من بعد طولِ ثواء
أُناديهِ لو أصغى لطولِ نداءِ
ألا أنعِمْ صباحاً أيّها الطلل البالي
ـ2ـ
أُحيِّيه والدمع المصونُ المحجبُ
كأنملِ أهليه يصوب ويسكبُ
يفضض طوراً وجنتيّ ويذهب
أقول له وهو أجردُ سبب
وهل ينعمن من كان في العُصُر الخالِ
ـ3ـ
رضيتُ لهذا القلب باللوعةِ التي
يقومُ بها سوق اللآلي بمقلتي
وعهدي به والدهر جدّ مقيتي
صبورٌ على الأرزاء جمُّ التثبيتِ
قليلُ الهموم ما يبيتُ بأوجالِ
ـ4ـ
ألا هل تثناجي دارهم وتحدّث
فأنفث والمصدور مثليَ ينفثُ
وهل يسمعن قولي تراث وكثكث
ولو أنّني أبقى عليه وأمكث
ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوالِ
ـ5ـ
لرزء رسولِ الله بالطَّف أنشجُ
ودمعي في مرضاته يتدحرج
كأنّ الأسى درّ الدموع يُبَهرجُ
وغيري من يفنى كما هام حندج
بوادي الخزامى أو على رسّ أو عَالِ
ـ6ـ
مصابي بأل المصطفى ليسَ يبرح
فيا لك نجزاً في مثالي وترفح
سوى مدمعي طوعَ الصبابة ينفح
ألم ترى أنّي والدجنَّة يصبح
كبرتُ وأن لا يحسنُ اللهو أمثالي
ـ7ـ
ألا هل أتى المختار والحق أشمخ
مقامَ حسين وهو بالدم يلطخ
ينادي بأهلٍ روعهم ليس يفرخ
وأشقى بني حر يُنادي ويصرخ
ـ8ـ
على حين نجل المصطفى يتبردُ
وأيدي بنيه بالجوامع تُعقَدُ
وأبشارهم بالمرفات تخرَّد
أقوفي كل صدرٍ لوعةٌ تتوقدُ
كمصباح زيت في قناديل ذُبَّالِ
ـ9ـ
هم نبذوا الأوثان والغي يُنبذ
وقاموا بنصر الحق لوجد منقذ
وشبت لهم نارُ الوغى فتلذذوا
بمعارج نارٍ مرةُ يتأخذ
أصاب غضا جزلاً وكف بأجدال
ـ10ـ
خلا ربعهم منهم فما فيه مخبر
سوى أثرٌ للهدي يخفى ويظهر
تدل عليه زفرة تتسعر
تنافح مسراها رخاء وسرسر
صبا وشمال من منازل قفال
ـ11ـ
إلى فئة الحق تحيّزي
وبالحب في آل الرسول تميُّزي
أدلت لهم صبري بُعَيْد تعززي
وأعطيت دمعي والأسى وعد منجزي
بما احتسبا من غير مين وتسآل
ـ12ـ
رضيت عدو الله والله ساخط
بما فعلت في كربلاء المناقط
ألا بأبي تلك الدماءُ الغوابطُ
وأبصارُها الأغلون عنها شواحط
بيثرب أدنى دارها نظر عالٍ
ـ13ـ
أبا خالدٍ والقدحُ في الدين غايظُ
أبى الحق أن تحنو عليه الحوافظ
وأنعى لآل الله حليم قوايظ
سمت نحوها أحقادهم والحفايظ
سمو حبابِ الماءِ حالاً على حال
ـ14ـ
أما كان فيكم منكرٌ يوم ذالكا
يقول وقد خاض السيوف الفواتكا
وباشر في نصر الحسين المهالكا
لعمري لا ألقى لكَ اليوم تاركا
ولو قطّعوا رأسي لديكَ وأوصالي
ـ15ـ
وعاذلة هبّت على الحزن تعول
تقول مِنَ السلوان ما لست أفعل
بذلت لها نصحي وذو الرشد يبذل
وانبأتها أني على السبط أعول
ـ16ـ
كأنّي بمن عادى الرسول تجرُما
ونادى بنصر الأدعياء وهيمما
وجدّ إلى حرب الحسين وصمما
يُقاد إلى نار الوقود مذمما
عليه القتام سيىء الظن والبال
ـ17ـ
ألا أنّ سر البغي بالطف أعلنا
غداة جنى حلو الشهادة من جنى
وأزمع لا يلوي عناناً على الدُّنى
أتيحت لها بيض مموهة السنا
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
ـ18ـ
فقل لابن سعد والعصا عيدُ من عصا
حلفتُ إليه ويك اشأم أبرصا
ولو أنّه شاءَ الخلاص تخلّصا
وجدّ لكم فوق الحصا عدد الحصا
وليس بذي سيف وليس بنبّال
ـ19ـ
ولكنه ما شام سيفاً ولا انتضىء
وعن برم الدنيا الدنية أعرضا
وفي أن يلاقي جدّه البر أغمضا
وقد شغفته لوعة سخطها رضا
كما شغف المهنوءة الرجل الضالِ
ـ20ـ
هم خدعوه والكريم مخدّع
بمختلف ما فيه للصدق مطمع
وقال لهم ذو إفكهم وهو يسمع
ألم يأته والرشد بالغي يُدفع
فإنّ الفتى يهذي وليس بفعّال
ـ21ـ
فلمّا استطارت بينهم شُعَلُ الوغى
رغا فوقهم سف السماء بما رغا
وأصبح ثرثار الهداية اكتغا
والسنة الباغين يا ويل من بغا
فقلن لأهل الحلم ضُلاّ بتضلالِ
ـ22ـ
على تلك من حال دموعي تذرفُ
فأفني حنيّات الشؤون وأنزف
ويُنكر مني الصبرُ ما كان يعرفُ
وأعرض عنه قالياً من يصنف
ولست بمقلي الخلال ولا قال
ـ23ـ
ولو أنّ عمري في ذُرى الزمن ارتقى
غداة تراءَى الجمع بالجمع والتقى
وأجفل خوف الموت من كان حققا
لقلتلتُ وقد جدَّ اليقين وصدّقا
لخيلي كري كرة بعد إجفال
ـ24ـ
وضاحكت شوقاً والضراغم تعبس
وسمر القنا بين الترائب كُنَّس
حمامي وبعض الموت روح منفس
ولم انقلب أحمي حياتي وأحرس
على هيكل زهد إجارة جدال
ـ25ـ
لقد صكّ وجه البدر شجواً وخمّشا
وأذرف دمعُ الجو حزناً فأجهشا
نهار على النهرين جاشَ وجيّشا
وأظمأ أصحاب الكساء وعطشا
لغيث من الوسمي رائده خال
ـ26ـ
قدس الله ذاك الروح ما شاء واشتهى
وفرسه في الصالحين ونزّها
وصابت على شلوٍ إلى تربه انتهى
مدامع… تحفة النهى
وجاء عليها كلّ اسحم هطّال
ـ27ـ
ولولا ضاء أنجز الوعد فاقتضوا
وسامهم أن يجرعوا السم فارتضوا
علوا مثلَ ما كانوا بأولهم علوا
وعانيت آساد الكفاح إذا سطوا
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
ـ28ـ
سأقضي عليه لوعةً ومراتيا
فأفني حياتي والبكا والقوافيا
ولستُ أُورّي كنه ما في اعتقاديا
وما المرء في الدنيا ولو دام باقيا
بمدركِ أطرافِ الخطوب ولا آل
وقد قال عنه لسان الدين بن الخطيب إنّه انفرد برثاء الحسين (عليه السلام). وقال ابن الأبّار: له قصائد جليلة خصوصاً في الحسين (عليه السلام). رحل إلى مراكش فقصد دار الخلافة مادحاً فما تيسر له شيء، فقال لو مدحت آل البيت (عليهم السلام) لبلغت أملي، فمدح، وبينما هو عازم على الرجوع طلبه الخليفة فقضى مأربه فعكف على مدح آل البيت (عليهم السلام) ورثائهم. اهـ.
وإذا كان ابن الأبّار لم يذكر اسم الخليفة المقصود فإنّنا من معرفتنا بتاريخ وفاة الشاعر سنة 598 وتاريخ وفاة الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور سنة 595 ندرك أنّ الخليفة الذي جرى له مع الشاعر ما جرى هو أبو يوسف يعقوب المنصور.
ومن رثاء صفوان للحسين (عليه السلام) قوله من قصيدة:
أبكي قتيل الطعن فرع نبينا
أكرم بفرع للنبوّة زاكي
ويل لقوم غادروه مضرّجاً
بدمائه نضواً صريع شكاك
متعفّراً قد مزَّقت أشلاؤه
فرياً بكل مهنَّد فتاك
أيزيد لو راعيت حرمة جده
لم تقتنص ليث العرين الشاكي
إذ كنت تصغي إذ نقرت بثغره
قرعت صماخك أنّه المسواك
وقوله أيضاً:
أومض ببرق الأضلع
واسكب غمام الأدمع
واحزن طويلاً واجزع
فهو مكان الجزع
وانثر دماء المقلتين
تألمأ على الحسين
وابك بدمع دون عين
إن قلَّ فيض الأدمع
قضى لهيفاً فقضى
من بعده فصل القضا
ريحانة الهادي الرضا
وابن الوصي الأنزع
وله هذه القصيدة التي كانت مشهورة ينشدها المسمعون:
سلام كأزهار الربى يتنسم
على منزل منه الهدى يتعلم
على مصرع للفاطميين غيبت
لأوجههم فيه بدور وأنجم
على مشهد لو كنت حاضر أهله
لعاينت أعضاء النبي تقسم
على كربلا لا أخلف الغيث كربلا
وإلا فان الدمع أندى وأكرم
مصارع ضجت يثرب لمصابها
وناح عليهن الحطيم وزمزم
ومكة والاستار والركن والصفا
وموقف جمع والمقام المعظّم
وبالحجر الملثوم عنوان حسرة
ألست تراه وهو أسود أسحم
وروضة مولانا النبي محمد
تبدّى عليه الشكل يوم تخرّم
ومنبره العلوي للجذع أعولا
عليهم عويلا بالضمائر يفهم
ولو قدّرت تلك الجمادات قدرهم
لدكَّ حراء واستطير يلملم
وما قدر ما تبكي البلاد وأهلها
لآل رسول الله والرزؤ أعظم
لو أن رسول الله يحيى بعيدهم
رأى ابن زياد أمّه كيف تعقم
وأقبلت الزهراء قدّس تربها
تنادي أباها والمدامع تسجم
تقول أبي هم غادروا ابني نهبه
كما صاغه قيس وما مجَّ أرقم
سقوا حسناً للسم كأساً رويّة
ولم يقرعوا سنّاً ولم يتندموا
وهم قطعوا رأس الحسين بكربلا
كأنهم قد أحسنوا حين أجرموا
فخذ منهم ثاري وسكّن جوانحاً
وأجفان عين تستطير وتسجم
أبي وانتصر للسبط وأذكر مصابه
وغلّته والنهر ريان مفعم
وأسر بنيه بعده واحتمالهم
ونقر يزيد في الثنايا التي اغتدت
ثناياك فيها أيها النور تلثم
إذا صدق الصديق حملة مقدم
وما فارق الفاروق ماض ولهذم
وعاث بهم عثمان عيث ابن مرة
وأعلى عليٌ كعب من كان يهضم
وجبَّ لهم جبريل أتعك غارب
من الغي لا يعلى ولا يتسنم
ولكنها أقدار رب بها قضى
فلا يتخطى النقض ما هو يبرم
قضى الله أن يقضى عليهم عبيدهم
لتشقى بهم تلك العبيد وتنقم
هم القوم اما سعيهم فمخيب
يا أيها المغرور والله غاضب
لبنت رسول الله ابن تيمم
ألا طرب يقلى ألا حزن يصطفى
ألا أدمع تجري ألا قلب يضرم
قفوا ساعدونا بالدموع فإنها
لتصغر في حق الحسين ويعظم
ومهما سمعتم في الحسين مراثياً
تعبر عن محض الأسى وتترجم
فمدوا أكفاً مسعدين بدعوة
وصلّوا على جد الحسين وسلموا
نبوءات أندلسية قبل الزوال
لم تستطع جماعة إسلامية أن تتنبأ بمصيرها سوى الأندلس، فهي قد شعرت به منذ أيام الطوائف في أواخر القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وأخذت تترقّبه من حين إلى آخر في صبر وفزع، مستسلمة إلى قدرها، مجاهدة ما استطاعت في الدفاع عن نفسها، ملتجئة منذ أوائل القرن السابع الهجري، إلى معاونة شقيقتها المسلمة ـ عبر البحر ـ المغرب.
وهي لم تنس مطلقا أنّ إخوانها، هؤلاء البواسل، فيما وراء البحر، قد أنقذوها من الفناء المحقق، وذلك حينما اشتدت وطأة الجيوش النصرانية عقب سقوط طليطلة (479ﻫ/1085م) على ملوك الطوائف، وشعروا بأن الكارثة قد أضحت على وشك الوقوع، واستنجوا يومئذٍ بإخوانهم فيما وراء البحر، بالمرابطين، سادة المغرب، واستجاب المرابطون إلى غوث إخوانهم أهل الأندلس، وعبروا البحر إلى إسبانيا، والتقوا بالجيوش النصرانية إلى جانب الطوائف الضئيلة، في موقعة الزلاقة الكبرى وأحرزوا فيها نصرهم الباهر بسحق الجيوش النصرانية (470هـ /1086م). وأنقذت الأنلس بذلك من الفناء المحقق. ثمّ استولى المرابطون على الأندلس، وحكموها زهاء نصف قرن. وخلفهم في حكمها الموحدون الذين خلفوهم في سيادة المغرب، وحكموها زهاء قرن آخر. ثمّ جاشت الأندلس بالثورة ضد حكامها المغاربة، واجتمعت فلول الثورة آخر الأمر في الجنوب، حيث قامت مملكة غرناطة آخر الممالك الأندلسي، وقدر لها أن تعيش مائتين وخمسين عاماً أخرى.
بل لقد ورد هذا النذير بالخطر على الأندلس، قبل سقوط طليطلة، في أقوال ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير في تعليقه على موقعة بريشتر من أعمال الثغر الأعلى (أراغون) وسقوطها في يد النصارى في سنة (456هـ/1063م)، في وابل من القتل والسبي وشتيع الاعتداء، حيث يقول: «وقد أشفينا بشرح هذه الحالة الفادحة مصائب جليلة، مؤذنة بوشك القلعة، طالما حذر أسلافنا لحقاها، بما احتملوه عمن قبلهم من آثاره. ولا شك عند ذوي الألباب أنّ ذلك مما دهانا من داء التقاطع، وقد أمرنا بالتواصل والألفة، فأصبحنا من استشعار ذلك والتجاري عليه، على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة».
ولما سقطت طليطلة وارتجت الأندلس فرقاً ورعباً قال شاعرهم:
يا أهل أندلس شدوا رحالكم
فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى
سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن عواقبه
كيف الحياة مع الحيات في سفط
وبعد سقوط طليطلة، ونصر الزلاقة الساحق، أحرز الموحدون بقيادة عاهلهم الخليفة يعقوب المصنور، نصرهم الحاسم على إسبانيا النصرانية وذلك في موقعة الأرك المشهورة (593 هـ/1195م)، فكانت زلاقة أخرى، ولكن الأندلس ما لبثت أن لقيت هزيمتها الحاسمة بعد ذلك بقليل،على يد إسبانيا النصرانية في موقعة العقاب المشؤومة (609هـ /1202م) وكان هزيمة العقاب ضربة شديدة لسلطان الموحدين ولإسبانيا المسلمة، فعاد شبح الفناء يلوح للأندلس قوياً منذراً. وسرى هذا التوجس إلى كتاب العصر وشعرائه، وظهر واضحاً في رسائلهم وقصائدهم. ومن ذلك ما قاله أبو إسحاق إبراهيم بن الدباغ الإشبيلي معلقاً على موقعة العقاب:
وقائلة أراك تطيل تفكراً
كأنك قد وقفت لدى الحساب
فقلت لها أفكر في عقاب
غدا سبباً لمعركة العقاب
فما في أرض أندلس مقام
وقد وصل البلا من كل باب
هذا، وقد كانت مملكة غرناطة، آخر الممالك الأندلسية، بالرغم من العمر الطويل الذي قدر لها. تستشعر الخطر الدائم دائماً، وترقب نمو جارتها، المملكة النصرانية الإسبانية في جزع وخوف. أجل إنّها لقيت في إخوانها وراء البحر، وهم بنو مرين سادة المغرب، العون والإنجاد باستمرار، عقد التحالف المستمر بين المملكتين، وترك ملوك غرناطة لبني مرين ثلاث قواعد أندلسية، لتكون مراكز للدفاع وتدفق القوى المنجدة، هي جبل طارق (جبل الفتح) ورندة والجزيرة الخضراء. وأبدى بنو مرين في هذه المهمة الدفاعية، اهتماماً وإخلاصاً ومقدرة، واستعادوا جبل طارق من يد النصارى، وكانوا قد استولى عليها مدى حين. غير أنّ مملكة بني مرين ما لبثت منذ أواخر القرن الثامن الهجري، أن أصابها الضعف، وكثرت بها الانقلابات، ولم يبق في وسعها أن تهرع إلى إنجاد شقيقتها فيما وراء البحر. وشعرت مملكة غرناطة، أنّه لم يبق في وسعها أن تعتمد على هذا الجانب الذي كان ينجدها، وأيقنت أنّها لا بد أن تعتمد على نفسها في الدفاع عن مصيرها، إن كان ثمة دفاع يجدي.
ومنذ أواسط القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) نرى حساسية الشعور بخطر المصير، يشتد لدى غرناطة، وتصدر النبوءات بالخطر من أكابر رجالها، فنرى الوزير لسان الدين بن الخطيب مثلاً يقول على لسان مليكه السلطان يوسف أبي الحجاج في رسالة كتبها إلى السلطان أبي سالم المريني ملك المغرب بأنّه «إذا انحلت عروة تأميلكم عن هذا الوطن (أي الأندلس) استولت عليه يد عدوه». ونرى نفس الوزير ابن الخطيب يكتب في وصيته لأولاده ما يأتي، وقد كتبها حوالي سنة (770هـ/1368م): «ومن رزق منكم مالاً بهذا الوطن القلق المهاد، الذي لا يصلح لغير الجهاد، فلا يستهلكه أجمع في العقار، فيصبح عرضة للمذلة والاحتقار، وساعياً لنفسه إن تغلب العدو على بلده في الافتضاح والافتقار، ومعوقاً عن الانتقال أمام النوب الثقال. وإذا كان رزق العبد على المولى، فالإجمال في الطلب أولى». وقد كان ذلك قبل سقوط غرناطة بنحو مائة وعشرين عاماً.
وكان من دلائل الشعور بهذا الخطر الداهم على مصير الأندلس، أنّ ملوك غرناطة لم يقم أحد منهم بالسفر إلى المشرق لقضاء فريضة الحج، لأنّهم كانوا يخشون أن يقع المكروه في غيابهم الطويل عن المملكة، وأن ينتهز النصارى الفرصة للقيام بالهجوم على غرناطة والاستيلاء عليها، ومن ثم فقد ابتدعوا فكرة الاستنابة بتوجيه الرسائل الملوكية إلى الضريح النبوي الشريف. وقد كتب الوزير ابن الخطيب إلى التربة النبوية من ذلك رسالتين، الأولى عن السلطان يوسف أبي الحجاج الذي حكم الأندلس من سنة 733هـ إلى سنة 753هـ، والثانية عن ولده السلطان محمد الغني بالله الذي حكم من سنة 753هـ إلى سنة 793هـ، ومع كلّ رسالة صيدة مديح نبوي. والرسالتان آية في البلاغة، ورقة التوسل النبوي، الذي يذيب دموع العين تأثّراً وخشوعاً.
ويعتذر السلطان يوسف أبو الحجاج في القصيدة التي نظمها عنه ابن الخطيب إلى ضجيع التربة المقدسة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، في الأبيات الآتية:
عدتني بأقصى الغرب عن تربك العدا
جلالقة الثغر الغريب ورومه
أجاهد منهم في سبيلك أمـةً
هي البحرُ يُعـيي أمرُها من يرومه
فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورى
لريع حماه واستبيح حريـمه
ولمّا نأت داري وأعوز مطمعي
وأقلقني شوقٌ يشب جحيمه
بعثتُ بها جهدَ المقل معولاً
على مجدك الأعلى الذي جلّ خِيمُه
وجاء في الرسالة المنثورة التي كتبت باسم السلطان المذكور ما يلي:
«استنبت رقعتي هذه إليك، لتطير بجناح خافق، وتشعر نيتي التي تصحبها برفق مرافق، ليؤدّي عن عبدك ويبلغ، ويعفر الحد في تربك ويمرغ، ويطيب بريا معاهدك الطاهرة وبيوتك، ويقف وقوف الخشوع والخضوع تجاه تابوتك، ويقول بلسان التملق، ارحم غربتي وانقطاعي، وتغمد بطولك قصر باعي، وقابل بالقبول نيابتي، وعجل بالرضا إجابتي».
«هذه يا رسول الله وسيلة من بعدت داره، وشط مزاره ولِم يجعل بيده اختياره. فإن لم تكن هذه للقبول أهلاً، فأنت للإغضاء والسمح أهل، وإن كانت ألفاظها وعرة، فجنابك للقاصدين سهل. وإذا كان الحب يتوارث، كما أخبرت، والعروق تدس حسبما إليه أشرت، فلي بانتسابي إلى سعد عميد أنصارك مزية، ووسيلة أثيرية حفية، فلا تنسني ومن بهذه الجزيرة التي افتتحت بسيف كلمتك على أيدي خير أمتك».
وتفتتح الرسالة الثانية، في المديح والاستعطاف النبوي وهي التي وجهها ابن الخطيب إلى التربة المقدسة عن مليكه السلطان الغني بالله، بقصيدة نبوية عصماء وتستهل بما يلي:
دعاك بأقصى المغربين غرِيب
وأنت على بعد المزار قريب
يكلف قرص البدر حمل تحية
إذا ما هوى والشمس حين تغيب
ومما جاء في الرسالة المذكورة قوله: «فقد سارت الركاب إيك، ولم يقض مسير، وحومت الأسراب عليك والجناح كسير، ووعدت الأملاك فأخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأمثل، إلاّ على التمثيل، ولا من المعالم الملتمسة التنوير، إلاّ على التصوير، مهبط وحي الله، ومتنزل أسمائه، ومتردد ملائكة سمائه، ومرافق أوليائه، وملاحظ أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله الرضا بقضائه على جاحم البعد ورمضائه». ثم يقول بلسان سلطانه: «واستنبت هذه الرسالة مانحة الفتوح، وقارعة المظاهر والصروح، وباقية الرحل بمتنزل المليكة والروح، لتمد إلى قلبك يد استمناح وتطير إليك من الشوق الحثيث بجناح، ثمّ تقف موقف الانكسار، فإن كان تجرها آمناً من الخسار، وتقدم بأنس، ويحجم بوحشة الغربة، ويحبس لطول الغيبة، وتقول ارحم بعد داري وضعف اقتداري، وانتزاح أوطاني وعلق أعطاني، وقلة زادي، وفراغ مزادي، وتقبل وسيلة اعترافي، وتغمد صفوة اقترافي، وعجل بالرضا انصراف تحملي لا انصرافي».
وهذه الرسالة طويلة ضمنها ابن الخطيب قصة الغزوات الناجحة التي قام بها سلطانه ضد مدن جيان وأبده وقرطبة وأطريرة وحصن أشر، وما فتح الله به على المسلمين من تخريب وانتهاب هذه المدن التي انتزعها الكفر من الأندلس المسلمة. وبعث السلطان رفق رسالته بعض أجزاء النواقيس التي انتزعت من كنائسها المخربة.
ونحن نعرف، أنّه إلى جانب الرسائل السلطانية التي كانت ترسل إلى التربة النبوية الشريفة، كان ترسل كذلك مصاحف مذهبة فاخرة يكتبها السلطان، أو الأمير بنفسه، وتضوع في إطار مذهب فاخر. وكان من ذلك المصحف الشريف، الذي كتبه السلطان الكبير أبو الحسن المريني ملك المغرب، وأرسله إلى حرم التربة النبوية عن طريق مصر في سنة (739هـ/1338م).
غير أنّ الرسائل النبوية الغرناطية، كانت ترمي إلى غرض أهم وأبعد، وهو يامها بالنسبة لمرسليها مقام أداء الزيارة، وقضاء فريضة الحج ذاتها، وذلك لعجزهم وتوجسهم، حسبما أشرنا عن القيام بالرحلة الشخصية إلى المشرق([174]).
وهذا الشعور بالقصور عن أداء الرحلة المشرقية، حسبما بيّنا من قبل، إنّما هو الشعور الخوف من وقوع المصير المحزن، الذي لبثت الأمة الأندلسية تترقبه وتخشاه دائماً، خلال مراحل حياتها الطويلة([175]).
محمد عبدالله عنان
قصيدة ابن الأبّار
أدرك بخيلـك خيـل الله أندلسـا
إن السبيـل إلـى منجاتهـا درسـا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست
فلم يزل منك عزّ النصـر ملتمسـا
وحاش مما تعانيه حشاشتهـا
فطالمـا ذاقـت البلـوى صبـاح مـسـا
يا للجزيرة أضحى أهلهـا جـزراً
للنائبات وأمسـى جدهـا تعسـا
فـي كـل شارقـة إلمـام بائقـة
يعود مأتمهـا عنـد العـدا عرسـا
وكـل غاربـة إجحـاف نائـبـة
تثني الأمان حذاراً والسـرور أسـا
تقاسم الـروم لا نالـت مقاسمهـم
إلا عقائلهـا المحجوبـة الأنـسـا
وفـي بلنسيـة منـهـا وقرطـبـة
ما يذهب النفس أو ما ينزف النفسـا
مدائن حلهـا الإشـراك مبتسمـاً
جذلان وارتحـل الإيمـان مبتئسـا
وصيرتها العـوادي العائثـات بهـا
يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا
ما للمساجد عـادت للعـدا بيعـاً
وللنـداء يرى أثناءهـا جرسـا
لهفاً عليها إلى استرجـاع فائتهـا
مدارساً للمثاني أصبحـت درسـا
وأربعاً غنمت أيـدي العدو بهـا
ما شئت من خلع موشيـة وكسـا
كانت حدائـق للأحـداق مونقـة
فصوح النضر من أدواحهـا وعسـا
وحال ما حولها من منظـر عجـب
يستجلس الركب أو يستركب الجلسا
سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا
عيث الدبا في مغانيها التـي كبسـا
وابتـز بزتـهـا مـمـا تحيفـهـا
تحيف الأسد الضاري لمـا افترسـا
فأين عيـش جنينـاه بهـا خضـراً
وأين غصن جنينـاه بهـا سلسـا
محـا محاسنهـا طـاغ أتيـح لـها
ما نام عن هضمها حينـاً ولا نعسـا
ورج أرجاءهـا لـمـا أحــاط بها
فغادر الشم من أعلامها خنسـا
خلا له الجو وامتـدت يـداه إلـى
إدراك ما لم تنل رجـلاه مختلسـا
وأكثر الزعـم بالتثليـث منفـرداً
ولو رأى راية التوحيـد مـا نبسـا
صل حبلها أيها المولى الرحيم فمـا
أبقى المراس لهـا حبـلاً ولا مرسـا
وأحي ما طمست منها العداة كمـا
أحييت من دعوة المهدي ما طُمسـا
أيام صرت لنصـر الحـق مستبقـاً
وبت من نور ذاك الهـدي مقتبسـا
وقمـت فيهـا بأمـر الله منتصـراً
كالصارم اهتز أو كالعارض انبجسا
تمحو الذي كتب التجسيم من ظلـم
والصبـح ماحيـة أنـواره الغلسـا
هذي رسائلها تدعوك مـن كثـب
وأنت أفضـل مرجـو لمـن يئسـا
وافتـك جاريـة بالنجـح راجيـة
منك الأمير الرضى والسيد الندسـا
خاضت خضارة يعلوها ويخفضها
عبابـه فتعانـي الليـن والشرسـا
وربمـا سبحـت والريـح عاتيـة
كما طلبت بأقصى الشـدّة الفرسـا
تؤم يحيى بن عبد الواحد بـن أبـي
حفص مقبلة مـن تربـه القدسـا
ملـك تقلـدت الأمـلاك طاعتـه
ديناً ودنيا فغشاهـا الرضـى لبسـا
من كل غاد علـى يمنـاه مستلمـاً
وكل صـاد إلـى نعمـاه ملتمسـا
مؤيـد لـو رمـى نجمـاً لأثبتـه
ولو دعا أفقـاً لبـى ومـا احتبسـا
إمـارة تحمـل المقـدار رايتـهـا
ودولة عزها يستصحـب القعسـا
يبدي النهار بها مـن ضوئـه شنبـاً
ويطلع الليل مـن ظلمائـه لعسـا
كأنـه البـدر والعليـاء هالـتـه
تحف من حوله شهب القنا حرسـا
له الثـرى والثريـا خطتـان فـلا
أعز من خطتيـه مـا سمـا ورسـا
يا أيها الملك المنصـور أنـت لهـا
علياء توسع أعـداء الهـدى تعسـا
وقد تواتـرت الأنبـاء أنـك مـن
يحيي بقتل ملـوك الصفـر أندلسـا
طهر بـلادك منهـم إنهـم نجـس
ولا طهارة ما لـم تغسـل النجسـا
وأوطئ الفيلـق الجـرار أرضهم
حتى يطأطئ رأساً كـل مـن رأسـا
وانصر عبيداً بأقصى شرقها شرقـت
عيونهم أدمعاً تهمـي زكـا وخسـا
هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت
داء متى لم تباشر حسمـه انتكسـا
املأ هنيئاً لـك التمكين ساحتهـا
جرداً سلاهـب أو خطيـة دعسـا
واضرب لها موعداً بالفتـح ترقبـه
لعل يوم الأعادي قد أتـى وعسـى
أبو البقاء الرندي راثي الأندس
ومن كبار رجال الشيعة الأندلسيين: أبو البقاء الرندي الذي اشتهر بقصيدة رثى بها الأندلس، أو هو رثى المدن والبلدان والحصون والمناطق التي سقطت لزمانه، في جملة حركة الاستخلاص العارمة وهي قصيدة مؤثرة مشجية، اندفع فيها الشاعر مع حماسته الوطنية والدينية، فبكى ما ضاع من ديار قومه واستنهض الهمم لاستردادها وحرض على القتال والجهاد.
وكان لأوصاف الأسرى والنسوة المسبيات والمغلوبين على أمرهم من المسلمين في القصيدة الاثر البعيد في التأثير في القارىء والسامع…
فكانت قيمة القصيدة مستمدة مما فيها من عاطفة جياشة ومما سرد صاحبها من أخبار محزنة ومما صاغ من عبارة، وما أثار من حماسة.
وقد ولد هذا الشاعر في المحرم سنة 601هـ وتوفي عام 674هـ.
تشيع الرندي
كان الرندي شاعراً كاتباً مؤلفاً، ومن مؤلفاته كتاب (روضة الأنس ونزهة النفس). وهو من كتب الثقافة العامة التي شاع التأليف فيها، والتي كان مثالها البارز كتاب ابن قتيبة: (عيون الأخبار).
والموجود من الكتاب هو الجزء الأول وقد اطلع على النسخة المصورة منه الدكتور محمد رضوان الداية عن الأصل الموجود في مكتبة الأستاذ محمد المنوني.
وفي هذا الكتاب يول أبو البقاء:
«وقد رثي الحسين (عليه السلام) قديماً وحديثاً، وممن بكاه فأحزن ورثاه وأجاد أبو بحر صفوان بن إدريس الأندلسي رحمه الله([176])، ومن عجيب ما حكي عنه أنّه دخل مراكش في أيام المنصور بن عبدالمؤمن رحمه الله وهو صفر اليدين منقطع الحيلة، لا كيف ولا أين، لا يملك فتيلاً، ولا يجد للقاء السلطان سبيلاً، فعكف على رثاء الحسين (عليه السلام) يبكي مصابه، ويذكي به أوصابه، فنبّه المنصور في الليل عليه، وأمر بالإحسان إيه بعناية نبوية جبرت فؤاده، وأقامت منآده.
فاستحضره المنصور رحمه الله وكشف له عن غيبه، وأمكنه من سيبه، وبالغ في بلوغ أربه، وأنفذ له ما أمر به، وفي ذلك يقول مرج كحل([177]) من قصيدة له:
ونبلت عن صفوان نبل كرامة
حباه بها الرحمن والخلفاء
ولله في صفوان آية آية
تكشف عنها للعظام غطاء
فما ضاع منه في الحسين انتصاره
ولا خاب عند الله فيه جزاء
وحسينياته رضي الله عنه كثيرة مشهورة نذكر منها ما يليق بهذا الكتاب بحول الله عزّ وجل، فمن ذلك قوله:
أندبُ الطفّ وسبط المصطفى
بمراث هي أسرى من قفا
لا ترُم ضوء هدى من بعده
فسراج الهدي بالطف انطفا
ومما أحسن فيه الإنشاد وأجاد ما شاء المخمسة التي نظم أقسامها على حروف المعجم، وذيّل مراكزها بإعجاز من قصيدة امرىء القيس التي أولها: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل). منها:
ديار الهدى بالخيف والجمرات
إلى ملتقى جمع إلى عرفات
مجاري سيول الغيم والعبرات
معارف هدي أصبحت فكرات
لما نسجتها من جنوب وشمأل
ثم يقول أبو البقاء:
وقد ألمعت بطريقة صفوان رحمه الله في رثائه (عليه السلام) بجملة حذوت فيها حذوه فبلغت شأوه بما هو في المعنى أغرب وإلى الحال أنسب. وذلك أنّي صنعت مخمسة على حروف المعجم مذيلة بإعجاز من قصيدة زهير، فيها:
أبيتُ فلا يساعدني عزاء
إذا ذكر الحسين وكربلاء
فخل الوجد يفعل ما يشاء
لمثل اليوم يدّخر البكاء
عفا من آل فاطمة الجواء
بعينك يا رسول الله ما بي
دموعي في إنهمال وانسكاب
وقلبي في انتهاب والتهاب
على دار مكرّمة الجناب
عفتها الريح بعدك والسماء
بكيت منازل الصبر السؤاة
بمكة والمدينة والفرات
معالم للعلا والمكرمات
عفت آثارها وكذاك ياتي
على آثار من ذهب العفاء
قصيدة أبي البقاء
في رثاء الأندلس
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان
فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سرّه زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تُبقي على أحد
ولا يدوم على حالٍ لها شان
يُمزق الدهر حتماً كل سابغة
إذا نبت مشرفيات وخرصان
وينتضي كلّ سيف للفناء ولو
كان ابن ذي يزن والغمد غمدان
أين الملوك ذَوو التيجان من يمن
وأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ما شاده شدَّاد في إرم
وأين ما ساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارون من ذهب
وأين عاد وشداد وقحطان
أتى على الكل أمر لا مرد له
حتى قَضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك
كما حكى عن خيال الطّيف سنان
دار الزّمانُ على دار وقاتله
وأمَّ كسرى فما آواه إيوان
كأنما الصَّعب لم يسْهُل له سبب
يوماً ولا ملك الدنيا سليمان
فجائع الدهر أنواع منوَّعة
وللزمان مسرّات وأحزان
وللحوادث سلوان يسهلها
وما لما حلّ بالإسلام سلوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له
هوى له أُحد وانهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فامتحنت
حتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية
وأين شاطبة أم أين جيّان
وأين قرطبة دار العلوم فكم
من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه
ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كنَّ أركان البلاد فما
عسى البقاء إذا لم تبق أركان
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف
كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خالية
قد أُسلمت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما
فيهنَّ إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة
حتى المنابر ترثي وهي عيدان
يا غافلاً وله في الدهر موعظة
إن كنت في سِنَة فالدهر يقظان
وماشياً مرحاً يلهيه موطنه
أبعد حمص تغرُّ المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها
وما لها مع طول الدهر نسيان
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة
كأنها في مجال السبق عقبان
وحاملين سيوف الهند مرهفة
كأنها في ظلام النقع نيرانُ
وراتعين وراء البحر في دعة
لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطان
أعندكم نبأ من أهل أندلس
فقد سرى بحديث القومِ ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم
أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم
وأنتم يا عبادَ الله إخوان
ألا نفوس أبيات لها همم
أما على الخيرِ أنصار وأعوان
يا من لذلة قوم بعد عزِّهم
حال حالهم جور وطُغيان
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم
واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم
عليهم من ثياب الذلِ ألوان
ولو رأيت بكاهُم عند بيعهم
لهالك الأمر واستهوتك أحزان
يا ربَّ أمّ وطفل حيل بينهما
كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت
كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهة
والعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد
إن كان في القلبِ إسلام وإيمان
ناهض الوادي آشي
ومن شعراء الشيعة في الأندلس ومن مدينة (وادي آش): ناهض بن محمد بن إدريس الحكمي المتوفى سنة 615هـ وهو الذي يقول في رثاء الحسين (عليه السلام):
أمـرنـة سـجعت بـعود أراك
قـولـي مـولهة عـلام بـكاك
أجـفاك إلـفك أم بـليت بفرقة
أم لاح بـرق بـالحمى فشجاك
لو كان حقاً ما ادعيت من الجوى
يـوماً لـما طرق الجفون كراك
أو كـان روعـك الفراق إذاً لما
صـنت بـماء جـفونها عيناك
ولـما ألفت الروض يأرج عرفه
وجـعلت بـين فـروعه مغناك
ولما اتخذت من الغصون منصة
ولـما بـدت مـخضوبة كفاك
ولـما ارتديت الريش برداً معلماً
ونـظمت من قرح سلوك طلاك
لـو كنت مثلي ما أنفت من البكا
لا تـحسبي شكواي من شكواك
إيـه حـمامة خـبريني إنـني
أبـكي الحسين وأنت ما أبكاك
أبـكي قـتيل الطف فرغ نبينا
أكـرم بـفرغ لـلنبوة زاكي
ويـل لـقوم غـادروه مضرجاً
بـدمائه نـضواً صـريح شكاك
مـتعفراً قـد مـزقت أشـلاؤه
فـريـاً بـكل مـهند فـتاك
أيـزيد لـو راعيت حرمة جده
لـم تقتنص ليث العرين الشاكي
إذ كـنت تصغي إذ نقرت بثغره
قـرعت صـماخك أنه المسواك
ولـسوف تـنبذ في جهنم خالداً
مـا الله شـاء ولات حين فكاك
ويبدو أنّ مدينة (وادي آش) التابعة لمملكة غرناطة كانت منبتاً لكثير من رجال الشيعة من أمثال العالم الشاعر جمال الدين أبو المكارم محمد بن موسى المولود سنة 599هـ والمقتول غيلة في منزل بمكة. وقد وصفه الذهبي بأنّه الحافظ العلاّمة الرحال.
البرتغال الأندلسية
تؤلف البرتغال شريطاً طويلاً يمتد بحذاء السوالح الغربية المطلة على المحيط الأطلسي من شبه جزيرة إيبريا. وهي تقاسم إسبانية ذلك الركن الذي يقع في الطرف الجنوبي الغربي من القارة الأوروبية.
ولم تكن البرتغال تؤلف كياناً سياسياً مستقلاً عندما طرق المسلمون أبواب شبه الجزيرة، وإنّما كانت في ظل القوطيين جزءاً من الولاية الغربية التي كان الرومان يسمّهونها لوزيتانيا «Lusitania» (وهو اسم تعرفه المصادر الأندلسية في صورة «الجدانية»). وما زال البرتغاليون يستخدمون هذا اللفظ عند الحديث عن بلادهم حينما يريدون أن يثبتوا لأنفسهم عراقة في التاريخ.
وكانت ولاية «لوزيتاني» هذه أفقر مناطق شبه جزيرة غيبريا. وأقلها نصيباً من التحضر، ولا نكاد نعرف من تاريخها في عهد الرومان إلا تلك الثورة

العنيفة التي قام بها ضد حكم روما زعيم بدائي يدعى «برياتو» «Viriato» وتسمّيه المصادر العربية «برياط»، وقد استطاع هذا الرجل أن يقض مضاجع حكام روما طوال ثماني سنوات (بين 147 و139 قبل الميلاد) حتى دبروا له مكيدة قتل فيها بأيدي بعض أنصاره. ومن مفارقات القدر الغريبة أن البرتغال التي استهلت تاريخها القديم بثورة ضد الاستعمال الروماني قد انتهت إلى أن تصبح واحدة من أعتى الدول الاستعمارية وأشدها سطوة.
ونعرف بعد ذلك من أخبار «الجدانية» في ظل حكم القوة أنّها ظلّت دائماً نزاعة إلى الثورة. ثمّ دخل الإسلام شبه جزيرة إيبريا على يد طارق بن زياد في سنة 92هـ/711م. ولم يمض شهور على نزوله في الجبل الذي حمل اسمه إلى اليوم حتّى احتل طليطلة عاصمة الدول القوطية. وفي السنة التالية عبر موسى بن نصير إلى الأندلس، وآثر استكمالاً للفتح أن يسلك طريقاً أخرى من الجزيرة الخضراء إلى إشبيلية، ومنها إلى ماردة قاعدة غرب الأندلس، ثمّ توغل في نواحي الشمال الغربي مطارداً فلول القوط، وهناك على مقربة من بازو «Vezeu»، (في شمال البرتغال) لقي لذريق آخر ملوكهم مصرعه.
وكان العرب هم الذين أطلقوا اسم «برتغال» على شمال هذه المنطقة، سمّوها باسم المدينة الواقعة على مصب نهر الدويرة في المحيط الأطلسي. وهو تعريب لاسمها اللاتيني القديم «Porto-cale» وقد اختصر الاسم فأصبح «Porto» (الميناء)، بينما اصطنع البرتغاليون الاسم الذي أطلقه العرب على المنطقة الشمالية فوسعوا دلالته إلى بلادهم كلها بدلاً من الاسم القديم «لوزيتانيا».
ومنذ أن استقر حكم المسلمين في الأندلس أصبحت الأرض التي تقوم عليها الآن دولة البرتغال موزعة في الولايات الأندلسيةالغربية: الأشبونة (لشبونة الحالية)، وشنترين، وقلنبرية، وباجة، وشلب، واكشونبة. ويذكر المؤرخون أن أبا الخطار الكلبي عامل الأندلس، حينما فرق جنوده على الكور الأندلسية في سنة (125هـ/743م) أنزل جند مصر بهذه الولايات الغربية ولا سيما كورتي باجة واكشونية (أي الشطر الجنوبي من البرتغال)، وذلك للتشابه بين البيئة الطبيعية لهاتين الولايتين وأرض مصر. ولهذا درج الأندلسيون على تسميتها بمصر الأندلس، وكان معظم العرب الذين نزلوا بتلك الكور الغربية ينتمون إلى قبائل زهرة وثقيف من العرب العدنانية وإلى أوس والقبائل الحضرمية من عرب اليمن. كما ساكن هؤلاء عدد من القبائل البربرية من صنهاجة وكتامة ونفزة ومصمودة وهوارة. وقد بقي الكثير من أسماء هؤلاء ماثلاً حتّى اليوم في أسماء مدن البرتغال وقراها. ونذكر من أهم المدن التي أنشأها المسلمون البربر مدينة قصر أبي دانس. وكان إقطاعاً لبني دانس بن عوسجة (وهم بطن من قبيلة مصمودة). وقد سميت بعد ذلك «قصر الملح»، واسمها البرتغالي الحالي «Alcacer do sal» ليس إلا ترجمة حرفية للاسم العربي.
على أنّ امتزاج هذه العناصر لم يتم دائماً في سهولة ويسر، ولهذا لم تخل حياة البرتغال الإسلامية خلال القرنين الأولين من ثورات عنيفة كان من أخطرها ثورة ابن مروان الجليقي ابتداء من سنة (254هـ/868م) وكان المولدين، أي من أسرة عجمية اعتنقت الإسلام. وكانت له وقائع كثيرة مع جيوش الإمارة الأندلسية خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري. وابن مروان هذا هو منشىء مدينة مطليوس (عاصمة الولاية الغربية الإسبانية المتاخمة للبرتغال) وقد أصبحت عاصمة لدولة شبه مستقلة أورقها من بعد لأبنائه حتّى أعادها إلى الطاعة عبدالرحمن الناصر في سنة (317/929). ومن بين المدن التي أنشأها ابن مروان أيضاً بلدة تع الآن في داخل البرتغال على مسافة قليلة إلى شمال غربي بطليوس، وهي لا تزال تحمل حتى اليوم اسم «مروان» بالبرتغالية Marwao وإن كان البرتغاليون يجهلون اليوم أصل هذا الاسم.
وتلك الثورات والحروب استمرت طوال القرن الثالث الهجري جعلت كثيراً من المسلمين يهجرون المناطق الشمالية من غربي شبه الجزيرة خاصة وأنّها كانت مناطق جبلية وعرة نزرة الخيرات، وأخذوا ينبسطون في السهول الواقعة بين مدينة قلنبرية Coimbra، والسواحل الجنوبية، أما المنطقة الواقعة حول حوض نهر الدويرة Douro، الممتدة إلى الحدود الشمالية للبرتغال الحالية، أي نحو ربع مساحة هذا القطر تقريباً. فقد ظلّت أرضاً خلاء تتعاورها جيوش المعلمين والجلالقة، إذا كانت هي الثغر الفاصل بين مملكة الإسلام ودار الحرب. على أنّ المسلمين قد أخطؤوا بإهمالهم هذا الشريط العريض، إذ أنّ نصارى جليقية عملوا بالتدريج على سكناه والاستيطان فيه ومحاولة الامتداد إلى ما وراءه من أرض المسلمين. وقد استطاع المنصور بن أبي عامر في أواخر القرن الرابع استرجاع كل هذه الأرض من حوض الدويرة إلى نهر المنية Rio Minho ولكن بصورة مؤقتة عارضة.
وعلى طول القرن الرابع ظل المسلمون يحافظون على هذه الولاية الغربية من دولتهم، واجتهد عمالهم في نشر الأمن والسهر عليها، ووجهوا همّهم إلى تعمير هذه البقاع واستغلال طاقاتها ومواردها الطبيعية حتّى أصبحت من إنى ولايات الأندلس بعد أن ظلّت على عهد الرمان والقوط مجدبة مهجورة.
وما أكثر ما تحدثنا المصادر الجغرافية الأندلسية عن النهضة الزراعية الكبيرة في هذه البلاد. وعن مهارة أهلها في استنباط غروس وثمار كانت مضرب المثل في أيامها. يقول أحد الكتاب إنّ من خواص مدينة شنترة Cintra (على مقربة من الأشبونة) أنّ القمح والشعير يزرعان فيها ويحصدان عند مضي أربعين يوماً من زراعتهما. وأنّ فيها تفاحاً يبلغ محيط الواحدة منه ثلاثة أشبار أو أكثر. أمّا العمران فقد وجّه عمال بني أمية عنايتهم للتفنن في بناء حصونها وقصورها. وكان في موانئها الكبرى مثل الأشبونة وشنترين Santaen، وشنتمرية Sonta Maria دور لصناعة وإنشاء السفن التجارية والحربية، ومرابض للأسطول.
غير أنّ هذه الدولة لا تلبث أركانها أن تتقوض مع مطلع القرن الخامس الهجري. ويستبد بولاياتها ومدنها الضعاف «ملوك الطوائف».
ويقع هذا الجانب من غرب الأندلس (أي ما يقابل معظم البرتغال الحالية والولاية الإسبانية الغربية التي تدعى Extremodura) من نصيب أسرة بربرية الأصل من قبيلة مكناسة هي أسرة بني الأفطس، ويتعاقب ملوكهم هناك وكانوا كغيرهم من ملوك الطوائف مخلدين إلى تناحرهم وتنازعهم، وإن كان الحق يقضي بأن نعترف لهم برعايتهم للآداب والعلوم والفنون ومشاركتهم في التأليف في ألوان منها. وتشير من بين ملوك هذه الأسرة بوجه خاص إلى محمد بن عبدالله الملقب بالمظفر وقد حكم المملكة قاعدته في بطليوس بين 437 و456هـ (1045ـ1063م). وكان أديباً واسع الثقافة إلاّ أنهّ كان مفرطاً مضيعاً للحزم. ففي آخر أيامه سقطت مدينة قلنبرية Colmbra، في أيدي النصارى ضيعها أحد قواده، ولم يكن منه إلاّ أن قتل هذا القائد بعد أن لجأ إليه فاراً. ولكنه لم يبذل أي جهد في سبيل استرداد المدينة. وآخر ملوك بني الأفطس هو عمر المتوكل الذي حكم بين سنتي 460هـ (1067م) و487هـ (1094م) حينما قتله المرابطون.
واشتد البلاء على الأندلسيين، وتمكن ملك شتالة الأذفونش (الفونسو السادس) من الاستيلاء على طليطلة سنة 478هـ (1085م)، وبدأ بفرض الجزية على كبار ملوك الطوائف من أمثال المعتمد ابن عباد ملك إشبيلية والمتوكل بن الأفطلس ملك بطليوس وغيرهما، وحينئذٍ لم ير هؤلاء بداً من الاستجابة لمطالب شعوبهم في الاستنجاد بيوسف بن تاشفين الذي كان قد أقام في المغرب دولة كبرى تحكم بتعاليم الإسلام وتقوم على الجهاد، ولهذا فقد دعوا بالمرابطين. ورأى ابن تاشفين أن يلبي نداء هؤلاء الإخوة في الدين. فاجتاز البحر واستطاع إلحاق هزيمة كبرى بالفونسو السادس في معركة «الزلاقة» على مقربة من سهل بطليوس، وكان ذلك في السنة التالية لسقوط طليطلة. على أنّ السلطان لم يتمكن من جني ثمار انتصاره. لأنّ حلفاءه من ملوك الطوائف لم يلبثوا أن عادوا إلى تنافسهم وتناحرهم القديم، ولم يحاولوا أن يصلحوا من أمورهم أو يلفتوا إلى رعاياهم، وهكذا اضطر في النهاية إلى خلعهم جميعاً. وأذعن بعضهم لما طلب إليه من الانخلاع عن السلطة. فأبقى على حياتهم ونفاهم، وقاوم بعضهم وحاولوا استصراخ النصارى فلم يكن هناك بد من مناشبتهم القتال. وكان من بين هؤلاء المجلبين في الفتنة عمر المتوكل ملك بطليوس والغرب. فقتله المرابطون في سنة 487هـ (1094م).
ومنذ ذلك الوقت أصبحت مملكة بطليوس القديمة ولاية في دولة المرابطين العتيدة التي امتدت على عدوتي البحر المتوسط. وبذل المرابطون جهداً مضنياً في سبيل الحفاظ على الإسلام في هذه البلاد. وما أكثر ما دار من معارك بينهم وبين خصومهم، وما أكثر من فقدوا من رجال ومن قواد في هذه الحروب. ولا سيما في غرب الأندلس الذي اشتدت عليه ضربات القشتاليين. بل إن سلاطينهم كانوا يباشرون الحرب أنفسهم وقد خاض آخرهم تاشفين بن علي معارك متتالية في غرب الأندلس ما بين سنتي 529 و539هـ (1135ـ1144م)، وهي معارك لم تهزم له فيها راية. وبفضل هذا الجد بقيت أرض الإسلام هناك على حالها، لم تكد تنتقص حتى خبا نجم المرابطين.
ويرث الموحدون ما بقي للإسلام في الأندلس ويجتهد خلفاؤهم في الدفاع عن هذه البلاد كما دافع عنها المرابطون من قبل ولكن ضربات المسيحية كانت قد ازدادت ضراوتها، والحرب الصليبية كانت على أشدها في الشرق والغرب على السواء، وكان المثل السيىء الذي ضربه ملوك الطوائف قد عود زعماء مدن الأندلس على الأثرة والفوضى والاستبداد… فلم تكد علائم الضعف والانحلال تبدو على دولة المرابطين حتّى أقبل هؤلاء الزعماء يخبون في الفتنة ويوضعون، وراح بعضهم يصطنع الولاية، على العامة بادعاء الهداية، مثل أحمد بن الحسين بن قسيز. وكان من إحدى قرى شلب كما بدأ حياته متزهداً متصوفاً يعكف على كتب الغزالي ورسائل إخوان الصفا ويتتلمذ على قصة التصوف. وهو يظهر غير ما يبطن ويدعو إلى الفتنة، ويطمع في السلطان. حتى إذا أمكنته الفرصة وثب على قلعة ميرتلة Moriola، ونادى بنفسه سلطاناً، وكاتب أهل يابرة Habra. وأهل شلب، ومن الغريب أنّهم استجابوا له. وانفتق على المرابطين بابن قسيز هذا خرق واسع كان بداية لذهاب ريحهم. وقد اغتر به المحدون فنصبوه والياً على بلدة شلب فإذا به يكشف القناع عن وجهه، ويداخل النصارى. ويفطن أهل البلد إلى خيانته. فيثورون به ويقتلونه في سنة 546هـ (1151م).
ولعل أسوأ نذير يقرب نهاية الإسلام في تلك الجهات من غرب الأندلس هو أنّ السنوات الأخيرة من حكم أول خلفاء الموحدين عبدالمؤمن بن علي (ت 558هـ/1163م) هي التي شهدت مولد دولة البرتغال وظهورها على مسرح التاريخ.
وكانت المنطقة الصغيرة الواقعة حول حوض الدويرة إلى حدود جليقية ـ وهي التي تضم مدن فلنبرية وبازو وبرافره Braga ـ تؤلف «قومسية» أي ولاية صغيرة يحمل صاحبها لقب «قومس» (كونت)، تابعة لمملكة قشتالة Castilla وكان الفونسو السادس فاتح طليطلة قد أطع ابنته غير الشرعية تيريسا Teresa، عند زواجها ـ هذه الولاية، ولكن على شرط تبعيتها هي وزوجها لعرش قشتالة. إلاّ أن تيريسا وزوجها استغلا اضطراب الأحوال بعد وفاة الفونسو بغير وريث ذكر، فعملا على الاستقلال بالإمارة الجديدة التي أطلق عليها اسم عاصمتها القديمة «برتغال Portugal»، ثم قام ابنهما الفونسو أنريكز («ابن الريق» في المصادر الأندلسية) ـ وهو الذي ولي حكم البرتغال بين سنتي 532 و581هـ/1138ـ1185م ـ بتوسيع أملاكه جنوباً على حساب المسلمين، وكانت أشد ضربة تلقاها المسلمون على يديه هي استيلاؤه على شنترين Santaren Alfon Soherique so Henriques ثمّ على لشبونة Lisboa في سنة 541هـ/1147م. ولما اشتد ساعده بعد هذه الانتصارات رأى نفسه جديراً بأن يتلقب ملكاً. وتزايد طموحه بعد ذلك فواصل حملاته على مدن المسلمين الواقعة في حوض وادي آنة Guadi وكان أكبر بلاء صب على بلاد المسلمين من قبل رجل من رجاله يدعى جيرالدو Giraldo ويلقبه البرتغاليون Sempavor (أي الذي لا يخاف) لجرأته وتهوره. وكان مغامراً مرتزقاً وضع نفسه في خدمة المسلمين تارة وفي خدمة النصارى تارة. واستخدمه ابن الريق أخيراً فأوقع بمدن المسلمين ضربات شديدة قاسية.
ولم يكن الخليفة الموحدي الجديد يوسف بن عبدالمؤمن ليقف مكتوف اليدين إزاء تدهور أحوال الأندلس، ففي سنة 654هـ (1169م) أوقع قواده أوّل هزيمة كبيرة بالملك البرتغالي وبقائده «سم بافور» وفي سنة 569هـ (1174م) قاد أخو الخليفة أبو حفص عمر حملة مظفرة وطىء فيها أراضي البرتغال وليون واستعاد كل ما خسره المسلمون جنوبي وادي التاجة Rio Tojo.
وفي سنة 579هـ (1183م) هيأ الخليفة حملة تعد من أكبر الحملات التي اضطلع بها خليفة مسلم، إذ بلغ عدد جنوده فيها أكثر من مائة ألف، وكان يريد إيقاع ضربة ساحقة بالبرتغاليين. وتوجه يوسف بن عبدالمؤن على رأس هذه الحملة إلى شنترين، فضرب الحصار على المدينة، وكانت خطته أن يسترجعها ثمّ يسترد الأشبونة. غير أنّ سوء الحظ لازم المسلمين هذه المرّة، فإذا بالخليفة يمرض، فيأمر بتقويض المعسكر ورفع الحصار بعد أربعة أيام، وتدركه منيته وهو محمول على محفة في الطريق إلى يابرة في صيف سنة 580هـ (يوليو 184م). ويخلفه ابنه يعقوب المنصور أعظم سلاطين الموحدين. فيعد عدته بدوره لمواصلة الجهاد الذي بدأه أبوه.
وفي تلك الأثناء توفي ابن الريق أوّل ملوك البرتغال وخلفه ابنه شانجه الأوّل Saucho (حكم بين 581 و607هـ/1185ـ1211م)، فرأى أن يبادر المسلمين بالهجوم واتفق أنّ عدداً كبيراً من المحاربين الصليبيين الإنكليز والألمان كانوا قادمين من فلسطين بعد هزيمة حطين (في 584هـ/1187م). فدعاهم الملك البرتغالي للاشتراك في هذه الحرب الصليبية ضد مسلمي الغرب. ووجه بهم مع خيرة جيوشه إلى مدينة شلب، فحاصروها حصاراً شديداً، وقطعوا عنها الماء حتّى اضطرت المدينة الباسلة إلى الاستسلام بعد أربعة أشهر من المقاومة في سبتمبر 1189م (585هـ) وقام الصليبيون في أهل المدينة بمذبحة دامية تجلّى فيها حقد الموتور ومرارة المهزوم.
وفي سنة 587هـ (1191م) تحرّك يعقوب المنصور من إشبيلية، فاستولى على قصر أبي دانس، ثمّ توجّه إلى الأشبونة وفتح عدداً من الحصون المحيطة بها، فدمرها وسوّاها بالأرض ومن هناك توجّه إلى شلب فانتزعها عنوة من أيدي البرتغاليين ثمّ كرر المنصور حملاته المظفرة على ممالك انصارى وتوج انتصاراته في سنة 591هـ (1195م) بالفتح العظيم الذي قدر له.
غير أنّ هذا الجهد الكبير استنفد قوى الدولة الموحدية، فأذنت شمسها بالمغيب بعد وفاة المنصور وولاية ابنه محمد الناصر. وحاول هذا بدوره أن يكرر حملاته على الممالك النصرانية في شبه الجزيرة، فحشد جيشاً ضخماً لم يلبث أن حلّت به الهزيمة المنكرة في المعركة المعروفة باسم «العقاب» سنة 609هـ (1212م). وكانت هذه المعركة بعيدة الىثار في مستقبل الإسلام في الأندلس، إذ انهارت دولة الموحدين بسرعة، وتفرّقت كلمتهم، وتكالبت على بقايا مملكتهم الأندلسية دول إسبانيا المسيحية والبرتغال. ولم ينتصف القرن السابع الهجري حتى تهاوت كل القواعد الإسلامية في الغرب واحدة بعد الأخرى، وإن كان أهلها قد أبلغوا العذر وأبرؤوا الذمة، فإنّهم لم يسلموا شبراً من الأرض إلاّ بعد أن خضبوه بدمائهم ودماء أعدائهم.
وهكذا يبدأ تاريخ البرتغال المسيحية على أنقاض الولايات الغربية من الأندلس منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. ولعل المقاومة العنيفة التي واجههم بها المسلمون هناك هي التي ملأت قلوب ملوك البرتغال غلاً وحقداً على الإسلام، وإن كان ما ورثوه أيضاً منحضارة المسلمين هو الذي جعل بلادهم تصل في مدى قصير إلى أن تصبح من أولى الدول البحرية في العالم. ففي أواخر القرن الرابع عشر وأوائل الخامس عشر حكم البرتغال جوان الأول(1383ـ1433م).وفي عهد هذا الملك قام ابنه الأمير أنريكي المعروف باسم الملاح بإنشاء مدينة مخصصة للدراسات البحرية والخرائطية في شقرش Sagraes في أقصى الطرف الجنوبي الغربي من الولاية التي ما زالت تحمل اسمها العربي Algarve (الغرب، وكان الهدف من هذه الدراسات هو التمهيد للتوسع في القاهرة الإفريقية ابتداءً من بلاد المغرب المجاورة، إلاّ أنّ البرتغاليين حينما اصطدموا بالمغاربة الذين ألحقوا بهم الهزيمة بعد الهزيمة وجهوا اهتمامهم إلى بلاد أخرى بعيدة. وبهذا بدأ التاريخ الاستعماري للبرتغال: شرعوا أوّلاً في الاستيلاء على بعض الجزر القريبة مثل جزر ماديرا Madeira والأزورس Asores ثمّ شخصوا بأبصارهم إلى آفاق بعيدة، ففتحوا نحو نصف أمريكا الجنوبية (البرازيل) واستولوا على أجزاء شاسعة من إفريقيا (أنجولا موزامبيق وغينيا) واحتلوا قواعد في الهند والهند الصينية والصين من القارة الآسيوية. ولم يأت القرن السادس عشر حتّى أصبحت البرتغال واحدة من أعتى الدول الاستعمارية. بل إن شرّهم امتدّ إلى منطقة الخليج العربي. فاستولوا في أوائل ذلك القرن على البحرين وعلى مناطق من عمان ومن إيران. وإن كان بقاؤهم هناك لم يطل. على أنّ الغريب هو أنّ هذه الدولة الصغيرة قد استطاعت التشبّث ببعض هذه المستعمرات حتّى اليوم، وأغرب من ذلك أنّ تلك الإمبراطورية العريضة التي أحرزتها البرتغال والتي بلغت مساحتها في وقت ما أكبر من مساحة البرتغال نفسها أكثر من مائة مرة لم تفدهم بشيء. ولا يدري المرء فيما أنفق البرتغاليون خيرات هذه البلاد التي طالما انتهبوها واستأثروا بها دون أهلها، فقد وصلوا إلى القرن العشرين وهم أفقر بلاد أوروبا وأكثرها نصيباً من التخلّف والأمية!…
الحضارة الإسلامية البرتغالية
بسط السلا كلمته على معظم البرتغال الحالية على طول خمسة قرون ونصف، وهي فترة طويلة كان للمسلمين فيها على رقعة هذه الأرض منجزات جليلة كثيرة، غير أنّ مؤرخي البرتغال درجوا ـ إلاّ قلّة منصفة منهم ـ على تجاهل هذه الحقبة الطويلة. والغريب أنّهم يتحدّثون عن بداية تاريخهم في ظل الرومان، مع أنّ البرتغال بقيت تابعة للرومان ثمّ القوط نحو ثمانية قرون ونصف، لم نسمع خلالها بشخصية واحدة لها قيمتها من الناحية الحضارية أو الثقافية، على حين أخرجت البرتغال الإسلامية مئات من الشخصيات الفذّة التي تعتز بها الحضارة الإنسانية والتي تمثّل في تاريخ الفكر معالم مشرقة مجيدة.
وقد أشرنا من قبل إلى ما قام به المسلمون من جهود عمرانية وما أنشؤوه من مدن وقرى جديدة ومن قصور وحصون وأسوار ما زال الكثير منها قائماً حتّى اليوم. وإلى العناية التي أولوها الزراعة في السهول الممتدة على أحواض الأنهار الثلاثة التي تصب في البرتغال (الدويرة والتاجة ووادي آنه) حتّى أصبحت هذه المناطق من أغنى جهات شبه الجزيرة وأوفرها حاصلات. أمّا الثقافة فيطول بنا الأمر لو عمدنا إلى استعراض من نبغ في هذه الأرض من أعلام الآداب والفنون والعلوم.
وقد كان للبرتغاليين المسلمين اهتمام باللغة العربية ودراساتها. فالإدريسي يسجل في جغرافيته أنّ أهل شلب كان كلامهم العربية الصريحة وأنّ أهل قراها فصحاء يقولون الشعر بل ويلتجونه وهذه منزلة سامية لا نكاد نعرفها لمدينة إسلامية أخرى. وقد تركت العربية آثارها في نسبة هائلة من مفردات اللغة البرتغالية، بل إنّ هذه النسبة تزيد على مثيلتها من اللغة الإسبانية، ونلاحظ أن نطق البرتغاليين لتلك الكلمات أقرب إلى الأصول العربية من النطق الإسباني.
أمّا الأدب فقد كانت له نهضة عظيمة منذ أيام الخلافة. ومن أعظم شعراء القرن الرابع يوسف بن هارون الرمادي، وهو ينسب إلى قرية رمادة إحدى قرى شلب، وقد اتّصل بالمنصور بن أبي عامر وكان من شعرائه، وكان أحد المتفننين في الشعر وفي الموشحات التي ابتكرها الأندلسيون. وعلى عهد الطوائف نبغ كثيرون من شعراء هذه المنطقة منهم عبدالرحمن بن مانا الأشبوني صاحب القصيدة المشهورة في مدح الأمير العلوي إدريس بن يحيى العالي:
ومنها هذه الأبيات التي يذكر أنّها استطارت الخليفة طرباً:
وكأن الشمس لما أشرقت
فانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي
ابن حمود أمير المؤمنين
كتب الجود على أبوابه:
اخلوها بسلام آمنين
انظرونا نقتبس من نوركم
إنّه من نور رب العالمين
وأشهر شعراء الطوائف ممّن يتمون إلى البرتغال الإسلامية هو أبو بكر محمد بن عمار الشلبي. فقد كان رفيقاً للمعتمد بن عباد في صباه، فلمّا وصل هذا إلى الإمارة قربه ورفعه حتّى صار وزيره الأثير، ولكن الطموح أعمى بصره، فحاول أن ينفرد بالسلطان، ودبر المكائد والدسائس لسيده حتّى هوت به قدمه، وسيق إلى المعتمد مقيداً ذليلاً، فقتله رفيق صباه بيده في سنة 479هـ (1086م) وعلى كل حال فقد كان الشاعر مبدعاً يشهد بذلك قوله يستعطف المعتمد في محنته الأخيرة:
فإنّك إن عافيت أندى وأسجح
وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح
وإن كان بين الخطتين مزية
فأنت إلى الأدنى من الله تجنح
أقلني بما بيني وبينك من رضا
له نحو روح الله باب مفتح
ولا تلتفت قول الوشاة ورأيهم
فكل إناء بالذي فيه يرشح
ومن يابرة نبغ في هذا العصر أيضاً عبدالمجيد بن عبدون الذي كان من أيسر محفوظه كتاب الأغاني وقد طارت شهرته بمرثيته لبني الأفطس وآخر ملوكهم عمر المتوكل([178]):
الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور
وقد كان من ملوك بني الأفطس من جعل الثقافة والتأليف همّه، منهم محمد بن عبدالله المظفر وهو والد عمر المتوكل مرثي ابن عبدون، وهو صاحب موسوعة كبرى في الأدب والتاريخ والأخبار في نحو مائة مجلد، وقد عرف هذا الكتاب الضخم باسم مؤلفه: «المظفري». ومن مؤلفي الموسوعات الأدبية أيضاً علي بن بسام الشنتريني (ت 542هـ/1148م) الذي يقول عنه الأديب الحجازي «العجب أنّه لم يكن في حساب الآداب الأندلسية أنه سيبعث من شنترين قاصية الغرب، ومحل الطعن والضرب، من ينظمها قلائد في جيد الدهر، ويطلعها ضرائر للأنجم الزهر» وهو يشير بذلك إلى مؤلفه الضخم «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» الذي يعدّ من أجمل موسوعات الأدب الأندلسي وأحسنها تأليفاً.
وفي علوم اللغة والنحو يكفي أن نشير إلى شخصية الأعلم الشنتمري يوسف بن عيسى (ت 476هـ/ 1082م) «إمام النحاة في عصره» وهو صاحب الشروح المشهورة لشواهد كتاب سيبويه وللقصائد الست الجاهلية ولديوان الحماسة لأبي تمام ولدوان المتنبي. وشروحه هذه تعد من خير ما كتب في ميدانه. وهناك ايضاً ابن السراج الشنتريني محمد بن عبدالملك، وقد آثر الانتقال عن وطنه فاستقرّ بمصر سنة 515هـ (1121م) وكانت له حلقة بجامع الفسطاط، وله كتب كثيرة في الأدب والعروض نشر بعضها.
ونشير في النهاية إلى نهضة الدراسات الجغرافية والملاحية في البرتغال الإسلامية. وكان ذلك ثمرة للعناية التي أولاها المسلمون منذ عهد الإمارة الأموية للموانىء الغربية ولما أنشؤوه فيها من دور للصناعات البحرية والحربية. ويسجل التاريخ أنّ أوّل محاولة لخوض المحيط الأطلسي (بحر الظلمات) واستكشاف ما قد يكون وراءه من يابسة إنّما كان منطلقها من الساحل البرتغالي في ظل المسلمين. ونعني بها تلك الحملة التي قام بها فتى يدعى خشخاش البحري: خاطر بنفسه هو وجملة من فتيان قرطبة في أوائل القرن الثالث الهجري، فركبوا مراكب توغلوا بها في البحر، ثمّ عادوا فأتوا بغنائم واسعة. وقد ولي خشخاش البحري هذا قيادة الأسطول الأندلسي حينما هاجم النورمنديون (الفايكنج) سواحل الأندلس، وما زال يقاتلهم حتّى استشهد رحمه الله في سنة 245هـ (859م).
ولم تكن هذه هي المحاولة الأخيرة، إذ نسمع فيما ساقه «الإدريسي» عن خبر «الفتية المغررين» وكانوا ثمانية رجال كلّهم أبناء عمن خرجوا من «الحمة» (الجزء البحري من مدينة الأشبونة وهو لا يزال يحمل اسمه العربي Alfama) وابتنوا مركباً أعدّوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر ثمّ دخلوا البحر، فجرّوا فيه مدّة ثلاثة وعشرين يوماً ووصلوا إلى جزر كشف البحث عن أنّها لا بد أن تكون جزر أزورس ثمّ جزر كفارياس.
وهكذا فتح هؤلاء المسلمون الطريق أمام البرتغال لكي تصبح في طليعة الدول البحرية. فالاستكشافات التي قام بها البرتغاليون بعد ذلك في أواخر القرن الخامس عشر إنّما يرجع الفضل فيها إلى ما تعلّموه على أيدي هؤلاء البحريين المسلمين.
محمود علي مكي
أندونيسيا
ـ1ـ
بين المحيطين الهادي والهندي مجموعة من الجزر تفصل آسيا عن أستراليا، وتعرف باسم أرخبيل المالاي أو جزر الهند الشرقية. قوامها جزر كبيرة مثل سومطرا وجاوا وبرنيو وسيليبيزر وجزر الفليبين. وأخرى صغيرة مثل بالي وتيمور وجزر الملوك وسمباوة وطبوك وفلوريس وغيرها من مئات الجزر. وكانت هذه المجموعة الكبيرة من أغنى جزر المستعمرات في العالم. أمّا الفليبين فقد كشفها ماجلان سنة 1521م وأرسل إليها الإسبان عدّة حملات انتهت بضمّها إلى ممتلكاتهم سنة 1569م ثمّ نزلوا عنها للولايات المتحدة حتّى سنة 1898م بعد هزيمتهم في الحرب الأمريكية الإسبانية. وظلّت جزر الفليبين تابعة للولايات المتحجة حتّى حصلت منها على قسط وافر من الاستقلال قبيل الحرب العالمية الثانية. وإذا استثنينا الفليبين، ثمّ الجزء الشمالي من برنيو والجزء الشرقي من جزيرة تيمور فإنّ سائر جزر الهند الشرقية كانت قبل قيام الحرب العالمية الثانية تخضع لهولندة، وتعرف باسم إمبراطورية الهند الهولندية. وقد أطلق عليها في القرن التاسع عشر اسم أندونيسيا أي «جزر الهند».
وتقع في المنطقة الحارة، ومناخها استوائي كثير الأمطار، ولكن البحار المحيطة بجزرها المختلفة، وارتفاع أرضها وكثرة غاباتها، تساعد على تلطيف مناخها. وتكثر فيها سلاسل الجبال المكونة من صخور رسوبية وغرانيتية غنية التعدين. وجادت الطبيعة على البلاد بغير ذلك من الخيرات التي جعلتها طعمة المستعمرين، ففيها البترول والرصاص والمطاط والبن والقطن وقصب السطر وجوز الهند والنيل والبهارات والكينا والأخشاب وغير ذلك من المواد الضرورية للصناعة.
وأندونيسيا من أكثر مناطق العالم تعرّضاً للزلازل والبراكين، وقد كان للمقذوفات البركانية فضل كبير في أن أصبحت أرضها من أخصب بقاع العالم.
وأكثر هذه الجزر ازدحاماً بالسكان جزيرة جاوا، فهي أعظمها تقدّماً من الوجهة الاقتصادية، وذلك بفضل خصب تربتها البركانية وانتظام أمطارها وارتفاع أرضها وتنوّع منتجاتها الزراعية فلا عجب أن أصبحت واسطة العقد بين هذه الجزر، يعيش فيها نحو ثلاثة أخماس سكان أندونيسيا، وفيها مقر الحكم ومركز الحياة الاقتصادية والثافية، وتاريخها هو المحور الذي يدور حوله تاريخ جزر الهند الشرقية كلّها، بل إنّ اسم «جاوا» قد غلب على مجموعة الجزر كلّها عند كتّاب العرب في العصور الوسطى، وبعض المسلمين في العصر الحديث. وسكان أندونيسيا خليط من أجناس مختلفة، ولكن معظمهم من جنس الملايو الذي نزح إلى الجزر من شرقي القاهرة الآسيوية. ويمتاز الملاويون بمهارتهم في الملاحة والتجارة، فاختلطوا بغيرهم من الأجناس، كما نزح إلى أندونيسيا كثير من الصينيين والهنود والعرب، ونزلها الأوروبيون وأتيح لهم أن ينفذوا إلى داخل جاوا وسومطرا. أمّا في سائر الجزر الكثيرة، مثل برنيو وسيليبيز، فقد ظلّوا في المناطق الساحلية.
ولغات أهل أندونيسيا كثيرة، ولكن أكثرها انتشاراً اللغة الملاوية، وقد كانت في البداية مستعملة في سومطرا وفي شبه جزيرة الملايو القريبة منها. ثمّ ساعد على انتشارها أنّ التجار من جميع الثغور الأندونيسية كانوا يلتقون في (ملقا) ـ أعظم المدن وأقدمها في شبه جزيرة الملايو ـ وأصبحت اللغة الملاوية لغة الملاحين والتجار في أندونيسيا، ولم تلبث أن أصبحت اللغة المشتركة بين ذوي اللغات المختلفة من الأندونيسيين وتكتب هذه اللغة بالحروف اللاتينية، ويكتبها رجال الدين بالحروف العربية.
وأكثر الأديان انتشاراً في أندونيسيا الدين الإسلامي. أمّا سائر السكان فمن البراهمة والمسيحيين والبوذيين.
وقد قامت في أندونيسيا منذ القرون الأولى بعد الميلاد إمارات قوية، ازدهرت على يدها التجارة واتصلت بالهند وإران وبلاد العرب والصين، ولكن الثقافة الصينية رغم غناها وازدهارها لم تؤثّر في أندونيسيا تأثيراً قوياً، وإنّما قامت الحياة الثقافية في تلك البلاد على ما نقلته عن الهند ثمّ عن إيران وبلاد العرب ممزوجاً بما حفظته من حضارتها وتقاليدها الوطنية. وبين القرنين الخامس والتاسع بعد الميلاد ازدهرت في جاوا وسومطرا عدّة مراكز لحضارة أندونيسية هندية. ومن أعظم آثارها معبد بوروبودور، الذي لا يزال قائماً على مقربة من مدينة ديوكيا كرتا في جزيرة جاوا. وهو غني بتماثيله ونقوشه التي تشهد بانتشار الحضارة الهندية في ربوع أندونيسيا.
وبدأ التجار المسلمون في الاتصال بأندونيسيا منذ القرن التاسع الميلادي، فكانوا يفدون إليها من الهند وإيران وبلاد العرب، ويحملون حاصلاتها، لا سيما البهارات، إلى إيران وموانىء البحر الأبيض المتوسط لينقلها البنادقة إلى أوروبا. ومن المحتمل أنّ أولئك التجار نجحوا في نشر الإسلام في أندونيسيا، ولكنّنا لا نعرف شيئاً كثيراً عن بدء هذه الحركة. ولعل أقدم ما يوثق بصحته في هذا الصدد ما كتبه الرحالة الإيطالي مركوبولو، ثمّ الرحالة المغربي ابن بطوطة عن الدولة الإسلامية في شمالي جزيرة سومطرا([179]) أمّا مركوبولو فقد قضى خمسة أشهر سنة 1292م في ساحل سومطرا الشمالي، وكتب أنّ سكانها كانوا وثنيين إذا استثنينا مملكة صغيرة انتشر الإسلام بين رعاياها بفضل التجار المسلمين وزار ابن بطوطة مدينة سومطرا سنة 1345م وكتب عن سلطانها الملك الظاهر أنّه «من فضلاء الملوك وكرمائهم، شافعي المذهب محب في الفقهاء، يحضرون مجلسه للقراءة والمذاكرة، وهو كثير الجهاد والغزو، ومتواضع يأتي إلى صلاة الجمعة ماشياً على قدميه، وأهل بلاده شافعية محبّون في الجهاد، يخرجون معه تطوعاً. وهم غالبون على ما يليهم من الكفار. والكفار يعطونهم الجزية على الصلح».
وكان التجار المسلمون من الهند واليمن وحضرموت يقيمون في جزر أندونيسيا فترات طويلة ويتزوجون من نسائها، ويختلطون بسكانها، ويأخذون عنهم بعض التقاليد والعادات، وتأثّر أولئك السكان بوضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها بما فيها من المساواة بين المؤمنين. كما تأثّروا بتفوّق المسلمين في المدينة، وبإقبالهم على مؤاخاة أهل البلاد، وببعدهم عن الغايات الاستعمارية. فكان ذلك كلّه سبباً في انتشار العقيدة الإسلامية بينهم، دون أن يقوم الخلفاء والسلاطين في الإمبراطورية الإسلامية بأي عمل إيجابي في هذا الصدد. وقد ظلّت بعض القبائل البدائية في قلب الجزر الأندونيسية باقية على الوثينة ولم ينتشر الإسلام بين أفرادها إلاّ منذ القرن الثامن عشر، ولكن الفترة الواقعة بين القرنين الثالث عشر والثامن عشر كانت زاخرة بالفتوح السلمية التي استطاع الغسلام بفضلها أن يسود الحياة الدينية والاجتماعية والعقلية في أندونيسيا. بعد أن تداعت أمامه واحدة بعد الأخرى الممالك الوثنية فيها، وعلى رأسها مملكة «ماجاباهيت» في جزيرة جاوا. ولكن المسلمين في أندونيسيا لم يعملوا على الانضمام إلى الإمبراطورية الإسلامية في الشرقين الأوسط والأدنى، ولم يتخذوا الإسلام طريقاً لأقامة دولة إسلامية جامعة، بل قامت في بلادهم ممالك وإمارات مختلفة، اتبع معظمها الإسلام وكان سلطانه فيها قوياً من الناحيتين الاجتماعية والروحية.
أندونيسيا
ـ2ـ
كانت الحروب الصليبيةبين المسيحيين والمسلمين في الشرق الأدنى ثمّ في إسبانيا حافزاً للبرتغاليين على فتوحاتهم الأولى. وكان كثير من الملاحين البرتغاليين مثل فسكو دو گاما والبركرك، يعتقدون أن جهادهم في المحيطات وفي بحار الهند هدفها قتال المسلمين والقضاء على سلطانهم في إفريقيا وآسيا. بل إنّ كولمبس نفسه كان يبغي الوصول إلى الهند لينشر المسيحية في الشرق ويستولي لقومه على تجارته، حتّى يحرم المماليك من مصدر ثروتهم.
وقد وصل البرتغاليون إلى ملقا في بداية القرن السادس عشر. واستطاعوا الاستيلاء عليها، ثمّ مدّوا سلطانهم على بحار أندونيسيا، وعملوا على انتزاع تجارة التوابل من المسلمين. وعلى نشر المسيحية بين الوثنيين، ولكنّهم لم يصيبوا من النجاح حظاً كبيراً.
وكان الملاحون من بعض الشعوب الأوروبية الأخرى قد استطاعوا الوصول إلى أندونيسيا، فأقبل الإسبان من مضيق مجلان ووصلوا إلى جزر الملوكا، ثمّ انسحبوا إلى الجزر التي سمّوها الفيليبين، نسبة إلى ملكهم فيليب الثاني. ووصلت إلى موانىء جزر سومطرا وجاوا وجزر الملوكا سفن إنكليزية وهولندية وفرنسية ودنمركية وسويدية، للحصول على التوابل والمعادن النفيسة وما إلى ذلك من منتجات الشرق التي كانت إلى ذلك الحين احتكاراً للبرتغاليين والصينيين وسكان جنوبي آسيا.
وكان وصول السفن الهولندية الأولى سنة 1596م، ولما عادت إلى أمستردام أعدّ أصحابها أسطولاً تجارياً آخر، وحذا حذوهم غيرهم من التجار وأصحاب السفن، وتوالت البعوث التجارية الهولندية إلى جزر الهند، ورحب الأندونيسيون بها، لأنّ التنافس بين الهولنديين والبرتغاليين، بل بين الشركات الهولندية المختلفة، ضاعف ثمن منتجاتهم في بعض سنوات.
ورأى التجار الهولنديون أنّ يتّحدوا ليضمنوا الربح الوافر، ولينتصروا على منافسيهم من البرتغاليين، الذين كانوا يرسلون الحملات الحربية الواحدة بعد الأخرى ليستعيدوا سلطانهم في بحار أندونيسيا. وهكذا اندمجت جميع الشركات الهولندية للتجارة في جزر الهند، وتألفت منها سنة 1602م شركة الهند الشرقية المتحدة، ونالت من الحكومة الهولندية حق احتكار التجارة مع القارة الآسيوية. وأعدّت شركة الهند الشرقية الهولندية أساطيل كبيرة لم يكن رائدها التجارة فحسب، ولكنّها عملت على طرد البرتغاليين من مراكزهم التجارية في بحار أندونيسيا، ونجحت في الاستيلاء على معاقلهم في سواحل جزر الهند، وعقدت معاهدات مع بعض الأمراء الوطنيين، ولكن الإسبان أرسلوا حملة من الفيليبين هزمت الهولنديين في جزر الملوكا. وهكذا قامت الحروب بين الدول الأوروبية في جزر الهند بل إنّ الإنكليز أيضاً يمّموا شطر بحار الهند الشرقية. وأقبلوا على منافسة الهولنديين في التجارة هناك. وكانت شركة الهند الشرقية الإنكليزية قد أسّست قبل زميلتها الهولدية بعامين، ولكن رأسمالها لم يتجاوز ثم رأس مال الشركة الهولندية.
وحدث سنة 1618 أن تولّى منصب الحاكم العام لشركة الهند الشرقية قائد كبير هو كوين صاحب المشروع الأوّل في استعمال أندونيسيا استعماراً منظماً، وأساس هذا المشروع الاستيلاء على بعض أراضيها ونقل جماعات من الهولنديين إليها للاشتغال بالزراعة والتجارة في الموانىء الآسيوية والعمل على إنشاء إمبراطورية واسعة في آسيا، يكون مقرّها مدينة باتافيا التي يرجع إليه فضل تأسّيها في جاوا.
وقد استطاع «كوين» أن يحصل لهولندة على السيادة في بحار الهند الشرقية، بعد أن ارتكب من أعمال العنف مع أهل البلاد ما فزع له الهولنديون أنفسهم. وفي منتصف القرن السابع عشر كانت تقبض على زمام التجارة في الموانىء الآسيوية من غيران إلى اليابان ثمّ نشرت سلطانها في القرن الثامن عشر على أجزاء كبيرة من أندونيسيا، وأخضعت كثيراً من الأمراء الوطنيين، ثمّ عنيت بالزراعة بعد أن أصبحت تملك مساحات واسعة من الأض، وبعد أن نجحت زراعة شجرة البن. وهكذا أصبح الملاك من الهولنديين في أندونيسيا يديرون الضياع الواسعة ويستغلون في زراعتها ألوف الفلاحين والعبيد من الأندلسيين ولم يكن حكم الشركة في تلك البقاع خيراً من حكم الطغاة من السلاطين الوطنيين، فقد كانت الثروة رائد الشركة وممثيلها، ولم يكن أهل البلاد إلاّ عبيداً يكدون، فضلاً عن أنّ رجال الشركة كانوا ينشرون بينهم الأفيون، ليجنوا من تجارته الأرباح الوافرة، وليقضوا في الوقت نفسه على نشاطهم العقلي.
ولكن الثورات الاجتماعية واضطراب الجو السياسي في نهاية القرن الثامن عشر أدّيا إلى إفلاس شركة الهند الشرقية الهولندية، فقد اشتركت هولندة سنة 1780م في حلف من الدول الشمالية المحايدة. هدّد بقتال البحرية البريطانية إذا استمرّت في اعتدائها على حرية تجارتها في البحار إبان الحرب الأمريكية الإنكليزية. ونجحت إنكلترا في محاصرة الموانىء الهولندية وقطع كلّ اتصال بينهما وبين جزر الهند، فكسدت تجارة الشركة، وظهر فساد نظامها، ولا سيما بعد أن تقرّر في معاهدة فرساي سنة 1783م فتح بحار الهند الشرقية للتجارة الحرة. وهكذا اضطرت الحكومة الهولندية إلى الاستيلاء على إدارة الشركة سنة 1796م، ثمّ حلتها وتعهدت بتسديد ديونها، ولكنّها استولت على ممتلكاتها في الهند الشرقية. مع ذلك فإنّها لم تفعل شيئاً لتحسين حال سكانها، ولم تقدم على إلغاء الرق واستعباد الوطنيين، وما إلى ذلك ممّا كان يخالف مبادىء الحرية والإخاء والمساواة التي تمخضت عنها الثورة الفرنسية، واعتنقتها هولندة في ذلك الحين، بل إنّ الحكام الهولنديين في أندونيسيا كانوا يذهبون إلى أنّ الأرض ملك لهولندة، وكانوا يبيعونها للمستعمرين الأوروبيين بمن عليها من الفلاحين الأندونيسيين.
ولما ضمّ نابليون هولندة إلى إمبراطوريته سنة 1810م مدّ سلطانه على ممتلكاتها في الشرق، فبادر الإنكليز إلى احتلال جزر الهند، ولكنّهم أعادوها إلى مملكة الأراضي المنخفضة بعد مؤتمر فيينا سنة 1815م وأفرطت الحكومة الهولندية في استغلالها، واتخذتها مزرعة واسعة، تحصل على دخلها ولا تكاد تترك منه شيئاً للآنفاق على التعليم أو للترفيه عن أهل البلاد الذين كانوا يشقون في تلك الضياع الهولندية الواسعة.
وزاد ازدهار التجارة الهولندية في أندونيسيا بافتتاح قناة السويس سنة 1869م وانخفاض نفقات النقل، وزيادة المنتجات من السكر والشاي والطباق والبن وظهور الأسواق الجديدة بعد التطوّر الاقتصادي في ألمانيا وروسيا وأمريكا الشمالية. ومع ذلك كلّه فقد بدأ العجز يدبّ إلى ميزانية تلك البلاد، وظهر جلياً منذ سنة 1877م. ولعله يرجع إلى سوء الإدارة وفساد نظام الضرائب، فقد كان معظمها يقع على كاهل الأندونيسيين أنفسهم، وكان هؤلاء في فقر مدقع. أمّا الأوروبيون، أصحاب الثروات الطائلة والإقطاعات الواسعة والمنشآت الصناعية والتجارية، فقد كانت الضرائب التي يدفعونها قليلة لا تناسب دخلهم، ولم تفرض الحكومة عليهم ضريبة دخل مناسبة إلاّ منذ سنة 1908م وكان عددهم قد زاد كثيراً، وزادت نفقات الحكومة من أجلهم، فقد أقبلت على العناية بالطرق وبمشروعات الري، وعلى مدّ السكك الحديدية، ونشر الثقافة والتعليم باللغة الهولندية، ومكافحة الأمراض والأوبئة فضلاً عمّا كانت تنفقه من الأموال الطائفة في أغراضها الاستعمارية، لإخضاع الإمارات الوطنية المستقلة، وللقضاء على أيّة مقاومة تبدو من أهل البلاد، وفيما يسمّونه في لغة الاستعمار «الدفاع عن البلاد وضمان النظام والسلام فيها»… وكان أعظم تلك الإمارات الوطنية سلطنة أجيه في جزيرة سومطرا. وقد ظلّت الحرب سجالاً بينها وبين الحكومة الهولندية في أندونيسيا زهاء ثلاثين عاماً (1873ـ1904م). انتهت بدخول سلطانها تحت الحماية الهولندية([180]).
أندونيسيا
ـ3ـ
وبدأت الحكومة الهولندية نحو سنة 1900م تعمل على التدخل في الشؤون الإدارية في الإمارات الوطنية التي كانت تحت حمايتها، فقضت بذلك على قسط وافر ممّا كانت تحتفظ به هذه الإمارات من مظاهر الاستقلال. وقد أدّت جهود بعض المستشرقين الهولنديين، وعلى رأسهم الأستاذ هرغرونيه إلى إقناع الحكومة ببذل بعض النفقات في نشر التعليم بين الأندونيسيين وبالعمل على كسب ثقتهم وتفهّم نظمهم الإسلامية، وتشجيع مشروعاتهم الاجتماعية، ولكن ما قامت به الحكومة في هذا السبيل لم يمنع الأندونيسيين في بداية القرن العشرين من التفكير في التحرّر من الاستعمار الهولندي، بما حمله إليهم من رق اقتصادي، مظهره استغلال موارد البلاد وخيراتها لمصلحة الأوروبيين من كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال، ويتبع ذلك إقصاء الأندونيسيين عن الميدان الاقتصادي واستخدامهم للعمل في المزارع والمتاجر والمصانع. مع الحرص على خفض الأجور وهبوط مستوى المعيشة.
ولا عجب فإنّ الحكومة لم تفعل شيئاً يذكر لحماية الأندونيسيين، ورأى الوطنيون أنّ الوقت قد حان ليكون رائد الحكومة مصلحة أهل البلاد، وهدفها إعلان استقلال أندونيسيا وترك مقاليد الأمور لأبنائها وقد سلمت الحكومة الهولندية بالمسألة الأولى منذ سنة 1901م ولكنّها لم تعلن إلاّ سنة 1922م أنّها تعمل على إعداد الأندونيسيين لحكم أنفسهم.
ومع أنّ هولندة لم تدخل الحرب الأوروبية الأولى فقد انقطعت المواصلات بينها وبين أندونيسيا، وزادت واردات الأخيرة من المنتجات الصناعية اليابانية والأمريكية، ولم تستطع هولندة بعد الحرب أن تعوض ما خسرته في هذا الميدان الاقتصادي، وحدث بين عامي 1917 و1920م أن ثار الشرقيون على الاستعمار الأوروبي في آسيا والشرق الأدنى، فقويت بذلك الحركة الوطنية في أندونيسيا، وكان تقدّم اليابان مثالاً بعث الزعماء الأندونيسيين على المطالب بالمساواة التامة بين الوطنيين والأوروبيين من سكان أندونيسيا، ولا سيما بعد أن أصبح اليابونيون فيها يمنحون امتيازات الأوروبيين.
وكان من مظاهر الوعي القومي في أندونيسيا قيام جمعية (بودي أوتومو)، التي أسّسها الدكتور «رادن ستومو» في جاوا سنة 1908م، للعمل على نشر الثقافة الوطنية بين أهل البلاد، ونجحت هذه الجمعية نجاحاً كبيراً ثمّ عنيت بالشؤون السياسية بعد الحرب العظمى الأولى. وقامت جمعية أخرى لها هدفان: أوّلهما اتصادي قوامه ترقية التجارة ونشر التعاون ومحاربة الفقر والجهل بين الأندونيسيين، والثاني التمسّك بأهداب الدين الإسلامي، وتوثيق الصلة بالأمم الإسلامية. ولم تكن هذه الجمعية تعنى في البداية بالشؤون السياسية، ولكنّها بعد الحرب العظمى الأولى اشتركت في المطالبة بالاستقلال.
وفي سنة 1916م لم تر الحكومة الهولندية بدّاً من إنشاء هيئة نيابية في أندونيسيا، سمتها مجلس الشعب، ولكن سلطته في البداية كات استشارية، فضلاً عن أنّ معظم أعضائه كانوا من الهولنديين الذين استوطنوا أندونيسيا، بل إنّ بعض أعضائها كان يعينهم الحاكم العام لجزر الهند الشرقية الهولندية، وزيد سلطا المجلس سنة 1925م، فأصبح يشترك مع الحاكم في السلطة التشريعية، وصار عدد أعضائه ستين عضواً، من بينهم ثلاثون من الأندونيسيين وخمسة وعشرون من الهولنديين، وكان ذلك بداية الحكم الذاتي لأندونيسيا.
وقامت في البلاد نابات العمال والموظفين وظهرت الميول الاشتراكية، واشتدّت الحركة الوطنية، فاندلعت نيران الثورة سنة 1926م، ولكن الحكومة قمعتها بشدّة وقسوة، ونفت إلى غينيا الجديدة ألوفاً من الاندونيسين وامتلأت السجون بغيرهم، وقامت الحركة ثانية على أكتاف شباب البلاد، ولا سيّما الذين أتمّوا الدراسة في أوروبا.
وقامت أحزاب سياسية مختلفة، رأى بعضها التعاون مع الحكومة انتظاراً لتحقيق الاستلال التي أعلنت أنّها تعد البلاد له، ورأى البعض الآخر أن لا يتعاون مع الحكومة إلاّ بعد الجلاء والاستقلال التام، ووافق مجلس الشعب في بتافيا سنة 1936 على أن يطلب إلى الحكومة الهولندية عقد مؤتمر لبحث أحسن الوسائل لتحيق استقلال أندونيسيا مع بقائها في الإمبراطورية الهولندية «أي أن تمنح نظام الممتلكات المستقلة البريطانية» وعلى أن يحدّد موعد يتم فيه إعلان هذا الاستقلال.
ولما تمّت هزيمة اليابان ألّف الأندونيسيون حكومة وطنية في بلادهم، ونظّموا جيشاً للدفاع عنها، ولكن الهولنديين أرادوا استعادة سلطانهم فيها. وقام القتال بين جيش الحكومة الوطنية وجنود الحاكم العام الهولندي. وأقبل البريطانيون على مساعدة الهولنديين في إخضاع الحكومة الوطنية. واحتجت روسيا في مجلس الأمن على بقاء الجيوش البريطانية في جزر الهند، واشتراكها في إخضاع الوطنيين، وأعلن البريطانيون أنّهم يعملون على التوفيق بين الهولنديين والحكومة الوطنية في أندونيسيا، وظلّت المفاوضات قائمة بين الفريقين، يريد الأندونيسيون استقلالاً تاماً، ويعمل الهولنديون على إقناعهم بقبول الاستقلال في نطاق الإمبراطورية الهولندية، أو الاحتفاظ بضرب من الصلة بين هولندة وأندونيسيا.
وظلّ الأندونيسيون صامدين حتّى فازوا باستقلالهم التام الناجز.
سيدة كاشف
من تاريخ أندونيسيا
جزائر واقعة بين استراليا وآسيا، بين خط °95 و°141 طولاً، وبين °6 شمال خط الاستواء و°11 جنوبه، مساحتها 483، 743 ميلاً مربعاً وتتألّف من ألوف الجزائر بين كبيرة وصغيرة المسكونة منها 6044 جزيرة ذكر اسم أندونيسيا Jor-Loqan الإنكليزي عام 1850 في Journal of Indian archipelaqo واستعمله الاختصاصي بعلم أجناس الأمم البروفسور باسنيان الجرمني عام 1884م.
وقد أقرّ العلماء إطلاق هذا الاسم على هذه الجزائر([181]) ومعناه جزر الهند، ويطلق في علم أجناس الأمم على الجزائر الواقعة بين مدغسكر غرباً وجزيرة فاس شرقاً وفرموسا شمالاً وزيلندا جنوباً، وفي الاعتبار السياسي مجموعة الجزائر التي كانت تستعمرها هولندا.
كان العرب يسمونها جزائر الهند، وجزائر الصين، وجاوا. ولما وصل الإنكليز سمّوها مجموعة جزائر الملايو، وسمّاها الفرنسيون مجموعة جزائر الهند، ومجموعة جزائر آسيوية، وسمّاها «مولتاتولي» مؤلف كتاب «ماكس هافلار»([182]) اينسوليندا، ومعناها في اللاتينية جزائر الهند، وتسمّى في عهد الاستعمار الهولندي بالهند الهولندية.
ويبلغ عدد سكانها نحو 120 مليون نسمة الآن، وحسب إحصاء عام 1966م كان عدد العرب الأقحاج 10522 والصينيين التابعين للصين الشيوعية 1,134,420 والهنود 17,310 الأجانب الآخرين 52,154 أمّا عددهم حسب أديانهم في إحصاء عام 1968م فكما يلي: المسلمون 101,918,000 والبروتستانت 7,176,222 والكاثوليك 2290,000 والهند وبالي والبوذيون 3,435,000 والأديان الأخرى 1,146,000 فالمجموع 114,515,000.
مهاجرة الجنس الاسترونيزي والاسترواسيا
المواطن الأصلية الجنس الأندونيسي من الجنس البولينيزي الماليزي ويسمّيه شميد الجنس الاسترونيزي وإليه تنتمي شعوب ذات لغات متجانسة وألفاظ متقاربة، فوجود التشابه هو الذي حفز العلماء إلى البحث عن المواطن الأصلية لهذه اللغات.
بحث البروفسور كيرن العالم باللغات والتاريخ في أصل الأندونيسيين بالمقارنة بين اللغات الموجودة في آسيا الجنوبية وبين لغات جزائر المحيط الهندي فوجد ألفاظاً مشتركة فتوصل إلى الاعتقاد بأنّ الموطن القديم للأندونيسيين هو الهند الصينية وسيام (الهند القصوى)، ثمّ تعمّق في البحث وأغرق في الاستقصاء فقرّر أنّ الموطن الأدم هو آسيا، فمن هناك هبطوا إلى الهند القصوى حيث تعلّموا ركوب البحر، فسار بعضهم إلى الجنوب في فترات متقطعة، وهاجر آخرون إلى جزائر بولينيزيا ومكرونيزيا وفرموسا ومدغسكر.
وأيّد شميد وفون هيندرن العالم بالتاريخ القديم رأي كيرن، غير أنّ بحثه لم يكن بالمقارنة بين الألفاظ واللغات، بل بفحص العصر الحجري ولا سيما في الهند القصوى وآسيا العليا، وقد أثار اهتمامه الفؤوس المربعة ووجودها في جميع أنحاء آسيا الجنوبية والعليا، وأوصله بحثه إلى الاعتقاد بأنّه كانت أمّة تتكلّم اللغة الأندونيسية هاجرت من يونان بالصين مارّة على الهند القصوى وشبه جزيرة الملايو، فجابت البحار شرقاً وغرباً واتصلت بالشعوب الأخرى، ثمّ وصل إلى هذه الجزائر أقوام أرقى أدباً في أواخر العصر الحجري (البرونزي).
عثر في مدغسكر على آلة كالبطل من البرونز وعلى أمثالها في الهند القصوى وأندونيسيا، وهي طبول معروفة هنا وفي سيام (تايلند). ويؤيد كل ذلك تشابه اللغات المنتمية إلى الاسترونيزية للغات الشعوب المنتمية إلى الجنس الاسترواسي، أي لغات خنريش ومون في الهند الصينية، ولغات موندا وستانتال في الهند.
وصولهم
وصل الجنس الاسترونيزي ويسمّيه كيرن Secondair Stanland فانتشروا بهذه الجزائر وزاحموا سكانها الأقدمين، وعاشوا بدون حقوق فردية، فالأرض ملك الجميع، يتعاونون على بناء المنازل والجسور، دينهم عبادة الأرواح.
عقائدهم وعباداتهم وحياتهم
كانوا يعيشون جماعات، كلّ جماعة في بيت من الخشب أو البامبو أو الخيزران، طعامهم الأرز وجوز الهند والفواكه والسمك، وأسلحتهم السيوف والتروس. لهم قوارب صغيرة وسفن شراعية، يربون المواشي وينتفعون بالحديد، يشعرون بخشية واحترام للظواهر الطبيعية كالكسوفين والصواعق وهيجان البراكين، وربما استكانوا إليها استكانة عبادة، يقدّمون لها القرابين، ويعتقدون أنّ لكل شيء روحاً، وأنّ لأرواح الماضين قوّة التصرّف في الكون. قد يلقون بجثث الموتى في البحر أو يتركونها في الآجام تفترسها الحيوانات الضارية والطيور الكاسرة، وكلّما همّوا بعمل استحضروا الأرواح بواسطة كاهن يضع على وجهه قناعاً، فتضرب الطبول وتحضر الأرواح متقمصة جسد الكاهن، فإذا أذنت الروح ببناء منزل مثلاً شرعوا فيه، وبعد تمام البناء يحضرون الأطعمة إكراماً لها، ويعتقدون أنّ روح الميت كظلّه، وأنّ أرواح الموتى تنتشر ليلاً، لذلك إذا خيّم الظلام نشروا قماشاً أبيض على عمودين ووضعوا خلفه التماثيل وأشعوا خلفها سراجاً ليظهر ظلّها على القماش، فيحرك الكاهن التماثيل وتضرب الطبول وتسرد الحكاية.
لم تعد هذه المراسيم كما كانت، فقد فقدت تصرّفها الروحي وأصبحت تسلية للألعاب الظلية.
وصول الهنادك
وصل الهنادك إلى جزائر أندونيسيا وأخذوا يحكمونها تدريجياً. قال رادين دوما سويتا في كتابه المخطوط (راتو تانه جاوا) إنّ أجي ساكا مندوب ملك أستينا بالهند، أو ناسك برهماني، وصل إلى جاوا وتل ملك «مندانغ كمولن» الذي كان شرهاً أكولاً للحوم البشر، ثمّ نادى بنفسه ملكاً تلب «أمبو ويكو» وموع مندانغ كمولن بأسفل جبل بنغراغو في برياغن الشرقية.
يُقال إنّ هجرة الهنادك كانت في القرن الثاني الميلادي، وإنّهم كانوا يعاشرون طوائف من الناس معاشرة مريئة، إلاّ أنّها ليست بشيء بجانب ما يلقاه الأهالي منهم، وأقاموا بأندونيسيا ولم تنقطع صلاتهم ببلادهم فوجدت التقاليد طريقها من الهند إلى هذه الجزائر، غير أنّ طول الامتزاج بالأهالي الذين ما فتئوا متمسكين بتقاليدهم جعل الثقافات تتداخل، ثمّ زاد تأثير الأهالي فيهم، وقد تركت الهندوكية في أندونيسيا آثاراً، وفي آدابها معالم.
ويعتنق الهنادك تناسخ الأرواح ووجود آلهة، ويسمّونها «ديوا» للذكر و«ديوي» للأنثى، وينحتون التماثيل على صورها فيعبدونها، وأعظمها «باتاراتيري» أو براهما خالق العالم، ويشنو حارس العالم، وشيوا مدمر العالم، وهذه الآلهة متلازمة، غير أنّ بعضهم يعظم ويشنو أو شيوا أكثر، ولا يفرد براهما بالعبادة إلاّ نادراً.
ممالك ديمة ـ تاروما
يظن أنّه كانت للهنادك مملكة بجاوا الغربية تسمّى باسم شجرة تاروم (وهي النيلا لصبغ الأقمشة باللون الأزرق) هي تاروما الواقعة بين نهري تاروم شرقاً ونهر سداني غرباً، ينتسب ملوكها إلى الملك «بورنا وارمن»، عاصمتها على نهر سداني، شمال غربي مدينة بوكور، وقد عثر على أحجار عليها كتابات سنسكريتية جاء فيها اسم الملك والملكة، ويحتمل أنّها من القرن الخامس، وفي توكو (قرية بشرقي تانجونغ يريوك) حجر عليه كتابات يظهر أنّها من عمل الملك بورنا وارمن الذي حكم 22 عاماً وأصلح مجاري المياه.
كانتولي
ذكرها الصينيون وقالوا إنّها كانت تبعث الوفود والهدايا إلى الصين وإنّ أهلها بوذيون وعاداتهم شبيهة بعادات أهالي كمبوجا وسيام، ويحتمل أنّها في سومطرا.
بولي
وذكروا مملكة بولي وقالوا إنّ بها 136 قرية طقسها حار وأرضها خصبة، مساحتها من الشمال إلى الجنوب خمسون يوماً مشياً، ومن الغرب إلى الشرق عشرون يوماً، ملكها من أسرة «كاوندينيا» يلبس الحرير وعلى رأسه تاج ذهبي مرصع، يركب مركبة تجرّها الأفيال، دينه البوذية وغمد سيفه من الذهب، تخدمه جواري يحملن مراوح من ريش الطاووس، والسارق تقطع يده… إلخ، ويحتمل أنّها كانت في سومطرا.
سري ويجايا
كانت في سومطرا مملكة تسمّى «ملايو» قبل قيام مملكة «سري ويجايا» التي يطلق العرب عليها اسم سربزه ومملكة المهراج. تأسّست في القرن الخامس الميلادي ـ كما يقول البروفسور محمد يمين ـ وتسيطر على معظم سومطرا وشبه جزيرة الملايو إلى ليكور وبلاد السوندا وجزيرة بانكا، عاصمتها حيث باليمبانغ الحالية، سمّاها الصيني «ايتسينغ» عام 672 «سي لي بوجي» فيحتمل أن يكون محرفاً عن «سري ويجايا».
كان العرب يشترون من هذه المملكة البهارات والكافور والدامر والصندل والعاج والأبنوس والطيور والخيزران وغير ذلك.
وقد حدثت حروب بين «جولا مندالا» وسومطرا، إذ زحفت جيوش من شواطىء الهند الشرقية على سري ويجايا وكان على جولا مندالا الملك جندارا كولاديوا (1012ـ1042م) هذا هو الزحف الأوّل، وكان الزحف الثاني عام 1068م وانتهى ذلك بالصلح.
وفي عام 1268 و1292م حاربها الملك كرتا نكارا ملك سينغاساري بجاوا، فأسر الجاويون أميرتين هما: دارا بيتاك (سري ايندر اشواري) ودارا جينكا أم الملك «اديتياوارمن» (1340ـ1375م) وعاصمة ملكه بالقرب من «باكر رويونغ» عاصمة «مينانكابو».
وفي عام 1270م زحفت قوات سري ويجايا على سيلان بقيادة «جندرابانو» وعلى سيلان الملك باكرا ماباهو الثالث، وفي سنة 1377م هاجمتها وات ماجاباهيت فضعفت، وفي عام 1406م استولى عليها قرصان الصين.
كالينغا
وفي جاوا مملكة تدعى «كالينغا» ثمّ سمّيت جاوا عاصمتها جباراً المحوطة بسور، ذات مساكن مسقوفة بالقش، ويتألف منزل الملك من طبقتين، عرشه من العاج، ويتجر أهلها بالذهب والفضة والعاج وقرون المرميس وقد سار وفد منها إلى الصين عام 647م، ولملكها 32 مستشاراً عليهم رئيس. ويقول روفاير إن بها أربعة وزراء([183]).
ويذكر مصدر صيني أنّه كان في هولينغ (كالينغا) ملكة تسمّى سيما عام 674م وأنّ أيامها أيام عدل وأمن، فبلغ ذلك أحد أمراء العرب ـ والصينيون يسمّون العرب تاشي ـ فأمر الأمير بأن يوضع كيس مملوء ذهباً بأحد شوارع المدينة ومرّت ثلاثة أيام والكيس ملقى على قارعة الطريق ولم يجرؤ أحد على تناوله، حتّى مرّ ابن الملكة ونحى الكيس عن مكانه فاستشاطت الملكة غضباً وأمرت بإعدامه، فتشفع وزيرها وأقنعها بتخفيف الحكم، فأمرت بقطع أصابع رجليه.
وقد عثر على أثر بنواحي «ماكلانغ» عليه كتابات بحروف «فلاوا» جاء فيها ذكر الملك سناها أو سنا، ولهذا ابن هو سنجايا نش اسمه واسم أبيه عام 732م باللغة السنسكريتية، وتدل الكتابة على حذقه كأبيه حتّى أصبح الجميع مغمورين بالأمن([184]) وأنّه كان يحكم بحزم بالتعاون مع أخته. فيحتمل أنّها هي الملكة سيما الآنفة الذكر، وكان سنجايا من عباد شيوا كشعبه، ثمّ خلفه «بانونكولن» البوذي واستمرّت البوذية في سلالته.
على هضبة «ديثينغ» معبد لشيوا، المظنون أنّه بني في عصر سنجايا، ثمّ بنيت حوله معابد أخرى بقي بعضها سليماً إلى اليوم، وأقدم معبد للهنادك وهو معبد «كلاسن» بني عام 778م بشرقي مدينة جوكجا، وتدل كتاباته على أنّه بانيه من أسرة تنتمي إلى شليندرا، قبل سنجايا، وهي بحروف نكاري التي لا تتخذها إلاّ أسرة شليندرا في سومطرا وجاوا. ويقول الصينيون إنّ اسم عاصمتها «والوكاسي» وهو محرف عن «وارد كاسيك» الاسم القديم لمدينة كرسيك.
وكان في «بليتار» ملك من سلالة ملوك كالينغا يدعى «باليتونغ» عام900م تمتد مملكته إلى جاوا الشرقية والوسطى، وملك آخر يدعى «داكشا» كان وزيراً عام 906م للملك باليتونغ، ثمّ تولّى الملك (910ـ919م) ومن سلالته الوزير «أمبو سيندوك» (ولقب أمبو خاص عادة بكاهن أو عالم» كان بجنوبي سورابايا، وأسّس مملكة سمّاها «ماترام» عاصمتها «كوريبان» (929ـ947م) ثمّ تولّى بعده أحفاده، بوذي شديد الإكرام لكهنة بوذا، وتولّى بعده «دارما وانغسا» وكانت ابنته الحسناء «سري إيسنا تونكا ويجايا» شديدة البوذية تولّت بعد أبيها، ثمّ تولّى زوجها ثمّ ابنها الذي نبذ البوذية، ثمّ تولّى «ايرلانكا» الذي أثنت عليه الكتب القديمة ونوّهت بعصره تنويهاً عظيماً. عندما بلغ ايرلانكا الخامسة عشرة (عام 1006م) كما يعتقد كروم أو عام 1017م كما يقول كسباريس([185]) أغار على البلد عدو فنجا ايرلانكا بنفسه، ولما ضعف العدو استردّ ملكه وأقام بقصره «واتن مس» أي الجسر الذهبي، وحارب مملكة وينكر (بناروكن الآن) وغيرها. وفي عام 1032م حاربته الملكة مهاسين فانتصر عليها وأحرق بلادها بعد نهبها وفي عام 1037م تمّ له النصر على جميع أعدائه، وبنى للنساك منزلاً بسفح جبل (بنانكونغن) وأوقف له الأوقاف، وجازى كلّ من ساعده في محنته بالألقاب والعطايا، وبعد استيلائه على نهر برانتس لقب نفسه ملكاً لكديري. وكانت توبان الثغر البحري العامر، واوجونغ كالوه الميناء المهمع لى نهر برانتس.
الملك هو الحاكم الذي يفصل في القضايا، يحكم على الجاني بالغرامة، ما عدا اللصوصية والسطو على المنازل فإنّ جزاء الفاعل القتل، له وزراء وجنود وجوارٍ، يجلس على أريكة مربعة، يضفر شعره ويلبس الحرير، نعاله من الجلد، يركب الفيل والعجلة، يحيط به نحو 700 من جنده، وإذا مرّ بطريق سجد له الناس.
يسبل الأهالي شعورهم ويتزرون بأزر يربطونها إلى ما فوق صدورهم منازلهم مزينة بالقرامية الخضر والصفر التي تجلب من بلاد العرب والعجم كما يقول روفاير([186]) يركبون الزوارق في البحر ومتون الجياد في البر، موسيقاهم الناي والدف والكامباننغ.
يتولى إدارة البلاد أربعة أشخاص لا يتناولون رواتب معينة سوى ما قد يأخذونه من ريع الأراضي والضرائب المفروضة على المزارع والمتاجر.
أمر الملك بترجمة ديوان مهاباراتا، وكان بقصره الشاعر (كانوا) صاحب قصيدة «أرجونا ويواها» ولما بلغ الخميسن من عمره تنسّك ووهب نفسه للإله شيوا، وقبل وفاته عام 1049م قسّم ملكه بين ابنيه فتكوّنت مملكتا جنكالا وعاصمتها «واتن مس» وكديري (أو بنجالو» وتمسّى داها حيث كديري الآن.
جنكالا
أسدل الغموض ستاره على تاريخ هذه المملكة، فلا يعلم عنها إلاّ ما جاء عرضاً في بعض الأقاصيص، وقد عثر في «ماجاكرتا» على باب يعرف بأنّه باب قصر ملك جنكالا. ويقول «رادين دارما سويتا» إنّ المملكة تخرّبت عام 1162، وربّما كان خرابها وهروب ملكها وانقسامها إلى إمارات سبباً في غموض تاريخها فقد انفصلت عنها إمارات تومابل (سينغاساري) واوراوان، ثمّ وقعت نواحي من تومابل في قبضة مملكة كديري.
كديري
وعلى الرغم من غموض تاريخ كديري ايضاً بعد القسمة فإنّها كانت تضمّ مؤرخين وشعراء، وكان للملك وارسدايا شاعر يدعى «تريكونا»، مؤلف قصيدة «سوماناساننكا» وقصيدة «كريشتايانا». ويبلغ عدد موظفي هذه المملكة ألف رجل، وجباة الضرائب 300 والجنود 30 ألفاً يتناولون أجورهم في كلّ نصف عام.
تولّى بعده «جايابايا» جاء ذكره في قصيدة «باتارايودا»، واشتهر من خلفائه ملوك ووزراء بينهم الوزير «ساراوالايا» ومعناه قائد الأسطور البحري، فاستدل بهذا على أنّ لمملكة كديري أسطولاً بحرياً حربياً.
ومن خلفائه «كميشوارا» الثاني 1185م الذي كان يعيش في عهده والعهد الذي يليه الشاعر «تناكونغ» مؤلف «لويداكا»، وآخر ملوكها «كرتاجايا» الذي غلبه «كن أروك» في معركة «كانتر».
تومابل
نشأ «كن أروك» في بيت وضيع ثمّ ارتقى إلى الملك ببسالته وتهوّره، وكان في أوّل أمره متورطاً في الجرائم، يقترف القتل والنهب للوصول إلى مبتغاه. وبهذه الوسائل الإجرامية توصّل إلى الحكم، كان أبوه فلاحاً في تومابل، ولكن ناسكاً برهمياً يدعى «لوهكاوي» تبنّاه لمحو هذه الضعة، ثمّ زعموا أنّ شيوا تجسّد في صورته فأصدر ملك كديري أمره إلى أمير تومابل «تونكول أمتونغ» بالقبض عليه، فنجا بنفسه، وصار يتنقل في كلّ ناحية سادراً في أعمال النهب ممعناً في قطع الطريق والاعتداء على النساء، فتوسل الناسك «لوهكاوي» إلى الأمير ليعين «كن أروك» موظفاً لديه، لكنّه بعد أن تسلّم وظيفته الجديدة هام حبّاً بالأميرة «كن ديدس» زوجة الأمير فبادلته الغرام، وهذه الأميرة بنت ناسك اختطفها الأمير «تونكول أمتولغ» من بين يدي أبيها، وهي اليوم تبادل «كن أروك» الغرام.
وبإشارة الناسك أوصى بصنع خنجر لدى الحداد الشهير «أمبو كندرينغ» ولمّا مطله الحداد انقض على الخنجر وانتزعه من يد الحداد وأغمده في صدره، وهدى «كن أروك» الخنجر لصديقه «كبوهيجو» فشاع بين الناس أنّ «كبوهيجو» هو صاحب الخنجر الجميل، واستغفل «كن أروك» صديقه يوماً وسرق الخنجر وتوجّه إلى الأمير فأرداه قتيلاً فظنّ الناس أنّ القاتل هو «كبوهيجو».
واقترن «كن أروك» بالأميرة. وكانت حاملاً فوضعت ولداً سمّته «أنوسباتي» ثمّ رزق منها أربعة بنين، ثمّ تزوج امرأة تدعى «كن أومانغ» فرزق منها أولاداً منهم «توهجايا».
اتّسع ملكه وضمّ إليه بعض نواحي جنكالا، وأغراه الكهان على الانتقاض ففي عام 1222م حارب كديري، وحدثت معركة «كانتر» فكان النصر حليفه.
كان «أنوسباتي» ربيبه يشعر بامتعاض من معاملة متبنيه، ولكنّه كتم شعوره في نفسه، وبعد 27 عاماً سأل أمّه: لماذا لا أجد في عيني والدي تلك النظرة التي يجدها سائر أبنائه؟ فسردت له أمّه حقيقة الأمر وأخبرته أنّ والده الحقيقي هو «تونكول أمتونغ» الذي قتله هذا الذي تبنّاه، وناولته أمر الخنجر. أخذت المدينة تغمض جفونها، وطفق الناس يشعلون المصابيح، وجلس الملك قريباً من منضدة، فإذا بطعنة يصاب بها على يد مملوك أنوسباتي، وإذا بالمملوك بعد ذلك يخرّ إلى الأرض قتيلاً بجانب جثّة الملك، فلم يعلم أحد حقيقة القاتل وبقي الأمر مكتوماً، وتولّى أنوسباتي الملك (1247ـ1248م) ولكن السر انكشف لتوهجايا ابن المقتول من زوجته «كن أومانغ» فاستغفله يوماً وقتله، وتولّى توهجايا (1248ـ1249م) وتوجس خيفة من «رانكاووني» ابن الملك القتيل ومن أعوانه وابن عمّه «ماهيسا جمباكا» حفيد كن أروك فأمر بقتله ولكن اختفى ثمّ هاجم الشعب القصر وقتلوا الملك وفتكوا بمن فيه، وتولى «رانكا ووني» (1249ـ1268م) ثمّ ابنه كرتانكارا (1268ـ1292م) الذي زحفت جيوشه على «باتانغ هاري» بسومطرا، وتوماسيك (سنغافورا) وبالي وباهانغ (بشبه جزيرة الملايو) وكورونغ (شرقي جزيرة سيرام) ونوسابنيدا (بين لومبوك وبالي) وغربي كاليمانتين، كما جاء في قصيدة «نكارا كرتاكاما»، وكانت صلاته بالصين حسنة حتّى تولّى عرش الصين قوبلاي خان ملك المغول الشهير، ويسمّيه الصينيون «كوان سي جو» فبعث في عام 1281م يطلب قدوم الملك كرتانكارا إليه برهاناً على خضوعه، أو يرسل أحد أفراد أسرته، فامتنع، وألحّت عليه وفود الصين فهاج غضباً، وفي عام 1289م ختم وفد الصين «مينكي» بختم لا يزول أثره. حينئذٍ أعدّ قوبلاي خان جيشاً للزحف على جاوا، ولكن الجيوش وصل عام 1292م بعد أن تبدّلت الأحوال.
مصرع الملك كرتانكارا
أعدّ جاياكتوانغ جيشاً عام 1292م وجّهه إلى جنوب المدينة، وجيشاً آخر ضعيفاً إلى شمالها بطبوله وراياته، فأصدر الملك أمره إلى قائد جيشه (ختنه رادين ويجايا) وصهره الآخر «أردهارجا» ابن جياكتوانغ ليقفا في وجه العدو وللدفاع عن المدينة.
زحف الجيش القوي، وكانت الحصون خالية، وما هي إلاّ هنيهة حتّى كان الملك جثة هامدة، ونجا رادين ويجايا بزوجته بنت الملك كرتانكارا، وفرّ ومن معه إلى جزيرة مدورا في سومنب، وأفضى بما حدث إلى الأمير ويراراجا، ووعده إن قدر له أن يستعيد الملك أن يقسم جاوا بينهما، ثمّ أشار عليه ويراراجا أن يشغل مركزاً لدى جاياكتوانغ، وهناك اطلع على كلّ كبيرة وصغيرة، وصار يوافي بذلك صديقه ويراراجا.
ثمّ استأذن في تمهيد قرية «ناريك» بجنوب ماجاكرتا التي تبعد عن سورابايا بنحو 35 ميلاً، فصارت هذه القرية ميدنة سمّيت «ماجاباهيت» واستنجد ويراراجا بالملك قويلاي خان، وتوجّه إلى ماجاباهيت يتحيّن الفرصة.
قوات المغول تزحف على جاوا
وصلت قوات المغول لتأخذ بالأثر من الملك «كرتانكارا» ملك كديري الذي أهان وبلاي خان في شخص وفده، ولم يدر أنّ الأيام قد طوته فقد قتل كما تقدّم ذكره، وكان على قوات المغول قائدان تتريان هما أبكي ميسي أو (ايهي ميشي) وشي في، وقائد صيني هو «كاوهسينغ» في عشرين ألف مقاتل وتدّمت القوات إلى ماجاباهيت للاجتماع برجالها.
وأعلن ويجايا انتقاضه، وتجمّعت قوات المغول في «باجيكان» بجنوبي سورابايا، وكان جيش كديري مرابطاً في مصب النهر، وزحف المغول واستولوا على المصب، وغنموا مائة زورق، ثمّ تقدّم الأسطول إلى العاصمة داها وطلب ويجايا النجدة لأنّ جيشاً من الأهالي هاجمه بغتة في المدينة، فصولت نجدة المغول وهزمت المهاجمين ومعها ويجايا وجيشه «جاياكتوانغ» ونشبت معركة هائلة، ودخل المغول المدينة واتجهوا إلى قصر الأمير، وذلك في أواخر أبريل 1293م فاستسلم الأمير، واقتحم ويجايا القصر واختطف بنات الأمير وانسل بهن إلى ماجاباهيت، ووعد المغول بتقديم الجزية على أن يعودوا إلى وطنهم، وطالبوه بتسليم الأميرات ولكنّه استطاع أن يخدعهم. ثمّ توجّه جيش ماجاباهيت إلى «داها» لحرب المغول الذين يقودهم «شي في»، فظنّ هذا أنّ الجاويين قد اتّحدوا مع «جايا كتوانغ» فقتله وقتل ابنه معه، وهرب بجنده حاملاً غنائم كثيرة وأسرى إلى حيث الأسطول المغولي راسياً.
دولة ماجاباهيت
نصب ويجايا نفسه ملكاً وتلقب «براويجايا الأوّل» (وكرتار أجاسا) وجعل عاصمته «مااباهيت» وكافأ كلّ من أخلص له وآزره، فنصّب البعض في مناصب عالية، وأقطع آخرين الأراضي، ثمّ تزوّج بنات الملك كرتانكارا الأربع فصفيت له البلاد.
وحينما بلغ ابن «رادين كالاكميت» سنة من عمره نصّبه أبوه أميراً على كديري، بلقب «جايانكارا» حرصاً على عدم خروج الملك إلى غير نسله، ولا سيما أنّ أمّه لا تنتسب إلى أسرة ملكية، ونصب زوجته «دارا بيتاك» وصية على الأمير الطفل وهي معروف باستقامتها ودماثة أخلاقها.
بعد موت قوبلاي خان أخذ السلام ينضح الجو، وفي عام 1297م امتدّت التجارة بين الصين وأندونيسيا ولكن الأمر اضطرب بعد موت ملك ماجاباهيت الأوّل.
الملك جايانكارا (1309ـ1228م)
بلغ الخامسة عشرة من عمره عام 1309م فتولّى الملك، ولم يمر زمن حتّى اضطربت المملكة، إذ ثار «رانكالاوي» في توبان ثمّ قتل، وكان الملك ينقاد لآراء وزيره السيىء الظن بأعوان أبيه، ومنهم «ويراراجا» أمير جاوا الشرقية، وانتهى أمر الوزير بالقتل. وفي عام 1321م تكاثرت الثورات، وكان هناك شيخ على قرية يدعى «كاجه مادا» صار ئيساً على حرس القصر فأهاج الشعب على الثائرين، حتّى عاد الملك إلى ملكهز
جهزت ماجاباهيت جيشاً على سنغافورة في أسطول مؤلف من مائة زورق بقيادة «دمانغ ديراجا» فانكسر بعد حرب شديدة ـ كما في سجارة ملايو ـ ولم تمض مدّة حتّى كان كاجه مادا أميراً في كديري.
كان الملك يتوجّس خيفة من كبراء دولته أن يجاذبوه العرش، وهذا ما حدا به إلى أن يتزوج أختيه لأبيه، حتّى لا يتزوجهما أحد غيره، واشتد عليهم واستعمل القوّة، وضاعف حنق القلوب عليه إهانته لزوجة رجل يدعى «تانشا» الجراح، فلمّا مرض الملك استدعى تانشا ليقطع الورم الذي يشكو منه فطعنه طعنة نجلاء أفقدته حياته.
الملكة جايا ويشنو وابنها هيام وورك
تربّعت أخت الملك الكبرى «برينغ كرويبن» على العرش ولقبت «جايا ويشنو وارداني» في احتفال شائق لتتمكن من اختيار بعل لها من بين الحاضرين، فاختارت «رادين جاكرا دارا» أمير سنغاساري فلقب «كرتا واردانا». وارتقى كاجه مادا إلى منصب وزير عام 1321م وعظم شأنه، ووصفه المؤرخون بسلاطة اللسان وقوّة العارضة.
ولد هيام وورك عام 1334م وتنازلت له أمّه عن الملك وظلّت تدير شؤون الدولة حتّى بلغ رشده، وكان لكلّ فرد في الأسرة نفوذ، ويحكم الملك في العاصمة وضواحيها مباشرة، وما عدا ذلك فتحت حكم الأمراء، والأمير مستقل في شؤونه الداخلية.
أطنب في مدح الملك الشاعر «يرابنجا» مؤلف قصيدة «نكارا كرتا كاما» عام 1360م فقال إنّه لم يقترف خطأ، وليس هذا بمستغرب فهو شاعر القصر.
اتّسعت سلطة ماجاباهيت بفضل الوزير كاجه مادا، وامتدّ نفوذها إلى كثير من البلدان والجزر، واستولى على دومبو (في سمباوا) وجزيرة بالي عام 1334م، وقتل ملك «باداهولو» الذي كان يسيطر على جزء من سمباوا ـ ولومبوك، ومدورا، وجاوا الشرقية القصية، وجزء من سولاويسي، على أنّ أكثر الجزر التابعة لهذه المملكة إنّما كانت أطرافها كشواطىء كاليمانتن مثلاً، تكفي منها بالجزية، ويأتي الأمراء في أوقات معينة للسلام على الملك.
ذكرت الروايات أن الملك بعث كاجه مادا يخطب له الأميرة توهانا (أوجيترا راسمي) بنت الملك برابو وانغي باجاجاران، فزفّت الأميرة ورافقها أبوها وأعوانه، فلمّا قاربوا العاصمة حدث خلاف بينهم وبين كاجه مادا ثمّ قتال فقتل الملك ورجاله.
يقيم الشهبندر في حواضر البحر ويشرف على الصادرات، ويلقب لكسمانا وعلى كل شهبندر أن يتولّى إخضاع الثائرين في ناحيته، ويقوم الوزراء والنساك بجمع الضرائب للعناية بالمعابد والأديار، وهناك أراضٍ معفوة من الضرائب، وللكهان والنساك أوقاف، ويتدخل الملك في أنظمة الدولة فقد أمر أمير وينكر أن يسجل أحوال القرى، بل قيل إنّه أحصى كلّ شيء حتّى المطابخ، وتؤخذ بمقدار العشر من الدخل على المواشي والسدود والشوارع والموانىء والواردات والجسور وغيرها، وعلى الشعب بناء الجسور وصيانة القصور والمعابد، في ذلك العصر وصلت أفواج من الهنود والصينيين، وأرسل الملك وفداً ورسالة إلى الصين كتبت على ورق الذهب عام 1370م، ووصل كثير من أهالي كمبوجا وجاوانا (في أنام) وجامبا، وكراناتاكا وسيام ومعهم نسّاك، فكان الملك يحتفي بهم، فراق لهم الاستيطان بهذه البلاد.
كانت الأقوات تفيض عن الحاجة من غلات الأرز، وأحكام قانون يستند إليه، فالقاتل إذا ضبط متلبساً بالجريمة قتل في ساعته، ولكنّه إذا اختفى ثلاثة أيام لا يحاكم، وتنفذ أحكام الإعدام على مرتكبي الجرائم أياً كان نوعها. ذكر صيني أنّه لا يوجد حينئذٍ بجاوا لص، ويقول برابنجا إنّ تلك النواحي على سعتها كأنّها مدينة واحدة، وسكان القرى وهم ألوف كأنّهم جيوش محيطة بالعاصمة.
ولمّا مات كاجه مادا خلفه في منصبه أربعة أشخاص، لكلّ شخص وظيفة، ويتولى والد الملك «كرتاواردانا» شؤون القصر والضرائب والأمن والجاسوسية، يعاونه أمير وينكر الذي أحصى القرى والمطابخ، ويتولّى صهره «ويكراما واردانا» النظارة على المحاكم.
العاصمة ماجاباهيت
كان يحيط بالمدينة ـ في عهد هيام ووروك ـ سور عالٍ به عدّة أبواب، فإذا دخلنا من الباب الغربي وصلنا إلى ميدان به طريق مرتفع تظلّله أشجار البرينغين الفينانة حيث يجتمع تحتها الموكلون بالميجان ونظافته، وبالجهة الشمالية باب حديدي مزيّن بنقوش، ويقربه سوق تحيط به قصور، يقام به سنوياً اجتماع عسكري عظيم، وإذا توجهنا إلى الجنوب نحو القصر وهو مواجه لجهة الشمال وجدنا ميداناً آخر لسباق الخيل يدعى «سي تينكيل» وهو ميدان مرتفع يتوسطه بناء خاص بالملك لمشاهدة السباق، وسرادق للنبلاء والوزراء يقفون فيه قبل مثولهم بين يدي الملك، وبشرقي الميدان أماكن لتأدية المراسيم الدينية لكل من جهان شيوا وبوذا، وهناك مساكن للبرهميين وآخر للبوذيين وأصنامهم، وفي الناحية الغربية من جنوب المدينة قصور ذات أبواب منقوشة وسرادقات للكبراء وأروقة ومنازل للأسرة المالكة، ويقع سرادق الملك في ساحة بجنوب ميدان «سي تينكيل» بقربه محرس للجنود، وبين سرادق الملك والباب مجلس لصغار الموظفين إذا ما أرادوا المثول أمام الملك للسلام عليه وتقديم الهدايا.
عادات
يرسل الرجال شعورهم طويلة، ويحملون خناجر ذات مقابض من العاج أو القرون المرميس منحوتة بصورة رأس إنسان، ويضع الملك على رأسه تاجاً ذهبياً، ويلوي النساء شعورهن ويعقصنها. أمّا الجثث فقد يتركونها في الآجام أو ترمى في البحر، وهاتان عادتان قديمتان، أو تحرق ـ وهذه عادة هندوكية ـ إذا كان الميت ثرياً. ويتبعون ذلك بإحراق زوجاته فتزين المرأة رأسها بالزهور وجسدها بالأثواب فترص باكية في مكان مرتفع ثمّ تقذف بنفسها في النار. وقد أبطلت حكومة هولندة عادة إحراق الأرملة بجزيرة مالي في 25 أكتوبر 1903م.
وللأهالي ولع شديد بمشاهدة عرض «وايانع بيبير» فيستمعون إلى الرواية استماع الخاشع ويصغون إلى حوادثها وحكايات أبطالها التي تصوّر لهم الماضي في أشباحها وتمثل أصداء الغابر في صوت الدالانغ ـ فيأخذهم الزهو والإعجاب.
ولإقامة المهرجانات مكان بشمال المدينة، وهو ميدان لا تظلله الأدواح، ويحضر الملك والكبراء المهرجان فيأتي على مركبة تجرّها كلاب أو سباع يحرسها المماليك، وفيه تعرض المبارات بالسلاح كالخناجر والحراب والعصي والحبال، وللفائز جوائز من الأحذية والكساء.
والملك شغوف بالرحلات وزيارة المعابد، يستصحب معه في رحلته نساء، ومماليكه وكبراء دولته والشعراء والنساك وغيرهم على عربات تجرّها البقر، وتمتاز عربة الملك باللون الأحمر المموّه بالذهب، وعربة صهره بصورة الشمس وهكذا يمشي حوله الجنود والمماليك والعمال الذين يحملون أواني الطبخ، ويركب بعض العبيد الخيل أو الفيلة أو الجمال. وكلّما مرّ الملك ببلده يقابل بحفاوة وتقدّم له الأطعمة، وقد تكون الرحلة شاقة فيضطر الموكب إلى المرور في الوحل حتّى تتعطل المركبات وتكل البقر عن السير فيأخذ العمال في إصلاح الطريق.
من المدن التجارية العامرة حنيئذٍ: سنغاساري، وداها، وتوبان، وكرسيك التي يقول الصينيون إنّه يكاد يكون جمنيع سكانها أثرياء، فهناك تجار الذهب والماس والصدف وغير ذلك، وسورابايا ومرفاها بلدة جانكو.
الملك ويكراما واردانا والملكة
سوهيتا (1389ـ1400 و1401ـ1428م)
رزق الملك ولداً سمّي «بري هيانغ» و«بكاسينغ» الثاني، فلما بلغ أشدّه أسندت إليه ولاية العهد، وفي سنة 1400م تنازل عن الملك وانقطع للعبادة، فتولّت الملكة سوهيتا فجاهرها «ويرابومي» أحد الأمراء العداء، فنجمت الفوضى، فعاد الملك إلى عرشه، ولكن الخصام استمر بينه وبين «ويرابومي»، وكلحت وجوه الأيام، فهجم بقواته على ويرابومي عام 1406م، وانكشفت المعركة عن كثير من القتلى بينهم 170 صينياً كانوا في وفد الصين إلى ويرابومي، فنجا هذا بنفسه ثمّ قتل، وطلب ملك الصين من الملك ويكراما واردانا أن يدفع ديات القتلى فدفع له البعض وسامحه في الباقي.
وساءت الحالة في ماجاباهيت وخربتها الحروب، وحدثت مجاعة سنة 1426م ورخصت الأرواح، وأصبح القتل مألوفاً، وفسدت الأخلاق. قال تاجر إيطالي: إنّ الجاوي إذا أراد اختبار حد خنجره جرّبه في أحد المارّة.
أواخر عصر ماجاباهيت
خلفت سوهيتا أباها بعد وفاته (1428ـ1447م) وبرز اسم «بري داها» الذي خدم العرش وأخلص له، ثمّ تولّى «راحاسا واردانا» (1451ـ1453م) وكان أميراً ببلد كلينغ شرقي كديري، ثمّ أمير وينكر «بوروا ويشيسا» (1456ـ1466م) وعل العاصمة في سنغاساري، ثمّ «بري بندان سالس» إلى 1468م، فتولّى «براوجايا الخامس» إلى سنة 1478م، وهو الذي تقول الكتب القديمة إنّه قتل في قصره عندما هاجمه عدو.
زوال ماجاياهيت
قيل إنّها زالت على يد الملك الهندوكي «رانا ويجايا كريندارا واردانا» أمير كلينغ، وذلك أنّه عثر على أثر كتب عام 1408م شاكا، أي عام 1486م فيه اسم ملك هندوكي في ويلاتاكا، وهو من أسماء ماجاباهيت، فيه ثناء للملك الذي غلب غليها، وإنّ اسرة كريندرا آخر أسرة حكمت ماجاباهيت من الهنادك.
وقيل إنّ الذي خرّبها ابن «بري داها» الذي كان قد ظهر اسمه عام 1437م في عهد الملكة سوهيتا، فقد جاء في كتاب قديم أنّه حارب كديري وجنكالا وأنّه تلقب بملك ماجاباهيت.
وقيل إنّ الزاحف هو الأمير عبدالفتاح ابن الملك براويجايا الخامس من جاريته عام 1478م ولكن حكاية حرب الأمير لوالده تكاد تكون غير مقبولة، فإذا صحّ هذا يكون عمر الأمير مناهزاً للمائة، فكم يكون إذن عمر أبيه ومدّة حكمه؟ لقد هربت أسر وتفرّقت لاضطراب الأحوال وضعف الدولة وانتشار الفوضى([187]).
أسباب زوالها
أصاب ماجاباهيت تفكك وانهيار في سنواتها الأخيرة، وتنزى عليها أشخاص قد يكونون غير أكفاء، وأنهك قواها القتال، وانفصل عنها كثير من الولايات، ولا سيما المناطق الساحلية التي بأيديها التجارية، وتسلّط القواد. فليست هناك إذن أسباب اقتصادية دفعت المعتدين على هذه الدولة المنهارة، وليست هناك أسباب عنصرية فكلهم جاويون، ولكنّها دويلة سائرة إلى الانيهار، في حين كان الغسلام ينتشر في كلّ مكان وكانت المواصلات البحرية متوافرة بأيدي المسلمين، وقد طبعت الثقافة الإسلامية بلداناً كثيرة، وأخبار العالم الإسلامي ترد على ألسنة القادمين من التجار وغيرهم.
كانت ماجاباهيت تموت بطيئاً منذ عهدها الأخير، ولم تعد ادرة على مقاومة الطامعين ومجابهة التيارات وإصلاح الأوضاع، في حين كان التيار الإسلامي تهب رياحه هوناً ليناً تخترق القلوب الحانقة على الأوضاع الاجتماعية المتدهورة. إنّ هناك قاعدة لكلّ تطوّر، هذه القاعدة هي روح الشعب، فأفراده هم أسباب التطوّر في كلّ دولة، فكيف يكون شأن شعب ماجاباهيت الذي برزح في أتعابه، ويكرع الذل ملء إهابه، وهو يرى حسن حال من انفصل عن دولته. علاوة على من كان يتصل منهم بالمسلمين، فالأحوال الاجتماعية السيئة والفوضى التي سادت البلاد ووجود الطبقات الهندوكية وسيطرة البرهمانيين الذين يعتبرون الطبقة المقدسة حسب العقيدة السائدة إذ ذاك، وضيق المعيشة في ماجاباهيت بعد استقلال الأمراء وتمردهم الذي كانت نزعة السيطرة تدفعهم إلى ذلك، في الوقت الذي لا يوجد لدى المسلمين في المناطق التي انتشر بها الإسلام نظم طبقية ولا استعباد، فالشعب دون ريب يتطلع إلى حياة أفضل ونظام أفضل مما هو فيه.
فالانحلال قد بدأ في هذه المملكة حتى لقد مرّ عليها زمن نحو ثلاث سنوات وليس عليها ملك، ثمّ تعاقبت عليها أشخاص بالقوّة من غير الأسرة المالكة. ومن عوامل الانحلال عدم مماشاة التقاليد والنظم القديمة للعصر ومنها الحروب الأهلية، ومنها أنّ سلطة العاصمة على الإمارات اسمية تقريباً، ثمّ الاستنجاد بالمستعمر الجشع ففي سنة 1512م سعى المستولي على ماجاباهيت في إيجاد صلات بالقائد البرتغالي «البوكرك» الذي قد استولى على ملاكا عام 1511م. وبعث إليه بهدايا وهي 20 ناقوساً صغيراً وقطعة إزار و12 حربة ذات أطراف من الحديد([188]). ولكن ذهب سعيه هباء، فهو يريد أن ينقذ موقفه المضطرب ودولته الضعيفة بالركون إلى المستعمر الجشع.
وهكذا سارت ماجاباهيت إلى التلاشي حتّى لم يبق فيها إلاّ القليل من السكان عليهم الأمير «كوكور» الذي أحاطت به الأخطار، فاضطر إلى الرحيل عنها.
أمّا الظن بأنّ المسلمين هم الذين حطموا هذه الدولة وحاربوا فنونها فلا نراه صحيحاً، فالإسلام بدأ ينتشر قبل زوال هذه الدولة في أنحاء كثيرة من أندونيسيا، ولم يظهر لنا أنّ المسلمين قاموا بحرب على ماجاباهيت ابتداء، بل بالعكس، فقد كانت بلدان بها أمراء مسلمون خاضعون لهذه الدولة، والمسلمون بعد أن قبضوا على زمان الحكم لم يقضوا على ما هو قديم، بل ورثوا ما بقي منها بعد تصفيتها وأضافوا إليها، وبقيت النقوش وألعاب الوايانع إلى الآن، ولم يخرب المسلمون الآثار فظلّت باقية طول العهد الإسلامي إلى عصرنا، لو صح أنّ عبدالفتاح حارب ماجاباهيت فإنّها حرب كانت نهاية مرحلة هذه المملكة التي انكمشت رقعتها وضعف شأنها وأصبحت شبيهة بإمارة صغيرة، ولم تكن حرباً استعمارية دينية ولكنّها حرب لإعادة الحياة إلى حكومة كانت في الاحتضار، فأعاد عبدالفتاح الحياة إليها في صورة أخرى، فكان منقذاً ولم يخرج الملك عن الأسرة، لأنّ ماجاباهيت لم تعد بأيدي ملوكها بل تسلط عليها غيرهم، وهؤلاء هم الذين حاربهم عبدالفتاح.
جاوا الغربية
ذكرنا أنّه كان بجاوا الغربية مملكة تدعى «تاروما» في القرن الرابع أو الخامس الميلادي، وكانت بها مملكة أيضاً تدعى «سوندا» أو «باسوندان» ملوكها من عباد شيوا تقع بالقرب من قرية «جي باداك»، وقد عثر على أثر للملك بقعر نهر «جاجيه» فيه كتابات بالخط الكاوي القديم، من القرن الثاني عشر والثالث عشر، ودام الحكم الهندوكي في باسوندان أكثر منه في جاوا الشرقية، غير أنّ الثقافة الهندوكية لم تتغلغل فيه. وعثر على أثر في «بنجالو» جاء ذكره عام 1194م، وكانت «تاسيكمالايا» مقراً لمؤسس مملكة كالوه المسمّى «راتو بوساكا».
جاء في الحكايات أسماء ملوك آخرين غير ملك كالوه، كالملك «واستو كنجانا» في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر، ودام حكمه 22 عاماً، ثمّ تعاقب بعده ملوك حتّى بني قصر «باكوان» عام 1433م بقرب مدينة بوكور الحالية، وتقع حيث محطة قطار «باتوتوليس» يحيط به سور عثر على أنقاضه. وفي الحكايات أنّ هذه المملكة نقلت عاصمتها إلى باكوان، فيبدو أنّها انقسمت فصارت كالوه وباكوان، وكانت الرائب مفروضة على الأهالي من الزيت والبقر والدجاج والمنسوجات وغيرها، وعلى الشيوخ والعلماء أن يأتوا للسلام على الملك في العام مرّة، على أنّ تأسيس باكوان مختلف في تاخريه، وأمّا زوالها ففي عام 1561 أو 1579م.
بقي ذكر باجاجاران في الأفواه إلى اليوم لأنّها آخر الممالك الثونية في جاوا الغربية، وآخر دولة قامت المسلمين إبان انتشار الإسلام لذلك صار اسمها مقروناً في مخيلات العامة باسم الشيطان.
العهد الإسلامي
معرفة العرب والفرس بأندونيسيا
عرف العرب والفرس الأسفار البحرية إلى الشرق قبل الميلاد، ووصلوا إلى سرنديب ثم تكاثرت هجراتهم، ووصلوا إلى هذه الجزائروإلى كانتون بالصين للتجارة، وكانت تجارتهم قوية منذ القرون الأولى الميلادية([189])، وكانت أندونيسيا الواقعة على الخطوط البحرية إلى الشرق الأصى ممراً للسفن القادمة من الشرق والغرب، من بينها السفن العربية والفارسية. ذكر البحار الهولندي «ن فن لينسخوتن» في أنّه كان في بيدي من أجيه بسومطرا الشمالية ينابيع للبترول وأنّ كثيراً من تجار العرب يحملون مقادير منه إلى بغداد للتجارة، وأنّهم يسمّونه نفظاً ويستعمل وقوداً ومادة للأدوية([190]).
وفي الكتب الصينية أنّ جالية عربية فارسية استوطنت الشاطىء الغربي من سومطرا عام 684م (65هـ) بين بادانغ وبنكولو([191]). ثمّ انتقلت هذه الجالية إلى جاوا الشرقية، وبهم انتعشت التجارة حيث تأسّست مملكة ماجاباهيت. وقد ذكرنا فيما تقدّم وصول رسول الأمير العربي إلى جاوا في عهد الملكة سيما عام 674م.
ذكر البروفسور سخريكه([192]) أنّ أسطولاً مؤلفاً من 35 سفينة فارسية غادر سيلان عام 717م (99هـ) وتوجّه إلى سري ويجايا (باليمبانغ) وبعد خمسة أشهر واصل رحلته إلى الصين.
ذكر الحاج أحمد عاقب في تاريخ باليمبانغ ـ المخطوط ـ أنّ العرب وصلوا من قبل إلى باليمبانغ لأنّهم والهنود والصينيين كانوا يعبرون مضيق ملاكا وبحر الصين إلى جزائر الملوك.
وتذكر الكتب العربية القديمة أسماء بلدان كثيرة في الشرق، وكثرة الكتابة لأسماء بلدان دليل على مبلغ علم كتّابها بها، وقد تكاثرت هذه الكتابات في القرنين الثامن والتاسع حيث تكاثرت أسفارهم وتجاراتهم إلى الشرق، وكتب عنها المؤرخون، وها هم أولاء بعض المؤرخين والرحالين:
1 ـ المؤرخ الرحالة المسعودي، ذكر الزيج وعظمتها وحاصلاتها، توفي عام 346هـ (956م) أن قضى 25 عاماً في الترحال ووصل إلى أندونيسيا والصين، له كتاب «مروج الذهب» و«التنبيه والإشراف».
2 ـ سليمان البصري الذي دوّن رحلاته في كتابه العلاقات عام 237هـ (851م)، ذكر الرمني وأنّ فيها كثيراً من الفيلة وأنّه ينبت بها شجر البقم والخيزران، ووصفها بكثرة الذهب في كتابه «سلسلة التاريخ».
3 ـ أبو الفداء، كتب عن هذه الجزائر، عاش عام 670ـ734هـ (1271ـ1332م).
4 ـ أبو القاسم عبدالله بن خرداذبه الخراساني، صاحب كتاب المسالك والممالك وغيره، عام 232هـ (846م) ذكر الزيج والرمني وسلاهت وكله ومحصولاتها، وعلق على هذا الكتاب «دي خوى» توفي ابن خرداذبه عام 300هـ.
5 ـ محمد الإدريسي (493 ـ 562هـ /1100 ـ 1166م) له كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» وغيره.
6 ـ ياقوت الحموي، له «معجم البلدان»، قال عند ذكره بلاد الصين: فإنّ هذه الممالك شاسعة ما رأينا من مضى أوغل فيها، وإنّما يقصد التجار أطرافها، وهي بلاد تعرف بالجاوا على سواحل البحر شبيهة ببلاد الهند. توفي سنة 636هـ (1238م).
7 ـ ابن بطوطة الطنجي الذي قضى 25 عاماً في الرحلات، ووصل إلى أندونيسيا عام 1345م وتوفي عام 1377م.
8 ـ الدمشقي المعروف بشيخ الربوة له كتاب «نخبة الدهر في عجائب البر والبحر» ذكر الكثير عن هذه الجزر.
9 ـ البلخي عام 323هـ (935م).
10 ـ قدامة له كتاب الخراج (922م).
11 ـ المقدسي البشاري، له «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» (375هـ/895م).
12 ـ اليعقوبي أحمد، له كتاب البلدان، توفي بعد سنة 292هـ (903م).
13 ـ ابن حوقل الموصلي البغدادي، له كتاب «صورة الأرض» 370هـ (981م).
14 ـ أبو زيد الحسن السيرافي([193]) القرشي، مصحح خريطة بطليموس (916م) علق على كتاب أخبار الصين والهند لسليمان التاجر، سنة 237هـ (851م) وذكر الرمني وغيرها، وعلق عليه الكاتب.
15 ـ سليمان بن أحمد المهري له خمسة مؤلفات منها «العمدة المهرية» ألّفه سنة 917هـ (1510م).
16 ـ البيروني الذي رحل مع السلطان محمود الغزنوي إلى الهند عام 391هـ (1000م).
17 ـ ابن سعيد أبو الحسن نور الدين (1095م).
18 ـ أحمد بن ماجد بن أبي الركائب من بلدة جلفار، 845هـ (1441م) له كتاب الفوائد في أصول البحر والقواعد، وغيره.
19 ـ النضر بن ميمون البصري الذي زار الصين سنة 792م ـ 176هـ.
20 ـ ابن الفقيه أبو بكر الهمداني، 290هـ (902م) له كتاب مختصر كتاب البلدان، ذكر الرمني ومحصولاتها.
21 ـ أبو علي ابن رسته، له كتاب الأعلاق النفيسة، توفي عام 291هـ (903م).
22 ـ إبراهيم الطرطوشي في القرن الرابع الهجري.
24 ـ أبو إسحق إبراهيم الاصطخري، له مسالك الممالك وكتاب الأقاليم، توفي عام 346هـ (957م).
25 ـ إسحاق بن الحسين له كتاب «أكام المرجان في ذكر المدائن المشهورة في كلّ مكان».
وغيرهم كثير من مؤلفين ورحالين، وذكر المسعودي في التنبيه والإشراف أسماء الذين ألفا في هذا الموضوع منهم: أحمد بن الطيب السرخسي، وأبو عبدالله محمد الجبهاني، ومحمد بن أحمد بن النجم وغيرهم.
الخطوط التجارية
كانت الخطوط التجارية بين الشرق الأوسط والشرق الأصى تمر على طريقين، الطريق البري الذي يجتاز سمرقند وتركستان إلى الصين، ويعرف باسم طريق الحرير العظيمة، لأنّ الحرير كان يجلب من الصين([194]). والطريق البحري الذي يمتد من الخليج الفارسي وجنوب بلاد العرب إلى الهند وسيلان وبورما وأندونيسيا إلى الصين، يتصل هذا الخط أوّلاً بشمال سومطرا وملاكا، ثمّ يتفرّع منه طريق آخر إلى أنحار سومطرا وجاوا.
ذكر مولانا السيد سليمان الندوي([195]) أنّ الطريق الخليج الفارسي وأنّه ما زال سكان السواحل من الفرس والعرب مشتغلين بتجارتهم براً وبحراً، فكانوا يردون الثغور الهندية ويمرون بجزرها ويتوجهون مارين ببنغال واسام إلى الصين، ثمّ يعودون من الطريق نفسه، وقال «إنّ الطريق بين الهند وأوروبا ما زال ولا يزال ذا أهمية كبيرة، وموجباً لانقلابات تاريخية خطيرة، كان هذا الطريق بيد العرب ثمّ استولى عليه اليونان عند احتلالهم مصر بنحو ثلاثمائة سنة قبل الميلاد. ولمّا ظهر الإسلام بعج ستة قرون من الميلاد وعلا نجم العرب أصبحت يدهم هي العليا من مصر إلى إسبانيا، وامتلكوا البحر المتوسط واستولوا على الجزر الهامة ككريت وقبرص وغيرهما، فوقع هذا الطريق التجاري العالمي في أيديهم وظل تابعاً لهم قروناً عديدة، وقد اجتهدت الشعوب الأوروبية في الرن السابع عشر الميلادي لطردهم من بلاد الروم، ولكنّها في الوت الذي كان النجاح حليفها في إسبانيا وإفريقيا الشمالية ظهر الترك في آسيا الصغرى فبقي طريق البحر الأبيض المتوسط في أيدي المسلمين، واضطرت الشعوب الأوروبية إلى البحث عن طريق آخر إلى الهند غير الطريق القديم، وقد نجحت في مسعاها فاهتدت إلى ذلك الطريق من قبل إفريقيا الجنوبية، وقد ساهم في هذا الطريق الهولنديون والبرتغاليون ثمّ لحقهم الإنكليز والفرنسيون، وأخذ الجميع يزاحمون العرب ويحاولون سلب التجارة من أيديهم، فأدّى هذا التزاحم إلى حارب دامية على سواحل الهند بين الغرب والشرق، انكسر فيها الشرق عام 1509م وذلك أنّ الأسطول المصري أبحر إلى الهند عام 913هـ (1507م) بقيادة حسين الكريد فنازله البرتغاليون في شاول (يناير 1508م) واستمرّت المعركة يومين وانكسر البرتغاليون، وقتل قائد أسطولهم، ثمّ هاجم البرتغاليون القوّة المصرية في ديو في 3 فبراير 1509م (914هـ) وانسحب الكردي من الهند قال الندوي: فكان هذا الانهزام نواة لجميع الانهزامات الشرقية التي تلته، وقد اتّحدت في هذه الحرب البوارج المصرية والعربية وبوارج الحكومات الهندوسية والمسلمة في جنوب الهند، ونهدت لبوارج الشعوب الأوروبية، إلاّ أنّها خابت في سعيها، فكان من نتيجة هذه الهزيمة أنّ تجارة سواحل الهند وجزرها انتقلت إلى أيدي الأوروبيين ولا تزال في قبضتهم إلى الآن، وقد فقد تجار مدراس والعرب الذين يسمون بـ «موبلا» تجارة الهند الجنوبية وجزرها، وكانوا يملكونها قبل أن دهمهم الأوروبيو».
وكانت المواصلات التجارية ممتدة بين سومطرا ومدغسكر حتى لقد استوطن كثير من الأندونيسيين سيلان ومدغسكر ووصلوا إلى بلاد العرب، وكانت ملابر عامرة يؤمّها تجار أندونيسيا والصين والعرب والإيرانيين وغيرهم([196]) وكان للعرب نفوذ واسع في الملاحة والتجارة خالصة بأيديهم إلى سيلان في القرن الثاني قبل الميلاد، وتقدّمت تجارتهم إلى الصين، وتكاثر تجارهم في كانتون إلى القرن الخامس عشر وإلى قدوم البرتغاليين، ما كان لهم منافس في الملاحة والتجارة، فهم ملوكها في جميع البحار وفي هذا الشرق([197]).
إلى الصين
أمّا الوفود إلى الصين من بلاد العرب فكثيرة، منها وفد توجّه عام 651 و655م (35هـ) في عهد الملك كاوتسونغ من أسرة تانغ، وذلك أنّ هذا الملك بعث بوفد إلى الخليفة عثمان بن عفان، وتوالى إرسال الوفود إلى الصين في العهدين الأموي والعباسي. ولما حدثت ثورة الصين عام 138هـ (755م) استنجد ملك الصين بالخليفة أبي جعفر المنصور فأرسل خمسة آلاف جندي وأعادوا الأمن إلى نصابه وأخمدوا الثورة، وأرسل هارون الرشيد وفوداً إلى ملك الصين سوتسنغ، وكثر بعد ذلك ذهاب العرب والفرس للتجارة، ولم يمض زمن حتى ملؤوا مدينة كانتون ونشروا بها الإسلام([198]).
وتذكر رواية صينية رحلات المسلمين إلى سيلان والملايو وأنّهم يبحرون في سفنهم إلى الصين للتجارة عام 727م (108هـ) وأنّ لهم قرية كبيرة جداً في هينان عام 748م (264هـ) فلمّا انقطعت المواصلات أخذ العرب والصينيون يتلاقون في كله (قدح الآن) التي كانت تحت سيطرة سري ويجايا، وكان العرب يبحرون أيضاً إلى سومطرا وجاوا، ولكن الرحلات لم تنقطع إلى الصين. وفي كلّه تجتمع مراكب الصين والسيرافيين والعمانيين([199]).
ومما ينبغي ملاحظته نسبة الصين في الكتب العربية القديمة إلى الأشخاص، فقد ينسب الشخص أو البحر أو السفينة إلى الصين وليس المراد دائماً الصين المعروفة الآن، فإنّ إبراهيم بن إسحاق الصيني كوفي كان يتّجر إلى الصين فنسب إليها، وممّن نسب إلى الصين أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد الأنصاري الأندلسي كان يكتب لنفسه الصيني لأنّه قد سافر من المغرب إلى الصين، توفي عام 41([200]) ثمّ إنّ الصين موضع بالكوفة، وموضع آخر قريب من الإسكندرية، وتحت واسط بلدة تسمّى صينية الحوانيت. وممن نسب إليها الحسن بن أحمد بن ماهان أبو علي الصيني بل إنّ بحر العرب قد يسمّى بحر الصين([201]). وفي «التنبيه والإشراف» للمسعودي أنّ البحر الحبشي هو بحر الصين والسند والهند والزنج والبصرة… إلخ([202])، وجزائر أندونيسيا قد تسمّى في القديم جزائر الصين كما تسمّى أيضاً جزائر الهند، وإلى أوائل القرن الحالي قد يأتي على الألسنة تسميتها بجزائر الصين. قال العلاّمة السيد أبو بكر بن شهاب الدين يذكر مدينة سنغافورا:
بخير جزائر الصين التي لم
تجد في الأرض قط لها ضريبا
مدينة سنغافورا حين تبدو
معالمها ترى السوح الرحيبا
أنواع التجارات
على تلك الخطوط حمل التجار التجارات من بلدانهم ومن الحواضر التي تمر عليها سفنهم في الهند وبورما وغيرها، فيبيعون في كل بلد ما يحملونه، ثمّ يحملون حاصلاته إلى الموانىء الأخرى حتّى يبلغوا أندونيسيا والصين شرقاً. حملون من أندونيسيا البهارات والكافور والصندل والفلفل والذهب والفضة والرصاص والدامر والعاج والأبنوس والطيور والخيزران والأثمار والطيوب والخناجر والأصباغ([203]).
ومن إيران والهند الأقمشة والكبريت والفولاذ. ومن الصين الخزف والمسك والأواني والحرير الفاخر. ومن بلاد العرب الأحجار الكريمة والحرير والخل والمر والصبر والقماش والمقصب واللؤلؤ والأسلحة والزجاج ومن أوروبا الغراء والعبيد. ومن آسيا الوسطى الياقوت والمنسوجات والجواهر والمرايا المعنية والخرز الزجاجي والطيوب وغير ذلك من مراكز التصدير إلى أنحاء الشرق الأقصى([204]).
وقد سيطر المسلمون تجارياً على عموم آسيان وكانت لهم مكانة ممتازة فالتجارات الإسلامية ممتدة إذ ذاك من شمال غربي إفريقيا وجنوب غربي أوروبا إلى البنجاب وجنوب شرقي آسيا([205]).
أسماء بلدان شرقية
في الكتب العربية القديمة
(مقارنات أسماء بلدان محرفة ومواقعها)
كثرة الأسماء التي وردت في كتب المسلمين القدماء تصوّر لنا مبلغ علمهم بهذه الجزائر وغيرها، واتصالهم بها وبأهلها. ولولا التصحيف والتحريف في كتابة الأسماء لانكشف لنا ما نجهله الآن، وقد تتبعنا بعض الأسماء وقارنا أوصافها الواردة في تلك الكتب، وهاك بعضها مع ذكر تصحيفاتها وتحريفاتها:
1 ـ سلاهث، سلاحظ، سلاهط، سلامط، شلاهط، المطنون أنّها مضيق ملاكا، وأصل الكلمة «سلات» بلغة الملايواي المضيق.
2 ـ السلاهي، جاء في «عجائب المخلوقات» لزكريا بن محمد القزويني وجزائر السلاهي جزائر كثيرة من دخلها لا يخرج منها لكثرة خيرها وفيها ذهب كثير هي جزائر السيلا، ذكرها ابن خرداذبه (ص70) أنّها بإزاء قانصو فيها جبال كثيرة وملوك من دخلها من المسلمين استوطنها لطيبها وفيها الذهب الكثير. ويصفها الدمشقي بأنّ فيها ياقوت وجواهر ومعادن ومغاصات وأنّها في جهة الشمال من البحر. ويقول النويري إنّها ممّا يلي الصين وكذلك قال المقريزي، ويكتبها المسعودي السيلي والسيلا، ظن بعضهم أنّها اليابان، وظن دي خوى أنّها كوريا.
3 ـ كله، كلاه كلا، كلابر. هي قدح أو كلانغ في شبه جزيرة الملايو. وفي معجم البلدان([206]) أنّها في أوّل الهند وآخر منتهى سير المواكب وفي «أخبار الزمان» أنّ فيها معدن الرصاص القلعي([207]). وهذا في شبه جزيرة الملايو، وقال إنّ موعها في النصف بين أرض الصين وأرض العرب([208]) وهكذا في مروج الذهب([209]). ومعنى كلاهبار بحر كله([210]).
4 ـ خالفور، نخالفور.
5 ـ لاموري، لامري، الرامني (كما يسمّيها سليمان التاجر) الرامي (كما يسمّيها ابن خرداذبه، والمسعودي وأبو زيد) الرمي، الرمني، الزفتي، لاوزي (ويسمّيها مركوبولو لامبري). هي في أجيه. قال الشيخ زين الدين في كتابه «سجارة أجيه دن نوسانتارا» إنّه محرف عن «لان كريك». ويسمّيها الصينيون: لانلي نان ولي، وحسب التحقيقات هي موجودة بين القرن التاسع والحادي عشر، حاربها ملك جولا عام 1032م، وحاربتها ماجاباهيت في عهد كاجه مادا. وفي معجم البلدان([211]) أنّها جزيرة في بحر سلاهط من أقصى بلاد الهند، عظيمة، يقولون إنّها 800 فرسخ، وبها عدّة ملوك لا يدين بعضهم لبعض. وهذا مما يقوي الظن بأنّها في أجيه. وفي «أخبار الزمان» أنّه يتصل بها أرض الكافور([212])، وأرض الكافور هي باروس متصلة بأجيه.
جاء في «رواية كبولوان هندبا تيمور([213])» أنّه كان بها عرب وصلوا إليها سنة 846 و950م (239هـ) وسمّوها رامي ولامري، يشترون منها البهارات والكافور ويحملونها على سفنهم إلى فارس وبلاد العرب وأوروبا.
6 ـ هلابر، هوابر. في سومطرا.
7 ـ سريزه، سربازه، أسريره. محرفة عن سري ويجايا المملكة المعروفة في سومطرا
8 ـ كنبايه، كنبايا، كنبايت، كسانه. هي كنباي الآن بالهند.
9 ـ خانفو، مثل خالوق، خانقوا هي كانتون الآن بالصين.
10 ـ الوقواق. ذكرها كثير من الكتّاب، وفي «عجائب المخلوقات» ومنها جزائر الواقواق تتصل بجزائر الرانج تملكها امرأة. لعلها ايريان وما حولها. فهناك توجد مدينة فاك فاك، وويواك.
11 ـ لنجالوس، لنكبالوس، النكبالوس، لجبانوس، النجمالوس، ليجالوس، لجبالوس، الكالوس، لنكاوس. يصفها الدمشقي بأنّها قريبة من سومطرا، لعلها جزائر نيكوبار.
12 ـ جبال تيري. قالوا إنّها على خط الاستواء ووراءها بنحو مائة ميل جزيرة صبح المعروفة بالعلوية في كاليمانتن الشمالية.
13 ـ جبال الديبجات. ويسمّيها المسعودي الدابيهات، والدبيجات. وهي لاكديف ومالديف.
14 ـ ملجاوه. ذكرها ابن بطوطة في رحلته، لعلها مينانكابو.
15 ـ كاكولا، قاقلة (وإليها ينسب العود القاقلي) هي أكولا أو سيبولكا في سومطرا.
16 ـ سمندور. شبه جزيرة الملايو.
17 ـ فنصور، بالوس، لعلها باروس، أو بنجور في سومطرا.
18 ـ الصنف، هي جامبا بشرقي تايلند. وفي معجم البلدان([214]) أنّه موضع في بلاد الهند أو الصين ينسب إليه العود الصنفي الذي يتبخر به، وهو أردأ الأعواد. ويعتقد روفابر أنّها بلدة بشمال سومطرا تسمّى الآن جومبا.
19 ـ صندل فولات، صنف فولار، جزيرة الصندل، صندل فولات جزيرة بعد «جامبا» تجاه الساحل، المظنون أنّها «هينان».
20 ـ كروي. في سومطرا.
21 ـ جزر الفالي، القال، ويسمّيها سليمان المهري القالات. هي لاكديف.
22 ـ جزر الذيب. هي ملاديف.
23 ـ زيتون. المظنون أنّها «زجوان جو» ويظن البعض أنّها «تسوتونغ» ميناء في إقليم فوكين بالصين.
24 ـ صيمور، صامور، سيمور. هي الآن جاول بجنوب بومبي بالهند.
25 ـ كدونج، كودنج، كوريج، كردع. هي كوند رانغ من بلاد الصنف. ويظن البعض أنّها «سنت جاكويس» وفي مروج الذهب أنّ بحرها بين بحري كله والصنف([215]).
26 ـ صخن، صنجي، صنخي، صيخو، صبحي. هي «جانخاي» بالصين.
27 ـ سمطار، نطقها الصينيون «سومانتالا» وسمّاها مركوبولو «سمارا» وسمّاها الراهب أودريكو الذي رحل إلى الصين قبل ابن بطوطة بعشر سنوات «سومولطرا». هي سمودرا في سومطرا.
28 ـ الزيج، الزبج، الربخ، الرانج، الزبق، يظن أنّها سومطرا، ويظن آخرون أنّها جاوا، ولمعرفة ذلك نذكر هنا بعض ما ذكرته الكتب العربية:
في مروج الذهب أنّ «لمهراج الزيج بلاداً واسعة يصدر منها الكافور والصندل وغيره، وأنّ به جزيرة سريرة والرانج والرامني([216]) والكافور في سومطرا. والحموي ذكر سربزه المحرفة عن سري ويجايا فقال إنّها جزيرة في أقصى بلاد الهند وراء بحر هركند في حدود الصين([217]). وقال المسعودي إنّ ملكه جميع أفاويه الطيب والكافور والقرنفل والصندل والجوزة والبسابسة والقاقلة والعود([218]). وابن سعيد أبو الحسن نور الدين ذكر جزائر الرانج وأنّ أكبرها السريرة وأنّ طولها 400 ميل من الشمال إلى الجنوب، وعرضها 160 ميلاً. وهذا ينطبق على سومطرا فليس في أندونيسيا جزيرة كبيرة ممتدة من الشمال إلى الجنوب غير سومطرا، فهو يعني مملكة سري ويجايا، لأنّ الواصف كان في عهد هذه المملكة.
وكانت أندونيسيا تسمّى جزائر الهند وجزائر الصين ـ كما ذكرنا ـ ولذلك قال المهلبي إنّ جزيرة السريرة معدودة من الصين. وقال ياقوت في معجمه: إنّ الصين يشمل جميع جزائر الشرق الأقصى، وإن جاوا من الصين([219]). وفي مروج الذهب أنّ الزابج في الصين([220]). وفين خبة الدهر أنّ خط الاستواء يمر على هذه الجزيرة. وهذا ينطبق على سومطرا. ويقول إنّ هذا كلّه بين الرانج وسريرة. وقد عرفنا أنّ كلّه هي قدح ببلاد الملايو، وأنّ سربزه هي سري ويجايا. إذن تقع الرانج شرقي بلاد الملايو فتشمل كاليمانتن وغيرها.
وبناء على ما تقدّم فإنّ الرانج هي مجموعة جزائر منها سومطرا، ففي أخبار الزمان أنّ جزائر الرانج كثيرة منها جزيرة تعرف بسديدة([221])، فلعل سديدة محرفة عن سريرة المحرفة عن سري ويجايا، فهو يسمّيها حيناً جزيرة وحيناً جزائر. وفي التنبيه والإشراف جزائر الزابج([222])، وأنّ كله وسربزه تابعتان لها. وفي جريدة العجائب لابن الوردي سراج الدين عمر: ومن جزائره جزائر الرانج وتشتمل على جزائر كثيرة في آخر حدود الصي وأقصى بلاد الهند عامرة خصبة ليس فيها خراب، ويسافرون بلا ماء لكثرة الخصب والعمارة. ومعنى الرانج كما ذكر المسعودي والدمشقي أنّه النارجيل([223]) (جوز الهند)، وفي شمال سومطرا توجد جزيرة «سابانغ» ويسمّيها سكانها جزيرة «واي» أي جزيرة النارجيل.
29 ـ سيلان، سرنديب، جزيرة الياقوت، وسمّيها بزرك «سهيلان» كما يسمّيها مع الجزائر حولها بلاد السهال، وكان أهلها في القرن الرابع يسمّون جزيرتهم سيهالا([224]).
30 ـ أبواب الصين. تقع قبل كانتون على الطريق إليها، كانت تسمّى شعاب باراكل. يظن أنّ المضيق بين هينان وساحل كوانغ تونغ هو أوّل باب من أبواب الصين المؤدية إلى خانفوا.
31 ـ خانجو، جانجو، جانفوا، جانكو. هي جوان جوفر.
32 ـ قانطو، قانصو، أنصوا.
33 ـ جابه، جاوه، هي جاوا. وكان اسم جاوا في عصر ما يطلق على جميع جزر أندونيسيا. وابن بطوطة يذكر وصوله إلى جاوا، والواقع أنّه وصل إلى سومطرا، وكذلك مركوبولو مع أنّه كان يقصد بذلك كاليمانتن، كما يعني بجاوا الصغرى سومطرا.
34 ـ مايط، ماقط، مافط، قريب من جابه (جاوا).
وصول الإسلام
الندوة التاريخية
عقدت ندوة خاصة ببحث دخول الإسلام إلى أندونيسيا بمدينة ميدان بسومطرا الشمالية، استمرّت جلساتها من 17 إلى 20 مارس 1963م (21ـ24 شوال 1382هـ) وانتهت بما يلي:
1 ـ فهمنا من المصادر التي اطلعنا عليها أنّ الإسلام دخل إلى أندونيسيا أوّل مرّة في القرن الأوّل الهجري (فيما بين القرنين السابع والثامن الميلادي) ومن بلاد العرب مباشرة.
2 ـ أنّ أوّل منطقة دخلها الإسلام هي سواحل سومطرا، وأنّه بعد تكوين المجتمع الإسلامي كان الملك المسلم الأوّل في أجيه([225]).
3 ـ وأنّ الأندونيسيين ساهموا فعلاً بعد ذلك في الدعوة إلى الإسلام.
4 ـ وأنّ دعاة الإسلام الأولين كان بعضهم من التجار.
5 ـ وأنّ الدعوة الإسلامية كانت سلمية.
6 ـ وأنّ الإسلام أتى أندونيسيا بثقافة وحضارة راقية هي من عناصر تكوين الشخصية الأندونيسية.
7 ـ وأنّ من الضروري وجود هيئة تقوم بأعمال تحقيق وتصنيف تاريخ الإسلام بأندونيسيا بصورة أوسع وبصفة دائمة، ورأينا أن تكون هذه الهيئة في ميدان مع إنشاء فروع لها في الأماكن المهمة لا سيما جاكرتا.
متى وصل الإسلام، ومن أين، وكيف؟
إذا كانت صلة المسلمين بالصين منذ القرن الأوّل الهجري فأحرى أن تكون أندونيسيا كذلك، لأنّها كانت محطاً وممراً بين الغرب والشرق، ومن المعقول أن يكون بها مسلمون حينئذٍ.
ذكر الدمشقي([226]) عند ذكره جزيرة الصنف (جامبا) أنّه دخل جزائر السيلا قوم من العلويين لمّا فرّوا من بني أمية فاستوطنوا وملكوا وماتوا بها، وأنّ جزيرة صبح كانت تعرف بالعلوية([227])، وأنّ ببلاد الصنف مسلمين ونصارى وعباد أصنام، ووصلت دعوة المسلمين إليها في زمن عثمان، وفيها نزل العلويون الفارون من بني أمية والحجاج ودخلوا البحر الزفتي بالجزيرة المعروفة بهم إلى الآن([228]). والزفتي في سومطرا كما ذكرناز وذكر مثل ذلك النويري في نهاية الأرب([229]) والمقريزي في خططه([230]). والملاحظ أنّ المراد بالعلويين هنا هم أنصار آل البيت الذين تفرقوا تحت كل نجم.
كانت ملاكا ممراً للتجارة والسياح من أجناس الأمم، وكان العرب والفرس يصلون إليها، كما أنّ السفن الأندونيسية تمخر البحار فتصل إلى الشطوط البعيدة، فيلتقي الأندونيسيون بالمسلمين ويتصلون بهم ويبادلونهم التجارة.
قال أرنولد([231]): إنّه من المستحيل أن نعرف على وجه التحقيق العصر الذي جاءت فيه تعاليم الإسلام، وربما جاءت مع تجار العرب في القرون الأولى الهجرية. وقال: يمدنا تاريخ مجموعة جزائر الملايو في خلال الأعوام الستمائة الأخيرة بفصل من أهم الفصول في قصة انتشار الإسلام بفضل ما بذله الدعاة من جهد، في هذه المدة كلّها نجد دلائل تفيد عن نشاط متصل قام به الدعاة المسلمون في جزر الهند الشرقية، أو بعضها على الأقل، وفي أوّل الدعوة لا بدّ أن ينفذ الدعاة أعمالهم بكلّ ألوان الدعوة، بدون مساعدة أو تأييد حكام البلاد، ولكن نفذت بقوة الإقناع فقط، وقد لقوا معارضات شديدة في كثير من الأوقات، وخصوصاً من الإسبانيين، ولكن الدعاة استمروا في سعيهم بنشاط لا يعرف الملل على الرغم من المصاعب في ألوان مختلفة من النجاح، وأنجزوا أعمالهم وإن كانت جزئية أ ناقصة.
ذكر الدكتور محمد بهجت المصري في مقال له بجريدة الأهرام([232]) تحت عنوان «ذكريات من الشرق» ما يلي: لم يحدد على وجه التحقيق تاريخ أوّل اتصال إسلامي بالهند، ويرجح أنّه جرى في أواخر القرن السابع الميلادي بواسطة تار العرب الذين نزلوا بسواحلها الغربية، وبخاصة ساحلي ملابر وكوجرات، وقد رحب بهم أمراء البلاد، لأنّه كانوا يثرون من المتاجرة معهم، وسمحوا لهم ببناء المساجد وإقامة شعائرهم الدينية، ولم يحاول أولئك العرب المسالمون الوادعون أن يتغلغلوا في البلاد ويتملكوها ويفرضوا عليهم سلطانهم، وبمثل هذا الأسلوب تقريباً دخل الإسلام إلى أندونيسيا.
قال الدكتور فيصل السامر: ويمكن القول إنّ العامل الأساسي في تحوّل جزر الهند الشرقية إلى الإسلامي إنّما كانت التجارة والتجار ومن رافق القوافل التجارية البحرية من فقهاء وعلماء جعلوا التجارة مصدر رزق لهم والدعوة الإسلامية هدفاً وطلب العلم هواية وإشباع رغبة.
ويقول موريسون: إنّ أندونيسيا عرفت الإسلام منذ عرف المسلمون سفر البحار. وظنّ بعض المستشرقين أنّ الإسلام بدأ في سومطرا الشمالية في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، لعثورهم على قبر الملك الصالح الذي توفي عام 696هـ (1297م)، ولأنّ الرحالة مركوبولو (وكانت سياحته في عهد المغول بالصين وعهد أسرة جون بالهند) ذكر أنّ في عام 1292م بسومطرا الشمالية ثمان ممالك وثنية ما عدا برلاك فإنّها مسلمة، وأنّ السرازين يبذلون كلّ جهد لنشر الإسلام (وسيأتي ذكر السرازين). والواقع أنّ مركوبولو لم يشاهد إلاّ بلدة برلاك، وإلاّ فإنّ المسلمين موجودون في غيرها. والاستناد إلى وجود قبر الملك الصالح والقول بأنّه أوّل ملك مسلم في حاجة إلى نظر، إذ يستبعد أن يدفن هذا الملك ويبنى عليه ضريح عليه كتابات عربية بعد ظهور الإسلام بخمس سنوات فقط. وقد علم أنّ قبله الملك الكامل المتوفى في 7 جمادى الأولى 607هـ (1210م) بل أنّ ما ذكره «سجارة ملايو» يدل على أنّ الملك الصالح ولد من أبوين مسلمين، وبالطبع أن ينتشر الدين تدريجياً في الشعب قبل أن يصل إلى قصور الملوك والأمراء، فلا بدّ أن تتكوّن قبل ذلك عائلات مسلمة طارئة كما هو المعروف في انتشار كلّ دين. فتاريخ أوّل وصول الإسلام لا يمكن تحديده بكتابة على ضريح أو بقيام دولة إسلامية، ثمّ إنّه لم تضمحل الوثنية بمجرد وصول الإسلام أو الدعاة، بل ظلّت الوثنية زمناً بعد قيام الإمارات الإسلامية.
قال الدكتور «سويبتا ويريا سوبارتا»([233]): لقد ذكر مركوبولو وجود العرب وغيرهم من المسلمين في سومطرا، ولكن كتاب «كاتوتكاجارايا» تأليف «امبوبانيولو» في القرن الثاني عشر ـ أي قبل وصول مركوبولو بنحو قرن ـ فيه كلمات أصولها عربية، وهذا ممّا يبعث الاحتمال بأنّ العرب المسلمين قد وصلوا إلى أندونيسيا قبل ذلك.
بالقرب من ليران في كرسيك شاهدة قبر فاطمة بنت ميمون بن هبة الله، عليها كتابات عربية كوفية، يعتقد البروفسور ستوترهيم احتمال كونها زوجة تاجر عربي، ولكن البروفسور maquette المختص بعلم شواهد القبور يعتقد أنّها عربية من اليمن، ومن الجائز أن تكون الشاهدة مجلوبة من بلادها، أو جاء بها الحضارم بعد ذلك، فإذا كانت الشاهدة مجلوبة فهي دليل على أنّ مسلمي اليمن كانوا هنا بكثرة، وإن كانت مصنوعة في كرسيك فدليل على وجود مجتمع إسلامي كبير آنذاك. ويقول باول ريفايز إنّها مصنوعة هناك وإنّ صنّاعها عرب أو فرس طالبت أسفارهم عن بلادهم، وهو يعتقد أنّ المسلمين كانوا مقيمين هناك في العصر الذي وقعت فيه المعارك التي انتهت بمقتل الملك ايرلانكا.
توفيت فاطمة بنت ميمون سنة 475 أو 495هـ (1083 أو 1101م) وعلى هذا فوفاتها في عهد مملكة كديري، أي قبل عهد ماجاباهيت. إذا كان هذا في جاوا فبالأحرى أن يكون في سومطرا، ويقوي هذا ما ذكره مكدونالد كمبل([234]) أنّ العرب والفرس اشتركوا في بناء ماجاباهيت. وأنّ لهم مستوطنات منذ زمن بعيد في سومطرا الغربية، وأنّ موانىء كرسيك ومدورا كانت مرافىء لإصلاح سفنهم وللتزوّد، وأنّهم اشتركوا في بناء ممالك جنكالا وكديري وسنغاساري ففي هذه المالك مستوطنات عربية فارسية، ولعله يشير بهذا الاشتراك إلى البناء من الناحية التجارية وما يشبهها لا السياسة أو الحربية، وهذا دليل على الامتزاج والتعاون بين المسلمين القادمين وبين الأندونيسيين حتّى أنّ مملكة الملايو الوثنية قد أرسلت مندوبين من المسلمين إلى الصين عام 1281م.
أما مركوبولو فقد جاء بعد ذلك بـ 12 عاماً، ولم ير الملك الصالح لأنّه كان في غزوة ضد ثورة حدثت، ولعلها ثورة وزير لا يريد اعتناق الإسلام، كما يقول المهندس مونس، فالإسلام كان له ملك وانتشار وقوة إذ ذاك. يقول جوجوفي الصيني([235]) (1178م) إنّ العرب جاؤوا من بلادهم إلى الصين، وكانوا يعبرون لأوقات معينة على لاموري (أجيه) انتظاراً لمهاب الرياح. ويذكر ماتوان لين الصيني (1082م) أنّ ملك بروني (في بورنيو) بعث وفداً إلى الصين هو «سيح لي مالي» ولعله محرف عن سليمان، وفي عام آخر بعث رجلاً يسمّى «بوالي» المحرف عن أبي علي.
كان المؤرخون الغربيون يعتقدون أنّ الإسلام جاء على أيدي دعاة من العرب، ولكن البروفسور سنوك هرخرونيه المستشرق مستشار حكومة الهند الهولندية للشؤون الإسلامية والأهلية جاء برأي جديد، وهو أنّ الإسلام وصل من الهند على أيدي مسلمين مقتفين آثار تجار الهندوس الذين كانوا يترددون إلى هذه البلاد، فجاء الإسلام واستمالهم وما زال يتدم فيهم حتّى غلب على جميعهم تقريباً بطرق سلمية وبدون أدنى قهر أو عنف إلاّ ما حصل من أهالي شرق جاوا الذين غلبوا على بعض مجاوريهم بالقوة وتناقل المستشرقون الهولنديون وغيرهم هذا الرأي وأقرته حكومة هولندا وأدخلته في الكتب المدرسية وكتبت فيه المقالات.
جميع الكتب مجمعة على أنّ الإسلام جاء بأسلوب مرغوب فيه، لا إكراه ولا عنف، فقد تفتحت له قلوب الأندونيسيين وقبلته عقولهم، وما وقع من حرب لا علاقة له بكيفية انتشار الإسلام، ولو كان المسلمون يستعملون القوة ويحملون السياط لما حامت حولهم القلوب، ولما استطاعوا أن يؤسسوا دولة يؤيدها الشعب، ولو لم تأت هذه الظاهرة بأسلوب اللين والحكمة لتآزر الجميع ضدها، ولكن هذا لم يحدث.
أمّا هجرات المسلمين إلى هذه الجزر فقد ازدادت بسبب الحوادث والمشاكل التي حدثت بالشرق الأوس سقطت بغاد عام 1258م (656هـ) فكان ما كان من الحوادث، وزحف الصليبيون على الشرق الإسلامي (1091ـ1291م) في حروب استمرّت سجالاً، وكانت الأرباح من تجارة البهارات ـ كما قال الدكتور سخريكه عظيمة جداً في القرنين الـ 13 والـ 14 لا لإيطاليا وحدها بل لمصر أيضاً، فمصر تربح من هذه التجارة وحدها خمسة ملايين من الروبيات كل عام ثمّ قال مستشهداً بما ذكره Sanudo manno البندقي عن التجارات في عصره (1260ـ1338م) إنّ تجارة الهند إلى الغرب تمر على بغداد إلى موانىء سوريا وآسيا الصغرى، وكانت رخيصة فصارت تمر على الإسكندرية فارتفعت أثمانها وصارت التجارة بيد سلطانها، والأرباح تسيل إلى جيوب العرب، لأنّ السلطان لا يأذن لمسيحي أن يمر ببلاده إلى الهند وقال: ومن العجيب أن تكون الحروب الصليبية من جهة وزحف المغول من جهة أخرى سبباً في تقدم تجارات المسلمين وانتشار الإسلام في الشرق الأقصى. فهذه أسباب تجمعت ودفعت المسلمين إلى الهجرات، فهاجرت عائلات إلى هذه الجزر واستوطنتها، فعلاوة على الأسباب التجارية والرغبة في السياحة ونشر الدين كانت المنشاكل العظيمة في الشرق الأوسط من الأسباب..
بلاد معتبر
يذكر «سجارة ملايو» وصول دعاة بطريق بلاد معتبر، وهو المعبر عند العرب، ويسمّى الآن كرومندل. قال الدكتور أحمد زكي باشا([236]): وأذكر لك بلاد المندل (التي يسمّى باسمها عود الطيب العطر) فإنّها سمّيت باسم ملكها «مندل» وهي المعروفة اليوم عند الإفرنج باسم «كرومندل» (تحريفاً عن لفظ مركب ترجمته إمبراطورية شورا (كورا) وهي المعروفة عند جغرافيي العرب باسم معبر).
المورو
يطلق على مسلمي الفليبين اسم «مورو» وأصله أنّ الذي يهجر الأندلس من المسلمين بعد سقوط غرناطة يسمّى «موريسكو» وهي لفظة أطلقت أوّلاً على المسلمين الإسبانيين، وهكذا جاء الاسم بالإسبانية «مورو» وبالإنكليزية «مور» غير أنّ هذه اللفظة أطلقت اصطلاحاً على كلّ مسلمي إسبانيا وإفريقيا الشمالية الغربية، والمسلمون في الفليبين يعرفون بهذا الاسم أطلقه الإسبانيون عليهم عندما وصل ماجلان إلى هذه الجزائر سنة 1521م([237])، وذلك لأنّهم رأوا بها عرباً ومسلمين في جزيرة سلدونغ (لوزون الآن) في عهد راجا سليمان حاكم مانيلا ابن أخت حاكم توندو.
السرازين
ذكر مركوبولو ـ كما تقدم ـ أنّ الذين نشروا الإسلام في برلاك هم السرازين. وكلمة سرازين محرّفة عن سراكنو عند الروم المحرفة عن شراقة أي الشرقيين، وتطلق على العرب، ثمّ أطلقت على المسلمين، وفي اللاتينية «سراكنو» يقصد به العرب الرحل. قال جرجي زيدان([238])… من ذلك ما وصل إلينا عن قبيلة السراسين وهي من القبائل التي عرفها اليونان في جزيرة سينا وورائها شرقاً، وأصل هذا الاسم مجهول، ويظن بعضهم أنّه تحريف الشرقيين في العربية وقال آخرون إنّه تصحيف الصحراويين أو السراقين أو الشركاء أو غيرهم، وقد اشتهر هذا الاسم عند اليونان حتّى أطلقوه على سكان جزيرة العرب.
العرب والفرس
جاء في «حكاية بولوجاوا» أنّ تجار العرب والفرس كانوا ينشرون الإسلام بين الوثنيين في البلدان التي يقصدونها، وكثيراً ما نجحوا في مساعيهم لأنّ التعاون طبيعي في العرب والذكاء وقوة العزيمة فطوي فيهم، علاوة على مصاهرتهم للأهالي.
قال فن دن بيرخ([239]): إنّ العرب قد استوطنوا الأرخبيل أو نسلهم بعد مملكة ماجاباهيت العاتية واختلط العرب بالأهالي وصاروا حكاماً وكان لهم نفوذ واسع.
وفي الحكايات الجاوية أنّ ابن ملك باجاجاران في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي ترك الملك وغامر في التجارة والتقى بعربي فأسلم على يده وعاد إلى وطنه يرافقه العربي لترغيب الملك في الإسلام ففشلا.
انتشار الإسلام في الهند الصينية
قال سالم هاراهاب: لم يسترع الاهتمام انتشار الإسلام في الهند الصينية، ولعل تجار العرب والفرس الذين يأتون للتجارة منذ القرن العاشر هم ناشرو الإسلام بين سكان السواحل، غير أنّ الذي استرعى الاهتمام هي هجرات الملايو إلى تلك الأماكن ابتداءً من أواخر القرن الرابع عشر.
ذكر المؤرخون أنّ علياً رحمه الله (سونن أمبيل) جاء من جامبا، وأنّ سونن بجاكونغ من سلالة الملك كيان من جامبا، فهذا يؤكد أنّ الإسلام في وقت ما جاء مارّاً على الهند الصينية.
الدعاة
قال فن دن بيرخ: إنّ تأثير العرب في القرن الخامس عشر أشد من تأثير الهنادك، وهو تأثير يكاد يكون خيالياً ولكنّه واقع، لأنّ أكثر العرب ذوي النفوذ الواسع هم من السادة الأشراف العلويين، في حين أنّ عرب حضرموت الآخرين لم يستطيعوا السيطرة على اعتقادات الهنادك «وقال: إنّ سبب تأثيرهم في أمراء الأهالي بالجزائر الهندية راجع إلى مؤهلات العرب لأنّ أكثرهم من نسل مؤسّس الإسلام، وهذا واضح».
قال بيخمان: إنّ الداعية ملك إبراهيم المدفون في كرسيك وهداية الله المدفون في جيربون عربيان، ويزيد الأستاذ سبات أنّه حسيني جاء من ملابر».
ذكر الدكتور فيصل السامر: أنّ أوّل داعية للإسلام في جزائر الهند الشرقية مجهول الاسم، غير أنّ التواريخ الجارية ذكرت أسماء كثيرين من دعاة الإسلام الأوائل مثل ملك إبراهيم ورادين رحمة أو سونن أمبيل (راجع فن دن بيرخ) وسونن كيري ورادين فتاح وغيرهم. أمّا ملك إبراهيم فهو من ذرية الحسين بن علي (عليه السلام). وقال: ولعل أوّل عهد جزيرة جاوا بالإسلام هو عام 30هـ. (650م) حيث روى الرحالة سليمان السيرافي أنّه شهد أيام سياحته في أواخر القرن الثاني الهجري على الأكثر مسلمين في جزر السيلي (أي السليبس). أمّا جزر الفليبين فقد دخلها قوم من العلويين أيام الخلافة الأموية فاستوطنوا وملكوا وماتوا بها، في حين أنّ الدعوة الإسلامية وصلت أيام الخليفة عثمان إلى بورمان([240]).
جاء في مقال نشر تباعاً في جريدة «بوارتا سورابايا» أن بنت ملك جامبا التي تزوج أختها ملك ماجاباهيت تزوجت عربياً كان قد جاء إلى جامبا للدعوة إلى الإسلام فرزقت منه ولداً هو رحمة الله (سونن أمبيل) المدفون في سورابايا.
وتذكر التواريخ الجاوية أنّ الشريف إبراهيم بعث إلى جاوا لنشر الإسلام، فتوجّه إلى جامبا ولقي ملكها وأعلمه بأنّه عربي ينتسب إلى الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله) وأنّه داعية إلى الأسلام فأسلم الملك على يده وزوجه ابنته أخت الأميرة «داراواتي» «زوجة ملك ماجاباهيت». وإبراهيم هذا هو والد علي رحمه الله.
وفي «سجارة ملايو» أنّ سفينة عربية وصلت وعليها ربان يدعى عبدالعزيز إلى ملاكا فأسلم ملكها على يده، وسمّي السلطان محمد شاه عام 1276م، وأنّ ميراسيلو أسلم على يد الشيخ إسماعيل جاء ومعه رجل من ملابر يسمّى محمد الصديقي، وأنّ الشيخ عبدالله اليمني وصل إلى قدح وعلى يده أسلم الملك.
وفي تاريخ جزائر الملوك أنّ الذي نشر الغسلام بها هو الشيخ منصور الذي جاء من بلاد العرب، ووصل الإسلام إلى سوكادانا على يد الشيخ شمس الدين فأسلم ملكها المتوفى عام 1677م كما سيأتي.
وفي كتاب لنور الدين محمد عوفي عن ابتداء دخول الإسلام إلى الصين: أنّه لما كثر اضطهاد الأشراف العلويين مدّة الدولة الأموية هاجر بعضهم إلى حدود الصين، وهناك على شاطىء نهر أقاموا لهم بيوتاً سكنوها وهادنوا امبراطور الصين وخضعوا لحكومته فمدّ لهم يد المساعدة([241]).
وفي «سجارة عالم ملايو»: في حضرموت جماعة من السادة الأشراف هم الذين يسمّون بالعلويين، فمن هذه الجماعة ظهر كثير من العظماء دخلوا إلى جاوا فوجدوا بها مكانة ونالوا المراتب العالية في بيراك، وتولّى بعضهم السلطنة في برليس (ملايا) وسياك (سومطرا) وبعدهم تكاثر العرب وتوالدوا هنا وكثر حجاج الملايو.
ويعتقد ملوك بروني أنّ أصلهم عربي، وكذلك سلاطين جزائر الملوك وغيرهم. ذكر الأستاذ محمد عبد الكريم أمر الله (حمكا) في كتابه أنّ الأندونيسيين يعتقدون اعتقاداً متوارثاً بأنّهم تلقوا الدين: عن العرب، عن شيخ داعية أو سيد شريف من سلالة الرسول([242]). ثمّ ذكر أسماء الدعاة كالشيخ إسماعيل الذي جاء إلى سمودرا ـ باسي، والسيد عبدالعزيز الذي أسلم على يده الملك «براميسوارا» والشيخ عبدالله عارف، وتلميذه برهان الدين في أجيه، وملك إبراهيم المنتسب إلى زين العابدين بن الحسين بن علي في كرسيك وهداية الله المنتسب إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله). (وذكر هذا أيضاً البروفسور حسين جاياد ينينغرات في مجلة «بهاسا دان بودايا» وغيرها). ثمّ ذكر أنّ سلاطين جزائر الملوك يعتقدون أنّهم من سلالة جعفر الصادق (عليه السلام) ومثلهم سلاطين بروني، وأنّ أوّل ملوك بروني «أوانغ بتاتر» وسمّي السلطان محمد على يد الشريف علي الذي تزوج بنت «بندهارا باتيه براباي» بنت أخ السلطان، فلما توفي السلطان محمد تولّى بعده أخوه السلطان أحمد، ثمّ تولّآ بعده الشريف علي (توفي في أوائل القرن الخامس عشر) ثمّ ابنه الشريف سليمان.
وفي حكايات أهالي تكارونغ (عاصمة كوتي في كاليمانتن) أنّ الإسلام جاء على يد أحد السادة الأشراف من دمك.
أعقب أولئك الدعاة أبناءً وأحفاداً اندمجوا كلّ الاندماج في الشعب، ولبعضهم سجلات تثبت أنسابهم وقد رأيت وثيقة خطية قديمة بحروف عربية هي سلسلة نسب يتصل إلى السيد عبدالرحمن السقاف، ووثيقة أخرى لمس أحمد بن كياي مس مجيد يتصل إلى السيد علي بن علوي بن عبيدالله بن أحمد المهاجر سليل جعفر الصادق (عليه السلام).
الدعاة التسعة
وهنا يأتي الحديث في الدعاة التسعة المعروفين في جاوا باسم «الأولياء التسعة» إذ توجد كتب وحكايات فيهم، كما توجد مقابر، فمن هؤلاء: علي رحمة الله بن إبراهيم (سونن أمبيل) توفي عام 886هـ (1481م) وابنه محمد هاشم الملقب سون درجة، ويلقب أيضاً «ماسائيه مونات» في سدايو، ومحمد عين اليقين بن إسحاق (سونن كيري)، وإبراهيم بن علي الملقب سونن بونانغ، وجاكا سعيد الملقب سونن كالي جاكا في «كاديلانغو» بقرب دماك ابن الأمير ملايا كوسوما تلميذ إبراهيم بن علي، ورادين براواتا الملقب سونن موريا في جبل موريا شمال مدينة قدس، وجعفر الصادق مؤسس مدينة قدس وباني مسجدها المسمّى بالمسجد الأقصى، وملك إبراهيم المتوفى عام 822هـ (1419م) في كرسيك، وهداية الله في كونونغ جاتي في جيربون. وهناك آخرون قد يعد بعضهم من الدعاة التسعة.
