لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد السابع والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الناشر
في محكم كتابه يقول تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
وكنا قد آثرنا تقديم دائرة المعارف الإسلامية الشيعية إلى القارئ الكريم تعزيزاً لدورنا في خدمة إسلامنا وأمتنا. فوضعناها بين أيدي الدارسين والباحثين والمتطلعين دوماً إلى الحق.. وذلك كله ضمن خطنا الثقافي الذي نذرنا أنفسنا له، في دار التعارف على مدى العقود الثلاثة المنصرمة.
وكنا نستعد لمتابعة إصدارها إلى المجلد الثلاثين كما كان يرغب، ففوجئنا بوفاته.. وقد كان رضوان الله عليه منكباً على تهيئة المواد وترتيبها وتنسيقها ومراجعتها.
مات السيد العلامة حسن الأمين، فكانت وفاته خسارة كبيرة للعالمين العربي والإسلامي، لقد خسرت الأمة أحد أعلامها الكبار، وكان المسلمون الشيعة في أنحاء الدنيا قد عرفوا مكانته وخبروا علمه وعمق ثقافته وتواضعه فكانت خسارتهم أكبر، فأحدث فقدانه ألماً عميقاً في النفوس.
كان رحمه الله من كبار رجال الفكر المسلمين، مجاهداً إسلامياً فاعلاً ومتنوراً يستلهم منطق العصر وأساليبه، ويستند إلى التراث الإسلامي بثوابته الأصيلة لرسم اتجاهات جديدة تساعد العالم الإسلامي عامة والمسلمين الشيعة بشكل خاص على مواجهة تحديات العصر، وما أكثرها، من خلال ما كان وضعه أمامهم وبين أيديهم خلال عمره المديد… ومن أجل قيادتهم إلى وضع جديد من التعاون والتكافل والتضامن ووحدة الصف والكلمة.
وكان رحمه الله، وبحقّ، امتداداً لسلسلة من المفكرين الإسلاميين الكبار في قيادة الثقافة نحو آفاق بعيدة من السموّ والتطور الذي يطال حياة المسلمين أينما وجدوا.
كان السيد حسن الأمين يشرف بشكل مباشر، ويتابع العمل في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، ويدقق في كل التفاصيل، ويثابر بجد لينجز مجلداتها الثلاثين كما كان يرغب ويتمنى، ولكن الأجل وافاه ولم يعطه فرصة تحقيق هذا الأمل وتنفيذ هذه الرغبة.
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، عمل موسوعي ضخم ومأثرة من مآثر هذا الرجل العظيم، والصرح الكبير الذي أفنى عمره، متجاوزاً التسعين، في خدمة الإسلام والمسلمين.
تناولت دائرة المعارف الإسلامية الشيعية مواضيع ثقافية واجتماعية وجغرافية وتاريخية وأدبية وفقهية.
تناولت كل نواحي المعرفة الإنسانية ومختلف مظاهرها فكانت بحقّ عملاً موسوعياً شاملاً وضعه الرجل في متناول الجميع، الخاصة والعامة، ليكون مرشدهم إلى طريق العلم والمعرفة.
لقد أنجز السيد الأمين المجلد 26 في حياته، وكانت مواد الأجزاء الأخرى تنسق وترتب وتصحح، وكان يعبر عن قلقه خلال متابعته هذا العمل الكبير بقوله: لن أرتاح إلى أن تصبح ثلاثين مجلداً… ساعتئذ أكون قد أنجزت عملاً أكون قد خدمت به أهلي وأمتي.
كان رحمه الله يتابع العمل ويراجعه ويشرف على تحقيقه إلى أن أنجز المجلد “السادس والعشرون”..
أما ملفات ومواضيع ومواد المجلدات الباقية فكان بعضها موجوداً، وكان قد عمل رحمه الله على تبويب الكثير منها ونظمه وحققه وأخذ طريقه إلى الصف لكن المنية وافته قبل أن يراه.. فلم يستطع متابعته والإشراف عليه.
وكان قد وصلنا العديد من المقالات والموضوعات التي كان ـ رحمه الله ـ قد اتفق بشأن إعدادها مع بعض الكتّاب والبحاثة العرب والمسلمين، وقد وصلتنا بعد وفاته فقمنا بترجمتها وتعريبها ونعمل حالياً على تبويبها وتنظيمها.
وكان السيد حسن الأمين حريصاً على التعاون مع الكتّاب والدارسين والاختصاصيين في العمل الموسوعي ودوائر المعارف وخاصة الدكتور السيد جودت القزويني الذي كان يتابع جهوده ودراساته، وكان ينتظر رسائله ومقالاته، وبالفعل فقد أتحفنا بالعديد من المقالات المهمة، وقد وصلتنا بعد وفاة السيد الأمين.
والآن، إن مواد المجلدين السابع والعشرين والثامن والعشرين قد أصبحت جاهزة تبويباً وتنقيحاً وتعريباً وأخذت طريقها إلى المطبعة وستكون بعون الله بين يدي القارئ الكريم تباعاً…
أما مواد المجلدين التاسع والعشرين والثلاثين، فهي الآن في دائرة التوضيب والتصحيح والإعداد، وستصبح جاهزة عما قريب ـ إن شاء الله ـ لتأخذ طريقها هي الأخرى إلى الصف والإخراج والطباعة، ونكون بذلك حققنا حلم هذا الرجل الكبير، والسيد الأمين وهي دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ثلاثين مجلداً.
ونحن، في دار التعارف. فخورون بإتمام هذا العمل الموسوعي الكبير، مؤكدين على استمرار جهدنا ومثابرتنا في وضع كل إمكانياتنا المادية والمعنوية في خدمة أجيالنا… وأمتنا.
ولا يزال الطريق أمامنا طويلاً.. لكننا نعدُ أننا لن نحيد عنه، ولن نألوا جهداً في خدمة ثقافتنا الإسلامية.
أخيراً لا يسعنا إلا أن نشكر جميع الأخوة والدارسين والباحثين الذين أسهموا بأقلامهم وأفكارهم واحتضانهم… فكانت هذه الموسوعة.
ونخص بالشكر الأخ السيد مسعود إدريسي سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان والأخ السيد حميد رضا قمي القائم بالأعمال السابق في سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان اللذين أسهما بشكل كبير. وكان لهما الفضل الأكيد في إخراج هذه الموسوعة ـ دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ـ.
نرجو بعملنا هذا أن نكون قد قدمنا خدمة، فقد كان جهدنا وعملنا صادقين في هذا العمل الموسوعي الخطير الشأن والكبير.
ربنا نسألك أن تجعل عملنا متقبلاً وأن ينفع
ربنا قد أنعمت علينا فنسألك مزيداً من نعمك
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا
أنت الهادي إلى سواء السبيل
لك الحمد أولاً وآخراً.
الناشر
بيروت 21/آذار/2005م
بسم الله الرحمن الرحيم
الأبداليون أو الدرانيون
الأبداليون أو الأبدال هم فرع من قومية السربني أو السربند الأفغانية)[1]( والذين استمدوا وجودهم وشهرتهم وقوتهم من بعد ظهور (أحمد خان الأبدالي الدراني) وتمكنوا من لعب دور مؤثر في تحولات إيران الشرقية منذ نهاية عهد نادر شاه وحتى أواسط العهد القاجاري. وقبل أن يشتهر الأبدال، أي قبل عهد وقدرة (أحمد خان الأبدال) في (قندهار) عرفوا باسم (سدوزائي) وكانوا يقضون فصلي الشتاء والصيف متنقلين بين قندهار وكابل.
(المنشي الجامي) مؤرخ بلاط أحمد خان الدراني كتب يقول: «منذ القدم كانت السلالة الجليلة تتنقل في رحلتي الشتاء والصيف بين دار القرار قندهار وأرض داور وطوبى وبين جبال ناحية قراباغ وغزنين وحتى كابل المفرحة»)[2](.
وحسب (كاتب هزاره) فإن هذه التسمية أنهم يعودون إلى رجل اسمه (سدّو) وأن تسلسل نسب أحمد خان الدراني أو الأبدالي أو السدوزائي هو: أحمد شاه بن محمد زمان خان بن سرمست خان بن شيرخان بن خواجه خضرخان بن سدّو)[3](.
(علي قلي ميرزا) حرر كتابه قبل كاتب هزاره، وأدرج معلومات مهمة في أحوال القبائل الأفغانية، وحول نسب الأبدال وفروعهم كتب: (هي سلالة أفغانية كانت تعرف بـ(سربند) وتتشعب عنها عدة فروع: أولها الأبدال)[4]( وقد أطلق عليهم أحمد شاه الصدوزائي اسم الدرانيين، وأطلق على نفسه لقب (دردراني) والمعروف أنهم من أولاد حسن الأبدالي المدفون بنيشابور والأبدال بدورهم عدة قبائل منها (الثيراني) وهي فرعان (اسبرثيرين) و(تورثيرين). والباركزائي عدة فروع: محمد زائي، شيرزائي، اشكزائي، نصرت زائي، سندرزائي، فوفلزائي. وهذه الأخيرة عدة فروع: باميزائي، صدوزائي، مادوزائي، منكل زائي، سميل زائي، أيوب زائي، حسن زائي، لنكق الكوزائي. وهذه الأخيرة عدة فروع: خالوزائي، جاكوزائي، كونيزائي، يعقوب زائي، نورزائي. وهي بدورها فرعان: باثان زائي، بابوزائي، اسحاق زائي. وعليزائي فرعان: حلوزائي، حسن زائي. وعشيرتي الماكوئي)[5]( وخوكياني. وقد صعد نجم الأبدال بعد مقتل (نادر شاه) ففي عهده كان الأبدال مثل سائر عشائر وفروع السربني تشكل كل واحدة منها قسماً من القوات الأفغانية لنادر شاه، لكن كان من بين القادرة المحترمين والمقربين إليه (نور محمد خان عليزائي الأبدالي)([6](.
بعد مقتل (نادر) وعودة جميع عشائر وفروع الأبدال إلى (قندهار) وكما ذكرنا في تاريخ ظهور حكومة أحمد خان الأبدالي، فإن هذا الخان الأبدالي استطاع أن يستغل ضعف (نور محمد خان عليزائي) وحصل على دعم (حاجي جمال خان أحمد زائي) من فرع باركزائي الدراني وموسى خان اسحاق زائي المعروف بالديكي ومحبت خان نورزائي ومير هزار خان الكوزائي. واستولى على رئاسة الأبدال، ثم أطلق على نفسه لقب (أحمد شاه)([7](. وبدأت قوة الأبدال منذ عام (1161هـ) في منطقة (نادر أباد) بقندهار بقيادة أحمد خان الدراني نفسه إلى ظهور (دوست محمد خان الباركزائي) وخلال هذه الفترة كانوا يسيطرون على الأقسام الأساسية من أفغانستان الحالية. وبعد أحمد خان كان أهم القادة الذين توالوا على الحكم:
1 ـ تيمور شاه ابن أحمد خان.
2 ـ همايون ميرزا ابن تيمور شاه.
3 ـ زمان شاه ابن تيمور شاه.
4 ـ محمود ميرزا ابن تيمور شاه.
5 ـ شاه شجاع أو شجاع الملك ابن تيمور شاه.
6 ـ علي شاه. وقد حكم كابل لمدة.
7 ـ أيوب شاه. حاكم بيشاور وكشمير.
8 ـ كامران ميرزا. حاكم هرات.
ابن زريق البغدادي اسمه «علي»
قال ابن السراج في مصارع العشاق: «أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن الجان القرشي الأديب بالكوفة وانا متوجه إلى مكة سنة 441 بقراءتي عليه قال حدثنا أبو الحسن علي بن حاتم بن بكير البزاز التكريتي بتكريت قال حدثني بعض أصدقائي أنّ رجلاً من أهل بغداد قصد أبا عبد الرحمن الأندلسي وتقرّب إليه بنسبه فأراد أبو عبد الرحمن أن يبلوه ويختبره فأعطاه شيئاً نزراً فقال البغدادي: إنا لله وإنا إليه راجعون، سلكت البراري والبحار والمهامه والقفار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر فانكسرت نفسه واعتل، فمات وشغل عنه الأندلسي أياماً ثم سأل عنه فخرجوا يطلبونه فانتهوا إلى الخان الذي كان فيه وسألوا الخانية عنه فقالت إنه كان في هذا البيت ومذ أمس لم أره، فدفعوا الباب فإذا بالرجل ميتاً وعند رأسه رقعة فيها مكتوب:
لا تعذليه فإن العذل يولعه
قد قلت قولاً ولكن ليس يسمعه
قال لنا أبو الحسين محمد بن علي بن الجان وزادني أبو علي الحسن بن علي المتصرّف
والحرص في المرء والأرزاق قد قسمت
بغى ألا أن بغي المرء يصرعه
فلما وقف أبو عبد الرحمن على هذه الأبيات بكى حتى اخضلت لحيته وقال: وددتُ أن هذا الرجل حي فأشاطره نصف ملكي. وكان في رقعة الرجل «منزلي ببغداد في الموضع المعروف بكذا والقوم يعرفون بكذا» فحمل إليهم خمسة آلاف دينار وسفتجة وحصلت في يد القوم وعرّفهم موت الرجل»)[8](.
قال بهاء الدين محمد العاملي: هذه قصيدة ابن زريق الكاتب البغدادي:
لا تعذليه فإن العذل يولعه
قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه…»([9](
وقال تقي الدين أبو بكر بن علي الشهير بابن حجة الحموي المتوفى سنة 837هـ: «أخبرنا الشيخ الجليل العدل الأصيل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن غانم بن وافد المهدي… عن الحميدي قال أنشدني أبو غالب محمد بن سهل النحوي الواسطي المعروف بابن شران بواسط قال أنشدني الأمير أبو الهيجا، محمد بن عجران بن شاهين قال أنشدني علي بن زريق الكاتب البغدادي بنفسه هذه القصيدة إلى آخرها وقد أنشدتها جماعة بالمغرب وقال لي أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد وغيره: يقال من تختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل الظرف هي:
لا تعذليه…([10](
قال مصطفى جواد: توفى أبو غالب محمد بن أحمد بن سهل بن بشران سنة 462 وكان إماماً لغوياً شاعراً مقتدراً ومن شعره:
بما يعينيك من غنج ومن حور
وما نجتريك من ورد ومن زهر
وما بثغرك من در ومن برَد
وما به من رضاب فاتح عطر
وطرة طار لبي عند رؤيتها
وغرّة تركت قلبي على غرر
وهو الذي قال:
يا أهل واسط إن صاحبكم صبا
من بعد طول تنسك وصلاح
تبع الهوى في حب ظبي شادن
ذي مقلة سكرى ولفظ صاحي
في وجهه لذوي البصائر والنُهى
نزَه العيون وراحة الأرواح)[11](
وأما محمد بن عمران بن شاهين فهو ابن أمير البطائح في عهد بني بويه، مات أبوه سنة 369 وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 373 قتل أبي الفرج محمد بن عمران بن شاهين وهو راوي القصيدة.
مصطفى جواد
وقلده عملاً يليق به. ولما ترقت به الحال قال: رق الزمان لفاقتي… قال ابو إسحاق الصابي: كنت يوماً عند الوزير المهلبي وقد أخذ ورقة وكتب فيها. فقلت بديهاً:
له يد أبدعت جوداً بنائلها
ومنطق دره في الطرس ينتثر
فحاتم كان في بطن راحته
وفي أناملها سحبان يستتر
ومن شعره ـ رح ـ:
الجود طبعي ولكن ليس لي مال
وكيف يصنع من بالقرض يحتال؟
فهاك خطي فخذه منك تذكرة
إلى اتساع فلي في الغيب آمال
ومنه أيضاً عفي عند:
أتاني في قميص اللاذ يسعى
ومنه أيضاً ـ رح ـ:
تطوي بأوتارها الهموم كما
تطوى دُجى الليل بالمصابيح
ثم تغنت فخلتها سمحت
بروحها خلعة على روحي
وكان أبو النجيب شداد بن إبراهيم الجزري الواعظ الملقب بالطاهر كثير الملازمة للوزير المهلبي فاتفق أن غسل ثيابه فأنفذ الوزير يدعوه فاعتذر فلم يقبل وألح في استدعائه فكتب إليه شعراً:
عبدك تحت الحبل عريان
كأن لا كان شيطان
فأ،فذ إليه جبّة وقميصاً وعمامة وسراويل وخمسمائة درهم وقال: أنفذت إليك ما تلبسه وما تدفعه إلى خياط فإن كنت غسلت التكة وإلاّ عرفني لأنفذ إليك عوضها. ومن شعر الوزير المهلبي:
تصارمت الأجفان لما هجرتني
فما نلتقي إلا ولي عبرة تجري
وطوّل ياقوت ترجمته وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة بطريق واسط وحمل إلى بغداد (رحمه الله)([12](.
ـ وأبو القاسم علي بن إسحاق بن خلف البغدادي المعروف بالزاهي الشاعر البارع، ترجم له الخطيب البغدادي قال: «علي بن إسحاق بن خلف أبو الحسن الشاعر المعروف بالزاهي، حسن الشعر في التشبيهات وغيرها وأحسب شعره قليلاً، أنشدنا التنوخي قال أنشدنا محمد بن عبدالله بن حمدان الكاتب النصيبي قال أنشدني علي بن إسحاق بن خلف الزاهي البغدادي القطان لنفسه ـ وكان دكانه في قطيعة الربيع ـ:
قم نُهنئ عاشقين
أصبحا مصطلحين
جُمعنا بعد فراق
فجعا منه وبين
ثم عادا في سرور
من صدود آمنين
فهم روح ولكن
ركبت في جسدين
قال لي التنوخي: مات الزاهي بعد سنة ستين وثلاثمائة»)[13](.
واختصر ترجمته من تاريخ الخطيب أبو الفرج بن الجوزي وأورد في البيت الرابع «بدنين» مكان جسدين)[14](، وترجم له ابن خلكان قال: كان وصافاً محسناً كثير الملح» وقال: «وذكره عميد الدولة أبو سعيد ابن عبد الرحيم بن عبد الرحيم في طبقات الشعراء وقال: ولد يوم الاثنين لعشر ليال بقين من صفر سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وتوفي يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ببغداد ودفن في مقابر قريش وشعره في أربعة أجزاء وأكثر شعره في أهل البيت ومدح سيف الدولة والوزير المهلبي وغيرهما من رؤساء وقته وقال في جميع الفنون، وله:
صدودك في الهوى هتك استتاري
وعاونه البكاء على اشتهاري
ولم أخلع عذاري فيك إلا
لما عانيت من حُسن العذار
وكم أبصرت من حسن ولكن
عليك لشوقتي وقع اختياري
وله في تشبيه البنفسج:
ولا زوردية أوفت بزرقتها
بين الرياض على زرق اليواقيت
كأنهــــــــــــــــــا فـــــوق طاقـــــــــــــــــــــــــات صُفقت لهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
أوائـــــــــــــــــل النــــــــــــــــــــــــــــار في أطــــــــــــــــــــــــــــــــراف كبــــــــــــريـــــــــت
ومن محاسن شعره قوله:
ومدامة كضيائها في كأسها
نور على فلك الأنامل بازغ
رقت وغاب عن الزجاجة لطفها
فكأن الإبريق منها فارغ
ومن محاسن شعره قوله:
وبيض بألحاظ العيون كأنما
هززن سيوفاً وانتضين خناجرا
تصدين لي يوماً بمنعرج اللوى
فغادرن قلبي بالتصبر غادرا
سفَرْن بدوراً وانتقبن أهلة
ومسن غصوناً والتفتن جآذرا
وأطلعن في الأجياد بالدر أنجما
جعلن لحبات القلوب ضرائرا
وهذا تقسيم عجيب ولقد استعمله جماعة من الشعراء لكنهم ما أتوا به على هذه الصورة فإنه أبدع فيه… وقيل توفي الزاهي بعد سنة ستين وثلاثمائة رحمه الله تعالى، والزاهي بفتح الزاي وكسر الهاء بعد الألف قال السمعاني: هذه النسبة إلى قرية من قرى نيسابور ونُسب إليها جماعة ثم قال: وأما أبو الحسن علي بن إسحاق بن خلف الشاعر البغدادي المعروف بالزاهي فلا أدري أيُنسب إلى هذه القرية أم لا؟ غير أنه بغدادي وكان حسن الشعر»)[15](.
وجاء في الهامش «قوله ـ يعني السمعاني ـ أبو الحسن إلخ مع ما قال في أول الترجمة إنه أبو القاسم فلينظر» قلت: القول الثاني هو للسمعاني ويجوز أنه كانت له كنيتان فهذا مألوف ومنهم من كانت له أربع كنى.
وأورد له ابن شهر أشوب مقطعان من شعره في مديح آل البيت منها قوله في مدح الإمام علي (ع):
مُفقهُ الأمة والقاضي الذي
أحاط من علم الهدى ما لم يُحط
والنبأ الأعظم والحجة والـ…
ـمصباح والمحنة في الخطب الورط
حبل إلى الله وباب الحطّة والـ…
ـفاتح بالرشد مغاليق الخطط
والقدم الصدق الذي سيط به
قلب امرئ بالخطوات لم يسط
ونهر طالوث وجنب الله والـ…
ـعين التي بنورها العقل خلط
والأذن الواعية الصماء عن
كل خنا يغلط فيه من غلط
ـ وأبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم بن البراء بن سبرة بن سيار التميمي المعروف بابن الجعابي القاضي المؤلف، المحدث، وُلد ببغداد لست ليال أو لسبع مضين من صفر سنة 284هـ وكان يسكن بعض سكك باب البصرة من المحلات المجاورة لمدينة المنصور بالجانب الغربي من بغداد وأقبل على سماع الحديث من شيوخ عصره المشاهير وكان ذا حافظة قوية جداً، وبرع في علم الحديث، روى الخطيب عن بعضهم أنه كان «إماماً في المعرفة بعلل الحديث وثقات الرجال من معتلين وضعفائهم وأسمائهم وأنسابهم وكناهم ومواليدهم وأوقات وفاتهم ومذاهبهم وما يطعن به على كل واحد وما يوصف من السداد، وكان في آخر عمره قد انتهى هذا العلم إليه حتى لم يبق من يتقدمه فيه في الدنيا»)[16]( وكان قال: «كان أحد الحفاظ الموجودين)[17]( (كذا) صحب أبا العباس به عقدة وعنه أخذ الحفظ وله تصانيف كثيرة في الأبواب والشيوخ ومعرفته الإخوة والأخوات وتواريخ الأمصار وكان كثير الغرائب ومذهبه في التشيع معروف»)[18](.
ثم قال الخطيب: «سألت أبا بكر البرقاني عن ابن الجعابي فقال حدثنا عنه الدارقطني وكان صاحب غرائب، ومذهبه معروف في التشيع. قلت: قد طعن عليه في حديثه وسماعه. فقال: ما سمعتُ فيه إلاّ خيراً»)[19]( وقد كان الخطيب قال: «حدثني أبو الفضل عيسى بن أحمد بن عثمان الهمداني قال سمعت أبا الحسن بن زرقويه يقول: كنت يوماً عند أبي بكر بن الجعابي فجاءه قوم من الشيعة فسلموا عليه ودفعوا إليه صُرّة فيها دراهم ثم قالوا: أيها القاضي إنك جمعت أسماء محدثي بغداد وذكرت من قدم إليها، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد وردها فنسألك أن تذكره في كتابك. فقال: نعم يا غلام هات الكتاب. فجاء به، فكتب فيه: وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يقال إنه قدمها. قال ابن زرقويه: فلما انصرف القوم قلت له: أيها القاضي هذا الذي ألحقته في الكتاب مَنْ ذكره؟ فقال: هؤلاء الذين رأيتهم. أو كما قال»)[20](.
وذكر الخطيب أن ابن الجعابي قلّد قضاء الموصل فلم يُحمد في ولايته، ثم قال: «حدثني الحسن بن أحمد ابن عبدالله الصوفي قال قال لنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ: مات أبو بكر بن الجعابي الحافظ يوم)[21](… من رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ودفن من غد. حدثني الأزهري أن ابن الجعابي لما مات صُلّي عليه في جامع المنصور وحمل إلى مقابر قريش فدفن بها، قال: وكانت سكينة نائحة الرافضة تنوح على جنازته، وكان أوصى بأن تحرق كتبه فأحرقت جميعها وأُحرق معها كتب للناس كانت عنده، قال الأزهري: فحدثني أبو الحسين بن البواب قال: كان لي عند ابن الجعابي مائة وخمسون جزءاً)[22]( فذهبت في جملة ما أحرق»)[23](. واختصر أبو الفرج بن الجوزي ما ذكره الخطيب وأورده في تاريخه)[24]( وفيه التصريح بأنه دفن في مقابر قريش، واختصر الترجمة قبله تاج الإسلام السمعاني ولكن لم يذكر مدفنه)[25](. وترجم له في كتب أخرى. ومنها كتاب الفهرست للطوسي «ص 151 طبعة النجف».
الإجازة الصادقية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي استفاضت براهين وجوده بآثار قدرته، وانتشرت أحاديث شكره بمرسلات الرياح من رحمته، والصلاة والسلام على أفضل رسله وأكرم بريته، وعلى الأصفياء من عترته، المتبعين لهديه ومسيرته، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
(وبعد) فقد جرت سيرة السلف الصالح من العلماء الأعلام والأساتذة الكرام، على الإجازة والاستجازة في نقل الأخبار المروية عن العترة الأطهار (ع)، صوناً للأسانيد عن وصمة الإرسال، وتبركاً بانتهاء السنّة إلى النبي والآل، وكان ممن اعتنى بذلك غاية العناية، وبذل الجهد للوصول إلى هذه الغاية ابن خالنا الفاضل الأديب صاحب التحقيقات المزيدة والمؤلفات الرائقة السيد جودت نجل المرحوم السيد كاظم الحسيني الشهير بالقزويني سلالة العلماء الأعلام، منار الشرف الباذخ وقاعدة المجد المؤثل، وواسطة العقد المفصّل، وقد رغب إليّ حفظه الله تعالى واستجازني، أدام الله وجوده ونفع به، في الرواية عنّي عن مشايخي بطرقهم المنتهية إلى الأئمة المعصومين، سلام الله عليهم أجمعين. وحيث رأيته أهلاً لذلك (فقد أجزته) أن يروي عنّي ما صحت لي روايته عن مشايخي الأعلام وأساتذتي الكرام بأسانيدهم المتصلة إلى معادن الوحي والتنزيل (ع)، وهم كل من:
(أولهم) شيخنا العلامة الفقيه السيد أبو تراب الخوانساري الغروي قدس سره المتوفى سنة 1346هـ، عن مشايخه الشيخ الفقيه المولى لطف الله المازندراني، والشيخ الفقيه الشيخ محمد حسين الكاظمي قدس الله سره، والسيد محمد باقر الخوانساري صاحب روضات الجنات رحمه الله، وأخيه الحاج محمد هاشم الجهارسوقي، والعلامة الشيخ محمد باقر ابن الشيخ تقي الأصفهاني رحمه الله صاحب الحاشية على معالم الأصول، والسيد محمد علي الخوانساري (رحمه الله) صاحب الصراط المستقيم في أصول الدين، بطرقهم المتصلة إلى الأئمة (ع).
(وثانيهم) ـ وهو أعلاهم سنداً وأقربهم طريقاً ـ بحاثة العصر وعلامة الدهر سيدنا الحجة صاحب المؤلفات الفريدة المفيدة السيد حسن صدر الدين العاملي الكاظمي قدس الله سره، عن مشايخه الحاج ميرزا محمد هاشم الجهارسوقي، والحاج مولى علي ابن الميرزا خليل الطهراني الغروي، وأخيه الفقيه الحاج ميرزا حسين الطهراني الغروي رحمهما الله، والعلامة السيد مهدي القزويني الحلي رحمه الله وثقة الإسلام البحاثة الحجة الشيخ الميرزا محمد حسين النوري الغروي صاحب مستدرك الوسائل رحمه الله، بأسانيدهم المعروفة.
(وثالثهم) ـ العلامة البحاثة مثال الورع والتقوى الشيخ محمد محسن الشهير بآغا بزرك الطهراني الغروي أدام الله وجوده صاحب كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) المطبوع منه حتى الآن سبعة عشر جزءاً ويواصل في طبع بقية أجزائه في إيران، تاريخ إجازته صبيحة الثلاثاء (27) شهر صفر سنة 1350هـ، عن مشايخه وهم كلّ من الحاج ميرزا حسين ابن الميرزا خليل الطهراني الغروي رحمه الله، والعلامة البحاثة المحدث الحجة الميرزا محمد حسين النوري الغروي صاحب مستدرك الوسائل رحمه الله، وفقيه الأمة الشيخ محمد طه نجف الغروي رحمه الله، وعلم الهدى العلامة الورع الزاهد السيد المرتضى الكشميري الغروي رحمه الله، والمحقق المدقق العلامة الآخوند المولى علي النهاوندي رحمه الله، وآية الله المولى محمد كاظم الخراساني الغروي صاحب كفاية الأصول رحمه الله، والعلامة الفقيه الشيخ فتح الله الشهير بشيخ الشريعة الأصفهاني الغروي رحمه الله، والحبر الفقيه الزاهد الشيخ علي الخيقاني الغروي رحمه الله، والمحدث الفقيه الورع السيد محمد علي الشاه عبد العظيمي الغروي رحمه الله، والمدرس الكبير الميرزا محمد علي الرشتي الغروي رحمه الله، والعلامة الفقيه السيد أبو تراب الخوانساري الغروي رحمه الله، والسيد أبي محمد الحسن صدر الدين الكاظمي رحمه الله، وعلامة الهند شمس العلماء السيد ناصر حسين الموسوي الهندي اللكهنوي رحمه الله، والشيخ محمد صالح الطعان البحراني رحمه الله، والشيخ موسى الحائري رحمه الله، والعلامة السيد أحمد الحائري رحمه الله، بطرقهم المتصلة المسطورة في محلها.
(ورابعهم) ـ علامة الهند المقدم السيد نجم الحسن الرضوي الهندي اللكهنوي رحمه الله، عن مشايخه وهم كل من فقيه الطائفة الشيخ محمد حسن المامقاني الغروي رحمه الله، وآية الله الميرزا حسين ابن الميرزا خليل الطهراني الغروي رحمه الله ووجه الطائفة السيد إسماعيل الصدر العاملي الأصفهاني الكاظمي رحمه الله والشيخ الفقيه الشيخ عباس ابن الشيخ حسن آل كاشف الغطاء صاحب منهل الغمام في شرح شرائع الإسلام رحمه الله، وآية الله الفقيه السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي الغروي رحمه الله، بطرقهم المودعة في إجازاتهم، وقد أجازني رحمه الله في النجف الأشرف يوم 4 ذي القعدة سنة 1348هـ.
(وخامسهم) ـ العلامة البارع صديقنا الوفي البحاثة السيد علي نقي النقوي اللكهنوني أدام الباري وجوده عن مشايخه، وهم كل من شيخنا الأعظم سيدنا السيد حسن صدر الدين الكاظمي رحمه الله، ورئيس الطائفة آية الله شيخنا الشيخ ميرزا محمد حسين النائيني الغروي رحمه الله، وسيد الطائفة آية الله السيد ميرزا علي آغا الشيرازي خلف آية الله العظمى الشهير السيد ميرزا حسن الشيرازي الغروي رحمهما الله، وفقيه العصر الشيخ عبدالله المامقاني صاحب كتاب الرجال المطبوع رحمه الله والمتتبع الضليع الشيخ علي ابن الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء قدٍ سره، والعلامة الفقيه الحجة الشيخ مرتضى ابن الشيخ عباس آل كاشف الغطاء رحمه الله، والعلامة الفقيه الشيخ هادي ابن الشيخ عباس آل كاشف الغطاء رحمه الله، وحكيم الفقهاء الشيخ أغا رضا الإصفهاني رحمه الله صاحب نقد فلسفة داروين والعلامة المؤلف الحجة الشهير السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله وبحاثة العصر العلامة الحجة السيد عبد الحسين آل شرف الدين العاملي رحمه الله، والعلامة المحدث الفقيه الشيخ محمد باقر البيرجندي رحمه الله، والمولى المتتبع الفقيه الشيخ أسد الله الزنجاني الغروي والعلامة المصلح الكبير السيد نجم الحسن الهندي اللكهنوي رحمه الله وأبيه العلامة الفقيه السيد أبو الحسن آل المجتهد الكبير الشهير السيد دلدار علي النقوي اللكهنوي الهندي رحمه الله، والعالم الفقيه الأصولي الشيخ محمد كاظم الشيرازي الغروي رحمه الله، والمحقق المدقق الفقيه الأصولي أستاذنا الشيخ ميرزا أبو الحسن المشكيني الغروي رحمه الله، وجمال السالكين منار الهدى والورع والتقى الشيخ علي بن إبراهيم القمي الغروي، وعلم الفضل والهداية الحجة الشيخ ميرزا محمد الطهراني العسكري رحمه الله، وشيخنا العلامة المحسن المدعو بالشيخ آغا بزرك الطهراني الغروي، والمحقق العلامة الحجة السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني الكاظمي دام علاه والعالم الحبر الثقة السيد محمد ابراهيم ابن السيد هاشم القزويني الحائري رحمه الله، والعالم الجليل السيد محمد ابن المحسن الحائري آل العلامة المحدث السيد هاشم البحراني صاحب غاية المرام رحمه الله والعيلم العلم المحقق الميرزا هادي الخراساني الحائري رحمه الله وسيد المحققين السيد إبراهيم الشهير بميرزا آغا الأصطهباناتي الشيرازي الغروي رحمه الله، وسيد الأدباء العلامة السيد رضا ابن العلامة الشهير السيد محمد الهندي الغروي رحمهما الله، والعلامة الحجة الشيخ علي أكبر النهاوندي نزيل مشهد الإمام الرضا (ع) وصديقه وصديقنا العلامة الكبير الحجة الشيخ ميرزا محمد علي الأوردبادي الغروي رحمه الله، والفاضل الأديب المتتبع الشيخ فدا حسين القرشي الهندي رحمه الله والسيد الأديب الكامل الحبر الضليع السيد كلب مهدي الجاليسي الحائري رحمه الله، بطرقهم التي أودعها في إجازته المبسوطة لنا المسماة أقرب المجازات إلى مشايخ الإجازات والتي تبلغ (461) صفحة، وقد رتبها على ست طبقات وتاريخ مسودتها في شهر ذي الحجة سنة 1350هـ وتاريخ تبييضها يوم الرابع عشر من جمادى الأولى سنة 1358هـ، وقد أرسلها لنا من بلدة أكبر آباد (اﮔره) بخطه أدام الله وجوده ونفع به.
(سادسهم) المجتهد الكبير السيد محمد هادي الخراساني الحائري (رحمه الله) عن مشائخه المذكورين في الإجازة، وتاريخ الإجازة حوالى سنة 1350هـ.
(وسابعهم) ـ العلامة الكبير الشيخ أسد الله الزنجاني الغروي وتاريخ الإجازة سنة 1351هـ (3؟) شهر ذي القعدة، عن مشايخه المذكورين في الإجازة.
(وثامنها) ـ العلامة المحدث الحجة السيد أحمد آل السيد نعمة الله الجزائري الغروي دام علاه، عن مشايخه المذكورين في الإجازة وتاريخها (18) المحرّم سنة 1353هـ.
(وتاسعهم) ـ العلامة الكبير السيد نجم الحسن الرضوي الهندي رئيس مدرسة الواعظين في لكهنو الهند رحمه الله، عن مشائخه المذكورين في الإجازة، وتاريخها سنة 1348هـ 4 ذي القعدة.
(وعاشرهم ـ شيخنا الأستاذ الحجة الشيخ محمد السماوي الغروي، أجازني نظماً أرجوزة في (17) بيتاً مطلعها بعد البسملة.
أجزت سيدي أخا الفضل السنيّ
محمد الصادق نجل الحسن
(حادي عشرهم) ـ العلامة الكبير الحجة ابن خالنا السيد جعفر ابن العلامة السيد محمد باقر آل بحر العلوم رحمه الله عن مشايخه المذكورين في الإجازة وتاريخها جمادى الأولى سنة 1365هـ.
(ثاني عشرهم) العالم الكبير السيد ناصر حسين الهندي الكنهوي رحمه الله، عن مشايخه المذكورين في الإجازة تاريخها (13) شهر ذي الحجة سنة 1352هـ.
(ثالث عشرهم) ـ العلامة الكبير الحجة الشيخ ميرزا محمد الطهراني العسكري رحمه الله، عن مشايخه المذكورين في الإجازة وتاريخها (13) من شهر صفر سنة 1360هـ.
(رابع عشرهم) ـ العلامة الكبير المجاهد الشيخ حبيب المهاجر آل العاملي البعلبكي المتوفى هذه السنة 1384 في بعلبك ونُقل جثمانه إلى النجف الأشرف ودُفن في إحدى حجر الصحن الشريف العلوي القبلية رحمه الله، وتاريخ الإجازة (16) جمادى الأولى سنة 1354هـ، وهو يروي عن مشايخه المذكورين في الإجازة، وكنت قد زرته في مدينة بعلبك في شهر ربيع الثاني سنة 1354هـ واستجزته فكتب لي الإجازة في قرية (بدنايل) إحدى القرى التابعة لمدينة بعلبك في السنة المذكورة.
(خامس عشرهم) ـ العلامة المتتبع الخبير الحجة السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي نزيل (قم) من بلاد إيران وعالمها المقدم أدام الله وجوده، عن مشايخه المذكورين في الإجازة المفصّلة وتاريخها ليلة الخميس أواخر جمادى الأولى سنة 1349هـ وقد أرسلها إليّ من (قم) وكان من أعزّ اصدقائي وجاري يوم كان يسكن معي في إحدى غرف (مدرسة القوام) في النجف الأشرف، وكانت بيننا أخوة صادقة ومودة أكيدة، ثم سافر إلى إيران وسكن بلدة (قم)، وهو اليوم علم من أعلامها وحجة من حججها أطال الله بقاءه ونفع به، وقد كتب لي من (قم) يستجيزني لتكون الإجازة بيننا ( ) فكتبت له إجازة تاريخها يوم الأحد (25) شهر صفر سنة 1350هـ.
(سادس عشرهم) ـ سيدنا العلامة الكبير الحجة المجاهد السيد المحسن الأمين العاملي المتوفى سنة 1371هـ والمدفون بمشهد زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب (ع) بدمشق، فقد كتب لي الإجازة بخطه في مقدمة مجموعتي المسماة (السلاسل الذهبية) وقد استعارها مني ونقل كثيراً منها في كتابه (أعيان الشيعة) المطبوع وجعلها أحد مصادر كتابه في الفهرست، وتاريخ كتابة الإجازة (12) شهر شوال سنة 1352هـ في النجف الأشرف، وهي السنة التي قصد فيها زيارة أئمة العراق (ع)، وفيها زار الإمام الرضا (ع) في خراسان، يروي بالإجازة عن مشايخه المذكورين في الإجازة.
(سابع عشرهم) ـ العلامة الكبير آية الله الحجة السيد حسن صدر الدين الكاظمي رحمه الله المتوفى سنة 1354هـ فقد أجازني شفاهاً في داره ببلدة الكاظميين (ع) وذلك بعد أن استجزته سنة 1351 (وقد تكرر ذكره سهواً).
(ثامن عشرهم) ـ العلامة الفقيه أستاذي في علم الرجال السيد أبو تراب الخوانساري الغروي رحمه الله المتوفى سنة 1346هـ، وقد أجازني شفاهاً في الصحن الشريف الحيدري ولا أتخطر تاريخ الإجازة. (وقد تكرر ذكره سهواً).
(تاسع عشرهم) ـ العلامة الفقيه الأصولي والمرجع العام استاذنا الميرزا محمد حسين النائيني رحمه الله المتوفى سنة 1355هـ، فقد كتب لي الإجازة عن مشايخه سنة 1352هـ، وكنت ممن استفاد من مجلس درسه فقهاً وأصولاً، وهو يروي عن مشايخه المذكورين في الإجازة.
(العشرون) ـ الثقة العدل المحدث الشيخ عباس القمي الغروي رحمه الله صاحب المؤلفات النافعة التي منها الكنى والألقاب المطبوع، المتوفى في النجف الأشرف سنة 1359هـ، وقد أجازني شفاهاً قبيل وفاته بأيام يسيرة، وهو يروي عن مشايخه وأشهرهم العلامة المحدث الميرزا حسين النوري صاحب مستدرك الوسائل رحمه الله.
(الحادي والعشرون) ـ العلامة المتتبع الخبير والخطيب المدرس في البصرة الشيخ عبد الوهاب الفضلي البغدادي البصري الحنفي دام توفيقه، عن شيخه العلامة الشهير موفق الدين الشيخ قاسم بن أحمد البناء القيسي البغدادي، عن مشايخه المذكورين في الإجازة، وقد أجازني في البصرة يوم كنت أتولى القضاء الشرعي الجعفري فيها وتاريخ الإجازة سلخ جمادى الآخرة، سنة 1379هـ، وقد كتب في آخر الإجازة.
أكابرنا شيوخ العصر حازوا
صنوف العلم فاغتنموا وفازوا
أجازوا لي إجازة ما رووْ
وها أنا قد أجزت كما أجازوا
هؤلاء مشايخي الذين أروي عنهم عن مشايخهم رحم الله الأموات وحفظ الباقين الأحياء، وقد أجزت لك يابن الخال وفقك الله لمراضيه، وجعل مستقبل أمرك خيراً من ماضيه أن تروي عني عن مشايخي المذكورين بطرقهم المذكورة في إجازاتهم بأسانيدهم المتصلة إلى معادن الوحي والتنزيل (ع)، راجياً منك مراعاة الاحتياط والله يوفقك، وأوصيك أن لا تنساني من صالح الدعوات في مظانّ الإجابة وأوقات الاستجابة، كما أني لا أنساك ولست بناسيك من الدعاء وفقك الله وإياي لما يحب ويرضى ويغفر الله لنا ولك إنه أرحم الراحمين.
وكتب بيمناه الفانية الراجي عفو ربه الغني محمد صادق بن الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الرضا بن المهدي بحر العلوم الطباطبائي الحسيني في النجف الأشرف، يوم السب ت(24) ذي القعدة سنة 1397 هجرية على مهاجرها آلاف التحية والسلام.
محمد صادق آل بحر العلوم
أحجار الزيت
موضع بالمدينة قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء، قال العمراني أحجار الزيت موضع بالمدينة داخلها)[26](.
والزوراء هنا كما ذكر ياقوت موضع عند سوق المدينة قرب المسجد، قال الداودي: هو مرتفع كالمنارة، وقيل: بل الزوراء سوق المدينة نفسه ومنه حديث ابن عباس، رضي الله عنه، أنه سمع صياح أهل الزوراء)[27](.
وفي أحجار الزيت قتل النفس الزكية وهو أبو عبدالله محمد بن عبدالله المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع)، وُلِد سنة مائة واستشهد لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وهو ابن خمس وأربعين سنة وأشهر ما قاله أبو نصر البخاري، وابن زهرة الحلبي في غاية الاختصار» وغيرهما.
مرقده)[28]( بضواحي مدينة الرسول الأعظم (ص) في الموضع الذي استشهد فيه ويعرف بـ«أحجار الزيت» وقيل نقل جسده إلى البقيع وأقبر فيه.
كان محمد من سادات بني هاشم ورجالهم فضلاً وشرفاً وعلماً وشجاعة وكرماً وفصاحة، إلى جانب ذلك كان عابداً ناسكاً نبيلاً جليلاً محترماً مرتدياً ثوبي الفضيلة والفخار، ويلقب بالنفس الزكية حتى أن جملة من الناس في عصره كانوا يظنون أنه هو (المهدي) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، لما روي عن النبي (ص) أنه قال:
«لو بقي من الدنيا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه مهدينا [أو قائمنا] اسمه كاسمي»، وروي مرسلاً عنه (ص) «تقتل بأحجار الزيت من ولدي نفس زكية».
كان بنو هاشم الطالبيون والعباسيون قد اجتمعوا في ذيل دولة بني أمية، وتذاكروا حالهم وما هم عليه من الاضطهاد، ولتمرد الأمويين على الدين الحنيف وقتلهم الأولياء والصلحاء والمصلحين إلى غير ذلك، ولميل الناس إلى بني هاشم وخاصة أولاد علي بن أبي طالب وفاطمة (ع) واتفقوا على أن يدعوا الناس سراً «بالأبواء» فاجتمعوا ثم قالوا لا بد لنا من رئيس نبايعه فاتفقوا على مبايعة النفس الزكية محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن السبط (ع) حيث كان من سادات بني هاشم ورجالهم، فضلاً وشرفاً وعلماً، وكان هذا المجلس قد حضره أعيان بني هاشم علويهم وعباسيهم فحضره من أعيان الطالبيين الإمام أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق (ع)، وعبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) وابناه محمد «النفس الزكية» وإبراهيم قتيل باخمرى، وجماعة من الطالبيين ومن أعيان العباسيين السفاح، والمنصور وغيرهما من آل العباس فاتفق الجميع على مبايعة «النفس الزكية» إلا الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) فإنه قال لأبيه عبدالله المحض إن ابنك لا ينالها ـ يعني الخلافة ـ ولن ينالها إلا صاحب القباء الأصفر ـ يعني المنصور ـ وكان على المنصور حينئذ قباء أصفر، قال المنصور: فرتبت العمال في نفسي من تلك الساعة، ثم اتفقوا على مبايعة النفس الزكية فبايعوه.
ثم ضرب الدهر ضربة، وانتقل الملك إلى بني العباس، ثم انتقل الملك من السفاح إلى المنصور فلم يكن هم المنصور سوى طلب «النفس الزكية» ليقتله أو ليخلعه)[29]( وقد أفتى مالك بن أنس إمام المالكية بالخروج مع محمد النفس الزكية)[30](.
قال ابن عنبة في عمدة الطالب: وكان المنصور قد بايع لمحمد ولأخيه إبراهيم مع جماعة من بني هاشم)[31]( فلما بويع لبني العباس اختفى محمد وإبراهيم مدة خلافة السفاح، ولما ملك المنصور وعلم أنهما عزما على الخروج جدّ في طلبهما وقبض على أبيهما وجماعة من أهلهما.
وروي أنهما أتيا أباهما وهو في السجن سراً فقالا له: يقتل رجلان من آل محمد خير من أن يقتل ثمانية، فقال لهما: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين فلا يمنعكما أن تموتا كريمين)[32](.
لما عزم محمد على الخروج واعد أخاه إبراهيم على الظهور في يوم واحد، ذهب محمد إلى المدينة وإبراهيم إلى البصرة، فاتفق أن إبراهيم مرض فتأخر عن موعد الخروج، فخرج النفس الزكية بالمدينة بنفس الموعد وأظهر أمره وتبعه أعيان المدينة ولم يتخلف عنه إلا نفر يسير ثم غلب على المدينة وعزل عنها أميرها من قبل المنصور، ورتب عليها عاملاً وقاضياً، وكسر أبواب السجون وأخرج من بها، واستولى على المدينة، وخرج رجل يقال له: أوس العامري من المدينة يخبر المنصور بخروج محمد واستيلائه على المدينة وقد صيّر طريقه تسعة أيام فأخبره بذلك وأكرمه بتسعة آلاف درهم ثم قام المنصور وقعد وتراخت المدة حتى تكاتبا وتراسلا فكتب كل واحد منهما إلى صاحبه كتاباً نادراً معدوداً من محاسن الكتب احتج فيه.
هذا وقد جهز المنصور جيشاً لمقاتلة محمد بقيادة عيسى بن موسى بن علي بن عبدالله بن العباس، فتقابل مع جيش محمد، وقد أبلى محمد بن عبدالله بلاء شديداً في القتال، ولما أحس محمد بالخذلان والغلبة مضى ودخل إلى الديوان الذي فيه أسماء من بايعه وأحرقه، ثم خرج يقاتل بنفسه حتى صرع في المعركة وتقدم إليه حميد بن قحطبة فاحتز رأسه وأرسله إلى المنصور ولما عوفي أخوه إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن من مرضه ظهر بالبصرة، وأتاه خبر قتل أخيه محمد وهو على المنبر يخطب الناس بالبصرة وقد رثاه إبراهيم بأبيات قائلاً:
سأبكيك بالبيض الصفاح وبالقنا
فإن بها ما يدرك الطالب الوترا
ولست كمن يبكي أخاه بعبرة
يعصّرها من ماء مقلته عصرا
ولكن أروّي النفس مني بغارة
تلهب في قطري كتائبها جمرا
وإنا أناس لا تفيض دموعنا
على هالك منا وإن قصم الظهرا
أحداث ثورة العشرين
التمهيد للثورة
لم تكن الحركة الوطنية أول حركة في سبيل الدفاع عن الاستقلال العراقي، بل تقدمها كثير من الأمور التي دلت على أن العراقي لا يريد أن يخنع لغير ابن جلدته ولغته، ولكن تلك الأمور كلها لم تخرج عن حيز التحمس الداخلي الذي ظل كامناً في الصدور حتى إذا ضاقت به تلك الصدور ذرعاً انبثق مرة واحدة واندفع أصحابه في تياره طوعاً وكرهاً فتجلت تلك القوة الكامنة بأجلى مظاهرها وأظهرت لمناوئيها أنها غير ما يفتكرون فيها، وعكس ما يظنون بها وخلاف ما يزعمون عنها.
كان أول الحركة اجتماعات دينية عادية والذي أفتى بها هو السيد صالح الروزخون الحلي)[33]( وذلك أنه رقي المنبر في الكاظمية في يوم الأربعاء 1 أيار سنة 1920 وخطب خطبة شائقة حث بل حضّ المسلمين فيها على التمسك بيوم الجمعة، وأن يتخذوه عيداً كما يتخذ اليهود والنصارى السبت والأحد عيداً لهما.
ثم إنه وعد البغداديين أن يأتي في يوم الجمعة المقبلة بعد الظهر إلى بغداد ويخطب في جامع السيد سلطان علي خطبة طويلة يسرد فيها للحاضرين فضائل يوم الجمعة. وما جاء في الأحاديث النبوية من التصريح باتخاذه عيداً واستحباب ترك الأشغال فيه.
الخطيب المنتظر
وعلى هذا الموعد أخذ الناس يذهبون ساعة الميعاد إلى جامع (السيد) سلطان علي زرافات ووحدانا. فاجتمعوا هناك منتظرين قدومه. وقد طال انتظارهم إياه إلى ما بعد العصر ولم يأت.
ولما امتلأ الجامع أُناساً والطريق الذي أمامه كاد ينقطع من شدة ازدحام الواقفين للانتظار ويئسوا من مجيئه تفرّقوا خائبين.
وكان السبب الذي منع السيد صالح أن يأتي على الميعاد ويخطب بالقوم هو تهيبه الحالة التي بلغه عنها أنها قد تؤدي بموقفه بينهم تلك الساعة إلى اتهام الحكومة إيّاه بالتدخّل في السياسة وتهييج الشعب على الحكومة. وتجر الحال حينئذ إلى ما لا تُحمد عقباه.
بيد أن هذه الفكرة التي غرسها هذا السيد اللبيب أخذت تنمو وتتوسّع أسبوعاً بعد أسبوع، لأن القوم شرعوا يقيمون في كل جمعة بعد صلاة الظهر في أحد الجوامع مع احتفال التلاوة قصة المولد النبوي (ص)، ومأتماً لقراءة (مناقب) سبط (النبي) الإمام الحسين بن علي (ع). فكانت هذه الحركة المباركة جامعة للسنّة والشيعة بصورة ودية لم تتفق في القرون الإسلامية الماضية.
الاحتفال الأول
وأول احتفال أقامواه من هذا القبيل، كان احتفال جامع السيد سلطان علي وذلك في 10 أيار سنة 1920م، وفي الجمعة التي تلتها أقاموه في جامع القبلانية (في سوق الهرج) وكان الجمع فيه عظيماً بحيث زاد أضعافاً مضاعفة على ما تقدمه.
ثم دخل شهر رمضان المبارك فزاد الطين بلة والطنبور نغمة، إذ كان وروده لهؤلاء المتهيجين لحب الوطن كالمرهم للجرح، لأنهم وجدوا به وسيلة كبيرة إلى نشر أفكارهم وإظهار مقاصدهم فشرعوا يقيمون في لياليه الاحتفالات بعد صلاة العشاء. وقد ساعد على ازدياد المحتفلين تعطيل الأشغال ليلاً حسب سنن الطبيعة.
وقد وجد المتذمرون من سيرة الحكومة المحتلة سلوة عظيمة لتفريج كربتهم، وشفاء غليلهم، وارتياح قلوبهم، مما يسمعونه من الخطب الحماسية الوطنية الدينية التي تندّد بالمحتلين، وتجاهر بطلب الاستقلال التام.
كل هذا يجري والحماسة والتهيج في صدر العامة والخاصة من الوطنيين يتعاظم آنا فآناً.
وكان أول احتفال أقيم في رمضان، احتفال جامع الميدان. وقد اجتمع فيه نحو العشرة آلاف نسمة من الفريقين، السنة والشيعة، حتى أن جماعة كبيرة من علماء الكاظمية وأشرافها حضروه، وكان زعيمها حضرة العلامة السيد محمد صدر الدين)[34](. وقد ألقيت فيه الخطب وأنشدت القصائد، وكلها لا تحيد عن الحماسة والسياسة، كما أن الخطباء والشعراء الذين خطبوا وأنشدوا في هذا الاحتفال وسائر الاحتفالات التي تقدمته والتي أقيمت بعده ليسوا من الطبقة العليا، بل ولا من الوسطى، ولكنهم من صغار طلبة المدارس وممن لا يعرفون قبل هذا بين الناس بهذه المنزلة، اللهم إلا الشاعر الاجتماعي الكبير والخطيب المصقع الخطير الشيخ محمد مهدي البصير)[35](، الذي تصدر للخطابة والإنشاد في جميع الاحتفالات التي أقيمت منذ بدئها إلى تاريخ كتابة هذه الرسالة.
تنظيم الأهالي
ثم فرض الأهلون من أنفسهم على أهل كل محلة منهم أن يُقيموا احتفالاً بالتتابع في الجوامع التي في محلاتهم، وتكون نفقة كل احتفال على أهل المحلة التي يُقام في جامعها.
وأول مَن اقتدى بهذا العمل أهل محلة الحيدرخانة فإنهم أقاموا احتفالاً كبيراً في جامع الحيدرخانة، وذلك في ليلة الاثنين، وهي الليلة الخامسة من شهر رمضان الموافقة لليلة 23 ـ 24 أيار. وقد أناف الجمع فيه على ما سبقه. وهناك جاشت النفوس، وضاقت الصدور من الخطباء والشعراء، وهم أغرار كما أسلفنا، فلم يطيقوا كتم ما يضمرونه نحو الإنكليز من العداء، بل جاهروا به غير هيابين ولا وجلين، وقد زادهم نشاطاً تحبيذ الشعب أعمالهم واستحسانه أقوالهم، بحيث لا يلفظ أحدهم لفظة إلا ويكثر له الهُتاف والتصفيق العجاج، بحيث يجبر على السكوت من شدة الضجيج والعجيج، وكان ما تلي في تلك الليلة من القصائد والخطب الحماسية السياسية شيئاً مهولاً.
القصيدة النارية
وأعظمها وأكثرها وقعاً في نفوس المحتفلين قصيدة أنشدها ناظمها عيسى أفندي الريزلي الأعظمي)[36](، إذ فعلتْ في نفوس الحاضرين ما تفعل الخمرة بشاربيها. فخافت الحكومة المحتلة من سوء العاقبة وتجسم الأمر إلى حالة يصعب عليها بعد ذلك صدّها.
فألقت القبض في عصر اليوم الثاني على عيسى أفندي الشاعر المتقدم ذكره وحبسته في دائرة البوليس في خان دلة)[37](.
وكان ذلك العمل بإشارة بعض الوطنيين الخائنين موطنهم والحكومة معاً. ولما بلغ مسامع الأهالي خبر حبس عيسى قاموا جميعاً على ساق وقدم، واجتمعوا بواسطة المنادين الذين بثّتهم الجمعية الوطنية أن ينادوا في القهوات والأسواق بما لفظه: شنو كعدتكم وعيسى حبسوه كومو اجتماع إسلامي عمومي في جامع الحيدر خانة.
في جامع الحيدر خانة
وكان الوقت حينذاك الساعة نحو الثالثة عربية مساء. فهبّ الناس من مقاعدهم وتركوا أشغالهم وساروا مسرعين جماعات، وهم بين سائقين سائق التلهف على ما حصل وسائق التشوّق والتطلّع إلى ما سيقع. وهذا أكثر. وبالضرورة عطلت المقاهي والأشغال بأسرها فكنت ترى موج الناس المزدحمين في داخل الجامع وخارجه يلتطم كأنه البحر العجاج، هذا والواردون عليه يتكاثرون. وقد جاءت العامة من الأطراف البعيدة بطبولهم وهوستهم: (الدين يا محمد والموت بالجهنم). فأخذوا الجامع طولاً وعرضاً، ثم قام بعض الخطباء وخطبوا خطبة حماسية دينية دعوى الناس فيها إلى الاعتصاب على الحكومة وإطلاق عيسى من معتقله بالقهر إن لم يكن بالرضا.
ولما لاحظت الحكومة المحتلة تجسم الشر، وأن الحالة جرت إلى أعظم ما تصورته، خافت على هتك حرمتها والتجاوز على كرامتها، فأوقفت على دور قوادها وأمرائها وإداراتها الجنود الإنكليزية المحضة، ولم تعد تأمن الجنود الهندية في هذه المواقع. ثم أرسلت أربع سيارات مدرعة لإرهاب الأهلين لعلهم يكفّون برؤيتها عن هذا الاجتماع الذي أدهشهم، فأوقفت سيارة أمام الجامع المذكور، وأخرى في رأس الجسر الشمالي العتيق)[38]( واثنين في راس الجسر الجنوبي الجديد المعروف بجسر مود)[39](. وقد انقطع طريق الحيدر خانة على المارة في الجادة الكبرى من شدة الزحام.
ولما رأى المتعصبون السيارات المدرعة أخذوا يرمونها بالحجارة والحصى، ويصفقون ويصفرون لها عند المرور استهزاء وسخرية بها.
استشهاد النجار الأخرس
وبعد لأي تعرض رجل أخرس نجار)[40]( لسائق السيارة المدرعة وحاول أن يضربه بقنينة ماء الصودا، فلما رأى السائق بلوغ الحالة إلى هذا الحد، حرّك المديتين اللتين في جبهة السيارة لهذه الغاية، فنزلتا كالصاعقة على كتفي ذلك الجاهل المسكين، فخر صريعاً لوقته ومرت عليه دواليب السيارة الثقيلة فسحقته سحقاً ومات في الحال. فأخذه عامة المتعصبين وأدخلوه الجامع ونداؤهم: (تعالوا صلوا على أخيكم الشهيد فقد قتله الإنكليز). وكان نداؤهم ذلك قصد إثارة الخواطر وزيادة التهيّج.
ثم جاء علي أفندي البزركان)[41]( وهو أحد دائري هذه الحركة ومسببيها وخطب بالقوم وقال: إن اجتماعكم هنا لا يفيدكم شيئاً ولا يجديكم نفعاً، وإن كنتم تطالبون بإطلاق عيسى فانتدبوا منكم مندوبين ينوبون عنكم بالمفاوضة مع الحكومة المحتلة، ويطلبون إطلاق عيسى مع عرض مطاليبكم الوطنية الأخرى.
مندوبو الشعب
ثم قال ها أنذا عارض عليكم أسماء رجال الوطن ليكونوا مندوبين عنكم، فمن رضيتم عنه فاهتفوا له هُتاف القبول. وما زال يعرض عليهم أسماء من اختارهم فكره وهم يجيبونه بالهتاف والتصفيق بدون رفض واحد منهم، مع أنه كان بينهم من لا يصلح للمندوبية وقد ترك من هو أصلح منه لها، حتى بلغ عدد المندوبين الخمسة عشر مندوباً. وكان هو نفسه أحدهم)[42](.
ثم بعد ذلك قال لهم: انصرفوا إلى محلّكم، ويلزمكم أن تحضروا غداً الساعة الثانية عربية صباحاً، ليحضر المندوبون أنفسهم أيضاً هنا ويقفوا على ما تريدون بأنفسهم. ثم قال لهم: ويلزمكم أن لا تتعاطوا أي شغل كان ما طال عيسى في الحبس فأجابوه بالسمع والطاعة.
ثم قال قسم منهم إننا سنبيت هنا إلى الصباح، ولا نريد الانصراف إلى أهلينا. فوافقهم القسم الباقي على ذلك.
قذف الحكم السياسي بالحجارة
وفي هذه الأثناء مرّ الحاكم العسكري والسياسي لبغداد الكرنل بلفور بسيارته ليقف على الحالة بنفسه، فرمى المتعصبون سيارته بالحصى والحجارة فأصابوه في وجهه، وحينئذ ثار الدم الإنكليزي في نفسه، وأمر سائق السيارة المدرّعة أن يُطلق الرصاص في الهواء قصد الإرهاب. وأول ما ثارت رصاصة واحدة من تلك السيارة أخذ المتعصبون الرعب وخارت قواهم وراحوا يركضون بدون شعور، يعثر بعضهم ببعض حتى أن الجادة الجديدة الكبرى على سعتها، ضاقت بهم فكنت تراهم يدهدون الكراسي وتخوت القهوات التي قد وضعت بلصق الجدران، كما يدهدي الصبيان الكرة بعصيهم.
أما الذين داخل الجامع من المتعصبين فلم يخرجوا منه بل ظلوا محصورين فيه حتى الصباح. وعندما طلعت الشمس وجدوا لهم طريقاً للنجاة من الحصار فانهزموا متسللين وهم يلتفتون وراءهم غير مصدقين بالنجاة. وذهب كل منهم إلى شغله وعمله لكي لا يظن أنه من المتعصبين فيؤخذ بالسلاسل والأغلال.
وعند صلاة الظهر من ذلك اليوم، اجتمع خلق كثير في جامع الحيدر خانة وصلوا جماعة، وبعد الصلاة احتفلوا بتشييع قتيلهم الأخرس النجار الذي أخذوا يدعونه (شهيد الوطن) وحملوه على الأيدي وطافوا به البلدة، مارين من هناك إلى باب الشيخ إلى جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني، إلى القنصلية الأميركية ثم عبروا به جسر مود. ومن هناك ذهبوا مارين على علاوي الحلة فسوق الجديد فالجعيفر فقهوات عقيل، ومن ثم ذهبوا به إلى الشيخ معروف الكرخي ودفنوه في مقبرته وكان الجمع يأخذ بالازدياد والتكاثر في كل مكان مروا، وكنت ترى الأعلام السود منشورة أمام نعشه وجوقة من حاسري الصدر يلطمونها حزناً عليه ونوحتهم: «ماج عرش الله واتزلزل علشهيد الما تغسل». وقد خافت الحكومة المحتلة من هذه الحركة والتشييع الذي أشبه بهيئة أعظم تشييع يُقام لأكبر مجتهدي فقهاء الشيعة في العراق بحيث بلغ فيه عدد المشيعين ما يُنيف على الثلاثة آلاف نسمة.
الطائرات تحلق فوق رؤوس الثوار
أرسلت الحكومة كوكبة من الفرسان سارت أمام المأتم وأربع سيارات مدرّعة خلفه وثلاث طيارات محلّقة فوقه وأوعزت إلى الحاكم العسكري والسياسي ببغداد أن يرسل على الشيخ أحمد آل الشيخ داود ومحمد جعفر آل (أبو التمن) والشيخ محمد مهدي البصير الحلي وعلي أفندي البازركان وأن يهددهم ويتوعّدهم بالضرر الفادح الذي يلحقهم إن استمروا على هذه الحالة وأن يطلب إليهم في الوقت نفسه أن يفرقوا المشيعين للجنازة.
فأرسل عليهم وحضروا في دائرته في الساعة التاسعة عربية عصراً وخاطبهم بما أمر به فأجابوه بكل برودة وعدم اعتناء وقالوا: نحن لا نقدر على تفريق المشيعين واذا كانت الحكومة موجودة فهي تفرقهم بمدافعها ومدرّعاتها التي ساقتها أمامهم وخلفهم. ثم خرجوا من عنده وقد زادهم نشاطاً على عملهم هذا، فكان الحاكم في فعلته هذه كالفار من الشرّ إليه.
وفي اليوم الثاني وهو يوم الثلاثاء 25 أيار أرسلت الحكومة عيسى أفندي الريزلي الأعظمي الشاعر السجين إلى البصرة كأسير.
مطاليب الشعب
وفي 28 أيار سنة 1920 قدم المندوبون عن الشعب وهم الذي رشّحهم علي البزركان كما أسلفنا، عريضة موقّعة بأسمائهم طلبوا فيها من الحاكم الملكي العام السر ولسن أن يجيبهم إلى مطالب الشعب الثلاثة وهي الرخصة بتأليف مؤتمر عراقي يكون انتخاب أعضائه على الطريقة التي كان يجريها القانون العثماني قبل الحرب في انتخاب المبعوثين، والمطلب الثاني إطلاق حرية المطبوعات وفقاً لقانون المطبوعات العثماني. والمطلب الثالث السماح بحرية المراسلات البرقية والمكاتبات البريدية في داخل العراق وخارجه. فكتب إليهم الحاكم الملكي العام جواب عريضتهم وخلاصته أنه مستعد لملاقاتهم ومفاوضتهم في مطالب الوطنيين ومستقبل الحكومة العراقية، وأنه رأى أن وفد المندوبين الوطنيين المتألف من خمسة عشر شخصاً لا يكفي للمفاوضة وحده في هذا الباب، لأن البغداديين الآخرين حقاً في بغداد ولهذا رأى أن ينتدب معهم واحداً وعشرين شخصاً ليكون العمل أتم في هذا الاجتماع)[43](.
وقد ضُرب للجميع موعد للاجتماع وهو الساعة العاشرة زوالية من صباح يوم الأربعاء 2 حزيران سنة 1920م، فاجتمعوا في دائرة الحاكم العسكري والسياسي، وقد ازدحم في تلك الساعة السكان على باب دائرة الحاكم العسكري، وفي الطريق المؤدية إليه وأخذوا يهتفون ويصفّقون التصفيق الشديد لمندوبيهم الخمسة عشر فقط، كل ذلك تنشيطاً لهم على أن لا يتراخوا بالأمر.
ولمّا اجتمع الحاكم الملكي العام والحاكم العسكري والسياسي لبغداد وناظر عدلية بغداد والرجال الوطنيين الذين انتدبهم الحاكم الملكي العام للحضور تلا السيد حسين أفنان)[44]( المصري خطاب الحاكم الملكي العام الذي كله تهديد ووعيد)[45](.
وعود الإنكليز
ثم قام الجدال العظيم بين مندوبي الوطنيين والحاكم الملكي العام عن العراق وموقفه الحاضر، وأخيراً بعد مرور ساعتين على ذلك الجدال قر رأي جميع المندوبين على أن يؤلّف مؤتمر وأن تطلق حرية الصحافة وترفع المراقبة والمسؤولية عن المراسلات البرقية والمكاتبات البريدية. فأجابهم الحاكم الملكي العام إلى الاثنين الأخيرين ولم يجبهم إلى المطلب الأول، بل قال لهم أن تأليف المؤتمر العراقي الذي تطلبونه ليكون مفاوضاً مع الحكومة المحتلة في صيرورة العراق وترتيب حكومته في المستقبل ليس بيدي بل أمر ذلك راجع إلى الحكومة المركزية في لندن، وأنا أطلب مهلة شهرين للمراسلة والاستئذان في هذا الباب. فلم يرض مندوبو الوطنيين بالشهرين واستكثروها.
وفي الختام اتفقوا على شهر واحد على الأكثر وخمسة عشر يوماً على الأقل وانصرفوا وليس بأيديهم من تلك المواعيد شيء. فتلقاهم الناس الذين كانوا لهم بالانتظار بالهتاف والتصفيق حتى لم يسعهم إلا أن حملوا السيد محمد صدر الدين على الأكتاف لأنه كان المحاجّ الأعظم لهم مع الحاكم الملكي العام وكذلك حملوا يوسف أفندي السويدي رئيس المندوبين الوقتي الذي أسكت مناظريه من رجال الحكومة وبالخصوص الحاكم الملكي وناظر العدلية وأدحض حججهم ببراهين ناصعة.
وتم الحال على هذا المنوال ولكن الجرائد وحرية المراسلات والمكاتبات إلى الآن لم تُعط بها رخصة. والآن يوم عيد رمضان الموافق 18 حزيران 1920م وكذلك لم يرد الجواب من لندن عن سؤالهم في تأليف المؤتمر العراقي. غير أن الأهالي ازدادوا حماسة لتلاوة قصة المولد النبوي وقراءة تعزية الإمام الحسين بن علي.
وفي الحقيقة إن تلك الاحتفالات الدينية التي أقيمت بعد ذلك في جامع الإمام الأعظم وفي صحن الإمامين الكاظمين وفي جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني وفي جامع الشيخ الخلاني وفي سائر الجوامع البغدادية قد تحوّلت جميعها إلى اجتماعات سياسية صرفة لا شائبة فيها وكلها تمزج السياسة بالدين مزجاً، وتصرح باسم الجامعة الإسلامية وتقوية المسلمين على أعدائهم، وقد فاتت بكثير الخطب والقصائد في مواضيعها السياسية التهديدية ما قاله عيسى أفندي السجين في قصيدته والتهيّج والتحمّس من الشعب والمجاهرة بعداء الإنكليز قد بلغ حده الأقصى الذي لا يؤمل أن يزيده زائد ما.
الشيرازي يساند الثورة
حتى أنّ المجتهد الأكبر الميرزا محمد تقي الشيرازي)[46]( نزيل كربلاء كتب كتاباً إلى محمد جعفر جلبي (أبو التمن) يثني فيه عليه على قيام البغداديين بالمظاهرة السلمية أمام الحكومة والمطالبة بالاستقلال. وقد أوصى فيه بأهل الذمّة من الكتابيين النصارى واليهود وحفظ حقوقهم ومنع التعدي على حرمتهم وعدم مس كرامة الأجانب النزلاء بسوء والمحافظة على مالهم من الحرية الشخصية والحقوق المدنية. وقد تلي هذا الكتاب مرتين على رؤوس الأشهاد الذين كانوا محتفلين في صحن الكاظمين ليلة الجمعة 16 رمضان، وقد بلغ جمعهم العشرون ألف نسمة. فكان له موقع عظيم في نفوس الحاضرين كما أن سمعته قد طمأنت اليهود والنصارى من عدم التعدي عليهم من قبل المسلمين.
إحباط فتنة طائفية
وقد اتفق على دعوة الاستقلال العراقي مع المسلمين والنصارى، قسم من اليهود أيضاً، ومن شواهد ذلك الاتفاق إن الإنكليز، على ما شاع وذاع بين النصارى أنفسهم، ينوون أن يختلقوا وسيلة يتوصلون بها إلى الفتك بأهل بغداد، وقد أعدوا الفرصة المناسبة لذلك يوم عيد الجسد)[47](. وقد دبروا تلك المكيدة الشنيعة وهي أنهم يأتون بعدة رجال من البوليس الوطني أو من خادمي أفكارهم من المسلمين ويلبسونهم ثياب العلماء الإسلامية وعمائم بيضاء ويعطون بيد كل منهم مسدساً ويتركونهم يندسون مع المتفرجين حتى إذ مرت الحفلة في الجادة الكبرى هجموا عليها وقتلوا من صبيانها وصباياها بضعة أنفس وبذلك يتسنى للحكومة ضرب الأهلين والمطالبة بحفظ الأقلية باسم الدين.
ولما أطرق خبر هذه المؤامرة الفظيعة مسامع النصارى خافوا على أولادهم وبناتهم من القتل فأوعزوا إلى رؤسائهم الروحيين أنهم لا يرسلون بناتهم وبنيهم للاشتراك باحتفال عيد الجسد إلا إذا كان الاحتفال لا يخرج عن المحلة التي في دائرة الكنائس الأربع؛ اللاتين والسريان والأرمن والكلدان.
فأخبر آباء الكنائس الحكومة بتصميم الشعب النصراني على عدم الاحتفال إذا كان يقصد به المرور في الجادة كالسنة الماضية، فأصرت الحكومة على المرور وطالت المفاوضة بالمسألة مكاتبة ومشافهة أربعة أيام وهي بين الأخذ والرد، وفي الأخير أجبر الشعب النصراني الحكومة على الانقياد لإرادته وموافقته في مقاصده. ولما سمع المسلمون بهذه الحالة ونوايا الحكومة السيئة أرادوا أن يزيدوها غيظاً على غيظ فاجتمعوا في يوم الاحتفال الذي وقع في عصر الأحد 6 حزيران وساروا جمعاً واحداً إلى كنيسة الكلدان حيث يكون الشروع بهذا الاحتفال المقدس فيها واشتركوا فعلاً بالاحتفال مع النصارى ولم يكتفوا بذلك بل انقسموا قسمين قسم اشترك بالاحتفال والقسم الآخر وقف صفين على الطريق الذي تقرر أن يمر منه المشهد ففرشوه بالسجاد النفيس وحملوا بأيديهم الورود الكثيرة المختلفة الألوان وماءها أيضاً.
اتفاق الأخوة
ولما مرّ مشهد المحتفلين من بينهم أخذوا ينشرون عليهم الورود ويرشون ماءها ويهتفون لهم مع التصفيق القاصف بقولهم: «ليدم مجد السيد المسيح، ليحي آباء الكنيسة، لتعش الجامعة الوطنية، ليدم الاتفاق العراقي، ليحي أخواننا المسيحيون، لتحي الجامعة القومية».
فكنت تسمع قسوس النصارى مع تابعيهم يحيون المسلمين هاتفين بقولهم: (ليحي أخواننا المسلمون، ليعش العرب). كما أنك كنت تشاهد الإنكليز الذين اشتركوا في الحفلة يتميزون غيظاً من جراء هذه الحالة عليهم، وقد حاروا في فلسفة هذا الاتفاق الغريب الذي لم يقع حسب ما ذكر التاريخ منذ بدء الإسلام إلى يومهم هذا.
كاظم الدجيلي
أحسن الوديعة
في تراجم مشاهير علماء الشيعة
للسيد محمد الموسوي الخونساري
قال في مقدمته:
وبه نستعين:
الحمد لله رب العالمين منتهى أمل الآملين، الذي نور قلوب الأنبياء والمرسلين بأنوار العلم واليقين، وجعل ورثتهم العلماء العاملين، وفضل مدادهم على دماء الشهداء والمجاهدين، وأعلى رتبهم بين الخلائق أجمعين، وقرن في كتابه المبين وخطابه المتين شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته المقربين، وأوجب طاعتهم على المكلفين، وأفضل الصلوات وأكمل التحيات على خاتم النبيين، جدنا محمد المصطفى الأمين والأئمة الاثني عشر من آله وعترته الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائه وأعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين.
أما بعد فيقول العبد الفقير المحتاج إلى رحمة ربه الغني المغنى ابن الحاج ميرزا محمد الموسوي الخونساري الأصفهاني الكاظمي أطال الله بقاه ومن كل مكروه وقاه (محمد مهدي) أسكنه الله مع أجداده الهداة في روضات الجنات: قد أتيتكم يا إخواني ومعاشر خلاني بهذا الكتاب الشريف والسفر اللطيف، وقد وضعته بعد التتبع التام والتصفح التمام لكتب تراجم علماء الإسلام من غير سبق سؤال من أحد من أرباب الكمال وأصحاب الفضائل والإفضال لبيان أحوال علمائنا الأبرار وفقهائنا الكبار.
وقد جعلت كتابي هذا كالتتمة لكتاب روضات الجنات لآية الله العلامة عم أبي السيد محمد باقر الموسوي الخونساري أعلى الله مقامه إلا أني لم أسلك منهجه المألوف في إيراد الأسماء على ترتيب الحروف بل أذكر العلماء والسادات على ترتيب الطبقات ولذا ربما قدمت الفاضل على الأفضل والكامل على الأكمل. ومعرفة ما قلته موقوف على إمعان النظر في أحوال كل واحد منهم وترجمته ففيه يظهر مقدار فضله ودرجته فإني ذكرت كلاً على حسب مرتبته وأسأل الله أن يعصمني عن الخلل والخطأ والخطل والسهو والزلل في القول والعمل، والمرجو من العلماء الأعلام والفقهاء العظام والأدباء الكرام إن وقفوا على خلل في الكلام أو زلة من الأقلام أن يحضروا قلبهم إن لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل نار خبوة، شعر:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها
كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
على أني لا أنزله منزلة البيع بشرط البراءة من كل وصمة وعيب ولا أدعي أنه جمع سلامة، كيف والإنسان محل السهو والنسيان بلا ريب. ثم المرجو من المنتفعين من هذا المؤلف الشريف والمصنف اللطيف أن يذكروني حين المطالعة والانتفاع بها بفاتحة وتوحيدات في أيام حياتي وبعد الممات وسميته أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة.
وإن شئت فسمه بالباقيات الصالحات في تتميم روضات الجنات.
أران (البانيا القوقاز)
وهي أرض تقع في جزء من شرق القوقاز، ويفصلها عن (آذربايجان) نهر الأرس، وورد اسمها في المصادر الجغرافية القديمة وقبل ظهور الإسلام (آلبانيا) وفي المصادر الجغرافية العربية الإسلامية (آران) و(الران) أحياناً. وتحدّها من الشمال سلسلة جبال القوقاز ودربند. ومن الجنوب نهر كر وسواحل بحر قزوين. ويعد نهر آلان الحد النهائي لآران من ناحية ساحل البحر.
(آلان) من الناحية الطبيعية يفصل آران وايبريا القديمة وجورجيا الحالية عن بعضها البعض. وأشهر سكان آران في الماضي البعيد هم الألبان اليافئيين. وكانت أرض آران تسمى آلبانيا قبل العهد الإسلامي. وبعد دخول الإسلام إلى منطقة القوقاز وخاصة خلال العهود التيمورية حدث تحول قومي أساسي، وذاب الألبان داخل نسيج القوميات الجديدة ومنها القومية الإيرانية مما أعطاها تركيباً إنسانياً جديداً ما زال قائماً حتى الآن.
بعض مؤلفي كتب الجغرافيا ومنهم (ابن خرداد) المتوفى عام (300) هجرية ذكر أن (آران) تقع إلى جانب مدن مثل: تفليس وبرذعة وقبلة وشيمروان وتشكل جميعها جزءاً من بلاد الخزر التي احتلها (أنو شيروان) وضمها إلى السيادة الساسانية)[48](.
وفي الخريطة التي أعدها (ابن حوقل) وبيّن فيها الحدود الجغرافية لأرمينيا وآذربايجان والران، اعتبر أن (آران) متصلة جنوباً بنهر أرس)[49](.
و(المقدسي) شبّه (آران) بجزيرة تقع بين البحيرة ونهر الأرس، وأن نهر ملك يقطعها طولاً. وكتب أن برذعة هي قصبة آران، وأن مدنها هي: تفليس، قلعة، ختان، شكمور، جنزره (ﮔنجة)، شمارخيه، شروان، باكو، شابران، باب الأبواب، أبخار، قبلة، ملاذجرد، تبلا)[50](.
بعض كتاب الجغرافيا في القرون الإسلامية الوسطى اعتبروا أن (آران) في الجزء الأول من أرض أرمينيا، وأن من مدنها الأساسية: برذعة، بيلقان، قبلة، شروان، شابران، شكمور، بلاسبحان)[51](.
(ياقوت الحموي) ذكر أن (قباد) سيطر على (آران) وبنى فيها المدن التالية: بيلقان، برذعة، قبلة)[52](.
وآران تقع بين نهري كر وأرس تماماً كالعراق، لذلك أطلق عليها (حمد الله المستوفي) إسم بلاد ما بين النهرين)[53](.
ومدينة برذعة عاصمة آران وقد بناها (قباد الساساني) وكانت عامرة حتى القرن الرابع الهجري.
وذكر (ابن حوقل) أن طولها فرسخ واحد، وعرضها أقل من فرسخ)[54](. وبعد خراب (برذعة) انتقلت عاصمة آران إلى مدينة (بيلقان) التي بناها (قباد) أيضاً، ويسميها الأرمن (فبدﮔران). وتقع (بيلقان) على بُعد (14) فرسخاً جنوب (برذعة) وعلى بُعد (7) أو (9) فراسخ شمال نهر الأرس. وكانت مدينة عامرة حتى القرن التاسع الهجري)[55](.
وكتب ابن حوقل والأصطخري أنه لا توجد مدينة في آران أكبر من بردعة ودربند وتفليس)[56](.
وخبى ذكر اسم آران في المصادر الجغرافية بعد القرون الإسلامية الوسطى، وعند سيطرة الروس على منطقة القوقاز ومن بينها آران أمر بلاط (سان بطرسبورغ) بمحو آثار الثقافة والحضارة الإيرانية من القوقاز، واستبدالها بهوية روسية، وتخلى عن اسم آران وأسماء معظم مدن القوقاز، وتغيرت حدودها الجغرافية. لكن الكتّاب الإيرانيين ما زالوا يذكرون تلك الأرض باسمها القديم أي (آران).
(جهانـﮔير ميرزا) ذكر في حاشية (آثار البلاد) للقزويني حول (آران) أنها مملكة بين آذربايجان وأرمينيا وأبخار، وأن مركزها ﮔنجة وشيروان وبيلقان. ويجري فيها نهر كر، وهو نهر يمر بين أرمينيا وآران)[57](.
***
الأرانين
الراء والنون أصل من أصول اللغة يدل على ضرب من الصوت يحكيه هذان الحرفان وذلك بتكرار الحرف الثاني تكراراً موسيقياً يمثل جريان الصوت واهتزازه في الهواء، فهو إذن فعل حكاية صوت، مثل كثير من الأفعال الطبيعة الحاكية.
فالحَلْي يرِنُ رنيناً كما قال عمرو بن كلثوم:
وسالفي رخام أو بلنط
يرنّ خشاشُ حليها رنينا
وقد جاء «الأرنان» بمعنى الرنين وزاد عليه وأربى فقد قالوا «أرنت القوس أرناناً صوّتت» وذلك عند إنباضها قال العجاج الراجز:
تُرنّ إرناناً إذا ما أنضبا
إرنان محزون إذا تحوّبا
ففي إرنان القوس تصويت تحزين، ولذلك قالوا إنها ترن إرنان الثكلى، قال الشماخ:
إذا أنبض الرامون عنها ترنّمت
ترنّم ثكلى أوجعتها الجنائز
والقناة إذا غمزت تُرن إرناناً كما قال عمرو:
عشوزنةٌ إذا غمزت أرنّت
تشجّ قفا المثقّف والجبينا
والخيل ترن بصهيلها قال جرير:
يشتفْنَ للنظر البعيد كأنّما
إرنانها ببوائن الأشطان
أراد بالأرنان شدة الصهيل، فالخيل التي ذكرها كانت كأنها تصهل في آبار واسعة تبين أشطانها عن نواحيها. والطير ترن إرناناً أي تغرّد قال أبو زبيد الطائي «قال قائلنا: أيها الركب غوروا بنا في دوح هذا الوادي فإذا واد كثير الدغل دائم الغلل، شجراؤه مغنّة وأطياره مرِنّة».
والأرنان يجمع قياساً على «أرانين» لأن إفعالاً يكسّر على أفاعيل كما قالوا قديماً «إسناد وأسانيد» وحديثاً «إحساس وأحاسيس» وكذلك «الأرنانة» مصدر المرة فأنها تجمع في التكسير على «أرانين» مثل «إضبارة وأضابير» والمصدر إذا تنوّع جاز جمعه وحسُن وقعه، وقد اخترنا «الأرنانة» لضرب من الشعر الغربي الإفرنجي شبيه بالمسمط عند العرب يسمى «سونه Sonnet» فالأرنانة هذه من إرنان الطير أي تغريدها وهي أيضاً ترجمة صادقة للاسم الإفرنجي المذكور، فيكون لها معنيان شعري واصطلاحي.
والشعر السمط ويسمى أحياناً السمطي ـ ما قُضي أرباع بيوته وسمط في قافية مخالفة كقول الشاعر:
وسيبة كالقسم)[58](
غيّر سودَ اللّمَمِ)[59](
داويتها بالكتم)[60](
زوراً وبهتانا
وكقول امرئ القيس عند من يصحح شعره:
ومستلم كشفتُ بالرمح ذيلهُ
أقمت بعضب ذي سفاسق)[61]( ميلَه
فجمعتُ به في ملتقى الحيّ أهلَهُ
تركتُ عتاق الطير تحجل حوله
كأنّ على سرباله نضحَ جِريالِ
أما «الأرنانة» أي السونة فهي مؤلفة من أربعة عشر بيتاً افرنجياً يبدأ البيت الأول بقافية ويليه الثاني والثالث بقافية واحدة مخالفة للأولى، ويتلوها الرابع والخامس بالقافية الأولى فالسادس والسابع بقافية الثاني والثالث، فالثامن بالقافية الأولى، ويأتي التاسع والعاشر بقافية جديدة ويليها الحادي عشر بقافية جديدة أيضاً وكذلك الثاني، ويتلوه الثالث عشر بقافية الحادي عشر ويأتي الرابع عشر بقافية الثاني عشر. وقد نظمنا مثالها كما ترى:
قد نظمنا من القصيد فنونا
مذ رأينا من الهوى ألوانا
وألفنا الأفراح والأحزانا
من غرام بُعد فينا جنونا
فتُنَتْنا البيض الصباح فتونا
فخلفا العذار والأرسانا
وتركنا الحجى وراءً مُنانا
وجعلنا جد الحياة مجونا
أيّها القلب لم تزل مشتاقا
لمغاني الهوى فزدت احتراقا
في جحيم الذكرى تقاسي العذابا
وستبقى بين القلوب عميدا
لا ترى للمنى العذاب إيابا
ثم تفنى مع الأماني شهيدا
مصطفى جواد
الأرجوزة المهدوية
أزمةُ المصاري في مناقشة الشيخ
عبد الرسول اللاري
أو
دُرّةُ المطالب في ردّ أحمد الكاتب
أصدر الأستاذ أحمد الكاتب في شهر ذي الحجة سنة 1415هـ/أيار 1995م أوراقاً ثقافية شهرية بعنوان (الشورى) كرّسها لنقد الفكر الشيعي، ونظرية الإمامة، والتعرّض لنفي وجود الإمام المهدي (ع) (الثاني عشر)، منتقلاً من نقد الفكر النظري الشيعي إلى نقد المشروع السياسي الشيعي المتمثّل بالثورة الإسلامية في إيران.
وكان قد كتب بحوثاً وزّعها على بعض العلماء والمثقفين إلا أنّهم واجهوا أفكاره بالصمت.
وكنت قد وضعتُ ملاحظات على بعض ما كتبه في نشرته (الشورى)، مُسجّلاً الخلل في بعض تفسيراته التأريخية والسياسية للأحداث، فما وجدتُ نفسي إلا أن أُسطّر بعضها نظماً على شكل (أرجوزة) سميتُها بـ(أرجوزة المهدوية).
آمل أن تُقدّم شيئاً من المُتعة، والظرافة مضافاً إلى مادتها التأريخية،
آذار 1996م جودت القزويني
أففتحُ النظمَ بشُكرِ المُنعم
مصلباً على النبيّ الأكرم
وآلهِ الأطيابِ معدن الكرمْ
يحيرُ وصْفاً في عُلاهم القلمْ
وبعدُ: أنّ السيد (القزويني)
(جودت) منْ آل (مُعزِ الدين)([62](
يقولُ: إنّ الشيخ ابنَ (الكاتب)
قد جاءنا بعالمِ العجائب
أعني به (الأحمد) في الأسماءِ
مَن باركتهُ حكمةُ السماءِ
وكانَ قبْلاً من دُعاة (الطائفة)
وزمرةُ الأعداء منه خائفة
فكمْ هدى (السّنّة) للتشيّع
فأصبحوا على الطريق المهيع)[63](
وكان فيما كانَ قُطْباً للرحى
في فكرهِ الوهّاج صدْراً شرَحا
وقد بدا نشاطُهُ الملحوظُ
أينَ مشى تتبعُهُ (الحظوظُ)
كأنّما أفكارُهُ قوسُ قُزحْ
وكلّ مَنْ يلقاهُ بالرأي انشرحْ
فهو بدا مُجددَ الآراءِ
يمشي إلى الأمام لا الوراءِ
فحينما رأى إنحطاط (الشيعة)
وفكرَهم إسطورةً شنيعه!!
شمّر عن ساعده بالجِدْ
وقال: إني (المُستَنيرُ) وحْدي
فقامَ بالجمعِ يُثيرُ الجدلا
أناخَ في مكانهِ، أم رحلا
لكنّه فوجئ بالتمرد
وصار مهموماً كسيف مُغًمَدِ
فشنّ حرباً من حروب (ألردهّ)
مجابهاً جيشَ البلايا وحْدَه
وواصل الليلَ مع النهارِ
مجاهداً في زمرةِ الثوّارِ
مُقَدماً (أوراقهُ) الشهريه)[64](
في حُجج صريحةٍ عقليهْ
لكنّما (الأعلامُ) لم يردّوا
وكلّهمْ ـ عمّا أراد ـ صدّوا
وحينما لمْ أرَ مَنْ أجابَهْ
وليسَ منهمْ قارئاً (كتابَهْ)
حبّرتُ هذا الردّ في (إرجوزهْ)
تكشفُ عن مكنونها كنوزَهُ
سميتُها بـ«أزمة المصاري»
مفنِداً (عبد الرسول اللاري)
أو سَمّها بدُرّةِ المطالبِ
في ردّها (الأحمد) ابن (الكاتبِ)
«القول»
«في سيرته الحركيّة»
لمّا انتمى (منظّماً) إلى (العمل)([65](
أصبحَ فيها (قائداً) بلا جدَلْ
وصارَ يدعو الناس (للشيرازي)([66](
موجّهاً بأحسن (الإيعاز)
وفي مدينة (الحسين) كربلا
أصبح فيها مثل ذؤبانِ الفلا
فتارةً يصعدُ (للخطابه)
وتارة مسوّدا كتابه
فصار بين الناس شيخَ الخُطبا
وخيرَ مَن ألفّ تلك الكُتبا
ثم تحدى الحكم في (العراق)
مُقاوِماً جحافل (الرفاق)([67](
لكنّه فرّ إلى (الكويت)
وصار (مصراعاً) بكل بيتِ
وحينما تفجّر البركانُ
في ثورة مصدرُها (إيرانُ)
شدّ إليها رحلهُ المنحوسا
وصار عند (الهاشمي)([68]( مرؤوسا
منتفضاً يصرخ في (الإذاعة)([69](
بكل ما أوتي من شجاعه
يقول: أهلَ المرتجى والدين
(عراقكم) يبحث عن (حسين)([70](
فقام في ذاك النظامُ الأموي
يقتل في محرابه كلّ (ولي)
فذبّح الشيوخ والأطفالا
وأحرق (التاريخ) و(الرجالا)
وبعدها قدْ حلّتِ الفجيعهْ
بقتل (صدر) الدين والشريعهْ
ومرت الأيامُ والليالي
والدَسْتُ عن ليثِ الهِزَبْرِ خالِ
حيث صفا لهم شرابُ الكوثر
واحترقَ اليابسُ مثل الأخضرِ
(خلا لكِ الجو فبيضي واصفري
ونقرّي ما شئت أن تنقّري)
وبعد لأي كلّ شيء ذهبا
وأصبح الدهرُ بهم منقلبا
فجيء بالسيد (مهدي الهاشمي)([71](
مضرّجاً بسيف كف الحاكم
متهماً بأنه (جاسوس)
كبا به طالعُهُ المنحوس
وكان هذا السيد الجبّار
يطيعه الصغار والكبار
لكنّما الإمام (روح الله)([72](
قال: «اقتلوه»، فهو شيخٌ لآه
وطاردت فلولَه (الحكومه)
حيث غدوا من بعده (جرثومه)
فمنهم من جال في الآكام
مبتعداً عن (دولة الإسلام)
وحلّ بعض منهم (لبنانا)
وبعضهم قد صادق (الشيطانا)
وهكذا تشتّت الأحبابُ
وأُغلقت من بعد نأيّ بابُ!
«القول»
«فكرة المهدي عند الشيعة»
وفكرةُ (المهدي) لدى الأنام
قديمة من سالف الأيام
حيث بها قد جاءت الأديانُ
ودان في أخبارها الزمان
واعتقد (الشيعة) بالإمامه
وإنها للمؤمن العلامة
قالوا: بأنّ (أحمد) النبيّا
عيّن من أمته (عليّاً)([73](
وبعدَه (للحسن) القيادَه
ثم (الحسين) حائز الشهاده
والولد الأكبرُ (للإمام)
يحكم في شريعة الإسلام
من جهة (الحسين) نالوا الشرفا
حتى أُقرّ الفضلُ فيهم، وكفى
لكنّما إمامَه (الأئمة)
لم تستمرّ بعده في الأمة
وحاول الأئمة الهداةُ
إرجاع ما ضيّعه (الطغاة)
فاتجهوا لنشر ما قد ضاعا
من (الحديث) عنهم، وشاعا
فألّف (الأصحابُ) تلك (الأصول)([74](
وصارت الرواة عنهم (تقولْ)
حيث استدلوا بأحاديث (النبي)
حول قيام المنقذ المجرّب
لكنما حديثهم قد اقتصر
ولم يحدد أي شخص منتظر
ولا متى ينهض بالسيوف
ليسقي الأعداء الحتوف
فحارَ جمعٌ من دعاةِ (الطائفه)
ما بينَ (زيديّ)، وبين (الواقفهْ)([75](
فعيّنوا (المهديّ) فيهم أبدا
لكنّما جهودهم ضاعت سدى
«القول في»
«المبشّرين بالمهدي قبل ولادته»
وجاء عن مشيخةِ (السّرادِ)
(الحسن المحبوب) خيرِ هاد)[76](
أنّ الإمام (القائم) الثاني عشر
قد وردَ النصّ عليه بالخبر
و(فضلُ شاذان) لخيرُ من نقلْ
حديث أهل البيت من دونِ زللْ)[77](
ثم (عليّ) من حواري (الهادي)
ذاك (ابن مهزيار) شيخ النادي)[78](
أفاض بالنقل عن (الهداة)
حديثهم عن ثقة الثقات
وكان في (الأهواز) عنهم وكيلْ
وهو (إليهم) كان نعم الدليلْ
واعتمدَ (الأصحابُ) ما قدْ وردا
بما رووهُ من أحاديث الهُدى
«القول»
«في حُكم بني العباس»
وحينما أتى بنو (العباس)
مجددين ظُلمهم للناس
جاؤوا بأخبار عن (النبي)
تحرّف (النص) عن (الوصي)
وإنهم قد ورثوا الإمامة
عن (جدّهم) ، وهي لهم علامه)[79](
فاتبعوا سياسة جديده
وابتكروا مقاصداً فريده
فعين (المأمون) في الحكم (الرضا)
ولي عهد، هكذا الدهرُ قضى
وليس في ذلك حسنُ النيه
لكنها إقامة (جبريه)
وواصلوا العداء (للأئمة)
لأنهم حصن نجاة الأمة
فأقعدوا (الهادي) بسامراء
و(العسكريّ) حُفّ بالبلاء
وصار كل منهما مسجونا
في بيته يكابد السنينا
وقد أشار (العسكري) بالخبر
أنّ (الإمام) بعده (الثاني عشر)
لكنّه غابَ عن الأبصار
فيما يرى من حكمة (الجبّار)
وسوف يأتي ذلك اليومُ الأغر
بطلعة (المهدي) ذاك المنتظرْ
القول
في السفراء الأربعة
ما قامَ فيه (السفراءُ الأربعة)
يحيرُ فيه العقل والنقل معاً
أولهمْ (عثمانُ) ذاكَ (العُمري)
وابنُهُ (محمد) الفذُّ السري
وبعدَهُ (الحسينُ بنُ روح)
ثم (علي السامري) الممدوح
وأصبح النشاط في (بغداد)
مثل هشيم النار في الرماد
فأنّهم قد أحكموا فنّ (العمل)
وواصلوا الجهاد من دونِ كللْ
ووزّعوا (الأدوار) و(الأعمالا)
ونظّموا الشباب والرجالا
فكان (للسفير) دورٌ يذكر
يقوم بالتبليغ فيما يؤمرُ
«القول»
«في ولادة الإمام المهدي (ع)»
إذا جهلنا ساعة (الولادة)
فذاك سرّ (ربّنا) أراده
وحكمةُ الأئمة الهداة
كحكمة (التفصيل) في الصلاة
إنْ شئتَ أن تعرف ما الدليل
في أصله إن خانكَ الوصول
فهاكَ ما أخبرنا (الرحمان)
عن معجزات صاغَها (القُرآن)
فأمُّ (موسى) ولدتُهُ حيّا
لم يعرف الأعداء عنه شيا
وحينما خافت عليه أجلَه
رمتْه في اليمّ)[80]( (سلالا) مقفله
وبعدها رُدّ إليها (الولد)
وقلبُها من شوقه يتقّد
لكنّما حقائق الأنوار
تدركُ في مراتب الأسرارِ
والنورُ للخُفّاش يُعمي البصر!
مثلَ غيومِ الأفق تُخفي القمرا
«القول»
«في الشورى»
قدْ وُجّه (الكاتبُ) بالتسديدِ
في رأيه على خُطى التجديد
فقال فيما قال شيئاً عجبا
كأنّه كشّف تلك الحُجبا)[81](
فمرةً يستعملُ (الألفاظا)
حتى ليُضفي هيكلاً فضفاضا
وصارَ يدعو فُقهاء (ألحلّه)
من (كهفهم) إخراج هدي (الملّة)([82](
وهكذا تسديدُهُ الإلهي
قد فسّر (المياه) بالمياه
إنّ الذي قد جاءَنا (بالشورى)
عليه أمر قدْ بدا مستُوراً)[83](
(مجلة) تدعو إلى (التوحيد)
لكنّها تلتّفّ بالوعيد
شعارُها (التقريب) بين الناس
وليس في ذلك منْ أساس
فكان بين اثنين؛ بين (السنّة)
وبين (من ضيّعهم) ـ في المحنه
فليس سنيّاً وليس (شيعي)
مبرهناً عن نهجه (الموضوعي)!
فصارع كالغُراب ما بين بين
أضاع ـ فيما قد سعى ـ المشيتينً
«القول»
«في التقريب بين المذاهب والأديان»
والنهج في (التقريب) والاتحادْ
أن نجعل الله هو الاعتماد
ونفرش القلوب بالورود
فليس بين (الخلق) من حدود
إنّ اختلاف الرأيّ في (قضيّه)
لا يُفسدُ الودّ بحسن النيّهْ
فالكلُّ يختار الذي (يختار)
فقد تساوى الليلُ والنهار!
«تقريض»
لأرجوزة الأخ الأستاذ جودت القزويني في ردّه على الأوراق الصفراء التي يصدرها أحمد الكاتب في (لندن)، في إنكاره للولاية، وولادة الإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداه
بسمه تعالى
أخي الأستاذ الشاعر جودت القزويني المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكركم من أعماق القلب على (هديتكم) الظريفة التي اطلعت عليها، وأنا في زحمة الأشغال، وكثرة الأسفار، وهي القصيدة التي تردّ على (خرافات) عبد الرسول اللاري المليئة بالتناقضات والخزعبلات.
وفي الوقت الذي أشدّ على أيديكم لتعريّة هذه الوجوه القبيحة والنماذج الموبوءة التي لا تُرى إلا عند كلّ كريهة أقدم لكم هذه الأبيات راجياً أن تنال رضاك، ولك الفضل والشكر في الأول والآخر. ودمت لأخيك.
ذو القعدة 1416هـ حسين الشامي
أبدأُ باسم الخالق المعين
رسالة (لجودت القزويني)
مقرضاً أشعاره الجميلة
وهو إمام (الروض) و(الخميلهْ)([84](
حيثُ انبرى للفوضوي (اللاري)
وما حواه فكرهُ من عار
حين غدا ينكرُ ضوء الشمس
يبث تخريفاته في همس
مصدراً أوراقه الصفراءا
وناشراً في (لندن) الهراءا
مدّعياً أن الإمام (المهدي)
إسطورة ما أُثبت في عهد
وجاحداً وصيّة الرسول
وكثرة (الرواة) في المنقول:
إنّ أئمة الهدى (إثنا عشر)
أولهم شمسٌ، وتاليهم قمر
يولد من ولد الحسين (القائم)
في آخر الدهر له علائم
إن اسمه (محمد) مثل اسمي
وإن عزمَه شبيهُ عزمي
يملأها قسطاً وعدلاً مثلما
قد مُلئت ظلماً لأعنان السما
والمسلمون أجمعوا عليه
منتظرين بيعةً لديه
في الركن والمقام حين يظهرُ
يحملُ سيف جده يُكبرُ
وصحبه تهوي إليه (قزعاً)
مستبشرين نورَه إذ طلعا
وقبل ذاك يظهرُ (السفياني)
و(الحسني) الطهرُ، و(اليماني)
وراية شرقية سوداء
وبعد ذاك تُخسف البيداءُ
وهذه بعض العلامات التي
جاء بها (النص) بأجلى صورةِ
قضية وإن بدت (نقليه)
لكنها قضية (عقليه)
فقصة الخلاص للإنسان
مطبوعة في الفكر والوجدان
دانت بها الأجيال عبر الزمن
حتى غدت سلاحها في المحن
(فالانتظارُ) أفضل العباده
ما فاقه شيء سوى (الشهاده)
والعالم اليوم غدا معتركا
من بؤسه صار يعيشُ الضنكا
ينتظرُ (المنقذ) كلّ ساعه
يشكو له أساهُ أو ضياعهْ
ففكرةُ (المهدي) من نور السما
ولا يراها مَن أُصيب بالعمى
حسين بركة الشامي
الاستخلاف: نظرية قرآنية
حول استخلاف آدم (ع)
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَؤُلآءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ سورة البقرة: الآيات: 30 ـ 33.
هذه الآيات الأربع تتحدث عن قضية استخلاف الله سبحانه لآدم على الأرض. وهذا الجانب من قصة آدم يكاد ينحصر ذكره والإشارة إليه في القرآن الكريم بهذا المقطع القرآني فقط.
ودراسة هذا المقطع وما تضمنه من معلومات ومفاهيم لها جانبان:
الجانب الأول: تحديد الموقف العام تجاه دراسة هذا المقطع القرآني وتصوير ما يعنيه القرآن الكريم منه.
الجانب الثاني: تحديد الموقف القرآني والإسلامي تجاه بعض المفاهيم التي جاءت في المقطع بالشكل الذي ينسجم مع المسلمات القرآنية والظهور اللفظي لهذا المقطع بالخصوص.
وفيما يتعلق بالجانب الأول نجد الشيخ محمد عبده تبعاً لبعض الدارسين المتقدمين يذكر رأيين مختلفين بحسب الشكل وإن كانا يتفقان في النهاية، حسب ما يقول:
الرأي الأول: هو الذي سار عليه السلف واختاره الشيخ محمد عبده نفسه أيضاً حيث يقول: (وما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من شؤون الله مع ملائكته صوّره لنا في هذه الفصول بالقول والمراجعة والسؤال والجواب ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول. ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا. وإن هناك معانٍ قصدت أفادتها بهذه العبارات وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وأنه كان يعد له الكون أو شأن مع الملائكة يتعلق بخلق نوع الإنسان وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع وفضله)[85](.
والرأي الثاني: الرأي الذي سار عليه الخلف من المحققين وعلماء الإسلام الذين بذلوا جهدهم في دراسة القرآن والتعرف على مقاصده حيث يرون أن هذه القصة بمواقفها المختلفة إنما جاءت على شكل التمثيل ومحاولة تقريب النشأة الآدمية الإنسانية وأهميتها وفضيلتها. وإن جميع المواقف والمفاهيم التي جاءت فيها يمكن تحديد المعاني والأهداف التي قصدت منها.
فالرأي الأول والثاني وإن كانا يلتقيان في حقيقة تنزيه الله سبحانه وتعالى وعالم الغيب عن مشابهة المخلوقات المادية المحسوسة في هذه المواقف المختلفة ويكادان يتفقان أيضاً في الأهداف والغايات العامة المقصودة من هذا المقطع القرآني ولكنهما مع ذلك يختلفان في إمكانية تحديد بعض المفاهيم التي وردت في المقطع كما سوف يتضح ذلك عند معالجتنا للمقطع القرآني من جانبه الآخر.
وفيما يتعلق بالجانب الثاني نجد السلف انسجاماً مع موقفهم في الجانب الأول يقفون من دراسة المقطع موقفاً سلبياً ويكتفون في بعض حالات الانفتاح بذكر الفوائد الدينية التي تترتب على ذكر القرآن لهذا المقطع القرآني المتشابه.
وقد أشار الشيخ محمد عبده إلى بعض هذه الفوائد. ونكتفي بذكر فائدتين منها:
الأولى: إن الله سبحانه وتعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه.
الثانية: إن الله سبحانه لطيف بعباده رحيم بهم يعمل على معالجتهم بوجوه اللطف والرحمة فهو يهدي الملائكة في حيرتهم ويجيبهم على سؤالهم عندما يطلبون الدليل والحجة بعد أن يرشدهم إلى واجبهم من الخضوع والتسليم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ …﴾.
وأما الخلف فقد حاولوا إيضاح المفاهيم التي وردت في هذا المقطع القرآني ليتجلى بذلك معنى استخلاف الله سبحانه وتعالى لآدم. وسوف نعرض هنا أهم هذه المفاهيم المرتبطة بقضية الاستخلاف مع ذكر الآراء المختلفة فيها ثم نتحدث عن المعنى العام للمقطع القرآني.
1 ـ الخلافة:
الخليفة بحسب اللغة: من خلف من كان قبله وقام مقامه. فلماذا سمي آدم خليفة؟ توجد هنا عدة آراء:
الأول: إن آدم سمي خليفة لأنه خلف مخلوقات الله سبحانه في الأرض وهذه المخلوقات إما أن تكون ملائكة أو يكونوا الجن الذين أفسدوا في الأرض وسفكوا فيها الدماء كما روي عن ابن عباس. أو يكونوا آدميين آخرين قبل آدم هذا.
الثاني: إنه سمي خليفة لأنه وأبناءه يخلف بعضهم بعضاً فهم مخلوقات تتناسل ويخلف بعضها البعض الآخر. وقد نسب هذا الرأي إلى الحسن البصري.
الثالث: إنه سمي خليفة لأنه يخلف الله سبحانه في الأرض. وفي تفسير هذه الخلافة لله سبحانه وارتباطها بالمعنى اللغوي تعددت الآراء واختلفت:
أ ـ إنه يخلف الله في الحكم والفصل بين الخلق.
ب ـ يخلف الله سبحانه في عمارة الأرض واستثمارها من إنبات الزرع وإخراج الثمار وشق الأنهار وغير ذلك)[86](.
ج ـ يخلف الله سبحانه في العلم بالأسماء كما ذهب إلى ذلك العلامة الطباطبائي)[87](.
د ـ يخلف الله سبحانه في الأرض بما وهبه الله من قوة غير محدودة سواء في قابليتها أو شهواتها أو علومها. كما ذهب إلى ذلك الشيخ محمد عبده)[88](.
2 ـ كيف عرف الملائكة أن الخليفة يفسد في الأرض؟
لقد ذكر المقطع القرآني أن جواب الملائكة على إخبارهم بجعل آدم خليفة في الأرض أنهم تساءلوا عن سبب انتقاء هذا الخليفة الذي يفسد في الأرض فكيف عرف الملائكة هذه الخصيصة في هذا الخليفة وهنا عدة آراء.
الأول: إن الله سبحانه وتعالى أعلمهم بذلك لأن الملائكة لا يمكن أن يقولوا هذا القول رجماً بالغيب وعملاً بالظن)[89](.
الثاني: أنهم قاسوا ذلك على المخلوقات التي سبقت هذا الخليفة الذي سوف يقوم مقامها كما يشير إلى ذلك بعض الروايات والتفاسير)[90](.
الثالث: إن طبيعة الخلافة تكشف عن ذلك بناء على الرأي الأول من المذهب الثالث من معنى الخلافة. كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره.
الرابع: إن طبيعة الخليفة نفسه تقتضي ذلك وهنا رأيان:
أ ـ إن المزاج المادي والروحي لهذا المخلوق الذي يريد أن يجعله الله خليفة والأساس الاجتماعي للعلاقات الأرضية التي سوف تحصل بين أبناء هذه المخلوقات هي التي جعلت الملائكة يعرفون ذلك. يقول العلامة الطباطبائي: (إن الموجود الأرضي بما أنه مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية والدار دار التزاحم محدودة الجهات وافرة المزاحمات مركباتها في معرض الانحلال وانتظامها واصطلاحاتها مظنة الفساد ومصب البطلان لا تتم الحياة فيها إلا بالحياة النوعية ولا يكمل البقاء فيها إلا بالاجتماع والتعاون فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء)[91](.
ب ـ إن الإرادة الإنسانية بما أعطيت من اختيار يتحكم في توجيهه العقل بمعلوماته الناقصة هي التي تؤدي بالإنسان إلى أن يفسد في الأرض ويسفك الدماء قال محمد عبده: (أخبر الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة نفهم من ذلك أن الله يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة.. أن يكون ذا إرادة مطلقة واختيار في عمله غير محدودة وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التي تعين له تكون بحسب علمه وإن العلم إذا لم يكن محيطاً بوجوه المصالح والمنافع فقد يوجه الإرادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد وهو معين لازم الوقوع لأن العلم المحيط لا يكون إلا لله تعالى)([92](.
3 ـ الأسماء:
والأسماء من المفاهيم التي وقع الخلاف فيها بين علماء التفسير حول حقيقتها والمراد منها والآراء فيها تسير في الاتجاهين التاليين:
الأول: إن المراد من الأسماء الألفاظ التي سمى الله سبحانه بها ما خلقه من أجناس وأنواع المحدثات وفي جميع اللغات. وهذا الرأي هو المذهب السائد عند علماء التفسير ونسب إلى ابن عباس وبعض التابعين)[93](.
وينطلق أصحاب هذا المذهب في تفكيرهم إلى أن الله سبحانه كان قد علّم آدم جميع اللغات الرئيسية. وقد كان ولده على هذه المعرفة ثم تشعبت بعد ذلك واختص كل جماعة منهم بلغة غير لغة الجماعة الأخرى.
الثاني: إن المراد من الأسماء: المسميات أو صفاتها وخصائصها لا الألفاظ وحينئذ فنحن بحاجة إلى القرينة القرآنية أو العقلية التي تصرف اللفظ إلى هذا المعنى الذي قد يبدو أنه يخالف ظاهر الإطلاق القرآني. ويمكن أن نتصور هذه القرينة في الأمور التالية:
أ ـ (إن العلم الحقيقي إما هو إدراك المعلومات أنفسها والألفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف)([94](.
ب ـ إن الأسماء حين يقصد منها الألفاظ واللغات فهي إذن من الأشياء التي لا يمكن تحصيلها إلا بالتعليم فلا يحسن تحدي الملائكة بها، إذ لا دلالة على وجود موهبة خاصة في آدم يتمكن بها من معرفة الأسماء. وهذا على خلاف ما إذا قلنا إن المقصود منها المسميات فإنها مما يمكن إدراكه ولو جزئياً ـ عن طريق استعمال العقل والذهن ـ فيكون لمعرفة آدم بها دلالة على موهبة خاصة منحه الله إياها.
قال الطوسي: (إن الأسماء بلا معان لا فائدة ولا وجه لإيثاره الفضيلة بها)[95]( وقال الرازي: (وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة، بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم فإن حصل التعليم حصل العلم به وإلا فلا، أما العلم بحقائق الأشياء فالعقل متمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي فيه)([96](.
ج ـ إن هذه الأسماء لو كانت ألفاظاً لتوصل الملائكة إلى معرفتها بإنباء آدم لهم بها وهم بذلك يتساوون مع آدم فلا تبقى له مزية وفضيلة عليهم. فلا بد لنا من أن نلتزم بأنها أشياء تختلف مراتب العلم بها، الأمر الذي أدى أن يعرفها آدم بمعرفة خاصة تختلف عن معرفة الملائكة لها حين إخباره لهم بها. وهذا يدعونا لأن نقول إنها عبارة عن المسميات لا الألفاظ. قال العلامة الطباطبائي بصدد شرح هذه الفكرة: (إن قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ…﴾ شعر بأن هذه الأسماء أو أن مسمياتها كانت موجودات إحياء عقلاء محجوبين تحت حجاب الغيب وأن العلم بأسمائهم كان غير العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء وإلاّ كانت بإنباء آدم إياهم بها عالمين بها وصائرين مثل آدم مساوين معه)[97](.
وحين يصل أصحاب هذا الاتجاه إلى هذه النقطة نجدهم يحاولون أن يتعرفوا على العلاقة التي صححت استعمال لفظ (الأسماء) محل لفظ (المسميات) ويذكرون لذلك قرائن متعددة.
فالرازي يرى هذه القرينة في مصدر اشتقاق الاسم فإنه إما أن يكون من السمه أو من السمو (فإن كان من السمه كان الاسم هو العلامة، وصفات الأشياء ولقوتها دالة على ماهياتها فصح أن يكون المراد من الأسماء: (الصفات) وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول)[98](.
والشيخ محمد عبده يرى هذه القرينة في (شدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له وسرعة الانتقال من أحدهما إلى الآخر).
كما أنه يرى في ذلك وجهاً آخر يكاد يغنيه عن هذه العلاقة حيث: إن الاسم قد يطلق إطلاقاً صحيحاً على صورة المعلوم الذهنية (أي ما به يعلم الشيء عند العالم) فاسم الله مثلاً هو ما به عرفناه في أذهاننا لا نفس اللفظ بحيث يقال: إننا نؤمن بوجوده ونسند إليه صفاته. فالأسماء هي ما يعلم بها الأشياء في الصور الذهنية وهي العلوم المطابقة للحقائ الخارجية الموضوعية. والاسم بهذا المعنى هو الذي جرى الخلاف بين الفلاسفة في أنه عين المسمى أو غيره، الأمر الذي يدعونا أن نقول أن للاسم معنى آخر غير اللفظ إذ لا شك بأن اللفظ غير المعنى.
والاسم بهذا الاطلاق أيضاً هو الذي يتبارك ويتقدس ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ إذ لا معنى لأن يكون اللفظ هو الذي يتبارك ويتقدس)[99](.
وبعد هذا كله نجدهم يختلفون في حقيقة هذه المسميات والمراد منها في الآية الكريمة.
فالعلامة الطباطبائي يراها ـ كما في النص السابق ـ موجودات أحياء عقلاء ولعله يفهم هذه الحياة لها والعقل من قوله تعالى ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ حيث استعمل ضمير الجماعة المختص بمن يعقل. وهذا الاتجاه نجده في بعض الآراء المتقدمة على العلامة الطباطبائي نفسه، كما في حكاية الطبري عن الربيع بن زيد أنهما قالا: علمه الله أسماء ذريته وأسماء الملائكة)[100](.
ولكن الشيخ الطوسي يناقش فكرة الاعتماد على الضمير بقوله: (وهذا غلط لما بيناه من التغلب وحسنه كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾)[101](.
والشيخ محمد عبده يرى أنها تعني جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين)[102]( ولعل هذا الاتجاه هو الذي يظهر من كلام الشيخ الطوسي والرازي في تفسيرهما)[103](.
نظرية الاستخلاف
بعد أن تعرفنا على آراء العلماء المختلفة تجاه المفاهيم البارزة التي جاءت في هذا المقطع القرآني لا بدّ لنا من معرفة الصورة الكاملة للمقطع القرآني لنستخلص نظرية استخلاف آدم منها.
وهنا صورتان لهذه النظرية بينهما كثير من وجوه الشبه.
الأولى: الصورة التي ذكرها السيد رشيد رضا في تفسيره عن أستاذه الشيخ محمد عبده: حيث يرى أن القصة وردت مورد التمثيل لغرض تقريبها من تناول أفهام الخلق لها لتحصل لهم الفائدة من معرفة حال النشأة الأولى.
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نفهم كثيراً من جوانب هذه المحاورة والألفاظ التي استعملت فيها دون أن تتقيد بالمعنى اللغوي العرفي لها.
فالله سبحانه أخبر الملائكة بأنه بصدد أن يجعل في الأرض خليفة عنه يودع في فطرته الإرادة المطلقة التي تجعله الأشياء حسب قدرته ومعلوماته التي لا يمكن أن تصل مرتبة الكمال.
وعلى أساس هذه الإرادة المطلقة وهذا العلم الناقص عرف الملائكة أن هذا الخليفة سوف يسفك الدماء ويفسد في الأرض لأن ذلك نتيجة طبيعية لما يتمتع به من إرادة مطلقة يسير بها حسب علمه الذي لا يحيط بجميع جوانب المصالح والمنافع الأمر الذي قد يوجه الإرادة إلى خلاف الحكمة والمصلحة فيقع في الفساد.
وحين عرف الملائكة ذلك تعجبوا من خلق الله لهذا النوع من الخلق الذي يسفك الدماء ويفسد في الأرض فسألوا الله سبحانه (عن طريق النطق أو الحال أو غير ذلك) أن يتفضل عليهم بإعلامهم عن ذلك وبيان الحكمة لهم.
وكان الجواب لهم على ذلك هو بيان الخضوع والتسليم لمن هو بكل شيء عليم لأن هذا هو موقف جميع المخلوقات تجاهه.
على أن هذا النوع من الخضوع والتسليم الذي ينشأ من معرفة الملائكة بإحاطة الله بكل شيء قد لا يذهب الحيرة ولا يزيل الاضطراب.. وإنما تسكن النفس بإظهار الحكمة والسر الذي يختفي وراء الفعل الذي حصل منه تعجب الملائكة.
ولذلك تفضل الله سبحانه على الملائكة بأن أوضح لهم السر وأكمل علمهم ببيان الحكمة في هذا الخلق فأودع في نفس آدم وفطرته علم جميع الاشياء من غير تحديد ولا تعيين الأمر الذي جعل لآدم امتيازاً خاصاً استحق به الخلافة عن الله في الأرض.
ويظهر هذا الامتياز حين نقارن بين الإنسان وبين المخلوقات لله سبحانه فقد نطق الوحي ودلّ العيان والاختيار على أن الله تعالى خلق العالم أنواعاً مختلفة وخص كل نوع منها بقدرات ومواهب. ولكن الإنسان مع ذلك يختلف عنها في أنّ لما منحه الله من قدرات ومواهب ليست لها حدود معينة لا يتعداها على خلاف بقية المخلوقات.
فالملائكة ـ الذين لا نتمكن من معرفة حقيقتهم إلا عن طريق الوحي ـ لهم وظائف محدودة ـ كما دلت الآيات والأحاديث ـ فهم يسبحون الله ليلاً ونهاراً وهم صافون ويفعلون ما يؤمرون إلى غير ذلك من الأعمال المحدودة.
وما نعرفه بالنظر والاختيار عن حال الحيوان والنبات والجماد فإنها بين ما يكون لا علم له ولا عمل كالجماد. أو يكون له عمل معيّن يختص به نفسه دون أن يكون له علم أو إرادة. ولو فرض أن له علم أو إرادة فهما لا أثر لهما في جعل عملهما مبنياً لحكم الله وسنته في الخلق ولا وسيلة لبيان أحكامه وتنفيذها.
فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية ـ عدا الإنسان ـ له استعداد محدود وعلم إلهامي محدود وعمل محدود وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه وإرادته.
وأما الإنسان فقد خلقه الله ضعيفاً وجاهلاً ولكنه على ضعفه وجهله يتصرف في الأقوياء ويعلم جميع الأسماء بما وهبه الله من قدرة على النمو والتطور التدريجي في إحساسه ومشاعره وإدراكه فيكون له السلطة على هذه الكائنات يسخرها ثم يذللها بعد ذلك كما تشاء قوته الغريبة التي يسمونها العقل ولا يعرفون حقيقتها ولا يدركون كنهها. فهذه القوة نجدها تغني الإنسان عن كل ما وهب الله للحيوان في أصل الفطرة والإلهام من الكساء والغذاء والأعضاء.
فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل.
وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب أعطاه أحكاماً وشرائع حدد فيها أعماله وأخلاقه وهي في الوقت نفسه تساعده على بلوغ كماله لأنها مرشد للعقل الذي كان له كل تلك المزايا.
وبهذا كله استحق الإنسان خلافة الله في الأرض وهو خلق المخلوقات بها ونحن نشاهد في عصرنا آثار هذه الخلافة بما فعله الإنسان من تطوير وسيطرة وتعرف في الكون.
وحين أودع الله في فطرة آدم علم الأشياء من غير تحديد. عرض الأشياء على الملائكة وأطلعهم عليها اطلاعاً إجمالياً ثم طالبهم بمعرفتها والإنباء بهذه وإذا بهم يظهرون التأكيد على التسليم والخضوع والعجز والاعتراف.
وعند ذلك أمر الله آدم أن ينبئهم بالاشياء ففعل، وذلك لتنكشف لهم الحقيقة بأوضح صورها وأشكالها.
الثانية: وأما الصورة الثانية فهي التي عرضها العلامة الطباطبائي وهي تختلف عن الصورة السابقة في بعض الجوانب. ونحن نقتصر على ذكر جوانب الخلاف التي سبق أن أشرنا إلى بعضها.
1 ـ إن خليفة الله موجود مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية، والدار دار تزاحم محدودة الجهات وافرة المزاحمات لا يمكن أن تتمّ فيها الحياة إلا بإيجاد العلاقات الاجتماعية وما يستتبعها من تصادم الأمر الذي يؤدي إلى الفساد وسفك الدماء.
2 ـ إن الملائكة حين تعجبوا كانوا يرون أن الغاية من جعل الخلافة هو أن يحكي الخليفة ومستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجوده والأرضية لا تدعه يفعل ذلك بل تجره إلى الفساد والشر والغاية من هذا الجعل بتسبيحهم بحمد الله وتقديسهم له.
3 ـ إن آدم استحق الخلافة لقدرته على تحمل السر الذي هو عبارة عن تعلم الأسماء التي هي أشياء حية عاقلة محجوبة تحت حجاب الغيب محفوظة عند الله. وقد أنزل الله كل اسم في العالم بخيرها وبركتها واشتق كل ما في السموات والأرض من نورها وبهائها. وإنهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الأفراد وإنما يتكاثرون بالمراتب والدرجات.
الموازنة بين الصورتين
ويحسن بنا أن نوازن بين هاتين الصورتين لنخرج بالصورة الكاملة التي نراها صحيحة لتصوير هذا المقطع القرآني. ولنأخذ النقاط الثلاث التي خالف فيها العلامة الطباطبائي الشيخ محمد عبده.
ففي النقطة الأولى قد نجد العلامة الطباطبائي على جانب من الحق كما نجد الشيخ محمد عبده على جانب آخر منه. ذلك لأن العلامة الطباطبائي أكد على ما فطر عليه الإنسان من غرائز وعواطف مختلفة. وهذا شيء صحيح لما لهذه الغرائز من تأثير كبير في حصول التزاحم والتنافس في المجتمع الإنساني الأمر الذي يؤدي إلى الفساد وسفك الدماء. وأساس هذه الغرائز غريزة حب الذات التي جاءت الأديان السماوية ومنها الإسلام من أجل توجيهها توجيهاً صالحاً يدفعها إلى تجنب الفساد والسفك.
والشيخ محمد عبده حين يغفل هذا الجانب ـ في مسألة معرفة الملائكة للفساد وسفك الدماء ـ يؤكد على جانب آخر له دور كبير أيضاً في الفساد وسفك الدماء وهو الإرادة المطلقة والمعرفة الناقصة فلولا هذه الإرادة ولولا هذه النقص في العلم لما كان السفك والفساد.
وعلى هذا الأساس يمكن أن نعتبر كلا الجانبين مؤثراً في معرفة الملائكة لنتيجة هذا الخليفة.
وفي النقطة الثانية نرى العلامة الطباطبائي على حق فيما يتعلق بشعور الملائكة أنهم أولى بالخلافة من هذا المخلوق الجديد إذ إن العرض القرآني يشعر بهذا المعنى عندما يربط التسبيح والتقديس بذكر الاستفهام والشيخ محمد عبده يغفل هذا الجانب.
وفي النقطة الثالثة لا يكاد يتضح لنا المعنى الذي يصوره العلامة الطباطبائي للأسماء حيث يمكن أن يكون مقصوده بعض ما ذكره الشيخ محمد عبده مع الاختلاف في سعة دائرة الأشياء والمسميات. كما يمكن أن يكون مقصوده شيئاً آخر. وعلى أي حال فيما ذكره الشيخ محمد عبده بهذا الصدد يمكن أن يأخذ به تفسيراً للموقف لانسجامه مع بقية المقطع من ناحية وجمال الفكرة من ناحية أخرى.
وتبقى عندنا نقطة واحدة أشار إليها الشيخ محمد عبده وأغفلها العلامة الطباطبائي وهو ما أودع الله سبحانه في الإنسان من الاستعداد للتكيف بالتشريع الإلهي وتمكنه من توفير عناصر الكمال نتيجة لتطبيقه.
وهذه الحقيقة قد تكون مهمة في صلاحية الإنسان للخلافة حيث تفقد بقية الأشياء هذا الاستعداد والقدرة على صعود سلم الكمال الحقيقي وارتقاء درجاته.
استراباد أول عرش للقاجار
خلال العهد الصفوي قام قسم من القاجاريين بالنزوح من (دربند) موطنهم الأساس إلى ساحل البحر واستراباد للوقوف بوجه أي هجوم يشنّه الأوزبك والتراكمة ضد المناطق المأهولة وأرض الساحل الشرقي لبحر مازندران. وكانت (استراباد) قبل ذلك مدينة صغيرة جداف، لكنها تحولت بسبب ذلك إلى عرش القاجاريين والخوانين الأوائل منهم طوال مدة سعيهم الأول لاستلام السلطة، واكتسبت أهميتها الخاصة.
ورغم أن المصادر التاريخية والجغرافية ذكرت (استراباد) بصور المختلفة، لكن معظم علماء المسالك والممالك وخاصة المتأخرين منهم ذكروها بلفظ (استراباد). والمصادر الجغرافية المتقدمة تحدثت عن ساتراباد في سياق حديثها عن أرض الديلم ومازندران وجرجان، مما يدل أن ساتراباد كانت آنذاك وحتى تحولها إلى موطن للقاجاريين كانت في نفس أهمية المدن المجاورة لها. فها هو (اعتماد السلطنة) ينقل في تقريره عن استراباد نفس ما كتبه المتقدمون دون أن يضيف شيئاً يذكر حول عرش السلطة القاجارية هذا، فكتب يقول: «مدينة كبيرة وعامرة، وهي من أعمال طبرستان، بين ساري وجرجان من الإقليم الخامس. طولها تسعة وسبعون درجة وخمسون دقيقة، وعرضها ثمانية وثلاثون درجة وثلاثة أرباع»)[104](.
تقرير المتقدمين حول استراباد قصير وخال من المعلومات التفصيلية. (الاصطخري) أورد معلومات قليلة ومحدودة مما يدل على شحة أخبار استراباد في عصره، فيقول: «استراباد قريبة من البحر، ومن هناك يتوجهون إلى آبسكون وإلى بحر الخزر ودربند وديلمان والمناطق الأخرى»)[105](.
و(ابن حوقل) عد استراباد كجزء من ولاية جرجان، وكتب أن بين استراباد وساري أربعة مراحل تقريباً، ومن هناك إلى جرجان مرحلتين تقريباً)[106](.
و(المقدسي) ذكر استراباد وكتب أن جوها لطيف، وأن ماءها أعذب من جرجان، وأن أكثر أهلها يعملون في حياكة الحرير وهم ماهرون بذلك، قلعتها مهدمة، وخندقها مليء، مسجدها في السوق، وأمام بابها نهر)[107](.
كما إن تقرير (الياقوت الحموي) حول استراباد في القرن السابع لم يأت بالكثير أيضاً، فذكرها بنفس الإسم وكتب أنها بلدة كبيرة من أعمال طبرستان تقع بين ساري وجرجان في الإقليم الخامس)[108](.
(ابن اسفنديار) ربط بناء استراباد بشخصيات الشاهنامه للفردوسي، فكتب تحت عنوان خارج دربند: «هناك عدة من خارج دربند المهم منها والمنسوبة إلى طبريا ومتصلة بجرجان بناها جرجين بن ميلاد، ومساحتها الدائرية أربعة فراسخ، وفيها إقامة حماة طبريا، ولأن جرجين اتخذها مقراً له كان أتباعه يتوجهون إلى استراباد للرعي، وبنوا فيها بيوتاً لهم، وعلى مرور الزمن أضحت معمورة تسمى استراباد»)[109](.
(أبو الفداء) نقل عن (المهلبي) اسم استراباد بنفس اللفظ، وذكرها في سياق الحديث عن طبريا فكتب: «جاء في اللباب أنه أحياناً تذكر ألف بين التاء والراء فيقال استاراباد، لكن ما كتبناه أكثر شهرة، ويقول (همو) أن استراباد مدينة من بلاد مازندران. وفي المشترك جاء أن أستر هو اسم رجل، واسترآباد أي معمورته»)[110](.
(اعتماد السلطنة) ذكر أن اليونانيين أطلقوا على استراباد اسم (هيركاتيا) واعتبر أن (بندركز) هي ميناء استراباد، ثم أورد تقرير أبو الفداء نفسه وأضاف: «في زمان زرادشت حيث كان العجم يعتبرون الأجرام المضيئة مظاهراً للأنوار الأقدسية، كانوا يعظّمون الكواكب بشكل يصعب وصفه، فبنوا هذه المدينة، وأطلقوا عليها هذا الاسم»)[111](.
ورغم أن كثيراً من العلماء والمؤرخين والشخصيات كانوا من أبناء استراباد وكان أشهرهم من المتأخرين المؤرخ الشهير في العهد الأفشاري (الميرزا مهدي خان الاسترابادي) لكن كما ذكرنا فإنّ عمران وشهرة استراباد تعود إلى العهد الصفوي حيث اهتم بها الملوك الصفويون لإيجاد استحكامات دفاعية لمواجهة هجمات عشائر الأوزبك والتركمان. فأحداث (قلعة مبارك آباد) وانتقال القاجاريين إلى استراباد جعل هذه الأرض منذ العهد الصفوي موطناً أساسياً لمقاتلي القاجار. كما إن ظهور (فتح علي خان القاجاري) في استراباد، وتقويته لقدرة أسرته في هذه المدينة زاد من قيمة استراباد خلال العهد القاجاري.
وعندما اتخذ القاجار من طهران عاصمة لهم، أضحت استراباد تشكل لهم أهمية عاطفية واستراتيجية، وسعى الملوك المتأخرون القاجار إلى توسعتها.
(صولت نظام) المأمور القاجاري لاستراباد والذي عمل تحت إشراف حاكم استراباد (حاجي سيف الدولة) يصف هذه المدينة ويحدد مواصفاته آنذاك فيقول: «مدينة استراباد يقطنها خمسة عشر الف نسمة، تقع في نقطة قرب طرق مهمة من إيران وتوران… وهي مدينة حصينة، وكانت قديماً موطناً وموقفاً لموكب القاجار الجليل، ودار الإمارة لرؤساء تلك السلالة الجليلة. فيها ساحة جديدة للمدفعية، وديوان طويل يشبه ديوان عرش المرمر في دار الخلافة. أراضيها مثمرة، ومحاصيل هضابها كمحيط أخضر، جبالها وتلالها القريبة من المدينة مكسوة بالغابات، تعرف باستراباد، وتوجد خارج المدينة قناتان تجري مياههما داخل المدينة، يشرب منها الأهالي. الأولى (آب سرخواجه) وتُعرف باسم (ﭼـهل دختر) والثانية قناة تأتي من وسط المدينة، وتعود لمحلة (سرﭼـشمة) وغيرها. ومياه النهر تأتي من جهة (زيارة خسرو) وتدخل المدينة من ناحية (دوازده بسطام) وهي لشرب أهالي استراباد)[112](.
***
الأسس العقلية والكلامية لولاية الفقيه
دوي كبير حصل في إيران عام 1979 بهر العالم وأرّق سادته حينما نجحت الثورة الإسلامية في إيران ليعلن قائدها الإمام الخميني (قده) إنشاء حكومة إسلامية تنطلق أسسها الفكرية من مبدأ طالما حاضر فيه قائد الثورة قبل نجاحها على منبر حوزة النجف الأشرف أمام طليعة علمائية كبيرة ألا وهو «ولاية الفقيه» الذي شكّل المرجعية الأساس والمفصل الرئيس في قضايا الحكم في إيران من الدستور إلى التفريعات القانونية.
ومما شد انتباه العالم في هذه الثورة هو أن ولاية الفقيه التي تشكل العمدة لها لم تكن مطروحة في الكتب الإسلامية المشهورة والتي تدور أبحاثها حول النظام الإسلامي وأشكاله.
وذلك لأن العالم وقتها لا سيما الغرب منه كان قد اعتاد قراءة كتب أهل السنة ومراجعهم في حين تنطلق ولاية الفقيه من مذهب لم يكن يُعبأ به كثيراً قبل الثورة، ولم تكن كتبه تشكّل أساساً للبحث حول الإسلام في أكثر جامعات العالم لذا كانت الثورة الإسلامية منطلقاً لدراسة متأنية وجادة عن أطروحة الحكم هذه.
ولا أفشي سراً إن قلت إن جملة كبيرة من مثقفي الشيعة تعرفوا على هذه الأطروحة مع بداية الثورة، ومنها انطلقت بحوثهم ودراساتهم، وكانت الأبحاث في تلك المرحلة تتركز على توضيح الأطروحة والبحث في أدلتها، ثم تطور البحث بين المعتقدين بها إلى الحديث عن مكانتها ومنزلتها في أصول الفكر الإسلامي لا سيما الشيعي الإمامي منه.
واللافت في حركة التطور هذه هو ما قدمه العلامة الشيخ عبدالله جوادي آملي ـ وهو من الأساتذة البارزين في العلوم المعقولة والمنقولة في حوزة قم المشرفة ـ إذ اعتبر الآملي أن الإمام الخميني (قده) استفاد في ثورته من التدرّج الذي حصل سابقاً في علاقة الفقيه بالأمة التي ابتدأت بعلاقة المحدّث بالمستمع، ثم تطورت إلى علاقة مرجع التقليد بالمقلدين إلى أن بدت تتضح معالم ولاية الفقيه في الأبحاث العلمية، إلا أن العلامة الآملي رأى أن الإمام الخميني (قده) قام بإنجاز عظيم من خلاله ظهرت النتائج وقامت الثورة، وذلك أن ولاية الفقيه كانت مدفونة في الفقه بعد أن أخرجت من علم الكلام «ومن ثم لم تجد النمو الكافي الذي يجعلها (أصلها ثابت وفرعها في السماء)؛ لأنها لم تجد مكانها الحقيقي بل بقيت في إطارها الفقهي»)[113](.
وما قام به الإمام الخميني (قده) من إنجاز عظيم هو أنه أخرج بحث ولاية الفقيه المظلوم من دائرة الفقه إلى موقعه الأصلي في علم الكلام، ثم أخذ يتوسع به بالبراهين العقلية والكلامية وقرنه بالبحوث الفقهية فظهرت النتائج)[114]( وكلام العلامة الآملي هذا يشد الباحث للوغول في مضمار هذا التفسير لسر نجاح الثورة فما معنى كون إخراج ولاية الفقيه من علم الفقه وإدخالها علم الكلام يشكل أساساً في نجاح الثورة وظهور نتائجها؟!
فهل هذا التفسير صحيح؟! وإن كان صحيحاً فإنه يكشف لنا سراً من أسرار النجاح لدولة الإسلام في إيران. والمفروض أن يكون مبنياً على أسس علمية ومنهج صحيح كما يظهر من كلام الآمل؟
والوصول إلى جواب شاف عن هذه الأسئلة لا بد أن يمرّ في محطات تشكل مقدمات منطقية له.
المحطة الأولى: أن نتعرّف على الضابطة العلمية التي تميّز مسائل علم الكلام عن علم الفقه.
المحطة الثانية: أن نشرع في تطبيق ضابطتي العلمين الشريفين على مسألة ولاية الفقيه لنحدد بذلك مظلتها العلمية.
المحطة الثالثة: أن نبحث عن النتائج والآثار التي تترتب على فقهية ولاية الفقيه أو كلاميتها ليكون ذلك المدخل السليم لتقويم كلام العلامة الآملي الآنف الذكر.
المحطة الأولى: المعيار العلمي للتمييز بين علمي والكلام والفقه
مما لا شك فيه أن لكل علم محوراً أو محاور تدور حولها مسائله، فمحور علم الطب هو البدن، ومحور علم الحساب هو العدد ومحور علم النحو هو الكلمة والكلام. وهذا المحور أو المحاور هو المنطلق الأساس في تعريف العلم الذي جعله العلماء المرجع الميزاني في تحديد عنوان العلم الذي تنسب إليه المسألة.
من هنا قال قطب الدين الرازي في شرحه على الشمسية: «لا بد من تصور العلم برسمه ليكون الشارع فيه على بصيرة في طلبه، فإنه إذا تصوّر العلم برسمه وقف على جميع مسائله إجمالاً حتى أن كل مسألة منه ترد عليه علم أنها في ذلك العلم»)[115](.
وعليه فيمكن للباحث من خلال تتبع تعاريف العلوم الوصول إلى الضابطة السليمة والمعيار العلمي لاندراج المسألة تحت أي علم.
محور علم الكلام
وقبل ذكر ما يستفاد من تعاريف علم الكلام يحسن التنبيه إلى أمرين:
الأول: أنه من الواضح أن ذكر المسألة في كتب علم ما ليس دليلاً على كونها من مسائل ذلك العلم إذ نجد كثيراً من الحالات بحثت فيها مسائل علم في كتب علم آخر من باب الاستطراد ونحوه، وذلك كبحث «الجبر» ذي الجنبين الكلامية والفلسفية الذي بحثه العالم النحرير الآخوند الخراساني في كتابه الأصولي المشهور «كفاية الأصول».
الثاني: أن من الواضح للباحث العالم أن كون دليل المسألة عقلياً لا يمثل ضابطة للمسألة الكلامية فإن هناك مسائل ينحصر دليلها بالعقل وهي من علم آخر.
ولعل إشارة كثير من العلماء إلى هذا الأمر لكونه محلاً للاشتباه عند البعض.
أما ما يستفاد من تعاريف علم الكلام والذي يخلو من شوائب قد ترد على غيره فهو أن محور هذا العلم والذي يميّزه عن غيره من العلوم والذي تدور حول كل مسائله هو «الله ذاتاً وصفة وفعلاً وقد عبر عن هذا المحور بتعابير مختلفة كـ«المبدأ والمعاد» و«ذات الصانع وأحواله» كما أضيف إليه قيد «على قانون الإسلام» لتميز علم الكلام الإسلامي عن الفلسفة وهذا ما نلاحظه في تعريف الإمام الخميني (قده) لعلم الكلام بأنه «علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأحوال الممكنات من حيث المبدأ والمعاد على قانون الإسلام»)[116](.
المحطة الثانية: محور علم الفقه
برز في كلمات الفقهاء تحديدان لمحور علم الفقه:
الأول: فعل المكلف، لأن الأحكام الشرعية التي هي محمولات مسائل علم الفقه تدور حول ذلك الفعل.
الثاني: الحكم الشرعي أو ما يقوم مقامه من وظيفة عملية من حيث استفادته من الأدلة.
والفرق بين هذين التحديدين أن الأول قائم على النظر إلى الدائرة التي تحوم حولها محمولات العلم، بينما الثاني قائم على النظر إلى الدائرة التي يحوم حولها البحث، وتنصب عليها الدراسة. وعلى كل فإن مسائل علم الفقه تشمل أمرين:
الأول: أحكام الفعل الجسماني، كاستحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام.
الثاني: أحكام الفعل القلبي، كوجوب التصديق بأن الصلاة واجبة)[117](.
ولاية الفقيه بين علمي الكلام والفقه
قبل تحديد العلم الذي تنطوي تحته مسألة ولاية الفقيه لا بد من بيان أنه لا مانع من كون مسألة والمكلف تندرج تحت علمين مختلفين وذلك لوجود جهتين في تلك المسألة تدرجها جهة منها في علم والأخرى في علم آخر ومثال ذلك مسألة النبوة فهي تارة يبحث فيها من جهة وجوب بعث الأنبياء بمعنى أنه يجب من الله تعالى ذلك فيكون البحث فيها كلامياً لأنها تتعلق بفعل الله تعالى. وتارة يبحث فيها من جهة وجوب تصديق الناس بالأنبياء فيكون البحث فيها فقهياً إذ هو يتعلق بفعل المكلف.
وانطلاقاً من هذا فإنه مما لا شك فيه كون ولاية الفقيه مسألة فقهية من جهة ما يبحث فيها من وجوب رجوع المكلّفين إلى الولي الفقيه في عصر الغيبة الكبرى، وهذا ما لا ينكره أحد حتى القائلين بكلامية ولاية الفقيه فإنهم يعترفون بفقهيتها من هذه الجهة.
فهناك أدلة موجّهة إلى فعل المكلف كمكاتبة إسحاق بن يعقوب «… وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»)[118]( فباعتبار هذا الدليل الروائي تكون ولاية الفقيه مندرجة في المسائل الفقهية.
الجهة الكلامية لولاية الفقيه
هناك مسلكان يصحّحان اندراج ولاية الفقيه في علم الكلام:
المسلك الأول: أن نستفيد من فقهية ولاية الفقيه فنثبت بذلك اندراجها في علم الكلام، وذلك لأن ثبوت الحكم الشرعي على المكلف يفهم منه باللازم وجود الأمر الإلهي بذلك، والأمر الإلهي هو فعل من أفعال الله تعالى وبالتالي يندرج تحت علم الكلام.
فالمكاتبة السابقة توجب على المكلفين إطاعة الفقيه، وهذا يعني بالملازمة أن الله تعالى قد أمر بإطاعته وأمره فعل من أفعاله، وبالتالي تكون ولاية الفقيه من هذه الجهة كلامية.
ويلاحظ على هذا المسلك أنه عام لكل مسائل الفقه، فإن كل واحدة من مسائله لها لازم كلامي، وبالتالي فإنه لا يعطي لولاية الفقيه خصوصية في كونها كلامية، فلا يكون لما قاله العلامة الآملي معنى أصلاً.
المسلك الثاني: أن نستفيد من الدليل العقلي على ولاية الفقيه لإثبات كلاميتها، فإذا أثبتنا أنه يجب من الله تعالى أن يولي الفقيه على الأمة ولو من خلال تبيان الصفات والشرائط ـ فإننا نكون قد أثبتنا الفعل الإلهي من دون المرور عبر قناة علم الفقه، وبهذا تكون مسألة ولاية الفقيه قد حازت على شروط انضمامها إلى علم الكلام بالأصالة لا بالتبع.
ومن هذا المنطلق نطلّ على كلام الإمام الخميني (قده) في كتابه المعروف «الحكومة الإسلامية» الذي تعرض في القسم الأول منه إلى الدليل على ولاية الفقيه على الأمة، من دون الاستدلال بالنصوص الخاصة المطروحة في هذا المضمار. ودليل الإمام الراحل هذا، وإن كان يتّسم بأنه عقلي إلا أنه يعتمد على مرتكزات إسلامية كان للنصوص دور في تكوّنها.
الدليل العقلي على ولاية الفقيه
(أ) يبدأ الإمام (قده) دليله على ولاية الفقيه بمسلّمة وبديهية خلاصتها أن ماهية القوانين الإسلامية تفيد أنها قد شرعت لأجل تكوين حكومة، ويذكر الإمام (قده) أمثلة على ذلك منها:
1 ـ الأحكام المالية: كالزكاة والخمس والجزية وغيرها معقباً بقوله: «… خمس سوق بغداد يكفي لاحتياجات جميع السادة ولجميع نفقات المجامع العلمية الدينية ولجميع فقراء المسلمين، فضلاً عن أسواق طهران واسطنبول والقاهرة وغيرها، فميزانية بمثل هذه الضخامة، إنما تراد لتسيير أمة كبرى، ولإشباع الحاجات الأساسية المهمة للناس، والقيام بالخدمات العامة الصحية، والثقافية، والتربوية،والدفاعية والعمرانية».
2 ـ أحكام الدفاع الوطني: والتي أنزل الله تعالى فيها ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ﴾)[119](.
قال (قده): «ومن جهة أخرى نرى أن أحكام الجهاد والدفاع عن حياض المسلمين لضمان استقلال وكرامة الأمة تدل هي الأخرى عن ضرورة تشكيل هذه الحكومة».
3 ـ الأحكام الجزائية: ويتحدث الإمام (قده) عن مثل ثالث هو أحكام الحدود والديات والقصاص قائلاً: «ولا يمكن لهذه الأحكام أن تقام بدون سلطات حكومية، فبواسطتها تؤخذ الدية من الجاني، وتدفع إلى أهلها، وبواسطتها تقام الحدود، ويكون القصاص تحت إشراف الحاكم الشرعي)[120](.
(ب) ويكمل الإمام (قده) بمسلمة أخرى وهي أن الأحكام الإسلامية لم تكن خاصة بعصر النبي (ص)، بل ضرورة تنفيذها مستمرة «لأن الإسلام لا يحد بزمان أو مكان، لأنه خالد فيلزم تطبيقه وتنفيذه والتقيُّد به إلى الأبد، وإذا كان حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة، وحرامه حراماً إلى يوم القيامة، فلا يجوز أن تعطل حدوده وتهمل تعاليمه، ويترك القصاص، أو تتوقف جباية الضرائب المالية، أو يترك الدفاع عن أمة المسلمين وأراضيهم، واعتقاد أن الإسلام قد جاء لفترة محدودة، أو لمكان محدود يخالف ضروريات العقائد الإسلامية، وبما أن تنفيذ الأحكام بعد الرسول الأكرم (ص) وإلى الأبد من ضرورات الحياة، لذا كان ضرورياً وجود حكومة فيها مزايا السطلة المدبرة، إذ لولا ذلك لساد الهرج والمرج والفساد الاجتماعي، والانحراف العقائدي والخلقي، فلا سبيل إلى منع ذلك إلا بقيام حكومة عادلة تدير جميع أوجه الحياة، فقد ثبت بضرورة الشرع والعقل أن ما كان ضرورياً أيام الرسول (ص) وفي عهد الإمام أمير المؤمنين (ع) من وجود الحكومة لا يزال ضرورياً إلى يومنا هذا».
(ج) وبعد أن فرغ الإمام من بيان الدليل على ضرورة وجود حكومة إسلامية في كل عصر بدأ الحديث عن شروط الحاكم فقال: والشروط التي ينبغي توفرها في الحاكم نابعة من طبيعة الحكومة الإسلامية، فإنه بصرف النظر عن الشروط العامة كالعقل والبلوغ وحسن التدبير هناك شرطان مهمان هما:
1 ـ العلم بقانون الإسلام.
2 ـ العدالة.
فبما أن الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون، كان لزاماً على حاكم المسلمين أن يكون عالماً بالقانون.
كما ورد في الحديث ـ وكل من يشغل منصباً أو يقوم بوظيفة معينة، فأنه يجب عليه أن يعلم في حدود اختصاصه، وبمقدار حاجته، والحاكم أعلم من كل ما عداه، وكان أئمتنا قد أثبتوا جدارتهم بامامة الناس بما سبقوا إليه من العلم، وما أخذه علماء الشيعة على غيرهم إنما يدور أكثر ذلك حول المستوى العلمي الذي بلغه أئمتنا وقصر عن سواهم. فالعلم بالقانون والعدالة من أهم أركان الإمامة، وإذا كان الشخص يعلم الكثير عن الطبيعة وأسرارها ويحسن كثيراً من الفنون، ولكنه يجهل القانون، فليس علمه ذلك مؤهلاً إياه للخلافة، ومقدماً إياه على غيره ممن يعلم القانون ويعمل بالعدل.
وقد أصبح من المسلمات لدى المسلمين من أول يوم وحتى يومنا هذا أن الحاكم أو الخليفة ينبغي أن يتحلى بالعلم بالقانون، وعنده ملكة العدالة مع سلامة الاعتقاد وحسن الأخلاق، وهذا ما يقتضيه العقل السليم، خاصة وحن نعرف ان الحكومة الإسلامية تجسيد عملي للقانون، وليست ركوب هوى، فالجاهل بالقوانين لا أهلية فيه للحكم، لأنه إن كان مقلّداً في أحكامه، فلا هيبة لحكومته، وإن لم يقلّد فإنه يعجز عن تنفيذ الأحكام مع فرض جهله التام بها)[121](.
وعليه فإن الإمام الراحل (قده) يؤكد في كلامه هذا أن من صفات الحاكم الإسلامي أن يكون فقيهاً عادلاً فالفقاهة هي الاصطلاح الشرعي المعبّر عن العلم بالقانون.
(د) ومما تقدم يخلص الإمام (قده) إلى أن من مسلمات الإسلام في كل عصر ضرورة وجود الحكومة التي يترأسها الفقيه العادل ليقود المجتمع على ضوء أحكام الإسلام، ويترتب على ذلك أنه «إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا».
ويتابع الإمام (قده) موضحاً ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع) على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة، لأن فضائلهم لم تكن تخوّلهم أن يخالفوا تعاليم الشرع، أو أن يتحكموا في الناس بعيداً عن أمر الله.
وقد فوض الله الحكومة الإسلامية الفعلية المفروض تشكيلها في زمن الغيبة نفس ما فوّضه إلى النبي (ص) وأمير المؤمنين (ع) من أمر الحكم والقضاء والفصل في المنازعات، وتعيين الولاة والعمال، وجباية الخراج، وتعمير البلاد، غاية الأمر أن تعيين شخص الحاكم الآن مرهون بمن جمع في نفسه العلم والعدل.
هذه هي خلاصة الدليل العقلي الذي عرضه الإمام الخميني (قده) على ولاية الفقيه العادل.
نظرة في الدليل العقلي على ولاية الفقيه
يلاحظ من البيان المتقدم أن الإمام الراحل (قده) صاغ مقدمات كل الدليل الآنف الذكر على أساس أنها مسلمات وضروريات فانطلق من مسلمة كون أحكام الشرع الإسلامي هي أحكام حكومة إلى مسلمة أخرى بوجوب تنفيذ هذه الأحكام في كل عصر إلى مسلمة ثالثة بأن من يترأس الحكومة التنفيذية لهذه الأحكام يشترط فيه الفقاهة والعدالة إلى أن خلص أن الأحكام الاجتماعية العامة التي يصدرها هذا الفقيه ملزمة لأفراد الأمة مما يعني أن له ولاية عليها. وقد صرّح الإمام (قده) في بداية كتابه الحكومة الإسلامية بأن فكرة ولاية الفقيه هذه هي بديهية لا نظرية اعتماداً منه على هذه المسلمات الواضحة التي تمثل مقدمات لها فقال (قده) «ولاية الفقيه فكرة علمية واضحة قد لا تحتاج إلى برهان، بمعنى أن من عرف الإسلام أحكاماً وعقائد يرى بداهتها» مفيداً بذلك أن ولاية الفقيه هي بديهية وإن لم تكن عامة إلا أنها بديهية خاصة بمن عرف عقائد الإسلام وأحكامه.
وبحدود دائرة الولاية التي تحدث عنها الإمام ـ وهي تنفيذ الأحكام الاجتماعية ـ يبدو ما ذكر في الدليل واضحاً ومسلماً كما نص الإمام على ذلك.
نعم قد يناقش ـ إن حصر البحث في إطار الدليل العقلي ـ في مدى ضرورة كون الولي فقيهاً مجتهداً وأنه هل يكفي كونه مؤهلاً لتطبيق الأحكام الإسلامية بنظر مجتهد آخر يقلّده أم أن ذلك لا يليق بحكومته إذ أن ذلك يضعفها مما يعيّن كون الحاكم فقيهاً. وهنا لا بد من التأكيد أن هذا النقاش يتم إن استثنينا النصوص الشرعية التي تحدثت بوضوح عن لزوم فقاهة الولي والحاكم كما استفاد ذلك منها الإمام الخميني (قده) وعلماء آخرون.
وعوداً على بدء فإن الدليل العقلي الذي عرضه الإمام الخميني (قده) على ولاية الفقيه يثبت بأن الله تعالى هو الذي شرّع ومنح هذه الولاية للفقيه فتكون ولاية الفقيه راجعة إلى فعل الله تعالى. وبهذا الاعتبار يمكن إثبات كونها كلامية بشكل مستقل من دون مرور بقناة علم الفقه كما كانت الحال في المسلك الأول.
نعم بلحاظ النقاش السابق حول ضرورة فقاهة الولي وعدمها يكون القدر المتيقن هو أن الله تعالى منح الولاية للحاكم العادل من دون تقييده بالفقاهة وعليه تندرج مسألة ولاية الحاكم تحت مظلة علم الكلام.
والنتيجة هي أن إدراج ولاية الفقيه أو على الأقل ولاية الأمر في مسائل علم الكلام يمكن أن يقوم على أسس علمية لكن يبقى السؤال حول ما طرحه العلامة الآملي بأن إخراج الإمام الخميني (قده) لبحث ولاية الفقيه من دائرة الفقه التي ظلم فيها إلى موقعه الأصلي في علم الكلام هو إنجاز عظيم يشكل إحدى الأسس الفكرية التي قامت عليها الثورة وهذا ما ينقلنا إلى المحطة الثالثة في هذا البحث.
المحطة الثالثة: نتائج المبنى الكلامي لولاية الفقيه
في البداية ألفت إلى أني لم أجد فيما تتبعت من كلمات الإمام الخميني (قده) أي نص له يتبنى فيه كون ولاية الفقيه مسألة كلامية بل أقصى ما اطلعت عليه هو الاستدلال العقلي على هذه الولاية ومع ذلك فإني سأحاول في هذه العجالة الاقتراب مما يرنو إليه العلامة الآملي من نتائج المبنى الكلامي لولاية الفقيه (والكلام كله طبعاً ـ بناءً على المسلك الثاني الذي مرّ ـ لكلامية هذه المسألة) وعليه أقول:
إن قيمة ما طرحه الإمام الخميني (قده) لا يكمن في كون ولاية الفقيه من مسائل علم الكلام بالمعنى الفني، بل في أمر آخر هو طبيعة الاستدلال العقلي الواضح على هذه الولاية. فالإمام الراحل (قده) قدم ولاية الفقيه كمسلمة وبديهية لكل من عرف عقائد الإسلام وأحكامه، وبيّن بداهتها هذه من خلال ما ذكره وبيناه سابقاً بحيث أن من يتصور تلك المقدمات الواضحة التي طرحها الإمام (قده) فإنه سيصل إلى قناعة بهذه الولاية وبالتالي إلى وجوب طاعة الفقيه وذلك من دون الحاجة إلى الاستعانة بنص شرعي خاص يتوقف اعتباره وفهم دلالته على الفقاهة والاجتهاد.
وهذا يعني أنه يمكن للمكلف أن يعمل ويتيقن بحقانية ولاية الفقيه ووجوب اتباع الولي الفقيه من دون أن يمرّ عبر قناة الفقيه المقلد لأنه من الثابت في فقهنا الإسلامي أن قطع المكلف لا سيما إذا كان قائماً على أسس موضوعية حجة عليه ومعذّر له أمام الله تعالى.
فمن قام عنده الدليل العقلي الموضوعي يصح له أن يأخذ بالنتيجة المترتبة عليه من دون استناد إلى تقليد فقيه ولهذا أمثلة في التشريع الإسلامي فأصل وجوب تقليد المكلّف للمرجع الفقيه لا يقوم على فهم الآيات والروايات إذ هو يحتاج إلى تخصص في ذلك، كما أنه لا يصح أن يعتمد على رأي فقيه، فمن غير المقبول علمياً أن يكون التقليد دليلاً على التقليد بل إن تقليد المكلف للفقيه يقوم على أساس دليل عقلي هو وجوب رجوع غير المتخصص إلى المتخصص أو كما يعبّر رجوع الجاهل إلى العالم وهو ما قام عليه البناء الاجتماعي وسيرة العقلاء.
وكما الحال في وجوب التقليد على المكلفين من حيث إنه يقوم بين المكلف والمرجع من دون واسطة سوى الدليل العقلي. كذا الحال في وجوب طاعة الولي من حيث إنه يقوم بين المكلفين والولي من دون واسطة سوى الدليل العقلي. فكما جرت باء الدليل العقلي المكلف لتقليد المرجع لا بد أن تجر باء الدليل العقلي أيضاً المكلف لإطاعة الولي. فالباء طالما هي الباء إما أن تجر دائماً وإما أن لا تجر أبداً.
ولعل النتائج العملية الكبيرة لطرح الإمام (قده) هذا يتحقق حينما تتربى الأمة ـ اعتماداً على ذلك الدليل العقلي – على وجوب طاعة الولي كما تربى المجتمع المتدين على وجوب التقليد.
عندها تتطور علاقة الأمة بالفقيه ـ مع المحافظة على علاقة المقلد بالمرجع ـ إلى علاقة لها به كولي لأمرها ينفذ أحكام الله فيها. وهذا التطور في علاقة الأمة بالفقيه هو سر من أسرار قيام ثورة الإسلام في إيران وسر من أسرار انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان.
الشيخ أكرم بركات
أسماء الله وصفاته من وجهة نظر
صدر المتألهين وعلى أساس الاشتراك
المعنوي للوجود
الاشتراك المعنوي والتشكيك في الوجود، إحدى المسائل المهمة والأساسية والتي يمكن من خلالها التوصل إلى حل الكثير من المشاكل الفلسفية والكلامية. وصدر المتألهين على علم كامل بهذه الحقيقة، ولهذا عدّ اشتراك الوجود على صعيد مصاديقه المختلفة والماهوية، أمراً يقرب من البديهيات، لأن العقل الإنساني يدرك بسهولة عدم وجود أي نوع من المناسبة والسنخية بين الموجود والمعدوم. في حين تنبئ البداهة العقلية عن أن النسبة بين موجود وموجود آخر تختلف عن النسبة بين الموجود والمعدوم.
وربما ينبري شخص كالغزالي أو أي مفكر أشعري آخر فيزعم أن النسبة بين موجود وغيره من الموجودات ليست أكثر من الوقوع تحت اسم واحد، دون أن توجد أية جهة جامعة. أي أن ما أسماه صدر المتألهين بالاشتراك المعنوي للوجود، ليس سوى اشتراك لفظي فحسب. إذ كيف يمكن أن تكون هناك سنخية وتناسب بين ذات البارئ تعالى وبين هذا الموجود الترابي التافه؟ فأين التراب ورب الأرباب؟
وللإجابة على هذا الإشكال لا بد من القول: ليس هناك أي مانع أن ينبري بعض اللغويين ليضعوا لبعض الموجودات وبعض المعدومات اسماَ مشتركاً ثم دعوتها جميعاً بهذا الاسم. ومن الممكن أن يضيفوا إلى عملهم هذا عملاً آخر فلا يضعوا للموجودات أي لفظ مشترك، إلا أن أي إنسان عاقل يدرك بسهولة وجود نوع من التسانخ بين موجود وآخر، لا يوجد بين الموجود والمعدوم. وقد ذُكرت براهين عديدة ومختلفة للبرهنة على الاشتراك المعنوي للوجود لا مجال لاستعراضها.
ويرى صدر المتألهين بأن ما ذُكر على صعيد الاشتراك المعنوي للوجود وإن كان غير مقنع لأهل الجدل، إلا أنه أفضل من كثير من البراهين عند أهل الإنصاف. وأشار هذا الفيلسوف الكبير إلى نقطة في منتهى الأهمية على صعيد إثبات الاشتراك المعنوي للوجود فقال بأن من ينكر الاشتراك المعنوي للوجود، إنما يفتي بإثباته من دون أن يدري)[122](، لأنه لو غاير الوجود في موجود من الموجودات، الوجود في موجود آخر، لما ظل هناك شيء كي يمكن أن يُقال بأن هذا الموجود يشترك في شيء مع الموجود الآخر. فكما يجب أن يتحقق الحكم بالمشاركة في شيء ما، لا بد أن يتحقق الحكم بعدم المشاركة على أساس شيء ما أيضاً. وحينما لا يوجد بين الموجودات أي وجود مشترك، فلا بد أن يُقال حينئذ أن الإنسان يواجه سلسلة من المفاهيم غير المتناهية. ومن المسلم به أن الإنسان حينما يواجه سلسلة من المفاهيم غير المتناهية، فلا بد له من الاهتمام بها جميعاً وتقييمها كي يصبح بمقدوره إصدار حكم باشتراكها أو عدم اشتراكها. ولا ريب في أنه لا يتمتع بالقابلية على الاهتمام بكافة المفاهيم غير المتناهية، ولا يجدر لديه الحاجة للقيام بمثل هذه الخطوة. وعلى هذا الأساس يمكن إدراك أن الوجود هو في الحقيقة مشترك بين الموجودات، وتتم أحكام الإنسان على أساس هذا القدر المشترك)[123](.
وتوسل صدر المتألهين بتحقيق الرابطة في القضاء والأحكام أيضاً للبرهنة على الاشتراك المعنوي للوجود. فهو يعتقد بوجود اختلافات كثيرة في القضايا من حيث المحمول والموضوع، إلا أن أحداً لا ينكر وجود نوع من الرابطة بين الموضوع، والمحمول رغم أنواع الاختلاف كافة، وهي بشكل واحد ورتيب. ويرى أن هذه الرابطة بين الموضوع والمحمول، إنما هو نحو من الوجود.
والجدير بالذكر أن بإمكان بعض أنصار الاشتراك اللفظي للوجود توجيه بعض الانتقاد للأدلة التي تقدم بها صدر المتألهين، لأنهم يعتقدون أن العلامة بين الموضوع والمحمول، تختص بالقضايا المنطقية، وليس بالإمكان عدها جزءاً من المسائل الفلسفية.
وهناك كلام طويل وعريض حول: هل أن الرابطة بين الموضوع والمحمول في القضايا، نحو من الوجود أم لا؟ وقد بحثت هذه الفكرة بشكل مفصل في كتاب تحت عنوان «الوجود الرابط والمستقل في الفلسفة الإسلامية». ولهذا لا أجد مبرراً للتكرار هنا، وإنما أركز على صلب الموضوع وهو وجهة نظر صدر المتألهين في أسماء الله وصفاته.
فكما ذكرنا، يرفض هذا الفيلسوف الكبير الاشتراك اللفظي في الوجود. ومن الواضح أن رفض الاشتراك اللفظي يعني رفض فكرة الغزالي على صعيد أسماء الله وصفاته. لأنه يرى على سبيل المثال أن إطلاق كلمة «عالِم» على الإنسان، يُفيد معنى غير المعنى الذي يفيده إطلاق هذه الكلمة نفسها على البارئ تعالى. ولهذا نجد رأي صدر المتألهين بهذا الشأن، على نقيض من رأي الغزالي. فهو يعتقد أن لفظة العالِم تفيد معنى واحداً سواء أُطلقت على الإنسان أو على الله، والتفاوت الوحيد الذي يمكن أن يُشاهد هو التفاوت في الشدة والضعف، وهو ما يعني التشكيك في المراتب.آ
وأولى هذا الفيلسوف الكبير اهتماماً نحو مسألة الأسماء والصفات الإلهية في الكثير من آثاره. وما ذهب إليه على هذا الصعيد يختلف كثيراً عما ذهب إليه المتكلمون وسائر المفكرين. فهو يرى وقوع صفات الله الحقيقية ضمن دائرة المعاني الكمالية العامة وتعرض للموجود بما هو موجود. والموجود ليس بحاجة إلى مادة معينة واستعداد خاص أو إلى تجسم وتغيير، من أجل أن يقع معروضاً للمعاني الكمالية العامة والحقائق الكلية. ولهذا يمكن القول بأن مثل هذه الصفات لا يمكن أن تعرض للماهية قط، وأنها تساوق الوجود.
وانطلاقاً مما سبق يمكن القول إن كل صفة من الصفات الإلهية تحوي جميع كمالاته بالوجود والفعل، وليس شيء منها في مكمن القوة وبقعة الإمكان، لأنه لا يتحقق في الله وصفاته شيء آخر غير الفعلية. أي مثلما يُعد وجود الله، حقيقة الوجود، ولا مجال فيه لشائبة العدم والإمكان، تُعد كل صفة من صفاته الكمالية، عين ذاته ومنزهة عن كل نقص وعيب.
إذاً فالوجود المحض لله تعالى، يُعد كلّ الوجود، وكله الوجود. وينطبق هذا الأمر على علمه، وقدرته، وجميع صفاته الكمالية. وإذا كان كل شيء كذلك، لامتنع فيه التعدد. لأنّ التعدد يعني فقدان الصفة الكمالية لذاتها وحقيقتها. ومحصلة ما يمكن الخروج به من هذا الكلام هو أنّ علم البارئ تعالى وفي ذات الوحدة، يعد علماً بكل شيء، ولا يخرج عن دائرته أي أمر كلي أو جزئي، لأنه لو ظل هناك أمر من الأمور لا علم للعلم الكمالي به، للزم عدم فعلية العلم الكمالي في؛ في حين أن فعلية العلم الكمالي لله تعالى واجبة وضرورية. والدليل على وجوبها وضرورتها هو أن علم الله، محض حقيقة العلم. وإذا لم يتحقق محض حقيقة العلم في أمر من الأمور، فلا يعد محض حقيقة العلم، بل لعُدّ في هذه الحالة علماً من جهة وجهلاً من جهة أخرى. ولو عد شيء ما علماً من جهة وجهلاً من جهة أخرى، فلا بد أن يعد جزءاً من الأمور المركبة؛ والمركب، ليس محض حقيقة الشيء. ويصدق ما قيل في العلم، على قدرة الله، وإرادته، وسائر صفاته الكمالية.
وبعد تقرير صدر المتألهين لهذه الأفكار والمعلومات، أوصى مخاطبه بالالتزام بها. ولا بأس أن ننقل بعض هذه الآراء كما وردت على لسانه: «اعلم أن صفات الله مجردة، أي غير عارضة لماهية أصلاً، وكل صفة منه حق صمد فرد ويجب أن يكون قد خرج فيه جميع كمالاته إلى الفعل لم يبق شيء منها في مكمن القوة والإمكان لأنه لا جهة فيه سواء. فكما أن وجوده تعالى حقيقة الوجود من غير شوب عدم وإمكان فيكون كل الوجود وكله الوجود، فكذلك جميع صفاته الكمالية التي هي عين ذاته»)[124](.
وهكذا نرى أنه يعتبر صفات الله تعالى، عين ذاته، وتصدق عليها أحكام الوجود كلها. ومن هنا يمكن القول بأنه لا يختلف مع الاشاعرة في قوله بالاشتراك المعنوي للوجود فحسب، وإنما يختلف معهم أيضاً وبشدة في اعتقاده بعينية صفات البارئ تعالى. والجدير بالذكر أن هناك كلاماً طويلاً قد قيل في صفات الله وعلاقتها بذاته، ولكن أهم الأقوال على هذا الصعيد ثلاثة:
الأول، منسوب للأشاعرة، حيث تؤمن هذه الفئة أن صفات الله زائدة على ذاته، وأنه تعالى عالم بعلم، وقادر بقدرة، ومريد بإرادة.
الثاني، وهو القول الذي تذهب إليه المعتزلة، فترى أن الله ليس عالماً بعلم ولا قادراً بقدرة ولا مريداً بإرادة، وإنما هو ذات بحتة بسيطة تستقر في موضع العلم والقدرة والإرادة، في عين الوحدة والبساطة. بتعبير آخر: تؤمن هذه الفئة بفكرة النيابة فترى أن الذات الأهلية وفي عين وحدتها وبساطتها، تنوب مناب العلم وتعمل عمله. وينطبق هذا الأمر على سائر الصفات الكمالية. أي أنه تعالى ينوب مناب القدرة والإرادة فيؤدي عمل كل منهما. وهكذا أن الذات الإلهية تنوب مناب الصفات، وفق وجهة النظر المعتزلية.
الثالث، وهو قول المفكرين وأهل التحقيق، وهم يعتقدون بتحقيق الصفات الكمالية واعتبارها عين الذات الإلهية. أي أنه تعالى عالم بعلم وقادر بقدرة ومريد بإرادة، إلا أن علمه وإرادته وقدرته وسائر صفاته الكمالية، إنما هي عين ذاته، ولا تختلف عن بعضها إلا في المفهوم.
ويعد صدر المتألهين من أنصار القول الثالث وأقام البرهان عليه، ويبرهن القائلون بأن الصفات الحقيقية ومبدأ الصفات الإضافية، عين الذات الإلهية، على فكرتهم هذه بقولهم: لو لم تكن هذه الصفات عين ذات الله، للزم أن تكون ذاته المقدسة فاعلة وقابلة من جهة واحدة، ومن المحال أن يكون الشيء فاعلاً وقابلاً من جهة واحدة. ووجه اللزوم واضح أيضاً، لأن الصفات لو لم تكن عين الذات، فلا بد للذات من قبولها. ولما كانت ذاته تعالى واجبة الوجود، فليس من الممكن أن تتأثر بشيء آخر. ولذا يلزم أن تكون الذات الإلهية مؤثرة ومتأثرة من جهة واحدة.
ولدى هؤلاء برهان آخر يحظى بأهمية كبيرة. فهم يقولون: لو لم نقل بعينية الصفات مع الذات، فلا بد لنا من القبول بأن الصفات الحقيقية والعناوين الكمالية، لا تحمل بالذات وبالضرورة على صعيد البارئ تعالى، في حين يرى أهل الحكمة أن كل قضية تنعقد له، لا بد وأن تتصف بالضرورة الأزلية. والجدير بالذكر أن كل قضية تنعقد بنحو الضرورة الأزلية، تعد أشرف القضايا. وينطبق هذا الأمر على القضايا التي تخص وجود الحق تبارك وتعالى وصفاته الكمالية.
ويتمثل التباين بين الضرورة الذاتية والضرورة الأزلية في الالتزام بقيد «ما دامت ذات الموضوع موجودة» في الضرورة الذاتية، في حين لا اعتبار لأي قيد في الضرورة الأزلية سواء كان من النوع التعليلي أو من النوع التقييدي. وتتبلور القضية التي ترافق الضرورة الذاتية في ثلاثة مواضع:
1 ـ حينما تُحمل ذات الشيء على الشيء، كأن يقال: الإنسان، إنسان. وهذه القضية تعني أن الشيء غير فاقد لذاته أبداً.
2 ـ حينما تُحمل إحدى ذاتيات الشيء على الشيء نفسه، كأن يقال: الإنسان، حيوان.
3 ـ حينما تُحمل لوازم الماهية على الماهية، كأن يقال: العدد أربعة، زوج.
ففي هذه المواضع الثلاثة، تظهر القضايا إلى الوجود، على نحو الضرورة، ويُعد قيد «ما دامت ذات الموضوع موجودة»، معتبراً في جميعها. أما القضايا التي هي على نحو الضرورة، فلا تتحقق إلا على صعيد وجود الله تعالى وصفاته الكمالية، كأن يقال: «الله موجود بالضرورة الأزلية» و«الله حي، قادر، عالم بالضرورة الأزلية». ومن الواضح عدم وجود أي قيد في مثل هذه القضايا، وأن كلاً منها صادق بالضرورة الأزلية. أي مثلما أن وجوده تعالى أزلي وعدم ملاحظة أي قيد في الحكم بوجوده، كذلك تُعد حياته وعلمه وقدرته، أزلية أيضاً لا وجود لأي قيد فيه. بتعبير آخر: وجوب وضرورة الوجود، تعنيان وجوب وضرورة الكمالات جميعاً. وهذا هو ذات ما قاله الحكماء: «واجب الوجود بالذات، واجب الوجود من جميع الجهات». ولو آمن أحد بهذه الحقيقة السامية وهي أن القضايا المنعقدة حول ذات البارئ تعالى وصفاته، منعقدة بنحو الضرورة الأزلية، وأدرك على الوجه الصحيح التفاوت بين الضرورة الذاتية والضرورة الأزلية، لما ارتاب قط في بطلان الكثير من الأفكار الأشعرية المتصلة بذات الله وصفاته. فحينما يؤمن المفكر الأشعري بزيادة صفات الله على الذات، فهذا يعني عدم إيمانه بانعقاد قضايا الصفات الإلهية بنحو الضرورة الأزلية. لأنه لو قُبلت الضرورة الأزلية في مثل هذه القضايا، فليس هناك أي معنى محصل لزيادة الصفة على الذات في واجب الوجود.
وأثار كبار أهل البحث والتحقيق المؤاخذات على فكرة الأشاعرة تلك وقالوا بأن زيادة الصفات على الذات في واجب الوجود، يستلزم القول بتعدد القدماء الثمانية؛ والقول بتعدد القدماء، شرك ولا ريب.
ولا شك في أنّ هذا الإشكال وارد بهذا الشأن. كما لا يُنكر عجز الأشاعرة في الرد عليه. ومن الواضح أن مشكلة الأشاعرة تكمن في عدم قبولهم بانعقاد القضايا في باب الذات والصفات الإلهية بنحو الضرورة الأزلية. ولو كانوا قد قبلوها بهذا النحو، لأدركوا بسهولة خواء فكرتهم التي تتحدث عن زيادة الصفات على الذات. والذي دفع الأشاعرة لرفض الضرورة الأزلية على صعيد القضايا المتصلة بالصفات الإلهية، هو أن الكثيرين منهم يقولون بماهية الله، ويعتبرون وجوده وجوداً ماهوياً. ومن الواضح أن القائل بالماهية، لا يمكنه القبول بانعقاد قضايا الصفات، على نحو الضرورة الأزلية، ولا بد له من الإفتاء بزيادة الصفات.
ويبدو أن المعتزلة قد واجهوا ذات هذه المعضلة على صعيد نفي الصفات، لأن هؤلاء قد عارضوا من جهة زيادة الصفات على ذات الله انطلاقاً من اتجاههم العقلي، إلا أنهم لم يدركوا من جهة أخرى قضية التشكيك والتشؤن في مضمار الوجود. ولهذا وجدوا أنفسهم مجبرين على القول بذات الله خالية من الصفات، إلا أنها تنوب في نفس الوقت مناب الصفات، وتُظهر آثارها.
وعلى ضوء ما ذكرنا، يمكن القول بأن فيلسوف القرن الحادي عشر الهجري، أي صدر المتألهين الشيرازي، استطاع أن يضع نهاية للنزاع بين فريقي الإفراط والتفريط ـ أي المعتزلة والأشاعرة ـ من خلال مبدأ أصالة الوجود والتشكيك في مراتبه والتي تشمل الاشتراك المعنوي للوجود أيضاً، وحوّل ذلك الصراع الطويل إلى نقاش معقول ومستدل بإمكان أي صاحب فكرة أن يدخل إليه بهدوء وموضوعية.
ففي ذات الوقت الذي رفض هذا الفيلسوف الكبير فكرة زيادة صفات الله على ذاته وعدّها غير معقولة، اعتبر نفي الصفات عن ذاته وخلوها من الكمال، كلاماً باطلاً أيضاً. ومن هنا يمكن القول إن الطريق الذي سلكه هذا الفيلسوف في الصفات، طريق معقول وأوسط. لأن الصفات على ضوء وجهة نظره، لا تُنفى من جهة، ولا تُعد زائدة على الذات من جهة أخرى. فالرؤية التوحيدية الحكيمة لصدر المتألهين، كانت تنظر إلى العلاقة بين ذات الله وصفاته بدون وجود أية ثنوية. ورغم هذا يبقى الاختلاف في المفهوم على قوته. فمثلما تختلف الصفات مع الذات من حيث المفهوم، تختلف كذلك كل صفة منها مع الصفات الأخرى مفهومياً.
وقد يُقال هنا: ما هو مصدر هذا الاختلاف في المفاهيم؟ وكيف يمكن انتزاع مفاهيم مختلفة ومتفاوتة من أمر بسيط من حيث هو بسيط؟
وقيل في الإجابة: إن الاختلاف في المفهوم لا ينافي البساطة الحقة، وبالإمكان انتزاع مفاهيم كثيرة ومتعددة من أمر بسيط.
واجتهد بعض الحكماء لانتزاع مفاهيم مختلفة ومتعددة من أمر واحد مع توضيح ذلك بالاستعانة بالأمثلة. فقالوا إن بإمكاننا مثلاً انتزاع مفهوم الشيء، ومفهوم الموجود، ومفاهيم أخرى من قبيل المعلوم والمقدور والمراد، من أي المخلوقات ومن جهة واحدة. وليس بإمكان أحد أن يقول بأن انتزاع هذه المفاهيم من الشيء قد تم على ضوء ملاحظة جهات مختلفة، لأنه يلزم في هذه الحالة أن يكون الشيء المخلوق غير معلوم مثلاً، من حيث هو مقدور. وهذا ما لا ينسجم مع إحاطة العلم الإلهي وشموله. ومن هنا يمكن القول: كما أن الشيء بإمكانه أن يجمع في عين أحديته عناوين مختلفة ومتعددة كالموجود، والمعلوم، والمقدور، والمراد، فبإمكان الموجود الواحد البسيط أن يكون من جهة واحدة عالماً، قادراً، مريداً أيضاً.
وأشار هادي السبزواري إلى نقطة ذات أهمية في جواز انتزاع مفاهيم متعددة من أمر واحد، حينما قال: «… على أن كل كثرة تنتهي إلى الواحد وكل مركب ينتهي إلى البسيط. إذ لو لم تنته آحاد الكثرة إلى الواحد المحض، لزم تحقق الكثرة بدون الوحدة، وهو محال إذ لا كثرة حيث لا وحدة ولا تركيب حيث لا بساطة، فلما كان التركيب متحققاً في العالم كان البسيط أيضاً متحققاً… فكل من هذه البسائط والوحدات المتألف منها المركب والكثير، تُنتزع منها المفاهيم المذكورة ومفاهيم أخرى كثيرة جداً»)[125](.
ولم يفضح السبزواري عن مراده بالمفاهيم الأخرى، وكيف يمكن انتزاع مفاهيم أخرى كثيرة جداً من الأمر البسيط، غير المفهوم الذي هو منشأ المركب؟ ولكي نفقه مراده، لا بد من توجيه الأنظار نحو أمر عده القدماء عنصراً بسيطاً. فالقدماء كانوا يعتبرون النار عنصراً بسيطاً يلعب دوراً في تأليف الاشياء. وإذا أدركنا ذلك، نحتمل أن يكون مراد السبزواري هو أن هذا العنصر البسيط وفي ذات الوقت الذي يقع مصدراً لشيء مركب، بالإمكان انتزاع مفاهيم أخرى منه، مثل مفاهيم: التعالي، والإضاءة، والتدفئة وغيرها.
ويُعد السبزواري من بين من حاول تفسير جواز انتزاع مفاهيم مختلفة ومتعددة من أمر بسيط. وقد قام بهذه المهمة من أجل أن يكون بإمكانه الدفاع عن رؤيته الفكرية والفلسفية في مضمار الصفات الإلهية. لأنه يرى ومثل كبار الحكماء المسلمين اتحاد صفات الله مع ذاته في الواقع وبحسب الوجود. وأن الاختلاف بينهما مجرد اختلاف مفهومي لا غير.
البرهان الذي ابتدعه السبزواري
ابتدع هادي السبزواري برهاناً جديداً لإثبات عدم زيادة صفات الله تعالى على ذاته، لا يمكن العثور على مثيل له في آثار سائر الحكماء المسلمين. فهو يرى أننا لو افترضنا زيادة صفات البارئ تعالى على ذاته، للزم ذلك خلو ذاته في مرتبة الذات من كل كمال. وإذا كانت الذات خالية من الكمالات، كان من الممكن اثبات هذه الكمالات للذات. والمطلعون على الحكمة الإسلامية يعلمون أن الإمكان على ثلاثة أنواع، ولكل نوع أحكامه الخاصة به. ويعد الإمكانان الذاتي والاستعدادي من أهمها. والإمكان لا بد وأن يكون له موضوع، ولا يمكن التحدث عنه بحديث معتبر بدونه. وإذا كان موضوع الإمكان أمراً تحليلياً مرتبطاً بعمل الذهن، عد هذا الإمكان ذاتياً، كالماهية. أما إذا كان موضوع الإمكان أمراً واقعياً مرتبطاً بالخارج، عد هذا الإمكان استعدادياً، كالمادة أو الهيولى. وما قيل على صعيد صفات الله وموضوع الإمكان، عين الوجود الصرف والحق الواقع المحض، لأنه لا يتحقق لاسم الواقع وعنوان الحقيقة شيء أفضل من بحث الوجود. ولهذا حينما يعتقد الاشاعرة بزيادة الصفات على الذات، ويفترضون خلو الذات من أي كمال في مرتبة حاق الذات، فلا يمكن أن يعدّ ذلك عملاً ذهنياً صرفاً وتحليلاً محضاً بالصورة التي استعرضها الحكماء في الفصل بين الوجود والماهية، وإنما الذات الخالية من الصفات من وجهة نظرهم، أمر واقعي في الخارجي. وإذا سلمنا بأن إثبات الصفات للذات الخالية من كل كمال، لا يتحقق إلا عن طريق الإمكان، فلا بد لنا أن نذعن بأنه إمكان استعدادي، وأن حامل الاستعداد، ليس سوى المادة وعلى صعيد آخر نعلم أن المادة ملازمة للصورة دائماً، وأنها لا تتحقق بدونها؛ وتحقق المادة مع صورتها، تحقق للجسم بلا ريب. ومن هنا لا يعد إمكان الذات لقبول الصفات، على غرار الإمكان الذاتي على صعيد الماهيات، لأن موضوع هذا الإمكان ليس أمراً تحليلياً مرتبطاً بالذهن، وإنما هو أمر واقعي، حاق الواقع، ومتن الوجود. وعلى صعيد آخر نحن نعلم أن موضوع الإمكان حينما يكون أمراً واقعياً في الخارج، فلا يكون ذلك الإمكان سوى إمكان استعدادي فحسب. وفي هذا الإمكان بالذات يدور الحديث حول المادة والهيولى. ولا شك في أن المادة لا تتحقق بدون صورة، وحينما تتحقق مع الصورة، يتحقق الجسم أيضاً)[126](.
وانطلاقاً مما سبق يمكن القول بأن ما ذهب إليه المفكرون الأشعريون من زيادة الصفات على الذات الإلهية، ينتهي بتجسيم البارئ تعالى، وهو ما يُعد كفراً.
وقد يقال هنا: إن ما ذهب إليه المفكرون الأشاعرة في صفات الله، قد ذهب إليه بعض كبار علماء الشيعة على صعيد بعض الصفات، كصفة الإرادة. فأبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني يعتقد بزيادة صفات الله على ذاته ويستدل على ذلك أيضاً. ولا يكتفي بذلك، وإنما يصر على عدم اتحاد الإرادة بالعلم. وينطلق في رأيه هذا من اعتقاده بأن الله عالم بكل شيء، إلا أن الأشياء ليست جميعها متعلقة بإرادته. فهو لا يريد الشر، والظلم، والكفر، وسائر القبائح والجرائر. ومن الواضح أننا حينما نعتبر دائرة معلوماته تعالى أوسع مما تتعلق إرادته به، فعلينا الاعتراف أيضاً بعدم اتحاد الإرادة مع العلم. وهذا يعني أنّ علمه متعلق بكل شيء، وإرادته لا تتعلق بكل شيء. وإذا ما اعتبرنا علمه، عين ذاته، فليس بإمكاننا أن نعتبر الإرادة كذلك. واستدلال الكليني بهذا الشأن، شبيه بما ذهب إليه المتكلمون بشأن علم الله وقدرته. فهؤلاء يعتقدون أن معلوماته أكثر من مقدوراته، لأن علمه يتعلق حتى بالممتنعات، في حين لا تمتد قدرته إليها.
وردّ السيد الداماد على كلام المتكلمين وشبهة رئيس المحدثين في الفصل بين الإرادة والعلم وقال: صحيح أنّ إرادة الحق تبارك وتعالى، لا تتعلق بالشر بالذات، غير أنّ هذا لا يتعارض مع كون إرادته لأمور الخير عين علمه، واتحاد علمه بذاته المقدسة. ويرى السيد الداماد أن السمع والبصر وفي ذات اتحادهما بعلم الله، فإنّ علمه تعالى يشمل كافة الاشياء أيضاً. فالسمع ليس العلم بجميع الأشياء، وإنما العلم بالمبصرات فقط. وعلى هذا الأساس فالإرادة وفضلاً عن اتحادها بعلم الله، تتعلق بالمقدورات فقط لا بالممتنعات. والمحصلة التي يمكن الخروج بها من ذلك هي أن الذات المقدسة للبارئ تعالى لها علم بكافة الأشياء، ولها إرادة بكافة الخيرات الممكنة، وتسمع كافة المسموعات، مثلما أنها بصيرة بالمبصرات جميعاً. وتؤكد هذه الفكرة على أن الشرور في عالم الوجود، ليست مرادة بالذات، وإنها ترد القضاء الإلهي بالعرض لأنها تُعدّ من لوازم الخيرات الكثيرة)[127](.
ولا بد من التذكير بأن العلم بأسماء الحق تبارك وتعالى، من أدق العلوم وأشرفها، وبه يمتاز الإنسان عن غيره من الكائنات ويتفوق على الملائكة ويُستشف هذا المعنى من بعض الآيات القرآنية، مثل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾)[128](.
ويُعد صدر المتألهين، من بين أولئك الذين تدبروا في الآيات القرآنية المتحدثة عن أسماء الله، وغاص في أعماقها، واستعرض قضايا مهمة على هذا الصعيد. ويرى هذا الفيلسوف الكبير أن المراد بالأسماء التي تحدثت عنها الآية السابقة، ليس ذلك المفهوم الذي اشار إليه عدد كبير من المتكلمين. فهؤلاء ومعهم سائر أهل الظاهر يعتقدون بأنّ الاسم لفظ موضوع في عالم اللغة لمعنى من المعاني. ويرى صدر المتألهين عدم انسجام هذا الرأي مع ما جاء في الآية الكريمة، واستشهد ببعض الشواهد للبرهنة على ما ذهب إليه. فتمسك في الشاهد الأول بالآية الكريمة: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ وقال بأن اتصاف الله بالأسماء الحسنى يدل على أن هذه الأسماء ليست من مقولة الألفاظ والهيئة والشكل كي تعرض على الصورة، لأنه لا توجد مزية أو شرف خاص في عالم اللغة والألفاظ، ولا يمكن الاعتقاد بتقدم بعض الألفاظ ـ من حيث هي ألفاظ ـ على ألفاظ أخرى أو أنها أشرف منها. والدليل على ذلك أن الألفاظ كافة، من نوع واحد وتؤلف الهيئة العارضة على الصورة. ويعتقد صدر المتألهين على هذا الأساس، بعدم وجود تفاوت بين لفظة الكفر ولفظة الإيمان وبين ألفاظ النور والظلام والحسن والقبح، من حيث تأليفها لهيئات مسموعة. ولا بد من البحث حينئذ عن التفاوت بين هذه الألفاظ في التفاوت بين المعاني ومدلولاتها.
وتمسك صدر المتألهين في الشاهد الثاني)[129]( بالآية الكريمة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وقال إنه مما لا ريب فيه، عدم التسبيح بالاسم بالمعنى العادي والظاهري للكلمة. وليس بإمكاننا أن نتوقع من الاسم بمعنى اللفظ الموضوع للمعنى، سوى أن يقع واسطة للتسبيح. وما كان واسطة للتسبيح، لا يمكن أن يسبح. ومن هنا فإن ما يجب أن يسبّح، ليس اللفظ والهيئة العارضة على الصورة.
واستعرض صدر المتألهين في الشاهد الثالث الفكرة التالية: أنّ الذي يقف خلف تميز الإنسان عن الملائكة وتفوقه عليها، ليس مجرد حفظ الألفاظ والكلمات؛ لأن اللفظ من حيث هو لفظ، لا يوجب الكمال، ولا يبعث حفظه على التفوق. ويعتقد هذا الفيلسوف أن اسم الشيء يكشف عن حقيقته وحده. فمفهوم الحيوان الناطق ـ على سبيل المثال ـ ونظراً لكونه كاشفاً عن حد الإنسان وماهيته، بالإمكان عده اسم الإنسان، ومن الممكن أيضاً أن تكون للشيء مفاهيم كثيرة في وجوده وهويته، وهي جميعها موجودة بوجود واحد، فمفاهيم مثل الجوهر، والجسم، والشهير، والحساس، والناطق، والموجود، والممكن، والمتحير، والمقتدر، والمتمكن، بإمكانها أن تصدق جميعاً على الإنسان وأنها موجودة بوجود واحد رغم ما بينها من اختلاف. ويصدق هذا الكلام على البارئ تعالى، لأن صفاته وأسماءه ورغم الاختلاف القائم بينها من حيث المفهوم، إلا أنها متحدة من حيث التحقق والوجود، وصادقة جميعها على الذات الإلهية. وهذا يؤكد أن بإمكان المسمى وفي عين وحدته، أن تكون لديه أسماء كثيرة. وتؤلف هذه الأسماء محمولات عقلية يُعد كل محمول منها علامة للذات المتصفة به.
ولا يُراد بالمحمولات كما هو واضح الألفاظ والعبارات التي تُستعمل كاسم، لأن الألفاظ والعبارات لا تُحمل بحمل اتحادي. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يُقال على صعيد الألفاظ والعبارات أنها تؤلف أسماء أسماء الله تعالى. ولا شك في وجود تفاوت بين الأسماء وأسماء الأسماء.
ويمكن القول انطلاقاً مما سبق أن الاسم من وجهة نظر العرفاء عبارة عن معنى محمول على الذات. ولذلك يختلف الاسم بما هو اسم عن الصفة، ويُحمل على الذات كأمر لا بشرط. ويمكن القول بعبارة أخرى أن التفاوت بين الاسم والصفة، إنما هو من قبيل التفاوت بين العرض والعرضي. ويرى أهل التحقيق أن التفاوت بين العرض والعرضي. من نوع، التفاوت بين بشرط لا ولا بشرط. أي لا يمكن حمل ما يؤخذ بشرط لا، ويعدّ عرضاً؛ في حين أن هذا الشيء نفسه يعد قابلاً للحمل وعرضياً حينما يؤخذ لا بشرط.
ولتوضيح ذلك بالإمكان الاستعانة بعنواني البياض والأبيض. فالبياض غير قابل للحمل على الجسم لأنه يؤخذ بشرط لا. في حين يُحمل الأبيض بسهولة على الجسم لأنه يؤخذ لا بشرط. ولو اعتقد أحد أن التفاوت بين الاسم والصفة، من نمط التفاوت بين المركب والبسيط، لما أخطأ فيما ذهب إليه. ويشير صدر المتألهين إلى نقطة تحظى بأهمية كبيرة وهي: لو حُرم أحد ما من العلم بأسماء الله، لعجز عن إثبات علم الله تعالى بجميع الموجودات، لأن الموجودات الإمكانية وبحسب رتبتها الوجودية الخاصة، حادثة ومتأخرة، وخارجة عن مرتبة الذات الإلهية الأزلية. وإذا كان العلم، حقيقة ذات إضافة، فلا بد من القول بعدم وجود معنى محصل لتحقق العلم بدون وجود المعلوم. ولا بد أن يُثار انطلاقاً من ذلك السؤال التالي: كيف يمكن تفسير علم الله السابق بالموجودات الحادثة والمتأخرة؟
وأجاب الحكماء والمتكلمون على هذا السؤال بإجابات طويلة متنوعة. وقد رفض صدر المتألهين الكثير من إجاباتهم اعتقاداً منه بضرورة البحث عن هذه الإجابة في العلم بأسماء الله. فالذي لديه علم بأسماء الله يعرف جيداً أن العالم الربوبي عظيم جداً ويمتد امتداداً غير متناه. وكل ما هو موجود في عالم الإمكان، متحقق في العالم الربوبي بنحو أعلى وأشرف. وجميع هذه الموجودات وفي عين كثرتها، موجودة بوجود واحد في مرتبة الذات الأحدية لكونها مظاهر أسماء الله وصفاته. وهذا ما يفسر إحاطة العلم الإلهي بجميع خصوصيات الأشياء وماهياتها، وأنها معلومة لديه قبل تحققها في العالم العيني)[130](. وبهذا الرأي، تحلّ قضية علم الله بالجزئيات، ولا تبقى ضرورة لوساطة العلم بالكليات، مثلما ذهب إليها ابن سينا.
د. غلام حسين ديناني
أضواء على حقوق الإنسان
في الدستور الإيراني
لقد تم توضيح وتقرير حقوق الإنسان في إيران كما في كثير من دول العالم ضمن النصوص الرسمية للدستور وأشير إلى هذا الموضوع في دستور الجمهورية الإسلامية ضمن المادة التاسعة عشرة وحتى الثانية والأربعين في فصل خاص بعنوان حقوق الأمة وكذلك بنحو متفرق في مواد أخرى.
ومن جملة المواد المتعلقة بالفصل الخاص بحقوق الشعب، وهو واحد من المواد المهمة والتأسيسية للدستور. وكذلك المادة التاسعة، التي ذكر فيها أربعة عناوين متجاورة وهي: الحرية والاستقلال والحفاظ على أرض الوطن والوحدة، وأعطيت مزيداً من القيمة والأهمية، وتم تبني لهجة قاطعة في هذه المادة تؤكد على الترابط بين هذه العناوين الأربعة المذكورة، واعتبرت وظيفة ومهمة الحكومة والشعب الحفاظ على هذه الأمور وحمايتها ورعايتها، وأكدت على أن من بين هذه العناوين الأربعة لا ينبغي الإخلال بعنوان الحرية بدعوى مراعاة العناوين الثلاثة الأخرى، مثل أن يُقال إنه ينبغي حرمان الأفراد من الحرية ـ هذه الموهبة الكبرى ـ لئلا يسيئوا استخدامها بما يؤثر على الاستقلال، ولا ينبغي كذلك سن أية قوانين تمنع وتسلب الحريات المشروعة للأمة بدعوى الحفاظ على استقلال ووحدة أرض الوطن، كذلك من الطبيعي ألا يسمح الدستور بالمساس باستقلال ووحدة أرض الوطن بدعوى المطالبة بالحرية، وهكذا ينبغي تحقيق التوازن بحيث لا يسيء طلب الحرية إلى الاستقلال والحفاظ على وحدة أرض الوطن والعكس صحيح.
وقبل الولوج في البحث التفصيلي لهذه الحقوق يجب ذكر هذه النقطة وهي أن شرح وتفصيل كل من هذه الحقوق خارج عن إمكانية هذه المقالة وفي هذه العجالة سوف نفهرس الحقوق المندرجة في الدستور والقوانين الأخرى لا أكثر، وسوف نذكر رأي الإسلام بخصوص كل من تلك الحقوق.
تهتم حقوق الإنسان بثلاثة عناوين: «الحرية» و«المساواة» و«الحقوق».
1 ـ الحريات
أ ـ حرية الفرد ومنع العبودية:
المراد من هذا النوع من الحرية هو أن يكون جسد الأشخاص محرراً من أي شكل من أشكال التملك والاستغلال، ولا يمكن لأي شخص أو جهة رسمية أن تقوم باستغلال الفرد، وتضم هذه الحرية نوعين آخرين من الحرية:
منع تملك الإنسان (الرق) أو استعباده من الناحية الفكرية أو الحسية.
ب ـ منع العمل الإجباري:
في إيران وعلى أساس قانون منع بيع وشراء العبيد المصادق عليه في (بهمن 1307هـ. ش الموافق شباط 1928م) لا يمكن اعتبار أي شخص عبداً، يكون الجميع في إيران أحراراً، وكذلك أشير في البند السادس من المادة الثانية، والبند الرابع من المادة الثالثة والأربعين لدستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى هذا الموضوع.
ولعله لم يؤكد في الإسلام على أي من حريات الإنسان بمثل هذا التأكيد على حريته من العبودية لغير الله تعالى، واعتبرت في القرآن الكريم أعظم كرامة للإنسان عبوديته لله تعالى وحده، وأما العبودية لغير الله فهي غير مشروعة، بل إن هدف بعثة نبي الإسلام أساساً هي إخراج الناس من عبودية غير الله إلى عبودية الله تعالى، «راجع أيضاً الفصل الخامس المادة 56 من الدستور».
جـ – حرية الفكر والمعرفة:
مع أن الدستور قام بتبيين الأساس العقائدي للنظام في المادة الثانية، واعتبره غير قابل للتغيير، لكن ينبغي ألا نتصور أنه لا يوجد حرية للفكر والمعرفة وأن النظام لم يفسح المجال لحرية المعتقدات الأخرى، إن الدستور مع أنه يصرح بأن الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب هو المذهب الجعفري الإثنا عشري إلا أنه يقبل حرية العقائد الدينية الأخرى بكل ما أوتي من قوة وسلطة ويقوم بدعمها، وقد قبل في المادة الثانية عشر حرية العقيدة وحرية القيام بالمراسم الدينية لباقي المذاهب الإسلامية، واعترف في المادة الثالثة عشرة بشكل رسمي بحرية العقيدة والقيام بطقوس الأقليات الدينية الزرادشتية واليهودية والمسيحية، وصرح في المادة الرابعة عشرة بأن أصحاب العقائد الدينية أو أولئك الذين لا يعتقدون بدين إذا لم يقوموا بأي عمل أو مؤامرة ضد النظام الإسلامي فإنهم يتمتعون بالحقوق الإنسانية.
إن حرية الاعتقاد لا ترتبط بالعقيدة الدينية فقط بل تشمل الاعتقادات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ولنفس السبب يصرح الدستور في المادة الثالثة والعشرين: «إن تفتيش العقائد ممنوع ولا يمكن المؤاخذة والتعرض لأي شخص لمجرد امتلاكه عقيدة ما».
إن المراد من حرية الفكروالمعرفة أنه: لكل فرد الحق أيضاً في التفكير بالموضوع الذي يريده دون أن يكون لأي شخص حق بالرقابة على أفكاره وإدراكاته وأن يهيئ عوامل تنتهي إلى التضييق الفكري عليه والمنع من نمو إدراكاته.
وتضم حرية الفكر والمعرفة أربع حريات: حرية الاعتقاد، حرية التربية والتعليم، حرية الأخبار والمعلومات، حرية العرض. وسوف نشرح كل منها لاحقاً.
ما ينبغي ذكره هنا هو أنه في الدستور لم تمنع حرية الفكر بل نصّ في بعض المواد أنه على الدولة أن تنمي روح التحقيق والبحث والابتكار والإبداع في جميع المجالات العلمية والثقافية والفنية والإسلامية، على طريق تأسيس مراكز التحقيق ودعم وترغيب المحققين (البند الرابع من المادة الثالثة).
وقد أشير في القرآن الكريم بشأن حرية العقيدة الدينية أنه ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وبعدها يخاطب الرسول الأكرم (ص) بأن يذكر بأن وظيفته هي التذكير وليس الإلزام وإجبار الآخرين، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ ويؤكد على أن ﴿فَبِشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)﴾.
د ـ حرية التربية والتعليم:
إن من مقتضيات حرية التفكير والعقيدة أن تتمتع التربية والتعليم بالحرية أيضاً، فالمقصود من هذه الحرية هو تمتع الأفراد بحق تأسيس المدارس وإيجاد المعاهد والمراكز التربوية وأن يعلموا أولادهم ويربوهم، وبعبارة أخرى يحق للأفراد الصالحين أن يبنوا مؤسسة تعليمية وأن يختار الأولياء المعاهد التي يريدونها وأن تنشط إلى جانب المدارس الحكومية المدارس الخاصة وأن يكون للناس الحق في تنظيم محتوى المناهج وأساليب التدريس.
مع أنه لا يشار إلى هذه الحقوق بصراحة في الدستور لكن القوانين العادية المصوبة في مجلس الشورى الإسلامي خطت باتجاه هذه الحريات وعلى كل حال فقد عرف أصل الحرية للتربية والتعليم كحق ضمن الدستور، وذكر في المقطع الثالث من المادة الثالثة أن التعليم والرياضة هي مجانية للجميع ولجميع المستويات وأن تسهيل تعميم التعليم العالي هو وظيفة الحكومة.
وأُعلن وأُقرّ في المادة الثلاثين أيضاً أن التربية والتعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية هي مجانية وتتعهد الدولة بتأمين الإمكانات والمتطلبات اللازمة، وتضمن التعليم العالي الجامعي إلى مستوى اعتماد الشخص على نفسه بشكل مجاني، وقد صدر نفس هذا الحكم في البند الثاني من المادة العاشرة، وكذلك في المادة السابعة من أهداف ووظائف وزارة التربية والتعليم.
وجدير بالذكر أن يُشار إلى أن الأبحاث الحقوقية تتحدث عن حرية التربية والتعليم على أنها حق من الحقوق ولكن الإسلام يعتبرها فريضة وتكليفاً، إن التربية والتعليم لا تتوقف عند زمان أو مكان ولا تُحد بأشخاص أيضاً.
حرية البيان والمطبوعات: لقد أشرنا ضمن البحث في مؤشرات نظام حكم الشعب إلى هذه الحرية، فمن خصوصية هذا النظام أن الشعب إذ يعتبر الهيئة الحاكمة منبثقة منه وتنفذ مطالبه فإنه يعتبر صلاح وفساد أعمال الهيئة الحاكمة مرتبطاً به أيضاً، ومن هنا فإنه يعطي الحق لنفسه في انتقاد أعمال الدولة غير اللائقة، وأن يطلعها على آرائه الإصلاحية حتى أنه يعتبر مسؤوليته الوطنية والاجتماعية أن ينبه على الإشكاليات والنقائص عن طريق الكتابة والبيانات والمطبوعات والأحزاب والاتحادات، ولهذا السبب ترك الحرية في الدستور في المادة الرابعة والعشرين للمطبوعات والنشريات لبيان مطالبها مع مراعاة الأسس الإسلامية والحقوق العامة.
النقطة الحائزة على الأهمية أنه تبعاً لأحكام الإسلام في إيران تذكر حرية البيان والتأليف ليست فقط على أنها حق فحسب، بل على أنها بمثابة تكليف يُعدُّ الجميع مسؤولين بعضهم تجاه بعض، وتشير المادة الثامنة على الرقابة الجماعية وممارسة المسؤولية الشرعية تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه المسؤولية هي بشكل جماعي وبشكل متقابل على عاتق الشعب بعضه تجاه بعض والدولة بالنسبة للشعب والشعب بالنسبة للدولة.
وكما أشير سابقاً فإن حرية التأليف والمطبوعات مقيدة بقيدي «الحقوق العامة» و«الأسس الإسلامية» في المادة الرابعة والعشرين من الدستور، لكن هذا الموضوع ليس مزاجياً فإن تفاصيله قد بينها قانون الصحافة وبين قيودها تحت عنوان جرائم المطبوعات من قبيل تحريض الأفراد على الشغب، والحض على عدم دفع الضرائب، أو الفرار من خدمة العلم، ونشر الأخبار الكاذبة، وإهانة المسؤولين والأشخاص، ويتم ملاحقة هذه الجرائم أيضاً طبقاً للمادة الثامنة والستين بعد المئة من الدستور بشكل علني وبحضور هيئة المحلفين في محاكم العدل.
هـ – حرية التشكيلات والاجتماعات:
لجميع المواطنين حق المشاركة في التجمعات السياسية والاجتماعية والصناعية والاقتصادية، إلا أن يكون هذا التجمع أو التشكيل بمثابة خطر على النظام العام.
وتبحث التشكيلات ضمن نوعين مختلفين:
ـ التشكيلات المؤقتة: مثل التجمعات والمظاهرات والخطب.
ـ التشكيلات الدائمة: مثل الأحزاب والنقابات والنوادي والاتحادات.
ويمكن للتجمعات أن تكون مثل الضيافات الخاصة حيث أنها حرة طبعاً، ولكن في الحالات الاضطرارية يمكن أن تحد أو تقيد أو تمنع هذه الاجتماعات ضمن شروط خاصة كوجود حالة اضطرارية أو حكومة عسكرية وفي حالات الحرب والأوضاع الاضطرارية المشابهة، وللدولة الحق بعد تصويب مجلس الشورى الإسلامي أن تحد من هذه الحرية مؤقتاً، لكن لا يمكن أن تستمر أكثر من ثلاثين يوماً وفي حال استمرار مثل هذه الحالة الاضطرارية فإن وظيفة الدولة تقتضي أن تأخذ الإذن من مجلس الشورى مجدداً.
أما أبرز مصاديق حرية التجمعات العامة فهي المظاهرات العامة في الشوارع حيث أن حساسية الموضوع تتعلق بسلطة الدولة من حيث رسم حدودها، وقد اعتبر الدستور هذا النوع من الاجتماعات في المادة السابعة والعشرين حرة: «حرية تشكيل الاجتماعات والمظاهرات دون حمل السلاح بشرط أن لا تكون مخلة بأسس الإسلام».