الألقاب
لكل داعية لقب أو ألقاب وأسماء، وقد تختلط هذه الألقاب بعضها ببعض، أو يدخلها التحريف والتحوير. ومن الأسباب تحريف الألسن تبعاً للهجة واللغة، ومنها تداخل الألقاب لشخص واحد حتّى قد يضيع بينها الاسم، ومنها العادة التي تقضي بعدم ذكر الاسم الحقيقي أحياناً للاحترام، وهذا شائع حتّى في الأزمان المتأخرة، فالشخصيات قد لا تعرف من ألقابها فقط وهي متعددة ومن الالقاب التي عرفت أسماء أصاحبها نذكر على سبيل المثال: انكو كونينغ لقب السيد الشريف زين الحسيني القدسي في رياو، وجاياد بيارا لقب نظام الدين عبدالله، وبتعيران بلانغو لقب محمد جلال الدين، واسكندر شاه كرامت سني هودانغ لقب محمد بن عبد القادر العباسي، وبنغيران ويراكوسوما لقب السيد محمد بن عيدروس الجفري أحد وزراء سلطنة جامبي، إلى غيرهم.
آل عبد الملك والسلالات العربية
مقدمهم وانتشارهم في جاوا
قال فن دن بيرخ: لقد اضمحل بعض الأسر العلوية بحضرموت ولكنّها لم تنقرض هنا، فإنّ أسرة آل عبدالملك موجودة بالهند وتلقب هناك بآل عظمت خان، وآل عظمت خان ـ حسب شجرة الأنساب ـ ينتسبون إلى السيد عبدالملك بن علي بن محمد (صاحب مرباط) توفي بالهند.
وفي شجرة نسب ملوك باليمبانغ ذكر لعبدالملك وسلالته، وهي شجرة كتبت عام 1161هـ منقولة من أصل قديم. وفي تاريخ باليمبانغ تأليف الأستاذ أحمد عاقب ذكر لسلالة عبدالملك في باليمبانغ، وكذلك في كتاب «سوتن كيري» تأليف أبو فطاني محمد عرفان، وفي نشرة إدارة مسجد أمبيل في سورابابا عن «سونن أمبيل» أنّه ابن جمال الدين بن أحمد بن عبدالله بن عبدالملك، وفي شجرة ملوك جيربون التي لدى السلطان شمس الدين كسبوهن، وفي اشجرة التي لدى كياهي مسلم بن محمد صالح المنتسب إلى سونن جيربون، والشجرة التي لدى الكياهي راد زين العاشقين، والتي لدى كيان عبدالحليم في مجالينكا، وفي سلسلة أنساب ملوك بانتن التي رتبها توباكوس إسماعيل بن محمد وأحمد جافيلوس من بانتن.
ذكرنا هذه الأسرة لما كان لأفرادها من المكانة في التاريخ، فلنذكر هنا مقدمهم إلى هذه الجزائر آخذين جانب الاختصار.
مقدمهم
في أواخر القرن السادس الهجري سافر السيد عبدالملك من تريم بحضرموت إلى الهند، ثمّ تفرق أحفاده إلى كمبجا والصين وسيام في أوائل القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) فنزل حسين الملقب جمال الدين في كمبوجا، ويسمّيه الجاويون جماد الكبرى أو جماد الأكبر، وله ولدان هما إبراهيم وعلي نور العلم (أو نور الدين).
قالوا([243]): إنّ الإسلام وصل إلى جاوا بطريق باسي (بسومطرا الشمالية) وأنّ الشيخ جماد الكبرى ينتسب إلى الإمام زين العابدين، وأنّ أكبر أبنائه إسحاق وإبراهيم في جامبا، ولكن المعروف أنّ إسحاق بن إبراهيم.
تفرّقت هذه الأسرة فصحب إبراهيم أباه حسيناً إلى سيام وجاوا ـ كما ذكرت هذه الكتب الجاوية القديمة ـ ثمّ وصل علي بن إبراهيم بن الحسين إلى جاوا.
قال سالم هاراهاب([244]): إنّ علي رحمه الله وصل إلى كرسيك وقد سبقه عربي يدعى جماد الكبرى تزوج إبراهيم (ويلقب اسمارا) بن الحسين بنتاً من كمبوجا تدعى (جندا وولن) فرزق منها ولدين هما علي الآنف الذكر وإسحاق الذي كان ينشر الدعوة في باسي، وبقي علي للدعوة في سورابايا، وأخوه يتردد إلى جاوا الشرقية، ومن الصدف أن مرضت الأميرة «ديو سكار دادو» بنت ملك بانيوانغي مرضاً شديداً، فطلب أبوها من إسحاق معالجتها ووعده إن أبلت منمرضها أن يزوجه إياها وأن يعتن الإسلام ويعلن إسلامه. فلمّا نقهت الأميرة تزوجها إسحاق ولكن لم يسلم الملك، فطالبه إسحاق بالوفاء بوعده وألحّ عليه، حتّى استاء الملك بمن إلحاحه فطرده وأسم ليقتلن من تلده ابنته من زوجها إسحاق، فلمّا ولدت([245]) أرسلت طفلها سراً إلى كرسيك وفوّضت تربيته وكفالته إلى امرأة مسلمة هي «نياي كديه بيناتيه» أرملة الأمير «كي كديه سمبوجا» أحد أمراء ماجاباهيت (قبرها الن في حارة كبونغسوان) وما زالت معظمة إلى اليوم([246]).
سمّي المولود الجديد محمداً، ولقب فيما بعد «عين اليقين» ولقبه الأهلي «رادين باكو» وعرف أخيراً بلقب «سونن كيري» بعد بنائه المسجد في كيري ودفن هناك. ولما بلغ الثانية عشرة من عمره أرسلته مربيته إلى عمّه رحمه الله ودرس عليه، ثمّ تزوّج ابنته عشيقة الملقبة (راوا أيو موميسي) «أو ديوي مرتا سيام» كما في «سجارة كهيدوفن سونن كيري».
ذكر وولبرس أنّ ناشري الإسلام جاؤوا من بلاد العرب عام 1380م (781م) تقريباً، وصل إلى جاوا أفراد من أبناء تلك البلاد، بينهم الشيخ مغفور المسمّى ملك إبراهيم ومعه اثنان من أقاربه، وفداً من ملك «كرانغ» ويسمّى «جرمين» وهو نشيط في نشر الإسلام «وقال: إنّهم نالوا حظوة لدى ملك ماجاباهيت والشعب واستطاعوا أن يجتذبوا الأهالي إيهم وينقذوهم من الخرافات وكانوا يتساهلون معهم ولا يتشددون في الأحكام، وهم الذين أطلقوا اسم كرسيك على بلدة تاندس».
ذكر ويسليوس أنّ كرسيك بل عام 1100م كانت مدينة عامرة ومرفأ للسفن قبل عصر ماجاباهيت والجارات بينها وبين جزائر الملوك إذا لم يكن العرب هم الذين بدؤوا بها فإنّهم على الأقل قد سيطروا عليها، وقبل ذلك بزمن بعيد كان تجار العرب قد أقاموا بجزائر الملوك.
ثمّ ذكر مولانا مغفور أنّه جاء ومعه أخوه إبراهيم ومعهما نحو أربعين شخصاً إلى كرسيك، وأنّهم جاؤوا باسم سلطان قضة gedhah المسمّى «موكمايه سادة سلام» لنشر الإسلام، وقضة تسمّى أيضاً جرمين. وصلوا إلى مكان يسمّى «كرواسي» وما زال اسم كرواسي معروفاً حتّى سنة 1720م، وذكر توجه مغفور إلى ماجاباهيت لدعوة ملكها إلى الإسلام ولكنّه لم يسلم غير أنّ÷ ولاّه على كرسيك، فأقام هناك مع أخيه إبراهيم، ودفن بمقبرة كابورا، وترك مغفور ابناً هو محمد الصادق، وخلف إبراهيم ابناً هو ملك إبراهيم. وذكر أنّ ملك قضة زار ماجاباهيت عام 1399م (801هـ) وأنّ الذي فتح الطريق من فضة إلى كرسيك هو ملك إبراهيم لا والده، وأنّ السلطان لمّا جاء كان بعد وفاة مغفور، فتوجّه مع ملك إبراهيم ومحمد الصادق إلى ملك ماجاباهيت فلم يسلم الملك وعادوا جميعاً، وتوفيت بنت ملك قضة في ليران بقرب «جرمي» وتوفي إبراهيم عام 822هـ (1419م) ومحمد الصادق عام 823هـ (1420م) وقد أصبح الإسلام ثابت الأركان.
ذكر الكاتب هاخمان([247]) أنّ عام 1382م هو العام الذي وصل فيه جماعة من العرب إلى كرسيك، وليس معنى هذا أنّ ذلك أوّل مرّة عرف العرب فيها جاوا، ولكنّه العام الذي نزلوا فيه وأقاموا، فالسياح الصينيون لقوا عرباً في دواخل جزيرة جاوا قبل ذلك بقرون.
وذكر البروفسور حسين جاياد ينينغرات اسم «جرمين» وأسماء أفراد من أسرة ملوكها هم جينول ابيدين (زين العابدين) من جنوب شاندس، وسيبين، وملك إبراهيم، مغفور، وصديق محمد، وقال (في ص 274 و279) إنّ ملك إبراهيم من أقدم الدعاة، وإنّ تاريخه مشتبك بتاريخ بنت أخيه «بوتري سواري» التي تعرف باسم «بوتري ليران» وذكر القصة كلّها.
أمّا علي رحمه الله (سونن أمبيل) فقد وصل إلى جاوا عام 751م (1351م) وتقول المصادر الغربية إنّ وصوله كان بأوائل الرن الخامس عشر وعمره عشرون عاماً، مرّ علي باليمبانغ في طريقه إلى جاوا ونزل ضيفاً على أميرها «الأيا دامر» فأسلم الأمير وسمّي عبدالله.
وكان لدى الأمير شاب ترعرع في كنفه يدعى «جايا ويشنو» وهو الذي عرف أخيراً باسم عبدالفتاح، فمن هو هذا الشاب؟
كان للملك براويجايا الخامس ملك ماجاباهيت جارية تدعى «ديوى ساري» فحملت منه فأرسلها إلى الأمير أيادامر أمير باليمبانغ، وولدت ابناً هو «جايا ويشنو» هذا. وهذه الحكاية لها أشباه في حكايات أخرى، ولا ندري لماذا تكاثرت أمثال هذه الحكايات.
توجّه علي رحمه الله ومعه عبدالفتاح وحسين أخوه إلى جاوا، وتزوج بنت أمير توبان الأميرة نياي أكنغ مانيلا، ورزق منها ابنه هاشم (سونن درجة) وابنه إبراهيم (سونن بونانغ) ووصل إلى قصر ملك ماجاباهيت فاستقبل استقبالاً حسناً، وتلقته زوجته الأميرة «دار أواتي» بنت ملك جاميا التي هي خالته، أي أخت جندا وولن،ثمّ جعل له النفوذ على بضعة آلاف من الأسر في أمبيل، وهو أوّل من لقب من الدعاة بـ«سنون».
أمّا ابناه هاشم وإبراهيم فقاما بالدعوة في ناحيتين من الشواطىء الشمالية لجاوا الشرقية. وكانا يتعاونان مع محمد (عين اليقين) المتوفى بعد خمس سنوات من سقوط ماجاباهيت ـ كما في بعض المصادر ـ وتوفي إبراهيم بعد ثلاث سنوات من وفاة محمد ودفن في توبان.
قيل إنّ سبب نكوص ملك ماجاباهيت عن الإسلام أنّه انتشر طاعون في البلاد فماتت بنت أمير جرمين التي جاءت مع والدها، فظن الملك أنّ ذلك من غضب الآلهة، فعدل عن الدخول في الإسلام. حدث هذا قبل وفاة ملك إبراهيم بإحدى وعشرين سنة، أي في عام 1398م (802هـ).
انتشار الإسلام
قال الأستاذ برج في كتابه وجهة الإسلام: تترامى حدود العالم الإسلامي في عرض هذه الجزائر وتمتد وهمية غير واضحة، وبينا تمتد حدود العالم الإسلامي شرقاً كلّ يوم أمام دعاة صامتين مجهولين مقطوعين وغير مبعوثين رسمياً…».
كان التيار الإسلامي يهب بلطف فيغزو القلوب ويمتلك النفوس، ووجد الدعاة في أبناء هذه البلاد قلوباً تفتحت لتلقي ما أتوا به، وأرواحاً تشوّقت إلى الاستزادة من المعلومات الجديدة، ونفوساً صافية تحنّ إلى السمو واللطف، بعد أن قضوا ردحاً من الزمن في قيود ثقيلة للنفوس، في وقت لا يسعد بالحياة الجسدية ويتخذ وسائل الرفاهية إلاّ الملوك والوزراء ومن شاكلهم، لذلك كانوا بعد ذلك خير عون للدعوة يلتهبون حماساً من أجل الدين ونشره في عزم للكفاح في سبيل الله.
ويقول فن دن برخ (ص12): إنّ هناك أسباب خلقية وطبيعية جعلت الإسلام ينتشر حيث ينشر العرب تجارتهم، وكان الدعاة يتّخذون شتى الوسائل للدعوة، حتّى لقد اتّخذوا الألعاب والحفلات التقليدية وسائل، وكان الداعية سونن كالي جاكا ممّن بذل جهده في تحوير الألعاب (الوايانغ) بأن أجرى حكايات عباد الأصنام في أساليب إسلامية([248]).
قال هاراهاب: «ازداد الإسلام انتشاراً بوصول مسلمين من العرب والبوقيس والملايو والصينيين الذين جاؤوا زرافات في أوائل القرن السابع([249]) إلى كاليمانتن، فأهالي كاليمانتن المسلمون هم من سلالات هؤلاء القادمين([250])، ومعظم هؤلاء أرقى أدباً وأزكى ذهناً من الداياك إذ ذاك، وهم يعملون لاجتذاب قبائل الداياك إلى الإسلام»([251]).
ماشى الدعاة العواطف وتركوا للناس حتّى أسماء الآلهة فكلمة «سمبهيانغ» أي الصلاة مركبة من «سمبه» أي عبادة و«يانغ» أي إله، كما بقيت أسماء هندوكية لدى الجاويين لم تتبدل مع أنّ بعضها في معنى ألقاب إلهية، وكان الدعاة لا يستكفون عن مشاركتهم في أفراحهم وألعابهم وحضور مراقصهم، بل أولوها عناية، وكان حسن الدين في بانتن أوّل ما يبدأ باختبار الفنسيات والعادات، فإذا خبرها بدأ بالدعوة بالأسلوب الذي يتماشى مع العواطف وقد يطبب المرضى على أن تكون أجرة العلاج الدخول في الإسلام.
كتب كاتب في جريدة «ماتهاري»([252]) فقال: «حينما انتشر الإسلام لم تقاومه الثقافة الهندوكيةن فانتشر وامتزج بالعادات والتقاليد، ذلك لأنّه لم يرتكز على السياسة، فتوغل في القلوب وانتشر في الآفاق، وليس معنى هذا أنّ المسلمين لم يبذلوا الجهد في نشر الثافة الإسلامية العربية، ولكن انتشر برغبة الشعب لا برغبة سلطة من السلطات إلاّ نادراً» وقال: «إنّ انتشاره لم يرتبط بتقدّم السلطة ولا بتأخّرها، كما هو العكس في عصر الحكومات الهندوكية، إذ أنّ ثقافتها مرتبطة بالسلطة تتقدّم بتقدّمها وتتأخّر بتأخّرها» وقال: «إنّ انتشار الإسلام كان بسعي دعاة يتخذون في دعوتهم الأساليب السلمية المعتدلة، بقلوب مخلصة، وإرادات قوية، حتّى تكاثرت المدارس الإسلامية تكاثراً عظيماً، ولم تزاحمها إلاّ المدارس الحكومية (الاستعمارية) تدريجياً، ومع ذلك فالرغبة شديدة لتعلّم اللغة العربية».
لقد انتشر الإسلام بصورة عجيبة، نشرها الدعاة ولم ينالوا حظاً من مساعدة الملوك، بل اعتمدوا على القوّة الكامنة في نفس العقيدة التي تأتي على كلّ ما ينصب لها من عراقيل خصوصاً من الإسبانيين([253]).
قال أرنولد: «يمكنك أن تعرف الطريقة في إحدى نواحي أندونيسيا ـ هي الفليبين ـ من هذه الحكاية: إنّ الطريقة التي اتّخذها الدعاة لتعريف دينهم للأهالي هي أنّهم كانوا يستعملون لغة الأهالي وتقاليدهم ويخالطونهم ويستكثرون من الإماء والعبيد لتكثير عدد المسلمين، حتّى تمكنوا أخيراً من تكوين صلات وثيقة برؤساء الأندونيسيين ذوي النفوذ الواسع المهم في شؤون الدولة، وكانوا أكثر نشاطاً واجتهاداً، ثمّ ازدادوا تقدّماً بالتدريج، وتكوّنت لهم السلطة، واتّصل عبيدهم بأمثالهم فقويت الروابط. ومع أنّ هذا كان يكفيهم قوّة فإنّهم حاولوا أن يترابطوا ويتفاهموا مع العظماء أكثر واعدين الملوك بالمساعدات إذا نبا أمر أو حاجة شديدة. ولعل هذه كانت طريقتهم أيضاً في نواحي أندونيسيا حتّى تمكن المسلمون من الهيمنة على الشؤون الاجتماعية والسياسية بجهودهم المنظمة».
«إنّهم لم يأتوا بسيوف مسلولة، ولم يكونوا مغيرين ولا مستعمرين كالإسبان في القرن السادس عشر الذين جاؤوا بالسيوف والقوّة والبطش لإدخال الأندونيسيين إلى دينهم ولم يكونوا كالأوروبيين الآخرين الذين احتكروا التجارات وآثروا الثروة فأهلكوا غيرهم، إنّهم جاؤوا تجاراً فاستعملوا عقولهم خلال ذلك، وثقافتهم لنشر دينهم، ولم تر بأذهانهم فكرة الترفّع والتسلط على غيرهم»([254]).
قال هاراهاب (ص36): «ومن الممكن بعد قوتهم وعظم نفوذهم في سومطرا أن يكرهوا الناس على أن يكونوا مؤمنين، ولكنّهم لم يفعلوا، بدليل بقاء أهالي باتاك ـ وهم السكان الأصليون ـ على دينهم وتقاليدهم فالإسلام انتشر تبعاً للظروف».
«ولم يدخل الإسلام إلى بلاد الباتاك إلاّ في القرن التاسع عشر، جاءها من ناحية الغرب، فدخل مندايلينغ وانكولا عام 1850م، تقريباً وعام 1880م وبها الآن وثنيون ونصارى ومسلمون».
«دخل الإسلام إلى كاليمانتن سلمياً على أيدي جماعة من العرب من باليمبانغ([255])، ومعلوم أنّ الإسلام وصل وانتشر في باليمبانغ منذ زمن، غير أنّ الوثنية بقيت في القرى البعيدة زمناً. وأمّا في المدن فالمسلمون كثر، ذلك لاتّصالهم بتجار العرب([256])، فقد نشروا الإسلام في حين كان الملك وثنياً، ولمّا مات تولّى بعده ملك مسلم عام 1590مـ997هـ، وفي عهده وصل الرحالة «أوليفر دو نورت» oliver de noort عام 1600م فقال «إنّ الإسلام هو الدين البارز حينئذٍ في الشواطىء»، وقد استرعى تقدّم الإسلام في سوكادانا اهتمام مركز الإسلام (مكة) إذ جاء في عصر الملك الثاني موفد من مكة يدعى الشيخ شمس الدين ومعه هدية خاتم ومصحف ورسالة من الخليفة، وسمّاه السلطان محمد صفي الدين (توفي عام 1677م)([257]) ابن كيري كوسوما، وحينئذٍ كان وصول الأوروبيين».
ظهور ممالك إسلامية
وكانت نتيجة انتشار الإسلام ظهور إمارات وممالك إسلامية متعددة تختلف مدّتها وسعة رقعتها، مثل مملكة برلاك، سمودرا، باسي، دايا، لموري، أجيه، باليمبانغ وغيرها في سومطرا. وبروني، وسوكادانا، وبنجر ماسيه وغيرها في كاليمانتن. ومكاسر، ولووك وأوّل ملوكها ـ كما في تاريخ الملايو والبوكيس ـ لامروسالات، وإليه ينتسب ملوك بوكيس المشاهير الذي ملك بعضهم بلاد الملايو وغيرها، وتالو وأوّل ملوكها عبدالله أوّل الإسلام، وواجؤ (1610م) وأوّلهم لاسانكورو، وبوني (1611م)، ومانغوند وأوّل يعقوب مانوبو (1844م) وبلانغ أوكي، وكورنتالو وغيرها في سولاويسي، إلى غير ذلك كثير، وتختلف أسماء الملوك وتواريخهم في الكتب القديمة وسيأتي ذكر بعضها.
استمرار انتشار الإسلام
من سوكادانا الإسلام إلى ماتن، كابواس، سامباس، لانداك، ممباوا، بنجرماسين، بروني، وفي سولاويسي انتشر في السواحل أوّلاً لدى الشعب المكاسري والبوكيس (سكان شبه جزيرة مكاسر في الجنوب الغربي من سولاويسي) ثمّ انتشر لدى الأليفورو، وتأخّر وصوله إلى ميناهاسا ففيها الآن مسيحيون ولكن الإسلام انتشر شمالاً وجنوباً، ولمّا وصل البرتغاليون إلى هذه الجزر عام 1540م وجدوا في كوا عاصمة مملكة مكاسر قليلاً من المسلمين المهاجرين، ولم يسلم أهلها بعد، فسعى سلطان ترناتيه السلطان باب الله (1570ـ1574م) في اجتذاب صديقه ملك كوا إلى الإسلام وهو الملك «توي جلو» (1565ـ1590م) وفي عهد ابنه «تبو كراينغ توني باسولو» وصل ثلاثة دعاة وهم: خطيب تونكال المعروف بلقب «داتؤري باندانغ» وخطيب سليمان الملقب داتؤ باتيمانغ، وخطيب بو نغسو الملقب داتؤري تيرو أوفدهم السلطان علاء الدين سلطان أجيه، فأسلم الوزير «كراينغ ماتوبيا» والأمراء والشعب (في 9 جمادى الأولى 1010هـ/22 سبتمبر 1601م) (وهو الملك الرابع من ملوك كوا، ولكن الأظهر أنّ الإسلام قد انتشر قبل إسلام الملك بنحو قرن على الأقل، لأنّ تجار المسلمين الذين يتردّدون إلى ملاكا والمقيمين بها انتشروا في بقاع الأرض ومنها سولاويسي بعد سقوط مملكة ملاكا بأيدي البرتغاليين عام 1511م كما أنّ أهل سولاويسي معروفون بمغامراتهم البحرية فهم يقصدون كل مكان). «ووصلت مهاجرات البوكيس إلى الأنحاء البعيدة فكانت لهم مكانة، كما لهم مساع لنشر الإسلام، فوصلوا إلى جنوب جزيرة فلورس وامتزجوا بأهلها ـ وكانوا قد تنصّروا ـ فأدخلوهم إلى الإسلام وكانت لهم تجارات عظيمة حتّى في الإمارات الصغيرة في شمال سولاويسي، ودخل الإسلام في شرقي ميناهاسا وفيها من السكان نحو 35 ألفاً (أو 50 ألفاً) نصارى بأواخر القرن السابع عشر، وكانت المسيحية قد انتشرت في عهد ملكها يعقوب مانوبو (1689ـ1709م) بمساعدة الرهبان الهولنديين الذين تنفق عليهم الشركة التجارية الهولندية، واستمرّت المسيحية في أحفاده إلى عام 1844م حيث اعتنق ملكها الإسلام».
«وفي عام 1832م جاء شاب عربي وتزوّج بنت الملك «كورنيليوس مانوبو» وهو الملك المسيحي الوحيد، فأسلم كثير من الأمراء والوجهاء فانتشر الإسلام في «بولاانغ ماغوندو».
«وكان الملك يعقوب مانوبو يواصل الطلب ويلحّ على نائب حكومة هولندا في منادو ليعيّن مدرّساً مسيحياً يكمل أعمال يعقوب باستيان، فذهب الطلب سدى، لأنّ الحكومة الهولندية ـ كما يقول حاكم منادو ـ لا يهمها أسلم أو تنصّر ما دام مطيعاً للحكومة مخلصاً في خدمتها، فأعلن الملك إسلامه وأسلم رعاياه».
«وانتهز داعية عربي آخر فرصة حدوث زلزلة عنيفة، فأفهم الأهالي أنّ الوسيلة الوحيدة لسلامة البلاد والإمارة من الزلازل هي دخولهم في الإسلام، وساعد على ذلك الملوك والأمراء، والتف كثير منا لناس حوله، غير أنّ دعوته لم يقارنها الخلق الرقيق الذي يرغب فيه الناس فأسلم نحو نصف السكان، وبقي آخرون على عبادة الشيطان».
وقد ذكرنا ما بذله الأندونيسيون من نشاط في نشر الإسلام، فكان الأجيون يبعثون الدعاة إلى أندونيسيا الشرقية ويرسلون الكتب إلى شبه جزيرة الملايو، وللبويسيين فضل عظيم في يد نطاق الدين إلى مختلف الجهات، ولدعاة مينانكابور (سومطرا الغربية) شهرة بنشاطهم في العصور القديمة والحديثة فنشروا الدين في جزر أندونيسيا، فكان العلماء من الأندونيسيين يقصدون القرى والجزائر الواحدة بعد الأخرى ويحملون بين ظهراني أهلها، وممّن قاموا بالدعوة في «سيدي كلانغ» و«تيكاليكا» باكيندو عارفين، وانتشر دعاة البوكيس، وكورونتالو، وبادانغ في ميناهاسا، وممّن قام بالدعوة في أواسط كاليمانتن القاضي مهارا عام 1800م تقريباً، وأعقبه الحاج عبدالغني من الداياك، وغيرهم كثير.
وسعى تجار البوكيس وغيرهم في نشر الإسلام في جنوب إمارة «ماغوندو» ومن هذه الإمارة ظهر رجلان من التجار هما حكيم باكوس ومام تويكو، فسعيا في نشر الإسلام في جميع نواحيها، ومنها انتشر الإسلام إلى شمال إمارة «بولاانغ» وكان معظم أهلها في سنة 1830م مسيحيين أو وثنيين، بينهم عدد من المسلمين. وهؤلاء القليل كانوا عوناً للدعاة العرب والبوكيس في نشر الإسلام، وكان المهاجرون من العرب والبوكيس في بدء انتشار الإسلام قليلين، ثمّ تكاثر عددهم.
وسعى سلطان كوا بدوره لنشر الإسلام.
«كيف دخل الإسلام
إلى جزائر الشرق الأقصى»:
كان أوّل دخول الإسلام إلى جزائر الفليبين على يد أحد الأشراف العلويين وهو حسن بن علي وينتهي نسبه إلى أحمد بن عيسى بن محمد النقيب ابن علي العريضي، جدّ السادة العلويين بحضرموت وجزائر الشرق. جاء ذلك الشريف إلى الفليبين مرسلاً من جهور الإسلامية ليدعو إلى الإسلام، فأسلم على يده ملك تلك الجزيرة وزوجة ابنته، وساعده على نشر الإسلام في تلك الأطراف، وتسرّب إلى ميندانو، مكيندانو، سيبو، سولو، كوتابارو، تمبارو، ليبونغن، باكمبيان».
«وذكر الكاتب الدكتور نجيب صليبي سلسلة دخول الإسلام في تلك الأطراف بالترتيب وسلسلة ذلك الشريف الداعي الذي صار أبناؤه ملوكاً، وهو أوّل من علّمهم الكتابة بالعربية». وذكر الشريف زين العابدين بأنّه جاء من جهور وتزوّج كريمة سلطانها ونشر الإسلام في ماكيندانو، وذكر سلالة نسبه كما وجدها في السجلات القديمة…» إلى آخر المقال.
ولدت كريمة السلطان من زين العابدين ابناً لقب «شريف كبونغسوان» محمد وقد ولد للشريف ولد في جهور يلقب «سمبكن» وبنت تسمّى «مزاوانغ»، وخلاصة ما ذكره نجيب صليبي في مقدمة كتابه المؤلف باللغة الإنكليزية، والمطبوع في مانيلا سنة 1905م، والذي اعتمدت عليه جريدة البلاغ، ما يلي: هذه الكتابة الخطية هي المخزونة من القديم في خزانة الرئيس «مستورا ماكيندانو» تلك الكتابة القديمة نظيفة مكتوبة بخط جميل متضمنة نسب كبونغسوان (الشريف محمد بن علي زين العابدين) وقصة خروجه من جهور ووصوله إلى ميندانو ودخول أهلها إلى الإسلام، وآخرها متضمن سلالة السلاطين الذين حكموا بلاد بوايان من السلطان «بولواك فقيه مولا» وباقر الدين أخيه (من ذرية الشريف محمد) وهناك رؤساء ورجوات من ذريته حكموا سيبو، وسولو، وكوتابارو، وتمبا، وليمبوغن، وباكمباين، وبوانسا، وباسيلان، وزامبوكا وغيرها، كتبت السلاسل بلغة ميندانو، ولم يأخذوا شيئاً من لغة أخرى، لا من لغة الملايو ولا من اللغة العربية»([258]).
«والبنت التي تزوجها زين العابدين هي «جاسول اسكيين» بنت السلطان اسكندر شاه، فولدت له ثلاثة آخرهم محمد الملقب كبونغسوان، ذكروا أنّه لمّا وصلت سفينة الشريف ومن معه من الملايو استقبلوا استقبالاً حسناً، ولما ثبت مامه أخذ يدعو رؤساء العشائر والأمراء إلى الإسلام»([259]).
قال هاراهاب ما خلاصته (48) وبعد حرب الإسبان وأميركا استقل المسلمون في ميندانو، وصارت لهم ملجأ، وكذلك الحال في جزائر سولو بعد أن وقعت تحت حكم الإسبان من عام 1878م.
تذكر إحدى شجرات العائلة في سولو أنّ أميراً من سومطرا يدعى «راجا بكيندا» جاء إلى ميندانو وباسيلان واستوطن سولو، وأقام فيها مقاطعة في أواخر القرن الرابع عشر على الأرجح، وكان أهالي سولو قد عرفوا الإسلام بعد مدّة قصيرة من قدوم شريف أولياء «كريم» فالإسلام جاء أيضاً من سومطرا»([260]).
وكان أهالي جزائر الملوك يقاتلون مع مسلمي الفليبين ضد الإسبان، واستشهد في إحدى المعارك أحد علماء ترناتيه المسلمين([261]) وكان تجار بورنيو (كاليمانتن) يتردّدون إلى مانيلا، وحكام مانيلا من أقارب سلطان بروني، ورجا سليمان حاكم مانيلا الذي حارب الإسبان ابن أخ لأحد سلاطين بروني، وابن عم للسلطان سيف الرجال الذي حارب الإسبان دفاعاً عن بروني عام 1577 و1580م.
ولسلطنة بروني مساع نشيطة في نشر الإسلام بين جاراتها عام 1521م، كما أنّ السلطان باب الله ملك ترناتيه قام بتدمير كلّ ما أنجزه المبشرون البرتغاليون، بجانب مواصلته لأعمال أبيه السلطان هارون في ميدان العمل الغسلامي. وللملايويين نشاط في الدعوة إلى أقاصي جزر الفليبين ولا سيما من بورنيو، وكان المسلمون يسيطرون على التجارات، فلمّا جاء الاستعمار الإسباني كسدت التجارات وضعفت الدعوة. ومع ذلك فقد وصل دعاة المسلمين من بورنيو وجزائر الملوك إلى جزر الفليبين الجنوبية، فكتب الحاكم الإسباني عام 1578م فرانسيسكو دي سندي إلى السلطان سيف الرجال ملك بروني يسأله الحد من إرسال الدعاة إلى الفليبين وأواسط بورنيو، والسماح بوصول المبشرين الكاثوليك، فرفض السلطان الطلب.
تقول الروايات الخاصة بجزائر الملوك إنّ الإسلام جاء على أيدي سبعة من الدعاة العرب قدموا من شبه الجزيرة، فنشروا الإسلام بين الوثنيين وعرفوا بأسماء غير عربية، وما زالت أضرحة بعضهم موجودة، وأشهرهم أبو بكر. ويقول نجيب صليبي إنّ قدومه كان في سنة 1450م تقريباً، وأنّه يلقب «بدوكا مهاساري مولانا السلطان شريف الهاشمي» كما هو مكتوب على ضريحه، والذين تعاقبوا على السلطنة هم من سلالته حسب شجرة العائلة، وأحد الدعاة السبعة السيد علي الفقيه ناشر الإسلام في جزيرة تاوى تاوى وما جاورها، ولكن يظهر أنّ الإسلام قد وصل قبل وصول المخدوم كريم عام 1380م، فهناك ضريح لأحد العرب في «تمبت» عام 1310م وما زال موجوداً ومحترماً.
وكلمة «مخدوم» في الهند وملاكا وأندونيسيا سابقاً بمعنى الداعية أو العالم، وليست لقباً لشخص واحد، فقد عرف بهذا اللقب الداعية كريم في «تاندوباناك» باني المسجدين الأوّلين في سولو، وما زال أحدهما باقياً، في جزيرة سيمونول، والداعية أمين الله في بود، وعبدالرحمن في جزيرة لوكوس، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم.
وأبو بكر الذي جاء من ملاكا مرّ على باليمبانغ وبروني إلى سولو وتزوّج بنت بكيندا ملك بوانسا السيد أحمد بن علي زين العابدين بن علي الباقر أخي الشريف كبونغسوان (محمد) فعيّن ولياً للعهد وهو الذي سنّ الأنظمة ووضع الأحكام في سولو وأثبت فيها كثيراً من التقاليد([262]).
ذكر صيني أنّ بجاوا ثلاث طوائف مسلمين قدموا من الجانب الغربي، وصينيون هاربون من بلادهم وقد أسلم كثير منهم، وأهالي البلاد([263]).
الثقافة الإسلامية
الثقافة في التاريخ الإسلامي متماسكة الوشائج متحدة الجذور بين أندونيسيا وشبه جزيرة الملايو وجنوب الفليبين بل بينها وبين الهند والبلدان العربية، ويجدر بنا أن ننظر بصورة خاصة إلى سومطرا وكاليمانتن ومناطق أخرى فإنّ ارتباطها الثقافي الإسلامي بتلك المناطق أكثر من ارتباطها ببعض الجزر القصية من أندونيسيا نفسها، ثمّ هي مرتبطة بسائر الأقطار الإسلامية ترابطاً ساير التاريخ وما زال كذلك.
وقد ذكرنا أنّه ظهر بالشرق اسم لامع لواضع نظام معروف هو السيد أبو بكر مؤلف كتاب «دار المظلوم» الذي حوى أنظمة وقوانين إدارية على أسس إسلامية وتعاليم لاهوتية في التوحيد. ويبدو أنّ التعاليم الصوفية كانت تدرس وتبحث بعمق لتطبق عليها القوانين والاحكام، بل تطبق عليها الحياة لذلك امتازت تلك العهود من النفوذ الإسلامي بهذه الجزر بروح الإخلاص والحب المحض.
كانت كتب الحديث ومؤلفات الغزالي والفقه والتوحيد تدرس بمعاهد هذه البلاد، وساعد على الدراسة والتعمّق فيها انتشار اللغة العربية والتفقه فيها.
يُقال إنّه يكاد يكون جميع سكان بانتن يتكلمون العربية أو يقرؤونها، وكان في سومطرا علماء، واشتهر سلطان باسي بإجادة اللغة العربية والفقه حتّى أنّه كان يستمع إلى الخطب وال~أشعار، وساعد هذه الحركة وصول علماء من الحجاز واليمن وإيران والعراق والهند وأنحاء أندونيسيا الأخرى، وممّن جاء منهم الشيخ الفقيه أبو الخير بن حجر من الحجاز مؤلف «السيف القاطع في الأعيان الثابتة» عام 990هـ /1582م) ومن اليمن الشيخ محمد اليمني العالم في العقائد والإلهيات، ومن الهند الشيخ نور الدين محمد بن حسن بن محمد بن حميد الرانبري الأصولي الفقيه. وغيرهم.
وظهر من العلماء الشيخ شمس الدين بن أبي عبدالله السمطراني المؤلف الفيلسوف المتوفى عام 1630م (1040هـ) تلميذ الشيخ حمزة الفنصوري، وكان رحالة ألّف كثيراً من الكتب في الإلهيات والتصوّف، وظهر بعده الفقيه إبراهيم بن عبدالله الشامي.
أمّا الشيخ حمزة الفنصوري فكان ذا نفوذ واسع قام برحلات وطاف أنحاء سومطرا وجاوا وشبه جزيرة الملايو وسيام حتّى وصل إلى الحجاز باحثاً عن «الحقيقة» و«عين اليقين» وألّف في ذلك كتباً يدعو فيها إلى الوجودية، منها كتاب «زينة الموحدين» ثمّ عاد إلى وطنه باروس. قال في مقدمة كتابه إنّه ألّفه بلغة الملايو لمن لم يفهم العربية أو الفارسية. وهذا برهان على أنّ لغة التأليف إذ ذاك كانت العربية والفارسية.
وبعده الشيخ عبدالرؤوف السنكيلي الملقب «تنكو دي كوالا» كان ينشر العلم ويبث آراءه عام 1661م تقريباً، وهو مؤلف كتاب «مرآة الطالبين» بلغة باسي، درس العلم في مكة المكرمة 19 عاماً، ومن شيوخه الشيخ أحمد قشاشي بالمدينة المنورة، وعنه أخذ الطريقة الشطارية.
وقد ألّف عدد من الغربيين في السنكيلي هذا، منهم المستشرق رينكس عام 1909م، وكتب جوهن دورنياس عن حمزة الفنصوري، والدكتور فورهوف عن الرانيري، ومنهم فن درنوك، وجوينبول، وفن رونكل، وفن دن بيرخ، وستوك هرخرونيه، ودريوس وغيرهم، بحثاً في الرانيري نالت به الدكتوراه من جامعة أندونيسيا بجاكرتا.
والرانيري تلقّى علومه في سوراة بالهند فأرسل إلى أمير بوني يدعوه إلى هذا الدين، فأبلغ الأمير ذلك إلى شعبه فرفضوا ما دعا إليه سلطان كوا، فاصطدم الفريقان في معركة انكسرت فيها بوني وأسلم ملكها، وبسعيه انتشر الإسلام لدى الأمراء في المقاطعات المجاورة لإمارته.
وممّا يثير الاستغراب أنّ الإمارات التي حاربها أمير بوني استنجدت بسلطان كوا، فبعث السلطان رسلاً إلى أمير بوني يستطلع الحقيقة، وبعث إليه بالأسئلة التالية:
1 ـ هل اعتمدت في حربك على من حولك على حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟
2 ـ هل اعتمدت على التقاليد المتوارثة وحدها؟
3 ـ هل أخذت جانب الظلم والجشع النفسي؟ فإن كان الأوّل فلتقدم حجتك، وإن كان الثالث فعليك وقف القتال.
لم يجب أمير بوني واستعدت كوا بجيوشها وتوجّهت صوب بوني، واندلعت نيران ثلاث معارك حامية انتهت بانكسار بوني وهروب أميرها، فألحقت بوني بسلطنة كوا.
هذا ما حكاه «تافرنير» tavénièr الذي زار مكاسر عام 1648م([264]) وبعد ثلاثين عاماً ثار أهالي بوني بمساعدة الهولنديين فأصبحوا يضارعون كوا([265]).
فانتشر الإسلام في سولاويسي وئيداً ليناً، وبعد إسلام أهلها انقلبوا إلى نوع آخر من البشر، فبعد أن كانوا ذوي حماس جاهلي وثني أصبحت حماستهم مبنية على الحق والعقل، وبعد أن كانوا سكان أكواخ صاروا ركاب بحار وجواب أقطار([266])، وحملوا الإسلام إلى الجزائر الأخرى، ولم يعم الإسلام جميع أنحاء سولاويسي، فقد بقيت قبائل توراجا على دينها القديم وانتشرت فيها المسيحية.
أمّا جزائر الملوك فيقول البرتغاليون إنّ سكانها عرفوا الله قبل وصولهم([267]) وبها أربع سلطنات:
1 ـ ترناتيه، وهي أكبرها تسيطر على ترناتيه والجزر حولها إلى جزء من هلماهيرا وجزء عظيم من سولاويسي وأمبون وباندا. وأوّل ملوكها مشهور مانامو أو جمال الدين، واشتهر من سلاطينها زين العابدين، والسلطان سر الله، والسلطان خيرون، لما قاموا به من كفاح مريروحروب قاسية ضد اعتداءات البرتغال، ولما بذلوه من جهد في سبيل الإسلام، وقد جرت حروب بحرية عظيمة بينهم وبين البرتغاليين حتّى ضعفوا أمام العدو في عهد السلطان مدرشاه عام 1648م.
2 ـ تيدوري، وتشمل تيدوري والجزر حولها وجزء من هلماهيرا والجزر الواقعة بينها وبين إيريان، والشاطىء الغربي من إيريان وجزيرة سيرام، وأوّل ملوكها شهادتي أو محمد نقل عام 502هـ.
3 ـ جيلولو، وتقع في أواسط هلماهيرا وسواحل سيراه الشمالية، وأوّل ملوكها درتي عام 1521م.
4 ـ باجن، تقع في جزائر باجن وأوبي وغيرها. يقول البرتغاليون إنّ أوّل ملوكها زين العابدين عام 1521م.
ويفيد تاريخ هذه السلطنات أنّ ملوكها ينتمون إلى أصل واحد، وأنّ أبا الملوك هو جعفر الصادق الذي جاء إلى جزائر الملوك في 10 محرم 470هـ (1077م) وتزوّج الأميرة نور الصفا عام 1080م.
في القرن الخامس عشر الميلادي جاء الداعية العربي الشيخ منصور إلى ملك تيدوري المدعو جيرالي فأسلم وتسمّى جمال الدين، وسمّى أكبر أبنائه منصوراً([268]) وفي عهده وصل الإسبانيون عام 1521م. وهذا البيان الذي جاء من مصدر غربي لا يتفق مع ما تقدم.
ذكر إسباني جاء مع البعثة أنّ السلطان يبلغ من العمر 55 عاماً، وأنّه لم يمض على وصول الإسلام خمسون عاماً([269])، وأنّ الإسلام انتشر في الجزر حول ترناتيه قبل انتشاره في تيدوري.
نقل هاراهاب (ص33) أنّ الداعية الناشر للإسلام هو داتؤ ملا حسين([270])، ونقل أيضاً أنّ ملك ترناتيه سافر إلى كرسيك وأسلم هناك عام 1495م ومعه وزير باتي بوتاه من جزيرة هيتو فعادا ينشران الإسلام وهذا كسابقه لا يتفق مع ما تقدّم، وذكر أنّ وصول البرتغاليين والإسبانيين كان سبباً في تأخّر الإسلام، لأنّهم كانوا نفوا كلّ المدرسين والقضاة وجعلوا المدرسين من النصارى([271]) ومن ترناتيه انتشر الإسلام إلى جزيرة أمبون حتّى بلغ عدد المسلمين بها الآن نحو نصف عدد سكانها، والنصف الآخر مسيحي».
«ووصل الإسلام إلى الزر القريبة من سومباوا بسعي دعاة منس ولاويسي عام 1540ـ1550 ومن أسلم من أهلها حسن إسلامه وتهذبت أخلاقه، فالمسلمون بها متحضرون وهم أحسن إسلاماً ممّن بجوارهم».
«وسعى الحاج علي الزعيم المسلم في نشر الإسلام بعد انفجار بركان تمبورا عام 1815م، إذ أفهم الأهالي أنّ سبب ذلك هو الإعراض عن أوامر الله، فازدادوا تمسّكاً بالدين وعاشوا أحسن مما كانوا عليه»([272]) والإسلام يتقدّم والمسلمون يتكاثرون فيها، ووصل إلى بيما داعيان هما «كراينغ داتؤ دي تيرو» و«كراينغ داتؤ لبنتا» ثمّ وصل بعد سنوات الشيخ هوما والشيخ بانتا من مكاسر وأخذا في نشر الدين، وبنيا مسجداً، وأسلم أميرها وسمّي عبد القهار عام 1018هـ (1608م) وقبر الداعين المذكورين في تولوبالي».
«وبسعي مهاجري البوكيس أسلم الساساك بقرب جزيرة لومبوك([273]). وفي لومبوك طائفتان الساساك وهم مسلمون وسكانها الأصليون الذين هم أكثر عدداً، أخضعهم هنادك جزيرة بالي في القرن الثامن عشر، وكانت حكومة بالي استبدادية ويسعى رجالها في نشر دينهم بين المسلمين فلم يفلحوا إلاّ قليلاً، وحاول المسلمون أن يحطموا قوى الهنادك مراراً فما قدروا، واتخذ الهنادك شتى الإرهاقات على المسلمين فاضطر هؤلاء إلى الاستنجاد بالهولنديين»([274]) قيل إنّه كان بها حكومة قبل عام 1894م ـ قبل الزحف الهولندي الأخير عليها ـ تحت حماية هولندا، وفيها موظفون من المسلمين، فاستطاعت هولندا أن تستولي على لومبوك، وفي هذا تأييد للإسلام بتلك الجزيرة»([275]).
وأوّل داعية وصل إلى جزيرة تيمور هو «اتولاكاناما» بن «بورا» من ترناتيه عام 1562م ومعه ستة أشخاص على سفينة شراعية، فنزل في «باتوبسي» بقرب مدينة «كوبانغ» وبنى منزلاً صغيراً يدرس فيه مبادىء الدين والطريقة الصوفية، ثمّ جاء «ساغاجي سوسانغ» معاوناً له عام 1565م فقاما بالدعوة حتّى بلغ عدد الأتباع 500، فانتقلا إلى «كوبانغ سولور» وبنيا بها مساكن ومسجداً، وكانت البلاد تحت السيطرة البرتغالية. ومدفنهما في «كويانغ سولور» ولذريتهما هناك الآن ألوف من الأتباع.
وعدد المسلمين في جزيرة سومبا لا يتجاوز 6 في المائة من مجموع السكان، والبروتستانت 30 بالمائة والكاثوليك 7 بالمائة، والبقية على الدين القديم. وفي عام 1870م كان بها دعاية هو السيد عبدالرحمن بن أبي بكر القدري في مدينة «واينغابو» ثمّ نفته حكومة هولندا إلى «كويانغ» متهماً بعرقلة سير الحكم الهولندي، وأنّه يدعو للثورة.
«وإيريان والجزر الواقعة بشمالها الغربي التي كانت تابعة لسلطنة باجن أسلم كثير من سكانها بنفوذ السلطان زين العابدين عام 1521م([276])، ما عدا سكان المناطق الداخلية فقد بقوا على دينهم القديم، كما أنّ تجاراً من المسلمين أتوهم عام 1606 من أونين «أسلم بعض أهالي جزيرة كيبي (بين وايكيو وهالماهبرا) على أيدي مسلمين من جزائر الملوك».
قال هاراهاب (ص52): «ولكن يبدو أنّ الإسلام لم يتقدّم بها إلاّ قليلاً، وبدأ التبشير المسيحي بها عام 1855م. وقال الكابتن فورست([277]) إنّه قد أسلم كثير من الأهالي في عام 1775م (1189هـ) وهو يأسف على ذلك مدعياً أنّ جيرانهم المسلمين يمنعونهم عن المسيحية، والواقع أنّ الداعية الشريف الذي جاء من جهور كان قبل عام 906هـ (1500م).
في سنة 1856م كان داعية يعرف بإمام ديكير (إمام ذكر) قدم من جزيرة بجنوبي «سيرام» فنشر الدعوة بجزيرة أدى بجنوب أونين، وكثيراً ما يأتي مسلمون من سيراه وكورام فينشرون الدين في القبائل البدائية، كما فعلوا بقرب جزيرة كي، وما كنت تجد هناك في أواسط القرن التاسع عشر مسلماً واحداً ما عدا من بقي من سلالات المهاجرين من جزيرة باندا، وعلى الرغم من وجود الدعاة فإنّ الخنزير طعامهم والخمر شرابهم، والنساء أكثر تمسّكاً بالدين من الرجال، فهن يقاومن أزواجهن في ذلك، لذلك يتناولونها خفية من عيون زوجاتهم»([278]).
«جاء نفر من تجار العرب من مدورا وجاوا وبالي فبذلوا جهدهم في نشر الإسلام بجزيرة كي، واتخذوا لذلك كل وسيلة» و«في أواخر القرن التاسع عشر بلغ عدد المسلمين فيها ثمانية آلاف بين 23 ألفاً من السكان»([279]).
وصل العرب إلى ميندانوا منذ 300 عام([280])، وأوّل داعية أحد أشراف مكة، وقبره هناك مبني بأحجار كلسية وأصداف.
أخذ الطريقة على السيد عمر بن عبدالله باشيبان في مدينة بلكرام بالهند الذي أخذ العلم عن السيد محمد بن عبدالله بن شيخ العيدروس الملقب بصاحب سوراة، وسافر الرانيري إلى الحرمين سنة 1030هـ، وله مؤلفات عديدة منها «اللمعان بتكفير من قال بخلق القرآن» و«صوارم الصديق لقطع الزنديق» و«رحيق المحمدية في طريق الصوفية» في مجلد ضخم، ومات قبل أن يلحق بالخطبة به فنقل عن مسودته الشيخ صلاح الدين إبراهيم بن عبدالله وألحق به خطبة الكتاب في أوّله وفرغ من نقله من مسودة المصنف لتسع عشرة من ذي الحجة 1069هـ([281])، وله كتاب «السراط المستقيم» بدأ فيه عام 1044هـ وانتهى منه عام 1054هـ في العبادات و«مرآة الطلاب» في المعاملات، و«درة الفوائد في شرح العقائد» و«هداية الأحباب في الترغيب والترهيب» عام 1045هـ (1636م) وهو مجموعة أحاديث بالعربية والملايوية، طبع بمكة حاشية على جمع الفوائد لعبدالله فطاني بالملايو، و«الفوائد البهية في الأحاديث النبوية» بالملايو، و«نبذة في دعوى الظل» بالعربية في الرد على آراء شمس الدين، و«الفتح المبين على الملحدين» و«كفاية الصلات» و«التبيان في معرفة الأديان» ألّفه بإشارة السلطانة صفية الدين ملكة أجيه، فرغ منه في 9 رجب 1064هـ (1654م). ومن تلاميذه الشيخ يوسف المكاسري مفتي بانتن، وله كتاب «بستان السلاطين» وغير ذلك مما يدل على علمه وإلمامه بالتاريخ وعلوم الدين، وهو من أسرة آل ابن حميد هاجر جدّه من حضرموت إلى الهند، ووصل إلى أجيه يوم الأحد 6 محرم 1047هـ (31 مايو 1637م) وهو الذي لقب أجيه بدهليز مكة لما فيها من العلماء.
ولما كان الطلاب حينذاك يميلون إلى علوم التصوّف سافر إلى مكة للاستزادة من العلم، ثمّ عاد ودرس التصوّف وخاض موضوع «الأعيان الثابتة» وأصدر قوله الحاسم([282]). أمّا كتاب «بستان السلاطين» ففيه عدّة أبواب، الباب الثالث عشر من المجلد الثاني في تاريخ أيه([283]).
وجرت بينه وبين الشيخ شمس الدين السمطراني مناظرات، كما ناظر الشيخ حمزة الفنصوري الذي يقول بقدم الروح، أي روح محمد (صلّى الله عليه وآله) لأنّ الله خلقه من نور ذاته القديم، فنور محمد جزء من نور الذات الإلهي، فكان الرانيري يعارض هذا القول، كما يستنكر من يقول «أنا الحق» واشتدّت المناظرة في عهد السلطان إسكندر الثاني، وأخيراً قتل حمزة.
ظهر كتاب تاج السلاطين بالفارسية تأليف جوهري بخاري، ترجم إلى الملايو وممّا يجدر الإشارة إليه أنّ جل الكتب المترجمة أو المؤلفة في المواضيع الإسلامية في تلك العصور ظهرت في أجيه، حيث كانت حكومة أجيه كثيرة العناية بالشؤون الإسلامية، فلا عجب إذا ترجم كتاب تاج السلاطين مراراً. وهو يشتمل على أبحاث في الإلهيات والإنسان والفطرة ونظام الملك والعدل والخلافة والإسلام والكفر وغير ذلك من المواضيع الاستطرادية.
ولآراء الغزالي والعلماء السلفيين رواج وانتشار، كما لقيت آراء ابن عربي والحلاج من يتقبلها ويدرسها. وحدة الوجود، ووحدة الشهود وتأثير النيرين وأمثالها، مواضيع تسربت إلى الأذهان، وظهر من كلّ نهج علماء دافع كلّ منهم عن رأيه ووجهة نظره، وتوسّعت المدارك وارتفع مستوى الثقافة ونبغ في العلم نابغون، والحقائق تظهر بالاحتكاك كما تبدو النار عندما يورى الزناد.
ومن العلماء في أجيه الصوفي عبدالله شاه محمد ابن الشيخ طاهر الدين المتوفى في 6 ذي الحة 787هـ، وتاج الدولة عبدالرحمن الباسي المتوفى سنة 610هـن وكان قد درس بالحجاز وعاش في عهد الملك الكامل مع تاج الدولة قطب المعالي وغيرهم.
وفي أنحاء أندونيسيا إذ ذاك علماء كثيرون، ألّف بعضهم الكتب، وما زال بعضها معروفاً إلى اليوم، ولسنا في سبيل تعدادهم فإنّهم كثير، غير أنّنا نشير إلى أنّ الثقافة الإسلامية كانت سائدة، والعلماء والأمراء يحافظون عليها حتّى كان للعماء مكانة ممتازة لدى الشعب، وكان لتردّد العلماء إلى بعض اللدان الإسلامية ولا سيما البلاد المقدسة أثر عظيم في التمسّك بالثقافة ونشرها.
قال الدكتور ستوك خونيه([284]) إن من المؤكد أنّ جميع الكتب العلمية في العالم الإسلامي معروفة في أجيه، وفي التعليقات التي كتبها العلماء دليل على مبلغ فهمهم الفهم التام. وأشاد هذا الدكتور بالعلماء المحققين في القوانين الإلامية وعلوم الآلة واللغة، فهم يكتبون ويتراسلون باللغة العربية، حتّى أنّهم في أحرج الأوقات خلال المعارك وفي الأماكن النائية في الغابات والجبال كانوا يستصحبون الكتب ويدرسونها.
وقد وجد في درماش لكو 300 كتاب بين مخطوط ومطبوع بمطبعة حجرية عندما زحف الهولنديون على «كومالا» من بينها مخطوطات قد مرّ عليها نحو قرنين آنذاك، ومعظم هذه الكتب بلغة الملايو ولغة أجيه وممّا عثر عليه أيضاً كتاب إنجيل في اللغة العربية، وكتب أخرى في أحوال العالم في الهند وفارس وتركيا والسلاطين.
وبرز في بنجرماسين في القرن الثامن عشر الشيخ محمد أرشد بنجر له كتاب «سبيل المهتدين» طبع بمكة المكرمة. ومن علماء أجيه «داينغ منصور البوكيسي» تولّى القضاء فيها، ويلقب بالشيخ دائم ابن الشيخ عبدالله الملك المبين.
الأندونيسيون والأسفار
عرف الأندونيسيون الأسفار وصناعة السفن من قديم الزمن، تخطّوا بها البحار، وحملوا عليها حاصلات بلدانهم كما جلبوا عليها ما يحتاجون إليه، صنعوا السفن الطويلة منذ 300 سنة قبل الميلاد([285]) وكانوا يبعثون الوفود إلى الصين وغيرها على سفنهم، والتقت سفنهم التي تقصد الصين وسيام والهند وبلاد العرب وإفريقيا بسفن تلك الأقطار.
هذه الجزائر الأندونيسية حلقة اتصال بين الشرق والغرب، وطبيعي أن يلهم سكانها صناعة السفن وقيادتها والعمل في البحار عليها، وأن من تشق أرضه الأنهر العريضة يضطر دائماً إلى اتخاذ الزوارق تجري مع التيار حتّى ينتهي بها إلى البحر، وركوب الأنهر أسهل وسيلة وأيسر طريقة وآمن سبيل من اختراق الغابات ومجابهة الضواري والكواسر من الآجام.
ألقى الدكتور بست محاضرة على أعضاء جمعية «ويلنغتون» الفلسفية في نيوزيلندا عام 1915م، وممّا قاله: إنّ سفن الماوريين الصغيرة أقوى من سفننا. وهناك بيان أثار ضجة في الأوساط العلمية لمناقضته للنظريات القديمة أصدرته الجمعية اللغوية في باريس جاء فيه أنّ الأندونيسيين هم أصحاب النفوذ في المناطق المجاورة لأندونيسيا. بدأت الأسفار ساذجة ثمّ تطوّرت بحكم الزمن حتّى أصبحت السفن تحمل الجيوش والمعدات وتغزو الحواضر وتحمي الممالك وتمتن العلاقات التجارية والسياسية.
وكانت سفن العرب والفرس والهند والصين ترسو في جزر أندونيسيا وغيرها من جزر المحيط، وتصل سفن الصين إلى الهند وبلاد العرب، كلّ ذلك يجري أمام أنظار سكان هذه الجزر، فكان الاختلاط من أسباب ازدياد المعرفة بشؤون الأسفار، شأن الأمم الراغبة في النهوض والتقدّم، وشأن طبع البشر وسنة النمو والتكامل، فتقدّمت ملاحتهم وصناعة سفنهم.
كانت أشرعة تلك السفن مثلثة أو مربعة غالباً، جميلة في صنعها على صغرها، ذات نقوش منحونة في مؤخرها ويمتد خلفها وأمامها خشب يرتفع ثم ينعطف إلى السفينة من أعلاها، وفي الخشب ثقوب توضع فيها المجاذيف، وعلى حافات السفينة ماعد للمجذفين. وفي معبد بوروبودور الأثري صورة للسفن الهندوكية وهي صغيرة ذات أطراف ثقيلة، لذلك عدلوها بالناحين، وكان لمملكة مااياهيت سفن حربية، ولمملكة سري ويجايا سفن كثيرة.
وفي العهد الإسلامي عرفت الإمارات والسلطنات بامتلاكها السفن وصناعتها، وقد حارب الأمير يونس ثاني أمراء دمك البرتغاليين حينما استولوا على ملاكا بأسطول مؤلف من تسعين قطعة أتقن صنعها، وعرفت مملكة بانتن بصناعة السفن وتأجيرها، ولحكومتها أسطور حربي وي، تتألف كلّ سفينة في الأسطول من ثلاث طبقات مجهزة بالجنود والمدافع والذخائر، وقد جمعت في عصر واحد نحو 300 قطعة، وكثيراً ما بعثت عليها الوفود إلى البلدان والممالك البعيدة وغزت بها أعداءها.
ولأهالي مكاسر مهارة في صنع السفن والأسفار.
قال الدكتور ف. و. ستابل ما ترجمته تقريباً: مملكة كوا (مكاسر) كانت عظيمة لتجارتها وبسالة أهلها في الحروب، وقد تبوأت مركزاً مهماً في آسيا، يدل على ذلك كتاب «انتؤ بلايرا دري كراجاءن مكاسر دن بوكيس دي بولو سليبس» فإنّه يفيد أنّ أهالي مكاسر وبوكيس كانوا كثيري الأسفار، غير أنّ سقوط ملاكا بأيدي البرتغاليين عام 1511م كان أوّل ضربة على السفن الإسلامية عموماً، ثمّ سقوط جزائر الملوك بأيديهم لوقوع نزاع بين الأهالي، فأهالي هيتو كانوا أعداء لأهالي سيرام، وأهالي ترناتيه خصوماً لأهالي تيدوري وباجن.
وذكر أسباب الحروب التي نجمت بين مملكة مكاسر والهولنديين عام 1666م في كتابه كما يأتي تقريباً: كان المكاسريون منذ زمن بعيد حلفاء أسفار وأرباب تجارة، ومثلهم الهولنديون، فكلا الفريقين يجتهد بعزم ونشاط، وقد تتخذ القوّة للتوسّع في النفوذ فيصطدم الفريقان.
وممّن حارب البرتغاليين الأميرة «راتو كالي نيامت» بنت السلطان ترنكانا، فقد حاربتهم بسفنها، حتّى كانوا يهابون الدنو إلى شواطىء بلادها. واشتهر أهالي أجيه بركوب البحر وحروبه، فطالما حاربوا البرتغاليين فأوقعوا بهم الهزائم في البحر، ولشهرتهم هذه أطلق المستعمرون عليهم لقب «القرصان» وعندما زار القائد الفرنسي اغستين دبلو مقاطعة أيه مندوباً عن ملك فرنسا ذكر أنّ أهم قوّة تملكها أجيه هي القوّة البحرية، فلها كثير جدّاً من السفن البحربية، وفي الر تعزز جيوشها فرقة الأفيال، وفي موانئها الثلاثة (أجيه ودايا وبيدي) مئات من السفن الحربية، وهي في ضخامتها أعظم من السفن التي تصنع في أوروبا ذلك الوقت، والسفينة المتوسطة منها طولها 120 قدماً، فالأجيون ذوو مهارة في صنع السفن الحربية، جميلة لكنها ثقيلة، عريضة جداً وعالية، وفيها غرف ذات مجاذيف طويلة وخفيفة، لكل مجذاف شخصان وبعد كلّ معركة تصان السفن ويعنى بها، والمأمورون يؤدّون واجباتهم بدقة، والمتهاون المهمل تصدر عليه الأحكام الغليظة، وفي كل سفينة عدّة مدافع ضخمة بها 800 من الجنود، كما أنّهم يتناوبون التجذيب إذا هدأت الرياح. والأفيال كثيرة تستعمل للحرب وجر السفن إلى البر لحفظها([286]) وكانت السفن الأندونيسية تصل إلى الصين. وتدخل نهر خانفو([287]).
وأهمل سلطان اكونغ ملك ماترام (جاوا) صنع السفن، وشغل بحروب الثورات ضده، حتّى لقد استنجد بالهولنديين لينتفع بسفنهم للضرب على الثائرين، وربما اشترط على نفسه شروطاً إزاء مساعدتهم له بالسفن.
دامت بحار أندونيسيا زمناً طويلاً تحت سيطرة المسلمين حتّى بعد وصول الغربيين واستيلاء الهولنديين، غير أنّ المسلمين حصروا أعمالهم في السفن التجارية، واشتهر أيضاً أهالي بوتون ومدورا وسيبولكا وغيرها بصناعة السفن والأسفار.
وحسب إحصاءات عام 1933م أنّه دخل إلى ميناء سورابايا من السفن الأندونيسية 7423 سفينة في خلال سنة واحدة([288]). وكان 75 في المائة مما يحمل على البحر بين شواطىء جاوا وسومطرا على تلك السفن بل أنّ كثيراً من الأجانب يفضلونها لرخص أجور الشحن والنقل عليها([289]). وقدر ما يدخل إلى ميناء مكاسر بنحو80 في المائة من سفن البوكيس، كما جاء في التقرير السنوي الذي أصدرته الغرفة التجارية في مكاسر.
وقد أشار إلى معرفة الأندونيسيين بأسفار البحر كثير من المؤرخين، من بينهم «فن لير» عندما ذكر انتشار الإسلام، إذ قال ليس بالمستحيل أن يشترك الأندونيسيون فيه، فإنّهم رجال أسفار وسلاطين تجارة في دنيا التجارة بآسيا.
المقابر الإسلامية القديمة
تختلف المقابر الإسلامية بأندونيسيا في نقوشها والكتابات التي عليها فمنها ما هو على النقوش الهندوكية المتوارثة، وبعضها على النقوش الإسلامية، وبعضها خليط، بل إنّ هذا الفن القديم كثيراً ما تجده في المساجد وقد أفادنا كثيراً ما كتب على المقابر في الاطلاع على أجزاء من التاريخ لولاها لبقي الشيء الكثير مجهولاً.
في سومطرا الشمالية آثار مقابر، غير أنّ بعضها قد زال تماماً، والبعض قد تحطمت أحجاره وانمحى بعض الكتابات التي عليه، والبعض الآخر قد نبتت حوله الأعشاب وامتدت بأسفلها جذور الأشجار فأطاحتها. وبقي البعض سليماً. وقد اطلعت على الكتابات التي على هذه القبور وهي كثيرة في عدّة أماكن، منها قبر الملك الصالح (توفي سنة 696هـ ـ 1297م)، وقبر السيد الشريف حسن خير ابن الأمير علي أسترابادي (توفي في 12 ربيع الأوّل 833هـ ـ 1429م) وقبر العالم عماد الدين علي ابن السيد عز الدين إسحاق الحسيني، توفي يوم الجمعة غرة محرم 857هـ. وقبر العالم الشهير جولانا قاضي شريف إبراهيم (توفي 4 صفر 914هـ ـ 1508م). وعلى آخر اسم الأميرة بهية بنت السلطان زين العابدين ابن السلطان أحمد ابن السلطان محمد ابن السلطان الملك الصالح (توفيت سنة 831هـ ـ 1428م).
وفي بانكيانغ على نهر كامبر قبر نظم الدين الكامل عام 521هـ ـ 1128م وقبر برهان الدين الكامل في قرية كانت في تلك الناحية أيضاً عام 610هـ ـ 1214م، وفي مزرعة بقرب ميدان قبر لأحد العلماء هو إمام صادق بن عبدالله (توفي في شعبان 998هـ ـ 27 ينيو 1590م).
وبين نهر باسي وجمبواير قبر حل الدكتور ستونزهيم الكتابة التي عليه، وهي كتابة أقرب إلى الحروف الجاوية وخلاصتها أنّه: بنت ملك باسي من سلالة باروباسا المالكة لقدح وباسي (توفيت يوم الجمعة 12 ذي الحجة 781هـ ـ 1380م).
وعلى قبر آخر كتب عليه اسم الأميرة نهير ساه بنت سلطان حيدر بن سعيد ابن سلطان زين العابدين ابن السلطان أحمد ابن السلطان محمد ابن الملك الصالح، توفيت في 7 ذي الحجة 832هـ ـ 1429م، وعلى قبر القائد الحربي يعقوب أنّه توفي في محرم 630هـ ـ 1232م وآخر عليه اسم عبد الرحمن قيل إنّه أمير في باسي، توفي في ذي القعدة 610هـ ـ 1213م.
وتوجد قبور ينتسب بعض أشخاصها إلى الخلفاء العباسيين منهم الأمير محمد بن عبد القادر الذي ينتسب إلى المستنصر بالله، توفي في رجب 822هـ (أغسطس 1419م).
ولدي صور أخرى للكتابات والنقوش الموجودة على القبور، وعليها آيات قرآنية وأشعار عربية، وعلى قبر أبيات للشاعر سعدي الإيراني، وعلى البعض كلمة محمد مكررة، وفي بعضها محمد وعلي مكررتين، ولا يخلو قبر تقريباً من وجود العبارة الآتية: لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار ولا موت إلاّ بالأجل.
وممّا وجدته مكتوباً على المقابر أبيات لابن الخطيب الصوفي التي مطلعها:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع
أنت المعد لكل ما يتوقع
ووجدت هذه العبارات على قبر وهي: يا بن آدم لو عاينت ما بقي من يسير أجلك لزهدت فيما بقي من طول أملك، وقصرت عن رغبتك وحيلك، وإنّما تلقى قدامك ندمك، إذا زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وانصرف عنه الحبيب وودعك القريب ثمّ صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إليه عائد، ولا في عملك زائد، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوّة قبل الفوت… إلخ. وهذه الجملة (الدنيا ساعة فاجعلها طاعة) كثيراً ما نجدها على المقابر، وعلى مقبرة أخرى أربعة أبيات مطلعها:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأنّ عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلاّ محسن
فيمن يلوذ ويستجير المجرم
وهي لأبي نواس. وغير ذلك كثير وممّا يلاحظ أنّه ينبغي التثبت في قراءة كتابات شواهد القبور، فقد حدث عندما كنّا ـ أنا والبروفسور حسين نينار ـ ندرس بعض الكتابات أن اختلفنا في تعيين السنة، فقد رأيت على الشاهدة سنة 810هـ وفهم البروفسور أنّها عام 110هـ فبينت له أنّ كتابة 8 قد انثلم منه جانب فظهر كأنّه رقم 1، ولكنّه مائل إلى اليسار، ويستبعد أن يكتب رقم 1 مائلاً من دون الأرقام الأخرى، ثمّ إنّ الكتابة بخط الثلث، ولكنّه أصرّ على رأيه. ثمّ علم المؤرخ الكاتب محمد سعيد من مصلحة الاستعمالات الدينية أنّ البروفسور حسين دينار حينما زار أجيه عثر على قبر مكتوب عليه 110، والواقع أنّنا كنّا ندرس صورة الكتابة على الشاهدة المذكورة بين الصور الأخرى في جاكرتا. ومثل هذا ما صار في قراءة المكتوب على قبر «ستي حواء» وعليه عام 962هـ فحسبه القارىء 460. ذكر هذا المؤرخ محمد سعيد.
الممالك الإسلامية
ظهرت ممالك وإمارات إسلامية أو تحولت من الوثنية إلى الإسلام فكانت في أندونيسيا إمارات، على كلّ إمارة حاكم يدعى راجا أو ما يشبهه، وكانت سومطرا موزّعة كغيرها إلى إمارات، فلمّا جاء الإسلام تحوّلوا من شأن إلى شأن آخر نذكر منها:
أوّل دولة إسلامية في جاوا
ذكرنا فيما سبق أن علي رحمه الله (سونن أمبيل) مرّ على باليمبانغ في طريقه إلى جاوا، فأسلم على يده الشاب المدعو «جايا ويشنو» وسمّي عبد الفتاح بعد إسلامه فاستصحبه وتلقى عنه، وعين عبد الفتاح على بقعة تسمّى «بيناتارا» وسمّيت أخيراً «دمك» فاتّسعت هذه القرية وعمرت بالمسلمين وغيرهم فصارت مدينة عامرة ومركزاً إسلامياً مهماً.
رأى عبد الفتاح أنّ ماجاباهيت صارت دولة تشملها الفوضى، ويتكالب عليها الأمراء، ويتخاطف عرشها ـ إن كان لها عرش ـ الولاة والحكام، ومع ذلك ترهق الناس بالضرائب حتى استشعروا ثل الوطأة وفداحة المصيبة، ثمّ هي تقف موقفاً غير سليم تجاه الإسلام، فتوجّه عبد الفتاح إلى أستاذه علي وكشف له عن رغبته في حرب أولئك الذين تنزوا على ماجاباهيت، والقضاء على الفوضى والظلم وعرض على أستاذه الملك فمنعه من ذلك.
عمرت دمك وازدحمت بالسكان وبني المسجد الموجود الآن، وممّن شارك في بنائه «سونن كالي جاكا» المسمّى آريا سعيد الذي ينتهي نسبه إلى «آريا تيجا» أمير توبان، فأقطعه عبد الفتاح إلى عبادته في أمبيل فوجده على فراشه وحوله زمرة من الدعاة بينهم إبناه إبراهيم وهاشم ومحمد بن إسحاق، وتوفي علي، وكانت وفاته بعد وفاة خالته زوجة ملك ماجاباهيت بنحو 19 سنة، وقبره معروف إلى اليوم.
وعاد عبد الفتاح إلى دمك ومعه رجال الدعوة فساعدوه في إكمال بناء المسجد، ثمّ جمع الأمراء وشاورهم فيما تجابههم به ماجاباهيت، وأسندت القيادة إلى عبد الفتاح نفسه، وتولّى قيادة القوات لاشرقية أمير مدورا، والقوات الغربية جعفر الصادق (سونن قدس).
جاء في بعض الحكايات أنّ عبد الفتاح حارب أباه ملك ماجاباهيت، ولكن الذي يبدو أنّه لم يحارب أباه وإنّما حارب الذي اعتدى على الملك وحق الأسرة المالكة في ماجاباهيت.
قرّرت ماجاباهيت مبادأة المسلمين بالحرب قبل تعاظم شأنهم، فأسرع المسلمون إلى التأهب، والتقى الجمعان في مرج قريب من «سدايو» فانكسر المسلمون، ثمّ واصل المسلمون القتال وانتهى بانتصارهم والاستيلاء على المدينة بعد قتال دام سبعة أيام.
قيل إنّ ذلك كان في سنة 1478م (أي بعد سقوط القسطنطينية بأيدي العثمانيين بنحو 25 عاماً سنة 1453م) ولكن مصدراً برتغالياً يقول إنّه كان بعد ذلك أي بعد أربعين عاماً.
جاء في الحكايات أنّ براويجايا الخامس ملك ماجاباهيت عندما تسرى جارية وعدها بأنّها إذا ولدت ذكراً سيجعله ولي عهده فولدت له ـ بعد أن بعثها إلى باليمبانغ ـ ولداً هو جايا ويشنو الذي سمي عبد الفتاح، ولما اضطرمت نيران الحرب واشتعل لظى المعارك بين دمك وماجاباهيت أرسل الأمير دامر أمير باليمبانغ صندوقاً به كتاب يحتوي على رموز، فلمّ فتح عبد الفتاح الصندوق في المعسكر سمع له دوي ملأ الآفاق وأدخل الرعب في جنود العدو فانهزموا هكذا تذكر الحكايات تقريباً، ولعلها حكاية رمزية بأحقية عبد الفتاح للملك، لأنّه يحارب شخصاً معتدياص على ملك أسرته ففحوى الصندوق وثائق تؤيد حقه. وأمّا قضية حربه ضد والده وقصة والدته الجارية فقد تكرّرت أمثالها في حكايات أخرى.
نقل عن كيرن قوله: «ينبغي أن نتأمل طويلاً في تاريخ هذه البلاد، حيث إنّ ذلك لم يكن تعصّباً دينياً بثّه العرب، ولكن ثورة قام بها الأهالي أنفسهم الذين سعوا لتكوين كتلة قوية للقبض على زمام السلطة من أيدي إخوانهم السادرين في ظلماتهم، فهم لم يحاربوا بدافع الجهاد بل بنفوذ رجل له حق في الملك ذي أياد بيضاء يريد الانتقام لنفسه من خطأ وقع». «إنّ انتشار الإسلام في جنوب وشمال مراكز المسلمين كان ثمرة أعمال دامت مئات السنين مع بقاء التقاليد القديمة في جاوا الوسطى، حتّى أنّ الأحكام عام 1768م كانت تجري حسب القوانين الهندوكية أكثر من أحكام الإسلام» والسلطة في دمك ـ كما قيل ـ ليست وراثية، فالأمير يونس تولّى بعد عبد الفتاح بانتخاب المسلمين، وكذلك من بعده.
سنّ عبد الفتاح النظم الإدارية على أساس الشريعة الإسلامية، كما يقول بيخمان في كتابه «سبع عشرة حكاية».
الأمير يونس 1518 ـ 1521م
(924 ـ 929هـ)
يلقب «باتيه أونوس» وما كان يلقب هو ولا عبد الفتاح بالسلطان، فإذا لقب به أخيراً فهو تجوز. عندما كان أميراً على جبارا غزا البرتغاليين إلى ملاكا لينتزعها منهم، فأعدّ العدّة لحربهم وصنع سفينة صفح جؤجؤها بالزيت والجير، وجهز نحو 90 سفينة بها 12 ألف مقاتل، وقاد الحملة بنفسه وأنجده أهالي باليمبانغ وحملوا معهم مدافعهم التي كانوا يصنعونها بأنفسهم، ووصلت الحملة في أول يناير 1513ـ917هـ، واشتعلت نيران المعارك، وفي يوم اندفع الحماس بالأندونيسيين فقاربوا بين قطع أسطولهم وزحفوا بها حتّى كادت تلاصق سفن العدو، فأشعل البرتغاليون النار في إحدى سفنهم ودفعوها إلى الأسطول الأندونيسي فتصادمت السفن وسرت النيران بسرعة والتهمت ما أمامها، فلاذت السفن الأندونيسية بأسباب النجاة، وعاد أمير جبارا.
ولم يفت في عضد الأمير انكسار قوته في ملاكا، ولم تضعف عزيمته فزحف على سدايو عام 1513م فسقطت بيده. وفي عام 1518مـ924هـ، عيّن أميراً على دمك بعد وفاة عبد الفتاح. وتوفي يونس عام 1521مـ929هـ، جاء في كتاب جاوى أنّ منلك دمك الثالث هو حسين ابن السلطان محمد، وأنّ عبد الفتاح يلقب «شاه عالم أكبر».
لنقف هنا برهة، نظراً إلى أنّ الأمير يونس حارب البرتغاليين لنذكر وصول البرتغاليين وأعمالهم بهذه البلاد.
وصول البرتغاليين
في سنة 1497م ـ 902هـ اكتشف الملاح البرتغالي «فاسكو دو گاما» طريق رأس الرجاء الصالح، فكان لهذا الاكتشاف أثره على خطوط التجارة الإسلامية علاوة على الأضرار التي نجمت بسبب الغارات الكثيرة من سفن البرتغال على سفن المسلمين في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وانتقلت من جراء ذلك تجارة التوابل وسواها من المحصولات الاستوائية التي امتازت بها الهند وبلاد العرب وغيرها من مصر والشام فخسرت أرباحاً جمّة كانت تدر عليها، إذ كانت تجارة التوابل من الشرق الأقصى تتصل بالهند والخليج وجزيرة العرب والشام ومصر.
كان ا لبرتغاليون يشترون محصولات هذه الأقطار ويحملونها إلى لشبونة حيث يقصدها التجار من نواحي أوروبا منذ أن استأثروا بطريق الهند. وفي عام 1509م ـ 924هـ وصل de gallopers de sequeira إلى أجيه ثمّ ملاكا في عهد الملك أوتي 2 راج، وأذن له في بناء مركز تجاري، ثمّ صار هذا البناء أخيراً قلعة حربية، فلمّا رأى ملك ملاكا سوء نية القادمين أمر باعتقالهم.
وفي يونيو 1511م وصل البكوكرك ومعه 16 سفينة مشحونة بالأسلحة والجنود إلى شواطىء سومطرا الشمالية، فاستبل في بيدي أحسن استقبال، وهنالك لقي برتغالياً هرب من ملاكا من الأسر، فعلم منه أشياء كثيرة عن ملاكا، ومرّ على باسي فاستقبل خير استقبال. ثمّعلم أنّ سفينة ملايوية توجّهت إلى ملاكا لإخبار أهلها بوصول البرتغاليين فأقلعت سفينة لمطاردة السفينة الملايوية في عرض البحر فنهبت وقتل ربانها.
وفي سنة 1511م هاجم البرتغاليون ملاكا واستمرّ القتال عشرة أيام دافع المسلمون عنها دفاعاً مجيداً حتّى لم يقع مسلم واحد أسيراً بيد العدو، وتمكن العدو من الاستيلاء على البلاد، ونجا سلطانها السلطان محمود بنفسه إلى جزيرة «بينتن» ومعه ابنه أحمد، وظلّ فيها إلى أن توفي عام 1528م ـ 925هـ. ولم يكتف البرتغاليون بالاستيلاء على ملاكا، بل أخذوا في التعذيب والقتل حتّى أولئك الذين خانوا بلادهم وجافوا السلطان ومالوا إليهم فقد جازوهم جزاء سنمار. ثمّ توجّه البوكرك إلى آرو حيث توجد هناك صناعة السفن، فنهب ثلاث سفن وما فيها، واختطف رجاله ستين شخصاً من مهرة الصناع ومعهم نساؤهم وساقوهم إلى كوشين ليصنعوا لهم سفناً، ولكن هؤلاء الأسرى ثاروا في عرض البحر ونجوا بأنفسهم إلى باسي.
أمّا القلعة أو المدينة التي بنوها في ملاكا فسمّوها «لاباموسا» أي المشهورة وقد وصفها عبدالله بن عبد القادر منشي في حكايته عن هذه المدينة فقال: إنّها مبنية بأحجار ذات ألوان بنفسجية، طول بعضها باع وبعضها ذراع ملساء صقيلة، ويُقال إنّ العمال الصينيين هم الذين نحتوها، وحولها سور عريض عليه مدافع. وبالسور أربعة أبواب، أحدها كبير لمرور العربات والبضائع بحراسة الجنود، وحوله ثلاثة جسور يمكن رفعها ليلاً، والسفن أو الزوارق تدفع رسوماً على مرورها، وحول المدينة استحكامات وترع. ويمنع الدخول إلى المدينة بعد السادسة مساءً، وفي الساعة الثامنة تطلق قنبلة. إلخ. شاهد عبدالله ذلك عام 1810م في العهد البريطاني.
صك البرتغاليون النقود وأجبروا الناس على التعامل بها، وبنوا السجون وأعدّوا وسائل التعذيب منها سجن مظلم لا يفرق المسجون فيه ليله من نهاره، وآلات لتحطيم العاظام وكي الأجساد بالحديد المحمّى، وأدوات الشنق. ولم تمح هذه المعاملات إلاّ بخروجهم منها.
تمكّنوا من السيطرة على باسي([290]) وبيدي فتصدّى لهم القائد إبراهيم أخو السلطان علي معايت، وطهر البلاد منهم إذ قام بحروب خاطفة اضطرتهم إلى الانهزام تاركين مدافعهم محشوة بالقذائف في القلعة وأشعلوا المسلمين، فسارعوا إلى إطفاء النار وتوجيه تلك المدافع إليهم، وهرب قائدتهم سباستيان دي سوسا.
واستمرّت بين البرتغاليين والأندونسيين حروب يتخللها سلم، ولم تفتر عزائمهم ولم تخمد شعلة الغضب في نفوسهم، حتّى أنّ الهولنديين لمّا عزموا على حرب البرتغاليين في ملاكا وجدوا من ملوك الملايو أعواناً، ولولاهم لما استطاع الهولنديون الاستيلاء على ملاكا، إذ أعانتهم جهور وأجيه عام 1640م ـ 1050هـ قسقطت ملاكا بأيديهم سنة 1641م.
لمّا استولى البرتغاليون على ملاكا تجنبها المسلمون فكسدت تجارتها وتحوّلت التجارة إلى باسي وجاوا وهاجر التجار إلى الجزر الأخرى، ووصل البرتغاليون إلى جزائر الملوك، وسيطروا على تجارة البهارات، وملكوا جزيرة تيمور عام 1521م وحاولوا مراراً الاستيلاء على أجيه فخاب فألهم ورجعوا على أعقابهم، وما كان الأهالي يرحبون بهم إلاّ في حدود المعاملات التجارية، وأمّا غير ذلك فكانوا لا يلاقون إلاّ قلوباً حانقة وجيوشاً دافقة تصليهم العذاب، وقد استمرّت الحروب في أجيه عام 1529 و1570 و1586م ـ 936 و977 و994هـ، ومثل ذلك في بانتن.
كان البرتغاليون يتصلون بالممالك الوثنية السائرة إلى الانراض، فيعقدون معها الاتفاقيات ضد المسلمين لاعتقادهم بأنّه إذا عظمت الإمارات الإسلامية وقويت فإنّها ستقف في وجوههم وتصدّهم ف نهجهم الاستعمراي وتزاحمهم في تجاراتهم، رأوا اندحار النظام الوثني القديم أمام الإسلام، وشاهدوا الظاهرات الحديثة في هذه الجزائر، إذ أصبح للمسلمين بأس فقصدوا مملكة باجاجاران التي انكمشت على نفسها وضعفت عن مواجهة الانقلابات بقواها البالية ومعنوياتها المنهارة.
نشر البرتغاليون الكثلكة في أندونيسيا والفليبين بالقوّة والبطش كما فعل الإسبانيون وكانوا يستصحبون الرهبان، من بينهم الراهب فرانسيس كابير 1541م ـ 947هـ الذي بث المسيحية في المستعمرات، ووصل إلى ملاكا وأندونيسيا والصين.
وللبرتغاليين والإسبانيين عزائم واسعة في نشر دينهم بالشرق، واتخذوا لذلك كلّ وسيلة، فكان لذلك أثره، ففي جزائر الملوك وغيرها مسيحيون الآن، ولم يلقوا أية مقاومة تذكر في نشر دينهم لدى غير المسلمين. أمّا المسلمون فوقفوا كالصخرة الصلدة أمامهم، وقد دامت ملاكا قرنين تحت الاستعمار البرتغالي وبقي أهلها مسلمين إلى اليومز
وفي قرية توكو بنى البرتغاليون كنيسة وتكاثر فيها عدد المسيحيين، وفي بناروكن بجاوا الشرقية اعتنق كثير من الأهالي الدين الكاثوليكي وبنى البرتغاليون لهم كنيسة وأديرة عام 1580م ولكنّها لم تدم إلى عام 1599م حتّى تهدّمت وتهدّم معها الحي الكاثوليكي. غدروا بالسلطان خيرون سلطان ترناتيه بعد أن عاهدوه على الصداقة في 27 فبراير 1570م فقتلوه غيلة، فتولّى بعده ابنه باب الله فكانت الحرب سجالاً، وانحاز النصارى من الأهالي إلى البرتغاليين ودامت المعارك 13 عاماً، إلى أن توفي السلطان عام 1573م فضعفت المقاومة، وكانت نتيجة اضطهاداتهم وإكراههم الناس على دينهم أن ثار أهالي جزائر الملوك وكالوا لهم الصاع بالصاع وقتلوا كثيراً منهم وهجر الكثيرون المسيحية([291])، فلمّا رأوا ذلك عدلوا سياستهم وسمحوا للدعاة المسلمين بالدخول إلى المستعمرات.
والذي دلّ البرتغاليين إلى سولاويسي رجلان من مكاسر كانا قد تنصرا في ترناتيه فوصلوا إليها في عام 1538م ـ 944هـ، وقف الإسلام والكاثوليكية موقف التنافس والخصام، لتعصّب البرتغاليين الضيق وأعمالهم، ولكنّهم نسبوا فشل المسيحية إلى حاكم جزائر الملوك دون رويس بريرا، لأنّه لم يبعث مبشرين في حين تبعث حكومة أجيه دعاة المسلمين إلى سولاويسي فأمثر سعي المسلمين وثبت الإسلام. ثمّ جاء المسيحيون بعد ذلك وهاجموا المسلمين بكل ما لديهم من قوّة فلم تثمر أعمالهم بعد أن تمكن الإسلام في القلوب، ما عدا ملكاً واحداً من ملوك الجزيرة فإنّه تنصّر وتابعه أكثر رعاياه، ولكنّهم بين أمّة مسلمة فلم يكن لهم أي أثر.
يقول كراوفورد إنّ ذلك حدث في سنة 1603م ـ 1011هـ، ويؤيده ما ذكره فرناندز نافورت الإسباني الذي زار الفليبين عام 1646م ـ 1056هـ، وقال إنّ الإسبانيين ألبسوا دينهم لباساً غير مرغوب فيه، وهم ينشرونه للاستعمار السياسي، فلم يقبل أهالي الفليبين المسيحية إلاّ كرهاً، ومن تنصر لا يؤدي الطقوس الدينية إلاّ خوفاً.
وكانت ميندانو ـ وفيها حكومة مسلمة ـ ملجأ للهاربين من المسيحية. وكانت سولو معقل القوات الإسلامية لمقاومة الاستعمار على الرغم من وقوعها تحت سيطرة الإسبان بعد عام 1878م ـ 1295هـ.
السلطان ترنكانا
وانتشارالإسلام بجاوا الغربية
بعد وفاة الأمير يونس نصب المسلمون عليهم السلطان ترنكانا في دمك، فوطد أساس الملك وأدار دفة الدولة وأحكم قيادتها. وفي عام 1526م ـ 932هـ، جهّز جيشاً إلى جاوا الغربية بقيادة الشريف هداية الله (الملقب بعد وفاته بسونن كونونغ جاتي). ولنتصوّر ظروف جاوا الغربية حينما دخل الإسلام إليها، علينا أن نعود إلى الوراء نستعرض حالتها، كانت تحكمها حكومة باجاجاران، ومن موانئها «سوندا كلابا» حيث جاكرتا الآن، بونتنغ، جي كندي، تانكرانغ، جي مانوك، وعاصمتها باكوان، سكانها وثنيون، ولهم أماكن مقدسة وأديار للمستنسكات الفتيات اللاتي لا يرغبن في حياة الزوجية. قال كاتب برتغالي: إنّ بنات النبلاء قد يلجأن إلى الأديار إذا لم يجدن أزواجاً كما تلجأ الأرامل اللواتي يأبين اللحاق بأزواجهن انتحاراً، إذ أنّ الهندوكية تقرّر أنّ السعادة تحالف المرأة التي تلحق بزوجها لتموت معه.
كانت سفن المسلمين تقصد هذه الموانىء للتجارة وازدادت أهميتها عندما نزل وأقام بها مسلمون، ولكن البرتغاليين لم يطمئنوا إلى ما يرونه من تجارة المسلمين وتكاثر سفنهم، فاتصلوا بالوثنيين ليكونوا معهم على المسلمين وعوناًُ لصدّ تقدّمهم التجاري والديني، فحاول الوالي البرتغالي «البوكرك» أن يمد حبله إلى باجاجاران، فطلب من ملكها أن يأذن له في بناء مركز تجاري في بلاده، وبعث إليه هنريك ليم فلمّا وصل إلى سوندا كلابا استقبل باحترام وتبجيل. وفي 21 أغسطس 1522م عقدت معاهدة مؤدّاها أنّ للبرتغاليين أن يبنوا حصناً على نهر سوندا كلابا ويبادلونهم التجارة وأن يقدّم الملك لهم سنوياً ألف كيس من الفلفل (35 ألف بوند) وأقيم لذلك مهرجان فرحاً بالتوقيع على المعاهدة وحفظت النسخة في المتحف البرتغالي.
قاد جيش المسلمين ـ كما ذكرنا ـ الشريف هداية الله، ويسمّيه البرتغاليون «فاليتيهان»، ويعتقد البروفسور حسين جاياد ينينغرات أنّه محرّف عن «فتح الله» وهو هداية الله بن عبدالله بن علي بن عمدة الدين بن نور العالم ابن الحسين جمال الدين ابن أحمد بن عبدالله بن عبد الملك… إلخ([292]). ولد في كمبوجا من أم من أسرة ملكها، وسافر إلى باسي ثمّ جاوا([293])، ومن حفيداته بنت تزوجها السيد عبد الرحمن بن محمد باشيبان الملقب تاج الدين في مستهل القرن الثامن عشر، وله ذرية في بكالوغن وسورابايا وغيرها([294]).
يتألف الجيش الإسلامي من ألفي جندي فاستولى على بانتن وما حولها بعد أن انتشر الإسلام بسعيه في جيربون ونواحيها.
علم الشريف هداية الله بما يبيته البرتغاليون على المسلمين بمساعدة منلك باجاجاران، ووصلت نجدة ملك دمك، وحدثت معركة مع جيش باجاجاران قتل فيها الملك فلقب (برابوسيدا ساكتي) واستولى المسلمون على سوندا كلابا.
وصل القائد البرتغالي لتنفيذ المعاهدة فوقف له هداية الله فلمح النصر في منتصف مارس 1527م ثمّ وصلت قوّة برتغالية أخرى فخاب أملها وانهزمت عائدة.
بعد أن ثبت قدم الإسلام في سوندا كلابا أطلق هدية الله على هذه المدينة اسم «جاياكرتا» الذي تحرف أخيراً إلى «جاكرتا»([295]) ومعناه النصر المبين. ويعتقد البروفسور سوكانتو أنّ إطلاق الاسم كان في 22 يونيو 1527([296])، وذلك أنّه في أواخر عام 1526م توجهت سفن حربية بقيادة فرانسيسكو دي سا لتنفيذ المعاهدة فتلاعبت الأموا بإحدى السفن ورمتها بالقرب من جاكرتا، فهجم عليها المسلمون وأبادوا من فيها، وذلك في أوائل مارس. ولكن البروفسور جاياد ينينغرات([297]) يعتقد أنّ ذلك كان في أواخر ديسمبر 26، أو أوائل يناير 1527. قال البروفسور حسين جاياد ينينغرات إنّ هداية الله شخص عالم وأستاذ ديني والسلطان ترنكانا (سلطان دمك الثالث) تلميذه وصهره، والجيش الذي أصحبه السلطان من أجل الإسلام والدفاع عنه في جاوا الغربية مؤلف من المختارين المعروفين بالحماس الإسلامي موثوق بهم بأنّهم لن يتخلوا عن «فليتيهان» في الظروف الحرجة، ولا سيما أنّ زوجته أخت السلطان كانت معه، فإذا كان استيلاؤه على سوندا كلابا وقع في وقت قريب من يوم عيد الأضحى فلنا أن نعتبر أنّ فليتيهان ومن معه كانوا يحمدون الله ويشكرونه مبتهجين في ذلك اليوم بالنصر المبين الذي لم ينالوه عفواً، ولكن هل كان التاريخ الإسلامي معروفاً في جاوا عام 1526م أو 1527م ألم يكن سلطان أكونغ هو الذي أمر باتخاذ التاريخ الإسلامي عام 1613م؟
ذكر «ي هاخمن»: أنّ تاريخ الإسلام حلّ محل التاريخ الجاوي في بعضه في عهد الأمير ترنكانا بناء على الأخبار الجاوية (كما أمر بذلك أيضاً سلطان أكونغ سنة 1633م).
ثمّ قال البروفسور حسين: إنّنا على يقين بأنّ الأعياد الإسلامية كيوم مولد الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعيد الفطر وعيد الأضحى يحتفل بها المسلمون في كلّ مكان يوجد فيه من يتولى ذلك، وبالخصوص إذا كان الملك مسلماً، فمؤكد أن يكون كذلك الجو المحيط بفليتيهان والأمير ترنكانا، فإذا كان النصر الذي حازه فليتيهان كان بقرب يوم عيد إسلامي فإنّه وجنوده قد احتفلوا بالنصر في ذلك العيد، وفيه استبدلوا بالاسم القديم «سوندا كلابا» اسماً جديداً هو «جاياكرتا». واستشهد البروفسور حسين بما يعزز رأيه بأنّ أقرب عيد وقع في أواخر ديسمبر 1526 (أو أوائل يناير 1527م) وهو يوم 12 ربيع الأوّل (أي يوم ذكرى المولد النبوي) عام 933هـ الذي كان في يوم الاثنين 17 ديسمبر 1526م.
ثمّ قال: إنّ فليتيهان عالم ديني من سلالة الرسول (صلّى الله عليه وآله) فهو حين انتصر على ملك باجاجاران واستولى على سوندا كلابا عادت به ذاكرته بدون ريب إلى الموف الباهر والنصر العظيم الذي ناله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بفتح مكة، فمرّت بذهنه الآية: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً} [الفتح: 11] فاستلهم من هذه الآية تسمية نفسه «فتحاً» وأطلق على سوندا كلابا اسم جاياكرتا ومعناه «الفتح المبين».
«أعلن ذلك في يوم عيد مولد الرسول (صلّى الله عليه وآله) يوم 17 ديسمبر، وهنا تبدو حصافة فليتيهان إذ اختار لنفسه لقباً من سورة الفتح في كلمته الأصلية، واختار للمدينة ترجمة «فتحاً مبيناً» وهي «جاياكرتا»».
«كلّ هذا ظنّي، ولا سيما أنّ الناس في عهدنا الآن لا يلتزمون الاحتفال بذكرى مولد الرسول (صلّى الله عليه وآله) في 12 ربيع الأوّل، بل في أي يوم يختارونه بعد 12 ربيع الأوّل وقد وقع شهر ربيع الأوّل 933هـ ما بين 6 ديمسبر 1526م و4 يناير 1527م، فمن الجائز أنّ التسمية وقعت في 17 ديسمبر 1526».
في عام 1530م (936هـ) استولى هداية الله على كالوه فأصبحت جاوا الغربية تابعة لسلطنة دمك، فعيّنه السلطان ترنكانا والياً عليها. وكانت انتشار الإسلام بجاوا الغربية أبطأ سيراً بالنسبة لغيرها، لا لسبب ممانعة الأهالي بل لأنّ الإسلام جاء خالصاً نقياً، لذلك ترى أهالي جاوا الغربية شديدي التمسك به، والإسلام قوّة وفن»([298]).
مندوبة السلطان
في سنة 1546م (952هـ) بعث السلطان ترنكانا مندوبة إلى جاياكرتا هي «نياي بومبايا» البالغة من العمر الستين والحاملة لقب «تمنكونغ» وهو لقب عظيم في الدولة. وإرسال السفيرات لعقد معاهدة أو للإشراف والتفتيش كثيراً ما يكون.
قال بينتو البرتغالي: إنّ هداية الله استقبل مندوبة السلطان استقبالاً عظيماً ورافقها إلى مركز الإمارة وأكرم مثواها وجرى البحث بينهما حول الاستعداد لحرب «سوبيت أورانغ» بجاوا الشرقية. وبعد أن تمّ ذلك بدأ هداية الله بإعداد العدّة للزحف، فأحضر أربعين سفينة مشحونة بالمقاتلين، بينهم عدد من البرتغاليين الذين كانواي كتسبون بالأعمال التجارية، وتوجهت بقيادته فوصلت إلى دمك في 14 يوماً.
جاوا عام 1530م تقريباً (936هـ)
في جاوا الغربية مملكة باجاجاران، وبجاوا الشرقية سينغاساري (كانت تسمّى إبان قوّتها سوبيت أورانغ) وكان ملكها يشن الغارات على دمك وخرب مدينة كرسيك وأحرق كيري، تناصرها كديري وماترام الهندوكية، وكانت باسوروان وبلامباغن تدين بالدين القديم([299]).
والمدن التجارية الإسلامية هي «جبارا» ولها سفن كثيرة، و«سدايو» و«توبان» التي تحكمها أسرة «أرياتيجا»، ولها تجارة عظيمة، و«كرسيك» و«جاراتن» مرسى السفن، وكان عدد سكانها المسلمين 23 ألفاً عام 1523م([300]) (929هـ)، وكانت ذات شهرة واسعة لقرب موقعها من موقع سونن كيري الذائع الصيت وقد دخل الإسلام آنذاك إلى بناروكن ولم يعمها بعد، وبدأت أهمية سورابايا في أوائل القرن السابع عشر.
الزحف على سوبيت أورانغ
ذكرنا أنّ السلطان ترنكانا أمر بتجهيز قوّة لحرب «سوبيت أورانغ» زعيمة أعداء المسلمين التي لا يهدأ لها بال إلاّ إذا مدّت يدها إلى القرى الإسلامية تهاجمها وتعبث فيها.
حاصرها المسلمون مدّة طويلة ثمّ استولوا عليها بحيلة، وذلك أنّ المحاصرين أرسلوا إلى المدينة سرباً من الحمام علقوا بأذنابها فتائل مشعولة ناراً فوقعت على بيوت القش فاحترقت وسرت النيران إلى غيرها وارتفع اللهب فاضطرب الناس فدخلها المسلمون.
أسرة السلطان
تحدثنا الأخبار بذكاء السلطان وكياسته وغيرته على الإسلام، وله أولاد تضمخ التاريخ الجاوي بشهرة كلّ منهم، أكبرهم الأمير مؤمن الذي بذل كثيراً من الجهد في خدمة الإسلام، وكان يقيم في «براواتا» ويأتي لزيارة والده في فصل الأمطار، وأصغرهم الأمير تيمور الذي حارب ماترام، وتزوجت ابنته الكبرى الأمير «لانكر» ابن أمير «ستامبانغ» بجزيرة مدورا، وتزوجت ابنته الأخرى «هديري» أمير «كالي نيامت» وهي الأميرة التي اشتهرت ببسالتها وقوّة عزمها في حرب الأعداء، فحاربت البرتغاليين، وغزت جهور عام 1550م (957هـ) وتزوجت أخرى «مس كربت» (كي جاكاتينكير) أمير باجانغ ابن الأمير «بنكينغ» الملقب «كي كبو كنانغا».
ذكروا أنّ كي كبو كنانغا تلقّى علوم الدين عن الشيخ ستي جنار المتهم بعقيدة وحدة الوجود والإباحية ـ كما هو مذكور في كتاب «جنتيني» ففيه تعاليم الشيخ ستي جنار([301]) ـ فأغرى تلميذه على عدم إجابة السلطان في طلبه، فأغاظ ذلك سونن قدس جعفر الصادق المعروف بحماسته للإسلام فأمر بقتلهما، وكانت الأمير قد تبنت «أريا بانتن» فدربته على شؤون الحكم وإدارة الدولة (وسيأتي ذكره) وتزوجت إحدى أخواتها أمير جربون، وهي أرملة حسن الدين والدة بانتن.
حرب باسوروان ومقتل السلطان ترنكانا
بأمر السلطان توجّه هداية الله على رأس قوّة لحرب باسروان عام 1546م (952هـ) براً، وأسندت القيادة إلى ولي العهد، وقضى أهالي باسوروان يومين في الاستعداد ونصب المدافع، ثمّ خرجوا إلى المسلمين من أربعة أبواب على غرة زاحفين بقوّة، فالتحمت معركة عنيفة سقط فيها الكثير من القتلى، وجرح هداية الله والسلطان، فأقسم السلطان أن لن يبرح مكانه حتّى يستولي على المدينة أو يهلك.
دام الحصار ثلاثة أشهر، وبنى المسلمون برجاً عالياً ليرموا منه إلى المدينة، فهجم العدو على البرج فهدموه، فضاعت أتعاب المحاصرين سدى. وفي يوم وقع نفر من الوثنيين أسرى في قبضة المسلمين فعقد المسلمون اجتماعاً للبحث وتدبير الخطة الحاسمة في الزحف على المدينة وأحضروا الأسرى للاستماع إلى بياناتهم، وبينما كان الاجتماع منعقداً برهبته إذا بطعنة تصيب صدر السلطان من يد غلام في العاشرة من عمره كان يشتغل بحمل أوراق التانبول.
لماذا كان هذا القتل في الوقت العصيب، في هذا الاجتماع الرهيب، في الحين الذي ستقرر فيه الخطة الحربية بناء على بيانات الأسرى؟ وهل لنا أن نكشف ما وراء تلك الأثيمة؟ أو نقنع بالرواية الآتية:
بينما كان الاجتماع تجلّله المهابة، والمجتمعون يصيخون بأسماعهم في اهتمام إلى بيانات الأسرى، وبينما كان الجو تسوده الانفعالات، دعا السلطان ذلك الغلام ليأتي له بورق التانبول، ولكن الغلام كان دهشاً غارقاً في الدهشة من رؤية العظماء والقواد حول السلطان والأسرى وسماع بياناتهم، فلم ينتبه الغلام لطلب السلطان فعاتبه السلطان ومسّه بيده، فلم يطق الغلام صبراً وجرّج خنجره وأغمده في صدر السلطان، ثمّ قتل الغلام لساعته، لماذا قتل لساعته؟
حملت الجثة السلطان إلى دمك، ورفع الحصار عن باسوروان، وبقي اسم السلطان في التاريخ والقلوب ناصعاً.
أخريات حياة هداية الله
في سنة 1552م (959هـ) تنازل هداية الله عن الولاية وأقرّ ابنه حسن الدين على بانتن، وابنه الآخر «بساريهن» على جيربون، وانقطع هداية الله للدعوة في نواحي باندونغ وجي أميس، ولم يدم بساريهن طويلاً في الإمارة فقد توفي وتوفي ابنه سواركا، فتولّى حفيده «بنمباهن راتو» وعاش هداية الله إلى سنة 1570م (977هـ) تقريباً ودفن في رابية تسمّى (كونونغ جاتي) بعد أن طار صيته وخلد في القلوب ذكره، فضمّ له الأندونيسيون ذكراً جميلاً وحفظوا له أحسن العطف.
حوادث مقتالية
حدثت في الأسرة المالكة حوادث، إذ قتل الأمير مؤمن الأمير «سكر سيدا ليسبين» وكان لهذا الأخير ابن يدعوى «أريا بنانغسانغ» فانتقم لأبيه وقتل الأمير مؤمن، وقام مقام القتيل سهره (زوج أخته) الأمير هديري (أمير كالي تيامت) كافل الابن اليتيم «أريا بنغيري)، ورأى بنانغسانغ أنّ هديري صخرة في طريقه فصمّم على تحطيمها وقتل هديري على أيدي أجبرين أرسلهما بنانغسانغ، فأقسمت الأميرة أن تنتقم من القاتل، ثمّ اتّصلت بجاكاتينكير (ويدعى أدي ويجايا) فأعدّ هذا جيشاً وتحدّى بنانغسانغ للمبارزة، والتقى الفارسان وتصاولا فقتل بنانغسانغ فصارت منطقة «جيبانغ» (أربعة كيلومترات جنوب جبو) تابعة لباجانغ، وفي سنة 1568م لقب سلطاناً.
صفي الجو لأدي ويجايا (جاكاتينكير) في دمك، وبلغ اليتيم «أريا بنغيري» أشدّه فصنبه أدي ويجايا أميراً عليها وزوّجه ابنته، وولّى الأمير تيمور أصغر أبناء ترنكانا على جزيرة مدورا، والأمير «لانكر» حاكماً على سدايو وكرسيك وسورابايا وباسوروان، ولعله كان حاكماً من عهد السلطان ترنكانا فأيّده هذا.
سلطنة باجانغ
على الرغم من أنّ رجالها يميلون إلى مزج التقاليد القديمة بتعاليم الإسلام فإنّ الوثنيين لم يهدأ لهم بال عندما كان يرون انتشار الإسلام وتكاثر المسلمين، فقام «سنتاكونا» الشيوي أمير «بلامبانغن» واستولى على «بناروكن» يؤازره ملك جزيرة بالي عام 1575م (892هـ).
جعل السلطان على كل منطقة أميراً من قبله فاشتبه على الأجانب فطنّوهم ملوكاً، وكان الأمير على ماترام «كياي كدى بماناهن». ويُقال إنّه الوحيد ذو الأصل الوضيع بين الأمبراء، وكان «أدي ويجايا» قد تبنّى الدعوة «سوتا ويجايا» ابن أمير ماترام، وتمكنت الصداقة بين الأمير «بناوا» ابن السلطان وبين سوتا ويجايا، وتوفي أمير ماترام عام 1585م (992هـ) فخلفه على الإمارة ابنه هذا، وكان طموحاً تستفزه نفسه للثورة والانتاض، غير أنّ عمّه كان يقف في سبيل آماله، وكذلك خاله «جورو مرتاني» (ويدعى منداريكا)كان ينصحه بالعدول عن موفه تجاه السلطان الذي تبنّاه، ولكن هذا الشاب وقد اندفع في أحلامه لا تردّه النصيحة فشرع يمهد طريق الانتقاض.
كانت التقاليد تفرض على الأمراء أن يأتوا إلى السلطان في شهر ربيع الأوّل كلّ عام للسلام عليه، ولكن سوبا ويجايا لم يفعل، بل استطاع أن يستميل أميري كديري وباكلان إليه، ثمّ بنى حول «باسر كديه» سوراً وجعل حوله خندقاً، فبلغ ذلك السلطان فبعث إليه الأمير بناوا صديقه الحميم للتأكد من صحة الخبر، فأكرمه سوتا ويجايا واحتفى بقدومه وأحاطه بكلّ رعاية، فعاد بناوا حاملاً لأبيه البشرى بأنّ صديقه مخلص للسلطنة ثابت على ما كان عليه.
وكان أمير مديون قد ثار على السلطان فأخمدت ثورته وهرب إلى سورابايا، وأعلن سوتا ويجايا العصيان وجهر به، واضطرمت نيران الحرب واصطلى لظاها الكثير من أمراء باجانغ ودارت الدائرة على جيش السلطان. توفي السلطان بعد أيام من وصوله إلى باجانغ.
أريا بنغيري
لعله الذي يسمّى في الكتب الجاوية (سلطان غاونتي بوترا) ابن الأمير حسن الدين أمير بانتن([302]) الذي تبناه سابقاً أمير براواتا، نصبته أسرة الملك على باجانغ، ولكن سوتا ويجايا (لقب نفسه أخيراً سيناباتي) يطالب بإسناد السلطنة إلى صديقه بناوا، ولكن الأسرة راعت مكانته، فإنّ أريا بنغيري ينتسب إلى ملك دمك، ولم يكن بناوا إلاّ حاكماً في جيبانغ، ولعله كجدّه «كبو كنانغا» على رأي الباطنية.
كان السلطان جواداً سخياً، يغدق على رجاله النعيم ويشملهم بالعطف، ولكنه كان قاسياً على شعبه فاستاء الناس منه، فأذن سوتا ويجايا السلطان بالحرب واشتعلت نار المعارك، وبدت الحقيقة سافرة، إذ انفض الناس من حوله ولم يبق معه إلاّ مماليكه وطائفة من أهالي بوكيس ومكاسر وبالي، فاستسلم وأذن له سيناباتي في البقاء في دمك. واستولى سيناباتي على الدولة وأقام في ماترام وجعل صديقه بناوا نائباً عنه في «باجانغ» فنشأت دولة ماترام.
حسن الدين
لنترك ماترام برهة، ولنأت بذكر مملكة بانتن، وكنّا قد ألمعنا إلى أنّ الشريف هداية الله فاتح جاوا الغربية ومندوب السلطان ترنكانا تنازل عن الحكم وأقرّ ابنه حسن الدين على بانتن، وبنمباهن راتوا على جيربون.
قصد حسن الدين جبل «سولاساري» فدعا أمير الجبل «بوجوك أومن» إلى الإسلام، وتوجّه إلى بانتن وعليها الأميران «أجرجوء» و«أجرجونغ» أخوا ملك باجاجاران، ونزل ضيفاً على أحد الصلحاء (أمبو) وظلّ أياماً يراقب عادات الأهالي وعقائدهم ويدرس لغتهم وميولهم، ثمّ شرع في الدعوة بالحسنى، وبعد مثابرة علا نجمه وعظم قدره في تلك النواحي. كان ينتهز كلّ فرصة لنشر الدين والتودّد إلى الناس، فيعنى بالمرضى ويزور المنكوبين ويواسيهم حتّى تمكّن في القلوب حبّه ورسخ احترامه وأسلم الأميران فسمّي أحدهما «أكوس جوء» والآخر «مس جونغ» فصار من ينتسب إلى الأوّل يلقب أكوس أورادين وبرانطول والي الثاني مس.
بعث حسن الدين الأميرين لدعوة ملك باجاجاران إلى الإسلام ودعوة أمير الجبل، فلما علم الوثنيون بذلك اجتمعوا لدى أمير الجبل ودعوا أقطابهم فقرّروا أن يردّوا هذا الداعية بالقوّة مع الاعتصام بالجبل.
ثمّ توجّه الجميع برفقة حسن الدين إلى الل ومعه جيش من مسلمين بانتن، فاعترضهم في طريقهم بعض الوثنيين فهزموهم، وجدّوا في السير حتّى وصلوا إلى «وارينغين كورونغ» فتوف فيها حسن الدين وبعث الأميرين إلى الجبل فنشبت معركة بين الأميرين وأتباعهما من جهة وبين الوثنيين من جهة أخرى، واندحر الأميران فطارهما الوثنيون فنشبت معركة أخرى بأسفل الجبل، فوصلت قوّة للمسلمين بقيادة حسن الدين واحتدم القتال حتّى انهزم الوثنيون.
أصرّ بوجوك أومن أمير الجب على عناده، ودعا حسن الدين إلى مناظرة فلبّى الدعوة وعيّنوا لذلك يوماً (الثلاثاء 11 ربيع الأوّل 888) ([303]) وجرت المناظرة فأسلم البعض وامتنع آخرون، وذهب أمير الجبل إلى حيث لا يعلم ولعل هذا هو معنى ما جاء في الحكايات أنّ أمير الجبل بعد أن غلبه حسن الدين في مباراة إظهار الخوارق طار إلى السحاب واختفى عن الأنظار، فقال حسن الدين: دعوة مع الشيطان فإنّه لا يريد إلاّ الكفر.
توجّه حسن الدين والأميران غرباً وقد بلغ عدد المسلمين كما قيل 798 حتّى وصلوا إلى جزيرة سمانكا وغيرها ثمّ سومطرا (بنكاهولو وسوليبار) ومينانكابو، فلقي ملكها «مونرانغ كوريس»، ولامبونغ وأسلم ملكها «دارا بوتيه» وأوصاه حسن الدين بالسعي لنشر الإسلام وتنشيط الأهالي لزراعة الفلفل، وانتشر الدين في لامبونغ وأيندرابورا. وبدعوة أحد عظماء «تولانغ باوانغ» استولى حسن الدين عليها فانتشر بها الإسلام واتّسع نطاقه بدون أن يراق دم([304])، وتزوّج بنت ملك «أيندرابور» فرزق منها ولداً لقب «بنغيران سبرانغ ويتن» وأهدى له بلدة سوليبار عام 1548م (955هـ).
ثمّ عاد إلى بانتن وبدأ في أعمال الإنشاء والتعمير فقطع أدراج الآجام وبنى المنازل فتكاثر عدد السكان، وقسّم المدينة إلى أحياء، ودفن المستنقعات وأزال المياه الراكدة ورفع المنخفضات، وولّى الولاة على الأعمال. وعندئذٍ جاء إليه والده هداية الله من جيربون وأشرف على أعماله.
أعتق حسن الدين جميع المماليكن وبنى لكلّ واحد منهم منزلاً، ووزّع الأعمال الأخرى على أشخاص عيّنهم، قام بهذه الأعمال ولم يبلغ عمره الثلاثين، وقدم على والده في جيربون ثمّ إلى دمك حيث تزوّج البنت الرابعة للسلطان ترنكانا، وعاد بعد خمسة أشهر إلى بانتن، وأقام صهره أبو العارفين ابن سلطان دمك في بانتن وتوفي فيها.
جاء في بعض تواريخ جاوا أنّ حسن الدين عندما كان في دمك هجم الوثنيون على المسلمين فتقدّم حسن الدين على رأس قوّة فقاتل العدو حتّى انهزم وقتل قائدهم، فأقام المسلمون مهرجاناً تكريماً لهذا البطل. توفي حسن الدين عام 1570م (959هـ) في العام الذي توفي فيه والده هداية الله.
يوسف بن حسن الدين
1570 ـ 1580م
برزت أعماله في إدارة الدولة، وقدم الزراعة في الحقول، بعد أن كانت في الآجام، وزراعة الآجام مضرة بالأضاري الخصبة([305])، ثمّ إنّها تضطر الزراع إلى عدم الاستقرار إذ ينتجعون المواضع التي لم تزرع بعد ليزرعوها، فينتقلون من أجمة إلى أخرى، ولكنّهم بعد أن تعوّدوا الانتفاع بالحقول عرفوا الاستقرار في الزراعة فتحّسنت أحوالهم وعمرت بلادهم وتكاثرت قراهم.
شق يوسف الترع، وبنى السدود، ونظّم وسائل الري، وصارت الغلات متوافرة، والرخاء شاملاً، ما عدا محصول الأرز فإنّه لا يسد حاجة السكان، لذلك وسع نطاق الزراعة ليضمن للبلاد الاستغناء عن غيرها، فانتعشت الحياة واستتب الأمن وانبعثت روح الاطمئنان في النفوس، وصارت بانتن قوية الأركان مرهوبة وبنيت الحصول والاستحكامات([306]). وكانت بانتن تحاذي مملكة باجاجاران التي لم تفتأ تناصب المسلمين العداء، منذ عهد حسن الدين الذي أعرض عنها وخلى سبيلها، ولكن يوسف رأى أنّ الغعراض يغريها على مواصلة العدوان، ولم يعد في الإمكان غض الطرف، فتحرّكت قوّة من المسلمين مؤلّفة من خمسمائة جندي زاحفة نحو الباب الجنوبي لمدينة باكوان، مندفعة في جوف الظلام واقتحمت المدينة فانتشر الاضطرا فيها، وارتبك الملك وأخذ الناس يطلبون النجاة، فاستسلمت باكوان، ولكن المسلمين تركوا المدينة لأهلها يديرونها.
يقول الأهالي إنّ فتح باكوان كان قبل وفاة يوسف بعام واحد، وإنّ المسلمين حاصروها أوّلاً، ثمّ تسوّروا السور وهبطوا على المدينة فاستولوا عليها وتركت لأهلها، غير أنّ بعض رجالها ظلّوا بعد ذلك يهاجمون المسلمين كلّما سنحت لهم فرصة، فألحقت آنئذ هذه المدينة بسلطنة بانتن مباشرة.
عيّن يوسف والياً على جي أنجور، وبنى في بانتن جامعاً وهو المسمّى «مسجد أكونغ» وأكمل بناء سور العاصمة الذي شرع والده في بنائه، وتوفي عام 1580م (988هـ) فخلفه ابنه البالغ من العمر تسع سنوات تحت وصاية خمسة أشخاص من كبراء الدولة، ودفن في «بكالاغن» على يمين القاصد إلى بانتن.
ذكر البروفسور حسين جاياد ينينغرات الحكاية التالية نذكرها باختصار: مرض يوسف ففوّض أمر الدولة إلى الوزير (منكويومي) وجاء لعيادته «أريا بنغيري» أمير جبارا تتبعه ثلة من الجند يقودها «كي دمانغ» فلمّا توفي يوسف عقد رجال الدولة اجتماعاً وطلب الوزير من الحاضرين أن ينتخبوا أمير جبارا سلطاناً خلفاً ليوسف، فأجابه الحاضرون إلى ذلك، فلمّا علم أحد الأوصياء بذلك دعا رجال الدولة إلى اجتماع قرّروا فيه ولاءهم لولي العهد، وكتبوا بذلك كتاباً إلى الوزير فأقرّ الوزير ذلك في اجتماع آخر عقده، وأعدّ الوزير فيلاً اعتلاه أمير جبارا مرتدياً ملابسه الرسمية ومشى عن يمينه وشماله الوزير والقائد «كي دمانغ» وكثير من الناس يحملون مستلزمات الملك التي تحمل عادة في المواكب والحفلات، فلمّا وصلوا إلى الميدان استوقفهم الوزير وقال للأمير: «إنّ ابن أخيه محمداً لا يأذن له في العبور ويرجوه أن يعود إلى جبارا، وإن السفن قد أعدّت لهح فالتهبت الأفئدة غيظاً، واشتعلت المدينة فيمعارك وانجلت المعركة عن قتل القائد وهروب أمير جبارا ومن بقي معه».
لا بد إذن من الرجوع إلى الأوصياء ورأي أهالي بانتن هو الفاصل، وبمبايعتهم لولي العهد تمّ الأمر.
محمد نصر الدين
1580 ـ 1596م
ولد محمد عام 1571م تقريباً، وتوفي والده وهو في التاسعة من عمره، ولما بلغ أشدّه باشر شؤون الدولة، كان هو الحاكم الأعلى يفصل في الشؤون المتعلقة بالأعيان والأجانب وإليه تقدير الغرامات. وأمّا الدعاوى المدنية فلها حكام ينظرون فيها ليبلغوا السلطان حكمهم، فيصادق عليه أو يرفضه.
كان السلطان يزداد زكاءً وصلاحاً كلّما تقدّم به السن، فأحبّه الناس ولقبوه بالعابد، وكان الوزير «جايانكارا» أحد الأوصياء بيده إدارة الدولة فسار بها سيراً حسناً حتّى صارت بانتن من كبريات عواصم جنوب شرقي آسيا، يفد إليها التجار والسياح من كلّ مكان.
يديرشؤون الدولة مجلس يعقد اجتماعاته في الليالي المقمرة، فيجلس الأعيان في ثلاثة صفوف حول السلطان، بحيث يكون السلطان في صف مع الوزير والقائد العام، وإذا تكامل الجمع وأخذ الحاضرون أماكنهم عرض السلطان موضوع البحث فيقدم كلّ من الحاضرين رأيه، ولا فرق في ذلك بين ذوي الرتب العالية أو غيرهم، فالجميع أحرار في إبداء آرائهم، وأخيراً ينط السلطان بفصل الخطاب، وإذا كان الموضوع حربياً حضر الاجتماع ثلاثمائة من القواد، وفي هذا المجلس د تفصل الدعاوى أيضاً، والشخص يدافع عن نفسه وليس له أن يستعين بأحد.
في سنة 1590م (998هـ) جاء إلى بانتن رجل ادّعى أنّه ابن سلطان باجانغ «أريا بنغيري» نفاه السلطان «سيناباتي» ملك ماترام، فتنقل في البلدان ساعياً لاسترداد ملك أبيه حتّى وصل إلى بانتن، فتلقاه أهلها كما يتلقون أفراد الأسرة السلطانية، فارتضى القادم أن يكون مدرساً في القصر، ولكن الارتياب بدأ يمسح القلوب ويتسرّب إلى النفوس فضرب حوله نطاق من الشكوك والحذر، لانّ امّه برتغالية من ملاكا، وهو كثير الميل إلى أخواله، فتلاشت مكانته ولم يعد له في القلوب شيء من التقدير([307]).
كان السلطان محمد قوي الإرادة حديدي الغزيمة، ورث ذلك عن أبيه فاتح باكوان، وجدّه فاتح لامبونغ، وجد أبيه فاتح سوندا كلابا، وكان عهده عهد تقدّم تجاري ضمن الحدود الإسلامية فجميع الذين يباشرون التجارة ملزمون بالمحافظة على النظم الإسلامية.
أصدر السلطان أمره بتجهيز أسطول لحرب باليمبانغ، وعلى الرغم من معارضة وزيره وتنبيهه إلى عدم المجازفة بنفسه فإنّه أصرّ على تنفيذ أمره وترأس الحملة بنفسه ومعه الوزير وأصدر أمره إلى لامبونغ لتشترك في الزحف براً. وتوجهت قوات بانتن بحراً في أواسط عام 1596مـ1004هـ في نحو مائتي سفينة وعدد كبير من الجنود. وخلف السلطان لإدارة الدولة نائبه القاضي، تاركاً بقصره ابنه البالغ من العمر بضعة أشهر في أحضان والدته «نياي كديه واناكيري».
حصن أهالي باليمبانغ مدينتهم فجعلوا حولها أربعة أسوار خشبية متلاصقة، وحطّ الزاحفون رحالهم، وبنوا حول معسكرهم سوراً للاحتماء به، واشتدّ الحصار حتّى ضات المدينة بأهلها، في هذه المعركة تل السلطان محمد فسكتت الطلقات وانكفأ الجميع عائدين ودفن السلطان ببناء مسجد بانتن. وأحضر القاضي الأمير محمود ابن السلطان القتيل في المراسيم السلطانية وتوّج هذا الصبي هذا لم يتجاوز أشهره الخمسة، وكفل الوزير «جايانكارا» السلطان الطفل، وكانت مربيته «نياي أمبان رانكونغ» متوقدة الذهن واسعة الاطلاع حتّى لقبت بملكة البلاد، وتكاد تكون مرجعاً يؤخذ برأيها.
لم يكن الأمراء وحكام المقاطعات المسلمون يلبون بالسلطان، وكذلك الحال في بانتن حتّى لقب محمد بن يوسف سلطاناًز وقيل أوّل من لقب به محمود أبو المفاخر سنة 1638م (1047هـ).
أبو المفاخر محمود عبد القادر
1596 ـ 1645م
كان في كفالة والدته «نياي كديه واناكيري» التي تزوّجت الوزير، وبعد بلوغه الثلاثين من عمره (عام 1624م) باشر شؤون الدولة. وليس في الحياة صفو دائم قد نجم خلاف بين الوزير والأمير منداليكا ابن السلطان يوسف، وقام جميع أفراد الاسرة السلطانية في وجه الوزير، ولمّا اشتدّ الخلاف وتماسكت حلقات النزاع جاء أمير جاكرتا ومعه 2500 جندي لتسوية الخلاف وفض النزاع، فاشتبك في خلاف جديد مع الأمير منداليكا، ثمّ تمّ الاتفاق على أن يغادر منداليكا وثلاثون من أعوانه البلاد في خلال ستة أيام، وبقيت بقية من أتباعه فبقي الأمن مضطرباً وقد تحدث مشاغبات فينبري زعماء البلاد للإصلاح، والشعب خلال ذلك يضطرم غيظاً على الاجانب (الهولنديين والبريطانيين والصينيين) كلّ ذلك وأبو المفاخر يترعرع في قصر السلطنة ويشبّ في أحضان تلك المربية الحكيمة، حتّى بلغ العاشرة من عمره (1605م) فأقيم مهرجان لختانه.
عرضت قبل ختانه تمثيلية في الميدان العمومي تدور حول الدفاع عن الحصون والهجوم عليها، وشاهد ذلك الهولنديون والبريطانيون، وقدم الموسرون الهدايا للسلطان، وكان السلطان يحضر المهرجان في مكان خاص به، وعليه وحواليه مظلات جميلة، يتقدّمه الحرس ويحيط به الكبراء، ثمّ سارت الجماهير من مختلف الطبقات، أمامه أصحاب الحراب والرايات والبنادق والصنوج، ثمّ أرباب القسي والنبال، ثمّ حاملو الأشجار المثمرة والحيوانات والطيور الحقيقية والصناعية، وخلال الموكب يرقص الممثلون في ملابسهم الخاصّة، ثمّ مرّ 300 امرأة ترأسهن عجوز يحملن الهدايا في السلال البديعة المصنوعة من الخيزران وعليها المظلات، وضمن هذه الهدايا عمائم مطرزة مخصوصة بالسلطان، ثمّ مرّ أبناء مقدمي الهدايا، فسلّم الجميع على السلطان وجلسوا على حصر أعدّت لهم، وأشعلت الألعاب النارية وغيرها، وعرضت ألعاب حربية مع الشياطين قواها فلتكن على ثقة بأنّي لن أتأخر ولو خطوة واحدة، على الرغم من الضعف الذي انتابني([308]).
والتفت تروناجايا لفتة استعطاف إلى سلطان بانتن، وأرسل نظرة أمل فأنجدته بانتن بالرجال والسلاح وثارت بريانغن وشارك الأمير كاجوران في الثورة.
سار سبيلمان ومعه ألف رجل من البوكيس والبالي إلى جبارا، واقتحموا المعارك واستعادوا كثيراً من المواقع حتّى وصلوا إلى حيث القوى في سورابايا يصحبهم جيش ماترام بقيادة «أريا سيندرجا» فلقوا قوات كروناجايا محاصرة لمدينة سورابايا، والمحاصرون يعملون في حفر ترع لتحويل مياه نهر سورابايا عن المدينة، فانقطع الماء عنها، غير أنّ سبيلمان عزم على فض الحصار فحدثت معركة حامية في 13 مايو 1677م انتهت باندحار تروناجايا، واستمرّ اندحاره حتّى بلغ كديري، ولكن الضعف بدأ يسير في الجيش الهولندي، والأمراض تفتك بالجنود لتناقص الأغذية. وزحف سبيلمان على مدورا فسقطت «أريسبايا» وعلى مدورا الشرقية إذ ذاك الأمير «ماجن وولو» من قبل تروناجايا، وعلى مدورا الغربية «جكرانينغرات» ثمّ استولى على كمال وكوانيار. وكان سبيلمان قد مني بانهزام شنيع في حرب مدورا وقتل جميع بحارة السفن الهولندية، فعزم على الانتقام، ولكن بلغه أن تروناجايا زاحف على ماترام يرافقه النصر في المعارك التي خاضها، فاضطر سبيلمان إلى مغادرة مدورا تاركاً كوانيار خراباً.
صالح تروناجايا «كالسونغ» وانمحت من بينهما آثار العداوة، فتكوّنت لديه قوّة يمكن أن يطلقها على ماترام لحرب السلطان والهولنديين، وبث العيون والكتب، وبعث أعوانه إلى الجهات ليستنفروا الشعب، وأعلنوا أنّ السلطان باع وطنه إلى الكفار، وأنّ تروناجايا ساعٍ لاسترداد بلاد الإسلام ودرء عدوان الكافرين المعتدين، فهبّ الناس لهذا النداء، كأنّما جاءهم من السماء، وتألب الأعوان من كلّ صوب، وبهم استولى على كثير من البلدان.
كان كالسونغ يرى عدم الاشتباك في معارك حاسمة مع الهولنديين، فكتب إليه تروناجايا: أنّه قد آن الزمن الذي يجب فيه جهاد الكفار، إنّني لا أخشى الشركة التي لا تسعى إلاّ للمال([309])، فلقي عدّة انتصارات.
وفي 30 يونيو 1677م هجم المجاهدون على العاصمة وناصرهم عدد من الأمراء ومعهم الجيوش الجرارة من نواحي جاوا الشرقية، وظهرت على غرة بالقرب من قرية «لاوانغ» قوّة يقودها ابن الأمير كاجوران، وكاد الثائرون يحتلون المدن في وقت واحد.
كان أمراء ماترام يتناوبون الدفاع عن العاصمة، وتوالت انكساراتهم، ولم يبارح ولي العهد العاصمة، ويظن أنّه كان موالياً للثائرين، ولكن أنّى يرضى تروناجايا بتنصيبه سلطاناً وهو الذي ركب الأهوال في ثورته ثمّ يأتي يوم النصر فيضحي بتلك المجهودات في طرفة عين لهذا الشاب، إنّه لا يرضى بهذه التضحية من أجل فرد، بل سيقبض على زمام الملك بيده التي تحمل السيف، وها هم أولاء جنوده يجوسون خلال الديار ويضعون أيديهم على كلّ ما للسلطان، ونجا السلطان بنفسه ومعه ابنه الأكبر إلى النواحي الشمالية للاستنجاد بالهولنديين، فلمّا وصل إلى بانيوماس أدركته المنية، ودفن في «تكل وانغي» فالسلطان على طرفي نقيض مع الشعب، فهو يقسو على العلماء والشعب يعظمهم، ويريد أن يجعل للتقاليد الهندوكية منزلة الدين والشعب على عكس ما يريد، ويريد أن يعزز ملكه ويحتفظ بعرشه ولو بسفك الدماء، ويريد أن يتعاون مع الهولنديين والشعب لا يمالىء المستعمرين، فالثائرون يدعون إلى الجهاد الديني، والشعب يستجيب غالباً لمثل هذه الدعوة.
منكورات الثاني
1677 ـ 1703م
(1087 ـ 1114هـ)
كان أمير بوكر يعتقد أنّه الأحق بالملك فهو الذي حارب الثائرين وهو الذي سلم إليه والده الخنجر والرمح الوراثيين، فأقام بالعاصمة وتلقب بالسلطان، وكان ولي العهد (منكورات الثاني) في جبارا ولكنّه لم يستطع مواجهة الأهواء المتضاربة فولّى وجهه شطر الهولنديين، فانفض الناس من حوله، وكان (مرتالايا) أمير تكل من أعوانه فعصاه، وانتهى الأمر بقتله.
في 15 يوليو 1678م قرّر الهولنديون إبادة الثائرين ليتفرغوا بعد ذلك لإنهاء أمرهم مع السلطان عبد الفتاح سلطان بانتن. وتوجّه 2300 جندي في جبارا بقيادة (انتوني هورت) و(بولمان) واتّحدا مع الجيش الذي تركه (سبيلمان) لقيادة الكابتن تاك، وزحفت القوات الهولندية على كديري معقل الثائرين فاستولت عليها بعد عدّة معارك، ونجا تروناجايا بنفسه في 5 نوفمبر، وفي اليوم التالي وصل منكورات الثاني إلى كديري وتسلّم ما كان ملكاً لوالده ومنه التاج.
تولّى القيادة (بولمان) واستمرّت الحرب حول (بانغيل) وقتل بولمان فتولّى (فن فليت) وتتبعت قوات الشركة وقوات اروبلاكا آثار تروناجايا من غابة إلى أخرى ومن هضبة إلى سهل حتّى عجز القائد الهولندي عن مواصلة الزحف، فأصدر السلطان أمره إلى الكابتن يونكر (من أهالي أمبون) فتولّى المطاردة حتّى ركن تروناجايا إلى جبل كلود، وقد نفدت قواه، وقلّ زاده، فاضطر إلى الاستسلام في 17 ديسمبر 1679م فأكرمه السلطان ثمّ قتله.
وأخذ الهولنديون يطاردون المجاهدين ويتعقبون آثارهم ويترصدون لهم كلّ مرصد حتّى تمّ لهم النصر في معركة بقرب (بانغيل)، وقتل كالسونغ، وأسر كاجوران، ثمّ قتل، واستسلم ماجن وولو وهو العضو العامل في الجهاد، فأقرّه السلطان على ولايته بجاوا الشرقية ولقب (بودانكارا) واستمال إليه المدورويين واسترضى الهولنديين.
وتوجّه فن فليت والكابتن تاك إلى سوراكرتا لمفاوضة السلطان في شروط المعاهدة وتحديد الحدود، فطلب من السلطان تسليم جميع أنحاء جيربون فاستاء الجاويون وعقدوا مؤتمراً ضمّ حاكم ماترام وأميري سورابايا ومدورا للنظر في الأمر الطارىء.
اشترك السلطان والهولنديون في الزحف على كيري، وبعد دفاع شديد وقع أميرها في الأسر، ثمّ أعدم وانمحت من كيري سلطتها الدينية، ثمّ هاجموا أمير بوكر في عامصته فنجا بنفسه إلى باكلين.
الهولنديون والسلطان
في أوّل سبتمبر جاء وفد هولندي إلى العامصة وقد بدأ الجو السياسي يتجهم، والحالة تتعقد، فاستقبله السلطان استقبالاً حسناً، ولكنّه لم يجبه إلى مطالبه بجواب حاسم، وتشمل المطالب تهجير المكاسريين والباليين إلى جبارا، استناداً إلى اتفاقية فبراير 1677م.
وثار أمير بلامبانغن (تاوان الون) العنيد المصرّ على القتال، لتسوية أقساط الدين على السلطان للشركة، وهو الدن الذي لزمه في حرب عام 1676م ـ كما سبق ذكرها ـ ويبلغ 4600000 روبية، فخفّف تاك المبلغ إلى 344000، ووعد بتخفيضه 250000 روبية إذا حافظ السلطان على الاتفاقيات والامتيازات الممنوحة للشركة.
الأمير بوربايا
والسلطان وسوراباتي
الأمير بوربايا هو ابن سلطان بانتن نجا بنفسه بعد استيلاء السلطان أبي النصر عبد القهار (سيأتي ذكره)، ذهب الأمير وأعوانه إلى نواحي بريانغن فطاردته قوات هولندية، وفي يوم لقيت ثلثة من جنود الهولنديين بقيادة الكابتن رويس Ruis زمرة من العبيد الهاربين من بتافيا بقرب جي كالونغ (بنواحي جي انجور) ومعظمهم من الباليين يرأسهم سوراباتي، فاجتمع بهم الكابتن روبس ووعدهم أن لا يعيدهم إلى حياة الرق إن هم استسلموا، واتّخذ سوراباتي أداة المطاردة الأمير بوربايا وغيره، وبه تمكّن الهولنديون من أسر الشيخ العالم يوسف المكاسري في الشاطىء الجنوبي.
بعث الأمير بكاتب إلى بتافيا يعرض استسلامه، فأرسل الكابتن رسولاً هو سوراباتي (وقد منحه لقب كابتن ليوتنانت) وجرت بين الأمير ورسل الشركة محادثة، وبينما هم كذلك إذا هم يرون كوفلر Koffeler مقبلاً يحمل رسالة الأمان والعفو عن الأمير، كما يحمل أمراً بإعادة سوراباتي معه إلى بتافيا، فاستاء سوراباتي من تدخّل كوفلر في قضية استسلام الأمير، وراجع الكابتن رويس فيمن هو أحق بتنفيذ أمره، رويس أم كوفلر فأجابه أن اعتمد على الليوتنانت «فن هافل» الذي أرسل على جناح السرعة إلى جي كالونغ.
واستسلم الأمير فطلب منه كوفلر تسليم خنجره وخناجر أتباعه، وتسليم الخناجر عيب لدى الأندونيسيين، فالخنجر رمز شرف لا ينفك عنهم، فلم يرض الأمير، واقترح سوراباتي تأجيل ذلك إلى الغد، فلمّا جنّ الليل اختفى الأمير يخترق الظلماء مغادراً جي كالونغ.
وفي 28 يناير 1684م هاجمت جماعة سوراباتي كوفلر ومن معه وعددهم 39 جندياً، فهرب كوفلر تاركاً عشرين من جنوده صرعى، ووصل من بقي معه إلى «تانجونغ بورا» بعد جهد جهيد.
والتجأ سوراباتي إلى جبال «كالونكونغ» فطاردته كتيبة هولندية، فالتجأ إلى السلطان وسلّم له نفسه.
أصبح السلطان مثقلاً بالديون والشركة تطالبه وتلحّ عليه في تنفيذ الاتفاقية لطرد الأجانب عن العاصمة، وعندما حاول تنفيذها لقي أذى كثيراً من المكاسريين وأعوان سوراباتي، فتصعّب الموقف وتأزّمت الحالة، فإنّ رئيس الفرقة الهولندية في العاصمة الكابتن خريفينك Grivink ألحّ على السلطان بإعدام سوراباتي أو تسليمه للشركة، فكان جواب السلطان شديداً كشدّة الطلب.
وفي 4 فبراير 1671م توجّه تاك إلى العاصمة برفقة مستبليه الذين بعثهم السلطان إلى سمارانغ، وقد تقدّمه يعقوب وليمان وفونك وايخل، وكان بعض الأمراء، ولا سيما جكرانيغرات أمير سامبانغ، وختنه جاكرانا، وأمير سورابايا، يتطاول كلّ منهم للانفراد بالعمل، فجمع أمير سامبانغ رجاله مظهراً رغبته في استقبال تاج، ثمّ هجم على القصر من خلفه وحاصر سوراباتي فرفض سوراباتي أن يستسلم، وأخذ خريفينك يستعد للدفاع عن حصنه وفيه خمسون جندياً، ولكن الجاويين رفضوا مساعدة الهولنديين وآثروا إنهاء أمرهم بأنفسهم ليأسروا سوراباتي.
هجم سوراباتي وأعوانه على الجاويين وفض الحصار وتخلص من الشر الذي اقترب إليه، وخرج السلطان لمطاردته. وعلم تاك من أمراء جبارا أنّ سوراباتي مرابط شرقي العاصمة، وقد أضرم النار هناك فسار إليه بثلاث كتائب فلم يجد أحداً، ولكنّه سمع دوي طلقات من القصر ورأى نيراناً تلتهب في السقوف وفي المسجد والدخان يتصاعد، فتقدّم فإذا هو يرى خريفينك وجنوده جثثاً هامدة، فاضطر تاك إلى فرز جانب من جنوده لحراسة المركز الهولندي ليكون له سنداً وملجأ عند الضرورة.
هجم سوراباتي وجنوده على العدو مرّتين ولكنّهم اندحروا، والدخان الكثيف المتصاعد من الحريق يحجب الأبصار، فاشتدّ القلق وركن الناس إلى الفرار والنجاة بأنفسهم. وحاول تاك أن يعتلي صهوة جواده فخرّ إلى الأرض قتيلاً، وفي هذه المعركة قتل فن ليث، وفونق، وفن درمير و60 جندياً أوروبياً، وتقهقر بقية الجنود وهم 248 واعتصموا بالمركز الهولندي، وسارع الكابتن ليمان إلى نصب المدافع على الحصن.
وفي نفس اليوم غادر سوراباتي العاصمة متجهاً إلى النواحي الجنوبية، وغادر ليمان العاصمة، واتّخذ سوراباتي مدينة «باسوروان» مقرّاً له، واتّسع نفوذه ودرب جيشه تدريباً حسناً، فوجّه السلطان إليه حملة لم تثبت أمام الثائرين بل تشتت شملها في مسالك جبال جاراد حول «بنانكونغن»، ولم يتحرّك الهولنديون لنجدة السلطان ظنّاً منهم بأنّها حركات نصبت شركاً لهم، وسحبوا قواتهم المرابطة في كرسيك إلى سورابابا.
وعظم شأن سوراباتي في النواحي الشرقية، فأقلق ذلك أمير بلامبانغن فاستنجد بالهولنديين عام 1691م لحربه، ولم يتم أمر إذ عاجلته المنية وتولى ابنه «سيناباتي» ولم يكن هواه مع الهولنديين فسعوا لتنحيته وتولية الثاني من إخوته، ولم يكد يتولى حتّى قتل، فتولى الثالث «ماجانكارا» فعاهد سوراباتي فجهّز ملك بالي جيشاً لحرب بلامبانغن فانتصر ونحى أميرها عن إمارته وولى عليها والياً من قبله، وتزوّج الوالي بنت سوراباتي فاتّسع بذلك نفوذ سوراباتي. واستنجد السلطان عام 161م بالهولنديين لحرب سوراباتي فلم ينجدوه.
منكورات الثالث
1703 ـ 1705م
(1114 ـ 1116هـ)
بعد وفاة منكورات الثاني تولى السلطنة ولي العهد، فغادر العاصمة فجأة ولدان لأمير بوكر، فقلق السلطان الجديد وألقى القبض على أحدهما في «بانيوماس» وزجّه في السجن، وحمل أباه تبعة هروب ولديه، فخشي العم سوء المغبة فاختفى عن العاصمة، والتجأ في 12 مارس 1704م إلى القائد الهولندي «كنول» في سمارانغ، وأمر أتباعه بهدم الجسور التي مرّ عليها حتّى لا يمكن جنود السلطان من اللحاق به، فبعث السلطان إلى الهولنديين يطلب تسليم عمّه فلم يفلح، فقد أصبح العم في حمايتهم، وبدأ أتباع السلطان ينفضون من حوله، وامتنع أمير سامبانغ الحاكم المهيب عن المثول أمامه، واتّصل بأعوان أمير بوكر، وسار الكابتن «فن ريد» قائد سمارانغ إلى أمير جبارا وأبلغه أنّ حكومته قد عيّنت أمير بوكر سلطاناً.
وتوجّهت القوات الهولندية بقيادة «هرمان» في أربع سفن تحمل 1833 جندياً هولندياً و2016 من المرتزقة، ومعها عدّة مدافع وانضمّ إليها أتباع أمير بوكر، وتوجّه الجميع 23 أغسطس إلى العاصمة، ونجا منكورات الثالث بنفسه إلى الناحية الشرقية، فطاردته كوكبتان من الفرسان، فالتجأ إلى سوراباتي.
وكان رادين سودارما عم أمير سومنب في بتافيا فغادرها عام 1702 طامعاً في الإمارة فلم يفلح، وتوفي الأمير ـ ولم يكن أصيلاً في الإمارة ـ فتولّت الإمارة زوجته نيابة عن ابنها الذي لم يبلغ الحلم بعد، فتزوّجها رادين سودارما، ولما انتهت مشاكل العاصمة (سوراكرتا) واستولت حكومة الشركة على مدورا الشرقية عزلت الأميرة عن وصاية ابنها «جاكرانكارا» ونفتها وزوجها إلى بتافيا.
وتولّى باكوبوانا الأوّل (أمير بوكر) فأبرمت اتفاقية بينه وبين الهولنديين في 31 أكتوبر 1705م من موادها تجديد معاهدتي 1677 و1678م وأن تسلم للشركة نواحي ماترام الغربية ومدورا الشرقية، وعلى السلطان حماية جنود الهولنديين في القلعة، ويعفى عن ديونه، وعليه أن يدفع تعويضات سنوية، وبهذا تمّ اعترافه بسيادة حكومة الشركة على جاكرتا (بتافيا) وجاوا الغربية، كما اتّسعت حدود سمارانغ للشركة.
جاء إلى «جامبانغ» رادين براواتاساري من كيري فنفخ في قلوب الأهالي جذوة الحماس فاندلعت نار ثورة وحدثت معارك أخمدتها القوّة، ونجا هذا العالم أخيراً بنفسه إلى «بنكالن» بجزيرة مدورا عام 1707م ثمّ وقع في الأسر وسيق إلى العاصمة وأعدم.
وأخذ السلطان في تنظيم سلطات الأمراء كما تراءى له، فكان يعزل أميراً ويولي آخر ثمّ يعزله ويعيد آخر، وحصر نفوذ كلّ أمير في حدود إمارته، ونصب على الجميع أميراً.
اتفق منكورات الثالث وسوراباتي، فزحف القائد الهولندي «كنول» بجيش هولندي، وعشرة آلاف أندونيسي بقيادة أمير سورابايا (جايانغ رانا) على سورابايا ثمّ باسوروان، فخاض المستنقعات واخترق الآجام فانتشرت الأمراض في الجنود ومات منهم خلق كثير، وأدرك آخرين العياء، فظنّ كنول أنّها مكيدة من أمير سورابايا الذي دلّهم على هذه المسالك الشاقةن ودخل الجيش في معارك واقتحم مدينة بانغيل، وقتل سوراباتي وعاد الجيش إلى سورابايا.
بعد مقتل سوراباتي
خلف سوراباتي ثلاثة أبناء يترأسون الفرق الكفاحية، وبمصيرهم يتعلق مستقبل السلطان الطريد، أعدّ هؤلاء الثلاثة عدّتهم لمواصلة الكفاح، وكانت حكومة الشركة تسعى في أسر أمير سورابايا الذي قلب لها ظهر المجن، وأمير مدورا الذي انضم إليهم. وكان السلطان باكوبوانا يوالي إرسال الوفود إلى الشركة يستنجدها لاتخاذ الوسائل الحاسمة لإعادة حالة الاستقرار، وهي تعتذر في كلّ مرّة بقلّة الجند والسفن. وكان أمراء سورابايا ومدورا قد هاجموا الهولنديين في كرسيك وسدايو وتوبان حتّى ألجؤوهم إلى التحصّن في الحصون، وسعى أمير سورابايا للاتصال بأهالي بالي وبلامبانغن وبانتن ليساعدوه، وأنذر الموالين للعدو.
وفي 29 ديسمبر 1706م صدر الأمر إلى كنول بالزحف على سورابايا وأسر أميرها أو قتله، وتعيين خلف له، على أن يتوجّه أوّلاً إلى العاصمة (سوراكرتا) للبحث في مواد المعاهدة، وطلب تفويض من السلطان لتسوية قضية مدورا وغير ذلك، ولكن لم يجرؤ كنول على تنفيذ ما كلف به علماً بأنّ الأمير لن يسلم نفسه طوعاً فعدل عن القوّة واتّصل به كصديق ليزيل ما بقلبه من ريب حتّى لا يجنح إلى السلطان الطريد وأبناء سوراباتي.
حدث خلاف بين أبناء سوراباتي فتدارك الأمر الشيخ عبدالله فأزال الشقاق من بينهم ووحّد صفوفهم وبإشارته زحفوا على سورابايا.
زحف «هيرمان دويلدا» من العاصمة في 18 يوليو إلى كديري فنجا السلطان الطريد بنفسه، وتقدّم الجيش الهولندي إلى «جارات» حيث اصطدم بقوّة جاوية في معركة حامية استقتل فيها الجاويون متقاذفين على حياض الموت، ودامت المعركة ساعتين استعمل فيها الهولنديون المدافع فكانت الغلبة للقوّة. ووصلت نجدة هولندية من سورابايا وانضمّت إلى جيش هيرمان وزحفت على باسوروان، فقام الجايون في وجوه الزاحفين، ولكنّهم انكسروا وسقطت المدينة بيد العدو، واستولى هيرمان على الدارات باسم السلطان باكوبوانا الأوّل، وبنى الحصون ونقل إليها المدافع من السفن وملأها جنوداً، وعاد إلى سورابايا وعادت جيوش السلطان إلى العاصمة.
ومات هيرمان في بتافيا في 14 نوفمبر، فتوجّه جيش كنول لمحاصرة السلطان الطريد فاستسلم في 13 يوليو 1709م ونفي إلى جزيرة سيلان وخصّص له راتب شهري 150 ريالاً ومقدار من الأرز.
واضطر السلطان بضغط من الهولنديين إلى عزل أمير سورابايا وسلبه نفوذه، مع علمه أنّ الأمير لن يغمض على القذى ولن يسكت على هذا الإجراء، وحقيقة كان ذلك فقد ثار ولكنّه أرغم.
حياة مضطربة وظروف قاسية ومجاعة منتشرة وانتكاسات وأمراض هي نتيجة الحروب والمعارك المتوالية، فكانت الثورات ترفع رؤوسها الحين بعد الحين، فيقضي الهولنديون على كلّ ثورة، لأنّها كانت ثورات غير منسقة وجماع شعبي لم تستكمل شروطه، وكانت هذه الثورات تتأجج بتحريض علماء الدين غالباً للجهاد في سبيل الله ضد السلطان الذي انضوى إلى الهولنديين.
انفجرت ثورة عام 1713م ألهب ضرامها أمير وينانغون (ناحية تابعة الآن لمديرية باسوروان) وكان أمير بلامبانغن يمدّه بالعتاد. رابطت الثورة حول بانغيل، فبعث السلطان جيشاً دحر الثائرين إلى بلامبانغن، وسعى لتولية ابنه ولاية العهد فحدثت محاولات من الأسرة ضده ليتولى العرش أحد أفرادها.
في 26 فبراير أقيم معرض للسباع حضره رجال القصر المسلحون فانهالوا على أمير سورابايا طعناً، فخر قتيلاً إثر 25 طعنة، وذلك بإغراء كنول فتمّ له ما أراد، وخمدت ثورة بلامبانغن عام 1714م.
وتوفي باكوبوانا الأوّل فتولّى ابنه منكورات الرابع (سونن باربو) 1719ـ1726م (1132ـ1139هـ) ولم تكن القلوب مستقرّة حوله، فالأهواء متعاكسة وجوامح العواطف متواثبة، ولم يعترف بملكه أخوه وابنه، ومن الأمراء الذين تكتظ نفوسهم بعوامل التذمّر أخوه الأمير «ديبانكارا» الأوّل، والأمير بوربايا، وأمير بليتار (توفي عام 1731م) وعمّه أمير ماترام، فوف السلطان أمام خصوم من الأمراء وأخذ يناجزهم العداء ويعاملهم بالجفاء وحكومة الشركة تؤيده وتشدّ أزره، فجهّز جيشاً لحربهم فشردهم من عدّة مدن.
أمّا ديبانكارا الأوّل فقد تفرّد بالرئاسة في مديون من عهد والده، فلمّا توفي انتقل إلى سوكاواتي (بقر مدينة صولو) ولمّا استسلم بوربايا وأمير بليتار تنحّى إلى «سمانكي» حيث أسر عام 1723م ونفي إلى الكاب في إفريقيا الجنوبية.
منكوبوانا الثاني (منكونكارا)
1726 ـ 1749م
(1139 ـ 1162هـ)
توفي منكورات الرابع فتولّى ابنه «منكونكارا» ولقب باكوبوانا الثاني، ولم يبلغ أشدّه بعد، فتولّت الوصاية عليه أمّه «راتواكنغ» ومنكوبومي، والنزاع مستمرّ بين أفراد الأسرة، وتركت حكومة الشركة النزاع يستشري ويعمل عمله، ولم تهتم بالنفور الواقع بين السلطان وبين الأمير «جاكرانيغرات» ولعلها ترى النزاع خير فوز لها، وازدادت هجرات الصينيين، وارتفعت الشكايات إذ بلغ عددهم في بضع سنوات ستين ألفاً جلّهم عاطلون أو يتعاطون الربا، فتفاقم الأمر وااشتدّت الضائقة، فإذا الصينيون يثورون عام 1730م فوقعت مذحبة عظيمة، وهرب جماعة منهم إلى جاوا الوسطى حيث هجموا على قلعة الهولنديين في العاصمة، ثمّ على سمارانغ عام 1741م فبعثت حكومة الشركة قوّة لحربهم، حينئذٍ هبّ جاكرانينغرات أمير مدورا منجداً آملاً التخلص من سيادة السلطان.
وثار الصينيون في جيربون فقاومهم الجاويون من أعوان الهولنديين فتوجّه الثائرون إلى تكل واحتلوا مراكز الشركة وحاصروا لعة سمارانغ بمساعدة الأهالي، فانقطعت المواصلات وتعطلت السبل وأصبحت توبان ولامونغن وكرسيك التي يحتلها المدوريون مصدراً لحركات الصينيين.
وكان السلطان ينبّه حكومة الشركة لمراقبة أعمال «فن فيلسن» رئيس القلعة لاتصاله بالأمراء الذين أعيدوا من منفاهم بجزيرة سيلان خوفاً من منازعتهم له.
في 20 يوليو 1741م هجم جنود السلطان على الهولنديين في العاصمة محاولين الاستيلاء على القلعة فاستسلم الهولنديون واقتحم الجاويون القلعة وأسروا فن فيلسن ومن معه ثمّ قتلوه.
وحاول السلطان القضاء على ابني السلطان الطريد لاتصالهم بفن فيلسن، وهرب الابن الثالث فوقع في قبضة الصينيين فقتلوه، وهاجم الثائرون حصن «رمبانغ» الحصين واستولوا عليه وأضرموا فيه النار، واتّسع نطاق الثورة في جاوا حينئذٍ استنفر السلطان أهالي جيربون وبريانغن ـ وقد صارتا في قبضة الشركة ـ للجهاد الديني، وبعثت الشركة بقوّة بقيادة «موم» واستمرّ القتال من 7 إلى 13 نوفمبر 1741م واحتلت القوة مراكز الثائرين وغنمت عدّة مدافع بينها مدافع للسلطان كانت في العاصمة، فبرق للهولنديين بارق أمل لإنقاذ مراكزهم في تكل وجبارا في الحين الذي كان المدوريون بقيادة الكابتن «كونستانز» يهاجمون الثائرين في باسوروان.
وبدت فكرة الصلح، فأرسلت حكومة الشركة «فن هو هندروف» كما بدت نفس الفكرة للسلطان فبعث الوزير نتاكويسوما بعض زعماء الثورة من الصينيين إلى سمارانغ حيث أعدموا في سجنها إعلاماً للرغبة في الصلح.
واستمرّت ثورة الصينيين حول عدّة مدن، وكان معهم «مس كريندي» حفيد السلطان المنفي إلى سيلان، وهاجموا العاصمة وأشعلوا فيها النار، فنجا السلطان بنفسه مع الوفد الهولندي إلى «بناروكن» وتمكّن الأمراء الموالون للهولنديين من دحر الثائرين إلى مدينة باتانغ ثمّ تقهروا أيضاً، ودخل جيش مدورا مع الهولنديين العاصمةفي 20 ديسمبر، وعاد السلطان باكوبوانا الثاني إلى عرشه.
ووضعت اتفاقية عام 1743م من أهم موادها أن يكون تعيين الولاة بموافقة حكومة الشركة، وأن تسلم لها جزيرة مدورا، ومدن سوربايا، ومبالنغ وجبارا، وجاوا الشرقية من باسوروان إلى مضيق بالي، وأنّ تسيطر الشركة على شواطىء جاوا الوسطى إلى حد محدود، وتفوض إليها محصولات الشواطىء، ويعفى السلطان من دفع غرامات الحرب، وتجدّد معاهدات 1704 و1678م وعلى السلطان أن يقدّم للشركة محصول الأرز والحبوب والخيوط القطنية والفلفل والنيلا والخشب، وعليه حماية القلعة، ودفع ديونه البالغة 13200 ريال أقساطاً وللشركة حق صك النقود.
وانتقل السلطان إلى قصره الجديد عام 1744م غير أنّه لم يشرب كأس السلم حتّى الثمالة فكأن يداً امتدّت من عالم الغيب وألقت بتلك الكأس قبل أن يهنأ بها، فقد استمرّت الاضطرابات حول باسوروان بقيادة بعض الأمراء، وسار أمير مدورا بقومه ومعهم الباليون إلى عدد من المدن، ووسع إمارته في مدورا حتّى تجاوزت مدينة بمكاسن وجعل فيها خمسة آلاف، ودخل هو شخصياً ومعه 2000 مقاتل في معركة بسورابايا، وعلى الرغم من وقوع عدّة انتصارات تمكّن من مدّ نفوذه في مدورا.
كان الأمير يخشى الانكسار في سورابايا وسمبيلانغن حيث يقع قصره، فضاعف قواته في مدورا فكان ذلك سبباً في سقوط مدينة سومنب عام 1745م، غير أنّ ذلك لم يفت في عضده ولم يوهن عزيمته، فبينما كان «ستيرن برخ» يزحف نحو الجنوب هجم الأمير بقواته من الشمال واشتكب في معركة حامية كثر فيها القتلى، وأحرقت مساكن، فانثنى ستيرن برخ راجعاً وصار يطارد الأمير حتّى بلغ حدود سامبانغ، حيث لقي مقاومة عنيفة فارتد مهزوماً وأصيب كثير من جنوده، ثمّ اضطر إلى مغادرة مدورا بقواته بحراً.
وتوالت انتصارات الأمير في مدورا وشواطىء رمبانغ، واستولى على معمل السفن في لاسم، وأصبحت إدارة الشركة في جوانا على شفير الخطر. حينئذٍ سار «فن هوهندورف» على رأس قوّة فالتحم في معركة اندحر فيها الأمير منسحباً إلى رمبانغ، واستسلم عدد من أمراء الولايات، واحتل الهولنديون كرسيك بعد معركة عنيفة كدا وقتل أميرها، وسقطت جزيرة مناوى.
واستعاد المدوريون واهم فزحفوا على رمبانغ والتحمت عدّة معارك ولكنّهم انكسروا في معركة «رميس» و«بانيوانيار» وبالقرب من رأس بانكا، حتّى اضطروا إلى مهاجرة مدورا.
كان الثائرون يحصرون الهولنديين في عدّة مدن في مدورا، ولمّا طال أمد الحصار هجم الهولنديون على المحاصرين ثمّ اخترقوا «باليكا» إلى كوانيارا حيث توقفوا ليدخلوا في محادثة مع الأمير، وفشلت المحادثة، فعبر «فريسل» بوغاز مدورا واحتل «سمبيلانغن» مقر الأمير وبذلك انتهت المعارك.
اعتقل سلطان بنجرماسيون الأمير وهو في طريقه إلى «بنكاهولو» ليستنجد بالإنكليز، فسيق إلى بتافيا ثمّ نفي إلى رأس الرجاء الصالح، ونفي ولداه إلى سيلان، ونصب الهولنديون ابنه الذي استسلم في سدايو أميراً لعى مدوران، وتولّى إمارة سدايو أخوه أمير كرسيك.
أبرمت اتفاقية بين السلطان وحكومة الشركة أعفي السلطان فيها من ديونه شرط أن يسلم لها مدن تكل وبكالونغن، وتدفع له سنوياً خمسة آلاف ريال، ويرفع عنه حق فرض الرسوم على واردات مدن الساحل والبضائع التي تحمل على الماء والطرق العمومية وأعشاش الطيور والتبغ، ويفوض كلّ ذلك للشركة، وتدفع له الشركة تسعة آلاف ريال، وألفين لولي العهد إذ بلغ الرابعة عشرة من عمره وعشرة آلاف لموظفي القصر.
ثورة مس سعيد ومنكوبومي
كان مس سعيد من الكارهين للسلطان الحاقدين عليه، وهو ابن الأمير منكونكارا أخ السلطان (المتوفى بجزيرة سيلان). وقد أصدرت حكومة الشركة عفوها عمّن اعتبرتهم مجرمين، على شرط أن يستسلموا في خلال ثلاثة أشهر، وأعاد السلطان الأسرى.
ثار من سعيد فاحتل سوكاواتي (شرقي مدينة صولو) وهجم الثائرون على العاصمة واحترق جانب منها، وفي عام 1746م اندحروا أمام قوات «فن هوهندروف» إلى جاوا الشرقية. وهاجم مس سعيد مدينة «باكلين» وقتل أميرها ثمّ اندحر عنها.
واشتبك منكوبومي بنواحي دمك مع كتيبة هولندية فهزمها، وتكاثر أعوانه، ولكنّه انكسر في أواخر عام 1746م، ثمّ نهض مرّة أخرى ولكنّه اندحر واعتصم بكونونغ كيدولن وتوالت انكساراته عام 1748م.
وبدا للسلطان حل جديد فعرض عل منكوبومي الناحية التي يحتلها فلم يتم شيء، إذ كان السلطان على فراش المرض، وعاد منكوبومي إلى الثورة يؤجج ضرامها، وتوفي السلطان.
منكوبوانا الثالث (سونن سواركا)
1749 ـ 1787م
(1162 ـ 1201هـ)
عيّن الوالي الهولندي ابن المتوفى سلطاناً، وانتخز منكوبومي الفرصة فبعض إلى حكومة الشركة يطلب اعترافها به سلطاناً فرفضت طلبه، وكان رجال الدولة قد اختاوه قبل تنصيب السلطان الجديد.
بدأ شبح الحرب يقترب ثمّ يتحقق في هول ورعب، واستمرّت المعارك سجالاً، ينتصر جنود السلطان حيناً وينهزمون حيناً، وكان الأمير الثائر إذا لمح خطورة الموقف نجا بنفسه متحيّناً للفرصة، فإذا لاحت له خرج فجأة وهاجم العدو، وهكذا دامت المعارك تشتعل نيرانها حتّى تخرّبت البلاد وتعطّلت المزارع وانتشر عقد الأمن، فجهّز الهولنديون جيشاً اشتبك مع الثائرين فيمعركة انحسرت عن انهزام منكوبومي، غير أنّه تقهقر في هذه المعركة ليهاجم العاصمة حيث اشتعلت النيران فيها فأبادت نحو نصفها، وأخذ منكوبومي ينازل الهولنديين فاضطرهم إلى الانسحاب بعد أن دمّروا كلّ ما لديهم من الذخائر لئلا تقع بأيدي المهاجمين.
ثمّ حدث خلاف بين منكوبومي ومس سعيد أدّى إلى قتال، وأخيراً مدّ منكوبومي حبل السلام لحكومة الشركة، ففوضت إليه الناحية الجنوبية من مملكة ماترام هي جوكجاكرتا. وبهذا انسمت مملكة ماترام إلى قسمين: سوراكرتا وجوكجاكرتا، ولقب سلطان جوكجاكرتا هذا «منكوبوانا الأوّل» (1755ـ1792م).
ثمّ اتّحدت الحكومتان والهولنديون على حرب مس سعيد وبعد معارك دامية استسلم سنة 1757م وفوّض إليه جانب من مملكة سوراكرتا فصار أميراً عليه ولقب «منكوبوانا» الأوّل، وتوارث هذه الإمارة أحفاده.
حكومة جوكجاكرتا
في 2 أبريل 1792م تولّى منكوبوانا الثاني (سلطان سبوه) وعمره 42 سنة ثمّ عزلته حكومة الشركة عام 1810ـ1225هـ وتولّى ابنه منكوبوانا الثالث، وما كاد يتولّى حتّى فرضت عليه الشركة غرامة قدرها 196000 ريال، وتوفي عام 1814م، والسلطان الحالي هو التاسع.
تحت سيطرة بريطانيا
كانت فرنسا حامية فاعتبرت بريطانيا مستعمرات هولندا مستعمرات فرنسية، وعلى هذا فلها أن تضع يدها عليها. ففي 4 أغسطس 1811م بعد شهرين من وصول الوالي العام يانسن تراءى أسطول حربي بريطاني فيم يناء بتافيا مؤلف من مائة قطعة، يقوده اللورد مينتو الحاكم العام للهند والجنرال رافلس، ونزل تسعة آلاف جندي بقيادة سموئيل أوتشموني واحتلوا بتافيا في أربعة أيام، ووزعوا مناشير جاء فيها: إنّ الإنكليز لم يأتوا إلاّ أصدقاء للأهالي، فهم يحترمون التقاليد الشرقية، وعلى الأهالي أن لا يحملوا سلاحاً على الهولنديين أو الفرنسيين إلاّ إذا صدر أمر خاص من القائدين البريطانيين (هـ. ي. ايجرتون، والسير رافلس).
واندحر الهولنديون والفرنسيون إلى ميستر كورنيلس (جاتي نكارا الآن) تحميهم قوّة طنّوا أنّها مانعتهم ولكن الإنكليز جاؤوهم من ناحية أخرى، وكان يانسنس يقود 1800 رجل.
وأخيراً وصل الإنكليز إلى جوكجا واقتحموها، ودخلوا قصر السلطان من باب (ماديسورا) فدام موصداً بعد ذلك، ولم يفتح إلاّ في عام 1927م ونهب الجنود كلّ ما في القصر ووزّعت المنهوبات رسمياً لكلّ جندي 70 روبية، وللكابتن عشرة آلاف، وللقائد 34 ألفاً.
وتولّى الأمير ناتاكوسوما على ناحية ولقب «باكو عالم» وتوورث من بعده هذا اللقب، وأجري له راتب قدره 750 ريالاً عام 1812م واعتقل أمير «بمكاسن» (مدورا) من لديه من الهولنديين، واستعاد ابنيه اللذين ذهبا لنجدة يانسنس.
كان دايندلس قد فرض على الأهالي بيع محصولاتهم الزراعية للحكومة بأسعار محدودة، فأزال رافلس ذلك وأطلق الحرية للأهالي فيما يزرعون ولمن يبيعون، ولكنّه فرض ضرائب نقوداً أو محصولات، ما عدا زراعة البن فقد ظلّت إجبارية.
كانت الأطيان في جاوا الوسطى ملك الأهالي، وهم يدفعون ضرائب عنها كلّ عام أو عامين لشيوخ القرى، أي أنّ الضرائب لا تفرض على الأفراد بل على الجماعات، وتقدر بحسب خصوبة المزارع. وهكذا كان الحال في العهد الهولندي، فلمّا جاء رافلس فرض ضرائب على الأسر وجعل الأراضي ملكاً للحكومة وجرّد الأمراء من حقوقهم في المحصولات وأهدى للصينيين أرضاً من أملاك السلطان، وباع أراضي جيربون وكراوانغ ونواحي من بريانغن.
عيّن مس جاروت سلطاناً على جوكجا (منكوبوانا الرابع) وعمره 13 سنة سنة 1814ـ1822م ونصب الأمير باكو عالم وصياً عليه، وتوفي الأمير عام 1820م.
هجم البريطانيون على سوراكرتا متهمين سلطانها بأنّه يتآمر لحربهم، وأنّه يغري جنود السباهي على الثورة، فبادر رافلس إلى نقلهم إلى مواقع أخرى عام 1815م.
وكان الأهالي في أشد الاستياء من استيلاء الصينيين على الأطيان فلمّا طفح غيظهم واكتظ في نفوسهم الحنق قتلوا أحد الملاكين الصينيين في «برويولينكو» واحتلوا مكانه، فأخرجهم جنود الإنكليز.
واشترى رافلس كثيراً من الأراضي وأجرى عدّة تعديلات وحارب الاسترقاق الفردي، ولكنّه استرق ألوفاً من الناس لتشغيلهم في الحقول والمزارع. وفي عام 182م فرض على كلّ رقيق بلغ الثامنة من عمره ضريبة قدرها ريال يدفعه عنه مولاه، وعلى بيع الرقيق ضريبة كما فرض ضرائب أخرى، منها ضرائب على التجار الصينيين وعلى الموظفين الأجانب، وهي ربع أو نصف محصول الحقل باعتبار حسن المحصول وإن لم يحسن في الواقع، ورفع عن الأهالي بعض التكاليف وأعمال السخرة، ما عدا تعبيد الطرق ونصب الجسور، وعوض السلطان بمبلغ 80 ألف ريال عمّا كان يتسلّمه من ضرائب المرور والمكوس.
انكسر نابليون عام 1814م وأعيدت إلى هولندا مستعمراتها، وعقدت مع بريطانيا معاهدة تنص على أن لرعايا هولندا حرية التجارة في المستعمرات البريطانية ولرعايا بريطانيا الاتجار في المستعمرات الهولندية، باستثناء جزائر الملوك، ويتعاون الطرفان على محاربة القرصان، وتسلّم المستعمرات لهولندا، وللإنكليز ملاكا ومستعمرات هولندا بالهند وسنغافورة وبنكاهولو (بسومطرا) وأخيراً في عام 1824م تنازلت بريطانيا عن بثكاهولو.
كتب اللورد مينتو إلى صديق له عن احتلال بتافيا كما يلي تقريباً: «اندحر العدو إلى ميستر كورنيلس ليجمع قواه ويؤلف علينا جموعه، وقد أصبحت بتافيا تحت حمايتنا في مرح وابتهاج، بعد أن كانت مرتعاً للفوضى والنهض من العبيد والغوغاء. لقد ملكنا في اليوم الرابع أكبر مدينة في المستعمرة الهولندية، ولم يبق بها من أرباب المناصب أحد، فقد غادروا مساكنهم وتجمّعوا في مركز الوالي العام، ليكونوا تحت رقابته وإشرافه، فتركوا منازلهم الغاصّة بالفرش والأدوات المثمنة والنساء والأطفال والخدم والعبيد لأيدي أعدائهم، وقد عومل هؤلاء بما يليق بهم، ونقل كلّ ما هو للحكومة إلى خارج المدينة وضاع الكثير نهباً. وبعد أيام من احتلال بتافيا أصبح الناس يمشون في بعض الشوارع وأقدامهم تغوص في السكر والبن والأرز والأفاويه، وليس في المدينة سوى ستة أفراس ولا مواشي فيها».
وقال: إنّ الجنرال جومل (الفرنسي) لحسن حظّه تمكّن من الاختباء في مستنقع غارقاً إلى ذقنه، ولمّا سكنت الحرب دخل المستشفى وبات ليلته، ثمّ هرب إلى بوكور ليجتمع مع يانسنس البائس.
وذكر أنّ البريطانيين غنموا مدفعاً واعتلوا ظهور أربعة جياد كانت للهولنديين فطاردوهم بها، فسمّوا لذلك البحارة الفرسان.
وذكر عن يانسنس وسلفه ما يلي تقريباً: أبعث بهذه الرسالة عن السفينة التي تحمل الجنرال يانسنس أسيراً، والحق أنّه رجل طيب جداً وأجدر من عرفتهم بالتقدير، ولكنّه سيىء الحظ الأمر الذي جعله يغرق في التفكير ويمعن فيه إمعاناً أضرّ بصحته وكان سلفه خبيثاً استطاع أن يشغل مكانة عالية بسبب الثورة الفرنسية، إنّه طمّاع وجشع، وفي الإمكان إرشاؤه، جبار في سبيل الحصول على الأرباح حتّى كان لا يحسب للأرواح حساباً، فقد قسر الجاويين على تعبيد طريق يمرّ على مستنقعات، فأفنى بعمله هذا ستة آلاف شخص، وهو جزء من طريق أطول قد مهده، وأمر بإعدام الأميرين «ناتا كوسوما» و«ناتانينغرات» حنقاً عليهما، ولو لم يتهاون الضابط المكلف بتنفيذ الأمر، ولو لم يتدارك يانسنس لكانا في عداد الأموات. إنّ دايندلس جلف يعمل كما يمليه عليه هواه، ولقد أحسن نابليون بتعيين يانسنس بدلاً عنه.
عندما أعيدت المستعمرات إلى الهولنديين جروا على ما كان عليه البريطانيون في استملاك الأراضي، والحكومة الهولندية مثقلة بالديون، والأهالي يحرقون الأرم غيظاً، وتولّى «فن دركابلن» منصب الوالي العام للهند الهولندية 1891ـ1826م.
منكوبوانا الخامس
1822 ـ 1826م
(1237 ـ 1241هـ)
واندلاع ثورة ديبانكارا وأسبابها
كانت هناك أطيان ملكاً للأمراء، ولمّا صار الأمراء تحت نفوذ حكومة هولندا أجرت أراضيهم للهولنديين والصينيين فساءت أحوال السكان وارتفع أنينهم وكانت حكومة هولندا تمنع موظفيها من مزاولة التجارة وتأجير الأطيان عام 1832م وتجبرهم على إعادة الأراضي لأربابها على أن يدفع المؤجرون السابقون تعويضات عظيمة للمستأجرين. استأجر حاكم جوكجاكرتا أراضي بدايا من السلطان بثلاثمائة سمت سنوياً (السمت يساوي ريالاً تقريباً) فأجبر على أن يدفع للحاكم تعويضاً قدره 26 ألف سمت.
ألغت ضرائب كانت البلاد تئن منها كضرائب الحدود، ولكنّها أجبرت السلطان على دفع تعويضات لها، وهي عبارة عن تسليم أراضي «منجانكارا» واشترت حكومة هولندا حق فرض الضرائب على السبل في ممتلكات السلطان ورهنتها للصينيين، فاتخذها الصينيون وسيلة لكسب يدر لهم الأرباح الكثيرة، وفرضت ضرائب أخرى باهظة حتّى على حمل الأموال ومرور الجنائز، ولم تكن الضرائب محدودة المقادير بل يقدرها الجابي كيفما شاء.
هذه بعض أسباب تجمّعت وهيّأت النفوس للثورة، فوق أسباب أخرى معها، وتوفي السلطان فجأة في حفلة ساهرة عن عمر يبلغ الـ 21عاماً، فتولّى بعده «مس مينول» ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات، ولقب (منكوبوانا الخامس) وتألّف مجلس الوصاية من جدّته «راتوكنغ» وأمّه «راتوكنجانا» ومنكوبومي والأنير ديبانكارا.
وأمعنت الحالة سوءاً واشتدّ بالناس اللق واضطربوا وأصبحوا يتحرقون غيظاً من فداحة الضرائب والاستبداد، وقد أحصيت الضرائب فبلغت 34 نوعاً، كما زاد كرههم للصينيين. وكان الأمير ديبانكارا يرى كلّ ذلك بعين حزينة وقلب مكلوم ويسمع أنات الرازحين تحت التكاليف الثقيلة ويشاهد ما بلغ إليه الشعب من ضيق، فتأمّل الأسباب فأدرك أنّ من المتسببين هو «الباتيه». وذلك أنّه كان بين القاضي رحمن الدين وبين دانورجا خلاف فاعتزل وظيفته، فعيّن الباتيه رجلاً آخر، فاعتبر الأمير ديبانكارا هذا التعيين استبداداً، إذ لا حق له في التولية والعزل، فألحق للسلطان الذي يمثّله مجلس الوصاية.
وشاهد الأمير ـ وهو الذي نشأ نشأة دينية ـ الدين الإسلامي يضطرب ركنه في وطنه، والوحدة في الحكم والدولة التي بذرها دعاة الإسلام أصبحت باهتة اللون منهارة الجوانب مهلهلة.
أمامه الآن هذه الصورة متجلية كالغول، فالمجد الذي أورثه أجداده أصبح في غير قبضة أسرته، وصارت الأسرة العريقة في الملك المتأصلة فيها سلائل المجد لا ملك له ولا مجد ولا صولة ولا سؤدد.
الأمير ديبانكارا هو ابن منكوبوانا الثالث سلطان جوكجاكرتا بن منكوبوانا الثاني، أمّه جارية ولا يتولّى السلطنة عادة ابن جارية. ولد عام 1785م في عهد جدّه منكوبوانا الأوّل، فلمّا توفي جدّه عام 1792م استصحبته زوجة جدّه الصالحة إلى قرية «تكل رجا» حيث أخذ يدرس العلوم الدينية، فنشأ نشأة إسلامية على أيدي علماء تلك القرية، فقرأ الكتب واطلع على التاريخ والآداب والإلهيات ودرس التصوّف والتفسير، هنالك امتلأ قلبه بالإيمان بالله واكتظت شعاب نفسه بالدين وكرع من حياض العلم وذاع اسمه وعرف بأنّه عالم ديني جمع بين الإمارة الموروثة والتقوى، وسمّي بالشيخ عبد الرحيم أو عبد الحميد.
توفيت جدّته في القرية، وظلّ الأمير مقيماً بها بين رجال الدين، كثير العبادة فيرى في معظم أوقاته في مصلاه على صخرة تظللها شجرة «الكمونينغ» أو في كهف بعيد عن أعين الناس، كثير الرحلات والزيارات، فيرحل إلى البلدان لزيارة العلماء والأضرحة، وبنى بقريته مسجداً ولكنّه لم يكمل ود عثر على مسجد أخيراً يُقال إنّ الأمير بانيه في موضع قريب من حارة «منيانن كجيل» يحيط به سورٍ حجري عالٍ، وهي قرية تابع لسمارانغ.
كانت أراضي «كارانغ كوبر» وغيرها مؤجرة، يتناول السلطان منها سنوياً مائة ألف روبية، ويتناول الأمير حصته 26 ألفاً، فاستولت عليها حكومة الاستعمار، وأخذ الموظفون أبعادها، فأدرك الجاويون ما وراء تلك المقاييس.
صودمت الأمّة في عقائدها وهوجمت في تقاليدها الموروثة، فأجرى بها أن تثور لحماية عقائدها وتقاليدها وثرواتها ومجدها.
كان حول الأمير أسرته، أمّه الحازمة وزوجته الوفية «راتنا نينغسيه» وأبناؤه البسل وأشهرهم ديبانكارا الثالث الذي جداهد بجانب والده، وآخرون كانوا معه.
حاولت حكومة هولندا أن تشق طريقاً يمر على قرية «تكل رجا» فيخترق أرضاً للأمير فيها قبر جدّته التي ربّته وكفلته قال الأمير في مذكرته: «إنّ الأرض المربعة في تكل رجا وبها مدافن أجدادي يريد الهولنديون أن يشقوا فيها طريقاً… وهذا استبداد لم يستشر في أرضه، ولم تراع كرامته ولا كرامة جدّته، فتهان في مرقدها. لا، هذا لا يمكن أن يرضى به الأمير، فتصدّى للعمال ومنعهم من مواصلة أعمالهم، ووصلت رسائل تطلب حضوره إلى ماترام فأعرض عنها.
في 20 يوليو 1825م وصلت كتيبة هولندية إلى القرية لاستقدامه، فكان ذلك مفتاح القتال، قال الأمير في مذكرته: «اسمع يا عبد الحميد، آمرك أن تأتي لأقول لك إنّه يجب أن تصدر أمرك لجميع جنودي بالجهاد، استعيدوا جاوا. فإن سألك سائل: أين صك الأمر؟ فقل له: كتاب الله».
دوت الطلقات وارتفع صوت الحرب، وقتل قائد هولندي في أوّل معركة، وتهدّم منزل الأمير واشتعلت النيران تلتهم مساكن القرية، وقد أصبح الأمير بنجوة ومعه منكوبومي يشاهد لهب النيران، وهو على جواده المحجل، فتوجّه إلى «سلارونغ» التي تبعد عن جوكجاكرتا بنحو سبعة أميال، وثبتت زوجته بجانبه وتبرّعت بجميع ما تملك من الجواهر والحلي وأنفقتها على أعوان زوجها ليثابروا على الجهاد.
وازدحمت الوفود في «سلارونغ» ملتفة حوله حتّى بلغ عدد القادمين نحو 30 ألفاً يشتعلون حماساً، وانضم إليه 23 أميراً من أسرة السلطان و54 من الأعيان غادروا العاصمة ليحملوا السلاح، وكان العلماء رجال الدين في مقدمة من جاؤوا يؤيدونه ويعززونه، فاختار للقيادة خمسة أشخاص هم:
1 ـ منكوبومي ابن سلطان سبوه (اعتزل الثورة أخيراً في 27 سبتمبر 1829م وتوفي عام 1850م).
2 ـ الأمير جاياكوسوما الابن الثاني لسلطان سبوه (استشهد في إحدى المعارك عام 1829م).
3 ـ علي باشا سنتوت (عبد الكامل) ابن أمير مديون الذي تله الإنكليز وعمره 16 سنة (استسلم للعدو في 27 سبتمبر 1829م وحارب مجاهدي البدريين في سومطرا، ثمّ انضم إليهم، ثمّ أسر ونفي إلى بنكاهولون وبها توفي عام 1855م).
4 ـ العالم كياي ماجا، وكان ذا نفوذ عظيم على القواد وزعماء الثورة.
لا يملك الأمير سوى ثلاثين بندقيقةن وكان المجاهدون أسلحتهم الخناجر والرماح والعصي فجاهدوا حتّى صار له جيش عظيم مسلح، واستمرّ القتال حول «سلارونغ» وحدها ثلاثة أشهر.
قسّم الأمير قوّاته أقساماً، كلّ قسم يتألف من 500 جندي إلى ألف، وللأمير فرقة خاصة ويقف معه 800 من الفدائيين، وكان يرتدي الجبة ويضع على رأسه عمامة، وعلى خاصرته خنجراً وحول عنقه مسبحة، وكانت كذلك ملابس قواده.
في 31 يوليو 1825م بعث الأمير ببلاغ إلى أهالي كدو ملخصه ما يلي: «أنا الأمير ديبانكارا والأمير منكوبومي، إلى الإخوان في كدو، اعلموا أنّني قادم إليكم، ليعلم الجميع ذلك رجالاً ونساءً كباراً وصغاراً، أبعث إليكم بهذه الرسالة بيد رسولي حسن بصري، فإذا وصل إليكم فافزعوا جميعاً إلى أسلحتكم وجاهدوا للاستيلاء على البلاد وإعلان دين رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومن ارتاب في كتابي ولم يثق به قطعت عنقه. يوم الخميس 5 ذي القعدة سنة باء» (1240هـ) يوافق 31 يوليو 1825م.
حاول الثائرون حصار ماكلانغ ففشلوا، وزحفوا على العاصمة فارتدوا عنها، وأنذر «دكوك» الأمير بالتسليم، وقد جاء الرسول يحمل خطاب الإنذار وهو في المسجد بين العلماء والأمراء، فأجاب الأمير على الخطاب بما يلي: «سؤالكم عن سبب تركي العاصمة، جوابه هو ظلم الحاكم الهولندي وكاتبه في جوكجاكرتا ودانورجا، فقد ساءني ذلك جداً، وها آنذا أعلن استيائي دفاعاً عن الشعب تجاه الظلم الذي سببته أنظمة الحكومة حتّى اضطروا إلى ترك منازلهم وقراهم فتعطلت مزارعهم. نحن أوصياء السلطان، ولكن مندوبكم لم يستشرنا في شيء ولم يرجع إلينا، وهذا لا يتفق وتقاليدنا».
جهّز الهولنديون الجيوش فحدثت معركة «بيسانغن» انتصر فيها المجاهدون، ومعركة بادانغن مني فيها الهولنديون بهزيمة شنعاء (9 أكتوبر 1825م) وصارت سلارونغ بين المجاهدين والعدو يتداولونها في عدّة معارك، ثمّ اتّسعت ميادين القتال، وتوالت الهجمات في ملاكلانغ وكدو وغيرها، وقتل دانورجا المشايع للهولنديين.
وعلى الرغم من مساعي الهولنديين وترغيبهم الأمير في أن يسلموا له جميع الأراضي التي استولى عليها فإنّ المعارك لم تهدأ واستمرّت سجالاً، وكمن الجاويون يوماً على شفير وادٍ وراء سياج من الغابات وأناموا خيولهم، فلمّا مرّ الجنود الهولنديون انقضوا عليهم وأبادوهم عن آخرهم، وواصل المجاهدون هجماتهم على جوكجاكرتا وغيرها حتّى وصلوا إلى سفوح جبل مرابي، وحينئذٍ أججمع الشعب على تولية الأمير سلطاناً، ولقب بالسلطان عبد الحميد.
واستمرّت الهجمات والاندحارات من الجانبين في نواحي متعددة حتى شهر نوفمبر 1826م، وجرح الأمير في معركة بقرية «كادوك» فتولّى القيادة الأمير جايا كوسوما، وامتدّت المعارك إلى جميع أنحاء جاوا الوسطى والشرقية، وكان مع الهولنديين صينيون وأمراء جاويون أمثال أمراء مكلانغ ومينوريه وغيرها.
وفي أوّل ديسمبر 1826م استسلم الأمير «منكودينينغرات» وانحاز إلى الهولنديين، واضطر الهولنديون إلى إعادة السلطان منكوبوانا الثاني إلى عرشه في 17 أغسطس 1826م وقد بلغ الثمانين من عمره، وتوفي في 2 يناير 1828م فتولى الأمير «منكوسوما».
وبنى الهولنديون الحصون حتّى بلغ ما بنوه بين مديون وبانيوماس فقط نحو 165 حصناً شحنوها بمئات الألوف من الجنود، وألفوا دوريات متنقلة، فأصبحت حركة الأمير محصورة، وأحاط به الأعداء يوماً من كل جانب، وتقدّم أحدهم وأمسك بسرج جواده وشهر عليه مسدساً وصوّبه إلى صدره، فأطلق الأمير رمحه إلى صدره فخرّ مجندلاً ثمّ جرى له جواده بسرعة البرق.
وحالفه النصر في عدّة معارك، غير أنّ ابنه «ديباكوسوما» استسلم في 27 مارس 1828م ثمّ استسلم ناتا براجا، وأمير سيرانغ في 21 يونيو، ولكن المعارك استمرّت يتناوب فيها الجانبان الهجمات.
وفي 10 أكتوبر جرت محادثة في «كامبينغ» مثل فيها «روفس» الجانب الهولندي، ومثل «ماغون براويرا» الجانب الأندونيسي. وفشلت المحادثة وغشي الناس شهر رمضان، وعاد العالم كياي ماجا إلى وطنه «باجانف» والأمير إلى «سمبيراتا» والأقوام تتوافد إليه وتعد الحفلات بمناسبة رمضان، ولكن الهولنديين هاجموا هذه القرية فاندحر الأمير إلى «بنغاسيه بانجا» وعاد القتال وتوالت المعارك. وفي 3 أكتوبر 1828م هجم العدو فدافع الجاويون عن أنفسهم ثمّ كروا على العدو، وقد تحصّنوا أوّل الأمر بالمتاريس، فلمّا قرب العدو تواثبوا جميعاً من متاريسهم وقد ارتفعت الرماح بأيديهم، فلم يجد الأعداء فرصة لتصويب بندقياتهم، فأطلقوا لأرجلهم الأعنة وتركوا أسلحتهم وراءهم، وسقط منهم قتلى وجرحى وغنم المجاهدون 400 بندقية وعدة مدافع وذخائر وأزواداً ومئات من الأسرى.
وفي 31 أكتوبر 1828م جرت مفاوضة في قرية «ملانغي» بين العالم كياي ماجا وبين ويرانكارا، في هدنة دامت إلى 9 نوفمبر، وفشلت المحادثة، وعادت المعارك إلى حالها بضراوة، فنصح كياي ماجا حكومة هولندا أن تركن إلى الصلح فتوجّه روفس وكياي ماجا والحاج علي وقاسم بصري إلى «كالي بندول» حيث القائد علي باشا سنتوت في 22 يناير 1829م وفشلت المحادثة مرّة أخرى.
عرض الهولنديون الصلح فأجاب الأمير «أنّ الإسلام يقول أقبل إلينا خاضعاً» وجرح علي سنتوت في هجومهم على «بنغاسيه» فتولّى مكانه عبد اللطيف، وكان من القواد المجاهدين الشيخ عثمانع لي، وبنغيران الشيخ محمد وغيرهما وأبل علي سنتوت من جراحه، وقتل جاياكوسوما ابن الأمير.
وثبت الأمير في جهاده، وأخذ يتنقل في القرى، ثمّ بعث بكتاب مع رسول إلى زوجج ابنته «مرتانكار» فوقع الرسول في الأسر، فعانى الأمير التعب والشدائد، ومرض بعض أتباعه ومات آخرون، منهم أخوه الأمير «أديسورا»، وأخذ العدو يطارده، وهو يتجنب الوقوع في قبضته، وفي يوم حاصره المطاردون وأمام الأمير هوة فهمز جواده ووثب به إلى الهوة فتردى بها، فأرسل الهولنديون وراءه رماحهم وطلقات بنادقهم ولكنّها أخطأته، وفقد جواده وأصبح مترجلاً، فاستكان إلى كهف ولم يكن معه سوى شابين هما «رانا» و«بانتينغ» فتوجهوا إلى جبل كلير، وقد تكسرت قناته وأصيبن بضعف وعياء، ثمّ ألمّ برجليه حمى قاسية منعته من السير.
وكان الهولنديون قد أعلنوا منح جائزة لمن يأسر لهم الأمير، لقب أمير وخمسون ألف روبية، وإذا كان الآسر مجرماً يعفى عنه وتوهب له قطعة أرض وجراية شهرية، ولكن ذلك لم يفت في عضد الأمير ولم يثن من عزيمته، فعاود نشاطه والتف حوله الأنصار واصطفى منهم قواداً وإن كانوا أقل تجارب ممّن قبلهم.
وتولّى «فن بوس» منصب حاكم عام للهند الهولندية، وهو أبو قانون السخرة التي تسمّآ بالإصلاح الزراعي واجتمع الكولونيل كليرنس بالأمير ديبانكارا بأسفل جبل مينوريه، فطلب الأمير أن ينوب عن حكومة هولندا الجنرال «دكوك» وأن توضع هدنة طول مدّة المفاوضة، وعقد الاججتماع في 6 يناير 1830م بقرية «رمو كمال» ثمّ في ماكلانغ ولما أزف شهر رمضان امتنع الأمير عن الاستمرار في المفاوضة طول الشهر، فظلّ دكوك في الانتظار، واكتظت مدينة ماكلانغ بالقادمين من كلّ صوب للاتصال بزعيمهم، وقدم له الهولنديون هدايا من النقود ليوزعها على أتباعه فرفضها، ثمّ قدموا له أنواعاً من الأقمشة فلم يقبلها وعرضوا عليه جواداً فأبى أن يقبله.
وولى شهر رمضان 1345م (18 مارس) فأخذوا في مرودته، وأطلقوا الأسرى وجيء إليه ببنتيه من الأسر وأقفوهما أمامه وأطلقوا والدته ليلين قلبه وتدركه الشفقة فيرضى بما يعرض عليه الهولنديون.
عقد الاجتماع في مقر الحاكم الهولندي، جلس الأمير والقائد الهولندي دكوك في ردهة داخلية، وقام عن يسار، حاكم مدينة صولو الهولندي، وحاكم باكلين ومترجمان، وعن يمينه صهره «مارتانكارا» وديبانكارا الشاب، والعالم الديني بدر الدين، وهؤلاء هم القواد الجدد.
وحاصر الهولنديون ماكلانغ، وأبلغوا الأمير بعجم سماحهم له بالعودة إلى مقره، فاحتج على هذا التصرّف. قال الأمير في مذكرته التي كتبها فيم نفاه ما معناه: «إنّه لو أراد حينئذٍ أن يردي دكوك بطعنة من خنجره لكان ذلك في استطاعته، غير أنّه يأبى أن يكون خائناً مخلفاً لوعده».
واعتقل الأمير وأخذ في عربة إلى شمال ماكلانغ في مارس 1830م بعد أن بلغت خسارة العدو في حروب الأمير التي دامت خمس سنوات ثمانية آلاف قتيل منهم، وسبعة آلاف من المرتزقة، وعشرين مليون روبية. ووصلت عربة الأمير إلى «أونغاران» حيث صلّى الظهر في قلعتها، ثمّ إلى سمارانغ، ثمّ على سفينة إلى بتافيا، وأقام بقصر الحكومة. وفي أواخر أبريل نفي إلى «منادو» ترافقه ثلة من الجند ومعه الشابان الوفيان على السفينة «ملوكس». ووصل إليها في اليوم الذي وصلت السفينة التي تقل العالم كياي ماجا من جزيرة أمبون، في 12 يناير 1831م ثمّ نفي إلى مكاسو، وفي منافه كتب مذكرته عن نهضته تناول فيها حوادث متنوعة.
وفي صباح 8 يناير 1855م توفي وقد بلغ السبعين من عمره، ودفن في حي الملايو، وتوفي قبله ابنه في المنفى، وأجريت لاسرته جراية سنوية قدرها ستة آلاف روبية من سلطنة جوكجاكرتا، وكان قد همّ أخوه بالثورة عام 1849م فانكشف أمره ونفي إلى سمارانغ، وللأمير هناك ذرية تحمل لقبه.
هكذا كافح الأمير ضد الاستعمار دفاعاً عن دينه ووطنه وشعبه وأمجاد أسرته، سردنا القصة باقتضاب وإلاّ فإنّ كفاحه كان مريراً وجهاده كان شديداً.
قصر سلطنة جوكجاكرتا
ذكرنا أنّ باباً من أبواب هذا القصر ظلّ موصداً زمناً طويلاً لأنّ الجيش البريطاني دخل القصر من ذلك الباب حينما استولى على جاوا، والقصر عبارة عن مدينة صغيرة يحيط بها سور وأبراج وأبواب، بني عام 1770م وخلدت الأغاني ذكره، وأحيت الأناشيد شهرته، منها هذه القطعة التي نترجمها إلى ما يلي:
«وفي ماترام تقوم حصوننا الشامخة المحيطة بالقصر، التي لا تفتح من أبوابه الخمسة سوى أربعة أبواب هنا حيث القناة العميقة ذات الماء الزلال، حيث تصطف أشجار الكايام على حافتي الشارع».
يرتفع سور القصر إلى أربعة أمتار ويبلغ سمكه ثلاثة أمتار ونصف متر يكفي لمرور عربة عليه.
تعديل الحدود والديون
عدلت حكومة هولندا حدود سلطنتي جوكجاكرتا وسوراكرتا باستيلائها على بانيوماس، وباكلين، ومديون، وكديري، على أن تدفع للسلطنتين تعويضات سنوية، ثمّ نفت السلطان إلى جزيرة أمبون، (وبها توفي في 12 رجب، يونيو 1849م) وولت على السلطنة الأمير بوربايا (باكوبوانا السابع) عمّ السلطان.
وبهظت هولندا الديون بعد ثورة ديبانكارا، فرأت أن تسد العجز بالاقتصاد في النفقات وتوفير الدخل، فأصدرت نظام المزارعة وكلفت الأهالي زراعة كلّ ما من شأنه أن يضاعف الدخل، وقد بلغت الديون 37 مليون روبية، ثمّ ألغي النظام عام 1854م، وزرع البن والشاي والقرفة والتبغ وغير ذلك، ثمّ النيلا عام 1840م والسكر عام 1839م، وكانت العائلة الجاوية تنال من هذه الزراعات نحو 17 روبية فقط، فأحدث ذلك تذمّراً وظهرت روح المقاومة فاشتعلت ثورات في عدّة نواحٍ.
سلطنة بانتن
ذكرنا فيما سبق هذه السلطنة إلى عهد أبي المفاخر محمود عبد القادر، فتولّى بعده أبو الفتح عبد الفتاح (1645م). عرف هذا السلطان بالبسالة وقوّة البأس وحسن الإدارة والتدبير، بذل همّه لترفيه شعبه وترقية بلاده وتقوية جيشه، وقدّم التجارة والملاحة، واتصل بالأجانب وكان كارهاً للهولنديين. فكانت بانتن عامرة غاصّة بالتجار على اختلاف أجناسهم وتنوّع ألسنتهم، مكتظة بالرواد والصنائع والعلماء وغيرهم.
في يوم من عام 1671م غصّ ميدان المدينة بالجماهير وانطلقت المدافع ترمي قذائفها، وظهرت المراسيم السلطانية في أبهة وعظمة احتفالاً بمبايعة عبد القهار ابن السلطان بولاية العهد.
وانتقل السلطان إلى تيرتاياسا، ولم يدم عهد الصفان فقد حدث خلاف بينه وبين ابنه، قيل إنّ السلطان اتهم ابنه بممالأة الهولنديين والانحياز إليهم، وقيل إنّ الذي اختلف مع السلطان شخص آخر (كما سيأتي)، وعلى كلّ حال فقد وقع خلاف قلب كيان الدولة وحول مجرى سياستها.
سافر ولي العهد إلى مكة عام 1674م (1084هـ) وأقام بها سنتين، وعاد حاملاً لقب أبي النصر، ولقبه الجاويون «سلطان حاجي».
كان السلطان يعطف على ثورة تروناجايا، ويبعث رجاله ليعترضوا سفن الهولنديين حيناً ويهاجموا أطراف بتافيا حيناً آخر، ويهيب بأمراء جيربون لمناوأة المستعمرين، ولكن الوالي الهولندي كان يقظاً فأسرع إلى بناء حصن على حدود كراوانغ ـ جيربون، فبعث السلطان وفوداً إلى جامبي في سومطرا، وترناتيه وغيرها يتصل بأمرائها للتعاون ضد المستمرين، واستمر يواصل أعماله ضدهم في عدّة أماكن.
وعرض ولي العهد على الهولنديين عقد معاهدة فرفضوا عرضه بحجة أن لا حق له في ذلك ما دام والده وهو السلطان فكان هذا شبه إغراء للقيام ضد أبيه، وفي عام 1672م (1093هـ) أعلن ولي العهد نفسه سلطاناً وأقال جميع الموظفين الذين لا يجارونه في ميوله فلم يطمئن الأب إلى أعمال ابنه، وشق حجاب السكون، وأشعلها حرباً أهلية انتهت بانهزام الابن.
وفي يوم اشتعلت النيران فجأة في أحد المنازل، وعلا الصراخ، وتراكض الناس، وبينما كان في ارتباكهم هجمت قوة الأمير بوربايا ودخلت المدينة، فهرب الابن (السلطان حاجي) ملتجئاً إلى قلعة (سور أسوان) فأدركته الجيوش وحاصرته، فحار سلطان حاجي فيأمره، وكان في القلعة هولندي يدعى «يعقوب دوري» فشجعه على المقاومة وأشار عليه أن يستنجد بالهولنديين وفعلاً توجهت رسالة مستعجلة إلى بتافيا، فوصلت سفينتان هولنديتان تحملان الجنود، ولكنّهم لم يتمكنوا من النزول إلى البر، فالشواطىء مخفورة بجنود السلطان وقد وقفوا على استعداد للنضال، ووصلت نجدة هولندية بقيادة «تاك» فيها طائفة من أهالي جزيرة أمبون عليهم بونكر الأمبوني.
وهبط الجنود المختارون على الزوارق يحركون المجاذيف رويداً رويداً حتّى تمكّن بعضهم من النزول إلى البر، فانبرى جنود بانتن يدافعون عن وطنهم، في حين أخذت أفواج أخرى من جنود هولندا تنزل، فاشتد القتال واستمرّت الحرب يومين كاملين، ثمّ اضطر السلطان إلى التقهقر.
وصل الهولنديون إلى «كارانغ انتو» فحاصرهم الأهالي واشتدت الهيجاء واستمر لهيبها، ثمّ سكتت المدافع وصمتت الطلقات فاستعيض عن الآلات النارية بالسيوف والاسنة، والليل دامس الأرجاء، وما عتم أن انجلى القتال عن اندحار المجاهدين، ووصل العدو إلى قلعة سور أسوان، واستمرّت الحركات العسكرية، واندحرت قوات بانتين عن العاصمة ونواحيها.
لم يخمد هذا الانكسار جذوة الحماس في قلوب البانتنيينن وأنى يكون ذلك والسلطان عبد الفتاح لا يزال على عرش القلوب كما هو على عرش السلطنة.
وفي نهاية عام 1682م زحف الهولنديون على تيرتاياسا مقر السلطان، فدافع البانتنيون عن مدينتهم ببسالة، ولكن العدو القوي ثبت في مكانه، وفي ليلة خرج السلطان من قصره، ثمّ سمع دوي انفجار ردّدت صداه الآفاق، وخرّ القصر على أثره، إذ أشعل فيه البارود حتّى لا يقع سليماً بيد العدو، وكان مع السلطان ابنه بوربايا، فطاردهما العدو، فاستسلم السلطان عام 1683م وسيق إلى بتافيا وبها توفي. أمّا مصير بوربايا فسيأتي الحديث عنه.
من هو الثائر علي السلطان
هل هو ولي العهد؟
ألّف توباكوس روشان مدير مكتب الوثائق في مصلحة الشؤون الثافية بجاوا الغربية كتاباً سمّاه «سجارة بانتن» قال فيه ما ملخصه:
«المعروف أنّ هذا الأمير حارب أباه، ولكن المصادر الأخرى الأهلية تبعث الشك في صحة هذا الخبر، فقد ذكرت أنّ ولي العهد كان ملخصاً لأبيه، وفي كتاب كان ملكاً لتوباكوس إسحاق ثمّ صار بيد محمد أحمد حاكم كونينغان ثمّ إلى يد محمد أيديل يوسف الموظف في «سيررانغ» أنّ الأمير كان حسن الأخلاق مطبعاً لوالده مخلصاً له ويدعى الأمير منصور، وأنّه عند عودته من الحج مرّ على الصين فتزوج بها امرأة هولندية كان لها أخ يشبهه تماماً، فسلّ/ إليه ملابسه الرسمية، فسافر هذا الصهر إلى بنافيا عام 1676م ـ 1086هـ مدعياً أنّه الأمير عبد القهار، ولكنّه عندما وصل إلى بانتن ارتاب السلطان فيه، فلم يقبله، ثمّ حدثت الحوادث التي ذكرناها. والواقع أنّ الأمير عاد بعد ست سنوات وترك زوجته في جيربون وسار إلى بانتن الجنوبية فلمّا وصل إلى «جي مانوك» أكرمه الأهالي، وأقام في جي كادم وبها توفي، ويعرف هناك باسم «ولي مولانا منصور» وقد استاء الأهالي من السلطان الذي لا يريد أن يعترف بالواصل هذا ابناً له…».
ثمّ اقتطف المؤلف من كتاب بعث به الأخ عبد الحميد الموظف الحكومي في تيرتاياسا وملخصه:
«أنّه لمّا حدثت الحروب بين البانتنيين والهولنديين اضطر السلطان عبد الفتاح إلى التحوّل إلى تيرتاياسا وبنى حوله سوراً وحصناً وهناك توجد مقابر بينها قبور لقواد السلطان الذين حاربوا الأمير الكاذب وهم: 1 ـ الأمير كيلبار. 2 ـ توباكوس عارفين بن علي الدين (الأمير أريابوجانا). 3 ـ القائد ناتاياما. 4 ـ محمد علي». وقال: «إنّ الأمير الحقيقي سافر إلى الصين مضطراً، إذ دفعت الأمواج السفينة إلى جزيرة ماجني بقرب جزيرة بينانغ…».
و«توجد ثلاثة كتب أخرى في «كادوبومبانغ» ذكرت أنّ المدفون في جي كادم هو الأمير عبدالقادر ابن السلطان عبد الفتاح».
الشيخ يوسف المكاسري
هو ابن عبدالله أبي المحاسن هداية الله تاج الخلوة، الذي كان أحد الثلاثة المجاهدين مع السلطان الوالد وأبلوا بلاءً حسناً، والآخران هما الأمير بوربايا ابن السلطان والأمير كيدول.
الشيخ يوسف من أسرة سلطان مكاسر، ولد عام 1626م ت 1035هـ في مكاسر، وحج مع نفر من رفقائه في 20 أكتوبر 1644م ـ 1053هـ، ودرس الطريقة النقشبندية على الشيخ علي عبدالله محمد عبد الباقي، وفي زبيد أخذ الطريقة العلوية، وفي المدينة درس الطريقة الشطارية عن الشيخ برهان الدين الملا ابن الشيخ إبراهيم بن شهاب الدين الكردي، وفي دمشق أخذ الطريقة الخلوتية عن الشيخ أبي البركات أيوب بن أحمد بن أيوب الخلوتي إمام مسجد ابن العربي، كما درس طرق الشاذلية والرفاعية والعيدروسية والسهروردية والمحمدية والمولوية وغيرها وغيرها، قيل إنّه رحل أوّلاً إلى أجيه، ثمّ إلى اليمن وحضرموت، ثمّ حج ورحل إلى دمشق لطلب العلوم الدينية واتبع الطريقة الخلوتية. وعند عودته عام 1646م أقام في بنتن للتدريس، وتزوّج بنت السلطان، فلمّا حدث الخلاف بين السلطان وابنه انضم إلى السلطان يجاهد ضد المعتدين، ثمّ حاصره الهولنديون عام 1684م، فنجا بنفسه إلى جيربون وظلّ يجاهد حتّى وقع هو وأسرته في أسر العدو ونفي إلى بتافيا، وسجن بقلعتها عدّة سنوات، ثمّ نفي إلى جزيرة سيلان عام 1683م، بعد أن صدر حكم الإعدام عليه ثمّ ألغي، قيل إنّ الذي توسّط في إلغاء الحكم عليه هو الملك اورانزيب بالهند، وقد طالبت مملكة مكاسر بإطلاقه وكرّرت الطلب، فكانت حكومة هولندا ترفض الطلب كلّ مرّة، ثمّ نفي عام 1694م إلى الكاب ومعه 49 شخصاً، وبها توفي عام 1699م. وفي يوم الجمعة 3 ذي القعدة (23 مايو 1703م) وصل الجثمان إلى مكاسر ودفن في «بيراينغ» في عهد السلطان عبد الجليل وبطلبه، وعاد بعض أفراد أسرته وبقي آخرون هناك، وسلالات الأندونيسيين والملايو موجودة حتّى الآن في إفريقيا الجنوبية، ويقدر عددهم بنحو 60 ألف نسمة. وللشيخ يوسف مؤلف ترجم فيه لأستاذه نور الدين الرانيري، وهذا الكتاب محفوظ في مكتبة سلطان كوا([310]).
السلطان أبو النصر عبد القهار
(سلطان حاجي)
1683 ـ 1687م
1094 ـ 1098هـ
توطدت قدما السلطان عبد القهار في بانتن، ومنح حكومة الشركة امتيازات، وضعفت حالة بانتن السياسية وبنت الشركة قلعة وكنيسة، وما زالت آثار القلعة باقية إلى اليوم، وبنى قصره عام 1680م هولندي يدعى «كارديل» الذي يقال إنّه أسلم، ولقب «ويراكونا» وهذا الهولندي اشترك في بناء القلعة والكنيسة عام 1683م. أما بونكر الأمبوني فقد ارتاب فيه الهولنديون فجازوه جزاء سنمار.
في سنة 1684م وضعت اتفاقية بين بانتن والشركة نصت على وجوب إعادة مماليك الهولنديين الذين التجؤوا إلى بانتن، وتسليم كلّ هولندي أسلم من بينهم كارديل، وعلى بانتن أن تعوض الهولنديين عن كلّ ما خسروه بسبب اعتداءات الأهالي في البحر والبر ونهبهم أموالهم، وأن لا تتدخل بانتن في شؤون جيربون أو غيرها، وليس لأجنبي غير الهولنديين أن يتجر في بانتن.
وممّا يذكر عن أبي النصر أنّ في بلاطه علماء اشتهر منهم عالم عربي هو السيد شيخ([311]). وتوفي السلطان في 12 أكتوبر 1687م قبل وفاة والده في منفاه، وأوصى وزيره «ديبانينغرات» على ابنه ولي العهد فلم تقابل الوصية بارتياح لدى كبراء البلاد، فقد اختار بعضهم السلطان المنفي أو الأمير بوربايا.
وفد بانتن إلى بريطانيا
كانت حكومة بانت قد بعثت وفداً إلى بريطانيا قبل حدوث الانقلاب المسلح رفع الوفد مرسى سفينته من بانتن في نوفمبر 1681م واقتحم البحر ميمّماً شطر أوروبا، ووصل إلى التيمس بقرب مدينة أريث في 29 أبريل 1682م، واجتمع بملك بريطانيا، واستقبله مندوبو الشركة التجارية البريطانية، واجتمع بعظماء البلاد وكانت الاستقبالات والتوديعات متشابهة تقريباً.
كان يرافق الوفد إلى قصر الملك السير شارلس حيث قدم الوفد الأوراق الرسمية، وأقام في انكلترا ثلاثة أشهر ونصف شهر، اجتمع خلالها مع الملك ثلاث مرّات، فكان يستقبل كما تستقبل وفود الملوك عادة.
يتألّف الوفد من 23 عضواً برئاسة«ناتاويريا» و«جاياسدانا» فمنحهما الملك لقب «سير» بعد أن قدم الوفد الهدايا للملك وهي 200 كيس من الفلفل وكمية من الماس وطاووس من الذهب المرصع بالماس، ويقدر ثمن الجميع باثني عشر ألف ريال
وعاد الوفد في السفينة الإنكليزية «كمب هورن» إلى جاوا في 23 أغسطس 1682م يحمل رسالة وهدايا من ملك بريطانيا، ولما رست السفينة في «جارينغين» كانت العلاقات بين حكومتي بانتن وبريطانيا قد تقطعت،وتبدلت الظروف وانقلبت السياسة، فسلم الربان الإنكليزي الهدايا للشركة في بتافيا، فضاعت أتعاب الوفد عبثاً، ولم يجن أحد ثمرة جهده، ذهبت كلّها وتلاشت كما تتلاشى قطع السحب مزقتها الرياح.
مصير جيربون
ذاق أهالي جيربون العلقم من اضطهادات حكومة الشركة، المحصولات محتكرة للحاكم، وأعمال السخرة مفروضة في كلّ مكان، والقرى مؤجرة للصينيين، والحاكم الهولندي هو الآمر المطلق، وصارت عدّة مقاطعات تحت الحكم الهولندي مباشرة، فكانت حكومة الشركة تربح من تجارة الأفيون مبالغ عظيمة علاوة على أرباحها من المحصولات الزراعية كالأرز والسكر والقطن والنيلا وجوز الهند وغيرها.
قال دايندلس الوالي العام سنة 1808م: «كان الصينيون والموظفون يستأجرون الأراضي فيكلفون الأهالي زراعتها ويكسبون منها أرباحاً كثيرة، والأوروبيون والصينيون يكلفون الأهالي فوق طاقتهم ولا يدفعون لهم من الغلات ما يكفي لمعيشتهم، ولا يجد الأهالي مرجعاً يشتكون إليه، لأنّ حكومة الشركة نفسها تتناول حصتها من حاصلات الحاكم الذي أثرى بطرق غير مشروعة». هكذا قال دايندلس تقريباً في كتابه عن جيربون حينئذٍ، ونسي أنّه قد اضطهد الأندونيسيين وامتص دماءهم وأجبرهم على تعبيد الطرق فماتوا تعباً وجوعاً.
السلطان أبو الفضل محمد يحيى
1687 ـ 1690م ومن بعده
تولّى في 4 نوفمبر 1687 فبادر إلى تمتين علاقته بالهولنديين، ومع ذلك فإنّ حكومة الشركة مرتابة في سياسته. وكان عظماء بانتن غير مرتاحين من الوصي «ديبانينغرات» فأحسّ هذا بحراجة مركزه فعزم على الاستقالة فأشارت حكومة الشركة عليه بالبقاء. ولم يطل أمد السلطان فتوفي في 14 أغسطس 1690ـ1101هـ فاختار المعارضون للوزير الابن الثاني للسلطان، واعتقل الوزير وصودرت أموالم ثمّ توفي، فاعتبرت الشركة ذلك عداءً موجهاً إليها.
تولّى السلطنة أبو المحاس زين العابدين، وأذن لحكومة الشركة في زيادة عدد جنودها في بلده إلى 650 جندياً للمحافظة على ممتلكاتها. وفي عهد هذا السلطان (عام 1965م) توفي جدّه أبو الفتح عبد الفتاح في منفاه بقلعة بتافيا، فطلب البانتنيون تسليم جثته فحملوها بكلّ مظاهر التكريم ودفنوها في تيرتاياسا حيث كان قصره.
وتوفي أبو المحاسن مطعوناً فتولّى أبو الفتح محمد شفاء زين العارفين 1733ـ1747م وكان بجانب السلطان عقل جبار يدبر الملك هو عقل زوجته الشريفة فاطمة المعروفة بذكائها الوقاد وجمالها الأخاذ وقوّة عارضتها. وعملت السياسة الهولندية ضد السلطان ونفته إلى جزيرة أميون وبها توفي، فتولّى شريف الدين برتبة (راتو وكيل) إلى سنة 1752م.
ثورات ضد حكومة الشركة
ثار العالم الديني كياي مصطفى ومعه ولي عهد السلطنة «بنغيران شريف» و«راتوباكوس برهان» وتابعهم الأهالي من عدّة جهات، وأزاحوا المستعمرين عن «كدمانغن، وسربونغ» وهجموا على المستشفى، ووالوا الغارات على أطراف بتافيا، يتلفون ما يجدونه، ورابط المجاهدون على نهر سدانيء ثمّ هجموا على بتافيا نفسها، فقاد كياي مصطفى فرقة وصل بها إلى حد «كونونغ ساري» ووصلت فرقة برهان الدين إلى «كروكوت»، وفرقة أخرى إلى «جمباتن ليم» فألحقوا بالعدو خسائر، وحاصروا قلعة بتافيا مرتين، وهزموا الهولنديين في جبل مونارا مرتين. وفي 13 يوليو اندحرت القوات الهولندية بقيادة «فن دسنبيرج» إلى بوكور، ثمّ ضرب الهولنديون مدينة لابوان وجاريتا من البحر. وفي أغسطس أبادوا جميع مزارع جوز الطيب في «بنديكلانغ»، واندحر كياي مصطفى إلى جبل مونارا ومعه برهان الدين، وظلا يدافعان، ثمّ انتقلت المعارك إلى نواحي بوكور وبانتن الجنوبية، وأعاد كياي مصطفى عام 1752 تريباً الكرة ولكنّه فشل، فاعتقلت حكومة الشركة الشريفة فاطمة وابنها عبدالله، وفي طريقها إلى منفاها بجزيرة سباروا توفيت في جزيرة أيدام، ونفي ابنها إلى جزيرة باندا وعاش بها 39 سنة.
وقتل برهان الدين في جزيرة بمضي سوندا، وثابر كياي مصطفى على الجهاد، ولم يقع في قبضة العدو، ولم يعلم مصيره.
وتولّى السلطنة «أدي سانتيكا» أخو السلطان، ولقب أبو المعالي واسع زين الحاكمين، ثمّ تنازل بعد شهرين، فتولّى أبو النصر محمد عارف زين العارفين عام 1752م، وتولّى بعده سلاطين لا نفوذ لهم ولا قوّة.
الوالي العام دايندلس وأعماله
حكم دايندلس البلاد ـ وقد سبق ذكره ـ فعيّن حكاماً للمديريات، وجعل الأمير الجاوي موظفاً وأجرى له راتباً معيناً، وكلّف الأهالي زراعة ما يدر من المحصولات على أن تباع للحكومة بأثمان محدودة، وزاد في رواتب الموظفين، ولكنّه كان شديداً عليهم، وأقام في كلّ مقاطعة محكمة أهلية، ومحاكم عليا في سمارانغ وسورابايا، ومحاكم أخرى خاصة بالأوروبيين.
ومن أهم أعماله تعبيد الطريق العام من أنيار (بانتن) إلى بناروكن (بجاوا الشرقية) وأجبر الأهالي على أعمال السخرة، وقدّم سلطان بانتن 1500 عامل فماتوا جميعاً من شدّة ا قاسوه من الإرهاق، وكان السلطان مجبراً على أن يحضر ألف شخص يومياً، حتّى كمل تعبيد الطريق الطويل بعرق الأهالي وجهدهم، وبنى ثكنة واستحكامات في ميستر (كورنيلس جاني نكارا الآن) وأحاطها بخناد ومتاريس، وهكذا عمل في أماكن أخرى. وأنشأ معامل لصناعة السفن والمدافع وغيرها من العتاد والذخائر، وصار عدد الجيش 18 ألف جندي و500 ضابط و45 سفينة حربية لمطاردة القراصنة الذين تكاثروا، وكانت نتيجة هذه الاستعدادات نفاد مقادير من مالية حكومة الهند الهولندية الفرنسية، فباع كثيراً من الأراضي الواسعة على أن يخول لمن شتريها الحكم فيها ويأخذ منها حاصلات تدرها الحكومة، واستأثر دايندلس لنفسه ببعض الأراضي التابعة لحكومة بانتن.
أجبر الأهالي على بناء قلعة واستحكامات في ميناء «جامر» في بانتن ففتكت بهم الأمراض، وأكثره كلّ فرد بلغ من العمر 16 سنة أن يزرع 500 شجرة فلفل مقابل أجور زهيدة جداً، فقلّت الأيدي العاملة وتناقصت محصولات الفلفل من 57 ألف بيكول عام 1724م إلى 12 ألفاً، وهرب كثير من العمال ولم تنفذ جميع الأعمال التي أمر بها، فأصدر أمره إلى الحاكم الهولندي أن يعرض لحكومة بانتن ثلاثة أمور: ينتقل السلطان إلى أنيار، ومنكوبومي إلى بتافيا، ويأمر السلطان الشعب بإنهاء الأعمال في ميناء جامر، فلمّا وصل الحاكم الهولندي إلى مقر السلطان هجم عليه الأهالي وعلى من معه وقتلوهم عن آخرهم، وتكاثر بعد ذلك عدوان القرصان في المزارع والحقول، فسار دايندلس ومعه ألف جندي وبضعة مدافع واقتحموا صر السلطان، ونفي السلطان إلى جزيرة أمبون، وأعدم منكوبومي رمياً بالرصاص، وتهدم القصر، وزحف الهولنديون إلى الجهات الشرقية ولامبونغ، فلم يبق للسلطان إلاّ مدينة بانتن.
استولى دايندلس على مالية الحكومة على أن يدفع منها سنوياً للسلطان 15 ألف ريال، وعيّن حاكماً هولندياً في مدينة سيرانغ، وتلاشت صرخات السلطان والأهالي كما تتلاشى الصرخة بين هدير الأمواج الصاخبة، فزاد في غضب الشعب، وحدثت ثورات بقيادات العلماء، واتّحد الجميع في خليج مريجا، فأقبل إليهم دايندلس يحاربهم، وظلّت الثورات مشتعلة زمناً طويلاً، تبدو وتختفي، وكان من الثائرين الأمير أحمد غير أنّه لمّا أحسّ بالضعف أخيراً التجأ إلى الإنكليز فجازوه بالنفي إلى إحدى الجزر.
ونفي آخر سلاطين بانت محمد شفيع الدين إلى مدينة سورابايا عام 1833 وبها توفي عام 1900م ودفن في حارة سموت بقرب محطة القطار الآن.
ثورات
ثار مس زكريا في «بنديكلنغ» وانتهى الأمر بانكساره ونفيه إلى بتافيا، ثمّ نجا بنفسه عام 1827 من السجن وعاد يبث روح الثورة في أعوانه مصوراً لهم الخطر إذا أصبح السلطان تحت نفوذ الكفار، فتكاثر أتباعه، فحاصرهم الهولنديون ومعهم كثير من الأهالي، فتفرقوا في القرى، واعتصم مس زكريا ومن معه بالغابات، وفي سنة 1827م نفسها هموا على قلعة بنديكلنغ واستمرّ القتال أربعة أيام، ثمّ فض الهولنديون الحصار، وترك المحاصرون ميدان القتال، وثبت مس زكريا فأحاطوا به فقاومهم وحيداً وصاول حتّى قتل، ثمّ فصل رأسه عن جسده وحمل إلى المدينة وأحرقت جثته.
وحدثت ثورات أخرى، منها ثورة العالم كياي كديه عام 1839م ـ 1254هـ وثورة جي كندي عام 1845م ـ 1261هـ، وثورة الحاج وحيو في كرامت باتو، وثورة الشيخ عبد القادر في أنيار عام 1850م ـ 1266هـ ثمّ ثورات أخرى في كرامت باتو عام 1858م. وثارت امرأة تدعى «نياي كمباران» عام 1830م فأسرت، وثارت جي لكون عام 1888م ـ 1305هـ بزعامة العالم كياي وسيط، وكان العلماء دائماً زعماء ثورات، لذلك كان الهولنديون عند كلّ ثورة تحدث ينسبونها إلى «التعصب الديني الذي يثيره العلماء الرجعيون».
كانت ثورة العالم كياي وسيط في 10 يوليو في قرى بيجي وبوجونكارا، وجعل المجاهدين فرقاً، فكان يقود قوات الجنوب توباكوس الحاج إسماعيل واتفقوا على أن يبدؤوا ثورتهم في ساعة معينة، غير أنّ إحدى الفرق سارعت قبل الوت المعين، فبادرت حكومة هولندا بإرسال قوّة عسكرية اشتبكت في عدّة معارك، ولا سيما في جي لكون، واضطر كياي وسيط إلى الانسحاب إلى «اوجونغ كولون» حيث واصل كفاحه، فحاصرتهم قوّة هولندية، وقتل كياي وسيط في معركة، وحمل جثمانه إلى جي لكون وحوله أتباعه المحكوم عليهم بالإعدام، ودفن كياي وسيط والحاج إسماعيل والحاج إسحا في قبر واحد بشمال طريق جي لكون ـ سبرانغ، ودفن العشرة الذين أعدموا متفرقين.
الآثار في بانتن
لم يخلف المسلمون تماثيل تعبد، ولا هياكل يحرق فيها البخور للتقرّب إلى الآلهة، ولم يبنوا الأبنية الجبارة على أكتاف الشعب وعرقه تحت ضربات السياط، ولم يرهقوا العامة لإقامة صرح يتساقط بأسفله الأفراد عياءً أو موتاً، ولكنّهم تركوا على الغالب آثاراً معنوية تشمل النفوس، وأسّسوا للحياة أسمى من الصروح للأعقاب، وصبغة تتخلل زوايا العواطف، وأمثولات من عظائم الأعمال، وتاريخاً خالداً للأجيال، ومع ذلك فقد تركوا أيضاً آثاراً تلمس، ولكنّها ليست تماثيل حجرية، بل مساجد فيها بدائع النقوش، وعجائب التخاريم، وأحاسن الكتابة وأضرحة زيّنوها بآيات من كتاب الله وأحاديث رسوله (صلّى الله عليه وآله) وأشعاراً تذكر الزائر وتنبه الغافل، وتعود بفكره إلى يوم لا بد منه، تركوا أبنية تحدثنا عن عصورها الغابرة.
بانتن الباقية، آثار مررت عليها لكنّا نقصر الحديث هنا على آثار لعصر مهملة، قد دفنتها أتربة الزمن، ولفّها ما تساقط عليها من أوراق الأشجار وجذورها، حتّى كشف عن بعضها بعد استقلال أندونيسيا حاكم بانتن 1945ـ1950م العالم الكياي توباكوس أحمد خطيب([312]).
نجد في بانتن بعض آثار إسلامية وغير غسلامية، ففي كارانغ انتو مدفع يسمّى (كي أموك) عليه كتابات قرأناها في ثلاثة مواضع: عند فوهته «عاقبة الخير سلامة الإيمان» في منتصفه «لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار» وفي مؤخره «ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور». وفي موضع آخر سيف مكتوب على نصله «لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار».
وعند مدفن «كي اريا تنغه» حفيد حسن الدين بعض آثار هي خنجر ورمح وطبل نحاسي وجبة وعمامة ورداء. وبين سيرانغ وبانتن القديمة أنقاض سراي كائيبون (أو قصر الأمومة) وهو قصر السلطان محمد شفيع الدين، والمسافة بين بابه الخارجي وبابه الداخلي نحو خمسين متراً، وبالجهة الجنوبية تقريباً بنحو عشرين متراً مسجد القصر الذي بنى في ذي القعدة 966هـ في عهد السلطان يوسف ويسمّى مسجد أستانة، وقد جدّد بناؤه عام 1302هـ وبنيت مئذنته عام 1026هـ في عهد السلطان أبي المفاخر محمود عبد القادر، تولّى بناءها «بانجوت» الصيني المسلم.
وفي بانتن آثار دوارس، منها جدران سميكة بينها جدران يبلغ طوله نحو 80 متراً في ارتفاع أكثر من مترين، على صفحاته رسوم قديمة وكتابات قد فعل الدهر فيها فعله. أمّا قصر «باكوونن» أو (كوتا ارينتن) فبناه الهولندي المسلم كارديل سنة 1680م للسلطان حاجي، وهو ذو قاعدة واسعة وقد تهدم معظمه، ولكن يسهل تمييز بعض الآثار فيه مثل مكان الاستحمام وهو عبارة عن غرفوبرك تمتد منها أنابيب إلى بحيرة تاسيك. وفي القصر مسجد وغرفة كبيرة يحيط بها حوض. أمّا بحيرة تاسيك فحفرها الأمير بوربانكارا المدفون في كناري، وفي البحيرة جزيرة هي مغنى الأميرة بدرية بنت سوريانتا اتماجا، وقد أصلحت عام 1832م فصارت متنزهاً، وتبلغ مساحة البحيرة 200 متر مربع تحيط بها النباتات والأشجار الطبيعية والكلأ النضير.
وفي شاري كرويا أثر حجري لباب يسمّى «كابورا» متّصل بقصر كائيبون، ويوصلنا الطريق من القصر إلى الجهة الجنوبية الغربية ثمّ الشمال ماراً أمام مدينة بانتن القديمة، ثمّ ينعطف جنوباً إلى الميدان وفي ساحة واسعة على جانب الطريق نفق، وللخروج منه باب حجري خارج الجدار، ولعل المدخل كان في الماضي يؤدّي إلى مخزن المجوهرات والمؤمن، وهو والحمام والمصلّى والقناة والجسر والبرج جزء من قصر السلطان.
وبجانب المسجد الذي بناه السلطان يوسف بناء قديم يعرف باسم تياما للاجتماعات الرسمية وحفلات الأعياد وتحتوي مقبرةُ السلطنة على قبور: 1 ـ السلطان أبي النضر. 2 ـ الأمير محمد نصر الدين حفيد حسن الدين. 3 ـ زوجة حسن الدين. 4 ـ حسن الدين. 5 ـ أبو الفضل. 6 ـ زوجته. 7 ـ السلطان أبو الفتح عبد الفتاح. وفي جنوب المقبرة هذه مدفن السلطان زين العابدين، وبغربي قصر تياما عدّة قبور، منها قبر زين الصالحين، ورفيع الدين، وزين العاشقين، وزين العارفين، ومحمد علي الدين.
وفي كناري كذلك مسجد أثري بقربه قبر السلطان أبي المفاخر محمود، وولده أبي المعالي أحمد، وفي كسونياتن مسجد بربه قصر السلطان يوسف بن حسن الدين وعائلته.
وقد هدم دايندلس معظم المباني الإسلامية، ولم يحترم القيم التاريخية، غير أنّ بعضها بقي إلى عام 1832م ـ 1247هـ. وهناك آثار غير إسلامية مثل الثكنة الهولندية المسمّاة (سبيل ويك) وكنيسة بنيت عام 1685م بناها هندريك لوكز وكارديل المسلم، ومعبد صيني قديم، وبشمال المعبد على ضفة النهر إدارة ضرائب السلطان.
النقود والملابس
كانت النقود المتداولة قبل الإسلام في بانتن هي النقود الصينية المتنوعة، وفي العهد الإسلامي ضربت حكومة بانتن النقود أنواعاً من الصفر كتب على بعضها بالحروف الجاوية وعلى بعضها بالعربية، وفي عهد أبي المفاخر كانت كلّها منقوشة بالحروف العربية.
وكانت النساء قبل الإسلام يتزرن على أوساطهن ويكشفن صدورهن فولّت هذه العادة بعد وصول الإسلام فضربن بخمرهن على جيوبهن، وكان عظماء بانتن المسلمة يلبسون العمائم ويتزرون إلى الأعقاب ويسبلون شعورهم.
الكتب والفنون
يُقال إنّ للسلطان أبي المفاخر مؤلفاً يسمّى (الإنسان الكامل) وقد أصبح ضمن الكتب التي امتلكتها يد البروفسور سنوك هرخرونيه. وقيل إنّ السلطنة وضعت تاريخاً عام 1743م ـ 1156هـ وقد أخذ بدأته من عام 1662م ـ 1072هـ كما وضعت لها شعاراً ثمّ تاريخاً عام 1701م ـ 1112هـ وأكملت تاريخاً ثالثاً عام 1732م ـ 1144هـ ثمّ رابعاً عام 1743م ـ 1156هـ وقد أخذ البروفسور سنوك الأخير.
واهتمّت حكومة هولندا بالأدب القديم والأغنيات والأسجاع الهندوكية عن مملكة باجاجاران الوثنية عام 1704م لتطغى على الأدب الغسلامي فظهر بعد ذلك الأدب الوثني في أطراف بانتن.
ويُقال إنّ السلطان علي الدين ألّف كتاباً فيا لدين والجهادوقصص الأنبياء والأولياء، وفي سنة 1822م ـ 1237هـ كتب تاريخ بانتن بالحروف العربية مصدره كتاب ألف سنة 1732م ـ 1144هـ وكانت الحروف العربية منتشرة في بانتن، ولا سيما لدى الطبقة المتوسطة، والبانتنيون يجيدون الخط العربي، وقد عثر على مصحف (سورة يس) في قطع كبير مزيّن بنقوش على رحل جميل منقوش بنقوش إسلامية، فاشتراه القصر بمبلغ كبير.
وبأمر الوالي العام الهولندي «فن ريس» عام 1886م أخذت حكومة هولندا كتاب (بريمبون أيو سوميه كانانغا) تأليف (كورو جامبانغ) في التنبؤات.
وكانت الفنون وأعمال النحت والأغاني والقصائد وأمثالها منتشرة في عهد أبي المعالي وفي عهد أبي النصر أقيمت كلية لتدريس اللغة العربية في الصر القائم جانب المسجد.
وفي عام 1760م جمع كولسما كتباً مخطوطة بلغة السوندا، منها 28 ديواناً، و46 من كتب الحكايات، بينها ما يسمّى (رانكاميس الأوّل) و(بانجي وولونغ) وكلّها بالحروف العربية، وعثر على كتاب (حكاية إبراهيم) تأليف امرأة (عام 1844م) وتاريخ حروب بورواكرتا (عام 1832م).
وبعد عشر سنوات من ثورة الحاج وسيط ألّفت حكومة الاستعمار كتاباً سمّته (سكارماكاراتو) فدرّس هذا الكتاب في المدارس الاستعمارية، جاء فيه ذكر جهاد الحاج وسيط بهذه العبارة (في ليلة الاثنين قبل الفجر نحو الساعة الرابعة هاجم اللصوص وأرباب النهب والسلب من بيجي الأمراء والأعيان فاضطربت مدينة (جي لكون وتخربت) وهكذا شوّه المستعمرون التاريخ. وقد كانوا يفتشون عن مخطوطات التاريخ فيشترونها أو يأخذونها قسراً ويضعون مكانها كتباً أخرى مزيفة. ومع ذلك خفي عنهم بعض المخطوطات.
استيلاء الغربيين
على المخطوطات
واستيلاء الغربيين على الكتب لم يكن خاصاً ببانتن، بل كان المستشرقون مولعين بجمع المخطوطات، فقد جمع الجنرال رافلس فاتح سنغافورا كثيراً من الكتب الخطية والمخلفات الأثرية فحزمها في صناديق وأرسلها إلى أوروبا.
ومن الهولنديين الذين جمعوا الكتب الملايوية والجاوية والعربية: فن درتوك، وميروالد، ودامربور، واوفهيسن وغيرهم. وقد وضعت مجموعاتهم تحت إشراف بورتمان في دلفت بهولندا. (كان بورتمان حاكماً في منطقة جامبي بسومطرا) قضى نحو نصف قرن يدرس هذه المخطوطات الوثائق كما جمع الكثير منها وبعث بها إلى حكومته.
جمعت الكتب التي استولى عليها الهولنديون في المتحف الاثنولوجي في ليدن، من بينها تقارير ومكاتبات بين زعماء وعلماء المسلمين. وفي هولندا عدّة مجموعات من المخطوطات والوثائق الأندونيسية، منها مجموعة الكولونيل ريدر دستير (كان قائداً ثمّ حاكماً في سومطرا الغربية) ومنها مجموعة الكولونيل أيلوت الذي استولى على الوثائق ملك العالم المجاهد بيتو شريف أمام (بونجول) من قلعة بونجول، ومذكراته التي كتبها عن حروبه مع الهولنديين. ومنها مجموعة يوسترا الموجودة في المتحف الاستعماري في أمستردام، وفي هذه المجموعات مخطوطات ووثائق كان الراهب بيلجرام استولى عليها، ومنها مجموعة شيخ المستشرقين سنوك هرخرونيه وفي ضمنها مخطوط بقلم ويلم إسكندر عام 1872م عن دخول الإسلام إلى مندايلينغ، ومنها مجموعة الراهب ويتفن وغيرها. ويُقال إنّ في أحد الملاجىء بهولندا مجموعة من المخطوطات بالحروف العربية ولغة أجيه، نهبها أحد الجنود الهولنجيين من خزانة الكتب الملكية في أيه سنة 1873م.
أخبرني الشيخ شمعون أكبر علماء بانتن في عصره قبل الحرب العالمية الثانية أنّه عندما قام بثورته على الحكم الاستعماري الهولندي، تلك الثورة التي عرفت بثورة الشيوعيين سنة 1926م اقتحم منزله الجنود ونهبوا ما فيه من الكتب، من ضمنها كتاب في تاريخ حروب مملكة بانتن ضد البرتغاليين ثمّ الهولنديين وذكر ما لقي السلاطين من أهوال وما بذلوه من تضحيات وجهود، كان هذا العالم يتحدث وهو يتلظى غيظاً ويصر بأسنانه أسفاً على فقد ذلك الكتاب النادر في تاريخ جزء من التاريخ الأندونيسي.
عندما قصدت مدينة بسوكي بجاوا الشرقية علمت من صديق وجود كتاب في تاريخ الغسلام بجاوا وما جرى للمسلمين من جهاد، وما ام به العلماء في الدفاع عن حوزة الغسلام، فقصدت مالكه فأخبرني أنّه أعار الكتاب لشخص في قرية (جانكر) فذهبت إلى القرية باحثاً عن هذا الشخص، فأشار عليّ أن أقصد قاضي مدينة (سيتوبوندو) لأنّه استعاره، وذهبت إليه فلقيته في محطة القطار مسافراً، وسألته عن الكتاب فوصفه لي بأنّه مكتوب بحروف عربية دقيقة، وأنّه يشتمل على أخبار وعلوم تتصل بالعلماء المجاهدين غير أنّه أعار الكتاب للحاكم الأندونيسي الموظف لدى حكومة هولندا، وقد علم أنّ الحاكم هذا أعاره للحاكم الهولندي فلا أمل في استعاردته فقد بعث بالكتاب إلى هولندا، فعدت أدراجي إلى بسوكي ولقيت بها ثلاثة إخوة لذلك الحاكم الأندونيسي، فأخبروني بأنّ أخاهم عميل للحاكم الهولندي، وأنّ لديهم كتباً مطبوعة في تاريخ جاوا طبعتها حكومة هولندا.
قال البروفسور سنوك هرخرونيه في محاضرة ألقاها في 23ـ1ـ1907م في جامعة ليدن: «لقد دلّت مساعينا لترسيخ سيطرتنا في أجيه في خلال عشرة سنوات على وجود غرائب، منها أنّ الآجيين مولعون بالعلوم الإسلامية، من ذلك أنّنا عثرنا في «كومالا» على مجموعة من الكتب باللغة العربية والملايوية كانت ملكاً للعلماء الذين قد ماتوا أو هاجروا، وهي كتب في الفقه والإلهيات وعلوم الآلة والتفسير وغير ذلك، وتدل التعليقات على الهوامش على أنّ تلك الكتب قد قرئت مراراً، وقد أسر أحد جنودنا ولداً لأحد العلماء يبلغ من العمر 14 سنة فوجدناه يحفظ ألفية ابن مالك عن ظهر غيب. وهناك كثير من الذين نجوا بأنفسهم من مطاردة جنودنا تركوا مضطرين كتبهم…».
وقد استولى هذا البروفسور على كثير من كتب العالم «تنكوكوتا كارانغ» أحد علماء أجيه المعروف بعدائه للهولنديين.
ذكر حسين جاياد ينينغرات في مقدمة كتابه أنّ لدى Dr Groot (توفي عام 1696) نسخة مخطوطة في تاريخ أخيه، وأنّ لدى البروفسور سنوك نسخة أصلية عن أجيه. وكتب مؤلف كتاب Maleische Sprood Kinst الخبير بلغة الملايو قائمة عام 1736م بأسماء الكتب التي يملكها من بينها «بستان السلاطين» و«حكاية أجيه».
وذكر عبدالله بن عبد القادر منشي في كتابه عن ملاكا أنّ الهولنديين حينئذٍ (في القرن الـ 13 الهجري) جمعوا 70 مجلداً من الكتب من أنحاء رياو، وباهانغ، وترنكانو، وكلانتن([313]).
سلكنة كوا (مكاسر)
سلطنة معروفة اشتهر من سلاطينها السلطان الثاني عشر توني جلو (1566 ـ 1590م) التي أقيمت في عهده الأبنية ذات النقوش والتخاريم، وهو أوّل من جعل له كاتباً في الديوان، قضى معظم حياته في حرب إمارة بوني، ومات مقتولاً فتولّى بعده ابنه «كراينغ ثار ابونغ» (إلى 1593م) وكان قاسياً ظالماً فثار الشعب ضده فتنازل عن السلطنة وتولّى علاء الدين إلى عام 1639 ثمّ محمد سعيد إلى 1653 ثمّ حسن الدين إلى 1669، وقد قاومت هذه السلطنة زحوف الاستعمار زمناً ووقفت في وجوه الطامعين، ولم تخضع للاستعمار نهائياً إلاّ في عام 1905م بعد حروب دامية.
السلطان علاء الدين: هو الرابع عشر، تولّى وعمره 7 سنوات اعتنق الإسلام في يوم الجمعة 9 جمادى الأولى 1510 و22 ديسمبر 1605، وأسلم معه أمير تالو على يد الداعية خطيب تونكال السومتري (الملقب داتوء بري باندانغ) وفي عهده انتشر الإسلام، وقد بذل هذا السلطان وسعه في نشر الإسلام بين قبائل البوكيس، وبثّ الدعاة إلى أواسط الجزيرة، وانتشر الدين في نواحي: «ساويتو، وسويا، ثمّ سيندنرينغ عام 1607».
كان على بوني إذ ذاك «دي تناري توبو» فوجد له حلفاء ضد مكاسر، فحدثت معركة تلوم نوجو (أي الحلف الثلاثي) بين بوني، وواجوء، وسوبينغ، فانتصر الحلفاء على مكاسر، ثمّ انتصرت مكاسر في معركة «باندانغ» عام 1608 واعتنقت سوبينغ الإسلام سنة 1609 ثمّ إمارات أخرى عام 1610 وترك أهالي سويا وباجوكيكي النصرانية وأسلموا.
في سنة 1611 وصلت دعوة السلطان علاء الدين إلى أمير بوني، فقبل الأمير الدعوة ولكن الشعب ثار عليه ونصبوا غيره عليهم، واشتعلت نيران الحرب بين بوني ومكاسر فانكسرت بوني وأسلمت.
وبعد سنتين من إسلام أمير تالوا أقيم أوّل مسجد فيها عام 1607 ثمّ مسجد بوانتا عام 1935، وأخذ الإسلام ينتشر، وفي ذلك الحين وصل الهولنديون برئاسة الكورنيلس ماتليف إلى مكاسر وأقاموا بها مراكز تجارية وفي تلك السنة طلب ماتليف من السلطان أن يمنع إرسال الأرز إلى ملاكا، وأن يجعل ميناء مكاسر حراً للسفن الهولندية، فلم يجبه السلطان إلى ما طلب، وكانت العاقبة أن أغلق الهولنديون مراكزهم في مكاسر.
وفي سنة 1615 وصلت بعثة إنكليزية فأبرمت اتفاقية مع السلطان ثمّ وصل بعدهم دنماركيون. اتسولى السلطان على ما حوله من المناطق، وبعث بحملات عسكرية إلى جزائر نوساتنكارا، وجزائر الملوك وكاليمانتن، وأمر بسك النقود، وبنى الحصون، واتّسعت مدينة مكاسر.
وفي عام 1625 وصل «هبرمان فن سبول» الهولندي من أمبون لعقد معاهدة فخاب سعيه، بل كانت النتيجة أن اتفقت بوني ومكاسر على حرب المستعمرين في جزائر الملوك فبعثت الزحوف وألحقت الخسائر بالمستعمرين، فوصل «انطون كون» عام 1632 لعقد اتفاقية ففشل.
كان الهولنديون يعاملون الأهالي في جزائر الملوك معاملة سيئة أكرهوهم على بيع المحصولات بأثمان زهيدة، وأمروهم بإعدام كثير من أشجار القرنفل وجوز الطيب، وقد خضع لهم سلاطين ترناتيه، وتيدوري. وكان أهالي مكاسر والبوكيس يسافرون إلى جزائر الملوك لشراء البهارات التي يريد الهولنديون احتكارها، فجهز السلطان قوات إلى منادو، وكورنتالو، وتوميني في سولاويسي الشمالية الخاضعة لسلطان ترناتيه السلطان باب الله، وقوات أخرى إلى جزيرة أمبون بحركات عكسية ضد المستعمرين منجداً الشعب المضطهد هناك.
وفي عام 1636م وصل إلى مكاسر الجنرال «فن ديمن» وأبرمت اتفاقية، ولكنّها لا تنص على السماح للهولنديين بالإقامة في مكاسر، ورأى السلطان الاستعمار الهولندي يمد يده ويتطاول للسيطرة، فاتّصل بسلطنة أجيه([314])، وسلطنة ماترام. وتوفي السلطان عام 1639 بعد حكم دام أربعين عاماً. فتولّى بعده ابنه محمد سعيد ثمّ حسن الدين.
السلطان حسن الدين
ولد في 12 يناير 1631م، وولي على إمارة «بونتو منغابي» ولم يكن ولياً للعهد غير أنّ والده كان يعتمد عليه في السفارات إلى الأمراء المجاورين للمملكة وإلى أرباب النفوذ، فقام بهذا المنصف سنتين، وتوفي والده فجأة فأجمع إخواته ورجال الدولة على تعيينه سلطاناً.
وكان خطر الاستعمار ينتشر في أندونيسيا ويقترب إلى هذه المملكة، فترسم السلطان خطى أبيه وجدّه في أنجاد الثائرين على الرغم من رقابة الهولنديين على المواصلات بين جزائر الملوك ومكاسر، فجهّز حسن الدين وأمير تالو أسطولاً مؤلفاً من مائة قطعة لنجدة أهالي أمبون، وكان الأسطول الهولندي راسياً في مياه «بوتون» فقصده الأسطول المكاسري وحدثت معركة هائلة. قال الهولنديون إنّ الفريقين تعادلا فلم يهزم أحدهما الآخر، ولقبوا حسن الدين ببطل الشرق.
وهناك أمر كان له آثاره المتسلسلة في الحوادث التي استمرّت زمناً، ذلك أنّ رئيس الوزراء في عهد السلطان محمد سعيد كان قاسياً غليظ القلب، فأمر بإعدام جد الأمير «اووبلاكا» حينما ثار على السلطان وإعدام ابنه «والد ارويلاكا» أمير بوني، وكان الهولنديون د استولوا على بوني عام 1640 فاستند إليهم ارويلاكا لينتم لأبيه وجدّه فثار على السلطان ودامت الحروب زمناً طويلاً بعد ذلك.
كانت المعارك تشتعل في كلّ مكان مع الهولنديين، واستولى الهولنديون عام 1655م على قلعة لمكاسر بجزيرة أمبون بعد حرب دامت خمسة أيام. وحارب حسن الدين أمير بوتون صديق العدو فزحف على بلاده واقتحم حصناً للهولندنيين واستولى عليه، بعد أن آثر المدافعون الانتحار فأشعلوا البارود فهلكوا جميعاً.
رأى الهولنديون قوّة شكيمة السلطان وصدق عزيمته، فسلكوا سبيل التفاوض فلم يسفر ذلك عن نتيجة، وقد ظهرت قوّة عزيمة السلطان وثباته في كتابه الذي بعث به إلى الهولنديين ففيه يقول: إنّ ذلك يصادم إرادة الله، فهل تظنون أنّ الله استثنى هذه الجزائر البعيدة عن وطنكم لتكون متجراً لكم.
علم الوالي «ميتسيكر» أنّ السلطان يتّصل بماترام ليضع يده في يد سلطانها، فبعث أسطولاً لحرب مكاسر تتبعه سفن وقوارب جزائر الملوك من أعداء مكاسر، يتألف الأسطول من 22 سفينة صغيرة و8 سفن لإنزال الجنود، ووصلت الحملة إلى مكاسر حيث كانت سفن البرتغال راسية فحطمها الهولنديون ونزلوا إلى البر، وبعد حرب شعوار استولوا على قلعة باناكوكي، بقرب المدينة، وأحرقوا مدينة سومباوبو.
وفي 10 أغسطس 1660م بدأت المفاوضة وتمّ التويع على المصلح في بتافيا يوم 19 منه وتتضمن الاتفاقية ما يلي:
يتنازل السلطان عن جزيرة بوتون، ويسلم كلّ ما صار إليه إلى سلطان ترناتيه. لا يتدخل السلطان في شؤون جزيرة أمبون، ويدخل تحت اسم أمبون مجموعات من الجزائر (لم نذكر هنا أسماءها)، يمنع المكاسريون من السفر إلى تلك الجزائر، وإلاّ فللهولنديين أن ينهبوا السفن وما فيها ومن فيها. كلّ من خالف ونجا بنفسه إلى مكاسر فأمره إلى حكومة الشركة، إلاّ إذا أصدر السلطان عليه حكمه. لا يجوز لأهالي ترناتيه، وتيدوري، وباجن أن يتجروا في مكاسر، ومن خالف فعلى السلطان إعادته إلاّ إذا كان يحمل جوازاً هولندياً. ليس لأحد ـ غير حكومة الشركة ـ حق في نقل وبيع القرنفل وجوز الطيب في مكاسر. لا يجوز توسيع تجارة مكاسر في جزائر تيمور وسولور وما حولها. لا يجوز للمكاسريين بيع المواد الغذائية والذخائر لأعداء حكومة الشركة ولا السفر إلى البلدان التي يسيطرون عليها. على السلطان أن يمنع البرتغاليين وأتباعهم من الإقامة في مملكته أو التجارة فيها.
مواد كلّها ضغط وإجحاف، وعندما كانت المفاوضة جارية في بتافيا كان المكاسريون يعملون في بناء سد «ماريسو» وسور طويل جداً وخندق ممتد طولاً، وكان يأتي يومياً نحو عشرة آلاف من أهالي بوني لحفر خندق يفصل حصن «باناكوكانغ» عن البحر، وكان مشروطاً على الهولنديين تسليم الحصن إذا نفذت جميع مواد المعاهدة.
في أحد أيام سنة 1665م ارتطمت سفينة هولندية في شاطىء مكاسر، فسطا عليها الأهالي وقتلوا ملاحيها، فطلبت حكومة الشركة من السلطان قتل الفاعلين فرفض طلبها. وفي 12 يناير 1666م أمر جميع الهولنديين بمغادرة بلاده، وبعث بأسطول مؤلف من مائتي قطعة إلى جزائر سولا، فحطم المكاسريون حصنها، وعادوا ومعهم مائتا أسير.
في 13 مارس بعث الوالي الهولندي بهدايا ورسالة يطلب فيها العفو. فرفض السلطان الهدايا وفض الرسالة وأمر بتلاوتها على رؤوس الأشهاد، وجهّز السلطان حملة من عشرين ألف مقاتل بقيادة أمير كالسونغ، وأمراء لوهو وبيما، ومعهم 700 سفينة إلى بوتون التي آوت الثائر أرويكلاكا، فهرب أميرها. ووصل أسطول هولندي بقيادة «سبيلمان» إلى مكاسر في 29 نوفمبر، وأنذر السلطان بوجوب طلب العفو عمّا اقترفه، فرفض السلطان الإنذار. وفي عام 1667م سار ومعه سلاطين جزائر الملوك وجنودهم، وألف مقاتل من بوتون، وتوجّه الجميع للحرب، فلم يمروا على قرية على الشاطىء إلاّ وأطلقوا عليها القنابل وجعلوها رماداً، ثمّ هاجموا «كالسونغ» في 16 أغسطس. وكانت الجماعات الانفصالية التي يرأسها أرويلاكا تقتحم المعارك، في حين كان الهولنديون يحاصرون من بعيد، وسقطت كالسونغ بيد العدو، وجنود مكاسر يدافعون عن كلّ شبر ويقاتلون بضراوة ويتقهقرون.
صلح بونغايا
وأخيراً أبرم صلح عرف بصلح بونغايا (اسم موضع) بعد سقوط حصن «اوجونغ باندادنغ» المنيع على يد ارويلاكا للهولنديين، فسمّوه «بورت روتردام» ومن أهم شروط الصلح تأكيد اتفاقية ديسمبر 1660م واستلال جميع المناطق التابعة لمكاسر، وعدم جواز تجاوز السفن المكاسرية شرقي ميناء لآسوا، ولحكومة الشركة وحدها حق احتكار التجارية في مكاسر، ويدفع السلطان تعويضاً قدره 25 ألف ريال.
واعترفت المناطق المنفصلة عن مكاسر بسيادة حكومة الشركة عام 1667، وتولّى أرويلاكا إمارة بوني، ولكن السلطان رمى المعاهدة عام 1668م وأخذ يستنفر الناس للجهاد ويدعوهم للاتحاد ضد المستعمر، فبادر سبيلمان بالهجوم على حصن سومباوبو وهدمه بالقنابل واشتعلت النيران في المنازل من بينها منزل السلطان حسن الدين، واحتلل الهولنديون مدينة سومباوبو في يونيو 1669م. فتنازل حسن الدين عن السلطة في 29 يونيو لابنه «مابا مومبا» وتوفي حسن الدين في يونيو 1670م.
وكان هناك قائد هو (بونتو مارانو) لم يرض بالصلح فهاجر ومعه 700 سفينة عليها 20 ألف مقاتل إلى جاوا الشرقية والغربية، واتصل بالثائر تروناجايا الذي ثار من عام 1674 إلى عام 1679م (وقد تقدّم ذكره) ورحل آخرون إلى جزيرة بوتون، فهاجم الهولنديون هذه الجزيرة فاستسلموا على شرط سلامة أرواحهم، غير أنّ سبيلمان أسر منهم 400 رجل باعهم بيع العبيد، ونفى 5100 رجل إلى جزيرة صغيرة بالقرب من بوتون، وتركهم يعانون الجوع حتّى ماتوا عن بكرة أبيهم، فلم يبق منهم أحد في مايو.
وأخذت إمارات بوني وتانيتي توسع نفوذها، فأرسلت هولندا جيشاً لحرب تانيتي وسوبا فصدّته قوات سوبا فعاد مدحوراً، ووالت الجيوش هجماتها مخترقة حدود الهولنديين، فتوجه جيش هولندي، وهرب أميرها، ولم يوال القائد الهولندي «فن خين» زحفه لاندلاع ثورة ديبانكارا في جاوا.
ثمّ طالبت بوني باعتراف هولندا بسيادتها على خليج توميني غيره، فارسلت هولندا جيشاً عام 1859 فصدّه الأهالي مهزوماً، ووصلت نجدات هولندية فحالفها النصر وقسمت إمارة بوني نصفها لهولندا مباشرة.
وحاربت بوني إمارة واجؤ، فاستنجدت واجؤ بالهولنديين عام 1987 فاندحرت بوني، ثمّ أعادت الكرة واستولت على واجؤ وعلى لووو عام 1902 وأرسلت السفن إلى جزيرة فلورس التي احتلها الهولنديون. وثارت بوني 1904ـ1905م فأخمدت، وفي نفس الوقت ألغى بعض أمراء المقاطعات اتفاقياتهم مع هولندا فظن الهولنديون أنّ ذلك بإغراء سلطان مكاسر فأرسلوا جيشاً لحربه، واستولوا على معظم الإمارات، واستسلم السلطان ثمّ نجا بنفسه وبمن معه في الليلة التالية. فطاردوه في سيد نرينغ فهرب فسبقته المنية وهو في هوة سحيقة، فألحقت هذه السلطنة بالمستعمرة.
باليمبانغ
أمّا المملكة الشهيرة القديمة فهي (سري ويجايا) قد تقدّم ذكرها. وأمّا المملكة المتأخرة وملوكها فيُقال إنّ جدّهم يسمّآ (كدينغ سورا) ثمّ تعاب على الملك من بعده من سلالته، إلى أن تولّى «منكورات سيدا اينغ راجي» الذي استنجد بمملكة ماترام ضد الهولنديين فأرسلت ماترام قوّة بحرية انكسرت أمام العدو، ثمّ تولّى أخوه كيس هدى 1662ـ1706م وفي سنة 1675 لقب السلطان جمال الدين جندي والانغ، ويسمّى عبد الرحمن، وفي عهده انتشر الإسلام انتشاراً عظيماً، ونظم إدارة الدولة، وهي مؤلفة من السلطان وشيخ الإسلام والوزير واتومنكونغ والقائد العام.
يجلس السلطان في قاعة الاستقبال وخلفه أفراد أسرته على ترتيب درجاتهم، وعن يمينه شيخ الغسلام، وأمامه الوزير الأوّل، وخلفه الوزير الثاني وزير العدل، وعن يسار الوزير الأوّل الأمير جيترا والرؤساء والضباط والحرسز
توفي السلطان عام 1706 فتولّى السلطان منصور، وأعقبه أخوه قمر الدينن ثمّ حدث خلاف بين أفراد الأسرة فتنازل عن الملك لأخيه محمد بدر الدين، واتّصل الجنرال رافلس بأخيه نجم الدين الذي رضي بأن يعترف بسيادة بريطانيا، فعزله الوالي الهولندي وأعاد بدر الدين مع أنّه الذي أمر بقتل جنود الهولنديين بقلعة باليمبانغ عام 1811م.
وفي 1812 بعث رافلس بقوّة ولكنّه اعترف أخيراً بسلطنة بدر الدين على أن يدفع غرامة سنوية ومقادير من الفلفل، ويسلم لبريطانيا جزيرتي بانكا وبليتون، وأن يكون نجم الدين ولياً للعهد، ولكن حكومة بريطانيا لم يرضها عمل رافلس فبعثت بجيش لتأييد نجم الدين ثمّ أعيدت باليمبانغ كما أعيدت جميع جزائر أندونيسيا إلى حكومة هولندا.
وفي سنة 1818 اتفقت هولندا مع السلطانين على أن يكون بدر الدين سلطاناً ونجم الدين نائباً نه، وخصّصت لهما ناحية يستغلانها، واستولت على المناطق الداخلية، ثمّ نفت نجم الدين وأبناءه إلى (جي انجور) بجاوا الغربية.
والسلطان بدر الدين معروف بتدينه وحماسه للإسلام، وكان في قصره عالم يدرس العلوم الدينية هو الفقيه جلال الدين الذي يتفق مع السلطان في أصل النسب، وكان لدى السلطان مستشارون أحدهم من السادة آل العيدروس لإدارة حارة أولو، والسيد علي المساوي في حارة ايلير. وزوج ابنته على وزيره السيد عمر بن عبدالله السقاف.
زحفت قوّة بريطانية من (لنكاهولوا) فتوجّهت قوّة هولندية مع قوات باليمبانغ لصدّها، فلمّا وصلت إلى الحدود هجم عليها الأهالي وهزموها، وهرب القائد الهولندي. وفي أوائل سنة 1819 توجّهت قوّة هولندية إلى المناطق الداخلية فأرسل السلطان بدر الدين قوّة لحرب الهولنديين فحطمتهم وانهزم من بقي من الجيش الهولندي وقائده تاركاً الفلول في بانكا، فأتى أهالي بانكا على البقية. فبعث الوالي الهولندي جيشاً لحرب باليمبانغ ولكنّه لم يستطع الوصول إليها، إذ اندحر أمام الحصون المعززة بالمدافع، وكان في جزيرة كبارو على مصب نهر بلاجو قلعة حصينة، وعلى نهر موسى سلسلة من الحديد ممدودة من الضفة إلى الضفة لمنع مرور سفن الأعداء.
ثمّ زحفت قوات هولندية بقيادة الجنرال دكوك عام 1821 ودخلت في معارك حامية حتّى وصلت إلى المدينة وأشرفت على القصر، فاستسلم السلكان ونفي إلى جزيرة ترناتيه وبها توفي عام 1835 ومعه في المنفى وزيره الذي توفي هناك وترك ابنه عبدالله وابنته شفاء وله بها ذريّة.
وولّى الهولنديون أحمد نجم الدين الثاني، وأقطعوا أباه أرضاً، وصارت باليمبانغ تحت النفوذ الهولندي، وبقيت بها قوّة تكلف نفقاتها سنوياً 300 ألف روبية، مع أنّ الدخل لا يزيد على 80 ألفاً. ثمّ اتفق الأب والابن ضد هولندا، فنفي نجم الدين إلى بتافيا وبها توفي عام 1825، ونجا أحمد نجم الدين الثاني إلى المناطق الداخلية ثمّ أسر عام 1825 ونفي إلى جزيرة باندا ثمّ إلى منادو وبها توفي عام 1844.
وحدثت ثورات لاسترداد الملك، منها ثورة قام بها أحد أحفاد ملوكها، واستمرّت الثورت عام 1881 وبذل الهولنديون المساعي في توسيع سيطرتهم في المناطق الداخلية، ولكنّها لم تسلس لهم قيادتها إلاّ بعد زمن طويل وكفاح مرير، ما عدا باسما فقد خضعت عام 1868.
بونتيانك
لتأسيس سلطنة بونتيانك (في كاليمانتن الغربية) حكاية تعتبر مدمة لبروزها، هذه هي بعد الاختصار. سافر أربعة أشخاص من شبان مدينة تريم بحضرموت للدعوة الدينية، وهم السادة حسين القدري، وعثمان بحسن، ومحمد بن أحمد القدسي، وأبو بكر العيدروس([315]). فوصلوا ملابر بالهند، وأقاموا بها أربع سنوات يتلقون العلم على السيد محمد بن حامد، وكانوا يترددون بين كويلندي وكاليكوت، ثمّ أذن لهم شيخهم فتوجهوا إلى أندونيسيا، وأقام محمد القدسي في ترنكانو ينشر العلم، وتوفي في مارانغ وأقام أبو بكر العيدروس في أجيه وبها توفي، ويلقب هناك (توان بسار أجيه) ووصل السيدان عثمان وحسين إلى سولاويسي، ولم يمكثا بها طويلاً حتّى غادراها إلى كاليمانتن، ومعظم سكانها من قبائل الداياك، وفيها قليل من الملايو المسلمين، فأخذا ينشران الدعوة الإسلامية بها، ثمّ سافر عثمان إلى سياك (سومطرا) في عهد سلطانها عالم بن رحمة (وسيأتي ذكره عند الكلام في سلطنة سياك).
أمّا حسين القدري فوصل إلى أجيه وأقام بها عاماً ثمّ جاكرتا وأقام بها سبعة أشهر، ثمّ سمارانغ وأام بها سنتين، وهناك لقي عربياً يدعى الشيخ سلام حنبلن وكان السيد في انتظار سفينة تقلّه إلى الشرق، فساعده العربي بنحو مائتي ريال، فاشترى بها بضائع التجارة، وأشار عليه أن لا يتجاوز في سفره الماتان.
وفي ليلة غاب الشيخ فركب السيد جواده وأخذ يبحث عنه في ظلمة الليل حتّى عثر عليه تحت زورق في «نوربايا» ملطخاً بالوحل، فسأله: لماذا تتكلف العمل ليلاً؟ قال: إنّ العمل نهاراً غير ممكن لأنّ البحر في حالة المد، فقال لرفيقه: هكذا يكون طالب الدنيا فإنّه يصل إلى ما وصلت إليه، إذن لن أتجر، وما تركت وطني إلاّ للبحث عمّا يؤدّي إلى نعيم العقبى، فخذ ما اشتريته من البضائع، فراجعه الشيخ سلام وعرض عليه مبلغاً أكثر فلم يرض.
عزم السيد على التجرّد للدعوة إلى الدين، وسافر إلى ماتان ومعه الشيخ سلام فوجد بها السيد هاشم بن يحيى (الذي يلقب بذي اللحية الحمراء) وكان معروفاً بالشدّة والجرأة، وعصاه الحديدية لا تفارق يده فلا يرى رسماً أو تمثالاً إلاّ حطمه.
ودعا يوماً سلطان ماتان السيد حسين ورفيقه الشيخ سلام والسيد هاشم إلى مأدبة حضرها رجال الدولة وأعيان البلد، وكانت العادة أن تقدّم أوراق التانبول للضيوف، فقدّم ذلك في طبق من ذهب وعليه مقص من الفضة لقص الفوفل، وبرأس المقص تمثال ثعبان من صنع جزيرة بالي، فلمّا وقع عليه نظر السيد هاشم أخذ المقص وهشمه بعصاه الحديدية في المجلس، ولم ينبس السلطان ببنت شفة، وبعد انتهاء الحفلة سأل السلطان وزراءه عن رأيهم في السيدين، فقالوا إنّ السيد هاشم يدعو إلى الدين بالشدّة وينكر البدع بعصبية، والسيد حسين يدعو بالحسنى، فأسلوبه أجدى، أحبّه الناس وزوجه السلطان ابنته (نياي توا) فولدت له أربعة: خديجة وعبد الرحمن (ولد يوم الاثنين 15 ربيع الأوّل 155) وعلوية وعلوي (الملقب توان بوجانغ).
وبعد سنتين أو ثلاث سنوات جاء رسل السلطان ممباوا (دائينغ بنامبون) في سفينتين يطلبون قدومه فاعتذر.
كان في ماتان تجار غرباء بينهم رجل يدعى أحمد مودا، ذكروا أنّه اعتدى على امرأة بسوء فغضب السلطان وهمّ بقتله، غير أنّه فوّض الحكم عليه إلى السيد حسين لأنّه المكلف باصدار الأحكام فحكم عليه بغرامة ووجوب استتابته، وصادق السلطان على ذلك، ثمّ استأذن أحمد مودا في العودة إلى بلده فسافر مع رفقاء له ورجال من قبل السلطان في سفينتين، فلمّا بعدوا عن البر هجم عليهم رجال السلطان فتقلوهم ونهبوا ما معهم.
فأنكر السيد ذلك على السلطان، وفضل الرحيل فكتب إلى السلطان ممباوا يذكره بكتابه الذي بعثه مع الوفد، مشترطاً للإقامة في بلده أن يبني مسجداً على ضفة نهر، فجمع السلطان الأمراء والوزراء وأبناءه وخطب فيهم معلناً سروره بقدوم السيد، وقال إنّ من العسير وجود أحد من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في هذه البلاد فقدومه سعادة. وبنى المسجد والمنزل في الحي المسمّى الآن «كالة هيرانغ» وأرسل ابنه كوستي حاج (بنغيران مانكو) وثلة من الجند في سفينتين إلى ماتان، وفي محرم 1160 توجّه السيد حسين وقد زوّده سلطان ماتان بثلاث سفن شراعية وذلك بعد أن قضى في ماتان 17 سنة.
وأقام مع أسرته فيم نزله الجديد، يدرس العلوم الدينية، فقصده الطلاب من كلّ ناحية، وصار منزله مأوى للغرباء ومقصداً للأضياف، ولموع المكان بين مدينتي سانتانغ وسمانكو تكاثرت العروض التجارية فيها، وأصبحت بلدة علم وتجارة.
توفي السلطان وقبر في سبوكيت، فنصب ابنه كوستي حاج سلطاناً (بنمباهن أدي ويجايا)، وفي سنة 1166هـ جاء وفد من سلطان باليمبانغ برئاسة السيد علوي بن محمد بن شهاب الدين يطلب قدوم سلطان ممباوا للاجتماع بسلطانها مدّة ثلاثة أشهر، فعقد السلطان اجتماعاً للوزراء والأعيان فقرّروا عدم تلبية الدعوة، وكتب السيد حسين لرئيس الوفد معتذراً، فعاد الوفد إلى باليمبانغ.
كان في باليمبانغ حينئذٍ السيد عيدروس بن عبد الرحمن (عام 1168هـ ـ 1753م) المتزوج أخت سلطانها، ومنها رزق بنتاً، فسافر إلى ممباوا بدون إذن السلطان، فأرسل السلطان السيد علياً أبي الشيخ أبي بكر وجماعة معه من العلويين والوزراء يطلبون من سلطان ممباوا أن يعيد إليه السيد عيدروس وابنته، فاتفقوا جميعاً على تحكيم السيد حسين، فأمر السيد بإعادة البنت الشريفة مزنة، غير أنّ وفد باليمبانغ ألحّ في عودة أبيها معها، فوقع خلاف دام زمناً طويلاً، أيّدت سياك سلطان باليمبانغ فانتصروا معاً على ممباوا وهرب عيدروس.
توفي السيد حسين القدري في 3 ذي القعدة 1184 وعمره 64 سنة أمّا ابنه عبد الرحمن فكان عمره حين هاجر مع والده إلى ممباوا 16 سنة (1172هـ) وتزوج «أوتين جندرا ميدي» بنت سلطانها حينما بلغ الثامنة عشرة من سنّه، ورزق منها قاسم بن عبد الرحمن. وسنة 1178هـ سافر إلى بعض الجزر ومكث بها شهرين ثمّ باليمبانغ وأقام بها أحد عشر شهراً، وعند عودته أهدى له سلطان باليمبانغ زورقاً ومائة بيكول من الرصاص، وأهدى له وجهاء العلويين ألفي ريال.
وبعد أن أقام في ممباوا ثلاثة أشهر سافر إلى باليمبانغ، ثمّ بنجرماسين وأقام بها أربعة أشهر وتزوج الأميرة «بانون» بنت سلطان سبوه، وعاد بعد عامين إلى ممباوا حاملاً لقب (بنغيران شريف عبد الرحمن نور العالم)، وتردّد إلى بنجرماسين ورزق ولدان هما علوي (بنغيران كجيك) وسلمى (وتلقب بوتري) وعاد في 11 ربيع الأوّل 1185 إلى ممباوا، وقد توفي والده، فاجتمع معه إخوته والشريف حامد باعبود وقرّروا الهجرة.
تأسيس بونتيانك
في رجب 1185هـ توجّه الشريف العلوي عبد الرحمن مغرباً ومعه 14 سفينة إلى شواطىء نهر بونتيانك، وتوغل في اليوم التالي إلى النواحي الجنوبية، وبعد خمس ليال أمر من معه بالهجوم واستمر إطلاق النار من الساعة الرابعة صباحاً إلى الثامنة، ثمّ تقدّموا إلى البر واستولوا عليه، وهناك قطعوا الأشجار وبنوا المنازل والمسجد. ثمّ عاد إلى ممباوا وأخذ معه سفينة كبيرة شحنها ما يحتاج إليه، وسافر بها إلى بلدته الجديدة في 4 رمضان، فأكثر من بناء المنازل وشق الشوارع حتّى اتّسعت وزهت. وفي جمادى الثانية 1191هـ توجّه إلى سانكاو وأهلها وثنيون، ومعه أربعون سفينة صغيرة فمنعه أميرها من الدخول إليها، وأمر الأمير رجاله بصدّ القادمين، فالتحم القتال سبعة أيام ثمّ تقهقر الشريف إلى بونتيانك، وأخذ في صناعة السفن فتمّت عماراتها في ثمانية أشهر وملأها بالعدد الحربية، وسار إلى عدوه في 2 محرم 1192هـ في أسطول مؤلف من سفينتين ضخمتين، وسفينة خاصة، و288 سفينة صغيرة، فما كاد يصل إلى سانكاو حتّى تصدّى له العدو في «تايان» والتحم القتال يومين، فتقهقر أهالي سانكاو، وتقدّم المسلمون فحدثت معركة أخرى في «كايو تونو» يوم 26 محرم، فانهزم العدو مع الأخير إلى الجبال، وذلك في 11 صفر ودخل المسلمون البلاد وأقاموا بها 12 يوماً.
وعند عودته إلى بونتيانك مرّ على «سيمبانغ لابي» وبنى بها قلعة جعل فيها ستة مدافع، وكانت تكاليف البناء مناصفة بينه وبين راجا حاجي الذي عاد معه إلى بونتيانك، وبعد أيام أمر راجا حاجي بالمناداة في الناس فاجتمعوا وخطب فيهم، فبايعت الجماهير الشريف عبد الرحمن على السلطنة في بونتيانك.
وفي يوم الاثنين 8 شعبان 1192هـ قدم الأمراء ووزراؤهم إلى بونتيانك وعدوا اجتماعاً خطب فيهم راجا حاجي خطبة مسهبة وختم خطبته بقوله: وإنّني أنتهز هذه الفرصة لأعلن لكم جميعاً من أمير ي منصب أو راعٍ ذي مهنة، خصوصاً سكان هذه المنطقة بأنّ الشريف عبد الرحمن بن الحبيب حسين القدري سلكان بونتيانك أوّل سلاطينها ومؤسسها.
يعتبر تأسيس بونتيانك في يوم الأربعاء 20 رجب 1185هـ ـ 1771م ثمّ تولّى بعده الشريف قاسم 1808م ثمّ عثمان 1819م ثمّ الشريف حامد 1855م ثمّ الشريف يوسف 1872م ثمّ الشريف محمد 1895م.
بنجرماسين
اسمها القديم (نكاراديبا) وكاليمانتن تسمّآ في السنسكريتية (وارونادويبا) عاصمتها (جندي اكونغ) وأوّل ملوكها سورياناتا (عام 1450م) وتعاقب بعده ملوك من الأسرة إلى أن تولّى «سوريان شاه» الذي استعان بمملكة دمك بجاوا فأنجدته على شرط أن يجعل أساس دولته الإسلام وتكون تابعة لدمك، وبعثت حكومة دمك داعية هو خطيب ديان.
وفي سنة 1606م وصلت قوّة هولندية بقيادة G. Michel Szoon فألقى القبض على الجنود الهولنديين الذين يعتدون على الأهالي، ومن عاند منهم قتل، ثمّ وصلت قوّة هولندية أخرى عام 1607م فصدّها جنود بنجرماسين، وفي سنة 1612م هاجمتها هولندا وتحطّمت المدينة فانتقلت العاصمة إلى كايو تانغي (مرتابورا) ثمّ تولّى رحمة الله (توفي عام 1642م) ثمّ هداية الله عام 1650م ثمّ المستعين بالله عام 1678م الذي أوجد علاقات تجارية مع الإنكليز، فبادر الهولنديون إلى عقد اتفاقية معه.
كانت بنجرماسين عامرة تأتيها السفن وتقلع عنها، فبعثت حكومة الشركة الهولندية عام 1634م أسطولاً لحربها، ثمّ أبرمت اتفاقية عام 1635م تقضي باحتكار الهولنديين تجارة الفلفل وغيره، وبنوا مركزاً تجارياً عام 1636م فعانى الشعب مشاكل. وفي 1638م حمل الشعب السلاح على الهولنديين وأغرقوا سفينتين لهم، وقتل في هذه المعركة 64 جندياً هولندياً، فقام الهولنديون بأعمال النهب في البحر على السفن التجارية، فكانوا يعذبون ملاحيها ويمثلون بهم أشنع تمثيل بقطع الأطراف وسمل العيون.
ثمّ جرت محادثات عام 1660م ووضعت اتفاقية نصت على أن ليس للهولنديين أي تعويض عن الخسائر التي لحقتهم، ثمّ أغلقت المراكز الهولندية عام 1666م ولكن التجارات استمرّت.
وبعد المستعين بالله تولّى عناية الله إلى سنة 1685م ثمّ سعد الله إلى عام 1700م ثمّ بنغيران راتوا.
وفي عام 1778م كان عليها الأمير محمد ابن السلطان تمجيد الله الثاني وتوفي عام 1785م وله ثلاثة أبناء هم رحمة الله وعامر وعبدالله وكلّهم أطفال، فكان الوصي خاله «ناتا» فلقب نفسه تمجيد الله الثالث، فثار عليه أخواه سوريا وأحمد ثمّ ثار ضده عامر بن تمجيد الله الثاني ومعه 3000 من البوكيسيين، فاستنجد ناتا بالهونلديين، فأنجدته هولندا بقوّة قادها الكابتن (خريستوفل هوفمان)، وأسر الأمير الثائر بعد حرب شعواء ونفي إلى سيلان.
وفي سنة 1787م انتزعها الهولنديون من يد ناتا، وفي عام 1797 فوّض أمر الدولة إلى السلطان واحتل الهولنديون سوكادانا لوجود معدن الماس فيها.
في سنة 1817م تنازلت هولندا على جانب من السلطنة، وفي سنة 1825م ثار ابن الأمير ناتا، فأخمدت ثورته بقوّة عسكرية هولندية. وتولّى السلطنة السلطان آدم الواثق بالله إلى عام 1857م وفي عهده استولى الهولنديون على عدّة مقاطعات فبقيت له بنجرماسين ومرتابورا ومتعلقاتهما.
وتوفي ولي العهد عبد الرحمن بن آدم عام 1852م فاختار الشعب هداية الله ولياً للعهد، وعيّنت حكومة الشركة تمجيد الله الثاني عام 1857 فهاج الشعب فأرسلت هولندا قوّة لحربهم، ثمّ اتفقوا على تولية هداية الله حاكماً عاماً.
وحاول الهولنديون اعتقال ابن السلطان فاختفى، فكلف هداية الله أن يسعى لاعتقاله، فاشترط على حكومة الشركة أن يعامل معاملة حسنة إذا اعتقل وأن يقيم حراً في بنجرماسين، فقبل الهولنديون الشرط ولكنّهم بعد أن تمكنوا منه نفوه إلى جاوا، فاغتاظ هداية الله من هذه الخيانة، وقدم استقالته وثار الشعب، وكان هداية الله قد عزل الأمير «دانورجا» عن ولاية (باتوليما) وعيّن «أرياكوسوما» أخا السلطان تمجيد الله، فاتّصل المعزول بالسلطان فأعاده إلى منصبه، ومنع أخاه من الذهاب إلى باتوليما.
ثار الأمير «انتاساري» ومعه قواد محليون هم «دمانغ ليهان» و«الحاج أبو ياسين» وانتالودين وجكراواتي وغيرهم فهاجموا في 25 أبريل 1859 «بانغارون» واشتعلت المعارك في كلّ بقعة وهاجموا الحصون الهولندية ووقع في العدو قتلى بينهم ثلاثة رهبان.
توجّه مجيد الله بأمر الحاكم الهولندي إلى ماتابورا، وكان الأمير أنتاساري زاحفاً على ماتابورا، فطلب الهولنديون مساعدة هداية الله ليحل المشكلة سلمياً، فتوجّه هداية الله إلى ماتابورا.
في ذلك العام أمر السلطان تمجيد الله بالهجوم على مباني المناجم التي بدأ الهولنديون باستخراجها في بانغارون وكالانغن، كيداً لهداية الله، فعزله الهولنديون في يونيو 1859 ونفوه إلى بتافيا، وهب هداية الله ضد الهولنديين وتمكن من إغراق باخرة هولندية كانت تقل جنوداً هولنديين، واشتعلت نيران الثورة في كلّ مكان عام 1860 والأمير أنتاساري مستمر في جهاده غير أنّ الهولنديين تمكّنوا من الاستيلاء على حصنه بعد معارك، وألفت حكومة هولندا لبنجرماسين حكومة وقد انحاز إلى الهولنديين جماعة من البوكيس فهاجموا المناطق الثائرة فاندحر المجاهدون وتفرقوا، وبقيت المعارك مستمرة بقيادات متفرقة، ثمّ أسر (دمانغ ليهان) خدعة ولكنّه أخيراً استنفر الناس وجهزهم بالاسلحة لإطلاق هداية الله من الأسر، وتمكنوا بعد قتال شديد من اختطافه والنجاة به إلى (ريام) فحاصر الهولنديون (ريام) حتّى دبّ الجوع في الشعب، وفي 28 فبراير 1862 وقع هداية الله بيد العدو، وتوفي الأمير أنتاساري واستمرّ ليهان في جهاده حتّى أسر عام 1863 وأعدم، ونفي هداية الله إلى جي أنجور، بجاوا الغربية وتوفي عام 1904م، وقد عمرت حكومة اندونيسيا ضريحه تقديراً لجهاده، وبلغت تكاليف عمارته ثلاثين ألف روبية.
في عام 1915م حدثت ثورة في منطقة باسير بقيادة الأمير (سينغا مولانا) بإيعاز أمرائها إبراهيم خليل الدينن فهاجم الهولنديين ودامت الثورة نصف عام تسانده زوجته (دايانغ رينكونغ) والشعب وأخيراً حوصر واعتقل هو وأسرته.
سياك
كانت تابعة لسلطنة أجيه([316])، ثمّ لسلطنة جهور عام 1663، وقد منحت جهور عام 1689 للشركة الهولندية حرية التجارة وعدم فرض الرسوم على بضائعها وأذنت لها ببناء مركز تجاري في «بتاباهن». في عام 1717م استولى السلطان عبد الخليل (راج كجيك) على جزائر رياو وبقيت مناطق سومطرا الشرقية تابعة لسياك، وحاول الهولديون أن يثبتوا أقدامهم بها فما استطاعوا، وتوفي عبد الجليل عام 1746م واختلف أبناء محمد وعالم وحدثت بينهما وقائع.
وفي 1755م هاجمت البلاد قوّة هولندية فنجا عالم بنفسه، وعيّن سلطان جهور محمداً أخاه على سياك، وبنى حصناً في جزيرة (كونتنانغ) فزحف عالم واستولى على الجزيرة وقتل من بها من الهولنديين سنة 1759 وتوفي محمد سنة 1760م فتولى ابنه إسماعيل فحاربه الهولنديون بعد عام من ولايته، وولوا عالماً وعقدوا معه اتفاقية واشترطوا عليه الخضوع لهم والصداقة لسلطان جهور.
وتوفي عام عام 1765م فتولّى ابنه محمد علي فحاربه إسماعيل الآنف الذكر عام 1779م وناصرت الشركة إسماعيل ونصبته سلطاناً على سياك ومحمد علي نائباً عنه. وتوفي إسماعيل عام 1781 فتولى ابنه يحيى ولم يبلغ رشده، فكان محمد علي هو القابض على زمام الدولة.
وفي سنة 1791م تولى السلطنة الشريف علي بن عثمان، وقد جاءت إليه من أمة بنت السلطان عالم، ولقب عبد الجليل سيف الدينز وكان والده عثمان قد وصل إلى سياك في عهد السلطان عالم بن رحمت فعيّنه السلطان قاضياً وتدرّج في المناصب حتّى وصل إلى الوزارة، فدبّر الملك ووسع رقعة السلطنة إلى مناطق شاسعة وتزوّج وحيدة السلطان الأميرة بدرية.
ولمّا بلغ علي بن عثمان 21 عاماً من عمره سنة 1791م تولّى السلطنة فكانت أيامه رخاء وهناء للشعب، انتعشت فيها التجارة وازدادت البلاد عمراناً وأمناً، وعيّن أخاه أحمد ولياً للعهد (يلقب راجا مودا) وأخاه عبد الرحمن والياً على جزيرة بلالاوان فعمر الجزيرة وبثّ فيها العلم وتوارث الجزيرة بعده أبناؤه وأحفاده وأخيراً فصلها الهولنديون عن سياك وبنى بها قلعة أحاطها بسور مرتفع في عشرين قدماً وسمكه عشرون قدماً، طوله مائتان، وبها توفي الشريف علي وقد بلغ الستين، ويقال إنّ الشريف علي أوّل من جلب المعدات الحربية الحديثة، ولم يكن ميالاً إلى الهولنديين فأحبّه الشعب (خليل الدين) عام 1810م.
في عام 1818م أبرمت اتفاقية بين سياك والإنكليز (بين إبراهيم وبين فور كوهار)، وحاول الجنرال رافلس عام 1822م الحصول على إذن لبناء مركز ففشلت محاولته.
واتّصل الإنكليز عام 1823م بأمراء سومطرا الشرقية وبسلطان سياك باعتباره أعظمهم، فأغاظ ذلك الهولنديين فضغطوا على السلطان إبراهيم ليتنازل وأشعوا أنّه مصاب بمرض عقلي.
وتولّى إسماعيل (أمّه بنت الأميرة تنكومنداك بنت الشريف علي) ولم يبلغ الرشد، كان الوصي عليه تنكو محمد القائد العام لسياك، والساعي في توليته الشريف قاسم أمير بلالاوان.
ولمّا توسّع نفوذ سياك بذرت هولندا بذور الفتنة في الأسرة المالكة فصار السلطان ومعاونه على خلاف مع ابن عمّه إبراهيم، فغلب على أمره، فاستنجد بويلسن الإنكليزي بواسطة أمير جزائر رياو، غير أن ويلسن قدم شروطاً كثيرة، في الحين الذي كان الهولنديون يوقدون نار الثورة ضده عام 1857م.
وفي عام 1858م وضعت اتفاقية مع حكومة هولندا، اعترفت فيها هولندا بسيادة السلطنة على نواحي لانكت، وسردانغ، وأدلى وأساهن وغيرها ولكنّها في نفس العام أخذت تضغط على سلطان أجيه ليعترف بسيادة هولندا، وألحت على أن تكون مناطق سومطرا الشرقية كلّها تابعة لسياك، لإحداث شقاق بين سياك وأجيه.
في عام 1860م ولّى السلطان أخاه قاسماً (شريف كوسوما) بلقب منكوبومي، وكان حسن ابن السلطان ذات فتور في صلته بهولندا غير راضٍ عن أعمال منكوبومي ولا ولي العهد، فنفي إلى بنكاليس وتوفي بها عام 1891م.
وتوفي السلطان قاسم (1889م) فحدث تنافس بين الإخوان، وتولّى تنكو هاشم السلطنة عام 1890م، وحدث خلاف بينه وبين أخيه الأكبر فنفي الأخ عام 1900م. واجتهد هاشم في إحياء الزراعة خصوصاً أشجار المطاط، وسن القوانين والأنظمة للأسرة وقرّر رواتب كلّ واحد من أفرادها، وتوفي عام 1908. وفي سنة 1916 كان على السلطنة الشريف قاسم بن هاشم وعندما ثار الشعب الأندونيسي عام 1945 مطالباً بالاستقلال تبرع السلطان بجميع ثروته للثورة، كما تبرع بمبلغ 21 مليون روبية هولندية وتبرعت زوجته بما تملك من الحلي.
سوكادانا وسامباس وغيرهما
ذكرنا وصول الشيخ شمس الدين من مكة المكرمة مندوباً عن شريفها، وسمّى ملكها محمد صفي الدين، وأهدى له مصفحاً وخاتماً ذا فص من الزمرد، وعنه تلقّى الوزير (راج تنغه) العلوم الدينية.
وحسب البحوث التي أجري في سامباس من قبل لجنة البحوث أنّ أصل ملوكها من بروني، منذ عهد السلطان محمد والسلطان عبد الجليل أكبر، وانتشرت السلالة في سامباس، وأسّس الملك سليمان ملكه في 10 محرم 1080هـ، ووضعت اللجنة كتاباً في تاريخ سامباس والأقطار ذات العلاقة في جزأين.
نشر الوزير اج تنغه الإسلام، ولمّا توفي الملك (سبوندك) تولّت الملك ابنته الكبرى (راتوانوم كوسوما بودا) وتولّى السلطان صفي الدين وتعاقب عليها السلاطين إلى عهد سلطانها الخامس أبو بكر كمال الدين ابن العادل عمر أقام الدين الأوّل ابن محمد تاج الدين بن صفي الدين. وفي عهده ثار الصينيون الذين يعملون في منجم الذهب، وتغلب السلطان على المشكلة.
واشتهر ولي عهده بنشاطه في تقديم التجارة ورفع مستوى شعبه وكان يهوى البحر وركوبه، فترأس بعثة من عدّة سفن شراعية إلى بحر الصين ومضيق ملاكا وغيره لوضع خطط لمكافحة الأعداء ولصوص البحر.
وفي عام 1789 هاجم بنجرماسين أخذاً بثأر العالم الديني إمام يعقوب مندوب حكومة والده الذي قتله ملك بنجرماسين وكان موفداً من قبل حكومة سامباس إلى جاوا، وعند عودته بمن معه رمت بهم الأمواج إلى ساحل بنجرماسين فقتل هناك ونهب جميع ما كان لدى رفاقه، لذلك أراد أن يأخذ بثأره، ولكنّه قبل وصوله إلى بنجرماسين التقى بسفينة حربية إنكليزية فهجم عليها على حين غرة ولم يترك لربانها فرصة الدفاع فاستسلم، وأغرقت السفينة، وعندما وصل إلى حدود ممباوا في عودته إلى بلاده هاجمته سفينة مملكة ممباوا فانتصر عليها، ثمّ اتفق الجانبان على عدم الاعتداء.
وحدثت معارك بين سياك وسامباس عام 1799، وبعد سنتين حدثت معارك أخرى ولكن كان المهاجمون من سياك ينكسرون ثمّ وصلت نجدة من سياك ورافقت هذه القوّة أميرة سياك الشهيرة في شجاعتها، معها قائد أرو ولكنّه قتل في المعركة، وهجمت الملكة بنفسها كالليث انفلت من قفصه ـ هكذا تقول الحكاية ـ فاشتدّت الحرب، وتشتت شمل المدافعين، ولكن الملكة تلت في هذه المعركة فتقهقر المهاجمون.
اشتهرت سامباس بمنجم ذهبها الذي يعمل فيه صينيون، فلفت ذلك الأنظار وجاء الكثير من جزائر سنولو للعبث في البلاد، وفي سنة 1795 حدثت معارك بين الصينيين الذين يعملون في شركتين صينيتين واستمرّت المعارك إلى 1796 وتدخلت حكومة سامباس.
ووصلت سفينة إنكليزية في 24 يوليو 1812 إلى سامباس لأخذ الثأر، وحاول الإنكليز النزول إلى البر فردّتهم قوات سامباس، وأخيراً نزلوا إلى البر فاصطدموا بالمجاهدين فاندحر الإنكليز بعد وقوع قتلى من الأهالي الذين ثابروا على الكفاح عدّة أشهر، ولكن كان العدو قوياً فلم يغلب، وحوصر القائد (بنغيران أنوم) في إحدى المعارك فدافع عن نفسه دفاع الأبطال، ثمّ اندحر المجاهدون إلى حصونهم وتقدّم الإنكليز وأحرقوا إحدى القرى ثمّ حاصروا القلعة، فاستسلمت القلعة في 1813 ثمّ وقع صلح.
توفي تاج الدين الأوّل عام 1815 فتولّى ابنه محمد عفيف الدين ووصلت باخرة إنكليزية تحمل رسالة الاعتراف بسلطنته، وعند عودتها ارتطمت بصخرة في نهر (سبانو).
وفي عام 1819 أذن للهولنديين في بناء مركز تجاري، وتوفي السلطان عام 1828 وكان ابنه صغيراً فعيّن وصياً عليه عثمان كمال الدين، وتوفي هذا عام 1831 فتولّى الوصاية أخوه عمر أقام الدين، ولمّا بلغ السلطان أشدّه تولّى السلطنة مباشرة لقب أبو بكر تاج الدين الثاني.
وفي عام 1850 حدثت ثورة تولّى كبرها اتحاد شركات الذهب الصينية إذا امتنعت عن دفع الضرائب وهجم الصينيون على قصر السلطان، فأنجدته حكومة هولندا في عام 1851 بقيادة الليوتنانت كولونيل زورخ، فقتل، واتّسعت الثورة عام 1854م إلى مختلف الأنحاء فوصلت قوّة هولندية أخرى وقضت على الثورة. ومنذئذٍ صار جميع الصينيين تحت سلطة حكومة هولندا.
لقد تعدّدت السلطنات، إذ كلّما انفصلت مقاطعة صارت سلطنة، وإن كانت قليلة السكان أو ضيقة المساحة، منها كوتي (مرتابورا) في كاليمانتن الشرقية، ومنها جامبي في سومطرا، كان عليها أمراء وسلاطين آخرهم السلطان طه سيف الدين الذي وقّع اتفاقية مع هولندا عام 1833م، وكان في (لولو) قائد يدعى (ايباتي بروبو) فخاض مع قومه غمار الحرب ضد هولندا، وأخيراً وقع هو وأسرته في الأسر، ونفي إلى جزيرة ترناتيه، ثمّ عاد إلى لولو بعد عام، ومن زعماء المجاهدين، رادين محمد طاهر. وكانت جامبي على قسمين قسم يحكمه السلطان مباشرة وعاصمته مدينة جامبي، وقسم تحكمه (باطن ليما) وعاصمتها (رانو بانجانغ) وتلقب (ريود يياتي). تتعاون مع السلطان في الجهاد، وتولّى قيادة الجيش زوجها الحاج صديق، وتولّى السلطان قيادة جيشه بنفسه، فهاجموا حصون العدو وشاركت النساء في المعارك مع الأميرة، واستمرّت نحن سنة وأسر الحاج صديق فيمن أسر، وأغراه الهولنديون وهو في الأسر بجائزة إن هو أسر لهم السلطان ولكنّه بعد أن نال ثقة الهولديين استأذنهم في العودة ليدبر أمر القبض على السلطان فأعلم السلطان بما صار، ثمّ سافر إلى سنغافورا وجهور وملاكا، وأقام جمعية سرية هناك تولّى زعامتها كمس حاج كريم الذي سافر إلى استانبول عام 1906م مستنجداً بالسلطان عبد المجيد فمنحه وساماً، وعاد إلى ملاكا بعد ستة أشهر، واستمرّت حروب جامبي إلى سنة 1907م، وآخر سلاطينها طه سيف الدين وآخر وزرائها السيد محمد بن عيدروس الجفري.
ومن السلطنات (أساهن) في سومطرا الشرقية، وقد عانت هذه السلطنة الأمرين من الاعتداءات الهولندية فجاهد سلاطينها وشعبها ضد الاستعمار، وأخيراً اتفقت أساهن وأجيه على الدفاع وبعث السلطان الوفود إلى الأمراء والسلاطين يدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله. وجرت حروب هائلة استمرّت طويلاً ـ لا محل لذكرها بالتفصيل هنا ـ وأخيراً وقع السلطان في الأسر وقد تقدّمت به السن، ومع ذلك لم يرض بالتعاون مع العدو، ثمّ عاد إلى ملكه ووقع على اتفاقية عام 1865 وتوفي 1867. ولكن الكفاح استمرّ إلى سنة 1870، ثمّ تألفت إدارة للحكومة مؤلفة من الوزراء: راج نغمه علي وراج محمد شريف ابن السلطان حسين، والشهبندر السيد أحمد بن حسين عبديد صهر السلطان (زوج أخته الأميرة تنكو سولونغ توبا). وتعدّدت ثورات الشعب المرّة، وأخيراً في سنة 1947م ثار الشعب على هذه السلطنة وقضوا على جميع أفراد الأسرة فلم يبق منهم أحد هناك، وذلك ضمن الثورة الكبرى ضد الاستعمار الهولندي، كما قضي على سائر السلطنات بأندونيسيا.
ومنها (باني) في سومطرا، وقد كتب الكاتب المؤرخ محمد سعيد في تاريخ (باني) نقلاً عن مصادر غربية وأندونيسية، منها كتاب تنكو حاج جماد العام المكتوب بالحروف العربية في 7 رجب 1386 (1873م) وراجا كجيك مودا بالحروف اللاتينية في 9 جمادى الأولى 1283. وكتاب سياران تأليف فخر الدين سردانغ وتابل مهكوتا من أساهن، وبيتا امس من كوالوه.
ومنها (لومبوك) جزيرة شرقي جزيرة بالي، سكانها الأصليون من جنس الساساك وهم مسلمون، كان عليها بأواخر القرن التاسع عشر الملك الهندوكي (أكوس كدية نعورا) وكان بين وزرائه عربي معروف بشدّته، فسجن يوماً وكيل شركة البواخر الهولندية، فأرسلت هولندا سفناً حرية فأطلق المسجون من سجنه، وعزل العربي عن منصبه فتولّآ بدلاً عنه ابن الملك (مادي كتوت) فكان قاسياً على المسلمين فثاروا ضد حكومته، ثمّ اضطروا إلى الاتصال بالوالي العام الهولندي (فن درويك) فتوسط لحسم النزاع. ولكن الملك أجل المحادثة إلى شهرين.
وفي أوائل يوليو 1894 وصلت قوّة هولندية واستسلم الملك ودفع غرامة الحرب ثمّ انتحر فخلفه ابنه وكان الجنود الهولنديون المرابطون في (جاكرانكارا) يسكنون الخيام في ساحة قصر الملك وكانت الأحياء مسورة، والطريق الممتد بين ماترام وجاكرانكارا مسور أيضاً، فخرق الأهالي خروقاً في الأسوار لتسديد الطلقات منها، ففي ليلة 26 أغسطس أطلقوا النيران على الجنود المخيمة فسقط كثير منهم قتلى، وتحصّن آخرون في معبد واندحر الهولنديون إلى ماترام، ولكن الأهالي كانوا كامنين خلف الأسوار فأمطروهم بنيران البنادق فوقع قتلى وجرحى، وقتل الجنرال (فن هام) وهرب الباقون.
ووصلت قوّة هولندية إلى (جاكرانكارا) ولم تدر بما حدث فاستقبلهم الأهالي بوابل من الرصاص فقتل وجرح كثير، وانهزم الآخرون تاركين بنادقهم ومدافعهم.
وجهزت هولندا جيشاً لجباً وأطلقت السفن قذائفها على المدينة ثمّ تقدّم اليش ودخل في معارك وسقطت ماترام بعد أن خربتها القذائف في 20 سبتمبر، واحتل الهولنديون جاكرانكارا في 19 نوفمبر وكانت المعارك شديدة لأنّ الباليين كانوا يتقاذفون في لهوات المنايا. ولم يتعاون المسلمون مع الهولنديين رغم ادعاء هؤلاء بأنّهم جاؤوا منجدين عام 1892، وهرب الملك وحاشيته وأسرته، ثمّ حوصر في إحدى القرى وأنذروه ليستسلم، غير أنّ أعوانه هجموا على الهولنديين وقاتلوا حتّى قتلوا عن بكرة أبيهم، ما عدا الملك وأحد أحفاده، وسيق إلى بتافيا وألحقت جزيرة لومبوك بمديرية جزيرة بالي. و(بالي) جزيرة الهنادك كانت تابعة لمملكة مااباهيت عام 1284 ثمّ انفصلت عنها، وكان فيها عدّة أمراء (ملوك) بينهم خلافات وحروب، وفي عهد الملك مانغوري امتدّت سلطتها إلى أجزاء من جاوا الشرقية، وعلى بلامبانغن والٍ من قبلها.
في سنة 1839م وضعت هولندا اتفاقية مع ملوكها التسعة وفرضت عليها غرامات، وعيّنت لها نائباً فيها، ووضعت شروطاً على أميري (كارانغ اسم) فآثر أميرها الانتحار فسل خنجره وقتل جميع نساءه ثمّ أخذ يدافع عن نفسه حتّى قتل. واستولى الهولنديون على (كالونكونغ) بعد دفاع شعبي شديد، ثمّ هاجمهم الأهالي ليلاً فارتبكوا وقتل القائد (ميخيلس) ثمّ جرت محادثات مع بقية الأمراء وقرّر القائد الهولندي ما شاء.
ثمّ اضطربت الأحوال وحدثت معارك في (بوليلينغ) وكانت النتيجة أن حكم الهولنديون على تلك الناحية مباشرة عام 1854م. وفي عام 1856م اشتعلت نيران المعارك بين أمير بوليلينغ وحكومة هولندا. فبعثت هولندا جيوشاً في عام 1858 وعام 1868، وأسرت الثائرين ونفتهم، ونفت أمير بوليلينغ وأمير جمبرانا.
جزيرة بالي هي الوحيدة الباقية في أندونيسيا على الهندوكية، تحيا حياة القديم في تقاليدها، وكانت نساؤها كاشفات الصدور حتّى منعت حكومة أندونيسيا تلك العادة.
شمال كاليمانتن (بورنيو) لم تكن ضمن جمهورية أندونيسيا الآن، غير أن صلتها القديمة والحديثة مع مقاطعات أندونيسيا موجودة، كانت بها عدّة إمارات، ويذكر مدير متحف عاصمة سراواك (كوجينغ) الدكتور ايريك ميدبرج السويدي أنّ وفداً توجه عام 977م إلى الصين مؤلفاً من: «أبو علي» واثنين من العرب من قبل سلطان بروني العامرة حينئذٍ، وذلك في عصر ملك الصين (بونغ لي).
وفي عام وصل الصيني (جينغ هو) المعروف في أندونيسيا باسم (سامبو توالانغ) واجتمع بالملك (راج مراياكالي) ملك بروني (وقيل إنّ اسمه ناجي هانا) وسافر هذا الملك وحاشيته معه إلى الصين وتوفي بها ودفن في نانكين، ومنذئذٍ قطع ابنه (هياوانغ) الجزية التي كان يؤدّيها أبوه إلى ماجاباهيت. وذكر المسلم الصيني «مانوان لين» أنّ ملك بروني (جي لي مالي) أي سليمان بعث وفداً إلى الصين عام 1082م.
كان على بروني في أوساط القرن التاسع عشر السلطان عمر علي شفيع الدين، وكانت سراواك تابعة لبروني يحكمها الأمير (بنغيران مهكوتا) فثار على السلطان بقوّة بقيادة نائبه هاشم لإخماد الثورة ففشل.
وفي 15 أغسطس 1839 وصل أسطول بريطاني إلى سراواك بقيادة (جيمس بروك) فأحسن النائب هاشم استقباله وعقدت بينهما صداقة، واستعان به هاشم في إخماد الثورة على أن يجعل جيمس والياً على سراواك فأخمدت الثورة وتولّى جيمس بروك على سراواك في 14 سبتمبر 1841 وصادق السلطان على ولايته في عام 1842.
وحاول بعض أمراء المقاطعات الانفصال عن السلطنة فاستعان السلطان بالإنكليز مقابل تسليم بعض الممتلكات، كما استعان بهم أيضاً عام 1844 لاسترداد جزيرة لابوان فلم يعينوه بل استولوا على الجزيرة لهم. وسنة 1845 قتل النائب هاشم، وحاول السلطان اغتيال جيمس بروك، ونشب نزاع بين الأهالي والإنكليز فانتصر الإنكليز وسلم السلطان سراواك نهائياً لجيمس روك، وفي عام 1846 اعترف بسيادة بريطانيا على جزيرة لابوان، ثمّ حوّلت منطقة صباح في كاليمانتن الشمالية (بورنيو) إلى شركة للسيطرة عليها. ولعل صباح هذه التي يكتبها العرب قديماً (صبح) ذكرها المسلمون في كتبهم.
إيريان الغربية
ذكرها الراحلون العرب في كتبهم. وفي عام 1526م وصل البرتغالي جورج دي مينس إلى الدجزء الغربي من إيريان وسمّاه (اوس بابواس) ومعناه جعد الشعر، ثمّ وصل الإسباني (الفارودي سفيدرو) وسمّاه جزيرة الذهب عام 1528م وفي عام 1545 أبحر برتغالي آخر (اورتيز دي رودا) إلى الجزء الشمالي وسطا عليه باسم إسبانيا، وهو الجزء الذي احتلته هولندا وسمّي غينيا الجديدة لشبهه طبيعياً بشواطىء غينيا الإفريقية.
وبعد مضي أكثر من 20 عاماص وحدوث سلسلة من التطورات قامت هولندا في عام 1705م بأبحاث في الجزء الشمالي، وفي عام 1828 بدأت هولندا تحتل رسمياً جميع الجزء الغربي من هذه الجزيرة.
وفي عام 1892م زارها ويليام دورثي المتخصص بعلم الأحياء فعثر على بحيرة «سانتاني» وكانت بعثة «اتنا» قد وصلت إلى هذه البحيرة عام 1858.
ومنذ أن نزل بها أوّل هولندي عام 1616م لم تعمل هولندا شيئاً فيها إلى سنة 1678م حيث عقدت اتفاقية مع أمير منطقة (أونين) وكانت السلطة على إيريان قبل ذلك بأيدي ملوك جزائر الملوك وفي عام 1885م رسمت بريطانيا وألمانيا حدود القسم الشمالي، ثمّ اتفقت هولندا وبريطانيا عام 1895 على تعيين الحدود للقسم الجنوبي.
قامت سفينتان لشركة الشرق الأقصى البريطانية بغرز العلم البريطاني في خليج (كليفينك) في جزيرة ماناسواري التي احتلتها بريطانيا بعد ذلك لعدّة أشهر، ثمّ أقامت في أغسطس 1828 بلدة (بورت دبوس) في خليج تريتون. وأعلنت أنّ المنطقة كلّها ملك لها وانتهى الاحتلال عام 1835 لرداءة المناخ.
وأعلنت هولندا أنّ الحق الشرعي في السواحل الشمالية إلى خليج همبولدت هو لسلطان تيدوري الذي سمح لهولندا باحتلال هذه المناطق. وفي عام 1903 زار البروفسور الألماني ويشمان ميناء همبولدت وأعقبه غيره، وجاب الدكتور لورينتز عام 1909 أواسطها حتّى بلغ إحدى قممها وسمّاها قمة ويلهلمينا، وعاد سالماً بمساعدة قبائل الداياك الذين استصحبهم من كاليمانتن، ثمّ ازداد عدد البعثات الهولندية التي من مقاصدها البحث عن الذهب والنفط.
أتت أعمال بعثة (ريشارد ارشبولد) التي استخدمت طائرة كبيرة لدرس الأحوال الداخلية بنتائج عظيمة، وقامت بأعمال كشفية بين الساحل وبحيرة (هاميما) المتوغلة في الغابات على بعد 175 ميلاً، حيث اكتشفت وادياً فسيحاً مساحته 40 في عشرة أميال يسكنه نحو 60 ألف فلاح.
وفي خليج همبولدت توجد قرى صغيرة، تتألف كلّ قرية من عشرين منزلاً، في كلّ منزل نحو خمسة أشخاص، وبهذا يكون المجموع نحو ألف شخص، والقرى البعيدة في الآجام أقل سكاناً وأضيق مساحة.
تغطي إيريان الغابات الكثيفةن تجري فيها أنهار غزيرة المياه سريعة الجريان، فيها جبال شامخة، وفي أواسطها قمم عالية تبلغ الحد الجليددي الدائم، يتألف سكانها من قبائل ذات لغات شتى، لكلّ فيها عادات وتقاليد متوارثة، وقد أقام في أجزاء منها مبشرون من البروتستانت ويبلغ عدد مراكز التبشير بالسواحل الشمالية وفي اخربيل يابين نحو الخمسين، وفي كلّ قرية مدرسة للتبشير، وفي السواحل الجنوبية مبشرون من الكاثوليك، خصوصاً بين قبائل ماريندا، وكاياكايا، المشهورتين بشدّة البطش المنتشرة من مصب نهر ديكول إلى حدود استراليا.
كتب الأستاذ (ف. فرتن تن) في مجلة (نيد رلند اندي أود أن نيو) عدد ديسمبر 1937 وصفاً لهذه القبيلة فقال إنّهم ضخام الأجسام أقوياء متكبرون فخورون ببلادهم، وليس لهم أمراء ولا طبقات ولا رئيس، فكلهم طبقة واحدة يؤمنون بقوّة قاهرة تسمّى (ديما)، وأفراد قبيلة (سيخميث) طول قامة الواحد نحو متر ونصف متر.
نقلت هذا الفصل ملخصاً من كتاب لي كنت وضعته عن إيريان الغربية فيه تفصيل وافٍ في كلّ ما يتعلق بها. وقد ماطلت هولندا في تسليم إيريان الغربية لجمهورية أندونيسيا حتّى حدثت أزمة ومجابهة وأخيراً سلمت لأندونيسيا حيث أجري استفتاء فاختار الشعب الانضمام إلى جمهورية أندونيسيا.
المساجد
لا غرابة في كثرة المساجد بأندونيسيا فالإلبية الساحقة من سكانها مسلمة، وتختلف هيئات المساجد باختلاف العصور، فقد يكون المسجد مرتفعاً على أعمدة، وقد يكون أرضياً، والصفة الغالبة في المساجد القديمة أنّ سقوفها تتألف من طبقات، كلّ طبقة منفصلة عمّا تحتها تقريباً فبين الواحدة والأخرى فراغ يرى من الخارج كسقوف بعض المساكن القديمة، وما زال هذا النوع موجوداً، غير أنّ المساجد الجديدة أخذت شكلاً حديثاً بادية في هيئات جميلة.
والمصليات موجودة في كلّ مكان، في الأزقة والأحياء وعلى ضفاف الأنهر وبطون المزارع وعلى الترع في الأودية وسفوح الجبال وهي سهلة البناء، إذ تصنع من البامبو أو الخشب، وهذه المواد في متناول الأيدي، سهلة المأخذ، والأشجار الضخمة التي يستخرج منها الخشب متوفرة.
وللمساجد مآذن بخلاف المصليات، والواقع أنّ المآذن حديثة في المساجد، ما عدا مساجد دمك، وبانتن، وجيروبون، وأمبيل. وهذه مساجد قديمة لها تاريخها وتاريخ ما يتصل بها، فمسجد دمك بني في أوّل عهد سلطنة دمك، تمّ بناؤه عام 1468م وجدّد في عام 1845م وهو بناء عظيم من الخشب الضخم المتين ذو طبقات. ومسجد اكونغ في بانتن القديمة بناء واسع بجانبه مقابر ومأذنة منفصلة عنه، وفي ليران بقرب مدينة كرسيك مسجد به ضريح بنت ملك جامبا المسلمة. وفي منكادو بجاكرتا مسجد بني في 26 شعبان 1114، وبجواره مدفن الشريف حامد القدري من أسرة سلاطين بونتيانك، وقد نشرت جريدة (ياقا بوده) في 17 يونيو 1858 سيرة هذا الأمير وتاريخه وفي كمايوران بسورابايا مسجد بني عام 1775م بنته حكومة هولندا، وفي شارع هيام ووروك بجاكرتا مسجد بني عا 1144هـ ـ 1732م. ومسجد أمبيل من المساجد القديمة من عهد الداعية علي رحمة الله. وفي انكي بجاكرتا مسجد قديم على بابه لوحة خشبية مكتوب عليها عام 1176هـ بجانبه مقابر عليها كتابات صينية، وقد نقلت منها على عجل تلك الكتابات وأريتها أستاذاً صينياً فقال إنّ النقل غير كامل، والكتابة الصينية رسوم أصوات أو صور لأشياء منظورة ولمعانٍ، وبالجانب الآخر من ساحة المسجد مقابر للسادة آل القدري من أسرة سلاطين بونتيانك، ويرجع تاريخ ما قرأته على الشواهد إلى القرن الثاني عشر الهجري، ولما عدت لزيارة المسجد بعد الحرب العالمية الثانية لم أجد هناك ما كنت شاهدته من مقابر الصينيين المسلمين، وبقي من مقابر آل القدري قليل جداً. وفي لوار باتانغ بجاكرتا مسجد ذكر في خريطة رسمت عام 1768م جاء ذكره في جريدة (يافا كورانت) 12 مايو 1827، فقالت إنّه توفي عام 1769، وإنّ القبة بنيت عام 1812، وما كان القبر بجانب المسجدن ولكنّه صار كذلك بعد توسعة المسجد فصار البناء بجانبه مفصولاً بجدار. وذكره أيضاً (فن دن بيرخ) في كتابه الذي طبع في أواخر القرن التاسع عشر (ص165). ومن المساجد القديمة مسجد جيربون ذو الهندية الهندوكية الأخيرة بالقرن السادس عشر، وحرمه المربع ذو أعمدة خشبية، وجدار حدري محوط برواق وقد زيدت أروته ولكن النقوش القديمة باقية كما كانت. ورأيت مسجداً في جيربون من طراز هذا الصقيلة صحون قديمة ملصوقة بها، وهو تحفة بين المساجد ومساجد سومطرا الوسطى ذات سقوف عالية، وفي بندر أجيه دار السلام مسجد جميل ذو نقوش وفن مزيجين من الفن الإسلامي والغربي. وفي ميدان مسجد بناه سلطان ميدان على الطراز العربي الإسلامي كلّ ما فيه من المرمر المنقوش ذي التخاريم. ويقال إنّ مسجداً في بورسيا، بالقرب من بحيرة طوبا بني عام 908هـ ـ 1501م وهناك مساجد أخرى كثيرة، ويبلغ عدد المساجد حسب إحصاء عام 1968 بأندونيسيا 313516.
السفن
عرف الأندونيسيون صناعة السفن وركوبها من قديم ـ كما ذكرنا ذلك ـ تخطوا بها البحار حتّى وصلوا إلى إفرييا وجزر المحيط الهندي والهادي، وحملوا عليها محصولات بلدانهم وجلبوا عليها ما يحتاجون إليه، وكانت وفودهم تصل إلى الصين على سفنهم، كما التقت سفنهم التي ترسو بشواطىء سيام (تايلند) وغيرها بالسفن القادمة من الشرق والغرب، ووصلت إلى ملاكا ومانيلا والهند والبصر وجنوب بلاد العرب وإفريقيا الجنوبية وغيرها، وهكذا عرفوا البحار منذ انتشروا إلى جزر المحيطين الهندي والهادي، حتّى صاروا يسمّون العهود القديمة (زمن بحاري).
ألقى الدكتور بست في الموضوع محاضرة على أعضاء جمعية بولينغتون اللغوية جاء فيها: أنّ الأندونيسيين كانوا ذوي نفوذ في المناطق المجاورة وكانت سفن العرب والفرس تصل إلى جزر الشرق حتّى المحيط الهادي، والصينيون يأتون ببضائعهم إليها وإلى الهند وبلاد العرب، كلّ ذلك يجري أمام أنظار سكانها فأضافوا إلى ما لديهم أشياء شأن الشعوب المستزيدة من النهوض، وشأن طبيعة البشر فزادت ملاحتهم تقدّماً. وفي العهد الإسلامي بلغت مستوى حسناً، فصارت أساطيل عظيمة تغزو البلدان أو تحمل التجارات.
السفن الصينية تكثر في بحار أندونيسيا، وتمتاز عنها السفن العربية بالضخامة، وتسمّى سفن العرب (دو أو داو) ويُقال إنّ أصل الكلمة من السواحليةن وتسمّى سفن الصين (جونغ) وقد ذكر هذا الاسم ابن بطوطة في رحلته، وهو اسم معروف حتّى اليوم.
أشرعة السفن الأندونيسية مثلة أو مربعة غالباً، وهي جميلة على صغرها، وينحت مؤخرها بنقوش، وتمتد أمامها وخلفها أخشاب مرتفعة تنعطف إلى ناحية السفينة من أعلاها، وعلى حافاتها مقاعد المجذفين.
للممالك الأندونيسية القديمة سفن عظيمة، اشتهرت بها مملكة سري ويجايا وماجاباهيت وغيرهما، وفي العهد الإسلامي كان للممالك الإسلامية أساطيل اشتهرت بها دمك وماترام، وبانتن، وأجيه، ومكاسر وبنجرماسين، وغيرها. فكان لبانتن أسطول حربي، وأسطول تجاري، وقد جمعت في زمن واحد نحو 200 إلى 300 سفينة، وتتألف كلّ سفينة من ثلاث طبقات (وقد تقدم ذكر هذا في الكلام في مملكة بانتن).
واشتهر الأمير يونس في عهد مملكة دمك بصناعة السفن، حارب بها البرتغاليين في ملاكا (وقد تقدّم ذكره أيضاً). وللمدن الساحلية الإسلامية سفن تجارية، وسفن لحماية البلاد، واشتهرت تجارتها البحرية، وحارب سلاطين أجيه البرتغاليي بحراً، وكذلك سلاطين مكاسر وجزائر الملوك وبنجرماسين وغيرها، واشتهرت الأميرة راتوكالي نيافت بحربها للبرتغاليين بحراً. وقد تكاثرت صناعة السفن حتّى كان الكثيرون يصنعونها ليؤجروها بشروط معلومة.
قال الدكتور ستابل ما ترجمته تقريباً: كانت مملكة مكاسر عظيمة لتجاربتها وبسالة أهلها في الحرب، وقد تبوأت مركزاً مهماً في آسيا، يدل على ذلك ما جاء في كتاب (انتوق بلايران دري كراجاءن مكاسر دن بوكيس دي بولو سليبس) فإنّه يفيد أنّ المكاسرين والبوكيس كثيرو الأسفار إلى نواح كثيرة، غير أنّ سوط ملاكا بأيدي البرتغاليين عام 1511م كان أوّل ضربة على السفن الإسلامية عموماً والأندونيسية خصوصاً، ثمّ سقوط جزائر الملوكح بأيديهم لحدوث نزاع بين أهاليها.
وذكر أسباب الحروب بين مكاسر والهولنديين التي دامت خمسين عاماً، فقال: كان المكاسريون حلفاء أسفار وأرباب تجارة، ومثلهم الهولنديون، كلاهما يجتهد بنشاط وجرأة، وقد تستعمل القوّة فيصطدم الفريقان حيثما يلتقيان وتتعارك القوتان، وكلّ منهما يقول: أنا.
ود بقيت أندونيسيا زمناً طويلاً تحت سيطرة المسلمين حتّى بعد وصول الغربيين، غير أنّ المسلمين انحصرت أعمالهم أخيراً في السفن التجارية، وفيها برعوا، وتقدموا، ونال العرب مقاماً مرموقاً في قيادات السفن، فكانوا يملكون العدد الكثير منها، ويتجرون عليها كبقية مسلمين أندونيسيا حتّى زاحمتهم البواخر الهولندية، فتناقص عدد سفنهم، ومن الأدلة على تقدّم الملاحة في أندونيسيا ما ذكرته التقارير الرسمية من أنّه دخل إلى ميناء سورابايا من السفن الأندونيسية 7423 سفينة عام 1933، وما ذكرته المجلة الاقتصادية في 15 ديسمبر 1933 أنّ 75 بالمائة ممّا يحمل على البحر بين شواطىء أندونيسيا كان على تلك السفن، وقدر ما يدخل إلى ميناء مكاسر فقط بنحو 80 بالمائة منها ملك البوكيس. وناهيك بالموانىء الأندونيسية الأخرى.
وأوّل باخرة وصلت إلى أندونيسيا كانت في عام 1836م، وفي عام 1870م أقيمت شركة للملاحة بين أوروبا والشرق.
بايا السفن التي يملكها العرب
«التجارة والملاحة من وسائل المعيشة عند العرب، وقلّما يكون العرب ملاحين، ولكنّهم يكونون ربابنة وما أشبه، ويندر أن تجد رباناً عربياً يقود سفينة غير عربية».
في سنة 1885 كان ربابنة من العرب في سفن أوروبية، وسفينة صينية وسفينتين أهليتين. وتوجد سفينة عربية واحدة ربانها صيني. وفي معظم السفن العربية يكون الرجل الثاني أوروبياً يحمل شهادة، لأعمال التأمين البحري للبضائع، والملاحة منذ مدة طويلة موضع حديث في علاقة العرب في المحيط الهندي، وفي بداية هذا القرن (أي التاسع عشر) لعبت الملاحة دوراً مهماً في ازدياد الهجرات إلى الأرخبيل وتطوير المستوطنات العربية في باليمبانغ وبونتيانك وكرسيك.
بقيت سفن كثيرة في أوائل القرن العشرين يملكها مواليد العرب ويقودنها بأنفسهم ومعظمهم في باليمبانغ، ثمّ تناقص عدد السكان لأسباب منها مزاحمة البواخر التي تملكها الشركات الأجنبية التي منحتها هولندا امتيازات واحتكارات، ومنها ضغط الحكومة عليها إذ ذاك، إذا كانت تحتم عليها أن لا تحمل إلاّ بضائع مخصوصة وتمنعها من غيرها.
والملاحة العربية تكاد تنهار، وكذلك التجارة في الأرخبيل، غير أنّ هناك سفناً عربية تجارية من سنغافورا تسافر إلى الأرخبيل والصين وجدة لنقل الحجاج، وفي النصف الأوّل من هذا القرن (أي التاسع عشر) توجد سفن عربية تزور البحر الأحمر والخليج الفارسي.
ومن كبار ملاك السفن السيد حامد بن علوي الكاف (له أربع سفن) وعبد الرحمن بن محمد الكاف (له خمس سفن حمولة أكبرها 300 كويان) وعلي بن أحمد الكاف (له خمس سفن حمولة أكبرها 400 كوبان) وحسين بن محمد بن شهاب الدين (له أربع سفن حمولة أكبرها 500 كوبان) وأحمد بن عثمان بارقبة (له ست سفن حمولة أكبرها 300 كوبان) ومحمد علي بن شريف علي (له سفينتان حمولة أكبرها 250 كوبان).
أمّا أسماء السفن فهي كما يلي نقلاً عن بيان مفصل مخطوط فيما يملكه مواليد العرب في باليمبانغ من السفن، عن الشيوخ الذين كانوا يعملون في هذا الحفل.
(نور العاشقين) ملك السيد أحمد بن علي بن شهاب الدينز (طائف) ملك السيد عبد الرحمن بن عبدالله الكاف. (قطمير) ملك علوي بن أحمد ب أبي بكر الكاف. (يسرين) ملك علوي يسرين. (جيد الباري) ملك عيدروس بن أحمد بن عبدالله مديحج. (الدور) ملك عبد الرحمن بن أحمد المنور. (الماس) ملك حامد بن علوي الكاف. (فتح المبارك) ملك علي بن عثمان بارقبة. (عطية الرحمن) ملك عبدالله ابن سالم الكاف. (الفاخر) ملك عبدالله بن أبي بكر الفاخر. (كسب الخير) ملك أحمد بن شهاب الدين. (اليسر) ملك علوي بن شيخ بن شهاب الدين. (فتح الرزاق) ملك أحمد بن حسين جمل الليل. (هدهد) ملك محمد بن عبد الرحمن بن سقاف الصافي. (نصر) ملك محمد بن علي ابن الشيخ أبي بكر بن سالم. (إعانة الرحمن) ملك علي بن أحمد الكاف. (نور هاشم) ملك حسين بن محمد بن شهاب الدين. (ميمون) ملك أحمد بن عثمان بارقبة. (عطية المولى) ملك محمد بن علي المساوي. إلى غير ذلك من الأسماء المتنوعة، حتّى عرفت عائلة طمير من أسرة آل الكاف، وعرفت حارة يسرين.
اللغات
إنّ موقع جزائر أندونيسيا على خطوط التجارات وكثرة جزرها كان ذلك من أسباب التطورات في تقاليدها ولغاتها، ولكنّا لا نعلم مقدار التنازع اللغوي القديم، ولكنّا نعلم أنّ السنسكريتية قد انتشرت في هذه الجزائر، وما زالت آثارها باقية في لغاتها، ولدى الجاويين أسماء شائعة من بقايا تلك اللغة وللهولنديين مساعٍ في نشر دينهم ولغتهم، ويظهر من تصريح عام 1641م أنّه لا يجوز لأحد أن يلبس القبعة أو الكوفية إلاّ للعبد الذي يفهم اللغة الهولندية ويتخاطب بها، وليس للمرأة أن تتزوج هولندياً إلاّ إذا عرفت لغته، وقد أعتق الهولنديون في أحد العهود كلّ مملوك تنصَّر أو عرف لغتهم.
وقد تسرّبت الكلمات الهولندية وأساليبها إلى اللغة الأندونيسية، لا سيما بعد أن تكاثرت المدارس وتعدّدت الوظائف واتّسع مجال العمل في الدوائر الرسمية، واللغة الهولندية هي اللغة الرسمية بها تصدر الصحف والكتب والنشرات فصارت لغة ضرورية، واحتاجت الأندونيسية إلى كلمات واصطلاحات جديدة فوجدت الهولندية أقرب ممنالاً، فملأت الكلمات والاصطلاحات والأساليب الهولندية الكتابات والرسائل والصحف واندمجت في الاندونيسية.
ومع ذلك فقد كان كبار الهولنديين أمثال دخراف في كتاب تعليم ألّفه عام 1701م والدكتور خ. ي. نيونهيسن في كتاب له عن اللغة الهولندية وغيرهما يشكون من إهمال هذه اللغة، غير أنّ حكومة هولندا اهتمّت كثيراص بنشر لغتها في القرن التاسع عشر راغبة في هولندة الأندونيسين.
ولغة الملايو التي هي أساس اللغة الأندونيسية كانت موجودة منذ زمن بعيد، تغيّرت أساليبها بتوالي السنين، وساعد الإسلام في انتشارها وتطويرها، إذ كانت أداة للنشر والتخاطب حتّى لا يكاد يجهلها أحد من الأندونيسيين. ولكتابة هذه اللغة كانت تستعمل الحروف العربية، وتسمّى في ملايا (حروف جاوى) وفي سومطرا (حروف ملايو) أو (حروف بيكو) ويسمّي الصينيون لغة الملايو (كولون). وقد ألّفت بهذه اللغة الكتب في العهود الإسلامية وأمّا في عهد الاستعمار فلم تجد تشجيعاً كافياً حتّى قال الدكتور دريوس إنّ اللغة الملايوية أوّل ضحية قدّمت للاستعمار.
كثرت المؤلفات وسنّت القوانين وكتبت المعاهدات وغيرها بلغة الملايو والحروف العربية والتاريخ الهجري، واستمرّت كذلك إلى وقت قريب، في الربع الأوّل من هذا القرن.
واتّسعت دائرة الدعوة الإسلامية وفتحت المدارس الإسلامية ودرست فيها اللغة العربية لأنّها لغة الإسلام، وبالطبع أن تدخل الكلمات العربية في اللغة الأندونيسية كما دخلت في جميع لغات الشعوب الإسلامية ويُقال إنّ في اللغة الأندونيسية نحو 25 بالمائة كلمات أصولها عربية.
ذكر سنوسي باني في كتابه تاريخ أندونيسيا تكاثر عدد المتعلمين من الأندونيسيين للغة العربية، وأنّ كُتباً عربية ترجمت إلى الأندونيسيةن ثمّ قال: «إنّ الاقتباس كثير في المرئيات وغيرها، وهو ضروري كالاقتباس من السنسكريتية، وتكتب الكلمات العربية بالحروف العربية كما هي في الأصل، وكتابتها باللاتينية لم تنتظم بعد لثلاثة أسباب:
1 ـ «إنّ كثيراً من الناس لا يعرفون النطق الصحيح بالكلمات العربية المكتوبة بالحروف العربية، 2 ـ كتابة البعض للكلمات العربية حسب النطق الأندونيسي، 3 ـ في الهجاء العربي حروف لا توجد لها مقابل في اللاتينية. أمّا وضع العلامات على بعض الحروف اللاتينية لتكون مقابل الحروف العرية التي لا توجد في اللاتينية فإنّ العالم الغسلامي لم يقرّها بعد، كما لا توجد مطابع تستطيع أن تقوم بذلك، لهذا نجد اختلافات كثيرة في كتابة كلمة واحدة بصور مختلفة». قال: «والذين يكتبون الكلمات العربية حسب النطق الأندونيسي تظهر كتاباتهم في مثل جعل الساكن متحركاً، ككتابة صبر وجعلها (بفتح الباء) ووجه إلى وجه (بفتح الجيم) وشرط إلى شرط (بفتح الراء)، وكتابة الصاد سيناً، والحاء هاء، والفاء باء… إلخ. وقد يستبدل حرف مان حرف ياربه في النطق، على أنّه قد يستعمل الفاء فاء أو ياء، مثل فقير، وتكتب كلمة صفة، صفت وفكر فيكير، وقرابة كرابت، وسبب سِبَب (بكسر السين وفتح الباء) وخيمة كيمه…».
«وهناك كلمات تحوّرت عن أصولها مثل فرض إلى برلو، وفتوى إلى بيتوا، وقد تتحوّل معانيها، مثال ذلك: شاعر ففي الأندونيسية معناه شعر، والعقل قد يطلق على معنى الحيلة، وقد ينحصر المدلول في نحو عمل ويقصد به عمل الخير، وآخر بمعنى أواخر، وقد يتّسع المعنى في نحو بدن فيستعمل للجسم والهيئة والمجلس، وقد يجعل الجميع مفرداً فكلمة حروف بمعنى حرف، وقبور بمعنى قبر، وعلماء بمعنى عالم».
وقد خفّفت المدارس الإسلامية الكثير من الجهل باللغة العربية، على الرغم من عدم المشجع أو المؤيد التام من أيّة دولة إسلامية.
أمّا الحروف العربية فتكاد الآن تتلاشى من أندونيسيا لولا الإسلام، حيث يتعلّم معظم أبناء المسلمين القرآن. ولكن الحروف اللاتينية طغت على كلّ شيء.
ولاختلاط الصينيين عصوراً طويلة بالأندونيسين كان للغتهم بعض الأثر في لغة التخاطب، وأمّا اللغة الجاوية فعلى طبقات، عالية ومتوسطة وعامة، والسبب قديم نشأ أثر وجود طبقات هندوكية في المجتمع، وتسمّى اللغة القديمة لغة كاوي، وهي ذات حروف خاصّة لا يفهمها إلاّ المتخصصون.
قال الدكتور خ. و. ي. دريوس ناظر كلية الحقوق هنا في محاضرته: إنّه بدىء التخصّص في اللغات الأندونيسية في القرن التاسع عشر، وإنّ أوّل من اهتمّ بها مارشن، ورافلس، وكراوفورد الإنكليزي، وليسوا أوّل من تفهمها.
لقد أثار اكتشاف اللغة السنسكريتية في أوائل القرن الماضي الرغبة في بحث التاريخ القديم والآثار وفلسفة اللغة السنسكريتية ومقارنتها بالجرمانية المولدة بطريقة باتوس. وأخذ (ولهلم فون همبولدت) بإرشادات رافلس في بحث اللغة الكاوية الذي جعل رأسمال بحثه حروف بارابا يودا في كتابه Seprochufder inre java Diekawi وهذا الكتاب مرجع للهولنديين. وكان الاهتمام بلغة كاوي في النصف الثاني من القرن الماضي ضعيفاً كما يقول كيرن عام 1817م. وفون همبولدت آراء في إثبات مخارج اللغة الملايوية وجعلها أساساً للبحث في طبيعة لغة كاوي وحركاتها. وأبحاثه تفيد أنّ لغة كاوي تشتمل على أساليب سنسكريتية في تراكيبها وجملها الفعلية، وليس هذا بدليل على أنّ أصولها سنسكريتية تغيّرت وتبدّلت بل هي قائمة بذاتها ولكنّها اقتبست ألفاظاً سنسكريتية، فهو يريد أن يبين أنّ تأثّر اللغة بلغة أجنبية لا يمكن أن ينال أصولها. وسلك الدكتور كيرن في بحث لغة كاوي على أساس الفن، وعلى مقارنات بين لغة فيجي وبين الأنتيوم في أبحاث تاريخية وقياسية.
وهناك بحاثون اتجهت أبحاثهم إلى غير الناحية العلمية، ففي الهند مثلاً حركة ترمي إلى توسيع الثقافة الهندوكية في جميع الشؤون، في علم الآثار وتاريخ الفنون والدين وغير ذلك، ولم يكن العهد بعيداً عن اهتمام الهند بالبلدان التي سبق أن تسرّبت إليها الهندوكية القديمة فأقيمت جمعية Greater indasuciety في كلكتا، ونشرت المنشورات بأساليب جذابة عن تأثير الفنون الهندوكية في البلدان المجاورة، وأصدرت مجلة تحتوي على أبحاث مهمة وكتباً متنوعة بعضها خاص بهذه الجزائر، فهي تهتم بما بقي من التأثيرات أكثر من الاهتمام بالأصول.
من الهندوسية والبوذية
إلى الإسلام
كان الاسم القديم لأندونيسيا هو المملكة الهندوسية وظلّت تُدعى به حتّى القرن السادس عشر للميلاد نظراً لسيادة الديانتين الهندوسية والبوذية.
ومنذ القرن الثالث عشر توافد التجار المسلمون من إيران وگجرات في الهند على أندونيسيا، وازداد عددهم مع الأيام، فأقاموا روابط تجارية وثقافية، وما لبثوا أن نشروا الدعوة الإسلامية التي استجاب لها فريق من السكان، وأشهر الحاكم الهندي إسلامه، فتبعه كثيرون ووجدوا في الإسلام، الذي ترسخت دعائمه ملاذهم لا سيما بعد سقوط المملكة القوية ماجاباهيت (1293ـ1520).
وتؤكد الكثير من المصادر على دور العامل التجاري في نشر الغسلام في هذه البلاد حيث حملت القوافل البحرية الكثير من الفقهاء والعلماء ممّن جعلوا التجارة مصدر رزق لهم والدعوة الإسلامية هدفاً.
ويجمع الباحثون على أنّ الدعاة المسلمين سلكوا أقرب الطرق إلى قلوب الناس من دون إكراه، وما وقع من حروب جانبية لا علاقة له بانتشار الإسلام.
وتشير بعض المصادر إلى أنّ تاريخ دخول أوائل المسلمين إلى أندونيسيا يعود إلى القرنين السابعو الثامن الميلاديين، وكانوا من العرب، وأوّل جزيرة حطّوا فيها كانت سومطرا.
الاستعماران الأوروبي والياباني
بعد أن غزا البرتغاليون مملكة مالقا الإسلامية دخلوا أندونيسيا عام 1511 بذريعة البحث عن التوابل، ثمّ تبعهم الإسبان واتفق الطرفان على نشر المسيحية ولاقوا شيئاً من النجاح في مدينتي ميناهاسا ومالوكو، فاتّحد حكام الجزر للحد من نفوذهم، ومال بث الهولنديون أن غزوا غرب تيمور، أمّا شرقها فظلّ تحت سلطة البرتغاليين، فاقتسموا الجزيرة في ما بينهم.
وصل البريطانيون إلى أندونيسيا عام 1814 لبناء قلعه يورك في بانغولو غرب سومطرا، وفي أثناء الحروب النابليونية، عندما كانت فرنسا تحكم هولندا، أصبحت مناطق من أندونيسيا تحت حكم شركة الهند الشرقية البريطاية. وبعد سقوط نابليون عقدت هولنا وبريطانيا معاهدة، استرجعت فيها الأولى مستعمراتها في أندونيسيا.
وطالب المسلمون عام 1916 بالحكم المشترك مع الهولنديين الذين أقاموا، أثر ذلك، مجلس شورى صورياً غير ذي تأثير. وفي نهاية الحرب العالمية الأولى، وتحت وطأة تدهور الحالة الاجتماعية. وعد الهولنديون بمنح أندونيسيا استقلالاً عرف بوعد تشرين الثاني (نوفمبر)، إلاّ أنّهم قيّدوا الحريات العامة وشدّدوا الخناق على السكان بعد عام 1923 الذي شهد تدهوراً اتصادياً واضرابات عامة، فقامت حركات وطنية في صفوف الطلاب، وفي عام 1927 تأسّس حرب أندونيسيا الوطني الذي قاد المقاومة ضد الحكم الاستعماري.
خلال الحرب العالمية الثانية هاجم اليابانيون دول جنوب شرق آسيا، وبعد سقوط سنغافورا توجهوا إلى المستعمرات الهولندية في آذار (مارس) 1942، وعملوا على بسط سلطتهم على أندونيسيا. في تلك الفترة اضطرت حركات التحرّر إلى مهادنة اليابانيين والتظاهر بالتعاون معهم إلاّ أنّها أضمرت مخططات سرية وتطلعات صوب الاستقلال. وبعد جهد كبير ونضال مستمر وافق اليابانيون على منح الأندونيسيين حكماً مدنياً.
العهد الجمهوري
وما لبثت الجمهورية الأندونيسية أن رأت النور في 17/8/1945 إثر اندحار اليابانيين في الحرب العالمية الثانية، وكان سوكارنو أوّل رئيس لها، فواجهت حكومته مخاطر شتى، منها: نزل قوات عسكرية بريطانية في أندونيسيا أثناء العمليات الطارئة لقوات التحالف لتجريد اليابان من السلاح، وبالحجة ذاتها تدخلت القوات الهولندية لتحقيق هدف آخر هو استعادة السيطرة على منطقة الهند الشرقية.
وفي 10/11/1935 اندلعت حرب حروس بين البريطانيين ومقاتلي حركات التحرر على أثرها قائد اللواء البريطاني مالبي ودخلت القطعات البريطانية في معارك بحرية وجوية وأرضية، وحين تأكد الأندونيسيون من غلبة البريطانيين انسحبوا من معارك المدن ليكوّنوا وحدات قتال شعبية.
بدأت الخطوط العريضة لسياسة الجمهورية الفتية تتضح منذ 11/10/1945، وفي مقدمتها حسن الجوار والسلم مع دول العالم. ثمّ أعلن عن قيام نظام برلماني يضم ممثلين عن أحزاب مختلفة. وقبلت الحكومة الاقتراح البريطاني بنزع سلاح القطعات اليابانية وعدد أفرادها يزيد على 25 ألف، واحتجازهم في معسكراتهم، وإشراف الجيش الأندونيسي على ذلك، ثمّ دبأ ترحيل اليابانيين في نيسان (إبريل) 1946.
ولكن حرب التحرير استمرّت مع الجيش الهولندي الذي لاقى مقاومة كبيرة، وعرض الأمر على مجلس الأمن، وقامت مساغ ودية أدّت إلى اعتراف هولندا بسيادة أندونيسيا على جاوا وسومطرا ومادوا، ولكن ذلك كان خرقاً للبيان الصادر في 17/8/1945 الذي يقضي بسيادة أندونيسيا على كامل أراضيها فتأجّج الاستياء الشعبي واستمرّ القتال، ما أدّى إلى عقد مؤتمر المائدة المستديرة في 23/8/1949 الذي انتهى باتفاقية أقرّت اعتراف هولندا بسيادة الجمهورية الأندونيسية فتشكلت حكومة وحدوية واجهت ثورات وقتالاً استمرّ سنوات.
المؤتمر الآسيوي ـ الإفريقي
كان للرئيس سوكارنو دور كبير في إقامة المؤتمر الآسيوي ـ الإفريقي في باندونغ غرب جاوا والذي انعقد في نيسان (أبريل) (18ـ24) عام 1955 وضمّ إلى جانب أندونيسيا كلاًّ من الهند، وباكستان وميانمار (بورما) وسريلانكا وحضره ممثلون من 24 دولة آسيوية وإفريقية وكان الهدف من هذا المؤتمر التعاون الثقافي والاقتصادي، وقد دعا إلى السلم العالمي والاحترام المتبادل بين الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام حقوق الإنسان ومبادىء الأمم المتحدة، وعدّ نواة لمجموعة دول عدم الانحياز.
أسس الحكم
اعتمدت الدولة الأندونيسية على مفاهيم ديموقراطية خاصّة يطلق عليها الـ (بانكاسسيلا) وتشكل مجتمعة نظام للدولة والمجتمع ويقوم على فلسفة تستند إلى سيادة الشعب، ويتمثل ذلك في قيم نبيلة قوامها مبادىء خمسة هي: الاعتقاد بجود رب واحد، الإنسانية العادلة والمتحضرة، الوحدة الوطنية، الديموقراطية التي توجهها حكمة رجالات الدولة الذين اخيروا بحرص، العدالة الاجتماعية للأفراد جميعاً.
وتمّ تأسيس مجلس الشعب الاستشاري، وهو أعلى سلطة للدولة، وسمحت الحكومة بالتعددية الحزبية في 3/11/1945 فظهر 24 حزباً دينياً وقومياً واشتراكياً، إلاّ أنّ ذلك أدّى إلى صراعات وخصوصات ابتعدت عن فحوى ديموقراطية (بانكاسيلا) وعانت منها البلاد كثيراً.
التنمية والاقتصاد
للإحاطة بحركة التنمية في أندونيسيا والتطوّر الاقتصادي يمكن ملاحظة بعض الأرقام المتعلقة بالصناعات الإنتاجية لعامي 94 و95.
فلدى المقارنة بين هذين العامين نجد في مجال الزراعة أنّ النسبة المئوية للإنتاج ارتفعت من 35،32 عام 94 إلى 18،24 عام 95، وقد انخفضت في القطاع التجاري (الفنادق والمطاعم) من 29،17 إلى 16،17، وزادت في التعدين (البترول الغاز) من (71،16ـ77،16)، أمّا في وسائل النقل والمواصلات فالنسبة انخفضت من 77،8 إلى 41،8، وكذلك في قطاع الإدارة العامة من 16،7 إلى 80،6، وفي البناء نزلت النسبة من 30،9 إلى 82ن8، وفي مجال الخدمات من 23،9 إلى 62،7.
قصر السلطنة في مدينة ميدان شمال سومطرا (عام 1800).
أمّا في الصناعات الكهربائية والتجهيزات الغازية والمائية فقد ارتفعت نسبة الإنتاج من 20،1 إلى 24،1.
وتتبر أندونيسيا من البلدان الغنية بالمعادن كالحديد والنيكل والكوبار والذهب والفضة، بالإضافة إلى الفحم والبترول، وهي من الدول المصدرة للنفط، وتحتفظ بعضوية منظمة أوبك إلاّ أنّ إنتاجها وتصديرها للنفط انخفضا في السنوات الأخيرة (1996ـ1997).
العمل والطاقة البشرية
ارتفع عدد العاملين فيا لقطاع الصناعي من 3،9% في عام 1985 إلى 6،12% في عام 1995 وزادت فرص العمل في تلك السنوات ونمت القوّة العاملة من 8،63 مليون عام 1985، إلى 2،84 مليون عام 1995 وارتفع عدد العمال الكلي إلاّ أنّه انخفض في المجال الزراعي.
وللتقليل من البطالة تمّ تشجيع المهن غير الرسمية القائمة على الجهد الشخصي ومنحت الحوافز لأصحاب المشاريع الخاصة.
وأولت الحكومة الخدمات الصحية اهتمامها فزادت المراكز الصحية ذات التجهيزات الطبية الحديثة وتمّ تعيين 2786 طبيباً و704 أطباء أسنان و8155 قابلة مأذونة في المناطق كافة.
دور المرأة في التنمية الوطنية
أصدرت الحكومة الأندونيسية قانوناً يقضي على أشكال التمييز كافة ضد المرأة وشجعت تعليم المرأة وتثقيفها وإسهامها في بناء المجتمع، والعناية بحالتها الصحية، ورعاية النساء العاملات وحمايتهن وتحسين شروط عملهن ومنحهن رعاية اجتماعية تتضمن مساعدات مالية. فشاركت المرأة الأندونيسية في مجالات من التنمية شتى، وفي الاقتصاد والاجتماع والسياسة وغيرها.
وكان من نتائج ذلك أن قلّت نسبة الوفيات بين النساء وانخفضت حالات الإجهاض وزادت الولادات وانتشر الوعي في صفوفهن فتطلعن إلى حياة أفضل، اجتماعياً واقتصادياً وعلمياً، وقامت علاقات جيدة بين الرجال والنساء. أساسها التفاهم والتوازي في الحقوق والواجبات، ومنح وزير الدولة صلاحية واسعة للاهتمام بشؤون المرأة ورعايتها ونشر دوريات تتعلق بحقوقها وواجباتها والعمل على زيادة دخلها.
وعملت الدولة جاهدة على تحسين شروط العمل للنساء لرفع المستوى الاقتصادي لهن ولعائلاتهن. هذا إضافة إلى التوجه السائد في منحهن الكثير من الخبرات عن طريق الدورات التدريبية لتحسين مهارات العمل والإنتاج مع حفظ حقوقهن في مجال العمل، مع التركيز على النساء الفقيرات.
أتاحت الدولة الكثير من الفرص للنساء في المناطق الريفية في مجالي التعليم والتدريب المهني. ومنحت مساعدات مالية لجماعات نسائية للقيام بنشاطات توجهت لتنمية دخل الفلاحات وصائدات السمك، أمّا التدريبات الأخرى فقد تمّت عن طريق الجمعيات التعاونية، وشملت العاملات في البريد والمواصلات الهاتفية وعدداً من المهن الأخرى.
كما عنيت الحكومة بسلامة المرأة في مجال العمل ودفع الأجور المناسبة كلّها وقامت بمراقبة الأجور، والأجور الدنيا المدفوعة للنساء في 27 مقاطعة عن كثب.
الحياة الدينية
الإيمان بالله واحترام تعاليم الدين وتقوية العقيدة من الأهداف التي التزمتها الدولة الأندونيسية وسعت إليها بوسائل شتى، منها: التربية الدينية وإشاعة الوعي الديني وإامة أماكن للعبادة وجعل الدرسات الدينية في مقدمة مناهج التعليم في البلاد ومساعدة الشباب على ترسيخ الإيمان في قلوبهم، والتشجيع على كتابة البحوث الدينية ونشرها سواء بين الطلبة والمثقفين والنساء. ولم يتصر ذلك على المدن ولكنّه عمّ المناطق الريفية.
وممّا عمدت إليه الدولة طبع الكتب الدينية وتوزيعها وتدريس الإسلام في مراحل دراسية مختلفة وتنظيم لقاءات بين رجالات الدين والدولة من أجل تعزيز الحياة الدينية التي تساعد الناس على إيجد حلول لمشكلاتهم وإبداء النصائح في ما يتعلق بالزواج والحياة الاجتماعية عامة.
وقامت الحكومة بمنح المعونات المادية بين عام 96ـ97 لإنشاء دور للعبادة، منها: 2300 جامع و102 كنيسة بروتستانية و202 كاثوليكية و146 معبداً للهندوس والبوذيين. وقدّمت المعونات المادية إلى 577 داراً للعبادة في المدارس والمؤسسات التعليمية، وقامت بإنشاء مراكز لتسجيل عقود الزواج وإسداء النصائح، ومراكز لإصلاح ذات البيت بين المتزوجين. وكانت الصدقات وأموال الزكاة والأوقاف تستخدم لدعم النشاط الاجتماعي وتحسين الرفاه العام.
معبد هندوسي في جزيرة بالي.
وقد أنشأت الحكومة مجلساً مسؤولاً عن جباية هذه الأموال، ولديه فرع في كلّ مقاطعة في جميع أنحاء أندونيسيا.
وبلغ عدد الحجاج عام 96ـ97 أكثر في 100،199 وهذا العدد يعكس الشعور الديني القوي لدى الأندونيسيين ونجاح خدمات الحج وتسهيل مهمة الحجاج وسفرهم وإقامتهم سواء في أندونيسيا أو في المملكة العربية السعودية. إنّ اهتمام الدولة بشؤون الحجاج كن دوماً كبيراً ومركّزاص.
كنيسة كاثوليكية في منطقة شرف جزيرة جاوا. جامع عزيز الكبير في شمال جزيرة سومطرا.
دعم التربية الدينية
أسّست الدولة مدارس إسلامية منها ابتدائية وأخرى ثانوية وأخرى عالية هذا بالإضافة إلى المراكز الإسلامية والمعاهد الدينية التي هي بتزايد مستمر بسبب انضمام الناس ومشاركتهم الكبيرة لها. الأساس لهذه المجارس هو السعي إلى نشر التعاليم الدينية لدى التلاميذ والتلميذات، وقد دربت الحكومة أعداداً كبيرة من المدرسين والمرشدين لكي تؤهلهم لهذا العمل إضافة إلى إصدار العديد من الكتب الإرشادية للمدرسين وطبع ملايين الكتب الدينية وللطلبة، كما شيّدت العديد من المدارس والفصول الدراسية من اجل تطوير التعليم الديني.
التعليم الإجباري
فرضت الحكومة على الناشئة من البنين، والبنات تعليماً إجبارياً يمتد تسع سنوات يكون بعدها الفرد حراً فيم واصلة تعليمه، واهتمّت بالتعليم المهني إلى جانب التعليم العام وقامت بتدريب المدرسين والعاملين في المدارس والمعاهد، أخضعت المناهج الدراسية في المستويات كافة للتطوير والتغيير إذا ما اقتضت أسباب تدعو إلى ذلك.
الإعلام
تأسّست رابطة الصحافيين الأندونيسيين في 9/2/1946 بقرار وزاري، ومن أهدافها الدفاع عن الصحافة بالاعتماد على دستور 1945 وديموقراطية (بانكاسيلا)، وفي عام 1968 أصدرت الحكومة قانوناً يحدّد المبادىء التي يجب أن يلتزم بها الصحافيون في ممارسة أعمالهم.
وفي عام 1967 تأسّس مجلس الصحافة ومن اولى مهماته، توجيه الصحافة الوطنية وتطويرها طبقاً لقوانين الصحافة بالتعاون مع جهات حكومية للتأكد من التزام الصحافة بالمصالح الأندونيسية الوطنية، ويعنى مجلس الصحافة بدور النشر وتحدجيثها وعمل وكالات الأنباء والبحوث التي تتصل بالإعلام وإيراد المعلومات ونظام التوثيق وإيجاد سجلات خاصّة تعنى بذلك.
مظاهر ثقافية أخرى
في عامي 1996/1997 برزت مظاهر ثقافية، منها إجراء بحث يتعلق بالتنمية والتنية وما يرتبط بهما من الأنظمة والبنى التحتية المستخدمة في المناطق المتعددة وما تنطوي عليه من طاقات بشرية.
وطبقاً للخطة الخمسية، وما حصل من انتعاش اقتصادي عملت مصادر الإعلام والمطبوعات المختلفة على تحفيز الناس لإشراكهم في التنمية الوطنية عامة وفي تنمية المناطق الساحلية خاصة للمحافظة على البيئة الساحلية والسيطرة على العوامل التي تضرّ بها أو تعيق تطوّرها وتحسين وضع المجتمعات التي تسكن قرب السواحل.
ومن المظاهر الثقافية الأخرى الاهتمام بالفنون التي تعدّ جزءاً من الاحتفالات الدينية التي تتمثل بالرقص الجاويوالبالي المستمدة طقوسها من الميثولوجيا والأساطير الهندوسية، والآلات الموسيقية المرتبطة بمناطق مختلفة في البلاد.
وفي أندونيسيا آثار تاريخية في مناطق شاسعة خلفتها شعوب ودول مختلفة، أولتها الحكومة اهتماماً خاصاً، فأقامت المتاحف التي عكست الحياة في تلك الجزر في مراحلها المختلفة منذ القدم، ومن اشهرها المتحف المركزي الذي يدعى بناية الفيل المنسوب إلى تمثال فيل برونزي تابع لملك تايلاندي زار جاكارتا العاصمة في آذار (مارس) عام 1971.
وهناك متاحف أخرى خاصة بالتاريخ الطبيعي والأجناس البشرية، ومراحل الاستعمال الأجنبي للبلاد.
أصل اللغات الأندونيسية
إذا تتبعنا أقوال علماء أجناس الأمم رأيناهم يبنون أبحاثهم على اللغة، وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أنّ الجنس الأندونيسي من الجنس الاستدونيزي، وأنّ اللغات الأندونيسية متقاربة، فهذه الشعوب المنتمية إلى الجنس الاستدونيزي المتفرقة في المحيطين الهادي والهندي متقاربة في أصول لغاتها، وتكاد تكون متحدة في أصول الأفعال والضمائر، ومن أمثلة التقارب بين الكلمات انّ اسم الحديد في الملايوية (بسي) والجاوية (وسي) والباتاكية (بوسي) والهارافورو (واساي). واسما لأرز في الملايوية (بادي) وفي السونداوية (باراي) والجاوية (باري) والباتاكية (باتي) وفي لغة ساوو (أري) والداياك (باراي) وكورونتالو (باكي) والفليبين (بالاي).
وتوجد ألفاظ مشتركة منها (تبو) قصب السكر (نيور) جوز الهند (بامبو) قصب الغاب (منتيمون) خيار (لاير) شراع (دايونغ) مجذاف (بويا) تمساح (أودانغ) برغوث البحر.
فظهر لعلماء اللغة أنّ جميع تلك الشعوب من أصل واحد، وأنّ اللغات الموجودة متفرّعة من لغة واحدة، ثمّ ظهر لهم أنّهم كانوا من سكان الشواطىء لاتحادهم في تسمية الأشياء البحرية.
وأثار البحث أيضاً وجود تشابه بينها وبين لغات جامبا (شرقي أنام) ولغة موندا (بنواحي نكفور بالهند) ولغة بيكو (في بورما) فسمّيت هذه اللغات بالأسترواسيا. وجعل سخميد عام 1906م هذه اللغات كما يلي: لغات سكان الجزر الواقعة بين مدغسكر وفرموسا وجزيرة باس وزيلندا الجديدة تنقسم إلى سمين: 1 ـ اللغة الأندونيسية هي لغات مدغسكر وفرموسا وفليبين وجامبا وجزائر أندونيسيا (التي كانت تستعمرها هولندا) باستثناء إيريان وبعض الجزر 2 ـ أوسيان أو الأيانوس، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: أ ـ بولينيزيا وهي لغة جزائر المحيط الهادي ب ـ ميكرونيزيا في جزيرة ميكرون جـ ـ ميلانيزيا في الجزائر القريبة من إيريان الشرقية إلى جزر فيجي.
أجمع العلماء على وحدة هذه اللغات ولكنهم لم يجمعوا على صلتها بالاسترواسا وقد جمع الدكتور بريفت Privet جملة من الكلمات المتفقة لفظاً ومعنى في لغات أربعة شعوب هي: أندونيسيا، مون خامر، موندا، سومريا. (مون خامر في كمبوجا وموندا السكان الأصليون في الهند، قبل الدرويدا والإريا).
المسيحية في أندونيسيا
هذا موضوع متشعب الجوانب، بعيد الأرجاء، وتاريخ الأديان على العموم كذلك، ونحن وإن كنّا قد أفردنا كتاباً خاصاً بالمسيحية في أندونيسيا نرى أنّ لنا مندوحة في تناول شيء عنها وانتشارها في أندونيسيا ولو لماماً.
حمل بذور المسيحية إلى أندونيسيا والجزر حولها البرتغاليون فكانوا يستصحبون معهم المبشرين، ومنهم الراهب الإسباني «فرانسيس كسافير» عام 1541م، وصل إلى هذه الجزائر ثمّ الصين ومات بها ودفن في كوا بالهند.
والإسبانيون كالبرتغاليين في نشر دينهم، إنّهم ذوو عزائم قوية وآمال واسعة وجهد عظيم بذلوه في هذا الشرق، ولم يلقوا صعوبات جمّة في نشر دينهم لدى غير المسلمين، ولم يتمكنوا من نشره بين المسلمين، وقد استولوا على ملاكا نحو قرنين فلم يتنصر أحد من أهلها المسلمين، وانتشر قليلاً في مينانكابو بأوائل القرن التاسع عشر ولكن الأهالي قاوموه فانمحى.
شنّ البرتغاليون والإسبانيون الحروب فكرههم الناس، وكان أهالي جزائر الملوك يتعاونون مع مسلمي الفليبين ضد الإسبان. تعاونت سلطنتا ترناتيه ومكيندانو، حتّآ استشهد بإحدى المعارف أحد علماء ترناتيه.
الراج سليمان حاكم مانيلا الذي حارب الإسبان هو ابن أخي أحد سلاطين بروني، وابن عم السلطان سيف الرجال الذي دافع عن بلاده أمام الإسبانيين عام 1577 و1580م.
وكتب الحاكم الإسباني (فرانسيسكو دي سندي) في الفليبين عام 1578م إلى السلطان سيف الرجال يطلب منه الحد من إرسال الدعاة إلى الفليبين وأواسط بورينو، والسماح بوصول المبشرين الكاثوليك، وفرفض السلطان الطلب. وفي سنة 1575م دمّر السلطان باب الله سلطان ترناتيه كلّ ما أنجزه المبشرون البرتغاليون، وتابع ما بدأ به أبوه السلطان هارون في ميدان العمل الإسلامي واستمرّت الحروب بين الإسبان ومسلمي الفليبين نحو 300 سنة، وكانت سفن لامسلمين تهاجم سفن المسيحيين وتأسر الألوف من الإسبانيين، رد فعل لأعمال الإسبانيين، والبرتغاليين في المسلمين، إذ كانوا يكرهونهم على النصرانية.
بعد وصول البرتغاليين تكاثرت العائلات الكاثوليكية وانتشرت لغتهم نحو 15 عاماً. حتّى بلغ عدد العائلات الكاثوليكية نحو الخمسين في قرية توكو، وبنوا بها كنيسة أحرقها الصينيون عام 1740م ثمّ أعيد باؤها عام 1744م. وبسعي الإسبانيين انتشرت الكاثوليكية في جزائر الفليبين وزالت ممالكها الإسلامية بسعي والي جزائر الملوك البرتغالي دون النطونيو غالفانيو تنصّر أفراد، كما تنصّر أحد أمراء سولاويسي وتابعه أكثر رعاياه ولكنّه بين أمّة مسلمة، وذلك عام 1603م، وبما أنّ الإسبانيين قد ينشرون الدين للاستئثار السياسي كما يقول (كراوفورد) انحصر انتشار المسيحية في الجزر الصغيرة حيث تنصّر أهلها خوفاً، وكانت ميندانو عندما سقطت الفليبين بيد أميركا مقصداً للهاربين من المسلمين وكانت سولو مركزاً للقوات الإسلامية لصد المسيحية، مع أنّها قد وقعت بأيدي الإسبانيين بعد عام 1878م وأقام المبشرون في قرية (كوريه) في إيريان عام 1855م.
ونشر البرتغاليون الكاثوليكية في (بناووكن) بجاوا الشرقية عام 1580م وبنيت بها كنيسة وأديرة تهدمت عام 1599م وتهدم معها حي النصارى.
وقد ذكرنا الحروب التي وقعت سنين طويلة بين المسلمين والبرتغاليين، وما وقع من غدر بالسلطان خيرون سلطان تراتيه، وموقف ابنه باب الله حتّى وفاته عام 1583م، وثورة المسلمين عام 1671م.
قال أوّل راهب في جزائر الملوك الدكتور ويلتنس (عام 1615م) إنّ المسيحيين يفيدون الحكومة، فبتنصيرهم استطاعت أن تسيطر على طوائف عظيمة من الشعب، فيصبحون تحت سيادتنا، وإلاّ فسيبقون تحت سيادة المسلمين.
في عام 1688م وصل الراهب Jentimglish إلى كاليمانتن على سفينة برتغالية لنشر الدين في بنجرماسين فلم يفلح في بلد ملكه مسلم وشعبه مسلم، ثمّ توغل الراهب عام 1691م إلى أواسط الجزيرة وتوفي بها.
وفي عام 1824م كان يوجد راهب إنكليزي عضو في البعثة التبشيرية، يدعى بورتون، رافقه جيمس بروكس إلى (بادانغ سيدمبؤان) الذي ذهب للمفاوضة بصفته مترجماً، ووعده جيمس بروكس بالمساعدة في تنصير المسلمين في مناطق الباتاك الجنوبية، ولكنّه لم يفلح رغم إجادته لغة الأهالي.
ولمّا احتلّت هولندا بحيرة طوب عام 1881م دخل المبشرون الألمان ونشروا الدين البروتستانتي اللوثري وكان الدكتور هندريك كرمير قد درس الشؤون الإسلامية في أندونيسيا وألّف كتابه ونال به الدكتوراه في لغة وآداب الهند الشرقية، وكتابه الآخر بأمر المجلس الإنجيلي العالمي ليكون مادة للتبشير عام 1938م. في أندونيسيا وإفريقيا. ذكر في ص 353 أنّ الإسلام شيء خاص قائم، الوحدة الإسلامية، المجتمع الإسلامي، المسلمون أفراد هناك التعصب فالإسلام ليس كغيره من المبادىء المتسامحة، بل أكبر وأقوى مقاوم لكلّ من يحاول تغيير العقيدة. وذكر أنّ المسيحية في جاوا تمكّنت من إقامة كنائس من أشخاص كانوا مسلمين، وأنّ عدد المسيحيين ازداد، وحثّ على مضاعفة النشاط التبشيري في إفريقيا وأندونيسيا.
الكسندر ويلم ايدنبورخ (كان وزيراً للمستعمرات ثمّ والياً عاماً في أندونيسيا إلى عام 1916م ذكر كيفية تنصير المسلمين في أندونيسيا، وقال: ليست مسألة عيسى ومحمد، ولا محمد أو عيسى، ولكنّه عيسى وحده أو الفناء. ويرى أنّ تحطيم الإسلام لا يكون إلاّ بغرس آداب الغرب في نفوس المسلمين حتّى يبتعدوا عن دينهم. فإنّ هؤلاء سيكونون زعماء لقومهم، ويجب أن يساير أدب الغرب الدين المسيحي ويطبقا في وقت واحد.
ذكر سوبانترجو: إنّ الذي دفع البرتغاليين، إلى الرحلة إلى آسيا هو الرغبة في محاربة الإسلام، وقال: إنّ أوّل ما بحث عنه البرتغاليون هو الطريق إلى آسيا للقضاء على الإسلام من الخلف، وحماة الإسلام هم حماة المسيحية فاشتبكوا مع العرب حينئذٍ هم العرب والترك، والبرتغاليون في حروب دينية في المغرب، وال: إنّهم يهتفون Forgorpel إذ يعتبرون أنفسهم حماة الصليبية السابقة، و«كانت فكرة السيطرة على العالم الإسلامي تدور في عقول الإسبانيين. ألم يأمر الملك فرديناند الإسبانيين عندما اندفعوا إلى الشرق أن يقضوا على الإسلام؟ أصدر أمره هذا في سنة 1496م أي بل مائة عام من وصول الهولنديين إلى أندونيسيا».
و«هذه الفكرة والحماس اللذان يضطرمان في قلوب البرتغاليين والإسبانيين والهولنديين للسيطرة على العالم الإسلامي كانا السبب في وقوع الملايين من الأندونيسيين تحت الشقاء مئات السنين». وقال: «انتشر البرتغاليون إلى الشرق والإسبانيون إلى الغرب، ثمّ التقوا في جزائر الملوك، فوضعت اتفاقية في «ساركونو» نصّت على أن ما هو شرقي خط يمر من القطب إلى القطب على شرقي هلما هيرا للبرتغال، وعليه فإنّ جميع المواقع بين خط الأطلسي وخط هلما هيرا للبرتغال (عام 1529م)».
«ولكن المسلمين بجزائر الملوك قاوموا هذا الاستعمار واشتعلت حروب طاحنة، وهبّ السمسلمون يدافعون عن وطنهم ودينهم، وتولّى المقاومة الشيخ مولى الذي استشهد عام 1525م».
«ولمّا رأى البرتغاليون مقاومة المسلمين الشديدة، ووجدوا أنّ قناتهم لا تلين لغامز تركوا سياسة القوّة وأخذوا ينشرون دينهم بوسائل أخرى فطردوا العلماء من جزيرة أميون، وأكرهوا الناس على التنصر، وأحرقوا منازل المسلمين ونجحوا في التنصير، وأصبح النصارى من الأهالي يحاربون معهم، بل هم الذين دافعوا عن قلعة البرتغال في أمبون إلى سنة 1605م، وهكذا كان الحال بعد ذلك في الدفاع عن حصون البرتغال في تيدوري».
والهولنديون بجانب الاهتمام بالتجارة يعملون للمسيحية، ففي عام 1603م كان في بتافيا مدرسة وكنيسة مائة هولندي وفي القرنين الـ 17 والـ 18 ظهر 250 مبشراً للمسيحية، يتاضون أجوراً شهرية من الشركة الهولندية، وعكف بعضهم على ترجمة الإنجيل والكتب المدرسية إلى لغة الملايو، واشتهرت ترجمة «لي ديكر» للإنجيل، وهي الترجمة المعتبرة في جزائر الملوك. واشتهر فالنستين بأنّه مؤرخ ذاع سمه في مختلف الجزائر.
أثبت الكورنيلس كاستلين ناشر المسيحية في قرية (ديبوك) في وصيته وجوب استرقاق من لم يرض بالمسيحية ديناً له، وأن تكون هذه القرية خاصة بمماليكه الذين أعتقهم، وهي معروفة إلى اليوم بمسيحيتها.
في عام 1706م صارت في بتافيا خمس كنائس بها خمسة عشر راهباً يتمتعون بنفوذ قوي وصولة حتّى أنّ الراهب (هيلاربوس) انتقد في خطبته زوجة الوالي العام في ديمن صراحة.
كان القانون لا يبيح بيع مملوك مسيحي لغير مسيحي، ولا تحويل عقيدة أحد إلاّ إلى النصرنية، على أن يعامل الرقيق المسيحي معاملة الأب لابنه. في عام 1770م باع كثير منا لمسيحيين مماليكهم الذين لم يعتنوا المسيحية. وعمّت المسيحية ميناهاسا، وباتاك، وأمبون، وباليك بابن، وكابواس، ومونتيلان، وانتشرت في صولو وجوكجا، وتأسّست فيها جمعيات، كما انتشرت في ماجاأنا ومالانغ، ولاوانغ وغيرها.
وبهذه المناسبة نذكر أنّ ضبط الوفيات والزواج والطلاق بدأ في عام 1828م للأوروبيين واليهود، وفي عام 1840م ألحق مسيحيو ديبوك وتوكو وجزائر الملوك بهذا التسجيل ثمّ ألحق النصارى الآخرون من الأهالي عام 1865م ثمّ ألحق بهم حاملو لقب (رادين) والموظفون الذين يتقاضون رواتب أكثر من مائة روبية، والمحالون على المعاش من الضباط والمسيحيين ومن تناسل منهم عام 1928م.
وللمبشرين يد في نشر العلم، ينشرونه حيث ينشرون الدين، كما يباشرون الأعمال الإنسانية، فأقاموا المدارس والمستشفيات والملاجىء وغير ذلك، ولدقة النظام المعمول به في مدارسهم جعل الكثير من الناس يرمون بأبنائهم في أحضانها.
في مايو 1835م وصت بعثة تبشيرية ألمانية بزعامة باراستين ومعه سبعة رهبان وبدؤوا أعمالهم في المناطق الداخلية. وقدم أوّل والٍ هولندي في بنجرماسين (هو فاديك) عام 1845م المساعدات للهيئات التي تنشر الثقافة والآداب الحديثة بين الشعوب المتأخرة أي قبائل الداياك.
وفي عام 1859م ثارت نواحي كابواس ضد الاستعمار فقتل ثلاثة رهبان، ونجا منهم أربعة بالباخرة (جي بانس)، ولما ضت هولندا على مملكة بنجرماسين عام 1860م وصلت بعثة بارمن واستمرّت في أعمالها إلى عام 1920م، وأقامت مدرسة للمعلمين عام 1909م تسمّى (سميناري) يدرس فيها أبناء الداياك المسيحيون، فإذا تخرجوا فيها شغلوهم في المدارس الابتدائية فيبشرون بتعاليم الإنجيل. ثمّ قامت بعثة بازل بالمهمة. ويعمل في هيئة التبشير الألمانية رهبان ألمانيون وسويسريون، وحذت حذو من سبقها، وأقامت 18 مدرسة ابتدائية.
وبعد الاستقلال استقلت كنائس الداياك برئاسة راهب داياكي، ورغم استقلالها فإنّها تتعاون مع الهيئات التبشيرية في الخارج، وما زال عدد من الرهبان الأجانب يعملون في عدّة مناطق في المدارس وفي الحقل الطبي. ولهم هناك مدرسة صناعية، ومدرسة للبنات، و3م دارس ابتدائية، و6 متوسطة، ومدرس اقتصادية، ومدرسة إنجيلية، وصناعية عليا، ومدرسة عليا للمعلمين، ولها مستشفى…
والهيئات المسيحية التي تقوم بنشاطها الآن: 1 ـ كنائس ايفانكليس 2 ـ بانتيكوستا 3 ـ بيتل 4 ـ ادنت، السبتيين 5 ـ كاثوليك 6 ـ ياهو([317]).
والهيئات والبعثات التبشرية في أندونيسيا التي تديرها هيئات خارج أندونيسيا هي: الروم كاثوليك والبروتستانت، وكنسية أوي كوميني وهي حركة لتوحيد الكنائس. في مايو 1950م تكوّن مجلس الكنائس بأندونيسيا، وعددها حينئذٍ 30 هيئة كنيسة يرأسه الجنرال المتقاعد سيما توبانغ.
كان البروفسور سنوك هرخرونيه يرى وجوب اتخاذ كلّ وسيلة للحيلولة دون أعمال تجار المسلمين الذين يعملون لنشر الإسلام، على أن يكون ذلك بأسلوب خفي. وأن تعمل لصبغ الأهالي بالصبغة الغربية، وأن تعمل لقطع الصلات بين مسلمي أندونيسيا والشعوب الإسلامية الأخرى، ولا سيما العرب في مصر والحجاز وحضرموت.
كما وضع قسيس ألماني تقريراً من التبشير في سومطرا ذكر فيه أنّ جميعة التبشير الألمانية تفوق غيرها باتساع نطاق أعمالها، وأنّ لها 36 فرعاً، أربعة منها خاصة بتنصير المسلمين.
هذا في العهد الاستعماري، وقد ازداد نشاط التبشير بعد ذلك وتكاثرت الكنائس والمدارس الكليات المسيحية والنشرات والكتب وغيرها، كما فصلنا ذلك في كتابنا (المسيحية في أندونيسيا).
ويبلغ عدد الكنائس 4350، وللبروتستانت حسب بيان مدير شؤون البروتستانت عام 1968م كما يلي: عدد الرهبان الأندونيسيين 3478 والأجانب 240، والمساعدين الأندونيسيين 5081 وأساتذة الإنجيل الأندونيسيين 7339 والأججانب 10 المجموع 16138، وعدد الكنائس 9035 وعدد البرتستانتيين 7176222 شخصاً.
الطرق الصوفية
لسنا في سبيل الحديث عن تفاصيل الطرق الصوفية ومقارناتها، ولكنّا نذكر بعض الواقع في أندونيسيا، فهذه الطرق معروفة قديماً وحديثاً، منها الشطارية والرفاعية والنقشبندية والسمانية وغيرها.
جاء ذكر الشطارية في عدّة كتب، وقد رأيت مخطوطاً قديماً جاء فيه ذكر تلقي هذه الطريقة، ويبدو من سلسلة التلقي أنّه من الشيخ أحمد بن محمد قشاشي المدني الأنصاري([318]).
واشتهر علماء بطرائفهم الصوفية ولكلّ طريق أتباع يزاولون عباداتهم وتحنثهم وأذكارهم، وقد ذكرنا وجود علماء في العهود الغسلامية الماضية خاضوا في الإلهيات وتعمّلوا في التصوّف، ومال بعضهم إلى عقيدة وحدة الوجود، كالشيخ ستي جنار الذي يعتقد أنّ العالم جزء من الذات الإلهية، فحكم عليه بالضلال وانتهى أمره بالقتل، وقد كتب فيه الدكتور زتمولدر وفي عقيدته.
أمّا التصوّف الذي كان يلتزمه الدعاة السابقون، الذين نشروا الإسلام فإنّما هو الطاعة وملازمة العبادة والجهاد في سبيل الله. ولكن الفلسفة التي اندمجت في بعض الآراء وأطلق عليها اسم التصوّف فهي دخيلة، والتنازع بين المبدأين قديم.
ولحكايات الصوفية أثرها في أندونيسيا، فإنّ أخبار إبراهيم بن أدهم مثلاً صارت (حكايات سلطان إبراهيم) وهذه الحكاية موجودةفي بعض الأقطار الإسلامية.
المعارف
كانت المعارف في العهود الإسلامية عبارة عن العلوم التي يدرسها العلماء، ولا سيما علوم الدين والعربية، تدرس في المساجد والمصليات والأربطة والمنازل، والإقبال عليها اختياري، فالرجال يتلقون العلم من العلماء بمحض إرادتهم، والأطفال يرسلهم أولياؤهم إلى الكتاتيب.
وللعلماء مكانة رفيعة لدى الملوك والأمراء والشعب بأسره، وقد يختار الأمير عالماً أو عدداً من العلماء ليكونوا مستشاريه، وقد لا يقرر عملاً حربياً إلاّ بعد الرجوع إليهم، أو يجهز جيشاً يكون المرشد أحد العلماء، بل قد يكون للعلماء نفوذ في التولية أو ماي شبهها، غير أن تبدلات العصور وبروز المطامع وغيرها لم يجعل لذلك النفوذ صفة ثابتة في كلّ مكان وفي كلّ عصر.
فلا عجب ـ وهذه مكانة العلماء ـ أن ينتشر العلم، حتّى يل إن أهاي أجيه وبانتن وغيرهما كانوا يجيدون العربية أو على الأل فهمه وهم الكتابة بها. وقد تقدّم مثل هذا في الكلام على أجيه.
وبما أنّ للعلماء كفاح ضد الاستعمار فقد استبدّ بهم الكره لكلّ ما ياتي من الغرب فلم يستفيدوا من علومه، اعتقاداً منهم بأنّ ما لديهم من العلم يغنيهم عن غيرهم، فعلوم الغرب سم يجب الابتعاد عنه، ذلك لأنّ اتصالهم بالغرب لم يكن اتصالاً سلمياً، بل كان اتصالاً مصبوغاً بالدم، وقد غلا الغربيون في القسوة فغلا الأندونيسيون في كراهتهم والحذر منهم مع أنّ من طبيعة الأندونيسي أنّه لا يحجم عن الاستفادة بأي علم من العلوم، لكنّهم أحجموا عن تلقي علوم الغرب ما دام اللقاء بالسيوف بدلاً من المصافحة، ولم يقتبسوا من علوم الغرب إلاّ بعد أن هدأت الحروب بعد قرون مليئة بالدم والدموع.
فتح الهولنديون المدارس أوّل الأمر لأبنهائهم في بتافيا، ولم يهتموا بتعليم الأهالي إلاّ بعد عام 1900م تقريباً، حيث أصبحت في حاجة إلى موظفين، فأقامت المدارس الابتدائية بالقدر الذي تحتاج إليه، ثمّ أقيمت في عام 1914م مدارس هولندية خاصة بالأهالي فتخرج فيها آخر ذلك العام 951 تلميذاً، وفي عام 1939م بلغ عدد المتخرجين 7349.
ولأبناء الغربيين ومن يساويهم مدارس خاصّة بهم، ثمّ أقيمت المدارس العالية للزراعة والصناعة والطب والحقوق والكيمياء. وكانت ميزانية التعليم، الحصة الكبرى فيها للغربيين، ويليهم الصينيون ثمّ الأندونيسيون. وفي عام 1915م كان عدد التلاميذ 159441، ثمّ أخذ يزداد عاماً بعد عام حتّى بلغ 806609 عام 1940م وهو عدد ضئيل جداً بالنسبة لعدد السكان، ومع ذلك لم يكمل من هؤلاء التلاميذ دروسهم إلاّ نحو العشر منهم في 827 مدرسة. وكان عدد المدارس الثانوية 32 مدرسة فيها 7810 تلاميذ، والعالية 4 فيها 1246 طالباً. وقد ارتفع مستوى التعليم ارتفاعاً عظيماً بعد الاستقلال.
محمد ضياء شهاب
النهضة الوطنية في أندونيسيا
منذ انبثق فجر القرن العشرين على أندونيسيا ظهر جيل جديد فيها مشبع بالروح الديموقراطية، متطلع إلى المثل العليا، وكانت الجامعات والمعاهد العليا الأندونيسية والهولندية تقذف إلى ميدان الحياة الاستقلالية شباب أندونيسيا، الذين على نشاطهم المتدفق نهضت أندونيسيا في حياتها الحديثة، وعلى جهودهم العظيمة استطاعت أن تتمتع بالحرية السياسية التامة في عام 1945م، ففي عام 1906م أسّس الدكتور وحيدين نادياً للمعلمين انضمّ في سلك عضويته طلبة الجامعات والمعاهد العالية ورجال السياسة والأدب والصحابة، وزمرة ممتازة من أقدر الموظفين الأندونيسيين في الحكومة الهولندية. وهدف النادي نشر الآداب الأندونيسية الرفيعة بين طبقات الشعب، لتستوحي منه الروح السامية التي خلقت شعباً حياً كان له السيادة المطلقة في المحيط الهادي والهندي في عهد إمبراطورية سري ويجايا ومجاباهيت الأندونيسيتين منذ القرن الثامن حتّى القرن الخامس عشر. وقد أبدى نادي المعلمين نشاطاً ملموساً في توجيه العقول نحو التجديد والابتكار لمسايرة التطوّر العالمي في شؤونه العامة. وكان الاحتكاك الأدبي بين الجاليات الأوروبية وبين طبقات الشعب الأندونيسي قد أثّر تأثّراً كبيراً في حياته الأدبية والسياسية والثقافية، فأنتج هذا الامتزاج الأدبي وضعً جديداً في حياة الشبان الأندونيسيين أعضاء نادي المعلمين، فالتمسوا طرقاً متنوعة لتحقيق المثل العليا لأندونيسيا المستعبدة. وكان خير الطرق وأيسرها قلب النادي إلى هيئة سياسية تسعى إلى تحقيق الاستقلال السياسي لأندونيسيا الكبرى بالطرق العلمية الحديثة.
أصبح نادي المعلمين هيئة سياسية تسمّت باسم هو «النزعة الفاضلة» «بودي أوتومو». وقد قابل الشعب هذه النزعة السامية بعاصفة من الترحيب المشبّع بروح الحماسة والمشاعر الملتهبة، ففي يوم 20 مايو سنة 1908م استهل الشعب الأندونيسي حياته الجديدة تحت إرشاد جمعية ـ النزعة الفاضلة ـ فافتتحت أعمالها بنشر الروح القومية بين طبقات الشعب، لتهيئة الأفكار لقبول الآراء الحديثة في السياسة وفي الاقتصاد. فكانت عاصفة هوجاء عصفت بمعالم الاستعمار الهولندي، إذ كانت الروح القومية قد اشتعلت والتهبت قبل أن تثير جمعية «بودي أوتومو» النفس الأندونيسية للجهاد في سبيل التحرير السياسي. فطلب الزعماء الأندونيسيون من السلطة الهولندية تعديل النظام السياسي، وتغيير سياستها الاستعمارية، بإعطاء الشعب حقّه في إدارة وطنه، واستغلال جهوده في تنمية الإنتاج الصناعي والزراعي. وأسهل طريق لتنفيذ طلب الزعماء إنشاء حكومة أندونيسية ترتبط بالتاك الهولندي أدبياً، كي لا تفقد هولندا مكانتها الممتازة ومركزها السياسي والاقتصادي في الشرق الأقصى.
وإزاء هذه المطالب الأندونيسية واندفاع الروح التحررية في ميدان السياسة لم تجد الحكومة الهولندية بداً من مسايرة التيار الاندونيسي وفسح المجال له كي لا تصطدم به، لكنّها لم تلبث أن اتّخذت خطة قاسية للقضاء على الحركات السياسية الأندونيسية، فألغت بعض الهيئات العلمية والرياضية والأدبية الأندونيسية، وقد أبدى الشعب الأندونيسي جلداً وعزماً من هذه الضربة القاسية التي حطمت مؤسساته القومية، فاستعدّ ليتابع النضال والدعوة إلى السياسة السلبية تجاه الحكومة الهولندية.
تشير برامج جمعية «بودي أوتومو» إلى العمل بكلّ الطرق الممكنة لتحرير أندونيسيا من الاستعمارن وإلى تعميم الثقافة العالية بين طبقات الشعب، ثمّ إلى إصلاح الحالة الاقتصادية. وقد سارت الجمعية في تنفيذ هذه البرامج، فأوجدت قسماً إدارياً عاملاً لوضع السياسة القومية للمطالبة بالاستقلال، ونشر المعلومات الدقيقة عن مستوى التربية السياسية للشعب، ولجنة خاصّة للدفاع عن حقوق الشعب المغتصبة والدفاع عن أعماله. وأنشأت أيضاً مدارس عالية ومكاتب وأندية للتهذيب العالي، وأسّست أيضاً مصارف ومحلات تجارية، وساعدت الفلاحين وصغار المزارعين والتجار بإقراضهم الأموال لرفع مستوى أعمالهم. في عام 1912م ظهر في المسرح السياسي الأندونيسي حزب «الرابطة الإسلامية» برئاسة الزعيم المسلم الشهير شكرو أمينوتو. ظهر هذا الحزب ليؤدي الرسالة الإسلامية الإصلاحية مازجاً معها ما أنتجه العقل الغربي من علوم حديثة.
ويستدل من أعمال الحزب برنامجه القومي. وهو يدل على أداء العمل السياسي لتحرير أندونيسيا من الاستعمار الهولندي، ثمّ نشر التعليم العام مقروناً بالتهذب الإسلامي، ثمّ إصلاح الحالة الاقتصادية بتنمية الإنتاج الزراعي والصناعي وتحسين وسائله، وإنشاء إدارات رئيسية لتتولى إدارة شؤون مختلفة من المصالح العامة لتكون حكومة مصغرة داخل الحكومة الهولندية. وأهم هذه الإدارات هي: إدارة المالية والاقتصاد والتعليم والشؤون الخارجية والزراعة والدين والرياضة. وأنشأ أيضاً السلطات الثلاث الكرى ـ القضاء والتشريع والتنفيذ ـ لتدريب زعمائه ورجاله على أصول الحكم. وقد طلب من الحكومة الهولندية إنشاء حكومة أندونيسية ليشترك الشعب في الإدارة والحكم. فوعدت الحكومة الهولندية بلاهاي الزعماء الأندونيسيين بإنشاء الحكومة وبرلمانها حينما يصفو الجو الدولي وتضع الحرب أوزارها (الحرب العالمية الأولى).
ولمّا انتهت الحرب، أنشأت الحكومة الهولندية مجلساً نيابياً مختلطاً، وانتخب أعضاؤه من الهولنديين والأندونيسيين والشرقيين فعدت الأحزاب السياسية الأندونيسية هذا المجلس ملعباً هولندياً تمثل فيه المهازل السياسية! فعدل حزب الرابطة الإسلامية سياسته، واتبع السياسة اللاتعاونية، لعبث الحكومة الهولندية بمطالب الشعب. ثمّ شرعت في إرسال الزعماء وكبار المشتعلين بالحركات الاستقلالية إلى جزيرة غينيا الجديدة أو الأرض الحمراء، ليلاقوا حتفهم جزاء بما كسبت أيديهم من مناوأة السياسة الاستعمارية! ولكن ذلك لم يضعف حزب الرابطة بل زاد انتشار فروعه في المدن والقرى، حتّى بلغ عدد أعضائه ثلاثة ملايين عضو ثمّ ظهرت أحزاب أخرى أشهرها: حزب انسولندا الذي أنشىء في 6 سبتمبر 1912م. وسياسته توحيد مواليد أندونيسيا الأوروبيين في الوحدة الأندونيسية، ليشتركوا في الدفاع عن أندونيسيا. ولمّا انتشرت روح الوحدة بين الطبقات الأوروبية حلّت الحكومة الهولندية حزب انسولندا، ونفت زعماءه إلى الجزر الأندونيسية النائية، ثمّ رحلوا إلى هولندا ومكثوا ست سنوات بعيدين عن الأعمال والحركات السياسية.
مشهد من جاكرتا الحديثة عاصمة اندونيسيا
ثمّ في مايو 1913م هبت على أندونيسيا العاصفة الاشتراكة الكبرى! فتأثّرت بنظمها الحديثة في الاقتصاد والسياسة.
سنفليت… اشتراكي هولندي، أرسلته الهيئة الاشتراكية العالمية بالروسيا إلى الشرق الأقصى لنشر الروح الاشتراكية فيه. وصل إلى أندونيسيا في عام 1913م، فاتصل ببعض العمال والموظفين الهولنديين في مدينة «سمارانج» وخاض معهم في أحاديث ذات شجون، واستطاع بخبرته الواسعة جذب نفوس العمال والموظفين إلى حظيرة الاشتراكية العالمية، فبرز منهم عدد ذوو ميول متطرفة. فأسّس سنفليت بمساعدة الاشتراكيين الهولنديين والأندونيسيين الحزب الاشتراكي الديموقراطي، وأعلن برامجه وهي: 1 ـ إيجاد حالة اجتماعية واقتصادية جديدة للشعب الأندونيسي. 2 ـ العمل لتحرير أندونيسيا من الاستعمار الهولندي. 3 ـ قلب نظام الحكم رأساً على عقب. وسعى الحزب إلى تنفيذ هذه البرامج بكلّ الطرق الممكنة، فظهر في محيط العمال تأثير المذهب الاشتراكي الحديث، فحدثت عدّة اضرابات لتحسين حالتهم من الهيئات واعتصامات، نتيجة لمطالب العمال المسؤولية ورفضها الموافقة عليها. كما حدثت عدّة تطوّرات في ميدان السياسة أدّت إلى وضع الحكومة الهولندية نظاماً داخلياً يستطيع معه الشعب أن يبدي آراءه تجاه السياسة العامة للحكومة الهولندية في أندونيسيا. ولمّا توسّعت الحركة الاشتراكية وامتدّ نفوذها إلى الدوائر الهولندية الاستعمارية خشيت هولندا أن تتحوّل سياستها من استعمارية إلى اشتراكية وطنية تؤيّد السياسة التحريرية الأندونيسية! فقبضت على بعض زعماء الحزب الديموراطي الاشتراكي من الهولنديين وأعادتهم إلى هولندا. وأمّا المستر سنفليت زعيم الحزب، فقد مكث في أندونيسيا يرقب عن كثب السياسة الاستعمارية الهولندية في كفاحها الحركات الاستقلالية الأندونيسية. ولمّا تهيأ الجو الداخلي للسياسة الاستعمارية بالضرب على الحزب الديموقراطي الاشتراكي، حلّت الحكومة الهولندية هذا الحزب بعد ثلاث سنوات من إنشائه 1913ـ 1916م.
وفي شهر سبتمبر 1914م أسّس بعض زعماء أندونيسيا حزباً سياسياً باسم حزب فاسوتدان ترأسه الزعيم الاندونيسي الشهير رادين إسكندر ديناتا، للعمل لتحرير أندونيسيا من الاستعمار الغربي وانضمّ إلى عضويته كثير من الموظفين ورجال التجارة والصناعة والصحافة وطلاب الجامعات والمعاهد العالية. ويعتبر هذا لحزب حزب الارستقراطيين الأندونيسيين. وقد اتبع السياسة التعاونية مع الحكومة الهولندية منذ نشأته حتّى عام 1922م، ثمّ أعلن السياسة اللاتعاونية متضامناً مع سائر الأحزاب السياسية الأندونيسية.
وفي عام 1917م أسّس رجال (سومطرا) حزب (شركت سومطرا) أو راطبة سومطرا. وقد أنتج الحزب قوّة سياسية داخلية.
وفي عام 1935 اتّحد حزب شركة سومطرا مع عدّة أحزاب سياسية لتكوين حزب سياسي كبير.
وفي مايو 1920م فاجأ الدوائر السياسية ظهور الحزب الاشتراكي الأندونيسي تحت رئاسة الزعيم الاشتراكي الشهير الدكتور سمعون. وقد ساعده في إنشاء هذا الحزب المستر تان ملاكا والمستر دارسوتو والمستر علامين وكان زعماء هذا الحزب أعضاء عاملين في حزب الرابطة الإسلامية ثمّ استقلوا بحزبهم.
وقد انتسب إليه كثير من العلماء والأدباء والمحاميين والصحافيين، ورجال الأعمال وزعماء العمل من مختلف النقابات. وقد حدث بينه وبين حزب الرابطة الغسلامية صراع عنيف حول المبدأ. فالحزب الاشتراكي كان مبدؤه الاشتراكية.
ثمّ أسّس الحزب الجمهوري الأندونيسي للعمل لاستقلال أندونيسيا، فضيقت السلطة المحلية عليه بسنغافورا حتّى اضطرته أن يتركها ويحط رحاله في الفيليبين. وهناك اشتغال في الأعمال السياسية لتحرير أندونيسيا وبورما والهند الصينية من سيطرة الإمبريالية العالمية. والمستر تان ملاكا سياسي مشهور في شعوب الشرق الأقصى لما قام به من خير الأعمال لتحرير الشرق الأقصى من الاستعمار الغربي.
وخلال السنوات الطويلة التي مرّت على الحكم الهولندي منذ خروجه من أندونيسيا حتّى عام 1942م كان المستر تان ملاكا متنقلاً بين عواصم البلدان الشرقية للدعوة إلى الحرية والاستقلال وكان يدخل إلى أندونيسيا متخفياً في أشكال مختلفة من السمات والملابس. وفي عهد الاحتلال الياباني كان تان ملاكا يشتغل عاملاً في أحد مناجم الفحم الحجري بجاوا الغربية. ولم يستطع إبراز نفسه لأنّ الحكومة اليابانية تناوىء السياسة الاشتراكية المتطرفة. وبعد مرور ثلاث سنوات على استقلال أندونيسيا ظهر تان ملاكا فجأة في ميناء جاكرتا، فعلمت السلطات الجمهورية بذلك، فرحبت به ترحيباً عظيماً دلت به على تقدير أندونيسيا لخدمات أبنائها المجاهدين الذين ضحوا أبرواحهم وأموالهم في سبيل تحريرها من النير الهولندي، ثمّ عيّن مستشاراً للجمهورية ورئيساً لمائة وأربعين هيئة سياسية أندونيسية تعمل لتقوية دعائم الاستقلال، والدفاع عن كيان الجمهورية. وفي شهر يوليو 1946م عيّن داعياً لنشر استقلال أندونيسيا التام في أنحاء العالم.
جامع بيتاراجمان في مدينة باندا اسيه في اقصى الشمال الغربي من جزيرة سومطرا.
وفي شهر نوفمبر سنة 1926م أشعل الحزب الاشتراكي الأندونيسي ثورة عامة على الهولنديين انتهت في شهر فبراير 1927م بانتصار الحكومة الهولندية.
وفي عام 1927م أنشأ الشاب الدكتور سوكارنو الحزب الوطني الأندونيسي.
سوفي 29 ديسمبر 1929م انقضت الحكومة الهولندية على الحزب الوطني بدعوى أنّها تلقّت أنباء تشير إلى أنّ الحزب سيقوم بثورة عامة في مستهل عام 21930م.
وفي عام 1927م كوّنت الأحزاب السياسية: الحزب الوطني، حزب الرابطة الإسلامية، حزب بودي أوتومو، حزب فاسوندان، حزب قوم بتاوى، حزب شركة سومطرا، حزب شركة مادورا، نادي المعلمين ـ هيئة سياسية باسم (الهيئة السياسية الأندونيسية) لتوحيد العمل، والوقوف صفاً واحداً أمام السلطة الاستعمارية. وبظهور هذه الهيئة هبّت على النظام الاستعماري الهولندي عاصفة سياسية قوية. واستمرّت هذه الهيئة في العمل حتّى أدّت واجباتها السياسية تجاه الاستقلال.
وفي عام 1931م أنشأ الدكتور محمد حتي والدكتور سوتان شهرير حزب التربية الأندونيسي للعمل على تحقيق استقلال أندونيسيا. وحدثت بينه وبين الحزب الوطني مصادمات عنيفة في الميدان السياسي. وفي العام 1934م كان النفي مصير زعماء هذا الحزب.
وفي 24 ديسمبر 1935م وحّد الدكتور ستومو أحزاب سياسية وأبرز منها حزباً سياسياً كبيراً، وهو حزب أندونيسيا الكبرىز
وفي عام 1936م أنشأ الدكتور أمير شرف الدين حزب النهضة الأندونيسية لتحقيق استقلال أندونيسيا، وانتشر فروعه في أنحاء أندونيسيا وفي نفس هذا الوقت أنشأ المستر محمد يمين حزب الاتحاد الأندونيسي لتحقيق الحرية السياسية التامة لأندونيسيا.
وفي عام 1937م أنشأ المستر ويووهو الحزب الإسلامي وجعل الحزب دستوره القرآن والحديث النبوي، ثمّ اندمجت الأحزاب الإسلامية التي كوّنت حزب ماسجومي أي مجلس شورى مسلمي أندونيسيا.
وفي 21 مايو 1939م ظهر في المسرح السياسي عامل جديد لتحقيق الاستقلال لأندونيسيا، وهو تشكيل الأحزاب السياسية هيئة سياسية باسم «رابطة الأحزاب السياسية الأندونيسية».
قامت الرابطة بحركات سياسية واسعة النطاق، فنشرت دعايات قوية في المجتمع الأندونيسي لإنشاء برلمان وحكومة أندونيسية. ولهذه الغاية أنشأت الرابطة ما يزيد عن مائة هيئة سياسية للدعوة لمشروع البرلمان في أنحاء أندونيسيا. ثمّ أقامت مؤتمراً قومياً لبحث مشروع البرلمان ووضع مذكرة ترفع للسلطة الهولندية العليا. وبعد انتهاء المؤتمر قدّمت الهيئة مذكرتها إلى المجلس النيابي، وهذا بدوره رفعها لحكومة لاهاي. فغضت الحكومة الهولندية نظرها عن هذه المذكورة. ثمّ اضطربت سياسة هولندا للاعتداء الألماني على الأراضي المنخفضة. ثمّ في 9 مارس 1942م احتلت القوات اليابانية الجزائر الأندونيسية، وشكلت حكومة وطنية فيها، وأجبرت الشعب على التجنيد الإجباري. وفي 17 أغسطس 1945م أعلنت أندونيسيا الحكم الجمهوري واستقلالها السياسي التام.
محمد جنيدي
التشيّع في أندونيسيا
نترك الكلام عنه للسيد محمد أسد شهاب، فضلاً عمّا مرّ في البحوث السابقة عن تاريخ أندونيسيا:
يوجد في أندونيسيا عدد كبير من الشيعة، منتشرون في جميع الجزر الأندونيسية المتناثرة في هذا الأرخبيل الواسع.
ويبدأ تاريخ الشيعة في أندونيسيا ببدء الدعوة الإسلامية وبدخول الدعاة المسلمين الأوائل الذين نشروا الإسلام في هذه الجزر، ويرجّح الباحثون من المؤرخين أنّ دخول الإسلام لإلى هذه الجزر بدأ في أوائل القرن الرابع للهجرة. وهذا الترجيح بناء على الآثار التي لا تزال باقية إلى الآن والتي يعود تاريخها إلى القرن الرابع، ومن هذه الآثار شواهد القبور.
اضطر الكثير من الشيعة أن يبحثوا عن أماكن يحفظون فيها أنفسهم وأعراضهم. فهاجر بعضهم إلى بلدان كثيرة فاستوطنوها بعد أن شعروا بالطمأنينة والأمان. لقد استقرّوا بها فأصبحوا من أهلها ومن بين أولئك الذين هاجروا فراراً من الظلم بعض أحفاد (علي) ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وهم أبناء محمد بن علي وأبناء حسن بن علي ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وقد هاجر معهم كثير من أهلهم وذويهم وأتباعهم وعلى رأس هؤلاء المهاجرين أحمد بن عيسى بن محمد بن علي ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). ولأجل هذا عرف أحمد بن عيسى بلقب المهاجر.
ولقد استوطن أحمد بن عيسى جنوب الجزيرة العربية عام 313 هجرية وهو بدء الهجرة من بغداد، ودام تدفق الهجرة حتّى عام 317هـ.
وكان جنوب الجزيرة إذ ذاك مقر الإباضية الخوارج. وقد لاقى أحمد بن عيسى في بدء الأمر المقاومة الشديدة منهم ولكنّهم انتصر عليهم بعد جهاد طويل حافل. وقد واصل أبناء أحمد بن عيسى وأحفاده الهجرة للدعوى إلى الإسلام فكانت الهند أولى وجهاتهم فمنهم من استقرّ واستوطن في مدينة مليبار بالهند ومنهم من واصل الهجرة إلى هذه الجزر المعروفة اليوم باسم ملايا وأندونيسيا والفليبين وجزائر سليمان. وهؤلاء كلّهم من أحفاد علي ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وهم شيعة إمامية. وقد لاقى هؤلاء الدعاة المسلمون الترحيب والتكريم من أهل البلاد وتقبلوهم بسعة صدر. فاستقروا في هذه الجزر وصاروا من أهلها. وتزوّج الكثير منهم الأميرات من بنات الملوك والأمراء حتّى توصّل بعضهم إلى رتب عالية وبذلك استطاع أن ينتخب سلطاناً. ولا تزال سلالاتهم معروفة إلى اليوم ولقد أخذوا على عواتقهم أن ينشروا الدين الإسلامي فأسلم على أيديهم الكثيرون. إنّ أوّل الدعاة المسلمين الذين وصلوا لنشر الإسلام إلى هذه الديار هم من الشيعة وهذا أمر معروف مسلم به هنا فهذه الآثار من شواهد القبور والكتابات عليها والوثائق تدل دلالة صريحة على ذلك كما أنّ عوائد الشيعة لا تزال معمولاً بها إلى اليوم في كثير من البلدان على رغم ما طرأ على هذه العوائد والطقوس من تغييرات بسبب مرور الزمن وانقطاع الصلاة بين مسلمي هذه الديار والعالم الخارجي عدّة قرون خصوصاً أيام الاستعمار الهولندي الذي دام ثلاثة قرون ونصف قرن في أندونيسيا. وفي هذه المدّة الطويلة انقطعت كلّ الصلات تقريباً بين الشيعة هنا والعالم الخارجي.