إن تشخيص هذا القيد المندرج في هذه المادة هو من وظائف وزارة الداخلية ويحتاج هذا النوع من الاجتماعات إلى أخذ الإذن من هذه الوزارة، ويمكن القول بخصوص التجمعات الدائمة أيضاً أن هذه التجمعات تقسم إلى رسمية وخاصة ومؤسسات اقتصادية ـ اجتماعية (مثل النقابات والتعاونيات) ومؤسسات سياسية (مثل الأحزاب) ودينية مثل (الهيئات) وثقافية وأدبية وفنية ورياضية وترفيهية مثل (الصيد والسياحة).
ويشير الدستور في المادة السادسة والعشرين دون تفصيل لهذه المؤسسات بشكل كلي إلى حرية الاجتماعات الدائمة: «الأحزاب، والجمعيات، والهيئات السياسية، والاتحادات المهنية، والهيئات الإسلامية، والأقليات الدينية المعترف بها، تتمتع بالحرية بشرط ألا تناقض أُسس الاستقلال، والحرية، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، وأساس الجمهورية الإسلامية، كما أنه لا يمكن منع أي شخص من الاشتراك فيها، أو إجباره على الاشتراك في أحدها».
و ـ حرية العمل والاشتغال:
المراد من هذه الحرية، حرية الفرد في اختيار المهنة التي يريد ممارستها، والمؤسسة التي يرغب العمل فيها، أو الاستقالة منها وتركها، لذلك لا يمكن إجبار أحد على العمل الذي لا يريده أو منعه من العمل الذي يحبه، وتضم حرية العمل عدة بنود:
ـ حق العمل للجميع بالشروط المقررة.
ـ استقرار وثبات الأعمال وعدم الخوف والتوجس من البطالة.
ـ حرية الأجور.
ويوجد استثناءات على هذه الأصول وقد أشير إلى العمل الإنتاجي المشروع الموافق للأخلاق الحسنة في سياق النظام العام والاقتصاد السليم، وقد قرر الدستور في المادة الثامنة والعشرين «لكل شخص الحق في اختيار المهنة التي يرغب فيها ما لم تخالف الإسلام أو المصالح العامة، أو حقوق الآخرين، وأن الحكومة مكلفة ـ مع مراعاة حاجة المجتمع ـ بتأمين إمكانية الاشتغال لجميع الأفراد بصورة متساوية».
2 ـ المساواة
لقد أشرنا إلى المساواة بأنها واحدة من مؤشرات نظام حكم الشعب، وهنا نؤكد على هذه النقطة أن المقصود من اصل المساواة أن جميع الأفراد متساوون من حيث الحقوق والوظائف والتمتع بالحريات ومن المناسب أن نشير إلى أصل المساواة في الإسلام قبل بحث أنواع المساواة.
من وجهة نظر الإسلام إن أصل وأساس البشر واحد وقد ولد الجميع من أب وأم واحدة وأن الاختلاف بين اللغات والأعراف وما شابه هو مثل التنوع والاختلاف بين ألوان الورد في البستان.
ويعتبر القرآن أن الاختلاف في ظاهر خلقة الناس هو لتحقيق التعارف بينهم وهو من الآيات الإلهية والعلامات الدالة عليه عز وجل.
وقد أشار النبي الأكرم (ص) في حجة الوداع إلى المساواة بقوله: (أيها الناس، إن ألهكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم من آدم وآدم من تراب، أكرمكم أتقاكم، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى).
وفي المادة الثامنة والعشرين من إعلان حقوق الإنسان في الإسلام جاء أيضاً «يتساوى الناس أمام الشرع والقانون ويشترك في هذا التساوي الفئات والمؤسسات» ويؤكد في البند (ج) من هذه المادة أن كل من يعيش في المجتمع الإسلامي بشرط أن لا يتسبب في حدوث أزمات أو انحرافات، يتمتع بالحريات والحقوق المقررة في ذلك الإعلان بغض النظر عن اللون واللغة والجنس والدين وأمثالها.
وعلى أي تقدير إن أهم جوانب المساواة عبارة عن: المساواة أمام القانون، والمساواة في دفع الضرائب، والمساواة في خدمة العلم، والمساواة من حيث الاشتغال بالأعمال الحكومية.
أ ـ المساواة أمام القانون:
المقصود هو أن جميع قوانين البلد متساوية لسائر الأفراد، وبعبارة أخرى فإن الحقوق والتكاليف الناشئة عن القانون تطبق على الجميع بشكل واحد وينضوي جميع الأفراد من جهة أخرى تحت حماية القانون، جاءت هذه النقطة في المادتين التاسعة عشر والعشرين من الدستور: «يتمتع أبناء شعب إيران من أي قوم أو قبيلة كانت بحقوق متساوية ولن يكون اللون أو العرق أو اللغة وأمثالها سبباً لافضيلة أحد».
و«جميع أفراد الشعب نساء ورجالاً متساوون في حماية القانون ويتمتعون بجميع الحقوق الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع مراعاة الموازين الإسلامية».
النقطة المهمة هي أن هذه المساواة تجري على أبناء الشعب الإيراني، وأما الأجانب فلهم وضع مختلف طبقاً للدستور. ومن جهة أخرى فإن هذه المساواة مشروطة برعاية الموازين الإسلامية.
وفي الضوابط الإسلامية توجد اختلافات بين حقوق المسلمين وغير المسلمين والرجل والمرأة. هذه النقطة قد تطرح على أنها إشكال على النظام الحقوقي في إيران. وفي الجواب على ذلك نقول:
أولاً ـ بخصوص الاختلاف بين حقوق المسلم وغير المسلم، يلاحظ وجود اختلافات في الأحكام والحقوق في الرسائل والكتب الفقهية، لكن من وجهة نظر الدستور (المادة 14)، وحقوق الإنسان في الإسلام (البند ج من الماد 28) لا يوجد اختلاف بين المسلمين وغير المسلمين من حيث الحقوق الإنسانية.
ثانياً ـ بخصوص الاختلاف بين حقوق المرأة والرجل يجب القول إن «التشابه» و«المساواة» في الحقوق ليس شيئاً واحداً؛ حيث أن الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية، وتبعاً لذلك يتشابهان ويتساويان في الحقوق، مثل: الشخصية الاجتماعية، والتعهدات، والملكية، والعمل، وحفظ الاسم والنسب و…
لكن هناك اختلاف في الطبيعة والخلقة بين الرجل والمرأة (دون أن يسبب هذا الاختلاف في طبيعة الخلقة اختلافاً في الشخصية الإنسانية للمرأة) ومن هذه الحيثية فإن حقوق المرأة ليست نفس حقوق الرجل، بل إن مجموع حقوق المرأة يشابه مجموع حقوق الرجل.
ويمكننا القول: إن دستور الجمهورية الإسلامية في إيران عرّف حقوقاً متميزة للمرأة (تهيئة أرضية مساعدة لنمو شخصية المرأة. حماية الأمهات وخاصة في فترة الحمل ـ حضانة الابن ـ التأمين الخاص للمطلقات ـ النساء الكبيرات بالسن ودون معيل و…) (المادة: 21).
ب ـ المساواة أمام المحاكم:
أهم وسيلة لضمان الحقوق والحريات إمكانية مراجعة المحاكم والتساوي أمامها. وفي الواقع فإن الإسلام بموازينه القضائية يحمل لواء هذه المساواة. ونقل في المراجع الدينية مصادرة كثيرة من المساواة في الأحكام والمساواة في المجازات.
ـ حق التظلم: إعلان حقوق الإنسان في الاسلام صرح بالتكفل بحق التظلم لكل شخص. وفي دستور الجمهورية الإسلامية أيضاً فضلاً عن المقدمة فإن البند (9) من المادة (3) وكذلك المادة (20) والمادة (34) على الخصوص، تم التأكيد على هذا الحق: «حق التظلم حق مسلّم لكل فرد، ولكل أن يتظلم بالرجوع إلى المحاكم المختصة، ويجب أن يوفر ذلك الحق لكل أفراد المجتمع، وليس لأحد أن يمنع إنساناً من رفع شكايته ومظلمته إلى المحكمة الختصة».
3 ـ الحقوق
ـ حق الحياة وحق حفظ النفس: الحياة هبة الله تعالى وحق الحياة مكفول للجميع. بل إن حفظ الحياة واجب وكل إجراء لفصل الروح عن البدن دون مبرر شرعي حرام، بل إن قتل إنسان واحد هو بمثابة قتل كل المجتمع.
ـ يصان حق الحياة ضمن أمرين: في حفظ النفس، وفي حفظ بقاء الحياة، ففي المادة (22): ورد أن الحياة مصونة للاشخاص من أي اعتداء، وكذلك فإن حق الاستمرار العادي للحياة يتحقق في أمرين:
ـ منع تملك الإنسان واستعباده ومنع القبض عليه وحجز حريته وقد أشير إلى منع العبودية في أكثر من موضع، وإلى منع القبض على الإنسان وحجز حرية بدنه صراحة في المادة (32) من الدستور: (ليس لأحد أن يقيض على إنسان إلا على أساس حكم قضائي وترتيب قانون).
أ ـ الكرامة والحفاظ على الشخصية المعنوية للإنسان:
المقصود من الكرامة هي الرصيد المعنوي الذي اكتسبه الفرد في علاقاته مع الآخرين ونمط حياته وعمله. وقد أكدت الموازين الإسلامية على احترام واعتبار وحيثية الأفراد، والنهي عن الاستهزاء والتعييب والغيبة والتهمة والبهتان والافتراء: «إن مراعاة احترام الإنسان وحفظ ماء وجهه الاجتماعي في زمن حياته ومماته واجب، وتكلف الدولة والمجتمع بحماية جسمه وقبره». وقد قررت المادة (22) من الدستور» كرامة الأشخاص مصونة من الانتهاك».
ب ـ حق السكن: يُبحث هذا الحق من جهتين:
الأولى، حق امتلاك المسكن قد اعتبر الدستور امتلاك السكن بالتناسب مع الحاجة حق لكل فرد وعائلة إيرانية. والثانية، الحفاظ على حرمة السكن أو منع التجسس وتفتيش المنازل وسكن الأفراد.
ويشير الدستور إلى هذا الحق أيضاً في المادة (22) «إن سكن الأشخاص مصون من الانتهاك؟» وثمة استثناءات يحددها القانون. وقد أشير إلى حرمة المنزل في القرآن أيضاً، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. (سورة النور، الآيتان 27 ـ 28.
جـ ـ حق حرية الاتصالات: طبقاً للمادة (25) من الدستور:
«إن تفتيش وإعاقة إيصال الرسائل ومراقبة وإفشاء المكالمات الهاتفية والاتصالات البرقية والتلكس واستراق السمع وأي نوع من أنواع التجسس ممنوع إلا ضمن الأطر القانونية.
د ـ منع التعذيب: ذُكر هذا المنع في الأصل (38) من الدستور بالعبارة التالية:
«إن أي تعذيب لانتزاع الاعتراف والمعلومات ممنوع وأي قصر وإجبار يفضي إلى الشهادة والاعتراف والقسم ممنوع وتعتبر مثل هذه الشهادة فاقدة لأي قيمة واعتبار، وأي مخالفة لهذا القانون تقع تحت طائلة العقوبة».
هـ ـ حق توكيل المحامي: ـ المادة (35) من الدستو في هذا المجال:
«لطرفي الدعوى الحق في توكيل محام عنهما في جميع المحاكم وإذا لم يكن لهم الاستطاعة في توكيل محام ينبغي تهيئة إمكانية التوكيل لهما».
و ـ حضور الهيئة المحلفة في المحكمة: بموجب الأصل (168):
«يتم التحقيق في الجرائم السياسية والمطبوعات في المحاكم العلنية بحضور الهيئة المحلفة في محاكم العدل».
ز ـ حقوق التأمين الاجتماعي:
إن التمتع بالتامين الاجتماعي من ناحية التقاعد والبطالة والشيخوخة وعدم وجود المعيل والتشرد والحوادث والسوانح والحاجة إلى تأمين الخدمة الطبية والعلاجية والمراقبة الطبية هو حق عام للجميع.«إن الدولة مُطالبة طبقاً للقوانين أن تؤمن ـ من الدخل العام والدخل الحاصل من مشاركة الشعب ـ الدعم المالي والخدمات المذكورة أعلاه لجميع الأفراد المادة (29). إن هذه النقطة في البند (12) من المادة (3) وباقي بنود المادة (43) كانتا محل تأكيد المقننين. وكذلك فإن بنود/ ب/ ج للمادة (2) من إعلان حقوق الإنسان الإسلامي تؤكد أيضاً على هذه الموارد.
حـ ـ حق تشكيل الأسرة:
إن أساس الدستور هو أحكام الشريعة الإسلامية وتعتبر العائلة ركناً أساسياً ومهماً في المجتمع، ويعطي لها الحق أن تتمتع بدعم المجتمع والدولة. إن الاسرة تعتبر عنصراً أساسياً في بنية المجتمع، والزواج هو أساس تكوينها. وللرجال والنساء الحق في الزواج. ولا يمكن لأي عامل منشؤه العرق واللون والجنسية أن يحد من هذا الحق. والحكومة والمجتمع مكلفان برفع أي مانع من الموانع في وجه الزواج، وأن تسهل أساليبه ووسائله، وأن تدعم العائلة، ووجوب رعايتها.
وفي الجمهورية الإسلامية وفي الدستور(البند1 من المادة 43) يعتبر تشكيل الأسرة ضمن الواجبات الاساسية للمجتمع.
وفي المادة (21) تشكل محاكم خاصة لحفظ كيان واستمرار الأسرة. وفي المادة (10) كذلك يؤكد على تسهيل تشكيل الأسرة والحفاظ على قداستها وإحكام أسسها والعلاقات فيها.
ط ـ تغيير حق اكتساب الجنسية الإيرانية:
من الحقوق المذكورة في الدستور:
أولاً: حق تحصيل الجنسية أي أن كل أجنبي يستطيع، مع توافر الشروط، اكتساب الجنسية الإيرانية.
ثانياً: حق رفض الجنسية والتخلي عنها:
بموجب هذا الحق لكل إيراني مع مراعاة الشروط المقررة أن يتخلى عن جنسيته الإيرانية ويلتحق بجنسية أخرى.
ثالثاً: منع سلب الجنسية: فليس للدولة أي حق في سلب الجنسية الإيرانية عن أحد مواطنيها إلا بطلب منه أو كسبه جنسية دولة أخرى.
ي ـ حق اللجوء:
يختص بالأجانب ولا علاقة له بالإيرانيين وأهم ما يؤكد عليه بهذا الصدد حقوق الأجانب. وعلى كل حال: فإن الجمهورية الإسلامية تستطيع منح حق اللجوء لمن يلتجئ إليها، إلا إذا كان بحسب القوانين الإيرانية خائناً أو سيئ السلوك.
الدكتور عباس منوﭼـهري
أعلام الدين
كتاب للحسن بن أبي الحسن الديلمي
قال في مقدمته:
يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه (الحسن بن أبي الحسن الديمي) أعانه الله على طاعته، وتغمّده برأفته ورحمته: إنني حيث بليت بدار الغربة، وفقدت الأنيس الصالح في الوحشة، وحملتني معرفة الناس على الوحدة، خفت على ما عساي حفظته من الآداب الدينية والعلوم العلوية ـ وهو قليل من كثير، ويسير من كبير ـ أن يشذ عن خاطري، ويزول عن ناظري ـ لعدم المذاكر ـ أثبت ما سنح لي إيراده، وسهل عليّ إسناده، ليكون لي تذكرة وعدة، ولمن يقف عليه بعدي تبصرة وعبرة وفق الله المراعاة له والعمل به، وجعله خالصاً لوجهه الكريم، وموجباً لثوابه الجزيل العظيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فأول ما أبدأ به ذكر المعارف بالله تعالى وبرسوله (ص) وحججه من بعده، وما يجوز عليه وعليهم وما لا يجوز.
ثم أثني بذكر فضل العالم والعلوم، وما يتبع ذلك من العلوم الدينية والآداب الدنيوية، ولم ألتزم ذكر سندها، لشهرتها عند العلماء في كتبها المصنفة المروية عن مشايخنا ـ رحمهم الله تعالى ـ وأحلْتُ في ذلك على كتبهم وأسانيدهم، إلا ما شذ عني من ذلك فلم أذكر إلاّ فص)[131]( القول.
وسميت هذا الكتاب كتاب (أعلام الدين في صفات المؤمنين وكنز علوم العارفين) فحق على من وقف عليه، واستفاد به، أن يدعو لمصنفه، ويترحّم عليه. ويدع الهوى والميل في إعابة شيء منه، فإنه يشتمل على ترك الدنيا والرغبة في الآخرة، حسب ما يأتي ذكره وتفصيله.
الأقلية الشيعية في المملكة
السعودية
إن ما يميّز سكّان المملكة العربية السعودية الأصليّين عن سائر سكّان البلدان العربية الأخرى، هو تلاحمهم وتماسكهم عرقيّاً ودينياً. ويُستثنى من ذلك خاصة المجموعة الشيعية وتشكّل عنصراً بارزاً في المملكة. ويتراوح عدد الشيعة حسب التقديرات بين 200000 و275000 أو 300000 أو 400000، ويبلغ حسب مصادر أخرى 440000. إلا أنه وبانعدام الإحصاءات الوثيقة، يستحيل تحديد العدد بدقّة وإن كانت هناك دلالات عديدة على أن تقديرهم بـ350000 يقارب الواقع. وبما أن مُجمل عدد السكّان الأصليين يقدّر بحوالي 6 ملايين، فالشيعة لا يشكّلون أكثر من 6% من سكّان المملكة.
وفي جميع الأحوال، فأماكن تواجد الشيعة معروفة ومحدّدة بدقّة، فهم متجمّعون في منطقة واحدة من الأراضي السعودية البالغة 900000 مايل مربّع. أي في الولاية الشرقية المعروفة باسم الأحساء حيث يشكّلون أكثر من ثلث السكّان، و95% من سكّان مدينة القطيف وضواحيها، ونصف سكان الهفوف. وتحتلّ الأقلية الشيعية موقعاً رئيسياً واستراتيجياً في هذه المنطقة، نظراً لـ 3 عوامل أساسية. أوّلها محاذاتها لإيران وخصوصاً إيران ما بعد الثورة، وهي البلاد الوحيدة الواقعة تحت سيطرة وحكم الشيعة. وثانيها امتدادها على طول شواطئ الخليج العربي وما يتأتى عن ذلك من خطورة استراتيجية. وثالثها احتواؤها جميع حقول واحتياطي النفط السعودي. والبعض من أكبر الحقول النفطية في العالم كالغوار والقطيف، متواجد في مناطق تغلب عليها التركيبة الشيعية.
ومنذ فجر تاريخ المملكة الحديث (1745)، والذي بدأ بتحالف الزعيم القبلي السنّي محمد بن سعود مع المصلح الديني السنّي المتشدّد محمد بن عبد الوهاب، شهدت شيعة الأحساء حكم السعوديين على 3 فترات متميّزة، من 1818 و1830 إلى 1872 (ما عدا مدة قصيرة بين 1837 ـ 1843) و1913 إلى يومنا هذا. ويتحرّى هذا الفصل وضع الشيعة الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في المملكة، ويرسم تطوّر علاقاتهم بالسلطات السعودية ويحلّل التغيّرات في وضعهم قبل الثورة الإيرانية وبعدها. كما أنه يبحث في سياسات ومواقف الأنظمة السعودية المختلفة تجاه الأقلية الشيعية، ويحدد البواعث والمعايير المتحكّمة في مقاربة الدولة السعودية للقضية الشيعية. وسيركّز هذا الفصل بشكل خاص على اضطرار الدولة السعودية إلى التوفيق بين رأي الوهابيين في الشيعة من جهة، والمتطلبات الواقعية للممارسة اليومية للحكم من جهة أخرى.
ورأْيُ الوهابيين في الشيعة ليس إلا امتداداً منطقياً لركيزة عقيدتهم، أي مذهب التوحيد. ومقت بعض الممارسات الشيعية كالولاء للصالحين والعبادات المتعلّقة بالمدن والقبور المقدّسة وتجليل الائمة، أصبح مبدأ أساسياً لدى الوهابيين، لأن هذه الممارسات تنقل محور الإيمان من الخالق إلى المخلوق وتُزيل الفرق بين الله والبشر وتشكّل بالتالي شركاً، أي «إشراك البشر والجماد بالله». وتنصّ إحدى أوائل الكتابات الوهابية بوضوح على أن «زيارة الأماكن والصروح فوق القبور الموجودة في العديد من البلدان، لهي أعظم شرك يقترفه المشركون». وزيادة على ذلك، فهذه الممارسات بما فيه إقامة المهرجانات، اعتُبرت على أنها وساطة بين الله والبشر لاقترابها من عبادة الأصنام.
وبموجب هذه النظرة الأصولية، فقد كان من السهل على الوهابيين تصنيف الشيعة كفئة واقعة في الشرك. وكان الشيعة يُعتبرون بالفعل كتجسيد للكُفر ويُسمّون جماعياً بالـ مُشركين ومن المبادئ الأساسية في المذهب الوهّابي ما يركّز على استعداء المُشركين كواجب فرضه الله على المؤمنين. لا بل «عندما يكون الدين لغير الله يُصبح القتال فرضاً». وكان الشيعة يُنظر إليهم فعلاً كـ«كفّار، وبالتالي كان يحقّ عليهم أقسى العقوبات بما في ذلك الـجهاد».
وقد طبّق الوهابيون لأول مرة مفهومهم في الشيعة، على اثر غزو الدولة السعودية الأولى للأحساء في العقد الأخير من القرن الثامن عشر. إذ حطّمت القوات السعودية والوهابية جميع صروح الشيعة وأماكنهم المقدسة. وفرض الغازي الوهّابي سعود الكبير بنية وهابية وقام بحملة شاملة هدفها مذهبة الشيعة، فأُسّست المساجد والمدارس وانتشر الواعظون والـ علماء الوهّابيون في الأحساء ويُرجّح أن نصف سكّانها كانوا من الشيعة. وكان هدف هذه الحملة أساساً توطيد ممارسة مذهب التوحيد. وظهر موقف الوهّابيين من الشيعة مجدداً في أبريل 1801 عندما هاجمت قوات سعودية ضخمة مدينة كربلاء، تلك المدينة التي يقدّسها الشيعة ويلعنها الوهّابيون. وقُتل في هذا الهجوم حوالى 5000 شيعي وحُطّمت صُروح عدّة قبور بما فيه صرح الحسين حفيد النبي وتمّ نهب المدينة كلياً. ووُصمت العلاقات بين الوهابيين والشيعة أيضاً بوصمة اغتيال الحاكم السعودي عبد العزيز في 1803، على يد شيعي ثأراً لمذبحة كربلاء ولمقتل أسرته فيها.
إلا أنه لم يُكتب الدوام لحكم الوهّابيين على الأحساء، ففي 1810 أمر السلطان العثماني باشا مصر محمد عليّ شنّ حملة هدفها «إخماد العُصيان الوهابي في شبه الجزيرة». وحوالى 1818 دُمّرت الدولة السعودية وزال حكم الوهابيين على الشيعة في الأحساء، ولم يعد إلا في 1830 حين أقدم مؤسّس الدولة السعودية الثانية تُركي وابنه فيصل الكبير على استعادة سيطرة الوهابيين على الأحساء. إلا أنه وبسبب وجازة الاحتلال السعودي الأول للأحساء وعداوة الشيعة الشديدة للمذهب الوهابي الجديد، أخفق الوهّابيون في التجذّر في الوسط الشيعي في هذه المنطقة. ولذا فقد اضطر تركي وفيصل ومن جديد إلى فتح مدارس وبناء مساجد وتخصيص علماء ومدرّسين لإعادة توجيه الشيعة، بالإضافة إلى تعيين أئمة للصلاة وقضاة سنيين في مختلف مدن الأحساء.
وغالب الظنّ أن موقف الدولة الثانية من الشيعة، كان على وجه العموم أكثر تسامحاً من الأولى. وفي فترة من الفترات عُيّن الشيعي محمد الفارسي في منصب قاضي الأحساء. إلا أن هذا التغيير لم يبلغ أسُس المفهوم المتحكّم في الموقف السعودي من الشيعة، أي المذهب الوهّابي. وإنما كان يعكس الضعف الضّمني الشامل للدولة الثانية، ورغبة هذه الأخيرة في إرساء حكمها دون استعداء سكّان الأحساء، وكذلك سيطرتها المحدودة والمتضعضعة أحياناً على الأحساء، والأفول الملحوظ للحماس والنشاط الدينيين التي تميزت بهما الدولة الأولى.
ويمكن القول إذاً أن موقف الدولتين السعوديتيين الأوليين من الرعايا الشيعة، كان مبنيّاً على الإطار المفهوميّ الوهابي، وقد طبّقته الدولة الأولى بشكل صارم، ولم تتمكن الثانية من فرضه بنفس الشدة نظراً لضعفها.
وباحتلال ابن سعود للأحساء في 1913، دخلت العلاقات السعودية الشيعية طورها الثالث. وعلى غرار الغزوات السابقة، أدخل الحكم المذهب الوهابي من جديد في الأحساء محاولاً فرضه على السكان. وتبلور في الجانب السعودي موقفان متميزان من الشعية، إذ كان هناك تيار متكوّن من مؤيدي جماعة الإخوان الحديثة العهد وقد أنشأها ابن سعود في 1912. وكانت قائمة على بدويين من قبائل مختلفة، تشكّل مجمّعات يلقّن فيها المذهب الوهابي بشكله الصارم، وقد أصبحت نواة الجيش السعودي. ولم تكن لهذه الجماعة أية صلة بالإخوان المسلمين في مصر ولم يظهروا إلا في 1928. وقد وفّرت للدولة السعودية المزيد من الوحدة والتماسك والدوام. وكان الإخوان يطالبون بفرض المذهب الوهابي على الشيعة بالقوّة إذا اقتضى الحال. ويرون ضرورة إقلاعهم عن ممارساتهم وتغييرهم نمط سلوكهم. أما التيار الثاني المتمثّل في ابن سعود وابن عمه ابن جلوي وكان أول حاكم على الأحساء، فكان يسعى لسياسة أخرى، قوامها محاولة التمييز بين السلوك العلني والسلوك الخاص للشيعة في منازلهم. والصيغة الأساسية التي حاول هذا التيار تطبيقها، هي في إعطاء الشيعة الحقّ في الاستمرار على ممارساتهم الدينية في منازلهم، بشرط ألا يُظهروا علناً فروقهم الدينية.
والواقع أن الموقف من الشيعة في الأحساء تأرجح بين هذين التيارين وعكس الصراع المستمر على الصعيدين السياسي والعقائدي بين ابن سعود والإخوان. ولمدة 10 سنوات تقريباً أي لغاية 1922، كان للإخوان اليد الطولى في الأحساء. فمنعوا الشيعة من إقامة شعائرهم الدينية والاجتماع لأغراض دينية، وقتلوا العديد من الذين لم يكفّوا عن ذلك في الحسينيّات. وذهبوا إلى تحريمهم التدخين في بؤر ديارهم. وقد استأثر الإخوان بالشرع وأنزلوا العقاب بالمخالفين. وهكذا قتل الإخوان من قُبض عليه ممارساً عقيدته، وكذلك النساء ذوات الهندام غير اللائق. لكنه وبعد 1922 تمكن ابن سعود على ما يبدو من مضاعفة إحكام السيطرة على نشاط الإخوان. وانعكس ذلك إيجاباً على شيعة الأحساء، بحيث تحسّنت أوضاعهم بشكل ملحوظ، فسُمح لهم بإقامة شعائرهم وبالتدخين في منازلهم، شرط أن يتوافق سلوكهم العلني مع المبادئ والعقائد الوهّابية. وزيادة على ذلك، تحسّنت أوضاعهم الاقتصادية بشكل ملموس، وساد الأحساء جوّ عام من الطمأنينة. وبالطبع لم تكن هذه التغيرات لتُرضيَ الإخوان الذين ما فتِئوا يحاولون فرض مشيئتهم على الشيعة، مما اضطرّ الحاكم ابن جلوي إلى تقييد الإخوان وصون الشيعة من تصرفاتهم التعسّفية.
وباطن الفرق بين موقفيّ ابن سعود والإخوان من الشيعة، هو الخلاف العميق على طبيعة وتوجيه الدولة السعودية. فإخوان القرن العشرين كانوا ورثة عقيدة الوهابيين الأصليين، الذين لم يعهدوا قبول أو رفض أيّ ظاهرة إلاّ بمقدار توافقها مع مذهبهم. فمن منظور أكثر شمولاً، سلك الإخوان في معالجة قضية الشيعة مسلك الدّولتين السعوديتين السابقتين أي المسلك الوهابي. أما ابن سعود فقد كان يجسّد نمطاً جديداً في الحكم السعودي الوهابي، مدفوعاً بتطلعات سُلالية وعملية أكثر منه بتطلعات تبشيريّة دينيّة وهّابية. ونتج عن هذا التحوّل أيضاً محاولته صياغة سياسة جديدة تجاه الشيعة، لم تكن تتطابق كلياً مع المذهب الوهّابي، فمن أين لها إذاً الارتكاز عليه؟
وظلت الفوارق الأساسية بين هذين التيارين خفيّة باطنة خلال الربع الأول من القرن العشرين، وظهرت إلى الملأ في أواخر 1925 وبحدّه لا مثيل لها هدّدت عين وجود الدّولة السعودية ووحدتها. وكان جوهر هذا الصراع يكمن في اتهام الإخوان ابن سعود بالانحراف عن العقيدة الوهابية في سياسته الخارجية والداخلية. فعلى الصعيد الخارجي، رفض ابن سعود تأدية واجب نشر العقيدة الوهّابية وفرضها وإعادة المسلمين إلى الـ«طريق السّوي». وأما في الداخل، فقد اتّهم الإخوان ابن سعود بإدخال مستحدثات غربية كالهاتف والبرق والسيارات، وهي في نظر الإسلام بدع مستحدثات غير مقبولة. وفي هذه الحقبة بالذات أقدم الإخوان على تحدي سياسة ابن سعود تجاه الشيعة.
ودعا الإخوان في 1926 إلى اجتماع العرتويّة انتقدوا فيه ابن سعود ورفعوا لائحة من الشكاوى والاتّهامات ضدّه، أهمّها تخلّيه عن واجب الجهاد في المشركين أي الشيعة، وهو على عاتق جميع المؤمنين أي الوهّابيين. وتناولت المادة السابعة في اللائحة «تمنّعه [أي ابن سعود] عن فرض المذهب التوحيدي [أي الوهّابي] على شيعة الأحساء والعراق». وطالب الإخوان ابن سعود بإكراه الشيعة على اعتناق الوهّابية أو قتلهم إن لم يُذعنوا.
وردّاً على تحدّي الإخوان، دعا ابن سعود إلى اجتماع كبير في الرّياض في أوائل يناير 1927 حضره العديد من زعماء القبائل وعلماء الدين. ورغبةً منه في عدم مفاقمة العلاقات مع الإخوان، رأى ابن سعود ضرورة التودّد منهم وأبدى استعداده للتسوية. وجاءت هذه الرغبة على شكل فتوى تمخّض عنها الاجتماع، اقتضت على الشيعة ما يلي:
1 ـ القبول بالإسلام الوهّابي، 2 ـ تأدية الشهادة، 3 ـ العدول عن كلّ أشكال البِدَع في عقيدتهم سواء في المجالس العمومية أو الخاصة، 4 ـ تأدية الصلاة خمس مرّات في اليوم، 5 ـ الانقطاع عن كل دعاء للسّلف الصالح من آل البيت، 6 ـ تحطيم المباني المؤسسة لإقامة شعائرهم، 7 ـ الاضطلاع بمبادئ الإسلام الوهّابي، 8 ـ التّتلمذ في الإسلام الوهّابي. أما الشيعة الذين يرفضون الانصياع لهذه المقتضيات فسيتمّ نفيهم.
إلا أن هذه الفتوى لم تبلغ حيّز الاختبار، فكيف لها أن تُطبّق؟ ذلك أن العلاقات بين ابن سعود والإخوان ساءت إلى درجة تحدّى فيها الإخوان سلطته علناً وأقدموا على ما عُرف بثورة الإخوان. وبعد هزمهم كلّياً في 1929، رأى ابن سعود أنه لم يُعد مقيّداً بهذه الفتوى ولم يفرضها أبداً إذ أنه لم يقبلها إلا بهدف إرضائهم. وبذلك كانت الغلبة لمؤسس الدولة السعودية في القرن العشرين ابن سعود، في مواجهته الخطيرة إلى حدّ ما مع ممثّلي الوهّابية الأصلية أي الإخوان.
هذا وما هي الأسس العقائدية لموقف ابن سعود وسياسته تجاه الشيعة؟ وقد يكون خير جواب على هذا السؤال، فيما صارح به ابن سعود الكاتب اللبناني أمين الريحاني:
عندما سُئل الحاكم السعودي إذا ما كان يعتبر الحرب ضد المشركين واجباً دينياً لفرض مذهب التّوحيد، أجاب قائلاً: «كلا كلا! ففي الأحساء مثلاً لدينا ثلاثون ألف شيعيّ يعيشون في أمن وسلام. فلا أحد يتعدّى عليهم، وكل ما نطلبه منهم ألاّ يزيدون من التظاهر أيام أعيادهم. كن مطمئناً… فلسنا كما يتخيّلنا البعض». وطُرح السؤال بصيغة أخرى فيما إذا كان يعتبر قتال المشركين واجباً سياسياً حتى يدينوا لله. وأجاب: «السياسة والدين شيئان مختلفان، إلا أن سكّان نجْد لا يرغبون في شيء إلاّ إذا وافق عليه الدين. وإذا كان الدين موافقاً لرغباتنا يجب أن تكون الوسائل السياسية المعتمدة لتحقيقها شرعيّة. وإن فشلت السياسة نلجأ إلى الحرب. وفي الحرب كل شيء مُتاح».
ويُبرهن هذا التعليل على تحول جذري عن الوهابية الأصلية في نظرتها إلى الدين والسياسة عموماً، وقضية الشيعة بشكل خاص. ولم ينشأ هذا الموقف الجديد من منطلق وهّابي ولم يقُم تعليله على مراجع وهّابية، كما أنه لم يأت مرسّخاً في النظرة الوهّابية إلى الشيعة كمُشركين يحقّ عليهم الجهاد. وبالتالي لم يعد قتال الشيعة وتحويلهم إلى الوهابية فرضاً دينياً. لقد تغيّر الهدف وأصبح سياسياً في الأساس، أي بالتحديد ضمان ولاء الشيعة وإخلاصهم للدّولة السعودية.
وابتداء من 1930، سلك النظام السعودي في معالجته قضية الشيعة نفس المسلَك الذي خطّه ابن سعود من قبل، فتمكّن الشيعة من الاحتفاظ بجميع ممارساتهم الدينية، بما فيه تلك التي يلعنها الوهّابيون شرط ألاّ تتعدّى حدود ديارهم. أما في العلن، فقد أُلزموا بالتّحفظ والامتناع عن المجاهرة بخاصّياتهم الدينية.
وبانتصار ابن سعود على الإخوان، بدأ الشيعة بالاندماج في المجتمع والاقتصاد السعوديين. وسجّل اكتشاف النفط في الثلاثينات بكميات خطيرة في منطقة الأحساء، منعطفاً حاسماً في هذا الاتجاه. واستخدمت الشركة العربية الأميركية للنفط ARAMCO عدداً هائلاً من الشيعيين، وكان يُقدّر عددهم بـ25% من عمال النفط في السبعينات. ذلك أن الشركة استنتجت من تجربتها أن الشيعة وخلافاً للسنّيين البدويّي الأصل، يتميزون برغبتهم في القيام بالأعمال اليدوية، مؤهّلة كانت أم لا. ووفّرت مباشرة مشروع تنمية جبيل كمدينة مرفئية وصناعية، المخطّط على المدى الطويل، مجالاً إضافياً لدمج الشيعة. وبالفعل لقد عُيّن في 1976 شيعي على رأس هذا المشروع. وزيادة على ذلك، كانت منطقة الأحساء تحوي العديد من شيعة الهفوف العاملين في الصياغة وحرافة الجلد وشيعة القطيف المعروفين في مجالي المقاولة والتزويد بالمواد الغذائية.
ومن جهة أخرى فالشيعة العاملون في حقلو النفط ومشروع جبيل كانوا في أغلبيتهم الساحقة مجرد عمال يدوّيين، ما عدا قلة قليلة تمكنت من احتلال مناصب إدارية. وعلاوة على ذلك، فقد استُبعد مجمل الشيعة فيما عدا الرتب السفلى، عن القوى المسلحة أي الجيش والحرس الوطني على السواء، وعن الوظائف الإدارية، في الديوانية الرسمية والخدمات المدنية المتطوّرة باطراد. وفي 1984 لم يكن هناك إلا شيعياً واحداً يحتل منصباً وزارياً. وقد أقرّ بعض الباحثين مثل BILL بأن «الشيعة السعوديين يلعبون دوراً بارزاً في كلّ مرحلة من مراحل تصنيع النفط»، إلا أن الأدلة توعِز بعدم صحة ذلك إلا في مجال الأعمال اليدوية. لا بل إن الشيعة السعوديين لا يلعبون سوى دور هامشي في اقتصاد المملكة وذلك بخلاف سائر دول الخليج حيث تلعب الأُسر الشيعية الثرية دوراً بارزاً في الأنظمة الاقتصادية والمالية. ومن الواضح أنهم كانوا أقل ثراءً من السنّة السعوديين ودونهم فُرصاً في الارتقاء، ويرَون أنهم لم يستفيدوا سوى القليل من الخدمات والتطوّر الخاطف لحركة البناء، الناجمة عن تصنيع النفط في الأحساء.
وكان هناك شعور متزايد بأن المدن والقرى الشيعية في الأحساء كالهفوف والقطيف، بقيت مهملة ومتخلّفة، بعكس مدن أخرى كالدمام وجبيل وخبّر التي انتفعت وازدهرت بتنامي حركة النفط. وكان الشيعة يشتكون أيضاً من ضآلة النفقات المخصصة لهم في الميزانية ومن قلّة الاستثمارات على المدى الطويل، بحيث كانت المناطق الشيعية تفتقر إلى بنية تحتية ملائمة وتنقصها الخدمات العامة الأساسية، من مدارس ومستشفيات وعيادات وطرق مرصّفة إلخ… ومن دواعي التظلّم الأكثر خطورة، ما كان متعلقاً بمجالي التربية والثقافة، فلم يكن يُلقّن أدب الشيعة وتاريخهم في مدارس وجامعات مناطقهم، كما أن السلطات السعودية كانت تمنع النساء الشيعيات من ممارسة التعليم، وهو من المهن القليلة المتاحة للنساء السعوديات. وقد تنامى لدى الشيعة من جراء ذلك إحساس بالخذلان، إذ كانوا يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، حُرِموا تساوي الفُرص على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.
ومما رسّخ هذا الشعور لدى الشيعة، أن الملك فيصل لم يزُر الأحساء مرة في خلال سنوات حكمه الخمس الأخيرة. وكانوا يرون أنه لم يُبذل أي مجهود سواء لوضع حدّ للإجحاف بحقّهم، أو لدمجهم في المجتمع. وعلى حدّ قول أحدهم، فـ«بنظر السعوديين، هناك السنّة ويتبعهم النصارى فاليهود. ونحن أدنى من اليهود». ورغم ذلك، فقد ساد الأمن والسلام مناطق الأحساء الشيعية في فترة ما بين 1929 ـ 1979، إذ بقي الاستياء الاجتماعي والاقتصادي باطنياً في معظمه. ولما كان التيار الرئيس في المملكة العربية السعودية ينبذ عقيدة وعادات الشيعة، فقد التمس هؤلاء قيادة أئمة إيران عبر الخليج في شرق الأحساء، وأئمة العراق شمالاً.
إلا أن عدم توفّر قوة خارجية لدعم قضيّتهم، جعل شيعة الأحساء يرهبون سلطان النظام السعودي ويسيّرون شؤونهم بتحفّظ واحتراس شديدين. وبالفعل فقد ندرت الأحداث التي تورط فيها شيعة الأحساء، ومنها أحداث أواخر 1966 وأدت إلى اعتقال مئات السكان وأكثرهم من الشيعة بحجة أنهم على علاقة بحزب البعث. لكن يبدو أن الأمر هنا لم يتعلق أولاً بانتماء المتهمين إلى هذه الفرقة الدينية أو تلك، بل بالأمن وإثارة الفتن.
ويبدو أن الثورة في إيران في مطلع 1979 قد ولّدت وعياً جديداً لدى شيعة الأحساء وقد اتّخذوها قدوة لسلوكهم في المستقبل. ومدّتهم بالشجاعة الكافية لتحدي النظام السعودي ورفع مطالب لم يتجرّأوا على مثلها قط من قبل. وقد لعبت إيران ما بعد الثورة خلال 1979 دوراً مهماً في تأجيج الوضع في الأحساء، حيث تُدووِلت منشورات في المدن والقرى تدعو الشيعة إلى عدم التعاون مع الاسرة الحاكمة. وهي ولا ريب من وحي إيراني، وقد عكست الدعاية المروّجة يومياً في برامج إذاعة طهران باللغة العربية الموجّهة إلى دول الخليج. كما أنه تدووِلت أيضاً في الأحساء وفي 1979 أشرطة مسجّلة لخطابات الخميني الدينية وتمتاز بنبرات سياسية حادة. وقد نوّه بعض الأئمة القياديين الإيرانيين كآية الله خلخلي ومثيله روحاني، بالأحساء والبحرين وهما منطقتان يعاني فيهما «الإخوان الشيعة» من الاضطهاد ويتوجّب بالتالي مساعدتهم.
وقد برزت أول علامة اضطراب في الأحساء في صيف 1979 حين أفصح القادة الشيعة عن نيّتهم في إحياء عاشوراء علناً. ويوم عاشوراء المخصّص لذكرى استشهاد الإمام الشيعي الثالث الحسين في القتال، هو أهمّ احتفالات الشيعة الرسمية، ويُعتبر ذروة انفعالية في كبرى فتراتهم الدينية أي شهر محرم. وكان الحكام السعوديون قد حرّموا كلياً الاحتفال بعاشوراء، على أساس تمييزهم بين عاميّة وخاصيّة الممارسات الشيعية. ورغم ذلك ففي 28 نوفمبر 1979، أي عشية عاشوراء، أبى الشيعة إلا أن ينظّموا موكب الحداد. وأدى ذلك إلى تظاهرات لآلاف الشيعة في مختلف أنحاء المنطقة، وسرعان ما تحوّلت إلى مجابهات عنيفة مع قوى الأمن المتواجدة فيها، كما أنها أدّت إلى إحراق السيارات ونهب المتاجر. وبدا وكأن الكبت الراقي إلى عقود قد وجد هنا منفذاً للتعبير.
ونُقل عن المتظاهرين مطالبتهم الحكومية السعودية بالتوقّف عن تزويد الولايات المتحدة بالنفط وبدعم الثورة الإسلامية في إيران. كما أنهم طالبوا بمزيد من الإنصاف في توزيع الثروات في المملكة، وبوضع حد للخذلان بحق الشيعة على يد الأكثرية السنّية. وقد رفعوا الشعارات المناهضة للأسرة الحاكمة، وفي ظرف ساعات قليلة امتدت التظاهرات والاضطرابات في الأحساء، فشملت أماكن كمدينة رأس تنورة وفيها مصفاة للنفط ومدن أباقق وخفجي وصيحة النفطية، ومدينتي القطيف والصفوة الكبريين. ولم تُنقَل أي أعمال عنف ضد الجالية الأميركية الكبيرة في الظهران، إلا أنه ورد خبر هجوم على مصرف بريطاني سعودي في القطيف حُطّمت منافذه. وكاد زمام الأمور أن يفلت من أيدي السلطات في بعض المدن شمال الظهران، وهو المركز العصبي النفطي في المنطقة، فسارعت الحكومة إلى إرسال عشرين ألف جندي لصد المتظاهرين. وقد لقي عدة أشخاص حتفهم،وبلغ عددهم سبعة عشر شخصاً حسب أحد المصادر ، بينما جُرح العشرات من المتظاهرين بما فيه النساء. واحتياطاً لمزيد من المشاغبات، عزلت السلطات السعودية كبرى مدن الأحساء، وتحديداً تلك المحيطة بالقطيف وتحوي أكبر تجمع سكنيّ شيعي في المنطقة. وعلى حد قول أشخاص زاروا منطقة القطيف، فجدران المدينة كانت مغطاة بالشعارات المعادية للحكومة والمطالبات بتذكّر «شهداء» المجابهات.
وقد نفى السعوديون في بداية الأمر هذه الأخبار، مؤكدين على أن «مدن ومحلات وقرى المملكة تنعم بالاستقرار والأمن والحمد لله». إلا أنه وبعد ذلك بثلاثة أيام، صرح وزير الداخلية إلى صحيفة سعودية قائلاً إن ما حصل في الإقليم الشرقي «اقتصر أساساً على تظاهرات محدودة قامت بها مجموعات قليلة».
وفي مطلع فبراير 1980، نزل الشيعة مجدداً إلى الشوارع، وفي الأول من فبراير المطابق هجرياً للعيد الأول لتسلّم الخميني السلطة، حضّت خطبة في الجامع الرئيسي في القطيف العديد من الشيعة على التظاهر في السوق. وقد هوجم مصرفان ورُجماً بالحجارة، وهما المصرف التجاري الوطني أكبر مصارف المملكة، وشركة الرجحي RAJHI للصرافة والعملة وهي أكبر صراف في المملكة. وقد أحرِق خمسون باصاً وسيارة بالإضافة إلى مكتب الكهرباء المحلي، كما قُتل أربعة أشخاص. وطالب المتظاهرون وقد رفعوا صور الخميني بالإفراج عن الموقوفين في مجابهات ديسمبر.
وعكست الاضطرابات العنيفة قلقاً اجتماعياً واقتصادياً متزايداً لدى الشيعة، أكثر مما نمّت عن استيائهم الديني. والمزعج في نظرهم لم يكن عدم إمكان تنظيم موكب عاشوراء الحدادي، بل والأحرى وضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم. ولو اقتصر الأمر على الاستياء الديني اي حظر إحياء عاشوراء، دون الخذلان الاجتماعي والاقتصادي، لكان الشيعة على الأرجح قد رضخوا للأمر. كما أنهم ونظراً للطابع الوهابي للدولة،، لكانوا تفهموا عدم تمكن الحكام السعوديين من التغاضي عن ممارسة الشعائر الدينية علناً، لكونها محرّمة من جانب العقيدة الوهابية. إلا أن ذلك لم يكن ليؤدي بالضرورة إلى الخذلان الاجتماعي والاقتصادي. وقد تفاقم شعور الشيعة بالنقمة والاضطراب إزاء وضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية، حين أدركوا أن منابع الازدهار السعودي موجودة في وسط منطقتهم بالذات وقد حُرموا الاستفادة منها بالتساوي مع الأكثرية السعودية.
وقد بقي هذا الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي باطناً حتى 1979 بسبب تخوّف الشيعة من معاداة النظام السعودي. لكنّ الثورة في إيران الشيعية القريبة، أمدت شيعة الأحساء بشعور بالقوة والثقة بالنفس كان ينقصهم بالانتماء إلى إطار جديد وناجح، يعكس تطلعاتهم ويجعل منهم مواطنين متساوين. وكذلك بإحساس الدرجة الثانية. وانتصار الخميني ونجاح الثورة، أعطيا الشيعة الشجاعة الكافية للوقوف في وجه الأسياد السعوديين والمجاهرة بشكاواهم ومطالبهم. هذا وبينما ولّد استياء الشيعة العداوة والبغض تجاه النظام السعودي، حوّلت الثورة هذه الضغينة وكانت باطنة لغايته، إلى عنف. وكان تفجّر الاضطرابات بمثابة ردة فعل طبيعية لدى الشيعة المستائين، على نجاح الثورة في إيران. وبالفعل، فعلى غرار الثورة الإيرانية، عكست الاضطرابات في الأحساء النقمة الاجتماعية والاقتصادية وكانت خفية سابقاً، وها هي تظهر للعيان بشكل احتجاج متجذّر دينياً ضد النظام، واتخذ هذا الاحتجاج لوناً دينياً كان بمثابة رمز للخذلان والاستياء، وشد بنفس الوقت أواصر اللحمة والتعاضد بين الشيعة. وبالإضافة إلى ذلك، يبدو أن بعض التطورات التنظيمية قد ساهمت في تحوّل الاستياء إلى أعمال عنف. والأرجح أن الشيعة قد اكتسبوا المزيد من التنظيم باندماجهم كعمّال في الاقتصاد السعودي. والشبكات التنظيمية هذه، وبجناحيها العامي والديني، قد لعبت ولا ريب دوراً ما في تعبئة الأهالي وتعبيرهم عن استيائهم من النظام السعودي.
وفيما يخص السعوديين، فتظاهرات الأحساء كانت أول تحدّ سياسي شيعي يواجهه النظام منذ تأيس المملكة الحالية في 1902، كما أنها كانت الأولى من نوعها التي تشهدها المملكة. ونظراً لعدة عوامل، في طليعتها قرب المنطقة من إيران، فمشاركة الشيعة بهذا الحجم في التظاهرات، كان لها انعكاسات على النظام أكثر خطورة من احتلال الجامع الأكبر في مكّة في 20 نوفمبر 1979 على يد شراذم من المتمردين، مع التذكير بأن عملية الاحتلال كانت مستمرة عند انفجار الاضطرابات في الأحساء في نهاية نوفمبر. وقد ساد القلق في الأوساط الحاكمة في المملكة، عند ظهور الشيعة كعنصر خطِر ومستعصٍ، ودوافع هذا القلق متعددة.
فمن جهة إنّ الإقليم الشرقي هو المنطقة النفطية التي تشكّل ركيزة الاقتصاد بمجمله. ولم يكن يُستبعد خطر حدوث أعمال تخريبية في حقول النفط، خاصة أن سبعة آلاف عامل في شركة «أرامكو» ARAMCO أي 35% من مجمل اليد العاملة كانوا من الشيعة. وخطر إقدام بعض الناقمين من الشيعة، على ضرب العصب الحيوي للملكة، بهجومهم على المنشآت النفطية غير المحمية، وقد يساعدهم في ذلك أو يحرّضهم أبناء الطائفة في الدول المجاورة، فإن شبح هذا الخطر كان ماثلاً بشكل مقلق في التظاهرات والاضطرابات. ومن دواعي القلق أيضاً احتمال قيام بعض العناصر الغريبة باستغلال الغضب الشيعي لأغراضها الخاصة، وتعريض استقرار المملكة للخطر. فمن الممكن جداً أن تشكّل الطائفة الشيعية، أرضية ملائمة لتقبّل العقائد المتطرفة. ويُضاف إلى ذلك الخوف الدائم من أن يُصبح شيعة الأحساء، أداة متزايدة القدرة في أيدي قيادة إيرانية متطرّفة ومعادية للمملكة. وكان الظنّ السائد أن شيعة الأحساء ليسوا إلا المحطة الأولى لحملة إعلامية إيرانية، تهدف إلى تجميع القوى قبل أن تشمل سائر الطوائف الشيعية في الخليج، خاصة في البحرين والكويت، وتُزعزع بذلك استقرار كل منطقة الخليج.
وتزايد الإحساس بالخطر بعد تظاهرات فبرير 1980، حين صعّدت إيران هجماتها الإذاعية على النظام السعودي. وقد شرع الإيرانيون في تحريض شيعة الأحساء على الانتفاض ضد الحكام السعوديين، متعرضين للأسرة الملكية وناقضين شرعية حكمها بالذات، ومحتجين بأن الإسلام يتنافى مع الملكية. وهنا مثل عمّا كانت تبثّه الإذاعة الإيرانية ضمن حملتها:
إن النظام في المملكة العربية السعودية يتظاهر بالإسلام، لكنه في الحقيقة يمثّل نمطاً في الحياة غارقاً في البذخ والعبث والعيب. وإنه يسرق أموال الشعب ويبذّرها، وهو منغمس في الميسر والخمر والمجنون. فهل من عجب في أن يسير الشعب في خطى الثورة ويلجأ إلى العنف، ويستأنف النضال لاستعادة حقوقه ووسائل عيشه؟
أيتها الجماهير الثورية، ويا شعب القطيف البطل… قاوموا حكم البادية حيث لا ثقافة ولا وعي ولا حضارة… قاوموا أعداءكم الطغاة بالأعمال التالية:
(1) واصِلوا كتابة الشعارات المناهضة للنظام وحرّاسه، وذلك على الجدران والسيارات وخاصة المباني الحكومية.
(2) وزّعوا الكتيبات الثورية… وشجعوا المواطنين على المقاومة والصمود.
(3) تحدوا القوى الحكومية بتوجيه الضربات إليها. أين السلاح؟.. أين كوكتيل المولوتوف التي أعدّها حتى النساء والأطفال؟ أين قضبان الحديد والعصي والحجارة؟
وقد أدرك السعوديون هنا أن الخميني مقبل على ممارسة تهديد مطّرد من خلال نشاطه الدعائي الهادف إلى تحريض شيعة الأحساء. وأمام قوة التأثير الإيراني، انتهوا إلى ضرورة التحرك بشكل حاسم وفوري، وإلا لواجههم المزيد من الاضطرابات في المستقبل. وهكذا وفي غداة الأحداث، قرّر النظام السعودي معالجة قضية الشيعة بجميع جوانبها، وباعتماد سياسة الترغيب والترهيب مع الأهالي. فحصلت عمليات تفتيش وتوقيف على صعيد واسع، أدت إلى اعتقال عدد من الزعماء الدينيين مع ستمئة شخص. ونُسبت إلى النظام خلق جوّ من الإرهاب والخوف في الأوساط الشيعية، اتقاءً لحدوث المزيد من التظاهرات وأعمال العنف.
ومن جهة أخرى سعت الحكومة إلى وضع سياسة على المدى الطويل لمعالجة القضية، مدركة أن انفجار الأوضاع كان يعكس أيضاً شعوراً عميقاً بالغبن والإجحاف لدى الشيعة، ومصدره الحرمان الاجتماعي والاقتصادي. وبالفعل، فما أن قُمعت التظاهرات العنيفة في فبراير 1980، حتى باشرت الحكومة خطواتها الترغيبية، وتوجه نائب وزير الداخلية الأمير أحمد بن عبد العزيز إلى أماكن التظاهرات، واجتمع بالأهالي وهو موكل بمهمة توطيد الأمن والاستقرار ورسم استراتيجية شاملة لمعالجة القضية. واعترف بأن الشيعة قد أهمِلوا ولم يَنالوا نصيبهم من الازدهار أسوة بسائر سكان الأحساء. وكانت المرة التي يعترف فيها عضو بارز من الاسرة المالكية، بأن الشيعة لم يُعاملوا بالحُسنى. ووعد الأمير أحمد بإصلاح الأوضاع وتحسينها بشرط الحصول على تعاون الشيعة.
وقد بوشر بإشراف الأمير أحمد بتطبيق خطّة شاملة، هدفها توفير مستوى معيشي أفضل للأهالي. وتضمّنت مشروع كهرباء وإعادة تزفيت الشوارع، وبناء مدارس جديدة للبنين والبنات، بالإضافة إلى مستشفى جديد، وتجفيف مساحات كبيرة من المستنقعات، ومشاريع لتوسيع شبكات إنارة الشوارع والمجارير والمواصلات. كما اتخذت الحكومة قراراً كان على الأرجح أهم من كل ذلك، يقضي بتامين قروض عن طريق «صندوق تطوير العقارات»، كي يتمكن السكان من بناء منازل جديدة. وحظيت هذه التدابير بجملة إعلامية ضخمة من قبل «الوكالة الصحفية السعودية» الواقعة تحت سيطرة الحكومة ومجمل الصحافة. وقبل عطلة عاشوراء بأسبوع من نوفمبر 1980، أعلنت الحكومة عن مشروع جديد لتطوير منطقة القطيف. وفي نفس المساء، قدم التلفزيون برنامجاً إخبارياً عن القطيف وعملية تنميته. وتوقيت هذين الحدثين لم يكن طبعاً وليد الصدفة، وهو للتذكير بقدر الجهود التي بذلتها الحكومة في العام السابق لمصلحة الشيعة. وذهب وليّ العهد الأمير فهد أبعد من ذلك، حين أمر وقبل عاشوراء ببضعة أيام بإخلاء سبيل أكثر من مئة شيعي من المعتقلين أثناء تظاهرات نوفمبر 1979 وفبراير 1980. ومرّت مناسبة عاشوراء دون أحداث تُذكر.
وتثبيتاً للاهتمام الحكومي بالسكّان الشيعة واعترافاً بالهدوء السائد فيما بينهم، زار الملك خالد بن عبد العزيز الأحساء لتفقّد أهم المناطق الشيعية فيها وعلى رأسها مدينة القطيف. وكان يرافقه دوماً شيوخها أثناء إقامته التي بدأت خمسة أيام فقط بعد عاشوراء. وانعكس أيضاً موقف النظام الجديد، في المخطط الخماسي الثالث وكان يتضمّن مشاريع عديدة في مجالات الصحة العامة من عيادات ومستشفيات، والتربية من مدارس جديدة للبنين والبنات حتى في القرى النائية، وصلاح معيشة الشباب، والكهرباء، والهاتف، والمجارير، والمياه إلخ… وقد صمّم أيضاً مطار كبير للمنطقة. وفي 1981، شُكّلت لجنة خاصة برئاسة وليّ العهد، للتخطيط لإنفاق مليار ريال في مشاريع إنمائية جديدة في الإقليم الشرقي.
والظاهر أن الرغبة في إزالة الحواجز كانت فعلية لدى الطرفين. فمن جهة أدركت الحكومة ضرورة تعديل سياستها تجاه الشيعة، ومن جهة أخرى، شعر هؤلاء بضرورة إعادة تقييم الأوضاع، نظراً للموقف الجديد الذي تبناه السعوديون وللتطورات الحاصلة في إيران. فالقمع السريع الذي جوبهت به التظاهرات جعل الشيعة مترددين جداً في تكرارها في المستقبل والتعرض لردات فعل قاسية. ثم أن مخططات التنمية الجديدة كانت تدل على تحول واضح في الموقف السعودي، مما جعل الشيعة يقتنعون بأن أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية ستتحسن، وأنه بالتالي من غير المجدي أن يُعادوا النظام السعودي باعتمادهم خط المجابهة بدل التعاون. وأخيراً وليس آخراً فأوهام الشيعة كانت على طريق الزوال، بفعل الخضّات التي كانت تعاني منها إيران، وكذلك الحرب المستمرة والمدمرة بينها وبين العراق. وقد أدركوا أنه بالرغم من خطابات الخميني العنيفة، فالسعوديون في نهاية المطاف هم الذين يملكون اليد الطولى في التأثير في حياتهم وتحسين أحوالهم. وفي النتيجة فقد سكنت الاضطرابات في الأحساء، وساعد على ذلك تدفق الأموال والمساعدات وباستمرار وقد سجلت تحولاً في سياسة النظام.
على هذا الأساس، يدل تقييم إجمالي للموقف السعودي من الأقلية الشيعية على تحول واضح في القرن العشرين، وبشكل أخص بعد الثلاثينات. وفي حين أن السياسة السعودية كانت في السابق متاصلة في اعتبارات دينية وهابية، فالموقف الجديد هو قائم على المصالح والخطوط الكبرى للسياسة السعودية. وبدلاً من أن تكون الاختلافات الدينية الفاصل الرئيسي، فمقتضياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد أصبحت العامل الأولي. والسعوديون ليسوا بقلقين من أن يُشكل الشيعة معارضة دينية، ولا هم مهتمون بهذا المقدار بهويتهم الدينية. بل إنهم بالأحرى متخوفين من الأبعاد السياسية لهذه الهوية، ومن قرب إيران ما بعد الثورة.
ومن المنظور الشيعي، فواضح أن همهم الأول كان وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، بالرغم من أنه ربما كان لبعض الشيعة دوافع متعلقة بحريتهم الدينية. وبعد أن كانت الأقلية الشيعية في السابق ساكنة ومتخوفة، فقد تمكنت بفضل الثورة في إيران من النهوض والمجاهرة بمطاليبها علناً. ولكن وبعد أن اتضح للشيعة أنهم أحرزوا نصيباً مهماً من المكاسب الاقتصادية، اختفى دافعهم الأساسي لتحدي النظام السعودي. وفي هذه الظروف، فلا عجب في عدم حدوث انفجارات غاضبة أو تظاهرات عند شيعة الأحساء بعد فبراير 1980، ولا في كون مجمل المنطقة هادئة ومستقرة. وهو أمر جدير بالتمعن، علماً بأنه وطيلة هذه الحقبة، واصل النظام الإيراني بث برامجه الإذاعية الخاصة باللغة العربية، ونشر وتوزيع الكتيبات، محرّضاً شيعة الأحساء على الانتفاض ضد الأسرة المالكة. وهو برهان إضافي على أن الأسباب الأساسية الكامنة وراء الاستياء الشيعي، كانت مرتبطة بأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية. ومنذ أن بدأت معالجة هذه المسائل، رضي الشيعة وتخلوا عن أي نية في تحدي أو مجابهة النظام السعودي. ومع ذلك فلا يجب استبعاد عودة الاستياء والمعارضة إلى الظهور في صفوف الشيعة، في حال حدوث تغيرات في الأوضاع في المستقبل. وعلى الصعيدين الخارجي (في إيران والمجموعات الشيعية في دول الخليج) أو الداخلي (في السياسة السعودية) أو الاثنين معاً.
(يعقوب كولبرك)
(المقال مترجم عن الإنكليزية)
الأماكن المقدسة في واسط
لكل محافظة ومنطقة أماكنها المقدسة الخاصة بها والتي ربما لم تسمع بها المنطقة الأخرى، ومثل بقية المحافظات والمناطق، لواسط أماكن ومراقد مقدسة يتوافد إليها الناس، من بقية المناطق أحياناً، ليتبركوا بها وليوفوا نذورهم لها وما شابه.
وسأشرح في الصفحات التالية ثلاثة مراقد تعتبر هي الأشهر، وهي مرقد «سيد نور»، و«علوية شريفة» و«سيد أبو الحسن».
«سيد نور»: وهو السيد نور بن سيد ياسين بن سيد مطر العلاق، ينتهي نسبه إلى الرسول (ص)، لذا اكتسب لقب «سيد».
يقع مرقد سيدنا هذا في مركز الكوت القديمة في المحلة المسماة «محلة سيد نور». وبعد توسع المدينة العمراني أصبح موقعه في جنوب المدينة.
لم أستطع بالضبط معرفة تأريخ ولادته ووفاته واختلفت الروايات في ذلك، إلا أنني استشففت منها أن مولده كان في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. ومن ناحية وفاته، فقد قيل إنه مات وعمره لم يتجاوز السنتين أو الثلاث، بينما تقول رواية أخرى أنه «غاب» وعمره «12سنة»، بعد أن طارده والده وأراد أن يمسكه لأنه قد «شور» بأحد الصبيان، لذلك يسمى أحياناً «سيد نور الغايب» المهم، أنه بعد وفاته ـ أو غيبته ـ بني له ضريح أصبح مزاراً يؤمه الناس ليتبركوا به وينذروا له النذور، عساه أن يحقق أمنياتهم ورغباتهم. كما أن قسماً من بنايته أصبح مقبرة يدفن فيها الأطفال والفقراء الذين لا يستطيون تحمل نفقات السفر إلى النجف ـ لا يدفن فيها الآن ـ. وقد «نشطت» هذه المقبرة بعد تفشي وباء الهيضة، ومات عدد كبير من الناس.
اكتسب سيد نور أهمية دينية في وقته ـ تضاءلت كثيراً الآن ـ نتيجة للقصص والأساطير (أو ما يسمى شعبياً «البراهين») التي حيكت حوله، أصبح سيد نور «مسكوناً» من قبل «الطناطل» و«الملايكة»، التي ترى أحياناً على شكل دجاجة وفراخها أو ماعز ما شابه. وعن هذه الأشياء حكايات كثيرة جداً، لا يستوعبنا المجال إلا لذكر نتف قليلة.
كان أحد الأشخاص يسير في «محلة سيد نور» ليلاً، وصادف أن…..
ونظراً لكثرة «طناطل سيد نور» في ذلك الوقت، كان سكان تلك المنطقة يحملون «المخيط»)[132](، لأنه الأداة والسلاح الوحيد و«المجرب» الذي يخاف منه الطنطل فما عليك إذا رأيت «طنطلاً» ـ لا سمح الله ـ إلا أن تقول له: أوڴـف)[133](راح اطلع المخيط وهذا القول كفيل بأن يجعله يطلق ساقيه للريح لأن «المخيط» يخيطه ولا يجعله يتحرك.
الأساطير والحكايات حول سيد نور و«براهينه» كثيرة، سأسرد قسماً منها ليطلع القارئ على تراث مدينتي واعتقادها السابق. فمثلاً، امتطى سيد نور يوماً حائطاً وأمسك بأفعى كانت تسير عليه، والتي سرعان ما تحولت إلى عصا، وحينما بدأ يضرب بها الحائط أخذ يسير. وقصة الخادم الزنجي، لا تزال عالقة في أذهان الكثيرين، وخلاصتها أن خادماً زنجياً سرق يوماً مصوغات مولاته ابنة شخصية هندية كبيرة في ذلك الوقت، حينما ذهبت إلى الحمام، ودفنها في البستان، وحينما افتقدت الابنة مصوغاتها، شكت بالخادم، واستحلفته بسيد نور، فأقسم زوراً، ونتيجة لهذا القسم المزور أصابت الخادم حالة هستيرية، وأمسك بقنينة النفط وسكبها على ملابسه ثم أشعل عود شخاط وأحرق نفسه ومن هذه الحادثة نشأت المقولة الشهيرة:
«سيد نور بينت)[134]( شارته
والعبد بيده حرڴ)[135]( دشداشته)[136](»
ويحكى أن طفلاً كفر به ونتيجة لذلك تحول برازه إلى «جير»)[137](! ويحكى أيضاً أن سيد نور أمسك يوماً عقرباً فتحول إلى فحمة سوداء!
في يومنا هذا أخذ بناء سيد نور يتهدم ويتهاوى تدريجياً ولربما سقط تماماً لو لم تتداركه الترميمات والتجديدات، كما أن «الزوار» والوافدين إليه والنذور قلت بدرجة كبيرة جداً، وفي العاشر من شهر محرم يكون محلاً للتطبير.
المرقد الثاني هو مرقد «علوية شريفة بنت سيد محسن العاملي»، ويرجع نسبها أيضاً إلى سلالة الرسول (ص) ولذلك اكتسبت لقب «علوية» يقع ضريحها الآن على بعد ما يقارب ثلاثة كيلومترات من مركز المدينة، بعد أن كانت تقع في منطقة «العباسية»، على طريق البصرة، ويستطيع الراكب رؤية قبتها الخضراء من السيارة أثناء مروره بمفرق الكوت.
وقصة بناء ضريح هذه العلوية قصة طريفة، إذ يقال إن «علوان اللبان»)[138]( رأى في المنام العلوية المتوفاة المدفونة بالقرب من داره وأخبرته بأنها علوية من سلالة الرسول، وأمرته بأن يبني ضريحاً لها وسيغتني من جراء ذلك، وبنى الضريح في العباسية، وراح النسا يتوافدون إليها، نظراً لقوة «شارتها» ولهذا السبب قل رصيد سيد نور من «الزوار» والنذور، وراحت «تشفي» الناس و«تعطي» المراد، وبعد مدة من الزمن طلب من «علوان» أن ينقل الضريح إلى منطقته الحالية نتيجة لوصول العمران إلى منطقة العباسية، واضطر أن يفعل «علوان» ذلك ونقلها إلى بيته بعد أن هدم ضريحها، وأصبح بيته مزاراً عظيماً، يزوره الناس لرؤية عظام العلوية الموضوعة في «الطشت»)[139]( وهم يرمون بالنقود فيه. ومن ثم نقلها إلى محلها الحالي.
إن لعلوية شريفة «براهين» كثيرة تدل على أصالة نسبها، فهي «تؤدي» ما يطلبه الشخص منها «وتنتقم» من الأشخاص الساخرين بها، فمثلاً «أماتت» الشخص الذي أمر بنقلها من محلها الأول «العباسية»! كما أنها «كسرت» يد طفل عبث «بحبها» وكسره!
ويقال أيضاً إن شخصاً سرق من زوجة أخيه مبلغ خمسة دنانير، وأقسم زوراً بالعلوية، مما أدى إلى إصابته بالشلل، لذلك اضطر أن يستعطف والدها الساكن في «جصان» ـ توفاه الله قبل ثلاث سنوات ـ فأخبره بأن يذهب وينام فيها لمدة أربعين يوماً في الشتاء القارس، ففعل ذلك، لكن «الـڴـيمة»)[140](طردته بعد أن رأت العلوية في المنام وأخبرتها بأنها كلما تحاول الخروج ليلاً، ترى شخصاً مرابطاً لها، وأنها لا تريد ذلك!
ويحكى أيضاً أن مسلولاً كان نزيل مستشفى «التويثة»، أخبره الطبيب الأخصائي، بأن لا علاج له وقرر الذهاب إلى منطقته وفي طريقه رأى قبة العلوية ولما سأل عنها وأخبروه بأمرها نذر لها خروفاً مسلسلاً بالحديد إن شفي من السل، وفعلاً شفي من مرضه ـ بقي أن يعرف عزيزي القارئ أنها ماتت بمرض السل في السادسة من عمرها! ـ وقد توفيت قبل ربع قرن.
المرقد الثالث هو مرقد «السيد محمد العابد بن موسى بن جعفر (ع)»، المسمى «سيد أبو الحسن»، يرجع نسبه إلى الرسول الأعظم (ص). يقع في حي الكرامة ـ الأنوار سابقاً ـ على بعد كيلومتر واحد من مركز المحافظة.
وأنت تدخل إلى ضريحه، تطالعك هذه اللوحة المكتوبة، بما يأتي:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ صدق الله العظيم. إننا الموقعون أدناه هادي لايذ وعبد عبدل والحاج أمين وعبد طه الدخيل، نشهد حسب ما تطلعنا بأن محمد أبو الحسن (رحمه الله) مدفون قرب ناحية الفلاحية هو السيد محمد العابد بن الإمام موسى بن جعفر (ع) ووجدنا في كتاب عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 192 واستناداً لذلك وثبوتاً لقول الشيخ هادي أسدالله بأن محمد أبو الحسن هو محمد العابد بن الإمام موسى بن جعفر (ع) ويؤيد ذلك الشيخ حبيب العاملي (رحمه الله) وقد أثبت ذلك من مطر مناحي يتجاوز عمره مائة وثلاثون سنة توفي وهو مقيم خادم لقبر السيد أبو الحسن (رحمه الله) يقول كان القبر مشيداً وعليه قبة وله صحن وضريح ومسجد ملاصق إلى الصحن وبئر ماء ورخامة إلى أوقات الصلاة وصخرة فيه اسمه وتأريخ وفاته وفي الحرب العظمى سنة 1914 التي دارت بين الأتراك والإنكليز في نواحي الكوت، إلا أن الأتراك هدموا القبة وأخذوا الطابوق لشؤونهم ولم يبق أثر للإمام محمد أبو الحسن (رحمه الله) شيئاً وجعلوه قاعاً صفصفاً وبعد ذلك شيد من قبل جماعة من المسلمين ولم توجد الصخرة ولا الرخامة ولأجله وقعنا هذه المضبطة 30/9/1963م.
الحاج محمد أمين عبد الحسين ـ عبد طه الدخيل ـ عبد عبدل ـ عبد الهادي لايذ ـ ذياب فرج ـ عيدان محمد حسين ـ عبدالله موسى.
هنالك روايات وقصص كثيرة «تثبت» «شارة» سيد أبي الحسن، فمثلاً يكنى بـ«سبع المـڴـاصيص»، والمـڴاصيص قبيلة معروفة، إذا أذنب أحد أفرادها أو سرق يخاف أن يستحلفوه بسيد أبي الحسن، لرهبته منه.
وهناك رواية قديمة عنه، تقول: إن لصين سرقا بعض المسروقات، وعندما توجه صاحب المسروقات مع اللصين المشكوك فيهما إلى «أبي الحسن» أقسما به زوراً، ولكن ما إن ابتعدا عنه قليلاً، حتى تخاصما بينهما وما كان من أحدهما إلا أن ضرب الآخر بطلقة بندقية لذا طارت جبهته والتصقت في حائط وأخذ الشعر الذي عليها يرتجف.
ويقال أيضاً إن ثلاثة أشخاص سرقوا سجادة ودهناً من القائم بأعمال السيد، اعترف أحدهم بالسرقة بينما لم يعترف الاثنان الباقيان، مما أدى إلى موت أحدهما بالسيل، أما الآخر فأصبح مجنوناً ولم يشفه ربطه في ضريح السيد.
ويحكى كذلك أن السماء كانت تمطر رصاصاً وقنابل إبان الحرب العالمية الأولى، إلا أن أحداً من المحتمين بأبي الحسن لم يصب.
ويحكى عن الأتراك الذين هدموه وسرقوا طابوقه، أن المعونة قد قطعت عنهم وماتوا ولا تزال عظامهم وقبورهم المدروسة موجودة.
شفيق مهدي الحداد
تعقيب على مقال
الأماكن المقدسة في واسط
قرأت في العدد الخامس من السنة السادسة من مجلة التراث الشعبي الزاهرة مقالاً بعنوان «الأماكن المقدسة في واسط» للسيد شفيق مهدي الحداد وقد استمتعت بعض الوقت وأنا أجول في معالمه الرحبة بهدوء. بيد أني فوجئت بعوارض نصبت، وحواجب شهرت، جعلتني أستلفت النظر إلى بعض ما ورد في المقال من شوارد كان لا بد من التنبيه إليها.
1 ـ ركز المؤلف في مقاله عن الأماكن المقدسة في واسط على قبور ثلاثة فقط.
الأول: قبر السيد نور العلاق.
الثاني: قبر السيد محمد العابد المعروف بأبي الحسن.
الثالث: قبر العلوية الشريفة بنت السيد محسن العاملي. ولم يشر إلى بقية القبور الأخرى التي يعتبر بعضها أهم مما ذكر، ومنها:
أ ـ قبر سعيد بن جبير التابعي الجليل.
ب ـ قبر محمد التقي النهرسابسي النقيب الذي كانت له على نهر سابس إقطاعات كبيرة نسب إليها.
جـ ـ قبر محمد الحائري، الذي سيجيء الكلام عليه ـ عرضاً ـ أثناء الحديث قريباً.
ومن هنا ينتفي الشمول الذي أشار إليه الكاتب الفاضل حول الأماكن المقدسة في واسط إلى التخصيص في إطار معلوم.
وأول الأمور التي أشار إليها الكاتب ما ذكره حول قبر السيد نور العلاق، فقد حده بإطار ضيق، ولم يشر إليه إلا إشارة عابرة لم تعرف بالسيد المذكور سوى بالكرامات الواهنة التي يتناقلها العوام من الناس.
على أن السيد نوراً هذا هو ابن العلامة الكبير السيد ياسين المتوفى سنة 1300 هـ ابن السيد مطر ابن السيد رسالة بن السيد حسين بن محمد بن حمد بن درويش الحسني، الذي ينتهي نسبه إلى موسى الجون ابن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب. وكان للسيد نور أخوة فضلاء نالوا حظاً وافراً من العلم وضربوا المثل الأسمى في الأدب. فهم السيد علي العلاق المتوفى سنة 1345هـ العالم الأديب المعروف، والسيد جواد. وكان لهما جاه رفيع، ومنزلة سامية في نفوس مختلف الطبقات.
توفي السيد نور شاباً في حدود العشرين، ولا عقب له.
2 ـ ومن موارد النظر ما ذكره عن قبر من سمي محمداً أبا الحسن، وذكر ما شاع عنه مؤخراً من أنه قبر محمد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر، مستشهداً بكلام الشيخ حبيب المهاجر العاملي، والشيخ هادي آل أسد الله، حسب الوثيقة التاريخية التي نص عليها.
والرجلان المذكوران لا باع لهما في علم النسب، ولا في تعيين مقابر الأكابر والسادات، وإن كانا من المختصين في أبواب الفقه وأصوله، على أن محمداً العابد ابن الإمام موسى بن جعفر مرقده في «شيراز» من بلاد إيران بإجماع النسابين ورجال التاريخ. فمن قفز بقبر العابد من إيران إلى واسط؟!
أجل، قبر في واسط حفيده السيد الشريف محمد الحائري الخابري «نسبة إلى خابورة من بلاد واسط لا إلى دير الخابور» ابن إبراهيم المجاب بن العابد المذكور. وهو المعروف عند العامة بـ«العـﮔار».
وقد وقع في مثل هذا الوهم قبلاً الشيخ يونس السامرائي إذا نسب القبر الموجود في الدور من سامراء إلى محمد العابد المذكور، وإنما هو لأحد المتصوفة ممن لا يمت إلى أصل عربي، ولقبه المرادف لاسمه في كتب التاريخ الوارد في كتب السير يدل على ذلك.
والطريف أن السامرائي ينقل عبارات بعضهم في ترجمة صاحب القبر المذكور فيستنبط ما لا يحتمله اللفظ، ويجعل وصف المؤرخين إياه بالشيخ والإمام دليلاً على أنه ابن الإمام موسى بن جعفر.
وكل ذلك في معزل عن الصواب.
أما تحقيقنا حول قبر محمد أبي الحسن المزعوم فهو في الحقيقة من القبور المجهولة، ولعله من القبور «الجعلية» التي لا أصل لها. وربما قيل إنه لأحد العباسيين ممن سكن واسط.
ولكن يطالعنا رأي له وزنه الحقيقي في تثبيت هذا القبر المعروف الآن خطأ بقبر محمد العابد، فقد قيل إن محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف بن الإمام علي زين العابدين مات بواسط. إذ أنه خرج بالطالقان أيام المعتصم، وأقام بها أربعة اشهر ثم حاربه عبدالله بن طاهر، وقبض عليه، ثم أنفذه إلى بغداد فحبس، ثم أفلت من الحبس.
وقال أبو الفرج في «مقاتل الطالبيين»، قيل إنه انحدر إلى واسط وهو الصحيح إلى الطالقان فمات بها.
وقال أبو طالب الموزي، مات ببغداد.
ولعلّ سميه هذا هو المشتهر عند العامة الآن.
3 ـ ذكره لمرقد سمّاه ـ ناقلاً ـ بمرقد العلوية شريفة بنت السيد محسن العاملي. واسم السيد محسن العاملي إذا أُطلق ينصرف الذهن إلى العلامة ا لكبير السيد محسن الأمين العاملي صاحب موسوعة «أعيان الشيعة»، وغيرها من المؤلفات الشهيرة، المنتهي نسبه إلى عيسى بن الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين، كما ذكر ذلك صديقنا الأستاذ عبد الستار الحسني البغدادي في «القول الحاسم» المخطوط.
ولم يعرف للسيد محسن عقب في العراق لا من ذكور ولا من إناث، وإنما أولاده في لبنان أشهرهم ولده الأديب الشاعر الأستاذ حسن الأمين.
وعلى تقدير أن السيد محسناً العاملي هذا غير محسننا الأمين، فكان ينبغي الإشارة إلى ذلك دفعاً للوهم واللبس.
هذه بعض الملاحظات عنّت لي حول الأماكن المقدسة في واسط سجّلتها استكمالاً للصورة التاريخية من جهة، وحفاظاً على المعالم التراثية من جهة أخرى، عسى أن تسد بعض الفراغ في تحقيق المراقد وتعيينها.
بغداد ـ 1975م
بقلم جودت القزويني
الإمامة المبكرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل الصلوات على أفضل النبيين وآله الطيبين الطاهرين، اليوم نجتمع بمناسبة وفاة الإمام التاسع عليه الصلاة والسلام الإمام الجواد الذي قدّر الله سبحانه وتعالى أن يكون نفس وجود هذا الإمام على خط حياة أهل البيت دليلاً وبرهاناً على صحة العقيدة التي نؤمن بها نحن بالنسبة إلى أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، لأن الظاهرة التي وجدت مع هذا الإمام وهي ظاهرة تولي الشخص للإمامة وهو بعد في سن الطفولة على أساس أن التاريخ يتفق ويجمع على أن الإمام الجواد توفي أبوه وعمره لا يزيد عن سبع سنين)[141]( ومعنى هذا أنه تولى زعامة الطائفة الشيعية روحياً ودينياً وعلمياً وفكرياً وهو لا يزيد عن سبع سنين.
هذه الظاهرة التي ظهرت لأول مرة في حياة الأئمة في الإمام الجواد عليه الصلاة والسلام، لو درسناها بحسب الاحتمالات لوجدنا أنها وحدها كافية للاقتناع بحقانية هذا الخط الذي كان يمثّله الإمام الجواد عليه الصلاة والسلام، إذ كيف يمكن أن نفترض فرضاً آخر غير فرض الإمامة الواقعية في شخص لا يزيد عمره عن سبع سنين ويتولى زعامة هذه الطائفة في كل المجالات الروحية والفكرية والفقهية والدينية؟ في هذا الموضوع لا مجال لافتراض أن الطائفة لم يتكشّف لديها بوضوح هذا الصبي، لأن زعامة الإمام في أهل البيت لم تكن زعامة محوطة بالشرطة، والجيش، وأبّهة الملك، والسلطان الذي يحجب بين الزعيم ورعيته، ولم تكن زعامة دعوة سرية من قبيل الدعوات الصوفية أو الفاطمية التي تحجب بين رأس الدعوة وبين قواعد هذه الدعوة لكي يفترض أن هذا الرأس كان محجوباً عن رعيته مع إيمان الرعية به.
إمام أهل البيت كان مكشوفاً أمام الطائفة، وكانت الطائفة بكل طبقاتها تتفاعل معه مباشرة في مسائلها الدينية، وفي قضاياها الروحية والأخلاقية، والإمام الجواد عليه الصلاة والسلام نفسه أصرّ على المأمون حينما استقدمه إلى بغداد في أن يسمح له بالرجوع إلى المدينة، وسمح له بالرجوع إلى المدينة، ورجع إلى المدينة، وقضى بقية عمره أو أكثر عمره في المدينة.
إذن فقد قضى الإمام الجواد عليه الصلاة والسلام أكثر عمره، أو كل عمره وهو على المسرح، وهو مكشوف أمام المسلمين، أمام مختلف طبقات المسلمين بما فيهم الشيعة المؤمنون بزعامته وإمامته، فافتراض أنه لم يكن الإمام الجواد مكشوفاً أمام المسلمين وأمام طائفته بالخصوص خلاف طبيعة العلاقة التي أُنشئت منذ البداية بين أئمة أهل البيت وقواعدهم الشعبية في المسلمين، خصوصاً إذا أضفنا إلى ذلك أن الإمام الجواد قد سلطت عليه أضواء خاصة من قبل الخليفة المأمون في القصة التي تعرفونها.
يبقى افتراض آخر وهو افتراض أن المستوى العلمي والفكري للطائفة وقتئذ كان يَعبُر عليه هذا الموضوع، كان بالإمكان على المستوى الفكري والعقلي والروحي للطائفة أن تصدّق هذه الطائفة بإمامة طفل وهو ليس بإمام، هذا أيضاً مما يكذبه الواقع التاريخي لهذه الطائفة وما وصلت إليه من مستوى علمي وفقهي، فإن هذه الطائفة قد خلّفها الإمام الباقر والإمام الصادق (ع) وفيها أكبر مدرسة للفكر الإسلامي في العالم الإسلامي على الإطلاق، المدرسة التي كانت تتكون من الجيلين المتعاقبين جيل تلامذة الإمام الصادق والكاظم (ع) وجيل تلامذة تلامذة الإمام الصادق والكاظم، هذان الجيلان كانا على رأس هذه الطائفة في ميادين الفقه والتفسير والكلام والحديث والأخلاق، وكل جوانب المعرفة الإسلامية.
إذن فليس من الممكن أن نفترض أن المستوى الفكري والعلمي لهذه الطائفة كان يعبُر عليه مثل هذا، لا يمكن أن يعبُر على طائفة فيها هذه المدرسة التي كانت هي قبلة الفكر الإسلامي في كل ميادين المعرفة أن يعبر عليها مثل هذا التصور وتتصور أن شخصاً طفلاً هو إمام وهو ليس بإمام. إن أمكن لشخص أن يتصور أن رجلاً عالماً كبيراً محيطاً مطلعاً بلغ الخمسين أو الستين يستطيع أن يقنع مجموعة من الناس بإمامته وهو ليس بإمام، لأنه يتصف بدرجة كبيرة من العلم والمعرفة والذكاء والاطلاع، فليس بالإمكان أن نفترض ذلك في شخص لم يبلغ العاشرة من عمه. وكيف يستطيع أن يقنع بإمامته كذباً طائفة وهو مكشوف أمامها؟ وهذه الطائفة تشتمل على مدرسة فكرية من أضخم المدارس الفكرية التي وجدت في العالم الإسلامي يومئذ، مدرسة كان يوجد بعض قطاعاتها في الكوفة، وبعض قطاعاتها في قم وبعض قطاعاتها في المدينة، هذه المدرسة التي كانت موزعة في حواضر العالم الإسلامي. والتي كانت كلها على صلة مباشرة بالإمام الجواد تستفتيه وتسأله، وتنقل إليه الأموال من مختلف الأطراف من شيعته، مثل هذه المدرسة لا يمكن أن نتصور فيها أن تغفل عن حقيقة طفل لا يكون إماماً.
يبقى افتراض آخر وهو أن الطائفة لم يكن عندها مفهوم الإمام والإمامة، كانت تتصور أن الإمامة مجرد تسلسل نسبي ووراثي ولم تكن تعرف ما هو الإمام، وما هي قيمة الإمام وما هي شروط الإمام، هذا الافتراض أيضاً يكذّبه واقع التراث المتواتر المستفيض من أمير المؤمنين إلى الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام عن شروط الإمام ومحصول الإمام وعلامات الإمام.
التشيع قام بصورة أساسية على المفهوم الإلهي المعمّق للإمامة، هذا هو أوضح وأبده وأوّل مفهوم من مفاهيم التشيع، وهو أن الإمام إنسان فذّ فريد في معارفه وأخلاقه وقوله وعمله، هذا هو المفهوم الأساسي للتشيع الذي بشرت به آلاف النصوص من عهد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام إلى عهد الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام، كل الخصوصيات وكل التفاصيل أصبحت بالتدريج واضحة في ارتكاز الطائفة وذهنيتها حتى بعض التفاصيل الثانوية.
يقول الراوي في مناسبة قصة الإمام الجواد عليه الصلاة والسلام:
دخلت المدينة بعد وفاة الرضا أسأل عن الخليفة بعد الإمام الرضا، فقيل إن الخليفة في قرية قريبة من المدينة فخرجت إلى تلك القرية ودخلت داخل القرية ـ وكأنّ هذه القرية كان فيها بيت الإمام موسى بن جعفر انتقل بالوراثة إلى أولاده وأحفاده ـ يقول فرأيت البيت غاصاً بالناس ورأيت أحد إخوة الإمام الرضا كان جالساً يتصدر المجلس، إلا أن الناس يقولون فيما بينهم: إن هذا ليس هو الإمام بعد الإمام الرضا، لأننا سمعنا من الأئمة أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين)[142]( كل التفاصيل وكل الخصوصيات النسبية والمعنوية كانت واضحة ومحددة عندهم، إذن فهذا الافتراض أيضاً يكذّبه واقع التراث المتواتر الثابت عن الأئمة السابقين عليهم الصلاة والسلام.
يبقى افتراض أخير وهو افتراض أن يكون هذا تبانياً على الزور والباطل من قبل هذه الطائفة، وهذا أيضاً مما يكذّبه إيماننا الشخصي فقط بورع هذه الطائفة وقدسيتها، وإنما يكذّبه إضافة إلى إيماننا الشخصي بذلك، الظرف الموضوعي لهذه الطائفة، لم يكن التشيع في يوم من الأيام في حياة هذه الطائفة طريقاً إلى الأمجاد، إلى المال، إلى الجاه، إلى السلطان، إلى المقامات العالية.
التشيع طيلة هذه المدة كان طريقاً إلى التعذيب، إلى السجون، إلى الحرمان، إلى الويل، إلى الدمار. كان طريقاً إلى أن يعيش الإنسان حياة الخوف والذل والتقية في كل حركاته وسكناته، لم يكن التشيع في يوم من الأيام طريقاً إلى مال أو جاه أو ثراءٍ حتى يكون هذا التباني من قبل هذه الطائفة على ذلك على سبيل مطمع، لماذا يتبانى عقلاء هذه الطائفة ووجهاؤها وعلماؤها، على إمامة باطلة؟ مع أن تبانيهم على هذه الإمامة الباطلة يكلفهم كثيراً من ألوان الحرمان، ولو أن هؤلاء الوجهاء والعلما والأعلام تركوا هذه الطريقة، واتبعوا الطريق الرسمي المكشوف وقتئذ المتبع من قبل سائر المسلمين لكانوا في طليعة سائر المسلمين، فالظروف الموضوعية للطائفة كانت بنفسها تشهد على أن هذا التبني على إمامة يكلّفهم الاعتقاد بها ألوان العذاب وألوان الحرمان لا يمكن أن يكون ناشئاً إلا عن اعتقاد حقّ بهذه الإمامة.
إذن فكل هذه الافتراضات الأخرى لا يمكن أن تكون مقبولة عند أي إنسان يطلع على تاريخ الطائفة، وتاريخ الإسلام وقتئذ، وعلى الظروف الموضوعية التي تكتنف إمامة الجواد (ع) ولا يبقى إلا الفرض الوحيد المطابق للواقع، وهو أن يكون الإمام الجواد إماماً حقاً. نحن اليوم نجتمع بمناسبة هذا الإمام عليه الصلاة والسلام، فأردت أن أذكر هذا بمناسبة كون اليوم يوم الإمام الجواد عليه الصلاة والسلام.
محمد باقر الصدر
أمنية الموقن في حديث نيّة المؤمن
للسيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1300هـ/1883م
المؤلف: أبو جعفر السيد مهدي الحسيني القزويني النجفي الحلي من أشهر مراجع الإمامية العظام الذين نهضوا بزعامة التقليد والمرجعية العامة في أواخر القرن الثالث عشر بعد وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري سنة 1381هـ)[143](.
لقّب بألقاب عدة «معز الدين»)[144]( و«العلامة الثاني»)[145]( و«الإمام»)[146]( وعرف بوفرة التصنيف، ومتانة التأليف فقد خرج له من الآثار العلمية ما ينيف على التسعين مجلداً في مباحث الفقه، والأصول، والكلام، والفلسفة، والتاريخ، والمنطق، ومسائل الخلاف، والتفسير، والحديث، والعقائد، والأخلاق، والنحو، والصرف، والأدب، والرياضيات، والأنساب وغيرها)[147](.
وكان من رجال الشيعة المبشرين ـ كما تقول مس بيل ـ فقد استطاع أن يكون سبباً لاعتناق مجموعة قبائل زبيد الممتدة منازلها بين دجلة والفرات من شمال الكوت بقليل إلى منتصف الطريق إلى بغداد حوالى سنة (1830م) ـ للشيعية. ولا يقل عدد المعتنقين من هذه القبائل عن العشرة آلاف شخصاً)[148](.
ولادته ونشأته
وُلد في النجف الأشرف سنة (1222هـ) وأرّخ ولادته الشيخ جواد الشبيبي ـ وهو لم يدركه ـ على سبيل المودة بقوله)[149](:
أبعقد جيد الوجود تحلّى
أم ببدر وجه الزمان تجلّى
وعلى المهد أي قبلة قدس
لعلاها وجه المكارم صلى
جلّ مهد يقلّ للحجة الـ
ـمهدي جسماً أحاله الله فضلاً
يتحرّى الإسلام منه إماماً
آية الدين عن معانيه تتلى
سوف يردي دجال جور الليالي
أرّخوه «ويملأ الأرض عدلاً»
وجملة التاريخ «ويملأ الأرض عدلاً» في حساب الحروف تساوي «1223». وفي قوله «يردي دجال» إشارة إلى نقص العدد (1) من مادة التاريخ.
وبعد نشأته حضر على جملة من الأساتذة العظام واختلف عليهم أشهرهم عمه الحبر السيد باقر القزويني المتوفى سنة (1246هـ)، والشيخ موسى ابن الشيخ جعفر صاحب «كشف الغطاء»، وأخواه العلامتان الشيخ علي، والشيخ حسن. كما حضر عند الفقيه السيد محمد تقي بن المير مؤمن القزويني. وعمه السيد علي القزويني. وأشهر أساتذته في الحكمة والكلام الشيخ قوام الدين الأصبهاني المشهور في علم المعقول. وأجازه أساتذته بإجازة الاجتهاد وهو لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره)[150](.
وفاته
توفي عند رجوعه من حج بيت الله الحرام ـ قبل الوصول إلى مدينة «السماوة» بخمسة فراسخ تقريباً في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة (1300هـ)، وأقبر بجوار عمه السيد باقر في مقبرتهم في النجف الأشرف، وقبره مشيد عامر إلى اليوم.
مصادر ترجمته
1 ـ المآثر والآثار ـ فارسي ـ لاعتماد السلطنة.
2 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ـ آغا بزرك الطهراني.
3 ـ طبقات أعلام الشيعة ـ آغا بزرك الطهراني.
4 ـ مستدرك الوسائل ـ الميرزا حسين النوري.
5 ـ الكلمة الطيبة ـ للنوري.
6 ـ الشهاب الثاقب في أحوال الحجة الغائب ـ النوري.
7 ـ جنة المأوى ـ النوري.
8 ـ الكنى والألقاب ـ عباس القمي.
9 ـ شعراء الحلة ـ علي الخاقاني.
10 ـ نهضة العراق الأدبية ـ محمد مهدي البصير.
11 ـ أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة ـ محمد مهدي الأصبهاني الكاظمي.
12 ـ البابليات ـ محمد علي اليعقوبي.
13 ـ أعيان الشيعة ـ محسن الأمين العاملي.
14 ـ بغية الراغبين في طبقات النسابين ـ عبد الرزاق كمونة.
15 ـ معارف الرجال ـ محمد حرز الدين.
16 ـ مراقد المعارف ـ حرز الدين.
17 ـ تكملة أمل الآمل ـ مخطوط ـ للسيد حسن الصدر.
18 ـ الدرر البهية في تراجم علماء الإمامية ـ محمد صادق بحر العلوم (مخطوط).
19 ـ الرياض الأزهرية في تاريخ أنساب الأسر العلوية ـ مخطوط ـ لعبد المولى الطريحي.
20 ـ ترجمة لولده السيد حسين القزويني نشرت ـ مختصرة ـ في مجلة (العرفان) الصيداوية.
21 ـ ترجمة لولده السيد محمد القزويني ـ مخطوطة.
22 ـ الدرة الغروبة ـ حسين البراقي ـ مخطوط.
23 ـ الطليعة من شعراء الشيعة ـ مخطوط لمحمد السماوي.
24 ـ الأعلام ـ لخير الدين الزركلي.
25 ـ الكلم اللامع في الأدب الضائع ـ مخطوط ـ لقاسم الخطيب.
أمينة الموقن
«لأمنية الموقن» نسختان خطيتان، الأولى نسخة الأصل وقد أُلحقت بكتاب (مواهب الإفهام في شرح شرائع الإسلام) للمؤلف نفسه كخاتمة له. وهذا الكتاب شرح فقهي استدلالي لشرائع الإسلام للمحقق الحلي أنجزت منه ست مجلدات ضخام ولم يتم. والرسالة هذه ملحقة بالجزء الثالث من هذا لاشرح وهي خالية من تسميتها الحاضرة. وهذا المجلد من الشرح المذكور ينيف على الأربعمائة صفحة وهو مكتوب بخط المؤلف. فرغ منه يوم الجمعة (12) من ذي الحجة سنة (1281هـ) وهو الآن من ممتلكات مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف تحت رقم (91) من تسلسل الكتب الخطية، وهذه الخاتمة تقع في اثنتي عشرة صفحة من المجلد المذكور.
أما النسخة الثانية فقد كتبها العالم الباحث الأديب الشيخ محمد السماوي المتوفى سنة (1370هـ) عن نسخة الأصل وقد أفردها مستقلة وسماها (أمنية الموقن في حديث نية المؤمن). وللسماوي ولع بجمع المخطوطات ونسخها ولما كان خبيراً متضلعاً باللغة وعلومها لذا يعمد بتغيير ما يراه مناسباً في جملة من المؤلفات التي يكتبها بخطه، وقد فعل ذلك في هذه الرسالة مضيفاً كلمة، ومغيّراً أخرى، وعمدت إلى الحفاظ على الأصل مشيراً إلى ما جدّ للسماوي تغييره بالهامش. ونسخته تقع ضمن مجموعة صغيرة احتوت على رسالة للسيد عبدالله الموسوي الجزائري موسومة (التحفة النورية) في إحدى وثلاثين صفحة أولها (أحمد الله على فضله المبين، والصلاة على محمد وآله وصحبه الطيبين).
وتحتوي رسالة (أمنية الموقن) على خمس عشرة صفحة طول الواحدة منها (20سم) ـ (3ملم)، وعرضها (12سم) ـ (9ملم)([151]( وكل صفحة تشتمل على واحد وعشرين سطراً إلا ما ندر وعدد كلمات السطر الواحد اثنتا عشرة كلمة. والمجموع محفوظ بمكتبة الإمام الحكيم العامة تحت رقم (753م) من تعداد الكتب الخطية. وقد فرغ من نسخها السماوي يوم الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة (1365هـ).
والنسختان المذكورتان هما المعتمدتان في تحقيق (النص)، وقد أخذت نسخة الأصل التي ضمها كتاب (المواهب) هذا الرمز (م)، كما رُمِزَ للنسخة الثانوية التي كتبها السماوي بالحرف (س).
ولا تفوتني الإشارة إلى أن بعض الكتّاب المتضلعين المتقدمين منهم والمتأخرين على السواء كتبوا في بيان معنى حديث (نية المؤمن)، منهم على سبيل المثال لا الحصر:
الشريف المرتضى علم الهدى في الجزء الثاني من كتاب الأمالي، المطبوع بمصر سنة (1954م)، صفحة (315). والشيخ البهائي في كتاب الأربعين (طبع تبريز سنة 1378هـ)، والمولى محمد صالح المازندراني في شرح أصول الكافي، ج9، (طهران، 1386هـ) ص 253. والإمام أبو حامد الغزالي في إحياء علم الدين، ج4، طبع مصر، ص 366. والسيد نعمة الله الجزائري في الأنوار النعماية، والشيخ جعفر الكبير في كتابه كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، (طبع تبريز)، ص 58. وشيخي المحدث المرحوم الشيخ فرج العمران القطيفي في كتابه (سقط الغوالي وملتقط اللئالي) طبع النجف، سنة (1373هـ) ص 116. والعلامة الراحل السيد محمد صادق بحر العلوم في مجموعتيه المخطوطتين (الحديقة الغناء) و(الروضة المبهجة).
جودت القزويني
***
أمنية الموقن في حديث نية المؤمن
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على محمد رسول الله وآله المعصومين حجج الله.
وبعد)[152](:
فاعلم أن النية روح الأعمال، وحياة الإقبال، بها تتحقق معاني المعبودية، وبزيادتها يظهر التواضع لأوامر الربوبية، وبتفاوتها تتفاوت الدرجات وبتضاعفها تتضاعف الحسنات، وكفى بالعقل بعد حكمه بوجوب شكر المنعم شاهداً عليه، ودليلاً واضحاً مشيراً إليه.
وقد جاء في الأخبار، عن النبي المختار، (والأئمة)([153]( الأطهار، (صلى الله عليه وعليهم ما تعاقب الليل والنهار)([154](، من مدحها وفضلها ما لا يحصى.
وقد ورد في الكتاب والسنة من الآثار في مزيتها ما لا يستقصى، كقوله عز شأنه: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾)[155](، وقوله ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾)[156](، وقوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾)[157](، وقوله ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾)[158](، وقوله في مدح أوليائه ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾)[159](، وقوله ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾)[160](، وقوله في مدح أهل كراماته ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾)[161](.
وقول نبيه (ص)، «لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل إلا بإصابة السنة»)[162](. وقوله (ص) في متواتر الأخبار «إنما الأعمال بالنيات»)[163](، وقوله «إنما لكل امرئ ما نوى»)[164](. ولو لم يكن إلا قوله (ع): «نية المؤمن خيرٌ من عمله»)[165]( وفي رواية أخرى «أفضل من عمله»)[166](، وفي ثالثة «أبلغ من عمله»)[167](، لكفي بذلك دليلاً على فضلها، وشاهداً واضحاً على مزيتها، (وبرهاناً على أمرها)([168]).
وقد أورد بعض العلماء في المقام إشكالين على (الخبر)([169]( الأخير:
أحدهما: أنه معارض بما روي عنه (ص) من قوله «أفضل الأعمال أحمزُها»)[170](.
ولا ريب أن العمل أحمز من النية فكيف يكون مفضولاً؟! على أنه روي عنه (ص): «أن المؤمن إذا همّ بحسنه كُتبتْ له واحدة، وإذا فعلها كُتبتْ له بعشر»)[171](.
وهذا صريح بأن العمل أفضل إذا أريد بالأفضلية كثرة الثواب.
ثانيهما:([172]) أن النية المجردة من الفعل لا عقاب عليها، وبذلك وردت الأخبار)[173](. وأن ذلك مرفوع في خصوص هذه الشريعة لأنه أحد الآصار)[174](.
والجواب عن ذلك بوجوه:
أحدها: أنّا لا نسلّم المعارضة بين الحديثين، إذ الحديث الثاني ليس على عمومه، إذ ليس كلّ أحمز أفضل، (ولا كل أفضل أحمز)([175](، لأنه لا إشكال أنه مروي في فضل الصلاة بأن صلاة فريضة تعدل ألف حجة، وحجة تعدل بيتاً مملوءاً ذهباً يُنفق في سبيل الله.
ولا إشكال أنّ الحج أحمزُ ـ أي أشدّ مشقةً وتعباً ـ من صلاة فريضة. فقد تكون النية ـ لأنها روح كل عمل ـ أفضل الأعمال وإن كانت أخف مؤونة على المكلف من كل عمل.
الثاني: التخصيص في العمل المتجانس ما كان فيه مشقة أفضل مما لا مشقة فيه، لا مطلق الأعمال من غير المجانسة. كما ورد «أن الأجر على قدر المشقة». في ذلك العمل بالنسبة إلى فعله من غير المشق.
الثالث: إن أفضل الأعمال أحمزها (معناه)([176]( أن العمل من حيث الذات أفضل، وأن النية من حيثية أمور خارجية بالوجوه والاعتبارات. ولا مانع من أفضلية التابع على المتبوع في غير جهة التبعية)[177](.
الرابع: إن حديث النية لو أخذنا الحديث الثاني على ظاهره قد يكون محمولاً على المبالغة، ولزوم المحافظة على النية، وإن زيادة المدح لا تستلزم الأفضلية.
الخامس: إنّا لا نسلم أن العمل من حيث هو، فضيلته أو أفضليته، وإنما يكون ذلك بسبب النية. وهو أحد الوجوه في قوله (ع): «لا عمل إلا بنية»)[178](.
ويدل عليه ما في الفقه الرضوي)[179](، وسألت الإمام (ع) عن قول الله عز وجل ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾)[180](، أراد قوة الأبدان أم قوة القلوب؟!
فقال (ع): جميعاً.
ثم قال: «لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلاّ بنية، ولا نية إلا بإصابة السنة»)[181](.
السادس: إنا لا نسلم أن العمل أحمز من النية، لأن العمل وإن كان من أفعال الجوارح، وأنه يحصل لها بسببه تعب ومشقة إلا أن النية من أفعال القلب، والقلب سلطان الجوارح وأضعفها جرماً. والنية المطلوبة شرعاً من أشق أعمال قلبه، وكلّ بنسبة حالة في تحمله مشقة النية. والقيام بوظيفتها أفضل من أعمال الجوارح مع قوتها وقدرتها عليها.
ولهذا إنّ مَنْ يملك درْهماً أو ديناراً ويُنفقه في سبيل الله تعالى ويؤثره على غيره أفضل من إنفاق القادر على الألف الذي لا يخل بحاله.
السابع: إنّ القلب إمامُ الجوارح. والجوارحُ رعيةٌ بالنسبة إليه، ترِدُ منه، وتصدرُ عنه. والنية من أعماله. وعمل الإمام أفضل من عمل رعيته.
الثامن: إن النية من أشق الأعمال لافتقارها في الإخلاص والقربة، والتخلص من الشوائب والعوارض الفادحة، والشرك الخفي ـ الذي يدب بالقلب كدبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء ـ)[182](، إلى المجاهدات، والرياضات، وتزكية النفس من الرذائل، وتحليها بحلية الفضائل التي لا يمكن حصولها إلا بجهد عظيم كما قال جلّ اسمه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾)[183](، وقول نبيه (ص): «فرغتم من الجهاد الأصغر وعليكم بالجهاد الأكبر». وفسره حين سُئلَ بأنه جهاد النفس بين الجنبين)[184](.
التاسع: التخصيص في الدين بأن يراد نية الدين الخالص في الإيمان، وفي أعلى درجاته ومقاماته. فإن نيته بحسب معرفته أفضل من عمله بغير تلك (الرتبة)([185](، كما قيل «سيئات الأبرار حسنات المقربين»)[186](.
العاشر: إن نية المؤمن في كل عمل من أعماله خيرٌ من ذلك العمل على حسبه، فلا يفضل عمل بحسب المقامات عليها، وإن أفضل العقل لبعض الأفعال مع نيتها الأفضلية على غيرها مع نياتها. فلا تنافي بين الحديثين، ولا بين الأفضلية المأخوذة فيها لكل واحد من النية والعمل.
الحادي عشر: إن نية المؤمن لعمل لا يقدر عليه، ولا يتمكن منه ـ إنه لو قدر عليه لعمله من أوان ذكره ـ أرجح وأفضل من ذلك العمل لو كان فعله مع القدرة والتمكن منه.
الثاني عشر: إن نية المؤمن على عمل قد فاته متأسفاً عليه، وقد كان يعمله لعارض من نوم وغيره أفضل من فعله لو كان فعله. كما ورد فيمن فاتته صلاة الليل إن الله عز وجل قد يُلقي على عبده النوم في صلاة الليل خوفاً عليه من العُجب، فيأسف على ذلك، ويجلس نادماً عليه. فإنه يكون أسفه وندمُه أفضل من الإتيان به.
الثالث عشر: إن نية المؤمن في حال المرض على عمل كان يعمله في حال الصحة خيرٌ من عمله لحصول الثواب له بذلك من (دون)([187]( كلفة.
وقد روي أن أبا ذر كان يختار حال المرض على الصحة.
ويدل عليه ما في الفقه الرضوي أيضاً: وسألت العالم)[188]( عن تفسير «نية المؤمن خير من عمله». فقال: لأنه ربما انتهت بالإنسان حالة من مرض أو خوف فتفارقه الأعمال ومعه (نيته)([189](، فبذلك الوقت (نية المؤمن خير من عمله)([190](.
الرابع عشر: ما أجاب به المرتضى)[191]( (رضي الله عنه)([192](، ونقل القول به عن النووي)[193]( من العامة، إن المراد (أن)([194]( نية الدين (بغير)([195]( عمل خير من عمل بلا نية)[196](.
ورد بأنّ عملَ المختار لا ينفك عن النية إذا أُريد بها مطلق القصد وإلا لجرى (بدونها)([197]( مجرى التكليف بالمحال كما قال (السيد)([198]( أبن طاووس)[199]( لو كلف الله العباد بغير نية لكان من التكليف بما لا يطاق.
وإن كان غير مختار فهو كفعل المجانين أو فعل العاقل والنائم. وأفعَلُ التفضيل يقتضي المشاركة والزيادة، والعمل بغير نية لا خير فيه، فكيف يكون داخلاً في باب التفضيل حتى تكون النية خيراً منه.
الخامس عشر: ما قرر الجواب به بعضهم بطور آخر يرجع إلى هذا الجواب في الحقيقة، إلا أنه أدل منه، بأن النية هي القصد وذلك واسطة بين العلم والعمل إذا لم يعلم بترجيح أمر لم يقصد فعله، وإذا لم يقصد فعله لم يقع، وإذا كان المقصد حصول الكمال من الكامل المطلق ينبغي اشتمال النية على طلب القربة إلى الله تعالى إذ هو الكامل المطلق. وإذا كانت كذلك كانت النية وحدها خيراً من العمل بلا نية وحده، لأنها بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد، وحياة الجسد بالروح لا الروح بالجسد. فهي خير منه لأن الجسد بغير الروح لا خير فيه. والكلام فيه الكلام (في)([200]( السابق.
السادس عشر: إن المؤمن ينوي فعل خيرات كثيرة ويفعل بعضها، فنيته خير من عمله.
ويدل عليه قول الرضا (ع) في حديث: إذا كان يوم القيامة أُوقف المؤمن بين يديه سبحانه، فيكون هو الذي يتولى حسابه فيعرض عليه عمله فينظر في صحيفته فأول ما يرى سيئاته يصفرّ لذلك لونه، وترتعد فرائصه، وتفزع نفسه، ثم يرى حسناته فتقرُ عينُه، وتستقر نفسه، ويفرغ روعه. ثم ينظر إلى ما أعطاه الله تعالى من الثواب فيشتد فرحه.
ثم يقول الله تعالى للملائكة هلموا إلى الصحف التي فيها الأعمال التي لم يعملوها. قال: فيقرأونها. فيقولون: وعزتك إنك لتعلم أنا لم نعمل منها شيئاً.
فيقول عز وجل: صدقتم، نويتموها فكتبنا لكم ثم يُثابون.
ويدل عليه ما ورد أن نوم الصائم تسبيح، ونفسه تسبيح، وما ورد في تسبيح السبحة الحسينية بيد (الغافل عنها)([201]( لمكان نيته في نقلها من إرادة التسبيح.
السابع عشر: إن لفظة «خير» ليست بمعنى التفضيل، بل إنها موضوعة لما فيه منفعة. و«من» بيانية.
فيكون المعنى نية المؤمن من جملة الخير من أعماله حتى لا يقدر مقدر أن النية لا يدخلها الخيروالشر كما يدخل ذلك في الأعمال.
الثامن عشر: أن يراد لها معنى الصوفية كذلك، وتكون «من» للتبيين. ويكون المعنى أن نية المؤمن من بعض أعماله الخيرية.
التاسع عشر: إن «من» تعليلية. ويكون المعنى أن نية المؤمن خير من أجل عمله. كما ورد في الفقه الرضوي في تفسير قوله (ع): «نية المؤمن خير من عمله» لأنه ينوي خيراً من عمله)[202](.
وهو يحتمل هذا وما سبق، إلا أن هذا المعنى لا يوجب مزية للنية إلا أن يراد أنه ما ينوي الاّ خير مما عمله سابقاً من الخيرات، فلا يزال ينوي الأفضل مما عمل فلا يقتصر مما يأتي بعمل إلا ويأتي بخير منه وأفضل. «ولعله»)[203]( أوجه.
العشرون: إن «من» بمعنى الباء، فيكون المعنى أن نية المؤمن خير بعمله، وإلا لا ثمرة فيها. وهو كالأول خلاف الظاهر.
الواحد والعشرون: إنه عام لخصوص أمر مطلق مقيد. أي نية بعض الأعمال الكبار كالجهاد خير من بعض الأعمال الخفيفة كتحميدة واحدة مثلاً، لما في تلك النية من التعرض (للهم والغم)([204]( الذي لا توازيه تلك الأفعال.
الثاني والعشرون: إن نية المؤمن على عمل يحتاج في إيجاده إلى مقدمات متعددة في زمان تطول مدته على زمان الفعل خير من ذلك الفعل بعد حصوله كالحج والجهاد مثلاً. فإن المشقة التي تحصل للحاج من الأسفار البعيدة والكلفة الحاصلة من ارتكاب الأهوال الشديدة يوجب الإثابة الزائدة على ثواب نفس الحج كما تدل عليه الآية والرواية في الثواب على المقدمات.
الثالث والعشرون: المعنى (بعينه)([205]( إلا أنه حيث يمتنع عليه حصوله من صد، أو (في)([206]( حصر، أو قصور الطريق من الوصول إليه، أو الزمان.. فتكون نية المؤمن على الحج مع ارتكاب تلك المشاق والغوائل على فوات الحج أفضل من ثواب ذلك الحج لو حصل.
الرابع والعشرون: إن النية يمكن فيها الدوام بخلاف العمل فإنه يتعطل (عنه)([207]( المكلف أحياناً. فإذا نسبت هذه النية إلى العمل المنقطع كانت خيراً منه. وكذا القول في نية الكافر. وبعض الأخبار تدل عليه.
الخامس والعشرون: إن النية لا يكاد يدخلها الرياء ولا العُجب لأنّا نتكلم على تقدير النية المعتبرة شرعاً بخلاف العمل فإنه معرض لهما.
وأورد عليه أن العمل وإن كان معرضاً لهما إلا أن المراد به العمل الخالي عنهما، وإلا لم يقع تفضيل.
السادس والعشرون: إن المؤمن ينوي الأشياء من أبواب الخير نحو الصدقة والصوم والحج. ولعله يعجز عن بعضها، أو عن الكل فيُؤجر على ذلك كما قيل «خير الزيارة فقد المزور».
وهذا الجواب منسوب إلى ابن دريد)[208](، ورواه الكليني في أصول الكافي في باب النية عن أبي بصير عن أبي عبدالله الصادق (ع)([209](.
وفي الفقه الرضوي: ونروي نية المؤمن خير من عمله لأنه ينوي من الخير ما لا يطيقه، ولا يقدر عليه)[210](.
السابع والعشرون: إن النية تدوم إلى آخر العمل حقيقة أو حكماً، وأجزاء العمل لا يتصور فيها الدوام لأنها تتصرم قسماً قسماً.
الثامن والعشرون: ما أجاب به الغزالي)[211](، وهو أن النية (سر)([212]( لا يطلع عليها إلا الله عز وجل. وعمل السر أفضل من عمل الظاهر)[213](.
التاسع والعشرون: ما رواه في مصابيح الظلم عن المحاسن عن الفارابي عن الأصبهاني عن الثغري عن أحمد بن يونس عن أبي هاشم قال: سألت أبا عبدالله)[214]( عن الخلود في الجنة والنار.
فقال: إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا إن لو بقوا فيها أن يعصوا الله ـ تعالى اسمه ـ أبداً، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا إن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله ـ سبحانه أبداً. فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء)[215](.
ثم قال في قول الله عز وجل: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾)[216](، (قال)([217](: على نيته.
ورواه في الكافي في باب الإيمان والكفر عن (أبي)([218](علي بن إبراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد على نحو منه)[219](.
ورواه العياشي)[220]( عن أبي هاشم كذلك)[221](.
وهذا الجواب هو الحسن المراد من صاحب الإرشاد لأنه خرج من أهل بيته، ورواة علمه. وما عداه من الظنون، و«العلم نقطة (كثرة)([222]( الجاهلون».
الثلاثون: إن المراد أن طبيعة النية خير من طبيعة العمل، وذلك أنه لا يترتب عليه عقاب أصلاً، بل إن كانت خيراً أثيب عليها، وإن كانت شراً كان وجودها كعدمها بخلاف العمل.
الواحد والثلاثون: إن العمل يوجد بالنية، ويفتقر إليها، ولا تفتقر النية إلى العمل، ويمكن أن توجد بدونه.
الثاني والثلاثون: إن النية لا تدفع إلى الجفاء كسائر الأعمال.
الثالث والثلاثون: إن النية لا تكون إلا على الحقيقة، (والعم قد)([223]( يكون صورياً كالتقية)[224](.
الرابع والثلاثون: إن النية لا يتصور العجز عنها بخلاف العمل فإنه ربما امتنع لذاته. وفي بعض الأخبار ما يدل عليه.
الخامس والثلاثون: إن نوع النية خير من مختص العمل.
السادس والثلاثون: إنها تدل على صفاء الباطن، وحسن الاعتقاد.
السابع والثلاثون: إن النية خير محض لا تعب فيها بخلاف العمل. ولكن الإشكال على هذا بحاله.
الثامن والثلاثون: إن العمل ربما احتاج إلى آلات وشرائط ويُمتنع لامتناعها بخلاف النية.
التاسع والثلاثون: إن العمل لا يخلو من شروط ومنافيات بخلافها.
الأربعون: إن الثواب المقدر على نية العمل أكثر مما قدر عليه، لأنها أكثر أفراداً من العمل.
الواحد والأربعون: إن النية تتعلق بجميع العمل دفعة واحدة فيثاب على الجميع بخلاف العمل.
الثاني والأربعون: إن نية المؤمن خير من العمل الذي يثاب عليه بلا نيّة كمكارم الأخلاق والنكاح.
ويدل عليه ما في الفقه الرضوي: ونروي حسن الخلق سجية، ونية صاحب النية أفضل)[225](.
ولعله لأنه ما كان بالقصد، والمحتاج إلى كلفة وشدة اعتناء بالعمل أفضل من الأعمال الحاصلة بمقتضى الطبيعة لمجبوليته عليها، وما بالاختيار أفضل من غيره.
الثالث والأربعون: إن النية لا تحتاج إلى كلفة التعلم بخلاف العمل.
الرابع والأربعون: إن النية قد تجعل الواحد عملين أو أعمالاً متعددة كما في باب التداخل)[226](.
الخامس والأربعون: أن النية قد يحصل بسببها ثواب على عمل في إنشاء عمل آخر، مثل الصدقة في أثناء الصلاة، ولا يحصل ذلك بالعمل لتضاد الأعمال. كما يدل عليه تصدق أمير المؤمنين (ع) بالخاتم (في)([227]( أثناء الصلاة ونزول الآية في مدحه)[228](.
السادس والأربعون: إن النية علة لوجود العمل وصحته، فهي أشرف من المعلول.
السابع والأربعون: إنها أسبق في الوجود على العمل. والاسبق في الوجود أفضل (من المسبوق)([229](.
الثامن والأربعون: إن النية قد تحيل غير العبادة من الأفعال إليها كما في النكاح والأكل والشرب والتجارة ونحوها إلى العبادة. والعبادة عبادة أخرى بخلاف العمل.
التاسع والأربعون: إن النية مقرونة بوجود العقل والنفس ولا تكاد تفارقه ما دام العقل والنفس، بخلاف العمل فإنه قد يفارقه مثل مفارقة العقل والنفس. كما صرح بذلك في الفقه الرضوي)[230](. فتكون النية أفضل من العمل لدوام المصاحبة معه.
الخمسون: إن النية عليها مدار العبادات)[231](، والعقود)[232](، والإيقاعات)[233](، وأكثر الاحكام كالصيد، والذباحة، والمباراة)[234](، واللقطة)[235](، بخلاف العمل.
الواحد والخمسون: إن النية قد تجعل العمل للغير كنيّة النائب في العمل.
الثاني والخمسون: إن فساد العمل لا يبطل إلا بالنية بخلاف العكس.
الثالث والخمسون: إن النية روح العبودية، والعمل صورته الظاهرة.
الرابع والخمسون: إن الحديث ورد في سبب خاص وهو أنّ رجلاً من الأنصار نوى أن يعمل خيراً بأن يعمل باباً للمدينة قد انهدم. فسبقه إلى عمله يهودي فاغتمّ (الأنصاري)([236]( لذلك، فقال النبي (ص): «نيّة المؤمن خير من عمله» يعني من عمل الكافر.
الخامس والخمسون: ما رواه الصدوق في كتاب العلل عن الشحام قال: قلت لأبي عبدالله (ع) أني سمعتك تقول «نية المؤمن خير من عمله»، فكيف تكون خيراً من العمل؟! فقال (ع): لأن العمل ربما كان رياءً للمخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطى الرجل على النية ما لا يعطى على العمل)[237](.
ومثله (ما)([238]( في الفقه الرضوي)[239](. وهذا يوافق الجواب الخامس والعشرين.
السادس والخمسون: إن المراد بالنية المعرفة ولا إشكال أنها أفضل من جميع الأعمال لأنه بكمالها يزداد الكمال في الأفعال.
السابع والخمسون: قد يراد بالنية نفس إيمان المؤمن. ولا إشكال أنه أفضل من العمل لتوقف القبول عليه. وتدل عليه جملة من الروايات.
الثامن والخمسون: إن المراد بنية المؤمن العزم المطلوب على تأخيره من عمل الإيمان على الإتيان بالأعمال الصالحة غير الموقتة بوقت يضيق، أو الموسعة بعد دخول الوقت فإنه إن وفق للعمل بها فذاك، وإلا كتب له لوفاته من غير تعويض.
التاسع والخمسون: (المعنى)([240]( على قراءة النصب إنْ خيراً، وإن شراً، بأن يكونا منصوبين على المفعولية للنية لأنه مصدر. والرفع وقع تحريفاً. والضمير راجع إلى المؤمن إن المؤمن إذا نوى خيراً تكون تلك النية من جملة أعماله، وكذا الكافر بالعكس.
الستون: (المعنى)([241]( على قراءة النصب والضمير في قوله: «من عمله» راجع إلى الخير والشر. فيكون (المعنى)([242]( أن نية المؤمن «خيراً» من أعمال الخير، ونية الكافر «شراً» من أعمال الشر. فتكون «من» بيانية على الوجهين.
الواحد والستون: إن «من» تبعيضية. والمعنى أن نية المؤمن خير من بعض (عمله)([243](، وكذا الكافر.
الثاني والستون: إن الضمير راجع إلى خير، و«من» تبعيضية، والمعنى أن نية المؤمن خير من بعض أقل الخير.
الثالث والستون: على تقدير الرفع أن الحديث نية المؤمن خير عمله ـ بكسر الميم ـ، والمراد (به))[244]( من مطبوعه. و«من» تبعيضية، أي خير من بعض ما طبع عليه والكافر بالعكس.
الرابع والستون: على هذا التقرير أن المراد أن المؤمن مطبوع على نية الخير، والكافر مطبوع على نية الشر.
الخامس والستون: إن العمل يتوقف صحته على صحة النية، ولا تتوقف النية على صحته. فهي خير منه، وهو أحد معاني «لا عمل» إلا «بنية».
السادس والستون: أن يراد بالمؤمن المغمور بمباشرة أهل الخلاف، والمضطر إليها، ولا تزال أفعاله غالباً جارية على التقية)[245]( ومداراة أهل الباطل. ولكن نيته مع الله عز وجل على العمل الصحيح مهما تمكن منه في الواقع، فنيته خير من عمله.
السابع والستون: إن العمل الباطل صورة واحدة، وإنما يكون صحيحاً مجزياً بالنسبة إلى العامل بالتقية (بنية التقية)([246](. فقد أحالت التقية العمل الباطل إلى الصحيح في الواقع، فهي خير منه.
الثامن والستون: إن المراد بنية المؤمن كتمان إيمانه، وعدم إظهار الخلاف لأهل الخلاف، خير من عمله المخالف لهم الكاشف عن ستره.
التاسع والستون: إن المقصود من العبارة بيان التذلل والخضوع، ولا يحصل ذلك بدون تأثيره في القلب. ولا يحصل ذلك الأثر بدون إخلاص النية منه، وبدون ذلك تكون عبادته صورية، ومحض ألفاظ وأفعال تعبدية. فنيته خير من عمله بدون ذلك.
السبعون: إن العمل لا يكون أحمز (إلا بنيته))[247](، لأن النية هي الداعي، والداعي كلما كان أشد كان ذلك موجباً لاشتغال الجوارح في الطاعات، وارتكاب المشاق في العبادات. ولولا ذلك لما حصلت للبدن الكلفة والمشقة. فالنية خير منه.
الواحد والسبعون: إن النية موجبة لتنشيط الجوارح على الطاعة ولا تأثير لتعب العبادة عليها، وإنما التعب يحصل تأثيره (في)([248]( القلب، ولا يحصل بدون النية. فالنية أشدّ تعباً منه (وأحمز)([249](.
الثاني والسبعون: إن أهل الوصول من السالكين ينفذون بالعبارة من الأقوال والأفعال إلى آخر سراية الوصول والاتصال. فهم في الفناء وعدم الإحساس بالإقبال والعناء، في الله وبنياتهم بالتوجه إلى دار البقاء فلا يحسون تعباً ولا نصباً.
فالنية في هذا الحال خير من العمل. ويأتي الكلام بالعكس في نية الكافر.
(فهذه اثنان وسبعون جواباً عن الإشكال)([250](، وربما يظهر من بعض الروايات ما يزيد على ذلك من معاني الحديث وأنه لا تضعف عن نية، وإمكان حصول الضعف بالأعمال، (وبأن)([251]( سلطان الجوارح القلب وبه الإثابة والعقوبة، وإن صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم، لأن سلامة القلب من العوارض وتجرده، رموز في أنه يخصص النية لله عز وجل في الأمور كلها، قال عز وجل: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾)[252]( كما ورد في مصباح الشريعة)[253](. ثم قال في «نية المؤمن خير من عمله» لما فيها من النجاة)[254](.
وأما الحديث الثاني فوقع العقاب في نية ذي السوء بالنسبة إلى المؤمن الطاهر دون الكافر لتجليها في قوله عز وجل ﴿ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾)[255](.
هذا آخر ما أردنا إيراده (من المجلد الثالث من مواهب الإفهام في شرح شرائع الإسلام، والحمد لله أولاً وآخراً)([256](، وكان الفراغ من (تسويده)([257]( بيد مؤلفه صبيحة يوم الجمعة ثاني ذي الحجة الحرام من السنة الواحدة والثمانين بعد المائتين والألف هجرية على مهاجرها ألف (ألف)([258]( صلاة (وسلام)([259]( وتحية، (والحمد لله أولاً وآخراً)([260](.
وقد استنسخها من خط مؤلفها معزّ الدين أبي جعفر محمد المهدي بن الحسن بن أحمد الحسيني القزويني من المجلد الثالث من كتاب «المواهب» العبد الآثم محمد السماوي (25 رمضان سنة 1365) هجرية حامداً مصلياً ومسلماً.
مصادر ومراجع
المقدمة والتحقيق
ابن كثير: إسماعيل (ت 774هـ). تفسير القرآن الكريم ج2 (مصر، لا.ت).
بحر العلوم: السيد محمد صادق (ت 1399هـ). الحديقة الغنّاء ـ مخطوط. الدرر البهية في تراجم علماء الإمامية ـ مخطوط. الروضة المبهجة ـ مخطوط.
البخاري: محمد بن إسماعيل (ت 256هـ). صحيح البخاري، ج1 (القاهرة، لا.ت).
البراقي: السيد حسون (ت 1332هـ). الدرة الغروية ـ مخطوط نسخته محفوظة في مكتبة اليعقوبي ببغداد.
البرقي: أحمد بن محمد (ت 274، 280هـ) المحاسن، (النجف، 1964م).
بل: المس بيل (ت 1927م)، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر خياط (بيروت، لا.ت).
البهائي: الشيخ (ت1030هـ). كتاب الأربعين (تبريز 1378هـ).
البيضاوي: عبدالله (ت685هـ). أنوار التنزيل وأسرار التأويل، (القاهرة، 1305هـ).
حرز الدين: الشيخ محمد (ن 1365هـ). مراقد المعارف، ص2 (النجف، لا.ت). تحقيق: محمد حسين حرز الدين. معارف الرجال، ج3 (النجف، 1385هـ) تحقيق: محمد حسين حرز الدين.
الحر العاملي: محمد بن الحسن (ت 1104هـ). وسائل الشيعة لتحصيل مسائل الشريعة، ج1 (بيروت، 1391هـ).
الحلي: حسن بن سليمان. مختصر بصائر الدرجات، (النجف، 1950م).
الخاقاني: علي. شعراء الحلة، ج5 (النجف، 1952م).
الخونساري: محمد باقر (ت 1313هـ). روضات الجنات. (طهران، 1367هـ).
الرازي: فخر الدين (ت 606هـ). التفسير الكبير، ج12 (مصر، 1938هـ).
الرضا: الإمام علي بن موسى (ت 203هـ). الفقه الرضوي (المنسوب)، (تبريز، 1274هـ).
الرضي: الشريف (ت 406هـ). حقائق التأويل في متشابه التنزيل، (بيروت، 1973م).
الزمخشري: محمود بن عمر (ت 528هـ). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ط (بيروت، لا.ت).
السماوي: الشيخ محمد (ت 1370هـ). الطليعة من شعراء الشيعة ـ مخطوط.
السيوطي: عبد الرحمن (ت 910هـ). الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج2 (طهران، 1377هـ).
الصادق: الإمام جعفر بن محمد (ت 148هـ). مصباح الشريعة (المنسوب)، (تبريز، 1283هـ).
الصدر: السيد حسن (ت 1354هـ) تكملة أمل الآمل ـ مخطوط.
الصدوق: الشيخ (ت 381هـ). علل الشرائع، ج2 (النجف، 1966م).
الطبري: محمد بن جرير (ت310هـ). جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج6 (مصر، 1954م).
الطريحي: فخر الدين (ت 1085هـ). مجمع البحرين ومطلع النيرين، ج4 (النجف، 1378هـ).
الطريحي: عبد المولى (ت 1395هـ). الرياض الأزهرية في تاريخ أنساب الأسر العلوية ـ مخطوط. رأيت نسخته في مكتبة مؤلفه (رحمة الله).
الطوسي: الشيخ (ت 460هـ). الآمالي، (تبريز، 1313هـ). تهذيب الأحكام، تحقيق السيد حسن الخرسان، ج 4 (النجف، 1959).
الطوسي: نصير الدين (ت 682هـ). أوصاف الاشراف، (النجف، 1956)، ترجمة محمد الخليلي.
علي ناصيف: الشيخ منصور. التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، (مصر، 1351هـ).
العياشي: محمد بن مسعود (ت 320هـ). التفسير، تحقيق السيد هاشم المحلاتي ج2 (قم، 1380هـ).
القطيفي: الشيخ فرج العمران. سقط الغوالي وملتقط اللئالي، (النجف، 1373هـ).
القمي: الشيخ عباس (ت 1359هـ). الكُنى والألقاب، ص 1 (النجف، 1969م) ج2 (النجف، 1970م).
القزويني: السيد مهدي (ت 1300هـ). السبائك المذهبة في نظم الأصول الفقهية المهذبة ـ مخطوط. فلك النجاة في أحكام الهداة، (تبريز، 1298هـ). قلائد الخرائد في أصول العقائد، (بغداد، 1972م). المزار في تعيين القبور، (تبريز، 1298هـ).
الكاشاني: محسن (ت 1091هـ). تفسير الصافي، (طهران، لا.ت).
كاشف الغطاء: الشيخ جعفر (ت 1228هـ). كشف الغطاء عن خفيات مبهمات الشريعة الغراء (تبريز، لا .ت).
كاشف الغطاء: محمد الحسين (ت 1373هـ). أصل الشيعة وأصولها، (بيروت، لا. ت).
الكاظمي: محمد المهدي الموسوي (ت 1391هـ). أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة ج1 (النجف، 1968م).
الكليني: محد بن يعقوب (ت 328/329هـ). الكافي، ج ، ج5 (طهران، 1388هـ).
المازندراني: المولى محمد صالح (ت 1081هـ). شرح أصول الكافي، ج8 (طهران، 1386هـ).
المجلسي: محمد باقر (ت 1110هـ). بحار الأنوار، ج1 (طهران، 1305هـ).
المرتضى: الشريف (ت 436هـ). أمالي المرتضى، ج2 (مصر، 1954م).
مغنية: محمد جواد (ت 1400هـ). التفسير الكاشف، ج 2 (بيروت، 1968م).
المفيد: الشيخ (ت 413هـ). أوائل المقالات في المذاهب المختارات. تحقيق فضل الله الزنجاني، (النجف، 1973م).
نجف: محمد مهدي. فهرست مخطوطات مكتبة الإمام الحكيم العامة.
النوري: الميرزا حسين (ت 1325هـ). المستدرك، ص 3 (طهران، 1384هـ).
الهيتمي: علي بن أبي بكر (ت 807هـ). مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج1، ص 7 (بيروت، 1967م).
اليعقوبي: محمد علي (ت 1385هـ). البابليات، ج2 (النجف، 1951م).
جودت القزويني
انقلاب 22 شباط/فبراير 1921
حقبة مصيرية في تاريخ إيران
كانت الاتفاقية الإيرانية ـ البريطانية لعام 1919م، والتي ألغيت بفعل جهود المرحوم السيد حسن مدرس الأصفهاني وقيادته الحكيمة، السبب الرئيس للانقلاب الذي شهدته إيران في 22 شباط/1921م. وإذا كان احتلال ولاية جيلان الإيرانية من جانب القوات الشيوعية هو المحرك المباشر لهذا الانقلاب، فإن الاحتلال المذكور جاء كنتيجة مباشرة لإبرام اتفاقية عام 1919م. فبعد أن عزز البلاشفة القادمون من القوقاز تمركزهم في جيلان، بدا واضحاً أنه لا يمكن إنهاء احتلال الولاية ما دامت الاتفاقية الإيرانية ـ البريطانية سارية المفعول، وكذلك ما دام موقّع الاتفاقية وثوق الدولة ممسكاً بمنصب رئيس الوزراء في إيران.
بداية، اضطر وثوق الدولة إلى الاستقالة، ثم بادر رئيس الوزراء الإيراني الجديد مشير الدولة إلى تعليق تنفيذ الاتفاقية الموقعة مع بريطانيا. ولكن الحكومة الشيوعية، التي أقامها البلاشفة في جيلان، لم تسقط، بل إنها بادرت إلى غزو طهران. وفي ظل هذه الظروف الصعبة تبلورت ضرورة الإقدام على إجراء عسكري للتصدي للخطر الجديد، الأمر الذي مهد السبيل لانقلاب شباط/ فبراير لعام 1921م.
لا يسعنا في هذه العجالة استعراض كل الوقائع والمعطيات السياسية التي أدت إلى إبرام اتفاقية عام 1919 الشهيرة، والتي كان أول من تبنى فكرتها وزير الخارجية البريطاني في حينه اللورد كريزن إثر ثورة أكتوبر عام 1917 في روسيا.
كانت بريطانيا في حينه تفعل ما تشاء في الشرق الأوسط إثر هزيمة خصومها ومنافسيها القدامى (أمبراطورية روسيا القيصرية والأمبراطورية الألمانية والسلطنة العثمانية) في هذه المنطقة الغنية بالنفط، وانسحب كل منهم من ساحة التنافس بشكل أو آخر ليقدموا الشرق الأوسط لبريطانيا على طبق من ذهب.
فباستثناء سوريا ولبنان اللذين خضعا للانتداب الفرنسي، كانت سائر البلدان الأخرى في المنطقة (مصر والبحرين والعراق وفلسطين والأردن والحجاز والكويت وقطر، وكذلك السواحل المتاخمة للإمارات المتحدة الحالية) ترزح تحت النفوذ البريطاني. وكانت عجلة سياسة هذه الدولة تدار بتوجيه من لندن.
أثارَ استقرار النظام الثوري الجديد في روسيا قلق حكام بريطانيا في الهند، والذين رأوا أن الشعارات المغرية للثورة، من قبيل مكافحة الاستعمار والراسمالية وتحرير الشعوب من الاستغلال وتحطيم أغلال العبودية التي تكبل الكادحين في العالم، قد تتسرب إلى الهند عبر إيران وأفغانستان، وقد تؤدي إلى ثورات محلية خطيرة. لذا سعت بريطانيا لمواجهة المد والأفكار المنبعثة من النظام الثوري الجديد في روسيا خوفاً على مصالحها في هذه البلاد الشاسعة والثرية.
كانت إيران في تلك الفترة دولة قادرة على الدفاع عن حدودها والتصدي لنفوذ الشيوعيين الحديثي العهد دون دعم أجنبي، وبالتالي لم تكن هناك أية ضرورة لإبرام اتفاقية 1919م. ولكن الحقيقة المؤسفة كانت عكس هذه التصورات، ذلك أنه لم يكن لإيران آنذاك جيش وطني موحد. وكانت قواتها العسكرية توجه من ضباط أجانب، إذ يشرف الضباط الروس على أقوى وأعتى قوة عسكرية في البلاد، أي قوة القزاق. وكان الضباط السويديون على رأس قوات الدرك. أما قوات (أسبيار) أو شرطة الجنوب التي تأسست نهاية عام 1916م، فكانت خاضعة لتوجيه وتعليمات البريطانيين.
احتلت الأراضي الإيرانية على أيدي العثمانيين بعد بداية الحرب العالمية الأولى (1914م ـ 1918م) مباشرة. ثم طردت قوات الحلفاء (الروس والبريطانيون) الأتراك من الأراضي الإيرانية ليحلوا محلهم حتى أواخر عام 1917م، تزامناً مع ثورة أكتوبر في روسيا. ففي ذلك الوقت، أبعد لينين روسيا عن ساحة الحرب، وأعلن رسمياً أن فترة الحرب الأمبريالية قد انتهت. وطلب وزير الحربية الروسية تروتسكي من القوات المسلحة والجنود الروس مغادرة ساحات المعارك والجلاء عن أراضي الدول الأخرى، وأمر القادة العسكريين بقتل كل الأمراء العسكريين في حال تمردهم على أوامر الدولة الجديدة، وطمأنهم إلى أنهم لن يتعرضوا للعقاب، بل سوف يتم تقديرهم وتشجيعهم. وهكذا انسحب الروس من ساحة المعركة العسكرية وسُلّمت الأراضي الإيرانية لبريطانيا العظمى دون منافس.
في ظل هذه الظروف الاستثنائية، طرح اللورد كريزن فكرة إبرام اتفاقية 1919م مع إيران، بما يتيح لبريطانيا فرض انتداب غير مباشر على إيران شبيه بذاك الذي فرضته على مصر قبل أربعين عاماً وبنجاح تام، أي إقامة نظام استشاري في إيران خاضع لهيمنة لندن من دون احتلال أراضي إيران رسمياً. وهنا تجدر الإشارة إلى أن نظرية غرانفيل (Grenville.D.L.) المشتقة من اسم وزير خارجية بريطانيا (1884) اللورد غرانفيل، والتي أعلنت بعد سنتين من الاحتلال العسكري لمصر، حددت صراحة أساس النظام الاستشاري في مصر، وذلك من خلال برقية أرسلها وزير الخارجية البريطاني للمفوض السامي السير ايفلين بيرينغ في مصر آنذاك، وأطلق عليها نظرية غرانفيل لاحقاً. وكان نصها: «بسبب المسؤولية التي تولتها بريطانيا العظمى في حاضرنا لتسيير شؤون المصريين، يرجى إفهام وزراء الحكومة وحكام المقاطعات المصريين بأن العاملين البريطانيين في مصر مضطرون إلى تنفيذ السياسة التي تم المصادقة عليها في لندن، وتقضي باستقالة كل من لم يكن مستعداً لتنفيذ قرارات الحكومة البريطانية من بين الوزراء المصريين وحكام المقاطعات…». وبحسب تعبير أحد الباحثين المصريين المخضرمين: «بعد قبول نظرية غرانفيل سرعان ما تحول المفوض السامي البريطاني السير ايفيلين بيرينغ في مصر إلى حاكم حقيقي. وهنا قامت في إطار الدولة وسياساتها حكومتان، إحداهما تتمثل في مجلس الوزراء الذي يحكم مصر ظاهراً، والأخرى (وفد المستشارين الإنكليز) التي كانت تملي على الوزراء والحكام الرسميين في البلاد من وراء الستار كيفية إدارة دفة الحكم… وبما أن القوات المسلحة كانت خاضعة لإشراف الضباط الإنكليز، وتساند تالياً المستشارين فقط، كان رأي المستشارين هو الذي ترجح كفته كلما حصل أدنى احتكاك بين السلطتين (الوزراء والمستشارين)، بحيث تتم إطاحة الحكومات الشرعية هناك على الفور».
كان المستشارون الإنكليز يتولون مناصب مساعدي الوزراء، وكانوا مكلفين بنقل التوصيات والتوجيهات اللازمة للوزراء المعنيين. لكن المعضلة التي فرضت نفسها آنذاك هي كيفية تنفيذ هذه التوجيهات. ولتجاوز هذه المعضلة بددت نظرية غرانفيل أدنى شكوك في هذا الصدد، وفرضت على الوزراء والموظفين الحكوميين المرموقين بمصر الرضوخ لتوصيات هؤلاء المستشارين، بحيث إن الانصياع لهذه التوصيات يعتبر بحكم الواجب، علماً أن عدم الانصياع سيؤدي إلى عواقب سياسية وخيمة للغاية، بما في ذلك ضرورة استقالة الوزير. ويقول لطفي السيد: «لقد وصل الأمر حداً لم يقتنع معه المستشارون بأن يحكموا من وراء الكواليس أو أن يملوا على الوزراء المصريين توجيهاتهم السرية فحسب، بل جردوا كذلك الوزراء المصريين من الصلاحيات والسلطات الشرعية علانية. وأصبح الوزير المصري أداة بيد المستشار البريطاني، إذ أن المستشار كان يهمل آراء الوزراء دون أدنى ملاحظة وقيود لينفذ رأيه وقراره…».
هذا هو النظام الاستشاري الذي كان اللورد كريزن ينوي تنفيذه في إيران من وراء اتفاقية 1919م، إذ تنص المادة الثانية للاتفاقية على ما يلي: «تتبنى بريطانيا العظمى، بعد التشاور وإجراء المحادثات اللازمة بين الجانبين، إيفاد أي عدد من المستشارين والخبراء الذي ترى حضورهم ضرورياً لدى حكومة إيران ليبدأوا الإصلاحات الضرورية في الوزارات والمؤسسات الحكومية. وسيتم تعيين هؤلاء المستشارين وفق عقود ثنائية بين الحكومة الإيرانية والمستشارين أنفسهم، وتخولهم الصلاحيات اللازمة والكافية». على أن يتم تحديد الصلاحيات في تلك العقود والمعاهدات المقرر إبرامها بين الحكومة الإيرانية وكل من المستشارين بصراحة.
كانت القوات العسكرية الإيرانية في هذه الفترة مكونة من ثلاث قوى متميزة، هي الفرقة القزاقية بإشراف الروس، وقوات الدرك التي كان يديرها الضباط السويديون، وقوات شرطة الجنوب «الأسبيار» التي كان يديرها الإنكليز تماماً. أما القوة الوحيدة التي كان كل عناصرها من الإيرانيين، فهي «اللواء المركزي» الذي يتولى مهماته الحرس الملكي، ولم يكن عدد أفراده يتجاوز الألف والخمسمئة عنصر «بحسب القائمة»، والذين كانوا يعانون من فقر وبؤس شديدين، وغير مؤهلين للقيام بالعمليات العسكرية بتاتاً. وكانت أهم خطط الإنكليز في إيران أثناء حكم أحمد شاه القاجاري هي دمج تلك القوى الثلاث ضمن قوة موحدة، وإخضاعها لقيادة أحد المستشارين العسكريين الإنكليز. وعليه كانت إحدى النيات الرئيسية للإنكليز في إيران بعد التوقيع على اتفاقية 1919م هي إقصاء الجنرال استراسلكي قائد قوات القزاق عن منصبه وطرده من إيران. وكان استراسلكي من الضباط الموالين للحكم الملكي في روسيا، ويعتبر نفسه مكلفاً الحفاظ على سلطة بلاده التقليدية في إيران، وهو ما عرف في ما بعد من خلال نصوص البرقيات السرية بين السفارة البريطانية في إيران ووزارة الخارجية في لندن. فضلاً عن أن قوات القزاق في إيران كانت أقوى من قوات الدرك ومن الأسبيار، وكانت تتمتع بخبرة أربعين عاماً في إيران، بما أنها تأسست في أواخر حكومة ناصر الدين شاه، فيما أسست قوات الأسبيار عام 1916. كما أن قوات القزاق أقدمت على فتح فروع لها على شكل وحدات القزاق المحلية في أغلب مدن إيران الكبرى.
كانت استراسلكي يعتبر أن وصول نظام البلاشفة إلى السلطة في روسيا ظاهرة خاطئة سوف تزول بسرعة، ولو على المدى البعيد، لتستعيد حكومة روسيا سلطتها العريقة في إيران ثانية. وكان أحمد شاه القاجاري يحب هذا الضابط الروسي الكبير ويعتبره من الأركان الأساسية لسلطته. وكان الجنرال استراسلكي يحب أحمد شاه وكان مستعداً لإحباط أي مؤامرة عسكرية ضد سلطته من خلال بطش القزاق. لذا لم تعترف الحكومة الإيرانية بالنظام الجديد في روسيا، فأبقت على السفارة القيصرية في طهران. وبقي الضباط الروس الكبار على علاقة وطيدة بها، وهذا ما أثار قلق الإنكليز المصرّين على فكرة توحيد القوات وطرد استراسلكي من منصبه وإبعاده عن إيران. وكان وثوق الدولة ونصرت الدولة متفقين مع الإنكليز على هذه الخطة. حتى ولو استدعى الأمر القيام بانقلاب عسكري. ويعتبران أنها لا تقبل التأجيل. وفي المقابل كان الشاه ومشير الدولة يعتقدان أن الخطة البريطانية ليست لمصلحة إيران، ويريان أن تنفيذ هذا المشروع وطرد استراسلكي وسائر الضباط الروسي يتطلب وقتاً أفضل وفرصة أكثر ملائمة. إلا أن الضغط البريطاني المتواصل أدى إلى تركيع الشاه، بينما صمد مشير الدولة على موقفه، وفضل أن يستقيل من منصب رئاسة الوزراء على أن يساهم في تنفيذ مشروع لا يؤيده ضميره. إذ كان يعتقد أن إبعاد الضباط الروس عن إيران يعني هيمنة الإنكليز على كل الشؤون العسكرية للبلاد، وهذا ما حدث فعلاً.
في هذا الظرف التاريخي الحساس كان الإنكليز يبحثون عن ذريعة تمكنهم من عزل استراسلكي وحل فرقة القزاق. ثم ما لبثت حادثة في شمال إيران أن أدت إلى تسهيل خطتهم، إذ نزلت قوات البلاشفة في أنزلي واحتلت مقاطعة جيلان، وأنشأت حكومة مشتركة بين ثوار الغابة والشيوعيين في رشت (مركز مقاطعة جيلان)، انتهت إلى نتائج حاسمة في مسار السياسة المقبلة للبلاد لتؤدي في نهاية المطاف إلى انقلاب شباط/فبراير 1921.
كانت مشاكل لينين في بداية تأسيس النظام البلشفي لا تُعد ولا تحصى، فيما كانت الدول الغربية المنتصرة «بريطانيا وفرنسا» متحمسة لإسقاط النظام الجديد في روسيا، لأن الرأسماليين الإنكليز والفرنسيين الذين استثمروا في الصناعات والمشاريع العمرانية الروسية، كتصنيع السكك الحديد واستخراج المعادن وإنشاء المعامل وغيرها، كانوا يأملون الحصول على أرباح طائلة من جراء هذه الاستثمارات بعد نهاية الحرب وانتصار روسيا القيصرية، وكذلك المساهمة في المشاريع العمرانية الأخرى لصيانة وترميم الصناعات الروسية. ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام حكومة ترفض التعاون إطلاقاً مع الرأسماليين الغربيين، وتعلن صراحة أنها لن تدفع أي مبلغ كغرامة إلى الشركات الفرنسية والإنكليزية التي صودرت أموالها بعد الثورة. كما كانت الحكومات الأوروبية تنظر للنظام البلشفي اللينيني في روسيا بأنه عصابة إجرامية ليس لها أي نصيب من الرحمة والشفقة والإنسانية، لا سيما بعد المجزرة التي ارتكبها بحق أسرة قيصر روسيا المخلوع. لذا راحت تعمل على إطاحة النظام الروسي في أول فرصة ممكنة. وشهدت الدوائر الملكية البريطانية تصاعد مشاعر الغضب ضد لينين وبطانته، لا سيما أن الملكة الروسية الصريعة كانت حفيدة بنت الملكة فيكتوريا، ولها صلة وثيقة بالأسرة المالكة البريطانية.
في ظل هذه الظروف انتشرت القوات الإنكليزية والفرنسية فجأة في شمال روسيا بعد ثمانية أشهر من ثورة أكتوبر، وسيطرت على ميناء أرفانجل لإقامة حكومة مرتزقة أمسكت بزمام السلطة هناك حتى عام 1919م. واحتل اليابانيون ميناء ولادي وستول من جهة الشرق الأقصى، وبقي احتلالهم هذا حتى عام 1922. ولكن تتضاعف مشاكل لينين، بتزعم أربعة من كبار الضباط القياصرة، هم الجنرال يودينغ والجنرال دنكين والجنرال فرنغل والأدميرال كولجاك أفواج وألوية عسكرية بقيت وفية للنظام السابق ورفعت لواء الثورة والتمرد ضد السلطة. وتقدم الجنرال يودينغ بقواته حتى وصل إلى أسوار بطروغراد (مدينة لينينغراد). وهكذا بات النظام الجديد عرضة للانهيار. لكن ذكاء لينين، ودهاء تروتسكي التنظيمي، والذي كان قد تولى آنذاك منصب وزارة الحربية الروسية، أسفرا عن معجزة كانت مستحيلة آنذاك نظراً لظروف وأوضاع روسيا السائدة في تلك الفترة. فبادر الاثنان إلى تأسيس الجيش الأحمر بسرعة فائقة ليسحق في خطوة أولى الأعداء الخارجيين ثم المحليين بالاستعانة بالقوات العمالية المقاومة لينقذوا النظام الروسي الفتي الذي كان على أعتاب الانهيار والسقوط. ثم انسحب الفرنسيون والإنكليز من الأراضي الروسية، واكتفى اليابانيون باحتلال ميناء ولادي وستول، ولم يتقدموا خطوة أخرى منها.
تفوق الجيش السوفياتي الفتي (الجيش الأحمر) في فصلي الربيع والصيف لعام 1920. بعدما أعيد تأهيله بجهود تروتسكي، وأضحى قوة دفاعية عظيمة في كل الجبهات المحلية الروسية. وألقي القبض على القادة الموالين للنظام القيصري الروسي واحداً تلو الآخر وأُعدموا رمياً بالرصاص أو قتلوا، مما دفع بعضهم للجوء إلى النواحي الروسية التي لم تخضع لسيطرة البلاشفة الجدد. وكان الجنرال دنكين في جبهة الجنوب الروسية واحداً من هؤلاء القادة الذين لجؤوا إلى آذربيجان الروسية بعد اندحار قواته في كريمة. فهاجمت القوات المسلحة البلشفية المزودة بالعتاد في حاج طرخان بادكوبه عبر البحر، وأطاحت بحكومة أنجلوفيل الآذربيجاني المنتمي لحزب المساواة، وأسسوا حكومتهم الشيوعية محلها. وقبل وقوع دنكين وباقي قواته في فخ البلاشفة استقلوا 13 سفينة وتوجهوا بها نحو السواحل الإيرانية. على أن وصول الجنرال المناوئ للثورة وجنوده إلى انزلي في إيران وتواجد القوات العسكرية البريطانية في الأراضي الإيرانية أسفرا عن غزو جيلان الإيرانية من قوات الجيش الأحمر الروسي.
إلى قوات «أسبيار» التي كانت ترعى مصالح الإنكليز في جنوب إيران، كانت هناك قوة إنكليزية أخرى تابعة لقيادة القوى الإنكليزية في بغداد تتحصن في انزلي للحفاظ على محور بغداد ـ بادكوبه العسكري ـ وكانت خطوط اتصالات هذه القوة تمر عبر مدن خانقين وكرمانشاه وهمدان وقزوين ورشت وانزلي، وتعرف بقوة شمال إيران.
مهاجمة جيلان على يد البلاشفة
بعد يومين من لجوء قوات دنكين في صبيحة الثلاثاء 18آب/أغسطس 1920 إلى إيران، كان قائد الأسطول الأحمر فنودور راسكالينكوف يطارد فلول هذه القوة، ووصل مع قواته إلى مدخل مستنقع غازيان، واستهدف ميناء انزلي بالمدفعية. وإزاء احتجاج العاملين بالميناء الذين استفسروا حول هذا الإجراء العدائي، رد القائد المذكور بأن السفن التي دخلت إيران تعود للحكومة الثورية الروسية، وأنه جاء لاسترجاعها ولطرد الوحدات العسكرية الإنكليزية المعروفة بالـ(نور برفورث) المسيطرة على ممر انزلي ـ بادكوبه البحري ـ وكانت وزارة الحربية البريطانية قد أصدرت قبل ثلاثة أشهر من هذا التاريخ، أي في أواخر شباط/فبراير 1920، أوامر سرية إلى قائد نور بروفورث المرابط في ميناء انزلي، جاء فيها: «.. يرجى إصدار التوجيهات اللازمة للقوات التي ترابط حالياً شمال إيران أن يقوموا في حال تعرض انزلي للهجوم من الجيش الأحمر، ولو ظاهرياً، باستعراض عضلاتهم والإيحاء بإرادتهم وقدرتهم، بحيث يتغاضى الروس عن مهاجمة الميناء. وإن لم تجد هذه الخدعة نفعاً، وأقدم البلاشفة على إنزال قواتهم، لا ننوي مقاتلتهم، وعليكم اتخاذ الإجراءات اللازمة لتتمكن القوات البريطانية من الانسحاب من انزلي إذا اقتضى الأمر. وتزامناً مع انسحاب هذه القوات، عليها بذل قصارى جهدها لإعاقة تقدم البلاشفة نحو قزوين وطهران، مستخدمين ممر منجيل الوعر الصعب العبور». وقد نفذ قائد «نوربرفورث» هذا التوجيه وسلّم ميناء انزلي بعد إبرام الهدنة مع راسكالينكوف الذي استعرض في مقابلة مع مراسل جريدة البرافدا السبب الرئيسي لدخول الجيش الأحمر الأراضي الإيرانية بعد عودته من إيران على النحو الآتي: «بعد الإعلان عن تأسيس جمهورية آذربيجان الاشتراكية، وبما أني كنت أعلم أن روسيا السوفياتية وآذربيجان معرضتان لهجوم آخر من القوات البريطانية عبر قاعدة انزلي، قررنا استئصال جذور هذا التهديد من خلال الاستيلاء على الميناء وإرجاع السفن الروسية التي هرب بها دنكين إلى انزلي من أيدي الإنكليز وحرمان قوات «نوربرفورث» من السيطرة على قاعدة انزلي البحرية المهمة… وفي الساعات الأولى من صباح الثامن عشر من أيار/مايو 1920 اقترب أسطولنا إلى مدخل ميناء انزلي ومستنقع غازيان وأطلقنا نيران المدافع نحو منشآت الميناء… وفي شرق انزلي على مسافة 9 أميال من الميناء، أنزلنا قوة استطاعت قطع الاتصال بين قوات الإنكليز ومدينة رشت تماماً، وفوجئت القوات الإنكليزية ولاحظت بأنها محاصرة بالكامل ووقعت في الفخ… حاولت هذه القوات بداية الصمود أمامنا، ووجهت سريتين من المدفعية لصد هجماتنا، لكن صفوفهم انهارت بعد أن أطلقت مدافعنا الحربية النار نحوهم، وشعروا بعدم وجود أي فرصة للنجاة. حينها أرسلوا عدداً من ضباطهم بأعلام بيضاء طالبين وقف إطلاق النار. قلت لمبعوثيهم إن الشرط الأول لوقف إطلاق النار هو تسليم ميناء انزلي فوراً وعدد من السفن الحربية ومستودعات ذخيرة وأسلحة حربية عائدة للنظام الروسي الحاكم. وأبلغوا نص إنذارنا الأخير إلى الجنرال الإنكليزي الذي طلب مهلة أخرى ليتصل بطهران، مستهدفاً تعزيز طلبه القاضي بأن يتولى في الوقت نفسه مسؤولية الحفاظ على المصالح البريطانية ورعاية المصالح الإيرانية. ولكن، وبعد ساعتين من تبادل هذه الرسائل، توجه حاكم انزلي إلى متن السفينة، وصرح بأنه جاء ليقدم التهاني والترحاب بوصول الأسطول الأحمر إلى ميناء انزلي نيابة عن الحكومة الإيرانية. وبعد إجراء المحادثات وافق على إخلاء ميناء انزلي وتسليمه لنا. لم يتمكن الإنكليز قبل غروب شمس ذلك اليوم من استلام الرد الموعود من طهران. وعليه اقترحت على القائد الإنكليزي الجنرال شيم بين أني مستعد لقبول انسحاب الإنكليز سلمياً من انزلي شريطة أن يتم تسليمي كل الذخائر التي استولت عليها القوات الإنكليزية من قوات دنكين… وافق الجنرال الإنكليزي على طلبي ووعد رسمياً بالعمل بحسب رغبتي. وبعد استلام الذخائر سمحت للجنود البريطانيين بإخلاء ميناء انزلي دون أن تستهدفهم مدفعيتنا من الخلف شريطة أن لا تصطحب معها القوات الروسية التي لجأت إلى إيران مع دنكين إلى خارج المدينة. وقبل مغادرة آخر الوحدات العسكرية البريطانية ميناء انزلي، نزلت قواتنا من السفن واستولت على المدينة، حيث كالانت حافتي شوارع المدينة مكتظة بالسكان الذين تدفقوا للترحيب بوصول الجيش الأحمر. وكانت الأعلام الحمراء ترفرف فوق أبنية المدينة. كان نصيبنا من الغنائم وفيراً، إذ استولينا فضلاً عن السفن والبواخر الحربية التي أتى بها دنكين إلى انزلي، على أكثر من 50 مدفعاً بحرياً و20 ألف مدفع هاون، و160 نبط قطن و8000 نبط من النحاس، و25000 نبط من قضبان السكك الحديد و40 سيارة صغيرة، وأكثر من عشرين جهاز لاسلكي بحري و3 أجهزة لاسلكية برية وست طائرات هيدروجينية وأربع فرقاطات… بعد الاستيلاء على انزلي، بدأنا محادثات مع الميرزا كوجك خان وحرضناه على التقدم من الغابة نحو مدينة رشت والسيطرة عليها. وما أن سمع الإنكليز المرابطون في رشت بهذا النبأ، حتى هربوا على الفور مذعورين، وتوجهوا نحو بغداد دون أن يلتفتوا إلى الوراء».
يعتبر الجزء الأخير لمقابلة راسكالينكوف أن الإنكليز لاذوا بالفرار ولم يلتفتوا وراءهم حتى وصلوا بغداد… إلخ، مبالغة، لأن قوة «نور برفورث» تراجعت حتى مضيق منجيل بحسب التعليمات التي استلمتها قبل ثلاثة أشهر، لكنها لم تتحرك من هناك قط، وقد تصدت بنجاح تام لقوات الجيش الأحمر التي حاولت غزو طهران من مقر قيادتها، وأعطت للحكومة مهلة لكي يتسنى لها البحث عن حل للحفاظ على سلطتها.
كان الحماس لمقابلة الميرزا كوجك خان ذي النزعة القومية الدينية في إيران من أهم أماني راسكالينكوف بعد نزول قواته في انزلي وطرد القوات الإنكليزية، إذ كان الميرزا يقود آنذاك التنظيمات الفدائية ضمن نطاق الغابة. وكانت انتفاضة الغابة تتميز في مسرح التأريخ الإيراني بأنها لم تكن من حيث المنشأ مدينة لقدرة الروس، خلافاً لحركة آذربيجان الانفصالية التي ظهرت بعد 25 عاماً من ذلك بزعامة جعفر بيشه ورى. وعندما استقر راسكالينكوف على راس قوات الجيش الأحمر بميناء انزلي، كان الميرزا كوجك خان يحظى بسلطة وقدرة في جيلان، ولهذا قرر الشيوعيون المنتمون لمجموعة العدالة في بادكوبه «أي الحزب الشيوعي لآذربيجان الروسية»، والذين قدموا برفقة راسكالينكوف أن يستغلوا سلطة وشخصية وأثر كلام الميرزا كوجك خان لصالحهم. فالميرزا كوجك خان كان قائداً ثورياً ملتزماً بالدين والصلاة، وقد بدأ حياته كطالب علوم دينية، وبعد ذلك وضع العمامة والعباءة جانباً، ثم ارتدى ثوب الفداء والتضحية وحمل البندقية في منطقة جيلان لفترة سبع سنوات ضد الإنكليز وضد رئيس الوزراء العميل وثوق الدولة.
كان الميرزا مقاتلاً فذاً لا غبار على وطنيته وإيمانه وطهارته وشجاعته الخلقية. إلا أنه كان طيب القلب وصادق النية لا يعي تقلبات السياسية الدولية واساليب الشيوعيين الدقيقة لاستغلال الموقف واحتكار السلطة، لذلك وقع فوراً في فخ البلاشفة بأسلوبهم الماكر، وكان لفترة قصيرة أداة لسياستهم في المقاطعات الشمالية بإيران، لكنه انفصل عنهم لأنهم كانوا يعملون ما يشاؤون في جيلان، وأخذ يعمل لحسابه، وانضم ثانية إلى صفوف أتباعه المنتفضين في الغابة.
لا يتسع هذا المقال لتناول تفاصيل الإعلان عن قيام حكومة جمهورية جيلان الاشتراكية على نمط حكومة البلاشفة في روسيا، وإقامة حكومة ائتلافية بمشاركة شيوعيي رشت وبادكوبه وقادة انتفاضة الغابة. لكن يكفي القول إن الميرزا كوجك خان كان يتولى في هذه الحكومة منصبين حساسين، هما وزارة الحرب ورئاسة الوزراء قبل عودة راسكالينكوف إلى روسيا، فيما كان إحسان الله عضو مجموعة العدالة في بادكوبه وزيراً للخارجية. واستمرت حكومة جيلان الائتلافية لفترة ثلاثة أشهر ونصف تقريباً، لكنها انهارت بسبب التدخلات السافرة وغير الشرعية للجيش الأحمر في جيلان، وكذلك بسبب دعايات أعضاء الحكومة الشيوعيين المعادية للدين والقومية الإيرانية. فبعد أن بعث الميرزا كوجك خان رسالة إلى لينين يحصي فيها مخالفات الشيوعيين واحداً تلو الآخر، استقال من حكومة جمهورية جيلان الاشتراكية. وأراد بلاشفة مجموعة العدالة القبض عليه وإعدامه رمياً بالرصاص، لكنه تمكن من التوجه إلى غابات منطقة فومنات ليستأنف كفاحه ونضاله المستقل إلى جانب أنصاره القدامى. وبعد استقالة الميرزا وقع انقلاب في رشت يعرف بالانقلاب الأحمر في تلك الفترة. وتم طرد ونفي ثوار حركة الغابة من كل المؤسسات الحكومية أو إعدامهم بالرصاص. وقامت حكومة برئاسة إحسان الله خان، وكان جميع أعضائها شيوعيين، وتولى فيها الخالوقربان كرد منصب وزير الحربية، فيما شغل جعفر البادكوبئي الذي نزل من السفينة برفقة راسكالينكوف والذي يعرف بالسيد جعفر زاده أو جواداف وزارة الداخلية، لأن اللقب لم يكن مألوفاً آنذاك. وكان هذا الشاب الشيوعي الذي قدر له أن يلعب دوراً أكثر خطورة لصالح الاتحاد السوفياتي في إيران لاحقاً هو ذلك اللاعب السياسي المسمى السيد جعفر بيشه روى الذي قاد بعد 25 عاماً حركة الحكم الذاتي بآذربيجان عام 1935م، مثيراً متاعب وهموم كثيرة لحكومة إيران.
كان استمرار الحكومة الشيوعية المتمردة في جيلان من المشاكل الرئيسة للحكومة الإيرانية. ولم يكن أمام رئيس الوزراء الجديد مشير الدولة سوى خيارين: إما التفاوض مع إحسان الله وأصحابه الشيوعيين في جيلان، وإما التباحث مع سلطات الكرملين في موسكو. وبما أن مشير الدولة أكمل دراسته الجامعية في جامعة موسكو وعمل كوزير مفوض لسنوات عدة في روسيا، فقد كان على دراية تامة بخصائص الديبلوماسية الروسية، ويدرك أن مثل هذه المشكلات يمكن معالجتها على نحو أفضل وسريعاً من خلال التفاوض المباشر مع الجهات الروسية الرفيعة المستوى، لأن إحسان الله وبطانته لا يستطيعون اتخاذ أي قرار إلاّ بعد إحالة الموضوع على لينين ومكتبه السياسي مسبقاً، والعمل وفق التعليمات الصادرة. وعليه قرر مشير الدولة التفاوض مع صانعي القرار في موسكو وعدم الاكتراث بالضجيج والضوضاء التي يثيرها الشيوعيون المحليون الذين يوحون بأنهم مستقلون عن أية سلطة أجنبية. من هنا جاء تعيين مشاور الممالك علي قلي خان الأنصاري سفيراً مفوضاً لإيران لدى موسكو وتخويله لصلاحيات تامة لإجراء مفاوضات سياسية مع قادة الكرملين لإبرام اتفاقية صداقة بين إيران والاتحاد السوفياتي. وقد استغرقت هذه المهمة نحو تسعة أشهر تمخضت عن التوقيع على حلف 1921م بين إيران والاتحاد السوفياتي.
هزيمة القوزاق في الشمال ونتائجها
تزامناً مع هذه التطورات، قرر مشير الدولة معالجة مشكلة الشمال من خلال اللجوء إلى القوة لإعادة مقاطعة جيلان التي انفصلت عن البلاد سياسياً وإدارياً، أي عن الحكومة المركزية في طهران. ولحسن الحظ أبدى الشاه في تلك الفترة مشاعر عدائية تجاه سلطات لندن بسبب قطع راتبه الشهري من قبل الإنكليز، مما دفعه إلى دعم وتأييد القوميين الإيرانيين ورئيس الوزراء مشير الدولة. فتم اختيار الجنرال استراسلكي لقيادة العمليات العسكرية في الشمال، وهو آمر فرقة القزاق في إيران. وكان الشاه ومشير الدولة يعتقدان أن استراسلكي سوف يبذل قصارى جهده بسبب مشاعره الموالية للحكم القيصري للقضاء على الحكومة الشيوعية في جيلان. وحسب تعبير ملك الشعراء بهار «تعاون الشاه ومشير الدولة معاً واتحدا واستخدما قوى القزاق في شهر ذي القعدة عام 1338هـ الموافق عام 1920م، حيث تم تطهير منطقة مازندران من المتمردين. وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه تقدم القزاق نحو مدينة رشت واستولوا عليها. وفي غرة ذي الحجة استولوا على إسماعيل آباد معقل البلاشفة الإيرانيين».
في هذه الفترة كانت قوة الشمال البريطانية «نور برفورث» تتعامل مع قوات القزاق، وتمكنت من أن تستولي على اليوزباشجي بعد اشتباكات قصيرة لتدفع بالبلاشفة للانسحاب والتراجع نحو رشت. وفي السابع من شهر ذي الحجة 1338هـ، استعادت القوات الإنكليزية مدينة منجيل التي سبق وتركتها. واجتازت قوى القزاق التي كانت تتقدم أمام الإنكليز مدينة رودبار، وأجبرت المتمردين (القوات الشيوعية العسكرية في جيلان) على الانسحاب نحو مدينة رشت، ثم طاردتهم في طريق رشت ـ انزلي ـ إثر هذه الانتصارات اضطلع الإنكليز بدور مريب، إذ يبدو أنهم أصيبوا بالخوف والذعر من أولى الفتوحات التي حققها الجنرال استراسلكي والتي كانت منافية لتوقعات وطموحات وخطة السلطات العسكرية الإنكليزية في إيران. لذا استدعوا قواتهم من انزلي. ويقول الأرمتياز اسميت مدير عام الخزينة في إيران «… عندما استدعت الحكومة البريطانية قواتها من انزلي وأفسحت المجال أمام البلاشفة، أضحى استراسلكي في نظر الإيرانيين قائداً عظيماً ارتفعت مكانته، واعتبروا أنه هو الذي أنقذ البلاد… وتلك الإجراءات جعلته مارد الشمال…». يعود هذا التقرير إلى أيام كان استراسلكي يطارد قوات جيلان المنهزمة فاتحاً. أما بعد أن سارعت قوات الروس إلى دعم المتمردين الإيرانيين وإنقاذهم من ورطة الهزيمة، فقد تضاءل حظه، مما حدا بالإنكليز للمطالبة بإقصائه عن منصب القيادة العامة لفرقة القزاق فوراً. وتأسيساً على ذلك، اقتنع الإيرانيون بأن بقاء واستمرار استراسلكي على رأس أهم قوة عسكرية في إيران فكرة خاطئة تعرض البلد للخطر في المستقبل. وطالب الإنكليز مشير الدولة بأن يقطع وعداً. لكن مشير الدولة رفض ذلك، وأسفر ذلك عن استقالة مشير الدولة واختيار المشير الرشتي فتح الله خان أكبر خلفاً له.
بعد سنتين من انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت حكومة لويد جورج الإنكليزية تواجه ضغوطاً حادة من الرأي العام الذي راح يطالب باستدعاء الجنود الإنكليز من إيران. وكانت حجة المعارضين في بريطانيا آنذاك هي أن الدفاع عن عرش وحكومة إيران ليس مهمة الجنود الإنكليز، بما أن الإيرانيين لم يكونوا مستعدين لقبول اتفاقية 1919. وعلى هذا الأساس يجب أن يدافعوا عن وطنهم أمام هجمات الشيوعيين القادمين من الشمال، لأن دم الجندي الإنكليزي ليس رخيصاً إلى حد يراق في حرب مع الجيش الأحمر لاسترجاع أراضي الملاكين في جيلان. وعليه اتخذت وزارة الحرب البريطانية قرارها بأن تغادر القوات الإنكليزية الأراضي الإيرانية في الأول من نيسان/ أبريل 1921م والعودة إلى بريطانيا.
إثر مغادرة القوات البريطانية الأراضي الإيرانية، تقدمت قوات إحسان الله خان نحو العاصمة. لكن الإنكليز، ونظراً لمصالحهم الاقتصادية في الجنوب الإيراني، لم يكونوا ليسمحوا بأن يصبح الجنوب جزءاً من إقليم جمهورية إيران الاشتراكية وقسماً من روسيا الجديدة، فأعدوا، بتوجيه من السير برسي كوكس المفوض السامي البريطاني في بغداد، مشروعاً يقضي بالتخلي عن مناطق شمال البلاد من خلال إنشاء حكومة باسم «اتحاد الجنوب الإيراني» للحيلولة دون تقدم الروس نحو المقاطعات الجنوبية الإيرانية. وهكذا وضعت الثورة الروسية ونتائجها القادة العسكريين البريطانيين في إيران أمام خيارين مختلفين؛ فإما دعم مشروع السيطرة على طهران من الضباط القوميين واستخدام القوات المجتمعة في قزوين لتنفيذ هذا المشروع، وإما التخلي عن طهران ووضعها تحت تصرف القوات الشيوعية، مهما كانت التبعات والنتائج السيئة لهذا التصرف، بما في ذلك تمزيق إيران.
في خضم هذه الظروف بادر أفراد فرقة القزاق البالغ عددهم 2500 شخص إلى استجماع طاقاتهم وقواهم القتالية مجدداً، وباتوا بفضل الأسلحة الحديثة التي وضعها الإنكليز تحت تصرفهم قوة عسكرية منظمة وفاعلة قادرة على السيطرة على طهران قبل مغادرة القوات الإنكليزية ودون تباطؤ لتحبط خطة إحسان الله خان وشيوعيي جيلان. ولتنفيذ هذه الخطة قررت السلطات العسكرية البريطانية في قزوين البحث عن قائد جديد ومؤهل يمكنه القيام بهذه المهمة الخطيرة. ووافق العميد رضا خان على تولي هذه المهمة، وأعلن استعداده لمهاجمة طهران على رأس قوة قوامها 2500 مقاتل. ففي 20 شباط/فبراير 1921 أصبح 2500 مقاتل من القزاق الإيرانيين الذين تم إعدادهم وإعادة بناء طاقاتهم على مدى الأشهر الأربعة الماضية في قزوين تحت قيادة العميد رضا خان على أهبة الاستعداد، وانطلقوا نحو طهران ووصلوا في الساعات الأولى من صبيحة يوم 22 شباط/فبراير 1921م. وهنا انضم شاب ذو عزيمة جادة يدعى سيد ضياء الدين الطباطبائي إلى مخيم القزاق، ووصل إلى طهران بصحبة الانقلابيين. وفي أول حكومة وصلت للحكم بعد الانقلاب، تولى هذا السيد الشاب منصب رئاسة الوزراء في إيران.
كان الحدث المعروف بانقلاب 22 شباط/فبراير 1921م في التأريخ السياسي الإيراني ناتجاً من رد فعل الضباط القوميين الإيرانيين للحيولة دون استيلاء شيوعيي جيلان على الحكم وعلى شؤون البلاد. إذ كانت إيران بلا شك ستتعرض للتمزيق في حال سيطرة هؤلاء على الحكم. فقد كان كبار ضباط القزاق الإيرانيين، وعلى رأسهم العميد رضا خان، أمام اختبار صعب وشاق للغاية، فإما الانقلاب العسكري أو التقسيم. وتفادياً لتقسيم إيران كان ينبغي فتح طهران قبل جلاء القوات الإنكليزية، لأن انقلاب 22 شباط/ فبراير جاء قبل أربعين يوماً من موعد الإنذار المحدد لجلاء القوات البريطانية. ولو لم يقم رضا خان بغزو طهران، لبادر شيوعيو جيلان بقيادة إحسان الله خان والخالوقربان إلى السيطرة على العاصمة.
صحيح أن انقلاب 22 شباط/فبراير أسفر عن حكم رضا خان الاستبدادي الذي دام عشرون عاماً في أجواء انعدمت فيها حرية التعبير والآراء السياسية. ولكن تنبغي الإشارة إلى أنه أتاح الحفاظ على الوحدة السياسية ووحدة أراضي هذه البلاد الشاسعة بعد انقراض السلالة البهلوية لتبقى حدودها كما كانت دون مساس أو تغيير، وتحل محلها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمكانتها وموقعها.
د. جواد شيخ الإسلام
أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين
للشيخ حسن بن علي بن سليمان البلادي البحراني.
وهو مطبوع متداول وقد قرّظ طبعته علي الشيخ منصور المرهون نورد ما كتبه:
أنوار البدرين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الميامين.
أنوار البدرين الكتاب المنوه عنه في الكثير من المعاجم القيمة كأعيان الشيعة والذريعة والمنيعة وأمثالها، الكتاب الذي يضم بين دفتيه رجالاً طالما خدموا الدين وأهله ردحاً من الزمن غير قصير حتى اختارهم الله إلى جواره، ولولاه لما كنا نعرف عنهم شيئاً ولذهب ذكرهم كحديث أمس الدابر إلا آثار ما لا يجدي اطلاعنا عليها مزيد علم غير أنّا بفضل تلك الجهود الجبارة التي قام بها علينا المغفور له أصبحنا ذا ثروة هائلة طائلة تدلنا بأوضح براهينها على ما كان عليه سلفنا الصالح من مزيد اعتناء بالدين واهتمام بأمور المسلمين وتفان لما فيه الصالح العام وإنقاذاً لسائر البائسين من الضعفاء والمساكين من تلك الأيدي التي لا ترى لها حقاً، الأمر الذي يدعو إلى الاهتمام العظيم بنشر الكتاب وطبعه ليسد محله الشاغر من مكتبة الدين الإسلامي فما ذكره ذاكر إلا سأل الله ذلك لأنه من المصادر التي يعوّل عليها ويستند إليها. وكم قرأت عنه كثيراً من الكتب التاريخية والأدبية مما اطلعت عليه قبل أن أراه، وكم كان بودي أن أكون أحد الناظرين إليه والمطلعين عليه حتى يسر الله تعالى ذلك بمناسبة تقديم كتاب العلامة الشيخ ناصر الجارودي المعروف بـ (بشرى المذنبين) حيث قد تفضل به العلامة الشيخ حسين نجل المؤلف فاقتطفت منه ترجمة الناصر المذكور فرأيت الكتاب ذا ثروة هائلة كما ذكرنا آنفاً قد حفظ الكثير من علماء البحرين والقطيف والأحساء مما سجل على مرّ الدهور للمؤلف يداً على هذه الأقطار الثلاثة وما اشتملت عليه من مئات الألوف من الناس وما كانت المجموعة الإنسانية من سائر الأقطار الإسلامية تعرف عن هذه الأقطار الثلاثة شيئاً إلا من طريق (أنوار البدرين). أضف إلى ذلك أنه ينشر من آثار أعلامها الأعلام وهم كثيرون وكثيرون ما يروي الغليل ويشفي العليل، يرد إلى النفس الاطمئنان ويثلج الصدر اللهفان ما سجل فيه من تاريخ هذه البلدان العربية البحتة التي ملأت بالإيمان وأهله منذ كانت وحتى الآن ولم تزل وإن كان لا يعدوها المثل كما لا يعدو غيرها (ومن ذا الذي يا سعد لا يتغير) وبما أني أعرف من نفسي تمام الرغبة إلى نشر هذا السفر الخالد والأثر القيم لما فيه وفيه من المثل العليا والقيم الروحية مما ذكرت وما لم أذكر مما يعجز عن بيانه أمثالي أود لكل من رأى لمثل هذا المشروع الحي قيمته وأقام له وزناً أن يقدره حق قدره وإن لم يكن من أهل ذلك فليدع الحب في سنبله فلكل أهل.
وقد وفق الرحمن بعض الإخوان لتصحيحه ومقابلته على النسخة الموجودة في مكتبة الإمام كاشف الغطاء الأمر الذي أوجب النشاط من جديد لإحياء هذا الأثر القيم والسفر الجليل بنشره وطبعه، فله منا جزيل الشكر وعاطر الثناء والحمد لله رب العالمين.
نزيل النجف الأشرف 14/11/1377هـ
علي المرهون
وقد ذكر المؤلف في مقدمته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بعث محمد المصطفى صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، وأرسله بشيراً ونذيراً إلى الخلق أجمعين، وجعله نبياً وآدم بين الماء والطين وفضله وشرفه على كافة المخلوقين، وختم بشريعته جميع شرائع الأنبياء والمرسلين، ونسخ بها جميع شرائع الأنبياء المتقدمين، وجعل عترته وآله الطاهرين خلفاءه الراشدين المرضيين وأوصياءه على اليقين شركاء الكتاب المبين، وسادات المسلمين، وأمناءه في أمور الدنيا والدين، حرس أهل الأرض عن العذاب المهين، سفينة النجاة للراكبين، باب حطة للداخلين هدى المهتدين وحبل الله المتين، فصلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، كل آن وحين، ورضوان الله ورحمته على علمائهم العاملين ورواة أخبارهم والمقتفين لآثارهم المستضيئين بأنوارهم والتابعين، ولعنة الله الدائمة على أعدائهم الظالمين.
أما بعد فيقول العبد الجاني، والفقير لربه السبحاني علي بن المرحوم الشيخ حسن ابن المقدس الشيخ علي ابن المرحوم الشيخ سليمان البلادي البحراني عفا الله عن جرائمهم أجمعين، وأعطاهم خير الدنيا والدين، بحق محمد المصطفى الأمين وآله الطاهرين الميامين، صلى الله عليه وآله الأكرمين قد سألني الولد الصالح، والميزان الراجح العالم العامل التقي الكامل النقي الواصل الرضي الفاضل المؤيد بالتأييدات الربانية، الموفق بالتوفيقات السبحانية، المتنسل من سلالة العلماء الأعيان، ذوي الاتقان والإيقان، المعتمد الصالح، الشيخ محمد صالح، خلف العالم الأسعد العلامة الأرشد الفهامة الأمجد شيخنا ووالدنا الروحاني الشيخ أحمد ابن العالم العابد الزاهد الصالح الشيخ صالح الستري البحراني مدّ عمره السعيد مداً وجعل بينه وبين جميع الحوادث سداً، ووفقنا وإياهم وآباءنا والمؤمنين، من أهل دار دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، أن أكتب له كتاباً كاملاً ودستوراً حافلاً لترجمة علماء البحرين وفقهائها وأدبائها وفضلائها مع ذكر مصنفاتها ورسائلها وما يدخل في هذا الشأن ويحوم حول هذا الميدان، مما بلغه علمي، وأحاط به اطلاعي وفهمي، وإن كان قليلاً من كثير، ونقطة من غدير لتشتت أهلها في البلدان، بما لعبت بهم أيدي الزمان، وما نالوه من البلاء والهوان من أهل الجور والعدوان، والحوادث والوقائع التي أخلت منهم الأوطان وبددت شملهم في كل مكان.
كأن لم يكن بين الجحون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر
حتى بلغ الحال أن كثيراً من الأولاد لم يعلموا بآثار آبائهم ولم يدروا بأنسابهم وأقربائهم وكانوا من مصاديق قوله (ص): «أعظم الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأولياء ثم المؤمنون الأمثل فالأمثل» وقد كان أهل البحرين من قديم الزمان من الشيعة المخلصين، والموالين لمولانا علي أمير المؤمنين، وسيد المسلمين وأبنائه الأئمة الطاهرين، عترة الرسول الأمين، صلى الله عليه وآله الميامين، وكانوا من الزهد والورع والتقوى والتمسك بالعروة الوثقى والسبب الأقوى بمكان مكين وثبات ويقين، كما ستطلع إن شاء الله تعالى في المقدمة على بعض أحوالهم، وتفصيلهم وإجمالهم، فاستخرت الله العليم بالخفيات الخبير بجميع المعلومات، وأجبته إلى ما طلب وأسعفته فيما سأل وغب، سائلاً منه سبحانه أن يمدني بالتوفيق والصواب، والهداية للحق في كل باب، إنه الكريم الوهاب وخير من سُئِل فأجاب، وسميته بـ: «أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين».
والله الكريم أسأل حسن المبدأ والختام وخير الدنيا والدين يوم القيام، وهو حسبنا وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.
ورتبته على مقدمة شريفة وثلاثة أبواب وخاتمة نسأله تعالى حسن الابتداء والخاتمة، وهذا ترتيب المبدأ والخاتمة والأبواب ليكون كالفهرست للكتاب:
المقدمة في ترجمة البحرين ومدنها الثلاث إجمالاً وفيها مباحث شريفة وفوائد منيفة:
والباب الأول في ترجمة علماء البحرين وهي جزيرة أوال.
والباب الثاني في ترجمة علماء القطيف التي هي الخط.
والباب الثالث في ترجمة علماء الإحساء وهي هجر.
والخاتمة في ذكر أربعين حديثاً نبوياً من طرق أصحابنا الإمامية وذكر اتصالنا بالإجازة لأخبار أئمتنا العترة الطاهرة المهدية مشروحة مختصرة ومن الله الكريم الرحمن الرحيم نستمد المعونة والتوفيق ونستدفع التعسير والتعويق إنه ولي كل خير ودافع كل سوء وضير، وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العليم القدير الأحد الصمد الخبير.
المقدمة
في ترجمة البحرين واشتمالها على المدن الثلاث وهي جزيرة أوال والقطيف والإحساء وفضلها على كثير من بلاد الإسلام.
قال السيد الفاضل المعاصر السيد محمد باقر الأصفهاني في كتابه روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات وهو كتاب جامع جليل في ترجمة العلامة الأمجد الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد المقشاعي المقابي البحراني الذي نذكر إن شاء الله تعالى ترجمته فيما يأتي.
ثم إن البحرين كما في تلخيص الآثار ناحية بين البصرة وعمان على ساحل البحر بها مغاص الدر، ودره أحسن الأنواع ينتهي إليها قفل الصدف في كل سنة من مجمع البحرين، بحمل الصدف بالدر إليها وليس لأحد من الملوك مثل هذه الغلة، من سكن البحرين عظم طحاله وانتفخ بطنه.
قلت وأهل البحرين قديمة التشيع ومتصلبون في أمور الدين خرج منها من علمائنا الأبرار جم غفير، وفي الأمثال المشهورات، خرّب الله البحرين وعمّر أصفهان كي لا يخلو من أهل الأولى أحد ولا يقع من أهل الثانية الديار.
والخط قرية باليمامة يقال لها خط هجر تُنسب إليها الرماح الخطية.
وهجر مدينة كبيرة هي قاعدة بلاد البحرين ذات النخل والرمان والأترج والقطن، قال النبي (ص): «إذا بلغ الماء قدر قلتين لم يحمل خبثاً» أراد بهما قلال هجر يسعها خمسمائة رطل وإليها ينسب رشيد الهجري صاحب أمير المؤمنين (ع) الذي هو في درجة ميثم التمار وهو من جملة حاملي أسرار أمير المؤمنين (ع) انتهى كلامه في الجنان مقامه وإنما نقلناه بطوله لاشتماله على الفوائد الجزيلة والعوائد الجميلة وذكره المدن الثلاث كما عن تلخيص الآثار كل واحد باسم خاص جرياً على غلبة الاستعمال، إلاّ فاسم البحرين واسم هجر بفتحتين ويطلق كل منهما على الجميع كما هو المستفاد من تتبع كلام أهل اللغة وأهل التواريخ والسير، ثم صار علماً بالغلبة اسم البحرين على جزيرة أوال وهجر على بلاد الإحساء كابن عباس وابن الزبير ونحوهما وما نقله عن تلخيص الآثار من عظم الطحال وانتفاخ البطن فلعله كان في قديم الزمان كذلك وإلا فالآن ليس كذلك ووجودهما نادر جداً لبعض العوارض ولعله انتفى بسبب عوارض كما يحكى أنه كان في السابق في أهلها بعض الجذام بسبب الرطوبات وكثرة الأسماك فذهب عن أهلها بالكلية بسبب شرب التتن وكثرة شيوعه حتى حكي أن كثيراً من علمائها القدماء يذهب إلى حرمته وينهى عن استعماله فلما رأى منفعته للمرض المزبور سكت عن النهي وأجاز استعماله والله العالم)[261](.
(والخط) بضم المعجمة هي بلاد القطيف والظاهر من تتبع التواريخ القديمة جداً علم أن الأولتين أقدم منها والآثار والوجدان يساعدان فإن جزيرة أوال فيها من الآثار القديمة جداً كقلعة دقيانوس ملك أصحاب الكهف وهو قبل عيسى (ع) وغير ذلك قديماً وهجر فيها آثار من قبل عيسى (ع) أيضاً، وأما القطيف فقد ذكر ابن الأثير في الكامل أن سابور الملك مدّن أربعين مدينة من جملتها القطيف من البحرين. انتهى ـ وينسب إليها شاعر البحرين أبو البحر جعفر بن محمد الخطي، والشاعر الأديب الشيخ فرج الخطي.
وأما فضلها على كثير من غيرها فقد حدثني أقدم مشائخي العلامة الثقة الثبت الحفظة الوالد الروحاني التقي الصالح الشيخ أحمد ابن الشيخ صالح البحراني قدس الله نفسه ونوّر رمسه وأسنده أنه لما أمر الله رسوله محمداً المصطفى (ص) بالهجرة من مكة بعد موت عمه وكافله سيد البطحاء بيضة البلد أبي طالب وتظاهر المشركين عليه نزل عليه الأمين جبرائيل (ع) من الرب الجليل وخيّره في الهجرة إلى البحرين أو فلسطين أو المدينة فترك (ص) البحرين من أجل البحر وترك فلسطين لبعدها واختار المدينة لقربها من مكة. انتهى كلامه علا في الفردوس مقامه.
قلت ثم بعد مدة مديدة وقفت على خبر رواه العلامة الثاني الشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي البحراني في المجلد الثاني من كتابه أزهار الرياض والظاهر أنه عن الإمام الصادع بالحق والناطق جعفر بن محمد الصادق (ع) بالتفصيل الذي ذكره (ره) إلا أني لم أكن بصدد هذه الكتابة حتى أنقله بلفظه وهذه فضيلة عظيمة تدل على شرف الأرض وقبول أهلها للألطاف بحيث تكون مثوى لسيد المرسلين ومهاجرة لخاتم النبيين واستراحته إليها عن أذيات المشركين.
ومنها أنها أسلمت للنبي (ص) طوعاً بالمكاتبة كما ذكره جملة من أهل التواريخ والسير من الخاصة والعامة كما سيأتي حتى أن الفقهاء صرّحوا في كتبهم الفقهية في أحكام الموات بأن البحرين حكمها حكم المدينة لأنهما أسلما طوعاً لا عنوةً بل ذكرها شيخنا الشهيد الأول في اللمعة مرتين مرة في إحياء الموات، ومرة في كتاب الخمس.
قال شيخنا الشهيد الثاني في شرحها ممزوجاً بها وكل أرض أسلم عليها طوعاً كالمدينة المشرفة والبحرين وأطراف اليمن فهي لهم على الخصوص يتصرفون فيها كيف شاؤوا وليس عليهم فيها سوى الزكاة مع اجتماع الشرائط. انتهى.
وقال في الأنفال من الخمس في الكتاب المذكور مزوجاً بكلام الشارح المزبور ونقل الإمام (ع) الذي يريد به من قبيلة ومنه يسمى نفلاً أرض انجلى عنها أهلها وتركوها أو اسلمت للمسلمين طوعاً من غير قتال كبلاد البحرين. انتهى المقصود من كلامهما، زيد في الجنان عالي مقامهما، وهو وإن كان الحكم الثاني مخالفاً للأول إلا أن الظاهر وهو الذي عليه المعول إنما هو الأول ويدل على الثاني ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن سماعة بن مهران قال سألته عن الأنفال إلى ان قال ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وربما يجمع بين الحكمين بما لا تنافي بينهما في البين ببعض الوجوه ولسنا بصدد تحقيقه وناهيك بها من فضيلة جليلة ومكرمة نبيلة وذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد الفريد في ذكر الوفود على رسول الله (ص) ووفد عليه وفد عبد القيس من أهل هجر فقال (ص) لهم مرحباً بوفد قوم لا خزايا ولا نادمين وهجر هذه بلاد البحرين كما قدمنا الكلام عليها وهي التي عناها أبو اليقظان عمار بن ياسر الصحابي البدري (رض) بقوله في صفين يشي به إلى الفئة الباغية معاوية وأهل الشام (والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أننا على الحق وأنهم على الباطل) والمراد بسعفات هجر نخلها كنّى عنه بأظهر الأفراد مجازاً وذكر هجر مبالغة في الإمعان في البعد فإن صفين من قرى المغرب وهجر من قرى المشرق وعمار هذا هو الذي قال فيه رسول الله (ص): «عمار جلدة بين عيني» وقال (ص) في المستفيض بين الخاصة والعامة بروايات كثيرة منها «ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» وقال له: «يا عمار ستقتلك الفئة الباغية ويكون آخر زادك من الدنيا ضياحاً من لبن» والروايات في هذا المعنى كثيرة جداً ورواها ابن النابغة عمرو بن العاص لأهل الشام قبل وقوع صفين فلما حضر الوقت صار بين ذي الكلاع الحميري وبين ابن العاص وعمار كلام كثير ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج في أخبار صفين وغيره وذكر أن ذا الكلاع قتل في اليوم الذي قتل فيه عمار بن ياسر (رض) ولو لم يقتل في ذلك لمال بأهل الشام إلى أمير المؤمنين (ع) لأنه رئيسهم والمطاع فيهم وهو الذي جد بهم لمعاوية وبئس الخاتمة والعقبى له ولهم.
أقول وهذا يدلك يقيناً أن قريشاً المتقدمين منهم والمتأخرين اجتهدوا في إطفاء فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وإخفاء مناقبه وستر ما قاله رسول الله (ص) فيما استفاض من رواياتهم بل تواتر من طرقهم فيه من قوله (ص) «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما دار» في الروايات الصحيحة في يوم الغدير المتواترة من عدة طرق حتى أفردت فيه الكتب والرسائل بل وفي ذكر رواته في مجلدات كثيرة. وفي طرق منها كما في الصواعق المحرقة لابن حجر «من كنت وليه فعلي وليه»، وقوله (ص): «يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى (ع) إلا أنه لا نبي بعدي» وقوله (ص) في واقعة خيبر «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرّار لا يرجع حتى يفتح الله عليه». يعرض بقوله (ص) «كرار غير فرار» إلى من تقدم بالراية وفرّ يجبن أصحابه ويجبنونه فجيء بعلي إليه وبه رمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه.
وحديث الطائر المشوي ذكره جملة من أساطين القوم ومحدثيهم وهو قوله (ص) «اللهم آتيني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر المشوي» فأتاه علي (ع) فأكل معه وقوله (ص) «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى». وقوله (ص) «إني مخلف فيكم الثقلين ـ وفي بعضها إن تارك فيكم وفي بعضها إني مخلف فيكم خليفتين «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، وكذلك قوله (ص) فيه: «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض». وقوله (ص) «علي إمام البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من خذله». وقوله (ص): «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها». وقوله (ص): «يا علي سلمك سلمي وحربك حربي» إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة والأخبار الصحيحة الشهيرة المذكورة في الأصحة والمسانيد من طرق متكثرة المتفق على نقلها الخاصة والعامة والأولياء والأعداء الدالة على تفضيل أمير المؤمنين (ع) على جميع الأمة، وفي بعضها نصّ على خلافته وفضيلته وجلالته مما لا تقبل التأويل ولا تتطرق إليها الشبهات التي أظهرها الله لوليه لطفاً به بعد طول ذلك الإخفاء وذلك الاستتار حسداً وبغضاً من أعدائه وخوفاً وتقية من أوليائه مع روايتهم لها وحفظهم إياها على وجه الخوف والتقية حتى أظهرها الله تعالى كالسماء المرفوعة والأعلام الموضوعة والشمس الظاهرة والنجوم الزاهرة والأمثال السائرة، فسارت بها الركبان وعطرت الآفاق في كل مكان وغنت بها الحدات ونقلتها ألسن المحدثين والرواة من الأولياء والعدات:
هي الشمس كل العالمين يرونها
عياناً ولكن ذكرها للتبرك
وهذه الكتب المعتمدة مبذولة موجودة لأصحابنا وأهل السنة والجماعة مشهورة غير محتاجة إلى التعيين تنادي برفيع أصواتها بخلافة علي أمير المؤمنين (ع) وأبنائه الطاهرين وتفضيلهم على الخلق أجمعين وظهور نورهم وعلو مقامهم وفخرهم وسمو مرتبتهم وقدرهم وإن كانت الشمس تطمس أعين الخفاش والحق مضر بأسماع الأوباش وحيث سترها بغضاً الأولون وكتمها حسداً الأقدمون وخوفاً الموالون لم تتطرق أسماع كثير من العوام بشيء منها، فآل الأمر إلى أنهم أضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، فبسماع بعض أهل الشام هذا الخبر المروي في حق عمار بن ياسر وحق قاتليه صار عند بعضهم الاضطراب وبعض التوقف فكيف لو سمعوا بشيء مما ذكرناه ونقلوا لهم بعض ما رويناه مما هو مجمع على صحته وصدوره وروايته وإن كان أكثرهم أتباع كل ناعق وجلهم مسوقاً لسائق. وقد انصف ابن أبي الحديد في هذا المقام حيث أشار إلى ما ذكرناه من الكلام فإنه لما نقل حديث ذي الكلاع الحميري في صفين عن عمار بن ياسر (رض) أهو مع أصحاب علي (ع) فقال له عمرو بن العاص حدثنا أنه سمع رسول الله (ص) قال: يلتقي أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ومعه عمار بن ياسر (رض) فقال أبو نوح (ره): نعم إنه لقينا (قال ابن أبي الحديد) قلت واعجباه من قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار ولا يعتريهم الشك لمكان علي (ع) ويستدلون على أن الحق مع أهل العراق بكون عمار بين ظهورهم ولا يستدلون بمكان علي (ع)، ويحذرون من قول النبي (ص): «تقتلك الفئة الباغية» ويرتاعون لذلك ولا يرتاعون لقوله (ص): «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» ولا قوله (ص): «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق»وهذا يدلك على أن علياً (ع) اجتهدت قريش كلها من مبدأ الأمر في إخماد ذكره وستر فضائله وتغطية خصائصه حتى محي فضله ومرتبته من صدور الناس إلا قليلاً. انتهى كلامه وهو صريح في أن ائمته وتابعيهم من قريش كلهم اجتهدوا في ستر فضائل أمير المؤمنين (ع) وإخفاء مناقبه ومن جملة تلك النصوص على خلافته والأحاديث الدالة على إمامته ليسقطوا قدره ويطفئوا نوره: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ ولقد أظهر الله لهم من ذينك الإخفاءين ما قد ملأ الخافقين وعطر المشرقين والمغربين.
وفي الأمثال المشهورة (كناقل التمر إلى هجر) وعنى بها البحرين وهو كناية لمن يأتي بشيء إلى مكان والمنقول إليه أكثر وجوداً ومحلاً من المنقول منه، ثم استعمل في كل ما يلقي إلى من هو أعلم به منه كما في كتاب أمير المؤمنين إلى معاوية: «ولقد خبأ لنا منك الدهر عجباً، إذ طفقت تخبرنا بنعم الله علينا ـ إلى قوله (ع) ـ فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر» وأصل المثل أن تاجراً سافر بتجارته إلى البصرة فلم يربح فيها فأحب أن يشتري تجارة منها ويسافر بها للربح فرأى التمر رخيصاً فاشترى بتجارته تمراً وحمله إلى البحرين فرآه فيها أرخص مما اشتراه بكثير فاستأجر له حوانيت للتمر ينتظر غلاه وسعره في نزول حتى حدثت التمرة الجديدة وليس له قيمة فأتى إليه أصحاب الحوانيت وقالوا له: فرّغ الحوانيت لنضع فيها التمرة الجديدة فاكترى حماميل لنقل التمر يلقونه في البحر إذ لا قيمة له أصلاً فخسره ومصارفه فضربت العرب المثل به لمن يحمل شيئاً إلى مكان ذلك الشيء إلى محله وقالوا (كناقل التمر إلى هجر) وبعضهم أزاد مثلاً آخر (وحامل الحوت إلى قطر).
أهميّة التقليد
تعدُّ ظاهرة التقليد الشرعي من أهم الظواهر في حياة المسلمين. وهي، من حيث الأهمية، تساوق ظاهرة الاجتهاد الشرعي وتساويها.
وتأتي أهميّة هاتين الظاهرتين الشرعيتين من أنهما الطريقان الميسّران لمعرفة التكاليف الشرعية التي أُلزم الإنسان المكلّف بامتثالها. فعن طريق الاجتهاد يصل الفقيه المجتهد إلى معرفة الحكم بشكل مباشر. وعن طريق التقليد يصل العامي المقلّد إلى معرفة الحكم أيضاً، ولكن ليس بشكل مباشر، وإنما عن طريق رجوعه إلى المجتهد. وهذا لأن امتثال التكليف من قبل الإنسان المكلَّف يمر بمرحلتين:
الأولى: مرحلة العلم بالحكم المطلوب امتثاله. وحصول العلم بالحكم يتم عن أحد الطريقين المذكورين: الاجتهاد، وهو الطريق المباشر، والتقليد وهو الطريق غير المباشر.
الثانية: مرحلة العمل، وهو امتثال الحكم المطلوب امتثاله، وهذا لا تمايز فيه بين المجتهد والعامي.
فسلوك أحد هذين الطريقين: الاجتهاد أو التقليد إنما هو للخروج من عهدة المسؤولية الشرعية النابعة من إيمان الإنسان المسلم بوجوب طاعة الله تعالى بامتثال التكاليف الشرعية.
ويرجع هذا إلى ثبوت حجية الاجتهاد شرعاً، وكذلك التقليد.
يضاف إليه ما ذكره الفقيه ـ وفق المنهج الكلامي ـ من أن الله تعالى قد توعّد من لم يمتثل التكليف الشرعي بالعقوبة الأخروية، فإن حاول المكلّف الامتثال لا عن طريق مشروع، فإنه يحتمل الوقوع في مخالفة التكليف، ومن ثم العقوبة. والعقل ـ هنا ـ يُلزمه بدفع هذا الضرر المحتمل، ولا طريق لديه إلى ذلك إلا سلوك إحدى الوسيلتين: الاجتهاد أو التقليد، لأنهما ـ أعني الاجتهاد والتقليد ـ مشروعان من قبل المشرّع الإسلامي فهما حجتان، أي للمكلف أن يحتجّ بهما عند وقوع الخطأ فيسلم من العقوبة.
وهذا هو ما يعنيه الفقهاء بقولهم: «عمل المكلف بلا اجتهاد أو تقليد باطل»، أي بلا مؤمن يضمن له عدم العقوبة إن لم يصب الواقع المطلوب.
والفرق بين سلوك هذا المنهج الكلامي والآخر الذي قبله، وهو المنهج الفقهي، هو: أن الباحث ينطلق وفق المنهج الكلامي من ربط المبدأ بالمعاد.. بينما هو في المنهج الفقهي ينطلق من أن امتثال التكاليف الشرعية هو المظهر الذي يحقق للعبد المكلف طاعته لمولاه من دون ملاحظة لذلك الربط الذي ينطلق منه المنهج الكلامي، مع إيمانه به.
وعلى أية حال هو فرق في طريقة البحث ومنطلقاته فقط. ومن هذه الأهمية للتقليد الشرعي تأتي أهمية البحث فيه.
وسأحاول، قدر طاقتي، التيسير والتوضيح لأكون مع ما هدفت إليه من وضع الثقافة الفقهية الميسّرة بين يدي القارئ المسلم ليسهل عليه معرفة ذلك، لارتباطه المباشر بأهم شيء في حياته، وهو امتثال التكاليف الشرعية.
أما عناصر البحث فهي: ـ مفهوم التّقليد. ـ تاريخ التقليد الشرعي. ـ حكم التقليد الشرعي. ـ موارد التقليد الشرعي. ـ المقلد وشروطه. ـ مرجع التقليد. ـ التخيير في التقليد. ـ التبعيض في التقليد. ـ العدول في التقليد.
مفهوم التقليد
التعريف
كلمة «تقليد» مصدر الفعل المضعّف: «قلّد، يُقلّد»، بتشديد اللام.
وهي من الكلمات المحظوظة، فبالإضافة إلى معناها العام، وهو المعنى اللغوي والاجتماعي (العرفي)، تملك غير معنى خاص، بوصفها مصطلحاً علميّاً، وهذا ما يتبيّن في ما يأتي:
إن خلاصة ما ذكره المعجميّون العرب لكلمة «تقليد» مما يرتبط بمعنى المصطلح الشرعي أو يلابسه، هي:
1 ـ لُبْسُ القلادة: يقال: تقلّدت المرأة القلادة، أي لبست القلادة. (To Wear a Necklace).
2 ـ حَمْلُ السيف: تقول: تقلّد الرجل سيفه، أي احتمل الرجل سيفه (To Gird Oneself With A Sword).
3 ـ توليةُ المنصب أو السلطة: (Investure): يقال: تقلّد الأمرَ (To Take Upon Oneself) إذا تولاّه.
4 ـ الأتّباع والاقتداء: (Copying) جاء في «الصحاح» في مادة «قلّد»: «القلادة التي في العنق، وقلّدتُ المرأة فتقلّدت هي».
ومنه: التقليد في الدين، وتقليدُ الولاةِ الأعمال.
وتقليد البدنة: أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدْي.
ويقال: تقلّدت السيف، وقال الشاعر:
ليت زوجك قد غدا
متقلّداً سيفاً ورمحاً
أي: «وحاملاً سيفاً ورمحاً».
وفي معجم «لاروس»: «والتقليد: الاتباع من غير نظر وتأمّل في الدّليل».
والتقليد: اقتداء شخص بآخر في أعماله وأطواره.
وفي «التعريفات»: «التقليد: عبارة عن اتّباع الإنسان غيره في ما يقول أو يفعل، معتقداً للحقيّة فيه، من غير نظر وتأمّل في الدليل، كأن هذا المتّبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه».
التقليد: «عبارة عن قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل».
في العرف
وهذه المعاني التي ذكرها المعجم العربي هي المعاني العرفيّة لكلمة «تقليد» عند أبناء المجتمع العربي.
ومن التّقليد، بمعنى تطويق العنق بالقلادة، أخذوا معنى تحميل المسؤولية.
ومن ذلك قول السيدة فاطمة الزهراء (ع)، في خطبتها لنساء المهاجرين والأنصار عندما عُدْنها وهي مريضة: «لا جرم، لقد قلّدتهم ربقتها وحملتهم أوقتها». والربقة: الحبل، والأوقة: الثقل. أي لقد طوّقت عنقهم بمسؤوليتها، وحمّلتهم تبعتها.
ومن تقليد السيف أخذوا معنى حمل الشيء وتحمل مسؤوليته. ومن ذلك قول الإمام، أمير المؤمنين (ع)، في عهده لمالك الأشتر، واليه على مصر، في شأن العمل والموظّفين: «فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلّدته عار التهمة». أي وحمّلته عار التهمة وما يترتب عليها من تبعات.