المأتم الحسيني
إنّ ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في شهر المحرم، له حرمة ممتازة لدى مسلمي أندونيسيا إلى اليوم بوجه عام. ويسمّى شهر المحرم «سورا» وهذه الكلمة ربما تحرّفت عن كلمة عاشورا. ويطلق على المأتم الحسيني في جزيرة سومطرا ذكرى «التابوت». وفي اليوم العاشر من المحرم يقام تمثيل رمزي لاستشهاد الحسين بن علي (عليه السلام). أما في جزيرة جاوا فلهذا اليوم تقدير خاص وعوائد خاصة. إذ تطبخ الشوربا فقط على نوعين من اللونين الأحمر والأبيض. ثمّ يجمع الأولاد وتقسم الشوربا عليهم. وهذا رمز للحزن العميق بجمع الأولاد الصغار والأطفال وذلك تصويراً لليتم والحزن، أما اللون الأحمر فهو رمز للدماء الطاهرة المراقة واللون الأبيض رمز للخلاص والتضحية وإلى اليوم يعتبر شهر المحرم وصفر من كل سنة عند الكثيرين من الأندونيسيين شهرين محترمين لهما مكانتهما في القلوب. فلا يقيمون فيهما أفراحاً ولا يعقدون زواجاً ولا يجرون زفافاً. فالمعتقد السائد أنّ من أام أفراحاً في هذين الشهرين قد يصيبه نحس.
أما في مقاطعة أجيه بسومطرا الشمالية فيسمّى شهر محرم شهر حسن وحسين.
ثلاث مراحل من تاريخ الشيعة
يمكننا أن نقسم تاريخ الشيعة في هذه الأرجاء إلى ثلاث مراحل: فالمرحلة الأولى تبتدىء بتاريخ دخول دعاة الشيعة إلى هذه الديار عام 900 ميلادية أي في القرن الثالث للهجرة. وتنتهي في عام 1592 ميلادية بابتداء دخول الاستعمار الهولندي. ففي المرحلة الأولى كان للشيعة في هذه الأرجاء عصر زاهر وكان لهم مكانة مرموقة وكيان قوي. وبازدهار التشيعف ي تلك الفترة الذهبية، كان المأتم الحسيني رمزاً لشعار التشيع وكلمة (لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار) وهذا المدفع موجود في مدينة بانتن القديمة بجاوا الغربية. ويأتي إلى هذا المحل كثير من السواح والزوار من أجناس شتى لمشاهدة هذه الآثار. كما أنّ السيوف القديمة مكتوب عليها تلك العبارة أيضاً. وهذا ممّا يدل على أنّ عقيدة الشيعة كانت متمكنة في النفوس منتشرة بين الأوساط، حتّى أنّهم يكتبون تلك العبارات على كلّ شيء محترم معظم.
ثمّ إنّ الاعتقاد بإمامة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والأئمة منتشرة، ولا يزال إلى اليوم في كثير من المدن والقرى يقيم جماعات من أهلها ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، وتقام المآتم هنا بطرق وأساليب. منهم من يقيم المآتم بقراءة سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) واستشهاده، ومنهم من يقرأ المراثي ومنهم من يلقي الخطب ومنهم من يقيم التمثيل الرمزي. أمّا حفلة عيد الغدير وذكرى استشهاد الإمام علي (عليه السلام) في 27 رمضان في الكوفة فلا يقيمه هنا إلاّ القليل، ويتجلّى من هذا أنّ أكثر الاهتمام بالمأتم الحسيني.
وفي مدينة قرسي، بجاوا الشرقية تقام حفلة كبرى كلّ سنة لعيد الغدير في منزل أكبر رجال الشيعة سناً، وفي هذه السنين الأخيرة كانت تقام الحفلة في منزل السيد هاشم بن محمد السقاف أحد شيوخ الشيعة. ويحضر هذه الحفلة جماعة كبيرة من الشيعة يأتون إلى هذه المدينة من مدن كثيرة ومن مسافات بعيدة. فتقرأ سيرة أبي الأبطال الإمام علي (عليه السلام) وتقرأ القصائد وتلقى الخطب، ثمّ تعد موائد الطعام.
يقول المؤرخ الأندونيسي الكبير المرحوم البروفسور حسين الملقب جاياد ينينغرات والمدرس بجامعة أندونيسيا في بحث له عن الإسلام في أندونيسيا: (إنّ الإسلام دخل إلى أندونيسيا على أيدي الشيعة. وإنّ آثار ذلك لا تزال باقية إلى الآن).
هكذا يقول البروفسور حسين في بحثه وهو من أعلام أهل السنة.
بعد هذه النظرة الإجمالية عن المرحلة الأولى من تاريخ الشيعة في هذه الأرجاء يحسن بنا أن نذكر طرفاً آخر له صلته الوثيقة بهذه المرحلة. وذلك بالإشارة إلى الأعلام من الشيعة في ذلك الزمن.
وطبعاً إنّنا لا نستطيع أن نذكر ذلك بالتفصيل لكثرة رجالات الشيعة ولكنّا سنذكر طرفاً منها ونكتفي بذكر بعضهم كأمثلة، لأنّ الذي يريد أن يستقصي هذا لا يستطيع أن يفي بحثه حقّه في كلمة موجزة. لقد ظهر في هذه المرحلة بين عام 900 حتّى عام 1596 ميلادية عظماء من الشيعة بقيت آثارهم إلى اليوم ولا تزال قبورهم ظاهرة يزورها الكثير من الناس حتّى من غير المسلمين. وهذه القبور والمشاهد معظمة مقدسة ومن أولئك الأعلام:
1 ـ مولانا إبراهيم المتوفى عام 822 هجرية في مدينة قرسي، بجاوا الغربية ويعرف مولانا إبراهيم باسم مولانا الملك. وهو أحد أقطاب الشيعة وأحد الدعاة المسلمين.
2 ـ مولانا حسين الدين توفي في مدينة بانتن بجاوا الشرقية عام 1552 ميلادية.
3 ـ مولانا هداية الله توفي في مدينة شربون بجاوا الشرقية. وهو ابن عبدالله المتوفى في مدينة كامبودجا بالهند الصينية.
4 ـ مولانا زين العابدين المتوفى بمدينة دماك بجاوا الوسطى.
5 ـ مولانا محمد الملقب بعين اليقين توفي في مدينة قرسيء أيضاً بجاوا الشرقية.
وهؤلاء كلّهم من الشيعة الإمامية وغيرهم كثيرون وقبورهم موجودة مزارة. وهؤلاء ينتسبون إلى أحمد بن عيسى بن محمد بن علي ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام السبط الشهيد الحسين ابن الإمام بطل الأبطال علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعلى شواهد قبورهم كتبت البسملة وآيات من القرآن ثمّ كلمات (الله. محمد. علي). حول الشاهدة. ونجد أيضاً بجانب هذا مقامات كثيرة للشيعة في أنحاء أندونيسيا، منها مثلاً في أجيه بسومطرا الشمالية فهناك مقام للسيد حسام الدين الحسيني المتوفى عام 823 هجرية. ومقام السيد الشريف حسن بن علي الاسترابادي المتوفى عام 833 هجري. وهناك مقام الأمير محمد بن عبد القادر العباسي المتوفى عام 882 هجرية وعلى شواهد قبورهم كتب لا إله إلاّ الله محمد رسول الله علي ولي اللهن وعبارة لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار. وأكثر هذه القبور مزار إلى اليوم.
ويحدّثنا التاريخ أنّ سفن فارسية في القرن السادس والسابع كانت تجوب البحار تحمل معها البضائع لتجار إلى الهند والجزر الجاوية (المعروفة اليوم بأندونيسيا) وكانت كلمة جاوا قديماً تطلق على جزر جنوب آسيا بما في ذلك مالايا والفليبين وأندونيسيا وجزائر سليمان وغيرها من الجزر في هذا المحيط.
وقد وصل إلى أندونيسيا في عا 717 هجرية أسطول فارسي تجاري عظيم مكوّن من خمس وثلاثين سفينة. كانت تحمل كثيراً من الدعاة والمبشرين المسلمين الشيعة لنشر الدين الإسلامي في هذه الأقطار.
وربّما يكون أغرب شيء أذكره هنا هو أنّ حفيد الخليفة العباسي المستنصر واسمه عبدالله توفي ودفن بأندونيسيا. فإنّه قد فرّ من بغداد هرباً من المغول إثر فتح بغداد والتجأ إلى الشيعة في أندونيسيا محتمياً بهم فآووه وحموه وقبره موجود في شمال سومطرا.
المرحلة الثانية من عام
1592م حتى عام 1910م
في المرحلة الأولى ذكرنا أنّ تاريخ الشيعة في هذه الجزر يبتدىء بدخول الدعاة المسلمين إلى هذه الديار واستقرارهم فيها بعد أن نشر الإسلام وتوطدت أركان الدين. فعاشوا فيها آمنين مطمئنين. والمرحلة الثانية تبتدىء ببدء دخول الاستعمار الهولندي عام 1592 ميلادية. ففي هذه المرحلة ذاق الشيعة أنواعاً من التعذيب وأهوالاً من التنكيل بسبب ماومتهم للاستعمار. لقد حاربت هولندا الشيعة وظلّت حربها تزداد عاماً بعد عام حتّى بلغ التنكيل أوجه في عام 1642 ميلادية ففي هذا العام شردت هولندا الشيعة تشريداً وعذبتهم تعذيباً، وأباد الاستعمار الهولندي الكتب والوثائق التاريخية المهمة بل وكلّ ما له علاقة بالشيعة والحركة الإسلامية.
وقد امتدت هذه المرحلة ثلاثة قرون ونصف قرن هي طيلة الاستعمار الهولندي منذ عام 1592م حتى عام 1945م.
فمنذ وطئت أقدام الهولنديين أرض أندونيسيا قاومهم الشيعة أضرى مقاومة ممّا أحنق عليهم الهولنديين، وظلّ الشيعة على كفاحهم وظلّ الهولنديون يقابلون هذا الكفاح بالبطش والتنكيل.
ثلاثة قرون ونصف قرن، مدّة طويلة كافية لإضعاف الشيعة وكلّ المسلمين وتحطيم معنوياتهم للمقومة، ولقد كان الشيعة في هذه المقاومة رمزاً طيباً للجهاد والتضحية الإسلامية، رمزاً للروح الفياضة روح الفداء. وكانت هولندا تسمّيهم: الفوضويين، المشاغبين الخونة.
هكذا ذاق الشيعة من الاستعمار الهولندي الأهوال، وبانتصاره أحكم الطوق. فانقطعت كلّ الصلات بالعالم الخارجي. وانقطعت زيارات العتبات المقدسة في كربلاء والنجف الأشرف والكاظمية وسامراء. فقد كان المسلمون الأندونيسيون قديماً يواصلون بعد تأدية فريضة الحج السير إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة وحضور المأتم الحسيني في كربلاء.
المرحلة الثالثة
والمرحلة الثالثة من تاريخ الشيعة في هذه الأرجاء تبتدىء من عام 1900 إلى سنة 1945م حيث استسلمت هولندا في أندونيسيا للجيش الياباني الفاتح. في هذه المرحلة بدأ الوعي التحريري من الاستعمار يسري رويداً رويداً لدى المثقفين من الشعب الأندونيسي بعد قيام السيد جمال الدين الأفغاني ثمّ اندحار الجيش الروسي أمام جيس اليابان المنتصر. واستطاع الشيعة الذين كانوا قد فقدوا مقوماتهم وكيانهم ومعنوياتهم بعد هذه الحوادث أن يجدوا أمامهم بصيصاً من نور، فتحمسوا وبدأت جماعة من رجالهم الاتصال بالعالم الخارجي بعد هذا الانقطاع الطويل. فاتصل بالعالم الإسلامي في الخارج السيد محمد بن عيل صاحب النصائح الكافية والسيد محمد بن أحمد المحضار والسادة علي بن أحمد بن شهاب وأبو المرتضى بن شهاد والسيد ابن حسين بن سهل وغيرهم. فأصدروا الصحف والنشرات وألفوا الكتب وألقوا الخطب ورحلوا إلى الخارج. وكان الطابع الأوّل لهذه الصلات طابع سياسي، هو مقاومة الاستعمار الهولندي ومحاولة فك الأغلال. فاتصلوا بالزعماء في العراق والشام ومصر والأستانة. فرحل السيد ابن حسين بن سهل إلى الأستانة. واتصل بولاة الأمور وقابل السلطان التركي مراراً. واستطاع الشيعة في ذلك الوقت أن يرسلوا أوّل بعثة علمية للدراسة إلى تركيا. ثمّ توالت البعثات بعد ذلك إلى الخارج. كما وصلت بعد ذلك بعض البعثات من الخارج من غير الشيعة. وكانت هولندا ترى كلّ هذا يجري أمام عيونها وهي مستاءة وغير مطمئنة للعواقب. فابتدأت تعرقل هذه المساعي واعتقلت السيد علي بن أحمد بن شهاب وكثيراً من الشيعة وأودعتهم السجون بتهمة أنّهم يحاولون غيجاد انقلاب ضد حكومة الاحتلال وأنّهم دائماً يوجدون مشاغبات من شأنها نشر الفوضى في البلاد. وأمام هذا التيار القومي من الحكم الهولندي أصبح الشيعة في زاوية يصارعون الاستعمار بكلّ ما أوتوا من قدرة. وبدأ الوعي القومي يشتغل آنذاك ضد الاستعمار لنيل الاستقلال. وبدأت الصحف تظهر بشكل جديد بطابع سياسي، والوعي القومي يسري. وكثرت الصحف بالأندونيسية والعربية. لقد نبغ في عالم الصحافة السيد محمد بن هاشم الشاعر المعروف والسيد محمد بن عقيل والسيد عيدروس المشهور والسيد عقيل الجفري الزعيم الذي سجن مراراً وغيرهم. وجل هذه الصحف سياسية ضد الاستعمار واشتد الصراع لا سيما بعد عام 1910م. وفرضت هولندا أحكاماً تعسفية وكثرت اعتقالات الزعماء. ومن بين المسجونين الكثيرين نجد السادة طه بن أحمد الحداد ومحسن العطاس وعلي بن أحمد بن شهاب ومحمد عيديد ومحمد بن علوي بن شهاب وغيرهم وطاردت هولندا من لم تستطع أن تلقي القبض عليهم. كما استطاع البعض أن يغادر البلاد خلسة إلى بلدان أخرى.
وأبادت هولندا مكتبة كاملة كبيرة تضم خير الكتب والمخطوطات الإسلامية كان يملكها السيد محمد الحداد. فقد هجم ثلة من الجند الهولندي لإلقاء القبض على هذا السيد ولكنّهم لم يجدوه إذ كان قد ترك منزله قبل عدّة ساعات بعد أن علم بالأمر. وفتش قائد الفرقة البيت تفتيشاً دقيقاً فوجد المكتبة الغاصة بالكتب فأخرج الكتب وأحرقوها أمام البيت بعد أن كسروا الخزائن وبعض أثاث البيت. وبزوال هذه المكتبة العظيمة وغيرها من المكتبات في فترة قبل الحرب العالمية الأولى لم يبق للشيعة هنا من كتبهم المهمة وأمهات الكتب إلاّ ما لا يذكر.
واندلع أوار الحرب العالمية الأولى عام 1914م فانقطعت الصلاة بالخارج مرّة أخرى. واشتد الضغط حتى وضعت الحرب أوزارها عام 1981م وبعد انتهاء الحرب جاءت هولندا بسياسة جديدة وبدأت بتطبيقها هي سياسة التفريق وأثارت بين المسلمين المسائل الفرعية الخلافية وقد صادفت هذه السياسة التفريقية المذهبية مع الأسف نجاحاً.
الفجر الجديد
باستقلال أندونيسيا تفتحت الأبواب أمام الشعب الأندونيسي وبدأ الشيعة في أندونيسيا يتصلون بإخوانهم في العراق ولبنان وإيران وباكستان والهند، وأخذوا يتلقون الكتب المختلفة فعزموا على إحياء مكتباتهم بإنشاء مكتبة كبرى وأنشؤوا (هيئة البحوث الإسلامية) لنشر الكتب وترجمتها إلى اللغة الأندونيسية، وفي نيتهم إرسال طلاب إلى النجف الأشرف.
البيوتات المعروفة
في هذه الأرجاء بيوتات معروفة عريقةمن الشيعة. ومن هذه البيوتات المشهورة في أندونيسيا:
آل المحضار
وزعيمهم المغفور له السيد محمد بن أحمد المحضار المتوفى في مدينة سورابايا عام 1924م. وهو عالم جليل وشاعر معروف وكان صريحاً جداً إلى أبعد حدود الصراحة وقوي الحجة والعارضة. له عدّة مؤلفات وتعليقات وديوان كبير غير مطبوع فمن أبيات له في الإمام علي (عليه السلام):
أيا من ال جهلاً في علي
بأنّ النص كان به خفيا
هو الأولى به من غير نص
فكيف وقد بدا منه جليا
آل يحيى
منهم السيد محمد بن عقيل صاحب النصائح الكافية وكتاب تقوية الإيمان وكتاب العتب الجميل في الجرح والتعديل وكلّ هذه الكتب مطبوعة وله عدّة مؤلفات أخرى قيّمة لا تزال مخطوطة منها كتاب أحاديث المختار في معالي الكرار وهو كتاب عظيم جامع. وقد أحدث السيد محمد بن عيل ثورة فكرية جديدة. فقد صدع بالدعوة إلى المذهب الشيعي جهاراً في الوقت الذي كانت فيه هولندا تحارب هذه العقيدة. وقد طاف السيد ابن عقيل كثيراً من البلدان الآسيوية وأصدر الصحف وزار البلدان العربية ومكث بها مدّة. وهو لا يقول الشعر إلاّ قليلاً. ومن شعر له في الغمام علي (عليه السلام):
مقالة جاءت عن المصطفى
في صنوه ليث بني غالب
صحيفة المؤمن عنوانها
حب علي بن أبي طالب
ومن بيت آل يحيى نبغ الشاعر الموهوب السيد عقيل وهو قريب للسيد محمد بن عقيل من أبناء عمومته. وللسيد عقيل المذكور ديوان كبير لا يزال مخطوطاً. وله قصائد كثيرة في آل البيت ولاأئمة (عليهم السلام).
آل شهاب
من هذا البيت نبغ كثير منهم السيد علي بن أحمد بن شهاب الداعي الشهير إلى التشيع ونشر الفقه الجعفري. له عدّة مؤلفات منها مطبوعة ومنها لا تزال مخطوطة. ومن ذلك: الثلاثة الأبطال. وتربية المرأة. اشتغل بالسياسة ضد الحكومة الاستعمارية. وهو أحد أركان الحركة التحريرية وأحد الزعماء البارزين وأوّل مؤسس لأوّل جمعية إسلامية تقدمية في عام 1907م بأندونيسيا «جمعية خير» واشترك في الحزب الإسلامي (شركة إسلام). وعندما كان يرأس اجتماعاً وعمره إذ ذاك ثلاثون عاماً في سنة 1881م هاجمه البوليس الهولندي وسيق إلى السدجن. وعندما أطلق سراحه بعد مدّة رحل إلى تركيا ودخل مصر والشام ثمّ عرج على الحجاز وأدّى فريضة الحج وزار المدينة وكان ذلك في عام 1887م وبتركيا ومصر اتصل برجالهما وكذلك الشام. وعندما عاد إلى وطنه أندونيسيا واصل جهاده ضد الاستعمال حتّى أقعدته الشيخوخة وحضر دخول الجيش الياباني الفاتح ولكنّه لم يشهد استقلال أندونيسيا كما كانت تمنيه نفسه فقد وافته المنون في أواخر أيام اليابان في شهر رجب عام 1945م قبل إعلان استقلال أندونيسيا بشهرين تقريباً وتوفي عن عمر ناهز 95 سنة وشيع جنازته جمع عظيم في حفل كبير وشارك اليابانيون في التشييع.
ومن هذا البيت نبغ الشاعر المفلق العلامة الجليل صاحب المؤلفات الكثيرة السيد أبو بكر بن شهاب.
آل الجفري
وزعيمهم العلامة الجليل السيد عقيل بن زين العابدين الجفري درس في الأستانة أيام الخلافة التركية ودخل جامعة استنبول في كلية الطب وكان يجيد التركية. ورحل إلى أوروبا وكثير من بلدان آسيا واتصل بكثير من عظماء العالم الإسلامي وهو سياسي كبير ومجاهد معروف قاوم الاستعمار الهولندي مقاومة شديدة. وقد اعتقلته هولندا وسجنته عام 1928م وصادرت أملاكه وأبادت مكتبته الكبيرة القيمة ثمّ أخلي سراحه بعد أن فقد كلّ ما يملكه. ولد مؤلفات كثيرة كلّها مخطوطة. توفي بعد الاستقلال الأندونيسي وشارك في هذه الأفراح التي جاهد لأجلها. كانت وفاته عام 1952م عن عمر ناهز التسعين وكان يحمد الله كثيراً في آخر أيامه لأنّه شاهد عياناً آخر جندي هولندي خرج مأسوراً وشاهد سلطة الاستعمار تنهار أمامه وشاهد الاستقلال الأندونيسي الاستقلال الذي طالما نشده واستمات لأجله وخسر كلّ ما يملكه في سبيله. لقد رأى الاستقلال ورأى العلم الأندونيسي يرفرف في الفضاء. فترك هذه الدنيا قرير العين.
آل الحداد
من هذا البيت نبغ كثير من العلماء والعظماء منهم السيد عبدالله بن علوي الحداد. وهو بجانب كونه عالماً ورعاً داعياً إلى الله فإنّه شاعر. وله قصائد كثيرة في آل البيت (عليهم السلام) ومن هذه القصائد قصيدته المشهورة التي تقرأ دائماً في حفلات المولد النبوي الكريم ومطلعها:
عطفة يا جيرة العلم
يا أهيل الجود والكرم
إلى أن يقول فيها:
كم إمام بعده خلفوه
منه سادات بذا عرفوا
وبهذا الوصف قد وصفوا
من قديم الدهر والزمن
مثل زين العابدين علي
وابنه الاقر خير ولي
والإمام الصادق الحفل
وعلي ذي العلى اليقن
إلى أن يول:
فهم القوم الذين هدوا
وبفضل الله قد سعدوا
ولغير الله ما قصدوا
ومع القرآن في قرن
أهل بيت المصطفى الطهر
هم أمان الأرض فادكر
شبهوا بالأنجم الزهر
مثلما قد جاء في السنن
آل السقاف
نبغ في هذا البيت شعراء فطاحل وعلماء مثل السيد أحمد بن عبدالله السقاف والسيد ابن عبيدالله. والسيد أحمد السقاف تولّى التدريس في المعاهد الإسلامية بأندونيسيا وهو كاتب قدير وانضمّ إلى الحركات الاجتماعية وهو من الذين حملوا راية الجهاد ضد الاستعمار الهولندي بقلمه ولسانه وله أبيات كثيرة ضد الاستعمار الهولندي خصوصاً في بدء الحركات التحررية عام 1910م وجل صائده نشرت في الصحف والمجلات التي كانت تصدر باللغة العربية. واشترك السيد أحمد في تحرير الصحف وكتب كثيراً. وله قصيدة بعنوان إلى سيدة نساء العالمين يقول فيها:
على أهل بيت المصطفى من بعزهم
ورفعتهم بين الورى عز جانبي
وكل تقي ساقه الله للهدى
فناصرهم من عجمها والأعارب
أولئك حزب الله عزوا بربهم
فذل لهم بالرغم كل مغالب
أجابوا نداء الح واعتصموا به
وما صدهم عن نصرة عتب عاتب
ثمّ يشتكي ويتوسل ويتضرّع إلى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) قائلاً:
إليك فأنت الأم سيدة النسا
ضرعت بقلب في المحبة ذائب
أفاطمة الزهراء غوثاً فإنّنا
على خطر من جهل بعض الحبائب
وغير هذه البيوتات لا تزال بيوتات أخرى كثيرة من الشيعة واكتفيت بهذا كأنموذج فقط لأنّ استقصاء الجميع يحتاج إلى مجهود أعظم.
محمد أسد شهاب
أنزلي
قضاء وميناء يقع على الساحل الجنوبي ـ غربي بحر الخزر، إلى الشمال الغربي من كيلان على خط طول 49°، 28° شرقاً وخط عرض 37°، 28° شمالاً، ويبلغ عدد سكان قضاء أنزلي: 112077 نسمة وعدد سكان مركز القضاء 87063 نسمة.
يع ميناء أنزلي على حافة حوض يرتبط بالبحر، وكان في السابق قرية صغيرة تتصل بالبحر عبر هذا الحوض الواسع، الضحل المياه.
عمد الروس إلى تقسيم هذا الميناء إلى شرطين، شطر قديم يسكنه الإيرانيون والأرامنة الإيرانيون، وشطر جديد يسكنه التجار الروس والأرامنة التابعون للروس.
كانت جميع بيوت أنزلي في السابق مبنية من القصب، وكان لميناء أنزلي سوق يقع في الجانب الشمالي من الحوض، تباع فيه البضائع الروسية بصورة رئيسية.
وفي الوقت الذي كان فيه خسرو خان الكرجي حاكماً على كيلان في عام 1230هـ عمد إلى إقامة العديد من الأبنية في أنزلي مثل: ميدان المدفعية، مستودع الأسلحة، المرقب (مشعل البحر) وعدد من الحمامات والأسواق الصغيرة، وأنشأ بالإضافة إلى ذلك بستاناً أسماه بستان الشاه.
وفي عام 1260هـ، أي في زمن سلطنة محمد شاه القاجاري أرسل المهندس الميرزا إبراهيم خان التبريزي إلى هذه المنطقة لإقامة التحصينات على حافة الحوض وتهيئة الذخيرة وآلات الحرب هناك، فأقام لهذا الغرض قلعتين خماسيتي الأضلع على حافة حوض أنزلي وقلعة أخرى على ساحل «غازيان»، ولكن هذه القلاع انهزمت فيما بعد.
كانت أنزلي آنذاك تنقسم إلى قسمين: محلة قلعة السوق وهي محلة الأغنياء وجل بيوتها من الآجر، ومحلة السوق القديم التي تمتد على طول حافة الحوض حتّى تصل إلى مرفأ أنزلي.
وكانت أنزلي تحتوي على بنايات حكومية جميلة، إلاّ أنّها آلت إلى الانهدام بسبب عدم الاعتناء بها، ويذكر فوقريه الطبيب الخاص لناصر الدين شاه، أنّ البيوت الحكومية وحدها هي التي تلفت النظر في المدينة لارتفاعها وشكلها الغريب، ثمّ يذكر أنّ أجمل بيوت المدينة هو بيت الميرزا صالح.
أخذت مدينة أنزلي تزدهر بسرعة بعد انفتاح مينائها على التجارة مع روسيا ومن هناك على سائر البلدان الأوروبية فأضحت إحدى بوابات ومنافذ إيران على أوروبا.
وكان تردّد الأوروبيين على أنزلي واختلاط أهل المدينة بمختلف الثقافات سبباً لارتقاء مستوى تفكيرهم ووعيهم، ومن ثمّ نرى أنّه كان لأهل أنزلي دور فاعل في حركة المشروطة.
خضعت مدينة أنزلي للجيش التذاري في أواخر العهد القاجاري، ولكن مع حدوث ثورة أكتوبر، أخلاها الروس ثمّ تخلوا عن ادعائهم بها في معاهدة عام 1920م.
ومع تصاعد حركة رجال الغابات، سقطت أنزلي في قبضة قوات الميرزا كوجك خان، إلاّ أنّها عادت إلى السلطة المركزية بعد القضاء على هذه الحركة.
غُيّر اسمها في عام 1931م إلى ميناء بهلوي، وتوسّعت مؤسساتها، ثمّ احتلتها القوات الروسية في عام 1941م وفي عام 1946م استعادت الحكومة الإيرانية سيطرتها عليها.
وفي الوقت الحاضر فإنّ ثلاثة أرباع السفن التي تتردّد في بحر الخزر بين إيران وما كان يسمّى بالاتحاد السوفياتي تدخل ميناء أنزلي، ففي عام 1981م أفرغت 221 سفينة في هذا الميناء حمولة قدرها 519000 طن هذا عدا خمسين سفينة خاصّة بنقل المسافرين وحملت هذه السفن من نفس الميناء بضائع يبلغ وزنها 14000 طن عدا كميات النفط التي نقلت من هذا الميناء.
يعتبر ميناء أنزلي من مراكز صيد الأسماك المهمة في بحر الخزر ويشتهر بزراعة الأرز وتربية ديدان القز.
ويشكل موقع أنزلي على البحر عاملاً رئيساً في جلب السائحين إليه، وفي كلّ سنة يقدّم إليه آلاف الناس من مختلف نقاط إيران.
يعتنق جميع سكان هذه المدينة الدين الإسلامي ويتبعون المذهب الشيعي ما عدا أقلية من الأرامنة والآشوريين.
ومن أبرز المؤسسات الثقافية الموجودة في مدينة أنزلي: كلية الملاحة.
الأنصار
يرى الأخباريون، أنّ قبيلتي الأوسوالخزرج (اللتين عرفتا بالأنصار منذ هجرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى يثرب)، من نتاج التحرّك القبلي الزاحف شمالاً في أعقاب الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي عصفت باليمن منذ القرن الرابع الميلادي (الغزو الحبشي الأوّل)، حيث تندرج القبيلتان في سياق الهجرة الأزدية الكبيرة التي انتشرت ما بين الحجاز والشام والعراق. ويبدو أنّ القبيلتين تتحدّران من جدٍّ واحد في الأصل، إذ أنّ «الخزرج» برأي النسّابين هو شقيق لـ «الأوس» ممّا يرجّح انضواءهما في هجرة مشتركة إلى يثرب، منعكساً ذلك على الروايات التي تتبّعت أخبارهما كوحدة قبلية، بما في ذلك أخبار الصراع والتقاتل بينهما، على نحو لم نر له مثيلاً في تاريخ القبائل العربية. ولكن هذه الهجرة غير واضحة المعالم تماماً، لا سيما المتعلّق منها باستقرار القبيلتين في يثرب التي «كان فيها قرى وأسواق وبها قبائل من اليهود من بني إسرائيل وغيرهم، منهم قريظة والنضير وبنو قينقاع وغيرهم، وقد بنوا لهم حصوناً يجتمعون بها إذا خافوا، فنزل عليهم الأوس والخزرج فابتنوا المساكن والحصون، إلاّ أنّ الغلبة والحكم للهيود»([319]) حسب مروية ابن الأثير. ولعل أبرز عناصر الغموض في هذه المسألة ما أحاط بطريقة الدخول إلى يثرب، ومدى استجابة اليهود الذي كانت لهم السيطرة على المدينة، حسب الرواية السابقة، فضلاً عن نوعية العلاقة بين القبيلتين والقبائل اليهودية.
وتكاد الأخبار تجمع على أسبقية الاستقرار اليهودي، المقترن من حين المبدأ بالسيطرة على يثرب، ممّا يعني أنّ الأوس والخزرج، قد نزلوا ـ سواء في داخل المدينة أو بالقرب منها ـ والسيادة معقودة فيها لليهود، حيث يعتقد أنّ العرب القادمين من بيئة تحترف الزراعة كنمط إنتاجي أساسي، قد أقاموا بجوار يثرب حيناً، معتاشين من هذه الحرفة في المزارع اليهودية، ذات التربة البركانية الخصبة، قبل أن يصلوا إلى تحيق صيغة ما للتعايش([320]) في يثرب، في وقت شهد النفوذ اليهودي تراجعاً، ربّما عبّرت عنه هذه الرواية بأنّه «كان ممّن بقي بالمدينة (يثرب) من اليهود حين نزلت عليهم الأوس والخزرج، بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع»([321]). ويُستنتج من ذلك، أنّ القبائل اليهودية كانت آخذة في التناقص، وإن كانت لا تزال في يدها «الأموال والآطام والنخل… والعدد والقوة»([322])، ممّا دفعها إلى احتواء العرب في إطار معاهدة «حسن جوار»([323])، معهم، قبل أن تقوى شوكتهم ويصبحوا خطراً عليها.
ولعل وحدة القبيلتين قد أسهمت في تذليل الصعاب ومواجهة التحديات في يثرب، لا سيما التحدّي اليهودي الذي كان أحد أبرز الحوافز لهذه الوحدة، حيث الشعور بالخطر ما انفك يدفع بالأوس والخزرج إلى التكتّل، وإلى التماهي مع اليهودي في الحذر وتعزيز وسائل الدفاع عن النفس، وقد أشارت إحدى الروايات في هذا السياق، إلى أنّ الأوس والخزرج بعد انتشارهم في يثرب «ابتنوا من الآطام مائة وسبعة وعشرين أطماً وأقاموا كلمتهم وأمرهم مجتمع»([324]) فد أصبحت القبيلتان «أعزّ أهل المدينة»، فيما يرويه ابن الأثير، وشاركتا اليهود في النخل والدور([325])، رابطاً هذا المؤرخ بين ازياد نفوذ العرب وبين حركة عبيد بن سالم الخزرجي المعروف بأبي جبيلة، ضد أشراف اليهود و«قتلهم عن آخرهم»([326])، منتقماً لقومه ممّا أنزلوه بهم من طغيان.
وهكذا فإنّ تكتّل الأوس والخزرج في جبهة واحدة، قد مهّد لهم الدخول إلى يثرب، ومن ثمّ التصدّي لليهودي والتفو عليهم، ممّا دفع هؤلاء تحت تأثير هاجس الخوف، من «أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم»([327]) إلى التربّص بهذه الوحدة والتآمر عليها. ولم يلبث الانقسام أن حلّ بالقبيلتين وجرّ إلى صراع طويل، تمثّل في تلك الحروب الطويلة (الأيام) التي استمرّت ملتهبة حتّى ظهور الإسلام([328]). ولم يعدم هذا الصراع الدموي تأثيراً على اليهود الذين تورّطوا فيه، انطلاقاً من تكوينهم الاجتماعي القبلي وانعكاسه على التنافس الاقتصادي بينهم، وليس بينهم وبين العرب فقط. ولذلك فإنّ الأوس والخزرج، كانا لا يزالان الفريق الأقل نفوذاً، بسبب احتدام العصبية التي صرفتهم عن الاستقرار التام والاهتمام بصورة أفضل بالزراعة، شأن القبائل اليهودية التي ظلّت على ما يبدو محتفظة بالمزارع الكبيرة، فضلاً عن الأسواق التجارية داخل يثرب، كما صرفتهم عن اتخاذ دور بارز في الحركة التجارية الخارجية التي ساهم بها اليهود بصورة هامشية، بينما الدور المركزي كان معقوداً لمكة في هذا المجال([329]).
ولعل هذا الصراع الذي أطاح بوحدة القبيلتين، وما رافق ذلك من اختلال أوضاعهما الاقتصادية والاجتماعية، قُدّر له أن يتداخل في دائرة الصراع الأوساع الذي بدأت ملامحه تتبلور في ذلك الحين، بعد أن أصبحت الوثنية ورموزها الدينية والتجارية في مواجهة خطر كان منطلقه من مكة، التي لم تعدم بدورها صراعات تداخل فيها العنصران التجاري والاجتماعي، مثل «حروب الفجار» التي ربما كانت موجهة في جانب منها ضد الهيمنة القرشية على القبائل وخطوط التجارة، فضلاً عن شبح الحرب الذي خيّم حيناً على مكة في الداخل، لولا ظهور قوّة جديدة بين الحلفين المتصارعين «المطيّبين» و«الأحلاف»، تداركت انفجار الوضع، معبِّراً عنها حلف «الفضول» الذي أسهم في كبح الصراع وإعطائه مفهوماً جديداً لم تعرفه مكة والحواضر الحجازية من قبل. ففي ذلك الوقت الذي أنهكت فيه «الأيام» الدامية كلاًّ من الأوس والخزرج، كانت مكة تشهد صراعاً مختلفاً، ربما وجدت فيه صورة عن «الفجار»، لما ينطوي عليه من تهديد لتجارتها «المقدسة» المرتبطة بالكعبة. ولذلك فإنّ قريشاً لم تنظر بقلق إلى الإسلام في بادىء الأمر، انطلاقاً من وحدة المصالح بينها وبين غالبية القبائل الحجازية. ولكن هذه «الوحدة» (ثبت عجزها عن الصمود) وثبت معه أنّ المصالح غير مؤهلة للاستمرار بمعزل عن القيم الروحية والاجتماعية التي أفرغ منها المجتمع المكي أو كاد في تلك الفترة([330]).
وإذا كان العرب في يثرب يخوضون صراعاً حاداً فيما بينهم، أو ضد اليهود، فإنّ أهل مكة قد خاضوا حينذاك صراعاً أكثر عمقاً وجذرية، على الرغم من طابعه غير الدموي بالمقارنة مع الحروب الداخلية في يثرب. ولعل محنة الحجاز الأخيرة وما انطوت عليه مكة من تناقضات عميقة أخذت تنعكس على شخصيتها المركزية (الإسلامية)، قد أسهما معاً في رفع الحصار عن الدعوة الإسلامية، وإعطائها فرصة لطرح نفسها مجدداً، والإفادة من ارتباك الوضع الداخلي في مكة وصعوبته في يثرب، ممّا أعاق إمكانية التحالف بينهما ضد «خطر» هذه الدعوة. وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) قد يئس حينذاك من إناع ريش بالإسلام، وأخذت أنظاره تتحوّل عن مكة التي رأى فيها مفتاح السيطرة على الحجاز وشبه الجزيرة، كما أصيبت محاولته بالإخفاق مع الطائف التي كانت خاضعة في الواقع لنفوذ تجار قريش ومرتبطة معهم بمصالح وعهود، مشكلاً ذلك ذروة الإحباط والمعاناة لدى النبي (صلّى الله عليه وآله) والمسلمين. فقد باتت الفرص محدودة، والخيارات مرهونة بالتغيّرات، وتعرقلت بالتالي حركة الإسلام في مساره الطبيعي واتخاذه الوجهة الحضرية التي تفترض التحرّك عبر مراكز الاستقرار، الأكثر قدرة على التأثير والجذب.
ولم يبق إذن من الحواضر الحجازية سوى يثرلاب، وإن كانت أكثر نجديةً في موقعها الجغرافي، كما يراها ابن خرداذبه ([331]) والقلشندي([332]) إلاّ أنّ هذا الموقع انطوى على عدّة عناصر إيجابية، منها القرب من طريق القوافل المكية (تجارة الشام)، وما يمكن أن يسهم به توظيف هذا العنصر في إضعاف قريش وإرباك تجارتها وتهديد أمنها الاقتصادي بصورة عامة… هذا عدا المقومات الذاتية التي تتفوق بها على مكة، وتؤهلها للصمود في حروب طويلة. والواقع أنّ ثمة صراعاً خفياً كان يسيطر على العلاقة بين مكة ويثرب، ربّما كانت له سمة اقتصادية في الأصل، نتيجة للهيمنة القرشية على تجارة الحجاز، فضلاً عن خطوط القوافل والأسواق في شبه الجزيرة وعلى التخوم منها، قبل أن يتخذ لأوّل مرّة وجهه العلني في «يوم بعاث»([333]) الذي كان على ما يبدو آخر «الأيام» الدامية بين الأوس والخزرج([334]). فقد روى اليعقوبي أنّ هؤلاء «لمّا ضرستهم الحرب وألقت بركها عليهم وظنّوا أنّها العناء واجترأت عليهم بنو النضير وقريظة وغيرهم من اليهود، خرج قوم منهم إلى مكة يطلبون قريشاً لتقوّيهم؛ وعزّوا ـ أي قريش ـ فاشترطوا عليهم شروطاً لم يكن لهم فيها مقنع»([335]).
وإذا كان لهذا الموقف القرشي خلفيته التجارية الراجحة في ضوء العلاقات المصلحية مع التجار اليهود ـ لا سيما وأنّ أحد أبرز تجار قريش (أبو جهل بن هشا المخزومي) قد تدخل للحؤول دون الاستجابة لنداء الأوس والخزرج ـ فإنّ ذلك أسهم خلافاً لإرادة قريش، في تغيير مسار المرحلة التي اتخذت وجهة متعارضة مع المسار المكي المتزمّت وأدّى إلى نشوء جبهة، توحّدت في ظلّها الفئات المتضررة من الهيمنة القرشية. وقد شكّل ذلك إرهاصاً للفرز الذي تبلور بعد سنوات قليلة جداً، بين تيار الإسلام في المدينة من المهاجرين والأنصار وبعض الفئات الملتحة بالأخيرة، وبين تيّار الوثنية، من قريش وثقيف([336]) والقبائل المندرجة في إطار المنظومة «الإيلافية».
وهكذا كان وضع العرب في يثرب، على جانب من التعيد والخطورة، ذلك الوضع الذي اختصره نفر منهم في هذا القول للرسول (صلّى الله عليه وآله) في العقبة: «إنّا قد تركنا قومنا ولا قوم، بينهم من العداوة والشر ما بينهم»([337]). ولعل الجانب السياسي هو ما يعنينا في موقف الأوس والخزرج من الإسلام، الذي أنقذهم من تلك المحنة وفتح أمامهم المجال لاستعادة وحدتهم والتخلّص من الخطر اليهودي ورفع «ذلّ» قريش عنهم… أمّا الجانب الديني فإنّ له بحثاً آخر، يتّصل بعدّة مؤشرات تزامنت مع التحوّل التاريخي الذي انعطف بهاتين القبيلتين نحو الإسلام([338])، دون أن يكون منفصلاً عن المؤثرات الداخلية والخارجية، فضلاً عن المناخ الاجتماعي المتميز في يثرب والحافز «القومي» الذي أوجده الصراع مع اليهود ومحاولة التماهي الديني كما السياسي معهم. وفي ضوء هذه المعطيات، فإنّ الأوس والخزرج كانوا بحاجة إلى هذا «المنقذ» بعد اختلال أوضاعهم في يثرب، وهو ما انعكس مباشرة على موقف القبيلة الثانية (المهزومة)، التي أبدت حماسة لم تبدها الأولى (المنتصرة) نحو الإسلام، متقاطعاً ـ أي هذا الموقف ـ مع طموحها إلى استعادة التوازن السياسي في ظلّ الوضع الجديد.
وإذا كان التساؤل جائزاً هنا عن شمولية هذا الدافع أو جزئيته لدى الخزرج، فإنّ فريقاً منهم على الأقل لم يكن بعيداً عن هذه المشاعر، لا سيما القيادات المتورطة في الحروب الداخلية، أو بقاياها التي ظلّت لها هواجسها القديمة، بينما القيادات الجديدة من الرعيل الثاني أو المخضرم، ارتقت بهواجسها إلى مستوى التغيرات أو انخرطت جذرياً تحت لواء الإسلام، ممّا جعلها بعد الهجرة تمثّل القيادة الفعلية للخزرج. ومن هذا المنظور، يمكن تفسير دوافع عبدالله بن أبيّ الذي يُعتبر من الرعيل الأوّل، وإن كان ـ خلافاً للأكثرية من الشيوخ ـ غير متورط تماماً في تلك الحرب، وفي نفس الوقت غير مأخوذ ـ شأن القيادات الجديدة بالتطورات التي شهدتها مدينته في ظلّ الإسلام، وأدّت بنفوذه إلى التراجع وبموقعه إلى الاهتزاز. ولقد دأب حينذاك على إثارة العصبيات لدى الأوس والخزرج الذين توحّدوا في جبهة «الأنصار»، لا سيما العصبية الإقليمية، من غير أن يسوقه ذلك إلى التمرد العلني، ممّا جعل حركته تتّسم بطابع سياسي أكثر ممّا هو ديني. ولكم محاولة ابن أبيّ في تكتيل «الأنصار» تحت قيادته باءت بالفشل، وأثبت هؤلاء تمسكهم بالجبهة الواسعة التي ضمتهم والمهاجرين في إطار مفهوم علائقي جديد، تناول مختلف جوانب المجتمع في الدول الإسلامية الناشئة.
وهكذا تكرّس إخفاق الأوس والخزرج في الخروج من نفق «الأيام» الدامية وحسم الصراع السياسي مع اليهود، الذين ما انفكوا يتصدّون لوحدة القبيلتين ويدفعون بهما إلى التقاتل، حرصاً على نفوذهم وامتيازاتهم في يثرب. وفي المقابل ادركت القبيلتان صعوبة الالتئام في جبهة واحدة في ظلّ تلك الظروف التي أنهكت قواهما ودمرت أوضاعهما الاقتصادية خلال نحو قرن من الحروب الطاحنة([339]). ولم يكن مشروع «ترئيس» عبدالله بن أبيّ الخزرجي، انطلاقاً من موقفه الحيادي في يوم بعاث مشروعاً واقعياً، ومن ثمّ جديراً بتحقيق السلام القبلي في يثرب، لا سيما وأنّ النصر كان معقوداً للأوس، الذين غالباً ما كانت الهزيمة إلى جانبهم فيا لماضي([340])، ممّا يجعل من الصعب التسليم بالرئاسة للخزرج في ذلك الوقت. فقد كان الطرفان إذن، بحاجة إلى قوّة ثالثة، تفوق معطياتها ما كان لدى القبائل اليهودية التي تورطت في حروبها أيضاً وباتت عاجزة عن الإمساك بزمام الأمور في يثرب. وما لبثت هذه القوّة، ممثّلة بالإسلام أن ظهرت في الوقت المناسب، إذ كانت المدينة مضطربة بشكل عام، والسلطة فيها غير محسومة لأي طرف، والحروب غير منذرة بالتوقف. ولم يتردد الأوس والخزرج في تلقف تلك الفرصة التاريخية التي كانوا مهيئين لها فكرياً واجتماعياً وربما قومياً، وكذلك لم يشأ اليهود، برغم دوافعهم الغامضة التصدّي لهذا الخيار في حينه، بعد أن عصفت بهم المحن وتردّت أوضاعهم الاقتصادية، وأفلت من قبضتهم زمام اسيطرة على يثرب.
الأنصار والهجرة
ترافقت هجرة المسلمين مع انكفاء العصبيات في المدينة وظهور ما سُمّي بـ «الجماعة» متجسّدة في مؤشرين اثنين: الأوّل، تجلّي في تأسيس المسجد([341]) واتخاذه ذوراً لم يقتصر على الشأن العبادي، وإنّما تجاوزه إلى مختلف الشؤون السياسية والعسكرية والاجتماعية، والثاني، عبرت عنه الصحيفة بصورة مباشرة، بما تناولته من إحاطة شاملة لأمور الدولة، نظماً وعلاقات داخلية وخارجية، مكرّسةً في أوّل بنودها هذه الجماعة([342])، بأنّ المسلمين أمّة واحدة من دون الناس([343]). كما أعادت الصحيفة تنظيم المجتمع على أساس طوائفي (كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمين) ([344])، من دون إسقاط الاعتبار القبلي، الذي تمّ في ظلّه قرار الدخول في الإسلام من جانب الأوس والخزرج، حيث كان من الصعوبة حسم المسألة القبلية بصورة جذرية في ذلك الوقت. ولكن تداخل البطون عبر هذه الدوائر المستجدة، التي اندمجت بدورها في إطار «الأمة»، شكّل تطوراً هاماً على صعيد التحوّل من القبلية، بما ينطوي عليه من عصبية وفردية وتطاحن، إلى الدولة بطابعها الاحتوائي العام وصيغها الاجتماعية الجديدة، على نحو أصبح الارتباط بالأولى جزءاً من الولاء للثانية.
ويبدو أنّ هذا التقسيم كان مقتصراً على العشائر (الطوائف) الداخلة في الإسلام من الأنصار، حيث أشارت «الصحيفة» إلى خمس من الخزرج([345])، بينما اكتفت بذكر عشيرتين فقط من الأوس، بينما الآخرون من هذه القبيلة وردوا تحت اسم «بني الأوس»([346]) الذي تأخّر إسلام جزء منهم بعض الوقت. وقد أسهمت سياسة الرسول الاخلية في احتواء العصبية إلى حد كبير، سواء القبلية بين الأنصار، حين أقام المسجد «بقباء في بني عمرو بن عوف»([347]) (من الأوس) ونزل في دار أبي أيوب خالد بن زيد([348]) (من الخزرج)، عندما حلّ في المدينة، أم الأقليمية بين هؤلاء والمهاجرين، من خلال صيغة «المؤاخاة»([349]) التي أسهمت ليس فقط في إضعاف النزعة الفردية لمصلحة الجماعة بين المسلمين، ولكن أيضاً في تكريس مبدأ الأخوة على الصعيد الاجتماعي. فالمهاجرون الذين توقفت تجاراتهم وضاقت بهم سبل الحياة في مكة، تحت وطأة الاضطهاد القرشي الطويل، احتضنهم الأنصار في المدينة وقاسموهم الرز و«واسوهم بالديار والأموال»([350])، ممّا جعل الطرفين يشكلان جبهة منيعة في وحدتها وتماسكها ومعاناتها المشتركة.
ولكن هذا التلاحم، لم يخلّ من ثغرات صغيرة، كانت تتراءى منها بعض التناقضات بين الطرفين، وتهدّد أحياناً وحدة الجماعة، معبّرةً عنها بشكل خاص حركة عبدالله بن أبيّ الخزرجي، بدوافعها السياسية والإقليمية الغالبة. فلم يلبث المهاجرون أن اتخذوا موقعهم المميّز في المدينة، سواءً تعمدوا ذلك، أم أنّ الأنصار بالغوا في تكريمهم، حيث رأوا فيهم عشيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) (السابقين في الإسلام) فضلاً عن صدارة قبيلتهم (قريش) بين القبائل العربية في الحجاز. ولعل الأنصار من حيث المنطلق كانوا أكثر استيعاباً من المهاجرين لحركة ابن أبيّ، وتسويقاً لدوافعها الإقليمية([351]) حيث أبدى الرسول مرونة إزاء هذه الحركة، على الرغم من تزامنها مع الفترة الأكثر خطورة من الصراع بين المدينة ومكة، تلك الممتدة بين غزوة أحد وغزوة الخندق. فقد كان عبدالله بن أبيّ من عشيرة صغيرة في الخزرج([352]) التي مثلت المادة الفعلية للإسلام في المدينة، واقترن اسمها في الغالب مع الانصار([353])، على نحو بدت فيه حركة النفاق على هامش الموقف الانصاري (الخزرجي)، وبدا تأثيرها محدوداً في مسار الدولة الإسلامية. وكان الرسول من جانبه قد أولى اهتماماً خاصاً بالأنصار يتكافأ والدور الذي قاموا به في التمهيد للهجرة، مسهماً ذلك في إرساء علاة اجتماعية متوازنة في المدينة، كانت مبنية في الأساس على كبح نزعة التفوق، قبلياً (قريش) وإسلامياً (الأسبقية) لدى المهاجرين، وعلى كبح النزعة الإقليمية، ومعها شخصية المنقذ للإسلام من محنته الشديدة لدى الأنصار.
بيد أنّ الأنصار لم يكتفوا بجعل مدينتهم داراً للهجرة ولكنّهم فتحوا عقولهم وقلوبهم للإسلام، وانخركوا فيه مؤمنين بعقيدته مقاتلين في أوّل الصفوف، ممّا يدحض الرأي القائل «إنّ الأنصار قد قصروا مساعدتهم في أوّل الأمر على الذود عن الدين ولم يساهموا في الحروب الأولى التي شُنّت في سبيل الدعوة إلاّ كارهين، بل لم يشترك واحد منهم قط في الحروب التي وجهت إلى مكة. فقد كان الأنصار، خلافاً لذلك، «يستعجلون الحرب»([354]) مع قريش ـ فيما رواه ابن إسحاق وشاركوا بصورة متكافئة مع المهاجرين منذ سرية حمزة بن عبد المطلب([355])، حيث كان قوامها ثلاثين مقاتلاً «خمسة عشر من المهاجرين وخمسة عشر من الأنصار» حسب رواية الواقدي([356]).
لقد كان القرار الذي اتخذه الأنصار في «العقبة»، مبنياً على معطيات موضوعية، جعلت منهم أنصاراً بالفعل للإسلام، وما لبث أن اقترن هذا الموقف بالحقيقة بعيد بيعة العقبة، حينما تجاوزوا نتائج الأخيرة على صعيد جبهتهم الداخلية التي سرعان ما التزمت بالخيار الجديد، برغم أجواء الحرب المسيطرة عليها، والتناقضات المزمنة بين القبيلتين. وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إعادة النظر في التكوين الاجتماعي للأنصار، في ضوء المتغيرات التي انعكست بصورة خاصة على الخزرج، حيث بدت مسألة النفوذ في هذه القبيلة مطروحة، بين اتجاه جذري يمثّله سعد بن عبادة، وبين اتجاه توفيقي يمثله «شيخ» الخزرج عبدالله بن أبيّ الذي كان أضعف شأناً في قومه، ولكنّه استمد قوّته من تحالفاته السياسية مع اليهود. بيد أنّ هذه المسألة أصبحت حينذاك شبه محسومة للأول منذ وقوعه قبيل الهجرة أسيراً في يد قريش([357])، واتّخاذه موقعاً في المدينة بعدها، كواحدٍ بين النقباء الاثني عشر([358])، وغير ذلك ممّا هيأه لدور متحرر من رواسب الماضي تلك التي لم يستطع الخروج منها عبدالله بن أبيّ وأصحابه.
وهكذا حسمت الأمور لمصلحة الاتجاه الأوّل، الذي كان له إسهامه الكبير في انخراط الأنصار بشكل عام في العقيدة والدولة ومشاركتهم إلاّ أنّ الأنصار كانوا يبدون تردداً في المشاركة ببعض السرايا، ويؤثرون البقاء في المدينة([359]). وقيل إنّ الرسول لم يبعث «أحداً من الأنصار مبعثاً حتّى غزا بهم بدر»([360])، حيث أشار ابن إسحاق خلافاً لرواية الواقدي السابقة ـ إلى أنّ سرية حمزة لم يكن فيها أحد من الأنصار([361])، الذين كانوا يشترطون على الرسول بأن «يمنعوه في دارهم»([362]). ولكن هذه المسألة، قد لا تعبّر عن موف خاص، وربما كان قراراً من الرسول الذي ترك على ما يبدو للأنصار، أمر الاهتمام بالشؤون الحياتية وما تفرضه من انصراف إلى الزراعة وتأمين الغذاء للمدينة، حيث المرحلة كانت لا تزال مقتصرة على السرايا الصغيرة ـ تلك التي تولّى أعباءها المهاجرون ـ وأكسبتهم مراناً في الحروب التي خاضعها العرب المسلمون في جبهات الفتوح فيما بعد. ولكن ابن سعد في مرويته ـ شأن الواقدي ـ ذكر أنّ سرية حمزة كان نصفها من الأنصار([363])، بينما التبس الأمر على ابن سيد الناس([364]) حيث ذكر في مرويته عن ابن سعد بأنّ سعد بن معاذ (من الأوس) حمل اللواء في غزوة بواط بقيادة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي استخلف الأخير على المدينة([365])، بينما جعل سعد بن أبي وقاص اللواء، استناداً إلى الروايةنفسها (ابن سعد) ([366]).
وإذا كان ثمّة ما يشوب الموقف الأنصاري حينذاك في هذه المسألة، فإنّ ذلك لم يعد موضع نقاش منذ غزوة بدر (الكبرى)([367]) أو القتال([368]) أو العظمى([369]) كما وردت في عدّة روايات تشير كلّها إلى أهمية هذه الغزوة وما رافقها من تحوّل في سياسة المدينة العسكرية، من السرايا إلى الغزوات أو من العمليات الوقائية المحدودة إلى العمليات الهجومية المباشرة. فقد باتت المشاركة الأنصارية ملحّةً، ليس دفاعاً عن المدينة فقط([370])، ولكن ترجيحاً للموقف الذي يحتاج إلى دعمهم، وهو حينذاك الأكثرية أو كما وصفهم الرسول في رواية لابن إسحاق، بأنّهم «عدد الناس»([371]). ولذلك شكّل الأنصار من هذا المنطلق أكثرية الحملة([372]) التي ارتفعت فوقها رايتان: إحداهما مع عليّ (عليه السلام) (راية رسول الله) والثانية مع سعد بن معاذ (راية الأنصار) ([373]) وقد كان الأخير موضع ثقة الرسول وقريباً إليه، حيث جاءت مشاركته القيادية في هذه الغزوة، تزيل الغموض عن موقف الأوس الذين أبطؤوا كمجموعة في الدخول إلى الإسلام، بالمقارنة مع الخزرج. ولكن لائحة الواقدي التي وردت فيها أسماء المشاركين في غزوة بدر، لم تشر ـ خلافاً لرواية الطبري([374])ـ إلى الأنصاري الآخر (سعد بن عبادة) ـ الذي كان في مقدمة القيادات الجديدة التي أسفرت عنها الهجرة إلى المدينة، وإن كانت عشيرته (بنو ساعدة بن كعب) حاضرة تحت «لواء الأنصار»([375]). وقد انجلت «بدر»، التي كانت تجربة مثالية للمسلمين في الحرب، عن استشهاد أربعة عشر منهم، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وكانوا جميعهم ـ بمن في ذلك جريح أصيب في المعركة وتوفي بعد العودة إلى المدينة([376]) من الخزرج، الذين بلغ تعدادهم أكثر من نصف الحملة حسب الروايات التاريخية([377]).
الأنصار والمسألة اليهودية
ولم تتصر غزوة بدر على انتصار المسلمين وما ارتبط به من توازن عسكري بين المدينة ومكة، كان على الجانب كبير من الأهمية في ذلك الوقت، وإنّما انعكست على الوضع الداخلي في الأولى، بطرح المسألة اليهودية واتخاذ موقف حاسم منها، وإذا كان من الأنصار من ارتبط بعهود قديمة مع بعض اليهود ـ من أمثال عبادة بن الصامت وعبدالله بن أبيّ، حيث تحرّر الأوّل من التزاماته القديمة([378])، بعد اندراجه في الجماعة، بينما الثاني ظلّت تنازعه ذاته، ومحاولة التوفيق بين وضعين متناقضين، فإنّ الأنصار أنفسهم خاضوا الصراع ضد اليهود في المدينة، بدءاً بسرية سالم ابن عمير (من الخزرج) التي استهدفت أبا عفك اليهودي، لقيامه بالتحريض على الرسول (صلّى الله عليه وآله) وقول الشعر ضده([379])، وانتهاءً بغزوة ريظة التي حسمت الوضع اليهودي نزولاً على حكم سعد بن معاذ بأن «تقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم»([380]). وهكذا يصبح للأنصار دور أساسي في الصراع العسكري بين الإسلام وخصومه في الداخل والخارج، دون أن يكون منصرفاً بكليته أو جانب كبير منه، إلى الزراعة وما يرتبط بها من أمور حياتية ملحّة، وجدت لها بعض الحلول في غنائم المسلمين من بدر والسرايا الأخرى التي كان لبعضها أغراض تجارية([381])، بالإضافة إلى أهدافها الجهادية.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إنّ الأنصار تولّوا حسم المسألة اليهودية بأمر من النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي عهد إليهم هذا الدور تفادياً لإثارة المشاعر الخاصة في المدينة، لا سيما وأنّ عهوداً قديمة كانت تربط بعض الأنصار ببعض اليهود (استجابة النبي (صلًى الله عليه وآله) لطلب عبدالله بن أبيّ بأن يحسن فيم واليه «بنو القينقاع» واستبدال حكم القتل بالإجلاء عن المدينة) ([382]). وقد حدثت غزوة بني القينقاع بعد شهرين من غزوة بدر، وتولّى إخراجهم، عبادة بن الصامت (من الخزرج) حليفهم السابق إلى أذعات (الشام) بينما تولّى «قبض أموالهم» محمد بن مسلمة (من الأوس) بعد محاصرة المسلمين لهم بقيادة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، مستخلفاً على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (من الأوس أيضاً)، وكانوا جميعاً من الأنصار([383]).
وما انفك هؤلاء مرتبطين بالصراع مع اليهود الذي أصبح سافراً بعد غزوة بني القنيقاع، وبلغ ذروته في غزوة بني النضير، وما خطّطوا له من مؤامرة لقتل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وإعادة الأوضاع إلى سابقها في المدينة([384]). فقد عمد بنو النضير إلى استثارة العصبية الإقليمية لدى الأنصار، وذلك في محاولتهم مع موفد الرسول (صلّى الله عليه وآله) (محمد بن مسلمة) الذي حمل إليهم قرار الجلاء عن المدينة، بعد نقض المعاهدة مع المسلمين، إذ قالوا له ـ فيما رواه الواقدي ـ «ما كنّا نرى أن يأتي بهذا رجل من الأوس»([385]). ولكنّها «القلوب تغيّرت»([386]) كما أصاب موفد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، والعهود تبدّلت مضامينها والرجال اختلفت عقولها أيضاً، ولم يعد محمد بن مسلمة ملتزماً بأي عهد سوى الإسلام، وكذلك عبدالله بن أبيّ، الحليف الأقرب لبني النضير، سرعان ما خذلهم([387]) على نحو ما فعله إزاء بني القينقاع، فاضطروا إلى التسليم بالأمر الواقع والجلاء عن المدينة.
وكان الصراع مع اليهود اختباراً في الواع لإيمان الأنصار الذين تولّوا عملياً حسم هذه المسألة بمراحلها المختلفة في المدينة (أبو عفك، كعب بن الأشرف الذي قتله محمد بن مسلمة مع نفر من الأوس([388])، أبو رافع، «تاجر أهل الحجاز» الذي تولّى قتله الخزرج([389])، وغزوات بني القينقاع والنضير وقريظة). ولعل هذه المسألة لم تنحصر نتائجها في الجانب السياسي فقط، بما كان لذلك من تأثير هام في ترسيخ وحدة الجماعة وتعزيز جبهتها أمام الأخطار الخارجية، وإنّما كان للجانب الاقتصادي نصيبه البارز أيضاً، إذ أصاب المسلمون أموالاً وخيولاً وأسلحة من اليهود، تمكّنوا بواسطتها من تجاوز الضائقة التي جعلت المهاجرين يتوكؤون حيناً على الأنصار في هذا المجال. وقد نفسّر من هذا المنظور، مردود بعض الغوات على المهاجرين مثل غزوة بني النضير التي فرّقها الرسول (صلّى الله عليه وآله) «بين المهاجرين دون الأنصار إلاّ رجلين… فإنّهما شكيا حاجة»، حسب رواية اليعوبي([390])، بينما وُزعت الغنائم الأخرى على الطرفين، ورُصد جزء منها لأغراض عسكرية، كما حدث بُعيد غزوة بني قريظة، عندما بعث الرسول «سبايا» من هؤلاء إلى نجد وابتاع لهم بها خيلاً وسلاحاً، سعد بن زياد الأنصاري([391]) (من الخزرج).
الأنصار والصراع مع مكة
وهكذا أصبح الأنصار شركاء أساسيين في تكوين الدولة الإسلامية، وأخذ دورهم يزداد تأثيراً في مختلف المجالات العسكرية والإدارية والاقتصادية، ممّا جعل هذه الدولة تتجاوز آفاق الخطر وتهر التحديات المحطية بها. ولم يلبث هؤلاء أن اتخذوا موقعهم المتقدم في الصراع مع مكة، انطلاقاً من الحملات الأولى (السرايا) التي استهدفت بصورة خاصة، الخط التجاري لرحلة الصيف القرشية، في محاولة للضغط على مكة وإرباك قوافلها في منطقة نفوذ المسلمين أو على تخومها([392]). ومن ناحية أخرى كان الأنصار، عبر قياداتهم الجديدة، قد تولّوا في الغالب مهام السلطة نيابة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) في المدينة، وذلك إبان خروجه غازياً منها، حيث «غزا بنفسه سبعاً وعشرين»([393])، من أصل سبع وأربعين سرية وغزوة([394]) انطلقت من الأخيرة.
ويبدو أنّ غزوة بدر، التي كانت غالبيتها من الأنصار، كما سبقت الإشارة، قد أثارت حقد قريش على هؤلاء، ملقية عليهم مسؤولية الهزيمة التاريخية التي ظلّت تتفاعل أجيالاً في نفوس «بني أمية»([395]) فلم تشأ قريش ـ عبر «شيخها» أبي سفيان، تجاهل نكبتها في بدر، وما لبث الأخير الذي «حرّم الدهن حتى يثأر من محمد وأصحابه بمن أصيب من قومه([396])، أن خرج من مكة بعد أقل من أربعة شهور، مستطلعاً أخبار المدينة، وممهداً لحملته الانتقامية… وإذ به أمام مزارع من الأنصار بـ «العريض»([397]) مع أجيره في حرته، فقتله وقتل أجيره وحرق بيتين بالعريض وحرق حرثاً لهم»([398]) وقفل عائداً إلى مكة. ولما بلغ ذلك الرسول (صلّى الله عليه وآله) «خرج في مائتين من المهاجرين والأنصار»([399]). مستخلفاً على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر (من الأوس)([400])، فسار في أثر أبي سفيان مسافة ما، ممّأ جعل الأخير وأصحابه يتخفّفون من أحمالهم ويلقون جربهم الملأى بالسويق([401]) فوجدها المسلمون وعادوا بها إلى المدينة، حيث سمّيت الغزوة نتيجة لذلك بهذا الاسم (السويق).
«ولم تكن حملة قريش ـ التي جنّدتها في العام الثالث للهجرة بهدف الثأر لقتلاها في بدر ـ بعيدةً عن هذا الشعور الذي دفعها إلى حرق مزارع الأنصار بالعريض حتّى تركوه لس به خضراء»([402]) حسب رواية ابن سعد. وقد أدّت هذه الحادثة إلى استنفار عام، اتخذ الأنصار في ظلّه أشدّ الحيطة تحسّباً لهجوم قريشي، حيثُ فرضت حراسة شديدة على المدينة، في الوقت الذي بات فيه ثلاثة من قادتهم وهم سعد بن معاذ وأسيد ابن خصير وسعد بن عبادة، عليهم السلاح في المسجد بباب الرسول (صلّى الله عليه وآله)([403])، وهكذا سيرت أجواء الحرب على المدينة، التي انهمكت في تنظيم خطتها العسكرية لا سيما بعد اختلاف المسلمين بين اتجاهين متعارضين: أحدهما رأى البقاء في المدينة والدفاع عنها انطلاقاً من استهداف قريش لها، ممهدة لذلك بحرق مزارع الأنصار، وثانيهما غلبته الحماسة لمواجهة الحملة القرشية ومنعها من بلوغ المدينة، ممّا دفع الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى حسم الأمر عن طريق الشورى، مرجّحاً موف الاتجاه الثاني، الممثل ليس بالأغلبية فقط، ولكن بالقيادات الفاعلة في المدينة من أمثال حمزة بن عبد المطلب وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وذلك خلافاً للرواية التي أوردها ابن سعد، بوصفها أصحاب هذا التجاه بأنّهم «فتيان أحداث لم يشهدوا بدراً»([404]).
ولعل هذه الغزوة تطرح إشكالية هامة في الموف الأنصاري من الإسلام، منطوياً على تيار الجذرية التي تألّفت رموزها في «بدر» وجسّدها بشكل خاص كلّ من سعد بن عبادة والحباب بن المذر وبشير بن سعد (الخزرج)، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير ومحمد بن مسلمة وأبو لبابة بن عبد المنذر (الأوس)، وغيرهم ممّن تحمّسوا للخروج من المدينة، خشية ظن العدو بأنّهم «كرهوا الخروج إليه جبناً عن لقائه»، حسب رواية الواقدي([405]). كما ينطوي هذا الموقف على تيار الاعتدال، ممّن لا تزال عالقة فيه رواسب الماضي، من أمثال عبدالله بن أبيّ، الذي ارتبطت به حركة النفاق في أعقاب هذه الغزوة (أُحد)، إذ رأى الأخير، أنّ القتال في المدينة، أمنع للمسلمين في مواجهة عدوهم المتفوق عدداً وسلاحاً، ولكن دون أن يعني هذا الموف بالضرورة، تقاعس هذه الفئة أو استنكافها عن الحرب حيث توارد ذلك مع رأي الرسول (صلّى الله عليه وآله) و«رأي الأكابر من المهادجرين والأنصار»([406]) حسب رواية للواقدي.
لقد تسلّح ابن أبيّ بالتقليد الحربي للمدينة، مخاطباً الرسول (صلّى الله عليه وآله) بقوله: «كنّا نقاتل في الجاهلية فيها، ونجعل النساء والذراري في هذه الصياصي ونجعل معهم الحجارة… وما خرجنا إلى عدو قط إلاّ أصاب منّا([407]). وفي المقابل كان هذا الرأي مسوّغاً لدى الرسول الذي توجّه بمثله إلى أصحابه، مؤثراً البقاء في المدينة وتحويلها إلى ساحة حرب، أو ما يسمّى اليوم بـ «حرب الشوارع»، وذلك بما نُسب إليه من القول: امكثوا في المدينة واجعلوا النساء والذراري في الآطام، فإن دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقة، فحن أعلم بها منهم، وارموا من فوق الصياصي والآطام»([408]). ولكن الرسول (صلّى الله عليه وآله) ترك الفصل للشورى، لا سيما وأنّ المجموعة المتحمسة للقتال خارج المدينة، كانت تضم بينها عناصر تحظى بتقديره وثقته. على أنّ ذلك، وبعيداً عن النتائج المعروفة التي انتهت إليها غزوة أُحد، قد أحدث شرخاً في جبهة الأنصار التي أضعفها من دون شك، موقف عبدالله بن أبيّ، برغم نمحاولة تكتيلها تحت قيادته، حيث كان من أبرز هواجس الأخير في تلك المرحلة، تقدّم أولئك الرجال من قومه عليه، ممّن رجّح الرسول رأيهم عشية الغزوة.
وكانت أولى ثمار الانشقاق الذي أحدثه عبدالله ابن أبيّ، قد قطفها الأنصار في غزوة أُحد نفسها، إذ سقط منهم سبعون من القتلى في ساحة المعركة([409])، مقابل أربعة من المهاجرين([410])، وأقلّ منهم من مواليهم، مجسّداً ذلك الرأي في الطابع الانتقامي للحملة القرشية إزاء الأنصار. ولكن المحنة على شدّتها لم تؤثّر في إيمان هؤلاء أو تمسّ إخلاصهم للرسول أو تؤثر في صلابة موقفهم، حتّى في مواجهة ابن أبيّ ومحاولته النفاذ عبر المحنة إلى قلوبهم واستثمار حزنهم على صرعى المعركة. فقد أعرض عنه المسلمون، «وكان الأنصار ـ فيما يرويه الواقدي ـ أشدّ من كان عليه ممّن حضر»([411])، معبّراً عن هذا الموف اثنان من قبيلة ابن أبيّ نفسها (الخزرج)، وهما: أبو أيوب وعبادة بن الصامت([412]).
وهكذا دأب الأنصار على متابعة دورهم الطليعي في الغزوات الإسلامية، التي سرعان ما استعادت ديناميتها برغم الهزيمة التي حلّت بالمسلمين في أُحد. فقد أشارت الروايات الراوية إلى أنّ «الرسول (صلّى الله عليه وآله) في ذلك اليوم([413]) ومعه وجوه الأوس والخزرج، وكانوا باتوا في المسجد على بابه([414])، حتّى إذا كان الصباح دعاهم إلى طلب عدوهم، والمسلمون لا يزالون يداوون جراحتهم»([415])، حيث كان في بني سلمة (الأنصار) وحدهم أربعون جريحاً، فسار بهم وهو جريح أيضاً إلى «حمراء الأسد»([416]) ومكثوا خمسة أيام، عادوا بعدها إلى المدينة ومن اللافت جداً قيام هذه الغزوة في أعقاب هزيمة قاسية حلّت بالمسلمين، ولكن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، كما يبدو، في تجاوزه جراح المدينة ومبادرته إلى استئناف الجهاد، كان يهدف إلى احتواء المحنة والحؤول دون استغلالها من جانب المنافقين وحلفائهم اليهود، ممّا يسوغ دعوة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأن لا يخرج «إلاّ من شهد القتال أمس»([417])، أي يوم أُحد. ومن ناحية ثانية، كانت هذه الغزوة بمثابة رسالة إلى قريش التي لم يكن ماتلوها قد ابتعدوا كثيراً عن المدينة، بأنّ الهزيمة لم تحبط المسلمين أو تمزّق وحدتهم، وإنّما هم خلافاً لذلك، جبهة داخلية قوية ونظام حربي متماسك، حيث الأخير كان محوره الصراع مع قريش والقضاء على نفوذها الديني والسياسي في الحجاز، متجسّداً ذلك في دعوة الرسول لطلحة بن عبدالله إلى القتال: «أنّهم… لن ينالوا منّا (قريش) مثل أمس، حتّى يفتح الله مكة علينا»([418]).
ولم يزل هذا المناخ الجهادي مسيطراً في المدينة، والغزوات تتلاح متكاملة مع تنظيم الوضع الداخلي، بما ينطوي عليه من أخطار جسيمة، بينما الأنصار يتعمق انخراطهم في هذا الدور الطليعي، فإذا هم حينذاك مادة هذه الغزوات أو معظمها، على نحو ما شهدته غزوة «بئر معونة»([419]) إلى بني سُليم، حيث كان جُلّ أفرادها، كما يادتها (المنذر بن عمرو الساعدي) من الأنصار، قيل «أنّهم سبعون رجلاً قتلوا جميعهم غدراً في هذه الغزوة». ولكن نظام السرايا بوقف بعدها نحو تسعة شهور، سب انهماك المسلمين في غزوة بني النضير على نحو ما سبقت الإشارة، حيث قام النبي (صلّى الله عليه وآله) في السنة الرابعة للهجرة بغزوة بدر (الموعد)([420]) التي كانت لها سمة تجارية، في وقت وُصف بأنّه «عام جدب»([421])، فأقاموا في سوها (بدر) «ثمانية أيام، وباعوا ما خرجوا به من التجارات فربحوا للدرهم درهماً وانصرفوا»([422]). وبعد شهور قليلة، حدثت غزوة «دومة الجندل» التي تندرج في سياق تحول جديد لسياسة المدينة، أولى خلاله الرسول (صلّى الله عليه وآله) جانباً من اهتمامه نحو الشام والقبائل العربية النازلة فيها، لا سيما في دومة الجندل التي وًصفت بأنّها سوق عظيم للتجارة([423]). بيد أنّ هذه الغزوة التي قادها الرسول (صلّى الله عليه وآله) في مطلع السنة الخامسة للهجرة، لم تشر الروايات إلى تكوينها وإلى دور الأنصار فيها، إلاّ أنّ غزوة «المريسيع» أو «بني المصطلق» التي حدثت في العام التالي([424])، شارك فيها تحت قيادة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أيضاً ثلاثون فارساً، بينهم عشرون من الأنصار، بالإضافة إلى ما ذكرته الرواية عن خروج «بشر كثير من المنافقين»([425]) الذين ينتمون بمعنى ما إلى الجبهة الأنصارية، حيث كانت الفتنة الأكثر خطورة في حركة النفاق، ولكن وعي الأنصار أحبط هذه المحاولة التي استيقظت معها لحين عصبيات قريش والأنصار وكادت تنتشر بسببها ألوية الحرب بين المسلمين في المدينة.
وفي غزوة «الخندق» التي عبأت فيها قريش كلّ حلفائها لخوض المعركة الفاصلة مع المسلمين، لا سيما بني النضير الذين «حزبوا الأحزاب»([426]) تحت قيادة قريش وقاموا بدور خطير في هذه الغزوة، دافع الأنصار بعناد عن مدينتهم، مسهمين مع الجميع في حفر «الخندق»([427])، دون أن يصرف ذلك عن رصد بني قريظة ومراقبة تحركاتهم، خشية منهم على الرسول (صلّى الله عليه وآله)، حيث أشارت الرواية إلى أنّ عبّاد بن بشر، كان «على حرس قبّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مع غيره من الأنصار يحرسونه كلّ ليلة»([428]). وفي الوقت الذي اشتدّ فيه الحصار على المدينة، ونقض بنو قريظة عهدهم مع المسلمين، كان رؤساء الأنصار (سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير) يفاوضون هؤلاء على التزام العهد([429])، لجأ الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى فتح ثغرة في جبهة قريش. على نحو ما فعلته الأخيرة في جبهة المسلمين (بنو قريظة)، عندما فاوض بني غطفان (من الأحزاب) على «ثلث ثمر الأنصار»([430]) مقابل الخروج من الجبهة القريشية، ممّا أدّى إلى انهزام الأحزاب بعد وقت قصير «من غير قتال»([431]).
وبعد غزوة بني قريظة، عهد النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الأنصاري محمد بن مسلمة بغزوة «القرطاء»([432]) على رأس ثلاثين من المسلمين([433])، «فقتل نفراً منهم وهرب سائرهم واستاق نعماً وشاءً… ثمّ انحدر إلى المدنية»([434]). وفي غزوة «الغابة» على طريق الشام([435])، خرج الرسول (صلًى الله عليه وآله)، وأناب عنه بالمدينة كلاً من عمرو بن أم مكتوم (من عامر بن لؤي) الذي كثيراً ما عهد إليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) بهذه المهمة، وسعد بن عبادة، وهو في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة([436]) بالإضافة إلى ذلك، فقد كان للأنصار حضور بارز في هذه الغزوة، التي أمدّها سعد «بأحمال تمر وبعشر جزائر»([437])، بعد انتهاء الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى «ذي قرد»، حيث أشار ابن إسحاق إلى التحاق عدد كبير من فرسانهم (الأنصار) بالرسول، بقيادة سعد بن زيد (من بني كعب بن عبد الأشهل)([438]). وقد قتل أحد هؤلاء (محرز بن نضلة) إذ لم يقتل غيره من المسلمين، بينما قتل خمسة من أعدائهم([439]).
ولم تشر الروايات إلى أيّة تفاصيل عن دور الأنصار في السرايا أو الغزوات التالية، باستثناء سرية محمد بن مسلمة إلى «ذي القصة»([440]) التي لم يحالفها النجاح، حيث جُرج الأخير وقتل أصحابه العشرة([441])، وباستثناء سرية خرج بها عبدالله بن رواحة، مستهدفةً أسير بن زارم الذي عيّنه اليهود أميراً عليهم بعد متل رافع بن سلام بن أبي الحقيق (رمضان سنة ست للهجرة)([442]). وقد غلب على قيادة الغزوات بعد ذلك الطابع غير الأنصاري دون أن تتوقف الروايات عند تشكيلها على غرار الحملات السابقة. وكان لزيد بن حارثة (من المهاجرين) نصيب وافر من قيادة الحملات في تلك الفترة، إذ تولّى أمر ستّ من السرايا، خمسة منها تباعاً إلى بني سليم والعيص والطرف وحسمى ووادي القرى، وسادسة إلى أم قرفة، فضلاً عن سابعة بعد عامين، وهي غزوة «مؤتة» الشهيرة. أمّا بقية السرايا قبل غزوة الحديبية، فلم يكن بين قياداتها أحد من الأنصار، وإنّما عُقدت راياتها للمهاجرين وحلفائهم، وهي السرايا التي قادها كلّ من عكاشة بن محصن الأسدي إلى الغمر»([443]) وأبي عبيدة بن الجراح إلى «ذي القصة» وعبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى فدك، وكُرز بن جابر الفهري إلى عُرينة وعمرو بن أمية الضمري إلى مكة([444]).
ولقد كان العام الهجري السادس، منعطفاً هاماً في تاريخ الإسلام بالمدينة، حيث تجاوزت الأخيرة محنة الهجوم المكيّ (غزوة الأحزاب) وتخلّصت من آخر القبائل اليهودية (قريظة)، كما أثبتت الجماعة فيها تماسكاً في مواجهة حركة النفاق إبان غزوة بني المصطلق، بالإضافة إلى ذلك، فإنّ تحرّر المدينة من هاجس الخطر القرشي، قد أتاح لها الاهتمام بشؤونها الاقتصادية، استناداً إلى بعض الروايات التي أشارت إلى خروج بعض السرايا في تلك الفترة لأسباب تجارية، سواء إلى نواحي المدينة أو إلى التخوم الشامية، حيث يعتقد «مونتغمري وات» أنّ هذه السرايا ربّما كانت أكثر أهمية في حياة المدينة ممّا أشارت إليه المصادر([445]).
ولعل هذه السرايا التي استهدفت أطراف الشام، شكلت إرهاصاً لحركة الفتوح التي مهدت لها بدون شك هذه الغزوات، من خلال الاتصالات بالقبائل العربية المتنصرة في الشام، في وت كانت الدولة البيزنطية، منصرفة بعد انتصارها في حرب انتقامية على الفرس، إلى ترتيب أوضاعها في المنطقة، على نحو يتيح لها بسط نفوذها المباشر على بلاد الشام. ومن هذا المنظور تكتسب غزوة «الحديبية» أهميتها وتويتها المناسب، بعد تلك المنجزات التي حققتها المدينة، وجعلت في يدها زمام المبادرة، وما رافق ذلك من انعكاس سلبي على مكة، التي أصبحت عملياً تحت حصار المسلمين. ولم يتردد حينذاك هؤلاء من الإفادة من هذه المعطيات والقيام بغزوة تستهدف مكة نفسها، بما تنطوي عليه من عناصر القوة والنفوذ، كمعقل للوثنية ومركز للتجارة وسوق للقبائل، ولكنّهم آثروا أن تكون «غزوة سياسية» يتوخى المسلمون من خلالها الدخول سلماً إلى مكة لأداء العمرة، ممّا أحدث ارتباكاً بين قادة قريش، لم يجدوا معه سوى الاعتراف بـ «حق» الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه في الاعتمار، الذي كان في المقابل اعترافاً من جانب المسلمين بقدسية الكعبة، شأن قريش والقبائل الحجازية، مع الفارق في المضمون الذي بين النظرتين الإسلامية والوثنية. وفي ضوء ذلك تتخذ غزوة الرسول (صلّى الله عليه وآله) صفة «عربية» وليست «مدينية» فقط، بعد استنفاره «العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه»، حسب رواية ابن إسحاق([446]) ولكن يبدو أن تلبية القبائل كان محدودة، إذ «أبطأ كثير من الأعراب»، حسب الرواية نفسها([447])، كانت لا تزال مصالحه مشتبكة بالتجارة القرشية، فارتأى التريّث إزاء موف لم يكن بعد محسوماً في الصراع بين مكة والمدينة.
وهكذا غادر الرسول إلى مكة في آخر سنة ست للهجرة، «بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب([448])، وقد تراوحوا بين ألف وأربعمائة وألف وستمائة، كان بينهم من كبار الصحابة أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله وعمر بن الخطاب (من المهاجرين)، وسعد ابن عبادة وعبّاد بن بشر والحباب بن المنذر ومحمد بن مسلمة (من الأنصار)([449]). وقد انتهوا إلى الحديبية([450])، بعد تضليل حملةٍ قريشية([451])، أرسلت لمنعهم من دخول مكة، حيث عُقدت المعاهدة([452]) الشهيرة التي تحمل اسم المكان الذي عسكر فيه المسلمون، منظوية على انتصار سياسي كبير، كان مقدمة فعلية لفتح مكة، بعد أقلّ من عامين فقط.
ولعل ما أسفرت عنه معاهدة الحديبية، كان على جانب كبير من الأهمية، حيث القبائل العربية في الججاز، أخذت تعيد النظر في مواقفها، ممّا أسهم في اختلال موازين الصراع العسكري لمصلحة المدينة. بيد أنّ هذه المعاهدة ارتبطت بمؤشرين خاصين هما: غزوة «خيبر» وتصفية المعاقل اليهودية في الحجاز، والتحرّك باتجاه الشام (رسائل النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى هرقل وعظيم بصرى ورؤساء القبائل العربية»([453])، دون أن يكون هذان المؤشران منفصلين عن بعضهما، أو أن يكونا منفصلين عن معاهدة الحديبية([454])، إذا ما توقفنا عند أهمية الشام. فضلاً عن اليهود في تجارة قريش. فقد كان خيبر التي تقع على مسافة غير بعيدة من المدينة([455]) من أمنع معاقل اليهود في الحجاز، لا سيما وأنّ فلولاً منهم قد تجمعوا فيها بعد إخراجهم من المدينة. ولم يكن أمر خيبر ـ التي وُصفت بأنّها «ريف الحجاز طعاماً وودكاً وأموالاً»([456]) ـ سهلاً في الواقع، حيث جاءت دعوة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى استنفار المسلمين، بأنّه لا يخرج معه «إلاّ راغب في الجهاد»([457])، معبّرة عن خطورة هذا المعقل الذي يعج بالمقاتلين ويمتلىء بالسلاح([458]).
ولم تشر الروايات إلى أسماء الصحابة الذين رافقوا الرسول (صلّى الله عليه وآله) في هذه الغزوة الشهيرة، باستثناء ما أوردته عن ثلاثة عُقدت لهم الرايات وهم: علي بن أبي طالب (عليه السلام) (من المهاجرين) والحباب بن المنذر وسعد بن عبادة (من الأنصار)([459])، فضلاً عن محمد بن مسلمة الذي انتقلت إليه الراية بعد جرح الأخير([460]) وباستثناء ما تردد من أسماء في سياق بعض الروايات فإنّ جلّها من الأنصار، الذين أسهموا ـ إلى جانب علي (عليه السلام)([461]) بدور كبير في فتح حصون خيبر. وكان في طليعتهم سعد بن عبادة موفد الرسول (صلّى الله عليه وآله) لمفاوضة عيينة بن حصين، رئيس غطفان وحليف اليهود([462])، وقائد الحملة إلى حصن «ناعم»، حيث أصيب سعد بجراحه كما سبقت الإشارة. كما يتردد اسم عبّاد بن بشر، الذي بعثه الرسول على فوارس الطليعة إلى خيبر([463])، بالإضافة إلى ثمانية آخرين([464]) سقطوا في هذه الغزوة وكانوا في معظمهم قد شاركوا في موقعة بدر، ممّا يعطي لدورهم ـ أي الأنصار ـ أهمية في فتح خيبر، شأن الغزوات الكبيرة الأخرى التي كان هؤلاء وقودها في تلك المرحلة.
وهكذا يحقق نظام السرايا نجاحات سياسية وعسكرية هامة، فضلاً عن الاقتصادية التي انعكست إيجابياتها على الوضع الاجتماعي في المدينة، على نحو تجاوزت فيه الأخيرة متاعبها وأزماتها الداخلية. فقد ترافق التطور النوعي لهذا النظام، لا سيما في العام الهجري السابع مع تغيرات أساسية في موازين القوى بين قريش والمسلمين، بعد أن حقق هؤلاء إنجازاً عسكرياً كبيراً في خيبر، لم يكن أقل اهمية منه الإنجاز السياسي في عمرة «القضاء»، بما انطوت عليه من اختراق للحصار القرشي، سرعان ما وظّفه الرسول (صلّى الله عليه وآله) على نطاق واسع، من خلال رسائله إلى الملوك والأمراء، من غير أن تكون الأخيرة منفصلة عن «الدخول» إلى مكة. فقد بدت حينذاك وحدة الحجاز ـ نواة الدولة الإسلامية ـ أمراً واقعاً، في الوقت الذي انكفأت فيه قريش عزلة سياسية، وباتت محاصرة في عقر دارها، بعد نجاح المسلمين في ضرب ركائز «الأحزاب» الحليفة (اليهود) وتحجيم بعض القبائل الدائرة في فلكها غطفان([465])، سليم([466]).
وقد تردد بين قادة سرايا هذا العام، «أنصاري» كان له دور بارز في «اجتماع السقيفة»، هو بشير بن سعد الذي غزا «في ثلاثين رجلاً بني مرّة بفدك»([467])، حيث جرح بعد قتال شديد([468]). وبعد شهرين بلغت المدينة أخبار عن عزم عيينة بن حصين الذي مرّ ذكره في غزوة خيبر، الزحف إليها في جمع من غطفان([469])، فانتدب الرسول بشير بن سعد على رأس سرية من ثلاثمائة رجل، توجّه بهم إلى خباب([470])، حيث أقام عيينة وأصحابه. وقد أسفرت الغزوة عن قتل رجل من غطفان كان يرصد تحرّك المسلمين، وأسر اثنين من مناوشة سريعة، انكفأ على أثرها عيينة منهزماً إلى دياره([471]). وكان لهذه السرية أهميتها على ما يبدو، انطلاقاً ممّا تمثّله غطفان من نفوذ قبلي واسع، ومنع عيينة إلى أن يفكر بغزو المدينة، ومن ثمّ يأبى على نفسه بعد الهزيمة أن يصير «تابعاً لمحمد»، عندما نصحه حليف([472]) له من مرة بذلك. ولعل اختيار بشير بن سعد لهذه المهمة، يرجح ما يمتاز به من شجاعة، ربّما كانت حافزاً لأبي بكر وعمر، عندما أجمعا على اختياره قائداً لهذه السرية بعد استشارة الرسول (صلّى الله عليه وآله) لهما فيما يرويه الواقدي([473]). ولقد تعزّز ذلك في «عمرة القضاء» التي حشدت لها المدينة ألفين من الرجال، عُقدت القيادة الفعلية لاثنين منهم، كانا من الأنصار وهما بشير بن سعد «على السلاح»، ومحمد بن مسلمة «على الخيل»([474]).
وإذا كان العام السابع، بما تخلله من منجزات كبيرة، شكّل بداية المنعطف في تاريخ الإسلام، وذلك عبر مدخلين اثنين، كان للأنصار دور بارز فيه، وهما الدخول العسكري إلى خيبر والدخول السلمي إلى مكة، فإنّ العام الثامن، هو المنعطف الحقيقي للإسلام، انطلاقاً من غزوة «مؤتة» التي وصفها ابن كثير بأنّها كانت إرهاصاً لما بعدها من غزو الروم وإرهاباً لأعداء رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([475])، وغزوة «الفتح» الشهيرة التي حسمت الصراع بين الإسلام والوثنية لمصلحة الأوّل، بعد نيف وعشرين من السنوات الصعاب. وقد حققت حملة مؤتة، برغم هزيمة المسلمين نتائج سياسية هامة، سواء تمثّلت بتفصيل مبدأ الشهادة في الإسلام، دون التوف عند قوّة العدو أو كثرته، معبّراً عنه موف الأنصاري عبدالله بن رواحة، أحد قادة الغزوة، بقوله: «إمّا ظهور وإمّا شهادة»([476])، أمر في استنفار القبائل العربية في الشام ودعوتها إلى فك ارتباطها بالدولة البيزنطية والالتحاق بالدولة الإسلامية في المدينة، فضلاً عن تمهيدها المباشر لفتح مكة التي استغلت هزيمة المسلمين في مؤتة، مقدمة على نقض المعاهدة معهم، ممّا أدّى إلى اتخاذ قرار «الفتح»، تحت تأثير الهزيمة ومقتل قادة الحملة الثلاثة (زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة»([477]).
وقد حرص الرسول (صلّى الله عليه وآله) على تفادي سلبيات الهزيمة على المدينة، وإحباط محاولات استغلالها من جانب من قريش عندها لجأ إلى تنشيط نظام السرايا، وتسيير ثلاث حملات خلال مدّة لا تتجاوز الثلاثة أشهر، وهي الفاصلة ما بين غزوة مؤتة وفتح مكة الذي تمّ في الشهر الرابع (رمضان سنة ثمانٍ للهجرة). ولعلّ ما يلفت الانتباه هو الحضور اللافت للأنصار في هذه السرايا، بدءاً بسرية «الخبط»، بقيادة أبي عبيدة بن الجراح الذي استهدف في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار حيّاً لجهينة([478]). وقد تردّد لأوّل مرّة في هذه السرية، اسم قيس بن سعد بن عبادة، الذي سيكون له دور بارز في أواخر العهد الراشدي. فلم يكن حينذاك المسلمون قد تزودوا بم يكفيهم من الزاد في مسيرتهم البعيدة عن المدينة إلى «ساحل البحر»([479])، فعانوا الجوع واضطروا إلى تناول الخبط([480]) الذي نسبت إليه هذه السرية، وكادوا يقضون جوعاً، لولا مبادرة يس وحسن تصرفه في الغلب على هذه الأزمة([481]). كما تردد اسم أنصاري آخر، هو أبو قتادة بن ربعي في سريتين صغيرتين، الأولى إلى مضر([482]) «ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غطفان، فتقلوا من أشرف لهم واستاقوا النعم»([483])، والثانية إلى «بطن إضم»([484])، حيث ترادفت هذه السرية مع غزوة الفتح (مكة).
وكان الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد قرر في ذلك الوقت حسم المسألة المكية، بعد نقض قريش عهدها مع المدينة، عندما أعانت حلفاءها بني نفاثة وهم فرع من بني بكر في اعتدائهم على ماء لبني كعب (من خزاعة) من حلفاء الرسول (صلّى الله عليه وآله)… وأمدتهم بالسلاح والرجال([485])، حيث كان للقبيلة الأولى ثأر قديم على الثانية وقد رأى الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّ الوقت د حان لدخول الإسلام إلى مكة، برغم تراجع قريش عن موقفها، وقدوم شيخها أبي سفيان إلى المدينة لتسوية الأزمة وتجديد العهد([486]). وفي تلك الأثناء تخرج سرية أبي قتادة الثانية (إلى بطن إضم)، صارفةً الأنظار عن الخطّة الأساسية، ومُدخلة في روع قريش أنّ الرسول قد توجّه إلى تلك الناحية([487]).
وكانت حملة «الفتح»، قد حشد لها المسلمون، ما لم يحشدوا لأية غزوة سابقة، إذ بلغ تمدادها، كما يروي، ابن إسحاق([488]) عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وحلفائهم، أو اثني عشر ألفاً، حسب رواية عروة بن الزبير([489]) ولكن اللافت في هذه الحملة، أنّ عدداً من القبائل شارك فيها بنسبة عالية وهي: أسلم وغفار وجهينة وسُليم في رواية عروة([490])، مضافاً إليها مزينة وتميم وقيس وأسد في رواية ابن إسحاق([491]) فضلاً عن أشجع في مروية ابن سعد([492])، ممّا أحدث تغييراً فعلياً في التوازن السياسي والعسكري بين المسلمين وقريش والتي أخذ يتراجع نفوذها لدى القبائل بُعيد غزوة الحديبية وعمرة القضاء، في الوقت الذي كانت تقترب فيه الأخيرة من المسلمين، متقاطعة معهم عبر العلاقة الجديدة مع حاضرة قريش والعرب التي كان ولاء القبائل لها منطوياً على اعتراف بشرعية هذا الدور، وعلى اعتراض في المقابل على المسّ به، كما جرى إبّان حروب الفجار التي وجدت فيها القبائل تمرّداً على هذه الشرعية([493]).
الأنصار والمهاجرون
كان فتح مكة تتويجاً لانتصار الإسلام على الوثنية، وتكريساً للتحوّل الكبير في حياة العرب من البداوة إلى التحضّر، معبرة عنه بصورة واضحة الهجرة إلى يثرب، بمثل ما عبّر عنه الاسم الجديد للأخيرة (المدينة) التي أصبحت مقر الجماعة الإسلامية، خلافاً لمكة التي ظلّ هذا «الفتح» ـ الذي تمّ صلحاً دون أن يمس الموقع الديني التاريخي لمكة أو يُحدث تغييراً بارزاً في تكوينها الاجتماعي، أو يهدّد دورها التجاري ـ ترك انعكاساً سلبياً في جانب منه على وحدة الجماعة، التي ظلّت متماسكة حتّى ذلك الحين. فثمة اتجاه جذري بين الأنصار، شكّل العامة الأساسية لهذه الوحدة، وكان ممثلاً بأبرز زمائهم وأقربهم إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله)، سعد بن عبادة، وجد في صيغة «الصلح» موقفاً لم يستوعبه تماماً من جانب الرسول (صلّى الله عليه وآله) والمهاجرين، وحمله على اتخاذ مسافة ما من هؤلاء وانطوائه على شعور لا يخلو من الحذر منذ ذلك الوقت ـ وقد روى الواقدي في هذا السياق أن عدد الأنصار بلغ أربعة آلاف رجل، بينهم خمسمائة من الفرسان([494])، ممّا يعني أنّ الأغلبية الراجحة كانت للأنصار في هذه الحملة. وكانت راية الرسول مع سعد بن عبادة «فبلغه ـ أي الرسول ـ عنه في قريش كلام وتواعد لهم، فأخذها، فدفعها إلى ابنه قيس ابن سعد»، حسب رواية ابن سعد([495]). بيد أنّ رواية أخرى أكثر تفصيلاً، ذكرت أنّ الرسول دفع بالراية إلى قائد من المهاجرين، إذ نسب رجل من هؤلاء إلى سعد بأنّه قال والمسلمون على أبواب مكة: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة»([496])، وشكا إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) قائلاً: «ما نأمن من أن تكون له ـ أي سعد ـ في قريش صولة([497])، ممّا حدا بالرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى القول لعلي (عليه السلام): «أدركه فخذ الراية فكن أنت الذي تدخل بها»([498])، حسب رواية الطبري.
ولعل غزوة «الفتح» قد أظهرت ما تنطوي عليه العلاقة بين الأنصار والمهاجرين من تناقض لم يكن مطروحاً بهذا الوضع في المدينة. فقد أسهم فتح مكة في تعديل التوازن لمصلحة المهاجرين الذين تجاوزوا بعد دخول الجناح غير المهاجر من قريش في الغسلام، عقدة الأقلية في الجماعة. كما أنّ المدينة لم تعد مدينة الأنصار، بقدر ما تكرّست بعد الفتح ـ عاصمة للدولة الإسلامية بعد اتخاذ الرسول هذا القرار الذي كان في جانب منه تكريماً للأنصار([499])، ولكنّه في الجانب الأساسي، كانت له أبعاد سياسية وجغرافية وقبلية، ولم تعد منعكسة فقط على الطرين المؤسسين في الإسلام. ومن هذا المنظور يمكن القول إنّ هذه الغزوة، مرموزاً لها انتزاع «الراية» من «رجل» الأنصار سعد بن عبادة، قد تركت نتائج خطيرة على البنية الاجتماعية لدولة المدينة، من غير أن تكون أسبابها بالضرورة منطلقة من الدوافع ذاتها لدى المهاجرين والرسول (صلّى الله عليه وآله)، الذي كان لموقفه من مكة خلفية دينية في المقام الأوّل، فضلاً عن الخلفية السياسية إزاء أهلها، بما ينطوي عليه هذا الموف من «تكريم» لقريش، قد لا يبتعد عن موقفه إزاء الأنصار، على نحو ما سبقت الإشارة. ولعل العباس بن عبد المطلب ـ عمّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ كان له دورفي هذه المسألة، عندما توجّه إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) في ذلك الحين، طالباً إليه بأن يظهر لقريش «أماناً يطمئنون إليه»، حسب رواية عروة بن الزبير([500])، فكان ذلك القرار الذي أتاح لأعداء، الأمس القريب، عن اتخاذ موقع في «الجماعة»، لم يبلغ موقع الروّاد والمجاهدين الأوائل، ولكنّه عبّر في النتيجة عن طبيعة المرحلة التي رجحت فيها الصفة السياسية للدولة، بالمقارنة مع المرحلة السابقة، ذات الطبيعة الرسالية بشكل عام. وفي ضوء هذه المعطيات يتّخذ «الفتح» طابعاً سياسياً، تجلّآ في مبادرة رؤساء مكة إلى فتح أبوابها أمام حملة الرسول، التي يبدو أنّها لم تفاجىء هؤلاء كثيراً، دون أن ننسى هنا الدور البارز للعباس في التمهيد لهذا «الفتح» وتهيئة الأجواء الملائمة لدخول الرسول والمسلمين([501]).
كانت تلك إذن دوافع القرار إزاء قريش بعيد فتح مكة، مكتسباً ربّما شيئاً من الخصوصية القريشية، قد تماثله ما كان للأنصار من خصوصية بعد الهجرة إلى المدينة، حيث الأولوية كانت لوحدة الجماعة، متسمة العلاقة معها بالمرونة، ولكن دون أن يتعدة ذلك الجانب الاجتماعي ـ السياسي في كلا المدينتين. ومن هذا المنطق تأتي وصية الرسول حاسمة إلى أمرائه المسلمين… حين أمرهم ـ فيما يرويه ابن إسحاق ـ «أن يدخلوا مكة وأن لا يقاتلوا إلاّ من قاتلهم، إلاّ أنّه قد عهد في نفر سمّاهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة»([502]). ولكن هذه الاعتبارات لم تكن ببال المهاجرين تماماً بعد التئام وحدة قريش في مكة، التي كان يقابلها تضعضع وحدة الأنصار بصورة تدريجية، في وقت أخذت تتراجع فيه صيغة «المؤاخاة»، متأثّرة بمتغيرات «الفتح» واختلال التوازن بين الطرفين. ولعل الأنصار بدؤوا حينذاك يفكرون بدورهم الآتي في الدولة الإسلامية، ويتطلعون بصورة أكثر واقعية إلى مرحلة ما بعد الرسول، الذي شكّل في تعاطفه معهم صمّام التوازن في هذه الدولة.
وإذا كانت هواجس الأنصار قد بدت ثقيلة في ذلك الوقت، إلاّ أنّها لم تنعكس على التزامهم الذي بقي صافياً، وإن أصاب حماستهم بعض الفتور، على نحو ما توحي به رواية الزهري في سياق خبرها عن وقعة حنين([503]) «إذ توجهت الدعوة أوّلاً إلى «معشر» الأنصار ثمّ قصُرت على بني الحارث بن الخزرج»([504])، الذين وصفتهم الرواية بأنّهم «كانوا صُبّراً عند اللقاء، صُدقاً عند الحرب»([505])، ويبدو أنّ حملة «الفتح» قد خرجت بكامل عددها إلى حنين، مضافاً إليها «رجال من مكة»([506]) حدّدهم ابن سعد بألفين([507])، بينما شككت الروايات الأخرى بأمر هؤلاء الذين كانوا «ينتظرون لمن تكون الدائرة فيصيبون من الغنائم»([508]) حسب رواية الواقدي. ولذلك كانت هذه الغزوة (حنين) محفوفة بالأخطار، لما تمثله هوازن من موقع بارز في الجبهة المعارضة للإسلام، تلك التي كان من أركانها بالإضافة إلى هوازن، قريش وثقيف.
ولعل الأنصار شكلوا أغلبية هذه الغزوة، إذا ما توقفنا عند تشكيل القيادة التي كان بينها من كبار المهاجرين: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وسعد بن أبي وقّاص وعمر بن الخطاب، حيث انعد لواء للأوّل، وانعقدت رايتان للآخرين فيما يرويه الواقدي([509]). أمّا الأنصار، فقد ارتفع فوقهم ثلاثة عشر لواء وراية في حنين، في طليعتها «لواء الخزرج الأكبر» مع سعد بن عبادة، ولواء آخر للخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي «كل بطن من الأوس والخزرج لواء أو راية»([510])، حسب الرواية نفسها. ولذلك فإنّ دور الأنصار كان شديد الأمية في هذه الغزوة، إلى درجة أنّهم رجّحوا كفة الحرب التي مالت أوّلاً إلى هوازن، بعد «انكشاف خيل بني سليم»([511]) وتراجعهم منهزمين «ومن تبعهم من أهل مكة»([512])، ممّا حدا بالرسول إلى استنهاض القوم، لا سيما «أنصار الله… ورسوله»([513]). فرجعت الأنصار([514])، وعلى رأسهم يثير حماستهم، كلّ من سعد بن عبادة وأسيد بن حضير، حتّى قيض للمسلمين استعادة زمام الموقف وتحقيق نصر باهر في حنين([515]) تلك الوقعة التي تعتبر في الواقع، استمراراً لفتح مكة الذي اكتملت صورته في الغزوة التالية، مع انهيار الركن الثالث للجبهة الوثنية الكبيرة في الحجاز.
ولقد تحوّل المسلمون بعد ذلك إلى الطائف، واصروا ثقيفاً في حصنها المعروف باسمها([516])، حيث اتخذ الحصار طابعاً اقتصادياً، تمثّل بقطع المسلمين «شيئاً من كروم ثقيف»([517])، فضلاً عن تهديدها بقطع كلّ رجل منهم «خمس نخلات»([518])، ممّا أثار جزع ثقيف التي كانت تعتمد على الزراعة بصورة أساسية، لا سيّما الكروم التي اشتهرت بها الطائف. وقد أسهم الحصار الاقتصادي في إضعاف مقاومة ثقيف وحملها على الرضوخ، برغم ما ذكره ابن إسحاق، بأنّ «قتالاً شديداً»([519]) وقع بينها وبين المسلمين، إذ اقتصر الأمر على تراشق بالنبال، ما لبث أن توقف مع رفع الحصار بأمر من الرسول، بعد «خمس عشرة ليلة»([520]) مضت عليه. ولم تشر الروايات التاريخية إلى تفاصيل تتعلق بتشكيل هذه الحملة تعداداً وقيادةً، شأن الغزوات الكبيرة التي سبقت الإشارة إليها. ولكن هذه الغزوة وهي نفسها التي استهدفت حنين، التي قاتلت فيها ثقيف إلى جانب هوازن وانسحبت بعد هزيمة الأخيرة إلى حصنها في الطائف([521])، كانت على ما يبدو من أكبر غزوات المسلمين في الحجاز. فقد مهّدت لها سرية الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين، حيث وافى الرسول بأربمائة من قومه إلى الطائف([522]) فضلاً عن أسلحة للحصار لم يسبق للمسلمين استخدامها من قبل([523]).
وقد يكون ذلك من الأسباب التي حملت الرسول على الارتحال عن الطائف ورفع الحصار عنها، إذ كانت ساقطة فعلاً بعد هزيمة حلفائها «الأحزاب»([524]) وانكفاء ثقيف وراء حصنها مدافعة عن وضعها المعنوي، أكثر من دفاعها عن قضية ما، أو الأرض التي باتت تحت سيطرة المسلمين. أمّا عن دور الأنصار في هذه الغزوة، فلا نكاد نعثر إلاّ على القليل من أخباره التي لا تختلف في الدافع عن أخبار المهاجرين والقبائل الحجازية. فقد تردّدت إشارات إلى سعد بن عبادة وأسيد بن حضير في سياق الحديث عن استسلام الثقفين الأوائل، وإلى دور لها في تعليم هؤلاء «السنن وقراءة القرآن»([525]). كما تردّد ذكر الأنصار بين شهداء غزوة الطائف الإثني عشر، الذين سقطوا تحت جدار الحصن، وكان بينهم أربعة من الأنصار، ثلاثة من الخزرج والآخرين من الأوس([526]).
كانت غزوة الطائف آخر العمليات العسكرية في العام الثامن، ذلكا لعام ـ المنعطف الذي شهد انحسام المسألة الوثنية في الحجاز، فضلاً عن بداية التحوّل في موقف القبائل نحو الإسلام، والانخراط في صفوفه، كمادة مقاتلة، بعد اقتصار هذا الدور من قبل على المهاجرين والأنصار. كما حُسمت في هذا العام مسألة «المركز» في الدولة، إذ تخوّف الأنصار من انتقاله إلى مكة متسائلين في هذا الصدد بما نسبه إليهم ابن هشام: «أترون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا فتح الله أرضه وبلده يقيم بها»([527]) لا سيما بعد توزيع غنائم حنين على قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء حسب رواية ابن إسحاق([528]) ممّا جعل سعد بن عبادة يستغرب استثناء ومه من العطاء. ولكن الأنصار حازوا «عطاءً كبيراً»، كانوا بأمسّ الحاجة إليه، حملته إليهم مقولة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الشهيرة: «أفلا ترضون أن يذهب الناس بالنساء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرأً من الأنصار ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار([529])، على أنّ هذا التوازن، كان لمكة أيضاً نصيب فيه، عندما حرص الرسول (صلّى الله عليه وآله) على إرضاء قريش، باستخلاف عتاب بن أسيد، من البيت الأموي أميراً عليها([530]).
وإذا كانت الغزوات الثلاث (مكة، حنين، الطائف)، قد انطوت على مشاركة جزئية من قبائل الحجاز، فإنّ العام التاسع شهد حضوراً لافتاً للأخيرة لا سيما السرية التي حدثت في مطلعه إلى بني تميم، وكان قوامها خمسون فارساً من العرب، «ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري»([531]). كما يتضح دور هذه القبائل في بعض السرايا، مثل سرية «القرطاء» إلى بني كلاب وسرية «الشعيبة»([532]) التي تمّت في أعقابها. ولعل ما يعنيه ذلك، أنّ المسألة القبلية التي كانت على وشك الحسم في ذلك العام، أصبحت من عناوينه البارزة، دون أن تكون غزوة «تبوك» و«عهودها» القبلية([533])، منفصلة عن هذه المسألة، ممّا جعل العام التاسع، عام القبائل التي تواكبت إلى المدينة، بما فيها ثقيف، «معاهدة» الرسول على الإسلام»([534]).
بيد أنّ الأنصار لم يغيبوا عن تلك الأحداث الهامة، أو يخبئوا دورهم فيها، وإنّما ظلوا مستنفرين للجهاد، متقدمين الصفوف في الغزوات التي ظلّت تدفع بها المدينة نحو أعدائها في تلك المرحلة. ولكن ثمة ما يستوقفنا في هذه الغزوات، هو تراجع الدور القيادي للأنصار، إذ لم تشر الروايات إلى مثل ذلك في سياق أخبار الغزوات الأخيرة من عهد الرسول. فقد تردّد ذكرهم فقط في سرية، الفُلس (صنم طين) بقيادة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث كان قوامها مائة وخمسون من الأنصار… بينهم وجوه من الأوس والخزرج، وليس فيهم مهاجر واحد، حسب رواية الواقدي([535]). ولعل هذه السرية التي جمعت الأنصار إلى عليّ دون غيرهم من المسلمين، كان لها نتائجها فيما بعد على موقف هؤلاء السياسي، وميلهم إليه إبان طرح مسألة الخلافة([536]). وعدا هذا السرية، فإنّ دور الأنصار استمرّ متراجعاً، ولا نكاد نجد في الروايات ما يخالف هذا الواقع، باستثناء ما أشارت إليه عن استخلاف الرسول (صلّى الله عليه وآله) لمحمد بن سلمة على المدينة، كما يرجّح ابن سعد، بعد خروجه في غزوة تبوك([537]) وقد كان مع آخرين من كبار المهاجرين والأنصار، قد أسهموا بتحويل هذه الحملة، بينهم، بالإضافة إليه، العباس بن عبد المطلب وطلحة بن عبيدالله وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن عبادة وعثمان بن عفان الذي كان اكثرهم نفقة([538]) كما يروي الواقدي. كما يتردّد في رواية ثانية للأخير، ذكر: أسيد بن حضير، في هذه الغزوة محرضاً الرسول (صلّى الله عليه وآله) على قتل المنافقين بقوله: «إنّ مثل هؤلاء يتركون… حتّى متى نداهنهم وقد صاروا اليوم القلّة والذلّة وضرب الإسلام بجرانه»([539]). ولكن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، كما في المواقف السابقة إزاء هذه المشكلة، لم يماش سيد الأوس في حماسته، ولم يزل كارهاً ـ فيما يرى ـ «أن يقول الناس إنّ محمداً لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه»([540]).
على أنّ إهمال الروايات للأنصار في غزوة تبوك، لا يعني غيابهم عنها، لا سيما وأن تعبئةً واسعة بين المسلمين سبقت هذه الغزوة، تجلّت في حضّهم الرسول على «القتال والجهاد»، على نحو لم تشهده الغزوات السابقة. فمن المرجح من هذا المنطلق أنّ الأنصار كانوا حاضرين بثقلهم في هذه الغزوة التي أسفرت عن اتفاقات بين الرسول وعدد من القبائل الشامية، كان لها نتائجها الهامة على علاقة الأخيرة بالدولة الإسلامية، فضلاً عن انعكاسها بعيد ذلك على حركة الفتوح في الشام التي رهصت بها غزوة تبوك قبيل سنوات قليلة.
الأنصار والخلافة
كانت تبوك آخر غزوات الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وإن لم تكن آخر الغزوات في عهده، حيث أشار الواقدي إلى سرية ام بها علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى اليمن، ربّما توّت النشاط العسكري لدولة الرسول. وذلك في أعقاب سرية لخالد بن الوليد إلى نجران. وقد خرج عليّ في ثلاثمائة فارس، «كانت خيلهم ـ حسب الواقدي ـ أوّل خيل دخلت تلك البلاد»، فانتهى إلى أرض مذحج، حيث جرت موقعة أسفرت عن «تفرّقهم وانهزامهم» وقتل عشرين منهم، قبل أن يستجيبوا لدعوته إلى الإسلام. ولم تلمح هذه الرواية إلى أي دور للأنصار في السرية وإن كان يعتقد أنّ مادتها الغالبة من القبائل، انطلاقاً من الحيّز الذي اتخذه بنو سلم في القيادة، إذ دفع عليّ قبيل المعركة باللواء إلى مسعود بن سنان السلمي، بينما تصدّى آخر من القبيلة نفسها (الأسود بن الخزاعي السلمي) لرجل من مذحج دعاه إلى البراز، فقتله الأسود ممهداً بذلك إلى انتصار المسلمين([541])، كما سبقت الإشارة.
ولعل إشكالية الأنصار في الدولة الإسلامية، كانت انعكاساً لإشكالية المدينة التي اتخذت شخصية جديدة بعد فتح مكة، وانخراط «أفواج» من قريش والقبائل العربية في الإسلام، ممّا جعل الأنصار قلّة في مدينتهم وسط هذا التدفق البشري عليها من كلّ الجهات. وقد رأى «وات» أنّ الأنصار، قد انكفؤوا على ذانهم أو بدؤوا ذلك منذ غزوة تبوك. أي في الوقت الذي «هبت فيه الجزيرة بأسرها لمخالفة محمد»([542]) حسب تعبيره. ذلك انّ بعضهم، أو من سمّاهم «وات» بالمزارعين([543])، وجد الفرصة سانحة للاستقرار وقطف ثمار نضاله في الإسلام، ولكن هذه النزعة «الذاتية» اصطدمت بالنظرة الشمولية للدولة، وما فرضته على المدينة من طابع احتوائي، هو في الحقيقة طابع المركز الذي يتساوى فيه الجميع من حيث المبدأ، المقيمون في الأصل والطارئون مع الموجة. هذه الإشكالية المعقدة، ملخّصة بسقوط مكة من دون قريش وتراجع الأنصار من دون المدينة([544]) التي أصبحت حاضرة العرب ومقر الدولة الإسلامية، قد حملت الأنصار على التوجس من الوضع الجديد ومتابعة تلك التطورات بشيء من الحذر. فقد أدّى فتح مة وتوحيد التطورات بشيء من الحذر. فقد أدّى فتح مكة وتوحيد الجبهة القريشية بمعنى ما، إلى تفوّق الأخيرة بزعامة المهاجرين، في الوقت الذي كانت فيه جبهة الأنصار مهدّدة بالانقسام أو مدفوعة بالتبعية لشركائهم في الدولة. ومن هذا المنظور فإنّ مشكلة السلطة وما أحاط بها من هواجس، لم تطرح مصادفة في السقيفة أو بتأثير مباشر من مرض الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وما يمكن أن يثيره ذلك من مخاوف جدية لدى الأنصار، وإنّما كانت المشكلة مطروحة منذ سنوات ثلاث على الأقل، إبّان اعتراض قريش على حمل سعد بن عبادة راية «الفتح». وقد دفع ذلك الأخير إلى الرضوخ للأمر الواقع، الذي لم يكن واضح المعالم بالنسبة للأنصار، منطوياً على ارتياب بموقف المهاجرين، ولكن دون أن يسوقه ذلك إلى التخلّي عن انضباطه أو التقاعس عن دوره الطليعي تحت راية الرسول (صلّى الله عليه وآله).
وفي ضوء هذه المعطيات، فإنّ ثمة صلة وثيقة بين فتح مكة وبين «مؤتمر» السقيفة الذي دعا إليه سعد بن عبادة، حيث الأنصار «قد انحازوا إليه» فيما يرويه ابن إسحاق. فقد ظلّت حادثة «الراية» يوم الفتح تثير في النفس شجونها والمخاوف، حتّى إذا وجد أنّ الرياح مالت إلى المهاجرين وشيخهم أبي بكر، آثر سعد المنفى، وربّما الموت بعد ذلك، على أن «يبايع قريشاً» حسب الروايات التاريخية. بيد أنّ المسألة تأخذ بُعدها السياسي (الإقليمي) قبل ذلك، إذ أنّ دعوة الأنصار إلى الاجتماع في السقيفة، أي في مكان تابع لبني ساعدة عشيرة سعد، تنطوي على موقف غير عفوي من الأخير، في وقت كان المسجد، هو المكان التقليدي لمثل هذا الأمر. ولكن المسجد الذي كان بجوار منزل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، حيث تحلق كبار المهاجرين، أعاق الأنصار عن الاجتماع في هذا المكان.
وهكذا انعقد «مؤتمر» السقيفة في ظل هاجس الخوف على مصير الأنصار بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، حيث تحلّق كبار المهاجرين، أعاق الأنصار عن الاجتماع في هذا المكان.
وهكذا انعقد «مؤتمر» السقيفة في ظل هاجس الخوف على مصير الأنصار بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، لا سيما بعد توحيد الجبهة القرشية في العام الثامن، وما أسفر عنه ذلك من خلل في التوازن السياسي في المدينة. ولعل هذا الهاجس كان واضحاً في المداولات الأولى حول مسألة الخلافة، معبراً عنه بصورة خاصة، الحُباب بن المنذر (من بني سلمة من الخزرج) ([545])، في سياق طرحه لاقتسام السلطة مداورة بين الطرفين وفق المقولة المعروفة: «منّا أمير ومنكم أمير، فإنّا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيّها الرهط، ولكنّا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم»([546])، أي أولئك الذين قتلهم الأنصار في موقع بدر وأُحد. وفي رواية ثانية يطرح الحُباب المسألة من منظور توازني. منّا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجري شيئاً في الأنصار ردّ عليه الأنصاري، وإن عمل الأنصاري شيئاً في المهاجرين ردّ عليه المهاجري([547]). وفي رواية ثالثة، يصف الحُباب ومه بأنّهم «كتيبة الإسلام» في معرض طرحه للمقولة نفسها: «فذلك أحرى ألاّ خالف أحد منّا صاحبه»، وفي رواية رابعة يبدو الحُباب أكثر تطرفاً في دعوته إلى أن يؤول الأمر للأنصار: «ملكوا عليكم أمركم فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترىء مجترىء على خلافكم». ولكنّه لا يمضي بعيداً في التطرف، وسرعان ما يعود إلى طرحه المتوازن السالف الذكر.
على أنّ الأنصار، لم يجمعهم موقف واحج في السقيفة، وإنّما سادت بينهم عدّة اتجاهات متفاوتة، ما بين التشدّد والاعتدال، وربما التحزّب للمهاجرين. ولعل سعد بن عبادة كان يمثل الاتجاه المتصلب في الأنصار، الذي عبّر عنه الحُباب في جانب من الرواية الأخيرة، رافضاً فكرة المساومة التي تردّدت في الجانب الآخر من الرواية. والاتجاه الثاني مثله الحُباب بن المنذر الذي تحزّب لمرشحه الخزرجي (سعد) ولكن مع شيء من الاعتدال يتوخى الوصول من خلاله إلى صيغة متوازنة بين الطرفين «الشريكين» في الإسلام: «نحن كتيبة الإسلام وأنتم معشر قريش رهط نبيّنا» حسب القول المنسوب له في رواية الزهري([548])، أمّا الاتجاه الثالث، فقد عبّر عنه عويم بن ساعدة (الأوس)، ومعن([549]) بن عديّ (الخزرج)([550]) اللذين تعاطفا مع المهاجرين، فكان أوّل من أحاط المهاجرين (أبو بكر) بما كان يجري في السقيفة، ووصفاه بأنّه «باب فتنة»([551]) حسب رواية الزهري. وكان عويم فيما تشير إحدى الرايات أوّل المبايعين من الأنصار، وإن كان السائد أنّ بشيراً بن سعد (من الخزرج)، تقدّم ومه في بيعة أبي بكر وإظهار فضل المهاجرين في هذا المجال([552]).
وثمة اتجاه رابع، وهو المؤيد لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي كان أكثر المهاجرين قبولاً لدى الأنصار، إذا ما توقفنا عند مروية الطبري «قالت الأنصار أو بعض الأنصار لا نبايع إلاّ علياً»([553]) وذلك بعيد بيعة عمر وأبي عبيدة لأبي بكر. وكان المنذر بن أرقم([554])، في مروية لليعقوبي على رأس هذا الاتجاه، حيث نسب له القول في معرض الردّ على قول عبد الرحمن بن عوف للأنصار ـ «إنّ كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي»([555]) ـ «إنّ فيهم لرجلاً ـ يقصد علي ـ لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد»([556]). ويبدو أنّ مشروع البيعة لعلي، وجد قبولاً لدى الأنصار، لا سيّما بعد إخفاق مرشحهم، وغلبة اتجاه البيعة للمهاجرين، حيث أشار اليعوبي أيضاً إلى قوم من المهاجرين والأنصار مالوا إلى عليّ([557]) وتخلّفوا عن بيعة أبي بكر، كان بينهم البراء بن عازب وأبيّ بن كعب (من الأنصار) والعباس بن عبد المطلب والزبير بن العوّام (من قريش). فضلاً عن مهاجرين آخرين مثل سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري وعمار بن ياسر، اجتمعوا مع علي (عليه السلام) وامتنعوا عن بيعة الخليفة الأوّل.
كانت تلك اتجاهات الأنصار الظاهرة في السقيفة، وهي تعبر أساساً عن الانقسام في الموف السياسي، الذي لم يقتصر على الأوس والخزرج، ـ ممثلاً بقول أسيد بن حضير لجماعة الأوس: «لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معها نصيباً أبداً»([558]) ـ وإنّما عصفت بالقبيلة نفسها، وربّما العشيرة نفسها، ممثلاً بموقف بشير بن سعد، أوّل المنشقّين في جبهة الأنصار([559])، ممّا أحدث ارتباكاً في صفوفها شجّع الأوس على الخروج منها والانحياز إلى المهاجرين. وما لبث هؤلاء، أن سيطروا على الموقف في ظلّ شعارهم «الأئمة من قريش»([560])، الذي كرس مبدأ سارت عليه الخلافة عهوداً طويلة، وانفضّ جمع الأنصار، دون أن يكون للتسوية التي طرحها أبو بكر في السقيفة «نحن الأمراء وأنتم الوزراء»، أي نصيب من التنفيذ، حيث تولّى المهاجرون السلطة الفعلية، في الوقت الذي ابتعد كثيراً عنها الأنصار حتّى خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي اعتمد عليهم في إدارته وحروبه.
وهكذا فإنّ الشعور بالخوف لدى الأنصار، أيقظ فيهم العصبية الإقليمية التي طالما راودت عبدالله بن أبيّ وأصحابه المنافقين، ولم تعدم تأثيراً لدى شخصية حازت ثقة الرسول وكانت قريبة منه، مثل الحُباب بن المنذر، الذي حرّض الأنصار على انتزاع السلطة بالقوّة، وخاطبهم ـ حسب رواية أبي مخنف ـ بقوله: «فإن أبوا عليكم (المهاجرون) فأجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور فانتم والله أحق بهذا الأمر، فإنّه بأسيافكم دان لهذا الدين ما دان ممن لم يكن يدين، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجّب، أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة». وإذا كان الحُباب قد نحا بعد ذلك إلى الاعتدال في هذه المسألةن فإنّ سعد بن عبادة، لم تخمد فيه هذه النزعة وأبى أن يكون لأهل مكة هذا الأمر، سواء المهاجرين أم غير المهاجرين، حيث كان الجميع برأيه من قريش التي رفض أن يبايغ لأحد منها، كما سبقت الإشارة، وذلك خلافاً للحُباب الذي تراجع عن موقفه وانخرط في بيعة الجماعات التي خرج بمفرده منها سعد، ملتجئاً إلى الشام (حوران)، حيث قتل في عهد الخليفة عمر نتيجة لهذا الموقف المتشدد.
وبعد سقوط الدولة الراشدية وقيام دولة الأمويين، لم يخف معاوية ابن أبيّ وهو موف لا ينفصل في النتيجة عن العلاقة التقليدية بين هؤلاء وقريش، ممّا يفسّر عبر هذا المنظور، إرسال معاوية قائد قرشي لإخضاع الحجاز في أواخر عهد الخليفة عليّ (عليه السلام)، وهو بسر بن أرطأة (من بني عامر بن لؤي)، متفاوتة أوامره للأخير ما بين الشدّة نحو حاضرة الإسلام الأولى «سر حتى تمر بالمدينة فاطرد أهلها وأخف من مررت به وانهب مال كلّ من أصبتَ له مالاً ممّن لم يكن قد دخل في طاعتنا، وأوهم أهل المدينة أنّك تريد أنفسهم، وأنّه لا براءة لهم عندك وعذر»([561])، وما بين الليونة نحو حاضرة قريش: «وسر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد…»([562]). ولم تختلف الرواية التي أوردها البلاذري عن الرواية السابقة (اليعقوبي) في هذا السياق. فقد كانت ثمة تعبئة ضد الأنصار، رافقت انتقال الخلافة إلى الأمويين الذين اقتصرت علاقتهم بهؤلاء على أربعة منهم فقط وهم: النعمان بن بشير (والي حمص) ومسلمة بن مخلد (والي مصر) وعمرو بن سعيد (والي فلسطين) وفضالة بن عبيد (القضاء) ([563])، بينما الأكثرية منهم تراجعت إلى المدينة منكفئة على عزلة شديدة، حيث عبّر عن موقفها، قيس بن سعد بن عبادة، أبرز شخصيات الأنصار في تلك المرحلة وأبرز قياداتهم في عهد علي (عليه السلام)، بما نسب إليه من قول في معرض السجال مع النعمان بن بشير بعد دعوة الأخير له إلى بيعة معاوية: «فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الأنصار»([564]).
وهكذا، كانت العلاقة بين معاوية والأنصار، متأثرة بذلك التراكم الذي شابها، ابتداءً من الهجرة ووقعة بدر ومروراً بيوم الدار (مقتل عثمان) وأيام صفين، حتّى سقوط الدولة الراشدية، التي كان ىخر المقاتلين عنها، قيس بن سعد مجسّداً ذلك في مقولته المعروفة إلى جنوده: «اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال بغير إمام»، وانتهاء «بوقعة الحرة» التي وصفها Vezely بأنّها ذروة العداء بين الأنصار وبني أمية. وثمة شواهد كثيرة على هذا الصراع القرشي ـ الأنصاري الذي بلغ حدّه الأقصى في عهدي معاوية ويزيد، من غير أن يكون له طابعه السياسي فقط ولكنّه اتّخذ بُعده الاجتماعي الواضح في تلك المرحلة، التي عانى الأنصار شدّتها وضغطها الاقتصادي، على نحو ما عبّر عنه ابن لقيس بن سعد، عاتبه معاوية على تلكؤ الأنصار في الترحيب به عن بُعد وهو في طريقه لإقامة الحج، فأجابه الأوّل ـ حسب رواية المدائني ـ بقوله: «منعنا من ذلك قلة الظهر وخفة ذات اليد بإلحاح الزمان علينا وإيثارك بمعروفك غيرنا»([565]).
ولكن الأنصار على ما يبدو لم يتحسّن وضعهم الاقتصادي في عهد معاوية، برغم توسّط حليفه النعمان ابن بشير، الذي دخل عليه «في جماعة من الأنصار فشكوا إليه فقرهم… فحرمهم ولم يعطهم»([566])، حسب الرواية التاريخية. وثمة صورة أخرى لمعاناة الأنصار في العهد السفياني عبّر عنها يزيد بن معاوية بصورة غير مباشرة، وذلك في معرض الردّ على عبدالله بن جعفر، الذي دخل عليه متوسطاً بينه وبين أهل المدينة حيث كانت أجواء الثورة مسيطرة على الأخيرة. فقد نسب ليزيد قوله لابن جعفر: «فإن أقرّوا الطاعة ونزعوا من غيّهم وضلالهم، فلم عليّ عهد الله وميثاقه لهم عطاءين في كلّ عام… عطاء في الصيف وعطاء في الشتاء، ولهم عليّ عهد أن أجعل الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا سبع آصع والعطاء الذي يذكرون أنّه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو عليّ أن أخرجه لهم وافراً كاملاً…» ([567]). فالمعارضة الأنصارية تأخذ إذ بُعدها الاجتماعي الواضح وهو ما اعترف به يزيد، إزاء التململ الذي ساد المدينة بشكل عام والأنصار بشكل خاص في ذلك الوقت([568]). فلم يعد هؤلاء معنيين كثيراً بالمسألة السياسية التي شغلت أبناء الصحابة في الحجاز، وإن لم يكونوا بعيدين عن التفاعل معها، وإنّما كانت المسألة الاجتماعية شاغل الأنصار في تلك المرحلة التي أعقبت وفاة مؤسس الدولة الأموية. فإذا كانت هذه المناسبة، مقترنة بالنسبة للبعض بإعادة طرح مشكلة الخلافة، فإنّها اقترنت لدى الأنصار بمشكلة الأرض في المدينة واستعادة ما فقدوه منها في ظروف غير عادية، وهي التي تندرج فيما عُرف بمشكلة «الصوافي»([569]) التي انفجرت بعيد وفاة معاوية.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإنّ ثورة المدينة التي ارتبطت بالتحرك العام للمعارضة السياسية ضد يزيد بن معاوية، لم تكن بعيدة في دوافعها الأساسية عن معاناة الأنصار وسوء أوضاعهم الاقتصادية، دون أن تكون هذه الحركة مصادفة أو خارج التوقيت، وإنّما تمّت في ظل خطة كان الجمنيع معنيين بها، مشاركين في تنفيذها. فقد جاء في «الإمامة والسياسة» أنّ عامل صوافي معاوية ويدعى ابن مينا([570])، قدم إلى المدينة «يريد الأموال التي كانت لمعاوية، فمنع منها وأزاحه أهل المدية عنها وكانت أموالاً اكتسبها معاوية ونخيلاً يجد منها مائة ألف وستين ألفاً ودل نفر من قريش والأنصار على عثمان([571])، فكلموه فيها، فقالوا: «قد علمت أنّ هذه الأموال كلّها لنا وأنّ معاوية آثر علينا في عطائنا ولم يعطنا قد درهماً فما فوقه حتّى مضّنا الزمان ونالتنا المجاعة فاشتراها بجزء من مائة من ثمنها»([572]). وقد روى اليعقوبي هذه الحادثة بشيء من الاختصار، فقال: «إنّ يزيد ولي عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة فأتاه مينا ابن مينا عامل صوافي معاوية، فأعلمه أنّه أراد حمل ما كان يحمله في كلّ سنة من تلك الصوافي من الحنطة والتمر، وأنّ أهل المدينة منعوه من ذلك»([573])، ولعل السمهودي (من مؤرخي القرن التاسع الهجري) كان أكثر مباشرة في الربط بين الثورة ومشكلة الأرض، عندما ذكر في رواية عن الواقدي أنّ «أوّل ما أهاج أهل الحرة أنّ ابن مينا أقبل بشرج([574]) له من الحرّة يريد الأموال التي كانت لمعاوية، فلم يزل يسوقه ولا يصدّه عنه أحد حتّى انتهى إلى الخزرج، فنقب النقيب فيهم، فقالوا ليس ذلك لك، هذا حدث وضرر علينا، فأعلم الأمير عثمان بن محمد بذلك»([575]).
وقد انخذت هذه الحركة طابع الانتفاضة في بادىء الأمر، حيث قام بنو الحارث بن الخزرج ومن ساندهم من الأنصار وقريش، بالوثوب على بني أمية في المدينة و«اتبعوهم يرجمونهم بالحجارة»([576]) فيما يرويه اليعقوبي… وسرعان ما تطوّرت إلى ثورة شاملة، متأثرة بدون شك بالمناخ السياسي العام (ثورة الحسين (عليه السلام))، فضلاً عن العلاقة المتشنجة في الأساس بين الأمويين والأنصار ولعل هذه الصورة كانت واضحة في ردّة الفعل السريعة، سواء لدى يزيد، الذي هدّد أهل المدينة قائلاً: «لأطأنهم وطأة آتي منها على أنفسهم»([577]) أو لدى عامل الصوافي الذي بدا «متطاولاً عليهم»([578])، فضلاً عن والي المدينة الذي هدّد أهلها «بأن يكتب بسوء رأيهم إلى أمير المؤمنين وما هم عليه من كمون الأضغان القديمة والأحقاد»([579])… إنّها الأحاد ربّما المتبادلة إذن، تتخذ حيزها في العلاقة المتوثّرة بين الأنصار وبني أمية، تلك التي تردّد صداها في أقوال الشعراء في تلك المرحلة، مثل شاعر الأمويين الأخطل الذي ماشى هؤلاء في الخصومة للأنصار في قوله المعروف:
ذهبت قريشٌ بالمكارم والعلا
واللؤم تحت عمائم الأنصار([580])
كما عرّض في قول آخر من القصيدة نفسها، بعلاقة الأنصار القديمة مع اليهود ومحتقراً اشتغالهم بالزراعة:
لعن الإله من اليهود عصابة
بالجزع بين صُليل وصرار([581])
… خلوا المكارم لستم من أهلها
وخذوا مساحيكم([582]) بني النجار
إنّ الفوارس يعلمون ظهوركم
أولاد كل مقبّح أكّار([583])
وقد أثار ذلك حفيظة النعمان بن بشير، الذي استيقظت فيه عصبيته «الأنصارية»، ملمحاً بصورة غير مباشرة إلى موقف الأمويين من الإسلام الذي نصره قومه بينما قاتلته قريش، حيث يقول مخاطباً معاوية:
متى تلقَ منّا عصبة خزرجية
أو الأوس يوماً تخترمك المخارم
ألم تبتدر يوم بدر سيوفنا
وإنّك عما ناب قومك نائم([584])
كما انعكس هذا التوتر على شاعر آخر كان أبوه من رؤوس «الحزب العثماني»، هو عبد الرحمن بن حسان ابن ثابت الذي لم يخف سخطه على معاوية في موقف للأخير نال فيه من الأنصار ومن شيخهم أبي قتادة، إذ قال مخاطباً الخليفة الأموي:
فإنّا صابرون ومنظروكم
إلى يوم التغابن والخصام
وهكذا كانت ثورة المدينة وما انتهت إليه من مأساة عظيمة في موقعة الحرّة، ذروة هذا التراكم السياسية والاجتماعي الذي فجّرته مشكلة الأرض، وتطوّر إلى مواجهة عسكريةن اتخذ الأنصار دوراً أساسياً فيها، كقيادة أو كمادة مقاتلة. وفي ضوء هذا الواقع، تنازل عبدالله بن مطيع العدوي (من قريش) ـ وهو منالٍ لابن الزبير ـ عن القيادة لعبدالله بن حنظلة (الأنصاري)، مكرّساً ذلك سيطرتهم لأوّل مرّة على المدينة في ظل الإسلام، بعد أن أخفقوا في الوصول إلى هذا الموقع قبل نصف قرن في السقيفة. ولكن هذه الثورة، برغم الإجماع على تأييدها في المدينة وطرد الأمويين من الأخيرة، لم يكن لها من مقومات الصمود، سواء العسكري منها أم الاقتصادي، ما يجعلها تحقق نجاحات تتجاوز هذا الحدّ، في وقت كان يزيد قد مضى شوطاً في مواجهته العنيفة للمعارضة التي تجلّت في مقتل الحسين (عليه السلام) وأصحابه، من غير أن يحول ذلك ومتابعة هذا النهج، ممّا أوقع المدينة في دائرة العنف قتلاً واستباحة وغير ذلك من ممارسة انتقامية استهدفت بشكل خاص.
ولكن هذه الحركة من منظور سياسي، عكست أزمة السلطة الأموية التي أخفقت في التعبير عن مصالح الجماعة، وما يقترن بالأخيرة، من طابع شرعي، لم تستطع وحدة القبائل أن تكون بديلاً لها، ممّا أوجد هوّة كبيرة بين الدولة والجماعة، حيث كان الأنصار في الواقع نخبتها وصورتها الساطعة. ولذلك فإنّ ضربة المدينة كانت ضربة قاسية للجماعة نفسها، التي تراجع دورها كقوّة سياسية ومعنوية على الأقل، مع فشل ثورة المدينة، التي كانت آخر محاولة فعلية للجماعة، لاستعادة دورها الطليعي في الدولة، كما كانت آخر فرصة للأنصار من أجل تحقيق طموحهم في السلطة، إذ أنّ المحنة العظيمة التي نزلت بهم في «الحرّة» دفعتهم إلى العزلة التامة ةانتهت بهم إلى زوال دورهم السياسي بصورة نهائية (استكمالاً للبحث راجع بحث «الحرة» في حرف الحاء).
الدكتور إبراهيم بيضون
أنصار
قرية في جبل عامل، تقع فيما كان يسمّى قديماً بإقليم الشومر، وتتبع اليوم قضاء النبطية.
وهي تبعد عن بلدة النبطية 14 كلم وعن صيدا 38 كلم إلى جنوبها الشرقي. وتبعد عن ساحل البحر 12 كلم، مشكلة مع صور وصيدا مثلاً متساوي الساقين.
ترتفع عن سطح البحر 300 متر وتبلغ مساحة أراضيها 23 ألف دونم ومعظم أرضها من نوع السليخ ويبلغ عدد سكانها 7500 نسمة صيفاً و6000 نسمة شتاء كلهم من الشيعة ما عدا أقلية مسيحية تشكل آل الحداد الذين يتعاطون فيها صناعة السكاكين التي اشتهرت بها.
وقد حفرت فيها أخيراً آبار ارتوازية لتسقي البساتين التي ابتدىء بإنشائها حديثاً. ومن أهم حاصلاتها الزراعية: الخضر والحبوب والزيتون والتبغ.
ومن آثارها: (تل شبار) وهي قرية قديمة تقع غربيها، دير القبة، تل مريصع، وفيها مقام يسمّيه الأهلون (بلاط أبي كيلة) وينسبونه إلى أبي ذر الغفاري.
ومن مساجدها القديمة: جامع منصور، جامع السراي جامع الحاج مهدي. وفيها خمسة مساجد حديثة وحسينية ومستوصف وناديان: نادي أنصار الثقافي أنشىء سنة 1971م ونادي الشباب الثقافي أنشىء سنة 1972م.
ويمر فيها طريق للسيارات يصل الساحل بالنبطية ومرجعيون فالبقاع فدمشق.
خرج منها من العلماء السيد بدر الدين بن أحمد الحسيني العاملي الأنصاري الذي كان حياً سنة 1025هـ، سكن طوس بخراسان وقرأ على الشيخ البهائي وصار أحد العلماء المدرسين فيها وأخرج عدّة مؤلفات، منها حواش هي الأحاديث المشكلة وعلى أصول الكافي وشروح على الإثني عشرية والزبدة للبهائي وعيون جوهر النقاد في حجية أخيار الآحاد.
وقد تعرّضت هذه القرية لهجوم الأمير ملحم الشهابي عليها أكثر من مرّة وكان أشدّها الهجوم الذي وقع سنة 1147هـ وقد استند على فتوى مذهبية للشيخ نوح بحلية دماء الشيعة وأعراضهم وكفرهم.
فهاجمهم الأمير ملحم في أنصار بجيش يقدره بعض المؤرخين بثلاثين ألفاً؛ يقابلهم من المقاتلين العاملين أربعة آلاف قتل منهم ألف وخمسمائة وأسر أكثر من ثلاثمائة على أنّ الشيخ علي سبيتي فيما دوّنه عن ذلك العصر يقول: إنّ الأسرى كانوا ألفاً وأربعمائة وعادوا الأخير ملحم غزو أنصار سنة 1156هـ كما يقول السبيتي الذي ذكر أنّه قتل من الفريقين هذه المرّة أكثر من ألف قتيل وأنّ أنصار نهبت.
اشتهر في أنصار من العلماء في العصور المتأخرة السيد حسن إبراهيم الذي أنشأ فيها مدرسة دينية تخرّج فيها كثير من العلماء والأدباء.
وقال الشيخ سليمان ظاهر متحدثاً عن وقائع أنصار:
كانت قاعدة أعمال الشومر وإحدى مراكز الحكام من بني منكر نكبت أيام الحكم الإقطاعي مرات، الأولى: في إمارة الأمير ملحم المعني سنة 1048هـ ـ 1638م وسببها أنّ الأمير علي علم الدين مزاحم الأمير ملحم على إمارة الشوف والذي كان وافياً عليها من قبل وزير دمشق أوجس على نفسه خيفة من السلطان مراد لما قدم بعساكره الجرارة إلى حلب قاصداً بغداد فالتجأ إلى متاولة بلاد بشارة فلمّا علم به الأمير ملحم جمع عسكراً ودهمه في قرية أنصار (لا نصار، كما جاء في أخبار الأعيان ودواني القطوف) وقتل من جماعته خلقاً كثيراً ففرّ الأمير علي إلى دمشق. هذه رواية الأمير حيدر. ويقرب منها ما رواه الشديا وصاحب الدواني والمطران يوسف الدبس. وأمّا رواية مؤرخيها من العامليين فإنّها لم تنخط ما يلي: وفي سنة 1048هـ صارت وقعة أنصار مع ملحم فنهبها نهبة عظيمة وتل فيها خلقاً كثيراً وأقام فيها نحو أربعة أيام.
الثانية: في إمارة الأمير حيدر الشهابي رواها مؤرخ عاملي فقال: (وفي سنة 1114هـ أحرق الأمير حيدر بلاد الشقيف وأنصار) ورواها عاملي آخر فقال: وفي سنة 1143هـ ـ 1730م ركب الأمر حيدر على بلاد الشقيف وإقليم الشومر وأحرقها. ولم يذكر الأمير حيدر والشدياق والمؤرخان الدبس والمعلوف هذه النكبة في أخبار الأمير حيدر ولكن جاء في تاريخ الأمير حيدر في حوادث السنة التي أرخ بها العاملي الأوّل هذه النكبة خبر نكبة الأمير ملحم الشهابي ابن الأمير حيدر بلاد بشارة فقال: وفي سنة 1144هـ ـ 1731م استأجر الأمير ملحم بلاد بشارة من يد وزير صيدا بموافقة الشيخ سليمان الصعبي وقبض على الشيخ نصار بن علي الصغير وباغت إخوته في قرية جويا فهربوا إلى بلاد القنيطرة وقتل ثلاثة عشر قتيلاً من قبيلتهم ونهبت الدروز تلك البلاد ثمّ رجع أولاد الشيخ نصار وفكوا أخاهم واستأجروا بلادهم من الأمير ملحم. أمّا الشدياق فقد أرّخ الحادثة في سنة 1733م فقال: وفيها «بلغ الأمير أنّ بني علي الصغير أصحاب بلاد بشارة أظهروا الشماتة بموت والده فخضبوا ذيول خيولهم بالحناء سروراً فكتب إلى سعد باشا والي صيدا يلتمس منه ولاية بلاد بشارة فولاه فنهض إليها فمال إليه سليمان الصعبي صاحب مقاطعة الشقيف فأمنه وأبقاه كما كان ثمّ دهم بني علي الصغير للقتال فالتقى بهم في أرض قرية يارون من تلك الديار فظفر بهم وكسرهم وأهلك منهم خلقاً وقبض على مقدمهم نصار ففرّ إخوته إلى قرية جويا من تلك الديار ثمّ قفل راجعاً إلى لبنان ومعه نصار الصغيري معتقلاً. ثمّ بعد أيام حضر إخوته (لا أولاده) كما في تاريخ الأمير حيدر واستماحوا منه إطلاق أخيهم ودموا له مالاً فداء عنه فأخذه وأطلق لهم أخاهم وأعادهم إلى بلادهم ولاة من قبله. وبعد فإنّ رواية العامليين وإن اختلفت في تحديد تاريخ النكبة الثانية لقرية أنصار فقد اتفقت على تعيين الناكب ووقوعها وأنّها غير ما ذكره الأمير حيدر الشدياق من ذلك الحادث الذي اختلفت روايتهما في تحديد وقته.
الثالثة: في إمارة الأمير ملحم الشهابي سنة 1156هـ ـ 1743م (وفي دواني القطوف سنة 1734م وهو مخالف لمؤرخيها العامليين والأمير حيدر والشدياق والمطران الدبس) ولعله غلط مطبعي وهو ما نحملعليه صاحب الدواني. وسببها كما جاء في تاريخي الدبس والأمير حيدر وفي أخبار الأعيان والدواني أن متاولة جبل عامل لما تطاولوا على أطراف بلاد الأخير ملحم وعصوا على سعد الدين باشا العظم والي صيدا في تأدية المال السلطاني استنفر لتأديبيهم الأمير ملحم فصادف ذلك هوى في نفسه للانتقام منهم فجمع عسكراً جراراً وزحف به حتّى بلغ جسر الأولي فتدارك المتاولة خطر هذا الزحف باستمالتهم الوزير بهداياهم الفاخرة وبوعده بدفع المال السلطاني وغيره على أن يكف عنهم الأمير ملحماً فكتب إليه يخبرهم وأمره بالكف عنهم فلم يرقه ذلك وأغضبه رضاء عنهم بدون علمه وأثار حفيظته تركهم استرضاءه فخالفه ونهض إلى قتالهم بجيشه وأدرك قرية أنصار وفيها المناكرة والصعبية وأحزابهم فخرجوا برجالهم لحربه فدحرهم وقتل مهم ألف وستمائة قتيل وقبض عىلى أربعة من مشايخهم ونهب القرية وأحرقها وعاد إلى دير القمر بعز تام ومعه المشايخ الأربعة الاسرى فزجّهم في السجن وكتب إلى وزير صيدا بخبر ظفره فأجابه جواب الرضى والثناء وأرسل إليه مصرف عسكره وتوسّط بعد ذلك الشيخ علي جنبلاط في أمر المشايخ المسجونين فقبل الأمير وساطته وأطلقهم من السجن على أن يدفعوا له كلّ سنة ستة آلاف قرش وفرسين من جياد الخيل. أمّا مؤرخو هذه النكبة من العامليين فقد قال بعضهم: (هاجم في هذه السنة الأمير ملحم قرية أنصار ثانياً وقتل من الفريقين نحو من ألف قتيل ونهبت أنصار). وروى غير واحد ما هذا محصله: باغت الأمير ملحم أنصار والمتاولة غير متأهبين للقتال لعلمهم بأنّ تسليمهم لوزير صيدا قد كفّ عنهم عادية انتقامه على يد الأمير ملحم وأن مباغتته لهم لم تقطع أملهم بانصرافه عنهم سلماً تظاهر بميله إليه على شروط اقترحها عليهم تبتدىء بإلقائهم أسلحتهم ثمّ الاجتماع به للمداولة في مكان يحضره هو وبعض خواصه ولم يحتاجوا لهجوم جيشه الذي دبره متخذاً وسيلة له اجتماعه بهم عزلاً من السلاح ففاجأهم عسكره المسلح في مكان اجتماعهم وفيه جمهرتهم فكان ما كان من القتل الذريع وإلاّ فإنّه لم يسبق قط انجلاء معركة في بلد واحد من المعارك التي خاضوا غمارها في حروبهم الشوف وغيره قديماً وحديثاً ما انجلت عنه هذه المعركة. ويؤيد هذه الرواية شعر زجلي لبعض زجليي ذلك العصر يتناقله الخلف عن السلف يتضمن ملام بعض حكام مقاطعة أنصار على انخداعه للأمير ملحم ممّا كانت عقباه انكسار المتاولة.
وروى في دواني القطوف إعادة الأمير ملحم الكرة على المتاولة في أنصار 1744م (1157هـ) وقتله كثيرين منهم وسكت عن هذه الرواية الشدياق والمطران الدبس وأمّا الأمير حيدر والعامليون فقد أوردوا في حوادث هذه السنة رواية تخالف رواية الدواني. وإليك ما أورده الأوّل من خبرها قال: وفيها (سنة 1744م) كانت الموقعة في مرج عيون بين المشايخ المتاولة وأهالي وادي التيم ومعهم دروز جبل الشوف وكانت الكسرة على الدروز وعسكر وادي التيم وقتل منهم نحو ثلاثمائة قتيل وأحرقت المتاولة جميع قرى مرجعيون ثمّ اجتمعت المتاولة في قرية النبطية وأرادوا أن يغزو جبل الدروز فمنعهم وزير صيدا (تاريخ الأمير وفي هذه الموقعة يقول بعض الزجليين: يا بنت مردم بك طلي وشوفي دخان مرجعيون غطى الشوفي. وفي بعض المخطوطات العاملية رواية نكبة لها سكت عنها المؤرخون ملخصها أنّ مصطفى باشا القواص والي صيدا جاء أنصار صبيحة الأربعاء في اليوم الحادي عشر من جمادى الأولى سنة 1167هـ ـ 1753م ونهبها وقبض على الحاج محمد حمادي وسليمان الجواد وأخذهما إلى صيدا وفي 23 رجب من هذه النسة ركب فرسان عباس العلي الصغيري (حاكم صور) وكبسوا عسكر الدولة في مغراقة أنصار.
أنصارية
بلدة في جبل عامل تقع على تخوم منطقة صيدا، تمتد غرباً لتصل إلى البحر، يبلغ ارتفاعها عنه حوالي 100 متر، تبعد عن بيروت 66 كلم، وعن صيدا 23 كلم.
مساحتها الإجمالية 375 هكتاراً، والطرق المؤدية إليها: صيدا ـ الزهراني ـ عدلون، وعدد سكانها 3068 نسمة تقريباً.
ينسب أبناء البلدة تسميتها إلى الشيخ محمد الأنصاري الذي أقام فترة في البلدة وله مقام فيها.
وفي أنصارية هذه جرت وقعة بطولية من وقعات المقاومة الإسلامية المؤلفة من رجال الشيعة من أبناء جبل عامل بقياة (حزب الله) ممّا نفصلها فيما يلي:
اسطاع حزب الله([585]) في إطار مقاومته المفتوحة في جبل عامل للاحتلال الصهيوني، أن يلحق بالجيش الإسرائيل في بلدة أنصارية ليل 4ـ5 أيلول/1997 واحدة من أقسى الهوائم التي مني بها هذا الجيش في تاريخ صراعه مع العرب والمسلمين. وأهمية انتصار المقاومة الإسلامية في أنصارية، تكمن في أنّه أوّلاً تحقق على وحدة من جيش العدو تابعة لفرقة شيبطت المشهود لها في «إسرائيل» بأنّها تضمّ بين صفوفها، صفوة العسكريين الإسرايليين، وبأنّ سجلها القتالي حافل بالعمليات الأمنية الناجحة. وثانياً تحقق في وقت كانت فيه حكومة بنيامين نتنياهو تحاول إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن المزيد من التصلب وضرب العرب بيد من حديد، هو الأسلوب الوحيد الذي يجلب الأمن «لإسرائيل»… وفي مكان (أي جبل عامل) صار محط أنظار العرب والمسلمين، يستمدون منه في الزمن العربي الردي، عوامل العزة والكرامة والأمل بالتحرير.
مجمل المعطيات الآنفة، إضافة إلى الأداء العسكري والأمني المميز والاحترافي الذي واجه به حزب الله عناصر وحدة (شبيطت)، جعلت من واقعة أنصارية علامة فارقة في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني حيث إنّها أكدت الدلالات التي كانت المقاومة الإسلامية في جبل عامل أرستها خلال مواجهات الأعوام 1993 و1996 وأخيراً مواجهة أنصارية، وكلّها أفادت بأنّ زمن النزهات العسكرية الصهيونية داخل لبنان قد ولّى إلى غير رجعة، ليحل مكانه زمن الهزائم الإسرائيلية فوق هذه الأرض.
ماذا حصل في أنصارية؟
ليل 4 و5 أيلول العام 1997، وبعد حلول الظلام بقليل نزلت قوّة من وحدة «شييطت» الإسرائيلية مكوّنة من 16 عنصراً عند الشاطىء في منطقة مسماة شاطىء عدلون، وهي منطقة غالباً ما تستخدمها الوحدات الخاصة الإسرائيلية كمحطة إنزال داخل العمق اللبناني، تنطلق منها لتنفيذ عمليات اغتيال أو قرصنة أو استطلاع. وانطلاقاً من هذه النقطة تسللت وحدة شييت بين بساتين من أشجار الموز والليمون الكثيفة باتجاه قرية أنصارية، وكانت تحمل وسائل قتالية كثيرة: عبوات، قنابل يدوية، خرائط، أجهزة إلكترونية خاصة تسمح بالحركة ليلاً. كانت الوحدة انسمت خلال مرحلة تسللها نحو هدفها الذي ظلّ مجهولاً، إلى مجموعتين: الأولى تقدّمها قائد الوحدة ومعه بعض الجنود وكانوا يتقدّمون ببطء بعيداً عن القوّة الأساسية نحو ثلاثين متراً. ولكن هذه الأخيرة عادت والتحقت بهم قبل دقائق قليلة من وقوع الوحدة في الكمين الذي أعدّه لهم حزب الله.
مقاومو حزب الله فجّروا العبوة الأولى تمام الساعة 40،00 صباحاً، وكانت موضوعة على الجانب الآخر من الشارع الذي كانت تسير عليه القوّة، وهو شارع يصل بين قريتي أنصارية واللوبية. ثمّ لحظات ووقع الانفجار الثاني الذي قتل فيه قائد القوّة المقدّم يوسف كوركين. وبعد بضع دقائق وقع انفجار ثالث وسط القوّة الأساسية على بُعد حوالي عشرين متراً من القوّة البحرية التي كان يقودها كوركين قبل مقتله. وربما كان هذا الانفجار هو انفجار العبوة التي كان يحملها الرقيب أوّل (ايتمار إيليا) على ظهره، وأغلب الظن أنّ هذا الانفجار نتج عن الحرارة الشديدة التي انتشرت وسط مجموعة المقاتلي، وأدّى ذلك لمقتل ايتمار ومن حوله من الجنود. على أنّ الانفجارين الأولين، كانا بكل تأكيد حسب جريدة هآرتس الصهيونية، من فعل رجال حزب الله.
السيد علي أكبر محتشمي من أبرز مناضلي الثورة الإسلامية وكبار رجال الجمهورية ومؤسس حزب الله في لبنان عندما كان سفيراً في دمشق. لذلك استهدفه الصهاينة بمتفجرة أرسلوها إليه بالبريد فنجاه الله بعد أن أصيبت يده إصابة بالغة. فهو بحق: الشهيد الحي. وإذا كان حزب الله قد حقق النصر على إسرائيل، فيجب أن نتذكر دائماً أن بطل تأسيس هذا الحزب هو السيد المحتشمي.
وبعد هذه الانفجارات الثلاثة، كانت ساحة الكمين مملوءة بجثث جنود النوحدة الـ 16 الذين إمّا أنّهم قتلوا أو أصيبوا بجراح. وحده نصر الاتصال الرقيب أوّل (ساعر) خلا من أيّة إصابات، وراح يصرخ عبر جهازه طالباً النجدة، وسط بكاء وصراخ رفاقه. وفي هذه اللحظات كانت أجهزة الاتصالات المفتوحة في مقري القيادة الإسرائيلية اللذين استحدثا لمتابعة العملية، ينقلان إلى المسؤولين المباشرين عن تخطيط هذه العملية وتنفيذها، وقائع المأساة التي حلّت بخطتهم على الأرض. ففي المقر الأوّل كان يجلس وزير الدفاع (إسحق موردخاي) ورئيس الأركان (امنون شاحاك) وضباط استخبارات اصطفوا على جانبي قائد سلاح البحرية اليكسي طال بالإضافة لضباط كبار آخرين. وفي المقر الثاني كان يجلس كلّ من قائد (شييطت) وضباط آخرون. وبعد وصول أصوات الاستغاثة عبر أجهزة الاتصال الموجودة في المقرين من أرض المعركة في أنصارية، انتقل فوراً وزير الدفاع ورئيس الأركان إلى غرفة عمليات قيادة سلاح البحرية. وهنا أصدر إسحق موردخاي أمراً بإنزال قوّة أناذ مع طائرة مروحية من طراز يسعور في مكان المعركة لإخلاء جنود الوحدة من هناك. وفي الساعة الواحدة وعشر دقائق كانت المروحية الصهيوية التي كان على متنها وحدة الإنقاذ، تحاول الهبوط في ساحة العمليات وذلك تحت غطاء ناري شديد. ولكن رجال حزب الله استطاعوا إصابة الطائرة ببعض الشظايا. وفي الساعة الواحدة والنصف وصلت قوّة الإنقاذ الإسرائيلية إلى القوّة المصابة، وهنا وقعت من جديد تحت نيران حزب الله ممّا أدّى إلى مقتل الطبيب الذي كان يرافق الوحدة وهو برتبة رائد.
وبعد معارك ضارية وقصف متبادل شاركت فيه إلى حانب مدفعية حزب الله مدفعية الجيش اللبناني، أخلت وحدة الإنقاذ الصهيونية في الساعة الثانية والنصف فجراً، بعض جثث جنود وحدة شييطت، على أنّ مجموعة الإنقاذ لم تستطع إخلاء جميع الجثث بفعل ضراوة المقاومة التي كانوا يواجهون بها على الأرض من رجال حزب الله.
ولم تسمح «إسرائيل» بنشر أي معلومات رسمية عن خسائرها طوال الساعة الـ 12 التي تلت مواجهة أنصارية، وكان رئيس الأركان الإسرائيلي أوضح لاحقاً في مؤتمر صحافي حجم الخسائر التي لحقت بوحدة شييطت: «فقدت وحدة الكوماندوس في عملية أنصارية في لبنان، عشرة من مقاتليها، إضافة إلى جندي مفقود، ومقتل النقيب الدكتور ماهر داغش من قرية المغار الذي ألحق كطبيب لقوّة الإنقاذ لإخلاء المصابين. وأصب في المعركة أربعة جنود آخرينز أمّا التلفزيون الإسرائيلي، فقد فصل في تقرير له رتب بعض القتلى، وهم:
ـ قائد سرية، وهو مقدم في الكوماندوس البحري.
ـ ثلاثة نقباء.
ـ رائد.
ـ رقباء أول: عدد 2.
كما فقد جندي، أعلن لاحقاً عن مقتله.
وأكد المحللون العسكريون الإسرائيليون أنّ هذا الارتفاع في عدد الخسائر، كان سببه أنّ الجنود الإسرائيليين كانوا قريبين من بعضهم البعض، لحظة وقوع الانفجارين؛ لكن زئيف شيف، وهو نمحلل عسكري معروف، ردّ وقوع خسائر فادحة في أنصارية إلى حقيقة أنّ تصويب المتفجرات باتجاه عناصر القوّة، كان دقيقاً وصحيحاً. فقد كان انفجار العبوتين موجهاً إلى وسط القوّة وليس إلى مقدمتها، بغية إلحاق أفدح الخسائر بها.
وبعد ساعات من انتهاء مواجهة أنصارية شرح حزب الله في مؤتمر صحفي ظروف المواجهة المظفرة بين مجاهدي حزب الله والقوّة الصهيونية. فقال: «لا نكشف سراً إذ نقول إنّ المجاهدين في المقاومة الإسلامية… عاشوا منذ فترة حالة تشدد واستنفار وجهوزية عالية في الكثير من المناطق. وقامت مجموعات كبيرة من المقاومة الإسلامية بتنظيم حملة حراسات، وسهر ورصد في محيط الكثير من البلدات… ولم تعد تقتصر هذه الحملات على البلدات والقرى الأمامية في خط المواجهة، بل امتدت إلى البلدات الخلفية… ومن جملة العبر التي تركتها [تجارب المقاومة] هي أنّه لا يكفي تواجد مجموعات للمواجهة، بل يجب أن تكون في أماكن تواججها وعلى مقربة محسوبة منها، كميات من العبوات الناسفة لتتمكن من اصطياد قوات الكوماندوس الإسرائيلية وليس انتظارها فقط بالبندقية، بل بالعبوات والبنادق والجهوزية الكاملة لقصف نقطة المواجهة والعدوان في أسرع وقت ممكن».
وأضاف: «وقرابة الساعة الواحدة بعد منتصف ليل الجمعة (5 أيلول 1997) أتت مجموعة من الكوماندوس الإسرائيلي، وتسللت إلى المنطقة التي حصل فيها الاشتباك والتي تبعد 2 كلم عن البحر… والاشتباك حصل في منطقة بساتين في خراج أنصارية، بعيداً قليلاً عن البلدة، حيث إنّهم كانوا متوجهين إلى الهدف… وفجر مقاتلو المقاومة الإسلامية العبوات الضخمة والكبيرة جداً… وتدخل الطيران المروحي بكثافة في منطقة المواجهة… والواضح أن القتل الذي أصاب الجنود الإسرائيليين وتمزق الأجساد والعدد الكبير من القتلى والجرحى حصل في اللحظات الأولى من المواجهة، وسببه العبوات الكبيرة المزروعة في محيط مجموعات الحراسة.
والواقع أنّ حجم الخسائر الصهيونية في عملية أنصارية، وانتشار صور أشلاء جنود شييطت عبر وسائل الإعلام والإنترنت إلى كلّ أنحاء العالم، حتّما على الحكومة الإسرائيلية التحرّك سريعاً لامتصاص التفاعلات الداخلية الناتجة عن هزيمة أنصارية. وفي هذا السياق أوصت حكومة نتنياهو بتشكيل لجنة من كبار ضباط الجيش والاستخبارات الإسرائيلية للتحقيق بكل ما له علاقة بعملية أنصارية التي قادت إلى كارثة حسب التسمية الصهيونية لنتائجها.
وعلى مدار 52 يوماً ظلّت اللجنة تحقّق بوقائع ما حصل. وأصدرت اللجنة بختام أعمالها تقريرين، الأوّل معلن تمت إذاعته في تل ـ أبيب، والثاني سري يتعلق بالاستنتاجات الأمنية الاستراتيجية التي أظهرتها مواجهة أنصارية، والتي يجب على الجيش والمخابرات الصهيونية أخذها بعين الاعتبار كما ورد في التقرير الثاني معلومات عسكرية سرية عن حيثيات العملية.
وكان من أهم نتائج، واقعة أنصارية، عملية تبادل أشلاء الجنود الإسرائيليين، بأسرى وشهداء للمقاومة.
وفي الساعة الحادية عشرة من ليل 25/6/1998 استقبل لبنان 40 من شهداء المقاومة، نقلتهم طائرة عسكرية فرسنية من فلسطين المحتلة، وسط مراسم مؤثرة اتّسمت بالجلال في مطار بيروت الدولي في مقابل تسليم حزب الله أشلاء جنود إسرائيليين.
وفي اليوم التالي (27/6/1998)، تمّ إكمال عملية التسليم، حيث وصل إلى لبنان عن طريق عبر كفرفالوس، 60 أسيراً ومعتقلاً لبنانياً، 10 ممنهم كانوا في معتقلات فلسطين المتلة وذلك في إطار واحدة من أكبر عمليات تبادل قتلى إسرائيليين بسجناء ورفات شهداء لبنانيين.
الإنصاف
اسم كتاب ورد في ثبت مؤلفات ابن سينا وسمّاه الرازي في مباحثاته المشرقية كتاب (الإنصاف والاتصاف). وهو جملة ما وف عليه من مؤلفات ابن سينا، وفي دار الكتب المصرية مخطوط يشتمل على أقسام من كتاب الإنصاف:
1 ـ شرح مقالة اللام.
2 ـ شرح أوتولوجيا.
3 ـ تعليقات على حواشي كتاب النفس لأرسطاطاليس.
وقد عني بنشر هذه النصوص بعض الباحثين المصريين. وفي حقيقة كتاب الإنصاف اختلاف، فمن المؤرخين من يرى أنّ ابن سينا ألّف كتاب الإنصاف في عشرين مجلداً. شرح فيها آراء أرسطو وأنصف فيه المشرقيين والمغربيين، غير أنّهم يقولون إنّ الكتاب فقد في الغارة على باب أصفهان([586]). ويزعم آخرون أنّهم عثروا على نسخة منه في أصفهان.
ولهذا الكتاب ذكر في بعض رسائل ابن سينا التي بعث بها إلى أبي جعفر. وفي هذه الرسالة إشارة إلى فقدان نسخة الأصل من هذا الكتاب في الهزيمة المذكورة.
وعن الكتاب والحادثة المذكورة يقول أبو الحسن بهمينار بن المرزبان الذي يعتبر من أبرز تلاميذ ابن سينا، وذلك في كتاب المباحثات([587]): كان قد اتفق من الدواعي عام طروق ركاب السلطان الماضي رحمة الله عليه هذه البلاد، ما بعثه على الاشتغال بكتاب سمّاه: (الإنصاف) اشتمل على جميع كتاب «أرسطاطاليس». إلى أن يقول بهمينار:
«وقبل أن ينقل إلى المبيضة وقع عليه قطع في هزيمة ألمّت بأسبابه وكتبه كلّها على باب أصفهان».
الإنصاف والتحري في دفع الظلم
والتجري عن أبي العلاء المعري
اسم كتاب لكمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد المعروف بابن العديم، الذي ينتهي نسبه إلى ابن أبي جرادة صاحب علي بن أبي طالب (عليه السلام).
لعله ألّفه حوالي سنة 640هـ ـ 1242م. وقد صنعه بعد أن وقف على جملة من مؤلفات أبي العلاء، وعرف مذهب الرجل فدافع عنه ورمى أعداءه بالحسد والكذب وسوء الفهم وقال إنّهم وضعوا على لسانه أقوال الملاحدة وحملوا كلامه على غير المعنى الذي صده «فجعلوا محاسنه عيوباً وحسناته ذنوباً وعقله حمقاً وزهده فسقاً ورشقوه بأليم السهام وأخرجوه عن الدين والإسلام وحرفوا كلمه عن مواضعه وأوقعوه في غير مواقعه». ولهذا ابتدر دونه مناضلاً ولمحاسنه ناقلاً. فذكر مولده ونسبه وتحصيله للعلم ودينه الصحيح ومذهبه وورعه الشديد وزهده. فكان من أطول ما كتب عن المعري في ذلك الزمان، ولعله من أنفع المصادر فيه. وقد بلغ الكتاب إلينا على نسخة قديمة جداً، استقرّت في دار الكتب المصرية، ولكن لجنة أبي العلاء في القاهر طبعته على نسخة متأخرة سنة 1944م.
الإنصاف والانتصاف
ظهر ابن تيميّة فتحدّى كلّ المذاهب وعارضها فسفّهه أعلام عصره، وألّف ـ فيما يخصّ الشيعة ـ كتاب «منهاج السُّنّة».
فكتب بعض معاصريه كتاباً في الردّ عليه سمّاه «الإنصاف والانتصاف لأهل الحقّ من الإسراف» تمّ تأليفه سنة 757هـ.
ونسخة عصر المؤلف موجودة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، برقم 5643.
ونسخة أخرى في دار الكتب الوطنية في طهران (كتابخانه ملّي)، رقم 485ع. وأخرى في كلية الحقوق بجامعة طهران، رقم 130ج.
الأنفال
هي إحدى السور في القرآن الكريم وقد نزلت في غزوة بدر في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة ـ وقد جاء فيها: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)}([588]).
وذلك أنّه لم يكد يفرغ المسلمون من أمر القتال في بدر، حتّى حدث بينهم خلاف في تقسيم الغنائم التي وقعت في أيديهم من أموال المشركين، وقد كان عبادة ابن الصامت يقول في الأنفال: (فينا أصحاب بدر، نزلت حين اختلفنا، فساءت فيه أحلامنا فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقسّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين المسلمين).
ولكي ندرك سر الخلاف الذي نشب بين المسلمين في أمر الغنائم عقيب معركة بدر، ينبغي أن نستعرض مواقف المسلمين، من قتال المشركين في بدر، ومن غنيمة أموال المشركين:
يقول علي بن إبراهيم في تفسير سورة الأنفال: (لمّا انهزم الناس، كان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على ثلاث فرق، فصنف كانوا عند خيمة النبي (صلّى الله عليه وآله) وصنف أغاروا على النهب، وفرق طلبت العدو، وأسروا وغنموا فلمّا جمعوا الغنائم والأسارى تكلمت الأنصار في الأسارى، فأنزل الله تبارك وتعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ…} [الأنفال: 67] فلمّا أباح الله لهم الأسارى والغنائم، تكلّم سعد بن معاذ، وكان ممّن قام عند خيمة النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الجهاد، ولا جبناً من العدو، ولكن خفنا أن يعرى موضعك، فتميل عليك خيل المشركين، وقد أقام عند الخيمة وجوه المهاجرين والأنصار، ولم يشك أحد منهم، والناس كثير، يا رسول الله، والغنائم قليلة، ومتى تعط هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء. وخاف أن يقسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الغنائم وأسلاب القتلى بين من قاتل، ولا يعطي من تخلّف على خيمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً فاختلوا فيما بينهم حتّى سألوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقالوا: لمن هذه الغنائم؟ فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ…} [الأنفال: 1] فرجع الناس وليس لهم في الغنيمة شيء([589]).
وهذه الرواية تكشف عن سر الخلاف الذي نشب بين المسلمين في أمر الغنيمة. فقد انقسم المسلمون بعد انهزام المشركين إلى ثلاث طوائف ـ كما تقدّم في الرواية ـ طائفة تلاحق المنهزمين من المشركين بالقتل والأسر، وأخرى تجمع الأنفال والغنائم ممّا تركه العدو في الميدان، وثالثة تحافظ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أن يفاجئه العدو غيلة ويصيبه بأذى.
وكانت نتيجة هذا الانقسام في الميدان، أن اختلف المسلمون في أمر الغنائم، فطالبت الفئة التي استولت على الغنائم بها جميعاً، وكانت ترى أنّها لها خاصّة فهي التي استولت على هذه الأموال وجمعتها دون غيرها، وطالبت الأخرى التي لاحقت العدو بحقّها فيها فلولا أنّها تلاحق العدو وتطارده لما قدر لأولئك أن يجمعوا شيئاً ممّا جمعوا من مال، كما ادّعت الطائفة الثالثة بحقّها في هذا المال أيضاً فهي لم تقعد عن الحرب جبناً أو زهداً في الجهاد، وإنّما آثرت هذا الموقف حرصاً على حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
فنزلت آية الآنفال لتنزع ملكية هذه الغنائم من أيدي المسلمين وتجعلها لله ولرسوله. ويضعها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث يأمره الله، وذلك وله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ…} [الأنفال: 1].
معنى الأنفال
والأنفال جمع «نفل» وهو الزيادة على الشيء ويطلق النفل على التطوع في الصلاة لزيادته على الفريضة، وتطلق الأنفال على الغنائم لأنّها زائدة على ما يقصده المقاتلون في الحرب من هزيمة العدو ودحره.
والأنفال في الإسلام ما كان ملكاً لله ورسوله دون المسلمين، يضعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيما تتطلبه نفقات الحكم والإدارة والجهاد، ويليه في ذلك الإمام فيصرفها فيما كان ينفقه النبي (صلّى الله عليه وآله) من شؤون الحكم والجهاد والإدارة.
وبذلك فإنّ الأنفال هي الأموال المخصصة للحاكم الإسلامي ينفقها فيما يرى من وجوه الإنفاق التي ترتبط بسمؤولياته كحاكم على بلاد المسلمين فإن لمنصب الحكم جملة من النفقات التي لا بد أن يقوم بها الإمام أو من يليه في منصب الحكم.
وقد خصّص لذلك رصيد كبير في الإسلام باسم الإنفاق، وهي كثيرة: أهمها المعادن، والأراضي ا لموات، والأراضي العامرة طبيعياً كالأجمات والأحراش، وضفاف الانهار وسواحل البحار. وهي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حياته، ولمن يليه من الأئمة من بعده في الولاية على المسلمين.
ففي أصول الكافي عن أبي عبدالله الإمام الصادق (عليه السلام): «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم أعطوا بأيديهم وكلّ أرض خربة، وبطون الأودية، فهو لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء»([590]).
غنائم الحرب عن الأنفال
ومن الأنفال غنائم الحرب، فقد ردّ القرآن ملكية هذه الغنائم إلى الله ورسوله بعد تفاقم الخلاف بين المسلمين في حيازة هذه الأموال، كما تقدّم في صدر الحديث {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ…} [الأنفال: 1]. والآية الكريمة صريحة واضحة، في انتزاع ملكية غنائم الحرب، من المسلمين، وردّها إلى الله ورسوله، ليتولّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمر هذه الغنائم وتوزيعها.
وليس من ريب أنّ المقصود بالأنفال هنا، والذي تحاكم المسلمون فيه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد معركة بدر، هو خصوص الغنائم الحربية. كما ليس من ريب أيضاً، أنّ المسلمين بعد نزول هذه الآية، عرفوا أنّ الله تعالى قد انتزع ملكية هذه الأموال من المسلمين، وردّها إلى الله ورسوله، ورضخوا لذلك وأطاعوا.
يقول عبادة بن الصامت: فينا أصحاب بدر، نزلت (آية الأنفال) حين اختلفنا في النفل، فساءت فيه أحلامنا وانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بين المسلمين على سواء… وقد قسّمها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين المقاتلين على السواء، حتّى نزلت آية الخمس {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ…} [الأنفال: 41] إلخ.
فاسترجع النبي (صلّى الله عليه وآله) منهم خمس هذه الأموال، بعد أن كان قد قسّم بينهم جميع هذا المال.
ومن ذلك تتبيّن أمور ثلاثة:
الأوّل: أنّ آية الأنفال المباركة، ترد ملكية الأنفال لله ولرسوله، ليصرفها النبي (صلّى الله عليه وآله) فيما يريه الله، وهو صريح الآية الكريمة.
الثاني: أنّ المقصود من ملكية الله ورسوله للأنفال، ليس المعنى المتعارف من الملكية أي الملكية الفردية، فإنّ هذا النوع من الملكية، لا معنى له في حقّه تعالى، فهو المالك الحقيقي لكلّ شيء، ولا معنى لإضافة هذه الملكية الاعتبارية إليه تعالى. وقد عطفت الآية الكريمة، ملكية النبي (صلّى الله عليه وآله)، على ملكيته تعالى، وذلك يوحي بأنّ هاتين الملكيتين من سنخ واحد وليس بالمعنى المتعارف من الملكية وإنّما هي من سنخ ملكية منصب الحكم والولاية الشرعية، والإمامة على المسلمين.
وقد كان النبي (صلّى الله عليه وآله) في حياته، يتولى أمر هذه الأموال باعتباره حاكماً وإماماً على المسلمين. وبعد وفاته كان يتولى أمرها الأئمة الذين كانوا يخلفونه (صلّى الله عليه وآله) في الإمامة والولايات على المسلمين. فإنّ منصب الإمامة والولاية لا ينقطع بوفاته (صلّى الله عليه وآله) وإنّما يستمر بمن يليه، في الولاية والإمامة على المسلمين، وتستمر معه ملكية الأنفال، لأئمة المسلمين، وولاة الأمر الذين كانوا يخلفون النبي (صلّى الله عليه وآله)، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة، نذكر بعضها للدلالة على ما نقول:
منها ما عن الحفص بن الختري عن أبي عبدالله الإمام الصادق (عليه السلام):
«الأنفال ما لم يوجف عليه، بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكلّ أرض خربة، وبطون الأودية، فهو لرسول الله، وهو للإمام من بعده، يضعه حيث يشاء»([591]).
وما رواه الشيخ، من الصحيح، أو الحسن عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام):
«إنّ الأنفال ما كان من أرض، لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا، وأعطوا بأيديهم، أو بطون أودية، فهذا كلّه من الفيء، والأنفال لله وللرسول (صلّى الله عليه وآله)، فما كان لله، فهو للرسول، يضعه حيث يحب»([592]).
وعن سماعة بن مهران قال: سألته عن الأنفال، فقال: (كل أرض خربة، أو شيء يكون للملوك، فهو خالص للإمام، ليس للناس فيها سهم)([593]).
وتثبت ملكية الأنفال لأئمة المسلمين (عليهم السلام) بعد عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) بنفس الصفة التي تقدم ذكرها، في ملكية النبي (صلّى الله عليه وآله).
ولا يضر بعد ذلك عدم ذكر غنائم الحرب، في روايات الأنفال، في عداد الأنفال التي تعود ملكيتها لله ورسوله، فإنّ الآية الكريمة صريحة في ذلك، وهي تتضمن الحكم المذكور، لسائر الأنفال في الروايات. على أنّه قد وردت روايات أخرى بنفس المعنى المتقدم، في تفسير آية الأنفال([594]).
الثالث: أن تملك المقاتلين للغنائم ليس ملكاً بالأصل، فقد تقدّم أنّ هذه الغنائم من الأنفال وهي لله ولرسوله، ولا يملك المقاتلون ممنها شيئاً من دون أن يأذن لهم النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذلك، ويملكهم حصة من الغنيمة.
فليست آية الآنفال إذن منسوخة بآية الغنيمة من هذه السورة بالذات: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}([595]). ولا منسوخة بآية الخمس، من هذه السورة أيضاً: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] إلخ([596]). وإنّما تملك المقاتلون حصصاً من هذه الأموال، وأوجب الله تعالى عليهم فيه الخمس، بتمليك النبي (صلّى الله عليه وآله) لهم. فقد ورد في الورايات أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يمتنع عن التصرف، في غنائم الحرب! في حرب بدر، والإذن لأحد فيها، حتّى نزلت آية الأنفال، وأناطت ملكية هذه الأموال، وأمرها به (صلّى الله عليه وآله). فبدأ النبي (صلّى الله عليه وآله) في تقسيم هذه الأموال على المقاتلين على نحو سواه.
فقد ورد عن سعد بن أبي وقاص، أنّه قال: قتل أخي عمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، فأعجبني فجئت به رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فقلت: إنّ الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال عليه الصلاة والسلام: ليس هذا لي ولا لك. اطرحه في القبض فطرحته وبي ما لا يعلمه إلاّ الله من قتل أخي، وأخذ سلبي، فما جاوزت إلاّ قليلاً، حتّى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله):
«يا سعد إنّك سألتني السيف وليس لي، وقد صار في فخذه».
كما ليس في آية الخمس، ما يتنافى مع مدلول آية الأنفال، فهي قد فرضت على المسلمين، تخميس ما أعطاهم النبي (صلّى الله عليه وآله) من الغنائم، ورد الخمس منه إلى الله ورسوله.
فملكية الغنائم إذن كسائر الأنفال، لله ورسوله، ومصرفها هو التوزيع على المقاتلين، بعد استرجاع خمسها لله ورسوله.
إنقاذ البشر من الجبر والقدر
كتاب للسيد المرتضى.
طبع في النجف عام 1935.
وهو رسالة كلامية صغيرة، تتناول مسألة القضاء والقدر، بأسلوب خطابي بليغ، مقتبساً ـ للتدليل على رأيه ـ آيات كثيرة من القرآن، فيا عرض سريع شامل لتاريخ هذه المشكلة من يوم نشوئها على يد «معهد الجهني»، و«أبي الأسود الدؤلي» حتّى عصره، وفيها تحديد لموقف الشيعة من هذه المشكلة، ورأيهم في تطوّرها التاريخي. عدد صفحاتها (90) صحيفة من القطع الصغير. وفيها إشارة إلى مؤلف له باسم «صفوة النظر» يتحدّث عن معنى خلق الله للأفعال كلّها.
انكلترا
لم يسبق قط أن أجريت إحصائية دقيقة للمسلمين في الجزر البريطانية وقد قدر بعضهم عددهم بثلاثين ألفاً في أقل الحدود وإن كان قد جاء في كتيب رسمي صدر حديثاً أنّ عددهم بلغ نصف مليون وتقدر مصادر أخرى عدد المسلمين هناك بـ 400 ألف.
ويقول مراسل وكالة الأنباء السعودية في لندن: إنّه من خلال تحرياته ومناقشاته مع الزعماء المسلمين وغيرهم من المهتمين بالأحصائيات وخاصّة بعد إجراء دراسة للمناطق التي يكثر فيها المسلمون، اتّضح له أنّ عددهم لا يمكن أن يقل عن مليون نسمة. أقول وهكذا نرى التباين البعيد بين الثلاثين ألفاً وبين المليون. وهذا يعود إلى عدم وجود إحصاءات علمية دقيقة لا في إنكلترا وحدها، بل كما رأينا في أستراليا وألمانيا وغيرها. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنّ الأمر يعود إلى اختلاف نظر الكتاب بين المقيمين إقامة دائمة وبين المقيمين إقامة مؤقتة.
ويضيف المراسل أنّه مهما كان الخلاف حول الأرقام والإحصائيات فإنّ المسلمين يشكلون أكبر مجموعة دينية من حيث العدد في بريطانيا بعد المسيحيين. وكون المسلمين أكثر من الهندوكيين والسيخ والبوذيين في بريطانيا فهذا حقيقة لا ينازل عليها المسيحيون هناك إلاّ أنّ الدهشة تكمن هنا في أنّ عددهم يربو بمئات الآلاف على عدد اليهود في بريطانيا. فبالرغم من التأثير الذي يمارسه اليهود في مختلف المجالات في بريطانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وعلى الرغم من قلّة عدد العرب المسلمين إلاّ أنّهم بمثابة العمود الفقري للمسلمين في عدّة مناطق وخاصّة الموانىء لا سيما في مانشستر حيث توجد جالية عربية من أبناء الجاليات السورية واللبنانية. كما توجد أيضاً مجموعات منعزلة من جميع أنحاء العالم الإسلامي كإفريقيا والملايو وأندونيسيا وموريتانيا وإيران وتركيا بالإضافة إلى بعض اللاجئين من بعض الجمهوريات السوفياتية.
وبالإضافة إلى السكان المسلمين المقيمين في بريطانيا توجد دائماً أعداد كبيرة من الزوار وهم فئة الطلبة حيث يقيمون عدّة سنوات والفئة التي تليها هم البحارة ثمّ يأتي الدبلوماسيون وعائلاتهم والمتدربون الفنيون والتجار والسياسيون والقادمون للعلاج والسياحة وغيرهم ممّن يأتون إلى بريطانيا لسبب أو لآخر… وعلى الرغم من وجود 000،130 مسلم في منطقة لندن إلاّ أن نسبتهم هذه أقل بكثير منها في المناطق الصناعية وخاصة لانكشاير ويورك شاير ووست رايدنج وميلاندر وقد أقام هذا العدد من المسلمين ما يربو على 40 مسجداً ومركزاً إسلامياً في لندن وحدها بينما يصل عددها بضع مئات في جميع بريطانيا وقد زوّد أكثرها بفصول للأطفال ومراكز للجمعيات ومكتبات ومرافق أخرى. أمّا المساجد المزودة بالقباب والمنائر فإنّها قليلة نسبياً ومنذ عهد ريب فقط تقرّر إقامة مركز إسلامي كبير في لندن على موقع المركز الإسلامي الرئيسي في بريطانيا الذي تحتله الجمعية الإسلامية منذ 30 سنة.
ويوجد مسجد صغير على الطراز الشرقي ووكنج، حوالي 30 كيلومتراً عن لندن وأقدم مسجد بناه المسلمون يوجد في كارديف بمقاطعة ويلز وذلك بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي السنوات الأخيرة قامت الجمعيات الإسلامية بإعداد الخطط وجمع التبرعات لبناء مساجد على النمط الشرقي إلاّ أنّه لم يتم منها غير ثلاثة في كلّ من يرستون لانكشاير وساوث شيلدز وكونتتري.
وسيتم قريباً الانتهاء من بناء مسجد آخر في ليفربوي كما بدأ العمل ف مشروعين آخرين للمساجد في كلّ من مانشستر وبيرمنجهام.
ويقع معظم أماكن العبادة هنا في بيوت عادية وبعضها عمل خصيصاً لهذا الغرض دون أن يبدو على مظهرها الخارجي ما يبين ذلك وبعضها في الصالات القديمة والمصانع المهجورة والمخازن.
كما حوّلت بعض الكنائس الإنجيلكانية إلى مساجد في عدّة مناطق مثل مانشستر ونيو كاسل وبلنون وشفيلد وبريستول.
ويوجد على طول الساحل الشمالي الشرقي لبريطانيا والمدن الصناعية القريبة منه حوالي 30 ألف مسلم يقطن معظمهم بمحاذاة مصبات الأنهار الرئيسية الثلاثة همبر وتيز وتاين ويقطن في مدينة هل ومرافق آل همبر الأخرى حوالي 14 ألف مسلم كما يوجد حوالي 6000 مسلم في ميدلزبورو وحوالي 8000 في المركز الصناعي الهان نيو كاسل وكما هي الحال في كلّ بريطانيا فإنّ الأغلبية العظمى من المسلمين هم من المهاجرين الباكستانيين وخاصة في المرافق النهرية توجد عدّة جاليات عربية معظمها من اليمنيين بجانب مسلمي الصومال وماليزيا والأقطار الآسيوية الأخرى.
ويوجد عدّة أماكن للعبادة ومراكز الجمعيات والمدارس الإسلامية في كلّ مكان من المنطقة، إلاّ أنّ نيوكسل تنفرد بأكبر مبنى خصّص للإسلام وكان ذلك كنيسة حوّلت إلى مسجد وزوّد بالمرافق الضرورية لإقامة الشعائر الدينية وتعليم الأطفال وخدمة أعضاء الجالية الإسلامية هناك. وفي ساوث شيلدز حيث يقطن قرابة 1000 مسلم أسّس مسجد ومركز إسلامي على الطراز الشرقي التقليدي وهو المسجد الوحيد من نوعه في منطقة الشمال الشرقي والنادرة من نوعها في الجزر البريطانية. وأغلبية السكان المسلمين في ساوث شيلدز هم من اليمنيين الذين يعتبرون أنفسهم أقدم جالية يمنية في جميع بريطانيا، كذلك يزعم إخوانهم أبناء الجالية اليمنية في جنوب ويلز ويمكن القول إنّ كلاً من هاتين الجاليتين تعتبر الأقدم في المنطقة التي تقطنها. وعلى أي حال فإنّ اليمنيين جاؤوا إلى بريطانيا منذ حوالي مئة سنة كبحارين وتجار ويذكر أنّ أوّل يمني وطأت قدماه تلك المنطقة كان السيد علي مقبل وقد أصبح شخصية أسطورية ويعتبر أب الجالية اليمنية هناك. فقد قام بتأسيس أوّل بيت سكني للبحارة المسلمين بما فيه صالة للصلاة. ولكثرة تردّد المسلمين على هذه المنطقة ازدادت الحاجة إلى مكان أفضل للعبادة فاشتريت بناية مخصصة لهذا الغرض. وفي عام 1961م افتتحت لجنة من بين أبناء الجالية الإسلامية هناك ووجهت الدعوة إلى التبرع لبناء مسجد ومركز ومدرسة وبعد سنتين تمّ شراء قطعة صغيرة من الأرض وفي عام 1966م تمّ جمع مبلغ يكفي لبناء الأساس ثمّ تقدّم المجلس البلدي بعرض مغرٍ للجامعة الإسلامية هناك لشراء قطعة الأرض بمبلغ 15000 جنيه وسرعان ما وافقت الجمعية على ذلك على أمل أن تحصل على مكان أفضل لإقامة المسجد، ومنذ سنة فقط تمّ شراء الأرض الجديدة ووضع حجر الأساس وأقيم المسجد في لندن. وقد أطلق عليه اسم ـ مسجد الأزهر ـ ويتّسع لـ 3000 مصلٍّ وهو كغيره من المساجد الأخرى في بريطانيا مزوّد بجناح للنساء ومدرسة ومكتبة ومركز ثقافي وتتكوّن الهيئة الإدارية من عرب وصوماليين وباكستانيين.
وفي براد فورد مركز الصناعات الصوفية في غرب رايدنغ من يوكشاير التي يبلغ عدد سكانها أقل من 300 ألف نسمة يوجد أكبر مركز للمسلمين المهاجرين العمال. ويُقال إنّ تعدادهم هناك تعدّى 30 ألف مسلم.
وهذا يساوي نفس عددهم في بيرمنجهام حيث بلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة وضعف عددهم في مانشستر بتعدادها الذي يبلغ 800 ألف نسمة، وإذا أضيف إلى ذلك منطقة زوهوزوفيلد وهاليفاكس والمناطق المجاورة فنجد تعداد المسلمين يقدر بـ80 ألف نسمة معظمهم من الباكستانيين وشبه القارة الهندية. وفي غرب رايدنغ حيث يوجد أكبر مركز لصناعة الحديد في بريطانيا بالإضافة إلى المناطق المجاورة لمدينة شيفلدود ونكاستر يوجد عدّة آلاف من المسلمين من بينهم كثيرون من العرب أغلبهم من اليمنيين الذين هاجروا من الموانىء الشرقية بحثاً عن حياة أفضل. وفي هذه المنطقة التي يوجد بين سكانها ما لا يقل عن 100 دار للعبادة على الأقل بما فيها المراكز الإسلامية المختلفة وشفيلد تعتبر من المناطق النادرة في بريطانيا التي حوّلت فيها كنيسة إلى مسجد.
وفي غرب يوركشاير فإنّ المسلمين في ديوسيري وبيتلي بالرغم من صغر هذه المنطقة يشكلون نسبة تزيد على 10 بالمائة من سكانهما ولذا فلهم مكانة بارزة بين الجاليات الإسلامية في بريطانيا قاطبة. ويبلغ تعدادهم حوالي 65 ألف دائرة قطرها عشرون كيلومتراً ويحافظ المسلمون هناك على تعاليم الدين الغسلامي في مدارسهم حيث يتلقى حوالي 800 طالب وطالبة الدروس الدينية كلّ يوم ما عدا يوم الأحد ويوجد أيضاً مقبرة إسلامية هناك وهي الوحيدة من نوعها في بريطانيا حيث سمحت السلطات البريطانية بدفن موتى المسلمين بدون تابوت. وعلى الرغم من التفاهم والانسجام التام بين المسلمين في المدينة المزدوجة ديوسيبرج ـ بيتلي إلاّ انّه لا يمنع مطالبة مسلمي ديوسيبرج ببناء مسجد خاص بهم بالإضافة إلى دار العبادة التي كانت موجودة لديهم ولما لم تتوفر لديهم النقود الكافية لبناء مسجد، فقد سنحت فرصة مناسبة عندما أعلن عن هدم كنيسة لم تكن هناك حاجة لها فبادر المسلمون لشرائها وتحويلها إلى مسجد، وقد حصل نزاع حول بيع الكنيسة إلى الجالية الإسلامية ممّا حدا بالكنيسة الإنكليزية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتاج البريطاني بأن تشكل لجنة لبحث موضوع تحويل الكنيسة إلى مسجد.
إلاّ أنّ وثيقة بالموافقة لا بد أن توقّع من الملكة اليزابيت ونظراً للمعارضة التي أبداها أسقف مدينة ديكفيلد لمشروع تحويل الكنيسة إلى مسجد فإنّ المسلمين هناك يؤكدون عدم رغبتهم في انتزاع أحد مقدسات المسيحيين منهم ولكونها مهجورة لعدّة سنوات ولم يصل فيها أحد، فإنّ معارضة من هذا النوع قد تكون نتيجة تمييز أعمى من البعض هناك.
وفي هذه المنطقة المكتظة بالمسلمين فإنّ الحوانيت والمحلات التجارية تتنافس على توفير البضائع التي يحتاجها المسلمون ولا يوجد هنا لحم إلاّ من حيوانات نحرت على الطريقة الإسلامية ومن بين الحوانيت ما يطلق عليه اسم دكان زمزم أو ـ المدينة ـ وهناك يطغى جو إسلامي بحت وتعج رائحة الأبازير والبهارات الشرقية.
وقد ارتفع عدد السكان المسلمين في منطقة مانشستر من 300 إلى 16 ألف مسلم عبر الثلاثين سنة الماضية، ويعزى ذلك إلى تدفق المهاجرين الباكستانيين بعد الحرب الثانية إلى هذه المنطقة الصناعية في لانكشاير.
وخلافاً للجاليات الإسلامية في المناطق الأخرى من بريطانيا تتميز جالية مانشستر بنسبة كبيرة من الأثرياء وبالعائلات الغنية كالجالية السورية واللبنانية التي تقطن المدينة لعدّة عقود… ومن بين أعضائها بعض كبار التجار ورجال الأعمال في المنطقة.
كما أنّ هناك فئات تمثذل جميع الطبقات من أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي.
ويؤم الطلبة المسلمون إحدى كبريات الجامعات البريطانية في مانشستر وهؤلاء الطلبة أعضاء في الجمعية الإسلامية هناك ويرجع إليهم الفضل في الدعوة قبل 25 سنة إلى إنشاء مركز ومسجد إسلامي هناك… كما يرجع إليهم الفضل في إنشاء الجمعية الإسلامية التي قامت أخيراً بشراء بيتين بالقرب من بعض الكليات المهمة في الجامعة لاستخدامهما كمركز رئيسي للجالية الإسلامية، حتّى تمّ هدمهما في عام 1969م حيث انتقلت الجمعية إلى مركز الجالية الباكستانية التي كانت تتعاون مع الجالية السورية حيث استطاعت الأخيرة شراء كنيسة مهجورة لتحويلها إلى مسجد ومركز إسلامي… ومنذ سنة وضع حجر الأساس لإقامة المركز وجامع إسلامي جديد على أرض الجمعية بالإضافة إلى قطعة أرض أهدتها الجالية السورية للجمعية…
وفي أوّل كانون الثاني 1973م نشرت وكالة الأنباء الإسلامية الدولية ما يلي: كان الأمين العام للمؤتمر الإسلامي تنكو عبد الرحمن ضيفاً خاصاً في الاجتماع السنوي للجنة المركزية لمسجد لندن الذي عقد هنا مؤخراً.
وتقرّر في هذا الاجتماع البدء في بناء المسجد، وسوف تبدأ اللجنة في قبول عطاءات البناء قريباً.
وكان من المتوقع أصلاً أن يتكلف بناء المسجد مليون و600 ألف جنيه استرليني، ولكن التكاليف ازدادت بارتفاع الأسعار بمقدار 20 بالمائة تقريباً.
ووافق المجتمعون على طرح التصميم للمناقصة، وهو التصميم الفائز في مسابقة دولية أجريت لهذا الغرض، ومن المتوقع الانتهاء من البناء في خلال ثلاث سنوات إذا بدأ العمل في أوائل العام القادم.
وقال تنكو عبد الرحمن: «لقد بدأت الفكرة منذ 70 عاماً تقريباً، وقد انقضى عشرون عاماً منذ إرساء حجر الأساس لهذا المسجد».
وأضاف تنكو قائلاً: «لقد لمست بنفسي لمدّة سنوات طويلة ومنذ أن كنت طالباً هنا الضرورة العاجلة لإقامة مسجد في لندن يفي بمتطلبات العدد المتزايد للمسلمين هنا، كما يليق بعاصمة دولية كبرى، وهناك الآن ما يقرب من نصف مليون مسلم في بريطانيا ومعظمهم في لندن أو بالقرب منها… ولكن بالنسبة للمسلمين في كافة أنحاء بريطانيا سوف يكون مسجداً رمزاً حياً ونقطة تجمع على السواء».