في الفلسفة
أومأت إلى أن كلمة «تقليد» أُخذت مصطلحاً في غير حقل معرفي، ومن هذه الحقول المعرفية حقل الفلسفة، فقد جاء في «المعجم الفلسفي» لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ما نصّه:
«تقليد Tradition: عُرْفُ ينتقل من جيل إلى جيل، وأوضح ما يكون في السّلوك الاجتماعي أو في الحياة الرّوحية».
ويطلق اللفظ الأجنبي (يعني Tradition) أيضاً على ما يسمى «المأثور»، وهو تعليم شفوي أو كتابي يوضح الماضي ويعتدّ به في الحاضر.
ويشير المعجم، بقوله: «ويطلق اللفظ…»، إلى التقليد عند النصارى واليهود الذي يراد به «ما تسلموه وتداولوه خلفاً عن سلف، جيلاً بعد جيل، من العقائد وشعائر الديانة، مشافهة مما لم يدوّن في كتبهم المنزلة»)[262](.
في علم الاجتماع
يعرّف «معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية» التقليد Usage بأنه «سلوك، أو نمط سلوكي يقبله المجتمع دون دوافع أخرى عدا التمسُّك بسنن الأسلاف».
ومن هذا ما نعاه القرآن الكريم على الجاهليين بقوله تعالى:
ـ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون﴾ [البقرة/170].
ـ وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة/104].
في الأدب
والتقليد Imitation، أدبياً، هو «اتخاذ أثر فني نموذجاً والنسج على منواله، إما من حيث المضمون، وإمّا من حيث الأسلوب، وإما من حيث الاثنان معاً»)[263](.
أما التقاليد Traditions، أدبياً، فهي «مناهج وأساليب متّبعة في تحقيق الأثر وفي مضمونه».
ومأخوذة ـ عادة ـ من السّلف جيلاً بعد جيل، بحيث تصبح مع مرور الزمن ميزة عضوية في أدب من الآداب أو فن من الفنون.
ويعدّ التحرُّر منها، أو الابتعاد عنها، خروجاً عن السنة المسلّم بها، أو ثورة على التراث المتوارث.
ومن احترام التّقاليد والتقيُّد بها يتشابه الأدباء والفنّانون ويؤلّفون جماعات متوافقة في فهمها للصّنيع وفي إبرازه، وينشئون ما يطلق عليه تارة اسم المذاهب، وتارة أخرى اسم المدارس)[264](.
في الشّرع
ونعني، بهذا العنوان، استخدام كلمة «تقليد»، أو إحدى مشتقاتها، في النصوص الشّرعية من آيات قرآنية أو أحاديث مرويّة عن المعصومين.
وذلك لأن التقليد موضوع فلا بدّ من التماس معناه ـ في البدء ـ من الشرع، فإن لم نعثر على شيء من هذا التمسناه من العرف.
ولأنه قد يقرّ الشّرع المفهوم العرفي وينطبق عليه حكمه، وقد يقرّه مع التهذيب، وقد لا يقرّه، لا بد من معرفة المفهوم العرفي للمقارنة بينه وبين المفهوم الشرعي لنكون على جلية من واقع الموضوع، وقد تقدم منا معرفة مفهوم التقليد عند العرف، فلنحاول معرفته في النصوص الشرعية:
في القرآن
ورد في القرآن الكريم من مشتقات كلمة «تقليد»:
ـ كلمة «القلائد» في موضعين، هما:
1 ـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلائِدَ…﴾ [المائدة/2].
2 ـ ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ…﴾ [المائدة/97].
والقلائد: هي البدْن التي يعلّق في أعناقها شيء من الجلد، أو لحاء الشجر، أو نحوه، ليُعلم أنّها هدي يسوقه الحاج معه لينحره يوم النحر، بوصفه منسكاً من مناسك الحج.
وعطف القلائد على الهدي من باب عطف الخاص على العام «تشريفاً لذوات القلائد وتنويهاً بشأنها»)[265](.
ـ وكلمة «مقاليد» في موضعين أيضاً، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر/63 والشورى/12].
ومقاليد السماوات والأرض هي مفاتيح خزانتها.
وكما ترى: ليس في الكلمتين «القلائد» و«مقاليد» علاقة بما نبحث عنه هنا.
وعليه: فالقرآن الكريم لم يستخدم كلمة «تقليد»، أو أحد مشتقّاتها، بالمعنى المبحوث عنه هنا.
نعم، جاء فيه نعيه على أهل الجاهلية اتباعهم الأعمى لأسلافهم، ذلك الاتباع الذي لم يقم على حجّة ولم يدعمه برهان، كما في أمثال الآيتين المتقدمتين اللتين ذكرناهما بوصف كلّ منهما شاهداً لمعنى التقليد في المصطلح الاجتماعي.
وكل ما نستطيع أن نفيده، من هذه الآيات، أن التقليد على نوعين، هما:
1 ـ التقليد الباطل: وهو الذي لم يقم على حجّة شرعية.
2 ـ التقليد الحقّ: وهو الذي يقوم على حجّة شرعية.
أما استخدام كلمة «تقليد»، بوصفها مصطلحاً شرعياً، فلا نقوى على أن نقول إنها تستفاد مما ذكر إلا على طريق الاستنتاج لا الاستقراء، والمصطلحات لا تستفاد إلا عن طريق الاستقراء.
في السنة الشريفة
أما الحديث الشريف فقد وردت فيه الكلمة، ومن مشتقاتها ما يمكننا الاستشهاد به واستفادة المصطلح الشرعي منه.
ومنه ما جاء في الروايات التالية:
1 ـ كتاب «الوسائل»، الباب 20 من الأطعمة والأشربة المحرمة.
2 ـ عن محمد بن الحسن (الطوسي)، عن بعض أصحابنا، عن إبراهيم بن خالد عن عبدالله بن وضاح، عن ابي بصير: قال: «دخلت أم خالد العبدية على أبي عبدالله (ع) وأنا عنده، فقالت: جعلت فداك إنه يعتريني قراقر في بطني، وقد وصف لي أطباء العراق النبيذ بالسويق!
فقال: ما يمنعك من شربه؟!
فقالت: قد قلّدتك ديني.
فقال: فلا تذوقي منه قطرة.
2 ـ كتاب «الاحتجاج» (ص 456 ـ 458) قال مؤلّفه أبو منصور الطبرسي: وبالإسناد الذي مضى ذكره عن أبي محمد العسكري (ع)([266](، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [البقرة/78]. إنّ الأمّي منسوب إلى أمه، أي هو كما خرج من بطن أمه، لا يقرأ ولا يكتب (لا يعلمون الكتاب) المنزل من السماء ولا المتكذّب به، ولا يميزون بينهما. (إلا أماني)، أي إلا أن يقرأ عليهم ويقال لهم: إن هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف ما فيه. (وإن هم إلا يظنون) أي ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمد (ص) في نبوته وإمامة علي (ع) سيد عترته، وهم يقلدونهم مع أنه (محرّم عليهم) تقليدهم. ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [البقرة/79]. هذا لقوم من اليهود، كتبوا صفة زعموا أنها صفة محمد (ص) وهي خلاف صفته، وقالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان: إنه طويل، عظيم البدن والبطن، هِدْف)[267]( أصهب الشعر، ومحمد (ص) بخلافه، وهو يجيء بعد هذا الزمان بخمسمئة سنة، وإنما أرادوا بذلك أن تبقى لهم على ضعفائهم رياستهم، وتدوم لهم إصابتهم، ويكفوا أنفسهم مؤونة خدمة رسول الله (ص) وخدمة علي (ع) وأهل بيته وخاصته، فقال الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من هذه الصفات المحرفات والمخالفات لصفة محمد (ص) وعلي (ع): الشدة لهم من العذاب في أسوأ بقاع جهنم، وويل لهم: الشدة في العذاب ثانية، مضافة إلى الأولى، بما يكسبونه من الأموال التي يأخذونها إذا ثبتوا عوامهم على الكفر بمحمد رسول الله (ص) والحجة لوصيه وأخيه علي بن أبي طالب (ع)، ولي الله.
ثم قال: قال رجل للصادق (ع): فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم بتقليدهم، والقبول من علمائهم، وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلّدون علماءهم؟
فقال (ع): بين عوامنا وعلمائنا وعوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة، وتسوية من جهة.
أما من حيث استووا فإن الله قد ذم عوامّنا بتقليدهم علماءهم كما ذم عوامهم.
وأما من حيث افترقوا فلا.
قال: بيّن لي يا بن رسول الله!
قال (ع): إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، وبأكل الحرام والرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات، وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرمات، واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوه ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديه إليه عمن لم يشاهدوه، ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله (ص) إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، واشهر من أن لا تظهر لهم.
وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً، وبالرفق بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً.
فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهو مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم.
فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة العامة فلا تقبلوا منا عنه شيئاً ولا كرامة.
وإنما كثر التخليط في ما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرّفونه بأسره بجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم.
وآخرون يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم.
ومنهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا، يتعلّمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نصّابنا، ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبّله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا، فضلّوا وأضلّوا، وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي (ع) وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وهؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبّهون بأنهم لنا موالون، ولأعدائنا معادون، ويدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب، لا جرم أن من علم الله من قلبه من هؤلاء القوم أنه لا يريد إلا صيانة دينه وتعظيم وليه لم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر، ولكنه يقيض له مؤمناً يقف به على الصواب، ثم يوفقه الله للقبول منه، فيجمع الله له بذلك خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضله لعناً في الدنيا وعذاب الآخرة.
ثم قال: قال رسول الله (ص): «أشرار علماء أمّتنا، المضلون عنا، القاطعون للطرق إلينا، المسمون أضدادنا بأسمائنا، الملقبون أندادنا بألقابنا، يصلون عليهم وهم للعن مستحقون، ويلعنوننا ونحن بكرامات الله مغمورون، وبصلوات الله وصلوات ملائكته المقربين علينا عن صلواتهم مستغنون».
ثم قال: قيل لأمير المؤمنين (ع): من خير خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابيح الدجى؟
قال: العلماء إذا صلحوا.
قيل: فمن شرار خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود، وبعد المتسمين بأسمائكم، والمتلقّبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم والمتأمْرين في ممالككم؟
قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، والكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَذيِنَ تَابُوا﴾ [البقرة/159].
3 ـ الوسائل: باب 10 من كتاب القضاء (صفات القاضي)، حديث 2: وعن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن إبراهيم بن محمد الهمداني، عن محمد بن عبيدة، قال: قال لي أبو الحسن (ع): يا محمد أنتم أشد تقليداً أم المرجئة؟
قال: قلت: قلّدنا وقلّدوا.
فقال: لم أسألك عن هذا.
فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الأول.
فقال أبو الحسن (ع): «إن المرجئة نصبت رجلاً لم تُفرض طاعته وقلّدوه، وإنكم نصبتم رجلاً وفرضتم طاعته، ثم لم تقلدوه، فهم أشد منكم تقليداً».
استعملت، في هذه الروايات، عدة ألفاظ ذات علاقة بما نحن في صدده من البحث عن المصطلح الشرعي، وهي كالتالي:
في الرواية الأولى: قلّدتك.
وفي الرواية الثانية: تقليدهم، تقليدهم، يقلّدون، تقليدهم، قلّدوا، قلّد، التّقليد، يقلّدوه.
وفي الرواية الثالثة: تقليداً، قلّدنا، قلّدوا، قلدوه، تقلدوه، تقليداً.
فمجموع ما استعمل من كلمة «تقليد» ستة، ومن مشتقاتها تسعة وفي سياق يمكننا أن نستخلص منه النتائج التالية:
1 ـ إن كلمة «تقليد» ومشتقاتها كانت شائعة الاستعمال في عصور التشريع الإسلامي منذ عهد رسول الله (ص) وحتى عهد الإمام الحسن العسكري (ع)، ونهاية الغيبة الصغرى كما سيأتي.
وهكذا مدّة تجاوزت القرنين من الزمن كافية لاستقرار المصطلح.
2 ـ إنها استعملت في ما لها من معنى لغوي عرفي (اجتماعي)، وهو الاقتداء مصحوباً بتحميل مسؤولية الخطأ للشخص المقتدى به.
وكما قدّمنا: لا يضير ما قيل حول أسانيد هذه الروايات من ضعف بسبب الإرسال أو غيره، لأن عليها من ظلال الصدق ما يشفع لقبولها.
3 ـ إن هذه الروايات وأمثالها لم تحدد معنى التقليد، ولذا حملناها على المعنى اللغوي العرفي.
ومن هنا ـ أيضاً ـ حاول الفقهاء تحديد معنى التقليد، بعضهم للسبب الذي ذكرته، وبعضهم لعدم اعتماده الروايات لما فيها من وهن في السند حسب رأيه.
4 ـ إن الروايات لم تفرّق بين التقليد الذي يعني الرجوع إلى المعصوم، والتقليد الذي يعني الرجوع إلى الفقيه، لأن ذلك الفرق لم يستبن من ناحية علمية إلا بعد رسوخ التعريف الفقهي لمصلطح التقليد واستقراره.
فالتقليد، فقهياً، وكما سيأتي، مجاله الأحكام الظنية، إذ لا تقليد ولا اجتهاد في اليقينيات البديهية.
وبتعبير آخر: التقليد الفقهي لا يكون إلا في النتائج الاجتهادية وهي الفتاوى التي يتوصل إليها الفقيه من طريق الاجتهاد.
وهي، بطبيعتها، نتائج ظنيّة.
والمعصوم ـ عندنا نحن الإمامية ـ ليس بمجتهد، وما يعطيه من أحكام هي أحكام يقينية لا تخطئ الواقع المطلوب.
وسنتبين هذا أكثر مما يأتي.
هذه أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من الروايات المذكورة وأمثالها.
وعلينا الآن أن نكون مع فقهائنا في تعريفاتهم العلمية لمصطلح التقليد.
في الفقه
سيأتينا، تحت عنوان «تاريخ التقليد»، أن موضوع التقليد، بدأ بحثاً أصولياً، وفي عهد متأخر، يسبق عصرنا هذا مباشرة أو بقليل، تحوّل بحثاً فقهياً.
وأخال أن هذا التحول كان من السيد اليزدي في رسالته العملية الموسومة بـ«العروة الوثقى».
وبسبب هذا سوف تأتي المصادر التي ننقل عنها تعريفات المصطلح أصولية وفقهية، وآصرة القرابة بينهما من الوثوق بمكان وثيق.
ومع هذا لا يزال بعض المؤلفين الأصوليين يدرجون بحث الاجتهاد والتقليد في كتبهم الأصولية.
فمن تعريفات الأصوليين:
1 ـ العلامة الحلّي في «النهاية»: «التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة معلومة».
2 ـ العلامة حسن العاملي في «المعالم»: «التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة».
3 ـ الشيخ محمد كاظم الخراساني في «الكفاية»: «التقليد: وهو أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات، أو للالتزام به في الاعتقادات، تعبُّداً بلا مطالبة دليل على رأيه».
4 ـ الشيخ أبو الحسن المشكيني في «حاشية الكافية»: «هو أخذ قول الغير من غير برهان».
5 ـ الميرزا حسن البجنوردي في «المنتهى»: «فحقيقة التقليد ـ الذي قامت الأدلة على وجوبه على العامي ـ ليس إلا تطبيق عمله على فتوى من يجب تقليده أو يجوز».
6 ـ السيد محمد تقي الحكيم في «الأصول العامة»: «الرجوع إلى الغير إذا كان عالماً والاعتماد على قوله».
7 ـ الميرزا علي المشكيني في «تحرير المعالم»: «التقليد: هو العمل بقول الغير من غير سؤال عن دليله وحجته كأخذ العامي قول المفتي والمريض قول الطبيب».
ومن تعريفات الفقهاء:
1 ـ السيد محمد كاظم اليزدي في «العروة الوثقى»: «التقليد: هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين وإن لم يعمل بعد، بل ولو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته والتزم بالعمل بما فيها كفى في تحقيق التقليد».
2 ـ الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي في «تعليقة العروة»: «متابعة المجتهد في العمل بأن يكون معتمداً على رأيه في العمل».
3 ـ الشيخ علي آل صاحب الجواهر في «حاشية العروة»: «لا يكفي الالتزام بل لا بد من العمل».
4 ـ الميرزا محمد حسين النائيني في «تعليقة العروة»: «لا إشكال في تحققه بالعمل بفتواه (يعني المجتهد). وفي تحققه بتعلم الفتوى للعمل بها إشكال. أما الالتزام وعقد القلب وأخذ الرسالة ونحو ذلك فالأقوى عدم تحققه بشيء من ذلك».
5 ـ السيد صدر الدين الصدر في «تعليقة العروة»: «تطبيق العمل على رأي الغير».
6 ـ الشيخ محمد تقي البروجردي في «نهج الهدى في التعليق على العروة الوثقى»: «مجرد العمل على تطبيق فتوى الغير».
7 ـ السيد محسن الحكيم في «تعليقات العروة»: «بل هو العمل اعتماداً على فتوى المجتهد».
وفي «منهاج الصالحين»: «التقليد: هو العمل اعتماداً على فتوى المجتهد، سواء التزم المقلد بذلك في نفسه أم لم يلتزم».
8 ـ السيد محمد كاظم الشريعتمداري في «تعليقات العروة»: «بل هو الاستناد إلى رأي المجتهد في مقام العمل».
9 ـ السيد محمد هادي الميلاني في «تعليقات العروة»: «بل هو التعلم لأجل العمل».
10 ـ السيد أحمد الخونساري في «تعليقات العروة»: «الأقوى عدم تحقق التقليد إلا بالالتزام مع العمل».
11 ـ السيد أبو الحسن الرفيعي في «تعليقات العروة»: «لا يخفى أن تفسيره بالالتزام أو بأخذ قول الغير بعيد، لأن التقليد في اللغة هو حمل القلادة في العنق ـ كما في الأشعار والتقليد في الحج ـ ومعناه العرفي هو نفس العمل على طبق رأي الغير».
12 ـ السيد محمود الشاهرودي في «تعليقات العروة»: «لا إشكال في تحققه بالعمل بفتواه (يعني فتوى المجتهد)، وفي تحققه بتعلم الفتوى للعمل إشكال».
13 ـ السيد روح الله الخميني في «تعليقات العروة»: «بل هو العمل مستنداً إلى فتوى المجتهد».
وفي «زبدة الأحكام»: «التقليد: هو العمل مستنداً إلى فتوى الفقيه».
14 ـ السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في «تعليقات العروة»: «ليس إلا الالتزام والبناء على تبعية رأي المجتهد في مقام العمل، كما هو مقدم على العمل».
15 ـ السيد أبو القاسم الخوئي في «تعليقات العروة»: «بل هو الاستناد إلى فتوى الغير في العمل».
وفي «منهاج الصالحين»: «التقليد: هو العمل اعتماداً على فتوى المجتهد».
ولا يتحقق بمجرد تعلم فتوى المجتهد ولا بالالتزام بها من دون عمل.
وفي «المسائل المنتخبة»: «التقليد: هو الاستناد في مقام العمل إلى فتوى المجتهد».
16 ـ السيد عبد الأعلى السبزواري في «منهاج الصالحين»: «التقليد: هو مطابقة العمل لرأي من يصح الاعتماد على رأيه من المجتهدين».
17 ـ الشيخ محمد على الأراكي في «تعليقات العروة»: «بل الظاهر كونه متابعة المجتهد في العمل بأن يكون مستنداً في عمله إلى رأي المجتهد».
وفي «المسائل الواضحة»: «التقليد في الأحكام: هو العمل براي المجتهد. . أي أن يأتي بعمله استناداً إلى فتواه».
وفي «زبدة الأحكام»: الظاهر أن التقليد متابعة المجتهد في العمل بأن يكون المكلّف مستنداً في عمله إلى راي المجتهد».
18 ـ الشيخ محمد الفاضل اللنكراني في «حواشي العروة»: «التقليد: هو العمل عن استناد. ولا دليل على وجوب الالتزام على العامي، ولا على مدخليته في ترتب شيء من الأحكام».
وفي «الأحكام الواضحة»: «التقليد: هو العمل المستند إلى قول مجتهد معين».
19 ـ السيد رضا الصدر في «الاجتهاد والتقليد»: «تطبيق العمل مع رأي الغير».
20 ـ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في «تعليقات العروة»: وهو الاستناد العملي إلى قول المجتهد. فلا يكفي فيه مجرد الالتزام قلباً، أو مع أخذ الفتوى أو أخذ الرسالة بانياً على العمل. ولكن الأحكام الشرعية لا تدور مدار هذا العنوان (يعني عنوان التقليد) لعدم وروده في الكتاب ولا السنة إلا في رواية ضعيفة (يعني بها رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري).
بل الأدلة تدل ـ مطابقة والتزاماً ـ على «حجية قول المجتهد للعامي».
21 ـ السيد حسن القمي في «تعليقات العروة»: «الظاهر أن التقليد في الأحكام هو قبول فتوى المجتهد من دون مطالبة الدليل بالعمل بفتواه أو تعلم فتواه مع الالتزام به».
22 ـ السيد أبو الحسن الأصفهاني في «وسيلة النجاة»: «التقليد المصحّح للعمل هو الالتزام بالعمل بفتوى مجتهد معين».
ويتحقق بأخذ المسائل منه للعمل بها، وإن لم يعمل بعدُ بها.
23 ـ السيد آغا حسين البروجردي في «المسائل الفقهية»: «هو العمل برأي المجتهد في أحكام الدين».
24 ـ الشيخ محمد حسن المظفر في «وجيزة المسائل»: «التقليد: هو متابعة المجتهد في رأيه والأخذ بفتواه».
25 ـ الشيخ مرتضى آل ياسين في «بلغة الراغبين»: «هو بناء العامي على أن فتوى المجتهد الذي يريد الرجوع إليه هي حكم الله في حقه، سواء أعمل بها أم لم يعمل».
26 ـ السيد محمد الحسني البغدادي في «هداية الأنام»: «التقليد المصحح للعمل هو الالتزام بالعمل بفتوى مجتهد معين».
27 ـ السيد محمد باقر الصدر في «الفتاوى الواضحة»: «التقليد: قدوة وأسوة ويتحقق بمجرد العمل، أو بمجرد الجزم والعزم على العمل ـ عند الحاجة إلى العمل ـ بقول مجتهد معين».
فأحد هذين كافٍ في صحة التقليد ووافٍ في جواز البقاء عليه بعد موت المقلد.
28 ـ الشيخ محمد طاهر الخاقاني في «رسالة الهدى»: «وليس التقليد هو الالتزام النفسي ولا مجرد العمل على طبق الفتوى، بل هو العمل على طبق فتوى الفقيه على وجه الاستناد إلى فتواه».
29 ـ السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي في «وسيلة النجاة»: «التقليد: هو العمل مع الأستناد بفتوى مجتهد معين».
30 ـ السيد ميرزا مهدي الشيرازي في «الوجيزة»: «التقليد: هو العمل بقول المجتهد الجامع للشرائط».
31 ـ الشيخ محمد إبراهيم الكرباسي في «منهاج المتقين»: «التقليد: هو عبارة عن مطابقة العمل لفتوى من يرجع إليه».
32 ـ السيد محمد رضا الكلبايكاني في «مختصر الأحكام»: «يتحقق التقليد بتعلم فتوى المجتهد للعمل بها».
33 ـ السيد محمد الحسيني الروحاني في «المسائل المنتخبة»: «التقليد: هو الالتزام بالعمل بفتوى المجتهد».
34 ـ الشيخ محمد تقي الفقيه العاملي في «عمدة المتفقّة»: «الأقوى أن التقليد هو العمل على وفق فتوى المجتهد عن قصد والتفات».
35 ـ الشيخ ميرزا جواد التبريزي في «المسائل المنتخبة»: «التقليد: هو الاستناد في مقام العمل إلى فتوى المجتهد».
36 ـ السيد علي السيستاني في «المسائل المنتخبة»: «التقليد: ويكفي فيه تطابق العمل مع فتوى المجتهد الذي يكون قوله حجة في حقه فعلاً، مع إحراز مطابقته له».
37 ـ السيد عز الدين بحر العلوم في «التقليد في الشريعة الإسلامية»: «هو التبعية في الشؤون الدينية؛ حيث يقلّد المكلف من هو جامع لشروط الاجتهاد، فيتبعه في أحكامه ويوشحه بها كما يوشح العنق بالقلادة».
إن هذه العيّنة، المؤلّفة من خمسة وأربعين تعريفاً، تؤلّف النموذج الممثل الذي يضم جميع المعاني التي ذكرها الفقهاء لمصطلح التقليد بالمستوى الذي ينفعنا من خلال استخلاص النتائج في الوصول إلى معنى التقليد ووظيفته.
وسوف يتم هذا بعد ذكر النتائج المشار إليها، وهي:
1 ـ التقليد: هو العمل وفق فتوى المجتهد.
وربما كان هو أقدم تعريف للتقليد، وقد بلغت مفرداته في قائمتنا أحد عشر تعريفاً.
2 ـ التقليد: هو الالتزام النفسي بمعنى عقد القلب بالعزم على العمل وفق رأي المجتهد.
وبلغت عدة القائلين به في قائمتنا خمسة فقهاء.
3 ـ التقليد: هو الالتزام مع العمل.
ذهب إلى هذا السيد الخونساري.
4 ـ إن التقليد يتحقق بالالتزام وحده بالعمل وحده. وبهما معاً.
قال به السيد محمد باقر الصدر.
5 ـ التقليد: هو الاستناد أو الاعتماد في مقام العمل على فتوى المجتهد.
وصل عدد مفرداته في قائمتنا إل اثني عشر تعريفاً.
6 ـ التقليد: هو مطابقة عمل العامي لفتوى المجتهد.
وعدد القائلين به في قائمتنا ستة فقهاء.
7 ـ التقليد: هو قبول قول الغير.
قال به ثلاثة فقهاء في قائمتنا، وهم: الآخوند الخراساني وأبو الحسن المشكيني والسيد حسن القمي.
8 ـ التقليد: هو تعلّم فتاوى المجتهد للعمل بها.
ذهب إليه اثنان من قائمتنا، هما: السيدان الميلاني والكلبايكاني.
9 ـ التقليد: هو متابعة المجتهد في رأيه.
قال به الشيخ المظفر والسيد بحر العلوم من القائمة المذكورة.
10 ـ التقليد: هو بناء العامي على حجية فتوى المجتهد في حقه.
وهو تعريف الشيخ آل ياسين.
ونتائج النتائج التي نخلص إليها من هذا التصنيف هي:
1 ـ إن المعاني التي ذكرتها التعاريف المذكورة تلتقي عند مفهوم واحد، هو: رجوع العامي إلى الفقيه، لإيمانه بأن فتواه هي حكم الله في حقه، وهي حجة عليه في مجال امتثال التكاليف الشرعية، كما أنها حجة له في مجال الإعذار من قبل الله تعالى عند عدم إصابته الواقع المطلوب.
ذلك أن «الذي يستفاد من الأدلة هو لزوم التماس المنجّز أو المعذّر في كل ما يصدر عنه المكلّف من فعل أو ترك، فإن حصل المنجز أو المعذر بجهده أجزأه، وإلا لزم عليه الرجوع إلى الغير إذا كان عالماً والاعتماد على قوله»)[268](.
2 ـ إن المستفاد، من هذه التعاريف، على اختلاف تعابيرها، هو أن التقليد علاقة دينية بين العامي المقلِّد والمجتهد المقلَّد، تقوم على أساس من رجوع العامي إلى المجتهد لمعرفة فتواه ثم العمل على وفقها لأنها الحجة في حقه التي يعتمد عليها في مقام الامتثال، والتي يعتذر بها عند عدم إصابته الواقع المطلوب.
3 ـ إن هذه العلاقة ـ متى نظرنا إليها من زاوية تشريعية تخضع لاعتبار المشرع ـ لألفيناها تتحقق بالالتزام وحده، وتتحقق بالعمل لكن مع الالتزام، كما تتحقق بالاستناد إلى الفتوى في مقام العمل، ولكن مع الالتفات لذلك.
وهذا لأن العلاقة المذكورة هي في معناها الدقيق: إيمان العامي بحجية فتوى المجتهد في حقه، وهذا المعنى يتحقق بأي واحدة مما ذكر.
4 ـ إن التقليد بمعناه الشرعي يلتقي مع التقليد بمعناه العرفي، وهو رجوع الجاهل إلى العالم، وغير ذي التخصص إلى ذي التخصص، مع افتراق التقليد الشرعي عن العرفي في اعتبار حجية قول المرجع في حق العامي.
التسمية
وسبب تسمية العلاقة الدينية المذكورة بالتقليد هو تحميل العامي مسؤولية ما يترتب على امتثالاته الشرعية طبقاً لفتوى المجتهد، إذا لم يصب الحكم المطلوب، تحميلها للمجتهد وتطويق عنقه بها.
وهو معنى التقليد الذي هو جعل القلادة في العنق.
ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج «كان أبو عبدالله (ع) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي)[269](فجاء أعرابي فسأل ربيعة عن مسألة فأجابه، فلما سكت قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يردّ عليه شيئاً، فأعاد عليه المسألة، فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة. فقال له أبو عبدالله (ع): هو في عنقه، قال أو لم يقل، وكل مفتٍ ضامن».
تاريخ التقليد الشّرعي
تبينّا، من تعريفنا للتقليد، أن التقليد الشرعي هو التقليد العرفي المتمثل برجوع غير العالم إلى العالم، مع فارق أن التقليد الشرعي يلتمس فيه الحجة لما يترتب عليها من تنجيز وتعذير.
وأعني بهذا أن العامي عندما يثبت لديه أن هذا الفقيه العالم بالأحكام الشرعية قد توفّرت فيه الشروط التي تصحّح الرجوع إليه وأخذ الأحكام الشرعية منه، وأن فتواه حجة تنجز التكليف في حقه، أي تجعله جاهزاً للامتثال، وتعطيه المجال للاعتذار أمام الله تعالى عند عدم إصابة الفتوى للواقع المطلوب، فإنه يرجع إليه وبتأثير من هذه المشروعية التي آمن بها.
وجاء هذ لأن التقليد العرفي ظاهرة بشرية عامة قامت عليها سيرة الناس (سيرة العقلاء) في جميع شؤونهم الحياتية؛ حيث يرجع غير العالم في كل مجال من مجالات الحياة إلى العالم.
وجاء المشرّع الإسلامي، وأقرّ هذه الظاهرة في مجال الامتثالات الشرعية فانبثق منها مظهر من مظاهر سيرة المتشرعة (المسلمين) حيث يرجع العامي إلى المجتهد.
وتاريخ المسلمين المتشرعين (وهم المسلمون الملتزمون بالتشريع الإسلامي) أقوى شاهد على ذلك.
فقد بدأ التقليد الشرعي، بوصفه ظاهرة شرعية اجتماعية، في عهد رسول الله (ص)، وبتخطيط منه (ص) ثم بتطبيقه من قبل المسلمين بمرأى ومسمع منه (ص) وتحت إشرافه وبإرشاده.
وتمثل هذا في الأشخاص الذين كان ينتدبهم (ص) للقيام بمهمة تعليم الأحكام الشرعية في البلدان والأماكن التي أسلم أهلها في عصره.
ومن هذا بعثه (ص) مصعب بن عمير إلى المدينة المنورة، ومعاذ بن جبل إلى اليمن.
فقد كان المسلمون، في هذه الأماكن النائية عن مقر النبي (ص)، يتعلمون الأحكام من هؤلاء الصحابة المنتدبين لهم والمبعوثين إليهم، ويعملون وفق ما يتعلمون منهم.
وكانوا (أعني المسلمين) عندما يحتاجون إلى معرفة حكم شرعي للعمل به يسألون هؤلاء ويجيبونهم ويعملون وفق ما يفتونهم به.
وهذا هو عين التقليد المقصود هنا.
في إجابة السؤال التالي: «متى وجب التقليد على المسلمين؟».
وهل كان المسلمون، أيام الأئمة، مقلدين خصوصاً أولئك الذين كانوا في مناطق بعيدة عن الأئمة (ع)؟
قال أستاذنا السيد الخوئي: «التقليد كان موجوداً في زمان الرسول (ص) وزمان الأئمة (ع) لأن معنى التقليد هو أخذ الجاهل بفهم العالم، ومن الواضح أن كل أحد، في ذلك الزمان لم يتمكن من الوصول إلى الرسول الأكرم (ص) أو أحد الأئمة (ع) وأخذ معالم دينه منه مباشرة، والله العالم»)[270](.
كانت هذه هي البداية الأولى لنشوء ظاهرة التقليد الشرعي، والمظهر الأول لانبثاق سيرة المتشرعة ـ في هذا المجال ـ من أحضان سيرة العقلاء.
ثم استمر التقليد يتبلور مفهومه بتبلور مفهوم الاجتهاد ممثّلين لهذه السيرة المتشرعية التي أشرت إليها.
يقول شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتابه «عدة الأصول»: «إني وجدت عامة الطائفة (يعني الإمامية) من عهد أمير المؤمنين (ع) إلى زماننا هذا (القرن الخامس الهجري) يرجعون إلى علمائها ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتيهم العلماء فيها، ويسوّغون لهم العمل بما يفتون به».
وما سمعنا أحداً منهم قال لمستفتٍ: لا يجوز لك الاستفتاء، ولا العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما نظرتُ، وتعلم كما علمتُ، ولا أنكر عليه العمل بما يفتونهم.
وقد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الأئمة (ع)، ولم يحك عن واحد من الأئمة النكير على هؤلاء، ولا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوبونهم في ذلك، فمن خالف في ذلك كان مخالفاً لهما هو المعلوم خلافه.
وهو يشير بهذا إلى ما قام به أئمتنا (ع) من ترسيخ ظاهرة التقليد الشرعي، فقد روي شيء غير قليل مما يعرب عن هذا. منه:
ـ قول أبي الحسن الهادي (ع) في جواب سؤال أحمد بن إسحاق: من أعامل أو عمّن آخذ؟ وقول من أقبل؟
فقال (ع): «العمري ثقتي فما أدّى إليك عني، فعنّي يؤدي، وما قال لك عني، فعني يقول، فاسمع له وأطع».
ـ قول أبي محمد العسكري (ع) لأحمد بن إسحاق عندما سأله السؤال نفسه:
«العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عني، فعني يؤدّيان، وما قالا لك عني، فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان».
ـ وعن شعيب العقرقوفي: قلت لأبي عبدالله (ع): ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء، فمن نسأل؟
قال (ع): «عليك بالأسدي» يعني أبا بصير.
ـ وعن ابن أبي يعفور: قلت لأبي عبدالله (ع): إني ليس كل ساعة ألقاك ويمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه؟
قال (ع): «فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فإنه قد سمع من أبي، وكان عنده مرضياً وجيهاً».
ـ وعن يونس بن يعقوب: كنا عند أبي عبد الله (ع)، فقال (ع): «أما لكم من مفزع؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟ ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة البصري».
ـ وعن علي بن المسيب: قلت للرضا (ع): شقتي بعيدة وليست أصل إليك في كل وقت، فعمن آخذ معالم ديني؟
فقال (ع): «من زكريا بن آدم المأمون على الدين والدنيا».
قال ابن المسيب: فلما انصرفت قدمت على زكريا ابن آدم فسألته عما احتجت إليه.
ـ وعن عبد العزيز بن المهتدي ـ وكان وكيل الرضا (ع) وخاصته ـ سألت الرضا (ع) فقلت: إني لا ألقاك في كل وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟
قال (ع): «خذ عن يونس بن عبد الرحمن».
ـ وعن أبي علي بن راشد عن أبي جعفر الثاني (ع): قلت: ـ جعلت فداك ـ قد اختلف أصحابنا، فأصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال (ع): «عليك بعلي بن حديد». قلت: فآخذ بقوله؟ فقال: «نعم»)[271](.
وبعد أن رسخت فكرة التقليد الشرعي في اذهان أتباع أهل البيت، وتحقّقت في أفعالهم عن طريق هذه الجزئيات المتمثّلة في الإرجاع إلى فقهاء معيّنين، باعتبار التقليد علاقة دينية تقوم على أساس من أخذ الفتوى للعمل على وفقها:
ـ أعطى الإمام العسكري (ع) المبدأ العام أو القاعدة الكلية للتقليد بقوله ـ المتقدم ـ: «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه».
وألزم التوقيع الشريف الذي صدر من الإمام المهدي (ع) بالتقليد، وأعلن نصب الفقيه للقيام بوظيفة الإفتاء ووظيفة النيابة عن الإمام (ع) بما للنيابة من مسؤوليات ومهام.
فقد جاء فيه: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم».
ومن هنا لم يواجه أتباع أهل البيت أية مشكلة في مجال التقليد عند الغيبة الكبرى، فكانوا يرجعون إلى الفقهاء في أعصارهم وأمصارهم، ويأخذون عنهم معالم دينهم عن وعي وبصيرة.
هذه هي خلاصة تاريخ التقليد منذ عهود المعصومين حتى عهود العلماء المجتهدين بعد الغيبة الكبرى.
حكم التقليد شرعاً
حكم التقليد
التقليد، باعتباره فعلاً من أفعال الإنسان، لا بدّ من أن يكون له حكم في الشريعة الإسلامية، للقاعدة المتفق عليها عند جميع المسلمين القائلة: «إن لله في كل واقعة حكماً»، أي إن كل فعل إرادي من أفعال الإنسان له حكم في الشريعة الإسلامية.
وعلى المسلم أن يعرف ذلك الحكم ويصدر في سلوكه على وفقه.
في ضوء هذا، ما هو حكم التقليد؟
ذهب أصحابنا الإمامية إلى أن حكم التقليد لمن ليس بمجتهد هو الوجوب.
دليل الحكم
استفاد علماؤنا هذا الحكم، أعني وجوب التقليد، من العقل والنّقل.
ويمكننا أن نقسم الدليل الدال على الحكم (وجوب التقليد) إلى قسمين: دليل علمي وآخر عملي.
1 ـ الدليل العلمي: وهو الذي يستدل به الفقيه المجتهد من خلال دراساته العلمية وبحوثه الفقهية.
2 ـ الدليل العملي: وهو الذي يعتمده العامي في معرفة حكم التقليد.
وبتقسيم آخر تنقسم هذه الأدلة إلى عقلية ونقلية.
- الأدلّة العقلية
وتتنوع الى نوعين هما: العقل الفطري وسيرة العقلاء.
أ ـ العقل الفطري
وفحواه أن الإنسان بفطرته، ومن غير حاجة إلى برهان، يدرك أن على غير العالم الرجوع إلى العالم.
وبما أنه يعلم ـ وبالضرورة والبداهة ـ أنه مكلّف من قبل الله تعالى بتكاليف شرعية شاملة لجميع أفعاله الإرادية، وأن عليه أن يمتثلها.
وكذلك يعلم، وبالبداهة، أن امتثالها يتوقف على معرفتها، ولا طريق له إلى معرفتها إلا بإحدى وسيلتين: الاجتهاد أو التقليد.
ولأنه، أعني العامي، ليس بمجتهد، حينئذ لا طريق أمامه إلاّ التقليد.
فالعقل الفطري، حيث يدرك الإنسان بفطرته ووجدانه أن التقليد واجب عليه، هو الدليل على وجوب التقليد ولزوم رجوع العامي إلى المجتهد.
وهذا الدليل يشترك فيه المجتهد والعامي.
فهو بالنسبة إلى المجتهد دليل علمي لأنه يستند إليه في الوصول إلى الحكم عن طريق القاعدة المنطقية التي تقول: المقدمة البديهية تنتج نتيجة بديهية.
وإذا أردنا أن نصوغ الدليل صياغة منطقية بأن نؤلفه من مقدمة بديهية تنتج نتيجة بديهية، فإننا نقول:
إن الإنسان العامي يدرك بوجدانه أنه يجب عليه أن يتعلم الحكم ليعمل على وفقه. إذن يجب عليه أن يرجع إلى من يعرف الحكم ليتعلمه منه.
وهو بالنسبة إلى العامي سلوك عملي ترشده إليه فطرته، ويدركه بوجدانه، ويقوم به من تلقاء نفسه، شأنه شأن أي سلوك عملي آخر في حياته؛ حيث يرجع في ما يجهله من أشياء إلى من يعلمها.
وممّن استدل بهذا الدليل الملا الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني في كتابه الاصولي «كفاية الأصول»، قال: «إن جواز التقليد، ورجوع الجاهل إلى العالم ـ في الجملة ـ يكون بديهياً جِبِلّياً فطرياً لا يحتاج إلى دليل».
ب ـ سيرة العقلاء
ويراد بها أن طبيعة حياة الناس، بما هم عقلاء، وعلى أساس مما تمليه عقولهم عليهم، قائمة على لزوم رجوع غير العالم إلى العالم، وغير المتخصّص إلى المتخصّص.
فالعامي الذي لا يعلم الأحكام الشرعية المطلوب منه امتثالها لا يخرج عن هذه السيرة العقلائية أو قل الظاهرة الاجتماعية البشرية، فبتأثير من هذا السلوك الاجتماعي العام يرجع في مجال معرفة الأحكام الشرعية إلى المجتهد.
فالتقليد الشرعي ـ الذي يتمثل في رجوع غير الفقيه إلى الفقيه ـ هو مفردة من مفردات هذا السلوك الاجتماعي العام الذي يصطلح عليه الفقهاء باسم «سيرة العقلاء».
وإلى هذه السيرة، باعتبارها دليلاً، استند جمهور الفقهاء واستدلوا بها على لزوم التقليد في حق العامي.
وتستمد هذه السيرة شرعيتها من تطبيقها في حياة المسلمين المتشرعين بإمضاء المعصوم لها، أو عدم ردعه عنها، كما مرّ بيانه في موضوع تاريخ التقليد الشرعي.
2 ـ الأدلة النقلية
وتتنوع، هي الأخرى إلى نوعين: القرآن والسنّة.
أ ـ القرآن الكريم:
استدل الفقهاء على وجوب التقليد بغير آية: وأهمها آية النفير: ﴿فَلَوْلاَ… نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة/122].
وبيان الاستدلال بهذه الآية الكريمة على وجوب التقليد يتلخص في أن الآية أوجبت النفر ـ أي الخروج ـ إلى مراكز تعليم الأحكام الشرعية، وعلى نحو الوجوب الكفائي، وهو أن يذهب أو يبعث إلى تلكم المراكز نفر ممن يعهد بهم القدرة على تعلم الأحكام وتعليمها، وفيهم من حيث العدد الكفاية لتغطية احتياجات بلدانهم أو البلدان الأخرى التي ينتدبون إليها، ليقوموا عند رجوعهم إلى بلدانهم أو البلدان الأخرى التي ينتدبون إليها بتعليم المسلمين فيها أحكام دينهم، فالمسلمون يتعلمون منهم ويعلمون وفق ما يتعلمون، ويسألونهم عن الحكم عندما يحتاجون إلى ذلك، ويعملون وفق ما يجيبونهم به.
وفي الغالب تأتي أجوبتهم تفسيراً لآية أو شرحاً لرواية على نحو الاجتهاد وباستخلاص الحكم منها.
والأخذ بقول المجتهد، والعمل على وفقه، هو التقليد شرعاً.
يقول السيد البجنوردي في «المنتهى»: «إن آية النفر لها ظهور قوي في وجوب قبول قول المجتهد المنذر على العامي»)[272](.
ويمكننا أن نستخلص من هذه الآية الكريمة ما يلي:
1 ـ إنّ على المسلمين إقامة مراكز للدراسات الدينية.
2 ـ إنّ على أهالي كل بلد إرسال بعثات دراسية ممن بهم الكفاءة وفيهم الكفاية إلى تلكم المراكز لتعلّم الأحكام الشرعية.
3 ـ إن على الطلبة المبعوثين، بعد إكمال دراستهم وعودتهم إلى بلدانهم، أو ذهابهم إلى غيرها، القيام بمهمة التبليغ الإسلامي.
ب ـ السنّة الشريفة:
استدلّ الفقهاء من السنة الشريفة بأمثال الأحاديث التي ذكرناها في مبحث تاريخ التقليد الشرعي، وتقدم أنها على نوعين:
1ـ خاصة: وهي تلك الأحاديث التي قيلت في قضايا جزئية بالإرجاع إلى فقهاء معيّنين، لتطبيق هذه الظاهرة، مع استهداف أن يتحقق من خلال التطبيق شيئان آخران هما:
ـ تمرين المسلمين على هذه الظاهرة الشرعية التي هي التقليد.
ـ ولتتكوّن بسببه سيرة للمتشرعة في هذا المجال.
وهذه الأحاديث مثل:
*ما عن علي بن المسيب: قلت للرضا (ع): شقّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كل وقت، فعمّن أخذ معالم ديني؟
فقال (ع): من زكريا بن آدم المأمون على الدين والدنيا.
*ما عن عبد العزيز بن المهتدي: سألت الرضا (ع) فقلت: إني لا ألقاك في كل وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟
قال (ع): خذ عن يونس بن عبد الرحمن.
2 ـ عامة: وهي تلك الأحاديث التي جاءت بعد سابقتها لتعطي القاعدة العامة للتقليد، وذكرنا منها ـ في مبحث تاريخ التقليد الشرعي ـ حديثين، هما:
ـ ما روي عن الإمام العسكري (ع): «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه».
ـ ما روي عن الإمام المهدي (ع): «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجّتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم».
قال في «المنتهى»: «ولا شك في أن الأخبار الصادرة عن أهل بيت العصمة (ع) في هذا الباب ـ أي باب إفتاء العالم للعامي ـ على اختلاف ألسنتها وعمومها وخصوصها، فوق حد الاستفاضة.
وكلها تدل دلالة مطابقية أو التزامية على لزوم رجوع الجاهل إلى المجتهد الواجد لشرائط معينة»)[273](.
هذه خلاصة ما استدل به العلماء على حكم التقليد من ناحية شرعية، وبطرق علمية.
أما الدليل العملي فقد أشرت إلى أن العقل الفطري، بوصفه دليلاً على وجوب التقليد يمكن أن يستدل به بشكل علمي، ويمكن أن يتّخذ دليلاً أيضاً، ليس بشكل علمي، وإنما بشكل عملي تلقائي حيث يرجع الإنسان الذي لا يعرف الأحكام الشرعية إلى الفقيه الذي يعرفها ويأخذها منه ويعمل على وفقها بدافع من فطرته وما يمليه عليه وجدانه.
هذا ما نعنيه بالدليل العملي، وقد مر توضيحه بما يغني عن الإعادة هنا.
ـ وهناك دليل عملي آخر، هو «سيرة المتشرعة»، وقد أوضحنا هذا أيضاً في موضوع تاريخ التقليد الشرعي، حيث أعربنا عن أن المسلمين ساروا في مجال التقليد الشرعي بسيرة العقلاء بعد أن أمضيت وأقرّت من قِبل المشرّع الإسلامي بما تفرّع منها ما اصطلح عليه بسيرة المتشرعة.
«قال في التقريرات: وبالجملة، فجواز تقليد العامي ـ في الجملة ـ معلوم بالضرورة للعامي وغيره، وليس علم العامي بوجوب الصلاة عليه ـ في الجملة ـ أوضح من علمه بوجوب التقليد من اتحاد طريقهما في حصول العلم من مسيس الحاجة وتوفر الدواعي عليه واستقرار طريقة السلف المعاصرين للأئمة (ع) والخلف التابعين لهم إلى يومنا هذا»)[274](.
أما كيف يتخذ منها المسلم المكلف دليلاً على وجوب التقليد؟
إنّ أيّ مسلم، عندما يبلغ مرحلة التمييز من عمره التي هي قبيل سن التكليف، يعني هذه الظاهرة من الظواهر الدينية، ويدرك بأنها من الأساسيات والضروريات في امتثال الأوامر والنواهي الدينية.
كما يعني أن المسلمين المتشرّعين قد أخذوا بهذه الظاهرة جيلاً بعد جيل بما يعطيه اليقين بضرورة الأخذ بها إن لم يكن مجتهداً.
فالوعي الوجداني عند المسلم العامي بضرورة رجوعه إلى الفقيه، وإيمانه التلقائي بقيام سيرة المسلمين (المتشرعة) على ذلك ينتج لديه ـ وبشكل بديهي ـ وجوب التقليد.
ومن هنا لا يحتاج المسلم العامي في مسألة وجوب التقليد إلى أن يقلّد من المجتهدين من يفتي بها فيستند في تقليده إلى فتواه، لا لما قال الفقهاء من أن التقليد في مسألة وجوب التقليد يلزم منه الدور)[275](، وهو محال، وإنما لأنه يملك الدليل على هذا الوجوب، إلا أنه دليل بديهي لا يحتاج معه إلى أعمال.
وقد نخلص من كل ما تقدم إلى أن حكم التقليد هو الوجوب.
وقد عبر عنه بعضهم بالاستحباب، ويرجع هذا إلى أن وجوب التقليد على المسلم المكلّف هو من نوع الوجوب التخييري لأن المكلّف الذي هو ليس بمجتهد مخير بين الاجتهاد والتقليد، أي أن أمامه خيارين في عرض واحد من أجل الوصول إلى معرفة الحكم، وهما: إما أن يجتهد وإما أن يقلّد.
والوجوب التخييري قد يطلق عليه في لغة الفقهاء واصطلاحهم اسم الاستحباب، كما نقول إن صلاة الجمعة في عصر الغيبة هي مستحبة بمعنى أنها واجبة بالوجوب التخييري بينها وبين صلاة الظهر.
أما الاحتياط ـ وهو الطريق الثالث من طرق الوصول إلى معرفة الحكم المطلوب شرعاً ـ فهو ليس خياراً في عرض الاجتهاد والتقليد، وإنما هو في طولهما لأنه لا بد فيه من الاجتهاد أو التقليد.
ثم إن معرفة الحكم الشرعي، عن طريق الاحتياط، هي معرفة إجمالية لتردد الحكم لدى المحتاط بين أفراد الحكم المحتملة، بينما هي في الاجتهاد، وكذلك في التقليد، معرفة تفضيلية، لأنها متعينة في فرد واحد.
ولأن الاحتياط في طول الاجتهاد والتقليد من حيث الرتبة لم أتطرق له في مواض تعرض له فيها بعضهم.
موارد التقليد الشرعي
يراد بموارد التقليد الشرعي المواد أو الأشياء التي يجب على العامي الرجوع فيها إلى الفقيه المجتهد ومعرفتها منه.
ولأجل أن نعرف هذه الموارد، أو المواد التي يجب التقليد فيها، لا بد من التمهيد لذلك ببيان ما يحتاج إليه المكلّف في مقام امتثال التكاليف الشرعية، وهو:
1 ـ معرفة الحكم الذي يريد أن يمتثله.
2 ـ معرفة الموضوع الذي يريد أن يطبق الحكم عليه.
ولنوضح هذا بالأمثلة:
ـ السجود في الصلاة اليومية واجب، فالسجود موضوع، ووجوبه في الصلاة حكم، والمطلوب من المكلف هو أن يعرف معنى السجود وأن يعرف معنى الوجوب.
ـ شرب الماء هو الموضوع، والإباحة هي الحكم، والمطلوب هو معرفة أن هذا السائل الذي يريد أن يشربه المكلّف ماء، ومعرفة معنى الإباحة.
وباختصار: المطلوب من المكلّف في مقام الامتثال معرفة الحكم الشرعي الذي يريد المكلّف أن يمتثله، ومعرفة موضوع ذلك الحكم أو ما يتعلق بموضوع الحكم كالماء بالنسبة للشرب في مثالنا المتقدم.
فإذن عندنا أحكام، وعندنا موضوعات تتعلق بها الأحكام أو بما يتعلق بها، مطلوب منا معرفتها عند الامتثال.
وهذه الأحكام على أقسام، وكذلك الموضوعات هي الأخرى على أقسام.
فما هي تلك الأقسام من الأحكام، وتلك الأقسام من الموضوعات التي يجب فيها التقليد، والتي لزم العامي أن يعرفها عن طريق رجوعه إلى المجتهد وأخذها منه؟
تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: يقينية وظنية.
1 ـ الأحكام اليقينية
وهي تلك الأحكام الثابتة بالضرورة من الدين، ولا مجال للاجتهاد فيها.
مثل وجوب الصلاة اليومية، فإن هذا الوجوب ثابت بالضرورة والبداهة بحيث لا مجال للخلاف فيه عند المسلمين.
وسمّيت باليقينية لأن لدينا يقيناً بأنها أحكام شرعية صادرة عن الله تعالى.
وتسمّى بالضرورية أيضاً لأن معرفة كونها أحكاماً شرعية ثابت عندنا بالضرورة، أي بالبداهة التي لا تحتاج معها إلى إقامة برهان أو الاستدلال عليها بدليل.
واليقين يعني انكشاف واقع هذه الأحكام أمام المكلّف بالوجدان، بالمستوى الذي لا يشك معه في أنها حكم الله في حقه المطلوب منه امتثاله.
فهذا اليقين بأنها من الله تعالى يغني عن محاولة التماس ما يثبت حجيتها لأن حجيتها قائمة بها ببركة هذا اليقين الناتج عن تلك البداهة.
2 ـ الأحكام الظنية
وهي تلك الأحكام التي نظن بصدورها عن الله تعالى، أي ليس لدينا يقين بصدورها من الله تعالى.
ومعنى هذا أن واقعها لم ينكشف أمامنا، ويترتب عليه أننا نظن إصابتها للواقع المطلوب منا، وفي الوقت نفسه نحتمل عدم إصابتها للواقع المطلوب منا.
وهكذا أحكام هي الأحكام الاجتهادية التي يتوصل إليها المجتهد عن طريق اجتهاده.
ولوجود عنصر الظن بإصابتها الواقع وعنصر الاحتمال بعدم إصابتها قالوا: المجتهد قد يصيب وقد يخطئ، وهو في حالة الإصابة مأجور وفي حالة الخطأ معذور، لأن الاجتهاد طريق مشروع عقلاً ونقلاً، كما أثبتت الدراسات الشرعية ذلك.
ولأنه مشروع كان حجة فيما يتوصل إليه من أحكام.
وكانت الأحكام التي يتوصل إليها ـ هي الأخرى ـ حجة لأنها جاءت عن طريق مشروع.
أي أن الظن ـ هنا ـ من الظنون المعتبرة شرعاً، والمستثناة من حرمة العمل بالظن.
فالمجتهد ـ على أساس من هذا ـ وكذلك العامي المقلّد له يؤجر إن أصاب الواقع في مقام الامتثال، ويعذر إن أخطأ الواقع في مقام الامتثال.
وهنا نقول: إن مجال التقليد ومورده هو الأحكام الاجتهادية.
أما الأحكام اليقينية فلا مجال للتقليد فيها، وهي ليست من موارده.
أما بالنسبة إلى الموضوعات فإنها تنقسم إلى:
الموضوعات الشرعية
وهي التي تحدد من قبل الشرع كالصلاة والصوم والحج وأمثالها.
ولا طريق للمكلّف العامي إلى معرفتها إلا بالرجوع إلى الفقيه.
إن مثل هذه الموضوعات التي تسمى بـ «الموضوعات الشرعية» أو «الموضوعات الشرعية المستنبطة»، هي ـ أيضاً ـ مما يقلّد فيها العامي المجتهد، أي أنها من موارد التقليد الشرعي ومجالاته.
الموضوعات العرفية
يراد بالعرف ـ هنا ـ (أبناء المجتمع) الذين لديهم خبرة أو معرفة بتحديد الموضوع المطلوب وتعيينه.
وينقسم العرف ـ في ضوء تعامل الفقهاء معه ـ إلى قسمين:
1 ـ العرف الحاضر:
وهو أن يكون الموضوع من الموضوعات المستعملة في الحاضر، أي عند إرادة المكلّف لامتثال حكمه.
وينقسم هذا ـ حسب واقعه ـ إلى قسمين:
أ ـ العرف العام:
وهم أبناء المجتمع الذين تمثل الموضوعات التي يراد معرفتها عن طريقهم ظواهر اجتماعية.
ب ـ العرف الخاص:
وهم المتخصّصون في المجالات العلمية والأخرى العملية، كالعلماء في سائر العلوم والفنون، وكالتجار والزرّاع، والصناع وأمثالهم، كلّ في مجاله.
ويقول الفقهاء – هنا-:
– اذا كان الموضوع من الموضوعات العرفية العامة لا تقليد فيه، وإنما يرجع في تقليده الى ابناء مجتمعه، وذلك مثل تحديد ان هذا السائل ماء او غير ماء، وأن هذا الثرى(الارض) تراب أو رمل.
– وإذا كان الموضوع من الموضوعات العرفية الخاصة أيضاً لا تقليد فيه، وإنما يرجع في معرفته الى المختصين به، أمثال تحديد أن هذا المرض المعين يؤثر فيه الصوم فيوقف برأه أو يزيد فيه أو تولد منه مضاعفات أخرى مضرّة معتدّ بها.
– وهنا – أي في رجوع المكلف الى العرف العام أو العرف الخاص – لا يصح اعتماده على ما يقوله أهل العرف إلاّ بعد حصول الوثوق والإطمئنان عنده من صحة قولهم.
2- العرف الماضي:
ونريد به أن يكون الموضوع مما كان يُعرف معناه في عصور التشريع أو العصور السابقة على عصر المكلّف الذي ابتلي به ويريد معرفته، وهو لم يعد في عصره موضوعاً عرفياً.
وهذا مثل «الصعيد» الذي هو مادة التيمم، ومثل «النبيذ» عند أهل المدينة قديماً، والذي يعني ـ عندهم ـ إلقاء آحاد من التميزات في البئر ليعذب ماؤها فيستساغ شربه، وسمي بالنبيذ لأنه ينبذ في البئر أي يرمى فيها، ومثل «القرء» الذي يطلق على حيض المرأة وطهرها.
فإن تحديد أمثال هذه الموضوعات هو من وظيفة المجتهد يرجع فيه إلى معاجم اللغة العربية وأمثالها.
ولأن هذا التحديد من وظيفة المجتهد تكون هذه الموضوعات مورداً من موارد التقليد. وعلى العامي أن يرجع إلى المجتهد في معرفتها.
والخلاصة
إن التقليد يلزم في الأمور التالية:
1 ـ الأحكام الفقهية الاجتهادية. 2 ـ الموضوعات الشرعية المستنبطة. 3 ـ الموضوعات العرفية اللغوية.
المقلّد
بعد أن تعرّفنا معنى التقليد الشرعي وتاريخه وحكمه عند أصحابنا الإمامية، وموارده ومجالاته، ننتقل إلى تعريف المقلّد ـ بصيغة اسم الفاعل ـ وبيان الشروط التي يلزم توفرها فيه ليقع تقليده صحيحاً وبالتالي تكون أعماله وفق تقليده هي الأخرى صحيحة.
تعريفه
المقلِّد: هو المكلّف الذي ليس بمجتهد، سواء درس العلوم التي توصل الدّارس إلى رتبة الاجتهاد، ولكنه لم يجتهد أو لم يدرس شيئاً منها، كما هو شأن عامة الناس.
ويطلق الفقهاء عليه اسم «العامي»، نسبة إلى العامة في مقابل الخاصة الذين هم المجتهدون.
ومن المظنون قوياً أنهم أخذوا هذا المصطلح من الحديث الشريف المروي عن الإمام العسكري (ع)، والذي سبق أن ذكرناه غير مرة.. من قوله (ع): «فللعوام أن يقلّدوه».
يقول الشيخ الأنصاري في رسالة «الاجتهاد والتقليد»: «يجوز التقليد للعامي الصرف، والعالم غير البالغ رتبة الاجتهاد، وهو موضوع وفاق»)[276](. ويضع السيد السيستاني في «المسائل المنتخبة» النوعين اللذين ذكرهما الشيخ الأنصاري للعامي في تقسيم مرقّم فيقول: «المقلّد قسمان:
1 ـ من ليست له أية معرفة بمدارك الأحكام الشرعية.
2 ـ من له حظ من العلم بها، ومع ذلك لا يقدر على الاستنباط. ويعبر عن القسمين بالعامي».
شروطه
ويشترط في المقلّد، لكي يكون تقليده صحيحاً، ومن ثم تقع أعماله الشرعية صحيحة، أن يكون: ـ بالغاً. ـ عاقلاً.
«فلا عبرة بتقليد المجنون حال جنونه، وكذا لا عبرة بتقليد الصبي وإن كان مميزاً» ـ كما عن صاحب الفصول ـ)[277](.
ولمعرفة معنى البلوغ وحدوده وإماراته، وكذلك لمعرفة معنى العقل والمراد منه هنا، يرجع إلى كتابنا «دروس في فقه الإمامية»، المجلد الأول.
المقلَّد (مرجع التقليد)
التعريف
المقلَّد ـ بصيغة اسم المفعول ـ هو الفقيه الذي يرجع إليه المقلّد «العامي» في شؤون دينه، فيأخذ الفتوى منه ويعمل على وفقها.
واصطلح عليه في لغة الفقه بـ «المجتهد» و«الفقيه» و«مرجع التقليد» و«المرجع» و«المفتي».
واشترط العلماء لصحة تقليد العامي له أن يتوفر (أعني الفقيه) على صفات معيّنة أو قل: على شروط خاصة.
وقد وقع بعض هذه الصفات أو الشروط موقع الاتفاق عند العلماء، ووقع بعضها الآخر موضع الخلاف، فقال به قوم ولم يشترطه آخرون.
وسبب الخلاف هو الاختلاف في الدليل.
الأدلّة
ولذلك لا بد من إلقاء نظرة نقدية على الأدلة التي استدلوا بها لننطلق في دراستنا الآتية على ما انتهينا إليه من تعاملنا مع أدلّة التقليد في ما مضى، وهي:
1 ـ الإجماع
والإجماع ـ كما هو معلوم ـ ينقسم في أصول فقه الإمامية إلى:
أ ـ تعبُّدي يكشف عن رأي المعصوم. وهو لا خلاف في حجيته وصحة الاحتجاج به.
ب ـ مدركي يستند إلى دليل لم نقف على واقعه. ولا خلاف في عدم حجيته وعدم صحة الاحتجاج به.
وعليه: فما هو مستوى الإجماعات التي استند إليها في اعتبار بعض شروط مرجع التقليد؟
إن إلقاء نظرة على مجموعة الإجماعات في موضوعنا هذا تسلمنا إلى أنها إجماعات مدركية، أي أنها غير تعبدية.
ولذلك سوف نستبعدها ولا نعتمد على شيء منها هنا.
2 ـ سيرة العقلاء
إن سيرة العقلاء ـ هي الأخرى ـ إن لم تكن كاشفة عن رأي المعصوم لا يمكننا الاعتماد عليها والتعبُّد بها.
ولهذا فإن موقفنا من سيرة العقلاء يتبع موقف المشرع الإسلامي، أي حسبما تمسها يد التشريع قبولاً أو رفضاً أو تهذيباً وتعديلاً.
ولأنا أوضحنا ـ في ما مضى ـ أن موقف المشرع الإسلامي من سيرة العقلاء في موضوع التقليد هو أن ولد منها ما عرف بسيرة المتشرّعة.
تكون سيرة المتشرعة هي التي يرجع إليها في مجال الاستدلال ومقام الاحتجاج.
3 ـ نصوص التقليد من آيات وروايات التي ذكرنا شيئاً منها في ما سبق
ونضيف إليها ـ هنا ـ مقبولة عمر بن حنظلة، ومشهورة أو حسنة ابن خديجة اللتين استدل بهما غير واحد من الفقهاء لإثبات بعض الشروط ونفي أخرى.
والاستدلال بهذه النصوص ينطلق من خلال ما فيها من إطلاقات أو عمومات أو خلوّها منهما.
ونخلص من هذا إلى أن الدليل المعتمد هنا هو:
1 ـ سيرة المتشرّعة، وما انبثق عنها من أفكار عرفت في لغة الفقه بارتكازات المتشرّعة.
2 ـ النصوص الشرعية من آيات أو روايات في هدي ما فيها من إطلاقات أو عمومات، أو خلوّها منهما.
الشروط
سأذكر هنا الشروط التي استفادها الفقهاء من دلالات النصوص الشرعية، والأخرى التي أفادوها من سيرة المتشرّعة، وهي:
1 ـ الاجتهاد. 2 ـ التمسّك بمذهب أهل البيت. 3 ـ مستوى التدين. 4 ـ المستوى العلمي. 5 ـ الكفاءة الإدارية. 6 ـ الحياة.
أولاً ـ الاجتهاد
يقسم الاجتهاد ـ في أصول فقه الإمامية ـ إلى قسمين:
أ ـ الاجتهاد المطلق
وهو القدرة العلمية على الاستنباط الشاملة لجميع أبواب الفقه ومسائله.
اي أن المجتهد، بهذا المستوى من الاجتهاد، لديه القدرة العلمية على الاستنباط في جميع أبواب الفقه ومسائله.
وسمي بـ«المطلق» في مقابل قسيمه الآتي «الاجتهاد المتجزّئ» لأنه مقيد ببعض الأبواب والمسائل دون سواها.
ب ـ الاجتهاد المتجزّئ
وهو القدرة العلمية على الاستنباط القاصرة على بعض أبواب الفقه ومسائله.
أي أنها مقيدة في بعض الأبواب وغير شاملة للجميع.
يقول صاحب الكفاية في تعريف الاجتهاد المتجزّئ، بأنه «ما يقتدر به على استنباط بعض الأحكام».
والتسمية بمتجزئ مأخوذة من الفعل «اجتزأ» يقال: «اجتزأ بالشيء» و«تجزّأ به»، أي اكتفى به، فكأن المجتهد المتجزئ يكتفي بهذا الاجتهاد، ولم يتوسع به ليشمل جميع أبواب الفقه.
اتفقت كلمة فقهائنا وتسالم رأيهم على جواز تقليد من كان مجتهداً مطلقاً.
واختلفوا في جواز تقليد المجتهد المتجزئ في ما اجتهد فيه من مسائل على ثلاثة أقوال، هي:
1 ـ المنع مطلقاً:
ومن هؤلاء العلماء القائلين بالمنع السيد اليزدي، فقد جاء في «العروة الوثقى» ـ المسألة 22: «يشترط في المجتهد أمور… وكونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزأ، والسيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي في «وسيلة النجاة»، والشيخ محمد تقي الفقيه العاملي في «عمدة المتفقّه»، وغيرهم.
ويستند هذا القول إلى أحد الأمرين التاليين أو إليهما معاً، وهما:
*استحالة الاجتهاد المتجزّئ، أي أنه لا يوجد لدينا إلا نوع واحد من الاجتهاد وهو الاجتهاد المطلق.
ويقوم هذا على أساس أن حقيقة الاجتهاد هو أنه ملكة، والملكة: «صفة راسخة في النفس أو استعداد عقلي خاص، لتناول أعمال معينة بحذق ومهارة».
وهذه الملكة ـ سواء كانت صفة نفسانية أو استعداداً عقلياً ـ لا تقبل التجزئة.
وعللوا ذلك ـ فلسفياً ـ ببساطتها فهي إما أن توجد أو لا توجد، وإن وجدت فإنها لا تختلف من حيث الاقتدار على الاستنباط في هذه الجزئية أو تلك.
*إن الاجتهاد المطلق هو القدر المتيقّن في البين لاتفاق الفقهاء على جواز تقليد من يتّصف به، واختلافهم في جواز تقليد المجتهد المتجزئ، والأخذ بالمتفق به دون المختلف فيه، أبعد عن الوقوع في محذور المخالفة.
ويقرره صاحب «التنقيح في شرح العروة الوثقى» بقوله: «وأما جواز الرجوع إليه (يعني المجتهد المتجزئ) فقد منع عنه الماتن بقوله: «وكونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزئ»، وما أفاده (قده) بناء على الاستدلال على وجوب التقليد بدليل الانسداد هو الصحيح، وذلك لأن بطلان غير التقليد من الطرف وانسدادها على العامي المقلد يقتضي وجوب رجوعه إلى عالم ما، ـ إذن النتيجة جزئية، والمقدار المتيقن منها هو الرجوع إلى المجتهد المطلق دون المتجزئ ـ كما أفاده.
كما أن الحال كذلك فيما لو استدللنا على وجوبه بالأدلة اللفظية من الكتاب والسنّة، لأن قوله عز من قائل: (فلولا نفر…) دل على أن الحذر إنما يجب عند إنذار المنذر الفقيه، ولا دلالة لها بوجه على وجوبه عند إنذار كل منذر وإن لم يصدق أنه فقيه.
كما أن الأخبار الآمرة بالرجوع إلى أشخاص معينين دلّتنا على الرجوع إلى يونس بن عبد الرحمن وأمثاله من أكابر الفقهاء والرواة، ولم تدلّنا على جواز الرجوع إلى من عرف مسألة أو مسألتين، ولم يكن من أضراب هؤلاء الأكابر من الرواة.
2 ـ الجواز مطلقاً:
ويظهر هذا من تعليقات «العروة الوثقى» لكلّ من:
ـ السيد الخميني قال: «الظاهر جواز تقليده (يعني المجتهد المتجزئ) في ما اجتهد فيه».
والسيد المرعشي النجفي قال: «الأقوى جوازه في ما استنبط استنباط المجتهد المطلق».
ـ والشيخ الأراكي، قال: «الأقوى الجواز في ما إذا عرف مقداراً معتداً به من الأحكام، ولم يحرز مخالفة فتواه لفتوى الأعلم، أو لم يكن غيره أعلم منه في ذلك المقدار».
واستدل السيد الحكيم في «المستمسك» لهذا الرأي ببناء العقلاء الشامل للاجتهاد بقسميه: المطلق والمتجزئ، وبظاهر مشهورة أبي خديجة قال: «وأما كونه مجتهداً مطلقاً فاعتباره هو المعروف المدعى عليه الوفاق أو الإجماع، فلا يصح تقليد المتجزئ، لكنه غير ظاهر الدليل، لعموم بناء العقلاء له، وكذا مشهورة أبي خديجة عن الصادق (ع): «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا (أو قضايانا) فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».
وسندها لا يخلو من اعتبار.
وكونها في القضاء لا يمنع من الاستدلال بها في هذا المقام، لأن منصب القضاء منصب للفتوى ولا عكس، فما دل على عدم اعتبار شيء في القاضي يدل على عدم اعتباره في المفتي.
3 ـ القول بالتفصيل:
أ ـ بين وجود مجتهد مطلق فلا يجوز الرجوع إلى المجتهد المتجزئ، وعدم وجود مجتهد مطلق فيجوز الرجوع إليه في ما اجتهد فيه.
وهو ظاهر السيد الشاهرودي في تعليقته على العروة الوثقى.
ب ـ بين ما إذا كان المجتهد المتجزّئ في الباب الذي اجتهد فيه أعلم من المجتهد المطلق، وإذا لم يكن أعلم. ففي حال كونه أعلم ـ مع القول بوجوب الرجوع إلى الأعلم ـ فإنه يلزم تقليده في ما اجتهد فيه. وهو ظاهر تعليقة السيد الرفيعي على «العروة الوثقى»، قال: «منعُ التقليد المتجزّئ خصوصاً إذا كان في الباب الذي اجتهد فيه أعلم من غيره، في غاية الإشكال». إلى تفاصيل أخرى، اعتمد فيها الاحتياط أو أنها معروفة بالبداهة.
والحق أنه لا يوجد اجتهاد متجزئ بمعنى انعدام القدرة العلمية على الاستنباط في الأبواب الأخرى التي لم يبرز فيها المجتهد المتجزئ اجتهاده، لأن القدرة العلمية تعتمد على التالي:
ـ فهم منهج الاستنباط.
ـ كيفية تطبيق المنهج على مواده وجزئياته.
ـ امتلاك ما يساعد على الفهم والتطبيق من وسائل علمية وآليات فنية.
وهذا الفهم صفة عامة، ولأنه عامة تعني أن الاقتصار على الاجتهاد في باب دون آخر لا لقصور القدرة العلمية، وإنما لعوامل أخرى خارجة عنها، لا علاقة لها بها.
ومن هنا ينبغي أن يكون عنوان الشرط ـ هنا ـ هو «الاجتهاد» فقط، أي من دون وصفه بالإطلاق أو تقييده بالتّجزؤ.
ثانياً: التمسك بمذهب أهل البيت
يقصد، بهذا العنوان، أن يكون المجتهد الذي يراد تقليده إمامياً اثني عشرياً، بمعنى أنه متمسّك بمذهب أهل البيت في الشؤون التالية:
أ ـ في العقيدة (أصول الدين) بأن يعتقد بإمامة الأئمة الاثني عشر.
ب ـ في العمل (فروع الدين) بأن يصدر في جميع سلوكه وكل تصرفاته وفق مذهب أهل البيت.
جـ ـ في الاجتهاد بأن يكون اجتهاده في المنهج والمادة وفق مذهب أهل البيت، وذلك بأن يرجع إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة عن طريق أهل البيت المتمثلة في ما يرويه الثقات من أتباعهم عنهم، وأن لا يأخذ بأمثال القياس واجتهاد الرأي مما شجبه أهل البيت ومنعوا من الأخذ به والركون إليه.
وعبّروا عن هذا الشرط في لغة الفقه بمصطلح «الإيمان». واستُدِلّ له بالتالي:
1 ـ الإجماع
قال السيد الحكيم في «المستمسك»: «وأما اعتبار الإيمان فغير ظاهر عند العقلاء. نعم حكي عليه إجماع السلف الصالح والخلف، وهو العمدة».
ويلاحظ عليه أن الإجماع المذكور:
ـ ربما كان عن اعتماد على شيء من الأحاديث التي ستذكر في ما يأتي، وهذا يعني أنه غير تعبّدي فلا يصح الاحتجاج به.
ـ وربما كان آتياً عمّا هو مرتكز في أذهان المتشرعة فيصح الاحتجاج به، لأن سيرة المتشرعة ومرتكزاتها الذهنية هي الدليل المعتمد عليه هنا.
ومن المظنون قوياً أن مدعيه يريد به ذلك.
2 ـ الروايات
وهي أمثال:
ـ ما رواه الحر العاملي في «الوسائل» ـ الباب 11 من أبواب صفات القاضي: «وعن حمدويه وإبراهيم ابني نصر، عن محمد بن إسماعيل الرازي، عن علي بن حبيب المدائني، عن علي بن سويد السابي، قال: كتب إليّ أبو الحسن (ع) وهو في السجن: وأما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك؟ لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وأماناتهم، إنهم ائتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه».
ـ المصدر نفسه: «وعن جبرئيل بن أحمد عن موسى بن جعفر بن وهب عن أحمد بن حاتم بن ماهويه، قال: كتب إليه ـ يعني أبا الحسن الثالث (ع) ـ أسأله عمن آخذ معالم ديني؟
وكتب أخوه ـ أيضاً ـ بذلك.
فكتب إليهما: «فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كل مُسِنٍّ في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما، إن شاء الله تعالى»؟
«وذلك للنهي في الرواية الأولى عن الرجوع إلى غير الشيعة.. والأمر في الثانية بالاعتماد على المسن في حبهم وكثير القدم في أمرهم (ع)…» التنقيح1/219.
ـ مقبولة عمر بن حنظلة: قال: «سألت أبا عبدالله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك؟».
فقال (ع): من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقه ثابتاً، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء/60].
قلت: فكيف يصنعان؟
قال: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم الله استخف، وعلينا قد رد والراد علينا كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله».
مشهورة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال: إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».
والمقبولة معتبرة بقبولها من قبل الأصحاب، والمشهور لشهرتها بينهم.
ووجه الاستدلال بهما: إنهما وإن كانتا واردتين في القضاء، فإن الإفتاء أهم من القضاء، فما يلزم في القضاء يلزم في الإفتاء، ولا عكس.
وحيث وجب في القضاء الرجوع إلى قضاتنا، فهو في الإفتاء أولى.
وعليه: يجب الرجوع في التقليد إلى مجتهد مؤمن متمسك بمذهب أهل البيت (ع).
ولكن لوحظ على الاستدلال بالروايتين الأوليين:
أ ـ إن هاتين الروايتين «ضعيفتا السند، فإن في سند أولاهما محمد بن إسماعيل الرازي وعلي بن حبيب المدائني وكلاهما لم يوثق في الرجال. كما أن في سند الثانية جملة من الضعاف منهم أحمد بن حاتم بن ماهويه» ـ التنقيح 1/219.
ب ـ إن «الظاهر من الأول (خبر علي بن سويد) كون المانع عدم الائتمان لا مجرد اعتقاد الخلاف.
مع أن منصرفه القضاة الذين كانوا يعتمدون على القياس ونحوه من الحجج الظنية في مقابل فتوى المعصومين (ع)، وليس مثلهم محل الكلام.
والثاني (خبر ابن ماهويه) محمول على الاستحباب للإجماع القطعي على خلاف ظاهره» المستمسك 1/42.
ونخلص من هذا إلى أنه لا يبقى لدينا من الروايات الأربع ما هو صالح للاستدلال به هنا إلا المقبولة والمشهورة، ولكن على أساس من تمامية القول بأن ما يلزم في القضاء يلزم في الإفتاء.
3 ـ سيرة المتشرعة
وهي العمدة ـ هنا ـ فبها استدل على لزوم توفر الشروط الأخرى التي لم أر وجهاً لذكرها، للمفروغية منها، أمثال البلوغ والعقل.
يقول أستاذنا السيد الخوئي: «إن مقتضى دقيق النظر اعتبار العقل والإيمان والعدالة في المقلَّد بحسب الحدوث والبقاء.
والوجه في ذلك: إن المرتكز في أذهان المتشرعة، الواصل ذلك إليهم يداً بيد عدم رضى الشارع بزعامة من لا عقل له ولا إيمان ولا عدالة له.
بل لا يرضى بزعامة كل من له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار، لأن المرجعية في التقليد من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية.
وكيف يرضى الشارع الحكيم أن يتصدى لمثلها من لا قيمة له لدى العقلاء والشيعة الراجعين إليه.
وهل يحتمل أن يرجعهم إلى من لا يتديّن بدين الأئمة الكرام، ويذهب إلى مذاهب باطلة عند الشيعة الراجعين إليه.
فإن المستفاد من مذاق الشارع الأنور عدم رضى الشارع بإمامة من هو كذلك في «صلاة» الجماعة؛ حيث اشترط في إمامة الجماعة العدالة، فما ظنّك بالزعامة العظمى التي هي من أعظم المناصب بعد الولاية.
إذن احتمال جواز الرجوع إلى غير العاقل أو غير العادل مقطوع العدم.
فالعقل والإيمان والعدالة معتبرة في المقلَّد حدوثاً، كما أنها معتبرة فيه بحسب البقاء لعين ما قدمناه في اعتبارها حدوثاً.
ولعل ما ذكرناه من الارتكاز المتشرعي هو المراد مما وقع في كلام شيخنا الأنصاري (قده) من الإجماع على اعتبار الإيمان والعقل والعدالة في المقلد، إذ لا يحتمل قيام إجماع تعبّدي بينهم على اشتراط تلك الأمور» ـ التنقيح 1/223 ـ 224.
ثالثاً: مستوى التدين
تتمثل الغاية من هذا الوصف الذي نريد أن نتحدث عنه تحت هذا العنوان في بعدين:
ـ احدهما يرتبط بالعامي المقلّد.
ـ والآخر بمنصب المرجعية.
ومن هنا اختلفت كلمتهم في تحديد مستواه، من حيث التزام المجتهد الذي يراد تقليده ومدى تدينه.
فهناك من الفقهاء من انطلق إلى اشتراط هذا الشرط من زاوية نظرته إلى العامي، باعتباره يحتاج إلى ما يطمئنه بأن الفتوى التي يتلقّاها من المجتهد للعمل على وفقها هي حجة في حقه.
وهذا يتطلب أكثر من أن يكون المجتهد ثقة، أي صادقاً في إخباره بأن فتواه التي أعطاها للعامي تمثل رأيه الذي هو نتيجة اجتهاده في هذه المسألة المعينة.
فالشرط المطلوب في المجتهد، من حيث مستوى تدينه ليكون مرجع تقليد، هو «الوثاقة».
وآخرون من الفقهاء انطلقوا إلى اشتراط هذا الشرط من زاوية نظرتهم إلى منصب المرجعية وخطورته في مهماته الدينية ووظائفه الشرعية، ذلك أن المرجع يقوم بتسلم الحقوق المالية الشرعية من المسلمين، ويقوم بإدارة الحوزات العلمية وبإبداء رأي الإسلام في المواقف العامة التي ترتبط بشؤون المسلمين، وبأمثالها.
وكل هذه تتطلب العدالة.
ولزوم اشتراط هذا الشرط واضح كل الوضوح في التعامل مع الحقوق المالية حيث تتطلب الأمانة في جمعها وجبايتها، والعدالة في توزيعها وإيصالها إلى مستحقيها، والتوازن في توظيفها لخدمة المبدأ والأمة.
من منطلق النظرة إلى المال وكيفية التعامل معه ـ لأن التعامل مع المال هو محك الرجال لمعرفة الحال ـ ترقّى بعضهم فاشترط الورع زيادة على العدالة، وترقى آخر فاشترط الزهد في الدنيا زيادة على الورع.
فمن رأى أن الغاية هي إحراز صدق المفتي في إخباره عن فتواه بأنها تمثل رأيه اكتفى باشتراط الوثاقة.
ومن رأى أن الغاية تتمثل ـ مضافاً إلى إحراز صدق المفتي في الإخبار عن فتواه بأنها تمثل رأيه ـ في لزوم أن يكون أيضاً أميناً وعادلاً للاطمئنان من استقامة تعامله مع الأموال والأحوال وسلامة ذلك، لم يكتف باشتراط الوثاقة وحدها، وإنما ترقّى منها إلى اشتراط العدالة، وإلى أكثر من العدالة إلى الورع، وإلى أكثر من الورع إلى الزهد في الدنيا.
ويسلمنا هذا إلى أن الشرط ـ هنا ـ يتمثل في واحد مما يلي:
ـ الوثاقة.
ـ أو العدالة.
ـ أو العدالة + الورع.
ـ أو العدالة + الورع + الزهد.
فلنتحدّث عنها بالترتيب والتفصيل قدر المطلوب.
أ ـ الوثاقة
يقال: «وثق فلان بفلان» إذا ائتمنه، فهما واثق وموثوق به، والعلاقة بينهما هي الوثاقة.
فالشرط ـ هنا ـ يتمثل في أمرين، هما:
ـ أن يكون المجتهد ثقة، بمعنى أنه صادق في إخباره عن فتواه بأنها تمثل رأيه الذي توصل إليه عن طريق الاجتهاد.
ـ أن يكون العامي واثقاً به، أي أنه يأتمنه على تحمّله مسؤولية ما يترتب على ثقته به من تنجز التكليف في حقه وإعذاره عند خطأه في مقام الامتثال.
فالوثاقة ـ هنا -؛ بوصفها علاقة بين المجتهد والعامي المقلّد له، تعني الصدق من جانب المجتهد، والائتمان والوثوق من جانب العامي المقلّد له.
واشتراط هذا الشرط (أعني الوثاقة) والاكتفاء في تصحيح التقليد وصحة عمل المقلد، هو صريح رأي السيد رضا الصدر في كتابه «الاجتهاد والتقليد»، قال تحت عنوان «أوصاف المفتي»: «اتفق العقل والنقل على اعتبار وصفين في المفتي:
أحدهما: الاجتهاد…
ثانيهما: الوثوق بخبره عن رأيه، لأن حجية الخبر شرعاً وعقلاً موقوفة على الوثوق به.
والعقلاء لا يعتمدون على خبر من لا يحصل الوثوق به.
وقال أيضاً: «ومن الأوصاف التي قالوا باعتبارها في المفتي: العدالة، فلا يجوز تقليد الفاسق.
وتحقيق البحث فيها: إن الإطلاقات الواردة في الباب حاكمة بعدم اعتبار هذا الوصف في المفتي زائداً على الوثوق باجتهاده وعلى الوثوق بقوله.
وسيرة العقلاء حاكمة بعدم اعتبار وصف العدالة في أهل الخبرة والتخصص.
نعم، المعتبر عند العقلاء الوثوق بخبرة الخبير، وبعدم تعمده الكذب إذا أخبر عن رأيه.
فالواجب هو الفحص من مقيد الإطلاقات حتى يكون ردعاً عن تنفيذ السيرة في المقام.
ثم أشار إلى أن المقيدات اللفظية تتمثل في العلل المنصوصة الواردة في الإرجاعات إلى الفقهاء من أصحاب الأئمة (ع) أمثال:
ـ قول الإمام الصادق (ع) في الإرجاع إلى محمد بن مسلم الثقفي: «فإنه سمع أبي وكان عنده مرضياً وجيهاً».
ـ وقول الإمام العسكري (ع) في الإرجاع إلى العمري وابنه: «فإنهما الثقتان المأمومان».
ـ وقول الإمام الرضا (ع) في الإرجاع إلى زكريا بن آدم: «المأمون على الدين والدنيا».
أما المقيد اللبي فهو الإجماع المدعى على لزوم توفر وصف العدالة في مرجع التقليد.
وقد ناقشه في أنه غير تعبدي فلا يحتج به.
كما يظهر منه أن المقيدات اللفظية التي مرت الإشارة إليها لا دلالة فيها على شيء زائد على الوثاقة.
وفي (التنقيح) ـ 1/221: «اشتراط العدالة كاشتراط البلوغ والإيمان لا يكاد يستفاد من شيء من السيرة والأدلة اللفظية المتقدمتين، وذلك لأن مقتضى إطلاق الآية والأخبار عدم الفرق في حجية إنذار الفقيه أو قول العامل أو رأي العارف بالأحكام بين عدالته وفسقه، كما أن السيرة الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم غير مقيدة بما إذا كان العالم عادلاً بوجه.
نعم مقتضى السيرة وغيرها من الأدلة القائمة على حجية خبر الواحد اشتراط الوثاقة في المقلّد، وذلك حتى يجوز الاعتماد على إخباره عن رأيه ونظره، ولا يشترط فيه زائداً على الوثوق شيء.
نعم، قد يستدل على اعتبار العدالة بالإجماع.
وفيه: أنه ليس من الإجماع التعبدي في شيء، ولا يمكن أن يستكشف به قول الإمام (ع) لاحتمال استنادهم في ذلك إلى أمر آخر.
وربما استظهرنا هذا ـ أيضاً ـ من الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تعليقته على العروة الوثقى، حيث يقول في التعليق على احتجاج الماتن بالخبر المروي عن الإمام العسكري (ع): «لا دليل على اعتبار أزيد من العدالة، لو لم نقل بكفاية الوثاقة».
وكما نرى، أن القائلين بالاجتزاء بالوثاقة شرطاً لصحة التقليد استندوا إلى سيرة العقلاء، وأوضحنا ـ في ما مضى ـ أن هذه السيرة قد انبثقت عنها ـ وبفعل المعصومين وتوجيههم ـ ما اصطلح عليه بسيرة المتشرعة، وهي ـ هنا ـ تهذيب لسيرة العقلاء وتعديل لها، أي أن سيرة العقلاء في هذا المورد نالتها يد التشريع بالتعديل.
وعليه: يكون الدليل الذي يرجع إليه في مسألتنا هذه هو سيرة المتشرعة، وهي على امتداد تاريخها لم يقدَّر أن رجع الشيعة في أمور تقليدهم لمجتهد غير عادل، إن لم نترق ونقول إنهم ما كانوا يرجعون إلا لمن كان عادلاً زاهداً، حتى ارتكز هذا في أذهانهم وأصبح من الشروط المسلّم بها.
ب ـ العدالة
انطلق العلماء إلى تعريف العدالة من إحدى النقطتين التاليتين:
1 ـ الحالة النفسية التي تدفع إلى السلوك المستقيم. وعبروا عنها بـ «الملكة».
2 ـ السلوك المستقيم المتأثر بتلك الحالة النفسية. وعبروا عنه بـ «الاستقامة».
وإلى اعتبار العدالة ملكة نفسانية ذهب أكثر الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين ومتأخريهم، وغير واحد من المعاصرين، منهم أستاذنا السيد الحكيم، فقد عرّفها في «منهاج الصالحين» بقوله: «العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن: الملكة المانعة غالباً عن الوقوع في المعاصي الكبيرة، وهي التي توعد الله سبحانه عليها بالنار».
والسيد الخميني في «تحرير الوسيلة» فعرّفها بقوله: «العدالة عبارة عن ملكة راسخة باعثة على ملازمة التقوى من ترك المحرمات وفعل الواجبات».
وإلى اعتبار العدالة استقامة في السلوك ذهب أستاذنا السيد الخوئي في «منهاج الصالحين» فعرّفها بقوله: «العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة، وعدم الانحراف يميناً أو شمالاً، بأن لا يرتكب معصية بترك واجب، أو فعل حرام، من دون عذر شرعي، ولا فرق في المعاصي من هذه الجهة بين الصغيرة والكبيرة».
وتبعه جل تلامذته من مراجع التقليد في رسائلهم العملية متبنّين رأيه في اعتباره العدالة استقامة في السلوك.
يقول أستاذنا السيد الصدر في تعليقته على «منهاج الصالحين للسيد الحكيم»: العدالة: هي الاستقامة على خط الإسلام بنحو لا يرتكب كبيرة أو صغيرة».
ويقول السيد السيستاني في «منهاج الصالحين»: «العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة الناشئة غالباً عن خوف راسخ في النفس، وينافيها ترك واجب أو فعل حرام من دون مؤمن، ولا فرق في المعاصي من هذه الجهة بين الصغيرة والكبيرة».
وكلا الاعتبارين للعدالة يلتقيان عند محطة واحدة، ويختلفان في نقطة الانطلاق.
فمن يقول إنها ملكة، يشترط فيها أن تكون العامل الباعث على السلوك المستقيم، وبأن يكون السلوك المستقيم ملازماً لها.
ومن يقول إنها استقامة في السلوك يشترط أن يكون ذلك عن إيمان نفسي عميق بلزوم صدور الإنسان في سلوكه وفق أحكام الشريعة.
وهذا يعني أن الحالة النفسية سبب للسلوك المستقيم وهو مسبّب عنها.
والنتيجة: أن الحالة النفسية والسلوك المستقيم يتكاملان في تحقق العدالة وتحقيقها. وبهذا يلتقي الاعتباران ويسير التعريفان في خط واحد إلى هدف واحد.
ووجوب توفّر صفة العدالة في مرجع التقليد ليصح تقليده هو رأي معظم الفقهاء بشمولية تكاد ترتفع إلى مستوى الاتفاق التام.
ورأينا في غير موضع ما تقدم أن اشتراط العدالة في مرجع التقليد أمر مفروغ منه، لأنه المرتكز في أذهان المتشرعة، وعليه جرت سيرتهم وعلى امتداد تاريخها منذ عصور التشريع الأولى، وحتى يوم الناس هذا.
ومما يدل على اشتراط هذا الشرط في مرجع التقليد مضافاً إلى ما تقدم: الحديث المروي عن الإمام العسكري (ع) حيث جاء فيه: «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه»، في حدود ما قربناه من اعتبار من حيث السند، مضافاً إلى وضوحه من حيث الدلالة.
واستدل عليه ـ أيضاً ـ ببناء العقلاء «بدعوى أن العقلاء لا يساوون بين المستهتر ـ في ما يؤمن به ـ والمتقيد بحرفية ما يقول.
فهم أقرب وثوقاً واطمئناناً إلى العامل برأيه من غيره في صورة تساوي أهل الخبرة حتى مع الوثوق بصدق ما يخبر به من رأي.
وهذا النوع من البناء ـ لو نوقش في وجوده ـ بالنسبة إلى مطلق أهل الخبرة في بقية المواضع فلا أظن أن المناقشة تتم بالنسبة إلى عوالم التقليد ومشابهاته، فالناس بطبعها ترى في المقلَّد ـ بحكم مهمته التشريعية ـ موضعاً للاقتداء والمحاكاة لا أخذ الرأي عنه فقط.
ومن الصعب عليهم تفكيكهم بين ما يوحيه انحراف شخصيته ـ لو كان ـ والإيمان بقوله.
«فهم، في هذه الحال، ينساقون إلى الأخذ عمن توفرت جوانب الملاءمة بين فعله وقوله، وترك الآخر، لو خُلُّوا وطبعهم»)[278](.
كما استدل له بامتناع جعل الحجية لرأي الفاسق، بتقريب «أن الشارع لا يمكن أن يلزم بالرجوع إلى الفاسق، ويجعله موضعاً لاقتداء ومحاكاة، لعلمه (يعني علم الشارع) أن العامة أسرع ما يكونون إلى التأثر بواقع المقلَّد ومحاكاته منهم إلى الأخذ بقوله.
فلو قُدّر لمقلَّد أن ينهى عن شرب الخمر ـ مثلاً ـ وهو يعاقرها ليل نهار، لكان تأثيره على العوام ـ بعد تلقيهم المسوغ الشرعي في الرجوع إليه ـ في التسامح بشربها أكثر بكثير من ألف قول يصدر عنه بتحريمها، ومن هنا قيل: إن وظيفة المرجع وظيفة إمامة.
وفساد الإمام فساد لرعيته، والأمم إنما تنهار بانهيار ساستها وقادتها.
وما أكثر ما شاهدنا وحدثنا التاريخ من انهيار مجتمعات لانهيار حكامها الذين اتخذوا من أنفسهم قادة للناس أو اتخذتهم شعوبهم ـ بدافع من محاكاة الضعيف للقوي ـ مُثُلاً تُقتدى في السلوك)[279](.
جـ ـ الورع
جاء في المعجم الوسيط: «وَرعَ يَرَعُ ورْعاً وورَعاً، ورِعةً: تحرّج وتوقّى عن المحارم، ثم استعير للكفّ عن الحلال المباح، فهو ورع».
وهو مرتبة عالية من التقوى فوق مستوى العدالة، ذلك أن العادل عندما يتعامل مع الحلال المباح باستعماله، لا يقدح هذا في عدالته، لأن حدود العدالة هي أن لا يترك الإنسان الواجب الشرعي المطلوب منه وأن لا يفعل المحرم المنهي عنه شرعاً، بينما يتعامل الإنسان الورع مع الحلال المباح على أنه من حدود حمى الشبهات، والدنو من الحمى مظنة الوقوع فيه، ومن ثم الدخول في شراك الشبهة التي لا يدري وجه الصواب فيها.
فعن أمير المؤمنين (ع): «لا ورع كالوقوف عند الشبهة، وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق».
فأمّا أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى.
وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال، ودليلهم العمى.
إن من صرّحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحّم الشبهات.
وعن أبي شعيب يرفعه إلى أبي عبدالله (ع) قال: «أورع الناس من وقف عند الشبهة».
وعن فضيل بن عياض عن أبي عبدالله (ع): قال: قلت له: منِ الوَرِعُ منَ الناس؟
قال: الذي يتورع عن محارم الله، ويجتنب هؤلاء، فإذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه.
وممن اشترط هذا الشرط السيد الخميني في «تحرير الوسيلة»، قال: «يجب أن يكون المرجع للتقليد عالماً مجتهداً عادلاً ورعاً في دين الله»، والشيخ الفقيه العاملي في «عمدة المتفقه»، قال: «يجب أن يكون المرجع في التقليد من العلماء الأحياء، ويجب أن يكون مجتهداً مطلقاً متفوٌّقاً. في مكانته العلمية، عادلاً، ورعاً في دين الله، كما وصفه الإمام (ع) في رواية الاحتجاج بقوله: «وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه».
«وينبغي أن تكون العدالة في المرجع في أعلى مراتبها لكثرة ابتلائه بالشهوات النفسانية والمزاحمات الزمنية، ولا سيما في هذا الزمان الذي أصبح للمرجعية فيه طابع إداري غير طابعها الموروث»، والسيد البغدادي في «هداية الأنام لشريعة الإسلام» قال: «يجب أن يكون المرجع للتقليد عالماً عادلاً ورعاً في دين الله كما وصفه (ع): «وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه».
وعبر عنه أستاذنا السيد الحكيم في «منهاج الصالحين» بـ«العدالة بمرتبة عالية».
وقال في «مستمسك العروة الوثقى»: «فالعدالة المعتبرة عندهم (يعني المتشرعة) مرتبة عالية لا تزاحم ولا تغلب. والإنصاف أنه يصعب جداً بقاء العدالة للمرجع العام في الفتوى ـ كما يتفق ذلك في كل عصر لواحد أو جماعة ـ إذا لم تكن بمرتبة قوية عالية ذات مراقبة ومحاسبة، فإن ذلك مزلة الأقدام ومخطرة الرجال العظام، ومنه سبحانه نستمد الاعتصام».
واعتبار أن تكون العدالة بمرتبة عالية تبلغ حد الورع هو من أبرز المرتكزات الذهنية لدى المتشرعة في هذا المقام.
وقد قدمنا أن سيرة المتشرعة هي الدليل المعتمد في موضوع التقليد.
يقول السيد محمد سعيد الحكيم في «مصباح المنهاج: الاجتهاد والتقليد»، وهو في معرض الاستدلال لشرط العدالة ومناقشة شرط الوثاقة: «مع أن اكتفاء العوام بالوثوق معرض للأحكام للضياع، لسهولة حصول الوثوق للعامي بأدنى استئناس، له بالشخص أو بتجربة يسيرة أو مظاهر كاذبة ونحوها مما لا يكلف القائم بها عناء ولا نصباً وهو لا يناسب ما هو المعلوم من احتياط الشارع الأقدس للأحكام.
ولعله لذا كان المرتكز عند المتشرعة لزوم حصول المفتي على ملكة عالية من العدالة تقرب من العصمة يحتاج إحرازها فيه إلى تجربة قاسية لا يقوى عليها إلا أقل القليل، تبلغ بالشخص مرتبة القدسية في نفوس الناس تناسب استئمانه على الأحكام، كما أشير إليه في الخبر المتقدم عن تفسير العسكري (ع).
وبهذا امتازت الفرقة المحقة ـ زادها الله عزة وشرفاً ـ بين المسلمين، وعليه جرت سيرتهم خلفاً عن سلف متصلاً بعصر المعصومين».
د ـ الزهد في الدنيا
جاء في «المعجم الوسيط» تعريفاً للزهد: «زهد فيه وعنه زهداً وزهادة: أعرض عنه وتركه لاحتقاره أو لتحرجه منه أو لقلته. ويقال: زهد في الدنيا: ترك حلالها مخافة حسابه، وترك حرامها مخافة عقابه».
وفي «نهج البلاغة»: «أيها الناس، الزهادة: قصر الأمل، والشكر عند النعم، والتورّع عن المحارم».
وفيه أيضاً بياناً لآثار الزهد:
ـ «ازهد في الدنيا يبصرك الله عوراتها، ولا تغفل فلست بمغفول عنك».
ـ «فاتقوا الله عباد الله تقية ذي لب شغل التفكير قلبه، وأنصب الخوف بدنه، وأشهر التهجد غرار نومه، وأظمأ الرجاء هواجر يومه، وظلف الزهد شهواته»، أي منع الزهد شهواته.
وقد أكد عليه غير فقيه شرطاً مهماً من شروط مرجع التقليد.
*ففي «العروة الوثقى» للسيد اليزدي: «وأن لا يكون مقبلاً على الدنيا وطالباً لها، مكباً عليها، مجداً في تحصيلها، ففي الخبر: من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه».
* وفي «تحرير الوسيلة» للسيد الخميني: «يجب أن يكون المرجع للتقليد عالماً مجتهداً عادلاً ورعاً في دين الله، بل غير مكب على الدنيا، ولا حريصاً عليها، وعلى تحصيلها جاهاً ومالاً على الأحوط، وفي الحديث: (من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه)».
* وفي (الأحكام الواضحة) للشيخ الفاضل اللنكراني: «يشترط في المجتهد… والأحوط عدم الإقبال على الدنيا».
* وفي «أجوبة الاستفتاءات» للسيد الخامنئي: «نظراً إلى حساسية وأهمية منصب المرجعية يشترط ـ على الأحوط وجوباً ـ في مرجع التقليد، إضافة إلى العدالة: التسلّط على النفس الطاغية وعدم الحرص على الدنيا».
وإن لم يجب هذا الشرط المذكور بالعنوان الأوّلي لحمل الحديث المروي عن الإمام العسكري (ع) على مجرد العدالة، أو عليها وعلى الورع فقط، فإنه واجب بالعنوان الثانوي، لأن للمال بريقاً يخطف الأبصار، وفي الدنيا ملاذّ تاسر لب الأخيار، فلا بد من حاجز تقوى يمنع من ذلك، وليس هو إلا الزهد في الدنيا.
فالزاهد في الدنيا هو فيها وكأنها لم تكن، وهو منها وكأنه ليس منها.
والزهد هو الطريق المهيع لاحتياط المرجع لدينه، وفي المأثورة ما تنكب الصراط من سلك سبيل الاحتياط.
على أن لدينا مما جاء في «نهج البلاغة» من قوله: «إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أو يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره»)[280](. ما يلزم بهذا الشرط لأن الملاك في الإمام السلطان والإمام المرجع واحد، هو الائتمان على الحقوق المالية والالتزام بالمشاركة الوجدانية في مستوى المعيشة.
ومن أروع ما قرأته مظهراً حياً من مظاهر هذا الزهد عند مراجعنا العظام ما جاء في كتاب «الشهيد الصدر» للشيخ محمد رضا النعماني من قوله: «فمثلاً في يوم من الأيام حاولت أن أشتري جهاز تكييف من دون إذنه (يعني الشهيد السيد محمد باقر الصدر) لأن والدته ـ حليفة الورع والتقوى ـ مصابة بمرض في جهازها التنفسي، وكان الدكتور المشرف على علاجها (وهو الدكتور ضياء العبيدي) قد أخبرني بأن حالتها ستستمر بالتدهور، إلا إذا استبدل جهاز تبريد الغرفة المائي بجهاز تكييف غازي.
وفي اليوم التالي ذهبت إلى السوق لأسأل عن سعر الجهاز كي أستأذن الشهيد في شرائه، ولم أكن أخبرته برأي الطبيب، وأن علاج والدته منحصر بهذا، ولكني أخبرته بأن ذهابي إلى السوق لغرض معرفة سعر جهاز التكييف، وهنا كانت المفاجأة، لقد غضب غضباً شديداً، وتغيّرت ملامح وجهه، وأعتقد أني لو كنت ابنه الصبي لضربني في تلك الساعة، ثم خاطبني منفعلاً بقوله: «هل مات إحساسك؟! هل تريد أن أنعم بالهواء البارد وفي الناس من لا يملك حتى المروحة البسيطة؟ ألم تعلم بأني أريد لهذه المرجعية حياة البساطة، والاكتفاء بأبسط مظاهر العيش، بل الضروري منه».
فوالله العظيم لقد أذهلتني الصدمة وأنا أرى السيد الشهيد قد بلغ به الانفعال والغضب أشده، وكأنه لم يعرف للعاطفة والمحبة محلاً في قلبه.
فقلت له: لقد ذهبت بمفردي إلى السوق ولم يعلم بذلك أحد.
فقال: الناس يعلمون أنك معي وتصرّفك يحسب عليّ.
قلت: الطبيب نصح بذلك، ويمكنكم الاستفسار منه، ثم أخبرته بتفاصيل ما قاله الطبيب، هنا عاد (رضوان الله عليه) إلى وضعه الطبيعي، وبدأ يخفف مما أحسسته في نفسي من تأثر، وقال: أنا يا ولدي أريد أن أغير هذا الواقع بقولي وفعلي، وعليك أن لا تنسى هذه الحقيقة في كل تصرفاتك وأعمالك في المستقبل».
رحم الله أستاذنا الشهيد الصدر فقد كان الأنموذج الأمثل، والأمثولة الأفضل للفقيه المرجع، جسّد المرجعية الصالحة بأروع صورها الباهرة، وأوفى معطياتها الوافرة.
رابعاً ـ المستوى العلمي
تقدّم أن بيّنا أن الاجتهاد شرط من شروط صحة التقليد، وهو الشرط الأساسي؛ إذ لا خلاف بين العلماء في لزوم توفره في المقلَّد.
وإنما وقع الخلاف بينهم في مستواه، بين جواز تقليد المجتهد المتجزئ في ما اجتهد فيه، وعدم ذلك، وبالتفصيلات المتقدمة.
وهنا ـ أي تحت هذا العنوان (المستوى العلمي) ـ ننتقل إلى مسألة أخرى تتعلّق بالمستوى العلمي للاجتهاد أيضاً، ولكن لا من حيث الشمولية وعدمها، وإنما من حيث كونه مهارة)[281]( علمية تخضع للتفاوت والتفاضل من ناحية الاتصاف بها، وذلك لأن الاجتهاد، سواء قلنا إنه ملكة أم قدرة، هو مهارة من المهارات العلمية.
والاجتهاد، بوصفه مهارة من المهارات الفكرية عند الإنسان، لا يختلف عن سواه من المهارات، من حيث التفاوت والتفاضل في المستوى، فنقول: هذا ماهر في اجتهاده، وذلك أمهر منه، وهذا الثالث هو الأمهر من الجميع. والتفاوت يتم، هنا وفق مستويين:
أولهما الماهر في الاجتهاد. وثانيهما الأقوى مهارة فيه. أو قل:
ـ المتّصف بصفة الاجتهاد دونما تفضيل.
ـ والمتّصف به مع التفضيل بأن يكون أمهر من سواه.
واصطلحوا على تسمية المجتهد الماهر، في عملية الاجتهاد، بوصفه فعالية فكرية، بـ«العالم» و«الفقيه» و«الفاضل». وعلى المجتهد الأمهر من غيره بـ«الأعلم» و«الأفقه» و«الأفضل».
وفي المقابلة بين المجتهد وغيره قالوا: المجتهد ـ العامي. العالم ـ المتعلم. الفقيه ـ المتفقّه. المفتي ـ المستفتي. المقلَّد ـ المقلِّد.
وعرّفوا الأعلم بأنه:
1 ـ الأقوى ملكة من غيره في مجالات الاستنباط (الأصول العامة، 659).
2 ـ الأكثر علماً والأوسع إحاطة بالمعلومات. (الحكيم في المستمسك، 1/37).
3 ـ الأعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية، عقلية كانت أم شرعية، فلا بد من أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله. (المصدر نفسه).
4 ـ الأعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، والأكثر اطلاعاً على نظائرها والأخبار، والأجود فهماً للأخبار (العروة والوثقى، المسألة 17).
5 ـ الأقدر على استنباط الأحكام؛ وذلك بأن يكون أكثر إحاطة بالمدارك وتطبيقاتها من غيره. (الخوئي في المسائل المنتخبة، المسألة 16).
6 ـ الأجود استنباطاً.
فالتفضيل، في هذه التعريفات، قائم على أن يكون المجتهد:
1 ـ أقوى في ملكة الاستنباط من غيره من المجتهدين.
جاء هذا بناء على أن الاجتهاد ملكة نفسانية يقتدر بها المجتهد على الاستنباط.
2 ـ أقدر على الاستنباط من غيره من المجتهدين.
وهذا على أساس أن الاجتهاد قدرة علمية على الاستنباط.
3 ـ أعرف بقواعد الاستنباط وتطبيقاتها على جزئياتها من سواه من المجتهدين الآخرين.
وأخذ هذا التفضيل: «أعرف» تفسيراً لكلمة «أعلم»، لأن العلم والمعرفة مترادفان لغويّاً، ويُفرّق بينهما منهجياً بأن العلم معرفة منظّمة.
4 ـ أكثر علماً من غيره.
وواضح أن هذا التفضيل مأخوذ من كلمة (أعلم).
5 ـ أجود استنباطاً.
أي أمهر من سواه في عملية الاستنباط، لأنه تفضيل مأخوذ من جودة الفهم، وهي «في اصطلاح أهل النظر»: صحة الانتقال من الملزومات إلى اللازم، و«عند أهل اللغة» هي الإتيان بالجيّد من القول والعمل.
والملاحظ، هنا، أن المطلوب، من ناحية منهجية، هو أن يراعى في التعريف لبيان الأفضل الصفة المشتركة بين الفاضل والأفضل، وهي، هنا، الاجتهاد أو الاستنباط.
والاجتهاد، أو الاستنباط، عملية فكرية، والتفاضل في العملية الذهنية إنما يكون في مقدار قوتها واقتدارها على الوصول إلى النتيجة. فإما أن تكون بمستوى أكثر مهارة وحذقاً بمستوى هو دون ذلك، فالاجتهاد هو ملكة، أي قابلية عقلية يقتدر بها على الاستنباط، هذا إذا أخذنا بالمنهج الكلامي. أو هو قدرة علمية تستخدم في مجالات الاستنباط، إذا أخذنا بالمنهج العلمي الحديث.
وعليه فالتفضيل بـ «الأقوى» أو «الأقدر» يلتقي مع تعريف الاجتهاد. وكذلك «الأجود» لأنه أريد به الأمهر.
أما التفضيل بالأكثر علماً، بمعنى الأوسع إحاطة بالمعلومات، فلا يعني أفضلية القدرة على الاستنباط، وإنما يعني الأفضل في الاطلاع على المعلومات. وهذا قد يتأتى لغير المجتهد أيضاً، فلا يكون تعريفاً مانعاً، كما يقول المناطقة. وكذلك التفضيل بـ «الأعرف»، إذا كانت كلمة «أعرف»، كما قلت، وكما هو ظاهرها، تعني «الأعلم»، لأن العلم بالشيء لا يعني القدرة التي تتعلق بالعملية الذهنية، وإنما يعني الاطلاع أو الحفظ والاستيعاب.
ونخلص، من هذا، إلى أن المراد بالأعلم، هنا، الأقوى ملكة في مجال الاستنباط، أو الأقدر على الاستنباط، أو الأجود استنباطاً.
وكلها تلتقي عند ما ذكرته من أن المراد بالأعلم، هنا، هو الأمهر في صناعة الاستنباط.
ولو أخذ بمصطلح «أفقه» بدل مصطلح «أعلم» لكان أوضح في تعريف المفهوم والدلالة على المعنى.
وترجع أسباب التفاضل، هنا، إلى ما يأتي:
1 ـ الاختلاف في مستوى الذكاء والقدرات الذهنية الفردية.
2 ـ الاختلاف في مدى امتلاك الوسائل والآليات العلمية المساعدة على الاستنباط، من قواعد لغوية وقواعد أصولية وقواعد فقهية وما يلابسها في تعميق التفكير وتوسيعه، أو ما يشاركها في عملية الاستنباط.
3 ـ الاختلاف في مستوى الذوق الأدبي والحس الفني لفهم دلالة النص الشرعي من آيات وروايات.
4 ـ الاختلاف في الاقتدار على تطبيق القواعد على جزئياتها بإدراك النكت العلمية والدقائق الفنية.
5 ـ الاختلاف في معرفة واقع الحياة سعة وعمقاً، وهي ـ أي الحياة ـ مجال تطبيق الأحكام الشرعية بإدراك الحوادث وقرائنها بوعي وشمولية.
6 ـ الاختلاف في حصائل الثقافة العامة التي تساعد على فهم الموقف العلمي من حيث النظرية والتطبيق.
7 ـ يقول السيد الخامنئي، في (أجوبة الاستفتاءات، 1/9) و(الفتاوى الواضحة، ص 11): «ملاك الأعلمية: أن يكون (المجتهد) أقدر من بقية المجتهدين على معرفة حكم الله تعالى واستنباط التكاليف الإلهية من أدلتها، ومعرفته بأوضاع زمانه بالمقدار الذي له مدخلية في تشخيص موضوعات الأحكام الشرعية، وفي إبداء الرأي الفقهي المقتضي لتبيين التكاليف الشرعية (التي) لها دخل في الاجتهاد أيضاً».
ويقول الشيخ الفقيه العاملي في (عمدة المتفقه، ص 8): «الأعلم: هو المجتهد المطلق المتفوّق في صنعة الاستنباط والاستدلال، المجتهد بالتتبع والاستقراء، المحيط بالنصوص والأقوال، الأكثر استقلالاً في نظرياته وآرائه في الأصول والقواعد المعقدة التي يراها العلماء بعد بيانها والكشف عنها من السهل الممتنع، المتنبه لفروع المسألة وجهاتها واختلاف مبانيها أكثر من غيره، القادر على حماية ما يرجحه ويختاره من الشبه والمناقشات، والمحقق لمبانيه تحقيقاً كاملاً، الذي لا يستسلم للمشهورات، ولا لعظمة العظماء من الأصوليين والفقهاء فإن الاستسلام ضرب من التقليد».
ويسلمنا هذا إلى أن أمامنا «فقيه» و«أفقه»، فأيّهما المشروط اتصاف مرجع التقليد به ليصحّ تقليده؟
في المسألة قولان:
1 ـ أن يكون مرجع التقليد أعلم (أفقه) من غيره من المجتهدين. أي أن العامي يلزمه تقليد الأعلم.
قال السيد الحكيم في (المستمسك، 1/26): «كما هو المشهور بين الأصحاب، بل عن المحقق الثاني الإجماع عليه، وعن ظاهر السيد في (الذريعة) كونه من المسلمات عند الشيعة».
2 ـ أن يكون مرجع التقليد مجتهداً، أعلم كان أم غير أعلم.
قال في المصدر نفسه: «وعن جماعة ممن تأخر، عن الشهيد الثاني جواز الرجوع إلى غير الأعلم».
وفي (التنقيح، 1/134)، تحت عنوان: «وجوب تقليد الأعلم»: «هذا هو المعروف بين أصحابنا (قدهم)، وعن ظاهر السيد في ذريعته أنه من المسلمات عند الشيعة، بل عن المحقق الثاني دعوى الإجماع عليه».
ونسب إلى جمع ممن تأخر عن الشهيد الثاني (قده) عدم الوجوب وجواز الرجوع إلى غير الأعلم.
وظاهر كلام الأستاذين السيدين الحكيم في «المستمسك» والخوئي في «التنقيح» أن مسألة المستوى العلمي المذكورة مرت بمرحلتين تاريخيتين، وهما:
ـ مرحلة ما قبل الشهيد الثاني، وكانت الفتوى فيها بتعيين تقليد الأعلم.
ـ مرحلة ما بعد الشهيد الثاني، وتحولت الفتوى فيها إلى التخيير بين تقليد الأعلم وتقليد غير الأعلم.
والدليل الذي استدلا به على واقع المرحلة الأولى، هو:
ظاهر السيد المرتضى، في «الذريعة» أن تقليد الأعلم من المسلمات عند الشيعة.
ويلاحظ عليه: أن المذكور، في مخطوطة «الذريعة» الموجودة لدي، والمنسوخة عن نسخة كتبت سنة 1098هـ، بيد إسحاق بن معتوق الحويزي، حيث جاء في آخرها: «وقد بلغ مقابلة وتصحيحاً من نسخة قديمة معتمدة في مجالس متعددة آخرها اليوم التاسع من شهر جمادى الثانية، أحد شهور السنة الثامنة والتسعين وألف»: أن المذكور هو: «ولا شبهة في أن هذه الصفات (يعني شروط مرجع التقليد) إذا كانت ليست عند المستفتي إلا لعالم واحد في البلد لزمه استفتاؤه تعييناً.
وإن كانت لجماعة، هم فيها متساوون كان مخيراً. وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض، أو أروع وأدين، فقد اختلفوا: فمنهم من جعله مخيراً. ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدم في العلم والدين، وهو أولى، لأن الثقة ـ ها هنا ـ أقرب وأوكد، والأصول كلها بذلك شاهدة».
الإجماع الذي ادعاه المحقق الثاني
ويلاحظ عليه أنه غير تعبّدي لاحتمال استناده لما ذكره من أدلة تعيّن تقليد الأعلم.
ووقوع الخلاف في المسألة، كما في صريح كلام السيد المرتضى في «الذريعة»، دليل على أن الإجماع الذي ادعاه المحقق الثاني غير تعبّدي فلا يمكننا الاعتماد عليه.
ودليل المرحلة الثانية هو فتاوى من تأخر عن الشهيد الثاني من الفقهاء.
ويلاحظ عليه أن ما ذكره السيد المرتضى في «الذريعة» ينفي هذا، بل يثبت أن المسألة خلافية منذ البدء.
يقول السيد رضا الصدر، في كتابه «الاجتهاد والتقليد، ص 176 و177»، تحت عنوان «تقليد الأعلم»: «إن البحث عن وجوب تقليد الأعلم، عند اختلافه مع غيره في الفتوى، إنما يكون في صورة إمكان الرجوع إلى الأعلم، وإلا فجواز الرجوع إلى المفضول محل وفاق».
فهل يجب على العامي في صورة تمكن الرجوع إلى الأعلم، الرجوع إليه؟ أو هو مخير بين الرجوع إليه، وإلى غيره؟
قال السيد المرتضى (قده) في «الذريعة»: «وإن كان بعضهم، عنده، أعلم من بعض أو أورع أو أدين، فقد اختلفوا، فمنهم من جعله مخيراً، ومنهم من أوجب أن يستفتي المقدم في العلم والدين، وهو أولى، لأن الثقة ـ ها هنا ـ أقرب وأوكد، والأصول بذلك كلها شاهدة».
وقال الآمدي، من علماء أهل السنة، في كتاب «الأحكام»: «إذا حدثت للعامي حادثة وأراد الاستفتاء عن حكمها، فإن كان في البلد مفتٍ واحد وجب الرجوع إليه، والأخذ بقوله.
وإن تعدّد المفتون، فمن الأصوليين من ذهب إلى أنه يجب عليه البحث عن أعيان المفتين واتّباع الأورع والأعلم والأدين. ومنهم من ذهب إلى أنه مخيّر بينهم، يأخذ برأي من شاء منهم، سواء تساووا أم تفاضلوا، وهو المختار».
أقول: ظاهر كلام هذين العلمين أن المسألة كانت خلافية منذ العصور المتقدمة، فظهر النظر في ما ذكره بعض الأكابر في «المستمسك» حيث قال (دام ظله): «المشهور بين أصحابنا هو الأول، وعن ظاهر السيد في «الذريعة» كونه من المسلمات عند الشيعة».
وقد مر بك كلام السيد في «الذريعة»؛ حيث كان صريحاً بوجود الاختلاف في هذه المسألة، ولم يكن القول بوجوب الرجوع إلى الأعلم، محل شهرة بين القدماء فضلاً عن كونه من المسلّمات عند الشيعة.
ثم إن القول بالتخيير قد حكي أيضاً عن جماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني، ومال إليه صاحب الفصول، وقواه الشيخ فقيه آل ياسين في تعليقته على العروة.
وهذا ينتهي، وبوضوح، إلى أن المسألة خلافية ومنذ البدء، فلم تمر بالمرحلتين المشار إليهما من زاوية تاريخية.
ومما قد يؤكد عمق الخلاف في المسألة ما نقرؤه في كتاب «الذريعة» من عناوين ترتبط بالمسألة، أمثال:
1 ـ تقليد الأموات، للشيخ ميرزا علي أكبر ابن الحاج ميرزا محسن الأردبيلي (ت 1346هـ)، فارسي، مطبوع، «أفتى فيه بوجوب تقليد الأعلم الميت ابتداء عن الدوران مع الحي غير الأعلم».
2 ـ تقليد الأعلم، للميرزا محمد بن سليمان التنكابني (ت 1302هـ) «ذكر في قصصه أنه اختار فيه عدم (تعيين) تقليد الأعلم».
فالمسألة، كما ترى، تدور بين تقليد الأعلم، والتخيير بين تقليده وتقليد المفضول.
وممن أصر على التخيير وأكد عليه الشيخ صاحب الجواهر، كما سيأتي. ومال إليه صاحب الفصول واعتبره الأوضح، كما حكي عنه ذلك. وقوّاه الشيخ محمد رضا آل ياسين في حاشيته على «العروة الوثقى» قال ـ تعليقاً على صاحب العروة ـ: «يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط. وإن كان الأقوى جواز تقليد المفضول مطلقاً لا سيما مع عدم العلم بمخالفته لفتوى الأفضل فضلاً عن صورة الموافقة».
وسبق أن قرأنا اعتبار الشريف المرتضى تقليد الأعلم من باب الأولى، وهو يعني جواز التخيير.
و«ذكر في «التقريرات» أنه حدث لجماعة ممن تأخر عن الشهيد الثاني (قده) قول بالتخيير بين الأعلم وغيره»، ثم قال: «وصار إليه جملة من متأخري أصحابنا حتى صار في هذا الزمان قولاً معتداً به»)[282](.
ومع هذا يبقى القول بالتعيين هو المشهور، وعليه فتوى جمع من أعلام فقهائنا، أمثال:
1 ـ الشيخ العاملي في المعالم. قال في «المعالم»: «إذا عرفت هذا فاعلم أن حكم التقليد مع اتحاد المفتي ظاهر». وكذا مع التعدد والاتفاق في الفتوى.
وأما مع الاختلاف:
أ ـ فإن عُلم استواؤهم في المعرفة والدلالة تخيّر المستفتي في تقليد أيهم شاء.
ب ـ وإن كان بعضهم أرجح في العلم والعدالة من بعض تعيّن عليه تقليده. وهو قول الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم. وحجتهم عليه: أن الثقة بقول الأعلم أقرب وأوكد. ويحكى عن بعض الناس: «القول بالتخيير ها هنا أيضاً».
2 ـ السيد البروجردي قال في «المسائل الفقهية»: «ويشترط أيضاً في المجتهد أن يكون أعلم من غيره في استنباط الأحكام في ذلك العصر».
3 ـ السيد الحكيم قال في «منهاج الصالحين»: «إذا اختلف المجتهدون في الفتوى وجب الرجوع إلى الأعلم. ومع التساوي في العلم يتخير، إلا إذا كان أحدهما أعدل فالأحوط وجوباً اختياره».
4 ـ السيد الخوئي، في «المسائل المنتخبة» قال: «إذا اختلف المجتهدون في الفتوى وجب الرجوع إلى الأعلم. ومع التساوي وجب الأخذ بأحوط الأقوال، ولا عبرة بكون أحدهم أعدل».
5 ـ الشهيد الصدر في «الفتاوى الواضحة» قال: «إذا تعدد المجتهدون الذين تتوفر فيهم الشروط السابقة (شروط مرجع التقليد) وكانوا متفقين في آرائهم وفتاويهم، فبإمكان المقلد أن يرجع إلى أي واحد منهم. ولكن هذا مجرد افتراض نظري، وليس واقعاً في الحياة العملية ـ عادة ـ لأن الاجتهاد مثار للاختلاف بين المجتهدين غالباً، فإذا اختلفوا وعلم المقلد بأنهم مختلفون في آرائهم فلمن يرجع؟ ومن يقلد؟ والجواب: أنه يرجع إلى الأعلم في الشريعة، والأعرف والأقدر على تطبيق أحكامها في مواردها. مع فهم للحياة وشؤونها بالقدر الذي تتطلبه معرفة أحكامها من تلك الأدلة. وبعبارة موجزة: يجب على المقلد أن يقلد الأعلم من المجتهدين في هذه الحالة».
واحتاط جمع آخرون، منهم:
1 ـ السيد اليزدي في «العروة الوثقى»، قال: «يجب تقليد الأعلم ـ مع الإمكان ـ على الأحوط».
2 ـ السيد الخميني في «تحرير الوسيلة»، قال: «يجب تقليد الأعلم ـ مع الإمكان ـ على الأحوط».
3 ـ السيد الخامنئي في «أجوبة الاستفتاءات»، قال: «الأحوط تقليد الأعلم في المسائل التي تختلف فتاوى الأعلم فيها مع فتاوى غيره».
وقواه الميرزا النائيني في تعليقته على «العروة الوثقى»، والسيد البغدادي في «هداية الأنام».
وبعد هذه الرحلة السريعة التي ألقينا فيها نظرة على تاريخ المسألة، ننتقل إلى استعراض أهم ما استدل به القوم لكل قول من الرأيين المتقدمين: التعيين والتخيير، ولكن بعد بيان محور البحث.
محور البحث
رأينا، في الفتاوى المنقولة آنفاً، أن المحور الذي يدور حوله البحث، هنا، هو المسائل التي تختلف فيها فتوى المجتهد الأعلم عن غيره من المجتهدين.
فهل يتعين فيها على العامي أن يقلد الأعلم، أو له أن يتخير بين تقليد الأعلم وتقليد غيره. ورأينا أن آراء الفقهاء فيها تتردد بين: 1 ـ الجزم بالتعيين. 2 ـ الجزم بالتخيير. 3 ـ الاحتياط بالتعيين.
أدلّة التعيين
إن أهم ما استدلوا به على تعيين تقليد الأعلم هو: أن العامي، إذا التفت إلى أن المسألة تتردّد بين: 1 ـ تعيين تقليد الأعلم. 2 ـ والتخيير بين تقليده وتقليد من سواه من المجتهدين الآخرين، فإنه يدرك، من ناحية عقلية، أن تقليد الأعلم هو حجة ومشروع على كلتا الحالتين، وذلك إن كان المطلوب هو التخيير فهو أحد الخيارين، وإن كان المطلوب هو التعيين فهو المتعين. وبعكسه تقليد غير الأعلم فإنه، إن كان المطلوب هو التخيير، فهو أحد الخيارين، وإن كان المطلوب هو التعيين فإنه غير متعين.
وهذا يعني أن مشروعية تقليد الأعلم وحجيته متيقنة على كل حال، بينما مشروعية تقليد غير الأعلم وحجيته لا تتم إلا في حال ما إذا كان تقليد غير الأعلم أحد الخيارين.
وعليه: يكون تقليد الأعلم هو القدر المتيقن في البين.
وهو لون من الاجتهاد العقلي الميسر الذي لا يحتاج إلى مؤونة تفكير بأكثر من الالتفات إلى واقع المسألة.
وهنا يستطيع العامي الاستناد إلى هذا الاجتهاد والأخذ به اعتماداً على النتيجة المتيقنة التي يتوصل إليها.
ويمكننا، أيضاً، أن نضيف إليه ما ذكره الشريف المرتضى، وتبعه عليه أمثال صاحب المعالم، وهو أن العامي عندما يتوجه إلى المسألة يحصل له الوثوق بالرجوع إلى الأعلم أكثر وأقوى من الرجوع إلى غيره.
ففي «الذريعة»: «لأن الثقة ها هنا (يعني تقليد الأعلم) أقر وأوكد».
هذا بالنسبة إلى العامي على أساس أن لا تقليد في مسألة التقليد، وأن على العامي أن يلتزم بما تؤديه إليه قناعته حسبما يتوصل إليه في تفكيره من أمور واضحة.
أما بالنسبة إلى البحث الفقهي فقد استدل القائلون بالتعيين بالأدلة التالية:
1 ـ الإجماع
وقد نسبت حكاية ادعائه إلى المحقق الثاني. وتقدم منا أنه غير تام لوجود الخلاف في المسألة، وممّن حكى هذا الخلاف صراحة السيد المرتضى في «الذريعة»، وصاحب المعالم في «المعالم»، وصاحب الفصول في «الفصول» وغيرهم. مضافاً إليه احتمال استناد المجمعين إلى مدارك المسألة التي ذكرت في الكتب والبحوث، فلا تعلم تعبديته، وهذا كافٍ لعدم الاعتماد عليه.
2 ـ بناء العقلاء
قال أستاذنا السيد الخوئي: «إن عمدة أدلة القائلين بوجوب تقليد الأعلم، إذا اختلف مع غيره هو بناء العقلاء»)[283](، فإن سيرة العقلاء «قد جرت على الرجوع إلى الأعلم عند العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الأحكام من الحرف والعلوم، وحيث إن تلك السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة فنستكشف بذلك أنها ممضاة عند الشارع.
ويستثنى من ذلك ما إذا كانت فتوى الأعلم على خلاف الاحتياط، وكانت فتوى غير الأعلم موافقة له، كما إذا أفتى الأعلم بالإباحة في مورد، وأفتى غير الأعلم بالوجوب، فإن العقلاء في مثل ذلك وإن كانوا يرجعون إلى غير الأعلم أحياناً، إلا أنه لا لأن فتواه حجة عندهم بل لأنه عمل بالاحتياط، فيأتون به برجاء درك الواقع، إذن لا يمكن إسناد ما أفتى به غير الأعلم إلى الله والإتيان به بقصد الأمر والوجوب، وهذا الوجه هو الذي نعتمد عليه في الحكم بوجوب تقليد الأعلم في محل الكلام»)[284](.
وناقشه السيد الصدر في كتابه «الاجتهاد والتقليد، 186 و187» بعدم ثبوت بناء للعقلاء في المسألة، قال: «أقول: لا ريب في عدم ثبوت بناء للعقلاء في الرجوع إلى الأفضل في صورة العلم التفصيلي باختلافه في الرأي مع غيره.
ويكفيك لهذه الدعوى شاهدان يقومان مقام البينة:
أحدهما: إذا أفتى الطبيب الأفضل بلزوم عمل جراحي لمريض، قائلاً: إن لم يؤت بهذا العمل وقع المريض في حفرة الموت. وأفتى الطبيب المفضول بخلافه قائلاً: إنه في هذا العمل خطر عظيم، يسبب هلاك المريض. فهل ترى أن العقلاء يعملون في هذا الظرف، برأي الأفضل، طاعة عمياء؟! وكذلك الكلام في عكس هذه الصورة.
ثانيهما: إذا قصدوا معرفة قيمة دار، أو جوهرة، فقوّمها المقوّم الأفضل بثمن قليل، وقوّمها غيره بثمن كثير، أضعاف ذلك الثمن. فهل ترى أن العقلاء في هذه الصورة يعملون بقول الأفضل، بلا تأمل وتردد؟! وكذلك الكلام في عكس هذه الصورة.
ومن قبيل هذين الشاهدين نجد شواهد أخرى من سيرة العقلاء عند اختلاف الخبراء. إن سيرة العقلاء، في هذا الأمر، هي التعويل على الوثوق والاطمئنان بأي رأي حصل ومن أي طريق حصل. فالرأي الموثوق به هو الذي يعملون به، وإن كان صادراً من المفضول، ومخالفاً له… فإن ذلك أيضاً مصداق لذلك الكلي، وهو التعويل على الوثوق.
فإذا لم يكن الاحتياط فالعمل عندهم على أقوى الاحتمالين، أو على التخيير عند تساويهما».
كنت قد تناولت، في كتابي: «دروس في أصول فقه الإمامية»، موضوع «سيرة العقلاء» أو «بناء العقلاء» الذي يعني تباني الناس واتفاقهم ـ بما هم عقلاء ـ على سلوك معين بحيث يشكل عندهم هذا التباني والاتفاق ظاهرة اجتماعية عامة.
وأوضحت، هناك، أنه لا بدّ في الظاهرة الاجتماعية لتكون سلوكاً شرعياً من توافرها على العناصر التالية: التلقائية. والشمولية. والإلزام. والعقلانية. والشرعية. وللاستفادة من بناء العقلاء دليلاً علينا أولاً تحديد السلوك وتعيينه، ثم التماس توفر الشروط المذكورة.
وبتوفر الظاهرة على عنصر الشرعية تتحول السيرة من سيرة عقلاء إلى سيرة متشرعة.
والسلوك الذي نبحث عنه، هنا، هو رجوع العامي إلى الفقيه من خلال ظاهرة رجوع الجاهل إلى العالم، لمعرفة: هل هو على نحو التعيين بتقليد الأعلم أو على نحو التخيير بالرجوع له أو لغيره من المجتهدين؟
وسيرة المتشرعة، هنا، تتمثل في إرجاع المعصومين أتباعهم إلى أصحابهم من الفقهاء الرواة أمثال: زكريا بن آدم ويونس بن عبد الرحمن ومحمد بن مسلم وزرارة بن أعين وسواهم.
وهؤلاء الفقهاء، ومن غير شك، كانوا يتفاوتون في اجتهاداتهم من حيث المستوى العلمي. فلو كان المطلوب هو تقليد الأعلم لصرّح المعصومون بذلك على صعيد النظرية، ولنصّوا على الأعلم عند الإرجاع على صعيد التطبيق. ولما لم يصرّحوا بذلك نظرياً، ولم ينصوا عليه تطبيقياً، يكون الحكم هو التخيير.
3 ـ الروايات
وأهم ما استدلوا به منها: مقبولة عمر بن حنظلة العجلي الكوفي، قال: «سألت أبا عبدالله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما… إلى أن قال: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، فاختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثهما؟
فقال (ع): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر».
«حيث دلت على وجوب تقديم الأفقه على غيره»)[285](.
وقد ناقش، في دلالتها على المدعى، غير واحد من الفقهاء، منهم أستاذنا السيد الحكيم في (المستمسك، 1/29) قال: «فإنها ـ بقرينة التنازع الذي لا يكون إلا مع العلم حقيقة أو تعبداً وبقرينة ما في ذيلها من الرجوع إلى المرجحات الداخلية والخارجية ـ ظاهرة في الحكم الفاصل للخصومة، ولا تشمل الفتوى. وإلحاق الفتوى به لعدم القول بالفصل غير ظاهر. مع أن ظهورها في جواز فصل الخصومة بالحكم الصادر من الحكام المتعددين مما يظهر من الأصحاب عدم جواز العمل به، لاعتبار الوحدة في القاضي عندهم ظاهراً، فلاحظ وتأمل».
ومنهم أستاذنا السيد الخوئي، فقد جاء في بعض مناقشته لها: «إن الأعلمية المبحوث عنها في المقام إنما هي الأعلمية المطلقة لبداهة أن الأعلمية النسبية والإضافية غير كافية في تعيين الرجوع إليه، فإن كون شخص أعلم من غيره مع وجود من هو أعلم من كليهما لا يترتب عليه أي أثر في المقام».
والأفقهية التي ذكرت أنها مرجحة في الرواية إنما هي الأفقهية الإضافية لقوله (ع): «الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما. ومعناه أن كون أحد الحاكمين أفقه من غير مرجح في باب القضاء؛ إذ لا يعتبر في الحاكم الأعلمية المطلقة، واين هذا من الأعلمية في ما نحن فيه، فالأعلمية المرجحة في باب القضاء وتعارض الحاكمين غير الأعلمية المعتبرة في المقام».
هذه خلاصة ما استُدل به لتعين تقليد الأعلم، مع ما طرح من مناقشات فيها وحولها.
أدلة التخيير
ويغنينا، هنا، أن نذكر ما استدل به الشيخ صاحب الجواهر القائل بالتخيير.
فقد جاء في كتابه (جواهر الكلام، كتاب القضاء، ج4، ص 43، 45): «إنما الكلام في نواب الغيبة بالنسبة إلى المرافعة إلى المفضول منهم وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه، والظاهر الجواز:
ـ لإطلاق أدلة النصب المقتضي حجية الجميع على جميع الناس.
ـ وللسيرة المستمرة في الإفتاء والاستفتاء منهم مع تفاوتهم في الفضيلة.
فإن الأئمة (ع) مع وجودهم كانوا يأمرون الناس بالرجوع إلى أصحابهم، من زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وغيرهم.
ورسول الله (ص) كان يولي القضاء بعض أصحابه مع حضور أمير المؤمنين (ع) الذي هو أقضاهم، قال في (الدروس): «لو حضر الإمام في بقعة وتحوكم إليه فله رد الحكم إلى غيره إجماعاًۚ».
وسلف أن اشرنا، في بيان نشأة التقليد، إلى أن النبي (ص) كان يرسل إلى الأطراف مبلغين يفتون الناس، كإرساله مصعب بن عمير إلى المدينة مع وجود من هو أعلم منه في الصحابة، وكان المسلمون يرجعون إلى هؤلاء في التقليد.
والخلاصة
إن الدليل، في موضوعنا هذا، هو سيرة المتشرعة، وليس فيها ما يدل على تعين الرجوع إلى الأعلم، بل فيها ما يدل على التخيير، وبوضوح.
خامساً ـ الكفاءة الإدارية
الكفاءة في لغتنا المعجمية: «حالة يكون بها شيء مكافئاً ـ أي مساوياً ـ لشيء آخر» (البستان، مادة كفأ).
فهي تعني المساواة، ويقابلها في اللغة الإنجليزية Equality، وتعني في لغتنا الحديثة الأهلية Competence، وهي «القدرة على الشيء وحسن تصريفه» (لاروس، مادة كفأ).
أما الإدارة Administration فيراد بها تصريف الشؤون وتدبير الأمور.
فالكفاءة الإدارية هي أن يكون لمرجع التقليد الأهلية التي يقتدر بها على تصريف شؤون المسلمين وتدبير أمورهم التي هي جزء من مهمات وظيفته الشرعية.. أمثال:
1 ـ تعيين الوكلاء في الأطراف والبلدان.
2 ـ جباية الحقوق المالية الشرعية.
3 ـ توزيع الحقوق المالية وتوظيفها في ما يخدم الإسلام ويحقق المصلحة للمسلمين.
4 ـ الإشراف على الحوزات العلمية إدارياً وعلمياً.
5 ـ الإفتاء أو الحكم في تحقيق الموقف من القضايا العامة التي على الدين أن يقول كلمته فيها.
وما إلى هذه من أمور أخرى.
ويرجع هذا إلى أن مرجع التقليد عندنا، نحن معاشر الإمامية، يقوم بوظيفة النيابة العامة عن الإمام (ع) الذي هو رأس المسلمين والمسؤول الأول عن إدارة شؤونهم وتسيير قضاياهم الشرعية.
والآن، وفي خطوة تطويرية نابعة من واقع المرجعية الدينية وعلاقتها بحياة المسلمين، حدد أستاذنا الشهيد الصدر وظيفة المرجعية في الشؤون التالية:
1 ـ نشر أحكام الإسلام على أوسع مدى ممكن بين المسلمين، والعمل لتربية كل فرد منهم تربية دينية تضمن التزامه بتلك الأحكام في سلوكه الشخصي.
2 ـ إيجاد تيار فكري واسع في الأمة يشتمل على المفاهيم الإسلامية الواعية، من قبيل المفهوم الأساسي الذي يؤكد بأن الإسلام نظام كامل شامل لشتى جوانب الحياة، واتخاذ ما يمكن من أساليب لتركيز تلك المفاهيم.
3 ـ إشباع الحاجات الفكرية الإسلامية للعمل الإسلامي، وذلك عن طريق إيجاد البحوث الإسلامية الكافية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، والمقارنات الفكرية بين الإسلام وبقية المذاهب الاجتماعية، وتوسيع نطاق الفقه الإسلامي على نحو يجعله قادراً على مد كل جوانب الحياة بالتشريع، وتصعيد الحوزة ككل إلى مستوى هذه المهام الكبيرة.
4 ـ القيمومة على العمل الإسلامي، والإشراف على ما يعطيه العاملون في سبيل الله في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من مفاهيم، وتأييد ما هو حق منها وإسناده، وتصحيح ما هو خطأ.
5 ـ إعطاء مراكز العالِمِيّة من المرجع إلى أدنى مراتب العلماء الصفة القيادية للأمة بتبني مصالحها، والاهتمام بقضايا الناس ورعايتها، واحتضان العاملين في سبيل الإسلام)[286](.
ويتمثل تطوير المرجعية، باعتبارها مؤسسة دينية، في الأمور التالية:
أولاً: إيجاد جهاز عملي تخطيطي وتنفيذي يقوم على أساس الكفاءة والتخصص، وتقسيم العمل، واستيعاب كل مجالات العمل المرجعي الرشيد في ضوء الأهداف المحددة.
ويقوم هذا الجهاز بالعمل بدلاً من الحاشية التي تعبر عن جهاز عضوي مرتجل يتكون من أشخاص جمعتهم الصدف والظروف الطبيعية لتغطية الحاجات الآنية بذهنية تجزيئية، ومن دون أهداف محددة واضحة.
ويشتمل هذا الجهاز على لجان متعددة، تتكامل وتنمو بالتدريج إلى أن تستوعب كل إمكانات العمل المرجعي.
ويمكن أن نذكر اللجان التالية، بوصفها صورة مثلى وهدفاً أعلى ينبغي أن يصل إليه الجهاز العملي للمرجعية الصالحة في تطوّره وتكامله.
1 ـ لجنة أو لجان لتسيير الوضع الدراسي في الحوزة العلمية، وهي تمارس تنظيم دراسة ما قبل (الخارج)، والإشراف على دراسات الخارج، وتحدد المواد الدراسية، وتضع الكتب الدراسية، وتجعل بالتدريج الدراسة الحوزوية بالمستوى الذي يتيح للحوزة المساهمة في تحقيق أهداف المرجعية الصالحة، وتستحصل على معلومات عن الانتسابات الجغرافية للطلبة، وتسعى في تكميل الفراغات وتنمية العدد.
2 ـ لجنة للإنتاج العلمي، ووظائفها إيجاد دوائر علمية لممارسة البحوث ومتابعة سيرها وتشجيعه ومتابعة الفكر العلمي بما يتصل بالإسلام، والتوافر على إصدار شيء كمجلة أو غيرها، والتفكير في جلب العناصر الكفوءة إلى الحوزة أو التعاون معها إذا كانت في الخارج.
3 ـ لجنة أو لجان مسؤولة عن شؤون علماء المناطق المرتبطة، وضبط أسمائهم وأماكنهم ووكالاتهم، وتتبع سيرهم وسلوكهم واتصالاتهم والاطلاع على النقائص والحاجات والفراغات، وكتابة تقرير إجمالي في وقت رتيب، أو عند طلب المرجع.
4 ـ لجنة الاتصالات، وهي تسعى لإيجاد صلات مع المرجعية في المناطق التي لم تتصل مع المركز، ويدخل في مسؤوليتها إحصاء المناطق ودراسة إمكانات الاتصال بها، وإيجاد سفرة تفقدية إما على مستوى تمثيل المرجع، أو على مستوى آخر، وترشيح المناطق التي أصبحت مستعدة لتقبل العالم، وتولي متابعة السيرة بعد ذلك، ويدخل في صلاحيتها، الاتصال في الحدود الصحيحة مع المفكرين والعلماء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتزويدهم بالكتب، والاستفادة من المناسبات كفرصة الحج.
5 ـ لجنة رعاية العمل الإسلامي، والتعرف على مصاديقه في العالم الإسلامي، وتكوين فكرة عن كل مصداق، وبذل النصح والمعونة عند الحاجة.
6 ـ اللجنة المالية التي تعنى بتسجيل المال، وضبط موارده، وإيجاد وكلاء ماليين، والسعي في تنمية الموارد الطبيعية لبيت المال، وتسديد المصارف اللازمة للجهاز، مع التسجيل والضبط.
ولا شك في أن بلوغ الجهاز إلى هذا المستوى من الاتساع والتخصص يتوقف على تطور طويل الأمد، ومن الطبيعي أن يبدأ الجهاز محدوداً ومن دون تخصصات حدية تبعاً لضيق نطاق المرجعية، وعدم وجود التدريب الكافي، والممارسة والتطبيق هما ما يبلور القابليات من خلال العمل، ويساعد على التوسيع والتخصص.
ثانياً: إيجاد امتداد أفقي حقيق للمرجعية يجعل منها محوراً قوياً، تنصب فيه قوى جميع ممثلي المرجعية والمنتسبين إليها في العالم، لأن المرجعية حينما تتبنى أهدافاً كبيرة، وتمارس عملاً تغييرياً واعياً في الأمة لا بد من أن تستقطب أكبر قدر ممكن من النفوذ لتستعين به في ذلك، وتفرض بالتدريج وبشكل آخر السير في طريق تلك الأهداف على كل ممثليها في العالم، وبالرغم من انتساب كل علماء الشيعة تقريباً إلى المرجع في الواقع المعاش يلاحظ بوضوح أنه في أكثر الأحيان انتساب نظري وشكلي، لا يخلق المحور المطلوب، كما هو واضح.
وعلاج ذلك يتم عن طريق تطوير شكل الممارسة للعمل المرجعي، فالمرجع تاريخياً يمارس عمله المرجعي كله ممارسة فردية، ولهذا لا تشعر كل القوى المنتسبة إليه بالمشاركة الحقيقية معه في المسؤولية والتضامن الجاد معه في الموقف.
أما إذا مارس المرجع عمله من خلال مجلس يضم علماء الشيعة، والقوى الممثلة له دينياً، وربط المرجع نفسه بهذا المجلس، فسوف يكون العمل المرجعي موضوعياً، وإن كانت المرجعية نفسها بوصفها نيابة عن الإمام قائمة بشخص المرجع، غير أن هذه النيابة القائمة بشخصه لم تحدد له أسلوب الممارسة، وإنما يتحدد هذا الأسلوب في ضوء الأهداف والمصالح العامة.
وبهذا الأسلوب الموضوعي من الممارسة يصون المرجع عمله المرجعي من التأثر بانفعالات شخصية، ويعطي له بعداً وامتداداً واقعيين كبيرين، إذ يشعر كل ممثلي المرجع بالتضامن والمشاركة في تحمل مسؤوليات العمل المرجعي، وتنفيذ سياسة المرجعية الصالحة التي تقرر من خلال ذلك المجلس.
وسوف يضم هذا المجلس تلك اللجان التي يتكون منها الجهاز العملي للمرجعية.
وبهذا تلتقي النقطة السابقة مع هذه النقطة.
ولئن كان في سلوك الممارسة الفردية للعمل المرجعي بعض المزايا، كسرعة التحرك، وضمان درجة أكبر من الضبط والحفظ، وعدم تسرّب عناصر غير واضحة إلى مستوى التخطيط للعمل المرجعي، فإن مزايا الأسلوب الآخر أكبر وأهم.
ونحن نطلق على المرجعية ذات الأسلوب الفردي في الممارسة اسم «المرجعية الذاتية»، وعلى المرجعية ذات الأسلوب المشترك أو الموضوعي في الممارسة اسم «المرجعية الموضوعية».
وهكذا يظهر أن الفرق بين المرجعية الذاتية والمرجعية الموضوعية ليس في تعيين شخص المرجع الشرعي الواقعي، فإن شخص المرجع دائماً هو نائب الإمام.
ونائب الإمام هو المجتهد المطلق الأعلم العادل الخبير بمتطلبات النيابة.
وهذا يعني أن المرجعية، من حيث «هي» مركز النيابة للإمام ذاتية دائماً، وإنما الفرق بين المرجعيتين في أسلوب الممارسة.
ثالثاً: إيجاد امتداد زمني للمرجعية الصالحة لا تتسع له حياة الفرد الواحد، فلا بد من ضمان نسبي لتلك المرجعية في الإنسان الصالح المؤمن بأهداف المرجعية الصالحة، لئلا ينتكس العمل بانتقال المرجعية إلى من لا يؤمن بأهدافها الواعية.
ولا بد أيضاً من أن يُهيّأ المجال للمرجع الصالح الجديد، ليبدأ ممارسة مسؤولياته من حيث انتهى المرجع العام السابق بدلاً من أن يبدأ من الصفر، ويتحمّل مشاق هذه البداية وما تتطلبه من جهود جانبية.
وبهذا يتاح للمرجعية الاحتفاظ بهذه الجهود للأهداف، وممارسة ألوان من التخطيط طويل المدى.
ويتم ذلك عن طريق شكل المرجعية الموضوعية، إذ في إطار المرجعية الموضوعية لا يوجد المرجع فقط، بل يوجد المرجع ـ الذات ـ ويوجد الموضوع وهو المجلس بما يضم من جهاز يمارس العمل المرجعي الرشيد. وشخص المرجع هو العنصر الذي يموت. أما الموضوع فهو ثابت، ويكون ضماناً نسبياً إلى درجة معقولة بترشيح المرجع الصالح في حالة خلو المركز، وللمجلس والجهاز ـ بحكم ممارسته للعمل المرجعي، ونفوذه، وصلاته، وثقة الأمة به ـ القدرة دائماً على إسناد مرشحه، وكسب ثقة الأمة إلى جانبه، وهكذا تلتقي النقطتان السابقتان مع هذه النقطة في طريق الحل)[287](.
وهذا الذي ذكره أستاذنا الشهيد الصدر (قده) هو ـ في واقعه ـ امتداد أو عودة لممارسة الشيخ المفيد (ت 413هـ) للمرجعية الدينية من تصميم، ولما طبقه فيه من واقع، وسار عليه من بعده تلميذاه الشريف المرتضى والشيخ الطوسي ومن تلاهما من مراجع عظام)[288](.
وصنيع الشيخ المفيد كان تجسيداً لواقع النيابة العامة للفقيه عن الإمام المهدي (ع)، امتثالاً لقوله في جواب مكاتبة إسحاق بن يعقوب له، يسأله فيها عن مسائل عدة، فقد قال (ع): «أما ما سألت عنه… وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»، حيث تلقاه أصحابنا بالقبول لرواية الأعلام الثلاثة له: الكليني والصدوق والطوسي، وحمله غير واحد من العلماء ـ من حيث الدلالة ـ على إرادة منصب الإفتاء ومنصب القضاء ومنصب الحكم، وبضم الأحاديث الأخرى ـ الآتية ـ إليه بوصفها قرائن مفسرة له تتم هذه الدلالة.
وقد لاحظ سيدنا الصدر، في ما وضعه من الخطوط المذكورة في أعلاه، فوارق التطور الحضاري والمدني لحياة الناس، وهو أمر طبيعي لا بد منه.
وإدراك توفر هذا الشرط في المرجع الديني، والانطلاقة إلى التماس توفره بوعي، وتحقيق وجوده في الواقع العملي بحرص وجدية، هو الآن في خطواته الجادة إلى التواجد الكامل.
والأدلة التي يستدل بها على لزوم توفر هذا الشرط في أدلة ولاية الفقيه عقلية ونقلية، وهي باختصار وتركيز: مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء.
هذا الحديث الشريف رواه الشيخ الحراني، في كتابه «تحف العقول»، عن أبي عبدالله الحسين (ع)، من «خطبة طويلة يخاطب بها علماء عصره، قال: ويروى عن أمير المؤمنين (ع): وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون، ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق، واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحملتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم».
وعلق عليه الشيخ المنتظري بقوله: «والمقصود بالعلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه: الفقهاء الملتزمون بالشريعة والتكاليف».
و«الظاهر أن الجملة وإن كانت خبرية وقعت في مقام الإنشاء وبيان التكليف، فيراد أن المرجع لأمور المسلمين يجب أن يكون هم العلماء الملتزمين، ولكن تفرقهم في الحق واختلافهم في السنّىة وفرارهم من الموت وإعجابهم بالحياة.. وبعبارة أخرى: عدم التزامهم بتكاليف قد مكّن الظلمة من منزلتهم وسلّطهم على المسلمين»)[289](.
ـ الفقهاء أمناء الرسل.
رواه الكليني في «الكافي» عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام: «قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا».
قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟
قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم».
وسند الكليني موثوق به، قد اعتمد فقهاؤنا على هذا السند في الأبواب المختلفة من الفقه.
بيان الاستدلال بالرواية هو أن أهم شؤون الرسل، ومنهم رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ثلاثة: «بيان أحكام الله تعالى، وفصل الخصومات، وإجراء العدالة الاجتماعية بإقامة دولة حقة على أساس أحكام الله تعالى وقوانينه العادلة كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس شأن الرسل مجرد بيان أحكام الله فقط»)[290](.
ولازم هذا أمران هما:
1 – إن على المسلمين أن يوفروا الأجواء المساعدة لتولي الفقهاء الحكم.
وفي حالة عدم مواتاة الظروف لذلك، فبقدر الإمكان وقدر تحقق الممكن، وهو قيام الفقيه برعاية شؤون المسلمين في حدود ما ذكرناه آنفاً.
2 – لا بد من توافر الفقيه على شرط الكفاءة الإدارية، ليتمكن من القيام بهذه المسؤولية الخطيرة التي أنيطت به.
ويتم هذا بالشكل التالي:
1 – إن قلنا بوجوب تقليد الأعلم، وكان متوفراً على هذا الشرط، فالمرجعية متعيِّنة فيه.
2 – إن لم نقل بتعين تقليد الأعلم، ولكن كان هو متوفراً على الشرط المذكور، فالمرجعية متعيِّنة فيه أيضاً.
3 – إن لم نقل بتعيين تقليد الأعلم ولم يكن الأعلم متوفراً على هذا الشرط، فعلى المسلمين أن يختاروا من يرونه من المجتهدين متوفراً على هذا الشرط.
ويتم ترشيحه عن طريق الفقهاء الخبراء الأمناء، سواء كانوا مجتهدين أم قريبين من درجة الاجتهاد بما يؤهِّلهم للتمييز بين المتوفر على هذا الشرط وغير المتوفر عليه.
وقد مرّت المرجعية الإمامية، في تاريخها الطويل منذ زعامة الشيخ المفيد حتى عصرنا هذا، بنماذج ممثلة رائعة، بدءاً من الشيخ المفيد وتلميذيه المرتضى والطوسي، ومروراً بابن إدريس والمحقق الأول والعلامة الحلي فالمحقق الثاني والوحيد البهبهاني والسيد بحر العلوم والشيخ جعفر الكبير والميرزا محمد حسن الشيرازي.. والخ.
وفي عصرنا الحاضر عايشنا تجربتين رائدتين مهمتين تمثّلتا في مرجعية الإمام الخميني ومرجعية الشهيد الصدر.
فقد قدر للأولى أن تصل بالمرجعية إلى أعلى درجاتها، وهو الحكم الإسلامي.
وللثانية أن تضع الخطوط العامة للمرجعية النموذجية وبأسمى حالاتها ومتطلباتها، وأن تبدأ التطبيق بخطوات متأنية ومدروسة استهدت فيها خط الإمام الخميني، إلا أن ترصد دوائر الأمبريالية العالمية حالت دون مواصلة المسيرة؛ حيث وقع المرجع القائد من على صهوة جواده، شهيد أفكاره البناءة وتطلعاته المستقبلية للطلوع بهذه الأمة إلى ما أراده اللّه لها.
رحمه اللّه رحمة العلماء العاملين الذين بذلوا جهدهم واجتهادهم في سبيل إعلاء كلمة اللّه في الأرض.
وإن لنا لكبير الأمل ووطيده في المرجع القائد آية اللّه العظمى السيد الخامنائي في أن يحقّق للأمة الإسلامية ما تصبو إليه من الاستمرارية في خط هذه المرجعية الرشيدة الصالحة.
سادسا: الحياة
يقول السيد رضا الصدر، في كتابه (الاجتهاد والتقليد، ص 121): «ومن الأوصاف التي اشتهر اشتراطها بين الشيعة الإمامية في المفتي: الحياة. فلا يجوز تقليد الميت عند التمكن من تقليد الحي. وإلا فلا إشكال في جواز تقليده… قد صرح بذلك
صاحب الفصول».
تاريخ البحث في المسألة
إن أقدم ما وصل الينا من كتب أصحابنا، في علم أصول الفقه، والمتوقع أنها تتناول المسألة بالبحث هي:
- مختصر الشيخ المفيد.
- الذريعة للسيد المرتضى.
- العدة للشيخ الطوسي.
وقد ذكر الكتابان الأخيران، أعني الذريعة والعدة، صفات المفتي (مرجع التقليد)، ولم يعدّا منها صفة الحياة.
كذلك لم يتعرض لذكر هذا الشرط السيد ابن زهرة، في كتابه «الغنية»، حسبما ذكر السيد الصدر في كتابه «الاجتهاد والتقليد».
وبين يدي من كتب المتقدمين كتابا «المعارج» للمحقق الحلي و«المبادئ» للعلامة الحلي، وهما أيضاً لم يذكرا الشرط.
ويبدو، من التتبع السريع للبحث في المسألة عند أصحابنا الإمامية، أنه لم يثر البحث فيها إلا في القرن العاشر عندما صدر للشهيد الثاني بحثه في المسألة.
ففي هامش (مزيلة الشبهات، ص 45): «وأول من فتح باب المنع من تقليد الميت ابتداء هو الشهيد الثاني ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ في رسالة عقدها لذلك الغرض، وقد تبعه من تأخر عنه على ذلك».
وفي كتاب «الغنية» للسيد حسين الغريفي (ت 1001هـ): «وهذه المسألة إنما كثر الجدال فيها في هذه العصور، وليس لها في أصول الفقه عنوان يعتمد».
ولم أعثر، في ما لدي من كتب أصولية سنية، على شيء من التعرض للمسألة إلا ما ذكره الفخر الرازي (606هـ) من قوله: «اختلفوا في أن غير المجتهد، هل تجوز له الفتوى بما يحكيه عن الغير»؟
فنقول: لا يخلو: إما أن يحكي عن ميت أو حي.
فإن حكى عن ميت لم يجز الأخذ بقوله لأنه لا قول للميت، بدليل أن الإجماع لا ينعقد مع خلافه حياً، وينعقد مع موته، وهذا يدل على أنه لم يبق له قول بعد موته» (المحصول، 6/71).
وقد تردد صدى هذه العبارة في كتاب «المبادئ» للعلامة الحلي (ت 726هـ) حيث جاء (في ص 248 من ط البقال الثانية): «إذا أفتى غير المجتهد بما يحكيه عن المجتهد. فإن كان يحكي عن ميت لم يجز الأخذ بقوله إذ لا قول للميت، فإن الإجماع لا ينعقد مع خلافه حياً، وينعقد بعد موته».
ففي هامش المبادئ المذكور نقرأ الكلام التالي تعليقاً على قول العلامة بانعقاد الإجماع وعدمه: «دليل على أنه لا قول للميت».
«توضيح ذلك: يشترط في انعقاد الإجماع أن لا يكون أحد مخالفاً له، وهذا يدل على اعتبار قوله حيث يمنع من أنعقاد الإجماع على خلافه.. هذا بالنسبة للحي.
وأما الميت فلا يضر قوله بالإجماع لو كان قوله مخالفاً للإجماع، وهذا يدل على عدم اعتبار قوله إذ لو لم يكن كذلك لكان خلافه مضراً بالإجماع».
ومن مثل قول الرازي أخذت العبارة المشهورة شهرة الأمثال وهي: «قول الميت كالميت».
وقد اقتضت هذه الشهرة لهذه العبارة أن يقف عندها المحدث الاسترابادي (ت 1033هـ) ويخصص لها فائدة من فوائده المدنية، قال (في ص 149 من المطبوعة) لبيان الفرق بين الفقيه الراوي والفقيه المجتهد: «فائدة: ما اشتهر بين المتأخرين من أصحابنا من أن «قول الميت كالميت» لا يجوز العمل به بعد موته المراد به ظنه المبني على استنباط ظني.
وأما فتاوى الأخباريين من أصحابنا فهي مبنية على ما هو صريح الأحاديث أو لازمه البين فلا تموت بموت المفتي. نعم، بعضها الذي كان مبنياً على حديث ورد في الواقع من باب التقية ينقطع العمل به إذا ظهر المهدي، وكذا فتاوى المتأخرين المبنية على صريح الحديث أو على لازمه البين لا تموت بموت صاحبها.
لكن التمييز بين القسمين صعب على مقلديهم».
التأليف في المسألة
1- في ما يبدو أن أقدم من كتب في المسألة كتابة مستقلة هو الشهيد الثاني (المتوفى سنة 966هـ).
ويبدو أيضاً أن ما كُتب في المسألة بشكل مستقل كان تحت عنوان «تقليد الميت» أو «تقليد الأموات»، ولعل ذلك لأنه لا خلاف في جواز تقليد الحي.
قال المحدث البحراني في (لؤلؤة البحرين، ص 75): «وله (يعني الشهيد الثاني) من الكتب والمصنفات.. رسالة في عدم جواز تقليد الميت».
وقال شيخنا الطهراني في (الذريعة، 4/392): «تقليد الميت، للشيخ زين الدين بن علي الشهيد الثاني (ت 966هـ)، ذكر فيه اثني عشر وجهاً لعدم جواز تقليد الميت».
2- ومن بعد الشهيد الثاني ألّف نجله الشيخ حسن (المتوفى سنة 1011هـ) والمعروف بصاحب المعالم رسالة في المسألة اقتفاء لأثر أبيه، قال شيخنا الطهراني، في (الذريعة، 4/319): «تقليد الميت، للشيخ حسن بن زين الدين صاحب المعالم (ت 1011هـ)، اختار فيه عدم جواز تقليد الميت، وعدم التجزيء، وضيق فيه على المكلفين، ولذا رده تلميذه الشيخ عبد اللطيف بكتابه الآتي في هذه المسألة.
وأحال صاحب المعالم، في آخر هذا الكتاب، تفاصيل المطالب إلى كتابه «مشكاة القول السديد في الاجتهاد والتقليد».
وقال عنه في (الذريعة، 21/60): «مشكاة القول السديد في معنى الاجتهاد والتقليد، لصاحب المعالم الشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني المتوفى 1011هـ».
قال حفيده الشيخ علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين في (الدرة المنثورة) أنه كان عندي وذهب في ما ذهب من كتبي.
أقول: هو غير رسالته في تقليد الميت التي ضيّق فيها على المكلفين المسالك وأوقعهم في المهالك، ولما وقف عليها تلميذه الشيخ عبد اللطيف الجامعي العاملي كتب رسالة في تقليد الميت وتعرض فيها للبحث معاستاذه في المسألة».
وقال في (المعالم، ص 390): «وهل يجوز العمل بالرواية عن الميت؟ ظاهر الأصحاب الإطباق على عدمه، ومن أهل الخلاف من أجازه».
3 – تقليد الميت، للشيخ عبد اللطيف بن الشيخ نور الدين علي بن الشيخ شهاب الدين أحمد الجامعي، تلميذ صاحب المعالم الذي أشار إليه شيخنا صاحب الذريعة في ما سبق بأنه ألّفه في الرد على كتاب استاذه صاحب المعالم.
قال في «الذريعة»: «ذكر في أوله أنه كتبه بعد وقوفه على رسالة شيخه صاحب المعالم التي ضيق فيها على المكلفين المسالك وأوقعهم في المهالك».
4 – ويبدو أن هذه الحقبة من القرن العاشر إلى الثالث عشر كانت المعترك الفكري الذي أثرى البحث في هذه المسألة.
ومن هذا ما ذكره شيخنا الطهراني في (الذريعة، 4/393) من أمثال: كتاب «تقليد الميت، للشيخ محمد بن جابر بن عباس العاملي النجفي تلميذ الشيخ محمد سبط الشهيد الثاني (ت 1030هـ)، صرح فيه بحرمته».
5 – وفي الحقبة المذكورة يذكر صاحب الذريعة (4/393): «تقليد الميت وأنه لا قول له، للمدقق الميرزا محمد بن الحسن الشيرواني (ت 1098هـ)…».
6 – تقليد الميت، للشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104هـ).
7 – منبع الحياة في حجية قول المجتهدين من الأموات، للسيد نعمة اللّه الجزائري (ت 1112هـ) نشر في بغداد سنة 1348هـ بتحقيق محمد علي الخطيب.
8 – تقليد الميت، للشيخ سليمان بن عبداللّه الماحوزي صاحب البلغة (ت 1121هـ).
9 – وذكر في (الذريعة، 4/390) أيضاً كتاب «تقليد الأموات للشيخ ابراهيم بن سليمان العاملي من العلماء المتأخرين عن الشيخ الحر، كان في أواسط القرن الثاني عشر كما ذكره بعض المعاصرين لصاحب الحدائق، وله رسالة في تقليد الأموات والحكم بجوازه، كما ذكره الشيخ محمد بن يونس الشويهي في (براهين العقول) الذي ألفه سنة 1229هـ مصرّحاً بأنه موجود عنده.
10 – رسالة في تقليد الميت ابتداء وبقاء، للشيخ يوسف آل عصفور البحراني (ت 1186هـ).
11 – تقليد الميت، للوحيد الآقا محمد باقر البهبهاني (ت 1206هـ) «اختار فيه أنه لا قول للميت».
12 – تقليد الميت، للشيخ محمد بن عبد علي بن محمد بن أحمد آل عبد الجبار القطيفي «ذكر فيه أن السيد ركن الدين محمد الجرجاني اختار جواز تقليد الميت اضطراراً في شرحه على (مبادئ الوصول للعلامة الحلي)».
13 – تقليد الميت، للميرزا أبي القاسم القمي (ت 1231هـ) صاحب القوانين، طبع ضمن (جامع الشتات)، اختار فيه جواز تقليد الميت.
14 – وذكر الشيخ البلادي في (أنوار البدرين، ص 15) مسألة في عدم تقليد الأموات ابتداء لا ضرورة، للشيخ حسن بن الشيخ حسين آل عصفور البحراني (ت 1261هـ).
15 – ومن الكتب المعروفة في المسألة كتاب (مزيلة الشبهات عن المانعين من تقليد الأموات) للشيخ خلف بن عبد علي آل عصفور البحراني (ت 1275هـ)، من منشورات مكتبة العلوم العامة في البحرين.
16 – وفي ذريعة شيخنا الطهراني: «تقليد الأموات، للشيخ ميرزا علي أكبر بن ميرزا محسن الأردبيلي (ت 1346هـ) فارسي ـ مطبوع ـ أفتى فيه بوجوب تقليد الأعلم الميت ابتداء عند الدوران مع الحي الغير [غير] الأعلم».
وغير هذا القليل من هذه الكتب غير قليل.
الأقوال في المسألة
وكما رأينا لم يتحرك البحث في المسألة تحت عنوان «تقليد الحي»، وذلك لأنه الشرط المتفق عليه، وتحرك تحت عنوان «تقليد الميت» للاختلاف فيه.
ولأجل أن نتعرف الأقوال في المسألة لا بد من التمهيد ببيان تقسيمهم لتقليد الميت، حيث قسموه إلى قسمين:
1 – تقليد الميت بقاء: ويريدون به أن العامي المقلد عندما يقلد مجتهداً حياً، ثم يموت هذا المجتهد، يبقى العامي على تقليده له ويستمر فيه. ومن هنا سمّاه بعضهم بالتقليد الاستمراري.
2 – تقليد الميت ابتداء: ويريدون به تقليد العامي لفقيه ميت من دون أن يكون قد قلده وهو حي.
والأقوال في المسألة تعتمد هذا التقسيم، وهي:
1 – حرمة تقليد الميت مطلقاً ابتداء وبقاء.
2 – جواز تقليد الميت مطلقاً ابتداء وبقاء.
3- التفصيل:
أ – بين البقاء على تقليد الحي بعد موته فيجوز، وبين الإبتداء فلا يجوز.
ب – بين ما إذا كان الميت أعلم:
* فيجب تقليده بقاء أو يجوز، ويحرم ابتداء.
* يجب تقليده ابتداء، ويحرم تقليد الحي غير الأعلم.
جـ – بين تساوي الحي والميت في الفتوى، فللعامي الخيار في أن أأأأن يقلّد أياً منهما، وبين اختلافهما في الفتوى فيجب الرجوع إلى الحي.
وفي (التنقيح، 1/95): «قد اختلفوا في اعتبار الحياة في من يرجع إليه في التقليد وعدمه على أقوال ثلاثة:
أحدها: جواز تقليد الميت مطلقاً: ابتداء واستدامة.
ونسب ذلك إلى الأخباريين، ووافقهم من الأصوليين المحقق القمي (قده) في (جامع الشتات)، في موردين، حيث سئل في أحدهما عن جواز الرجوع إلى فتوى ابن ابي عقيل (قده)، فأجاب بما حاصله: إن الأقوىعندنا جواز تقليد الميت بحسب الابتداء، فلا مانع من الرجوع اليه، وقال في ثانيهما: إن الأحوط الرجوع إلى الحي.
والاحتياط في كلامه من الاحتياط المستحب لإفتائه بجواز تقليد الميت ابتداء.
وثانيها: عدم جواز تقليد الميت مطلقا (ابتداء واستدامة).
وثالثها: التفصيل بالمنع عن جواز تقليد الميت ابتداء، والقول بجوازه بحسب البقاء».
تقليد الميت ابتداء
تعد هذه المسألة إحدى المسائل الخلافية بين الأصوليين و الأخباريين.
فقد اشتهر عن المدرسة الأصولية حرمة تقليد الميت ابتداء شهرة تكاد تكون إجماعاً، بل ادعى عليها الإجماع غير واحد من الفقهاء الأصوليين.
واشتهر عن المدرسة الاخبارية جواز تقليد الميت ابتداء شهرة تقارب وحدة القول بالجواز.
والسبب في ذلك يرجع، في أحد تعليلاته، إلى الاختلاف بين المدرستين في تعريف الفقيه الذي يلزم الرجوع إليه لأخذ الأحكام منه.
يقول استاذنا السيد محمد تقي الحكيم في (الأصول العامة، ص 649): «واعتبار الحياة في حجية قول المفتي من الشرائط التي وقع فيها الاختلاف كثيراً، فالأصوليون اعتمدوا هذا الشرط ومنعوا من تقليد الميت ابتداء بينما أجاز الاخباريون منهم ذلك».
والظاهر أن خلاف الأخباريين لرأي الأصوليين إنما هو لاختلافهم في وظيفة المجتهد عند الفتيا.
فالاخباريون يرون أن وظيفة المجتهد لا تتجاوز نقل مضمون الرواية بفتياه، وليس له أن يستند في الفتيا إلى مقدمات نظرية، فهو مخبر عن المعصوم، ولا يشترط الحياة في حجية خبر المخبر باتفاق الكلمة.
بينما يرى الأصوليون وغيرهم أن المجتهد مستنبط للحكم من الأدلة، وقد يكون بعضها نظرياً، وما دام كذلك فهو ليس بمخبر حين يفتي عن المعصوم، إلا بضرب من التسامح ـ وإن أخبر عن الحكم أو الوظيفة.
وعلى هذا: فإن دليل الحجية بالنسبة إلى المفتي إنما يتقوّم برأيه القابل للنظر والتبدل، وهو يمكن أن يكون منوطاً بالحياة.
فاختلاف الاخباريين مع الأصوليين ـ إذن ـ اختلاف في أصل وظيفة المجتهد لا في شرائط الإفتاء.
وخلافهم في هذه المسألة لا يصلح أن يكون خلافاً في موضع الكلام لأنه بالنسبة إليهم أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
ونقل الشيخ خلف آل عصفور في رسالته «مزيلة الشبهات عن المانعين من تقليد الأموات، ص 63»، عن المحدث البحراني صاحب الحدائق ما يؤكد أن وظيفة الفقيه ـ في الرأي الاخباري ـ لا تتجاوز نقل مضمون الرواية بفتياه، قال: «وقال شيخنا العلامة الشيخ يوسف في بعض أجوبة مسائله، حيث سئل عن جواز تقليد الميت حيث قال في الجواب: والكلام على هذه المسألة نفياً، وإثباتاً على مذاقنا ومختارنا مفروغ منه، فإن المستفاد من أخبار أهل الذكر صلوات اللّه عليهم هو وجوب الرجوع إلى رواة أخبارهم ونقلة آثارهم. ثم أورد جملة من الأخبار الدالة على ذلك كالتوقيع اليعقوبي والخبر النبوي وأمثالهما، ثم قال: ولا ريب أن العامل على كلام هؤلاء الرواة والأخذ بأقوالهم إنما هو أخذ بأقوال الأئمة المعصومين ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ وإن كان بواسطة هؤلاء، وينادي بذلك قول الصادق في مقبولة عمر بن حنظلة في تتمة الكلام الذي نقلناه منها حيث قال عليه السلام: بعد قوله: فقد جعلته عليكم حاكماً ـ فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه وعلينا رد، والراد علينا كالراد على اللّه، وهو على حد الشرك باللّه ـ الحديث.
ثم ساق كلاماً في المقام إلى أن قال: فالواجب على جميع الناس إنما هو الرجوع إلى الكتاب والسنّة، غاية الأمر أن العامي الصرف أو من لم يبلغ تلك المرتبة لما كان يقصر فهمه وإدراكه عن فهم الأخبار والاطلاع عليها من مظانها المعرّفة بقواعدها وقوانينها والجمع بين مختلفاتها ونحو ذلك مما يتوقف عليه استنباط الأحكام منها، وهكذا بالنسبة إلى الكتاب العزيز وجب عليه الرجوع إلى من كانت له تلك المرتبة، وحينئذٍ إذا كان الرجوع إليهم إنما هو من حيث كونهم نقلة تلك الأخبار وحملة تلك الآثار، فهذا الأمر لا يتغير بالموت، ولا يتبدل على ممر الأنوار للحديث الصحيح عن أبي عبداللّه على ما في (الكافي) قال: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره»، وهو ـ كما ترى ـ صريح في أن الحق لا يتغير بتغير الزمان ولا يتبدل بموت ولا حياة على ممر الأزمان.
والمجتهدون لهم في هذه المسألة خلاف وأقوال عديدة لا حاجة بنا إلى التطويل بنقل أقوالهم وذكر حججها وما أورد عليها نقضاً وإبراماً.
وقرره في (التنقيح، 1/97) بالتالي: «وذلك لأنهم (أي المحدثين) إنما خصوا في تقليد الميت بحسب الابتداء بناء على مسلكهم من إنكار مشروعية التقليد بالكلية وأن رجوع العامي إلى المجتهد إنما هو من باب الرجوع إلى رواة الحديث كما في رواية إسحق بن يعقوب: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)، فالمفتي ينقل الرواية لا أنه يفتي حقيقة حسب رأيه ونظره، ومن الظاهر أن حجية الرواية وجوازالعمل بها لا يتوقفان على حياة الراوي بوجه، لأنها حجة ويجوز العمل بها كان المحدث حياً أو ميتاً».
وتقدم في منقولتنا عن «الفوائد المدنية» قول المحدث الاسترابادي مؤسس المدرسة الاخبارية: «وأما فتاوى الأخباريين من أصحابنا فهي مبنية على ما هو صريح الأحاديث أو لازمه البين».
ونحن، هنا، إذا رجعنا إلى تعرّف ما يقوله المناطقة، في تعريف اللازم البين واللازم غير البين، ندرك الفرق الذي أشار اليه الاسترابادي بين الفقيه الراوي والفقيه المجتهد، فإنهم، أعني المناطقة، يعرفون اللازم البين بأنه المعنى الذي ينتقل إليه الذهن بمجرد تصور ملزومه، وهو البين بالمعنى الأخص.
أو هو المعنى الذي ينتقل إليه الذهن بمجرد تصوره وتصور الملزوم وتصور النسبة بينهما، وهو البين بالمعنى الأعم.
فهو، على هذا، لا يحتاج في انتقال الذهن إليه إلى إقامة دليل.
وبخلافه غير البين فإنه المعنى الذي يحتاج في انتقال الذهن إليه إلى إقامة دليل.
والخلاصة، كما يقول شيخنا المظفر، معنى البين مطلقاً ما كان لزومه بديهياً، وغير البين ما كان لزومه نظرياً)[291](.
وعليه: فالفرق بين الفقيه الاخباري والفقيه الأصولي هو في طريقة الوصول إلى الحكم.
فالأخباري لا يحتاج لأخذ الحكم من الرواية إلى أكثر من التعامل معها مباشرة وبأدنى تفكير.
بينما الأصولي يستخدم الوسائل النظرية (الأدلة من قواعد علمية وما يلابسها) لأجل الوصول إلى الحكم.. فهو لا يصل إلى الحكم عن طريق مباشر وإنما بوساطة تطبيق القواعد.
وهذا الواقع الذي أشار إليه المحدث الاسترابادي لم يكن، في الواقع، هو القائم حين انبثاق المدرسة الإخبارية، ذلك أن الموجود على الساحة الفقهية آنذاك في مجال الوصول إلى الحكم واستفادته من النصوص الشرعية هو استخدام الوسائل النظرية بتطبيق القواعد.
والخلاف إنما هو في القواعد، نفسها من حيث التطبيق.
وحركته، أعني المحدث الاسترابادي، هي، في حقيقتها، دعوة إلى العودة إلى جانب مما كان عليه السلف الصالح من الفقهاء في عهود الأئمة، لا إلى كامل ما كانوا عليه، ولا إلى ما انتهى إليه التطور الفقهي في عهود ما بعد الأئمة، أي في ابتداء الغيبة
الكبرى فما بعدها.
والتصنيف التالي يوضح لنا، من ناحية تاريخية، تطور المنهج الفقهي، لنحدد من خلاله الواقع الفقهي أيام المحدث الاسترابادي وكذلك من قبله في عهود الأئمة عليهم السلام.
1- في عهود الأئمة عليهم السلام
كان الذين يروون الروايات عن الأئمة يتوزعون على الصنفين التاليين:
أ ـ الرواة الفقهاء
وهم الذين يروون الرواية ويتعاملون معها لاستفادة الحكم الشرعي منها، وفق المنهج التالي:
ـ إن كانت دلالة الرواية صريحة لا تحتاج، في فهم معناها، إلى استخدام الوسائل النظرية من قواعد وأصول، أفتوا المستفتي بمضمونها.
ـ وإن لم تكن دلالتها قد بلغت في الوضوح مستوى الصراحة فإنهم بأدنى إعمال فكر يقوم على تطبيق القواعد اللغوية، أو الأخرى غير اللغوية التي أفادوها من الأئمة، حيث كان الأئمة يلقون إليهم ببعض الأصول أو القواعد، ويدعونهم إلى تطبيقها على مواردها ليدربوهم ويعودوهم في الوقت نفسه على طريقة الاجتهاد تمهيداً لقيامهم بوظائفهم الشرعية بعد الغيبة الكبرى.
فعن الإمام الصادق عليه السلام: «إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا».
وعن الإمام الرضا: «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع».
أقول: إن هؤلاء الرواة الفقهاء كانوا بأدنى إعمال فكر يصلون إلى الحكم الشرعي ويفتون به المستفتي.
هذا هو واقع أولئكم الرواة الفقهاء في عهود الأئمة عليهم السلام، وهم أمثال: أبان بن تغلب وزرارة بن أعين وحمران بن أعين ومحمد بن مسلم الثقفي وأبي بصير الأسدي وزكريا بن آدم القمي ويونس بن عبد الرحمن وشاذان بن جبريل، وغيرهم.
في هذا الواقع كانت حركة الفقه، كما رأينا، تدور داخل دائرتين حسب ما يقتضيه مستوى دلالة الرواية:
ـ دائرة عدم الافتقار إلى الدليل للوصول إلى الحكم.
ـ دائرة استخدام الدليل للوصول إلى الحكم.
ـ وإذا أردنا أن نستخدم لغة المنطق نقول: كانت الحركة الفقهية تعتمد طريقتين، حسب مقتضيات مستوى الدلالة، وهما:
ـ طريقة اللازم البين.
ـ طريقة اللازم غير البين.
وكما ترى، فلم يكن هذا الواقع التاريخي مقتصراً على الطريقة التي أكد عليها المحدث الاسترابادي ودعا إلى العودة اليها.
كما أنه لم يكن مقتصراً على الطريقة الأصولية التي أشار إليها أستاذنا التقي الحكيم وفرّق بينها وبين الطريقة الإخبارية.
وإنما هو (أعني الواقع التاريخي) يدل وبوضوح على وجود الطريقتين معاً.
فالموجود في هذا الواقع التاريخي هو المنهج العلمي والعملي للفقه الذي جمع بين النظرية والتطبيق في آن واحد:
فالرواية، ان كانت من حيث الدلالة نصاً في معناها، فإنها لا تحتاج في استفادة الحكم منها إلى الاستعانة بالأدلة من قواعد أو سواها.
وإن لم تكن، من حيث الدلالة نصاً في معناها، فإنها تفتقر لاستفادة الحكم منها إلى الاستعانة بالأدلة.
وهذا الواقع المذكور تؤمن به المدرستان الإخبارية والأصولية.
وفي الوقت نفسه هو نفسه ينفي أن يكون واقعاً إخباريا أو واقعاً أصولياً في ضوء ما ذكروا.
ب الرواة غير الفقهاء
وهم الذين يحملون الرواية، أو يدونونها في دفاترهم، بغية نقلها لمن يستفيد منها. وهؤلاء لا علاقة لهم بموضوع بحثنا.
2- في عهد الغيبة الصغرى
وفي هذا العهد تطور الوضع إلى انبثاق صنف ثالث من بين الصنفين السابقين، هو الفقيه المستقل، فأصبحت الأصناف ثلاثة، هي:
أ ـ الرواة غير الفقهاء: وقلت: إن هؤلاء لا علاقة لهم بموضوع بحثنا هذا.
ب ـ الرواة الفقهاء: وهم الذين يروون الرواية ويتعاملون معها فقهياً.
جـ ـ الفقهاء المستقلون: وهم الذين يتلقون الروايات من الرواة الأحياء مباشرة أو ممن يروي عنهم، أو عن طريق كتب من مات منهم، ثم يتعاملون معها فقهياً، أي أنهم ليسوا برواة وإنما هم من حيث التخصص فقهاء، يتعاملون مع الروايات من حيث حاجتهم لها بوصفها مصدراً فقهياً.
فالراوي الفقيه، في هذا العهد، هو مثل علي بن الحسين، والد الصدُّوق، المعروف بعلي بن بابويه، صاحب رسالة الشرائع المشتهرة بين الأصحاب بعنوان «رسالة ابن بابويه» المتضمنة لفتواه بالمأثور.
والفقيه المستقل هو مثل الحسن بن أبي عقيل العماني الذي كانت فتاواه نتائج نظره بالمأثور لا المأثور نفسه بلفظه.
3- في عهد ابتداء الغيبة الكبرى
في هذا العهد، وبسبب تنوع الفقهاء بين فقيه مرتبط بالرواية يرويها ويستنطقها الحكم، وفقيه مستقل لا يروي الرواية، ولكنه يتعامل معها بوصفها مصدراً للحكم، كادت حركة الفقه الإمامي تتطور إلى وجود مدرستين تشبهان المدرستين السنيَّتين:
ـ مدرسة الحديث، بسبب تأكيد الشيخ الصدوق على طريقة رواية الرواية ثم التعامل معها فقهياً.
ـ ومدرسة الرأي بسبب تأكيد الشيخ ابن الجنيد الإسكافي على الفقه المستقل، القائم على التعامل مع القواعد العلمية بتطبيقها على الرواية.
إلى أن بروز الشيخ المفيد آنذاك وتفرده بالمرجعية العامة للإمامية، وقوة زعامته الاجتماعية حال دون ذلك، حيث ألقى بكل ثقله، فأوجد المدرسة التكاملية التي جمعت بين الخطين في خط واحد.
وهذه المدرسة التكاملية هي التي تطوّرت في عهد المحدث الميرزا محمد الاسترابادي الى:
1- المدرسة الأخبارية: وسميت بذلك نسبة إلى التأكيد على الأخبار (الأحاديث).
2- والمدرسة الأصولية: نسبة إلى التأكيد على الأصول (القواعد العلمية).
وهذا الواقع ـ القائم منذ عهد الاسترابادي حتى الآن لا يعني أكثر من الاختلاف في المنهج المحصور في دائرة الخلاف حول بعض الأصول والقواعد، وبخاصة في مجال التطبيق.
وأظهر مصداق، لهذا، خلاف المدرستين في الشبهة الحكمية التحريمية كشرب الدخان (التبغ) وأمثاله مما لم يرد فيه نص من المشرع المقدس، ولم يقم عليه إجماع تعبدي: فهل هو مجرى قاعدة الاحتياط فيكون حراماً، كما تطابقت عليه كلمة الأخباريين؟
يقول الشيخ باقر آل عصفور في كتابه (القول المفيد في أهم مسائل التقليد، ص 21 و22): «وتخيل بعض الأصوليين من تنظير بعض الأخباريين الفتوى بالرواية، وقوله إن الفتوى لا تبطل بموت المفتي، كما أن الرواية لا تبطل بموت الراوي: أن الأخباريين يزعمون أن فتاواهم ليست إلا مضمون الرواية لأنها الرواية نفسها.
إن هذا الخيال خلاف الحس، فإن كتب المحدثين الاستدلالية كتب استدلال واستنباط، وهم يعدّون أنفسهم مفتين ومستنبطين، يكتبون في الاستدلال لإثبات فرع واحد ثلاثة أوراق من الحجم الكامل وأزيد.
فهذا الاستدلال، بهذا النمط، كيف يكون ترجمة للرواية؟ وما زالوا يصرِّحون بأن الخروج من عهدة كلفة الاستدلال ليست في عهدة كل واحد، وليس غرض ذلك المؤلف الإخباري من عبارته تلك ما توهمه المنتقد من أن مؤلف كتب الحديث راوٍ مثل مصنف الكتب الفقهية، وإنما مقصوده كما أن كتب الحديث لا تموت بموت مؤلفيها، فكذلك الكتب الفقهية لا تموت بموت مصنفيها، يعني كما أن حياة الراوي ليست شرطاً لاعتبار الرواية، فكذلك حياة المفتي ليست شرطاً لاعتبار الفتوى».
هذا هو الواقع الذي انتهى إليه تطور الفكر الفقهي عند الإمامية.
اختلاف في بعض الأصول ـ نظرية أو تطبيقاً ـ يؤدي، وبشكل طبيعي، إلى الخلاف في بعض الفروع، لأن الفرع قائم على الأصل.
وإلى هنا أريد أن أأأريد أقول: إن الخلاف بين الأخباريين والأصوليين في اشتراط الحياة وعدم اشتراطها لم يتم على أساس من اختلافهم في وظيفة الفقيه، ذلك أن وظيفة الفقيه وطريقة تعامله مع الرواية واحدة عند الجميع، فهم يتفقون على ما يأتي:
إن كانت الرواية نصاً في معناها لا حاجة إلى الدليل.
ـ وإن لم تكن نصاً فلا بد من الدليل.
وهذا ما هو قائم عليه واقع المدرستين.
وإنما منشأ الخلاف هو الاختلاف في مستند حجية الفتوى.
يقول السيد الغريفي في (الغنية، ص 20): «وبقي الكلام في جواز التعبد بقول الميت. وهذه المسألة إما كثر الجدال فيها في هذه العصور، وليس لها في أصول الفقه عنوان يعتمد، إنما ذكر المحصلون جواز التعويلعلى قول الميت في الفتوى، لكنه يلزمه أن من جعل قوله حجة في الفتوى كان حجة في التعبد، ومن لا فلا، على الظاهر».
والآن فلنكن مع المهم والمعتمد من أدلتهم على هذا:
وقبل البدء باستعراض الادلة لا بد من الإشارة إلى ما ذكره الشيخ العاملي في (المعالم، ص 390) من أن المسألة اجتهادية وفرض (أي واجب ووظيفة) العامي فيها الرجوع إلى فتوى المجتهد.
«وحينئذ فالقائل بالجواز (يعني جواز تقليد الميت)، إن كان ميتاً، فالرجوع إلى فتواه فيها دور ظاهر، وإن كان حياً فاتباعه فيها والعمل بفتوى الموتى في غيرها بعيد عن الاعتبار غالباً، مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود المجتهد الحي، بل قد حكى الإجماع فيه صريحاً بعض الأصحاب».
وتصوير الدور الذي أشار إليه هو: أن حجية تقليد الميت تتوقف على حجية فتواه.
وفي الوقت نفسه: حجية فتواه تتوقف على حجية تقليده.
فتكون النتيجة: حجية تقليده تتوقف على حجية تقليده.
وتوقف الشيء على نفسه دور صريح، ومحال.
ولكن الأمر ليس كذلك، فإن العامي لا يعدم الطريق إلى الوصول إلى النتيجة في المسألة من منطلق نظرته إليها مع تنبيهه لذلك، وذلك أن العامي متى فهم أن تقليد الحي متفق عليه بين الجميع الأصوليين والأخباريين، وأن تقليد الميت مختلف فيه حيث حرمه الأصوليون وجوزه الاخباريون، فإنه ـ أعني العامي ـ يختار المتفق عليه لأنه القدر المتيقن في المسألة والموافق للاحتياط، ويترك المختلف فيه لأنه مشكوك فيه، وخلاف الاحتياط.
فهذه المسألة كمسألة أصل التقليد، للعامي طريق إليها، وللمجتهد طريق آخر.
وبعد هذا فما هي الأدلة في المسألة؟
وعمدة ما استدل به لجواز تقليد الميت ابتداء هو سيرة العقلاء.
ويغنينا، هنا، أن ننقل بيانين لفقيهين معاصرين:
أحدهما: استند للسيرة العقلائية من منطلق عدم ردع المشرع الإسلامي عنها.
والآخر: من منطلق كفاية الحجة العقلية في تحقيق العذر عند الخطأ.
وهما: السيد رضا الصدر في كتابه (الاجتهاد والتقليد، ص 140) والسيد فضل اللّه في كتابه (فقه الحياة، ص 19 و20).
قال السيد الصدر: «لا ريب في أن سيرة العقلاء قائمة على الرجوع إلى أهل الخبرة والأخصائيين، في ما يجهلون به، من كل علم وصناعة.
فهم يعملون بأقوال المتخصصين وآرائهم، ولا يفرقون في ذلك بين حياة الخبير ومماته.
كما أن سيرتهم قائمة أيضاً على العمل والاحتجاج بإرشادات أهل الأنظار الثاقبة والعقول الراقية، من غير فرق بين كون المرشد حياً أو ميتاً.
بل سيرتهم جارية في جميع العصور عند جميع الأمم على العمل بالقوانين عند وفاة مقنِّنيها، وعلى العمل بالسنن، حال موت من سنَّها.
وقد مرّ بيان عدم دلالة نصوص الباب على عدم جواز تقليد الميت.
وكذا عرفت عدم وجود اجماع في المقام.
فلا نعرف ردعاً من الشرع لتنفيذ هذه السيرة في الأمور الشرعية.
بل عدم وصول الردع عن مثل هذه السيرة الجارية في جميع الأمور، وهي التي تكون مورداً لابتلاء جميع الناس، كاشف عن إمضائها».
وقال السيد فضل اللّه: «أما مسألة الحياة فلأن السيرة العقلائية جارية على الأخذ برأي الميت، فنحن نجد أن الناس في كل مكان وزمان يرجع الجاهل منهم إلى رأي العالم، سواء كان هذا العالم ممن مضى عليه عشرات السنين أو من الأحياء المعاصرين.
فالبناء على الرجوع إلى الميت الخبير في أي شأن من شؤون العلم هو أمر عقلائي، لأنه لا معنى لأن تكون حياة الإنسان بما هي قوة بالجسد دخيلة في حجية رأيه وعدم حجيته.
حيث يكفي في حجية الرأي أن يكون صاحب الرأي واعياً يملك علمه وخبرته وحيثيته الاجتهادية عند إعطاء الرأي.
أما ماذا يحدث له بعد ذلك من مرض أو موت أو ما إلى ذلك، فلا علاقة له سلباً أو إيجاباً بمسألة الرأي.
ولهذا فإننا نجد أن الناس يرجعون إلى آراء الأموات، بقاء أو ابتداء في هذا المجال.
ولعل ذلك هو الذي يفسر لنا تأثير الكثير من أصحاب العلوم الطبية وغير الطبية على أجيال متعددة تثق بعلمهم، فيما يأخذون به في الأمور الصحية، أو في الأمور الأخرى المتعلقة بحياتهم.
وهذا ما لاحظناه لدى علمائنا السابقين الذين كانوا يأخذون بآراء من سبقهم من العلماء الذين يمثلون قيمة علمية كبرى في وعيهم.
ولذا لم يثر هناك جدل كبير في ذلك الوقت في مسألة جواز تقليد الميت أو عدم جواز تقليد الميت.
وعلى هذا: فنحن نعتبر أن قضية التقليد قضية فطرية تنطلق من رجوع الجاهل إلى العالم، وليست قضية تعبدية شرعية، ذلك أن العقلاء يرون أن أي إنسان يملك خبرة في أي علم فإن قوله يكون حجة عقلائية فيهذا المجال.
ونحن لا نجد أن هناك حاجة إلى إمضاء شرعي في هذا الموضوع لأن الحجية العقلية تكفي في تحقيق العذر عند الخطا، كما هي الحجة عند الإصابة».
وعمدة ما استدل به لحرمة تقليد الميت ابتداء ولزوم الرجوع للحي، هو:
الإجماع
نقل الإجماع على حرمة تقليد الميت، ابتداء، ووجوب تقليد الحي، كل من المحقق الثاني في بعض فوائده، والشهيد الثاني في شرح الرسالة، وفي رسالته المعمولة في هذه المسألة، قال: «وقد تتبعنا ما أمكننا تتبعه من كتب القوم فلم نظفر بقائل من فقهائنا المعتمدين بذلك» (انظر: مزيلة الشبهات، ص 46 و47).
وجاء في (التنقيح، 1/104): «وقد استدلوا على عدم جواز تقليد الميت ابتداء بوجوه؛
أولها ما عن جملة من الأعاظم من دعوى الإجماع على عدم الجواز، وأن ذلك مما امتازت به الشيعة عن أهل الخلاف، لأنهم ذهبوا إلى جواز تقليد الأموات، ومن هنا قلدوا جماعة منهم في أحكامهم، ولم تقبلالشيعة ذلك لاشتراطهم الحياة في من يجوز تقليده.
العقل
ويراد به الاعتماد على الأصل عند عدم وجود نصوص شرعية من آيات أو روايات دالة على حرمة تقليد الميت ابتداء، وعدم وجود إجماع تعبدي كذلك.
ويقرره المحقق الأصفهاني، في رسالته في «الاجتهاد والتقليد»، كما حكاه السيد رضا الصدر في كتابه (الاجتهاد والتقليد، ص 129) بقوله: «إن العقل مع الدوران بين الاستناد إلى الحي والاستناد إلى الميت لا يقضي الا بالاستناد إلى الحي، لليقين معه ببراءة الذمة (لأنه متفق عليه) دون الاستناد إلى الميت (لأنه مختلف فيه)، فلا محالة يتعين تقليد الحي».
ويوضحه أستاذنا التقي الحكيم في (الأصول العامة، ص 655 و656) بقوله: «والأصل يقتضي في هذا الموضع، اعتبار الحياة، لبداهة دوران الأمر فيه بين التعيين والتخيير في مقام الحجية، وذلك لعدم احتمالنا أية خصوصية للموت بما هو موت توجب تعيين الرجوع إلى الأموات ابتداء، ونحتمل أن تكون للحياة خصوصية مهما كانت بواعث الاحتمال.
ومتى دار الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية، تعين الأخذ بما هو محتمل التعيين للقطع بحجيته والشك في حجية الطرف الآخر، والشك في الحجية كافٍ للقطع بعدمها.
وعليه: فإن تم ما عرضوه من أدلة اجتهادية على اعتبار الحياة، كما هو المتعين في مقام الاستناد، وإلاّ فالاصل العلمي كافٍ في إثبات هذه الجهة».
سيرة المتشرِّعة
يقرّر الشيخ الخاقاني، في هامش رسالته العملية (رسالة الهدى، ص 4) الاستدلال بسيرة المتشرِّعة على تعين تقليد الحي بعد أن يعطي صورة عن الرأي الآخر في المسألة، بقوله: «اعلم أن بعض العلماء من الأصوليين ـ وهم أهل الانسداد ـ حيث إن مسلكهم انسداد باب العلم والعلمي والأخذ بالظن الأرجح فالأرجح جوَّزوا تقليد الميت ابتداء إذا كان أعلم من الحي، حيث إنه في نظرهم أن الحكم بالتقليد عقلي ولا تخصيص في حكم العقل بالأحياء، لأن الملحوظ في الرجوع ليس إلا الطريقية إلى الحكم الواقعي، والأقرب هو الرجوع إلى الأعلم وإن كان ميتاً.
وأن بعض علماء الأخباريين كالاسترابادي ومن سلك مسلكه لم يفرّقوا بين حياة المرجع وموته، وأن الرجوع إلى الأعلمية ولو في الأموات أولى حيث أن فتوى المجتهد عندهم من باب نقل الرواية في المعنى، ونقل الرواية من الأعلم الضابط متعين ولو كان ميتاً، وليس، المقصود من التقليد إلاّ الوصول إلى الحكم الواقعي والطريقية إليه، والأعلم أقرب الطرق إليه بحسب حكم العقل.
ولكن الناظر بعين التأمّل يتعيّن عليه الرجوع إلى الحي لقيام السيرة من عصر الأئمة إلى يومنا هذا حتى ممن يجوز تقليد الميت حيث لا يمنع أحد تقليد الأحياء.
ولو أن أحداً من العلماء اختار جواز التقليد للميت ابتداء في تلك العصور لما جاز في مثل هذا العصر الذي تقلّص فيه العلم وأوشك على الاضمحلال، بعدما كان كل بلد، فضلاً عن القطر، يضم المجتهدين، وأصبح اليوم وقد تفقد الأقطار الواسعة المجتهد الواحد، وأخذ الطالب الديني لتأمين معاشه يتزود بالوكالة من مرجع، أو يضم إلى مهنة العلم الوعظ والمنبر.
وإن بقيت الحالة على هذه الكيفية والعياذ باللّه فسيموت العلم بموت حامليه كما قال: «يموت العلم بموت حامليه».
على أن الناس يحتاجون إلى الفقيه الحي في غير الفتوى من القضاء وفي الأمور العامة من ثبوت الأهلية في شهر رمضان والعيدين، وفي جميع موارد جعل الولايات من الأوقاف والقاصرين والمجانين والقيمومة، وفي مجهول المالك، وفي التصرف في حق الإمام، وفي المسائل المستحدثة.
في هذه الصور فإنه لا مناص من الرجوع إلى الأحياء.
بل ربما يأتي في النظر: أن وجوب طلب العلم والاجتهاد على أهل المكنة والقدرة في المادة من الوجوب العيني لما حل في العلم وأهله من الانهيار الفجائي.
ومن المؤسف جداً وقوع هذا الوضع.
وأساله تعالى أن يغير الوضع إلى الأحسن، ويظهر لنا وليّه ـ عجل اللّه فرجه ـ.
وعلى كلٍّ، فاللّه أعلم بقضائه واحكامه وبما يؤول إليه أمر العباد».
وسيرة المتشرعة دليل متين في مسألتنا هذه، لو استفيد منها أن عنصر الحياة في قضايا إرجاع الأئمة أتباعهم إلى أصحابهم من الرواة الفقهاء، وفي تقليد عوام الإمامية لمجتهديهم له مدخلية تكشف عن شرطيته واشتراطه فإنه يتم الاستدلال بها، ولكن الأمر ليس كذلك، وذلك لأن الإرجاع كان قضية خارجية آنية اقتضت حياة من يرجع إليه، فليس لها نظر إلى اشتراط الحياة في المرجع أو عدم اشتراطها، وإنما كان النظر فيها منصباً على فقاهة الراوي التي لها مدخلية في حجية فتواه.
وعليه: إذا كان الاجتهاد هو الذي يعطي الحجية للفتوى التي تجعل العمل على وفقها مشروعاً، فإنه لا فرق فيه بين الحي والميت.
والملاحظ على ما سبق من أدلة:
ـ إن اعتماد السيرة العقلائية من دون أن تعتمد من المشرع الإسلامي بالإمضاء عن طريق الإقرار أو عدم الردع مسألة مبنائية.
ـ وعلى القول بلزوم اعتبار الشارع لها لا يكون الاستدلال بمعطياتها، وإنما بسيرة المتشرعة المنبثقة عنها بعد الاعتبار الشرعي لها، وبما لسيرة المتشرعة من خصوصيات تتميز بها عن سيرة العقلاء.
ـ وأما الإجماع المدعى فقد نص عدد من فقهائنا على أنه غير تعبّدي فلا يصح الركون إليه.
والدليل العقلي الذي ذكر لا يفيد أكثر من الاحتياط بالأخذ بما ربما كان هو الأرجح.
والخلاصة:
إن حجية الفتوى المصححة للعمل بها هو دليلها الذي استندت إليه وقامت عليه.
وهذا لا فرق فيه بين أن يكون المفتي حياً أو ميتاً.
ولكن مقتضى الاحتياط لاستمرار ظاهرة الاجتهاد الشرعي، واستمرار المرجعية الدينية، ودعمها بكل القوى المقدورة هو الرجوع إلى الحي، واعتبار بقاء شرط الحياة نافذاً.
يقول أستاذنا التقي الحكيم في (الأصول العامة، ص 656): «والشيء الذي أحببت أن أسجّله ـ وإن لم تكن له مدخلية في عوالم الاستدلال على اعتبار الحياة ما لاحظته من أن في تشريع جواز الرجوع الىالأموات في التقليد ابتداء، إماتة للحركة الفكرية التشريعية وتجميداً للعقول المبدعة عن الانطلاق في آفاقها الرحبة.
وقد لاحظت هذا الواقع في كثير من علماء الإسلام من أهل السنّة يوم سدّوا على أنفسهم أبواب الاجتهاد، وحصروا التقليد بخصوص أئمتهم، حيث ظلت الحركة الفكرية واقفة عند حدودها لديهم قبل قرون، وما أُلّف بعد ذلك كان يفقد في غالبه عنصر الأصالة والإبداع.
كما لاحظت ذلك عند الأخباريين حين أجازوا لأنفسهم تقليد العلماء من الأموات ابتداء.
بينما نرى نمو الحركة العلمية وتطورها عند العلماء الأصوليين من الشيعة بما يتناسب ومستوى عصورهم.
ولعل السر في ذلك الجمود يعود إلى ما يضفيه القدم عادة من الغلو في تقديس البشر لكل ما هو عريق فيه، وإعطاء أصحابه قيمة لا يحلم بها الأحياء من الناس، مما يزهد الأحياء في إعمال أفكارهم في أشياء لا تعطي أية ثمرة عملية لمجتمعهم، ولا قيمة إجماعية كبيرة لهم، وما قيمة علم لا ينتفع بثمره أحد من الناس حتى يتشجع أصحابه على الفناء فيه.
التفصيل في المسألة
المتمثل في وجوب تقليد المجتهد الميت ابتداء إذا كان أعلم من الأحياء، وحرمة تقليد المجتهد الحي غير الأعلم.
ويقوم هذا التفصيل على أن التقليد مأخوذ على نحو الطريقية لا على نحو الموضوعية، أي أنه لا خصوصية له بذاته، وإنما لأنه طريق يوصل إلى الحكم الواقعي، ولأن الفقيه الأعلم أمهر من سواه في عملية الاستنباط يكون أقرب إلى الواقع، والمطلوب من المكلف هو إصابة الواقع، ولما كان تقليد الأعلم هو الطريق الأقرب إليه وجب تقليده حياً كان أو ميتاً.
ولأنه تقدم أن أوضحنا أن سيرة المتشرعة التي تمثلت في البدء بإرجاع الأئمة أتباعهم إلى أصحابهم لا دلالة فيه على لزوم الرجوع إلى الأعلم، لا دلالة فيها هنا على لزوم الرجوع إلى الأعلم مطلقاً، حياً كان أو ميتاً.
تقليد الميت بقاء
البقاء على تقليد الميت: هو أن يقلد العامي مجتهداً حياً ثم بعد موت هذا المجتهد يبقى مستمراً على تقليده.
وقد اختلفت آراء فقهائنا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، هي:
1- حرمة البقاء مطلقاً، أي سواء كان الميت أعلم من الأحياء أم غير أعلم:
وممن ذهب إلى هذا:
ـ الميرزا النائيني في تعليقته على (العروة الوثقى)، قال السيد اليزدي في (العروة، مسألة 9) «الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت»، وعلّق عليه الميرزا النائيني بقوله: «بل الأقوى عدم جوازه مطلقاً»، يعني ابتداء واستدامة.
ـ الشيخ علي آل صاحب الجواهر في تعليقته على العروة، قال: «بل الأقوى عدم الجواز».
ـ السيد الشاهرودي في تعليقته على العروة، قال: «بل الأقوى عدم جوازه مطلقاً»، وقال في رسالته العملية (ذخيرة المؤمنين): «يشترط في المجتهد.. والحياة ابتداء واستدامة».
2 – جواز البقاء مطلقاً أعلم كان الميت أم غير أعلم:
وممن قال بهذا السيد المرعشي النجفي، فقد جاء في تعليقته على (العروة الوثقى) ما نصه: «الأقوى جوازه مطلقاً من غير تفصيل بين كون الميت أعلم من الحي وعدمه، وغيره من التفاصيل المقولة والمحتملة».
3 – وجوب البقاء إذا كان الميت أعلم من الأحياء:
وممن رأى هذا وأفتى به:
ـ أستاذنا السيد الحكيم في (منهاج الصالحين) قال: «إذا قلّد مجتهداً فمات، فإن كان أعلم من الحي وجب البقاء على تقليده في ما عمل به من المسائل وفي ما لم يعمل».
ـ وأستاذنا الشهيد الصدر في (الفتاوى الواضحة) قال: «إذا مات المرجع في التقليد فما هو تكليف من كان مقتدياً به ومقلداً له؟
والجواب على هذا السؤال يستدعي التفصيل كالتالي:
أ ـ قد يكون الميت أعلم من كل الأحياء الموجودين بالفعل.
وفي هذا الفرض يستمر المكلف على تقليد الميت تماماً كما لو كان المرجع حياً بلا أدنى فرق في ما عمل به من أقوال المرجع وفي ما لم يعمل».
4- التخيير بين البقاء وعدمه:
وعبروا عنه بجواز البقاء، وعليه رأي وفتوى السيد اليزدي وآخرين، قال في (العروة الوثقى): «الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت».
5- التفصيل:
أ ـ بين المسائل التي عمل بها العامي المقلد في حياة مقلده، فيجوز له البقاء على تقليده فيها بعد موته، والمسائل التي لم يعمل بها في حياته فلا يجوز له البقاء فيها على تقليده، ويلزمه تقليد غيره من الأحياء فيها.
وممن ذهب إلى هذا الرأي الميرزا عبد الهادي الشيرازي، قال في (وسيلة النجاة): «لا يجوز تقليد الميت ابتداء، نعم يجوز البقاء على تقليده في المسائل التي عمل بها في زمان حياته».
ب ـ بين المسائل التي تعلمها العامي المقلد وحفظها في حياة مقلده وبقي متذكراً لها حتى بعد موته فيجوز له البقاء فيها على تقليد مقلده بعد موته، والمسائل التي لم يحفظها والأخرى التي تعلمها ونسيها فلا يجوز له البقاء فيها على تقليد مقلده بعد موته، وإنما عليه الرجوع إلى غيره من الأحياء فيها.
وهو مذهب أستاذنا السيد الخوئي، قال في (المسائل المنتخبة): «الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت في المسائل التي تعلمها العامي من فتاواه حال حياته ولم ينسها، وإن لم يكن قد عمل بها، بل الأظهر وجوبه إذا كان المجتهد الميت أعلم من المجتهد الحي».
ودليل حرمة البقاء هو نفسه دليل حرمة الابتداء، فلا إفادة في الإعادة.
أما الجواز فاستدلوا له بسيرة المتشرعة، وبالأصل، وهو هنا الاستصحاب (استصحاب حجية فتوى الميت قبل موته).
فـ «من المعلوم أن الراجعين إلى أحد كبراء أصحاب الأئمة ـ صلوات اللّه عليهم ـ ما كانوا يرجعون عما أخذوا بعدما سمعوا بموت من أخذوا منه، بل كانوا يعملون بما أخذوا حتى بعد موت من أخذ منه.
ولو كان غير ذلك – أي كانوا لا يعملون بما أخذوا بعد موته – لكان نقل إلينا.
بل يمكن أن يدعى سيرة العقلاء على ذلك، مثلاً إذا رجع شخص إلى طبيب وأعطاه وصفة لأيام يكرر عمل هذه الوصفة (The Prscription) في كل يوم من تلك الأيام فمات (الطبيب) بعد إعطاء الوصفة، فهل يبقى ذلك المراجِع متحيراً أو يرجع إلى طبيب آخر ولا يعمل بهذه الوصفة، أو لا؟ بل يعمل على طبق هذه الوصفة في تلك الأيام المعينة، لا شك في أنه لا يبقى متحيراً بل يعمل على طبق تلك الوصفة كما لو كان أنه لم يمت»)[292](.
و«لأن الحجية المستصحبة إنما هي الحجية الفعلية، لأن العامي قد كان موجوداً في عصر المجتهد الميت واجداً لجميع الشرائط، بل قد كان قلده برهة من الزمن، ولكنا نشك في أن الحجية الفعلية هل كانت مطلقة وثابتة حتى بعد الممات أو أنها مقيدة بالحياة، فلا مانع من استصحاب حجية فتواه بعد الممات».
والقائلون بجواز تقليد الميت ابتداء من طريق أولى يقولون به بقاء.
وما يرتبط من تفاصيل هذه المسألة بمسألة تقليد الأعلم فتابعة لها في الاستدلال والنتيجة.
طرق معرفة الشروط
نقصد بطرق معرفة الشروط تلكم الوسائل التي على العامي أن يعتمدها في الوصول إلى معرفة توافر شروط المرجعية في الشخص المتصدي للمرجعية أو المرشح لها، من اجتهاد أو أعلمية، وعدالة أو وثاقة (الخ).
وذلك لثبوت حجية هذه الطرق إما من ناحية عقلية، وإما من ناحية شرعية.
وقد اختلف في عددها ومستوى دلالتها على المطلوب، وكالتالي:
ذكر السيد المرتضى طريقين، هما:
1 ـ المخالطة:
ويريد بها المعاشرة التي تساعد على كشف حال المرجع من حيث المستوى العلمي ومستوى الالتزام الديني.
ولم يشترط، في المخالط أو المعاشر، أن يكون من أهل الخبرة العلمية التي يستطيع معها التمييز بين المجتهد وغيره أو الأعلم وغيره.
ولكن اشترط إفادة المخالطة العلم، أي أن يستفيد العامي منها العلم بتوفر الشرط المطلوب في المرجع، فلا يكتفي بإفادتها الظن.
2 ـ الأخبار المتواترة:
ويريد بها الشهرة في الوسط العلمي التي تبلغ مستوى الشياع المفيد للعلم بتوافر المرجع على الشرط المطلوب.
قال في (الذريعة): «وللعامي طريق إلى معرفة صفة من يجب أن يستفتيه لأنه يعلم بالمخالطة والأخبار المتواترة حال العلماء في البلد الذي يسكنه ورتبتهم في العلم والصيانة أيضاً والديانة.
وليس يطعن في هذه الجملة قول من يبطل الفتوى بأن يقول: كيف يعلمه عالماً وهو لا يعلم شيئاً من علومه؟،لأنّا نعلم أعلم الناس بالتجارة والصياغة، وكذلك العلم بالنحو واللغة وفنون الآداب».
وكذلك المحقق الحلي يذكر طريقين، هما الطريقان اللذان ذكرهما السيد المرتضى وإن اختلفا في التعبير عنهما، كما اشترط أيضاً إفادتهما العلم، قال في (المعارج، ص 201): «لا يجوز للمفتي أن يتعرض للفتوى حتى يثق من نفسه بذلك.
ولا يجوز للمستفتي أن يستفتيه حتى يعلم منه ذلك من ممارسته وممارسة العلماء وشهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى وبلوغه إياه.
ولا يكتفي العامي بمشاهدة المفتي متصدراً ولا داعياً إلى نفسه ولا مدعياً، ولا بإقبال العامة عليه ولا اتصافه بالزهد والتورع، فإنه قد يكون غالطاً في نفسه أو مغالطاً».
ويشير المحقق الحلي بعبارته: «ولا يكتفي العامي بمشاهدة.. الخ» إلى ما ذكر في أصول الفقه السنّي من أمثال قول أبي الحسين البصري في (المعتمد، 2/363 و364): «أما شرط الاستفتاء فهو أن يغلب على ظن المستفتي أن من يستفتيه من أهل الاجتهاد بما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان الناس وأخذ الناس عنه، وأن يظنه من أهل الدين بما يراه من اجتماع الجماعات على سؤاله واستفتائه، وبما يراه من سمات الستر والدين».
ويخالف العلامة الحلي خاله المحقق الحلي فيكتفي بغلبة الظن وبالتصدي للفتوى، أي أنه يلتقي والرأي السنّي في المسألة، كالذي ذكره أبو الحسين البصري في (المعتمد)، ولكنه يختلف معه في الدليل، فقد حكىعنه العاملي في (المعالم، ص387) أنه: «قال في (التهذيب): لا يشترط في المستفتي علمه بصحة اجتهاد المفتي لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذّكر) من غير تقييد.
بل يجب عليه أن يقلد من يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد والورع، وإنما يحصل له هذا الظن برؤيته له منتصباً للفتوى بمشهد من الخلق، واجتماع المسلمين على استفتائه وتعظيمه».
وقد تعقّب صاحب المعالم رأي العلامة الحلي بالموازنة بينه وبين رأي خاله المحقق الحلي، ونَقَدَهُ في استدلاله بالآية، قال: (والاختلاف بين هذين الكلامين) «يعني كلام المحقق وكلام العلامة» ـ ظاهر كما ترى ـ.
وكلام المحقق هو الأقوى، ووجهه واضح لا يحتاج إلى البيان.
واحتجاج العلامة بالآية على ما صار إليه مردود:
أما أولاً: فلمنع العموم فيها، وقد نبّه عليه في (النهاية).
وأما ثانياً: فلأنه على تقدير العموم لا بد من تخصيص أهل الذكر بمن جمع شرايط الفتوى بالنظر إلى سؤال الاستفتاء، للاتفاق على عدم وجوب استفتاء غيره، بل على عدم جوازه، وحينئذٍ فلا بد من العلم بحصول الشرايط أو ما يقوم مقام العلم، وهو شهادة العدلين».
وذكر العاملي أربع طرق لذلك، هي:
1- المخالطة المطلعة:
ويريد بقيد (المطلعة) أن يكون المعاشر المخالط من أهل الخبرة.
2- الأخبار المتواترة:
وكما قلتُ في توضيح قول الشريف المرتضى من أنه يريد بهذا: الشهرة في أواسط الفقهاء التي ترتفع إلى مستوى الشياع المفيد للعلم أقول ذلك هنا.
3- القرائن الكثيرة المتعاضدة:
يعني المتعاضدة تعاضداً يرتفع بها إلى مستوى إفادتها العلم.
4- شهادة العدلين العارفين:
ويقصد بقيد (العارفين) أن يكونا من أهل الخبرة.
قال في (المعالم، ص 378): «ويعتبر في المفتي الذي يرجع إليه المقلّد مع الاجتهاد أن يكون مؤمناً عدلاً.
وفي صحة رجوع المقلد إليه: علمه بحصول الشرائط فيه:
أما بالمخالطة المطّلعة.
أو بالأخبار المتواترة.
أو بالقرائن الكثيرة المتعاضدة.
أو بشهادة العدلين العارفين، لأنهما حجة شرعية».
وعندما نصل إلى متأخري المتأخرين من فقهائنا، وكذلك المعاصرين، نجدهم ـ أيضاً ـ يجمعون بين الحجة العقلية والحجة الشرعية، ويطرحونهما بشكل أكثر تنظيماً، وإن اختلفوا في العدد بين الثلاثة: العلم الوجداني والشياع والبينة، والأربعة بإضافة خبر الثقة.
والمقصود بالعلم الوجداني: هو أن يقوم العامي بنفسه بتحصيل العلم بأن المرجع متوفر على الشرط المطلوب، أي بشكل مباشر وذلك بالاختبار إن كان من أهل الخبرة، أو بالمعاشرة للعلماء من أهل الخبرة على التوضيح المتقدم الذي ذكره الشريف المرتضى، أو عن طريق تجمع القرائن الكثيرة المتعاضدة تعاضداً يفيده العلم بذلك.
أما الشياع المفيد للعلم فهو أن يشتهر اتصاف المرجع بالوصف المطلوب، في الوسطين العلمي أو الديني، شهرة تبلغ مستوى إفادة العامي العلم بوجود الشرط المطلوب.
وهذان الطريقان (العلم الوجداني والشياع المفيد للعلم) من الحجج العقلية، ويفيدان العلم في ما يوصلان إليه ويدلان عليه.
ومرادهم من البيّنة: الشاهدان العادلان العارفان، أي أنهما خبيران بما يشهدان به.. وبشرط أن لا تعارض ببيّنة أخرى.
وعند المعارضة لا بد من محاولة الترجيح، وذلك بالأخذ بالبيّنة التي هي أكثر خبرة بحيث يكون احتمال إصابة الواقع في شهادتها أقوى من احتماله في شهادة الأخرى.
وأخيراً: يشترطون في خبر الثقة أن يكون المخبر من أهل الخبرة في ما يخبر به.
وهذان الطريقان (البيّنة وخبر الثقة) من الحجج الشرعية، ويفيدان الظن في ما يوصلان إليه ويدلان عليه.
التخيير في التقليد
التعريف
التخيير، مصطلحاً فقهياً، يقابل التعيين.
والتعيين مأخوذ من العين بمعنى النفس، حيث يعني الوقوف عند شيء بعينه، فعندما يقال: يتعيّن علينا تقليد الأعلم، فهو بمعنى لا بد لنا من تقليد الأعلم، ولا يجوز تجاوزه إلى تقليد غيره.
وبعكسه التخيير فإن للعامي الحرية في اختيار أي واحد من المجتهدين المتعددين ليقلّده.
والتخيير ـ هنا ـ يقع بين أشخاص المجتهدين لا بين فتاواهم كما هو الشأن في التبعيض، على ما سيأتي.
محور البحث
يختلف محور البحث، هنا، عند من يقول بلزوم تقليد الأعلم، والآخرين الذين لا يقولون بلزوم تقليد الأعلم.
فعلى رأي من يقول بلزوم تقليد الأعلم يكون مدار المسألة هو تساوي المجتهدين ـ الذين ليس فيهم من هو أعلم من الآخرين ـ من حيث المستوى العلمي.
ذلك أنه في حال وجود من هو أعلم يلزم تقليده على الرأي المذكور، ولا مجال للتخيير بينه وبين غيره.
أما على رأي من لا يُلزم بتقليد الأعلم فالبحث يعم الحالتين السابقتين، وهما: وجود الأعلم في البين وعدم وجوده.
الرأي في المسألة
ويختلف الرأي الفقهي في المسألة بحسب اتفاق المجتهدين في الفتوى واختلافهم فيها.
ففي صورة اتفاق المجتهدين في الفتوى يتفق الجميع على جواز التخيير بينهم، فللعامي أن يقلد من يشاء.
وفي صورة اختلاف المجتهدين في الفتوى، فهنا رأيان:
القول بالتخيير أيضاً، وهو رأي الجمهور بما يكاد يكون متسالماً عليه.
وحكى عليه الإجماع غير واحد من فقهائنا، منهم أستاذنا السيد الحكيم في (المستمسك، 1/61) حكاه وهو في معرض التعليق على المسألة 33 من مسائل التقليد في «العروة الوثقى» ونصها: «إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليد أيهما شاء»، قال: «إجماعاً من القائلين بجواز التقليد، من دون فرق بين صورة الاتفاق في الفتوى والاختلاف».
ومنع أستاذنا السيد الخوئي التخيير في صورة الاختلاف في الفتوى مناقشاً أدلة القائلين به، ومنها الإجماع المشار إليه، قال: «الثالث: دعوى الإجماع على التخيير في المسألة، وفيه: أنه إجماع منقول بالخبر الواحد، ولا يمكننا الاعتماد عليه، على أن الاتفاق غير مسلّم في المسألة، لأنها من المسائل المستحدثة، ولم يتعرض لها الفقهاء في كلماتهم، فكيف يمكن دعوى الإجماع على التخيير بين المجتهدين المتساويين؟
بل لو فرضنا العلم باتفاقهم أيضاً لم يمكننا الاعتماد عليه، إذ لا يحتمل أن يكون اتفاقهم هذا إجماعاً تعبدياً يستكشف به قول المعصوم عليه السلام، وإنما هو أمر مستند إلى أحد الوجوه المذكورة في
المسألة.
فالمتحصِّل إلى هنا أن التخيير بين المجتهدين المتساويين لم يقم عليه دليل».
وقد استدل لرأي الجمهور القائل بالتخيير حتى في صورة الاختلاف في الفتوى بعدة أدلة، عمدتها:
– ما رواه الكشي في رجاله عن أبي محمد جبريل بن محمد (أحمد) الغاريابي، قال حدثني موسىبن جعفربن وهب قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه ـ يعني أبا الحسن الثالث عليه السلام ـ: أسأله عمن آخذ معالم ديني؟
وكتب أخوه أيضاً بذلك.
فكتب إليهما: فهمت ما ذكرتما، فاصمدا (فاعتمدا) في دينكما على (كل) مسنّ في حبنا، وكل كبير التقدم (كثير القدم) في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء اللّه تعالى».
قال السيد رضا الصدر في (الاجتهاد والتقليد، 201 و202): «وأما سند الحديث فقد قال المحقق التستري في (القاموس): «إن الحديث رواه الكشي في ديباجة كتابه في مقام مدح الرواة، والخبر ليس بضعيف بمعنى بعض رواته مطعوناً فيه، وإنما بعضهم مهمل، وهو كالممدوح في الحجية كما حققناه في المقدمة».
أقول: ذكر الكشي هذا الحديث في مقدمة كتابه، وهو كتاب وضعه للبحث عن الصحة والضعف في إسناد الأخبار، وعن مدح راوٍ وذمه، كاشف عن وثوقه بصدوره وصحته عنده.
فإنه من البعيد الاحتجاج بحديث غير موثوق الصدور، في مقدمة مثل هذا الكتاب، كما أن سكوت الشيخ في اختياره عن التصريح بضعفه يدل على ذلك».
ومما يوحي بالوثوق بصدقه، ويصحح الركون إليه أن الفاريابي ممن أكثر الرواية عن العلماء، وممن اعتمدهم الكشي فروى عنه ما وجده بخطه، ولم يذكر في كتب الرجال بذم، ومثله ابن وهب وابن ماهويه لم يذكرا بذم عند الرجاليين، فظلال القبول على هذا الحديث ظاهرة، ولهذا استدل به غير واحد من فقهائنا.
«وبيان الاستدلال به: أن المقصود من الكليتين شخص واحد وهو الفقيه، فإن الفقاهة كما تحصل لكثير السن في حبهم كذلك تحصل لكثرة القدم في أمرهم وإن لم يكن مسناً.
ومن المعلوم: أن العموم الاستغراقي كما يدل على التخيير بين المتفقين في الفتوى، كذلك يدل على التخيير بين المختلفين في الفتوى.
وكما يدل على التخيير بين المتساويين في الفضل كذلك يدل على المتفاضلين في العلم، سيما إذا علمنا قلة وجود المتساويين من جميع الجهات بحسب العادة».
– سيرة المتشرعة:
«فهي قائمة على تخيير المقلد في رجوعه إلى أي مفت.. وهذه السيرة متصلة بزمان الحضور» (الصدر، ص 412).
وعند قيام السيرة، لا أرانا بحاجة إلى أن نعتمد معطيات الفلسفة كما جاء في بعض كتب الفقه الاستدلالية، لأن التشريع اعتبار، امره بيد معتبره، فمتى استفدنا من السيرة المتصلة بزمان الحضور جواز التخيير أغنتنا عن الرجوع إلى غيرها.
التبعيض في التقليد
التعريف
كلمة «التبعيض»، معجمياً، تعني تفريق الشيء إلى أجزاء.
وفقهياً: توزيع التقليد على الفتاوى، بأن يقلد العامي مجتهداً ببعض الفتاوى، ومجتهداً آخر بفتاوى أخرى.
الفرق بين التبعيض والتخيير
والفرق بين هذه المسألة ومسألة التخيير في التقليد هو أن التقليد في مسألة التخيير يكون لمجتهد واحد وفي جميع الفتاوى، بعد أن يختاره العامي من بين أكثر من مجتهد.
أما هنا فالتقليد يكون لأكثر من مجتهد، وبتوزيع التقليد على فتاواهم، فيقلّد العامي مجتهداً بفتاوى معينة ويقلد مجتهداً آخر بفتاوى أخرى.
فالعامي، في كلا الموضعين (التخيير والتبعيض)، هو مخير، إلاّ أنه في مسألة التخيير هو مخير بين أعيان المجتهدين بأن يختار مجتهداً واحداً بعينه فيقلده في جميع فتاويه.
وهنا، في مسألة التبعيض، هو مخيّر أيضاً ولكن بين الفتاوى، ويتبع التخيير بين الفتاوى التخيير بين أفراد المجتهدين.
فيأخذ بفتاوى من مجتهد وفتاوى أخرى من مجتهد آخر، فيكون اختياره للمجتهد تبعاً لاختيار فتواه.
ومن هنا نسقت هذه المسألة (مسألة التبعيض) على المسألة السابقة (مسألة التخيير)، فحيث يجوز التخيير يجوز التبعيض.
الحكم
والمعروف أن حكم المسألة هو الجواز إلا إذا لزم من التبعيض العلم بمخالفة الواقع فإنه لا يجوز.
وهذا مثل «ما لو ترك (العامي صلاة) الظهر بقول من يقول بوجوب (صلاة) الجمعة، وترك (صلاة) الجمعة بقول من يقول بوجوب (صلاة) الظهر»)[293](.
يقول أستاذنا السيد الخوئي، في (التنقيح، 1/305)، تعليقاً على قول صاحب العروة: (ويجوز التبعيض في المسائل): «قد اتضح مما ذكرناه في المسألة الثالثة عشرة من أن المكلف مخيّر بين المجتهدين المتساويينعند عدم العلم بالمخالفة بينهما ـ جواز التبعيض في المسائل، فإن للمقلد أن يقلّد أحدهما في مسألة، ويقلّد الآخر في مسألة أخرى لعدم العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى، بل يجوز له التبعيض في الرجوع بالإضافة إلى أجزاء عمل واحد وشرائطه، بأن يقلّد أحدهما في الاكتفاء بالمرة الواحدة في غسل الثياب، ويقلد الآخر في جواز المسح منكوساً ـ مثلاً ـ أو يقلد أحدهما في عدم وجوب السورة، ويقلد الآخر في الاكتفاء بالتسبيحات الأربعة مرة واحدة، وهكذا.
وذلك لأن فتوى كلا المجتهدين حجة معتبرة، وله أن يستند في أعماله إلى أيهما شاء.. هذا إذا خصّصنا جواز التخيير بين المجتهدين المتساويين بما إذا لم يعلم المخالفة بينهما في الفتوى كما مرّ ـ.
أما لو عممنا القول بالتخيير إلى صورة العلم بالمخالفة بينهما فالمقلّد ـ وإن جاز أن يبعّض في التقليد ويقلد أحدهما في عمل أو باب، ويقلّد الآخر في باب او عمل آخرين، كما لو رجع في عباداته إلى مجتهد، وفي معاملاته إلى مجتهد آخر ـ إلا أنه لا يتمكن من التبعيض في التقليد بالإضافة إلى مركب واحد بأن يقلد في بعض أجزائه أو شرائطه من أحدهما، ويقلّد في بعضها الآخر من المجتهد الآخر، كما لو قلد أحدهما في عدم وجوب السورة في الصلاة فلم يأت بها في صلاته، ورجع إلى أحدهما الآخر في الاكتفاء بالتسبيحات الأربعة مرة واحدة مع العلم بالمخالفة بينهما في الفتوى.
والوجه في ذلك: أن صحة كل جزء من الأجزاء الارتباطية مقيدة بما إذا أتى بالجزء الآخر صحيحاً، فمع بطلان جزء من الأجزاء الارتباطية تبطل الأجزاء بأسرها.
وإن شئت قلت: إن صحة الأجزاء الارتباطية ارتباطية، فإذا أتى بالصلاة فاقدة للسورة مع الاكتفاء بالمرة الواحدة في التسبيحات الأربع، واحتمل بعد ذلك بطلان ما أتى به لعلمه بأنه خالف أحد المجتهدين في عدم إتيانه بالسورة كما خالف أحدهما الآخر في اكتفائه بالمرة الواحدة في التسبيحات الأربع، فلا محالة يشك في صحة صلاته وفسادها، فلا مناص من أن يحرز صحتها، ويستند في عدم إعادتها إلى الحجية المعتبرة، لأن مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم الإعادة وبقاء ذمته مشتغلة بالمأمور به.
ولا مجتهد يفتي بصحتها، لبطلانها عند كليهما، وإن كانا مختلفين في مستند الحكم بالبطلان، لاستناده عند أحدهما إلى ترك السورة متعمداً، ويراه الآخر مستنداً إلى تركه التسبيحات الأربع ثلاثاً، ومع بطلانها عند كلا المجتهدين، وعدم إفتائهما بصحة الصلاة لا بد للمكلف من إعادتها، وهو معنى بطلانها».
الدليل:
وأشير، في غير مصدر، إلى استدلال القوم على الجواز بسيرة العقلاء وسيرة المتشرعة على نحو ما تقدم في المسألة المتقدمة.
العدول في التقليد
التعريف
يراد بالعدول في التقليد انتقال العامي بتقليده من مجتهد معين إلى مجتهد آخر، وذلك بأن يقلد مجتهداً معيناً ثم يعدل عن تقليده إلى مجتهد آخر.
الأقوال في المسألة
وقد وقعت هذه المسألة موقع الخلاف عند أصحابنا، وعلى ثلاثة أقوال، هي:
1 – القول بالتفصيل، وكالتالي:
ـ على رأي من يوجب تقليد الأعلم:
ـ إذا كان العدول من غير الأعلم إلى الأعلم فإنه واجب، ولا بد منه.
ـ إذا كان الأمر بالعكس بأن كان العدول من الأعلم إلى غير الأعلم، فإنه غير جائز.
إذا كان العدول عن مجتهد إلى مجتهد آخر مساوٍ له في العلم، فإنه جائز على رأي، وغير جائز على رأي آخر.
2 – القول بجواز العدول مطلقاً، سواء كان المعدول منه أو المعدول إليه أعلم أو غير أعلم.
3 – القول بحرمة العدول مطلقاً سواء كان المعدول منه أو المعدول إليه أعلم أو غير أعلم.
الأدلة
واستدل للتفصيل بأدلة تقليد الأعلم، وتقدمت في موضعها.
واستدل للقول بالجواز مطلقاً:
1 – بإطلاقات أدلة التقليد:
ببيان ان هذه الادلة الدالة على حجية فتوى المجتهد وجواز الأخذ بها لم تقيد بعدم عدوله عمن يقلده إلى غيره.
2 – بالاستصحاب:
بتقريب «أن المكلف، قبل الأخذ بفتوى أحدهما، كان مخيراً بين الأخذ بهذا أو بذاك لفرض أن المجتهدين متساويان، وفتوى كل منهما واجدة لشرائط الحجية، فإذا رجع إلى أحدهما وشككنا لأجله في أن فتوى الآخر باقية على حجيتها التخييرية أو أنها ساقطة عن الاعتبار حكمنا ببقاء حجيتها التخييرية بالاستصحاب، ومقتضى ذلك أن المكلّف مخيّر بين البقاء على تقليد المجتهد الأول والعدول إلى المجتهد الذي يريد العدول اليه»)[294](.
واستدل للقول بعدم الجواز مطلقاً:
1- بالأصل العقلي:
وهو ـ هنا ـ قاعدة الاشتغال، بتقريب: «أن الأمر في المقام يدور بين التعيين والتخيير في الحجية، والعقل قد استقل بلزوم الأخذ بما يحتمل تعينه، وذلك للقطع بأن الفتوى المأخوذ بها حجة معتبرة في حقالمكلف، وإنما التردّد في أنها حجة تعيينية أو تخييرية، وذلك للشك في جواز العدول إلى فتوى المجتهد الآخر.
إذاً حجية فتوى المجتهد الأول مقطوع بها فيؤخذ بها وفتوى المجتهد الآخر مشكوكة الحجية، والشك في الحجية يساوق القطع بعدمها)[295](.
2- بالاستصحاب:
«وتقريبه: أن الفتوى المأخوذ بها قد صارت حجة فعلية في حق المقلد بأخذها، أو أن الحكم الذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها قد تعين عليه، وحيث لا ندري أن الأخذ أو الالتزام علة محدثة ومبقية أو أنه محدثة فحسب، فنشك في بقاء الفتوى المأخوذ بها على حجيتها الفعلية وسقوطها عنها برجوع المقلد إلى فتوى المجتهد الآخر، أو نشك في بقاء الحكم الفرعي على تعينه فنستصحب حجيتها الفعلية أو بقاء الحكم على تعينه.
ومقتضى هذا عدم جواز العدول»)[296](.
هذه عمدة ما ذكروه من أدلة في المقام وعلى نحو مختصر.
والأصل استصحاباً أو غيره لا تصل النوبة إليه عند قيام الدليل)[297]( على المسالة ونهوضه بها، ذلك أن سيرة المتشرعة أخذاً بما وجه الأئمة المعصومون أتباعهم في مجال التقليد، تعرب ـ تاريخياً ـ عن أن المكلف الذي كان يسكن خراسان ـ مثلاً ـ ويرجع إلى أحد الرواة الفقهاء هناك، ثم يهاجر إلى الكوفة فإنه يرجع فيها إلى من هو موجود من الرواة الفقهاء.
ولا يفسر مثل هذا بغير العدول في التقليد.
ويرجع هذا ـ متى بعدنا عن التأثير بمعطيات الفلسفة ـ إلى أن مشروعية الرجوع إلى المجتهد قائمة باجتهاده، وحجية فتواه مستندة إلى دليلها، وهما متوفران في كل مجتهد توفر على شرائط الإفتاء وجوازتقليده.
وقد كان هذا، يقع بمرأى ومسمع من المعصومين عليهم السلام.
عبد الهادي الفضلي
آيات الأصول
البحر الزاخر في أصول الأوائل والأواخر
للإمام السيد مهدي القزويني المتوفى 1300هـ
تحقيق: الدكتور جودت القزويني
النسخ المخطوطة
اعتمدتُ في تحقيق آيات الأصول على نسختين خطّيتين:
الأولى: نسخة مكتبة آية الله الحكيم العامة بالنجف، وهي نسخة متينة الخط، يبدو أنّها كُتبتْ عن نسخة المؤلف في 19 رمضان 1293هـ. علماً أن تجديد مسودة الأصل كان في 11 رمضان 1293هـ. أي أنّ هذه النسخة مكتوبة بعد أُسبوع واحد من فراغ تجديد مسودة المؤلف منها.
وهي تقع في (29) صفحة، وكلّ صفحة تشتمل على ما يقرب من (13 – 18) سطراً.
الثانية: نسخة مكتبة آل كاشف الغطاء (النجف) كتبها عبد الرضا جعفري زاده عن نسخة كتبها محمد الحسين القفطاني ضحى يوم الأربعاء 7 رمضان 1306هـ. وهي تقع في (39) صفحة، وكلّ صفحة منها تتضمن (18) سطراً حتى الورقة الثالثة والعشرين، ثم تصبح عشرين سطراً، وغالباً ما يضمُّ السطر (10 ـ 12) كلمات.
وفي هذه النسخة الكثير من السقط، والارتباك. إلاّ أن هاتين النسختين أصبحتا مكملتين الواحدة للأخرى، كما أني استفدتُ من نسخ خطيّة أخرى، أهمها نسخة العلاّمة السيد محمد صادق بحر العلوم المتوفى سنة 1399هـ/ 1979م المحفوظة بمكتبته بالنجف.
رتَّب المؤلف رسالته على إلهامات وخاتمة. لكنّ مباحثه تداخلت بعدما قسّم الإلهامات إلى واردات وأدلة خصوصاً في المبحث الأول، والمبحث السابع (في حجيّة الأدلة الأربعة).
وكان قد أدخل الدليل الثاني (السُنّة)، والدليل الثالث (الإجماع) ضمن الإلهامات ليكونا (الإلهامين الثامن والتاسع) ضمن تسلسل البحث. أمّا ما يخصّ دليل العقل الرابع فقد أفرده في الإلهام العاشر.
وختم تقسيمه بالإلهام الحادي عشر (في الاجتهاد والتقليد).
كما أغفل عندما تحدّث عن (الأوامر) في الإلهام الثاني الوارد الأول، واكتفى بالحديث عن أقسام الواجب فقط. أمّا ما أراده من الوارد الأول فيبدو أنَّه دمجه مع بحث الأوامر دون أن يفرده بوارد خاص به.
وقد اعدتُ للرسالة تسلسلها فأرجعتُ الدليل الثاني (السُنّة) والدليل الثالث (الإجماع) إلى الإلهام السابع، وأبقيتُ مبحث الأدلة العقلية مستقلاً في الإلهام الذي أُبدل تسلسله من العاشر إلى (الثامن) حفاظاً على تقسيمه إلى واردين اثنين لكيلا تختلط مباحثهما، ويتداخل بعضها مع الآخر.
وكان عملي منصبّاً على ضبط النصّ ما وسعني ذلك لاضطراب النسختين الخطيتين، وعدم تكاملهما.
وتُعتبر رسالته (آيات الأصول) من مبتكرات العلاّمة المؤلف حيث استطاع من خلال توغّله بعلم الأصول، واستحضار مباحثه إلى استنباط قواعده من الآيات القرآنية، وإرجاع أصوله إلى القرآن باعتباره علماً متميزاً بالمسلمين وحدهم لم تشاركهم فيه الأمم والحضارات السابقة عليهم ولم يكن منقولاً عن تراث قديم، كما هي الحال في علوم الفلسفة والمنطق، وغيرهما.
وقد ورد تعريف لهذه الرسالة فيما كتبه ولد المؤلف العلاّمة السيد حسين القزويني عن تعداد مؤلفات أبيه بقوله:
رسالة «آيات الأصول» مبتكرة في بابها. جمع فيها كل آية يمكن أن يُستدلّ بها على مطلب أصولي، مرتباً لها على أبوابه، من أول المبادئ اللغوية إلى آخر التعادل والتراجيح، والكثير منها لم يذكره الأصوليون في كتبهم.
آيات الأصول
البحر الزاخر في أصول الأوائل والأواخر
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي ألهمنا من حقائق التنزيل، ما يهدي عباده إلى سواء السبيل، من كلّ دليل. وصلّى الله على محمّد وآله المحيطين بمراتب التأويل.
وبعده: فيقول الراجي عفو ربّه الغني، مُحمّد بن الحسن المدعو بمهدي الحسيني الشهير بالقزويني: هذه جملة ما استنبطنا دلالاته من الآيات القرآنية، المتعلّقة بالأصول الفقهية، وتيسَّر لدينا مما اغترفناه من البحور الإلهية، مما لم تسبق إليه أفهام العلماء الراسخين، ومما لم تصل إليه أفكار السابقين، فإن القرآن العزيز بحرٌ زاخر، يخوض فيه كُلُّ وارد وصادر، ويَرِدُ منه كُلُّ واصل وقاصر، وكم ترك فيه الأول للآخر، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاءُ من عباده، إنّه وليُّ التوفيق، وسمّيتها: «البحر الزاخر في أصول الأوائل والأواخر»، ورتَبتها على إلهامات، وخاتمة.
الإلهام الأول
في المبادئ اللغوية
وفيه واردات:
الوارد الأول
في بيان الواضع
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (وعلّم آدم الأسماء كُلّها))[298](.
الآية الثانية: قوله تعالى: (الرّحمن، عَلَّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان)([299](.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (ومن آياته… واختلاف ألسنتكم وألوانكم)([300](.
فإن هذه الآيات الثلاثة دالةٌ بقرينة التعليم للأسماء، الذي هو جمع مُعَرَّف باللام، وهو حقيقة في العموم سواء أريد بالأسماء الألفاظ أو المسمّيات بواسطة دلالة الألفاظ عليها. والتعليم للبيان الذي هو عبارة عن إبداء)[301]( ما في الضمير بواسطة التعبير، وعمومه لتعليق الحكم على الطبيعة، أو بدليل الحكمة، أو لفهم العرف منه العموم في المقامات البيانيّة الاستدلالية.
وكون المراد من الاختلاف في الألسن إرادة اختلافها بأصناف اللغات لا بالأجرام)[302](، ونفس النطق بحركاته وإن احتمل ذلك بقرينة مقابلة الألوان)[303](.
إلاَّ أنّ المقابلة أظهر في توضيح المعنى الأول بعد كون الإنسان مخلوقاً من مادة واحدة ومن الوالدين فإنّه يقتضي إتحاد الأفراد من كل وجه كالمضروب من الخواتيم المنقوشة. إلاّ أنّ إبداع الصنع منع الاتحاد بالمادة والصورة والنوعيتين، واختلاف الألسن بالنطق والبيان واختلاف ألوان الصور الشخصية فإنه من كمال الصُنع والإبداع بحيث لا يُشبه أحدٌ أمّه وأباه، ولا أعمامه ولا أقرباءه، إلاّ النادر القليل بغير التأمل والتفصيل. ومع ذلك لا يكاد يحصل الإتفاق من كُلّ وجه بلا نزاع وشقاق. فهي إذن صريحة الدلالة على انّ الواضع للغات هو الله سبحانه وتعالى، وإن كانت في الآيات الثلاثة مناقشاتٌ، إلاّ أن الإعراض عنها أجدر.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، إلى قوله تعالى: (علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم))[304]( فإنّ فيها دلالة بعموم التعليم أنّ واضع اللغة اللفظيّة من كُلّ من التعبيرية والكتابية هو الله سبحانه وتعالى.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه)([305]( فإنه يمكن أن يستدل بها على عكس ما ذكرناه من دلالة الآيات الأربعة الأوّل، وهو كون الواضع للغة هو البشر حيث أُسند اللسان إلى القوم لا إلى الرسول. إذ المراد باللسان اللغة ـ كما عرفت ـ لأن التعليم للغير من الله سبحانه وتعالى إنّما يكون بواسطة الوحي الإلهي، فإذا كان الرسول المُوحَى إليه مبعوثاً بلسان قومه مما يدلّ على سبق معرفة اللغة على الرسالة، ولا يكون ذلك إلاّ بوضع البشر، وإن كان ذلك بأقدار البشر.
أما على ما نقوله من سرّ الأمر بين الأمرين، أو ما تقوله المعتزلة من تفويض البشر في الأفعال والأقوال فظاهر، وأمّا على ما تقوله الأشاعرة من الجبر، وإنّ الأقوال كالأفعال مخلوقة لله تعالى فإنّ للعبد فيها كسباً. لأنهم يقولون بجريان عادة الله تعالى في خلق الأفعال عند إرادة الفعل، فيكون الكلام مخلوقاً عند إرادة النُطق، وإن كان الإيراد لازماً للأشاعرة القائلين بأنّ الواضع هو البشر. والأقوى أنّ الجمع بين الآيات أن الإرسال بلسان القوم لا ينافي كون اللسان موضوعاً لله تعالى بوحي سابق أنزله على آدم (ع) أبي البشر. كما ورد أن الله عزّ وجلّ أنزل حروف المعجم على آدم (ع) في اثنين وعشرين صحيفة أو أن المراد بالعلم الإلهام، أو أن المراد من الوضع أنّ الخلق والإيجاد من الله فإنّه سبحانه وتعالى دعا كل مكون باسمه، فيكون الوضع بهذا المعنى من الله تعالى، وأمّا إذا أريد به بمعنى الجعل والتعيين فإن الواضع هو البشر.
كما أن هذه الآية بعمومها تدلّ على ثبوت الحقيقة اللغوية والعرفيّة العامة والخاصة لأنّها من لسان القوم دون الحقيقة الشرعية لأنها ليست من لسان القوم، وإنّما من لسان الرسول، موقوفة على بيانه، سواءً قلنا أنَّ الشارع هو المبدع أو المبيّن.
وكذلك تدلُّ على ثبوت المجاز اللغوي والعُرفي دون المجاز الشرعي على إشكال. وتدل على ثبوت الاشتراك والترادف، والنقل والارتجال والإضمار، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمُبيّن، والظاهر، والمُؤوّل، والمُحكم والمتشابه، والمنطوق والمفهوم، والرمز والإشارة، والتصريح والتلويح، والكناية والاستعارة فإنَّ جميع هذه الصفات للألفاظ من لسان القوم.
الآية السادسة: قوله تعالى: (وليكتب بينكم كاتب بالعدل))[306]( إلى آخر الآية. مما يدلّ على وضع الكتابة، واعتبار ما في العقود وترتب الأحكام في الشهادات والوكالات والوصايا والولايات وغيرها من الأعيان والديون.
الآية السابعة: (اذهب بكتابي هذا فالقه إليهم ثم تولّ عنهم فانظر ماذا يرجعون))[307]( فإنّه يدلّ على وضع الكتابة، والعمل بمداليلها لتضمن الكتاب الدعوة إلى الإسلام، وأصول الدين التي لا يؤخذ بها إلا باليقين. فدلالتها على العمل بالفروع أولى من الأصول للاكتفاء فيها بالظن.
الوارد الثاني
في الموضوع
وفيه آيات، وهي:
الآية الثامنة: قوله تعالى: (إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلّم اليوم إنسياً)([308]( فإنها تدلّ على أن الكلام هو اللفظ بقرينة المقابلة بالصوم، المراد به السكوت.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (ألاّ تُكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً))[309]( فإنّها تدلّ بناءً)[310]( على كون الاستثناء فيها متصلاً على إطلاق الكلام على الإشارة حيث يكون من نوعه، وإلاّ فمع)[311]( الانقطاع، فإطلاقه عليها من باب المجاز.
الآية العاشرة: قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحياً أو من ورائ حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء)([312]( مما يدل على إطلاق الكلام على ما في النفس من الإلهامات. وعليه فإنه يكون دليلاً للأشاعرة على إطلاق الكلام على النفسي حقيقة، وهو ضعيف لاحتمال أن يُراد كون الملهم هو اللفظ دون المعنى لأن كلام الله مخلوق فإنه يخلقُهُ في النفس كما يخلقه في شجرة الطُور. ويطلق على اللفظي المسموع ـ كما بُيِّن ـ)[313]( حقيقة بقوله (أو من ورآءِى حجاب) وهو الكلام اللفظي المخلوق. وفي الآية أيضاً دلالة على نسبة الحكاية من الكلام إلى المحكي عنه، وإلى الحاكي مجازاً.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم))[314]( فإنه يدلُّ على ثبوت الحقيقة الشرعية فإنّ من جملة قول القرآن أسماء العبادات والمعاملات المرسومة فيه مما لا يعرف أهل اللغة معناه من الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والاعتكاف والحج والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبيع والصلح، والإجازة والنكاح، ونحوها، والخُلع، والظهار والإيلاء واللعان ونحو ذلك، وإنّه يطلق إسم المتكلّم على الحامل لكلام الغير والحاكي مع كون الكلام هو كلام الله، وأنه يدل على صدق المشتق مع عدم قيام مبدأ الإشتقاق بالذات لقوله تعالى: (وكلَّم الله موسى تكليماً))[315]( مع كون الكلام قائم بالشجرة.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (إن الصلوة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا))[316]( فإنّه يُستفاد من هذه الآية وضع اسم الكتاب للصلاة، فتثبتُ الحقيقةُ الشرعية بذلك.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان)([317]( فإنّها تدل على أنّ الفاسق اسم لغير المؤمن بالوضع الشرعي.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء.. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا))[318]( فإنها تدلُّ على أنّ اللغة توقيفية وأنه لا دخل للرأي والعقل والقياس في تفسير الألفاظ، وأنّ دلالة الألفاظ على معانيها وضعيّة لا عقليّة ولا طبعيّة كما يزعم عباد بن سليمان الصيمري)[319](. بدليل قوله تعالى: (يآدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون))[320](.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (وتخلقون إفكاً))[321]( مما يدل على ثبوت المجاز لأنَّ الإفك غير الحقيقة، وهو أعمُّ من الكذب.
السادسة عشرة: قوله تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم)([322]( فإن فيها دلالة على ثبوت المجاز في اللغة لقوله تعالى: (ما نزّل الله بها من سلطان))[323]( وإلاّ لكان إطلاق الآلهة على الأصنام إطلاقاً حقيقياً، والتالي باطل عقلاً ونقلاً.
السابعة عشرة: قوله تعالى: (ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى))[324]( فإنَّه مما يدلّ على اشتراط العلاقة في المجاز، وإذ لا علاقة قاضية بجواز إطلاق إسم الأنثى على الملائكة، فلا يصحُّ الإطلاق. كما يدلُّ عليه الإنكار من الله عزّ وجلّ.
الوارد الثالث
في بيان علامات الحقيقة والمجاز
وفيه آيات، وهي:
الثامنة عشرة: قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً))[325]( فإنها تدلُّ على أنّ عدم صحة السلب علامة الحقيقة بدليل النهي عن سلب اسم المؤمن عمَّن ألقى السلام.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم))[326]( فإنها تدلُّ على أنّ صحة السلب من علائم)[327]( المجاز بدليل قوله تعالى: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله))[328](، ومع ذلك تدلُّ على أصالة الحقيقة.
العشرون: قوله تعالى: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمهاتهم إن أمهاتهم إلا التي ولدنهم))[329]( فإنها تدل على أن صحة السلب من علائم)[330]( المجاز بدليل قوله تعالى: (إن أمهاتهم إلا اللاتي) الآية.
الآية الواحدة والعشرون: قوله تعالى: (والسابقون السابقون أولئك المقربون))[331]( فإنها تدلُّ)[332]( على أنّ التبادر من علائم الحقيقة، لأن التبادر هو سبق المعنى من إطلاق اللفظ إلى الفهم، وكل سابق مقرب فالمتبادر هو المعنى الحقيقي.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه))[333]( فإنه يدل على عدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، سواءً كانا حقيقيين كالمُشترك، أو مجازيين، أو حقيقة ومجاز للتنافي بين المرادين.
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أُولى الأمر منهم)([334]( مما يدل على حجيّة الدلالات الالتزامية)[335](، وفحاوى الخطاب والرموز والإشارات والبطون، لأنّ الاستنباط لا يقع في الدلالات المطابقية)[336](.
الرابعة والعشرون: إنه يستفاد من آيتي الحمل والفصال)[337]( حجيّة دلالة الإشارة.
الوارد الرابع
في الموضوع له
وفيه آيتان:
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين)([338]( فإنه يدلُّ على أن الألفاظ موضوعة للمعاني الذهنيّة كما أنّها موضوعة للأمور الخارجية بدلالة صدق اسم القرآن في الآية السابقة على القرآن القولي والمعنوي.
السادسة والعشرون: قوله تعالى: (بل هو ءَاَيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)([339]( فإنه يدل أيضاً على إطلاقه على المعنى الذهني. كما أنّ الآية تدلُّ على أنّ الموجود من القرآن بشخصه لا نوعه، وإن إحتُمل الأخير.
الوارد الخامس
في بيان المشتق
مضافاً إلى ما سبق، وفيه آيات، وهي:
السابعة والعشرون: قوله تعالى: (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا)([340]( فإنّ فيها دلالةً على اشتراط وجود المبدأ وثبوته في صدق المشتق وأنّه لا يصلح الوصف بدونه.
الثامنة والعشرون قوله تعالى: (أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء)([341](، مما يدل أيضاً على عدم صدق المشتق مع عدم وجود المبدأ، أو قيامه به.
التاسعة والعشرون قوله تعالى: (الذين قالوا ربنا الله)([342]( يدل على عدم جواز صدق المشتق مع عدم بقاء مبدأ الاشتقاق. ومثله قوله تعالى: (وألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا)([343](، وقوله تعالى: الذين هم على صلاتهم دائمون)([344]( في الدلالة على الاشتراط.
الثلاثون: قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)([345]( مما يدلّ على أن أسماءه تعالى توقيفية، وأنّ التصرّف بأسمائه إلحاد. ومثله قوله تعالى: (قل ادعو الله أو ادعو الرحمن أياً ما تدعو فله الأسماء الحسنى)([346](، وإن احتمل العكس، وأنّهما يدلان على أن الإطراد علامة الحقيقة، وعدمه علامة المجاز)[347](.
الإلهام الثاني
في الأوامر
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة))[348]( فإنّها تدلّ على أن المراد بالأمر الفعل لأن فعل الله سبحانه وإيجاده واحد (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت)([349](. وليس المراد به القول لتعدد خطاباته فيدل على كون إطلاق الأمر على الفعل حقيقة. ومثله قوله تعالى: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)، وقوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا).
الآية الثانية: (قالت يا أيها الملؤا أفتوني في امري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون، قالوا نحن أُولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين)([350]( فإنّ الظاهر أن المراد من الأمر الأول في صدر الآية الفعل، والمراد بالأمرين الأخيرين القول، فيكون لفظ الأمر إمّا حقيقةً في أحدهما، مجازاً في الآخر، أو مشتركاً بينهما. ولعلّ الأخير أقوى لاتحادهما في الإطلاق، وكثرة الاستعمال، واختلافهما بلفظ الجمع، فإنّ الأول يُجمع على أمور، والثاني على أوامر، وقرينة المقام للتعيين لا للصرف من أحدهما إلى الآخر.
الثالثة: قوله تعالى: (قال للمَلإ حوله إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون))[351]( فإنّ هذه الآية تحتمل إرادة القول أو الفعل، والأول أظهر. وتدلُّ على عدم اشتراط العلو، أو الاستعلاء في الأمر مع احتمال المجازية واستعماله على طريقة الاستعطاف والآداب.
الرابعة: قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)([352]( فإنّها ظاهرة في إرادة القول في الأمرين معاً، وتدل على أنّ ا لأمر للوجوب لغةً وعرفاً وشرعاً بقرينة ترتب العصيان على تركه.
الخامسة: قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم))[353]( فإنها تدل أيضاً على ان الأمر للوجوب لغةً وشرعاً. أما الثاني فظاهر لنص الآية. وأمّا الأول فلعموم قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه))[354](.
السادسة: قوله تعالى: (فافعلوا ما تؤمرون))[355]( فإنّها تدلّ على أن الأمر للوجوب أيضاً حيث أوجب الأخذ بالأمر، والعمل به.
السابعة: قوله تعالى حكاية عن موسى (ع): (أفعصيت أمري)([356]( فإنّها تدلّ على كون الأمر للوجوب بدلالة الإنكار عليه بالعصيان في الترك، والعاصي مستحقٌ للعقاب بدليل قوله تعالى: (ومن يعصِ الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها))[357](، ولو لم يكن للوجوب لما صدق العصيان، ولما استحق العقاب.
الثامنة: قوله تعالى مخاطباً لإبليس: (ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك))[358]( فإنّها مع دلالتها على كون الأمر للوجوب دالّة على أن للأمر صيغةً تخصّه، وهي صيغة أفعل، إذ المراد منه الأمر المشار إليه في الآية قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا))[359](.
التاسعة: قوله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)([360]( فإنها أيضاً تدلُّ على أن (أفعل) صيغة للأمر، إذ المراد بالأمر هنا لفظة (كن) التي هي منشأ الكائنات.
العاشرة: قوله تعالى: (إلاّ إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه))[361]( وهو دليل الوجوب، وإلاّ لم يترتب الفسق على المخالفة إن أريد به الكفر مع الإصرار عليه، وإن أريد به نفس المخالفة فهو أوضح في الدلالة إذا كان في معرض الذمّ.
الحادية عشرة: قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون))[362]( فإنّها مع دلالتها على كون (أفعل) صيغة للأمر دالة على كونها للوجوب كالأمر حيث ذمَّهم على ترك الركوع بمجرّد القول.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين))[363](.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)([364](.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه)([365](.
فإن هذه الآيات الثلاثة تدلّ على أن الأصل في الأمر أن يكون عبادة بالمعنى الأخصّ. كما تدلّ على وجوب مباشرة المأمور للفعل.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (والّذين يصلون ما أمر الله به أن يُوصل))[366]( فإنّها دالّة على كون الأمر للوجوب بدليل مدحهم على الامتثال)[367](. وقوله تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل))[368]( فإنّها تدل على الوجوب بقرينة ذمّهم على عدم الامتثال.
السادسة عشرة: قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث))[369]( فإنّها تدل على أنّ الأمر للطبيعة ولا دلالة فيه ولا إشعار بمرّة، ولا تكرار، وأنّ الطبيعة تصدق بالدفعة.
السابعة عشرة: قوله تعالى: (وما أمرنا إلا واحدة))[370]( يدلّ على أن الأمر للماهية. إذ المراد بالواحدة الواحدة الحقيقية المتحدة، لا الواحدة التي هي المرّة.
الثامنة عشرة: (إن الله يأمُركم أن تذبحوا بقرة))[371]( فإنها تدلّ على أن الأمر متعلق بالماهيّة. وإرادة الطبيعة واستفادة الوحدة إنّما هي من التنوين.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم))[372]( فيه إشعار بدلالة الأمر على التكرار، أو الدوام. وفيه دلالة على أنّ الأمر للندب.
العشرون: قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم))[373]( الآية، فإنّها تدل على أن الأمر للفور.
الحادية والعشرون: قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات))[374]( الآية فإنها أيضاً تدل على أن الأمر للفور.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: (إنّهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً))[375]( فيها إشعار بأن الأمر للفور. ومثله قوله تعالى في الآية السابقة: (والسابقون السابقون))[376]( فإنها تدلّ على الفورية.
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلواة فانتشروا في الأرض))[377]( فإنّها تدلّ على أن الأمر بعد إيهام الحضر للإباحة.
الرابعة والعشرون: قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلواة)([378]( فإنّها تدلُّ على أنّ الأمر بالأمر أمر.
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلوة)([379]( فإنّها تدل على أن الأمر بالأمر أمر.
السادسة والعشرون: قوله تعالى: (ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدة)([380]( فإنّها تدلّ على وجوب باب المقدمة.
السابعة والعشرون: قوله تعالى: (وأعدّوا له ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)([381](، الآية، فإنّها تدلّ أيضاً على وجوب المقدمة.
الثامنة والعشرون: قوله تعالى: (ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كُتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)([382]( فإنها تدلّ مع دلالتها على اعتبار المقدمة وملحوظيتها تدلّ على ترتّب الثواب عليها.
التاسعة والعشرون: قوله تعالى: (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون)([383]( فإن في هذه الآية تمام الدلالة على كون المطلوب في الأصول والفروع الموافقة الواقعية وارتكاب الأخذ بالمتيقن من باب المقدمة. وبذلك تحصل الدلالة على وجوب المقدمة العلميّة في الفعل والترك، بل وجوب المقدّمات الظنيّة والمحتملة والمشكوك فيها. ويدل على أنّ أصالة الشغل تُوجبُ الإتيان بما يخرج عن عهده التكليف على وجه اليقين لأنّ ترك ما أشركوا به إن لم ينفع فلا ضرر فيه بخلاف الإشراك بالله فإنّه ضرر محض.
الثلاثون: قوله تعالى: (الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)([384]( فإنَّ في هذه الآية دلالة على أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه. لأنّ العمل الصالح إن قلنا بأنّه من أركان الإيمان، ولا يكفي الإقرار باللسان، ولا الاعتقاد بالجَنان، بدون العمل بالأركان فلا إشكال إنّ ترك العدل وارتكاب الظلم الذي هو خلاف العدل مُوجبٌ لسلب الإيمان بالكليّة، فلا أمن فيه، ولا عمل بدونه. وإن قلنا بأنّ الإيمان مجرد الاعتقاد والتصديق باللسان، والعمل من مكملاته فلا إشكال أنّ فعل الضد من عبادة مع ترك الضد الآخر المضيّق موجب لارتكاب الإثم، وتحمل المعصية بضميمة العبادة الموجب فعلها لتركه، وذلك موجب لارتكاب المعصية بفعل الطاعة، ولا يطاع الله من حيثُ يُعصى. فالعبادة الواقعة اللازمة للمعصية غير مرادة للشارع، بل نهى عنها.
الواحدة والثلاثون: قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكورا)([385]( فإنّ في هذه الآية إشعاراً بل دلالة على ملازمة القضاء للأداء وبالعكس، بناءً على أنّ المراد أنّ كُلاًّ من الوقتين يخلف الآخر فيما يفوت الإنسان فيه من الأعمال. فما يفوت في الليل يتدارك بالنهار وبالعكس. وفيه إشعار إذا قلنا بأنّ الأمر للفور، وفات في الزمان الأول فإنّه يجب الإتيان به في الزمان الثاني. ويدلّ على ثبوت التوسعة في القضاء لإطلاق الإستخلاف فيهما في أيّ جزء كان سواءً تخلل بينهما واجب آخر أم لا. وفيه احتمال تعيين قضاء الفائتة الليلية في نهارها، والنهارية في ليلتها، أو على تعيين قضاء فائتة اليوم أو المتحدة قبل الأدائية. ورُبما يُستفاد من قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلف الليل والنهار) هذا المعنى من الاختلاف على أن يكون التخلّف لا التخالف.
الثانية والثلاثون: قوله تعالى: (كلاّ لما يقض ما أمره)([386]( فإنّ فيه إشعاراً على ملازمة الأداء للقضاء وبالعكس على أن يكون المراد من القضاء معنى تدارك ما فاته من الأمر مع احتمال كون المراد بالقضاء المنفي عدم الإتيان بالمأمور به مطلقاً لعدم ثبوت الحقيقة الشرعية للقضاء، وعدم دلالة الحقيقة اللغوية عليه. لأنّ للقضاء في اللغة ولسان الشارع إطلاقات، منها الحكم، ومنها الإلزام، ومنها معنى الخَلْق والإيجاد على حدّ قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) ([387](، وقوله: (فقضاهن سبع سموات)([388]( الآية، و(فاقض ما أنت قاضٍ)([389]( من إرادة الحكم لا الإلزام من الآية الأولى، والخلق من الآية الثانية والثالثة.
الثالثة والثلاثون: قوله تعالى: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه)([390]( فإنّ هذه الآية مما تدلّ على أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء فإنّه لا يكون خيراً إلاّ أن يكون مجزياً إذ لا خير في غير المجزي من الأعمال، وهو بمعنى حصول الامتثال وترتب الثواب عليه بدليل عدم الكفران. وفي دلالته على معنى سقوط القضاء، أو عدم وجوب التعبّد به ثانياً إشكال. وفيها أيضاً دلالة على عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، وإنّ النهي عن الضدّ لا يقتضي الفساد لدلالتها على عدم إحباط الطاعة بالمعصية، والجمع بينهما يقتضي العمل على الأخير. وفيها أيضاً دلالة على ملازمة الإجزاء للقبول.
الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه، وإنا له كاتبون)([391](، ومثله قوله تعالى: (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغا ءوجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)([392]( فإنها أيضاً تدلّ على اقتضاء الأمر للإجزاء، وعدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاص، أو عدم اقتضاء النهي التبعي الفساد، وملازمة الإجزاء للقبول.
الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: (وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى)([393]( فإنّ في هذه الآية دلالة على ملازمة الإجزاء للقبول أيضاً خلافاً للمرتضى([394](.
السادسة والثلاثون: قوله تعالى: (ومن يُرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين)([395]( فإن في هذه الآية، وما قبلها من الآيات دلالة على أن ترتّب الثواب بحسب النية والعزم لا بمجرد الجعل والقبض واللطف من الله، وإن كان كُلّ ذلك بلطفه، أو بحسب العقل من لزوم ثبوت الجزاء على العمل. ويؤيده آيات النيّة وأحاديثها وإلاّ إذا أريد به وجه الله تعالى من غير قصد شيء من ذلك ولا تعيين ثواب فإنّه يكون مرجعه إلى الله حسبما يراه الله تعالى من مصلحة العبد في الدنيا والآخرة ويكون من الجزاءات العقلية لا الشرعية التعبّدية الموظّفة على تلك العبادة. ومن هنا اختلفت مراتب العبادة على حسب المعرفة. أما الأول فلقوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته)([396](، وقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)([397](. وأمّا الأخير فلقوله تعالى: (أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى)([398](.
الوارد الثاني
في أقسام الواجب
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس)([399]( مما يدل على الوجوب العيني([400]( بضميمة قوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله)، وغيرها مثلها مما صُدّر من الآيات في الأحكام بـ (يا أيها الذين آمنوا) و(يأيها الناس) وقوله تعالى: (إن كنتم تحبون الله).
الثانية: قوله تعالى: (أقم وجهك للدين)([401]( يدل على الوجوب المعيّن.
الثالثة: قوله تعالى: (أقم الصلوات لدلوك الشمس)([402]( الآية، وقوله تعالى: (وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة)([403](، وقوله: (ولله على الناس حج البيت)([404]( وغيرها من الآيات. فكما تدلّ على الوجوب العينيّ فإنّها تدلّ على الوجوب المعيّن.
الرابعة: قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)([405]( فإنّ هذه الآية تدلّ على ثبوت الواجب الكفائي.
الخامسة: قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)([406]( مما يدل على ذلك أيضاً.
السادسة: قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)([407]( الآية مما يدل على ذلك أيضاً. ومثلها آيات متعددة.
السابعة: قوله تعالى: (فأينما تولوا فثمّ وجه الله)([408]( بعد قوله: (فولّ وجهك شطر المسجد الحرام)([409]( مما يدل على ثبوت الواجب التخييري. ومن ذلك الآيات الدالة على وجوب الكفّارة الرمضانية، وكفارة الظهار تخييراً وترتيباً.
الثامنة: قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)([410]( مما يدل على عدم جواز التكليف بما لا يُطاق، وعدم جواز الأمر مع العلم بانتفاء الشرط الوجوبي لأنه من المحال، وجواز التكليف إلى حدّ الوسع.
التاسعة: قوله تعالى: (واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون)([411]( مما يدل على وجود الواجب الموسع.
العاشرة: قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)([412]( فإنّه مما يدل على أصالة التوسعة في الواجبات لأنّ التضييق حرج في الدين.
الحادية عشرة: قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)([413]( مما يدل على ثبوت التوسعة كذلك لأنّها من اليسر.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس)([414](، وغيرها من الآيات المتقدمة، مما يدلّ على أن الكفّار مخاطبون بالفروع والأصول لعموم الرسالة بكل شيء من أصل، أو فرع إلى كل واحد.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)([415](.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه)([416]( مما يدل على أن من يدين([417](، بدين قوم لزمه حكمهم، وعلى الإلزام بما ألزموا به أنفسهم.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم)([418]( مما يدل على جواز تبعيض المأمور به المركب، ووجوب الإتيان ببعضه، ولا ينتفي بانتفاء الجزء وذلك في الأوامر النفسية لا إشكال فيه إلاّ ما أخرجه الدليل. وفي دلالة الآية على جواز التبعيض في الأوامر التبعية من مقدمات الواجب بحيث لا يلزم منه تحصيل اليقين مطلقاً حيث يلزم منها العسر والحرج أو تعذر الإتيان بالجميع، وجواز الإكتفاء بالظن، ولا يدلّ على وجوب العمل بمقدمة الواجب ما لم يعارضه دليل العسر والحرج.
الإلهام الثالث
في النهي
وفيه آيات:
الأولى: قوله تعالى: (إني نُهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله)([419]( مما يدل على أنّ النهي يدلُّ على طلب الترك، ومطلق المنع، الظاهر في الحرمة شرعاً.
الثانية: قوله تعالى: (وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)([420]( والأمر للوجوب فيقابله النهي في الحرمة.
الثالثة: قوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر)([421]( إلى قوله تعالى: (فهل أنتم منتهون) فإنّه يدلّ على كون النهي للتحريم بدليل وقوعه في مقام التوبيخ.
الرابعة: قوله تعالى: (كلّ ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً)([422]( مما يدلّ على إطلاق الكراهة على الحرمة لأن ما تقدّم مما نهى الله تعالى عنه في الآيات المتقدمة على هذه الآية مجمع على حرمته ضرورةً كتاباً وسنّة.
الخامسة: قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)([423]( مما يدل على أن النهي عبارة عن كفّ النفس عن الفعل المنهي عنه، لا نفس لا «تفعل»، لعدم صدق الإجتناب بدونه. وتحتمل دلالته على العكس.
السادسة: قوله تعالى: (ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً)([424]( مما يدل على أنّ النهي (نفس لا تفعل) بدليل أنّه تعالى مدح أقواماً في الآية على عدم الفعل.
السابعة: قوله تعالى: (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة)([425](، وقوله تعالى حكاية عن قول إبليس: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين)([426]( الآية مما يدلّ على أنّ للنهي صيغة تخصّه، وهو قوله: (ولا تقربا هذه الشجرة)([427](.
الثامنة: قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)([428]( مما يدل على عدم جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد شخصي لامتناع اجتماع الإرادة والكراهة في محل واحد مورداً ومتعلقاً إذ لا تكون الإرادة إلاّ والمراد معها.
التاسعة: قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ)([429]( مما يدلّ على جواز اجتماعهما بدليل المدح في الآية على عدم ارتكاب الإثم مع الطاعة.
العاشرة: قوله تعالى: (إنما يتقبّل الله من المتقين)([430]( مما يدلّ اقتضاء النهي الفساد في العبادة المشتملة على النهي شرعاً أو عقلاً.
الحادية عشرة: قوله تعالى: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض)([431]( مما يدل على أنّ النهي في المعاملة يقتضي الفساد، لأنّ ما ليس تجارة عن تراض من الأكل بالباطل. والمراد به غير الصحيح من المعاملة، وهو الفاسد لا ما كان فيه إثم فقط.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم)([432]( فإن فيها دلالة على أن عدم النهي عن الشيء يفيد جواز الإتيان بالضد، أو الأمر به.
الإلهام الرابع
في المنطوق والمفهوم
وفيه آيات:
الأولى: قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه))[433]( فإنّها بعمومها تدل على حجية المفهوم كالمنطوق لأنه من لسان قومه مع اشتمال القرآن على كلا القسمين بضميمة قوله تعالى: (إنّا أنزلناه قراناً عربياً))[434]( فيكون الدال بالمفهوم من الكلام العربي المقصود دلالته على معناه فيكون حجة للأوامر الدالة على وجوب العمل.
الثانية: قوله تعالى: (ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول))[435]( مما يدل على حجية المنطوق غير الصريح والمفهوم بقسميه الموافق والمخالف لأنّ ذلك من لحن القول الذي هو غير الصريح من القول.
الثالثة: قوله تعالى: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم))[436]( فإنّها تدل على حجية مفهوم الشرط.
الرابعة: قوله تعالى: (والموفون بعهدهم إذا عهدوا))[437]( فإنها تدلّ على حجية مفهوم الشرط كذلك.
الخامسة: قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم))[438]( فإنها مما تدل على ذلك كذلك.
السادسة: قوله تعالى: (إلاّ الذين عاهدتم من المشركين.. فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم))[439]( فإنّها مع دلالتها على حجية مفهوم الشرط تدلّ على حجية مفهوم الغاية.
السابعة: قوله تعالى: (إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا))[440]( فإنها تدل على حجية مفهوم الغاية من وجهين حيث جعل لكل شيء حداً وغاية هو بالغها.
الثامنة: قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود))[441]( فإنها تدل على تقدير تفسير العقود بالعهود على حجية مفهوم الشرط بل حجية كل مفهوم.
التاسعة: قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون))[442]( فإنّها تدلّ على حجية مفهوم الصفة، ولو لم يكن كذلك لما حسن التنزيه، ولم يتوجه الذمّ على من وصفه بغير ما وصف به نفسه.
العاشرة: قوله تعالى: (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا))[443]( فإنها تدلّ على حجية مفهوم العدد.
الحادية عشرة: قوله تعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان))[444]( فإنها تدل على عدم))[445]( حجية مفهوم اللقب، وحجية مفهوم الصفة.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (سبحان الله عمّا يصفون))[446]( تدل كذلك.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (ووعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة))[447]( مما يدل على حجية مفهوم العدد مع احتمال العكس.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (وقلنا لهم لا تعدُوا في السبت))[448]( مما يدل على حجية مفهوم الزمان.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا))[449]( مما يدلّ على عدم حجية مفهوم المكان لعدم جواز أن يُدعى بغيرها من الله أحدا. نعم تدلّ على حُجية مفهوم الحصر.
الإلهام الخامس
في آيات العام والخاص
وفيه آيات:
الآية الأولى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه))[450]( فالدلالة من وجهين من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى. أمّا من حيث اللفظ فإنّ (ما) من أدوات العموم النافية لمطلق الرسالة إلاّ بلسان القوم فإنّ صحة الاستثناء دليل العموم بأنّ كل رسول مرسل بلسان قومه. وأما من حيث المعنى فلأنّ العموم والخصوص من لسان القوم.
الثانية: قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس))[451](.
الثالثة: قوله تعالى: (وما من إله إلا الله))[452](.
الرابعة: قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم))[453](.
الخامسة: قوله تعالى: (وأحلّ الله البيع وحرّم الربوا))[454]( مما يدلّ على أن المفرد المحلّى باللام للجنس، وأنّه يفيد العموم بواسطة تعليق الحكم على الطبيعة.
السادسة: قوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسرٍ، إلا الذين آمنوا))[455]( مما يدل على أن المفرد المحلّى باللام بدليل الاستثناء للعموم.
السابعة: قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء))[456]( مما يدل على أنّ الجمع المُحلّى باللام للعموم، ومثله قوله تعالى: (فلا تأس على القوم الفاسقين))[457](، ومثله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين))[458](.
الثامنة: قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة))[459]( مما يدل على أن أقل الجمع ثلاثة.
التاسعة: قوله تعالى: (فإن كان له إخوة))[460]( مما يدل على أنّ أقل الجمع إثنان لحجب الأخوين إلا ان تكون اللام في (له) بمعنى (مع) فإنّ الإثنين مع الميت أخوة.
العاشرة: قوله تعالى: (وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجال من الجن))[461]( مما يدل على أن الجمع المنكر لا يفيد العموم.
الحادية عشرة: قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة))[462]( مما يدل على عدم دلالة النكرة في سياق الإثبات على العموم.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة))[463]( وقوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))[464]( و: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون))[465](، و: (وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور))[466]( فإن نفي الاستواء يدل على العموم.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس))[467]( مما يدل على جواز التخصيص إلى الواحد. وقد فسّر بنعيم بن مسعود)[468](، وفيه دلالة على أن العام إذا خُصّص فإنه حُجّة في الباقي سواء قلنا بأنّه حقيقة، أو مجاز.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (أُحلّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم))[469]( فإنّه يدلّ على جواز التخصيص بمحله إلا أنّه لا حجية)[470]( فيه.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم))[471]( فإنه يدل على أن الاستثناء المتعقب للجُمل يرجع إلى الأخيرة.
السادسة عشرة: قوله تعالى: (واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين))[472]( فإنّه يدل على وجوب العمل بالعام حتى يأتي المخصص.
السابعة عشرة: قوله تعالى: (وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ))[473]( فإن في هذه الآية دلالة على عموم خطاب المشافهة، أو أن خصوص خطاب القرآن من باب الوضع شامل للموجود والمعدوم، والحاضر لمجلس الخطاب، والغائب عنه كوضع السجلات والطوامير ونحوها، وأنّ كلّ مَن يطّلع عليه مخاطب به، وإن كان الخطاب على لسان الحاضرين من أهل الشفاه.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا إنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب))[474]( مما يدل على ذلك أيضاً. بل دلالتها على كونه من باب خطاب الوضع أدل من الآية الأولى.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه))[475]( مما يدلّ على وجوب حمل العام على الخاص مع المنافاة.
العشرون: قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربّكم))[476]( فإنه مما يدل على وجوب حمل العام على الخاص، والمطلق على المقيّد، ووجوب ردّ المتشابه إلى المحكم، والمجمل إلى المبيّن، والظاهر إلى المؤوّل.
الواحدة والعشرون: قوله تعالى: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها))[477]( يدل على ذلك أيضاً.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا))[478]( بعد قوله تعالى: (وإذا… استئذنك أولوا الطول منهم))[479]( (فأذن لمن شئت منهم))[480]( فإنّ ظاهر الآيتين، وضم دلالة بعضها على بعض مما يدلّ على عدم جواز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص.
الإلهام السادس
في المحكم والمتشابه
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب))[481]( فإنه مما يدلّ على وجوب العمل بالمحكم، وعدم جواز العمل بالمتشابه من دون ورود النص)[482]( في بيانه، ووجوب ردّ المتشابه إلى المحكم، والظاهر إلى المؤوّل، والمجمل إلى المُبيَّن.
الآية الثانية: قوله تعالى: (ثُمّ إن علينا بيانه))[483]( مما يدل على وجوب رد المجمل إلى المُبيّن.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولمّا يأتهم تأويله))[484]( مما يدلّ على عدم جواز رد ما لا يُفهم، وما لا يُعلم من الآيات والأخبار، وإنكاره)[485]( قبل الإحاطة بتأويله، وحقّه، وباطله، والمعرفة به.
الإلهام السابع
في حجيّة الأدلة الأربعة
وفيه آيات:
قال تعالى: (وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها))[486]( مما يدلّ على توقيفية أدلة الأحكام، قطعية أو ظنيّة كالأحكام. ولا يجوز أخذ الأحكام من غير الطرق التي أمر الله بها سواءاً كانت علميّة، أو ظنيّة.
الدليل الأول: الكتاب
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين))[487]( مما يدلّ على حجيّة الكتاب، ووجوب العمل به.
الآية الثانية: قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب))[488]( مما يدلّ على ذلك أيضاً.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (وأوحِىَ إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ))[489]( مما يدلّ على عموم حجيّته لمن حضر في زمان الخطاب أو غاب عنه، وإلاّ لم يكن فائدة بالإنذار به.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ريّكم))[490]( مما يدلّ أيضاً على الحجية لوجوب الاتباع.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه))[491]( مما يدلّ عليه.
الآية السادسة: قوله تعالى: (خذوا ما أتيناكم بقوة))[492]( مما يدلّ عليه.
الآية السابعة: قوله تعالى: (فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين))[493](.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها))[494](.
إلى غير ذلك من الآيات المتكثرة.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون))[495]( مما يدلّ على عدم تحريف القرآن.
الآية العاشرة: قوله تعالى: (يُحرّفون الكلم عن مواضعه))[496]( مما يدل على وقوع التحريف في القرآن)[497](.
الحادية عشرة: (فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله))[498]( مما يدلّ على وقوع التحريف، وحمله على النقيصة والتقديم والتأخير، لا الزيادة، للإجماع على عدم وقوع شيء من كلام غير الله فيه، وإنّما الذمّ عليهم يتوجه)[499]( إلى المعنى الأول من التحريف.
الثانية عشرة: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً))[500]( مما يدلّ على إعجاز القرآن في نفسه لعدم الاختلاف بين آياته لفظاً أو معنى لردّ محكمه إلى متشابهه، ومفهومه إلى منطوقه، وعامّه إلى خاصه، ومُطلقه إلى مقيّده، ومجمله إلى مُبيّنه، وظاهره إلى مؤوله، ومجازه إلى حقيقته.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله))[501](.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (فأتوا بعشر سورٍ مثله))[502](.
مما يدلان على أنه معجز في نفسه.
الخامسة عشرة: (ورتل القرآن ترتيلا))[503]( مما يدلّ على وجوب التجويد فيه.
السادسة عشرة: قوله تعالى: (قرءاناً عربياً))[504](، وقوله: (وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه))[505]( مما يدلّ على وجوب القراءة بما يجب من)[506]( النحو والصرف، واستحباب ما استحب بهما.
السابعة عشرة: قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذِكرٍ من ربهم مُّحدَث إلا استمعوه وهم يلعبون))[507]( مما يدل على حدوث القرآن، وان القرآن اسم لجملة المنزل من الألفاظ المقروءة والمسموعة والمكتوبة من إطلاق الكُلّي على جزئياته وأفراده لتسمية كل سورة وكلّ آية، وكلّ كلمة، وكل حرف مقصود به القرآنية.
الدليل الثاني: السُنّة
في حجيته قولاً وفعلاً وتقريراً آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا))[508](. فإن هذه بعمومها مما تدل على وجوب الأخذ بما جاء به الرسول من قول أو فعل أو تقرير.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم))[509]( فإنّها)[510]( تدلّ على وجوب العمل بأمره من قول أو فعل، وإن كان ظاهر إطلاق الطلب ينصرف إلى القول.
الآية الثالثة: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول))[511]( فإنّ من تمام الطاعة العمل بما [أمر])[512]( به.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (ثم أرسلنا رُسُلَنَا تتراً كلَ ما جاء أُمةً رسولها كذّبوه))[513]( مما يدل على حجية الخبر المتواتر، ولو لم يكن الخبر مفيداً للقطع لما توجّه الذم على الأمم.
الآية الخامسة: (إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبيّنوا أن تُصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين))[514]( فإنّها تدلّ بمفهوم الشرط على حجية خبر العدل، وعدم قبول خبر الفاسق ومجهول الحال إلاّ من بعد التبيّن. وتدلُّ بمفهوم الصفة على حجّية خبر غير معلوم الفسق، فيدخل مجهول الحال. إلاّ أن التعليل ينافي الأخذ بقوله ويدخل الحسن في خبر العدل بناءً على أن العدالة حُسن الظاهر. ويدل على حجيّة الموثّق والخبر الضعيف المجبور بالشهرة، أو بظواهر الكتاب والسُنّة. ومن ذلك قول مرسل الثقة لأنّه نوع من التبيّن.
الآية السادسة: قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون))[515]( مما يدلّ على حجيّة خبر الواحد مطلقاً لوجوب الحذر عند إنذار الطائفة، ولو لم يجب)[516]( قبول الإنذار لما وجب الحذر.
الآية السابعة: قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات))[517]( مما يدلّ على حجية الخبر أيضاً، لأنّه من البيّنات التي لا يجوز كتمانها، وهو قبولها.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون))[518]( مما يدلّ على حجّيته أيضاً، ولو لم يكن حجّة لما توجّه الذمّ عليهم بالتكذيب، مع أن الرسل المذكورين غير معصومين.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (وجئتك من سبإ بنبإ يقين))[519]( فإن دلالته على قبول خبر الطائر)[520]( مما يُشعر بقبول خبر الإنسان العدل بالأولوية.
الآية العاشرة: قوله تعالى: (ويقولون هو أُذن قل أُذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين))[521]( فإنّه دالٌّ على حجّية الخبر أيضاً.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى حكاية عن بنت شعيب: (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سَقيتَ لنا))[522]( فإنّ في هذه الآية دلالة على حجّية خبر الواحد مع أنّها أنثى، وإلاّ لما صدّقها موسى (ع)، وتبعها.
الثانية عشرة: قوله تعالى حكاية عنها: (إن خير من استئجرت القوي الأمين))[523]( فإنه وإن احتمل كونه شهادة، إلا أنه يؤكد حُجية الخبر لانفرادها بالشهادة.
الثالثة عشرة: قوله تعالى حكاية عن قول إخوة يوسف إخباراً لأبيهم: (إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين))[524]( إلى قوله (وأنتم عنه غافلون))[525]( وتصديق يعقوب لهم دليل على حُجّية الخبر الواحد وقبوله، وإن احتمل الشهادة.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (إن ابنك سَرَق))[526](، وقوله: (وَسْئَل القرية التي كُنّا فيها والعِير التي أقبلنا فيها))[527](. فلو)[528]( لم يكن الخبر حُجّة لما قُبل ذلك منهم، ولا كان السؤال عن ذلك مفيداً.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (فلمّا أن جاء البشير ألقاه على وجهه))[529]( فلو لم يكن خبر البشير مقبولاً لما حصلت البشارة، ولا [دخله] السرور، وإن كان قرينة التصديق للقميص)[530](.
السادسة عشرة: (الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم))[531]( فإنّها تدل على قبول خبر الواحد إذ المراد بالناس هنا كما حكاه المفسرون نعيم بن مسعود. فلو لم يكن الخبر الواحد مقبولاً في العادة لَمَا توجَّهت المذمَّةُ على تسرّع قبوله)[532](.
السابعة عشرة: قوله تعالى: (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا))[533]( فهذه الآية دالة على حُجّية الخبر المتواتر. إن قلنا بحصول التواتر في عدد مخصوص، وإلاّ كان دالاً على حجيّة خبر الواحد المستفيض ولو لم يكن حجة لما كان لاختياره السبعين مزيد فائدة، إذ الغرض)[534]( إخبار قومهم بما يشاهدون من تكليمهم الله عزّ وجلّ لموسى نبيّه (ع) إذا رجعوا إليهم.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: (ومن قوم موسى أُمّة يهدون بالحق وبه يعدلون))[535]( فإنّ فيها دلالة على حُجّية خبر العدل أيضاً، إذ لو لم يُقبل خبرهم لم تحصل الهداية منهم.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن))[536]( مما تدلُّ على حُجّية الخبر أيضاً، وذلك بإنذارهم لقومهم في رجوعهم في قولهم: (فقالوا إنّا سمعنا قرءاناً عجباً، يهدي إلى الرشد))[537](.
العشرون: قوله تعالى: (ولا تطع كل حلاّفٍ مهين، همّاز مشاء بنميم))[538]( مما يدل على عدم قبول خبر الضعيف.
الواحدة والعشرون: قوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا))[539]( مما يدلّ كذلك على عدم حُجّية كل خبر غير جامع)[540]( للشرائط.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: (إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبيّنوا))[541]( مما يدلّ على اشتراط عدالة الراوي، ويلزمه اشتراط البلوغ والعقل، إذ لا تصدق العدالة بغيرهما. فإنّ الفاسق يمكن أن يتحرز من)[542]( الكذب لتكليفه أو استحيائه من الناس. وعُدّ مثل ذلك نقصاً في حقّه بخلاف الصبي والمجنون فإنّه لا تكليف عليهما حتى يتحرّزا من الكذب. ويدل على اشتراط الإسلام لفسق الكافر، وعلى اشتراط الإيمان لفسق المخالف، والتوثيق من)[543]( الموثق، غير العدالة المطلوبة شرعاً. وقد تدل الآية على أنّ التزكية من باب الخبر أو الشهادة بناءاً على عمومها للموضوعات.
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: (أفَمَن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستون))[544]( مما يدلّ على عدم قبول خبر الفاسق وتقديم خبر العدل على المُوثّق.
الرابعة والعشرون: قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه))[545]( مما يدلّ على تقديم قول المعدّل على الجارح، ورُبّما يحتمل العكس.
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: (أطيعوا الله والرسول))[546]( مما يدلّ على حُجيّة الفعل كالقول لعموم الأمر بالطاعة.
السادسة والعشرون: قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوةً حسنة))[547]( مما يدلّ على وجوب التأسّي بفعله.
السابعة والعشرون: قوله تعالى: (فبهداهم أقتدة))[548]( فإنّها بعمومها مما يدل على وجوب التأسّي بالنبي (ص)، وأنه متعبد بشريعة من قبله.
الثامنة والعشرون: قوله تعالى: (هذا عطاؤنا فامنُن أو أمسِك بغير حساب))[549]( فإنّ فيها دلالة على حُجّية التقرير من المعصوم)[550]( لدلالتها على امتنانه بالقول، أو السكوت والإمساك عن الجواب.
وأما ظاهر قوله تعالى بعد قول إخوة يوسف: (إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل فأسرّها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم))[551]( فإنّه لا يدل على الرضا بالسكوت بل بالعكس.
ومثلُهُ قوله تعالى: (عَرَّف بعضه وأعرض عن بعض))[552]( فإنّ التقرير إنّما يكون حُجّة حيثُ لا يعلم عدم الرضا منه قرينة أخرى.
التاسعة والعشرون: قوله تعالى: (ويُعَلمك من تأويل الأحاديث))[553](، وقوله: (ولنعلمه من تأويل الأحاديث))[554](، وقوله: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبتِ افعل ما تُؤمَر))[555]( مما يدلّ على حُجّية رؤية المعصوم في المنام في الجملة، إلاّ أنّ قوله: (أضغاثُ أحلامٍ وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين))[556]( مما يدلّ على العدم.
الدليل الثالث: في الإجماع
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب))[557]( ما يحتمل أن يكون الإجماع بمعنى العزم، أو معنى الاتفاق.
الآية الثانية: قوله تعالى: (فأجمعوا أمركم))[558]( أي اعزموا.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نُوله ما تولّى ونُصله جهنّم وساءت مصيرا))[559]( مما يدل على حجية الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم، أو المُنضم إليه المعصوم، لا مطلقاً، كما تزعمه العامة. إذ المراد بسبيل المؤمنين سبيل الرسول (ص) والإمام (ع) لأن الإضافة للعهد، وإلاّ كان ذلك مشاققة للرسول، فلا يجوز الإجماع في مقابلة النص بدليل قوله تعالى: (من بعد ما تبيّن له الهدى)، وقوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله قد ضلّوا ضلالاً بعيداً))[560]( وسبيل الله هو سبيل الرسول وسبيل الإمام المعصوم لقوله تعالى: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله))[561](، وقوله تعالى: (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين))[562](. ويدلّ عليه قوله تعالى: (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه))[563]( والصراط في الكتاب أمير المؤمنين (ع) بدليل قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم))[564]( وقد أمر الله باتباعه لقول في الآية المتقدمة: (فاتبعوه… ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتقون))[565]( تدل على أن الحُجّة قول الإمام، انفرد أو انضمّ إلى الإجماع، ولا عبرة بالإجماع بدونه.
الآية الرابعة: (إنّما أنت مُنذِرٌ ولكل قومٍ هادٍ))[566]( مما يدل على بقاء المعصوم والحُجّة وهو مما يدلُّ على حُجّية الإجماع في زمان الغيبة لوجوب الإنذار عليه (ص) والهداية على الإمام (ع) ووجوب الإنكار عليه لو خالفوا الحقّ، أو زادوا أو نقصوا)[567]( فإنّ تصرفَهُ لطف كوجوده وظهوره. فإن منع مانع من ظهوره فلا مانع من وجوده، ولا تصرفه لقدرته، وتمكنه نظير قوله تعالى فيما حكى عن موسى (ع): (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها))[568]( حيث قضى الأمر موسى (ع) ونصر وليّه، وقتل عدوه من حيث لا يشعرون. ومع عدم ظهور الإنكار يدل على رضاه. وتقرير المعصوم حُجّة.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً))[569]( فإنّها دالة على وجوب الرد مع الاختلاف إلى الله تعالى وهو الرجوع إلى الكتاب وإلى الرسول، وهو الرجوع إلى السُنّة. فلا يجوز العمل بالقياس أو الاجتهاد بالرأي))[570](، والأخذ بالاستحسان.
وأمّا المفهوم فإنّه وإن دلّ بظاهره على أنه مع عدم النزاع لا يحتاج إلى الرد إلاّ أنه لا دلالة فيه على حجّية الإجماع لعموم المفهوم لأنّه أعمّ من ثبوت الإجماع وعدمه. فإنّ رفع النزاع لا يستلزم ثبوت الإجماع. كما أنّ نفي الخلاف لا يثبت الوفاق. فإنّه قد يكون لعدم النصّ، أو عدم الافتقار إلى الواقعة، أو ارتفاع الموضوع. فلا يدلّ على حُجّية الإجماع في نفسه، في مقابلة قول الله، وقول الرسول، وإلاّ لم يكن إجماعاً لتحقق النزاع مع المخالفة ما لم يكن موافقاً لرأي المعصوم فيكون حُجّة لموافقته. ولو سلّمنا فلا يدلّ على وجوب الرد لأنه من باب مفهوم اللقب فيبقى عموم ما دلّ على وجوب طاعة الله ورسوله كقوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول))[571]( على حاله مع أنّه دال بالمفهوم.
هذا ويمكن الإحتجاج بها على حجّية الإجماع لدلالتها على وجوب الردّ مع النزاع حيث لا يعلم قول الله وقول رسوله مع العلم، فإن كان ذلك لموافقة قول الله ورسوله فقد حصل الرد، وبطل النزاع. وإن كان الإجماع مع المخالفة فلا تعويل عليه لبقاء النزاع مع الاجتماع، لأنّ النزاع مطلق الاعتراض، والاعتراض باق مع المخالفة فاحتيج إلى الجواب والعذر عن المخالفة، ومعه فيطول النزاع. كيف وقد قال تعالى: (فلا وربّك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً))[572](.
الآية السادسة: قوله تعالى: (وغن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله))[573]( فإنّها تدلّ على حجّية الإجماع المركب في الجملة، والأخذ بأحد القولين. فإن أمكن الصلح وهو إمكان الجمع بينهما بتأويل أحد الطرفين، ورد أحد القولين إلى الآخر، ورفع الشُبهة عنه فذاك، وإلاّ وجب الترجيح، ودفع المرجوح ما لم يمكن تأويله. ومثله إذا اختلفت الأمة على قولين، ولم تفصل بينهما.
الآية السابعة: قوله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة))[574]( ممّا يدلّ على جواز استقرار الإجماع بعد الخلاف.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبيّنوا))[575]( ممّا يدل على حُجيّة الإجماع المنقول، بمعنى الكاشف لثبوت الإتفاق الكاشف عن رأي المعصوم، الذي هو الإجماع المنقول بالخبر الواحد والإجماع بأيّ طريق حصل فهو حُجّة، لا بمعنى المنكشف لعدم صدق النبأ عليه، فلا يكون خبراً.
الإلهام الثامن
في الأدلة العقلية
الوارد الأول
القول في كون الأفعال لها جهات محسنة ومقبحة وأن أفعاله معللة بالأغراض.
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا))[576]( فإنّ المراد بالباطل المخلوق عبثاً لا لغرض وغاية، وإن جلّ المخلوق عنها.
الآية الثانية: قوله تعالى: (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق))[577](.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب))[578]( ومن هذا القبيل في القرآن كثير.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث))[579]( مما يدل على ثبوت الجهات للأقوال الموجبة للحُسن أو القبح ذاتاً، أو صفةً لازمة، أو بالوجوه والاعتبارات.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرٌّ لكم))[580]( وهو مما يدلّ على أن الحُسن والقبح بالوجوه والاعتبارات.
الآية السادسة: قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أُحلّت لهم))[581]( مما يدلّ على أن أفعاله معلّلة بالأعراض، وإنّ حسن المكلف به لا يدلّ على حُسن التكليف.
الآية السابعة: قوله تعالى: (يسئلونك ماذا أُحلَّ لهم قُل أُحلّ لكم الطيبات))[582]( مما يدلّ على أن الأحكام تابعة للجهات الواقعية من حُسنٍ، أو قُبح.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم))[583]( (كما لعنّا أصحاب السبت))[584]( مما يدلّ على أن أفعاله معلّلة بالأغراض، وإن الأحكام تابعة للجهات.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (إنّا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون))[585]( يدلّ على أن أفعاله معلّلة بالأغراض.
الآية العاشرة: قوله تعالى: (إنّ الله يأمُرُ بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي))[586](، مما يدلّ على أنّ الأحكام تابعة للحُسن والقُبح العقليين. فلا يأمر بقبيح، ولا ينهى عن حسن.
الحادية عشرة: قوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين))[587](، وقوله تعالى: (أم نجعل المتقين كالفُجّار))[588](.
مما يدلّ على أن الأحكام تابعة للحُسن والقُبح. ومثلُهُ قوله تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))[589](، وقوله تعالى: (أفَمَن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستون))[590](.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (وما كُنّا مُعذّبين حتى نبعث رسولا))[591]( مما يدلّ على عدم الملازمة بين حكومة العقل والشرع.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (قُل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق))[592](. مما يدلّ على عدم حرمة الشيء الحسن وحلّية القبيح لتبعيّة الأحكام للجهات المحسنة والمقبّحة.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (إنّما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق))[593](. فإنّه يدلّ على تبعية الأحكام للجهات الواقعية، وإن لم تصل إليها العقول ضرورة أو نظراً لقوله: (وما بطن).
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (وما يعقلها إلا العالمون))[594]( مما يدلّ على حُجيّة العقل.
السادسة عشرة: قوله تعالى: (إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد))[595]( مما يدلّ على حُجيّة العقل. وغير ذلك من الآيات.
السابعة عشرة: قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى))[596]( مما يدلّ على نفي الجبر والتفويض، وثبوت سرّ الأمر بين الأمرين.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: (وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله))[597]( مما يدل بظاهره على الجبر.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر))[598](، وقوله تعالى: (إما شاكراً وإما كفورا))[599](، وقوله تعالى: (بما قدّمت يداك))[600](، وقوله تعالى: (فبما كسبت أيديكم))[601](، وقوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها))[602](. وقوله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها))[603](.
مما يدلّ على ثبوت الاختيار للإنسان.
وقوله تعالى: (إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة))[604](، وقوله تعالى: (وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة))[605]( مما يدلّ على الجبر، أو الحمل على أنّ الاختيار في المشيئة التكليفية لا يُنافي إمضاء المشيئة التكوينية، لأنّها من قبيل المانع للأفعال.
الوارد لثاني
القول في أصل الإباحة والبراءة
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحِيَ إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً))[606](. مما يدلّ على أنّ الأصل الإباحة فيما لا نصّ فيه مع الشكّ في الحكم بين الحُرمة والحِلّ.
الآية الثانية: قوله تعالى: (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده))[607]( مما يدلّ على أصالة الإباحة فيما فيه منفعة، ولم يعلم فيه مفسدة، وإباحة ما لا مفسدة فيه.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (لا يكلّفُ الله نفساً إلا ما ءَاَتاها))[608]( مما يدلّ على أنّ الأصل براءة الذمّة فيما لا نصّ فيه، وأنّه لا تكليف إلاّ بعد البيان.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيي من حي عن بينة))[609]( مما يدلّ على أصالة الإباحة فيما شُكّ في حرمته، أو إباحته، مما لا نصّ فيه، وعلى أصالة براءة الذمّة مما شُكّ في وجوبه وعدمه مما لا نصّ فيه، وعلى أصالة التخيير فيما تعارض فيه النصّان لعدم البيّنة على التعيين)[610]( مع عدم جواز إلغاء الدليلين، وعدم الترجيح في البين.
ويدلّ على وجوب تجنّب الشُبهة المحصورة لأنّه من البين الحكم بالتمكن من تحصيل العلم الإجمالي بالاجتناب من دون حرج ولا عسر. ومثلُهُ وجوب الحكم، فيجب من باب المقدّمة الإتيان به لأنّه من البين الحكم، وتحميم أصالة البراءة في المشتبهة الغير المحصورة لعدم البيان مع عسر الاجتناب.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا))[611]( مما يدلّ على كلّ من أصالة الإباحة، وأصالة البراءة فيما لا نصّ فيه.
الآية السادسة: قوله تعالى: (خذوا ما أتيناكم بقوّة))[612]( مما يدلّ على أنّ الأمر بالعمل بما وصل إليه من دليل، وإنّ الأصل الإباحة والبراءة فيما لا يصل إليه فيه نصّ.
الآية السابعة: قوله تعالى: (فخذ ما ءاتيتك وكن من الشاكرين))[613]( مما يدلّ على ذلك أيضاً كذلك. ورُبّما يشعر الإتيان بأصالة التخيير)[614]( فيما تعارض فيه الأصلان، أو الدليلان لأنّهما مما آتاهم، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر مع تعذّر الجمع بينهما، ولا إسقاطهما.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون))[615]( مما يدلّ على أصالة البراءة فيما لا نصّ فيه، وأنّه لا تكليف إلاّ بعد البيان.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (إنّ الذين اتقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُبصرون))[616]( مما يدلّ على عدم جواز العمل بأصالة البراءة إلاّ بعد الفحص عن المعارض.
الآية العاشرة: قوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها))[617]( مما يدلّ على نفي التكليف بما لا يُطاق. وقوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلا ما ءاتاها))[618]( مما يدلّ أيضاً على ذلك.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج))[619](، وقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر))[620]( مما يدلّ على نفي العسر والحرج، وما يلزم المضيّق من التكليف إلى حدّ الموسّع، وإنّ التكليف إنّما هو فيما دون الموسّع.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن))[621]( مما يدلّ على أصالة الشغل مع الشك في المكلّف به، ووجوب الإتيان بما يُوجب الفراغ بيقين.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (أولئك الذين نتقبّل عنهم أحسن ما عملوا))[622]( مما يدل على وجوب الاحتياط، والعمل بأصالة الشغل.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربّكم))[623]( بناءً على أن المراد بالمنزل الحكم لا الدليل مما يدل أيضاً على ذلك.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته))[624]( مما يدلّ على وجوب الاحتياط مع الشك في المكلف به في فعل أو قول.
السادسة عشرة: قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم))[625]( مما يدلّ على وجوب الإتيان بالميسور من الأعمال، أو من متعلقاتها مع تعذّر الزائد من المكلف به، أو الإتيان بتمام الشيء المكلّف به.
السابعة عشرة: قوله تعالى: (فساهم فكان من المدحضين))[626](، وقوله: (إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم))[627]( مما يدلّ على حجّية القرعة، وأصل مشروعيتها في الشرائع السابقة مع أصالة بقاء الأحكام، وعدم ثبوت النَسْخ بالخصوص، أو أصالة الاشتراك في التكليف.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: (واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين))[628]( مما يدلّ على حجّية الاستصحاب، وعدم جواز نقض اليقين بالشك، والعمل على ما كان حتى يأتي اليقين بخلافه.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر))[629]( مما يدلّ على حُجية الاستصحاب لوجوب العمل على بقاء حكم التناول طول الليل، أو بقاء النبأ على بقاء الليل حتى يتبين الفجر.
العشرون: قوله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده))[630]( مما يدل على حجّية استصحاب الجنس.
الواحدة والعشرون: قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً))[631]( مما يدلّ على ذلك كذلك.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك))[632]( مما يدلّ على ذلك أيضاً كذلك. ومثله قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس))[633](، وقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم))[634]( مما يدلّ على اشتراك الأحكام السابقة، واستصحاب بقائها.
الثالثة والعشرون قوله تعالى: (وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها))[635]( ما يدلّ على أن الأصول المعتبرة ما ثبت حجيته من كتاب وسُنّة ناطقين))[636](، أو عقل قاطع في البين.
وأما الأصول المثبتة من غير الطرق الشرعية كالقياس والاستحسان [فهي] من الشجر الذي أنبته الناس واحتجوا به. والشجر الذي ما له قرار فليس بحجة. وفيه دلالة على أنّ الإمامة لا تكون بالاختيار.
الرابعة والعشرون: قوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل))[637]( مما يدلّ على رفع الإثم والضمان على المحسن، ونفي السبيل عليه وإن استلزم من فعله ما يُنافي الإثم والضمان.
الخامسة والعشرون: قوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى، قلنا لا تخف))[638]( مما يدلُّ على وجوب اجتناب الضرر المظنون، وظن الضرر من باب المقدمة.
السادسة والعشرون: قوله تعالى: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم))[639]( مما يدلّ على بطلان القياس.
السابعة والعشرون: قوله تعالى: (أيحسبون أنّما نُمدهم به من مال وبنين، نسارع لهم في الخيرات))[640]( مما يدلّ على بطلان القياس.
الثامنة والعشرون: قوله تعالى: (ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم))[641]( مما يدلّ على بطلان القياس.
التاسعة والعشرون: قوله تعالى: (ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها نأت بخيرٍ منها أو مثلها))[642]( مما يدلّ على وقوع النسخ وإمكانه، والعمل بالناسخ، وبطلان العمل بالمنسوخ.
الإلهام التاسع
في الاجتهاد والتقليد
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منه طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون))[643]( مما يدلّ على وجوب الاجتهاد، وطلب التفقه في الدين، وأنه واجب كفائي لا عيني كما يدّعيه علماء حلب. ويبطل بذلك دعوة))[644]( الأخبارية من بطلان الاجتهاد.
الآية الثانية: قوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن))[645]( إلى قوله: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم))[646]( مما يدلّ على وجوب طلب العلم، إمّا باجتهاد، أو تقليد.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق))[647]( مما يدل على اشتراط الأخذ بالعلم واليقين لأن المراد من الحق العلم، أو أنّه لا يوصل إليه إلا العلم به، وأنّ الظن ليس بحجة لقوله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً))[648](. فالظن لا يكون طريقاً إليه ما لا)[649]( يؤخذ بالدليل المظنون.
وأمّا الحُكم المظنون، فالظنُّ فيه ليس حُجّة فيه على الأصل. فإن قام دليل على حجيته من طريق مقطوع به فذاك، وإلاّ فلا.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظنّ إثم))[650]( والمراد اجتنبوا الظنّ اجتناباً كثيراً، وإلاّ لم يصحّ التعليل.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن))[651](، وقوله: (إن هم إلا يظنون))[652](، و(إن هم إلا يخرصون))[653](، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عدم حجّية الظن في الأصول والفروع خرج ظنُّ المجتهد بالدليل دون غيره.
الآية السادسة: قوله تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون))[654]( مما يدلّ على وجوب العمل بظن المجتهد للأمر بالسؤال.
الآية السابعة: قوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحقّ أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى))[655]( مما يدلّ على حُجّية ظنّ المجتهد، ووجوب تقدّم)[656]( الأعلم.
الآية الثامنة: قوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلا ما ءَاَتها))[657]( مما يدلّ على حُجّية ظن المجتهد لأنّ الذي آتاه الله هذا)[658]( الظن.
الآية التاسعة: قوله تعالى: (خذوا ما ءاتيناكم بقوة))[659](.
الآية العاشرة: قوله تعالى: (فخذ ما ءاتيتُك))[660](.
الحادية عشرة: قوله تعالى: (معاذ الله أن تأخذ إلاّ من وجدنا متاعنا عنده))[661]( فإنّ هذه الآيات مما تدلّ على وجوب الأخذ بما دلّ عليه الدليل من قطع، أو ظن.
الثانية عشرة: قوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة))[662]( مما يدل على وجوب الرجوع إلى علماء الإمامية والمجتهدين لأنهم هم القرى الظاهرة التي بين الناس، وبين المعصومين من الأئمة الطاهرين.
ويدلّ على عدم جواز خلو العصر من المجتهد لعدم خلوّه من الحجّة.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا))[663]( مما يدلُّ على اشتراط الملكة في المجتهد. وتشعر الآية بأنها موهبيّة.
الرابعة عشرة: قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا))[664]( مما يدلّ على أن الملكة كسبيّة. ولا منافاة بينها وبين الآية المتقدمة لكون مقدّمات الجعل كسبيّة وهو تقوى الله. وفيها دلالة على وجوب التقليد.
الخامسة عشرة: قوله تعالى: (أفنجعلُ المسلمين كالمجرمين))[665]( مما يدلّ على اشتراط الإسلام، ولا يجوز الأخذ من الكافر مطلقاً، ولو كان مرتداً عن فطرة.
السادسة عشرة: قوله تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون))[666]( مما يدلّ على اشتراط الإيمان، فلا يجوز الرجوع إلى المخالف. وبالآيتين يستدل على اشتراط العدالة أيضاً، والبلوغ، والعقل اللازمين لها. ومثله قوله تعالى: (إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبيّنوا))[667]( فإنّه مما يدلّ على اشتراط العدالة في المجتهد كالراوي.
السابعة عشرة: قوله تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون))[668]( مما يدلّ على وجوب التقليد لغير المجتهد بقرينة الأمر بالسؤال.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: (اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين))[669]( مما يدلّ على وجوب التقليد لأن الكون مع الصادقين يُراد به إتّباعهم.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: (اتّبعوا من لا يسئلكم أجراً وهم مهتدون))[670]( مما يدلّ على وجوب التقليد، وتقليد العدل لعدم سؤاله الأجر، وعدم جواز الرجوع إلى المخالفين المستحلّين للرشوة.
العشرون: قوله تعالى: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات))[671]( مما يدلّ على حرمة تقليد الميت ابتداءاً واستدامة.
الواحد والعشرون: قوله تعالى: (إنا وجدنا ءاباءنا على أمّة وإنا على ءاثارهم مقتدون))[672]( مما يدلّ ـ حيث ذمّ الكفار بذلك ـ على حرمة التقليد في أصول الدين.
الثانية والعشرون: قوله تعالى: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب))[673]( مما يدلّ على تفويض الأحكام إلى النبي (ص) دون المجتهد.
الثالثة والعشرون: قوله تعالى: (واتبع سبيل من أناب إليّ))[674]( مما يدلّ على اشتراط العصمة في الإمام، والعدالة في المجتهد.
الرابعة والعشرون: قوله: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا))[675]( مما يدلّ على بطلان عبادة الجاهل والمخالف لوجوب المعرفة، وكلاهما)[676]( ضلال بدليل قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيدا))[677](. والسبيل هو الإمام، ونائب الإمام. فالأخذ للأحكام من غيرهم ضلال.
خاتمة
في التعادل والترجيح
وفيه آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه))[678]( فإنه يدل على وجوب الأخذ بالأحسن، وهو المحفوف بالمرجحات الداخلية والخارجية من الأدلة.
الآية الثانية: قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم))[679]( مما يدلّ على وجوب الأخذ بالأحسن، واتباع الأحسن.
الآية الثالثة: قوله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يُتّبع))[680]( مما يدلّ على تقديم قول الأعلم، وتقديم الفاضل على المفضول.
الآية الرابعة: قوله تعالى: (وكونوا مع الصادقين))[681]( مما يدلّ على تقديم خبر الصادق والأصدق.
الآية الخامسة: قوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين))[682](، (أم نجعل المتقين كالفجّار))[683]( مما يدلّ على الأخذ بالمرجحات، وتقديم الصحيح على الحسن، والحسن على الموثّق، والموثّق على الضعيف.
الآية السادسة: (أفمَن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً))[684]( مما يدلّ على تقديم خبر العدل على غيره.
الآية السابعة: قوله تعالى: (فأصلحوا بين أخويكم))[685]( (والصلح خيرٌ))[686]( مما يدلّ على أن الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح لأنّه من الصلح بين الطرفين.
هذا أقصى ما أردنا إتمامه من بيان آيات الأصول.
وكان الفراغ من تجديد مسودتها عشية السبت حادي عشر من شهر رمضان المبارك من شهور سنة الألف والثلاث والتسعين بعد المائتين هجرية، على مهاجرها ألف صلاة وتحيّة على يد مؤلفها مهدي الحسيني. 11 رمضان 1293.
وقد وقع الفراغ من نقله إلى البياض لأحد عشر ليلة)[687]( بقين من شهر رمضان 1293)[688](.
السيد مهدي القزويني
باخمري
تقع اليوم ضمن ناحية القاسم إحدى نواحي محافظة بابل ويسكن البلدة وقراها عشائر البوسلطان والجبور وفيها مرقد إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام وقد ذكر صاحب المراقد ما نصه:
أبو الحسن إبراهيم بن عبدالله المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن الزكي السبط ابن علي بن أبي طالب امير المؤمنين عليهم السلام، استشهد بباخمري عام 145هـ.
مرقده «ببخامرى»)[689]( وتعرف اليوم بلسان الأعراب هناك «أبو جوارير)[690]( ـ أبو قوارير» جمع قارورة، موضع فيه زجاج مكسور سحيق في تربته، ويظن أنه كان هيهنا يصنع الزجاج، وهي قرية من أرض قبائل الحسكة في «قبيلة بني عارض» اليوم، مما يلي الفرات ويعرف قبره هناك بقبر النبي إبراهيم، ويقع بين مدينة «الحمزة» ومدينة «الرميثة» وإلى الرميثة أقرب.
وفي القاموس باخمرى كسكسرى بلدة قرب الكوفة: بها قبر إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام، وفي المجمع قريب منه، وفي معجم البلدان «باخمرى» موضع بين الكوفة وواسط، وهو إلى الكوفة أقرب، قالوا بين الكوفة وباخمرى سبعة عشر فرسخاً، بها كانت الوقعة بين أصحاب أبي جعفر المنصور وإبراهيم بن عبدالله بن الحسن فقتل إبراهيم.
ويكنى إبراهيم بأبي الحسن وكان من أهل العلم والدين والنسك، آثار السجود بين عينيه، شجاعاً فارساً مقداماً، خطيباً متكلماً شاعراً، ظهر أمر نهضته على سلطان أبي جعفر المنصور في أوائل شهر رمضان سنة 145هـ، وتغلب على البصرة وفتحها وقوي أمره فيها حيث صار لديه مائة ألف محارب من البصريين عن «مقاتل الطالبيين».
أفتى أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي بالخروج مع إبراهيم والقتال معه، وسيجيء ما له صلة بهذا في أبي حنيفة إمام المذهب الحنفي.
أرسل إبراهيم جيشاً إلى الأهواز وفارس وما والاهما ليفتحهما، ولما وصل خبر نهضته إلى المنصور خشي منه على ملكه وسلطانه، فجهز إليه الجيوش لملاقاته.
هذا وقد طمع في فتح الكوفة أيضاً لوجود أنصار له فيها، وسار إليها بالجيش الكثير حتى وصل باخمرى، وأقام فيها للقاء جيش المنصور البالغ عدده خمسة عشر ألفاً بقيادة عيسى بن موسى بن علي بن عبيد الله بن العباس ـ الذي رجع ظافراً بقتل أخيه محمد ذي النفس الزكية المقتول بأحجار الزيت وهو موضع بالمدينة ـ فالتقى الجيشان فلم يقف جيش عيسى بوجه جيش إبراهيم وصار ينهزم ويفر حتى وصل الكوفة بهزيمته، فعندئذٍ خشي المنصور على نفسه ـ وكان يومئذٍ في الكوفة ـ واستعد للهروب إلى الهاشمية وهو يقول: أين قول صادقهم؟)[691](، لولا أن عادت جيوش المنصور للقاء البصريين، وقد أرسل المنصور جيشاً آخر بقيادة جعفر وإبراهيم إبني سليمان بن علي من وراء ظهور جيش إبراهيم وأحاطوا بهم من الجانبين، وأصابت إبراهيم نشابة في قلبه وأردته قتيلاً، حيث كان إبراهيم يقاتل أمام جيشه، ولم يكن كالمنصور لا تحميه بيوت الكوفة عن الذعر والخوف وتفرق أصحابه بقتله.
ولما صار الليل جاء لعين من موالي عيسى قد عرف موضعه حين صرع واحتز رأسه، وجيء به إلى المنصور)[692](.
وكانت الواقعة التي استشهد بها إبراهيم يوم الإثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة 145هـ عن «مقاتل الطالبيين» وقيل قتل في ذي الحجة، ولما مُثل رأس إبراهيم الشهيد بين يدي المنصور سجد لله شكراً لظفره به وسكون روعه منه، ويروى أن المنصور دخل على آل الحسن عندما كانوا في سجنه بالهاشمية، وكان بيده رأس إبراهيم)[693]( فقال لأبيه عبد الله المحض: أتعرف هذا رأس من؟ فأجابه نعم أعرفه، وكان قصده بسؤاله إيذاءهم وحرقة قلوبهم والشماتة بهم.
ويعرف قبر لإبراهيم أحمر العينين في «الهاشمية» بجنب «تل الميل» على نهر الجربوعية العتيقة)[694]( قرب القنطرة الجديدة على الجربوعية، ببعد ثلاثة أميال عن مرقد القاسم ابن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وعلى قبره قبة متوسطة الحجم جنب آثار الهاشمية مدينة أبي جعفر المنصور العباسي.
قلت: وما قيل أو يظن أن إبراهيم أقبر جسده الطاهر هيهنا فهو غير صحيح حيث إنه قتل في المعركة بباخمرى، والمعركة وقعت بين البصرة والكوفة قرب الفرات، والهاشمية عاصمة سلطان المنصور وملكه فلم يقرب منها القتال أصلاً.
ولا يبعد بل الراجح عندنا أن القبر المنسوب إلى إبراهيم بن عبدالله في الهاشمية هو موضع دفن رأس إبراهيم هذا، بعدما تشفّى منه المنصور، وهدئت نفسه الشريرة، وطيف به بعض الأمصار، أُرجِع إلى الهاشمية وأقبر فيها كما قيل بهذا أيضاً.
ولم يكتفِ بحبس آل الحسن والتضييق عليهم وقتلهم في سجونه فحسب بل إنه تناول زعيم العلويين الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بالأذى والإهانة، فتارة يكتب إلى واليه على الحرمين الحسن بن زيد أن أحرق على جعفر بن محمد داره فألقى النار في دار الإمام الصادق عليه السلام فأخذت النار الباب والدهليز.
خرج أبو عبد الله الصادق عليه السلام يتخطى النار ويمشي فيها ويقول: «أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله» وأخمد النار، رواه المفضّل بن عمر في «المناقب». وأخرى يجلبه من المدينة مع العلويين إلى الكوفة، ما رواه يونس بن أبي يعفور عنه عليه السلام قال: لما قتل إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بباخمرى وحشرنا من المدينة فلم يترك فيها منا محتلماً حتى قدمنا الكوفة، فمكثنا فيها شهراً نتوقع فيها القتل، ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلوية؟
أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى، قال: فدخلنا إليه أنا وحسن بن زيد فلما صرت بين يديه قال: أنت الذي تعلم الغيب؟ قلت: لا يعلم الغيب إلاّ الله، قال: أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج؟ قلت إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج، قال: أتدرون لم دعوتكم؟ قلت لا، قال: أردت أن أهدم رباعكم، وأعور قليبكم، وأعقر نخلكم، وأنزلكم بالشراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق فإنهم لكم مفسدة، فقلت له يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر وإن يوسف ظُلِمَ فغفر، وأنت من ذلك النسل قال: فتبسم وقال: أعد عليّ فأعدت، فقال: مثلك فليكن زعيم القوم، وقد عفوت عنكم ووهبت لكم جرم أهل البصرة.
بحث في مدفن رأس الحسين
ترتقي زيارة الحسين عليه السلام في يوم الأربعين بمرد الرأس بمعنى إلحاق رأس الحسين بجسده إلى أيام مقتل الحسين، رغم أن المؤرخين اختلفوا في مكان مدفن الرأس الشريف، فمنهم من يرى أنه مدفون في دمشق وفي الجامع الأموي في رواق الجهة الشرقية من الجامع قرب باب الفراديس وعليه قبة طولها (14) قدماً في عرض (7) أقدام وتحت هذه القبة من الداخل شباك من النحاس الأصفر بديع في داخله قبر يزعم الدمشقيون أنّه مدفن رأس الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين عليه السلام.
وضعف هذه الرواية ظاهر للعيان حيث يؤخذ من رواية ابن بطوطة السائح الطبخي الشهير في المائة الثامنة للهجرة. إذ قال عند وصفه للجامع الأموي: (والباب الشرقي فيه أعظم أبواب المسجد ويسمى بباب (جيروف) وله دهليز عظيم يخرج منه إلى بلاط عظيم وطويل أمامه خمسة أبواب وله ستة أعمدة طوال، وفي اليسار منه مشهد عظيم كان فيه رأس الحسين فالظاهر من هذا الوصف أن هذا المشهد العظيم كان فيه رأس الحسين لا مدفنه. رغم أن القائلين بدفنه في دمشق: أن سليمان بن عبد الملك بن مروان رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وهو يلاطفه، ولما استيقظ دعا بالحسن البصري وحكى له الرؤيا فقال له الحسن هل صنعت لآل البيت معروفاً؟ فأجابه سليمان قائلاً وجدت في خزانة يزيد رأس الحسين فألبسته الديباج وصليت عليه مع جمع من أصحابي ودفنته، فقال له الحسن أرضيت بهذا الصنع عنك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستحسن سليمان تعبيره وأمر له بعطايا، إلاّ أن هذه الحكاية لم تثبت في كتاب معتبر، كما لم ترد عن رجال ثقاة يعتد بهم وهي من قبيل الآحاد لم يأخذ بها المؤرخون.
ومنهم قوم يزعمون أنه أي رأس الحسين مدفون بـ (الحنانة) وهو موضع بين النجف والكوفة وهذا القول أيضاً ضعيف إذ لم يعرف قائله.
وهناك روايات أخرى تقول أن رأس الحسين مدفون بالمدينة عند قبر أمه الزهراء في البقيع وينقلون هذه الرواية عن الحافظ أبي العلاء الذي قال: إن رأس الحسين عليه السلام لما جيء به إلى يزيد وبعد أن بعث الأسرى إلى المدينة أرسله (أي الرأس) مع جماعة من أشياع بني هاشم وأعدّ لهم من موالي أبي سفيان جمع كبير، وكتب إلى عمر بن سعيد بن العاص حاكم المدينة يأمره أن يدفن الرأس الشريف بالبقيع بجنب قبر أمه فاطمة عليهما السلام. وممن يؤيد هذا القول ـ بأنه مدفون في المدينة ـ ما ينقل عن الواقدي حيث قال: «لما وصلت السبايا بالرأس الشريف إلى المدينة لم يبق بها أحد، وخرجوا يضجون بالبكاء، وخرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب..».
فالظاهر من كلام الواقدي أن رأس الحسين قد حُمل إلى المدينة المنورة.
وممن ثبّت هذا القول أيضاً العلاّمة المرحوم الشيخ محمد بن الشيخ طاهر السماوي في كتابه (أبصار العين في أنصار الحسين)، ص 114 حيث قال: «جاؤوا بالرأس إلى المدينة موطن جدهم. ولكن المشهور بين المؤرخين والمحققين أن أسارى بني هاشم وإن صحّ أنّ الرأس الشريف كان معهم لم يذهبوا إلى المدينة مباشرة إذ مروا بكربلاء أولاً، وكانت الرؤوس قد حُملت معهم كما يقول الواقدي ومن ذهب مذهبه. ومن المستبعد أنّ تكون الرؤوس قد حُملت إلى المدينة كما يقول الواقدي حيث من الصواب أن تكون قد دفنت في كربلاء وألحقت بأجسامها وبخاصة عندما تكون رواية تعريج الأسرى على كربلاء أثناء عودتهم من الأسر إلى المدينة صحيحة.
ومن قائل أن رأس الحسين مدفون في النجف الأشرف بجنب أمير المؤمنين عليه السلام. وإلى هذا القول ذهب بعض علماء الإمامية، وقد عقّب الكليني في (الكافي) في باب المزار باباً عنونه بباب موضع رأس الحسين وذكر فيه خبرين وردا عن الإمام الصادق عليه السلام وهو بالإسناد عن برير بن عمر بن طلحة قال: قال لي أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وهو بالحيرة أما تريد ما وعدتك؟ قلتُ بلى، (يعني الذهاب إلى قبر امير المؤمنين عليه السلام)، قال فركب الإمام وركب إسماعيل وركبت معهما حتى إذا جازا (الثوية) وكان بين الحيرة والنجف فنزلنا فصلّى الإمام وصلينا معه، ثم قال الإمام لإسماعيل: قم فسلّم على جدّك الحسين، فقلتُ جُعلتُ فداك أليس مدفون في كربلاء؟ فقال الإمام نعم، ولكن لما حُمل رأسه إلى الشام سرقهُ موالينا فدفنوه بجنب أمير المؤمنين عليه السلام.
وأما إسناد الخبر الثاني الذي يرويه الكليني فهو عن إبان بن تغلب قال: كنت مع أبي عبدالله فمر بظهر الكوفة فنزل فصلّى ركعتين ثم تقدم قليلاً فصلّى ركعتين ثم سار قليلاً فنزل فصلّى ركعتين، ثم قال هذا موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام، قلتُ جعلت فداك والموضعين اللذين صلّيت فيهما، قال موضع رأس الحسين وموضع منزل القائم)[695](.
لكن المحدّث المشهور العلاّمة المجلسي يقول في تعليقه عن الخبر الأول بأنه مجهول القائل، وعن الثاني بأنه ضعيف على المشهور كما جاء في كتاب مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ص 31 ـ 36..
وتبعه في هذا الرأي مؤلف كتاب (التهذيب)، ص 2 ـ 12، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي بالإسناد عن الإمام الصادق، إلاّ أنّ بينهما فرقاً يسيراً.
وروى جعفر بن محمد بن قولويه في كتابه (كامل الزيارات) بالإسناد عن الصادق أنه قال: (إنك إذا أتيت الغري رأيتَ قبرين قبراً كبيراً وقبراً صغيراً، فالكبير قبر أمير المؤمنين وأمّا الصغير فرأس الحسين))[696](.
ولو راجعت الرسائل لوجدت فيها أخباراً عديدة غير ما ذكر، تدلّ على أن رأس الحسين مدفون بجنب أمير المؤمنين علي عليه السلام.
وهناك فريق آخر من المؤرخين المتتبعين يقولون إنّ الرأس الشريف أُعيد إلى كربلاء ودُفن مع جسده، وهو القول المشهور بين علماء الإمامية على الأكثر.
يروي العلاّمة المغفور له الحر العاملي في كتابه «الوسائل» بعد نقل الأخبار الواردة حول دفن الرأس بالنجف ما نصّه:
روى رضي الدين علي بن طاووس في كتابه (اللهوف) أنّ رأس الحسين عليه السلام أُعيد فدفن مع بدنه في كربلاء. وذكر أنّ عمل العصابة على ذلك ولا منافاة بينهما.
وكذلك العلاّمة العاملي يرى أنّ لا منافاة بين الأخبار الواردة عن دفنه في النجف الأشرف وبين ما ورد عن إعادته إلى كربلاء إذ من الممكن أن ينقل الرأس من النجف إلى كربلاء، ولعلّه هو الصحيح كما يميل إليه العلاّمة الحر العاملي.
أمّا ما جاء بقول البعض الذين قالوا إنّ الإمام علياً زين العابدين هو الذي جاء بالرأس إلى كربلاء وألحقه ببدنه فهو قول مردود. فقد فهمت مما تقدم أنّ الرأس قد حُمل من الشام إلى النجف ودُفن فيها وقد كان دفيناً أيام حفيده الإمام الصادق عليه السلام هناك حيث أخبر هو عليه السلام بذلك كما ورد وذكرناه في بحثنا.
والنافع الذي يطمئن له القلب وحسبما ورد في الأسانيد التاريخية الموثوقة التي يعتدّ بها هو ما قيل عنه أنه (أي الرأس الشريف) مدفون بالقاهرة وإليك بيان ما يقوله أصحاب هذا القول: نقل رأس الحسين عليه السلام على عهد بني العباس من الشام إلى عسقلان (وهي مدينة من الأعمال التابعة بفلسطين المحتلة تقع شرقي غزة) فدفنوه فيها فلما جاء إليها الملك الأفضل عام (549هـ) نبش ذلك المكان وأخرج منه الرأس وعطره بالغوالي ووضعه في صندوق وبنى مشهداً ليدفن فيه، فلما تمّ البناء أخذ الرأس واضعاً إياه على صدره وأتى به راجلاً إلى المشهد الجديد ودفنه فيه الوزير (طلائع بن رزيك) أحد وزراء الدولة الفاطمية وبذل في سبيل ذلك أموالاً طائلة واحتفل باستقبال الرأس أعظم احتفال ودفنه في الموضع المعروف الآن في القاهرة بمشهد رأس الحسين.
وتفصيل الخبر كما يرويه المقريزي في كتابه (تحفة الأزهار وزلال الأنهار) المخطوط في ذيل شرحه للسيد أبي الحسن المعصوم جدّ السادة آل الخرسان قال ما نصه: «كان سيداً شريفاً جليلاً عظيم الشأن رفيع المنزلة في المشهد الغروي، فرأى ذات ليلة في المنام علي بن أبي طالب يقول له يا معصوم قد ورد عليك هذه الليلة وفد من فقراء شيعتنا وفيهم رجل يقال له (طلائع بن رزيك) من أكبر محبينا قل له: إذهب فأنا وليناك مصر، فلما أصبح الصباح أمر السيد معصوم أن ينادى في القفل أين أبو الثارات طلائع بن رزيك (الملك الصالح) فإن السيد معصوم يطلبه، فاجتمع به وقصّ عليه الرؤيا ثم ذكر كيفية رقي حال طلائع وقيامه في مصر بالأعمال الجليلة ونقله رأس الحسين إلى حيث مشهده الآن.
وذكر المحقق البحاثة الشيخ عبدالله مخلص تحت عنوان الأثر الخالد في عسقلان والمشهد الحسيني أي مدفن رأس الحسين بن علي عليه السلام، كان دفيناً في عسقلان فنقله الفاطميون في أوائل الحروب الصليبية ودفن في المشهد المعروف فيها وذلك سنة 548 للهجرة النبوية الشريفة.
وكيفما تكون الروايات الواردة في موضع مدفن رأس الحسين سواء في كربلاء أم المدينة ام في النجف أم في مصر فقد اعتاد المسلمون المحبون لآل البيت أن يزوروا قبر الحسين عليه السلام في العشرين من صفر أي الأربعينية تيمناً باجتماع الإمام علي بن الحسين بن زين العابدين مع الصحابي جابر بن عبدالله الأنصاري في مثل هذا اليوم في كربلاء، فضلاً عن الأخبار الواردة في فضل زيارة قبر الحسين عليه السلام.
قال أبو القاسم جعفر بن قولويه في حديث طويل عن الصحابي الضرير جابر بن عبدالله الأنصاري الذي زار قبر الحسين في العشرين من صفر مع جماعة من أهل المدينة واجتمع مع الإمام السجاد (ألمسوني القبر).
وجاء في موضع آخر من كتاب «كتاب الزيارات» مسنداً إلى عطية العوفي قال خرجت مع جابر زائراً قبر الحسين عليه السلام فلما وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات واغتسل وعندما دنا من القبر قال ألمسنيه ثم خرّ مغشياً عليه، ولما أفاق قال لي: أخرج إلى الطريق فخرجت والتقيت بالإمام علي بن الحسين وأهل بيته فاجتمعوا للزيارة والبكاء على قبر الحسين عليه السلام أياماً.
وقال الكليني في كتابه الكافي حديثاً مسنداً إلى أبي حمزة الثمالي المتوفى في عهد المنصور العباسي عن أبي عبدالله الإمام جعفر الصادق عليه السلام في حديث طويل قال:
خرج الإمام علي بن الحسين من الشام ومعه أهل بيته وعلى رأسهم النعمان بن بشير الأنصاري ولما بلغوا العراق قال للدليل مر بنا إلى كربلاء فلما وصلوا كربلاء وجدوا بها جابر الصحابي عند قبر الحسين عليه السلام.
ومثله روى الشيخ الطوسي في كتابه (التهذيب) حديثاً منسوباً إلى الإمام أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام.
محمد حسن الكليدار
بخارا
مع أن اسم بخارا لا يُرى في العصور الأولى لتاريخ إيران القديم يعني العصر الإخميني، لكن جرى الحديث عنها في العصر الساساني. بعد هزيمة الهياطلة من قبل بهرام الخامس الساساني. انضمت هذه المدينة إلى حدود إيران في العهد الساساني ووصلت ثقافة الحضارة الإيرانية إلى تلك الديار)[697]( بعد انتصار المسلمين على بخارا في بداية النصف الثاني من القرن الأول تمخضت علاقات وثيقة بين بخارا وخراسان وصلت هذه الروابط والعلاقات إلى أوجها في زمن إمارة الساسانيين الذين كانوا مروجي الثقافة والحضارة الإيرانية والإسلام في ما وراء النهر. الأهمية الحضارية والثقافية لبخارا ودورها الجدي في تجارة القرون الأولى أدى بالمؤرخين وعلماء المسالك والممالك لأن يقوموا بالتوصيف الواسع لبخارا ضمن أبحاث أراضي ومدن)[698]( إيران.
عرفت بخارا بهذا الاسم مترافقة مع أسماء نيمجكت وبوسمكت والمدينة الصفوية ( ) ومدينة التجار أيضاً)[699]( مع أن بعض علماء الجغرافيا المتقدمين وصفوا مدينة بخارا وتوابعها على أنها من مدن خراسان لكن في أغلب نتاج هؤلاء الكتاب اعتبرت بخارا من عمدة مدن ما وراء النهر. الحقيقة هو أنه ناهيك عن العلاقات الواسعة والمتجذرة لبخارا مع خراسان فإن اتصال والروابط القومية والاجتماعية لهذه المدينة مع الطوائف الإيرنية (في عهود قبل تقدم الأتراك والتراكمة وتسلط الأزبك) كان منشأ لاعتبار بخارا من عداد مدن خراسان)[700]( في الحقيقة وبحكم الروايات التاريخية المتواترة والواضحة جداً نستطيع القول أن بخارا قبل أن تفقد هويتها الإيرانية سواءً في مجال الثقافة والحضارة أم في نسيجها الاجتماعي لسكانها، وتبعاً لسقوط الساسانيين لتصبح رويداً رويداً موطئ قدم أقوام وطوائف غير إيرانية مختلفة من المغول والترك والتركمن كانت مدينة إيرانية الإنتماء ومتأصلة في الثقافة والحضارة الإيرانية. كانت لبخارا من هذه الوجهة وقبل التبدلات التي حصلت في بنيتها ونسيجها القومي لها ارتباط وثيق مع خراسان مع أنها كانت منفصلة عن هذه الولاية فقد كانت تعد من مدن خراسان كمرو وبلخ ولم تختلف عنهم في ذلك. بدأ انفصال عرى العلاقات لبخارا مع إيران والحكومات المركزية لهذه البلاد مع تأسيس حكم الخوانين مغوليو الأصل في بخارا، حيث أنهم خلفوا الخانات من القرن الثاني عشر الهجري وأوجدوا الخانات المنفيتيين. أعطى تشكل حكم الأزبك من فصيلة بني شيبان ومواجهتهم للصفويين الفرصة المناسبة للخوانين ومكنهم لتأسيس حكومة مستقرة في سمرقند مثل بني شيبان، وأن يسعى هؤلاء أيضاً من تسلطهم على بخارا أن يجعلوا بخارا عرشهم ويبعدوها تدريجياً عن أصالتها القومية والثقافية عن الجذور الإيرانية. لم تكن مساعي هذه الفئة من الأزبك في بخارا في عهد الصفويين موفقة بقدر خانات سمرقند. ولهذا السبب بقيت بخارا في سائر امتداد عهد الصفويين بارتباط وعلاقة مع الدولة المركزية لإيران. عبقت بخارا في هذا العهد بشهرة ورونق كثير لدرجة أدى بالكبير أن يمد طريقاً لتجارة الحرير مع إيران وبخارا وخيوه. الأخير الذي كان واقفا ًعلى أهمية تجارة إيران وبخارا والثروة الوفيرة وهناك لم يتراجع حتى عن التخيل وفي حال كان ينحدر برفقة قوى نحو قفقاز كان يعمل فكره لإيجاد طرق بين خبج استرآباد وبخ وبخارا وبدخشان)[701](. مع سقوط الصفويين، تأزمت العلاقات السياسية بين إيران وبخارا. وبالطبع كان خانات هذه المدينة يحبون كخانات خوارزم أن تنفصل وتنقطع العلاقات القديمة لبخارا مع حكومات إيران وشعبها ليأصلوا لحكم كامل ومستقل في بخارا بفراغ بال وراحة. بعد ظهور نادر شاه وعودته من هجومه على الهند ومع سماع حاكم بخارا (من الخانات الجانبية) عبد المؤمن بن أبو الفيض خان بنية نادرشاه حول تجديد سيطرة حكومة إيران المركزية على المدن الشمالية لخراسان وخوارزم وما وراء النهر أرسل لعنده دون تلكؤ سفيراً باسم ثوقاشي. أكد الشاه الافشاري بعد وصول سفير بخارا على ضرورة إطاعة خان هذه المدينة لحكومة إيران وقام بإرجاع السفير إلى بخارا بالتهديد والترهيب)[702](. ومع اقتراب نادر من بخارا انضم أبو الفيض خان الذي كان قد هيأ نفسه للتسليم لنادر شاه إليه وجاءه من باب الانقياد والطاعة. وبعد تسليم خان بخارا لنادر اتجه نادر شاه إلى خيوه وبعد انتصاره على خوانين تلك الديار عزم على الرجوع إلى مشهد. في هذا الحين كان نادر شاه قد ولّى أبو الفيض خان بذاته على حكومة شرق جيحون وما وراء النهر وذهب إلى أكلات)[703](. في عام 1170 هجرية كانت وحدة إيران السياسية مصابة بقوة بطغيان وتنافس الخوانين المحليين وقادة نادر شاه وكان مدّعو السلطة يتناحرون في الشرق والغرب والشمال وجنوب البلاد، استولى محمد رحيم خان الأزبكي على هذه المدينة (من خانات متفيت) وأنهي عهد حكومة خانات الجاني)[704]( ومنذ ذلك الحين شرع خانات متفيت بخارا سياستهم الطويلة في الهجوم على مدن شمال خراسان وفي طليعتها مروشاهيجان. بدأ أشهر هجوم على مرو في العهد الخاني للشاه مراد خان الأزبكي (1199- 1215هجرية). في ذلك الهجوم حيث قام الأزبك بتنحية وقتل حاكم قاجار مرو الذي كان يحكم مرو من زمن الصفوية وسيطروا بعدها على مرو لمدة معينة)[705](. في نفس الوقت دخل آغا محمد خان القاجار إلى خراسان وسعى ضمن رسالة بالاتكاء على سابقة تبعية وارتباط مرو وبخارا بإيران أن يحذر الشاه مراد خان من عاقبة أعماله)[706]( مع بداية القرن الثالث عشر الهجري (19 ميلادي) بدأ خانات بخارا بالاستفادة من النزاعات بين إيران وروسيا مع الابتعاد أكثر عن الحكومة المركزية لإيران وازدياد غاراتهم على خراسان بالقيام بعلاقات تجارية نشطة نسبياً مع الروس أيضاً. عن هذا المجال تحكي بعض المعلومات الموجودة أن بعض سكان بخارا ما فتئوا يعتبرون بلاط إيران ملجأً لمشكلاتهم الخارجية حين الحاجات الحقيقية. من بينها عند الحريق الذي أصاب موسكو عام 1814 والتهم متاع وبضائع التجار البخارانيين لم يرَ هؤلاء التجار مؤمل خير في خان بخارا فتوسلوا بفتحعلي شاه. وقام شاه القاجار بدوره بتضمين مناشدة تجار بخارا لأمبراطور روسيا في رسالته وطالبه بإصدار أوامره للتعويض عن خسارة هؤلاء التجار)[707]( وعند سفر الميرزا أبو الحسن خان الشيرازي إلى روسيا، قام إيلجي إيران في هذا البعد بملاقاة تجار بخارا. وقام بذكر علاقة تجار بخارا بروسيا وتحدث عن وجود العلاقات التجارية بين الروس وتجار بخارا ضمن مذكراته)[708](. ومع بداية نمو العلاقات التجارية للروس مع بخارا كانت الأرضية مهيئة للنفوذ السياسي وبعدها الانتصار العسكري لأمبراطورية روسيا على تركستان وما وراء النهر، سعى مسؤولو وزارة الخارجية الإنجليزية وشركة الهند الشرقية أيضاً لإرسال عملاء لخوارزم وما وراء النهر لدراسة السياسات الروسية ودرجة حضورهم في مدن شمال خراسان أعم من مرو وبخارا وخيوه وأورغنج وغيرها.
هؤلاء العملاء دخلوا إلى بخارا ومدن تلك البقاع بلباس السياح والزوار تارة وبلباس الدراويش وعلماء اللغة تارة أخرى. البعض من هؤلاء العملاء وقعوا في السجون وماتوا في طريق جمع هذه المعلومات)[709](. ومن بين النشاطات التجارية الرائجة في سائر عهد حكومة حكام منغيت في بخارا كانت تجارة العبيد وشراء وبيع الغلمان والإماء. وللأسف كان عدد لا بأس به من هؤلاء العبيد أسرى هجوم الأزبكيين والتراكمة وأحياناً الأفغان على هرات وقندهار ويصبحون في معرض البيع والشراء في أسواق النخاسة في بخارا. قدم بارتس عند سفره إلى بخارا تقريراً عن الوضع المأساوي لهؤلاء الأسرى)[710](. في عهد سلطة محمد شاه القاجاري وبما أن عدد الأسرى الإيرانيين ازداد في بخارا واشتد هجوم الأزبك والتراكمة على مرو بعث محمد شاه رسولاً لعند أمير بخارا وطلب منه أن يحرر الأسرى الإيرانيين والمنع من عملية بيعهم وشرائهم وأن يجتنب التدخل في أمور مرو التي تتعلق بولاية خراسان)[711](. وعلى الرغم من هذه السفارة التي أدت إلى تحرير عدد من الأسرى الإيرانيين)[712](. ظلت بخارا مركزاً لتجارة العبيد خصوصاً الأسرى الإيرانيين بعد عدة أعوام، أرسل محمد شاه سفيراً آخر نحو بخارا وطلب من خان منغيت أن يمنع بيع وشراء الأسرى الإيرانيين الذين كان معظمهم من الشيعة. ومع أن أمير بخارا قام بالإجابة على رسالة محمد شاه باحترام وتقدير كبيرين ولكنه ادعى تلويحاً أنه بمستوى شاه إيران وطالب بتحكيم علاقة الدولتين)[713]( مع بداية قيام سالار في خراسان مدّ خان منغيت بخارا يد العون لسالار وقام بحماية ابن آصف الدولة)[714]( في بداية سلطة ناصر الدين شاه في حال كان محمد أمين خان الخوارزمي حاكماً على خيوه، شرع رضا قلى خان هدايت مهمته وسفره إلى خوارزم. كانت وظيفته أن يلاقي خانات خيوه وبخارا ويتحادث معهم لأجل تحرير الأسرى الإيرانيين. يكتب هدايت أنه أثير في ذلك الزمان غبار النفاق بين أمير بخارا يعني أمير نصرالله منغيت وخان خيوه لأن على رغم انتماء كلا الأميرين للعرق التركي لم يعتبر خان بخارا، محمد أمين خان تركياً ومن أهل خوارزم وكان يحسبه تاتياً.
هنا نلتفت إلى أن في أوضاع الانفصال السياسي والاجتماعي المتزايد لبخارا إيران في عهد محمد شاه والعهد الناصري كان ما يزال لبقايا من الحكام الإيرانيين والإيرانيين القريبين من بخارا حكومات محلية صغيرة تحت أمرتهم. أقام سفير محمد شاه في بخارا في عام 1259 قبل دخوله لهذه المدينة حوالي بخارا في قراكول. وعندما وصل هاذ الخبر إلى حسين خان حاكم قراكول وهو الذي كان مشتاقاً لرؤية سفير شاه إيران ذهب لملاقاته ليلاً خوفاً من خان بخارا وقام بمحادثته. في حين سفارة رضا قلى خان هدايت على خوارزم كان يحكم قراكول شاهرخ خان القاجاري ابن إبراهيم خان يعني ابن عم فتحعلي شاه)[715]( وهذا دليل آخر على وجود حكام إيرانيين في نواحي وأطراف بخارا.
على رغم مساعي خانات منغيت بخارا لقطع الروابط السياسية مع المجتمع الإيراني أكثر فأكثر وبتر العلاقات الدينية مع شعب بلدنا، استمرت العلاقات التجارية لبخارا مع خراسان عن طريق عدة أساليب من بينها انتشار أسواق بيع العبيد والأسرى الإيرانيين في بخارا، حتى عتبة انتصار الروس على ما وراء النهر وإلى مدة بعد هذه الحادثة. في العدد 212 من صحيفة وقائع الإتفاقية يوجد تقرير عن دخول قافلة تجارية بخاراتية لمشهد، وردت هذه القافلة مشهد مع مراقبة تركمانيين سرخس التي كانت تتبع لدولة إيران حينها)[716](.
ومع تقدم الروس نحو ما وراء النهر وانتصارهم الكامل على أراضي شرق بحر الخزر حتى شمال أفغانستان وتبعاً لتوقيع المعاهدة الحدودية قطعت آخر عرى العلاقة لبخارا مع إيران مثل باقي المدن. أمراء بخارا الذين لم يكونوا مستعدين لتشكيل قوة في مقابل أخطار الأجانب بجانب دولة إيران، قاموا بمقاومة بسيطة بعد انتصار الروس، ولكنهم أخيراً ابتلعوا من قبل الإمبراطورية القيصرية في حال خنق خانات ما وراء النهر وأخوالها ما زالوا يتنافسون ويتناحرون مع بعضهم البعض.
بدخشان
بدخشان أرض أو إقليم جبلي مشهور، إلى الساحل الأيسر لنهر (جيحون) وعند سفوح جبال (هندوكوش). يحدها من الشمال نهر (زر أفشان) و(فرغانة)، ومن الشرق (شترال) و(ثفثان) وحدود (تركستان) مع (الهند)، ومن الغرب تتصل بكنغان. عرفت هذه الأرض باسم (بدخشان) أو (بذخشان) وجاء ذكرها في المصادر الجغرافية والتاريخية القديمة، وسرى إسمها في المصادر الأدبية أيضاً، وقد اشتهرت جوهرة بدخشان إلى حد جعل الشاعر المرح يتغنى بها فيقول:
مدتي بايد كه تا يك سنك أصلى ز آفتاب
لعل كردد در بدخشان يا عقيق أندر يمن
فاليعقوبي أعدّ تقريره عن القرن الثالث الهجري، ووصف مدن المشرق، واعتبر (بدخشان) أحدى مدن (بلخ))[717](. وبعد ستة عقود من (اليعقوبي) تحدث (الأصطخري) عن (بدخشان) واعتبرها إقليماً وقال: (بدخشان إقليم يحوي عدة مدن وقرى ونواحي»)[718](. وبعد الاصطخري بثلاثة عقود جاء (ابن حوقل) ليصف (بدخشان) كسابقيه على أنها اجزء من (خراسان) وقال عنها: «بدخشان أصغر من (منغ) وفيها قرى كثيرة وعمران، وهي منعمة وفيها الكروم والأشجار والعيون، وتقع غرب نهر خرباب»)[719]( ثم عند وصفه لبلاد ما وراء النهر كتب أيضاً: «إن المنبع الأساس لنهر جيحون هو نهر خرباب (خرياب) الذي ينبع من بلاد وخان عند حدود بدخشان، وتتصل به عدة أنهار عند حدود ختل ووخش، لتشكل سوياً ذلك النهر الكبير المذكور»)[720](.
لكن (المقدسي) زاد في وصفه لها عن أسلافه، فذكر حدودها بشكل أكثر دقة فقال: «بدخشان عند حدود تركستان وشمال طخارستان، وفيها منجم ياقوتي الشكل، لا يوجد إلاّ هناك. وفيها محل إقامة فخم وقلعة من زبيدة مدهشان. فيها مناجم: لا جورد، بلور، حجر بازهر، حجر فيتلة. وهو كعشبة البردي لا تحرقه النار. فيشعلونه بزيت النهند، يستعمل كالفتيلة. لكنه لا يتناقص، ثم يخرجونه من الزيت ويضعونه في النار لساعة حتى يعود إلى ما كان عليه نظيفاً. يعدّون منه خوان المائدة، حتى إذا تلوث بالزيت والأوساخ رموه في النار لينظف بدل غسله. وفيها حجر آخر إذا وضعته داخل البيت المظلم أضاء قليلاً»)[721](.
و(المقدسي) الذي كرر كلام سابقيه ذكر اسم هذه الأرض (بدخشان))[722]( وقد نسبت التقارير المتعددة قصر الضيافة الكبير في بدخشان إلى (زبيدة) زوجة (هارون الرشيد) ووالدة (محمد الأمين) مما يدل على دخول الإسلام إلى أرض (بدخشان) قبل تأسيس الخلافة العباسية. واعتبرت بدخشان جزءاً من خراسان في المصادر الجغرافية للقرون الوسطى وما بعدها)[723](.
(أبو الفداء) الذي فرغ من تأليف (تقويم البلدان) عام (721هـ) كتب أنّ بدخشان تبعد عن (بلخ) مسيرة (13) مرحلة، وعن (طالقان) سبعة أيام)[724](.
ومن أسباب شهرة درة بدخشان منذ القدم كمنطقة إيرانية الأصل في خراسان الكبرى ـ وهي حالياً داخل حدود أفغانستان ـ ولادة ونشأة الحكيم (ناصر خسرو القبادياني) فيها، ودفنه في مقبرة إلى جانب شاطئ نهر خرياب أو ما سمّي فيما بعد بكوكجة في قرية يمكان.
ناصر خسرو عرف في القرن الخامس بحجة خراسان، وقام بنشر المذهب الإسماعيلي في بدخشان، وقد أثمرت جهوده ومساعدة (الأمير حسام الدين) حاكم تلك المنطقة إلى اعتناق معظم سكان بدخشان المذهب الإسماعيلي. وقيل إن (ناصر خسرو) إلى جانب ترويجه للعقائد الباطنية قام ببناء عدة مبانٍ في بدخشان أكثرها شهرة وروعة الحمام العام ذي القبب المتعددة، والأحواض الأربعة والعشرين للغسيل، والجدران المزينة بالنقوش عند مدخله)[725](.
خلال عصر الحملات المغولية لم تتعرض بدخشان للأذى المباشر، لكنها فقدت رونقها التوسعي، حتى أضحت مدينة بدخشان خربة، ودمّر مركزها، وخربت المباني المتعددة التي أقامها ناصر خسرو، وأقيم فيما بعد مركز جديد باسم (فيض آباد) إلى جانب مدينتي جرم ويشم، وهما المدينتين اللتين كانتا موجودتين منذ القدم وأصبحتا أشهر مدن بدخشان.
بعد العصر المغولي وخلال العهد التيموري بذل أخلاف تيمور جهوداً لمواجهة المقاومة الجدية لبدخشان، واستسلمت لهم بدخشان، فتولى حكومتها الميرزا أبو بكر ابن أبو سعيد أحد أحفاد تيمور)[726](. هذا الاستسلام شكّل نهاية لدورة طويلة من استقلال حكام بدخشان المحليين. وبعد انتهاء دورة تسلط التيموريين على بدخشان، في القرن التاسع هاجم الأوزبكيون بدخشان واستولوا عليها لمدة، لكنها لم تطول، وفي أوائل القرن العاشر ثار الأهالي ضد الأوزبك بقيادة (مبارك شاه) وأنهوا تسلطهم. لكن نزاعاً على السلطة وقع في بدخشان بعد اندحار الأوزبك، أدى إلى منع قيام حكومة قوية فيها، مما دفع (عبدالله خان الأوزبكي) إلى مهاجمتها في أواخر القرن العاشر، وإخضاعها إلى الأوزبك ثانية. وأن (يار محمد بيك) مؤسس السلالة الأوزبكية في بدخشان، وهو الذي أعاد مركز الحكم إليها، وأطلق عليها إسم (فيض آباد))[727](.
ومع ظهور (أحمد خان الدراني) وميوله التوسعية وهجماته المتكررة على (السند) و(خراسان) جاء دور مهاجمة بدخشان أيضاً. وكان (مكي خان فوفلزائي) هو المكلف باحتلال هذه المنطقة من جيحون، فأدى مهمته على أحسن وجه، وقام بنصب حاكم على كل منطقة احتلها، ثم عاد إلى (قندهار))[728](. ورغم أن هذه الحركة العسكرية كانت بداية تسلط الأفغان على بدخشان، لكن تسلط حكومة (كابل) على بدخشان بشكل حقيقي حصل بعد معاهدة عام 1873م بين الروس والإنجليز، وموافقة الروس على ضم بدخشان إلى حكومة كابل)[729](.
بعد ذلك قام الحاكم الأفغاني لبدخشان بالتعرض لمدينة (بامبر) التابعة لولاية أمير بخارى، مما أوجد نزاعات جدية جرّت إلى تدخل سياسي من قبل الروس والإنجليز، وفي شهر آذار عام 1895م كان الروس يؤكدون بطلان ادعاء (الأمير عبد الرحمن خان) حول تعلق أجزاء من منطقة أمير بخارى بحكومة أفغانستان، ولكنهم وقعوا اتفاقية مع الإنجليز تقضي بتقسيم بامبر وبدخشان بين حاكم أفغانستان، وأمير بخارى، وعليه أضحت بدخشان الأصلية من سهم حكومة كابل صراحة، وبامبر اعتبرت من حصة أمير بخارى. ومع بدء تحرك الروس لوضع أسماء جديدة للمناطق من أجل تأمين أهداف سياسية بعد ثورة أكتوبر، ولأنهم كانوا ما يزالون يطمعون بمناطق من أفغانستان، قاموا عام 1918م بعزل أمير بخارى، وأوجدوا في عام 1925م منطقة حكم ذاتي في بامبر الغربية وأطلقوا عليها إسم بدخشان الجبلية أو غورنو بدخشان.
البنك اللاربوي في الإسلام
كتاب تضمن أطروحة للتعويض عن الربا، ودراسة لكافة أوجه نشاطات البنوك في ضوء الفقه الإسلامي.
كتبه سماحة المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر
نظام البنك اللاربوي:
سوف يقع حديثنا عن نظام البنك اللاربوي في فصلين:
أحدهما: في النقطة الرئيسية في البحث وهي طريقة إنقاذ البنك المزمع إنشاؤه من التعامل بالربا، والذي يتمثل لدى البنوك القائمة فعلاً بصورة رئيسية في الإيداع لدى البنك بفائدة والاقتراض منه بفائدة، والذي يعبّر عن المصدر الرئيسي للتناقض بين تلك البنوك وبين أحكام الإسلام.
وطريقة إنقاذ البنك من التعامل بالربا، والقضاء على أساس التناقض بينه وبين أحكام الإسلام يتمّ بتقديم اُطروحةٍ تنظّم علاقاته بالمودِعين والمستثمِرين على أساسٍ جديدٍ يختلف عن نظام الإيداع بفائدةٍ والإقراض بفائدة.
والفصل الآخر: نستعرض فيه الوظائف الأساسية التي تمارسها البنوك القائمة فعلاً، وما تشتمل عليه من خدماتٍ وتسهيلاتٍ واستثمارات، وندرسها في ضوء الاُطروحة السابقة، لنعرف حكم الشريعة الإسلامية بشأنها، وموقف البنك اللاربوي من مختلف تلك النشاطات)[730](.
الأطروحة الجديدة
لتنظيم علاقات البنك بالمودعين والمستثمرين
تتكوّن الموارد المالية للبنك عادةً من رأس المال الممتلك للبنك (أي رأس المال المدفوع مضافاً إليه الأرباح المتراكمة غير الموزّعة) ومن الودائع التي يحصل عليها ويتمثّل فيها الجزء الأكبر من موارده.
وتنصبّ أهمّ نشاطات البنك الربوي على الاقتراض بفائدةٍ أو بدون فائدةٍ (فإنّ قبوله للودائع الثابتة اقتراض بفائدة، وقبوله للودائع المتحرّكة اقتراض بدون فائدة، كما سيأتي) ثمّ الإقراض بفائدةٍ أكبر. ويتكوّن دخله الربوي من الفائدة التي يتقاضاها – في حالة اقتراضه بدون فائدة – أو من الفارق بين الفائدتين في الحالة الثانية.
ويستمدّ البنك الربوي أهمّيته في الحياة الاقتصادية من كونه قوةً قادرةً على تجميع رؤوس الأموال العاطلة بإغراء الفائدة التي يعطيها للمودِعين ودفعها إلى مجال الاستثمار باسم قروض لرجال الأعمال، ومختلف المشاريع التي تحتاج إلى تمويل.
وعلى هذا الضوء نعرف أنّ العلاقة التي يمارسها البنك مع المودِعين من ناحيةٍ، ومع المستثمِرين من ناحيةٍ أُخرى، هي علاقة وسيطٍ بين رأس المال والعمل إذا نظرنا إلى طبيعتها الاقتصادية. وأمّا إذا نظرنا إلى طبيعتها القانونية أي إلى الصياغة القانونية لتلك العلاقة في المجتمع الرأسمالي نرى أنّ القانون صاغها عن طريق تجزئتها إلى علاقتين قانونيّتين مستقلّتين: إحداهما: علاقة البنك بالمودِعين بوصفه مديناً وبوصفهم دائنين، والاُخرى: علاقة البنك مع رجال الأعمال المستثمِرين، الذين يلجأون إلى البنك للحصول على المبالغ التي يحتاجونها من النقود، وفي هذه العلاقة يحتلّ البنك مركز الدائن، ورجال الأعمال مركز المَدين.
ومعنى هذا أنّ البنك لم يعد في الإطار القانوني مجرّد وسيطٍ بين رأس المال والعمل، أي بين المودِعين والمستثمِرين، بل أصبح طرفاً أصيلاً في علاقتين قانونيّتين، وانعدمت بحكم ذلك أيّ علاقةٍ قانونيةٍ بين رأس المال والعمل بين المودِعين والمستثمِرين، فأصحاب الودائع ليس لهم أيّ ارتباطٍ قانونيّ برجال الأعمال وإنّما هم مرتبطون بالبنك ارتباط دائنٍ بمدين، كما أنّ رجال الأعمال المستثمِرين غير مرتبطين بأحدٍ سوى البنك بالذات الذي يدخلون معه في علاقة مَدين بدائن.
والبنك بوصفه مديناً للمودِعين يدفع إليهم الفائدة إذا لم تكن ودائعهم تحت الطلب، وباعتباره دائناً للمستثمِرين يتسلّم منهم فائدةً أكبر.. وبذلك يرتبط نظام الإيداع والإقراض بالربا المحرَّم في الإسلام.
والفكرة الأساسية التي أحاول عرضها لتطوير البنك على أساسٍ إسلامي يصونه من التعاطي بالربا ترتكز على تصنيف الودائع التي يتسلّمها إلى ودائع ثابتة، وأخرى متحرّكة (جارية)، ففي الودائع الثابتة تُرفض الصياغة القانونية الآنفة الذكر بعلاقة البنك بالمودِعين والمستثمِرين، وتُعطى بدلاً عنها صياغة قانونية أخرى تنشأ بموجبها علاقة قانونيّة مباشرة بين المودِعين والمستثمِرين، ويمارس البنك ضمنها دوره كوسيطٍ بين الطرفين، وبذلك تصبح الصياغة القانونية لعلاقة البنك بالمودِعين والمستثِمرين أكثر انطباقاً على واقع تلك العلاقة.
فكما إذا نظرنا إلى واقع هذه العلاقة بصورةٍ مجرّدةٍ عن أيّ طابعٍ قانوني نجد أنّها لا تخرج عن معنى الوساطة التي يقوم بها البنك لإيصال رؤوس الأموال التي تتطلّب مستثمِراً إلى المستثمِرين الذين يطلبون رأس مالٍ يستثمرونه.. كذلك حين ننظر إلى علاقة البنك بالطرفين في إطار الصياغة القانونية المقترحة التي تنشأ فيها الصلة بين المودِعين والمستثمِرين مباشرة، فإنّها لا تبتعد ضمن هذه الصياغة عن وضعها الطبيعي كوساطةٍ يمارسها البنك بين رأس المال والعمل.
هذا في مجال الودائع الثابتة، وأمّا الودائع المتحرّكة (الجارية) فلها وضع آخر في الاُطروحة المقترحة يأتي الحديث عنه بعد ذلك.
وسوف نتناول أوّلاً تنظيم علاقات البنك بالمودِعين للودائع الثابتة والمستثمِرين، ونوضّح كيف تُصاغ بشكلٍ تنشأ فيه الصلة مباشرةً بين المودِعين والمستثمِرين ويمارس البنك اللاربوي دور الوسيط بين الطرفين، ثمّ نتكلّم عن تنظيم علاقات البنك بأصحاب الودائع المتحرّكة. ولكن قبل البدء بذلك لا بدّ أن نحدِّد ما نقصده من الودائع الثابتة والمتحرّكة.
تقسيم الودائع إلى ثابتةٍ ومتحرّكة
الودائع الثابتة: (الودائع لأمد): عبارة عن المبالغ التي يودِعها أصحابها في البنك بقصد الحصول على دخلٍ عن هذا الطريق يتمثّل في ما يتقاضونه من الفوائد، وهؤلاء قد يستهدفون استثمار أموالهم عن هذا الطريق باستمرار، وقد يُقدِمون على هذا الاستثمار مؤقّتاً بانتظار فرصةٍ مناسبةٍ للتشغيل.
والودائع المتحرّكة: (الودائع تحت الطلب التي تُكوِّن الحساب الجاري) هي المبالغ التي يودِعها أصحابها في البنوك بقصد أن تكون حاضرةَ التداول والسحب عليها لحظة الحاجة، وفق متطلّبات العمل التجاري، أو حاجات المودع كمستهلك. ولا يتقاضى هؤلاء عادةً فائدةً من البنوك على هذه الودائع، كما أنّها تكون تحت الطلب دائماً، بمعنى أنّ البنك يلتزم بدفعها متى ما طولب بذلك، خلافاً للودائع الثابتة، فإنّ أصحابها يتقاضون فوائد عليها، ولا يلتزم البنك بدفعها فوراً متى طولب بذلك.
وهناك قسم ثالث من الودائع تلتقي فيه خصائص القسمين السابقين، وهو ودائع التوفير التي يودِعها الموفّرون في البنك وينشئون بذلك حساباً في دفترٍ خاص واجب الترقيم عند كلِّ سحبٍ أو إيداع. وتلتقي ودائع التوفير مع الودائع المتحرّكة في إمكان السحب منها متى شاء المودِع، خلافاً للودائع الثابتة التي لا يلتزم البنك بوضعها تحت الطلب دائماً. كما إنّ ودائع التوفير تلتقي مع الودائع الثابتة في ما تفرضه البنوك الربوية من فوائد للموفّرين كما تفرضها لأصحاب الودائع الثابتة.
ونظراً إلى أنّ البنك يسمح للموفِّر بالسحب من حسابه متى شاء، ورغبةً منه في إغرائه بعدم السحب مهما أمكن، يكتفي بتقييد فائدةٍ لحساب العميل الموفّر على أساس أدنى رصيدٍ في حساب التوفير خلال الشهر.
وإذا أردنا أن نقسِّم الودائع تقسيماً يشمل ودائع التوفير أيضاً أمكن أن نقرِّر: أنّ الودائع إمّا ودائع تحت الطلب، أو ودائع لأمد.. والقسم الأوّل هو الودائع المتحرّكة (الحساب الجاري)، والقسم الثاني ينقسم بدوره إلى: ودائع ثابتة، وودائع توفير. ولكنّا الآن سوف نتحدّث بصورةٍ رئيسيةٍ عن القسمين الأساسيّين وهما: الودائع الثابتة، والودائع المتحرّكة، وفي ختام الحديث عن الودائع الثابتة سوف ندرس موقف البنك اللاربوي من ودائع التوفير وأوجه الفرق بينه وبين موقفه من الودائع الثابتة.
تنظيم علاقات البنك
في مجال الودائع الثابتة
إنّ عملية إيداع هذه الودائع الثابتة لدى البنك – أي إقراضها للبنك – وعملية تقديمها من قبل البنك لرجال الأعمال المستثمِرين يمكن دمجهما في علاقةٍ واحدةٍ تسمّى في مصطلحات الفقه الإسلامي بـ: «المضاربة».
مفهوم المضاربة في الفقه الإسلامي
والمضاربة يختلف مفهومها في الفقه الإسلامي عن مصطلحها في الاقتصاد الحديث.. فهي في الفقه الاسلامي: عقدٌ خاصٌّ بين مالك رأس المال والمستثمِر على إنشاء تجارةٍ يكون رأسمالها من الأوّل والعمل على الآخر، ويحدّدان حصّة كلٍّ منهما من الربح بنسبةٍ مئوية، فإن ربح المشروع تقاسما الربح وفقاً للنسبة المتّفق عليها، وإن ظلّ رأس المال كما هو ولم يزد ولم ينقص لم يكن لصاحب المال إلّا رأس ماله، وليس للعامل شيء.. وإن خسر المشروع وضاع جزء من رأس المال أو كلّه تحمّل صاحب المال الخسارة، ولا يجوز تحميل العامل المستثمِر وجعله ضامناً لرأس المال، إلّا بأن تتحوّل العملية إلى إقراضٍ من صاحب رأس المال للعامل، وحينئذٍ لا يستحقّ صاحب رأس المال شيئاً من الربح.
هذه هي الصورة العامة للمضاربة في الفقه الإسلامي.
أعضاء المضاربة المقترحة
ولكي نقيم العلاقات في البنك اللاربوي على أساس المضاربة بالنسبة إلى الودائع الثابتة يجب أن نتصوّر الأعضاء المشتركين في هذه المضاربة ونوعية الشروط والالتزامات والحقوق لكل واحدٍ منهم.
إنّ الأعضاء المشتركين في المضاربة ثلاثة:
1 – المودِع بوصفه صاحب المال، ونطلق عليه اسم (المضارِب).
2 – المستثمِر بوصفه عاملاً ونطلق عليه اسم (العامل، أو المضارب).
3 – البنك بوصفه وسيطاً بين الطرفين ووكيلاً عن صاحب المال في الاتّفاق مع العامل.
ولكي نعرف النظام الذي يتّبعه البنك في المضاربة بالودائع الثابتة لا بدّ أن نشرح الشروط التي يجب توفّرها في أعضاء المضاربة، ثمّ نحدِّد حقوق كلِّ واحدٍ منهم.
شروط الأعضاء
إنّ البنك بوصفه الوسيط بين رأس المال والعمل لا يقوم بدوره هذا في الوساطة والتوكّل عن صاحب المال إلّا في حالة توفّر شروطٍ معيّنةٍ في المودِع وفي العامل المستثمِر.
الشروط المفروضة على المودِع
يشترط البنك في توكّله عن المضارب أي المودِعَ واستثمار وديعته عن طريق المضاربة ما يلي:
1 – أن يلتزم المودِع بملزِمٍ شرعيّ بإبقاء وديعته مدّةً لا تقل عن ستّة أشهرٍ تحت تصرّف البنك، فإذا لم يوافق المودِع على ذلك لم يسمح له بالاشتراك في عقود المضاربة، ولم يقبل البنك التوكّل عنه في هذا المجال.
2 – أن يُقِرَّ المودِع ويوافق على الصيغة التي يقترحها البنك للمضاربة، والشروط التي يتبنّى إدراجها في تلك الصيغة.
3 – أن يفتح المودِع وديعةً ثابتةً حساباً جارياً مع البنك، وهذا الشرط قابل للتغيير تبعاً لظروف الاستثمار وحاجة البنك إلى الودائع ليُضارِب بها، فقد يرفع هذا الشرط عند الحاجة إلى ودائع ثابتةٍ للمضاربة ليكون ذلك مشجِّعاً على استقدام مودِعين جُدُد.
ولا يُعتبر بعد ذلك حجم معيّن في الوديعة الثابتة التي تدخل مجال المضاربة، بل يمكن قبولها ولو بلغت من الضآلة إلى درجةٍ لا تُتيح إنشاءَ مضاربةٍ مستقلّةٍ على أساسها، لأنّ البنك لا يربط كلّ وديعةٍ بمضاربةٍ مستقلّة، وإنّما تُمتزج كلّ وديعةٍ بغيرها في بحر الودائع الثابتة، وتنصبّ عقود المضاربة على مجموعاتٍ من هذا البحر، فلا مانع من ضآلة حجم الوديعة الثابتة التي يتقدّم بها المودِع.
الشروط المفروضة على المستثمِر
وأمّا شروط التوسّط بالنسبة للمضارب أي العامل المستثمِر التي لا يقدم البنك بدونها على التوسّط بينه وبين المودِعين والاتّفاق معه على المضاربة بعمولةٍ فهي:
1 – أن يكون أميناً، وأن يشهد على أمانته ووثاقته شخصان يعرفهما البنك.
2 – أن تحصل للبنك القناعة الكافية بكفاءة المستثمِر وقدرته على استثمار الأموال التي سيأخذها من البنك في مجالٍ قليل المخاطرة، أو على الأقل يتوقّع البنك فرصةً طيّبة في ذلك المجال، وأن تكون للمستثمِر خبرة سابقة في المجال الذي سيستثمِر المال فيه.
3 – أن تكون العملية التي يريد العامل استثمار المال فيها محدَّدةً ومفهومةً لدى البنك بحيث يستطيع البنك أن يقدِّر نتائجها ويدرس احتمالاتها.
4 – يُفضَّل مَن كان له سبقُ تعاملٍ مع البنك وسابقة حسنة، على غيره.
5 – أن يخضع للشروط التي يُمليها البنك عليه في العرض، وهي:
أ – الشروط التي تتعلّق بتقسيم الأرباح وفقاً لِمَا يأتي بعد لحظات.
ب – أن تكون جميع الأعمال المالية للمستثمِر المتّصلة بذلك الاستثمار الخاص بواسطة البنك، بأن يفتح فيه الحساب الجاري للمضاربة ويودِع فيه ودائعها المتحرّكة.
جـ – أن يلتزم بسجلّاتٍ دقيقةٍ ومضبوطةٍ في حدود استثمار مال المضاربة (وقد يمكن إلزامه بأن تكون قانونيةً، وذلك بشهادة محاسبٍ قانوني))[731](.
د – أن يفتح البنك إضبارةً لكلّ عملية مضاربةٍ يرفق فيها كل ما يتعلّق بتلك العملية من مخابراتٍ تبدأ بعقد المضاربة الموقَّع عليه من قبل العامل، ويشترط على العامل أن يزوِّد البنك بجميع المعلومات عن سير دورة حياة عملية المضاربة من ساعة تنفيذ عقد المضاربة، أي من ساعة شراء المادّة المتّفق عليها، وما شاكل ذلك، حتى انتهاء العقد، وتشمل هذه المعلومات تقلّبات الأسعار الواقعة فعلاً والمحتملة من قبل العميل، وأسعار البيع التي تقل عن أسعار الشراء. .
وطريقة الاتّصال بالبنك وتزويده بهذه المعلومات يحدِّدها البنك نفسه، وباستطاعته أن يهيّئ استماراتٍ لهذا الغرض، على أن يكون للعميل الحق في الاتّصال التلفوني إذا كان ذلك ضرورياً.
وهناك شروط خاصّة بالعمل نفسه وظروفه تختلف من عملٍ إلى آخر، لا يمكن تحديدها بصيغةٍ عامّة.
ولدى توفّر شروط التوكّل بالنسبة إلى المودِع والمستثمِر يقوم البنك بدوره كوسيطٍ في المضاربة بعد أن يدرس رِبحيَّة المشروع الذي تقدّم العامل طالباً تمويله عن طريق المضاربة على ضوء مختلف الظروف الموضوعية.
وعلى البنك أن يسعى جاهداً لتوفير المضاربة الناجحة، ولا يجوز له تأجيل استثمار الودائع الثابتة التي يتسلّمها، ولا التماهل في تهيئة الفرصة المناسبة للمضاربة الناجحة بها بقصد توفير سيولةٍ نقديةٍ في خزانته، أو إيثاراً لاستثمار أمواله الخاصّة على أموال المودِعين.
وإتماماً للفائدة نلحق بالدراسة السابقة بحثاً قيّماً للشيخ محمد إسحاق الفياض حول:
أحكام البنوك
والأسهم والسندات
والأسواق المالية (البورصة)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
موضوعات الكتاب
1 – معالجات مشكلة المعاملات الربوية في البنوك و المؤسسات النقدية، وتحويلها نظرياً إلى المعاملات المشروعة في الإسلام.
2 – تطبيق هذه النظرية مرتبط بالعناصر التالية:
أ – عملية التحويل لا تقلل من دور البنوك في طبيعة الحياة الاقتصادية، ونشاطاتها في الحركة التجارية وفوائدها المالية.
ب – عملية التطبيق وظيفة المسلمين ككل بحكم اعتقادهم بالإسلام، ومسؤوليتهم امام الله تعالى.
ج – عملية التطبيق تدل على أصالة المسلمين واستقلالهم في تشريعاتهم المستمدّة من الكتاب والسنّة.
3 – الخدمات البنكية التقليدية في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية للإنسان الاجتماعية والفردية، وتخريج هذه الخدمات من الناحية الشرعية.
4 – الأسهم والسندات: وهي متمثلة في الأوراق المالية التي تصدرها الشركات المساهمة بقيمة إسمية محددة، وتتغيّر أسعارها كسائر السلع، وتخريج أحكام تداولها من الناحية الشرعية.
5 – التعامل في الأسواق المالية (البورصات) وحكمه من وجهة النظر الشرعية.
مقدمة
المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك والمصارف، هل هي ودائع بالمعنى الفقهي، أو أنها قروض ربوية تملكها البنوك والمصارف على وجه الضمان بالمثل؟
والجواب: إنه لا بدَّ لنا من ملاحظة مفهوم الوديعة بالمعنى الفقهي وحدوده سعة وضيقاً، فنقول إن الوديعة بالمعنى الفقهي عبارة عن إيداع مال عند الأمين المسمى بالودعي بغاية الحفاظ عليه مع بقاء عينه في ملك مالكه، وهي بهذا المفهوم المحدد لا تنطبق على الأموال المودعة لدى البنوك، على أساس أن البنوك مسموحة من قبل أصحابها بالتصرف بها ما شاءت و تبديلها بأعيان أخرى، وهذا لا ينسجم مع مفهوم الوديعة بالمعنى الفقهي.
من هنا ذكر بعض الأعلام أن الودائع المصرفية لا يمكن تصوير كونها ودائع حقيقية، بحيث تخرج فوائدها عن كونها فوائد ربوية على القرض، وذلك لأن المالك يأذن للبنك بالتصرف بها، ولا يراد بهذا الإذن السماح للبنك بالتصرّف مع بقاء الوديعة في ملك صاحبها، وإلاّ لزم حينئذٍ أن يعود الثمن والربح إلى المالك بقانون المعاوضة لا إلى البنك، بل يُراد بالإذن المذكور السماح للبنك بتملك الوديعة على وجه الضمان بالمثل، وهو معنى القرض، وعليه فتكون الفوائد التي يدفعها البنك إلى المودع فوائد على القرض، وبكلمة إن إباحة التصرف للبنك في الأموال المودعة عنده من قبل أصحابها، إنما هي إباحة في تملّك تلك الأموال بضمان مثلها، فإن صاحب المال إذا أذن للأمين وسمح له بالتصرف فيه تصرفاً ناقلاً، كان معناه الإذن منه بتملك المال على وجه الضمان بالمثل.
ثم إن تملك البنك للأموال المودعة عنده يكون بأحد الطريقين التاليين:
الأول: إن المودع من البداية كان يقصد إقراض البنك للوديعة، أي: تمليكها له على وجه الضمان بالمثل، وهذا المعنى هو المرتكز في أذهان كل مودع أودع ماله في البنك؛ لأن الدافع من ورائه تضمينه بالمثل لا بقاء عينه في ملكه.
الثاني: إن المودع بما أنه قد أذن للبنك بالتصرّف في الوديعة حتى التصرف الناقل، فلا محالة يكون مردّه إلى الإذن و السماح له بالتملك على وجه الضمان بالمثل لا مجاناً.
والخلاصة: إن الودائع المصرفية جميعاً أي: سواء أكانت من الودائع المتحركة أمّ الثابتة، فهي ليست بودائع حقيقة، بل هي قروض ربوية للبنك فيملكها البنك على وجه الضمان، وإطلاق الودائع عليها إنما هو بالعناية وبدافع إغراء الناس في إيداع أموالهم فيه حفظاً لها من التلف وتعويداً لهم بالادخار.
نعم، يمكن تصوير أن هذه الودائع، ودائع بالمعنى الفقهي ثبوتاً وباقية في ملك أصحابها، وإن الإذن بالتصرّف فيها إنما هو مع الاحتفاظ بملكية المودع للوديعة من طريق ضمان البنك الودائع، لا بالقرض لكي تخرج عن ملك أصحابها، ولا بمعنى النقل من ذمة إلى ذمة، فإنه لا يتصور إلاّ في الدين، بل بمعنى تعهد البنك وجعلها في مسؤوليته مع بقائها على ملك المودع، وهذا نحو من الضمان المعاملي؛ فإنه على نحوين:
أحدهما: مختص بباب الديون، ويعبر عنه بنقل الدين من ذمة إلى ذمة.
وثانيهما: لا يختص بها، بل يشمل الأعيان الخارجية أيضاً، وهو التعهد بشيء وجعله في عهدة الشخص، وفي المقام يقوم البنك بإنشاء التعهد وتعاقده مع المودعين على ذلك، فإذا قام البنك بذلك تصبح الودائع في عهدته ومسؤوليته مع بقائها على ملك المودعين، ونتيجة هذا التعهد هي أن خسارتها على ذمة البنك لو تلفت.
ولكن هذا التصوير لا ينسجم مع النظام التقليدي الربوي في البنوك والمصارف، فإن مقتضى ذلك النظام أن الودائع المتوفرة لديها جميعاً قروض ربوية، وخارجة عن ملك المودعين وداخلة في ملك البنوك على وجه الضمان بالمثل، ولا يمكن أن تكون ودائع حقيقة وبالمعنى الفقهي، إذ لازم كونها ودائع حقيقة أن يعود ثمنها وربحها إلى المودع لا إلى البنك، فإن عوده إلى البنك مع بقاء نفسها في ملك المودع بحاجة إلى عناية زائدة، وهي وقوع شرط في ضمن عقد الضمان أو أي عقد آخر بين البنك والمودع، بأن يشترط البنك في ضمنه على المودع أن يكون الثمن ملكاً له بنحو شرط النتيجة، بمعنى أنه ينتقل إليه في طول انتقاله إلى المودع، لا بمعنى أنه ينتقل اليه ابتداءً، فإنه باطل ومخالف لقانون المعاوضة، وأيضاً لا بدّ على هذا من استثناء المبلغ الذي دفعه البنك إلى المودع، بمعنى: أنه يشترط عليه أن يكون مالكاً لما يزيد على المبلغ المذكور.
فالنتيجة: إن افتراض تطبيق هذا التصوير والنظرية يستدعي تبديل النظام البنكي التقليدي بنظام جديد؛ إذ مع فرض بقاء ذلك النظام في البنوك لا يمكن تطبيق هذه النظرية.
نعم، تصلح هذه النظرية أن تكون بديلة عن النظام التقليدي الربوي في البنوك والمصارف، وعلى هذا فبإمكاننا تبديل النظام البنكي التقليدي ببدائل جديدة مطابقة للشرع، وهي متمثلة في الصيغ التالية:
1 – عقد المضاربة.
2 – عقد المشاركة.
3 – عقد المرابحة.
4 – عقد الوكالة.
5 – عقد السلم.
6 – بيع الأوراق النقدية الشخصية بمثلها الكلي في الذمة وغيرها، ويأتي شرح الجميع في ضمن البحوث القادمة.
يتلخص من ذلك أن البنوك والمصارف بنظامها التقليدي الربوي تملك الأموال المودعة عندها على نحو الضمان.
وقد تسأل أن البنك إذا كان حكومياً فيرتبط تملكه للمال بتملك الحكومة، على أساس أنه فرع من فروعها، والمفروض أن الحكومة لا تملك ولا نقول بذلك.
والجواب: إن البنك جهة مالية ذات شخصية مستقلة، فيملك المال بنفسه وباسمه لا بعنوان الوكالة عن غيره أو الولاية عليه، لكي يتوقف نفوذ تصرفه وتملكه على إثبات الوكالة أو الولاية، وعلى هذا فلا يتوقف تملك البنك للمال على أي مقدمة، وبكلمة: إن البنك في نفسه قابل لأن يتملك شيئاً، سواء أكان بالتمليك أم بالاستيلاء وبذل الجهد، ولا يكون ذلك مشروطاً بشيء، ولا هناك مانع يمنع عنه.
وهذا بخلاف الحكومة فإنها شخصية آلية تعمل بعنوان الوكالة عن الملة والرعية والممثلة لهم، أو بعنوان الولاية عليهم، فمن أجل ذلك يتوقف إمّا على أساس أن الحكومة وكيلة من قبلهم جميعاً، أو على أساس أنها ولية عليهم، كذلك نفوذ تصرفاتها وتملكها للمال سواء أكان بالتمليك من قبل الغير، أم بالاستيلاء من الأحياء، أو الحيازة ونحوهما يتوقف على توفر أحد هذين العنصرين فيها: أمّا الوكالة أو الولاية، وحيث إن شيئاً منهما غير متوفر في الحكومات الحاضرة في البلاد الإسلامية فعلاً، فلا تكون تصرفاتها نافذة، سواء أكانت في الميادين الاقتصادية، كإحياء الأراضي وإنشاء السدود لحيازة المياه واستخراج المعادن الطبيعية من الظاهرية والباطنية وحيازة الثروات الطبيعية وإنشاء المعامل والمصانع وغيرهما، أم كانت في الميادين الإدارية، كاستخدام الأشخاص واستئجارهم في مختلف مرافق الحكومة، فإن نفوذ تلك التصرفات وضعاً و تكليفاً منوط إمّا بالوكالة عنهم جميعاً أو بالولاية عليهم كذلك، وإلاّ فلا قيمة لها من وجهة النظر الشرعية.
نعم إذا كانت الحكومة حكومة إسلامية بأن يكون على رأسها الولي الفقيه الجامع للشروط التي منها الأعلمية، كانت تصرفاتها في حدود دائرة الشرع، التي قد حددت من قبل الولي الفقيه، على أساس الخطوط العامة للإسلام المستمدة من الكتاب والسُنّة نافذة مطلقاً، أي: وضعاً وتكليفاً.
فالنتيجة: ان البنك جهة مالية مستقلة وملحوظ كالمعنى الإسمي، بينما الحكومة جهة آلية غير مستقلة وملحوظة كالمعنى الحرفي، بنكتة أنها ممثلة من قبل الشعب، وهي إمّا بالوكالة أو الولاية، وعلى هذا فلا شبهة في أن البنوك والمصارف تملك الودائع المودعة عندها على وجه الضمان بالمثل، وهو معنى القرض، ولها حرية التصرف فيها بالإقراض والمنحة وغيرها، ويترتب على ذلك أن المال المأخوذ عن البنك قرضاً كان أو منحة ليس من المال المجهول مالكه، بل ملك للآخذ بتمليك البنك إما على وجه الضمان كما في القرض أو مجاناً كما في المنحة، ولا يترتب عليه أحكام مجهول المالك، وبكلمة أن ترتيب أحكام مجهول المالك عليه منوط بكون الودائع عنده ودائع حقيقة وباقية في ملك أصحابها، وقد مرّ أنه لا يمكن تصوير ذلك على ضوء النظام البنكي التقليدي في البنوك والمصارف.
نعم، تكون أموال البنك مختلطة بالحرام من ناحية أخرى، وهي أن الفوائد التي أخذها البنك على القروض، فهي باقية في ملك أصحابها، وعليه فتكون أمواله مختلطة بها، وحيث إن نسبة تلك الفوائد إلى رؤوس الأموال قليلة، فتكون نتيجة ذلك أن المال المأخوذ من البنك إن كان قرضاً، فإن علم المقترض بوجود الحرام فيه بطل القرض بالنسبة اليه فحسب، وعلى المقترض حينئذٍ أن يعامل معه معاملة المجهول مالكه، فإن كان غنياً تصدّق به للفقراء، وإن كان فقيراً فله أن يقبله صدقة من قبل صاحبه، وإن لم يعلم بوجود الحرام فيه صحّ القرض في كله ولا شيء عليه، وإن كان منحة، فان علم بوجود الحرام فيها تصدق به إن كان غنياً، وإلاّ قبله صدقة، وإن لم يعلم بوجود الحرام فيه فلا شيء عليه، وهذا يختلف باختلاف الموارد وليس لذلك ضابط كلّي.
البدائل الشرعية للمعاملات الربوية
البدائل الشرعية للمعاملات الربوية التقليدية للبنوك والمؤسسات النقدية
نظرة سريعة ومعمّقة في أحكام البنوك والمصارف على ضوء التخريجات الفقهية الإسلامية:
لا ريب في أن البنوك والمصارف النقدية من أهم وأكبر المؤسسات المالية في العالم ككل، ولها دور أساسي في تدعيم الحركات التجارية وتصويرها شكلاً وعمقاً، وفي تنمية الحياة الاقتصادية من التجارة والصناعة والزراعة وغيرها، وتقديم خدمات وتسهيلات لعملائها بكافة ألوانها وأشكالها لتحقيق أهدافها الرئيسية المادية، وحيث إن مجموعة من خدماتها الاقتصادية لا تتفق مع طبيعة الشريعة الإسلامية وأحكامها، فلذلك نحاول بشكل جاد إيجاد البدائل لها التي تتفق مع الشريعة من ناحية، وتخريج خدماتها فقهياً من وجهة النظر الشرعية من ناحية أخرى، هذا من دون أن يقلّل من شأنها في نشاطاتها الاقتصادية وتنميتها وحركاتها التجارية وتحقيق أهدافها المطلوبة.
ويمكن تقسيم الوظائف والخدمات الأساسية التي تمارسها البنوك والمصارف إلى نوعين:
النوع الأول
تقديم البنوك القروض الربوية لعملائها بمختلف أشكالها وألوانها، وهي من أكبر خدماتها وأكثرها انتشاراً في عالم اليوم.
النوع الثاني
تقديمها خدمات تسهيلية لعملائها والمستثمرين في مختلف الميادين الاقتصادية، والإستثمارات التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو الإنشائية أو غيرها، ومنها الخدمات المصرفية المساعدة مثل الحوالات والشيكات السياحية والحسابات الداخلية أو الخارجية، وفتح الاعتمادات وإصدار بطاقة الائتمان وغيرها.
النوع الأول
تقديم البنوك القروض الربوية لعملائها بمختلف أشكالها
اتجهت أنظار فقهاء الإسلام منذ زمن إلى إيجاد بدائل مطابقة للشرع في البنوك والمصارف بديلاً عن النظام التقليدي الربوي المخالف للشرع، وبإمكاننا تبديل هذا النظام التقليدي الربوي في البنوك والمصارف في البلاد الإسلامية بمجموعة من البدائل الموافقة للشرع بالتخريج الإسلامي وهي كما يلي:
البديل الأول
عقد المضاربة وهو أول ما اتجهت إليه أنظار علماء المسلمين في بحوثهم عن وجود بدائل للنظام التقليدي الربوي في البنوك والمصارف، وقد نقل أن هذه الفكرة قد تلقت نجاحاً كبيراً في بعض البنوك الإسلامية. ونجاحه يتطلب دراسة عدة نقاط:
الأولى
إن عقد المضاربة في المصطلح الفقهي الإسلامي عقد خاص بين المالك وهو رب المال والعامل المستثمر، فإنهما يقومان بإنشاء عقد تجارة يكون رأس مالها من الأول والعمل من الثاني بشروط، ويحددان حصة كل منهما من الربح بنسبة مئوية، وغالباً يكون إنشاء هذا العقد بين المالك والعامل مباشرة، وقد يكون بواسطة ثالث وهو الوسيط بينهما، ووكيل عن المالك في إنشاء هذا العقد بينه وبين العامل، وفي المقام يكون البنك هو الوسيط، فإنه وكيل عن المودع في تقديم أمواله للعملاء لعقد المضاربة بينهم وبين المودع بشروط، وتعيين حصة كل منهما من الربح بنسبة مئوية.
الثانية
إن نجاح عقد المضاربة – بوصف كونه بديلاً عن النظام التقليدي الربوي في تنمية الحياة الاقتصادية والصناعية والزراعية وغيرها – مرتبط بتعزيز عنصر الثقة والأمانة بين الأعضاء الثلاثة:
المالك، والعامل، والوسيط، وتذليل العقبات والعوائق دون تطبيقها، وهو مرتبط بفرض شروط إئتمانية بين الأعضاء الثلاثة.
الأول: أن يكون البنك جاهداً بتوفير المناخ المناسب لعقود المضاربة مع عملائه، ولا يتجاهل في تهيئة الفرص المتاحة له لإنشاء تلك العقود وإيجادها، ولا يتسامح في تأخير استثمار الأموال المودعة عنده.
الثاني: مراقبة البنك بدقة لأوضاع السوق في العرض والطلب وتقلبات الأسعار فيها محلياً وعالمياً، وتحسن أوضاعها في المستقبل في إنشاء العقود معهم.
الثالث: تجزئة رؤوس أموال المضاربة على فترات للتأكد على جدية المضارب وإتقانه في العمل وأمانته.
الرابع: تعزيز عنصر الثقة والأمانة في العامل المضارب لدى البنك الممول، وإلاّ فمن كان يضمنه ضد الخيانة في التجارة والغش والتزوير والتقصير والتعدّي وإخفاء الأرباح، فإن القوانين وحدها لا تكفي ما لم تتوفر فيه حدود معقولة من الأخلاق والأمانة والوثاقة التي تحافظ على أموال الغير كمحافظتها على أمواله.
الخامس: أن تكون للعامل خبرة سابقة في مجال التجارة والصناعة والاستثمار المهني والحرفي.
السادس: أن يقدم البنك دراسة متكاملة عن مفهوم التجارة وحدوده سعة وضيقاً، تصديراً واستيراداً، ودراسة أوضاع السوق في العرض والطلب والمؤشرات التي تشير إلى تحسن أوضاعها، وعلى العامل المضارب أن يتبادل مع البنك ما لديه من الخبرة في أوضاع السوق، وأن يخضع لما يملي البنك عليه من الشروط والقيود لكي تكون باستطاعة البنك أن يقدر نتائجها ويسيطر عليها للتجنب من المخاطر فيها.
السابع: أن يلزم البنك المودع بملزم شرعي بإبقاء وديعته مدة لا تقل عن سنة مثلاً تحت تصرفه لكي يتيح له الفرصة لتقديمها للمضاربة مع رجل عمل، وتلعب دورها في الاستثمار.
الثامن: تقييد البنك المحول للعامل في المضاربة، بأن لا تتجاوز المصارف والأجور عن حد معيّن ومعقول يتم الاتفاق عليه، وإلاّ فعليه ضمان الزائد.
التاسع: يشترط البنك على العامل تزويده بكافة المعلومات عن سير دورة عملية المضاربة من ساعة تنفيذها إلى ساعة شراء البضائع والمادة، وعن حدود سعرها وقت الشراء والتفاوت بين السعرين وكميتها وكيفيتها إلى انتهاء مدة عقود المضاربة، وبإمكان البنك المحافظة على هذه المعلومات و السيطرة عليها بالوسائل الآلية الحديثة المتوفرة لديه من ناحية، وعلى أوضاع السوق في هذه المدة صعوداً ونزولاً من ناحية أخرى، وللبنك أن يزيد في الشروط إذا رأى مصلحة.
الثالثة
إن البنك كما أنه وكيل من قبل المودعين في إنجاز عقود المضاربة، وكيل من قبلهم في إنشاء الشركة بين ودائعهم جميعاً بنحو الإشاعة، وبعد ذلك يقوم بعقد المضاربة من مجموع الودائع، وحينئذٍ فيكون رأس المال في كل عقد مضاربة مشتركاً بين الكل، وهذا يعزّز ثقة المودعين بنجاح المضاربة وتقليل مخاطرها، على أساس أن احتمال الخسران في تمام هذه العقود غير محتمل عادة، وبكلمة أن وديعة كل مودع وإن كانت تظل محتفظة بملكية صاحبها لها، ولا تنتقل ملكيتها إلى البنك كما هو الحال في البنوك الربوية، إلاّ أنها لا تبقى منعزلة عن ودائع الآخرين، بل البنك بمقتضى وكالته عن أصحابها ككل يقوم بالإجراء الشرعي، وهو جعل مجموع الودائع ملكاً مشاعاً لمجموع المودعين، وعليه فتكون حصة كل مودع من هذا المجموع بنسبة وديعته، ونتيجة ذلك أن رأس مال كل مضاربة مشترك بين الجميع بنسبة وديعته.
الرابعة
إن الوديعة في البنوك الربوية مضمونة، على أساس أن الودائع التي تحصل عليها تلك البنوك ليست في الحقيقة ودائع بالمعنى الفقهي، وإنما هي قروض، فإذا كانت كذلك فهي مضمونة بمثلها في الذمة، ولهذا تصبح المبالغ التي يتقاضاها المودعون عليها فوائد على القرض، وأمّا في البنوك اللاربوية فبما أنها ودائع بالمعنى الفقهي وباقية في ملك أصحابها، فلا تكون مضمونة من هذه الناحية، ولكن للبنك لأجل تعزيز ثقة المودعين بنظامه الإسلامي، أن يقوم بضمان الوديعة بقيمتها الكاملة للمودع في حالة خسارة رأس مال المشروع، ولا مانع من قيام البنك بذلك، باعتبار أنه يلعب دور الوسيط لا دور العامل لكي يقال بعدم جواز ضمان العامل رأس المال في عقد المضاربة، ونقصد بهذا الضمان تعهد البنك للمودع بقيمة الوديعة عند وقوع الخسارة عليها في عقد المضاربة، أو تلفت بدون تفريط من العامل وتقصيره.
وبكلمة، إن الضمان المعاملي يتصور على نحوين:
أحدهما نقل الدين من ذمة إلى ذمة وهذا هو المشهور بين الفقهاء والمرتكز في الأذهان، ومورده الدين خاصة، و الآخر التعهد بشيء وجعله في مسؤولية الشخص، ومردّه في نهاية المطاف إلى اشتغال ذمته ببدله على تقدير التلف من المثل أو القيمة، وهذا معنى آخر للضمان عرفاً، وهو يتصور في الديون والأعيان معاً.
أما في الأولى، فليس معناه نقل الدين من ذمة المدين إلى ذمة الضامن ولا ضم ذمة إلى ذمة، فإنه باطل شرعاً، بل معناه التعهد بأداء الدين مع بقائه في ذمة المدين، ومن هذا القبيل قبول البنك للشيكات، فإنه لا يقصد به نقل الدين من ذمة المدين إلى ذمته، ولا الضم لأنه باطل، بل يقصد به معنى آخر للضمان وهو تعهده بأداء الدين إلى الدائن خارجاً مع بقائه في ذمة المدين وعدم انتقاله إلى ذمته، ونتيجة هذا التعهد أن للدائن أن يرجع إلى البنك إذا امتنع المدين عن الأداء ومطالبته بذلك على أساس تعهده به.
وأمّا في الثانية، فلأن معناه تعهد الشخص بتكفل الخسارة للعين وتداركها في حالة وقوعها عليها، لأن مقتضى القاعدة كون تلف المال يعتبر خسارة على المالك لا على غيره، ولكن إذا تعهد غيره بتكفل خسارته وتداركها إذا وقعت، كان عليه لا على مالكه، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن البنك يتعهد للمودع بتكفل خسارة وديعته في حال وقوعها وبدلها في حال تلفه من دون تقصير من العامل، فإذا تعهد البنك الوسيط لذلك فقد عززت ثقة المودع، بأن وديعته مضمونة ولا ترد الخسارة عليه في حالة تلفها.
هذا نظير الضمان في باب الغصب، فان الغاصب ملزم شرعاً بأداء نفس العين المغصوبة إلى مالكها ما دامت موجودة، وبدلها من المثل أو القيمة في حالة تلفها، غاية الأمر أن الضمان في باب الغصب يكون على القاعدة، وفى المقام يكون بالجعل والشرط لا على القاعدة.
الخامسة
إن الفوائد التي تتقاضاها البنوك اللاربوية على استثمار الودائع بعقود المضاربة مع عملائها والمستثمرين على ضوء الشروط المتقدمة، لا تقل عن الفوائد التي تتقاضاها البنوك الربوية على قروض عملائها، ولا سيما إذا كانت الظروف الاقتصادية العالمية أو المحلية في تحسن، وهذا المقدار يكفي في جلب الناس لإيداع أموالهم في البنوك اللاربوية مضافاً إلى العامل الديني النفسي.
تقسيم الأرباح
تقسم الأرباح بين المالك والعامل بمقتضى عقد المضاربة بنسبة مئوية، وأما البنك فحيث إنه ليس طرفاً للعقد، فلا يتطلب العقد اشتراكه في الأرباح، ولكن بما أن قيامه بعملية المضاربة بين المالك والعامل وإنجازها والإشراف عليها إلى نهايتها عمل محترم، فمن حقه أن يأخذ عمولة لقاء هذا العمل، ويمكن تخريج ذلك فقهياً بوجوه:
الأول: أن يكون ذلك على أساس عقد الجعالة، فإن المودع يطلب من البنك قيامه بعملية المضاربة لودائعه وإنجازها والإشراف عليها لقاء جعل محدد ولا مانع من ذلك، وحينئذ فإن كان الجعل من ماله الخارجي المملوك له بالفعل فلا إشكال فيه، وإن كان حصة من الربح فقد يشكل فيه تارة بأنه مجهول وأخرى بأنه معدوم فعلاً، ولكن كلا الإشكالين لا أثر له في المقام، أما الأول فلأن كون الجعل مجهول القدر لا يضر بصحة عقد الجعالة، إذ لا يعتبر فيها كون الجعل معلوم القدر. نعم، يعتبر أن لا يكون أصل وجوده مجهولاً، كما يعتبر أن لا يكون من المجهول المطلق كالشئ.
وأما الثاني فلأنه لا يعتبر في صحة عقد الجعالة أن يكون الجعل قابلاً للتمليك حين العقد، إمّا بأن يكون شيئاً موجوداً في الخارج ومملوكاً للجاعل بالفعل فيملكه المجعول له بالجعالة، أو يكون شيئاً ثابتاً في الذمة، وذلك لأن المجعول له لا يملك الجعل بنفس عقد الجعالة من الجاعل، وإنما يملك بعد إنجاز العمل المأمور به خارجاً، وفي هذا الظرف لا بدّ أن يكون الجعل قابلاً للتمليك من الجاعل، وإن لم يكن قابلاً له حين العقد، والمفروض في المقام أن المودع كان يجعل للبنك حصة من الربح إذا أنجز المضاربة وواصل الإشراف عليها إلى انتهاء مدتها، وفي هذا الظرف تكون الحصة من الربح موجودة في الخارج ومملوكه للجاعل فعلاً وقابله للتمليك كذلك.
وقد تسأل: إن الربح لا يكون مضموناً، فإنه قد يتحقق و قد لا يتحقق، فلا يصح للمودع أن يجعل حصة منه جعلاً في عقد الجعالة؟
والجواب: إن الربح بالنسبة إلى كل مضاربة مستقلة وإن كان مشكوكاً وغير مضمون، إلا أنه بالنسبة إلى مجموع عقود المضاربة التي قام البنك بإنجازها كان مضموناً عادة، وقد تسأل هل يمكن جعل حصة من الربح للبنك على أساس عقد المضاربة أو لا؟
والجواب: – أنه لا يمكن؛ لأن عقد المضاربة إنما هو بين المودع والعامل والبنك ليس طرفاً له، وإنما هو وسيط بينهما في إنجازه والإشراف عليه، وحينئذٍ فمن الطبيعي يكون مفاده اشتراك العامل مع المودع في الربح بنسبة مئوية دون غيره، كالبنك الذي هو خارج عن طرفي العقد، وافتراض عقد مضاربة جديدة بينه وبين المودع خلف.
الثاني: أن يكون ذلك على أساس الإجارة، فيستأجر المودع البنك للقيام بعملية المضاربة لأمواله والإشراف عليها إلى نهايتها لقاء أجرة معينة، ولكن هذا التخريج إنما يتم إذا جعل المودع الأجرة من المال القابل للتمليك حين عقد الإجارة، بأن يكون شيئاً خارجياً مملوكاً له بالفعل، أو شيئاً ثابتاً في ذمته، ولا يتم هذا التخريج إذا جعل الأجرة حصة من الربح لسببين:
الأول: إن الحصة من الربح بنسبة مئوية مجهولة، ويعتبر في الإجارة معلومية الأجرة.
الثاني: إن الأجرة لا بدّ أن تكون قابلة للتمليك من قبل المودع حين العقد، على أساس أن الأجير إنما يملك الأجرة بنفس العقد، والمفروض أن الربح غير موجود حين العقد حتى يملكه المودع للأجير، فالأجرة لا بدّ إمّا أن تكون شيئاً ثابتاً في الخارج المملوك للمودع بالفعل، أو شيئاً ثابتاً في الذمة، وإلا فلا تصلح أجرة.
الثالث: أن يكون ذلك على أساس شرط النتيجة، فيشترط البنك على المودع في عقد ما أن يكون مالكاً لحصة معينة من الربح إذا ظهر، ولا بأس بهذا الشرط؛ لأن معناه ليس دخول الحصة من الربح في ملكه في ظرف ظهوره ابتداءً لكي يقال إنه غير معقول وخلاف قانون المعاوضة، بل معناه دخولها في ملكه في طول دخولها في ملك المودع بمقتضى الشرط ولا مانع من ذلك.
الرابع: أن يكون ذلك على أساس شرط الفعل، فيشترط البنك على المودع أن يعطي مبلغاً معيناً من الربح إزاء ما قام له من الخدمات، وهي قيامه بعقد المضاربة على أمواله وإنجازها والإشراف عليها.
الخامس: أن يكون ذلك على أساس أجرة المثل التي يتقاضاها الأجراء للقيام بمثل هذا العمل. ثم إن من حق البنك أن يطلب من العامل المضارب أيضاً عمولة لقاء ما قدمه له من الخدمة، وهي تقديم الأموال له للمضاربة والاستثمار وإتاحة الفرصة وتوفير المناخ المناسب لنجاحها، وتقديم المعلومات له عن أوضاع السوق ومؤشراته، ويمكن تخريج ذلك فقهياً أيضاً بأحد الوجوه المتقدمة، وهناك جوانب أخرى:
(منها) تعيين الوقت لعقد المضاربة مع عملائه وتمديده في كل أسبوع أو شهر مثلاً مرة حسب الظروف المالية والودائع المجمعة عنده، وإعلان ذلك لعملائه، وطلب حضورهم فيه بشروط محددة.
(ومنها) تحديد أرباح المضاربات التي تمت بواسطتها في نهاية مدّتها ومعرفتها.
(ومنها) كيفية توزيعها على نسبة رؤوس الأموال للمضاربة.
(ومنها) غير ذلك.
وأما تطبيق هذه الجوانب وغيرها عملياً في الخارج، فهو بيد أهل الفن والخبرة في هذه الأمور، وحينئذٍ فبإمكان البنك اللاربوي استخدام هيئة فنية في تطبيق تلك الجوانب من عقود المضاربة، كما أن بإمكانه استخدام هيئة كذلك للمراقبة بالوسائل الحديثة المتوفرة عنده.
هذه فكرة كبروية سريعة عن عقد المضاربة في البنوك و المصارف بديلاً عن القروض الربوية المحرمة شرعاً.
البديل الثاني
عقد الوكالة، فإن البنك بصفة كونه وكيلاً عن المودعين في التصرف في أموالهم المودعة عنده حسب ما يراه فيه من المصلحة، فله بدلاً عن أن يقرض عميله من الودائع بفائدة ربوية يقدم إليه أموالاً، ويوكله في شراء متطلباته الشخصية أو التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو غيرها من قبله، وبعد الشراء والقبض يبيعها وكالة منه على نفسه بثمن مؤجل يتضمن ربحاً لا يقل عن سعر الفائدة في القرض الربوي.
وتطبيق هذا البديل في النظام المصرفي بديلاً عن التعامل الربوي فيه يبتني على توفر أمور:
الأول
عنصر الثقة والأمانة في العميل الوكيل في الشراء، أو هناك طرف ثالث يضمن رأس المال.
الثاني
إشراف البنك على عملية الشراء وإطلاعه على أوضاع السوق وتقلباته.
الثالث
إذا لم تكن له خبرة في عملية الشراء أو في معرفة الأجناس، فعلى البنك أن يرسل معه من أهل الخبرة في ذلك، وحينئذٍ فإما أن يكون شراؤه بنظره أو هو يقوم بالشراء لمتطلباته من الأجناس والبضائع من قبل البنك، ثم يبيعها عليه بربح مؤجل.
الرابع
تقييد عمله بزمنٍ معين أو مكان كذلك أو شركة خاصة لتجنب المخاطر وغيرها مما يراه البنك دخيلاً في تعزيز الثقة و الأمانة.
البديل الثالث
بيع المرابحة، وهو أن البنك بدلاً عن أن يقرض عملاءه بفائدة ربوية لكي يقوموا بشراء حاجياتهم الشخصية أو التجارية، يقوم البنك بنفسه بشراء تلك الحاجيات نقداً ثم يبيعها عليهم بثمن مؤجل يتضمن ربحاً، وتطبيق هذه العملية لا يتطلب أن تكون للبنك مخازن ومستودعات تفي بكافة متطلبات عملائه من المواد الشخصية والتجارية أو الإنشائية أو المهنية أو الصناعية أو غيرها، وذلك لأن البنك لا يقوم بشرائها إلا بعد مطالبة العميل بذلك، وحينئذٍ فإذا لم يرغب العميل في إتمام الشراء من البنك، فله أن يبيع البضاعة إلى طرف ثالث، وإذا خسر في هذا البيع، فهل الخسارة على العميل أو لا؟
والجواب: إن الشراء حيث كان بأمره وطلبه كانت الخسارة على ذمته، وبذلك تتفادى مشكلة تراجع العملاء عن الوفاء بعهودهم مع البنك، فإن وعد الشراء منه وإن كان غير ملزم لهم إذا لم يكن شرطا في ضمن عقد لازم، إلا أن قيام البنك بشراء السلعة والبضاعة لما كان بأمر منهم وطلبهم كان موجبا للضمان، فإن الأمر بالعمل الذي له قيمة مالية في نفسه، سواء أكان بالأمر الخاص أم العام موجب للضمان، لأنه ملاك الضمان في باب الجعالة، باعتبار أن الضمان فيه ضمان الغرامة لا ضمان المعاوضة، وعلى هذا فإذا أمر العميل البنك بشراء السلع و البضائع متعهداً على نفسه شراءها منه بفائدة نسبية محددة، وحينئذٍ فإن امتنع عن الشراء لسبب ما وخسر البنك في ذلك، كان العميل ضامناً للخسارة بموجب أمره، وبكلمة: يمكن تخريج الضمان في المقام فقهياً على أساس الجعالة بلحاظ أن حقيقة الجعالة تنحل إلى جزئين:
أحدهما: الأمر بالعمل الذي له قيمة مالية، والآخر: تعيين الأجرة بإزاء ذلك العمل وتحديدها، وفي المقام يشكل أمر العميل البنك بشراء السلع الجزء الأول من الجعالة، وتعهده بشرائها منه بربح نسبي يشكل الجزء الثاني منها، فمن أجل ذلك إذا تراجع العميل عن الشراء منه، ضمن أجرة مثل عمله من ناحية، والخسارة على تقدير وقوعها من ناحية أخرى، و الأول بموجب عقد الجعالة والثاني بموجب أمره، وبكلمة إن بإمكان البنك بدلاً عن تلبية العملاء بالأقراض الربوية، تلبيتهم بشراء الأغراض الشخصية والاجتماعية من السلع المطلوبة كالسيارات والبيوت السكنية والأثاث المنزلي والأدوات الإنشائية وغيرها، فإنهم في حالة الحاجة إليها يطلبوا من البنك شراءها لنفسه نقداً، ثم يبيعها عليهم بتكليفها مع إضافة ربح لا يقل عن سعر الفائدة، وبذلك يصلح أن يكون بيع المرابحة بديلاً عن القروض الربوية في كثير من الموارد.
البديل الرابع
بيع السلم وهو عقد بيع يُعجّل فيه الثمن، ويؤجل فيه تسليم المبيع إلى أجل محدود، وعلى هذا فبدلاً عن أن يقرض البنك عملاءه بفائدة ربوية لشراء السلع بغاية الاستثمار والإتجار أو لحاجة شخصية سلماً، يقوم البنك بشرائها كذلك، و بعد نهاية المدة وقبض السلع يبيعها عليهم بثمن التكليف مؤجّلاً مع إضافة ربح محدد يقوم مقام سعر الفائدة، ومن هنا يقوم عقد السلم مقام القرض الربوي كوسيلة لتوفير التمويل للشركات التجارية أو المؤسسات الصناعية أو الزراعية أو الإنشائية عن طريق قيام البنك بشراء منتجات تلك الشركات والمؤسسات سلماً، ودفع الثمن إليها نقداً لتمويلها بدلاً عن إقراضها ربوياً، فإذا نتجت الشركات قام أصحابها ببيع منتجاتها لعملائها وكالة عن البنك، ويدفع ثمنها إليه، وبذلك يكون شراء البنك منتجاتها من أصحابها بثمن نقدي سلماً، بديلاً عن القروض الربوية.
البديل الخامس
الشركة وهي عقد بين شخصين أو أكثر، ومقتضاه أن يساهم كل منهم في مشروع معين تجاري أو صناعي أو زراعي، بتقديم حصة من المال لاستثمارها بهدف الربح والفائدة، و الشركة بدلاً عن أن تقترض من البنك بفائدة ربوية تطلب منه تمويل الشركة بحصة من المال، وتمثل هذه الحصة مساهمة منه في المشاركة، فيكون البنك من أحد الشركاء، وعلى هذا فيتكوّن رأس مال الشركة من مجموع حصة من البنك والعميل، وتحدّد حصة كل من الشركاء بنسبة مئوية، وتقسم الأرباح عليهم بهذه النسبة، ومن الطبيعي أن الفائدة التي يحصل عليها البنك من المساهمة والمشاركة في الشركات التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو غيرها، لا تقل من الفائدة التي يحصل عليها من تقديم القروض الربوية لعملائه، على أساس أن البنك لا يقدم على المشاركة والمساهمة في الشركات الاستثمارية اعتباطاً، وإنما يقدم عليها بعد دراسة حدود نجاحها ومعرفة المساهمين فيها، وإنهم من ذوي سمعة جيدة في المجالات التجارية أو الصناعية أو غيرها، وبإمكان البنك عندئذٍ أن يجعل نفس العميل وكيلاً عنه في إدارة الشركة، أو يجعل شخصاً آخر وكيلاً عنه في إدارتها مع العميل، وفي كلتا الحالتين لا يكون الوكيل مسؤولاً وضامناً للخسارة إلا مع التعدي والتفريط.
البديل السادس
تحويل القرض في البنوك والمصارف إلى البيع، فيخرج بذلك عن كونه ربوياً مثلاً، فالبنك بدلاً عن أن يقرض مائة دينار مثلاً لعميله بمائة وعشرة إلى ستة أشهر، يبيع المائة عليه بمائة وعشرة إلى ستة أشهر، ولا يكون في ذلك ربا.
بيان ذلك: إن الأوراق النقدية المالية بما أنها لا تكون من الذهب والفضة، ولا أنها نائبة عنهما لكي تكون محكومة بحكمهما، ولا من المكيل والموزون، فلذلك لا تعتبر المساواة بين الثمن والمثمن منها مع أنها معتبرة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، كما أنها معتبرة في بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون، وعلى هذا فلا مانع من بيع تلك الأوراق نقداً بأزيد منها في الذمة مؤجلا، كما إذا اشترى شخص عشرين ديناراً خارجياً مثلاً بخمسة وعشرين ديناراً كلياً في الذمة إلى ثلاثة أشهر. هذا وهنا إشكالان:
أحدهما
إنه قرض واقعاً ولكنه ألبس ثوب البيع؛ لأن المعتبر في البيع المغايرة بين الثمن والمثمن ولا مغايرة بعينهما في المقام، على أساس أن الثمن – وهو الكلي في الذمة – ينطبق على المثمن في الخارج.