ويجاور موقع المسجد، الذي تبلغ مساحته فدانان ونصف الفدان المركز الثقافي الإسلامي في منطقة ريجنتس بارك في لندن.
وطبقاً لتصميم المسجد، فإنّه يجمع بين الطراز الإسلامي التقليدي والمتطلبات الحديثة، ويتّسع صحن المسجد لأكثر من الف شخص وتعلوه قبة ذهبية ومئذنة يصل ارتفاعها إلى أكثر من 141 قدماً. وعلى جانبي صحن المسجد ستقام شرفتين يمكن استخدامهما مع الفناء الداخلي والخارجي لتتسع لأكثر من 2500 شخص.
وبالإضافة إلى ذلك سوف يكون هناك متسع لأكثر من 1300 شخص في مستوى الدور الأرضي والشرفات، كما ستقام مكتبة تتسع لقرابة 75 ألف كتاب بالإضافة إلى مرآبٍ يستوعب 250 سيارة.
ويقوم مجلس إدارة يتكون من معظم رؤساء البعثات الدبلوماسية الإسلامية في لندن بإدارة مشروع مسجد لندن والمركز الثقافي الإسلامي.
الشيعة في إنكلترا
ويصعب تحديد عدد الشيعة في إنكلترا وهم في معظمهم بين هنود وباكستانيين وإيرانيين وعراقيين: وأكثر الإيرانيين ما بين تجار وعمال في لندن ومانشستر وبرمنكهام. وأكثر ما يوجد الهنود والباكستانيون في لندن وبرادفورد وبرامنغهام.
ويسكن الباقون في ضواحي هذه المدن الثلاث. ويوجد جماعات قليلة في كلّ من كلاسكو ومانشستر وشفيلد وبليكبارن وغيرهما.
وللباكستانيين والهنود عدّة جمعيات منها:
1 ـ الإدارة الجعفرية في لندن وضواحيها.
2 ـ الجمعية الحيدرية في برادفورد.
3 ـ إدارة معارف الإسلام في برمنغهام.
4 ـ جمعية شيعة إفريقيا الشرقية وأكثر أفرادها من الطلاب.
وتحتفل هذه الجمعيات سنوياً بذكرى المولد النبوي ومولد أمير المؤمني علي (عليه السلام) وشهادة الحسين (عليه السلام) لمدّة عشر أيام وعيد الغدير وشهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) وصلاة العيدين.
وتقوم الإدارة الجعفرية بلندن بتفسير القرآن للكبار وبالتعليم الديني للصغار باللغتين الأردوية والإنكليزية كما أنشأت مكتبة عامة للمطالعة وتقوم بإجراء عقود الزواج والطلاق وصلاة الجنازة كما أنّها تصدر بعض النشرات الشهرية.
والجمعية الحدرية في برادفورد أنشأت مبنى اسم المركز الإسلامي الجعفري جعلت فيه مسجداً وحسينية وخصّصت قسماً للرجال وقسماً للنساء. كما أنّها تؤجر غرفاً بأجور قليلة للطلاب الشيعة الوافدين للدرس أو للمسافرين العابرين، كما أنشأت مدرسة للأطفال ومكتبة عامة.
وإدارة معارف الإسلام في برمنغهام أنشأت مكتبة عامة.
تاريخ الاحتفالات
وحتّى العام 1966م كانت الجمعيات تقيم احتفالاتها في البيوت الشيعية ثمّ صارت الاحتفالات تقام في القاعات العامة كالمركز الإسلامي وراول أوفرسيز ليك وأوّل احتفال أقيم كان في المركز الإسلامي ترأسه وزير الخارجية الباكستانية الأسبق ظفر الله خان وخطب فيه.
ولا بد من القول إنّ الاحتفال باستشهاد الحسين (عليه السلام) وبالذكريات الأخرى بعيدة العهد في لندن وتعود إلى عشرات السنين وذلك لأنّ هنوداً كثيرين كانوا يقيمون فيها. وبين أشهر من كان يقيم الاحتفالات يذكر اسم سالا رجنك يوسف علي خان حيث جاء منذ أكثر من أربعين سنة إلى لندن مستشفياً وأقام في ضواحيها عدّة سنوات وبنى مسجداً في (وكينغ) سمّاه مسجد شاه جهان كانت تقام فيه الشعائر الدينية والاحتفالات. وبعد شفائه وعوده إلى الهند أهمل المسجد لعدم وجود شيعة في تلك المنطقة ثمّ استولى عليه القاديانيون. وخلال إقامة المؤرخ الهندي الشهير السيد أمير علي سعى ببناء مسجد فتم له ما أراد، وبعد وفاته أهمل المسجد ثمّ استولى عليه القايانيون أيضاً.
وقبيل الحرب العالمية الثانية كان يتولى الخطابة في الحفلات الدينية الدكتور مظهر علي خان الذي كان يومذاك طالباً في لندن وهو الآن عميد جامعة بشاور، وكانت هذه الحفلات تقتصر على الطلاب وبعض الزائرين. وظلّ الطلاب الهنود الشيعة يعقدون الحفلات في قاعات الجامعات كلّ عام باستمرار وبعد نهاية الحرب وتقسيم الهند وفد كثير من الهنود والباكستانيين وأقاموا نهائياً في إنكلترا فشعروا بوجوب تنظيم أمورهم فكانت الجمعيات المتقدم ذكرها التي لا يتجاوز تاريخ إنشائها بعض السنوات وصارت هي تتولى أمر الاحتفالات.
ليلة مولد الإمام (عليه السلام)
وشهدت في لندن في منازلهم الاحتفال بذكرى مولد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث دعيت إلى منزل السد عباس زيدي وهو شاب في أوائل الشباب، وكان مدعواً معنا عدد لا يتسع المنزل لأكثر منهم كان أكثرهم من الشبان. وكانت أعواد البخور ذي الرائحة الزكية تتألق في غرفة الاستبال، وقبل تناول العشاء كانت النساء في الغرفة الأخرى تنشد الأناشيد وترتل الاشعار في مدح علي (عليه السلام) وكانت أصواتهن تصل إلينا فلا أفهم منها إلاّ اسم محمد (صلّى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين وبقية الأئمة (عليهم السلام). وكان الحاضرون معنا يصمتون بخشوع احتراماً للذكرى وللإنشاد. كما كانت المنشدات يتوقفن قليلاً عن الإنشاد ليهتفن بالصلاة على محمد وآله.
وبعد توقيف إنشاد النساء وقف الرجال الحاضرون معنا حيث تلا أحدهم باللغة العربية زيارة أمير المؤمنين المعروفة بزيارة أمين الله… وقبل التلاوة خلع الجميع أحذيتهم وتوجهوا بأجسادهم ونفوهم متابعين تلاوة الزيارة بأصى الخشوع والابتهال.
ومثل هذه الدعوة تقام في معظم المنازل في هذه الليلة. وفي اليوم الثاني ذهبنا إلى برمنغهام حيث أقيمت حفلة خطابية في إحدى القاعات احتفالاً بالذكرى.
وكنت خلال إقامتي في لندن ضيفاً على السيد نور الحسن الرضوي فكان بيته مثال البيت الإسلامي العريق المحافظ على الروح الغسلامية حتّى أنّك لتحسب أنّ البيت ليس في لندن بل في صميم بلد إسلامي. ود استمعت إلى طفله الصغير وهو يعدد أسماء الأئمة تعداداً سليماً فصيحاً.
وهكذا الأمر في بيوتهم كلّها، ولكنّهم يرجحون بأنّ جهودهم في تربية أبنائهم سيلتهمها المحيط الطاغي حين ينمو هؤلاء الأبناء فيتلقفهم محيط لا يرحم.
عامة المسلمين في إنكلترا
في بريطانيا تختلف الثقافة الإنكليزية بمميزاتها عن ثقافات بلدان أخرى مثل فرنسا وألمانيا، إذ لا يرتكز المجتمع البريطاني على الثقافة الإنكليزية وحدها، بل يتعداها إلى الثافات الاسكتلندية والإيرلندية والولزية. وفي خضم هذه الثقافات تحاول الجاليات المهاجرة التي تشكّل في المجتمع البريطاني شريحة كبيرة نسبياً الحفاظ على ثقافاتها وتقاليدها الأصلية.
ومن الأمور التي تتّصف بها التركيبة للأقليات المسلمة في بريطانيا كثرة التعقيد والتداخل فيها. وقد ساهمت بعض العوامل الداخلية لهذه الثقافة في إفقادها الطابع الخاص والمعين الذي يميزها عن سواها. وأبرز هذه العوامل هي هجرة هذه الأقليات من بلدان مختلفة، وطبيعي أنّ ثقافات الإيرانيين والعرب والأتراك والماليزيين والإفريقيين وغيرهم تختلف فيما بينها تماماً كما تختلف لغاتهم وثيابهم وطعامهم. ومن ثمّ لا بد في البداية من مطالعة الثقافة القومية لكلّ من هذه الأقليات، ثمّ تمييزها عن الثقافة الإسلامية. فمثلاً يعد ختان الرجال أمراً إسلامياً وطبيعياً بين جميع هذه الأقليات، بينما يعد ختان النساء غير إسلامي. ومع ذلك فإنّ هذا الأمر ينتشر في بعض البلدان الغسلامية مثل السودان، وهو ينطلق من العادات والتقاليد القومية أكثر من كونه صادراً عن تعاليم الإسلام، وكذلك مسألة الزواج من المسلمين بغض النظر عن أصلهم وقوميتهم هي أمر إسلامي، ولكن الزواج من الأقارب إنّما هو تقليد قومي وفي بعض الأحيان غير إلامي. بينما نرى أنّ استعمال بعض العبارات مثل (إن شاء الله) و(الحمد لله) و(السلام عليكم) إنّما هو أمر شائع في جميع الشعوب الإسلامية تقريباً، ولا يختص بشعب أو قومية بعينها.
وفي المجتمعات الإسلامية غالباً ما تكون التقاليد القومية في كثير من الأمور غالبة ومهيمنة على التعاليم الإسلامية أو مؤثرة عليها تأثيراً كبيراً. وقد ارتأينا أن نخصّص أكثر هذا التحقيق لدراسة الجاليات المهاجرة من الهند وباكستان، ويتعلق القسم الأكبر منه بخصائص هذه الجاليات المسلمة وتقاليدها المترسخة فيها.
تعتبر العوامل العرقية من أهم الأسباب التي تفرق الباكستانيين عن بعضهم. ولما كان أكثر الباكستانيين المهاجرين هم من منطقة البنجاب وميربور فإنّ عوامل التفرقة القومية والعرقية تركزت بصورة واضحة بين هاتين المجموعتين. وبسبب هذه الاختلافات بادر المهاجرون البنغاليون والميربوريون والبنجابيون ـ منذ بداية وصولهم ـ إلى تشكيل الجمعيات والمساجد والتجمعات الإسلامية الخاصة بهم، فتغلبت العوامل العرقية والقومية على العوامل الإسلامة في هذه المجالات.
وقد أدّت هذه العوامل في نهاية المطاف إلى خلق خاصية لأفراد كلّ قومية معينة تعارفوا على تسميتها بـ (الإخوة)، وهي تشمل كلّ الأفراد الذين ينحدرون من أصل واحد ويرتبطون بشجرة معينة.
ويتيمز أغلب المسلمين المهاجرين الهنود بأنّهم يحملون ثقافة هندوسية وإسلامية مشتركة، ومن ثمّ فإنّهم يركزون كثيراً على مسألة الطبقات الاجتماعية في المتمع، خلافاً لما هو سائد عند مسلمي المجموعة الأولى من التركيز على الأخوة وإعطائها الأولوية. وقد ذكر أحد الباحثين الإنكليز أنّ المسلمين الهنود يتمسكون بالطبقية الاجتماعية بقوّة ويتعاملون معها بدقةن والحال أنّ الإسلام انتقد هذه الظاهرة بشدّة، ورفضها رفضاً قاطعاً.
ونستنتج من هذا أنّه على الرغم من تأكيد الإسلامعى لى الأخوة والمساواة الإنسانية، إلاّ أنّ الثقافة الغالبة على مسلمي الهند وباكستان هي الثقافة الطبقية الناشئة من الهندوسية، وذلك بسبب قومياتهم واختلاف أصولهم.
بينما أوجد نظام الأخوة حلقة أمنية. فالعلاقات الموجودة بين الأفراد من تبادل الهدايا إلى العلاقات المعنوية، والاشتراك في المراسيم الاجتماعية والاحتفالات المشتركة كلّها من العوامل التي تشكل الحلقة الأمنية هذه. وقد ساهمت هذه العوامل بمجموعها مع الاتكاء على الجذور القومية والثافية في خلق عزة هذه المجموعة من المسلمين ورفعة شأنها.
والقومية عامل آخر من العوامل المهمة التي خلقت الاختلاف بين المسلمين. فبعد تأسيس دولة باكستان وانفصالها عن الهند، أصبح التأكيد يتركز على لغة وتاريخ وثقافة هذه الدولة الحديثة التأسيس. وقد أثرت هذه العوامل الثلاثة تأثيراً كبيراً على ثقافة الناس. فسعى البلويش والباتان والسنديون والبنجابيون ـ كلّ على حدة ـ إلى التأكيد على ثقافتهم القومية في هذا البلد الحديث التأسيس، وكان هذا التأكيد يدفع إلى القومية بشدّة، وفي بعض الأحين يكون عاملاً من عوامل التفرقة.
والدكتور زيك بدوي([597]) يعتقد أنّ المسلمين لا يختلفون بينهم في الأعمال العبادية إلاّ قليلاً جداً، ولكنهم يختلفون في الأعمال السياسية اختلافاً فاحشاً.
وعلى امتداد القرون الماضية بذلت المساعي مرّات ومرّات في سبيل توحيد المسلمين سياسياً، إلاّ أنّ هذه المساعي كانت تواجه بالفشل في كلّ مرّة. وما انفصال بنغلادش عن باكستان إلاّ دليل على عدم وجود الوحدة العقيدية والسياسية بين المسلمين. وأغلب الاشتباكات والاختلافات والفرقة الموجودة بين المسلمين في وقتنا الحاضر إنّما هي ناتجة عن تغلب الثقافة القومية والمحلية على الثقافة الإسلامية. وقد طرحت في باكستان في الفترة الأخيرة قضية جديدة هي فصل الناطين باللغة الأردوية عن الأقوام المهاجرة. بينما طالب هؤلاء المهاجرون الذين قدم أكثرهم من الهند مسؤولي الدولة بالاعتراف بهم رسمياً كقومية خامسة في البلاد.
وعلى الرغم من امتلاء الثقافة الوطنية الباكستانية بالأعياد والمناسبات الإسلامية مثل: عاشوراء، ميلاد النبي (صلّى الله عليه وآله)، ليلة القدر، عيد الفطر، وعيد الأضحى، إلاّ أنّ هذه المراسم اصطبغت بصبغة قومية ووطنية كما يحدث أحياناً حينما يمنح نظام الأخوة ونظام الطبقات الهندوسي الشرعية وفقاً للشريعة الإسلامية.
نخلص من هذا إلى القول بأنّ العوامل العرقية والقومية كانت قد تأصّلت في ثقافة هذه الشعوب، فهي ترجع إلى العصور المتقدمة على الإسلام. وبعد ظهور الإسلام استفيد منه في إضفاء الشرعية على هذه الثقافات. وهذه حقائق توضح كيفية فهم المجتمعات الإسلامية للإسلام والثقافة الإسلامية.
وعلى الرغم من عمل أكثر الأقليات الإسلامية بتعاليم الدين وافتخارهم بذلك، إلاّ أنّ الغسلام بمفهومه الصحيح غير موجود بينهم، إنّما سلبته العصبيات العرقية الكثيرة من روحه.
البنية الطبقية في بريطانيا
تتميز الطبقات الاجتماعية المختلفة في بريطانيا عن بعضها البعض وفقاً لأعمال ووظائف أفرادها. وحسب هذه الطبقية، تقسم المجتمع إلى طبقة الحرفيين، المتوسطين، الماهري، المتخصصين وغير المتخصصين، ولا بد لأفراد المجتمع أن ينضووا تحت لواء طبقة من هذه الطبقات الست سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. ولكن الشعوب الآسيوية لم تكن تعرف هذا النوع من التقسيم، إنّما كان تقسيمها على أساس عرقي وديني. ويلاحظ في النظام الطبقي الرسمي في بريطانيا مسألة التمييز العنصري بين ذوي البشرة البيضاء وسائر من عداهم، ويتأكد هذا بشكل خاص في قسم العمال من أفراد الطبقات الثلاث الأخيرة. ونفس هذا التمييز يسير ولكن بشكل آخر إلى المناطق السكنية. وطبيعي أنّ التمييز العنصري في المناطق الراقية يختلف عنه في المناطق الفقيرة ومناطق العمال، والسبب في ذلك هو التركيبة المميزة لطبقة الأغنياء في البلاد.
ولم يكن التصنيف الطبقي للمجتمعات الآسيوية يتم على أساس العمل، إنّما يكون على أساس الدخل المادي. ولم تكن الدراسات الأعلى والأفضل ذات يوم هدفاً للانتقال من طبقة اجتماعية معينة إلى طبقة أعلى، إنّما الهدف منها هو الكسب المادي الأكثر. بينما نرى الأبناء في بريطانيا وبسبب الطبقية الاتماعية التي أحدثتها الثورة الصناعية يسعون إلى نقل أنفسهم وأهلهم إلى طبقة اجتماعية أعلى. وإذا كان ابن المهارج القروي الفقير لا يفكر مطلقاً في تغيير تركيبته الاجتماعية وفقاً للطبقية البريطانية، فإنّه سيجد نفسه بصورة لا شعورية ضمن إحدى هذه الطبقات الاجتاعية الست، ما دام قد ولد في بريطانيا وتربّى على نظامها.
والخاصية الموجودة بين المسلمين الآسيويين هي بروز الشخصيات الفردية بين أفراد مجتمعاتهم، ومثل هذه الحالة موجودة بين سود أميركا. وإذا اعتبرنا أنّ مسلمي انكلترا في تطوّر جيد نسبياً، فإنّ تطوّرهم هذا ليس عن طريق السلم السداسي للتقسيم الطبقي.
وإضافة إلى التقسيم القائم على أساس الثروات، فعلى سبيل المثال يمكن لآسيوي مسلم أمّي أن ينضم إلى الطبقات العليا إذا كان يمتلك ثروات كبيرة. ومن الممكن لهؤلاء أن يملكوا قصوراً ضخمة وسيارات الرولز رويس الفارهة ويرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة، ولكن مهما سعوا وجدّوا واجتهدوا فإنّهم لن يحسبوا ضمن الطبقات العليا للمجتمع البريطاني، والسبب في ذلك هو لونهم وأصلهم. ولكن المسلمين يحسبون أنّ هؤلاء هم من الطبقات العليا للمجتمع البريطاني.
وثمة طبقية أخرى بين مسلمي آسيا، تكون على أساس الدراسات العليا. فالمسلمون الذين استطاعوا الوصول إلى مراحل عليا في فروع الطب والمحاسبات والحقوق والعلوم الإنسانية، يُعدُّون بصورة طبيعية جزءاً من الطبقات العليا. ولكن الواقع أنّ هؤلاء لا يمكن أن يوضعوا في مصاف التجار الأثرياء الذين عادةً ما يكون مستواهم العلمي أقل. وتوجد طبقية أخرى تتركز بصورة خاصة بين الشيعة، وهي تلك التي تقوم على أساس النسب النبوي الذي يرفع الأفراد بين مجتمعهم، ولا ترتبط هذه المسألة بالثروة والمستوى الدراسي، إنّما هي وحدها كفيلة برفع الفرد في مجتمعه.
وهناك طبقة أخرى يدخلها الشخص حينما ينال مركزاً حساساً في الدولة كرئاسة محكمة أو شرطة أو جمارك البلدية وغيرها من الوظائف المهمة الأخرى التي يتمكن بعض المسلمين من الوصول إليها.
والمعروف أنّ الدخل الجيد لا يوفر الأمن والطمأنينة للمسلم المهاجر وحسب، بل يوفر له أيضاً حاجياته في بلده، إذ ترسل بعض الأموال إلى أرض الآباء والأجداد. وهذا الأمر يصدق طبعاً على أولئك الذين يصممون على العودة في نهاية المطاف إلى بلادهم.
من هنا فإنّ الكسب الوفير واحتياز الدراسات العليا، جذبا أعداداً كبيرة من المسلمين إلى الثقافة الغربية، ولعل التعليم الطويل يؤدي إلى صهر الجيل الجديد من المسلمين في بوتقة المجتمع الغربي وثقافته. إذ يعتاد هذا الجيل بالتدريج على تناول المسكرات وارتياد نوادي الرقص، وإقامة العلاقات الجنسية غير المشروعة قبل وبعد الزواج، ويعتاد أيضاً حتى على تناول لحم الخنزير. ونتيجة ذلك هي الانصهار في الطبقية السداسية للمجتمع، ولكن ذلك لا يتم بسهولة لأنّ المجتمع البريطاني لا ستطيع تقبلهم ببساطة. من جانب آخر يوجد مسلمون آخرون يلتزمون بمشروعية أعمالهم وسلوكهم وفقاً لتعاليم الإسلام وآية ذلك تأسيسهم للمساجد أو مساعدتهم في بنائها، وقيام البعض الآخر بأداء فريضة الحج.
ويزعم بعض المسلمين أنّهم لا يدخلون المسكرات إلى بيوتهم ولا يشربونها، ولكنّهم يقولون: لو أنّ ملكة بريطانيا قدّمت لهم في حفلة رسمية كأساً من الشمبانيا لما امتنعوا عن شربها. وقد تزوج البعض الآخر نساء إنكليزيات وأصبحوا إنكليزاً تماماً، واشتغلوا ببيع المسكرات.
الخلاصة: أدّى تقسيم طبقات المجتمع في بريطانيا إلىت قسيم المسلمين أيضاً. والمسلمون الفقراء في بريطانيا يتمسكون بالإسلام وتعاليمه أكثر من الأغنياء. ومن الطبيعي أنّ هناك بعض الأغنياء المسلمين اهتموا بدينهم بصورة جدية، ولكن بين هؤلاء أنفسهم يبدو الاهتمام بالربح والثروة أكثر من الاهتمام بالإسلام. والإسلام يعتبر الثروة وسيلة لبلوغ الأهداف التي حدّدها، ولكن ما يدعو للأسف أنّ البعض يستغل هذه الوسيلة لإيجاد النفاق والازدواجية.
أمّا أبرز الأسباب التي تدفع مسلمي بريطانيا إلى الاستعانة بالبلدان الإسلامية في دعم مؤسساتهم ومراكزهم الإسلامية، فهي عدم ثقتهم ببعضهم البعض. إذا ثبت بالتجربة أنّ مؤسسي هذه المشاريع الخيرية يسعون إلى كسب الشهرة وتثبيت مواقعهم الاجتماعية قبل أن يكون هدفهم هو إنجاز المشاريع الخيرية وتحقيق الغايات النبيلة.
ولعل السبب الرئيسي في انعدام الثقة عند مسليم بريطانيا، هو فقدان روح الاتحاد بينهم، تلك الروح التي سنتحدث عنها أكثر في الفصول القادمة.
بذور التفرقة
بالإضافة إلى ما ذكرناه من الانقسامات الموجودة بين المسلمين وفقاً للعرقية والقومية، وكذلك هناك تقسيمات على أساس الفرق المذهبية. ولتوضيح هذا الموضوع أكثر لا بد من أن نذكر تاريخاً مختصراً عن كلّ واحدة من هذه الفرق.
فرقة البريلوي: يشكّل أتباع هذه الفرقة غالبية كبيرة بين مسلمي إنكلترا، بحيث يشاهد تقريباً في أكثر المدن الكبيرة مسجد واحد على الأقل وإمام جماعة لهذه الفرقة. وإضافة إلى أئمة الجمعة والجماعة، وهناك عدد من المرشدين لهذه الفرقة وهم في واقع الحال الزعماء المعنويون لأهل السنة المرشدون ـ عادةً ـ بنفوذ كبير جداً، ويلاحظ هذا النفوذ بصورة خاصة بين أئمة الجمعة والجماعة.
وهذه الفرقة هي فرقة سنية ترجع أصولها إلى أحمد رضا خان البريلوي (1856ـ1921م) في الهند. وقد كان من الشخصيات البارزة بين أهل السنة. والبريلويون جماعة أصولية كان لها خلافاتها الشديدة مع علماء أهل الحديث (الديوبند). وكان ظهور أهل الحديث ناشئاً عن انتشار أسلوب وأفكار محمد بن عبد الوهاب الذي يُطلق على أتباعه اسم (الوهابيين). وقد بادر عبد الوهاب إلى تخريب قبور أهل البيت وأصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وزعم أنّ زيارة القبور أمر خارج عن الإسلام وفكر استعمار دخيل. واستطاع أتباعه التغلغل بالتدريج في شبه القارة الهندية ونشر أفكارهم فيها، ثمّ استطاعوا أن يرفعوا الهالة القدسية عن رجال الدين المحترمين في هذه المنطقة. فنهض مولانا رضا خان منذ البداية لمواجهة أتباع محمد بن عبد الوهاب، وأصدر بهذا الشأن فتاوى متعددة فاستطاع أن يجمع حوله أنصاراً كثراً في البلدان الإسلامية.
أهم هدف للبريلويين هو الدفاع عن حرمة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله)، وإذا تطلّب هذا الأمر استعمال القوّة استعملوها. ومن خلال الكتب العديدة التي أصدرها مولانا رضا خان بشأ، شخصية رسول الإسلام استطاع أن يرفع الإبهام عن هذه الشخصية العظيمة وأن يُسقط العديد من أهل الحديث في نظر شعوب شبه القارة. وقد كان يعتقد أيضاً أنّ الرسول نور الله وأنّه كان موجوداً من بداية الخلق.
وفي كلّ عام يقوم أتباع هذه الفرقة بالاحتفال بميلاد النبي (صلّى الله عليه وآله) احتفالاً كبيراً يبذلون فيه الطعام وأنواع الحلوى لأصحابهم في الطريقة. وكذلك يقيمون احتفالاً كبيراً في ذكرى الشيخ عبد القادر الكيلاني المدون في بغداد. ولكن أهل الحديث يخالفون جميع هذه الاحتفالات ويرون حرمتها.
فرقة الديوبند: هي فرقة تشعبت عن الفرق السنية، ويتبع أصحابها ـ على وجه الخصوص ـ علماء الديوبند. ولهذه الفرقة مساجد عديدة ف أنحاء إنكلترا. والإسلام في نظر أتباع هذه الفرقة دين فردي أكثر منه اجتماعي، وهم لا يرغبون بتشكيل دولة إسلامية وما دامت الحكومات لا تزاحم أعمالهم العبادية فإنّهم يقفون إلى جانبها ويسايرونها.
الجذور التاريخية لهذه الفرقة: تعود الروحية المطيعة للديوبنديين بجذورها إلى أعماق تاريخ حياتهم. فعندما كان الاستعمار الإنكليزي مخيماً على شبه القارة الهندية لمائتي سنة، كان يواجه بثلاث مواقف مختلفة، الموقف الأوّل: معارضة سياسته الاستعمارية، الموقف الثاني: تأييد هذه السياسة. وأمّا الموقف الثالث فهو اعتزال السياسة والتفرّغ للعبادة، وكان الديوبنديين من أصحاب الموقف الثالث. وقد بادروا منذ البداية إلى تأسيس مدرسة لهم بالقرب من دلهي، وانطلقوا من خلالها بالنشاطات التبليغية الواسعة. ولما كانت تعاليمهم وتبليغاتهم ودعوتهم لا تتعارض مع السياسة الإنكليزية، فإنّهم لم يواجهوا بمعارضة جدية من بل الاستعمار الإنكليزي. وقد وقف هؤلاء منذ البداية بوجه فصل باكستان عن الهند. وحين تشكلت دولة باكستان المسملة المستقلة، اضطر عدد كبير منهم إلى الهجرة. وفي الوقت الحاضر توجد جماعات من أتباع هذه الفرقة في الهند.
جماعة الدعوة: تتركز جماعة الدعوة في مدينة دوز بري (Dew Sbury) ويتنشر أفرادها في جميع أنحار بريطانيا تقريباً ضمن مجاميع منظمة ومنسجمة. ويتميز هؤلاء الأفراد بنظامهم وآدابهم، ويمكن تمييزهم بسهولة عن الآخرين. ولباسهم التقليدي هو القميص والسروال على الطراز الباكستاني الهندي. وهم بعيدون عن العنف السياسي.
الجذور التاريخية لجماعة الدعوة:
مؤسّس هذه الجماعة في الهند هو مولانا محمد الياس (1885ـ1944م) وهو في الأصل من اتباع فرقة الديوبند، ثمّ خرج عن التقوع ودخل الساحة بأفكار منفتحة، ونشط في مجال الدعوة. وقد وضع أصولاً ستة لتوسيع فكره الجديد، هي كما يلي:
1 ـ الاعتراف والإقرار بالإيمان.
2 ـ تأدية الوظائف والواجبات الدينية.
3 ـ معرفة الله وذكره وتسبيحه.
4 ـ احترام سائر المسلمين.
5 ـ الإخلاص في النية.
6 ـ وقف الوقت على الدعوة.
وبالاتكاء على هذه الأصول، يتوجّه أتباع هذه الجماعة في مجاميع يسمّونها (القصد) إلى مختلف البلدان لتأدية رسالتهم. وقد أحرزوا حتّى الآن نجاحاً كبيراً، إلاّ أنّهم لا يتدخلون في السياسة أسوة بالديوبنديين.
أهل الحديث: كان أتباع هذه الفرقة أقلية مطلقة ومركز تجمعهم هو (بيرمنغهام). وهم لا يعيرون الفقه الحنفي والمالكي إلاّ اهتماماً ضئيلاً، ويرون في أكثر الأحيان المسؤولية الفردية في الحديث والقياس والإجماع. وخلال عقد السبعينات استطاع هؤلاء تثبيت مواقعهم أكثر، فأنشؤوا لهم فروعاً جديدة. وشيئاً فشيئاً توسع نشاطهم وزاد أتباعهم وأصدروا مجلتين باسم الطريق المستقيم (باللغة الإنكليزية) والصراط المستقيم (باللغة الأردوية)، ولا يزال إصدارهما مستمراً إلى الآن.
الجذور التاريخية لأهل الحديث:
تبلورت جذور هذه الحركة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. فعقد في عام 1912م أوّل مؤتمر عام لأهل الحديث في شبه القاهرة الهندية. وقد استمدّ هؤلاء أفكارهم وعقائدهم من شخصيتين دينيتين هما: شاه ولي الله ومحمد بن عبد الوهاب. ومن الأشخاص البارزين عند أهل الحديث يمكن ذكر السيد نظر حسين مؤسس مدرسة أهل الحديث في دلهي.
وقد كان شاه ولي الله من أتباع الفرقة الصوفية السنية، ولكن رجع عنها فيما بعد ونقدها بشدّة. وفي سبيل تمييز أنفسهم عن سائر المذاهب السنية الأخرى وفصلها عن أتباع هذه المذاهب، لجؤوا إلى الانفصال ظاهرياً وباطنياً عن مجتمع أهل السنة الهنود والباكستانيين.
الپرواعضيون
يوجد في بريطانيا مجموعة أخرى من المسلمين، هي مجموعة الپرواعضيين وهؤلاء يعتقدون بأنّ القرآن وحده كاف لبقاء الدين، وليس ثمة حاجة للأحاديث في تبيين الإسلامي.
قد تفرّعت هذه الفرقة عن أهل الحديث. ومؤسسها شخص يدعى عبدالله الكرالوي تحت عنوان (نهضة القرآن). وهي تعتقد ـ كما ذكرنا ـ بكفاية القرآن مصدراً للتشريع في المجتمع الإسلامي. ومن أشهر تلامذة وأتباع الكرالوي عبدالله عنايت الله المشرقي (1888ـ1960م) وغلام أحمد پرواعض (1903ـ1985م). وكانت حركة المشرقي حركة ثورية، فهو يعتقد بأنّ أتباعه يجب أن يكون لديهم الاستعداد للإيثار والتضحية في سبيل إقرار الحكومة الإسلامية في العالم أجمع.
حركة المجددين :(Modernist) يكل الطلاب النسبة الأكبر بين أنصار هذه المجموعة. ولمّا كان هؤلاء ـ في أغلبهم ـ من المثقفين والليبراليين، فإنّهم لا يواجهون مشاكل قانونية مع الحكومية الإنكليزية إلاّ قليلاً. ولكن قلّة أنصارهم لم تتح لهم الانتشار بين المسلمين وتثبيت أقدامهم في أوساطهم. وخلال الثلاثين سنة الماضية تعرض هؤلاء لانتقادات أنّ أسلوبهم في التعامل مع المسائل الإسلامية ولا سيما في العالم الغربي هو أسلوب منطقي، وأنّه الطريق الوحيد للنجاح. ويعتقدون أيضاً بأنّ الجماعات الإسلامية الأخرى لا تستطيع إقامة العلاقات مع الغربيين بسبب التركيبة الدينية التقليدية لها. ولعل السيد أحمد خان ومحمد إقبال (1877ـ1938م) من أبرز شخصيات الفكر الإسلامي الحديث. ورغم أنّ الاثنين يختلفان كثيراً فيما بينهما حول النظرة إلى الغرب ولا سيما بريطانيا، إلاّ أنّ كلاً بطريقته الخاصة استطاع إيجاد تحوّل كبير في الفكر الديني لشعوب شبه القاهرة الهندي.
أنهى محمد إقبال دراسته الفلسفية في الغرب، وكان يعارض الغرب وثقافته معارضة شديدة خلافاً لأحمد خان الذي كان يؤيد الغرب والأفكار الغربية. واهتمّ إبال كثيراً بالأدب، وخصوصاً الشعر، وكان يعتقد أن ّ دراسته في بريطانيا وألمانيا أثّرت على فكره تأثيراً إيجابياً. وكان متأثّراً على حد بعيد بأفكار ونظريات مولانا جلال الدين الرومي وسائر العارفين الإيرانيين. ويذهب في اعتقاداته إلى القول بأنّ الحضارة الغربية ستزيل نفسها بنفسها، لأنّ لا حياة ولا مستقبل لمجتمع لا إيمان له.
وفي الوقت الذي كان إقبال يهاجم الغرب ومظاهر حضارته كان يهاجم أيضاً المسلمين البسطاء البعيدين عن القرآن والأصالة الدينية. وكان يرى أنّ الحياة دون تحوّل وانقلاب لا بد أن تؤدي إلى موت الروح موتاً كاملاً، لأنّ روح الشعب إنّما تنشأ باعتقاده من السعي لإيجاد التحوّل والانقلاب. ورأى أنّ المسلمين لا بد أن يصلحوا أنفسهم بالطرق التالية:
1 ـ طاعة الله وحده.
2 ـ السيطرة على النفس.
3 ـ معرفة المسلم لدوره كخليفة لله في أرضه.
ووفقاً لنظرية إقبال، فإنّ بإمكان المؤمن أن يصل إلى مقام رفيع هو أقرب مقام إلى الله.
وفي عام 1930م قدم إقبال اقتراحه إلى جمعية المؤتمر الإسلامي العام في الهند بإقامة وطن واحد لجميع المسلمين. وانتهى هذا الاقتراح إلى تأسيس دولة باكستان عام 1947م.
يحظى إقبال باحترام كبير في بريطانيا ولا سيما في أوساط المسلمين ويذكره أكثر المسلمين تقريباً بالإجلال والاحترام. وقد نشطت أكاديمية إقبال في إنكلترا وباكستان بجمع ونشر آثاره المنظومة والمنثورة. بينما وضعت جامعة كامبرج برنامجاً خاصاً لدراسة أفكاره وآثاره. وليس ثمة شك أنّ أفكار إقبال تركت بصماتها على أغلب الثوريين المسلمين في العالم.
لقد كان إقبال واحداً من محبي الفكر الإسلامي في القرن المعاصر، ويفتخر الباكستانيون بنشوء مثل هذا الفيلسوف في أوساطهم.
الجماعة الإسلامية: يبلغ أتباع هذه الفرقة في إنكلترا عدداً أقل نسبياً من سائر الفرق الأخرى. وهي تمارس نشاطاتها عن طريق طبع الكتب والمجلات ونشاطات اليافعين وكذلك عن طريق المؤسسات التبشيرية. وقد اتبعت في سيرها الحركة الوهابية بصورة دقيقة، ولذلك لم تفلح إلى الآن في اكتساب الشباب.
وقد أسّست الجماعة الإسلامية على يد أبي الأعلى المودودي (1903م ـ 1979م) الذي حوّلها في عام 1920 إلى حزب سياسي محض. ومنذ أوائل تأسيس دولة باكستان وقف هذا الحزب ضد اعتبارها دولة إسلامية. وعلى الرغم من الدعم الشعبي الكبير الذي حظي به المودودي وأنصار الجماعة الإسلامية، إلاّ أنّهم لم يفلحوا في تأسيس حكومة إسلامية مبنية على أساس الشريعة. ولكنّهم استطاعوا خلال السنوات الماضية العمل كحزب قوي بسبب الدعم المعنوي والمالي السعودي اللامحدود.
الشيعة: يشكّل الشيعة في بريطانيا أقلية بالنسبة للسنيين، فبالإضافة إلى الشيعة الهنود والباكستانيين والعرايين هناك حوالي 25000 إيراني يعيشون في بريطانيا. وقد وضع الشيعة في هذه البلاد تحت المراقبة المجهرية للسلطات الأمنية منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران وانتشار فكرها الثوري في العالم الإسلامي. وقد بان هذا الأمر بصورة واضحة بعد صدور فتوى الإمام الخميني بحق سلمان رشدي، إذ لم تكد الفتوى تصدر حتّى أخرج من بريطانيا مئات الإيرانيين في فترة قصيرة.
ورغم كون الشيعة أقلية، إلاّ أنّهم يتميزون بترتيب جماعي واجتماعي أكثر من بقية الفرق. والجدير بالذكر أنّ شبان الشيعة متاثرون إلى حد بعيد بأفكار الإسلام الثورية ومؤلفات بعض العلماء مثل الإمام الخميني، الدكتور شريعتي والشيخ مرتضى المطهري.
إسلام المستشرقين: وهو الإسلام الذي طرحه المستشرقون الغربيون وفي الوقت الحاضر يدرّس إسلام المستشرقين في جميع المؤسسات التي تدرّس العلوم الإسلامية في المراحل الاساسية والماجستير والدكتوراه. ويصطلح المسلمون على تسمية إسلام المستشرقين بالإسلام الغربي.
وقد بدأ الاستشراق في الواقع مع بدياة عهد سيطرة الاستعمار الغربية على البلدان الشرقية وخصوصاً بلدان العالم الإسلامي. وكان من أهم أهداف كثير من المستشرقين تشويه صورة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، ورفض القرآن كوصي غلهي. فقد كان هؤلاء يعتقدون أنّهم إذا ما طرحوا صورة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، ورفض القرآن كوصي إلهي. فقد كان هؤلاء يعتقدون أنّهم إذا ما طرحوا صورة الرسول كما هي، فإنّهم بذلك سيخدمون المسلمين. من هنا بدؤوا من رأس الهرم، ولكي يستطيعون تشويه حقيقة الإسلام نشطوا بإعلام واسع وأشاعوا بأنّ الإسلام في حقيقته استنساخ للديانتين المسيحية واليهودية وتقليد لهما. ومن الدعاوى الأخرى التي نشرها هؤلاء التعريف بالإسلام كدين غير سياسي، وأنّه جاء على غرار المسيحية واليهودية لا يتدخل في السياسة مطلقاً. وكان سعي المستشرقين يتركز على إخراج الإسلام عن المجتمع وحصره في المجالات المعنوية ولعل في هذا الأسلوب تبرير للوضع القائم في الديانتين المسيحية واليهودية وتميل المحافل الغربية ـ طبعاً ـ إلى نشر الإسلام الذي عرضه المستشرقون في جميع أنحاء العالم لأنّ هذا النوع من الغسلام الذي يدرس في أكثر الجامعات لاغربية وبعض البلدان الإسلامية إنّما هو متوافق مع أهداف الغرب والحياة الغربية.
والخلاصة: يعيش أكثر المسلمين في بريطانيا اليوم حالة الانزوار الاجتماعي والسبب في ذلك هو التعليمات الدينية، فعلى سبيل المثال يُحرم المسلم من الذهاب إلى أكثر المطاعم لعدم شرعية لحومها، ويتخوف من إرسال أولاده إلى المدارس المختلطة، ويشرف باستمرار على مشاهدتهم للبرامج التلفزيونية، وحينئذٍ فإنّ هذا المسلم المتمسك بتعاليم دينه ينزوي منذ الوهلة الأولى عن المجتمع الإنكليزي، وفي المرحلة الثانية ينزوي المسلمون عن بعضهم البعض بسبب الخلافات المتأصلة والعميقة بينهم.
وعلى الرغم من الخلافات السطحية والأساسية الموجودة بين مسلمي بريطانيا، إلاّ أنّهم يمثلون أقلية دينية واحدة في البلاد من حيث مظاهرهم وتقاليدهم وتصرفاتهم الاجتماعية، إلاّ أنّ هذه الأقلية لم تستطع أن تشكّل أمّة واحدة من النواحي الفكرية والعقيدية والسياسية والاجتماعية.
فاختلاف فرق دين واحد في وسط مجتمع يعادي هذا الدين، إنّما هو مأساة بحق لا سيما إذا كان المسؤولون الحكوميون يشجعون هذا الاختلاف. وكذلك فإنّ عدم اتحاد المسلمين فيما بينهم هو عمل انتحاري، لأنّ المجتمع إذا ما تفرّق فإنّه سيضعف بالتدريج حتّى يكون عرضة للتشتت في آخر المطاف.
نماذج من القيادات
تعتبر القيادة من أهم عوامل التقدّم في المجتمعات. فالمجتمع دون قادة كسفينة دون ملاح. ولا يعاني مجتمع المسلمين في بريطانيا من فقدان القائد الواحد وحسب، بل يعاني أيضاً من تعدّد القيادات بتعدّد المجاميع والفرق.
وهذا التعدّد ـ في الواقع ـ من أهم المعضلات التي يعاني منها مسلمو بريطانيا.
ولو اتف هؤلاء القادة في الأمور العامة لهان الخطب، ولكن ما يدعو للأسف أنّهم ـ على كثرتهم ـ مختلفون مع بعضهم البعض اختلافاً شديداً وحادّاً في أكثر الأمور جزئية. واللطيف هنا أنّ جميع هؤلاء القادة يزعمون أنّ كلّ سعيهم وغايتهم هي تحقيق الرفعة للإسلام والمجتمع الإسلامي. وفي هذا الفصل سنتحدث عن ثلاثة نماذج للقيادات:
1 ـ القيادة التي تستند إلى النفط والدولار.
2 ـ القيادة المهنية.
2 ـ القيادة التقليدية.
أوّلاً: القيادة التي تستند إلى النفط والدولار: كان الدخل الكبير للنفط واحداً من أهم عوامل التغيير في تركيبة المجتمعات العربية. وعلى حد قول أحد علماء الاجتماع في الشرق الأوسط([598]) فإنّ البدوي العربي الذي كان يكتفي في حياته باللبن والتمر واللحم، أصبح الآن مستهلكاً للأرز الأميركي والمعلبات المستوردة. وكذلك فإنّ ازدياد نسبة الطلاق واستعمال المواد المخدرة المسكرات من العوامل الأخرى التي أدّت إلى تغيير التركيبة التقليدية للعرب. وعلى سبيل المثال فإنّ السعوديين باعتمادهم هذه الأساليب استطاعوا أن يسلبوا جيل الشباب ثقته بنفسه. وكانت سياستهم المنافقة موضعاً لانتقاد الشباب المسلم الشديد في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من بذلك السعوديين وتوزيعهم لبعض أموال النفط في جميع مناطق بلادهم بل في أرجاء العالم جميعاً، إلاّ أنّ ذلك لم يقنع جيل الشباب المسلم الواعي. فالحكومة السعودية تنفق سنوياً مليارات الدولارات لتحسين صورة حكومتها الغسلامية. ففي بريطانيا وحدها تمّ إنشاء 800 مسجد على يد السعوديين. ويتم تعيين أكثر أئمة الجمعة والجماعة في هذه المساجد عن طريق عملائهم وتحت الإشراف المباشر للسفارة السعودية والحصاءات المتوفرة تشير إلى أنّ السعودية أنفقت على نشاطاتها الإعلامية والتبليغية خمسين مليون جنيه استرليني خلال عشر سنوات فقط([599]). وقد كانت رؤوس أموال النفط والإنفاق الهائل للأموال في الداخل والخارج من قبل النظام الحاكم في السعودية تثير دائماً تساؤلات كثيرة في أوساط المحافل الإسلامية، وغالباً ما تقترن هذه التساؤلات بانتقادات شديدة لاذعة.
وتبدو القيادة الدولارية واضحة بقوّة في محافل المسلمين ومتجتمعاتهم في بريطانيا. فأئمة الجمعة والجماعة في هذه المحافل يكتفون بالحديث عن الإسلام مطروحاً منه السياسة، ويقفون حديثهم على الأعمال العبادية في الإسلام.
ربّما يعتقد هؤلاء القادة الدينيون في أنفسهم أناساً أصوليين ولكن أكثر الناس في الوقت الحاضر أصبحوا ينظرون إلى إسلام هؤلاء على أنّه إسلام استسلامي. ولم يستطع هؤلاء القادة مطلقاً أن يوجدوا للأقلية المسلمية مكانة مهمة وخاصة في صفوف المجتمع الإنكليزي لأنّهم اتكؤوا على اسم الإسلام ودولارات النفط، وسحبوا أنفسهم من الساحة ليتركوا الأمّة وحدها تعيش الأزمات والظروف الصعبة.
وهناك القيادة المهنية: فمن الطبيعي أنّ قيادة جماعة أو مجتمع ما تعود على شخص القائد بمقام اجتماعي أفضل، سواء كانت هذه القيادة في المجال الديني أو في المجالات العلمية والمهنية والاجتماعية. وعادة ما يستند مثل هؤلاء القادة إلى الأصالة التعليمية والتربوية قبل كلّ شيء، أي بعبارة أخرى يكون الأشخاص المتعلمون أوفر حظاً في هذه القيادة من سواهم. خصوصاً وأنّ شرائح الأميين والفقراء تشكل الغالبية بين المسلمين المهاجرين إلى إنكلترا، حيث يضطر هؤلاء للعمل في الأعمال المتدنية. وفي مثل هذا الوضع لا بدّ أن يحتل ذوو الدراسات العليا ولا سيما أصحاب شهادة الدكتوراه مواقع اجتماعية قيادية. من هناك كان الأميّون والبسطاء يلجؤون إلى ذوي المستوى العلمي العالي للاسترشاد والاستشارة، ويبادر هؤلاء بدورهم إلى حل المشاكل الاجتماعية خلافاً للقيادة الدولارية. ولكن دور هؤلاء أخذ يضمحل بالتدريج بسبب انشغالهم بوظائفهم وضيق وقتهم. إلاّ أنّ بعض هؤلاء تمّ استدراجهم من قبل القيادة الدولارية بأموالها فصاروا يزعمون أنّ أوقاتهم وأنفسهم صارت وفاً للإسلام.
وهناك القيادة التقليدية: وتقع القيادة التقليدية للطبقة المتوسطة من مسلمي بريطانيا على عاتق رجال الدين الهنود والباكستانيين وأكثر هؤلاء تمت دعوتهم من قبل الأقليات العمالية المهاجرة التي تنحدر من نفس الأصول.
وهم في أكثرهم يفتقدون إلى التعليم الإسلامي المتكامل، وأكثر معلوماتهم تقتصر على مجموعة من الأعمال العبادية. ولا يستطيع أغلب هؤلاء الحديث في مجال واسع لضعف معلوماتهم وعدم معرفتهم بمحيطهم. وبسبب ضعفهم في التحدّث باللغة الإنكليزية لا يستطيعون مواجهة المثقفين والشباب الذين تربّوا في نظام التعليم الإنكليزي.
وفي بريطانيا تنعدم العلاقة بين القيادات التقليدية وجيل الشباب المسلم، لأنّ ضعف خلفياتهم الدينية وخبرتهم الاجتماعية، لا يسمح لهم بالإجابة على تساؤلات الشباب الكثيرة. ومن ثمّ يمكن القول وبكلّ جرأة بأنّ القيادة التقليدية قد فقدت موقعها بين الشبان واليافعين في المجتمع الإسلامي في بريطانيا.
ولم توفق هذه القيادات حتّى في مجال الوعظ والإرشاد الديني. لأنّ قلّة معلوماتهم الدينية العميقة، وعدم معرفتهم بالتطورات السريعة للعالم الصناعي، وبُعدهم عن الأساليب الإعلامية الحديثة كلّها أسباب أدّت بهم إلى الفشل حتّى في تبيين نظرياتهم الإسلامية التقليدية. ولم يتاوز هؤلاء في طرحهم الإسلام حدود قراءة القرآن وأداء الصلوات اليومية والإرشاد المعنوي وبيان المسائل الفقهية الابتدائية. ومن الطبيعي أنّ هذا الإسلام لا يستطيع أن يحلّ مشاكل المجتمعات الإسلامية وخصوصاً في الغرب.
ويمارس رجال الدين التقليديون هؤلاء نشاطاتهم التبليغية في بلدانهم في إلب الأحيان تحت نفوذ الإقطاعيين الكبار، ولكن الظروف تختلف في بريطانيا تماماً، لأنّ إمام الجماعة يكون في هذه البلاد مشرفاً مباشراً على المسجد والجماعة المؤيدة له. وإلى حد ما يستطيع هؤلاء بأساليبهم إرضاء الجيل القديم، ولكنّهم ـ مع الأسف ـ لا يستطيعون جذب الجيل الجديد إليهم، كما ذكرنا آنفاً.
ويشترك أئمة الجماعات في مراسيم الزواج والطلاق ومجالس العزاء، والذكريات السنوية وغيرها إضافة إلى اشتراكهم بصورة رئيسية في الطقوس الدينية اليومية. وتشكل هذه الطقوس مصدراً من مصادر دخلهم المالي. والجدير بالذكر أنّ القادة التقليديين هؤلاء على الرغم من كل نقاط الضعف التي ذكرناها استطاعوا أن يؤسسوا المساجد والمراكز والجمعيات الإسلامية التي لبّت الكثير من الحاجات اليومية للمسلمين في بريطانيا وبصورة عامة كانت هذه القيادات أكثر نجاحاً في بعض الجوانب من القيادات الأخرى على الرغم من عجزها وضعفها. ولكنّها فشلت فشلاً تاماً في حل المشاكل الاجتماعية لمسلمي بريطانيا وإيجاد الوحدة بين صفوفهم.
والخلاصة أنّه يمكن القول بصورة عامة بأنّ قيادة المسلمين فقدت وحدتها، فالقيادة النفطية ـ الدولارية ـ تستلهم خطّها من الأموال. ويبحث القادة المهنيون عن الهدوء والاستقرار في أعمالهم، بينما يسعى القادة التقليديون لزيادة قوّة فرقهم وجماعاتهم. يميل رجال الدين إلى العمل في المساجد ولكنّهم غفلوا عن دور المساجد في الإسلام فحوّلوها إلى قلاع الفرق المذهبية في القرون الوسطى.
وقد كان مجتمع المسلمين في بريطانيا بعيداً عن العلم منذ بداية أمره، ولذلك يشاهد الفراغ القيادي في كلّ أجزائه. وإضافة إلى ذلك فإنّ هذا المجتمع استند إلى أشخاص لا يمكن أن يقدّموا له خدمات خالصة.
ولو شئنا محاسبة هؤلاء القادة، لما وجدنا أحداً منهم جديراً بالمسؤولية. وقد دفعت القادة المصالح المادية إلى سلوك مناهج أدّت إلى تقسيم المجتمع الإسلامي وخلق اللامبالاة فيه.
ويمكن القول: إنّ المجتمع الإسلامي يمتلك قيادة محلية ولكنّها ليست شاملة.
اشتراك المسلمين في النشاطات السياسية
لاحظنا في الفصول السابقة كيف تعيش مسألة قيادة المسلمين في بريطانيا أزمة شديدة وفشلاً واضحاً. وقد تعرضنا لذكر بعض أسباب ذلك، ونحاول في هذا الفصل بيان سبب آخر وهو النظام السياسي في بريطانيا.
وفي الحقيقة إنّ أزمة القيادة وصراع القوى أدّت إلى عدم فسح المجال للسعي أكثر واكتشاف سبل أفضل للنفوذ في النظام الساسي في بريطانيا. وحري بمسلمي بريطانيا وقادتهم أن يعلموا بأنّ عدم وجود قائد واحد لهم وضعف تنظيمهم واختلافهم هي غاية ما ينشده المسؤولون في الحكومة البريطانية. وقد أصبح المجتمع الإسلامي في بريطانيا عرضة لكلّ سوء، ويمكن الطعن به ومهاجمته من كلّ الجهات.
ولكي يتسنّى لهذا المجتمع الخروج من عزلته السياسية والوصول إلى نيل قوّة سياسية أكبر لا بدّ له من حلّين لا ثالث لهما، الحل الأوّل: أن تبادر الشخصيات السياسية القوية المخلصة إلى الدفاع عن حقوق الأقلية المسلمة في البلاد والسعي لرفع الظلم والإحاف بحقهم. والحل الآخر هو اتحاد المسلمين مع بعضهم للدفاع عن حقوقهم ودفع الظلم عنهم كأقلية مسلمة. وفي ذلك بداية لحركة صحيحة وناجحة لنيل الحريات الفردية والجماعية. وسبيل الوصول إلى هذه الأهداف هو الاشتراك الفعّال للمسلمين في النشاطات السياسية والانتخابية وهو ما لم يحصل إلى الآن، بسبب الأمور التي ذكرناها.
مستوى المشاركة السياسية
على الرغم من أنّ المسلمين يشتركون في الانتخابات المحلية والعامة والتي تجري في بريطانيا، إلاّ أنّ مشاركتهم عديمة الأثر تقريباً بسبب تعدّد القوميات والعروق والمذاهب. ود سعى المسلمون باستمرار لتحقيق طلباتهم الملحة وهي عبارة عن التساؤلات التالية:
الدفن: هل توجد منطقة خاصة لقور المسلمين؟
ـ هل يجوز للمسلمين أن يشيعوا موتاهم ويدفنوهم وفقاً لتقاليدهم وتعاليم دينهم؟
الذبح: هل يجوز للمسلمين ذبح الحيوانات وفقاً لشريعتهم؟
(ج) المراسم العبادية: هل يستطيع المسلمون الاستفادة من عطلاتهم الدينية، كالاشتراك في صلوات الجمعة مثلاً؟
(د) التربية والتعليم: هل فكّر المسؤولون المحليون بتأسيس مدارس إسلامية لأبناء الأقلية المسلمة؟
ـ هل وضع هؤلاء المسؤولون برنامجاً لتدريس اللغات الأم لأفراد الأقلية؟
ـ هل فكّر هؤلاء المسؤولون بحل قضية تغذية الطلاب المسلمين؟
ـ هل فكّر المسؤولون المحليون بحل لمسألة تعليم المسائل الجنسية وفقاً للتعاليم الدينية الموجودة؟
ـ ما هو برنامجهم بشأن بعض الأمور من بيل العنصرية والثقافة الوطنية؟
(هـ) المدارس الخصوصية: هل وضع المسؤولون المحليون برنامجاً لتأسيس مثل هذه المدارس؟
ـ ماذا كانت الأجوبة إلى الآن على الطلبات المتكررة للمسلمين بشأن تأسيس مثل هذه المدارس؟
(و) إصدار الإجازات: ما هو برنامج المسؤولين المحليين بشأن إصدار الإجازات لبناء المساجد ومؤسسات التعليم الديني؟
ـ ما هي المساجد التي أسّست أو عملت بدون إجازة البلدية؟
(ز) تعليم القراءة والكتابة: هل وضع المسؤولون المحليون برنامجاً لتعليم القراءة والكتابة للمسلمين وخصوصاً النساء منهم؟
ـ هل تعتبر الخدمات المكتبية سياسة لتشجيع الآسيويين وترغيبهم في دراسة الكتب باللغات المحلية؟
ويضطر المسلمون إلى الكفاح المرير حتّى لنيل أبسط حقوقهم. فعلى سبيل المثال حينما دخلت الأختان علوي للمرّة الأولى (مدرسة القواعد)([600]) بحجابهما الإسلامي، ثمّ إخراجهما من قبل المشرفين على المدرسة، ولكنّهم اضطروا إلى قبولهما بعد كفاح سياسي وثقافي مرير قامت به هاتان الأختان. وهناك مثال آخر حدث في مدينة پيتر براو (Peter Brough)حينما رفض مدير إحدى المدارس دخول طالب مسلم لإطلاقه لحيته. فواجه مسلمو المدينة هذا العمل بالاعتراض والغضب الشديدين، وانتهى الأمر لصالح الطالب المسلم. وفي المثالين المذكورين دليل على الواقع المر الذي يعيشه المسلمون، فهم لا ينالون حقوقهم دون كفاح مرير مع السلطات.
وقد دفعت مثل هذه التجارب المسلمين إلى فهم واعهم. وبعبارة أخرى أدركوا أنّهم باشتراكهم في النشاطات الانتخابية والسياسية والثقافية يمكن أن يصلوا إلى مناصب مهمة كإدارة المدارس مثلاً، ومن ثمّ يطرحون قضاياهم أضل من السابق. ونجحوا بعض الشيء في ذلك، ولكن نجاحهم اقتصر على المستويات المحلية، ولم يتعداها إلى المستويات الوطنية العامة، إلاّ في مواقع نادرة جداً. والسبب الأساسي في ذلك هو عدم إدراك المسلمين لموعهم وشخصيتهم، إذ لا تزال السابقة التاريخية للاستعمار الأنكليزي في الهند وباكستان تلقي بظلالها على الشعوب المسلمة في تلك المنطقة. وممّا يؤسف له أنّ هذه اشعوب لم تستطع إلى الآن التخلص من معتقداتها القديمة. والشيء الوحيد الذي يعتز به المسلمون هناك هو اعتناقهم للإسلام، وقد أثبتت قضية سلمان رشدي للمسلمين أنّ بإمكانهم نيل حقوقهم القانونية والشرعية كأمّة واحدة. فقد قاموا بنشاطات عديدة دون سابق تجربة، ومن هذه النشاطات:
1 ـ الاعتراض على المسؤولين.
2 ـ التظاهرات الهادئة.
3 ـ إيصال نداءاتهم إلى مختلف طبقات المجتمع.
4 ـ حرق كتاب سلمان رشدي في المظاهرات العامة.
5 ـ بحث هذه القضية في الندوات والمؤتمرات.
6 ـ إيصال نداءاتهم إلى جميع البلدان الإسلامية.
وقد وجد المسلمون في بريطانيا بعد قضية سلمان رشدي الاسلوب الصحيح للكفاح السياسي والاجتماعي من أجل تحقيق طلباتهم ونيل حقوقهم المشروعة، وبعبارة أخرى استطاعوا الوصول إلى الوعي السياسي المطلوب.
أثر الاشتراك في النشاطات السياسية
تعتبر التركيبة السياسية في بريطانيا تركيبة واضحة تماماً، إذ يستطيع الشعب الاشتراك بفعالية في جميع المستويات السياسية في البلاد من خلال النشاطات الحزبية وعلى أساس ديموقراطي. ولم يكن المسلمون يمتلكون أيّة مؤسسة منظمة فانحصرت نشاطاتهم السياسية والاجتماعية في نفس المجالات التي كانوا يمارسونها قبل هجرتهم. من هنا كان التفرق في الآراء والأفكار والمؤسسات هو الطابع الغالب على المسلمين حتّى في المناطق التي يشكلون نسبة الأكثرية فيها. ولكنّهم انتبهوا من غفلتهم بعد قضية سلمان رشدي فأدركوا ضرورة تأسيس حزب لهم في سبيل تحقيق طلباتهم وحقوقهم المشروعة، فكانت ولادة الحزب الإسلامي الأوّل في بريطانيا في تموز عام 1989م باسم (الحزب الإسلامي البريطاني) ورمز (IPB)([601]) وباشر على الفور نشاطاته السياسية بصورة رسمية وقد تميز بيانه التأسيسي بالبساطة الواضحة في أسلوبه وشمولية بعض بنوده لجميع الأقليات الدينية وكانت أهدافه كما يلي:
1 ـ بيان أساليب العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفقاً للقرآن والسنة.
2 ـ بيان الحلول الإسلمية الناجعة لمشاكل الشعب البريطاني السياسية، والاقتصادية والاجتماعية.
3 ـ إقامة العلاقات وسبل التفاهم مع سائر الأحزاب والمحافل السياسية في سبيل ترسيخ أهداف الحزب.
4 ـ نشر الأفكار والعقائد الإسلامية بين صفوف الشعب.
5 ـ إيجاد قيادة موحدة واتحاد بين المسلمين، وطرح الأسس اللازمة لحياة الأقلية في بريطانيا.
6 ـ الدفاع عن حقوق المسلمين في شتى أرجاء العالم والاتحاد مع جميع المسلمين والمجتمعات الإسلامية في البلدان غير الإسلامية.
7 ـ مواجهة الجو الإعلامي المعادي للإسلامي وإحباط المؤامرات.
8 ـ إقامة الندوات والمؤتمرات في سبيل دعوة المسلمين لعضوية الحزب.
9 ـ تقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية لأعضاء الحزب من قبيل تأسيس مصرف لاربوي، وتقديم خدمات حقوقية، صحية وعلاجية وتعليمية.
واجه الحزب انتقادات من قبل بعض الشخصيات الإسلامية، مثل: الدكتور زكي بدوي أحد أعضاء شورى أئمة المساجد، والدكتور السيد باشا من المنظمة المتحدة للمسلمين لاعتقادهم بأنّ الحزب الإسلامي في بريطانيا لن يكون قادراً على القيام بدور مؤثّر في السياسة العامة للبلاد بصورة مستقلة، بينما يستطيع المسلمون إحراز نجاح سياسي أكبر عن طريق الاشتراك في النشاطات السياسية للأحزاب الموجودة.
وفي هذا المجال جاء في افتتاحية صحيفة(New Life) أنّ قيادة الحزب الإسلامي لن تستطيع مطلقاً حل مشاكل المسلمين الآسيويين في بريطانيا. لأنّهم لم يعتادوا على تغيير القيادات.
ويذهب صاحب المقال إلى القول بأنّ تأسيس هذا الحزب لن يكون عديم الجدوى بالنسبة للمسلمين وحسب، بل إنّه سيساهم في انزائهم أكثر. كما أنّ بعض قادة الحزب في واقعهم يُعدّون إنگليزاً بسبب إقامتهم الطويلة في البلاد، ومن ثمّ فهم عاجزون عن طرح صورة واضحة لمجتمع الأقلية المسلمة في بريطانيا.
والمشكلة الأخرى التي تواجه مثل هذه المشاريع هي ما أشرنا إليه بصورة مقتضبة في الفصول السابقة وهي مشكلة الخلافات بين المسلمين. فلو بادرت بعض الفرق والتجمعات الإسلامية إلى تأسيس أحزاب سياسية أخرى، لشاهدنا بعد فترة غير طويلة الخلافات الداخلية التي ستنشأ بين هذه الأحزاب الجديدة. وهذا واقع مأساوي لا شك في أنّه سيؤدّي إلى تآكل البنية السياسية والاجتماعية للمسلمين. وفي مثل هذه الحال لا تستطيع المجتمعات المسلمة تشخيص أحقية بعض الأحزاب دون سواها، ومن ثمّ يؤدّي ذلك إلى اعتزال المسلمين وابتعادهم عن الساحة السياسية.
لقد أظهرت الدراسات الأولية لمشاركة الأقليات في الأحزاب السياسية البريطانية عدم النجاح النسبي لهذه الأقليات، فعلى سبيل المثال كان النشاط الفردي للسود في هذه الأحزاب أكثر من نشاط البيض، ولكن العنصرية لم تسمح لهؤلاء في الوصول إلى مناصب كبيرة في الولايات إلاّ في موارد نادرة جداً. أمّا بشأن مشاركة المسلمين في نشاطات الاحزاب الموجودة في بريطانيا فإنّها تتعلق بمسألة اختلاف عروقهم وقومياتهم في بلدانهم الأم، فنرى مثلاً أنّ معارضةالأقليات الباكستانية لحزب العمال إنّما نشأت بسبب وقوف هذا الحزب إلى جانب الهند في حربها مع باكستان عام 1971م.
والمسؤولية الكبيرة تقع على عاتق قادة المسلمين في بريطانيا في بحث مسألة مشاركة المسلمين في النشاطات السياسية، وبيان ما يتوجب عليهم فعله في هذا المجال، وهل أنّ تأسيس الأحزاب الإسلامية سيؤدّي إلى عزلة المسلمين أم أنّ مشاركتهم في الأحزاب الموجودة ستؤدي ـ على الأقل ـ إلى دخول بعض المسلمين في التركيبة السياسية والاجتماعية للحكومة؟
لقد أظهرت التحقيقات الأولية أنّ نسبة مشاركة المسلمين في الانتخابات كانت كبيرة لا سيما في مدن رودال (Rochdale)، اسپارك بروك (Spark Bruok)، سمول هيث (Small Heath)، وبرمنغهام (Brimwgham)، وبراد فورد (Brad Ford)، حيث شكلت أصواتهم نسبة كبيرة من مجموع الأصوات. وطبيعي أنّ هذه التحقيقات إنّما هي أمر مؤقت، لأنّ عام 1992م سيحظى ببلوغ الكثير من جيل الشباب السن القانونية التي تخوّلهم الاشتراك في الانتخابات.
على أية حال يمكن أن نخص إلى القول بأنّ نشاط المسلمين في التشكيلات الحزبية الموجودة سيكون أبلغ أثراً في اشتراكها في أحزاب إسلامية، ويتأكد ذلك إذا ما لاحظنا تزايد عددهم. ولكن ما يدعو للأسف أنّ أفراد الأقلية المسلمة لم يستطيوا إلى الآن اكتشاف طرق النفوذ إلى داخل التشكيلات السياسية البريطانية، وهم من حيث التجربة في هذا المجال بعيدون حتّى عن الأقلية اليهودية بُعداً كبيراً.
استراتيجية المشاركة السياسية: تكمن الطرق المعروفة لهذه الاستراتيجية في النقاط التالية:
1 ـ المشاركة الفاعلة في المجالس المحلية.
2 ـ المشاركة الفاعلة في الأحزاب السياسية الموجودة، على المستويين: المحلي والوطني.
3 ـ النشاط السياسي المستمر لمعرفة طرق وأساليب المواجهة السياسية.
4 ـ معرفة وتصنيف المسائل السياسية (حتّى لو لم يكن لها ارتباط مباشر بالإسلام بل يكفي تعلقها ببعض الأمور مثل العلاثات القومية والسياسية والخارجية).
5 ـ السعي لترشيح المسلمين لنيل مختلف المناصب في التشكيلات السياسية للبلاد.
وطبيعي أنّ كتابة هذه النقاط أهون بكثير من تطبيقها الذي يحتاج إلى معرفة دقيقة بالنظم السياسية.
ثمّة حقيقة يجب أن نعترف بها، هي أنّ مسلمي بريطانيا يهتمون بأمورهم الاقتصادية وتوفير سبل الرفاهية أكثر من اهتمامهم بالمشاركة السياسية لتحديد مصيرهم. والسبب الرئيسي في ذلك هو انخفاض مستواهم الدراسي والثقافي وافتقادهم للتجارب اللازمة في الأمور السياسية فحري بالمسلمين أن يسعوا لتمكين جيل الشباب من الاستفادة القصوى من النظام التعليمي في هذه البلاد، ولا سيما في مجال التعليم السياسي. ويمكن توضيح ذلك بذكر النماذج التالية: (أ) القانون الإصلاحي في التربية والتعليم (عام 1988م). (ب) المدارس الأهلية. (ج) المدارس غير المختلطة.
القانون الإصلاحي في التربية والتعليم (عام 1988م):
يلزم هذا الانون جميع الطلاب بتعلّم العلوم المسيحية، ويترك للطلاب المسلمين أربعة خيارات:
1 ـ الاشتراك في التعليم الديني المسيحي.
2 ـ الخروج من المدرسة.
3 ـ المطالبة بالتعليم الديني الإسلامي مع تحمّل النظام التعليمي للنفقات في حال كون أكثرية الطلاب من المسلمين.
4 ـ المطالبة بالتعليم الديني الإسلامي مع تحمذل المسلمين للنفقات في حال كون الطلاب المسلمين يشكّول الأقلية.
والجدير بالذكر أنّ نيل هذه الحقو استناداً إلى القانون المذكور لا يكون سهلاً دون مباحثات سياسية طويلة. والسبب الأساس في إقرار هذا القانون هو أنّ الحكومة الإنكليزية لم تكن تحسب أنّ بلادها ستتحوّل ذات يوم إلى دولة متعددة الشعوب.
(ب) المدارس الأهلية: تمتلك الأقلية اليهودية والأكثرية المسيحية في بريطانيا مدارس أهلية كثيرة جداً لهما ممّا دعا المسلمين إلى المطالبة بتأسيس مدارس لهم، وكان على رأس المطالبين يوسف إسلام. والخطر الوحيد الذي يكتنف تأسيس مثل هذه المدارس هو بروز الخلافات العرقية والقومية والمذهبية بين المسلمين: وبعد مساع قام بها المتصدون للنشاطات السياسية، أجيز المسلمون بتأسيس مثل هذه المدارس. إذ رأت الحكومة البريطانية نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إمّا أن تلغي قرارها المذكور وإمّا أن تسمح للأقليات الدينية الأخرى بتأسيس مدارس خاصّة بها. ولعل تأسيس مثل هذه المدارس يثير بعض التساؤلات من قبيل:
1 ـ ما هو نوع التعليم الذي يجب أن يتبع في مثل هذه المدارس كمدارس للأقليات الدينية؟
2 ـ ما هو التأثير الذي سيتركه التعليم في المدارس الإسلامية على نظام التربية والتعليم من خلال الاعتقاد بالديانة الإسلامية والتصديق بها؟
3 ـ إلى أي حد يمكن تطبيق القيم الإسلاميةعلى المجتمع في الوقت الحاضر؟
4 ـ ما هي الحقوق القانونية للمسلمين في مجتمع ديموقراطي، وما هو رد الفعل الذي ينبغي للمسلمين القيام به تجاه الأمور المخالفة للإسلام وقيمه؟
ويمكن الجواب على هذه التساؤلات فقط في حال اتضاح بعض المفاهيم، مثل: التعليم، المجتمع، شخصية الفرد والمجتمع، الحقيقة، الدين، اللادينية، الثافة، التقاليد، الوحدة، الحكم الذاتي، الحريةن الديموقراطية.
والمهم في الوقت الحاضر أن يبادر المسلمون إلى تأسيس المدارس المذكورة مستعنيني بالقوانين الموجودة قبل أن تضيع الفرصة من أيديهم.
(ج) المدارس غير المختلطة:
يعتبر امتلاك المدارس غير المختلطة حق آخر من حقوق المسلمين. وممّا يجدر التأكيد عليه مرذة أخرى هو أنّ سبيل نيل هذه الحقوق المشروعة يكمن في الكفاح السياسي أكثر من الكفاح الديني. وفي مثل هذه الحالة يكفي أن يستند إلى القوانين المذكورة في المطالبة بتأسيس مدارس غير مختلطة دون الحاجة إلى المطالبة بالمدارس الدينية، فربّما أمكن بذلك اكتساب تأييد بعض الناس من غير المسلمين.
المساجد والمراكز الدينية
يوجد في بريطانيا في الوقت الحاضر أكثر من ألف مسجد، ويزداد هذا العدد يوماً بعد آخر. وأكثر هذه المساجد مقام في مراكز وأبنية صغيرة جداً، لم تنشأ في بداية أمرها لهذا الغرض. ما عدا عدداً محدوداً جداً منها أسس منذ البداية كمساجد. وقد احتفظ في المساجد الكبيرة في هذه البلاد بالمنارة والقبة كأساليب تقليدية للعمران الإسلامي، وما عدا ذلك فإنّ جميع أجزائها جاءت على الطراز الغربي الحديث.
والجدير بالذكر أنّ كثرة المساجد لا تعني النمو السريع لعدد المسلمين فيه هذه البلاد. فقد أعلن المركز الثقافي الإسلامي أخيراً بأنّ أكثر مساجد بريطانيا عبارة عن قواعد للتحرّك السياسي. وقد أدّت الخلافات السياسية والعرقية والمذهبية بين أئمة هذه المساجد في السنوات الأخيرة إلى ظهور بعض المشاكل التي شوّهت صورة الإسلام إلى حد ما في هذه البلاد. ولكن تبقى المساجد تؤدّي دورها السياسي والاجتماعي أفضل من المراكز والمؤسسات الإسلامية الأخرى، رغم أنّ هدف المؤسسين لها هو نيل القيادة والقوّة بين صفوف الأقليات المؤيدة لهم أكثر منه تقديم الخدمة للإسلام.
ورغم ما أكّده الإسلام بصراحة من تجاوز مسألة اللون والأصل والعرق بين المسلمين، إلاّ أنّنا نشاهد أنّ كلّ مسجد أو مركز في بريطانيا قد تحوّل إلى مركز قوّة لقومية معينة أو مذهب معين أو طائفة بعينها من شرائح المجتمع الإسلامي. فعلى سبيل المثال نرى في بعض المدن الكبرى مثل برمنغهام أنّ كلاًّ من المسلمين البنغال، الميرپوريين (شعب كشمير الحرة)، الپاتانيين، البنجابيين، والگجراتيين قد اتخذوا لأنفسهم مراكز ومساجد خاصة بهم. وكان التنافس الشديد بين هذه المساجد سبباً في الابتعاد عن الأهداف الإسلامية السامية.
والسبب المهم الآخر في هذه التفرقة تغذية المشرفين على هذه المساجد بدولارات النفط لتفريغها من محتواها الديني، وبالتالي تحويلها إلى مراكز سياسية لتوزيع الدولارات. من هنا شاهدنا خلال السنوات الأخيرة تحوّل المساجد سياسياً لصالح السعودية. وشيئاً فشيئاً أصبح أكثر أئمة الجمعة والجماعة في هذه المساجد أسرى بيد السعوديين، ولم يعد ثمة منجال لإنكار ذلك.
ويمكن معرفة المساجد التي تبنى بالدولارات الخارجية، إذ أنّها تكتمل بفترة قصيرة جداً رغم ما يتطلبه بناؤها من نفقات هائلة. ومثال ذلك مسجد صدام حسين في برمنغهام، الذي بناه صدام بكلفة تعادل مليون ونصف مليون جنيه استرليني. ومن الطبيعي أنّ هيئة أمناء المساجد يعملون تحت الإشراف المباشر لسياسة صدام الخارجية. وإذا ما حاد هؤلاء الأمناء عن ذلك فإنّ الأموال الضخمة التي يوعدون بها ستقطع عنهم.
ومن الأسباب الأخرى لاختلاف المساجد فيما بينها، الخلافات الشخصية لأعضاء هيئات الأمناء في هذه المساجد، لأنّ عضوية مثل هذه الهيئات تعود على الشخص بموقع اجتماعي رفيع وتمنحه مكانة خاصة. وفي ذلك يرى عالم الاجتماع المسلم الشاب نديم أحمد أنّ أكثر المساجد الموجودة قد تحوّلت إلى أملاك شخصية لهيئة الأمناء أكثر منها مراكز إسلامية عامة.
وعلى الرغم من أنّ جميع المساجد في بريطانيا مسجلة كمراكز خيرية غير انتفاعية، ولكن في الواقع إنّ أعضاء هيئة الأمناء هم المالكون الحقيقيون لهذه المساجد. وفي مثل هذه الحالة يضع أئمة الأمناء. ويمكن أن نستنتج من ذلك أنّ هؤلاء الأئمة في الواقع هم آلات طيعة في أيدي أعضاء الهيئة، عليها أن تطيعهم وتتبع سياستهم.
تمتد جذور نظام إدارة المساجد هذا إلى نظام الأخوة في الهند وباكستان ويعود إلى ماضٍ بعيد، ذلك أنّ القاعدة الأساسية لمثل هذه المساجد أرسيت في الهند وباكستان على أيادي الإقطاعيين والرأسماليين، إذ كان انتخاب هيئة الأمناء يتم تحت نفوذهم ويتوجب على أئمة المساجد أن يتبعوا سياساتهم بصورة دقيقة.
ولذلك لم يكن رجال الفكر الديني يجدون مكاناً لهم في مساجد الهند وباكستان، إذ لم يكن المشرفون على هذه المساجد يرضون بحضورهم بل كانوا يسمحون بذلك فقط لعامة الناس الذين كانوا في أغلبهم عمالاً ومزارعين يشتغلون في خدمة الإقطاعيين والرأسماليين.
ويلاحظ في مساجد بريطانيا عدم حضور شريحتين مهمتين من شرائح المجتمع، هما: النساء والشباب. إذ يستند بعض القائمين على المساجد إلى التاريخ في الاستدلال على عدم مشروعية حضور النساء في المساجد، بينما يعلل ذلك البعض الآخر الأكثر ثافة بضيق المساجو. أمّا بالنسبة للشباب فكان إقبالهم في بعض المناسبات كبيراً، إلاّ أنّ عدم الرمجمة الصحيحة دفعتهم إلى وقف حضورهم إلى المساجد. وقد توصل نديم أحمد بعد دراسة طويلة إلى أنّ المساجد في حقيقتها أماكن عبادية لمن هم فوق سن الأربعين، في حين أنّها يجب أن تكون مراكز ثقل لنشاطات المجتمع بأجمعه، ويجب أيضاً أن تكون لديها القدرة على جذب مختلف طبقات المجتمع. ويخلص نديم أحمد إلى القول بضرورة تحويل المساجد إلى مراكز مهمة للنشاطات واتخاذ القرارات الاجتماعية السياسية، ويقول: إذا ما اكتفينا باتخاذها مراكز عبادية، فإنّنا سنعزل دون شك. وإذا كان ضرورياً تحويل المساجد إلى مراكز للنشاطات الدينية والسياسية والاجتماعية، فإنّها في الواقع بعيدة عن ذلك. وكلّ المساجد في بريطانيا تقريباً تواجه هذه المشكلة، إلاّ أنّه ليس ثمة حل صحيح يلوح في الأفق. من هنا كانت أكثر هذه المساجد عبارة عن أماكن خاصة بالعبادة وحسب.
يعتبر الإسلام المساجد أماكن إلهية، لا تخضع قدسيتها ومكانتها لتأثير دولارات البلدان العربية أو الأشخاص الانتهازيين. وتقع مسؤولية الحفاظ على المساجد وتعميرها على عاتق الناس، ومثال ذلك إذا كان وضع مسجد ما بائساً، لا ينبغي أن يحول ذلك دون نشاطه، ولا ينبغي للقائمين عليه أن يسمحوا للقومية والمذهبية والأموال أن تتدخل في أمور مسجدهم. وكذلك لا بد أن يتم انتخاب هيئة أمناء المساجد عن طريق الناس، فإذا لم يرافق هذا الانتخاب وعي كافٍ، فإنّ الوضع سيستمر على ما هو عليه الآن.
لا ريب أنّ المساجد من أهم مراكز الثورة في العالم، ولذلك سعت أغلب الدول الإسلامية أن تفرض سيطرتها أكثر على المساجد وتروج فيها الإسلام الرسمي.
ويمكن للمتابع أن يدرك الدور الديني والسياسي للمساجد من خلال قضية سلمان رشيدي فحين حاول بعض أئمة المساجد الاقتداء بالسعودية في عدم تدخلها في هذه القضية، فطالبوا بإبقاء المساجد بعيدة عنها، واجههم الرأي العام بشدّة وخصوصاً جيل الشباب، فحرموا من إمامة المساجد. والسبب الرئيسي في نجاح المساجد في قضية سلمان رشدي هو نبذ الخلافات القومية والمذهبية والعرقية حينها، لأنّ توجيه الإهانة إلى الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) فاق تحمّل جميع الفرق والطوائف الإسلامية، التي رأت أنّ واجبها الشرعي يحتم عليها الووف بوجه هذه الإهانة.
الخلاصة: نستنتج ممّا مضى أنّ أغلب مساجد بريطانيا تقف موفاً استسلامياً، ولا تستطيع تقديم دورها الاجتماعي والسياسي والديني كما ينبغي. ويشبه دور أكثر المساجد في الوقت الحاضر دور الزواج والطلاق. وممّا يؤسف له أنّ هذه المساجد عاجزة حتّى عن تقديم الحلول الناجعة للمشاكل الاجتماعية للأقلية المسلمة.
وحين تعرف مساجد بريطانيا دورها الأساس، يمكن حينئذٍ أن نأمل في تحوّل المجتمع الإسلامي في هذا البلد إلى مجتمع صالح وفعّال.
المدارس والتربية والتعليم
لا شك أنّ التربية والتعليم هما من الأركان المهمة لقيام أي مجتمع. وهما يرتبطان إلى حد بعيد بتاريخ هذا المجتمع والمناهج السياسية المتبعة فيه حاضراً ومستقبلاً.
وقد مرّ نظام التربية والتعليم في بريطانيا بمراحل مختلفة خلال مسيرته التاريخية، تلك المراحل التي شملت الحاجات التكنولوية، والقيم السياسية والاجتماعية والفكرية. وقد أدّى التغيّر في نظام التعليم إلى فصل الدين عن السياسة، وإبعاد التعليم عن الأمور الدينية. حيث تأتي بريطانيا بالمرتبة الثانية بعد هولنا في التعليم غير الديني. وتشكّل نسبة المشتركين في الطقوس الدينية من أبناء هذا الشعب 20% فقط (وهي من النسب القليلة جداً في أوروبا الغربية). من هنا وفي مثل هكذا مجتمع لا ينبغي أن نتوع لأبناء المسلمين أن يستفيدوا دينياً من نظام التعليم في هذا البلد. ولا يعني ذلك أنّ هذا النظام أسّس دونما هدف، بل على العكس كان تأسيسه مبتنياً على أساس الكفر وإنكار وجود الخالق. ففي هذا المجتمع يطرح الإنسان كمحور للوجود، ولم يترك للإيمان والعقيدة والدين إلاّ مكان ضيق جداً. ومن ثمّ جعلوا التعليم الديني وحدة اختيارية في نظام التعليم.
وحين يكون مثل هذا النظام قائماً، فمن الطبيعي حينئذٍ أنّ مسؤولية التعليم الديني للطلاب المسلمين ستكون على عاتق آبائهم ومجتمعهم الإسلامي. ولكن انشغال الآباء بشؤون المعيشة لا يترك لهم الوقت المناسب لذلك، هذا عدا عن جهل أكثرهم بالإسلام أو عدم اهتمامهم به. باستثتناء بعض الأسر التي نقلت تعليمها الديني إلى أبنائها بسبب تركيبتها الدينية. ولكن عدد هذه الأسر قليل جداً ولا يفي الغرض، وحينئذٍ يبقى الطريق الأمثل للتعليم هو الجمعيات والمحافل الإسلامية التي كان هذا الأمر الهدف الأساسي لوجودها.
والإحصاءات تشير إلى أنّ عدد الطلاب المسلمين في بريطانيا يزيد على 000/350 طالب تتراوح أعمارهم بين السادسة والسادسة عشر، وطبيعي أنّ تعليمهم الديني يحتاج على الأقل 1000 جمعية ومؤسسة تعليمية إسلامية. وفي الوقت الحاضر يتم التعليم الديني من خلال ثلاث وسائل: أوّلاً: المدارس الموجودة في المساجد. ثانياً: المدارس الموجودة في المنازل والأماكن غير الحكومية. ثالثاً: المدارس الابتدائية والمتوسطة الخاصة المنتشرة في أنحاء بريطانيا، ولا يتجاوز عددها في الوقت الحاضر خمس عشرة مدرسة، ولذلك يتطلب التسجيل فيها سنوات من الانتظار. وأمّا عدد المدارس من النوع الأوّل فهي أكثر من 500 مدرسة، ولكن الدراسة والتحقيقات التي شملتها أثبتت تدنّي مستواها التعليمي.
ود أفاد التقرير الذي قدّمه الخبراء إلى ملكة بريطانيا بشأن المدارس الإسلامية الخصوصية بأنّ هذه المدارس عاجزة عن تحيق أهدافها. وإذا كانت د نجحت في التغلب على مشكلة الاختلاط فإنّها لم تنجح في أمر التعليم وخصوصاً في مدارس البنات. فالمفروض أنّ الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين الحادية عشرة والسادسة عشرة يكونون قادرين على مواجهة الأمور الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية وفقاً للأهداف الموضوعة للتعليم الديني، إلاّ أنّ الواع عكس ذلك تماماً. وقد تحدث أحد المعلمين الدينيين عن تجربته ومعلوماته حول التعليم في المدارس الدينية، فقال: «يعجز أكثر مدرسي المدارس الدينية عن إقامة العلاقة المناسبة والمنطقية مع تلامذتهم بسبب ضحالة معلوماتهم وضعفهم في التحدث باللغة الإنكليزية. أمّا الكتب الدراسية فهي قديمة جداً، وكذلك أساليب التدريس قديمة أيضاً. وتمضي هذه المدارس أغلب وقتها بحفظ وقراءة القرآن والأدعية المختلفة ويستطيع حافظ القرآن تخطّي المراحل الدارسية بصورة تقليدية. والغالبية الساحقة من الطلاب لا يفهمون ما يقرؤون، حتّى أنّهم يكتفون فيما بعد بحفظ بعض الآيات القرآنية والأدعية»([602]). وهنا يتبادر هذا التساؤل للأذهان: إذا كان هؤلاء الطلاب لا يفهمون ما يقرؤون كيف بهم ـ يا ترى ـ يستطيعون الوقوف بوجه الحملات الخبيثة لأعداء الإسلام؟
يقول أكرم شيما، وهو أحد المختصين في مجال التعليم إنّ المسلمين والمجتمعات الإسلامية في بريطانيا ينظرون دائماً إلى المدارس الإنكليزية بعين الريبة وعدم الثقة، إذ أنّها لا تترك لهم ـ كمسلمين وأقلية دينية ـ أي دور في التركيبة التعليميةز وستستمر الريبة وانعدام الثقة ما دام النظام التعليمي لا يعترف بالحقوق المشروعة للأقليات. من هنا يضطر أكثر الآباء إلى تشجيع أبنائهم على الحضور في المدارس الدينية، على الرغم من عدم قناعتهم بأساليبها التدريسية ونظامها وانضباطها ومناهجها الدراسية، ذلك أنّها الوحيدة التي تؤمن بعض الحاجة الروحية لهم. والمجتمع الإسلامي في بريطانيا يأمل أن تحدث تغييرات أساسية في النظام التعليمي للمدارس الدينية في الأمد القريب، عسى أن تستطيع تلبية بعض حاجاته المتزايدة.
لقد كانت الأنظمة الحاكمة في عهد الاستعمار تستفيد كثيراً من وجود المسلمين المتعلمين من غير الملتزمين على رأس الأمور؛ لأنّها تستطيع بذلك فرض سيطرتها أكثر على المسلمين. ونفس هذه السياسة تتكرر في الوقت الحاضر إذ تحاول الجهات المعادية للإسلام والجهاز الحكومي البريطاني السيطرة على المسلمين أكثر بالتأكيد على وجود مثل هؤلاء الأشخاص. ومنطقهم في ذلك قائم على أنّ التغرب والحداثة إذا ما سيطرا على المسلمين المتعلمين إلى هذه الدرجة، فمن الطبيعي أنّ ذلك سيؤثّر على جيل الشباب. وسواء علم المسلمون أم لم يعلموا، فإنّهم يسلمون أبناءهم وجيل المستقبل المسلم في هذه البلاد إلى فكر غريب، ستظهر آثاره وعواقبه في الأمد القريب.
وقد انتقد الدكتور زكي بدوي مدير الكلية الإسلامية في لندن نمط التدريس في المدارس الإسلامية، فقال: «لا تتناسب طرق التعليم في هذه المدارس مع متطلبات العصر، ولا تستطيع تربية الطلاب المسلمين وفقاً لظروفهم الموجودة، ولذلك يعيش المجتمع الإسلامي في حيرة من أمره، ولا يدري كيف يربي أبناءه في محيط مبتنى على أساس الإلحاد». وقد أدّى الابتعاد عن متطلبات العصر إلى تعرّض الطلاب في بعض المدارس للضرب والإهانة، ما اضطر الشرطة إلى التدخل في الأمور التعليمية.
يبتني التعليم في المدارس الدينية على أساس الخوف والاحترام المبالغ به تجاه المدرس، بينما يتمتع التلاميذ في نظام التعليم البريطاني بحرية فردية واجتماعية وأخلاقية أكثر. وتقوم المدارس الدينية على أساس القوّة والجبر، بينما يقوم التعليم في بريطانيا بصورة عامة على أساس المنطق والصبر والمهارة. من هنا كان النظام الخاىء للتعليم وطرقه اللامنطقية وغير المعقولة سبباً في تحجيم نجاح هذه المدارس، على الرغم من سعي وجهد المجتمع الإسلامي خلال سنين طوال. حري بالذكر أنّ البحوث الرئيسية التي يتناولها التعليم الديني في هذه المدارس تتركز حول التوحيد والنبوة والمعاد والخلافة.
يقول السيد أشرف، أحد المتخصصين في مجال التعليم: لو أمكن طرح العلوم الإسلامية بصورة دقيقة، وفقاً لحاجة المجتمع، لأمكن مشاهدة التقدّم الكبير للمجتمع في هذا المجال، لا سيما وأنّ الإسلام لا يضع حدّاً لتعلّم الإنسان.
وما فتىء المتخصصون في مجال التعليم يؤكدون على ضرورة حدوث تحوّل أساسي في النظام التعليمي للمدارس الدينية، إلاّ أنّ ذلك بقي يواجه الصعوبات لأسباب قومية ومذهبية وتقليدية، ومن ثمّ فحدوث مثل هذا التحوّل يحتاج إلى زمن وسعي وجهد أكثر.
الخلاصة: ينبغي أن يكون التعليم الديني متناسباً مع متطلبات العصر. وينبغي أيضاً أن يأتي تربية جيل الشباب بأسلوب يمكّنهم من مواجهة واقع مجتمعهم. وعلى أيّة حال لا بد أن تكون البرامج التعليمية متوافقة مع الأهداف التالية:
1 ـ يجب أن يكون التعليم الإسلامي بنّاء فيشجع على التفكير بدلاً من التقبّل الأعمى. وبخلاف ذلك ستكون النتائج عكسية تماماً ومهزوزة جداً. والحق أنّ ذلك يجب أن يكون هدف المسلمين في جميع أنحاء العالم، ولكن يأتي المجتمع الإسلامي في بريطانيا في الأولوية نظراً لإحاطته بمجتمع لاديني.
2 ـ يجب أن يؤدّي التعليم الإسلامي دوراً أكثر فاعلية في بناء الشخصية الاجتماعية للمسلمين، إذ أنّ أكثر المسلمين يواجهون الغربيين بنقص في شخصيتهم الاجتماعية، فهم يجهلون حتّى سيرة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) الذي استطاع بفترة قصيرة وبأبسط الوسائل أن يضع الإسلام في القمة، في عصر الجاهلية، وفي مركز الكفر. فأغلب المسلمين إنّما جاءت هجرتهم لأسباب اقتصادية محضة، ولم تكن لأسباب دعوتية وتبليغية. من هناك كان الإسلام الذي يحمله هؤلاء المسلمون إلى بلاد الغرب إسلاماً سطحياً وشكلياً. فالحضارة الإسلامية لم تقم ذاتي وم على أداء الفرائض الخمسة وحسب، ولو كان الأمر كذلك، لكان عندنا اليوم حضارة غسلامية عظيمة يبنيها مليار مسلم. لكن الواقع هو أنّ الأعمال العبادية في أوساط المجتمع الإسلامي تحوّلت في الغالب إلى أعمال فردية، بين الإنسان وربّه، وذهبت أبعادها الاجتماعية طي النسيان لعدم طرحها بصورة صحيحة ودقيقة.
3 ـ يجب أن تفتح أبواب التعلّم أمام المرأة والرجل والبنت والصبي، فعلى المسلمين أن لا يكتفوا بمنافسة الغربيين في تلقي مختلف العلوم والاختصاصات، بل يجب أن يتقدموا عليهم أيضاً. فقد كان المسلمون حملة مشاعل العلم في القرون الوسطى إلى القارة الأوروبية، حيث أحرزوا تقدّماً كبيراً في مختلف العلوم ولا سيما في الفن والأعمال، واستطاعوا في مجال العلوم النظرية أن يؤثروا كثيراً على الاتجاه الفكري في الغرب، ولكن ما يدعو للأسف أنّ أكثر المسلمين يجهلون تراثهم العظيم، ففي الوقت الحاضر لا نرى في جميع المدارس الدينية في بريطانيا وجوداً لدروس التاريخ الإسلامي وتراثه العظيم في القرون الوسطى ولا ذكراً لدراسة العلوم والفلسفة. إذ لم يسمح لهذه المدارس بتدريس تاريخ المسلمين القديم. من هنا لا يخطر على بال الطلاب التساؤل عن الأسباب التي أدّت إلى تحوّل الحضارة الإسلامية العظيمة إلى مجموعة دويلات صغيرة مستعمرة.
4 ـ يجب أن يكون التعليم الإسلامي سياسياً. ففي المجتمع الديموقراطي الإنكليزي لا سبيل إلى شيء دون وعي سياسي. وعلى جميع المسلمين دراسة العلوم السياسية الرورية. ولا يعني هذا أن يقوم المسلمون بتحويل التركيبة السياسية لهذه البلاد إلى تركيبة إسلامية، ب المقصود هو أن يستطيع المسلمون الإلمام بالأساليب السياسية المعقدة وسبل مواجهتها. وإذا لم يستطع النظام التعليمي لدى المسرمين أن يعلِّم أتباعه كيفية الحياة في مجتمع لا ديني مثل بريطانيا، فإنّه لا يبلغ أدنى أهدافه، وعلى هذا النظام أيضاً أن يقوم بتعريف المسلمين بمصيرهم السياسي والأهداف الواضحة التي ينبغي أن يسلكوها.
5 ـ يجب أن يؤخذ فتح باب الاجتهاد بجدية، لأنّ إغلاقه في القرون الماضية كان سبباً لانحطاط المجتمع الإسلامي. وفي القرن الحالي لم يعد هناك بد من دخول الأراضي المحرمة للاجتهاد، بسبب ظهور مشاكل ومعضلات خاصة. ونستطيع القول بجرأة إنّ فتح باب الاجتهاد أمر واجب وإلزامي بالنسبة للمسلمين ولا سيما في بريطانيا.
6 ـ يجب أن يكون التعليم الإسلامي نظرياً وعملياً، ففي المجال النظري في الوقت الحاضر ثمة ادعاءات كبرى بشأن الإسلام، لكنّها في الحقيقة مبالغات سياسية واجتماعية أكثر من كونها حقائق واقعية. من هنا يجب أن يكون النظام التعليمي الإسلامي سلّماً بين عالم الواقع وعالم النظريات.
المؤسسات الإسلامية
يوجد في بريطانيا في الوقت الحاضر مئات المنظمات والمؤسسات الإسلامية، وعددها في كلّ مدينة يفوق عدد المساجد فيها. ولكن أكثر هذه الجمعيات والمؤسسات لا وجود لها ظاهرياً، بل يقتصر وجودها على السجلات والورق. وهي متفاوتة في غاياتها وشعبيتها، فبعضها أسس من أجل العمل وهي تحظى بشعبية أكبر من سواها.
وإذا كانت هذه المؤسسات ـ بصورة عامة ـ قد أسّست كمؤسسات خيرية، فإنّ التساؤل القائم في أذهان المسلمين هو إذا ما كانت هذه المؤسسات ـ لحد الآن ـ قد خدمت الإسلام والمجتمع الإسلامي أم لا؟… ومن الطبيعي أنّها لو كانت تعمل في المجالات التجارية لما كان هناك مبرر لهذا التساؤل، ولكن ما دامت قد ابتدأت فعالياتها ووجودها باسم الإسلام وخدمة الإسلام والمسلمين، فإنّ للمسلمين الحق في مثل هذا التساؤل. وعليها ـ في المقابل ـ أن تجيب الأمّة الإسلامية على هذا الأمر، لأنّ أيّاً من هذه المؤسسات ليس خصوصياً أو ملكاً لأحد.
ولكن الحقيقة خلاف ذلك،إذ يعتقد أكثر المؤسسين لمثل هذه المؤسسات أنّها ملك شخصي لهم. ويرى الدكتور أحمد شفاعت الذي يعمل في الجمعية الإسلامية في مدينة ليسستر (Leicester) أنّ مؤسسي مثل هذه المؤسسات يفرضون منذ البداية الطاعة العمياء على موظفيهم والعاملين معهم، من هنا جاءت أغلب النشاطات الثقافية والاجتماعية لهذه المؤسسات داخل إطار العلاقات الشخصية للمؤسسين، ومن الطبيعي لو أنّ فرداً أو جماعة حاولوا العمل بقناعاتهم خلافاً للأهداف الأصلية للجمعية، فإنّهم سيتعرضون للطرد ليحل محلهم أشخاص مطيعون أكثر.
ومن ناحية أخرى، فإنّ هذه الجمعيات والمؤسسات تتبع الخط السياسي لمؤسسيها اتباعاً دقيقاً، ومن الطبيعي أنّ الخطوط السياسية لهؤلاء ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأحداث السياسية في العالم الغسلامي. لذلك جاءت أكثر هذه المؤسسات مفتقدة لأهداف إسلامية خاصة بها، إنّما تتبع أهداف مؤسسيها، وكان هذا سبباً في انعدام مجالس الشورى فيها، وهي التي تعتبر من أهم عوامل تحديد الأهداف وبرامج العمل. وفي ذلك يرى الدكتور شفاعت أنّ هذه المؤسسات قد استفادت منذ البداية من نموذجين: النموذج الأوّل هو المنظمات والمؤسسات السياسية والدينية في الهند وباكستان، وخصوصاً في الأخيرة. والنموذج الثاني هو الجمعيات الاجتماعية غير الدينية في إنكلترا وسائر البلدان الغربية الأخرى. وليس مهماً بالنسبة للمؤسسين التحوّل في مواقع الضرورة من نموذج إلى آخر حسب الحاجات والأهداف الشخصية لهم. وفي هذه المؤسسات يكون تعيين الموظفين في بداية أمرهم تماماً كما في أي مؤسسة بريطانية غير حكومية (خاصة)، ولكن حينما يطالب هؤلاء الموظفون بحقوقهم الطبيعية التي ضمنتها لهم القوانين الديموقراطية في البلاد فإنّهم يجدون أنفسهم في الحال إخوة في الدين وليس مجرد موظفين، وطبيعي أنّ السبب في هذا هو نفاق وازدواجية القائمين على المؤسسات، والمنهج المادي الذي يستندون إليه. من هنا لم تستطع هذه المؤسسات والجمعيات النجاح في اكتساب العناصر المؤثرة والفعالة، وخصوصاً جيل الشباب. فأكثر الأشخاص الذين يعملون فيها هم من الانتهازيين وطالب الراحبة، أو ممّن اضطرتهم مشاكل تأشيرات الدخول وإجازات العمل أو الحاجة المادية الشديدة إلى اللجوء إليها. ومن الأسباب الأخرى التي نأت بالعناصر الفعالة عن هذه المؤسسات، هو عدم اتباعها لأي نمط منطقي وحقوقي. ولكن هناك بعض المؤسسات التي تشغل موقعاً جيداً نسبياً وتحظى بتأييد مقبول. ومنها:
1 ـ اتحاد المؤسسات الإسلامية.
2 ـ الجمعية العامة لمسلمين العالم.
3 ـ شورى أئمة الجماعة في بريطانيا.
4 ـ المؤسسة الإسلامية.
5 ـ المركز الثقافي الإسلامي.
6 ـ جمعية الإرشاد الإسلامي.
يحتاجج تقييم عمل هذه المؤسسات والجمعيات إلى وقت طويل، ولكن ما يهم الناس منها هو كيفية العمل وليس كميته. ولذلك فإنّ المستوى العالي للمؤسسة يوفر لها شعبية أكبر في المجتمع. فعلى سبيل المثال حظيت مؤسسة الكفاح من أجل نزع السلاح الذري في السنة الماضي بتأييد واستقبال كبيرين في المحافل العالمية وذلك بسبب مستواها الرفيع في طبيعة عملها. وعلى أيّة حال فإنّ تقييم المؤسسات والجمعيات الإسلامية يستدعي التأكيد على نقطتين:
1 ـ قوّة تشكيلات المؤسسة أو الجمعية.
2 ـ مستوى تأثير هذه التشكيلات.
وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم المؤسسات الإسلامية في بريطانيا إلى أربعة مجاميع:
1 ـ المؤسسات الفرقية.
2 ـ المؤسسات المرتبطة.
3 ـ المؤسسات الخدماتية.
4 ـ المؤسسات المستقلة.
المؤسسات الفرقية: يتمركز عدد كبير من هذه المؤسسات في النشاطات الفرقية والجماعية، ومحور نشاطها هو المجال التعليمي والخدمات الترفيهية. وفي مثل هذه الجمعيات يكون التعليم على أساس عقائد الفرقة المشرفة عليها، ولا تتجاوز الخدمات حدود هذه الفرقة. وحين تقسم هذه المؤسسات على أساس مذهبي، فإنّها تكون حينئذٍ أقوى، ويصبح بإمكانها العمل كمؤسسة مرتبطة، ومثال ذلك المؤسسات الشيعية المرتبطة بإيران والمؤسسات الوهابية المرتبطة بالسعودية.
المؤسسات المرتبطة: تكون هذه المؤسسات بصورة دقيقة ممثلية تابعة لجماعة أو مؤسسة في البلد الأم، ويكون نشاطها وشعبيتها محدودين تماماً. ولمّا كان الدعم المالي المباشر متوافراً لهذه المؤسسات من بعض البلدان المستفيدة من وجودها، فإنّ الهدف الأصلي لها يكون إضفاء الشرعية على حكومات هذه البلدان ضمن إطار القوانين الإسلامية. وتعد هذه المؤسسات كيانات أجنبية لعدم ارتباطها بالمجتمع الإسلامي. وهي في الواقع تسحب نفسها من الساحة السياسية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي بإعلان موقفها الحيادي تجاه التغيرات الاجتماعية والسياسية الأخيرة في العالم. ود اتضح موقفها المتحفظ في قضية سلمان رشدي، حيث امتنعت عن الدخول في الساحة، بل وعن التنسيق مع المؤسسات والجمعيات الأخرى بسبب اتباعها للسياسة السعودية التي ارتأت السكوت في هذه القضية. وكان سبب سكوت السعوديين هو الاحتفاظ بالعلاقات مع بريطانيا وترجيحها على الأحكام الإلهية وتعاليم الإسلام.
والمصداق الآخر لارتباط هذه المؤسسات يعود إلى زمن الحرب العراقية ـ الإيرانية. فقد شهدنا صراعاً شديداً بين أنصار العراق وغيران خلال عقد الثمانينيات، وكان أكثر أنصار العراق هم من الجناح السعودي، ولذلك كان الجانبان ينفقان بسخاء على أنصارهما لإحباط مخططات ونشاطات المؤيدين لإيران، وكانت فعالية الطرفين تتم عن طريق الأفلام والمجلات والندوات والمؤتمرات وآلاف الوسائل الإعلامية الأخرى.
المؤسسات الخدماتية: أنشئت هذه المؤسسات لأغراض خدماتية خاصة، وقد استطاع بعضعها النجاح في تحقيق رسالته إلى حد بعيد. ولعل مؤسسة الإغاثة الإسلامية في لندن وصندوق إعانة المسلمين في برمنغهام من أبرز المؤسسات الناجحة من هذا النوع. ومن المؤسسات الناجحة الأخرى: الكلية الإسلامية في لندن التي تهدف أصلاً إلى تعليم الشريعة الإسلامية وتدريس أئمة الجماعات في بريطانيا، وكذلك المؤسسة الاستشارية النسائية التي أسست حديثاً في هذه البلاد وتهدف إلى حل مشاكل النساء المسلمات في بريطانيا.
المؤسسات المستقلة: أنشئت هذه المؤسسات دون مساعدة خارجية، وتكفل الأعضاء بتوفير الرأسمال الأولي لها. ولذلك جاءت هذه المؤسسات مستقلة تماماً من حيث السياسة المتبعة فيها. ولكنّها قليلة العدد جداً في الوقت الحاضر، ويبدو أنّها تتجه نحو التزايد في المستقبل… ويمكن وصفها من الآن بأنّها مؤسسات جيل المستقبل، وذلك لأنّها المرّة الأولى التي يتم فيها إنشاء مؤسسات وجمعيات دون نفوذ خارجي، سواء كان هذا النفوذ سياسياً أو قومياً أو مذهبياً، ولعل من أنجح هذه المؤسسات، مؤسسة الدراسات الإسلامية في مدينة ليسستر التي تتمتع بالاستقلال اللازم.
وبعد أن فرغنا من الدراسة المختصرة للتركيبة السياسية والاجتماعية لهذه المؤسسات وتقسيمها إلى أربعة مجاميع، نحاول الآن أن ندرس تأثيرها في المجتمع الإسلامي في بريطانيا. وفي سبيل ذلك نحاول أوّلاً أنّ نرى إلى أي مدى كانت هذه المؤسسات مفيدة بالنسبة للمجتمع الإسلامي؟ وثانياً: هل استطاعت هذه المؤسسات أن تتخذ لنفسها موقعاً في المجتمع اللاديني؟
يبدو أنّ الجواب على السؤال الأوّل واضح، لأنّ هذه المؤسسات إذا لم تستطع أن تخلق لنفسها دوراً مؤثراً في الوسط الإسلامي، فإنّ مبرر وجودها سيكون عرضة للتساؤلات، ومن ثمّ ينتهي الأمر بإغلاقها. وأمّا بشأن السؤال الثاني فينبغي القول إنّه لا يزال أمامها طريق طويل. ولكنّها كانت أكثر نجاحاً من المؤسسات المرتبطة والفرقية في تعريف الصورة الحقيقية للإسلامي إلى المجتمع الغربي، ذلك لأنّ المؤسسات المرتبطة مشغولة بتقديم الخدمات المطلوبة للأسياد، بينما تشنغل المؤسسات الفرقية بمتابعة أهدافها الفرقية الخاصة، وكذلك الحال بالنسبة لسائر الجمعيات الأخرى، حيث فشلت في طرح الإسلام بصورته الحقيقية إلى المجتمعات غير الإسلامية لانشغالها المفرط بالأمور الانبية وعدائها لبعضها البعض.
والجدير بالذكر أنّ هناك نشاطات أخرى نستعرضها فيما يلي باختصار:
المؤسسات التبليغية والتبشرية: تتقاضى هذه المؤسسات مبالغ طائلة من البلدان الإسلامية وطلاب الخير، إلاّ أنّها لم تحرز نجاحاً يذكر بسبب افتقارها للبرمجة الصحيحة، وكذلك فهي لم تضع لمستقبلها برنامجاً واضحاً ومدوناً. وقد فشلت هذه المؤسسات حتّى في طرح الإسلام بأسلوب بسيط لغير المسلمين. إذ أنّ أغلب المبشرين غير قادرين على التعريف بالإسلام ولو بأسلوب بسيط، ذلك لضعفهم في الدراسة الإسلامية الصحيحة وضعفهم أيضاً في التحدّث باللغة الإنكليزية.
إنّنا اليوم نحتاج إلى تبليغ الإسلام إلى الأساليب الحديثة والمتطورة المعاصرة، ولكن الضعف الشديد في مستوى المبلغين ونقص الإمكانيات يؤديان بهؤلاء المبلغين إلى تضييع وقتهم دون طائل، وتبذير الأموال لغير مبرر.
مؤسسات النشر: ليس لهذه المؤسسات عمل سوى نشر الكتب الإسلامية المتنوعة، ولكن دون برمجة صحيحة.وإزاء هذه الجهود المبعثرة كانت هناك جهود قيمة من قبل مراكز الدراسات والتحقيق والجامعات الغربية، وليس هناك مجال لمقارنتها مع منشورات المسلمين. والسبب الرئيسي في ذلك هو خلو ساحة النشر من المنافسة، ومن ثمّ يضطر الناشرون لنشر كلّ ما يقع بأيديهم. والسبب الآخر هو تأمين النفقات الطائلة للنشر من قبل البلدان الإسلامية الغنية. وأكثر دور النشر هذه تهتم بأهداف مذهبية وطائلية خاصة أكثر من اهتمامها بالإسلام عامة. ومثال ذلك دور النشر الشيعية والفرق السنية المتعددة التي تختلف فيما بينها اختلافاً فاحشاً في جميع المجالات.
وتقوم أكثر دور النشر هذه بطبع الكتب دون مراعاة حاجة السوق، وتصرف في ذلك أموالاً طائلة، ومن ثمّ تواجه مشكلة تكدس الكتب لديها.
وفي الوقت الحاضر تتوفر الكتب والمجلات والصحف والإصدارات الفصلية بمقدار كاف، بل بما يزيد عن الحاجة، إلاّ أنّ أكثرها تعالج مختلف الأمور الاجتماعية والدينية بنظرة سطحية غير دية، ودون تقييم منطقي صحيح.
وهناك بعض الصحف تصدر باللغة الإنكليزية، وتحظى بانتشار واسع، ويمكن الاستفادة منها أكاديمياً. ومن هذه الصحف: (أخبار المسلم: Muslim News) و(البصيرة Albasirah) التي تهتم بالشؤون الإسلامية والعلوم الاجتماعية وتصدر عن مركز الدراسات الغسلامية في ليسستر.
الخلاصة: لم تدرك المؤسسات الإسلامية إلى الآن الحقيقة المرّة، وهي أنّ الاختلافات المذهبية والطائفية ستجعلها عرضة لهجمات الأعداء وهدفاً سهلاً لطعناتهم، وتمنعهم من العمل كأمّة واحدة، فتعدّد اعتقاداتهم وآرائهم يبعدهم عن الاتحاد، وهو الشيء الذي يريده الغرب. ولكن مستقبل المسلمين في العالم عامة وفي بريطانيا خاصة يكمن في اتحادهم.
إنّ الؤسسات الإسلامية لم تستطع إلى الآن معرفة مشاكل المجتمع الإسلامي، ولم تنجح إلى الآن في طرح حلول مناسبة لجيل الشباب في بريطانيا. ولكي يكون تقييم مثل هذه المؤسسات صحيحاً ومنطقياً، يجب أن ينطلق من داخل هذه المؤسسات أوّلاً.
يبقى أنّ العمل الأهم الذي يجب على المؤسسات والجمعيات الإسلامية الاهتمام به هو تربية الأشخاص الواعين والمثقفين دينياً لمستقبل البلاد. ففي الوقت الحاضر يجب أن يكون هناك تركيز على تربية العلماء والمفكرين المسلمين كماه كان الحال في زمن ازدهار الإسلام، وقد كان من ثمار ذلك الاهتمام ظهور علماء وفلاسفة كبار.
وفي الوقت الحاضر كان لدولارات النفط دور في إقحام الدراسة الإسلامية والاستشراق في الجامعات والمراكز العلمية، ود بلغت مستوى لا بأس به، ولكنّها وضعت في الدرجة الثالثة من حيث الأولوية. ويبقى الأمل كبيراً بأن يتمكن العلماء والمفكرون الشباب من أبناء جيلنا المعاصر التغلب على المشاكل التي تواجه المجتمع الإسلامي من خلال دراساتهم الأكاديمية ومعرفتهم لمتطلبات العصر.
الشباب ومشكلة التغرب
يتخوف المسلمون في الوقت الحاضر، وقبل كلّ شيء من انحراف أبنائهم وراء التيار الغربي، وبالتالي فقدانهم لميراثهم الثقافي ودينهم وإيمانهم. وهم محقون في تخوّفهم هذا، لأنّ جيل الشباب المسلم في هذه البلاد يتجه بسرعة نحو التغرب. وكما هو متعارف عليه في أكثر البلدان الإسلامية فإنّ الأبناء الذكور يتمتعون بحرية أكبر بكثير من الأبناء الإناث، ومن ثمّ حينما يصادق الفتيان المسلمون فتيات إنكليزيات أو يذهبون معهم إلى محلات الرقص فإنّ آباءهم لا يرون في ذلك بأساً ولا طعناً في غيرتهم.
والتغرب في بريطانيا يتم بطرق متعددة، فالطريق الأوّل لذلك هو دخول جيل الشباب في أسواق هذه البلاد، وهو يستتبع ـ بطبيعة الحال ـ انضمامهم لطبقة اجتماعية خاصة. وسواء كان الشخص الذي يعمل في السوق غنياً أو فقيراً فإنّ أجواء السوق ستخرجه عن مجتمعه التقليدي رغماً عنه لتدخله في أحضان الطبقات الادجتماعية للبلاد. والعامل الثاني للتغرب هو النظام التعليمي في البلاد، إذ يذوب الشباب في الأنظمة السياسية والاجتماعية الموجودة بعد دخوله النظام التعليمي الحكومي، وتكون حصيلة المسلمين من المعلومات التي يكتسبها من هذا النظام حول التاريخ والحكم الملكي أكثر بكثير من معلوماته حول الدين بصورة عامة ومذهبه بصورة خاصة. وقد أثبتت التجارب أنّ الثقافة الإنكليزية هي الغالبة دائماً إذا ما قسيت بالثقافات التقليدية والقومية والدينية للمهاجرين. من هنا كانت هذه الثقافات تضمحل وتذوب في الثقافة الغالبة بمرور الوقت. وطبيعي أنّ عامل الزمن له دور كبير في جذب الشباب نحو الثقافة الغالبة.
والعامل الثالث هو ضغط الاتجاهات الاجتماعية، إذ يتعرض جيل الشباب المسلم في بريطانيا لمثل هذه الضغوط سواء في المرحلة الابتدائية من الدراسة أو المرحلة المتوسطة، ومن ثمّ يتأثر الشاب كثيراً بذلك، وينعكس تأثّره على سلوكه الاجتماعي من قبيل ملابسه ومأكله ومشربه وإلى ذلك بما لا يقبل الشك أو الإنكار.
وأمّا العامل الرابع فهو عامل اللغة، حيث تكون الحياة في وسط ناطق بلغة أجنبية، وكذلك الحال بالنسبة للنظام التعليمي. فإذا كانت اللغة الأم هي الغالبة على التلاميذ في بداية حياتهم فإنّها ستصبح مغلوبة مع مضي السنين والتدرج في المراحل الدراسية. وهذا الأمر كفيل بحد ذاته بإبعاد الطالب عن ثقافته وآدابه التقليدية.
والعامل الأخير هو المجتمع وجميع العوامل التي يتشكل منها، مثل: العادات والتقاليد الاجتماعية والموسيقى والإعلام… وغيرها. وكلّ هذه الأمور لها دور كبير في تغيير طبيعة ثقافة جيل الشباب المسلم. وإذا ما اجتمعت العوامل الخمسة المذكورة فإنّها تستطيع وبكل سهولة إبعاد جيل الشباب عن ثقافاتهم الأصيلة وتقاليدهم لتتجه بهم نحو الثقافة والتقاليد الغربية.
تأثير الترغب على الشباب المسلم: رأينا فيما مضى كيف يتجه الشباب المسلم نحو التغرب بسرعة. ولكنّنا نصطدم بحقيقة مرّة في هذا الأمر، وهو أنّ المجتمع الإنكليزي يرى في هؤلاء الشباب أناساً غرباء عنه، على الرغم من إقبالهم الشديد على الذوبان فيه والاندكاك في تقاليده وطبائعه. ويبرر المجتمع الإنكليزي ذلك ويعطي لنفسه الحق فيه، ذلك لأنّه يعتر الثقافة الإنكليزية ثقافة أوروبية ذات خصائص معينة، بينما الشباب المسلمون ليسوا أوروبيين أوّلاً، وهم يحملون رواسب ثقافاتهم الأم ثانياً. وهكذا يبقى هذا الجيل يتخبط في دوامة لا مخرج منها، إذ لا يستطيع أن يظهر نفسه في بوتقة هذا المجتمع وثقافته على الرغم من رغبته في ذلك وحبّه لهذا المحيط. وفي هذا الأمر حقيقة مرّة، إذ يستمر الشباب بالسعي المجنون للتغرب أكثر وبصورة أفضل، عسى أن يروا بصيص أمل في قبولهم الكامل داخل المجتمع الإنكليزي، والسبب في ذلك هو جهلهم التام بثقافتهم القومية التقليدية.
وقد أدّى تغرب الشباب عن هوياتهم إزاء الثقافة الغالبة إلى نتائج سيئة وخطيرة. إذ يحسّ جيل الشباب بالحقارة نتيجة لتغربه عن الثقافة الأم وعدم قبوله في الثقافة الغالبة، فكان بعضهم يأبى ذكر قوميته أو مذهبه أو يمتنع عن إيواء والديه العجوزين للإحساس ذاته.
وقد أدّى الاختلاف بين جيل الشباب والجيل القديم المسلم إلى حدوث هوّة كبيرة بينهما. ويؤكد الدكتور الحسني في هذا المجال أنّ جيل الشباب يقع تحت ضغط شديد وخطر من قبل الثقافة الغالبة من جهة، وتحت ضغط العلاقات والارتباطات الثقافية التليدية من جهة أخرى([603]). وإزاء ذلك كانت هوة الاختلاف اللغوي والثافي تتوسع باستمرار بين الشباب وآبائهم, وكذلك ازدادت الرغبة في التأقلم مع المجتمع والقيام ببعض الأعمال مثل: العلاقات الحرة بين الفتيان والفتيات، وإقامة العلاقات الجنسية قبل الزواج والذهاب إلى نوادي الرقص والحفلات المختلطة وغيرها. كلّ هذه الأمور دعت الآباء إلى الاعتراف بندمهم على الهجرة إلى بريطانيا، خصوصاً وأنّ هذه الظروف أدّت في السنوات الأخيرة إلى تقويض أسس العديد من الأسر المسلمة.
ومن العوامل الأخرى التي تساهم في اتساع الهوة بين الجيل القديم والجيل الحديث، زواج أبناء المسلمين من فتيات انكليزيات فأغلب هؤلاء الفتيات لا يجهدن أنفسهن في التعرّف إلى ثقافة تقاليد أسرة الزوج لا يحاولن التكيف معها، ومن ثمّ ينتهي الزواج في أشهره الأولى بالطلاق أو باندكاك الزوج أكثر في ثقافة الزوجة وعادة ما يترعر أبناء مثل هذه الأسرة في أجواء بعيدة عن العفة وخالية من التفاهم، فيواجهون، منذ البداية، مشكلة انتخاب الثقافة وأسلوب الحياة.
ولعل تخلي جيل الشباب عن هويته يعود إلى عوامل عديدة، منها: تصاغر الآباء أمام الثقافة الغربية، انبهار الأبناء بهذه الثقافة ووجودهم في النظام التعليمي الغربي إضافة إلى جهلهم بثقافتهم الأصلية ومثل هؤلاء الشباب يقعون غالباً في حبائل الزواج من الأنكليزيات ولا يقع كامل التبعة في ذلك على جيل الشباب بل إنّ الآباء يتحملون قسطاً وافراً منه، إذ يحاول الآباء التمسك بالتقاليد الدينية والاجتماعية فيضغطون على أبنائهم للزواج من فتيات يعينونهن مسبقاً، ومن الطبيعي أنّ جيل الشباب ولا سيما في بريطانيا يرفضون الاستجابة لهذه الضغوط.
وإذا كان الشباب المسلمون يتجهون نحو التغرب، فإنّ ثمة أمل بإعادتهم إلى جادة الصواب لو توفرت القيادة الكفوءة لذلك. وفي الحقيقة فإنّ السبب في ابتعاد الشباب عن الإسلام ينشأ من داخل المجتمع الإسلامي أكثر منه من خارجه. إذ لا يتلقى الشباب في بيوتهم أو المساجد التي يرتاونها دروساً إسلامية منطقية وصحيحة وحين لا يجد أجوبة واضحة لتساؤلاته الفكرية والعقيدية فإنّه يضطر للتخلي عن الإسلام.
وثمة عاملان آخران يخلقان الحيرة في نفوس الشباب، هما: ضعف إيمان الجيل القيم، والجاذبية العجيبة التي تتميز بها الثقافة الغالبة، وحينئذٍ يمشي الشاب في حياته على حبل دقيق من الثقافة الشرقية والغربية المختلفة، ولا يلبث أن يسقط!
ولكن يبقى هناك عامل إيجابي للمسلمين، يجهله مع الأسف، أكثرهم وهو الشباب حينما يدخلون المجتمع الغربي ويحاولون الانصهار في بوتقته، لا يلبثون أن يواجهوا مشاكل اللون والأصل والثقافة التي تبعدهم عن المجتمع الغربي، وهنا يعود بصورة لا شعورية إلى الإسلام لارتباطه الفطري به. ويرى الدكتور زكي بدوي أنّ التنازع الشديد بين المنهجين سيكون لصالح الإسلام، وسيعود الجيل الحائر إلى أحضان الإسلام.
على أيّة حال هناك مشاكل كثيرة تواجه المسلمين في بريطانيا، فهم إذا ما أاردوا التعايش مع المجتمع الإنكليزي مع احتفاظهم بالتزامهم الشريعة الإسلامية وتعاليمها، فإنّهم سيواجهون بانتقادات شديدة كما هو حال اليهود. ومن هنا يضطر المسلمون إلى التعايش بازواجية، وذلك ما لا تقرّه الشريعة.
وكما ذكرنا فإنّ الشباب الذكور الذين يتمتعون بحرية أكبر من الإناث، يحاولون انتخاب الصديقات أو الزوجات المسلمات حسب رغباتهم، فإذا عجزوا عن ذلك لجؤوا إلى الفتيات الإنكليزيات ولو أصرّوا على الزواج من قومياتهم فإنّهم يلجؤون إلى الفتيات من طائفة السيخ. وقد أدّى ذلك إلى حدوث خلافات عرقية عنيفة في مدينة برمنغهام، بلغت حد الاشتباكات في الشوارع بين مجموعة من شباب السيخ تطلق على نفسها (أسرة البنجاب) ومجموعة من شباب باكتسان تسمّي نفسها (النمور السود).
ولا شك في تحريم الإسلام للعلاقات الجنسية قبل الزواج. إلاّ أنّ عدم قدرة الشباب على الزواج المبكر فيا لوقت الحاضر، وعدم تقديمن أسرهم حلولاً عملية لمشاكلهم النفسية والجسدية، إضافة إلى عدم استيعاب المجتمع الإسلامي طاقاتهم وتوظيفها في النشاطات الثقافية والاجتماعية، كلّها أسباب أدّت إلى هذه الطاقات في أسواق الفسق والفجور.
الخلاصة: يواجه جيل الشباب مشاكل مستعصية وقاسية وإذا كان هذا الجيل يمثّل أمل المستبل بالنسبة للإسلام والمجتمع الإسلامي في بريطانيا، فإنّه ـ من جهة أخرى ـ لا يجد النماذج المناسبة التي يمكن الاقتداء بها. ولذلك يكون نموّه وتكامله التدريجي قائماً على أساس بعض الإمكانيات المحدودة.
على أيّة حال يجب على جيل الشباب أن يجد هويته الثافية الإسلامية القائمة على أساس إدراك وفهم الإسلام. وعلى المجتمع الإسلامي أن يهيّىء السبل اللازمة لذلك، وإلاّ فإنّ هذا الجيل سيفقد روحه الفعّالة المليئة بالطاقة الخلاقة. ولا بد في هذا المجال من إخراج فهم الإسلام عن الأطر التقليدية والقومية والعرقية، ووضعه في أطر جديدة وعصرية ليتسنى جذب الطاقات الشابة. وفي سبيل إنجاح ذلك نقترح ما يلي:
1 ـ إقامة المخيمات الصيفية لتعليم جيل الشباب المسلم بفتيانه وفتياته ـ الثقافة الإسلامية والآداب الاجتماعية القائمة على الأسس الإسلامية. ويجب أن تكون هذه المخيمات تحت الإشراف المباشر لأئمة المساجد وذوي الخبرة.
2 ـ يسعى الشباب المسلم إلى إقامة المؤتمرات ويدعو إليها ذوي الاختصاص في سبيل مناشة وبحث مشاكل الشباب وفقاً للقوانين الإسلامية.
3 ـ يجب أن تقام في كلّ المساجد مراكز للشباب يحضرون إليها برغبة ويمضون فيها أوقات فراغهم وينشغلون فيها بما يعود عليهم بفائدة.
4 ـ يجب أن يكون أئمة المساجد أشخاصاً عصريين ومتمكنين من اللغة.
5 ـ يجب أن يستفاد من جميع المساجد والمراكز الإسلامية من وجود مستشارين في شؤون الشباب.
6 ـ يجب أن تدرس اللغة العربية كلغة دينية وقومية لجميع التلاميذ المسلمين. إضافة إلى تدريسهم اللغة الإنكليزية التي تعدّ بالنسبة إليهم لغة أصلية. فمن فوائد اللغة العربية أنّها تمكّنهم بسهولة من دراسة الرآن وكتب الحديث والتفسير.
النساء المسلمات والحرية
تعتبر مسائل النساء بالنسبة للمجتمع الإسلامي في بريطانيا من المسائل المهمة والجدية، وذلك لوجود الحرية الكبيرة في هذه البلاد على الصعيدين، الفردي والاجتماعي. وقد أظهرت الدراسة الإجمالية لهذه المسألة أنّ النساء بصورة عامة غير راضيات على الوضع الذي يعشن فيه والظروف غير الملائمة التي تحيط بهن. فالمجتمع الإسلامي لا يهتم بشؤونهن ولا يتابع مشاكلهن، ومن ثمّ يلجأن إلى الغربيين. وقد أثبتت التجارب أنّ هؤلاء يفهمون مشاكل النساء أكثر من المسلمين. إذ يتعامل الأزواج المسلمون مع نسائهم بأسلوب خاطىء على أساس التصورات التقليدية الموروثة. وتشعر العديد من النساء بالقلق الشديد لاعتراض أسرهن على أعمالهن الدراسية، ويعترضن على ذلك بشدّة ويرين فيه مخالفة للشريعة الإسلامية.
والفتيات المسلمات يتمتعن بحرية أقل من الرجال، سواء في مجال الحريات الفردية أو الحريات الاجتماعية. ولعل بعض الآباء يتسائل عن مدى هذه الحريات وماهيتها؟ والحقيقة أنّ الجواب على ذلك ليس واضحاً تماماً، ولكن المطلوب هو عدم تجاهل فترة الشباب عند النساء. فإنّ مثل هذا التجاهل، وخصوصاً في مجتمع ديموقراتي ـ كما في بريطانيا ـ سيؤدّي دون ريب إلى نتائج سيئة، وبالتالي إلى فقدان الكثير من الفتيان لإيمانهن. ومن الطبيعي أنّ الحد من الحريات حينما يصدر من المجتمع الإسلامي فإنّه سيحسب على الإسلام، والحال أنّ الكثير ممّا يقوم به هذا المجتمع لا يأتي من تعاليم الإسلام، فمثلاً ختان البنات في السودان والزواج المحدد سلفاً في باكستان هما من التقاليد المتوارثة في هذين البلدين، وليسا من التشريع الإسلامي وكذلك فإنّ ترجيح الرجال على النساء أو الفتيان على البنات يعود في جذوره إلى مئات السنين، ويرتبط بصورة وثيقة بعصر الإقطاع. ذلك لأنّ الذكور هم الذين يحفظون ذكر آبائهم وهم الذين يكسبون الرزق لأسرهم. ولكن الأمر يختلف تماماً في المجتمع الإنكليزي إذ ينظر إلى الذكور والإناث على حد سواء، ممّا يخلق اختلافاً واضحاً بين المسلمين وغير المسلمين.
ومن الأمور المتبعة عند عامة المسلمين، عدم الاهتمام بتعليم البنات، وهو مخالف لقوانين انكلترا القاضية بإلزامية التعليم للبنين والبنات حتّى سن السادسة عشرة.
وممّا يحد من دور النساء المسلمات في المجتمع هو الاعتقاد بأنّهن لا يتجاوزن دور الزوجات والأمهات الصالحات في أفضل الأحوال. ويطالب المجتمع النساء وحدهن بالتزام العفة والطهارة، ويطلق للرجال الحرية الكاملة في هذا المجال، ذلك لأنّه لا يرى في أخطائهم مخالفة لعفة وشرف الأسرة. ولعل من أكثر الأمور حساسية لدى المجتمع الإسلامي مسألة البكارة، ونتيجة لهذه الحساسية كان المسلمون ـ حتّى وقت غير بعيد ـ يزوجون أبناءهم بفتيات يستدعونهن من بعض البلدان الإسلامية وخصوصاً باكستان ليلتحقن بأفراد الأسرة. كان هذا الموضوع يثير المشاكل لوزارة الداخلية في بريطانيا، حتّى اضطرت لمنعه.
والأمر الآخر الذي يختلف فيه المسلمون عن المجتمع البريطاني هو إلزام الفتاة بالطاعة التامة وعدم إعطائها حرية التعبير عن رأيها، بل إنّ أكثر المسلمين في هذه البلاد يرون في مطالبة النساء بحقوقهن الاجتماعية والفردية أمراً مخالفاً للإسلام، وذنباً يحاسب الدين عليه.
وقد أظهرت الدراسات الأولية واقعاً سيئاً، وهو أنّ تأثير التقاليد على الإسلام كان كبيراً جداً، إلى درجة اعتبارها جزءاً لا يتجزأ عن الإسلام.
وحين تدرس الفتيات في النظام التعليمي لمجتمع لا ديني وترى البون الشاسع بين المدرسة والبيت فإنّها تعتقد بالتدريج أنّ ما يحيط بها من معتقدات أهلها ناشىء عن الإسلام. ولذلك فهي تلجأ إلى الطرف الآخر. ويبدو تأصّل التقاليد القومية في نفوس مسلمي آسيا واضحاً وخصوصاً في أوساط الباكستانيين، فتراهم يتدخلون في أبسط الحقوق الاجتماعية والفردية للنساء والفتيات، ومن الطبيعي أنّ مثل هذه التقاليد لن يرضى بها مجتمع لا ديني مطلقاً، بل إنّها تعكس عن الإسلام صورة القرون الوسطى المظلمة. حيث يقارن الحد من حرية النساء المسلمات في بريطانيا بوضع النساء المسيحيات في القرون الوسطى، حين كنّ تحت السلطة المطلقة للرجل، بحيث كان الرجل يرغم زوجته على ارتداء حزام العفة حين غيابه. ومن الطبيعي أن يكون الحد من الحرية سبباً لتخلي الفتيات عن إسلامهن. من هنا وجب على المجتمع الإسلامي أن يجد الحلول المناسبة لمنع تغرب هذه الشريحة المهمة منه.
ويبقى المجتمع الإسلامي عاجزاً عن ملء الفراغ الروحي والجسدي لدى النساء دون توفير التعلم الصحيح للمسائل الإسلامية. وقد أشرنا في الفصول السابقة إلى انعدام التعليم الصحيح في المجتمع الإسلامي بصورة ملحوظة ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً في مجتمع النساء، ذلك لأنّه إذا كان ثمة أشخاص متخصصين في مجال تعليم الرجال، حتّى لو كانوا قليلين، فإنّه لا وجود لمثلهم في الوسط النسائي، ولو وجدوا فهم لا يتجاوزون عدد الأصابع. وتتركز أهمية التعليم على جيل الشباب أكثر من غيرهم، ذلك لأنّهم يعيشون أزمات نفسية ويكون لديهم الاستعداد الكافي لاستقبال الثقافة الغربية الغالبة الموجودة في جميع الوسائل الإعلامية مثل: السينما، المسرح، التلفزيون، الراديو، الصحف، المجلات وكذلك في الأجواء السياسية المفتوحة والحرية والخلاعة وغيرها. وتتميز مسألة التعليم والاستمرار في المراحل الدراسية بالنسبة للنساء بأهمية خاصة، ذلك لأنّ المجتمع الإسلامي الذي تكون أكثر نسائه أميّات سيكون أكثر عرضة للأخطار، لا سيما في المجتمع البريطاني الذي يتميز التعليم فيه بمستوى رفيع. ولذلك فإنّ وجود نساء وفتيات ذوات مستوى دراسي منخفض سيؤثر سلبياً وبصورة مباشرة على الجيل الجديد.
على أيّة حال يجب على المجتمع الإسلامي أن يحدد إذا ما كان يرى للمرأة هوية خاصة في المجتمع أم لا… ذلك لأنّ نظرة واحدة إلى المساجد الموجودة في بريطانيا تطلعنا على عدم وجود محل للنساء في أمور المساجد والدين، وأنهنّ بعيدات كلّ البُعد عن النشاطات الرسمية وغير الرسمية للمراكز الإسلامية بصورة عامة. وإذا كانت النساء المسلمات يفتقدن إلى الوعي اللازم في الشؤون الإسلامية، فكيف يتسنى لهن التمييز بين التعاليم الإسلامية والتقاليد القومية الموروثة؟
وقد أكدت خالدة خان وهي من النساء المسلمات ذوات التحصيل الدراسي أنّ المجتمع الإسلامي في بريطانيا يتجاهل وجود المرأة تجاهلاً تاماً ولا يرى لها أيّة قيمة أو اعتبار، فانعدم دورهن حتّى في تعليم المسائل الإسلامية. من هنا كان عدد النساء الهاربات من مجتمعهن أكثر بكثير من عدد الرجال، بل إنّ بعضهن لجأ إلى الأماكن المخصّصة للاجئين السياسيين.
والمسألة المهمة الأخرى هي انتقال العقائد الإسلامية من جيل إلى جيل آخر. وفي ذلك كتبت السيدة تسنيم أفضل مقالة تحقيقية جاء فيها: «يمكن لجيل الشباب المسلم أن يتعلم بسهولة من الآباء، ولكن ما يتعلمه منهم لا يتجاوز الواجبات والمحرمات في الإسلام. أمّا مسائل الإيمان بالله وسبل التقرّب إليه فهي مسائل عقيدية وفردية محضة غير قابلة للتعليم، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بخصوصيات الفرد. وأغلب مشاكل جيل الشباب المسلم، ولا سيما في أوروبا إنّما تنشأ من الأساليب المغلوطة لطرح الإسلام على يد المسؤولين عن أمر التعليم. فعلى سبيل المثال ما يدرّس تحت عنوان العلوم الإسلامية إنّما هو مجموعة من القوانين التي تشمل الواجبات والمحرمات التي لا تعدو كونها عبارة عن مجموعة دون روح ودون استدلال كافٍ. والواقع أنّ فهم الروح الواقعية للإسلام هو الشيء الذي بقي جيل الشباب بعيداً عنه، ولذلك كانوا ينصرفون عن الإسلام والدين عامة.
ورأت سيدة أخرى أنّ النساء المسلمات إنّما ابتعدْن عن الإسلام أو انحرفن عن أصله وأساسه بسبب عدم معرفتهن به بصورة صحيحة فالغالبية الساحقة منهن لا يملكن منطق الاستدلال بشأن الواجبات والمحرمات الإسلامية، ولأنّ الإيمان والاعتقاد بالله لم تستطع أن تترسخ في أعماق وجودهن. فكلّ ما تعلّمته هذه النسوة من المحرمات والواججبات عن طريق العائلة أو المجتمع إنّما هو مجموعة من القيود والتعاليم المخالفة للفطرة.
فعلى سبيل المثال نرى في قضية الحجاب ونوع الملابس وطبيعة السلوك والقيود الاجتماعية المفروضة أسباباً أخرى للانحراف عن الأصل والأساس. وكما ذكرنا في فصول سابقة أنّ التأثير العميق للتقاليد القومية والوطنية والعلاقات الفردية واختلاف وجهات النظر كان لها جميعاً دور كبير في هذا الانحراف، وبعبارة أخرى يمكن القول بأنّ مجموعة القوانين الجافة التي لا روح فيها والتي تطرح ـ ظلماً ـ تحت عنوان الإسلام في مجتمع مثل المجتمع البريطاني، لا تجد في نفوس جيل الشباب صدى لها، فما أسرع ما يتخلون عنها!
وعلى أيّة حال لا يمكن القبول بحمل نظام السيادة المطلقة للأب على تعاليم الإسلام، ذلك أنّ الإسلام لم يفرض مثل هذه السيادة. ومثال ذلك طريقة تزويج الفتيات والفتيان الآسيويين التي ترى (نسرين دين) أنّها طريق قائمة بصورة دقيقة على أساس التقاليد العرفية والقبلية والقومية في آسيا وشبه القارة الهندية، ذلك أنّ الفتاة يتم تزويجها بتوافق أهلها وعائلة خطيبها دون اختيار منها، وهي في الغالب لم تر خطيبها سابقاً إلاّ نادراً أو لم تره مطلقاً، وحينئذٍ تكون الفتاة قد حرمت من حقوقها تماماً. وفي الطرف المقابل إذا اتفق شاب مع فتاة على الزواج، فنّهما سيواجهان مشاكل جمّة من قبيل: الطبقية الاجتماعية، الوضع المال، القومية، القبلية، ممّا يحول في الغالب دون حصول الزواج. وليس ثمة شك في أنّ تزويج الفتاة دون ترك حق الاختيار لها أمر غير إسلامي، إلاّ أنّ المجتمعات المسلمة الآسيوية ترى في ذلك تشريعاً إسلامياً.
ليس بالإمكان اختصار مشاكل النساء المسلمات في فصل واحد، ولكن نودّ التأكيد على أنّ هذه المشاكطل تحمل الكثير من الجدية والخطورة، وإذا لم تعالج بصورة صحيحة فإنّ الشرخ الموجود بين النساء والمجتمع الإسلامي سيزداد عمقاً واتساعاً. وقد رأت السيدة (رعناباتي) في مقال لها أنّ نشاطات المسلمين تجري باتجاه مغلوط إذ تقول: «… لقد تجاوز سعي المسلمين لإظهار قدرة الإيمان والإسلام الحد المعقول، بل إنّه تحوّل مع الأسف إلى نوع من المنافسة المقترنة بالنفاق. فالمسلمون يتنافسون في المجتمعات الصغيرة والكبيرة لنيل جائزة (مسلم العام) في الدنيا وليس في الآخرة. ويمكن مشاهدة منافستهم هذه في بناء المساجد وتأسيس الجمعيات وغيرها. ولو نظر المرء من الخارج إلى هذه الأعمال لرأى نشاطاً هائلاً يبذله القائمون عليها في سبيل خدمة الإسلام، ولكنّها في الحقيقة بعيدة عن الإخلاص في العمل والصدق في نية التقرّب إلى الله، ويتبادر السؤال التالي للأذهان: هل تنجز هذه الأعمال بصورة صادقة لنيل رضوان الله؟… نقول لو كان الجواب إيجابياً، لما كان المجتمع الإسلامي يعيش في هذه الأوضاع المؤسفة، وإذاً لا بدّ من التشكيك في درجة إخلاص هذه الأعمال.
ولعل أكثر المجتمعات الإسلامية تفهّم مسألة الآخرة على أنّها إدبار عن الدنيا وانصراف تام عنها. فحين سئل أحد القائمين على شؤون المسلمين عن مجتمع النساء ومشاكلهن، كان جوابه جوابه: إنّنا نريد للنساء الآخرة، فحري بهن أن يضحين بدنياهن من أجل آخرتهن. وفي الحقيقة فإنّ مثل هذه الاعتقادات ناشئة عن الفهم الخاطىء للإسلام ذلك لأنّ الإنسان الذي يؤمن بالآخرة جدير باستثمار الدنيا غلى أقصى حد كوسيلة مشروعة لأعمار الآخرة، وعدم تضييع لحظة واحدة من عمره».
وفي تحقيق لمراسل صحيفة الكارديان (بتاريخ الثالث من حزيران 1990م) ذكر أنّ النساء المسلمات في الغرب أخذن يسعين للاشتراك في النشاطات الرسمية والاجتماعية. ومردّ ذلك أنّهن يعتقدن بأنّ الإسلام منحن شخصية مستقلة يستطعن من خلالها الحصول على حقوقهن المشروعة. وفي حديث للدكتورة شيلا القريش قالت بأنّها أحرزت شهادة الدكتوراه في فرع الكيمياء وتطالب ـ كامرأة ـ بالاشتراك في النشاطات الاجتماعية.
وقد أدّت المشاكل ومظاهر الحرمان التي تعاني منها النساء المسلمات إلى انضمام العديد منهن إلى جميعات غير إسلامية خاصّة بالنساء، ولكن لما كان إبالهن على مثل هذه الجمعيات ناتج عن عدم الفهم الصحيح لها أوّلاً، وعن ردود الفعل تجاه ضغوط المجتمع الإسلامي ثانياً، فإنّهن كن في أغلب الأحيان يواجهن الفشل والإحباط. من هنا اتجهت النسوة إلى تأسيس جمعيات نسائية غسلامية، لممارسة النشاطات السياسية والاجتماعية من خلالها. ولكن الوصول إلى هذا الهدف يستدعي تخلي المجتمع الإسلامي عن الأفكار الرجعية المحمولة على الإسلام، وذلك بالتعرّف أكثر على القرآن والسنة. وإذا لم يكن في الأفق حل قطعي وواضح لمشاكل النساء، فإنّ تشجيعهن على التعلّم الجدي لعلوم الإسلام سيقضي على الكثير من هذه المشاكل.
الخلاصة: يجب على المجتمع الإسلامي أن يصحّح الكثير من آرائه ونظرته نحو النساء. وممّا لا شك فيه أنّ الكثير من القوانين والأعراف التي تقدس الرجل وتحتفر المرأة إنّما هي في حقيقتها ناشئة من فكرة السلطة الأبوية المطلقة لدى شعوب آسيا، وليس من الإسلام. ولحسن الحظ فإنّ أكثر الضغوط المفروضة على النساء في بعض البلدان الإسلامية أصبحت عديمة الجدوى في الأجواء الديموقراطية المفتوحة في بريطانيا.
المسلمون الجدد
يذكر التاريخ أنّ الإسلام دخل أوروبا منذ قرون بعيدة وكان السبب الأساسي في نفوذ الإسلام إلى أوروبا الشرقية هو التسلّط التركي العثماني على هذه المنطقة. بعد أن كان الإسلام قد دخل إسبانيا قبل ذلك بقرون طويلة. ولكن اندحار المسلمين بوجه أوروبا كان يغيّر التركيبة الدينية تلك الشعوب، حيث أرغمت السلطات الإسبانية سكانها على الارتداد عن الإسلام واعتناق المسيحية، ونشبت صراعات عنيفة في بلغاريا بين المسلمين والشيوعيين.
وكان المسلمون يرغمون في بعض الدول الأوروبية على تغيير أسمائهم وديانتهم، من هنا لجأ آلاف البلغار إلى تركيا، وسجنت الحكومة اليوغسلافية المفكر الإسلامي والكاتب الملتزم (عليجا علي) لسنين طويلة بسبب تأليفه كتاباً حول الإسلام. ولكن لحسن الحظ لم تتشدّد الحكومة البريطانية إلى الآن بحق المسلمين الموجودين على أراضيها. وقد نقل في تاريخ بريطانيا (جان) (1199ـ1216م) ملك بريطانيا أرسل إلى المغرب وفداً لعرض المساعدة العسكرية عليه مقابل رفضه الإسلام، ولكن حاكم المغرب رفض هذا العرض. ومع مرور القرون وتعاقب العصور دخل عدد من الإنكليز في الإسلام منهم: (وليام هنري) الذي اعتنق الإسلام بعد زيارته للمغرب، وقام بعد عودته بتشكيل حركة إسلامية في ليڤربول. ثمّ تبعه بعد فترة (مارمادوخ پيكثال Marmaduke Pikthal) الذي ترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزية. وإضافة إلى ترجمته القيمة، كان له نشاطات سياسية واجتماعية كثيرة، سواء في شبه القارة الهندية أو في بريطانيا ـ ومن هذه النشاطات سلسلة محاضرات ألقاها في مدرسة نظام في حيدرآباد الهندية تحت عنوان الأبعاد الثقافية للإسلام، وقد جمعت فيما بعد وتمّ طبعها. وكان معارضاً للسياسة الاستعمارية، وأصدر نشرة فصلية تحت عنوان (آراء الإسلام).
وكان من المسلمين الإنكليز الآخرين الشيخ عبد القادر الصوفي، الذي كان أحد مريدي الصوفية السنية، وقد نشط كثيراً في نشر الآراء الصوفية لوحده،فنجح بجمع الكثير من المريدين. واستقرّ رأيه على الإقامة في نورويج (Norwich)، وأصدر كتابه الأوّل عام 1975م تحت عنوان (طريق محمد) ثمّ أعقبه بكتاب آخر عام 1978م بعنوان (الجهاد)، وكان يتبع الفقه المالكي ويسعى لنشره بحماسة. ولكن نجمه بدأ يأفل بالتدريج بسبب قصور نظرته السياسية والاجتماعية، وتحجمت شعبيته في أوساط المجتمع البريطاني. ومن بين الأسباب الأخرى التي دعت إلى انعزاله، ظهور الفكر الجديد تحت عنوان (المرابطين) في الوسط الإسلامي البريطاني. وبعد أن أحسّ عبد الادر بعزلته، آثر الهجرة إلى إسبانيا، وهناك بادر إلى تأسيس (جماعة المقاومة) للتصدي للمرابطين. ولا يزال المرابطون يمارسون نشاطاتهم الاجتماعية والدينية في نورويج ويتميزون بجودة تنظيماتهم وترتيبها.
ود قام بعض الأهالي المسلمين بتأسيس مركز في لندن تحت عنوان «مؤسسة مسلمي بريطانيا»، وبعض هؤلاء المسلمين ناشط كثيراً في الخدمات الثقافية والاجتماعية، ومنهم يوسف إسلام الذي قام بتأسيس مدرسة إسلامية في لندن، والعديد من الداخلين حديثاً في الإسلام من ذوي الشخصيات المحترمة والمستوى الدراسي الجيد مثل سارة مالك، مريم ديويس، روكايا خليل، مريل ديويس، أحمد تامپسون وعبد الكريم. وحديثاً أقدمت مجموعة أخرى من هؤلاء المسلمين على تأسيس حزب إسلامي، ونشطت بعض النساء منهم بتبشير واسع على المستوى الأكاديمي.
وليس هناك قانون في بريطانيا يمنع الناس من اعتناق الإسلام، ولكن المسلمين لم يستطيعوا استثمار هذا الجو المفتوح وانتهاز الفرصة المناسبة. وإذا كان عدد من البريطانيين قد اعتنقوا الإسلام، فإنّما كان ذلك بهودهم الشخصية ودراستهم وتحقيقهم بشأن الإسلام. من هنا كان أغلب المسلمين الواعين ينتقدون الحكومة السعودية لضعف نشاطها التبشيري على الرغم من وجود مؤسسات وجمعيات إسلامية لا تحصى، تابعة لها.
وقد توجّه أحد الأهالي المسلمين بالنقد لأسلوب تبشير المسلمين في هذه البلاد، فهو يأسف لأنّ اللغة المتبعة في التبشير هي اللغة الأردوية، لاعتقاده بعدم جدوى دعوى شعب إلى منهج ما بغير لغته الأصلية. وبصورة عامة يمكن القول بأنّ المسلمين لم يستطيعوا إلى الآن انتهاج أسلوب تبشيري صحيح لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وخصوصاً في أوروبا والغرب عامة. وبسبب نقص معلوماتهم وضعف تشكيلاتهم لم يدرسوا إلى الآن الأسباب التي دعت غير المسلمين إلى اعتناق الإسلام. والبحث القيم الوحيد الذي كتب حول المسلمين من السكان الأصليين هو كتاب (السيدة خرفيه بك حليم) (Harfiuah-Bak-Haleem) وهو يتعلق بوضع النساء المسلمات البريطانيات. حيث تحدثت فيه عن الأسباب والغايات التي دعت النساء البريطانيات إلى اعتناق الإسلام. وتؤكد أنّ هاته النسوة إنّما التجأن إلى الإسلام بسبب حالة الضياع وانعدام الهدف السائد في الغرب وخصوصاً بين النساء. والأمر الملفت للنظر، هو ما تذكره هذه الباحثة من أنّ أغلب النساء اللواتي دخلن الإسلام إنّما فعلن ذلك بعد معاشرتهن للنساء المسلمات وإجابهن بالسلوك الشخصي والاجتماعي لهاته النسوة. وقد وصفت بعض اللواتي اعتنقن الإسلام حديثاً شعورها بعد اعتناق الإسلام بالقول: «المرأة في الإسلام: مخلوق إلهي، يثق بنفسه، ويشعر بالروابط العائلية ويمتلك شخصيته الفردية والاجتماعية». والشيء الذي يدعو للأسف أنّ المجتمع المسلم في بريطانيا غير قادر على طرح الإسلام بصورة صحيحة للبريطانيين حتّى بعد اعتناقهم للإسلام. ولا ينبغي أن نغفل دور القومية في الأسلوب الخاطىء للدعوة والتبشير، ذلك أنّ المسلمين الجدد إذا دخلوا الإسلام بتأثير العرب فإنّهم سيتعملون ثقافة العرب وتقاليدهم الموروثة، وإذا دخلوه بتأثير الآسيويين وخصوصاً شعوب شبه القارة الهندية فإنّهم ستأثرون أيضاً بثقافة وتقاليد هؤلاء.
والواقع المأساوي الآخر هو أنّ الداخلين حديثاً في الإسلام يواجهون مشاكل روحية ونفسية جمة بسبب الجو الإنكليزي المعادي للإسلام، فبعض الفتيات الإنكليزيات تعرضن للطرد من أسرهن بسبب زواجهن من مسلمين أو اعتناقهن للإسلام، وتعرض البعض الآخر لمشاكل التفرقة. وقد تحدثت إحدى الداخلات حديثاً في الإسلام عن تجربتها في الحياة الإسلامية طوال إحدى عشرة سنة فوصفتها بالصعوبة والقسوة البالغة، وهي ترى أنّ المسلمين في بريطانيا يعيشون العزلة عن المجتمع، وتتأكد هذه العزلة أكثر في أوساط المسلمين من السكان الأصليين، ذلك لأنّهم يعيشونبين ثقافتين متناقضتين تماماً. وقد اضطرت هذه السيدة إلى الطلاق بسبب المشاكل الناتجة عن هذا التناقض. وعلى الرغم من ترددها المتكرر على المراكز والجمعيات الإسلامية، إلاّ أنّها لم تجد في هذه الأماكن حلاً لمشاكلها النفسية والروحية، ولم يستطع هؤلاء طرح الحل المناسب لها.
والمشكلة الأخرى التي يواجهها المسلمون الحدد هي مشكلة النساء اللواتي يعتنقن الإسلام حديثاً، ذلك أن تربيتهن الديموقراطية الغربية تجعلهن في مصاف الرجل تماماًن ولكنهن حيث يدخلن المجتمع الإسلامي يواجهن الفروق القائمة بين الرجل والمرأة التي يتعارف عليها المجتمع الإسلامي لأسباب شتى، ومن ثمّ يكون الفرق كبيراً بينهن وبين نساء المجتمع الإسلامي.
ومن المشكلات الأخرى التي يواجهها هؤلاء المسلمون وجود الحواجز بين المجتمع الإنكليزي والمجتمع الإسلامي. ومن ذلك ما تحدّث به (إبراهيم هويت) عن تجربته بشأن وضع المسلمين الجدد، حيث يقول: «حينما أدخل المسجد لإقامة الصلاة أرى الأعناق كلّها تشرئب نحوي، والأنظار تتركز باتجاهي، باستغراب أو بسوء ظن، ثمّ أُدرك بعد حين أنّ مصدر أكثر الأنظار هو الاستغراب من وجود شخص أبيض في المسجد وليس النظر لأخ مسلم، والسبب في ذلك هو ضيق أفق المسلمين الذين لا يستطيعون تصوّر دينهم ديناً شاملاً للبشرية جميعاً. ومع الأسف إنّ مثل هذه النظرة تسري نحو المسلمات الغربيات، إذ لا يستطيع المسلمون أن يصدقوا بأنّ المسلمات الغربيات قادرات على أن يكن مثل النساء الشرقيات بل وأفضل منهن».
والمسلمون الجدد قادرون على الإسهام في النشاطات الإسلامية وخصوصاً في النشاطات الثقافية بصورة فعالة ومباشرة. وينظر بعضهم إلى عدد من المظاهر المتعارف عليها في الوسط الإسلامي نظرة مختلفة، فمثلاً يقول أحدهم عن الحجاب: «يؤسفني كثيراً أن أرى النظرة القاصرة عند الرجال تجاه الحجاب، إذ يمكن أن يكون الحجاب والملابس بصورة عامّة بأكال متنوعة دون أن تخرج عن إطار الإسلام والشريعة الإسلامية» وعن دور المرأة تقول إحدى المسلمات الجدد: «يسعدني أن أقوم بدور الأم وأمارس أعمال الطبخ، خصوصاً لرجل أحبّه وأقبل به كزوج، ولكن لا يمكن أن أنع بهذا المستوى، ذلك لأنّي أرى من واجب أن أستفيد من قجراتي ومواهبي التي منحني الله إياها في تحسين وضع المجتمع الإسلامي وأداء واجباتي في توضيح الغامض من الدين والثقافة وتقويم التقاليد الاجتماعية الموروثة».
والخلاصة: يمكن الاستعانة بالمسلمين الجدد في نشر الإسلام. فإذا كان أبناء المهاجرين الملمين يعاملون كمهاجرين أيضاً رغم ولادتهم في هذه البلاد، فإنّ ذلك غير ممكن بشأن السكان الأصليين وليس من الممكن أيضاً أن يُفصلوا عن مجتمعهم أو يفكر أحد بإخراجهم من البلاد، ومن الطبيعي أن تعاضد المسلمين المهاجرين والجدد فيما بينهم سيسهل حل المشاكل الاجتماعية أكثر. فمثلاً يعتبر التزاوج بين الطرفين عاملاً إيجابياً وبناءً، ذلك لأنّ زواج المسلمين من غيرهم كان ينتهي في أغلب الأحيان بالفشل والانفصال.
والأمر الذي ينبغي التفكير به هو ضرورة طرح الإسلام بصورة مرضية للجميع، بحيث يمكن اعتباره بديلاً مقبولاً في مجتمع لا ديني مثل المجتمع البريطاني، ويجب أن يكون هذا الطرح بأسلوب يدعو إلى الفخر بين المسلمين، وليس بأسلوب يزيد في عقدة الحقارة لديهم. من هنا يجب أن يكون هناك برنامج صحيح لا لطرح الإسلام كحل لمشاكل المجتمع الإسلامي وحسب، بل لمشاكل المجتمعات الغربية أيضاً. والحقيقة أنّ هذا الأمر لم يعمل به لحد الآن بسبب المشاكل الداخلية في المجتمع الإسلامي واختلاف شرائحه فيما بينها… ولا يمكن اعتبار الإسلام قادراً في الوقت الحاضر على اكتساب غير المسلمين أو الظهور كبديل قوي لهم. ولذلك ينبغي أن يسعى القائمون على شؤون الإسلام للتبشير بالإسلام وفق أساليب منطقية ومقبولة لدى الجميع.
موقع الإسلام
يعيش المسلمون في بريطانيا حتّى الآن وضعاً مأساوياً، ذلك لأنّهم لا يعدون شعباً لبلد إسلامي من جهة، ولم يستطيعوا احتلال موقع خاص في المجتمع كأقلية دينية من جهة ثانية. فهم يتعرضون لضغوط شديدة منها العنصرية والإلحاد والتركيبة المعادية للإسلام والروح الاستعمارية للمجتمع الإنكليزي، ولذلك لم يجدوا فرصة لإظهار قدراتهم وطاقاتهم. وقد تحدّثنا باختصار عن أوضاعهم وفيما يلي نورد استعراضاً سريعاً لعوامل الضغط عليهم.
التفرقة العنصرية: تناول العديد من الباحثين مسألة العنصرية في بريطانيا وكتبوا عنها بحوثاً مطولة، لا يمكن أن نوردها في مثل هذه العجالة، ولكن ما يمكننا قوله وبكل جرأة وصراحة هو أنّ بريطانيا معروفة بالتفرقة العنصرية وخصوصاً على أساس لون البشرة. ولا تشتمل هذه التفرقة المسلمين وحدهم بل تتعداهم إلى سائر الديانات والقوميات الأخرى، مثل: الهندوس والسيخ والأفارقة وغيرهم. وفي الحياة اليومية يمكن مشاهدة الخلافات الفردية والجماعية بين البيض وسائر الأجناس الأخرى سواء في محلات العمل أو في المناطق السكنية أو في أماكن أخرى.
في الحقيقة إنّ التفوّق العرقي الذي يشعر به البريطانيون يعود إلى عصر ازدهار بريطانيا أكبر قوّة استعمارية في العالم. ولا يزال الشعور بالتفوّق موجوجاً إلى الآن بين أفراد
المجتمع البريطاني ومعروف أنّ حكومة هذه البلاد فتحت الحدود بوجه العمالة الرخيصة القادمة من الدول المستعمرة بعد أن رأت النقص البشري بعد الحرب العالمية الأولى، وكان دخول المسلمين إلى هذه البلاد يصاحبه منذ البدء الشعور بالحقارة والتصاغر تجاه سكان البلاد، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد تغيير أسمائهم ليتمكنوا من دخول المجتمع الإنكليزي، ولكنّهم اصطدموا فيما بعد بفارق اللون فشروا بالخيبة والإحباط.
ويمكن للمتابع أن يدرك مدى عداء بريطانيا للإسلام من خلال كلمة (وينتور Wintour) عضو مجلس العموم البريطاني التي ألقاها في المجلس، حيث قال: «إا كان المسلمون في المجتمع الديموقراطي لهذه البلاد لا يطيقون تحمّل الآراء الحرّة لسلمان رشدي، فعليهم أن يغادروا هذه البلاد ويعودوا إلى بلدانهم»([604]).
ويتوقع أن تتجه أوضاع المسلمين في أنحاء أوروبا نحو الأسوأ حيث يتم توحيد أوروبا عام 1993م.
التركيبة الاستعمارية للمجتمع البريطاني: لا يزال الإحساس بتفوق العنصر البريطاني الذي كان سائداً في العصور الاستعمارية موجوداً وبقوّة إلى الآن. ووجود مثل هذا الإحساس بين أفراد المجتمع البريطاني لا يسمح لهم بأن يصدقوا أنّ مجتمعهم قد تحوّل إلى مجتمع متعدّد القوميات شاؤوا ذلك أم أبوا. ولا تزال أصداء نظرية اللورد ماكولي (Lord Macaulay) الاستعمارية تتردّد في هذه البلاد، تلك التي قال فيها: «يجب أن نوجد بيينا وبين شعب شبه القارة مجموعة من الهنود ذوي المستوى الدراسي العالي الذي يكون أصلهم هندياً وروحهم وأخلاقهم وذوقهم وعقيدتهم إنكليزية».
وطبيعي أنّ هذه السياسة لم تختص بالمسلمين وحدهم بل شملت جميع القوميات والديانات الأخرى، ولكن كثرة أبناء الأقلية المسلمة جعل هذه السياسة تتركز بشأنهم أكثر وتزداد وتيرتها.
وإزاء السياسة القائمة والضغوط التي يعاني منها المسلمون، تبقى أمامهم ثلاثة خيارات هي: الانزواء السياسي والاجتماعي أو التكيف والتأقلم مع الوضع الموجود. والخيار الثالث هو السعي أكثر لنيل الحقوق المشروعة. فإذا انتخب المسلمون الخيار الأوّل اعتماداً على المقترحات البنّاءة والمفيدة للمؤسسة الإسلامية في لندن، فإنّهم سيستطيعون لتشكيلهم الهيئات الاستشارية أن ينالوا الكثير من حقوقهم الدينية والاجتماعية. ورغم أنّ هذه الهيئات لا تزال مجهولة المستقبل وتعيش في مراحلها الأولى، إلاّ أنّ اكتسابها للمؤسسات والجمعيات وعلى وجه الخصوص جيل الشباب ليضمن لها مستقبلاً جيداً. ولا نرى مجالاً للتشكيك في جدية مستقبل هذه الهيئات على الرغم من اختلاف بعض ذوي الشأن معها لعدم تأكيدها على مسألة اتحاد الأمّة الإسلامية. ومن الطبيعي أنّ الانزواء الكامل عن المجتمع البريطاني أمر غير ممكن، ذلك لأنّ المسلمين يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالقوانين الاجتماعية والثقافية والسياسية لهذه البلاد، بل إنّهم لا يستطيعون الحصول على حقوقهم المشروعة دون الحركة ضمن إطار قوانين البلاد.
وفي الخيار الثاني فإنّنا سننتهي إلى تحقيق نظرية اللورد ماكولي وهي نتيجة غير مقبولة على أيّة حال.
أمّا الخيار الثالث الذي يقضي بنشاط المسلمين لنيل حقوق أكثر، فهو أفضل دون ريب من خيار الانزواء المطلب وخيار التأقلم مع الأوضاع الموجودة وهو يحظى بفرصة نجاح أكبر، ذلك لأنّنا إذا ما نظرنا إلى المجتمع الإنكليزي كمجتمع متعدّد القوميات فسنرى وضعاً مميزاً للمسلمين بسبب كثرتهم، ولكن مع ذلك يبقى عدم نجاحهم في النفاد إلى التركيبة السياسية والحكومية للدولة سبباً في الحد من النجاح المطلوب. وعلى أيّة حال فإنّ كلّ خيار من هذه الخيارات الثلاثة يصطدم بسلبيات خاصة. من هنا كان ضرورياً الالتحاء إلى النظرية الثورية التي تقوم على الأسس التالية:
1 ـ تنطلق النظرية الثورية من العتقاد بأنّ الثقافة الغربية هي ثقافة معادية للثقافة الإسلامية، ولا يكمن هذا العداء في نظريات بعض السياسيين، بل تمتد جذوره إلى أعماق التاريخ.
2 ـ تستند هذه النظرية إلى الحقيقة القائلة بأنّ المجتمع الإسلامي لم يستفد إلى الآن من طاقاته وقدراته في هذه البلاد، وأنّ زعماء المسلمين في الغرب اعتادوا على إطلاق الكلمات الثورية الكبيرة التي هي في حقيقتها مجرد كلمات جوفاء لا طائل ورائها. لذلك يجب أن يكون هناك خط صحيح بين التنظير والواقع، وأن يتم تشخيص نقاط الضعف والقوّة عن طريق الأشخاص الذين يتعاملون مع الواقع بأسلوب منطقي قائم على الأصول الإسلامية.
3 ـ تدعوة هذه النظرية المسلمين في بريطانيا إلى الخروج عن الإسلام السلبي، ذلك لأنّ السلبية في الإسلام إنّما كانت وليدة الضرورة التي اقتضتها الروح الغربية المعادية للإسلام، أمّا في الحالة الثورية فالواجب على المسلمين أن يقتدوا بسيرة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في إخراج المجتمع عن الحالة السلبية.
4 ـ لا يستطيع المسلمون إنقاذ أمتهم الإسلامية دون حصول تغير مهم في واقعهم السياسي. من هنا كان لزاماً عليهم أن ينظروا إلى هجرتهم كهجرة إسلامية، مقتدين في ذلك بالرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والمهاجرين الذين استطاعوا بعد هجرتهم إلى المدينة وبمساعدة الأنصار تأسيس هيئات سياسية واجتماعية واقتصادية قويّة.
ولسنا نتجاهل بذلك حقيقة أنّ الهدف الأساسي لهجرة المسلمين كان اقتصادياً محضاً، ولكنّا ندعوهم بالإضافة إلى ذلك أن يستثمروا وجودهم ونشاطهم في هذه اللاد لصالح الإسلام. وفي هذا يؤكد أحد الشخصيات الإسلامية البارزة([605]) أنّ المسلمين إذا ما وظّفوا حضورهم ونشاطهم في بريطانيا لصالح الإسلام، فإنّ ذلك سيعد عبادة منهم.
ولا يجدر بالمسلم أن يقتصر في هجرته على الهدف المادي، بل يستطيع أن يتعدّى ذلك إلى خدمة الإسلام من خلال تغيير طبيعة وجوده في المجتمع أوعلى الأقل من خلال سلوكه الإسلامي.
وعلى كلّ مسلم أن يكافح التفوق العرقي، واللادينية، والتركيبة الاستعمارية والعداء للإسلام، ولا يمكن أن يتأتى له ذلك إلاّ من خلال النشاط السياسي، من هنا كان على المجتمع الإسلامي في بريطانيا أن يشترك بفعالية في النشاطات السياسية ضمن إطار الحريات السياسية الموجودة في البلاد.
الإسلام في إنكلترا
(1558ـ1657)
ليس من المعتاد أن يشغف البريطاني (الإنكليزي) أو الغربي بشكل عام بالإسلام كدين وعبادة، وإن كان يهتم في بعض الأحيان بالإسلام كثقافة وعادات وتقاليد. فالصورة النمطية السائدة في الذهن الغربي أنّ الإسلام دين صعب ومغلق يصعب التعايش معه، هذه هي الصورة التي غالباً ما تعكسها وسائل الإعلام على وجه العموم خصوصاً إعلام «التابلويد». وما دامت هذه الصورة النمطية هي السائدة فإنّ حالة «سوء الفهم» بين الثقافتين والديانتين (الإسلام والمسيحية) ستبقى مستمرى في إطار من العداء لم يزل قائماً منذ الحروب الصليبية. والمتتبع للشأن العربي (والإسلامي) في الإعلام الغربي يلحظ بوضوح حم الجهل الكبير في هذا الخصوص لدى المواطن الغربي.
وبريطانيا واحدة من هذا الغرب غير المهتم بتاريخ علاتها مع الإسلام، الذي يحاول الأكاديمي وأستاذ الأدب الإنكليزي في «معهد فلوريدا التقني) الدكتور نبيل مطر الكشف عن بعض جوانبه في آخر إصداراته «الإسلام في بريطانيا» بين منتصف القرن السادس عشر وأواخر القرن السابع عشر. الإسلام حل في بريطانيا مع تركيا العثمانية، ونبيل مطر المختص بتاريخ بريطانيا وصاحب أكثر من ستين مقالاً عن تاريخ ولاهوت وأفكار تلك الفترة يوثق كرونولوجيا ويكتب تفاصيل العلاقة بين الإسلام وبريطانيا في دراسة رائعة تحبس أنفاس القارىء أثناء مطالعتها، وتوضح له الكثير من الالتباس الذي يحيط بجذور وأصول الموقف البريطاني الراهن إزاء الإسلام.
قارىء الإنكليزية على العموم والبريطاني بشكل خاص سيكتشف بعد قراءة كتاب مطر أنّ ثمة مسلمين كانوا موجودين في بريطانيا في عهود إليزابيت الأولى وتيودور وستيوارت وتشارلز الثاني إلخ… الجزر البريطانية كانت على علاقة وثيقة مع العالم الإسلامي والثقافة الإسلامية منذ القرن السادس عشر مع امتداد الإمبراطورية العثمانية باتجاه وسط أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط، حيث التقت معها شبكة التجارة البريطانية التي كانت تتّسع باتجاه الشرق. نبيل مطر يعاين في كتابه أثر الإسلام في المؤسسة البريطانية خلال الفترة المذكورة، ويقدّم للقارىء منظوراً غير معروف سابقاً حول التحولات في الفكر والمجتمع البريطانيين من خلال كشفه بالدليل الملموس (شهادات، أوراق رسمية، مخطوطات، خرائط إلخ…) مدى تأثير الإسلام في تشكيل الثقافة البريطانية المعاصرة المبكرة.
ويبين المؤلف كيف أنّ العلاقة بين المسيحية والإسلام ـ كما هو سائد الآن ـ لم تكن دائماً ذات طبيعة عدائية تغلب عليها المواجهة، بل كانت علاقة شاملة وتفاعيلة من النواحي الثقافية والفكرية والتبشيرية داخل المجتمع البريطاني. ومن خلال الوثائق، إذ لم تخل أي صفحة من صفحات الكتاب من الحواشي المرجعية (أربع أو خمس حواشٍ في كلّ صفحة مأخوذة من أكثر 490 مصدر معلومات بلغات عدّة)، يكشف المؤرخ عن بعض حالات التحوّل من المسيحية إلى الإسلام والعكس وعن ردود الفعل حولها في كتابات وأقوال البريطانيين. ويسلط مطر الضوء على الإرث العربي ـ الإسلامي في Prisca Sapientia وأثر القرآن الكريم في الفكر السياسي والبيوريتاني ـ الإنكليكاني الذي ساد في المجتمع البريطاني فيا لقرنين السادس عشر والسابع عشر. ويبين المؤرخ الحاذق كيف أنّ البريطانيين اهتموا في تلك الفترة بالحضارة الإسلامية في الكنائب والمقاهي والمسرح والنشرات بشكل لا مثيل لهب النسبة إلى أي حضارة أخرى غير مسيحية. ويوضح مطر في جزء أخير من الكتاب دور الفكر الإسلامي في التأثير اللاهوتي في كتابات البريطانيين بشأن الآخرة ويوم الحساب. ويقارن ذلك مع دور المفكرين اليهود. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ الحكومة البريطانية الحالية أظهرت للمرّة الأولى في التاريخ المعاصر بعض الاهتمام بالعلاقة التفاعلية بين الإسلام والمسيحية على لسان وزير الخارجية روبن كوك في خطاب له في المركز الثقافي الإسماعيلي في لندن في تشرين الأوّل (أكتوبر) 1998. فقد دعا كوك الغرب إلى الإقرار بدور وأثر الفكر الإسلامي والعربي في الثقافة والحضارة الغربية «كشرط لتجديد الحوار بين الثقافتين).
بداية الاتصال مع بريطانيا كانت من خلال المناوشات البحرية بين الجانبين، حيث تفوّقت التقنية البحرية الإسلامية على صناعة السفن البريطانية ما أدى إلى هزيمتها أمام القوّة المسلمة. بين عام 1609 و1616 هاجم العثمانيون 466 سفينة بريطانية وفي أيار (مايو) 1626 أسر أكثر من 6500 بحار بريطاني وزعوا في شمال إفريقيا، لا سيما في الجزائر وسلا في المغرب. ووصلت الغارات التركية إلى المدن الساحلية في جنوب إنكلترا، وانتشر «قلق كبير» جراء قيام بريطانيين كانوا قد أشهروا إسلامهم في أوات سابقة بشن بعض هذه الغارات. ويلاحظ كثرة انتشار البريطانيين «المؤسلمين» حيث سجل في الكتاب أنّ أحد أبرز المخصيين في البلاط العثماني في أواخر القرن السادس عشر شخص يدعى «حسن آغا الذي يتبين لاحقاً أنّه ليس إلاّ سامسون راولي من بلدة غريت بارموث الساحلية في الجنوب الإنكليزي، وأنّ جلاد الأمير التركي في الجزائر أبسلام (عبد السلام) ما هو إلاّ جزار سابق من مديتة أكسيتر الجنوبية». وعندما أوفد الملك تشارلز الثاني القبطان هاملتون محملاً بفدية للإفراج عن «أسرى» بريطانيين من التجار والبحارة البريطانيين إلى أمير الجزائر، عاد هاملتون خالي الوفاض لأنّ «الأسرى» رفضوا العودة «لأنّهم كانوا يعيشون في نعيم مفقود في بلادهم». وكتب هاملتون في تقريره الرسمي إلى الملك قائلاً: «لقد أغري هؤلاء بالتخلي عن ربّهم حباً بالنساء التركيات المعروفات بجمالهن وجاذبيتهن».
ولكن تبيّن الوثائق المنشورة في الكتاب أنّ معظم معتنقي الإسلام من التجار البريطانيين وليسوا من الخدم، لا سيما في ضوء ازدهار التبادل التجاري مع الدولة العثمانية حيث «بلغت في أواخر القرن السابع عشر أكثر من ربع إجمالي التجارة البريطانية مع العالم الخارجي». ويقول أحد مؤرخي تلك الفترة وهو سير توماس شيرلي إنّ سيطرة الإسلام على البريطانيين «كات تعود إلى قوة جاذبية الإسلام وليس بسبب قوة السيف»، إذ أنّ القنصل العام البريطاني في مصر بنيامين بيشوب «اعتنق الإسلام العام 1606 واختفى عن الأنظار تماماً». وقد أدّى اعتناق الإسلام على نطاق واسع إلى قلق واسع لدى السلطات الرسمية والدينية في آن، ووجد الكتّاب الساخرون في تلك الفترة في هذا الأمر مصدراً غزيراً لكتابة الكوميديا للمسرح خصوصاً موضوع الختان. وفي إحدى التمثيليات يجري الحديث عن ذلك البريطاني الذي قرّر أن يختن «لينعم في أسرة الحريم، لينتهي لاحقاً بين المخصيين». وقد سادت حالة عامة من القلق جرّاء التحوّل إلى الإسلام، وفي العام 1637 انتقلت المسألة إلى البرلمان وخضعت لمناقشات مستفيضة لفترة طويلة.
لا يخلو الكتاب من القصص الطريفة مثل الختان، إلاّ أنّ حالة الهلع التي كان يعيشها البريطانيون آنذاك كانت تدفعهم إلى التشكيك بكلّ ما هو قادم من الشرق بما في ذلك القهوة التركية. فقد كان العديد من هؤلاء يعتقدون «بوجود سحر ما في فنجان القهوة»، وكانوا يحذرون من احتسائه لأن السحرالموجود فيه «كيل بدفع المسيحي إلى الردة». وأطلق البعض على حبات القهوة اسم «البزرة المحمدية» Mahometan Berry وركزت المناقشات الرسمية والشعبية على تحديد ما إذا كانت حبات القهوة «تحتوي على رحيق يقضي على الشهوة الجنسية… بهدف القضاء على المسيحية». وقد وصل الأمر ببعض النسوة إلى نشر عريضة في إحدى مطبوعات لندن قلن فيها إن احتساء القهوة بكثافة «يؤثر على الأدىء الجنسي ويحول أزواجهن إلى مخصيين». إلاّ أنّ مجموعة أخرى منا لنساء عارضن زميلاتهن وقلن في القهوة العكس تماماً في نشرة أخرى. فالقهوة برأي هذه المجموعة من النساء «مشروب منتشر في كلّ أرجاء تركيا ومنانطق الشرق عموماً، ولا يوجد أحد قادر على منافسة رجال تلك المناطق المختنين في الأداء والرغبة. والقهوة تساعد في تركيز الروح والقوّة.
هذا الكتاب تأريخ من الطراز الرفيع ومفاجىء ومكتوب بطريقة مشوقة وسهلة، ولكنّه بشكله الأكاديمي لن يحقق الانتشار المطلوب بين قرّاء الإنكليزية. ونأمل أن يلفت انتباه كتّاب الروايات الخيالية Fictionلإعادة كتابته بطبعة شعبية ونص درامي يمتع القارىء العادي ويقدم في آن مادة مثيرة للإنتاج السينمائي أو التلفزيوني.
مصطفى كركوتي
لندن عاصمة إنكلترا
وبوصولنا إلى هذا الحد من الحديث عن إنكلترا وعن الإسلام فيها، لا بد لنا من الحديث عن عاصمتها، حديثاً نختصها به بعيداً عن أي شيء آخر، فنقول:
أسس الرومان «لندينيوم» في القرن الأوّل للميلاد، وتحديداً عام 43 بعد الميلاد، عندما بنى هؤلاء جسراً خشبياً بين ضفتي نهر التايمز، في المكان نفسه تقريباً الذي سيعرف في ما بعد، وحتّى يومنا هذا، باسم «جسر لندن». منذ ذاك، بدأ ثلاثة آلاف شخص قصة مدينة ستصبح لاحقاً أكثر المدن كوزموبوليتانية، تؤوي اليوم سبعة ملايين شخص، ويزورها 24 مليوناً سنوياً، ولعلها هي من أبقى الإمبراطورية العجوز على خريطة الدول العظمى.
مع حلول العام 200 للميلاد، وعلى رغم الدمار الذي لحق بها جرّاء الصراع بين قبائل محلية والغزاة الرومان، كانت لندن أضحت مدينة مسوّرة يسكنها 50 ألفاً يعتمدون في حياتهم على الزراعة، وعلى البضائع التي كانت تتدفق عبر التايمز، ما حولّها منذ ذلك الحين مركزاً تجارياً حيوياً.
قصص المدن تتشابه، وفي تاريخ كلّ منها مآسٍ وكوارث، وليست لندن استثناءً. ففي عا 1348 كانت المدينة على موعد مع الطاعون الذي قضى على نص سكانها قبل أن يهاجمها مجدداً عام 1665 ليحصد أرواح الآلاف.
وفي عام 1666 أتت النار على قسم كبير منها، في ما بات يعرف باسم حريق لندن الكبير. في عام 1800 وصل عدد سكانها إلى مليون نسمة ما جعلها أكبر المناطق الحضرية في الجزر البريطانية، وتحوّلت العصب الإداري والتجاري والاقتصادي للإمبراطورية، والمركز الاقتصادي الرئيسي في البلاد خصوصاً في صناعات الأثاث والحرير والطباعة والخمور وتصنيع الآلات. لكن افتقار المدينة إلى احتياطات كافية من الفحم وشح مصادرها من المياه، مترافقاً مع نمو استخدام الآلات البخارية، اضطر كثيراً من الصناعات إلى الهجرة إلى مناطق أخرى إبان الثورة الصناعية. وفي العصر الحديث، عايشت المدينة حربين كونيتين كانت في قلب أحداثهمان ونالت نصيباً وافراً من قصف الطائرات الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية.
لكن المدينة بين هذا وذاك، شهدت العصور الذهبية للإمبراطورية البريطانية، مع عهد إليزابيت الأولى وذيوع صيت وليم شكسبير، وعاشت أحداث عصر النهضة بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر وانتقال أوروبا من القرون الوسطى إلى العصر الحديث وما تميزت به هذه الفترة من ازدهار للأدب والفن، وكانت شاهدة على الانتصار الساحق للأسطول الإنكليزي عام 1588 وتحطيمه أسطورة الأرمادا الإسبانية التي لا تقهر، ناهيك عن اكتشاف أميركا والتوسع السكاني وتضخم الإمبراطورية، مروراً بثورة الطلاب في نهاية ستينات القرن الفائت وصولاً إلى تحوّلها مركزاً عالمياً للمال والأعمال في يومنا هذا.
هذا الماضي المغرق في العراقة، يوفر لزوار لندن فرصة القيام برحلة في تاريخ لا يزال شاخصاً في النصب والتماثيل المنتشرة في أرجائها، وفي مبانيها المهيبة، كما في أزقتها المعتمة التي تعبق برائحة التاريخ، وتتراءى فيها أطياف عظماء وصعاليك تركوا بصماتهم في ذاكرتها.
على مسافة نحو 40 ميلاً من الساحل الإنكليزي، تقع العاصمة المتجددة للإمبراطورية العجوز على مساحة 625 ميلاً مربعاً، وتضم 33 مجلساً بلدياً منتخباً، وفيها خمسة مطارات وسبعة خطوط للسكك الحديد وشبكة ضخمة من قطارات الأنفاق تتألف من 13 خطاً. وقد بُني أوّل خط للسكك الحديد بين لندن وبرمنغهام عام 1833 لتسهيل انتقال السلع، بعدما كاد نهر التايمز يغص بنحو ألف طن من البضائع كانت ترسل أسبوعياً إلى العاصمة. وكانت من نتائج توسع شبكة السكك الحديد أن ارتفع عدد سكان المدينة بين عامي 1841 و1861 بنحو 800 ألف نسمة إلى 8،2 مليون.
ولو كانت لندن بلداً، فإنّ عدد سكانها وحجم اقتصادها كانا سيجعلانها سادس أكبر دولة أوروبية. ويشهد عدد سكان المدينة تراجعاً كبيراً في نهاية الأسبوع، مع بقاء نحو مليون موظف ممّن يسكنون خارجها في منازلهم، فيما يغادرها عشرات آلاف اللندنيين إلى الأرياف أو دول أوروبية مجاورة سعياً وراء الشمس.
وتعتبر السياحة أحد أكبر ثلاثة قطاعات يقوم عليها اقتصاد المدينة، وهي تشهد تدفق السياح عليها على مدار السنة، إلاّ أنّ عدد هؤلاء يصل إلى معدلات قياسية خلال أشهر الصيف.يرطن سكان لندن بنحو 200 لغة، إذ أنّ 30 في المئة في سكانها هم من المولودين في بلدان أخرى، ما يعطيها نكهة تميزها عن بقية مدن العالم، ويجعلها أحد أكثر الأمكنة تعدداً وتمازجاً ثقافياً وحضارياً. كما أنّها بين أكثر المدن اخضراراً، إذ تضم 1700 حديقة عامة، من بينها تلك المحيطة بالقصور الملكية والتي تمّ اغتصابها من الكنيسة في عهد هنري الثامن إبان حكم الأسرة التيودورية (1485ـ1603). وتتكامل الحدائق والمساحات المفتوحة بشكل كبير مع حياة اللندنيين، إذ أنّها تشكّل ملاذاً لهم بعيداً عن ضوضاء المدينة وصخب الحياة اليومية فيها.
وعلى رغم الإيقاع السريع لحياة المدن، تبقى لندن تمتلك مميزات قلّما توجد في أماكن أخرى، ويتجاور فيها الماضي والحاضر من دون تنافر: ففيها لا يزال في إمكان السائح الاستمتاع بمراسم تغيير الحرس الملكي في قصر باكنغهام وما يحيط بها من بهرجة وأبهة، وفي شوارعها تسير أحدث السيارات جنباً إلى جنب «الباصات» الحمراء و«التاكسيات» السوداء التقليدية، وفي أرجائها تنتشر الأسواق التجارية الحديثة التي تضم أحدث بيوتات الأزياء غير بعيد من الأسواق الشعبية الرخيصة.
نهر التايمز شريان الحياة التاريخي للعاصمة البريطانية
(Buckingham Palace) قصر باكنغهام
المقر الرسمي لملوك وملكات بريطانيا منذ تربّع الملكة فيكتوريا على العرش عام 1837. بناء دوق باكنغهام ونورماندي على الطراز النيو ـ كلاسيكي عام 1703، وأُعجب به الملك جورج الثالث كثيراً فقرر شراءه. يتألف من 600 غرفة، وتحيط به 20 هكتاراً من الحدائق الخلابة، وأدخلت عليه تجديدات عامي 1825 و1913. وكان قوس نصر رخامي يشكل المدخل الرئيسي للقصر حتّى عام 1851 عندما تمّ نقل القوس إلى شمال غربي حديقة الهايدبارك في المكان الذي يعرف اليوم باسم «ماربل آرش».
يفتح القصر بعض أحنجته أمام الجمهور بين السادس من آب (أغسطس) والرابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) من كلّ عام. أمّا صالة العرض الملكية والإسطلبات الملكية، فمفتوحة أمام الجمهور على مدار السنة، حيث تمكن مشاهدة المجموعة الفنية الملكية التي تتضمن لوحات لأشهر الرسامين العالميين والخيول والعربات الملكية، وأشهرها العربة الذهبية التي استخدمت في احتفالات التنصيب الملكية منذ عهد جور الرابع عام 1762.
وفي إمكان الزوار مشاهدة مراسم تغيير الحرس الملكي التقليدية، يومياً، بين شهري نيسان (أبريل) وايلول (سبتمبر) من كل عام.
(Piccadilly Circus) ساحة البيكاديللي
من المعالم الرئيسية في العاصمة البريطانية، وبين أكثر الميادين ازدحاماً في العالم، تتوسط قلب الحياة الليلية في لندن، إذ أنها على مسافة خطوات من أبرز مسارح المدينة ودورها السينمائية ومرابعها الليلية. وتتوسط الساحة نافورة من البرونز تعود إلى القرن التاسع عشر، يعلوها تمثال يمثل رمز الحب «إيروس». أما اسم الساحة فيعود إلى القرن السابع عشر، وينسب إلى خياط نسائي كان يقيم في المنطقة، عمل على تصميم ياقة من «الكشكش» لفساتينه عرفت باسم «بيكاديل».
(London Eye) دولاب لندن
يوفّر الدولاب، وهو الأطول من نوعه في العالم، الفرصة لإلقاء نظرة بانورامية على أرجاء العاصمة. ويرتفع الدولاب، المعروف باسم «عين لندن»، 135 متراً، ما يجعله رابع أطول منشأة في لندن، ويتألف من 32 كبسولة يتّسع كلّ منها لـ25 شخصاً.
وتشكّل لندن بمجملها متحفاً مفتوحاً في الهواء الطلق بآثارها ومبانيها الأثرية والتماثيل والنصب المنتشرة في ميادينها وشوارعها. وافتتان المدينة بتاريخها العريق والتاريخ الإنساني عموماً يتبدّى جلياً في مجموعة واسعة من المتاحف تنتشر في أرجائها وتشكل واحداً من أهم عوامل اجتذا السياح إليها، ويعود إنشاؤها إلى عام 1753 عندما أقرّ البرلمان البريطاني مشروعاً لإنشاء متحف «يحفظ تراث الأمّة».
ولا تقتصر المتاحف على مجموعات من الآثار الجامدة، وإنّما تستغل التكنولوجيا والتقنيات المتقدمة لخدمة زائريها، كما هي الحال في غرفة الزلال في قسم الجيولوجيا في متحف التاريخ الطبيعي التي تتيح للزائرين، عبر استخدام الواقع الافتراضي، فرصة نادرة لاختبار هذه التجربة المخيفة.
وبين أهم المتاحف وأكبر على الإطلاق، المتحف البريطاني الذي يعتبر مبناه واحداً من أبرز المعالم الحضارية في لندن، ويضمّ بين جدرانه مجموعة نادرة من المقتنيات والآثار والتحف تغطي مليوني عام من التاريخ الإسني ويندر وجود مثيلها في العالم.
أسّس المتحف عام 1753 تحت شعار تعزيز التفاهم بين الأمم عبر التعرّف إلى تاريخها وحضاراتها وفنونها.
ودور المتحف في عرض التراث الإنساني، يجعله أحد أبرز مقاصد زوار لندن بما يعزز موقعها الثقافي ويدعم دورتها الاقتصادية، إذ يؤمّه سنوياً أكثر من خمسة ملايين ونصف مليون سائح، وتتوزّع مقتنياته على 10 أقسام هي: تاريخ الشرق الأدنى، العملات والميداليات القديمة، الآثار المصرية، والأثنوغرافيا والأعراق البشرية، الآثار اليونانية والرومانية، الآثار اليابانية، أوروبا العصور الوسطى والعصر الحديث، الآثار الشرقية، اوروبا ما قبل التاريخ، اللوحات والرسوم.
ويشكل جناح الآثار المصرية أحد أبرز أقسام المتحف، إذ يضم بين جنباته أهم مجموعة من الآثار الموجودة خارج مصر، والتي تغطي مختلف أوجه الحضارة المصرية القديمة، منذ عهد الأسرة الفرعونية الأولى (4000 عام قبل الميلاد) وحتى العصر القبطي في بلاد النوبة والسودان في القرن الثاني عشر.
وإلى المتحف البريطاني، هناك عشرات المتاحف المتخصصة والمنتشرة في ارجاء العاصمة البريطانية، نذكر منها:
متحف التاريخ الطبيعي
يروي المتحف تاريخ التطور البيولوجي للإنسان وعلاقته بالكائنات الحية وأصل الجنس البشري وتطوره وأعراقه وعاداته ومعتقداته. بُني عام 1881 ويتضمن أجنحة متعددة تغطي حياة عدد هائل من المخلوقات عبر العصور، من بينها جناح مخصص للديناصورات يضم هياكل عظمية بالحجم الطبيعي لهذه المخلوقات المنقرضة وديناصورات آلية. وإضافة إلى غرفة الزلازل حيث يمكن للزائر أن يشهد «وقوع» زلزال حقيقي، يمكنه أيضاً أن «يمشي» تحت بركان متفجر، وأن «يشهد» بأم عينيه حركة دوران الأرض حول نفسها.
متحف لندن
بُني هذا المتحف في موقع روماني، ويتيح لزواره، باستخدام أحدث تقنيات الكومبيوتر، إلقاء نظرة على أساليب حياة الإنسان الأول الذي سكن هذه المدينة، وطرق عيـشه ومراحل تطوره وتقدمه حتى يومنا هذا.
المتحف البحري
مخصّص لحياة البحر والبحارة، ويضم بين جنباته نماذج بالحجم الطبيعي للسفن التي كانت تستخدم في القرن الثامن عشر، ومعرض بورتريهات للبحارة والمكتشفين الأوائل. ويضم المتحف أيضاً قسماً خاصاً يتيح للزوار تجربة التحكم في قيادة فرقاطة حربية حديثة من تلك التي تستخدمها البحرية الملكية.
المتحف العلمي
يؤرخ المتحف العلمي لتاريخ العلوم والمكتشفات منذ بدايات الثورة الصناعية واكتشاف الآلة وصولاً إلى أحدث تقنيات القرن العشرين والألفية الثالثة، من بينها قمرة مماثلة لتلك التي كانت تتحكم في مركبة «أبوللو 10»، ومنصة إطلاق مركبات فضائية ومختبر طيران.
وتضم العاصمة الإنكليزية 1700 حديقة عامة ما يجعلها بين أكثر المدن اخضراراً في العالم. وتتولى «هيئة الحدائق الملكية» مهمات الحفاظ على هذه المساحات الخضراء وصيانتها وحمايتها والاهتمام بنظافتها لتبقى واحات راحة وسكينة في قلب العاصمة وعلى جنباتها. وبين أبرز هذه الحدائق: هايدبارك وغرين بارك وريجنتش بارك وريتشموند، وهي ليست حدائق بالمعنى الحرفي للكلمة بل عبارة عن أض شاسعة تتخللها غابات وبحيرات، كان سيجت أصلاً لنزهات ملوك وملكات بريطانيا، وليمارسوا فيها هواية الصيد.
هايد بارك
منذ عام 1536 خصّصت هذه الحديقة المترامية الأطراف لتمارس فيها العائلة الملكية هواية الصيد، وهي تطل على بعض من أفخم وأغلى مناطق العاصمة البريطانية، وتضم ملاعب للأطفال وأخرى لكرة المضرب ومطاعم وأماكن مخصصة لممارسة هواية صيد السمك، وتستضيف صيفاً مهرجانات في الهواء الطلق لبعض أبرز الفرق العالمية. وأهم ما يميز الحديقة بحيرة ضخمة تتلوى بين جنباتها على مساحة 12 هكتاراً، وتختار فوق صفحة مياهها الهادئة صيفاً عشرات القوارب الصغيرة. كما تتميز الحديقة بركنها المشهور «هايدبارك كورنر» الذي أصبح صنواً لحرية الرأي والتعبير، حيث يقف خطيباً في أيام الآحاد حلّ صاحب فكرة، ما يجتذب الآلاف من السياح والمقيمين ويحول المكان أشبه ما يكون ببرج بابل. وفي الحديقة أيضاً أهر مضمار للخيل في العالم احتفل عام 1990 بمئويته الثالثة. وعلى طرفها الغربي قصر «كينسنغتون» المبني عام 1689 والذي كان مقراً لأميرة ويلزم الراحلة ديانا، وأصبح منذ رحيلها مقصداً لآلاف السياح.
سانت جيمس وغرين بارك
تقع هاتان الحديقتان شرق صر باكنغهام، مقر العائلة المالكة البريطانية، واستحدثتا في القرن السادس عشر في عهد الملك هنري الثاممن، وهما تشكلان مسرحاً للاحتفالات الملكية حيث تخترقهما مواكب الحرس الملكي من القصر إلى البرلمان في المناسبات الرسمية التي تستدعي حضور الملكة. وتجسد حدائق سانت جيمس صورة حية للطراز الإنكليزي الكلاسيكي في هندسة المناظر الطبيعية الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر.
ريجنتس بارك
صمّم هذه الحديقة عام 1811 جون ناش، المهندس المعماري الخاص بالعائلة المالكة، بناء على طلب ولي العهد الذي أراد بناء صر له على أعلى تلة (بريمروز هيل) في هذه المنطقة التي تتميز بمنحدراتها الحادة. وتزيد المساحات المفتوحة في الحديقة أمام الجمهور على 6،1 مليون متر مربع، وتضم بحيرة كبيرة وشلالات مياه ومسرحاً مفتوحاً وملاعب رياضية (تنس وكرة قدم وركبي وهوكي) ومضماراً للعدّائين. وتستضيف الحديقة صيفاً، خصوصاً خلال آب (أغسطس) حفلات موسيقية ومسرحيات دمى.
ريتشموند بارك
تبلغ مساحة هذه الحديثة نحو عشرة ملايين متر مربع، وقد سيّت عام 1637 في عهد الملك تشارلز الأول ليمارس فيها هوايته المحببة في صيد الغزلان. ولا تزال الحديقة تحتفظ حتّى اليوم بكثير من خصائص العصور الوسطى بأشجارها المعمرة وغاباتها الكثيفة وعشرات المستنقعات التي تتخللها، فيما لا تزال قطعان كبيرة من الغزلان تسرح طليقة في أرجائها.
غرينيتش بارك
تقع على مساحة 780 ألف متر مربع، وهي أوّل حديقة ملكية تمّ تسييجها عام 1433، وتعتبر محمية طبيعية تتضمن أنواعاً نادرة من الغزلان، كما تضمّ المرصد الفلكي الملكي، إضافة إلى ملاعب رياضية ومسارح للأطفال ومطاعم ومرافق ترفيهية.
الأنموذجة الإبراهيمية
لإبراهيم الهمذاني
إبراهيمُ الهَمَذانيّ هو الشهير بقاضي زاده، تولى والده في عهد الشاه طهماسب الصفوي منصب القضاء بهمدان، فعرف بقاضي زاده.
والأنموذجة الإبراهيمية، هي تعليقات على إلهيات الشفاء والنجاة. ألّف في 1007هـ، لا تزال مخطوطة منه موجودة في مجلس الشورى الإيراني، وله أيضاً حاشية شرح التجريد، توجد نسخة منه في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) بمشهد، ورسالة في توجيه كلام الشيخ في «أنّ الواحد لا يصدر عنه إلاّ الواحد»، وهي في تفسير كلام ابن سينا، في الردّ على بهمنيار حول القاعدة المذكورة، توجد نسخ منها في مختلف المكتبات.
الأنصار التفسيرية
للشيخ الأنصاري
تأليف: صاحب علي المحبّي.
كتاب يشتمل على المباحث الفقهية القرآنية والآراء والبحوث التفسيرية لأستاذ الفقهاء الشيخ مرتضى الأنصاري (1214ـ1281هـ)، المبثوثة في ثنايا كتبه ورسائله الفقهية والأصولية، وهي ما بين تفسير واستشهاد واستدلال، جُمعت بعد استلالها واستخراجها من مؤلفات الشيخ (قدّس الله سرّه).
أهَرْ
ـ1ـ
هي إحدى مدن مقاطعة آذربيجان الشرقية، وتقع إلى الشمال الشرقي من محافظة تبريز. وقد كانت محلاً شهد الكثير من الحوادث والوقائع، وبنيت في أطرافها الدور والعمارات لسنوات عديدة قبل ظهور الإسلام، وفيها آثار تعود إلى الفترة الساسانية. وفي القرون الأولى من العهد الإسلامي كانت «أهر» تعدّ مركزاً لـ (محال ميمد). أمّا في القرنين السادس والسابع الهجريين فكانت إحدى توابع «وراوي» و«مشگين». ثمّ بمرور الزمن توسعت وأصبحت مركز قضاء مستقل.