والجواب: إنه يكفي في صدق البيع عرفاً المغايرة الناشئة من كون المثمن عيناً خارجية والثمن أمراً كلياً في الذمة، ومجرد كون الثمن منطبقاً على المثمن في الخارج، لا ينافي المغايرة بينهما الناشئة من كون أحدهما كلياً في الذمة والآخر عيناً خارجية، والمفروض في المقام أن الثمن هو الكلي الثابت في الذمة، لا خصوص الحصة المنطبقة منه على المثمن في الخارج، لكي يقال إنه لا مغايرة بينهما، ومن هنا لا إشكال عرفاً في صدق البيع على بيع الشيء القيمي الخارجي بجنسه الكلي في الذمة بزيادة، كبيع فرس معين خارجاً بفرسين في الذمة إلى أجل محدّد فإنه منصوص، وهذا يدل على أن هذا المقدار من المغايرة يكفي في صدق البيع.
وبكلمة: إن مفهوم البيع غير مفهوم القرض؛ فإن مفهوم البيع متمثل في تمليك مال بعوض، ولهذا يعتبر في صدقه أن يكون العوض غير المعوض والثمن غير المثمن، ومفهوم القرض متمثل في تمليك مال خارجي على وجه الضمان بمثله بدون النظر إلى المبادلة والمعاوضة بينهما، ومجرد كون مالهما واحداً في المقام لا يجعل البيع قرضاً؛ لأن المعيار في صدق البيع إنما هو بإنشاء مفهومه عن جدٍ وإن كان قد يفيد فائدة القرض، ومن هنا يكون الصلح عقداً مستقلاً باعتبار أن مفهومه مغاير لمفهوم البيع ومفهوم القرض مع أنه قد يفيد فائدة البيع و قد يفيد فائدة القرض.
ثانيهما
إن القرض بمقتضى الارتكاز العقلائي تبديل المال المثلي الخارجي بمثله في الذمة، فيصدق عنوان القرض عرفاً على كل معاملة تتكفل لهذا التبديل ولو كان المنشأ فيها عنوان التمليك بعوض، ولا يريد العرف من كلمة القرض إلاّ المعاملة التي تؤدي إلى ذلك النحو من التبديل.
والجواب: الظاهر أن الأمر ليس كذلك، فإن المرتكز لدى العرف العام، إن صدق عنوان البيع أو القرض أو غيره من المعاملات منوط بكون المنشأ فيه عن جدٍ مفهومه، فإن كان مفهوم البيع كان بيعاً وليس بقرض ولا غيره، وإن كان مفهوم القرض فهو قرض وليس ببيع ولا غيره، وهكذا.
وبكلمة: إن مفهوم القرض يتوقف على كون المال المقترض مثلياً خارجياً، فإنه إذا كان كذلك وقصد تضمينه بمثله في الذمة من دون لحاظ كون أحدهما ثمناً والآخر مثمناً فهو قرض، ومفهوم البيع لا يتوقف على ذلك؛ فإنه عبارة عن تمليك عين بعوض وإن لم تكن العين أو العوض موجودة في الخارج، فإذا قصد تمليك مائة دينار خارجي مثلاً بمائة وعشرة دنانير كلية في الذمة إلى ستة أشهر بجعل أحدهما ثمناً والآخر مثمناً كان بيعاً، ولا يصدق عليه عنوان القرض.
ويتلخص: إنه لا مانع من صحة بيع الأوراق النقدية الشخصية بالكلي منها في الذمة، كبيع ألف دينار مثلاً نقداً بألف وخمسين دينار في الذمة إلى أجل معين، وبيع ثمانية دنانير مثلاً بعشرة في الذمة إلى ثلاثة أشهر وهكذا، فإنه لا يصدق على ذلك عنوان القرض، على أساس أنه لوحظ أحدهما ثمناً والآخر مثمناً وقصد المعاوضة بينهما، ولا يصدق على هذا إلاّ عنوان البيع، ومفهومه دون مفهوم القرض.
وعلى هذا فبإمكان كل من البنك والعميل تحويل القرض في البنوك بالبيع، فيخرج بذلك عن النظام التقليدي الربوي.
ولو سلمنا أن تبديل القرض بالبيع لا يمكن في عملة واحدة على النحو الذي عرفته، باعتبار أنه قرض في الواقع بصورة البيع، إلاّ أنه لا مانع منه بين عملتين كالدينار والتومان و الدينار والدولار ونحوهما، بأن يبيع ثمانين ديناراً مثلاً بألفي تومان مؤجلاً بدلاً عن أن بيع الثمانين بمائة دينار كذلك، على أساس أن أحكام بيع الصرف لا تجري على بيع النقود الورقية، فلا يجب فيه التقابض في المجلس، بل يجوز أن يكون الثمن مؤجلاً، وحينئذٍ ففي نهاية الأجل يمكن للبائع أن يتقاضى من المشتري ألفي تومان أو ما يساوي ذلك من الدنانير العراقية و هو مائة دينار من باب وفاء الدين بغير جنسه، وهكذا تحصل نفس النتيجة المطلوبة لمن يريد أن يقرض من البنك ربوياً.
وبكلمة: إن البنك بدلاً عن أن يبيع أربعين دينار مثلاً بخمسين ديناراً مؤجلاً إلى ثلاثة أشهر، يبيع الأربعين بألف تومان مؤجّلاً إلى نفس المدة، ولو قيل في بيع أربعين ديناراً بخمسين أنه قرض واقعاً وأن ألبس ثوب البيع صورة، فلا يقال هذا في بيع أربعين ديناراً بألف تومان؛ لعدم المماثلة بين الثمن والمثمن، وكذلك العميل، فإنه بدلاً عن أن يبيع أربعين ديناراً مثلاً للبنك بخمسين دينار مؤجلاً، يبيع الأربعين بألف تومان، وفي نهاية المدة يمكن له أن يتقاضى من البنك ألف تومان أو ما يساوي ذلك من الدنانير وهو خمسون ديناراً مثلاً.
ودعوى: إن النظر العرفي في باب النقود إلى ماليتها دون خصوصياتها، فالمنظور إليه عرفاً من بيع أربعين ديناراً بألف تومان، هو تبديل مالية بمالية، فإذا كان النظر العرفي إلى مالية الدنانير والتوامين التي وقعت ثمناً ومثمناً، فلا تغاير بين الثمن والمثمن حينئذٍ إلا في كون أحدهما أمراً خارجياً والآخر أمراً ذمياً، وهذا معنى تبديل الشيء إلى مثله الذي هو معنى القرض.
مدفوعة: بأن المنظور إليه في باب النقود وإن كان المالية، إلاّ أنه المالية الخاصة، فإن النظر العرفي إلى مالية الدينار في ضمن الدينار لا مطلقاً، وإلى مالية التومان في ضمن التومان ومالية الدولار في ضمن الدولار وهكذا، وعلى هذا ففي بيع الدينار بالتومان يكون النظر العرفي إلى تبديل مالية الدينار بمالية التومان، لا إلى تبديل مالية بمالية من دون خصوصية للدينار والتومان، فإذن يكون الثمن مغايراً للمثمن ولا مماثلة بينهما.
وقد يقال: إن هذا البديل لا يحقّق كل فوائد القرض الربوي المحرم شرعاً، وذلك لأن الشخص إذا أخذ عشرين ديناراً مثلاً من البنك مؤجّلاً إلى شهرين، فإن كان أخذها على أساس القرض الربوي، فإن وفى خلال الشهرين فهو، وإلاّ كان البنك يلزمه بفائدة جديدة عن التأخير، وإن كان أخذها على أساس البيع، لم يجز له إلزامه بفائدة جديدة مقابل التأخير. وإن شئت قلت: إن تأخر المدين عن السداد في البنوك التقليدية لا يمثل معضلة كبرى، طالما أن الضمانات كافية لسداد قيمة الدين، وكلّما تأخر المدين عن السداد والوفاء أضيفت فوائد التأخير إلى مديونيته، وبتكرار التأخير تتضاعف الفائدة على رأس المال، وأمّا في البنوك غير الربوية فلا يجوز إلزام المدين بفائدة جديدة مقابل التأخير لأنه ربا.
والجواب: إن بإمكاننا علاج هذه المعضلة بالتقريب التالي، وهو أن يشترط البنك على عميله المشتري في عقد البيع أن يدفع ديناراً مثلاً عن كل شهر إذا لم يسدّد الدين في موعده، ولا يكون هذا ربا، فإن إلزام البنك المدين إنما يكون بحكم الشرط في ضمن البيع لا في ضمن القرض حتى يكون ربا. نعم، لو اشترط أن يكون له الدينار في كل شهر في مقابل التأجيل والتأخير لكان من اشتراط الربا. وبكلمة كما أن بإمكان البائع أن يشترط على المشتري في ضمن البيع أن يخيط له في كل شهر ثوبا إلى سنة أو أكثر، أو أأأن يهب له في كل شهر ديناراً إلى ستة أشهر مثلاً، كذلك بإمكانه أن يشترط عليه في عقد البيع أن يدفع ديناراً في كل شهر يتأخّر فيه عن دفع الثمن المقرّر من حين حلول موعده، وحيث إن إلزام المدين هنا بدفع الدينار يكون بحكم البيع لا بحكم عقد القرض، ولا في مقابل الأجل، فلا يكون من اشتراط الربا.
وهناك بدائل أخرى منها الإجارة المنتهية إلى التمليك، ومنها الاستصناع، ومنها غير ذلك؛ إذ بامكان البنك اللاربوي القيام بكل معاملة مشروعة مع عملائه حسب ما يراه فيها من المصلحة والفائدة للطرفين.
الخلاصة
استعرضنا الآن البدائل التي يمكن تطبيقها عملياً في الأعمال المصرفية وتطويرها في البنوك والمصارف بديلاً عن النظام التقليدي الربوي، ولا يقلّ دور مجموع هذه البدائل وتطبيقها عملياً في تنمية الاقتصاد والحركة التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو غيرها عن دور القروض الربوية، ومن هنا قد ألغى الإسلام بشكل جاد وقاطع النظام الربوي عن الاقتصاد الإسلامي نصاً وروحاً، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الإسلام بقدر ما يؤكد في نظامه الاقتصادي على الجانب المادي نصاً وروحاً، يؤكد على الجانب المعنوي أيضاً، على أساس أن الاسلام هو الدين الوحيد الذي يزوّد الإنسان بطاقات نفسية وملكات فاضلة وأخلاق سامية لمعالجة مشاكل الإنسان الكبرى المعقدة في مختلف مجالات الحياة الفردية والعائلية والاجتماعية، وهو يرتبط بين الدوافع الذاتية والميول الطبيعية الذاتية للإنسان والمصالح الكبرى، وهي العدالة الاجتماعية التي قد اهتم الإسلام بإيجادها وإيجاد المجتمع الفاضل، فلذلك يكون الدين الإسلامي هو الوسيلة الوحيدة لحل التناقضات بين الدوافع الذاتية لمصالح شخصية وبين المصالح النوعية، وهو يجهز الإنسان بطاقات غريزة الدين ودوافعه المتمثلة في الإيمان بالله العظيم، وبذلك تصبح المصالح العامة للمجتمع الإنساني على طبق الميول الطبيعية والدوافع الذاتية، ومن هنا يكون الإنسان المسلم بحكم غريزة الدين التي أصبحت ميولاً ذاتية له يقدم بأقصى درجة الحب والميل والرغبة على بذل أعزّ ما لديه، وهذا معنى حل الدين الإسلامي مشكلة الإنسان الكبرى.
وتطبيق هذه البدائل عملياً مرتبط بعدة عوامل:
الأول: العامل النفسي وهو أن المسلمين – بحكم ضرورة تبعيتهم للدين الإسلامي ومسؤوليتهم أمام الله تعالى – ملزمون باستخدام هذه البدائل في طريق التعامل المصرفي بديلاً عن النظام التقليدي الربوي المحرم بالضرورة من الشرع.
الثاني: إن تطبيق تلك البدائل عملياً المتمثلة في النظام اللاربوي بديلاً عن النظام التقليدي الربوي في البنوك و المصارف، يدل على أصالة المسلمين الفكرية وشخصيتهم التشريعية المستقلة المستمدة من الكتاب والسنّة من ناحية، وعلى النظام الاقتصادي الإسلامي في حدود دائرة الشرع من ناحية أخرى.
الثالث: إن دور هذه البدائل في الحركات التجارية والصناعية والزراعية وغيرها لا يقل عن دور القروض الربوية.
البيوت النجفية
لا تمتاز العمارة النجفية عن عمارة سائر مدن العراق إلا في بعض الأمور الكثير منها أجنبي اللفظ مثل قولهم «روازين» مفردها (رازونة) للرفوف الواطية، وقولهم «جاركوشة» للمربع، وقولهم (ريمزكاري) للريازة والنقوش، وقولهم (هشتي) للبناء المثمن، وقولهم «أروسي» لنوع من الغرف يكون في الطابق الأعلى، وقولهم (كبش كن) للعتبة حيث يخلع النعل، وقولهم «كلوي» لإطار يكون تحت السقف، وقولهم (باية) للدرجة الواحدة من السلم، وقولهم (كبنك) لأبواب الحانوت، ومن أجزاء البناء هناك الحياض وهي مخازن صغيرة يعقدون فوقها الرازونة، وبعض جدران البيوت تحجل بدكة من الخارج مستطيلة وقاية من الرطوبة والتآكل وعلى بعض أبواب البيوت دكتان صغيرتان للجلوس أو لركوب صاحب البيت على حيوانه)[732](.
أما مادة البناء فمن الجص الذي تكثر مادته هناك، ومن الحجارة المشوية أو المقلوعة من عمارة الكوفة القديمة أو عمارة الحيرة، وتوجد اليوم محلة كبيرة في الكوفة تسمى المقالع، وكانت هذه الحجارة المقلوعة مكسباً وتجارة لبعض النجفيين، وكانت تنقل إلى النجف كبقية المؤمن إلى ذلك البلد المحتاج، وتجعل أكواماً عند مدخل النجف الطاباق)[733]( وأنصافه يباع بالعدد أمّا أرباعه وتسمى الحجارة فتباع كيلاً بالزنبيل، وسقوف البيوت من خشب الأشجار وجذوع النخل ومن القصب مرضوض وغير مرضوض، وقد يفتحون في السقف كوة)[734]( يسمونها «سماية» أي نافذة إلى السماء، وتقل الشوارع الفسيحة وترى في جانب كل شارع على الأغلب دروباً يسمون الواحدة منها دربونة، وهي ثنيات الطريق وكانوا يكثرون منها لأنها أحسن وقاية من حرارة الشمس.
والبيت النجفي قديم وحديث، أما القديم فدويرة فيها ألف روح وروح، للخير والشر، والتفاؤل والتطير زجر وعيافة وحروز وأوفاق وعجائز وسوالف عجائز وأوراد وأدعية، وأول ما يستوقفك رأس وعل أو رأس غزال مصلوب على الباب، ومعه كيس مملوء بحب الحرمل)[735]( والحرمل عندهم أحسن تعويذة، ولذلك الكيس ذباذب من العفص)[736]( وهو حمل شجرة البلوط، وكثير ما يتعوذون به، ومع العفص قطع صغيرة من الخزف الأزرق، ويكتب على ذلك الكيس المعوذتان وتجد ربة البيت حفظت لكل ليلة تعويذة خاصة وعندها لكل ظاهرة من الظواهر الطبيعية عوذة ورقى ولأيام الأسبوع وليالي الشهر تفاؤلات أو تطيرات أمّا نظام ذلك البيت فأثاث مشوش فيه الأواني المعدنية الصدئة وآلات من الحديد والخشب، وفيه حوض ماء كثيراً ما يتغير لونه وينتن، وفيه رحى وتنور وحباب ودوه من طين وخابية ومجمر من حديد وأقداح ومشارب طينية، وفيه من سعف النخل حصر مسقوفة وأطباق وقفات وغسالات ومراوح، أما المطبخ فمفروش بالرماد ومنبت بأثافي السود، ومصبوغ بالدخان صبغة لماعة، وكل قوده من شوك أو من سعف النخل وكربه أو من نبت البادية وشجرها كالرمث والفردق والطرفاء والغضا واللويزة والسدر وغير ذلك)[737]( وفي الدار بئر عميق يطوي عليه رشاء خشن طويل يمر على محز بكرة، وقد شد في طرفيه دلوان ويسرج البيت بالنفط أو بالشمع، ولا نغمة في ذلك البيت إلاّ ترنيمة متقطعة على فم فتاة أو دمدمة على براطم عجوز تناغي فرخاً في المهد أو تغني على رحى تديرها بعد أن تملأ لهواتها بالحب، وغالباً تقوم عليها في الهزيع الأخير من الليل وما أشجى تلك الترنيمة فكلما نعي أو تعديد تبله بالدموع الحارة، وإذا كان شيء من الغناء فهو الغناء الحزين، وغريب ما يُقال إذا طابت النفوس غنت ففي هذا البيت إذا استاءت النفوس غنت. أما عجوز البيت فمجموعة قصص وسوالف، وكبير البيت تسمع زمجرته وزجرته تتصاعد إلى السطوح وتتقاذف من الشرفات على تلك الحبيسة، وللمرأة حدود لا تتعداها عندهم، وللرجال حقوق، وعليه حقوق هذا هو القسم الداخلي من البيت أمّا الخارجي ويسمى «البراني»، وهو محل الاستقبال للرجال خاصة فبناية تشمل على غرفة واسعة شيدت بالجص الأبيض، ولكن سودة الدخان وشرعت في واجهتها مما يلي الدار خمس أو سبع أبواب، ولا بدّ وأن يكون العدد وتراً، ويسمون تلك الغرفة (طنبية) تشبيهاً لها بالقبة الكبيرة ذات الطنب وأمام الغرفة ساحة، وفي ناحية من الساحة موقد لطبخ القهوة، وقد يكون الموقد في نفس الغرفة أمّا فراشها صيفاً فمعد من الزل حصر مستطيلة نسف في البصرة أو البحرين، وشتاء تفرش بالسجاد والبسط، وفي أركان المجلس وزواياه حشايا ومساند مبثوثة، وهذه الجلس تساعد عليه آدابهم وأياؤهم، ترى الجلاّس وقد تساندوا ورصت صفوفهم، وكلما شاق المجلس قالوا «يسع»)[738]( حتى أن بعض السذج كان يظن أن «يسعا» ملاك يوسع المجلس. ويطاف على الجلاس بأقداح الشاي وأباريق القهوة هذا بين يديه نارجيلة وذاك تطرف أنامله السيجارة، وفي قبضة ذاك سبيل أو شطب تكتض تلك الأندية في الصباح والمساء، مجالس ليس فيها إلاّ المخيس للعصب أو المنوم، وكان ذوو الوفاء يركبون إلى تلك المجالس الأتن البيض ويظهر أنّ هذه عادة قديمة موغلة في القدم، وربما كانت متحددة من العبريين الأقدمين، وقد كان أكابرهم يركبون الحمر البيض، وبالأخص الأتن. جاء في سفر القضاة الأصحاح الخامس منه مخاطباً الرؤساء: «بارك الربّ لكم أيها الراكبون، الأتن البيض الجالسون على الطنافس»)[739]( هذا هو البيت النجفي القديم في دخلانيه وبرانيه، وكل أهل البيت موغلون بالرجعية حتى أنهم يعرفون عن عشرة قرون سلفت أكثر مما يعرفون عن مجريات يوم واحد من أيامهم الحاضرة، وعندما تسمع من تلك البيوت ما يقص عليك عن الأجداد تعتقد أنك معهم اليوم، وأنت معهم. فالعادة والعُرف والتقاليد والنبرة وكل شيء هو هو حتى كأن الزمن قد جمد أو تحجر فلم يتقدم شبراً ولا قطع ساعة، وتجد الرابطة بينهم قد تجزأت فلا هي رابطة قبلية خاصة ولا إقليمية إنها رابطة حارة فقط، وأطفال الحارة كانوا يتحزبون فيحاربون الحارة المجاورة، وهناك ميادين ومبارزات، وفي رأسي الآن آثار لتلك المشاجرات كما هي في رؤوس رفاقي في السن، لقد تتقاذف بالأكر، وقد تتعدى رابطة الحارة من الصغار إلى الكبار، ولكنها هنا أفيد، وأعود فإن أهل الحارة يشعرون بالوحدة، وكأنهم أخوة من ام وأب، وأسباب التعاون والاشتراكية متوافرة ما بينهم الكثيرون من أهالي الحارة يعقدون مجالسهم على أبواب الدور أو رؤوس الشوارع، وكثير من الباعة يطرحون بضاعتهم في الشارع وينادون عليها ولكن الناشطين من أهل البيوت يسترذلون هذه السلع ويسمون سوقها سوق العاجز والكسيح والنساء تتهافت على هذه البضاعة أكثر من الرجال.
أمّا البيت الحديث فقد تحدّدت هندسته وجدّد نظامه، وصار من مرافقه الحديقة والحمام البيتي، ومن ريازته الأصباغ والأدهان، ومن مواد إنشائه الحديد والسمنت، ومن أثاثه الأسرّة والكراسي والأرائك والمصابيح الكهربائية والمراوح الكهربائية ومكيفات الهواء، واشتبكت عليه أسلاك الهاتف والحاكي والتلفزيون والضوء، وفيه مكائن للطهي والخياطة والتطريز وآلة المكوي فلا مواقد ولا مخابئ ولا دخان خانق ولا رماد، وكل الوقود والتدفئة بالغاز أو النفط أو الكهرباء، ولا توجد مخازن للميرة ولا مخابي للكوامخ أو للدهن، ولا تنور للخبز ولا إجانة للغسيل، ولا دلو ولا رحى ولا صفائح لنقل الماء ولا حباب ولا حياض إنّما هي مواسير وقساطل، وقد تبدلت الأزياء وانقلبت انقلاباً كبيراً استخدم فيه الذوق والظرف واللياقة والتناسق وكثر الاختيار للألوان والتقاطيع، أمّا المادة فمن الحرير أو الكتان أو الصوف الممتاز، وجلوس أهل البيت على الكراسي أو على الأرائك فلا ترى أحداً يجلس على الأرض، لقد كان ردّ الفعل عظيماً، كان البيت موغلاً في القدم، ولكنه اليوم يريد أن يتجدد في كل ساعة أرى أولادي إذا حدثتهم عن أوائل حياتي ينظرون إليّ قائلين وما فائدتنا بأيام أبيك وجدك بل ولا بأيامك الأولى.
إنّ البيت النجفي الذي لم يكن يسمع صوت جاره إلاّ بتكليف أصبح الآن يسمع الصوت من أقصى الدنيا يتردد في زواياه، وبعد أن كان يعتبر الصورة في زجاجة المصور معجزة من المعاجز أصبح يشاهد الشخص البعيد عشرات الكيلو مترات ماثلاً أمامه، وهو يخطب أو يغني أو يرقص أو يحارب أو يصيد، وأصبح يشاهد ماءه ينبع من الجدران وضياءه ينبلج من صفحات البيت أو من سقفه فلا سقاء ولا ساقية، ولكنها الحنفية. كما ولا فتيل ولا غاز ولا نفط ولا دخان، ولكنها المفاتيح تنور ولا تنور، والبيت محزم بأنواع الأسلاك ولأنواع الأغراض سلك للنور وآخر للصورة وآخر للصوت، وكل بيت هو الدنيا بأسرها لكنها دنيا أسلاك ومفاتيح، وبالرغم من هذا فإن أهل البيت لم يتطوروا… إنك لا تجد في عاداتهم ونظامهم العائلي تغييراً حتى الآن ترى البيت في ولادته وحضانته وتنشئته وزواجه كل روحيات وحروز، والنجفيون يطلقون البيت على الأسرة الكبيرة وقد نشأ في النجف ما يربو على مئة بيت علمي أو أدبي أحصى منهم الشيخ السماوي)[740]( في أرجوزته «عنوان الشرف» سبعين أسرة، وفاته أكثر مما أحصاه وهذه البيوت النجفية منها ما كان أول شهرته في الكوفة ثم كان لها الانتقال إلى النجف، ومنها ما نشأ في النجف أمّا ما كانت تنشئته في الكوفة أولاً كما ذكر ذلك الشيخ السماوي فآل رافع وآل أبي شعبة وآل الثمالي وآل أبي نعيم وآل أبي حيان مولى ثعلب وآل أبي السمال وآل أبي أراكه وبنو دراج النجفي وبنو رباب وبنو فضال وبنو أعين وكثير غيرهم.
الحلم التاريخي
إذا عرفت أن النجف زاوية دينية تعرف أن القديم فيها أكثر من الجديد لأن الدين بتقاليده وشعائره مصمت، وكان الأجدر بالنجف أن تكون فيها النهضة الأدبية قبل النهضة السياسية، ولكنها نهضت سياسياً، ولم تنهض أدبياً كما يليق بها لأنّ النهضة الأدبية تلطف، وتصقل كثيراً من المبادئ التي يود البعض أن تبقى على غبارها، وعلى الرغم من ذلك كان القرن العشرون الذي هدم وبنى قد انتقلت عدواه إلى نفوس الصالحين أولئك الذين تمردت أرواحهم على الطالح فتعاطوا وجوه الإصلاح بأن هدموا شيئاً من القديم ووضعوا حجر الأساس للجديد المفيد لكنهم كانوا ممتحنين بحالة اجتماعية ثقيلة، ولم يجدوا طرفاً من الإقبال على بضاعتهم فكانوا يعيشون على أعصابهم، ويتغذون بأدمغتهم وأرواحهم، وتكاد تكون حياتهم في عزلة وانقطاع، حتى كأن الأديب النجفي يعيش في فلك وحّده ذلك الأديب الذي كثيراً ما أطربك بقيثارته تراه منطوياً على نفسه، ومنقطعاً إلى منعطفات الوادي بين الدكادك، وحول التلعات، وهو مثل المفكرين القدامى في بلاد العرب يتلقى الوحي في العزلة أكثر مما يستلهمه من المجتمع، تراه في حفارة الوادي أو بجنب الربوة أكثر مما تراه في محفل أو ندوة، لقد كان مدفوعاً أو مضطراً إلى التشرد على أنه كان بوده لو غطس في المجموع، وتوسط الناس، أن الأديب النجفي رفع الراية عالياً على ربوات النجف وفراض الفرات، ولما ضاق به المجال زحف بالراية إلى بغداد وضفاف دجلة فأجزل وأبدع.
لقد كانت في النجف للحركة الفكرية كما ألمعنا في غير هذا المقام خميرة وبذور كثيرة أنبتتها مزارع مختلفة فالحركة الفكرية في النجف نتيجة لا علّة، وقد أعان على ذلك المكان والزمان.
المكان
على طف الجزيرة وحمادها بين سواد الفرات وبياض الصحصاح مما يلي ظهر الكوفة، وعلى خد العذراء أبراج سود كانت وضعته الهندسية وضعة أسد رابض يطوق مدينة راكبة على متن الوادي متمتعة بأنف البرية وجمال الهضاب، يناوحها الهبوب الناشف، وحولها الربوات البيض تتخللها مساجب السيل، والنجفيون يسمون تلك الربوات طارات. وهناك مساحات مفروشة بالعشب قد نورتها الشقائق، وكم كانت لنا زمن الربيع مجالس على ذلك البساط الأخضر المنقوش بالأزهار الفواحة، فالنجف تطل من جهة الشمال والشرق على مخيم فيه القباب والمصاطب والحفائر والدكات تلك هي جبانة النجف)[741]( التي ترفرف في سمائها أجيال وأجيال من أرواح البشر، وتطل من جهتي الغرب والجنوب على وادٍ أفيح، ربما دلّت آثاره الجولوجية على بحر أو بحيرة في التاريخ القديم، سماء صافية وجو بهيج نقي وشمس على شمس من القبة الذهبية الموقرة ومن السماء، النجف هي خورنق اليوم وقريب منها خورنق الأمس. إن النجف المعرى الذي تكتنفه أودية منورة الأقاع كان منتزه الساسانيين والمناذرة والعباسيين، وكانت الندامي تقصد في الربيع من أعالي الشام وأطراف الجزيرة لجمال موقعه من طرف والبحر من طرف، وحوله لنصارى الحيرة بيع وأديرة مبثوثة في بلاد العيون التي تسمى اليوم بلاد «القصور» ويريدون بالقصور بقايا تلك الديارات التي كانت عامرة بالمقاصف ومجالس الطرب والزهور وبجلال الموقع وجماله، وباعتدال الجو وصفائه ولطف الرحلة النقية وبهاء الكوكب والقمرين، وكان لذلك الأثر البالغ في تكوين روح الأديب النجفي ونشأته النفسية وإلهامه.
الزمان
للشيعة مدن علمية تعاقبت في الظهور حسب الأحوال الاجتماعية والسياسية التي تنقلت بهم من مركز ومن وقت إلى وقت، فكانت الكوفة، وكانت «قم» ثم الحلّة السيفية ثم حلب ثم شيراز ثم أصفهان ثم كربلاء ثم النجف. وربما كانت (جبع) إحدى مدن عاملة، والصباغية إحدى وقائع البطائح، والرماحية إحدى مدن خزاعة في الفرات الأوسط من المراكز العلمية.
كل هذه المدن كان لها في بعض الأوقات السلطة الزمنية والدينية، ويهاجر إليها رواد العلم وطلابه، وفي كل منها حتى اليوم آثار علمية ففي «قم» زوايا ومدارس وخوانق قديمة، وقد انتقل النتاج الفكري من كل هذه المدن إلى النجف ولأجل التلمذة على منبر النجف هاجر ولا يزال يهاجر الجمع الغفير من سائر الأقطار الشيعة، هاجروا بالأدب ومواعين الأدب. أجل لقد هاجروا بأذواقهم وميولهم وعقولهم وأسلوبهم الفكري فأوجدوا في النجف حركة فكرية تمتاز عن الحركة في أمهات المدن العراقية مثل البصرة والموصل وبغداد وهذه الهجرة، نفعت النجف وأنعشتها بأمور عديدة أدبية واجتماعية، وأوجدت لها مكانة عالمية مرموقة، فالحركة الفكرية القديمة والنهضة الحديثة بما فيها من جهاد علمي وعناد سياسي وتجديد أدبي واتجاه إصلاحي كلها كانت بنافح من تلك الهجرة، لقد كان لذلك الاحتكاك أثر أدبي في الحركة الذهنية الجديدة التي تمخضت بها النجف منذ نصف قرن، وكانت الهجرة للنجف بالأمس أنفع منها اليوم، وقد أعان على نشاط الحركة الفكرية في صفوف النجفيين ما كان للشيعة من مصادر ثرية للمعرفة تزودهم بزاد الفضيلة من أدب النفس وأدب اللسان وصقال الذهن ولطف الذوق والغور في التفكير والتحليق في التصور، فكم من ألواح تاريخية ولافتات للبطولة، وكم من قصص تهز جوانب القصاص، وكم من مثل نبيلة وقدوة حسنة ومواقف للرجولة وحث على الطيبات وبعث للمعروف وتشويق لمكارم الأخلاق كل ذلك بأسلوب راقٍ وبيان فصيح بليغ جامع مما تسمعه من المنبر الحسيني الموقر، إذا اعتلاه الأديب الواعي، ومما تقرأه في كتب البعث والحث مثل نهج البلاغة وشرحه لابن أبي الحديد، وكتب الأدعية والزيارات مثل الصحيفة السجادية ودعاء أبي حمزة الثمالي ودعاء كميل بن زياد ودعاء الصباح، وهذا النور وهذا الشذى وهذا الشراب السائغ تجده مشرقاً في نفوس النجفيين، وفي أنديتهم وبيوتهم، ولا بدّ من إلمامه بالبذور والجذور للحركة الفكرية في تلك البقعة أو في البقاع المتقاربة هناك، فكم من معاهد أدبية توارثت الحركة الفكرية معهداً بعد معهد مثل «عاقولا» الواقعة حول الكوفة أو هي الكوفة في الزمن القديم.
لقد كانت عاقولا مدرسة سريانية، وبقيت إلى عهد الرومان في العراق وقد انتقلت إليها دراسات يونانية، ولما درست عاقولا نهضت الحيرة فكانت واجهة كبرى للأدب ترى فيها الكثير من الأفكار المبثوثة بين العاصمة الحيرة وما حولها من الديارات، وانتقل ما في الحيرة إلى الكوفة ثم انتقل ما في الكوفة إلى النجف.
المدرسة العراقية
كان للمدرسة العراقية من قبل ومن بعد أكبر خدمة للغة العربية وآداب اللغة لا يجاريها إلاّ الحجاز بأسواقه أولاً، وفي مقدمتها سوق عكاظ وثانياً مدرسة القرآن. إنّ العراق قبل الإسلام في الحيرة والمربد قد أشاع اللغة العربية والفكر العربي والأدب العربي، وشدّ البلاد العربية برباط أدبي ووحدة أسلوب حتى كان ما في الحيرة والمربد هو ما في الجزيرة، وفي بلاد غسان وأسواق الحجاز ونواديه)[742](، وكانت الرابطة متينة بين الشعراء والخطباء رسل الثقافة يومذاك، وما هم إلاّ مدرسة سيارة.
أمّا في العهد الإسلامي فقد احتضن الحجاز مدرسة القرآن والسُنّة، وبقيت المدرسة العلمية والأدبية والفنية بما فيها من ترجمة ونقل واصطلاح وتعريف وتلقيح فكري وزواج ذهني لمدرسة الكوفة والبصرة والنجف وبغداد، وقد نشرت المدرسة النجفية كما ستُعرف عدة مدارس أعانت على خدمة الذهن واللغة فمن هذه المدارس، ومما نُشرت تلمس حركة فكرية قوية تسير بخفاء وظهور وسرعة وبطىء في المشاهد والممالك لها النصر والفتح، وبكلمة جامعة أقولها جازماً عن سير وطواف أن ما جاءت به الحيرة والمربد والكوفة والبصرة وبغداد والنجف من آداب اللغة وما وضعته أو نقلته، أو اصطلحت عليه للعلم بسائر أنواعه، والأدب بسائر ألوانه، والفن بسائر أقسامه مما اشتملت عليه أمهات الكتب وألوف المصنفات التي هي الأب والأم للبحث والتأليف، هذه الثروة العراقية لم يأتِ بمثلها قطر من الأقطار العربية في يومنا هذا وإذا باهلت النهضة الأدبية الأولى ومركزها العراق النهضة الجديدة ومركزها مصر ولبنان فالراية ولا شك معقودة للعراق.
الجامعة النجفية
فاتيكان الشيعة وأزهر العراق قبل أن يوجد الأزهر ولا تمتاز هذه الجامعة بأسلوب فكري خاص إنما هو أسلوب الفكر القديم طبعته الكوفة بطابعها طابع الآداب العربية والعلوم الإسلامية، وكانت على الأخص مدرسة علوية أسسها منبر علي عليه السلام، ومن تتلمذ عليه من أبنائه وأصحابه، وبعد استشهاده كان قبره الشريف مطافاً للأبناء والأحفاد والتلامذة فامتدت المدرسة من الكوفة إلى النجف، وفي القرن الثاني للهجرة بدأت العمارة والتشيد لمدينة النجف تدريجياً، المدرسة من الكوفة إليها، وبقيت الكوفة تصب في بحر النجف إلى القرن الثامن للهجرة، وعند ذلك استوعبت النجف كلما كان في الكوفة، وأصبحت أهم مدينة في العراق حسب صراحة الرحالة ابن بطوطة.. وصارت الكوفة محلة للآثار والتاريخ، ومن بداية القرن الثالث للهجرة ظهرت شخصيات علمية في النجف مثل شرف الدين بن علي النجفي، وأحمد بن عبدالله الغروي، وابن شهريار وقد يدل على وفرة طلاب العلم في النجف كثرة ما بذله عضد الدولة في القرن الرابع على علماء النجف وفقهائها، ويظهر أن المدرسة النجفية أو الهيئة العلمية لم تتكامل وتكون ذات حلقات ونظم علمية إلاّ في القرن الخامس للهجرة على عهد الشيخ أبي جعفر بن الحسن المعروف بالطوسي الذي هاجر من بغداد إلى النجف بهيأة علمية، فانتقلت بهجرته مدرسة كبرى إلى النجف، وبقيت تلك الهيأة العلمية في النجف إلى القرن السابع للهجرة، وفيه انتقل معظمها إلى الحلة السيفية، وبرغم هذا الانتقال لم ينضب المنبع. على أن ذلك لم يدم فما عتمت الحلة دون أن ترد الأمانة إلى اهلها، وتعود النجف المركز الوحيد للعلم والعلماء، على مثل هذا بقيت ثلاثة قرون تنبسط وتنقبض، ويتعهدها مجد إثر مجد إلى بداية القرن الثالث عشر للهجرة، وذلك عند تأسيس المدرسة الأصولية في كربلاء بمسعى الأستاذ الكبير محمد الباقر، ومن بعده انتقل أكبر تلامذته الحجة محمد المهدي بن المرتضى الطباطبائي الملقب ببحر العلوم إلى النجف، وتعمر به النهضة العلمية، وينجم عصره بأكابر العلماء وتصبح المدينة محلة لبيوتات العلم والأدب ومحطة علمية يفد عليها رواد العلم والفضيلة، وتقصدها وفود الأدب من سائر الأقطار، فأنت ترى أن العلم في القرون الأخيرة تنقل بين الحلّة وكربلاء والنجف، وقديماً كان في النجف ثلاث فرق للشيعة الإثني عشرية لكل فرقة مدرسة، وأول تلك المدارس المدرسة الأخبارية للشيخ يوسف البحراني وأهم كتبها كتاب «الحدائق الوردية». وأقل تلك المدارس المدرسة الكشفية وهم أضعف الغلاة ومدرستهم مدرسة الشيخ أحمد الاحسائي.
أمّا المدرسة الأصولية فهي مدرسة الأستاذ محمد الباقر وكتبها في الفقه كثيرة كالشرائع للمحقق، واللمعة وشرحها للشهيدين وكانت أكثرية الكشفية في كربلاء، وأطرافها، وأكثرية ألأخبارية في الفرات الأسفل وبلاد الجزائر والجوازر والخوز وشط العرب والبصرة، ولهم كثرة في النجف ولكن المدرسة الأصولية اكتسحت هاتين المدرستين. وفي غضون القرن التاسع والعاشر للهجرة كانت في النجف طائفة علمية تنتسب إلى «الرماحية»، وهي مدينة دارسة من مدن خزاعة في الفرات الأوسط تقع بين النجف والسماوة، واستقرت المركزية العلمية في النجف، وأصبحت هذه المدينة جامعة علمية ضمنها كليات عديدة، ولكن بصورة منتظمة فهي مبعثرة في ذلك المحيط المسور فيها كلية للآداب وكلية للغة وكلية للرياضيات وكلية للفلسفة وكلية لعلم الجدل الذي يسمونه اليوم علم الكلام وكلية لعلم الأخلاق وعلم الفقه وعلم أصول الفقه وعلم الفلك وعلك المنطق، وكل الدراسة في هذه الكليات تنصب في الوجهات الدينية.
إن أول مظهر للمدرسة العربية الإسلامية تلك الحلقة المقدسة التي كانت تجتمع في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تتلقى الأحكام، وتتطارح الحديث في السُنّة والأدب والإدارة ثم توسعت تلك الحلقات والاجتماعات فكانت في مسجدي الكوفة والبصرة، ثم صارت سائر المساجد مركزاً للحركة الفكرية والدراسات، وهذه الطريقة القديمة محفوظة اليوم في النجف، ففي الجامع الهندي ومسجد الشيخ الأنصاري والشيخ الطوسي وفي ساحة المشهد العلوي المعروف بالصحن تجد الطلاب مبثوثين حلقاً حلقاً وتجد الأساتذة على المنابر يحاضرون ويتطارحون، ويظهر أن مشهد علي كان أول نشأته مدرسة كما ذكره ابن بطوطة في عام 726 للهجرة وذلك على عهد العمارة البويهية، وكما هو اليوم في عمارته الصفوية فإنه اليوم يشكل مدرسة تدور عليها خلوات وإيوانات، وفي وسطها قاعة للتدريس، وكانت تلك الخلوات مشحونة بالطلاب الغرباء، وما زال بعضها يُعرف بأسماء العلماء الذين كانوا يسكنونها، وقد ذكر ابن بطوطة أن مشهد علي عليه السلام محنوف بالزوايا والمدارس، وعلى كل ذلك نقيب، وفي القرن الثاني عشر للهجرة كثُر تشييد الأروقة والمدارس في مدينة النجف، وربما كان فيها بعض التخصيص مثل مدرسة الهنود ومدرسة الترك ومدرسة القزوين وقد تكون باسم منشئها مثل مدرسة القوام ومدرسة الشيخ مهدي ومدرسة الخليلي والخراساني واليزدي والبروجرودي وآخر مدرسة أنشئت في النجف مدرسة الجامعة.
النقابة والنقباء في النجف
لقد أراد معز الدولة البويهي أن يخصّ العلويين بمزية فلم يجعل السلطة عليهم لغير العلويين، وأسس لهم نقابة لإدارة شؤونهم، وجعل فيها دائرة تسجيل لأنسابهم ودائرة لأوقافهم كانت تجمع الغلة، وتفرقها عليهم، وتدير مدارسهم، ويقوم النقيب بحسم نزاعاتهم، وحل مشاكلهم، وكان في بغداد نقيب النقباء، وله فروع في النجف والكوفة وكربلاء والحلّة… وكثرت الفروع أخيراً فكانت في البصرة والموصل، وأول نقيب نصبه المعز هو الشريف والد السيدين الرضي والمرتضى، وكانت النقابة النجفية تضم الكوفة، وربما مضمومة إلى نقابة الحلّة، ونقباء النجف كثيرون منهم بنو المختار، وأولهم أبو نزار ومنهم بنو عبدالله الأشتر، ومنهم بنو كتيلة، وأولهم النقيب زيد، ومنهم بنو أسامة، ومنهم بنو علي الصوفي، ومنهم بنو الفقيه وأبوهم هبة الله، ومنهم بنو جماز، ومنهم آل كمكم، ومنهم بنو العميد، ومنهم أبو القاسم السبعي، ومنهم ناصر الدين وشرف الدين وشهاب الدين وعميد الدين وزين الدين ومنهم النقباء يقيمون اليوم في قرية (الزرفية) من قرى الحلّة، وفي أواخر عهد الصفويين وكل عهد العثمانيين انحل عقد النقابة كسلطة، وأصبحت لقب شرف، وصار مكان النقيب «الخازن» ويقولون له (الكيلدار) لفظ فارسي أي صاحب المفتاح، ويختص بإدارة المشهد وسدنة المشهد تعرف منهم آل شهريار وصهر الشيخ الطوسي الشيخ محمد، ومنهم حمزة وابنه علي، ومنهم بنو طحال، ومنهم آل الفتال، ومنهم آل الملا وأولهم الملا محسن وآخرهم الملا محمود، ومنهم آل الرفيع ويُعرفون اليوم بآل الرفيعي وأولهم السيد رضا ثم السيد جواد السيد محمد الحسن ثم السيد أحمد ثم السيد عباس وهو الخازن الماثل.
إن كل المدارس في النجف للمطالعة والسكنى. أما محلات الدراسة فهي الجوامع، وكان في النجف ما يربو على الثمانين مدرسة أقدمها المدرسة المعروفة بمدرسة الصحن، وقد تغيرت معالمها فصارت اليوم ملجأ للزوار والفقراء يدخل إليها من أحد إيوانات الصحن، والنجفيون يعرفون بعض المدارس القديمة التي دُرِست ونهضت بمكانها عمارة أخرى مثل دار تقع في محلة المشراق تُعرف بدار الملا شاكر، ودار في محلة العمارة تُعرف بدار الآغاخانية، ومثل عمارة لحوانيت ومخازن تقع قريباً من باب القبلة، وكثير غيرها. أمّا طريقة التدريس في النجف فقديمة تتردد بين الطريقتين اليونانيتين طريقة التحليل وطريقة التفسير، أمّا الاولى فهي أن يتناول الأستاذ الموضوع ويجزئه إلى أقسام، ثم يتناول كل قسم على حدة، ويجزئه إلى أجزاء وهكذا يقسم، ويحلل حتى يصل إلى أدق الأقسام فيتناولها، ويبحث في العلل والعلاقات والمعاني والألفاظ، وقد اشتهر العراق بهذه الدراسة فكان الأستاذ يكثر في تقدير الموضوع جرياً وراء الفروض والاحتمالات على سائر الوجوه؛ قدم أحد العلماء على مالك في المدينة المنورة وقد كلفه أصحابه أن يسأل مالكاً، وكلما أجاب يقول له، فإن كان كذا وبعد الجواب يكرر، فإن كان كذا حتى ضاق مالك فقال هذه سلسلة بنت سلسلة إن أردتها فعليك بالعراق، ومن شهرة العراقيين بهذا الأسلوب أن الرجل الذي يكثر تقاطيعه بالسؤال والتفريع يسأل أعراقي «هذا» وهذه هي بعض آثار المنطق السرياني، واليوناني في العراق، أما طريقة التفسير والشرح، فهي أن يضع الباحث نص القضية فيدرسها، ويأخذ بتفسيرها من جميع الوجوه الممكنة، ويختار الوجه الذي يستنسبه والتفسر الذي يتذوقه، ويغلب على الأسلوب العلمي النجفي في التحرير والتقرير أسلوب محاورات سقراط المعروفة وهي التي يسمونها اليوم طريقة السؤال والجواب.
ومراحل التدريس في النجف ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: في المقدمات يدرس فيها النحو، وكتبه على الأكثر: الآجرومية لابن أجروم المغربي وشرح القطر لابن هشام، ومنظومة محمد بن مالك وشرحها لابن الناظم، والمغني لابن هشام. وعلم الصرف وكتبه: المكودي والنظام.
وهي أوليات قواعد اللغة العربية يحفظها الطفل ويرددها حتى تستقر وعلم المنطق وكتبه: حاشية ملا عبدالله وشمسية قطب الدين والمطالع. وعلم البيان والبديع وكتبه: المختصر والمطول للتفتزاني.
المرحلة الثانية: السطوح وهي دراسة الفقه والأصول على سطح كتاب مفتوح ينشر بين يدي الأستاذ والتلميذ.
أما كتب الأصول، فالمعالم للشيخ حسن والقوانين للشيخ القمي والكفاية للشيخ الخراساني والرسائل للشيخ الأنصاري.
وأمّا كتب الفقه، فكثيرة مثل: الشرايع وشرحها للمحقق، ومثل اللمعة وشرحها للشهيدين، والمكاسب للأنصاري وغيرها من كتب الفقه الإستدلالي مثل المسالك والمدارك.
والتحرير والقواعد، وفي هذه المرحلة يدرس الحساب بكتاب «الزبدة» للشيخ البهائي العاملي ويدرس الجدل والفلسفة النظرية في شرح الحادي عشر للميبودي وشرح التجريد للحلي، والمنظومة للسبزواري، وربما درسوا كتاب الأسفار للملا صدرا، ويدرسون أشكال أقليدوس للهندسة، ويراجع الطلاب لدراسة اللغة القاموس المحيط للفيروز أبادي، والصحاح للجوهري ومجمع البحرين للطريحي، ويراجعون لعلم الرجال كما يسمونه كتاب رجال أبي علي، ويراجعون الوسائل وللتربية كتاب المفيد والمستفيد العاملي.
المرحلة الثالثة: هي التي يسمونها الدراسة الخارجية، أو كما يسمونها «الخارج»، وهي محاضرات يلقيها الأستاذ على مجموعة من التلاميذ لا ينشر لها كتاب، بل هي أشبه بمذكرات على موضوع مركز، وللتلميذ الحرية الكاملة في المراحل الثلاث أن يختار المدرس والمدرسة والكتاب المدروس.
وقد خدمت المدرسة النجفية اللغة العربية حيث جعلتها لغة التدريس ولغة الكتابة، ولكن الجالية غير العربية أثرت في لغة التأليف فإنك إذا قارنت بين المؤلفات الأولى كالشرايع والتحرير والقواعد والمؤلفات الأخيرة كالمكاسب والقوانين والكفاية، ترى الفرق والبون بين الأسلوبين واضحاً سواء في المفردات، أو في التركيب إنك ترى في الأولى صفاء الأسلوب وسموه ومن اختيار اللفظ، فهو كتاب عربي مبين، وفي الثانية تجد التعقيد وركة الأسلوب وابتذال اللفظ وغرابة الاشتقاق والتصريف، فهو كتاب يقلع العين ويعلس أذن سامعه، وأني لأتشوف في صفوف مدرسة «منتدى النشر» بعض الطلائع المبشرة بانقلاب المنهج ووضع الأساس الرصين للنهضة الأدبية اللائقة بالنجف وتاريخها.
الأبنية الأثرية والمحلاّت
إن الزيارة عند الشيعة حضور روحي، وأن الروحانية الكبرى للمزور ونفسيته الممتازة وصفاته القدسية تفيض على نفسية الزائر فتكتسب منها لتطمئن بعد اضطراب، ولتسعد بعد شقاء، وترجو بعد قنوط، وتشرق بعد تجهم، وربما يحصل ذلك الإنعاش الروحي بمجرد تصور نفسية المزور، واستعراض صفاته الممتازة في طواف حول تلك الشخصية الروحية طوافاً ذهنياً بدون خصوصية للمكان، ولكن الشيعة لا يكتفون بذلك بل لا تعد الزيارة الروحية زيارة إلاّ إذا كانت عند تربة المزور، ويركزون عملهم هذا على ركيزتين، أحداهما: قوله تعالى: (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا)، فهم يعتقدون أن أرواح المؤمنين لها الحياة، ولها الخلود لا تموت ولا تتلاشى. وثانيهما: أن بين الروح والجسد اتصالاً وارتباطاً، فهما متصلان منفصلان، وأن للروح على تربة المدفون انعكاساً مثل الزجاجة والنور، فروح ذلك العظيم متصلة بمشهده، ومن يحظ بذلك المشهد يدركها إدراكاً روحياً، فيحظى ويتنور ببعض الأضواء، ويرجع إلى أهله، وفي نفسه قبس من النور المقدس، هذه هي الزيارة، وذلك هو الموسم، وسمعت هاتفاً يقول النجف الغري المشهد، فتساءلت هل هي أسماء بقاع متجاورة أو أنها بقعة واحدة.
ولبيان ذلك أقول: إنّ النجف لغة الأرض المرتفعة أطلقت على ذلك الظهر المسمى نجد العذري، وهو الموضع المعروف في ظهر الكوفة، وأنه كالمسناة يمنع السيل أن يعلو جبانة الكوفة «الثوية» وحتى في عهدنا هذا يأتي السيل من البادية ولكنه لا يرقى النجف، وذلك الظهر كان يمتد من الحيرة إلى «بارق» الواقعة في البادية بين النجف وكربلاء، وكانوا يقولون نجف الكوفة، ونجف الحيرة، وكانت نجف الحيرة قبل الإسلام عمارات وقرى وديارات ومنها «الصين»، وهو بلد عامر يقال لصاحبه ملك الصنين، وهو اليوم بجنب مدينة النجف، وقريب منه الموضع المعروف بـ (القائم) وهو بقايا دير كبير، وكان العراقيون الأولون يقيمون أمام بعض المعابد بناية يسمونها «جفرتا»، وأخيراً سمّيت (الملوية)، وقد اندرس الدير وبقيت «أبدته»، وسموها بالقائم، وكذلك يطلق القائم على بقايا صومعة دير أعالي الفرات، أما الغري فهو المطلي بالغراء، وقد اختص بهذا الاسم مكانان بقرب النجف، فقد ذكر أن الغريين طربالان كالصومعتين بظهر الكوفة في موضع يكثر فيه الصيد، وقد أمر المنذر بن امرئ القيس أحد ملوك الحيرة أن كل صيد يذبح يطلي به ذانك الطربالان، وقد مر معن بن زائده فرأى أحدهما قد شعث وانهدم فأنشأ:
لو كان شيء له ألاّ يبيد على
مر الزمان لما باد الغريان
ففرق الدهر والأيام بينهما
وكل إلف إلى بين وهجران
ومن هنا يظهر أن أحد الغريين هدم وبقي الآخر، ويظهر من سير التاريخ أن كلا من الغريين كان في سفح جبل ولكن العمارة النجفية غطت على ذينك الجبلين فانطمّا، وفي محلة العمارة إحدى محلات النجف نتوء ظاهر يسمى جبل «شرف شاه»، وهذه المحلة كانت تسمى العلاء، وفي محلة المشراق نتوء يسمى جبل النور، وهو أحد الذكوات البيض المذكورة هناك وفيها نتوء يسمى جبل (الديك) و(عرين الأسد) بين هذين الجبلين وهذا يوضح قولهم أن قبر أمير المؤمنين عليه السلام بين الغريين، وفي محلة البراق نتوء يسمى جبل النور، وهو أحد الذكوات البيض المذكورة هناك وفيها قول أحد الشعراء:
على الذكوات البيض من أيمن الحمى
أراحوا بنعش زعزع الأرض والسما
فالنجف هي الظهر من شرقي المدينة والشمال الشرقي، والغربان هما: الجبلان الواقعان شمال وجنوب النجف، ويطلق على كل هذه المدينة النجف الأشرف، وليس في تاريخ نجف الكوفة عمارة قبل الإسلام، ولكن ذكر وجود دير هناك، ويقال أن اسمه طعيريزات الأثر الموجود بجنب النجف، وهو بقايا عمارة كانت هناك كما جاء ذلك في مجلة لغة العرب، وفي النجف حتى يومنا هذا عينان نضاحتان إحداهما تسمى (النبعية) والأخرى «عين أم نخلة»، وابتدأت أهمية النجف عندما خط فيها المرقد الشريف عام (4) للهجرة، وقد كان ذكراً فقط لم تقم عليه إمارة أو عمارة بل سوي مع الأرض، وبقي سراً مكتوماً اتقاء الخوارج وقد كان قاتله منهم وقد كان بعض الصالحين يعرفون موقعه ويتكتمون في زيارته، ومنهم الأئمة من أولاده وأحفاده ويقال أن ظهوره الاول كان في عهد المنصور العباسي يوم كان في الهاشمية حيث يجيء داود بن علي بن عبدالله بن العباس، ويجعل على القبر الشريف صندوقاً خشبياً، وفي عهد الرشيد أنشأ رواق عقدت عليه قبة، وفي حدود سنة 273 للهجرة جاء محمد بن زيد بن محمد بن إسماعيل المعروف بالداعي الصغير ملك طبرستان، فبنى على المشهد حائطاً، وفي سنة 338 هجرية بنى أبو علي عمر بن يحيى قبة بيضاء على المشهد العلوي، وتجمعت حول المشهد دويرات للهلاك والمنقطعين من الشيعة.
وفي أواخر القرن الرابع انبعثت الإمارات الشيعية وتكاثرت العمارة حول المشهد وجاءت إمارة آل بويه، وعزم عضد الدولة البويهي على إقامة أعظم عمارة للنجف، فبذل الأموال الطائلة، وجلب البناءين ومواد البناء والصناع وأهل الخبرة، ونقل الأخشاب والصخور من أماكن بعيدة وأنشئ قريباً من المكان المعروف ببئر ملاحة مصاهر للطاباق والجص، وكان ينقل ماء الشرب على ظهور الجمال، ثم حفر قناة للماء تصعد من الفرات إلى النجف، وهي اليوم موجودة تُعرف بقناة آل بويه، وأنهض رواقاً عالياً عقد عليه قبة بيضاء وتحتها مصطبة عليها آثار قبور ثلاثة: هي قبر آدم وقبر نوح وقبر أمير المؤمنين عليه السلام، وهذه القبور ذكرها ابن بطوطة، وتدل على الزيارة المأثورة التي جاء فيها «السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح».
وأقام عضد الدولة أمام الرواق بهواً كان يجلس فيه متأدباً لقضاء الحوائج، وفي هذا البهو وتحت الرواق عقدت حفلة للتدشين تلك الحفلة التاريخية التي حضرها الأمراء والنقباء والعلماء، وهناك ألقى الحسين بن الحجاج)[743]( قصيدته المشهورة:
يا صــــــــــــــــــــاحب القبــــــة البيضا علـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى النجـــــــــــــــــــــــــــــــــــف
مــــــــــن زار قبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرك واســـــــــــــــــــــــــــــــــتشفى لـــــــــــــــــــــــــــــديك شـــــــــــــــفي
وأقام حصاراً فيه الغرف والإيوانات، وأنشأ داراً للضيافة، وبذل الطعام للزائرين ثلاثة أيام، وأجرى الجرايات، وبعث العطاء للذين ينوون الإقامة والمجاورة، وتمكنت عمارة عضد الدولة إلى ما بعد القرن الثامن للهجرة، وفي خلال هذا التاريخ جددت ورممت من قبل بعض النابهين، وفي أوائل القرن الحادي عشر أقيمت هذه العمارة المائلة اليوم، وهي العمارة الصفوية. وتمهيداً لذكرها نذكر طرفاً عن رواق عمران بن شاهين الخفاجي من أهالي «الجامدة» إحدى قرى البطائح في كور واسط، وقد كان أميراً للبطائح وخرج على السلطان فناجزه عضد الدولة، واستولى على إمارته، ونجا عمران بنفسه، وتشدّد عضد الدولة في طلبه، …، ويمضي عمران لذلك المشهد متوسلاً بكرامة صاحبه للعفو، ونذر إذا نال العفو ان ينشيء رواقاً عظيماً لذلك المشهد فيجيء ويلقي بنفسه في أحضان عضد الدولة، ويرعى عضد الدولة حرمة ذلك المشهد، فيعفو عنه، ويمضي عمران بالوفاء لنذره ويبني رواقاً متصلاً بالقبة المنيفة، ولكن السلطان الصفوي هدم قسماً من ذلك الرواق وألحقه بالصحن، حتى تتم دورة العمارة وتحسن هندستها، وقيل أن سبب الهدم، هو انحراف الصحن الأمر الذي أوجد تفاوتاً بين قبلة الصحن وقبلة الروضة، وبذلك الهدم والتغيير استقامت القبلتان، وكان الصحن ينتهي قريباً من الباب المعروف بباب الطوسي، وما وراء ذلك كان رواق عمران فهدم السلطان قسماً منه، واشترى ما حوله من دور، وخطط وأقام هذه العمارة الماثلة، وكأني بعضد الدولة وأولاده بهاء الدولة وشرف الدولة وسلطان الدولة المدفونين في زاوية الصحن القريبة من الموضع المعروف بـ«التكية» المحل المشيد للدراويش الصوفية من الفرقة البكتاشية ينظرون مبتهجين لتلك العمارة، وما تم لها كما أن عمران بن شاهين المدفون بجوار رواقه خارج الصحن إلى الباب المعروف بباب الطوسي ينظر إلى رواقه بانكسار وأسف لما لحقه من الهدم الذي أبعد بينه وبين القبة المنيفة، وعند تبليط الصحن في عصرنا ظهرت بعض البيوت وبعض القبور القديمة منها بيت يقع في الجهة الشرقية للصحن، وتحت التبليط القديم، وقفت عليه وأنا صبي فكان مبلطاً بالقاشان الأزرق، ومؤزرة جدرانه بالقاشاني، وفيه ثلاث دكاك رقش على أحدها هذا قبر «أويس»، ويظهر أنه من أولاد هولاكو يقولون أنه قتل، ونقل ودفن في النجف، وعلى القبر الثاني رقش اسم امرأة «رياندة» أما القبر الثالث فيظهر أنه قبر طفل.
سبق وذكرنا قطع رواق عمران عن القبة وهو اليوم يعرف بمسجد عمران ويظهر أنّ باب مسجد عمران شرع أخيراً في دهليز باب الطوسي حيث توجد على ذاك الباب كتابة قديمة على حجارة مؤرخة 770 هجرية، وبما أن شروع هذا الباب متأخر عن هذا التاريخ بكثير فيلوح أنّ هذه الكتابة كانت فوق مقبرة بمكان هذا الباب فقد روي وجود مقبرة هناك تحتوي على ثلاثة قبور أحدها للأمير نجيب الدين أحمد، والثاني قبر ابنه محمود المهابادي، وإلى عهدنا يذكر محمود المهابادي هناك، والثالث قبر زوجة محمود «سعيدة» من عائلة ملكية فارسية من ملوك الطوائف في عهد المغول عاصمتها «مهاباد» أي عمارة القمر.
روى المرحوم السيد جعفر السيد محمد الباقر من آل بحر العلوم البيت العلوي الرفيع أنه يوجد تصوير نفيس بديع آية للروعة محفوظ في الروضة الحيدرية، وهو من أغرب ما خطته يد الإنسان أفرغ في إطر من الخشب النفيس، وفيه زجاجتان أفرع بينهما الزئبق بصورة بديعة، تصوير أبدعته ريشة المصور وتحت الإطار ثلاث أبيات من الشعر الفارسي بتوقيع محمود المهابادي.
***
تقدم أن العمارة في النجف تكاثرت بواسطة الإمارات الشيعية في عهد المغول والتتار واليوم توجد عمارة في محلة المشراق قريباً من باب الصحن المسمى بباب الطوسي، وفيها قبره تقف عنده المارة، وتقرأ الفاتحة.
واتفق لي أن أكون في صحبة جماعة من أنضاد البلد وقفوا بإزاء الجدار العالي لمسجد الشيخ الطوسي في ليلة حالكة، وكان قريباً منه ساباط مظلم، وإذا بمذعورة تستنجد فركضنا لنجدتها، ولما تكاملنا تحت الساباط إنهار الجدار ولولا الركضة لكنا تحت الأنقاض.
أما طلب النجدة، فقد رأيناه تافهاً، وكان صادراً من إمرأة استطرقت الساباط وهي مستوحشة لظلمته، وكان في الساباط متوسل يحتاج إلى العون، ولما خطفت المرأة وهي لا تعلم بوجوده أخذ بأذيالها فأرعبت وصاحت.
وتوجد قريباً من ذلك الساباط آثار عمارة قديمة فيها نفق «سرداب» فيه ريازة وتخريم ومؤزر بالقاشاني يقال أنه بقايا عمارة كانت لـ«تيمور الكوداكاني» المشهور بـ (تيمور لنك) أي الأعرج المغولي، وفي محلة المشراق آثار قديمة لا زالت تُكشف.
ويصف ابن بطوطة عمارة النجف في عام 726 للهجرة بأنها أحسن مدن العراق عمارة، وأكثرها ناساً، وينوّه ببسالة النجفيين ونخوتهم، ويذكر عدداً من أسواق النجف، ويذكر القبر الشريف بإزائه المدارس والزوايا، ويذكر الصحن باسم مدرسة عظيمة يسكنها الطلاب والصوفية، ويذكر الباب الذي يُدخَل منه إلى الروضة، وعليه الحجاب والطواشية، ويذكر أن عتبة الباب والعضادتَين من الفضة، وأن الروضة مفروشة بالبُسُط الحريرية، وفيها قناديل من ذهب وفضة، ويذكر أن في الوسط مصطبة مربّعة مكسوّة بالخشب وعليه صفائح من الذهب المسمور بمسامير فضية، وقد غطّت الخشب حتّى لا يكاد يظهر وارتفاع المصطبة قرابة أربعة أمتار، وفوقها ثلاثة قبور بينها طسون من الذهب والفضة فيها ماء الورد، ومقادير من المسك وغيره من أنواع الطيب، يغمس الزائر يده في ذلك الطيب، ويُمرّ بها على وجهه، ويذكر أن للقبة باباً آخر وهو مثل الأول عتبته وعضادتاه، وعليه ستور من الحرير الملون يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحريرية الحِسان كما أن حيطانه وسقفه مستورة بالحرير، وله أربعة أبواب، ويظهر أن هذا المسجد هو رواق عمران بن شاهين قبل أن يُقتطَع، كما أنه يذكر عن خزانة الروضة التي سوف أوافي القارئ بما هي عليها اليوم، ويذكر أنه كلما يرد إلى الروضة من ذهب وفضة يضعه النقيب في (الخزانة)، ويقول هي خزانة عظيمة فيها من الأموال ما لا يحصى.
إن العمارة التي ذكرها ابن بطوطة هي غير العمارة الماثلة لأنه يصف ما كان في القرن الثامن للهجرة، وعمارة اليوم خططت في أوائل القرن الحادي عشر على عهد الصفويين، وأولهم الشاه عباس الأول عندما زار العتبات، فأمر بتجديد القبة العلوية، ووسع الحرم، وجلب المهندسين والفعلة، ووجد حول النجف معدناً للصخر في غاية الصفاء، فاقتلع منه ما يلزم لتلك العمارة، ودام العمل ثلاث سنين ويظهر أن المشهد عُمّر ورُمّم، وجُدّد مراراً عديدة لم يتيسر لي ضبطها. ومن المجددين محمود)[744](، وأشرف الأفغانيان والسلطان نادر)[745]( والعثمانيون والقاجاريون كل هؤلاء خدموا النجف بالبذل والهدايا والنفائس والقناديل والذهب والأحجار الكريمة والطنافس والسجاد والكتب الأثرية والقرائين الخطية، وقد نشأ من ذلك وجود أربع خزائن أهمها الخزانة التي كانت موضوعة في مكان تحت الأرض في حجرة المئذنة المنارة الجنوبية، وفي هذه الخزانة النفائس العظيمة، وأكثرها من هدايا نادر شاه منها خمسة قناديل مثبتة بفصوص ثمينة وسادس تلك القناديل معلق بسلسلة ذهبية فوق الضريح المقدس، وفي الخزانة مجمر من ذهب وضع فيه ستة أحجار من الياقوت الأحمر تشع وتلتهب كأنها الجمر، وفيها عقد كبير من الماس كتب عليه نادر وفيها فصوص وأحجار ولآلئ، وقد نقلت هذه النفائس من النجف إلى الكاظمية في اوائل القرن الثالث عشر للهجرة خوفاً عليها من الوهابيين الذين استفحل أمرهم واستطار شرهم في جزيرة العرب، وطفوف الجزيرة في العقد الثاني من القرن الثالث عشر للهجرة، وبقيت في الكاظمية أربع سنوات يقوم عليها الحرس، وقد حملتها أربع طوابير من الجنود العثمانية ولعلهم أول جنود للعثمانيين دخلوا النجف، ثم أعيدت تلك الذخائر إلى محلها، ولم تفتح هذه الخزانة إلاّ مرتين فقط الأولى عندما زار العتبات السلطان ناصر الدين القاجاري في أواخر القرن الثالث عشر للهجرة حيث صدرت الإرادة الملكية بأن تفتح له تلك الخزانة، وكانت لا تفتح إلاّ بإرادة ملكية، فجاء ناصر الدين ومعه خبير بالأحجار النفيسة والأثريات، ومعه أحد العلماء، وهو السيد علي آل بحر العلوم، ومعهم الخازن وبعد أن اطلع وأعجب بما اطلع عليه أمر بغلقها، ومرة أخرى فتحت على يد متصرف كربلاء صالح جبر ومعه ممثل من العلماء وخبير والخازن وبعد الوقوف على ما فيها نقلت وبكل تحفظ واحتياط إلى داخل الروضة، وشقت سارية لها من السواري، وأتي بصندوق حديدي كبير وبمقدار من القطن المعقم فلفت تلك النفائس، ووضعت مرتبة في ذلك الصندوق بعد أن سجل ما فيه، ووقع الحاضرون على السجل الذي أودع ذلك الصندوق إلى جنب السجل الموقع من قبل ناصر الدين شاه ورفاقه وسد الصندوق وسدت السارية، أما الخزانة الثانية، ففي الضريح نفسه، وفيها كثير من النفائس والأحجار، وفي الروضة كثير من القناديل الذهبية المعلقة والخزانة الثالثة في الرواق مما يلي الرأس الشريف يكثر فيها السجاد، والرابعة في بيت صغير من الصحن في الوجه القبلي كانت تكثر فيها الكتب من المخطوطات.
المكتبة العلوية
لقد مرت عليك أن الجاليات والرواد الهابطين على المدرسة النجفية من بلاد إيران والهند وأذربيجان وما وراء النهر والقوقاز وعاملة والخليج وبعض نواحي اليمن كانوا يفدون على النجف بثرواتهم المادية والأدبية، وأهمها أمهات الكتب المخطوطة من كتب الفلسفة والرياضيات والأدب والفلك والتاريخ والمسالك والممالك، وقد كان رواد العلم وطلابه يسكنون على الأغلب المدرسة العلوية الكبرى «الصحن»، ومنهم المقيم في غيرها من المدارس والدور الخاصة، وكان لهم نقيب ينظم شؤونهم، وكانت في المدرسة العلوية خزانة كتب نفيسة. تجمعت مما يحمله المهاجرون، وكانوا بعدما يتزودون بزاد العلم، ويعتزمون العودة إلى أوطانهم يتركون ما حملوه من نفائس الكتب، وما ألفوه من رسائل وأطروحات في خزانة المدرسة العلوية محبة على طلابها، وأول من أسس المكتبة العلوية الصدر الكفي المعروف بالآوي الذي أوصى ابن أخيه بشراء الكتب، وجعلها وقفاً على طلاب النجف وسنحت له الفرصة بالإكثار من شراء الكتب.
إن بغداد أصيبت بغلاء وقحط فباعت خزائن الكتب للغلة، وأكثر البيع كان على النجفيين.. وقد ذكر الواعون من النجفيين أنه كان على رفوف المكتبة العلوية عشرات ألوف من الكتب بما فيها من نسخ القرآن الأثرية وكتب الأدعية وألأوراد، وقد فرقت يد الحدثان تلك النفائس، ولم يبق اليوم إلا ما يقارب الأربع مئة نسخة، وقد وقفت بنفسي على كتاب علم المنطق كان في بيت أحد الفضلاء من النجفيين كتب على ظهره ما نصه:
«هذا كتاب من كتب الخزانة العلوية».
ولما صارت النجف محطة علمية، انتشرت فيها المدارس والمكتبات، ونشأت فيها بيوت كثيرة للكتب أولع بجمعها رجال عرفوا بذلك الشغف، وبذلوا الجهد والمال عاكفين على الحصول عليها من مظانها، فتيسر لهم من نفائسها ما كوّن الخزائن، مثل: مكتبة الشيخ علي وولده الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
ومكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء
ومكتبة محمد باقر التوستري
ومكتبة المحدث النوري
ومكتبة السيد محمد آل بحر العلوم
ومكتبة السيد جعفر آل بحر العلوم
ومكتبة السيد هاشم آل بحر العلوم
ومكتبة الشيخ الخنساري
ومكتبة السيد محمد اليزدي
ومكتبة الشيخ محمد السماوي
ومكتبة السيد رضا الحكيم
ومكتبة السيد أبو الحسن الأصفهاني، وكثير غيرها….
ولعشاق الكتب نوادر كثيرة في وادي غرامهم هذا منها أني دخلت على أحد هؤلاء الغلاة في هذا المذهب، وهو الشيخ علي آل كاشف الغطاء في مكتبته الصغرى التي اقتصرت على ما ورقه بيده، ونسخ بخطه فوجدته جالساً على الأرض، وأمامه طاولة صغيرة عليها كتاب مفتوح، ومحبرة، وقد شدّ على عضده مساطر خفيفة من الخشب شداً محكماً يمنع الرعشة التي في يده لأنه شيخ وهنت قواه، وقد شارف على التسعين من عمره، وكان لابساً ثوباً سميكاً خصص للكتابة تراه مخططاً بألوان وألوان من مسح القلم ورذاذه، وكان في يده قلم من الخيزران القوي، وكان مشغولاً بالنسخ فسألته عمر ذلك الثوب قال بأن عمره يناهز السبعين عاماً وهو عندي أطيب من الغلالة التي يصفها الشاعر:
كأذيال خود أقبلت في غلالة
مصبغة والبعض أقصر من بعض
ومن نوادره أنه كان يكتب تراجم العلماء والأدباء في مجموعة أسماها: طبقات الشيعة، واتفق أن يخرج إلى الجامع عند بزوغ الفجر، ويصادف في طريقه أحد الفضلاء يفاجئه بنبأ وفاة أحد المشاهير من حملة العلم والأدب وجعل يعزيه لأنه من سراة قوم الشيخ، وكان يعزه فما أجفل للنبأ ولا استرجع بل قاطع المخبر بقوله: لقد تزين كتاب الطبقات بخير ترجمة وترك اتجاهه إلى المسجد راجعاً إلى بيته، وإلى مكتبته وكتب تاريخ الوفاة.
ومن نوادره ما حدث له في الآستانة مع جلواز من جلاوزة السلطان المرهوب عبد الحميد رحمه الله لقد شغف الشيخ بجمع الكتب والتوفر على الاطلاع، واقتناء النفيس منها الأمر الذي حمله على التطواف في البلاد الإسلامية، فجاء الحجاز ومصر وسوريا وعاملة وبلاد فارس والهند والترك، وتردد في الآستانة على بيوت الكتب وتزود منها، واستفاد، وكان ينسخ بقلمه ما يعجبه من المخطوطات، فيرفعه إلى رف مكتبته الكبرى، ومن ذلك كتاب شرح أبي تمام على مهاجاة جرير والأخطل، وقد كان بخط مغربي قديم، ومعمى فعكف على تفهمه وتهجئته حتى أتقنها، وبدأ ينسخه، وعندما بلغ الصفحة الأخيرة وإذا هو بجلواز السلطان يبلغه بعنف لزوم حضوره حالاً في الباب العالي أي في بلاط السلطان، وكان ذلك التبليغ رهيباً يشعر بالخوف من المغبة لأن الناس يعرفون أن مثل هذا ينبئ بأن أحد الجواسيس المبثوثين بكثرة قد وشى بذلك المجلوب، وقد حان وقت الحساب، هلع كل من كان حول الشيخ، وجعفل من ذلك الطلب إلا الشيخ الذي رفع رأسه باعتزاز قائلاً للجلواز هيهات لا ألبي الطلب قبل أن أتم هذه الصفحة، ولو قامت القيامة، وغضب الجلواز وثابر الشيخ على الاستنساخ، وما كان من الحاضرين غير الإشفاق على الشيخ والتوسل إلى الجلواز، والتمهل عليه حتى يتم كتابة الصفحة، وهكذا يتم الشيخ ويتأبط النسخة كاملة ويقول للجلواز هيا… ولما شخص إلى الباب العالي أبلغ بلزوم مغادرة الآستانة إلى العراق.
ومن نوادر هؤلاء الصرعى في حب الكتب كان الشيخ الجليل النوري وقد أعياه الطلب لكتاب وصدفة عثر عليه في السوق، وقد عرضته امرأة للبيع، وصادف فراغ كيسه من النقود، فوقف وسط السوق بالقرب من تلك المرأة، وأمسك بيده على الكتاب حرصاً، وصار لا يستطيع أن ينقل خطوة، وخلع عباءة نفيسة كانت عليه، ودفعها إلى المنادي، فباعها له بثمن بخس، وسلّم للمرأة ثمن الكتاب، ومشى في السوق والطريق بدون عباءة، وهي مشية لا تتناسب وأمثاله من رجالات الفضيلة. ولكنه كان مزهواً بها لامتلاكه الكتاب.
ومن النوادر أن شيخاً من شيوخ الأدب يظهر أنه كان رقيق الدين عرض عليّ شراء كتب مخطوطة كان عليها شارة التحبيس، فقلتُ له: كيف تبيع الوقف المحبس؟ فقال: إني لا أرى الملكية في الكتاب، لأن المؤلف يريد بث المعرفة وإشاعة أفكاره، وما ملكية الكتاب إلا استيعابه قراءة فقط، وعليه فالكتاب لا يملك، أما الثمن المبذول، فهو عوض عن قراءته فقط، ولما كانت القاعدة الفقهية لا وقف إلاّ في مُلك، فمن الغلط أن يقال هذا الكتاب وقف.
وقريب من هذا الرأي ما ذهب إليه جماعة من ذوي الفضل إيثاراً وتسبيلاً للمنفعة في كتبهم لكل من يريد الاستفادة بقراءتها قائلين إنّ غلة الكتاب قراءته وزكاة تلك الغلة إعارته. ويعاكس هذا الرأي من يوصد باب مكتبته في وجوه الطلاب شحة، وكثير أولئك الذين يقبضون على الكتب قبضة الشحيح.
إتفق لي وأنا صبي أن ألح على ضنين بالكتب مكتبته التي صفت فيها الكتب النفسية وراء أبواب من الزجاج، وكانت المكتبة مفروشة بالطنافس والسجاد الإيراني الممتاز، فوجدتُ صاحب المكتبة جالساً عن طراحة في زاوية تلك المكتبة وهو كفيف البصر، وإلى جنبه قارئ يتلو عليه، وعندما سمع نقرها اضطرب انزعاجاً، واستفهم بارتباك، ولم تهدأ روعته حتى عرف أنها الصدفة، ولم يحدث شيء، ويدور الزمن، ويموت ذلك الجماعة ويريد وارثه حمل ما في المكتبة إلى معرض الكتب للبيع، فيستعين بي وبرفيق لي لنعرف بالمهم من تلك النفائس، وتثمينها. وعند دخولي المكتبة تدهشني العظة حيث وجدتها شعثاء موحشة، قد فارقت رونقها وكان التراب فراشها، والغبرة تعلو خزاناتها، ومُدّ لنا حصير جلسنا فوقه وكان رفيقي لا يعلم بما يخالجني. وبينما نحن منهمكون باستعراض بعض الكتب المبثوثة في تلك المزبلة لا المكتبة إذا برجة تهز الغرفة فحولت بصري ووجدتُ أحد الورثة قد وضع سلّماً خشبياً، وصعد عليه واضعاً يده وراء المنضدة من الكتب يدفعها لتطيح على الأرض لأنه تعب من تناولها كتاباً كتاباً فتذكرتُ ذلك الكفيف، وفزّته من نقرة الباب، وكيف أربكته، وقلتُ: مَنْ لي به يسمع، ويشاهد ما فعله هذا العابث البطر.
هذا طرف من البحث عن خزائن المشهد العلوي، وإليك بعض الظواهر الممتازة في ذلك المشهد.
لما زار نادر شاه مدينة النجف أمر أن تكسى القبة الموقرة بالإبريز، وقد أحصى أحد الشعراء من الفرس طاباق القبة المطلب 7777 طاباقة، وأمر بأن تكسى المئذنتان والإيوان، وأن تطلى الكتابة الممنطقة للقبة من داخلها بالميناء والفسيفساء، وقد قام الزندية وهم عبد الكريم الزند وإخوانه بأعمال جليلة، وجاء القاجاريون فكان من آثار عهدهم الصندوق الموضوع على القبر الشريف والشباك الفضي تمرير الرواق الشرقي، وهو أول رواق ممرد، وكان يبذل المعمار باشي أحد رجال الحاشية لناصر الدين شاه وكان تمريد الروضة عام 1192 للهجرة وضبطه بالحساب الأبجدي هو صرح ممرد من قوارير. والساعة المنصوبة على الباب الشرقي للصحن أرسلها أمين الملك عام 1304 للهجرة، وقد بلط الصحن في أول إنشائه ثم جدد تبليطه مراراً، وفي عام 1335 للهجرة شرعت الحكومة العثمانية بترميم وتجديد قاشاني الصحن، وتوجد في الصحن والقبة والأروقة والإيوان الذهبي مجموعة من تواقيع الملوك والوزراء والعلماء والأمراء منها المنقوش على الآثار والنفائس والتحف حتى أصبحت تلك التوقيعات من أهم آثار النجف التاريخية فلو أريد نزعها وجمعها لكونت كتاباً نفيساً، ومنها المنقوش على الحجارة، ومنها المحاك في البسط والسجاد، ومنها المحفور على النصوص والأحجار، ومنها ما هو مذيل في آخريات الكتب والمصاحف، ولم يكن للصحن أولاً أكثر من بابين: باب الحضرة، وهو الذي ذكره ابن بطوطة وباب الطوسي، وهو الذي ينتهي إلى دار الطوسي التي نوهنا عنها سابقاً، وفي عام 1279 للهجرة فتح الباب المعروف بالباب السلطاني لأنه فتح للسلطان ناصر الدين القاجاري عند زيارته النجف، وقد كان بمكان هذا الباب بيت صغير حجرة، وأمامه إيوان يُعرف أيضاً بباب الفرج، وأمام الباب القبلي الواقع إلى الجهة الجنوبية للصحن، فقد فتح سنة 1291 للهجرة في عهد متصرف الحلّة سبلي باشا يوم كانت النجف تابعة إلى إدارة الحلّة. وفي تاريخ هذا الباب يقول السيد إبراهيم الطباطبائي: (أثر الشبل على باب الأسد).
وخامس الأبواب الباب المعروف بباب القيصرية في الجهة الشرقية للصحن فتح في أواخر القرن الثالث عشر للهجرة، وقريباً منه فتح في العقد السابع من القرن الرابع عشر للهجرة الباب النافذ إلى مسجد الخضرة الذي كان مصلى لجد الشرقي، ولعم الشرقي الشيخ أحمد، وقد كان في هذا البيت الصغير حجرة عرفت بحجرة بيت الشرقي لأنها كانت قد اتخذت مقبرة خاصة لآل الشرقي فيها دفن سراة هذا البيت.
وقد كان في الصحن محلان للوضوء:
إحدهما: المسرجة، وموقعها قبالة الإيوان الذهبي رفعت في زماننا توسيعاً للصحن.
والأخرى: بناية كبيرة تدور عليها الحنفيات وتشتمل على حوض كبير وبجنبه بئر يمنح منها الماء، ويصب في ذلك الحوض، وموقع تلك البناية قبالة إيوان ميزان الذهب، وقد قلعت تلك البناية وسوي محلها.
المشهد العلوي
بناية فخمة نفيسة تاريخية تسمى «صحناً» وهي عمارة ذات قاعة مربعة غير تامة التربيع وذات طابقين كلها مقطعة بإيوانات، وفي كلّ إيوان بيت صغير يفصل كلّ إيوان عن إيوان ساريتان كلّ واحدة بعرض متر أو يزيد قليلاً وارتفاعها عشرة أمتار أو ما يزيد قليلاً يعقد بين الساريتين قوسان:
القوس الأول: وفوقه عصابة من القاشاني البديع بعرض نصف متر لسقف الطابق الأول.
القوس الثاني: وفوقه عصابة من القاشاني لسقف الطابق الثاني وعصابة هذا القوس عليها كتابة بالقاشاني لبعض الآيات القرآنية، وقد كتبت بالقاشاني الأبيض المرشوش بالقلم النسقي البديع كتابة نفيسة، وتسمى هذه العصابة في الريازة النجفية «الكتيبة» وهكذا تقوم عمارة الصحن إيوان وبيت وسارية على سارية يمنطقها من الوسط نطاق من القاشاني بعرض نصف المتر، وتعصبها من الأعلى كتيبة بعرض نصف المتر تقريباً، إلاّ قسماً من الجهة الغربية يشكل طاقاً يمتد من ظهر الحرم ومسانداً له على امتداده وذلك الطاق لا يستوعب الجهة الغربية كلها بل يستوعب في الجنوب مسافة أربعة إيوانات، ومثلها في الشمال الغربي، ويوجد للصحن أربعة إيوانات ذات طابق واحد كبيرة وشاهقة ينعقد على كلّ واحد منها قوس من القاشاني مطوي بشكل إطار، وبجنب ذلك الإطار إطاران من القاشاني المكتوب بآي القرآن واحد منها يقع في الجهة الشمالية، وهو مقتطع من رواق عمران بن شاهين، وقد رمّز عليه كتابة بالقاشاني بقوله عز من قائل: «ومن يَعْمُرُ مَسَـجِدَ اللَّهِ» ويقابله الإيوان الثاني، وهو أيضاً مقتطع من رواق عمران، ويسمى إيوان العلماء، والثالث في الجهة الجنوبية وقد دفن فيه السيّد محمّد سعيد الحبوبي، فأصبح معروفاً باسمه، ويقابله الرابع وهو في ظهر الحرم، وفي أعلاه الميزاب الذهبي، ويسمى إيوان ميزاب الذهب. ومما بسطنا تعرف أن الصحن حصار عال تحيط به الإيوانات والحُجر وقاعته المكشوفة مثلثة، ويكمل دورته طاق معقود في الجهة الغربية، وأرض الصحن مبلطة بالصخر وما عدا ذلك الارتفاع قد كسي بالقاشاني الملون بألوان بديعة تمثل روضاً آنفاً من رياض الفن قد أبدعت فيه ريشة المصور ومنقاشه، فكم خط ذلك المبدع أزهاراً وتقاسيم وخطوطاً وتخريماً وريازة عليها جمال الصناعة وجلال العلم وهيبة الدين!! كلّ هذه قد اجتمعت وامتزجت فكوّنت مادة لذلك التصوير، ورشاشاً لذلك القلم، وأصباغاً ودهاناً لتلك الريشة، وفي ذلك الصحن قامت بجلال ووقار قبة إبريزية، قد أفرغت بأبهى صورة معقودة على بناية مهمة بديعة الهيئة أنيقة الوضع تسمى «الحضرة» وتسمى «الروضة» وحقاً أنّها روضة صناعية أو معجزة من معاجز الفن أنّها آية تاريخية خالدة في فن البناء والريازة والهندسة، بناية جليلة جميلة قامت بشكل إيوانات أربعة فارعة عقد على كلّ إيوان إطار وقوس، وفوق تلك الإطارات والأقواس عقدت القبة المنيفة تاج الجزيرة الذهبي.
وفي وسط تلك الروضة دائر حائر من المرمر الأبيض بارتفاع شبرين تقريباً وهذا الدائر يحجل الشباك الفضي ووراء هذا الشباك شباك آخر من الفولاذ يحيط بصندوق من الخشب النفيس المعروف «بالخاتم»، وهذا الصندوق يشعر بالرمز المقدس لعرين الأسد أمير المؤمنين عليه السلام ويسمى «الضريح» وبين الشباك فاصلة بمقدار متر، وهناك باب فضي لا يفتح إلاّ بوجه كبير من الملوك والعلماء يدخل إلى ذلك الممر الفاصل، وفي باطن القبلة المنيفة نطاق من كتابة لآيات من القرآن كتبت بالميناء، وما عدا هذه الكتابة فكلّ باطن القبة منقوش بالفسيفساء نقشاً بديعاً بلغ حد الإعجاز، ولتلك الروضة أربعة أبواب من الفضة، وباب من النحاس الأصفر والروضة والأروقة الأربعة ممردة، وتوجد ستائر حريرية مقصبة تؤزر بها الروضة والإيوان أيام الاحتفالات، وتوجد أنواع الكسوة للصندوق والشباك المحيطة به، وقد رأيت كسوة تاريخية للصندوق، وهي ثوب من اللؤلؤ المنظوم بأسلاك ذهبية وفضية يقال أنه من عهد البويهيين، ومشاهدتي هذه كانت بمناسبة زيارة الشاه أحمد القاجاري،، تلك الزيارة التي كانت في عهد الاحتلال حيث أمر الحاكم الإنكليزي جلوة الحرم العلوي بكل ما فيه من نفائس، وقد رغب الخازن بتقديم هدية للشاه فكانت عباءة مقصبة من صنع النجفيين الذين اشتهروا بهذه الصناعة، وطلب إلى ذلك الخازن نظم بيت من الشعر ينسج بشرائط من الذهب كل شطر على جانب من تلك العباءة فاشترطتُ على أن أكون في الرهط الذي يدخل الحرم مع الشاه بعد أن منع الناس كافة من الدخول فوافق الخازن ونظمت:
في يمن بردة أحمد باركتها
ومعوذاً بحديث أصحاب الكسا
وتوجد في الروضة قناديل من ذهب بعضها منبت، وفي الروضة كثير من الهدايا القديمة والحديثة من المحبسات والأوقاف ونفائس من الفصوص والسيوف المذهبة والساعات والأحجار والمسارج ونسخ القرآن المخطوطة بالخطوط الأثرية، وقد رأيت من النفائس سجاداً بديعاً غاية في الإبداع قد نسج من الإبريسم ولباب الصوف يقيس في الطول أكثر من مترين تقريباً، وأكثر من المتر بقليل في العرض، وقد وضع بشكل محراب للمصلى، وله إطار مكتوب نسجاً بآية الكرسي، وبأحسن خط، وفي أعلاه نسجت صورة أسد يرمز بها إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وعلى الجانبين نسجوا إحدى عشرة صورة يرمزون بها الى الأئمة من أولاده وأحفاده، ونسجوا على ذلك السجاد سورتي الحمد والتوحيد والتسبيحات التي ترد في الصلاة والتشهد والتسليم، ورأيت أربع قطع من السجاد النفيس المنسوج من الإبريسم، وهو عمل بعض الأميرات الصفويات وقد نسجن تواقيعهن وتواريخ النسيج، ورأيت نسخة للقرآن الكريم بخط البرنس إسماعيل الصفوي وبتاريخ 991 للهجرة، وعليها غلاف أفرغ من ماء الذهب المذاب، وقد نبت بالأحجار، ورأيت نسخة ثانية على كرسي من العاج المرصع بالحجر الثمين، وقد لف بثوب من الاستبرق موشى بأسلاك الذهب في فن خارق وصناعة بارعة، وغلاف ملون بالفسيفساء والميناء، وهو غاية في جودة الخط بالقلم النسخي، وليس فيه مادة للتاريخ، ورأيت ثالثة على كرسي مبرقع، وهي بتلك النفاسة التي نوهنا عنها، وعلى هذه النسخة تفسير بالفارسية، وقد استخدم في كتابتها وتنقيحها كثير من الأصباغ ومحلول الذهب، فكانت من أبدع الآثار الخطية، فأنت ترى أن تلك الروضة روضة فنية أنها بيت آثار، وخزانة تاريخ لو نسق ما فيها من تحف وصفف لكانت من أبدع دور الآثار في الشرق أنها جنة للذوق وفردوس للفن، تخرج من تلك الروضة أربعة أروقة تحيط بجوانبها وقد مردت جدران الأروقة وسقوفها، وتأزرت بالصخر الفاخر، ومنه تبلطت أرضها، وفي الأروقة خمسة أبواب منها الباب الواقع في جهة الجنوب يسمى باب المراد لأنه فتح للسلطان مراد العثماني عند زيارته للنجف، وفي وجه الحرم بهو يرتفع عن قاعة الصحن بمرقاتين ويسميه النجفيون «الطارمة» وفيه أربعة بيوت صغيرة وإيوان كسروي يسمى إيوان الذهب وفي وسط الإيوان باب فضي يدخل منه إلى الرواق، وهو الباب الذي ذكره ابن بطوطة وما زال حتى اليوم عليه نص الزيارة التي ذكرها تتلى من قبل الزائرين، ولكن بدل الطواشية الذين ذكرهم تقوم السدنة، وهذا الإيوان والبهو هما اللذان أنشأهما عضد الدولة البويهي أو إنهما بمكان ما أنشأ، وترى هذا الإيوان مع وجه البهو مما يلي الحرم مؤزراً بالصخر الفاخر، وقد كسي ما فوق ذلك الأزرار بالذهب، وتمنطقه كتابة ذهبية كتب فيها آي القرآن، وقطع من الشعر الفارسي، وفي وسطه تتدلى سلسلة ذهبية، وإلى جانب الإيوان قامت مئذنتان، مكسوتان بالذهب ناهضتان إلى السماء في ذلك الطقس الديني والجو الروحاني كانهما عنقان ذهبيان، شخصتا إلى السماء عزة وفخاراً وبين المئذتنين جلست تلك القبة ألإبريزية المتوهجة كانت شعلة مقدسة على جبل من ذهب أو نار الكليم تلوح في الوادي المقدس قامت توقر النجف وواديه شمس من ذهب يتكسر عليها نور الشمس، فلما ألطف ذلك العالم المتكون من النور والذهب، وما أبهى القبة والمئذنتين والإيوان ووجه البهو إذا سالت عليها أشعة شمس الصباح متمرغة بتراب أعتاب تلك القبة المقدسة، وأخيراً نور المشهد بمصابيح الكهرباء فامتد بين المئذنتين سمط منظوم من كوكب، وجعلوا في أعلى القبة طوقاً من المصابيح، فكانت تلك القبة الشريفة كمصباح (المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري نور على نور). ما أروع المنظر وما أجله وأجمله!! حتى كأن تلك الكومة من النور مشعل يشع في ذلك الفضاء، وبقاعة الصحن من الجهة الشرقية كانت مسرجة كللوها بالمصابيح على شكل خروطي إذا أُسرجت تريك عنقوداً من نور قد هبطت به ملائكة الذوق من فردوس اللطف، وهذا الذهب مر عليك ذكره كله من بذل نادر شاه في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة، وتلك السلسلة الذهبية المعلقة في وسط الإيوان الذهبي هي السلسلة التي ربط بها نادر شاه عنقه، وأمر أن يسحب إلى ذلك الحرم خاشعاً ضارعاً، وأبقى هذه السلسلة ذكرى لذلك الانقياد، وقبالة الإيوان على الباب الشرقي على نصب ساعة كبيرة ذات صفحات أربع بيض معلمة بأرقام سود وعليها برنس من الذهب، وأجراسها تدق في كل ربع ساعة ولها رنين في ذلك الطقس الديني يتموج مع أصوات المبتهلين ونبرات الداعين، فكأنه رنين ابتهال الزمان في ذلك المكان المقدس، وتلك الساعة الفخمة المرتفعة الصلبة الأجراس لها رنين يطبق أرجاء النجف فهي ميقات النجف كله لا ميقات المشهد فقط. وليست هذه أول ساعة نصبت هناك فقبلها كانت ساعة، ولكن فضلت هذه، ورفعت تلك، وقد استرعى الأذهان موقع ذلك الباب الكبير القديم، فأقاموا عليه قوساً من القاشاني المطوي، والمفتول طرائق طرائق بكل لطف وإبداع يحيط به إطار قاشاني مكتوب بآي القرآن وبالقلم النسخي البديع وفي أعلى ذلك الإيوان عصابة من القاشاني المكتوب، وفي داخل الإيوان إطار ذهبي، ونطاق قد كتب بمحلول الذهب فما أجمل ذلك الوجه وما أبدع قسماته البهية وما أروع ذلك الحصار الذي يضيء حجارة ويضوع طينة!! وفي الصحن أربع عمارات مستقلة، ولكنها داخلة فيه:
أولاً: المدرسة المعروفة بمدرسة الصحن الواقعة في الجهة الشمالية.
ثانياً: جامع كبير يسمى مسجد الخضرة شرقي الصحن.
ثالثاً: عمارة ضخمة تقابل مسجد الخضرة تسمى «التكية»، وهي زاوية للغرباء من الصوفية خصوصاً فرقة «البكتاشية» ولها جراية من غلة إقطاعية زراعية قريبة من الكوفة وعليها موكل بالصرف.
رابعاً: جامع من جهة التكية وهو بناء صفوي يسمى مسجد الجمعة.
وبمناسبة ذكر التكية للدراويش نذكر صفة تأوى إليها الدراويش كانت تسمى (صفة الصفا) يقع في رحبة مطلة على بحر النجف وما فيها بيت عتيق عقدت عليه قبة يقال أنه مقام الإمام زين العابدين عليه السلام عندما زار جده وفي عهدنا كان بعض الوافدين يتساءلون عنها ويزورونها.
البسيطة
سبق وكانت في الكوفة، وهي أم النجف الكناسة، وقد كانت سوقاً للتجارة البرية فهي محطة للقوافل ومناخة للحمولة، وقريب منها سوق البراذين ومعرض لكل ما يحتاج إليه الركب، وتجري المساومة فيها على بيع الإبل، وبعد أن طويت الكوفة وكناستها نشأت البسيطة، وهي رحبة واسعة في ضاحية مدينة النجف، ولا أدري أهي التي قصدها المتنبي بقوله:
بسيطة مهلا سقيت القطارا
تركت عيون عبيدي حيارى
وذلك عند أوبته من مصر إلى الكوفة أو أنه قصد بسيطة غيرها، وكانت بسيطة النجف هذه مناخة للقوافل وسوق بدوية مثلما هو في بلاد الضاحية كعين تمر (شفاثا)، والسماوة والرحبة والخميسية وبليدة الزبير وتزهو البسطة عندما تتهيأ قافلة الحج التي تنسل إليها من كل حدب وصوب يوم كان الطريق البري للحجاج من النجف وحائل، لقد كان علم الحجاج وسراتيه أولاً من الكوفة، ثم من البصرة، ثم من واسط، ثم عاد يتحرك من الكوفة، ثم صار من النجف، ويذكر أن بعضاً من أمراء الحجاج لطريق النجف هو الشيخ عبد الواحد الكعبي المشهور عند النجفيين سابقاً، وله آثار عمارة، ومسجد في النجف، وأخيراً صار أمراء الحجاج لهذا الطريق من آل رشيد زعماء شمر وأمراء حائل وآخر أمير من قبلهم، يسمى ابن سبهان فما أبدع البسيطة يوم الاستعداد والتحضير لسفر الحجاج حينما تمرن الإبل على شد المحامل عليها أو كما يقول النجفيون «الكجايو» جمع كجاوة، وزان سماوة فكان الرفقة للحجاج يخزمون الإبل، ويقودونها، ويتصل بالخزام حبل تقاد فيه، فتجري طبيعته، وتتراكض صبايا النجف لتدشين تلك المحامل الجديدة بالركوب عليها، وتنشر الخلع المكونة على متون العكاكيم، جمع عكام يقال عكم البعير أي شد عليه الحمل… والنجفيون يقولون اليوم لمن يشد الحمل عكام، وتلك الخلع المنشودة هي من معارف الحجاج وذويهم، وفي ذلك المخيم الواسع تضرب المضارب الزاهية، وترفع القباب العالية وتفرش بالسجاد النفيس، وتطوف أباريق القهوة وأقداح الشاي، وأطباق النقل والحلوى على الأحباب والأصحاب الذين يحضرون للودائع، وتدوم أعراس البسيطة ثلاثة أيام، وفي صبيحة اليوم الثالث يقرع طبل السفر «الدمام» ويرفرف فوقه علم أمير الحجاج، وتمتد سطور الإبل، وهي تتهادى بين الزغاريد مزقزقة، ومتجهة إلى قرية الرحبة الواقعة في بادية النجف، وعلى مرحلة فيها، وكانت البسيطة قاعدة لسوق النجف البرية، وترتبط بمدينة حائل الواقعة حول جبلي (آجا وسلمى) والنجفيون يسمونها «الجبل» وهي قاعدة إمارة آل رشيد، وقد كانت القوافل تروح وتجيء بين المدينتين كما وأن النجفيين كانوا يسيطرون على هذا الطريق من القديم، وكانوا خباره كما نوه بذلك ابن بطوطة، وكانت للنجفيين بيوت تجارية في حارة من حائل تكونت منها محلة كبيرة وحياً معروفاً مثل بيت شكر، وبيت حبوبي ولفظة حبوبي البدوية جاءت لهذا البيت العلوي الجليل من حائل، ومثل بيت مرزا البيت الأسدي، ومثل بيت عجينة، وبيت زيني وبيت الشاوي، وهو غير بيت الشاوي البغدادي، وبيت الصايغ وغيرها من البيوتات النجفية، ولم تنقطع صلة النجف التجارية مع البادية بعد أن ذهبت حائل وأهميتها التجارية بذهاب إمارة آل رشيد، فإنها اليوم تركزت في سوق عرعر بليدة في الضاحية بين بادية النجف ونجد.
الأعياد في النجف
لم تكن للنجف سابقاً أعياد قومية أو وطنية ولا أعياد ومناسبات، وإني أتذكر ملحمة المتندرين من النجفيين عندما جاء إلى حلقة أحد الأعلام، وقد كنت فيها فتساءل قائلاً ما لنا، وما بال قادتنا كل يوم ينادي المنادون بمأتم لأئمتنا، وقيام مناحة، حتى أن أيام وفاة بعض الأئمة كانت غير مضبوطة، فكانت مآتمها متعددة حسب تعداد الروايات، بربكم أيها القادة أما كان لسادتنا وأبنائهم أيام أعراس نتخذها أعياداً وأفراحاً.
أجل لم يكن في النجف إلاّ عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد النوروز وعيد الغدير، أما أعياد الفطر والأضحى فدينية يرمزان على الفراغ من عبادتين مهمتين وأما عيد الغدير، فهو عيد زيارة وذكرى محببة. أما الرابع، فهو العيد الفارسي، ويظهر أنه قديم في العراق، وقبل الإسلام، ومما يدل على عدم معرفة العرب له روي من أن علياً أمير المؤمنين عليه السلام يصادف وجوده في البصرة يوم النوروز، فيقدمون له الحلوى، ويسأل عن المناسبة، فيقولون إنه النوروز، فقال نوروزنا في كل يوم يريد انتقاد الاختصاص في ذلك اليوم.
وأكثر المدن والقصبات، وأعمّ أعياد النجف هو عيد الفطر حيث يكون يوم الزينة والأفراح والمقاصف والولائم وميادين السباق والرهان على السباق، ومن بعده فالأهمية لعيد الأضحى، وبما أن هذين العيدين يتوقفان على مشاهدة الهلال، فاختلاف المطالع، واختلاف قوة العيون كثيراً ما أوجب البلبلة، حتى أن قصبة من قصبات العراق فطرت يوم الشك، وعندما بلغهم أن كل العراق كان صائماً ذلك اليوم ضاقوا ذرعاً وأبرقوا إلى أحد المراجع الدينية يطلبون حلاً لمشكلتهم، فظنوا أنهم كفروا، فأبرق لهم من فطر كفر أي يعطي الكفارة، ولكنهم قرأوها بدون تشديد فظنوا أنهم كفروا، والذي يوجب الارتباك في هذا اليوم أن صومه واجب إن كان من رمضان وأن إفطاره واجب إن كان من شوال، وتكون البلبلة في العيد من ذي الحجة في الموقف أيضاً إذا اختلفت الأقطار في الرؤيا فإن كان الهلال مرئياً في الحجاز، ووقف الحجاج، ولكن ظهر أنه غير مرئي في العراق لم يتم الحج للعراقيين، وبقي الحجاج العراقيون ينتظرون العام المقبل، وأخيراً ذهب الفقهاء أن أمر الحج منوط بهلال الحجاز فانتهت المشكلة في الأضحى، وبقيت مشكلة عيد الفطر.
وختاماً للبحث عن النجف أثبت أدناه قصيدتي في وادي النجف:
اللطف غبش سفحة
الوادي المنور بالشقائق
والرمل مواج السبائك
بالشذى الفواح عابق
والدار عالية البنا
قوراء كاملة المرافق
وضح الطريق لها
وزالت عن شرائعها المزالق
فيها مفاتيح لأبواب
الرجا وبها مغالق
ولها مجاز ينتهي
بالسالكين إلى حقائق
حضن الخورنق فرخها
أم العذيب وأخت بارق
وطني المفدي أي
سر في ثراك الطهر عالق
أمن الثرى هذي الدمى
ومن الورى هذي الغرانق
ومن التراب وما التراب
خلقت أوراد الحدائق
لله فيك عناية
جعلتك مخلوقاً وخالق
مرت بصخرتك القرون
سريعة مر الدقائق
ملأى بكل طريفة
من كل معجزة وخارق
زاهي الحدود منيعة
ببنى المدارس والخنادق
ساع لرفعة شعبه
بلد المنابر والمشانق
ولواؤه القومي فوق
شعاره الوطني خافق
العز وضاء المنارة
ساطع والعزم سامق
تاج الجزيرة قبة
سطعت على خير المفارق
الحق تحت رواقها
والنبل ممدود السرادق
أين اللواحق يا غريُّ
فأنت أنت أبو السوابق
يا لمعة النجف المعلى
لا تجهمك الطوارق
الشيخ علي الشرقي
تاريخ الكاظمية
تلخيص أوراق مسودة تاريخ الكاظمية المفصل 1950
بسم الله الرحمن الرحيم
الكاظمية بلدة الإمامين موسى الكاظم (183هـ) وحفيده محمد الجواد (219هـ) وإنما سميت الكاظمين نسبة إليهما.
يتصل تاريخ الكاظمية بتاريخ بغداد ويجري اسمها مع اسم بغداد، ويعانق تراثها تراث بغداد، وترتبط حوادثها بأحداث بغداد.
بنى المنصور مدينة السلام بغداد سنة (145هـ)، وأكملها سنة (149هـ) فجعل الكاظمية وهي كورة طُسوج قطرَبُّل قديماً ـ مقابر قريش. واتخذ في أرضها مقبرة دفن فيها ابنه جعفر الأكبر سنة 150هـ. وظلت الكاظمية مقابر العباسيين والعلويين من قريش خاصة.
تعتز أرض الكاظمية برفات ألوف الأعلام من الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء والوزراء والقادة والنقباء والأشراف والأعيان والعلماء والمحدثين والفلاسفة والمؤرخين والأدباء والكتّاب والشعراء.
دُفن فيها الخليفة الأمين (208هـ)، وأمه زبيدة زوجة هارون الرشيد (216هـ) والقاضي أبو يوسف (182هـ) صاحب أبي حنيفة الذي تولى القضاء لثلاثة من الخلفاء. وهو أول من دعي بقاضي القضاة، وعبدالله بن أحمد بن حنبل (290هـ)، والحامض النحوي (305هـ)، والزاهي الشاعر (352هـ) والناشئ الشاعر (365هـ) والرضيّان: الشريف الرضيّ (406هـ) والشريف المرتضى (436هـ)، والمفيد الحارثي (413هـ)، والحيص بيص الشاعر (574هـ)، وابن الأنباري رسول السلاطين (588هـ)، وابن الأثير (637هـ)… وآخرون. ومن دُفناء منطقة الكاظمية المشاهير: بشر الحافي (227هـ) والإمام أحمد ابن حنبل (241هـ) وابن البواب الخطاط أستاذ الكتبة (413هـ) والخطيب البغدادي مؤرخ بغداد الكبير (463هـ)، وابن الشبل الشاعر (473هـ) والعلاف (486هـ)، والجواليقي اللغوي (575هـ)، وأبو الفرج ابن الجوزي المؤرخ المؤلف المُكثر (597هـ) وابن عبد الحق الجغرافي (739هـ) وأشباههم ونظائرهم وأمثالهم من كبراء الدفناء منذ زهاء ثلاثة عشر قرناً.
ومن خصائص مشهد الكاظمين أنه احتوى أجداث الأفاضل من أصحاب المذاهب على اختلاف الآراء والمشارب.
كان الإمام موسى الكاظم الملقب بالعالم والصابر أعبدُ أهل زمانه وأفقههم وأحفظهم لكتاب الله، وكان أجلّ الناس شأناً، وأعلاهم في الدين مكاناً، وأفصحهم لساناً، كما كان أشجعهم وأسخاهم وأكرمهم. وكان يحسن إلى من يسيء إليه.
وقد روى عنه العلم والدين والحديث والفقه مئات من العلماء والرواة والأصحاب والمحدثين والرجال، يبلغ المعروف منهم (271) شخصاً. ألّف أكثر من (50) منهم عشرات الكتب في علوم القرآن وعلوم الحديث والعلوم الأدبية وعلوم الدين.
وكان الإمام محمد الجواد أعجوبة في العلم والفضل بالرغم من صغر سنه. وقد بلغ في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يُساوه فيه أحد من مشايخ أهل زمانه. ولم يمنعه صغر السن فيه من الكمال.
كان المأمون قد شغف بالإمام الجواد لما رأى من فضله مع فتائه وطراءة سنّه. وكان متوفراً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل. ولم يزل مُكرماً له، مُعظماً لقدره مدة حياته، يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته.
وقبر موسى بن جعفر ـ منذ القديم ـ من الأمكنة المباركة، والمشاهد المقدسة، قال شيخ الحنابلة أبو علي الخلال «ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلاّ سَهَّل الله تعالى ما أحب». وقال الإمام الشافعي: «قبر موسى بن جعفر ترياق مجرّب لإجابة الدعاء».
واشتهرت مدارس الكاظمية ومجالسها وحلقاتها ومراصدها منذ تأسيس هذا البلد، وهي أول مدينة تقوم فيها آصرة تقرب بين المذاهب الإسلامية، وتضم جناحيها على مختلف الآراء وتؤلف بين الفِرَق، وقد تجلى ذلك وضاحاً في أيام الخليفة الناصر سنة 608هـ خاصة.
تنتهي أنساب أهل الكاظمية إلى أمهات القبائل، فمحلة الدبّاغخانة ولا سيما طرف البحيّة والبُهيازع ينتمي أهلها إلى سنبس من طي، وعبيد، وبني العباس، وهوازن، وزبيد.
ومحلة التل ولا سيما طرف الأنباريين والسميلات ـ ينتسب أهلها إلى ربيعة وآل أبي طالب من قريش وزبيد وشيبان… ومحلة الشيوخ ينتسب أهلها إلى قريش ـ ولا سيما السادة أعقاب عطيفة من القادات من بني الحسن وبنو شيبة من عبد الدار وبني أسد والخزرج وبني سعد من هوازن وبني سلامة وقيس وخفاجة وخزاعة والجبور والجنابيين والعكيلات من عنزة من ربيعة والكنعانية من الخزاعل.
والقطانة من المحال المعروفة القديمة في أصولها كذلك ولا سيما جشعم والدليم وربيعة ولخمر وزبيد… وغير هؤلاء من أصول البيوتات التي تنتشر في المحلات.
إضافة إلى السادة الحسنية والحسينية والموسوية من منتقلة الطالبية في أنحاء البلدة كافة.
ومن العشائر التي تحف بالكاظمية بنو تميم من منقر ودارم وهم أربع شُعب المصالحة، والطجاج، والخضيرات، والكوايد.
وتميم هي كاهل مضر والشرف من نزار كلها في مضر، ثم في تميم وكان فيهم أكرم العرب وأشرفهم حسباً وأعزهم قبيلة.
ومنهم أحد بيوتات العرب الخمسة التي اتفق عليها العلماء في المفاخرة وكانت المكاثرة في الإسلام بتميم.
ومن عشائر الكاظمية حواليها: زوبع والشهامطة والمشاهدة والعزة والمعامدة والكوامر والمسارة والحبور والجميلة والفلاحات والنداوات والعبيد وزبيد وهيازع والعكيلات… وغيرها.
ولقد خدم العلم والدين والأدب والتراث واللغة في الكاظمية عشرات البيوتات العلمية. ينيف المعروف منها على السبعين بيتاً وأسرة خرَّجت مئات العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين والمؤلفين. ضم ثراها أجداثهم، وأظلت سماؤها وأقل ترابها أولادهم وذرياتهم وأعقابهم، وهم ينتهون إلى الطالبية، من قريش وإلى تميم والخزرج وأسد وغفار وربيعة ومضر وطي والحارث من همدان والنخع وهوازن… وغيرهم.
ومن أولئك «شاعر العرب» الشيخ عبد المحسن الكاظمي النخعي، الذي فارق العراق ـ غير مذمَّم ـ سنة 1897م. ودخل مصر في سنة 1899م. وتوفي هناك سنة 1935م وهو يشتاق العراق ويحن إليه.
زار الكاظمية الخلفاء والملوك والأمراء والسلاطين والأعيان والمشاهير والأعلام. واهتم بها وبعمارتها أكابر أولئك طوال تاريخها الممتد منذ تأسيس بغداد مدينة السلام في أواسط القرن الثاني للهجرة.
ومما يميز هذه البلدة المقدسة أنها مدينة جمع أهلها بين العلم والأدب، واهتم سكانها بالتجارة والزراعة والملاحة والصناعة، ولا سيما الدباغة والحياكة والنساجة، والنجارة، والحدادة، والصياغة وصنعة الأمشاط والصفر والفخار والآجر، وصنائع العمارة والبناء وأمثالها من الحرف والصناعات والمكاسب المهمة.
كانت الكاظمية ـ طوال تاريخها ـ أمناً وملجأً ومثابة وهي مقصد الزوار قديماً وحديثاً من قبل ومن بعد.
ولأهميتها كان الخلفاء والحكام يستثنونها من بعض الأحكام التي كانت تفرض على بغداد. وتلك مزية فائقة تختص بها هذه المدينة.
ومواقف الكاظمية معروفة مشهورة في تاريخ العراق منها وقفة أهلها في واقعة المغول سنة 656هـ. فقد حاول أهل الكاظمية صدّ التتار عن بغداد. وتعرضت الكاظمية للحريق والخراب. وتعرض سكانها للغارة والقتل.
ودافع أهل الكاظمية في العهد العثماني عن العراق واشترك رجالها في الجيش العثماني دفاعاً عن دار السلام وأبلوا في (السفربر) في الحرب العالمية الأولى خاصة.
وانبثق الجهاد من الكاظمية في سنة 1332هـ ونادى علماؤها بوجوب الذَّبّ عن الوطن. ودفع الإنكليز وإخراج الأجنبي. وخرج المجاهدون منها وانتصروا في واقعة الأربعاء ومحاربة الروضة.
واشترك أهلها كافة في حرب البصرة والشعيبة سنة 1333هـ ورابطوا في القرنة والحويرة.
وكان علماؤها وأدباؤها وشعراؤها ورجالها من زعماء ثورة العشرين، في حزيران سنة 1920م.
وقد نادوا جميعاً بحكومة وطنية وحكم مستقل في سنة 1919م. وقلدوا الملك فيصل الأول سيفاً في الحضرة الكاظمية، في سنة 1921م.
وتمّ تأسيس الجيش العراقي في الكاظمية المقدسة في سنة 1921م. وكان الفوج الأول فوج موسى الكاظم.
وقد شارك أهل الكاظمية شيوخاً وشباباً كباراً وصغاراً في كل الثورات والانتفاضات والحركات التحررية الوطنية منذ البداية. وكان من أواخرها ثورة مايس وثورة تموز.
وتعرضت أطراف الكاظمية ولا سيما الجانب الشمالي والشرقي للقصف الجوي من قبل الإنكليز في سنة 1941م إذ كانت هذه البلدة المطهرة من مراكز مُرابطة الجيش العراقي العظيم في تلك الأيام.
ومن مآثر الكاظمية القديمة التي يفخر بها التاريخ ويعتز أن الخليفة الناصر العباسي أرسل الشريف فخر الدين نقيب الكاظمية رسولاً عنه إلى صلاح الدين الأيوبي في سنة 586هـ يحمل هدية العراق وبغداد للملك الناصر بعد وقعة الرَّمل وفاتح شقيف أرنون وقد وصل رسول دار الخلافة يوم الإثنين 16 شهر ربيع الأول بالنجدة فتلقاه السلطان الأيوبي بالاحترام والإكرام، واحتفل بوصوله، واستقبله وتلقاه الأمراء على الترتيب ثم أخوة السلطان وأولاده ثم ركب صلاح الدين إليه وأدناه إليه بتعانقه ثم سار معه وأصحبه خواصه وأمراءه حتى نزلوا به في مخيم مضروب له وخصّه بالألطاف. ووصل مع رسول الخليفة حملان من النفط الطيار، والقنا الخطي «الرماح» وتوقيع بعشرين ألف دينار (حوالي 100.000 غرام؟) تقترض على ديوان الخلافة من التجار.
كما أرسل معه خمسة من الزراقين النفاطين المختصين بالحرب، المتقنين صناعة الإحراق بالنار.
وقد أركب صلاح الدين معه نقيب الكاظمية رسول دار الخلافة مراراً وأراه مواطن النزال ومعارك القتال ومواضع الحرب وأقام الرسول طويلاً حتى استأذن في العود فعاد إلى مدينة السلام بغداد.
وقد استفاد جيش صلاح الدين من النفط ومن النفاطين المختصين وتمّ وقوع النار في أبراج الفرنج الثلاثة في عكا في 28 شهر ربيع الأول واحترقت وسقطت وتلفت وتلف كل ما كان ومن كان فيها. وكتب صلاح الدين إلى ديوان الخلافة يبشره بالنصر والفتح.
هذا ولسان حال أهل الكاظمية أبدا ًدائماً قول إبنها شاعر العرب الشيخ عبد المحسن الكاظمي:
أحن إذا قيل العراق وأنحني
وأسير وقلبي بالعرق أسير
وما عنك يا أوطاننا بدل
ووطني أنت كل ما أتمنى
وليس بين الأنام كالعرب قوم
وليت الأنام جميعهم عرب
يا أيها العرب الكرام ثقوا
أنتم لباب الناس إن نُخلوا
وخصالهم الخلق الحسن، ومكارم الأخلاق، والغيرة والمروءة والشجاعة والفتوة والكرم وحب الخير والتعاون على البر والإخلاص والتواضع والإحسان. وهم كذلك من قبل ومن بعد.
الدكتور حسين علي محفوظ
التجديد المنهجي لمدرسة النجف
في فكر السيد محمد باقر الصدر
تعدّ دراسات الإمام محمد باقر الصدر فاتحةً لعصر علمي جديد بدأ على يد الصدر لما شملته من معاصرة وجدّية والخروج على المنحى المألوف في الوسط العلمي للنجف.
ويمكن حصر جهود الصدر في مرحلتين:
المرحلة الأولى: تبدأ منذ الستينات الميلادية حتى بداية السبعينات. وقد عمل الصدر خلالها على ملء الفراغ الفكري الذي كانت الساحة الإسلامية بحاجة إليه، خصوصاً بعد نشاط الحزب الشيوعي في العراق.
ولمّا كان الوعي غير مهيئ لصدّ هذه التيارات. فقد وقع الإسلاميون في إشكالية الأطروحة البديلة التي تعتمد علىة رؤيتهم الفكرية المستقلة.
وفي هذه الظروف الحرجة قدّم الصدر دراستين؛ الأولى بعنوان (فلسفتنا) 1959م، والثانية (إقتصادنا) 1961م، تناول في الكتاب الأول مسألتين فلسفيتين مقارنتين بالنظم الفلسفية المادية، وهما: نظرية المعرفة، والمفهوم الفلسفي للعالم.
وقد نقد الفلسفة الماركسية نقداً عنيفاً لم يستطع المفكرون الماركسيون العراقيون من مجابهته أو نقضه خلال ثلاثة عقود حتى انهيار الشيوعية في العالم أوائل التسعينيات الميلادية.
أما في كتابه الثاني (اقتصادنا) فقد عرض المذهبين الماركسي والرأسمالي وناقشهما كما سعى لتقديم تصوّره عن المذهب الاقتصادي في الإسلام. واستخراج معالم النظرية الإسلامية في الاقتصاد.
المرحلة الثانية: بدأت منذ السبعينيات الميلادية، وانتهت بقتله عام 1980م. وقد زاد تأثيره خلالها داخل الحوزة العلمية نفسها حيث انصبت جهوده الفكرية والعملية على محاولة تطويرها ضمن محاور:
1 ـ أطروحة المرجعيّة الرشيدة.
2 ـ استبداله بالكتب الدراسية القديمة كتباً جديدة.
3 ـ تطوير «الرسالة العملية».
المرجعية الدينية
تعتمد المرجعية الدينية غالباً على شخص (المرجع) المنتخب لزعامة الطائفة، والذي يتحدّد بمقدار تفوقه العقلي في العلوم المختصة بالشريعة. وعندما يصل (المجتهد) إلى درجة المرجعية فإنّه يحتاج إلى جهاز إداري يقوم بتنظيم شؤون المرجعية الدينية.
وقد سبّب هذا النظام (الفردي) مشكلات داخل مؤسسة الاجتهاد، فغالباً ما تكون (قرارات) المجتهد خاضعة بطريقة ما إلى الجهاز الإداري التابعة له، والذي غالباً ما يتكوّن من أشخاص لهم صلة بالمرجع نفسه، أو قريبين منه.
لذلك وضع السيد الصدر تصوّراً آخر لنظام إدارة المرجعية الدينية يعتمد على ما يلي:
أولاً: تنقل المرجعية الدينية من حالتها (الفردية) إلى مؤسسة لا تنتهي بانتهاء شخص المرجع، بل تستمر على شكل جهاز مرجعي يتبنّى إدارة شؤون الطائفة بشكل منظّم. وعلى ذلك فقد اقترح تشكيل جهاز عملي تخطيطي وتنفيذي للمرجعية يقوم على أساس الكفاءة والتخصص وتقسيم العمل واستيعاب مجالات العمل المرجعي.
وقد اعتبر هذا (الجهاز) بديلاً عن الجهاز التقليدي الذي دأبَ أفرادٌ غير متخصصين على إدارة (المرجعيات) ممن يمتُّ إلى المرجع بصلة قُربى. وقد اصطُلحَ على إعطاء هذا الجهاز اسم «الحاشية»، واعتبره الصدر جهازاً عفوياً مرتجلاً يتكوّن من أشخاص جمعتهم (الصدف) دون أهداف محددة وواضحة.
وتتفرع من الجهاز المقترح لجانٌ كالآتي:
1 ـ لجنة متابعة الشؤون العلمية للحوزة، وتشمل:
أ ـ الإشراف على الوضع الدراسي وتنظيمه.
ب ـ متابعة التأليف والإشراف على نشر المؤلفات.
جـ ـ التعاون مع العناصر المتخصصة خارج (الحوزة)، والاستفادة منهم في الحقول العلمية.
2 ـ اللجنة المالية: وتُعنى بضبط الموارد التي تُجبى من العالم الشيعي، والسعي إلى تنمية الموارد الطبيعية لبيت المال.
3 ـ لجنة الإشراف على شؤون (العلماء) التابعين للمرجعية، ومتابعتهم. ويسمى هؤلاء الروحانيون بـ(الوكلاء)، أي الممثلين عن شخص المرجع في المناطق التي يحلّون بها.
4 ـ لجنة رعاية العمل الإسلامي والتعرّف على مصاديقه في العالم.
ثانياً: إيجاد (مجلس) يضم علماء الشيعة وشخصياتهم من مختلف بقاع العالم. لتطوير العمل المرجعي الفردي إلى صورته الجماعية الجديدة.
وقد أراد الصدر بذلك أن يُخرج الانتساب النظري للعالِم الشيعي، والفرد الشيعي بالمرجع الأعلى أو المؤسسة الدينية بتطوير شكل ممارسة العمل المرجعي من الممارسة (الفردية) إلى الممارسة (الجماعية) من خلال (مجلس) يضمُّ المثقفين المتخصّصين من الشيعة.
وعلى ذلك يكون عمل المجتهد داخل المجلس قد حدّد صلاحيات المجتهد ضمن إطار اختصاصه، وبذلك يشعر ممثلو (المرجع) بالمشاركة في تحمّل مسؤوليات العمل المرجعي وتنفيذ سياسة «المرجعية الصالحة» من خلال (المجلس) المتضمّن للجان جهاز العمل المرجعي.
ثالثاً: الامتداد الزمني للمرجعية لا تتسع له حياة الفرد الواحد، حيث يبدأ المرجع الجديد بممارسة مسؤولياته من حيث انتهى المرجع السابق ليُتاح للمرجعية الاحتفاظ بالأهداف على المدى البعيد)[746](.
تطوير المنهج الدراسي
سعى الصدر إلى استبدال الكتب الدراسية الأصولية القديمة بكتب جديدة وضعها بنفسه ابتداءً من المرحلة الأولى لدراسة هذا العلم حتى المرحلة النهائية التي تؤهّل حضور طالب العلم بحوث (المجتهد)، والتي يُصطلح عليها بدرس «البحث الخارج»
وقد كتب في هذا الصدد (دروس في علم الأصول) ضمن ثلاث حلقات؛ تضمّنت الحلقة الأولى تصورات عن علم الأصول ومصطلحاته، وهو مدخل أولي للبحث الأصولي.
الحلقة الثانية: تميّزت باستيعاب المباحث بشكل أكثر تفصيلاً.
الحلقة الثالثة: وهي المرحلة المنتهية للدراسة التمهيدية التي تؤهّل الطالب للدراسة العليا.
أما الأسباب التي دعته إلى وضع هذه الحلقات فهي:
1 ـ إنّ الكتب الأصولية القديمة مثّلت مرحلة تاريخية من مراحل علم الأصول؛ فهي نتاج يعود إلى ما يُقارب القرن من الزمن، وقد تطور البحث الأصولي خلال هذه الفترة، ونال من الخبرة في طريقة البحث واستحداث المصطلحات.
2 ـ إنّ هذه الكتب لم تؤلّف ككتب دراسية تعتمد على التدرج العلمي بل عبّرت عن آراء مؤلفيها في مباحث علم أصول الفقه. لذلك فإنّ المهتمين بها هم طبقة خاصة من العلماء الذين بلغوا مرتبة عالية من تفهّم العلوم العقلية، وكأنّ المؤلفين أنفسهم كانوا يكتبون لأمثالهم لا للمبتدئين)[747](.
ونظراً للبحوث التي قدّمها الصدر في علم الأصول فقد اعتبر السيد كاظم الحائري أنّ هذا العلم مرّ بعصر جديد على يد الصدر. وهو بذلك يقصد أنّ المدرسة العقلية التي افتتحها عصر الشيخ مرتضى الأنصاري (ت: 1281هـ/1864م) بقيت مسيطرة على الدراسة نظراً للآراء التي قدّمها من خلال كتابه «رسائل الأصول» الذي أصبح كتاباً تؤهّل دراسته الوصول إلى مرحلة الاجتهاد.
وذكر الحائري نماذج جديدة من الفكر الأصولي قدّمها الصدر لأول مرّة في أبحاث هذا العلم لم تكن قد بحثت من قبل. كما ذكر نماذج لبحوث أصولية كان الصدر قد غاير بها آراء الأصوليين السابقين عليه، ونماذج لأمثلة أخرى كان السيد الصدر قد صحّحها وعدّلها، وأضاف إليها نظراته وآراءه الاجتهادية العالية)[748](.
الرسالة العلمية
من مظاهر تجديد الدرس الفقهي عند الصدر اهتمامه بتألف كتاب «الفتاوى الواضحة» على غرار الرسائل العلمية التي يؤلّفها (المُجتهد) خصيصاً لمقلديه لكي يتعرّفوا على آرائه الفقهية.
وتمتاز «الفتاوى الواضحة» عن غيرها من الكتب الفقهية التي وُضعت من قِبل مجتهدين آخرين أنها التزمت لغة مبسّطةً حديثة، وبدأت بعرض الأحكام الشرعية من خلال أمثلة معاصرة منتزعة من واقع الحياة.
كانت (الرسالة العملية) قبل «الفتاوى الواضحة» تعتمد السمة التقليدية للتأليف الفقهي، فلم تخرج عن القديم حتى في بعض التطبيقات التي تعتمدها، والتي يكاد ينعدم وجودها في العصر الحاضر.
كما اعتمدت على لغة فقهية معقدة يقتصر فهمها على طلبة متخصصين في هذا الحقل فقط. وبذلك تنعدم الغاية من استفادة (المُقلّد) في فهم فتاوى (المُجتهد).
أمّا من ناحية تصنيف الأبواب الفقهية وتنظيمها، فقد سبقت الإشارة في الحديث عن الحوزة العلمية بالحلّة إلى أنّ الصدر استطاع أن ينظّم الأبواب الفقهية على مستوى يختلف عمّا كان عليه عند الفقهاء الذين اعتمدوا الترتيب الذي وضعه المحقّق الحلّي في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي في كتابه «شرائع الإسلام».
كان من المؤمّل أن تصدر «الفتاوى الواضحة» في عدّة مجلدات، إلاّ أنّ مجلداً واحداً صدر منها فقط. وقد وضع المؤلف في مقدمته مشروعه في تنظيم الأبواب الفقهية من جديد.
وكانت الأبواب الفقهية القديمة مقسّمة على أربع مجموعات:
1 ـ العبادات، ومن ضمنها الطهارة، الصلاة، الزكاة، الخُمس، الصوم.
2 ـ المعاملات.
3 ـ الإيقاعات.
4 ـ العقود.
وهو التقسيم الذي طوره المحقّق الحلّي، والذي تسالم عليه الفقهاء حتى ظهور «الفتاوى الواضحة»، حيث أقرّت تقسيماً آخر يعتمد على الصورة التالية:
1 ـ العبادات: وتشمل (الطهارة، الصلاة، الصوم، الاعتكاف، الحج، العمرة، الكفارات).
2 ـ الأموال.
أ ـ العامة: كل مال مخصّص لمصلحة عامة مثل (الزكاة، الخمس، الأنفال، الخراج).
ب ـ الخاصة: ما كان مالاً للأفراد.
3 ـ السلوك الخاص: السلوك الشخصي للفرد الذي لا يتعلّق مباشرة بالمال، ولا يدخل في عبادة الإنسان لربه. وهو نوعان:
الأول: ما يرتبط بتنظيم علاقات الرجل مع المرأة (الزواج، الطلاق، الخلع، المبارات، الإظهار، الإيلاء).
الثاني: ما يرتبط بتنظيم السلوك الخاص في غير ذلك المجال، ويشمل أحكام (الأطعمة، الملابس، المساكن، آداب المُعاشرة، أحكام النذر واليمين والعهد، الصيد والذباحة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
4 ـ السلوك العام: سلوك ولي الأمر في مجالات الحكم والقضاء والحرب ومختلف العلاقات الدولية. وتدخل في ذلك أحكام الولايات العامة والقضاء، والشهادات والحدود والجهاد وغير ذلك)[749](.
التفسير الموضوعي للقرآن
ألقى الصدر محاضرات في تفسير القرآن، وقد اختار موضوع «فلسفة التاريخ في القرآن» مداراً لمحاضراته التي تضمّنت أربعة عشر درساً. وسبقت الإشارة إلى أنّ هذه الدروس كانت درسا ًسياسياً في خضم الصراع الذي تفجّر بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، اعتمده الصدر لتبرير نزاعه مع السلطة الحاكمة على وفق نظرة مستمدة من القرآن. ومنذ البداية كان الصدر يعلم أنه سيكون ضحيّة هذا النزال.
وقد أشار في المحاضرة الثالثة إلى أنه لا يستطيع القيام بتفسير القرآن بشكل كامل نظراً للأيام المحدودة المتبقية من حياته، وذكر أنّه (استوفى أيام عمره))[750](.
وقد قصد من ذلك أنه في خضم الأحداث التي وجد نفسه داخلها لا بد وأن يكون رقماً في معادلة السلطة لا يمكن تجاوزه إلاّ بالقتل، أو سيكون واحداً من قائمة طويلة لا يمكن للحكومة أن تتجاهل حركتهم في إبادة الشخصيات المعارضة بطريقة منهجية منظمة.
لذا فقد حاول أن يجعل الصراع مع السلطة ليس صراعاً سياسياً مجرداً، وإنما صراع عقائدي مبتنٍ على مبررات قرآنية.
أما المحاور التي اعتمدها في محاضراته فتتلخص بما يلي:
1 ـ ذكر أن صراعه مع السلطة لم يكن بالمستوى الذي يؤهله للانتصار عليها؛ نظراً لعدم توفر الشروط الكافية التي يمكن معها إدامة الصراع. لأن النصر كما يراه لا يتحقق إلاّ بتوفير المتطلبات اللازمة له.
من هنا فإنّ اندحاره أمام السلطة هو ليس اندحاراً «للفكرة»، لكنه اندحار «للإنسان». فالصراع يعتمد على جانبين:
1 ـ الجانب الرباني.
2 ـ الجانب البشري.
وما دام الصراع القائم على حلبة التأريخ هو صراع قائمٌ بين البشر فإنّ عناصر النجاح تكون بجانب الجهة التي أعدّت ما تتكفل به من شروط النجاح.
وقد ذكر أنّ القرآن هدّد الجماعات إذا لم تقم بدورها التاريخي فإنّ قوانين التاريخ سوف تعزلهم وتأتي بأمم أخرى تهيأت لهم المعدات الكافية للقيام بدورهم التاريخي.
من هنا فإنّ القرآن، حسب قراءة الصدر قاوم النظرة الغيبية بتفسير الأحداث، ونبّه على وجود قوانين تاريخية كان القرآن أكد عليها قبل اكتشافها من قبل فلاسفة التاريخ بقرون طويلة.
2 ـ حاول الصدر انتقاد (السلطة) بأنها سلطة فردية قائمة على إخضاع المجتمع لها، وعبّر عنها بأنّها سلطة (فرعونية) تحاول «أن تغمض عيون الناس على الواقع، وأن تضع الأمّة في إطار نظرتها». كما أن (الفراعنة) على مر التأريخ يجدون في أي تطلّع إلى المستقبل زعزعة لوجودهم)[751](.
وذكر الصدر أنّ بناء الإنسان يجب أن يكون بناءً حراً غير خاضع للمؤثرات، وشرح فكرته على الشكل التالي:
1 ـ التاريخ يتحرك من خلال البناء الداخلي للإنسان والذي يتشكّل من الفكرة والإرادة.
2 ـ إنّ البناء الداخلي للإنسان يُبنى على أساس المثل الأعلى.
وذكر أنّ المثل الأعلى يتكون من ثلاثة أقسام:
أ ـ المثل الأعلى المنتزع عن الواقع الذي تعيشه (الجماعة). وهو مثلٌ أعلى (تكراري)، أي أنّ حركة التاريخ عنده تكون حركة تكرارية لا مستقبل لها، بل يكون الحاضر هو النمط الذي تعيشه هذه الجماعة، والذي يكون بحد ذاته مستقبلاً لها.
أما كيف ينشأ هذا المثل الأعلى في رأي الصدر، فله سببان:
السبب النفسي: وهو انعدام المستوى الثقافي للأمة بسبب الإلفة والعادة والضياع.
والسبب الخارجي: وذلك بتسلّط الحاكم الجائر على الرعية.
من هنا فإنّ الحكم المُبتنى على أساس الظلم سوف يفقد فاعليته على إدارة الحكم، لعدم فسح المجال للطاقات المبدعة للتعبير عن إبداعها. وعليه فإنّ الأمة تفقد ولاءها لهذا المثل بعد أن يفقد فاعليته وقدرته على العطاء. فحينما يسقط المثل الأعلى تسقط الراية التي توحّد الأمة.
أما النتائج التاريخية التي تترتب على الحكم الظالم فتنحصر في نظر الصدر بما يلي:
1 ـ الغزو العسكري الخارجي.
2 ـ الإنصهار في مثل أعلى مستورد.
3 ـ إعادة الأمة للمثل الأعلى بمستوى العصر، وظهور روّاد النهضة من جديد.
ب ـ المثل الأعلى المشتقّ من طموح محدود. حيث ينتزع الإنسان من تصوره المستقبلي (مثلاً) يعتبره شاملاً لجميع (القيم)، وهو في الواقع لا يمثّل إلاّ جزءاً منها.
ففي بدايات عصر النهضة استطاع الإنسان الأوروبي أن يضع (الحرية) مثلاً أعلى بعدما كان مقيداً في تطلعاته العلمية، والدينية بحكم تعنت (الكنيسة).
من هنا فإنّ كسر القيود عن الإنسان (قيمة) من القيم، لكنّها لا تصنع الإنسان بل تشكّل إطاراً للتنمية الصالحة. فالحرية هدفٌ أعلى بينما هي ليست إلاّ إطاراً، وقد بقي هذا الإطار بلا محتوى روحي كبير)[752](.
وعلى ذلك فإنّ المثل الأعلى المشتق من طموح مستقبلي هو كسابقه يتحوّل فيما بعد إلى مثَل تكراري، ثم يتمزّق.
أما النتائج المترتبة على الفترة الزمنية التي تعيشها الأمة من خلال هذا المثل، فهي:
1 ـ يكون المثل الأعلى ذا فاعلية وعطاء وتجديد في المرحلة الأولى، بقدر ما يكون له ارتباط بالمستقبل.
2 ـ يتجمّد المثل الأعلى حينما يستنفذ طاقته وقدرته على العطاء ويتحوّل إلى (تمثال). أما القادة الذين يوجهون على أساسه فيتحولون إلى (سادة) و(كبراء) كما يتحول جمهور الأمة إلى مطيعين ومنقادين، لا مشاركين في الإبداع والتطوير.
3 ـ الامتداد التاريخي للسلطة المتوارثة؛ حيث يتحول الحكم إلى حكم متوارث عائلياً وطبقياً.
4 ـ سيطرة (المجرمين) على الشعب.
جـ المثل الأعلى المطلق (الحقيقي)، ويتميز بأنّه:
1 ـ منفصلٌ عن الإنسان لأنه جهة أعلى وليس إفرازاً للفكر البشري. وعلى ذلك فإنّ الأنبياء على الساحة التاريخية كانوا أصلب الثوار، ولم ينحرف أيّ نبي عن الرسالة التي جاء بها وعن الكتاب الذي يحملُه من السماء.
2 ـ يقدّم الحلّ الموضوعي للتناقض الإنساني. حيث أن الإنسان بحسب تركيبه يعيش تناقضاً جدلياً حسب محتواه النفسي، وإنّ دور الدين عبارة عن إزالة العوائق النفسية، ومحاربة المُثل المصطنعة والتكرارية التي تسبّب هذا التناقض)[753](.
إن هذا البحث المُستغرق في استنطاق الآيات القرآنية وتحليلها يهدف إلى ضرب السلطة السياسية المتمثلة بالحكم (الفردي)، وكان الصدر يحذّر من طبيعة هذا الحكم بفعل الدرس التاريخي الذي يشير إلى أنّ سنن التاريخ تقوم على أساس قوانين تتحكم في المجتمع، وتطوره في جميع المجالات، وأنّ الحكم (الفردي) مهما بلغ فإنّ مقومات استمراره سوف تتلاشى.
كما أنه من جهته اعتبر أن (دين) التوحيد يدعو إلى إزالة هذه «المُثُل» المنخفضة، وبالتالي فإنّ صراعه مع السلطة ليس صراعاً سياسياً فحسب، بل هو صراعٌ ديني يحتّم على كل فرد مقاومة واقع السلطة وإنكار شرعية وجودها.
الدكتور جودت القزويني
التجديد والتغيير في النبوة
للإمام السيد محمد باقر الصدر
تمهيد
إننا نجتمع اليوم بمناسبة أروع ذكرى مرت في حياة الإنسان، وفي يوم هو أشمل يوم في تاريخ الإنسان على الإطلاق، سواءاً قيّمنا الأيام بما تشتمل من أحداث أو بما تتمخض عنه من نتائج. فإن هذا اليوم بما يشتمل عليه من أحداث هو اليوم الأول في تاريخ الإنسان لأنه اليوم الذي استطاع فيه أن يبلغ الذروة التي رشحته لها عشرات الآلاف من الرسالات والنبوات فأصبح قاب قوسين أو أدنى، متمثلاً في شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وأما لو لاحظناه بما تمخض عنه فإنه لا يمكننا أن نتصور الكمية العظيمة من الطاعات والعبادات والأعمال النبيلة الزاخرة بكل معاني النبل الأخلاقي التي أُتِيَ بها بعد هذا اليوم وباسم هذا اليوم كما أننا نستطيع أن نعتبر أن العروش التي حطمت والجبابرة الذين قضي عليهم وعهود الظلم والطغيان التي قوضت كانت باسم هذا اليوم.
هذا اليوم هو اليوم الأول في تاريخ الإنسانية سواء قيمناه على أساس ما حدث فيه أو على أساس ما نتج عنه لأنه يوم النبوة الخاتمة، وبمناسبة النبوة الخاتمة أريد أن أتحدث إليكم عن فكرة التغيير والتجديد في النبوة، الفكرة التي عاشتها ظاهرة النبوة في تاريخ الإنسان على مرّ الزمن حتى وضع لها الحدّ النهائي على يد الرسالة الإسلامية الخاتمة.
أسباب التجديد والتغيير في النبوة
التجديد والتغيير في النبوة لهما أسباب عديدة معقولة يمكن أن يقوم على أساس أي واحد منها أكثر من سبب واحد.
السبب الأول: استنفاد غرض النبوة
يحصل التجديد والتغيير في النبوة فيما إذا كانت هذه النبوة قد استنفدت أغراضها، واستكملت أهدافها، وأنهت شوطها المفروض عليها؛ فإنه في مثل هذه الحالة لا بد لها وأن تخلي الميدان لنبوة جديدة تحمل أهدافاً جديدة، وتحمل شوطاً جديداً لا بد أن تؤديه في خدمة الإنسان وفي سبيل تصعيده إلى المستوى المطلوب.
وأقصد بكون النبوة تستنفد أغراضها أن تكون النبوة وصفة وعلاجاً لمرض طارئ في حياة البشرية ـ هناك نقاط ضعف تطرأ بين حين وحين في بعض الأزمنة والأمكنة، وفي بعض المجتمعات البشرية، وتكون إما من الناحية الفكرية أو الروحية أو الأخلاقية ـ وهذه الأمراض تستفحل بموجب شروط موضوعية خاصة، وتحتاج هذه الأمراض إلى نوع من العلاج فقط، فينزل المولى عز وعلا وحيا معيناً لأجل علاج هذه الحالة المرضية الاستثنائية في ذلك المكان المعين وبطبيعة الحال سوف يكون العلاج المقدم من قبل هذه الرسالة علاجاً قائماً على أساس هذه الحالة الاستثنائية المنحرفة التي يعيشها عصر هذه النبوة.
ومن الطبيعي والمعقول أن لا يصح علاج من هذا القبيل على كل زمان ومكان فكل إنسان منا قد يأخذ وصفة معينة في حالة مرضية إلاّ أن هذه الوصفة نفسها لا يمكن أن تصبح غذاءاً اعتيادياً للإنسان في كل زمان ومكان، فحينما تكون النبوة في طبيعة تركيبها قد جاءت لعلاج مرض معين في حياة الإنسان تكون في طبيعتها رسالة قد صممت وفق هذه الحاجة. وحينما تكون هذه النبوة هكذا، وتدخل شوط عملها وجهادها وتكافح وتحارب في سبيل استئصال هذا المرض الاستثنائي، بعد هذا تصبح هذه الرسالة مستنفدة لأغراضها، لأنها جاءت لمعركة جزئية محددة بظروف زمانية ومكانية خاصة.
فمثلاً ما يقال من أن المسيحية كانت تتجه إلى نزعة روحية مفرطة ـ يعني الإفراط في الروحية ـ والتركيز على الجانب الغيبي بدرجة أكبر بكثير من التركيز على أي جانب من جوانب الحياة المعاشة المحسوسة. وأن التركيز على الجانب الغيبي اللامنظور والتركيز على جعل النفس منقطعة عن كل علائق الدنيا، هذا التركيز الذي قامت على أساسه فكرة الرهبنة في المسيحية، كان علاجاً لمرض كان يعيشه شعب بني إسرائيل حينما ظهرت المسيحية. هذا المرض ـ وهذا الانغماس المطلق في الدنيا وفي علائق الدنيا وهذه الحالة النفسية التي كانت تجعل الإنسان اليهودي مشدوداً إلى درهمه وديناره ويومه وغده، هذه الحالة كانت بحاجة إلى علاج، وهذا العلاج يحاول أن ينتشل هذا الإنسان اليهودي من ضرورات يومه وغده، وتذكره بأمسه وبربه، ولهذا كان في المسيحية هذا النوع من الإفراط المناسب مع حالة موضعية زمانية معينة في التاريخ الطويل للإنسان. أما هذا النوع من الإفراط حينما يؤخذ كخط عام للإنسان، يعتبر شذوذاً وانحرافاً، لأنه دواء للمريض وليس طعاماً للصحيح، فمن هذه الأسباب التي تجعل التغيير في النبوة أمراً معقولاً هو أن النبوة تستنفد أغراضها وتستوفي أهدافها باعتبارها رسالة صممت لعلاج حالة طارئة وقد استنفدت أغراض العلاج.
السبب الثاني: انقطاع تراث النبوة
من جملة الأسباب المعقولة لتغيير النبوة هو أنْ لا يبقى منها تراث يُمكن أن يقام على أساسه العمل والبناء.
إذا افترضنا أنّ نبَّوةً جاءت ومارسَت دورها في قيادة البشرية وهدايتها ووصلها بربّها وتطهيرها من شوائبها، إلاّ أنّ هذه النبوة بعد أنْ مات شخص النبيّ تولّدت ظروف وانحرافات أكَلت كل ذلك التراث الروحي والمفاهيمي الذي خلقه ذلك النبي الذي قاد تلك المعركة، بقيت النبوة مجرّد مسألةٍ تاريخية وشعار غامض غائم باهت. ودون أنْ يكون هذا الشعار معبراً عن أي كيان فكري مفاهيمي محدد في أذهان القاعدة الشعبية المرتبطة بتلك النبوة.
في مثل هذه الحالة لا يمكن أن تواصل هذه الدفعة الإلهية المتمثلة في تلك النبوة عملها، لأنها لا يمكن أن تواصل عملها بدون مصباح منير، بدون كتاب منير ـ على ما يصطلح عليه القرآن الكريم ـ وهذا الكتاب المنير عبارة عن ذلك التراث الفكري والمفاهيمي الذي يمثل القاعدة للعمل النبوي ويمثل الإطار للحياة التي يقدمها النبي ويدعو إليها، فإذا ماتت تلك القاعدة وذلك الإطار باضمحلال ذلك التراث، وبقيت النبوة مجرد مسألة تاريخية لا يوجد لها، ما بإزاء على ما يقول المناطقة ـ يعني لا يوجد بالفعل في حياة الناس ما يجسد مفهوم تلك النبوة ومنظارها إلى الحياة ـ ففي ذلك لا بد من دفعة جديدة لكي يستأنف العمل ويستأنف الشوط في سبيل إعادة البشرية إلى ربها وإقامة دعائم العدل والحق والتوحيد على وجه الأرض.
وأيضاً هذا السبب نجده بصورة كبيرة في المسيحية بالذات. لأن المسيحية بعد أن غادر السيد المسيح عليه السلام مسرح الدعوة والعمل، لم يبق من المسيحية شيء حقيقي يمكن أن يقام على أساسه العمل النبوي، الإنجيل الذي يحدث عنه القرآن الكريم كتاب أُنزل على السيد المسيح عليه السلام لا كتاب أُلّف من قبل طلاب السيد المسيح عليه السلام والأناجيل التي تعيش اليوم وكانت تعيش بالأمس وفي ذلك الحين هي كتب ألّفها طلاب السيد المسيح عليه السلام على أفضل التقادير. فالرسالة المتمثلة في الكتاب السماوي قد انطفأت، والحواريون كانوا من حيث القلة والتشتت والاضطراب الذهني ما يجعلهم غير قادرين على حماية التراث الباقي في أذهانهم من السيد المسيح عليه السلام بدليل مراجعة هذه الأناجيل التي كتبوها، فإن هذه الأناجيل لا تحمل بالحقيقة إلا سيرة السيد المسيح عليه السلام وعلى الأقل أكثر من تسعين بالمئة منها تنقل سيرة السيد المسيح عليه السلام مع إبراز الجانب الغيبي والمعاجزي من هذه السيرة. إذن لم يبق من السيد المسيح عليه السلام بعد انتهاء دوره على المسرح حصيلة مضيئة يمكن أن يقام على أساسها وعلى المدى الطويل العمل النبوي، إذ لم تبق إلاّ فكرة غائمة غامضة عن إنسان أتى ليصلح وقال وعلم ثم انتهى. أما أنه ماذا قال وكيف انتهى وماذا خلق وما هي شريعته؟ كل هذا يبقى غائماً غامضاً. ولهذا ملئ بالتدريج وبأيد بشرية أي بالأيدي البشرية التي تزعمت بعد هذا المسيحيين وملئت هذه الفراغات الكبيرة التي تركها السيد المسيح عليه السلام خاصة بعد أن أصبحت المسيحية رومانية ودخلت الأمبراطورية الرومانية في الديانة المسيحية رسمياً أولاً وشعبياً ثانياً، في مثل هذه الحالة أصبحت هذه الفراغات تملأ بأيد بشرية، لأنها أدركت بأن هذه الوصفة العلاجية فيها فراغات كثيرة ولا يمكن أن تقدم مع هذه الفراغات إلى الناس.
السبب الثالث: محدودية نفس النبي
هو أن تكون الرسالة التي هبطت على النبي محدودة باعتبار محدودية نفس النبي. النبي وإن كان مفهوماً عاماً إلا أن هذا المفهوم العام على ما يقول المناطقة يصدق على أفراده بالتشكيك)[754](. هناك على ما تقول الروايات نبي للبشرية، ونبي للجماعة، ونبي للقبيلة ولذا فإن النبوات تختلف معاً حيث السعة والضيق باختلاف طبيعة النبي نفسه وباعتبار مستوى كفاءة القيادة الفكرية والعملية مما يؤثر في تحديد الرسالة التي يحملها النبي. لأن كل إنسان على الأرض لا يمكن أن يحمل رسالة يحارب ويدافع ويجاهد عنها حقيقة إلا إذا كان مستوعباً لها استيعاباً كاملاً شاملاً، وهذا الاستيعاب الكامل الشامل يتطلب من هذا الداعية ان يكون على مستوى هذه الرسالة ومن الواضح أن الأنبياء كغيرهم من الناس يتفاوتون في درجات تلقيهم للمعارف الإلهية عن طريق الوحي من الله سبحانه وتعالى، وبهذا كانت بعض الرسالات محدودة بحكم محدودية قابلية الأنبياء أنفسهم حيث أن هذا النبي ليس مؤهلاً لأن يحمل هموم البشرية على الإطلاق ويعيش مشاكلها على الإطلاق ليكتوي بنارها؛ ليس إلا الدرجة العالية من الأنبياء والأوصياء فإذا كانت النبوة محدودة بطبيعة قابليات هذا النبي فكان لا بد في خارج هذه الحدود الزمانية أو المكانية من نبوة أخرى تمارس عملها في سبيل الله.
السبب الرابع: تطور الإنسان المدعو
ومن جملة الأسباب التي تدعو إلى تغيير النبوة هو تطور الإنسان (المدعو) لا محدودية الإنسان (الداعي) كما بينا فيما سبق، وكون الإنسان المدعو يتصاعد فيكتسب من كل رسالة إلهية درجة من النمو تهيؤه وتعدّه لكي يكون على مستوى الرسالة الجديدة وأعبائها الكبيرة ومسؤولياتها الأوسع نطاقاً.
وفكرة التطور هاهنا لا بد وأن نحدد ـ إجمالاً ـ معالمها وملامحها:
ملامح فكرة التطور
هنا يمكننا أن نبرز ثلاثة خطوط رئيسية يتطور على أساسها الإنسان وهذه الخطوط الثلاثة هي:
1 ـ خط وعي التوحيد.
2 ـ خط المسؤولية الأخلاقية لحمل أعباء الدعوة.
3 ـ خط السيطرة على الكون والطبيعة.
النبوة ترتبط بالواقع بالخطين (الأول والثاني) من هذه الخطوط الثلاثة أي بالوعي التوحيدي عند الإنسان، وبالمسؤولية الأخلاقية لحمل أعباء الدعوة ولا ترتبط النبوة بالخط الثالث من خطوط التطور وهو مدى سيطرة الإنسان على عالم الطبيعة والكون. ذلك لأن النبوة تستهدف أن تصنع الإنسان من داخله وتستهدف أن تصنع للإنسان قاعدة فكرية تقوم على أساس بنائه الداخلي ثم تقيم على أساس هذا البناء الداخلي البناء الخارجي للإنسان. وهذه القاعدة الأساسية التي يقوم على أساسها البناء الداخلي للإنسان، وبالتالي البناء الخارجي هي التوحيد، وربط الإنسان بكامل مراحل وجوده وجوانب حياته برب واحد أحد. هذه الفكرة هي قاسم مشترك بين كل النبوات التي عاشها الإنسان منذ خلق الله الإنسان على وجه الأرض.
إلاّ أن فكرة التوحيد ليست ذات درجة حديّة، وإنما هي بنفسها ذات درجات من العمق والأصالة والتركيز والترسيخ، ولذا فهي ذات درجات متفاوتة. وكان لا بد بمقتضى الحكمة الإلهية أن يهيأ الإنسان لها بالتدريج، هذا الإنسان الذي عرف بمقتضى تركيبه العضوي والطبيعي في حسه ودنياه حينما يدعى إلى فكرة التوحيد. ولذا فلا بد أن ينتزع من عالم حسه ودنياه بالتدريج لكي ينفتح على فكرة التوحيد التي هي فكرة الغيب. فالغيب يجب أن يعطى له على مراحل وعلى درجات وكل درجة تهيئ ذهنه لتلقي التوحيد على الدرجة الأخرى.
نحن بإمكاننا الالتفات إلى فكرة التوحيد المعطاة في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم. وعندما أقول التوراة والإنجيل أقصد التوراة والإنجيل اللذين بين أيدينا اليوم، لأنهما على أي حال يصوران الفكرة الدينية في شعب عيسى عليه السلام وشعب موسى عليه السلام ولا شك في أنهما تحتفظان على جزء من النص الديني إلى حد قليل أو كثير خاصة في التوراة. ولهذا يمكن أن نستلهم من الكتابين ـ في سبيل تقدير وتحديد الروح الدينية العامة لمرحلتين من مراحل حياة الإنسان التي عاشها مع النبوة ـ بطبيعة الحال نجد فارقاً بالدرجة وتطوراً في مفهوم التوحيد المعطى، فبينما التوحيد في الكتاب الأول يقوم على أساس إعطاء إله، هذا الإله لا يستطيع الكتاب أن ينتزع عنه الطابع القومي المحدود، فيشد هذا الإله جماعة معينة إلى شعب معين، الشعب الذي قدر أن تنزل الرسالة فيه، فكانت التوراة باستمرار تقدم الإله في إطار قومي كأنه إله هؤلاء، في مقابل الأصنام والأوثان التي هي آلهة الشعوب والقبائل الأخرى، فلم تقل التوراة بشكل صريح عميق لهؤلاء أن هناك إلهاً واحداً للجميع وأن هذه الأوثان والأصنام يجب أن ترفضها البشرية، وإنما كأنها عوضت هؤلاء بالخصوص عن صنم ووثن معين بإله يعبدونه بدلاً عن هذا الصنم، هذا الشيء الذي يعيد في نفوس هؤلاء القوم ـ تاريخياً ـ الشعور بالاعتزاز والشعور بالزهو والخيلاء على بقية الشعوب الأخرى، هذا الشعور الذي لم يوجد في شعوب متأخرة نزلت فيها نبوات التوحيد، على أساس أنها الإله الذي أعطى إليهم كان إلهاً مشوباً بشيء من المحدودية والطابع الذري فخيل لهم على مر الزمن أنهم يحتكرون الله لأنفسهم؛ بينما الشعوب والقبائل الأخرى هي ذات آلهة شتى، واصنام شتى. ويشير القرآن الكريم إلى فكرة الاحتكار التي كان يعتقدها اليهود بالنسبة إلى الله تعالى.
في الكتاب الثاني صعدت فكرة الله مرتبة. وذلك لأن الطابع القومي أُنتزع عن هذه الفكرة، أصبح الإله المقدم من قبل تلامذة المسيح عليه السلام للعالم أجمع إلهاً عالمياً لا فرق فيه بين شعب وشعب إلا أن هذا الإله الذي هو إله العالم على الإطلاق لم يغادر منطقة قريبة من ذهن الإنسان المحسوس ولم يُجردْ تجريداً كاملاً عن عالم الحس بل بقي على صلة وثيقة جداً بالإنسان الحسي كأنه أبوه، وبهذا يُعبرُ في الأناجيل كثيراً عن الإنسان بأنه ابن الله، المسيحية الرسمية تُفسر هذا الإنسان بعيسى بن مريم، لكني أظن أن يقصد به هذا. الأناجيل تعبر عن أي إنسان بأنه ابن الله لا عن عيسى بن مريم بالخصوص أنه ابن الله لأنها تعطي عن الله فكرة الأب الواحد للجماعة البشرية لا فكرة الخالق السيد المطلق المقتدر. فكرةُ أبٍ له أبناء، هؤلاء الأبناء لهم لغات شتى، ولهم اتجاهات شتى، ولهم مذاهب شتى، ولهذا يجب أن يتآخوا لأنهم أبناءُ أبٍ واحد.
بينما الكتاب الثالث القرآن الكريم، كتاب نبي الإسلام، يعطي فكرة التوحيد بأنصع وأوسع ما يمكن من التنزيه الذي يبقى محتفظاً بقدرته على تحريك الإنسانية لأنه يجرد هذه الفكرة عن طابع الأبوة والعلائق المادية مع الإنسان على الإطلاق، يجرد الله عن أي علاقة مادية؛ مع أي إنسان على وجه الأرض، مع صاحب الرسالة بالذات محمد بن عبدالله (عليه الصلاة والسلام). يقف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي الله عبداً ذليلاً خاضعاً يتلقى الأوامر وليس له إلا أن يطيع وإلا أن ينفّذ حرفياً. مثل هذه الفكرة هي أقصى ما يمكن أن يصل إليه التنزيه والتعميق والتنسيق في فكرة التوحيد مع الحفاظ على فاعلية الفكرة وعلى محركية الفكرة.
هذا الخط خط وعي التوحيد وفكرة التوحيد هو أول الخطوط التي تتغير على أساسه النبوات لأن هذا الخط هو القاعدة الأساسية التي تعمل بموجبها كل النبوات، فمهما صعدت درجة الوعي لهذه القاعدة يجب أن تُعطى لها الصيغة المعمقة لها أكثر.
الخط الثاني
هو خط تحمل أعباء المسؤولية الأخلاقية للدعوة يعني كون الإنسان بالغاً إلى درجة تؤهله لأن يتحمل أعباء دعوة لها ضريبتها وواجباتها، وآلامها، وهمومها؛ مثل هذا التحمل أيضاً له درجات ولا يستطيع الإنسان بالطفرة أن يصل إلى درجة تحمّل أعباء الرسالة العالمية الواسعة غير محدودة الزمان والمكان، لم يستطع أن يصل لذلك بالطفرة وإنما استطاع أن يصل إليه بالتدريج وعبر مران طويل على تحمل المسؤوليات البشرية. بقي يتحمل المسؤوليات عبر مران طويل، ونما خلال المران الطويل حتى استطاع أن يتحمل مسؤولية رسالية لا حدّ لها، ممتدة مع الزمان والمكان، وإلاّ فأي مسؤوليات تتحملها أمم الأنبياء السابقين، الأمم التي انكشف تاريخها أمامنا اليوم، أمم موسى وعيسى مثلاً ـ نحن بالمقارنة بين أمم موسى وعيىسى والمسؤوليات التي تحملتها الأمة الإسلامية حينما نزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة الخاتمة، بالمقارنة بينها نكتشف وجود درجة كبيرة في الفارق بينها في تحمل المسؤوليات وهذه الدرجة الكبيرة في تحمل المسؤولية تُعبّر عن نمو الاستعداد على مر الزمن. موسى عليه السلام مات وشعب بني إسرائيل في التَيه، توّج حياته وجهاده وتضحياته بأن مات وشعب بني إسرائيل في التيه لأن الله كتب عليهم التيه أربعين سنة لأنهم لم يستجيبوا لمتطلبات الرسالة حتى خلفهم موسى عليه السلام حيارى ومات، أين هذا من أمةٍ حملت أعباء الرسالة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخط الثالث
وهو خط سيطرة الإنسان على الكون والطبيعة. هذا الخط خط متطور قبل الإسلام وبعد الإسلام ولن يقف هذا الخط عند مرحلة من المراحل على الإطلاق. الإنسان سوف لن تقف سيطرته ـ بإذن الله ـ عند مرحلة من مراحل الاستيلاء على الكون والطبيعة وإن انتهى استيلاؤه على الأرض فلسوف يفكر في الاستيلاء على بقية الكواكب، وعلى جميع أبعاد الكون. إذن فهو في نمو مستمر لا ينقطع ولا توضع له حدود مفترضة من هذه الناحية، فلو كانت النبوة مرتبطةً بهذا الخط أيضاً لتحتم أن تتغير النبوات على مر الزمن وإلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة، ولكن النبوة غير مرتبطة بهذا لخط لأن النبوة لم تأتِ إليه لكي تأخذ بيده في مجال السيطرة على الكون والطبيعة وإنما جاءت لتصنع من هذا الإنسان المسيطر على الكون والطبيعة بالدرجة التي تهيؤه لهما هذه الظروف ـ الظروف الموضوعية ـ وأن تجعل من الإنسان إنسانساً ينتقل من بلد إلى بلد على رجليه، أو على الجمل، أو في الطائرات، أو في الصواريخ؛ على جميع هذه التقادير وفي جميع هذه المراحل التي تعبّر عن درجات سيطرة الإنسان على الكون والطبيعة؛ النبوة لا يختلف دورها وطبعية رسالتها. ومن هنا كان من الحتم أن تتغير النبوة بين الحين والحين وفقاً للخط (الأول والثاني) ولم يكن من الحتم أن تتغير وفقاً للخط الثالث. ولكنا ـ نحن المسلمين ـ نعتقد بأن الخطين (الأول والثاني) اللذين تُربط بهما التغيرات في النبوة، هذان الخطان لهما حد نهائي يصل إليه الإنسان. وهذا الحد النهائي هو الحد النهائي الذي وصل إليه الإنسان حينما جاء الإسلام. الإسلام كرسالة شاملة كاملة عامة للحياة، هذه الرسالة جاءت على أبواب وصول الإنسان إلى رشده الكامل من ناحية استعداده لتقبل وعي توحيدي صحيح شامل كامل ومن ناحية تحمله لمسؤولية أعباء الدعوة، ونحن باستقراء تاريخنا المتطور، منذ جاء الإسلام إلى يومنا هذا لا نجد أي تغير حقيقي في هذين الخطين، لا في مدى اتساع الوعي التوحيدي عند الإنسان، ولا في اتساع التحملات الأخلاقية في أعباء الدعوة، نعم نجد التغير الواسع في الخط الثالث الذي يعتبر خارج نطاق عمل النبوة ورسالتها.
السيد محمد باقر الصدر
تحقيق «نهج البلاغة»
واقتراح منهج جديد
دأبت المحافل العلمية في تكريم ذكريات الأدباء والمفكرين على تقديم بحوث تدور حول موضوع من الموضوعات التي اهتموا بها وتعرّضوا إليها، بهدف إغنائها وتعميق دراستها. والبحث التالي هو في الأصل كلمة أعدّت للإلقاء في أربعينية العالم والأديب السيد عبد الزهراء الخطيب مؤلـف كتاب «مصادر نهج البلاغة وأسانيده»:
اهتم المسلمون بجمع القرآن الكريم في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين، ثم أنهم جمعوا أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الفترة ذاتها)[755](. ومرّ زمن قبل أن تظهر لهم عناية بجمع كلام أمير المؤمنين، وحصل أكثر ذلك في أيام العباسيين. ويذكر المحقق السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب في كتابه «مصادر نهج البلاغة وأسانيده»)[756](. استناداً إلى القمي في «سفينة البحار» أن الحارث الأعور، وهو من خلّص صحابة الامام علي عليه السلام كان يدوّن خطب الامام ساعة إلقائها. وقد توفي الحارث سنة ٦٥هـ، كما أن الاصبغ بن نباتة المجاشعي الذي كان من شرطة الخميس وله صحبة مع علي، روى للناس عهده إلى مالك الأشتر ووصيته لمحمد بن الحنفية. وهناك غيرهما من الرواة، حتى أن الجاحظ (ت٢٥٥هـ) قال: إن خطب علي بن أبي طالب كانت مدوّنة محفوظة مشهورة، وانتقى منها «مائة كلمة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب». وقد كانت هذه الرسالة الموجزة دافعاً للآمدي (من علماء القرن الخامس الهجري ومتأخر عن الرضي) في تأليف كتابه «غرر الحكم ودرر الكلم»)[757](، فقد أغضبه إيجاز الجاحظ في نقله مع سعة اطلاعه، فقال: «فقلت: يا لله وللعجب من هذا الرجل وهو علاّمة زمانه، ووحيد أقرانه مع تقدمه في العلم، وتسنمه ذروة الفهم، وقربه من الصدر الأول، وضربه في الفضل بالقدح الأفضل والقصد الأجزل، كيف عشى عن البدر المنير، ورضي من الكثير باليسير». ونستفيد من هذا كله أن هناك اتصالاً في الرواية عنه عليه السلام والتصنيف في كلامه الشريف.
والتأليفات في هذا الباب كثيرة، ذكر أغلبها، إن لم يكن أتى عليها السيد الخطيب في كتابه. على أن الكتاب الجامع الذي تميز بالشمول)[758](، فضم الخطب والرسائل والوصايا والحكم والأمثال، هو كتاب «نهج البلاغة». وقد أصبح الكتاب مذ جمعه السيد الشريف الرضي (ت٤٠٦هـ) موضع بحث ودراسة، انفرد من بينها بالشهرة شرح ابن أبي الحديد المعتزلي (ت٦٥٦هـ). وقد وضعه بتكليف من الوزير الشيعي أبي طالب محمد بن أحمد بن محمد العلقمي. ولم يذكر المؤلف في المقدمة عنوان الكتاب واكتفى بالإشارة إلى أنّه الشرح الذي طلبه منه ابن العلقمي وأنّه كان يبغي وضع شرح موجز «فرأى أن هذه النغبة لا تشفي أواماً ولا تزيد الحائم إلا حياماً، فتنكبّ ذلك المسلك ورفض ذلك المنهج وبسط القول في شرحه بسطاً اشتمل على الغريب والمعاني وعلم البيان وما عساه يشتبه ويشكّل من الإعراب والتصريف وأورد في كل موضع ما يطابقه من النظائر والأشباه نثراً ونظماً وذكر ما يتضمّنه من السير والوقائع والأحداث فصلاً فصلاً وأشار إلى ما ينطوي عليه من دقائق علم التوحيد والعدل إشارة خفيفة ولوّح إلى ما يستدعي الشرح ذكره من الأنساب والأمثال والنكت تلويحات لطيفة ورصّعه من المواعظ الزهدية والزواجر الدينية والحكم النفيسة والآداب الخلقية المناسبة لفقره والمشاكلة لدرره والمنتظمة مع معانيه في سمط والمتسقة مع جواهره في لط، بما يهزأ بشنوف النّضار، ويخجل قطع الرّوض غِبّ القطار. وأوضح ما يومئ إليه من المسائل الفقهية وبرهن على أن كثيراً من فصوله داخل في باب المعجزات المحمدية لاشتمالها على الأخبار الغيبية وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية. وبيّن من مقامات العارفين التي يرمز إليها في كلامه ما لا يعقله إلاّ العالمون ولا يدركه إلاّ الروحانيون المقرّبون وكشف عن مقاصده عليه السلام في لفظة يرسلها ومعضلة يكني عنها وغاضمة يعرّض بها وخفايا يحجم بذكرها وهنات تجيش في صدره فينفث بها نفث المصدور ومرمضات مؤلمات يشكوها فيستريح بشكواها استراحة المكروب، فخرج هذا الكتاب كاملاً في فنّه، واحداً بين أبناء جنسه، ممتعاً بمحاسنه، جليلة فوائده، شريفة مقاصده، عظيماً شأنه، عالية منزلته ومكانته، ولا عجب أن يتقرّب بسيد الكتب إلى سيد الملوك»)[759](.
واخترت هذا النص على طوله لأنّه خير تقييم للكتاب من خير عالم بأموره وقضاياه، ولأنه تقييم ضمني لموضوعه، ألا وهو كتاب «نهج البلاغة»، وشهادة بحق صاحبه امير المؤمنين علي عليه السلام وبيان أن علمه يخرج «عن وسع الطبيعة البشرية». ولم يتقدم على ابن أبي الحديد في شرحه، من حيث الزمن، إلا القطب الراوندي وهو من علماء الإمامية وقد أخذ عليه ابن أبي الحديد أنّه «.. لم يكن من رجال هذا الكتاب لاقتصاره مدة عمره على الاشتغال بعلم الفقه وحده، وأنّى للفقيه أن يشرح هذه الفنون المتنوّعة ويخوض هذه العلوم المتشعبة».
وما يهمنا هنا، هو أن ابن أبي الحديد لم يشك بأنه يشرح كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ولم تختلط عليه نسبة الكتاب، كما سيشك غيره من المغرضين. وهناك واقعة بسيطة في ثنايا الكتاب تؤيد هذا المعنى، فالمعروف أن أعنف خطبة في النهج جميعه، هي الخطبة الشقشقية، وستكون بلية الشريف الرضي أنّه أوردها في الكتاب لأن الإمام عليه السلام يتكلم فيها عن سلب الخلافة منه، وهي التي تبدأ بقوله: «أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وأنّه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرّحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقي إليّ الطير» وتتصاعد بشكل درامي مثير حتى تنتهي بالكلمة الفاصلة قبل أن تسدل الستارة «أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز». وفي هذه اللحظة يدخل رجل من أهل السواد ليغيّر المشهد بكامله «فناوله كتاباً فأقبل ينظر فيه، قال له ابن عباس رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين لو اطَّردت خطبتك من حيث أفضيت، فقال: هيهات يا ابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرّت، قال ابن عباس: فوالله ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد»)[760](.
والشاهد فى قصة هذه الخطبة ما سيورده ابن أبي الحديد في أصل نسبتها، وصحّة الكتاب بمجمله، قال: «فحدّثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة، قال: قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة، فلما انتهيت إلى هذا الموضع، قال لي: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمّك أمر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف أن لا يكون بلغ من كلامه ما أراد، والله ما رجع عن الأولين ولا عن الآخرين ولا بقي في نفسه أحد لم يذكره إلا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال مصدق: وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل، قال: فقلت له: أتقول إنها منحولة؟ فقال: لا والله، وإني لأعلم أنها كلامه كما أعلم أنك مصدق. قال: فقلت له: إن كثيراً من الناس يقولون إنها من كلام الرضي رحمه الله تعالى، فقال: أنّى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب، وقد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور، وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر، ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي» ثم يعلّق ابن أبي الحديد فيقول: «وقد وجدت أنا كثيراً من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدّة طويلة ووجدت أيضاً كثيراً منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلمي الإمامية، وهو الكتاب المشهور والمعروف بكتاب الإنصاف وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى، ومات في ذلك العصر قبل أن يكـون الرضي رحمـه الله تعالى موجوداً»)[761](.
وفي قصة الرسالة التي كتبها الإمام علي عليه السلام إلى ابن عباس في مسألة هربه من البصرة بالمال الذي كان في حوزته، يقول ابن أبي الحديد: «وقد اختلف الناس في المكتوب إليه هذا الكتاب، فقال الأكثرون إنّه عبد الله بن العباس، وقال آخرون ـ وهم الأقلون ـ هذا لم يكن ولا فارق عبد الله بن عباس علياً. وقال الراوندي: المكتوب إليه هذا الكتاب هو عبيد الله بن العباس، وليس ذلك بصحيح، فإن عبيد الله كان عامل علي على اليمن، وقد أشكل عليّ أمر هذا الكتاب، إن كذبت النقل وقلت هو موضوع، خالفت الرواة، وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه، والكلام يشعر بأن الرجل المخاطب من أهله وبني عمه، فأنا في هذا الموضع من المتوقفين»)[762](. فلاحظ حذره من مخالفة الرواة، ممّا يدلّ على وجود سند من الرواية، وهو ما لم يعتمده الرضي فلا بد انّه كانت له طريقته في معرفة سند الرواية، من حيث لا تمر بالشريف الرضي ذاته.
وهكذا ترى أن نسبة الكتاب إلى الإمام علي عليه السلام قطعية لدى العلماء، ولهم معرفة بمصادرها عن طريق الدراية والرواية، وعندهم تمييز دقيق لقوله عليه السلام عن الأقوال الموضوعة. قال التوحيدي معلّقاً على خطبة ينقلها عن الإمام علي في كتابه «البصائر والذخائر»: «انظر إلى انتثار اللؤلؤ، فإنك ترى ما يعجب صدقاً في المعنى وترتيباً في اللفظ، وكل كلامه جزل شريف، يأخذ من البراعة أبهى شعارها، ويرتقي إلى أشرف درجاتها، إلا ما يلفقه المبطلون فتنسبه إليه فإنك تجد في ذلك أثر التكلّف، ولو حفظ عليه ما له من المحاسن لاستغنى عن افتعال الباطل ودعوى الزور»)[763](. والتوحيدي (ت٤١٤ هـ) من معاصري الرضي، وقد أسند الكثير من الكلام إلى الإمام علي عليه السلام في كتابه الضخم، ممّا يدل على اطّلاعه على كلام أمير المؤمنين وحسن معرفته به وتداول الكتب المؤلفة بشأنه أو المروية في زمانه. وقد تتبّع السيد الخطيب مصدر الشك في «النهج» فوجد أوّل القائلين به ابن خلّكان الذي ذكر في ترجمته للشريف المرتضى: «وقد اختلف الناس في كتاب «نهج البلاغة» المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) هل جمعه؟ أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنّه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه، ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم، يقول السيد الخطيب «ثم جاء من بعده كل من الصفدي في «الوافي بالوفيات» واليافعي في «مرآة الجنان» والذهبي في «ميزان الاعتدال» وابن حجر في «لسان الميزان» وغير أولئك من القدامى والمحدثين، فتابعوه على هذا الرأي»)[764](.
وما إن تقع الشبهة في وسط مليء بالعقد والأحقاد المذهبية حتى تفعل فعلها. وآخر ما اطلعت عليه طبعة جديدة من نهج البلاغة، حققها ونشرها الدكتور صبري إبراهيم السيد، وهو أستاذ بجامعتي قطر وعين شمس، ووصفها على الغلاف بأنها «نسخة جديدة محققة وموثقة تحوي ما ثبت نسبته للإمام علي (رضي الله عنه وكرم الله وجهه) من خطب ورسائل وحكم». وقد قدم لها عبد السلام محمد هارون ونشرتها «دار الثقافة» بالدوحة عام ١٩٨٦. وقد خلص هذا المؤلف إلى أن ما صحت نسبته من الكتاب إلى الامام علي عليه السلام هو(١١٤ خطبة) و(٥٢ رسالة) و(١٢٥ حكمة). والناظر في طريقة بحثه وسعة مصادره من كتب الشيعة والسنّة سيرى الكتاب مقنعاً إلى حد ما، ولكن هذه الأوهام تتبخّر إذا ما رأينا انّه لم يضع ضمن مصادره كتاب الفقيد العلاّمة السيد عبد الزهراء الخطيب: «مصادر نهج البلاغة وأسانيده»، رغم أنّه ذكر كتاب «مصادر نهج البلاغة» للشيخ عبد الله نعمة و«مدارك نهج البلاغة» للشيخ هادي كاشف الغطاء.
وعند المقابلة بين الكتابين يتضح أن كتاب السيد الخطيب يكفينا شر الشبهة التي يثيرها الدكتور صبري السيد بوجه اثنتين وستين خطبة، فهو يقول إن (25.8%) من مجموع خطب النهج، «لم ترد في أي من كتب السنّة أو الشيعة التي توافرت لدي»)[765](. ولكن السيد الخطيب وجد إسنادها في مصادر مختلفة ولا تبقى من الخطب التي يشك فيها الدكتور إلا أربع خطب، ثلاث منها وعد السيد الخطيب بتحقيقها في الطبعات القادمة)[766](، فقد ذكر المؤلف في ختام الجزء الرابع من كتابه: «هذا ما يسرّ الله سبحانه لي جمعه من مصادر نهج البلاغة وأسانيده ولا يهم بعد إثبات مصادر المهمات من خطب أمير المؤمنين عليه السلام، وكتبه وحكمه المروية في النهج كالخطبة الشقشقية والقاصعة وعهد مالك، ووصيته للحسن عليهما السلام أن نرجيء القول في مدارك ما وعدت أن اشير إليه في كلمة الختام، وهي قليلة جداً بالنسبة لما حصل لي من المصادر ريثما يقع بي البحث عليها، فإني في كل وقت من الأوقات أعثر على شيء جديد أثناء مطالعاتي ومراجعاتي». أما رسائل أمير المؤمنين فقد شك الدكتـور السيـد في (٢١ رسالة) أو (٦،٢٦%) من مجموع ما ورد في «النهج»)[767](. وعند تحقيقها باستعمال كتاب السيد عبد الزهراء الخطيب ثبتت كلها ما عدا ثلاث، شأنها شأن ما قيل في الخطب السابقة. وفي باب الحكم وجد الدكتور السيد أن (٥،٥١%) منها لم يروها أحد)[768](. وعند مقابلة ما ذكره بما أورده السيد الخطيب في كتابه، نرى أنها مروية عند غير الشريف الرضي، مما يبطل مزاعم الدكتور صبري السيد)[769](.
إن ما يؤيد تحقيق السيد عبد الزهراء الخطيب وتأكيده على أن «النهج مروي عن أمير المؤمنين، مشهور النسبة إليه وأن كل أولئك الذين تطاولوا على «نهج البلاغة» أو تحاملوا على جامعه، إن هم إلا قوم دعاهم الهوى فأجابوه، وقادهم التعصّب الأعمى فاتبعوه»)[770](، هو أن أبرز علماء السنّة في العصر الحديث مثل الشيخ محمد عبده والدكتور صبحي الصالح، عنوا بنشر الكتاب وشرحه ووضع الفهارس له، كما أن عدداً من أساتذة الجامعة ممّن لا ينتمون إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام قاموا بنشر الكتاب وتحقيقه، فقد نشره عبد العزيز سيد الأهل (١٩٥٤) ومحمد أبي الفضل إبراهيم (١٩٦٣) ومحمد أحمد عاشور ومحمد إبراهيم البنا (١٩٦٨) ومحمد محيي الدين عبد الحميد، وإلى هؤلاء يعود الفضل فى نشر الكثير من مخطوطات التراث العربي الإسلامي. ولم يشك هؤلاء في صحّة نسبة الكتاب إلى الامام علي عليه السلام كما أنهم لم يثيروا الشبهات بوجه ما جاء فيه. ولكننا لا نعدم في الوقت نفسه وجود حملات مغرضة الهدف منها النيل من صاحب النهج وأتباعه، وهي حملات منسقة تشمل نشر الكتب التي تنال من مذهب أهل البيت أو أنها توضع في هذا الضوء)[771](.
ومن هنا تتبيّن أهمية العمل الضخم الذي قدّمه السيد عبد الزهراء الخطيب في كتابه «مصادر نهج البلاغة وأسانيده».
لقد وقف السيد عبد الزهراء الخطيب جهده على كشف الريب وإبطال الشبهات التي وجهت إلى نهج البلاغة وهو يدري أن هذه مهمة صعبة، فقد راودت الفكرة أستاذه الشيخ المجدّد محمد حسين آل كاشف الغطاء، الذي قال في كلمة استهلها السيد الخطيب وصدّر بها كتابه: «وعسى أن يوفق الله لإفراد كتاب يجمع أسانيد «نهج البلاغة» من كتب الفريقين، فإني أحس بشدة الحاجة إلى ذلك، وقد اضطرنا هذا الوقت واعوزنا إلى مثله، على أني لا أجد لنفسي كفاءة القيام بمثل هذا العمل الجليل، فعسى أن يعنى له بعض الأفاضل فينهض بمثل هذا المشروع الشريف الذي فات السلف الصالح أن يقوم بمثله «وكم ترك الاول للآخر»). وكان السيد عبد الزهراء الخطيب من هؤلاء الأفاضل الذين عناهم الشيخ كاشف الغطاء، فلم يسبقه من حيث التقدم الزمني إلاّ الشيخ نعمة في «مصادر نهج البلاغة» والشيخ هادي كاشف الغطاء في «مدارك نهج البلاغة»، إلاّ أنّه رام مراماً أوسع وتكلف سفراً أبعد، وهاله أن يعجز أستاذه عن هذه المهمة، واستوحشت نفسه الطريق فنراه يقول «فكيف بي ـ رعاك الله ـ وإنا في الخضر (قضاء يتبع اليوم محافظة المثنى) وليس في متناول يديّ إلاّ بضع عشرات من الكتب لا يغني معظمها في مثل هذا المقام، ولا أجد من حولي من يمكن الاستعانة به في مثل هذا الأمر». ويمكن لك أن تحس روحاً ظريفة خلف هذا التعبير وابتسامة صافية وراء هذه الحسرة المذابة، وهي روح لم يتخل عنها في ثنايا الكتاب، فعند تحقيقه قول علي عليه السلام في عمرو بن العاص: «عجباً لابن النابغة، يزعم لأهل الشام أن فيّ دعابة وإني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس، لقد قال باطلاً ونطق آثماً.. إلى آخر الخطبة. وأصل الكنية التي أشار إليها الإمام عليه السلام ننقلها من كتاب «مصادر»: أن «النابغة المذكورة في كلام علي عليه السلام هي سلمى أو ليلى الحبشية، كانت أمة لرجل من عنزة ـ بالتحريك ـ سبيت فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم اشتراها عبد الله بن جدعان التيمي، وكانت بغياً من ذوات الرايات، أشهر بغي بمكة وأرخصهن أجرة، وقع عليها في طهر واحد خمسة أو ستة نفر من قريش، منهم العاص بن وائل السهمي، وأبو لهب، وأبو سفيان، وأمية بن خلف الجمحي، وهشام بن المغيرة، فولدت عمراً، فاختصم القوم فيه جميعاً كل يزعم أنّه ابنه ثم أضرب عنه ثلاثة، وأكب عليه اثنان العاص بن وائل وأبو سفيان بن حرب، فقال أبو سفيان أما أني لا أشك أني وضعته في رحم أمه، فأبت إلاّ العاص». ويعلق السيد الخطيب في الهامش ما نصه: «أقول: جزى الله عمّنا أبا لهب ما جزاه به إذ كان في جملة المضربين، وإلاّ وقعنا في محنة عظيمة، وورطة قد يصعب علينا النجاة منها»)[772](، (يقصد أنّه كان سيوضع ضمن آل هاشم فيبتلي به السادة).
أما من حيث منهج السيد الخطيب في التحقيق، فإن غاية ما يريده هي إثبات أن نصوص نهج البلاغة واردة عن طريق غير طريق الشريف الرضي، وهذا يكون بواسطة سبل أربعة، عددها المؤلف في مقدمة الكتاب، هي)[773](:
1 ـ مصادر أُلّفت قبل سنة (400) وهي سنة صدور «نهج البلاغة» إلى عالم النشر ولا تزال موجودة إلى اليوم وقد نقل عنها مباشرة.
2 ـ مصادر أُلّفت قبل صدور النهج ولكنه نقل عنها بالواسطة.
3 ـ كتب ألّفت بعد النهج ولكنها روته بإسناد متصل لا يمر بالشريف الرضي.
4 ـ كتب صدرت بعد النهج، نقلت كلام الإمام بصورة تختلف عما في النهج ولم تشر إليه أي أن مصدرها ليس كتاب «نهج البلاغة».
وأسلوبه في التحقيق هو أنّه يثبت الخطبة أو الرسالة أو الحكمة كما جاءت في النهج ثم يذكر الكتب التي أوردتها والصورة التي وردت بها، إذا كان هناك اختلاف في النقل، مع شرح للنص أو بعض ما جاء فيه إذا لزم الأمر، وتوثيق المعلومات التاريخية المتعلّقة بالرجال والحوادث والاشعار وتفسير الكلمات الغريبة، من دون الدخول في مباحث مطولة، ولكنه ربما جاء على مناسبة النص أو ألحقه بما حذف منه وذكرته مفصلاً مصادر أخرى، مثلما فعل في الحكمة رقم (287) ونصها: «وقال عليه السلام، وقد سئل عن القدر: طريق مظلم فلا تسلكوه، ثم سئل ثانياً، فقال: بحر عميق فلا تلجوه، ثم سئل ثالثاً، فقال: سر الله فلا تتكلفوه» فذكر ما جاء بعد ذلك في رواية مأخوذة من كتاب «فقه الرضا» المذكور في كتاب «البحار»)[774](.
إن المجال الذي تقحمّه السيد الخطيب لم تقل فيه الكلمة الأخيرة وأن الباب ما يزال مفتوحاً أمام من أراد تكملة مشروعه الرائد. ويكفيه أنّه وضع الأساس على خير قاعدة وأوضح منهج. واعتقادي أكيد بأنه لو فسح له في الأجل لأتى بأمور أوسع وأشمل وأكمل وأدق، ولكن كثرة الترحال واختلاف الزمان منعا من ذلك. وأن فرصة الباحثين في هذا المجال ستكبر مع الأيام لأن التوجه القائم الآن في الشرق الإسلامي وفي الغرب، يميل إلى التوسع في نشر كنوز التراث القديم المذخورة في مخطوطات تتوزّعها مكتبات العالم. وهذا كفيل بأن يلقي الضوء على المساحة الزمنية التي تقع قبل عام 70 هجرية أو نحوه. وكتب هذه الفترة إما أنها متناثرة في كتب التاريخ والأدب، أو أنها مفقودة. والقليل جداً منها وصل إلى حال النشر مثل كتاب سليم بن قيس الهلالي عن حرب الجمل، وقد توفي المؤلف في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي. وهناك كتب أخرى لم تصلنا مثل كتاب «تفسير القرآن» لحمزة بن دينار الثمالي، وهو من أصحاب الإمام علي عليه السلام، وقيل إن لأبي بن كعب (ت21 هـ) كتاب فى فضائل القرآن)[775](. وقد اهتمّ المستشرق جوزيف فان ايس بنشر جملة من الرسائل المتعلقة بعلم الكلام، في محاولة للوقوف على بداياته، فنشر رسالة «الأرجاء» المنسوبة إلى الحسن بن محمد بن الحنفية، وكذلك «رسالة في الرد على القدرية» للحسن نفسه وهي مكتوبة عام 73هـ، وبذلك تكون سابقة على رسالة مشابهة كتبها الحسن البصري جواباً على سؤال للحجاج، ورسالة أخرى في موضوع القدر أيضاً كتبها عمر بن عبد العزيز بعد نحو ربع قرن)[776](.
وإذا فتحنا التحقيق في هذا الباب، فإننا نقع على نصوص كثيرة تشير إلى أن محمد بن الحنفية لديه علم خاص ورثه عن أبيه، وهو ليس علماً لدينا كما يذهب الشيعة الإمامية في اختصاص الأئمة المعصومين بمثل هذا العلم، وإنما هو علم كسبي، فقد روي عنه قوله: «الحسن والحسين أشرف مني، وأنا أعلم بحديث أبي منهما»)[777](. ونعرف من خلال روايات أخرى أنّه ورث صحيفة مكتوبة من أبيه عليه السلام)[778](. وأهمية هذا الموضوع هي أن محمد بن الحنفية يشكّل حلقة وصل مع كثير من المذاهب الكلامية الإسلامية ويلقي الضوء على صلتها بعلي عليه السلام من جهة، ويمد من جهة أخرى دراسة علم الكلام الشيعي إلى فترة متقدمة جداً من صدر الإسلام)[779](، كما أنّه يكشف عن طبيعة المباحث التي استفادها ابن الحنفية من أبيه عليه السلام ويقطع بإمكان صدور ما نجده في «نهج البلاغة» من ألفاظ ومباحث كلامية، عن الإمام علي عليه السلام. وقد استفاد من هذا المعنى ابن أبي الحديد في شرحه القيم، فقال في مقدمة كتابه)[780](:
«وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة وتنتهي إليه كل فرقة وتتجاذبه كل طائفة فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها وسابق مضمارها ومجلي حلبتها كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ وله اقتفى وعلى مثاله احتذى» ثم يخصص المؤلف ذلك بمباحث التوحيد فيقول: «وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الإلهي لأن شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم» ثم يقول بأنه «ومن كلامه عليه السلام اقتبس وعنه نقل وإليه انتهى ومنه ابتدأ فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه. لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه عليه السلام، وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي الحسن علي بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون بآخره إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام، وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر». ويورد الشيخ محمـد جـواد مغنيـة في كتابه «فلسفات إسلامية»)[781]( خبراً نقله عن تفسير ملا صدرا في باب الجبر والقدر، ترد فيه أجوبة أئمة الحديث والكلام في البصرة والكوفة وكلهم يسند مقولته إلى علي (ع). والخبر بتمامه كما يلي:
«وكتب الحجاج بن يوسف إلى الحسن البصري وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وعامر الشعبي أن يذكروا له ما عندهم من العلم بالقضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصري: أن من أحسن ما انتهى إلينا ما سمعته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: أتظن أن الذي نهاك دهاك، إنما دهاك أسفلك وأعلاك، والله بريء من ذاك، والمراد بأسفله وأعلاه أقواله وأفعاله. وكتب إليه عمرو بن عبيد: أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن ابي طالب: لو كان الوزر في الأصل محتوماً كان الموزر فى القصاص مظلوماً، وكتب إليه واصل بن عطاء: أحسن ما سمعت في ذلك قول أمير المؤمنين: أيدلك على الطريق، ويأخذ عليك المضيق؟ وكتب إليه الشعبي: أحسن ما سمعت في قول أمير المؤمنين علي: كل ما استغفرت منه فهو منك، وكل ما حمدت عليه فهو منه تعالى».
وهذا يأتي بنا إلى المنهج البديل)[782]( الذي نقترحه في تحقيق «نهج البلاغة»، وهو أن يقوم التحقيق على أساس المضمون وقراءته في سياقه التاريخي وظروفه الاجتماعية وأوضاع زمانه الفكرية. وسوف نعطي هنا مثالاً توضيحياً من معضلة توقف عندها بعض المتعرضين لشخصية الإمام علي عليه السلام وعبقريته، مع إعجابهم المبالغ به، واستفاد منها لآخرون للإشكال على «نهج البلاغة»، وهي قضية ورود مفردات اصطلاحية تخص علوماً لم يعرفها المسلمون إلا بعد سنوات طويلة على وقت صدورها. وتخصّ هذه المفردات والصياغات التي جاءت ضمنها، أعقد قضايا علم الكلام، وهي الكلام في الذات والصفات الإلهية. انظر مثلاً الخطبة التي يوردها ابراهيم بن هلال الثقفي المتوفي سنة 283 هجرية في كتابه «الغارات»)[783](، وهو سابق على النهج بنحو مائة عام:
«فتبارك الله الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن وتعالى الذي ليس لصفته نعت موجود ولا وصف محدود ولا أجل ممدود وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ ولا غاية منتهى ولا آخر يفنى، فسبحانه هو كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، حد الأشياء كلها عند خلقه إياها إبانة له من شبهها وإبانه لها من شبهه فلم يحلل فيها فيقال هو فيها كائن ولم يبن عنها فيقال هو عنها بائن ولم يخل منها فيقال له: أين؟ ولكنه أحاط بها علمه، وأتقنها صنعه وذللها أمره، وأحصاها حفظه، فلم يعزب عنه خفيات غيوب المدى..» إلى آخر الخطبة. ويقول الكليني في باب جوامع التوحيد من أصول الكافي أن «هذه الخطبة من مشهورات خطبه عليه السلام حتى لقد ابتذلها العامة وهي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبرها وفهم ما فيها»)[784](.
وانظر أول خطبة من خطب «نهج البلاغة» في حديثه عن التوحيد أيضاً، وهي أشدّها إثارة للمغرضين، يقول عليه السلام:
«أول التوحيد معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال فِيمَ فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده أنشأ الخلق إنشاءً وابتدأه ابتداءً، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها..» )[785](.
وظاهر هذه الخطبة هو أوصاف بلاغية وألفاظ جاءت على الاشتقاقات المألوفة في اللغة. قال السيد محسن الأمين في ترجمته للإمام علي عليه السلام في كتابه «أعيان الشيعة»: «وبعد كون اللفظة عربية والاشتقاق منها عربي لا يضرّ عدم اطّلاع هؤلاء على وجودها في كلام العرب في جاهلية أو إسلام، ومتى أحاطوا بكلام العرب أو بما نقل في كتب الأدب من كلام العرب»)[786](. ولكن هذا الدفاع لا ينجح في طرد الشبهة، مما يبقي الحيرة مرودة للعقول المنصفة، فهذا هو عباس محمود العقاد في كتابه «عبقرية الامام علي» يعترف بنسبة جميع فرق المسلمين إليه (ع) فيقول:
«وخاصة أخرى من خواص الإمامة، ينفرد بها علي ولا يجاريه فيها إمام غيره. وهي اتصاله بكل مذهب من مذاهب الفرق الإسلامية منذ وجدت في صدر الإسلام، فهو منشىء هذه الفرق أو قطبها الذي تدور عليه. وندرت فرقة في الإسلام لم يكن علي معلماً لها منذ نشأتها أو لم يكن موضوعاً لها ومحوراً لمباحثها، تقول فيه وترد على قائلين»)[787]( ولكنه حينما يصل خطب التوحيد يقول: «.. ففي كتاب نهج البلاغة فيض من آيات التوحيد والحكمة الإلهية تتسع به دراسة كل مشتغل بالعقائد وأصول التأليه وحكمة التوحيد، وربما تشكّك الباحث في نسبة بعضها إلى الإمام لغلبة الصيغة الفلسفية عليها وامتزاجها بالآراء والمصطلحات التي اقتبست بعد ذلك من ترجمة الكتب الإغريقية والأعجمية، لا سيما الكلام على الأضداد والطبائع والعدم والحدود والصفات والمواصفات، ولكن الذي يقرؤه الباحث ولا يشك في نسبته إلى الإمام أو في جواز نسبته إليه، قسط واف لتحقيق رأي القائلين بسبق الإمام في مضمار علم الكلام»)[788](. وهكذا نراه يعتذر بأدب جم عن رد الشبهة ولكنه لا يذهب مذهب أصحاب النفوس المغرضة. وهذا ما نقصده من الحاجة إلى فحص نصوص النهج من حيث سياقها الزمني وواقع عصرها الفكري والاجتماعي. ونجد عند ابن أبي الحديد إمارات هذا المنهج وإن لم يتعدها إلى ما سواها. ويبدو أن إيمانه بقطعية صدور النهج عن أمير المؤمنين أوقفته عن الاستغراق في تحقيق المسألة وأشهد له (إذا كانت لشهادتي قيمة) بالقابلية التامة على إنجاز هذه المهمة، فهو في شرح الخطبة السابقة يتوقف عند كلمة «همامة» في قوله عليه السلام: «ولا همامة نفس اضطرب فيها» فقد فنّد الرأي الذي يقول أن الهمامة بمعنى الهمّة، فقال: «واللغة العربية ما عرفنا فيها استعمال الهمامة بمعنى الهمة، والذي عرفناه الهِمة والهَمة بالكسر والفتح والمهمة وتقول لا همام لي بهذا الأمر مبني على الكسر كقطام ولكنها لفظة اصطلاحية مشهورة عند أهلها» وشرح ابن أبي الحديد هذا الاصطلاح، فقال: «حكى زرقان في «كتاب المقالات» وأبو عيسى الوراق والحسن بن موسى وذكره شيخنا أبو القاسم البلخي في كتابه «المقالات» أيضاً عن الثنوية أن النور الأعظم اضطربت عزائمه وإرادته فى غزو الظلمة والإغارة عليها، فخرجت من ذاته قطعة وهي الهمامة المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها، فاقتطعتها الظلمة من النور الأعظم وحالت بينها وبينه وخرجت همامة الظلمة غازية للنور الأعظم فاقتطعها النور الأعظم عن الظلمة ومزجها بأجزائه وامتزجت همامة النور بأجزاء الظلمة أيضاً ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان وتتدانيان وهما ممتزجتان بأجزاء هذا وهذا حتى انبنى منهما هذا العالم المحسوس» (وهذا يشبه الصيغة الدايالكتيكية) وإذا صحّ تفسير ابن أبي الحديد، يكون الإمام عليه السلام على معرفة دقيقة بالمقالات الموجودة في زمانه وتلك السابقة عليه، وهذه المعرفة لا يمكن أن نكتفي بتفسيرها على أنها معرفة لدنية)[789](، إذ أننا نصل إلى حالة توقيفة لا نستطيع تجاوزها من جهة ولا يمكن لنا أن نلزم الناصبين بها، ولذا يتوجّب إعادة بناء علم الكلام عند الإمام علي عليه السلام في سياق تاريخي حضاري غير ما تعارفنا عليه من طرق الأمور بإجمالها، وتنبغي هنا مراعاة الدقة والتخصص والبحث التاريخي والفلسفي العميق واتّخاذ نظرة شمولية تراقب بدقة صعود الحضارات وهبوطها وتغير خارطة نفوذها الجغرافي وانتقال مراكز الفكر فيها وظهور الفرق والأديان واصطراعها مع بعضها البعض الآخر.
وننتهز الفرصة هنا للردّ على الشبهة المتقدمة في ضوء منهج التحقيق المقترح، فالرأي السائد هو أن بدايات علم الكلام نشأت في حدود النصف الثاني من القرن الهجري الأول)[790](. وجلّهم يربط بداياته بأشخاص مثل: الجهم بن صفوان (مذهب الجبرية) ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي (مذهب القدرية) والحسن بن محمد بن الحنفية (مذهب الإرجاء))[791](. ولا ينصف أحد من الباحثين المدارك العقلية للنصف الأول من ذلك القرن، سوى مصطفى عبد الرزاق في كتابه «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» والذي فصّل القول في أن النظر العقلي عند المسلمين نشأ من البحث الفقهي والتوسع في استعمال الرأي والقياس)[792](. وتهمل هذه البحوث والتحقيقات، وبشكل غير مفسر دور الإمام علي عليه السلام فى نشأة علم الكلام أو حتى موقعه منه، رغم ما يميل إليه المؤرخون من تصريحات عامة بمكانته فيه وفي غيره. ولعل ذلك يأتي من أن المجموع من كلامه لم يكن متوفراً في عصره أو في عهد قريب منه. كما أنّه يأتي أيضاً من الشك بمباحثه وعدم أخذها مأخذ الجد، لأن البحث الكلامي في نظرهم لم يكن متوفراً، أو حتى ممكناً، في فترة الراشدين. ولكننا نذهب هنا إلى عكس هذا الرأي. وخلاصة ما نريد أن نقوله هو أن كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام في زمانه ممكن بمقاييس الفترة التي عاشها والبلاد التي تنقل فيها، بغض النظر عما نعتقده في شخصه عليه السلام. ونفصل القول في عدّة نقاط:
1 ـ يغلب على الأذهان تصور أن الحياة العقلية عند غير العرب، كانت على السواء مثلما هي عندهم، في أول ظهور الإسلام. وهذا يجعلها خالية من النظر العقلي والحكمة والفلسفة. وقد وضع أوليري في كتابه «كيف انتقل العلم الإغريقي إلى العرب»)[793]( وصفاً دقيقاً لأوضاع الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر والعراق عند مطلع الإسلام والقرون القليلة التي تلته. كما أن عدداً من المؤلفين)[794]( ناقشوا مصير الفلسفة اليونانية بعد سقوط أثينا بيد الرومان وهجرة فلاسفتها على أثر تنصر الأمبراطور جوستنيان وإغلاقه لمدارس الفلسفة، نحو الاسكندرية بمصر وتأسيس مدرستها الفلسفية المعروفة بـ«الأفلاطونية المحدثة». وقد كان الرومان لا يأبهون بالفلسفة ويميلون إلى العناية بالقانون لأنه كان عماد أمبراطوريتهم الشاسعة. ومن خلال وصف الأحداث التالية على ذلك نقف على الخلاصة التالية، وهي: أن الرومان احتلوا مصر بعد ذلك، فهرب الفلاسفة باتجاه الرها ونصيبين وحران وأنطاكية، وهي مواقع بأعلى الشام وتابعة لتركيا حالياً، وكانت مدارس علمية للصابئة والمسيحيين. وقد استقدم كسرى أنو شروان بعضهم إلى المدائن، ويذكر المؤرخون منهم دمسقوس وسمبلقيوس)[795](. ثم أنه أسس لهم ولتلامذتهم مدرسة جند يشابور في الأهواز في منتصف القرن السادس الميلادي وزودها بالعلماء والحكماء من مختلف بقاع الأرض. وقد رفدت هذه المدرسة الحضارة الإسلامية فيما بعد بالمترجمين والفلكيين والأطباء. وقد صمّمت المدرسة على ضوء مدرسة الاسكندرية. والذي يعنينا من هذه الدورة الفلسفية الكبرى هو اتصالها بالعهد الإسلامي وبالعنصر العربي تحديداً. فالقفطي في كتابه «تاريخ الحكماء» يورد خبراً عن التقاء عمرو بن العاص بيحيى النحوي (يوحنا فيلوبونس) وهو من شرّاح أرسطو ولاهوتي مسيحي رد على فكرة أزلية العالم، وكان ذلك عند دخول المسلمين مصراً. يقول القفطي «أنه دخل على عمرو بن العاص، وقد عرف موضعه من العلم واعتقاده وما جرى له مع النصارى، فأكرمه عمرو ورأى له موضعاً، وسمع كلامه في إبطال التثليث فأعجبه، وسمع كلامه في انقضاء الدهر ففتن به، وشاهد من حججه المنطقية وسمع من ألفاظه التي لم يكن للعرب بها أنسة ما هاله»)[796](.
وأما اتصال العنصر العربي بها، فإن الحيرة هي الموضع الذي أنشئت الكوفة إلى جواره بعد الإسلام. ودراسة تاريخ الحيرة توحي بالطبيعة الفكرية المعقدة والمتطورة التي كان عليها العراق زمن الفتح الإسلامي، فأهل الحيرة عرب، وهم ثلاث قبائل: تنوخ وعبادة والأحلاف. وتنوخ مشتقّ من تنخ أي أقام في الأرض، وعبادة قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية بالحيرة والنسبة إليهم عباديّ، وقيل هي كلمة نبزوا بها لعبادتهم، والأحلاف هم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيهم ولم يكونوا من تنوخ الوبر ولا العباد.
وكان ناس من العرب يحدثون في قومهم الأحداث أو تضيق بهم المعيشة فيخرجون إلى ريف العراق وينزلون الحيرة)[797](. وكان أهل الحيرة على علم بالقراءة والكتابة فهم «كانوا أول من دوّن الشعر وكتبه، وكان ذلك أيام آل المنذر، وكان شعراء الجاهلية يفدون عليهم، مثل الأعشى والنابغة وعبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي حازم وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة، والمتلمّس، وطرفة وغيرهم. وكان آل المنذر يأمرون كتابهم من أهل الحيرة أن يكتبوا أشعارهم، فأخذ الناس عنهم»)[798](. وقد «اعتنق ملوك الحيرة الديانة النصرانية، وكان أول من اعتنقها من ملوكهم عمرو بن عدي مؤسس الدولة. وقد أدّى اعتناقهم هذه الديانة إلى انتشارها في ربوع العراق. وانتشر بصورة خاصة المذهب النسطوري الذي لقي عطفاً وتشجيعاً من ملوك الفرس لمعارضته الكنيسة البيزنطية»)[799](.
إن اتصـال الحيـرة بالبابليين مـن جهـة قد أورثهـا علومهم، كما شهد بذلك ابن صاعد في كتابه «طبقات الأمم»** كما أن تأثير النساطرة من جهة أخرى جعلها مفتوحة على تيارات الفلسفة اليونانية، فقد كان هؤلاء يميلون إلى النظر العقلي، خلافاً للمسيحية المنتشرة في داخل الجزيرة العربية وبعض القبائل الحجازية واليمنية والتي كانت تعتقد بطبيعة واحدة للسيد المسيح وتميل إلى الرّهبنة. وكانوا أيضاً يختلفون عن الكنيسة البيزنطية التي كانت ترى في مقولتهم هرطقة وتجديفاً بحق السيد المسيح، مما دعاها إلى اضطهادهم. واستفاد الفرس من هذه الفرصة فأبدوا عطفهم على النسطوريين. وكان هؤلاء قد درسوا في نصيبين كتب اليونان وفلسفتهم وترجموا كتب أرسطو إلى السريانية. وصارت الحيرة مقراً لهم بعد إخراجهم من نصيبين، كما أن بعضهم صار إلى كسكر (موقع واسط التي تشمل الكوت والعمارة حالياً))[800](. وانتقل بعضهم تحت مظلّة عطف الفرس إلى جند يشابور فشاركوا في تدريس الفلسفة اليونانية وجعلوا من منطقة جنوب العراق مركزاً للفلسفة اليونانية بترجمة سريانية. وقد بقيت هذه الترجمات معتمدة حتى فترة متأخرة. ويذكر فالزر إن ترجمات أرسطو إلى السريانية والتي تمت في زمن مقارب لظهور الإسلام بقيت مستعملة حتى القرن الرابع الهجري. ومن الحيرة سوف يظهر مترجمون مثل حنين بن إسحق وإسحاق وغيرهما. ثم إننا نسمع بسلسلة متّصلة من علماء السريان في الكوفة تحرص على ترجمة أرسطو وتدريسه حتى نهاية القرن الهجري الاول تقريباً)[801](. ورغم أن لغة التدريس والكتابة هي السريانية، فهذا لا يستبعد تأثر عرب الحيرة المباشر بهؤلاء المدرسين إذ كانوا واعظيهم في كنائسهم وأديرتهم. واشتهرت الحيرة بكثرة الديارات)[802]( وبعضها ابتناها ملوك المناذرة وأفراد عوائلهم، ويظهر من الكتابات التي تركت على بعضها عمق إيمان المناذرة بالمسيحية النسطورية، وبالتالي انفتاحهم على آفاق الفكر اليوناني والمعضلات الكلامية المسيحية التي ستجدد في زمن الإسلام وهذا يفسر الطبيعة المعقدة للكوفة فيما بعد وكثرة ظهور الفرق فيها وفي المدائن، وكلاهما تدينان بالولاء لعلي بن ابي طالب وتتفاعلان مع خطه السياسي والفكري، فليس مستبعداً أن يكون هو أيضاً على وعي بواقعهما الفكري ومتفاعلاً معه.
وكل هذا يصدق على بيئة الحيرة بالتحديد، في الفترة السابقة على الإسلام، وقد امتد تأثيره في العصر الإسلامي فقد «عثر الباحثون على نصوص سريانية من مخلفات العهد الإسلامي الأول في العراق، وفيها ترجمات لبعض سور القرآن التي تكلمت عن المسيحية، نقلها السريان إلى لغتهم في مطلع غزو المسلمين لما بين النهرين لكي يناقشوا مضمونها»)[803](. وهذا يثبت وجود تفاعل فكري بين التيارات الفكرية الموجودة في العراق والفكر الإسلامي الوافد إليه. ومن هنا يقترح الدكتور علي سامي النشار إطاراً أوسع لرؤية بدايات الفلسفة عند المسلمين وأول معرفتهم بالفكر اليوناني فيقول: «نلاحظ في كتابات المتكلمين الأوائل، من أمثال الهذيل العلاف وهشام بن الحكم وغيرهما، معرفة واسعة بالفلسفة اليونانية، وتناولاً لمصطلحات فلسفية، مما يدل على أن حركة الاتصال قد تمت من قبل، بل إننا نرى لهشام بن الحكم، هذا المتكلم الشيعي الأول، وفي زمن مبكر، كتاباً في نقد أرسطو طاليس، كما أننا سنرى أن لأبي الهذيل العلاف نقداً متعدداً في ثنايا فلسفته لأرسطو. أن كل هذا دليل قاطع على أن الفلسفة اليونانية قد عرفت معرفة طيبة قبل حركة الترجمة الرسمية التي بحثها المؤرخون من مختلف نواحيها»)[804](.
ويطرح الدكتور النشّار عدداً من الاحتمالات عن الطرق الأخرى غير المباشرة التي انتشرت بها الفلسفة اليونانية في الأوساط الإسلامية، والتي تشمل في رأينا مرحلة صدر الإسلام، ويعددها كما يلي: «أما أول هذه الاحتمالات، فهو المناقشات الشفوية بين المتكلمين وبين رجال الكنيسة المنبثة كنائسهم في العالم الإسلامي. وقد حدث تبادل الآراء وتبادل الأسلحة. والاحتمال الثاني: أن يكون من المسلمين من تردد على «الاسكول» ـ المدارس الملحقة بالكنائس والأديرة ـ وقد عرف أجزاء من الفلسفة. والاحتمال الثالث: أن تكون معرفة المسلمين الأوائل بالفلسفة اليونانية إنما تمت عن طريق الغنوصية، وقد كانت الغنوصية تحمل في أعماق فلسفتها كثيراً من عناصر الفلسفة اليونانية»)[805](.
ولا يفوتنا قبل أن نختم الحديث عن بيئة الحيرة، والعراق بوجه عام، أن نورد رأي ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة، إذ يقول: «وطينة العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء وأصحاب النحل العجيبة والمذاهب البديعة. وأهل هذا الإقليم أهل بصر وتدقيق ونظر وبحث عن الآراء والعقائد وشبه معترضة في المذاهب. وقد كان منهم في أيام الأكاسرة مثل ماني وديصان ومزدك وغيرهم، وليست طينة الحجاز هذه الطينة، ولا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان.. ولم يكن فيهم من قبل حكيم ولا فيلسوف ولا صاحب نظر وجدل، ولا موقع شبهة، ولا مبتدع نحلة»)[806](. وأشار الشيخ عبد الله نعمة في كتابه «مصادر نهج البلاغة» إلى أن الإمام علي عليه السلام قد سكن العراق وبخاصة الكوفة، وهو يومذاك مهبط الأفكار الفارسية والسريانية والكلدانية وبخاصة البصرة التي كانت موئل الديصانية والأفكار الهندية والنسطورية التي عاشت فيها بتأثير مدرسة جند يشابور»)[807](.
٢ ـ وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن العرب كانت لهم معرفة بمختلف الديانات التي كانت منتشرة قبل الإسلام، وبالاخص الزرادشتية والمانوية المجوسيتين والمسيحية بفرعيها النسطوري الذي فصلنا الكلام عنه سالفاً والمونوفستية (الموحدة) التي امتدّت من شمال بلاد الشام إلى اليمن وكذلك اليهودية. وعرفوا أيضاً المقالات التي اشتملت عليها كل ديانة. ونقرأ في رسالة «الرد على النصارى» للجاحظ تعداداً للقبائل التى كانت على النصرانية واليهودية، يقول: «إن العرب كانت النصرانية فيها فاشية، وعليها غالبة، إلاّ مضر (عرب الشمال) فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية إلا قوم منهم نزلوا الحيرة»)[808](. ولكنه حينما يعدد القبائل نجدها أوسع مما ذكر، إذ «غلبت النصرانية على ملوك العرب وقبائلها، على لخم، وغسان، والحارث بن كعب بنجران، وطيء في قبائل كثيرة وأحياء معروفة، ثم ظهرت في ربيعة فتغلبت على تغلب وعبد القيس وإفناء بكر، ثم في آل ذي الجدين خاصة. وجاء الإسلام وليست اليهودية بغالبة على قبيلة، إلاّ ما كان من ناس من اليمانية، ونبذ يسيرة من جميع أياد وربيعة، ومعظم اليهودية إنما كانت بيثرب وحمير وتيماء ووادي القرى، في ولد هـارون دون العـرب»)[809](. وقد نقل الدكتور النشار)[810]( عن اليعقوبي والمقريزي أن العرب عرفوا الزندقة والثنوية المجوسية وأعزياها إلى مجاورة بعض العرب للفرس، وينص المقريزي على أن أبا سفيان «كان في الجاهلية زنديقاً»، ويستشهد على زندقته بأنه شهد حنيناً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «وكانت الأزلام معه يستقسم بها» وأنّه دخل على عثمان في خلافته، فقال: «وقد صارت (الخلافة) إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار».
ونجد في كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة، أن النضر بن الحارث، وهو ابن خالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر قتله على يد النبي مشهور للأبيات التي قالتها أخته تعاتب فيها النبي وقد أوردها أهل السير)[811](، أن والد النضر كان طبيباً وله كتاب «المحاورة فى الطب» يشتمل على محاوراته مع كسرى أنو شروان (وأنو شروان كان راعياً لمدرسة جند يشابور). وأن النضر نفسه، كما يقول ابن أبي أصيبعة: «وقد سافر في البلاد أيضاً كأبيه واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها وعاشر الأحبار والكهنة واشتغل وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر واطّلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة وتعلم من أبيه ايضاً ما كان يعلمه في الطب». وأن عبد الملك بن أبجر الكناني درس في الاسكندرية وأسلم على يد عمر بن عبد العزيز قبل أن تصل إليه الخلافة، وجاء أثناء خلافته وشرع بالتدريس في أنطاكية وحران وتجول في البلاد، وهو القائل: «دع الدواء ما احتمل بدنك الداء» وهو مشابه لقول علي عليه السلام: «امش بدائك ما مشى بك». وأما ابن أثال، طبيب معاوية الذي تضرب به الأمثال، فقد كان نصرانياً، وهو الذي قتل مناوئي معاوية بالسم، وقد قتله خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بعد أن ثبت له أنّه هو قاتل عمه عبد الرحمن بن خالد. كان هناك من الأطباء حكم الدمشقي وعيسى بن حكم ونياذوق وغيرهم من الأطباء النصارى الذين كانوا في البلاط الأموي)[812](. وقد قام بعض هؤلاء في معارضة الإسلام، مثل يوحنا الدمشقي طبيب يزيد بن معاوية، فقد ورد عنه أنّه كان «يرتب الكتب في مهاجمة الإسلام على طريقة السؤال والجواب»)[813](.
وللمستشرق أوليري)[814]( بحث طريف عن البلاط الاموي يذكر فيه أنّه كان مجمعاً للمسحيين الذين اعتزوا بنصرانيتهم وسخروا من الإسلام، ومنهم الأخطل التغلبي الشاعر المعروف الذي له شعر في مدح يزيد وأصبح شاعر البلاط في عهد عبد الملك بن مروان. وأشهر عائلة مسيحية لعبت دوراً في البلاط الأموي، هي عائلة آل سرجون. وقد جمع لويس شيخو بعضاً من سيرهم في كتابه «وزراء النصرانية وكتّابها في الإسلام»، فتحت عنوان «ابن سرجون» قال شيخو «فشمل بهذا الاسم ثلاثة أشخاص خدموا الدولة الأموية في دمشق، هم: منصور ابن سرجون، وابنه سرجون بن منصور، وحفيده منصور بن سرجون بن منصور الذي يعرف أيضاً بالقديس يوحنا الدمشقي»)[815](. ونجد في ترجماتهم التي يوردها شيخو اضطراباً في الأسماء ونوع الخدمات والملوك الذين خدموهم. وقد ذكر أوليري الموضوع بشكل أدق. والذي يفيدنا منه أن أبا الأسرة كان عاملاً على خراج دمشق قبيل فتحها من قبل المسلمين، حتى روي أأنّه هو الذي سلّم مفاتيحها إلى خالد بن الوليد عام ٦٣٥م. ولمعرفته بشؤون الإدارة، أبقي في وظيفته، شأن عدد لا بأس به من الموظفين البيزنطيين الذين ارتضوا البقاء تحت الحكم الإسلامي. وذكر الطبري أن معاوية صيّر سرجون بن منصور الرومي «كاتبه وصاحب أمره» وهو نفسه الذي استشاره يزيد بأمر تولية الكوفة فأشار عليه بأن يولي عليها عبيد الله بن زياد. ويذكر صاحب الأغاني أنّه «كان يزيد بن معاوية أول من سنّ الملاهي في الإسلام من الخلفاء وآوى المغنين وأظهر الفتك وشرب الخمر وكان ينادم عليها سرجون النصراني مولاه والأخطل». وإن هذا كان يعرف بـ «مولى يزيد» بعد أن ضمه يزيد إليه. وأنّه «سعى ببناء كنيسة». وصار وابنه يوحنا بعد وفاة أبيه «كاتباً لأمير البلد متقدماً عنده، صاحب سره وجهره وأمره ونهيه». ثم أن يوحنا هذا تخلّى عن وظيفته في منتصف عمره أو عهد كهولته وترهب في دير القديس سابا بفلسطين. وقد تقدّم ذكر كتاباته في الرد على الإسلام. ونسمع عن ابن زوجة كعب الأحبار الذي بقي على ديانته اليهودية ونقل للأمويين علوم السحر والتنجيمات)[816](. بالإضافة إلى دور كل من وهب بن منبه وكعب الأحبار اللذين أدخلا كل الأساطير الإسرائيلية تحت عنوان المعرفة بالتوراة وأحوال الأمم السابقة. ويغلب على كتب الزهد روايتها عن بعض العبّاد بدون تحديد لأسمائهم وأغلبها ينسب إلى هذين الشخصين.
ويقول المؤرخون أن المجتمع الإسلامي عرف ظاهرة القصاص الذين كانوا يسردون أحوال الأمم والديانات الأخرى. ممّا جدد النقاش بكثير من المسائل العقائدية الخلافية الموروثة، وإن هذه الظاهرة ابتدأت منذ أيام عثمان بن عفان)[817](. وهذا يعني أن المسلمين لم يكونوا فقط على معرفة بآراء الديانات والملل والنحل الأخرى، وإنما كانوا يعيشون أيضاً مع هذه الفرق والديانات ويمارسون الجدل والنقاش معها. وهذا يؤيد رأي الدكتور النشار المتقدم، وهناك تاريخ طويل من الحوادث التي تدل على وجود هذا النقاش منذ مباهلة نصارى بني نجران للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وحتى رسالة الروم إلى معاوية والتي أجاب الإمام علي عليه السلام عنها)[818](.
٣ـ أشرنا من قبل إلى وجود مؤلفات تعود إلى عصر صدر الإسلام ولكن أمرها لم يصلنا. وينقل الأستاذ مصطفى عبد الرزاق نصاً مهماً من كتاب «مختصر جامع بيان العلم» يقول فيه مؤلفه «عن الأعمش، قال الحسن: إن لنا كتباً نتعاهدها.. وعن هشام بن عروة عن أبيه أنّه قد احترقت كتبه يوم الحرّة، وكان يقول: وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي»)[819](. وينقل في موضع آخر «أن الشيعة كان بأيديهم بعد علي كتاب يقولون إن فيه قضاياه»)[820](. وقد ذكرت الباحثة الأردنية هند أبو الشعر في كتابها «حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة» أن لمحمد بن الحنفية كتب يتداولها الناس ويقبلون على قراءتها)[821](. ولا شكّ أن توفر معلومات كافية عن كتب هذه الفترة القلقة سوف ينير الكثير من المباحث التي تطرّق اليها كتاب «نهج البلاغة».
٤ـ هناك أدلة غير مباشرة يمكن استخلاصها من التهم التي كيلت إلى الشيعة خصوصاً في فترة البحث، فقد اتّهموا بانتحال آرائهم من مصادر فارسية ويهودية ومسيحية)[822](. ويحتوي هذا الخليط على عدد من الأفكار المعقدة التي تحكم بوجود حركة فكرية قوية في عصر الخلفاء الراشدين، لا سيما زمن عثمان بن عفان. هذا على افتراض صحة الآراء المتقدمة، ومماشاة منا لمنطق أصحابها لإلزامهم بما يقولون وبما يستتبعه. وقد نسب الأشعري القول بالرجعة والمهديـة إلى عبدالله بن سبـأ وأنّه جعلها في علي بن أبي طالب)[823](. وينسب إليه الشهرستاني القول بالنص على إمامة علي وأن فيه جزءاً إلهياً)[824](. ويرجع هؤلاء الأفكار المتقدمة إلى يهودية ابن سبأ. ونجد من المعاصرين من يقول: «يذهب بعض المؤرخين إلى أن عدداً من الصحابة وأبنائهم، كمحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة قد وقعوا أيضاً في أحابيل هذا الرجل»)[825](. ويربط كاتب معاصر أيضاً أفكار أبي ذر في ملكية المال بآراء مزدك الفارسي (٤٨٧م) الذي كان يقول بشيوعية المال والنساء، ويجعل واسطة تعرّفه عليها عبدالله بن سبأ)[826](. وليس هذا موضع الرد على هذه الآراء أو الشخصية التي نسبت إليها)[827](، ولكنها جميعاً تفترض المعرفة بآراء الديانات السابقة وتطويعها في مجال فكري إسلامي. ويستتبع هذا وجود مصطلحات خاصة امتدت إلى علم الكلام الإسلامي وصارت جزءاً من تكوينه، فلا يستغرب والحالة هذه ورود ألفاظ اصطلاحية أخرى في «نهج البلاغة».
٥ـ وإذا أخذنا فترة حكم علي بن أبي طالب ذاتها، فسوف نجدها تعج بالآراء الفكرية العقائدية والسياسية، وشهدت لأول مرة ظهور الفرق، كما هو الحال مع الخوارج. وقد خرجت هذه الفرقة من معسكر علي بعد أن تتلمذ بعض قادتها عليه أو على بعض أصحابه. فمن فرق الخوارج، الأزارقة. وينتسب هؤلاء إلى نافع بن الأزرق الذي نجد في اختباره أنّه «كان نافع بن الأزرق ينتجع عبدالله بن عباس فيسأله، فله عنه مسائل من القرآن وغيره، وقد رجع إليه في تفسيرها، فقبله وانتحله، ثم غلبت عليه الشقوة»)[828](. وأما رأس الحرورية الذين خرجوا بحروراء من ناحية الكوفة، فقد كان عبدالله بن الكواء، وذلك قبل أن يجتمعوا على عبدالله بن وهب الراسبي)[829](. وقد صلّى بهم وجعل رئيس حربهم شبث بن ربيع الرياحي)[830](، ثم بايع عبدالله بن وهب الراسبي، فخرج بهم إلى النهروان)[831](. وكان ابن الكواء كثير المساءلة لعلي)[832]( وخاصة سؤاله عن القضاء والقدر والإيمان. ذكر التوحيدي)[833]( أن ابن الكواء سأل علياً عن القدر، فقال: بحر عميق لا تلجه، فأمهل ثم سأل، فقال ستر الله فلا تكشفه، نقول بظاهر ما نرى، ثم يقضي الله تعالى بغيب ما يعلم. وفي رواية الشريف الرضي أنّه عليه السلام قال: طريق مظلم فلا تسلكوه، ثم سئل ثانياً، فقال: بحر عميق فلا تلجوه، ثم سئل ثالثاً، فقال: سـر الله فـلا تتكلفوه)[834](. وقد روى صاحب كتاب «فقه الرضا» فيما نقله عنه المجلسي في «بحار الأنوار» أن هذا الشخص، الذي نعتقد أنّه ابن الكواء بقرينة ما ذكره التوحيدي، سأل رابعاً، فقال لعلي عليه السلام أنبئنا عن القدر، فقال: «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل لها» فقال السائل يا أمير المؤمنين: إنما سألناك عن الاستطاعة التي نقوم بها ونقعد، فقال: استطاعة تملك مع الله أم دون الله؟ قال: فسكت القوم ولم يحروا جواباً، فقال صلوات الله عليه: إن قلتم: إنكم تملكونها مع الله قتلتكم دون الله قتلتكم فقالوا: كيف نقول يا أمير المؤمنين، قال: تملكونها بالذي يملكها دونكم فإن أمدكم بها كان ذلك من عطائه، وإن سلبها كان ذلك من بلائه، إنما هو المالك لما ملككم، والقادر لما عليه أقداركم، أما تسمعون ما يقول العباد ويسألونه الحول والقوة حيث يقولون: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله» فسئل عن تأويلها، فقال: «لا حول عن معصيته إلاّ بعصمته، ولا قوة على طاعته إلاّ بعونه»)[835](. وكذلك المسألة التي ألقاها عليه أحدهم، ولعله ابن الكواء أيضاً: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره؟ فأجابه: ويحك! لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حاتماً، ولو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد. إن الله سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً و«ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار». وقد فنّد السيد الخطيب نسبة المسألة إلى رجل شامي وأثبت أن سائلها رجل من العراق)[836](.
ولا يتوقّف هذا النقاش عند معسكر الإمام علي عليه السلام وإنما نجده في معسكر معاوية أيضاً مع اختلاف الرجلين وتباين الوجهتين. وفي حين أن الإمام عليه السلام كان يهدف إلى وضع أصول الرؤية الإسلامية الصحيحة التي ترى أنّه لا جبر ولا تفويض وإنما منزلة بين المنزلتين)[837](. كان معاوية يؤسس للأمويين النظرية التي تبرّر وجودهم، نظرية الجبر، فقد روي عن معاوية أنّه قال في بعض خطبه: «لو لم يرني (الله) أهلاً لهذا الأمر ما تركني وإياه، ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيّره»)[838](. وقد علّق ابن المرتضى المعتزلي على هذا القول: «وهذا صريح الجبر». ثم نقل عنه أيضاً أنّه «كان يقول: أنا عامل فعل من أعمال الله، أعطي من أعطاه الله، وامنع من منعه الله، ولو كره الله أمراً لغيّره، فأنكر عليه عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال في بعض خطبه: أنا خازن من خزّان الله، أعطي من أعطاه الله وأمنع من منعه الله، فقام أبو ذر، وقال: كذبت يا معاوية، إنك لتعطي من منعه الله وتمنع من أعطاه الله، فقال عبادة بن الصامت، صدق أبو ذر. فقال أبو الدرداء: صدق عبادة ولم يزل ذلك في بني أمية، حتى قال الحجاج وقد قتل رجلاً لأجل إظهاره حب علي عليه السلام: اللّهم أنت قتلته، ولن شئت لمنعتني منه، وهذا صريح الجبر، وكثر أمثال ذلك وعظمت به الفتنة»)[839](.
وقد أدّى تطرّف الأمويين باتجاه الجبر إلى ظهور فلسفة مضادة تقول بالقدر وإن أعمال الإنسان موكلة بإرادته «فالإنسان في نظرهم مختار في أفعاله حر في إرادته»)[840](. ومنهم معبد الجهني وغيلان الدمشقي. والثاني قتله هشام بن عبد الملك «لتهجمه على بني أمية لأنه يقول بالاختيار وهم يقولون بالجبر»)[841](. وشهدت هذه الفترة انتشاراً لمذهب القدرية حتى أن عدداً من الرسائل كتب للرد على آرائهم، منها رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية، ورسالة عمر بن عبد العزيز، ورسالة الحسن البصري)[842](. وقد اشرنا إلى ذلك في مكانه المناسب من هذا البحث. وقد كانت القدرية المقدمة الضرورية والمناخ الملائم لظهور مذهب الاعتزال. وتجد آراء الفريقين متداخلة في كتب المقالات)[843](.
وهذا الاستعراض يثبت وجود هذه المسألة التي تعد من أقدم مسائل علم الكلام في زمن الإمام علي عليه السلام، بل إنها سابقة عليه أيضاً، بدليل حضور أبي ذر في مجلس معاوية واعتراضه عليه، وقد توفي أبو ذر في حياة عثمان بن عفان. كما أنّه يحدد بداياتها والاتجاهات التي سارت فيها، فمن أقوال الخوارج في الإمامة إلى رأي الجبرية، ومضاده في اتجاهات القدرية، إلى الآراء السلفية التي مال إليها الحسن البصري إلى مدرسة الحديث التي قادها أئمة أهل البيت عليهم السلام، وحتى ولادة الآراء الأكثر تعقيداً وتطوراً والخاضعة لمؤثرات الثقافات الواردة في العصر العباسي. إن هذه السلسلة المتّصلة والمتطورة ترتبط بعلي بن أبي طالب عليه السلام من حيث جذرها، ولكون كلمات الإمام وخطبه في المعرفة والذات والصفات والوجود، هي الأساس الذي سيبتنى عليه مذهب أهل البيت في علم الكلام. ولذا فإن هناك أهمية بالغة لبيان موقع الإمام علي عليه السلام من سلسلة حلقات علم الكلام الإسلامي ولكشف المضامين التي انطوى عليها كلامه الشريف. وقد هدف البحث الحالي إلى تبيان الجانب الأول، وربما يوفق الله سبحانه بعض المهتمين من أهل الكفاية والإلمام بالفلسفة لأن يعرضوا للجانب الثاني.
ملاحظات أخيرة
١ـ تبين من خلال البحث أن هناك مجالاً كبيراً ينتظر الدارسين لربط الحركة العلمية في أواخر القرن الأول، بما تقدمها من زمن الرسالة الإسلامية ومجتمعها، وقد اقتصرت البحوث المنشورة في أغلبها على البحث الفقهي ولم تتجاوزه إلى البحث الكلامي. وعلينا في هذا المجال أن نعيد النظر في فترة عثمان بن عفان على وجه الخصوص، لما انطوت عليه من اضطراب واختلاف في المقالات، ولأنها ستكون المقدمة التي جاءت بعدها الحوادث الكبرى في تاريخ الإسلام وبداية الفرق. كما أن عصر الإمام علي عليه السلام لم يبحث بشكل كافٍ، بل إن البحوث الفلسفية والكلامية حول نهج البلاغة قليلة وموزعة على الشروح وكتب العقائد ولم تجمع في كتاب مستقل. وقد حاول الشيخ محمد جواد مغنية بعضاً من ذلك، وكذلك فعل الشهيد مطهري)[844](، على اختلاف في عمق النظرة وطريقة العرض والتمكن من المادة، ولكن هناك حاجة ماسة لتكملة هذه الجهود والسير بها خطوة متقدمة، بأن تربط بمجمل تطور الفكر الفلسفي والكلامي الإمامي والإسلامي العام.
٢ـ إن المنهج الذي اقترحناه في هذه الدراسة ليس بديلاً عن منهج تحقيق النص بالرواية والإسناد، وإنما هو عمل مكمل له. ونقول في هذا المجال أنّه إذا وضع الأساس الجازم بإمكانية صدور مقولات النهج في زماننا، فإن الاختلاف حول صياغة النص ليس بالأهمية القصوى التي يؤسس عليها البعض. ويصدق هذا بشكل خاص على مقولات علم الكلام، فما عدا الحالات النادرة التي وصلتنا فيها نصوص مكتوبة، فإن الآراء الكلامية جمعت في فترات مختلفة، واحتوت كتب الفرق على تضاربات كبيرة واضطراب في ذكر الأسماء ومحتوى المقالات. ولم يقدح أحد في قيمتها العلمية لوقوع اختلافات في النصوص، وإنما تكفي الوجهة العامة التي يتحرك فيها النص، وإمكانية انطباقه على شخص قائله، من حيث مذهبه العام، سيرته الشخصية، ثقافته، مواقفه السياسية، آراء معاصريه فيه وغيرها من القرائن، وكل هذه متوفرة في حالة «نهج البلاغة» ولكنها تحتاج إلى تأصيل وتعميق وذهنية ناقدة.
د. عبد الرحيم حسن
التراث الفقهي
حول رؤية الهلال
يتألف كتاب (رؤية الهلال) من ثلاثة آلاف صفحة ويقع في أربعة مجلدات وهذه المجموعة تشتمل على سبعة أقسام مضافاً إلى مقدمة تفصيلية وفهارس. وقد تمّ إنجاز مراحل التحقيق الأساسية في هذا الكتاب وهو الآن في دور الطباعة والنشر.
المقدمة
تناولت المقدمة بحوثاً متنوّعة ومختلفة من قبيل: بحث مشكلات مسألة رؤية الهلال في طول التاريخ، رؤية هلال ذي الحجة في مكة المكرّمة ومشكلات ذلك، المسائل التي تناولت بحث الهلال في طول تاريخ الإسلام والمشكلات المعاصرة للأمّة الإسلامية، الخطوات التي حصلت لحدّ الآن في سبيل حلّ هذه المشكلة في البلدان الإسلامية.
القسم الأول ـ آيات رؤية الهلال
اختص هذا القسم بتفسير آيات رؤية الهلال، فقد وردت بعض الألفاظ من قبيل: القمر، الهلال (الأهلّة)، الشهر (الشهور). ومن بين هذه الآيات ثمة سبع آيات لها نحو علاقة ببحثنا وبحركة القمر وثبوت أوّل الأشهر القمرية، وهي عبارة عن:
1 ـ (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون))[845](.
2 ـ (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون))[846](.
3 ـ (فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم))[847](.
4 ـ (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين))[848](.
5 ـ (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلّوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالم والله لا يهدي القوم الكافرين))[849](.
6 ـ (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصّل الآيات لقوم يعلمون))[850](.
7 ـ (وجعلنا الليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية الليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا))[851](.
وقد تجلّت في تفسير هذه الآيات مطالب نافعة للفقيه فيما يرتبط ببحثنا. وتمّ انتخاب هذه المطالب من أهم التفاسير وكتب فقه القرآن وآيات الأحكام الشيعية والسنّية، ثم قمنا بتصحيحها وعرضها حسب ترتيب الآيات والسور القرآنية، حيث أوردنا في ذيل كل آية المطالب المرتبطة بالبحث من التفاسير الشيعية أولاً ثم التفاسير السنّية، مرتبة بحسب تاريخ وفاة المؤلف.
وأمّا التفاسير وكتب فقه القرآن وأيات الأحكام التي اعتمدت فهي كالآتي:
أ ـ التفاسير الشيعية
1 ـ التبيان، الشيخ الطوسي [م = 460].
2 ـ مجمع البيان، الطبرسي [م = 560].
3 ـ جوامع الجامع، الطبرسي [م = 560].
4 ـ روض الجنان، أبو الفتح الرازي [م = 552].
5 ـ فقه القرآن، الراوندي [م = 573].
6 ـ متشابه القرآن ومختلفه، ابن شهر آشوب [م = 585].
7 ـ كنز العرفان، المقداد بن عبدالله السيوري [م = 826].
8 ـ منهج الصادقين، المولى فتح الله الكاشاني [م = 888].
9 ـ زبدة البيان، المحقق الأردبيلي [م = 883].
10 ـ مسالك الإفهام، الفاضل الجواد [م = 1065].
11 ـ قلائد الدرر، الجزائري [م = 1151].
12 ـ الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي [م = 1402].
13 ـ مواهب الرحمن، عبد الأعلى الموسوي السبزواري [م = 1414].
14 ـ مناهج البيان، الشيخ حمد باقر الملكي الميانجي [م = 1418].
ب ـ التفاسير السنية
1 ـ جامع البيان، ابن جرير الطبري [م = 310].
2 ـ أحكام القرآن، الجصاص [م = 370].
3 ـ أحكام القرآن للشافعي، جمع البيهقي النيشابوري [م = 458].
4 ـ أحكام القرآن، الكيا الهراسي الشافعي [م = 504].
5 ـ الكشاف، الزمخشري [م = 538].
6 ـ أحكام القرآن، ابن عربي المالكي [م = 543].
7 ـ كشف الأسرار، الميبدي [م = القرن السادس].
8 ـ التفسير الكبير، فخر الدين الرازي [م = 606].
9 ـ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي [م = 671].
10 ـ غرائب القرآن، النيشابوري [م = بعد 728].
11 ـ اللباب، عمر بن علي الدمشقي الحنبلي [م = بعد 880].
12 ـ روح المعاني، الآلوسي البغدادي [م = 1270].
13 ـ محاسن التأويل، جمال الدين القاسمي [م = 1332].
14 ـ التحرير والتنوير، ابن عاشور [م = 1383].
15 ـ نيل المرام، القنوجي [معاصر].
16 ـ روائع البيان، الصابوني [معاصر].
17 ـ التفسير المنير، الزحيلي [معاصر].
القسم الثاني ـ الرسائل المؤلفة في رؤية الهلال
يتضمن هذا القسم ما يقرب من ثلاثين رسالة فقهية لفقهاء الشيعة منذ زمان الشيخ المفيد وحتى الآن، وهذه الرسائل كما يلي:
1 ـ جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية، الشيخ المفيد [م = 413].
2 ـ الرد على أصحاب العدد، السيد المرتضى [م = 436].
3 ـ مفتتح الشهور، العلاّمة المجلسي [م = 1110].
4 ـ رؤية الهلال قبل الزوال، سراب التنكابني [م= 1124].
5 ـ رسالة في حكم الحاكم في رؤية الهلال، مير محمد صالح الخاتون آبادي [م = 1126].
6 ـ تحقيق الحال في رؤية الهلال قبل الزوال، محمد حسين النوري [حي حتى 1129].
7 ـ رؤية الهلال قبل الزوال، محمد جعفر محمد باقر السبزواري [حي حتى 1127].
8 ـ تعيين غرّة شهر رمضان، محمد هادي بن صالح المازندراني [م = 1134].
9 ـ الرسالة الهلالية، محمد إسماعيل الخاجوئي [م – 1173].
10 ـ تعيين ليلة القدر، محمد إسماعيل الخاجوئي [م = 1173].
11 ـ الرسالة الهلالية، محمد رحيم بن محمد جعفر السبزواري [م = 1181].
12 ـ رسالة في رؤية الهلال، الوحيد البهبهاني [م = 1205].
13 ـ حكم رؤية الهلال قبل الزوال، السيد أبو القاسم الموسوي الخونساري [م = 1211].
14 ـ رؤية الهلال قبل الزوال، الطارمي الزنجاني [م = 1268].
15 ـ الرسالة الهلالية، محمد بن أبي الحسن الشهدادي [م = 1305].
16 ـ نهج الإعلان، علي بن عبدالله التبريزي العلياري [م = 1327].
17 ـ اختلاف البلدان في رؤية الهلال المحقق الداماد [م = 1388].
18 ـ كفاية رؤية الهلال في البلاد البعيدة، المدني الكاشاني [م = 1412].
19 ـ رسالة حول مسألة رؤية الهلال، العلاّمة الطهراني [م = 1416].
20 ـ رسالة في ثبوت الهلال، السيد محمد جعفر المروج [م = 1418].
21 ـ رسالة رؤية الهلال قبل الزوال، أية الله السيد محمد علي الأبطحي [م = 1422].
22 ـ ثبوت الهلال، حجة الإسلام السيد محمد الحسيني [معاصر].
23 ـ رسالة حول رؤية الهلال، آية ا لله أبو القاسم الخزعلي [معاصر].
24 ـ الهلالة، حجة الإسلام علي الزماني القمشئي [معاصر].
25 ـ الهلال، حجة الاسلام كمال زهر [معاصر].
26 ـ رسالة في اشتراط وحدة الأفق وعدمه، آية الله جعفر السبحاني [معاصر].
27 ـ اشتراط اتحاد الأفق في ثبوت الهلال، حجة الإسلام محمد السند [معاصر].
28 ـ ثبوت الهلال بحكم الحاكم، حجة الإسلام محمد السند [معاصر].
29 ـ رسالة في اعتبار اتفاق الأفق في إثبات رؤية الهلال، آية الله حسن القديري [معاصر].
30 ـ الرسالة الهلالية، آية الله الهاشمي الشاهرودي [معاصر].
القسم الثالث ـ آراء الفقهاء في رؤية الهلال
وهذا القسم يشتمل على نقل آراء فقهاء الشيعة من البداية وحتى يومنا هذا، حيث تمّ جمع أكثر من مئتي كتاب فقهي مخطوط ومطبوع، استدلالي وفتوائي.
ويجدر القول بأن بعض الفقهاء كالشيخ الطوسي والعلاّمة الحلي والشهيدين لهم مؤلفات كثيرة جداً، وقد بحثوا عن الهلال في مواضع مختلفة منها. وقد تمّ عرض المباحث المرتبطة بالموضوع من تلك الآثار بعد التصحيح والاستخراج.
ونضيف إلى ذلك أنّ قسماً كبيراً من مصادر هذا القسم مخطوط أو مطبوع بالطبعة الحجرية وقد تمّ جمعها وتصحيحها بمشقّة مضنية.
ثم أنّ المؤلفين الذين انعكست آراؤهم في هذا القسم قد تجاوز عددهم المئة، وهذا ما يكشف عن مدى الجهود الكبيرة التي بذلت لاستقصاء الآراء في المسألة.
القسم الرابع ـ البحوث الهيئوية في رؤية الهلال
لقد تناول القدماء وكذا المعاصرون المسائل الهيئوية والرياضية المرتبطة بموضوع الهلال بالبحث والتحقيق. وقد عرضنا في هذا القسم خلاصة عن التحقيقات الهيئوية لهؤلاء العلماء في رؤية الهلال، نظير أبي ريحان البيروني. وأعددنا فهرستاً لبعض هذه البحوث كما هو مدرج أدناه:
1 ـ موضوع كتابة التقويم في إيران ومسألة رؤية هلال الشهر.
2 ـ رؤية هلال الشهر واحتمالها وضرورة التقويم في القانون الإسلامي.
3 ـ تحقيق واحدة من ضوابط رؤية هلال آخر رمضان عام 1412هـ.ق.
4 ـ لماذا يقع الاختلاف بين التقاويم القمرية؟
5 ـ اختلاف أفق إيران والحجاز.
القسم الخامس ـ ببلوغرافيا رؤية الهلال
لقد تقدّم في القسم الثاني إحصاء ما يقرب من ثلاثين رسالة في تحقيق الهلال، بيد أن علماء الشيعة قد دوّنوا رسائل عديدة في هذا المجال ولكنها تلفت بمرور الزمان ولم تصل إلينا.
وقد قمنا بالتعريف بهذه الرسائل المفقودة بشكل مفصّل. هذا بالإضافة إلى أن بعض الرسائل الموجودة والمنشورة أخيراً ـ لأسباب ما ـ لم يكن من المناسب تحقيقها وإيرادها في القسم الثاني حاولنا تعريفها جيداً هنا مع خلاصة لمراد مؤلّفيها.
القسم السادس ـ رؤية الهلال لدى المذاهب الأخرى
لقد دوّن أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى من أهل السنّة والفاطميين كتباً كثيرة في موضوع الهلال، ولديهم محققون كثيرون في هذا المجال.
وقد قمنا بالتعريف بتلك التحقيقات في هذا القسم، وتصدّينا لتصحيح بعض تلك التحقيقات كنموذج وأدرجناه ضمن هذا القسم.
ومما لا يخفى أن المراجعة لفقه السُنّة يعدّ أمراً لا محيص عنه في سبيل الفهم الصحيح لأحاديث الشيعة وفقههم.
القسم السابع ـ أحاديث رؤية الهلال
لقد قمنا في هذا القسم باستخراج وتدقيق وتقسيم جميع الأحاديث المرتبطة برؤية الهلال، كما ابتكرنا تبويباً جديداً لها، وكذلك فسّرنا الألفاظ المبهمة فيها بصورة واضحة. كما تصدّينا لبحث هذه الأحاديث متناً وسنداً بشكل مفصّل.
الشيخ رضا المختاري
تطور المنحى العقلي لفقهاء الحلة
إبن إدريس
بالرغم من التغيرات التي طرأت على بغداد وبعض المدن الأخرى قبل سيطرة الخليفة الناصر لدين الله على الحُكم، فإنّ مدينة الحلة التي أصبحتُ منذ أن بناها سنة 495هـ/1102م سيف الدولة صدقة ابن بهاء الدولة المزيدي (479 ـ 501هـ/1087 ـ 1107م))[852]( مركزاً للشيعة الامامية قرابة خمسة قرون، كانت على ما يبدو في منأى عن الصراع وقد أصبح فقهاؤها محافظين على طريقتها المنهجية في الدراسة والتدريس، وغير خاضعين للتحولات السيايسة التي أفرزها الحكم السلجوقي.
إلاّ أنّه على الصعيد العلمي بقيت روح التقليد سائدةً، كما بقيت الآراء الفقهية مستقرة بشكل لا يخُرجها عن الإطار العام، والتركة التي خلّفها فقهاء بغداد، إلى أن بدت في الأفق محاولات لكسر الجمود. فقد ظهر محمد بن أحمد بن إدريس الحلّي (543 ـ 598هـ/1148 ـ 1201م) متمرداً على روح التقليد السائد، ومحاولاً أن يُشخّص «الركود» تشخيصاً جعل من شيخ الطائفة الطوسي، وهو جدّه لأمه، هدفاً له في تهشيم آرائه والحدّ من قدسيته المتوارثة. فشرع، في تأليف كتاب فقهي كبير أسماه السرائر (الحاوي لتحرير الفتاوي)، يُظهر براعته العلمية وإمكانياته في محاججة آراء الطوسي، والإضافة إليها إضافات جعلت من آرائه نقطة تحوّل في تاريخ الدراسات الفقهية الشيعية الإمامية.
وقد رافق نشاط إبن إدريس نشاطٌ آخر قام به أبو المكارم حمزة بن علي الحسين إبن زهرة الحلبي (ت: 585/1189م) في بلاد الشام، وبالتحديد في مدينة حلب. غير أن علماء حلب من بعده لم يبلغوا في علم الأًول مبلغ علماء الحلّة، بل كانوا عيالاً عليهم. فقد كتب إبن زُهرة كتاباً في علم الأصول سبق ذكره، وهو كتاب «غُنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع»، ويُعتبر هذا الكتاب من الناحية التاريخية معاصراً إلى حدّ ما لكتاب السرائر لإبن إدريس.
وقد وُجدت ظواهر مشتركة بين فقه إبن إدريس وفقه ابن زُهرة تميزهما عن عصر التقليد المطلق للطوسي، وهذه الظاهرة المشتركة هي الخروج على آراء الطوسي، والأخذ بوجهات نظر تتعارض مع موقفه الأصولي أو الفقهي.
وكما حاول ابن إدريس تفنيد ما جاء في فقه الطوسي من أدلة كذلك ناقش ابن زُهرة الأدلة التي جاءت في كتاب «العُدّة» الذي ألّفه الطوسي، مستدلاً على وجهات نظر متعارضة. وكان مضافاً إلى ذلك يُثير مشاكل أصولية جديدة لم تكن مثارة من قبل في كتاب «العُدّة». من ذلك مسألة دلالة الأمر على الفور. فقد كان الطوسي يقول بدلالته على الفور، وأنكر إبن زهرة ذلك، وقال: «إن صيغة الأمر حيادية لا تدلّ على فور، ولا تراخ». إلى غير ذلك من المسائل العلمية الجادة؛ الأمر الذي يُشير إلى أن الفكر العلمي بدأ بعملية اتساع ونمو ضمن إطاري الفقه والأصول مما جعله يرتقي لأول مرة في محاججة آراء الطوسي العلمية، أو التفاعل معها بشكل لم يكن مألوفاً من قبل.
كانت بين إبن زهرة وإبن إدريس مكاتبات. وأشار إبن إدريس إلى لقاء تمّ بينهما، وإلى بعض المراسلات، حيث ذكره في كتابه «السرائر» ناقلاً بعض آرائه الفقهية بقوله: «شاهدته ورأيته وكاتبته وكاتبني وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ، فاعتذر بأعذار غير واضحة»، مما يدل على أنّ ابن إدريس كانت له انتقادات حتى على معاصريه من الفقهاء بالرغم من المنحى المشترك الذي يتسمُ كلاهما به)[853](.
وقد نهج إبن إدريس في حملته منهجاً علمياً بحتاً اعتمد شطرا ًمنه على نقد الطوسي، ومحاولة تجاوز معطياته الفقهية، كما لاحظ من جهة أخرى الوضع العام الذي يعيشه فقهاء الإمامية، وعدم مقدرتهم على تخطي التركة العلمية التي خلّفها الطوسي؛ فكان حذراً بالرغم من الشدة التي انتهجها في نقده من إثارة حفيظة «المقلّدة» ولجوئه إلى المحاججة التي لا تُثير مشاعرهم في بعض الأحيان.
ومن خلال الجرأة التي تميّز بها إبن إدريس في رد آراء الطوسي، ومحاولة كسر الطوق الذي فُرض على المسلك العلمي بعده، فقد تعرّض للانتقاد الشديد، ولم يرتضِ شدّته كثيرٌ من الذين دعموا مسلكه العلمي وارتضوه.
وقد أكثر فقهاء عصره ومَنْ تأخر عنهم الطعن في أقواله. قال فيه سديد الدين الحمصي: «إنّه مخلط لا يُعتمد على تصنيفه»)[854](. كما نُسب للعلامة الحلي أنّه عبّر عنه بالشاب المترف)[855](.
وبالرغم من الهجوم الذي شنّه فقهاء عصره ومَن تبعهم، إلاّ أنّ صورته كفقيه كبير بقيت لم تتغير كما حصل ذلك مع إبن الجُنيد. وقد أُعيد التقدير إلى جهوده من قِبل بعض الفقهاء الذين جاؤوا بعده حيث أثنوا على كتابه السرائر، وعلى ما رواه من كتب المتقدّمين وأصولهم، والسبب يرجع إلى أنّه استطاع أن يبعث في الاجتهاد التأمل في الأدلة، وبذلك نضج فقه أهل البيت بما فيه من المأثورات الكثيرة، وبما فيه من المسائل المُجمع عليها، وما هو غير مجمع عليه، فظهر الصحيح من الروايات)[856](. كما أن كتاباته لم تكن خارجة على العُرف المذهبي، بل بقيت محافظة ضمن نطاق المذهب، الأمر الذي دفع شبهة الاعراض عنه والمبالغة في الانتقام منه.
من هنا وُصف ابن إدريس بأنّه كان «فقهياً أصولياً بحتاً، ومجتهداً صِرفاً»)[857](، وهذا الوصف بحد ذاته شهادة كبيرة لمسلكه الاجتهادي، خصوصاً وقد صدر عن عالم أخباري متأخر يختلف عنه في المسلك، وهو الشيخ يوسف البحراني (1107 ـ 1186هـ/1696 ـ 1772م)، وهو يحكي مقدرة ابن إدريس العقلية ومكانته في عالم الاستنباط الفقهي، الأمر الذي جعله من حملة لواء النهضة القائمة على النقد.
لم يكتف ابن إدريس في كتابه (السرائر) الذي عُرف به، ببيان آرائه الفقهية، بل ذكر في كل فرع الأساس الأصولي للمسألة أيضاً، وربما ذكر أحياناً عدة مسائل أصولية في فرع واحد)[858](، وهذا يعني أن الفكر العلمي كان قد نما واتسعَ بكلا جانبيه الأصولي والفقهي مما جعل نموهما يسيران في خطين متوازيين، لا يتخلّف أحدهما عن الآخر تخلّفاً كبيراً لِما بينهما من تفاعل وعلاقات)[859](.
وعلى ذلك فإنّ مخالفة ابن إدريس لمَن سبقه لا تنحصر بطريقة الاستنتاج فقط، بل تتعدّاها إلى مخالفة أصول الاستنباط، وأسسه أيضاً.
عمد ابن إدريس في كتابه هذا إلى ذكر آراء الشيخ الطوسي نقلاً عن مؤلفاته (النهاية) و(المبسوط) وكتب أخرى، إلاّ أن ابن إدريس لم يكن هدفه نقل الآراء فقط، بل استهدف تسليط أضواء النقد عليها. ولم يكن نقدُهُ على شيخ الطائفة فحسب بل تعدّاه إلى مقلديه وتابعيه، وكأنّه كرّس فصول الكتاب لانتقاد الطوسي وأتباعه)[860](.
وقد لاحظ السيد محمد باقر الصدر ملاحظتين مهمتين في مقارنته بين كتابي السرائر لابن إدريس والمبسوط للطوسي.
الأولى: إنّ كتاب «السرائر» يبرز العناصر الأصولية في البحث الفقهي، وعلاقتها به بصورة أوسع مما يقوم به كتاب «المبسوط». فقد أبرز ابن إدريس في استنباطه لمسألة (أحكام المياه) ثلاث قواعد أصولية وربط بحثه الفقهي بها. بينما لا نجد شيئاً منها في أحكام المياه في كتاب «المبسوط»، وإن كانت بصيغتها النظرية العامة موجودة في كتب الأصول قبل إبن إدريس.
الثانية: إنّ الاستدلال الفقهي لدى ابن إدريس أوسع منه في كتاب «المبسوط»، وهو يشتمل في النقاط التي يختلف فيها مع الطوسي على توسّع في الاحتجاج وتجميع الشواهد، حتى أن المسألة التي لا يزيد بحثها في المبسوط على سطر واحد قد تبلغ في السرائر صفحة كاملة.
ومن ذلك مسألة طهارة الماء المتنجس إذا تمّم كرّاً بماء متنجس أيضاً. فقد حكم الشيخ في المبسوط ببقاء الماء على النجاسة، ولم يزد على جملة واحدة في توضيح وجهة نظره. أمّا ابن إدريس فقد اختار طهارة الماء في هذه الحالة، وتوسع في بحث المسألة ثم ختمه قائلاً: «ولنا في هذه المسألة منفردة نحو من عشر ورقات قد بلغنا فيها أقصى الغايات، وحججنا القول فيها والأسئلة والأدلة والشواهد من الآيات والأخبار».
ويُلاحظ في النقاط التي يختلف فيها إبن إدريس مع الطوسي اهتماماً كبيراً منه باستعراض الحجج التي يمكن أن تُدعم وجهة نظر الطوسي، وتفندها. وهذه الحجج التي يستعرضُها ويُفندها إمّا أن تكون من وضعه وإبداعه يفترضها افتراضاً ثم يُبطلها لكي لا يُبقي مجالاً لشبهةٍ في صحة موقفه، أو أنّها تعكس مقاومة الفكر التقليدي السائد لآراء ابن إدريس الجديدة. أي أنّ الفكر السائد استفزّته هذه الآراء، وأخذ يُدافع عن آراء الطوسي. فكان ابن إدريس يجمع حجج المدافعين ويفنّدها. وهذا يعني أن آراء ابن إدريس كان لها رد فعل وتأثير معاصر على الفكر العلمي السائد الذي اضطره للمبارزة)[861](.
من جهة أخرى فإنّ الفترة الزمنية الممتدة بين عصر الطوسي وعصر ابن إدريس أفرزت كثيراً من المسائل المتجددة والأسئلة الفقهية التي تتطلب أجوبةً حاسمة.
المحقق المحلي
إن الاتجاه الاجتهادي الحاد الذي تركه ابن إدريس الحلّي في الفقه ولّد نفس ردّة الفعل من الاتجاه الذي ولّده الشريف المرتضى في الفقه قبله في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي؛ وإلاّ أنّ تلك الصدمة امتصّها الطوسي بمحاولته تخفيف هذه الحدّة بشكل محافظ، بيدَ أنّ الاتجاه الذي خلّفه ابن إدريس بالرغم من محاولة المحقق الحلّي المتّزنة لرفع هذا الأثر، فإنّه ترك ردود فعل عند فقهاء آخرين كان لهم إتجاه مُغاير لما درجَ عليه أصحاب مدرسة الاجتهاد.
وقد ظهرت ردود الفعل هذه على يد رضيّ الدين علي بن طاووس (ت: 664هـ/1266م) باتجاهه السلفي المحض، فقد أُثرَ عنه أنَّه ألّف كثيراً من الكتب في الأدعية دون الفقه لتورّعه عن الفتوى)[862](، وأدخل أحاديث ومرويات كثيرة اعتُبر على أساسها كاتباً مغالياً قلّ أن تؤخذ رواياته بجديّة)[863](.
وقد جسّد ابن طاووس الاتجاه السلفي في مؤلفاته بكلّ معانيه، وحفاظاً على منهجه تعرّض إلى انتقاد الشريف المرتضى لاشتغاله بعلم الكلام، وكذلك لتقرّبه من السلطان)[864](.
ويبدو أنه كتب نقده هذا قبل دخول هولاكو إلى العراق، وإلاّ لخفّف من انتقاده للمرتضى في بعض المسائل التي ألجأته الأيام أن يُشارك المرتضى بها.
ولم يكن لهذا الاتجاه أثرٌ ما دام واقعاً في دائرة النظر والتأمل والرأي الشخصي، خصوصاً بعدما أصبح أقلّ حدّة على يد أخيه جمال الدين أحمد بن طاووس (ت: 672هـ/1273م) الذي وصفته المصادر بأنّه «فقيه أهل البيت»، وأنّه «حقّق الرجال والرواية والتفسير»)[865](.
وقد نُسب إليه تقسيم الأخبار إلى أقسامها الأربعة: «الصحيح، الموثّق، الحَسن، الضعيف»)[866](، بالرغم من أنّ بعض الباحثين ذهب إلى أنّ ابن طاووس كان منقّحاً لأصل التنويع لا مُحدثاً له فقد كان ثابتاً لدى القدماء)[867](؛ فإنّ الأخباريين شجبوا تنويع الحديث، وأصرّوا على إثبات صحة جميع أخبار الكتب الأربعة لأنّها محفوفة بقرائن تُفيد الوثوق بصدورها عن المعصوم)[868](.
ولم تتهيأ للأخباريين شخصية يمكن أن يثأروا منها في القرون اللاحقة سوى شخصية العلاّمة الحلّي، فقد نسبوا إليه هذا التنويع، واتهموه باتهامات شنيعة دون أن يتعرّض إبن طاووس لأيّ نقد.
وربما كان اتهام العلاّمة الحلّي نابعاً من محاولة الأخباريين التبرء من الوضع السياسي الذي كان عليه العلاّمة، ومحاولتهم فصل الفقه عن السياسة بشكل عملي، وذلك بعد سقوط الدولة الصفوية)[869](.
وقد ادّعت بعض المصادر الشيعية وأغلب الدراسات الغربية أنّ العلاّمة الحلّي هو أول مَن وضع قواعد تقسيم الحديث الأربعة)[870](.
وبناءً على ملاحظة العلاّمة نفسه فإنّ أحمد بن طاووس هو أول مَن لاحظ هذا التقسيم. وعليه فإنّ العلاّمة هو أول مَن طبّق التقسيم في المسائل الشرعية)[871](.
جهود المحقق الحلي العلمية
بدأت الحركة الاجتهادية بعد ابن إدريس بالاتساع، ولاحت بوادر جدية لبلورة بعض المفاهيم العلمية، وخلق مفاهيم أخرى لم تكن مألوفة من قبل. ويُعتبر نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن الحلّي المُلقّب بالمحقق (ت: 676هـ) الشخصية المتزنة التي حظيت بالاحترام لما تمتّعَ به من قدرات عالية أضافت إلى الفقه إضافات جديدة.
ولقب (المحقّق) الذي لحقه واتصف به لم يكن متأتياً إلاّ من جهوده في مجال الفقه. فإذا أطلق الفقهاء هذا اللقب بصورة عامة كان هو المقصود به. لذاك قيل عنه: «إنّه محقّق الفقهاء، ومدقّق العلماء وأول مَن نبع منه التحقيق في الفقه، وعنه أُخذ»)[872](. وقد ازدهرت الحركة العلمية في عصره حتى صارت الحلّة من المراكز العلمية في البلاد الإسلامية، وتخرّج على يديه نخبة من العلماء. نُقل أنّ مجموعة كبيرة من المجتهدين بلغوا أربعمائة مجتهد تخرّجوا عليه، الأمر الذي لم يكن متفقاً لأحدٍ من الفقهاء قبله)[873](. وكان من أظهر تلامذته إبن أخته الحسن بن المطهّر الحلّي المعروف بالعلاّمة الحلّي (ت: 726هـ/ 1325م).
ترك المحقّق الحلّي تأثيراً كبيراً على أتباعه من الفقهاء بعد مساهمته الجادة بتنقيح المسائل، وتقسيم الأبواب الفقهية. وقد جعله نفوذه هذا متعاملاً مع ما قدمه الشيخ الطوسي من نتاج فقهي وفق القواعد الخاضعة للتدقيق والتنقيح مستفيداً من دفاعه عن شيخ الطائفة، ومن الاعتراضات التي أوردها ابن إدريس على مؤلفاته.
كما أنّه استطاع أن يُغيّر المناهج الدراسية باستبدال كتابه الفقهي المُسمّى «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» بكتاب (النهاية) للطوسي، لما رآه من ضرورة نقل الفقه إلى دائرة أوسع مما كان عليه، لأن كتاب الطوسي لم يتعدّ إيراد أمهات مسائل الفقه، وأصوله، في حين أنّ كتاب الشرائع اشتمل على التفريع، وتخريج الأحكام. فإن إقرار كتاب الشرائع رسمياً في الدراسة الفقهية والعناية به بحثاً وتعليقاً قاد إلى توسيع مناهج الاستنباط والتصنيف.
وقد إهتم الفقهاء منذ عهد تأليف الشرائع اهتماماً كبيراً به، ولا يزال من الكتب التي عليها مدار الدراسة في مراكز العلم، وقد اعتمد عليه الفقهاء خلال القرون العديدة، ووضعوا شروحاً عليه بين مختصر ومطوّل، بل إنّ معظم الموسوعات الفقهية الضخمة التي أُلّفت بعد عصر المحقّق هي شروح له)[874](، تميز بعضها بالاختصار مرّة، وبالاستدلال والتفريع مرة أخرى. ولا يزال هذا الكتاب إلى اليوم يحظى بعناية الدارسين بشكل لم يُفقده حيويته وجدتَهُ.
حاول المحقق الحلّي أن يلمّ بأطراف الموضوعات الفقهية المتناثرة حسب تقسيمات الفقهاء السابقين له، وأن يجعلها مندرجة في تقسيمات محددة تسهل الإحاطة بها، فعمد إلى وضع أُسس أربعة لتقسيم الأحكام الفقهية، وقد كان هذا التقسيم مختلفاً بين الفقهاء، وكلُّ فقيه يراه حسب وجهة نظره الخاصة. وقد أصبح نهج المحقق الجديد متعارفاً عليه في مؤلفات الإمامية منذ عصر المؤلف، ولم يتغير إلاّ على يد الفقيه المعاصر الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر.
أما منهج المحقق الحلّي في التقسيم فقد ظهر في كتاب «شرائع الإسلام» بأربعة أقسام؛ العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام.
فقسم العبادات: يبدأ بكتاب الطهارة، وينتهي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقسم العقود: يبدأ بكتاب التجارة وينتهي بكتاب النكاح.
وقسم الإيقاعات: يبدأ بكتاب الطلاق وينتهي بكتاب النذر.
وقسم الأحكام: يبدأ بالصيد والذباحة، وينتهي بالديّات.
ولعلّ وجه الحصر في هذا التقسيم ناشئ من أنّ المبحوث عنه في الفقه إمّا أن يتعلّق بالأمور الأخروية، أو الدنيوية. فإن كان الأول فهو عبادات. أمّا الثاني؛ فإمّا يحتاج إلى صيغة أو لا يحتاج؛ فغير المحتاج إلى صيغة هو الأحكام كالديّات والميراث والقصاص والأطعمة، وما يحتاج إلى صيغة فقد يكون من الطرفين أو من طرفٍ واحد، فمن طرف واحدٍ يُسمّى: الإيقاعات كالطلاق والعتق، ومن الطرفين يسمى: العقود، ويدخل فيها المعاملات والنكاح. وتبدأ العبادات بكتاب (الطهارة) كمقدمة لها)[875](.
ويلاحظ أنّ هناك اختلافاً عمّا اختاره الفقهاء السابقون له، فقد عدّ الطوسي العبادات الشرعية خمسة: الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الجهاد)[876](، ولم يُفرد لمبحث (الاعتكاف) و(العُمرة) مكاناً مستقلاً. فقد بحث (الاعتكاف) ضمن حديثه عن (الصوم)، وذكر (العمرة) ضمن حديثه عن (الحج). كذلك في مبحث (الخُمس) حيث جعله مبحثاً ضمنياً يندرج تحت كتاب (الزكاة).
أمّا المحقّق فقد أوردَ جميع هذه المباحث العبادية بشكل مستقل، وأضاف إليه مبحثاً آخر وهو مبحث «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، الذي لم يُشر إليه الطوسي ضمن كتاب (الجهاد).
أمّا في مدرسة الاجتهاد المعاصرة فقد بدّل الإمام السيد محمد باقر الصدر بهذا التقسيم تقسيماً آخر فلم يبحث (العبادة المشوبة بالمالية) ضمن مباحث (العبادات) مثل الخُمس والزكاة، بل جعلها في تقسيم جديد يقع تحت عنوان (الأموال العامة)، كما أضافَ (للعبادات المحضة) مبحث (الكفارات)، كما أنّه جعل مبحث (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ضمن تقسيم يندرج تحت عنوان (السلوك الخاص) )[877](.
وعليه فإنّ تقسيم المباحث الفقهية بقي مديناً للجهود العلمية التي وضعها المحقّق الحلّي قرابة ثمانية قرون، والتي دأب الفقهاء على الأخذ بها حتى العصر الحاضر.
الدكتور جودت القزويني
التعرف على التفاسير الفارسية
في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جاءنا منه نورٌ وكتابٌ مبين يهدي به إلى الرشد، والصلاة والسلام على رسوله الذي بين للناس ما نزل إليهم، وعلى آله الذين هم هداة الناس إلى أسرار كتاب الله الكريم.
أنواع التفاسير
تفسير القرآن الكريم، نستطيع أن نقسمه كلياً إلى شعبتين:
1 ـ التفسير الأثري، أو التفسير بـ«المأثور».
2 ـ التفسير بالرأي.
أ ـ التفسير الأثري، أو التفسير بالمأثور
في هذه الأنواع من التفاسير، ولأجل فهم مضامين القرآن الكريم، يلجأ المفسرون إلى الاستناد إلى الروايات والأحاديث في تفاسيرهم، حتى أن البعض منهم يذكر نص الحديث في تفسيره، كتفسير «البرهان» لـ(ميرزا هاشم البحراني) بينما يكتفي البعض الآخر بالتفسير بالاستناد إلى هذه الروايات والأحاديث دون التطرق لذكر متون أو نصوص هذه الروايات والأحاديث.
إلا أن جميع تفاسير صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمدة تفاسير التابعين وبعض التفاسير في العصور المختلفة كانت بشكل تفاسير أثرية، لكن بفارق أنه في عصور ما بعد التابعين وبسبب كثرة الاختلاف في الروايات المأثورة لجأ بعض المفسرين من غير الشيعة أمثال (ابن كثير) و(الطبري) لدراسة هذه الروايات عن طريق الجرح والتعديل والترجيح.
ب ـ التفسير بالرأي:
في التفسير بالرأي هناك أنواع الاستنباطات، والأذواق، والآراء، والخبرة الفردية، والنظرة الشخصية زيادة على الروايات والأحاديث، إضافة إلى طرق أخرى في توضيح وتفسير التعابير القرآنية.
ولعلماء الإسلام في التفسير بالرأي رأيان مختلفان، رأي أباحه والآخر حرّمه، وهنا يجب القول بأن كلا الرأيان ينظران إلى هدف واحد، ألا وهو أن التفسير بالرأي اللامناسب والحرام هو التفسير الذي لا يستند فيه المفسر إلى الأحاديث والروايات، والإدراك، والمعرفة لقواعد اللغة العربية، وأصول الشرع والدين الإسلامي، أو أن يعتمد المفسر على استنباطه الشخصي بدون أن يكون بيده الدليل الشرعي الذي يؤكد به آراءه ونظرياته.
وهناك شروط لجواز التفسير بالرأي)[878]( الذي هو مطلب مسموح وجائز لأن القرآن الكريم نفسه يدعو الناس إلى الاجتهاد والتدبر بالآيات )[879](.
بصورة إجمالية يتوجب القول: إذا كان التفسير بالرأي يحمل جميع الشروط المسموح بها لكنه معارض للأحاديث التي يحتمل أن تكون صحتها ثابتة وقطعية، فإنه تفسير ليس له أهمية دينية، لأن الاجتهاد والاستنباط في مقابل النص غير جائز، لكن إذا لم يكن هناك أي تعارض بين النص القطعي الثابت وبين اجتهاد واستنباط المفسر، بل كان النص والاستنباط يدعمان ويؤكدان بعضهما، كان هذا التفسير خالٍ من أي خطأ مثل أكثر التفاسير المعتبرة وذات الأهمية لدى الشيعة كتفسير «التبيان» لـ(الشيخ الطوسي) و«مجمع البيان» لـ(أبي علي الطبرسي) (رضوان الله عليهما)، أما تفسير «مفاتيح الغيب» لـ (الفخر الرازي). و«أنوار التنزيل» لـ (البيضاوي) فهي لدى أهل السنّة تفاسير لها كامل الأهمية والاعتبار.
بصورة مختصرة إذن نستطيع القول بأن هناك نوعان من التفاسير بالرأي، أحدهما ليس له أي أهمية لفقدانه جميع شروط التفسير بالرأي، والآخر له كامل الأهمية والاعتبار لاحتوائه على جميع شروط التفسير بالرأي.
نماذج من التفاسير الفارسية لـ«المأثور» في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين.
1 ـ آثار الأخبار:
هذا التفسير من (أبي الحسن علي بن حسن الزواره أي الأصفهاني)، كان تلميذاً (لغياث الدين جمشيد الزواره إي)، و(المحقق الكركي)، وكان يعاصر الملك (طهماسب) سنة (930 ـ 984هـ).
الكتاب المذكور ترجمة عن تفسير الإمام الحسن العسكري عليه السلام (م 260هـ) وأصل التفسير بالنص العربي برواية أبي يعقوب محمد بن زياد، وأبي الحسن علي بن محمد السيار، الذي املاه الإمام الحسن العسكري عليه السلام عليهما ودوناه.
الزواره إي قام بترجمة هذا التفسير إلى اللغة الفارسية بأمر من الملك إضافة إلى ترجمة كتاب «الإحتجاج على أهل اللجاج» لـ (أبي منصور الطبرسي) و«المناقب» و(إبن شهرآشوب السروي) وكتاب «ترجمة الخواص».
2 ـ ترجمة الخواص:
وهو عن الزواره إي، ويقال له «تفسير الزواره إي» وهو تفسير في مجلدين:
الأول: من أول القرآن الكريم حتى سورة الكهف.
الثاني: من سورة الكهف حتى آخر القرآن الكريم.
التفسير مختصر وقصير ويشمل الأخبار، والأحاديث التي أنزلت بشأن أئمة الشيعة عليهم السلام وقد فسر الزواره إي فيه سورة الفاتحة بالتفصيل، وأتم الكتاب في سنة (947هـ.ق)، وكتب في خاتمته شعراً بالفارسية ترجمته:
بفضل الله لقد أتمم
وتاريخه بفضل الله، المعين
فضل الله (974هـ.ق)
3 ـ تفسر الأئمة لهداية الأمة:
هذا التفسير من ملا محمد رضا بن عبد الحسين النصيري الطوسي (منشئ الممالك) كما نظم كتاب «كشف الارتياب» للقرآن الكريم سنة 1067هـ. التفسر الذي نتحدث عنه يتكون من عشرين مجلداً، الأول منها بعشرين فصل في مقدمات التفسير، وتفسير سورة الفاتحة، وعدة آيات من سورة البقرة إلى (هم يوقنون).
طريقة النصيري في هذا التفسير أنه يبدأ بترجمة الآية للفارسية ثم يفسرها بالاستناد إلى الأحاديث والروايات بنقلها (الروايات والأحاديث) إلى الفارسية أولاً. أما المواضيع المتعلقة بالآيات من قبيل الفضائل، والخواص، والنزول، وما شابه فقد وضعها فيما بعد في فصول.
ويعتمد هذا التفسير على كتب الحديث مثل «الاحتجاج على أهل اللجاج» لـ (أبي منصور الطبرسي) و«مكارم الأخلاق» لـ (أبي منصور حسن فضل الطبرسي). وغيرهما، وغالباً ما ينقل عن «تفسير العياشي» و«البيضاوي».
النصيري ذكر في هذا التفسير كل التفاسير المنسوبة للإمام الحسن العسكري عليه السلام وجميع تفاسير الأصل والنص ومختصر تفسير علي بن إبراهيم القمي.
4 ـ جلاء الأذهان وجلاء الأحزان:
وهذا التفسير في قسمين:
الأول: جلاء الأذهان لـ (أبي المحاسن حسين بن حسن الجرجاني).
الثاني: تفسير «غازر» (كازر) لـ(غياث الدين جمشيد الزواره إي) المعروف بالسيد «غازر».
مؤلفا هذان التفسيران أخذا عن أحاديث أهل البيت عليهم السلام، يبدآن بآيات من القرآن ثم يترجمانها ويفسرانها، وفي بعض الأحين يذكران أصل ونص الرواية.
وفي أحيان أخرى ينقلان الترجمة بالفارسية فقط، ويلاحظ ذكر أسماء بعض المفسرين في هذا الكتاب كـ (ابن عباس) و(قتادة) وغيرهما.
والتفسير المذكور له مقدمة بسبعة فصول، وأحياناً يتناول الحديث في شأن نزول الآيات الكريمة، ناهيك عن بحث القراءة، والتجويد وذكر فضائل السور قبل نقلها.
والتفسير المذكور يعد من التفاسير والمراجع الشيعية المعتبرة وذات الأهمية التي يرجع إليها الكثير من المفسرين.
أنواع التفسير بالرأي
1 ـ تفسير بالكلام:
عدد من المفسرين، بل معظمهم ـ بعد أن نشأت المذاهب المختلفة المرتبطة بأصول العقائد ـ كان يسعى لأن يستخرج العقائد والآراء الخاصة بعقيدته ومذهبه من الآيات القرآنية الكريمة، ونجد جماعة من المفسرين كانوا يحاولون استغلال كل فرصة للاستحواذ بالآيات القرآنية ـ حتى النقط والمسائل الأدبية في القرآن الكريم ـ من أجل إثبات حقانيّة وصوابية عقائدهم، ويمكننا أيضاً مشاهدة بروز حتى الجانب الكلامي في هذه التفاسير.
وأهم وأشهر التفاسير التي تظهر أصول العقائد المذهبية بالاستناد إلى الآيات القرآنية هو«الكشاف» لـ (جار الله الزمخشري)، وهدفه النهائي تثبيت المذاهب الاعتزالية.
التفسير الكلامي الآخر، كتاب «مفاتيح الغيب» أو (التفسير الكبير)، لـ (الإمام فخر الدين الرازي)، والبارز في هذا التفسير، الجوانب العقلية، والمسائل المرتبطة بأصول العقائد، وهو يدافع بشدة في تفسيره عن عقائد أهل السنّة والجماعة.
2 ـ التفسير الفلسفي:
في أواخر حكومة الأمويين وخاصة في عصر حكومة العباسيين ترجمت أكثر الكتب الفلسفية اليونانية إلى اللغة العربية، قسم من المسلمين كان عندما يطالع هذه الكتب يلاحظ بأن مسائلهم ليست موافقة للروح الدينية وفي الحقيقة كانوا يتلفونها لأنها معارضة للقرآن والنصوص المذهبية.
(الغزالي) وكذلك (فخر الدين الرازي) في بعض آثارهم يتعرضون لهذه النظريات الفلسفية اليونانية ويقولون بأن أكثر هذه الآراء والنظريات مخالفة لنصوص القرآن الكريم والدين، وفي حدود إمكانياتهم العلمية كانوا يتصدون لهذه الآراء مفندين لها.
لكن البعض الآخر من المسلمين ـ مع ملاحظتهم الخلاف بين الآراء الفلسفية والدينية كانوا إلى حد ما يقبلون هذه الآراء ويسعون للجمع بين الدين والفلسفة، ثم أنهم بيّنوا أن الوحي والشرع وطرق العقل والفلسفة ليس فيها أي تناقض بل إنها مؤيدة ومؤكدة بعضها البعض الآخر.
أصحاب الفلسفة ـ نظراً لإيجاد المطابقة والتوافق بين الدين والفلسفة ـ كانوا أحياناً يتأولون النصوص الدينية بشكل يتناسب وعقائدهم ويوجهونها حسب الآراء الفلسفية، وفي بعض الأحيان كانوا يشرحون أساس النصوص الدينية حسب الآراء الفلسفية ويضعون النظريات العقلية حاكمة على الحقائق الدينية، وواضح أن آثار الطريقة الأخيرة أسوأ كثيراً من الطريقة الأولى.
(الفارابي) وضع بعض الآيات والحقائق الدينية بتعبير فلسفي محض )[880](، وفي رسائل إخوان الصفا نجد جزءاً من الآيات القرآنية والاصطلاحات الدينية مشروحاً بتعبير فلسفي محض ـ ففي حديث عن «الجنة والنار» يكتبون:
الجنة هي عبارة عن عالم الأفلاك، والنار عبارة عن العالم الموضوع تحت فلك القمر ـ يعني هو عالم الدنيا)[881](.
إبن سينا في ذكر آية من سورة (الحاقة) ومضمون الآية (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية)، يكتب القصد من العرش الفلك التاسع الذي يسمى فلك الأفلاك، والملائكة الثمانية ـ الذين يحملون عرش الإله ـ يعني الأفلاك الثمانية التي تقع تحت الفلك التاسع)[882](.
3 ـ التفسير العرفاني:
بعض العرفاء والمتصوفة يعتبرون التصوف والعرفان مبتنى على المسائل النظرية والمباحث الفلسفية ويفسرون القرآن الكريم بمستوى نظرياتم وتعاليمهم وأذواقهم الخاصة، ويجب القول هنا بأن القرآن الكريم والمفاهيم القرآنية بعيدة ومعارضة لنظريات وآراء وأذواق العرفاء والمتصوفة وأن القرآن الكريم لم ينزل من أجل إثبات وتأييد آراء ونظريات مذهب معين.
إلا أن الصوفي العارف يسعى لوضع نظرياته خلال تفسير الآيات القرآنية، ولذلك فهو يحاول أن يأخذ بعض ما ورد في القرآن الكريم ليجعله شاهداً ودليلاً له يستند إليه.
وأشهر تفسير صوفي هو التفسير الذي ينسبونه إلى (محي الدين بن عربي) (م638 هـ.ق) )[883](. وهو يكتب في تفسير آية (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً))[884](. (إن الذين كفروا بآياتنا): يعني الناس الذين بقوا محجوبين عن صفات الجلالة والأفعال (أفعال الله).
(سوف نصليهم نارا): يعني نصليهم في نار بلاء حُب المال، لأن غرائزهم تقتضي هذا الأمر بحسب استعدادهم.
(كلما نضجت جلودهم): يعني كلما تساقطت عنها الأحجبة وجلودهم الجسمانية بدلناهم جلوداً غيرها.
(ليذوقوا العذاب): يعني ليذوقوا عذاب الحرمان منا والفراق عنا.
(إن الله كان عزيزاً حكيما): يعني إن الله تعالى قوي وقهار، يقهرهم بذلة صفتهم، ويجعلهم أذلاء بنار الاشتياق التي توصلهم للكمال، ويحرقهم ويعذبهم طبقاً للعذاب والمشقة الذين طلبوهما لأنفسهم وفقاً لحاجة أجسامهم بطريقة أحجبة وجلود بشكل متواتر ومتوالي)[885](.
وفي تفسير (مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان) )[886]( يقول:
البحر هو الغول الجسماني العظيم، وهو مُرّ ومالح، والبحر هو الروح الخالية من الجسم الذي هو جميل وسائغ (يلتقيان): هذا البحران يلتقيان (يعني البحر الجسماني، وبحر الروح) (بينهما برزخ): بين هذان البحران برزخ وهو عبارة عن النفس الحيوانية التي ليست مثل الروح صافية وخالية، وليست مثل الأجساد (الغولية) الوسخة)[887]( (لا يبغيان) كل منهما لا يطغى على الآخر، لا الروح تستطيع أن تجعل الجسم صافٍ مثلها، ولا الجسم قادر على أن يطغى على الروح ويجانسها ويجعلها مثله وسخة، (سبحان خالق الخلق والقادر على ما يشاء): منزه الله سبحانه وتعالى خالق الخلق والقادر على أن يخلق كل شيء)[888](.
وجماعة أخرى من أصحاب التصوف والعرفان ـ بمقتضى الإشارات الخفية التي يستعملونها لسيرهم وسلوكهم ـ يفسرون القرآن الكريم خلافاً لمفاهيمه الظاهرية، وقابلية التطبيق والإبداع في نفس الوقت بين الإشارات وظواهر القرآن الكريم ـ أحياناً ـ تكون كأنها واضحة.
أدلة وحجج العرفاء والمتصوفة في تفسيراتهم
آراء وأذواق مقل هؤلاء العرفاء والمتصوفة، ليست مبتنية على المقدمات العلمية، بل هي مؤسسة على المقدمات العملية، والرياضات الروحية والصوفية التي تصل بهم إلى درجة الكشف والمشاهدة من أي طريق كان، ويصلون إليها بذكائهم وإدراكاتهم الخاصة البعيدة عن الاستدلال ـ في الآيات القرآنية والنصوص الدينية ـ من نفس طرق المشاهدات والمكاشفات هذه.
إذن العرفاء والمتصوفة يبحثون التفاسير الظاهرية ـ أي التفاسير التي يستخلصونها من ظواهر آيات القرآن الكريم ـ ويكتفون بها، وأحياناً ينتقدونها ـ لكن طبقاً لعقيدتهم لأنهم لهم أذواق وآراء خاصة، ثم أنهم يقولون:
لا يجوز أن نكتفي ونستند على تفسير، وشرح وتفصيل آيات القرآن الكريم، لأن هذا العمل يوجب وضع حد للمعاني والمفاهيم الواسعة للقرآن الكريم.
ولكن بما أن معاني القرآن الكريم لا توضع تابعة للألفاظ والتفاسير الظاهرية، وبما أن المقياس والمعيار والأهمية لهذه التعابير وفقاً لعقلنا الجزئي المحدود، فلا بد من وجود قوة أخرى يعبر عنها بـ«القلب والروح»، هي أعلى من العقل، بل أقوى منه وغير محدودة، هذا القلب الذي بلا نهاية وغير محدود هو عرش الله (الإله المربي) العظيم)[889](، وهذا هو القلب الذي يستطيع أن يكون خازن المعاني غير المحدودة، والمفاهيم التي بلا نهاية للقرآن الكريم ويسعها في عرشه الواسع.
ومع أن أكثر العرفاء والمتصوفة لا يدّعون أن مذاقهم ومشربهم يشكل الهدف النهائي لفهم القرآن الكريم، لكنهم يدّعون أن إدراكهم وفهمهم وتنبهاتهم هي الإشارات الإلهية وبراهين العرش، وتفسيرهم الخاص مبني على عقيدتهم بأن «لكل آية ظاهر وباطن»)[890](.
هؤلاء يفسرون حسب التأمل السطحي بظواهر القرآن الكريم، مع أن الفقهاء يستخرجون ويستنبطون الأحكام الفقهية والفرعية من نفس هذه التعابير القرآنية، والآخرين يستكشفون ويستخرجون أكثر الأمور من نفس هذه الظواهر، إلا أن أهل الجوف (الروح) يستخرجون الأسرار والرموز والحقائق المخفية من نفس هذه الألفاظ والتعابير.
بين المفسرين الظاهريين من يهتم بموضوع الآيات القرآنية من اللغة، والعرف، والنحو، والعلم البلاغي، (معاني، بيان وبديع) ـ أسباب النزول، والتشريح والقانون، والقصص، والأحاديث، وأمثالها، أما في تفسير العرفاء والصوفيين فنجد أنهم يهتمون بالأسرار النهائية والرموز المعقدة في الآيات الإلهية.
انتقاد لتفسير العرفاء والمتصوفة
أمثال هذه الاستدلالات والعلل بدعوى العرفاء والمتصوفة، التي تتشكل في نوع وطريقة الحصول على تفسير القرآن الكريم هي مورد انتقاد علماء الإسلام غالباً، خاصة أنها تطعن بالفقهاء وعلماء علوم القرآن الكريم، وفي نظر عدد من المتشرعين بالأخص ـ وبنظر جماعة من الفقهاء، والتفاسير الصوفية والعرفانية ليست لها أي أهمية دينية، ويجب أن لا يستند إليها في أي مسألة شرعية أو دينية ـ أعم من أصول العقائد وفروع الأحكام ـ .
وغير تفسير (محي الدين بن عربي)، أهم وأشهر تفاسير العرفانيين حتى القرن الخامس الهجري كتاب «حقائق التفسير» لـ (السلمي) (م412هـ.ق) وكتاب «لطائف الإشارات» لـ (أبي القاسم القشيري) (م465 هـ.ق) وتفسير سورة الإخلاص وجواهر القرآن للغزالي (م505هـ.ق) السلمي في مقدمة تفسيره يقول ما مضمونه:
بما أني رأيت علماء علوم الظواهر كلاً منهم قد حرر تفسيراً واهتم بشأن القراءة، واللغة، ومشاكل الألفاظ، والمجمع والمفصل، والناسخ والمنسوخ وغيرها. ولم يتوفقوا بفهم الخطاب بلسان الحقيقة إلا في القليل مما ورد في آيات القرآن الكريم، ولقد حضرت كلاماً في تفسير القرآن الكريم وأدعمته بالأسانيد وأقوال المشايخ وأهل الحقيقة.
بعد تأليف «حقائق التفسير» للسلمي، قام جماعة من المعاصرين وحتى العلماء بعد السلمي بالاعتراض عليه وانتقاده واستيعابه، واتهموه بالتحريف وخلق الأحاديث الصوفية والعرفانية والمظاهر الأخرى، وكل من اعتقد أن كتاب السلمي هو تفسير القرآن الكريم بالذات فهو قطعاً قد كفر وخرج عن دينه)[891](.
(الذهبي) يعاتب (السلمي) في شأن «حقائق التفسير» ويتهمه بأنه يأتي بالمصائب وبالتأويلات الباطنية)[892](. وابن تيمية يتهمه بالكذب، والسيوطي يعده من المبدعين، وإنه وضع في تفسيره الآراء السخيفة)[893](، والسيوطي في آخر فصل يكتب عن كلام الصوفية في تفسير القرآن الكريم ويقول:
يقول (تاج الدين بن عطاء) في كتابه «لطائف المنن»:
تفسير هذه الطائفة (يعني العرفاء والصوفية) في شأن كلام الله وحديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بظاهر القرآن الكريم والمفهوم من ظاهر الآية مطابق للعمل والمدلول العرفي لها. ولكن يوجد في الموقف الإفهامي الباطني والإدراك الداخلي الموضوع أو الحديث المفتوح كما أتى في الحديث «لكل آية ظهر وبطن».
وإجمالاً يجب القول: أن التفاسير الفلسفية والصوفية والعرفانية غالباً ما لا يكون لها أي أهمية أو اعتبار بسبب المخالفة الظاهرية للنصوص والأحاديث المأثورة.
نماذج من التفاسير الفارسية الكلامية والفلسفية والعرفانية والصوفية في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين.
1 ـ أحسن القصص ـ أو حدائق الحقائق
من معين مسكين الفراهي (م 907هـ.ق) وهذا التفسير قسم من التفسير الكبير «حدائق الحقائق» في شأن سورة يوسف.
تفسير عرفاني مستخرج من أشعار المؤلفين الآخرين، وذكر فيه من كشف الأسرار والكتب الأخرى وفي المقدمة يذكر:
بعد تفسير سورة الحمد (الفاتحة) أردت أن أفسر سورة آل عمران لكن أصحابي طلبوا مني أن أقدم سورة يوسف على سورة آل عمران، ومن هذا الوجه تفسير سورة يوسف سميتها الحدائق.
وفي النسخة التفسيرية من هذا الكتاب الموجودة عند السيد هادي أشكوري واعظ فسرت سورة الملك إلى آخر القرآن الكريم، ومع تفسير آية (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا))[894]( بصفتها أنها بشأن أمير المؤمنين علي، وأهل بيته عليه السلام يقول:
علي (رضي الله عنه) أخذ ملك الدنيا بالسنان وملك الآخرة بثلاثة أرغفة، مسكين أنت لا تملك السنان ولا تملك الثلاثة أرغفة)[895](.
2 ـ الإنسانية
من محمد بن محمود الدهدار من القرن 11 هـ.ق في تفسير سورة (والضحى) و(ألم نشرح)، والسورتين تعتبران مكملتان لبعض في الصلاة، هذا التفسير قولٌ في مراتب الإنسانية ومقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ويعتقد المؤلفون بأن السورتين نزلتا في شأن حضرته صلى الله عليه وآله وسلم.
الدهدار فسر السورتين تفسيراً عرفانياً، وفهم من خلاله أن مذهبه شبيه بمذهب الشيعة والصوفية والحروفية، وهذا التفسير هو المقال العاشر من مقالاته العشر.
3 ـ الأمانة الإلهية
من مير داماد (م1039هـ.ق) في تفسير آية (الأمانة))[896]( التي كتبها لقورجي الصفوي في جمادى الأولى سنة 1039هـ.ق، وهو تفسير فلسفي طبع مع رسائل (مير داماد).
4 ـ تفسير آية الأمانة
عن المولى محسن فيض الكاشاني (م1091هـ.ق) الذي بطلبه الشخصي وفي جواب لاستدعائه ـ طبق قاعدة العرفانية ـ كتبها بذكر مقدمة متناسبة مع الآية.
5 ـ تفسير آية الكرسي
من العالم الأديب والصوفي، يقال في القرن العاشر الهجري قمري ـ أنه كان عارفي حنفي وتفسيره المقدر (الحسن) يشتمل على المقدمة ومقالتان والخاتمة.
المقال الأول: في تفسير وتأويل الآية.
المقال الثاني: في شرح الآية على سيرة باطن الشريعة.
والخاتمة: في رموز الآية المشتملة عليها)[897](.
ويذكر في هذا التفسير العرفاني عن (الغزالي) (م505هـ.ق) و(جلال الدين الدواني) (م908هـ.ق).
6 ـ تفسير آية الكرسي
من فخر الدين محمد الآسترابادي الحسيني الذي ألفه في (952) باسم الملك طهماسب، وشرح فيه إثبات الواجب والتوحيد في خواص ومحاسن (آية الكرسي)، ولهذه النظرية يجب أن نعده من التفاسير الكلامية في القرن العاشر الهجري.
7 ـ تفسير آية (فلا أقسم بمواقع النجوم))[898](
أيضاً من محمد بن محمود الدهدار، وهو تفسير تأويلي وعرفاني على طريقته في شأن الآية المذكورة.
8 ـ تفسير سورة النور
أيضاً عن محمد بن محمود الدهدار، وهو يشمل بعض المواضيع العرفانية بالفارسية والعربية.
9 ـ العروة الوثقى أو تفسير آية الكرسي
عن صدر الدين محمد الشيرازي المعروف بـ(ملا صدرا) (م1050هـ.ق)، وهو تفسير فلسفي وعرفاني.
10 ـ العروة الوثقى
عن محمد إبراهيم بن صدر الدين محمد الشيرازي بن ملا صدرا (م1070) الذي سماه باسم الملك (عباس الثاني) وألفه في ثلاثة عروض:
العرض الأول: الدين الذي لا يقبل الإكراه.
العرض الثاني: معنى الطاغوت والكفر والإيمان.
العرض الثالث: المستخلص من العروة الوثقى
وهو تفسير فلسفي وعرفاني كتبه الوالد وولده كلاهما تحت عنوان «العروة الوثقى» في شأن آية الكرسي.
11 ـ سر العالمين في تفسير يوم الدين
من عبدالله بن نعمة الله الواعظ الغيلاني (كان حياً في 1025هـ.ق، وهو تفسير عرفاني وأخلاقي في شأن كلمات: مالك، وملك، في سورة الفاتحة، وتفصيل في معرفة دار الآخرة، خلق الدنيا والآخرة، وحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة.
12 ـ لطائف الغيبة والعواطف
من أحمد بن زين العابدين بن العلوي تلميذ (ميرداماد) (م1041هـ.ق)، الشيخ البهائي في 1012 سمح له بنقل بالرواية)[899](.
وهو تفسير كلامي في شأن الآيات المرتبط بها أصول الدين، والمبدأ، والمعاد، ويبدأ بسورة الفاتحة، وفي بقية السور بدون ترتيب.
13 ـ لوامع التأويل
من محمد المعصوم الاسترابادي الذي كان يعيش في زمان الملك عباس الثاني الصفوي.
هذا التفسير ترجمة تفسير «تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة» للسيد شرف الدين الحسيني الآسترابادي في القرن العاشر الهجري مع مقدمة وإضافات من المترجم.
في هذا التفسير كل سورة يمدح فيها فضائل الأئمة عليهم السلام ويذم أعداءهم، وهو كتب هذه الترجمة بأمر من محمد المؤمن وباسم الملك عباس الثاني ونقل فيها عن «الكنز» لـ (الكرجكي) وكتاب «ما نزل من القرآن في أهل البيت» نقل عن محمد بن عباس المعروف «بابن حجام»)[900](، ويثبت ما ورد عن طريق أهل البيت عليهم السلام، وفضائل الأئمة عليهم السلام وجاء في بدايته:
جملة صدر الكتاب صحيفة آمال المفسرين آيات الكمال والعلم، وفصل الخطاب، وجريدة المترجمين لأحاديث عيون الأخبار وقبولهم النظر في رأي العلم.
وجاء في خاتمته:
هذه النسخة روضة أزهار مفرحة
بحر لطيف الكلام مملوء بالذهب
يرغمك على التفكير في تاريخه
كأنه مرجٌ من الحقائق الطافحة
14 ـ الواضحة
من معين مسكين الفراهي)[901](، وفي هذا التفسير تأتي العبارة بالفارسية والعربية، وذكر فيه عن «كشف الأسرار» ومضمون قطعة من الشعر يرى فيها إخلاص (معين).
وهكذا بداية أول عبارة فيه:
الحمد والشكر أقدمه لعرش رب الملك، آمال المذنبين، ورجاء مجرمي الزمان، بل أساس راحة المتألمين، ورأس مال استراحة المحزونين وبشرى لهم…).
التفاسير الفارسية الأخرى في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين إضافة للتفاسير الفارسية التي ذكرت هناك تفاسير فارسية أخرى ألفت في هذين القرنين بطرق مختلفة، ولأجل أن يتعرف الراغبين بمطالعة هذه التفاسير عليها نذكر هنا مجموعة منها:
1 ـ ترجمة القرآن:
من قطب الدين محمد بن الشيخ علي شريف الديلمي اللاهيجي الأشكوري تلميذ مير داماد.
كان حياً هذا العالم في 1075هـ.ق. وكتابه ترجمة وتفسير بطريقة الشيعة في مجلدين ويعتمد فيه على تفسير «مجمع البيان» بشكل بارز. وفي خاتمة هذا التفسير هذه العبارة:
لا تبقى خفية على عقل العارف في الكلام أن اختتام هذه الترجمة بلفظ «بس» (يكفي)، كناية عن أن هذه الترجمة لطالبي الخالص من الحقائق القرآنية، وهذا كافٍ للعطاش لمعين دقائق الأمور، ولا حاجة لمطالعة التفاسير التي أكثرها مفسر بالرأي والتفسير بالرأي باتفاق العقل والنقل باطل وعاطل.
2 ـ تفسير آية الكرسي:
من علائي بن محي شريف الشيرازي من القرن العاشر الهجري.
3 ـ تفسير سورة الفاتحة:
من الشيخ البهائي (م1030هـ.ق) الذي ألفه في العشرة الثالثة من شهر صفر 1025هـ.ق.
4 ـ تفسير سورة القدر:
عن محي الفلشني (اكللشني) (م1104هـ.ق)
5 ـ تفسير سورة هل أتى:
عن مير معز الدين محمد بن أمير ظهير الدين محمد الحسيني الأردستاني المعروف بـ (مير ميران) «أمير الأمراء»، الذي ألف بأمر محمد بن خاتون العاملي في حيدر آباد سنة (1044هـ.ق) وباسم (عبدالله قطف شاه) (1020 ـ 1083هـ.ق).
6 ـ تفسير سورة هل أتى:
من تقي الدين محمد العقيلي الذي ألفه باسم الملك عباس وأمام قلي خان.
7 ـ سفينة النجاة:
من محمد مقيم بن محمد علي بن قاسم علي تاج الدين اليزدي، في تفسر الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، يعني من سورة النبأ حتى آخر القرآن.
8 ـ شافع الحشر ـ أو شافع المحشر:
من صدر الدين محمد بن غياث الدين منصور بن محمد الحسيني الدشتكي الشيرازي، المعروف بـ(صدر الدين الثاني) في القرن العاشر الهجري، وهو في تفسير سورة الحشر سنة (959هـ.ق).
9 ـ كنز الدقائق وبحر الغرائب:
من ميرزا محمد رضا المشهدي، كاتبه (سلم الدرجات)، وهو تلميذ المجلسي الثاني (م1111هـ.ق)، ألفه في أربع مجلدات، المجلد الأول وضعه في سنة (1079) وكتب عليه التقريظ المجلسي الثاني في (1092هـ.ق).
10 ـ الترجمة الفارسية للقرآن الكريم
في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين.
11 ـ الترجمة السلطانية:
من علي رضا بن كمال الدين حسن الشيرازي كتبه في (1084هـ.ق).
التفاسير المنظومة بالفارسية في القرن 10هـ.ق
1 ـ روضة القلوب:
عن ابن هُمام الشيرازي في تفسير سورة «يس» يقرأها في 20 بيت (شعر فارسي سنة 904هـ.ق).
2 ـ فتح الرسالة:
عن همام بن همام أتمه في 1350 بيت سنة 903هـ.ق.
التفاسير العلمية
هذه التفاسير وضعت حسب العلوم المتداولة اليوم. المفسرين الذين يفسرون القرآن الكريم بهذه الصورة، يعتقدون بأن القرآن الكريم. زيادة على أنه يحتوي على علوم دينية واعتقادية وإنسانية، يجمع علوماً أخرى كذلك، وفي النيجة هؤلاء المفسرين كانوا يحاولون في القرون المختلفة أن يبرزوا ويستخرجوا العلوم المتداولة في زمانهم من القرآن الكريم مع تكليف بعيدٍ عن الطرق التفسيرية ـ النموذج البارز من هذه التفاسير العلمية في القرن المعاصر والعقود الأخيرة هو:
1 ـ تفسير المنار
عن محمد عبده ومع أنه في أكثر المواضع يراجع آثار السلف، ولكن كان يحاول أن يوجد تقارب بينها وبين مقتضيات العصر الحاضر، ومع أنه توقف في كثير من المواضع. إلا أنه يثبت الآراء الضعيفة كذلك.
2 ـ تفسير الجواهر:
عن الشيخ محمد الطنطاوي الجوهري، يقول أكثر الكُتاب جاء فيه بأكثر المعارف العصرية على حساب التفسير ولهذا فهو في الواقع قد خرج عن وجه التفسير.
أنواع التفاسير الأخرى
مع تنوع التفاسير القرآنية نلقي نظرة على التفاسير الموضوعية أو التي تعتمد تفسير الآيات المتعلقة بمواضيع معينة بشكل مُسهب، ومن أقدم المواضيع التي تناولها المفسرون في تفاسيرهم، هو فقه القرآن الكريم وبالرغم من أن بعض المفسرين تناولوا في تفاسيرهم مواضع أخرى، مثلاً أبو حيان النحوي الأندلسي في كتاب «البحر المحيط» تناول البعد أو الموضوع الأدبي للقرآن، وبالرغم من أن تفسير الجلالين بعد آخر أيضاً التفت إليه جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلى، وآخرين من المفسرين وهو محاولة تفسير الآيات بنفس الآيات، ـ هذا النوع من التفسير سعى أغلبية المفسرين لاستعماله في أكثر تفاسيرهم لأنهم يجدون أن له لون خاص في نظرية قاعدة التفسير ـ بالرغم من كل ذلك المسألة المهمة والموضوع الملاحظ هو: أن تفسير الآيات الفقهية بين تفاسير القرآن الكريم لها مكان وسيع في التفسير المفتوح.
التفسير الفقهي ـ أو تفسير آيات الأحكام
نظراً إلى أن القرآن الكريم يحتوي آيات مرتبطة بالأحكام الفقهية والمسائل الفرعية ومنسجمة مع الأحكام العلمية، وبرأي كثير من العملاء والفقهاء (رضي الله عليهم) يصل عدد هذه الآيات إلى خمسمائة آية، أوجب على المفسرين منذ القرون الأولى من الإسلام أن يفسروا ويفصلوا هذه الأنواع من الآيات ويستنبطوا الأحكام والمسائل الفقهية منها.
وأحياناً نجد بين صحابة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم اختلافات في فهم الآيات المذكورة في وقت لم تكن قد تأسست فيه الاختلافات الأساسية بين المذاهب.
وبعد ظهور «الفِرَق المختلفة» في الدين الإٍسلامي بل وقبل ظهورها بوقت قصير يعني في حدود القرن الثاني الهجري صمم المسلمون أن يفسروا الآيات الفقهية من القرآن الكريم. وأن يستخرجوا ويستنبطوا الأحكام والمسائل الفرعية العملية، لأنه أحد منابع الأحكام الشرعية الفرعية هو نفس كتاب الله.
علماء المذاهب والفرق المختلفة في الإسلام ألّفوا تفاسير فقهية كثيرة، وأهمها من حيث الصلة بالمذهب:
المذهب الجعفري: كتاب «كنز العرفان في فقه القرآن» عن فاضل مقداد السيدري (م821هـ.ق) وكتاب «زبدة البيان في آيات الأحكام» عن المولى أحمد الأردبيلي المعروف «بالمحقق» أو «المقدس» الأردبيلي (م993هـ.ق) وهذان الكتابان من الكتب المعروفة في فقه القرآن في المذهب الشيعي.
المذهب الشافعي: كتاب أحكام القرآن، عن أبو الحسن الطبري (م504هـ.ق) وكتاب «الإكليل في استنباط التنزيل» عن جلال الدين السيوطي (م911هـ.ق).
التوحيد
كتاب للشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي وقد كتب أحد الباحثين حكمة حول الكتاب.
إنّ التوحيد قطبٌ عليه تدور كل فضيلة، وبه يتزكى الإنسان عن كل رذيلة، وبه نيل العزّ والشرف، ويسعد الموجود في كل ناحية وطرف، إذ عليه فطرته، وعلى الفطرة حركته، وبالحركة وصوله إلى كماله وبكماله سعادته، وبحرمانه عنه شقاوته.
ثم إن الباب الذي لاينبغي الدخول لهذا المغزى في غيره هو الباب الذي فتحه الله عزَّ وجلَّ بعد رسوله المصطفى صلى الله عليه واله وسلم على العباد، وحثّهم على الإتيان إليه لكل أمر في المبدأ والمعاد، فانك إن أمعنت النظر ودققته، وأعطيت فكرك حقه وتأملت بالغور في كلماتهم عليهم السلام، وانتجعت في رياضها، ورويت من حياضها، وجدت ما طلبت فوق ما تمنيت خالصاً عن كدورات أوهام المتصوفة، وزلالاً عن شبهات المتفلسفة، كافياً بل فوقه في هذا السبيل، مروياً لكل غليل، شافياً من داء الجهل كل عليل، مغنياً عنك كل برهان ودليل، بل أعلى من ذلك وفوقه، وكل ما صدر عن غيرهم لا يصل إلى ما دونه، بل النسبة نسبة الظلمة والضحى، لأن كل حكمة وعلم من الحق صدرت فمن طريقهم إلى الخلق وصلت، وكل رحمة من الله انتشرت فبهم انتشرت، وكل عناية منه على الخلائق وقعت فبسببهم تحققت، لأنهم عيبة علمه، ومعدن حكمته، وسبب خيره، ووسائط فيضه، ويده الباسطة، وعينه الناظرة، وأذنه السامعة، ولسانه الناطق، والمخلوقون من نوره، والمؤيدون بروحه وبهم يقضي في الخلق قضيته، وإليهم تهبط في مقادير أموره إرادته.
بلى، بلى، أيها السالك سبيل الحكمة والطالب بالعرفان طريق السعادة، إليهم، إليهم فإن عندهم الحكمة، وباتباعهم تحصل السعادة، وبهم عرف الله وبهم عبد الله، ولولاهم لا.
فانظر ما ذا ترى فإنك ترى بين يديك سفراً كريماً من غرر حكمتهم، وبحراً عظيماً من للآلي كلماتهم، ألفته يمين فريد من جهابذة العلم، كبير من أعلام الدين، قلما أتى الدهر بمثله، فخر الشيعة، أحد حفاظ الشريعة، الشيخ الأجل الأسعد أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي – قدس الله نفسه ونور رمسه – فإنه كتاب يحتوي على أحاديث قيمة ثمينة عن رسول الله وأهل بيته صلوات الله عليه وعليهم في مطالب التوحيد ومعرفة صفات الله عز وجل وأسمائه وأفعاله وكثير من المباحث الحكمية والكلامية التي دارت عليها الأبحاث بين أهل العلم وفي مؤلفاتهم منذ القرن الأول إلى الآن كما ترى ذلك في تفصيل المطالب بلحاق الكتاب، ولعمري إنه جديرٌ بأن يوضع هذا المزبور في المجامع العلمية للتدريس ويحث المشتغلون ورواد العلم على تحقيق مطالبه وتخريج مغازي كلماته مستمدين من تحقيقات أعلام السلف في زبرهم حول تلك المطالب العلمية العالية فإن الحكمة حقاً ما أخذ من عين صافية، نبعت عن ينابيع الوحي، والعلم حقيقة ما يؤخذ من نواميس الدين، الذين هم وسائط بين الحق والخلق.
ثم إن مؤلف الكتاب – رضوان الله تعالى عليه – من الاشتهار والمعرفة بين أهل العلم والفضيلة بمكان يفوق على التعريف بما نزبر في هذا المزبور كما هو المعمول في بداية ما يخرج إلى أيدي رواد العلم بالطبع في دهرنا ومن قبل هذا، والطالب لذلك يراجع مقدمة كتاب معاني الأخبار للمؤلف المطبوع (بطهران سنة 1379 ه)، ولكن دون القارئ الكريم تعريفاً ببعض شؤون الكتاب مما ظفرنا عليه.
كتاب التوحيد
اشتهر بتوحيد الصدوق وتوحيد ابن بابويه، يجمع من مطالب التوحيد ما يكتفي به الطالب، ويرشد به المسترشد، وينتجع في رياضها العارف، ويرتوي من حياضه عطشان المعارف، فإنه لم يوجد في مؤلفات أهل العلم والحديث كتاب جامع لأحاديث التوحيد ومطالبه وما يرتبط به من صفات الله وأسمائه وأفعاله مثل هذا الكتاب، وأحاديثه وإن كان بعض منها ليس على حد الصحة المصطلحة، ولكن شامة المتضلع من معارف كلمات أهل البيت عليهم السلام تستشم الصحة من متونها، وبنور الولاية يستخرج المعارف الحقة من بطونها، مع أن أكثر أحاديثه مذكورة متفرقة في غيره من الكتب المعتبرة المعتمد عليها كنهج البلاغة والكافي والمحاسن وبعض كتب المؤلف كالعيون ومعاني الأخبار وغيرهما بأسانيد متعددة.
فالكتاب كغيره من كتب المؤلف من الأصول المعتبرة كان مورد الاستناد لمن تأخر عنه من العلماء.
كلمة المجلسي رحمه الله حول كتب المؤلف
بعد أن عدَّ في الفصل الأول من مقدمته على بحار الأنوار قبل سائر الأصول والكتب كتبه التي منها كتاب التوحيد قال في أول الفصل الثاني: «إعلم أن أكثر الكتب التي اعتمدنا عليها في النقل مشهورة معلومة الانتساب إلى مؤلفيها ككتب الصدوق رحمه الله فإنها سوى الهداية وصفات الشيعة وفضائل الشيعة ومصادقة الإخوان وفضائل الأشهر ـ لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الأربعة التي عليها المدار في هذه الأعصار وهي داخلة في إجازاتنا، ونقل منها من تأخر عن الصدوق من الأفاضل الأخيار، ولقد يسر الله لنا منها كتباً عتيقة مصححة ـ الخ».
شروح الكتاب
١ ـ شرح للمولى الحكيم العارف القاضي محمد سعيد بن محمد مفيد القمي تلميذ المحدث الفيض الكاشاني، وهو شرح كبير جيد لطيف أورد فيه المطالب الحكمية والعرفانية والكلامية بوجه حسن وبيان مستحسن، فرغ منه سنة ١٠٩٩هـ.
٢ ـ شرح للمحدث الجزائري السيد نعمة الله ابن عبد الله التستري المتوفى سنة ١١١٢هـ، اسمه «أنس الوحيد في شرح التوحيد».
٣ ـ شرح للأمير محمد علي نائب الصدارة بقم المشرفة.
٤ ـ شرح فارسي للمولى المحقق محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري المدفون بمشهد الرضا عليه السلام سنة، ١٠٩٠هـ.
كذا في الذريعة ملخصاً مع زيادة.
أقول: هذه الشروح غير مطبوعة، وعلى الكتاب ترجمة في خلالها شروح يسيرة لمحمد علي بن محمد حسن الأردكاني، «اسمه أسرار توحيد» طبع قبل سنوات والظاهر أن المترجم كان من علماء القرن الثالث عشر، ولي عليه ترجمة ستطبع إن شاء الله تعالى.
طبعاته
١ ـ بطهران: سنة ١٢٨٥هـ طبعاً حجرياً، بلحاقه حديث الشبلي عن الإمام سيد الساجدين في أسرار الحج وآدابه ، رمزها في التعليقة ( ط ).
٢ ـ بهند: سنة ١٣٢١ بالطبع الحجري، بلحاقه رسالة في السير والسلوك للعلامة المجلسي ـ رحمه الله تعالى رمزها (ن).
٣ ـ بطهران: سنة ١٣٧٥ بالحروف، لم نرمزها لتقاربها مع الأولى.
٤ ـ هذه الطبعة، ونكتفي عن ذكر امتيازاتها بما يرى القارئ فيها.
عدد الأبواب والأحاديث
إن أبواب الكتاب سبعة وستون، والظاهر من كثير من النسخ أنها ستة وستون بجعل الباب الثالث والأربعين في بعض النسخ وجعل التاسع والأربعين في بعض آخر مع قبله واحداً، ولكن كل منهما في الموضعين باب على حدته لاختلاف موضوعه مع ما قبله، والمؤلف رحمه الله لم يعنون حديثي ذعلب وحديثي سبخت بالباب، ولكن جعلنا لفظ «باب» في الموضعين لحصول الاطراد، ثم إن عناوين الأبواب في بعض النسخ مصدرة بلفظة «في» لكن تركناها طبقاً لأكثر النسخ وسائر كتب الصدوق رحمه الله تعالى.
وأما عدد الأحاديث فخمسمائة وثلاثة وثمانون (٥٨٣).
الثورة الدستورية
لم تكن هجرة الشيرازي إلى سامراء قد أثّرت على مركزية النجف، فقد بقيت النجف حافلة بالعلماء والطلاب ومجالس الدرس، إلاّ أنّ الوهج الذي أحاط بسامراء خلال عقد من الزمن بفضل جهود الشيرازي العلمية، ومواقفه السياسية المناهضة للدولة القاجارية جعل هذه المدينة الصغيرة ذات شهرة يُعتدّ بها. لكنّ هذا الوهج بدأ يختفي بعد هجرة تلامذة الشيرازي عنها إلى النجف التي تحولت بدورها إلى مركز ثقافي استقطب أيضاً الوافدين من طلاب العلوم من الهند وإيران وأفغانستان وسوريا ولبنان حيث قُدّر عددهم قبل الاحتلال الإنكليزي للعراق بما يقارب (12) ألفاً.
كان السيد محمد كاظم الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي (1247 ـ 1337هـ/1831 ـ 1919م) قد احتلاّ الزعامة الدينية بالنجف، في حين أنّ الميرزا محمد تقي الشيرازي بقي في سامراء. إلاّ أن سامراء بعد رحيل المُجدد الشيرازي لم تُسجّل حدثاً مهماً بسبب الهجمة العدائية المنظمة التي واجهتها بسبب التحريض الطائفي، وهجرة أغلب الشيعة عنها تحسّباً لما قد يجابهونه من مخاطر فيما بعد.
وقد بدأت النجف تزجُّ نفسها أو تُزجّ بالأحداث التي عصفت بالمنطقة. وظهر هذا التحرك من خلال قيام الحركة الدستورية (المشروطة) في إيران عام 1323هـ/1905م، ودور علماء النجف في قيادة هذه الحركة، وبذلك تجاوزت الحركة الدستورية الدائرة الإيرانية لتشمل العراق أيضاً، بل تحوّلت إلى اهتمام دولي اشتركت فيه روسيا وبريطانيا بصورة أساسية والدولة العثمانية بنسبة أقل.
إنّ الحركة الدستورية (المشروطة) وإن كانت محاولة لترسيم السياسة الإيرانية، وجعل النظام السياسي يقوم على الأساس البرلماني؛ إلاّ أن الوسط العراقي تأثّر بها، وأصبح له مساس كبير بوقائعها، فلم تعد الحدود الجغرافية حاجزاً بين إيران والعراق حيث تداخلت الأحداث بشكل يستحيل فصل بعضها عن الآخر.
والحركة الدستورية (المشروطة) هي حركة المطالبة بالدستور ظهرت في تركيا وإيران، وسُمّيت بالمشروطة لأنّ مواد الدستور بمثابة الشروط التي يجب أن يتقيّد بها الملك في الحكم. وقد نادت تركيا بها قبل إيران بثلاثين عاماً لتأثّرها بالحضارة الأوروبية.
وفي إيران شكّلت عام 1324هـ/1906م لجنة لصياغة مواد الدستور صادق الشاه مظفر الدين عام 1325هـ/1907م عليها، ثم مات بعد ذلك بأيام قلائل نتيجة مرضه. ويذكر الوردي أن الدستور الإيراني في كثير من نصوصه هو ترجمة حرفية للدستور البلجيكي الصادر عام 1246هـ/1830م، ويقوم على أساس المبادئ الديمقراطية التي كانت شائعة في أوروبا من حيث الاعتقاد بالقانون الطبيعي، وحقوق الإنسان، لكن لجنة صياغة الدستور حرصت على أن يكون موافقاً للشريعة الإسلامية، وذلك بإضافة بعض البنود التي تدل على ذلك)[902](.
وذكر السيد هبة الدين الشهرستاني (ت: 1387هـ/1967م) أن العلماء الإيرانيين هم الذين بدأوا بفكرة تأسيس مجلس يركن إليه الشاه مظفر الدين، ويأخذ بمقرراته رئيس الوزراء (عين الدولة). وفكرة المجلس ترتكز على فكرة إيجاد عدالة تحترمها الحكومة ولا تتعداها، وتكفّ عن الظلم الذي لحق بالناس من جرّاء أعمالها واستبدادها. وكان على رأس هؤلاء الروحانيين مجتهدان هما عبدالله البهبهاني (ت: 1328هـ/ 1910م)، ومحمد الطباطبائي.
ولما استتبّ أمر الدعوة إلى المجلس شعر مظفر الدين شاه وحكومته بالخطر لأن «الرأي العام الذي هو صدى العلماء صار يردد جرائم الدول القاجارية، وأنواع الظلم الذي قامت به»)[903](.
وبالرغم من أهمية هذا الرأي في إظهار الدور الهام والحاسم الذي لعبه علماء الدين في الثورة الدستورية، إلاّ أنّه لا يمكن إغفال دور فئة المثقفين من موظفي الدولة القاجارية الذي مهّد الجو العام للثورة، ولعب فيها دور الريادة وقد ذكر بعض الباحثين أن علماء الدين انجرّوا في البداية إلى الحركة تحت تأثير نشاطات المثقفين، وكذلك تحت ضغط التجار الوطنيين الذين هم أكبر الخاسرين من سياسة التبعية للخارج)[904](.
وفي أيام مظفر الدين شاه انتهزت روسيا الفرصة فأخذتْ تمدّه بالقروض. وقد وافقت عام 1318هـ/ 1900م على تقديم قرض كبير لإيران، وقبلت إيران العرض، وأصبحت تحت سيطرة مالية صارمة لروسيا وحدها، كما بقيت متفوقة على بريطانيا في التزاماتها المالية بالنسبة لإيران. وظلّ النفوذ الروسي يتوطد ويمتد إلى مناطق جديدة في مختلف مقاطعات إيران. وقد أدّى حصول روسيا على الامتيازات التجارية إلى انتشار التذمر بين التجار وأهل (البازار)، وهم مجموعة الحرفيين)[905](. وهذه الطبقة ذات أهمية في الحياة الاجتماعية والسياسية في إيران. وكان احتجاجهم بمثابة نوع من الإضراب العام يُصيبُ الحياة الاقتصادية بالشلل. كما أنّ هناك منافع مشتركة بين أهل (البازار)، وطبقة الروحانيين تعتمد على إسناد أحدهما الآخر، وهي بمجموعها ترتبط بصلات محكمة تتعدّى إلى التحكم بالشخصيات وتسييرها طبقاً للظروف الاقتصادية التي يوفّرها التجار للأشخاص المرتبطين بهم.
إنّ أهل (البازار) في إيران قوةً اقتصادية واجتماعية هامة، اصطدمت بسياسة الامتيازات وفتح الأبواب أمام المصالح الأجنبية. وقد كانت انتفاضة التبغ (التنباك) حصيلة التحالف بين العلماء والتجار، وكذلك فإن الحركة الدستورية هذه كانت حصيلة هذا التحالف، مما ضيّق من قاعدة السلطة القاجارية وجعلها تفقد بالتدريج قاعدتها الشعبية وتبريرها الشرعي.
وبعد موت مظفر الدين تولّى الحكم إبنه محمد علي (1325 ـ 1327هـ/1907 ـ 1909م) فأخذ يُناوئ المجلس النيابي، والحركة الدستورية، وكانت فترة حكمة واحدة من أخطر المراحل التي مرّت بها حركة الدستور. فقد ظهر خلاف بين مراجع الدين أنفسهم تبعاً للتأثير السياسي العام. كما أنّ روسيا وجدت في إقرار الدستور ضربة لها؛ لأنها تصوّرت أنّ موقع الشاه في السلطة قد تضعضع، وأنّ النفوذ البريطاني حقّق خطته في إنجاح (المشروطة). فالروس كانوا يرونَ فيه خطة بريطانية، لذا حملوا على الشاه أن يضرب الحركة. وكان محمد علي منذ ولايته للعهد متأثراً بالروس ومنسجماً مع طريقة تفكيرهم السياسية في الحكم.
أما بريطانيا فكانت تقدّر حجم التأثير الروسي على الشاه، وتتوقع تعرّض الحركة الدستورية إلى ضربة قوية، وهو يتعارض مع طموحاتها لأن الحركة الدستورية تُضعف قوة النفوذ الروسي في إيران، كما أنّ بإمكان الإنكليز السيطرة على الحركة عن طريق إدخال عناصر إليها، وبذلك يضمنون عدم تهديدها لمصالحهم.
وقد بذل الشاه محمد علي الأموال في سبيل القضاء على هذه الحركة مدعياً أن الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية. وقد أيّده بعض علماء الدين الإيرانيين مثل فضل الله النوري، المقتول شنقاً عام 1327هـ/1909م، والذي كان من أنصار المشروطة، ثم انفصل عنهم. وقد أحسّت بريطانيا أنّ الخلاف بين رجال المشروطة، وبين الشاه محمد علي قد يُوقع تطورات مفاجئة تسبّب حرمان بريطانيا من مصالحها في إيران؛ لذلك حاولت إيجاد حالة من التوافق والمصالحة بين الشاه والمشروطة لكي يضعفوا التأثير الروسي على الشاه، لأن إلغاء المشروطة قد يحدث إنقلاباً بإيران يهدد الأمن العام وأمن أتباع الإنكليز كذلك، كما يخلُّ بتجارة بريطانيا مع إيران)[906](.
أما موقف علماء النجف فقد بدأ يتشكل في الأيام الأولى من الحركة الدستورية بإيران برغبة فقهاء إيران من حثّ فقهاء العراق لمعالجة الموقف مع الشاه بالاستجابة لمطالب الشعب. وكان على رأس هؤلاء الفقهاء الشيخ كاظم الخراساني، والميرزا حسين الميرزا خليل (ت: 1326هـ/1908م) والسيد كاظم اليزدي، والشيخ عبدالله المازندراني (ت: 1330هـ/1912م). وقد استقطب الحركة الخراساني وأصبح زعيماً لها)[907](.
كان الخراساني يرى أن دعم الحركة الدستورية وتقويتها هو وضع أسس قانونية ترفع تجاوزات السلطة وتثبّت مرتكزات العدل التي يستند الشعب إليها. لذلك اعتبر قوانين المجلس قوانين مقدّسة ومحترمة، وإطاعتها فرضٌ على جميع مَن في إيران وأنّ الإقدام على مقاومة المجلس التشريعي بمثابة الأقدام على مقاومة أحكام الدين الحنيف. كما اعتبر المجلس الصيغة الوحيدة التي تساعد على محو الاستبداد وتُسهم في نشر القانون الذي يُسند المذهب الجعفري)[908](.
وعندما اشتدّ الخلاف بين الشاه محمد علي وأنصار الدستور، وجّه الخراساني رسالةً شديدة اللهجة إلى الشاه، وصفه فيها «بالضلال» و«الخيانة»، ثم هدده بالتراجع عن مواقفه ضد الدستور، قال فيها: «إذا حصل منك تأخير عمّأ قلنا فأننا سنحضر جميعاً في إيران ونُعلن الجهاد ضدك. إننا أقسمنا على ذلك»)[909](.
إلاّ أنّ تطور الأحداث أثّر على موقف الفقهاء أنفسهم حيث سبّب إنقساماً في هيكلية الحوزة في النجف وإيران بين أقطاب الحركة نفسها. وقد بدأ هذا الانقسام عام 1324هـ/1906م على أشده في النجف بين جماعة الخراساني واليزدي، حتى بلغ مرتبة من الاعتداء بين الطرفين. وقد كان العاملون مع الخراساني الذين يتزعمون التخطيط للحركة، يجتمعون في أماكن سرية بعيداً عن أتباع اليزدي، وكانت هيأتهم المسماة «هيأة العلماء» تضمّ ثلاثةً وثلاثين عضواً يمثلون الأغلبية من كبار المجتهدين وعدد قليل من الأشخاص المتنفذين في النجف)[910](.
ويذكر السيد هبة الدين الشهرستاني، أحد أقطاب الحركة الدستورية بالعراق أنّ إتفاقاً كان قد حصل بين الدولتين العثمانية والإيرانية ضد الحركة الدستورية في العراق بالخصوص، كما أنّ البريطانيين كانوا يسعون لإيجاد نفوذ لهم داخل الحركة)[911](. ونتيجة لهذه القوى سعى الروس لافتتاح قنصلية لهم أوائل عام 1326هـ/1908م في النجف، ونجحوا في عزل اليزدي عن الخراساني بتأثير مباشر من بعض الموالين لهم من أتباع اليزدي)[912](.
أثّر هذا الانقسام في إحداث شرخ كبير بالمرجعية الدينية فجعلها تتوزع على موقعين مختلفين يحاول كلٍّ منهما الانتصار على الآخر. وقد تسبّب هذا الاختلاف بقتل مجتهدين في إيران هما: فضل الله النوري، وعبدالله البهبهاني، وكان قرار الموت يصدر من جميع الأجهزة الرسمية والشعبية دون أن يعرف أحد في نهاية المطاف صاحب القرار، أو الجهة التي يصدر عنها، لاختلاف الأوراق جميعها، واختراق جميع الأجهزة بالمنفذين المندسّين الذين هم الشرارة التي تبعث الإرباك والفوضى.
ويردُّ مؤرخٌ عاصر تلك الأحداث أن المراجع الدينيين كانوا منطلقين في تأييدهم للدستور من خلال مفهوم إرساء دعائم العدل، إلا أنّ بعض المحسوبين على أنصار الطرفين من المتعاونين مع روسيا، وبريطانيا مارسوا دوراً في تعميق الخلاف، وتوجيه الأحداث بما يتعارض وحقيقة موقف المراجع الدينيين، أو بما يخدم مصالحهم في النهاية)[913](.
أصيب اليزدي وجماعته بخيبة عندما قام الدستوريون من الأتراك ضد السلطان عبد الحميد فأقصوه عن الحكم في 27 نيسان 1909م، وأحلوا مكانه السلطان محمد رشاد حيث «تقارب أحرار الأتراك وأحرار النجف، وبذلك تضاءلت قوة اليزدي وجماعته»)[914](.
وقد ازدادت قوة الدستوريين في إيران والعراق بشكل عام بعدما قرّر الشاه محمد علي عام 1326هـ/1908م إعلان الأحكام العرفية واستخدام القوة ضدهم في جميع أنحاء البلاد؛ الأمر الذي أحدث ردّة فعل عنيفة من قبل أنصار المشروطة الذين تمكنوا من السيطرة على مدن إيرانية مهمة. وقد تزايدت الاضطرابات حتى استولت القبائل البختارية على طهران سنة 1327هـ/1909م، وأعلن الثوار عزل محمد علي عن المُلك بعد هروبه إلى السفارة الروسية وتتويج إبنه أحمد الذي كان في الثانية عشرة، مكانه.
وفي عام 1329هـ/1911م تُوفي الخراساني بعدما تهيّأ للجهاد ضد الغزو الروسي لإيران. وكان الخراساني قد أوعز بنصب الخيام في ظاهر النجف وتعبئة المجاهدين استعداداً للزحف، إلاّ أنّ وفاته أثّرت على الوضع العام، فحاول إثنان من المجتهدين وهم: الشيخ مهدي الخالصي، والشيخ محمد تقي الشيرازي إصدار الفتاوى ومواصلة الجهاد بعده)[915](، إلاّ أن الأمور لم تأخذ حجماً أكثر من إصدار الفتاوى بسبب محدودية قوة الفقهاء تجاه الأحداث)[916](.
وعندما أُعلنت الحرب العالمية عام 1333هـ/1914م ظهر جماعة من المستبدين منسجمين مع السياسات الأجنبية في العراق وإيران. وعندما ثارت النجف ضد الوجود الإنكليزي سنة 1336هـ/1917م، ثم ثار العراق في ثورة العشرين كان فقهاء النجف على رأس هذه الثورات.
وقد تبدّل موقف الاستبداديين بعد انتصار الدستوريين وانحصرت مهماتهم بالقيام بالوظائف الدينية بعيداً عن السياسة.
وعلى رأس المدرسة الأخرى وقف الشيخ محمد تقي الشيرازي موقفاً رادعاً لسياسة الإنكليز ودعا إلى مقاومتهم الأمر الذي وسّع نفوذه حتى تمّت له الزعامة المطلقة بعد وفاة اليزدي عام 1337هـ/1919م)[917](.
إنّ تأثير المؤسسة الدينية بقي نافذاً في الشارع الإيراني. ويبدو أنّ رضا شاه (وزير الدفاع) كان قد استغلّ هذا النفوذ لإنهاء السلطة القاجارية، حيث عمَدَ بالتنسيق مع مجتهدي النجف على إقتسام السلطة في إيران أو إشراكهم بها على أقل التقادير. وقد اشترط العلماء الذين اجتمعوا معه في النجف عام 1344هـ/1925م، وهم الشيخ حسين النائيني، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ جواد الجواهري، والسيد محمد علي بحر العلوم، والشيخ مهدي ابن الإمام الخراساني، أن يكون رضا شاه سلطاناً بعدما يكوّن مجلس شورى يقوم بالإشراف عليه خمسة من المجتهدين. كما اشترطوا أن يكون المذهب الرسمي لإيران هو المذهب الجعفري الإثنا عشري)[918](.
لكنّ رضا شاه لم يف بوعده بعد أن كُتب للنظام البهلوي أن يحلّ محل السلطة القاجارية، ولم يختلف دستور البلاد الجديد عن الدستور القديم سوى في بعض المواد الخاصة بحقوق الأسرة المالكة. ومع ذلك فإن الشاه الجديد أقام نظاماً مركزياً اعتمد فيه على رجال الجيش، ولجأ إلى الإرهاب والعنف في المعاملة مع علماء الحوزة العلمية بإيران.
إنّ نجاح الثورة الدستورية كان بداية النهاية للسلطة القاجارية التي تركت مكانها بداية العشرينات الميلادية لسلطة أكثر حداثة وأقدر على التعامل مع المتغيرات الدولية. وبالرغم مما لعبته الحوزة العلمية من دور حاسم في الثورة، فإنّ دورها قد انتهى أيضاً كأهم مركز للقوة في البلاد بجانب الدولة. فلم يكن الحكم الجديد المستند على دستور وبرلمان مُنتخب بحاجة إلى تزكية هذه الحوزة، لذلك تراجع دورها إلى موقف العزلة والانزواء.
وقد بدأ رضا شاه الذي حكم بين 1344هـ/1925م و1360هـ/1941م سياسة تحديث إيران على خطى مصطفى كمال في تركيا. كما بدأ حركة فكرية وثقافية تهدف إلى إحياء أمجاد إيران قبل الإسلام وإضعاف نفوذ علماء الدين في البلاد.
وقد جُوبهت هذه السياسة بمعارضة صارمة لم يكن الشاه قدّر قوتها، فبقي معزولاً عن الجماهير الإيرانية التي لم يجلب لها عهده حلاً لمشاكلها الحياتية التي تعقّدت أكثر بسبب الحرب العالمية الثانية.
وفي عام 1353هـ/1934م غيّر إسم بلاد فارس إلى إسم إيران. وفي بداية الحرب العالمية الثانية احتلّت قوات الحلفاء الحدود الإيرانية. وقد أُجبر الشاه للتنازل عن العرش لولده محمد في 16 أيلول 1941م. وقد ترك إيران إلى جزيرة (موريس) الواقعة إلى شرق مدغشقر حيث فرض عليه البريطانيون الإقامة الجبرية، حتى وفاته فيها في 26 تموز 1944م، وهو في عامه السادس والستين.
واصل إبنه الشاه محمد رضا بهلوي سياسة عدم المصالحة مع الحوزة العلمية طوال فترة حكمه التي دامت أربعين عاماً. وقد تمكنت حوزة الفقهاء عام 1399هـ/1979م بعد صراع طويل من إحكام قبضتها على مقاليد الحكم في إيران، وتتويج جهودها بالإطاحة بالشاه محمد رضا وإسقاط الحكم الملكي، وإعلان إيران جمهورية إسلامية خاضعة لولاية «الفقيه» المطلقة التي تمثلت بقائد الثورة الإمام السيد روح الله الموسوي الخُميني (1320 ـ 1410هـ/1902 ـ 1989م)، وبذلك استعادت حوزة الفقهاء نفوذها في إيران منتقلةً هذه المرة من دور الإشراف والتوجيه إلى دور آخر وضعها على قمّة الأحداث.
الدكتور جودت القزويني
ثورة النجف
بعد مقتل الكابتن «مارشال» في 19 آذار 1918م، لما جردت الحكومة البريطانية حملة الجنرال ديلامين لفتح العراق في تشرين الأول من عام 1914م أوعزت إلى السر برسي كوكس، ممثلها السياسي في خليج البصرة العربي أن يلتحق بهذه الحملة كمستشار سياسي لاطلاعه الواسع على الأمور العربية، وسبق وجوده في العراق، فأذاع هذا المستشار سلسلة من البيانات التي اقتضاها هذا الفتح، وكان من بينها البيان الصادر في 14 شباط 1915 الذي جاء فيه:
«كما هو معلوم لدى الجميع لقد أصبحت البقاع التي تمتد من الفاو إلى القرنة تحت احتلال الجيوش البريطانية منذ شهرين مضيا، وقد سبق وأوضحنا للجمهور بأن الحكومة البريطانية دخلت الحرب مع تركية وهي مرغمة، لقيام الأتراك بأعمال عدوانية ضدنا بتحريض من الألمان، غير أن الأعمال الحربية التي تقوم بها الجيوش البريطانية موجهة ضد الحكومة التركية وجيوشها . أما العرب فلا ترغب الحكومة البريطانية في ان تعاملهم كأعداء ما داموا محافظين على ولائهم لنا وتجنبهم استخدام السلاح ضد جيوشنا، بل الأمر بالعكس فإننا نرغب في تحرير العرب من نير الأتراك، وفي ترقّيهم وزيادة رخائهم وتجارتهم»)[919](.
ولما أتم الإنكليز احتلال (ولاية بغداد) في أواخر عام 1917م)[920]( أعلنوا غير مرة أنهم جاءوا إلى هذه البلاد محررين لا فاتحين، وما لبثوا أن قرروا وضع حاميات في بعض مدن الفرات الأوسط تمهيداً لضمها إلى سيطرتهم، لأن النجف وكربلاء وما يتبعها من قُرى ودساكر ظلت تحكم نفسها بنفسها مدة طويلة. وقد قام السر برسي كوكس بجولة في هذه المنطقة في أوائل كانون الأول 1917 لينتخب المواضع اللائقة لهذه الحاميات دون أن يتقيد بما جاء في بياناته وبيانات حكومته، فلما عاد إلى بغداد، أرسلت مفرزات عسكرية صغيرة إلى ختلف النقاط الكائنة على الفرات وكان من بينها حامية أرسلت إلى الكوفة فعسكرت في موضع على خمسة أميال من شرقي مدينة النجف، وأقامت حكومة محلية في النجف يرأسها حميد خان ابن أسد خان من سكان النجف، ونظمت شركة من (الشبانه) بينهم بعض الأكراد الفيلية، وأخذت الحامية المذكورة «تقوم بحركات استفزازية بأن تتجول حول سور مدينة النجف يومياً مما بعث الريبة ورواج الشائعات أن الإنكليز يريدون بالشيخ عطيه ـ أبو كلل ـ سوءاً)[921]( وكان هذا الشيخ متهماً بالإتجار مع الأتراك أعداء الإنكليز في المواد المحرمة كالقلاي والزئبق.
و«في صباح 12 كانون الثاني 1918 بينما كانت الخيالة الهندية القادمة إلى الكوفة حديثاً تقوم بإجراء التمرينات في السهل الواقع خارج النجف؛ أطلقت النار عليها عصابة قوامها (150) رجلاً من أتباع عطية أبو كلل من سور المدينة فقتلت رجلاً واحداً خيالاً وجرحت آخر فزحفت الخيالة من دون أن تطلق النار على المدينة المقدسة»)[922](.
وبعد أيام قليلة ظهرت في سماء النجف طائرة استكشاف بريطانية لأول مرة وأخذت تحوم فوق مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وإذا بالمرجع الديني السيد علي الداماد ـ وقد فرغ من الصلاة في الصحن ورفع رأسه ورأى الطائرة ـ يشهق شهقة كانت القاضية عليه مما حمل السواد الأعظم على الاعتقاد بأن وفاة السيد كانت نتيجة لظهور هذه الطائرة في سماء هذه المدينة المقدسة فأسرُّوها في نفوسهم. فلما عادت الطائرة إلى النجف مرة أخرى، أطلقت «النار على الطائرة وما لبثوا أن هجموا على دار الحكومة، واضطروا حميداً الخان وأتباعه العراقيين إلى الهرب إلى الكوفة فكانت العقوبة التي فرضت على هذه الأعمال 50.000 ربية و500 بندقية مع تسليم عطيه أبو كلل وكريم الحاج سعد وقد هرب الثاني وجرى تسليم الأول وجمع مبلغ الغرامتين»)[923](.
والحقيقة أن جيش الاحتلال كان ثقيلاً على النجفيين في حركاته الاستفزازية واستعراضاته اليومية، وكان استياء النجفيين يزداد شيئاً فشيئاً من معاملات الحكام السياسيين الذين كان معظمهم في الأصل من ضباط الجيوش المحتلة فكانوا يجهلون نفسية العراقيين جهلاً تاماً، ولم يكن لهم أي إلمام بأخلاقهم كما اعترف بذلك كبار قادتهم وقد نهجوا في البلاد سياسة رعناء، وارتكبوا من المخالفات ما كان له أسوأ الأثر في النفوس. وقد حكم النجف حاكم من هذه الشلة يدعى النقيب (كابتن) ونكت فكان على شيء كثير من الصلافة وشراسة الأخلاق والمس بكرامة الأهلين عمداً، وكان إذا أراد التجوال في طرقات المدينة أرسل لفيفاً من أفراد الشرطة غير العرب ليسيروا أمامه وبأيديهم الصولجان فيزعقون في الناس طالبين إليهم الوقوف على الأقدام، وإفساح المجال أمام الحاكم بعبارات شائنة لا تحتملها نفوس النجفيين الأباة.
وأدركت السلطات العسكرية العليا في بغداد الأثر السيئ الذي تركه سلوك النقيب ونكت وتسببه في حادثتي الخيالة والطيارة فسحبته من النجف وأرسلت محله معاون الحاكم السياسي في الكاظمية النقيب (الكابتن) مارشال Captain W.M. Marshall وكان من رجال الاستشراق يحسن الفارسية وشيئاً من العربية وقد أوجد علاقات طيبة مع بعض رجال الدين في النجف. ولكن لما كان الاستياء لا يزال متغلغلاً في النفوس، والكره للحكام الصلفيين يزداد آناً فآناً فقد دبرت فكرة لاغتياله قبل أن يمضي في منصبه مدة تمكن الأهلين من الحكم على أخلاقه فكان ضحية سلوك أصحابه.
***
وكانت قد تألفت في النجف إذ ذاك جمعية سرية إسلامية باسم «جمعية النهضة الإسلامية» استهدفت الدعوة إلى تخليص البلاد من براثن السيطرة الإنكليزية وتأليب المسلمين على الأجانب ضماناً لاستقلال البلاد وتحريرها من ربقة الاستعمار. وكان من أبرز أعضاء هذه الجمعية العاملين: السيد محمد علي آل بحر العلوم والشيخ محمد جواد الجزائري والشيخ محمد علي الدمشقي)[924]( والشيخ عباس الخليلي، وكان الخليلي من أشد الأعضاء حماسة وأكثرهم حركة، وقد انهمكت هذه الجمعية في نشر المنشورات ولصق الإعلانات المنددة بسياسة المحتلين على الجدران، وانتهاز كل مناسبة للتشهير بسوء إدارتهم وعظيم غطرستهم.
ولأجل أن تضمن «جمعية النهضة الإسلامية» تحقيق أهدافها، نشرت دعوتها بين القبائل المحيطة بالنجف في الكوفة وأبي صخير والشامية وبين حملة السلاح من أهل النجف وذلك بتكتم شديد فكان أن انضم من القبائل الشيخ مرزوك العواد رئيس العوابد، والشيخ وداي رئيس آل علي، والشيخ سلمان الفاضل رئيس الحواتم، ومن حملة السلاح النجفيين بعض آل صبي وآل غنيم وآل شبع وآل كرماشه وآل العكايشي وآل الحاج راضي وآل البو كلل وآل عدوه وغيرهم ممن يتعذر علينا إحصاء أسمائهم، وارتأت الجمعية أن تتصل بالجيش العثماني المقاتل في أطراف الفرات الأعلى بلواء الرمادي وتستعين بمقوماته للصمود في وجه الإنكليز فراسلت الحاكم العسكري (أحمد أوراق) كما اتصلت ببعض رؤساء كربلا لضمان العون لها عند الضرورة، ولكن هناك من الأدلة ما يشير إلى أن رؤساء كربلاء لم يكتموا الأمر عن سلطات الاحتلال فمكنوها من حصر الثورة داخل النجف وحالوا بذلك دون تسربها إلى الخارج.
***
فإن الحاج نجم البقال أحد الأخيار الأبرار، والعضو العامل في «جمعية النهضة الإسلامية» ما كاد يشعر بتسرب مقررات الجمعية المذكورة إلى سلطات الاحتلال حتى قرر أن يفاجئ أصحابه بوجوب انتهاز زيارة «عيد النوروز» الذي يؤم النجف فيه خلق كثير من مختلف الطبقات والأنحاء لقتل النقيب مارشال حاكم النجف السياسي فيتخذ هذا القتل ذريعة للقيام بثورة يندلع لهيبها عند القبائل الداخلة في الجمعية وغير الداخلة التي سيحملها الكره لحكومة الاحتلال على مجاراة الثورة وبذلك تتحقق أهداف الجمعية في التحرر من ربقة الاستعمار.
في دار الحاج نجم الكائنة في محلة المشراق ـ إحدى محلات النجف ـ اجتمع في ليلة يوم الثلاثاء الموافق 6 جمادى الآخرة سنة 1336 (19 آذار 1918):
1 ـ الحاج نجم البقال 2 ـ محسن البوغنيم 3 ـ مجيد بن الحاج مهدي دعبيل 4 ـ سعيد العامري 5 ـ شمران العامري 6 ـ عبد حميمه النداف 7 ـ عبد الحمامجي 8 ـ السيد جاسم طبار الهوا 9 ـ السيد مجيد طبار الهوا 10 ـ حميد بن عيسى حبيبان 11 ـ صادق الأديب 12 ـ علوان البو دليهم الفتلاوي 13 ـ جودي ناجي 14 ـ حسن جودي 15 ـ خطار بن سلطان البديري 16 ـ حبيب بن جاسم خضير 17 ـ حميد أحمد أبو السبزي 18 ـ السيد جعفر السيد حسن الصائغ.
وقرروا قتل النقيب مارشال، وحلفوا أيماناً مغلّظة على أن لا يتأخر أحد منهم عن الالتحاق بصحبه لتنفيذ هذا القرار، وأن لا يتركوا أحدهم إذ مُسك من قبل السلطة. ثم اتفقوا على أن يعتمروا بالكوفيات البيض على نحو ما كان يفعله أفراد الشرطة المحلية (الشبانة) وأن يتسللوا من كوة في سور المدين الملاصق لمحلة المشراق ليجتمعوا في «جبانة النجف» الملاصقة لدار الحكومة القديمة خارج هذا السور، وكانت هذه الدار قد أُخليت إذ ذاك لأن النقيب مارشال كان قد اتخذ وصحبه البناية المقابلة لهذه الدار والمعروف بخان عطية أبو كلل مقراً له منذ تسلّمه مهام وظيفته في هذه المدينة المقدسة.
ولما اكتمل جمع المغامرين في الجبانة تخاذل بعضهم فارتأى تأجيل التنفيذ إلى فرصة أخرى تكون أكثر ملائمة، وأصرّ الباقون على وجوب المضي في عزمهم. وأخيراً انقسموا قسمين: قاد الأول الحاج نجم البقال نحو خان الحاج عطية وهو يحمل مظروفاً معنوناً باسم النقيب مارشال وعليه إشارة «مستعجل جداً» وادّعى أنه حسن الكصراوي، وحسن هذا من أهل القصور في بادية النجف اعتاد نقل البريد الرسمي بين الشامية والنجف. أما القسم الثاني فقد اتخذ من السراي المهمل كميناً له ليراقب نتائج الهجوم عن كثب.
***
وطرق الحاج نجم باب الخان وما كاد الحارس البنجابي يفتحها حتى عاجله محسن البو غنيم بطعنة خنجر كان بيده فأرداه قتيلاً وقتل معه حارساً آخر وعندها تقدم الحاج نجم وصحبه نحو فناء الخان ـ حيث كان يضطجع مارشال ورفيق له على سريريهما ـ وما كاد الرجلان يشعران بالخطر يحييق بهما حتى سحبا مسدسيهما من تحت وسادتيهما وشرعا في إطلاق النار، ولكن المهاجمين سبقوهما ففتحوا النار عليهما وطرحوهما أرضاً، وقد أجهز الحاج نجم البقال على النقيب مارشال كما هو مشهور بين الناس واكتفى بالجرح الذي أصاب زميله ولم يكن مميتاً.
وهمّ ثلاثة من المهاجمين على الارتقاء إلى برج الخان (المفتول) للسيطرة على الخان ومن فيه ولكن حراس المفتول استخدموا المدافع الرشاشة التي كانت بحوزتهم، واضطروا المهاجمين إلى الهرب من باب جانبية حطموها بالمعاول بعد أن صرعوا حسن جودي وجرحوا زملاءه: صادق الأديب وحميد بن عيسى حبيبان وحبيب بن جاسم خضير، وكان جرح الأديب بليغاً فتوفي في داره متأثراً بجراحه، واختفى صاحباه ثم شفيا ولم يستسلما للسلطة)[925](. فلما أصبح الصباح وشاع خبر المغامرة بين الناس، ساد الهرج والمرج في المدينة وأخذ الزائرون يتسابقون في الهرب. ولما بلغ السلطة المحتلة نبأ مقتل النقيب مارشال، شخص إلى النجف الرائد بلفور F.C.C Balfour حاكم لواء الشامية والنجف في الحال، وكان يقيم في الكوفة بمقر اللواء فطاف أسواق المدينة واستعرض الحالة بوجه عام وتظاهر في نفي الجريمة عن النجفيين، وزعم أن الجناة عصابة غريبة عن النجف، وما لبث أن أوعز إلى منادي البلدية (الحاج حسين شيش) أن ينادي في الناس وجوب فتح حوانيتهم والعودة إلى مزاولة أعمالهم كأن شيئاً لم يقع في فجر اليوم الباكر.
وتأبى الصدف أن ينتهي مقتل النقيب مارشال بسلام، وأن ينقلب تظاهر الرائد بلفور في نفي تهمة القتل عن مدينة النجف إلى حقيقة واقعة فسرعان ما تحرش أفراد من الشرطة بالأخوة: أحمد ومحسن وكريم أولاد الشيخ سعد الحاج راضي رئيس محلة المشراق وكانوا أعضاء في «جمعية النهضة الإسلامية» وقد عز عليهم تخلفهم عن حادث الهجوم على خان عطية فتبادل الطرفان إطلاق العيارات النارية في السوق فخرّ شرطيان صريعين، وهمّ الأخوة الثلاث لاغتيال الرائد بلفور أثناء خروجه من المدينة فأمطروه وابلاً من الرصاص ولكن الرجل نجا من الموت بأعجوبة، وعندها جرّد النجفيون المسلحون بقية أفراد الشرطة المنبثين في طرقات المدينة من أسلحتهم واضطروهم للاحتماء بدار السيد مهدي السيد سلمان رئيس محلة الحويش فحماهم وأبقاهم وعائلاتهم وسائر الموظفين في منزله حتى نهاية الثورة وانفراج الأزمة.
وهكذا كشف مقتل الشرطيين ومحاولة قتل بلفور حادث مصرع النقيب مارشال عن نفسه ولم يبقَ سراً دفيناً في نفوس القائمين به، وانتظر أعضاء «جمعية النهضة الإسلامية» أن تستجيب القبائل المحيطة بالنجف للدعوة إلى حمل السلاح المتفق عليها ولكن الإنكليز أخذوا للموقف أهبته فاقتصرت الحركة على النجف وحدها.
أما حاكم لواء الشامية والنجف الرائد بلفور فقد درس وضع النجف العام في ضوء الخرائط والمخططات المتيسرة لديه، ووضع خطة دقيقة لضرب الحصار عليها ومعاقبة العابثين بأمنها فأخذت الجيوش تتوارد من مختلف الأنحاء القريبة والبعيدة حتى بلغت لواء كاملاً أسندت قيادته إلى الجنرال ساندرز General Sanders وقد أشغلت هذه القوات شواطئ الكوفة وخاناتها ومعظم دورها المطلة على النهر، وتمركزت القوة المحاربة في مقام كميل بن زياد التابعي في الثوية خارج سور النجف وشرعت في حفر الخنادق وإقامة المتاريس ونصب الأسلاك الشائكة بأسوار ثلاثة بين طوق مسافة مئة متر تقريباً. ولما كانت النجف مسورة بسور قديم وكانت لهذا السور أبواب معروفة تغلق ليلاً وتفتح نهاراً فقد أغلقت السلطة هذه الأبواب على ساكني المدينة وأقامت حامية قوية على كل باب، وقطعت الماء من الأهلين)[926]( وضربت عليهم حصاراً قارب الخمسين يوماً)[927]( فاجتمع أعضاء «جمعية النهضة الإسلامية» وتدارسوا الموضوع من نواحيه المختلفة فقر القرار على وجوب الصمود والقتال على الرغم من أن بعضهم لم يكن راضياً عن هذه المجازفة من الأساس. وهكذا انشطروا شطرين يقوم أحدهما بواجب القتال، وينصرف الآخر إلى جمع المال وتهيأة السلاح والعتاد، وما لبثوا أن كرروا الاتصال برؤساء الأرياف المجاورة يستحثونهم على مد يد العون إليهم والإسهام في هذا الواجب الديني والوطني، ولكن كان دون ذلك خرط القتاد، وكان لبعض رؤساء كربلا الذين سبق أن علموا بتكوين الجمعية المذكورة وتبيّن أهدافها السهم الأول في هذا الخذلان.
***
وارتأى النجفيون أن يتحرشوا بالحامية الإنكليزية الواقفة على باب المدينة الكبرى لإظهار قدرتهم على مقاومة الحصار فحمل الثائر المقدام عباس الخليلي مقداراً من النفط في شكوة وتوجه مع صحب له في ليلة 21 آذار 1918 لحرق الباب المؤدي إلى الحامية فلم ينجح التحرش، وقابلت الحامية المتمردين بنار حامية ردتهم على أعقابهم وألجأتهم إلى اتخاذ خطة الدفاع دون التحرش فتحصنوا في أبراج سور المدينة الشامخ، وخندقوا على التل الجنوبي المطل على بحر النجف الناشف وبساتينه النضرة ولبثوا كذلك شهراً ونصف الشهر.
***
تقول جريدة «العرب» الناطقة بلسان حكومة الاحتلال ما نصه:
«في صباح التاسع عشر من شهر آذار، ذهب جماعة من القتلة الذين استأجرهم فحركهم على القتل رجال من أصحاب الأهواء إلى بيت الحاكم السياسي في النجف الواقع في خارج البلدة فأطلقوا عليه عيارات نارية قتلته وجرحوا أيضاً ضابطاً آخر. وكان الحاكم المذكور قد نقل إلى النجف مؤخراً من الكاظمية بعد أن أحرز فيها ثقة العلماء الأجلاء وودهم، وكذلك قل عن جميع الأهالي فأسف عليه كل من عرف دماثة أخلاقه ولين جانبه. وقام بعض المبغضين في النجف فأثاروا الشغب وقتلوا رجلين من رجال الشرطة، والأنباء التي وصلت الحكومة تدل على أن ثلاثة أرباع سكان المدينة هادئة ساكنة، ورجال الفتنة هم: الشيخ كاظم الصبي والحاج سعد من حي المشراق. وقد يكون المحرضين ـ كذا ـ على هذه السيئة رجال من خارج النجف.
«وقد قامت الحكومة بالتدابير اللازمة فأحاطت بالنجف في اليوم العشرين. وفي الواحد والعشرين والثاني والعشرين حاولت جماعة في النجف أن يهجموا على الجنود فردتهم على أعقابهم خاسرين، ومن ذلك الحين أصبحوا يترامون بالرصاص من وقت إلى آخر. وقد خاطب في الثاني والعشرين رؤساء المجتهدين رجال السلطة العسكرية والمدنية الذين يشددون على من اشترك في تلك الأمور ومن يتعلق بهم، وقد أرسل أصحاب السلطة العسكرية والملكية برسائل إلى السيد محمد كاظم اليزدي يبدون فيها أسفهم لوقوع هذه المشاغبات واهتمامهم بالمحافظة على الأماكن المقدسة وخزائنها وعلى العلماء الكرام، ويحثون أيضاً المجتهدين على مشاركتهم في إعادة النظام إلى نصابه «والرأي العام في كربلاء والحلة وبغداد وغيرها يقبح كل التقبيح ما قام به أولئك المفسدون من إخلال بالنظام في البلدة. وعرض بعض الشيوخ العرب الذين على الفرات أن يرسلوا بعض عشائرهم لتأديب أولئك المفسدين، ويرغب الناس في كل مكان أن تعاقب الحكومة جماعة المفسدين عقاباً شديداً حتى يأمن المجتهدون والزوار، وتضمن مصالح التجار والأهالي وأموالهم، والحكومة العسكرية توسلت بالوسائل الواجبة بلوغاً لهذه الغاية» اهـ)[928](.
وكانت الرسائل التي يشير هذا البيان إليها، رسالة واحدة فقط بعث بها الحاكم الملكي العام في العراق إلى المرجع الديني الكبير في النجف بتاريخ 21 آذار 1918 (7 جمادى الآخرة 1336) وأمر بنشرها في جريدة «العرب» الحكومية لاطلاع الرأي العام عليها فنشرت في العدد (84) الصادر بتاريخ 9 نيسان 1918 وهذا نصها:
إلى حضرة آية الله الحاج سيد محمد كاظم الطباطبائي المحترم
لقد أصدر صاحب الدولة قائد الجيش العام الأوامر اللازمة بإخماد الفتنة التي وقعت في النجف الأشرف وكدرت خاطره كثيراً، وقد أصدر أيضاً الأوامر بإلقاء القبض على المفسدين الذين سببوا هذه الفتنة وبالمحافظة على سلامة البقعة المباركة الشريفة وسلامة حضرات العلماء الأعلام دامت بركاتم والمجاورين لذلك البلد الطاهر. ولا شك في أن القبطان بلفور سيطلع حضرتكم على هذه الأوامر التي إن لم يطعها أهالي النجف الأشرف ويرضخوا لها فلا بدّ من أن تحصل بواسطتهم المضايقة على حضرات العلماء الأعلام الساكنين في النجف الأشرف. وأنا على يقين بأنكم ستساعدون السلطات البريطانية وتعاونوها بثاقب فكركم وعالي همتكم وحسن نيتكم على تهدئة أحوال البلد الطاهر وإخماد الفتنة الحالية إذ انكم تعرفون حق المعرفة حسن نية الحكومة المعظمة ومساعيها الكثيرة التي تبذلها لإعلاء المبادئ الدينية التي يتدين بها أهالي العراق وإنقاذ شعوبه من المظالم والمفاسد السابقة، وإننا لمنتظرون نتيجة مساعيكم المشكورة أدامكم المولى ملاذاً للإسلام والسلام.
أما «بعض الشيوخ العرب على الفرات» الذين عرضوا على السلطة استعدادهم لتأديب الذين قتلوا النقيب مارشال كما تقول العرب فلا يستبعد أن يكون عرضهم هذا على سبيل الخداع أو لغرض استطلاع رأي السلطة نحوهم، أو لمصانعتها في الظاهر فإن بطش الإنكليز بالناس كان معروفاً وقسوتهم في قهر المخالفين لسياستهم حديث الخاص والعام.
وتقول جريدة العرب الصادرة في 9 نيسان 1918 في عددها المرقم 84 ما يلي بالحرف:
«بعد الغدر بحياة القبطان مارشال الحاكم السياسي في النجف الأشرف، أبلغت الحكومة البريطانية الفخيمة شروطها الموضوعة على النجف في مجلس عقد في اليوم الثالث والعشرين من شهر مارس سنة 1918 (المطابق 8 جمادى الثانية) وحضره حضرات العلماء الأعلام والشيوخ المخلصون وهاكم هذه الشروط:
أولاً ـ تسليم القتلة ومن اشترك معهم بالفتنة تسليماً بلا قيد ولا شرط.
ثانياً ـ غرامة ألف تفكة وخمسين ألف ربية يجمعها الشيوخ المخلصون من محلات البلدة التي كانت لها يد في الفتنة.
ثالثاً ـ تسليم مئة شخص من المحلات الثائرة إلى الحكومة البريطانية لسوقهم من النجف بصفة أسرى حرب)[929](.
وقد تبلغ أيضاً إلى من حضروا المجلس بأن البلدة ستبقى تحت الحصار الشديد إلى أن تسلم بهذه الشروط وتنفذها.
***
ولا يخفى أن المجتهدين من علماء الشيعة الأمامية هم مرجع أبناء هذه الطائفة في تلقي الفتاوى والأحكام الشرعية. والشيعة يعتقدون أن علماءهم نواب أئمتهم فلا يخالفون لهم أمراً ولا فتوى ولا حكماً من الأحكام الشرعية. وقد ظهرت من قديم الزمان طبقات مختلفة من العلماء المذكورين واختلفت اجتهاداتهم في كيفية كفاح الغزاة من الغربيين الاستعماريين فكان بعضهم يرى المسالمة في حالة الضعف مقتصراً على القيام بوظائفه الدينية، وقسم آخر يعتقد عقيدة راسخة بأن الإسلام لا يجتمع مع السيطرة الأجنبية تحت صعيد واحد.
ومع أن المرجع الديني الكبير السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي كان من الصنف الأول من هذين الصنفين فإنه رأى بثاقب رأيه وبُعد نظره ألا يترك رسالة الحاكم الملكي العام في العراق، التي حملها السيد مهدي السيد سلمان رئيس محلة الحويش في النجف الأشرف إليه دون جواب، فرد عليها رداً موجزاً أملته الظروف التي كانت سائدة يومئذٍ لكنا لم نعثر على صيغة هذا الرد ـ مع الأسف ـ وإنما عثرنا على الجواب الذي بعث به الحاكم المشار إليه فلم نر مناصاً من إثباته هنا وهو:
إلى حضرة حجة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي وحضرات العلماء الأعلام في النجف الأشرف وضواحيها.
وصلنا كتابكم فأمعنا النظر فيه. وأنتم محقون في وصفكم بأن الحكومة البريطانية رؤوفة، وأسطع برهان على ذلك الرأفة التي عومل بها النجفيون في الحادثتين اللتين وقعتا في الستة شهور الماضية. وبرهان آخر على تلك الخطة السليمة التي ستتبعها في تنفيذ الشروط المشترطة عليكم فإننا لم نوقع العقاب بالأهالي الذين لم يخالفوا القانون، بل أولئك الذين خرقوا حرمته ومن ساعدهم على ذلك. وفي استطاعة النجف أن تخرج سالمة من مأزقها الحالي إذا خضعت للشروط التي سبق وعرضناها. ففي إمكان حضرات المجتهدين والعلماء الأعلام لا بالحري عليهم أن يطهروا بلدتهم من مفسديها. كما وعليهم مساعدتنا على إيقاع العقاب بأولئك الذين اقترفوا تلك الجريمة وعلى من حرضوا على ارتكابها وسوف لا تقصر الحكومة في منح الصفح متى آن الوقت المناسب. فليتأكد سكان البلدة المسالمين بأننا سنعاملهم بالحسنى إذا أظهروا أنهم يستحقون منا تلك المساعدة. ولقد مضت سبعة أيام منذ قتل القبطان مارشال ومع ذلك فلم يعبّر لنا أهالي النجف الإشراف على خضوعهم ولم يقومواو بشيء ما لإرجاع القانون والنظام إلى نصابيهما والسلام.
25 مارش 1918
الفريق الأول السر و.ر. مارشل ك.سي.بي)[930](
القائد العام لجيوش جلالة ملك بريطانية العظمى في العراق
***
بعد أن وقف الثائرون على غرور السلطة في كتابها الموجه إلى السيد محمد كاظم اليزدي بتاريخ 25 آذار 1918، رأوا أن من العبث الركون إلى الوساطات والشفاعات التي كان يقوم بها رجال الخير بينهم وبين رجالها، وأخذوا يفكرون في ضرورة مهاجمة القوات المحاصرة لقواتهم في مدينتهم إلاّ أن قلّة عددهم وتبرم الرأي العام من حركتهم أوقعاهم في مشكلة التردد ففكروا في الهرب من المدينة خلسة ووجدوا في بعض رجال الدين من يشجعهم على تحقيق ذلك فأعدوا العدة لتنفيذها، ولما شرعوا في اختراق الأسلاك الشائكة في ليلة مدلهمة بالغيوم والبرق والرعد، جوبهوا بنار حامية من وراء هذه الأسلاك اشتركت فيها المدفعية وكاد الجند النظامي يحتل التل الجنوبي ويسيطر على المدينة المحاصرة غير أن النجفيين المحايدين أسرعوا إلى ملء الثغرات في السور وصمدوا في وجه القوات المحتلة. أما الثوار الأصليون فقد كمنوا في الكهوف والمغاور ثم عدلوا عن فكرة الفرار، وما لبثوا أن قرروا البقاء في النجف ومقاتلة جيش الاحتلال مهما كانت الظروف والأحوال ومهما كانت النتيجة.
والظاهر أن صناديد الاحتلال أدركوا لتوهم فشل الحصار في تحقيق الاستسلام الذي كانوا ينشدونه فشرعوا يبذرون بذور الفرقة بين الأهلين والثوار فأصابوا في ذلك نجاحاً ملموساً ولا سيما وقد كانت الضائقتان المعاشية والاقتصادية قد بلغتا حداً لا يمكن تحمله، وأخذ السأم من الوضع الشاذ يهدد بالانفجار بين حين وآخر.
***
فقد كانت في النجف مراكز استراتيجية حساسة كان يتولى حراستها في كل ليلة جمع من ثوار المحلة، ومن تلك المراكز الحساسة التل الجنوبي الكائن في محلة الحويش والمسمى عند النجفيين «مقلاب الحويش» وقد بلغ مسامع السلطة أن الثوار يتركون مراكزهم إلى آلهم في الصباح الباكر ليأخذوا قسطاً من الراحة ويغيّروا ملابسهم فتواطأت مع الميالين إلى المسالمة للاستيلاء على التل الجنوبي المذكور. وكان السيد مهدي السيد سلمان رئيس محلة الحويش من المخالفين لفكرة الثورة، وعرف بين النجفيين أنه من الممالئين لسلطات الاحتلال فأوعز لجماعته من ثوار المحلة أن يتركوا حراسة التل المذكور لتستطيع السلطة أن تدخل المدينة من هذه الفجوة وتنهي المشكلة التي كانت تتخبط بها.
وما كادت تشرق الشمس على تل الحويش في صباح اليوم السابع من شهر نيسان لسنة 1918 حتى شرعت المدفعية الإنكليزية في قذف حممها بشدة أذهلت المحاربين والمسالمين على حد سواء، وإذا بحملة القنابل اليدوية من الهنود والسيك والكوركا يرتقون التل المذكور تحت ستار النار ويحتلون خنادق الثوار بيسر. وبالاستيلاء على هذا التل تمّ الاستيلا ء على النجف ووقف إطلاق النار فاقترح الثائر كريم الحاج سعد أن يتحصن وزملاؤه في صحن الإمام ويرفعوا راية سوداء على قبته إذ لعل ذلك يثير القبائل خارج النجف فيحملها على الإسهام في القتال إلا ان اقتراحه هذا رفض بالإجماع خشية أن يرمي الإنكليز الصحن بقنابلهم وهناك تكون الطامة الكبرى لذا أخذ الثوار يختبئون في البيوت والجحور فاحتل الجنود السور وكذا أبوابه والدور الملاصقة له ونصبوا الأسلاك الشائكة حوله وهدموا الدور المشيّدة في أواوين السور فكان عددها زهاء الخمسمائة دار، وصاروا يطلقون النار على كل من يمر في هذه المنطقة المحرمة، ثم حلقت الطائرات في سماء المدينة فألقت المنشورات الحكومية وفيها إنذار بأن المدافع ستطلق النار على بعض المواقع وطلبت إلى الأبرياء أن يحتاطوا لأن الحكومة مهتمة كل الاهتمام بالقبض على الثوار. وعلى أثر ذلك اضطر المسالمون إلى المسالمة وتولى السيد مهدي السيد سلمان رئيس الحويش زعامة المدينة كلها وباشر هو ورجاله وأعوانه ولا سيما السيد علي جريو والحاج حسن الشمرتي باشروا بالقبض على المطلوبين من قبل السلطة وإيصالهم إلى مقر القيادة في الكوفة بعد أن يكونوا قد أشبعوهم ضرباً ولكماً وإذلالاً، وكانوا يقبضون على الواحد والاثنين في اليوم الواحد بشق الأنفس كما أن لفيفاً من المطلوبين سلّم نفسه من تلقاء نفسه بعد اقتناعه بضرورة التسليم فكان عدد المقبوض عليهم زهاء المئة والخمسين وعندئذٍ صدر هذا البيان:
«لما كان العصاة في النجف لا يزالون يطلقون النار على جنودنا من وراء الأسوار ومن التلول التي تبتدئ من محلة الحويش وكانت هذه التلول مكمناً لهم؛ احتل جنودنا التلول في 7 نيسان 1918 وقد اتخذت جميع الاحتياطات حتى لا يقع أدنى ضرر بالمدينة المقدسة. ويمكننا الآن من موقعنا على التلول المشرفة أن نعضد السيد مهدي السيد روحي ـ كذا ـ شيخ محلة الحويش الصادق للحكومة وأن نردع العصاة عن القيام بأعمالهم العدوانية»)[931](.
وفي يوم 6 رجب 1336 و17 نيسان 1918 نشرت جريدة العرب بعددها (91) تقول:
«ساد النجف الآن السكون وقد أذن لـ 600 شخص من الزوار والمسافرين الخروج من المدينة والرجوع إلى أوطانهم. والماء يسيل إلى المدينة بوفرة. وقد قبض أهالي البلدة أنفسهم على كثير من الزعماء الذين أثاروا الشغب وعلى بضعة من القتلة وسلموهم إلى أرباب السلطة الإنكليز. وقد زار نائب الحاكم بنفسه النجف يوم السبت فتلاقى مع حميد خان معاون الحاكم السياسي ومع السيد مهدي السيد روحي ـ كذا ـ ومع الحاج محسن شلاش ومع غيرهم من ذوي الشأن فعبّر لهم عن رضاء الحاكم العام للعمل الذي قاموا به ضد أولئك الذين أرادوا نشر الاضطراب والشغب في مدينة النجف المقدسة، وحرضهم على القبض على الزعماء والقتلة الآخرين وقال لهم إنهم سيعاقبون عقاباً يكون عبرة لغيرهم. والحكومة لا تريد أن تعاقب إلاّ المحركين الحقيقيين للشغب»!
وتألفت محكمة عسكرية خاصة في الكوفة لمحاكمة المقبوض عليهم، وجرت محاكمتهم باللغة العربية وبصورة علنية، ثم لفظت قراراتها فإذا بها تقضي بإعدام ثلاثة عشر رجلاً وحبس تسعة وإجلاء (122) إلى الهند. وقد أبدل القائد العام حكم الإعدام الصادر بحق أحدهم إلى السجن المؤبد)[932]( واستطاع آخر)[933]( الإفلات من يد السلطة والنجاة بنفسه. فضجت النجف لهذه الأحكام القاسية وصرفت جهوداً مضنية لتخفيفها وقصر الموت على الشخصين المسؤولين عن القتل ولا سيما وأن الشريعة المحمدية لا تجيز قتل غير القاتل إلاّ أن الرائد بلفور الحاكم المسؤول عن هذه المنطقة عارض بشدة فكرة التخفيف وأصرّ على وجوب تنفيذ الحكم في المحكومين مجتمعين فلم يسع الحاكم الملكي العام السر أي. تي. ولسن والجنرال مارشال قائد القوات البريطانية في العراق إلاّ أن يُقرّا هذا الإصرار)[934](.
وفي صباح يوم الثلاثاء الموافق 30 مايس 1918م وبمحضر من بعض الشيوخ والرؤساء والسراة والوجوه تم تنفيذ حكم الإعدام علناً في شريعة جسر الكوفة في كل من:
1 ـ كريم الحاج سعد، 2 ـ أحمد الحاج سعد، 3 ـ محسن الحاج سعد، 4 ـ عبد آل الحاج سعد المدعو سعيد، 5 ـ الحاج نجم البقال، 6 ـ كاظم صبي، 7 ـ جودي ناجي، 8 ـ محسن ألبو غنيم، 9 ـ عباس علي الرماحي، 10 ـ علون علي الرماحي، 11 ـ مجيد الحاج دعيبل.
ثم نقلت رفاة المعدومين إلى وادي النجف حيث دفنوا بين مقبرة الهنود ومقبرة السيد علوان البحراني على يسار الذاهب إلى الكوفة من النجف ولم تسمح السلطة بإقامة أي مجلس فاتحة لأي أحد من المعدومين)[935](.
***
وفي الساعة التاسعة غروبية عصراً من يوم 30 مايس 1918م (أي بعد تنفيذ حكم الإعدام ببضع ساعات) أقيمت حفلة في دار السيد عباس كليتدار الروضة الحيدرية دعي إليها [جناب الحاكم العام وقائد جيوش الحلة وقائدي جنود الكوفة والنجف وجميع حُكام وضباط وموظفي الكوفة وأبو صخير ومندوبي جميع مشايخ وعلماء وتجار القبائل والبلدان المجاورة.. فاستقبلهم خارج البلدة حضرة السيد هادي نقيب الأشراف وحضرة السيد عباس الكليتدار وأتيا بهم إلى محل الحفلة حيث كان بانتظارهم على باب الردهة حضرات العلماء الأعلام: الشيخ آغا محمود الهندي نائب ومندوب حضرة آية الله السيد كاظم اليزدي حفظه الله، والشيخ محمد جواد صاحب الجواهر فأدخلاهم إلى الردهة… ثم ارتجل الحاج محسن ـ شلاش ـ خطاباً كان له أحسن الأثر بالنفوس… ثم تقدم حضرات المجتهد أغا محمود والمجتهد الشيخ جواد صاحب الجواهر والسيد هادي نقيب الأشراف والسيد عباس الكليتدار والحاج محسن شلاش والسيد مهدي السيد سلمان والسيد محسن أبو طبيخ والشيخ علوان الحاج سعدون والشيخ عبادي، وأخذوا بيد الكابتن بلفور وأوقفوه في وسط الردهة وقلدوه سيفاً من ذهب علامة للنصر الذي أحرزته وتحرزه الأمة البريطانية في جميع ميادينها… ثم قام حضرة السيد عباس الكليتدار وألقى خطاباً عبّر فيه عن شكره الخالص بصفته خادماً وخازناً للمرقد الشريف للدولة العظيمة لحسن درايتها إذ لم تتعرض بإضرار المحلات المقدسة بشيء… وبعد هذا دنا حضرته من جناب نائب الحاكم العام وألبسه ساعة من ذهب مرصعة بالحجارة الكريمة، وألبس أيضاً الكابتن بلفور ساعة أخرى كوسامين من الحضرة الشريفة لحنكتهما في سياستهما»)[936]( ولا غرو في ذلك فالناس في كل أمة وفي كل عصر يتبعون القوة لأنهم يحسبون أن الحق يدعمها كما تدعمه هي.
«وبعد عشرة أيام قام القائد العام بزيارة رسمية للبلدة فذبحت له الذبائح عند دخوله من بابها بصورة لم يسبق لها مثيل منذ زيارة ناصرالدين شاه ملك إيران، ثم جرت حفلة استقبال في بيت الكليتدار حضرها العلماء والوجهاء والشيوخ. وفي الخطاب الذي ألقاه بهذه المناسبة أوعز القائد العام للحاكم السياسي بتأسيس بلدية تتولى شؤون البلدة ووعد بأن قضية تحسين ماء الشرب سوف تلقى التفاتاً عاجلاً»)[937](.
أما المعتقلون الذين لم تتوفر الأدلة لمحاكمتهم فقد سيق خمسة وسبعون منهم بزوارق بخارية إلى المسيب يحرسهم جنود بريطانيون وأنزلوا معسكراً خاصاً أقيم على ضفة النهر اليسرى. وبعد أربعة أيام نقلوا إلى المحمودية بسيارات اللوري ثم إلى محطة أم العظام في بغداد بالقطار ثم إلى العمارة بالنهر ومنها أركبوا بالقطار إلى البصرة حيث التحق بهم بقية المعتقلين وسيقوا إلى الهند بحراً حيث اعتقلوا في «سمربور» شمالي الهند وعوملوا معاملة لا تليق بكرامة إنسان)[938]( وكان عددهم (122) معتقلاً وهذه أسماءهم:
1 ـ السيد محمد علي بحر العلوم.
2 ـ الشيخ محمد جواد الجزائري.
3 ـ السيد إبراهيم السيد باقر.
4 ـ راضي الحاج سعد.
5 ـ عيدان الحاج سعد.
6 ـ مغيض الحاج سعد
7 ـ عطية أبو كلل.
8 ـ كردي أبو كلل.
9 ـ جاسم أبو كلل.
10 ـ حسن حاجي «أبو كلل».
11 ـ كريم أبو كلل.
12 ـ الحاج حسين أبو كلل.
13 ـ سعد الحاج راضي.
14 ـ حسين الصراف.
15 ـ أحمد الصراف.
16 ـ نجم العبود العامري.
17 ـ محمد آل جبر العامري.
18 ـ عزيز الأعسم.
19 ـ محمد مطر عكايشي.
20 ـ زاير عكايشي.
21 ـ عطية عكايشي
22 ـ طلال عكايشي.
23 ـ حسن علوان عكايشي.
24 ـ خطار العبد (عكايشي).
25 ـ عباس حسن آل شبع.
26 ـ هادي أبو شبع.
27 ـ عبد يوسف أبو شبع.
28 ـ الحاج محمد أبو شبع.
29 ـ خليل أبو شبع.
30 ـ غازي طوبة.
31 ـ صالح كرماشة.
32 ـ كريم كرماشة.
33 ـ مجيد كرماشة.
34 ـ غني كرماشة.
35 ـ مجيد طالب.
36 ـ عبدالله الرازقي.
37 ـ ياسين الرازقي.
38 ـ عبد الرزاق الرازقي.
39 ـ جدوع الرازقي.
40 ـ عبد الرزاق عدوة.
41 ـ تومان عدوة.
42- حتروش عدوة.
43 ـ عبد عيسى حبيبان.
44 ـ علي عيسى حبيبان.
45 ـ مصلط الحار.
46 ـ حمود الحار.
47 ـ مهدي الحار.
48 ـ سعيد الحار.
49 ـ عطية صبي.
50 ـ سلمان صبي.
51 ـ حامض صبي.
52 ـ محمد الحاج حسين الصنم.
53 ـ علي الحاج حسين الصنم.
54 ـ تومان بقر الشام.
55 ـ فنجان بقر الشام.
56 ـ متعب بقر الشام.
57 ـ حسين بقر الشام.
58 ـ الحاج رديف ثالثة.
59 ـ محمد الحاج مهدي ثالثة.
60 ـ السيد هادي سلطاني.
61 ـ خضر عباس البهاش.
62 ـ محمود وهاب البهاش.
63 ـ عبد الكريم وهاب البهاش.
64 ـ حسن كصراوي.
65 ـ سويدان كصرواي.
66 ـ حميد آل صكر.
67 ـ جواد مطرقانه.
68 ـ حسوني العلون.
69 ـ عبود عبد الكريم جيلاوي.
70 ـ مطشر الرماحي.
71 ـ حنتوش الرماحي.
72 ـ حسون أبو جحيفة الرماحي.
73 ـ حساني المختار.
74 ـ مجيد المختار.
75 ـ طماطة سعيدان.
76 ـ حسون بادرنك.
77 ـ السيد أحمد العذاري.
78 ـ شعلان أبو نصيحة.
79 ـ مسلم دريعي.
80 ـ مهدي الدريعي.
81 ـ ناصر آل حسون.
82 ـ عراك عزيز كور.
83 ـ كاظم عزيز كور.
84 ـ قلوم ملكي.
85 ـ عمران جبرين.
86 ـ جبر جبرين.
87 ـ جاسم جبرين.
88 ـ السيد مهدي دخيل.
89 ـ محمد حطبان.
90 ـ سلطان حمادي شبيب.
91 ـ عبدالله الرويشدي.
92 ـ إبراهيم الرويشدي.
93 ـ السيد جاسم طبار الهوا.
94 ـ الحاج مهدي الخباز.
95 ـ مجيد عريو.
96 ـ محمود الحاج حمود.
97 ـ حسن نجم الشرمتي.
98 ـ محمد حسن الشمرتي.
99 ـ حلوس محمد الصبار.
100 ـ حميد أبو السبزي.
101 ـ علوان دليهم.
102 ـ علي جوزة.
103 ـ السيد سلمان الفحام.
104 ـ السيد جبر الفحام.
105 ـ عزيز الحارص.
106 ـ الحاج وادي العبد.
107 ـ بشير العبد.
108 ـ عبدالله سابوح.
109 ـ إبراهيم المؤمن.
110 ـ عبد حميمه النداف.
111 ـ عبود صخيله.
112 ـ عبد نورية.
113 ـ عبود نورية.
114 ـ حسن شاهين.
115 ـ السيد سلمان الحجار.
116 ـ إبراهيم جريان.
117 ـ عباس عجمي.
118 ـ علوان الملا علي.
119 ـ طنوش آل علي.
120 ـ حسين علي كور.
121 ـ الحاج حبيب أبو الجاموس.
122 ـ مجيد عزوز.
وقد تدخّل الشيخ خزعل أمير المحمرة في أمر المعتقلين الأوليين: السيد محمد علي بحر العلوم والسيد محمد جواد الشيخ أحمد الجزائري بصفة كونهما من رجال الدين المحترمين فطلب أن يكون اعتقالهما في إمارته «المحمرة» وتحت مسؤوليته دون حشرهما مع بقية المبعدين في مجاهل الهند فلم ترّ الحكومة البريطانية مناصاً من إجابة هذا الطلب وهي حريصة على استرضاء هذا الحاكم العربي.
وللشيخ محمد جواد الجزائري قصيدة عامرة في وصف الحادثة نظمها ايام اعتقاله في بغداد نقطتف منها بعض الأبيات التالية:
وصنا كرامة شعب العراق
وكنا لعلياه حصناً حصينا
وخضنا المعامع وهي الحمام
ندافع عن حوزة المسلمينا
وجحفل أعدائنا الإنكليز
يملأ سهلا الفلا والحزونا
وسر المناطيد ملء الفضاء
يصب القنابل غيثاً هتونا
وقذف المدافع بين الجموع
يهد معالمها والحصونا
ورعد قذائف (مكسيمها)
يشيب بهول صداه الجنينا
ورمي البنادق رشاشة
يحطم مجتمع الدارعينا
ولما أدلهمت علينا الخطوب
وحققت الحادثات الظنونا
لقينا زعازع ريب المنون
وهان على النفس ما قد لقينا
غداة أسرنا بأيدي العدو
ورحنا نكابد داءً دفينا
وضيم (الغريان) غاب العراق
وفارق ليث العرين العرينا
وجزنا كما شاء تلك الحزون
نتظر الفتك حيناً فحينا
وأرجلنا طوع قيد الحديد
تسيل دماً يستفز الرصينا
ولم نلو للدهر جيد الذليل
وإن يكن الدهر حرباً زبونا
وما ضامنا الأسر في موقف
أطعنا عليه الرسول الأمينا)[939](
***
ومما تحسن الإشارة إليه في هذا الصدد أن الشيخ محمد جواد الجزائري ـ قطب جمعية النهضة الإسلامية ـ لما يئس من استنفار القبائل المحيطة بالنجف لدعم الثوار النجفيين، ارتأى أن يستعين بالأتراك الذين كانوا لا يزالون يقاتلون الإنكليز في لواء الرمادي فأرسل مع عباس الحاج نجم النجفي رسائل إلى القائد التركي نور الدين ومحمد العصيمي وعجمي السعودن عسى أن يمدوه بالسلاح والعتاد وقد وصل الرسول إلى قصبة عانة سالماً وسلّم رسالة القائد التركي إليه فترجمت إلى اللغة الألمانية ليطلع عليها القائد الألماني في عانة «وهو يومئذٍ الجنرال فلكس هانم» ويتخذ القرار النهائي في هذا الصدد. فلما احتل الإنكليز عانة واستولوا على هذه الرسائل في جملة ما استولوا عليه من وثائق ومستندات ربطوا بينها وبين ثورة النجف وأدعوا أن مقتل النقيب مارشال W.M. Marshall وما أعقبه من قيام النجفيين في وجه السلطة المحتلة إنما كان بتدبير من الألمان وحلفائهم الأتراك.
وعلى كل يرى متتبعوا الحوادث أن فشل ثورة النجف في تحقيق أهداف «جمعية النهضة الإسلامية» المار ذكرها والتدابير القاسية التي لجأت سلطات الاحتلال إليها كل ذلك زاد في حقد النجفيين ومهّد الأمور لاندلاع ثورة العشرين بعد زمن قصير.
الجامعة أو كتاب علي
نصّت الروايات على أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد خصَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مجموعة من الكتب ذكرنا منها ستة عناوين في كتابنا «حقيقة الجفر عند الشيعة» ومن هذه الكتب «كتاب الجامعة» الذي ورد ذكره في مصادر عديدة منها كتاب الكافي للشيخ الكليني (قده)، وفي سند صحيح عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه، ثم قال: يا أبا محمد، سل عمَّا بدا لك، قال: قلت، جعلتُ فداك، إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علَّم علياً عليه السلام باباً يفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: يا أبا محمد، علّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام ألف باب يفتح من كل باب ألف باب، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: فنكث ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم ، وما هو بذاك، قال: ثم قال: يا أبا محمد، وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟ قال صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإملائه، من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش»)[940](.
ومن هذه الرواية ـ إضافة إلى غيرها مما سنورده نستنتج هوية كتاب الجامعة وهي التالية:
1 ـ مملي الجامعة = الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
2 ـ كاتب الجامعة = الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
3 ـ حجم الجامعة = سبعون ذراعاً بذراع الرسول الأكرم ـ طولاً ـ.
4 ـ محتوى الجامعة = الأحكام الشرعية في السنّة النبوية الشريفة، وهذا الأمر يحتاج إلى مزيد بيان.
سرُّ التأكيد على الجامعة
إن كتاب الجامعة يرتبط بكمال التشريع الإسلامي والدين الإلهي، فالإسلام ـ بلا شك ولا ريب ـ هو دين كامل قد أخبر الله تعالى عن كماله بقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم))[941](.
لكن نتساءل بماذا أكمل الدين وتمت الشريعة؟
هل القرآن وحده هو الذي أكمل الدين؟
إن المطّلع على القرآن الكريم يعلم أنه تحدَّث عن عمومات في الشريعة وعن جملة من تفاصيلها، لكنه لم يذكر كثيراً من التفاصيل كعدد ركعات الصلوات وغير ذلك.
إذن لا بد من عنصرٍ آخر غير القرآن لينضمّ إلى القرآن في عملية إكمال الدين، وهنا يأتي دور السنَّة النبوية الشريفة التي قامت بدور بيان تفاصيل الشريعة الإسلامية.
إلاَّ أن إلقاء نظرة فاحصة على مرحلة تبليغ هذه السُنَّة الشريفة يوقفنا أمام أمر هام جداً، فمرحلة تبليغ السنّة النبوية دامت ثلاث وعشرين سنة قضى منها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث عشر سنة في مكة وعشر سنوات في المدينة المنورة.
أما في السنوات المكية العشر فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاَّ عدد قليل لم يتجاوز عددهم أربعمائة مسلم على الأكثر)[942](.
وكان أغلبهم من المستضعفين المضطهدين مما أدى إلى هجرة الكثير منهم (70 عائلة) إلى الحبشة مرتين، وبالتالي انفصالهم المباشر عن تلقي الدعوة الإسلامية من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي هذه السنوات المكّية كان المشركون يضيِّقون على النبي والمسلمين الباقين معه ضيقاً شديداً، ويمنعونه من تبليغ دعوته للآخرين حتى وصل الأمر بهم إلى محاصرته مع جملة من الهاشميين في شعب أبي طالب ثلاث سنوات حيث كانت المجاعة الشديدة…
إن الناظر في هذه المرحلة المكية يُدرك بوضوح أن الفرصة لم تسنح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاَّ بتبليغ أساسيات الاعتقادات والبعض القليل من جوانب الشريعة كما يُلاحظ القارئ للآيات القرآنية النازلة في مكة.
ومما يؤكِّد هذا الواقع أن فريضة الصوم، وهي من أوائل فروع الدين، لم تنزل في مكة بل في المدينة.
وانتهت هذه السنوات المكّية بهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب ليقضي فيها عشر سنوات كانت مليئة بالحروب والغزوات وما شابه، إضافة إلى الخلافات التي حصلت بين القبائل من داخل المجتمع الإسلامي الجديد، وقد سجَّل التاريخ في الفترة المدنيَّة النبوية وقوع أكثر من ثمانين معركة وغزوة وإرسال سرايا وما شابه، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد العسكري المباشر لها.
ومن الواضح أن هذه الحروب والغزوات شكَّلت معوِّقات أمام تبليغ تفاصيل الشريعة الإسلامية والسنَّة النبويَّة الشريفة.
يقول الشهيد المطهّري: «وإذا أردنا أن نغضّ النظر عن الواقع الكائن في مكة والمدينة، ونفترض أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سَلَك في هذه السنوات الثلاث والعشرين من البعثة نهج المعلِّم الذي لا شأن له إلاَّ الذهاب إلى الصف وتعليم الناس، فمع ذلك لم يكن هذا الوقت وافياً كي يُبيِّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميع ما ينطوي عليه الإسلام، فكيف إذا أضفنا لذلك التاريخ القائم الذي امتصَّ جلَّ أوقات النبي صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً بشأن دين كالإسلام يبسط حاكميته على جميع شؤون حياة البشر»)[943](.
الحل = ولاية الحجج عليهم السلام
إذن لا بدَّ من حلٍّ يتسنَّى من خلاله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلِّغ ويحفظ سنَّته الشريفة التي تمثل مع القرآن الكريم توأم التشريع الكامل.
فكان الحلّ الإلهي يتمثل بتربية إلهية لشخصٍ استثنائي يكون وعاءً لعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومستودعاً لسنَّته وحافظاً للدين الحنيف. وكان هذا الشخص هو علي بن أبي طالب عليه السلام، فكان محلَّ الفيض الإلهي والتعليم النبوي.
وهذا ما يعطينا التفسير الواضح لتلك الجلسات الطويلة بين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام وتلك الملازمة الشديدة بينهما التي كان يعبِّر عنها أمير المؤمنين بقوله: «ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أُمه، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يخبر عنه علي عليه السلام: «إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجابني وإن فنيت مسائلي ابتدأني»)[944](.
وأكَّدت الروايات أن هذا التعليم الخاص كان بأمر إلهي، فقد روى أبو نعيم الحافظ الشافعي (ت: 430هـ) بإسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا علي، إن الله عز وجل أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي وأنزلت هذه الآية (وتعيها أذن واعية) وأنت أُذن واعية للعلم»)[945](.
ولأجل هذا الدور الإلهي في إكمال تبليغ الشريعة الإلهية والسنَّة النبوية حدَّد النبي أن للشريعة مدخلاً وأن لعلمه باباً من أراد أن يغترف لا بد أن يدخل منه فقال : «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها»)[946](.
من هنا نعرف سرَّ كتاب الجامعة فهو الكتاب الذي حفظ السنة النبوية وتفاصيل الشريعة الإسلامية والأحكام الشرعية مدوَّنة ومحروسة ومحفوظة عند حفظة الدين الإمام علي وأبنائه المعصومين عليهم السلام.
وكان أهل البيت عليهم السلام ينطلقون من محتوى الجامعة المحفوظ عندهم في حوارهم مع الآخرين، كحوار الإمام الصادق عليه السلام مع أبي حنيفة الذي لم يثبت عنده من السنّة النبوية ـ حسب ما كان يقول ـ أكثر من سبعة عشر حديثاً فلجأ إلى القياس والاستحسان، وقد عارض أئمة أهل البيت أبا حنيفة وأمثاله. لأنهم يلجأون إلى الظنيِّات العقلية التي لا تغني من الحق شيئاً تاركين السُنَّة النبوية التي كان الأئمة المعصومين بابها المفتوح.
كتاب علي (ع) والجامعة
ومن تلك الكتب التي ورد أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد خصَّها للإمام علي عليه السلام ما سُمِّي بـ«كتاب علي» الذي نقل أحد المعاصرين أنه تكرَّر عنوانه في كتب الإمامية في ألف مورد أو أكثر)[947](.
ويبدو من مراجعة النصوص الواردة في كلِّ من كتاب علي عليه السلام والجامعة أن كونهما كتاباً واحداً غير بعيد، وهذا ما نلاحظه من خلال الشواهد التالية:
الشاهد الأول: وحدة الحجم، فكتاب الجامعة هو صحيفة طولها سبعون ذراعاً كما مر، وكتاب علي هو «صحيفة طولها سبعون سبعون ذراعاً» كما ـ ورد عن الإمام الباقر عليه السلام)[948](.
الشاهد الثاني: وحدة المحتوى، وهذا ما يظهر من خلال أمرين:
الأمر الأول: أن كتاب الجامعة يحتوي كما تقدّم على «كل شيء يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش» وكذلك فإنّ كتاب عليّ «ما على الأرض شيء يحتاجون إليه إلاّ وهو فيه حتى أرش الخدش» كما ورد في الروايات)[949](.
الأمر الثاني: ورد أنّ كتاب الجامعة يحتوي على الفرائض (أي أحكام الإرث وذلك في رواية أبي بصير الذي قال:
«أخرج لي أبو جعفر صحيفة فيها الحلال والحرام والفرائض قلت: ما هذه؟ قال عليه السلام: هذه إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطّه عليّ بيده.
قال [أي أبو بصير]: قلت: فما تبلى؟ قال عليه السلام: فما يبليها؟! قلت: وما تدرس؟ قال عليه السلام: وما يدرسها؟! قال عليه السلام: هي كتاب الجامعة أو من الجامعة)[950](.
وهذه الفرائض التي تحتويها الجامعة تنصّ الروايات على أنّ «كتاب عليّ» يحتويها ففي رواية أخرى عن أبي بصير قال:
«سألت أبا عبد الله عن شيء عن الفرائض، فقال لي: ألا أخرج لك كتاب عليّ عليه السلام؟ فقلت: كتاب عليّ لم يدرس فقال: يا أبا محمّد، إنّ كتاب عليّ لم يدرس، فأخرجه فإذا كتاب جليل، وإذا فيه رجل مات وترك عمّه وخاله قال: للعمّ الثلثان وللخال الثلث»)[951](.
إذن الفرائض موجودة في كلِّ من الجامعة وكتاب عليّ عليه السلام وهذا مع ما سبق عليه يشهد أنّهما كتاب واحد.
صحيفة الفرائض
جزء من كتاب عليّ عليه السلام
والروايتان الأخيرتان يستنتج منهما أنّ ما عُبِّر عنه في الروايات بـ«صحيفة الفرائض»)[952](. هو جزء من كتاب عليّ عليه السلام وقد احتمل العلاّمة الأحمدي في كتابه مكاتيب الرسول)[953]( أن تكون تلك الصحيفة نفس كتاب علي عليه السلام.
محتوى آخر لكتاب الجامعة
مع وضوح كون كتاب الجامعة هو كتاب فقهي ـ بحسب التعبير المصطلح إلا أن هناك نصَّاً يفيد أن هذا الكتاب يحتوي على علمٍ من أمور الغيث وهذا ما ورد في وثيقة العهد الرسمية بين المأمون والإمام الرضا عليه السلام الذي كتب على تلك الوثيقة:
«… وقد جعلت لله على نفسي إن استدعاني أمر المسلمين وقلَّدني خلافته العمل فيهم عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته وطاعة رسوله… (إلى أن كتب) والجامعة والجفر يدلاَّن على ضد ذلك»)[954](.
هذا إجمال الكلام عن كتاب الجامعة الذي هو ـ بحق ـ أحد مآثر أهل بيت النبوة، وشاهد صدق على إمامتهم.
جامعة النجف الدينية
بقلم الدكتور فاضل الجمالي
نقله إلى العربية وقدم له
الدكتور جودت القزويني
تعتبر مقالة (جامعة النجف الدينية) من أهم الدراسات الميدانية التي شرحت أوضاع الحوزة العلمية في النجف من جميع جوانبها الثقافية، والاجتماعية ونظام طالب العلم الدراسي، وأساليب المعيشة، بما كانت عليه الحال، منتصف القرن العشرين.
وتعود أهمية هذه المقالة إلى أهمية كاتبها، الدكتور محمد فاضل الجمالي الذي يُعدُّ واحداً من كبار رجال التربية والتعليم المتخصصين، ومن الشخصيات التي لعبت دوراً في التاريخ السياسي للدولة العراقية.
عاش الجمالي في قلب المتغيرات السياسية، وتولى المراكز الرسمية في العراق في فترة الحكم الملكي حيث كان العراق ـ وما زال ـ يمرُّ بأدوار النقاهة السياسية التي لا يبدو أن هذا البلد سيستردّ عافيته بعدها.
وبالرغم من سطوع نجمه في مرحلة الخمسينات الميلادية إلاّ أن تألّقه السياسي كان قد انتهى بعد الإطاحة بالحكم الملكي الذي عُدّ الجمالي من بعض مخلّفاته، ولم يظهر له أي دور بارز طوال العقود الأربعة التي عاشها بعيداً عن وطنه.
لكن الجمالي كان ذا طاقة روحية فخمة مكّنته من مواصلة جهاده العلمي عن طريق الكتابة التي لم ينقطع عنها حتى أواخر أيامه، والمشاركة في المناسبات على اختلاف أنواعها.
وُلد الدكتور فاضل ابن الشيخ عباس الجمالي في اليوم العشرين من شهر نيسان عام 1903م في مدينة الكاظمية، ودرس في مدرسة الإمام الخالصي، ثم أكمل تحصيله العلمي في الجامعة الأميركية ببيروت، وتخرج فيها عام 1927م. والتحق بجامعة كولمبيا بنيويورك حيث أنهى درجة الدكتوراه في علوم التربية عام 1932م. وقد تولّى وزارة الخارجية ثمان مرات، كما تولّى رئاسة الوزراء في العراق في عهد الملك فيصل الثاني عامي 1953م، 1954م.
وبعد ثورة تموز عام 1958م اعتُقل وأُودع السجن، وحُكمَ عليه بالإعدام، وأُفرج عنه سنة 1961م بوساطات عدد من رؤساء الدول والحكومات في العالم.
وقد استقرّ في تونس منصرفاً إلى البحث والتدريس والكتابة حتى وفاته يوم السبت 24 أيار سنة 1997م، حيث دُفن ـ بناءً على وصيته ـ فيها.
ألّف الجمالي كتباً قيمة منها:
1 ـ العراق الجديد: مشكلة تعليم العشائر البدوية ـ 1934م.
2 ـ مذكرة في مستقبل التربية والتعليم في العراق ـ 1944م.
3 ـ الخطر الصهيوني ـ 1945م.
4 ـ حقيقة الإسلام: دعوة إلى الإٍسلام ـ 1963م.
5 ـ العراق الحديث: آراء ومطالعات في شؤونه المصيرية ـ 1969م.
6 ـ الفلسفة التربوية في القرآن ـ 1980م.
7 ـ صفحات من تاريخنا المعاصر ـ 1993م.
8 ـ مأساة الخليج والهيمنة الغربية الجديدة ـ 1992م.
9 ـ فلتشرق الشمس من جديد على الأمّة العربية ـ 1996م.
10 ـ الأمة العربية إلى أين؟ ـ 1997م.
جامعة النجف الدينيّة
قضى الدكتور الجمالي أسبوعاً من شهر ربيع الثاني سنة 1377هـ الموافق لشهر تشرين الأول سنة 1957م في مدينة النجف، وقد كتب عن رحلته هذه في مقالة رائعة ألقاها في المجلس الثقافي البريطاني ببغداد في العام نفسه.
وقد نُشرت هذه المقالة فيما بعد (باللغة الإنكليزية) تحت عنوان:
Theological Colleges of Najaf في العدد الخامس من مجلة The World Muslim، الصادرة سنة 1960م، صفحة (15 ـ 22).
تضمّنت (المقالة) حديثاً عن الاجتهاد عند الشيعة، ومركز النجف الديني وما يحويه من مدارس علمية، وإحصائية عن التركيبة العددية لطلبة العلوم فيها.
ولاحظ الجمالي أن النظام الدراسي في مدينة النجف هو نظام يتميز بالتفرّد حتى عن بقية النظم التعليمية التي اتسمت بها الجامعات العالمية العريقة في نظامها التعليمي.
وقد تعدّت المقالة إلى إعطاء القارئ فرصة التعرّف على الجو الذي كانت عليه الحياة الثقافية والاجتماعية في النجف أواخر الخمسينات الميلادية، ونمط الحياة في هذه المؤسسة التي تبدأ من طالب العلم، وتنتهي بالمرجع الأعلى.
إنّ ما ذكره الدكتور الجمالي من وصف المناهج الدراسية، وأسلوب حياة طالب العلم وآلية عمل المؤسسة الدينية، والمراحل التي يقطعها التلميذ في مراحله الدراسية، وغير ذلك يُعدّ نمطاً ما زال متوارثاً في المراكز الدينية الشيعية حتى اليوم، ولم يطرأ عليه من التغيّر شيء سوى بعض المستجدات التي أدخلتها أساليب العصر وتطوراته، وبعض التغيرات الطفيفة التي ظهرت في إزاحة بعض الكتب التعليمية القديمة بمؤلفات أكثر حداثة.
أمّا التحوّل السياسي الذي ظهر في مرحلة الستينات الميلادية بإسهام العلماء في تأسيس الأحزاب السياسية الدينية، والانخراط فيها، والنشاط الفكري الذي أسهم في توجيه ثقافة المنحى الإسلامي، وتأصيل مناهجه الفكرية، وغير ذلك من السعي للدعوة إلى السلطة، ومواجهة الأنظمة المتعاقبة بعد الحكم الملكي حتى ظهور الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، التي كان من تأثيراتها المواجهة المباشرة بين الفقهاء والحركة الإسلامية بشكل عام من جهة، والسلطة السياسية من جهة ثانية. وقد راح ضحيتها المرجع الكبير الإمام السيد محمد باقر الصدر (قُتل سنة 1400هـ/1980م)، وآلاف مؤلفة من الكوادر العراقية المثقفة.
إنّ كل هذه المتغيرات كانت خارجة عن إطار هذه (المقالة) لتأخرها عن الفترة التي كُتبت فيها، والتي يُشكّل زمنها في حدّ ذاته تاريخاً مستقلاً للمؤسسة الدينية الشيعية في النجف.
زيارة الدكتور الجمالي
كما وردت في مجلة (النجف)
غطّت مجلة (النجف) ـ (التي يرأسها السيد هادي فيّاض، الجزء (16)، السنة الأولى) في عددها الصادر في 5 تشرين الثاني 1957م، الموافق ليوم 10 ربيع الثاني سنة 1377هـ ـ زيارة الدكتور الجمالي لمدينة النجف على هذه الصورة:
كان فخامة الدكتور محمد فاضل الجمالي في بحر هذا الأسبوع ضيف النجف العزيز، فقد خصّ فخامته هذه المدينة المقدسة بزيارة مفصّلة درس خلالها جميع نواحي البلدة، حيث ظل طيلة أيام مكوثه بالنجف يتنقل بين بيوت أصحاب السماحة العلماء الأعلام، وبين الأمكنة التي يحاضرون فيها (الأبحاث العلمية)، ثم بين حلقات التدريس في المساجد والمدارس. وأتبعَ ذلك بتطوافه على المدارس الدينية القديمة مستطلعاً سير التدريس فيها وحالة طلابها، والمواضيع التي تُدرس بها.
وقد أتمّ ذلك بزيارته للمؤسسات الثقافية، وكان من جملتها كلية منتدى النشر الدينية حيث اطّلع فخامته على مناهج الدراسة الابتدائية والمتوسطة والكلية فيها، كما استمع إلى محاضرة في علم المنطق كانت من جدول دروس الصف الأول من كليتها، كما زار مكتبتها العامة.
وقد استغرقت زيارته لمنتدى النشر ساعة ونصف الساعة، ووُدِّع بعدها بمثل ما استقبل به من الحفاوة والاحترام.
ومن المؤسسات الثقافية التي زارها فخامته جمعية الرابطة الأدبية، وجمعية التحرير الثقافي، ومدرسة الإمام كاشف الغطاء، ولم يقف تطوافه عند هذا الحد بل قام بزيارة شخصيات علمية دينية أخرى. وقد ختم زياراته بزيارة الدوائر الحكومية كافة. وكان في هذه المدة ضيفاً على دار الأستاذ السيد محمد علي كمونة (رئيس البلدية) وأقيمت على شرفه عدة ولائم كبرى، كان من جملتها؛ الوليمة الأنيقة التي أقامها على شرفه الحاج عبود شلاش حيث التقت على المائدة فيها نخبة صالحة من رجال البلدة، والوليمة الفخمة التي أقامها له الأستاذ الحاج محمد سعيد شمسة (رئيس البلدية السابق)، وقد ضمّت وجوه النجف من رجال الدين والزعماء والتجار وموظفي القضاء كافة.
هذا وفي أحد المجالس سُئل فخامته عمّأ توصل إليه كنتيجة لتطوافه واستطلاعاته، فأجاب: إن ثلاثة أشياء يجب الاهتمام بها وهي:
أولاً: تأسيس كلية دينية منظمة بالنجف بالإضافة إلى الوضع القائم الذي يجب أن يستمر، ويركز بصورته الحالية.
ثانياً: تأسيس كلية للمعقول والمنقول في بغداد على أن تُلحق بجامعتها الجديدة.
ثالثاً: إعادة النظر في كتب دروس الدين المقرر تدريسها في المدارس الحكومية كافة.
ثم أردف قائلاً: هذا ما يتعلق بالجهة العلمية الدينية، أمّا الجهات الأخرى فلبيانها مقام آخر. هذا ما قاله فخامته.
وعلى ذكر ما قاله حول الكتب الدينية المقررة للمدارس الابتدائية والمتوسطة فإن لدى هذه المجلة (مجلة النجف) ملاحظات جديرة بالعرض، وتتلخص هذه الملاحظات بما يأتي: وهو أنّ بعض ما في تلك الكتب المقررة يتنافى مع عقائد قسم كبير من المواطنين مما يجعل هؤلاء المواطنين بحكم عقيدتهم ينفرون من هذه الكتب، ومن جميع ما فيها حتى السمين فضلاً عن الغث، بل وينفرون ممن يقوم بتدريسها فتضيع الفائدة المرجوة، ويخسر الطلاب فوائد التوجيه الديني.
وكان الأجدر باللجنة التي وضعت هذه الكتب أن تلحظ هذه الناحية، وترعى عواطف الطائفتين الشيعية والسنية على حدّ فتذكر مثلاً: الصلاة ومقدماتها على الطريقة الشيعية بجنب ذكر الصلاة وفق الطريقة السنية. وما يقال في الصلاة يقال في بقية العقائد الأخرى، فتحفظ اللجنة بذلك الوحدة، وتساعد على تخفيف بواعث الفرقة.
هذه جملة جاء ذكرها على ذكر ما تطرق إليه فخامة الدكتور الجمالي في حديثه المشار إليه، فعسى أن يكون في هذا ما يرفع هذا النقص. وقد سُجّلت لفخامته هذه البادرة الجميلة؛ بادرة تفقد شؤون هذا البلد المقدس، وتفهم أوضاعه بالشكر والامتنان من لدن جميع الطبقات.
جامعة النجف الدينية
كما تحدث عنها الدكتور فاضل الجمالي سنة 1957هـ
مدينة (النجف) المقدسة هي مكان ضريح الإمام علي بن أبي طالب، الخليفة الرابع للمسلمين، والإمام الأول للمذهب الشيعي ـ ومن الأماكن الإسلامية التي تأتي بالمرتبة الرابعة بعد مكة، المدينة، والقدس، يتوافد الزائرون إليها من جميع أماكن العالم الشيعي، وفيها يدفنون موتاهم.
أما مدينة الكوفة، التي تحوي موقع مسجد الإمام علي فهي تبعد عن النجف ثلاثة أميال تقريباً. وكانت هذه الحاضرة العاصمة الإسلامية الأولى في العراق، والتي عُرفت مدرستها اللغوية كمنافس لمدرسة البصرة.
والنجف بحدّ ذاتها مركز دراسي شيعي كبير على غرار جامعة (الأزهر) في مصر، و(الزيتونة) في تونس، إلاّ أن الدراسة العلمية المتقدمة للمذهب الشيعي لها خاصيتها المتميزة عن بقية المذاهب الإسلامية بسبب استمرار مبدأ الاجتهاد، والذي يعني التوصل إلى درجة علمية عالية تُمكّن المجتهد من استنباط الأحكام الشرعية من القرآن، السُنّة (الحديث)، ومن أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأفعاله. وعلى ذلك فإن رأي المجتهد، واستنباطه قد يلائم كثيراً التطورات الحاصلة تبعاً لتغير الزمن.
وقد أُلزم الشيعة اتّباع آراء المجتهد الحي، وعند موته فأنها ستفقد حيويتها وجدّتها. أما في جانب المذاهب السنية فإنها اعتادت على اتباع تعاليم الأئمة الأربعة العظام، والقادة المتكلمين الذين عاشوا في العصور الوسطى، وهم: أبو حنيفة، الشافعي، ابن حنبل، مالك. ولم تسجل المذاهب السنية ظهور مجتهد جديد بعد الأئمة الأربعة.
وعلى كل حال فالشيعة دائماً لهم مجتهدهم الحي الذي يُفترض أن يتصف ـ ولو نظرياً ـ بالتبحر العلمي، والتفكير الأصيل، والفحص الشامل، وتحليل المعطيات الدينية.
وتعتبر النجف المركز الرئيس للدراسات الثقافية الشيعية، أما سامراء، وكربلاء، والكاظمية فبالرغم من مدارسها الدينية الخاصة بها، فإنها بشكل عام لا تقاس أهمية بالنجف.
أمّا مدينة قم الإيرانية ـ والتي تحت قيادة المجتهد الكبير السيد البروجردي)[955]( فإنها أخذت تحتل مكانة مهمة في الدراسات العقلية، لكنها ـ ومع ذلك ـ لم تستطع إلى الآن مضاهاة النجف بذلك.
وفي النجف ما يقرب من أربع وعشرين مدرسة دينية أشهرها: مدرسة البروجردي، اليزدي، الآخوند، الهندي، القوام، الصدر، الأحمدية، كاشف الغطاء، والمهدية، كما تضم ما يقرب من ألفي طالب من مختلف الجنسيات، وأغلبهم من الإيرانيين، وإن كان هناك أعدادٌ أخرى من الطلبة العراقيين، والباكستانيين، والهنود، والكشميريين، والأفغان، واللبنانيين، والتبت، وطلبة آخرين من منطقة الخليج.
والتركيبة الإحصائية لعدد الطلاب في النجف في شهر ديسمبر 1957م هي كالآتي:
الطلبة الإيرانيون 896.
الطلبة العراقيون 326.
الطلبة الباكستانيون 324.
الطلبة التبت 270.
الطلبة الهنود 71.
الطلبة السوريون واللبنانيون 47.
الطلبة البحرانيون والقطيفيون 20.
والمجموع الكلي هو (1954) طالباً. وهذا العدد يختلف باختلاف فصول السنة، والظروف، لأنّ الحضور ليس إلزامياً.
ومنذ ثلاثين عاماً على وجه التقريب كان (كاتب هذه السطور) قد غاص في الدراسة، وطرق التدريس لإظهار تفرد النظام الدراسي في النجف، وأهميته، وكان ذلك جزءاً من بحث للدكتوراه يتناول «النظام الدراسي في جامعة النجف» إلاّ أنّ المقترح تبدّل لعنوان آخر هو «مشكلة تعليم القبائل البدوية في العراق».
النجف منجمُ المثقفين
إنَّ معرفتي بالنجف، وبنظامها الدراسي بدأ منذ طفولتي عندما كان المرحوم والدي عالماً هناك، حيث أنفق حوالي تسعة عشر عاماً بالدراسة في النجف، ثم بعد ذلك وفي سن الخامسة عشرة بدأتُ أتثقف بنفس الثقافة، ولكن في مدينة الكاظمية. ومع مرور الوقت ترسَّخت معتقداتي أننا في النجف نملك (مَنجماً) من المثقفين يجب أن يُستكشف ليتعرف عليه العالم ويقدره، ويتبنّى بعض مظاهره.
لقد درستُ أغلب نظم التعليم الجامعي في الغرب، وزرتُ الجامعات الألمانية، والبريطانية، والفرنسية، وجامعة أكسفورد، وكامبردج، وتلقيتُ تعليمي في الجامعات (الأميركية)، إلاّ أنّه ما من جامعة من هذه الجامعات، حتى الجامعات الألمانية تستطيع أن تفخر في حرية التعليم بما يُضاهي حرية التعليم والأصالة اللتين تطبعان شخصية المنتسبين إليها بطابعها المتميز في جامعة النجف.
والنظام التعليمي العام لا يخضع لنفوذ الدولة، ولا يمول من قبلها، فبالرغم من وجود 24 مدرسة علمية فإنه لا توجد هيئة خارجية، أو سلطة تسيطر عليها، أو تقوم بإدارتها، كما لا يوجد رؤساء، أو عمداء أو أساتذة، وإنما يستطيع أي فرد مهما كان مستواه الثقافي أن ينضم للمدرسة إذا استطاع أن يجد له مكاناً للإقامة ما دامت لديه الرغبة في الدراسة، كما أنّ الوازع الديني، والانضباط النفسي هما القانون الوحيد الذي يدير هذه الجامعات، وينظمها.
إن كل مدرسة من المدارس تتكون ـ على الأغلب ـ من باحة مفتوحة تكون على شكل مربع، أو مستطيل، وفي وسطها (بُركة) ماء محاطة بالأشجار. كما تحاط هذه الباحة المربعة بغرف يسكنها طالب، أو طالبان، ويكون الدور الأرضي فيها مرتفعاً بما يقرب المتر عن الأرض. ويتكوّن السكن في معظم المدارس من دور واحد؛ والمدرسة الحديثة الوحيدة التي تتكون من دورين هي مدرسة البروجردي. وقد زرتُ بعض غرف الطلاب، ولم تكن فيها أسرّة، وكان الطلاب ينامون على فُرش يمدونها فوق السجاد، و(الحصران). أمّا تهويتها فتتم إمّا عن طريق الشبابيك، أو عن طريق المداخن، وبعضها الآخر لم تكن فيها تهوية إلاّ من خلال الباب. وتحتوي بعض هذه الغرف على تدفئة كهربائية متنقلة، كما انّ معظم المدارس تحتوي على (سراديب)، ومخازن تحت الأرض يلجأ إليه الطلبة أيا الصيف القائض. ويصل عمق بعض سراديب النجف إلى أكثر من طابق واحد، وكلما نزل الشخص إلى عمق سرداب، أو اثنين أو ثلاثة، فإن البرودة سوف تزداد بشكل تدريجي حتى أنه يحتاج إلى ملابس ثقيلة في السرداب الثالث إذا أراد أن يحتمي منها.
ويرتدي جميع الروحانيين عادة عمّة نصف دائرية كبيرة سوداء أو بيضاء، والأولى تدل على أنّ صاحبها (سيد)، أو (هاشمي) في انتسابه، أمّا العمة البيضاء فإنها لا تدل على ذلك.
وبالرغم من أنّ لكل مدرسة ـ كما هو معروف ـ متعهداً أو قيّما ً فإن الطلبة الذين يعيشون في مدرسة واحدة يعتمدون على أنفسهم في إعداد الطعام، وتنظيف الملابس ما لم يكن لهم وسائط لتناول الطعام في الخارج، وإمكانية دفع أجور غسيل الملابس وتنظيفها. كما أنهم يحصلون على خبزهم بصورة مجانية من الهبات التي يبعثُها المحسنون الشيعة إلى المجتهد الأعلى.
ويُنفقُ المجتهد الإيراني الأكبر آية الله البروجردي ـ المقيم في مدينة قم ـ ما يقرب من ستة آلاف دينار عراقي شهرياً في النجف، وكربلاء، وسامراء لغرض توفير الخبز، ودفع المرتبات الشهرية إلى ما يقرب الخمسمائة طالب، حيث تكون حصة كل منهم ما بين دينار ونصف الدينار إلى دينارين، وترتفع نسبة الدخول الشهري حتى تصل إلى ثلاثين ديناراً لتغطية بعض احتياجات العلماء البارزين (مع ملاحظة أنّ الدينار العراقي الواحد يقارب دولارين وثمانين سنتاً). إن أصحاب العوائل من الطلبة الذين يعيشون خارج المدارس يشكّلون نصف عدد الطلاب، وهم يترددون إليها لغرض الدراسة والمباحثة، أو تسلم المرتبات المالية المخصصة لهم ومع ذلك فهم يعتمدون ـ في أغلب الأحيان ـ على المساعدات التي تصلهم من عوائلهم أو من المصادر الخيرية لتغطية احتياجاتهم بشكل كامل. وليس هناك ميزانية محددة، ولا مورد معين لهذه المدارس، فالطلبة يدرسون دون أن يدفعوا أي نفقات، كما أنّ المدرسين يدرّسون دون أن يتلقوا أي مبلغ على ذلك.