وضمن النصف الأوّل من القرن السابع الهجري، ذكر الجغرافي العربي ياقوت الحموي هذه المدينة، ووصفها بالعمران وكثرة الخيرات ووفرة النعم، فقال:
مع الشيخ عيسى الأهري
(تقع بين أردبيل وتبريز، ويدعى أميرها بـ «ابن بيشكين» ويعود نسبه إلى الگرجيين)، وبعد ذلك يشير إلى أنّ جمعاً من الفقهاء والمحدثين قد خرجوا فيها. ويذكر كذلك حمد الله المستوفي وآخرون من المؤرخين والجغرافيين معلومات مقاربة لما ذكره الحموي.
وهي اليوم مدينة يبلغ عدد سكانها 958،36 حسب إحصائية عام 1981م، وهي مركز قضاء أهر.
تقع مدينة أهر على خط طول 47° و3° شرقاً وخط عرض 38° و28° شمالاً، على ارتفاع 341،1م م عن مستوى سطح البحر، وهي تبعد عن تبريز بفاصلة 120 كلم إلى الشمال الشرقي منها.
تعتبر أهر بمساحتها البالغة 19512 كلم مربع أوسع الأقضية التابعة لمحافظة آذربيجان الشرقية، حيث تصل من جهة الشمال إلى نهر أرس ومن الشرق إلى مشگين شهر ومن الجنوب إلى تبريز ومن الغرب إلى مرند.
وأهر منطقة جبلية بها الجبال من كلّ جهة، ومناخها حار إلى الشمال من ناحية أرسباران وبارد إلى النوب من هذه الناحية ومعتدل في الأجزاء الوسطى والغربية منها، وتغطى أغلب وديانها ومرتفعاتها بالغابات والأعشاب.
يمتدّ تاريخ هذه الناحية إلى ماضٍ بعيد، ففي أوائل القرن الثالث الهجري كانت مركزاً لمقاومة بابك الخرمي. وحتّى قبيل مجيء السلاجقة كانت تنتقل من يد إلى أخرى بين القبائل الصغيرة في شمال إيران وفي زمن المغول كانت مصيفاً للأمراء الإيلخانيين. وقد كان أهلها يتبعون المذهب الشافعي في القرن الثامن الهجري ولكن مع مجيء الصفويين وقربها من أردبيل، أخذ أهلها يتحوّلون بسرعة عن مذهبهم إلى المذهب الشيعي.
كانت أهر خلال الحرب الروسية الإيرانية مركزاً لقيادة ولي العهد الإيراني عباس ميرزا، وفي ثورة المشروطة كانت مركزاً لنشاط أحد ألدّ أعداء هذه الثورة وهو رحيم خان جلبياتلو.
عيّنت أهر في التقسيمات الإدارية لعام 1937م كناحية تابعة لمدينة تبريز، ثمّ فصلت عنها في عام 1944م وأصبحت قضاء مستقلاً.
تشتمل أهر في الوقت الحاضر على خمس نواحٍ هي: كليبر، ورزقان، هولاند، خد آفرين والناحية المركزية وسبع عشرة ناحية ريفية وما يقارب تسعمائة وخمسين قرية.
يشتغل أغلب أهلها بالزراعة وتربية المواشي، ومن أهم محصولاتها الزراعية: القمح والأرز والبطاطا والحبوب إضافة إلى العسل والمنتوجات الحيوانية.
تحتوي أهر على أبنية تاريخية منها قلعة بابك في منطقة كليبر والمسجد والجامع.
أهَرْ
ـ2ـ
أَهَر: بفتح الهمزة والهاء كما يلفظها أهلها اليوم، ولكن جاء في القاموس المحيط أنّها بسكون الهاء.
تقع بين مدينتي أردبيل وتبريز يحكمها حاكم إداري ممّن يعرفون في الاصطلاح الإداري الإيراني بلقب (فرماندار) وهو ما يعادل في الاصطلاحات اللبنانية والسورية والعراقية لقب (قائمقام)، وتتبع تبريز، يجري قريباً منها نهر (أهرجاني) فيروي بساتينها الكثيرة التي تنبت التفاح والكمثري والمشمش والجوز وهو ما يصدَّر إلى تبريز وطهران، ونهرها هذا يصب في نهر أرس الذي يصب في بحر الخزر، كما أنّ فيها زراعة القمح والشعير وأنواع الخضروات. وفيها مصانع للسجاد.
ولغة أهلها ـ ككل أهل آذربيجان ـ هي اللغة التركية مع الفارسية. خرج منها من العلماء في هذا العصر كلّ من الشيخ أحمد النجفي الأهري والشيخ حسين النجفي الأهري والشيخ جعفر الاجتهادي والشيخ أحمد الاجتهادي والسيد جعفر بني هاشم والشيخ موسى الجنابي والشيخ عبدالله الكشايشي والشيخ حسن طوطي والشيخ عبد الغني الأهري والشيخ محمد إبراهيم إمام الجمعة والسيد حسين المحمد والسيد صادق المحمد.
ومن العلماء المعاصرين الأحياء الشيخ حسين برقي والشيخ عبد العلي الآخوندي والشيخ محرّم الفرقاني والشيخ علي عزيز زاده والشيخ محمد حسين محفق والشيخ أبو طالب صدرائي والشيخ نصير زاده والشيخ صادق صادقي والشيخ أحمد الأهري والشيخ يد الله دهقان والشيخ اسم علي الرضائي.
ومن أبرز من خرج منها في القديم ياقوت الأهري. ومن شعرائها الماضي الشيخ حسن طوطي المتقدم ذكره وله ديوان شعر مطبوع اسمه (سبيكة المعاني) فيه شعر عربي وفارسي.
وفي أهر مقام قبر الصوفي الشهير الشيخ شهاب الدين الأهري وهو أستاذ الشيخ صفي الدين الأردبيلي جد الملوك الصفويين. وقد زار هذا المقام الشيخ البهائي سنة 1017هـ وكتب جملة تشير إلى زيارته وعلو مقام صاحب القبر لا تزال منقوشة في الحجر واضحة.
من علماء وخطباء أهر البارزين: الشيخ عيسى الأهري وهو اليوم يسكن طهران، وفي منزله تقام الاحتفالات السنوية بذكريات مواليد أهل البيت ووفياتهم. وقد حضرت بنفسي أحد هذه الاحتفالات في 20 جمادى الثانية سنة 1412هـ (27 كانون الأوّل سنة 1991م) وهو يوم ميلاد السيدة الزهراء (عليها السلام) فازدحم المنزل بالآذربيجانيين من مختلف الطبقات وتوالى المتكلمون على المنبر شعراً ونثراً. ثمّ أيمت للجميع مأدبة سخية. وكان في الجانب الآخر من المنزل جمهرة من النساء المدعوات كان الخطباء يذهبون إليهن للخطابة والإنشاد.
وقد التقت في هذا الحفل اللغات الثلاث: العربية والفارسية والتركية، فبعض القصائد الشعرية وفيها المراثي كانت تلقى بالعربية ومنها ما يلقى بالفارسية. أمّا الخطب فكان أكثرها يلقى بالتركية لغة الآذربيجانيين الشعبية.
وحضور اللغة العربية هنا، مع أنّ لا عربي غيري في ذلك المجتمع، هو لأنّ الحضور الكثير للفقهاء وكلّهم يفهم العربية وينفعل بمدائحها ومراثيها الشعرية حافز لإنشاد الشعر بالعربية. هذا هو تفسيري لإنشاد الشعر العربي في ملتقى تركيز اللغة فارسيها.
وفي منزل الشيخ عيسى عرفت نخبة من أهل العلم والفضل والفكر الآذربيجانيين، هم السيد أبو القاسم ياسيني والشيخ محمود وحدت والشيخ محمد الجليلي والشيخ عبد الرحمن الواثقي والسيد أبو الفضل اليعقوبي ومعهم السيد إبراهيم العلوي والشيخ أبو ذر بيدار اللذين كنت عرفتهما من قبل. فكان لنا من هذه العصبة الكريمة شبه ندوة يومية توالت على موائدهم السخية في منازلهم كانت تحتفل بشتى البحوث والأفكار والتوجهات التي تدل على ما تحلوا به من تفكير سليم وثقافة ناضجة واتجاه مستقيم.
وكل الحوارات والأحاديث كانت تجري باللغة العربية الفصحى.
وفي أهر مزار الشيخ شهاب الدين الأهري الذي تحدث عنه عبد العلي كارنك بما يلي:
يقع على بقعة من الأرض تبلغ مساحتها 1476 متراً مربعاً، إذ يبلغ طول هذه البقعة وعرضها 41 في 36 متراً. في القسم الشمالي من البقعة يقع مسجد أو «خانقاه»([606]) كبير، تتكوّن عمارته الخارجية من إيوان كبير، ومنارتين مرتفعتين، وإيوانين صغيرين متوازيين يشكلان طبقتين.
ويمتدّ طاق صغير إلى جانب الإيوان الشرقي وحتّى آخر البناء. كلتا المنارتين في قسميهما السفليين على شكل نصف أسطوانة، ولكنّ قبتيهما لم يكتمل بناؤهما، ويبدو أنّه لم يوفق مشيّدو البناء من إتمام هاتين المنارتين. وقد كسيت المنارتان بكاشي أزرق فاتح، ذي لون زاهٍ. ويبلغ ارتفاع كلّ منارة بالإضافة إلى ا لطاق 18 متراً، أمّا تمام محيط قاعدة كلّ منارة فيبلغ 12،5 متراً، فيما يبلغ طول الإيوان 12 متراً.
وفي مدخل صحن المزار هناك طاق مكوَّن من إحدى عشرة قطعة من الحجر الأزرق، ارتفاع الواحدة منها 25،2 متراً، والعرض 45،1 متراً. وعلى ناحية (جبهة) هذا الطاق توجد قطعتان صخريتان رائعتا الجمال نشت عليهما عبارات بالخط الثلث. على الكتابة الفوقية حفرت عبارة الصلوات على النبي وآله على سطرين، مع ذكر أسمائهم وألقابهم كاملة ـ المقصود: المقعصومون الأربعة عشر.
وعلى الكتابة السفلية نقشت بصورة بارزة عبارة «سلطان العارفين، قطب السالكين، شيخ المحققين، السلطان شهاب الدين أهري، قدّس روحه العزيز».
وإلى الأسفل منها يوجد طاق حجري هو مدخل على كلّ من مصراعيه توجد نجمة ثماية الأضلاع في وسطها زهرة ذات ستة أوراق. وسلّم الطاق مصنوع من الحجارة الصفوية العادية، وينتهي إلى نصف أسطوانة صغيرة، وفي وسط الطاق توجد صخرة صغيرة تفضي إلى الصحن.
طول الصحن 24 متراً، وعرضه 17 متراً، وفي وسطه قبّة، هي عبارة عن أربعة جدران صخرية متشابكة، بارتفاع متر ونصف المتر، وحجارتها من النوع البديع الراقي، ويبلغ طول هذه الجدران الأربعة 15 متراً، أمّا عرضها في 8 أمتار. وتعتبر هذه القبة الرائعة من بدائع الفن المعماري الإيراني.
مدخل هذه الجدران الأربع من جهة الشرق عبارة عن طاق ارتفاعه 30،2 متراً، على حافته الشمالية كتب بخط كوفي متقن لفظ الجلالة، واسما محمد وعلي (صلّى الله عليهما وآلهما وسلّم).
وفي داخل الجدران الأربعة وعلى مقربة من الجدار الشمالي توجد صخرة سوداء بطول 196 سنتيمتراً، وارتفاع 35 سنتيمتراً، كتب عليها: «قبر قطب السالكين، شهاب الدين محمود عتيقي أهري».
والشيخ شهاب الدين محمود، هو أحد أحفاد الشيخ شهاب الدين السهروردي، وهو أحد العارفين والمحققين الكبار، قضى طفولته وصباه في تبريز وسجاس (سجاس مدينة كانت بين همذان وأهر)، وعندما استقرّ في أهر أنشأ (خانقاه)، وكان يعلّم الطريقة الصوفية لمريديه، ولا يُعْلم تاريخاً ولادته ووفاته.
وقد كان من مريديه: السيد جمال الدين التبريزي، مرشد الشيخ زاهد الكيلاني، ولهذا فإنّ الشيخ صفي الدين إسحاق، والأسرة الصفوية كانت كذلك تريد الشيخ محمود. ومن هنا كان تشييد الشاه عباس الكبير لهذا المزار المجلّل.
وفي خارج الجدران الأربعة المشبكة، أي: في صحن المزار توجد بضعة أحجار من المرمر تدلّ على قبور تعود إلى الفترة الصفوية.
في الجهة الجنوبية من الصحن، يوجد بناء ذو طابقين، يشتمل كلّ طابق منهما على أربع غرف، كان الزوار والصوفيون يستفيدون منها للإقامة فيها.
وفي الجهة الشمالية من الصحن، توجد قاعة كبيرة طولها 5،11 متراً، وعرضها 10 أمتار، وعليها قبّة، يبلغ ارتفاعها 18 متراً، ويُقال: إنّ هذه القاعة كانت مسجداً كبيراً. إنّ هذه القبة كبيرة ومرتفعة، إلاّ أنّ محراباً أو علامة دالة عليه لا وجود لها في هذه القاعة ليستدلّ منها على كونها مسجداً. وعلى هذا فلا شك بأنّها كانت عبارة عن خاناه كبير للصوفية.
على جانبي هذا الخانقاه (الشرقي والغربي) يوجد باب ينفتح على غرفتين مسقوفتين بالآجر. وفي الجهة الشرقية من الخانقاه يوجد مطبخ، ويتصل بالجدار الجنوبي للخانقاه حيث يوجد مخزون للزجاجيات والأواني، وهناك يوجد مسجد صغير منوش قد زينت كلّ أجزائه بالزخارف والآجر الفني، بما يشابه طراز تزيينات مختلف الغرف في مزار الشيخ أمين الدين جبرائيل. ولا يبعد أن يكون القائم بالتزيينات شخص واحد أو مجموعة واحدة من الفنانين المعماريي، حيث أنّ كلا المزارين؛ (مزار الشيخ محمود الأهري، ومزار الشيخ أمين الدين جبرائيل) كانا قد شيدا في وقت متارب، وبأمر الشاه عباس الكبير.
في هذا المسجد الصغير، وإلى الشرق من جدجاره الجنوبي يوجد إطار صغير، مستطيل الشكل، مصنوع من الآجر، يبلغ ارتفاعه 5،1 متراً، وطوله 28 سنتيمتراً، وعرضه 24 سنتيمتراً، وفي وسطه كتب بخط يد الشيخ بهاء الدين العاملي. هذه العبارة التي مضمونها:
«في العشرة الأخيرة من شهر شعبان المعظم عام 1018 هجري تشرفت بزيارة هذا المزار الفائض بالأنوار، وتفاءلت بنسخة من الكتاب المجيد، موقوفة في هذا المزار، لمعرفة مرتبة ومقام ومكانة الشيخ شهاب الدين (عليه التحية والرضوان) عند الله سبحانه وتعالى، فخرجت هذه الآية الكريمة في الفأل: {يُبِشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ}.
على نفس هذا الجدار توجد أربعة أطر أخرى مشيدة بالآجر، ولم يكتب عليها شيء، أمّا فوق المحراب فقد كتب بالخطّ الثلث الحديث الشريف: «أفضل الأعمال، الصلاة، وقراءة القرآن».
وعلى الجدار الشمالي للمسجد كتب: «من عظام توفيقات الله سبحانه، أنّه وفق الأمير الكبير، مصطفى قليخان، لتعمير هذه البقعة الشريفة، في سنة تسع وثمانين بعد المائة والألف»، وهذه العبارة مكتوبة بالخط الثلث، ومنها تستفاد قرينة بناء المحراب بل وهذه البقعة أيضاً في عام 1189 هجري، وبأمر من شخص يدعى مصطفى قليخان حيث كان أميراً لهذه المنطقة.
إنّ لمزار الشيخ شهاب الدين محمود الأهري ارتباطاً عميقاً بتاريخ مدينة أهر، وقد كان الملوك والأمراء والوزراء يقصدونها لغرض زيارة هذا المزار، ولذلك كانت المدينة محطّ اعتنائهم، ممّا كان له أكبر الأثر على الحياة الاجتماعية والاتصادية لأهالي «أهر»».
أهل البصائر
تعبير إسلامي يعود إلى صدر الإسلام، يعني به المؤمنون الواعون الّذين يتّخذون مواقفهم السّياسيّة وغيرها نتيجة لقناعاتمستوحاة من المبدأ الإسلامي، ولا تتّصل بالاعتبارات النفعيّة.
ومن المؤكّد أنّ هذا التعبير غدا في وقت مبكِّر جدّاً مصطلحاً ثقافيّاً إسلاميّاً يعني: الفئة المؤمنة الواعية للإسلام على الوجه الصحيح، والملتزمة بالإسلام في حياتها بشكل دقيق، بحيث إنّها تَتَّخذ مواقف مبدئيّة من المشاكل الاجتماعيّة والسّياسيّة الّتي تواجهها في الحياة والمجتمع، فلا تصغي إلى الاعتبارات الشخصيّة والقَبَلِيَّة، كما إنّها لا تقف على الحياد أمام هذه المشكلات، وإنّما تعبّر عن التزامها النظري بالممارسة اليوميّة للنضال ضدّ الانحرافات.
الأهوار
ـ1ـ
خول مدينة القرنة العراقية تمتد منطقة تكاد تكون مجهولة لم تطأها سوى أقدام قليلة غريبية…
إنّها منطقة «الأهوار»، أو منطقة المستنقعات القائمة الدائمة في جنوب العراق…
إنّك إذا بحثت عن موع هذه المستنقعات على الخرائط، فسوف تراها في أماكن مختلفة تختلف باختلاف الخريطة… وهذا الاختلاف يدل دلالة واضحة على مدى العناصر الطبيعية المتغيرة في تلك البقعة، تلك التي تزيد مساحتها عن ضعف مساحة لبنان.
إنّ دجلة والفرات نهران مختلفان كلّ الاختلاف، وما يحدث لأحدهما لا يتحتم حدوثه للآخر، فمرّة يأتي فيضان دجلة عالياً، بينما يكون فيضان الفرات شحيحاً واطئاً…! ويختلفان حتّى في الطول، فدجلة لا يتعدّى طوله 1718 كيلومتراً، منها 1418 كيلومتراً تسير في أراضي العراق والباقي في تركيا… بينما يصل طولالفرات إلى 2330 كيلومتراً، منها 1200 تسير في أرض العراق و675 في سوريا و455 كيلومتراً في تركيا.
إنّ منطقة العمارة، حيث ينساب نهر دجلة، أخطر المناطق التي يمر بها هذا النهر الكبير، لانحراف مجراه بغتة ناحية الشرق إذ يخرج من جنبه الأيمن خط عريض من الماء يعرف «بالمصندق»… ولكن النهر الكبير لا يأبه لما أصابه، بل يتابع رحلته صوب النوب وكأنّ شيئاً لم يكن… وما يكاد يجري بضعة كيلومترات حتّى يصاب بكسر آخر جسيم في جنبه الأيمن أيضاً، يفقد فيه أكثر من نصف مياهه، ويسمّى مجرى هذا النهر الجديد نهر البتيرة.
وتتوالى المتاعب على النهر الكبير في رحلته، فلا يكاد يصل إلى مدينة العمارة حتّى يخرج من جنبه الأيسر فرعان كبيران هما نهر المشرح والكحلاء… ويخال النهر الجريح أنّها نهاية آلامه، ولكنّه ما يكاد يسير 25 كيلومتراً أخرى حتّى يعود فينزف مياهاً غزيرة من جنبه الأيمن، من جراء جرحين جديدين أصاباه هما نهر المجر الكبير ونهر المجر الصغير.
بعد ذلك تندفع البقية الباقية من مياه دجلة شحيحة قليلة، لولا معونة غير منتظرة تجيئه من جنبه الأيسر… إنّها مياهه التي كان فقدها في المشرح والكحلاء تعود إليه مرّة ثانية عند «الكسارة» بعد أن قطع 100 كيلومتراً تقريباً بدونها.
ويلتقط دجلة أنفاسه ثانية ويسير متهادياً حتّى يصل إلى القرنة، وعندها تعود إليه كمية كبيرة من مياهه التي كان فقدها من جنبه الأيمن خلال رحلته الطويلة…
وقبل مدينة البصرة بـ 25 كيلومتراً. تنضم إلى هذا المجرى مياه الفرات، التي انتقل لقاؤها التقليدي مع مياه دجلة من منطقة القرنة إلى منطقة كرمة علي…
وتشتد الحماسة بالمياه المتجمعة، وفي فورة حماستها هذه تندفع بحركة هستيرية محمومة صوب الجنوب، لتصطدم بمياه الخليج المالحة التي تقضي عليها قضاءً مبرماً!!
وهنا ترتفع علامة استفهام لتقول: وما دخل جروح دجلة بموضوعنا عن الأهوار؟
والواقع أنّ هذه الجروح هي سبب الأهوار… لأنّ المياه المتدفقة منها، ومقدارها عشر مليارات من الأمتار المكعبة سنوياً، يضاف إليها مياه فيضان نهر الفرات ـ تضيق بها مجاريها فتيض عنها وتغطي ما يقارب 20 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الواطئة التي يعلوها الماء بارتفاع متر في المتوسط، مع وجود أعماق أكثر غوراً. فهذه هي الأهوار.
ولقد عرف العرب الأوائل هذه المنطقة باسم «البطائح» لأنّ المياه تبطحت فيها، أي سالت واتسعت في الأرض.
وفي داخل هذه البطائح ظهرت حياة غريبة عجيبة تختلف كل الاختلاف عن حياة أهل اليابسة… حياة تحصن أهلها على مرّ العصور بالماء ونبات البردي والقصب العالي، وخرجوا عن طاعة السلاطين والملوك والرؤساء، وعاشوا في عزلة عيشة بدائية مغلقة مجهولة…
واليوم ظهرت في العراق محاولة جدية للخروج بهذه الأهوار من عزلتها وصمتها… فبدأت عمليات الإصلاح تدخل بهدوء من الأطراف إلى الأهوار التي تنساح عبر ثلاثة من محافظات العراق: البصرة، والناصرية، والعمارة.
فمن مدينة الناصرية، بدأت أولى هذه الأعمال، بمد طريق طوله 70 كيلومتراً فوق المياه يربط بين الناصرية وقرية الجبايش في قلب الأهوار…
ومن مدينة العمارة مدوا عدّة طرق شرقاً وغرباً فوق المياه أوصلت المدينة بعشرات القرى.
ومن القرنة شقوا أوّل طريق مستهدفين الجبايش، ليربطوا الناصرية بالبصرة عبر الأهوار.
وإذا قمت بجولة طويلة وسط العديد من قرى الأهوار فستركب خلالها السيارات على الطرق الجديدة، وتتربع داخل «الطرادة» تنساب على صفحة الماء عبر طرق مائية تحف بها نباتات هائلة، فالبردي يصل طوله إلى 8 أقدام والبوص يرتفع إلى 20 قدماً.
وعند الفجر تبدأ ألوف الطيور الهاربة من برد سيبيريا وآسيا إلى دفء الأهوار تنشر أجنحتها وتطير على مستوى الماء بحثاً عن سمك أو طعام، ولكنّها كثيراً ما تقع في شباك الصائد المكار الذي يطهو الأرز ويقدّمه لها دون شباك لمدّة اسبوع، وعندما تأمن له، يضع شباكه المصنوعة من البوص والبردي ليختلط أمرها على الطيور… وما يكاد الطير يأتي ليأكل كالمعتاد، حتّى يسقط في الشباك فيمسكه الصياد.
وعندما تتجمع لديه كمية من الطيور المذبوحة، تحملها زوجته وتركب «المشحوف» (نوع من القوارب) وتتجه إلى سوق القرنة أو أيّة مدينة أخرى مجاورة، وتجلس مع البائعين والبائعات تبيع زوج البط من نوع الخضيري بـ 400 فلس ودجاج الماي بـ 130 فلساً، والحر (نوع من الطيور) بـ 300 فلس.
وما أن ترتفع الشمس قليلاً إلى كبد السماء حتّى تهز رؤوس سوداء قرونها الرفيعة، وتفتح عيونها الكبيرة بكسل ظاهر، ثمّ تتطلع إلى الأفق، وهي جالسة في مكانها… وفجأة يبدأ كلّ شيء يتحرك… إنّها كتل سوداء ضخمة تزن الواحدة منها قرابة الطن تسير متناثلة يميناً وشمالاً في طريقها إلى الماء…
إنّه الجاموس الأسود الذي يعيش في الأهوار ويعتبر أسعد المخلوقات لأنّه يقضي يومه ساكناً أو نائماً في الماء يأكل ما يحلو له من مختلف أصناف الأعشاب والنباتات الخضراء التي يزيد عددها عن الثلاثين… ولكنّه يجد لذّة كبيرة في التهام «الكاط» الأخضر… وهو غير القات المعروف في جنوب الجزيرة العربية.
وكثيراً ما يتقابل الجاموس، عندما يتجه إلى أحراش القصب الأخضر، مع قطعان الخنازير الوحشية التي تنام وسط هذا القصب، فيسير الإثنان جنباً إلى جنب، دون أن يتقاتلا، لأنّ الخنازير لا تؤذي الجاموس، وإنّما تؤذي الإنسان فقط…
وهذه الخنازير الوحشية منتشرة بكثرة وسط الأهوار، لا أحد يصطادها لأنّ لحمها محرم، ولكن كثيراً ما تجذبها أضواء السيارات على الطرق الجديدة، فتهجم عليها بكلّ قوّتها ويصطدم رأسها بهيكل السيارة المعدني، فتموت، وتبقى جثتها على قارعة الطريق، تنهش لحومها الكلاب الشرسة والطيور الجارحة…
وفي موسم زراعة الأرز تتسلل الخنازير والجاموس إلى المزارع فيعبثان بها، ويهرع الفلاح ليطرد الخنازير أو يقتلها إذا توفر السلاح القاتل بيده، لأنّها خطرة للغاية… أمّا الجاموس فلا يملك صاحب الأرض إلاّ أن يحتج وينذر صاحب القطيع… وما هي إلاّ بضعة أيام حتّى ينسى الجاموس احتجاج صاحب حقل الأرز ويتوغل ثانية في الحقل فيأكل شجيراته ويتمرغ على أرضه فيدمر ويخرب… ولكنّ÷ في هذه المرّة يدفع ثمن عبثه غالباً، فصاحب الأرض قعد له بالمرصاد، يسرع إليه والشر يتطاير من عينيه وبيده آلة حادة يقطع بها ذيل أوّل جاموسة تصادفه… وتندفع المسكينة تئن وتخور من فرط الألم!!
ولا لوم أو عتاب على صاحب الأرض، لأنّه سبق وأنذر صاحب الجاموس!
ومع هذا فالجاموس في حياة أهل الأهوار عنصر من عناصر الحياة هام: إنّهم يشربون ألبانه ويستخرجون منها الزبد والجبن، ويجففون روثه ليصنعوا منه وقواداً للنار.
ويطلق أهل الأهوار على الطائفة التي تربي الجاموس اسم المعدان ولكن أهل المدن يطلقون على جميع سكان الأهوار اسم المعدان!!
ومجتمع الأهوار مجتمع قبلي بدائي في مجموعه، ما زال يعتمد على نظام العشيرة، والحمولة، والطبقية في وجوده… بالرغم من قوانين تفضي بإلغائها وإلغاء نظام مشيخة القبائل.
والجمع بين أربع زوجات أمر عادي بل هو المألوف في معظم الأحيان… أمّا الزواج من ابنة العم فأمر حتمي لا مناص منه… وليس في الأهوار أزمة زواج وخاصّ في المناطق النائية، فمثلاً في قرية أم الشويج لا تجد شاباً واحداً جاوز الخامسة عشرة دون أن يتزوج!
إنّهم لا يتصورون أن يعيش رجل، أي رجل، بلا زواج، طالما أنّه قادر على كسب عيشه… وهدفهم الأساسي من الرواح هو مضاعفة عدد أفراد الأسرة لمساعدة الوالدين في مراقبة الجاموس، وزراعة الأرز وصيد الأسماك…
المرأة في الأهوار تعمل أكثر من الرجل… ترعى شؤون البيت والأطفال… وتحلب البقر والجاموس… وتخض اللبن لإخراج الزبد… وتجمع الحاصلات… وتحصد الزرع… وترجش قشور الأرز… وتبيع الطيور والأسماك في أسواق المدن… وتسير بالمشحوف لجلب طعام الجاموس… وتعمل على تقشير وتفشيق (شق) ودق ونسج القصب لصنع البواري (الحصر)… إنّ واجباتها عديدة.
والجبايش جمع جبيشة، وهي تحريف كلمة كبيسة وذلك أنّهم يكبسون نبات البردي بعصبه فوق بعضه لتكوين جزيرة صغيرة يقام عليها كوخ من البوص، يسمّونه صريفة، ينام فيها الناس إلى جوار حيواناتهم.
وكانت قرية الجبايش مؤلفة من آلاف من مثل هذه الجزر المتناثرة، لا يمكن الوصول إليها إلاّ بركوب المشحوف، أو البلم، أو الطرادة… وهي ثلاثة أسماء لثلاثة أنواع من المرابك الانسيابية الطويلة المطلية بالقار، والتي اشتهرت بصنعها قرية الهوير بالأهوار.
وجاءت الحكومة في عام 1924م إلى الجبايش لتطويرها… وكم كانت دهشة موظفيها كبيرة عندما لم يعثروا على أرض يبنون عليها مقرها… ومرّت الشهور والأعوام، وتعاقب الحكام، والقائمقام وراء القائمقام. والجبايش على حالها. ومنذ سنوات صدر أمر إداري يحتم على أصحاب «المشاحيف» و«الطرادات»التي تتجه إلى البصرة أن يحملوا معهم في كلّ مرّة يعودون فيها إلى الجبايش رمالاً وأتربة وحجارة من البصرة!!
وبهذه الطريقة الفردية نمت السيطرة على المياه محلياً، فقد استعملت هذه الرمال لتغطية الجداول المائية، فارتبطت «الجبايش» بعضها ببعض، وظهرت لأوّل مرّة في المنطقة طرق يستطاع السير عليها.
وعمدت بلدية الجبايش إلى تجميل هذا الجزء المردوم فجلبت الناقلات وسحبت الطمي من أعماق الفرات ورفعته فوق الأرض المردومة، وجعلت منه طريقاً رئيسياً مزيناً بالأشجار والحدائق.
وبعد مدّ هذا الطريق دخلت الكهرباء فأنارت المنازل والصرائف والمضائف المصابيح بدلاً من إشعال فتائل زجاجات النفط.
ومع الكهرباء دخل الماء العذب إلى 1400 منزل ولمع اسم الجبايش، وألفوا عنها الكتب…
ثمّ جاء مهندسو الشؤون البلدية والقروية من بغداد يرسمون ويخططون لبناء مدينة حديثة في الجبايش… وبعد انتهائهم من التصاميم أرسلوها لبلدية الجبايش للموافقة عليها، حسب القواعدد الحكومية المتبعة هناك…
واجتمع أعضاء المجلس البلدي مع رئيسهم، الذي هو رئيس عشائر بني أسد، حول هذه التصميمات يتدارسونها… وبعد جلسة عاصفة اتجهوا إلى مكتب قائمقام الجبايش ليقولوا له: نحن نرفض هذا المشروع… إنّه يقضي على جمال مدينتنا… إنّنا نعتبر الجبايس بمثابة فينيسيا العراق بقنواتها ومياهها ومشاحيفها… ونريد الإبقاء على طابعنا الفريد هنا، مع العمل على تحسينه وتجميله لنجعل من مدينتنا مشتى عالمياً، وكعبة للسياح ولهواة صيد الطيور والأسماك… أمّا هذا المشروع فهو يقضي على كلّ شيء جميل في مدينتنا.
إنّ عشائر العمارة تختلف كلية عن عشائر الجبايش، لأنّهم من البدو الرحل الذين استقروا بمحاذاة الأهوار منذ 50 عاماً فقط… فتجدهم ما زالوا محتفظين حتّى الآن بعاداتهم وتقاليدهم القبلية البدوية، يركبون الخيل ويرعون الأغنام، بعكس ققبائل الجنوب التي لم تعرف الحصان، لعدم وجود أرض عندهم!
وهذه الاختلافات الكبيرة في العادات والطباع بين سكان الأهوار تختفي تماماً عندما نتحدث عن صحتهم، لأنّ مرضاً واحداً أعظم يجمع بينهم… إنّه البلهارسيا اللعينة التي لم تترك أكثر من خمسة في المائة من الأهالي بعيداً عن شرّها…
إنّ القواع التي تحوي جراثيم هذا المرض الخبيث تتراكم في قاع المستنقعات التي يغوص فيها الأهالي ويغتسلون ويشرون مياهها الملوثة، ومن هنا كان سر انتشار المرض بهذا الشكل الوبائي الذي لا تخف حدّته لأنّ الشخص الذي يشفى منه يعادوه المرض ثانية، لمعاودته النزول في الماء!
وتكافح وزارة الصحة العراقية هذا المرض مكافحة جزئية، أي بين طلبة المدارس فقط.
أمّا بقية الأمراض المتوطنة كالملاريا، فقد كانت منتشرة بشكل وبائي منذ 20 عاماً، إلاّ أنّه بعد إنشاء فرق مكافحها بالمواد المبيدة للحشرات داخل المنازل و«الصرائف» وفحص عينات الدم للبحث عن المرضى هبطت الإصابات هبوطاً ملحوظاً.
ففي لواء العمارة، على سبيل المثال لا الحصر، كان عدد الإصابات 170 إصابة خلال عام 1964م انخفضت إلى 40 إصابة فقط في خلال عام 1956م، وهي نسبة جيدة خاصة إذا علمنا أنّ عدد سكان المنطقة 400 ألف نسمة!
إنّ الأهواز تحتوي على ثروات هائلة بدأت تسلط عليها الأضواء وزارة التخطيط في بغداد لتنظيم استغلالها لمصالح البلاد…
والأهوار على نوعين: موسمية ومستديمة… والموسمية تطلق على المناطق الضحلة، وهذه تستثمر لزراعة الأرز…
أمّا الأهواز المستديمة، فهي المناطق العميقة التي لا يمكن زراعتها بالأرز، ولكنّها مصدر مهم لنمو القصب، وتكاثر الأسماك، ومرعى ممتاز للجاموس الذي يعيش في المنطقة…
إنّ الحديث عن الأهوار حديث طويل، طول نهري دجلة والفرات. متشعب تشعب النهرين وفروعهما. لا يكفيه بحث خاطف، بل يحتاج إلى مجلد كامل… وقد تتسائل أيّها القارىء وأنتم تختتم هذه الجولة السريعة: لماذا لا تجفف هذه الأهوار… ولماذا لا تقفل الفتحات والكسور في النهرين، لتتحوّل مياه الرافدين من مصدر تخريب إلى مصادر خير عميم؟
إنّ مثل هذا العمل يحتاج إلى ألوف الملايين من الدنانير، فضلاً عن ضرورة توفير أسلوب جديد للحياة للأناس عاشوا دائماً وسط الماء بين الجاموس…
أمّا فكرة إغلاق الفتحات والكسور في نهر دجلة، فسوف يتسبب إغلاقها في كوارث أخرى، لأنّ مجرى النهر لا يتسع إلاّ لمرور ألف متر مكعب من الماء في الثاية، بينما دجلة حمل معه 8 آلاف متر مكعب في الثانية فيضانه في عام 1963م.
إنّ السيطرة على المنطقة ومياهها لن تتم إلاّ تدريجياً، بعد أن ينتهي العمل في مشاريع السدود والخزانات الضخمة المزمع إقامتها عند أعلى النهرين، والتي سوف تحجز مليارات الأمتار المكعبة من مياه الفيضان، ممّا سيقلل المياه في مناطق الأهوار ويجعل أقساماً كثيراً منها معرضة للجفاف بصورة تدريجية…
سليم زبال
سكان الأهوار في العراق
وعن سكان الأهوار يتحدث الدكتور شاكر مصطفى سليم:
هناك ثلاثة تعابير تستعمل في معرض الحديث عن سكان الأهوار في جنوب العراق، «سكان الأهوار» و«عرب الأهوار» و«المعدان». وما دام سكان الأهوار ذوي أصل مخلوط، فيبدو أنّ من الأنسب استعمال التعبير العام «سكان الأهوار» ليضم الأصناف الثلاثة. وسأستعمل هذا التعبير قاصداً به كلّ سكان الأهوار في جنوب العراق كما سيعرفون أدناه بغض النظر عن أصلهم أو طراز حياتهم الاقتصادي.
والتعبير الثالث «المعدان» كان ولا يزال يستعمل بكثير من الغموض فسكان المدن في العراق يستعملونه في معانٍ مختلفة، إمّا للتدليل على سكان الأهوار عامة دون تمييز، أو لوصف الشخص المنعوت بهذا التعبير بالغلظة أو عدم الانتظام سواء أكان المنعوت من سكان المدن أو الأهوار أو الأرياف. وكثيراً ما يطلق هذا التعبير في الكتابات الإنكليزية على سكان الأهوار بصورة عامة. وأنا أرى أنّ كلمة «معدان» يجب أن يقصد بها قسم واحد من سكان الأهوار فحسب وهمن رعاة الجاموس الرحل الذين يكونون قسماً صغيراً من سكان الأهوار، وإنّني سأستعمل هذه الكلمة في هذا البحث بهذا المعنى فقط. وسكان الأهوار أنفسهم يستعملون كلمة معدان بهذا المعنى. ولعل من الطريف أن نذكر بهذه المناسبة أنّ سكان الأهوار من غير المعدان يعتبرون نعتهم بهذا الاسم إهانة ما داموا يعتقون أنّ المعدان أقل منهم درجة في سلم الحضارة وأشد سكان الأهوار تأخراً.
الموقع والتوزيع
يقطن سكان الأهوار الأراضي الواطئة في الحوض الجنوبي للنهرين التوأمين دجلة والفرات. وقع مسكنهم بصورة تقريبية في حدود خط مار بالبصرة جنوباً وبالكوت والكفل في الشمال الشرقي والشمال الغربي على التتابع. ويمتد هذا المسكن بين خطي العرض 50ـ32° و50ـ30° شمالاً، من الشمال إلىا لجنوب وبين خطي الطول 50ـ44° و48° شرقاً، من الشرق إلى الغرب. ومن المهم أن نذكر بأنّ هذه المنطقة ليست مسكونة كلّها بسكان الأهوار ولا هي هور متصل. فقسم كبير من سكان هذه المنطقة يتكوّن إمّا من أهل المدن أو من سكان الأرياف القاطنين في عدد كبير جداً من القرى على ضفاف دجلة والفرات وفروعهما أو بدو رحل يرعون إبلهم وأغنامهم في السهول الواقعة بين العمارة والكوت أو في أحد الامتدادين الصحراويين الواعين بين أهوار دجلة ونهر الفرات وبين نهري الغراف والفرات، أو في الصحراء الواقعة غرب نهر الفرات بين الناصرية والحلة.
إنّ حود منطقة الأهوار في العرا هي مدينتي الكوت والكفل في الشمال ومدينة البصرة في الجنوب وفي الشرق الحدود الإيرانية التي تمرّ لمسافة طويلة، خاصة شرق العمارة، في الأهوار ذاتها، وغرباً نهر الفرات بين مدنيتي الحلة وسوق الشيوخ والحافة الجنوبية لهور الحمّار بين سوق الشيوخ والبصرة.
ليس من المستطاع تصنيف سكان الأهوار على أساس لغوي لأنّ لغة بعضهم لا تختلف عن لغة البعض الآخر إلاّ قليلاً. فالجماعات المختلفة من سكان الأهوار يتكلمون كافة لغة واحدة مع اختلافات طفيفة في اللهجة. وتصنيفهم ـ كما يفعل ذلك بعض الباحثين ـ على أساس تقسيمهم إلى بدور ومعدان غير صحيح أيضاً، لأنّ كثيراً من القبائل البدوية التي هاجرت من الجزيرة العربية إلى العرا اتخذت الأهوار ملجأ ورعي الجاموس وسيلة للعيش، فترتب على هذا انقطاع الصلة بينها وبين الحياة البدوية لعدّة مئات من السنسن. ولكن رغم هذا كلّه فإنّ صفات بدوية، طبيعية وحضارية يمكن أن تلاحظ بوضوح في سكان أهوار منطقة الفرات نتيجة الاتصال بالجزيرة والتزاوج. وتكاد هذه الصفات أن تقسم سكان الأهوار، ولو بصورة غير واضحة، إلى مجموعتين، المجموعة الشرقي التي تقطن أهوار دجلة، والمجموعة الغربية التي تقطن أهوار الفرات.
ولذا، فيبدو من الأصلح أن نصنّف سكان الأهوار على أساس اقتصادي بحت. وبهذا المقياس يمكن تسيمهم ثلاثة أقسام: المزارعون وجماعو القصب ورعاة الجاموس، ورغم وجود مجموعات من هذه الأقسام الثلاثة في كلّ منطقة، فإنّ من المستطاع أن نعتبرهم موزعين بصورة عامة على الوجه التالي:
| القسم | المسكن |
| 1 ـ المزارعون | |
| أ ـ البو محمد | أهوار دجلة من العمارة إلى الكسارة وعلى نهر المجر الكبير. |
| ب ـ آل أزيرج | بين لواءي العمارة والمنتفك في أهوار المجر الصغير. |
| ج ـ السودان | الشمال الشرقي لمدينة العمارة على نهر الكحلاء. |
| د ـ السواعد | هور العظيم. |
| هـ ـ بني لام (جزء من العشيرة) | الشمال والشمال الغربي لمدينة العمارة (وبصورة رئيسية في هور عودة وهو السنية). |
| و ـ خفاجة | الأقسام السفلى لنهر الغراف. |
| ز ـ البوصالح | الأقسام السفلى لنهر الغراف. |
| ح ـ المجرة | منطقة سوق الشيوخ، غرب نهر الفرات والحدود الشمالية للجبايش. |
| ط ـ بني خيكان | منطقة سوق الشيوخ شرقي نهر الفرات. |
| ي ـ الجزائر | منطقتا الجبايش والمدينة. |
| ك ـ بني منصور | منطقة القرنة. |
| ل ـ بني حجام | على الفرات بين الشنافية والدراجي. |
| م ـ خزاعل وجبول وآل فتلة | بين فرعي الفرات الحلة والهندية. |
| 2 ـ جماعو القصب | |
| أ ـ بني أسد | قرية الجبايش والخرفية على بعد بضعة أميال. |
| ب ـ البو محمد | (حمائل البطابطة والنوافل وآل أرذيل والبو غنام والشدة) هور الكسارة. |
| 3 ـ رعاة الجاموس | |
| أ ـ البو محمد
(حمائل بيت نصر الله والبو غنام). |
هور الجزيرة. |
| ب ـ البنده | هور العظيم. |
| ج ـ عكيل | الجدول في الأقسام السفلى من نهر الغراف. |
| د ـ الفرطوس | هور العبد. |
معلومات بشرية
يمكن أن يناهز عدد سكان الأهوار نصف المليون. وأكثر صعوبة من تقدير عدد النفوس العام لسكان الأهوار إعطاء أرقام لعدد الأسام من مزارعين وجماعي قصب ورعاة جاموس كما أنّ مجال الخطأ هنا أوسع. ولكنّني أستطيع أن أقول بشيء من الجزم أنّ المزارعين يكوّنون الأغلبية الساحة وقد يصلون إلى ثلاثمائة وخمسين ألف نسمة وإنّ كلاًّ من جماعي القصب ورعاة الجاموس لا يجاوزون الخمس وعشرين ألف نسمة.
إنّ كثافة السكان في الأهوار غير معروفة ولكن كثافة سكان المحافظات التي تقع فيها منطقة الأهوار وهي البصرة والعمارة والمنتفك والديوانية والحلة والكوت هي كما يأتي([607]):
المحافظة الكثافة بالكيلومتر مربع
البصرة 28،6
العمارة 16،4
المنتفك 26،1
الديوانية 25،7
الحلة 49،5
الكوت 14،0
هناك أربعة أصناف من المساكن في مناطق الأهوار:
1 ـ (السلف) (ويدعى أحياناً وبصورة خاصة في أهوار الفرات النزل)، ويمكن أن تطلق عليه اسم قرية وهو كثير الوجود في المناطق المزدحمة بالسكان ويتكوّن من بيوت([608]) يتراوح عددها بين ائة وثلاثمائة كوخ حسب كثافة السكان والمواقع. ويوجد في السلف عادة مضيف أو أكثر ودكان. والسلف عادة مقسم إلى أسام يقطن كلّ قسم فخذ وتنتشر هذه القرى بين المسالك والترع المائية وبين المزارع.
2 ـ (الايشان) وهو جزيرة في الأهوار العميقة الدائمة([609]) يقطنها عادة إمّا جماعة القصب أو رعاة الجاموس. وفي كلّ من أهواز الحمّار والكسارة والحويزة العميقة الدائمة يوجد عدد من هذه (الاشن)([610]) التي يعتقد أنّها مواقع مدن أثرية قديمة. يتكوّن (الايشان) عادة من عدد من الأكواخ المبنية بشكل بسيط جداً من القصب أو البردي، ويتراوح عددها بين الثلاثين والأبعين في (الاشن) الصغيرة ولكنه قد يصل إلى الخمسمائة كوخ في (الاشن) الكبيرة. ويوجد على الأقل دكان واحد في كل (ايشان) ولكن المضائف قليلة بل نادرة. ويقطن الايشان الواحد عادة، ولكن ليس دائماً، فخذ أو عدد من الأفخاذ، وفي بعض الأحيان مجموعات من (حمائل) مختلفة.
3 ـ (الدبون) في موسع الفيضان يصنع رعاة الجاموس مصاطب عائمة من القصب والبردي والتراب وروث الجاموس، تتسع الواحدة منها لكوخ أو لعدد من الجاموس ويمكن دفعها ونقلها في الماء من مكان لآخر واستعمالها كمسكن موقت، كما يمكن جمع عدد من المصاطب العائمة فتكون في بعض الأحيان قرية صغيرة لها في بعض الحالات دكانها الخاص. وتوجد (الدبون) في هور الحمّار وهور الحويز فقط وفي أعداد محدودة.
4 ـ (جبايش)([611]) تستحدث بعض الجزر أو برفع سطح الواطئة منها خاصة في المناطق الهورية التي يكثر فيها القصب بفرش طبقات من القصب والبردي والتراب في موسم الفيضان لضمان عدم غمر الماء للجزيرة ولإمكان استمرار استعمالها كمسكن في ذلك الموسم. وهذا النوع من المسكن هو طراز السكنى الخاص بقرية الجبايش. فالجبايش قرية سكانها يقربون من أحد عشر ألفنسمة يقطون ما يقرب من ألف وستمائة جزيرة صغيرة وفيها ما يقرب من ستمائة مضيف ومائة دكان ودوائر حكومية تضم مدرسة للبنين ومستوصفاً. وقرية الجبايش هي القرية الوحيدة في أهوار العراق التي يقطن سكانها جبايش مستحدثة من البردي والقصب والتراب.
البيئة الطبيعية
ربما كانت منطقة الأهوار في العراق من أوسع مناطق الأهوار في العالم فتقدر مساحتها مع الامتدادات الصحراوية التي تتخللها بما يساوي عشرين ألف كيلومتر مربع. فمن العمارة وهي المدينة الرئيسية في منطقة أهوار دجلة إلى القرنة يجري نهر دجلة باتجاه جنوبي وإلى شرقه تمتد الأهوار إلى ما وراء الحدود الإيرانية. ويجري الفرات في اتجاه جنوبي من الكفل إلى الناصرية ثمّ باتجاه شرقي إلى القرن وإلى جنوبه بين سوق الشيوخ والبصرة يقع هور الحمّار البالغ طوله السبعين ميلاً تقريباً.
وهناك ثلاث مجموعات من الأهوار في جنوبي العراق. مجموعة أهوار دجلة التي تمتد على وجه التقريب من البصرة إلى الكوت بين دجلة والحدود الإيرانية. وأهم أهوار هذه المجموعة هي أهوار الحويزة والسنية والعظيم وعودة. ومجموعة أهوار الحمّار التي تمتد من كرمة علي التي تقع على بُعد خمسة أميال شمال البصرة، إلى سوق الشيوخ والبوصالح والشطرة حول نهاية نهر الغراف، وأهم أهوار هذه المجموعة هو هور الحمّار. والمجموعة الثالثة هي أهوار الفرات التي تمتد من الخضر إلى الكفل وهي تتألف من عدد من أهوار صغيرة بين فرعي الفرات، الحلة والهندية.
وهناك امتدادان صحراويان يتخللان هذه المجموعات الثلاث من الأهوار، الأوّل يقع بين نهري دجلة والفرات والثاني بين نهري الغراف والفرات.
لقد تكوّنت منطقة الأهوار كلّها فوق سطح البحر القديم من الغرين الذي رسبه النهران التوأمان. ورغم أنّ كافة السهول في هذه المنطقة شديدة الخصب جداً فإنّ الكثير من هذه السهول الغنية لا يمكن زرعه لاحتوائه على مقادير كبيرة من الملوحة. والأرض شديدة الانبساط لا يرى فيها من المرتفعات غير تلال واطئة هنا وهناك يعتقد انّ أغلبها مواقع مدن أثرية قديمة.
ولقد قدر أنّه من شهر آذار إلى تموز حين تعلو المياه في نهري دجلة والفرات يغطي الماء في منطقة الهور مساحة لا تقل عن أربعة آلاف ميل مربع تضم الأهوار العميقة الدائمة وتصل بينها وتحيط بها مسافات من المستنقعات الضحلة المغطاة بنمو كثيف من القصب والبردي. وحين ينحسر الماء في النهرين تتحوّل المستنقعات الضحلة إلى أرض يابسة وأمّا الأهوار العميقة فيقل الماء أو يجف في أقسامها الغور في حين تبقى أقسامها العميقة كبرك وبحيرات دائمة.
وتغطي وجه ماء الأهوار في أغلب أقسامها باستثناء العميقة منها امتدادات واسعة من القصب والبردي. فبين نقطة قرب العمارة وأخرى قرب الحويزة يمتد نمو متصل من القصب والبردي إلى ما يقرب من ثمانين ميلاً.
إنّ عمق الماء في أغلب أجزاء الأهوار يتراوح بين أربعة وخمسة أقدام ولكنّه يكون أكثر عمقاً من مناطق معينة. فلقد سجل في بقعة معينة في هور الحويزة عمق يقرب من عشرين قدماً.
إنّ من المحتمل ألا تتجاوز مساحة الأهوار الدائمة ثلاثة أرباع مساحة الأهوار إبان موسم الفيضان. وتنتجج الأرض الحادة للهور والتي تتعرض للانغمار بالماء كلّ سنة بشكل منتظم أكثر كميات الأرز والذرة التي ينتجها العراق، في حين ينمو البردي على الأقسام التي لا تزرع من هذه الأراضي المحادّة للأهوار. أمّا النبات الآخر الكثير النمو في الهور فهو القصب الذي ينحصر نموّه في الأهوار الدائمة. ويغطي قعر الهور وسطح مائه في كثير من المناطق نمو كثيف من نباتات مائية عائمة.
الأساليب الاقتصادية المختلفة
يمكننا أن نقسم سكان الأهوار باعتبار أساليب حياتهم الاقتصادية إلى رحل وجماعي قصب ومزارعين فالرحل وهم المعدان يتكونون من قسمين، القسم الشرقي الذي يقطن هور الحويزة وهم فصائل من (حمائل) مختلفة من عشيرة البومحمد([612]) تنتقل بين الكسارة والعمارة، والقسم الغربي القاطن في هور الحمّار الذين هم في أغلب الأحوال نواشي وعكيل وسريحات وعمايرة يتنقلون في هور الحمّار بين الجبايش وكرمة علي وسوق الشيوخ. ويجب أن نضيف إلى هذين القسمين عشيرة الفرطوس وهم أصلاً حمولة من حمائل عشيرة البومحمد انفصلت عنها مؤخراً وكوّنت عشيرة مستقلة تنتقل بين هور العبد والجبايش وقد اتخذت في السنين الأخيرة، العويدية والعبد وايشان أبو الصخير مواطن لها.
يعتمد المعدان اقتصادياً على قطعان الاموس التي يملكونها. فالعائلة الثرية تملك اعتيادياً بين سبع جاموسات وعشر والمتوسطة الثراء بين ثللاث وخمس والفقيرة بين ثلاث جاموسات وجاموسة واحدة. وقيمة الجاموس في ألبانه. فهو لا يذبح أو يباع خاصة إذا كان كامل النمو أو منتجاً، ونادراً ما يذبح فحل الجاموس الالغ من العمر سنة واحدة أو ما يقرب منها. ويستهلك قليل من (البياض)([613]) أصحاب الجاموس أنفسهم. فهو عادة يحول إلى زبد أو سمن ويباع إلى دكاكين متنقلة على زوارق تجوب الأهوار، أو يأخذه أصحابه إلى المدن والقرى المجاورة ليباع في أسواقها.
ويبتاع المعدان أغلب طعامهم من أسواق القرى والمدن الواقعة في الأهوار أو على أطرافها. ويحصلون على بعض الحبوب إمّا بمقايضة ألبانهم مع جيرانهم المزارعين أو بالعمل في المزارع القريبة من موسم الحصاد في أجور عينية تدفع حبوباً.
ولا تزاول عوائل المعدان الثرية عملاً غير تربية جاموسها ورعايته. ولا يوجد معضل فيما يتعلق بتوفير العلف للجاموس ما دامت هذه الحيوانات تقتات على القصب الأخضر اليافع والبردي وكلاهما ينبتان في الهور بكثرة. ويشتري المعدان في فصول معينة من السنة حقوق الرعي في الحقول التي تمّ حصاد محاصيلها في المناطق الزراعية المجاورة فيقطعو سيقان المحاصيل، وهي عادة الذرة، ويخزنونها لعلف حيواناتهم في موسم الشتاء. والعائلة التي تملك عشر جاموسات فأكثر، تستطيع أن تدخر مالاً بأن تبيع عدداً من الجاموس الصغار كلّ عام ومن بيع منتجات الألبان، بينما تضطر العائلات الفقيرة أن تدعم دخلها عادة بحياكة الحصر أو بالعمل بأجرة، وهذا مصور على معدان هور الحويزة فقط، أو بالزراعة بين آن وآخر.
فحياكة الحصر تتخذ مورداً اقتصادياً في حالة توفّر القصب في أماكن قريبة. وتباع الحصر إلى وكلاء، أو تجار محليين أو قد تؤخذ في بعض الأحيان مع شيء من القصب غير المحبوك إلى المدن والقرى القريبة. ويعمل عدد كبير من المعدان في حقول الأرياف المجاورة للأهوار في مواسم الحصاد الشتوي والصيفي بأجرة عينية ولا يباع طعام المجموع من هذا العمل بل يختزن مؤونة للعائلة. ويذهب بعض المعدان، وخاصة من يعيش منهم قريباً من البصرة، للعمل في مكابس التمور لمدّة تتراوح بين الثمانية والعشرة أسابيع في الخريف ويكسبون أجوراً واطئة طالما ينفقونها إبان إقامتهم في المكابس.
ولا بدّ من التأكيد هنا على أنّ الموارد الاقتصادية الثانوية التي يحصل عليها المعدان من حياكة الحصر والعمل بأجرة لا تكون إلاّ جزءاً يسيراً من اقتصادياتهم. أمّا صيد السمك فإنّه يستغل لأغراض الاستهلاك ولا يباع إلاّ قليلاً.
أمّا سكان الأهوار جماعو القصب فيمكن تقسيهم إلى مجموعتين: مجموعة الجبايش مكوّنة بصورة أساسية من عشيرة بني أسد ومجموعة هور الكسارة وهي مكوّنة من فصائل من حمائل مختلفة من عشيرة البومحمد.
يجمع القصب من الهور ويحاك حصراً تباع محلياً أو تستبدل بالمقايضة بالطحين والقماش والضروريات الأخرى. وتؤخذ الحصر في بعض الأحيان إلى المناطق الزراعية لتستبدل بالشعير والذرة.
ولا يستطيع جماعو القصب أن يعتمدوا على جمع القصب وحده كوسيلة اقتصادية ذات كفاية ذاتية. ولذا فهم يدعمون دخلهم بالعمل بأجرة وبتربية الماشية وصيد السمك، فمجموعة هور الكسارة يعتمدون على العمل بأجرة في المناطق الزراعية المجاورة لهم في مواسم الحصاد الشتوي والصيفي وتدفع لهم الأجور عيناً في الحاصل الأقل ثمناً كالشعير في حالة الحصاد الشتوي والذرة في الصيفي. وتزوّد بعض القرى القريبة من مراكز تجارة وشحن الحصر كالبطاطبة ونهر أم الجرى المراكز بحمالين وعمال يقومون ببعض الأعمال التي تتطلبها أعمال تلك المراكز. ويربي سكان الأهوار هؤلاء الماشية فتزودهم بالغذاء وقد يباع قسم من ألبانها. أمّا صيد السمك وهو يجري بـ (الفالة)([614]) عادة فإنّه يستفاد منه لأغراض الاستهلاك العائلي فقط.
ويعتمد أهل الجبايش، المجموعة الثانية من جماعي القصب، في اقتصادياتهم بالإضافة إلى تجارة القصب والحصر على زراعة صيفية غير منتظمة ولا مريحة وعلى تربية المواشي. ويستفيد قسم منهم من صيد السمك للاستهلاك فقط ولا تبيعه أو تتجر به إلاّ حمولة واحدة فقط هي آل غريج. وتكون الهجرة لمزارع الفرات للعمل في موسم الحصاد الشتوي وإلى الايشان، وهي جزيرة قريبة من الهور يهاجر إليها بعض سكان الجبايش لكي يكونوا قريبين من القصب فيتضاعف إنتاجهم من الحصر في موسم الشتاء، وإلى هور العبد لصيد السمك، وإلى مكايس التمور في البصرة في موسم الخريف، كلّ هذه الفعاليات تكون موارد ثانوية في اقتصاديات أهل الجبايش.
أمّا المزارعون وهم الأغلبية الساحقة من سكان الأهوار فإنّهم يعتمدون بصورة أساسية على الزراعة وبالدرجة الثانية على تربية الماشية. فالزراعة تجري مرّتين في السنة إذا سمحت بذلك حالة الفيضان: في الصيف حين يكون المحصولان الأساسيان الأرز والذرة. وفي الشتاء حين يكونان الحنطة والشعير، وتزرع الخضراوات في بعض المناطق على نطاق واسع للاتجار مع أسواق القرى والمدن المجاورة. وتربى الماشية خاصة بين سكان الأهوار والمزارعين في منطقة اهوار دجلة وتباع منتجاتها. فتقوم النساء عادة برحلات يومية إلى الأسواق القرية يأخذن معهن الحليب والزبد والجبن و«المطال» و«الجلة» (وهما نوعان من الوقود مصنوعان من روث الحيوانات) ويعدن بالسكر والشاي والتبغ والقماش والضروريات الأخرى.
الدكتور شاكر مصطفى سليم
الأهوار
ـ2ـ
تتكوّن منطقة الأهوار تتكوّن منطقة الأهوار الحالي في جنوب العراق من مجموعة من المستنقعات والبحيرات تغطي مساحة من الأراضي تقدّر بعشرة آلاف كيلومتر مربع، يمتد معظمها بين نهري دجلة والفرات والبعض الآخر على الجانب الأيسر من نهر دجلة المحاذي لإيران. والمصادر التي تتموّن منها هذه الأهواء بالمياه هي: حوض نهر دجلة ويتفرّع منه عدد من الجداول والمصارف في محافظتي واسط وميسان، فتكون هذه المجاري منقطة بطائحية واسعة تمتد على ضفتي النهر. ثمّ حوض شط الغراف وتتفرّع منه جداول عدّة بين دجلة والفرات في محافظتي ميسان وذي قار. فحوض نهر الفرات وتتفرّع منه فروع كبيرة في محافظات بابل والقادسية وذي قار. فحوض نهر كرخة الذي تنحدر مجاريه من مرتفعات إيران وتصب في المنخفضات الواقعة إلى الشرق من نهر دجلة في محافظة ميسان.
وتنصب غالبية مياه نهر دجلة بعد اجتيازه منطة العمارة في الأهوار حتّى يصبح النهر بين العمارة والعزير صغيراً جداً لأنّه يكون فقد حوالي 80 في المائة من مياهه في المسافة الممتدة بين القرنة والعزير. ألا أنّ بعض هذه المياه يعود إلى النهر في المسافة الممتدة بين القرنة والبصرة وهي المنطقة التي يتكون فيها شط العرب. أمّا نهر الفرات فيصب مياهه في الأهوار الكائنة في جنوب الناصرية، وأكثر هذه المياه يتصل بشط العرب أيضاً عن كرمة علي في جوار البصرة شمالاً.
مميزات وخصائص
تتميّز هذه المنطقة بمناخها الصحراوي الجاف الذي تقلّ فيه الأمطار شتاءً وتنقطع صيفاً عندما تشتد الحرارة. كما تتميّز بانبساط أراضيها إذ تقل درجة انحدارها فتنساب إليها مياه الأنهار والأودية والقنوات من كلّ صوب، فتنتشر فوق السهل الرسوبي مخلفة الكثير من المواد الغرينية والعضوية والأملاح المعدنية. ولا يزيد عمق مياه هذه المستنقعات والأهوار عن بضع أدام، وتوجد فيها جزر عدّة فوق مستوى المياه تقع عليها القرى التي يسكنها مزارعو الأرز ورعاة الجاموس والغنم. وتنبت في أكثر أقسام هذه الأهوار غابات كثيفة من القصب والبردي وتمر فيها المسالك المائية الخاصّة. ويستعمل القصب والبردي في إنشاء بيوت السكان المعروفة بالصرائف، وإقامة السدود لحماية الأراضي من الغرق. واللقصب فوائد أخرى منها صنع الحصر المعروفة بالبواري (جمع بارية) وتستعمل هذه في بناء البيوت وفرشها وحفظ الأطعمة والحبوب. وتستعمل شتلات القصب الصغيرة لرعي الجاموس.
ومن أهم ما تتميّز به هذه المنطقة أنّها في تغيّر مستمر، ففي السنوات التي تحدث فيضانات عالية وطويلة الأمد تتّسع حدود الأهوار فتغمر مساحات شاسعة، في حين أنّ هذه الحدود تتقلص في سني الجفاف. كما وأنّ للترسبات الغرينية التي تتركها مياه الأنهر في الأهوار تأثيراً في إحداث مثل هذا التغيير، إذ يقدر ما يلقى من المواد الرسوبية في داخل الأهوار بحوالي 90 في المائة من مجموع الترسبات التي يحملها نهر دجلة في بغداد ونهر الفرات في منطقة هيت. وأهم أهوار هذه المنطقة وأوسعها هور الحويزة على الضفة اليسرى لنهر دجلة وهو يتصل بالمستنقعات في إيران ومساحته داخل الحدود العراقية أكثر من 12000 كيلومتر مربع، ثمّ هور الحمذار ومساحته حوالي 2500 كيلومتر مربعن وأهوار منطقة الشامية والمشخاب وتقدر المساحة التي تغمرها مياه الفيضان في هذه المنطقة بنحو 1600 كيلومتر مربع.
ويكثر نخيل التمر في سواحل الأهوار الخارجية ويمتد إلى مسافات بعيدة على طول ضفاف الأنهار والجداول. كما تكثر الأسماك، والذي يؤكل منها هو البني والقطان والشبوط والشلق والحمري والصبور والخشني. وفي الربيع من كلّ سنة يهاجر الصبور بكميات كبيرة إلى الأهوار لبضعة أسابيع، وبعد اشتداد الحرارة في الصيف يترك البني والقطان والشلق الهور المكشوف لبضعة أسابيع متجهاً نحو إقليم شط العرب حيث المناخ بارد نسبياً.
تقسيم منطقة الأهوار
يقسم الجغرافيون منطقة الأهوار إلى ثلاثة أقسام هي: الإقليم الزراعي وإقليم الجاموس وإقليم القصب. يقع الأوّل في أطراف هور الحويزة في محافظة ميسان وفي الأطراف الغربية من هور الحمّار حيث يزرع الأرز كمحصول رئيسي ومعه الذرة كمحصول ثانوي. أمّا الأراضي المجاورة لدجل وجداوله في محافظة ميسان فتستعل في إنتاج الشعير والتمور كمحصولين رئيسيين والأرز كمحصول ثانوي، ومثل ذلك في الججانب الأيمن من حوض شط الغراف الأسفل، ثمّ تضاف إليها الأراضي الممتدة بين القرنة والبصرة وبين القرنة والمدينة حيث التمور هي المحصول الرئيسي. والزراعة في هذه المنطقة تعتمد كلياً على مستوى المياه في سطح الهور، ففي سني الفيضانات العالية والطويلة الأمد يتأخر انحسار المياه الأمر الذي يؤدّي إلى فوات أوان الزراعة الصيفية، لذلك تعتبر الزراعة هناك غير مستقرةوغير مضمونة.
ويقع إقليم الجاموس في هور الحويزة شرقي دجلة حيث تكثر قطعان الجاموس مع امتدادين ثانويين له يعبران دجلة من جنوب محافظة ميسان يمتد أحدهما إلى أهوار الغراف السفلي والآخر إلى هور الحمذار جنوبي مجرى الفرات القديم ويعرف أصحاب الجاموس بالمعدان وهم رعاة يتنقلون بقطعان الجاموس من إقليم إلى آخر شأنهم شأن رعاة الغنم أو الأبقار أو الجمال في المناطق البرية الذين ينتقلون مع ماشيتهم من مرعى غلى آخر بحسب المواسم. ويعتمد هؤلاء في معيشتهم على تربية الجاموس الذي لا يعيش إلاّ على الماء فيغطس أكثر وقته فيه، لذلك يلازم المعدان جاموسهم شريطة أن تكون حياتهم في الهور. وهذا لا يعني أنّ تربية الجاموس مقتصرة على هؤلاء الرعاة فقط، بل نجد كثيراً من الفلاحين المستقرين الذين يعتمدون في معيشتهم على الزراعة يتعاطون تربية الجاموس أيضاً. ويملك بعض هؤلاء قليلاً من الأبقار، لكن الفريقين أي رعاة الجاموس والفلاحين هما من سكنة الأهوار. والجاموس أعز ما في حياة المعدان، فيقضون جلّ أوقاتهم في العناية به وينظمون حياتهم وفقاً لحياة ماشيتهم وخصوصاً في تنقلاتهم الموسمية.
وأمّا إقليم القصب فيمثل قلب منطقة الأهواز ويمتد من المدينة شرقاً إلى كرمة بني سعيد غرباً، ويحدّه من الشمال والجنوب والامتدادان المذكوران لإقليم الجاموس وبذلك ينحصر في مجرى الفرات القديم مع الأهوار الممتدة على طرفيه. وتكثر فيه الجزر التي تفصل بينها ممرات مائية تعرف باسم «كواهين» وهي الطرق الوحيدة التي تربط مختلف أجزاء الإقليم، كما تربط الإقليم بالخارج. وأهم مركز لهذا الإقليم وأوسع قراه قرية الجبايش وهي اليوم مركز لقضاء الجزر. ويلعب القصب دوراً مهماً في دعم اقتصايدات هذه المنطقة، إذ يعتبر من أهم موارد الثروة الصناعية عند سكان الأهوار، فيستخدم في صنع الحصر وبناء المساكن. وتصدر كميات كبيرة من هذه الحصر وكميات كبيرة من القصب، وتقدر الكمية التي تقطع سنوياً في منطة الجبايش بحوالي 50ـ70 ألف طن على مساحة تقرب من حوالي 30 مليون متر مربع.
هور الحمّار
من أهم الأهوار في جنوب العراق هور الحمّار الواقع عند أطراف الفرات، والراجح أنّه يمثّل المنطقة التي نزح إليها السومريون الأوائل نظراً إلى مجاورته لأقدم المدن السومرية مثل أور وأريدو وأوروك. ويمتد هذا الهور من سوق الشيوخ على نهر الفرات ومن القرنة على نهر دجلة في الاتجاه الجنوبي الشرقي إلى أن يتصل بشط العرب عند كرمة علي الواقعة على بُعد مسافة حوالي عشر كيلومترات من شمال مدينة البصرة. ويسمّى القسم الجنوبي من الهور الذي يمتد من أطراف نهر الفرات إلى كرمة علي باسم هور السناف. ويغذي هذا القسم كلّه تقريباً بمياه نهر الفرات ويصبّ في شط العرب وفي الماجدية وكرمة علي. وتبلغ مساحة هذا الهور حوالي 2500 كيلومتر مرتع ولا يزيد عمق المياه فيه عن المتر الواحد.
ويتلقى هور الحمّار أكثر مياهه من نهر الفرات عن طريق فرعين: الفرع الغربي وهو أطراف الفرات وينتهي في جوبي سوق الشيوخ إلى ثلاثة جداول رئيسية هي: بني سعيد والحفار وأم نخلة، وقد أُنشئت نواظم في صدور هذه الجداول لتنظيم المياه وتوزيعها فيما بينها بمقادير معينة. والفرع الشرقي وهو شط السفحة وينتهي إلى جدولين هما جدول العكيكة وكرمة حسن. وتصب مجموعة هذه الجداول وتشعباتها في هور الحمّار فتنتشر في داخل الهور باتجاه الجنوب الشرقي حتّى تخرج منه لتصب في شط كرمة علي.
وهناك دلائل تشير إلى أنّ هور الحمّار تكوّن نتيجة الفيضان الهائل الذي حدث سنة 628ـ629 للميلاد. ويروي المؤرخون أنّ الرافدين دجلة والفرات طغيا طغياناً هائلاً مرّة واحدة، وكان الطيغان من الشدة بحيث لم يعد بإمكان أي مجهود بشري أن يقف بوجهه، وكانت التخريبات التي أحدثها مضاعفة، منها انهيار السدود ومشاريع الري الرئيسية، هذا عدا تحوّل الأنهر عن مجاريها الأصلية، فانقلبت المناطق الجنوبية إلى مستنقعات وأهوار واسعة تمتد بسعتها كالبحر وصارت تعرف في العصر العربي باسم «البطائح». وكتب أكثر المؤرخين العرب عن البطائح فتبسطوا في وصفها وبيان أسباب تكونها ثمّ كيفية إصلاح قسم من أراضيها للاستفادة منها في الزراعة.
وأحدث النظريات التي لاقت تأييد أكثر الباحثين أنّ هذه المنطقة ـ منطقة هور الحمّار ـ كانت منذ العهد السومري القديم منطقة مستنقعات وأهوار تكثر فيها الجزر كما هي عليه اليوم بخلاف ما كان يعتقد من أنّها كانت مغمورة بمياه البحر في تلك الأزمان القديمة حتّى مدينة سامراء بين بغداد والموصل.
لا نخال الأقوام القدماء الذين اختاروا منطقة أهوار جنوب العراق ليتخذوا منها مستوطناً لهم قبل حوالي خمسة آلاف عام يختلفون كثيراً عن أحفادهم سكان الأهوار الحاليين في نمط حياتهم وفي أساليب معيشتهم وفي هيئاتهم وفي تنقلهم بين غابات الثصب وفي بناء أكواخهم القصبية وسط الماء وفي صيدهم الأسماك والطيور وفي إعداد العلف لقطعان الجاموس. فقد هيأت الطبيعة لكليهما في هذه المنطقة وسائل العيش ومقومات الحياة من دون أن يحتاجوا إلى عناء كبير من تدبير معيشتهم اليومية.
والسومريون الأوائل أوجدت لهم الطبيعة في منطقة الأهوار وأحراشها ملجأً أميناً يقيهم شر هجمات الوشوح وخطر الغزو البشري. وهذه المستنقعات ذات الكثافة القصبية هي بالنسبة إلى بني البشر أصلح مكان يختبىء فيه الإنسان. أمّا من جهة الغذاء فقد وفّرت لهم الطبيعة أنواع الطيور المائية والأسماك الوفيرة، ففتحت أمامهم أوسع المجالات لممارسة مهنة القنص والصيد التي امتهنها الإنسان منذ ظهور النوع البشري على الأرض. والأهم من كلّ ذلك أنّ المنطقة وفّرت لهم العناصر الأساسية للحياة وهي الماء العذب والشمس والتربة: ماء وفير دائم يسهل استعماله، وشمس غامرة تبعث حرارة الحياة، وتربة هش لينة يسهل نمو جذور النباتات فيها على رطوبة الأرض.
وكما أنّ الجزر والمستنقعات تكون مصدر عيش السكان وغذاء ماشيتهم حالياً، كذلك كانت ـ أي الجزر والمستنقعات ـ عماد الحياة للسومريين الأوائل، فالمنقطة غنية بكلّ مقومات الحياة، ولا يحتاج الفلاح إلى عناء كبير في ممارسة زراعته في هذه الجزر، فالكلأ ونباتات الهور وفيرة للماشية، والأرض خصبة وفيها من الرطوبة ما يكفي لإنضاج الزروع من دون ري. وأكثر الجزر مغمور بمياه الفيضان، وفي مثل هذا الموسم ينتقل السكان إلى قراهم على سواحل الهور أو إلى بساتينهم على ضفاف الأنهر، ثمّ تنحسر المياه عنها تاركة مادة غرينية على سطحها تجدد خصوبتها تعاماً بعد آخر. أمّا مساكن السكان الحاليين فلا تختلف كثيراً عمّا كانت عليه مساكن الأقدمين، وهي أكواخ من القصب والبردي المادتين المتوافرتين بكثرة في المستنقعات وتتكاثران بصورة طبيعية. وكان وما ز ال القارب المسمّى اليوم بالمشحوف من أهم وسائط النقل في هذه المطقة البطائحية.
«المشحوف» وجمعه «مشاحيف» قارب خفيف يستعمله سكان الأهوار في تنقلاتهم المائية، وهو مستطيل الشكل وضيق لا يستطيع المرء ركوبه إلاّ إذا مدّ رجليه في قعره وهو يتمسك بطرفيه لضمان التوازن خشية انقلابه. وفي مؤخرة المشحوف حوض من الطين معد لشي السمك. ويصنع المشحوف من ألواح خشبية ومن قطع خشبية محفورة ومطلية من الخارج بالزفت. وأحسن أنواعه يصنع في منطقة «الهير» الواقعة على نهر الفرات، على يد أناس متخصصين توارثوا هذه المهنة عن أجدادهم منذ أدم العصور. والمشاحيف تدار بأعمدة طويلة قوية من القصب تعرف بالمرادي، ويفضل ملاحوها دائماً طريقة دفعها بالمرادي عن طريق الغرف إلاّ إذا كانت المياه عميقة الغور، لأنّها أسرع سيراً وأقل جهداً، ويستطيع الملاح أن يقطع في مشحوفه في اليوم الواحد أكثر من 75 كيلومتراً بكلّ سهولة، وفي الأهوار مسالك مائية يسلكها أهل الهور في تجوالهم بين جزيرة وأخرى وبين أجزاء الهور المختلفة لا يعرفها سواهم.
والمشحوف من أهم مقتنيات سكان الأهوار التي لا يمكن أن يستغني عنها أي بيت من بيوتهم، ففيه يتنقل ساكن الهور لصيد الأسماك والطيور، وبواسطته يجول بين منابت القصب والبردي لنقل العلف لماشيته، وعلى متنه يحمل منتوجاته لبيعها في قرى عالمه البطائحي.
وهذا المشحوف نفسه كان يستعمله السومريون في مستوطنهم البطائحي في الأهوار، إذ صوّروه على نقوشيهم التي ترجع إلى أقدم الأزمنة. ومن الدلائل الملموسة على ذلك النموذج المصغر للمشحوف الذي عثر عليه مع مجاذيفه في المقبرة الملكية في أور وهو طبق الأصل للمشحوف الذي يستعمله سكان الأهوار في الوقت الحاضر. والنموذج هذا، وهو موجود اليوم ف متحف بغداد، مصنوع من الفضة يبلغ طوله حوالي 60 سنتم وفيه خمسة مقاعد وفي الوسط مسند مقوس لمظلة تحمي الراكب من حرارة الشمس أو المطرة وعثر على المجاذيف في المواقع المعدة لها. ويعود هذا النموذج إلى أوائل عصر السلالات، أي حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلا.
كان عامل الطبيعة أداة لجعل سهول جنوب العراق مطمح الأنظار فأغرت الإنسان على استكشافها واستيطانها لخصوبة أرضها الرسوبية المستوية وتوافر مياه الري فيها على مدار السنة، بالإضافة إلى مناخها المشبع بالحرارة. فأصبحت ميداناً فسيحاً لجهود أناس تلك الأدوار القديمة في تطوير نمط حياتهم وانتقالهم إلى طور جديد تتمثل فيه وسائل التمدن والعمرا، وبخاصة ممارسة الإنتاج الذي يفوق الاكتفاء الذاتي. وهكذا راح الإنسان القديم في هذه البقعة الخصبة يشق طريقه وينمي طاقاته وخبراته مكتسباً مهارات جديدة في استثمار الأرض الطيبة، فظهرت على أثر ذلك المدن والقرى على محاذاة مجرى نهر الفرات القديم، وبرزت في الوقت نفسه فكرة الدولة والحكم والنظام والملوكية، فصارت المدن تعرف بدويلات مدن سومر.
إيلي سعادة
الأهوار
ـ3ـ
لا يزال أغلب المؤلفات الأجنبية حول الأهوار غير مترجم. أمّا أوّل اهتمام صحافي عراقي فيا لأهوار فكان ذلك الذي قامت به جريدة «الأهالي» لصاحبها السياسي كامل الجادرجي، وذلك عندما نشرت سلسلة مقالات بعنوان «خمسة عشر يوماً بين المعدان» في 1933، وأوّل دراسة أكاديمية حول هذه المنطقة كانت بعنوان «سكان الأهوار ـ الجبايش» وهي أطروحة دكتوراه قدّمها شاكر مصطفى سليم في جامعة بغداد. أمّا على مستوى الصحافة العربية فكان أوّل استطلاع ميداني لأهوار الجبايش والصحين قامت به مجلة «العربي» عام 1966 عقب تنظيم جولة سياحية لسفراء العالم في بغداد لمنطقة الجبايش من قبل الحكومة العراقية.
فرضت قضية الأهوار نفسها حالياً على الصحافة العالمية منذ أحداث انتفاضة الشعب العراقي في ربيع 1991. وبفضل الطبيعة الغنية وخصوصية المنطقة استمرّ التواصل الحضاري من زمن السومريين إلى الآن بتغيير طفيف قياساً بالتغيرات التي تعرّضت لها حضارات المناطق الأخرى. وللاسباب نفسها استطاع إنسان الأهوار مقاومة حروب الإبادة التي تعرض لها من أعالي العراق وتركيا، وأصبح عصياً على الظلم والطغيان. إلاّ أنّ ما تتعرّض له الأهوار حالياً هو طغيان من نوع خاص يمارس بأساليب ليس لها مثيل في التاريخ، حيث صمّمت الدولة العراقية (الصدامية) على إبادة الإنسان في الجنوب في حرب مستمرة. فالأهوار تستغيث والعالم يتفرج.
تعدّ أهوار جنوب العراق من أوسع مناطق الأهوار في العالم، حيث تحتل كلّ القسم الجنوبي من حوض دجلة والفرات ممتدة بين خطي عرض 50ـ32° و50ـ30° من الشمال إلى الجنوب وبين خطي طول 50ـ44° و48° من الشرق إلى الغرب، أوسعها الأهوار الواقعة في المثلث المحصور بين البصرة والعمارة والناصرية. وأشهر ثلاثة أهوار هي: الحويزة الممتد حتّى إيران، ويقع إلى الشرق من نهر دجلة. وبسبب عمق مياهه ظلّ خالياً من الجزر المعروفة بالديون والتي تتكوّن من خلال تكديس البريدي والقصب. وفي موسم الفيضانات تطفو فوق الماء حيث يعيش فوقها الإنسان مع حيواناته الضخمة، كما أنّه خال أيضاً من «الاشن» (التل) وهي الجزر الترابية الطبيعية كتلال في وسط مياه الأهوار، وهور الحمّار الذي يقع في أسفل الفرات إلى الجنوب من الناصرية وسوق الشيوخ، يمتاز بوجود بحيرة عظيمة يكثر فيها صيد الطيور والأسماك، وديمومة مياهها تأتي من تغذية الفرات المستمرة لها، ويعدّ شق قناة الغراف أخذت تتغذّى من دجلة أيضاً. وكانت الغراف قد جفت فأعيد إعمارها في الأيام الأولى للحكم الملكي عندما أعلن أنّه لا مشروع قبل الغراف. وتسمّى هذه البحيرة بالبرقة. وعلى ثالث هذه الأهوار هي الأهوار الوسطى، امتددادها أقل وسعاً من الهورين الأولين. وتحتوي على عدد من البرك المترابطة في شبكة مائية واسعة.
هناك دلائل كثيرة تؤكد على أنّ سكان الأهوار بحضارتهم اليوم هم امتداد للحضارة السومرية، وليس من شك في أنّ النمط العمراني ونمط الحياة العامة في منطقة الأهوار لا زالت تحتفظ بسمات تلك الحضارة، ويرجع سبب ذلك إلى طبيعة الأهوار المختلفة كلية عن طبيقة المناطق الأخرى([615]).
وعرفت المنطقة كذلك نزوح قبائل عربية استقرّت في جونب العراق، كقبيلة بني أسد وخزاعة وكعب وغيرها، غير أنّ هذه القبائل القادمة من الجزيرة العربية ذابت في هذه الحياة الجديدة وابتعدت عن حياة البداوة والصحراء.
إنّ استمرار الحياة البشرية في الأهوار من دون انقطاع يرتبط بالطبيعة الغنية التي لا تعجز الإنسان عن تلبية الضرورات الحياتية. فالتكامل المعيشي ممكن جداً في تلك المناطق حيث المواد الأولية لعمارة البيوت من القصب والبردي، كذلك إمكانية الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية لكثرة الأسماك والطيور، وما تجود به الأبقار والجاموس من ألبان ولحوم، والإمكانية الكبيرة في زراعة الأرز، وزراعة الحبوب الأخرى في الجزر الترابية أو في أطراف الهور. لهذا، استطاع معارضو السلطات في كلّ حقبات التاريخ أن تطول مقاومتهم ويحققون انفصالاً عن السلطة المركزية في حالة اضطهادها لهم اقتصادياً وسياسياً.
لم يتفق على تسمية أكاديمية أو اجتماعية لأهل الأهوار. فمن الباحثين من أطلق عليهم تسمية «عرب الأهوار» كون العربية هي لسانهم الوحيد، أو الاعتقاد بتحدّرهم من الجزيرة العربية، وهناك من يطلق عليهم تسمية «سكان الأهوار» كتسمية جغرافية تسمح بوجود الأصل غير العربي بينهم. علماً بأنّ تسمية العرب أو العربان تطلق في الأهوار على الذين يعيشون في أطراف اليابسة ويربون الأغنام ويعملون، رجالاً ونساءً، في موسم التمور أو البناء. وأهل الأهوار لا يرتضون هذه التسمية، مثلما لا يرتضون تسمية الحساوية والتي يسمّى بها المهاجرون العرب من الأحساء في الجزيرة العربية نحو جنوب العراق.
أمّا «المعدان» فهم مجموعة من عشائر الأهوار المترحلة داخل الهور وحرفتهم الوحيدة تربية الجاموس الذي لا يعيش إلاّ في أعماق الأهوار. وهؤلاء المعدان يتكلمون العرية مع اختلاف في اللهجات. وفي كلّ هور معدانه الدائمون والذين يمدون أهل القرى الزراعية ومدن الأهوار بالبياض، وهو الحليب ومشتقاته كما يعرف هناك.
يتوزّع سكان الأهوار على سبع محافظات عراقية في الجنوب والوسط، وهي: محافظة البصرة والتي تتركز فيها الأهوار حول القرنة والمدينة وكرمة علي، وهي ميسان تتركز الأهوار حول المجر الكبير والمجر الصغير والكحلاء، وفي محافظة ذي قار تتركز الأهوار حول الجبايش وتوابعها الفهود والحمّار ثمّ سوق الشيوخ، وأوسع الأهوار تقع ضمن هذه المحافظة، وفي منحافظة القادسية حول الشنافية والدراجي. وفي محافظة بابل تتركز الأهوار القليلة المساحة بين فرعي الفرات، الحلة والهندية، وفي محافظة واسط تتركز الأهوار حول مدينة الحي.
خلال انتفاضة ربيع 1991 كان الإعلام الرسمي العراقي قد وصف أهل الأهوار بأنّهم وفدوا من الهد مع القائد محمد بن القاسم الثقفي الذي نجح في فتح السند والهند أيام ولاية الحجّاج على العراق. ولم يحدث أنّ دولة تلغي أصالة شعبها تخريف وتزييف للتاريخ مثلما حدث ويحدث في العراق.
فالثابت في المصادر العربية هو وصول المئات من الهنود، الذين يدعون بالزط، أبان الحكم الفارسي على العراق قبل الإسلام، وقد استقروا في المستنقعات القريبة من واسط والتي تأسّست فيما بعد وكانوا يعملون في الزراعة ويمارسون الغناء والطرب. وقد ثاروا أيام المأمون ثمّ المعتصم فساقهم جميعاً إلى بغداد عبر الطريق المائي في نهر دجلة ثمّ إلى الثغور الموجهة للروم فسحقتهم الحرب ومن سلم منهم تسلل إلى آسيا الصغرى ثمّ إلى أوروبا الشرقية، وما زالوا يعيشون هناك ويدركون أصلهم الهندي، ويدعون في تلك البلدان بالسيكان ولهم لغتهم التي يتفاهمون فيها من دون كتابة.
وأمّا عن محاولات تبديل التركيب السكاني في الأهوار فكانت المحاولة الأولى للبريطانيين عند احتلال العراق في الحرب العالمية الأولى، عندما قصدوا توطين أعداد كبيرة من الهنود في الأهوار لأغراض معروفة، لكن لم يتم لهم ذلك لرفض سكان الأهوار أوّلاً ولصعوبة الحياة وغرابتها بالنسبة للوافدين الجدد ثانياً، لذا استقرّ بعضهم في مدينة البصرة كموظفين وتجار. وقد أخذت الحكومة العراقية الحالية بهذه التجربة عندما سعت إلى توطين مجاميع كبيرة من الأكراد العراقيين في منطقة الأهوار، وكان الهدف موجهاً ضد أهالي المنطتين ولا يخفى على عاقل.
تشتهر الأهوار بنبات البردي، حيث كانت تصنع منه القوارب والحصران، تمتد غابات البردي والقصب على مساحات واسعة في مثلث البصرة وميسان وذي قار. والبردي نبات أخضر في الربيع والصيف ويابس الأوراق في الشتاء دون أن تتساقط وفي الوقت الذي تسعى الحكومة العراقية إلى تجفيف الأهوار والقضاء على هذه الغابات الطبيعية من نبات البردي، تسعى دول أخرى إلى تدجين هذه الشجرة والمحافظة عليها لأهميتها القصوى في صناعة الورق والصفائح المضغوطة لجدران البيوت الجاهزة، كما يحدث في مصر على سبيل المثال.
عالم الهور عجيب متغيّر ومتبدّل باستمرار، لا يملّ الإنسان وجوده المستمر فيه بسبب روعة الطبيعة وبساطة العيش وحياة المغامرة التي خلقت عند أهل الهور والجرأة والذكاء المكتسب من التعامل مع الطبيعة. ولا يزال أهل الهور يحتفظون بأساطير يعود بعضها إلى زمن سحيق. ويدلنا التاريخ على محاولات عديدة جرت لتجفيف الأهوار في جنوب العراق ووسطه، وبالتحديد في أيام الدولة العباسية عندما سعى المعتصم عام 220 إلى تجفيف المنطقة التي ثار فيها الزط، وهي المحيطة بواسط. كذلك كانت محاولة الموفق الذي تولّى حرب الزنج في البصرة خلال خلفة المعتضد حوالي عام 258.
أمّا ما جري الآن من عمليات تجفيف للأهوار فتستخدم فيها الآلات العظيمة والسلاح الكيماوي والفتاك الذي يحرم استخدامه بين دولة وأخرى علماً أنّ النظام ينسب هذه العمليات إلى ما يعرف بالنهر الثالث، وهو مشروع يعود تخطيطه إلى أيام العهد الملكي والهدف منه تنظيم المياه وعمليات الري. وقد اهتمّ به النظام في هذا الوقت لحرف المشروع عن هدفه المرجو والعمل على تنفيذ عمليات أخرى تحت غطائه، كقيام سدور ترابية هائلة وسحب المياه من المناطق العميقة إلى الجانب الآخر من هذه السدود، مع إقامة قنوات متوازية لتغيير مجاري روافد دجلة والفرات التي تغذي الأهوار بالمياه باستمرار. وبسبب انخفاض الأراضي هناك فإنّ شق مثل هذا النهر المزعوم لا يدؤي إلى التجفيف، وكانت قرى كثيرة في الأهوار طالبت سلطات العراق منذ أيام الحكم الملكي بحفر وتعميق الفرات بطول مسافة جريانه، من سوق الشيوخ حتّى الجبايش وما بعدها، لغرض الوقاية من الفيضانات المرمّرة. على أنّ عملية التجفيف الحالية التي يصاحبها تهجير متعمّد لسكان هذه المناطق الذين يرجع تاريخ وجودهم إلى آلاف السنين، هي مشروع سياسي مبني على العصبية المذهبية والتطرّف في الإرهاب، في حين كان سكان الأهوار يأملون من السلطات المحافظة على هذه المناطق الغنية في طبيعتها الساحرة، لا التخريب والإبادة السكانية.
رشيد البندر
تجفيف الأهوار
لا يختلف موقف الحكومة العراقية من الثروة المائية عن مواقفها إزاء ثروات البلاد المختلفة، إذ تعرّضت، هي الأخرى، لسوء الإدارة والإهمال والتلوث والتدمير، من طريق برامج «التنمية الانفجارية» السيئة الصيت. وشهد القطاع المائي إهدار بلايين الدولارات على مشاريع فاشلة ودعاوية، استحوذت الشركات التابعة لأقطاب الحكم على حصة الأسد منها «شركة خالد في مجال الري على سبيل المثال، وهي كان يملكها عدنان خير الله طلفاح، ابن خال صدام وشقيق زوجته ساجدة، كان وزيراً للدفاع وقتل في حادث تحطّم طائرة هليكوبتر مدبر( إضافة إلى شركات أجنبية عديدة.
تخلّلت تلك الفوضى «الانفجارية» بعض الدراسات الموضوعية، التي لم تجد طريقها للتنفيذ، بعد أن تمّت عسكرة البلد، وولوجه عالم الحروب الداخلية والخارجية. وتعتبر الدراسة التي أنجزها، في أواسط السبعينات، الخبراء الروس، لصالح وزارة الري، من أهم وأمشل ما تمّ إنجازه في تاريخ القطاع المائي العراقي، بهدف ترشيد استعمالات مصادر المياه وتطويرها. ومن أهم ما أكدته الدراسة المذكورة هي العناية بمنطة الأهوار العراقية، وتطوير إمكاناتها الزراعية والسياحية، وتعميق مجاري الأنهار لتسمح بالنشاط الملاحي في المنطقة.
يفتقد الحكم العراقي، كما هو معروف، إلى أيّة رؤية للعراق بعيداً عن التسلح والعسكر والحروب. وسخرت لهذا الهدف كلّ ثروات البلاد فقامت مؤسسات الجيش، وسيقت الغالبية العظمى من السكان للتدريب العسكري. وهاجر سكان الريف إلى المدن، وتركت الأراضي الزراعية بوراً. وبالنتيجة توقفت المشاريع الاقتصادية، وأهملت الدراسات، التي لا صلة مباشرة لها بالجهد الحربي، ولات سهم بتعزيز النزعة العسكرية للدولة. فبقي العراق مستهلكاً للغذاء المستورد، وتعاني سوقه من شحة دائمة. وعلى رغم كونه من أغنى دول المنطقة مائياً، إذ تبلغ حصة الفرد من المياه العذبة 5000 متر مكعب سنوياً (حصة الفرد المصري، مثلاً 1000 متر مكعب في السنة)، تفتقد آلاف القرى العراقية وعشرات المدن والأحياء مياه الشرب الصحية، كما تنعدم أنظمة التصريف الصحي. ومراكز ومعالجة المياه الملوثة، في غالبية المدن العراقية (كان هذا هو الوضع السائد قبل الحرب يوم كان العراق يصدر ثلاثة ملايين ونصف المليون برميلاً نفطياً في اليوم).
يمتلك العراق شبكة مهمة من السدود والمنخفضات الطبيعية التي يمكنها نظرياً، تخزين حوالي 140 بليون متر مكعب من المياه الصالحة لأغراض الري. ويلعب مشروع الثرثار، الذي أنجز في مطلع السبعينات، دوراً أساسياً في إدارة مياه دجلة والفرات. فبواسطته يمكن تنظيم جريان دجلة، ودرء أخطار الفيضان عن بغداد، كما يمكن، من خلال تغذية نهر الفرات، الذي شهد تقليل منسوبه إلى حدود خطيرة، نتيجة للسدود التي أنشأت في تركيا وسوريا. ومن الصعب جداً تييم حجم الضرر الذي أحدثته حرب الخليج الثانية، والحصار المفروض للسنة السابعة على التوالي، في القطاع المائي، فهو جزء مكمل للقطاعات الاقتصادية الأخرى، وشهد، مثلها، تدميراً شاملاً فأصبح، بالضرورة، خاضعاً للفوضى والعشوائية الناتجة عن تدمير البنى التحتية، وأنظمة توزيع المياه وتصفيتها وتصريفها، كما درت أنظمة الري، كنتيجة مباشرة لقصف محطات الطاقة، وانعدام وجود قطع الغيار وغير ذلك.
في الوقت نفسه فإنّ حال الحصار الاقتصادي، وخلو السوق من المواد الغذائية، أو ارتفاع أسعارها إن وجدت، أجبرت أعداداً هائلة من السكان على الالتفات إلى الزراعة، والبدء بممارستها، سواء داخل البيوت أو في أراض كانت مهملة سابقاً. قد يفسر ذلك على أنّه توسع في الرقعة الزراعية، أو على الأقل تغيّر نوعي في موف المواطن العراقي من الزراعة، بعد أن شوّهته «الفورة النفطية». لكن الأرقام غير متوافرة، وإن ما تقوم به الحكومة العراقية يدخل في عداد ردود الفعل على وضع طارىء، ويصعب الخروج منه باستنتاجات موضوعية.
مهما يكن من أمر انخفضت حصة العراق من مياه الرافدين، بمقدار كبير عمّا كانت عليه سابقاً، على الأقل بسبب التوسّع في المساحات المزروعة في تركيا وسوريا، وسوف لن ترجع إلى سابق عهدها أبداً.
الأهوار العراقية
الأهوار العراقية هي المنخفضات المائية الواقعة في جنوب العراق، وتحديداً في المنطقة الممتدة من شمال وشمال ـ غرب مدينة الصر حتّى مشارف مدينتي الناصرية والعمارة الجنوبيتين، وتغمر جزءاً من الحدود الدولية من العراق وإيران إلى الشمال من شط العرب (أي في المنطقة المعروفة تاريخياً باسم سومر). ويذكر أنّها تكوّنت نتيجة الفيضانات التي شهدتها المنطقة منذ ما قبل التاريخ وامتدّت إلى وقتنا الحاضر. وهي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالرافدين دجلة والفرات، وتتغذّى سنوياً منهما في مواسم الفيضان، الناتجة عن ذوبان الثلوج في المرتفعات التركية، عن طريق شبكة معقدة من الفروع والقنوات. ويقدر ويلفرد تسيغر وهو أوّل مستكشف أوروبي للأهوار، بأنّ 80 في المائة من مياه نهر دجلة، المارة عبر بغداد تجد طريقها إلى الأهوار سنوياً.
تغطي الأهوار سنوياً مساحات متغيرة، اعتماداً على حجم الفيضان، وبمعدل 17000ـ20000 كيلومتر مربع. وهي تشكيل هيدرولوجي وأيكولوجي فريد من نوعه في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط خصوصاً ويعتبرها الدارسون أكبر نظام أيكولوجي في الشرق الأوسط وترتبط مباشرة بنهري دجلة والفرات، فتغذيهما بموسم انخفاض مجريهما، وتتغذّى منهما في موسم الفيضان، كما تؤثّر إيجابياً بالمناخ الموضعي وتوفّر ملجأ لآلاف الأنواع من الحيوانات والطيور والأسماك والنبات فضلاً عن كونها مأوى لمليون إنسان تقريباً.
ينبع تميز أهوار العراق ليس فقط من فرادة عناصرها البيئية، بما فيها من مياه ونبات وحيوانات فريدة، أو انعدام الأرض اليابسة في مساحات شاسعة منها، وعدم تمكّن السكان من التنل، حتّى ولو لأمتار قليلة، من دون استعمار الزوارق، وسكنهم في جزر طافية، بل من هارمونية تلك العناصر في علاقتها وتفاعلها واعتمادها المتبادل على بعضها، والاكتفاء الذاتي بما يتم إنتاجه محلياً في ذلك المحيط العجيب، الذي شكّل الإنسان فيه جزءاً مكملاً للمحيط البيتي الساد، ما سمح ببقائه لأكثر من خمسة آلاف سنة، من دون تغير ملموس في طبيعة الحياة، إلى أن نجح صدام حسين أخيراً في تدميرها عن طريق مشروع «النهر الثالث» الذي أطلق عليه اسم نهر «أم المعارك» (وهل أفضل من تلك التسمية لمشروع فاشل؟).
وكانت المنطقة، إضافة إلى كونها مفخرة للعراقيين بتاريخها الطويل وفرادتها الثقافية، من أغنى وأجمل مناطق العراق، خصوصاً جنوبه الشديد الحرارة. كتب الرحالة والكاتب الإنكليزي الشهير كيفن يونغ عن مال منطقة الأهوار وثرائها قديماً، وكان عاش فيها لمدّة تزيد عن أربع سنوات قائلاً: «كانت الحياة جميلة في تلك الأزمنة الغابرة. الحادئق الخضراء المروية جيداً، البساتين وغابات النخيل اللانهائية في سومر، شبكات النوات والسدود المعقدة الرائعة التي جعلت بلاد ما بين النهرين مخزن قمح الشرق الأدنى، الفلاحون الأثرياء أصحاب الآلاف المؤلفة من الأغنام والبهائم، رجال الزوارق وهم ينشدون وسط أحواض القصب العملاقة، يصيدون السمك والحيوانات دون أن يقلقهم أحد، هكذا كان المشهد الذهبي عندما كان العراق فتياً، فردوساً أضاعته النزاعات والإهمال».
لماذا تغيّر موقف الحكومة العراقية من الأهوار؟
أكثر الحكومات العراقية المتعاقبة تبجحاً بالتاريخ والحضارة والمجد التليد، هي الحكومة الحالية، خصوصاً من تولي صدام حسين مقاليد رئاسة الحكم عام 1979، وخصّصت موازنات فلكية لأغراض الإعلام لا تنافسها إلاّ الموازنات الأمنية والعسكرية. وأثناء «الثورة» الإعلامية المزعومة حصلت أهوار العراق على نصيب لا بأس به من الاهتمام الإعلامي. فدعيت الوفود الأجنبية لزيارة المنطقة وقدّمت التسهيلات المادية لبعض الباحثين والمهتمين بتاريخها، خصوصاً من دارسي السومريات، وسمح للفرق الصحافية بإعدام أفلام وثائقية وتحقيقات وغيرها. ولم يتخلف صدام حسين نفسه، في أواسط السبعينات، وكان آنذاك يشغل منصب «السيد النائب» عن زيارة المنطقة (يتذكر العراقيون جيداً صوره جالساً منع سكان المنطقة المسالمين، يدخن السيكار الكوبي، ويحيط به عدد من الحرس الشخصي). وتبرع لبعض القرى ببرادات وأجهزة تلفزة (لنقل أفكار الثورة لأبناء الشعب).
كانت البعثة العلمية التي نظمها الرحالة النرويجي الشهير هايردل في العام 1977، واحدة من أروع ما تمّ إنجازه لصالح توثيق تاريخ المنطقة وإنصاف سكانها، لجهة دورهم الإنساني وإنجازاتهم العلمية ومساهمتهم في بناء صرحها الحضاري العريق. ويذكر أنّ تلك البعثة العلمية أبحرت في سفينة تاريخية، مصنوعة من القصب (قصب أهوار العراق) بدءاً من نهر دجلة عبر الخليج والبحر العربي ثمّ إلى خليج عدن، لتتبع طرق الملاحة والتجارة في العصر السومري، في محاولة البحث عن مصدر واحد للحضارة البشرية. وكتب هذا العالم الكبير بأنّ وزارة الإعلام العراقية: «سمحت له بقطع القصب من الأهوار، واستيراد كلّ ما يحتاجه من دون ضريبة، وتجميع أعضاء طاقمه مهما كانت جنسياتهم، والبقاء ضيوفاً على وزارة الإعلام حتّى الإبحار».
من أهم النتائج المأساوية للحرب العراقية ـ الإيرانية هو التغيّر في الموقف الرسمي الحكومي العراقي من منطقة الأهوار. فبغض النظر عن تجنيد الآلاف المؤلفة من أبناء قبائل المعدان، وم سكنة الأهوار، في الحرب ضد إيران، أخذت السلطة العراقية تعتبر المنطقة، بسكانها وتضاريسها البيئية، وانتمائها الديني، منطقة عدوة، إن لم يكن طائفياً فعلى الأقل ميدانياً، أي أنّها منطقة عصية على السيطرة الأمنية المباشرة للسلطة، مثلث ملجأ للمعارضين السياسين، والناقمين على سياسة السلطة، ورافضي الالتحاق بمعسكرات التدريب، والهاربين من الجيش. فقرّرت السلطة، وكانت الحرب آنذاك على أشدها، القيام بردم الأهوار (أو تدميرها)، عن طريق قص البردي والقصب وحرق ما لا يمكن قصّه، وقطع منافذ المياه إليه وتسميم ما لا يمكن قطعه، وترحيل سكانها وقتل من لا يمكن القبض عليه وترحيله، واستعمال كلّ ما هو متاح من أسلحة وتكنولوجيا لتحويل المنطقة إلى أرض يابسة تسمح بحركة الجيش وآلياته بغرض إركان المنطقة لإرادة السلطة.
«تشرف» بقيادة «الحملة الوطنية لردم الأهوار» عزة الدوري، وهو نائب صدام في رئاسة مجلس قيادة الثورة، وواحد من أكثر قادة الحكم ضعفاً وولاء لصدام (ليس لديه أي تحصيل علمي وكان يبيع الثلج قبل استلام البعث للسلطة ـ هذه المهنة غير موجودة في باقي الدول العربية) وتمّ أثناء تلك الحملة تجنيد مئات الآلاف من السكان للمساهمة بالعمل «الوطني» المذكور.
لم يستكمل عزة الدوري تجفيف الأهوار. وانتهت الحرب مع غيران بشكلها المعروف، وبقيت الأهوار جريحة، لكنّها خصوصاً بعد أن تمّ استكمال السدود التركية على نهر الفرات وتقليل مناسيبه، أصبحت، وبشكل مطلق بين مطرقة الأتراك وسندان الحكم العراقي. فجاءت الضربة القاضية على يد الحكم عن طريق مشروع النهر الثالث.
فعلى أثر الهزيمة الماحقة التي لحقت بالجيش العراقي في حرب الخليج الثانية. حدثت انتفاضة شعبية عارمة، هدفت إلى تغيير نظام الحكم. وكانت منطقة الأهوار مركزاً من مراكز النشاط المعارض ومن أكثرها صعوبة في إدارتها الأمنية، إضافة إلى لجوء الآلاف من نشطاء الانتفاضة إليها. وقررت السلطة إنجاز النهر الثالث المخصص إعلامياً لاستصلاح الأراضي، وفعلياً لتجفيف الأهوار، وتصفية الوجود المعارض، وهذه العملية غير ممكنة من دون القضاء على الأهوار.
شهدت الحملة الثانية لتجفيف الأهوار ضجة إعلامية فاحت من بعض مفاصلها رائحة طائفية كريهة ضد سكان الأهوار، توجت بسلسلة مقالات افتتاحية في صحيفة «الثورة» العراقية كتبها صدام حسين باسم مستعار (كأنّه معارض محكوم بالإعدام) تهجم فيها على سكان المنطقة، وطعن في انتمائهم العربي والإسلامي والعراقي، معتبراً إياهم بهائم ثمّ استيرادهم مع الجواميس من الهند، شامتاً بفقرهم وعريهم (وهو رئيس دولة، ويفترض أنّه مسؤول عن توفير حياة كريمة للمواطنين).
عرب الأهوار هؤلاء، «المتخلفون» من وجهة نظر صدام، كتب عنهم هايردل قائلاً: «عشبت ما ما يسمّى أناس بدائيين في بولونيزيا وأميركا وإفريقيا، لكن عرب الأهوار هؤلاء وبأي صورة من الصور، ليسوا بدائيين، إنّهم متحضرون لكن بطريقة تختلف عنّا. ليس لديهم خدمات الأزراء لكنّهم اختاروا أقصر الطرق للغذاء والمتعة ومن المصدر مباشرة. وأثبتت حضارتهم بأنّها قابلة للحياة والاستمرار، فيما انهارت الحضارات الآشورية واليونانية والفارسية بعد أن وصلت قمة ازدهارها».
أقيمت في إطار مشروع النهر الثالث، العديد من النواظم والسدود لمنع الرافدين من الوصول إلى الأهوار بتحولها إلى قنوات شقت خصيصاً لذلك. فمثلاً يتم تجميع المياه الفائضة بالقرب من مدينة العمارة على دجلة، وتوجيهها إلى القناة الرئيسية التي تقذفها إلى الجنوب الغربي من مدينة القرنة، وبذلك تمنعها من تغذية هور العمارة وأهوار الحويزة. أمّا «قناة النهر الثالث» فتطقع نهر الفرات جنوبي الناصرية، وتمّ إنشاء سد خاص على الفرات جنوبي الناصرية، وتمّ إنشاء سد خاص على الفرات لتحويل مياهه إلى القناة المذكورة، ومنعها من الجريان في المجرى الأصلي للنهر الذي يغذي هور الحمّار، كما تمّ فصل ذلك الجزء من النهر عن الهور تماماً بواسطة السواتر الترابية العالية في الجزء الجنوبي منه. وكما أصبح معروفاً الآن، قامت السلطة، للإسراع بالتجفيف، بنصب مضخات كبرى لضخ مياه الأهوار إلى القنوات الخاصة التي تصب في النهر الثالث أو فروعه، وهو (أي النهر الثالث) يقذف المياه في الخليج مباشرة، أي أنّه جرى تحويل كامل لمجرى الفرات، ابتداءً من مدينة الناصرية حتّى الخليج.
يسمّي الإعلام الحكومي العراقي إجراءاته في إنجاز «النهر الثالث» وتجفيف الأهوار (استصلاح أراضي) وهي واحدة من التسميات العشوائية التي تعوّدت عليها الآلة الإعلامية العراقية الصدّامية. ويذكر أنّ «استصلاح الأراضي» هو تهيئة الأرض كي تكون منتجة، عن طريق التسوية وإزالة الملوحة، وشق القنوات، وإنشاء أنظمة التصريف، إضافة إلى الحرث واليذار والري والحصاد والتسويق وغيرها، كي تتمخّض تلك الأعمال عن نظام زراعي قابل للحياة يضمن إنتاجاً دائماً للثروة.
إنّ الظروف المناخية السائدة في العراق، وخصوصاً في جنوبه، تؤكد أنّ تملّح التربة عملية مستمرة ولا يمكن إيقافها، بل هي في حاجة إلى إدارة حلية ناجحة وتطوير أنظمة ري وصرف حديثة تسمح بغسل التربة بشكل مستمر، كي يمكن ضمان إنتاجية دائمة للأراضي. بغير ذلك فكلّ ما جرى ويجري هو مضيعة للمال والجهد، ووسيلة لفرض سيطرة السلطة على المنطقة.
لا شك في أنّ القضاء على أهوار العراق هو أبشع ما قامت به الحكومة على صعيد البيئة، وهو عمل همجي، وفق كلّ الأعراف، ولا توجد أيّة مبررات أو ضرورات معقولة تضطرها للقيام به، إضافة إلى أنّ عملية التجفيف نفسها تطلبت إمكانات مادية هائلة ربما كانت أحوج إليها في ميادين أخرى. وحوّلت السلطة العراقية تلك البقعة الجميلة، التي سمّاها كيفن يونغ «الفردوس»، إلى مقبرة للطيور والأسماك والبشر، بسبب التجاء بعض المعارضين إليها بعد أن ضاقت عليهم مساحة الوطن.
مستبل بيئة العراق
قبل الحديث عن عمل مستقبلي نذكر قضية أكثر تعقيداً، ألا وهي مأزق الحكم العراقي الحالي، علاقة ذلك بالوضع البيئي، فهو ليس نظاماً استبدادياً لا حدود لبطشه وقسوته فحسب، بل هو أيضاً حكم ضعيف، ليس أهلاً للثقة، في المعادلة الدولية أو الإقليمية. يعود ذلك إلى أنّه يستند إلى إرادة رجل واحد. وبسبب انعدام أيّة آلية شرعية أو دستورية بديلة لإرادة هذا الرجل، العشوائية والمستعدة لمقايضة كلّ شيء عدا كرسي الحكم، فهو (أي الحكم العراقي) غير قادر على المحافظة على الحقوق الوطنية، بقدر تعلق الأمر بعوامل خارجية. أمّا داخلياً، فلا شيء لديه يعلو عن الهمّ الأمني، وبناء المعسكرات وفرق الجيش الخاصة بالقمع، والميليشيات الحزبية، وهلمّ جراً.
من هذا المنطق، لا يسع المرء إلاّ أن يكون متشائماً، فيما يخص مصير العراق، وبالتالي بيئته المهددة، وخصوصاً إذا أخذ في الاعتبار، وهذا أمر مفروغ منه، المواقف التركية، (وبالطبع بؤس الوضع العربي، والانحياز الغربي، وخصوصاً الأميركي المطلق إلى جانب إسرائيل). لذا فمن البديهي الاعتقاد بأنّ غقامة نظام حكم مستقر وديموقراطي في العراق هو شرط لا بد منه، للتوصل إلى تسويات عادلة وبعيدة المدى.
حسن الجنابي
تدمير الحياة الفطرية والاجتماعية
لمنطقة فريدة في العالم
عرض التلفزيون البريطاني (I.T.V) فيلماً وثائقياً تسجيلياً بعنوان: (Saddam’s Killing Field’s) من إنتاج الباحث والصحافي البريطاني مايكل وود، يكشف بعضاً من الدمار الرهيب الذي لحق بمحاظات وسط العراق وجنوبه التي انتفض سكانها ضد سلطة صدام حسين في آذار (مارس) عام 1991، وبخاصة مدينة كربلاء التي حوّلتها قوات الحرس الجمهوري إلى أنقاض وكأنّها لم تصح بعد من زلزال مدمر ضربها للتو.
ويظهر الفيلم لقطة تفصح عن هتك النظام لحرمة مساجد الله وقبور أولياء الله. فرصاص الحرس الجمهوري اخترق عن عمد لفظ الجلالة وأسماء خلفاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المكتوبة على باب الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقبره.
ثمّ تنتقل الكاميرا إلى مسرح الكارثة المروعة في جنوب العراق، التي تعيش فصولها المأسوية حالياً الأهوار وسكانها من العشائر العربية معاً… وقد لا ينقضي هذا العام إلاّ وتكون أهوار جنوب العراق وسكانها العرق قد أصبحوا جزءاً من تاريخ دامٍ كتبه صدام والساكتون على جرائمه معاً.
للوهلة الأولى يدرك الذين عايشوا أو قرؤوا عن عمليات «الأنفال» الإجرامية التي ارتكبها النظام في حق الشعب الكردي في كردستان العراق، أنّ صورة مأسوية أخرى لكن أكثر دموية ترتسم ملامحها اليوم في أهوار العراق.
ففي عمليات «الأنفال» التي نفّذها وزير الدفاع الحالي علي حسن المجيد عام 1988 في كردستان دُمرت آلاف البيوت وسيق الآلاف من أبناء الشعب الكردي رجالاًو نساءً وأطفالاً بالشاحنات حيث دفنوا في حفر جماعية وهم أحياء كما يعترف بذلك «المجيد» في كاسيت صوتية، وكما تشهد على ذلك المقابر الجماعية التي اكتشفت في أرجاء كردستان بعد انحسار السلطة المركزية عنها وقيام الحكومة الكردية الحالية في كردستان. كما أنّ النظام هجَّر عشرات الآلاف من الأكراد من قراهم إلى أحياء سكنية ومجمعات كان أعدّها سلفاً. فيما فشل في تطويع جبال كردستان وتسويتها بالأرض.
أمّا الذي جرى في الأهوار، وما هو قائم على قدم وساق حتّى هذه اللحظة، وكما أظهر بعض لقطات القيلم وتقارير المبعوث الخاص للأمم المتحدة ماكس فان ديرشتوتل والمراسلون الأجانب، فهو تدمير بيئة الأهوار التي تزيد مساحتها عن عشرة آلاف كيلومتر مربع. بتجفيفها كلياً بعد قطع مياه فروع نهري دجلة والفرات التي تصب في هذه الأهوار، وتسميم مياهها لإبادة كلّ كائن حي فيها من إنسان وحيوان ونبات.
دُمّرت محاصيل موسم الصيف الماضي من الارز. ونفقت ثروة حيوانية في المنطقة من فصيلة الجاموس. وتمّ تدمير أكبر ثروة سمكية كانت تعيش في حوض مائي طبيعي يمتد لآلاف الكيلومترات المربعة وكان يزوّد جنوبي العراق ووسطه بأنواع الأسماك والطيور الموسمية المهاجرة.
أمّا سكان الأهوار، وهم عشائر عربية عرفت بمعارضتها المسلحة للنظام، فجرب النظام معهم أفتك أنواع الأسلحة بما فيها السلاح الكيماوي في الأسبوع الأخير من أيلول (سبتمبر) الماضي. في وقت طوّقت جيوش النظام منطقة الأهوار من الشمال والغرب والجنوب والشمال الشرقي، متحدية بشكل صارخ قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 688 الذي دان قمع النظام للشعب وأكد احترام حقوق الإنسان وكفالة احترام الحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين.
ترى ما الذي يدفع نظام صدام إلى طي صفحة أهوار العراق من جغرافية المنطقة بهذا الأسلوب التدميري وبهذه السرعة المتناهية؟
إنّ أسباباً كثيرة مصيرية تدفعه إلى إنهاء «جيب» الأهوار، منها:
ـ أوّلاً: استكمال تطبيق مشروع الفراغ السياسي في العراق كلّه، وهذا الفراغ يساوي لديه انعدام البديل السياسي، وبالتالي استمرار النظام الحالي في السلطة وفرض نفسه كأمر واقع على الصعيدين الإقليمي والدولي والمنطقتان، أهوار جنوب العراق وكردستان، فيهما معارضة جماهيرية كبيرة ومسلحة تف على أرض عراقية خارجة عن سلطة النظام. لذا، فإنّه يحاول تدميرها وطي صفحتها إلى الأبد.
وصدام حسين رجل مسكون بالسلطة أبداً، يعيش هاجس البديل المحتمل باستمرار، ولم يتورع يوماً عن استخدام أسلوب التصفية الفردية أو الجماعية والتطهير السياسي سواء مع رفاقه في الحزب الحاكم، أو الأحزاب المعارضة لسلطته، أو التطهير العرقي والمذهبي لبلورة حالة الفراغ السياسي في العراق.
إنّ أهوار جنوب العراق كحالة وطنية كانت وما زالت خنداً متقدماً يقي الحالة القائمة الآن في كردستان هجمات النظام سياسياً وعسكرياً.
ـ ثالثاً: عزل جنوب العراق كلياً عن العالم الخارجي وتشديد الحصار الإعلامي المفروض من النظام على الجنوب والوسط كلّه، فتقارير الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والأفلام الوثائقية وتقارير المراسلين عن انتهاكات النظام المروعة لحق الإنسان العراقي في هذه المنطقة لا تزال تشكل بمجموعها ضغوطاً على مجلس الأمن الدولي والأسرة الدولية لاتخاذ إجراء ما بإرغام النظام على تطبيق القرار 688 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.
إنّ تدمير أهوار الجنوب وبسط يد السلطة عليها ستكمل طوق عزل منطقة الجنوب بالكامل ليستطيع النظام تزييف صوت الشعب العراقي. وعندها سيكون «قد طبق كلّ قرارات مجلس الأمن الدولي بما فيها القرار 688» والطريق ستكون سالكة لفرنسا وروسيا والصين لتطالب برفع العقوبات الاقتصادية عنه.
ـ رابعاً: إيفاء النظام في بغداد لالتزاماته للشركات النفطية الفرنسية بمنحها حقوق الامتياز في حقول مجنون وحقول النفط الأخرى في أهوار الجنوب. إذ نشرت مجلة «نيوزويك» الأميركية وصحفاً أوروبية أخرى معلومات عن الأشواط التي قطعتها الشركات الفرنسية مع مندوبي بغداد. فالنظام يسعى حثيثاً لفك عزلته الدولية بتحريك الشهية النفطية لفرنسا ودول غربية أخرى. وأخيراً، يريد النظام، بتدمير أهوار الجنوب وإبادة سكانها، الانتقام والثأر من العشائر العربية التي لم تشاركه في عدوانه على الكويت واستقبلت عشرات الآلاف من معارضيه، ولأنّها احتضنت ثوار الانتفاضة الجماهيرية التي انطلقت في آذار 1991 وكادت أن تعصف به.
المخاوف العربية
ومواقف الدول الكبرى
لم تكن الممارسة القمعية لنظام صدام حسين ضد عرب وسط العراق وجنوبه بخافية على أعضاء دول التحالف الغربي أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما انفك النظام يتحدّى وينتهك بشكل سافر قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 688 الصادر في 5//4/1991، الذي دان فيه قمع النظام العراقي لشعبه، مطالباً إياه بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين في العراق. إذ أنّ تقارير المراسلين الغربيين من جنوب العراق وتقصّيات المقرر الخاص للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في العراق… فضلاً عن زيارات ميدانية قام بها على انفراد أعضاء في البرلمان البريطاني وبعض الدول الغربية وزيارة زوجة الرئيس الفرنسي ميتران لكردستان العراق، كشفت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ النظام في بغداد ينتهك حقوق الإنسان بأبشع الأساليب في الوسط والجنوب. كما أنّ صور الأقمار الصناعية الغربية والأميركية أظهرت هي الأخرى أنّ النظام مستمر في مشروع تجفيف وإبادة البيئة الطبيعية لأهوار العراق في الجنوب و«تدمير الحياة الفطرية والاجتماعية لهذه المنطقة الفريدة التي بقيت معزولة عن العالم الخارجي آلاف السنين» كما جاء في تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة.
إلاّ أنّ ردود الفعل الغربية عموماً والأميركية خصوصاً على هذه الانتهاكات الصريحة لم تتجاوز حدود إعلان منطقة الحظر الجوي على طائرات النظام جنوب خط عرض 32° في العراق وبعض التنديدات من وزارتي الخارجية الأميركية والبريطانية. ولم يمض وقت طويل على إعلان منطقة الحظر الجوي في الجنوب بتاريخ 27 آب (أغسطس) 1992 حتّى بدا أنّ النظام العراقي لم يتوقف للحظة واحدة عن أسلوبه القمعي مع أبناء العراق في الوسط والجنوب وأنّ ما حظر عليه جواً كان مباحاً له على الأرض، فالمدفعية الثقيلة والراجمات قصيرة المدى والأسلحة الكيماوية وتسميم المياه وحرق القرى في أهوار جنوب العراق كانت وسائل لا تقل عن طائراته تدميراً وفتكاً بعرب الأهوار.
عندئذ بدأت أسئلة ملحة تطرح نفسها من واقع مأساة جنوب العراق والكارثة المروعة التي تحيق بعرب الجنوب أمام مأرى العالم منها: لماذا لم تضغط دول التحالف لتفعيل منطقة الحظر الجوي جنوب العراق إلى منطقة آمنة كما حصل في كردستان العراق حيث يعيش الكرد حالة أمن نسبية بعيداً عن إرهاب النظام؟ ولماذا تكيل دول التحالف ومجلس الأمن الدولي قراراتها وموافها بمكيالين في كردستان وجنوب العراق مع أنّ كلا الشعبين، الكردي والعربي في الجنوب، تعرضا لأساليب القمع والإبادة ذاتها من جانب النظام فيما تجاوزت انتهاكاته في الجنوب خصوصاً في الأهوار كلّ المقاييس السابقة والأساليب التي اتبعها مع الشعب الكردي؟ وللإجابة على هذين السؤالين لا بد من العودة إلى ردود فعل جامعة الدول العربية ومخاوف بعض الدول العربية إزاء إعلان دول التحالف للحظر الجوي جنوب خط عرض 32° في العراق.
ويمكن تلخيصها بثلاثة مخاوف أدّت بالفعل إلى إفراغ الحظر الجوي جنوب العراق من محتواه وعنوانه ممّا جرّ على عرب الجنوب أبشع المآسي والمجازر.
والمخاوف الثلاثة هي:
1 ـ أن يؤدي حظر الطيران المذكور إلى تقسيم العراق على أسس طائفية وعرقية، أي بكيان كردي في الشمال وسني في الوسط وشيعي في الجنوب.
2 ـ أن تفجّر الخطوة بين هذه الكيانات حرباً أهلية.
3 ـ أن تستغل إيران الكيان الشيعي (المزعوم) في الجنوب لتبسط نفوذها عليه.
وسنعرض بإيجاز لكلّ واحد من هذه المخاوف.
إنّ تقسيم العراق على الأسس الطائفية والعرقية يعني قيام كيان كردي مستقل في شمال العراق يحاور الأقليات الكردية في كلّ من تركيا وإيران وسوريا بما يمهد لقيام كردستان الكبرى باقتطاع أجزاء من هذه الدول، فإذا كانت تركيا تشن حربها الدموية الشعواء ضد الأكراد في الأناضول لمجرد مطالبتهم بحقوقهم الثافية أفلا يعني اقتطاع الأناضول إعلان حرب عليها… وقد كشفت الشهور الماضية مدى سلبية هذه الدول الثلاث إزاء المكاسب التي حققها الأكراد في كردستان العراق. فضلاً عن أنّ الجبهة الكردسنانية أكدت مراراً بأنّها تريد عراقاً موحداً.
أمّا عن وضع ما يسمّى الكيان الشيعي في الجنوب: فالأكيد أنّ العرب الشيعة يشكلون غالبية سكان العراق وأنّ تأسيس الدولة العراقية الحديثة جاء نتيجة ثورة وتضحيات القبائل والعشائر العربية الشيعية ضد قوات الاحتلال البريطاني ومناداة هذه القبائل ومطالبتها يومذاك باستقلال العراق وقيام حكم عربي دستوري وكانوا منذ ذلك التاريخ وما زالوا ركناً ركيناً في الحركة الوطنية العراقية فكيف يقبلون بكيان يصطنعه لهم الغرب في الجنوب.
كما أنّ التاريخ لم يسجل لزعمائهم وعلمائهم ورموزهم السياسيين وقبائلهم أيّة نزعة انفصالية على الإطلاق منذ قيام الدولة العراقية الحديثة. كذلك لم يعرف عن العرب السنة في العراق… سواء كانوا زعماء سياسيين أو قبائل وأفراداً أي نزوع انفصالي.
وبذا فإنّ المخاوف من تقسيم العراق على أسس عرقية وطائفية غير مبررة، لأنّ التقسيم مرفوض إقليمياً وشعبياً على المستويات كلذها في العراق، كما أنّ دول الغرب، وهي أشد ما تكون حاجة إلى النفط، ليست مستعدة لتوزيع حقول النفط في العراق على كيانات مجزأة غير مستقرة.
والخوف الثاني: أن يستتبع التقسيم… تفجير حروف أهلية بين الكيانات الثلاثة وهذا وهمٌ أيضاً، فلم يكن في يوم من الأيام بين أبناء العراق عرباً وأكراداً سنة وشيعة أي صراع أو تناحر منذ أن جمعهم الوطن قديماً، ولم يسجل التاريخ الحديث حتى واقعة واحدة من هذا القبيل… بل على العكس من ذلك ففي الوقت الذي كانت النظم التي تعاقبت على حكم العراق تقمع المعارضة الكردية وبخاصة إبان تهجير نظام صدام لعشرات الآلاف من الأكراد عن موطنهم وقراهم إلى جنوب العراق. كان الأشقاء الكرد ضيوفاً أعزاء لدى القبائل والعشائر العربية في الجنوب والفرات الأوسط، كما أنّ كردستان وشعبها الكريم المضياف كان وباستمرار موطناً لكل عراي معارض للسلطة حل بين ظهرانيها… وما نشاهده هذه الأيام في كردستان هو خير شاهد.
إنّ نظام صدام هو الذي بذر وما زال يبذر الفتن والخلافات المذهبية بين أبناء الشعب العراقي… فقد سعى لتحريض العرب ضد الأكراد إبان حملاته العسكرية ضد كردستان… والسنة ضد الشيعة في انتفاضة آذار (مارس) 1991.
أمّا الخوف الثالث: فهو أن تستغل إيران الكيان الشيعي في الجنوب لبسط نفوذها عليه… وهو أخطر المخاوف الثلاثة… وهذه حقيقة معكوسة تماماً.
فإيران غير متحمسة لقيام كيان شيعي عراقي في الججنوب لسببين رئيسيين، الأوّل: أنّ انحسار سلطة النظام العراقي عن جنوب خط عرض 32° في العراق يعني تحرر مدينة النجف… وهي المركز الروحي لكل شيعة العالم منذ أكثر من ألف عام بمن فيهم شيعة إيران… وهذا يعني فقدان مدينة قم الإيرانية لموقعها الحالي.
والسبب الثاني: هو أنّ في إيران أقلية عربية يزيد نفوسها عن خمسة ملايين عربي… وهذه الأقلية تنتمي إلى عشائر عربية مثل كعب والسواعد والزركان وخيكان وغيرهم وهم امتداد للقبائل الأم الموجودة منذ أمد بعيد في جنوب العراق وما زالوا يرجعون في حل وفصل دعاواهم ونزاعاتهم العشائرية إلى رئاسة مشيخاتهم جنوب العراق كما هو حال عشائر عنزة المنتشرة في الجزيرة العربية ورئاسة مشيخاتها العامة في العراق إلى يومنا هذا… والشيء نفسه بالنسبة لعشائر شمر في بلاد الشام إذ توجد رئاسة مشيخاتها العامة حالياً في شمال العراق.
ويذكر أنّ الأقلية العربية في إيران تستوط في منابع النقط الإيرانية لذا فإنّه قد لا يكون في مصلحة إيران في قيام كيان شيعي في جنوب العراق للسببين أعلاه.
وهناك من يعطي سبباً لتكؤ دول التحالف في تفعيل منطقة الحظر الجوي جنوب العراق وتحويلها إلى منطقة آمنة كما هي كردستان اليوم… وهو أنّ المعارضة السياسية لعرب الجنوب فشلت في الاتفاق فيما بينها على بند مقبول كما فعلت المعارضة الكردية في كردستان والإجابة وإن كانت الآن في مرمى المعارضة العراقية، إلاّ أنّه كانت هناك خطوات جادة في هذا المجال جسّدت الكثير من الطموحات.
لقد ركب النظام في بغداد مخاوف الجامعة العربية وبعض الدول العربية من تقسيم العراق واستثمر كلّ جهد لإفراغ قرار الحظر الجوي من محتواه في جنوب العراق فيما بقي عرب الجنوب نهباً لجيش النظام يبادون ويقتلون بصمت وفي وضح النهار حتّى هذه اللحظة.
هادي طالب
الأهوار في الأدب والتاريخ
العربي الإسلامي
وقف عتبة بن غزوان على حافة منابت القصب، أي الأهوار بشمال البصرةن قائلاً لجيشه: «ليس هذه من منازل العرب». فاستبدال الحصان والجمل بزورق الهور الرشيق، والخيمة بصريفة القصب ليس بالأمر الهيّن. وبهذه الكلمة عبّر عتبة عن قدم جغرافية الأهوار وأهلها، بعد أن أنكر ذلك باحثون وسياسيون، كان ذلك فضلاً عن ذكرها في الملاحم السومرية: الخليفة وجلجامش والطوفان. قصد الأهوار مستكشفون أجانب عديدون، تبقى صلتهم بالمكان عبر رسائل وكتابات، ومنهم من يُفاجأ بوصول صديق من أهل الهور إلى لندن. فقد حدث ما لا يتوقعه البريطاني (كافن يونغ): «رنّ هاتفي في لندن فرفعت السماعة لأسمع صوتاً يقول بالعربية: إنّي فالح بن جاسم، من؟ فقد بدا لي ذلك من دون معنى إلى أن أدركت فجأة أنّه فالح الابن الثاني للشيخ جاسم، فقلت: ماذا تعمل هنا في لندن؟ أنا مريض وجئت للعلاج، هل يمكنك المجيء إليّ؟». وحينها قام الرحالة الإنكليزي بواجب الضيافة والعناية على أتم وجه. وللأسف ما كتبه عراقيون حول الأهوار لم يرق إلى مستوى الحقيقة والمودة التي كتب بها الأجانب. فقد جاء كتاب شاكر سليم «الجبايش»، أقل من المرجو تجاه طبيعتها وأهلها، وما كتبه محمد الطائفي في «إقليم القصب في جنوب العراق» كان تحريضاً ضد بيئتها، ودعا من دون دراية بتاريخ المكان وجغرافيته إلى تجفيفه، ومدّ طرق السيارات، ظنّاً منه أنّ الهور عبارة عن مستنقع من الماء الضحل! وفي تصوري أنّ تسمية الهور بهذا الاسم ليس لها علاقة بما يعرف بالمستنقعات، وبالتالي لم يكن مشتقاً من الفعل الثلاثي (هار). فالهور مكان قديم، وتسميته بهذا الاسم كانت معروفة قبل تعرف سكانه الأصليين على اللغة العربية.
إنّ تاريخ أكثر من خمسة آلاف سنة يجعل الهور في حلّ من ذلك المعنى، فالمصادر التاريخية تشير إليه ككيان له خصوصيته وحضوره الحضاري، بيد أنّ تسمية المستنقع تجعلها بركة مائية طارئة. وفي أصل تسمية الهور رأى أنّ الاسم له علاقة بأبرز ظاهرة مناخية، وهي سطوع الشمس الدائم، وانعكاسها على سطح الماء الشاسع، ومن ذلك يظهر الهور باللون الأبيض، رغم أنّ لون القصب والبردي هو الأخضر. وكثيراً ما يشير أهل الهور إلى أماكن تدعى البياضة، وقد عبّر (بونغ) عن بياض هذا الهور من دون قصد: «إنّي رايت، على رغم بُعْد المسافة، النهايات البيض المتموجة للمقاصب الكبرى»، وبالتالي إنّ اسم الهور اسم آرامي، يعني البياض، فهورا الآرامية تعني «البياض، والنقاء»، ومنها تكون حوران: أي الأرض البيضاء النقية. وكذلك نجد في القاموس المندائي مفردة (HWR) بمعنى (Whiteness) مع علمنا أنّ النطاقين بالآرامية الشرقية، الصابئة المندائيون، اتخذوا من الأهوار مكاناً لهم منذ القدم، وقدّسوا ماءها مثلما قدّسه السومريون من قبل، ومع علمنا أيضاً أنّ الآرامية كانت لغة المنطقة قبل العربية. وفي السريانية الحية بالعراق، تعني كلمة (حورو) البياض أيضاً، وفي العديد من اللغات تحتل الهاء مكان الحاء. وفي الفارسية تعني كلمة الهور «الشمس» أو النجم. والتسميتان تدلان على البياض أيضاً، والتنافذ بين اللغات المذكورة لم يكن بعيداً في ذاك الحيز الجغرافي. ما تقدم كان مجرد رأي، لكن الأهم من ذلك أنّ الأهوار لم تكن مستنقعات، تنتظر من يردمها، ويلغي بيئة، قال أهلها القدماء عنها: إنّها بداية الخليقة.
من نظريات نشأة الأهوار: «أنّ أرض العراق قد تعرّضت لحركة التوائية في الزمن الجيولوجي الثالثن كان من جرائها أن ارتفعت بعض الأجزاء مكوّنة مرتفعات العراق الشمالية الشرقية، بينما حدث تقعّر في مناطق العراق الوسطى والجنوبية، أدّى إلى توغل مياه الخليج العربي لتغطي ذلك المنخفض». ووفقاً لهذه النظرية اعتقد العلماء: «أنّ رأس الخليج كان في عام 4000 قبل الميلاد من مدينة بغداد، وأنّه كان عند موع مدينة الناصرية الحالية زمن السومريين، في الألف الثالث قبل الميلاد، وكانت أور تقع عليه آنذاك». وهذا الرأي كان معروفاً بين العارفين من أهل المنطقة، ونقل إلى الأهالي حتّى أصبح معلومة شعبية ملخصها: أنّ موانىء البصرة الحالية كان في مدينة الناصرية شمالاً في زمن ما. لكن هناك من الجيولوجيين من يسقط هذه النظرية، ويرى أنّ مدينة أور كانت تع على جرف الفرا «الذي كان يخترق هذه المنطقة في طريقه إلى ساحل الخليج، وأنّه لا يوجد أثر لساحل البحر قريباً من أور». ويذكر، أنّ المنقبين الأثريين بأور وجدوا «بقايا مشروع سد قديم، ومعالم رصيف ميناء، وقد أقيم هذا السد لتوزيع مجرى الفرات إلى فرعين». ومقابل الرأي السالف، في نشأة جغرافية الأهوار، اعتقد (جورج رو) بحداثة أكبر أهوار المنطقة، هور الحمّار، أي كان نشوؤه بحدود العام 1870م، ونشر اعتقاده هذا في مجلة «سومر» 1957. ودليله على ذلك أنّ بعثة (جيسني) التي قامت بدراسة أنهر العراق في ذلك الوقت لم تفرد وصفاً للهور المذكور في تديرها، وأنّ ما ورد في كتاب البحرية البريطانية حول فيضان نهر الغراف أشار إلى خراب ضفاف الفرات حنيذاك. ويرد أحمد سوسة على ذلك بقوله: «هذا لا يتفق وواقع الحال للأسباب التالية: أنّ مهمة بعثة جيسني كانت تنحصر في دراسة إمكانات الملاحة على أنهار العراق، وكان مجرى نهر الفرات الرئيسي في زمن قيامها بهذه الدراسة، أي بين 1835ـ1837، يجري في الاتجاه القديم بين سوق الشيوخ والقرنة، وكان مجراه في هذا الاتجاه آنذاك من السعة، بحيث كانت تمر فيه السفن والبواخر بسهولة، لذلك لم تهتم البعثة بهور الحمّار، وقد حصرت دراستها بمجرى النهر الرئيسي. أمّا ما جاء في كتاب البحرية البريطانية من أنّ مياه فيضان شط الغراف قد خربت ضفاف الفرات اليمنى، على أثر انضمامها إلى الفرات، فهذا الحادث إن وقع فعلاً يكون قد أدّى في الحقيقة إلى تغيير مجرى الفرات من اتجاهه بين سوق الشيوخ والقرنة إلى اتجاهه الحالي، داخل هور الحمّار بين سوق الشيوخ وكرمة علي».
وخلاف (جورج رو) أكد الباحثون: «أنّ هوراً كبيراً مثل هور الحمّار كان في العصور القديمة يقع بالقرب من أور وأريدو». وأنّ آثار هذا الهور، قرب المدن السومرية المذكورة أوهمت المنقبين الأثريين «عن اتصال هاتين المدينتين بالبحر، وليس لأنّ حد ساحل الخليج كان يصل إلى هذه المنطقة». وعلى العموم، إنّ وجود آثار البردي والقصب كما ظهرت في الألواح السومرية وفي الأدب والفن السومريين لا يحتاج إلى دليل على قدم المكان، حتّى أنّ السومريين جعلوا للأهوار والمياه العذبة إلهاً خاصاً هو الإله آنكي.
ومن تركة اللغة السومرية في لهجة أهل الأهوار، الحالية، كلمة (ايشان) وتعني التل المحاط بالماء، وفي هذا المجال ذُكر أنّ تسمية الأهوار السومرية «الأكامي والتي تكاد تكون قريبة من لفظة الأجمة، التي تعني المسطحات المائية، التي تنمو فيها نباتات القصب والبردي». وقد ورد أجمة القصب في ملحمة «العلي»: عندما لم تكن بعد مراع خضر، عندما لم تكن بعد أجمات القصب».
والأجمة هي تسمية من التسميات العربية للأهوار، كما سيأتي ذكره في ما بعد. وفي هذا الصدد أشار عالم الآثار العراي طه باقر إلى قدم الأهوار في دراسته حول تاريخ نبات البردي، المعروف بـ «أربتو» عند السومريين، كما وردت في كتابات الملك الآشوري شليمنصر الثالث (858ـ824ق.م). قال باقر: «ذكر نوع من القوارب صنعت من نبات أربتو، وميّزت عن نوع آخر من القوارب كانوا يستعملون فيها الجلود المنفوخة، أي أنّ النوع الأوّل من القوارب هو الذي يشبه القوارب التي تصنع في العراق الآن من البردي والقير، كالمشاحيف والقارب المدور المسمّى في العراق الآن باسم الفة، كما ذكرت المصادر المسمارية الحُصُر المصنوعة من هذا النبات، وقد سمّتها باسم أرشو أربتي، أي فرش البردي».
وعرفت الأهوار في التاريخ العربي الإسلامي بالبطائح أو البطحية، والأجمة أو أجمة البريد، وبالهور، والتسمية الأخيرة كانت محدودة. والأهوار على حدّ وصف ابن منظور: ماء لا يرىطرفاه من سعته، وهو مغيض دجلة والفرات. واهتمّ المؤرخون والجغرافيون المسلمون ببيئة الأهورا لطبيعتها المثيرة، بما يها من تفاصيل غامضة تثير الفضول، إضافة إلى أنّها كانت ملجأ للمعارضين والهاربين من السلطات، الأفراد والجماعات.
وعلى حد علمي أنّ كلّ ما ظهر إسلامياً عن الأهوار أو البطائح كان أساسه رواية المؤرخ البلاذري التي جاء فيها: «ثمّ كانت السنة التي بعث فيها الرسول (صلّى الله عليه وآله) عبدالله بن حذافة السهمي إلى كسرى أبرويز، في السنة السابعة للهجرة، ويُال السنة السادسة، زاد الفرات ودجلة زيادة عظيمة، لم ير مثلها، قبلها وبعدها، وانبثقت بثوق عظام، فجد أبرويز أن يكسرها فغلبه الماء (…) فاتسعت البطيحة وعرضت». ويعلّق المحقق شارل بلا على رواية المسعودي في نشأة الأهوار بقوله: «ذكر المؤلف أنّها تكوّنت في صدر الإسلام، وذلك غير صحيح، لأنّها كانت موجودة منذ عهد طويل، وإنّما أخرب الناحية فيضان سنة 16 وسنة 17 للهجرة، ووسع البطائح».
واستناداً إلى ما نصطلح عليه بالنظرية الإسلامية في نشأة الأهوار قال الحموي في «معجم البلدان»: «استفحل أمر البطائح، وانفسدت (هكذا وردت) مواضع البثوق وتغلب الماء على النواحي، ودخل العمال بالسفن، فرأوا فيها مواضع عالية لم يصل الماء إليها، فبنوا فيها القرى، وسكنها قوم وزرعوها أرزاً». ولو كان الحموي رحالة شهد الأمكنة ما قال ذلك، لأنّ شتلات الأرز لا تنبت في اليابسة، وإنّما تزرع في ماء عمقه ذراع على الأقل، فهو نبات مائي، ويحصل حصاده بعد انسحاب الماء بالموسم، على وجه الشتاء. كذلك إنّ وجود نبات الأرز بالبصرة عند فتحها يؤكد قدم هذا النبات في المنطقة، فحسب رواية الحموي نفسه في «معجم البلدان» (مادة البصرة) أنّ العرب تعرفوا عليه أوّل مرّة فيها.
أمّا أهل الأهوار فلهم حكاياتهم بنشوء المكان، ومن هذه الحكايات تذكر الباحثة الألمانية (هلبوش) ونؤكد سماعنا لمثل تلك الحكايات، مع صعوبة التحقق من موضوعيتها، منها: «أنّ النار الهائلة شبّت منه ولم يستطع الناس الذين أسرعوا إلى ظهور الخيل إطفاءها، ثمّ اندفعت المياه إلى هذا المكان بل مئتي سنة». والباحثة المذكورة، التي عاشت في الأهوار ما يارب العام، توصّلت إلى النتيجة التالية: «إنّ منطقة الأهوار هذه كانت مسكونة منذ أقدم العصور التاريخية، وكانت هدفاً لهجرات مجموعات من الناس في أدوار ما قبل التاريخ، واستطاعت أن تحافظ على عنصريتها، وأصلها القديم الذي نجده اليوم».
ويُقال إنّ التلال المنتشرة في عرض الأهوار كانت مزروعة بأشجار الفاكهة. ويتذكر السكان، بحسرة، ما قيل لهم عن مزارع الرمّان والكروم على حافة الهور، حتّى ظنّوا أنّ اسم منطة (أبو سوباط) في أطراف هور الحمّار أنّه من بقايا سوابيط (عرائش) العنب. وفي تاريخها الزراعي ونشوئها الحديث ال أبو عبيدة البكري (487هـ) في «المسالك والممالك» (ص236): «ثمّ إنّها (دجلة) خرقت الأرض حتّى مرّت بين يدي واسط، حتّى صبّت ماءها في هذه البطائح، والبطائح يومئذ أرض تزرع متصلة بأرض العرب». وأعتقد أنّ ذلك التصوّر لا صحة له، وهو مجرد الحلم بالجنة، فجزر الهور لا تصلح للبساتين لضي مساحتها، وغمرها بمياه الفيضان سنوياً. ود تأثّرت الألمانية (هلبوش) بتلك التصوّرات فراحت تقول: «ويستدل من التلول الأثرية الكثيرة الممتدة على شاطىء الهور على أنّ أرض الهور كانت في زمن ما بارزة ومزروعة تع بالقرى والحياة الريفية».
ويصف المسعودي الأهوار بقوله: «صارت البطائح إلى هذا الوت مسيرة أيام، وذلك بين واسط والبصرة، واسمها في هذا الوقت في ديوان السلطان آجام البريد». وقال البلاذري: «لمّ تبطحت البطائح سمي ما استأجم من شق طريق البريد آجام البريد، وسمّي الشق الآخر آجام اغمربشي، وفي ذلك الآجام الكبرى». وجاء في يوميات ثورة الزنج بالبصرة (تاريخ الطبري السنة 262هـ): «توجّه رجال الزنج إلى البطيحة ودستميسان (العمارة عالياً). وجاء أيضاً «فكتب الجبائي إلى قائد الزنج يخبره بأنّ البطيحة خالية من رجال السلطان». وقال ابن رسته (290هـ) في كتاب «الأعلاق النفيسة»: «ويحمل بعض ما فيها من الزوارق، فتمرّ في شبه أزقة تصل بين الأهوار. وبين هذه الأزقة مواضع متخذة من قصب عليها أكواخ من قصب يكتنون بها من البق، وفيها مسالح (مفارز مسلحة) يعمل رجالها على تطهير المجرى وحماية الملاحين، لأنّ البطائح مكامن طبيعية يختبىء فيها اللصوص». إنّ المواضع التي أشار إليها ابن رسته تسمّى في الأهوار، اليوم، بالجبايشات (مفردها جباشة) والدبون (مفردها دبن) وتتكوّن من تراكمات البردي والقصب على مرّ السنين، وتتحرّك بما عليها من كوخ وإنسان وحيوان، وكان اسمها الآرامي (طهيثا) ومعناها: «رية تائهة لوجودها بين الأهوار». وحسب المصدر السابق: ذكر ابن سيرابيون أحد الأهوار باسم البصرة الآرامي (بصرياثا) وهور بحصى، وهور بكمص، وهور المحمدية، ولعل الهور الأخير هو الحمّار، فهناك على جرف ذلك الهور ضريح قديم اسم صاحبه محمد، ما زال مزاراً.
وورد الهور بهذه التسمية وبالأجمة، عند الجاحظ بقوله: «حدثني إبراهيم النظّام، قال: وردنا زقاق الهفة في أجمة البصرة، فأردنا النفوذ فمنعنا صاحب المسلحة، فأردنا التأخّر إلى الهور، الذي خرجنا منه فأبى علينا».وذكر ابن رسته مساحة الأهوار وجغرافيتها، وطريقة الملاحة في نقل ما يأتي من الخليج ودجلة بقوله: «إنّها منطقة واسعة تؤلف سلسلة بحيرات وسمتنقعات، وهي ثلاثون فرسخاً، وكانت تكتنف هذه الأهوار الرى والقصبات، فكثير فيها البردي والقصب، وهي تستقي الماء من الترع التي تأخذ من الأهوار، وكانت هذه الأهوار متّصلة بعضها ببعض بترعٍ صالحة للملاحة، فكانت السفن تأتي بحمولتها فتفرّغها في سفن أصغر منها لقطع الأهوار، والترع المؤدية إلى شط العرب». وذكرها البكري بالبحيرة التي بين البصرة وواسط، وقدّر مساحتها بقوله: «ثلاثون فرسخاً (الفرسخ نحو ستة كيلومترات) في ثلاثين».
وما ل يخفى على أحد أنّ لغة أهل الأهوار، اليوم، عربية بما يخالطها من كلمات ذات أصول قديمة منها السومرية ومنها الآرامية ومنها الفارسية، لكن ذلك لا يلغي البحث في أصل سكان المنطقة، هل انحدروا من الجزيرة العربية، أم اختلط العرب بهم على مرّ القرون، أو أنذهم جلبوا من الهند مع الاموس بحسب ادعاء الحكومة العراقية بعد انتفاضة 1991.
وإنّ القول بالأصل العربي لأهل الأهوار كافة يعترضه طبيعة المنطقة، والتي تحتاج إلى نوع من الخبرة التاريخية، في أسلوب الحياة وبناء بيوت القصب، التي لا تختلف بمكان عنها أيام السومريين، وكذلك الفارق كبير بين بيئة البادية وبيئة الماء، فسكان الأهوار مثلما وصفتهم الرحالة الإنكليزية ليدي دراور: «فيهم شيء من الطيور المائية، وما يدرج الصبي إلاّ وتجده سابحاً في الماء، وسيبقون كذلك على الراجح أبد الدهر». وكان عتبة بن غزوان نبيهاً بوصفه، السالف الذكر، للأهوار: «ليس هذه من منازل العرب».
وفي هذا الأمر تعطي (هلبوش) دلائل على قدم سكان الأهوار باستخدامهم للأدوات التالية: الحصران (البوادي)، والقارب العجيب (المشحوف)، والمنجل، وأنّ هذه الأدوات «معروفة في بلاد الرافدين الجنوبية».
وأكد أحمد سوسة، صاحب الدراسات المستفيضة بحضارة الماء بالعراق، قدم سكان الأهوار بقوله: «أهل البطائح والأهوار والمستنقعات، وهم جماعة من السومريين الأوائل، قد انفردوا في نمط حياتهم البطائحية الخاصة بهم، حيث كانت الأهوار الشاسعة مقرّهم، وميدان تنقلاتهم وحركاتهم».
ومن بقايا السومرية بالمنطقة، تردد اسم السيمر في أكثر من مصدر تاريخي، كاسم لقوارب معينة، واسم لنقود، واسم لشريحة كبيرة من الناس، يقطنون شمال البصرة، واسم لقادة كلّفتهم الدولة العباسية والسلطة البويهية في مطاردة المتمردين. ولم أكن أقدم على الالتفات إلى البحث بالعلاقة بين تلك التسميات واسم سومر، لولا أن سبق إليه عامر حسك في كتابه «أهوار جنور العراق». قال المذكور: «إنّ قبائل أهوار نهاية الفرات الجنوبية، ضمن هور الحمّار، يطلق عليهم اسم السيامر المشتقة من اسم السومريين، غير أنّه لا توجد قبيلة بمفردها تحمل اسم السيامر، وإنّما كلّ قبيلة تحمل اسمها الخاص بها، وترجع بنسبها إلى قبيلة من القبائل العربية المعروفة، وتعتبرها القبيلة الأم، ومع هذا إنّ الانتماء إلى السومريين لا ضير فيه ما دام هم سكان العراق الأصليين». وأقول: الأمر لا يتوقف على تسمية أهل ذلك المكان بالسيامر والتي تلفظ محلياً بالصيامر، وإنّما عرفت في التاريخ الإسلامي قوارب أو سفن بالسيمريات، وهي القوارب الخاصة بالأهوار، وورد في بحث لعلي الشرقي، حول الجزر العائمة في الأهوار «كان لا يصل إليها إلاّ بالسيمريات، وهي الزوارق الدقيقة».
وورد في تاريخ الطبري في أحداث مطاردة ثورة الزنج بالبطائح: «ووجه ائد الزنج من قبله رجلاً من أهل جبى يُقال له أحمد بن مهدي في سيمريات، فيها رمات من أصحابه».
كذلك ذكر ابن حوقل في «صورة الأرض» منقطة باسم الصيمرة. وذكر المؤرخ صالح أحمد العلي في كتابه «الخراج في العراق» نقوداً سكّت أيام ولاية الحجاج باسم النقود السيمرية (ص154).
عند مجيء العرب بعد الفتح الإسلامي عرف سكان الأهوار، وفلاحو الجنوب العراقي بالنبط، وعمّم بعض المؤرخين هذه التسمية لتشمل سكان العراق كافة، في ذلك قال عبد العزيز الدوري «يستعمل لفظ النبط للإشارة إلى الفلاحين، الذين يتكلمون الآرامية في العراق، وخصوصاً في منطقة البطيحة».
وفي تشيّع سكان الأهوار وردت آراء عدّة، أغلبها جانب الحقيقة، فمنها أكد علاقة ذلك بالنفوذ الإيراني، أيام إسماعيل الصفوي وبعدها، الذي حوّل إيران إلى المذهب الشيعي رسمياً. وإن ذلك حصل عند تبادل المواقع بالبصرة بين الصفويين الشيعة والعثمانيين السنّة.
ومن مؤرخي العهد العثماني اعتقد إبراهيم صبغة الله الحيدري في كتابه «عنوان المجد في أحوال بغداد والبصرة ونجد» أنّ ظهور تشيّع عشائر جنوب العراق بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانس ببه، بحسب رأيه، ضعف تأثير فقهاء المذاهب السنيّة، لقلّتهم، آنذاك. لكن الذين بحثوا في هذا الأمر لم يلتفتوا إلى وجود الإمارة الشيعية في الأهوار التي أسّسها عمران بن شاهين ربيب البويهين السابق، والمختلف معهم فيها سياسة والتي تابع يومياتها بالتفصيل ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ»، والقرطبي في كتابه «صلة تاريخ الطبري» وآخرون.
ولا نعتقد أنّ هذه الإمارة كانت بداية التشيّع في ذلك المكان، والباحث عن هذا الأمر عليه دراسة أحوال اللاجئين في الأهوار بعد ظهور التمذهب بشكل جليّ بالعراق.
أمّا قصة نقل الزط إلى الأهوار مع جواميسهم فقد بنيت عليها أقاويل شككت بأصل سكان المنطقة العراقي، فالأمر ليس هكذا، لأنّ الزط قدموا من الهند أيام الساسانيين، وقاموا بثورات عدّة ضد العباسيين، وكانوا منهم المزارعون ومنهم أهل الطرب والفن والخدمة، وقد هجّرهم المعتصم إلى حدود الروم البيزنطيين، حيث ثغور الحرب بين الدولتين.
ويكذّب تلك الرواية وناقليها أصالة حيوان الجاموس بالمنطقة، فهي بيئته الطبيعية، أكدت ذلك المنحونات السومرية، ومنها يشير ختم مصوّر إلى «جلجامش يصرع جاموسين وحشيين من رجليهما الخلفية».
ورداً على من جعل من الحجاج خبيراً بأهل الأهوار، وجلب ما يلائمها من البشر والحيوان من الهند عارض أحمد سوسة ذلك بقوله: «إنّ الجاموس الوحشي كان موجوداً في منطقة الأهوار، قبل أن يظهره السومريون الفنيون على أختامهم وألواحهم بزمن طويل، ويعتقد أنّه كان أوّل الحيوانات الوحشية التي انقرضت في جنوب العراق». وكذلك يفيد التراث الشفاهي المتواتر لأهل الأهوار بأسطورة تدجين هذا الحيوان، التي سجلتها (هلبوش) بعد سماعها من قبيلة الشغابنة، لا مجال لذكرها.
كانت بيئة الأهوار حاضرة في مناظرات المياه بين البصريين والكوفيين، وفي ذلك قال المسعودي: «ولأهل البصرة وأهل الكوفة، ومن شرب من دجلة مناظرات كثيرة في مياهها ومنافعها، منها ما عاب به أهل الكوفة أهل البصرة فالوا: ماؤكم كدر زهك ذفر، فقال أهل البصرة: من أين يأتي ماؤنا الكدر وماء البحر صاف وماء البطيحة صاف، وهما يمتزجان في وسط بلادنا؟ قال الكوفيون: فضيلة مائنا على دجلة «الكوفة تشرب من الفرات فما ظنك بفضيلته على ماء البصرة، وهو يختلط بماء البحر، ومن الماء المستنقع في أصول القصب والبردي؟».
وورد في مناظرة أخرى: «إنّما البصرة من العراق بمثابة المثانة من الجسد، ينتهي إليها الماء بعد تغييره وفساده، مضغوطة من بل ظهرها بأخشن أحجار الحجاز وأقلّها خيراً، ومضغوطة من فوقها ببطيحتها (أهوارها)».
وقال بشّار بن برد مادحاً ماء البصرة:
الرافدان توافى ماء بحرهما
إلى الأبلة شرباً غير محظور
ويرى الجاحظ في الأهوار مصفاة طبيعية للمياه، جاء ذلك في ردّه على تقوّلات أهل الكوفة على مياه البصرة: «وهم يعيبون ماء البصرة، وماء البصرة رقيق، قد ذهب عنه الطين والماء المشوب بماء بغداد الكوفة لطول مقامه بالبطيحة، وقد لان وصفا». ومقولة الجاحظ في الماء بعد مروره في الأهوار نابعة من اعتقاد ما زال حياً، فمن تجربة متراكمة يرى أهل المنطقة أنّ الماء يصبح عذباً كلما توغلوا في عمق الهور، وعادة يكون الماء هناك صافياً، وزلالاً عند الشرب. ومن غير مروره بين القصب والبردي يمرّ ماء الهور عبر نباتات أخرى عدّة تعلق فيها الجسيمات الصغيرة جداً، ومنها نبات (الشمبلان) الخشن الملمس، الذي تشبه أوراقه الشوكية وتماسكها بعضها ببعض أسلاك مصافي الماء الاصطناعية.
ظلّت الأهوار، قديماً وحديثاً، ملجأً آمناً للمغضوب عليهم من السلطات، وقد أمن من استجار بقصبها وبرديها، وحول ذلك يخبرنا التاريخ القديم بمطاردة الملك الآشوري (سنحاريب) الذين لجؤوا إلى الأهوار وتحصّنوا فيها، وتظهر إحدى التحف الفنية جنود آشور وهم يركبون الزوارق (السيمريات) يشقّون فيها غابات القصب والبردي، وكذلك لجأ أهل البصرة إليها عقب الفتح الإسلامي، ولجأ إليها أيضاً ثوار الزنج بعد أن ضاقت البصرة بهم، ولجأ إليها الناس عند حصار هولاكو لبغداد.
ومن أبرز لاجئ الأهوار كان الخليفة القادر العباسي، قبل أن يتولى الخلافة، هارباً من تربّص الئاع بالله به، ذكر ابن الأثير خبره في «الكامل في التاريخ» بقوله: «خرج من داره واستتر ثمّ سار إلى البطيحة (…) وكان مدّة إقامته سنتين وأحد عشر شهراً». وروى القاضي التنوخي (384هـ) قصة لجوئه إلى الأهوار بقوله: «كان لي في هذا الحديث، خبر طريف، وذلك أنّي كنت لجأت إلى البطيحة، هارباً من نكبة لحقتني (…) لألقيت هناك مجموعة من معارفي، بالبصرة وواسط، خائفين على نفوسهم، قد هربوا من ابن بقية، الذي كان في ذلك الوقت وزيراً (عند البويهيين)، ولجؤوا إلى البطيحة».
ويذكر الطبري السنة 90هـ لجوء الأمير الأموي يزيد بن المهلب، «بعد هروبه من سجن الحجاج إلى البطائح ثمّ السماوة». وجاء في «صلة الطبري»، سنة 338هـ، خبر لجوء عمران بن شاهين من أمير واسط البويهي: «أقام بين القصب يصيد السمك، ثمّ تلصّص، واجتمع معه جماعة من الصيادين».
وذكر ابن الجوزي في «المنتظم» والروذراوري في «ذيل تجارب الأمم» لوء نقيب الطالبيين محمد بن عمر العلوي (390هـ) بعد أن نقم عليه عضد الدولة البويهي.
ويختصر صاحب «معجم البلدان» مهام الأهوار في مقارعة الأنظمة بقوله: «وتغلب عليها أوائل أيام آل بويه أقوام من أهلها، وتحصّنوا بالمياه والسفن، وجارت تلك الأرض عن طاعة السلطان، وصارت تلك المياه لهم كالمعاقل الحصينة».
تاريخياً، تبدو مطاردة المعارضين، الذين يتخذون من الأهواز مكاناً للاختفاء والتحرّك، الدافع الرئيسي في تجفيفها، إضافة إلى دوافع أخرى منها زيادة نسبة الأراضي الصالحة للزراعة وتنظيم الري، ويعني هذا قديماً زيادة الخرادج، وتسهيل دخول جباته إلى المنطقة.
ففي التاريخ الإسلامي تمكن والي الخراج أيام معاوية بن أب سفيان من تجفيف قسم من المنطقة «واستخرج له من الأرضين بالبطائح ما بلغت غلّته خمسة آلاف ألف درهم، وذلك أنّه قطع القصب، وغلب الماء بالمسنيات».
وذكر الجغرافي ابن رسته: «أنّ خالد بن عبدالله عامل الأمويين حاول أن يسكر (يسد) دجلةن وأنفق الأموال فلم ينجح سعيه». وفي محاولة تجفيف أخرى استكثر الوليد بن عبد الملك ثلاثة ملايين درهم، بعد أن عرض عليه الحجاج بن يوسف الثقفي تقديراً لتكاليف المشروع.
ويذكر اللاذري في «فتوح البلدان»: أنّ حسان النبطي «استخرج للوليد، ولهشام بن عبد الملك أرضين من أراضي البطيحة».
وفي مواجهة المعارضة في العهدين البويهي والسلجوي، وبلهما العهد العباسي أوان ثورة الزنج بالبصرة وامتدادها إلى الأهوار جرت محاولات عدّة غير ناجحة لسد نوافر المياه على المنطقة.
وفي العهد العثماني اجتهد الشيخ حسن الخيّون، بموافقة آل سمعدون بالناصرية في إقامة سد على طول هور الحمّار. ومن محاولات التجفيف في ظل العهد الملكي الأخير بالعراق، يذكر عامر حسك (متصرف لواء الناصرية) في كتابه «أهوار جنوب العراق» قرار مجلس الإعمار بتجفيف أهوار شرق دجلة ثمّ هور الحمّار. وفي السبعينات بدأت الدعاية للتجفيف تحت ذريعة استخراج النفط. لكن ما حصل في عمليات التجفيف الحالية، التي أعطت نتائج مروعة، إنشاء سدود ضخمة، وشق ما عرف بالنهر الثالث يقطع على الأهوار مياه الفرات والأنهار المؤدية الأخرى. والتجفيف أيّاً كانت أسبابه، ما هو إلاّ قطع شريان الحياة وتدمير ثروة نباتية وحيوانية قلّ لها مثيل في العالم.
وخلافاً لمحاولات التجفيف المذكورة اقترح أهالي المنطقة، بالإفاضة من تجربتهم الطويلة، ردع الفيضانات العاتية من جهة، والمحافظة على البيئة الحية وغير الحية من الجهة الأخرى وذلك بحفر مجاري دجلة والفرات وفروعهما، بعد دخولهما الأهوار، فالموارد الغرينية قلّلت من استيعاب النهرين لكمية المياه عند الفيضان، ويقلّل إمكانية الملاحة عند انحسارها، وتوفّر، عملية الحفر، شواطىء صالحة لزراعة النخيل والمزروعات الأخرى من غير الأرز، الذي يحتاج إلى مستوى معيّن من المياه.
لكن هذه المقترحات لم تعبأ بها كلّ عهود السلطة العراقية، وأصبح دخول السيارات غاية الدولة، التي أسهمت طرقها بأضرار كبيرة بالبيئة، وكان يمكن أن يستعان عنها بزوارق بخارية سريعة الحركة، وعندها تبقى المنطقة على ما هي عليه وطناً كبيراً للطيور والأسماك، وتكون مشتاً دافئاً للسائحين من المناطق الباردة. وأخيراً هل ثمة روح يخفق بالأهوار بعد جفافها؟ على خلاف ما يرى الشاعر:
وقالوا يعود الماء في النهر بعدما
ذوى جنبيه وجفّ المشارع
فقلتُ:
إلى أن يرجع النهر جارياً([616])
وتعشب جنباه تموت الضفادع
رشيد الخيّون
الأهواز
ـ1ـ
تقع مدينة الأهواز في الجنوب الغربي من إيران على 48 درجة و41 دقيقة خط الطول، وخط العرض 31 و19 دقيقة، وتبعد عن طهران بمسافة 937 كيلومتراً. وبمسافة 125 كيلومتراً عن خرمشهر التي ترتبط بها بطريق معبد، وآخر مائي يمر بنهر كارون وطوله 170 كيلومتراً وكذلك بخط حديدي.
وكانت الأهواز قديماً مدينة عامرة واسعة تفيض بالخير العميم.
وجرى بناء السد الكبير المسمّى باسمها بالقرب منها على نهر كارون لإرواء أراضي شاسعة محيطة بها بواسطة شبكة من الجداول والقنوات.
والأهواز مشهورة منذ القديم بإتاج السكر والأرز والحرير الذي كان يصدر إلى الشام وبقية المدن المجاورة الأخرى.
ولا نعلم على وجه الدقة بعد كيف، ومتى تهدمت مدينة الأهواز القديمة؟
غير أنّ الاعتقاد السائد يعزو سبب خرابها إلى انهيار سد الأهواز وفيضان أحد روافد نهر كارون.
ويفهم ممّا دوّنه (السمعاني) الذي عاش خلال النصف الأوّل من القرن السادس الهجري، أنّ مدينة الأهواز أصابها الخراب في نهاية القرن الخامس، أو مطلع القرن السادس.
وقد قال السمعاني في كتابه ما نصّه: وكانت الأهواز إحدى البلاد المشهورة المشحونة بالعلماء والأئمة التجار من أهل البلد والغرباء وقد خرب أكثرها وبقيت التلال ولم يبق بها إلى جماعة قليلة.
وتشتمل ضواحي مدينة الأهواز على ثلاث نواحٍ وهي: (باوي) و(ميان آب) و(نهر هاشم). وتحدّهما من الشمال مدينتا دزفول وشوشتر ومدية خرمشهر من الجنوب، ومن الغرب دشت ميشان ومن الشرق رامهرمز وهفتكل.
وتبلغ مساحة الأهواز وضواحيها نحو 10150 كيلومتراً مربعاً وتؤلف الأراضي الرسوبية التي تكوّنها أنهار كارون ودز وكرخه الجزء الأعظم من سهل الأهواز.
ويبلغ عدد سكان الأهواز حوالي 245،000 نسمة، غالبيتهم من الشيعة، وإضافة إلى السكان الأصليين فقد استوطنها النازحون من مدن: أصفهان ودزفول وشوشتر وشيراز مع الأقليات الهندية والأرمنية الأخرى.
أمّا مناخ الأهواز فهو حار في الصيف كبقية مناطق خوزستان وترتفع درجة الحرارة أكثر الأحيان إلى 50 درجة مئوية وتبدأ درجة الحرارة بالارتفاع تدريجياً اعتباراً من شهر كانون الثاني وتصل حدّها الأقصى خلال شهري نيسان وأيار من كلّ عام…
ويمكن القول إنّ درجة الحرارة تتعدّى الأربعين خلال 143 يوماً من السنة في الأهواز، ويندر أن تصل درجة الحرارة إلى الصفر خلال فصل الشتاء.
وتهب على الأهواز رياح من الجنوب الشرقي تعرف هناك باسم الرياح (الشرجية) (الشرقية) وهي مشبعة بالأبخرة التي تكوّن الأمطار في الشتاء وتزيد من شدّة الحرارة في الصيف.
كما تهب رياح أخرى من الجنوب الغربي، فإذا هبت في الصيف اعتدل الجو وتلطف، وتزيد من برودة الجو إذا هبت في الشتاء.
وحيث إنّ القسم الشمالي الغربي من الأهواز يتألف من سهول رملية فإنّ الجو هناك عادة يتلبد بالغبار إذا ما هبت ريح الشمال بشدّة.
وتتعرّض الأهواز لرياح موسميةمنظمة خاصة بسواحل الخليج تختلف في الشدّة والاعتدال حسب تغيّر الضغط الجوي خلال مختلف فصول السنة.
الأنهار المهمة في منطقة الأهواز: إنّ الأنهار المهمة في منطقة الأهواز هي: كارون، دز، كرخة شاهور، كوبال.
وينبع نهر كارون من جبال بختياري (زرد كوه) ثمّ ينحدر إلى سهل خوزستان حيث يمر أوّلاً بضواحي مدينة شوشتر ثمّ ينقسم إلى فرعين: الفرع الأصغر يسمّى (كركر) الذي ينعطف مجراه إلى الشرق من شوشتر منحدراً نحو الجنوب، والفرع الأكبر يسمّى (شطيط) ويتجه إلى الغرب حيث يكون مع نهر (دز) نهراً واحداً على بُعد كيلومترين من شوشتر وينتهي به المطاف إلى الالتقاء ثانية بالمجرى الأصلي للنهر عند (بندقير)، ويروي هذان الفرعان مناطق واسعة منذ تفرّعهما حتّى التقائهما ثانية.
وفي مدخل نهر شطيط إلى الشمال من شوشتر يقوم جسر ذو 44 بوابة كبيرة و43 بوابة صغيرة.
غير أنّ معظم هذه البوابات قد تهدمت اليوم، وإنّ هذا الجسر الذي كان يوماً من أعظم جسور خوزستان لم يعد صالحاً للاستعمال في الوقت الحاضر.
ولا تزال آثار سدّ شوشتر الأهواز المعروف مائلة للعيان تحت بقايا الجسر المتداعي الأركان. هذا السد الذي اعتبره الأقدمون من عجائب الدنيا والذي ينسب بناؤه إلى شاهبور الأوّل ابن أردشير الساساني إمبراطور إيران.
إنّ عدد قرى الأهواز يبلغ نحو 305 قرى بين كبيرة وصغيرة، وتقوم محطة قطار الأهواز ـ طهران في القسم الغربي من المدينة، ويبلغ طول الخط الحديدي الذي يربط طهران والأهواز نحو 819 كيلومتراً، وتأتي مؤسسات سكك حديد الأهواز في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد طهران.
كما يوجد في الأهواز جسران عظيمان، أحدهما خاص بسكك الحديد، ويسمّى جسر النصر، وأُضيف إليه فيما بعد ممر خشبي لتيسير مرور سيارات النقل والشحن الثقيلة، والآخر هو الجسر المعلق المعروف والخاص بعبور المارة والسيارات، وإنّ بناء الجسر يعدّ من بدائع الفن الهندسي في العالم.
ويمكن القول إنّ زراعة صب السكر تعود إلى أقدم العصور في خوزستان وإنّ مادة السكر كانت من أهم صادرات إيران قديماً، غير أنّ زراعته كانت قد توقفت منذ ما يقرب من خمسمائة سنة إلى أن جاء عهد رضا شاه فأُعيدت زراعته في السهل المحيط بالأهواز غير أنّ هذه الزراعة لم تتكلل بالنجاح بسبب انعدام الشروط الملائمة والتكنيك الصحيح، أضف إلى ذلك اندفاع نيران الحرب العالمية الثانية.
وعندما بوشر بتنفيذ مشروع السنوات السبع الثاني للتنمية والتطوير في إيران عهدت الحكومة إلى هيئة يابانية بدراسة إمكانية زراعة قصب السكر في الجنوب، حيث قامت بجلب 104 أنواع من أقلام قصب السكر من الباكستان وأميركا والبرازيل ومصر. وبعد إجراء التجارب والدراسات اللازمة وقع الاختيار على أربعة أنواع لزراعتها في إيران.
ويربو معدل الإنتاج في الهكتار الواحد اليوم على 100 طن من قصب السكر وقد تمّ بناء مصنع لتكرير السكر في منطة (هفت تبه) الواقعة على مسافة 100 كيلومتر شمال الأهواز، وتمّ افتتاحه في عام 1961 برأسمال قدره 400 مليون ريال إيراني. ومتوسط إنتاجه اليومي هو مائة طن من السكر المسبوك (قالب) وعشرين طن من السكر العادين حيث يجري توزيعه على مختلف أرجاء البلاد للاستهلاك المحلي.
ويؤمن سد (دز) الطاقة الكهربائية لمدينة الأهواز وجميع مقاطعة خوزستان بما فيها المصانع الكبيرة ومصافي تكرير البترول العالمية في عبادان.
وأسست قبل سنوات جامعة جندي شابور في الأهواز.
وتقع كلية الزراعة على مسافة 36 كيلومتراً من الأهواز، كما توجد دار للمعلمين الابتدائية وأخرى للمعلمين الريفية.
هذا إضافة إلى أنّه تمّ تأسيس عدّة معاهد معنية، وإنّ مجموع المؤسسات والدور العلمية والتربوية في مدينة الأهواز يقرب من مائة مؤسسة بين روضة للأطفال ومدرسة ابتدائية وثانوية ومعهد مهني وصناعي وزراعي، يتابع الدراسة فيها نحو 30700 طالب.
الأهواز
ـ2ـ
تقبع هذه المدينة وسط السهول المنبسطة الكائنة في جنوب غرب ولاية خوزستان، وهي وما يجاورها من مناطق لا تستطيع أن تتباهى بأيّة مناظر جبلية خلابة أو بأيّة آثار جليلة لحضارة قديمة دارسة. بيد أنّ هذه المدينة هي نقطة انطلاق ممتازة في الرحلات نحو المواقع الأثرية الشهيرة في شوش وشوشتر وهي بصفتها من المراكز الرئسية لصناعة النفط في إيران تعتبر من الحواضر الاقتصادية للبلاد، إذ تلتقي في هذه المدينة خطوط أنابيب النفط المحدودة من مسجد سليمان ونفط سفيد وهفتكيل كما يمرّ بالقرب منها خط أنابيب النفط الممتد بين عبادان وطهران. كما يلتقي فيها خطا القطار الممتدان من خرمشهر وبندر شاهبور عبر إيران.
يجمع المؤرخون على أنّه منذ قرون طويلة استقرّت في الموقع الي تربض فيه مدينة الأهواز العصرية جماعة بشرية، بيد أنّ هوية هذه الجماعة البشرية المؤسسة الأصلية للأهواز ما زالت موضع نزاع. ويرجع زمن تأسيس مدينة الأهواز إلى العهد الساساني على أقل تقدير حيث كانت تعرف حينئذ باسم «هرمز شهر» وقد ذكر المؤرخ حمزة الأصفهاني أنّ مؤسس أوّل مستوطنة أُقيمت في موقع مدينة الأهواز هو أردشير أوّل ملوك الساسانيين، بينما تعزو مصادر أخرى ذلك إلى غيره.
ويبدو أنّه عندما بدأ تداول اسم الأهواز للمرّة الأولى، وذلك بعيد الفتح الإسلامي، كان يطلق على عموم خوزستان. وقد استخدم اسم الأهواز بهذا المعنى أحد الرحالة العرب القدامى، بينما سمّى المدينة نفسها «سوق الأهواز». وهذه التسمية ـ بالإضافة إلى تقدير الرحالة ابن فقيه الذي عاش في القرن التاسع بأنّ المدينة كان تشتمل حينئذ على 50000 بناية إنّما تدل على نهوض الأهواز السريع كمركز تجاري هام.
وبعد ذلك بحوالي مائة عام كتب مؤلف «حدود العالم» يقول: «ما من مدينة في خوزستان تسر قلب الزائر أكثر من الأهواز، ويتمتع أهلها ببركات وافرة وهم كرماء بالطبيعة».
وقد وصف الكتّاب العرب الذين جاؤوا بعد ذلك الأهواز بأنّها مركز لإنتاج قصب السكر والأرز والحرير، وأنّ أرضها تروى بشبكة من القنوات يغذيها بالمياه صهريج حجري أُقيم على صخرة مرتفعة تربض على الضفة الأخرى لنهر كارون.
ونهر كارون أعرض أنهر إيران والمجرى المائي الوحيد الصالح للملاحة فيها هو من المعالم الطبيعية التي تُقرن بمدينة الأهواز اقتراناً وثيقاً، ففي عدّة مناسبات تاريخية ذكر هذا النهر أهل الأهواز ـ وغالباً بصورة غير سارة ـ إلى أي مدى يتعلق مصيرهم برغباته ونزواته التي يتعذر التكهن بها…
ففي الأزمنة القديمة كانت مياه نهر كارون تتدفق في مجريين يدعى أحدهما الدجيل والآخر موزركان ولم يكن من اليسير السيطرة على فرع موزركان وتسخيره لأغراض الزراعة مثل السيطرة على فرع الدجيل الأكثر هدوءاً في تدفقه لأنّ مياهه أغزر وجريانه أشد وأعنف. ولذلك أقام المزارعون المحليون على فرع الدجيل أحد عشر سداً من أحجام مختلفة للانتفاع بمياهه في زراعتهم. وبعد ذلك، في القرن الخامس بعد الميلاد، ودون سابق إنذار، غيّر فرع موزركان لسب ما زال مجهولاً مجراه وانضمّ من جديد إلى فرع الدجيل، فتدفقت المياه فيه بغزارة وعنف وجرفت جميع السدود الأحد عشر التي كانت قائمة عليه ثمّ اجتاحت المدينة فأزالتها من الوجود وجعلتها أثراً بعد عين، ولكن سرعان ما أُعيد بناء مدينة الأهوز، وعادت المدينة إلى سابق عهدها كما لو أنّ شيئاً لم يحدث لها وفي القرن التاسع عشر الميلادي غيّر اسم المدينة وأصبحت تدعى الناصرية نسبة إلى ناصر الدين شاه القاجاري وفي عهد رضا شاه عام 1925 أُعيدت تسميتها (الأهواز).
وخلال الفترة من عام 1903 إلى عام 1925 تطوّرت مدينة الأهواز وجرى تخطيطها تخطيطاً عصرياً بصفتها عاصمة إقليم خوزستان. وعندما تمّ اكتشاف النفط في موقع مسجد سليمان القريب منها أصبحت مدينة الأهواز مقر شركة النفط الأنكلو ـ إيرانية، فأقيمت فيها ورشات الشركة ومخازنها ومكاتبها الإدارية والأحياء السكنية للعاملين فيها، ولكن بعد سنوات قليلة نقلت الشركة مقر إدارة عمليات التنقيب عن النفط إلى موع مسجد سليمان مباشرة كما نقلت مركز مكاتبها الإدارية الرئيسية إلى عبادان، في حين أصبحت الأهواز بمثابة مركز (ترانزيت) بينهما.
وقد غدت الأهواز اليوم مدينة عصرية تقبع بين بساتين النخيل الوارفة الظلال الممتدة على ضفتي نهر كارون. وخلال شهور الصيف اللاهبة التي غالباً ما تذيب بحرارتها الإسفلت في الطرق وتعجز أثناءها أجهزة تكييف الهواء عن طرد الحرارة من المنازل والمكاتب يعمد السكان المحليون إلى ركوب القوارب في النهر أو التنزّه على ضفاف النهر أو في بساتين النخيل ليتقوا بظلّها وطراوة جوّها وهج القيظ وشدّة وطأته.
وشجرة النخيل هي بالنسبة لأهل الأهواز، كما هي بالنسبة لكلّ فرد آخر في جنوب إيران، تمثّل رمزاً خاصاً.
وعبر القرون، ارتبطت شجرة النخيل بالكثير من القصص الرومنطيقية.
يع حول مدينة الأهواز ضمن دائرة نصف قطرها حوالي 100 كيلومتر عدد من أهم المواقع الأثرية التاريخية في إيران، وأهم هذه المواقع يوجد في شوش على بُعد نحو 85 كيلومتراً إلى الشمال من الأهواز. وقد كانت مدينة (شوش) هذه إحدى عواصم أربع لإمبراطورية الأخيمينيين، كما أنّها مهد واحدة من أقدم الحضارات في العالم، إذ يرجع تاريخ تأسيسها إلى عام 5000ق.م.
وفي موقع شوش هذا بنى الإمباطور داريوس الكبير عاصمته الشتوية فوق خرائب عاصمة اليعلاميين التي دمرها البابليون، وما تزال بقايا آثار قصور ملوك الأخيمينيين في شوش تبدو للعيان حتّى يومنا هذا. وفي قمة مجد شوش وتألقها طمحت إلى أن تصبح عاصمة العالم المعروف آنذاك بأجمعه. وبعد ذلك ببضعة قرون من الزمان أصبحت شوش قاعدة استراتيجية لتجارة الساسانيين البحرية والبرية.
وكان مجيء المغول إلى تلك المنطقة في القرن الثالث عشر الميلادي هو نذير النهاية بالنسبة لمدينة شوش، فقد أدموا على تدميرها ومحوها عن وجه الأرض، ومنذ ذلك الحين هجرت المدينة لمدّة تزيد على 600 سنة إلى أن كان عام 1883 حين اكتشف علماء الآثار الفرنسيين خرائب شوش وبدؤوا أعمال الحفر فيها التي ما زالت مستمرة حتّى يومنا هذا.
وقد كشفت أعمال الحفر هذه عن عدد من أهم الكنوز الأثرية التي اكتشفت في إيران حتّى الآن…
وعلى مقربة من شوش تقع زقورة تشوغا زمبل العيلامية. ويعتقد أنّه تمّ بناء هذه الزقورة حوالي عام 1250ق.م. في عهد «أونتش غل» ملك العيلاميين الذي نذرها لإله العيلاميين أنشوشيناك (سيد شوش). وتشبه زقورة تشوغا زمبل في تصمييمها برج بابل، وقد وصفها العالم المختص بالحضارة الإيرانية «أرثر أبهام بوب» ذات مرّة أنّها «أعظم بنيان من نوعه في العالم»، وكتب يقول: «إنّ هذا الصرح الذي هو أقدم صرح معروف في إيران بهذا الحجم والنوع وينافس إهرامات مصر، فهو عبارة عن جبل صناعي مهيب ارتفاعه 165 قدماً، وتبلغ مساحة قاعدته 345 قدماً مربعاً، وهو الصرح المركزي في فناء مقدس «مساحته 1300 قدم مربع ويحيط به سوران». وتوجد ضمن هذا الفناء المقدس ثلاثة معابد بالإضافة إلى عدد من الأضرحة والمخازن. ويبدو أنّ هذه الزقورة كانت بمثابة معبد وضريح في آن واحد، ويقول عالم الآثار الفرنسي رومان غيرشمن الذي أمضى 20 عاماً ينقب عن الآثار في تلك المنطقة: إنّ تصميم ضريح كورش الكبير الموجود في باساركاد مستوحى من هذه الزقورة التي كانت في أيام كورش ما زالت بحالة جيدة.
ومن المعالم الأثرية الأخرى البارزة صرح عيلامي الطراز يجذب أنظار المسافرين في تلك الأنحاء، وهو ضريح النبي دانيال الذي ورد ذكره في التوراة «العهد القديم» وقد تمّ ترميم هذه الضريح عدّة مرّات، وهو مقدس لدى اليهود والمسيحيين والمسلمين على حد سواء.
وفي عيد النوروز تجذب منطقة خوزستان وبصورة خاصة مدن عبادان وخرمشهر والأهواز عدداً من الزوار إليها أكثر من أيّة منطة أخرى في إيران حتّى أنّ الفنادق تضيق بهم، ولذلك فإنّ الأهالي يعمدون إلى تأجير الزوار بعض غرف منازلهم ليشاركوهم الإامة فيها خلال عطلة عيد النوروز هذا.
الشعر العربي في الأهواز
ونترك الكلام هنا للأستاذ عبد الرحمن اللامي:
أغراض شعر الأهواز في العصور التي ندرسها، هي الأغراض والأهداف المعروفة في الشعر العربي على مرّ العصور ومختلف الأقاليم، إلاّ أنّ هناك بعض الفنون توسّعت وازدهرت، وكثر النظم فيها، وزاد الاهتمام بها لملاءمتها لأوضاع الإقليم الاجتماعية السياسية، بينما اضمحلت فنون أخرى، وقد لا يرد لها ذكر عند طائفة من الشعراء، زيادة على ذلك نجد عدداً من الشعراء نبغ وأجاد في غرض معين أكثر من الأغراض الأخرى، بينما نظم آخرون في مختلف الأغراض بصورة عامة دون تغليب غرض على آخر.
وعلى ضوء دراستي لمظان الشعر المتيسرة، وجدت أنّ الشعر العربي في الأهواز في هذه العصور يتوزّع على الأغراض الآتية، مرتّبة حسب سعتها وهي: المديح والحماسة والرثاء والشكوى والغزال والإخوانيات والوصف والحكمة والموضوعات العلمية.
المديح
وهو أكثر الأغراض اتساعاً، ونظم به شعراء الأهواز كافة، وطابعه هو الطابع العربي الإسلامي، فاتخذ من المثل العربية والإسلامية الرفيعة أساساً للإطراء والثناء، وبقدر ما كان الشاعر يسمو نحو الشمائل السامية، ويتمسك بالمثل الإنسانية، فيكبر الأعمال الفذّة ويثني على الإنجازات الصالحة، كان ينحدر إلى درك التقرّب والزلفى للحصول على المنافع الذاتية والمصالح الفردية، فيلقي بالكلام جزافاً طمعاً في مال أو جاه أو منصب، وفي أثناء دراستي جوانب هذا الفن، وجدته ينقسم إلى ثلاثة أسام:
أ ـ المديح الديني:
اتّجه الشعر الديني إلى تمجيد الباري سبحانه وتعالى والثناء عليه بما هو أهله، وطلب العفو والمغفرة وخير الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وذكر نعمه التي لا تحصى. أمّا الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله)، فقد ذهب الشعر إلى إطراء شمائله وفضائله ومزاياه، ونسبه وكرمه، وشجاعته وفصاحته، وبلاغته، ودقائق سلوكه، ومعججزاته وشفاعته، ومقامه عند ربّه. ويأتي بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) مدح أهل بيته (عليه السلام)، فيثني على مناقبهم وفضائلهم وكثيراً ما يكون ممزوجاً بنزعة سياسية تؤكد حقّهم في الخلافة والحكم. ثمّ يأتي مدح صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الأخيار.
وقد ساهم عدد من شعراء الأهواز في هذا الغرض وأبدع، ومن ذلك ول علي بن خلف مناجياً ومتوسلاً إلى الباري سبحانه وتعالى بسعة عطفخ وكثرة عطائه، وقدرته على دفع عظائم المصائب والنوازل:
إلهـي یا ذا المجد والجود والعلا
ویا صاحب الإحسان والفضل والعطا
ويا احم الشيخ الكبير لضعفه
ويا رازق الطفل الصغير وقد بكى
ویا عالماً بالسر والجهر والخفا
ویا سامعاً همس المناجي إذا دعا
أقلني أقلني عثرتي وامحو زلّتي
إلهـي وخلّصـني مـن الهـم والأذى
إلهـي لـئن قصّـرت فـي شـكر نعمـة
فعفوك أرجـى ما یـدلّ بـه الفتـى
إلهي كم من مذنب جاء تائباً
فقابلته بالعفو والصفح والرّضا
إلهي لئن أبعدتني لخطيئتي
فصفحك يدنيني وحلمك يرتجى([617])
وله أيضاً مناجياً ومتوسلاً إلى الله تعالى:
يا خير من رفعت له
الأيدي وحرّكت الأنامل
يا خير مدعوّ ومرجوّ
لدفع أذى ونائل
إن كنت لا ترجى لكشف
عظيمة ولدفع هائل
من ذا يرجّى للعظائم
والشدائد والنوازل
أدعوك بالمبعوث في
خير الأماكن والقبائل
خير النبيين المحلّى
بالمكارم والفضائل([618])
وقال فرج الله الحويزي يثني على فضل الله تعالى ويعدّد نعمه:
قلت عن الجد في نيل المنى حيلي
فاسدد إلهي بما عودتني خللي
يا من عوائده الإحسن عد كرماً
عليّ بالعفو لي يا منتهى أملي
وحقّ جودك يا ربذ الأنام فما
جعلت إلاّ على جدواك متّكلي
فحسن ظني بربّي والوثوق به
أزالني عن مام الخوف والوجل
ونعمة الله جلّت أن يعددها
كلّ الأنام على التفصيل والجمل([619])
وقال شهاب الدين الموسوي مادحاً الرسول (صلّى الله عليه وآله) مستهلاً قصيدته بذكر الدينار الحجازية وحبّه لها وتعلّقه بها:
هذا العقيق وتلك شمّ رعانه([620])
فامزج لجين الدّمع من عقيانه
واشمم عبير ترابه والثم حصى
في سفحته انتشرت عقود جمانه
لم ألق قبل العشق ناراً أحرقت
بشراً وحبّ المصطفى بجنانه
خير النبيين الذين نطقت به الـ
ـتوراة والإنجيل قبل أوانه
كهف الورى غيث الصّريخ معاذه
وكفيل نجدته وحصن أمانه
المنطق الصخر الأصمّ بكفه
والمخرس البلغاء في تبيانه
لطف الإله وسرّ حكمته الذي
قد ضاق صدر الغيث عن كتمانه
قرن به التوحيد أصبح ضاحكاً
والشرك منتحباً على أوثانه
نسخت شرائع دينه الصحف الألى
في محكم الآيات من فرقانه([621])
تيكي الجراح النّجل فيه والردى
متبسم والبيض من أسنانه
فتكت عوامله وهنّ ثعالب
بجوارح الآساد من فرسانه
جبريل من أعوانه ميكال من
أخدانه عزريل من أعوانه
نور بدا فأبان عن فلق الهدى
وجلا الضلالة في سنا برهانه
شهدت حواميم الكتاب بفضله
وكفى به فخراً على أقرانه
سل عنه ياسيناً وطه والضّحى
إن كنت لم تعلم حقيقة شانه([622])
ثم يستمر في ذكر عدد من مناقبه ومعجزاته وخلقه الذي أثنى عليه الباري سبحانه وتعالى.