وأغلب العلماء هم طلبة، ومدرّسون في آن واحد، فالمتقدمون منهم ممن يحضر بحوث (المجتهد) يدرّسون أولئك الذين هم أقل مرتبة منهم. كما أنّ هؤلاء يُدرسون الذين لا يزالون أقل من مرتبتهم العلمية، وهكذا. وعلى ذلك فإن أيّ شخص يدرس في النجف سيُصبح ـ بعد وقت قصير ـ تلميذاً وأستاذاً في وقت واحد. ولا يوجد وقت محدد للدراسة فربما يمكث الطالب سنين عديدة حسبما تمليه عليه رغبته، أو يقضي معظم حياته بالدراسة والتدريس.
ومعدل سني الدراسة العملية 15 عاماً لكن ذلك رقم اعتباطي لهؤلاء الذين لم يُحددوا بوقت معيّن، وربما رغب الطلاب بالإقامة خمس سنين، أو عشرة، أو خمس عشرة، أو عشرين فليس هناك امتحانات يجب تجاوزها. إن (النجف) أشبه ما تكون بـ (نافورة) كبيرة يمكن لأي شخص أن يتقرّب إليها، ويعبّ منها ما يستطيع من العلم ما دام لديه اهتمام. ولا يُطلب من أي شخص عملٌ ما لم يرغب هو به، وباختياره.
وتتضمن الحلقات الدراسية منهاجاً مقرراً في اللغة، والمنطق، وعلم الكلام (التوحيد)، ولكن المواضيع الأخرى ـ في شكلها القديم الذي يعود إلى العصور الوسطى ـ كالفلسفة، وعلم الهيئة، والرياضيات ـ يمكن تدريسها أيضاً إذا رغب الطالب بذلك. ويكون الطالب حراً باستخدام أوقات فراغه لدراسة أي موضوع آخر كتعلم اللغات الأجنبية أو الشعر، كما يتمتع بحرية اختيار شريكه وزميله في الدرس، وكذلك اختيار أساتذته من بين الأساتذة وتحديد ساعات الدراسة، ومكانها معهم، والتي تكون إمّا في المدارس أو المساجد، أو في بيت الأستاذ نفسه. ويعتبر مسجد (الهندي) واحداً من أكبر المراكز الدراسية، والذي يضم الحلقات الصغيرة إلى جانب المحاضرات الموسعة. فالذين يشكّلون حلقة دراسية ربما كانوا طالبين فقط، أو ثلاثة، أو أكثر من أربعة وعشرين طالباً في العدد، ما لم تكن هذه الحلقة الدراسية هي حلقة متقدمة تلقى كمحاضرة عامة من على المنبر.
وفي هذه الأجواء يختلف معدل التقدم العلمي للطالب من شخص إلى آخر فالذين باستطاعتهم التحرك سريعاً يمكن أن يتقدموا بحرية، أمّا أولئك الذين يتحركون ببطء فإنهم يسيرون تبعاً لما تملي عليهم خطواتهم، فيس هناك استعجال في الدراسة إذا لم تكن أوقاتهم محددة، كما أنهم لا يطالبون بوثيقة امتحان علمية، مصدّقة. وربما يقضي الطالب غير المُجد معظم حياته دون أن يخرجه أحدٌ من المدرسة. أمّا التفوّق العلمي، والنبوغ المبكر فيظهران بصورة طبيعية. وإذا حدث أن اشتهر عالم بذلك فإنه يبدأ باستقطاب الأنظار، ويصبح محطاً لانتباه أولئك الذين يودون مصاحبته، والدراسة على يديه.
وفي الصباح الباكر ـ (بعد صلاة الفجر، وقبيل طلوع الشمس) ـ تبدأ الدراسة، وتستمر بعد صلاة المغرب بساعة واحدة، ويحدد الطلبة أوقاتهم الدراسية مع أساتذتهم الذين اختاروهم، وربما يدرّس أساتذة متعددون الموضوع نفسه في زمان واحد.
إلى جانب الحلقة الدراسية هناك فترة نقاش، ومناظرة بين الطلبة أنفسهم، إذا كانوا في حلقة دراسية واحدة، حيث يناقشون الدرس الملقى عليهم كمحاضرة يلقيها واحد منهم يتصرف كما يتصرف الأستاذ، ويُسأل من قبل زملائه كما يُسأل الأستاذ نفسه.
ويملك الطالب ساعاته الخاصة في تهيئة المواد العلمية، وشحذ ذاكرته وتفكيره بالشكل الذي يراه ضرورياً.
مراحل الدراسة في جامعة النجف
وتقسم الدراسة في النجف إلى ثلاثة مراحل)[956](:
المرحلة الأولى: (مرحلة السطوح)
وتشمل دراسة اللغة العربية، والبلاغة والمنطق ويبدأ الطالب بدراسة كتاب قواعد العربية المبسط، والذي يُسمّى (بالآجروميّة)، وتنحدر هذه التسمية من كلمة القواعد اليونانية، وعندما ينتهي الطالب منه يبدأ بكتاب أكثر اتساعاً خصص للمتقدمين ويسمى (القطر)، والذي عُوّض عنه بكتاب (جامعات المقدمات). بعده ينتقل إلى كتاب لقواعد اللغة والذي هو شرح على ألف بيت من الشعر لابن مالك اختصر فيها قواعد اللغة. ويسهل عادة حفظ هذه الأبيات المتضمنة قواعد العربية الضرورية، ويجد الطالب مشقة في استرجاعها. والكتاب الأخير المتقدم جداً هو (مُغني اللبيب) حيث يشمل جميع قواعد اللغة العربية المعقدة، والدقيقة.
وبعد انتهاء دراسة القواعد العربية يتحول الطالب إلى كتاب (المطوّل) للتفتازاني (في علم البلاغة)، وعندما ينتهي منه ينتقل إلى علم المنطق حيث يبدأ بدراسة المنطق الأرسطي في كتاب (الحاشية) للمُلاّ عبدالله، وتستغرق مرحلة السطوح عادة سبع سنوات.
المرحلة الثانية: (مرحلة الفضلاء)
وهي تشابه مصطلح Sophomore المستعمل في الجامعات الأميركية (والذي يقرب بمستوى علمي أشبه ما يكون بالسنة الجامعية الثانية).
وفي هذه المرحلة يدرس الطالب علم أصول الفقه، والفقه، ويتضمن الأول طرق استنباط الأدلة من المصادر الأصلية (الشرعية)، أما الثاني فيشمل قواعد، وأحكام الدين المختصة بالعبادات (كالطهارة، الصلاة، الصوم، وأداء الزكاة)، وبالمعاملات (كالمحاضر التجارية، الزواج، الميراث، وما شابه ذلك).
والكتب التي تدرّس علم الأصول هي المعالم، القوانين، الرسائل، الكفاية، وعندما يتجاوز الطالب هذه المناهج بنجاح يتحول من المرحلة البسيطة إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
أمّ الكتب الفقهية فهي التبصرة، الشرائع، اللمعة، المكاسب، العروة الوثقى، وهنا أيضاً تتصاعد الكتب في تعقيداتها، واصطلاحاتها، العلمية والتقنية.
وبعد هذه المرحلة المتوسطة يبلغ الطالب المرحلة الدراسية الثالثة، والتي تسمى مرحلة البحث الخارج.
المرحلة الثالثة: (مرحلة البحث الخارج)
وفيها يحضر الطلاب الدروس التي تلقى في محاضرات عامة من قبل المجتهدين وتتضمن تحليلات اختصاصية عالية جداً في مجال دراسة الأدلة، واستكشافها. ومن بين (المجتهدين) المشهورين الذين يقررون مثل هذه البحوث السيد محسن الحكيم)[957](، والسيد حسين الحمّامي)[958](، والسيد أبو القاسم الخوئي)[959](.
وقد حضرتُ قليلاً من تلك الدروس في شهر كانون الأول سنة 1957م، وقد كانت محاضرة الخوئي مساءً في مسجد (الخضرة) تحوي ما يقارب 150 طالباً، كلهم قد (تربّعوا) على الأرض. ولم تكن قد زادت على أكثرمن ثلاثين دقيقة، وكان موضوعها حول (منهاج البحث الفقهي). كما حضرتُ محاضرة للسيد حسين الحمّامي في مسجد (الهندي)، وكان مجموع الحضور من الطلبة يقارب 150 طالباً أيضاً. ودار محور المحاضرة حول (نية) الفرد، وقصده فيما يخصّ الصلاة، وتركزت المحاضرة على تحليل معنى (النيّة)، وصلتها بفعل الصلاة، وتضمنت المناقشات معالجات نافعة لمباحث علم النفس.
والمحاضرة الأخرى التي حضرتها هي محاضرة آية الله السيد محسن الحكيم في مسجد (الطوسي)، والتي تناولت بالبحث (عقد قران العبيد، وعلاقته بموافقة مالكيهم).
إن هذه المرحلة لا تخضع للزمن المحدد، وربما يستمر الطالب فيها حتى نهاية عمره، وإنّ غاية العلماء الكبار هي الوصول إلى المرحلة العالية للاجتهاد، والتي يمكن أن تتصور بأنها تماثل درجة (الدكتوراه) في العلوم العقلية الدينية، عندها يمتلك المجتهد القدرة على استنباط الأحكام الشرعية المستندة على تمكنه من علم أصول الفقه، وفحص الآراء، والأدلة ونصوص القرآن والسنّة في المسائل الدينية، وإنّ مرحلة الاجتهاد لا تُحلُّ بالدراسة وحدها، ولكن بنفاذ البصيرة التي هي في حدّ ذاتها منحة إلهية. فالتعلم لا يقاس بزخم المعلومات الهائلة، ولكن بالنور الذي يقذفه الله في قلوب العارفين من العلماء.
ويتّبع الشيعي في شؤون حياته اليومية تعاليم المجتهد ويسمى (المُقَلِد). أما العَالِم الذي يصل إلى مرحلة الاجتهاد والذي لم يكن باستطاعته النهوض بالقيادة المرجعية فإنه يبقى مُعَلّقاً بين مرحلتي الاجتهاد والتقليد، ويسمى محتاطاً.
وهناك الكثير منهم في النجف يمكن أن يظهر اجتهادُهم لعامة الناس يوماً ما. وفي النجف عدد من كبار المجتهدين، بعضهم على درجة عالية من الثقافة، وبعضهم الآخر ممن يفتخر به العالم الشيعي، ويقوم بعض هؤلاء المجتهدين بالواجبات العامة تجاه شؤون الناس الاجتماعية في حين أن بعضهم الآخر قد قصر نفسه على النشاطات العلمية وحدها.
وقد زرت مؤخراً عدداً من المدارس، وتحدثتُ مع الطلبة حول دراستهم، ومعيشتهم، وعن أوطانهم أيضاً. وسألتُ أحد الطلبة وهو الشيخ محمد رضا شمس الدين)[960]( أن يوضّح لي منهاجه اليومي، وقد ذكر لي أنه ينهض صباحاً قبل طلوع الشمس بنصف ساعة ليؤدي صلاة الفجر، وبعد شروق الشمس يحضر بحث (الخارج) على يد السيد أبو القاسم الخوئي في (الفقه). وبعدها يتجه إلى تدريس البلاغة، والفلسفة الإسلامية في كتاب يسمى (شرح الباب الحادي عشر) للمقداد السيوري، عندها يحضر درساً فقهياً آخر في بحث (الخارج) للشيخ عباس الرميثي)[961]( يعالج جانباً من شرح كتاب شهير هو كتاب (الشرائع)، ثم تأتي المحاضرة الثالثة لبحث (الخارج) في مباحث (الزكاة) من نفس المصدر. ثم يستمر بالحضور على يد السيد علي الفاني الأصفهاني)[962]( في محاضرات البحث (الخارج) الأخرى.
وهو مع كل ذلك كان عليه أن يستعد للدراسة، والتحضير بنفسه وإلاّ يتخلف عن مواعيد الصلوات، وما يحتاجه لشؤون حياته الخاصة.
وبالتأكيد فإن هذا البرنامج هو برنامج مليء بالحيوية. وبعبارة أخرى فإنّ الطالب يمكن أن يُتعب نفسه إذا رغب، أو يتركها وشأنها إذا كان ذلك رائقاً له. وبالنتيجة فلا توجد أي قوة خارجية تجبر الطالب على أداء مهماته سوى ما تمليه رغبته عليه.
أمّا الطالب المتألق الآخر الذي زرتُهُ في مدرسة (القوام) فهو الشيخ علي الكرمي وهو من الطلاب الذين يعيشون مع عوائلهم خارج المدارس. ويحضر هذا الطالب الشاب محاضرات الشيخ حسين الحلي)[963](، ويمتلك قابلية أدبية حسنة، وعقلاً فلسفياً رائعاً. وهو بدوره يقوم بتدريس علوم البلاغة. أمّا أخوه فهو عالم شهير)[964](. ومؤلف دراسات في الفلسفة الإسلامية.
الميزات الثقافية للنجف
إنّ الميزات الثقافية التي تختص بها (النجف) تندرج بما يلي:
1 ـ لا تخضع الدراسة لأي سلطة خارجية سواء أكانت حكومية أم مجلس إدارة.
2 ـ إنّ أي شخص يذهب للإقامة في النجف فإنه يذهب لغرض تحصيل منفعته، فالتعلم لا يهدف إلى أي دوافع خارجية سوى الصلاح الديني والتقوى، وخدمة الأغراض الإلهية. ولهذا فالطالب في النجف يجمع بين التقوى وطلب العلم.
3 ـ تتميز الدراسة في النجف بأنّها تستند على القناعة، والزهد ولا صلة للطالب بحياة الترف بالرغم من أنّ جميع الذين التقيتُ بهم بدوا من الكرماء.
فعندما كنتُ أزور غرف الطلبة كنتُ أُدعى لتناول الشاي أو القهوة أو المشروبات الأخرى، وقد ترك طالب أفغاني ـ كان يستقبلني ـ غرفته حالاً عندما اعتذرتُ له عن تناول المشروبات الخفيفة المتوفرة لديه، وجلبَ عوضاً عنها صحناً مليئاً بالرُمّان. إنّ الكرم والمودة ـ باختصار شديد ـ يُطوّقان تلك الأجواء.
4 ـ الدراسة في النجف دراسة حرّة بكل ما للكلمة من معنى، حيث لا توجد حدود للمناظرات والاستفسارات، فحرية البحث هي القاعدة التي يدور عليها إطار الفكر الإسلامي.
5 ـ استطاعت الدراسة في النجف أن تحلَّ إشكالية تفاوت الأفراد حيث يستطيع الطالب الانتقال من مرحلة دراسية إلى مرحلة أخرى حسبما تمليه عليه مقدرته، واختياره لنمط المواد التي يرغب بدراستها، ونوعية الكتب أو الزملاء وحتى اختيار الأستاذ الذي يرتاح له.
إنّ نمطاً كهذا من أنماط التعليم هو لغرض الفائدة، وعدم وجود فترة زمنية محددة للدراسة تجعل الطالب مستمراً في توجهه العلمي دون أي ضغوط، الأمر الذي يجعله لا يعاني من مشكلة المناهج المفروضة عليه أو مشكلة الساعات المقررة التي يجبر على حضورها.
6 ـ مشكلة الامتحان لا تضايق حياة الطلبة، أو أساتذتهم، وتبقى قابلية الطالب، وتمكنه من الأشياء السبيل الوحيد لنجاحه، ونجاح أقرانه أيضاً.
وقد كان على أحد العراقيين من دارسي العلوم الدينية أن يُظهر كفاءته العلمية أمام لجنة لمتابعة الدراسة لكي يتخلّص من الخدمة العسكرية بالإعفاء لكن مثل هذه المقابلة لاتعني أنه خضع لامتحان حقّق له إنجازاً مهماً.
7 ـ إن تطور الشخصية، والطباع يُنَميّان من خلال القدوة الحسنة، والرفقة الطيبة مضافاً إلى التشبّع بالفضائل الدينية. ومع ذلك فقد سمعتُ بعض الشكاوى التي تشير إلى أنّ بعض الأفراد من ذوي الشخصيات الضعيفة والذين يميلون الى حب الذات يكونوا في بعض الأحيان في صفوف طلبة الدراسات. وبعبارة ثانية أنّ الاحتياجات المادية الضرورية أضعفت المقومات التي كان يتمتع بها طلبة العلوم، كما أنها حدّت من نفوذ بعض العلماء الذين كانوا متنفذين بشكل كبير.
8 ـ ومن الميزات المهمة للدراسة في النجف أنها دراسة تامة، فالموضوع الواحد يُدرس، ويعاد تدريسه في كتب متعاقبة. وبالتأكيد فإن هذه الطريقة ستترك تأثيراً قوياً على الطالب، وعلاوة على ذلك فإن الطالب يُدرّس ما كان قد درسه أكثر فأكثر. وإنّ تجربتي الشخصية تدفعني للاعتقاد أنّه لا توجد طريقة لاتقان علم من العلوم أفضل من تدريسه.
مشكلات النظام الدراسي
وبالرغم من كل تلك الميزات فهناك بعض المشكلات التي تخص النظام الدراسي في جامعات النجف يمكن إجمالها بما يلي:
أولاً: مشكلة المناهج الدراسية
إنّ مناهج الثقافة ترجع إلى ثقافة العصور الوسطى القديمة، وإنّ علماء النجف وإن كانوا يمتلكون مداخل أولية للتفكير المتجدد، والعلوم الحديثة، والفلسفة العصرية، وعلم النفس الحديث، وحتى في المجال الصحي، إلاّ أن ذلك لم يكن كافياً حيث يلاحظ أنّ بعض المدارس لا تزال تحتوي على (حوض) ماء يستعمل لجميع أغراض الغسيل المشتركة مما يسبب تلوثاً عملياً.
وقد أجريتُ محادثات كثيرة مع العلماء، والمجتهدين الكبار حول حاجة تقديم مواضيع دراسية جديدة كالفلسفة الحديثة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وبعض العلوم الطبيعية المبسطة، وشيء من العناية الصحية. وكانت الاستجابة غير إيجابية. وأتذكر حديثاً جرى بيني وبين أستاذ في الفلسفة الإسلامية حول فلسفة هنري برجسون Henri Bergson وقد وجدتُهُ غير ملمّ بهذا الاسم.
من هنا فإن النَّتاج العلمي للنجف لم يحقق نجاحاً في مواجهة التحدي الروحي للعوالم الحديثة، مما يجعل هذه الملاحظة من الملاحظات الجادة في هذا المضمار.
ثانياً: مشكلة الإجازات العلمية
والملاحظة الثانية تتعلق (بإجازة) الطلبة حيث ـ كما قلتُ ـ إنّ عدم الامتحان، وعدم الرقابة على حضور الطلاب يجعل كل شيء يعمل بحرية تامة. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن للمرء أن يتجنب لقاء أولئك الطلبة الذين يغادرون النجف لا عن كفاءة، ويدّعون أنهم مؤهلون للمهام الدينية في المناطق التي يذهبون إليها، ويُترك الأمر للناس حيث يمكن اكتشاف ما إذا كان رجل الدين مؤهلاً، أم لم يكن كذلك، وبالتأكيد فإن النزاهة، وأريحية الشخص ربما تكونان بديلاً في المهمات الاجتماعية عن المستوى العلمي المطلوب. ولا شك أنّ العالم إذا كان مجازاً، ومعترفاً له ببلوغ الدرجة العلمية المطلوبة فإن استفادة الناس منه ستكون بشكل أفضل.
ثالثاً: مشكلة الاحتياجات المادية
حيث ـ كما لاحظنا ـ أنه لا توجد مصادر مالية محددة، ولا دخل ثابت، وإنما يتأرجح ذلك حسبما تمليه الظروف المحيطة بهم، الأمر الذي يجعل حياة الطالب موضوعاً للضنك المادي المحاط بالمخاوف. كما أنّ الظروف المادية ربما لم تكن كافية بالمقدار الصحيح وطعام الطالب أو إكسائه، أو توفير بعض المستلزمات التي يحتاجها للنفقة.
وبالختام فإن النجف تواجه نفس الصعوبات التي يواجهها العالم الشيعي بشكل عام. فهل أنّ العالم الشيعي ماضٍ لتغيير حياته الدينية نحو التجديد، والإدارة الأكثر تنظيماً؟! وهل سيغير قيادته الدينية إلى قيادات مسؤولة وعصرية، أم ستبقى الحياة الدينية بعيدة عن احتياجات الناس ومتطلباتهم وتفكيرهم؟!
ما أتصوره: إنّ قادة الشيعة بالتعاون مع قيادات المذاهب الإسلامية الأخرى عليهم أن يوحّدوا جهودهم لإحلال الحياة الروحية في المجتمع المسلم، وجعلها تتلاءم مع متطلبات العالم المتمدن لكي يسود التفاهم، والتسامح، والإخاء الشعوب الإسلامية، وغيرها من الشعوب الأخرى المترامية في أنحاء العالم.
بقلم الدكتور فاضل الجمالي
الجانب الأخلاقي
في فكر الإمام الخميني
هذه الصفحات تشمل دراسة محورية حول (الجهاد الأكبر)، محاضرات الإمام الخميني التي ألقاها على طلبة العلوم الدينية قبل قيام الثورة الإسلامية في إيران ـ بضميمة بعض المفاهيم المطروحة بعد نجاح الثورة الإسلامية. ومادة البحث لا تمكّن من الاستغراق في بثّ نظرية أخلاقية متميزة للإمام الخميني بقدر ما تكشفه من أبعاد التربية الخلقية في أفكاره وكلماته. لذلك كان عنوان البحث (الجانب الأخلاقي) أوسع في مدلولاته من الاقتصار على النظرية والمنهج؛ عندئذٍ لمّ في أطرافهِ دراسةً، آمل أن تكون مُستوعَبةً حول محاضرات (الجهاد الأكبر).
كان المؤمّل أن يشمل هذا البحث دراسة أفكار الإمام الخميني (مُفجّر ثورة المستضعفين، ومؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران) ـ في كتاباته المتعددة، ونظراً لبقاء بعض مؤلفاته كما قد كُتبت باللغة الفارسية؛ كان من المتعذر الإطلاع عليها دون نقلها إلى لغة أخرى. يضاف إلى ذلك؛ إن مؤلفاته التربوية الأخلاقية لا يمكن الإفلات منها بوقت قصير دون دراستها دراسة إمعانٍ وتدبر لما تشتمل عليه من لغة خاصة؛ هي في (العرفان) و(التصوّف) بالصميم.
لذلك اقتصرت هذه الدراسة على محاضرات الإمام التي ألقاها على بعض طلبة علوم الحوزة النجفية ـ أيام إقامته فيها ـ، وهي تمثّل مرحلة ما قبل الثورة، وعلى خُطبه التي ألقاها ويلقيها في مختلف المجالات للوفود التي تتقاطر على (جماران) ـ موطن إقامته الحالي ـ، وهي تمثل مرحلة ما بعد انتصار الثورة)[965](.
ومن خلال هاتين المرحلتين ـ وبعد قراءة أفكار الإمام وتوجيهاته ـ تتجلّى مفردات تربوية مشتركة (ثابتة) في تفكير الإمام.
وعنصر (الثبات) عنده ناشئ من ثبات القيم العليا التي جاء بها الإسلام. فالأخلاق في نظره مرتبطة بالدين، ومتضمّنة معرفة وعملاً. والمبادئ الأخلاقية ليست مجرد وعظية نظرية بل هي مبادئ إيجابية محكمة بُنيت على أساس الواقع، تستهدف تكوين وازع داخلي لمقاومة دافع الشر، وهي تقوم على أساس الإلتزام، والتقوى)[966](.
إنّ ارتباط الأخلاق بالدين يعني ـ ما دام الدين ثابتاً ـ ثباتها وبقاءها، خلافاً للتقاليد التي تتبدل تبعاً لتغير الزمان والمكان لأنّ الأخلاق جزء من الدين المُوحى به، وهي بذلك شطر كيان متكامل رباني المصدر، إنساني الهدف.
أمّا التقاليد فهي وسائل عارضة من صنع المجتمعات لا من صنع الله، تختلف وتتغيّر باختلاف الزمن والبيئة)[967](.
***
أما دراسة جهود الإمام الخميني في جانبه (الأخلاقي) ـ إن صحّ التعبير ـ، فتنصبّ على نقطتين:
الأولى: دراسة السيرة الشخصيّة للإمام الخميني نفسه.
الثانية: دراسة مدى نجاحه في (إعداد) الكادر القيادي للأمة، وتركيزه على تربية علماء الدين بما يتناسب وعملهم التغييري في المجتمع، وبالتالي يعني تربية الأمّة تربية إسلامية صحيحة.
الإمام الخميني: سيرة أخلاقيّة
لا يمكن في مثل هذه العجالة الإلمام بالسيرة الشخصية للإمام الخميني، وإحصاء حياته، وما كُتب عنه، إلاّ أنّ من خلال بعض المواقف التي سجّلها مَن رافقه، أو كان شاهداً معه على واقعةٍ معينة ـ يمكن أن نعطي التصوّر القيادي لهذه الشخصية العالمية الكبيرة.
إنّ الإمام الخميني خُلق ليكون قائداً، وإنّ سيرة حياته وسلوكه تدلان على ذلك، ولمّا كان الإنسان موقفاً؛ فإنّ لمواقف الإمام الخميني في أحلك الأوقات التي مرّت عليه ـ بُعداً هادفاً، ومُوجِّهاً، لا يمكن أن يُفسر باللاهدفية.
لقد كانت طاقته في تحمّل المواقف، وتجاوزها أكبر من طاقة أي إنسان يقف متفرجاً فضلاً عن أنْ يغوص داخلها. وناهيك بإنسان قارع عالماً شريراً بكل ما يملك من خبرة، ولم ينثنِ في نزاله رغم الأعوام الثمانين التي لا تزيده إلا عزيمةً، وقوةً، وثباتاً.
من هنا كان لا بدّ من لمحة تمهيديّة قبل النظر في فكر الإمام الأخلاقي إلى بعض المواقف التي سجّلها بسيرته، وكتبها بصبره وجرأته.
مراقبة الذات
بفضل ما يمتاز به الإمام الخميني من ضوابط نفسيّة، ومراقبة ذاتية يفرضها على تصرفاته وأعماله بعدما أطَّر شؤون حياته الاجتماعية، والسياسية، بأطار نظام مُلتزم، وأسلوب خاص)[968]( ـ فإنّ هذه الضوابط انعكست بفضل تربيته على طلابه، فاستطاع أن يوجِدَ الطبقة الممتازة، ويدفعها ـ بعد فسح المجال لتكاملها ـ إلى تربية الأمة إسلامياً، وعلى معايير خلقية.
كانت محاضرات الإمام العرفانية ـ منذ سني نشأته الأولى ـ مقتصرة على تلاميذ محدودين، بالرغم من تعميمها بعد ذلك، يرى فيهم تقدّماً، وكفاءةً لاستيعاب كلماته.
يقول بعض الدارسين: بعد مدّة من تدريس الفلسفة بدأ بتدريس العرفان سراً لنخبة خالصة من الطلاب المعتمدين لديه، ثم عقد جلسة أسبوعية ليدرس فيها علم الأخلاق.
ورغم أنّ حكومة رضا بهلوي كانت تعارض بشدة إقامة مثل هذه الجلسات، وتمنعُها إلاّ أنّ هذا المنع والخطر أدّيا إلى تقوية الجلسة، واشتهارها، واشتدت علاقة الطلاب والفضلاء، وعامة الناس بهذه الجلسة. ففي حين كانت الجلسة تقتصر في بداية امرها على عدد محدود من طلاب العلوم الدينية غير أنّها توسّعت لتستوعب مئات من العلماء والموظفين، والتجار، والعمال الذين كانوا يأتون إليها من المدينة (قم) نفسها، ومن العاصمة طهران، والتي كان مقرها في المدرسة الفيضية، وهي أكبر المدارس الدينيّة في قم.
بهذا الإقبال الشديد اضطرّ الإمام الخيني إلى إقامتها مرتين أسبوعياً ـ يوما الخميس والجمعة ـ حتى تستطيع كل طبقات الشعب الاستفادة من توجيهاته وإرشاداته)[969](.
ومع التوجه العظيم لهذه المحاضرات التربوية فإنّ الإمام الخميني لم يبرح مراقباً نفسه حتى في حالات الطاعة المنقطعة لله، فبعد إقبال طلاب العلم على محاضراته، وتزايدهم عطَّل الإمام درسه يوماً ما خشية أن يأخذه العُجب بكثرة الحاضرين واهتمامهم بمحاضراته، مما يشير إلى الرقابة الذاتية التي يتحلّى بها الإمام الخميني، ويُمارسها بحذر، ودقة.
يقول شهيد المحراب الثالث آية الله صدوقي: كُنّا نجد أنّ أسلوب حديث الإمام نموذج خاص من أخلاق الأنبياء والأولياء، والأئمة الطاهرين. وبعد مدة قصيرة زاد الحاضرون في حلقة درسه بشكل لا يُطاق، واحتمل أنه قد أحسّ بعدم إمكانية أن يكون الدرس خالصاً لوجه الله بالشكل المطلوب، فعطَّل الدرس)[970](.
كما كان الإمام الخميني حريصاً على تأكيد الالتزام بالمحاضرات ليكون الدافع متعدياً مسألة حضور حلقة درس إلى مسألة تربية ذاتية متينة. يقول آية الله ناصري (حاكم شرع يزد):
أتذكّر مرّة في أحد الدروس قال لنا الإمام: إذا كان هدفكم من المجيء هو الدراسة، فعليكم الحضور في الوقت المُعيّن: أمّا إذا كان حضوركم لمجرد الحصول على ثواب الوجود في المسجد فهناك أماكن كثيرة في المسجد يمكنكم الجلوس فيها)[971](.
2 ـ الصبر على المكاره
ومن سلوك الإمام في تهذيب الأمة صبرُهُ الشديد على المكاره، ومقدرته على تحمل الصعاب. والشواهد على ذلك كثيرة جداً «بعد الثورة، وقبل الثورة»، لكني سأروي واحدة منها:
قصدتُ مدينة النجف الأشرف من محلّ إقامتي ببغداد لزيارة مكتباتها القديمة، فاستدعى سفري أن تطول الزيارة بعض الوقت. وفي يوم من الأيام، وبالتحديد يوم التاسع من شهر ذي القعدة سنة 1397هـ/1977م ارتفع من على مئذنة المدينة نداءً مُرجّع يُنبي بوفاة السيد مصطفى نجل الإمام الخميني.
كان الخبر مفاجأة لأن السيد مصطفى لم تكن متقدمةً به السن، كما لم يكن مصاباً بمرض يُخشى منه عليه، لكنها إرادة الله، على كل حال.
حُدّد موعد تشييعه صباح اليوم التالي، فخرجتُ بصحبة عالم جليل)[972]( مع من خرج من المشيعين، وكان تشييعاً مهيباً، يشيعُ الصمتُ فيه والجلال؛ حيث خرج كلّ طلاب العلوم الدينية يتقدّمهم أساطين أهل العلم والاجتهاد، كان من بينهم الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر.
ولم يكن الإمام الخميني من بين المُشيّعين، بل كان قد مشى خطوات قليلة في بداية الأمر، ثم انصرف. فعلّلنا ذلك لضعفه عن مواصلة السير، وإلى تقدّمه في السنّ، واعتقدنا بأنه سينتظر النعش في الصحن الحيدري حيث يُقيمُ الصلاة عليه، لكنّا فوجئنا بغيابه حال دخولنا باحة الحضرة الحيدرية.
شاع في اليوم ـ الذي كُنّا نحنُ فيه ـ أنّ السيد مصطفى مات مسموماً بتدبير من (السافاك)، جهاز مخابرات الشاه، وعملية اغتياله بتقديرهم كانت تعني القضاء على أبيه بلا إثارةٍ لأي حفيظة. فالسيد مصطفى ولده الأكبر، ويرتبط معه، فضلاً عن رابطته النسبية، بروابط عديدة أخرى، وسيؤدي فقدُه بالنتيجة إلى حزن الإمام وألمه، وربما فقدانه أيضاً.
إلاّ أن الإمام الخميني استطاع أن يُطلق هذا الحدث من أسار فرديته، ويُحوّله إلى دائرة المعارضة، ويكشف من خلاله الأبعاد التي تقوم بها الحكومة الإيرانية الشاهنشاهية في قتل أبناء الشعب وقمعهم.
وهو بإرادته الصلبة تجاه اغتيال ولده ـ سجَّل موقفاً بتناسب شعوره، وتساويه مع طبقات الشعب عامة، وعدم إفاضتها على قريب أو بعيد إلاّ بالسواء.
هكذا كان الإمام الخميني.
ففي اليوم الذي دُفن فيه السيد مصطفى، (كان مدفنه في غرفة تقع أسفل المنارة اليُمنى من منائر الحضرة الحيدرية)، وبعد أن جاء المساء؛ زار الإمام الخميني ـ بعد أن أدّى كعادته صلاته في مسجده ـ غرفته، وهي تحتوي على قبور مجموعة من العلماء، وقرأ سورة الفاتحة، وما أن همّ بالانصراف حتى رأى مَنْ كان معه في حالة تأثر وبكاء؛ فالتفتَ إليهم مشيراً أنّه قرأ سورة الفاتحة على روح عالم ربّاني ـ سمّاه لهم ـ، وطلب منهم أن يقرأوا الفاتحة له.
ثم انصرف.
وفي تلك الأيام حدّثني السيد جواد شُبّر بهذه القصة؛ قال: في يوم وفاة السيد مصطفى ذهبتُ لتعزية الإمام الخميني، وما أن دخلتُ بيته حتى رأيتُ مجلسه مكتضّاً بأماثل المجتهدين ـ ممن كان بمدينة النجف ـ، وغيرهم من الفضلاء، وكان مجلساً تلوحُ على سمائه سحائب الحزن؛ عندها انبرى أحد (الخطباء) بقراءة تعزية قرنها بذكرى سيد الشهداء، الإمام الحسين ومصابه في ولده علي الأكبر، وكانت تعزيةً مؤثرة. فما كان من الحاضرين إلاّ أن ينفعلوا، ويذرفوا الدمع على هذه الذكرى المقترنة بالحادث الذي أصابَ الإمام الخميني بولده الأكبر مصطفى.
يقول السيد الجواد: كان السيد الخميني جالساً في مكانه في المجلس، رافعاً رأسه، قابضاً على لحيته لم يبدُ عليه أيّ ضعفٍ أو تراخٍ، كما أنّ عينيه لم يطرف لها جفن.
وحدّثني السيد الجواد أيضاً: أنّ الإمام الخميني بعدما سمع خبر وفاة ولده السيد مصطفى توجّه لزيارة عائلته، وعندما دخل الدار استقبله مَنْ كان فيها بالبكاء والنحيب. فقال لهم الإمام: كان السيد مصطفى وديعة الله عندنا، فاستردَّها.
تتكرر هذه المواقف، ويُسجّلها كُلُّ مَنْ شهدها؛ يقول حجة الإسلام أنصاري كرماني: لا نستغربُ كلّ ذلك من الإمام، فهو الذي فقد إبناً شاباً مثل آية الله الحاج مصطفى، هذا الشهيد الذي كتب ألف صفحة في التفسير، وسبق أكثر أساتذته في مجال المسائل الفقهية، ولم يترك إحياء الليالي بالعبادة والتهجد ـ ولم يتزلزل الإمام لهذه الفاجعة، بل بادر إلى إلقاء محاضراته منذ الصباح الباكر لليوم التالي لشهادة إبنه، وأنّه لم يخرج في تشييع جنازة إبنه إلاّ لكونه أداءً لعمل من الأعمال المستحبة، فخرج وكأنّه لم يفقد إبناً عزيزاً عليه.
كما يُحدّث كرماني أنصاري بهذه الحكاية أيضاً فيقول: طلب الإمام الخميني من أحد مقربيه أن يذهب إلى عالم من علماء الدين لتفقد أحواله، (وذلك بتمام الساعة التاسعة من صباح يوم عيَّنه).
يقول الشخص المُكلّف: لكي لا أنسى هذا الموعد، هممتُ لتدوينه. وفي صباح اليوم التالي (وعند الساعة التاسعة) مررتُ بالقرب من بيت الإمام، والناس مجتمعة حوله، فدُهشتُ، وساءلتُ نفسي: ما الذي حدث؟
كان قد ذاع بشكل واسع، تلك الأيام، خبرُ محاولة اغتيال الإمام بطلب من النظام.
شعرتُ بشعور غريب، وراودني قلقٌ شديد. اقتربتُ من الجمع، وما إن سألتُهم، حتى علمتُ باستشهاد السيد مصطفى.
تجمّع الطلبة لتقديم التعازي للإمام الخميني، وهم يتباكون على هذا المصاب، ولشدّة تأثري نسيتُ موعد الساعة (التاسعة)، فدخلتُ غرفة الإمام، ونظرتُ إلى وجهه المنير، وازددتُ بكاءً.
فسألني الإمام ـ وكأنْ لم تكن هناك حادثة تخصُّه ـ ماذا جرى بالنسبة لتلك المسألة؟
لم أفهم قصد الإمام، كنتُ مصاباً بالدوار.
قلت: أيّةُ مسألة؟
قال: مسألة الأمس!
استجمعتُ أفكاري، حاولتُ أن أتذكر ما يعنيه الإمام، حتى تذكّرتُ أنّه يقصد مسألة الموعد، ومقابلة عالم الدين، وهو في هذا الموقف؛ حيث (الجنازة) على الأرض، وأصوات البكاء مرتفعة من جميع الأطراف.
بادرني الإمام بالقولأ: إذهبْ، واعتذر نيابةً عني.
بعدها عاد الإمام إلى تدريسه، وبحوثه، وعاد إلى حياته الاعتيادية)[973](.
من هنا يمثل الإمام الخميني في سلوكه الأخلاقي خطاً أصيلاً لم يكن منفصلاً عن البنيان الإسلامي الممتد في أعماق التاريخ، فالمفردات الأخلاقية تمتاز بالثبات، وإن تغيّرت الشروط الموضوعية. وهكذا كانت حياة الإمام الخميني قبل الثورة وبعدها صورة لم تتغير، ولم يعرها التبدل.
إنّ الشواهد الكثيرة المنبثة في تاريخ الشخصيات الإسلامية تُظهر مدى تعاطف هؤلاء مع الفكرة، وتبنيهم لها في إطار موحّد. فالتجربة التي مرّ بها الخلفاء كانت بحسب المنظار الإسلامي تجربةً رائدة نقلت المجتمع المسلم من مرحلة التفكير بهمومه الذاتية إلى مرحلة المسؤولية، ومشاركة المستضعفين في همومهم؛ كما قال الإمام علي بن أبي طالب: «أأقنعُ من نفسي بأن يُقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو اكون أسوة لهم في جشوبة العيش».
يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر: إذا تجاوزنا تاريخ التجربة إلى واقعها المعاصر، وجدنا أنّ ذلك العلوي العظيم الذي قاد كفاح شعبه تحت راية الإسلام حتى نصره الله، وسقطت في يده أمبراطورية الشاه بكلّ خزائنها، ورجع إلى بلده رجوع الفاتحين، لم يؤثر على بيته القديم بيتاً، بل عاد إلى نفس البيت الذي نفاه الجبّارون منه قبل عشرين عاماً، ليُقدّم الدليل على أنّ الإمام عليّاً لم يكن شخصاً معيناً قد انتهى، وإنّما هو خط الإسلام الذي لا ينتهي)[974](.
الجهاد الأكبر
تُمثّلُ محاضرات الإمام الخميني التي ألقاها على مجموعة من طلبة الجامعة العلمية بالنجف الأشرف؛ المنشورة تحت عنوان (الجهاد الأكبر) ـ تنبيهاً أخلاقياً، ومنحى أولياً يساهم في بناء الإنسان بناءً عقائدياً وأخلاقياً في آن واحد.
ولم تكن مجموعة هذه المحاضرات ترفاً عقلياً، وإنّما جاءت لتُعالج مسألة في الصميم، لذا اعتمدت على التجارب الحيّة التي خَبَرها الإمام الخميني، وعاشها فكراً وسلوكاً. وعلى ذلك بدتْ سِمةُ المباشرة الخطابية فيها واضحة، كما استبدل بالتشعب النظري، والتفرغ المقارن الهدفية في إصلاح الذات، وتهذيبها على صرح العرفان الفخم.
وتُظهرُ هذه المحاضرات في أولها مستويين يمثلان جيلين؛ جيلاً ماضياً، وآخر آتياً. بعبارة ثانية يظهر مستويان ممثلان بالحكماء، وبطالبي الحكمة. ولمّا كان الإمام الخميني شيخاً وأباً؛ كان لزاماً أن يكون «الحكيم» لطالبي الحكمة، فهو يقول في أول كلام له مخاطباً تلامذته، ومحاسباً إيّاهم على ما تقدَّموا به من خطوات في مجال الأخلاق، والسمو بالنفس الى معارج القدس:
«انقضتْ سنةً أخرى من عمرنا، أنتم ـ الشباب ـ تسيرون نحو الهرم والشيخوخة، ونحنُ ـ الشيوخ ـ نسيرُ نحو الموت.
أنتم تعرفون الرصيد العلمي الذي حصلتم عليه، أمّا في المجال الأخلاقي، وتحصيل الآداب الشرعية، وتزكية النفس وتهذيبها، فماذا فعلتم؟ وأيّةُ خطوة إيجابية خطوتم؟!
هل كنتم بصدد تهذيب أنفسكم وإصلاحها؟
وهل وضعتم خطةً في هذا الجال، حاولتم تنفيذها؟
للأسف، أراني مُلزماً أن أقول: إنّكم لم تقوموا بعمل ملحوظ، ولم تقطعوا شوطاً يُذكر»)[975](.
أوَّلُ ما يُطالعنا أنّ الإمام الخميني اختار شهرين عظيمين من شهور الإسلام لإلقاء محاضراته؛ فقد ابتدأت في شهر شعبان، واستمرت في شهر رمضان، كما يُلاحظ ذلك من طبيعة هذه المحاضرات. ولم يكن هذا الاختيار عفوياً لأسباب:
الأول منهما: أن التهيؤ النفسي بفعل التوجّه النظري، والعملي للعبادة يزداد في هذين الشهرين بفعل التأثر بالجو الاجتماعي.
أما الثاني: فلأنّ لأيام هذين الشهرين مزايا خاصة، فهي بالرغم مما تمتاز به من مواقف تاريخية خالدة فإنّها بطاقتها الروحية تساعد الإنسان على كسر عاداته الذاتية واستبدال التوجه الحقيقي للعبادة بها. هذه الأيام يُسمّيها الإمام الخميني (أيام الله)، وهي تسمية قرآنية)[976](، ويعني بها تلك الأيام التي تترك أحداثها الماضية مستمرة التأثير؛ بل متجاوزة الحاضر، ومحركة للمستقبل مما يُحتّم ان تكون هذه الأيام ـ أيّام الله ـ، متزامنةً مع تطلّعات الإنسان، وفعله الإجتماعي.
«عليكم أن تتذكروا أيام الله، لا تجعلوها مُعرَّضةً للنسيان. هذه الأيام هي التي تصنعُ الإنسان»)[977](.
ولما كانت أيام شهر رمضان من أيام الله، فإنّ المؤمن الواعي ـ كما يُصرّح الإمام الخميني ـ لا بدّ أن يسير اليها سيراً هادفاً، وذلك بالرياضة الروحية، والاستعدادات النفسية، لذا فإنّ الأيام التي تسبق شهر رمضان تكون مقدمة الاستعداد الروحي لاستقبال تجربة تغييرية فخمة، يمكن للمؤمن استيعابها على أكمل ما ينبغي له.
يقول الإمام الخميني: يجب على المؤمن الواعي أن يكون، قبل حلول شهر رمضان، مجتنباً لذائذ الدنيا، (وهذا الاجتناب في قمته هو الإنقطاع إلى الله سبحانه)، ومستعداً تمام الاستعداد للتزود من الأيام في شهر الصيام».
كما أنّ كمال الانقطاع إلى الله ـ في نظر الإمام ـ لا يحصل إلاّ بترويض النفس ترويضاً غير اعتيادي، كما يحتاج إلى بذل الجهد والإستقامة، والممارسة، وبدونه لا يكون بوسع الإنسان أن ينقطع عمّا سوى الله سبحانه.
وبذلك أرجع الإمام الخميني جميع الصفات الإيمانية الجليلة، وكلّ مستويات التقوى إلى مفهوم الانقطاع إلى الله.
«ومن يتمكن من الوصول إلى هذه المرحلة فقد بلغ قمة السعادة»)[978](.
وأيام الله بما فيها من تحوّل، خصوصاً أيام شهر رمضان هي دعوة لضيافة الله، توفّر للإنسان تجربة روحية فريدة وتمكّنه من ممارسة العبادة ممارسة نظرية وسلوكية في آنٍ واحد.
«أنتم في هذا الشهر الشريف، شهر رمضان، مدعوون لضيافة الله تعالى، فإذا لم تزدد معرفتكم به، فاعلموا أنكم لم تلبّوا الدعوة كما ينبغي، ولم تقوموا بمستلزمات الضيافة ومقتضياتها».
إذا لم تستطيعوا في هذا الشهر إصلاح نفوسكم وتهذيبها ومراقبتها، ولم تتمكنوا من قطع علاقاتكم المادية بالدنيا، وسحق الأهواء النفسية البغيضة، فمن الصعب جداً أن تقدروا على ذلك بعد انتهاء شهر الصيام»)[979](.
«إن الضيف يجب أن يكون عارفاً بمقام المضيف، ومؤدباً بآداب الضيافة، وضيف الله ينبغي أن يكون عارفاً بمقام الله العظيم، ذي العزة والجلال»)[980](.
ينطلق الإمام الخميني من أن المبدأ الأخلاقي ـ هو المحور الأول، والرئيس في عملية التغيير والتقدم الحضاري. وهو وإن كان متجزءاً نظرياً، فإنّه وحدةٌ غير منفصلة في البناء التوحيدي الذي يجمع أشتات النفس في إطار منسجم لتصل الشخصية الإنسانية من الناحية النفسية، وليتحرك المجتمع في اتجاه الإنسان المتكامل)[981](.
وهذا يعني أنّ فعل الإيمان، وفعل العمل السياسي، وفعل الإبداع كلها تنصبّ في كائن واحد، فلم يحدث في الحضارة الإسلامية الفصل بين أجزاء النظريات المتوحدة، والتجزيئية بينها، بل في الإسلام العلم متصل بالدين، والعمل مرتبط بالإيمان، والفلسفة مستوحاة من النبوة، والنبوة متصلة بالعقل، والأرض غير بعيدة عن السماء، والسماء على اتصال بالأرض، والتقدم الحضاري يسير صعداً نحو الله.
هذه الوحدانية في مفهوم الحضارة، ومفهوم الجماعة يحتاج إليها عالم اليوم المتجزئ في كل شيء)[982](.
وعلى ذلك أكّد الإمام الخميني على إعادة تربية علماء الأمة على وفق التربية الخلقية، وتزكية النفس لتكون «الثورة الأخلاقية عنده شرطاً للثورة السياسية، ومقدّمة لها)[983](. وعندها يكون إصلاح النفس منطلقاً لإصلاح العالم، وبذلك تتكامل النفس البشرية في سلّم الارتقاء لتخلق من صاحبها (إنساناً).
يقول الإمام: إنّ الواجب يُملي عليكم أن تبنوا أنفسكم ليصبحَ كلٌّ منكم ـ إنساناً ـ سويّاً، ومتكاملاً، وأن تقفوا في وجه مخططات أعداء الإسلام».
هم يريدون أن لا نرتفع إلى مستوى الآدميين لانهم يخافون الآدميين، وإذا وجدوا في مكان ما آدمياً فهم يرهبونه، لأن هذا الادمي تقدّمي متطور، يستطيع التأثير في الناس والمجتمع تأثيراً يهدم جميع ما بناه العدو، ويزلزل الأرض تحت عروش الظلم، والخيانة والعمالة. لهذا فإنّهم إذا وجدوا آدمياً في وقت من الأوقات، ائتمروا به ليقتلوه»)[984](.
ويقول: مَنْ أراد أن يُربّي مجتمعاً، فعليه أن يبدأ بتربية نفسه، ومَنْ أراد أن يُصلح محلاً فعليه أن يُصلح نفسه أولاً، فمَنْ لم يصلح نفسه لا يستطيع أن يصلح الآخرين»)[985](.
وعلى ذلك تكون مراقبة النفس، ومحاسبتها مدخلاً للسيطرة على السلوك العام، وإخضاعاً للقانون الأخلاقي:
«آمل أن تحرسوا أنفسكم مثل حراستكم للإسلام، لا تدعوا أنفسكم الأمّارة تسيطر عليكم، إجعلوا نفوسكم خاضعة للإسلام. إعملوا على وفق ما أراده الله منكم»)[986](.
كما أنّ إصلاح النفس يقترن اقتراناً تزامنياً مع مقدار الوعي في طلب العلم، فبمقدار كسب العلم، والمعايشة معه تزداد قابلية كبح النفس، وتربيتها على وفق معيار علميّ صحيح، فتكون المحصلة بين تهذيب النفس، واكتساب العلوم متساوية النسبة. أمّا إذا وُجد العلم مفترقاً عن تهذيب النفس، والتحلّي بالمبادئ الأخلاقية؛ فإنّه لا ينفك عن خطورته وفساده.
من هذه النظرة تكون الاخلاق خاضعة لسلطان العلم، ومنبثةً عنه، وتكون أيضاً فاعلةً، ومؤثرة فيه.
فهناك إذن توحد بين العلم والأخلاق؛ فبالرغم من أن تكوين الأخلاق يخضع للعلم، بل هو الذي يُبرز القيم الأخلاقية، ويُقيم عليها أدلته الآفاقية، والنفسية، وكما يقول مالك بن نبي: العلم بحرصه على الحقيقة يُصبح أخلاقاً لا يطيق الصبر على الخطأ حتى يجري التصحيح المطلوب عليه، فإن الأخلاق غير منفكّة عن العلم، وإن أمكننا القول بأنها لُباب العلم، وغايته.
إنّ العلم في المصطلح الغربي، وعند اللذين يستخدمون مصطلحاته يجعلونه حيادياً، أو يسمونه ـ كما يقول توينبي ـ محايداً أخلاقياً، وهذا غير سليم، بل العلم هو الذي سيشهد على ضرورة الأخلاق، ويُقيم الدليل على ذلك، ولا يمكن أن نعلم ضرورة الأخلاق إلاّ إذا صارت علماً)[987](.
يقول الإمام الخميني: «مهما ازداد تراكم العلم ـ بما فيه علم التوحيد ـ إزداد ابتعاد الإنسان عن الله ـ تبارك وتعالى ـ إن لم يكن قلبُ الإنسان مهذباً».
«ينبغي بذل الجهود من أجل تهذيب الحوزات العلمية الحالية والقادمة، وأن تكون هذه الحوزات حوزات تهذيب، وحوزات سلوك إلى الله تعالى إضافة إلى تدريسها علم الفقه، والفلسفة، وأمثالها»)[988](.
وعلى هذا فإنّ العلم في نظر الإمام الخميني لا يُثمر ما لم يُقترن بالأخلاق، وإنّ (تحصيل) العلم أسهل بكثير من (تحصين) النفس؛ لذا كان كثير من «المعممين» ممن يُفترض بهم أن يكونوا في مستوى هداية الأمة، وتهذيبها سبباً لإغواء أفواج من الناس.
« ما أكثر الأشخاص الذين كانوا من علماء التوحيد، لكنهم كانوا سبباً لانحراف جموع غفيرة من الناس»)[989](.
«حينما يكون عالم الدين المعمم غير مُهذّب ففساده أكثر من أي شخص آخر. لقد ورد في المأثور أنّ بعض أهل جهنم يضجّون من جيفة بعض علماء الدين. وعالمنا يُعاني من جيفة بعضهم».
ويسوق الإمام الخميني مثلاً منتزعاً من التاريخ المعاصر، فيقول:
«أتعلمون مَنْ حاكم المرحوم الشيخ فضل الله نوري، الفقيه الذي عارض مشروع الإصلاح الغربي خلال الحركة الدستورية الإيرانية؟!
حاكمة معمم زنجاني! عالم دين زنجاني، حاكمه، وأصدرَ حكم الإعدام بحقّه)[990](.
ويعني هذا أنّ الجانب الخلقي، والجانب العلمي يشكلان (الإنسان)، ويصنعانه على وفق أيديولوجية توحيدية يُعبّر عنها بالتوحيد العملي، وتعني بلوغ الإنسان إلى توحيد أخلاقي وتوحيد اجتماعي»)[991](، بل إن دراسة العلم «مقدمة للحصول على مستوى خلقي رفيع، فحاذروا أن تظلوا إلى آخر عمركم منشغلين بالمقدمة دون أن تحصلوا على النتيجة»)[992](.
لقد نبّه الإمام الخميني إلى أنّ إصلاح النفس لا يبرح المعاناة في طلب العلم واكتسابه، وبذلك يكون الالتفات إلى «الباطن» أمراً ضرورياً يحتاج إلى بذل جهد وتعب مستمرين، بمقدار ما يحتاج طلب العلوم العقلية إلى جهد وتعب. ومن هنا أصرّ الإمام الخميني على أن تكون الجهود المبذولة في المجال العلمي متزامنة مع الجهود المبذولة في المجال الأخلاقي «كلّما خطوتم خطوة علمية عليكم أن تقرنوها بخطوة في تهذيب النفس وإصلاحها»)[993](.
وهو بذلك ينقل عن أحد أساتذته هذه العبارة الثمينة:
«يقولون: من السهل أن تُصبح عَالِماً، ولكن من الصعب أن تصبح إنساناً. ولكن هذا خطأ، ينبغي أن يُقال: من الصعب أن تصبح عالماً، ومن المستحيل أن تصبح إنساناً»)[994](.
عالم الدين: المثل الأعلى
يجب أن يكون سلوك عالم الدين ـ في نظر الإمام الخميني ـ مثلاً أعلى للجميع. فالانحراف الذي يحدث في سلوكه يُعرّضه لمغبّة أعمال جسيمة ـ باعتباره داعيةً لله، ومُدلاً عليه ـ، وأولها: قطع الصلة بين الناس، وبين الله؛ مما يؤثر على الفكرة والعقيدة التي تعني فكرة الإسلام، وعقيدته في التأثير على الآخرين، والامتداد في أوساطهم.
«العالم الفاسد
يَجرُّ مدينة بأجمعها،
بل بلداً بأجمعه
إلى الفساد»)[995](.
وتذوب في هذا المفهوم (مفهوم القدوة) ـ فكرة الفيلسوف (كَنت) في قواعد الأوامر المطلقة التي وضعها؛ فقاعدة (التعميم) عنده تنصُّ على هذه الفقرة: «اعمل دائماً بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من فعلك قانوناً كلياً للطبيعة»، وقد عدّها (كنت) مبدأ للسلوك الأخلاقي، ورأى تعميمها دون تناقض. وبذلك يكون بمقتضى هذه القاعدة وكأنه قدوة في عمله للبشرية جمعاء)[996](.
إن مسؤولية عالم الدين ـ في نظر الإمام الخميني ـ مسؤولية جسيمة تتعدى ذاته إلى الآخرين، «فالعالم المنحرف يمكن أن يُضلّ أمة بأسرها، والعالم المستقيم ـ المتحلّي بالأخلاق الفاضلة، والمُهذب لنفسه، والملتزم بآداب الإسلام ـ يستطيع أن يُصلح ويهذّب امةً بأسرها»)[997](.
وينطلق الإمام الخميني من مفهوم «إذا فَسَدَ العالِم فَسَد العالَم»)[998]( إلى التمييز بين نمطين من العلماء:
الأول: العالم العامل، الذي حدّده بجملة صفات يمكن أن نُرجعها إلى «الوعي» بالذات. وعليه استشهد بحديث الحواريين عندما قالوا لعيسى بن مريم: يا روح الله مَن نُجالس؟
قال: مَنْ تذكركم الله رؤيته، ويُرغبكم في الآخرة عمله، ويزيد في علمكم منطقه».
وهذا ما يؤكد صراحةً الحديث القائل «كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع، والاجتهاد، والصلاة، والخير، فإنّ ذلك داعية»؛ مما يعني تمثّل الوعي الذاتي تمثلاً عميقاً، وخروجه من «الوعي الفعلي»، أو الوعي الموجود تجريبياً على مستوى السلب الذي يعني به مجرد وعي الحاضر، إلى الوعي الممكن الذي يُشكل الوعي بالمستقبل، وإن كان ناشئاً عن «الوعي الفعلي»، ومتجاوزاً له. وذلك طبيعي لأن الوعي بالحاضر لا بد أن يولّد وعياً بإمكانية تغييره وتطويره؛ الأمر الذي يجعل عالم الدين منفلتاً من مسائله الشخصية إلى مسألة التغيير الاجتماعي الملقاة عليه.
الثاي: ويطلق الإمام الخميني على هذا النوذج بـ«المتظاهرين بالتديّن»، ومردّ هذا التظاهر يرجع إلى عدم الوعي بالذات الذي هو غير الوعي، أو الوعي الضمني.
والوعي المتشكّل من النظرة الحياتية للإنسان حجر الأساس في عملية «تجاوز الذات»، وبذلك يُعوَّضُ عن الرغبات الداخلية، بقوانين أخرى تكون بدلاً عن غرائزه.
إنّ الإنسان بعد أن تجاوز مستوى ردود الفعل الداخلية، والغرائز الحيوانية المحددة على نحو واضح، أصبح قادراً على أن يستعيض عن ذلك بأمور جديدة، أكثر تعقيداً في عالم الأخلاق، والفكر، والفن، وكل ميدان أو نشاط مبدع. ويختلف الإنسان عن كل الأنواع السابقة بأنه يستطيع أن يصوغ في وعيّ منه قيماً، وتحقيق هذه القيم هو ما نعنيه اليوم بالتقدّم)[999](.
فيكون وعي الإنسان قد أعطاه سمواً على جميع أنواع الكائنات الحيّة الأخرى ـ على حدّ تعبير توينبي ـ، ومكّنه من تجاوز تطور الحياة النفسي ـ الإجتماعي ـ مرحلته البايولوجية الصرفة)[1000](.
من هنا يكون الفارق بين الإنسان والكائنات الحيّة الأخرى هو أنّ الحيوان تدفعه أنماطه السلوكية الموروثة، وعليه أن يكيّف نفسه مع الضغط البيئي، وإلاّ انقرضَ، بينما يخلق الإنسان أهدافه هو، ويكيّف الطبيعة معها، مهما كان معتمداً على قوانينها، ذلك أنّ هذا الاعتماد يعني استخدام هذه القوانين في سبيل الأهداف الإنسانية والقيم الحضارية. وهذا يعني أن الإنسان يصنع نفسه، ويُعيدُ صنعها وفقاً للأنماط المتتالية من حياته الاجتماعية، والاقتصادية، وهكذا يحقق مستوى الحياة الحضارية الثقافية والروحية التي ينجزها المجتمع في تطوره)[1001](.
نحو تكامل أخلاقي
إن التطوّر الذاتي، الذي هو مقدمة للتطور الموضوعي، يرتبط إرتباطاً وثيقاً بظهور الوعي، الوعي بـ(الأنا)، والوعي بـ (الآخر)، وبذلك يتميز الإنسان باعتبار قوته المفكرة، والمُريدة عن الكائنات الأخرى؛ بمرحلة يمكن أن نسمّيها بـ«تجاوز الذات». وهذا التجاوز لا يعني سوى نقلة «غائية» لها امتدادٌ غير قار؛ مما يساعد على دفع عجلة الحضارة بالإنفلات من الماضي، وعدم اتخاذ الحاضر مثلاً أعلى للتحرك؛ الأمر الذي يعني بعبارة أخرى الإنفلات من الذات، وتجاوزها إلى مرحلة ارتقائية تبتني من التطلّع إلى المستقبل، وتصوّره ببُعده الناتج من الوجود الذهني. هذا، وإن لم يكن للمستقبل وجودٌ موضوعي، فالمستقبل وَهمٌ يُفترض، إلاّ أنّ الامتداد الزمني ـ خصوصاً في النظرة الإسلامية ـ غير مُتحيّز بالزمن الكوكبي، وإنّما «الماضي والحاضر، والمستقبل» وحدة زمنية متدفقة يربط بينها التصوّر الإسلامي للكون والحياة. فالحضور الإلهي، وإن كان ماثلاً في الماضي، فهو أيضاً ممتدٌ إلى الحاضر، ومهيمن على المستقبل. فحصر طموحات الإنسان بمدار «الماضي» فقط، أو «الحاضر» يعني توقف نشاط الواقع المتحرك ضمن إطاري الماضي والحاضر؛ الأمر الذي يُحجّم عملية «الإرتقاء التكاملي»، ويحدُّها في مسار تقليدي. يقول حديث مأثور «مَنْ تساوي يوماه فهو مغبون» مما يعني؛ التركيز على الفعل الإنساني، وانعكاسه على الفاعل، وهو ما يندرج في خط الارتقاء التكاملي الذي يعني خَلْق الفعل التغييري المتجدد، بلحاظ تجاوز «الأنا» إلى «الآخر».
فالأيام، حسب الحديث المأثور، تُقيّم بالفعل، فعل الإنسان وحده. والتأكيد على فاعلية الواقع المتحرك يعني تجاوز الحدّ الماضي الذي سينتقل في لحظة آتية إلى «الآن»، والذي سيتحول في لحظة أخرى إلى «استقبال»، ومن خاصيّة هذا الانتقال أن يكون انتقالاً ارتقائياً تكاملياً ينحصر في إطاري العلّة الفاعلية، والعلّة المادية بلحاظ العلّة الغائية؛ عندما تكون العلّة الأولى مرتبطة بالفاعل، والثانية مرتبطة بالمجتمع؛ الأمر الذي يُنتج التفاعل بين طرفي العلتين الفاعلية والمادية، ويضع الفعل الإنساني في أعلى مراحله المتحركة ضمن إطار «النظرة التوحيدية» للفرد والمجتمع، وهي نظرة إسلامية في الصميم.
الركائز الأخلاقية الثلاثة
لمّا كان الإسلام مهتماً بدوافع العمل لا بمنافعه، أكّد الإمام الخميني على مسألة «النية»)[1002]( باعتبارها مبدأ للعمل الصالح. فإذا لم تتوفر النية الصالحة لا يكون العمل نافعاً مهما كانت منافعه التي تنشأ عنه، لأنّ الإسلام لا ينظر إلى المظهر الخارجي للعلاقات الاجتماعية فحسب، ولا يُعنى بالجانب الموضوعي من التعايش الإجتماعي؛ إيماناً منه بأنّ هذا الجانب، وذلك المظهر ليس إلاّ صورة عن حقيقة أعمق، وأخطر تعيش في داخل الإنسان)[1003](. فالنية انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض، من جلب نفع، أو دفع ضرر حالاً ومآلاً، وهي إرادة متوجّهة نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله، وامتثالاً لحكمه. وقد قُرنت بالقصد، أي عزم القلب على شيء، وتوجهه إليه توجهاً تاماً حتى يستقر عليه)[1004](، ليضع المعنى المرتبط بالعمل تحت إسم «النية»، كما يضع المعنى المنصرف إلى الغاية تحت إسم «القصدية»)[1005](.
وكثر استعمال «القصد» في التعبير عن التوجه الإرادي أو العملي، وإنْ كان بعض الفلاسفة يُطلقونه على التوجه الذهني. فأمّا القصد الدال على التوجه الإرادي فهو إمّا مشروع، وإمّا هدف، فإن كان مشروعاً دلّ على مجرد العزم على الفعل والإنبعاث نحوه، وإن كان هدفاً دلّ على الغاية التي من أجلها حصل التوجه. فالنجَّار ـ مثلاً ـ يقصد صنع خزانة جميلة (وهذا مشروع)، أو يقصد مع ذلك أن يشتهر، ويكتسب ثقة الناس (وهذا هدف).
كما أنّ مصطلح اتجاه القصد ـ يُطلق على «الموقف الفكري» الذي يُوجب على المرء فعل شيء ـ له جانبان؛ أحدهما جميل، والآخر قبيح كالربَّان الذي يُخرق سفينة لا ليغرق أهلها، بل ليتفادى من وقوعها في أيدي الأعداء، فهو إنّما يفعل ذلك لاعتقاده أنّ خرق السفينة في مثل هذه الظروف أفضل من بقائها سليمة. وهو معنى «إنّما الأعمال بالنيات»، فكأنّ قيمة العمل تابعة لنية الفاعل، أو كأنّها مستقلة عن النتائج الخارجية الناجمة عنها)[1006](. وعلى ذلك ميّز الفلاسفة بين مادة الفعل الأخلاقي، وبين صورته باعتبار أنّ مادة الفعل هي ما وقع فعلاً، أما صورته فهي النية المرادة منه.
فإذا تصوَّرنا: أنّ طبيباً أخطأ فأعطى مريضه دواءً فمات، فهو يُعتبر قاتلاً من حيث مادة الفعل، لكنّه من حيث صورة الفعل يُعتبر بريئاً، وغير مُدانٍ أخلاقياً.
أمّا لو كان الفعل جرى معكوساً بمعنى أنّ الطبيب كان يقصد قتل مريضه، فوضع له بدل السُّم دواءاً، فلم يمت فهو لا يُعتبر قاتلاً من الناحية المادية، لكنه مجرمٌ ـ أخلاقياً ـ بحسب نيته. وعلى ذلك فالفعل الشرير يزداد شراً إذا كان وليد نيّة شريرة، كما أنّ فعل الخير يتضاعف إذا كان وليد نيّة خيّرة.
وعلى هذا يُعتبرً «عقل الإنسان» من المبادئ المؤثرة في صيرورة الفعل ذا قيمة خلقية. فالفعل الصادر عن الغرائز لا يتمتع بأيّة قيمة أخلاقية، كما لا تتمتع الأفعال الحيوانية الناشئة عن الغرائز بالقيم الأخلاقية.
فالفعل الأخلاقي «إنّما يكون ذا قيمة لأجل أنّه يصدر عن كائن مزوَّد بدوافع نفسية متدافعة، ويختار الجانب الذي يغنى به العقل بإرادته الحرّة على سائر الجوانب، فكأنّه يدفع سائر المبتغيات كثمن لما يشتريه من الفضيلة، ولهذا تصير الفضيلة ذات قيمة»)[1007](، ليظهر دور الإرادة الحرَّة في القيمة الخلقية.
لقد ظهر تأكيدٌ في كلمات الإمام الخميني ـ على مفهوم إصلاح «النية»، وتزكيتها بما يُلائم جلال الله، ورضاه، والإقبال نحوه بالعبادة الصادقة التي لا يشترك معها أيّ غرضٍ آخر وهو بذلك يعالج ظاهرة الاستغراق في العبادة المنفصلة عن الوعي العملي، كما يفعل بعض المصلين لطلب الجنة، وحورها؛ وهذه عبادة (التجَّار) لا (الأحرار).
يقول الإمام الخميني: أيّها المسكين الغافل عن المعارف الإلهية، الذي لا يعرف شيئاً سوى الشهوة والغضب.
والمُسْتغرق في الأدعية والأذكار، والمستحبات، والواجبات، والتارك للمكروهات والمحرّمات، والمتخلّق بالأخلاق الحسنة، والمجتنب للأخلاق السيئة، إجعلْ أعمالك في ميزان الإنصاف لترى أنَّك تقوم بها للوصول إلى الشهوات النفسية، والجلوس على أسرّة من الأحجار الكريمة، واحتضان الحور العين، ولبس الدمقس والاستبرق، والوصول إلى الرغبات النفسية.
هل تختلف أنتَ مع العامل الذي يعمل مقابل الأجر؟! فإذا قال إنّه يعمل لأجل صاحب العمل فقط فإنّك تكذبه، ألم تكن أنتَ قد أصبحتَ مِثْلَه؟
دعني أُصرّحُ أنّ كلّ هذه العبادات تُعتبرُ من وجهة نظر العرفاء، والأولياء من الذنوب الكبيرة)[1008](.
بهذا يظهر مقام «النيَّة» الصالحة في العمل، والأثر البنّاء الذي تتركه على الفعل)[1009](، خصوصاً إذا لم نغفل عن المنهج العرفاني الذي ساقه الإمام الخميني، وتمثَّله في كلماته.
ومن خلال ما سبق يمكننا أن نُظهرَ ثلاث ركائز للأخلاق:
الأولى: المعرفة الأخلاقية.
الثانية: القيم الأخلاقية.
الثالثة: التصرفات الأخلاقية.
إلاَّ أنّ النظرة التي نجدها عند الإمام الخميني، ترتكز على مردودات الفعل الناتج عن (النيّة). ويمكن أن نجعل (المعرفة) و(القيم) مساوقين لمفهوم (النيّة).
ولمّا كانت «النيّةُ» بمعناها الواسع حركةً تنتزع بها الإرادة نحو شيء معين سواء «لتحقيقه» أو «لإحرازه» فإنّ الموضوع المباشر للإرادة الفاعلة هو «العمل» الذي تشرع في أدائه.
وما دام العمل الباطني لا يشتمل على بداية للفعل فمن الممكن أن نتساءل عمّأ إذا كان قد تجاوز نهائياً مرحلة تكوّن الأفكار النظرية، ومرحلة التأمل الجمالي ليدخل إلى مجال الممارسة الأخلاقية، أو حتى مجال الممارسة وحدها، بعبارة أخرى «مجال الإرادة»، ذلك أنّ الإرادة تنطلق من الفكرة متجهة نحو العمل. فهي توجُّه في المثالي إلى الواقعي، وعلى هذه المسيرة من الباطن إلى الظاهر، ومن الشعور إلى التجربة، يوجد الفعل الأخلاقي. وهذا الفعل ليس حالة سكونية، عبادةً في خلوة، حبيسة في دير القلب، بل وثبة حيّة، وحركة ذات انتشار، نقطة انطلاقها في الداخل، ونقطة انتهائها في الخارج. هكذا نجد النيّة لا تقتصر على أنّها تدعو لعمل، وتوقع أن يتبعها فحسب، بل إنّها تحتويه كنطفة، إن لم يكن وليداً)[1010](.
وعلى الرغم أنّ بعض الفلاسفة ناصرَ جانب المعرفة الأخلاقية، واعتبره حجر الزاوية في الأخلاق، وبعضهم ناصرَ جانب القيم الأخلاقية، واعتبره جوهر الأخلاق، كما أنّ بعضاً آخر ناصر جانب التصرفات الأخلاقية، واعتبره وحده الذي يجب أن يُخذ في الاعتبار دون المعرفة، ودون القيم؛ فإنَّ السلوك الاخلاقي يتضمن بالضرورة هذه الركائز الثلاثة)[1011](.
إن دوافع العمل، على هذا الاعتبار، تختلف باختلاف المذاهب الفلسفية التي تنبثق عنها نوعية المفاهيم الخلقية؛ وعليه فإنّ الإمام الخميني ينطلق في تقييمه للعمل في (الداخل)، من داخل الإنسان، أي باقتران العمل بالمحتوى الداخلي للإنسان ليبقى دائراً في إطار الإيمان، وبدافع إلهي، وبذلك يختلف عن أيّ عمل آخر لا يدور ضمن هذا المدار.
بين العقيدة والأخلاق
أكَّد الإمام الخميني في محاضراته على بناء الإنسان العقائدي بناءً أخلاقياً يلزمه أن يتقدّم في تصعيد الجانب الروحي «وهو منحى إيجابي»، ويخلص لتنزيه النفس من التصرفات غير المتناسبة مع ما تمليه عليه طاقته الروحية وهو «المنحى السلبي». والطريق التي اختطّها الإمام الخميني تنحصر في وضع برنامج أخلاقي يؤكد على فسح المجال للدارسين من الطلبة لتعيين الدروس الأخلاقية جنباً إلى جنب مع الدروس العلمية، كما يؤكد أيضاً على تشكيل مجالس للوعظ، والإرشاد لما فيها من تأثير في توعية الناس، وتربيتهم تربية خلقية سليمة)[1012](.
ولمّا كان الإمام الخميني مهتماً ببناء الكادر القيادي المتمثل بعلماء الدين فإنّه أكّد على أهميّة تصدّيهم لمهامهم الرسالية على أكمل وجه، بامتزاجهم مع الأمة، واندكاكهم فيها. فهم والأمَّة يمثّلون القمة والقاعدة. باعتبار أنّ القمة هي النخبة، (القيادة الفكرية)، صاحبة الوعي لتوقعات الأحداث في سير الأمم، وقيادة القاعدة على جادة الصواب عند حلول الأزمات الإجتماعية.
والقاعدة هي موطن الإخلاص، والطاقات المُتفجّرة التي تأتي بالأعمال حين تُستخدم الاستخدام الصحيح، وتُقادُ القيادة السليمة»)[1013](. وعندها يُصبحُ عالم الدين جزءاً غير منفصل عن القاعدة الجماهيرية، ليمكن تأثيره في التغيير.
لذا فإنَّ الاختلاف الواقع في صفوف العلماء يُعدُّ من أخطر الاختلافات على الإطلاق باعتباره ينجرُّ إلى تمزيق الأمة، واختلافها، وبالتالي ضياع الجهود الرسالية في العمل.
لقد حذّر الإمام الخميني من الاختلافات هذه، ونبّه إلى انّ عالم الدين قويٌّ بما له من هيمنة على الجماهير، وتأثير في صفوفها، فقوّتُهُ مُستمدةٌ من قوتها، بل أنَّ وجوده مُستمدٌ من وجودها.
«إنّ الأعداء يعلمون مدى تأييد الأمة للحوزات العلمية، ويعلمون أنّهم يَصعُبُ عليهم القضاء على هذه الحوزات ما دام هذا التأييد قائماً، ولكنْ عندما يفقد أفراد الحوزات، وطلابها المباني الأخلاقية، ويُصبحُ شغلهم الشاغل تحطيم بعضهم الآخر، ويصبحون جماعات متنافرة، ومتناحرة لا يتورّعون عن الأعمال «اللاأخلاقية»؛ فأنَّ الأمة بشكل طبيعي، وتلقائي ستسوء نظرتها إلى الجامعات العلمية الدينية ثم تسحب دعمها، وتأييدها لها، وهكذا يفتح الطريق واسعاً أمام الأعداء لتسديد ضرباتهم إلى هذه الجامعات.
يجب أن تعلموا أنّ الدول لا تخاف من علماء الدين، ومن المراجع، وما خوفهم هذا في الحقيقة إلاّ من (الأمة)، فهم يعلمون أنّ قوّة المرجعية تكمنُ في تأييد الأمّة لها، والثقة بها»)[1014](.
فمعالجة الإمام الخميني للنزاع القائم في وسط الجماعة المسلمة ينطلق من الموقف الأخلاقي أيضاً. فعندما يهبط ميزان الأخلاق تظهر فجوات تُمكّن الأعداء من تمزيق الصفوف، وفرض سيطرتها.
إنّ هبوط «الوعي» يُورث عدم الالتزام بالقيم الخلقية، فتنشأ ظاهرة محاربة الكيانات الدينية بعضها الآخر ليتولد الانقسام أحزاباً وشيعاً، حينئذٍ تفقد الأمة كيانها، وفاعليتها.
عالج الإمام الخميني «الخطر الداخلي» الذي يُصيب الجماعات، ويؤدي إلى إضعاف طاقاتها الهائلة التي لا يمكن للأعداء تحطيمها من «الخارج»، وبذلك يرى هؤلاء الفرصة المؤاتية لزرع الفتن داخل الجماعات، وتغذيتها بما يُلائم إذكاءها بالطريقة التي تُؤتي نتائجها في تهشيم الكيانات، وتفتيتها؛ لتفقد دورها الفاعل في عمليتي البناء، والتغيير.
والاختلاف الذي يحصل في وجهات النظر، الذي يؤدي إلى اختلاف سلوك الجماعات الإسلامية ـ ينشأ عادةً من النظرة المحدودة التي تنبثق عن مفهوم الإنسان في المدرستين المادية والإلهية، وبالتالي يتعلّق بنظرته للكون والحياة.
وإذا كان إنسان المدرسة الماديّة لا يقرُّ إلاّ بوجوده المحدد في السنوات التي يقضيها على هذه الأرض؛ فإنَّ من العجب أن يحصل الاختلاف بين أصحاب المدرسة الإلهية المعتقدين بفناء هذه الحياة الرخيصة، وبوجود امتداد لها أكمل وأنفع.
وبالتالي تختلف القيم، والمفاهيم في كلا المدرستين بناءً على اختلاف نظرة كلّ منهما للكون والحياة.
يقول الإمام الخميني: هذه الاختلافات خطيرة، تترتب عليها مفاسد لا يمكن أن تُجبر، إنّها تهوي بالحوزات العلمية إلى مكان سحيق، وتفقدكم مكانتكم الاجتماعية، كما تقلّل أهميتكم في عيون الأمة، ولا تجنون من المحوريات إلاّ ما يضرّكم، وليست تضركم أنتم وحدكم، إنّها مُضرّة بالأمة، مُضرة بالإسلام. وعندما تكون اختلافاتكم بهذه الخطورة فإنّها ذنوبٌ لا تقبل العفو والغفران، وهي أعظم من كثير من المعاصي، لأنّها تفسد المجتمعات، وتفتح الباب واسعاً أمام تسلّط الأعداء، وبسط نفوذهم)[1015](.
إنّ حبّ الدنيا ـ كما يقول الإمام الخميني ـ، وحب النفس هما الموصلان إلى هذا الواقع المظلم)[1016](. وهو بذلك جعل عالم الدنيا مقابلاً لعالم لم يَحن بعد، وحذّر من (الأولى) بمقدار ما حبَّبَ إلى (الآخرة). فعملية الإلتصاق بالدنيا هي التي تولّد المشكلات بين بني الإنسان لأنّ الهمّ الوحيد فيها هو إشباع الرغبات النفسية، وتحصيل الملاذّ الشخصية، أما تعدي هذه الأطوار بما يلائم النظرة السامية في التعامل مع الدنيا من خلال منظور الآخرة؛ فإنّه عاملٌ أكيد في إرساء القيم الخلقية، وتحسين العلاقات بين بني البشر.
لقد حذَّر الإمام الخميني من صفة خطيرة، ترتكز على حب النفس، وتنبع منها، تلك هي (الأنانية)، وهي نوع من البخل يحرص عليه بعض الناس لتركيز مكانتهم الاجتماعية، وتحصيل رغائبهم الدنيوية.
هذه الأنانية التي يفرضها على الناس حبُّهم المفرط للأعراض الدنيوية قد تبدو في صورتين، أحداهما: يمكن أن تكون ساكنة، والأخرى متحرّكة، أو محتكرة.
وأول أنواع الأنانية نشاطاً تلك التي تحمل الإنسان على الإنطواء على نفسه، فتجعله قليل الإيثار، قليل الإحسان، ضنيناً بما يملك؛ على حين أنّ الأنانية الجشعة الجامحة لا تقنع بوضع سلبي، وإنّما تمعن في جميع المكاسب، والمنافع بكلّ وسيلة)[1017](.
لقد كان الإمام الخميني يدعو لإعلاء شأن إنكار الذات، ولم يكن داعياً لاعتزال العالم؛ لعلمه أنّ الفرار من العالم أيسر للإنسان من الفرار من ذاته. لذلك طالب بكبت الأنانيات، واتخاذ الإعتزال وسيلة لبلوغ الهدف، فإنّ من أعظم المدارك أن يشارك الإنسان في كسر جدار الذات، والتحرر من أنانيتها ليشيد العالم على قاعدة من المبادئ السديدة، حينئذٍ ينظر للعالم نظرة التائق لافتدائه، لا المنتفع به.
وعملية تصفية النفس، وتصعيدها إلى درجات التكامل تتم بالمعرفة ـ أولاً ـ، والمبادرة إلى الرياضة النفسية ـ ثانياً ـ، لتتوجه رغباتها وجهات لا تصادم بينها، وبين العالم الخارجي، وما عملية التكامل الروحي إلاّ غاية لعالم «التسامي» المُطلّ على التحكم بالصلة بين البنيان الداخلي «النفسي»، والبنيان الخارجي، وتنظيم الصلتين بعضهما بالآخر. وما قطع علاقات الغرائز، أو بعبارة أدق: الإرتفاع عليها، إلاّ واجهة من واجهات هذا التسامي.
فلا ينبغي للتسامي أن يُفهم باستغناء الإنسان عن العالم الخارجي ـ؛ كما يفعل بعض المترهبنين بالبحث عن السعادة في قلب الأشياء، وفي عقولهم؛ فإنّ الإشباع الذي حصل عليه مثل هذا الراهب إنّم تمّ له عن طريق توهم الحقيقة، وليس تمثُّلها، ومن خلال الأوهام، وليس الحقائق، وهو يعرف أنّ الأوهام أوهام، ولكن معرفته هذه لم تحرمه اللذة التي يحصلها بالتوهم. وهو يستمد أوهامه من عالم الخيال، هذا العالم الذي لم يدخل اختبار الواقع وقت أن كان إحساس الشخص بالواقع يتطوّر، وكان استثناؤه من اختبار الواقع ومما يتطلّبه الاختبار لأنه كان يحتاج إلى إشباع رغباته التي لن يتيسّر له إشباعها دون أن يتخيل، ويتوهم)[1018](، ـ وإنّما فكرة «التسامي» لا تخرج عن مفهومها العملي، وإن كانت على صلة بمفهوم «العزلة»، لكنها نوعٌ من العزلة الإيجابية التي تُمكّن الإنسان من السيطرة على غرائزه، وتوجيه أفعاله الوجهة المتسامية. فلا توجد صلة سلبيّة بين التسامي، والواقع الخارجي، بل أنّ التحكم بغرائز النفس وتوجيهها يعني، بعبارةٍ مختصرة، التحكُّم بالواقع الخارجي وتسييره.
ومعرفة الإنسان لذاته نوعٌ من صدقه مع نفسه وإنّ في إدراك حقيقة الذات إزدراءاً للذات.
يقول الفيلسوف ديكارت: كُلَّما قلّت معرفة الإنسان بنفسه إزداد كبرياءاً، ذلك أن معرفة الإنسان لنفسه تجعله يُدرك ما في نفسه من عيوب، ونقائص فيتواضع، ولا يستكبر على الناس. ومعرفة الإنسان لنفسه تجعله يعرف نفسه على حقيقتها، (لا كما يريد أن يُوهم الناس)، يعرفها عارية بلا تزويق، ولا نفاق، ولا خداع)[1019](.
إنّ معرفة النفس لا تتأتى إلاّ بعد مرحلة عنيفة من الصراع الذاتي المنبعث من مردودات التأمل العميق، ومنبع كلّ ذلك (العزلة).
و(العزلة) بجانبها الإيجابي تختلف عن العزلة السلبية «الرهبانية» التي جاءت النصوص الدينية لنفيها.
لقد اتخذ بعض الروحانيين طريق العُزلة ـ (بمعنى الانقطاع عن الآخرين، والتوجه إلى الرياضة النفسيّة للتخلص من الفتن بالمجاهدة العنيفة) ـ سبباً للنجاة من محن الدنيا، وصعابها. وهذا الانقطاع الانفرادي لا يتلائم مع الواقع إذا أُريد منه العزلة على المدى البعيد، بمعنى «العزلة من أجل العزلة». هناك نصوص تؤكد على الإعتكاف ـ مثلاً ـ، أو الإنقطاع بالإكثار من النوافل، أو إحياء الليالي المُفضَّلة؛ إلاّ أن هذا النوع من العزلة لا تعني فصل الفرد عن الآخرين، بل تعني التأكيد على تهذيب النفس من خلال ممارسة الطقوس العبادية لتأثيرها في الآخرين، أو لتمكينها من التأثير على الآخرين.
إنّ في بعض النصوص الحديثيّة ما يؤكد على فائدة الإلتزام بالعُزلة، والتأكيد على فوائدها، وهي تنحصر في التطور من قيمة المعرفة التأمليّة في الآفاق والأنفس، ونبذ الصراع الذاتي المتشعّب من خلال تعدد الأهواء، والرغبات، وتباينها، وبذلك تنحصر الفائدة فيما يلي:
1 ـ الاستئناس بالعبادة، ومناجاة الله.
2 ـ التخلص من رذائل الأخلاق، وتصفية الباطن منها.
وقد وردت نصوص تحثُّ على العزلة منها: أنّ الزاهد معروف الكرخي طلب من بعض الأئمة موعظة.
فقال له: أقلل معارفك، وأنكر مَنْ عرفتَ منهم.
وروي عن بعض الصادقين أنّه قال: لولا الموضع الذي وضعني الله فيه لسرّني أن أكون على رأس جبل لا أعرف الناس، ولا يعرفوني حتى يأتيني الموت»)[1020](.
على أن العُزلة يمكن أن تكون غير جسمية ـ (الابتعاد عن الآخرين بالانزواء) ـ وهي ما يُعبَّرُ عنها بالعزلة الروحية، أو العزلة القلبية لا البدنية، التي يعيشُها بعض الأفراد منفردين بسبب عدم التوافق بين الفرد والآخرين في جانبي الفكر والسلوك. وهي ممدوحة ـ فعلاً ـ كعملية مراقبة للذات، والخارج عنها لاحتواء الآخرين، وتحديد نقاط ضعفهم وقوتهم للتغلب عليها، أو تغييرها.
قيل في هذا الصدد: طوبى لعبد عرفَ الناس، فصاحبهم ببدنه، ولم يصاحبهم بقلبه، فعرفوه في الظاهر، وعرفهم في الباطن.
وقيمة العزلة ـ سواءً أكانت من النوع الأول، أو الثاني ـ تتحدد بالمؤهلات العلمية فلا بدّ للمعتزل من العلم في المسلك الذي هو عليه، وقد قيل «إنّ العزلة لا بُدّ فيها من ـ العلم والزهد ـ كما تنبئ عنه عينها، وزاؤها. فالعزلة بدون عين العلم ذُلّة، وبدون ـ زاء ـ الزهد علّة، وبدون ـ لام ـ الجهل عزة»)[1021]( ـ. فالجاهل لا تليق له العزلة.
تنمية الجوانب الروحيّة
عالج الإمام الخميني مسألة «الأعراض» الدنيوية معالجة أخلاقية مستمدة من روحانية الإسلام طاقتها ومفاهيمها.
1 ـ حَذَّر من حُبّ الدنيا التي هي رأس كلّ خطيئة
«أولئك الذين يشعلون قسماً من العالم الآن، وينفخون في النار المتأجّجة فيه، ويعمّقون الفتن والإضطرابات، إنّما يتسابقون للسيطرة على الشعوب، وابتلاع ثرواتها، ونهب خيراتها، وإبقاء الدول الضعيفة المتخلّفة تحت نفوذهم، فهم يثيرون كلّ يوم حرباً في زاوية من العالم تحت عناوين خدّاعة، فتارة لتحرير شعوب، وتارةً للتنمية الاقتصادية، وأخرى للدفاع عن الاستقلال. وبالتستر وراء هذه الشعارات يقذفون ملايين القنابل فوق رؤوس الشعوب المستضعفة.
هذه الحروب مبرّرة بحسب منطق أهل الدنيا، وعقولهم الملوَّثة؛ أمّا «حروبكم» أنتم واختلافاتكم فيما بينكم فهي غير مبررة حتى على منطق هؤلاء، لأننا إذا سألناهم لِمَ تتنازعون وتتحاربون؟ فإنّهم سيقولون: نريد أن نحتل الدولة الفلانية، ونخضعها لنفوذنا، ولكن إذا سُئلتم أنتم لِمَ تتنازعون، وعلى أيّ شيء، فماذا ستجيبون؟ إنّه ليس لكم من الدنيا شيء يستحق هذا الاختلاف»)[1022](.
2 ـ ذكَّر بالآخرة
«في جهنم مكان للخصومات، والنزاعات. إنّ أهل جهنم ينشبون أظافرهم بعض ببعض، وأنتم بصراعكم على الدنيا، وتكالبكم عليها إنّما تسيرون نحو جهنم، وتأخذون مواقعكم فيها»)[1023](.
3 ـ جعل قنطرة (الدعاء) تشدُّ العبد بربه؛ معتبراً هذا السلاح الروحي وسيلة توصل النفس نحو الإنقطاع إلى الله
«لا يحصل الإنقطاع ببساطة، بل يحتاج إلى ترويض للنفس، وإلى بذل الجهد والاستقامة والممارسة، وبدون ذلك لا يكون بوسع الإنسان أن ينقطع عن كُلّ ما سوى الله سبحانه وتعالى»)[1024](.
«إنَّ كلّ الصفات الإيمانية الجليلة، وكلّ مستويات التقوى الراقية تكمن في الانقطاع إلى الله سبحانه، ومَنْ يتمكن من الوصول إلى هذه المرحلة فقد بلغ قمة السعادة»)[1025](.
وعليه فإنّ حديث الإمام الخميني عن «المناجاة الشعبانية» ـ المروية في الأسانيد المُعتبرة يحتلُّ مكاناً في محاضراته. فقد أشار إلى أنّ الدعاء بالرغم من فاعليته بتحريك الجانب الوجداني الكامن في النفس على أساس العاطفة؛ فإنَّهُ أُستخدم لبيان كثير من المسائل العقائدية والتربوية أيضاً.
يقول الإمام الخميني: كان الأئمة يوضحون كثيراً من المسائل بواسطة الأدعية، أسلوب الدعاء يختلف كثيراً عن الأساليب الأخرى التي كانوا يستعملونها لبيان الأحكام، والمسائل الإيمانية والعقيدية، وكلّ المسائل الدقيقة المرتبطة بمعرفة الله سبحانه كانوا يبيّنونها في الأدعية وبأسلوبها. من المؤسف أن نقرأ هذه الأدعية، ونمرُّ عليها دون أن نتأمل فيما تحمله من معانٍ دقيقة، ودون أن نعرف ماذا يريد هؤلاء الأئمة أن يقولوا»)[1026](.
ثم يعرض فقرةً من المناجاة الشعبانية كنموذج للتأمل، والاستغراق العميقين:
«إلهي هَبْ لي كمالَ الإنقطاع إليك،
وأنرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليكَ،
حتى تخرق أبصار القلوب حُجْبَ النور،
فتصل إلى معدن العظمة،
وتصيرُ أرواحنا معلّقةٌ بعزّ قدسك».
الحكمة العملية
أكّد الإمام الخميني في محاضرات «الجهاد الأكبر» على موضوع «الحكمة العملية» المفسرة للخير والشر، التي تقابل «الأخلاق المطلقة»، وهي مجموع قواعد السلوك الثابتة التي تصلح لكلّ زمان ومكان. ولمّا كانت الجوانب الأخلاقية التي جاء بها الإسلام كليّةً وعامة كان التركيز في هذه المحاضرات على الجانب التطبيقي (السلوكي) المندفع من المفاهيم، والتصورات الذهنية)[1027](.
كما أكّد على إيراد الأمثلة الحسية التي تُلفت النظر نحو (الموقف) الأخلاقي، وقلب النظام الذاتي إلى نظام جديد يستند على تمثّل «الفكرة» تمثلاً شعورياً عميقاً.
فهو عندما يتكلم على المعاني الرئيسية في الأخلاق يُبادر إلى أنواع خاصة من الشواهد. ففي حديثه عن الأمراض الذاتية (الغيبة، الحسد، إساءة الظن، الأنانية، الغرور، التكبر) يُميّز بين مرضين، المرض المصحوب بألم، والمرض غير المصحوب بالألم، فيقول:
«من سعادة الإنسان أن لا يُبتلى بمرض غير مؤلم؛ إنّ الأمراض التي يصاحبها الألم يندفع صاحبُها تحت وطأة شعوره للمعالجة، فيذهب إلى عيادة الطبيب، أو إلى المستشفى للمعالجة. أمّا المرض الذي لا يرافقه الألم، ولا يحس الإنسان بوجوده المؤثر فإنّه خطر جداً، ولا يشعر الإنسان به إلاّ بعد فوات الأوان، واستحالة المعالجة»)[1028](.
ثم يجعل الأمراض الذاتية من القسم الثاني.
«والأمراض النفسية من هذا القبيل إذ لو كانت مصحوبة بالألم المباشر لحرَّكتِ المصاب، ودفعته إلى معالجتها، ولكن ماذا نفعل ما دامت هذه الأمراض رغم خطورتها لا يُصاحبُها الألم».
لم تكن هذه الأمراض مُجرَّدةً عن الألم فحسب بل أنها مصحوبة باللذة)[1029]( ـ كما يقول الإمام الخميني، لأن «مجالس الغيبة، والنميمة مجالس مُشوّقة، ومحبَّبة»)[1030](. ولمّا كانت هذه الأمراض نابعة ـ من نظر الإمام ـ من حُبّ النفس، وحبّ الدنيا، فإنّ أثر الاستجابة سيُصبح أكثر لذة وعمقاً «إنّ العطشان الذي يقبل على شرب الماء قد يختنق، لكنّه يظل يشعرُ باللذة إلى آخر نَفَسٍ من أنفاسه»)[1031](.
وهو عندما يؤكد على ضرورة العمل الصالح، وتهذيب الباطن، يجعل الصلة وثيقة بين المسلم، وصاحب الرسالة، ويضرب مثلاً لذلك بقوله «إنّ الشخص الذي يرتبط بك حتى لو كان خادماً لك، فإنّه يخجلُك إذا ارتكب عملاً مشيناً».
وهذا يكشف عن العلاقة بين المسلم، وصاحب الرسالة «فإنكم إذا ارتكبتم عملاً قبيحاً فإنّ ذلك يمس الرسول (ص)، والرسالة الإسلامية بالصميم»)[1032](.
كما يؤكد الإمام الخميني على أن حقيقة الإيمان بالله يستوجب معرفته التي تقود إلى خشيته، ويقرب ذلك بمثال حسّي مفاده أنّ الإنسان يمتنع عن ارتكاب ذنب لوجود طفل مميّز يراقبه فيمتنع من كشف أمره بسبب إيمانه بوجود هذا الطفل، مما يجعل الإنسان المعتقد بوجود الله وحضوره مراقباً لأعماله وسلوكه خشية أن يصدر فعلٌ منه ينافي الورع)[1033](.
دروس من سيرة العلماء
ركَّز الإمام الخميني في أحاديثه على مروياته، ومسموعاته ـ بخصوص الشخصيات الدينية والتربوية ـ، ونقل قسماً منها؛ فمن ذلك ـ وهو معرض حديثه عن ضرورة دراسة علوم الأخلاق والسلوك قوله: سمعتُ مراراً أن الشيخ الأنصاري، وهو أستاذ في الفقه والأصول، كان يدرس على يد مدرس علم الأخلاق)[1034](.
كما كان الشيخ الطوسي يذهب إلى مجلس السيد المرتضى كتلميذ حتى الثانية والخمسين من عمره، مع أنّه كتب بعض مؤلفاته ما بين العشرين والثلاثين، حتى قيل إنه كتب (التهذيب)، وهو كتاب مشهور، في هذه السنّ»)[1035](.
ونقل عن أحد أساتيذه ـ بعدما ذكّر تلامذته أنّه «إذا درس أحدكم وتعب، فبالإمكان أن يصبح عالماً، ولكن ينبغي أن تعلموا أنّه يوجد فرق كبير بين العالم والمهذب» ـ إنّه كان يقول «يقولون من السهل أن تُصبح عالماً، ولكن من الصعب أن تصبح إنساناً، ولكن هذا خطأ، ينبغي أن يُقال: من الصعب أن تُصبح عالماً، ومن المستحيل أن تُصبح إنساناً»)[1036](.
الشهيد قلب التاريخ
ومن خلال جهود الإمام الخميني في تربية الأمة أخلاقياً؛ فإنه سعى إلى تصحيح المفاهيم التي اكتسبت طابعاً سلبياً عبر الأزمنة التي مرَّ بها المسلمون، وما عانوه من تخلّف، وبذلك حَوَّلها من مرحلة السلبية إلى مرحلة الإيجاب.
ويمكن أن نلمس ذلك من تحطيم المُثل العليا في نظر الإنسان الجديد (الذي بناه الإمام الخميني)، وربطه بالمثل الأعلى المُطلق. كما يظهر مفهوم «الشهادة» في جوهره الإسلامي متخذاً الصدارة في المفاهيم الاسلامية مُغَيراً هذا المفهوم الذي اكتسب مفهوماً غير حركي عند الغالبية من المسلمين.
«فليقُل كلٌّ منكم: أُريد أن أكون جندياً مصلحاً، أريد أن أُضحّي للإسلام، وأعمل له حتى الشهادة»)[1037](.
وقد نجح الإمام الخميني في خلق إنسان الثورة، المُتَّخِذ من الشهادة رمزاً لحياته ليكون قلباً للتاريخ، وشاهداً على عصره.
جودت القزويني
جزر الخليج الفارسي
المقدمة
يختلف الوضع الطبيعي والظروف البحرية والمناخية بين جزر الخليج الفارسي، كما تختلف الظروف المصيرية لكل منها. فبعض تلك الجزر تمتلك ثروة طبيعية، وبعضها موقعاً استراتيجياً، والبعض الثالث كلا الميزتين. مما جعلها محط اهتمام وأطماع المهاجمين. وقامت حكومات إيران المتعاقبة وملوكها وأمراء السواحل والمسؤولين التابعين بمواجهة تلك الهجمات والاضطرابات، ودفع المهاجمين عن هذه المناطق البعيدة عن المركز. وهناك جزر كثيرة في الخليج الفارسي كانت في الماضي دوماً وحتى الماضي القريب تعيش السكون والطمأنينة، بل إن بعضها لم تطأه أقدام البشر حتى الماضي القريب، أو ان عدداً قليلاً من الناس ترددوا عليها، لكنها اليوم تحظى باهتمام عالمي كبير بسبب الظروف الخاصة التي طرأت عليها.
مثلاً (الجزيرة الفارسية) أضحت مشهورة بعد أن أقيم فيها مركز للرصد الجوي ليقدم المعلومات إلى جميع شركات الملاحة البحرية. فهذه الجزيرة ومثيلاتها لم تكن محط الأنظار لافتقارها إلى مياه الشفة وبعدها عن الساحل وعن خطوط الملاحة الدولية، ولم يكن يتردد عليها طوال العام إلا بعض الصيادين الإيرانيين لغرض صيد السلاحف والسمك.
كذلك جزيرة (داس) التي لم تعرف إلا بعد اكتشاف النفط فيها، فتحولت إلى مركز مهم.
ونذكر فيما يلي فهرساً لأسماء جزر الخليج الفارسي، ومن أجل أن نذكرها بالترتيب نبحر حول خريطة الخليج الفارسي بدءاً بالجزر عند مدخل الخليج، فنجد الجزر القريبة من مضيق هرمز، ثم نتحرك باتجاه الجنوب والجنوب الغربي، ثم إلى الشمال والشمال الشرقي لنمر قرب جزر تقع في هذا المسير أو حول أو داخل الخليج الفارسي، لننهي سفرنا عند الضفة الشمالية.
رحلة حول الخليج الفارسي
عند مدخل الخليج الفارسي نجد جزيرة (هرموز) المهمة جداً ثم (لارك) وبعدها جزيرة (قشم) الكبيرة، وجزيرة (هنغام) الصغيرة القريبة جداً من قشم تقع جنوبها. وسنورد توضيحات أكثر حول هذه الجزر في خاتمة هذه المقالة. وفي الجنوب الغربي لقشم توجد جزر: (طنب) و(نابيوه طنب) أو ما تسمى (طنب الصغرى وطنب مارو) وجزيرة (أبو موسى).
وفي جنوب رأس البستانة الغربية لإيران، وعلى فواصل بعيدة وقريبة توجد جزر: (فرور) و(نبيو فرور) و(سرّي). وللمرور حول الخليج الفارسي تعود إلى (رأس مستدم) الواقع في القسم الجنوبي لمضيق هرموز. فنجد هناك جزر: (مسندم) و(كجلو) و(توكل أو أبو رشيد) و(سلامة وبناتها) و(غب) و(كن أو الخيل) و(أبو سير) و(الغنم) و(القيارين أو أم القيارين) و(الجزيرة الحمراء أو رد آيلت) و(قبة الجزيرة) و(ليمة).
ومع الاستمرار بالتوجه جنوباً نصل إلى (رأس الخيمة) عند ضفة عمان، فنصادف جزر: (الخمراء) و(أم القيوين) و(عجمان). وبعد عبور ضفة الشارقة نكمل سيرنا نحو الجنوب الغربي فنصادف جزر: (حنفوزه) و(فريدة) و(فهاد) و(أبو ظبي) و(خور البطين) و(البحراني أو البحريني) و(أم المجاريب) و(قنطر). وإلى الشمال من ذلك وعلى بُعد مائة كيلو متر تقريباً هناك جزيرة (أبو نوار) التي تقع في وسط الخليج الفارسي تقريباً، ولبعدها قد لا نوفق لزيارتها.
ونكمل رحلتنا من هناك نحو جنوب غرب الخليج الفارسي فنصادف جزر البسيم وبنات البحر وهي الجزر التالية: (السلالي) و(أبو الأبيض) و(صلاحة) و(أم العميم) و(حلات المبرّا) و(فيمة) و(بزم العربي) و(نمرية) و(الحمار) و(الدغلة) و(اليابر) و(الناشا) و(أم القصر) و(العيش) و(الياس) و(الصنبوط) و(الرشيد) و(جزر الياسات) و(المحملية) و(أم الحطب) و(النيطا).
وإلى شمال الجزر التي ذكرناها وعلى فواصل مختلفة نجد جزر: (الزرقا) و(القرنين) و(داس) و(أرزنة) و(دينة) و(شوراوا) و(دلمة) و(حالول) وهي تقع على مسافة (180) كيلومتر عند الضفة الجنوبية للخليج الفارسي.
ويستمر طريقنا بين (رأس مشرب) و(رأس الركن) باتجاه الشمال عند ساحل قطر. فنجد في طريقنا هذا جزر: (ميامات الطين) و(فريجات) و(قناي) و(مكاسيب) و(مهاجمات) و(لاسحت) و(البشرية) و(السفلية) و(العليا).
وبعد عبور نتوء قطر نتحرك نحن الغرب، فنصل إلى مجمع جزر البحرين وهي: (البحرين) و(محرق) و(خصيفة) و(ساية ستر) و(بني صالح) و(ركا أورقة) و(كليف) و(أم النعسان) و(بوشين) و(أزوم) و(الحول).
وفي الخليج (سلوى أوشلوا) هناك جزيرة (هوار) ومجموعة الجزر المحيطة بها وهي: (عنبر) و(زنخوية).
ونكمل سفرنا بين (رأس الكواكب) و(رأس الأرض) عند ضفاف (الأحساء) باتجاه الشمال الغربي، فنعبر الجزر التالية: (ثاروت) و(أبو علي) و(البطينة) و(جريدة) و(حياه) و(مسلمية) و(المقصا).
وإذ دخلنا باتجاه الشمال الشرقي من جزيرة (أبو علي) نلاحظ عدة جزر بعيدة عن الساحل هي: (قرائن) و(قيران) و(حورقوض) و(العربية) و(الفارسية). والجزيرة الفارسية تبعد عن جزيرة أبو علي والساحل المجاور لها مسافة مائة كيلومتر.
وعندما نعود إل ىساحل الأحساء، ونكمل سفرنا نحو الشمال الغربي نجد الجزر التالية: (أم المرادم) و(قارو) و(الكوبّر).
ومع القتراب من خليج الكويت نرى الجزر التالية: (الفليكة) و(أوصة) و(رأس الباهي) و(مشنغ) و(أم النمل) و(كرين).
ونتجه نحو مصب (شط العرب) فنصادف الجزر: (بوبيان) و(وربة) و(هشام).
وعند انتهاء شمال الخليج الفارسي وقرب (آبادان) نجد الجزر: (حاج صلبوخ أو شيخ صلبوخ) و(بونة) و(دارا) وأمام ساحل (شيب كوه) نجد الجزر: (خاركو) و(خارك) و(محرق) و(شيخ سعد) و(جبرين) و(نخيلو) و(أم السيلا) و(أم الكرم) و(لاوان أو شيخ شعيب) و(شتور) و(هندرابي). وأخيراً جزيرة (كيش أو قيش) حيث نختتم بها سفرنا حول الخليج الفارسي.
وبعد أن ذكرنا أسماء جزر الخليج الفارسي، نتناول التاريخ المختصر لبعض الجزر الإيرانية الهامة وموقعها الجغرافي وسائر خصوصياتها:
1 ـ جزيرة هرموز
وتكتب هرمز أيضاً، معروفة جداً منذ القدم، وقد شهدت الرقي منذ القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي. ففي عام (699هـ ـ 1320م) قام أمير هرموز باحتلال كيش والبحرين، وكانت جزيرة هرمز لقرنين سوقاً لتجارة الخليج الفارسي.
بعد استيلاء العرب على إيران توجه جمع من الزرداشتيين إلى هذه الجزيرة، وأقاموا فيها مدة (15) عاماً، ثم توجهوا منها إلى الهند.
الرحالة المعروف (ماركوبولو) قصد جزيرة هرمز مرتين في نهاية القرن (7هـ ـ 13م) وخلال تلك الفترة بنيت مدينة هرموز الجديدة على أرض جزيرة هرمز. وكانت مدينة مشهورة طوال قرنين من الزمان. وعندما شنّ البرتغال هجومهم عليها، كان فيها جيش قوامه (30) ألف رجل.
عام (1507م) بدأ البرتغاليون ببناء قلعتهم فيها، وفي عام (1550م) حاصر العثمانيون هذه القلعة بقيادة (بيربيك) واستمر الحصار لمدة شهر لكنهم لم يفلحوا في اقتحامها.
عام (1622م) استطاع الملك عباس الكبير أن يحرر (هرموز) من الاحتلال البرتغالي، لكن الخراب والخسائر التي لحقت بالمدينة جعلتها مدمرة وقضت عليها. بحيث لم يبق من تلك المدينة الكبيرة سوى قرية صغيرة لا يزيد سكانها حالياً في الشتاء عن (2500) نسمة يعملون في إنتاج التراب الأحمر والملح. وفي الصيف يقل عددهم. شكل الجزيرة بيضاوي مستطيل، عرضها بين (5,5 ـ 7,5) كيلومتراً. تغطي سطحها تلال ترتفع إلى مستوى (91) متراً، وفي وسطها جبل صخري أعلى ارتفاع فيه يبلغ (210) متراً. وجو هرموز أفضل من (بندر عباس) ولا تشهد المطر إلا خلال فصل الشتاء.
تتواجد في الجزيرة إدارات حكومية كالجمارك والبريد وشرطة الحدود ودوائر رسمية أخرى، وفيها مدرسة ابتدائية واحدة. ولشدة الحر في فصل الصيف يغادرها العمال إلى (ميناب) و(كرانه) فلا يبقى في الجزيرة سوى (700) نسمة.
مدينة هرموز القديمة كانت قد أُقيمت في عهد (أردشير) وهي الآن خربة تقع قرب القلعة البرتغالية. وتوجد في جنوب الجزيرة منارة كانت لمسجد قائم هناك.
السواحل: سواحل جزيرة هرمز في الجنوب الشرقي لجهة بحر عمان، فيها ارتفاعات حادة، يصعب الاقتراب منها، وتصبح خطرة عند ارتفاع الأمواج. في القسم الشمالي الغربي للجزيرة الساحل منخفض ومتدرج إلى البحر. على بُعد كيلومتراً واحداً يصبح عمق الماء (5 ـ 13) متراً، لذلك تستطيع السفن التي تبلغ حمولتها (10,000) طن أن ترسو على بعد كيلومتراً واحداً من الجزيرة.
ليس في الجزيرة مبنى لميناء، لكن هناك أماكن محددة ينطلق منها الناس للتوجه إلى بندر عباس، وإلى ميناب. وفي مقابل (كان) هناك رصيفين أحدهما صغير والآخر كبير يستعملان كمرسى للزوارق والسفن الصغيرة.
في الشمال الغربي والجنوب الشرقي توجد صخور على عمق (2 ـ 3) أمتار تحت الماء، لا يجيد المرور عبرها إلا أصحاب الزوارق المحليون. عند سواحل الجزيرة يمكن صيد عدة أنواع من الأسماك.
القلعة البرتغالية: قام البحار البرتغالي الشهير (آلبوكرك) باحتلال السواحل الهندية، ثم احتل جزيرة هرموز ليوجه التجارة الإيرانية من موانئ جنوب إيران نحوه، وليؤمن سهولة الحركة البحرية لتجارة البرتغال. ثم بنى قلعة في شمال الجزيرة قرب مدينة هرموز، ما زالت بقاياها قائمة.
ولما كانت السفن الشراعية تسير بالقرب من الساحل، فقد بنيت القلعة بشكل يسمح لأهلها بمراقبة حركة جميع السفن المتنقلة بين هرموز والساحل. وتتكون القلعة من أربعة أبراج ترتفع مسافة (12) متراً عن الأرض، عرض الجدران عند القاعدة (3,5) متراً وطول كل ضلع من أضلاعها الأربعة (120) متراً.
داخل القلعة هناك عدة مبانٍ تتسع لألفي شخص، وقد بنيت لتؤمن راحة الأوروبيين، ليتمكنوا من العيش فيها حتى خلال قيظ الصيف. وأُقيمت داخل القلعة عدة مخازن للمياه، تحفظ الماء بارداً، ومنيعاً أمام قصف المدفعية، ويؤمن ماؤها من الأمطار المتساقطة على سطوح المباني خلال الشتاء، فيما ترفد بماء محمول بالسفن من أماكن أخرى.
وتعد هذه القلعة من أفضل القلاع التي أقيمت آنذاك، واستمر بناؤها مدة ثلاثين عاماً، ومن خلالها استطاع البرتغاليون أن يستولوا على سواحل الخليج الفارسي لمدة (115) عاماً، دون أن يسمحوا لأحد بمنافستهم على ذلك. ويدل وجود هذه القلعة على أهمية التجارة التي كانت رائجة عند السواحل الإيرانية.
منجم التراب الأحمر (أوكسيد الدوفر): عرف هذا المنجم في جزيرة هرموز منذ القدم، وكان العرب يستفيدون منه في طلي الأخشاب والمعادن والسفن والأقمشة وغير ذلك. وتبرز أهمية هذا المنجم أو المقلع من سهولة الاستخراج والنقل وصفائه حيث تبلغ نسبة تركيزه (56 ـ 80%).
طريقة الاستخراج سهلة جداً فبعد حفر قشرة الأرض الترابية يبرز الأوكسيد، فتتم غربلة التراب الأحمر وطحنه، ثم ينقل إلى المستودعات ثم إلى سفن النقل للتصدير. ويستطيع كل عامل أن يستخرج كل ثلاثة أيام طناً من التراب. وكان حتى ما قبل عدة سنوات يباع كل طن منه بليرتين. أما الثمن الحالي فقد ارتفع كثيراً. قبل عدة أعوام كان يتم استخراج (6000) طن سنوياً ويصدر، وحسب التقديرات الحالية إذا استمر الاستخراج بالمعدل الحالي، فسيستمر حتى مائة عام قادم.
مقلع التراب الأحمر هذا يعد من أكثر المقالع نفعاً، ويقدم عوائد جمة دون أي جهد، وتوجد في جزيرة هرموز مقالع ملح أيضاً، يستخرج منها سنوياً (3000) طن. وتقدم هذه الجزيرة خدمة كبيرة لاقتصاد البلاد خلال السلم، كما تشكل أهم درع للدفاع في زمن الحرب.
2 ـ جزيرة لارك
جزيرة بيضاوية الشكل، طولها (11 كلم) وعرضها (7,5 كلم) وتقع على بعد (12) كيلومتراً من جزيرة قشم، و(20) كيلومتراً من جزيرة هرموز، و(40) كيلومتراً من بندر عباس. وتوجد فيها آثار باقية من الهولنديين والبرتغاليين. سطح الجزيرة جبلي، وليست فيها سواحل سهلة ومسطّحة إلاّ ناحية الشمال والشمال الشرقي حيث يكون الساحل ضيقاً. وجبالها صخرية، أعلى قممها ترتفع (155) متراً. المكان الوحيد الذي يمكن الاقتراب منه عند الساحل هو (رأس مراثي) حيث يبلغ العمق (20 ـ 25) متراً على بعد (900) متر عن الساحل. وتوجد داخل الجزيرة محلتين صغيرتين مسكونتين الأولى (ثياب) تقطنها (100) نسمة تقريباً ولهم لغة خاصة مشتقة من الفارسية. والثانية (كوه بالا) أو الجبل العالي وتقطنها مائة نسمة أيضاً تقريباً. ويتكلم أهلها اللغة الفارسية الخليطة بالعربية. ليس في الجزيرة زراعة، لكنها مناسبة للصيد، وصيدها وفير يحمل يومياً إلى بندر عباس والجزر الأخرى.
في الجزيرة (300) شجرة نخيل، وتؤمن مياه الشفة من أربعة برك وعشرة آبار، وفيها (800) رأس غنم وماعز تقريباً، وهناك مقلعين للملح يستخدمها الأهالي لتمليح الأسماك، ومقلع للتراب الأحمر لكنه لا يصدر منه حالياً، وهو أقل جودة من مثيله في هرموز، وجبال الجزيرة غنية بالحديد.
3 ـ جزيرة قشم
وهي أكبر جزيرة في مضيق هرمز، وأكثرها سكاناً، ولها تاريخ حافل. فقد حكمها أمراء امتلكوا قوات برية وبحرية للمحافظة على حكمهم فيها.
الأماكن القديمة وبقايا خرابات هذه الجزيرة تدل بوضوح على عمرانها سابقاً. فالمباني العسكرية المتعددة في جزيرة قشم مثل: سوزا، وباسعيد، وباقي النقاط الاخرى تشير إلى الأهمية العسكرية لهذه الجزيرة في الماضي وتثبت أنها من أكبر جزر الخليج الفارسي، وكانت تعد أهم الجزر من النواحي: الاقتصادية والإدارية والعسكرية أيضاً.
يوجد في الجزيرة مسجد يسمى (غوشه) أو (برج) وتوجد داخله لوحة بالخط الكوفي تدل على بناء المسجد عام (244هـ) ويظن أن هذا المسجد بني على أنقاض معبد النار، ودوّن فيه أن المسجد قد هدم في (26/8/826هـ) إثر زلزال شديد، ولعله بني في عهد الخليفة الثاني. ويستفاد من هذه اللوحة أن الجزيرة كانت مسكونة قبل الإسلام، وكانت ذات أهمية أيضاً. وتبدو فيها آثار القلعة البرتغالية التي بنيت قبل عهد الملك عباس الكبير وقد زودت آنذاك بمدافع كبيرة. وتوجد سلسلة قلاع أخرى في (خاور لافت) ومشرفة على سابقتها، وتسمّى بقلا (تادري) وتدل على أن هذه الجزيرة كانت محط اهتمام العهود التاريخية المتوالية.
طول جزيرة قشم (115 كلم) وعرضها يتراوح بين (10 ـ 35 كلم) وتقع إلى جوار (باب هرموز) وقد سماها العرب الجزيرة الطويلة بسبب امتدادها طولاً.
المرتفعات: تحيط بهذه الجزيرة جبال كلسية ذات تقطعات شديدة وغير متدرجة، تبتعد عن الساحل بأبعاد مختلفة، بعضها يواكب الساحل وبعضها الآخر تبعد عنه عدة كيلومترات. أعلى هذه الجبال على بعد 35 كيلومتراً شرق (باسعيدو) اسمه (جبل كيش) يبلغ ارتفاعه (350) متراً، ويتشكل من الملح، لذلك يسمّيه الأهالي نمكدان أي (المملحة).
قرب الجزيرة هناك صخور تحت المياه، منها قطعة كبيرة تبدأ من محاذاة مقلع الملح جنوب الجزيرة، وتنحني مع الجزيرة لتتابع شكلها، ثم تتوجه نحو الشمال حتى تصل إلى محاذاة (باسعيدو) لكن أوسع امتداد لها عند الجنوب ليصل إلى (15) كلم، ويبلغ محيط جزيرة قشم (262) كلم.
السواحل: معظم سواحل جزيرة قشم ذات تضاريس، ومياهها عميقة جداً من جزيرة قشم حتى جزيرة هنغام، بحيث تتمكن السفن من التنقل قرب تلك السواحل، وبعد ذلك تضطر السفن أن تبتعد عن الساحل لأن عمق المياه يتضاءل لوجود صخور تحت سطح المياه، ولا بد للسفن من الابتعاد عند الناحية الجنوبية الغربية للجزيرة مسافة (8 ـ 26) كيلومتراً عن الساحل.
ويقل عمق المياه عند السواحل الشمالية على مدى (مضيق كلارنس) وهو المضيق الواقع بين الساحل الشمالي للجزيرة والساحل الشمالي للخليج الفارسي إلى درجة لا تسمح بعبور السفن من هناك. بل وحتى الزوارق ذات المحركات تعبر منها بحذر ودقة.. وتغطيها غابات شجر يسمى (لور). وفي الطرف الشمالي للجزيرة هناك نتوءات، قشم، ولافت، وباسعيدو. وفي الجهة الجنوبية يوجد نتوء ديرستان الذي تغطيه أشجار النخيل الصغيرة.
وتوجد في الجهة المواجهة لإيران تسعة أرصفة صغيرة وكبيرة هي: قشم، درغهان، كوهي، لافت، كوران، شهو، نمكدان، باسعيد نو ـ المعروف بسنيكو ـ وباسعيد وي كهنة. كما توجد في الجهة المواجهة للبحر خمسة أرصفة أهمها (دريستان) المقابل لجزيرة هنغام. هذا الميناء كان خلال الحرب العالمية محطة لتوقف السفن الحربية والمدنية البريطانية، وقد زود بمراكز اتصال لاسلكية ومستودع فحم وذخائر. أما الميناء الآخر في هذا الساحل فهو (كاركة) الذي اختارته شركة النفط مركزاً لتسيير أعمالها.
الطقس: جو جزيرة قشم حار ورطب، ويقل هطول الأمطار، لذلك لا توجد فيها أنهار، والزراعة فيها صعبة، ومياه الشفة تؤمن من مياه الأمطار التي تجمع في مستودعات. ومياه الآبار والمياه الراكدة فيها أضحت مكاناً مناسباً لتكاثر ميكروب (بيوك) الذي يظهر على شكل بقع طويلة تغطي الجسم، وهو مرض مؤلم ويطول علاجه لعدة أشهر، لكن وجود الآبار في بعض الأحياء نجّى أهلها من هذا المرض، لكن مياه الآبار تلك مالحة بعض الشيء.
شجرة اللور التي يسميها بعض الأهالي شجرة التين البرتغالي تنتشر في هذه الجزيرة، وهي شجرة جميلة وطويلة وكثيرة الأوراق، وثمارها حمراء صغيرة يأكلها أهالي الجزيرة، وتتدلى أغصان هذه الشجرة إلى الأسفل حتى تشق طريقها داخل الأرض، ثم تشكل شجرة جديدة، وبهذه الطريقة تتكاثر وتزداد المساحة التي تغطيها. والأخشاب المصنعة من هذه الشجرة متينة.
ويجري في جزيرة قشم صيد الحيوانات كصيد الوعول البرية والغزلان. وبسبب وجود حركة هوائية في الجزيرة فإن جوّها أبرد من (بندر عباس) وأقل رطوبة. وتكون حركة الرياح فيها خلال الشتاء شمالية جنوبية. أما في باقي الفصول فتهب عليها من كل جهة. وتجري حركة المد والجزر حولها مثل باقي الجزر، مما يسهل عملية صيد الأسماك.
خطر الزلازل: هذه الجزيرة معرضة لأخطار الزلازل، وتشير الوثائق التاريخية إلى وقوع زلازل كثيرة فيها.
المقالع: يوجد في جنوب الجزيرة مقلع ملح في جبل مرتفع ملحه أبيض وجيد، ويصلح للتصدير. ويوجد في الجزيرة التراب الأحمر والرصاص، وأهم من ذلك كله وجود النفط في هذه الجزيرة.
الوضع السياسي والإداري: توجد في الجزيرة أكثر من (40) محلة كبيرة وصغيرة، أهمها، قشم، درعهان، باسعيدو، لافت. وعدد سكانها حوالي (15,000) نسمة، ويعمل معظمهم في صيد السمك والإبحار بالزوارق، وفيها (500) زورق صغير وكبير بسعة طن واحد إلى عدة أطنان. وديانة أهلها الإسلام، ولغتهم الفارسية. وهناك عدة نقاط جمارك ومراقبة، لكن الحد من التهريب أمر صعب لإمكانية الرسو والدخول إلى الجزيرة في معظم سواحلها.
المرض: أكثر أمراض أهالي الجزيرة في العيون والجلد والملاريا، وبيوك أحياناً. وكان الوباء والطاعون قد نالا من أهالي جزيرة قشم في القرن الماضي وأهلكا الكثير من سكانها.
ومن الناحية العسكرية تولى جزيرة قشم أهمية خاصة.
4 ـ جزيرة هنغام (هنكام)
هذه الجزيرة قريبة جداً من السواحل الجنوبية لجزيرة قشم، وقد خضعت هذه الجزيرة كباقي جزر المنطقة لنفوذ الدول المختلفة.
تقع جزيرة هنغام جنوب جزيرة قشم، ويبلغ طولها (9,8) كلم، ويتراوح عرضها بين (3 ـ 6) كلم، وتبلغ مساحتها (50) كيلومتراً مربعاً تقريباً، وشكلها مخروطي ناقص، تمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي.
ـ سواحل هذه الجزيرة ذات تضاريس، وتلتقي بالبحر بساحل سهل. وعمق الماء في جميع أطراف الجزيرة جيد، وتتمكن الزوارق من الاقتراب منها بسهولة، خاصة عند الساحل الشمالي الشرقي مقابل محلة هنغام الجديدة حيث يبلغ عمق الماء عند الساحل (10 ـ 15) متراً، وتستطيع السفن أن تقترب من تلك النقطة أيضاً.
أعلى قمة في الجزيرة هي (ميترا) ويبلغ ارتفاعها (106) متراً. جوها حار ورطب، ويستخدم أهلها مياه الأمطار التي تجمع في مخازن لغرض الشرب. في الماضي كان مرض بيوك شائعاً فيها أيضاً. أما موقعها الجغرافي فإنها تقع على بعد (60) كيلومتراً عن جزيرة (لارك) و(55) كيلومتراً عن معمورة قشم، و(50) كيلومتراً عن جزيرة الغنم).
داخل جزيرة هنغام ستة أحياء هي: هنغام الجديدة، هنغام القديمة، المخابي، زي، بوشه، قيل. لكن هنغام الجديدة والقديمة هما الأهم. سكان الجزيرة (800 ـ 1000) نسمة، حالياً يقطنها (4000) نسمة فقط.
في جزيرة هنغام أشجار نخيل وحمضيات ورمان وتين. وفيها بعض الزراعة أيضاً لا تكفي سكانها، وتسقى بماء بئر يدوياً. ويكثر فيها صيد الأسماك وتقدم أحياناً إلى الأنعام طعاماً لقلة العلف في الجزيرة.
5 ـ جزيرة طنب
تقع هذه الجزيرة على بعد (27) كيلومتراً جنوب غرب جزيرة قشم، أعلى نقطة فيها يبلغ ارتفاعها (53) متراً عن سطح البحر، وعدد سكانها (100) نسمة يعتاشون من صيد السمك واللؤلؤ، وفيها زراعة قليلة جداً، وآبار مائها مرّة بعض الشيء، وفيها منارة بحرية لإرشاد السفن.
6 ـ جزيرة نابيوه طنب أو طنب الصغرى
تقع على بعد (12) كيلومتراً غرب جزيرة طنب، لا يقطنها أحد، وأعلى نقطة فيها ترتفع (35) متراً عن سطح البحر.
7 ـ جزيرة أبو موسى
تقع هذه الجزيرة بين (بندر لنغة) و(دبي)، ويبلغ كل من طولها وعرضها (4,5) كيلومتراً تقريباً. توجد داخلها سلسلة جبال صخرية أعلى قمة فيها جبل (حلوا) بارتفاع (110) أمتار، يقطنها حالياً (200) نسمة يعتاشون على صيد السمك واللؤلؤ، ولديهم زراعة قليلة، وفي الجزيرة مقلع للتراب الأحمر، وفيها مراتع جيدة للأنعام.
8 ـ جزيرة سرّي
وهي جزيرة صغيرة تقع وسط الخليج طولها (7) كيلومترات وعرضها 4,7 كيلومتر، وتبعد (35) كيلومتراً عن جزيرة (فارور) و(76) كيلومتراً عن ميناء (بندر لنغة) و(50) كيلومتراً غرب جزيرة أبو موسى. أعلى نقطة فيها ترتفع (15) متراً عن سطح البحر، ويبلغ عدد سكانها (150) نسمة تقريباً، فيها مبانٍ حجرية ومسجد، ومركز لصيد السمك واللؤلؤ والتجارة، فيها مياه حلوة وزراعة تكفي سكانها. وتوجد أسماك تسمّى (أم عليمو) عند سواحل الجزيرة تسبب الإزعاج لغواصي اللؤلؤ.
9 ـ جزيرة فرور
موقعها وشكلها الطبيعي: تقع هذه الجزيرة شمال جزيرة سرّي وجنوب غرب ميناء لنغة، طولها (7) كيلومترات، ويبلغ عرضها (4,5) كيلومتر، وأقرب ساحل إليها هو (رأس البستانة) تبعد عنه (20) كيلومتراً.
تشكلت هذه الجزيرة من مرتفعات بركانية، ولها امتدادات تبعد عن رأس البستانة (15) كيلومتراً على شكل صخور بحرية على عمق بسيط وتعرف في الجنوب بجزيرة (نبيو فرور) وتبلغ أعلى قممها (145) متراً وفيها قريتان صغيرتان، واحدة عند الساحل الجنوبي، والأخرى عند الساحل الشرقي للجزيرة.
سواحلها: سواحل هذه الجزيرة حادة ومرتفعة تصل إلى (10) أمتار، بينما تقع السواحل المسطحة في الضفة الغربية للجزيرة في ثلاث نقاط، وفي الضفة الجنوبية في نقطة واحدة واسعة. والساحل الشرقي قرب القرية هو الأهم.
عمق الماء والمراسي: إن عمق مياه البحر حول الجزيرة شديد، ولون مائه كدر وغامق، وتستطيع السفن الكبيرة أن تقترب من سواحلها كثيراً، ففي شرق الجزيرة يبلغ العمق على بُعد (300) متر عن الساحل (30) متر، وفي غرب الجزيرة يبلغ عمق الماء (11) متراً على بُعد (200) متر عن الساحل، كما يبلغ عمق الماء (44) متراً فأكثر على بُعد (500) متر عن الساحل. وقاع البحر صخري أو رملي، لذلك يصعب إلقاء المراسي فيه، وتشتد حركة المد والجزر حول الجزيرة.
الماء والجو: جو هذه الجزيرة كسائر جزر الخليج الفارسي حار ورطب وليس في الجزيرة سوى عدة أشجار، بينما تغطي الأعلاف والأشواك أرض الجزيرة. وفيها عدة بيوت طينية بسيطة ومهجورة، يقطنها صيادو الأسماك أحياناً، ويشرب أهلها من ماء بئر مالح ومرّ. في الجزيرة غزلان كثيرة، وعند سواحلها الكثير من الأسماك.
10 ـ جزيرة النبي فرور أو النبي فارور
على بُعد (15) كيلومتراً جنوب جزيرة فارور توجد صخرة يبلغ ارتفاعها (37) متراً ومتوسط قطرها (1,5 كيلومتر غير مأهولة).
11 ـ جزيرة كيش أو قيس
الاسم القديم لجزيرة كيش هو (كيان) ولها تاريخ طويل، كانت هذه الجزيرة مركزاً للتواصل التجاري بين الهند وإيران وما بين النهرين، وأكبر مركز تجاري في الخليج الفارسي. وتوجد في شمالها آثار لمدينة كيش القديمة وهي مقر جيش الإسكندر، وكانت لكيش أهمية كبيرة.
في القرن الثالث عشر الميلادي كان حاكم كيش مسيطراً على جميع جزر الخليج الفارسي. في أوائل القرن الهجري السابع قام ياقوت الحموي بزيارة هذه الجزيرة وكتب فيها: مدينة (كيش جميلة جداً، عامرة بالحدائق والمباني العالية. ويقيم فيها أمير عمان، وفيها قوة بحرية قوية).
وكتب (سعدي) في كتابه (كلستان) عنها: (التقيت بتاجر… اصطحبني إلى غرفته في جزيرة كيش ليلاً…).
ويفهم من التواريخ السابقة أن جزيرة كيش كانت تشغل دور (بور سعيد) الحالي. وفي الجزيرة عدة أسطوانات مدافع قديمة، يقال إنها من آثار هجوم جيش (نادر شاه) على (مسقط).
موقعها الجغرافي ووضعها الطبيعي: في الجزيرة مرسى جيد، وعدة آبار ماء حلو. وتبلغ مساحتها (85) كيلومتراً مربعاً تقريباً، وشكلها بيضاوي، يبلغ طولها (15) كيلومتراً، وعرضها (7) كيلومترات. في الجهة الشرقية لكيش تقع جزيرة فارور على بعد (48) كيلومتراً، وفي الجهة الشمالية لها يقع ميناء غرزة على ساحل الخليج على بُعد (17) كيلومتراً، وفي الجهة الشمالية الغربية لها تقع جزيرة (هندرابي) على مسافة (28) كيلومتراً.
أرض الجزيرة مسطحة نسبياً، وأعلى نقطة فيها ترتفع (37) متراً حيث وضعت المنارة البحرية. أرض الجزيرة عند السواحل كلسية، لكنها داخل الجزيرة طينية رملية تصلح لجميع أنواع الزراعة، ولأنها دون جبال ومرتفعات لذلك ليس فيها أنهار أو سواق أو عيون. بعض سواحلها متقطعة، وجميع سواحلها تصلح لرسو الزوارق، وتكثر في الجزيرة أشجار النخيل واللوز والسدر والكهور والقرت.
الماء والجو: تصل الحرارة فيها صيفاً إلى (45) درجة سنتيغراد، لكنها ذات جو لطيف ومحمول في الشمال لكثرة الأشجار فيها. ماء آبارها حلو وطيب، لذلك فإن الزوارق تحمل مياه الشرب من هذه الجزيرة عادة، وعمق آبارها بين (5 ـ 10) أمتار.
سكانها: سكان الجزيرة طويلو القامة، سود الشعر، سمر البشرة، ضعاف البنية، لغتهم الفارسية، كلهم مسلمون، أكثرهم من العامة، عملهم الغوص وصيد السمك والإبحار بالزوارق.
(المترجم: تحولت الجزيرة في عهد الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني إلى منطقة تجارة حرة تعج بالتجار والسوّاح، وفيها مطار وعدة مصانع وأسواق كبيرة).
الحيوانات: يمتكل سكان هذه الجزيرة عدداً لا بأس به من الأبقار والأغنام والماعز والحمير والدجاج والطيور والبط.
السكان والأحياء: عدد سكان الجزيرة كان كبيراً في الماضي، لكنه حالياً (1500) نسمة. أما الأحياء العامرة فهي:
1 ـ حي (ماشه): الكبير في الشمال الشرقي، وفيه سوق قديم ومحلات ومبانٍ ومسجد ومركز جمارك.
2 ـ حي (سجم) الصغير في الشمال الغربي على بعد (700) متر عن سابقه.
3 ـ حي (ده) يبعد (400) متر عن سجم غرباً.
4 ـ حي (سفين) الكبير نسبياً، ويقع في الشمال الغربي للجزيرة.
5 ـ حي (باغ) ويقع غرب الجزيرة.
وتوجد في شمال الجزيرة بين سجم وسفين آثار قديمة تعود إلى القرن الخامس الهجري، إذا ما جرى التنقيب فيها قد تظهر وثائق وأدلة تحكي تاريخ القرية وسكانها الماضين.
وتوجد في الجزيرة عشرة مساجد، أهمها وأكبرها المسجد الجامع لحي (ماشة). كما توجد منارة بحرية جنوب الجزيرة تبعد مسافة (2) كيلو متر عن الساحل، وضعت داخل زورق عائم، وقامت القوات البحرية قبل عدة سنوات ببناء منارة بحرية فوق أعلى نقطة من الجزيرة.
الوضع الاقتصادي والمصادر المحلية: يعتاش أهالي الجزيرة من بيع اللؤلؤ والصدف، وكان محصولهم السنوي من اللؤلؤ في السابق يعادل عشرة أضعاف ما هو عليه الآن. ويزرع الأهالي ما يحتاجونه من قمح وشعير وبصل وخضروات صيفية، ولا يصدرون منها شيئاً. وتوجد في الجزيرة (4700) شجرة نخيل تنتج كل عام (12) طناً من التمور، يصدر نصفها الى الخارج لشراء احتياجاتهم. وكان أهالي الجزيرة يزرعون التبغ سابقاً، ويصدرون كمية لا بأس لها، لكنهم تخلوا عن هذه الزراعة حالياً. ويقوم الغواصون بدهن أجسامهم بثمرة شجرة (القرت) بعد تجفيفها ليحافظوا على أجسامهم من ملوحة البحر. وأرض الجزيرة خصبة جداً، إذا زودت الجزيرة بأجهزة تحلية المياه فستتضاعف محاصيلها.
12 ـ جزيرة الهندورابي
وكان إسمها القديم (داراب) وتعد من الجزر السفحية، وتقع على بعد (70) كيلومتراً عن (قلعة شيرو). وتغطيها سلسلة مرتفعات قصيرة لا تعلو أكثر من (31) متراً عن سطح البحر. وعند الجنوب تضيق بسبب وجود ثغرات ساحلية فيها، ويصعب الاقتراب من سواحلها هناك، لكنها في الجهة الشرقية والشمال الغربي تصبح مسطحة عند الساحل، تستطيع السفن الصغيرة أن ترسو على بعد كيلومتر واحد من تلك السواحل. طول هذه الجزيرة (9) كيلومترات، وعرضها (4) كيلومترات.
تقع جزيرة الهندورابي على بعد (28) كيلومتراً عن جزيرة كيش، و(24) كيلومتراً عن شرق جزيرة الشيخ شعيب (لاوان) و(4) كيلومترات عن أقرب ساحل للخليج، و(7) كيلوم متر عن القلعة شيرو.
عدد سكان الجزيرة (200) نسمة، ومياه الشفة تؤمن من آبار بعمق (10 ـ 15) متراً، وفيها شيء من الزراعة، بينما يجري صيد اللؤلؤ في الشمال الشرقي منها قرب رأس منصور.
13 ـ جزيرة لاوان (الشيخ شعيب)
توجد عدة مدافع محشوة داخل الجزيرة تسمى بمدافع نادري، يعتقد أن (نادر شاه) حملها إلى الجزيرة، مما يدل على أهميتها آنذاك.
موقها الجغرافي: الزاوية الشرقية لهذه الجزيرة تبعد (11) كيلومتراً عن جنوب غرب (رأس نخيلو) وجنوب ميناء (مقام). ويبلغ طول الجزيرة (24) كيلومتراً وعرضها (5) كيلومترات. وتوجد وسطها هضبة تضم أربعة أحياء صغيرة.
سواحلها: الساحل الغربي للجزيرة رملي، والساحل الجنوبي الشرقي ذو تضاريس صخرية على امتداد (700) متر. وتوجد في هذا الساحل صخرة بارتفاع ستة أمتار يبدأ بها الساحل الجنوبي للجزيرة، وتمتد إلى الغرب. حتى تصل بعد (9) كيلومترات إلى منخفض رملي. وجميع سواحل هذه الجزيرة صخرية وذات تضاريس عدا ثلاثة أماكن فقط.
المرتفعات والهضاب: يوجد في وسط الجزيرة مرتفع علوه (37) متراً، وهضبة حوله.
حدود الجزيرة: يحدّها من الشمال البحر، وتبعد عن السواحل الجنوبية لإيران مسافة (11 ـ 24) كيلومتراً، وإلى شرقها تقع جزيرة شطور أو شتو غير المأهولة على بعد (1500) متر، وتبعد عن جزيرة هندورابي مسافة (24) كيلومتراً، وعن جزر: داس وزيركوه (زرقا) مسافة (200 ـ 230) كيلومتراً.
الأحياء المواجهة للجزيرة: توجد أحياء في مواجهة الجزيرة عند السواحل الجنوبية لإيران من الغرب إلى الشرق هي: شتو، بستانو، مقام، نخيلو، شيرو، وتوجد في قريتي: شتو ونخيلو مراكز للجمارك.
المراسي: لا توجد في هذه الجزيرة مراسٍ تنفع لرسو السفن الكبيرة، ففي سواحلها توجد أربعة أماكن مسطحة، أحدها في أقصى غرب الجزيرة، والآخر وسط الساحل الجنوبي قرب محلة كرات، والثالث في أقصى شرق الجزيرة مقابل محلة لاز، والرابع عند الساحل الشمالي على بعد (16) كيلومتراً غرب محلة لاز.
عمق المياه: حتى مسافة (1500) متر جنوب الجزيرة يكون متوسط عمق الماء (10 ـ 18) متراً، وحوالي الرأس الشرقي على بعد (1000) متر يتراوح عمق الماء بين (10 ـ 30) متراً، ويتراوح عمق المياه بين جزيرتي لاوان وشطور بين (3,5 ـ 4,5) متراً.
الماء والطقس: ماء جزيرة لاوان وجوها حار ورطب، وتصل درجة الحرارة في الصيف إلى (50) درجة سانتيغراد، وأمطارها كسائر الجزر.
الأحياء: توجد في الجزيرة عدة أحياء هي من الشرق إلى الغرب حسب الترتيب التالي:
ـ لاز: ويقع على بُعد كيلومتر شرق الجزيرة، ويعد أهم أحياء الجزيرة، يقطنه (200) نسمة، ويقع أهم مراسي هذه الجزيرة على بُعد كيلومترين جنوب هذا الحيّ.
ـ قرية لازه: وتقع عند الساحل الشمال الشرقي للجزيرة، وإلى غرب حي لاز، ويقطنها (25) نسمة.
ـ كرات أو كورات: ويقع عند الساحل الجنوبي للجزيرة، ويقطنه (70) نسمة.
ـ قرية ريز: وتقع وسط الجزيرة، ويقطنها (50) نسمة.
ـ كوفي: يقع في الوسط، ويقطنه (30) نسمة.
ـ قرية كوت: تقع في الوسط، يقطنها (29) نسمة.
ـ صلة: يقع في الوسط، ويقطنه (38) نسمة.
ـ رأس: ويقع في أقصى غرب الجزيرة، ويقطنه (27) نسمة.
ويبلغ عدد سكان جزيرة لاوان أو الشيخ شعيب حالياً (460) نسمة، وكانوا أكثر من ذلك في الماضي.
الحيوانات: توجد في الجزيرة حيوانات الغنم والماعز وعدة رؤوس من البقر والحمير، وعندما لا يجد أهل الجزيرة العلف يطعمون حيواناتهم طعاماً مركباً من السمك ونوى التمر.
الزراعة: توجد في جزيرة لاوان عدة آبار مياه حلوة، ويزرع فيها القمح والشعير. وفيها أشجار: نخيل والليمون الحامض والمنغا والكنار واللوز، ويستفاد من أوراقها كعلف للحيوانات.
يقوم أهالي الجزيرة بصيد اللؤلؤ خلال (5) أشهر من السنة، ويشكل اللؤلؤ المادة الوحيدة للتصدير.
14 ـ جزيرة خارك وخارغو
جزيرة خارك وخارغو قريبة من السواحل الجنوبية لإيران ومن موانئ: ريغ وبوشهر. وهذا القرب زاد من أهميتها العسكرية والتجارية منذ القدم. فبسبب مزاياها الطبيعية وكونها مناسبة لرسو ناقلات النفط العملاقة الجديدة تمّ اختيار جزيرة خارك عام 1957 لتكون الميناء الإيراني الثاني لتصدير النفط، حيث كان ميناء معشور الميناء الأول لهذا الغرض، ومدّت أنابيب النفط من منطقة غشساران النفطية إلى جزيرة خارك على امتداد (160) كيلومتراً، لتمر الأنابيب من الجبال والأنهار فتصل إلى ميناء غناوة ثم تخترق الخليج الفارسي لتصل إلى جزيرة خارغو، ومن هناك تخترق مياه الخليج مجدداً حتى تصل إلى خارك، فتصب في مخازن فولاذية ضخمة.
كما أن تجهيزات الميناء والمراسي جهزت بحيث تكون مناسبة لهذا المشروع، وبدأ العمل في هذا الميناء قبل عدة أعوام، وأقيم مشروع آخر لجرّ أنبوب ثانوي. هذا الأمر هو سبب الأهمية الحالية لجزيرة خارك، وبما أننا أوردنا تفاصيل تصدير النفط الخام وما يتعلق به في قسم خاص من هذه الدراسة، لذلك نشير هنا إلى الجغرافيا الطبيعية لجزيرة خارك.
الوضع الطبيعي: تعد جزيرة خارك جزءاً من مدينة غناوة من قضاء بوشهر، وتقع على بعد (37) كيلومتراً جنوب غرب غناوة، وعن ميناء ريغ (35) كيلومتراً، طول الجزيرة (8,5) كيلومتراً وعرضها (3,5) كيلومتراً. وتغطي مساحتها المرتفعات التي لا تزيد أعلى قمة فيها على (87) متراً. المرتفع الشمالي يسمّى كوه تخت وديده بان، والمرتفع الغربي إسمه لشكري، والمرتفع الجنوبي إسمه غردن شتر.
وليس في جزيرة خارك نهر أو روافد، بينما تسيل المياه من المرتفعات خلال فصل الربيع، وتجف في باقي الفصول. وفيها عدة عيون وسواقٍ، وقد أقيمت في السنوات الماضية محطتي تحلية مياه البحر فيها، تنتج (10365) متراً مكعباً من المياه الحلوة.
وتكون الأرض مسطحة عند السواحل الشمالية والشمالية الغربية والوسط. بينما عند السواحل الشمالية والشرقية تصبح الأرض رملية ومنخفضة، أما في طرفيها الآخرين فإن ساحلها مرتفع وذو تشققات حادة. أما عمق الماء فإنه يختلف من مكان إلى آخر، وتتمكن ناقلات النفط العملاقة من الرسو عند مرسى الجزيرة.
مياه جزيرة خارك وطقسها حار مثل باقي نواحي جنوب إيران، لكن جوها ألطف بعض الشيء بسبب موقعها من الممرات الهوائية ووجود المرتفعات فيها، ورياحها شمالية وقاسية أحياناً.
توجد في الجزيرة التمور والموز والحمضيات واللوز، وأرضها خصبة لنمو الأشجار، ويزرع فيها القليل من القمح والذرة. ويجري عند سواحلها صيد سمك الببغاء وأنواع أخرى، وفي الماضي كان أهلها يصطادون اللؤلؤ، لكنهم لا يقومون بذلك حالياً.
وفي جزيرة خارك رخام يصلح للبناء، كانت تنقله شركة النفط إلى مدينة آبادان. وكان عدد سكان الجزيرة قبل النفط (800) نسمة، زيد عليهم من عمال النفط (2500) نسمة ويعرف سكانها بقوة بنيتهم الجسدية وأجسامهم الرياضية، ويجيدون الإبحار، ومذهبهم الشيعة والسنّة، والعلاقة بين أتباع المذاهب جيدة، ويتزاوجون فيما بينهم.
ويوجد في الجزيرة مرقد (محمد ابن الحنفية) ابن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وهو مزار للشيعة. ويعمل أهالي الجزيرة في صيد الأسماك ومقالع الرخام وكثر اهتمامهم أخيراً بالعمل في المرافق النفطية.
أكثر طعام الأهالي من السمك والتمر والقمح. ويستوردون الأرز من باقي الموانئ. وقد أقيمت في جزيرة خارك مرافق تصدير النفط الخام مما غيّر وضعها بشكل كامل، ورفع من مستواها المعيشي، ووضعها الاجتماعي وعمرانها.
جزيرة خارغو (خاركو)
تقع هذه الجزيرة شمال شرق جزيرة خارك، وتبعد عن الساحل الإيراني (30) كيلومتراً، ويبلغ طولها (4,5) كيلومتراً وعرضها (700) متر، وفيها مرتفعات، وكل سواحلها سهلة، لكن قلة عمق المياه حولها جعلها تستقبل الزوارق فقط.
15 ـ جزر البحرين
البحرين هي مجموعة جزرة تقع جنوبي الخليج الفارسي عند خليج (شلوا)، يدل التاريخ أنها كانت منذ القدم جزءاً من إيران. ففي عهد الملك أردشير الساساني كان ولي عهد إيران حاكماً عليها، وخضوعها المؤقت لنفوذ الأجانب لا يلغي الحق الواقعي والتاريخي لإيران فيها.
لا توجد في السواحل الجنوبية والغربية للخليج الفارسي أي منطقة أهم من البحرين من الناحيتين العسكرية والتجارية. وتقع مجموعة جزر البحرين بين شبه جزيرة قطر وساحل الأحساء، وتقع وسط منطقة صيد اللؤلؤ، وهي أكبر سوق لتجارة اللؤلؤ، لذلك كان عدد سكانها منذ القدم أكثر من سائر المناطق المحيطة.
للبحرين تاريخ طويل وحافل، أوردنا تفصيله في أماكن أخرى، لذلك سنكتفي هنا بالحديث عن موقعها الطبيعي وجغرافيتها:
تتشكل البحرين من عدد من الجزر الكبيرة والصغيرة، ومن أراض مغمورة بالمياه تصلح لصيد اللؤلؤ. أكبر جزيرة فيها تسمى (البحرين) وتسمّى أحيانأً (أوال) وكانت تعرف في الماضي (تيلوس) يبلغ طولها (47) كيلومتراً، وعرضها (12) كيلومتراً. ويقال للبحرين (مينابه) و(ميان آب) أيضاً.
تقع البحرين على بعد (20) ميلاً من شبه جزيرة قطر، و(12) ميلاً عن أراضي القطيف. ويتصل شمال الجزيرة بأرض مغمورة بالمياه تسمى (يارم). وتقع عند شمالها الغربي جزيرة (خورفشت) على بعد (8) أميال، وعند شمالها الشرقي جزيرة (محرق) على بُعد (8,5) أميال.
وتبعد قرية شلوا ـ الواقعة في نهاية خليج شلوا ـ عن ساحل البحرين مسافة (65) ميلاً، وتبعد مراسي البحرين عن بوشهر (361) كيلومتراً. وتمتد البحرين طولاً من الشمال إلى الجنوب، وفيها أراضٍ رملية وبعض المرتفعات الصخرية مثل جبل دوخان الذي يرتفع (124) متراً.
أهم مركز ومعمورة فيها هي مدينة المنامة أو المنعمة، وهي العاصمة ومقر أمير البحرين ـ وملكها بعد أن أصبحت مملكة أخيراً ـ وسكانها يربون على (40) ألف نسمة، وتتصل المنامة عبر جادتين بالمدن التالية: (شوربة) على بعد (12) ميلاً، و(بودويا) على بعد (18) ميلاً.
وجزيرة (محرق) يفصلها عن جزيرة البحرين مضيق مائي، طولها (4) أميال وعرضها ميل ونصف، ومركزها يسمّى بالمحرّق، يقطنها (20) ألف نسمة.
وجزير (شيترا) طولها (3) أميال، وعرضها ميل واحد.
وجزيرة (أم نازن) أو (أم النعمان) التي تقع غرب البحرين.
ويوجد في مجموعة جزر البحرين مائة مدينة ومعمورة كبيرة وصغيرة.
الماء والطقس: طقس هذه الجزر رطب، ومن المزايا المهمة لهذه الجزر وجود عيون ماء تحت سطح ماء البحر، حيث تم جر مياه تلك العيون إلى السطح لتشكل مياه الشفة للأهالي.
مصادر الثروة: أرض البحرين خصبة، ومحاصيلها الوفيرة: التمر والتين والعنب، وفيها أشجار الكاج والورد، ويمكنها أن تنتج أكثر إذا تحسن وضع الماء الحلو فيها. وتربى فيها الأبقار والأغنام، وفيها حمير بيضاء خاصة.
الصناعة والتجارة في البحرين تعتمد على صناعة وبيع الزوارق خاصة الشراعية منها، وصيد اللؤلؤ. فلؤلؤ البحرين شديد التألق والنقاء، لكنه أقل جودة من لؤلؤ جزيرة السيلان واليابان، لكنه أكبر حجماً ويلقى إقبالاً أكثر. ويستخرج اللؤلؤ على امتداد سواحلها على عمق (15 ـ 16) متراً، ويزاول الغوص فيها سنوياً ألف زورق وعشرون ألف غواص لاستخراج اللؤلؤ.
ومن مصادر الثروة أيضاً النفط الذي بدأ استخراجه من البحرين عام 1934م لصالح شركات أميركية، وأسست مصفاة فيها، كما للإنجليز مؤسسات نفطية في البحرين. وتعاظم دور النفط فيها يوماً بعد آخر.
السكان والدين واللغة: يربو سكان البحرين على (150,000) نسمة. وهي كثافة سكانية هائلة قياساً بجارتها السعودية. دين أهالي البحرين هو الإسلام، ولغتهم العربية والفارسية، وأكثر مشاغلهم الزراعة والتجارة والنفط والأقمشة والفخار.
الآثار القديمة: توجد في شمال البحرين هضبة فيها آثار كبيرة. وظهرت فيها اكتشافات وأوانٍ قديمة، يظن أنها تعود لما قبل العهد الفينيقي.
حسين علي رزم آرا
الجغرافيا التاريخية للخليج الفارسي
بالنسبة للوضع الحالي للكرة الأرضية هناك تصورات متفاوتة لدى علماء الدول المختلفة، بعضهم يعتقد أنه بعد وقوع الثورة العظيمة في الكرة الأرضية بدأ العصر الجليدي، ثم تلاه عصر الأمطار، ثم تغيّر الماء والجو تدريجياً، ليكون العصر الحالي ما اصطلح عليه بعصر الجفاف أو اليابسة.
ويقول بعض العلماء: إن مركز إيران كان خلال عصر الأمطار ـ أي قبل العصر الحالي ـ كان بحيرة كبيرة جداً تصب فيها أنهار كثيرة تصب من الجبال المحيطة بها، وكانت هذه البحيرة واسعة لدرجة أن بحيرات: (أرومية، ساوه، نيريز، هامون) الموجودة حالياً هي من بقايا تلك البحيرة. بينما يعتقد البعض الآخر أنها كانت متصلة من ناحية الجنوب بالخليج الفارسي.
وقد اكتشفت في هذه الناحية من إيران بقايا حيوانات بحرية متحجرة في الصحارى والأراضي الملحية الجافة، بل وحتى في مرتفعات البرز وتوشال قرب طهران.
خلال عصر اليابسة الحالي تحول جو إيران إلى جاف تدريجياً، وانحسرت مساحة البحيرات. لكن خلال عصر الأمطار أي في العصر الثاني والسابق للعصر الحالي كانت آسيا المركزية (الوسطى) كلها، أي هضاب المتوسط القديم وقراقوم الحالية بحيرة كبيرة جداً أيضاً.
ويعتقد بعض العلماء أن قبائل آرية كانت تعيش خلال عصر الأمطار في جنوب سيبيريا، ويعتقد آخرون أنها كانت تعيش في ارتفاعات بامير. وأن تلك القبائل نزحت نحو الجنوب خلال عصر اليابسة الحالي، وبدأت خلاله هجرة العنصر الآري إلى إيران والهند.
وقد أشار إلى ذلك (درونديداد) أو (ويديويداد) في كتب (الأوستا))[1038](، وبما أن القبائل الآرية دخلت التاريخ ابتداءً من الهند وإيران، فمن الواضح أنهم قد هاجروا من الأراضي المجاورة للهند وإيران. والدليل على هبوطهم من (بامير) أقوى من سائر الأدلة الأخرى.
ففي نجد إيران، أي إيران الجغرافية ـ والتي استخدمت كلمة (فلات) فيها خطأ ـ ظهرت آثار مدنيات سادت في الألفية الخامسة قبل الميلاد، مما يدل على أن هذه الهجرة بدأت قبل سبعة آلاف سنة. وكانت مرحلة تلك الهجرة طويلة جداً وتدريجية، وقد قدموا من الشمال إلى الجنوب، حتى وصلوا إلى بحار الجنوب خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.
خلال تلك الفترة كان الخليج الفارسي أكثر ولوغاً داخل الأرض الإيرانية، فالعلماء عامة يعتقدون أن سواحل الخليج الفارسي عند بداية تدوين التاريخ، أي خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد كان يمتد إلى مساحة (200) كلم إلى شمال حدوده الحالية. ولم يكن حينها لشط العرب وجود، بل كان نهري دجلة والفرات يصبّان في البحر مباشرة وبشكل منفصل. وشط العرب يصب حالياً في البحر أكثر من (6000) متر مكعب من الماء في الثانية، ويجري في أرض رسوبية متزايدة، ويشكل عند مصبه جزيرة طينية، وعند ساحله الشرقي يلتحق به نهر كارون، ويعتقد أن كل (30) عاماً تنتج (1600) متر من الترسبات التي تشكل امتداداً لليابسة داخل البحر.
نهر جيحون أو بحر آمو الحالي كان يسميه الإيرانيون (آموي) أو (آمويه) وكان يصب في الماضي داخل بحر الخرز)[1039]( كان الآريون الإيرانيون من كافة أنحاء نجد إيران يسكنون من ساحل نهر جيحون حتى بحار الجنوب، وينقسمون إلى ثلاث مجموعات: مجموعة المشرق والشمال الشرقي وهي قبائل (بارت). ومجموعة الشمال والشمال الغربي وهي قبائل (ماد). ومجموعة الجنوب والجنوب الشرقي حتى وسط إيران وهي قبائل (بارس) )[1040](.
ويبدو أنه مع وصول البارسيين إلى ساحل بحر الجنوب ـ أي خلال الألفية الثانية قبل الميلاد ـ أطلق على إسم هذا البحر البحر البارسي أو خليج بارس، ذلك لأنه منذ اليوم الأول الذي ورد فيه اسم هذا البحر في الوثائق التاريخية المعتبرة وحتى اليوم جاء بنفس الإسم، وقد راج في كافة أنحاء العالم المتمدن وبكل اللغات.
ولقد اطّلعنا على الوضع الجغرافي للخليج الفارسي منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، أي منذ أن صدرت الوثائق التاريخية الأولى التي وضعها العيلاميون. كانت حينها الحدود الجنوبية الغربية لخوزستان تقع إلى ساحل بحيرة من المياه المالحة، تصب فيها أربعة أنهار هي: الكرخة، وبالارود، ودز، وكارون، وجزء من مياه نهر دجلة. وكان القسم الأسفل لنهر كارون حتى العهد الساساني يسمى (سدره) أي المائة طريق. لأنه كانت مياه هذا النهر تسقي الأراضي جنوب (كارون) وتصب في الخليج الفارسي عبر قنوات كثيرة تصب في مستنقع كبير، وكان نهر كارون آنذاك يغير مساره عدة مرات، والآن يصب بعض مياهه في شط العرب. وكما ذكرنا من قبل فإن شط العرب آنذاك لم يكن موجوداً، بل كان نهرا دجلة والفرات يصبّان بشكل منفصل في الخليج الفارسي، وهكذا كان الحل حتى نهاية العهد الساساني. وكما سيأتي فإنّ الوضع كان هكذا أيضاً عندما مرّ (نيارخوس) قائد بحرية الإسكندر المقدوني عابراً أنحاء الخليج.
وفي المنطقة نفسها نجد وسط الصحارى آثار مدن سومرية قديمة جداً، أهمها مدينتي (أريدو) و(أور) ونصف دائرة من التلال هي بقايا عمارات ذلك الزمان كانت قرب الساحل آنذاك، وقد امتلأت تلك النواحي بترسبات الأنهار. ويعتقد علماء الآثار أن تلك المباني لم تكن عند ساحل البحر مباشرة، بل إنها كانت قائمة على نتوءات تحوي مياه عذبة.
وهناك تغييرات في هذا المجال حصلت داخل إيران أيضاً، حيث تبدو في أطراف مدينة (شوش) آثار أنهار كانت تتفرع من نهر الكرخة. وهناك نهر ما يزال يمر قرب مدينة شوش، ويسمى بنهر (شاوور) كان في الماضي متصلاً بالكرخة، لكنه اليوم ينبع من منابع خاصة به، ويصب في قنوات مائية.
قبل أن تتشكل هضاب العراق الرسوبية كان نهر الفرات الذي ينبع من جبال شمال أرمينيا يصب في البحر قرب مدينة (هيث) الحالية، وكان نهر دجلة أيضاً يصب قرب مدينة الموصل الحالية.
وعند بدء التاريخ وفي حدود الألفية الثالثة قبل الميلاد كانت خوزستان الجنوبية أرض سبخة، وعلى شكل جزر صغيرة داخل المياه، وكان ساحل الخليج يبعد عن مدينة (شوش) مائة كيلومتر كحد أقصى.
خلال الحفريات التي أجراها علماء الآثار عثروا على المياه على عمق مترين مما يترشح من الأنهار، وبعد الوصول إلى عمق (25) متراً عثروا على آثار تمدن كانت مطمورة.
في بلاد ما بين النهرين وحتى عهد (كواذ) أو (قباذ) الساساني الذي امتد حكمه الملكي بين (487 ـ 531م) كانت هناك عدة سدود أقامها الساسانيون على نهر دجلة من أجل الري والزراعة. وكانوا قد أقاموا إلى جانب نهري دجلة والفرات سدود ترابية لتمنع الماء من اجتياح الأراضي الزراعية عند ارتفاع منسوبهما. وكان الماء المتبقي من نهر دجلة يمر من تحت مدينة البصرة الحالية ليصب في الخليج الفارسي مباشرة.
في عهد (كواذ) ظهرت عدة تشققات في تلك السدود على جانبي النهر عند منطقة (كسكر) بسبب فيضان مياه دجلة شتاءً، ولم يتم إصلاح تلك الشقوق، حتى اجتاحت المياه الكثير من مزارع تلك الناحية، وأضحت مستنقعات. وعندما تسلّم (خسرو نوشيروان) الحكم أمر بترميم السدود الجانبية، وعادت الحياة والعمران لبعض تلك الأراضي. لكن في السنة الهجرية السادسة وفي عهد (خسرو برويز) فاض نهرا دجلة والفرات سوياً وبشدة، فأوجدا تشققات كبيرة في جدرانهما الجانبية. فأمر (خسرو برويز) بترميمهما، ولتشجيع العمال على الإسراع في تنفيذ أعمالهم وضعوا أموالاً كثيرة فوق السجاد، وقالوا أي عامل ينهي عمله أسرع له أن يأخذ من ذلك المال. لكن ذلك لم يجدِ نفعاً، وبقيت مستنقعات العراق التي عرفت باسم (بطايح) وعندما حكم الثانيون العراق لم يهتموا للأمر، وازدادت الصدوع في جدران النهرين، ومن تلاهم على الحكم أيضاً لم يفعل شيئاً، ولم يقوَ أهل تلك المناطق على فعل شيء، لذلك ازدادت المستنقعات وكبرت يوماً بعد يوم.
وفي عهد (معاوية) كلف (عبدالله بن الجراح) لجمع خراج السواد أي ما بين النهرين، فقام بتجفيف بعض المستنقعات والأهوار حتى بلغ الخراج السنوي خمسة ملايين درهم.
وفي عهد (الوليد بن عبد الملك) كلف (حسان النبطي) بذلك، واستمر في عمله هذا خلال عهد (هشام بن عبد الملك) وجفف قسماً آخر منها، وأطلق اسم (الجوامد) على الأراضي المجففة.
وفي عهد (الحجاج بن يوسف الثقفي) جرت بعض الأعمال المشابهة، وحفرت الأنهار، ولم يكن قد حدث ذلك من قبل، فحفروا الأنهار لإيصال المياه الحلوة إلى البصرة، لكن مياه النهر فاضت بشدة، وقدّرت قيمة تجفيف المستنقعات الجديدة بثلاثة ملايين درهم، لكن (الوليد بن عبد الملك) اعتبره مبلغاً كبيراً، ولم يدفعه، ولم ينفذ العمل، ولم يؤجره للحجاج.
ثم تطوع (مسلمة بن عبد الملك) للقيام بذلك على حسابه الخاص، على أن تعود إليه عائدات تلك الأراضي، وأن يصرف ثلاثة ملايين درهم عليها. وبذلك بانت أراضٍ كثيرة من تحت المياه، واستقدم المزارعين والعمال من كل مكان لزراعة تلك النواحي، وعمل معه الملاكون الصغار من نواحي المنطقة.
وعندما تولى العباسيون الملك، وصادروا ممتلكات الأمويين، قام الخليفة العباسي الأول السفّاح بمنح ناحية التفاح ـ وهي أحد النواحي العامرة حديثاً ـ إلى عمه (داود بن علي بن عبدالله بن عباس) وكانت حتى ذلك الحين بيد أقارب (مسلمة بن عبد الملك) ثم اشتريت فيما بعد من ورثة داود، وجعلت من الأملاك الخالصة للبلاط في بغداد.
وعليه فإنّ الوضع الجغرافي لأرض السواد أو بين النهرين قد شهد تغييرات كثيرة خلال العهد الإسلامي بسبب ترسبات التراب، وغيّرت الأنهار مسيرها، وكان كل من دجلة والفرات يصبّان في الخليج الفارسي بشكل منفضل، ولم يكونا يلتقيان في شط العرب الموجود حالياً، لأن مياه هذين النهرين الكبيرين كانت تسقي في الصيف المزارع المحيطة بها من خلال السدود والفتحات الجانبية، ولم يكن يبقى فيهما مياه كافية لتشكل شطاً كبيراً كشط العرب الحالي، ولذلك كانت أرض العراق وبين النهرين الحالية أو السواد أكثر عمراناً وزراعة في عهد الخلفاء مما هي عليه الآن.
ونهر (كارون) المتشكل من اجتماع مياه نهر (دز) ونهر (بالا) أي النهر العالي، كان هناك سد قائم عليه اسمه (شادروان أهواز) وكان يسمّى النهر في العهود القديمة بنهر (بس تيغر) بينما استعمل البعض اسم (أولائي) وهو أكثر انطباقاً على نهر دز، وكان اليونانيون القدامى يلفظونها (أولائئوس). وينقل اليوم نهر كارون معه سنوياً كميات كبيرة من المواد الرسوبية، فيملأ بها مصبه بشكل تدريجي. وهكذا كان حاله في العهود القديمة أيضاً، لذلك فإنّ الحدود الشمالية للخليج الفارسي قد شهدت تناقصاً في العهود المختلفة. كما أن باقي الأنهار الموجودة في تلك المنطقة مثل نهر كارون كانت تحمل معها رسوبات كثيرة أيضاً، وشهدت مياهها نقصاً وزيادة تبعاً لكمية الثلوج المتساقطة على الجبال المطلّة على مصبه.
والتغييرات التي حصلت في سواحل الخليج الفارسي خلال العهود المختلفة قد انعكست على الموانئ والجزر وغيّرتها. وخلال الحقب التاريخية التي شهدت اتّساع العلاقة البحرية بين الشرق والغرب كان الفينيقيون الأكثر براعة في الحركة البحرية بين شعوب الشرق، لذلك كانوا السباقين في السفر البحري إلى الخليج الفارسي، بل ومارسوا النقل البحري بين النقاط المختلفة للخليج.
وفي عام (519) قبل الميلاد كلّف (داريوش الكبير) الجغرافي والرحال اليوناني سكيلاكس (سكولاخ) ـ من أهالي كارياند ـ بدراسة ممر نهر السند حيث كان الإيرانيون يقطنون سواحله الشمالية منذ عهد (كورش الكبير) وذكر (هيرودوت) في مذكرات رحلته أنه سار من مصب نهر السند والتف حول شبه جزيرة العرب إلى أن وصل إلى ساحل مصر على البحر الأحمر، متفقداً بذلك طريق الإبحار لحكومة إيران، وقد استغرقت مهمته تلك ثلاثين شهراً.
وخلال الأعوام (516 ـ 514) قبل الميلاد قام (داريوش الكبير) بشق ترعة عبر نهر النيل تصل بحر الروم بالبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج الفارسي. ولا تزال الكتابة التي حررت عند حفر هذه الترعة وأثبتت إلى جانب القناة موجودة.
والإسكندر المقدوني عندما وجه جيوشه نحو آسيا، كلّف بحاره المعروف (نيارخوس) بوضع دراسة حول بحار الجنوب، فقام برحلة من مصب نهر السند إلى الخليج الفارسي خلال العامين (326- 325) قبل الميلاد ودوّن مذكرات رحلته، لكن الأصل الخطي أتلف، وبقيت خلاصتها في التاريخ الذي وضعه المؤرخ اليوناني المعروف (آيان) في القرن الأول قبل الميلاد تحت عنوان جيوش الإسكندر.
في العهد الساساني كان القسم الأكبر من شرق وشمال شرق الجزيرة العربية تابع لخراج إيران، كان المسؤولون الساسانيون يهتمون بالإبحار في الخليج الفارسي، لأن الساسانيين حركوا جيوشهم انطلاقاً من الخاليج الفارسي، ومن جملة ذلك في عهد (شاهبور الثاني 310 ـ 379م) حيث توجهت الجيوش الإيرانية بقيادة الملك الساساني لقمع المتمردين في الخليج. كما تحركت جيوش الإيرانيين إلى اليمن عبر الخليج، وكان الأحباش قد استولوا على اليمن، فاستنجد ملك اليمن بالملك (خسرو أنو شيروان) فأرسل له جيشاً بقيادة (وهرز) عبر الخليج الفارسي إلى اليمن، واستطاعوا إخراج الأحباش من اليمن وتحريرها من أسر الزنوج بعد أكثر من سبعين عاماً قضتها محتلة.
لذلك قام (سيف بن ذي يزن) أحد أعضاء الأسرة الملكية القديمة للحميريين بزيارة مدينة (تيسفون) عاصمة الساسانيين ولفت نظر ملوك إيران لإرسال جيش إلى جنوب الجزيرة العربية، وبالفعل أرسل جيش بقيادة (وهرز) أو (بهرز) قوامه جنود إيرانيون مكلفون من قبل البلاط الساساني وعرب. فأخرجوا الأحباش من اليمن، ولم يجرؤوا للعودة إليها، وعين الإيرانيون (سيف بن ذي يزن) ملكاً على اليمن، وبعد عودة الجيش الإيراني قام جمع من العملاء الزنوج بقتل (سيف بن ذي يزن) مما دفع (نوشيروان) أن يصدر أمراً إلى (بهرز) ليقوم بقتل كل الزنوج في اليمن، وأصبحت اليمن ولاية إيرانية، ويتم تعيين حكام اليمن من قبل إيران، إلى أن أسلم آخر حكام إيران في اليمن واسمه (باذام) أو (باذان) أسلم هو وأسرته في صدر الإسلام، وتبع لحكومة الإسلام في الحجاز.
ثم عاد الاضطراب إلى اليمن، ولم تجد الاستقرار إلا خلال عهد خلافة (أبي بكر) وبقي الإيرانيون المرسلون إلى اليمن هناك، وانتشر فيها نسلهم، ولعل بعضهم قد هاجر إلى الحجاز في صدر الإسلام، وكان يطلق على الإيرانيي الأصل (أبناء الأحرار) وهم أبناء الجنود الذين أرسلوا من إيران عبر الخليج الفارسي إلى الجزيرة العربية. هذه الوقائع حصلت عام 597م تقريباً.
وفي (خوزستان) وجزء من العراق استقرت حتى ما قبل عهد الهخامنشيين قبائل من الساميين يطلق عليهم اسم (الآراميين) ولهم لغة خاصة مشتقة من اللغات السامية وقريبة من اللغات: السريانية والعبرية والعربية. وتسمى باللغة الآرامية ولها خط خاص مثل الخط العبري والسرياني الكوفي.
عاش الآراميون في المحافظات الغربية لإيران، وعملوا لصالح الهخامنشيين حيث كانت جيوش الهخامنشيين تتوجه نحو الغرب عادة، وكان الآراميون في طريق تلك الجيوش، لذلك كان لهم حضور مفيد ومؤثر داخل جهاز الديوان الملكي الهخامنشي، واستعملت لغتهم وخطهم في الدوائر الإيرانية، وكانت لغتهم إحدى اللغات المتداولة خلال الحقبتين الهخامنشية والساسانية. وخلال النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي اعتنق جمع من الآراميين القاطنين في إيران، اعتنقوا المذهب النسطوري، وهو أحد مذاهب المسيحية، وأقاموا في خوزستان وبين النهرين كنائس وصوامع كثيرة، وكتبوا على كل مفترق يؤدي إلى منطقة أو معمورة أو كنيسة أو صومعة بنوها، كتبوا إسماً لها بلغتهم، وقد استخدمت تلك الأسماء في الوثائق التي تركوها باللغة الآرامية والسريانية. ففي الحقبة الساسانية كانت لغتهم الدينية هي السريانية وكانت تلك الأسماء بالسريانية أيضاً. وبعض الأسماء التي أطلقوها على المعمورات الكبيرة تمكن مطابقتها مع الأسماء الإيرانية مثل (بيت سلوخ) لمدينة (سلوكية) و(بيت لابط) لمدينة (جندي شاهبور) و(بيت نوهدرة) لأرض (دستجرد) وإلى قرية (بيت قيتة) من أرض دستجرد، وإلى قرية خارج مدينة (تيسفون) هي (بيت أرميي)، وإلى قرية (بيت دارائي) من ناحية (مكران). وكلمة (بيت) تعني في اللغة السريانية المقر والمحلة، وكلمة (بيت تازي) تعني البيت. من هنا يظهر أن هذه الكلمات هي ترجمة إيرانية حيث ألحقت حالياً كل كلمة منها بكلمة (آباد) و(كرد).
ولم يتغير الوضع الجغرافي للخليج الفارسي في بداية العهد الإسلامي عما كان عليه في العهد الساساني، لذلك فإن ما كتبه الجغرافيون في صدر الإسلام باللغة الفارسية أو التازية حول الخليج الفارسي كان مشابهاً لما جاء عن وضعه خلال الحقبة الساسانية.
خلال هذه الفترة ذكرت معظم كتب الجغرافيا اسم الخليج ببحر بارس والبحر الفارسي، وباللغة النازية بحر فارس. واستعملت كلمة الخليج بدءاً بالقرن الهجري الرابع، وكان أول من استعملها هو (مطهر بن طاهر المقدسي) في كتاب (البدء والتاريخ) الذي ألّفه عام (355هـ) فأطلق عليه اسم الخليج الفارسي وبحر فارس.
ومع بداية العهد الإسلامي دخل إسم الخليج الفارسي إلى الكلمات العربية، وأصبحت أكثر تداولاً في الكتب، لذلك كانوا يطلقون على المعمورات القائمة على الساحل إسم (سيف) أي ساحلية. وكانت ناحية (أردشير خره) تضم ثلاثة سيوف في المنطقة الحارة منها، هي (سيف عمارة) شرق جزيرة كيش، و(سيف زهير) في جنوب (إيراهستان) قرب ميناء (سيراف)، و(سيف مظفر) شمال مدينة (نجيرم).
وكانت في سيف عمارة خلال القرن الرابع قلعة عند الساحل، لا يمكن لأحد تسلقها إلا باستعمال الكلابات، وكانت تسمى بقلعة (ديغدان) أو (ديغ بايه) ويتّسع رصيفها لعشرين سفينة، وبعد هدمها تحول ميناء سيراف إلى الميناء التجاري للخليج الفارسي.
وجزيرة كيش هي مدينة ذات جدران وأسوار محصّنة، وقد أنشئ فيها عدة برك لجمع المياه الصالحة للشرب، وعند سواحلها يجري صيد اللؤلؤ، وفيها مراسٍ للسفن القادمة من الهند والجزيرة العربية، وفيها بساتين نخل كبيرة.
وجاء أن هذه الجزيرة تبعد عن الساحل مسافة أربعة فراسخ، وفي مقابل ساحلها يوجد مرسى صغير فيه قلعة صغيرة اسمها (هزو) لكنها خلال زيارة (ياقوت الحموي) لها كانت خربة، وبعد الخربة مباشرة كانت تنتهي طريق قوافل (شيراز) وكانت تلك القلعة عبارة عن سجن شيده ملوك آل بويه.
و(سيف زهير) كانت تضم ميناءين هما ميناء (نابند) و(سيراف). نابند يقع إلى جانب خليج خورنابند أو خليج نابند. أما سيراف فإنه عندما كان عامراً كان كبيراً جداً، ويقع إلى غرب خليج نابند، وعند نهاية الطريق الرئيسية التي تصل (شيراز) و(فيروز آباد) بالساحل.
وذكر أن سيراف كانت تنافس شيراز في حجمها وعمرانها، وكانت مبانيها مكونة من خشب الصاج المنقولة من (زنجبار)، وعند الساحل كانت هناك مبانٍ من عدة طوابق، معظمها فخمة، وكان أهلها مقتدرون، وفاقت البصرة أهمية. لكن هزة أرضية شديدة أصابتها عام (366 أو 367هـ) استمرت لمدة سبعة أيام، مما دفع أهلها إلى الفرار إلى البحر، ودمرت المدينة. ومنذ ذلك الحين هجر ميناء سيراف، وبعد دماره لم يبق منه في القرن السابع الهجري سوى مسجده القائم على أعمدة من خشب الصاج. وما تبقى منه أطلق عليه في الحقب التالية (شيلاو) وتقع حالياً بالقرب من ميناء طاهري.
أما ميناء (سيف مظهر) لمدينة (نجيرم) فكان إلى غرب سيراف، وكان يضم عدة برك لجمع مياه الأمطار، وكانت جزيرة خارك آنذاك تعتبر من توابع (أردشير خره) وكانت مرسى للسفن القادمة من البصرة إلى جزيرة كيش ثم إلى الهند.
وذكر الجغرافيون القدامى أن هذه الجزيرة كانت وافرة في محاصيلها الزراعية وفيها فواكه كثيرة ونخيل، وأحد مراكز صيد اللؤلؤ.
في أواسط القرن الثالث قبل الميلاد ضعف الملوك السلوكيون الذين استولوا على إيران عام (312ق.م) فظهر في غرب إيران في أربعة نواح حكام مستقلون، وضربوا لدولهم نقوداً. وفي عام (250ق.م) قام الإشكانيون باستيفاء الخراج من كلّ نواحي إيران، فخضعت لهم تلك النواحي الأربع.
وكانت إحدى تلك النواحي عند نهاية الجنوب الغربي، وكان يسميها اليونانيون (خاراكنه) ولفظها الأوروبيون (خاراسن) وتنتهي هذه الناحية بالخليج الفارسي، وذكر اليونانيون أن اسم عاصمتها هو (خاراكس)، واستطاع الإسكندر المقدوني أن يحول هذه المدينة إلى ميناء كبير. ويبدو أن هذه الناحية كانت تمتد إلى أرض العراق الحالي من جهة، وإلى ناحية هضبة (ميشان) الحالية أو (ميسان) القديمة من جهة أخرى، وكانت فيها مدينة سمّيت خلال العهد الإسلامي (كرخ ميسان) وكانت هذه المدينة تسمّى أيضاً (استراباد) فكان لها إسمان، ولعل (كرخ) هو اسمها باللغة الآرامية، و(أستراباد) باللغة الفارسية.
وإني أعتقد أن اسم جزيرة (خارك) قد أخذ من كلمة (خاراكند) وأن جزيرة خارك الحالية كانت جزءاً من أرض خاراكند.
أما اسم (بوشهر) فقد جاء لأول مرة في (معجم البلدان) ضمن شرح كلمة (بحر فارس) وقد انتهى من تدوين ذلك الكتاب عام (621) هجري. ويبدو أن بوشهر لم تكن مهمة قبل ذلك، ويعتقد أن بوشهر برزت بعد دمار سيراف.
إن طول الخليج الفارسي حالياً (900) كيلومتر تقريباً، ومساحته (287000) كيلومتر مربع. ويبدو أن سطح البحر كان في السابق أوسع بكثير مما هو عليه، وكانت مساحته أكبر، ذلك لأن مدينة (آبادان) أو (عبادان) ذكرت في الكتب الجغرافية للقرن الهجري الرابع أنها عند الساحل. وعندما توجه (ناصر خسرو) إلى هناك خلال القرن الخامس كانت تبعد عن البحر فرسخين، وهكذا كانت أيام (ابن بطوطة) أيضاً، لكنها اليوم تبعد عن البحر مسافة (80) كيلومتراً. أما الاسم القديم لمدينة (آبادان) كان (عبادان) نسبة إلى بانيها (عباد بن الحصين) في وسط القرن الهجري الثاني.
وتدل الوثائق المتوفرة أن العلاقات التجارية بين إيران والصين عبر الخليج الفارسي كانت قائمة قبل الإسلام، واستمرت خلال العهود الإسلامية، وبلغت ذروتها في القرن الهجري الرابع. وقد دوّن البحارة وقادة السفن من الإيرانيين عدة كتب باللغة التازية حول الملاحة بين الخليج الفارسي وبحر الصين، بقي منها العديد حتى يومنا هذا.
وبعد أن بدأ الأوروبيون بالإبحار في بحار الجنوب، يبدو أنهم نافسوا الإيرانيين في هذا المجال وسبقوهم فيه. وتقلّصت الحركة البحرية الإيرانية نحو بحار الشرق الأقصى بشكل ملحوظ منذ القرن التاسع الهجري. ومذ ذاك بدء البرتغاليون بالإبحار في المحيط الهندي، مستخدمين الخليج الفارسي في مرورهم. وكانت أول سفن برتغالية قد وصلت الخليج عام (893هـ) تقريباً، ولما كان الخليج الفارسي يقع في طريق حركتهم البحرية إلى سواحل الهند، وضعوا عدة دراسات حول الخليج، أدّت عام (913هـ) أن يقوم البحار البرتغالي المعروف (آلبوكرك) باحتلال جزيرة هرموز فقتل آخر وزراء الملك الإيراني هناك الرئيس حامد، وأصبح البرتغاليون منذ عام (921هـ) حكام هذه الجزيرة، إلى أن استطاع الملك عباس الأول عام (1031هـ) أن يستردّها من البرتغاليين بمساعدة البحرية للهند الشرقية. وخلال تسلطهم على جزيرة هرمز قام البرتغاليون ببناء قلعة منيعة فيها، وتشييد المباني الكبيرة، ما زالت آثارها قائمة في الجزيرة.
بعد إخراج البرتغاليين من جزيرة (هرموز) أمر الملك عباس بتوسعة ميناء (غمبرون) الصغير ليسمّى بعد ذلك بميناء عباس (بندر عباس) أو الميناء العباسي (بندر عباسي).
وكان حينها الهولنديون أيضاً يبحرون في الخليج الفارسي، وحل محلهم الإنكليز مع نهاية العهد الصفوي. وخلال ضعف الحكم الصفوي همّ العرب بالاستيلاء على الموانئ والجزر الإيرانية في الخليج الفارسي، لكن الملك نادر شاه أخرجهم منها كلياً عام (1157).
وقبل استيلاء المغول على إيران كانت تجارة الخليج الفارسي مزدهرة جداً خاصة في العهد البويهي.
المعلومات التي أثبتها ياقوت في معجم البلدان حول الخليج الفارسي تتناول وضعه آنذاك، فتحت عنوان (بحر فارس) ذكر ان المؤرخ المعروف (حمزة الأصفهاني) نقل أن الإيرانيين القدامى كانوا يسمّون هذا البحر (زراه كامسير) وجاء في بعض النسخ (دراه) بدل (زراه). وأظن أن كلمة (دراه) هي تحريف للفظ (دريه) في اللغة الفارسية القديمة، وأنها مأخوذة من كلمة (زريه) الأوستائية، ثم أصبحت (دريا) في اللغة الدرّية. وبقيت هذه الكلمة الأوستائية في اسم (زره) و(غودزره) بحيرة سيستان. ويبدو أن كلمة (كامسير) كانت في الأساس (كام أردشير) مثل (بردسير) التي كانت أساساً (برداردشير) و(سيرجان) التي كانت (أردشيرغان) في حين بقيت الشين أحياناً مثل (نرماشير) التي كانت (نرم أردشير) و(غواشير) التي كانت (غواردشير) و(ريشهر) التي كانت – جيواردشير) و(بهمنشير) التي كانت (بهمن أردشير).
ولعل اسم (كام أردشير) كان في الماضي اسم لإحدى نواحي ساحل الخليج، ونظيره (كام فيروز) وهو اسم لإحدى نواحي فارس خلال العهد الساساني، واسم (رامهرمز) من هذا القبيل.
بعد ذلك يقول ياقوت: يبدأ هذا البحر من مدينة (تيز) في (مكران) حتى ينتهي بعبادان داخل الأراضي الإيرانية حيث يصب نهر دجلة بالبحر جهة البصرة. ونزولاً مع نهر دجلة تصل إلى مدينة (محرزة) ومنها إلى مدينة عبادان. هناك ينقسم نهر دجلة إلى رافدين، رافد يمر من أرض فارس ليصب في البحر تجاه البحرين، وتمر السفن التي تتجه إلى البحرين والجزيرة العربية من ممر نهر دجلة، أما ساحله الجنوبي فيمتد إلى قطر وعمان وشحر ومسقط وحضرموت ليصل إلى عدن. والرافد الآخر لنهر دجلة يميل يميناً ويصب في البحر من أرض إيران. لتكون عبادان كالجزيرة بين ذينك الرافدين.
وأهم مدينة إيرانية ساحلية هي (مهروبان) أو (مهرويان) بالياء ووردت في بعض النصوص القديمة (ما هي رويان) وأحياناً (ما هي روبان). أما ياقوت الذي ذهب بنفسه إلى هناك، وسمع اسم المدينة تلك من أهلها فقد أورد اسمها (مهروبان) بالباء، ولعلها كانت في الأصل (ما هي روبان) وهي كلمة مركبة من (ماهي) أي السمك (وروبيان) أي القريدس حسب تسمية أهالي الخليج له، و(ما هي روبان) أي المكان الذي يؤخذ منه السمك والقريدس.
ثم يقول ياقوت إن (حمزة الأصفهاني) قال: وبعد (مهروبان) يسمّى البحر (زراه افرنج) وقد جاءت هذه الكلمة في بعض نسخ (معجم البلدان) (در راه أفريك أو افريق). وأظن ان كلمة أفريك أو أفريق هي تحريف لكلمة الإفرنج نفسها، وأن افرنج مأخوذة من كلمة (أورنج) أي النيلي والأزرق الغامق وهو لون الماء، ذلك لأن (آو) و(آب) تعني في الفارسية (الماء) وأصل الكلمة كان (آبرنك) أو (آورنك) ثم صارت (أورنغ) وكتبت افرنغ أو افرنج. وكلمة (دراه) هي كلمة (زراه) والجملة كلها تعني البحر النيلي أو البحر الأزرق الغامق.
ثم يضيف ياقوت: ثم إن البحر قد أخذ شكل خليج، ويعود إلى الشمال حتى يصل (ابله) ومياه البطيحة أي أهوار ومستنقعات العراق، ثم يكمل طريقه من (مهروبان) إلى (جنابة) جنوباً أي (غناوه) الحالية، ثم يصل إلى جزيرة خارك.
وفي أرض إيران يتجه من (سينيز) ثم (نجيرم) و(سيراف) ومن هناك إلى جزيرة (لارو) إلى قلعة (هرموز) تجاه جزيرة (قيس بن عميرة) وهي أكثر جزر هذا البحر عمراناً، وهي الآن مقر لسلطان البحر الذي يجري أمره في كل مكان. وأمام مدينة (هرموز) هناك جزيرة كبيرة اسمها جزيرة (جاسك) ثم تأتي مدينة (تيز) على ساحل (مكران). وعليه فإنّ بحر فارس وبحر البحرين وبحر عمان بحر واحد شرقه أرض إيران، وغربه أرض الجزيرة العربية، وطوله من الجنوب إلى الشمال (170) فرسخاً.
وكما قلت آنفاً إن طول الخليج الفارسي حالياً (900) كيلومتر، ومساحته تعادل (287000) كيلومتر مربع. وإذا كان كل فرسخ يعادل (6) كيلومترات، فإن (170) فرسخاً التي ذكرها ياقوت تساوي (1020) كيلومتراً، والفرق بين (900 و1020) يساوي (112) كيلومتراً، ولعله الفرق بين الحساب الدقيق الحالي مع الحساب التخميني السابق.
حصلت تغييرات في أسماء موانئ وجزر الخليج الفارسي خلال هذه المدة التي اتّضحت لنا جغرافيتها التاريخية. من جملة ذلك اسم (هرمز) الذي جاء في الكتب القديمة (هرموز) أو (أرموس). واسم جزيرة قشم الذي كان قديماً (لافت). وجزيرة (ابر كاوان) أصبح (بركاوان). وجزيرة الشيخ شعيب الحالية التي كانت تسمّى بجزيرة (لاوان) أو (لاو) أو (لان) أو (لار)، ويبدو أن (لان، لار) محرفان عن (لاف، لاو) وقامت شركة النفط الوطنية بإعادة اسم هذه الجزيرة أخيراً إلى اسمها القديم (لاوان) وهو أمر محمود حسب رأيي.
سعيد النفيسي
***
الجـفـــر
الجفر كلمة باتت تستبطن في طيَّاتها معنى الغيب، ومنها ينطلق الكثير من الناس ليتحدثوا عن المستقبل، لكن حينما تسألهم عن معنى الجفر هذا تجد أمامك أجوبة مختلفة تدل على عدم التتبع وقلة الإطلاع.
ـ فبعضهم يرشدك إلى خطب لأمير المؤمنين علي عليه السلام لا تمت إلى الجفر بصلة.
ـ وبعضهم يرشدك إلى كتاب سمي «الجفر» ونسب للإمام علي عليه السلام، لكن حينما تقرأه تتفاجأ بأن مضمونه ادعاء كشف وشهود ثم رؤيا لأمير المؤمنين عليه السلام انبثق منها ظهور أسرار فكتب ذلك الكتاب.
ـ وبعضهم يرشدك إلى كتاب سمي «بالجفر» أيضاً ونسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام والمفاجأة فيه أن المصدر الذي اعتمد عليه الكاتب في كتابه هذا هو خطبة للإمام علي عليه السلام كتبها حفيده الإمام الصادق عليه السلام الذي كان حاضراً أثناء الخطبة، مع العلم أن بين شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وولادة الإمام الصادق عليه السلام أربعين سنة.
ـ وبعضهم يرشدك إلى كتاب سمي بالجفر أيضاً لكنه لم ينسب لأمير المؤمنين بل جمع من عدة كتب وهو ينطلق أيضاً من رؤيا رآها المؤلف)[1041](.
إن ما تقدَّم قد ينطلق منه البعض كمؤشر لعدم وجود الجفر المدَّعى وأنه من نسج خيال الباحث عن أمور الغيب، لكنَّ الأمر ليس كذلك فالجفر حقيقة وردت في نصوص معتبرة نضيء البحث على عناوين أساسية فيه فيما يلي:
معنى الجفر
أُطلق لفظ الجفر في معاجم اللغة على معان أربعة هي:
1 ـ ولد الشاء (جمع شاة وهي الواحدة من الغنم) وقد خصَّه البعض بوالد الشاء الذي عظم واستكرش واتسع جنباه، وخصه آخرون بولد المعز الذي بلغ أربعة أشهر واتسع جنباه، وفصل عن أمه)[1042](.
2 ـ البئر الواسعة التي لم تبنَ بالحجارة وقيل التي بني بعضها دون بعض)[1043](.
3 ـ الصبي إذا انتفخ لحمه وصارت له كرش)[1044](.
4 ـ الجمل الصغير)[1045](.
واللافت في الأمر أن لفظ «الجفر» في الروايات عن أهل البيت عليهم السلام لم يرد بأيٍ من المعاني الآنفة، بل ورد بمعنى الجلدْ ناسباً هذا الجلد إلى الشاة تارة وإلى الثور أُخرى.
الجفر في الروايات
اختلفت الروايات في تفسيرها للجفر من دون أن يؤدي ذلك إلى تناقض بينها يسقطها أو يسقط بعضها، بل ما يؤدي إليه التحقيق أن هناك جفاراً لا جفراً واحداً وهذا ما حققناه في كتابنا، حقيقة الجفر عند الشيعة مستنتجين وجود جفار أربعة هي:
1 ـ كتاب الجفر.
ولعله هو المقصود مما اشتهر على ألسنة الناس وفي كتب الباحثين، وقد ورد ذكر هذا الكتاب في بعض الروايات، منها: ما ورد عن نعيم بن قابوس قال: قال لي أبو الحسن [يعني الإمام موسى الكاظم عليه السلام]: «علي أكبر ابني، آخر ولدي، وأسمعهم لقولي، وأطوعهم لأمري ينظر الكتاب الجفر معي، وليس ينظر فيه إلا نبي أو وصي نبي»)[1046](.
ومنها: ما ورد عن سدير الصيرفي عن أبي عبد الله أنه قال: «إني نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم البلايا والرزايا، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة»)[1047](.
2 ـ 3 ـ الجفر الأبيض والجفر الأحمر
وهما عبارة عن وعاءين في أحدهما كتب مقدَّسة، وفي الآخر سلاح رسول الله وقد ورد ذكر هذين الجفرين في بعض الروايات منها ما ورد عن الحسين بن أبي العلاء، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: قلت: فأي شيء فيه؟
قال عليه السلام: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أن فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا، ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش، وعندي الجفر الأحمر، وقلت: وأي شيء في الجفر الأحمر؟ قال : السلاح وذلك أن ما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل»)[1048](.
ومنها: ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «… وإن عندي الجفر الأحمر والجفر الأبيض… (إلى أن قال) وأما الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولن يخرج حتى يقوم قائمنا، وأمَّا الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى، وانجيل عيسى، وزبور داود، وكتب الله الأول.
4 ـ جلد الثور (الجفر الأكبر)
تحدثت الروايات عن جفر رابع يخالف كتاب الجفر والجفرين الأبيض والأحمر فهو ليس جلد شاة بل جلد ثور وهو ما ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: «وأما قوله في الجفر، فإنه جلد ثور مدبوغ كالجراب فيه كُتِبَ ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة من حلال وحرام، إملاء رسول الله بخط علي عليه السلام، وفيه مصحف فاطمة عليها السلام، ما فيه آية من القرآن، وإن عندي لخاتم رسول الله ودرعه وسيفه ولواه، وعندي الجفر عن رغم أنف من زعم»)[1049](.
ونتيجة شواهد عديدة تظهر عند التأمل في الروايات)[1050]( تستقرب كون هذا الجفر هو وعاء كبير يحتوي الجفرين الأبيض والأحمر.
وبعد أن تعرَّفنا على هذه الجفار الأربعة بشكل عام ـ نلقي الضوء على هوية كلٍّ منها:
هوية كتاب الجفر
* المملي = رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
تذكر الروايات الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام أن مملي هذا الكتاب هو الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن هذا الإملاء قد حصل في أواخر حياته الشريفة)[1051](.
* الكاتب = الإمام علي عليه السلام
كما تذكر تلك الروايات أن الكاتب للجفر هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
* المحتوى = علم من الغيب.
فقد تحدثت بعض الروايات على احتواء الجفر على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
ويمكن الحديث عن العناوين التفصيلية الواردة في محتوى الجفر بما يلي:
ـ إخبار فيما يحدث للإمام علي عليه السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر أوليائه وأعدائه في كل زمان.
ـ أشراط أوان قائم أهل البيت(عج)، وأشراط تولده، وغيبته، وإبطاؤه، وطول عمره، وبلوى المؤمنين به من بعده.
ـ علامات تكون في ملك بني هاشم.
ولعله من منطلق تلك العلامات كتب الإمام الرضا عليه السلام على وثيقة العهد الرسمية التي أُجبر على إمضائها «… وقد جعلت لله على نفسي إن استدعاني أمر المسلمين، وقلَّدني خلافته العمل فيهم عامة، وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته وطاعة رسوله… (إلى أن قال) والجامعة والجفر يدلاَّن على ضد ذلك».
ـ صفة كل زمان ومكان.
ـ تفسير أشياء لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم)[1052](.
* الحجم = جلد شاة
يبدو من الروايات أن كتاب الجفر صغير الحجم نسبة إلى ما يحتويه من العلوم فحجمه لا يتجاوز جلد شاة، وهذا يقرِّب فكرة أن يكون مكتوباً بشكل خاص، وهذا يتناسب مع ما ورد فيه بأنه «لم ينظر فيه إلا نبي أو وصي نبي».
ولعلَّ ذلك لأنه يحتوي على علوم لا طاقة لغير نبي أو وصي على تحمُّلها أو أن تلك المحتويات قد يساء استخدامها من قبل غير المؤهلين للاطلاع عليها.
هوية الجفر الأبيض
بما أن هذا الجفر هو مجرَّد وعاء ـ كما تقدم ـ فالكلام الأساس في هويته يدور حول محتواه وقد ورد أنه يحتوي ما يلي:
1 ـ زبور داود.
2 ـ توراة موسى عليه السلام.
3 ـ انجيل عيسى عليه السلام.
4 ـ صحف إبراهيم عليه السلام.
5 ـ كُتبُ الله الأولى، ولعل المراد منها كتب الأنبياء، السابقين.
6 ـ كتاب الجامعة وهو ما يُسمَّى أيضاً بـ«كتاب علي».
وهو صحيفة طولها سبعون ذراعاً تحتوي على أحكام الله تعالى الشرعية من حلال وحرام إلى حدِّ الحديث عن الأرش في الخدش. وقد صرَّحت الروايات أن مملي هذا الكتاب هو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأن كاتبه هو أمير المؤمنين علي عليه السلام.
7 ـ مصحف فاطمة (عليها السلام).
وهو كتاب ليس بقرآن خاص في مقابل الكتاب العزيز بل ليس فيه حرف واحد من القرآن الكريم كما أكّدت عليه الروايات الذاكرة لهذا الكتاب. والسرّ في هذا التأكيد هو تسميته بـ«مصحف»، فقد غلب استعمال هذا اللفظ في القرآن، مع أنّ المعنى اللغوي للمصحف يعمّ القرآن وغيره، فالمصحف هو الكراسة التي حقيقتها ما جمع من الصحف (وهي ما يكتب فيها))[1053]( بين دفّتي الكتاب المشدودة)[1054](. كما نصّ عليه أهل اللغة، أي ما يعبِّر عنه اليوم بـ«الكتاب المجلَّد».
وقصّة هذا الكتاب أنّ السيّدة فاطمة الزهراء عليه السلام مكثت بعد وفاة أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وسبعين يوماً وكان قد دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل ـ كما ورد في الرواية ـ يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيِّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها. وكان عليّ عليه السلام يكتب ذلك في كتاب سمّي بمصحف فاطمة)[1055](. وقد أجاب الإمام الصادق عليه السلام عندما سُئِل عن مصحف فاطمة بقوله:
«إنّ الله تعالى لمّا قبض نبيّه دخل على فاطمة عليها السلام من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ، فأرسل إليها ملكاً يسلِّي غمَّها ويحدِّثها فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين يكتب كلّ ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً»)[1056](.
وأمّا محتوى هذا المصحف فبالإضافة إلى ما مرّ من الأخبار عن رسول الله ومكانه وبما يكون بعد الزهراء في ذرّيتها: قد ذكرت بعض الروايات اشتماله على أسماء كلّ من يملك في الأرض فقد ورد عن فضيل بن سكرة أنّه قال:
«دخلت على أبي عبد الله [أي الإمام الصادق عليه السلام] فقال: يا فضيل أتدري في أي شيء كنت أنظر قبيل؟ قلت: لا، قال عليه السلام: كنت أنظر في كتاب فاطمة ليس من ملك يملك إلاّ وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه… الحديث»)[1057](.
وقد ورد في الروايات أنّ ما يحتويه مصحف فاطمة مثل القرآن الكريم ثلاث مرّات، مع التأكيد أنّه ليس فيه من القرآن حرف واحد)[1058](، بل عنوان محتواه هو «علم ما يكون»)[1059](.
هوية الجفر الأحمر
لم تذكر الروايات محتوى لهذا الوعاء الجفري سوى سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعن الإمام الصادق عليه السلام في وصف الجفرين الأبيض والأحمر أنهما لاهابان عليهما أصوافهما وأشعارهما،
مدحوسين كتباً في أحدهما، وفي الآخر سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)[1060](.
وقد فسَّر السلاح في رواية أخرى بالمغفر والدرع والسيف)[1061](.
وقد ورد أن الذي يفتح هذا الجفر هو صاحب السيف الذي يفتحه للقتل لأنه لا يفتح إلا للدم)[1062](.
والمراد من صاحب السيف هو الإمام المهدي(عج)، ولعله لهذا سمِّي بالجفر الأحمر، إذ اللون الأحمر يرمز إلى الدم.
ومع أن الروايات لم تشر لمحتوى آخر غير السلاح إلا أن العلامة المجلسي استفاد من تعبير الإمام بـ «مدحوسين» في الرواية السابقة والذي يعني أن الجفرين مملوءان هو أنه يوجد مع السلاح كتب، إلا أن هذه الاستفادة قد يبعدها تفسير السلاح بالمغفر والدرع والسيف، كما تقدم ـ والتي تكفي مع ملاحظة صغر حجم جلد الشاه لوصفه بالمدحوس.
هوية جلد الثور
تقدم أن الأقرب في الجفر المنعوت بجلد الثور أنه وعاء كبير يحتوي الجفرين الأبيض والأحمر.
وعليه يكون محتواه هو عين ما تقدم من محتوى الجفرين السابقين.
سرُّ الجفر
بعد أن اتضح معنى الجفر الوارد في الروايات يرد تساؤل عن السر في تأكيد أهل البيت عليهم السلام على أنَّ بحوزتهم كتاباً لا ينظر فيه إلا نبي أو وصيّ نبي، أو وعاءً فيه كتب ورثوها من نبيِّهم تبدأ بكتب الأنبياء السابقين كصحف إبراهيم وموسى وتنتهي بكتب خاصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالجامعة والجفر.
والجواب على هذا التساؤل نجده في نفس روايات أهل البيت الذين أكدوا أنَّ هذه الكتب هي علامة لمعرفة الإمام الحق؛
فهي تدل على جنبة العلم الخاص الذي هو شرط أساسي من شروط الإمام وهو ما بيَّنه الإمام الصادق في حديثه لبريهة الذي سأله:
أنى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟ فأجابه عليه السلام:
«هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوها، إن الله لا يجعل حجة في أرضه يُسأل عن شيء فيقول، لا أدري»)[1063](.
والشواهد على كون هذه الكتب علامة الإمامة عديدة نذكر منها:
الشاهد الأوّل: بل الدليل الأوّل هو نصُّ من الإمام الرضا عليه السلام على كون جملة من الكتب من علامات الإمام إذ يقول عليه السلام:
«للإمام علامات: أن يكون أعلم الناس وأحكم الناس (إلى أن يقول) ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة، وصحيفة فيها أسماء أعدائه إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً، فيها ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر [و] أهاب ماعز وأهاب كبش فيهما جميع العلوم حتى أرش الخدش، وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة»)[1064](.
الشاهد الثاني: ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام وهو يتحدّث عن كيفيَّة المحاججة مع أولاد عمّه بني الحسن الذين كانوا يدّعون الإِمامة بالسؤال عن علامات هذا المنصب الذي يعدّ الجفر واحداً منها فيقول عليه السلام:
«ولو أنّكم إذا سألوكم وأجبتموهم واحتجوكم بالأمر، كان أَحبّ إليّ أن تقولوا لهم: إنّا لسنا كما يبلغكم، ولكنّا قوم نطلب هذا العلم عند من هو أهله، ومن هو صاحبه؟ وهذا السلاح عند من هو؟ وهذا الجفر عند من هو ومن صاحبه؟ فإن يكن عندكم فإنّا نبايعكم، وإن يكن عند غيركم فإنّا نطلبه حتى نعلم»)[1065](.
الشاهد الثالث: ما روي من أنّ محمّد بن عبد الله بن الحسن دعا الإمام الصادق إلى منزله، فأبى وأرسل معه إسماعيل، فقال محمّد: ما منعه من إتياني إلاّ أنّه ينظر في الصحف، فقال عليه السلام:
«إنّي أنظر في الصحف صحف إبراهيم وموسى سل نفسك وأباك هل ذلك عندكما؟!»)[1066](.
فالكلام في هذه الرواية موجّه إلى محمّد بن عبد الله الذي كان يدَّعي كونه الإمام المهدي، فالإمام الصادق عليه السلام في كلامه هذا يغمز في قناة دعواه الإمامة وكأنّه يقول له: هل عندك هذه الكتب التي هي علامة الإمامة كي تكون شاهداً على إمامتك».
هذه هي بعض الشواهد لعلاميّة الكتب لمنصب الإمامة.
تكملة الإجابة
لكن إلى الآن لم تتمّ الإجابة على ذلك التساؤل الأساسي لأَنه إلى الآن وصلنا إلى النتيجة التالية: إن الأئمة عليهم السلام قد أكّدوا على وجود الجفر عندهم لأنه علامة على الإمامة والمنصب الإلهي، فهم عندما يقولون عندنا الجفر فكأنما يقولون: «نحن الأئمة»، لكن هنا قد يُتساءل بأن طبيعة العلامة الدالة على شيء أن تكون ظاهرة للناس، لكي ينتقلوا من العلم بها إلى العلم بمدلولها، مع أن هذا لا ينطبق على كتاب الجفر لأنه ليس ظاهراً، بل هو خاص بهم بمعنى أنه لا ينظر فيه غيرهم فكيف يكون علامة يهتدي الناس بواسطتها إلى إمامتهم عليهم السلام.
والجواب يتم من خلال معرفة ميزتين في كتاب الجفر:
الميزة الأولى: أن هذا الكتاب يدلّ على علم خاص لا يمكن أن يحصِّله إنسانٌ عاديّ إذ أن طريق تحصيله منحصر بالتدخل الإلهي والعناية الربانية الخاصّين.
الميزة الثانية: أن هذا العلم الخاص موروث من النبي الأعظم عن طريق هذا الكتاب.
فبعد معرفة هاتين الميزتين يمكن القول: إن الدال على إمامة الإمام الحق هو العلم الخاص الموروث من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة كتاب الجفر، فإذا عُرِف مدّعي الإمامة بالعلم الخاص وهو يسند هذا العلم إلى كتاب الجفر الواصل إليهم من النبي، كان ذلك علامة واضحة على إمامته، من دون حاجة إلى إظهار هذا الكتاب للناس.
جماعة الخوجة الشيعية الإثني عشرية
يرجع أصول جماعة الخوجة إلى منطقة كجرات بالهند، حيث انفصل مجموعة من معتنقي المذهب الإمامي الإسماعيلي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، ثم تحوّلوا إلى المذهب الإمامي الجمعفري الإثني عشري.
يبلغ تعداد هذه الجماعة اليوم أكثر من مائة وعشرين ألفاً يتوزعون في الهند، باكستان، شرق أفريقيا، دول الخليج، كما يوجد عشرة آلاف منهم في بريطانيا، وبعض مناطق أوروبا، وأميركا الشمالية. وقد كان نزوح هذه الأعداد إلى بريطانيا إثر القهر الذي لاقوه على يد الرئيس الأوغندي السابق عيدي أمين سنة 1972م.
نظّمت هذه الجماعة أوضاعها على وفق ما يُشبه البرلمان، تُمارس فيه الانتخابات، وتنظيم الشؤون المتعلقة بأوضاع الجماعة في العالم. كما ظهرت في صفوفهم مجموعة من العلماء والمثقفين، وأصحاب الحرف من التجار والمستثمرين. ويرأس هذه الجماعة الملا أصغر علي محمد جعفر.
وتجدر الإشارة إلى أن مجموعة كبيرة من الهندوس كانوا قد تحوّلوا إلى الدين الإسلامي حدود القرن الحادي عشر الهجري، وبالتحديد أيام الحكم المغولي للهند ـ ثم توزّع هؤلاء المسلمون بين المذاهب الإسلامية، فبعضهم اعتنق المذهب السنّي وبعضهم اعتنق المذهب الشيعي الإسماعيلي. وقد انشقّ جماعة من هؤلاء الإسماعيليين الجُدد، وأصبحوا من الإمامية الإثني عشرية. وبقيت بعض هذه المجموعة التي سُمّيت بالخوجة تحتفظ بألقابها القديمة إلى اليوم رغم أن أسماءهم تبدلت إلى الأسماء الإسلامية ومن هذه العائلات (عائلة لالجي سومجي، كوكل، جيتها، والجي، رامجي، ديوجي). أما بقية العائلات فقد غيَّرت أسماءها وألقابها معاً كالعائلة التي ينتمي إليها المُلاّ أصغر، وهي عائلة آل جعفر.