ولهذا الشاعر قصيدة طويلة وبديعة أخرى في مدح الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، منها:
لا برّ في الحبّ يا أهل الهوى قسمي
ولا وفت للعلى إن خنتكم ذممي
غرّ عن الدّر لم تضل مياسمهم
إلاّ سجايا رسول الله ذي الكرم
محمد أحمد الهادي البشير ومن
لولاه في الغي ضلّت سائر الأمم
مبارك الاسم ميمون مآثره
عمّت فآثارها بالغور والأكم
طوق الرسالة تاج الرسل خاتمهم
بل زينة لعباد الله كلهم
أصول مجد في النصر قد ضمنوا
وصولهم للأعادي في نصولهم
من مثلهم ورسول الله واسطة
لعقدهم وسراج في بيوتهم
أكارم كرمت أخلاقهم فبدت
مثل النجوم بماء في صفائهم([623])
وكان الشاعر علي بن خلف المشعشعي قد مدح الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) بعشرات القصائد والمقطوعات الشعرية، وشغل هذا النوع من المديح حيّزاً كبيراً من ديوانه، وكان يستهل مدائحه بذكر الأحبة والديار، أو بشكوى الزمان، أو بعض الحكم والتصوّرات عن الطبيعة والحياة، ثمّ يتوجّه إلى الاري سبحانه وتعالى وإلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) ليجعلهم ملاذاً ومهرباً من معضلات الدنيا، أو وسيلة لتذليلها، وفي هذا المجال قال قصيدة، منها:
ماذا تريد من الكئيب الواله
عذل العذول يزيد في بلباله
إن كنت ناصحه فساعده على
ما يبتغي أو لا فدعه بحاله
وأشد من هجر الحبيب وصدّه
ولقاء شوس الحرب من أقياله
حرب الزمان وحادثات خطوبه
ومكابدي للصعب من أهواله
أبداً ينازلني بنازل خطبه
ما حيلتي بنزوله ونزاله
فافزع إلى ربّ الزمان ولذ به
وارجع إلى مدح النبي آله
فهو المعدّ لدفع كلّ ملمة
ونجاتنا في الحشر من أهواله
الشمس دون جماله والليث
دون صياله والغيث دون نواله
وبنوه أعلام الهدى سفن النجا
من هول يومئذ ومن أغلاله
البيت يشهد والمقام بفضلهم
ولهم محبة أرضه وحياله([624])
ومن قصيدة أخرى:
سلوها لماذا غيّرتها العواذل
فهل غير أن الوا سلا وهو باطل|
وكيف سلوّ الأرض عن صيّب الحيا
إذا ما تمادى ريّها وهي ماحل
نبيّ علت عليا قريش بفضله
ودانت له يوم الفخار القبائل
وزادت به طيباً على المسك طيبة
وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
به بشّر الإنجيل من قبل بعثه
وسرّت به بل القرون الأوائل
نبيّ علا أعلى السماوات صاعداً
فبورك منه بالغ الحدّ واصل
وعلمه من علمه خالق الورى
فما هو عمّا قاله الله قائل
وأبناؤه الأطهار والسادة الأُلى
أقرّ لهم بالفضل حاف وناعل
ميامين يستهدي الأنام بنورهم
كأنّهم للحائرين مشاعل
بهالليل بسّامون واليوم كالح
بحور ندى والجدب للناس شامل
فيا صفوة الرحمن والسادة التي
ينال بهم كلّ المسرّات آمل
دعوتكم والهر صارت خطوبه
وهنّ القواضي الفاتكات الفواعل([625])
وإلى جانب مديح الرسول (صلّى الله عليه وآله) اذي عمرت به دواوين شعراء الأهواز، كان هناك مديح خاص بأهل بيته الكرام (عليهم السلام)، تغلب عليه ما يمكن أن نسميه النزعة السياسية، يرى لهم الحق في حكم العرب والمسلمين، فأنتج ذلك شعراً صادق العاطفة رقيق الأسلوب قوي التعبير، وقلّما نجد شاعراً إلاّ وله مساهمة في هذا الباب، ومن ذلك قول الشاعر شهاب الدين الموسوي في الإمام عليّ (عليه السلام):
غربت منكم شموس التلاقي
فبدت بعدها نجوم المآقي
جنّ ليل النّوى عليّ فأمست
في جفوني منيرة الإشراق
فاقت الدّهر زينة مثل ما قد
فاز قدر الوصيّ بالآفاق
سيّد الأوصياء مولى البرايا
عروة الدين صفوة الخلاّق
بدر أفق الكمال شمس المعالي
غيث سحب النوال ليث التلاقي
ضارب الشوس بالظبى ضربه النجل
بماضي مكارم الأخلاق
حكمة العدل في القضايا
جائر في نفوس أهل الشقاق
من سقى مرحب المنون وعمراً
وأذاق القرون طعم الزّعاق
من أتى بالوليد بالروع قسرا
بعد عزّ العُلى بذل الوثاق([626])
ومن الشعراء الذين اختصوا بمديح أهل البيت (عليهم السلام) فرج الله بن محمد الحويزي فقد وجدت المتوفر من شعره مختصراً بمدحهم، ومن ذلك قوله في مدح الإمام علي (عليه السلام):
قد أفلح المؤمنون القائلون بما
أقامه الله في أرض له وسما
الله ألهمهم خير الدليل إلى
نهج السبيل فكانوا قدوة العلما
لله من نور قدس قد تجسّم في
خير الهياكل والأجسام وانتظما
لولاه لم يخلق الأفلاك خالقها
ولا أعدّ لها لوحاً ولا قلما
ولا أضاءت لنا شمس ولا قمر
ولا اهتدى أحد من حيرة وعما
الله أذهب عنه الرجس إذ طهرت
نفس له ربّها زكَّى وقد عصما
ويوم خيبر من هدّ الحصون وقد
أردى القروم كمن قد خاب وانهزما
ومن بأحد وقى الهادي بمهجته
طوعاً كمنْ فرّ لا استحيا ولا احتشما([627])
ومدح السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بقصيدة ذكر منزلتها من الرسول (صلّى الله عليه وآله) وصفاتها وأخلاقها وعبادتها، وزوجها وذريتها وكراماتها، فيها:
ستّ النساء درّة العقد التي ظهرت
من ظهر خير البرايا سيّد الرسل
من اسمها فوق ساق العرش أحرفه
مكتوبة بيد التعظيم في الأزل
فهي المضيئة في الأفلاك صورتها
تزري بشمس الضحى في دارة الحمل
الله شرّفها قدراً وفضلها
بعصمة من جميع الإثم والزلل
وأذهب الرجس عنها ثمّ طهّرها
في محكم الذكر تطهيراً بلا جدل
ثمّ اصطفاها وصفاها وزوّجها
سبحانه بأمير المؤمنين علي([628])
ويرى الشاعر عبدالله بن علي بن خلف، أنّ مدح الإمام علي (عليه السلام) مناسبة النصرة والعون لمواجهة الملمّات التي تعرض لها فقال:
ومن لي بعد الله أرجوه ناصراً
سوى حيدر الكرار أشرف آل
علي أمير المؤمنين الذي محا
جيوش العدا والشرك يوم قتال
أبا حسن أشكو العداة فإنّني
لقد صرت فيهم موثقاً بحبال
فمن لي سواك اليوم أرجوه ناصراً
على ضيق سجن في أشد نكال
وإن قارعتني النائبات فإنّني
إذا كنت لي عوناً فلست أبالي([629])
وقال في مدح الإمام الرضا (عليه السلام):
أتينا نقطع شم الجبال
وما ذاك إلاّ لنيل الرّتب
وخلفت في موطني جيرة
بقلبي عليهم لهيب العطب
وقالوا إلى أين تبغي المسير
وتتركنا في عظيم اللّغب([630])
فقلت إلى نور عين الرسول
وأزكى قريش وخير العرب
علي بن موسى وصي الرسول
سليل المعالي رفيع الحسب
إمام الورى أشرف العالمين
حميد السجايا شريف النسب
فأنا الإمام ونجل الإمام
وأنت المرجى لدفع الكرب
أجرني من نائبات الزمان
ومثلك من يرتجى للنوب([631])
ومن الشعراء المشهورين في مديح أهل البيت (عليهم السلام) هاشم بن حردان الكعبي، كان معظم شعره يغلب عليه الولاء والحب لهم، ويتناول فيه سيرتهم وفضلهم وما رافق حياتهم من نضال وإصرار على الحق والمبادىء السامية ومن ذلك قوله في داليته وهي مائة وخمسون بيتاً:
أرأيت يوم تحملتك القود([632])
من كان منّا المثقل المجهودا
حملتها الغصن الطريب وورده
وحملت فيك الهم والتسهيدا
أخذوا بمسروب السراب وجانبوا
عذباً يمير([633]) الوافدين برودا
مصباح ليلتها صباح نهارها
يمنى نداها تاجها المعقودا
مطعانها مطعامها مصدامها
مقدامها ضرغامها المعهودا
بشر أقل صفاته إن عاينوا
منهن ما ظنوا به المعبودا([634])
ثمّ ينتقل إلى صور أخرى من حياته المفعمة بالحوادث والمناسبات فيقول:
يا صاحب المجد الذي لجلاله
عنت البرايا مبغضاً وعنيدا
لك غرّ أفعال إذا استقريتها
أخذت عليّ مغاوراً ونجودا
وصفات فضل أكشلت معنى فلا
إطلاق يكشفها ولا تقييدا
ومراتب قلدتها بمناقب
كالعقد تلبسه الحسان الخودا([635])
ما مرّ يومك أبيضاً عند الندى
إلاّ انثنى بدم العدا خنديدا([636])
أحسبته بأبيك وجه خريدة
فكسوت أبيض خدّها التوريدا
أنى يشق غبار شأوك معشر
كنت الوجود لهم وكنت الجودا([637])
ومنها:
ومواقف لك دون أحمد جاوزت
بمقامك التعريف والتحديدا
فعلى الفراش مبيت ليلك والعدا
تهدي إليك بوارقاً ورعودا
فرقدت مثلوج الفؤاد كأنّما
يهدي القراع لسمعك التغريدا
فكفيت ليلته وكنت معرضاً
بالنفس لا فشلاً ولا رعديدا
واستصبحوا فرأوا دوين مرادهم
جبلاً أشمّ وفارساً صنديدا([638])
ومنها:
وغداة بدر وهي أم وقائع
كبرت وما زالت لهن ولودا
قابلتهن فلم تدع لعقودها
نظماً ولا لنظامهن عقيدا
سجدت رؤوسهم لديك وإنّما
كان الذي ضربت عليه سجودا
فشددت كالليث الهزبر فلم تدع
ركناً لجيش ضلالة مشدودا
وكشفتهم عن وجه أبيض ماجد
لم يعرف الإدبار والتعريدا
وعشية الأحزاب لمّا اأقبلت
كالسيل مفعمة تقود القودا
عدلت عن، النهج القويم وأقبلت
حلف الضلال كتائباً وجنودا
فأبحت حرمتها وعدت بكبشها
في القاع تطعمه السباع حنيدا
وبني قريظة والنضير وسلعهم
والوادييين وخثعم وزبيدا
وعلى حنين أين يذهب جاهدٌ
لمّا ثبت به وراح شريدا
ولخيبر خير يصم حديثه
سمع العدى ويفجر الجلمودا([639])
ب ـ مديح الحكماء والأمراء:
ما تناول فيه شعراء الإقليم الثناء والإطراء على نسب الحاكم أو الأمير وسيرته ـ وسجاياه الاجتماعية وسياسته في الحكم، ومعالجة شؤون الدولة والمجتع، وحروبه ـ، والمعارك التي خاضعها في داخل الإقليم أو خارجه، وتذكر هذه الأمور ـ في قصيدة واحدة أو في قصائد عدّة، ومن الشعراء المبرزين في هذا ـ عبد علي بن رحمة الحويزي الذي اختصّ بمدح آل أفراسياب، والشاعر ـ شهادب الدين الموسوي الذي اختصّ بمدح آل المشعشع، ومن ذلك قول شهاب الدين الموسوي يمدح السلطان منصور المشعشعي:
من القوم الذين سموا وسادوا
على العرب الأواخر والأوال
ملوك كالملائك في التلاقي
عفاريت جيادهم السعالي([640])
ومن ذلك قوله في مدح علي بن خلف المشعشعي:
فهو ابن من ساد الأنام بفضله
خلف الكرام الغرّ من أبنائه
من آل حيدرة الأُلى ورثوا العلا
من هاشم والضرب في هيجائه
آل الرسول ورهطه أسباطه
أرحامه الأدنون أهل عبائه
نسب إذا ما خطّ خلت مداده
ماء الحياة يفيض في ظلمائه([641])
وله فيم دح السيد حيدر بن علي المشعشعي:
خلاصة أبناء الكرام مطهرا
سلالة آباء مطهّرة غرّ
حليف الندى والبأس والحلم والنهى
أخو العدل والإحسان والعفو والبر([642])
ومن ذلك قول ابن رحمة الحويزي:
شوس غطاريف صيد لو يروم بهم
نسف الشوامخ لم يشكل ولم ينب
من كل أروع قد نيطت حمائله
في جيد ورد إلى الهيجاء منتسب([643])
وله أيضاً في مدح علي باشا أفراسياب:
وهزبر بصدم الموت إذا
ما تنادت أسد الحرب الصداما
ربّ سيب فاض من أنمله
فكفى رزق أيامى ويتامى
وعنيد كسرت صولته
وحمام قد أذاقته حماما
ومكر كسفت شمس الضحى
فيه وانصاع سنا الأفق ظلاما
طلعت فيه نجوم من ظبا
وتردّت عوض الليل قتاما
موقف لا يبصر الطرف به
إن رنا إلا حساماً أو هماما
أنعل الخيل بأجساد العدا
بعد ما توَّج السمر اللهاما([644])
وقال شهاب الدين الموسوي يمدح حسين باشا أفراسياب:
قريب من المعروف تدعوه شيمة
بها عرفت آباؤه وجدوده
سحاب به تحمى النفوس إذا همى
وينبت في روس الحديد جلود
همام إذا لاقى العدو لوحده
يصيد أسود الجيش وهو عديد([645])
ومن ذلك قول شهاب الدين الموسوي في مدح السلطان عبد المطلب المشعشعي:
وفي علا إلى هام الثريا
رقي بسلالم الهم العوالي
موتى العرفي في سنن السجايا
مبيد المال في سبق النوال
شجاع فيه تتسع المنايا
إذا ما كرّ في ضيق المجال
هو العدل الذي بالوصف يعنو
له العلم المعرّف بالجلال([646])
ويقول في كرم السلطان بركة بن منصور المشعشعي:
جواد كل عضو منه غيث
يجود وكلّ جارحة لهام
أخو المعروف نجل المجد حرّ
نمته السادة العزّ العظام
يفوق المزان إن هي ساجلته
ويفني اليمّ مورده الجمام
كريم في أنامل راحتيه
حياة الخلق والموت الزؤام([647])
وقال ابن رحمة الحويزي يثني على سيرة الأمير علي أفراسياب:
رب وفر منها يصيب فتى الـ
ـمجد عليّ العرش مرآة السراة
فهو في سرّه المنزّه سرذى
ولئن لم يهم بجوز الفلاة
حاد عن مذهب التقشف وانحا
ز إلى مذهب الحماة الكماة
وتردّى برد البواطن والأصـ
ـل خلوص الأعمال بالنيات
فهو في السرّ خادم الفقر عاف
وهو في الجهر ضيغم الملك مات
وله في مراتب الفضل ذهن
هو مفتاح مقفل المشكلات([648])
وقال شهاب الدين يصف علم وثقافة الأمير ـ علي بن خلف المشعشعي:
جواد في ميادين العطايا
ومضمار الفصاحة لا يجارى
فصيح نطقه نظماً ونثراً
يرصع لفظه الددر الكبارا
تود مداده الأيام تمسي
بأعينها إذا كتب احورارا
قدم في خطّه من بنت فكر
لها نسجت محابره خمارا
ذكاء من سناها كاد يحكي
ظلام مداده الشفق احمرارا
له القلم الذي في كلّ سطر
ترى في خطه فلكاً مذرارا([649])
وله فيه أيضاً:
قلن له ذهن إذا حققته
أبصرت نور الله في مشكاته
الله كم في علمه من درّة
مخزونة كمنت بلجّ فراته
لو أنّ أصداف اللآلي أوتيت
سمعاً عليها آثرت كلماته
أو للنجوم يباع حسن بيانه
أعطت دراريها بدور بناته
يوحي الكلام إلى جماد يراعه
سراً فيفصح عن بديع لغاته
فالدّر يدري أن أكرم رهطه الـ
ـمنثور والمنظوم من لفظاته([650])
وله يمدح ثقافة حسين باشا أفراسياب:
تكهّل في علم العلى وهو يافع
وجاز بلوغ الحلم وهو وليد
وأفصح عن فعل الخطاب بمنطق
لديه لبيد ضارع وبليد
له بصر يرنو به عن بصيرة
يجوز حدود الغيب وهو حديد([651])
أمّا سياسة الحاكم أو الأمير، فقد تناولها شعراء الإقليم، ودوّنوا في شعرهم مدح الحاكم العادل الذي يقضي بأحكام الشريعة، ويصون الدين ويحمي الذمار، ويول شهاب الدين في مدح الأمير بركة بن منصور المشعشعي:
قاض بأحكام الشريعة عالم
بقواعد الإرشاد والتبيين
وله أيضاً في علي بن خلف المشعشعي يصف أيام حكمه بأنّها بيضاء فيقول:
العدل والرأي المسدد والتقى
والبأس والمعروف من قرنائه
ذات مجردة على كلّ الورى
صدقت كصدق الكلّ في أجزائه([652])
ويثني الشاعر شهاب الدين على سياسة السلطان علي بن خلف الزراعية في داليته بقوله:
لولا ورودك للجزيرة ما زهت
وجنات جنّات لها بورود
كلاّ ولا سحبتعلى ساحاتها
أغصان قامات ذيول برود
فارقتها فخشيت بعدك أنّها
تضحي كما أضحت ديار ثمود
وكانت بطوفان المهالك فاغتدت
لما رجعت على نجاة الجودي([653])
وكان كثيراً ما يخاطب الحاكم العربي المشعشعي بلفظة الملك من قبل شعراء الإقليم، وهو دليل على سعة مملكته وقوّة سلطانه، ومن ذلك قول شهاب الدين علي بن خلف:
ملك جلالته كفته وشأنه
عن زينة الألقاب أو حلي الكنى
سمح إذا أثنى النبات على الحيا
قصد المجاز بلفظه وله عنى([654])
وله فيه أيضاً:
من الملوك الأولى لولا حلومهم
تزلزل المجد واندكّت رواسيه
الحيدري الذي دان الزمان له
حتّى استكان وخافته دواهيه([655])
وفطن شعراء الأهواز إلى نشاطات الحكام العسكرية فمدحوا قيادتهم للجيش وبطولتهم وشجاعتهم في مواجهة مناورات الأعداء، وصبرهم وجلدهم في معالجة الخارجين بالرأي السديد والحكمة والتروّي، ومعاملة الأسرى بالحسنى، ووصفوا عدّة الجيش وتنوّع السلاح، وبسالة المقاتلين، وبطشهم بالخصم، وإلحاق الهزيمة بصفوفه وجلوا صور البطولة من جو المعارك التي يتحلّى بها المقاتل العربي في ساحات النزال فمن ذلك قول ابن رحمة الحويزي يصف شجاعة الأمير راشد:
همام رست للمجد في جنب عزمه
جبال جبال الأرض في جنبها سهل
وليث هياج ما عرين جفونه
من الكحل إلاّ والعجاج لها كحل
يقوم مقام الجيش إن غاب جيشه
ويخلف حدّ النصل إن غمد النصل
زكت شرفاً أعراقه وفروعه
وطابت لنا منه الفضائل والفعل
إذا لم يكن فعل الكريم كأصله
كريماً فما تغني المناسب والأصل
من النفر الغرّ الذين تحالفوا
مدى الدهر لا يأتي ديارهم البخل
ليوث إذا صالوا غيوث إذا هموا
بحور إذا جادوا سيوف إذا سلّموا
وإن خطبوا مجداً فإنّ سيوفهم
مهور وأطراف القنا لهم رسل
إذا قفلوا تنأى العلى حيثما نأوا
وإن نزلوا حلّ الندى أينما حلّوا
وله أيضاً يصف شجاعة علي أفراسياب:
أسد في ملاحم الحرب غيث
في الندى خضرم بعلم اللغات
وكذا خيله وأفئدة الأعدا
ء سيّان في وحى([656]) العاديات
وكذا ماله وأرواح من عا
داه في كونهن في النازعات
وهموماً تعود الحلم والجور
وهاتان أكرم العادات([657])
وقال شهادب الدين الموسوي في معركة خاضعها الأمير علي بن خلف ضد الخارجين عليه من القبائل:
تكاد الرماح السمر وهي ذوابل
براحته تهتزّ بالورق الخضر
فكم من بيوت قد رماها بخطبه
فأضحت ومنها النظم كالخطب النثر
فلله يوم الكرخ موقفه ضحى
وقد سالت الأعراب بالجحفل المجر
أتوه يحدون الرقاب تطاولا
فأضحوا ومنهم ذلك المدّ للجزر
رموه بحرب كلّما قام ساقها
ركضن المنايا في القلوب من الذعر([658])
ثمّ يتحدّث عن شجاعة الأمير وصلابة جيشه ومعالجتهم لخصومهم والخسائر التي ألحقوها بهم فيقول:
سطوا وسطا كالليث يقدم فتية
يرون عوان الحرب في صورة البكر
وفرسان موت يقدمون إلى الوغى
إذا جمحت أسد النزال عن الكرّ
وخيلاً لها سوق النعام كأنّها
تطير إذا هبّت بأجنحة الكدري
فزوج ذكران الظبي في نفوسهم
وأنقدهم ضرب الحديد عن المهر
وأضحت وحوش البرّ ممّا أراقه
من الدّم كالحيتان في لجة البحر
بنى بيعاً من هامهم وصوامعاً
تبوأ منها مسجد راهب النسر
فمن واقع في الأرض في شبك الردى
ومن طائر عنه بأجنحة الغرّ([659])
وأنى لهم بند تلاقي جنوده
وأين رماح الخطّ من خشب السدر([660])
وقال فرج الله الشوشتري (التستري) في شجاعة والد ابن معصوم صاحب السلافة:
إمام لدى الهيجا إمام لدى الحجى
مشير مجير هازم للكتائب
مصيب بضرب السيف والطعن بالقنا
قويّ قدير عارف بالمضارب
شجاع كميّ لوذعي غشمشم
يد السيف ظهر الرمح قلب المواكب([661])
ج ـ المديح العام:
وإلى جانب المديح الديني ومديح الحكام وجدت أنواعاً أخرى من المديح، يمكن أن نطلق عليها المديح العام، وهذا النوع من المديح عادة يحصل بين الولد والوالد إذا كان أحدهما أو كلاهما شاعراً، أو بين شاعر وشاعر، أو بين شاعر وعالم أو بين شاعر وأصدقائه ومهما كان الجهة التي يوجه إليها مديح الشاعر، فإنّه تحميد للفضائل وتكريم للشمائل النبيلة التي تهزّ عواطف الشاعر وتأخذ بلبّه فيثني عليها بما تعود به قريحته، وقد يكون صادقاً في تعبيره أو متصنعاً تبعاً لنوع العلاة وقوّة التأثير بين المادح والممدوح. والأمثلة كثيرة في هذا الباب لشعراء الإقليم، نذكر منها قول فرج الله الشوشتري (التستري) يمدح والد صاحب السلافة (ابن معصوم):
الأحمد المحمود كلّ فعاله
ما شاءه وقضى به فقضاء
فله يد وله أنامل فعلها
الإنعام والإحسان والإعطاء
مثل البحار تظلّ تجمع ماءها
بل كالجمال يسيل عنها الماء
درر المعاني والبحار كليهما
يوم العطاء لدى يديه هباء([662])
لم يتمالك الشاعر نفسه أمام هيبة ممدوحه ومكانته العلمية حتّى وقف يمجد تلك الخصائل السامية التي تصاغرت لجلالة صاحبها الكبراء فيقول:
أنت العليّ ومن سواك أسافل
أنت الإمام وما وراك وراء
فعليك إلقاء الكلام على النهى
وعلى العقول السمع والإصغاء
يا أيّها الشهم المؤمل بابه
يا من له الأحكام كيف يشاء
كنّ نضاء بكلّ ضوء فاختفت
لما بدوت لضوئك الأضواء([663])
وله فيه أيضاً قصيدة أخرى منها:
نظام الورى ديناً ودنيا وحشمة
وعلماً ورأياً مرغماً للنواصب
مناقبه بين المناقب مثله
ومثل اسمه فخر الكنى والمناقب
تزاحمت الآمال طرّاً ببابه
فما الناس إلاّ بين جاء وذاهب
بصير بأعماق الأمور مجرب
كأن جرب الدنيا بكلّ التجارب([664])
ومن ذلك ول الشاعر عدنان بن شبر الخويفي المحمّري في الفقيه الشيخ خلف آل عصفور أحد علماء المحمّرة:
ما عند قلبك يوم البين إذ صدفوا
عنه وما كفكفوا العين التي طرفوا
أتعتهم مقلة حرا مولهة
تجاذب الدمع فيها الشوق والشرف
وقد سبرت جميع الناس ممتحناً
أمورهم فإذا حبي لهم سرف
وقد تخيّرت منهم واحداً جمعت
فيه مآثر آباء له سلفوا
لأظلم القوم لولا أنّه قمر
وماتت الناس لولا أنّه (خلف)
الأمسر اللدن لا تنآد صعدته
والرمح يأطر من طعن وينقصف
والعارض الهطل الهتان صيبه
والسحب تهطل أحياناً وتنكشف
بدر الكمال مدى الأيام منبلجاً
والبدر يمحق أحياناً وينخسف
ويا مزين (عبادان) لي فلكاً
ذكرتها وقد استهوتني النجف([665])
وله قصيدة أخرى فيم دح الشيخ حمزة قفطان منها:
يا حمز إنّك بالكلام مسدد
فطن لداعي القوم غير ففيه
قد نوهت بك مدحة، من سيد
عار عن الإطراء والتنويه
طلق المحيا باسم في موقف
يرمي وجوه الصيد بالتشويه
تثقيف علام ورأي مجرب
وخطاب مقتدر وحكم فقيه([666])
ومن مديح الولد للوالد قصيدة علي بن خلف يمدح والده الأمير خلف بن عبد المطلب منها:
تحمَّل أعباء الخطوب وإنّها
تميد لها صمّ الشداد الشواهق
وإن احتمال الخطب في كلّ حادث
طرائق آبائي الألى وطرائقي
فما عذر من عادت جراثيم أصله
إلى كاظم للغيظ من بعد صادق
وهذا أبي الداني الذي سار ذكره
مسير ذكا في غربها والمشارق
أعز بني الدنياو أعلى ذوي العلى
أقرّ له بالفضل كلّ الخلائق
إذا جاء عمّ الأبعدين بسيبه
ونال العدا بالنّيل بعد الأصادق
وإن صال يوم الروع كان حسامه
يمزق أشلاء الكماة بمازق
يرى أنّ طول السلم جهد منغص
وراحته أن يمتطي ظهر سابق
وإن سروج السابحات بغارة
ألذّ جلوساً من وطي النمارق
وإن قال كان الحق مضمون قوله
ولو زاره س غدا غير ناطق
ومن قصيدة للشيخ موسى بن حسن الفلاحي يمدح بها والده:
وما كعب بن مامة وابن سعدا
بأكرم منه في الزمن الشديد
هم البيض الوجوه بنو علي
أولو المجد الطريف مع التليد
هم حلوا من الشرف المعلّى
ومن حسب العشيرة والنجود
إذا ما راية رفعت بمجد
تلقوها وهم حلف المهود([667])
ومن شعره قصيدة يمدح بها العالم الواعظ الشيخ جعفر التستري:
لأهل الدنا يوم الجدا حاتم الندى
وفي العلم في تبيانه علم الهدى
ولليوم تقضيه بشيراً ومنذراً
وتدعو إلى نهج الهداية مرشدا
وتحيي كعيسى ميت القلب بالهدى
وتبرىء أعمى ومن كان مقعدا
وقمت بإحياء الشرائع جاهداً
فأحضى منار العلم منك مجددا([668])
فلولاك لم يسق البلاد غمامها
ولا أنبت الوسمي ربعاً ومعهدا
فلا زلت زين الدين للدين قرة
وللعلم والأفضال صرحاً مشيداً
د ـ الفخر والحماسة:
هذا الفن عريق في الشعر العربي، وجد فيه منذ العصر الجاهلي، ثمّ تطور واتّسع تبعاً للتطوّر الحضاري والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي رافق حياة العرب في عصر صدر الإسلام والعصور التي تلته.
لقد استوعب الشاعر الأهوازي التجارب الشعرية السابقة لعصره، فكان على صلة متينة بهذا الموروث الثقافي العريق، وعلى اطلاع عميق بالمكونات الأساسية لكلّ فن من الفنون الشعرية، التي من بينها شعر الفخر والحماسة. وممّا ساعد على إثمار هذه الخميرة الثافية بيئة الشاعر الأهوازي التي كانت تعجّ بالحركة والنشاط الحضاري، واشتداد الصراع بين أهل الإقليم وأعدائهم في تلك الحقبة.
لقد كان شعب الأهواز يتطلع بتصميم وثقة نحو المستقبل لبناء مجده القومي الزاهر على فترة من الضياع والتأخر، فأّقامه كيانه وسط صراعات دولية خارجية، ونزاعات قبلية محلية، ثمّ توجّه نحو البناء الحضاري، وفي غمرة هذه التوجهات الإنسانية السليمة نحو الازدهار والتطوّر، وفي بداية القرن السادس عشر الميلادي برزت قوّتان سياسيتان كبيرتان على حدود الإقليم الشرقية والغربية وكلّ منهما تريد بسط نفوذها والاستيلاء على شعب وأرض الإقليم بالقوّة، هاتان القوّتان هما الدولة الصفوية على حدود الإقليم الشرقية، والدولة العثمانية ـ التي بسطت نفوذها على العراق ـ على حدوده من الغرب.
وقد اتخذ التدخل في شؤون الإقليم أشكالاً عديدة، يأتي في مقدمتها الغزو العسكري، والاستيلاء على الأراضي بالقوّة أو اختلاق الفتن القلية والطائفية، أو تغيير الأمراء والحكام، أو دفع الأتاوات. إنّ هذا الصراع بين أهل الأهواز والقوى الأخرى خلّف أثراً كبيراً في نفوس شعراء الإقليم، انعكس ذلك في كتاباتهم الشعرية، فصوّروا الحرب وأهوالها ومستلزماتها وثبات المقاتل وحرصه على الاستبسال دفاعاً عن الشرف والعزّة القومية، وكشف لنا الشاعر الأهوازي الحالة النفسية العالية التي يحملها الفارس في سوح الوغى بثباته وحسن استخدامه لسلاحه، وترفعه عن الدنايا وتعامله مع الأسرى بالحسنى وزهده بالغنائم، وشغفه بالمثل السامية.
لقد افتخر الشاعر الأهوازي بكلّ ما يصحّ الافتخار به من المآثر الرفيعة والخصال السامية التي وجدها من صميم تقاليد وقيم مجتمعه الذي عاش فيه. افتخر بنفسه وآبائه ومآثر قومه بالكرم والبذل والشجاعة والوفاء وإقراء الضيف والحلم والعقل والعفو عند المقدرة، وصيانة حق الجار، والعرض والأمانة والصلابة في الحق، وعراقة النسب وطهارة المنبت، وحسن الخلق.
وافتخر بالعلم والثقافة والتأليف واقتناء الكتب، وجودة الشعر والإنشاء وعبّر في حماسته عن الشيوخ في أعزّ أيامه، وتغنّى بالبطولات على مرّ العصور والحقب، فأنتج شعراً يحمل معاني الصرامة والبأس والكبرياء والبسالة والبطش والعنف بلغة فخمة بليغة، ومعان عميقة، وأسلوب رصين متماسك.
جاء شعر الحماسة والفخر الأهوازي قصائد خاصّة بهذا الفن أو أبياتاً متناثرة في شعر المديح أو الرثاء أو الغزل أو الشكوى.
ومن أشهر الشعراء الذين تفوّقوا في هذا الفن الشاعر علي بن خلف بن عبد المطلق المشعشعي ملك الأهواز وقائد فرسانها، الذي تولّى حكم الدولة المشعشعية من عام 1060ـ1088هـ([669]).
وقد شغل شعر الحماسة معظم ديوانه، وممّا اله يفتخر بنفسه وقومه([670]):
وفيت لعيسي بالذي كنت واعداً
إذا أنا جشمت المطيّ الفدافدا
إذا ما رحلت العيس تحسب أنّني
أروم لها شهب السماء مواردا
جعلت لها عزمي عن الذلّ ذائداً
يصدّ عن المرعى الخسيس وقائدا
تحيد عن الماء النمير كأنّما
ترى دونه من أسد خفان ذائدا
أبى أصلها أن لا تمرّ بمرقع
ولا مشرب ما لم تنلني المقاصدا
أضر بها طول السرى وبركبها
ترى راكعاً لله منهم وساجدا
تخالهم كالشرب من خمرة السّرى
وقد جعلوا قتب المطي مساندا
وحسبي بها والأعوجي مساعداً
إذا لم أجد لي في الرفاق مساعدا
أقلّب طرفي لا أرى غير صاحب
إذا سرت في نهج العلى شط حائدا
إذا لم أجد في الأرض خلاًّ مواخياً
علوت فنادمت السّها والفراقدا([671])
أما للمعالي من مغيث وذي العلى
معين إذا ما قام كان معاضدا
يعزّ على العلياء أنّي خامل
ويثني زماني للئيم الوسائدا
متّى ظنّ أنّ الحيدريين ترهب الـ
ـكفاح وتخشى في الهياج المجالدا
إذا شدّ منهم فارس هزم العدا
كذا الضأن لا تلقى من الأسد واحدا
يرون مثار النقع نشر عبيرهم
ولدن القنا حين الكفاح خرائدا
ورنّة بيض الهند عيدلان أنسهم
وداعي الوغى الشادي إذا قام ناشدا
ولوا أب ساد الأنام بحلمه
وعادتنا لا يخلف الابن والدا
لعاف احتساء الضيم مني ماجد
أبى العيش إن لم يضح للخلق سائدا
وله يفخر بنفسه وثباته رغم مكائد الزمان:
ما زلت حرباً للزمان وأهله
ما زلت في طلب الكمال مشمرا
فاشمخ بأنفك للثريا رفعة
ما في الثريا خير من فوق الثرى
أي المفاخر ما احتواها سؤددي
لو رمت فخراً لم تجد لك مفخرا
وكما علمت شمائلي ومناقبي
لو قستها بالشمس كانت أظهرا
فخر القريب بأنّني لهج به
وبه افتخار سراقة والشنفرى
وإذا نطقت فإنّ لفظي مخرس
قسّ بن ساعدة الخطيب وعنترا([672])
ومن يفخر بنفسه ومكانة أسرته بين الناس وفضلهم على الآخرين:
ورثنا العلى من دوحة علويّة
تفرّع منها البأس والفضل والرفد
ميامين يستهدي الأنام بنورهم
بهم عرف المعروف والخير والرشد
أجل بني الدنيا فكلّ مسوّد
سيادته في أنّه لهم عبد
وهذا أبي الأدنى الذي لو نظرته
لرفعته انحاك عن ذي الورى زهد
لقد شاع بين الخافقين جميله
تظنّ به ورقاء أندلس تشدو
وترعد منه الأسد إنّ شدّ خيفة
كأنّ بها برداً وليس بها برد([673])
وله أيضاً يفتخر بأبيه:
ومن كان مثل الموسوي له أب
تسنم ظهر الخطب سيراً إلى الحمد
أبى خير من يدعى لدفع ملمة
وجرد المذاكي في وطيس الوغى تردي
هو القاتل الأبطال في حومة الرّدى
هو الباذل الأموال في السلم للوفد
تحمّل أعباء العشيرة قد غدوا
سواء لديه في الطريف وفي التلد
يرى أحرم الأشياء حرمان سائل
وأن يتلقى طالب الرفد بالرّد
يلاقي عظيم الهائلات بعزمه
أشدّ على الأعداء من حجر صلد([674])
ومن شعراء الحماسة والفخر، شهاب الدين الموسوي، الذي تفوق في وصف المعارك الحربية التي خاضها سلاطين زمانه ضد معارضيهم فوصفها وصفاً يرقى إلى وصف مجيدي الشعراء للمعارك، ومن ذلك قوله يصف وصول الملك علي بن خلف إلى كرسي الحكم والذي ناله بالكفاح والجلاد ولم يمنحه له أحد، فربط مجده بمجد آبائه وأجداده الملوك الذين تولّوا حكم الدولة بشجاعتهم وحنكتهم:
خطبت المجد بالأسل العوالي
ففزت بوصل أبكار المعالي
وحاولت العلى فلذذت منها
بشهد دونه لسع النبال
زجزت إلى الثنا لجج المنايا
فخضت اليمّ في طلب الآلي
وقارعت الخطوب السّود حتّى
أرضت جوامح النّوب العضال
وأرعشت القنا حتّى ظننّا
فنخت بهنّ أرواح الصلال([675])
ثمّ تناول فروسيّته وجدارته في القتال، وقدرته على التصرّف بالسلاح ولم يزل شاباً:
حويت المجد أجمعه صبيّا
يحنّ هوى إلى الحرب السجال
فكم أقرحت أكباد الأعادي
وكم أرمدت أجفان النصال
وكم صبّحت بالغارات حيّاً
فأصبح ميّت الأطلال بالي
فأمسى والديّار معطّلات
من الفتيان والبيض الحوالي([676])
ويعد ذلك بعدد مواقعه وانتصاراته، والقبائل التي انتصر عليها وفرّ جمعها:
وكم لك بالحويزة يوم حرب
تشيب لهوله لمم الليالي
ويوم مثل يوم الحشر فيه
تميد الراسيات من الجبال
به الأعلام كالآرام تسري
فتشتبه الرّعان([677]) مع الرّعالِ([678])
وهول فيه نار الحقد تغلي
مراجلها بأفئدة الرجال
له اجتمعت بنو لام جميعاً
تستر جانب الطّرف الشمالي
ولاذو بالحصون فما استفادوا
نجاة بالجدار ولا الجدال([679])
وله أيضاً يصف إحدى الوقائع الحربية التي خاضعها جيش حسين أفراسياب أمير البصرة، تناول فيها حالة الحرب بالعدّة والعدد وهيبة الجيش التي أرعت الأسود وأقلقت الصناديد منها:
يوم به أعين الأعداء باكية
والسيف يبسم مخضوباً بعزته
والحتف يترع كاسات النجيع به
والرمح يهتز نشواناً بخمرته
والذئب أصبح مسروراً ومبتهجاً
والليث يندب مفجوعاً بإخوته
جيش إذا سار يكسو الجوّ عثيره([680])
فتعثر الشمس في أذيال هبوته([681])
دروعه الحزم من تسديد سيّده
وبيض راياته آراء حكمته
ترى به كلّ مقدام بكلّ وغى
يرى حصول الأماني في منيته
شهم إذا ما غدير الدرع جلّله
منه توهمت ثعباناً بحيلته([682])
ثمّ يصوّر لنا بعض المواقف القتالية وتأثيرها على الأعداء، ويبدأ حواراً مع الخارجين من قبائل بني خالد فيشبههم ببني إسرائيل الذين خانوا موسى باتخاذهم العجل إلهاً:
سل الهفوف عن الأعراب كم تركوا
من الكنوز وجنات ببقعته
وسائل الجيش عنهم كم بهم نسفت
عواصف النصر طوقاً عند سطوته
يضيق رحب الفضا في عين هاربهم
خوفاً وأضيق منها درع حيلته
يا خالديون خنتم عهد سيدكم
هلاً وفيتم وخفتم بأس صولته
عارضتموه بسحر من تخيلكم
فكان موسى ويحيى مثل حيّته
أضلّكم عن هداكم سامريكم
حتّى اتخذتم إلهاً عجل ضلته([683])
ويبالغ الشاعر نفسه فيشبه فتح حصن الهفوف بفتح حصن عمورية، والأمير حسين أفراسياب بالمعتصم العباسي، فيقول:
إن كان من فتح عمورية بقيت
ذريّة من بنيه أو عشيرته
فإن فتحك هذا فذّ توأمه
وإن نصرك هذا صنو نخلته
لو كان يدري له في القبر معتصم
لقام حيّاً وعادت روح غيرته([684])
وله أيضاً يفتخر بقومه الذي ديدنهم عمل الخير باليد واللسان، وسطوتهم تعلو على الفرسان الشجعان، ولا يحول بينهم وبين غاياتهم شيء مهما عظم:
وإنّي من القوم الذين بنانهم
وألسنهم للسائلين تفيد
نسود الأسود الضاريات وإن غدت
لنا الظبيات الكاسيات تسود
وتضرعنا بيض الظّبا وهي أعين
ونحطمها بالهام وهي حديد([685])
وقال الشاعر عبد علي بن رحمة الحويزي يفتخر بنفسه:
شهودي على أنّي لأذن العلى قرط
لباس التقى والعلم والشعر والخط
فإن قبلت مني الشهادة أثبتت
مرادي وإلاّ فالصوارم والخط
حويت ملاك المجد من قبل أن يرى
لمسك عذاري في صفا عارضي خط([686])
ومن شعر الحماسة ما قاله فتح الله بن علوان الكعبي:
دعاني أطيل البث قد عظم الأمر
ألا واتركا لومي فقد ضرّ بي الصبر
ألم تريا جسمي تبدى نحوله
وخالطه ممّا أقاسي جوى، ضرّ
أرى نفثة المصدور ما بين أضلعي
حواها لغام البث فانجرح الصدر
ولا حزن غيلان وقيس وعروة
عراني ولا ما قد أصيب به بشر
ولكن أفكاري تصاعد تارة
فيبدو لها أنّ ليس ينفعها الفكر
تروم ولا كفران لله إنّها
عزيزة أقوام لها النهي والأمر
وتضمر عزمات المعالي وكلّ ما
تصوّره الآراء يتممها الدهر([687])
وإنّ شعر الحماسة الذي ينضح بمعاني الأنفة والكبرياء، ويجسم صور البطولة النادرة ما تفوّه به الشاعر هاشم بن حردان الكعبي، يصف بها شجاعة بني هاشم وتسابهم على التضحية، ومعالجتهم لخصومهم في ساحات النضال:
فوارس من عليا قريش تسنموا
من المجد صعباً ظهره ليس يركب
أتوا في العلى ما ليس يدري فأغربت
معاني الثنا في مجدهم حيث أغربوا
أسرة لها الأسد الضراغم مطعم
وما سفك البيض الصوارم مشرب
ترى الطير في آثارهم طالب القرى
متى ضمّهم في حومة الطعن موكب
تراع الوغى منهم بكلّ شمردل([688])
نديماه فيها سمهري([689]) ومقضب
بكلّ فتى للطعن في حرّ وجهه
مراح وللضرب المرعبلِ([690]) ملعب([691])
وله يفتخر بنسبهم وطهارة شجرتهم:
في البيت من هاشم العلياء نسبتهم
والنّعت من أحمد المبعوث للأمم
قوم إذا فخر الأقوام كان لهم
أنف الصفا وأعالي البيت والحرم
شم المراعف ولاجون مزدحم الـ
ـهيجاء بالنفس فرّاجون للغمم
أهل الحفيظة لا يلقى جوارهم
يشقى به الجار حافظون للذمم
أبياتهم حرم للنازلين بها
تأوي المخوف ولا يخشى من العدم
عفّ المآزر لا عيب يدنسهم
ولا يخاف عليهم زلة القدم
تلقى جفونهم تغضي حياً وترى
أسماعهم عن هجين القول في صمم([692])
إنّ ما ذكرناه من نماذج شعرية حماسية تشير إلى بروز الجانب الذاتي، وطغيان النزعة القبلية لدى هؤلاء الشعراء، فقد افتخروا بأنفسهم وأسرهم وقبائلهم وحكامهم وجيوشهم، وكأنّهم لم يذهبوا أكثر من ذلك… إنّ هذه المسحة الذاتية في واع الحال لا تعطي إلاّ سماً من شعر الحماسة لهذا الإقليم، فقد أتيح لأهل الأهواز أن يؤسّسوا حكماً مستقلاً، لكنّهم لم يسلموا من العدوان، واستجابة لهذا الواقع، وقف شعراء الأهواز ينفثون شعراً ملتهباً يثير العواطف، ويؤجج الأحاسيس، يدعو إلى نهضة لصد العدوان، والحفاظ على الحق. وكان الشاعر علي بن خلف في مقدمة هؤلاء الشعراء يتدفق حماسة وثورة، ويتألم لحالة الركود والخدر التي بدت على أهل الإقليم، وكأنّهم نسوا أمجادهم العريقة، وبطولاتهم الفذّة، فكان بين الفينة والفينة يطلق صرخة مدوية يدونها شعراً لبعث الهمم وتحريك المشاعر، حيث يقول:
أما آن جري السابحات السلاهب
وما آن سل الباترات القواضب
الا ماجد يهتز للمجد هزة
فيجمع فيها شاردات المناقب
قليل رقاد العين في طلب العلى
كثير دؤوب العيس جم المطالب
إذا ما تمطّى بالحمائل خلته
هزبراً له بالأسياف أمضى مخالب
شديد حصاة العلم لا ذو سفاهة
ولا مزدهٍ جهلاً بأسنا المكاسب
به أنف عن كلّ شيء يشينه
يرى الكفر أن يدنو دنيّ المعايب
بغيض إليه المال مغرى ببذله
غدا ماله وقفاً على كلّ طالب
يميط جلابيب الهوان بفتية
نماهم إلى العليا لؤي بن غالب([693])
مناجيب من ضاهاهم غير خيلهم
أعارب أصل فو خيل أعارب
غنوا بالعلى من أن يمتوا بأصلهم
وجهد غبي القوم عدّ المناسب
مغاوير نالوا مجدهم بسيوفهم
وما رغبوا إلا ببذل الرغائب
فنيرانهم والليل مرخ ستوره
ترحب بالسارين من كلّ جانب([694])
ثم يعرّج على نفسه فيتحدّث عن شجاعته وطموحه، وحبّه للكفاح ومقته للحياة الناعمة الوادعة في ظل الذل والهوان:
لقد طال شكوى أيني من إقامتي
إلى كم تشكيني إليّ ركائبي
فما الذل إلاّ بالجلوس على الأذى
وما العزّ إلاّ باقتعاد الغوارب([695])
ولطم وجوه الأرض إن ضاق ذرعها
بأيدي المطاي وأذراع السباسب
إذا أعوزتني في المشارق رفعة
تنقلت عنها راغباً بالمغارب
ولي نفس حرّ يصغر الدهر عندها
وتحسب طامي البحر بعد المذاهب
وإن السّها أدنى مقام لماجد
يؤمّل من دنياه أعلى المراتب
أفارق من أهوى وما ذاك عن قلى
وأجفو لأجل العزّ أدنى أقاربي
ولوا العلى ما كنت أجفو أحبتي
ولم أبد للخلاف تعبيس قاطب
يحنّ إلى أرض الحويزة نازح
يؤمل من دنياه أوبة غائب
إذا ما ذكرنا الكرختين وأهلها
عرفت هوانا من صهيل السلاهب([696])
والشاعر علي بن خلف بروحه التواقة إلى التحرير والطموحة إلى الاستبسال يتناول في قصيدة أخرى طبيعة نضاله، وخصائص رجاله، وإقدام قومه في ساحات الوغى، وتأصّلهم بالشجاعة حيث يول:
فما عذر عيني إن دنت من رياضتها
ولم يغن عن وكف الغوادي همولها
وإني ليشفيني النسيم إذا سرى
وجاز على تلك الرياض بليلها
على أنّ بي شوقاً إلى المجد لو غدا
بأم فصيل ما شجاها فصيلها
فأحيي الليالي بالهموم وإنّما
يطول على قدر الهموم طويلها
وإنّي من القوم الذين إذا دعا
بهم طالب العلياء ثار رعيلها
تجيش إلى شرب الدماء أسودها
وتهدر إن قالوا نزال فحولها
إذا ذكر التطعان مالت رماحها
وإن جالت الفرسان حنّت خيولها
إذا نازلت أقرّت عداها سيوفها
وإن نزلت نال النوال نزيلها
وإن نطقت أعيا المصاقع نطقها
وخطّ على وجه الزمان مقولها
لقد أحرز المعروف والفضل والتقى
وبذل اللهى شبانها وكهولها
إذا افتخرت زان النجار([697]) افتخارها
إذا انتسبت زان الفخار أصولها([698])
والملاحظ أنّ الشاعر يطرح هذه الأفكار الحماسية في إطار شامل وليس في نطاق عائلي ضيّق:
فإنا أناس إن دعينا لحادث
ترى الشهب تهوي في دجى النقع رجّما
ونطعم من يبغي قرنا لحومنا
إذا لم نجد للضيف في المحل مطعما
ونحلم ما لم يعقب الحلم ذلة
وما الحرّ إلاّ أن يغيظ ويحلما
ونغضي عن الجارات صوناً وعفة
وما المرء إلاّ أن يعف ويكرما
ويشركنا في المال من كان جارنا
يرى حقّه في ذاك إرثاً مقسما
تحامى الرزايا داخلاً في ذمامنا
تظنّ أذاه النائيات محرّما
فلو أنّ صدر الأفق لاذ بكهفنا
لما ناله نقص وفينا تذمّما
ولم نتحمل منة من مسود
ولم نرض إلاّ خالق الخلق منعما
شأونا السّهما في مجدنا ونجارنا
فلم نر جدياً([699]) في السمو ومرزما([700])([701])
إنّ شواهد الفخر العام كثيرة في شعر علي بن خلف وغيره من شعراء الإقليم فالشاعر شهاب الدين الموسوي ينبض شعره الحماسي بالأمجاد والبطولات ويجسّم صور الفروسية، ويتفاعل مع أحداث الحرب، وقد تعوّد أن يزيّن مناظر الوغى المرعبة بألفاظ النسيب العذبة ليزيد في روعة الموقف، ويهزّ مشاعر السامع:
لله أسد عرين من عشيرتها
ترضى الصوارم عنهم كلّما غضبوا
غرّ إذا انكشف عنهم ترائكهم
تحت الدّجنة من أقمارها حسبوا
تطلب الدرّ معنى من مباسمهم
فأدرك النّظم لمّا فاته الشّنب
سيوفهم في مضاها مثل أعينهم
سود الجفون ولكن فاتها الهدب
قاموا لديها وباتوا حولها حرساً
إذا احسّوا بطيف طارق وثبوا
عزّت لديهم فحازت كلّ ما ملكوا
حتّى لها النوم من أجفانهم وهبوا
قد صيّروا بالدّم المخضوب سنتهم
خدّ المهاة وكفّ الليث يختضب
لحاظهم هندويّات ذوائبهم
زنجيّة اللون إلاّ أنّهم عرب
لم يحسنوا الخطّ إن راموا مكاتبة
فوق الصدور بأطراف القنا كتبوا
سلّوا البروق من الأجفان وابتسموا
عنها وحادوا فقلنا إنّهم سحب
إذا المنيّة عن أنيابها كشّرت
عضّواً عليها بذيل النقع وانتقبوا([702])
ومن شعره قوله:
وبمهجتي العرب الأُلى لولاهم
لم تعرب الأجفان سرّاً معجما
عرب إذا ما البر ضاحك بينهم
خجلاً بأذيال السحاب تثلما
غرّ تغانوا بالقدود عن القنا
وكفاهم حور العيون الأسهما
لبست أسودهم الحديد مسرّداً
وظباؤهم وشي الحرير مسهّما
من كلّ ضرغام بظهر نعامة
للطعن يمسك في الأنامل أرقما([703])
ومن قصيدة له يعدّد مناقب قومه البطولية، ويبيّن مظاهر شجاعة الرسان واستبسالهم للدفاع عن شرف أمّتهم:
أفديهم من سراة في جواشنهم
وفي البراقع منهم تلتظي شعل
فرسان طعن وضرب غير أنّهم
أمضى سلاحهم القامات والمقل
شوس على الشوس بالبيض الرقاق سطوا
وبالجفون على أهل الهوى حملوا
في غمد كلّ هزبر من ضراغمهم
وعين كلّ مهاة كامن أجل
يروق في أسدهم نظم القريض وفي
غزلانهم يحسن التشبيب والغزل
تمسي القلوب ضيوفاً في منازلهم
ولا لهن سوى نيرانهم نزل
هم الأكارم إلاّ أنّهم عرب
عند الكرائم منهم يحسن البخل([704])
نستخلص ممّا سلف أنّ شعراء الأهواز افتخروا بالنسب والعشيرة والقيم القبلية.
الرثاء
فن أصيل في أدبنا العربي.
1 ـ رثاء أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ليس بالشيء الجديد في شعر الرثاء، فقد بكى الشعراء الإمام علي (عليه السلام) وأولاده، وتفجعوا عليهم، وصوّروا استشهادهم وأشادوا بمكانتهم الدينية والدنيوية، وفضلهم في الدين والعلم والفروسية…
وكانت مشاركة شعراء الأهواز في رثاء أهل البيت كبيرة، إذ قلّما نجد شاعراً منهم ليس له رثاء فيهم، فقد بهرهم استبسال الحسين (عليه السلام) وأصحابه وما جسّدوه من قيم البطولة والإباء والإصرار على الحق والاستشهاد في سبيله دون خضوع أو مساومة، وصوّروا تلك المواقف السامية لهؤلاء الفرسان، ومن ذلك قصيدة شهاب الدين الموسوي اليت استهلها بذكر شهر محرم الذي استشهد في اليوم العاشر منه الحسين (عليه السلام) وأصحابه:
هلّ المحرّم فاستهلّ مكبّراً
وانثر به درر الدموع على الثّرى
وانظر بغرّته الهلال إذا انجلى
مستعرجاً متفجّعاً متفكّرا
واقطف ثمار الحزن من عرجونه
وانحر بخنجره بمقلتك الكرى
لله أيّ مصيبة نزلت به
بكت السماء لها نجيعاً أحمرا
خطب وهى الإسلام عند وقوعه
لبست عليه حدادها أمّ القرى
أو ما ترى الحرم الشريف تكاد من
زفراته الجمرات أن تتسعرا
وأبا قبيس في حشاء تصاعدت
قبسات وجد حرّها يصلي حرا
علم الحطيم به فحطّمه الأسى
ودرى الصّفا بمصابه فتكدّرا
واستشعرت منه المشاعر بالبلا
وعفا محسّرها جوى وتحسّرا
قتل الحسين فيا لها من نكبة
أضحى لها الإسلام منهدم الذرا
حزني عليه دائم لا ينقضي
وتصبّري منّي عليّ تعذّرا
وارحمتاه لصارخات حوله
تبكي له ولوجهها لن تسترا
ما زال بالرمح الطويل مدافعاً
عنها ويكفلها بأبيض أبترا
ويصونها صون الكريم لعرضه
حتّى له الأجل المتاح تقدّرا
لهفي على ذاك الذبيح من القفا
ظلماً وظلّ ثلاثة لن يقبرا
ملقى على وجه التراب تظنّه
داود في المحراب حين تسوّرا
لهفي على العاري السليب ثيابه
فكأنّه ذو النون ينبذ بالعرا
لهفي على الهاوي الصريع كأنّه
قمر هوى من أوجه فتكوّرا
لهفي على تلك البنان تقطّعت
لو أنّها اتّصلت لكانت أبحرا([705])
وللشاعر علي بن خلف مرّات كثيرة في أهل البيت، وخصوصاً الإمام الحسين (عليه السلام) ومن ذلك هذه القصيدة:
يا نجوماً لم ترض أفق السماء
كيف أضحت لقى على البوغاء([706])
وشموساً لم تنبعث لغروب
وكساها الكسوف في كربلاء
وسحاباً يغمر نائلها الدنا
إذا ضن واكف الأنوار
لا ولا كالحسين حين يرمى في
كربلا بالمصيبة الشنعاء
ذبحوه ذبح الأضاحي ومثل
الذبح قتل الأصحاب والأبناء
ثمّ لم يكفهم إلى أن أحاطوا
بخبا المصطفى لسلب النّساء
فبنفسي ملطومة تندب المقتول
يا ثاوياً على الرمضاء
يا ثمالي يا عصمتي من زماني
إن دها يا خليفة الآباء
من لثكلاء يا عصمتي من زماني
وأصيبت بأسهم البغضاء([707])
ولعلي بن خلف قصيدة أخرى يندب فيها صرعى الطف، ويبكي الحسين (عليه السلام)، ومنها:
يا خليلي وأين منّي خليلي
ساعد الصّب بالبكاء والعويل
ما بكائي على رسوم تعفّت
بين سقط اللوى وبين الدخول
بل بكائي على الأُلى صرعوا با
لطف خير الأنام آل الرسول
أهل بيت النّبيّ خزان وحي
الله أهل القرآن والتنزيل
بين ملقى على التراب صريع
وسليب مصفّد بالكبول
ليس صبري الجميل في يوم عاشورا
إذا ما ذكرتهم بجميل
وقليل هلاك نفسي ولولاهم
لما كان هلكها بقليل
بين ذل القتيل والعزّ منهم
قدر ما خرّ عن سروج الخيول
فينالون رفعة القدر في طوبى
فطوبى لهم وخير نزول
يا شموساً كانوا هداة البرايا
كيف خصّت في كربلا بأفول
ما كفاهم قتل الرّجال إلى أن
سلبوا الحجل من ذوات الحجول
كاد يقضي عليّ مهما تذكّرت
مصاب الشهيد فرط غليل
ذا يزيد اللعين هذا الحسين
الطّهر فأعجب من قاتل وقتيل
نور عين الرسول إنسان عين
المرتضى عزّو وقلب البتول
من تهاوت له الكواكب حزناً
وبكته السماء بدمع همول
يا قتيلاً بتقتله ضحك الشرك
وآب الهدى بطرف كليل
وتسامى الضلال بعف انخفاض
وعلا القدر منه بعد خمول
قتلوه مع علمهم أنّه خامس
أهل الكساء في التبجيل([708])
وله أيضاً يندب الحسين (عليه السلام) ويعدّد مآثره:
امرر على جدث الحسين
وشم أعظمه الزكيه
والثم ثراه فلثمه
ينفي المآثم والبليّه
إنّا رزئنا بالحسين
وإنّ مصرعه الرزيه
يا مصرعاً بكت السماء
له وضعضعت البنيّه
واهتزّ عرش الله
واهتزّت له السبع العليه([709])
وكان الشاعر هاشم بن حردان الكعبي من المبرزين في فن الرثاء، وأكثر رثائه في أهل البيت وخاصّة شهداء واقعة الطف، ومن قصيدة له في هذا المعنى تفجّع فيها للشهداء، وأشاد ببطولتهم ومروءتهم وإبائهم، فقال:
هنا الربع لا بين الدخول فحومل
فعطفاً علينا يا ابنة القوم وانزلي
صحبتك فاستصحبك عذلك جاهلاً
كأنّي لم أصحبك إلاّ لتعذلي
دعيني وأشجاني أكابد حملها
فإنّ الذي بي فوق رضوى ويذبل
وكيف ادخار الدمع عن خير منزل
تضمن من خير الورى خير نزّل
من البيض بسامون في كلّ معرك
من البيض مشغول الفراغين ممتلي
بنو الوحي يتلى والمناقب تجتلى
وغرّ المساعي أوّلاً بعد أوّل
لهم كلّ مجد شامل كلّ رفعة
لهم كلذ حمد شاغل كلّ محفل
بنو المصطفى الهادي وحسبك نسبة
تفرّع عن أسمى نبي ومرسل
غداة التقى الجمعان في طف كربلا
وما كربلا عن يوم بدر بمعزل
وقد سدت الآفاق بالنقع والوغى
فلم تر إلاّ جحفلاً تحت قسطل
وقد زعزعت ريح الجلاد فهيّجت
ركام سحاب بالمنيّة مسبل
وقامت رجال الله من دون آله
تشبّ لظى الحرب العوان وتصطلي
فكم مارق بالرمح ثغرة مارق
وكم فاصل بالسيف هامة فيصل
فطارت فراخ الهام إذا أطلقت بها
أكفهم عقبان بيض وأنصل
وبان لهم سرّ هناك فعجّلوا
سرى البين نحو المنزل المتأهل
فناموا على الرمضاء بين معفّر
بها الوجه أو دامي الجبين مرمّل
وظلّ أخو الهيجاء يحمل شكة
على سابح موج المنية هيكل
أخو همم يأتي بكل عجيبة
تروق لعين الناظر المتأمّل
مضى الماجد الضرغام والواحد الذي
تحمل من كلّ الملا لا كلّ مثقل
ربيع اليتامى المعتفين وكا
فل الأيامى وأمن الخائف المتوجّل
أقول لركب كالسي تفوقوا
ذرى مثلها من كلّ وجناء عيهل([710])
فوا بي إذا بان الطفوف وأعرضت
مخايل ذاك العارض المتجلجل([711])
لثاو على الرمضاء لم يلق مشفقا
على التراب عار بالنجيع مسربل([712])
وله أيضاً يرثي الحسين (عليه السلام):
أهاج حشاك للشادي الطروب
قرير العين في الغصن الرطيب
فكم للقلب من وجد وحزن
وكم للطرف من دمع سكوب
ونفس حشو أحشاها هموم
يشيب لها الفتى قبل المشيب
تريد من لاليالي طيب عيش
وهل بعد الطفوف رجاء طيب
سى الله الطفوف وإن تناءت
سجال السحب مترعة الذنوب
فكم لي عندها من فرط وجد
وحر جوى لأحشائي مذيب
أسلوان لقلبي وابن طه
على الرمضاء ذو خد تريب
معوى في الهجيرة لا يوارى
مخلّى عن قريب أو حبيب
عديم النصر إلاّ من قليل
من الأنصار والرحم القريب
تفانوا دونه والرمح عاط
بناظره إلى ثمر القلوب
يرون الموت أحلى من حبيب
أباح الوصل خلواً من رقيب
فتلك جسومهم في الترب صرعى
عليها الطير تهتف بالنعيب
أبي الضيم حامل كلّ ثقل
عن العلياء كشّاف الكروب
أبو الأشبال في يوم التصادي
أبو الأيتام في اليوم السغوب([713])
وقال في رثاء الإمام عليّ (عليه السلام):
فديت قتيلاً من حسام ابن ملجم
بنفسي وما أهوى وما ملكت يدي
علياً أمير المؤمنين وخير من
أشارت إليه في العلى كف سؤدد
فشلت يد الجاني عليه أما درت
غداة أصابت لب كلّ موحّد([714])
الرثاء العام
ونقصد به أنواع الرثاء الأخرى غير ما قيل في رثاء أهل البيت (عليهم السلام)، ويشتمل على رثاء الأمراء والحكام والعلماء والمفكرين والأعيان والأهل والأقارب والأصدقاء.
ومن هذه المراثي قصيدة شهاب الدين الموسوي في رثاء الأمير خلف بن عبد المطلب أمير الدورق في سنة 1074هـ:
مضى خلف الأبرار والسيّد الطّهر
فصدر العلى من قلبه بعده صفر
وغيّب منه في الثرى نيّر الهدى
فغارت ذكاء الدين وانكسف البدر
ومات الندى فلترثه ألسن الثّنا
وليث الوغى فلتبكه البيض والسمر
هو الماجد الوهّاب ما في يمينه
هو العابد الأوّاب والشّفع والوتر
هو الحرّ يوم الحرب تثني حرابه
عليه وفي المحراب يعرفه الذكر
فلو دفنوه قومه عند قدره
لجلّ ولو أنّ السّ/اك له قبر
وما دفنه في الأرض إلاّ لعلمنا
به أنّه كنز لها ولنا ذخر
تعطّلت الأحكام بعد وفاته
وضاعت حدود الله والنهي والأمر
فغير ملوم جازع لمصابه
ففي مثل هذا الخطب يستقبح الصبر
فمن لليتامى والأرامل بعده
وممّ، نرجّى النّفع إن مسّنا الضّر
كأنّ الورى من حوله قبل بعثهم
دعاهم من الأجداث في يومه الحشر
سرت نسمة الرضوان نحو ضريحه
ولا زال فيها من شذا طيبه نشر
وفي ذمّة الرحمن خير مودّع
أقام لدينا بعده الوجد والفكر
تناءى فللدنيا عليه وأهلها
بكاء وحزن والجنان لها بشر
فلا يشمت الحسّاد فيه فإنّه
سترغمهم بالموت أبناؤه الغرّ
لئن سلمت أبناؤه وبنوهم
فويل العدا وليفرح الذئب والنسر
فروع تسامت للعلى وهو أهلها
فطابت وفي أفنائها أثر الشكر
ملوك زكت أخلاقهم فكأنّهم
حدائق جنات وأخلاقهم زهر
عسى الله يجزيك الثواب مضاعفاً
ويعقب عسر الأمر من بعده يسر
ويلهمك الصبر الجميل بفضله
ويمتّدّ في الحظ السعيد لك العمر([715])
ومن مراثي شهاب الدين الموسوي داليته في رثاء الأمير ناصر بن محسن بن علي المشعشعي التي ضاهى بها دالية ابن الرومي في رثاء ابنه الأوسط فقد بكاء بعبرات رقيقة شجيّ تتناسب مع مقامه كأمير منا لسرة الحاكمة، اتّصف بالبذل الواسع والخلق الكريم والشجاعة المتناهية والنسب الشريف والمنبت الطاهر، فقال:
هوى الكوكب الدريّ من أفق المجد
فتباً للب لا يذوب من الوجد
وتعساً لعين لا تفيض دموعها
فقد غاض بحر من ملوك بني المهدي
تداركه كسف الرّدى بعد النّدى
فأصبح كفّ المكرمات بلا زند
إلا فاندبوا يا وافدون ابن محسن
فقد هدّ ركن الجود من كعبة الوفد
فحاً لملك الحوز يشكو فراقه
فعن غايه قد غاب خير بني الأسد
وحقّاً لعين الحرب تبكي له دماً
فقد فقدت في فقده سيفها الهندي
وحق العلى أن تنبش الأرض بعده
فقد ضيّعت في الترب واسطة العقد
جواد على آثار آبائه جرى
وأجداده الغرّ الغطارة اللّد([716])
وحينما قتل الأمير محفوظ بن جود الله بن خلف المشعشعي في عام 1090هـ ـ 1679م، في إحدى الحروب المحلية بين حكومة الإقليم وبعض القبائل رثاه الأديب المعاصر له فتح الله بن علوان الكعبي:
فتى كملت أخلاقه وصفاته
كريم المحيّا طيّب الاسم والذكر
سأبكيه لليوم الطويل يصومه
مخافته عند الووف لدى الحشر
وأبكيه للقربى ومن حلّ حوله
وأرملة أو من أصيب من الفقر
وللحرب لمّا بارز الألف وحده
فناب مناب الليث في بقر البتر
فيا لك مقتولاً تضعضعت العلى
لمصرعه والدين مدمعه بذري
كأنّ أباهم حيدر الطّهر قائل
لهم إنّ موت العزّ في صهوة المهر
يذكّرَني مثواه مثوى إمامنا
الحسين لدى الوغى من غير ما نكر
غداة هوى عن سرجه لهوية
فأعقب أحزان تشبّ مدى الدهر
عليك سلام الله من ناحل القوى
كثير البكا دامي الحشا عادم الصبر
فلو أنّ مشتاقاً يذوب صبابة
إذا سمع الناعي لذبت وما أدري
ولكنّ حكم الله حتم محتّم
على خلقه في ما يشاء من الأمر
سقى الله مثواك الشريف غمامة
من الروح والريحان طيّبة النشر
وعوّضك الرحمن من زينة الفنا
ثياب البقا في الخلد من سندس خضر([717])
ومن مراثي فتح الله بن علوان التي تترقرق بالحسرة واللوعة، وتوضّح مدى تأسفه على فقدان صديقه الأمير محفوظ، قصيدته التي استهلها بالبكاء والتفجّع بعبرة ساخنة، فقال:
حزني عليك مدى الزمان مقيم
حاشاه أن يثنيه عنك ملوم
يا راحلاً عنّا استقلّ برحله
صيّرتنا في النائبات قعوم([718])
جادت لفقدك كلّ عين ثرّة
وبكل قلب رحة وكلوم
نبكي وما يجدي البكاء وإنّما
جهد المصّر دمعه المسجوم
عرفوا المنيّة ثمّ خاضوا قعرها
إنّ الفرار مع البقاء ذميم
ساقوا العدوّ بما يساقي مثله
لو أنّ حربهم السجال تدوم([719])
بعد ذلك يندّد بالقتلة الخارجين من بائل آل كثير وآل سلطان والفضول، ويهدّدهم باليوم الموعود الذي ينتظرهم على يد قوم الأمير، مع الإشارة إلى السجايا الإنسانية لفقيده، عن طريق المفاضلة بينه وبين خصومه، ويختمها بدعاء المغفرة والرحمة من الله سبحانه:
ويل ابن أم أبي كثير ما روى
من ذا الذي هو بينهم مزعوم
هذا الذي تبكي عليه صحائف
تتلى وأذكار له وعلوم
هذا الذي تبكيه أضياف الدجى
والمعدمون وأرمل ويتيم
هذا الذي تبكيه آساد الشرى
من قومه فلهم عليه وجوم
والله ما أنتم بأقران لهم
في الحرب لكنّ القضا محتوم
فلأبكين عليك مستور الحيا
إنّ التجلّد في المحبّة لوم
ولأسألنَّ الله في جنح الدجى
غفرانه لك إنّه لرحيم([720])
ونودّ لو سمح الزمان بمثل من
نفديك من حتف وأنت سليم
إيه خليلي إن رأيت وإن ترى
والأمر في كلّ الورى معلوم
يوماً تجمّعت البائل كلّها
فيه وأمر ضلالهم مبروم
إن تسألن عنه فربّة مخبر
يخبرك أنّ الجيش كان عظيم
قد أقبلوا زمراً كأنّ سيوفهم
برق ومشتبك الرماح غيوم
لم أنس محفوظاً غداة لقاهمو
فرداً وجيش عداته مركوم([721])
من بعد إخوته الذين تقدّموا
في الحرب وهو مؤجج مضروم
فسطوا على الجمع الكثيف كما هوت
شهب على جمع الغواة رجوم([722])
ركعوا الأسنّة خوف قولة قائل
هذا ابن جود الله وهو هزيم
ولشاعر الرثاء هاشم بن حردان الكعبي الدورقي مرّات عدّة، في علياء وأعيان عصره وأصدقائه، نذكر منها قصيدة في رثاء الشيخ حسن ابن الشيخ محمد العصفوري:
أطيلي البكا فالرزء أضحى مجدداً
إذا غبّنا في اليوم باكرنا غدا
ولا تسأمي فرط النياحة واهتفي
بخطب عرا شمل الهدى فتبدّدا
ألم تعلمي الخطب الذي هدّ وقعه
نظام الهدى وانهدّ منه ذرى الهدى
وأنت له أم المكارم ثاكلاً
تعالج طرفاً يمطر الدمع أرمدا
أرى الموت يحدو بالكرام كأنّما
جنوا ترة([723]) لاعفو فيها ولا ودا
أهاب بإخوان الصفا فاصطفاهم
وثنّى بأرباب العلى متفرّدا
تضمّ الثرى منهم صدوراً تضمّنت
من العلم معروف الرواية مسندا
نقي المساعي عن تدنّس ريبة
أقام حميداً ما أقام وقد غدا
تناقل أعداه أحايث فضله
فلم تستطع منهم جحوداً فتجحدا
مليء بإملاء المسائل ساكتاً
فإن ال جلّى في المقال وسدّدا
إذا قرّ قلت الطود في الحلم راسياً
وإن هاج قلت البحر بالعلم مزبدا
لتبك المعالي شجوها بعد هذه
بكاء العذارى حين أفقدن مفقدا
إمام الهدى من ظلّ بعدك للهدى
لباغ بغى أو مارد قد تمرّدا
تركت ربوع الدين قفراً وليلها
عقيبك إن لم يرحم الله سرمدا
فمن لحدود الله فيه يقيمها
وقد أكثر اللاحي علينا وفنّدا
بكيتك للدين الحنيف تحوطه
إذا غار غارٍ في الضلال وأنجدا
ولليل تحيي جنحه متهجدا
وللدهر تقضي عمره متزهدا([724])
ومن مراثي هاشم الكعبي داليته في رثاء الشيخ محمد بن يوسف:
كيف تبقى لنا وأنت العماد
وتوفى وتكمد الحسّاد
أو يعود الزمان مغتبط العيش
وتقضي بغيظها الأضداد
وسجايا زمانك النص فمن أين
يجرى من عنده الازدياد
نبتغي في الزمان ذخراً وفخراً
والقصارى القبور والألحاد
كلّ يوم يخرُّ للأرض طود
لا تداني جلاله الأطواد
طال حمل الثرى بأهل المعالي
ليت شعري متى يكون الولاد
قد ظننت المنون من قبل هذا
همها في البرية الأعداد
ليس تدري ما عالم وجهول
واستوى الغور عندها والنجاد
تنتقي الأمجاد من كلّ حيّ
وتخلى الأوباش والأوغاد
والهمام الإمام حلّق عنّا
راحلاً والمعلّم الإسناد
زين أهل التقى وركن المعالي
وعماد الورى ونعم العماد
كنت شمساً للسالكين وبدراً
بك يجلى العمى ويهدى الرشاد
وحساماً على المضلين يشقى
بشباك الفساد والإفساد
وعويص من المسائل تنهيها
وقد فات أهلها الانتقاد
وفروع شريفة وأصول
قررتها أدلة واعتقاد
وقضايا قد أشكل الحكم فيها
وأبى طرف ناظريها الرقاد
يا لقومي لحادث عمّ دين الله
فانهد ركنه والعماد
لرزايا حلّت بدار المعالي
فالمعالي لباسهن سواد([725])
وللشاعر المذكور قصيدة أخرى في رثاء صديه الشيخ موسى، وكان من الفهاء العبّاد الزهّاد، منها:
قالوا الكليم هوى على عفر الثرى
قلت الجلال له انجلى فتعفّرا
متحنكاً تحت الظلام ووجهه
يكسو الدجنة منه وجهاً مسفرا
تلى الخشوع بوجهه متأثراً
وترى النشيج بصدره متكسرا
يتنفس الصعداء في جنح الدجى
متأوهاً متأسفاً متحسّرا
تتنعم الأكوان من بركاته
وتراه حبس البيت أشعث أغبرا
المسك أطيب ما يكون من الشذا
وفعاله للمسك مسكاً أذفرا
وشمائل في الدين طيّبة الشذا
لو أنّها انتشقت لكانت عنبرا
تبكيه آيات الكتاب تلاوة
وجليل معناه اللطيف مفسّرا
متواضعاً في الله جلّ جلاله
مترفعاً عمّن سواه تكبرا([726])
وله يندب أخاه:
يا شقيقي وأين منّي شقيقي
مطلب عاند على الركب صعب
على أن يبلغ الزفير إليه
ودموع لها مع السرب سرب
وجوى في الحشا يهيجه القرب
ادّكاراً وأين منك القرب
لم يطب لي من بعد بعدك طيب
وصحيب فما يكون الصحب
كلّ عذب تركته لي مرّاً
غير مرّ الجى ففي فيّ عذب
فطعامي لمّا نأيت سقامي
ودموعي لمّا قضيت الشرب
صبغت أدمعي ثيابي حتّى
أنّها من نضارة الدمع قشب([727])
وللشاعر عدنان بن شبر المحمري قصيدة ريقة في رثاء صديقه ناصر بن عبد الصمد، منها:
كذا هجمة الزمن الغادر
تطلّع عن أجل حاضر
وتنزل عن صهوات البقا
إلى جدث العدم المائر([728])
وعندي منها لصوت النعي
فؤاد كخافتي طائر
فيا ناعياً طيّبات البقا
إلى أوّل الخلق والآخر
ويا ناصراً بشفار المنون
فؤاد تممنّع عن ناصر
وأفنيت صبري وكنت الصبو
وعلى نوب الزمن الجائر
فأين التصبذر عن خاطري
ترحل لا أين عن خاطري
وقفت وقد كرّ جيش الخطو
ب على حدّ منصلها الباتر
بعين تجاري عيون النعا
م لها محجر ليس بالحاجر
وهل ينفع العين أن تستهل
فأنجدها بالدم المائر
أخا الوجد ناصر دين الإله
متى لم ير الدين من ناصر([729])
الشكوى
عاش الشاعر الأهوازي أوضاع مجتمعه بأبعاده كافة، وتأثّر بها غاية التأثّر، وعبّر عنها أبلغ تعبير بشعره، فكان هذا الشعر ترجيعاً وترديداً لمعاناته خاصّة ومعاناة مجتمعه عامّة، طفح بها قلبه واهتزت لها أحاسيسه، فانبرى يشكو معضلات الحياة ويندد بمصائب الدهر، ويتحدّى التعسف ويصرّ على إنجاز طموحه، فاتّخذ من الزمان رمزاً يصب عليه نار غضبه، لأنّه الجهة التي لا يخشى بأسها، وهو اختيار مجازي بلا شك لتعذّر البوح بالمشتكى منه.
ورد هذا النوع من الشعر في قصائد مختصة بهذا الغرض، إضافة إلى مقاطع متناثرة بين القصائد المختلفة، تجمع في أغلبها بين الشكوى الذاتية للشاعر نفسه، وبين الكوى العامة لمجتمعه.
فاشتكى الشاعر ضيق العيش والإحباط في الآمال ونكد الحظ وتقدّم العمر وفراق الأهل والأحبة. وتذمّر من سلوك المجتمع واضمحلال أخلاقه واعتماده على وسائل متدنية في التعامل على حساب كرامته، وتجافيه للعلماء ذوي الفضل، وكيده للأباة الأحرار.
واسترعى انتباهه التعسف السياسي والقهر الاجتماعي الذي تعرّض له أهل الإقليم، فعبّر عنها بالشكوى.
وكان الشاعر علي بن خلف أحد ضحايا هذا الانتهاك، ولذلك عبّر عنه بألم صادق ونقد لاذع. وكانت قصائده المسمّاة بالقزوينيات([730]) كلّها مليئة بالشكوى ألماً في دار الغربة حينما فرضت عليها الحكومة الصفوية الإقامة الجبرية في منطقة قزوين.
ومن هذه القصائد قصيدته التي يشكو فيها البُعد عن الأهل والوطن وشدّة الحزن وطول السهر والتنقل بين مناطق زوين وأصفهان وكاشان مرغماً، منها:
ما الذي ضرّ صروف الحدثان
لو أعادت ما تقضّى من زماني
وزمان بالتنائي مولع
يا ترى يسمح يوماً بالتداني
ما لعني لا يدانيها الكرى
وفؤادي مولع بالخفقان
وبنفسي جيرة ودعتهم
وزماني بنواهم قد رماني
تارة رحلي بقزوين لقى
أو بكاشان وطوراً بأصفهان
لا أرى لي مسعداً إلاّ البكا
ونجوم ليلها ملقي الجران
كم إلى كم رحلتي لا عن رضا
والهوى حيث تسيل الكرختان
تلك أرض نبتها شوك القنا
ومقر الأسد والبيض الحسان
أقرحوا الجفن وقلبي أحرقوا
ونواهم شفّ جسمي وبراني
أوحشوا العين وحلوا خاطري
آه ما أصنع في ناء مداني([731])
وله يذكر وحشة الغربة وقلّة الأنيس:
هل عائدات بالحمى أيامي
وأبل من ماء العذيب أوامي
أيام اقتنص الظبا بظفائري
فكأنّهنّ حبائل الآرام
يمضي نهاري بالحنين وبالبكا
والويل لي إن كرّ جنح ظلام
لا فرق بين الليل عندي والضحى
فكأنّ دهر الصبّ ليل تمام
لا سعد إلاّ حنين ركائب
وصهيل سابقة ونوح حمام
عمري تقضّى بالتباعد والنوى
وقليل قوت إن نظرت حرام
تأبى جنوبي أن تلائم مضجعي
والجفن لم يهنأ بطيب منام
ناء عن الأولاد والأحباب و
الإخوان والأخوال والأعمام
عربي أصل بالأعاجم مبتلى
يا وحشة العربي بالأعجام
لا مسعد إلاّ سواجم أدمع
وعهدتها من قبل غير سجام([732])
وله يستغيث بآل الرسول (عليهم السلام) ويشكو طول مكوثه في قزوين:
يا سادتي أنتم كهفي ومعتمدي
بعد الإله إليكم منتهى أملي
أشكو إليكم نوى طالت مسافتها
وشدة أعوزت في دفعها حيلي
مشرّداً عن دياري مفرداً وجلاً
كالسيف عري متناه من الخلل
كم الجلوس بقزوين على قلق
مضن ولا ناقتي فيها ولا جملي
لا مؤنس غير أنفاس أصعّدها
لا مسعد غير دمع وأكف هطل
حولي أناس إذا حاولت نصرتهم
لم يعرفوا غير توبيخي أو العذل
وقد قضى بهم علمي وتجربتي
ألاّ أعوّل في الدنيا على رجل([733])
وقال يشكو تكالب المحن عليه حتّى وجد نفسه وحيداً في دار الغربة:
لو كان بعض الذي ألقى من المحن
يبلى به زمني ما ساءني زمني
ما للزمان كفانا الله صولته
بالخطيب دون الرايا قد تعمّدني
إن كنت تجهل نعتي لست تعرفه
فاسأل عن الهم والبلوى فتعرفني
من كان ذا الدهر أبكاه وأضحكه
فما حظيت بيوم منه أضحكني
في كلّ صبح جديد أو مسيته
تنوبني نائبات منه تمرضني
د لازمتني فلو حاولت فرقتها
أبت نوائب دهري ان تفارقني
كأنّها خلقت لي مذ ولدت لها
وأرضعتني بدرّ الهمّ والمحن
قد أبعدتني عن داري وعن وطني
وأوحشتني من أهلي ومن سكني
لم تبق لي صاحباً أملت نصرته
إلاّ وعنّ له أمر ففارقني
ولا مكاناً تحبّ النفس مسكنه
إلاّ وحان زماع عنه أحفزني
كأنّها نازلت قومي وقد ضعفت
عنهم وقد أفردتني كما تنازلني
كم من حبيب رمتني في تباعده
بالرغم منه ومنّي أن يباعدني
ودعته ودموع العين تشغلني
والدمع شغله من أن يودعني
فلا صديق إليه مشتكى محني
ولا رفيق يواسيني على الحزن
إنّي إلى الله أشكو من عداوته
عسى إلهي منها أن يخلّصني([734])
وللشاعر المذكور شكوى مريرة من أجراءات الحكومة الصفوية:
أرجو من الدهر الخؤون ودادا
وأرى الخليفة أخلف الأوعادا
يا دولة ما كنت أحسب أنّني
أشقى بها وغدا الشريف عمادا
وإذا هطبت عن العلى بفضائلي
فتعجبوا ثمّ انظروا من سادا
يا درة بيعت بأبخس قيمة
قد صادفت في ذا الزمان كسادا
دهر يحط الكاملين ويرفع
الأنذال والأوباش والأوغادا([735])
بالإضافة إلى الشكوى السياسية التي عكستها بعض قصائد هذا الشاعر كانت له قصائد أخرى يصف بها نوائب الدهر، ويشتكي من أهواله، منها:
أماني نفس لا تزال كما هيا
حوامل لا ينتجن إلاّ أمانيا
تمنيني الدّنيا بخلب وعدها
وهل ينقعن الآل من كان ظاميا
فيا ليتها أبقت مناها ولم تشب
مناها بما يجري الدموع الجواريا
أرى كلّ شيء في الوجود معاكساً
فقل في فتى أضحى له الدهر قاليا
وما طلعت إلاّ لكيدي نجومه
فيا هل تراني قد وترت الدراريا
إلى الله كم أشكو الزمان وأهله
عزيز على العلياء إن رحت شاكيا([736])
واشتكى الشاعر عبد علي بن رحمة الحويزي من الدهر، لأنّه عاقه عن الوصول إلى مطالبه، حتّى بدا الشيب في مفرقه، فقال:
سهودي على أنّي لأذن العلى قرط
لباس التقى والعلم والشعر والخط
ولم يقض لي الدهر الخؤون مطالبي
وها د بدا للشيب في لمتي وخط
ألا أتشكّى من زماني وقد غدا
سلاحاً به يسطو على الأجدال البط
وتفترس الضأن احتقاراً أسوده
ويقصر عمّا يدرك الجعفر الشط
إلى الله أشكو جور دهري وجيرة
نأواً بالجفا عني ولم ينأهم شحط
تباين ما بيني وبين أحبتي
كأن لم يكن وصل لدينا ولا ربط
نصيبهم منّي دنوّ إذا جفوا
رضا ونصيبي منهم أبداً سخط([737])
وكان الشاعر شهاب الدين الموسوي يعرض شكواه في مقدمة قصائد المديح:
يا خيبة السّعي قد ولّى الشباب ولا
أدركت سؤلي وعمري فات أكثره
فما وفى لي حبيب كنت أعشقه
ولا صفا لي خليل كنت أوثره
ولا اختبرت صديقاً كنت أمنحه
صفو السريرة إلاّ صرت أحذره
يا دهر ويحك إنّ الموت أهون من
مذمّم بك يؤذيني وأشكره
ما لي وما لك لا تنفكّ تقعدني
إن مت للمجد أو حظّي تعثّره
لقد غدا البخل شخصاً نصب أعيننا
فأصبح الجود عهداً ليس نذكره([738])
وله يشكو الزمان:
ما لي وما للدهر ليس ذنوبه
تفنى ولا عتبي على آنائه
يجني على فضل الجسيم بفضله
وكذا الجهول الفضل من أعدائه
فكأنّما هو طالبي بقصاص ما
صنعته آبائي إلى أرزائه
شيم الزمان الغدر وهو أبو الورى
فمتى الوفاء يرام من أبنائه
لحقوه في كلّ الصفات لأنّهم
ظرفوا به والماء لون إنائه
فعلامَ قلبي اليوم يجرحه النوى
ولقد عهدت الصبر من حلفائه
يا حبّذا عيش على السفح انقضى
والدهر يلحظنا معين وفائه
والشمل منتظم كما انتظم العلى
بندى عليّ أو عقود ثنائه([739])
وله في ذمّ الزمان ومساوىء المجتمع:
ما لي وما للدهر ليس بمنجز
وعدي ولا أملي لديكم ينجح
أشكو الزمان إلى بنيه وإنّما
فسد الزمان وليس فيه مصلح([740])
وله يتألم لقطيعة أحبابه وجفاء زمانه:
ما حيلتي بعد المشيب لوصلكم
وصباي عند حسانكم لا ينفع
أشكو إلى زمني جفاكم وهو من
إحدى نوائبه ومنها أفظع
يا قلب لا تلقى ولا تك واثقاً
بالبشر منه فإنّه متصنّع
وببره لا تستعزّ فإنّه
فخ بحبّته يكيد ويخدع
كم في بنيه ظالم متظلّم
كالذئب يقتنص الغزال ويطلع([741])
وله في كثرة المصائب وتعدّد الجروح:
لله كم لك يا زماني فيّ من
جرح بجارحة وسهم وبال
صِيّرتني هدفاً فلو يسقي الحيا
جدثي لأربت تربتي بنهال
ألفت خطوبك مهدتي فتوطنت
نفسي على الأقدام في الأهوال([742])
وللأديب نور الدين الجزائري (ت 1158هـ/1745م) من قصيدة:
هو الدهر لا يلفى لديه سرور
فتخييل طيب العيش فيه غرور
هو الدهر لا يصغي إلى ذي شكاية
بحق شكى الأحوال أو هو زور
هو الدهر لم ينجح لتحكيم عالم
وإن حكم الجهّال فهو وزير
لحى الله هذا الدهر من متنصف
لئن سرّ يوماً فالبكاء شهور
وإنّ رتّب الأحوال يوماً على الورى
فذو المجد خاف والسفيه شهير
وإنجاح آمال الكرام معسّر
عليه ونيل الجاهلين يسير
رأيت الورى لم يعقلوا من تفاوت
دخان علا في الجو أو هو نور
ولم يفرقوا بين الوهاد وشاهق
وتل دحي في الأرض أو هو طور
فمذ رفع التمييز واختلّ وضعه
على الحال خفض والصحاح كسور
وأنجم سعد أبدلت بنحوسها
وتحيّرت في السير كيف تسير([743])
بعد ذلك يستعرض همومه وغمومه التي منها العوز والحرمان وندرة الخلاّن الصالحين، وضياع الفضيلة:
أيا دهرنا الغدّار قل لي إلى متى
أكابد غمّاً ليس فيه فتور
أبيت ضجيعاً للسهاد وليس لي
سوى طول أحزان الزمان سهير
يمرّ زماني بالعناء وينقضي
على الكره منّي أشهر ودهور
ودرت فيافي الأرض طراً فلم أجد
أخا ثقة في الخافقين يدور
وما زلت للأشجان والرزء كاتماً
وفي الصدر منها لوعة وزفير
واسأل ربّي الله حسن مآبنا
وامحاء زلات لهنّ خطور([744])
وللشاعر هاشم بن حردان الكعبي قصائد عدّة يشكو فيها نائبات الدهر، وقساوة الزمان والليالي المرّة، التي منها قوله:
لله كم نفسي تاسي ما جرى
لله كم عيني ترى ما لا يرى
كابدت من مرّ الليالي حنظلا
لو ذاقه الحنظل يوماً لشكى
ما لي وللدهر طلا بي سلمه
من حيث لا يلقي إلى سلمي يدا
في كلّ يوم منه شن غارة
طلاعها الأرض بلاغها السما([745])
وله أيضاً، يعلن عن تصميمه على مواهة النائبات، وثباته على تحدّي الرزايا:
من مبلغن النائبات دعوتي
لو كان سمع سامعلمن وعى
لا تحسبنّ النائبات أنّني
ريّ لكلّ شارب أو محتسى
والصخرة الصمّاء لا تأخذها
ضرب المعاويل إذا الباغي بغى
يلين للصديق رفقاً جانبي
رعاء حقّ ودّه وإن قسا
ما يبتغي مرّ الرزايا من فتى
مرّ الرزايا عنده حلو الطّلا
لو حمّلته الدائرات منّة
لعافها ولو أباحته المنى
أو تخلع المجرة الثوب على
عاتقه عن كفّ ذل ما ارتدى([746])
وال متشائماً من دهره الذي استحالت فيه المسرة ولازمه الكرب:
أهاج حشاك للشادي الطروب
قرير العين في الغصن الرطيب
فكم للقلب من وجد وحزن
وكم للطرف من دمع مسكوب
ونفس حشو أحشاها هموم
يشيب لها الفتى قبل المشيب
تبيت وليلها بالهمّ هاد
وحشو نهارها عقد الكروب
يخيّل أنّ ضوء الصبح ليل
به جاء الصباح من الغروب
تجّهم ليس تدري ما تلاقي
كفايتها من الصبح القريب
ترى الأحزان مثل الفرض فرضاً
وتحريم السلو من الوجوب([747])
وللشيخ سلمان بن محمد الفلاحي يشكو دهره إلى الباري سبحانه وتعالى:
إلى الله أشكو كلّ يوم وليلة
نوافذ همّ كالسهام الموارق
عسى الله أن يرتاح لي بارتحاله
إلى سعة عن عسر تلك المضايق
غياثك يا رب العباد فلا أرى
سواك مغيثاً من صروف البوائق([748])
وله يستغيث بالإمام عليّ (عليه السلام) من أمور تخيفه:
إليك رحلت رحلة مستغيث
من الأهوال والخطر الكريث
وأتبعت المطيّة مدفعات
إلى مغناك بالسير الحثيث
وحبل الله حبلك وهو حق
فلا بالمسترك([749]) ولا الرثيث([750])
هجرت لك الأباعد والأداني
وجبت القفر من سهل وميث([751])
فمن هذا ترون إذا ألمّت
خطوب الدهر غيركم مغيثي([752])
وللشاعر عدنان بن شبر الغريفي المحمري يشكو قلّة رعاية العلم والعلماء:
لو كنت أعلم أنّ كسب الـ
ـعلم يخفض من جناحي
وأعود منه على الزمان
أغصّ بالماء القراح
أهدى على حسك المذلة
في الغدو وفي الرواح
وأبيت ملتهب الضلوع
بنار هون والتياحي
لصرفت همّي جاهداً
وغضضت شيئاً من طماحي
أسفاً لقد سبق القضا
قول العواذل واللواحي
وقضى على عقل الحليم
تطلب المجد الصراح
من لي بأن يقف القضا
ويريش قادمتي جناحي
فأطير نحو معاقد الـ
ـمجد الأثيل مع الرياح
وأفارقنّ ذواتيا
نبتت على غير النجاح
ورمت قداح ذوي المكا
رم والعلى رمي القداح([753])
وله يشكو من سلوك بعض الناس الذين ستخدمون وسائل غير شريفة إلى غاياتهم:
ليس يجدي إلاّ وجيف([754]) المهارى
ففراراً من الأنام فرارا
قلّب الناس هل ترى فيهم من
يمدح الذل أو يحب العارا
كلّهم ينتقي الفخار ولكن
أكثر الناس ليس يدري الفخارا
رفع البعض بالملوك رؤوسا
ورأوا أنّ ذاك أعلى منارا
وتحامى بعض مقاربة السلـ
ـطان عزّاً واستحسنوا الأقتارا
وانتضى بعضهم لساناً صقيلاً
أعمياً مقلقلاً مكثارا
ومن الناس معشر اتخذوا الصمـ
/ت شعاراً ولقّبوه وقارا
سنن لم تكن حساناً ولكن
خلق الله خلقه أطوارا
وأناس تهوّدوا وأناس
جاءهم دين ربّهم من بخارا([755])
أغراض وفنون أخرى
كات الأغراض الشعرية السالفة (المديح، الفخر، الرثاء، الشكوى) أغراضاً رئيسية وشائعة، وهي تتصدّر شعر الإقليم، إضافة إلى ذلك، وجدت أغراض وفنون أخرى لم تبلغ سعة تلك الأغراض وشمولها، وهي:
أ ـ الغزل:
كان معظم غزل شعراء الإقليم غزلاً تقليدياً، تفتتح به القصائد تجمل به المدائح وتروّح به النفوس، واعتمد الشعراء فيه على نهج الأقدمين وتكرار معاني النسيب واستخدام تعابيره، فكانت ألفاظه عذبة رقيقة، ولكنّها تفتقر إلى حرارة العاطفة ولوعة الحب الحقيقي.
الشاعر شهاب الدين الموسوي لم أجد في ديوانه قصيدة غزلية واحدة تحمل صدق الشوق وألم الهوى، وإنّما كان يستهل مدائحه بغزل يمزج بألفاظ الفخر والشجاعة وأدوات القتال. ويرمز لحب الأمير بأسماء ليلى وأمامة، ومن ذلك قوله يمدح الأمير بركة بن منصور:
رنا فسلّ على العشاق أحوره
سيفاً عليهم ذمام البيض يخفره
وماس تيهاً فثنّى في غلالته
قدّاً بحمر المنايم مال أسمره
وقوله:
أوري عن هواه بحب ليلى
وفيه تغزّلي وبه اشتغالي([756])
وله أيضاً:
بروحي غادة منهن تبدو
إلى قلبي وتنأى عن مكاني
يمثلها الخيال خيال طرفي
فأبصرها وتحجب عن عياني
تقدّ البيض في جفن نحيف
وتغري السابغات بغصن بان
إذا نبذت إلى سمعي كلاماً
حسبت لسانها نبّاذ حان
ثناياها كدر ثنا على
مرتلة مرتبة المعاني
ونقلتها وعزمته سواء
كلا السيفين نصل هندواني([757])
ومن مدائحه التي بدأها بمقدمة غزلية قوله في الأمير بركة بن منصور:
نصال من جفونك أم سهام
ورمح في الغلالة أم قوام
بلّور بخدّك أم عقيق
وشهد في رضابك أم مدام
وشمس في قناعك أم هلال
تزيّا فيك أو بدر تمام([758])
وكان علي بن خلف صاحب نسب متعفف، وهو القائل: «فتارة أنسب بحزوى ورامة، وآونة أشبب بأمامة ولا أمامة»([759])، ومن ذلك قوله:
أفي كلّ يوم لي حبيب أودّع
وطرف على فقد الأحبة يدمع
أشيّع من أهوى وأعلم أنّني
لروحي لا للظاعنين أشيّع
لعمرك إنّ العيش بعد رحيلهم
وفرقتهم ما لم يؤوبوا مضيّع
وإنّ جفوني مذ تناءت ركابهم
إلى الغرب من وكف السحاب لأهمع
وله أيضاً:
وددت بزعمي أنّ في الحبّ راحة
ولم أدرأنّ الحبّ غايته الهلك
عشقت فلم أعلم فلمّا استرقّني
علمت ولكن حيث لا يمكن الفك([760])
الإخوانيات
هي رسائل شعرية يبثّها الشاعر إلى أهله وذويه وأحبائه وأصدقائه ومعارفه، تتناول العلاقات الأخوية والاجتماعية في شتى الظروف والمناسبات وما فيها من شو ووداد واحترام وعتاب وفراق وتهنئة واعتذار ومزاح ومداعبة وعبارة وحنين… إلخ.
وفي ظل هذه الأجواء الإنسانية لا بدّ أن يكون الشعر خالياً من التكلف والتصنّع عذباً في معانيه، سهلاً في ألفاظه، يداعب النفس، ويسترق الشعور، وهو ما نلمسه في أدب الأهوازيين في هذا الفن، فقد تضمّن معظم هذه الأفكار المشار إليها.
ومن ذلك قصيدة عبد علي بن رحمة الحويزي التي أرسلها إلى القاضي شهاب الدين المالكي:
وحق من أرتجي شفاعته
يوم تكون السماء كالمهل
سرت عنكم ولا حشا بسوى
خيالكم مذ نأيت في شغل
يا تاج الإخاء ما أنا من
يعقل عنكم ركائب الرسل
لكنني قد جعلت معتمدي
ما أثبتته لنا يد الأزل
وخذ على البُعد ما همى مطر
تحيّة من أخيه عبد علي([761])
وال علي بن خلف يحن إلى أحد إخواه، ويتألم لفراقه:
في أمان من الإله ورحب
أيها الطاعنون عنّي بلبّي
ما كفى الدهر سعينه بنوى الأحـ
ـباب حتّى انثنى بتشتيت صحبي
لست أنسى أيامنا بلوى الجز
ع وعيشي منه بوصل وقرب
بأخ لو بعدت عنه بأصلي
قد دنا من حماه قلبي ولبي
لو دعاني من البعاد لخطب
كنت فيما دعا إليه ملبّي
لعزيز عليه يفقد شخصي
وعزيز أن لا أراه بسربي
صاحب إن شكوته داء خطب
كان ممّا أصابه داء خطب([762])
وقال مجيباً السيد محمد البحراني عن أبيات بعثها إليه:
كتابك وافاني فبرّد غلّتي
وسحّت دموع مذ بعدت سجام
أريح الصّبا يشتاقه فاقد الأسى
وتحدث منه لوعة وغرام
سلام محبّ لا يزال وداده
مقيم بقلبي ما أقام شمام
يقولون إنّ البعد يعقب سلوة
إذا مرّ شهراً أو تجدّد عام
فهذي شهور الصيف عمّا تصرّمت
وحالت جبال دوننا وأكام
فما لفؤادي لا يقرّ قراره
وجفني قضى لا يعتريه منام([763])
وله يعاتب والده:
لا تحسب الصبّ سليمى سلا
أو أن يزيل الآخر الأولا
يا ماجداً أغفل صمصامه
وكان ضد الحزم أن يغفلا
لا تعطش الغصن الذي أصله
من ماء أنعامك قد أنهلا
أبعد ما حاول نيل السّها
تحب أن يهبط أو ينزلا
أبعد ذاك القرب ولاعتنا
يكون منك البُعد لي والقلا
إن شئت أن تسبر من في الملا
تجدني الأوحد والأكملا
لا أضرع الدّهر ولو طبق الـ
ـدهر بما أجهد أو أثقلا
لكنّ ذلي لك عز ومن
ذلّ لمولاه فقد بجّلا([764])
وقال معاتباً أباه أيضاً:
وبلاه من طيفكم وما نقله
أجج في القلب إذ أتى شعله
يقول من كنت واثقاً بوداد
منه طارت بودّه القوله
لكم محبّاً ما اعتاد هجركم
بقربه كيف نازحاً شمله
كان له في ودادكم أمل
فقطّع الهجر منكم أمله
وكان يحتال في زيارتكم
فقطّع اليأس منكم حيله
خالف عذّاله لأجلكم
لأيّ ذنب صدقتم العذله
أضعتم حقّه وحرمته
لم يرع حق النفيس من بذله
أرخصتم بيعه على ثقة
إن تبدلوه فبيّنوا بدله
من مثله سؤدد ومكرمة
سارت به الواخدات والنقله([765])
وقال مهنئاً والده بسلامة الوصول من سفر:
الحمد لله الذي
أذهب عنّا الحزنا
وأذهب الآلام والأ
سقام عنّا والعنا
بمقدام الندب السرى
الأريحي ذي الثنا([766])
وللشاعر شهاب الدين الموسوي قصائد عديدة في هذا المجال، منها قصيدة يعتب فيها على أحد أولاده لرحيله عنه إلى بلد آخر، فقال:
جعلتك بالسويدا من فؤادي
ومن حدقي فديتك بالسواد
هويتك واصطفيتك دون رهطي
وأولادي فكنت من الأعادي
جهلت أبوّتي وجحدت حقّي
وقابلت المودّة بالعناد
أتنسى حسن تربيتي ولطفي
وما سبقت إبليك من الأيادي
رجوتك كالعصا لأوان شيبي
ومعتمدي إذا مالت عمادي
وإن كسرت يد الحدثان عظمي
ترى منه بمنزلة الضماد
ولست أخالك فيك يخيب ظنّي
ويخطي سهم حدسي واجتهادي
عساك عليّ تعطف يا حبيبي
وتهجر ما تروم من البعاد([767])
وله رسالة بعثها إلى صديقه حسين بن علي، وكانت تربطه به علاقة مودة عميقة، منها:
سلام حكى في حسنه لؤلؤ العقد
وضمّخ منه الجيب بالعنبر الورد
وأروى تحيّات تغنّى بروضها حمام
الثنا شكراً على فنن الودّ
وخير دعاء قد أصاب إجابة
بسهم خشوع فوّقته يد المجد
من المخلص المملوك يهدي كرامة
إلى السيّد المعروف بالفضل والوفد
إلى ابن الكرام الفاخرين ذوي العلى
حليف الندى المولى الحسين أخي الرشد
ألا فاحملي يا ريح منّي أمانة
تحدّ عن حفظ العهود له عندي
رسالة مشتاق إليه كأنّما
تنفّس منها الصبح عن عبق النّدّ
وغنّي قبّل يا رسول يمينه
وبثّ لديه ما أجنّ من الوجد
بلّغه تسليمي عليه فعلّه
يجيبك في ردّ السلام على البُعد([768])
وله مهنئاً السيد عبدالله بن علي بن عبد المطلب بختان ولده نصر ومنه:
بختان نصر الله قرّت أعين
الدنيا وسرّت مهجة العلياء
والوقت راق ورقّ حتّى صفّقت
ورق الغصون على غنا الورقاء
فتهنّ بالولد السعيد وختنه
وارشف هنيئاً شهدة السّراء
ولد به ما فيك من شرف ومن
فخر ومن بأس ومن إعطاء([769])
وللأديب محيي الدين بن الحسين العاملي قصيدة احترام وتقدير لصديقه الشاعر معتوق بن شهاب الدين، منها:
كان حظّي والحمد لله أنّي
كلّ من د هويت جعد الكفوف
ما عدا ماجداً تملّك رقّي
جلّ عن أن يبينه توصيفي
مظهر الخافيات صنو شهاب
لا ترى فيه وصمة المكسوف
لم أطق وصفه ولا نقص من أن
لا ترى الشمس مقلة المكفوف
ذو لسان كسيف عمرو ولكن
فاق ذاك الحديد حدّ السيوف
لا ترى عالماً ولا العلم إلاّ
وهما وصفه مع الموصوف
لا يجاري السحاب منه جواداً
ليس جري الجواد حظّ القطوف([770])
وللشاعر عدنان بن شبر معاتباً الشيخ عبد الكريم الجزائري:
أوغلت في قطع الصلة
ترك العتاب الحمد له
وتركت طبعك لا كمن
عقد الوفاء الطبع له
وبعثت رسلك باررسا
لة في الثياب المرسله
فقرأت عند وروده
زبراً خلت من بسمله
سبحان من جعلَ الرسو
له كعقل من قد أرسله
وله تعالى الكبر لا
تلك السوام المهمله
ما لي أرى كلاً من
الأقوام أحمد محمله
ينسى إخا عدنانه
مهما يواجه خزعله([771])
وللشيخ سلمان بن محمد الفلاحي صيدة بعثها إلى أحد أصدقائه في النجف يطلب فيها الاتصال العلمي والأدبي، منها:
شيخنا شيخ محمد
لم تزل في العلم أوحد
لك عادي فخار
في سنا المجد توقّد
ضرم يقتنص العلياء
ينقضّ ويشتدّ
سدت أهل الفضل علما
بيديك الحلّ والشّد
لك أخلاق هي الصهباء
في الكأس توقد
أنت بدر السعد زهواً
بازغاً في خير محتد
علم يرفع نصباً
في مرامي الفخر مفرد
طب وحسادك قسراً
أضرعت منها لك الخد
وسراة الركب هبّت
لك في بيداء فدفد
لمعاليك تغنّت
هزجاً في صوت معبد
جمعت كلّ مثاني الحمد
ذات لك تحمد([772])
دمت في عيش رغيد
راسياً فيا لعلم صيخد([773])
الوصف
استرعت الطبيعة انتباه الشعراء الأهوازيين، فتناولوها في شعورهم، فوصفوا الزهور والأعشاب والطيور والأشجار والغزلان والأمطار والظلمة والنور فكانت قصائدهم محشوة بألفاظ الطبيعة ومفاتنها وسحرها، وأغلب تشبيهاتهم واستعاراتهم تعتمد على جمالها الأخّاذ.
ومن ذلك قصيدة علي بن خلف يصف سحابة:
يا رب وطناً أودعت أيّ دعه
حدت بها هوج الرّياح الأربعه
أثارت الأرض وكانت بلقعة
كم توجت من ربوة مصلّعه
وشيحه ورنده من أنقعه
وانظر إلى عراره من ضوّعه([774])
وقال في الشقيق:
قال الشقيق وحقّه
إذ جاء باللون العجيب
أنا من ترون وجورى
الأوراد يفضلني بطيب
وأرى لذلك علّة
كانت له أوفى نصيب
هو مشبه خد الحبيب
ومشبهي دمع الكئيب([775])
وله أيضاً في الورد:
يا مشبهاً خد الحبيب
بلونه وبريحه
هب قد حكيت وإنّما
قد فاق في تفريحه([776])
وقال في صورة البدر في الماء وهو إذ ذاك بدر عشر ليال:
وليلة بتّها ونحن بمجلس
من الشّط راق منظره
وبدرها بدر عشرة سترت
منه قليلاً ولاح أكثره
كان ما غاب رصضته يد
الرّيح وصفق الرياح بنشره
فيطلب الاجتماع في فلك
الشّط وموج المياه يقهره
كأنّ لألاءه وبهجته
ذوب نضار أري أنظره([777])
وقال شهاب الدين يصف زهر الباقلاء:
شذاء زهر الباقلاء تضوّعت
نفحاته أم نشر مسك أذفر
يق([778]) به نشف السواد تظنّه
فوق الغصون نضارة للمنظر
أطفار درّ قمعت في عنبر
من فوق أيد من زجاج أخضر([779])
وقال في وصف العارض:
بروحي عارضاً كالشذر حسناً
على ياقوت خدّ كاللهيب
وحقك ما سعى في الخدّ إلاّ
ليلقط نمله حبّ القلوب([780])
وقال في ذمّ العارض:
قضى نحبه ليبكه اليوم عاشقه
وعاد هشيماً آسه وشقائقه
تكدّر في خدّيه ماء شبابه
ألم تر قد لاحت عليه علائقه([781])
وقال يصف الأفق حين غروب الشمس وطلوع النجوم:
كأنّما الأفق لمّا شمسه غربت
والليل يشمل درّ الشهب مسدفه
صبّ تردّى بأفواه الأسى فبكى
بدمع يعقوب لمّا غاب يوسفه([782])
وقال الشيخ حسن بن أحمد الدورقي (ت1272هـ) في القهوة:
سمرة وجه البن في احمرا
مع ابيضاض الكأس في اخضرار
ليل الكروب ينجلي إذ تجلى
في النار قل ذي هالة الأقمار([783])
الحكم والنصائح
نفحات فكرية تستخلص من واقع الحياة التي يعيشها ويتحسّسها الشاعر بطرحها في قالب شعري، يطغى فيه الجانب العقلي على الجانب العاطفي، ويكون للتجربة أثر في ثقل الفكرة التي بذهنه، من خلال الحكم والنصائح التي يذكرها الشاعر يمكن معرفة أنواع من التقاليد والسلوك الاجتمايع الشائعة في عصره. ويتخذ شعر الحكمة أحياناً وسيلة للرد على موقف عقائدي أو مسألة عقلية تستدعي الرّد للمناقشة وعدم التسليم لها بسهولة، ومن ذلك حكم ابن رحمة الحويزي في الرد على عينية ابن سينا([784]).
لا ابتداء الإله انتهاء
جلّ من كلّ شأنه ابتداء
قال للكون كن فكان كما قا
ل وحلّت محلّها الأشياء
متساوٍ صدور ما كان عنه
فكصيروة التراب الماء
وكخلق البحار خلق الموامي
وككون النيران كان الهواء
أنا من جس نبض ذا الدهر حتّى
استويا فيه يأسه والرّجاء
أوضحت لي منه التجارب ما كا
ن على من سواي فيه خفاء
يستقر السفيه جهلاً بدنيا
ه ويلهو عمّا أتاح القضاء
نحن أهداف ذي القسي من الأجـ
ـرام في دهرنا فأين النجاء
ونجوم الدّجى علينا عيون
أبد الدهر شأنها الإيماء
أمحل الله تربة أنبتتنا
إذ سقاها برغمنا الآباء
بسط ذا العلم الأثيري لا يسـ
ـلم من أن يروعه الانطواء
بينما يرتدي النهار ببرد
خرقته عن متنه الظلماء
وقصارى الفساد والكون أن ينـ
ـفد قسراً صباحه والمساء
بدؤه هكذا وذا منتهاه
وعلى الأسّ يستقر البناء
وإذا الابتداء كان كذا فالـ
ـحق أن يقتدي به الانتهاء
فكما بين خلق موسى وفرعو
ن وجبريل والفراش استواء
فكذا موت ابن نوح ونوح
وسليمان والذباب سواء
جلّ من لا أتاه من ذا نشاط
لا ولا ناله بذاك عياء
إنّ من صوّر العباد تساوى
أزلاً عنده الدّجى والضياء
ما اعتجاب الرئيس بالحقّ إذ قا
ل بماذا تميّز الأنبياء
فبقاء الورى سواهم فناء
وفناء يظنّ فيهم بقاء
ومن حكم ابن رحمة الحويزي قوله:
بالجدّ يستدرك الآبي من الأرب
فاكدح ولا تكن في عجز عن الطلب
ولا تخف كبوة الدّهر الخؤون فكم
أعطى كثيراً بميسور من التعب
سار ابن عمران نحو الطور مقتبساً
وعاد للأهل بعد السير وهو نبي
والمرء كالسيف إن لم تنض صفحته
لم تدر ذاك خشيب أو من الخشب
واثبت على صدمة الكرب الملم فكم
قد فرّج الله بعد اليأس من كرب([785])
وقال محيي الدين بن الحسين آل أبي جامع يوصي بالصبر:
صبراً أخا الحظ الصير وصاحب
الباع الطويل على بلاء لازم
إنّ الزّمان لمن دناءه فعله
رفع الجهول وخفض قدر العالم
ومن نصائح علي بن باليل الدور في قوله:
إلى متى أنت باللذات في شغل
أما سمعت بفعل الدّهر بالأول
لا تأمن الدّهر إنّ الدّهر ذو حيل
أعيا على كلّ ذي عقل وذي جدل
أين النجاء من الأرزاء فاغرة
والموت يفتر عن أنيابها العصل([786])
وكيف نرجو انهزاماً من مصارعنا
والحتف يسبق طرف الطالب العجل
فاحمل من الزاد شيئاً للرحيل غداً
إنّ المسافر لا يغنى عن الثقل
ما بال سعيك للدنيا على عجل
ملأ الفروج وللأخرى على مهل
قم سابق الموت واعكس ما منيت به
وانهض إلى عمل الأخرى على عجل
أو ساو بينهما سعياً وإن رميت
رجلاك عن أنفع السعيين بالكسل
ولا تقصّر عن المعروف تهمله
فالدهر يفدي لك السرعات بالمهل
ومن حكم شهاب الدين الموسوي قوله:
لو أتقي الرجم من شهب النصال لما
في الليل نلت عناق الشمس في الكلل
لا يدرك الأمل الأسنى سوى رجل
يشقذ الرّدى عن جوهر الأمل
ولا ينال المعالي الغرّ غير فتى
يدوس شوك العوالي غير منتعل([787])
وله في الحكمة أيضاً:
لو أقسم المرء بالرحمن خالقه
بأن بعض الورى لا شيء ما حنثا
إن كان شيئاً فغير الله خالقه
الله أكرم من أن يخلق العبثا([788])
ومن وصايا الأديب محمد مؤمن بن محمد قاسم الملقب بالحكيم الجزائري:
دع الأوطان يندبها الغريب
وخلّ الدمع يسكبه الكئيب
ولا تحزن لأطلال ورسم
تهبّ بها شمال أو جنوب
ولا تطرب إذا ناحت حمام
ولاحت ظبية وبدا كثيب
ولا تصب لرنات المثاني
وألحان فقد حان المشيب
ولا تعشق عذارى غانيات
يزين بنانها كفّ خضيب
ولا تله بحب صبيح وجه
شبيه قوامه غصن رطيب
ولا تشر من الصهباء كأساً
يكون مديرها ساق أريب
ولا تصحب حميماً أو قريباً
فكل أخ يعادي أو يعيب
ولا تأنس بخل أو صديق
وذرهم أنّهم ضبع وذيب
ولا تفرح ولا تحزن لشيء
فلا فرح يدوم ولا خطوب
ولا تجزع إذا ما ناب همّ
فكم يتلو الأسى فرج قريب
وسكن لوعة القلب المعنّى
وأنشد حين يعروه الوجيب
عصسى الهمّ الذي أمسيت فيه
يكون وراءه فرج قريب
ولا تأيس فإنّ الليل حبلى
يكون ليومها شأن عجيب([789])
وقال هاشم الكعبي يوصي بالقناعة والصبر:
تمرّ سنين ثمّ تعبر أختها
وليس لغير الله في ذي وذي أمر
فما البؤس في الدنيا مقيم ولا الهنا
ولا الخير بالباقي لديها ولا الشر
ولا ينفع المكروب شيء سوى الرضا
بما قدر الباري له الحمد والشكر
ولا شيء كالصبر الجميل لعاقل
وإن كان طعم الصبر أيسره الصبر
فرب رخا من شدّة خيف مكثها
ورب شفا من علّ ضرّها الضجر([790])
الزهد
هو الإقلاع عن ملذات الحياة ومباهجها المادية، والاكتفاء باليسير من متطلبات العيش، لأنّ الإنسان مآله إلى الموت والرحيل عن هذه الدنيا الفانية فلا داعي للتهالك على منافع قصيرة الأجل، وفي هذا المعنى قال ابن رحمة الحويزي:
دع الدنيا ولا تركن إليها
فزخرفها سيذهب عن قليل
وإن ضحكت بوجهك فهو منها
كضحك السيف في وجه القتيل([791])
وقال هاشم الكعبي:
لا ينبعث لك هماً
فمطلب الرزق جما
الرزق يبثّه الله
وكثرة السعي مما([792])
عبد الرحمن اللامي
الأوائل
على الرغم من أنّ أبا هلال العسكري الحسن بن عبدالله بن سعيد يعتبر قمّة من قمم الأدب، وعلى الرغم من مكانته الرفيعة بين أئمة اللغة والأدب وقيمة مؤلفاته، فإنّ المصادر التي بحوزتنا لم تسلط كثيراً من الضوء على حياة هذا الأديب، وقد حدّدت بعض المصادر سنة وفاته (395هـ) وهذا يعني أنّ أبا هلال قد عاش في القرن الرابع الهجري عصر رسوخ الحضارة الإسلامية وازدهار الفكر العربي.
في هذا العصر عاش أبو هلال العسكري منعزلاً في انصراف تام إلى العلم، وقد نسب إلى بلدته التي ولد فيها (عسكر مكرم) وهي من قرى الأهواز، وقد نشأ نشأة علمية بفضل رعاية خاله، واهتمامه به، وملازمته له، وقد كان خاله أبو أحمد العسكري عالماً مشهوراً بسعة الاطلاع (وعنه نقل معظم أخبار كتابه الأوائل)، وقد أخذ العلم والثقافة عن أبيه، وعن بعض معاصريه كيونس بن عمران والعتبي، وأبي القاسم عبدالله البلخي.
وقد عمل أبو هلال في البيع والشراء طلباً للرزق، وسد العوز، ولعل عزة نفسه منعته من التكسب بأدبه وعلمه فهو كريم الخُلق، عفيف النفس.
مؤلفاته
صنّف أبو هلال العسكري عدداً من المؤلفات الأدبية واللغوية، ضاع معظمها، ولم يصل إلينا إلاّ بعضها، وأشهر هذه الكتب:
ـ كتاب الصناعتين: النظم والنثر.
ـ كتاب جمهرة الأمثال.
ـ كتاب الفروق اللغوية.
ـ كتاب معاني الأدب.
ـ كتاب معاني الشعر.
معجم في بقايا الأشياء.
ـ كتاب التلخيص في معرفة أسماء الأشياء.
ـ كتاب التبصرة.
ـ كتاب من احتكم من الخلفاء إلى القضاة.
ـ كتاب الحماسة.
ـ كتاب الدرهم والدينار.
ـ كتاب المحاسن في تفسير القرآن.
ـ كتاب العمدة.
ـ كتاب فضل العطاء على اليسر.
ـ كتاب ما تلحن فيه العامة.
ـ كتاب نوادر الواحد والجمع.
ـ وكتاب الأوائل الذي نعرض له، إضافة إلى ديوان شعر.
وضع أبو هلال العسكري هذا الكتاب ليسجل فيه نشأة كثير من الأفعال والعادات والأقوال. وهو كتاب يجمع إلى تأريخ هذه الأشياء طراوة الأسلوب ورشاقته ومتعة الخبر وجمال التعبير، ممّا يجعل منه دراسة أدبية تتناول أوائل ظهور بعض المسائل، والأحداث التاريخية، والعادات الاجتماعية، والدينية، وقد أضاف إلى أخباره أحياناً شروحاً لغوية وتعليقات تعطي للكتاب يمة لغوية أيضاً.
وهو يقف عند الخبر أحياناً مستعرضاً وجوهه المتعددة، بما وصل إليه من روايات مختلفة دون أن يعلق عليه، ليترك للقارىء حرية الاستنتاج والموازنة بين هذه الروايات، فهو ليس كتاب نقد، وإنّما يكتفي مؤلفه بعرض الخبر، والوقوف جانباً دون التدخل في ما يروي من أخبار، إلاّ إذا شكّ بصحة حادثة أو خبر، فيشير إلى ضعف الخبر، وتجاوزه حدود المألوف.
ويتّصف الكتاب بحسب الترتيب والتبويب، خلافاً للكتب المعاصرة له أو التي سبقته، حيث يسودها نوع من الفوضى في ترتيب موادها. ويجد القارىء متعة كبيرة بفضل أسلوبه الممتع.
يتألف الكتاب من مقدمة وعشرة أبواب تتسلسل بحسب تتابع أخبارها تاريخياً.
1 ـ المقدمة: يستهل أبو هلال العسكري كتابه بمقدمة يتحدّث فيها عن رتبة الأدب والأدباء، ومنزلة العلم والعلماء وذكرهم العالي في الأقطار، مستهشداً على ذلك بأمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي، يقول:
الحمدلله الذي رفع رتبة الأدب وذويه، وأعلى منزلة العلم وحامليه، وجعلهم للدين قواماً، وللمحاسن نظاماً، ففهّم بهم الغَبيّ وأنطق العَييّ، وصيّرهم ورثة أنبيائه، وأئمة لأوليائه وحججاً على أعدائه، وألبسهم العزّ ما أبقاهم، وخلّد ذكرهم حين أفناهم، فأعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، وذلك من أعظم النّعمى عليهم، وأفضل المنن لديهم، ولما في بذاء الذكر من الجمال، وفي خلود الاسم من الكمال: قال إبراهيم (عليه السلام) فيما حكى الله تعالى عنه: {وَاجْعَل لَيَ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ}، وقال الله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِم فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ}، ففقرّعهم بإعراضهم عمّا فيه ذكرهم، وتباهيهم عمّا فيه جميل ذكره {وَإِنَّهُ لَذِكْرُ لَكَ ولِقَوْمِكَ} فامتنّ عليهم بالقرآن لما هم فيه من بقاء الذكر، وجميل النشر، وقد ال الأوّل: ذكرُ الرجل عمرُه الثاني، قال الشاعر:
لعمرُك إنّ المرءَ تخلُد بعده
أحاديثُه، والمرءُ ليسَ بخالد
ثمّ يبيّن فضل العلم، وأنّ أنفعه ما يحاضرَ به، وأنّ ممّا يعين على حفظه حسن تصنيفه وتأليفه، وأنّ الأولى بالتصنيف منه ما يحتاج إليه الناس.
ويشير بعد ذلك إلى الغاية من تأليف لأوائل الأشياء وبدايات ظهورها، استجابة لظمأ النفوس المتعطشة إلى حب الاطلاع، فهو بذلك يشبع رغبة هذه النفوس: «وقد رأيت أكثر الخاصة، وجُلّ العامة لَهِجين بالسؤال عن أوائل الأعمال، ومتقدمات الأسماء والأفعال، ولم يجدوا في ذلك كتاباً يجمع فنونها ويحوي ضروبها بأخبارها، وشرح وجوهها وأبوابها، إلاّ نبذاً متفرّقة في تضاعيف الصحف، وابتداء الكتب، لم تذكر أسبابها، ولم تشرح أبوابها، فعملت كتابي هذا مشتملاً على هذا النوع من الأخبار، وحاوياً لهذا الفن من الآثار، مشروحاً ملخصاً، لا يشوبه كدر، ولا يرهق وجهه قتر، ليكون عوناً على المذاكرة، وقوّة للمناسمة».
2 ـ الباب الأوّل: في الإخبار عمّا كان من قريش، وفيهم من أوائل الأفعال وابتداءات الأمور:
تحدّث أبو هلال في هذا الباب عن بعض الأوليات التي كانت في زمن الجاهلية، والتي تنسب إلى قريش ومن ذلك ذكره لبداية ارتفاع ذكر قريش بين القبائل، وبداية ظهور بعض العادات التي حدثت في مكة، وفي موسم الحج فيها، كبداية تحريم الخمر، وكسوة البيت، وبدء بناء البيوت فيها.
3 ـ الباب الثاني: فيما جاء من ذلك عن عامة أهل الجاهلية بعد قريش من العرب:
وقد ذكر فيه أبو هلال بعض الأوليات التي كانت في زمن الجاهلية، والتي تنسب إلى عامّ العرب من غير القرشيين، كبدء الخطابة على العصا وعلى الراحلة، والرجم في الزنى، ووضع المنجنيق، وأوّل من وضع الكتاب العربي، وأوّل من اتّخذ أسنة الحديد، وتحريم القمار.
4 ـ الباب الثالث: فيما جاء من ذلك منسوباً إلى النبي (صلّى الله عليه وآله):
وهو يذكر في الباب الأفعال التي تنسب بداياتها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، بعد ظهور الإسلام، كالبدء بذكر البسملة في كتب المراسلات، واستعمال الأختام، وبدء الوحي، والصلاة، وزواجه (صلّى الله عليه وآله) وغزواته.
5 ـ الباب الرابع: فيما جاء من ذلك منسوباً إلى الصحابة: ويدخل في هذا الباب ذكر أوّل من أسلم من المهاجرين والأنصار، وأوّل من نصب من الخلفاء، وأوّل من سمّي أمير المؤمنين، وبداية تدوين التاريخ الهجري، وأوّل من استشهد في سبيل الإسلام، وذكر المهاجرين الأوائل، وبداية تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وجمع القرآن الكريم.
6 ـ الباب الخامس: في ذكر ما روي عن الملوك في الإسلام: أوائل الأعمال المذكورة في هذا الباب منسوبة كلّها إلى الخلفاء والحكّام، والذين تتابعوا على الحكم في الدولة بعد الخلفاء الراشدين، فيذكر فيه بداية تنظيم الدولة، واستعمال الدواوين، وضرب الدراهم، ووضع الأوزان.
7 ـ الباب السادس: فيما جاء من ذلك عن الأمراء والوزراء، والرؤساء:
وفيه ذكر لأوائل الأمراء الذين تولّوا على مكة، والمدينة، ومصر، والبصرة، والكوفة، والشام. كما يذكر فيه أوائل الوزراء وبداية ظهور الرشوة، واستعمال الحرس والعسس، وإجازة الشعراء والأدباء.
8 ـ الباب السابع: في ذكر القضاة والعلماء والأدباء، والقضاض، وأصحاب المذاهب، ومصنفي الكتب:
يذكر في هذا الباب أوائل القضاة في الإسلام، في مكة والمدينة، والكوفة، والبصرةن وأوّل ظهور الاختلاف في قضايا فقهية متعددة، وأوّل من وضع الإعراب والعروض، وأوائل من صنّفوا في علوم مختلفة، كالطب، والفلك، والكلام، والفقه، وغريب القرآن، وصنعة الشعر.
9 ـ الباب الثامن: في ذكر النساء: خصّ أبو هلال هذا الباب لأوائل الأشياء والأفعال المنسوبة إلى النساء عامة، في الجاهلية والإسلام، فيذكر أخباراً عن أوّل من استعملت الكحل، وأوّل من غنّت الغناء العربي، وأوّل من بايعت الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وأوّل المهاجرات في الإسلام.
10 ـ الباب التاسع: في الإخبار عمّا جاء منه عن العجم خاصّة:
يتحدّث في هذا الباب عن العادات التي انتشرت بين الناس والتي يرجع بداية ظهورها إلى غير العرب والمسلمين، كالاحتفال بعيد النيروز، وصناعة الآجر ولبس التاج.
11 ـ الباب العاشر: في ذكر أنواع مختلفة من ؛اديث رويت عن العرب والعجم، قصرت عن الانفراد بباب مستقل:
وفيه يذكر أوّل بيت بُني وبدء خياطة الشباب، وركوب الخيل، وتقصيد القصائد، وإطالة الرجز، وبناء الحصون.
إنّ أخبار أبي هلال العسكري في كتابه (الأوائل) استقاها مشافهة عن خاله، وأبيه، وبعض مشايخه، وربّما يكون قد اطلع على بعض الكتب التي ألّفت في علوم الأوائل قبله ككتاب أبي عروبة الحراني الذي يحمل نفس العنوان، وكتاب لسليمان بن أحمد الطبراني، وكتاب الأوائل والأقاويل لأبي إسحاق بن سليمان الإسرائيلي المولود في مصر. بيد أنّنا لا نجد أي إشارة إلى هذه الكتب أو إلى اطلاعه عليها، أو نقله عنها سوى إشارة إلى أنّه أخذ بعض أخباره عن الكتب القديمة، دون أن يسمّي هذه الكتب، إلاّ أنّنا نجد أخباراً كثيرة ذكرها في الكتاب مبثوثة في كتب الأدب والتاريخ التي صنّفت قبله كالأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، وبعض كتب الجاحظ وابن قتيبة وطبقات ابن سعد. ولعل أبا هلال العسكري استفاد من هذه المؤلفات في ذكر بعض أخباره.
وهو ينقل جل أخباره رواية عن خاله أبي أحمد العسكري الذي أخذ عنه علومه وتأثّر به لملازمته إياه، وعن الرواة الثقات المعروفين بصدقهم.
وضع كثير من المؤلفين بعد أبي هلال العسكري كتباً تأثّروا فيها بكتابه. منها: الأوائل لمحمد بن أبي القاسم الراشدي، والأوائل لإسماعيل بن باطيش، وكتاب الوسائل إلى معرفة الأوائل لمحمد بن عبدالله الشبلي، وكتاب آخر لجلال الدين السيوطي، وكتاب إقامة الدلائل على معرفة الأوائل لأحمد بن حجر العسقلاني.
أود
منذ عام 1722 وحتّى عام 1856 ـ حكمت إقليم أود في الهند أسرة ملكية من الحكام الشيعة، وأصبحت مملكة أود مركز المذهب الشيعي والتقاليد الثافية الشيعية منذ نشأتها حتّى النهاية.
كات تحدّ مملكة أود من الشمال والشمال الشرقي مملكة نيبال، ومن الشرق مقاطعة غورغ بور ومن الجنوب الشرقي مقاطعتا عظمغار وجونبور ومن الجنوب مقاطعة الله آباد، ومن ناحية الجنوب الغربي إقيم دؤاب بما فيه مقاطعات فتح بور وكنبور وفرخ آباد، ومن الجهة الشمالية الغربية شاه جيهانبور. وهي تقع بين خطي العرض 6،29° و25،34° شمالاً وخطي الطول 79،45° و83،11° شرقاً.
تضرب جذور مملكة أود عميقاً في التاريخ القديم جداً، وهي تمتد إلى عصر الفيدا.
ومنذ آلاف السنين استقرّ الآريون في واديي نهري كابول والسند خلال عصر الفيدا الذي يمتد من عام 1500ـ600ق.م. أوحسبما يعتقد البعض من عام 3000ـ2500ق.م.
وقد سيطر الآريون على تلك الأرجاء واستأصلوا تدريجياً سكانها الأصليين أي الشعوب غير الآرية، وانتشروا عبر أصى روافد نهر السند من ناحية الشرق وهو نهر ساراسواتي.
وقد جذبت سهول وادي الغانج الخصبة الآريين فتقدموا في الفترة بين عامي 1000ـ600ق.م. إلى مدهياديسا وهي المنطقة الواقعة بين نهري الغانج وجومنا. وقد شهدت هذه الفترة الانتقال من نظام الفيدا إلى النظام الاجتماعي البراهماني الأخير» وخلال هذه الفترة انحسرت البنجاب إلى زوايا التاريخ الخلفية بينما أصبحت كورو كشيترا هي مركز الحياة والعمران واحتلت الصورة مناطق الهند الشرقية.
أجودهيا (أود)
بالإضافة إلى قبائل الكوروس والبنشالا وقبائل عصر «الرغ فيدا» التي استقرّت في المناطق المحيطة بدلهي الجديدة وإلى الشمال منها نجد أنّ قبائل الكوسالا أصبحت سيدة بلا منازع لإقليم أجودهيا (أود) الواقع على ضفاف نهر سرجو (المدعو الآن غاغرا).
وبمرور الزمن تتضح الصورة ونجد في الرغ فيدا سمحيتا أنّه قد أخذت تتألق أسماء فيديها وماغد وكوسالا (وقد أصبحت اسم بائل كوسالا هذه يطلق على الإقليم ذاته نسبة إليها ومن ثمّ أصبح هذا الإقليم يدعى أود التي هي تحوير لأجودهيا) وفيما بعد غدت كوسالا السيدة المطلة على إقليم مدهياديسا إلى حين صعود قوّة ماغدهان في أواسط القرن السادس قبل الميلاد. وهذا يظهر نمو وامتداد الثقافة الآرية من منطقة كورو ـ بنشالا (منطقة دلهي حالياً) إلى منطقة كوسالا (أود) ثمّ شرقاً إلى فيديها (بيهار).
بانيني
ومن البراهين الأخرى على أهمية كوسالا هو
ورودها ضمن الولايات الاثنتين والعشرين التي ذكرها بانيني النحوي السنسكريتي العظيم الذي سطع اسمه في حوالي عام 500ق.م. أو كما يقو البعض في حوالي عام 700ق.م.
الرامايانا
بحلول عصر الملاحم نأتي إلى الأحداث المسجلة في المهابهراتا والرامايانا. ففي مطلع هذه الفترة أو «في فترة ما بين الألف الأوّل والألف الثاني قبل الميلاد» انتشر الآريون في أرجاء المدهياديسا أي في أواسط البلاد في المناطق التي تشمل إقليمي أغرا وأود المتحدين (ولاية أوتر براديش الحالية في الهند).
وترسم أسطورة الرامايانا التي تدور أحداثها حول راما ابن الملك داساراتها ملك أجودهيا عاصمة كوسالا (أود) الواقعة على ضفاف نهر سرجو (غاغرا) صورة جذابة جداً لمدينة أجودهيا التي كان تعج بالناس حيث تأتي على وصف لمختلف طاعات مجتمع أجودهيا التجاري التي استقبلت راما لدى عودته من منفاه الطويل.
العصر البوذي
وبحلول العصر البوذي (القرن السادس ق.م.) نكون قد خرجنا من العصر الفيدي وعصر الملاحم اللذين يلف المعلومات المتوفرة عنهما ضباب الغموض، وولجنا فترة أرضية معلوماتنا عنها أصلب تتيح لعشاق التاريخ أن يجوسوا أرجاءها بثقة أكبر في معلوماتهم.
وقد ولد بوذا في عام 567ق.م. وكانت قبائل الساكية التي كان بوذا أحد أمرائها تقرّ بسيادة كوسالا وسلطانها وتعلن الولاء لعاصمتها سراواستي. وفي أيام بوذا كان يحكم كوسالا الملك باسينادي الذي تلقى علومه في تكسيلا (في باكستان حالياً).
الملك واجد علي شاه _(1847 ـ 1856م)
الحجاج الصينيون
لد كان كوسالا والمناطق المجاورة لها دائماً، بصفتها مهد الديانة البوذية، محط أنظار أتباع هذه العقيدة. وقد زار كوسالا فاهيان (القرن الخامس بعد الميلاد)، وهوي تسانغ (القرن السابع بعد الميلاد) وغيرهما من الحجاج الصينيين، وتركوا لنا معلومات قيمة عن زياراتهم هذه.
العصر الإسلامي
في أواخر القرن الثاني عشر، وبعد أن فتح المسلمون قنوج، ثمّ فتح إقليم أود على يد قطب الدين أيبك والي الهند نيابة عن الملك محمد الغوري ملك غزنة، أصبحت أود إقليماً من أقاليم مملكة الهند.
وخلال العصر المغولي كانت أود جزءاً من الإمبراطورية وقد ذكرها أبو الفضل في كتابه الجامع (ائين أكبري).
وقد عيّن إمبراطور دلهي محمدشاه المير محمد أمين من نيسابور المدعو سعادت خان برهان الملك صوبيدارا لإقليم أود في العام 1722م.
وقد تلاه في حكم أود ابن شقيقته ميرزا محمد مقيم، أبو النصر خان، صفدر جنك في العام 1739م.
وفيما يلي ائمة بأسماء حكام أود:
1 ـ سعادت خان برهان الملك (المير محمد أمين من نيسابور) عام 1722م.
2 ـ أبو المنصور خان صفدر جنك (ميرزا محمد مقيم) عام 1739م.
3 ـ شجاع الدولة (ميرزا جلال الدين حيدر) عام 1754م.
4 ـ آصف الدولة (ميرزا يحيى) عام 1775م.
5 ـ ميرزا وزير علي خان (لفترة وجيزة) عام 1797م.
6 ـ سعادت علي خان يمين الدولة عام 1798م.
7 ـ غازي الدين حيدر عام 1814 (أصبح ملكاً عام 1819م).
8 ـ الملك نصير الدين حيدر عام 1827م.
9 ـ الملك محمد علي شاه عام 1837م.
10 ـ الملك أمجد علي شاه عام 1842م.
11 ـ الملك واحد علي شاه عام 1847م.
(وقد نحي عن العرش في عام 1856م ومات في متيا برج (كلكتا) في عام 1887م).
لقد نقش حكام أود اسمهم بارزاً في سجل التاريخ الهندي كما جاء على لسان أحد المؤرخين الهنود البارزين، إذ يقول السير جادوناث سركار: «لقد لعب نواب (ولاة) أود دوراً هاماً في تاريخ شمال الهند طوال القرن الثامن عشر. فقد كانوا في معظم الأحيان العصب المحرك لشؤون وأمور حكومة الهند المركزية. فشجاعة سعادت خان في إلحاقه الهويمة بالمراطهة الذين لم يفلح أي قائد في التصدي لهم، وكذلك الشجاعة التي لا نظير لها التي أبداها في ساحة معركة كرنال، وأيضاً القدرة التي أظهرها صفدر جنك في إدارة وضبط الإمبراطورية بصفته وزيراً طيلة ما يزيد على خمس سنوات، وأخيراً مساندة شجاع الدولة لأحمد شاه دراني (التي لبت موازين القوى كلياً ضد المراطهة في حملة باني بت، وتحدّيه للإمبراطورية البريطانية الوليدة في الهند ـ كلّ هذه المآثر تجعل تاريخ أود في عهد النواب (الولاة) فترة لا تنسى من تاريخ الهند العام. كما أنّ أهمية أود لم تنته بانتهاء حكم آخر حكامها هؤلاء، فقد شكلت أود حتّى في القرن التاسع عشر، خلال حرب الغورخا 1814ـ1815م، قاعدة مفيدة للعمليات من حيث تزويدها بالمؤمن وبتسيير المواصلات ومدّها بالأموال (قرض قيمته كروران أي عشرون مليون روبية).
وخلال حرب المراطهة 1803ـ1804م كان الفضل للسيطرة البريطانية على سفرين وإقليم أود في تميكن القائد البريطاني ويلزلي من ممارسة ضغط لا يقاوم على وات مشاة البوربيا المدربة على أيدي الفرنسيين والتي كانت تشكل عماد جيش سندهيا.
وقد أصبحت (فايز آباد) عاصمة أود السابقة حتّى عهد شجاع الدولة ومن ثمّ (لكناو) العاصمة الجديدة من بعدها ملجأ أمراء أباطرة دلهي والعلماء والفقهاء بأمور الدين والشعراء والفنانين والحرفيين من رعايا الإمبراطورية ومن الأجانب على حدّ سواء.
وكذلك كان سخاء حكام أود مضرب الأمثال في جميع أنحاء الهند، فصار كلّ ذي حاجة أو من يعاني من ضائق يتوجه إلى أود وهو واثق أنّه سيجد في رحاب أمرائها وأعيانها كلّ ترحيب وإكرام.
وحتّى في أيام النزع الأخير من حكم أسرة أود عندما وقعت البلاد في قبضة البريطانيين ولم يصد بلاط أود أي طالب حاجة سواء كان من الشيعة أو السنة أو الهندوس، وحقاً ما عبرت عنه كلمات الفقيد مولانا عبد الحليم شرر الروائي العظيم باللغة الأردوية «لقد كانت أود آخر رمز للحضارة الشرقية».
المير محمد أمين
سعادت خان، برهان الملك
مؤسس الأسرة الحاكمة في أود
1722 ـ 1739م
لقد جاء مؤسس الأسرة الحاكمة في ولاية أود المير محمد أمين أساساً من نيسابور (إيران) في عام 1120 للهجرة ا لموافق 1708ـ1709 ميلادية. وقد ظل زهاء عامين في خدمة سربولاند خان الذي كان فوجدار كارا مانيكبور في مقاطعة الله آباد، ولكنّه ما لبث أن غادرها في الربع الأوّل من عام 1713م.
وقد حطّ الرحال في دلهي بعد اعتلاء فروخ سيار العرش في الثاني عشر من كانون الثاني (يناير) عام 1713م وتقرب من محمد جعفر الذي يعرف باسم تقرب خان والي شاهي الذي ساعده في الوصول إلى منصب نايب كاروري([793]). وقد أصبح فيما بعد فوجدار هندوان وبيانا وهي مقاطعة في ولاية أغرا في تشرين الأوّل (أكتوبر) 1719م. وقد أظهر في منصبه هذا مهارة في الشؤون العسكرية وقدرة في الأمور الإدارية وذلك بإخضاعه كلاًّ من شعب الراجبوت الشرسين وألجأت المشاكسين. وقد تصدّى لكليهما لأنّ ماطعة هندوان وبيانا التي كان يديرها كانت واقعة في ولايتي جيبوزر وبهاراتبور. وكذلك أفلح في ضبط أمور الزمادرة([794]) وإخضاعهم للقانون وأعاد استتباب الأمن والنظام في غضون ستة شهور فقط من تاريخ توليه مقاليد الأمور. وقد أدّى نجاحه هذا في السيطرة على المقاطعة في ذيوع صيته كقائد عسكري قدير ورفع إلى رتبة 15 صد ذات أي رتبة 1500.
وقد احتدمت العداوة القديمة بين أبناء السيد وهم حسين علي خان وعبدالله خان من جهة ونظام الملك من جهة أخرى، فانسحب هذا الأخير إلى هضبة الدكن حيث هزم وقتل كلاًّ من بخشي حسين علي خان وابن أخيه في شهري حزيران وآب من عام 1720م على التوالي. وهذا أطار صواب حسين علي خان فتوجّه بنفسه لمقاتلة نظام الملك. وغادر أغرا بصحبة الإمبراطور محمد شاه في الحادي عشر من أيلول 1720م.
وفي الوقت ذاته قام محمد أمين خان اعتماد الدولة عم نظام الملك بتدبير مؤامرة على حياة مير بخشي أي زعيم البخشي (حسين علي خان)، وقد نجح في ذلك في 8 تشرين الأوّل من عام 1720م (الموافق 6 ذي الحجة 1133 هجرية).
وقد كافأ الإمبراطور محمد شاه المتآمرين على فعلهم هذا في دربار([795]) فأصبح المير محمد أمين بعد المكافأة هذه سعادت خان بهادر من رتبة 5000 ذات([796]) و3000 سواري([797]) ثمّ ما لبث سعادت خان أن تلقّى ترقية أخرى فعيّن في 15 تشرين الأوّل 1720م (الموافق 13 ذي الحجة 1132هـ) حاكم أكبر آباد (أغرا) وزيدت رتبته إلى 6000 ذات و5000 سواري. ثمّ خاض سعادت خان جولة رابحة ضد السيد عبدالله خان فانعم عليه الإمبراطور محمد شاه في 20 تشرين الثاني 1720م الموافق 20 محرم 1133 هجرية بلقب بهادر جنك وخلع عليه أرفع أوسمة الشرف سواء من حيث الماهية أو المرتب. وفي 12 كانون اثاني من عام 1721م (الموافق 14 ربيع الأوّل من عام 1133 هجرية) عاد الإمبراطور إلى تكريمه بأن عيّنه في منصب «داروغا وخواسان» أي قائد الحرس الإمبراطوري وخلع عليه حلة شرف ذات بلشون أبيض «سربيج» وهي حلية للرأس تصنع من ريش أو جواهر. ود توجّه سعادت خان إلى مدينة أغرا في آذار 1721م.
صوبيدار أود
وفي شهر أيلول من عام 1722م أصبح سعادت خان والي ولاية أود أي نائب الملك في تلك الولاية، وفي الوقت ذاته فوجدار ماطعة غورك بور، وفي هذه الفترة هاجم سعادت خان جماعات الشيخ زاده أي نسل الشيوخ العاصين في لكناو وأخضعهم لسلطانه. وقد أدّى نجاحه هذا إلى ذيوع صيته، ولكن كان عليه أيضاً أن يسحق أشد الزعماء العاصين في ذلك الزمن، وهو موهان سنغ زعيم تيلوي الذي خرّ صريعاً في ميدان القتال قبل أن يستتب له الأمر على أجناس ولاية أود المتصارعة. ومن جهة أخرى توصّل سعادت خان مع سكان ولاية أود إلى تسوية جديدة للإيرادات ذات الإيرادات المستحقة من الولاية ممّا سر الإمبراطور فأنعم عليه بلقب برهان الملك.
وبعد أن أتمّ برهان الملك (سعادت خان) إخضاع ولاية أود وجّه اهتمامه نحو إقرار الأمن في سركارات([798]) بنارس وجونبور وغازي بور وتشونرغار التي تابل حالياً مقاطعات بنارس (بما فيها ولاية بنارس) وجونبور وغازي بور وعظم غار وباليا وبعض أجزاء من ماقطعة ميرزابور استأجرها من أحد نبلاء دلهي. وفي أواخر عام 1735م عيّن برهان الملك (سعادت خان) حاكماً لولاية كوراجهاناباد حيث كان بغوانت سينغ يثير الفوضى والاضطراب في جميع أنحاء المقاطعة، فهاجمه سعادت خان وأجهز عليه في ميدان القتال. وقد أدّى هذا النجاح الباهر إلى إشاعة الأمن والنظام في كافة أنحاء المقاطعات التي تحت إمرة النواب برهان الملك (سعادت خان). فتوجّه هذا مطمئناً إلى دلهي في عام 1835م ليكون بجوار الإمبراطور.
المراطهة
وفي آذار 1737م دخل المراهطهة([799]) منطقة دؤاب وتقدّموا نحو جاليسار، فتوجّه سعادت خان، الذي كان الإمبراطور قد استدعاه إلى العاصمة، على رأس جيش كبير لمقاتلتهم، وبدأ مسيرته من فايز آباد فالتقى بالمراطهة في 23 آذار 1737م قرب جاليسار على بُعد نحو 26 ميلاً إلى الشمال الشرقي من أغرا. ولم يستطع المراطهة أن يصمدوا طويلاً أمام هجوم برهان الملك العنيف فتشتت شملهم وولّوا الأدبار تحت وطأة الهجوم الضار، فتتبعهم برهان الملك على رأس جيشه وتعقب آثارهم مسافة أميال كثيرة. وقد تمّ له تطهير جميع أنحاء إقليم دؤاب من المراطهة، والتقى برهان الملك بكلّ من خان ودوران (صمصام الدولة) ومحمد خان بنغش قرب مذره في 22 نيسان عام 1737م. بيد أنّ هجوم باجيراو على دلهي والسياسة الحمقاء التي انتهجها الدربار هناك أثارت اشمئزازه فانسحب إلى أود ممتعضاً وهو يشعر بغم وكدر.
معركة كرنال
وفي الحادي والعشرين من كانون الثاني 1739م استولى نادر شاه على مدينة لاهور وتقدّم نحو دلهي. فتحرّك سعادت خان برهان الملك بمقتضى أوامر البلاط الإمبرطوري من أود على رأس «جيش حسن التجهيز يشتمل على 30000 خيال وكتائب مدفعية وافرة وكميات كبيرة من عدد الحرب وعدتها». وقد قطع الرحلة الطويلة والشاقة إلى كرنال وهي تزيد على 450 ميلاً في مدّة شهر فقط حيث وصلها في 22 شباط عام 1739م. وبينما كان يبحث مع الإمبراطور، في اليوم التالي، الخطط الحربية المقبلة بلغه أنّ الفرس قد هاجموا وقتلوا بعض رجاله كما استولوا على معداته وتجهيزاته التي كانت تتبعه على مهل، وحيث إنّه مجبول على الشجاعة والإقدام توجّه حال سماعه ذلك لمهاجمة الفرس على رأس قوّة قوامها ألف خيال وقليلاً من المشاة ثمّ ما لبث أن وردته إمدادات لاحقة مكوّنة من 4000 خيال و1000 من المشاة.
وقد هاجم النواب سعادت خان الفرس بجرأة وإقدام ولكنّه استدرج إلى كمين، وذهبت جميع نداءات الاستغاثة التي وجّهها للإمبراطور ليمدّه بنجدات أدراج الرياح، فقد تحرّك الإمبراطور والوزير والنظام([800]) من المعسكر في وقت متأخر من بعد الظهر ولكنّهم لم ينضموا لساحة القتال. وقد حاول خان ودوران أن يساعده ولكنّه اضطر إلى مغادرة ساحة القتال لأنّه كان جريحاً.
وقد اكتسح الفرس قوات سعادت خان ولكنّه ظلّ صامداً بثبات ورباطة جأش حتّى النهاية حيث وقع أسيراً في أيدي الفرس. وقد انتزعت شجاعة سعادت خان وبسالة رجاله في ساحة الوغى من نادر شاه قائد الفرس الإقرار والإعجاب المتمثل في قوله إنّ الهنود عرفوا كيف يموتون ولكنّهم لم يعرفوا كيف يقاتلون.
وبعد مجزرة دلهي توفي سعادت خان فجأة في 19 آذار 1739م ممّا أثار الكثير من الشكوك والتساؤلات. ويميل البعض إلى الاعتقاد أنّ سبب وفاته يعود إلى جرح في رجله كان يزعجه منذ أن غادر فايز آباد، وبعد مرور ما يزيد على ثلاثة شهور من الحملات الحربية الشاقة مهملاً أمر هذا الجحر دون عناية أو وقاية ساءت حالته بحيث تطوّر إلى حالة من السرطان المميت، بينما يميل آخرون إلى الاعتقاد أنّ سر وفاته إنّما يعود إلى عجزه عن دفع الغرامة الحربية التي طلبها منه الفرس فأهانه نادر شاه إهانة شديدة نظير هذا العجز فضاق سعادت خان ذرعاً بحياة الذل والمهانة وانتحر.
خصال سعادت خان وطباعه
كان سعادت خان برهان الملك يميل إلى البساطة سواء في مأكله أو في لباسه. وكان حميماً مع أصدقائه عطوفاً على أتباعه وذويه، أمّا مع من هم في مرتبته ومستواه فكان صريحاً وصادقاً. وقد اضطر حتّى أعداؤه إلى الإقرار ببسالته وجرأته وشجاعته إلى حدود التهور. وفي ساحة الوغى كان دائماً في المقدمة في حمأة العراك جريئاً ومتهوراً إلى درجة الطيش في قيادة رجاله إلى التال. وكان دائماً يحرص على تدبير شؤون جنوده ورعاية أحوالهم أشد الحرص. فكان يمنح جنوده بالإضافة إلى الرواتب المقررة، السلف والمساعدات كما كان يغدق عليهم الهجايا حتّى أنّ جنوده، حين وافاه الأجل، كانوا مدينين له بما يزيد على عشرين مليون روبية.
وقد كان إدارياً قديراً وكفوءاً، ونجح في إخضاع زمادرة إقليم أود المشاكسين الذين كانوا دائماً يستخفون بالسلطة الإمبراطورية ولا يكترثون بأوامرها. وقد وجد فيه الملاكون الصغار ومتسأجرو الأراضي خير حام لهم ومدافع عنهم ضد اضطهاد كبار الملاكين واستبدادهم المزمن.
وهو لم يكن متعصباً ضيّق الأف، بل كان ذو آراء حرّة متحرّراً في تفكيره فشجّع الكفايات والمواهب من كلّ فئات السكان وفي شتى الديار، حتّى أنّ المؤرخين الهندوسيين لم يتهموه بالتعصّب الديني. وهو باتباعه سياسة متحررة تتّسم برحابة الأفق وبعد النظر فاز بمحبة رعاياه استأثر باحترامهم، فقد تمتعوا في عهده بالازدهار ويسر الحال. ولم يعرف إقليم أود حكماً أفضل من حكمه من قبل.
أبو المنصور خان، صفدر جنك
صوبيدار أود الثاني ووزير الإمبراطورية
1739 ـ 1754م
إن ميرزا محمد مقيم المعروف في التاريخ باسم أبو المنصور خان صفدر جنك هو ابن شقيقة سعادت خان برهان الملك. وقد ولد في نيسابور (خراسان، إيران) حوالي عام 1708م. وقد كان يبلغ من العمر زهاء 15 عاماً عندما وفد إلى الهند بناء على رغبة خاله في العام 1723. وقد زوّجه خاله رهان الملك ابنته الكبرى صدر النسا بيجوم وعيّنه نائباً له في ولاية أود: وقد كرّمه الإمبراطور محمد شاه بلقب أبي المنصور خان.
وخلال قيام أبي المنصور خان بأعباء إدارة أود 1724ـ1739م نيابة عن خاله لم يتمرس في شؤون الإدارة والحكم المدني فحسب بل اكتسب خبرة وافرة أيضاً في ميدان القتال حيث رافق خاله في حملاته التأديبية على كبار ملاك الولاية العاصين لتعليمات السلطة. وقد أظهر مقدرة عسكرية فائقة في آذار (مارس) 1737م عندما استدرج ملهار باو هولكار للاقتراب كثيراً من الجيش الرئيسي الذي يقوده سعادت خان الذي شنّ عليه هجوماً كاسحاً مزق قوات المراطهة فاندحرت وولّت الأدبار منسحبة من الميدان.
(المسجد الجامع) بناه ملوك أود وأصبح من المعالم التاريخية في لكنو
وعندما وافت المنية سعادت خان في 19 آذار (مارس) 1739م خلفه أبو المنصور خان في ولايته على أود وقد أنعم عليه الإمبراطور فيما بعد بلقب صفدر جنك كما ثبته في منصب صوبيدار([801]) أود مع جميع المقاطعات وأراضي الدولة التي كانت تابعة لخاله سعادت خان برهان الملك.
وقد كانت وفاة عمّه برهان الملك هي الإشارة لرؤساء القبائل المشاكسين للتمرد على الصوبيدار الجديد. فقد تحالف مع شيوخ أميتي بندقي ميان الواقعة على بُعد 14 ميلاً إلى الجنوب الغربي من لكناو، وراجيوت منطقة حسن بورتيلوي، وغره أموتي في مقاطعة سلطان بور وقبائل البتهان في جغديس بور الواقعة على بُعد 11 ميلاً إلى الشمال الشرقي عن تيلوي، وتآزروا جميعاً للخلاص من سلطة الوالي الجديد عليهم. ولكن صدر جنك سار على رأس جيشه نحو مواقع العصاة وألحق بهم الهزيمة وشتت شملهم.
وقد واجه صفدر جنك أشدّ مقاومة في حملته التأديبية هذه من رجاتيلوي الذي كان يعتصم في قلعة حصينة يحيط بها حزام كثيف صعب الاختراق من نبات الخزيران وأدغال من الأشجار الشائكة وقد وصل صفدر جك إلى تيلوي في 10 تشرين الثاني من عام 1739 وقهر مقاومة الرجوبوتيين. وفي مرحلة لاحقة اضطر صفدر جنك إلى السير على رأس جيشه لإخضاع الراجا تنوال سنغ زعيم نبي نغز وكاتيسار في المقاطعة المسمّاة حالياً ستيابور فقد رفض هذا الراجا دفع الأتاوة المترتبة عليه للحكومة. وسار صدر جنك على رأس جيشه من فايز آباد ووصل إلى نبي نغز في الثامن من شهر آذار (مارس) عام 1741م. فضرب حصاراً حول القلاع والحصون التي تعتصم فيها قوات الراجا وأتباعه. ورغم المقاوم الشديدة التي أبداها هؤلاء اضطر الراجا نوال سنغ إلى الاستسلام إلى صفدر جنك الذي عفا عنه وأبقى له على مملتكاته.
صفدر جنك يصبح «مير أتش»([802])
وفي شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) 1743م غادر صفدر جنك فايز آباد، بناء على دعوة من الإمبراطور، وتوجّه نحو العاصمة الإمبراطورية حيث بلغها في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1743م. وقد عيّنه الإمبراطور بعد فترة وجيزة من ذلك في منصب (ميراتش) أي قائد المدفعية الإمبراطورية، فضبط أمور المدفعية وأصلح من شأنها. وفي الرابع من تشرين الأوّل (أكتوبر) عيّن صفدر جنك حاكماً على كشمير فعهد بإدارتها نيابة عنه إلى ابن عمّه تسير جنغ.
الحملة ضد روهيل خند
لقد كانت القبائل الروهيلة المشاكسة والاطمعة التي تقطن إقليم روهيل خند الذي لا تفصله عن إقليم أود أيّة حواجز جغرافية دائمة وثابتة تشكل تهديداً خطيراً لأمن وسلامة أود. وكذلك، حذرت التقارير التي وصلت صفدر جنك من نوابه حكام المقاطعات المجاورة للحدود مع روهيل خند من مطامع هؤلاء الجيران الذين يحاذون إقليم أود من الناحية الشمالية الغربية. ولذلك، قرّر صفدر جنك أن يضع حدّاً لمطامع هؤلاء التوسعية. وقد كان ذلك نذير بداية حرب طويلة ضروس بين هاتين القوّتين الإسلاميتين انتهت بتحطيم قبائل الروهيلة كقوّة سياسية في العام 1774م.
وكان صفدر جنك قد وجد في عام 1745م عذراً مناسباً يقنع به الإمبراطور محمد شاه بغزو روهيل خند، وكان الإمبراطور نفسه قد أخذ يوجس خيفة من نزعة علي محمد خان للاستقلال، فاستجاب على الفور لتحذيرات صفدر جنك وسارع إلى تجييش الجيوش. بيد أنّ وزير الإمبراطورية قمر الدين خان لم يرق له ذلك فعمل على مساعدة زعيم قبائل الروهيلة وانتهت الحملة الحربية بالعفو عن هذا الزعيم المتمرد، غير أنّه قد جرت مصادرة ممتلكاته كما تمّ تدمير بنغره مقر قبائل الروهيلة القوي.
توليه الوزارة
لقد قدّم صفدر جنك خلال هجومه الأوّل على أحمد شاه الابدالي في عام 1748م خدمات جلّى لسيده الإمبراطور. وقد سرّ الإمبراطور سروراً عظيماً بتفاني صفدر جنك وشجاعته التي أبداها في معركة منوبور في 21 آذار (مارس) 1748م والتي هزم فيها الابدالي شر هزيمة فولّى الأدبار هارباً من ساحة المعركة، وقد كان ذلك بعد وفاة خصمه الوزير قمر الدين خان.
وعندما توفي الإمبراطور محمد شاه في 25 نيسان (أبريل) عام 1748م تسلّم سدّة العرش أحمد شاه الذي عيّن صفدر جنك وزيراً له.
سياسة صفدر جنك الإمبراطورية
هنالك من الشواهد ما يكفي لإثبات أنّ صفدر جنك قد تولّى منصبه الرفيع هذا كوزير للإمبراطورية وصدره يجيش بطموح عظيم لإنقاذ إمبراطورية المغول من الاضمحلال النهائي. بل أكثر من ذلك، كانت لديه مخططات لإعادة مدّ الإمبراطورية المتقلصة إلى حدودها القديمة من جهة الشمال والشمال الغربي وحتّى نهر نربده من ناحية الجنوب.
وقد أدرك ببصيرته الخطر العظيم المحدق بالإمبراطورية من مملكة أحمد شاه الابدالي الجديد، وحثّ الإمبراطور على ضرورة استرجاع أفغانستان، كما نظر إلى المقاطعات الأفغانية القائمة ضمن الإمبراطورية نظرة خشية وحذر واعتبرها بمثابة مواقع أمامية لأعداء أباطرة المغول التقليديين وأنّ سكانها متضامنون مع إخوانهم الأفغان الآخرين القاطنين عبر الحدود.
وقد أراد كذلك أن يعاود الاستيلاء على إقليم البنجاب وأن يستأصل شأفة الجات، بيد أنّ جميع خططه هذه قد أحبطت بفعل دسائس خصومه في البلاد الإمبراطوري. فقد سعى جاويد خان بالتواطؤ مع المملكة الوالدة الشريرة أدهم بائي، تدريجياً، إلى اغتصاب جميع الصلاحيات والسلطات سواء ما يتعلق منها بشؤون السلم أو الحرب وانحطت مكانة الوزير إلى الصفر.
وقد تفاعلت الأزمة ووصلت ذروتها في النصف الأوّل من عام 1752م حين أقدم الابدالي، على غزو الهند للمرّة الثالثة ووصل إلى لاهور. فعمل صفدر جنك بسرعة بمقتضى تكليف رسمي من الإمبراطور خطه بيده، وسعى أوّلاً في نيسان (أبريل) 1752م إلى تحريض المراطهة([803]) لكي يتصدّوا للابدالي، بيد أنّ خصومه في البلاط الإمبراطوري أحبطوا جهوده مرّة أخرى وقبل أن يتمكن صفدر جنك من بلوغ العاصمة الإمبراطورية كان الإمبراطور المعتوه، وبتأثير من مستشاريه الأخساء، قد تنازل رسمياً للغازي الأفغاني عن ولايتي البنجاب وملتان في 23 نيسان (أبريل). وقد سعى الوزير صفدر جنك عبثاً إلى حثّ الإمبراطور على استرجاع الولايتين الضائعتين علاوة على هيبته المضيعة، ولكن الدسائس أحبطت جميع جهوده ومساعيه.
نقطة تحوّل
ويبدو أنّ هذه الواقعة كانت بمثابة نقطة تحوّل في أحلام صفدر جنك ومقاطحه فقد أصابته بخيبة أمل عارمة وخابت جميع آماله في إنقاذ الإمبراطورية المتداعية. فد رأى مملكة الأفغان الناهضة الكائنة في شمال غرب الإمبراطورية تمدّ ذراعيها لتطويق ومحاضرة إمبراطورية المغول البالية ولكنّه شعر بعجزه عن صنع شيء إزاء ذلك. فقد حاول أن يحرّك المراطهة للتصدّي للأفغان وأن يحرض الراجبوتيين ضد الدكنيين (سكان هضبة الدكن) وأن يستأصل شأفة الجات، ولكن خصومه في البلاط الإمبراطوري لم يدعوه طليق اليدين في تسيير الأمور. ولم يكتفوا بإحباط جميع تحركاته وخططه بل عمدوا هم والإمبراطور الجبان على مساعدة أعداء الدولة والتآمر معهم نكاية به.
وعندما فقد صفدر جنك كلّ الآمال في إنقاذ الإمبراطورية قرّر أن ينقذ نفسه ومصالحه، ولكن خصومه كانوا كثيرين، وكانوا أقوياء. فوجد نفسه، تدريجياً، يخوض حرباً أهلية طويلة ضد شلة البلاط الإمبراطوري التي تحظى بدعم من الإمبراطور نفسه. وقد كانت أحوال البلاط الإمبراطوري في دلهي في تلك الحقبة من الزمن تثير الاشمئزاز أكثر ممّا تبعث على الاحترام. فلم يكن فيه شخص يمكن الوثوق به حتّى الإمبراطور نفسه، فوزير الإمبراطورية الشرعي الرسمي كان يواجه حرباً شعواء من سيّده الإمبراطور، كما أنّ أعضاء زمرة البلاط الإمبراطوري لم يكونوا أمناء ولا صادقين في تعاملهم مع بعضهم البعض. فانتظام الدولة كان يشعر بالريبة والحذر تجاه ابن شقيقه عماد الملك الذي كان بدوره يعمل في الخفاء على تحطيم سلطة خاله. ولم يقصر الإمبراكور امتعاضه وعدم ثقته على صفدر جنك فحسب، بل شعر شعوراً مماثلاً تجاه كلّ من انتظام الدولة وعماد الملك أيضاً. وقد ساعد جو الريبة والشكوك المتبادلة هذا على إنقاذ صفدر جنك من الدمار التام، فقد عفا عنه الإمبراطور وعاد أدراجه إلى أود، ولكن لم يمض وقت طويل على إقامته فيها حتّى توفي في الخامس من شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) عام 1754م. وهو مدفون في ضريح جميل في دلهي يعرف الآن باسم «صفدر جنك».
أخلاقه وطباعه
لم يكن صفدر جنك قائداً عسكرياً، وكان نجمه سيسطع في ميدان الإدارة والدبلوماسية أكثر ممّا في ميدان القتال لو أنّ خصومه ومنافسيه في البلاط الإمبراطوري تركوه طليق اليدين هادىء البال. كما لم يكن من نوع السياسيين الماكرين بحيث يقدر سلفاً حركات خصومه ويعدّ لهم المكائد ويوقعهم في الشباك.
وكانت أشد نقاط ضعفه أنّه عندما يشتدّ سخطه وغضبه يتطرف في سلوكه إلى أقصى حد ممّا ترك بعضاً من اللطخات الشديدة السواد على خلقه، غير أنّه كان سيّداً نبيلاً يتمتع بالثقافة والذوق الرفيع، يرعى شؤون العلم والعلماء، ولعل أشدّ سمة له إثارة للإعجاب نظافة ونقاء حياته الخاصة. فقد كان صفدر جنك مثالاً فريداً بين معاصريه فلم يتخذ لنفسه أيّة عشيقات أو محظيات في ذلك العصر الذي ساده الفسق والفجور والانحلال. فقد كان شديد الارتباط بزوجته الوحيدة صدر النسا بيجومة ولم ير مطلقاً وجه امرأة أخرى.
وقد كان أباً حنوناً وصديقاً صدواص فعندما توفي فيروز جنك في هضبة الدكن دعم ابنه شهاب الدين (عماد الملك فيما بعد) ضد عمّه انتظام الدولة لسبب بسيط هو أنّ فيروز جنك قد ترك ابنه في عهدته. وقد ذهب صفدر جنك في مساعدته لشهاب الدين إلى حد الضغط على الإمبراطور بأن ينعم عليه، دون رغبة منه، برتبة أمير الأمراء. ولكن عندما انقلب عماد الملك، فيما بعد، على صفدر جنك قال هذا بأسى:
«لقد ربيت طفلاً، وها أنّك تجد نفسك تقتل الطفل الذي ربيت».
لقد منح صفر جنك ولاياته السلام، ووفر لرعاياه الأمان، وساس أمورهم بالعدل والقسطاس.
وقد حدث مرّة أن أساء ابنه شجاع الدولة التصرّف فاعتقله «الكتول» أي آمر الشرطة. ولم يرض صفدر جنك أن يتشفع لابنه بل ترك العدل يأخذ مجراه فاعتقل وضرب بشدّة وسجن.
أمّا بصفته وزيراً للإمبراطورية، فكان أشدّ إخلاصاً وأمانة وحرصاً على أمور الإمبراطور والإمبراطورية من انتظام الدولة وعماد الملك أو أي ممّن خلفوه في منصبه. لقد كانت مؤامرات الأمراء وخياناتهم، وسلوك الإمبراطور نفسه المشين فوق طاقة صفدر جنك على احتمالها، فلا عجب إن هو فشل في ظل هذه الظروف الصعبة.
آصف الدولة ميرزا يحيى علي خان
المعروف باسم ميرزا
أمن النواب الرابع ووزير أود
1775 ـ 1797
خلف ميرزا يحيى علي خان المعروف باسم ميرزا أمن في عام 1775م أباه النواب شجاع الدولة في منصب هوبيدار أود والله آباد وولاية روهيل خند التي تمّ فتحها وإلحاقها بهما منذ عهد قريب. وفي وقت لاحق أنعم عليه الإمبراطور شاه علم الثاني بالمنصب المرموق وزير الإمبراطورية وبلقب آصف الدولة.
وكان الوضع السياسي قد تغيّر تغيّراً تاماً، فقد أصبح إمبراطور دلهي الخامل مجرد صورة أو أداة تستخدم حسب مقتضيات الحال.
وإذا استثنينا المراطهة في هضبة الدكن، برز البريطانيون كأقوى قوّة عسكرية وسياسية وحكموا دون منازع من البنغال حتّى البنجاب. وأصبح حاكم إقليم أود مجرد تابع، اسماً وفعلاً لشركة الهند الشرقية. ولم يكن يقوى على رد أوامر الحاكم البريطاني العام، هذه الأوامر التي كانت تدعى من قبيل الكياسة والدبلوماسية طلبات. وقد اتبع الحاكم العام البريطاني أسلوبين لتقوية قبضة الشركة على نواب أود وممتلكاته. وأوّل هذين الأسلوبين هو زيادة قوّة الشركة «المبجلة» العسكرية على حساب النواب الخانع، وثانيهما: هو تعيين بعض الأشخاص الهنود الذين كانوا من صنائع البريطانيين ومارسوا التجسس على النواب وبلاطه لحساب البريطانيين وزراء دولة في حكومة النواب.
الملك آصف الدولة
(1775 ـ 1797م)
معاهدة عام 1775م
لقد كانت أولى نتائج المعاهدة التي وقعت مع النواب الجديد في 21 مايو (أيار) عام 1775م هي زيادة نفقات القوات العسكرية البريطانية التي يتأتى على النواب أن يرفعها إلى 260,000 روبية في الشهر.
وفي القوت ذاته أجبر النواب على التنازل للشركة عن زمنداري بنارس أي إقطاعيات بنارس التي كانت تدر دخلاً يبلغ 221,000 روبية. وهكذا، وبضربة واحدة فرضت على اللاد أعباء ونفقات ثقيلة دون اعتبار للمعاهدات والاتفاقات المعقودة مع النواب السابق كما جرى تقليص واردات إقليم أود تقليصاً كبيراً.
وفي عام 1777م فرض على حاكم أود دفع نفقات لواء آخر من القوات البريطاية بصفة «مؤتقة»، ولكن هذا اللواء ما لبث أن أصبح دائماً. وفي عام 1779م زادت نفقات اللواء «المؤقت» هذا على 800,000 روبية أي ما يعادل 80000 جنيه استرليني كما زادت نفقات القوات المحلية التي كانت تحت إمرة ضباط بريطانيين على 400,000 روبية أي ما يعادل 40,000 جنيه استرليني عن النفات المقرّرة.
ود طرأت هذه الزيادات علاوة على نفقات الإدارة المدنية «دون تخويل من مجلس المديرين أو أي تسجيل في سجلات المجلس، وقد تضخمت هذه الزيادات بالسر تدريجياً بحيث وصلت إلى كمية ضخمة».
آصف الدولة يعترض على الزيادات
ولم يستطع النواب أ يصبر أكثر من ذلك، فشكا بأسى في العام 1779م بأنّه «خلال السنوات الثلاث التي انقضت استنزفت النفقات المصروفة على لواء القوات البريطانية وغيرها من النفقات التي يطلبها الضباط الأوروبيون موارد الخزينة، بحيث أصبحت عاجزاً عن الإنفاق على حاشيتي إلى درجة خفضت معها المخصصات المقررة لحريم النواب السابقين وأطفالهم إلى ربع ما كانت عليه سابقاً ممّا جعلهم يعيشون في ضيق وعسر خلال السنتين الماضيتين كما لم يتلق أي من رجال البلاط أو الكتّاب أو خدمي أيّة رواتب طيلة السنتين الماضيتين. ولم أجد عزاء في مواجهة جميع المصاعب التي عانيت منها خلال السنوات الثلاث المنصرمة سوى أنّ هذه المصاعب هي من أجل إسعاد الشركة الجليلة والأمل في أن يكلف المجلس الأعلى أشخاصاً نزيهين غير متحيزين للتحقيق في أوضاعي البائسة، ولكنّني أجدني الآن مضطراً لعرض وضعي عليكم». ولم يتقبل وارين هيستنغز([804]) حتّى هذه اللهجة الاعتذارية التي صيغ فيها هذا الالتماس، فبعث إلى النواب تأنيباً رسمياً قاسياً جواباً عليه.
ولم تكن الصورة التي عرضها النواب عن أوضاعه مبالغاً فيها، وبوسع المرء أن يتصوّر مدار العناء النفسي الذي كان النواب يتحمله عندما يعلم أنّ الإيرادات السنوية التي كانت ترد إلى خزينة شجاع الدولة قد بلغت عند وفاته في كانون الثاني (يناير) عام 1775ممبلغ 36000000 روبية، بينما في العام 1779م نقصت إلى ما دون نصف هذا المبلغ كما نقصت إلى ما دون ذلك في السنوات التالية.
نهب السيدات
إزاء حاجة وارين هيستنغز الشديدة للمال قرّر أن يسطو على أموال البيجومين (السيدتين) والدة آصف الدولة وجدته. واضطرت هاتان البيجومان في العام 175م إلى دفع 5,600,000 روبية لتسديد ديون (شركة الهند الشرقية) الباهظة. وفي عام 1781م اجتمع وارين هيستنغز مع النواب في جنار بتاريخ 19 أيلول (سبتمبر) وعقد معه «صفقة سرية» للاستيلاء على كنوز البيجومين وأراضيهما وتسليمها إلى حاكم الهند البريطاني العام، وبحلول شهر شباط (فبراير) عام 1782م كان الممثل البريطاني المقيم قد ابتزّ من السيدتين العزلائين ما يزيد على خمسة ملايين روبية. وكذلك تكرم وارين هيستنغ نفسه بقبول هدية من هذه الأموال مبلغ 1,000,000 روبية أي نحو 100,000 جنيه استرليني.
اللورد كورنواليس
وعندما أصبح اللورد كورنواليس حاكماً عاماً في أيلول (سبتمبر) عام 1786م جرى تخفيف العبء المالي الخانق الذي كان يعاني منه النواب. ويول بهذا الصدد الكاتب ميل: «يبدو أنّه خلال السنوات التسع المنصرمة دفع النواب للشركة، تحت أسماء ومعاذير متنوعة، بمعدل 8,400,000 روبية في السنة، مع أنّ النواب قد التزم بمقتضى معاهدة عام 1781م إلى 3420,000 روبية».
وقد حدّد اللورد كورنواليس بمقتضى الترتيب الجديد مبلغ 5000,000 كدفعة سنوية يتأتى على النواب أن يدفعها للشركة «وأنّ هذا المبلغ ينبغي أن يعتبر كافياً لتغطية جميع الطلبات». وأعلن أنّ «هذا المبلغ يعدّ كافياً لتعويض الشركة عن جميع النفقات والمصروفات التي يمكن أن تتحملها نتيجة ارتباطاتها بالوزير».
وبعبارة أخرى، أعلن اللورد كورنواليس أنّه خلال السنوات التسع السابقة كان يجبى من ذلك الأمير كلّ سنة مبلغ 340,000 روبية تبتز منه دون وجه حق.
وفي الوقت ذاته أعلن الحاكم العام تعهده الرصين «بأنّنا نتعهد بالدفاع عن بلاد النواب، وبالمقابل يوافق هو بدوره على أن يتحمل النفقات الحقيقية المترتبة بموجب هذا التعهد البالغ القيمة بالنسبة له، أمّا إدارة شؤونه الداخلية فتترك له حرية التصرف التامة في تصريفها».
توجيه اللوم للبريطانيين
وقد زار اللورد كورنواليس مدينة لكناو في عام 1787م وانزعج شديد الانزعاج «عندما اطلع على أحوال النواب المالية وحكومته المضعضعة وعلى المظهر العام الرث للبلاد بصورة عامة».
ود علّق النواب ساخراً على ملاحظات اللورد كورنواليس فقال: «لمّا كان النواب غير واثق من مدى طلباتنا منه نحن البريطانيين لم يبد هنالك ضرورة للاقتصاد في نفقاته، وكما لم ندخر جهداً في التدخل في شؤون إدارته الداخلية وفي سلطته وصلاحياته وصلاحيات وزرائه أصبح موضع رثاء رعاياه ومحط احتقارهم».
اعتراف المديرين
كذلك لم يخدع المديرون أيضاً بالعبارات المنمقة الخادعة التي أطلقها اللورد كورنواليس عن حالة البلاد الرثة وأوضاعها المهلهلة، فأعلنوا لحظة خرجوا فيها عن تحقظهم أنّ «حالة البلاد المؤسفة الراهنة من الإنصاف أن تعزى إلى مجموعة من الأسباب… منها الاستنزاف الشديد للنقد والعملات المسكوكة من تلك البلاد خلال السنوات القليلة الماضية حيث بلغت كمية العملات المستنزفة خلال الفترة الواقعة بين أيلول (سبتمبر) عام 1783م وشباط (فبراير) عام 1794م كمية ضخمة بلغت زهاء 23,900,000.
هذا عدا المبالغ التي أرسلت إلى كلكتا لتسديد فواتير نفقات القوات والدفعات الأخرى والحسابات الخاصة. فهذا في رأينا هو أهم العوامل والأسباب التي أدّت إلى هذه الحالة».
التهمة بسوء الإدارة
أمّا التهمة الأخرى التي وجهت بصورة مستمرة إلى حكام أود، علاوة على اتهامهم بسوء التدبير المالي، فهي سوء إدارة وتصريف شؤون البلاد. ولكن إذا تمّ التمعن في مبررات ودواعي هذه التهمة بتبصّر فسيجد المرء أنّ هذه التهمة لا تعدو كونها ذريعة ذكية يتذرّع بها البريطانيون لإلقاء تبعة اللوم في الأوضاع الناجمة عن سياستهم الجشعة على عاتق نواب أود الذين لا حول لهم ولا طول.
مسؤولية البريطانيين
لم يكن وزراء نواب أود المسؤولون عن إدارة الولاية سوى صنائع وعملاء للحاكم البريطاني العام يجري فرضهم على نواب أود قسراً ودون مشورة لهم.
وقد أوضح وارين هيستنغز في معرض مناقشته العلاقات بين الممثل البريطاني المقيم في الولاية ووزراء نواب الولاية فقال: «إمّا أن يكون الممثل البريطاني المقيم عبداً للوزير وتابعاً له أو أن يكون الوزير خاضعاً لإدارة الممثل البريطاني المقيم بصورة مطلقة، وفي معرض إشارته إلى أحد الوزراء قال وارين هيستنغز: «إنّه موجود في منصبه بفضل اعتماده على نفوذ حكومتنا، وإذا ما استمرّ في تصريف مهماته وفق رغباتي فإنّني أفضّل وجوده في هذا المنصب على أي إنسان آخر. ولكن من الضروري، في الوقت ذاته أن يكون على بيّنة بأجلى صورة وأوضحها، بالظروف والشروجط التي عليه التقيّد بها إذا شاء الاحتفاظ بمنصبه، وإلاّ فسيتعرض للطرد مع إجراء تدقيق وتحقيق في تصرفاته وكشف حساب لسيرته الماضية إن هو رفض التقيد بذلك».
مدينة لكنو عاصمة مملكة أود الشيعية في شمال الهند (لقطة من أيام نهضتها وازدهارها)
وإزاء هذه الحالة، كان من الطبيعي أن يتوجه هؤلاء الوزراء الذين هم بمثابة الآلات الصماء المسخرة إلى الممثل البريطاني المقيم طلباً للمشورة والتوجيه بدل أن يتوجهوا إلى أسيادهم الاسميين نواب الولاية. وحيث إنّ هؤلاء الوزراء هم الذين كانوا يتولون بالفعل إدارة وتصريف شؤون البلاد، فلا ريب أنّ مسؤولية أيّة فوضى أو اضطراب في أوضاع البلاد إنّما تع المسؤولية فيها على عاتق هؤلاء الوزراء وأسيادهم الفعليين وهم البريطانيين.
قتل نواب ولاية رامبو
لقد كان الحدث البارز الوحيد خلال فترة حكم آصف الدولة هو استتباب الأمن في رامبو. فإثر وفاة فيض الله خان في عام 1794م تسلّم سدّة العرش ابنه الأكبر محمد علي خان ولكن أخاه الأصغر غلام محمد خان اغتاله وعيّن نفسه نواباً بدلاً منه. فسار آصف الدولة يصحبه المستر تشيري الممثل البريطاني المقيم والسيد روبرت أبو كومبي على رأس جيش لإخضاع قبائل الروهيلة، فعزلوا غلام محمد خان ونصبوا على عرش رامبور أحمد علي خان ابن النواب المغدور محمد علي خان وأنعموا عليه بمساعدة قيمتها مليون روبية.
وفاة آصف الدولة في 21 أيلول
(سبتمبر) 1797م
أخلاقه وطباعه
يوصف آصف الدولة عادة بأنّه كان حاكماً يفتقد روح المسؤولية ولم يولِ شؤون الدولة أي اهتمام، وممّأ لا ريب فيه أنّه لم يكن يتمتع بمزايا والده في قدرته الشخصية وحنكته السياسية ودهائه في سبر غور طبائع الناس ودرايته بمعدنهم أو في مهارته في تصريف الشؤون الإدالية. ولكن أن يدمغ بأنّه كان مجرد حاكم مأفون مبذر ومستهتر فذلك أمر فيه تجنٍ على الحقيقة والواقع.
فعندما تولّى آصف الدولة العرش كانت قوّة البريطانيين في الهند قدراً لا يقاوم. وكان جميع الزعماء الهنود ينصاعون إلى تلبية رغبات الشركة (شركة الهند الشرقية البريطانية) نزواتها دون أدنى تردّد أو اعتراض، ولم يكن بوسع آصف الدولة أن يشذ عن هذه القاعدة، ولكنّه كان يشعر بمرارة شديدة لتبعيته للبريطانيين وخضوعه لهم. ويُقال إنّه بداعي الشعور بالغيظ والقهر إزاء عجزه أمام تحكّم الشركة وسيطرتها واضطراره للاستسلام لمشيئتها تجاهل عمداً المرض الأخير الذي أصابه حتّى قضي عليه مفضلاً الموت على استمرار العيش في ذلك الوضع.
وقد كان آصف الدولة مولعاً بالعمران وتشييد المباني. وأجمل الأبنية التي شيّدت في عهده من الناحية العمرانية هي (الإمام باره)([805]) العظيمة وهي المكان المخصص لإحياء وتكريم ذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام).
فتوجد في هذه الإمام باره أضخم قاعة في العالم غير مسنود سقفها بأية أعمدة إطلاقاً، ويبلغ طول هذه الاعة 267 قدماً أي نحو 15،6 متراً.
ميرزا علي أظهر
الأوراق النقدية
بعد أن حلّت الأوراق الندية محل النقد الخلقي (الذي له قيمته الذاتية كالذهب والفضة) وطرأت عوامل التضخم وتقلّب الأسعار الحاد، الذي يؤثر تأثيراً كبيراً على القوّة الشرائية لهذه الأوراق ممّا يؤدي إلى قلّة سعرها أمام المنافع والسلع والخدمات المقدمة، جاءت هذه المشكلة وخصوصاً في مجال الديون. كما تطلب الحديث عنها في مجالات أخرى كوجوب الزكاة وأحكام الصرف وأحكام الضمان وغير ذلك. وسنركز على خصوص الديوان.
وحقيقة الإشكال تكمن في بحثنا هذا في مقتضيات أمرين متخالفين:
الأوّل: مثلية هذه الأوراق: والمثلي هو ما تماثلت آحاده بحيث يقوم بعضها مقام بعض ويشمل المكيلات والموزونات والمعدودات. وفي قبالة اليمة كالحيوان والعروض والعقاروالأوراق النقدية ـ كما هو المعروف ـ وعليه فإذا اقترض ورقة أو إذا غصبها كان عليه رد مثلها لا غير.
الثاني: العدالة: فكثيراً ما يقرض المرء غيره مبلغاً من المال رفقاً به فإذا حلّ أجل الوفاء وجد المقرض هذا المبلغ أقل بكثير ممّا دفعه من حيث قدرته الشرائية… ويأتي هذا في الديون والمهور حيث يطرأ عليها التغيير الفاحش ممّا يكون له آثار فاحشة على المستويات الدولية والفردية ويحقق شبهة الظلم ونض العدالة بلا ريب.
وكلّ ما طرح من حلول يحاول رفع هذا التناقض، أمّا من خلال التركيز على قيمة الأوراق المالية المتبادلة باعتبارها لا تملك أيّة قيمة استعمالية في نفسها. في حين تملك الأشياء الأخرى وحتّى النقدان الذهب والفضة بل وحتّى الفلوس الافقة (التي كانت تقوم مقام النقدين في الأشياء الصغيرة، فكانت قيمتها التبادلية أعلى من قيمتها الاستعمالية) قيماً استعمالية ممّا يحقق لها نوعاً من المثلية. أمّا هذه الأوراق فهي بطبيعتها قيمية خصوصاً بعد أنّ تمّ فصلها تماماً عن الغطاء الذهبي وعادت أموالاً عرفية([806]). أو من خلال تأكيد أنّ مقتضيات العدالة رغم أنّها المعتبرة في نظام المعاملات بعد تقرير القرآن الكريم لها بقوله تعالى: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}([807]) إلاّ أنّ هذه الحالات ترتبط الحوادث الحاصلة للأموال بعد ثبوتها. وإنّ العدالة إذا كانت تقتضي هنا جبر الخسارة فإنّها تقتضي حفظ النظام وعدم الإخلال به أيضاً. فإذا ركّزنا على قيمية النقد اختلّ النظام العام للديون وحدثت مضاعفات أخرى لا يمكن جبرها كما نرى فيما بعد.
قيمة العملة الورقية في نظر الفقهاء
لكي نقف على رأي بعض الفقهاء في الدين نذكر بعض النصوص:
قال الشيخ ابن زهرة في الغنية:
«وإن كان للدين مثل بأن يكون مكيلاً أو موزوناً فضاؤه بمثله بدليل الإجماع المتكرر، ولأنّه إذا قضاه بمثله برئت ذمته بيقين. وليس كذلك إذا قضاه بقيمته، إذا كان ممّا لا مثل له كالثياب والحيوان، وقضاؤه بردّ قيمته»([808]).
وقال أيضاً: «من غصب شيئاً له مثل وهو ما تساوت قيمة أجزائه كالحبوب والأدهان وما أشبه ذلك وجب عليه ردُّه بعينه فإن تلف فعليه مثله بدليل قوله تعالى: {فَمَنِ اعَتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}([809]) ولأنّ المثل يعرف مشاهدة، والقيمة يرجع (فيها) إلى الاجتهاد، والمعلوم مقدّم على المجتهد فيه، ولأنّه إذا أخذ المثل وفق حقّه وإذا أخذ القيمة ربّما زاد ذلك أو نقص، فإن أعوز المثل أخذت القيمة»([810]).
ونلاحظ هنا تركيز ابن زهرة على ما يلي:
أ ـ تعريف المثلي بأنّه ما كان مكيلاً أو موزوناً (في كتاب الدين) و(ما تساوت قيمة أجزائه) في كتاب الغصب، والتعريف الثاني أدق وإن كانا لا يختلفان في النتيجة.
ب ـ الاستدلال على ضمان دفع لمثلي، حيث ردّه إلى الإجماع المتكرر وإلى اليقين بالخروج من العهد. ثمّ إنّ ردّ المثلي محسوس أمّا قيمة فهي اجتهادية فيقدم المعلوم المحسوس على الاجتهاد. وذكر أنّ أخذ المثلي هو أخذ وفق الحق دون القيمة فقد يزيد وقد ينقص.
فيحاول هنا التركيز على مقتضى الحق والعدالة. وهو ما نلاحظه بوضوح في استدلاله في كتاب الغصب بمضمون الآية الشريفة {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.
يذكر المحقق الحلّي في شرائع الإسلام في بحث القرض ما يلي:
«وكل ما تتساوى أجزاؤه، يثبت في الذمة مثله كالحنطة والشعير والذهب والفضة، وما ليس كذلك يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم. ولو قيل يثبت مثله أيضاً كان حسناً».
وفي كتاب القرض يقول:
«فإنّ تلف المغصوب ضمنه الغاصب بمثله إن كان مثلياً ـ وهو ما يتساوى قيمة أجزائه ـ فإن تعذّر المثل ضمن قيمته يوم الإقباض لا يوم الإعواز… وإن لم يكن مثلياً ضمن قيمته يوم غصبه وهو اختيار الأكثر… والذهب والفضة يضمان بمثلهما وقال الشيخ (يعني الشيخ الطوسي) يضمنان بنقد البلد كما لو أتلف ما لا مثل له»([811]).
ويلاحظ هنا أيضاً:
أ ـ تعريفه للمثلي بأنّه ما تساوت قيمة أجزائه.
ب ـ إنّ الأقرب إلى الحق ـ عنده ـ ضمان المثل. فإن تعذّر ذلك ضمن القيمة يوم الإقباض. وإن كان قيمياً ضمن القيمة يوم الإعواز.
ج ـ اعتبر الذهب والفضة من المثليات لأنّها تتساوى أجزاؤها فلا فرق بين هذا الجزء وذلك الجزء.
يذكر الشهيد الثاني في المسالك، أنّه:
«إذا تلف المغصوب ضمنه الغاصب لا محالة، ثمّ لا يخلو إمّا أن يكون مثلياً أو قيمياً، فإن كان مثلياً ضمه بمثله لأنّه أقرب إلى التالف»([812]). ويختار بعد هذا تعريف الشهيد الأوّل للمثلي في كتاب الدروس وهو (المتساوي الأجزاء والمنفعة المتقاربة الصفات).
أمّا في كتاب القرض فيقول بالنسبة للقيمي:
«الكلام هنا في موضعين: أحدهما أنّ الواجب في عوض القيمي ـ وهو ما يختلف أجزاؤه في القيمة والمنفعة كالحيوان ـ ما هو؟ أقوال:
أحدهما: ـ وهو المشهور ـ قيمته مطلقاً، لعدم تساوي جزئياته واختلاف صفاته، فالقيمة فيه أعدل. وهو قول الأكثر.
وثانيهما: ما مال إليه (المصنف) هنا ولعلّه أفتى به إلاّ أنّه لا ائل به من أصحابنا وهو ضمانه بالمثل مطلقاً لأنّ المثل أقرب إلى الحقيقة. وقد روي أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أخذ قصعة ارمأة كسرت قصعة أخرى، وحكم بضمان عائشة إناء حفصة وطعامها لما كسرته وذهب الطعام بمثلها»([813]).
ونلاحظ هنا أيضاً السعي لتحيق العدالة عند الفتوى معبّراً عن ذلك تارة بأنّه أقرب إلى التالف، وأنّ هذا أعدل، أو أنّه أقرب إلى الحقيقة. كما أضاف إلى تعريف المثلي تقارب المنافع في الصفات إلى تساوي الأجزاء.
يقول العلاّمة الحلي:
«ويصح قرض كلّ ما يضبط وصفه، فإن كان مثلياً يثبت. ومثله كالذهب والفضة وزناً والحنطة والشعير كليلاً ووزناً والخبز وزناً وعدداً للعرف. وغير المثلي تثبت قيمته وقت القرض لا وقت المطالبة»([814]).
يقول السيد الطباطبائي صاحب كتاب الرياض في الغضب:
«وضمن الغاصب مثله إن كان المغصوب مثلياً بلا خلاف لأنّه أقرب إلى التالف»([815]) ثمّ يذكر بعض التعاريف للمثلي والقيمي ويعقب عليها بقوله: «ولا يذهب عليك عدم ظهور حجة لهذه التعريفات، عدا العرف واللغة وهما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثلي المطلق وترجيحهما أحد الآراء لا دلالة لهما إذ هما فرع تعليق الحكم بلفظ (المثل) في دليل وليس بموجود عدا قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}([816]). وفيه نظر لاحتمال كون المراد بالمثل فيه، أصل الاعتداء، لا مثل المعتدى فيه الذي هو ما نحن فيه (فتأمل). هذا مع أنّ÷ لم يظهر حجة على أصل اعتبار المثل في المثلي والقيمة في القيمي، عدا الإجماع والاعتبار، وليس فيهما ما يرجح أحد التعريفات»([817]).
ويقول في كتاب القرض فيما إذا اقترض المقترض السلعة القيمية فهل عليه إرجاع قيمتها أو مثلها:
«فالقيمة أعدل، وقيل بل يثبت مثله أيضاً لأنّه أقرب إلى الحقيقة»([818]).
وهكذا يبدو أنّه لا يوجد اتفاق على تعريف واحد للمثلي والقيمي، وإنّ هذي المصطلحين لم يردا في نص شرعي. وما جاء في الآية قد لا يراد به (المثل) الفقهي، وإنّ الدليل هو الإجماع والاعتبار العقلي، وهو ينتهي بالتالي إلى اعتبار (الأقربية إلى الواقع والحقيقة والعدل).
أمّا صاحب الجواهر (الشيخ النجفي) فهو يؤكد ما قاله المحقق الحلي من أنّ (كلّ ما تساوت أجزاؤه يجوز قرضه)([819]) قائلاً: (بلا خلاف، بل النصوص والإجماع بقسميه عليه)([820]).
ويعقب على قول المحقق المذكور: «وما ليس كذلك يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم» بقوله:
«والوجه في ثبوت القيمة، أنّ القرض قسم من الضمانات… ولا ريب في أنّ ضمان القيمي بالتلف وغيره بالقيمة، لا المثل، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه هناك، وإن كان يظهر من الشهيد في الدروس أنّ ميل المصنّف هنا إلى أنّ الضمان بالمثل جائز فيها أيضاً، لكن هو وغيره صرّح في باب الغصب بأنّ ضمان القيمي بالقيمة… ولعلّها لأنّها البدل عن العين عرفاً في الغرامات باعتبار عدم تساوي جزئيات العين المضمونة واختلاف صفاتها. فالقيمة حينئذ أعدل. خصوصاً في مثل الحيوان، الذي لم يعرف الباطن منه ولا كثير من صفاته، ولكن قال المصنّف هنا: «ولو قيل: يثبت مثله في الذمة أيضاً كالمثلي، كان حسناً لأنّه أقرب إلى الحقيقة من القيمة»([821]).
وينتهي بالتالي إلى القول:
«لكن الإنصاف عدم خلو القول به من قوّة باعتبار معهودية كون قرض الشيء بمثله، بل مبنى القرض على ذلك، بل قد يدعى انصراف إطلاق القرض إليه، وربّما تؤيده نصوص (الخبر) الذي يقوي كونه قيمياً ولذا تجب قيمته في إتلافه بأكل ونحوه فالاحتياط فيه لا ينبغي تركه»([822]).
وما نجده هنا أيضاً التركيز على عنصر الحق والعدل والقرب من الحقيقة. والانصراف المذكور إنّما هو في حالة عدم تغيّر القيمة تغيّراً فاحشاً.
التكييف الفقهي للعملة الورقية
شكّلت العملة الورقية ـ كما قلنا ـ وضعاً جديداً غير مألوف لدى الفقهاء ممّا أثر في نظراتهم لها فليست هي سلعة متعارفة تستمد قيمتها التبادلية من منفعتها الاستعمالية ومدى الرغبة الاجتماعية فيها، ولا هي سند معبّر عن رصيد ذهبي بحيث يعتبر مالكها مالكاً لذلك الرصيد فيكون معنى التعامل بها «هو التعامل بقيمتها ذهباً في ذمة الجهة المصدرة»([823]).
والحقيقة، أنّ الأوراق النقدية هي اليوم (سلع) اعتمادية خاصّة لا غير وإنّما قلنا إنّها سلع خاصّ لكي نوضّح الفرق بينها وبين السلع القيمية التي لها منافعها الاستعمالية، في حين لا تعتمد هذه الأوراق على منافعها الاستعمالية، وإنّما ترتكز على منافعها التباديلة وتستمد هذه القدرة من خلال القدرة الاقتصادية للدول التي تصدرها وتتعهد بقيمتها دون أن تربط هذه القيمة بأي غطاء,
وهذه السلع الخاصّة تعتمد في قيمتها التبادلية على قوانين العرض والطلب والتي تعتمد بدورها على القدرة الاقتصادية للدول المصدرة، وعلى مدى رغبة هذه الدول في الاحتفاظ بالقيمة والقدرة التبادلية لهذه الأوراق وكذلك على مدى رغبة الدول الأخرى في التعامل مع هذه الدولة، فكلّها عوامل مؤثّرة في هذه القوانين:
وبتعبير آخر، فإنّ الاشياء سوف تكون على أربعة أقسام:
فهناك أشياء يلحظ فيها الجانب الاستعمالي قبل الجانب التبادلي كالسلع العادية. وهناك ما يلحظ فيه الجانبان معاً كالذهب المسكوك. وهناك ما يلحظ فيه الجانب التبادلي أكثر من الجانب الاستعمالي كالفلوس أو حتّى الذهب الذي تتجاوز قيمته التبادلية قيمته الاستعمالية. وهناك ما يلحظ فيه الجانب التبادلي لا غر وهو الأوراق النقدية وهذا يعني أنّ (المالية) هي كلّ قوام هذه الأوراق.
فإذا كانت الأفراد الأخرى لهذه الأوراق بما فيها الأوراق الأخرى في طول الزمان تقوم مقامها كانت مثلية، أمّا إذا كانت تختلف عنها عرضاً كما في الدنانير الأردنية مثلاً في قبال الدنانير العراقية أو طولاً كما في الأوراق التي يختلف سعرها في الظروف الزمانية الأخرى، فلا يمكننا اعتبار المثلية هنا، لأنّنا قلنا المثلية تقوم بتماثل الآحاد والأجزاء من الأموال بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق معتد به عرفاً.
وعلى هذا يمكننا القول إنّ الأوراق المالية يمكن أن تكون قيمية باعتبار وحدات هذه القيمة واختلافها وهي في الواقع قيمية قبل أن تكون مثلية لأنّ اعتبارها بماليتها.
فالشيخ الأصفهاني([824]) عندما يتعرّض للمسألة المعروفة حول كيفية الضمان في عهدة من غصب ثلجاً في الصيف وأراد الوفاء في الشتاء يؤكد أنّ وجوب ردّ المثل إنّما يكون على التضمين والتغريم فلا بدّ من رعاية حيثية الماليةن إذ المال التالف لا يتدارك إلاّ بالمال، وأضاف ـ ومنه يتبين الفرق بين سقوط العين عن المالية وسقوط المثل عنها، وردّ العين إنّما يكون بلحاظ مالكيتها لا بلحاظ ماليتها، لكن التضمين والتغريم إنّما هو بلحظ المالية فيجب حفظها ـ كما سيأتي ـ.
فالضمان المفروض على الغاصب إنّما هو بلحاظ الأثر المالي وهذا الأثر يختلف في الصيف عنه في الشتاء بخلاف مسألة الملكية نفسها وهي علاقة وضعية لا تختلف. وعندما نحاول معرفة الأشياء المثلية نجد أنّ تعاريف المثلية مختلفة، خصوصاً وأنّ المثلية لم ترد في نصّ شرعي.
فالمقدس الأردبيلي يؤكد أنّ الأمر يحال إلى العرف وهو كلّ ما يُقال إنّ لهذا عرفاً يؤخذ به. فإنّ تعذّر أو لم يكن أصلاً فالقيمة. بل ينبغي ملاحظة مثل المتلف فلا يجزىء مطلق الحنطة عن الصنف الخاص المتلف بل لا فرق بينها وبين الثوب بل والفرس وغيرهما إذا كان لهما أمثال عرفية.
ويعترض صاحب الجواهر على هذا بأنّه مخالف للإجماع ويفسّره بأنّه لا يراد به المثل العرفي بل هو شيء فوق ذلك وهو المماثلة في غالب ما له مدخلية في مالية الشيء، ويضيف «وهذا لا يمكن إلاّ في الأشياء المتساوية المتقاربة في الصفات والمنافع والمعلوم ظاهرها وباطنها». وبعد أن ينقل التعاريف الأخرى يقول: «وبالجملة فالمراد من التعاريف واحد وهو التساوي الذاتي في غالب ما له مدخلية في الرغبة والقيمة»([825]).
ويضيف: على أنّه يمكن أن يُقال بل قيل: إنّ الظاهر من الآية([826]) رخصة المالك بأخذ المثل بالمماثلة العامة إرفاقاً بالمالك فلا يجوز للغاصب التجاوز عنه مع تقاضيه ذلك، لا أنّه لا يجوز للمالك مطالبة الغاصب بالقيمة فإنّ الظاهر أنّ التالف في حكم المثمن والعوض في حكيم الثمن والتخيير بيد البائع في التعيين فيجوز للمالك مطالبته بالقيمة ولا يرضى إلاّ بذلك في عوض ماله، ولا يمكن التمسك بأصالة براءة الغاصب عن لزوم القيمة لاستصحاب شغل الذمة الموقوف براءتها بأداء حق المالك وإرضائه لكونه مطلوباً.
بل ربّما يُقال: «إنّ النقدين هما الأصل في الأعواض في الغرامات وغيرهما كما يشعر به من بعض النصوص التي تقدّمت في كتاب الزكاة([827])»([828]).
وهكذا يتأكد ما قلناه من أنّ حقيقة الأوراق النقدية في وضعها الحالي قيمية (عند اختلاف القيم) بلا ريب ولا يمكن قياسها بالنقدين. لعدم تغيير السعر إلاّ بشكل متفاوت متسامح به عرفاً. كما لا تقاس حتّى إلى (الفلوس النافة) (كما فعل البعض)([829]) لوجود قيم ذاتية ضئيلة، وللتسامح العرفي فيها باعتبار أنّها كانت تستعمل في الأشياء الحقيرة، وعدم تصوّر الكبير فيها، إلاّ إذا كان التغيير في سعر الأوراق المالية أيضاً طفيفاً متسامحاً به عرفاً.
وعلى هذا يمكن القول بأنّ ردّ القيمة، له محله الخاص من الاعتبار.
ولا معنى للاستناد إلى الإجماع في ردّ المثل لأنّه غير متحقق أوّلاً، ولأنّه إجماع مدركي حتّى لو تحققنا منه، ولا قيمة للإجماع المدركي لدى الإمامية.
تقريبات القائلين بردّ المثل
1 ـ إنّ ذمّة المدين مشغولة بما اشتغلت به من العملة وهو مثل ما إذا اشتغلت ذمته بالمتاع والعروض. وكما لا ريب في عدم اشتغال الذمة بأزيد من المقدار الذي كانت العروض مشغولة به وأنّها لا تتغيّر لمجرد رخص القيمة وقلّتها فكذلك هنا.
وهذا أهم إشكال متصوّر في البين، فإذا غصب عيناً مثلاً فإنّ عليه إرجاع العين حتّى لو انخفض سعرها فكذلك النقد بلا فرق في ذلك.
ولكن رأينا من قبل أنّ الفقهاء لا يتفقون على مجرد إعادة العين إذا كان هناك فارق معتد به في القيمة لاختلاف الزمان والمكان باعتبار أنّ المنظور غليه هو القيمة الاستعمارية والقيمة التبادلية وهما مختلفتان. على أنّنا ذكرنا أنّ هناك فرقاً كبيراً بين النقد والمتاع باعتبار أنّ مصبّ النقد على قيمته المالية، ويتجلّى هذا بشكل واضح جدّاً في الأوراق النقدية التي لا تحمل أيّة منافع استعمالية. فلا معنى لقياس الأوراق النقدية بالأمتعة.
ولا ينبغي أن يقاس نقص قيمة الأمتعة على زيادتها فإنّ هناك أموراً أخرى تلحظ في البين من قبيل التمسك بقاعدة الثبات في الملكية بالنسبة للغاصب باعتبار بقاء العين نفسها على ملك مالكها الأوّل لو كانت باقية. وبعد تلفها فإنّه ملزم بأشدّ الحالات (وهي قاعدة مقبولة لدى أغلب الفقهاء) ([830]).
نعم يمكننا أن نلتزم بأخذ الزيادة بعين الاعتبار بالنسبة للنقود الورقية.
2 ـ هناك بعض الروايات التي تلغي الفارق في السعر من قبيل:
أ ـ رواية العباس بن صفوان (في رجل استقرض دراهم من رجل وسقطت تلك الدراهم أو تغيّرت ولا يباع بها شيء لصاحب الدراهم الأولى، أو الجائزة التي تجوز بين الناس فقال (عليه السلام): (لصاحب الدراهم الدارهم الأولى)([831]).
ب ـ رواية يونس: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) إنّه كان لي على رجل عشرة دراهم وإنّ السلطان أسقط تلك الدراهم وجاءت دراهم أغلى من تلك الدراهم الأولى ولها اليوم وضيعة فأي شيء عليه؟ الأولى التي أسقطها السلطان أو الدراهم التي أجازها السلطان؟ فكتب: لك الدراهم الأولى)([832]). ولكن جاءت رواية صحيحة عن يونس نفسه يقول فيها:
(كتبت إلى الرضا (عليه السلام) إنّ لي على رجل ثلاثة آلاف ردهم وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام، وليست تنفق اليوم فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق بين الناس؟ قال: فكتب إليّ: لك أن تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس)([833]).
ويبدو أنّ الكليني والصدوق والطوسي حلوا هذا التعارض الظاهري بالقول بأنّه متى له عليه دراهم بنقد معروف فليس له إلاّ ذلك النقد، ومتى كان له عليه دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف فإنّما له الدراهم التي تجوز بين الناس([834]).
أمّا الشيخ محمد تي المجلس والد العلاّمة المجلسي صاحب البحار، في شرحه على (من لا يحضره الفقيه) فهو بعد نقله خبر صفوان ثمّ خبر الصفار ونقله وجه جمع الشيوخ الثلاثة فيقول:
«ما ذكره المصنف ممكن، ويمكن أن يكون الخبران الأولان في القرض كما هو مصرّح في خبر صفوان، وهذا الخبر من ثمن المبيع مثلاً، لأنّ الزيادة والنقصان حرام في القرض فيمكن أن تكون الدراهم الجائزة أقل وزناً كما هو المتعارف الآن فلو أعطاه تلك الدراهم لزم الربا بخلاف الثمن فإنّه منصرف إلى الجائز بين الناس»([835]).
وسواء صحّ هذا الجمع بين الصنفين من الروايات أم لا فإنّ الملاحظ أنّ الفارق في السعر يبدو طفيفاً، وقد جاء التعبير عنه بكلمة (الوضعية) وهو غير موردنا، إذ لعله لوجود التسامح العرفي في البين. ثمّ إنّ الرواية المعللة تنسجم أكثر مع ما قلناه من التركيز في النقد على العنصر التبادلي.
وعلى أي حال فلا يقاس موردنا (الأوراق المالية) الذي لا نظر فيه إلاّ إلى الجانب التبادلي على هذه الموارد.
هذا، وممّا يذكر استطراداً أنّ صاحب الجوار ذكر بعدما أيّد استحقاقه للدراهم الأولى خلافاً لرأي الصدوق في المقنع، إذ أوجب التي تجوز بين الناس ـ أنّه من الممكن حمله على مهر الزوجة أو ثمن المبيع ولكنّه ردّه بأنّ حكمهما حكم القرض ثمّ طرح إمكان ثبوت الخيار في المعاملة بها مع عدم العلم لأنّه كالعيب بالنسبة إلى ذلك.
هذا وهناك روايات تنفعنا في البين من قبيل:
أ ـ مكاتبة محمد بن الحسن إلى أبي محمد (عليه السلام): رجل استأجر أجيراً يعمل له أو غيره وجعل يعطيه طعاماً وقطناً وغير ذلك ثمّ تغيّر الطعام والقطن عن سعره الذي كان أعطاه إلى نقصان أو زيادة أيحتسب له بسعر يوم أعطاه أو بسعر يوم حسابه فوقع (عليه السلام): يحتسب له بسعر يوم شارطه فيه إن شاء الله([836]).
ب ـ في رجل كان له على رجل مال فلمّا حلّ عليه المال أعطاه به طعاماً أو قطاً أو زعفراناً ولم يقاطعه على السعر فلمّا كان بعد شهرين أو ثلاثة ارتفع الطعام والزعفران والقطن أو نقص بأي السعرين يحسبه قال: لصاحب الدين سعر يومه الذي أعطاه وحل ماله عليه أو السعر الذي بعد شهرين أو ثلاثة يوم حسابه؟ فوقع (عليه السلام): ليس له إلاّ على حسب سعر وقت ما دفع إليه الطعام إن شاء الله([837]).
والملاحظ أنّ أمثال هذه الروايات تؤكد القيمة والسعر الذي تحمله السلع يوم إيصالها إلى الآخرين حتّى ولو لم يتم نلها بعد إليهم باعتبارها أجرة عمل أو وفاء لدين، فالملحوظ هو يمة يوم الدفع وهناك مجال للمناقشة في مثل هذا التأييد.
3 ـ ما رواه الخمسة عن ابن عمر قال: «أتيت النبي (صلّى الله عليه وآله) فقلت أنا رجل أبيع الإبل بالنقيع فأيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء».
فابن عمر كان يبيع الإبل بالدنانير أو بالدراهم وقد يقبض الثمن في الحال وقد يبيع بيعاً آجلاً وعند قبض الثمن ربمّا لا يجد مع المشتري بالدنانير إلاّ دراهم وقد يجد من اشترى بدراهم ليس معه إلاّ دنانير أفيأخذ قيمة الثمن يوم ثبوت الدين أم يوم الأداء فبيّن (صلّى الله عليه وآله) أنّ العبرة بسعر الصرف هو يوم الأداء واعتبره الدكتور السالوس أصلاً في أنّ الدين يؤدّي بمثله لا بقيمته.
والظاهر أنّه لا دليل فيه على ما نحن فيه ويكفينا الفرق الكبير بين النقدين والأوراق، على أنّ الفارق الكبير غير متصوّر هنا والباقي متسامح به عرفاً لتحقيق الاستقرار السوقي، ثمّ إنّ احتمال الصلح هنا كبير وهناك مجال كثير للحديث حول هذا الموضوع وهذه الرواية.
4 ـ الاستدلال بالإجماع وقد رأينا أنّه لا إجماع في البين ثمّ أنّه إجماع له مدركه ودليليته ولا حجة فيه لدى الإمامية.
5 ـ القول بأنّ القبل بهذا يعني دخول الهالة المفضية إلى النزاع والخلاف إلاّ أنّ هذا لو تمّ فهو يتم أيضاً في القيميات التالفة ومع ذلك يلتزم الجميع بدفع القيمة ولا نزاع بعد الرجوع إلى العرف بل بعد الرجوع إلى المقاييس الدقيقة اليوم.
6 ـ إنّ الذين دعوا إلى ردّ القرض بقيمته نظروا إلى الانخفاض فقط ولو أخذ بالقيمة لوجب النظر إلى الزيادة والنقصان معاً.
والحقيقة هي أنّنا نستطيع أن نلتزم بالاثنين معاً في ضوء القدرة الشرائية لكلّ منهما بملاحظة العدل العام ولا مانع في ذلك، إذا كان التغيّر فاحشاً.
7 ـ قيل إنّ التضخم من مساوىء النظام النقدي المعاصر، فهل المقترض هو الذي يتحمّل هذه المساوىء، ولماذا لا نبحث عن نظام نقدي إسلامي نقدّمه للعالم؟
ومثل هذا لا يمكن أن يعدّ اعتراضاً وجيهاً بعد التسليم بالأدلة المذكورة، نعم علينا أن نقدّم البديل الإسلامي للعالم للتخلص من مثل هذه المساوىء.
8 ـ وقيل إنّ القرض عقد إرفاق له ثوابه وجزاؤه من الله عزّ وجل وقد ينتهي بالتصدّق {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكْمْ}. فكيف اتّجهت الأنظار إلى المقترض بالذات ليتحمّل فروق التضخم.
والحقيقة هي أنّ الآيات التي منعت من الربا في القرض أو المعارضة قرّرت مبدأ العدالة {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} والمدعي لهذا الرأي يركز على اقتضاء العدالة لذلك على أنّ الدليل أضيق من المدعى، لأنّه يختص بعقد القرض فقط والمدعى يشمل كلّ مبلغ مؤجل.
9 ـ أنّ تغيير قيمة النقود لا يظهر في القروض والديون فقط، وإنّما يظهر أيضاً في عقود أخرى فمؤجر العقار مثلاً في معظم البلاد الإسلامية ليس من حقّه إنهاء واسترداد ما يملك إلاّ بموافقة المستأجر، ولهذا يمتدّ العد عشرات السنين، وقد تصبح قيمة الإيجار لا تزيد عن واحد أو اثنين في المئة من قيمة النقود عند بدء العقد.
ونحن لم نستطع أن نتعرّف على وجه الاستدلال هنا، وهل نستطيع أن نحاكم الإسلام في ضوء قوانين وضعية؟ فإذا ما افترضنا أنّ الإلزام جاء من حكومة إسلامية كان من الطبيعي أن يلاحظ الحاكم الشرعي مقتضيات العدالة الإسلامية، فيفترض شروطاً للتخلص من عوارض التضخم.
10 ـ علينا أن نعمّم هذا المعنى لمجمل الحياة، فالموظف الذي يبقى راتبه ثابتاً لا يستطيع أن يفي بمقتضيات الزيادة العددية التي تعوّض نقص القيمة ما لم نعمل على تعويضه شخصياً عمّا أصابه. وهذا أمر نعمل على تعويضه شخصياً عمّا أصابه. وهذا أمر طبيعي يجب الالتفات إليه، إلاّ أنّه لا يمكن أن يؤثر في نتائجنا([838]).
11 ـ وقيل: إنّ المالية الاعتبارية للأوراق النقدية منتزعة من اعتبار من بيده الاعتبار وهي مالية غير مضمونة، وبتعبير آخر فإنّ العين بما لها من الخصوصيات تكون في العهدة إلى حين الأداء، وهي في الفرض حين الأداء لا يمة لها فلا وجه لتدارك القيمة قيمة يوم الأخذ والفائت ـ إنّما هو اعتبار المعتبر لا شيء من المأخوذ([839]). وهذا الأمر غريب حقّاً، وذلك أنّ حقيقة الأوراق النقدية ليست سوى الاعتبار المعطى من قبل المصدر، فإذا جردناها منه فلا قيمة لها ولا خصوصيات.
الرأي النهائي في المسألة
يتبيّن لنا ممّا سبق:
أ ـ أنّنا نميل إلى اعتبار الأوراق النقدية من القيميات إلاّ إذا اتفقت وحداتها وأفرادها على قيمة واحدة.
ب ـ أنّ السير العرفية المقبولة شرعاً| ترجح استقرار النظام التعاملي على الاختلاف اليسير في السعر فهي تلغيه عرفاً.
ج ـ أنّ الاحتياط يتقضي المصالحة في ما إذا كان الفرق كبيراً، وهو سبيل حسن في حالات الاقتراض والمهور والديون.
د ـ أمّا في حالات الغصب فيلزم الغاصب بأشد الحالات (وفق القاعدة المقبولة من قبل أغلب الفقهاء).
هـ ـ للدولة الإسلامية أن تفرض سبيل الاحتياط في مختلف الحالات، بعد أن كان صدر الأدلّة يتّسع لذلك. (وقد رأينا المرحوم صاحب الجواهر يسلك هذا السبيل فيلزم بالاحتياط في بعض الصور)([840]).
محمد علي التسخيري
أَوَرْبَــة
قبيلة أوربة هي من برانس المغرب الأوسط ومن مراكزها فيه: المنطقة القريبة من تلمسان وكتلة أوراس ثمّ منطقة الزاب.
وقد هاجر فروع أوربة فيما بعد الفتح في ظروف تاريخية معينة واستقرّ أغلبهم في مطقة الريف إلى جوار غمارة، واستولوا على مدينة وليلى أو قصر فرعون بناحية جبل زرهون أي في إطار ما كان يسمّى موريتانيا الطنجية في العصر الروماني.
ولهم أوزاع أخرى في عدّة جهات من بلاد المغرب، اشتهروا بأنّهم مسيحيون ومتأثّرون بمظاهر الحضارة البيزنطية ولهم صلات مع الروم، ومع الأفارقة وربّما كان لهم نوع من الزعامة على بني قومهم في العصر البيزنطي بعد مجيء طلائع الفتح العربي إلى البلاد حتّى كانت لهم في وقت ما ممارسة الزعامة لا على حلف البرانس فقط، وإنّما على حلف البتر أيضاً، وما ذلك إلاّ لقوّة بأسهم وكثرة عددهم وحكمة ومرونة أمرائهم.
ومن أشهر أمراء أوربة في أوّل الفتح سكرديد بن زوغي (رومي) بن تازرت بن برزيات الذي قيل إنّه توفي ف سنة 71هـ/690ـ691م بعد ولاية استمرّـ ثلاثاً وسبعين سنة دون أن تشير مصادر الفتح أثناء هذه المدّة إلى حركة يكون د ام بها، أو دور يكون قد مثله إمّا لفائدة أو ضد العرب المسلمين.
وقد آلت زعامة أوربة وحلف البرانس إلى كسيلة بن لمزم ربّما لأنّ سكرديد، قد طعن في السن، وأصبح لا ينهض بأعباء القيادة.
وقصة كسيلة مع كلّ من أبي المهاجر دينار مولى الأنصار، وعقبة بن نافع الصحابي المولد، مشهورة لا تحتاج إلى بيان([841]).
ومن غير المستبعد حسب رواية تاريخ وفاة سكرديد، أن يكون حلف البرانس وقبيلة أوربة قد قدموا للولاية كسيلة بعد أن تنحى عنها سلفه ربّ/ا برغبة رجال أوربة البارزين، لأنّهم رأوه سلبياً أمام الأحداث التي جرت على المنطقة خصوصاً وقد كبرت سنّه، والأمر يقتضي زعامات شابة وقويّة.
ولمّا قتل كسيلة في معركة ممس 69هـ/688ـ689م وتشتّت شمل أوربة وأحلافها لم تشر النصوص إلى الأمير سكرديد حتّى وهو يترك البلاد مع فلول قبيلته وهذا ممّا يضعف رواية خبر وفاته في سنة 71هـ.
ولم نجد إلاّ إشارة خفيفة عن موقفه من التطوّر الجديد إذ يذكر ابن خلدون أنّه أسلم مع كسيلة وقبيلة أوربا وارتدّ معه بعد ولاية أبي المهاجر دينار ومن الصعب لو كان هذا الأمير حياً فعلاً، كما تشير الرواية السابقة، أن لا يعبر عن رأيه في التطوّر الجديد، إلاّ بالصورة التي جاءت في بعض مصادر الفتح وهي أنّه أسلم مع كيسلة ثمّ ارتدّ كأنّه تابع من أتباعه وفصل م أفصاله مع أنّ الحقيقة أنّه أظهر منه شخصية وأقدم رئاسة وأكثر حنكة.
وقد بقي مهاجرو أوربة في منطقة الريف يعيشون في نطاق الإسلام ممّا ينفي شبهة الردة عنهم وعن زعمائهم إنّما بقوا في عزلة تكاد تكون تامة عما يجر في المنطقة من أحداث حتّى ظهر إدريس بن عبدالله الحسني سن 172هـ/788ـ789م، وعندئذ اهتبلوا الفرصة وظهروا على المسرح مناصرين له ومؤيدين فآووه في وليلى حاضرتهم الكبرى (Volubilis) وضمنوا تأييد غمارة، وكثير من قبائل البتر للحركة العلوية الإدريسية.
وكان زعيم أوربة في هذا الوقت أو باعث حركة الوحدة السياسية والمذهبية حول إدريس العلوي هو أبو ليلى عبد الحميد بن محمد بن إسحاق.
ولبيلة أوربة عدّة بطون منها: ديقوسة، ورغيوة، وزهجوكة (زهكوجة عند ابن خلدون) ولجاية وأنفاسة ونيجة، ومزياتة، وفيما عدا بطون: ديقوسة وأنفاسه ونيجة، التي لا تعرف مضاربها بالتحديد، نالحظ أنّ بقايا أوربة في عصرنا ربّما تمثلها قبيلة وربة في ناحية رباط تازا، كما تزعم قبيلة آيت وربيل أنّها من نفس أوربة الأم».
ومن بين بطون أوربة المعروفي، توجد رغيوة حتّى هذا الوقت، شمال إقليم فارس وتعرف بنفس الاسم القديم كما يوجد فرع منها مندمجاً في إطار قبيلة التلاغمة دوار وادي سقان قرب قسنطينة.
وزهجوكة توجد اليوم بجهات مدينة قصر الكبير في المغرب الأصى وبها سمّيت إحدى القرى في الجهة وينطلق بها محلياً جهجوكة وهي مشهورة بين قبائل الجهة بحبها للفن، وحذقها له خاصّة الرقص والغناء.
ولجاية تعرف باسمها شمال إقليم فاس، وبقرب وادي ورغية ومثلها مزياتة التي توجد في نفس الإقليم وتعرف الآن بمزيات.
الأوزبك
لم يحتمل السلطان سليم العثماني قيام الدولة الصفوية فسعى في الحال لإقامة حلف (مذهبي) للقضاء عليها مؤلف من ثلاث من كبرى الدول الإسلامية يومذاك وهي الدولة العثماينة ودولة المماليك والدولة الأوزبكية، ولكن الشاه إسماعيل الصفوي استطاع إقناع سلطان المماليك قانصوه الغوري بالخروج من هذا الحلف.
فشن الأوزبكيون العثمانيون حروباً متواصلة على الصفويين يرى القارىء تفاصيلها في طيات (الدائرة). ويقول الدكتور حسين عبيد عاصم عباس في كتابه (عُمان) ص96: «كان بإمكان الأتراك نظراً لمكانتهم الدينية في العالم الإسلامي كسب شاه الفرس والإمبراطور المغول في الهند والتحالف معهما وطرد الأوروبيين من المحيط الهندي».
ونقول: لم ير السلطان سليم ذلك، بل رأى التحالف على دولة إسلامية ناشئة. وكان لا بد لنا من التعريف بالأوزبك لا سيما منهم (شيبك خان) معاصر الشاه إسماعيل، فكانت هذه الدراسة:
الأوزبك أو الأوزبكيون هم من سلالة (جوجي) الابن الأكبر لجنكيزخان المغولي وأوزبك هو اسم لأحد أمراء تلك الأسرة، وإليه ينسب ابن طغرل بن أيبه (منغوتيمور) وجيمع ألوس الاوزبك ـ أي الطوائف والرعايا التابعة لهم ـ وعرف أقاربه وذراريه باسمه أيضاً. وكان يطلق اسم الأوزبك بل ذلك على الشعب الخاضع لحكومة زعماء الـ (آق أردو) ثمّ أطلق على الشعب الخاضع لأوزبك خان.
مؤسس السلالة الأوزبكية المعاصرة للصفويين هو (شيبك خان) الذي سمّاه جدّه (أبو الخيرخان)([842]) بـ(شيبان) وأناله الحظ لقب الملك (خان) ولهذا سمّي ملوك تلك السلالة بالأمراء الشيبانيين أيضاً، وشيبان هذا هو الحفيد الخامس لجوجي.
أمّا شجرة سلالة شيبك خان فهي كالتالي:
شيبك خان بن بوداق سلطان بن أبي الخير بن دولت شيخ أوغلان بن إيلتي أوغلان بن فولاد أوغلان بن أبيه خواجه بن تغتاي بن بلغان ب شيبان بن جوجي بن جنكيزخان.
فبعد وفاة جنكيزخان عام (624هـ) انقسمت أسرته إلى عدّة فروع هي:
1 ـ أسرة اكتاي سلاطين مملكة زونجاريا، وكانت تسمّى بـ (قا آني) وتعني زعامة المغول، إلى أن سقطت حكومتها على يد (تولوي).
2 ـ أسرة تولوي مالكة مملكة الجد جنكيزخان في مغوليا، وكانت تسمّى بـ (قا آن) أيضاً منذ سقوط أسرة اكتاي وحتّى استيلاء قوم المنشو عليها.
3 ـ إيلخانان إيران (أمراء مغول إيران) أي هولاكو وخلفاؤه([843]).
4 ـ أسرة جوجي سلاطين القبائل التركية لصحراء قبشاق، وتشمل هذه الأسرة أمراء (آق أردو) وأمراء (هشترخاني) وفروع أمراء (قازان وقاسموف وقرم) وأمراء (خيوه وبخارى).
5 ـ أسرة جغتاي، وهم سلاطين بلاد ما وراء النهر.
واستناداً إلى التقسيم المذكور فإنّ الأوزبك كانوا زعماء صحراء قبشاق، وفيما يلي ونوجز تاريخهم حتّى ظهور شيبك خان:
مات (جوجي) في شهر ربيع الأوّل من عام 624هـ وذلك قبل وفاة (جنكيزخان) بستة أشهر. تملك (أورده) الابن الأكبر لجوجي (قزاقستان) الحالية هبة وإقطاعية له. وكانت حدود أرضه تلك من الجنوب: الساحل، ومن الشرق (سيحون) من حدود مدينة (سغتاق) ومن جوار جبال (قره تپو) إلى مصب النهر في بحيرة (آرال)، ويبدو أنّ بعض الأراضي الواقعة شمال مصب ذلك النهر إلى بحر (آمو) أي كلّ القسم الشرقي لبحيرة (آرال) ومن الشمال إلى حوض (سيحون) وجبال (الغ طاق) أو (أولتيو) التي تفصل هذا الحوض عن (تورغاي) كانت مملكة لأورده، وعرفت في التاريخ باسم المخيم الأبيض (آق أردو، جغان أردو).
(باتو) الابن الثاين لجوجي زاد من سعة مملكة أبيه من ناحية الغرب، فاستولى على إمارات قيشاق التركية.
(طغياتيمور) الابن الثالث لجوجي يبدو أنّه كان يحكم الهضبة العليا لساحل الڤولغا، وكانت معروفة ببلاد البلغار.
و(شيبان) الابن الخامس لجوجي حكم الشمال في صحراء وهضاب قرقيزيا.
و(توال) الابن السادس لجوجي حكم مساكن بائل (بجنك) التي عرفت فيما بعد بـ (نوغاي) وذلك وسط هضاب أنهار (الآرال) و(اليمبا) وكانت جميع تلك القبائل خاضعة لـ (باتو). وكان لقبه (صاين خان)، خلف والده في حكم (أوكتاي قا آن) ولم يعارضه أخوه الأكبر (أورده) في زعامته.
فبنى (باتو) مدينة (السراي) ولقوتها وشهرتها أضحت عاصمة مركزية لجميع حكومات أولاد (جوجي). ولأنّه كان يدير حكمه من خيمة كان تسميها القبائل (سيراردو) أي (المخيم الذهبي).
مات (باتو) عام (650هـ) وخلفه ابنه (سرتاق) على حكم (منغوا9 وبعد موت (سرتاق) عام (654هـ) خلفه ابنه (الآغجي) لكنّه توفي سريعاً وذلك عام (654هـ) أيضاً، فخلفه (بركه خان) ثمّ انتقل الملك إلى أبناء (أورده) فانقسموا بعد عام (644هـ) إلى طائفتين هما:
أ ـ طائفة غوغ أردو (المعسكر الأزرق) وهم أسرة (باتو) الذين حكموا (أروس، مسقا، آلان، ماجر ـ أي المجر ـ وبلغار ـ يبدو أنّه مدينة كانت قرب غازان الروسية الحالية ـ» في فترة (621ـ761هـ/ 1224ـ1359م) على صحراء قيشاق الغربية. (بردي بيك بن جاني بيك) من هذه السلالة قضى على أكثر بني قومه، وأتى بأمراء (الوس إيرزن) من قوم (آق أردو) وأجلسهم على العرش. ومع موت (بردي بيك) عام (761هـ) اتهى فرع (غوغ أورده).
ب ـ طائفة (آق أردو) أي أسرة الابن الأكبر لجوجي، وكانت تحكم صحراء يشاق الشرقية، ثمّ حكمت (سيراردو) اي أسرة باتو أيضاً، وحملت فيما بعد اسم أمراء (هشترخان).
بين أعوام (1466ـ1556م) كثرت الخلافات بين أبناء أسرة (أورده) فضعف سلطانها، واستغل الفرصة بعض أحفاد (شيبان بن جوجي) فاستولوا على السلطة، وسموا دولتهم إلى قسمين:
1 ـ حكام ما وراء النهر الذين كان منهم (شيبك خان) مؤسس السلالة الأوزبكية وسيطروا على الصحارى والهضاب التي يقطنها الأوزبك والقزاق والقرقيز في الفترة (1224ـ1656).
2 ـ الحكام الخوارزميون، ومنهم (إيل بارس خان) توفي عام (923) وحاجي محمد خان ـ حاجم خان ـ الذي هزمه (عبدالله خان) عام (1001) فلجأ إلى الشاه عباس بإيران.
وأسرة (طغا تيمور) التي كانت على زعامة بلاد شمال صحراء قيشاق، كانت قد تزعمت الصحراء الغربية ليشاق ـ سيراردو ـ لمدّة أيضاً، وشكلوا فيما بعد سلالات زعماء الغازان (1488ـ1552م) وقاسموف (1450ـ1687م) والقرم (1420ـ1783م).
هناك تفاوت كبير بين تاريخ زعماء القيشاق وسائر الزعماء الجنكيزيين، ففي سائر الأماكن التي كان المغول يسيطرون عليها، كانوا بعد انتصارهم وثبات حكمهم يأنسون بمحيطهم، ويمزجون سيرتهم الحسنة والسيئة بسيرة شعوبهم الخاضعة لم. بينما لم يمتلك زعماء القيشاق أي ورثة القبائل التركية سيرة تكاملية، بل كانوا استمراراً لحياة الأتراك (القومان) دون ماضٍ أو تاريخ يذكر، ولم يبق من ىثار حكمهم لمزارع الروس ذكر ذي بال. كما أنّ أتباع زعماء صحارى قيشاق المغوليين للإسلام لم يترك أي تأثير واضح وملحوظ في معارفهم وأوضاعهم، فبقيت معارفهم سطحية وشكلية، في حين اعتبر المؤرخون الأوروبيون أنّ إسلامهم كان السبب في انزوائهم وابتعادهم عن العالم الغربي، ولم يشاركوا المدنيات القديمة الإيرانية أو المصرية، وفيما بعد هكذا تعاملوا مع العثمانيين فاعتبروهم أجانب غرباء دخلوا قارة أوروبا، ولم يخالطوا باقي الشعوب، ولم يذوبوا فيها.
الشيبانيون والقزاقيون والمنقتيون (المنقيت) ثلاثتهم من الطوائف المنسوبة إلى الأوزبك، وكانت الطوائف الثلاث في نزاع دائم فيما بينها.
جاء في مقدمة (الطفرنامه) لليزدي أنّ عدد سلاطين صحراء القيشاق من سلالة جوجي (621ـ831هـ) بلغوا اثنين وثلاثين رجلاً. وينقل (خواندامير) عن المقدمة نفسها، ويذكر نفس العدد، ويقول: لأنّ أوضاع أولئك الحكام غير معروفة، لذا اكتفى بذكر أسمائهم فقط. ثمّ يضيف: وذكرت أسماء (39) منهم في كتاب (أولوس أربع) الذي ألّف بعد وفاة مؤلف مقدمة الظفرنامه. ونستعرض هنا بإيجاز أوضاع بعض أمراء سلالة جوجي ممّن اشتهروا في التاريخ:
شيبان (جد شيبك خان) بعد وفاة (جوجي) خلفه ابنه الثاني (باتو) على العرش، وقد أطاعه جميع إخوته وانقادوا له. لكن (أوكتاي) الذي بلغ منصب (ا آني) بعد وفاة جنكيزخان، أرسل أمراءه لفتح صحراء قيشاق، ليبسط بذلك حكمه على جميع ولايات: الأس، والروس، والشركس. وكان بين أولئك الأمراء ثلاثة من سلالة (جوجي) هم: أوردا، باتو، شيبان ـ الحفيد الخامس لجوجي ـ. ولما خضعت (الروس والقيشا وآلان عند حدود البلغار) تحرّك باتو وشيبان بجيوشهما نحو (بولو، وباشغرد) وكان البولو يدينون بالمسحية، وتتصل أراضيهم بالإفرنج، فلمّا أحسّوا بتحرّ: (باتو وشيبان) تحرّكوا الاستقبالهم بجيش كبير. وكان جيش شيبان يضمّ عشرة آلاف فارس وكشاف، فلمّا بدأت الحرب بينهما توجّه إلى ساحة المعركة بنفسه، وهاجم خصمه بحملات متواصلة، لكن خصمه كان قوياً، ولم يتحرك من مكانه، فقام شيبان بشن هجوم بكامل جيشه، وقطع بالسيوف حبال خيم أعدائه، وكشفهم، وحطم جيش خصمه حتّى هزمهم.
ولمّا أظهر (شيبان) لياقته وشجاعته في هذه الحرب، عيّنه (باتو) أميراً على (المجر) وكان منصباً اسمياً فقط. وضمّ إليه مساكن العديد من القبائل الشمالية لخانات (أوردا) وكان (شيبان) يتجه صيفاً من حدود جبال (آرال) إلى أطراف أنهار (أليك) و(أريز) ويتجه شتاءً نحو حدود مجاري (سير، جو، ساري) وكان الفرع الأساسي للأسرة الشيبانية يبقى في مخيمه الأوّل. وحملوا لقب (تزار تيومن) وقد تسلطوا لمدّة على قسم كبير من سيبيريا أيضاً، واستولوا على قبائل (قمولون) ومساكنهم.
برز من هذا الفرع أبناء (بولاد) ابن (منغوتيمور) وهم (إبراهيم) و(عرب شاه) أجداد أسرة بخارى (الأمراء الشيبانيين) وخانات (خوارزم) و(خيوه). فالإمارة الأولى أسّسها محمد الشيباني حفيد أبو الخير خان. و(أبو الخير) هذا هو حفيد (إبراهيم بولاد).
بركة خان
بعد وفاة (باتو) عام (650هـ) تولّى السلطة ابنه (سرتاق) ومن بعده ابنه (الأعجي بن سرتاق) ثمّ بلغ (بركة خان) منصب الإمارة، وبرز بينه وبين (هولاكو خان) عداء بسبب ميل (بركة) نحو الدين الإسلامي خلافاً لسرتاق لكن لا توجد معلومات دقيقة وموثقة حول تاريخ وكيفية إسلامه، والرواية الأصح هي التي نقلها الجوزجاني ـ مؤلف الطبقات الناصرية ـ حيث يقول: كان لبركة أستاذ ومربٍ مسلم، وتعلّم (بركة) القرآن على يد أحد علماء مدينة (خجند).
من ناحية أخرى فقد تولّى (بركة) شأن تسيير أمور (منغوقا آن) بأمر من أخيه الأكبر (باتو) ود بذل جهداً كبيراً في ذلك، ومن هنا كان يعتبر نفسه أفضل من (هولاكو). وبعد وفاة (منغوقا آن) وقع خلاف على السلطة من بعده بين (قوبيلاي) وأخيه (أريق بوكا) وساند (بركة) (أريق بوكا) فيما ساند (هولاكو) (قوبيلاي). وكان (قوبيلاي وهولاكو) حاكمين على بلاد (إيران والصين) بثقافة وأسلوب تليدي قديم، بينما (بركة وأريق بوكا) يميلان إلى الحياة البدوية العشائرية.
وقد تحرّكت جيوش (بركة) بأمر من (قا آن) للهجوم على المناطق الغربية ومن جملة ذلك احتلال بغداد تحت قيادة (هولاكو). وقد أثارت غلظة (÷ولاكو) في تعامله مع هذه الجيوش حفيظة (بركة) وحنقه. كما أنّ حرب (هولاكو) على الخليفة المسلم كانت سبباً في حنق (بركة) عليه، حيث اقال: لقد سعى هولاكو في إفناء المسلمين، فأباد بلادهم، وقتل خليفة بغداد دون مشورة الأقاوايني. فإن نصرني الله السرمدي سأنتقم منه لدماء الأبرياء. وخلال ذلك اتهم هولاكو أحد المقربين من (بركة) واسمه (تاراغول) فأرسله إلى (ياسا) وهذا الأمر زاد من حنق بركة على هولاكو.
وبعد أن استولى هولاكو على معظم بلدان إيران، كان منزعجاً من حكم بركة، وكانت سلالة (جوجي) تعتبر استقرار هولاكو في آذربيجان غصباً واعتداء منه على مناطق حكمهم. وأدّى كلّ ذلك إلى وقوع الحرب بين هولاكو وبركة عام (660هـ) فدارت بينهما معارك رب (شبرغان) هزم فيها بركة. وأرسل هولاكو مجموعة لمطاردته، وأمر بمصادرة بيوت جنود بركة، وعبروا مياه الترك بأمر من هولاكو، وأحرقوا جميع بيوت الأمراء والأعيان والجنود التابعين لبركة، واستولى على صحراء القيشاق دفعة واحدة وضمّها إلى ملكه. وكانت مليئة بالخيول والبغال والبقر والغنم، ولم يبق أحد من رجال بركة في بيته، بل هرب الجميع وتركوا أطفالهم ونساءهم. فنزل جنود هولاكو في منازل أولئك، وقضوا فيها ثلاثة أيام من المرح والفرح والاعتداء على الفتيات.
ولمّا عرف (بركة) بما جرى، شنّ هجوماً على جيوش هولاكو، فواجه ابنه (أباقا خان) فهزمه. ففرّ جيش هولاكو المهزوم، وغرق منهم كثيرون عند عبورهم مياه الترك المتجمدة. فاغتمّ هولاكو من ذلك، وأمر بإعادة تنظيم الجيش وتأمين العتاد اللازم للمواجهة، لكنّه مات في تلك الأيام من عام (663). ومات في العام التالي (664) بركة خان.
أوزبك خان
هو ابن (طغرل بن منغوتيمور) المعروف بـ (أبيه خواجه) وجميع قبائل الأوزبك تنسب إليه. كان أوزبك خان من طائفة (معسكر غوغ) وفي عهده تحوّلت صحراء القيشاق من مكان للكفر والزندقة إلى مكان للعبادة، وشيّدت فيها بقاع الخير ومواضع العبادة، واشتهر الإسلام فيها.
(توقتا خان) عم (أوزبك خان) أرسل وفداً إلى (غازان خان) طلب منه أن يوليه على القوقاز. وطلب (توقتا خان) عام (703) أوائل حكم (الجايتو) عقد الصلح بينهما، لكن الجايتو رفض ذلك، فأرسل وفداً ثانياً في ذي الحجة (709هـ) إلى الجايتو في السلطانية مجدداً طلب الصلح. وبعد أن خلف (أوزبك خان) عمه على العرش عام (712هـ) عاد إلى ادعائه السابق بتملك القوقاز، لكنّه عاد فاعتذر عن ذلك لعجزه عن مواجهة (الجايتو) فأرسل وفداً في شهر محرم عام (714هـ) إلى (الجايتو).
بعد وفاة (الجايتو) عام (716هـ) توجّه(أوزبك خان) ثانية من دربند إلى ولاية آران، لكن أمير جوبان توجّه إلى دربند عبر طري جورجيا، ومن هناك إل قبائل الأوزبك حتّى وصل ساحل ماء الترك، ولم يبق على أحد.
في أواخر عام (735هـ) هاجم (أوزبك خان) بلاد (آران وآذربيجان) ثانية، وتوجّه السلطان أبو سعيد إلى آران للمواجهة، لكنّه توفي في شهر ربيع الآخر عام (736هـ) فعيّن الأمراء والأعيان في اليوم الثاني (آرباغاوان) على العرش، فوجّه جيشه نحو (دربند) ولمّا وصل ساحل (كر) عبر جمع من جند النهر ـ حسب خطة (الخواجة غياث الدين محمد رشيدي) لينفذوا إلى خلف (أوزبكان) ويتقدّم هو من أمامهم، وانتصر بذلك على (أوزبك خان) فكان حكم (أوزبك خان) ثلاثة عقود، وتوفي عام (742هـ).
جاني بيك خان بن أوزبك خان
خلف والده، وكان عادلاً، يخاف الله، ويحبّ الفضيلة كما نقل ذلك سعد الدين التفتازاني في شرح مختصر التلخيص الذي ألّفه باسمه عام (756هـ) وفي أيام حكمه استولى (أشرف بن تيمور تاش ابن أمير جوبان) على آران وآذربيجان، ومارس الظلم والعدوان، إلى حد أنّ معظم الأشراف والأعيان نزحوا عن وطنهم. فالخواجة الشيخ كججي توجّه إلى شيراز ثمّ إلى الشام، وأسّس فيها (خانقاه). والخواجة صدر الدين ابن الشيخ صفي الدين الأردبيلي هرب إلى (گيلان). والقاضي محيي الدين البردعي توجّه إلى سراي ليقدّم نصائحه ومواعظه لجاني بيك خان وكان الملك وأركان الحكومة يحضرون مجالس الوعظ تلك، وكان القاضي البردعي يروي لهم حكاية ظلم (أشرف) بعبارات مؤثرة تدفع الجميع إلى البكاء، ويقول: إذا كان الملك قادراً على دفع ذلك الظالم ولم يفعل ذلك فسيؤاخذ يوم القيامة. فتأثّر (جاني بيك خان) وتحرّك نحو آذربيجان، فهاجم جيوش الملك أشرف يوم الثلاثاء (10 ج2، عام 758هـ) في مدينة (أوجان) وهرب الملك أشرف إلى (خوي) لاجئاً إلى بيت الشيخ محمد بالغجي، فاستبله الشيخ، وأرسل خبره إلى جاني بيك، واعتُقل الملك أشرف، وأخذ إلى تبريز، وسلم إلى جاني بيك، فقتله، وقضى جاني بيك ليلته في سراي، وصلّى الصبح في مسجد خواجه علي شاه، وسار بجيشه المشكل من عشرة آلاف جندي، وهبط في الطريق بين النهر والطريق، ولم يدخل بيت أي مسلم. وتوجّه الملك نحو (أوجان) ثمّ أرسل ابنه (بردي بيك) مع خمسة آلاف فارس، وبعث معه ابن الملك أشرف (تيمورتاش) وابنته (سلطان بخت) فجلس (بردي بيك) على عرش (تبريز) لكن لم يطل به الأمر حتّى جاءه رسول (جاني بيك خان) يخبره بمرضه، فعاد (بردي بيك) إلى صحراء القيشاق.
وأسلمت جيوش الأوزبك بسعي جاني بيك خان، وهدم جميع معابد الأصنام، وبنى الكثير من المساجد والمدارس. وتوجّه نحوه علماء الإسلام من أطراف الدول الإسلامية وأكنافها، وتوفي عام (758هـ).
توقتمش خان
(778 ـ 797هـ)
من سلالة (آق أردو) وآخر خلفائه (أورده) الابن الأكبر لجوجي الذي استولى على مدن: سغناق وأترار وهو ابن (يول خواجه أغلان) حاكم (مينقشلاق). وعندما أراد (أروس خان بن شيتماي) ـ من أبناء أورده ـ أن يستولي على: أردو، وآق أردو. عارضه (يول خواجه أغلان) وبذلك مهجته في هذا الأمر. فلجأ (نوقتمش) إلى الأمير تيمور خوفاص من (أروس خان) فاستقبله تيمور وولاّه على: صبرات وسنغناق. ولمّا استحكم أمره فيهما هاجمه (قتلق بوغا بن أروس خان) فقتل (قتلق) في المعركة، لكن (توقتمش) انهزم، ولجأ إلى الأمير تيمور ثانية، فأعانه تيمور مجدداً، وتوجّه توقتمش إلى (صبران) لكنّه هزم على يد (توخنه يا بن أروس خان) ولجأ إلى تيمور ثالثة. فأرسل (أروس خان) سفراء إلى تيمور طالبه بتسليمه توقتمش قاتل ابنه، أو أن يستعد للحرب. فقرّر تيمور خوض الحرب، وتحرّك من سمرنقد لمواجهة (أروس خان) وعبر نهر سيحون، ثمّ عسكر في (أترار)، وبالمقابل فإنّ (أروس خان) عسكر في (سغناق) على بُعد (24) فرسخاً من (أترار) فتساقطت الثلوج بكثافة بحيث منعت وقوع الحرب الطاحنة بينهما، ومات أروس خان، فخلفه ابنه توخته قيا. ولم يطل به الأمر، فمات بعد مدّة قصيرة، فاجتمع الملك على كلّ صحراء اليشاق وقبائل جوجي. وتربّع توقتمش على العرش عام (788هـ). (تيمور ملك أغلان) الذي خلف (توخته يا) شنّ حرباً على (توقتمش) فهرب رابعة إلى الأمير تيمور. فولاّه الأمير تيمور على (سغناق)، فسخّر توقتمش إمكانات (مماق) ليقضي على الخلاف القائم بين (آق أردو) و(غوغ أردو) فأضحت القبائل الغربية والشرقية لصحراء القيشاق خاضعة لحكومة واحدة. لكن سلالة (أورده) لم يتخلوا عن ادعائهم بملكية غوغ أردو وآق أردو حتّى قام أولاد شيبان بالاستيلاء على مساكنهم.
في عهد توقتمشس استعاد (خان سيراردو) بعض شوكته، وتوجّه بجيشه نحو روسيا، فأغار على موسكو عام (784هـ/1382م) وأحرقها، ونهبها كما كان يحصل أيام استيلاء المغول.
عرض القوّة لحكومة القيشاق هذا كان مؤقتاً. لأنّ توقتمش اغترّ بتوسّعه، فعارض ولي نعمته ـ الأمير تيمور ـ فوجّه جيشه عبر (دربند) إلى جنوب آذربيجان. ووجّه الأمير تيمور بعض قادة جيشه نحوه، فهزموا أوزبكان. وبعث الأمير تيمور برسالة إلى توقتمش يطلب إليه أن يعود إلى رشده وعهده السابق. فلم يبال توقتمش بذلك، واستمرّ بتحرّكه وعصيانه. فوقعت بينهما الحرب في (زرنوق) وانتهت بهزيمة توقتمش.
وفي شهر صفر من عام (791هـ) انتصر الأمير تيمور على توقتمش في حرب ثانية، ولمّا بقي توقتمش على مخالفته لتيمور، عزم تيمور على مهاجمة صحراء القيشاق، فتحرّك نحوها يوم (12 صفر 793هـ) ولمّا وصل إلى موضع (قرا آسمان) وصله مبعوثون من قبل توقتمش يعلنون عن ندمه ويقدمون اعتذاره، لكن الأمير تيمور رفض اعتذارهم، وتحرّك من الطريق الصحراوي، وتكبّد عناءً شديداً ومطاردة دامت أربعة أشهر، حتّى التقى بتوقتمش يوم (15 رجب 793هـ) في موضع (قندرجه) ودارت بينهما معركة طاحنة، انتصر فيها تيمور، وفرّ توقتمش مع جمع قليل من جنده.
وفي عام (797هـ) أرسل تيمور رسالة إلى توقتمش لإقامة الحجة عليه، طلب منه فيها أن يختار بين الحرب والسلام، فقنل رسالته تلك (شمس الدين المالغي) فقرّر توقتمش السلام والاعتذار، لكن الأمراء من حوله أغروه بكتابة جواب يغلظ فيه. فغضب الأمير تيمور من ذلك الجواب، وتحرّك لحربه، فوصل ساحل مياه الترك. فهرب توقتمش من هناك، وطارده الأمير تيمور، وعبر مياه الترك، فأدركه عند (ماء قوري) ودارت بينهما حرب يوم (22 جمادى اثاني عام 797) هزم فيها توقتمش، ولجأ إلى أمراء الجوجيين. فأودع الأمير تيمور (خاني الوس جوجي) إلى (خان قويري شاق أغلان) ابن (أروس خان) الذي كان ملازماً له، ففرّ توقتمش خان نحو غابات (بولر).
وبعد رحيل الأمير تيمور عاد توقتمش عام (801هـ) إلى مدينة (سراي) لكن (تيمور تلق ابن أروس خان) طرده، فلجأ إلى أمير ليتوانيا (ويتوت) واشترك معه في حرب التتار. ثمّ مات عام (809هـ/ 1406م).
أبو الخير خان
(806 ـ 873هـ)
بعد وفاة توقتمش خان، كانت السلطة الحقيقية للمعسكر الذهبي (سيراردو) بيد (أويغو) وبعد وفاته عام (822هـ) بدأت مرحلة التفكك والنفاق الداخلي، فتولّى السلطة (غازي بيك بن أديو) وانتشر معه الظلم، فانزعج أمراء الجيش من سيرته السيئة، فاتفقوا مع (أبو الخير) على قتله. وكان (شمادق خان) من الأمراء المعروفين لبني شيبان، وكان أبو الخير قد قضى طفولته في كنفه. فعندما علم بالأمر سعى إلى أخذ (أبو الخير)، فهرب (أبو الخير) مع جماعة من معسكر الخان إلى وطنهم (جينار)، فطاردهم شمادق خان، ولمّا أدركهم دارت بينهم معركة طاحنة، انتصر فيها أبو الخير، وقتل شمادق خان أثناء فراره.
كان أبو الخير هو المؤسس الحقيقي لسلطة الأوزبك. لقد عاش حياة مليئة بالحوادث، وانطبعت باسمه. ففي عام (823هـ) وكان عمره (17) عاماً، عيّن أميراً على (يورت ومعسكر الشبانيين) في ساحل نهر (تورا) في سيبيريا. وبعد تعيينه مباشرة هاجم عشائر سلالة جوجي، فداس جميع أراضي قبائل جوجي الواقعة شرق شط الأورال وشمال نهر سيحون واحتلها.
ثمّ واجه (محمود خواجه خان) كبير أمراء جغتاي، فتغلب عليه. وتوجّه عام (834هـ) إلى خوارزم لاحتلالها، وكان عليها (الميرزا إبراهيم ابن أمير شاه ملك) معيناً من قبل (شاهرخ التيموري) فلم يتمكن من مقاومته، فهرب إلى (خيوق). ولمّا بلغ ذلك (شاهرخ) أرسل أمراء جيشه لمهاجمة عشائر الأوزبك، فدمروهم ورفعوا لواءهم فوقهم.
وبعد وفاة شاهرخ عام (850هـ) تنازع ورثته السلطة، فاستغل أبو الخير ذلك، ودخل إلى بلاد ما وراء النهر.
وكان (السلطان أبو سعيد ابن الميرزا محمد بن ميرانشاه ابن الأمير تيمور) ملازماً لـ (الغ بيك بن شاهرخ) فاستغل الخلاف بين الأب وابنه وحاول احتلال سمرقند عندما كان (الغ بيك) و(الميرزا عبد اللطيف) يخوضان حرباً بينهما عند ساحل نهر جيحون. فتحصّن (عبد العزيز) ابن الغ بيك الثاني في سمرقند، ولمّا وصل خبر الهجوم إلى مسامع (الغ بيك) عاد إلى سمرقند، ففرّ أبو سعيد إلى قبائل (أرغون). وبعد متل أبيه أرسل الميرزا عبد اللطيف في طلب السلطان (أبو سعيد)، وأخذه إلى سمرقند وحبسه فيها. لكن (أبو سعيد) هرب من السجن وفرّ إلى بخارى. وصدفة في الليلة التي قتل فيها عبد اللطيف قام رئيس شرطة بخارى باعتقال (أبو سعيد) وحبسه. وفي اليوم التالي عندما علم أمراء بخارى وأعيانها بمقتل عبد اللطيف اعتذروا من السلطان (أبو سعيد) وأخرجوه من السجن، وأجلسوه على العرش.
لم يكتف أبو سعيد ببخارى، فحاول احتلال ولاية سمرقند. لكنّه هزم على يد (عبدالله الشيرازي) الذي خلف عبد اللطيف ـ وفرّ أبو سعيد نحو تركستان واحتل مدينة (يسي) فاطرده الميرزا عبدالله وحاصر مدينة يسي. فهزمه أبو سعيد بحيلة، وأرسل معتمده إلى (أبو الخير خان) يستنجد به، فوافق (أبو الخير خان) على نجدته، وتحركا معاً نحو سمرقند. فخرج عبدالله لمواجهتهما خارج المدينة، وبعد حرب شديدة هزم عبدالله، وفرّ ثمّ أسر عام (855هـ) وقتل.
فتسلم السلطان أبو سعيد ممالك ما وراء النهر وتركستان. وبعد مقتل الميرزا عبدالله كان السلطان أبو سعيد يدرك أنّ الأوزبك إذا دخلوا سمرقند سيظلمون أهلها، لذلك سعى إلى طردهم عنها، ولمّا وصل المدينة غافل أمراء (أبو الخير خان) ودخل المدينة، وجلس على العرش، وتسلّم أبراج القلعة وجدرانها، ثمّ أرسل هدايا لائقة إلى (أبو الخير خان)، وأرسل إليه برسالة يقول فيها إنّه استعاد مركز سلطة آبائه وأجداده بيمن مساعدة الخان، وأنّ على جنود الخان أن يعودوا إلى منازلهم، وأن لا يقيموا في هذه الديار، حيث لا فائدة من بقائهم.
ولمّا لم يجد أبو الخير بدّاً غير قبول هذا الطلب، اضطر إلى العودة إلى صحراء القيشاق.
وعند عودة (أبو الخير) إلى صحراء القيشا عام (855هـ) بعد هذه الحادثة، واجه معارضة من قبل (تيمورتاش) أمير القلماق. ودارت بينهما معركة في موضع (كوك كاشانا) انتهت بهزيمة (أبو الخير خان)، فهرب إلى حصن سغناق، وعاد القلمان إلى الشاهرخية المغار غليها. وعاد أبو الخير خان إلى الصحراء، وجهز قواته وقاتل القلماق عدّة مرّات حتّى انتصر عليهم. وبقيت المنطقة الممتدة من ملك سائن إلى ما وراء النهر تحت سيطرته لمدّة أربعين عاماً، وسيطر على بلاد تركستان وجميع توابعها ولواحقها.
وفي عام (868هـ) برز اختلاف بين السلطان (أبو سعيد) والسلطان (حسين ميرزا بايقرا) فهاجم أبو سعيد بجيشه الذي كان قد أعدّه من بلاد تركستان وما وراء النهر، وعسكر في منطقته (بادغيس) الباردة، وتحرّك السلطان حسين من خوارزم. فأرسل أبو سعيد مجموعة لمواجهته، ووقعت بينهما مواجهة في نواحي (ترشيز) هزم فيها أمراء السلطان أبو سعيد وفرّوا، لكنّهم أعادوا تشكيل قواهم وعادوا لمواجهته في ظاهر (مرو) ففرّ السلطان حسين إلى صحراء خوارزم، وقرّر التوجّه نحو (أبو الخير خان) لطلب النجدة منه. ولمّا علم أبو الخير خان بقصده، أرسل جماعة من الأمراء الجوجيين لاستقباله باحترام تام. وجلس أبو الخير على عرشه في اليوم التالي، وأرسل يطلب السلطان حسين. وكان أبو الخير ونوابه يتوقعون من السلطان حسين أن يقف بخضوع أمامه، وأن يرفع عمره عن رأسه، ويمسك بإحدى أذنه كتعبير عن حاجته وتعظيمه له. لكن السلطان حسين رفض القيام بذلك، وبعد تداول رضي أبو الخير بأن يركع أمامه. وكان حينها أبو الخير قد ابتلي بمرض الفالج، فقال للسلطان حسين: بما أنّ العناية الإلهية قد شملتك فأتمنى أن أشفى ببركة قدومك. ولكن الأمر كان على العكس من ذلك، حيث مات أبو الخير في تلك الأيام. واضطربت قبائل الأوزبك بحيث لم يتسن للسلطان حسين ميرزا الإقامة في صحراء القيشاق.
توفي أبو الخير خان عام (873هـ) ودفن في بلدة (سغناق) وترك إحدى عشر ابناً هم: شاه بداغ (بوداق)، خواجه محمد، أحمد، محمد سلطان، حيدر، سنجر، إبراهيم، كوشكونجي، سيونج خواجه، آق فولاد، بابا سلطان، شيبك خان بان شاه بوداق.
تأسيس سلالة الأوزبك الشيبانيين
شيبك خان (محمد سلطان) مؤسس سلالة الأوزبك، وابن الملك (بوداق سلطان) وكان له أخ اسمه (محمود سلطان). ولد عام (855هـ) وأمّ÷ (آق قوزي) بيگم، وهي بنت الأمير (ختاي). مات أبوه (الملك بوداق سلطان) عندما كان شيبك طفلاً، فقام بتربيته جدّه أبو الخير خان، وقام بتعليمه وتربيته الشيخ (بايغودياي)، وبعد وفاة (أبو الخير خان)، تولاه وأخاه محمود سلطان (قراشين بيك) أحد أمراء الأوزبك العظام، ثمّ نقلهما إلى (قاسم سلطان) أحد الأمراء الكبار من سلاطين صحراء القيشاق. فوكل أمرهما إلى أمير أمرائه (تيموربيك). حينها ام (إيناق وأحمد خان) بمهاجمة ولاية (اسم سلطان) لاحتلالها فلميتمكن من ماومتهما، بل تحصّن في قلعة (حاجي ترخان) فقام (شيبك خان) وأخوه محمود سلطان وقراشين بيك وأربعين رجلاً أخر، قاموا بهجوم ليلي، استطاعوا فيه الفرار من القلعة، والإفلات من المحاصرة.
وكان محمد خان الشيباني (شيبك خان) محباً للتوسّع، فجمع حوله طائفة من أمراء الأوزبك وجندهم، وقام بشن هجمات إزعاجية لولايات السلاطين الكبار، حتّى تكبد هزيمة فاحشة عند حدود (صبران) على يد حاكمها (إيرانجي خان بن بيك خان) فتوجّه إلى بخارى فاستقبله حاكمها (عبد العلي ترخان) المعيّن من قبل (السلطان أحمد ميرزا ابن السلطان أبو سعيد) ونقله إلى سمرقند إلى السلطان أحمد. فأقام (شيبك خان) في سمرقند عدّة أيام، ثمّ عاد إلى بخارى، وبقي فيها عامين.
شيبك خان وحكام صحراء القيشاق
أمراء القزاق هم من أولاد جوجي أيضاً، والقزاق هو الاسم الآخر لأبناء الأوزبك، وبلادهم هي صحراء وهضاب القيشاق، وطولها ستمائة فرسخ، لا يوجد فيها حصى وتمرّ فيها عدّة أنهار، وتنتشر فيها الزنابق والورود. كان هناك نزاع دائم بين الأمراء الأوزبكيين وخاصّة الشيبانيين منهم والأمراء القزاقيين. الزعيم الأكبر لكلا القبيلتين والسلالتين إلى ما قبل ظهور شيبك خان كان (خضر خان) أخو الشيخ والد أبو الخير خان، حتّى تسلّم أبو الخير إمارة هضبة القيشاق مع حدود تركستان. وبعد أن هزم أبو الخير خان في حربه مع (أويرات) وهرب إلى (سغناق)، انفصل عنها اثنان من الأمراء الجوجيين هما (غراي خان وجاني بيك خان) ابني (براق خان) وفرّا إلى مغوليا، وكانت تعد حينها جزءاً من (ييس بواخان)، فاستقبلهما وخصّص لهما جزءاً من مغوليا ليعيشا فيه، فعاشا هناك بسلام.
عند موت (أبو الخير خان) وقع الخلاف بين قبائل الأوزبك، فلجأ بعضهم إلى (غراي خان وجاني بيك خان) طلباً للسلام والهدوء، وقويت شوكة هذين الخانين.
ولمّا ابتعد أولئك اللاجئون عن عامة الناس، وأصابهم الفقر الشديد، حملوا اسم القزاق. أي العصاة أو الطغاة، وأطلق عليهم اسم (قراقيز قزاق) أيضاً، وقد اعتبر ابتعادهم واقعة تاريخية مهمة جداً.
مع وفاة (غراي خان) تسلّم الإمارة ابنه (برندق) لكن (قاسم خان) عزله، فذهب برندق إلى سمرقند ليعيش في منفاه، وأصبح قاسم خان الحاكم المطلق لهضاب القيشاق. ثمّ توفي عام (924هـ).
شيبك خان بدوره قضى عامين في بخارى، ثمّ عاد إلى وطنه المألوف، ولمّا وصل (أرقوق) أظهر له الطاعة القاضي بيغشيك ـ من كبار شخصيات المنطقة ـ ثمّ توجّه شيبك خان نحو (سغناق) فدعاه إليه (موسى الميرزا) أحد كبار أمراء القيشاق. وخلال ذلك قام (برندق خان) ـ حاكم صحراء القيشاق ـ بشن هجوم على شيبك خان، لكنّه هزم. عندها طلب شيبك من موسى ميرزا أن يفي بوعده فينصبه أميراً. لكن باقي الأمراء كانوا يعارضون ذلك، ممّا اضطر موسى لرفض طلبه، فعاد شيبك خان إلى (سغناق). ودارت عدّ معارك بينه وبين السلطان محمود خان بن جاني بيك ـ حاكم سوران ـ هزم نتيجتها (شيبك خان) فتوجّه نحو وسط الصحراء، ثمّ إلى خوارزم، ومنها إلى بخارى. ولمّا وصل إلى نواحي بخارى توجّه إلى (الأمير ناصر الدين عبد الخالق فيروز شاه) المعيّن من قبل (السلطان حسين الميرزا) حاكم خوارزم. فقدم له الهدايا وأظهر له خدمته، ثمّ توجه (شيبك) إلى بخارى، فأخذه الأمير عبد العلي ترخان إلى السلطان أحمد الميرزا.
في عام (892هـ) تولّى إمارة هضاب القيشاق وصحرائها (السلطان محمود بن يونس خان) فعارضه ابنا السلطان أبو سعيد وهما: الميرزا عمر الشيخ والميرزا السلطان أحمد. فتحرّك السلطان أحمد بجيشه إلى طاشقند، وكان شيبك خان برفقته مع ثلاثمائة من جنده. فبلغوا تقاطع نهر قرب (الشاهرخية) ولم يكن هناك ممر، فبقوا هناك ثلاثة أيام. وكان شيبك خان متوجساً من السلطان أحمد، فتركه وفرّ نحو طشقند والتحق بالسلطان أحمد، وتقرّر أن يهاجما معاً السلطان أحمد، وفي النهاية هزمت قوات السلطان أحمد، فسلّم السلطان محمود بلاد تركستان إلى شيبك خان بعد أن احتلها.
لكن برندق خان وقاسم خان أولاد غراي خان الذين كانوا أصدقاء للسلطان محمود اعترضوا عليه لأنّ شيبك خان كان عدواً لهما، وقد ولاّه جيرتهم، وأدّى اعتراضهم إلى وقوع الحرب، فقاتلهما السلطان محمود لكنّه هزم.
كان أمراء هضبة القيشاق يعادون شيبك خان منذ طفولته، ذلك أنّه حسب الإرث والاستحقاق فإمارة القيشاق كان الأمر من حق شيبك خان، فأجداده كانوا دوماً أمراء للمنطقة، وكان القزاق يدركون أنّ شيبك خان إذا أراد أخذ بلاد القيشاق فسيكون انتصاره حتمياً، وسيحرم باقي الأمراء والأعيان من مناصبهم.
على أي حال لم يستقر شيبك خان في طشقند طويلاً، ثمّ توجّه نحو قلعة أدقوق، وأحكم قلاع المنطقة، ثمّ سار إلى سغناق. فتحرّك برندق خان مع زبدة قادة جيشه إلى سغناق وبعض قلاع تركستان، لكنّه لم يتمكن من إلحاق الهزيمة بشيبك خان، فاستغل شيبك خان الفرصة لفتح خوارزم. أثناء ذلك توجّه حاكم خوارزم الأمير (عبد الخالق فيروز شاه) إلى السلطان حسين الميرزا، وترك مكانه في خوارزم أحد أعوانه. وام شيبك خان بمحاصرة خوارزم لعدّة أيام، ولمّا بلغه قرب وصول الأمير عبد الخالق مدعماً بقوات اللطان حسين الميرزا، توجّه إلى ظاهرة قلعة (بولدم) وصالح أهاليها، وتوجّه من هناك إلى مدينة (وزير)، لكنّه واجه جيشاً قادماً من خراسان، فتوجّه نحو (آوارق) ومنها إلى (استراباد) فضرب بعض حدودها، وتوجّه نحو قلعة (ترساك) وكانت بيد أحد أعوانه. وبعد ذلك منحه السلطان محمود (أنزار) بناءً لطلبه، وذهب إلى طشقند.
في تلك الأثناء انتفض أهالي (صبران) مؤيدين لشيبك خان، وطالبوا باستقالة (قل محمد ترخان بن محمد مزيد خان) الذي كان يتولّى رئاسة الشرطة فيها، وأرسلوا مفتاح المدينة والقلعة إلى السلطان محمود أخي شيبك خان، فجاء إلى (صبران)، والتف حوله جميع أهالي تركستان، معلنين ولاءهم للأخوين شيبك ومحمود.
لكن (برندق خان) وجّه جيشه نحو (صبران) فاعتقل أهالي (صبران) السلطان محمود، وسلموا القلعة لبرندق خان. وسلموا محمود إلى (اسم سلطان) أكبر سلاطين القيشاق. فأرسله إلى قلعة (سوزاق)، لكن السلطان محمود تمكن من الهرب إلى (أوكوزتاغي) وبعث برسالة إلى (شيبك خان) ليوافيه، ثمّ توجها معاً نحو قلعة (أنزار) فحاصرهما (برندق خان) و(محمد مزيد ترخان) فوصلت قوات داعمة لشيبك خان من قبل السلطان محمود خان، فانتهى الأمر بعقد مصالحة، وعاد برندق خان إلى دياره، وهاجم شيبك خان مدينة (يسي) مقر (محمد مزيد خان) فوقع (محمد مزيد) في أسر (محمود سلطان) فنقله إلى (أنزار) وحبسه هناك. ولمّا علم السلطان محمود خان بذلك، توجّه نحو (أنزار) وأخذ (الأمير محمد مزيد) بن شيبك خان، وأرسله إلى سمرقند للزواج من ابنه الميرزا السلطان أحمد.
وسيطر شيبك خان على بلاد ما وراء النهر وأطرافها وأكنافها من أصى نهر سيحون إلى سواحل نهر جيحون، واستأصل الأمراء التيموريين منها. ممّا أثار حسد أمراء هضاب القيشا. فبدؤوا اعتداءاتهم على سيادة شيبك خان، وكانوا يدّعون أنّ حاجاتهم الماسة للمنسوجات والملابس والجبب والأكفان هي السبب في ذلك. حيث كان شيبك خان قد منع التعامل بين أهالي تركستان وتجار القزاق، خشية أن يرى القزاق تنعم الأوزبك وتقدمهم، فتزداد دوافع الحرب بينهم.
عام (914هـ) توجّه شيبك خان إلى فتح خراسان عبر مياه آمويه، وشرع في حربه ضد (بديع الزمان ميرزا) فبلغه أنّ طائفة من سلاطين هضاب القيشاق تحرّكوا للمواجهة. فعاد من (بلخ) متوجهاً نحو القزاق، فلم يتمكن القزاق من مقاومته، ففروا. وكان ذلك أوّل تمرّد لهم.
ففي العام التالي قام شيبك خان بفتح خراسان، وقرّر استئصال جيوش القزاق، فعزم من سمرقند إلى تركستان، وعبر سغتاق إلى أن وصل (راقم أبدال) وسط دولة القزاق، فضرب جيش (بزندق خان) وهرب (برندق) وعاد شيبك خان إلى تركستان، ومنها إلى سمرقند.
عام (914هـ) احتلّ شيبك خان قلعة (دامغان) ثمّ توجّه ثانية نحو (هرات) وبلغه هناك أنّ (برندق خان وقاسم خان) وصلوا طشقند، وأمعنوا في قتل أهلها ونهبها، فقرّر الذهاب إلى تركستان. فعبر صحراء مرو يوم (12 شعبان 914هـ) متوجهاً نحو بخارى، فانضم إليه كلّ من: محمد تيمور سلطان حاكم سمرقند، كوجم سلطان حاكم بلاد تركستان، سونج خواجه سلطان حاكم طشقند، حمزة سلطان وأخوه مهدي سلطان حاكمي قلعة شادمان، جاني بيك سلطان حاكم اندجان إلى حدود كاشغر، عبيدالله سلطان حاكم بخارى، خرمشاه سلطان حاكم بلخ وتوابعها، بولاد سلطان.
وحصل شيبك خان على فتوى تقول بشرك القزاق صادرة عن علماء ما وراء النهر وخراسان ومنهم (فضل الله بن روزبهان الخنجي) مؤلف (مهمان نامه بخارى) واعتبرت الفتوى أنّ قتال القزاق يعدّ غزواً.
فتوجّه يوم الجمعة (5 شوال 914هـ) لمواجهة القزاق، وأمر جميع السلاطين أن يعودوا إلى بلدانهم، وأن يلتحقوا به في تركستان. فتحرّك نحو تركستان، وفي (بغازي ده) عيّن عبيد الله سلطان وجيش بخارى كمقدمة للجيوش. ثمّ توجه نحو (غجدوان) ومنها نحو تركستان عبر صحراء بخارى التي كانت تعدّ بمسيرة (14) يوماص. ويبدو أنّ تلك الصحراء لم تشهد حتّى ذلك التاريخ عبور سلطان أو أمير مغولي بمثل هذا الجيش الكبير. وكان شيبك خان يقول إنّه عبرها خمس مرّات. وقد عبرها الجيش خلال (14) يوماً، ثمّ وصلوا قلعة (أرقوق) وكانت أولى قلاع تركستان تقع على بُعد فرسخ واحد من نهر سيحون. ثمّ توجّه نحو (أوزكند) عند ساحل نهر سيحون. فقرّروا أن يعبروا النهر المتجمد. أثناء ذلك وصل خبر من (عبيدالله سلطان) أنّ الثلوج بدأت بالذوبان، وأنّ كثير من المعدات غرقت. على أي حال عبروا نهر سيحون يوم الاثنين (28 شوال) ووصلوا إلى موضع (قرا إبدال) وكان حكام الموضع هم (جانش سلطان وأخوه تانش سلطان وابنه) وكانوا قد أغاروا عام (913هـ) على بخارى وتوابعها.
فأراد شيبك خان أن يرد لهم الصاع، فحاربهم في أواسط شهر ذي القعدة، وتغلب عليهم، ونهب أموالهم. ثمّ توجّه نحو معسكر (برندق خان وقاسم خان) بعد مسير 15 يوماً في جو شديد من تساقط الثلوج والبرد القارص الذي أدّى إلى هلاك آلاف الخيول والجمال. لكن شيبك خان لم يكن يرضى بالعودة قبل القضاء على (برندق خان).
أثناء ذلك بلغهم أنّ (اسم خان) على مقربة منهم. فأخافهم الخبر، لتيقّنهم أنّه سيتغلب عليهم، فتخلوا عن جميع الغنائم والعدّة، وتوجّهوا بحال من الفوضى نحو شيبك خان في (كوك كاشانا). فأمر شيبك خان فوراً بالعودة، وهزم في أواخر الشتاء وعاد إلى سمرقند مهزوماً.
الشاه إسماعيل الأوّل وشيبك خان
الشاه إسماعيل الأوّل (907ـ930هـ) هو مؤسس السلالة الصفوية وهو من الجيل السادس من أبناء الشيخ صفي الدين الأردبيلي (650ـ735هـ) العارف المشهور في القرن الثامن الهجري.
مع بدء مساعي شيبك خان للتسلّط على بلاد ما وراء النهر، بدأ الشاه إسماعيل خطواته الأولى نحو بلوغ القيادة، ففي عام (906هـ) تغلب على (فرخ پسار شر وانشاه) في موضع (جياني) قرب قلعة گلستان وقتله. وفي عام (907هـ) انتصر على (الوند ميرزاي آق قونيلو) حاكم آذربيجان، وتربّع على عرشها. ثمّ أعلن المذهب الشيعي مذهباً رسمياً لدولته. وشن حربه على الحكام المنافسين له في إيران.
في شهر ذي الحجة من عام (907هـ) واجه السلطان (مراد آق قونيلو) قرب همدان، وكان ذلك السلطان حاكماً على عراق العجم وفارس وكرمان.
وفي عام (909هـ) حارب (حسين كياي شلاوي) حاكم (فيروزكوه وخوار وسمنان) في قلعة (أستا).
في عام (913هـ) حيث كان شيبك خان منشغلاً بفتح خراسان، توجّه الشاه إسماعيل لمواجهة (علاء الدولة ذو القدر) حاكم (مرعش) الذي كان قد التحق به السلطان (مراد آق قونيلو).
يبدو أنّ أوائل علامات بدء العلاقات بين الصفويين والأوزبكيين تعود إلى الرسالة الافتتاحية التي أرسلها شيبك خان إلى الشاه إسماعيل، والتي أخبره فيها بمقتل (محمد حسين الميرزا، وأبو المحسن الميرزا) ابني السلطان (حسين الميرزا) ولم نحصل على نسخة هذه الرسالة، لكن يبدو ذلك جلياً في جواب الشاه إسماعيل له.
في الحقيقة لا توجد نطة واضحة ومحددة لبدء العلاقات بين هاتين السلالتين في المصادر التاريخية. فأكثرها تذكر ـ بشكل مبهم ـ أنّ شيبك خان بعث إلى الشاه إسماعيل رسالة استعلاء ووعيد، ضمّنها بيت شعر فيه ما فيه من الانذار بهذا المضمون:
لن يجرنا طمعنا لتملك العراق الخرب فما دمنا لم نملك مكة والمدينة فما النفع.
فأجابه الملك إسماعيل ببيت مضمونه:
من لم يكن مولى لعلي أبو تراب فلن ينفعه تملك مائة مكة ومدينة.
من هنا فإنّنا نعتبر أنّ بدء العلاقة بينهما تعود إلى عام (913هـ) مع إرسال خبر الفتح من شيبك خان إلى الشاه إسماعيل.
لكن قبل البدء بتفاصيل القضايا رأينا من المناسب أن نبيّن علل الخصام بين الشاه إسماعيل وشيبك خان، وتبادل الرسائل والرسل بينهما، وذلك نقلاً عن تاريخ الرشيدي الذي وجدناه مختصراً ومنسجماً، وأقل تكراراً، ثمّ نستعرض باقي القضايا.
جاء في تاريخ الرشيدي «وعندما اتصلت حدود بلاد (شاهي بيك خان) بالعراق، قام الأوزبك بشن هجمات على معظم الحدود المتصلة بخراسان. فبعث الشاه إسماعيل برسول إلى شيبك خان حاملاً معه التحف والهدايا القيّمة، مرغباً إياه بطرد غبار العداوة قبل أن تحط بينهما وذكر له هذا البيت الذي مضمونه:
أقلع شجرة العداء فثمارها العناء الشديد واغرس برعم المحبة فثمرته راحة القلب.
فردّ عليه موبّخاً إياه، وذكراً له بعض الأمثلة من تاريخ آبائهما، ومعيّراً إياه بأنّه لم يكن ابن سلطان، وأنّ الأمثال تقول إنّ الابن يقوم بمهنة والده، وذكر له شعراً مضمونه:
شؤون البلاد والملك يعرفها الملك وها أنت مستعطٍ في الزاوية فلا تتحط.
وأرسل له عصاً قديمة وكشكولاً يستعملها الدراويش الفقراء عادة وقال له: إن كنت نسيت حال أبيك، فها أنا ذا أذكرك بها، متمثلاً ببيت من الشعر مضمونه:
اسمع نصيحتي أيّها الصديق فإنّ الشاب أحبّ إليه من نفسه حكمة الشيخ.
وإذا كنت قد خطوت نحو الرئاسة فتدبّر في هذا: وذكر بيتاً من الشعر مضمونه:
عروس الملك لا تضم إلاّ من قبّل حدّ السيف المهنّد.
وعاد رسول العراق ذاهباً إلى جيش (هزارة) ولمّا وصل إلى الشاه إسماعيل حمّله جواباً إلى شيبك، يقول فيه: إذا كان كلّ امرىء يلزم مهنة أبيه، فالجميع أبناء آدم، وعليهم أن يكونوا جميعاً أنبياء. وإذا كنتَ قد ورثتَ الإمارة، فقد سبقك إليها كثيرون، ولن تنال العالم بها، فأين أنت ممّا كان عليه جنگيز. مستهشداً مثل شيبك بالشعر:
لا تفخر أيّها الشاب بأبٍ ميت لا تفرح بعظْمة كفعل الكلاب.
وأرسل له مقابل هديته تلك دولاباً ومغزلاً وقال له: وقد جاء أيضاً أنّ عروس الملك عندما تُصرح تأخذ معها زوجها. وهذا ما أقوله أنا بدوري. فها آنذا قد شحذت سلاح قتالك، فإنّ ابلتني بالقتال فسيكون الفصل بين ادعائي وادعائك، وإلن لم تفعل، فاجلس بانتظار ما أرسله لك:
على أي حال فكما مرّ من قبل كان شيبك خان قد أرسل رسالة الافتتاح إلى الشاه إسماعيل عام (913هـ) وجاء جواب الشاه إسماعيل كما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، هو الله سبحانه، يا علي مدد، أبو المظفر الملك إسماعيل بهادر خان الصويلر، أحمد الله على آلائه، وترادف نعمائه، يا علي مدد. بالسم الرب الذي يخطو أبطال الإدراك في ساحة كربيائه بقدم عقولهم، وتعجز نسور العقل والإدراك المحلّقة أن تبلغ أقصى فضاء عرفانه، ويجهل الفكر الحاذق إدراك حكمة قدرته.
كلّ ما حشدته الأيدي والأوهام والعقول أزاحها حجر البلطان أمام كبريائه.
ففي مدرسة علمه الأزلي يضحي عقل الشيخ كالطفل لا يدرك ما اللوح والبيان.
يا علي مدد. المقصود من هذه المقدمات هو أنّ بعض الأمراءمن ذوي الاعتبار مثل (نظام الدين دده بيك، وشجاع الدين لله بيك) كنّا قد أرسلناهما مع جمع غفير من الناس والجند من (قراباغ) إلى (ديار بكر) ليدفعوا (علاء الدولة ذو القدر). لكن علاء الدولة المذكور غافلهم، وشنّ هجوماً وفرّقهم، وعبر الفرات مع ثلاثمائة ألف رجل. ولمّا بلغنا ذلك قلنا لعل حظه قد انحسر، فكلّ من يواجه آل علي سيهزم. وبعونه تعالى توجّهنا مع أربعة عشر ألف رجل جرار مسلح.
إذا انطلق عنان الظفر فسيوقف الفلك عن مداره.
فركبنا الفتح والنصر، وكان بيننا وبين أعدائنا أربعين فرخساً، يا علي مدد، وعبرنا نهر الفرات يوم الخميس قبل أن تطلع الشمس المنيرة من بحر الظلمات، وقطعنا الطريق على أولئك الجبناء، وقسمنا اثني عشر ألف رجل محبة بالأئمة الإثني عشر، وهاجمنا من إثني عشر جهة، وصرخات الأبطال تدوي من كلّ حدب ولسان أنْ: يا علي مدد.
وعندما احمرّت شمس المغيب كان قد غرق في الماء مائة وخمسون ألف جبان من جيش الأعداء، لم يخرج منه أي أحد، وعاد علاء الدولة البائس مع خمسة آلاف جبان.
ملقى السلاح منكسر الظهر
لا معين له ولا رأس مستقر
فآثر الفرار أخيراً، ولمّا سار أربعة فراسخ، وكان جريحاً، هلك، وهرب الباقون مع مراد بيك، وانطلق الغزاة بالفتح والظفر والسؤدد والفرح.
ولمّا رجعنا من (قراباغ) غانمين، وصلتنا رسالة الراغب في السلطة، ملجأ العالم وصاحب السمو (شيبك خان) وكان مضمونها أن فتحنا دار السلطنة (هرات) وقتلنا أولاد السلطان المبرور والملك المغفور.
أيّها الحبيب إذا مررت على جنازة عدوٍ لا تفلح فسيجري عليك ما جرى له.
وها نحن ننوي بانقضاء النوروز السلطاني بعد أن يوافقنا القضاء الرباني أن نتوجّه إلى ناحية مرقد سلطان الجن والإنس، ملك الأولياء وبرهان الأتقياء الإمام بالحق علي بن موسى الرضا عليه التحية والثناء، حيث صنعنا ضريحاً لروضته المقدسة يزن سبعين منّاً، وكللناه بالجواهر، ليحيط بقبره. فإذا نزلنا مع مع راية النصر وشعار الفتح والظفر والإقبال في (مشهد) المقدسة نزول إجلال، فسيكون ما أرادت مشيئة الله.
تمسك بأذيال حيدر ولا تفكّر كيف يخشى الطوفان من رافق نوح.
وكتب شيبك خان رسالة إلى الشاه إسماعيل عام (914هـ) ولعلها جواب لتلك الرسالة، يقول فيها «لله الحمد فإنّ سرير السلطنة الباهرة، وتاج سرور الدولة الظاهرة يداني مظلة العالم، كافة البرايا وعامّة الرعايا تخصّر من معين عنايتنا اللامتناهية، وتتفتح أزهار خواطرهم من نسيم التفاتتنا. أمّا بعد يا ملك إيران فإنّ ما ترامى إلى مسامع حضرة ملجأ العالم هو أنّ مذهب التشيّع لمّا شاع، لم يجلب معه إلاّ الأهواء النفسانية والوساوس الشيطانية. فاترك هذا المذهب، ولا تسلك جادة العصيان، وأسلك طريق أهل السنة والجماعة، فليس هناك طريق سواه، فدع عنك ما اقترحت، ولا تخرج بقدمك عن الصراط المستقيم للشريعة وطاعتها، ففي هذا الفعل والعمل الشنيع الذي تصوّرته خيراً، إنّه نائرة شر سيؤدّي إلى الإحراق، وإلى احتراق الوجود وكلّ ما هو كائن موجود. في هذا المجال اجعل لصوت النصيحة مكاناً في طبلة أذنك، ولا تدع أقوال المخالفين وشُعب إبليس المليئة بالتبليس تحرفك عن الطريق الصحيح الذي هو جادة الشرع المستقيمة، وإلاّ فسنملأ أرض العراق بجنود لا تعدّ، وسنضرب بسيف الفتح والاقتدار الذي في قبضتنا، ونسوى قلعة أصفهان مع حضيض التراب مهما كان ت أسوارها متعالية تحاكي الأفلاك، ونرفع صوت القانون بحيث لا تنساه مسامع أهل العراق حتّى ارتفاع صوت صور القيامة.
مجيء الأوزبك إلى كرمان
أواخر عام (914هـ) هزم شيبك خان على يد القزاق، وعاد إلى سمرقند، ورغم هزيمته تلك، استغلّ عام (915هـ) انشغال الشاه إسماعيل بالقضاء على (الشيخ شاه) في شروان، فأرسل جيشه إلى كرمان، فقام الأوزبكيون بقتل حاكم كرمان (الشيخ محمد) وعادوا إلى خراسان محملين بالغنائم.
بعد إرسال شيبك خان جيشه إلى كرمان، توجّه نحو (قندهار) ليهاجم طائفة (هزارة ونكودري) لكنّه لم يعثر على أي أثر لهم في جبال (هزارة) رغم بحثه الدؤوب. وعند عودته عبر هضبة نهر (هلمند) عانى من نقص في المياه، أدّى إلى هلاك الكثير من خيوله، فواجه جيشه الهزيمة.
وعندما علم الشاه إسماعيل باعتداءات الأوزبك على كرمان، أرسل الاضي (ضياء الدين نور الله عيسى) برسالة إلى شيبك خان، لكن لم تفلح هذه السفارة، واستمرّ الأوزبك بشن هجماتهم على إيران، بل واشتدّت. فأرسل الشاه إسماعيل رسالة أخرى إلى شيبك خان بيد الشيخ (محيي الدين أحمد) المعروف بشيخ زاده اللاهيجي. يبدو من مضامين هذه الرسالة أنّها جواب على الرد الذي كان قد أرسله له شيبك خان عام (914هـ) والذي وبّخه فيه على اختياره مذهب الشيعة. حيث إنّ الشاه إسماعيل يدافع في رسالته هذه عن مذهب الشيعة، وطلب من شيبك خان أن يرسل أحد علمائه إلى إيران لمناقشته إن كان يعترض على المذهب. ويبدو من مضمون الرسالة أنّ شيبك خان قد منع تردّد التجار بين البلدين، وأنّه كان قد طلب من الشاه إسماعيل أن يرسل له بنائين ماهرين، ويبدو أن الشاه إسماعيل كان في شيروان عند استلامه الرسالة من شيبك، حيث يقول في جوابها إنّه سيرسل له البنائين الماهرين عند وصوله إلى مدائن العراق.
ويختم الرسالة بقوله:
إنّ منع التجار من التردّد بين بلدينا هو أمر منافٍ لشريعة تسييس أمور الرعية ولنشر العدالة، ولا أظنك تنسب ذلك إليّ. أمّا التأخّر في إرسال الرسل فمنشؤه يعود إلى أمواج الفتنة والفساد، حيث الاهتمام والانشغال بدفع ورفع أرباب البدع والعصيان ممّا لا يسمح بتطبيق هذه القوانين المستقرة والآداب المستمرة. أمّا بالنسبة إلى الأشعار التي ذكرتم، فإذا عزمتم زيارة بيت الله الحرام، فعرجوا بأقدام الإمداد، ونالوا شرف زيارة ثامن الأئمة الهادين.
أمّا بالنسبة للطلب الذي تفضلتم به بإرسال البنائين الماهرين لبناء المساجد والصوامع، فسأرسل لكم بنائين يندر وجود أمثالهم في الآفاق، وذلك عند وصولي إلى المدائن المعتبرة في العراق إن شاء الله تعالى. تمّت كلمة ربّك صدقاً وعدلاً، لا مبدّل لكلماته وهو السميع العليم».
وعندما وصل رسول الشاه إسماعيل إلى مجلس شيبك خان، تحدّث شيبك خان عن المذهب فقال: لماذا أحدثتم هذا المذهب؟ فأجابه الشيخ زاده اللهيجي بقوله: عجباً أن اعتبرت مذهب الشيعة الطاهرة وملّة الفرقة الناجية أنّه مذهب محدّث. فقد بيّنا لكم عدّة مرّات أنّ مائة من المجتهدين والعلماء المشهورين يتبعون هذا المذهب، وقد ألفوا خمسمائة كتاب في هذا المذهب، وتعتقد أنّ كلّ ذلك عاطل وباطل؟ فمن جملة علماء هذا المذهب العلاّمة نصير الدين الطوسي الذي كان آباؤك وأجدادك مثل (هولاكوخان) وغيره تابعين له بالمطلق. وبمجرد حديث جرى للسلطان محمد خدابنده مع الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف المطهر الحلي اختار السلطان هذا المذهب. كما أنّ حقيقة هذا المذهب ثابتة من خلال كتب أهل السنّة والجماعة أيضاً. وأذكر لك الأدلة العقلية والنقلية إن شئت.
عند ذلك رأى شيبك خان أنّه لن يستفيد شيئاً إن استمرّ الحوار والبحث، فغير سير البحث إلى النقاش حول الحرب. فأجابه رسول الشاه إسماعيل: ملكنا هو من نسل محمد رسول الله وعلي وليّ الله، وهو يعمل بموج ما يدعيه، وهو يرسل كلّ مرّة أحداً ليبلّغ الحجة، كي لا يكون عليه وزر شرعي، وقد أبلغتكم حسب الواجب وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين، وسأعود إلى بلاد ما وراء النهر وخراسان.
اعترض شيبك خان على هذا الكلام وقال: وهل أنا كافر حتّى تعظني؟ فاعتذر الشيخ زاده، وخرج من المجلس. عند ذلك أرسل شيبك خان رسوله (كمال الدين حسين الأبيوردي) برسالة إلى الشاه إشماعيل جاء فيها:
إلى إسماعيل الحاكم بعناية من لا غاية ولا نهاية له السلطان المختص بالشرق، اعلم أنّ تدبير أمور الملك وقمع الأعادي ونشر فيض بدائع الخير والآثار رونق بقاع الخير قد عهد به الأزل الفياض الذي لم يزل بيد قبضة الاقتدار وأنامل الاختيار إلى جدي الأكبر سعيد الشهيد طيّب الله ثراه وجعل الجنة مثواه، وقد قام سرير العدالة والمرحمة في حضرة الرفعة والعطوفة باللجوء إلى خطبتنا السياسية، وضربت مسكوكات الرجولة في مضارب بيت الشجاعة والنصر موشحة بألقابنا المباركة، وصوت الإمامة ونداء الخلافة بلغنا من هاتف الغيب، ولم يقل الرسول (صلّى الله عليه وآله) جزافاً أنّ الولد سرّ أبيه. وأنّ الميراث المتبقي عن الوالد يعود لولده، وهو من حق أبنائه، وكما جاء في المصطلح العقلي أنّ الليل إذا أظلم، وظهرت النجوم في السماء، طلع سهيل من محله، وظهرت حربة من رأس الجبل، ثمّ يصفر لونه ويرتجف ساعة من هيبة طلوع الشمس، فإذا بان الصبح الصادق هبط إلى مكانه. وكذلك الأمر فإنّ ظهورنا من ناحية المشرق، وطلوعه من حد المغرب كطلوع سهيل والشمس.
ثمّ بما أنّ زيارة مكة المعظّمة زادها الله شرفاً وتعظيماً هي ركن من أركان الإسلام، وفرض على جميع المسلمين؛ لذلك لا بدّ من تأهيل جميع الطرق المؤدية إليها، وأن تدعو العساكر لنصرة المآثر ليتشرّفوا بالزيارة. وأنّ تزدان الطرق بالزاد ولوازم الحاج، وأن تضرب المسكوكات في المضارب موشحة بألقابنا المباركة، وأن تذكر ألقابنا العالمية في المساجد في خطبة يوم جمعة، لعرفوا سمو سريرنا الأعلى. وإلاّ إذا ما تمّ العدول والانحراف والتمرّد والانصراف عن حكمنا المبارك ـ نفّذه الله تعالى في مشارع الأرض ومغاربها ـ فسأرسل ابني الحبيب العظيم والسعيد صاحب السلطنة والقدرة العالمية مبارز الظفر والقدرة، البطل المقدام الذكي.
شاب وحظّه شاب وضميره متيقظ
شاب في القوّة، شيخ في التدبير
عظيم العلم، ذو همّة عالية
قوي العضد، شجاع، لبيب
أبو المبارز عماد الدين عبيد الله بهادر خان ـ أبقاه الله تعالى ـ مع جمع من الأمراء والجند إلى حدود بخارى وسمرقند وهزارة ونكودري وغور وغرجستان. ليقهروه بالقهر والسياسة، فإن لم يخضع دفعنا إليه ولدنا الآخر الخلف اليافع، مقصود سلطنة المرحلة، وحافظ بلاد الأمن والأمان، وقامع الكفر والطغيان، ذاك الذي أينما وجهت موكب ظفره نلت ما تريد، ورأيت الفتح والظفر، وتقلدت المفاتيح:
سلطته في ركابه، والفتح يستقبله
أينما حلّ حط فوج الملائكة جيشه
يفرّ الحوت في البحر من لمعة حد سيفه
وتخلو الغابات من الأسود لحضور عسكره
أبو الفوارس تيمور بهادر خان ـ أطال الله عمره ـ نوجهه مع جمع من الأمراء والجند إلى حدود قندز وبغلان وقلعة شادمان وبدخشان وسائر نواحي تركستان ليتغلب عليها. وإذا تعذّر ذلك ـ نعوذ بالله ـ نرسل رايات النصر بأمرة ابننا الأوّل الأعزّ، زهرة مرادنا، وتسكين روحنا، وقوّة كبدنا وفؤادنا، المشهور بالضرب الشجاع أينما حلّ، أسد الهيجاء:
من ضرب سنانه انحنى ظهر الفلك
مايتا ملك وقعوا أسرى حبله
إذا ما جرّد حدّ سيفه
خرجت رؤوس العصاة بالدماء
أبو النصر كمال الدين سونجك بهادر خان ـ أطال الله تعالى عمره ـ نرسله مع جماعة الأمراء والمقربين. وابننا درة التاج وشجاع المرحلة وتمساح جيحون الصلابة في الميدان (حمزة بهادر خان) وابننا عمدة الملك في الآفاق، (سليم الدين مهدي بهادر خان) في جوانغار مع جمع من الأمراء والأبطال وعساكر الدين من: اندجان وشاهرخيه وقندبادام وطشقند، ومن: مدينة سبزواترار وسيران وأورغنج وخوارزم وجيحون كنار وكاشغر منقيت إلى نواحي قيشاق وقلمان وغيرها ليحضروا تلك المعركة. ليحفظوا قدم الوقار في أرض التهور. وليكن ذلك بتوفيق الله تعالى من خزانة {وَيَنْصُرَكَ الله نَصْرَاً عَزِيزاً} فيستقبلوا النصر، فأعلن في أي مكان ومقام ستقاوم، والسلام.
توجّه الشاه إسماعيل نحو خراسان
عندما استلم الشاه إسماعيل هذه الرسالة، واطلع على مضمونها، أذن لكمالا لدين حسين الأبيوردي بالذهاب، وأصدر أوامره باجتماع أمراء وحكّام وجند كلّ من: العراقين وفارس وكرمان وكردستان ولرستان وديار بكر وآران وآذربيجان. وذلك في (ألنغ حرقان) وأقام حفلاً في (سلطان بلاغي) لاستمالة الأمراء وأركان الدولة، وقدّم لهم العطايا، وبدأ مشاوراته العسكرية معهم. فاجتمع رأي الأمراء وأركان الدولة على الحرب. وقدرت العطايا بثلاثة وعشرين ألف تومان.
ثمّ توجّه الشاه إسماعيل من (سلطان بلاغي) إلى (الري) عبر طريق السلطانية، وتنقل من مخيم إلى مخيم حتّى وصل دامغان. فهرب من دامغان حاكمها (أحمد سلطان) صهر شيبك خان، وأسرع (الخواجة أحمد قنقرات) إلى خوارزم، وتفرّق حكام شيبك خان وولاته من قلاعهم التي كانت في الطريق، وخرج رؤساء ولايات جرجان وممالك خراسان ـ مثل بابانو ذر ـ مع حواشيهم الكثيرة لاستقباله. فالتقوا بالشاه إسماعيل في سهل بسطام، فشملهم بعنايته، وعادوا إلى منازلهم.
أثناء ذلك بلغ خبر وصول الشاه إسماعيل إلى مسامع الخواجه (سيف الدين مظفر البينكشي) في (كبود جامعة) فسارع للقائه، فالتقاه في (جاجرم)، وتفاءل الملك باسمه خيراً، فسلّمه وزارته. ولم يكن حتّى ذلك الوقت لأحد الحق أن يختم على الأحكام سوى الملك، ففوّض الملك ذلك إليه. وكان سيف الدين أبّاً عن جدّ من رؤساء ولاية (استراباد).
كان شيبك خان قد عاد لتوّه من اضطرابات (هزارة) وأقام في حديقة (جهان آرا) فلمّا بلغه خبر حركة الشاه إسماعيل اضطرب، وهرب إلى (مرو) في أواخر شهر رجب عام (916هـ) وتبعه إلى مرو هارباً (جان وفاميرزا) حاكم (هرات)، فلم يبق في هرات أحد من أهل تركستان وطائفة الأوزبك سوى الخواجة خرد، فتحصّن خرد ومعه الأمير (سلطان محمود ابن السيد غياث الدين عمر الباغبان) الذي كان محترماً كثيراً لدى (جان وفا) تحصنا في قلعة اختيار الدين.
وعندما وصل الملك إسماعيل إلى شاطىء نهر طوس، عيّن بعض أعوانه على قلاع خراسان ومحالها، وتوجّه هو لزيارة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام). فتبيّن له أنّ الأوزبك قد سلبوا المرقد سجاداته، وسرقوا قناديل الذهب والفضة. فأمر (نجم الثاني) أن يفرش المرقد في تلك الليلة بالسجاد الملوّن، وأن ينار المرقد ليلاً بالقناديل الكثيرة، وأن يشعلوا جميع الشمعدانات الذهبية ليتشرف هو بزيارة جدّه. ثمّ نزل الشاه إسماعيل في منطقة (وجهار باغ) بمشهد، فأحضر له حرّاسه عدّة أشخاص من أعيان العدو كانوا قد أسروهم من (جام، ولنكر) وبعد استجوابهم تبيّن أنّه لم يبق أحد من الأعداء في هرات، وأنّ شيبك خان قد هرب إلى (مرو)([844]).
عباس قلي غفاري
أيــار
هو الشهر الخامس في السنة الميلادية عدد أيامه 31 يوماً وهو يقابل ما يعرف في بعض البلاد العربية بشهر (مايو).
ويعتبر اليوم الأوّل من أيار عيداً عالمياً للعمال. وأصل ذلك يرجع إلى أنّه في المؤتمر السنوي الذي عقده في مدينة شيكاغو في أميركا (اتحاد المنظمات النقابية في الولايات المتحدة وكندا في تشرين الأوّل سنة 1884) قرّر في مقدمة مطالبه التي نادى بها جعل يوم العمل ثماني ساعات، واختاروا يوم أوّل أيار سنة 1886 للاضراب عن العمل والقيام بأعظم تظاهرة عمالية تأييداً لهذا الطلب. وقامت المظاهرات وهتف العمال مطالبين ببناء المساكن الشعبية وسن قوانين للوقاية والحماية وتعيين الحد الأدنى للشغل وتحريم تشغيل الصغار والنساء في الأعمال المتعبة. وتعسفت الحكومة في التعرّض للمظاهرة فدعوا إلى مظاهرة احتجاج في 4 أيار واستجاب الشعب لهم وسقط في المظاهرة القتلى والجرحى. وبعد أربعة أسابيع أي أوّل حزيران أعلنت معامل ومصانع كثيرة في شيكاغو أنّها استجابت لمطاليب العمال وجعلت العمل فيها ثماني ساعات فاستفاد من ذلك أكثر من مائتي ألف عامل وعاملة. وفي 28 تشرين الأوّل سنة 1888 انعقد في مدينة بوردو الفرنسية «مؤتمر الاتحاد الوطني للنقابات والجماعات التعاونية للعمال في فرنسا» وقبيل الافتتاح اصطدم العمال برجال الشرطة، فاضطرت الوفود لعقد المؤتمر في قرية مجاورة. وطالب المؤتمر بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات وتحديد الحد الأدنى للأجور. وفي كانون الأوّل سنة 1886 انعقد مؤتمر الاتحاد الأميركي للعمل (وهو اتحاد جديد غير اتحاد المنظمات النقابية) في مدينة سانت لويس وقرّر جعل أوّل أيار «يوماً وطنياً» في الولايات المتحدة للتأكيد على جعل يوم العمل ثماني ساعات. وبعد سنة اجتمع الاتحاد المذكور في مدينة بوسطن. ثمّ عقد مؤتمر في باريس في تموز سنة 1889 حضره مدوبو تسعة عشر شعباً كانت لهم مطاليب عمالية عديدة منها تخفيض ساعات العمل والدعوة إلى التظاهر في أوّل أيار. وفي العام نفسه قرّرت المؤتمرات العمالية التي انعقدت في أسوج وإسبانياو ألمانيا والمجر والنمسا وإيطاليا أن تتبنّى اليوم الأوّل من أيار يوماً أمميّاً. وكان أوّل أيار سنة 1905 في روسيا أعنف يوم أضرب فيه مائتا ألف عامل وكانت الاضطرابات العنيفة واستمرّ الإضراب في بعض المناطق شهرين ونصف شهر وبذلك الإضراب التاريخي الذي انتهى بثورة 1905 برز لينين. وبنجاح ثورة 1917 تحقّقت مطالب العمال في روسيا. وفي 23 نيسان سنة 1919 أقرّت حكومة كليمانصو الفرنسية جعل يوم العمل ثماني ساعات. ثمّ تتالى الأمر بعد ذلك في بقية الدول. وصار أوّل أيار عيداً عالمياً للعمال.
أيـام الله
مصطلح ثقافي إسلامي يغلب استعماله على الكوارث الكبرى التي أصابت الشعوب والجماعات نتيجة لانحرافها في العقيدة والشريعة والأخلاق.
وقد يستعمل للدلالة على الانتصارات الكبرى التي أحرزها المؤمنون فغيّرت مجرى التاريخ أو مجرى جماعة مؤمنة أو شعب مؤمن.
إيجليز
جبل عند مدخل مدينة مراكش يبلغ ارتفاعه 527م، وهو موقع استراتيجي هام إذ يشرف على مدينة مراكش وعلى واحات النخيل المحيطة بها، ولهذا بنيت فوقه مراكز عسكرية كما يوجد بوسطه خلوة الولي أبي العباس السبتي. وقد سمّي هذا الجبل أيضاً في كتابات الموحدين باسم الجبلين أو جبل الجبلين. ويروي ابن القطان في كتابه نظم الجمان أنّ المهدي بن تومرت اتّخذ من هذا الجبل قاعدة له في بدء دعوته لمدّة ثلاث سنوات ثمّ انتقل بعد ذلك إلى قلعة تتخلل في قلب جبل الأطلس الكبير سنة 518هـ واتخذها قاعدة لدولته الناشئة، وبقي فيها ست سنوات إلى أن مات هناك سنة 524هـ.
إيران (جريدة)
اسم جريدة إيرانية صدر العدد الأوّل منها عام 128هـ. وهي من الصحف الإيرانية القديمة التي ابتدأ تاريخها بهذا التسلسل:
يبدأ تاريخ الصحافة الحديثة في إيران بصحيفة ميرزا صالح الشيرازي التي لم يعثر على نسخة منها، ولا نملك معلومات كافية عنها، وكلّ ما لدينا هو ما جاء عنها في بعض المصادر:
كانت هذه الصحيفة تطبع في طهران في عهد الملك محمد شاه القاجاري، وتنشر الأخبار الداخلية تحت عنوان (أخبار الممالك الشرقية) والأخبار الأجنبية تحت عنوان (أخبار الممالك الغربية) وتطبع بالضغط الحجري، وتعتبر المرجع الوحيد للاطلاع على هذه الأخبار، وكانت تصدر في صفحتين يطبع على وجه واحد منها ويترك الوجه الآخر خالياً من الكتابة، وقد جاء في مقدمة الصحيفة العبارة التالية: أخبار وحوادث شهر محرم 1253هـ، طبع في دار الخلافة بطهران.
ولم يكن للجريدة كما يظهر اسم مستقل، ولربّما كان ولكنّنا نجهله وهاك احتمال قوي بأنّ ميرزا صالح الشيرازي أطلق اسم جريدة (نيوزبيبر) الإنكليزية على صحيفته. وكان يترجم أخبار صحيفة نيوزبيبر، ترجمة حرفية وينشرها في صحيفته.
صدرت صحيفة ميرزا صالح الشيرازي مدّة ثلاث سنوات متوالية ثمّ توقفت عن الصدور لأسباب مجهولة.
وفي عهد ناصر الدين شاه وحينما أمسك أمير كبير بزمان رئاسة الوزراء طلب منه أن يسمح له بإصدار صحيفة تطلع الشعب على أخبار البلاد والدول الأجنبية، فصدرت إرادة ملكية تخوّله إصدار صحيفة (وقائع اتفاقية) أي الحوادث، وصدر العدد الأوّل منها في شهر ربيع الثاني عام 1267هـ الموافق 1851م، ولم تحمل هذه الصحيفة اسم (وقائع اتفاقية) وإنّما اكتفت بشعار الأسد والشمس الإيرانيين وجملة (يا أسد الله الغالب) وكانت صغيرة نسبياً تكتفي بنشر (أخبار دار الخلافة بطهران) ثمّ ازداد حجمها وتطوّرت وأطلق عليها اسم (وقائع اتفاقية) وفرض على رجال الدولة والحكام والأثرياء والتجار وأبناء القبائل ورجال الجيش شراؤها. وقد جاء في (صدر التواريخ) عن ذلك ما يلي:
«أصدر ميرزا تقي خان، أمراً بوجوب اشتراك كلّ شخص بلغ راتبه الشهري 200 تومان بالصحيفة على أن يدفع سنوياً مبلغ تومانين».
وكان أمير كبير يبغي من وراء ذلك رفع المستوى الثقافي لدى أبناء الشعب، واطلاعهم على التطورات العلمية والثقافية والاجتماعية والأدبية التي تحدث في أوروبا وعلى ما يدور في داخل البلاد.
وقد عهد أمير كبير برئاسة تحرير الصحيفة إلى الحاج ميرزا جبار خان ناظم السهام الذي كان قد تقلّد منصب قنصل لإيران في العراق، كما انتخب المستر إدوارد برجيس البريطاني مساعداً له، وكان قد قدم إيران في عهد عباس ميرزا نائب السلطنة الذي عيّن له راتباً شهرياً قدره 400 تومان، وقد تعلّم برجيس اللغة الفارسية في خلال فترة وجيزة، وأجاد التكلم والكتابة بها، ولم يكتف بالعمل في هذه الصحيفة فقط وإنّما أصدر صحيفة أسبوعية أخرى خاصة بالبلاط الملكي والأمراء والشخصيات البارزة، وكان تنشر فيها الأخبار الخارجية، وأعقبه في العمل والإدارة اعتماد السلطنة، فكان يترجم الأنباء الخارجية إلى اللغة الفارسية، ثمّ ينشرها في هذه الصحيفة، التي كان تصدر بشكل دقيق ومنظّم، حيث كان يطلع عليها الملك في الوقت المعين.
وقد استمرّ إصدار صحيفة الحوادث الأسبوعية لمدّة عشر سنوات دون انقطاع تحت اسم (وقائع اتفاقية) ثمّ استبدلت باسم (روزنامة دولت عليه إيران) أي صحيفة الدولة الإيرانية العظمى، واستمرّ إصدارها إلى عام 1277 تحت إشراف أبي الحسن غفاري الملقب بصنيع الملك، وكان من الفنانين والكتّاب الكبار في العهد القاجاري، وقد قدم خدمات جلّى للصحافة الإيرانية.
ويُقال إنّه كان يقوم بإصدار الصحيفة وحده دون الاستعانة بأحد، ومن بدائع أعماله أيضاً، إصدار صحيفة (دولت عليه إيران) المزينة بصور رجال الدولة والمباني المهمة وقد صدر منها 196 عدداً، وبعد أن توقفت عن الصدور فترة من الزمن عادت إلى الصور تحت اسم (إيران) وصدر العدد الإوّل منها عام 1288هـ.
وكانت تنشر الأخبار الداخلية والخارجية، وبعض المواضيع العلمية وما يحدث من تطوّر صناعي وعلمي في الغرب، وكانت تذيل بالجملة التالية التي تدل على المسؤول عنها وناشرها «المدير العام لدار الطباعة في الممالك المحروسة الإيرانية صنيع الدولة محمد حسن».
وتجدر الإشارة إلى أنّ صحيفة (إيران) غير صحيفة (إيران سلطاني) وأنّ الأخيرة صدرت بعد صحيفة إيران وكانت امتداداً لها.
- () لسان العرب 11/614. ↑
- () الذريعة، للسيد المرتضى 1/63، الوافية، للتوني/71، وأنظر: المدخلإلى عذب المنهل في أصول الفقه، للشعراني/284، إشارات الأصول، للكرباسي/113. ↑
- () المستصفى، للغزالي 2/12، نزهة الخاطر العاطر في شرح روضة الناظر 1/150، شرح مختصر الروضة، للطوفي 1/222. ↑
- () تقريرات المجدد الشيرازي 2/88. ↑
- () شرح مختصر الروضة، للطوفي 1/180. ↑
- () شرح روضة الناظر 1/150، شرح مختصر الروضة، للطوفي 1/180، مطارح الأنظار، للأنصاري 60/64، القوامين المحكمة، للقمي/74، المدخل إلى عذب المنهل، للشعراني/285 و286، إشارات الأصول/113. ↑
- () نهاية السؤل 1/318 و319، انظر الفروق، للقرافي 1/178. ↑
- () انظر: مطارح الأنظار/65، القوانين المحكمة/331، المدخل إلى عذب المنهل/286. ↑
- () انظر مطارح الأنظار/64 و65، القواعد والفوائد، للشهيد الأول 1/75. ↑
- () القوانين المحكمة/331. ↑
- () القوانين المحكمة/331. ↑
- () أنوار الهداية، للإمام الخميني 1/184، منتهى الأصول، للبجنوردي 2/210. ↑
- () مصباح الأصول، للسيد الخوئي 2/82. ↑
- () انظر مطارح الأنظار/60. ↑
- () الفروق 1/120. ↑
- () القوانين المحكمة/74، المدخل إلى عذب المنهل/288، وانظر بحر الفوائد، للآشتياني/43. ↑
- () انظر المدخل إلى عذب المنهل/288. ↑
- () نفس المصادر. ↑
- () مطارح الأنظار/60. ↑
- () انظر القواعد والفوائد، للشهيد الأول 1/89، الفروق 1/120، القوانين المحكمة/74، المدخل إلى عذب المنهل/391. ↑
- () مفاتيح الأصول، للطباطبائي: 132. ↑
- () الفروق للقرافي 1/178، نزهة الخاطر العاطر 1/150. ↑
- () القوانين المحكمة/331. ↑
- () مصباح الأصول، للخوئي 2/81 و82، منتهى الأصول، للبجنوردي 2/210، أنوار الهداية 1/182. ↑
- () المدخل إلى عذب المنهل، للشعراني/285. ↑
- () الفروق، للقرافي 1/129 و130، القواعد والفوائد، للشهيد الأول 1/122 و123. ↑
- () انظر فرائد الأصول 1/209، فوائد الأصول2/70، أنوار الهداية، للإمام الخميني 1/177. ↑
- () نفس المصادر السابقة. ↑
- () أيضاً نفس المصادر السابقة. ↑
- () مصباح الأصول 2/79، فوائد الأُصول 3/74. ↑
- () المدخل إلى عذب المنهل، للشعراني: 285، أنوار الهداية 1/174، فواتح الرحموت 1/68، أوثق الوسائل، للتبريزي/40. ↑
- () المدخل إلى عذب المنهل، للشعراني/285، أوثق الوسائل، في شرح الرسائل/40. ↑
- () فوائد الأُصول، للنائيني 3/68، أوثق الوسائل في شرح الرسائل/41. ↑
- () فوائد الأُصول، للنائيني 3/68. ↑
- () فوائد الأُصول 3/72، فرائد الأصول، للأنصاري1/210. ↑
- () فوائد الأُصول، للنائيني 3/73، أوثق الوسائل/42، فرائد الأصول 1/25، بحر الفوائد للآشتياني/44. ↑
- () فرائد الأصول 1/25، بحر الفوائد، للآشتياني/44 ـ 45. ↑
- () مصباح الأصول للسيد الخوئي 2/81 و82، أنوار الهداية، للإمام الخميني 1/182، بحوث في علم الأصول 4/178. ↑
- () أنوار الهداية 1/185. ↑
- () انظر: فوائد الأصول 3/72 و73، وأنوار الهداية 1/185. ↑
- () انظر: أنوار الهداية 1/185. ↑
- () في الأنوار: الشاهنشاه. ↑
- () في الأنوار: بقاءه… لواءه. ↑
- () في ثقافة الهند: دائر. ↑
- () في ثقافة الهند: ورأيته، وفي طبعة بيروت، برأيه وأربته. ↑
- () في الأصل: وإن كانت، والتوصيب من الأنوار. ↑
- () البيت للحطيئة؛ وهو في ديوانه: 77 ـ مع شيء من الاختلاف ـ. ↑
- () كلمة ـ تعالى ـ لم ترد في الأنوار في المكانين. ↑
- () في الأصل: تميزه، والتصويب من الأنوار. ↑
- () في الأصل والأنوار وسائر الطبعات: واقع، ولعله تصحيف ما أثبتناه. ↑
- () قال الفخر الرازي في تفسيره ما حاصله أنّ من مجيء التمنّي بمعنى القراءة قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} أي إلاّ قراءة لأنّ الأميّ لا يعلم القرآن من المصحف وإنّما يعلمه قراءة ثمّ استشهد ببيت حسان وقال: أصل التمنّي التقديرن والقارىء يقدر الحروف. ↑
- () بعض العلماء يخص كلمة الأميين في هذه الآية وحدها بمعنى «العرب» أي بعث في العرب رسولاً منهم. ↑
- () لم تأتي كلمة الأمي مفرداً أو جمعاً في القرآن الكريم إلاّ في الآيات الست، وقد ناقشنا الكلمة فيها جميعاً. ↑
- () يطلق اليهود على غيرهم «جوييم» بمعان أخرى فهم يدينون بإلههم «يهوه» فغيرهم جوييم أي «وثني» أو كافر، لأنّه لا يشاركهم في عبادة ربّهم الخاص بهم، وإن كان يؤمن بوحدانية الله، ويرون أنّهم وحدهم الأطهار، فغيرهم جوييم أي نجس، وأنّهم البشر فغيرهم «جوييم» أي الحيوانات. ↑
- () وكذلك أوصى معاوية قائده الآخر بسر بن أبي أرطأة حين أرسله لغزو الحجاز واليمن: «سر حتّى ترد المدينة فاطرد الناس وأخف من مررت به وانهب أموال كلّ من أصبت له مالاً ممّن لم يكن قد دخل في طاعتنا». ↑
- () المعاهد من كان مع المسلمين من غير المسلمين. ↑
- () اسم الهاشمية ربّما اكتنفه بعض الغموض والتشابه ـ فالاسم يرد لمواضع متعدّدة. ويبدو من رواية البلاذري أنّ السفاح أطلق اسم الهاشمية على المدينة التي بناها ابن هبيرة بالكوفة على الفرات، ثم كره السفاح هذه المدينة لأنّها لم تشتهر بين الناس بالهاشمية وإنّما بقيت تنسب لابن هبيرة، فتركها وبنى حيالها مكاناً سمّاه الهاشمية أيضاً وهي كذلك بالكوفة وعرفت بهاشمية الكوفة. ويشير الطبري أيضاً إلى بناء هاشمية المنصور، بينما لا يشير البلاذري إلى ذلك، وإنّما يذكر عن المنصور أنّه: «نزل المدينة الهاشمية بالكوفة واستتم شيئاً كان بقي منها وزاد فيها بناء وهيأها على ما أراد». وهاشمية المنصور تقع على رواية الطبري قبالة مدينة ابن هبيرة بينهما عرض الطريق. وهي تقع على رواية اليعقوبي «بين الكوفة والحيرة». ولم يبق المنصور طويلاً في الهاشمية بل تحوّل إلى بغداد. ↑
- () المعروف أنّه أشرس بن حسان البكري. ↑
- () انظر أمل الآمل، ج2، ص308، الطبعة النجفية سنة 1385 هجرية. ↑
- () الشيخ آقا بزرك الطهراني: الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج2، ص362، ببيروت، دار الأضواء. ↑
- () لسان العرب 11/169. ↑
- () اصطلاحات الأصول، للمشكيني/ 83ـ84. ↑
- () انظر: أنوار الهداية ٢/٩١، ودروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٥. ↑
- () انظر مصطلح: العلم الإجمالي. ↑
- () المعالم الجديدة: ١٨٥، وبحوث في علم الأصول ٥/٢٥٢. ↑
- () انظر مصطلح: اصل. ↑
- () حاشية رد المحتار لابن عابدين ٣/٢٢٦، الأشباه والنظائر لابن نجم: ٣٣٨، مستمسك العروة الوثقى للسيد الحكيم ١٠/٣١١، القواعد والفوائد للشهيد الأول ٢/٢٠٨. ↑
- () دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٥، وأنوار الهداية ٢/٩١. ↑
- () بحوث في علم الأصول /٢٥١. ↑
- () انظر: أنوار الهداية ٢/٩١. ↑
- () فرائد الأصول ٤/٤٤. ↑
- () انظر المصادر السابقة. ↑
- () دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة: القسم الثاني: ١٢٢ – ١٢٣. ↑
- () المصدر السابق الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٦، وتهذيب الأصول ٢/٢٠٥، بحوث في علم الأصول ٥/٢٣٩ – ٢٤٠. ↑
- () المصادر السابقة. ↑
- () أنوار الهداية ٢/٨٩ – ٩٠، ودرر الفوائد ٢/٢٦٦ ودروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٦، تهذيب الأصول ٢/٢٠٥. ↑
- () بحوث في علم الأصول ٥/٢٠٤. ↑
- () أنوار الهداية ٢/٨٩ – ٩١ وتهذيب الأصول ٢/٢٠٦. ↑
- () حقائق الأصول ٣/٢٤٢. ↑
- () نهاية الأفكار ٣/٢٥٠. ↑
- () دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني/١٢٠-١٢٢، وبحوث في علم الأصول ٥/٢٤٧. ↑
- () المصادر السابقة. ↑
- () انظر: دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني/١٢٠-١٢٢، بحوث في علم الأصول ٥/251ـ252، فوائد الأصول 4/42ـ44، أنوار الهداية 2/91. ↑
- () نهاية الأفكار 3/250، حقائق الأصول 2/244، بحوث في علم الأصول 5/249ـ250. ↑
- () بلج بن بشر بن عياش القشيري سيّره هشام بن عبدالملك على مقدمة جيش كثيف مع عمّه كلثوم بن عياض إلى إفريقيا لمّا ثار أهلها بأميرهم ابن الحجاب، فنزل كلثوم وبلج بالقيروان وقاتلا البربر فقتل كلثوم (في أوائل سنة 124هـ) وحصر بلج إلى أن جاءته مراكز أمير الأندلس فركبها مع أصحابه ورحل إلى الأندلس، ثمّ عاود الكرة على البربر وأوغل فيهم، فخافه أمير الأندلس (عبدالملك بن قطن) فدعاه إلى الخروج منها، فقبض عليه بلج وقتله واستولى على البلاد (ح). ↑
- () هكذا يقول ابن عذارى بدون أن يأتي بتحديد واضح (بيان 2/134) أما ابن سعيد فيجعل ثورته في الثغر الأعلى Aragon (مغرب س 50) ولعل المعقول أن تكون هذه الثورة في المناطق الواقعة بين السواحل الشرقية وضفاف نهر الإبرو الجنوبية أي تقريباً في نفس المنطقة التي ثار فيها شقياً من قبل. ↑
- () يقول حسن الأمين: هذا ما زعمه الزاعمون ليبرووا قتله، وإذا لم تكن لدينا معلومات واضحة عنه، فإنّنا قياساً على ما نعرفه من أمثاله من المسلمين المؤمنين المخلصين في إسلامهم وإيمانهم، ومع ذلك فد اتهمهم الطغاة بالزندقة وفساد العقيدة، ودعمهم في ذلك فقهاء السوء، ممّا أدّى إلى استباحة دمائهم. ولنا في الشهيد العالم الجليل، العابد الزاهد محمد بن مكي أكبر شاهد على ما نول ـ قياساً على ذلك نقول بأنّ ما اتهم به هو زور وبهتان. ↑
- () جمهرة أنساب العرب والبصرة هذه ليست بصرة العراق، بل هي مدينة في المغرب (راجع مدن إدرسية في حرف الميم من هذا المجلد). ↑
- () الخشني: كتاب القضاة بقرطبة 10، 11. ↑
- () ابن سعيد: المغرب 45 ويقصد بالكتب القديمة الكتب التي تتناول العلوم المختلفة من طب ونجوم… إلخ. ↑
- () العقد الفريد 2/403ـ411 (ط القاهرة 1940). يقول حسن الأمين: إنّ صاحب العقد الفريد في هذا الذي يذكره عمّا زعمه فرقاً شيعية وغير ذلك من الاتهامات هو مفتر كغيره من المفترين، وكم هم حقيرون مجرمون أدنياء هؤلاء الذين يذكرون اليهودية واليهود في هذه المناسبات.. ↑
- () قدم بهذا الكتاب من المشرق بقى بن مخلد القرطبي في نهاية أيام الأمير محمد (توفى 273هـ) وقد أثار عليه فقهاء قرطبة لما جاء فيه من «الاختلاف» حتى أوشكوا على تكفيره لولا أن حماه من ذلك الأمير محمد نفسه ـ ابن الفرضي ت 281هـ. ↑
- () لعل ابن عبد ربه اعتمد على كتابه «المعارف» الذي يعتبر موسوعة في تاريخ الأديان والفرق والمذاهب وقد نقل هذا الكتاب إلى الأندلس في فترة مبكرة وأهم من له فضل إذاعة محمد بن عبد السلام الخشني (تُوفي 286هـ) هو من أساتذة ابن عبد ربه ومن المعاصرين له: محمد بن موسى الأقشتين وقاسم بن أصبع البياني (توفي 337هـ). ↑
- () أوّل من أشار إلى هذه المسألة: T.Noldeke في Ghassanischen Fursteu aus dem House Gafna’s على هامش ص 55. ↑
- () يقول حسن الأمين: مقاومة الطغاة ليست خروجاً على الجماعة، بل هي دعوة لتحرير الجماعة فحين يكون ابن عبد ربه أموياً متعصباًفمن الطبيعي أن يكره التحرير وأن ير الظلم وأن لا تهمه الجماعة، بل يهمه الفرد الحاكم المستبد. ↑
- () يقول حسن الأمين: ردّنا على سخرية ابن عبد ربه هو ردّ القرآن:{إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}. {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا}. ↑
- () يقول حسن الأمين: كلّ ما نقله الكاتب من آراء المستشر الإسباني، وآرائه هو نفسه ينطبق عليه قول القائل: يهرفون بما لا يعرفون. بل هم مضلّلون (بفتح اللام) ومضلّلون (بكسرها). فابن مسرة شيعي لحقته كما لحقت غيره افتراءات المفترين فنسب إلى ما نسب إليه وادعي عليه بما ادُّعي. ↑
- () ولى منذر قضاء الجماعة من سنة 339 إلى سنة 355. الخشنى كتاب القضاة بقرطبة ص 206. ↑
- () ابن حزم: فصل 4/27 من ذلك كلامه عن الجنة والنار وعن عصيان الأنبياء وله في هذه المسألة رأى قريب من رأى الإسماعيلية الذي يؤول خطايا الأنبياء تأويلا يتفق وما يرونه من عصمتهم ـ راجع كامل حسين: ديوان المؤيد داعي الدعاة ص 134 وما بعدها. يقول حسن الأمين: وهذا معطوف على ما تقدمه من الافتراء والتضليل، فابن حزم الناصبي، المجاهر بالعداء للشيعة ليس ممن تقبل أقواله في الشيعة وإن كون أجداده من موالي بني أمية وخدمهم جعله مسوقاً بتلك الموالاة والخدمة في ما كتب عن الشيعة وأئمتهم. ↑
- () ليس للشيعة تأويلات باطنية (ح). ↑
- () يلاحظ أنه لما كانت مهمة هؤلاء الجواسيس سرية فإنه بطبيعة الحال لم تحتفظ لنا المراجع بأخبار وافية مفصلة عنهم. ↑
- () ويمكن أن أقول إن القبض على أبي اليسر في مصر يجب أن يكون قد وقع قبل سنة 264 وهي السنة التي مات فيها الفقيه المزني الذي كان له فضل تخليص بعض الأندلسيين ممن قدموا لزيارة أبي اليسر في سجنه. ↑
- () يستعمل الكاتب اسم (عبيدالله المهدي) في حين أنّ الاسم الصحيح هو عبدالله (ح). ↑
- () يقول حسن الأمين: الكاتب يسمّيهم (جواسيس)، والصحيح: أن يُقال: دعاة. ↑
- ()Asin Palacios: Ibn Masarra…. P. 28 yape’ndice 11 no.2 «5» يقول حسن الأمين: الشيعة يوافقون المعتزلة في أمور كثيرة وإن خالفوهم في أمور مهمة. ↑
- () يسميه ياقوت: «التاجر الموصلي» ـ معجم البلدان 1/348. ↑
- () يقول حسن الأمين: نشكرهم على تفضلهم بإلحاق علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالخلفاء الراشدين!!! ثمّ نقول لهم: إنّنا نرفض هذا الإلحاق، فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قائم بنفسه لا يُلحق بأحد ولا يلحقه أحد. ↑
- () وقد شك الأستاذ جبرائيل جبور في نسبة هذه الأرجوزة لابن عبد ربه، وذلك تمشياً معر أيه في أنّ هذا المؤلف كان متشيعاً (المقالة السادسة من البحث)، وقال إنّ هذه الأرجوزة ربّما كانت لأحد أبناء ابن عبد ربه أو أحفاده، وقد بيّنا فيما سبق الاسباب التي تحملنا على إنكار تشيّع ابن عبد ربه وإثبات تعصّبه للأمويين، ولا مانع مطلاً من أن تكون الأرجوزة له، صنعها قاصداً كسب رضاء الأمويين في وقت اشتدّت عداوتهم فيه لخصومهم التليديين وليس هناك ما يؤيّد جواز كون الأرجوزة لأحد أبناء ابن عبد ربه أو بعض قرابته. ↑
- () بل استمرّت النزعة الأموية في الأندلس بعد ذلك بكثير، ويروي المقري بيتاً لأحد الأندلسيين يمثّل رأيهم في معاوية (نفح 3/409):ومن يكن يقدح في معاويةفذاك كلب من كلاب عاويه ↑
- () إنما اخترنا ابن حزم على رغم تأخر وفاته (456/1063) وذلك لأنه يمثل هذه المدرسة من المفكرين التي تم تكوينها ونضجها في أيام الخلافة الأموية. ↑
- () نفس المرجع: 4/ 171 هذه آراء ابن حزم سليل موالي الأمويين وخدمهم (ح). ↑
- () المالكي: رياض النفوس 1/398 ولعله يعني بقوله أصحاب البدع الفاطميين بوجه خاص. ↑
- () كانت نكور إمارة ساحلية على البحر الأبيض مواجهة للسواحل الأندلسية، وكانت تحكمها الأسرة الصالحية السنية وقد كانت هذه الدولة الصغيرة أشبه بمحمية أندلسية (ابن الأبار يسمى أميرها سعيد بن صالح والي نكور للأمير عبد الرحمن)، وقد استطاعت أن تقف في وجه الفاطميين متحدية إياهم في صلابة وشجاعة، ولهذا فقد أمدتها قرطبة بكل ما استطاعت من تأييد مادي وروحي ـ ابن عذارى: بيان 1/246. ↑
- () وجدت في أيام الخلافة الأموية هجرات بربرية ولكن كان معظمها من قبيلة زناتة التي كانت موالية للأمويين، ثم إن الخلافة استطاعت أن تقمع كل نزعة منهم إلى التمرد، أما في أيام الدولة العامرية فقد استعان المنصور بن أبي عامر وابناه عبد الملك وعبد الرحمن من بعده بفرق من قبيلة صنهاجة، وكان هذا أول عوامل انحلال الدولة، إذ إن الصنهاجيين كانوا دائماً شيعة موالين للفاطميين، ولم ينسوا في الأندلس نزعتهم الشيعية، بل بلغ نفوذهم أن كانت الشريعة السنية لا تطبق عليهم في أيام عبد الرحمن بن المنصور المعروف بشنجول Sanchol، كما فرض عبد الرحمن هذا على أهل دولته من الأندلسيين أن يتزيوا بزي البربر الصنهاجيين (ابن عذارى: البيان المغرب 3/48) وقد قرب هذا نهاية الدولة الأموية وعجل بظهور الدعوة العلوية البربرية. ↑
- () هو إسماعيل بن عبد الله الرعينى، وكان أنصاره يعتبرونه إماماً ويؤدون إليه الزكاة. راجع: ابن حزم: الفصل 4/200 وكذلك As in Palacios : Ibn Masarra… P. 122. ↑
- () وقد أفرد المستشرق Israel Friedlander هذه الناحية من كتاب ابن حزم ببحث مستقل بعنوان:The beterodoxies of the Sbiites according to Ibn hazm (New Haven 1909).ولكن يجب أن نلاحظ أن ابن حزم من ألد أعداء التشيع فينبغي أن نتلقى كلامه في كثير من الحذر. ↑
- () يقول حسن الأمين: إجماله وتفصيله كلّه ضلال في ضلال. ↑
- () يقول حسن الأمين: اعتماد الكاتب في باطنية إسماعيل بن عبدالله الرعيني على ابن حزم هو اعتماد على ضلال. ↑
- () يأتي كلام مفصل عن بني حمود. ↑
- ()A. Prieto y Viver: Los reyes de Taifas. P.25 وانظر كذلك الحميدى: جذوة المقتبس ص 22 وعبد الواحد المراكشى: المعجب ص 50 وقد ذهب «بيريس» (la poesie anda-lousc… P.96) إلى أن الحموديين قاموا فعلا بهذه المحاولة، واستند إلى ما ذكره ابن خاقان في المطمح من اضطهادهم لابن شهيد، ولكنا لا نرى في ذلك دليلا كافياً على أن الحموديين أرادوا فرض تشيعهم على الأندلسيين بشكل عام، بل إن ابن شهيد نفسه ـ كما سنرى ـ لحق بيحيى بن علي الحمودي ودافع عن إمامة العلويين. ↑
- () يقول حسن الأمين: هذه آراء شخصية للكاتب لا نستطيع التسليم بها. ↑
- () نفس المرجع: 1/182 فهو يقول في معرض الكلام عن بعض خصومه من الأدباء «ولو أنه منتسب على آل هاشم، إلى عصابة أقلنى كرمهم وأظلتنى نعمهم… الخ». ↑
- () نفس المرجع: القسم الأول ـ 1/396 وقد نسب المقرى هذه القصيدة خطأً إلى أبي بكر عبادة بن ماء السماء راجع المقرى: نفح الطيب 2/ 31. ↑
- () هذا وقد لاحظ ابن بسام أن معظم شعراء عصره يميلون إلى طريقة ابن هاني ويقلدونه الذخيرة القسم لاثاني ورقة 153. ↑
- () تحفة الزائر. ↑
- () انظر عن كيفة بيعته وعن سطوته وإمارته الذخيرة (ق1 م1/78، 79) وتجد نبذة عن سيرة الأمير علي بن حمود وعن مدّة ملكه في المصدر المذكور (83) وفي كتاب «المرقبة العليا فيمن يستحق المرتبة العليا» وهو تاريخ قضاة الأندلس للمالقي الأندلس (89). ↑
- () الذخيرة (ق1 م1/52). ↑
- () الذخيرة (ق1 م1/82). ↑
- () يحيى بن علي هذا من أشهر ملوك بني حمود في إشبيلية وقرطبة، وقد أثنى عليه صاحب الذخيرة ثناءً بالغاً وكان الوزير ابن شهيد من المختصين به وله فيه أشعار ومدائح يمكن الاطلاع عليها في الذخيرة. ↑
- () الذخيرة. ↑
- () العبر لابن خلدون. ↑
- () المعجب لعبد الواحد المراكشي. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () إعلام الأعلام لابن الخطيب. ↑
- () الأنيس المطرب بروض القرطاس في ملوك المغرب ومدينة فاس لابن أبي زرع. ↑
- () ابن الأثير. ↑
- () العبر لابن خلدون. ↑
- () ابن الأثير والمعجب للمراكشي. ↑
- () الذخيرة في محاسن أهل الجزرة لابن بسام. ↑
- () ديوان ابن دراج القسطلي. ↑
- () انظر رايات المبرزين وشارات المميزين (ابن سعيد، ص23ـ34). ↑
- () أعلام الأعلام للسان الدين بن الخطيب. ↑
- () إعلام الأعلام. ↑
- () اعتمدنا فيما نقلناه مخطوطة كتاب درر السمط في أخبار السبط التي تهيأ للطبع بتحقيق الدكتور عبدالسلام الهراس والأستاذ سعيد أعراب. ↑
- () درة الحجال في أسماء الرجال. ابن القاضي. ↑
- () ابن سهل: الإعلام بنوازل الأحكام ـ قطعة منه 76. حوليات تونس 1964. ↑
- () نفسه. ↑
- () ابن سهل. ↑
- () نفسه. ↑
- () نفسه. ↑
- () نفسه. ↑
- () نفسه. ↑
- () نفسه. ↑
- () ابن سهل. ↑
- () نفسه. ↑
- () نفسه. ↑
- () نفسه. ↑
- () فسه. ↑
- () ابن سهل. ↑
- () من فقهاء المالكية، ولي خطة الكتابة للقاضي أبي زيد الحشا في طليطلة، ثمّ لأبي بكر بن منظور في قرطبة التي ولي فيها خطة الشورى، فترة ثمّ تقلب بين قضاء العدوة وغرناطة، وبها توفي معزولاً سنة (486هـ ـ 1093م). انظر ابن بشكوال الصلة، 2، 415، ترجمة رقم 942، وقد غدا كتابه «الأحكام الكبرى» مصدراً اعتمد عليه الونشريسي في كتابيه الولايات والمعيار المعرب أنظر: Le’vi Provencal: Op Cit. T. 111 p. 116 n2. ↑
- () الإعلام بنوازل الأحكام وفقرات من سير القضاة والحكام، ويعرف أيضاً بالأحكام الكبرى. خ.خ. مكتبة حسن حسني عبدالوهاب، انظر عنه حوليات الجامعة التونسية عدد1، 1964م ص61 وما بعدها. ويوجد المخطوط في المكتبة العامة بالجزائر تحت رقم 1332. ↑
- () طبع الكتاب بعنوان «درر السمط في خبر السبط» وفوقه عنوان صغير تعريفي وهو: «من أدب التشيع بالأندلس». حققه أول مرّة الدكتوران عبدالسلام هراس وسعيد أحمد أعراب. تطوان 1972، ولم يجاوز بمقدمته وفهارسه مائة صفحة من القطع الوسط. ↑
- () صدر ديوان رسائله عن دار الفكر بدمشق (إصدار 1987). ↑
- () ابن الخطيب: أعمال الإسلام مخطوطة الخزانة الملكية رقم 807، 697. رواية الهراس ص.ك. ↑
- () الهراس: عبد السلام ص/ل. ↑
- ↑
- () زاد المسافر 157. ↑
- () ابن الأبّار: الحلّة السيراء 2/237. ابن سعيد: المغرب 1/77، 137. 2/373ـ385، 390 إلخ. ↑
- () التكملة رقم 1895. ↑
- () تحفة القادم 82. ↑
- () الإحاطة 3/350. ↑
- () الإحاطة 3/350ـ359. ↑
- () الدكتور عدنان محمد آل طعمة. ↑
- () اعتمدنا على نصوص هذه الرسائل النبوية الواردة في مخطوط الأسكوريال لكتاب «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للوزير ابن الخطيب. وقد طبع بمدينة القاهرة. ↑
- () يقول حس الأمين: كتب كاتب عن عوامل سقوط الأندلس، فعلقت على ما كتب بما يلي:لا شك في أنّ معركة بواتييه بين شارل مارتل وعبد الرحمن الغافقي وانهزام المسلمين فيها أخّرت التقدم الإسلامي في فرنسا، ولكن إلى حين، فمعركة بواتييه كانت مجرد معركة، فالقوى الإسلامية ممتدة حتّى أقاصي المشرق. والدولة قائمة بكل مقوماتها، وبكل عددها وعتادها وهي مستطيعة إعادة الكرة أكثر من مرة.إنّ سبب النكبة في الأندلس، وسبب التراجع النهائي بعد الامتداد المتواصل في فرنسا هو انفصال الأندلس عن جسم الدولة، وقيامها كياناً مستقلاً لا تربطه بالقاعدة أيّة رابطة.
وعندما نرجع إلى وقائع التاريخ نرى أنّ المدّ الإسلامي في فرنسا الذي كان مرشحاً لأن يتجاوزها إلى أوروبا كلّها، توقف أوّلاً ثمّ عاد إلى الانحسار في الوت الذي وصل فيه عبدالرحمن بن معاوية بن هشام إلى الأندلس فقامت الفتن، ثم تمّ الانفصال النهائي ووقفت الأندلس وحدها في مواجهة أوروبا الغربية كلّها، ولم تعد الدولة الأم مسؤولة عنها، وصار عليها أن تواجه مصيرها بنفسها.
وكان من الطبيعي أن يقوم في هذا الكيان الانفصالي بعض التوهجات، ولكنّها توهجات آنية ما كان لها أن تدوم ـ وهي فعلاً لم تدم ـ وكانت النتيجة أن تدرجت النهاية تدرّجاً، مرحلة بعد أخرى ففد المسلمون أوّلاً ما كانوا يملكون في فرنسا، ثمّ تجرأ شارلمان فهاجم الأندلس نفسها، وإذا كان لم يفز منها بطائل، فقد كان مجرد هجومه عليها إيذاناً بأنّ عهد الامتداد انتهى، وأنّ على الأندلس أن تفكّر بعد اليوم بما يحميها.
كان هذا في الوقت الذي لا تطمح بالنجدات من وراء البحر، لأنّها هي نفسها قطعت صلتها بما وراء البحر، وبما في هذا (الوراء) من قوى!.
كان هجوم شارلمان الخطوة الأولى بما عرف بعد ذلك بحرب الاسترداد ولم يكن من المحتوم أن تكون الخطوة الأولى ناجحة. وإذا لم تنجح فقد مهدت لنجاح الخطوات التي تلتها، وتتابعت الخطوات الناجحة خطوة بعد أخرى وأخذت المدن الأندلسية تتساقط مدينة بعد أخرى، وكان هذا طبيعياً في بلد محدود السكان، محدود المكان، محدود الإمكان. ولن ندخل في التفاصيل، فالتفاصيل معروفة.
إن لنا أن نعيد النظر في دراسة تاريخنا وأن نواجه الحقائق كما هي فلا نتعامى عنها، وأن نأخذ من كلّ ذلك العبرة، وما أكثر ما يمكن أن نأخذ من العبر. ↑
- () أبو بحر بن إدريس التجيبي المرسي (560ـ598) شاعر من مرسية بالأندلس «راجع: البربر». ↑
- () أبو عبدالله محمد بن إدريس المعروف بمرج الكحل (ويُقال مرج كحل) من أهل جزيرة شُقر(بلدة ابن خفاجة) وقد توفي سنة 634 ببلده وكان شاعراً مبدعاً، وخلف ديوان شعر كان متداولاً، ونحن هنا أمام شاعرين أندلسيين شيعيين يكشفان عن عراقة التشيع في الأندلس وعراقة شعره وأدبه.وهناك غير هذين الشاعرين، شاعر شيعي أندلسي آخر هو: محمد بن يوسف بن مسدي الأزدي المهلبي الأندلسي الغرناطي المولود سنة 593هـ والمقتول سنة 663هـ قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ بعد أن وصفه بالحافظ العلامة الرحال: كتب عن خلق بالأندلس سنة نيف وعشرة بعد الستمائة وارتحل بعد العشرين ولحق جماعة بحلب ودمشق ومصر والثغر وتونس وتلمسان وعمل معجماً في ثلاث مجلدات كبار وله تصانيف كثيرة وتوسع بالعلوم وتفنن، وله اليد البيضاء في النظم والنثر ومعرفة بالفقه وغيره وفيه تشيع وبدعة.إلى أن يقول الذهبي: أراني عفيف الدين. له قصيدة نحواً من ستمائة بيت ينال فيها من معاوية وذويه. قتل غيلة وطل دمه. ↑
- () وفيها يقول:وليتها إذ فدت عمراً بخارجةفدت عليّاً بمن شاءت من البشر ↑
- () يلاحظ أنّ ابن بطوطة زار مدينة «سومطرا» عاصمة جزيرة سومطرا ولكنّه يذكر سلطانها باسم «سلطان الجاوة» ولا عجب فقد كان اسم الجاوة يطلق على أرخبيل الملايو كلّه، وكانت سومطرا تعرف أحياناً باسم جاوة الصغرى، في حين تعرف جزيرة جاوة باسم جاوة الكبرى. ↑
- () راجع بحث «أجيه». ↑
- () انظر ما كتبه فن درليث Vander Leth وسبان Spaan وفوكنس Fokkens تحت عنوان Indonesisch Faal Stam في دائرة معارف الهند الهولندية! ودائرة معارف لاروس، ودائرة المعارف البريطانية. ↑
- () ماكس هافلار، اسم قصة كتبها الأديب الهولندي «دوس ديكر» الذي سمّى نفسه «مولتا تولي» وهو اسم مستعار لاتيني معناه «أنا أقاسي الشقاء» وهو جد الدكتور دوس ديكر الذي أسلم وسمّى نفسه «ستيا بودي». ↑
- () ص 149ـ150. ↑
- () ذكر روفاير الأخبار الصينية في المجلد 74 من Bidragen van hel Konninklijk institute . وفي ص 138ـ166 من Onderhei dkundige opmerkingen. ↑
- () هو البروفسور J.G.Casparis الأستاذ بجامعة ايرلانكا في سورابايا في محاضرة ألقاها. ↑
- () دائرة معارف الهند الهولندية ص174. ↑
- () المصدر السابق ق2 ص1106. ↑
- () المصدر السابق ص 560. ↑
- () كونادي Goenadi بجريدة آسيا رايا في 25 أغسطس 1945م العدد 109. ↑
- () ذكر الدكتور مصطفى جواد المؤرخ البحاثة نقلاً عن المؤرخين الغربيين والعرب وجود نفط في العراق قبل الميلاد، وأنّه في عام 391هـ على عهد الخليفة القادر بالله العباسي كان رئيس النصارى النسطورية يشتغل باستخراج النفط وبيعه بالقر من كركوك (عن مجلة أهل النفط). ↑
- () سالم هاراهاب، وسير طوماس أرنولد. ↑
- () T.Empire Sunatranais. عن فيراند في The effect of western influence on native civilization in th malay arcipilago, 35.. ↑
- () سيراف ميناء بقرب بندر عباس. ↑
- () العرب ص 13 فيليب حتي. ↑
- () ثقافة الهند، العدد 2 المجلد الأوّل يونيو 1950م. ↑
- () انظر فيث وابن بطوطة. ↑
- () سالم هارهاب. ↑
- () بيخمان في «تاريخ الهند الشرقية». ↑
- () مروج الذهب ص 140 ط1958م. ↑
- () معجم البلدان ج3 ص8440. ↑
- () المصدر السابق ج3 ص393. ↑
- () التنبيه والإراف ص46 ط1938م ومروج الذهب ص102 ج1 و107 و132. ↑
- () فيليب حتي «العرب» ص115. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () Van leur. ↑
- () ج3 ص445. ↑
- () ص35. ↑
- () ص39. ↑
- () ص140. ↑
- () المروج ص153 ج1. ↑
- () ج3 ص18. ↑
- () ص35. ↑
- () ص 67 الفصل الأوّل عام 1929م للكاتب Van ricursel. ↑
- () المجلد 3 ص431. ↑
- () ص 149 ج1. ↑
- () ص154 ج1. ↑
- () ص124 المجلد 3. ↑
- () ص24 و37. ↑
- () ص440 ج3. ↑
- () ص197 ج1. ↑
- () ص39. ↑
- () ص54 و59. ↑
- () ص 152. ↑
- () العرب والملاحة في المحيط الهندي، ص 212. ↑
- () راجع بحث (أجيه) في مكانه في الجزء الثالث. ↑
- () «نخبة الدهر في عجائب البر والبحر» ص132 و168. ↑
- () ص132. ↑
- () ص168. ↑
- () ص220 1. ↑
- () ص25 ج1. ↑
- () أرنولد The preaching of Islam. ↑
- () تاريخ 8ـ12ـ1955م. مجلة الأقلام ج7 عام 1969م تصدر بالعراق. ↑
- () The coming islam to the East indies. ↑
- () في «جافا» ص57ـ58. ↑
- () Chou-cho-fi. ↑
- () جريدة الأهرام 23 سبتمبر 1933م. ↑
- () فيليب حتي «العرب» ص197. ↑
- () العرب قبل الإسلام 94. ↑
- () فن دن بيرخ ص192 و196. ↑
- () في مقال عن «الأصول التاريخة للإسلام في أندونيسيا» بمجلة الأقلام ج7، آذار 1969م. ↑
- () مجلة الموسوعات السنة 3 في مارس 1901م. ↑
- () «سجارة أمّة إسلام» ج4 ص21. ↑
- () P.de road del la faile. ↑
- () ص24. ↑
- () ولد في سنة 1361/1365م كما «سجارة كهيدوفن سينن خيري» تأليف أبو فطاني محمد عرفان. ↑
- () سالم هارهاب ص26. ↑
- () سالم هارهاب ص26. ↑
- () سجارة عالم ملايو. ↑
- () هاخمان. ↑
- () عن فيث 179/1. ↑
- ()S.coolsma والبيان الاستعماري لسنة 1911. ↑
- () كانت تصدر في مدينة سمارانغ، في 6 يناير 1936. ↑
- () سالم هاراهاب، وارنولد. ↑
- () عن كراوفورد. ↑
- () عن دوزي. ↑
- () عن de holl ander. ↑
- () عن نيتشر. ↑
- () عقود الألماس 2/101. ↑
- () نجيب صليبي في دراسات في تاريخ المورو (3) 5ـ24 و5ـ53. ↑
- () المصدر السابق ص150 و153 و159. ↑
- () جزر الفليبين م/ص284لـ. ↑
- () نجيب صليبي: ص150 و9ـ158 و3ـ162. ↑
- () Groenveldt. ↑
- () Travels in India. ↑
- () كراوفورد. (2) 9ـ385. ↑
- () كراوفورد. ↑
- () هاراهاب. ↑
- () P.J.B.C.Robicde Vahder AA18. ↑
- () Picafettal, 365 368. ↑
- () عن Die Prpaganda des في G.R.Simon Halbmondes . ↑
- () Die molukken, 39 Bokemyr. ↑
- () Zalinger (2) 176-179. ↑
- () Zalinger (1) 527. ↑
- () De Hollander I, 489. ↑
- () دائرة معارف الهند الهولندية ج2/432 و434 و524. ↑
- () Robide Van Der AA.352-3. ↑
- () Voyage to New Guinea, 68. ↑
- () The Journal of Theindian Archipelaco, 7, 74-64. ↑
- () دائرة معارف الهند الهولندنية 11/210. ↑
- () فورست 201ـ313. ↑
- () السيد عبد الحي الحسيني في نزهة الخواطر ج5 (349).P.Voorhoeve: Van en over Nuruddin Arraniri, 157. ↑
- () الدكتور حسين جاياد بنيغرات ص286. ↑
- () Een Verzameling Van Arabische, en atjehsche Hanadschriften en Gedrukte Boeken. ↑
- () راجع بحث أجيه التي تكرر ذكرها هنا، فقد أفردنا بحثاً مستقلاً هو على كلّ حال جزء من بحوث أندونيسيا. ↑
- () البروفسور غوردون جيلد. ↑
- () محمد سعيد في «أجيه سبانجنغ ايد» ج1/181. ↑
- () مروج الذهب ج1/138. ↑
- () .Scheep Brichten ind. crt ↑
- () ملة «ايكونومي ويك بلاد» 15/12/1933م. ↑
- () راجع بحث باسي في حرف الباء وقد خصصنا لها بحثاً خاصاً، يعتبر جزءاً من بحث أندونيسيا. ↑
- () هارهاب. ↑
- () توباكوس إسماعيل في «دليل بانتن وغيرهما». والشجرة المسلسلة لملوك باليبانغ. ↑
- () ذكر هذا كثير، منهم سالم هاراهابن وبيخمان، ودوس ديكر، والكتب الجاوية والحكايات، وسجارة باتن وتاريخ حسن الدين. ↑
- () البروفسور فن دن بيرخ ص 22. ↑
- () البروفسور حسين جاياد ينينغرات في ص78 من Critis. ↑
- () البروفسور سوحطوفي. ↑
- () حسين في مججلة «بهاس دن بودايا» عدد أكتوبر 1956م. ↑
- () فن دن بيرخ 1/35ـ36. ↑
- () توجد جزيرة بلامبانغن أيضاً في مجموعة جزائر سولو بشمال سولاويسي دخلها الإنكليز عام 1763م إثر معاهدة مع ملكها وبنوا لهم بها مستوطناً عام 1771م ثمّ ثار الأهالي عليهم عام 1775م وخرجوا منها عام 1805م. ↑
- () الدكتور سخريكة في كتابه «هت بوك بن بونانغ». ↑
- () الدكتور زوتمولدر. ↑
- () دوس ديكر في «اختصار رواية أندونيسيا» ص75ـ76. ↑
- () هكذا جاء في تاريخ بانتن، وأمّا كتب الأقاصيص فتسمي ذلك اليوم يوم مصارعة الديكة. وعام 888هـ يوافق عام 1483م، فلعل هذا خطأ، لأنّ حسن الدين تولّآ عام 930هـ (1525م) ومعظم ما نذكره هنا اقتبسناه من تاريخ بانتن وسيرة حسن الدين. ↑
- () فيث في (جاوا) ص286، والدكتور حسين جايادينيغرات في أطروحته. ↑
- () الدكتور دهان في «بريانغن» 4/211/216. ↑
- () دوس ديكر ص75. ↑
- () سجارة تانه جاوا غن. ↑
- () عن الكولونيل براندر في «تاريخ الاستعمار». ↑
- () فيث 32. ↑
- () الدكتور حمكا. ↑
- () سخريكه في تطور الطاقات الاقتصادية ج2 ـ 242. ↑
- () الحاج العالم السيد توباكوس أحمد خطيب ابن العالم توباكوس محمد واسع ابن العالم محمد طاهر ابن محمد حافظ ابن القاضي جاياسنتيكا ابن الأمير مندورادايا ابن السلطان أبي المفاخر عبد القادر… إلخ. ↑
- () يتم هذا البحث، بحث عن منطقة (أجيه) منشور في محله. ↑
- () راجع بحث أجيه في مكانه. ↑
- () عن تاريخ سلطنة بونتيانك (مخطوط) ننل عنه باختصار. ↑
- () راجع بحث أجيه. ↑
- () عن مجلة (قبلة) ص 43 السنة 1 في مارس 1968م باختصار. ↑
- () هو شيخ الطريقة الشطارية بالمدينة المنورة، وبعده الشيخ إبراهيم ابن حسن الكوراني المعروف بلقب ملا إبراهيم، ومن تلاميذ الأخير هذا الشيخ عبد الرؤوف السنكلي والشيخ يوسف المكاسري، وقد ورد إلى ملا إبراهيم سؤال من أندونيسيا عام 1675م فألّف (المسلك الجلي في شطح الولي) جواباً على سؤال بشأن وصول عالم إلى أجيه فكفر أحد الصوفية فكان الجواب بتخطئة الصوفي. ↑
- () ابن حوقل، صورة الأرض ص 37. راجع أيضاً كتابنا: الحجاز والدولة الإسلامية ص 40. ↑
- () الدرر الثمينة ص226. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. السهمودي، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ص 177ـ178. ↑
- () المصدر نفسه ص 327. ↑
- () ابن الأثير، الكامل ج1 ص658. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الدرر الثمينة ص 326. ↑
- () ابن الأثير الكامل ج1 ص658 وما بعدها. ↑
- () جواد علي، المفصل ج4 ص141. ↑
- () راجع حول هذه المسألة بحثنا «الإيلاف والسلطة في مكة قبل الإسلام» ـ مجلة «دراسات» ـ السنة الثانية عشرة، العدد 18/ 1985 ـ الجامعة اللبنانية. ↑
- () وصفها أنّها حجازية نجدية، المسالك، والممالك ص128. ↑
- () ورد قولاً بأنّها من نجد. نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص 25. ↑
- () من أعمال قريظة. ابن الأثير ج1 ص680. ↑
- () أورد اليعقوبي يوم فجار الأنصار بعد بعاث (تاريخ اليعقوبي ج2 ص37)، بينما أورده ابن الأثير سابقاً على الأخير (العامل ج1 ص680). ↑
- () تاريخ اليعقوبي ج1 ص37. ↑
- () التجأ الأوس والخزرج إلى الطائف بعد أن ردتهم قريش ولكن ثقيفاً أبطأت عنهم. المكان نفسه. ↑
- () ابن هشام، السيرة ج2 ص55. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص54ـ55. ↑
- () ابن الأثير، الكامل ج1 ص671. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص658 وما بعده. ↑
- () ابن هشام ج2 ص100. ↑
- () المصدر نفسه ج2 ص106. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () بنو عوف وبنو ساعدة وبنو الحارث وبنو جشم وبنو النجار. المكان نفسه. ↑
- () بنو عمرو بن عوف وبنو النبيت. المكان نفسه. ↑
- () ابن هشام ج2 ص106. ↑
- () المصدر نفسه ج2 ص102. تاريخ اليعقوبي ج2 ص41. تاريخ خليفة بن خياط ج1 ص14. ↑
- () ابن هشام ج2 ص108ـ110. ↑
- () تاريخ اليعقوبي ج2 ص42. ↑
- () ابن الأثير، الكامل ج2 ص191. ↑
- () وات، محمد في المدينة ص165. ↑
- () Reckendort، دائرة المعارف الإسلامية ج3 ص54. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () ابن هشام ج2 ص68. ↑
- () المغازي ج1 ص9. ↑
- () ابن هشام ج2 ص68. ↑
- () المصدر نفسه ج2 ص65. ↑
- () الواقدي، كتاب المغازي ج1 ص11. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () ابن هشام ج2 ص174. ↑
- () الواقدي، المغازي ج2 ص11. ↑
- () غزوات الرسول وسراياه ص6. ↑
- () عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ج2 ص226. ↑
- () ورد هشام بن مظعون في سيرة ابن هشام ج2 ص126. ↑
- () غزوات ص8. ↑
- () ابن هشام ج2 ص182. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص19. ↑
- () اليعقوبي، تاريخ ج2 ص45. ↑
- () روى ابن إسحاق أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يخشى «ألا تكون الأنصار ترى عليها نصر إلاّ ممّن دهمه بالمدينة من عدوه وأنّ ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم» ابن هشام ج2 ص188، الواقدي، مغازي ج1 ص49. ↑
- () ابن هشام ج2 ص182. ↑
- () كان قوامها ثلاثمائة رجل حسب اليعقوبي، بينهم تسعون رجلاً من المهاجرين ومائتان واثنان وثلاثون من الأنصار، تاريخ ج2 ص45. أو ثلاثمائة وثلاثة عشر بينهم سبعة وسبعون من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار (الواقدي، المغازي ج2، ص152، الطبري ج2، ص282). ↑
- () ابن هشام ج2 ص187. ↑
- () ذكر الطبري أنّ راية الأنصار كانت مع سعد بن عبادة. تاريخ ج2 ص272. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص168. ↑
- () خليفة بن خياط ج1 ص20ـ21. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () كان عبادة بن الصامت حليفاً لبني القينقاع. الواقدي، مغازي ج1 ص157 وما بعدها. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص175، ابن سعد، غزوات ص58. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص77. ↑
- () مثل غزوة بدر الموعد وأم رفة. المصدر نفسه ص59ـ90. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص179. ابن سعد، غزوات ص29. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص179، 180 المصدر نفسه ص29ـ30. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص364. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص367. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص367. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص368. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص326. ↑
- () ابن الأثير، الكامل ج2 ص146. ↑
- () تاريخ اليعقوبي ج2 ص49. ↑
- () ابن هشام ج3 ص149. ↑
- () راجع قول صفوان بن أمية: «إنّ محمداً وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا». الواقدي ج1 ص197. ↑
- () ابن سيد الناس، عيون الأثر ج1 ص223. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () راجع بين الشعر المنسوب ليزيد بن معاوية أو لشاعره عبدالله ابن الزبعري بعد موقعة الحرة ونكبة الأنصار فيها، حيث أصابت قريش ثأرها من بدر وتحديداً من الخزرج كما يرى الشاعر:ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
البلاذري، أنساب مخطوطة 333. ↑
- () الواقدي ج1 ص181. ↑
- () واد بالمدينة على بُعد نحو ثلاثة أميال منها. الواقدي ج1 ص181. ابن سعد، غزوات ص30. ↑
- () المكان نفسه في المصدرين السابقين. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص30. ↑
- () ابن سيد الناس ج1 ص275. ↑
- () قمح أو شعير يغلي ثمّ يطحن فيتزوّد به ممزوجاً بماء أو سمن أو عسل. الواقدي ج1 ص181. ↑
- () غزوات ص37. ↑
- () الواقدي ج1 ص208. غزوات ص37. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص38. ↑
- () المغازي ج1 ص210. ↑
- () غزوات ص38. ↑
- () المغازي ج1 ص210. ↑
- () المغازي ج1 ص210. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص300، ابن سعد، غزوات ص43. ↑
- () حمزة بن عبد المطلب (هاشم)، عبدالله بن جحش بن رئاب (أمية)، مصعب بن عمير (عبد الدار) شماس بن عثمان بن الشريد (مخزوم) الواقدي ج1 ص300، خليفة بن خياط ج1 ص32. ↑
- () المغازي ج1 ص318. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () يوم الأحد لثمان خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة. المصدر نفسه ج1 ص334. ↑
- () «سعد بن عبادة، حباب بن المنذر، سعد بن معاذ، أوس بن خولي، قتادة بن النعمان، عبيد بن أوس» المغازي ج1 ص334. ↑
- () روي أنّ أسيد بن حضير كان به سبع جراحات فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه. المصدر نفسه ج1 ص335. ابن سعد، غزوات ص49. ↑
- () على بُعد عشرة أميال من المدينة على طريق العقيق. غزوات ص49. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص334. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص337. ↑
- () هو ماء لبني سليم. المصدر نفسه ج1 ص347. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص384. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص59. ↑
- () المصدر نفسه ص60. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص403. ↑
- () يضعها الواقدي وابن سعد في العام الخامس. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص405. ↑
- () ابن هشام ج3 ص127. ↑
- () الواقدي، مغاي ج2 ص446. ↑
- () ابن سعد، غوات ص73. ↑
- () الواقدي، مغازي ج2 ص458. ↑
- () ابن سعد غزوات ص73. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () بطن من بني بكر بن كلاب وكانوا ينزلون بناحية ضرية على بعد سبع ليال من المدينة. الواقدي، مغازي ج2 ص534. ابن سعد، غزوات ص78. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص78. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المصدر نفسه ص80. ↑
- () (4) ابن هشام ج3 ص175، ابن سعد، غزوات ص79. ↑
- ↑
- () ابن سعد، غزوزات ص81. ↑
- () ابن هشام ج3 ص176. ↑
- () الواقدي، مغازي ج1 ص549. ↑
- () على مسافة أربعة وعشرين ميلاً من المدينة. ابن سعد، غزوات ص85.الواقدي، مغازي ج2 ص551. ابن سعد، غزوات ص85. ↑
- () غزوات ص92. ↑
- () ماء لبني أسد على بعد ليلتين من فيد. المصدر نفسه ص84. ↑
- () رُوي أنّ أبا سفيان قد خطط لاغتيال الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولكن أسيد ابن حضير اكتشف أمره، فبعث الرسول عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم بن حريش إلى أبي سفيان بمكة موصياً إياهما بقوله: «إن أصبتما منه ثمرة فاقتلاه». ابن سعد، طبقات ج1 ص207 أيضاً: ج4 ص304، 345. والواقدي، مغازي ج2 ص550 وما بعدها. ↑
- () وات، محمد في المدينة ص67. ↑
- () ابن هشام ج3 ص197. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الواقدي، مغازي ج2 ص573ـ575. ابن سعد، غزوات ص95ـ99. ↑
- () اسم بئر عرف به المكان نسبة إليه وكان يقع على بُعد تسعة أميال من مكة. الواقدي، مغازي ج3 ص571. ↑
- () ابن هشام ج3 ص198. ↑
- () راجع تفاصيل المعاهدة في سيرة ابن هشام ج3 ص203. ↑
- () ابن الأثير، الكامل ج2 ص211. ↑
- () ابن هشام ج3 ص211. ↑
- () على ثمانية بُرد منها، ابن سعد ص106. ↑
- () الواقدي، مغازي ج2 ص637. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص106، راجع أيضاً: الواقدي ج2 ص634. ↑
- () الواقدي، مغازي ج2 ص637. ↑
- () المصدر نفسه ج2 ص649. ابن سعد، غزوات ص106. ↑
- () المصدر نفسه ج2 ص653. ↑
- () اب هشام ج3 ص211. ↑
- () عرض عليه باسم الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأن يعطيه محصول سنة من تمر خيبر، إنّ أظهر الله المسلمين عليها. الواقدي ج2 ص650. ↑
- () المصدر نفسه ج2 ص640. ↑
- () محمود بن مسلمة (أخو محمد بن مسلمة)، أبو الضياح بن النعمان، الحارث بن حاطب، عدي بن مرة بن سراقة، أوس ابن حبيب، أنيف بن وائلة، مسعود بن سعد، بشر بن البراء بن معرور. المصدر نفسه ج2 ص700. ابن سعد، طبقات ج3 ص218. ↑
- () الواقدي، مغازي ج2 ص650. ابن سعد، غزوات ص92، 120. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص86، 123. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص119. ↑
- () الواقدي ج2 ص723. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص120. ↑
- () أرض من غطفان. الواقدي، مغازي ج2 ص727. ↑
- () المصدر نفسه ج2 ص728ـ729. ↑
- () الحارث بن عوف المزي. المصدر نفسه ج2 ص729. ↑
- () المصدر نفسه ج2 ص728. ↑
- () ابن سعد، غزوات، ص121. ↑
- () ابن كثير، الفصول في اختصار سيرة الرسول ص173. ↑
- () مغازي عروة بن الزبير ص205. ↑
- () إبراهيم بيضون، حملة مؤتة، مقاربة للمشروع السياسي الأوّل للدولة الإسلامية في بلاد الشام ـ أوراق الندوة الثانية للمؤتمر الرابع لتاريخ بلاد الشام ـ 1987 ص77. ↑
- () تقع على مسافة خمس ليال من المدينة. الواقدي، مغازي ج2 ص774. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () نوع من الورق. المكان نفسه. ↑
- () روي أنّ قيساً استدان من رجل من جهينة جزراً يدفع ثمنها تمراً بالمدينة. فكان يذبح كلّ يوم واحداً منها. الواقدي ج2 ص775ـ776. الطبري ج3 ص105. ↑
- () هي أرض محارب في نجد. غزوات ص132. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () بين ذي خشب وذي المروة على بُعد ثلاثة بُرد من المدينة. المصدر نفسه ص133. ↑
- () عروة بن الزبير، مغازي ص208. راجع ابن سعد، غزوات ص134 وابن الأثير، الكامل ج2 ص239. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص134. ↑
- () المكان نفسه. الطبري ج3 ص106ـ107. ↑
- () ابن هشام ج3 ص47. ↑
- () مغازي عروة ص209. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () ابن هشام ج3 ص47. ↑
- () غزوات ص135. ↑
- () اليعقوبي، تاريخ ج2 ص15ـ16 السهيلي، الروض الأنف ج1 ص209. إبراهيم بيضون، الحجاز والدولة الإسلامية ص76ـ77. ↑
- () الواقدي ج2 ص800. ↑
- () غزوات ص135. ↑
- () عروة بن الزبير، مغازي ص211 الطبري ج3 ص118. ورد في السيرة الحلبية قول آخر مضاف إلى هذه العبارة: «اليوم أذل الله قريشاً» ج3 ص22. ↑
- () الطبري، ج3 ص118. ↑
- () ابن هشام ج3 ص36. الطبري ج3 ص36. ↑
- () ابن هشام ج3 ص43. ↑
- () المغازي ص210. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () ابن هشام ج3 ص38. ↑
- () حدثت في الشهر التالي لغزوة الفتح (شوال سنة ثمان للهجرة). ↑
- () المغازي النبوية ص92. ↑
- () الواقدي، مغازي ج3 ص899. ↑
- () المصدر نفسه ج3 ص894. ↑
- () غزوات ص150. ↑
- () الواقدي مغازي ج3 ص894ـ895. راجع أيضاً مغازي عروة ابن الزبير ص214. ↑
- () الواقدي، مغازي ج3 ص895. ↑
- () المصدر نفسه ج3 ص895ـ896. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص151. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الواقدي، مغازي ج3 ص898. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () شوال سنة ثمان للهجرة. ابن سعد، غزوات ص158. ↑
- () عروة بن الزبير، مغازي ص216. ابن سعد، غزوات ص158. ↑
- () نفس المكان في المصدرين السابقين. ↑
- () ابن هشام ج4 ص94. ↑
- () الواقدي، مغازي ج3 ص936. ↑
- () الطبري ج3 ص126. ↑
- () الواقدي، مغازي ج3 ص923. ↑
- () الدبابات والمجانيق والضبور. ابن هشام ج4 ص90، الواقدي، مغازي ج3 ص923. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص159. ↑
- () الواقدي. مغازي ج3 ص932. ↑
- () ابن هشام ج3 ص96ـ97. الواقدي، مغازي ج3 ص938. ↑
- () المصدر نفسه ج4 ص43. ↑
- () الطبري ج3 ص138. ↑
- () المكان نفسه. راجع أيضاً الواقدي، مغازي ج3 ص958. ↑
- () المصدر نفسه ج3 ص139. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص160. راجع أيضاً ابن سيد الناس، عيون الأثر ج2 ص203. ↑
- () ساحل بناحية مكة. الواقدي، غزوات ج3 ص983. ↑
- () المصدر نفسه ج3 ص1031 وما بعدها. ↑
- () المصدر نفسه ج3 ص140. ↑
- () الواقدي، مغازي ج3 ص984. ↑
- () راجع ما أورده الطبري عن موقف الأنصار بعد بيعة أبي بكر في السقيفة: قالت الأنصار أو بعض الأنصار لا نبايع ألاّ علياً. الطبري ج3 ص198. ↑
- () ابن سعد، غزوات ص165. ↑
- () الواقدي، مغازي ج3 ص991. ↑
- () أي قرّ قراره. ↑
- () الواقدي، مغازي ج3 ص1044. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () إبراهيم بيضون، الحجاز والدولة الإسلامية. ↑
- () ابن هشام ج4 ص225. ↑
- () راجع روايات المدائني وأبي مخنف وابن الكلبي في أنساب البلاذري ج1 ص589. ↑
- () ابن هشام ج2 ص78. ↑
- () المصدر نفسه ج1 ص580. ↑
- () البلاذري، أنساب ج1 ص581ـ582. ↑
- () البلاذري، أنساب ج1 ص583. ↑
- () ورد عاصم عند أبي مخنف. الطبري ج3 ص308. ↑
- () بنو العجلان الذي ينتمي إليهم معن، بطن من الخزرج ابن هشام ج2 ص247 على أنّ معن ورد في مكان آخر من المصدر نفسه بأنّه من بلي حلفاء الأوس. ج2 ص240. ↑
- () الزهري، المغازي النبوية ص143. الطبري ج3 ص200. البلاذري، أنساب ج1 ص581. ↑
- () البلاذري، أنساب ج1 ص582. الطبري ج2 ص209. ↑
- () الطبري ج3 ص198. ↑
- () ورد عند اليعقوبي فقط، بينما تردّد ذكر المنذر بن عمرو من بني ساعدة بن الخزرج في الروايات الأخرى. ↑
- () اليعقوبي تاريخ ج2 ص123. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () الطبري ج3 ص209. ↑
- () المكان نفسه. ↑
- () البلاذري، أنساب ج1 ص584. ↑
- () اليعقوبي، تاريخ ج2 ص197 السياسي الإعلام بالحروب الواقعة في الإسلام مخطوطة. ↑
- () المكان نفسه (دار الكتب المصرية) ورقة 20. ↑
- () البلاذري، أنساب ص160 (ت المحمودي). ↑
- () الإمامة والسياسة ج1 ص1031. ↑
- () البلاذري، أنساب ج4 ص116. ↑
- () البلاذري، أنساب ج4 ص116. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ج6 ص32. ↑
- () الإمامة والسياسة ج1 ص189. ↑
- () كان بعض القرشيين قد ساند الأنصار في حركة الصوافي. المصدر نفسه ج1 ص188. ↑
- () عرف السمهودي الصوافي بأنّها جمع صافية ومعناها النخلة الكبيرة الحمل. وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ج1 ص127. راجع عن ثورة المدينة M.J.Kister, studies in lahiliyya and erly islam (the Battele of the harra) p.39. ↑
- () راجع أيضاً اليعقوبي، تاريخ ج2 ص250. الكاني، التراتيب الإدارية ج2 ص50. ↑
- () عثمان بن محمد بن أبي سفيان والي المدينة. ↑
- () الإمامة والسياسة ج1 ص188. ↑
- () اليعقوبي، تاريخ ج2 ص250. ↑
- () جمع أشراج أو شرج وهي سبل الماء من الحرّة إلى السهل. لسان العرب ج2 ص307. ↑
- () وفاء الوفا ج1 ص127. ↑
- () اليعقوبي، تاريخ ج2 ص250. ↑
- () الإمامة والسياسة ج1 ص189. ↑
- () السمهودين وفاء الوفا ج1 ص128. ↑
- () الإمامة والسياسة ج1 ص188. ↑
- () أحمد الشايب، تاريخ الشعر السياسي ص377. ↑
- () مكانات بجوار المدينة. ↑
- () جمع مسحاة وهي انعكاس (من أدوات الزراعة). ↑
- () أحمد الحوفي، أدب السياسة في العصر الأموي ص152. ↑
- () الشايب، تاريخ الشعر السياسي ص95. ↑
- () هو حبز شيعي بحت أخذ على نفسه مقاومة الاحتلال الصهيوني لقسم من جبل عامل الذي عرف في الاصطلاح السياسي باسم (الجنوب)، فألّف من شبان الشيعة ما أسماه (المقاومة الإسلامية)، وأعلن الحرب على الصهاينة، فبينما العالم العربي كلّه مستكين، كان الشيعة وحدهم بقيادة حزب الله يقاتلون الصهاينة، وظلّوا على قتالهم حتّى اعترف الصهاينة بالهزيمة وانسحبوا من جبل عامل انسحاباً ذليلاً. فكان هذا الانتصار الشيعي أوّل انتصار حربي على جيش الصهانية الذي قيل عنه إنّه الجيش الذي لا يهزم. ووقعة أنصارية هذه هي إحدى الوقعات التي انسحق فيها الصهاينة تحت ضربات المقاومة الإسلامية الشيعية. ومن التعليقات على تلك الهزيمة الصهيونية نأخذ تعليق العميد الركن اللبناني الياس حنا في مقال له:«شكلت هزيمة اسرائيل في جنوب لبنان منعطفاً في محطات الحروب العربية ـ الإسرائيلية فللمرة الأولى تنسحب إسرائيل من أراض عربية محتلة تحت الضغط العسكري، ومن دون اتفاقات سياسية معينة. وللمرّة الأولى تتآكل صورة العسكر الإسرائيلي الردعية، الأمر الذي جعل القيادات الإسرائيلية تدرس الوضع بعمق للاتسافدة من الأخطاء، وبالتالي العمل على إجراء التصحيحات اللازمة خصوصاً على صعيد العقيدة القتالية ويذكر أنّ عملية التحرير اللبنانية أعطت نموذجاً فاعلاً لمن يرغب في قتال إسرائيل وذلك بعد الهزائم المتكررو، وخير دليل على ذلك تأثير هذا النموذج على انتفاضة الأقصى. فمن جهة يحاول الفلسطيني تطبيق المثال في صراعه ضد الاحتلال، ومن جهة أخرى يحاول شارون عدم جعل هذا النموذج مربحاً كي لا يصبح نمطاً في كيفية التعامل عسكرياً مع إسرائيل فينقلب بذلك قول ابن غوريون عن العرب في أنّهم لا يفهمون إلاّ لغة القوّة ليصبح«لا تفهم إسرائيل إلاّ لغة القوّة». ↑
- () ورد ذكر هذه القصة، قصة نهب أمتعة ابن سينا ومنها كتاب الإنصاف: في عدّة تواريخ الحكماء التي تجرمت له. ومنها كتاب (نزهة الأرواح) للسهروردي. ↑
- () كتاب يتضمن أجوبة ابن سينا على مسائل تلميذه أبي الحسن بهمينار، كما يتضمن رسائل وكتباً طويلة كتب بها إلى بهمينار… ↑
- () سورة الأنفال. ↑
- () نور الثقلين ج2 ص119. ↑
- () نور الثقلين ج2 ص120. ↑
- () وسائل الشيعة الباب الأوّل من الأنفال وما يختص بالإمام. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () نفس المصدر. ↑
- () راجع تفسير نور الثقلين ج2 ص118. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 69. ↑
- () روح المعاني ج9 ص143. ↑
- () رئيس الكلية الإسلامية في لندن. ↑
- () سعيد الدين إبراهيم. التأثير الاجتماعي للثروة النفطية (Social Impact of Oil Wealth). ↑
- () صحيفة ايندپندنت (Independent)، 16 أيلول 1990م. ↑
- () Grammer School. ↑
- () Islamic Party of Britain. ↑
- () إيزرونا (S.Izruna) في تقريره الذي أعدّه للجهاز التعليمي في مدينة لستر. ↑
- () مقالة (شباب ريطانيا) للدكتور الحسين التي ألقيت في كانون الثاني عام 1990م في مؤتمر الشباب المسلم في مدينة برمنغهام. ↑
- () صحيفة الكارديان 29 آب 1989. ↑
- () السيد عبد الحسين الندوي. ↑
- () مركز تجمع لأذكار الصوفيين. ↑
- () المجموعة الإحصائية 1950م، دائرة الإحصاء، وزارة الاقتصاد، بغداد 1952م. ↑
- () إنّ لفظة بيت قد تعني كوخ أو (صريفة) كما قد يقصد بها عائلة. ↑
- () إنّنا نقسّم الأهوار إلى عميقة أو دائمية وموسمية تجف في موسم هبوط الماء. ↑
- () جمع (إيشان). ↑
- () ومفردها (جباشة) وهي مأخوذة من الأصل العربي كبس. ↑
- () عشيرة كبيرة تقدر نفوسها بعشرين ألف نسمة أغلبهم مزارعون يسكنون مساحة واسعة على ضفاف نهري دجلة والمجر الكبير في لوا العمارة. ↑
- () البياض يطلق محلياً على الحليب ومشتقاته. ↑
- () الفالة رمح قصبي أو من خيزران مشدود إلى رأسه كف حديدية ذات ثلاث أو خمس أصابع مدببة حادة، يستعمل لصيد السمك في الأهوار. ↑
- () في الثاني عشر من تموز سنة 2001 نشرت جريدة الحياة ما يلي: المستكشف الشهير السيد ولفردثيسيجر الذي عبر الربع الخالي مرتين لا يزال على قيد الحياة في 1964 أصدر كتاباً بعنوان «عرب الأهوار كان له تأثير كبير على «المستعربين» في بريطانيا. وأعطى الكتاب وصفاً متعاطفاً رائعاً لعرب أهوار جنوب العراق، مدعوماً بصور فوتوغرافية أخّاذة التقطها هناك. من بين ما أثار الاهتمام في الكتاب كان مناقضته للانطباع الشائع عن العرب وتنقلهم الدائم بالجمال عبر الصحارى ذات الجفاف المهلك. وقال ثيسيجر في ذلك الكتاب الشهير: «تاريخ البشرية في العراق بدأ على ضفاف الأهوار».بعد ذلك كان هناك المؤلف غافن يونغ، الذي عاش فترة بين عرب الأهوار، بعدما عرفهم أوّلاً عندما رافق ثيسيجر. وقال: «لم أعد بعدها إلى عملي في مكتب الشحن البحري في البصرة». فقد أذهله جمال تلك القرى ببيوتها المصنوعة من القصب المطلي بالطين، القابعة على جزر اصطناعية وسط الممرات المائية المتشابكة المحفوفة بالبردين حيث أنواع لا حصر لها من الطيور ـ كلّ ذلك تحت شمس جنوب العراق الحارقة. وكتب مقالة بعنوان: «من هم عرب الأهوار؟» وكان جوابه «أنّهم يتحدرون من السومريين والبابليين القدماء، وربّما كانوا البشر الأقدم في العالم ـ أبكر بكثير من قدماء المصريين… وقد اخترعوا الكتابة».نتجت هذه المساحات المائية الشاسعة عن التقاء دجلة والفرات. ولم تكن عادة مناطق مأمونة، لأنها كانت ملجأ للعصاة والخارجين على القانون. ويذكر غافن يونغ أنّ الملك الآشوري سنحاريب، وهو واحد من الطغاةالذين حفل بهم تاريخ العراق، جال على رأس جيشه في أرجاء الأهوار مدّة خمسة أيام في محاولة فاشلة للعثور على ائد أعلن الثورة عليه. ويضيف يونغ: «في مراحل لاحقة حاولت جيوش أخرى التعامل مع سكان الأهوار، الذين كانوا يغيرون على المناطق المجاورة للنهب ثمّ يعودون إلى الاختفاء في غابات القصب الكثيفة كلّما ضاق عليهم الخناق. وتعلم الأتراك ثمّ الإنكليز بعدهم أنّ الأفضل بكثير ترك الأهوار لشأنها».
أثناء الحرب الطويلة بين العراق وإيران كان عدد سكان الأهوار ما بين 50 ألف إلى 100 ألف نسمة.
بعد انتصار الحلفاء في حرب الكويت في 1991 انفجرت في الجنوب الشيعي الثورة على سلطة بغداد ـ ورغم انتهاء القتال بعد أسابيع ليلة فقد استمرّت عمليات على مستوى منخفض في منطقة الأهوار. وبدأ صدام حسين مشروعه المنظّم لتجفيف الأهوار عن طريق تحويل الأنهار وشق القنوات، وتمّ سحق العصيان تماماً أواخر 1994.
لم أكتب عن عرب الاهوار منذ 1992. وما دعاني للكتابة الآن كان تقرير صدر في أيار (مايو) الماضي وأكد اعتماداً على صور فضائية اختفاء نحو 90 في المئة من الأهوار، إذ لم تتجاوز المساحة المتبقية ما بين 1500 إلى 2000 كلم مربع. وقال خبراء الأمم المتحدة إنّ حضارة تعود إلى خمسة آلاف سنة وبيئة فريدة من الحياة الفطرية على وشك الاندثار.
قارن علماء الأمم المتحدة في تقريرهم بين مجموعتين من الصور الفضائية تفصل بينهما عشر سنوات، وجاء في استنتاجهم المحزن أنّ «السبب المباشر لجفاف الأهوار هو مشاريع التصريف الكرى… ورغم أنّ الهدف من قسم من هذه المشاريع كان معالجة تملح التربة ـ المشكلة الرئيسية تاريخياً في بيئة العراق ـ لكن المشاريع توسّعت لتصبح نظام تجفيف شامل للأهوار». وقال العلماء إنّ «الصور الفضائية تقدّم أدلة ملموسة على أنّ أراضي الأهوار الشاسعة سابقاً قدجفت وعادت إلى التصحر، وهناك مناطق واسعة منها تغطيها قشرة ملحية. وتبين الصور الفضائية أنّ مناطق محدودة فقط تمّ استصلاحها للزراعة».
ويرىالعلماء أنّ لهذا الوضع نتائج خطيرة على الحياة الفطرية في أنحاء العالم، من سيبيريا إلى جنوب إفريقيا، وأنّ نحو 40 نوعاً من الطيور المائية مهدد بالانقراض. وتعاني مصايد الأسماك على الساحل الشمالي للخليج من الآثار السلبية لتجفيف الأهوار.
ويعتقد نّ كثيرين من سكان الأهوار اضطروا إلى المغادرة، وأنّ سماً مهم يسكن في مخيمات للاجئين في إيران، فيما تفرق غيرهم في أنحاء العراق.
عملية تجفيف الأهوار تمّت تحت أنظار العالم. لكن القضية لم تنل الكثير من الاهتمام. فقد كانت هناك أولويات أخرى. وها هو الوقت قد فات لوقف أو إرجاع هذه الكارثة التاريخية التي يمكن مقارنتها بجفاف بحر أرال. ↑
- () في شهر أيار من سنة 2001 نشرت الصحف العربية ما يلي:أفادت صور التقطت بالأقمار الاصطناعية أنّ المسطحات المائية في منطقة الأهوار جنوب العراق اختفت عملياً.وقال المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة كلاوس توبفر في مؤتمر صحافي أنّ اختفاء تسعين في المئة من هذه المسطحات المائية يشكل «كارثة بيئية وثقافية للسكان الذين طردوا من بيوتهم»، وسببه «عمليات تجفيف واسعة وبناء نحو ثلاثين سداً على نهري دجلة والفرات».
وتبدو الكارثة واضحة عبر مقارنة صور التقطت بالأقمار الاصطناعية بين عامي 1973 و2000 وأوضح توبفر أنّ «هذه الكارثة البيئية الكبرى التي يمكن مقارنتها بتجفيف بحر أورال وانقراض مساحات واسعة من الغابات في منطقة الأمازون، لم يسلط الضوء عليها حتّى الآن، خصوصاً بسبب الوضع الصعب الذي يسود العراق منذ عقد». ومع أنّ توبفر لم يسم صدام حسين مباشرة، لكن المنظمة الدولية أشارت إلى أنّ «السبب الرئيسي لاختفاء المياه هو عمليات تجفيف واسعة أجريت في جنوب العراق منذ بداية التسعينات بعد انتهاء حرب الخليج».
وكانت منظمات إنسانية اتهمت النظام العراقي بتجفيف الأهوار بعد الانتفاضة في الجنوب عام 1991، أثر هزيمة بغداد العسكرية في حرب الخليج.
وأفاد برنامج الأمم المتحدة للبيئة في دراسة ستنشر هذه السنة أنّ تجفيف مناطق المستنقعات التي لم تعد مساحتها تتجاوز 1500ـ2000 كيلومتر مربع أي «أقل بعشر مرّات ممّا كانت عليه» يضر بالسكان والبيئة. وأضاف أنّ «نحو خمس سكان الأهوار البالغ عددهم 500 ألف شخص لجؤوا إلى مخيمات في إيران بينما نزح الآخرون داخل العراق، موضحاً أنّ «ثقافة عمرها خمسة آلاف سنة معرّضة لخجر جدي».
وحذّر من أنّ الجفاف يهدّد أصنافاً من الحيوانات.
وتظهر الصور التي التقطت بالأقمار الاصطناعية أنّ مناطق واسعة تصحّرت ولم يبق في الشمال سوى جزء من هور الحويزة. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 91، 92، 93. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 120، 121. ↑
- () ديوان فرج الله الحويزي، ورقة 4. ↑
- () رعان: الجبل الطويل، (الاموس) رعن. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص6، 8ظ، مصر 1885م. ↑
- () ديوانه، ص8ـ9. ↑
- () ديوانه، ص10، 12، 13. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 110، 111. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 119، 120. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 16، 17. ↑
- () ديوان فرج الله الحويزي ورقة 2. ↑
- () ديوان فرج الله الحويزي ورقة 4. ↑
- () تاريخ المشعشعين ص157. ↑
- () اللغب: الضعف والإعياء (القاموس) لغب. ↑
- () تاريخ المشعشعين ص158. ↑
- () القود: جمع أقود، الخيل تقاد بمقاودها (القاموس) قود. ↑
- () يميز: يكفيهم بالمؤونة، يسيل. ↑
- () ديوان هاشم الكعبي ص51. ↑
- () الخود: المرأة الشابة. ↑
- () خنديد: سخيّ. ↑
- () ديوان هاشم الكعبي ص52. ↑
- () ديوان هاشم الكعبي ص53ـ54. ↑
- () المصدر السابق 54، 55ـ56، 57. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 43. ↑
- () المصدر السابق 65. ↑
- () المصدر السابق 132. ↑
- () تاريخ الإمارة الافراسيابية 38. ↑
- () سلافة العصر 549. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 198. ↑
- () المصدر السابق 42. ↑
- () المصدر السابق 46. ↑
- () نفحة الريحانة 3/145. ↑
- () ديوان شهاب الدين 176ـ177. ↑
- () المصادر السابق 97. ↑
- () المصدر السابق 199. ↑
- () شهاب الدين 64، 65. ↑
- () المصدر السابق 11. ↑
- () المصدر السابق 76. ↑
- () المصدر السابق 81. ↑
- () الوحى العجلة والإسراع (القاموس) (وحي). ↑
- () سلافة العصر ص551. ↑
- () ديوان شهاب الدين ص52. ↑
- () المصدر السابق 53. ↑
- () سلافة العصر 496. ↑
- () سلافة العصر 493. ↑
- () المصدر السابق 494. ↑
- () المصدر السابق 496. ↑
- () ↑
- () شعراء النّوى 6/207، 208. ↑
- () المصدر السابق 6/222. ↑
- () معارف الرجال 3/43. ↑
- () المصدر السابق 2/42. ↑
- () سلافة العصر 544، وأعيان الشيعة 41/238، وتاريخ المشعشعين 133. ↑
- () ديوان علي بن خلف ورقة 6. ↑
- () المصدر السابق ورقة 10. ↑
- () المصدر السابق ورقة 16. ↑
- () المصدر السابق 12. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي ص148. ↑
- () المصدر السابق نفسه ص148. ↑
- () الرعان: الجبل الطويل. ↑
- () الرعال: النعام، جمع رعلة. والقطيعة من الخيل كالزعيل أو مدمتها (القاموس) رعل. ↑
- () ديوان شهاب الدين ص149. ↑
- () العثير: الغبار. ↑
- () الهبوة: الغبرة. ↑
- () ديوان شهاب الدين ص202. ↑
- () المصدر السابق ص203. ↑
- () المصدر السابق ص203. ↑
- () المصدر السابق ص197. ↑
- () المصدر السابق 553. ↑
- () ↑
- () زاد المسافر 6. ↑
- () شمردل: الفتى السريع، الحسن الخلق. ↑
- () السمهري: الرمح الصلب. ↑
- () المرعبل: الممزق، رعبل: مزق. ↑
- ( )ديوان هاشم الكعبي ص4. ↑
- () ديوان هاشم الكعبي 109. ↑
- () ديوان علي بن خلف ورقة 17. ↑
- () المصدر السابق ورقة 18. ↑
- () الغوارب: جمع غارب ما بين السنام والعنق. ↑
- () ديوان علي بن خلف ورقة 18، 19. ↑
- () النجار: الأخلاق. ↑
- () ديوان علي بن خلف ورقة 129. ↑
- () جدي: من النجوم الدائرة مع بنات نعش. ↑
- () مرزم: نجم مع الشعرى. ↑
- () ديوان علي بن خلف ورقة 13. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 114ـ115. ↑
- () المصدر السابق 127. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 135. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 213ـ214. ↑
- () البوغاء: التربة الرخوة. القاموس المحيط (بوغ). ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 103. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 116. ↑
- () المصدر السابق، ورقة 142. ↑
- () العيهل: الناقة السريعة. ↑
- () المتجلجل: الشديد. ↑
- () ديوان هاشم الكعبي 21ـ22، 24، 25. ↑
- () ديوان هاشم الكعبي 113، 114، 115. ↑
- () الكشكول، للشيخ يوسف البحراني 3/483. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 218. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 222ـ223. ↑
- () زاد المسافر 36. ↑
- () قعوم: أصابهم داء (القاموس/ قعم). ↑
- () زاد المسافر 6، 7. ↑
- () المصدر السابق 7ـ8. ↑
- () مركوم: الركم جمع شيء فوق آخر حتّى يصير ركاماً مركوماً كركام الرمل. ↑
- () رجوم: جمع رجم، وهو القذف والرمي. ↑
- () ترّة: باطل (القاموس/ تره). ↑
- () الكشكول، ليوسف البحراني 3/444، 445. ↑
- () الكشكول، ليوسف البحراني 3/448، 449، 450، 451. ↑
- () الكشكول، ليوسف البحراني 3/ ص485، 486. ↑
- () الكشكول، ليوسف البحراني 3/ص504. ↑
- () الماثر: السريع ـ السائل (القاموس/ مور). ↑
- () مجلة كلية الآداب، العدد الثاني عشر، سنة 1969، ص57. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 59. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 70، 71. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 78ـ79. ↑
- () المصدر السابق، ورقة 84. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 86. ↑
- () المصدر السابق، ورقة 105. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورة 126، 127. ↑
- () سلافة العصر، ص553. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص38. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص63ـ64. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص84. ↑
- () المصدر السابق، ص103. ↑
- () المصدر السابق، ص124. ↑
- () فروق اللغات للسيد نور الدين الجزائري، ص310، 311. ↑
- () المصدر السابق، ص312، 313. ↑
- () الكشكول ليوسف البحراني، ج3/429ـ430. ↑
- () الكشكول ليوسف البحراني، 3/430. ↑
- () ديوان هاشم الكعبي (قسم المراثي)، 113. ↑
- () الكشكول ليوسف البحراني، 2/343. ↑
- () المسترك: الضعيف (القاموس/ رك). ↑
- () الرثيث: البالي(القاموس/ رث). ↑
- () ميث: كهف، الأرض اللينة. ↑
- () الكشكول 3/342. ↑
- () شعراء الغري 6/194. ↑
- () وجيف: ضرب من سير الخيل (القاموس المحيط/ وجف). ↑
- () شعراء الغري 6/198. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص37، 41. ↑
- () المصدر السابق، ص152ـ153. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص44. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 58. ↑
- () ديوان هاشم الكعبي، ص75. ↑
- () سلافة العصر 547. ↑
- () نفحة الريحانة 165. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 72. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 17. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 67. ↑
- () المصدر السابق، ورقة 13. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص224ـ225. ↑
- () المصدر السابق، ص207، 208. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص183. ↑
- () نشوة السلافة ج2/ورقة 16. ↑
- () شعراء الغري ج6/214. ↑
- () معارف الرجال 1/341. ↑
- () الصيخد: الشديد، الصلب (القاموس المحيط). ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 15. ↑
- () ديوان علي بن خلف، ورقة 15. ↑
- () المصدر السابق، ورقة 9. ↑
- () المصدر السابق، ورقة 7. ↑
- () اليقق: جمار النخل. القاموس المحيط (يقق). ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص224. ↑
- () المصدر السابق، ص225. ↑
- () المصدر السابق، ص225. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي، ص225. ↑
- () معارف الرجال 1/345. ↑
- () عينية ابن سينا قصيدة «عالج الفيلسوف ابن سينا بها النفس وشبهها بالحمامة التي هطبت من المحل الأرفع الذي هو عالم العول إلى الحضيض الأوضع الذي هو هيكل الطين»، الأدب العربي في إقليم خوارزم (رسالة ماجستير) هن حسين طه، ص130. ومطلع القصيدة:هبطت إليك م المحل الأرفعورقاء ذات تعزّي ةمنّع
محجوبة عن كلّ ملة عارف
وهي التي سفرت ولم تتبرقع
ينظر شرح العينية بتحقيق الدكتور حسين محفوظ، ص13 وما بعدها. ↑
- () السيرة المرضية، ورقة 122. ↑
- () العصل: معوّج، وناب أعصل، أي بيّن العصل، أي: أعوج والجمع: عصل. ↑
- () ديوان شهاب الدين الموسوي 24. ↑
- () المصدر السابق 226. ↑
- () أدب الطف ج5/ص139ـ140. ↑
- () الكشكول ليوصف البحراني ج3/ص459. ↑
- () سلافة العصر 554. ↑
- () الكشكول ليوسف البحراني ج3/ص504. ↑
- () نائب هو لقب سائد رفيع في الهند ويعادل لقب كونت في أوروبا أو باشا لدى الأتراك ولكن هنا يستعمل بمعنى والي. ↑
- () الزمادرة (جمع زمدار) هم جباة الرسوم المفروضة على الأرض خلال الحكم الإسلامي للهند. ↑
- () الدربار: مجلس يعقده أمير هندي، وقد يتخذ شكل حفلة رسمية يقدم فيها الرعايا عهد الولاء. ↑
- () ذات الجندي الراجل. ↑
- () سواري ـ سواري ـ هو الجندي الخيال. ↑
- () السركار: هو البيت الملكي أو العائلة الملكية. ↑
- () المراطهة: شعب هندي يسكن هضبة الدكن الغربي وإقليم بومبي. ↑
- () النظام هو لقب حكام حيدر آباد في الهند من عام 1713 إلى عام 1950م. ↑
- () صوبيدار: لقب كان يستعمل في الهند وهو يعادل لقب «والي» في العربية. ↑
- () أتش كلمة فارسية معناها النار و«ميراتش» تعني آمر النيران وهو ما كان يطلق على قائد المدفعية الأمبراطورية. ↑
- () المراطهة: شعب في الهند الغربية يتعاطون الزراعة. خدموا في جيوش المسلمين وتعلموا فن الحرب وقاتلوا في سبيل استقلالهم. من أبطالهم ينشوجي (المولود 1627م). ↑
- () وراي هيستنغز هو نائب الملك البريطاني في الهند أي الحاكم البريطاني في الهند في ذلك الزمن. ↑
- () هي ما يعرف في بعض البلاد الأخرى باسم (الحسينية). ↑
- () لا مجال للحديث عن التطور النقدي وعلاقة الأوراق النقدية بالذهب والفضة وإنّما الذي استقرّ عليه الوضع الحالي هو انفصال النظم النقدية تماماً عن الذهب والفضة وأمثالها وتحول الأوراق النقدية إلى وضع يشبه السلع التي تخضع لمستوى العرض والطلبن والسلع قيمية بلا ريب. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 278. ↑
- () ابن زهرة، الغنية (ضمن الجوامع الفقهية)، ص529 والينابيع الفقهية ص27. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 194. ↑
- () الغنية، مصدر سابق، ص537. ↑
- () المحقق الحلي، شرائع الإسلام، النجف، مطبعة الآداب ـ 1289هـ ج2، ص68، ص239ـ240. ↑
- () مسالك الإفهام، ج2، ص259. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص220. ↑
- () قواعد الأحكام، إيران، منشورات الرضي، ج1، ص156. ↑
- () رياض المسائل، قم، مؤسسة آل البيت، ج2، ص303. ↑
- () سورة البقرة، الآية 194. ↑
- () رياض المسائل ج2، ص303. ↑
- () المصدر نفسه، ج1، ص577. ↑
- () شرائع الإسلام ج2، ص68. ↑
- () جواهر الكلام ج25، ص18ـ22. ↑
- () المصدر نفسه، ج25، ص21. ↑
- () المصدر نفسه، ج25، ص18ـ22. ↑
- () الشهيد الصدر، البنك اللاربوي في الإسلام، بيروت، دار التعارف، ص150. ↑
- () الروحاني، محمد، المسائل المستحدثة ص38. ↑
- () جواهر الكلام ج37، ص91. ↑
- () قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 194 {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدْوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. ↑
- () ويرى المعلق بأنّه ربّما أراد قوله (عليه السلام) في موثق إسحاق بن إبراهيم: لأنّ عين المال الدراهم، وكلّ ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك إلى الدراهم في الزكاة والديات). ↑
- () جواهر الكلام ج37، ص93. ↑
- () راجع مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد: 3، الجزء 3، ص1697 المتضمن لرأي الشيخ العثمان. ↑
- () راجع السرائر لابن إدريس ص276، مفتاح الكرامة ج6، ص25، وقد رفضها البعض كالسيد الخوئي (راجع مصباح الفقاهة ج3، ص163). ↑
- () وسائل الشيعة ج12، ص488. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () روضة المتقين ج6، ص548. ↑
- () جواهر الكلام ج25، ص166. ↑
- () وسائل الشيعة ج12، ص402. ↑
- () المصدر نفسه، ج12، ص402. ↑
- () راجع لمعرفة تفاصيل أمثال هذه الاعتراضات، مقال الأستاذ الدكتور السالوس في مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدورة الثالثة من ص1809ـ1815. ↑
- () المسائل المستحدثة للروحاني ص36. ↑
- () جواهر الكلام ج25، ص21. ↑
- () هنا نلاحظ أنّ ابن خلدون يذكر إسلام الرجلين لأوّل الفتح وردتهما عند ولاية أبي المهاجر ثمّ يؤكد دعوة أبي المهاجر كسيلة للإسلام بعد اللاء في تلمسان ولكنّه لا يشير إلى سكردية. ↑
- () هو من المؤسسين للدولة الأوزبكية إن لم نقل إنّه المؤسس الفعلي لها، وهو متحدر من سلالة الأمير شيبان بن جشي، ولد نحو السنة 716 (1412م) وفي السادسة عشرة من عمره نودي به خاناً على إقليم (تُره) من أقاليم سيبيريا فيا لسنة 833 (1408م). ولم يلبث أن تقدّم في غزواته فسيطر على القسم لأكبر من بلاد الفجاق، ثمّ على بلاد خوارزم التي انتهب عاصمتها اركنج ثمّ عاد عنها. ثمّ استولى على عدّة قلاع ومدن منها سِغْنَق التي جعل منها عاصمة له. ثمّ تحالف مع الأخير سعيد سنة 855 (1451م) على السلطان عبدالله صاحب سمرقند وقتل سلطانها.ثمّ قامت في وجه أبي الخير ثورات القَلْمُق منذ السنة 860هـ ـ (1456م). ممّا اضطره إلى التراجع في إحدى المعارك منهزماً إلى عاصمته سغنق. ثمّ انش الأوزبكيون بعضهم على بعض حوالي السنة 870هـ (1465م).فضعف أمر أبي الخير وانفصل سكان السهول عن الجماعة الأوزبكية واستلوا وعرفوا باسم القَزَا (الكازاخ).
توفي أبو الخير سنة 773هـ (1468م) فتضعضعت الدولة حيناً إلى أنّ ردّها إلى منعتها وتقدمها حفيدة محمد شيباني.
والحلف العثماني الأوزبكي في قتال الصفويين لم يقتصر على عهد الشاه إسماعيل، بل استمرّ بعده.
وهذا بعض ما جرى في عهد الشاه عباس الكبير:
عندما توجّه الشاه عباس من هرات إلى قزوين، قام ملك الأوزبك عبدالله خان الثاني (991ـ1006 هجرية) وهو من أشهر خوانين الأوزبك ومن الملوك الفاتحين في هذه الطائفة، ام بالهجوم على هرات وبعد ستة أشهر قتل حاكمها من القزلباش واستولى على المدينة. ولمّا كان الشاه عباس يواجه العثمانيين فقد اضطر لمصالحة أحد العدوين ومحاربة العدو الآخر وعلى هذا فقد تصالح مع العثمانيين وبعث بحيدر ميرزا وهو ابن أخيه حمزة ميرزا إلى السلطان العثماني وقرّر تسليم تبريز وشروان وكرجستان ولرستان يعني القسم الأكبر من غرب وشمال غرب إيران إلى السلطان العثماني وتوجّه هو إلى مدينة (مشهد) للقضاء على عبد المؤمن خان بن عبدالله خان الذي كان يحاصر (مشهد).
ولكنّه مرض في طهران واستمرّ هذا المرض زهاء خمسين يوماً استولى خلالها عبد المؤمن خان على مدينة مشهد وقتل عدداً كبيراً من أهالي المدينة ونهب الأشياء الثمينة في الروضة الرضوية بما في ذلك مكتبتها الثمينة ثمّ استولى على مدينتي نيسابور ودامغان وعيّن حكاماً في كلّ مكان.
ولمّا تحسنت صحة الشاه عباس، انسحب عبد المؤمن خان من خراسان وبدأ الشاه عباس بتأديب المتمردين الداخليين الذين كانوا قد استغلوا فرصة مرضه، واستولى على يزد وكرمان وكيلان وقضى فترة من الزمن في أصفهان وقراباغ للاستجمام وتدبير الأمور الداخلية ولم يبادر حتّى سنة 1006هـ للقيام بأي تحرّك للضاء على الأوزبك الذين كانوا يسطون دائماً على بلاد خراسان والعراق العجمي وينهبونها ويعودون إلى تركستان وكانت أوقات الشاه عباس تصرف للاستيلاء على بعض الولايات الإيرانية التي لم تكن قد خضعت له بصورة كاملة كلرستان التي كانت حتّى ذلك التاريخ في أيدي أتابك اللر الصغار وولايتي رستمدار وكجور اللتين كانتا خاضعتين للأمراء المحللين. وفي أواخر سنة 1005 هجرية توجّه الشاه عباس إلى (مشهد) وفي السادس من المحرم سنة 1006 تغلبت على ابن أخت عبدالله خان في هرات وهزم الأوزبك هزيمة نكراء بحيث دفع شرهم من تلك الحدود لفترة طويلة من الزمن خاصة وأنّ عبدالله خان كان قد توفي حين ذاك وأنّ ابنه عبد المؤمن خان قُتل على أيدي أمرائه بعد ستة أشهر من وفاة أبيه. ↑
- () ↑
- () وتتابع بعد ذلك الأحداث ممّا يذكر في مكانه، مكتفين هنا بما مرّ بغية التعريف بالأوزبك وبشيبك خان (ح). ↑