المُلا أصغر
ولد الملاّ)[1067]( أصغر في مومباسا (كينيا) سنة 1936م، ودرس العلوم الدينية على يد جملة من الأساتذة هناك، كما أنهى مرحلة الدراسة الإعدادية في مدارسها الرسمية.
ولمّا تُوفي والده سنة 1960م، وكان متخصصاً بفحص العيون Optician حلّ المُلاّ أصغر محله في تسيير العمل بعدما أتقن هذه المهنة عليه.
وكان قد أصبح في هذه المرحلة بالذات من الأفراد النشطين ضمن الجماعة المحلية، ومن المشاركين الفعليين في الإشراف على مجلّة (رهبر) التي صدرت باللغة الكجراتية لمدة 17 عاماً حتى إغلاقها عام 1967م.
ونظراً لمؤهلاته الذاتية، فقد شغل منصب رئاسة جماعة الخوجة الأفريقية منذ عام 1965م.
وبعد تأسيس جماعة الخوجة العالمية في لندن سنة 1967م شغل منصب الرئاسة قرابة ثلاثة وعشرين عاماً.
وفي عام 1984م سعى لتأسيس المركز الإسلامي في منطقة ستان مور Stanemore شمال لندن.
كتب مؤلفات عديدة، كان أغلبها مناهج أشبه ما تكون بالمناهج الدراسية أو التثقيفية العامة في حقول التأريخ والسيرة والتراجم والفقه والتفسير. وقد صدر من مؤلفاته:
1 ـ تأريخ الخوجة في شرق أفريقيا.
2 ـ الزواج في الإسلام.
3 ـ بحوث في نهج البلاغة.
4 ـ ترجمة فصول من (البيان في تفسير القرآن) للإمام الخوئي، إلى الإنكليزية.
5 ـ كنتُ سجين صدام.
كما أن له عشرات الكتب المهمة بالإنكليزية كان قد نشرها دون أن يذكر إسمه عليها.
وربما يُعدّ كتابه (كنت سجين صدام) من أحسن مؤلفاته وأمتعها، بل أحسن سيرة سجّلها سجين عن نفسه في القرن الأخير، وقد نشر سنة 1984م باللغة الإنكليزية تحت عنوان I Was Saddam’s Prisoner.
وقد أشرفتُ على ترجمته إلى اللغة العربية، ونشرته ببيروت عام 1992م، وقدّمتُ له.
كان هذا الكتاب الفريد الأخّاذ حصيلة رحلة سفر بدأت من كينيا، وانتهت بالعراق عام 1982م، ولم يَدُر بخلد صاحبها أنه سيحلُّ ضيفاً هو، وزوجته في سجون بغداد لمدة أربعة شهور ويومين، وقد قرَّب مؤلفه من مساحات الرحلة، ونقل قارئه إلى عالم لا يمكن أن يراه، بل يتخيله، حيث صوّر الحياة اليومية لمجموعة من المعتقلين نفذ إلى خلجاتهم، وتفاعل مع أحاسيسهم وما يدور بأذهانهم من حكايا ربما ظهرت على فلتات ألسنتهم أيضاً.
وتُعدّ مذكرات هذه الرحلة بالإضافة إلى أنّها تصوّر الظلم والحيف في عهد هو من أسوأ عهود القهر والظلام ـ واحدةً من أهم ما سجّله أدب السجون في تأريخه الحديث.
***
جمع المُلاّ أصغر بين الزعامتين الدينية والدنيوية ضمن نطاق جماعة الخوجة العالمية، وكان قد استطاع بمواهبه المتميزة، أن يوحّد طائفة الخوجة في جميع أنحاء العالم، وأن يكون لهم مرشداً عاماً موجّهاً.
ونظراً لاتقانه العديد من اللغات، كالعربية والفارسية إلى جنب الإنكليزية والسواحلية والكجراتية والأوردية فقد أتاحت له الدخول إلى هذه المجتمعات، كما أضافت إلى ثقافته ثقافات جديدة ظهرت في أحاديثه، وخُطبه، ومجالسه العامة.
فقد كانت محاضراته التي دأب على إلقائها في المركز الإسلامي أشبه ما تكون بدائرة معارف يجمع فيها بين التأريخ، والتفسير، والرجال، والفقه.
وكانت مختاراته للأشعار في أحاديثه كالقطوف المنتفاة من خمائل الشعر سواءً أكان في اللغة العربية، أم الفارسية، أو الأوردية، أو غيرها من اللغات، مما تشهد على مهارته، ومقدرته في التأثير على المستمعين مهما اختلفت مستوياتهم الثقافية.
عاصر المُلاّ أصغر جملة من كبار المجتهدين أمثال الإمام السيد محسن الحكيم المتوفى سنة 1970م، والإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (المقتول سنة 1980م) والإمام السيد أبو القاسم الخوئي (المتوفى سنة 1992م)، وكانت له الحظوة عند جميع المراجع الآخرين. كما كانت علاقاته تُنبئ عن شخصيته المتوازنة رغم الصعوبات المعقدة التي اكتنفت هذه الحقبة البالغة التعقيد، والمركزية التي تتحكم بسير الجماعة بشكل عام.
وهو بذلك كان يتحرّك ضمن حالة ذات أبعاد في محاولة للظهور بمظهر التوازن دون أن يوقف أعماله على الحالات الجزئية التي تصرفه عن أهدافه.
أمّا مواصفاته النفسية الأخرى، التي لا يختلف فيها اثنان، فأهمّها خصيصة الزهد التي عُرف به، زهده في الشهرة، وزهده في الحياة بشكل مطلق حتى يتضح ذلك من نمط حياته ابتداءً من وسيلة النقل التي يُقلّها وانتهاءً بالدار التي يسكنها، والتي لا تمثّل إلا منزلاً متواضعاً بالنسبة لشخص مثله.
وكان في الوقت نفسه يهب العطاءات ليُشبع العوائل الفقيرة، ويتكفل بتطبيب المرضى، ويسعى لنجدة الذين شرَّدتهم طرائق المحنة.
أمّا في مجال نشر الثقافة الإسلامية والإصدارات فقد زخرت أروقة المركز الإسلامي بمجاميع من الكتب التي نُشرت في أكثر من لغة، وفي حقول تربوية مختلفة، إضافة إلى أنّه كان وراء العديد من المشاريع الثقافية والدينية حيث لم يفتأ بإسنادها مادياً ومعنوياً دون أن تكون له منّة على أحد.
كان متواضعاً في مجلسه، وملبسه، وبمقدار خدمته للناس كانت خسارة عارفيه به جسيمة. وربما لم تشهد عاصمة الضباب تشييعاً لزعيم ديني كاليوم الذي توافد محبوه لإلقاء نظرة الوداع عليه، حيث حملته الأكف في موكب قلّ نظيره يوم الثلاثاء 14 ذي الحجة 1420هـ/21 آذار 2000م.
لقد ترجّل الفارسُ عن جواده، فانطفأ ذلك السراج الوهّاج.
جودت القزويني
الجهاد في القرآن
بحث مقدم إلى مؤتمر باكوا ـ أذربيجان في الاتحاد السوفياتي حول موضوع «المسلمون في النضال من أجل السلام» الذي عقد في أيام 1/2/3 تشرين أول 1986م.
ـ 1 ـ
من الحقائق العلمية الراسخة أن عالم الإنسان، كغيره من العوالم، خاضع لجملة من القوانين، يحيا وينمو ويتطور ويتغير من خلالها ووفقاً لها. وقد بلغ من وضوح هذه الحقيقة ورسوخها أن علماً جديد بني عليها وهو علم التنبؤ بالتغيرات المستقبلية في مجتمع من المجتمعات أو أُمة من الأمم.
وقد سبق الإسلام إلى إعلان هذه الحقيقة لأول مرة في التاريخ تبين أن الأمم، والشعوب، والأجيال، والوحدات الحضارية تحيا، وتنمو وتتكامل وتنحل بموجب قوانين وضوابط وليس بصورة عفوية تلقائية أو بالصدف. وأن ذلك يتم بصورة ظاهرة يمكن رصدها ووعيها وليس بصورة سحرية أو غيبية.
قال الله تعالى: (لكل أُمّة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون))[1068](.
وهذه القوانين لا تعمل بمعزل عن إرادة الإنسان. بل أن إرادة الإنسان واختياره أساسيان في عمل هذه القوانين، قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))[1069](. وقوله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم))[1070]( ـ وغيرهما.
إن هذا المبدأ الأساس يستبطن مبدأ آخر وهو مبدأ حرية الإنسان في اختيار صيغة حياته ومسؤوليته عن عاقبة اختياره.
إن هذه القوانين هي من صنع الله (والسماء رفعها ووضع الميزان))[1071](.
ولكنها ـ كما ذكرنا ـ تعمل وتؤثر من خلال اختيارات البشر (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم))[1072]( (وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا))[1073]( (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا))[1074](.
ـ 2 ـ
يمكن أن نوضح الأطروحة الإسلامية لتفسير نشوء المجتمع السياسي، ومن ثم نشوء ظاهرة الصراع بالشكل التالي استناداً إلى النصوص القرآنية كما هو التعبير الإسلامي عن المحتوى العقيدي للإنسان في تلك المرحلة.
كانت الجماعة الإنسانية أول الأمر تحيا على الفطرة الأصلية حياة ساذجة خالية من أية تعقيدات ذات شأن وكانت تحيا على أساس التعاون، لم يكن للإنسان في هذه المرحلة «تاريخ»، وربما كانت محدودة أو معدومة الشعور بظاهرة «الزمن» التي تترافق مع استشراق المستقبل بما يتضمن هذا الاستشراق من مخاوف وآمال وتوقعات. وفي هذه المرحلة كان هناك تجانس واتساق في حياة هذه الجماعة الإنسانية في هذه المرحلة (كان الناس أمة واحدة) حسب التعبير القرآني.
ولكن هذه المرحلة من حياة البشر لم تستمر، فقد انتقلت هذه الجماعة الإنسانية، بصورة تدريجية، إلى طور جديد نشأ من زيادة العدد، ونشوء شبكة علاقات أكثر تعقيداً نتيجة للتزاوج والاشتراك ـ أو الاستقلال ـ في السعي لتحصيل القوت، وظهور أفراد متفوقين في هذا الحقل أو ذاك من حقول الحياة. لقد بدأت تظهر بسبب ذلك خلافات وكانت تحل بطريقة ما أو لا تحل، وتبقى تتفاعل، لقد بدأ يتكون للإنسان «تاريخ» وبدأ الإنسان ينظر إلى «المستقبل». وهنا بدأ الناس «يختلفون» قال الله تعالى في سورة يونس (وما كان الناس إلا أمّة واحدة فاختلفوا))[1075]( لقد أعقب ظاهرة الاختلاف نشوء ظاهرة النبوة.
ويمكن أن نعتبر أن ولادة المجتمع السياسي في الحياة البشرية اقترنت بظاهرة النبوة، فإن المجتمع السياسي بما يحفل به من صراعات وتناقضات، وبما يقتضيه من تقنين وتنظيم كان يستدعي شريعة ومنهاجاً. وقد أرسل الله الخالق المدبر الحكيم الرحيم الأنبياء لإنجاز هذه المهمة.
إن الآية التالية تتضمن بيان هذه الحقيقة عن مسيرة الإنسان، والوضيعة الإنسانية في التاريخ.
(كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين ءامنوا لِمَا اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) )[1076](.
لسنا هنا بصدد التوسع في درس علاقة ظاهرة النبوة بظاهرة ولادة المجتمع السياسي، ونشوئه من تعقيد الحياة الإنسانية وما ولد من اختلافات بين الأفراد والجماعات فلهذا البحث مجال آخر، أردنا فقط أن نشير إلى ظاهرة «الاختلاف» في المجتمع الإنساني.
ـ 3 ـ
إن «الاختلافات» تميز بين البشر، فيكون فريق مع رأي وموقف ويكون فريق آخر مع رأي وموقف مختلفين. ولا شك أن قسماً من الاختلافات أدت وظيفتها في عملية «الفرز» فأدت إلى تكوين جماعات متمايزة مختلفة، ومن ثم مجتمعات متمايزة مختلفة أخذ كل مجتمع منها مساره الخاص ونهجه الخاص في حياته وتطوره، وكانت عملية «الفرز» هي الحل لهذه الخلافات.
ولكن قسماً آخر من الخلافات بقي يعمل عمله ويستدعي حلاً. ولا نشك أبداً في أن من وسائل الحل التي استخدمت داخل الجماعة الإنسانية أو فيما بين الجماعات هي وسيلة الحرب، وكلما تقدم البشر في حياتهم، وكلما تنوعت إنقساماتهم ازدادت شبكة علاقاتهم ومصالحهم تعقيداً ومن ثم ازدادت أسباب الحروب فيما بينهم لحل مشاكل لم تفلح وسائل الحوار في حلها. منها مشاكل مادية تتعلق بالثروات والسلطة، ومنها قضايا معنوية تتعلق بالعقيدة والإيمان.
الحرب إذن، نشاط إنساني موجود في صميم الحضارة وناتج عنها، وقد غدا ظاهرة ثابتة في التاريخ البشري منذ أقدم عصور الحضارة الإنسانية لأن عوامله تتجدد باستمرار.
إنها ظاهرة أليمة ومفجعة بلا شك فهي تسبب آلاماً هائلة، وهي تسبب دماراً كبيراً لإنجازات استغرق تحقيقها زمناً طويلاً من أعمار الناس. وكثيراً ما تتسع دائرتها فتزهق أرواح كثير من الناس منهم المتقاتلون ومنهم غير المتقاتلين من السكان المدنيين.
هذه أمور ملازمة لطبيعة الحرب. ولذلك فقد نظر إليها البشر، على الغالب، بكراهية ونفور، ولكنهم كانوا دائماً يقدمون عليها أو يكرهون على خوضها لما يرونه ضرورات لا يمكن معالجتها إلا بالحرب. وقد بين الله تعالى في القرآن هذه الحقيقة في الآية (216) من سورة البقرة: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
هل هي ظاهرة شريرة أو خيرة؟ من البشر من اعتبرها ظاهرة شريرة يجب العمل للقضاء عليها في صميم عقل الإنسان وثقافته ومؤسساته، ولعل هؤلاء يمثلون أكثرية البشر.
ومنهم من اعتبرها ظاهرة خيّرة وإيجابية وضرورية لتقدم الإنسانية أو لتصفية الإنسانية في شوائبها. واعتبرها أسلوب الحياة الأمثل، ومارسها على أنها «رسالة وأنشأ لها «فلسفة» تبررها.
والحق أن الحرب في ذاتها ظاهرة أليمة ومفجعة بلا شك ولكنها لا يمكن أن توصف بأنها خيرة أو شريرة بقول مطلق. وهي ليست رذيلة أخلاقية كما أنها ليست فضيلة أخلاقية في ذاتها. أنها نشاط بشري يكتسب صفته الأخلاقية من دوافعه ومن أهدافه ويكتسب بعده الإيجابي في حياة الإنسانية وتكاملها أو دوره السلبي الهدام والشرير من طبيعة تلك الدوافع التي تحمل أمة أو شعباً على أن يخوض الحرب والأهداف التي يذود عنها أو يريد بلوغها.
فقد تكون الحرب حقاً وعملاً أخلاقياً حين يقدم عليها المحارب بدوافع نبيلة وخيّرة ويستهدف منها بلوغ غايات نبيلة وخيرة، وحينئذٍ تكون ضرورة أخلاقية لا بد من القيام بها. وقد تكون شريرة وإجرامية حين يرتكبها المحارب مدفوعاً بعوامل شريرة وعدوانية من أجل بلوغ أهداف عدوانية وشريرة.
ـ 4 ـ
من هذه الرؤية الموضوعية لمسألة الحرب ننطلق لنواجه مسألة «أخلاقية» الحرب من أساسها، وهي مسألة كانت مطروحة دائماً ـ كما أشرنا ـ ولكنها طرحت بشكل حاد في العصور الأخيرة، بعدما تطورت آلات الحرب وأسلحتها وأساليبها إلى أشكال ومستويات غدت تسبب من القتل والآلام البشرية والدمار ما يتجاوز آثار وتكاليف الحرب في الماضي بمئات الأضعاف وربما بألوف الأضعاف. لقد تعاظمت في العالم الدعوة إلى «السلام» ونبذ الحرب. وتشكلت لذلك هيئات إقليمية ودولية، وتشكل تيار ثقافي كبير يخدم هذه الفكرة ويدعو إليها.
وقد اعتبر «الدين»، في هذه القضية إحدى أعظم القوى الثقافية التي ينبغي أن تدعم فكرة السلام وأن تدين كل توجه إلى الحرب وإلى الإعداد لها بالسلاح أو بالسياسة أو بالفكر. إن الدين يجب أن يركز دعوته على فكرة السلام، وأن يربي أتباعه على حب السلام والعمل له وعلى كراهة الحرب ونبذها، لأنها عمل شرير لا يجلب إلى البشر والحضارة سوى الدمار والموت، وينمي في الإنسان العواطف والأخلاق السيئة والكريهة كالعداء والحقد.
لقد صادفت هذه الدعوة إلى السلام وهذا الموقف من الحرب، موقفاً غربياً تاريخياً من الدين الإسلامي يقوم على نقد الإسلام ومن ثم إدانته والطغي فيه استناداً إلى تشريع الجهاد في الإسلام. فالإسلام عند هؤلاء دين يحبذ الحرب، ويربي أتباعه على اعتناق فكرة الحرب وممارستها. ويقولون: إن جانباً كبيراً من تاريخ الإسلام قام على النشاط الحربي، وكانت الحرب هي الوسيلة الأولى لانتشار الإسلام، حيث أن المسلمين شنّوا الحروب على الشعوب والدول التي لم تعتنق الإسلام وأدخلوها في الإسلام بقوة السيف أو فرضوا عليها سلطانهم وأخذوا منها الجزية. وهكذا فإن الإسلام بتشريعه للجهاد، والمسلمين بممارستهم الحربية وفقاً لهذا التشريع قد انتهك أحد أبسط وأظهر الحريات الإنسانية الأساسية وهي حرية الاعتقاد التي هي من أقدس الحقوق الإنسانية.
إن هذا الموقف نتيجة لنهج وكتابات وتعاليم ومناهج التبشير المسيحي الغربي (بوجه خاص) ضد الإسلام والاستشراق ـ الذي يلتقي مع التبشير المسيحي غالباً وكذا يلتقي غالباً، بل ويخدم ـ مع اهداف دوائر الاستعمار الغربي في العالم الإسلامي، ويخدم في كثير من الحالات أهداف الصهيونية العالمية في العالم الإسلامي.
إن هؤلاء يضربون مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه الدين بالمسيحية والتزامها نهج السلام ودعوتها إليه، وعدم تبريرها لأي حرب وكذلك البوذية وغيرها من الديانات التي يقول هؤلاء أنها تحقق رسالة الدين في التزامها لنهج السلام.
ـ 5 ـ
كما قلنا في أول هذه الفقرة، فإننا ننطلق للإجابة على مسألة أخلاقية الحرب ومن ثم للإجابة على النقد الاستشراقي ـ التبشيري الذي يوجه إلى الإسلام من الرؤية الموضوعية التي عرضناها لمسألة الحرب، فقد رأينا أن الحرب نشاط إنساني وجد في صميم الحضارة منذ نشوئها، وفي جميع صيغها، مارسها البعض كضرورة كريهة، ومارسها البعض كواجب ثقيل ومارسها البعض كرسالة نبيلة. مارسها الجميع، وفي جميع العصور.
ورأينا أن الحرب ينبغي أن تستمد صفتها الأخلاقية من دوافعها ومن أهدافها ووفقاً لطبيعة الدوافع والأهداف يمكن الحكم عليها بأنها خيّرة أو شرّيرة، أما الحكم عليها بأنها خيرة بقول مطلق أو شريرة بقول مطلق فهو شطط في القول مخالف للواقع.
وانطلاقاً من هذا فإن جملة من الأسئلة الأساسية عن الحرب وعن السلام أيضاً تفرض نفسها، ومنها يتبين مدى ما في النقد الموجه إلى الإسلام من دقة علمية ومن إنصاف.
ترى ما الذي يفعله الإنسان الفرد، أو الجماعة، أو المجتمع السياسي والدولة إذا هوجم من قبل قوة مسلحة معتدية من قبل دولة أو جماعة أخرى، وتعرضت حياته أو حريته أو أمواله أو أرضه أو كرامته للعدوان والانتهاك والغصب والسيطرة؟ ما الذي يفعله المجتمع السياسي والدولة أمام دولة أخرى مدججة بالسلاح، تدعي التفوق العنصري وتريد أن تفرض سلطانها ووصايتها على شعوب أخرى؟ هل يدافع هذا الإنسان، أو الجماعة أو المجتمع عن نفسه ضد المعتدي أو يستسلم له ويخضع ويسلّم إليه مقاليد أموره معترفاً بدعواه تحت شعار «حب السلام ورفض الحرب» فهل يكون موقفه هذا أخلاقياً ونبيلاً؟ وما هي القيمة الأخلاقية لهذا السلام إن صح تسميته سلاماً. وإذا دافع عن نفسه وحارب المعتدين عليه فهل يكون قد قام بعمل غير أخلاقي، هل يكون دفاعه عن نفسه ـ من الناحية الأخلاقية ـ عملاً شريراً ورذيلة ينبغي أن ينزه الإنسان نفسه عنها؟
ما هو الموقف الذي كان على شعوب أوروبا وآسيا وغيرهما أن تتخذه من العسكرية الألمانية والفاشية واليابانية؟ ما هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المسلمون ـ عرباً وغيرهم ـ من الكيان الصهيوني في فلسطين؟ ما هو الموقف الذي ينبغي على شعب جنوبي أفريقيا أن يتخذه من حكومة البيض العنصرية هناك؟ ما هو الموقف الذي يتعين على اللبنانيين أن يتخذوه مقابل الاحتلال الإسرائيلي؟ هل كان على هؤلاء أن يرفعوا شعار السلام ويسلموا أمرهم للمعتدين عليهم؟
لو أن العالم سمح لهتلر وحزبه وموسوليني وحزبه ولعصبة الحرب اليابانية أن ينفذوا مخططهم ضد العالم ما كان سيحدث؟ بالتأكيد لم تكن لتقع الحرب العالمية الثانية، ولكن هل كان يسود السلام؟ ما هو السلام؟ هل هو مجرد عدم الحرب؟ أو أنه شيء آخر أكثر من مجرد عدم الحرب؟ إن الذي كان يسود العالم لو أنه لم يتصد أحد للدفاع هو لون من أبشع ألوان العبودية لمئات الملايين من البشر في أوروبا وأفريقيا وآسيا، وأبشع ألوان الطاغوت من قبل عصابات تسيطر عليها خرافة التفوق العرقي وتسحق حتى شعوبها هي؟ إذا سمينا حالة عدم الحرب الناشئة من الاستسلام لإرادة المعتدين سلاماً. فما هي القيمة الأخلاقية لوضع كهذا؟ ما هي القيمة الأخلاقية لوضعية تلغي الكرامة الإنسانية وتحوّل الإنسان إلى عبد؟ لا شك في أن وضعية كهذه مجردة من أية قيمة أخلاقية على الإطلاق. ما هو السلام؟ إن السلام ليس مجرد عدم الحرب. إن السلام هو محصلة مجموعة من الأوضاع الإنسانية من جملتها عدم الحرب، ويضاف إليها كرامة الإنسان وحريته وسيادته، بمعنى عدم خضوعه للطاغوت، وتوفر الإمكانات لازدهاره وتطوره وغير ذلك.
أردنا بهذه التساؤلات أن نضيء المسألة من جميع جوانبها. وهي تكشف لنا بوضوح أن شن الحرب بدوافع عدوانية ولتحقيق أهداف غير مشروعة تنتهك حرية وكرامة المعتدى عليهم ومن أجل السيطرة على الناس والأرض والموارد الاقتصادية هو عمل غير أخلاقي والحرب في هذه الحالة رذيلة وعمل من أعمال الشر الشنيعة. ولكن الحرب التي يقوم بها هؤلاء المعتدى عليهم أو المهددين بالعدوان دفاعاً عن وجودهم وأرضهم وأوطانهم وممتلكاتهم وكرامتهم وحريتهم لا يمكن أن توصف بنفس الوصف ولا يمكن أن نصدر عليها نفس الحكم. إنها بالتأكيد عمل أخلاقي نبيل وشريف وواجب الأداء. إن رد العدوان ليس حقاً للمعتدى عليه، وإنما هو واجب مقدس. ويتمتع بأعلى المميزات الأخلاقية. والتخلي عنه هو انحطاط في القيمة الإنسانية وهو عمل غير أخلاقي.
إن الإسلام في هذه الحالة يوجب على المسلمين الحرب الدفاعية، ويعتبر أن التخلي عن الدفاع خيانة ومعصية كبرى. ويحرم عليهم الاستسلام والخضوع للطغيان والعدوان بحجة ضرورة المحافظة على السلام، لأن الأمر في هذه الحالة لن يكون سلاماً فالسلام ـ كما قلنا ـ ليس مجرد عدم الحرب ـ وإنما هو استسلام وخضوع للطغيان، وهو مناقض لأبسط مقتضيات الإنسانية وليس له أي مبرر عقلي أو أخلاقي عند أحد من البشر.
إن مجرد عدم الحرب نتيجة للاستسلام للمعتدي، ونتيجة للخضوع للطاغوت، ليس سلاماً أنه حرب مستمرة من طرف واحد طاغ وشرير ضد طرف مستسلم «غير مسالم». إن الأمر الأخلاقي (في) المشروع الوحيد في هذه الحالة هو الدفاع ضد المعتدي وضد طغيانه ما دامت هناك إمكانية للإنتصار، أو لرد العدوان بأية درجة ممكنة، فهذا الموقف موافق لحقيقة السلام دون الاستسلام. نعم عندما يكون الموقف يائساً ولا يكون ثمة إمكانية لرد العدوان، ويكون الدخول في الحرب المعلنة ضد المعتدي انتحاراً جماعياً للشعب فإن الدفاع بالحرب غير واجب ولكن لا بد من التماس سبل أخرى للدفاع ضد المعتدي.
ـ 6 ـ
مبدأ السلام في الإسلام
السلام مبدأ أساس في العلاقات الدولية والإنسانية في الإسلام. والحرب أمر طارئ تقضي به ضرورة الدفاع عن النفس أو عن الشعوب أو الجماعات المظلومة عندما تعتدي القوى والأنظمة الكافرة على المسلمين أو تمارس الظلم والعدوان على المستضعفين.
وقد صرحت طائفة من الآيات بأن الإسلام يؤثر السلام كلما أمكن ذلك ولا يتشبث بالحرب. ونعني بالسلام: العلاقات الإنسانية والدولية السلمية القائمة على العدل والتكافؤ والاحترام، وليس بأي معنى كان بما في ذلك علاقات الخضوع والإذعان والتبعية للقوى والأنظمة الكافرة، فإن هذا ليس سلاماً ولا يقر الإسلام الالتزام به كلما أمكن رفضه على قاعدة قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً).
1 ـ من الآيات الدالة على هذا المبدأ الأساس في الفكر والشريعة الإسلاميين قوله تعالى في سورة النساء: (والصلح خير) )[1077](.
وهي تعبر عن قاعدة مطلقة في العلاقات الإنسانية والدولية.
2 ـ ومن الآيات في هذا الشأن قوله تعالى في سورة البقرة:
(يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة) )[1078](.
3 ـ ومنها قوله تعالى في سورة الأنفال:
(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) )[1079](.
وهذه الآية في مورد نبذ العهد إلى الكفار والاستعداد لحربهم حين تبدو منهم بوادر الغدر بالمسلمين، فما لم تقع الحرب تعطى إمكانات السلم جميع فرص النجاح، فإذا أبدى الكفار رغبتهم في السلم فإن على المسلمين أن يستجيبوا لهذه الرغبة. أما إذا وقعت الحرب فإن الاستجابة إلى دعوة السلم من الكفار لا تعود ملزمة للمسلمين بعد أن تعرضوا للغدر والعدوان.
إن قبول دعوة السلم أو رفضها مرهون بظروفهم وقدرتهم على الاستمرار في الحرب، ومقتضيات أمنهم كمجتمع سياسي. ولكن لا يجوز لهم في هذه الحالة أن يدعوا إلى السلم. وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة (35) في سورة محمد(ص):
(فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم)
محمد مهدي شمس الدين
الجواهر المصفوفة
في فضائل الكوفة
الكوفة
في المأثور: (الكوفة، جمجمة العرب، ورمح الله، وكنز الإيمان).
وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: (الكوفة كنز الإيمان، وحجة الإسلام، وسيف الله ورمحه، يضعه حيث شاء).
والذي نفسي بيده، لينتصرن الله بأهلها في شرق الأرض وغربها، كما انتصر بالحجاز.
وقال سلمان (رضي الله عنه): (أهل الكوفة أهل الله، وهي قبة الإسلام يحن إليها كل مؤمن)
حسين علي محفوظ
بسم الله الرحمن الرحيم
الكوفة الروحاء ما أدراكا
ها هي، قد طاولت الأفلاكا
الكوفة الشماء بند العسكر
عرّيسة الليث الهصور القسور
وكوفة الجند المساعير الربط
معرّس الحُمس المغاوير الفُرُط
مربع أهل البيت والقرابه
والصفوة الغرّ من الصحابه
البلدة المريئة المريعه
المشرب البارد والشريعه
منتجع غض وماء عذب
مرتبع رطب وعيش خصب
كأنما نسيمها العبير
كأنما رضراضها الكافور
الماء يأتي الأرض عفوأً صفوا
ويجعل المرعى غثاء أحوى
كنز الإيمان حجة الإسلام
قُلّةُ كل بهمة مقدام
جمجمة العرب سيف الله
ليس له في الطعن من مضاهى
ورمحه يضعه حيث يشا
ويفعل الله العزيز ما يشا
وقبة الإسلام دار حيدر
مأوى ولي الله ساقي الكوثر
ينتصر الله بأهلها الغرر
فهم موالي حيدر خير البشر
واهلها الحيار أهل الله
بهم ملائك السما تباهي
إيوان دين الله يسبكر
وقبة الإيمان تشمخر
يحن كل مسلم إليها
يفد كل مؤمن عليها
رابعة المساجد المعظمه
فوح شميم مكة المكرّمة
ودار هجرة الوصي حيدر
وبيته المنوّر المطهّر
مثواه بعد يثرب المحبوبه
خيرة البلاد بعد طيبه
أحب بقعة إلى النبي
روضة حيدر، ثوى علي
ومسجد الكوفة في المساجد
من أرفع البيوت والمعابد
ما مسجد أبين فضلاً منه
قل ما تشا فيه، وحدث عنه
في مجسد الكوفة صلى الأنبياء
ألف نبي وكذاك الأوصيا
فيه عصا موسى وتلك آيه
وهي لعمري غاية النهايه
وعنده الشجرة اليقطين
والحق والإيمان واليقين
وفار في الزاوية التنور
وسجرت في أرضه البحور
يغوث فيه ويعوق هلكا
يزاحم الفلك فيه الفلكا
وفيه بورك مصلى نوح
مسرة النفس ورَوح الروح
وشيخ آل الله إبراهيم
كان به مؤوباً يقيم
يحشر من رُحبه المطهره
سبعون ألفاً شهداء برره
ليس على المؤمن من حساب
في لوحه المحفوظ والكتاب
وروضة وسطه وجنّه
عالية روحاء مطمئنه
وانفجرت فيه ثلاث أعين
كالمزن في اليوم المطير تهتن
يطهّر الله بها تطهيرا
يتبّر الله بها تتبيرا
محرابه يطاول الضراحا
رحبه تروّح الأرواحا
مسجده مرجّب محرّم
مشهده مبجّل معظّم
بوركت الكوفة ست الأمكنه
بفوح ذكرها تطيب الأزمنه
(يا حبذا مقالنا بالكوفه)
(أرض سواء سهلة معروفه)
سلسلها عذب فرات كوثر
ختامه مسك ونَدّ عنبر
وروضها المئناف عدن أخرى
تأرج طيبا وتضوع عطرا
وهذه العبقة من شميمها
وهذه الخرزة من نظيمها
وهذه النفحة من أنفاسها
وهذه الآسة من غراسها
***
والحمد لله على النعماء
عدَدَ ما في الأرض والسماء
سبحانه ما هبّت الرّياح
وما طوى سيدْلَ الدجى صَباح
حسين علي محفوظ
تمت هاتان الأرجوزتان بحمد الله ومنه، وقد كتبتها امتثالاً لأمر ناظمها، سبط أهل البيت عليه السلام ومن تخلّق بخلقهم وتمسّك بحبلهم، الأستاذ الشيخ الدكتور حسين علي محفوظ ـ سلّمه الله.
وأنا الحقير الآثم عبد الكريم آل الحاج غانم، الدبّاغ الكاظمي، راجياً من الله القبول. ووقع الفراغ من كتابتها، غرّة شهر رجب الأحب 1419هـ/تشرين أول 1998م.
جورجيا
جورجيا حالياً بلد في القوقاز يجاور أرمينيا، وهي أول ولاية تابعة لإيران تعرضت لهجوم القوات الروسية واحتلالها في بداية القرن (13) الهجري. وفصل عن إيران ليضم إلى الأراضي الروسية. وخلافاً لأرمينيا وشروان وأران وداغستان وباقي ولايات القوقاز فإن جورجيا أو جرجيستان لم يرد اسمها في المصادر الجغرافية القديمة، ولم تكن تعد ولاية مستقلة. فحتى (تفليس) التي جعلها الروس عاصمة لجورجيا كانت في تلك المصادر من مدن آران.
ذكر (ابن حوقل) في كتابه (صورة الأرض) في القرن الرابع الهجري «تفليس مدينة أصغر من باب الأبواب، ولها سور من الطين وثلاثة أبواب، وهي مدينة منعمة وذات بركة ورخيصة الأثمان، وتتفوق على المدن المشابهة في هذا المجال. ونقل أحد الأشخاص أن كل (20) رطل من العسل تباع فيها بدرهم واحد. وهي مدينة حدودية مهمة ولها أعداء كُثر، وفيها حمامات ذات ماء حار طبيعي دون إشعال نار كما هو الحال في حمام طبرية. وتقع تفليس على شاطئ نهر كر، ويستخدم أهلها ماء النهر في تشغيل مطاحن القمح، كمطاحن الموصل والرقة وغيرها على دجلة والفرات [هذه المدينة حالياً بيد الجورجيين، وفي العشرة الأخيرة من عام 500 احتلوها، ورغم أن ملك جورجيا كافر لكنه يراعي أهلها ويذب عنهم الأذى، وما يزال شعار الإسلام مرتفعاً فيها، ويحافظ على المسجد الجامع من أي معتدٍ، وينار بشمع وقناديل يقدمها الملك، ويرتفع صوت الأذان من كل المساجد، دون أن يمنعه أحد، وقد اختلط المسلمون بالجورجيين]» )[1080](.
(الاصطخري) بدأ سفره في القرن الهجري الرابع لدراسة المدن والبلدان في نفس زمان (ابن حوقل) ولم يذكر إسم جورجيستان أو جورجيا، بل تحدث باختصار عن (تفليس) وذلك في هامش حديثه عن أرمينيا وآران وآذربايجان)[1081](.
وكتب (المقدسي) في القرن الرابع أيضاً وصفاً لتفليس دون أن يذكر جورجيستان، واعتبر أن تفليس مدينة من توابع العاصمة برذعة)[1082](. وتحدث عن تفليس بإيجاز قائلاً: «تفليس قرب جبل، ويشقها نهر كر، ويرتبط قسميها بجسر، جدرانها من الصخر ومغطاة بالخشب»)[1083](.
وعندما يتحدث (المقدسي) عن أرض الرحاب أو القوقاز يصل آران فيعتبرها أحد أقسام (رحاب) ويقول: «بردعة هي عاصمة آران، والمدن التابعة لبردعة هي: تفليس، قلعة، ختان، شمكور، جنزة و…»)[1084](.
(القزويني) أيضاً لم يذكر أرضاً أو ولاية باسم جرجيستان، بل تحدث عن تفليس فقال: «تفليس مدينة مشهورة يحتلها أهل الإسلام، وليس بعدها ولاية مسلمة. وهي مما بناه أنوشيروان، وقد بنى حولها إسحاق بن إسماعيل قلعة متينة. ويمر في وسطها نهر كر، وبعض أهلها من المسلمين وأكثرهم من النصارى. فمن ناحية يرتفع أذان المسلمين، ومن ناحية أخرى يدق ناقوس النصارى. واليها من النصارى، ويتداول فيها دينار يسمى بربرة»)[1085](.
لدينا رسالة من (يعقوب بيك آق قونيلو) تمثل خطاباً إلى السلطان العثماني في تقريع الشيخ حيدر الصفوي، في هذه الرسالة يذكر (خان آق قونيلو) سفر (الشيخ حيدر) العسكري لغزو (جورجيا))[1086](.
إذا أردنا أن نبحث عن تاريخ كلمة (جورجيا) في المصادر التاريخية، فإنه لن يمتد إلى ما قبل عصر التركمان وبدء تأسيس السلالة الصفوية)[1087](. حيث استعمل لفظ جرجستان في رسائل الشاه عباس الصفوي إلى الشاه سليم كوالٍ لجرجستان، لكن ذلك لا يعني وجود أرض بهذا الإسم قبل ذلك مثل القوقاز وأرمينيا وآران وآذربايجان وشروان في عهد (آق قونيلو) أو الصفويين، بل يمكن الاستنتاج من عدم وجود إسم جرجيستان في المصادر الجغرافية للعصور المتقدمة وحتى المتأخرة أن إطلاق هذا الإسم على المناطق التي يقطنها الجورجيين كتفليس وكاخت وكارتيل كحد أقصى هو إطلاق سياسي وقومي وليس جغرافياً. وبعبارة أوضح فإن الحكام والملوك بدأوا منذ القرن التاسع الهجري باستخدام عبارة جرجستان في نصوصهم الرسمية دون أن يكون هذا الإسم لأرض خاصة أو صاحب تاريخ معين وواضح.
وقد حصل ذلك في باب (داغستان) أيضاً دون أن يكون لها ماضٍ جغرافي. إذاً يمكن القول أن جرجيستان ليس لها ماضٍ جغرافي أو أرض محددة، كما إن ماضيها السياسي والقومي لا يتعدى عهد (آق قونيلو).
ومع توسع سيادة الصفويين إلى القوقاز، والضرورات السياسية لهذه السلالة، ورغم أن جرجيستان تعد إلى جانب خوزستان وكردستان ولرستان كأحد الولايات الإيرانية الأربعة، لكن بالإلتفات إى أن المناطق التي يقطنها جورجيو القوقاز كانت مقسمة بين إيران والدولة العثمانية، وكانت السيادة الصفوية تصل إلى تفليس، ومعظم ولاة تفليس يعينهم البلاط الصفوي)[1088](. لذلك يمكن الاستنتاج أيضاً أن استخدام كلمة جرجيستان في النصوص الرسمية الصفوية كان يعني ولاية محددة إلى جانب ولايات خوزستان وكردستان ولرستان، وأن الحد الأقصى يدل على وضع هذا العنوان وجعله من أجل تحديد سياسي للمناطق التي يقطنها الجورجيون، وليس له دلالة على قدمته وتحديد جغرافي لكلمة جرجيستان.
كما إنه في هذا العهد الذي دخلت فيه كلمة جرجيستان النصوص التاريخية كان هذا العنوان يدل على:
1 ـ تحديد منطقة عيش قومية معينة، وليس لأرض ذات حدود معينة منذ القدم أو منذ العهود الوسطى.
2 ـ إنه مساحة سياسية غير محددة تدل عادة على تفليس والمناطق التي قطنها الجورجيون تحت السيادتين الإيرانية والعثمانية. لكن جرجيستان لم تعرف بعد العهد الصفوي في المصادر الجغرافية والثقافة العامة لمنطقة القوقاز كأرض ذات حدود معينة قومية وطبيعية وليست ذات حدود سياسية. لكن على أي حال لا ينبغي التغاضي عن أن الاستعمال السياسي لهذا ألإسم، منذ عصر (آق قونيلو) وانتشاره في العهد الصفوي كانت الأرضية لتحديد مساحة باسم جرجستان، ثم تعميم هذه الحدود السياسية إلى مساحة وأرض معينة ومحدودة محورها ومركزها تفليس.
وإذا اعتمدنا الأوامر الصادرة من البلاط الصفوي حول جرجستان ملاكاً لنا، يمكننا القول أنه هذه الفرامين حين صدورها كانت تنظر إلى جرجستان كمنطقة يقطنها الجورجيون ومركزها تفليس، دون أن تعني جميع المناطق في ولاية جورجيا اللاحقة وما أضحى تحت سيادتها السياسية. وبعد ذلك لم تعد (تفليس) أحد مدن (برذعة) أو جزءاً من (آران).
من الجدير ذكره هنا أنه خلال العصر الصفوي والنزاع بين إيران والعثمانيين لم تكن جرجيستان أرضاً واحدة، بل كانت قسمين هما: جرجستان الإيرانية وجرجستان العثمانية.
لا شك أن الظروف السياسية التي أوجدها العصر الصفوي والعثماني واستخدام مصطلح جرجستان كان مقدمة لتعيين واتصال المدن التي يقطنها الجورجيون مع بعضها خلال العهدين الصفوي والقاجاري، وميزها عن أرمينيا وداغستان من خلال المعاهدة التي وقعت بين (كاترين) وحاكم تفليس الذي كان يطلق على نفسه لقب حاكم جرجيستان، ثم المعاهدة بين (أراكلي خان) مع (ألكساندر) أمبراطور روسية الثاني. في ظروف كان يسعى الروس فيها لضم جرجستان لروسيا. عندها فقط ثبت إسم جرجستان كسيادة سياسية.
وعندما استولى الروس على (تفليس) وأخضعوا جميع المناطق التي يقطنها الجورجيون لطاعتهم، قاموا بتعيين حاكم روسي لتفليس، ومنحوه لقب حاكم جرجستان والقوقاز. ومنذ ذلك الحين أضحت جرجستان مساحة جغرافية محددة، لكن جذور وجودها التي انبثقت تدريجياً منذ عهد (آق قونيلو) ثم العصر الصفوي وما تلاه بدأت بالتلاشي. ودولة جورجيا الحالية بماضيها الجغرافي المتحرك وغير المتمركز جعلها تتحدد في إطار أرض محددة تاريخية وقديمة، يحدّها من الشمال والشرق روسيا الفدرالية، ومن الغرب البحر الأسود، ومن الجنوب جمهورية آذربايجان وأرمينيا وتركيا.
جرجيستان وتفليس أو جورجيا الحالية كانت خلال العهد القاجاري تعرف بالمواصفات التالية: «تفليس وتبي ليس واتوبليس، وتعني كلها في اللغة الجورجية الحار. وكان يطلق على إسم مدينة تفليس قديماً إسم (تبي ليس كلاكي) وذلك لكثرة عيون المياه المعدنية الحارة داخلها وخارجها. بناها (وختانغ) ملك جرجيستان الملقب (كرك أصلان) وكان هذا الملك يسيطر على الولاية الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود، وقد بنى هذه المدينة عام 469م، المسافة بين تفليس وبطرسبورغ هي (2270) ذراع وتقع جنوب شرق البحر الأسود. والمسافة بين تفليس وبحر قزوين (240.000) ذراع وهي عاصمة جرجستان، ومساحة جرجستان 4.350.000 ذراع مربع، ويحدها من الشمال جبال القوقاز، ومن الغرب كوتائيس، ومن الجنوب الشرقي كنجة، ومن الشمال الشرقي دربند. وسكان جرجستان بين 650000 ـ 700000 نسمة. وأهم مدنها: تفليس، شلاوري، قوري. في القرن الخامس عشر الميلادي كانت جرجيستان مقسمة إلى ثلاثة ولايات هي: كارتيل، كاخت، قوري)[1089](. ويعتقد بعض المؤرخين أن اليونانيين هم الذين أطلقوا عليه إسم جرجيستان، وأطلقوا على أهلها إسم جرجس، ويقال أن جرجس تعني الفلاح، ولأن أهالي جرجستان ماهرون في الزراعة أطلق عليهم اليونانيون هذا الإسم. وأقول إن هذا القول ضعيف، لأن الجورجيون لم يكونوا مزارعين مطلقاً، ولا توجد في أشعارهم ما يشير إلى ذلك. ويعتقد البعض أن الجورجيين من مريدي سنة جورج أحد أئمة الدين المسيحي، لذلك انتسبوا إليه، وأطلقوا على أنفسهم لقب جورجيين أي المنتسبين لسنة جورج، ومع كثرة استعمال جورجيين أضحت جورجي… أما مدينة تفليس عاصمة هذه الدولة فإنها تنقسم إلى قسمين: المدينة الجديدة والمدينة القديمة… وفيها سبعة فنادق ومسجدين، ومبانٍ عالية معتبرة كالمستشفى، وفيها كنيسة كبيرة وحديقة واسعة… سكان تفليس 650000 شخص تقريباً وعدد جنودها عشرة آلاف شخص…» )[1090](.
***
حاشية على العقائد الثقافية
بين إيران وجبل عامل
التعرف إلى مسجد الشيخ لطف الله
يعد مسجد «الشيخ لطف الله» واحداً من الآثار الجميلة النادرة من عهد الدولة الصفوية. يقع هذا المسجد في الضلع الشرقي لميدان امام أصفهان، مقابل بناء «عالي قابو». هذا المسجد عبارة عن مكان للعبادة ذي قبة يختلف شكله عن المساجد الأخرى بعدد من الأمور. منها أن هذا المسجد، خلافاً لسائر المساجد، بلا صحن ولا مئذنة، ومنها أن قبته ذات طبقتين، ومن حيث الشكل واللون والأشكال التزيينية تختلف تماماً عما هي عليه في قبب مسجد «الشاه» ومدرسة «جهار باغ: الحدائق الأربع». ومنها أنه صغير المساحة، وفيه مكان تعبُّد خاص لحرم الملك.
كما أن قبلة مسجد الشيخ لطف الله تنحرف قرابة 45 درجة، وهي في ذلك مثل مسجد الشاه، لمطابقتها لمحور الميدان الأصلي الشمالي الجنوبي. إلا أن براعة الباني استطاع، بالمخطط الذي وضعه، أن يتلافى هذا الانحراف، فلا يبين للناظر، لأن القبة بنيت بشكل تُرى خلف الرأس تماماً. إن شكل المسجد الأصلي مربع، وأحد رؤوسه متصل من ناحية الغرب بالضلع الشرقي للميدان قرب باب الدخول، وتستقر بهذا الشكل رؤوسه في امتداد الجهات الأربع الأصلية، عوضاً عن أضلاع المربع. وتبدو أضلاعه بحسب الترتيب: شمال غربي، وشمال شرقي، وجنوب غربي، وجنوب شرقي. وهذا ما يجعل المحراب متجهاً نحو القبلة كغيره من المساجد، حيث استقر في وسط الضلع الجنوبي الغربي تماماً. كما أن دهليز المسجد بني بشكل زاوية قائمة، بحيث لا يلاحظ الداخل إلى المسجد بأي انحراف بالنسبة إلى الميدان.
وقد تحوّل شكل المسجد الرباعي الأضلاع في القسم العلوي إلى مثمّن الأضلاع من غير التواءات ولا عمل حزام له. كما أن القسم الأعلى ترتبط فيه القبة ذات الدائرة بساقة مدورة بشكل غير محسوس. وانحناء القبة ينسحب إلى الداخل بعد بروز كبير مفاجئ، حيث يبرز رأسها، وتبدو أنواع من التزيين الفني بهذا الترتيب. أما جدرانه الضخمة، فإن ضخامتها ترجع إلى أكثر من مترين في مراكزها الأصلية.
يرتفع سطح المسجد حوالي ست درجات عن مستوى سطح الميدان. وقد صنعت الأقسام العلوية من الأبواب والعتبات وصُفّتان على طرفي الباب من أرقى أنواع المرمر، ووُشّح كامل القسم العلوي للباب والمقدّمات بالقاشاني الآجري الملوّن المعرّق، وقد وشّيت كلها بأشكال فنية من الزهور والأفنان وأشكال فنية ظريفة وجذابة ونقوش طاووسية وكتابات نسخية ونستعليقية. وأحيطت أطراف الغرفة ببروز كأنه صواف رفيعة من جنس القاشاني الملوَّى ذي لون فيروزي، اتصلت جميعها في الأسفل بمزهريّات رخامية. كما أحيط حزام القاعة السفلي بأعمال مقرنسة جميلة من نوع القاشاني المعرّق، وصنعت نافذة مشبّكة بالقاشاني تحت المقرنسات وسط القسم العلوي من الباب. ولوّنت الأرضية الأصلية لقاشاني القسم العلوي للباب بلون أزرق، بينما حُفّت بنقوش منوعة ذات ألوان مختلفة كالابيض والأصفر والأخضر والعقيقي واللازوردي والحنّائي والأسود.
أما باب دخول المسجد فمصنوع من الخشب، ومؤلف من فردتين. وقد صُنع من قطع قطر الواحدة منه 10 سم وعرضها 1 سم وطوله 3 متر. وعلى القسم العلوي من النافذة كتابتان باللغة الفارسية وخط من نوع النستعليق؛ تحكي الأولى قصة ترميمه الذي تمّ في العهد البهلوي. أما الكتابة الثانية فقد تضمّنت العبارة: «أساس الاعتزاز في خدمة أبناء علي».
كانت الكتابة الأصلية فوق الباب من نوع القاشاني المعرّق، كتبت بالخط الثلث الأبيض على أرضية لازوردية بقلم عليرضا العباسي: «أمر بإنشاء هذا المسجد المبارك السلطان الأعظم والخاقان الأكرم، محيي مراسم آبائه الطاهرين، مروج الذهب، الأئمة المعصومين أبو المظفر عباس الحسيني الموسوي الصفوي بهادر خان، خلد الله تعالى ملكه، وأجرى في بحار التأييد فلكه، بمحمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. كتبها علي رضا العباسي 1012».
للكاشاني فوق القبة أشكال فنية، بدت بشكل فرع شجرة مع ورق ملوّى، على شريط مرسّم وشريط آجري، وكلها ملونة بالابيض والأسود والازرق على أرضية حمَّصيّة اللون، بحيث تُرسل تلألؤاً بديعاً ولمعاناً براقاً في شتى أوقات النهار، مقابل أشعة الشمس في أوضاعها المختلفة. وحول القبة وضع أشبه بطبق صيني غالي الثمن بوضع مقلوب. وقد وُزعت على أطراف ساقة القبة نوافذ مشبكة على فواصل معينة، كي يؤمّن تسرّب النور إلى داخل القاعة.
ويمنح تكسُّر النور الشمسي من النوافذ وانعكاساته على داخل المسجد نوعاً من الإضاءة اللطيفة الجذابة. وقد أعجب أحد الأدباء الأجانب من هذه الأنوار فوصف الإنسان الذي يدلفُ إلى المسجد وكأنه غارق في محيط أزرق اللون، تلمع فوق موجه أقمار مشعّة فضية.
ولون القاشاني الذي يوشّح ساقة القبة أزرق، قد طُبّع بتزيينات جميلة بالازهار والأشكال الفنية والكتابات المتآلفة الألوان والأوضاع. وقد نُقشت على أطرافها كتابات بالثلث الأبيض على أرضيّة زرقاء لازوردية، مع كاشاني معرّق سجَّلت سور «الشمس» و«الدهر» و«الكوثر». وتمت هذه الكتابات القرآنية في الفواصل بين النوافذ خُطّت كتابات بنائية سوداء وبيضاء تشتمل على أسماء الله الحسنى.
والقاشاني ذو سبعة ألوان والمعرّق والذي قاعدته لازوردية وكُحليّة يحيط بكل العُمد والأطراف وسقف الدهليز والقاعة بما يقع تحت القبة من أعلى إلى أسفل. وقد حفلت بالأشكال الزهرية والفنية والأترجات ورسومات هندسية مختلفة بألوان جميلة من الأصفر والحنائي والأبيض والأسود والذهبي. وقد زُيّنت أفاريز الطاقات الثمانية تحت القبة بالقاشاني المموّج بلون فيروزي كباقي أطراف أعالي الطاق. ويحيط بجسم القبة الداخلي من الأعلى والأسفل والنوافذ، وكذا أطراف الكوى جزء من القاشاني الملوّى والتزيينات الأخرى. كما كُتب على أطراف المحراب بالخط الثلث الأبيض على قاعدة لازوردية نوع من القاشاني المعرّق. وقد كان الخطاط علي رضا العباسي وخطاط آخر يدعى «باقر البنّاء» الذي كان يختم كل كتابة باسمه. وتشتمل هذه الكتابات على أحاديث باللغة العربية، نقلاً عن سيدنا محمد، والإمام جعفر الصادق، حول فضيلة العبادة. وكُتب على الأضلاع الشرقية والغربية أشعار بالعربية في المناجاة، ويُروى أن ناظمها الشيخ بهائي العالم المعاصر للشاه عباس الكبير.
استقر محراب المسجد في وسط الضلع الجنوبي الغربي، فكان أجمل محاريب مساجد أصفهان، وقد زُيّن بالقاشاني المعرق والمقرنسات في أحسن تركيب. وإضافة إلى الكتابات التي كانت أشبه بالحاشية المكتوبة على الأطراف كتبت في داخله لوحتان بخط النستعليق الأبيض على قاشاني لازوردي: «من عمل الفقير الحقير المحتاج إلى رحمة الله محمد رضا بن الأستاذ حسين البنّاء الأصفهاني 1028». وبعد أن نترك باب الدخول ندلفُ إلى دهليز بشكل قائمة. ومن البابين المستقرّين على ضلعَي الدهليز ندخل إلى المسجد، يُفتح أحد البابين على الضلع الشمالي الشرقي، والآخر يفتح مقابل المحراب.
وتوجد أبواب أخرى في هذا الدهليز، أحدها يوصل إلى سطح المسجد، والثاني إلى حرم المسجد الشتوي الذي يقع تحت القاعة تحت القبّة. وقد أُسند سقف الحرم الشتوي بأربعة عمد حجرية، كما يوجد في أطراف هذا الحرم رواق طويل، يمتد إلى زوايا المسجد والأقسام العليا، وكذا إلى أطراف رؤوس الطاقات العديدة.
من هو الشيخ لطف الله؟
ولما كان هذا المسجد باسم الشيخ لطف الله، فلا بد أن نعلم شيئا ًعن هذا الشيخ. فهو الشيخ لطف الله بن الشيخ عبد الكريم بن إبراهيم بن علي بن عبد العالي الميسي من سكان جبل عامل بلبنان، ومن علماء الشيعة في تلك البقعة الإسلامية. ولما كان سلاطين الدولة الصفوية قد اتخذوا التشيع مذهباً رسمياً لإيران، فقد توافد عدد من العلماء الشيعة العامليين على إيران، وكان الشيخ لطف الله والشيخ البهائي من جملتهم.
وبعد أن قدم الشيخ لطف الله إلى إيران أكرمه الشاه عباس وأعزّه. وقد اتخذ المشهد المقدّس موطناً له بادئ ذي بدء. وانشغل هناك بنشر المذهب الشيعي. وبعد أن اتخذ الشاه عباس إصفهان ـ بعد قزوين ـ عاصمة له غدت إبنة الشيخ لطف الله زوجة للشاه عباس فحلّ معه إصفهان. فأمر الشاه عباس أن يُبنى مسجد في ميدان الشاه مقابل قصره ليدرّس فيه الشيخ ويتعبد.
لقد كان الشيخ من علماء الشيعة وفقهائهم المبرّزين في عهده. وكانت له فتاوى في بعض المسائل الفقهية، وكثيراً ما علّق على كتب الأقدمين الفقهية وحشّاها وفسَّرها. دوّن المؤرخون وفاة الشيخ لطف الله في 1032هـ.ق. ومن يودُّ شرحاً أوفى عن حياة الشيخ وأحواله يمكنه أن يرجع إلى الكتب التالية:
1 ـ أمل الآمل ـ الحر العاملي.
2 ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء ـ ميرزا عبدالله أفندي الأصفهاني.
3 ـ روضات الجنات ـ محمد باقر الخوانساري.
4 ـ الفوائد الرضوية ـ الشيخ عباس القمي.
5 ـ الغدير ـ العلامة الأميني.
6 ـ ريحانة الأدب ـ ميرزا محمد علي المدرس التبريزي.
علي رضا العباسي
يعدُّ علي رضا العباسي الذي كتب أغلب الكتابات بقلمه، من أكبر وأبرز الخطاطين الأعلام في زمان الشاه عباس الكبير. كان علي رضا من سكان تبريز، ونشأ في تلك البلدة، وأتقن الخط الثلث والنسخي على أساتذة مشهورين مثل: الملا محمد حسين وعلاء الدين محمد بن محمد التبريزي. وحين سقطت تبريز بقبضة العثمانيين في عهد الشاه «محمد خُدابَنْده» والد الشاه عباس ترك تبريز وانتقل إلى قزوين، وكانت عاصمة الدولة آنئذٍ، وأقام في المسجد الجامع واشتغل بالخط. وفي 1001 وصل إلى خدمة الشاه عباس، حيث لقي منه الإكرام والترحاب، وجعله من جملة ندمائه المقرّبين. وأوكل الشاه عباس أمر تعليمه إلى الخطاطين البارعين في أصفهان، ومن هؤلاء: محمد رضا الإمامي ومحمد صالح الأصفهاني وعبد الباقي التبريزي.
وحين وصل إلى خدمة الشاه الصفوي أسماه علي رضا العباسي، وأبدى نحوه كل اهتمام واحترام، فكان رفيقه في السفر والحضر، ويُنعم عليه ويكرمه.
وأغلب الكتابات التي سجلت على الأبنية التاريخية في أصفهان وقزوين والحرم المطهر لحضرة الرضا كانت من أعماله. وقد كان أستاذاً في الخطوط النسخية والرقاع والنستعليق بالإضافة إلى الثلث.
سنة وفاته غير معلومة لدينا، ولكن المعلوم أنه كان معمَّراً، وعاش 125 سنة.
حساب التاريخ بالكسور
يؤرَّخ المخطوط الإسلامي في الغالب)[1091]( بالتاريخ الهجري المعروف الذي ينص على الليلة أو اليوم والشهر والسنة. وقد وضع العلماء المسلمون لهذا التأريخ أسساً وقواعد تضمنت تفصيلات تتعلق به لسنا معنيين بالحديث عنها هنا)[1092]( وإلى جانب هذه الطريقة فقد ظهرت طريقتان أخريان لكتابة التاريخ الهجري وإن كان استعمالهما يقل كثيراً عن الطريقة المعروفة وهما طريقة التأريخ بحساب الجمّل والثانية ما اصطلح عليه بطريقة ابن كمال باشا)[1093]( والتي أطلق عليها أنا طريقة التأريخ بالكسور. وحساب الجمّل يعني استعمال الحروف الأبجدية كرموز لعدد سنين التاريخ المطلوب وهي طريقة لم يقتصر استعمالها على المخطوطات الإسلامية بل استعملت أيضاً في الشعر كثيراً لتأريخ مناسبة من المناسبات. وهذه الطريقة عندما تستعمل كرمز للتأريخ في المخطوط الاسلامي فإنها غالباً ما تقتصر على الإشارة إلى السنة دون الشهر أو اليوم أي أن الشهر واليوم يذكران نصاً وعلى هذا النمط كان استعمالها في الشعر. وكذلك من النادر ألا نجدها مسبوقة بكلمة عام أو سنة أو بكلمة في. ولا ندري على وجه التحديد متى بدئ باستعمال هذه الطريقة ولكن الأمثلة التي لدينا تشير إلى أنها أقدم بكثير من طريقة التاريخ بالكسور.
أما الطريقة الثانية والتي تعزى إلى إبن كمال باشا فإنها على ما يبدو قد ظهرت في تركيا في القرن العاشر الهجري. ولم أجد أحداً من العلماء المسلمين كتب في هذا الموضوع، إلا أنني قرأت بأن العلاّمة الشيخ طاهر بن صالح الجزائري)[1094]( كان قد تطرق إلى هذا الموضوع في كتاب له عنوانه «تسهيل المجاز إلى فنّ المعمى والألغاز». ولم يحالفني الحظ في الإطلاع على هذا الكتاب وكان العلاّمة الجزائري قد أطلق على هذه الطريقة من التأريخ «التأريخ الكنائي». وعلى الرغم من أن هذه الطريقة تعزى إلى ابن كمال باشا إلا أنني وجدتها قد استعملت في جرد متن مخطوطة أرخت بتأريخ الكسور وهي تسبق مخطوطة ابن كمال باش التي وجد عليها تاريخه هذا بأربع سنوات. وكذلك وجدت في مخطوطة ذكرها هلموت رتر وسأذكر ذلك فيما بعد. وقد تكون هناك مخطوطات إسلامية أخرى أقدم تاريخاً مما عثر عليه إلى الآن. وتاريخ ابن كمال باشا الذي ينسب إليه كان قد وجد في نهاية أحد أجزاء كتابه عن تاريخ آل عثمان. وصورة هذا التأريخ هي: تم الكتاب في يوم الجمعة وهو العشر التاسع من الثلث الثاني من السدس الثاني من النصف الأول من العشر السادس من العشر الثالث من العشر العاشر من الهجرة النبوية الهلالية (ومن استخرج هذا الكلام وبلغ المرام فقد قدم على شيء لم يقدر عليه أكثر العلماء الكرام). ويلاحظ هنا بأن الشهر قد قسم إلى ثلاثة أثلاث وهي: الثلث الأول من 1 الى 10 والثلث الثاني من 11 إلى 20 والثلث الثالث من 21 إلى نهاية الشهر وكل ثلث مقسم إلى أعشار بعدد أيامه. وقسمت السنة إلى نصفين في كل نصف ستة أسداس بعدد الشهور ثم قسمت الألف سنة إلى عشرة أعشار في كل عُشر مائة سنة ثم قسمت كل مائة سنة إلى عشرة أعشار في كل عُشر عَشرُ سنين ثم كل عشر سنين إلى عشرة أعشار. فتاريخ ابن كمال باشا في ضوء هاذ يشير إلى ان العشر التاسع من الثلث الثاني هو يوم 19 من الشهر والسدس الثاني من النصف الأول هو الشهر الثاني من السنة الهجرية وهو شهر صفر والعشر الثالث من المائة هو من سنة 21 إلى سنة 30 والعشر السادس من ذلك هو السنة السادسة أي عام 26. والعشر العاشر هو القرن العاشر أي من 901 إلى 1000 وحينئذٍ يكون تاريخ كتابة المخطوط في 19 من شهر صفر عام 926هـ.
وكما ذكرت في صدر هذا المقال بأنني وجدت هذه الطريقة من التأريخ قد استعملت في مخطوطتين، وإحدى هاتين المخطوطتين هي مخطوطة كتاب «غزوة السلطان سليم للأعجام» تأليف يوسف بن علي بن محمد الشهير بـ«يكان». وهذه المخطوطة موجودة في دار الكتب المصرية. وقد عثرت على صورة لجرد متنها في كتاب الأعلام وقد جاء فيها ما هذا نصه: وقع الفراغ… من التحرير بعون الملك القدير على يد مؤلفه الفقير يوسف بن علي بن محمد شاه بن محمد الشهير بيكان عليهم الرحمة والغفران في يوم الجمعة بتاريخ العشر الخامس من الثلث الأول من النصف الثاني من السدس الخامس من العشر الثاني من العشر الثالث من العشر العاشر من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وأكمل التحية والإكرام. فالعشر الخامس من الثلث الأول هو اليوم الخامس والشهر الذي في النصف الثاني من السدس الخامس هو الشهر الحادي عشر من السنة الهجرية. والعشر الثاني من العشر الثالث هو السنة الثانية من العقد الثالث أي عام 22 من المائة العاشرة. فيكون تاريخ كتابة المخطوط الخامس من ذي القعدة عام 922هـ.
أما المخطوطة التي ذكرها هلموت رتر في مقالته فهي موجودة في مكتبة الفاتح بتركيا رقم 4221 ولكنه لم يذكر عنوانها ولا إسم مؤلفها)[1095](. وهذه المخطوطة تحمل التاريخ نفسه، اليوم والشهر والسنة، الذي في مخطوطة «غزوة السلطان سليم للأعجام» الموجودة في دار الكتب المصرية. وقد جاء في جرد متنها ما نصه:
… بتاريخ النصف من الخمس الخامس في السبع السابع في العشر الخامس من الثلث الأول من النصف الثاني من السدس الخامس من العشر الثاني من العشر الثالث من العشر العاشر من الهجرة النبوية. فيكون تاريخها الخامس من ذي القعدة)[1096]( عام 922هـ. ومن الملاحظ على هذا التاريخ أنه من عبارة العشر الخامس إلى نهايته هو نسخة طبق الأصل مما هو موجود في مخطوطة «غزوة السلطان سليم للأعجام» حتى في تقديم النصف على السدس وهو على العكس من تاريخ ابن كمال باشا حيث أن السدس مقدم على النصف، ويبدو أن المقصود بالسبع السابع هو يوم السبت وهو اليوم السابع من أيام الأسبوع إذا بدأنا بعد الأيام من يوم الأحد. إنه ليس من المستبعد أن تكون مخطوطة مكتبة محمد الفاتح نسخة أخرى من مخطوطة «غزوة السلطان سليم للأعجام» وأن الناسخ أبقى تاريخ الإنتهاء من التأليف وزاد عليه عبارة النصف الأول من الخمس الخامس وغيّر عبارة يوم الجمعة إلى السبع السابع. وأما كون مخطوطة محمد الفاتح كتاباً آخر وافق تاريخه تاريخ نسخة دار الكتب المصرية فهو صدفة أقل ما يقال فيها أنها نادرة.
وقد بقيت هذه الطريقة من التأريخ مستعملة في تركيا في القرون اللاحقة، على نفس النمط إلا من بعض التفصيلات. وفيما يلي بعض النماذج من ذلك. فقد جاء في نهاية شرح المعميات للموستاري ما نصه:
قد وقع الفراغ… على يد… مصطفى بن يوسف الموستاري… يوم الأربعاء وهو العشر الثامن من الثلث الأول من السدس الثالث من النصف الأول من العشر الرابع من العشر العاشر من هجرة مَنْ لا نبي بعده. فيكون تاريخ المخطوط الثامن من ربيع الأول عام 994هـ)[1097](.
وكذلك نجد في نهاية مخطوطة أخرى كتبت في تركيا ما يلي: وقد وقع التحرير يوم الثلاثاء وهو العشر الثاني من الثلث الثاني من السدس الثالث من النصف الثاني يمن العشر الثامن من العشر العاشر من العقد الأول من الألف الثاني من الهجرة النبوية. فيكون تاريخ كتابة المخطوط الثاني عشر من رمضان عام 1098هـ)[1098](.
وفي مخطوطة ثالثة أيضاً كتبت في تركيا نجد ما نصه: قد وقع الابتداء والفراغ في جزء من نهار السبت وهو العشر السادس من الثلث الثاني من السدس الثالث من النصف الثاني من العشر الثامن من العشر العاشر من العقد الأول من الألف الثاني من الهجرة)[1099](. فيكون التاريخ السادس عشر من شهر رمضان عام 1098هـ وليس عام 1089هـ كما قرأه هلموت رتر.
ونقرأ أيضاً في نهاية مخطوطة شرح رسالة عروض الجامي ما نصه: فقد تم هذا الشرح على عروض الجامي الملقب بجام مظفر في البلدة المحمية القسطنطينية صانها الله عن الآفات الكونية. من يد الشارح السيد أحمد صافي بعون الملك الصمد وقت الظهر من يوم الأحد وهو العشر الثالث من الثلث الثالث من السدس الرابع من النصف الأول من العشر الرابع من العشر السابع من العقد الثالث من الألف الثاني من الهجرة النبوية)[1100](. فيكون تاريخ الكتابة الثالث والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1264هـ. ومما تجدر الإشارة إليه أن كلمة عقد لم تستعمل في معناها المعروف في اللغة العربية أي الدلالة على عشر سنوات في المخطوطات الثلاث السابقة وإنما استعملت للدلالة على مائة سنة وكما هو واضح من خلال التواريخ الثلاثة فإنها كلها بعد القرن العاشر الهجري، ولا ندري فيما إذا كانت هذه الكلمة قد استعملت بهذا المعنى قبل القرن العاشر الهجري. وعلى الرغم من أن كلمة عقد استعملت بهذا المعنى إلا أنها لم تحلّ محلّ كلمة مائة أو كلمة عُشر التي تشير إلى مائة بل إنها ظلت مستعملة جنباً إلى جنب معهما.
فقد جاء في نهاية مخطوطة كتاب «دوحة المشايخ» التي كتبت في تركيا ما نصه: … في العشر السابع من العشر الثالث من الجيم الثاني من العشر الأول من العشر التاسع من العشر الثاني من الألف الثاني من الهجرة النبوية)[1101](.
ويكون تاريخ كتابة المخطوطة هو السابع والعشرون من جمادى الآخرة عام 1181هـ. ويلاحظ على هذا التاريخ استعمال حرف الجيم كرمز إلى جمادى ولا أدري فيما إذا كانت هذه حالة فريدة أو أن هناك أمثلة أخرى مشابهة)[1102](. وكذلك نلاحظ أيضاً في هذا التاريخ استعمال الناسخ لعبارة العشر الثالث بدل الثلث الثالث وسنشير إلى ذلك فيما بعد. وكما قلت قبلاً فقد طرأت بعض التغييرات على هذه الطريقة من التأريخ في أوقات مختلفة من مراحل تطورها. فنحن نقرأ في جرد متن مخطوطة كتاب في التاريخ من تأليف مصطفى سلانكي ما هذا نصه: قد وقع الفراغ…. في السبع الأول في الربع الثاني من الثلث الأول من العشر الثاني من العشر الخامس بعد المائة والألف)[1103](. ونرى هنا بأن تأريخ اليوم غير مذكور وإنما ذكر اليوم ضمن الأسبوع وهو ما أشير إليه بالسبع الأول ونعتقد بأن المقصود بذلك هو يوم الأحد كما ذكرت آنفاً.
ونرى في هذا التأريخ أيضاً بان أشهر السنة قد قسمت إلى ثلاثة أثلاث وكل ثلث قسم إلى أرباع أربعة كما هو موضح أدناه:
الربع الأول: الربع الثاني الربع الثالث الربع الرابع
الثلث الأول: محرم صفر ربيع الأول ربيع الثاني
الثلث الثاني: جمادى الأولى جمادى الآخرة رجب شعبان
الثلث الثالث: رمضان شوال ذو القعدة ذو الحجة
فيكون المقصود بالربع الثاني من الثلث الأول هو شهر صفر.
والمقصود بالعشر الخامس من السنين العشرة ما بين 41 إلى 50 والعشر الثاني من ذلك هو السنة الثانية. ويكون تاريخ كتابة المخطوطة في يوم السبت في شهر صفر عام 1142هـ. ولم تستعمل كلمة العشر أو العقد هنا إشارة إلى المائة بل استعملت كلمة مائة نفسها كما ذكرت ذلك عند الحديث عن كلمة عقد.
وفي بعض المخطوطات نرى أن الشهر قد قسم إلى ستة أخماس وقسم السدس إلى خمسة أخماس وقسمت السنة إلى أرباع أو أثلاث كما في جرد المتن التالي:
قد اتفق الفراغ من تسويد الأوراق… في يوم الثلاثاء الذي هو الخمس الخامس من السدس الثالث من الثلث الثالث من الربع الثالث من العشر التاسع من العشر العاشر من العشر الأول من النصف الثاني من الهجرة)[1104](.
فالخمس الخامس من السدس الثالث هو اليوم الخامس عشر من الشهر (15 يوماً = ثلاثة أسداس)، والثلث الثالث من الربع الثالث هو شهر رمضان لأن السنة قد قسمت على الشكل التالي:
أثلاث أثلاث أثلاث
الربع الأول: محرم صفر ربيع الأول
الربع الثاني: ربيع الثاني جمادى الأولى جمادى الآخرة
الربع الثالث: رجب شعبان رمضان
الربع الرابع: شوال ذو القعدة ذو الحجة
والعشر الأول من النصف الثاني هو المائة الأولى بعد الألف الثاني (النصف الثاني) والعشر التاسع مع العشر العاشر هو السنة التاسعة بعد التسعين فيكون تاريخ المخطوط الخامس عشر من رمضان عام 1099هـ ونجد في نهاية مخطوطة «كتاب نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض» تأليف أحمد شهاب الدين الخفاجي ت: 1069هـ التي كتبت في مصر ما نصه:
«قد استراح.. قلم السيد علي بن فيض الله من كتابة الشهاب في شرح الشفاء الشريف ضحوة يوم الأحد العشر الأول من العشر الأول من السدس الأول من النصف الثاني من العشر الأول من العشر التاسع من الثلث الثالث من الربع الرابع من هجرة من له العز والشرف»)[1105](. فالعُشر الأول من العَشر الأول هو اليوم الأول من الشهر والسُدس الأول من النصف الثاني هو شهر رجب. ويبدو أن الناسخ قد قسم الألف ومئتي إلى أربعة أربا عفي كل ربع 300 سنة وكل مائة سنة هي ثلث من الربع فالعشر الأول من العشر التاسع هو عام 81 والثلث الثالث من الربع الرابع هو المائة الأخيرة من الثلاثمائة الأخيرة (= الربع الرابع) فيكون تاريخ المخطوطة هو اليوم الأول من رجب عام 1181هـ. ومما يؤكد هذا التأريخ ما جاء بعد ذلك في المخطوطة نفسها:
قال مؤلفه رحمه الله تعالى وتم يوم الجمعة المبارك ثامن عشرين ربيع الثاني سنة ثمان وخمسين بعد الألف على يد أضعف العباد أحمد شهاب الدين الخفاجي المصري وكان الفراغ من تعليقه من خط المؤلف المذكور على يد العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن داود العناني يوم الجمعة سابع عشر المحرم من شهور سنة ثمان وستين بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وكان الفراغ من كتابته من نسخة الشيخ العناني المذكور يوم الجمعة المبارك سابع عشر ربيع الأول سنة ألف ومائة وخمسة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه الفقير، المعترف بالذنب والتقصير، محمد بن أحمد بن محمد بن شهاب الدين الشهير بالخفاجي نسبة لبلده، الشافعي مذهباً، غفر الله له ولوالديه. وعليه فلا بد أن يكون التاريخ أعلاه بعد سنة 1105هـ.
وكما ذكرت فإن هذه الطريقة من التأريخ وصلت إلى كثير من أنحاء العالم الإسلامي بل وغير الإسلامي مع بعض الاختلافات من قطر إلى آخر ومن ناسخ إلى آخر.
فنحن نقرأ في مخطوطة من الهنود عنوانها «الشموس الزاهرة والأنوار الظاهرة المضيئة الباهرة» تأليف حاتم بن إبراهيم الحامدي ت: 596هـ ما هذا نصه:
حصل الفراغ من كتابته في يوم الخميس السادس من الثاني من الحادي عشر من الثالث من التاسع من الثالث من الثاني من هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)[1106](.
والمراد بالسادس من الثاني هو اليوم السادس من الثلث الثاني من الشهر أي اليوم السادس عشر، والشهر الحادي عشر هو شهر ذو القعدة ويقصد بالثلث العشر الثالث وهو السنة الثالثة، وبالتاسع هو العشر التاسع وهو من 81 إلى 90 وبكلمة الثالث الثانية هو العشر الثالث وهو من 221 إلى 330 وبالثاني الألف الثاني. وعلى هذا يكون التاريخ في اليوم السادس عشر من شهر ذي القعدة عام 1283هـ. ونرى أن الناسخ قد حذف الأسماء المنعوتة من التاريخ فكلمة العشر غير موجودة وكذلك كلمة الثلث وكذلك الألف.
ولا شك أن كتابة التاريخ بهذه الطريقة تجعل قراءته من الصعوبة بمكان. والشيء الآخر الذي يلاحظ على هذا التأريخ هو أن السنة لم تقسم إلى نصفين في كل نصف ستة أشهر كما هو المعروف في هذه الطريقة بل المذكورة هو رقم الشهر ضمن السنة الهجرية.
وفي مخطوطة من الشمال الأفريقي عن تاريخ الجزائر كتبها محمد ابن محمد بن عبد الرحمن التلمساني المتوفى بعد عام 1193هـ نجد التالي: ووقع الفراغ في العشر الرابع من الثلث الثاني من السدس السادس من النصف الثاني من العشر الثالث من العشر العاشر من القرن الثالث عشر. فيكون تاريخ نسخها في اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة من عام 1193هـ. ويلاحظ هنا أيضاً استعمال كلمة قرن وكذلك عدم استعمال عبارة الألف الثاني أو النصف الثاني كما رأينا في بعض المخطوطات السابقة.
ونقرأ في نهاية مخطوطة كتاب «الأشباه والنظائر» لابن نجم الدين المتوفى عام 970هـ والتي كتبت في مدينة Yergokù في رومانيا ما نصه:
قد وقع الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة في يوم الجمعة وهو العشر الواحد من الثلث الثالث من السدس الثاني من النصف الأول من سنة ست وتسعين وألف من هجرة من له العز والشرف عليه أكمل التحية. فيكون تاريخ نسخها في 21 من شهر صفر عام 1096هـ)[1107](. ونرى هنا أن التأريخ بالكسور قد استعمل بشكل جزئي حيث نص الناسخ على السنين بشكل صريح ولا ندري لماذا لم يكمله بقوله في العشر السادس من العشر الأول من الألف الثاني، ومهما تكن الأسباب فلا أعتقد بأنه كان يجهل ذلك. وكذلك نرى الناسخ قد استعمل كلمة الواحد كنعت للعشر بدل الأول وهو استعمال غير صحيح نحوياً. وربما كان استعمال ذلك تعمداً للتأكيد على أن المقصود بالعشر هو جزء من عشرة أجزاء وليس المقصود به ما يشير إلى العدد عشرة لأنه لو وضع كلمة الأول فقد يفهم منها وهي غير محركة الأُوَل وليس الأوَّل. ولكن إذا كان هذا هو السبب فبالإمكان تفادي ذلك بوضع الحركات على كلمة الأول.
في أحيان غير نادرة يعثر من يتعامل مع المخطوط الإسلامي على استعمال كلمة عُشر في هذا المجال بطريقة غير صحيحة. فهي تستعمل للدلالة على شهر من شهور السنة من أن السنة فيها إثنا عشر شهراً. وقد يكون ذلك تأثراً بكثرة استعمال كلمة عشر في هذه الطريقة من التأريخ. فنحن نجد في «رسالة في تحقيق حدوث كلام الله». تأليف محمد رضا بن محمد جعفر الرازي والتي كتبت في إيران أو في العراق ما يلي:
وقد فرغت من تجريده في العشر الثاني من العشر السابع من السنة الأولى من العشر الثالث من المائة الرابعة من الألف الثاني)[1108](، والمقصود بالعشر السابع هو الشهر السابع من السنة الهجرية وهو شهر رجب من عام 1321هـ. ونجد مثل ذلك أيضاً في مخطوطة كتاب «زبدة الأصول» تأليف بهاء الدين العاملي ت: 1030هـ.
حيث جاء فيها: وسودت في جمادى الثانية 1102هـ في العشر الأول من العشر السادس من السنة الثانية من المائة الثانية بعد الألف)[1109]( ومن هذا المثال يتضح جداً أن كلمة عشر استعملت إشارة إلى الشهر. ولا شك أن محقق المخطوطة سيجد صعوبة في تحديد التاريخ إذا كانت الإشارة إلى الشهر بالطريقة التي ذكرت في المخطوطتين السابقتين إذا لم تكن هناك قرينة تشير إلى الشهر. ومما تجب الإشارة إليه أن بعض المخطوطات التي تستعمل طريقة التأريخ بالكسور تبدل كلمة ثلث بكلمة عشر كما رأينا في مخطوطة الشفاء والتي جاء فيها… ضحوة يوم الأحد العشر الأول من العشر الأول من السدس الأول من النصف الثاني.. فعبارة العشر الأول الثانية قد استعملت بدل الثلث الأول. وكذلك ما جاء في مخطوطة كتاب «أربعون حديثاً» للعاملي:
اتفق الفراغ من مشقة مشقه ضحوة الإثنين الثالث من العشر الثالث من ثاني شهور السنة الخامسة من العشر الثالث من المائة العاشرة وكذلك ما جاء في نهاية مخطوطة «لؤلؤتي البحرين لقرتي العين» تأليف يوسف بن أحمد الديرازي البحراني ت: 1186هـ:
قد وقع الفراغ من تسويد هذه الإجازة في اليوم السابع عشر من العشر الثالث… فهنا أيضاً استعملت عبارة العشر الثالث بد الثلث الثالث…
إن من الممكن في هذه الأمثلة أن تقرأ كلمة عشر بطريقتين فهي إما أن تحرك عُشر ويكون المقصود بها ثلث وهو استعمال غير صحيح لأن كلمة عُشر لا تؤدي معنى ثلث أي عشرة أيام أو عشر ليال من الشهر وإما أن تحرك عَشْر أي قصد بها عشر ليال وحينئذٍ يكون نعتها بكلمة الثاني أو الثالث خطأ نحوياً وكان يجب أن يستعمل بدل الثاني كلمة الوَسَط أو الوسطى وبدل الثالث الآخر وعلى الرغم من وجود هذين الاحتمالين فإني أعتقد بأن المقصود من العشر في مثل هذه النماذج هو الثلث والذي دفعني إلى هذا الاعتقاد هو استعمال كلمة يوم فيها لأنه لو كان المقصود بالعشر هو الليالي لاستعملت كلمة ليلة بدل يوم. أما بالنسبة إلى النموذج الأول فإن عبارة العشر الأول الثانية إنما يقصد بها الثلث الأول بدليل استعمال العبارة نفسها قبلها لأن كلمة العشر في الأيام تستعمل مع كلمة ثلث كما رأينا في الأمثلة التي أوردناها من طريقة التأريخ بالكسور. وإننا نعتقد بأن استعمال كلمة عشر بمعنى الثالث يعتبر تطوراً سريعاً على هذه الطريقة إذا لم يثبت أنها ظهرت قبل الوقت الذي ذكرناه. فإن أقدم استعمال لكلمة عشر بدل ثلث عثرنا عليه هو من عام 995هـ أي بعد حوالي 73 سنة من ظهور هذه الطريقة وقد وجد ذلك في مخطوطة كتاب «أربعون حديثاً» التي ذكرتها سابقاً. ويبدو أن هذه الطريقة لم تقتصر على جرد المتن بل نجدها أيضاً قد استعملت تاريخاً لبداية نسخ المخطوط كما في مخطوطة «شفاء الأجسام ودواء الآلام» تأليف خضر بن علي الخطاب ت عام 820هـ. فقد جاء في بدايتها ما هذا نصه:
ابتدأت بتحرير الكتاب… في يوم الأربعاء الذي هو العشر الرابع من الثلث الثالث من السدس الثاني من النصف الأول من العشر الثامن من العشر العاشر من العشر الأول من النصف الثاني من الهجرة)[1110]( فيكون تاريخ المخطوط في 24 من شهر صفر من عام 1098هـ. وقد استعملت هذه الطريقة أيضاً كتأريخ لبداية طبع بعض المخطوطات. فقد جاء في كتاب «لوامع العقول» تأليف أحمد ضياء الجوشخانوي الذي طبع في تركيا ما هذا نصه: قد توافق الابتداء في طبع هذا الشرح في يوم الأربعاء وهو العشر السادس من الثلث الثالث من السدس الثالث من النصف الأول من العشر الأول من العشر العاشر من المائة الثالثة عشرة)[1111]( فيكون تاريخه السادس والعشرين من ربيع الأول من عام 1291هـ.
هذه هي النقاط المهمة في طريقة التأريخ بالكسور أرجو أن يفيد منها الباحثون والمحققون بصورة خاصة.
د. جعفر هادي حسن
الحوار الشيعي ـ الوهابي
مدخل إلى الجدل الطائفي في الإسلام
يُعَدُّ كتاب (حوار في الإمامة) من أهم الكتب في الجدل الشيعي ـ الوهابي في العصر الحديث، فهو الكتاب الأول الذي يقوم على مبدأ الحوار للوصول إلى جذور الاختلاف الطائفي في الإسلام منذ نشأته الأولى.
وقد دار الحوار بين شخصيتين لهما أهميتهما العلمية والاجتماعية معاً، فالأول عالم شيعي كان قد تخرج في جامعة النجف العلمية، ودرس دراسة منهجية منتظمة على يد كبار المجتهدين أمثال الإمام السيد محمد باقر الصدر، وقد نشأ مولعاً بالعلوم العقلية، والفلسفية إلى جانب اختصاصه في علوم التشريع كالفقه، والأصول، ومناهج التفسير، والحديث، وعلم الرجال.
أمّا الثاني فهو مفكّر إسلامي ينتمي إلى المدرسة الوهابية، جمع بين الثقافتين الدينية القديمة إلى جانب تخصصه العالي في الفيزياء النظرية والرياضية.
كما أنّ هناك عاملاً آخر يشترك به المُتحاوران يتلخص بالبُعد السياسي في شخصيتهما ـ بلحاظ بعض الفوارق ـ،
فالأول: هو الممثل الديني (في بريطانيا) لقائد الثورة الإسلامية في إيران، الإمام السيد علي الخامنئي.
والثاني: هو أحد أبرز المعارضين للحكم القائم في المملكة العربية السعودية في سنيّ التسعينات الميلادية، والداعين لتغيير النظام تغييراً جذرياً. كما أنه يُعد أيضاً من أبرز الداعين إلى حركة الإصلاح الديني التي تسعى إلى التجديد في الطريقة الوهابية السلفية، وإعادة قراءة بعض مسلّماتها من جديد.
أمّا ما يخص ظروف (الحوار) فإنّ الوضع الذي شهده العالم الاسلامي بالخصوص في هذه المرحلة بالذات، واختلاف موازين القوى العالمية من استمرار إمكانات الصراع الطائفي الذي استُغلّ سياسياً ـ قبل هذه المرحلة ـ لمهاجمة الثورة الإسلامية في إيران بعد انهيار الحكم الشاهنشاهي على يد الإمام الخميني عام 1979م.
كما جرى الحوار بعد لقاءات عامة وخاصة بين المتحاورين في لندن بشكل عفوي، وبدافع علميّ انتهى بكتابة رسائل في موضوع الإمامة (كان تأريخ الرسالة الأولى 14 جمادى الأولى عام 1416هـ/8 تشرين الأول ـ أكتوبر ـ عام 1995م)..
ونقطة تخصُّ (الحوار) أيضاً هي سعة الأفق الذي يتمتع به المتحاوران، وأهدافهما في تسويق عالمية الرسالة الإسلامية دون الوقوف على الجزئيات التي تعرقل هذه الأهداف، وذلك بالتغاضي عن الأخطاء، والتمسك بالثوابت المشتركة.
الحوار الشيعي ـ الوهابي: نموذجان تاريخيان
لم تكن هناك أي بادرة في إمكانيّة الحوار بين الشيعة، والوهابية بسبب المنطق الحدّي الذي التزمت به الحركة الوهابية في مجابهة خصومها التقليديين من أرباب المذاهب الإسلامية.
إلاّ أن هناك مبادرتين سبقت هذا (الحوار)، وإن كانتا مختلفتين في الوسيلة والهدف.
الأولى: حوار زعيم الإمامية في عصره الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة 1228هـ/1813م، مع الأمير عبد العزيز بن سعود المتوفى سنة 1218هـ/1803م، والذي نُشر برسالة سماها (منهج الرشاد لمَن أراد السداد)، ويقرب تأريخ تأليفها من عام 1210هـ/1795م، أي بعد وفاة زعيم الوهابية الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (المتوفى 1206هـ/1792م) بأربع سنوات.
والرسالة هذه عبارة عن جواب للرسالة التي بعثها الأمير عبد العزيز بن سعود إلى الشيخ كاشف الغطاء، والتي انتقد فيها الممارسات الشيعية في زيارة المراقد الدينية في مدينة النجف، وغيرها من المناطق. وقد أجاب الإمام كاشف الغطاء على تلك التساؤلات برسالة مطولة تضمّنت مناقشة كلية للأسس الاعتقادية للطريقة الوهابية ابتداءً من معنى العبادة، التوحيد، الشرك، الشفاعة، زيارة القبور، وغير ذلك من المفردات التي تقوم هذه الطريقة عليها.
وتمتاز هذه الرسالة بالتزام أدب الحوار بين الكتب الأخلاقية، وبغزارة المعرفة، ونزاهتها.
وقد أجاب الأمير عبد العزيز على هذه الرسالة برسالة شكر مقتضبة على ما ورد فيها من أدب، وثناء.
وقد نُشرت رسالة (نهج الرشاد) في مدينة النجف عام 1342هـ/1923م، وأُعيد نشرها عام 1414هـ/1993م في مدينة قم، كما نُشرت للمرة الثالثة عام 1419هـ/1998م في بيروت.
وقد أشير في مصادر تلك الفترة أن العلاقة الودية بين الإمامين، إمام الشيعة، جعفر كاشف الغطاء، وإمام الوهابية، محمد بن عبد الوهاب كانت قائمة، كما يُذكر أنّ هناك بعض الرسائل المتبادلة بينهما كانت محفوظة عند بعض أحفاد الأسرتين.
الثانية: المبادرة الشخصية للعلاّمة الراحل الشيخ محمد جواد مغنيّة عند تشرّفه لحج بيت الله الحرام عام 1383هـ/1964م، ومناظراته لعدد من العلماء الوهابيين أمثال رئيس القضاة، وإمام الجمعة والجماعة خطيب الحرم المكي الشريف، وعميد كلية الشريعة، وغيرهم في محاولة لفتح باب (الحوار) بين الأطراف الإسلامية مباشرة للتوصل إلى حلّ النزاعات بالطرق الدينية، والأخلاقية المثلى.
وقد سجَّل المؤلف مشاهداته، ووصف رحلته في كتيّب نُشرَ عام 1383هـ/1964م بعنوان (هذه هي الوهابية).
وبالرغم أن هذه المحاورات هي أشبه ما تكون بالأحاديث الشخصية منها إلى الحوار المتكامل، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من اقتحام الحواجز النفسية التي تعاني منها الأطراف المتنازعة تأريخياً، والتي تختلف على واقعها إلى حدّ القطيعة التامّة.
أمّا ما حققته تلك الحوارات من نتائج فهي تندرج في إمكانية إقامة الحوار مع بعض الشخصيات الوهابية، واستحالتها مع شخصيات أخرى.
فكثيراً ما كان المؤلف يقتحم المؤسسات الدينية، أو المراكز العلمية الجامعية بصورة عفوية غير مخطط لها ليتعرّف على القائمين عليها، ويدخل معهم في نقاشات حول الاتحاد بين المسلمين، وعدم تكفير بعضهم الآخر، والنظر في تفسير مفهومي (الشرك)، و(التوحيد)، وغير ذلك.
أمّا نتائج هذه الحوارات فهي نتائج عادية لم يترتب عليها أثرٌ يُذكر، فقد كانت مُغلّفة من قِبل الشخصيات التي صادفها بالمُجاملة، والخُلق الرفيع، أو السكوت، وعدم الدخول في حوار متشعب أيّما كان موضوعه.
وقد سجّل المؤلف ذلك كلّه فيما كتبه في رحلته هذه، واقترح أن تُشكّل هيأة متخصصة مشرفة لإدامة الحوار بين العلماء الوهابيين، وعلماء المسلمين من شتى المذاهب لحلّ النزاعات المختلف عليها.
حوار الأراكي ـ المسعري
إنّ الدعوة إلى الحوار التي نادى بها الشيخ محمد جواد مُغنية قبل ثلاثة عقود من الزمن قد حققت الأيام أولى بوادرها في هذه المطارحات المتبادلة بين آية الله الشيخ محسن الأراكي، والدكتور محمد المسعري، والتي بدأت حول موضوع الإمامة القضيّة المركزية المُتنازع عليها بين الطوائف الإسلامية لارتباطها بشكل السلطة وطبيعة نظام الحكم في الإسلام.
وربما تقود هذه المطارحات في الحلقات القادمة إلى المواضيع التي تختصُّ بها العقيدة الوهابية، والتي يُبتنى أصلُ الخلاف بينها، وبين بقية المذاهب الإسلامية كتشييد المراقد، والبناء على القبور، وغير ذلك من المسائل المُختلف عليها.
وكما وُضحت رسائل الحوار هذه فأنّ المُقترح لها هو الدكتور محمد المِسعري الذي جمعته الصدفة بالشيخ محسن الأراكي، حتى تطوّرت العلاقة بينهما إلى علاقة مترابطة ذات مودة وإلفة، وقد جمع هذين الطرفين الشعور بوجود التحديات المادية تجاه الفكر الإسلامي، وثقافة الوحي، وإلى ضرورة إيجاد عوامل النهوض بالواقع الإسلامي، وتطويره، والتحدث عن الصحوة الإسلامية التي يلتقي في تأييدها الطرفان.
وعليه فقد ركّزا على ضرورة تسويق المفاهيم الإسلامية للوصول إلى تطبيقها عالمياً.
ولمّا كان العامل المذهبي أحد العوامل المُعيقة في عملية النهضة، كانت المبادرة قائمة لدعوة علماء الإسلام ومفكريه بتعاضد جهودهم، وفتح باب الحوار بينهم للوصول إلى المشتركات بين العاملين في الحقل الإسلامي.
ومما يميز طبيعة هذه الرسائل أن (الحوار) الصادر عنها لم يدعُ إلى الغَلَبة، غلبة طرف على آخر، كما لم تكن نتائجه تهدف إلى زعزعة أي من الطرفين، ودعوة أحدهما لتبني منهج الآخر، بمقدار عرض وجهات النظر، والدفاع عنها بالأدلة العقلية، والمنطقية تارةً، وبالنصوص النقلية تارةً أخرى.
وإنما كان محاولة للرجوع إلى نقل المُسلّمات، وتفسيرها كما وردت ضمن التراث الذي خلّفته الكتب المذهبية عبر تأريخها الطويل الحافل بالاختلاف.
وقد عبّر الطرفان عنه في أجلى صورة من خلال قراءة المسلّمات التاريخية، واعتماد المهارات الذاتية في تفسيرها.
وقد أدرك المتحاوران أن ظاهرة الاختلاف في وجهات النظر من السمات الطبيعية التي يتسم بها الجنس البشري منذ بداية خلقه، إلاّ أن هذا الاختلاف يتحتّم ألاّ يكون واجهة للصراعات، والمنازعات التي تُستغلّ في تحقيق المكاسب على حساب القيم والمبادئ العليا، كما يظهر ذلك باستغلال العامل الديني، أو المذهبي، أو العضوي، أو العرقي، أو الإقليمي، من أجل أن تكون كلّ هذه العوامل مبررات للصراعات المُحتملة.
إنّ حوار (الأراكي ـ المسعري) بالرغم من جدّته وريادته في فتح باب الحوار الحضاري لتكرار مثل هذه التجارب المخلصة، فأنه يبقى حواراً مُهتماً بنقل المضامين القديمة بتعبيرات حديثة، أغلبها متعلّق بالصياغة والأسلوب لا بالموضوع نفسه. فهو لم يتمكن ـ والحال هذه ـ بحل المشاجرة المذهبية القائمة بين الطائفتين سوى السعي إلى عرض وجهات النظر المتباينة لوضع القواسم المشتركة كخطوة أولى لصياغة نظرية جديدة للعالم الإسلامي تقوم على التوحّد المتكامل بدلاً من الفرقة الناتجة عن التمسك بمفاهيم العداوة والبغضاء، وما يُشتقّ منهما من مُسَمّيات.
نظرةٌ في الخلاف الشيعي ـ السُنّي
إتَّسم الخلاف الشيعي ـ السني في عهده الأول بالتأكيد على بعض الجزئيات في التاريخ الإسلامي، أو مباحث الإلهيات، والعقائد دون الدخول في التفاصيل الأخرى، وقد بقيت القضايا المحورية محل جدل دون تغيير حتى الآن.
ولم يختلف أرباب الفرق في العهود الأولى في الثوابت الدينية التي تتعلق بأصول العقائد، وواجبات الفرد المسلم الأساسية في عقيدة التوحيد، النبوة، والمعاد.
إلاّ أنّ الصراع الطائفي بعد هذه الفترات أخذ أبعاداً أخرى من الاتهامات التي بَلَغت الخصومة المذهبية أشدها عند السُنيين باتهام الشيعة بتحريف القرآن، والقول بوجود مصحف آخر غير الذي يقرؤه المسلمون، ورميهم أيضاً بالتشكيك بالوحي، واتهامه بالخطأ، وغير ذلك من الافتراضات.
وقد بلغت الحال إلى اتهام كلّ طرف من الأطراف لنظيره بالانحراف العقائدي في محاولة لإظهار بُعد أحدهما عن الآخر عن مبادئ الإسلام، وعدم صلاحيته الشرعية.
وقد بدأت المسائل الخلافية بالنمو جيلاً بعد جيل ابتداءً من القرن الأول للهجرة، والتي انعكست في كتابات المؤلفين السُنّة أمثال الشعبي (ت: 103هـ/721م) ـ الذي كان من المقربين إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ـ والجاحظ (ت: 255هـ/869م)، والخياط (ت: 319هـ/931م)، وانتهاءاً بابن تيمية الحرّاني (ت: 728هـ/1327م) الذي نظّر صراعه تنظيراً يتناسب مع الوضع السياسي الذي تأزّم ي فترة الصراع العسكري المغولي ـ المملوكي منذ بداية القرن الثامن الهجري/ الثاني عشر الميلادي في محاولة الغزو التي قام بها السلطان غازان خان لبلاد الشام، ومن بعده أخوه السلطان أولجايتو خان المعروف بخُدابنده، الذي أعلن التشيّع مذهباً رسمياً في الإمبراطورية المغولية كلّها.
وكان ردُّ فقيه الحنابلة ابن تيمية تعبوياً: وذلك بقيادة الفصائل لمواجهة جيوش الغزو المغولي، وفكرياً: وذلك بالتصدي إلى الفقيه الإمامي الحسن بن المُطّهر المعروف بالعلاّمة الحلّي، والرد على كتابه المعروف باسم (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة* الذي كتبه لتلميذه السلطان أولجايتو خان في كتابه الشهير المعروف (بمنهاج السُّنة النبوية)، والذي يُعدُّ أول الردود الطائفية المُبالغ في حدّتها طبقاً للوضع الذي اضطلع به العلاّمة الحلّي في نشر التشيّع في تلك الفترة الزمنيّة المزدهرة بالعلم.
أمّا الكتابات المذهبية الشيعية فيُلاحظ أن معظمها كان مكرّساً لنقض الردود الصادرة ضد التشيّع، ومن تلك المؤلفات كتاب (إحقاق الحق) الذي ألّفه القاضي نور الله التُستري، والذي قُتل بسببه على يد خصومه في الهند عام 1019هـ/ 1610م، وإن كان مقتلُهُ تكتنفُهُ عوامل سياسية أيضاً.
ولم تَخْبُ حدّة الصراع بين الأطراف تبعاً للأزمات السياسية التي تندلع بين الدول المتصارعة التي اتخذت من الواجهة المذهبية مظهراً لها، كما يتجلى ذلك في الصراع الصفوي ـ العثماني في فترات زمنية متفاوتة سلماً وحرباً، أو القاجاري ـ العثماني في فترات أقل حدّةً.
وقد تجدد الصراع الطائفي بشكل عام خلال هذا القرن مدفوعاً بالنهضة الوهابية الحديثة بما صدر من كتابات الشيخ محمد رشيد رضا (ت: 1354هـ/ 1935م)، والشيخ موسى جار الله (ت: 1368هـ/ 1949م) والأستاذ أحمد أمين (ت: 1373هـ/ 1954م)، والأستاذ مُحبّ الدين الخطيب (ت: 1389هـ/ 1969م).
وما صدر من ردود فعل عن كبار مجتهدي الشيعة، ومؤلفيهم أمثال السيد حسن الصدر (ت: 1354هـ/ 1935م)، والشيخ علي أبو الحسن الخنيزي (ت: 1363هـ/1944م)، والشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء (ت: 1373هـ/1954م)، والسيد عبد الحسين شرف الدين (ت: 1377هـ/ 1958م)، والشيخ أغا بُزرك الطهراني (ت: 1389هـ/1970م)، والشيخ عبد الحسين الأميني (ت: 1390هـ/1971م).
أما ما حدث أعقاب إنتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، فكان موضوعاً آخر من مواضيع التصدي الطائفي، خصوصاً في فترة نشوب الحرب العراقية ـ الإيرانية، فقد استَنْفَرت معظم الحكومات الإسلامية ـ تبعاً للاتجاه الدولي يومذاك ـ بعض المشايخ، وغيرهم من الأكاديميين في التصدي للثورة الإسلامية عقائدياً، بعد الفشل السياسي الذريع الذي مُنيت به الدول الكبرى في مواجهتها.
وقد شهدت مرحلة سني الثمانينات الميلادية من هذا القرن مواجهةً طائفية قام بها بعض علماء التيّارين الوهابي، والسُني في محاولة للوقوف أمام المد الكاسح الذي تأثر به المسلمون في كلّ مكان، وإحباط عملية محاكاة تجربة الثورة الإيرانية في منطقة أخرى من مناطق العالم.
وقد جُنّدت الأقلام السلفية الوهابية، وضَخّت إلى العالم الاسلامي كتباً صارخة العناوين، بعضها كُتِبَ بأسماء مستعارة أمثال كتاب (وجاء دور المجوس)، و(بروتوكولات آيات قم)، و(أحوال أهل السُنّة في إيران)، وهذه الكتب الثلاثة سُجّلت باسم الدكتور عبد الله محمد الغريب.
والبعض الآخر بأسماء معروفة أمثال الشيخ محمد منظور نعماني (أحد علماء الهند) بكتابه الذي سمّاه (الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام) ـ والذي قدّم له العلاّمة أبو الحسن علي الحسني الندوي، ومحمد إبراهيم شقرة (مدير الحرم القدسي)، وقد ترجمه عن الإنكليزية الدكتور محمد البنداري، وطبع في الأردن عام 1987م ـ، وأمثال الدكتور الشيخ عبد المنعم النمر بكتابه (الشيعة، المهدي، الدروز ـ حقائق ووثائق).
والمؤلفات المنسوبة إلى الشيخ إحسان إلهي ظهير وهي: الشيعة والتشيع (فرق وتاريخ)، الشيعة والقرآن، الشيعة والسنّة، بين الشيعة وأهل السنّة، الشيعة وأهل البيت.
أمّا الكتب التي صدرت في هذه الفترة فقد نافت على المائة كتاب، ومنها: الشيعة في التصور الإسلامي، لعلي عمر فريج، ونهج خميني في ميزان الفكر الإسلامي، للدكتور أحمد مطلوب، شهادة خميني في أصحاب رسول الله، لمحمد إبراهيم شقرة، تعريف بمذهب الشيعة الإمامية، للدكتور محمد أحمد التركماني.
كما لم تقتصر هذه الحملة على أقلام سنّية فحسب، وإنّما كتب بعض أبناء الشيعة كتباً في مهاجمة الثورة الإيرانية للظروف السياسية التي كانت تكتنف المنطقة في تلك الأعوام، وأشهر الكتب التي صدرت في هذا الشأن هي مؤلفات الدكتور موسى الموسوي (حفيد الإمام السيد أبو الحسن الأصفهاني) أمثال: (الثورة البائسة)، و(الصراع بين الشيعة والتشيع)، و(الشيعة والصحيح). وقد طبع الكتاب الأخير بكميات كبيرة، ووزّع من قِبل الكثير من المراكز الرسمية العربية في دول مختلفة.
ولا يخفى المغزى السياسي وراء هذه الحملة!
الخلافات الطائفية: نماذجٌ للتسوية
إلاّ أنّ العصور التاريخية شهدت أيضاً بجانب التوتر السياسي، والعقائدي جهوداً مهمة لحلّ الخلافة السياسية والعقائدية بين المسلمين حكاماً وشعوباً.
فعلى المستوى الشعبي ظهرت في القرن السابع، والثامن الهجريين مبادرة بعض الفرق الصوفية، وهي الفرقة (الكبروية) السُنية التي اتخذت من التصوف وسيلةً للتوفيق بين الفرقتين الإسلاميتين الكبيرتين حيث يعتمد التصوف على التسامح الروحي والتواضع كفضائل تشترط في السير والسلوك إلى الحق والحقيقة، وكذلك نفور المتصوفة عن كلّ التكتلات، أو التصنيف العقائدي القائم على التعصب، حتى وإن كان ذلك متخذاً النهج النظري المحض. فقد نَهَجَ هؤلاء المتصوفة للتوفيق بين وجهات النظر المختلفة، وبصيغة روحية عملية، إلى انتقاء المبادئ المتفق عليها في كل فرقة، والتخلّي عمّا يُسيء عمله من أي من الأطراف. لذلك فقد أبدوا الميل لآل البيت، ورأوا في شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام المثال الذي يجب أن يُحتذى به، وإنّه كان مقدماً على الخلفاء الثلاثة (رض) لنصّ حديث الغدير الذي يأخذون به، واعتقادهم بجامعيته للحقائق الثلاثة: (الخلافة، الوراثة، والولاية). وهم في المقابل أدانوا التعرض إلى الانتقاص من الصحابة، أو التجرؤ عليهم بالسبّ.
دار التقريب بين المذاهب الإسلامية
وكذلك تظهر محاولة (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية) التي تأسست في القاهرة عام 1366هـ/1947م، في الدعوة إلى التقريب بين المذاهب، لا إلى جمع المسلمين على مذهب واحد.
وكان مؤسس هذه الدار هو الشيخ محمد تقي القُمي المتوفى سنة 1410هـ/ 1990م. وقد اعتمدت المذاهب الأربعة المعروفة عند السُنّة، وكذلك مذهب الإمامية الإثني عشرية، والمذهب الزيدي أيضاً.
وكان من مقترح لجنة التقريب أن يكون لكلّ من هذه المذاهب ممثلون عنه من العلماء ذوي المكانة الاجتماعية المرموقة.
كما دأبت الجماعة أيضاً أن تكون بمعزل عن التوجهات السياسية، وصدرت مجلّةٌ فصلية باسم (رسالة الإسلام) عام 1368هـ/1949م، استمرت حتى عددها الستين الذي صدر في شهر رمضان عام 1392هـ/أكتوبر 1972م.
وتعتبر هذه (الحَوْلية) سجلاً أرّخ جهود مرحلة من مراحل التأريخ المعاصر، بأجلى صوره.
وكانت المجلة محوراً لأقلام متميزة لعلماء من شتى الأقطار، فمن الشيعة شارك الإمام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، والشيخ محمد رضا الشبيبي، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والسيد صدر الدين الصدر، والسيد مسلم الحسيني الحلّي.
ومن السُنّة: شيوخ الأزهر الشيخان عبد المجيد سليم، ومحمود شلتوت، والدكتور محمد البهي، والأستاذ محمد عبدالله درّاز، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، والأستاذ محمد فريد وجدي، والأستاذ عباس محمود العقّاد.
كما كان الإمام حسن البنّا من المساهمين في أعمال هذه الجماعة أيضاً لأنّ وجود الفوارق المذهبية ـ كما تعتقد هذه الجماعة ـ حقيقة واقعة لا يمكن التغاضي عنها، وإنّما تزداد خطورة هذه الفوارق بين المسلمين إذا استُغلّت في شق صفوفهم، والتناحر بينهم.
وقد ذكرت جماعة التقريب أنّ الذين تصدّوا لمعارضتها هم التقليديون ـ أولاً ـ الذين لا يتحسسون بوجود العالم حولهم، وثانياً: ذوو الأطماع، والأغراض السيئة الهادفة.
واعتقدت جماعة التقريب أن الخلاف بين الشيعة والسُنّة هو لا وجود له في الأصول الاعتقادية العامة، وإنّما الخلاف كان قد وقع في الفروع فقط، وهو خلاف يُشبه الخلاف الذي يقع بين فقهاء المذاهب السُنيّة فيما بينهم، أو فقهاء المذهب الشيعي فيما بينهم أيضاً.
بين البشري وشرف الدين
في مجال كتب (الحوار) السنّي ـ الشيعي فإن بعض المحاولات المدفوعة بعوامل ذاتية كانت وراء فكرة الحوار بين المذاهب في عملية للوصول إلى تسوية وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية.
وتختلف هذه المحاولات في الطريقة والمنهج والهدف أيضاً. وأهم المؤلفات التي صدرت نتيجةً للحوار هو كتاب (المراجعات) الذي ألّفه الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين بعدما جمع مناظراته مع شيخ الأزهر الإمام سليم البشري المالكي المتوفى سنة 1335هـ/1916م التي سمّاها (المناظرات الأزهرية والمباحثات المصرية)، وطبعت بإسم (المراجعات).
كان المؤلف قد بدأ مناظراته مع شيخ الأزهر بعدما توثّقت الصلة به يوم حلّ في مصر عام 1329هـ/ 1911م، وقد ناقش الطرفان في الرسائل المتبادلة موضوع الإمامة والخلافة، وغيرهما من المسائل التأريخية، والاعتقادية في (112) مراجعة.
طُبع كتاب (المراجعات) أول مرّة في صيدا سنة 1355هـ/1936م، وتوالت طباعته عاماً بعد عام بما زاد على الخمسين، كما تُرجم إلى بعض اللغات كالفارسية والإنكليزية.
داعي الرشاد إلى سبيل الاتحاد
أما المحاولة الثانية فقد كان مَسْرحها هذه المرة (بغداد)، وهي لعالم سُنّي ينتمي إلى المذهب الشافعي، وكان من كبار فقهاء بغداد المعدودين في عصره، ذلكم هو الشيخ إبراهيم الراوي المتوفى سنة 1365هـ/1946م.
فقد جمع مطارحاته مع أحد علماء إيران من الشباب الناهض، وهو السيد محمد مهدي السبزواري المُتوفى سنة 1350هـ/1931م، وأصدرها في كتاب سنة 1349هـ/1930م بعنوان (داعي الرشاد إلى سبيل الاتحاد) كحصيلة عامين كاملين من الحوار للوصول إلى نظرية متكاملة في تعامل أصحاب المذاهب الإسلامية بعضهم مع الآخر.
والفرقُ بين هاتين المحاولتين أن مؤلف (المراجعات) كان يهدف من عملية تسوية الخلاف بينه، وبين خصومه المذهبيين جرَّهم إلى التسليم بالتفسيرات التأريخية، والأصول الاعتقادية التي تنطبق مع وجهة نظره المُتبناة.
أمّا الراوي والسبزواري في (داعي الرشاد) فقد كانا أكثر واقعية من تلك التجربة، بتوفير أقرب الطرق للوصول إليها.
وربما كان اختلاف الدافع بين التجربتين الفريدتين هي التي حتَّمت إختيار هذين المنهجين بلحاظ شخصية المُتحاورين، والظروف التي جرى الحوار بها، والعامل السياسي الذي عصف في المحاولة الثانية بعد سقوط دولة الخلافة الإسلامية التي كانت متمثلة بالدولة العثمانية.
أمّا دوافع هذه الرسالة كما يذكر المؤلف فكانت تهدف لأن تكون سبباً للتآلف بين طائفتين من المسلمين، وذلك لما حلّ بالمسلمين من التخاذل والتنافر والتقاطع لا سيّما بعد الحرب العالمية الأولى عام 1914م، والتي قضت على الدولة العثمانية.
ومن المقالات المهمة في الكتاب مقالة في الدعوة إلى الاتحاد بين الطوائف الإسلامية للسيد محمد مهدي السبزواري حمل فيها على الدول الغربية، وضمَّنها بعض تصوراته في حل مشكلة النزاع بين الفرق الإسلامية، وذلك بالتأكيد على تبنّي المشتركات.
وتندرج تصورات السبزواري كالآتي:
1 ـ ترك التعصب الجاهلي الذي كان سبباً عظيماً للنفاق المؤدي إلى انحطاط المسلمين وتقهقرهم، وتأخرهم.
2 ـ ترك الطعن في صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والقدح فيهم.
3 ـ ترك المجادلات المذهبية، والمكابرات الطائفية، فهي من بواعث اختلاف الكلمة، والنزاع.
4 ـ رفع الأسماء التي أوجبت الاختلاف كالسُنّي، والشيعي، والزيدي، والوهابي، فإن سئل عن مذهبه يكتفي بالقول «أنا مسلم»، وهذه الأسماء هي التي أوجبت الاختلال في نظام أبناء الدين الواحد.
5 ـ عدم تعرض أحد المذاهب للمستحبات، والمندوبات الواردة عند أصحاب المذهب الأخر. ومثال ذلك: عدم تعرض الوهابيين للزيارات المستحبة لدى سائر المسلمين.
6 ـ احترام كل طائفة للطائفة الأخرى، وعدم التمييز بين طائفة وأخرى، فلا يفرّق أحد أبناء الطوائف بين مَن يدين بمذهبه، وبين مَنْ يخالفه.
أمّا على المستوى الرسمي فقد تجلّى مظهر المصالحة في أحد الأمثلة التأريخية بالمُبادرة التي اتخذها السلطان نادر شاه (اغتيل سنة 1160هـ/ 1747م) في حلّ الخلافات السياسية والعقائدية بين الدولتين الإيرانية والعثمانية في المؤتمر الإسلامي الكبير الذي حضره علماء المسلمين في مدينة النجف عام 1156هـ/1743م، من مختلف البقاع الإسلامية لمناقشة وجهات النظر المختلف عليها بين الشيعة والسُنّة، وتسوية الخلافات المزمنة بينهما.
كلمة أخيرة
إن «حوار في الإمامة» الذي دار بين الشيخ الأراكي، والدكتور المسعري هو آخر حَلقة وَصْلٍ في جهود تسوية الخلافة بين المذاهب الإسلامية، وخطوة متقدمة من خطوات الإصلاح، والتقريب بين المسلمين، خصوصاً ما يخصُّ الحوار الشيعي ـ الوهابي.
إنّ التقريب بين المذاهب في مجمله ليس معناه الإجماع على مذهب واحد وإنما هو احترام وجهات النظر الإيجابية، وتقويم ما يُعارضها من وجهات النظر الأخرى.
وعليه يلزم العلماء المُصلحين جهدٌ كبيرٌ ينصبّ على تشكيل لجان متخصصة تُشرف على أقلام الكتّاب والمؤلفين، وعدم اعتماد المؤلفات التي لا تخضع للضوابط ذات المنهج العلمي.
إنّ مقولات «إبادة المسلمين إبادة تامة، أو إبادة مَن يمكن إبادتهم»، أو «أنّ المشرك على نوعين: مشرك لا ينطق بكلمة التوحيد، ولا يصوم، ولا يُصلّي، ولا يحج، ولا يُزكي، ولا يقول بالثواب والعقاب.
ومشرك ينطق بكلمة التوحيد، ويصوم، ويصلّي، ويحج، ويزكي، ويقول بالثواب والعقاب»!
إنّ كلّ هذه المقولات، وغيرها يمكن إعادة النظر في قراءتها ثانيةً لأنّها تمثّل تجاوزاً حقيقياً على مبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء.
الدكتور جودت القزويني
الحوزات العلمية الشيعية
في النجف وجبل عامل وأصفهان
كان للشيعة في هذا الوقت ثلاثة مراكز علمية؛ مركز إصفهان في إيران الصفوية، ومركزان آخران يقعان تحت النفوذ العثماني، هما مركز جبل عامل في بلاد الشام، ومركز النجف في العراق.
وبعد الاضطهاد الذي مارسه المماليك ضد الشيعة، ومقتل الشهيد الأول عام 786هـ/ 1384م لم يخشَ المماليك من نفوذ التشيّع بعد هذه الفترة حيث رفعوا الضغوط عن فقهاء الشيعة هناك. وقد تميزت الفترة الأخيرة من حكمهم بالهدوء، الأمر الذي أنعش المركز العلمي في جبل عامل بنهضة شيعيّة عديمة النظير.
إلاّ أنّ استلام العثمانيين للسلطة عام 923هـ/ 1516م، وسيطرتهم على بلاد الشام بعد القضاء على الحكم المملوكي عكس المعادلة ضد الشيعة مرة أخرى، ووضع حداً للتمتع بالحرية الفكرية التي كان الشيعة قد مارسوها أواخر الحكم المملوكي، وكان موقف حكومة العثمانيين في اسطنبول موقفاً عدائياً للشيعة كنتيجة طبيعية لصراعهم السياسي والعسكري مع الصفويين.
أحسّ العامليون بالخطر بعد مقتل أكبر فقهائهم وهو الشيخ زين الدين بن علي المعروف بالشهيد الثاني عام 965هـ/ 1557م الأمر الذي اضطرهم لمغادرة وطنهم إلى إيران في هجرة واسعة.
وبعد السيطرة القصيرة للصفويين على العراق عام 937هـ/1530م استطاع العثمانيون استرجاعه عام 941هـ/1534م. ونتيجة لهذا الصراع انقطع فقهاء العراق عن الأمور السياسية كلياً، واتجهوا إلى إظهار القطيعة مع دولة الصفويين، واستقلالهم عنها. وقد بالغ كبير فقهاء النجف الشيخ أحمد الأردبيلي (ت: 993هـ/1584م) بالابتعاد عن جميع الإغراءات والعروض الصفوية، ولم يستجب حتى للدعوات التي وجُهت له لزيارة إيران أو الإقامة فيها. إلاّ أنّه لم يكتفِ بذلك بل حاول أن يُظهر بعض ممارسات كبار الحاكمين الصفويين بأنها ممارسات ظالمة وغير شرعية.
فقد نُقل أنّ الأردبيلي بعث رسالة إلى الشاه عباس الصفوي يتشفّع لرجل فرّ الى العراق خوفاً من توعّد السلطة له، وإنزال العقوبة به. ونصّ الرسالة هي: «ليعلم صاحب الملوكية الزائلة عباس: إنّ هذا الرجل وإن كان ظالماً إلاّ أنه يبدو الآن مظلوماً. فلو عفوتَ عن تقصيره عسى الله أن يُغضّ عن بعض تقصيراتك». ونُقل أنّ عباس الصفوي ردّ على هذه الرسالة بالخضوع، وتلبية رغبة الشيخ الأردبيلي)[1112](.
ويُلاحظ أنّ مثل هذه المرويات هي من المرويات غير المحققة باعتبار أنّ وفاة الأردبيلي كانت قبل تولي الشاه عباس الحكم. كما لا يصحّ نسبتها إلى مرحلة ما قبل تولّي الشاه عباس الحكم باعتبار أنّ ولادة الشاه عباس كانت سنة 978هـ/1570م، أي أن عمره يقارب الرابعة عشرة، ولم يكن قد تسلّم منصباً مهماً وهو في تلك السنّ.
وأهمية الأردبيلي تنبع من أنّه استطاع أن يستقطب جُملة من المهاجرين العامليين ليتخرّجوا على يديه فقهاءاً كباراً ضمنوا حريتهم الفكرية، واستقلالهم عن السلطة السياسية للصفويين. وأهم شخصيتين عامليتين تخرّجتا عليه هما: الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني (ت: 1011هـ/1602م)، وابن أخته الشيخ محمد بن علي نور الدين العاملي الجبعي (ت: 1009هـ/1600م).
وقد بالغ هذان الفقيهان بإظهار القطيعة بكلّ ما يتصل بالصفويين حتى أنّهما امتنعا عن زيارة الأماكن الشيعية المقدسة في إيران لعدم الرغبة بالدخول على الشاه عباس الصفوي)[1113](. وكان السبب في ذلك خوفهم على الوجود العلمي في جبل عامل من ردود الفعل العثمانية.
المظاهر الفكرية للحوزات العلمية
قدّمت الحوزات العلمية في النجف وجبل عامل وإصفهان)[1114]( نتاجاً غزيراً من خلال مؤلفات فقهية وأصولية وحديثية أصبحت فيما بعد مراجع مهمة لعلماء الطائفة.
وقد تجلّى هذا الانتاج في مؤلفات الشهيد الثاني وولده الشيخ حسن العاملي من جهة؛ والمحقّق الكركي والبهائي (953 ـ 1030هـ/1546 ـ 1621م) والمجلسي (1037 ـ 1111هـ/1627 ـ 1699م) من جهة أخرى.
وقد اعتبر زين الدين العاملي المعروف بالشهيد الثاني على رأس المدرسة المحايدة التي وقفت موقف عدم التدخل في الصراع الصفوي ـ العثماني، ولم يتأثر بالدعايات الصفوية السياسية في استقطاب الشخصيات الكبيرة لتأييد سياستها الرسمية، بل كان على العكس من ذلك مبدياً صلته الطيبة مع العثمانيين.
نشأ الشهيد الثاني في بيئة اعتاد طلبة العلم فيها للهجرة والدراسة على يد أساتذة من مذاهب إسلامية غير شيعية. وكان هو واحداً من هؤلاء الطلبة الجادين، قد درس بالقاهرة عام 943هـ/1536م على يد أساتذة من فقهاء الشافعية، وآخرين من الحنابلة في علوم الحديث، ومالكية في قواعد اللغة العربية)[1115](.
تجدر الإشارة أنّ هذه المدارس أشبه ما تكون بالجامعات الرسمية التي يتخرّج منها طلبة العلوم الدينية، وهي ذات مناهج دراسية مقرّرة، بغض النظر عن مذهبية الأساتذة واتجهاتهم الثقافية، أو طبيعية الكتب الدراسية ومواضيعها.
من هنا لا يتصوّر أن طلبة جبل عامل عندما يدرسون في هذه المعاهد فإنهم قد شدّوا الرحال إلى معاهد مذهبية مُغايرة. والذي يبدو أنّ هذه الدراسة خاضعة لطبيعة المركز العلمي وقوّته الرسمية في منح الإجازات أو الشهادات الدراسية العالية المتصلة بصلاحياته.
وهذا ما حصل في دراسة علماء السُنّة في الجامعات الشيعيّة على يد نصير الدين الطوسي والعلاّمة الحلي وولده فخر المحقّقين، وحضور بعضهم على يد الآخر دون أن يكون للعامل المذهبي أثره في ذلك.
شدّ زين الدين الرحال عام 952هـ/1545م إلى عاصمة دولة الخلافة العثمانية، إسلامبول برفقة زميله وتلميذه الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي (ت: 984هـ/1576م) لغرض إقامة الروابط الطيبة مع البلاط العثماني، وتحسين صورة الفقهاء المستقلين عندهم.
وقد نجح الشهيد الثاني في مهمته حيث أُوكلت إليه مهمة تدريس الفقه على المذاهب الخمسة في إحدى مدارس مدينة بعلبك ببلاد الشام. كما أُوكل إلى تلميذه الحارثي التدريس في مدرسة من مدارس بغداد)[1116](.
ويمكن القول إنّ السلطة العثمانية من جهتها نجحت أيضاً في تقييد حركة هذين الفقيهين وحصر نشاطهما في المدارس الرسمية التابعة لها.
وبالرغم من أنّ الشهيد الثاني كتبَ مؤلفات في غاية الأهمية سواءاً في علم دراية الحديث، أو في تنظيم الدراسة والتدريس على وفق أُسس تربوية ونفسية تساعد طلبة الدراسات العلمية في تحقيق أهدافهم على مرتكزات أكاديمية، إلاّ أنّه توّجَ الفقه بكتاب في غاية الأهمية قدمه شرحاً على مختصر فقهي. كان الشهيد الأول قد كتبه سنة 782هـ/1380م، أي قبل مقتله سنة 786هـ/1383م ببضع سنوات. وقد انتشر هذا الشرح المُسمّى «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» ككتاب دراسي في معظم مراكز الحوزات العلمية في النجف، قم، مشهد، الهند، وباكستان.
وميزة هذا الشرح أنّ مؤلفه استطاع أن يمزج بين النص الأصلي (المتن) وبين شرحه لهذا النص بطريقة يصعب التفكيك بينهما. ولذا فقد اعتبره بعضُ المحقّقين بأنه أول مَنْ أدخل الشرح المزجي في كتب الشيعة)[1117](.
كما يُلاحظ أيضاً أن الشهيد الثاني في دراسته النظرية للفقه تمكن من استعمال الأسلوب اللغوي الواضح المتين في طريقة عرضه للدرس الفقهي، وطريقة تتبّع الآراء الفقهية ونصاعة اللغة وسهولتها.
وضمن هذه الأجواء ظهر اتجاه جديد للفقه الشيعي في محاولة للتوافق مع المؤسسات الدينية الرسمية المستخدمة من قِبل الدولة العثمانية لتنظيم الدراسة والافتاء والقضاء. وقد أصّل هذا الاتجاه الثوابت المستوعبة للفقه في أحكام العبادات، والمعاملات لتكون مرشداً عملياً في الأحكام على المذهب الشيعي الإمامي في دولة لا تعترفُ رسمياً إلا بالمذاهب الأربعة، كما تقتصر المراتب العُليا لها على مذهب واحد هو المذهب الحنفي. وهذه المحاولة في حدّ ذاتها كانت تستهدف فسح المجال للمذهب الشيعي ليكون واحداً من المذاهب المتبعة، والذي ينتشر أتباعه في السلطنة العثمانية.
إنّ محاولة الظهور بمظهر الاستقلال وعدم الدخول في ميادين السياسة لم تنفع الشهيد الثاني شيئاً. فقد قُتلَ بطريقة غامضة وهو في طريقه إلى القسطنطينية لمقابلة السلطان العثماني الذي قيل إنّه طلبه للتحقيق في وشاية طائفية)[1118](.
وقد أحدثَ مقتله عام 965هـ/1557م صدمة عنيفة لدى فقهاء جبل عامل، حيث بدأت هجرة عدد كبير منهم إلى إيران وبلدان أخرى تخلّصاً لما قد يُستجد من ممارسة العنف تجاههم.
وقد استمر العطاء العلمي على يد الشيخ حسن بن الشهيد الثاني المتوفى سنة 1011هـ/1602م. فقد كتب مؤلفات مهمة أعطت لمدرسة الفقه ولوازمه من العلوم الأخرى نفساً جديداً. يتجلّى ذلك من خلال كتابين مهمين:
الأول: كتاب «معالم الدين وملاذ المجتهدين» في علم أصول الفقه حيث أصبح كتاباً دراسياً سيطر على الأجواء العلمية، وأزاح مؤلفات العلاّمة الحلّي التي كانت تُدرس حتى ذلك التاريخ نظراً لما حواه من آراء جديدة في ثبوت المطالب الأصولية وتنظيمها.
أمّا الكتاب الثاني «مُنتقى الجُمان في الأحاديث الصحاح والحسان» فقد اقتصر فيه على إيراد الأحاديث الصحيحة والحسنة من الأخبار.
وكان يهدف إلى تنقية مجاميع الأحاديث الشيعية من الأحاديث غير الموثّقة من خلال دراسة مستوعبة لكلّ حديث غير مُعتبر. وقد عُدّت هذه المساهمة من المساهمات القيّمة التي تعود بالنفع الكثير لعلم الفقه، ومجاميع الحديث الأخرى.
إلاّ أنّ كتابه هذا لم يكتمل، فقد أنهى من أبوابه الفقهية ما يتعلّق بالأحاديث المختصة بالعبادات فقط)[1119](.
والواقع أنّ هذه المحاولة التي دأبَ على تحقيقها هذا الفقيه الكبير تعيد تلك المحاولة التي قام بها الشريف المرتضى من قبل في طرح أخبار الآحاد وعدم الأخذ إلاّ بالمتواتر من الحديث. بَيدَ أن الفقيه العاملي كان قد عالج الأحاديث معالجة هادئة معتمداً على دراسة موثّقة للأحاديث الواردة عن الأئمة المعصومين، وصحة نسبتها إليهم. وبالرغم من مسلكه المعتدل إلاّ أنه لم يسلم من عدم الرضا، وقد اتهم بأنّه حاول أن يطرح أكثر أخبار الإمامية ويتخلص منها)[1120](.
***
أمّا على الجانب الآخر من فقه هذه المرحلة فقد تجلّت كتابات المحقّق الكركي. وبالرغم من تأييده للسياسة الصفوية إلاّ أن مؤلفاته خلت من مناقشة شرعية الدولة رغم تبجيله للسلاطين الصفويين وتقديم الثناء للدولة، واعتبارها مشروع عمل يمكن أن يكون في النتيجة مشروعاً عقائدياً يمهّد لإقامة الدولة العالمية الكبرى التي يشرف على إدارتها الفقهاء.
وقد اختار الكركي كتاباً فقهياً للعلاّمة الحلّي كان قد ألّفه أيام حكم السلطان أولجايتوخان (خدابنده) ليكون مرشداً في المحاكم الشرعية للدولة المغولية. وهذا الكتاب هو «قواعد الأحكام»، فأراد الكركي أن يُوسّع مباحثه بوضع شرح كبير سماه «جامع المقاصد في شرح القواعد»، وقد أُعتبر هذا الشرح دائرة معارف فقهية كبرى حوت مضافاً إلى أبواب الفقه العامة بعض ما استحدثتهُ متطلبات الدولة الصفوية من مستجدات كحدود اختيارات الفقيه، ومسألة الخراج، ووجوب صلاة الجماعة في عصر الغيبة بوجود المجتهد الجامع للشرائط)[1121](.
ومن خلال جهود المحقق الكركي الفقهية فقد اعتبره بعض الباحثين حلقة في سلسلة تطور الفقه بين حقبتين زمنيتين تبدأ بمدرسة الحلّة وتنتهي بمدرسة كربلاء)[1122](.
وضع الكركي شرحه هذا أيام إقامته بمدينة النجف بالعراق عند خروجه من إيران أيام الشاه إسماعيل الصفوي. وكان فيما يبدو يهدف إلى وضع برنامج فقهي لسياسة إيران المستقبلية التي كان يخطّط لترشيدها تحت سلطة الفقهاء. وقد أشار في مقدمته التي وضعها لهذا الكتاب أنّه كتبه ليكون نظاماً تلتزم به هذه الدولة كما قال في مقدمته: «لمّا كان هذا الكتاب مما منّ الله عليّ بإنشائه في حرم سيدي ومولاي أمير المؤمنين واقعاً أيام الدولة الصفوية أحببتُ أن أجلعهُ تحفةً أؤدّي بها بعض حقوقها عليّ»)[1123](.
الدكتور جودت القزويني
حول أصالة نهج البلاغة
رغم مرور أكثر من ألف عام على ظهور كتاب «نهج البلاغة»، فإنه ما زال يتفاعل في أوساط النقّاد والأدباء، فتختلف فيه الآراء وتتضارب المواقف، كما لو كان حدثاً جديداً لم تستنفد دراسته وفهمه. وفعلاً فقد تناوله الأقدمون تارة بالشروح وأخرى بالملاحظات النقدية فيما يتعلّق بصحّة نسبته إلى الإمام علي عليه السلام.
وما تزال بعض الدراسات الحديثة تقدم شيئاً جديداً، كما أن هناك سلبيات كثيرة في الجهود النقدية حول النهج سواء منها القديمة أو المعاصرة. وأما بالنسبة لطول الشوط الزمني للاهتمام بهذا الكتاب، فإنه ربما يعد أهم كتاب بعد القرآن الكريم والحديث النبوي، والمعركة حوله من أهم المعارك في التراث الإسلامي والأدب العربي.
فقد كتب أحد أدباء سوريا في أوائل هذا القرن عن النهج يقول: «ولولا أن زجّ في كلامه ما ليس منه. لكان استظهاره واستظهار الثقلين (القرآن والحديث) كفتي ميزان»)[1124](.
ومهما تكن المبررات للمساهمة في هذه المعركة الفكرية والأدبية، فالمهم أن هذه المعركة لم تحسم ولم نصل فيها بعد إلى كلمة الفصل، وما تزال نتائج البحث في طي الغيب، ولا يغيب عن الذهن أن هناك دراستين هامتين صدرتا حديثاً وكانتا إلى جانب كبير من الأهمية، هما: «مصادر نهج البلاغة وأسانيده» للمرحوم عبد الزهراء الحسيني، في أربعة أجزاء (صدر عام ١٩٦٩م)، والثاني: «نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة»، لمحمد باقر المحمودي، في ثمانية أجزاء على الأقل (صدرت في عام ١٩٦٥م وبعده). وإذا كان كتاب الحسيني ـ وهو الكتاب الأهم ـ يتعلّق بمصادر نهج البلاغة. ذلك السؤال الذي برّر كل النظريات النقدية حول موضوع الأصالة، ولكن المؤلف لم يكتف بذلك وإنما جعل من كتابه موسوعة للرد على كل ما يتصل بمشكلة الأصالة. أما المحمودي فإنه استظهر كل ما رُوري عن الإمام علي عليه السلام في المصادر الأخرى، لإثبات أن ما في النهج جزءاً يسيراً مما يروى عن علي عليه السلام. وبالتالي تنتفي تهمة الوضع المزعومة. ومع ذلك فالجدال حول النهج لم ينته بهذين الكتابين، وما تزال المطابع تصدر إنتاجاً جديداً يتراوح بين النقد أو الرد عليه. ولهذا وددت أن أساهم في هذه القضية النقدية، فقد أخذت باهتمامي منذ سنين بعيدة، واطلعت على كثير مما كُتب حول الموضوع، ولا سيما في بعض اللغات الأوروبية، ممّا لا نجد له ذكراً غالباً في دراساتنا العربية، وسأقصر اهتمامي على قيمة بعض هذه الدراسات أو الملاحظات النقدية.
الطابع المذهبي للنقد
أود أن أوضح أيضاً أن النقاش حول النهج، لم يكن دائماً، نقاشاً أدبياً أو موضوعياً، فيكتفي بأدوات الحوار المعتادة، وإنما يأخذ بعض الأحيان شكل المعارك التاريخية، والعصبيات المذهبية، بحيث يبرز الدور الأكبر للعاطفة. وذلك لأن صاحب الكلام في هذا الكتاب، أي الإمام علي عليه السلام، شخصية خلافية، فلأهل السُّنة صورة له تختلف نوعاً ما عن صورته عند الشيعة. وهذه الصورة سواء عند الشيعة أو عند السُّنة تطوّرت على مرور الأيام، بتطور الآراء المذهبية وتبلورها في قوالب معيّنة مبتعدة عن الاجتهاد والاحتمال إلى الجزم والقطعية. فصورة علي عليه السلام لدى أهل السُّنة المتأخرين لا تنسجم غالباً مع وجود خطبة في نهج البلاغة (الخطبة الشقشقية) تتضمّن رأيه في الخلفاء الثلاثة. وهو رأي ينطوي على نقد صريح يتعلّق بأحقيّة الخلافة، ولكن الأسلوب المجازي البليغ الذي صيغت به تلك العبارات يجعل من الصعب وصمها بـ «السب الصراح والحط من الشيخين أبي بكر وعمر (رض)» كما زعم الذهبي وآخرون)[1125](.
فالنقد الموضوعي من قبيل «أما والله لقد تقصمها فلان وأنّه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى..» أو «فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته» أو «فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كُلامها، ويخشن مسّها ويكثر العثار فيها»)[1126]( ليس سبّاً أو حطاً إلا إذا أخذنا بالاعتبار أن القائل ليس علياً وإنما شخص متأخر عنه، أو أن صورة علي عليه السلام عند الناقد ليست الصورة الواقعية له.
الملاحظ أن الناس من ذوي الأقدار المتواضعة في دنيا الثقافة، لا يعرفون كبير فرق بين النقد والشتم، كما سآتي على ذكره فيما بعد، فالتاريخ يحدثنا عن الصراحة المتبادلة بين صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد كانت المعارك الحربية في حالات نادرة ـ للاسف ـ جزءاً من تلك الصراحة.
إن تحريم البعض للنقد لا سند له في تربية القرآن الكريم، فكتاب الله ربما يوجه العتاب أو النقدات الشديدة إلى النبي الأمين صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك)، وقوله له مهدداً: (لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) ذلك كله إلى جانب المدح والتعظيم للنبي: (وإنك لعلى خلق عظيم) )[1127](. و«النهج» يحاكي ذلك لأنه إلى جانب نقد عمر في الخطبة الشقشقية، رثائه في خطبة أخرى بقوله: «لله بلاء (أو بلاد) فلان، فلقد قوّم الأود، وداوى العمد، وأقام السنّة، وخلّف الفتنة»، وفي النسخة المخطوطة لدى الشريف الرضي، كتب موضحاً تحت «فلان»، كلمة عمر )[1128](. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن لابن الخطاب آراء نقدية سلبية وإيجابية في علي. فربما وصفه بالدعابة (كناية عن لينه وانشراحه)، ووصفه تارة أخرى بالشدّة في تطبيق احكام الله.. وأي ضير في صراحة كل من الرجلين في صاحبه)[1129](.
تعطيل المنهج العلمي
إننا عندما نستعرض بعض آراء المتأخرين في قضايانا التاريخية، يأخذنا العجب لضيق هؤلاء بالحقائق. فقد كتب أحدهم مؤخراً ينصح فيه بتعطيل المنهج العلمي، بحجة خطورة تطبيقه على تاريخ الصحابة، ولأن الكاتب يُنزل النقد منزلة متدنية ولا يفرق بينه وبين الشتم لذا يقول: «ويجب أن نعلم أيضاً أن ما يسمى بالنقد العلمي أو الموضوعية لتاريخ الصحابة هو السب الوارد في كتب البدع، وفي كتب الأخبار وتسميته بالمنهج العلمي لا يخرجه عن حقيقته التي عُرف بها عند أهل السُّنة». والكاتب ينتقد أيضاً كتّاباً مشهورين من ذوي الفضل والصلاح لاستعانتهم بالمنهج العلمي؟!)[1130](.
إن هذا التعطيل للمنهج العلمي هو المسؤول عن كثير من الملاحظات والآراء النقدية في نهج البلاغة. يقول أحد العلماء المعاصرين عن سر الشك في «نهج البلاغة»: ما بال إخواننا السُّنة يشكون فى النهج كلّه لتأثرهم مما في الخطبة الشقشقية، بينما المتطرفين من الشيعة يتوقفون عن توثيق الكتاب بسبب خطبة «لله بلاد فلان»)[1131](.
ومن آيات ضيق الأفق الذهبي، وتطبيق الأدب لعواطف الطائفية، أنّه في سنة ١٩٥٤ عندما ظهرت طبعة مصرية جديدة لكتاب ابن أبي الحديد الشهير، «شرح نهج البلاغة» وهو كتاب موسوعي يتضمن استطرادات تاريخية وبلاغية وكلامية وغيرها ويقع في عشرين مجلداً، وقد وصفه بعضهم «بمتحف من كتب منقرضة» لأن الكتاب ظهر قبل هجمة المغول على بغداد بقليل فانفرضت تلك الكتب المذكورة في شرحه، وقد أثار ظهور الكتاب غيض أحد الكتّاب العراقيين فكتب كتيباً بعنوان «تشريع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد». وهو محشو بالشتم والتقريع لكل من لا يرى رأيه المعين، فنحن نقرأ في مقدمته، كما لو أن هناك مؤامرة ستطيح بالإسلام والمسلمين، اسمها: طبع كتاب شرح نهج البلاغة: «انا نشعر ان هناك مؤامرة محشوة بفن الكيد والدس. من ذلك الفن الجديد تجديد طبع الكتاب الموسوم بشرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد!
«لقد تأكد لدينا هذا الخطر منذ جهر القائل بقوله: عصر التقية قد تقضى وانقضى..» ويعمد الكاتب إلى نقد شارح النهج، ويشتمه أحياناً بالإشارة إليه «بابن أبي الّح» بدلاً من «ابن أبي الحديد» بمعنى خبث الحديد)[1132](. مع أن مؤلف الشرح من العلماء المرموقين والأدباء الأفذاذ وهو من مذهب منقرض هو الاعتزال لا صلة له بالخصومات السنية والشيعية، لأنَّ المعتزلة اتّخذوا الموقف الوسط والمنهج العقلي، كما يتجلّى في شرح ابن أبي الحديد نفسه.
من يستفيد من هدم التراث؟
إن المرء ليعجب من تقدير الأوروبيين لروائعهم الأدبية، بعيداً عن النعرات العنصرية أو المذهبية. فرغم الخصومات الإنكليزية والإيرلندية، لم نسمع إيرلندياً شكّك بأصالة روايات شكسبير، أو إنكليزياً طعن بكتابات برناردشو، الأمر لا يفسّر إلاّ على أساس تسيّس الأدب عندنا، وكما يرى أحد المعاصرين: أنها ناشئة عن فشلنا السياسي، فتحولت السياسية (الطبيعية) احتقاناً في شرايننا نحو مجالات أخرى بالإسقاط والتعويض، فصار التاريخ مسيّساً والأدب مسيّساً والفكر مسيّساً، وكل شيء إلاّ السياسة)[1133](.
إن هذا الإهمال لتراثنا الأدبي، وخاصة «نهج البلاغة» قد لفت نظر أحد المستشرقين القدامى. فقد كتب سيمون أوكلي، أستاذ العربية في جامعة كمبردج (١٧١١ ـ ١٧٢٠م) كتاباً عن تاريخ المسلمين ضمّنه فصلاً في «كلمات قصار لعلي بن أبي طالب» اقتبسها من كتاب اسمه «ربيع الأخبار» وترجمها إلى الإنكليزية، وقدّم لهذا الفصل بمقدمة انتقد فيها بعض المظاهر السائدة في المجتمع البريطاني آنذاك من قبيل الانغماس في المظاهر المعاشية كموضة الزي والأثاث وغيرها، وأشاد بالشرق وخاصة بالعرب لعنايتهم بالكلام، وخاصة الحكم والأمثال، والتي تعكس عمق تجربتهم. وتطرّق إلى الحكم العلوية قائلاً: «إن هناك في هذه الكلمات القصار ما يكفي لتخليص العرب من تهمة الجهل التي ألصقتها بهم التقليعات الحديثة»)[1134](.
ثم إننا نجد إلى جانب ما تقدّم، أن المستشرقين غالباً وقفوا موقفاً سلبياً من تراثنا الحضاري والديني، وقد أوقفنا إدورد سعيد في كتابه «الاستشراق» على تلك المواقف. وقد لقت الحملة المذهبية ضد نهج البلاغة في أوساطنا الإسلامية، تجاوباً وترحيباً في أوساط المستشرقين لأن إلغاء أصالة نهج البلاغة ـ إن حقاً أو باطلاً ـ سيضع في أيدي هؤلاء حجة ضد أصالة الحضارة الإسلامية وأصالة الأدب العربي، وعندما ظهرت أول أطروحة جامعية عن النهج في أوروبا (سنة ١٩٤٨م)، كتب المشرف الفرنسي في مقدّمتها كلمات تشجيع، علماً بأن الكاتب العربي لهذه الأطروحة، استعار ما وجده في الكتب المذهبية حول «النهج»، مع الاستعانة بمنهج ديكارت القائم على الشك، فخلص إلى: «أنّه إذا كان الحديث النبوي مشكوك فيه! (!) فالشك فيما نسب لعلي في النهج أمر أكيد! الخ»)[1135](. وعليه فزعم المشرف الراهب م. فيغالي: أن جميل سلطان قدّم اكتشافاً جديداً عندما أثبت أن النهج ليس من كلام علي. والحقيقة أنها أحكام مسبقة على البحث واجترار لما جاء في كتب المذاهب.
نقد بلا دليل
ولا أريد استعراض ما جاء في هذه الأطروحة الآن، إنما القول أن كثيراً من الدراسات الحديثة، ليست حديثة إلاّ في تاريخ الطبع، لأن التكرار لأقوال السلف والاتكال على آراء غير محققة هو ـ للأسف ـ ديدن العديد من أصحاب هذه الدراسات. فإذا أخذنا ما كتبه إسعاف النشاشيبي وجميل سلطان وصفاء خلوصي وإحسان عباس وغيرهم، نجد أن الاتهامات هي ذاتها وما يسمى بالأدلة هي ذاتها.. والفارق الوحيد هو الأسلوب. كتب الباحث وارث حسن معلقاً على ما كتبه الدكتور صفاء خلوصي عن النهج في أطروحته الموسومة: «التأثيرات الشيعية في الأدب العـربي»، وكذلك مقالته في مجلة Islamic Review (في اكتوبـر ١٩٥٠))[1136](. قائلاً: «إن تعليقات خلوصي عن.. (كذا وكذا) مطابقة لما ذكره جميل سلطان بصورة تجلب النظر»)[1137](. وفات وارث حسن أن جميل سلطان هو الآخر هضم حقوق التأليف لأسلاف له، على رأسهم ابن أبي الحديد، وإسعاف النشاشيبي، ولم يأت بشيء ذي بال من عنده، رغم أن إنجازه للأطروحة استغرق ثمانية سنوات!
ومع ذلك عندما نرجع إلى أصول هذا النقد في كتب القدامى ماذا نجد؟ فالذي بذر بذرة الشك، بحسب الرأي المشهور)[1138]( هو ابن خلكان (٦٨١ هـ/١٢٨٢م) سبق وكتب في ترجمة الشريف المرتضى (ت٤٣٦هـ) وهو الشقيق الأكبر للشريف الرضي الذي اختار كلام الإمام علي في «نهج البلاغة»، ممّا جاء في كتابه: «وفيات الأعيان» ما يلي:
«له تصانيف على مذهب الشيعة… وقد اختلف الناس في كتاب «نهج البلاغة» المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل هو جمعه أم جمعه أخوه الرضي وقد قيل إنّه ليس من كلام علي وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه، والله أعلم». لا نجد في هذا الكلام دليلاً وبرهاناً على تهمة التزييف المزدوجة، أعني التردّد بين من جمع الكلام، والتردّد بين الجامع والمؤلف. لكن أسلوب «اختلف الناس، وقيل، والله أعلم» يعكس ـ للأسف ـ اللامبالاة تجاه هذا السفر الأدبي العظيم.
ثم إن ابن تيمية (توفى ٧٢٨هـ/١٣٢٧م)، «في منهاج السُّنة النبوية»، والذهبي (توفى ٧٤٨هـ/١٣٤٧م) في «شذرات الذهب» والصفدي (توفى ٧٦٤م/١٣٦٢م) في «الوافي بالوفيات»، وابن حجر العسقلاني (توفى ٨٥٢هـ/١٤٤٨م) في «لسان الميزان» كل هؤلاء ردّدوا شكوك ابن خلكان، وربما أضافوا إليها تعليلات معينة، مثلاً ابن تيمية ادّعى خلو كتب الأدب منها، وطالب بالمصادر، أما الذهبى فوصف المرتضى بأنه «رافضي ومعتزلي» (معاً)! وبيّن أن علّة الشك هو النقد الوارد في الخطبة الشقشقية، كما ادّعى أن عبارات النهج تخالف أفكار وأساليب عصر الإمام)[1139](.
كل هؤلاء النقّاد ينتمون على حدّ قول وارث حسن إلى المدرسة الشامية في العصر المملوكي. ويصف جهودهم بقوله: «وأن هؤلاء العلماء الذين ربما كتبت قائمة طويلة من المؤلفات تحت أسمائهم، لكن الأصالة في كتبهم تعتبر عملة نادرة إضافة إلى خلوها من البحث المستقل. فلا واحد من هؤلاء النقاد كلّف نفسه البحث في محتويات النهج، إنما اكتفوا بتكرار الرأي الذي قال به ابن خلكان بعد صدور نهج البلاغة بقرنين ونصف»)[1140](.
وهكذا يتحول هذا الصرح الضخم من الدراسات النقدية إلى ركام من أحجار مكررة بليدة.. وهو أمر مؤسف. فكتاب «نهج البلاغة ـ في رأيي المتواضع ـ ليس فوق النقد، لكنه يستحق نقداً موضوعياً جاداً، نقداً على مستوى بعض الشروح التي خلّدت ذكره، مثل شرح ابن أبي الحديد، وشرح ميثم بن ميثم البحراني. وكلاهما من كبار الأدباء في القرنين السادس والسابع الهجري على التوالي، والمأمول أن يتصدى للنقد أيضاً أدباء كبار من هذا العصر، بعيداً عن الاهتمامات غير الأدبية. وأستميح القارىء العذر لأني لم أفصّل وتركت كثيراً من الثغرات والأسئلة بلا إجابة. على أمل مواصلة هذه الدراسة في فرصة أخرى بإذن الله تعالى.
أياد الحسيني
الخان الحكيم
تعد المدرسة الفقهية والفلسفية في أصفهان، إحدى المدارس الغنية في الثقافة الإسلامية والتي ظهرت إلى الوجود بالهمة العالية لشخصيات مثل السيد الداماد وصدر المتألهين الشيرازي. واستمرت هذه المدرسة الفكرية والفلسفية الكبرى التي تفتحت براعمها في القرن الهجري الحادي عشر، لسنوات مديدة، وترعرع في جنباتها مفكرون كبار، خلّف بعضهم آثاراً قيمة في الفلسفة وعلم الكلام إلى جانب تسلقهم لذروة الفقه. فقد لخّص الفاضل الهندي ـ الذي يُحتمل أنه وُلد بفلاورجان التابعة لأصفهان ـ كتاب «الشفاء» لابن سينا. وفُقدت هذه النسخة آنذاك مما دفع المؤلف لإعادة تلخيصه وهو في الثانية والعشرين من العمر، كاشفاً بذلك عن نبوغه الفكري.
ولا ريب في أن الفاضل الهندي، يُعدّ أحد أبرز مفكري أصفهان في أيام السلطان حسين الصفوي إلى جانب علماء معروفين آخرين مثل جمال الخوانساري، ومحمد باقر الخاتون آبادي اللذين توفيا قبله وكان لدى كل منهما منصب رسمي: «ملا باشي» و«شيخ الإسلام». إلاّ أنّ الفاضل الهندي كان مجتهداً بارزاً وأحد رجال الإفتاء المعروفين بأصفهان. أما العلماء الكبار الآخرون الذين سبقوا الفاضل الهندي وكان لديهم منزلة عليا فهم: العلامة المجلسي، وجمال الخوانساري، ومحمد باقر الحسيني الخاتون آبادي، والشيخ جعفر القاضي، ورضي بن حسين الخوانساري، والشيخ علي حفيد الشهيد الثاني. وقد سُجلت أسماء هؤلاء العلماء في حكم عام أصدره السلطان حسين الصفوي في بداية عهده في عام 1106هـ. ولعبت الحوزة الفقهية بأصفهان دوراً جديراً بالملاحظة خلال تاريخ الاجتهاد الشيعي، وتألقت آنذاك شخصيات مثل الفاضل الهندي، وحسين الخوانساري، وحسين بن رفيع الدين المعروف بسلطان العلماء. والرجوع إلى كتاب «كشف اللثام» للفاضل الهندي، يكشف بوضوح عن مدى الأهمية التي كانت تتميز بها مدرسة أصفهان الفقهية. وقد نقل المرحوم الحاج الشيخ عباس القمي عن المحدث النوري عن أستاذه الشيخ عبد الحسين أن صاحب الجواهر كانت لديه ثقة عجيبة بالفاضل الهندي وكتابه كشف اللثام، ولم يكن يكتب شيئاً من «الجواهر» إلاّ وكتاب الفاضل الهندي بين يديه. كما نقل عنه قوله: «لو لم يكن الفاضل في إيران ما ظننت أنّ الفقه صار إليه»)[1141](. وتألق عدد آخر من مفكري المدرسة الأصفهانية على صعيد الفلسفة والكلام وكتبوا في حقلي الفقه والفلسفة.
ويبدو ضرورياً هنا الإشارة ولو بشكل عابر إلى أسماء بعض كبار مفكري هذه المدرسة: يُعدّ محمد رضا القمشئي المتخلص بـ«صهبا» أحد الذين بلغوا درجات عليا في الحكمة المتعالية والمعارف الإلهية وفاقوا أبناء زمانهم. كما كان علي المدرس الزنوزي ابن الحكيم الكبير ملا عبدالله الزنوزي، مفكراً كبيراً أيضاً حتى أسماه البعض بـ«الفيلسوف المؤسس». وانبرى هذان الحكيمان الكبيران المنتميان إلى مدرسة أصفهان الفلسفية، لتأليف الكتب القيمة وتربية التلامذة الأذكياء والبارزين، عاملين من خلال ذلك على تطوير هذه المدرسة وتوسيع نطاقها، كما كان لها دور أساسي في بقائها وديمومتها.
ويحظى جهانغير القشقائي بمكانة خاصة من بين تلامذة محمد رضا القمشئي. وينتمي هذا الخان الحكيم إلى بطن «قره شوري»، من بطون القبيلة القشقائية، ويُعدّ أحد خوانينها. وقد تخلى عن أقرانه واختار طريق الحكمة والعرفان الوعر. وقيل أنه قدم أصفهان وهو في الأربعين من عمره لمهمة ما، فأقبل على المدرسة بفضل التوفيق الإلهي. وكان يميل نحو الموسيقى منذ أيام شبابه وقد أقبل على أصفهان لإكمال تعلم هذا الفن. فقادته خطاه في أصفهان نحو مدرسة الصدر فوقع تحت تأثير أجوائها المعنوية النقية. وقيل إنه خلال ذهابه إلى المدرسة نادى عليه درويش من حانوت مجاور لها فسأله عن بلدته وحرفته ونسبه، فشرح له جهانغير وضعه كما هو. وحينما فرغ من حديثه أمعن الدرويش النظر في وجهه وقال له: إنك حتى وإن أصبحت فارابي زمانه، إلا أنك لن تكون سوى مطرب فحسب. فقال له: نطقت بالأمر الحسن وأيقظتني من نوم الغفلة. فقل لي ماذا أفعل كي أنال خير الدنيا والآخرة؟ فقال له: يبدو أنك قد استحسنت أجواء هذه المدرسة. فخذ حجرة فيها وانشغل بتحصيل العلم. وقد قال جهانغير: «وصلت إلى هذا المقام بهمة نفس ذلك الدرويش ويُمن إرشاده»)[1142](.
وتتلمذ الخان الحكيم في الحوزة العلمية بأصفهان على كبار الأساتذة والشيوخ، ونال أرفع الدرجات العلمية. وانبرى بعد ذلك للتدريس وتربية التلامذة من ذوي المواهب والاستعداد، فسعى عن هذا الطريق لنشر الحكمة والمعارف الحقيقية. وليسوا قلّة أولئك الذين تتلمذوا على يديه وتوصلوا من خلاله إلى الكمالات المعنوية، حتى أنّ البعض منهم قلّده في طريقته في الحياة وحتى في أسلوب ملبسه. وكان المرحوم الحاج رحيم أرباب الأصفهاني، من بين من عاش بأسلوب الخان الحكيم وقلّده حتى في زيّه ولباسه. وقد جمع المعقول والمنقول من العلوم حتى عُدّ مجتهداً كبيراً وصاحب فتوى. ورغم هذا لم يكن يضع العمامة على رأسه ولم يرتد لباس المجتهدين المتداول. وكان يلف على رأسه شالاً أبيض خلال إمامته لصلاة الجماعة استحباباً، إلاّ أنه سرعان ما يرفع هذا الشال بمجرد الانتهاء من الصلاة ويرتدي زيّه العادي.
وكان المرحوم الحاج رحيم أرباب يضع على رأسه قبعةً جلدية عادةً وعلى كتفيه عباءً. وكان ينزع مثل الكثيرين من علماء مدرسة أصفهان نحو الفكر والتأمل وقلما يميل للتأليف، ولهذا وصلتنا منه آثار مكتوبة قليلة، وتتلمذ على يديه عدد كبير من الطلبة.
ونعرف بعد المرحوم أرباب، شخصية علمية ودينية أخرى يمكن عدّها نموذجاً يذكّر بشخصية جهانغير القشقائي العلمية والمعنوية، وهي شخصية حيدر علي خان برومند. وكان يلبس على غرار الحاج رحيم أرباب ولم يتوقف طوال عمره عن تدريس طلبة العلوم الدينية، لا سيما كتب الشيخ الأنصاري وأخوند ملا محمد كاظم الخراساني، كالرسائل، والمكاسب، وكفاية الأصول.
ولد حيدر علي خان برومند في قرية «كز» الواقعة في ضواحي مدينة أصفهان، ويُعدّ من كبار خوانين المنطقة وأصحاب الإقطاعات في منطقتي «كز» و«برخوار» بأصفهان. ورغم ذلك لم ينصرف قط عن التعليم والتعلم، فكان منهمكاً بمطالعة كتب الفقه والكلام. وقد قدم أصفهان وهو في السادسة من عمره لتلقي العلم في المدرسة القدسية. مثلما ذكر ذلك في مقدمة كتابه «طريق الإرشاد». وتعلم على شيوخ أفاضل مثل السيد مهدي الدرجئي، والسيد محمد النجف آبادي، والحاج السيد علي النجف آبادي، والحاج الشيخ محمد رضا النجفي الغروي. كما قرأ بعض الكتب الفلسفية على حكيم زمانه الشيخ محمد الحكيم الخراساني. ويُعدّ الحكيم الخراساني نمو ذجاً بارزاً في المدرسة الفلسفية بأصفهان. وكان حكيماً منعزلاً وورعاً، وظل يسكن في مدرسة الصدر بأصفهان حتى آخر عمره. وتخرج على يديه الكثير من الطلبة كالأستاذ جلال الدين الهمائي. وكان هذا الأخير ـ وعلى العكس من أستاذه ـ مكثاراً في الكتابة، فضلاً عن التدريس، وخلّف العديد من الآثار القيمة. وعاصر حيدر علي خان برومند وعاش معه في فترة واحدة. ويعدّ هذان الفاضلان، نموذجين من نماذج المدرسة الفقهية والفلسفية بأصفهان. فرحمة الله عليهما إذ دافع كل منهما وفي خندقه عن الفقه والفلسفة معاً.
آراء الحكيم المتأله
المرحوم المدرسي اليزدي
لقد قيل الكثير عن ماهية الفلسفة الإسلامية وحركتها التاريخية. وعبّرت مختلف الفرق الإسلامية عن وجهات نظر متباينة على هذا الصعيد، كما اختلفت الأقوال التي أطلقها المؤرخون الغربيون. وقد اتخذت فرقتان من هذه الفرق جميعاً موقفاً واحدا ًإزاء الفلسفة الإسلامية، رغم العداء الناشب بين هاتين الفرقتين والاختلال القائم بينهما في شتى القضايا الأخرى. فبعض المؤرخين الغربيين يرى عدم وجود فلسفة في الإسلام، وأنّ ما يُشار إليه كفلسفة إسلامية ليس سوى تقليد لفلاسفة اليونان مع ما في هذا التقليد من تحريف وتشويش! وقد ضمّ فريق من المسلمين صوته إلى صوت الغربيين فأخذ يكرر هذا الزعم، ويعارض كل فكر فلسفي ويعتبره أجنبياً على الإسلام.
جدير بالذكر أنّ هذا الزعم الذي يزعمه هذان الفريقان المسلم وغير المسلم، وإن بدا واحداً من حيث الظاهر، إلا أنه يكمن خلفه دافعان متباينان، وتتمخض عنه نتيجتان مختلفتان. والدافع الكامن خلف معارضة بعض المسلمين للفلسفة هو الحفاظ على التعاليم الإسلامية من كل انحراف يفرزه الفكر الإنساني. فهؤلاء يرون أنّ الوحي الإلهي أسمى بكثير من الفكر الإنساني، ولهذا لا يجب خلطه بالأفكار الفلسفية. ويعتبرون كل تفكير فلسفي بشأن الحقائق الدينية، يضاعف من خطر الخلط والامتزاج، ويفتح باب الانحراف والضلال.
أما حينما يزعم مؤرخو الفلسفة في الغرب عدم وجود فلسفة في الإسلام، إنما يدفعهم إلى ذلك دافع آخر لا يخرج عن الإطار العنصري. فهم يعتقدون أنّ اليونان، مهد الفلسفة، وأنّ استمراريتها والتطورات التي شهدتها، قد تحققت في البلاد الغربية. كما تحدثت هذه الفئة بما هو أكثر صراحة من ذلك فزعمت أنّ الاستعداد العنصري، مؤثر في إدراك المسائل الفلسفية!
ولسنا بصدد مناقشة مثل هذه الآراء الهشة ولا التأكيد على أن إيران، مهد الفلسفة، وشيوع الأفكار الفلسفية العميقة وازدهارها في هذه البلاد حتى قبل أن يظهر أفلاطون وأرسطو إلى الوجود في اليونان. لكن لا بد من الاشارة إلى أنّ الإنسان لو أزاح عن عينه حجاب الدوافع والأحكام المسبقة، لشاهد بوضوح ظهور فلاسفة كبار في العالم الإسلامي، أفلحوا في إيجاد الحلول للكثير من المشاكل في ظل أفكارهم العميقة الواسعة.
وظهور فلاسفة كبار في العالم الإسلامي، يكشف ولا شك عن أنّ التعاليم الإسلامية المقدسة قد مهدت الأرضية اللازمة لنمو الفكر الفلسفي وتمخض الأفكار العميقة. ولا شك في معرفة كبار الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا بالفلسفة اليونانية، ولكن الذي لا شك فيه أيضاً هو أنّ ما كان مشكلاً عند هؤلاء الفلاسفة المسلمين وكرّسوا جهودهم الفكرية لحلّه، هو غير ما كان يشتبك معه فلاسفة اليونان. بتعبير آخر: أنّ كل فيلسوف أو مفكر، يواجه المسائل الخاصة بذلك المحيط أو المجتمع الذي يعيش فيه، وتزدهر أفكاره على ضوء تماسه مع تلك المسائل.
فالمسائل التي واجهها ابن سينا، لا شك وأنها غير المسائل التي واجهها أرسطو وأمثاله. ولهذا لا تُعدّ فلسفة ابن سينا، نفس فلسفة أرسطو، ويمكن التمييز بينهما بسلسلة من الميزات والخصوصيات. صحيح أنّ ابن سينا يُعدّ شيخ فلاسفة الإسلام وبرهن عن جدارة على مشيخته هذه، إلاّ أن تأسيس فلسفة إسلامية ضمن نظام منسجم، قد تم قبل ابن سينا على يد الفارابي. وهذه حقيقة اعترف بها ابن سينا نفسه، حتى أنه عبّر عن الفارابي باستاذه أحياناً. والعارفون بتاريخ الثقافة الإسلامية يعلمون جيداً أن ليس بإمكان أحد أن يتجاهل تأثير ابن سينا على مختلف الفنون والعلوم الإسلامية، رغم ما تعرض له من معارضة وردود فعل حادة.
ويُعدّ كتاب «تهافت الفلاسفة» للغزالي، نموذجا ًعلى ردود الفعل المعارضة لانتشار الأفكار الفلسفية. والتأثير الذي خلّفه هذا الكتاب على الفكر الديني والضربة التي تلقاها الكيان الفلسفي من خلاله، ليس بالأمر الذي يمكن التحدث عنه هنا، رغم أنّ علينا أن لا نغفل عن هذه الحقيقة وهي أنّ الفلسفة قد استمرت في حياتها ولم تخرج عن مسارها التاريخي رغم الضغوط العنيفة التي وجهت لها.
وبعد الغزالي بفترة طويلة، ظهر في غرب العالم الإسلامي فيلسوف كبير هو ابن رشد الذي انبرى لتأليف كتاب تصدى به لكتاب الغزالي وأسماه «تهافت التهافت». وظهرت إلى الوجود بعد ابن رشد وبعد الصراع الذي خاضه ضد أفكار الغزالي كتب أخرى في رفض الفلسفة، لم تبق هي الأخرى بدون إجابة. ورغم هذا كله لم ينطفئ مصباح الفلسفة في العالم الاسلامي في يوم ما، وظل نوره ينير الأذهان المستعدة رغم عواصف الحوادث وصروف الزمان.
ويمكن تقسيم حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي إلى ثلاث مراحل متميزة هي:
1 ـ المرحلة التي بدأت بالفارابي وانتهت بابن رشد.
2 ـ المرحلة التي تبلورت فيها المدرسة الفلسفية في شيراز وظهرت فيها شخصيات فلسفية مثل السيد السند، وجلال الدين الدواني، وغياث الدين منصور الدشتكي وأتباعهم.
3 ـ المرحلة التي تبدأ بالسيد الداماد وصدر المتألهين الشيرازي والتي تبلورت فيها المدرسة الفلسفية في أصفهان.
ويُعدّ صدر المتألهين، مؤسساً لحركة فكرية فلسفية أسماها «الحكمة المتعالية». وتعدّ هذه الحركة من أعمق مذاهب الحكمة الإلهية التي توصل إليها الإنسان حتى اليوم. واستطاع هذا الفيلسوف الحكيم وانطلاقاً مما لديه من معرفة كاملة بمختلف التيارات الفكرية في العالم الاسلامي وما مارسه من تفكير وتأمل، أن يبلور أفكاره العميقة في إطار نظام فلسفي منسجم، مستعيناً في ذلك بمضامين الآيات القرآنية وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام. وقد استعان بالمذاهب الفلسفية التي سبقته في تأسيس «الحكمة المتعالية»، بنفس مستوى استعانته بالأفكار العرفانية العالية. كما تأمّل كثيراً في مختلف النحل الكلامية ولم تغب عن عينه في اتخاذه لمواقفه الفلسفية.
وظلت «الحكمة المتعالية» لصدر المتألهين، مجهولة لفترة طويلة، ولم يقف على عمق هذا النظام الفلسفي حتى أهل الفلسفة أيضاً. ثم أخذت تتضح معالم هذا النظام وعمق أفكار هذا الحكيم الكبير بمرور الزمن. وكان الحكيم البصير ميرزا محمد تقي الماسي من بين من وقف على أهمية أفكار صدر المتألهين وكشف الحجاب عنها لتلامذته. كما لا يمكن تجاهل الدور الذي نهض به الحكيم الكبير ملا علي النوري في نشر تلك الأفكار وتسليط الضوء عليها. وكان ملا علي النوري تلميذاً للبيد آبادي، الذي كان تلميذاً لاسماعيل الخاجويي، الذي كان تلميذاً لملا محمد صادق الأردستاني، الذي كان تلميذاً لملا رجب علي التبريزي، والمحقق اللاهيجي، والشيخ حسن التنكابني، والفيض الكاشاني. ومن هنا ندرك أن ملا علي النوري يتصل بصدر المتألهين من خلال أربعة شيوخ. وقد كان موفقاً في حياته وأمضى سنوات طويلة في تدريس آثار صدر المتألهين، واستطاع أن يُعدّ الكثير من الطلبة الذين كان كل منهم مصدراً لآثار علمية كبرى في إيران المترامية الأطراف. ومن تلامذته: الحاج ملا هادي السبزواري، وملا إسماعيل واحد العين، وملا رقا القزويني، والحاج محمد جعفر اللنغرودي، والسيد رضي المازندراني. وكان يقوم بمهمة التدريس في مدينة أصفهان، فتعلم الفلسفة بها الكثير من رجال الحكمة. وهاجر أربعة من هؤلاء إلى طهران بفعل بعض الظروف، فأسسوا مدرسة طهران الفلسفية. وقد عُرف هؤء بـ«الحكماء الأربعة» وهم: محمد رضا القمشئي، وعلي المدرس الزنوزي، وميرزا أبو الحسن جلوه، وميرزا حسين السبزواري، وجميعهم من تلامذة ملا هادي السبزواري)[1143](، وبرزت من بين هؤلاء الحكماء الأربعة شخصية محمد رضا القمشئي الذي برع في العرفان النظري والعملي فضلاً عن تبحره في الفلسفة وبحوثها. وقد عاش حياته زاهداً ورعاً غير مكترث بحطام الدنيا وبهارجها.
وتتلمذ القمشئي على السيد رضي المازندراني، وملا محمد جعفر اللنغرودي، وأخذ يطوي مدارج العلم والكمال بخطوات وئيدة. وأفلح بكلامه النافذ ونفسه الدافئ أن يربي الكثير من أصحاب الاستعداد والكفاءة ومنهم الحكيم الكبير المرحوم ميرزا علي أكبر المدرس اليزدي.
وطبقاً لما أورده ميرزا خليل الكمرئي فإنّ المدرس اليزدي لم يشترك في حلقات درس جهانغير خان القشقائي فقط، وإنما حضر لسنوات عديدة حلقات درس القمشئي أيضاً)[1144](. ولا بد من الإشارة إلى أنّ ميرزا خليل الكمرئي والعديد من كبار رجال الحوزة العلمية بقم قد أخذوا الحكمة والفلسفة عن المدرس اليزدي في أيام المرحوم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري. ولهذا تُعدّ شهادة الكمرئي حول تتلمذ اليزدي على القمشئي، شهادة معتبرة.
ولا نريد أن نترجم المدرس اليزدي أو نستعرض خصوصياته وصفاته ونُرجع القارئ بهذا الشأن إلى مقدمة الدكتور السيد علي الموسوي البهبهاني على كتاب «الدرة الفاخرة» لنور الدين عبد الرحمن الجامي، وإلى مقدمة «الرسائل الحكمية» التي كتبها ولده، وقد طُبع الأثر الأخير عام 1986م من قبل وزارة الإرشاد الإسلامي.
ولا بد من التذكير بأنّ المدرس اليزدي، مفكر كبير استطاع بلوغ بحر الحكمة اللامتناهي عن طريق الاتصال بكبار الحكماء والعرفاء كالقمشئي، وغاص ببراعة وجدارة في مياه هذا البحر المائج، واستخرج من أعماقه أكرم الجواهر. وفضلاً عن تدريسه في مدرسة الشيخ عبد الحسين بطهران، وحوزة قم العلمية، وتخرج الكثير من الطلبة الأكفاء على يديه، انبرى أيضاً لتأليف بعض الرسائل الفلسفية والعرفانية. كما كان ينظم الشعر في أوقات الفراغ متخلصاً فيه بـ«تجلي».
ولم تُطبع آثاره العلمية في حياته، مثل آثار الكثير من كبار الشخصيات العلمية الأخرى. غير أنّ ولده لم يقف موقف اللامبالاة، فانبرى ما استطاع للتحري عنها وتنظيمها وطبعها، وهذا ما يبعث على الاعتزاز.
توفي المرحوم المدرس اليزدي الحكمي بطهران عام 1344هـ ودفن في مقبرة شيخان بمدينة قم المقدسة. وقد شهدنا ولحسن الحظ وبعد مرور حوالي سبعين عاماً على وفاته، خروج بعض مصنفاته إلى النور مثل «الرسالة الحكيمة» والتي تضم عدداً من الرسائل الصغيرة وهي: «بديعة إلَهية في بيان مفهوم الوجود والماهية»، وشرح فارسي للمؤلف على «رسالة مسألة الوجود» لعبد الرحمن الجامي، و«رسالة معرفة النفس ومعرفة الرب»، و«الهندسة».
ومن آثاره الأخرى التي طُبعت، أثر يدعى «مجموعة الرسائل الكلامية والفلسفية والملل والنحل»، ويضم هذا الأثر بعض الموضوعات الكلامية والفلسفية وتعيقاتٍ على «شرح فصوص الحكم» للقيصري. ومن بين مجموعة الرسائل هذه، رسالة في شرح حال «الغلاة»، وتتصل بعلم الملل والنحل. وكان اليزدي يبدي حساسية خاصة نحو أهل الغلو من بين مختلف الفرق الأخرى، وانبرى لدراسة عقائدهم دراسة مستفيضة، وأكد أنّ بعض ما يبرزونه من أمور غريبة مثل عدم الاحتراق بالنار أو القفز من أعلى الجبل، ليس إلاّ من قبيل الشعوذة أو الخداع الذي تُستخدم فيه بعض العقاقير أو بفعل دهشة الحواس وانخلاع النفس)[1145](.
وتحدث بشكل مفصل حول الأمور الغريبة، وفسّرها من عدة زوايا. ونقل خلال استعراضه لها حكاية أوردها أبو البركات البغدادي في أحد آثاره عن امرأة عمياء كانت تعيش في بغداد، وطالما كانت تتحدث عن المغيبات. وقال: إنها وعلى مدى ثلاثين عاماً كانت تجيب عن كل ما نخفيه بمجرد أن نسألها عنه وبدون أي مكث أو تأمل، بحيث تخبر عن نوعه وشكله ومقداره وعدده وغريبه ومألوفه وصغيره وكبيره بما ينطبق مع الواقع تماماً، وبدون الاستعانة بشيء. وقد يحدث أحياناً أن تطلب منا أن نعرض ما نريد أن نسألها عنه على أبيها أولاً أو نفضي به إليه، وقد لا تطلب منا ذلك، بل قد تطلبه من البعض ولا تطلبه من البعض الآخر. وقد دفع ذلك بالبعض إلى تصور أن أباها هو الذي يخبرها، لكن الذي يثير العجب أنّ أباها لم يكن يتلفظ سوى بكلمة أو كلمتين، كأن يقول: «سلها تخبرك» أو: «قولي له» وأحياناً: «قولي يا صغيرة»)[1146](.
وينسب الحكيم المدرس اليزدي صدور الأمور الغريبة إلى الغلاة، في حين لا ينفردون بها، ويقوم بها من ليس منهم أيضاً. وأثار السؤال التالي أيضاً: لماذا ظهر الغلاة في عهد أمير المؤمنين علي عليه السلام، ولم نسمع عنهم في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ وإذا كان سبب ظهور هذه الطائفة، هو الكرامات وخوارق العادات والأخبار عن المغيبات، فلا بد أن يُقال بأنها كانت كثيرة في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أننا لم نجد ولا صحابياً واحداً قال بألوهية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وللإجابة على هذه التساؤلات قدم اليزدي أربع إجابات أولاها أن عقول صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانت أقوى من عقول أصحاب الإمام علي عليه السلام، مثل عبد الله بن سبأ)[1147]( وأصحابه الذين تميزوا بعقول ضعيفة. والإجابة الأخرى(الثانية) هي أن الكثيرين من الغلاة كانوا قبل دخولهم في الإسلام إما يهوداً أو نصارى. وقد سمعوا عن آبائهم وأسلافهم قصصاً عن ألوهية الأنبياء وتأصلت هذه الفكرة في أذهانهم. لهذا ما أن شاهدوا كرامات الإمام علي عليه السلام حتى انقدحت تلك الفكرة من جديد فانبروا لتأليهه. والإجابة الأخرى(الثالثة) أنّ بعض الغلاة كانوا ملحدين في الحقيقة ويهدفون من خلال بث هذه العقائد إثارة الفتنة. ما الإجابة الرابعة هي أنّ مرتبة الولاية، مرتبة تلي الحق، ولهذا تكون فيها آثار الألوهية أكثر ظهوراً، في حين تُعدّ مرتبة النبوة، مرتبة تلي الخلق، ولهذا تتجلى فيها آثار الخلقية أكثر من غيرها. وأكد اليزدي على أنّ الرسول محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يتمتع بمرتبة الولاية أيضاً، غير أنّ الحكم تابع دائماً للغلبة والظهور)[1148]( *.
ودافع الحكيم المدرس اليزدي عن هشام بن الحكم، وزرارة بن أعين، ويونس بن عبد الرحمن، ورفض التهم الباطلة التي ألصقتها بهم بعض كتب الملل والنحل.
والسؤال الذي لا بد أن يثار هو: لماذا اكتفى الحكيم اليزدي الذي وصف نفسه في مطلع رسالة «الغلاة» بذي الفنون، بدراسة الغلاة فقط دون باقي الفرق والملل والنحل؟
ويبدو أنه وانطلاقاً من طبعه المعتدل وإدراكه الحكيم، كان يتحاشى كل إفراط وتفريط، ويبحث دائماً عن الطريق الوسطى. ولا ريب في أنّ الحكمة ـ التي هي إحدى الفضائل الأربع ـ تقوم على أساس الحد الأوسط بعيداً عن كل حالة من حالات التطرف. ويعتقد فضلاء أهل المعرفة أنّ الحكمة هي الحد الوسط وطريقة الاعتدال بين البلاهة والذكاء. ولا بد للحكيم على هذا الأساس أن يجنّب ما يمكن أن يُعدّ إفراطاً وتفريطاً، ويسلك مسلك الاعتدال.
وكان المرحوم اليزدي على علم بهذا المفهوم وحاول أن يحافظ عليه خلال رسالته التي أشرنا إليها. كما تمسك بالآيات القرآنية وأحاديث المعصومين مستنبطاً منها مفهوم الاعتدال وعدم الغلو، مثل الآية التي تقول: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق))[1149](، والآية الأخرى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق))[1150](، والحديث: «كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي».
وانطلاقاً من الآيات والأحاديث عدّ المدرس اليزدي الطريق الوسطى، طريق النجاة والسعادة، فيما يؤدي الإفراط والتفريط كلاهما إلى الهلاك.
وقد سلك المدرس اليزدي طريق الاعتدال حتى على صعيد القضايا الفلسفية واختار الكلمات الموجزة الشافية ولهذا لا يشاهَد في آثاره الإطناب الممل والإيجاز المخلّ. كما نهج هذا المنهج نفسه في تعليقاته على «شرح فصوص الحكم»، لا سيما خلال تعبيره عن رأيه في موضوع خلافه الإنسان.
فالشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي شبّه الإنسان بنقش فصّ الخاتم. أي مثلما أنّ فص الخاتم، محل سلسلة من النقوش التي يُختم بها على خزائن قيّمة، فتبقى محفوظة عن هذا الطريق، كذلك الإنسان، محل جميع نقوش الأسماء الإلهية والحقائق الكونية، ولهذا بإمكانه أن يُعهد إليه بمنصب الخلافة. بتعبير آخر: مثلما تُحفظ الخزانة الملكية من خلال ختمها بختم الملك، يُحفَظ عالم الإمكان كذلك بوجود الإنسان الكامل فيه. أي: «ما دام ختم الملك عليها، لا يجرؤ أحد على فتحها إلاّ بإذنه» على حد تعبير ابن العربي.
وشرح المدرس اليزدي خلال تعليقته على شرح الفصوص، عبارة «إلاّ بإذنه» وقال إنها تعني «إلاّ بإذن هذا الكامل». أي لا يجرؤ أحد على التصرف في هذا العالم بدون إذن الإنسان الكامل. ولا يتعارض هذا الكلام مع موازين الحكمة والعرفان، وبالإمكان قبوله على ضوء المكانة التي يتميز بها الإنسان الكامل. غير أن المدرس اليزدي سرعان ما عدل عن موقفه هذا فقال بعد تلك العبارة مباشرة «بل بإذن الحق سبحانه».
ومراده أنّ ما يؤثر في الكون، هو إذن الله تعالى لا غير. وينطبق هذا الأمر على ختم الخزانة أيضاً. أي حينما تُختَم بختم الملك، فليس بإمكان أحد أن يفتحها إلاّ بإذن الملك نفسه. وهذا يعني أنّ ما يوجب فتح الخزانة هو إذن الملك لا إذن الختم، رغم أن ختم الملك حافظ لبقاء الخزانة، وخليفة الملك عليها)[1151](.
ونفهم من خلال ذلك أنّ هذا الموقف الذي اتخذه اليزدي في هذه القضية، إنما تبلور على ضوء الطريق الوسطى التي اختارها. فمن وجهة نظره، أنه لو قال بامتناع التصرف في العالم بدون إذن الإنسان، لخرج عن الاعتدال، ولهذا السبب أيضاً سرعان ما عدل عن عبارة «إلاّ بإذن هذا الكامل» وقال مستدركاً «بل بإذن الحق سبحانه».
والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أنّ هذا الفيلسوف وفي ذات تحفظه وتحدثه بلغة محتاطة يأخذ فيها كافة الأمور بنظر الاعتبار، انبرى بعد التعبير عن رأيه إلى نقل رأي عبد الرحمن الجامي وتسليط الضوء عليه.
ويرى الجامي أنّ بقاء العالم والحقائق يعتمد على وجود الإنسان الكامل وما دام فيض التجلي يفيض من مرتبة الإنسان الكامل أو وجوده على هذا العالم، تبقى حقائقه محفوظة ومصانة من كل خلل تقتضيه التفرقة والتباين. ووجود الإنسان الكامل في هذا العالم، بمثابة ختم مختوم على خزانة الملك. ومن الواضح ما دام ختم الخزانة على حاله، فليس بمقدور أحد فتحها. وينطبق هذا الأمر على العالم أيضاً: فما دام الإنسان الكامل في العالم، تظل حقائقه محفوظة من كل خلل وبعثرة، وليس بإمكان هذا الخلل أن يحل محل الانتظام.
فالإنسان من وجهة نظر أهل المعرفة، خليفة الله، ولهذا يُعدّ جامعاً للأسماء الإلهية ومظاهرها. وبهذا الموجود الجامع، يصل العالم إلى الكمال. أي ما أن يصل الإنسان إلى منزلة الكون الجامع، حتى يصل الوجود الخارجي للعالم إلى الكمال والدليل على ذلك أن الإنسان يتصرف في العالم ويغيّره. وقد يُقال أن الجانب الناسوتي والعنصري للإنسان، مؤخر في الوجود العيني، وقد ظهر بعد الموجودات الأخرى، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون بإمكان الشيء المؤخر أن يبعث على كمال العالم؟
وللإجابة، لا بد من القول: الإنسان موجود جامع للحقائق ومتصف بالكمالات كافة. ومن أجل ظهور مثل هذا الموجود الجامع والكامل، فلا بد أن تكون الحقائق كافة موجودة في عالم الخارج كي يصبح بإمكان الإنسان المرور بها خلال تنزيلاته والاتصاف بمعانيها واحدة بعد أُخرى. والتنزل في مراتب الوجود والمرور بالموجودات جميعاً، يستلزمان أن يطوي الإنسان جميع العوالم الروحانية والنشآت العنصرية، كي يظهر في صورته النوعية الحسية. ولا شك في مرور جميع هذه المعاني النازلة من حضرة أسماء الحق على الإنسان، بجميع وسائط ومراتب الوجود هذه حتى تصل في آخر المطاف إلى وجود هذا الموجود الجامع. ويتحقق الكمال للإنسان بوصول هذه المعاني، وهو يتحقق ولا شك بواسطة الاستعداد المعلوم في علم الله تعالى منذ الأزل وتقتضيه العين الثابتة للإنسان.
وعلى ضوء ما تمت الإشارة إليه يمكن القول أنّ الإنسان لا يمتلك أهلية الخلافة ولا ادعاء القطبية ما لم يُنهِ السفر الثالث من مجموع الأسفار الأربعة. كما يمكن القول أيضاً لولا هذه التنزلات والمرور بمراتب الوجود حتى بلوغ مرتبة الإنسان الحسي، لتعذر العروج على الشخص الكامل، لأن نهاية كل شيء متصلة بأوله، مع وجود نوع من الشبه ـ بل نوع من الاتحاد ـ بين الأول وألآخر، والحركة الدورية التي تعد حركة معنوية، ناشئة من هنا أيضاً.
كما يمكن التحدث عن قضية اخرى ذات أهمية كبيرة متبلورة على أساس ما تمت الإشارة إليه أيضاً وهي أنّ علم أولياء الله، يتحقق باستمرار عن طريق التذكر، ولا دخل للتفكير فيه، لأنّ تحقق المرور بعوالم الوجود والتنزل عن المبادئ العليا، يستلزم أن يكون ما يفكر به الإنسان على صعيد الحقائق الكونية، نوعاً من التذكر. أي أنّ ما يتعلمه الإنسان ليس سوى ذات الشيء الذي مرّ به في مراتب النزول. وربما هذا عين ما قاله الأولياء والفضلاء: «الحكمة ضالة المؤمن». ومن الواضح أنّ هذا القول وكذلك فكرة التذكر في مجال الإدراك، ينسجمان مع فكرة التناسخ. لكن لما كان القول بالتناسخ مرفوضاً، وثبت بطلانه بالبراهين العقلية والنقلية، فلا يمكن أن يُحمل القولان أعلاه على الناسخ.
ومن الضروري الإشارة إلى أمر آخر لا يخلو من أهمية أيضاً وهو: حينما يقال بأنّ علم أولياء الله يحصل عن طريق التذكر، فهذا لا يعني انغلاق باب التفكير، كما لا يعني أيضاً تعذّر معرفة حقائق الكون عن طريق التفكير؛ لأنّ ذوات الأشياء قابلة للتعقل من قبل الإنسان كما يذهب أهل المعرفة، وهذا يعني أنها ذات ماهيات معقولة. ولا ريب في أن ماهيات الأشياء، معلومة منذ الأزل بعلم الله السابق. أي أنّ موجودات العالم قد ظهرت إلى الوجود طبقاً لما هو معلوم لله في الأزل. وعلى صعيد آخر، من البديهي أنّ العقل الإنساني قد خُلق على مثال العقل الأزلي، ولديه القابلية على معرفة ذوات الأشياء. ويمكن الاستنتاج مما سبق أنّ الخلق، ليس يحمل العلة الوجودية للأشياء فحسب، وإنما يكشف عن ماهياتها أيضاً. بتعبير آخر: الموجود بما هو موجود ومخلوق من قبل الله، منطبق مع علم خالقه. ولما كان علم الإنسان مظهراً للعلم الإلهي، كان بإمكانه إدراك حقائق الأشياء، حيث يحصل الانطباق في هذا الإدراك أيضاً.
وعلى صعيد كون الإنسان جامعاً لحقائق العالم كافة، يرى المدرس اليزدي أنّ الإنسان بحسب حقيقته وعينه الثابتة عبارة عن أحدية جمع جميع الأعيان الثابتة في العالم. كما أنه بحسب وجوده العيني الخارجي عبارة عن أحدية جمع جميع الأعيان الخارجية في العالم. وانطلاقاً من ذلك يصبح الإنسان بحسب عينه الثابتة ووجوده العيني الخارجي عبارة عن أحدية جمع جميع الأعيان الثابتة وأحدية جميع الوجودات الخارجية. ويمكن القول على هذا الضوء: الأعيان الثابتة في العالم تفصيل لعين الإنسان الثابتة، مثلما أن الأعيان الخارجية في العالم، تفصيل لعين الإنسان الخارجية.
وإذا ما علمنا أنّ التفصيل يمثل صورة الإجمال دائماً، فلا بد من الاعتراف بأنّ الأعيان الثابتة والموجودات العينية الخارجية، تؤلف عين الإنسان الثابتة ووجوده. ويرى المدرس اليزدي أيضاً أنّ الصورة بالنسبة إلى ذي الصورة تمثل الشهادة دائماً، وأنّ ذا الصورة بالنسبة إلى الصورة يمثل الغيب دائماً. كما يعتبر الوجود العيني بالنسبة إلى الوجود العلمي شهادةً، والوجود العلمي بالنسبة إلى الوجود العيني غيباً. ولهذا يعتقد أنّ عالم الشهادة الذي تحدث عنه ابن العربي، تفصيلٌ لوجود الإنسان، ووجود الإنسان إجمال لعالم الشهادة. ولهذا يعتبر عالم الملك، من عالم الشهادة، بينما يعتبر الإنسان ـ الذي هو خليفة الله ـ غيباً حتى بحسب نشأته العنصرية. لكنه لا يراه غيباً مطلقاً. كما يعتبر كرامة خلافة الإنسان، كرامة لا تتحقق إلا لأولياء الله وليست لكل إنسان)[1152](.
وركن المدرس اليزدي في تعليقاته على شرح فصوص الحكم إلى الإيجاز، وانبرى في معظمها للتوضيح وإزالة كل إبهام من الممكن أن يواجه القارئ. وتوجد في تعليقات هذا الحكيم الكثير من الظرائف التي بالإمكان الانتفاع بها. كما أشكل في بعض المواضع على بعض آراء القيصري ووجه إليه الانتقاد.
كما استعرض مختلف الشروح التي كُتبت على فصوص الحكم لابن العربي، إلاّ أنه أولى اهتماماً أكبر نحو عبد الرحمن الجامي ومؤيد الدين الجندي.
ومن مؤاخذاته على القيصري، أنّ القيصري قد نفى أي مثل عن الله تعالى خلال تفسير للآية الكريمة: (ليس كمثله شيء)، وقال أن نفي المثل عن الله محرز، لأنه حينما سُلب مثل المثل عنه، فمن الأولى أن يُسلب المثل عنه.
ورفض اليزدي كلام القيصري هذا وقال بأننا لا نحتاج في تفسير هذه الآية الكريمة ونفي المثل عن الله، إلى قياس الأولوية، لأنّ هناك قاعدة معتبرة تقول «حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد»، وإذا ما سُلب مثل المثل عن الله تعالى، سُلب مثل الله أيضاً. كما قال أيضاً: لو سُلب مثل المثل عن الله تعالى، فلا بد أن نأخذ أمرين بنظر الاعتبار: الأول أنّ الله تعالى نفسه، مثل المثل الذي فُرض له، والثاني امتناع نفي الله تعالى. وينتهي إلى نتيجة مفادها: أنّ الانتباه إلى هذين الأمرين يكشف عن أنّ ما جاء في هذه الآية الشريفة، نفي المماثلة لا نفي المثل. ونفي المماثلة يختلف كثيراً عن نفي المثل)[1153](.
وله تعليقات أيضاً على كتاب «الأسفار» لصدر المتألهين الشيرازي لا تخلو من نقاط دقيقة قيمة. وتعدّ هذه التعليقات قليلة قياساً إلى تعليقاته على شرح الفصوص، إلاّ أنها تكشف رغم قلتها عن مدى اهتمامه ومعرفته بآثار صدر المتألهين.
وقد وصف صدر المتألهين، في مطلع كتابه «الأسفار»، الله تعالى بعد حمده والثناء عليه بأنه فاعل كل محسوس ومعقول. وفسّر اليزدي عبارة صدر المتألهين هذه بأن الله فاعل الموجودات كافة، لأنّ أي موجود لا يتحقق في العالم إلاّ إذا كان محسوساً أو معقولاً.
كما أشار اليزدي إلى الموجودات البرزخية وقال أنّ بالإمكان نسبتها إلى العالم المعقول أو العالم المحسوس لأنها واقعة بين هذين العالمين)[1154](.
وهذا معناه أنّ عنوان المعقول والمحسوس يستوعب كافة الموجوات، ولا يخرج أي منها عن دائرته. كما تناول في تعليقاته على الأسفار فكرة زيادة المقدار على الجسم وقال بأن المقدار المطلق لا يوجد إلاّ بوجود المقادير الخاصة، كما أنّ نسبة المطلق إلى الأفراد كنسبة الآباء إلى الأولاد)[1155](. وهذه الفكرة تحظى بأهمية كبيرة.
وما أبداه على صعيد المطلق والمقيد، ذات ما تحدث عنه ابن سينا على صعيد الكلي الطبيعي ونسبته إلى أفراده. فقد قال ابن سينا أن نسبة الكلي الطبيعي إلى أفراده، كنسبة الآباء إلى الأولاد. أي يوجد الكلي الطبيعي بوجود كل فرد من أفراده، وينعدم بانعدام كل فرد من أفراده: «الطبيعة توجد بوجود فرد، وتنعدم بانعدام فرد». ورغم ذلك، يبقى السؤال التالي قائماً: هل أنّ نسبة المطلق إلى المقيد، نفس نسبة الطبيعي إلى الفرد أم أنّ هناك تفاوتاً بين النسبتين؟
وقد قيل الكثير حول آراء المرحوم ميرزا علي أكبر المدرس اليزدي، وبإمكان المهتمين بالحكمة مراجعة آثاره للوقوف على عمق تفكيره وآرائه، سيما وقد تميز بالتعبير الواضح والقلم السلس.
وهدفي من هذا المقال، أداء الوظيفة والتعبير عن الاحترام لهذا الحكيم الإلهي الذي أمضى سنوات طويلة من عمره المبارك في نشر الحكمة المتعالية والمعارف الإلهية، سائلاً الله تعالى أن يدخل البهجة على روحه ويحشره مع الأولياء والمقربين.
د. غلام حسين ديناني
الخصال
كتاب لمحمد بن علي بن بابويه القمي
(الصدوق)
فهو كتاب مبتكر في موضوعه، فريد في كتابه، مفعم بالحقائق، ملء غضونه رقائق، جؤنة حافلة بنفيس الأعلاق من طرائف الحكم ومحاسن الأخلاق، وفرائض الأحكام وملاحم الأيام، وعظات وعِبر وبينات من صحيح الأثر مما لم يجمع مثله في كتاب.
ولم تر عيناي من قبله
كتاب حوى بعض ما قد حوى
وهو بما في طيه من الدروس العالية والأبحاث القيمة من نفائس الأخبار منهل عذب أظمأت إليه علماء الأعصار، فلو اطلع على نفائسه الفقيه يقتصد في قوته ليقتنيه، وتبيع العذراء عقدها لتشتريه. والقارئ جدُّ عليم بأن قيمة الكتاب بلُباب المعارف لا بتكثير الصحائف، وبفخامة الأسرار، لا بضخامة الأسفار، وبجلالة ما وعى من الفوائد لا بكثرة ما حوى من الزوائد، وبدقة حواشيه لا بفرط غواشيه.
والخصال مع صغر حجمه دائرة معارف تحتوي علوماً جمَّة من معارف الإسلام
وأحكام الحلال والحرام، وغيرها مما لا غنى عنه لأي فقيه أو أديب أو مؤرخ أو مفسر أو واعظ ناطق، أو خطيبٍ مصقعٍ، أو حكيم متأله، أو سياسيٍّ أو نطاسيٍّ.
فالباحث مهما سبح في أجواء بحره الطامي وخاض غمراته واغتمس في أمواجه يجده بحراً زاخراً جياش العباب، فيه اللؤلؤ والمرجان والدُّر الوضئ، وإذا ورد مناهله الروية واغترف من مائه أو ارتشف من عذبه يجده غير آسنٍ أصفى من المزن وأطيب من المسك.
جواهر فرائده للعقول بواهر، وأزاهر أنجمه في أفق المقال زاهر.
كلام كالجواهر حين يبدو
وكالند المعنبر إذ يفوح
له في ظاهر الألفاظ جسم
ولكن المعاني فيه روح
ولا يسع الإنسان حين يناوله ويصفّح أوراقه إلا أن تأخذه الدهشة وتعتريه الحيرة لما يرى من كثرة اطلاع مؤلفه العبقري وجهوده الجبارة في اقتناء غرائب درره، ولمّ شوارد غرره، وما كابده وعاناه في أسفاره ورحلاته لجمعه وتنسيقه.
ثم اعلم أنا مع ما بالغنا في أهمية الكتاب وعظمة مؤلفه لم نقل بصحة صدور جميع أخباره، ولا نلتزم بذلك في الخصال ولا غيره من كتب الأخبار، من أي مؤلف في أي مقام. بل غاية ما نقول إن الخصال أحد الكتب التي عليها المدار في جميع الأعصار، ولم يقل أحد من الأكابر ولا المصنف نفسه بقطعية صدور ما بين دفتيه، فالكلام فيه كالكلام في غيره.
وللعلماء في معرفة الحديث الصحاح منه والزياف والحسان والضعاف قواعد معلومة، مدعومة عندهم بالبرهان، ونحن لا نمشي فيها إلا بضياء نورهم، ولا نكتل إلا بمكيالهم، ولا نزن إلا بموازين قسطهم. نصحح ما صححوا ونضعف ما ضعفوا ونطرح ما طرحوا، ولا نحوم حوم الفضول، مع أنّا لا نقول بقول حشوية أهل الحديث والسذج منهم فنعتقد بكل باطل ينسب إلى المعصوم عليه السلام.
كما أنّا لا نجعل عقولنا القاصرة « الحكم الذي تُرضي حكومته » في معرفة مقبول
الحديث ومردوده.
ثم اعلم أيضاً أنّا لا نجوّز لأحد أن يلعب بالروايات يصحح منها ما وافق هواه وإن كان موضوعاً مكذوباً ويكذب منها ما خالف رأيه وإن كان صحيحاً ثابتاً.
وكم في عصرنا هذا من أناس غلب المستشرقون على عقولهم، واستولوا على قلوبهم،
فمالوا معهم حيثما مالوا وذهبوا معهم أينما ذهبوا، فلا يمشون إلاّ على ضوء نارهم يزعمون
أنها نور لجهلهم، يتأولون القرآن بآرائهم، ويفسرونه بأوهامهم، ولا يقبلون من الأحاديث ما يخالف أهواءهم، ويدّعون أنهم علموا ما فات أسلافهم. فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.
طبعاته
طبع الكتاب مرتين بالطبع الحجري بجزأيه في مجلد واحد. الأولى سنة1302 الهجري القمري والأخرى 1374 ومرة جزؤه الأول فقط بالطبع الحروفي مصححاً مزيناً بالتعاليق بعناية شقيقنا المفضال السيد فضل الله الطباطبائي اليزدي نزيل
قم المشرفة. وكما في تقدمته راجع تصحيحه خمس نسخ مخطوطة عنده أدام الله تأييده.
وطبع مرات بالطبع الحروفي أيضاً مغلوطاً مترجماً بحذف الاسناد.
أمّا المطبوع المصحح بعناية السيد الطباطبائي فهو في غاية الدقة ونهاية الصحة بالنظر إلى لفظ الحديث لكن بقيت فيه أخطاء وبخاصة في الأسانيد فقد صحّف فيه كما في أصوله يعلى بمعلّى. والمخرَّمي بالمحرميِّ. ورشدين بن سعد المصري برشيد بن سعد البصري. ومزيد بيزيد. ومحمد بن سنان العوفيُّ بمحمد بن سيار العوفيّ. وعبد الرحمن بن الأسود بعبد الله بن الأسود. وأبي ظبيان بابن ظبيان. والسختيانيّ بسجستانيّ. وأميّ الصيرفي بأخي الصيرفيِّ. وقزعة بقرعة. وإسماعيل بن أمية بإسماعيل بن أسيد. وأبو سفيان
بأبي سنان. والميثميُّ بالمثنى. وسليمان بن حفص البصريُّ بسليمان بن جعفر البصريّ.
وهُدبة بن خالد القيسيُّ بهديّة بن خالد العبسيّ. وأبو بشر المرّيُّ بأبو بشير المزنيُّ. وعبيد الله بن عبد الرحمن بعبد الله بن عبد الرحمن. وأبو عمر سهل بعمر بن سهل. والصدائي بالصيداويّ. وابن الهيثم بإبراهيم. وميمون البان بميمون اللّبان. وكثيراً
ما صحّف «عن» بـ«بن» مثلاً عوف عن ميمون صحّف بعوف بن ميمون فصار الرجلان
المعلومان مهملين أو مجهولين. وربما صحّف عمرو بعمر، وبالعكس. وحفص بجعفر وبالعكس.
وهذه الأخطاء كلها موجودة في الطبع الحجري الأسبق بل بأضعاف مضاعفة.
ولم يكن إبقاء تلك الأغلاط لتسامح المصحّح في التحقيق كلا، نحن نجلُّ ساحته عن
التسامح في أمثال هذه الأمور، بل ذلك لكثرة ما في الأسانيد من رجال العامة أو الخاصة المترجمين في كتبهم الرجالية ولم يكن عند السيد المعظم منها إلا قليل فلم يتمكن من استقراء البحث والتنقيب حول كل واحد منهم فسعيه وراء تصحيح الكتاب عند العلماء مشكور، وتحمله المشاق في تعليقه وتحقيقه عند الله مأجور.
أمّا النسخ المطبوعة سواه فأغلاطه في لفظ الأحاديث وأخطاؤه في الأسانيد وسقطاته في الصفحات كادت من الكثرة أن لا تحصى. وربما يكون الساقط منها في الصفحة سطراً
سطراً أو سطرين، أو جملة أو جملتين.
أما عملي في التصحيح
فاعلم أني راجعت نصوصه في الجزء الأول النسخة المطبوعة المصححة.
خوارزم من التنوع الإيراني
إلى الاحتلال الروسي
ولاية خوارزم اعتبرت في معظم المصادر الجغرافية إقليماً، وكانت قبل ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد موطناً لقوميات آرية.
ففي (مهريشت) تم وصف خوارزم على الشكل التالي: «هناك حيث تتم تعبئة القوات البطلة، وحيث الجبال الشاهقة، وحيث المراعي الكثيرة، هناك حيث البحار الواسعة والعميقة، وحيث الأنهار الواسعة الصالحة للإبحار والمياه الغزيرة التي تحمل الحصى وترتطم بالجبال، تسير مسرعة نحو مرو (في هرات) وسفد وخوارزم)[1156](. ويعيش الأهالي آنذاك في محيط بحيرة خوارزم في منطقة تسمى (ايراين واجه ايرانوتيش) )[1157]( وقد انتقل بعضهم من هذه الأرض إلى صحاري إيران الوسطى. وكانت خوارزم بعد هذه الهجرة وحتى القرون التي تلتها مرتبطة بإيران وبالثقافة الإيرانية، وما زالت هذه الرابطة قائمة.
(أبو ريحان البيروني) تحدث عن التاريخ الذي يعتمده أهالي خوارزم، وأنهم كانوا يتبعون التاريخ الإيراني، وكانوا حتى عصر أبو ريحان يستعملون الأشهر الفارسية القديمة في تأريخهم، مما يدل على ارتباط الخوارزميين بإيران وبالإيرانيين)[1158](. رغم أنّ عدداً من علماء الجغرافيا في القرون الإسلامية الأولى اعتبروا أنّ خوارزم جزءٌ من بلاد ما وراء النهر)[1159](. لكنّ الآراء الغالبة تقول: خوارزم هو إسم إقليم منفصل عن خراسان وعن ما وراء النهر)[1160](.
(ياقوت الحموي) قدم تقريراً على هيئة قصة يتحدث فيه عن سبب اشتهار هذا الإقليم بخوارزم فقال: «غضب أحد الملوك القدامى على أربعمائة شخص من أهالي مملكته وخواصه وأقاربه، فأمر بنفيهم إلى مكان بعيد عن العمران يبعد عن أقرب معمورة مسافة مائة فرسخ، فنقلوا إلى مكان مدينة كانت، وتركوا هناك. وبعد مدة أخذ الملك بالتفكير في حالهم، وطلب أن يأتوه بخبر عنهم. وعندما وصل الجنود إلى هناك وجدوهم قد أقاموا أكواخ لهم، وعملوا في صيد الأسماك، وحولهم أشجار نخيل كثيرة، فسألوهم عن حالهم، فقالوا لهم إننا نعتاش من الأسماك والتمور. عاد الجنود وأبلغوا الملك بذلك، وعرفت من حينها تلك الأرض باسم خوارزم، فاللحم باللغة الخوارزمية (خوار) والتمر (رزم) وخوارزم مركبة ومخففة من تلكما الكلمتين»)[1161](.
أما حدود خوارزم فإنها لا تختلف في المصادر القديمة والجديدة، وقد ذكرت المصادر أنّ خوارزم تقع شمالي نهر جيحون، وتحيط بها الصحاري من كل جانب، فمن الشمال والغرب تحدها أرض الغزيين أو الأتراك، ومن الشرق خراسان وما وراء النهر)[1162](. وفي القرون الأولى كانت خوارزم تتشكل من مدينتين، شرق جيحون وغربه، وكانتا أكثر عمراناً وأهمية من باقي مناطق خوارزم. إحداهما (جرجانية) أو (أورغنج) وكانت هويتها إيرانية بالكامل، والأخرى (كاث) وقد دمرت في القرن الرابع بسبب فيضان نهر جيحون)[1163](. وهذا الحد الأدنى من وصف خوارزم يقول: «إنها ناحية تقع على جانبي نهر جيحون، وأكبر مدنها تقع في القسم الشمالي»)[1164](.
وقد ضم إقليم خوارزم طوال عمره الممتد لعدة آلاف من السنين عدة مدن ومعمورات. فالاضطمُري عدد مدن خوارزم في القرن الرابع ومنها: درغان هزارأسب، خيوه، اردخشميش، سافردز، نوزاور، كردران خواش، كردر، قرية براكين، مذمينية، مزداخقان، غرغانج، واعتبر (كاث) مركز خوارزم، وعندما دمر السيل المدينة، قام أهلها ببناء المدينة الجديدة أعلى من مكانها السابق)[1165](.
لكن العجيب هو أن (أبو الفداء الذي كتب (تقويم البلدان) في القرن الثامن لم يذكر عدداً من تلك المدن ومنها خيوه)[1166](. أهمية خوارزم التجارية جاءت من مرور القوافل التجارية عبر نهر جيحون خلال الشتاء مستفيدين من ضخامة ثلوج النهر، وهذه الأهمية دفعت القوميات المختلفة والقوى المجاورة لها للتسلط على خوارزم. هذه المنطقة كانت حتى عهد السامانيين تحتفظ بتركيبتها وهويتها الإيرانية، وبالأكثرية الإيرانية في مدنها. ومع ظهور ضعف السيطرة السامانية على الصحاري والمعابر، ومع تقدم الأتراك من تركستان نحو الجنوب. تحولت مدن خوارزم بشكل تدريجي إلى أماكن تواجد واستطيان مجموعات تركية. وعند ظهور السلطان محمود الغزنوي، ثم مقتل المأمون بن محمد؛ استولى الغزنويون على خوارزم، وعين السلطان الغزنوي (آلتونتاش) حاجبه حاكماً على خوارزم، ليحمل لقب (خوارزمشاه))[1167](. وخلال العهد الغزنوي تغيرت التركيبة الإجتماعية القومية لخوارزم إلى حد ما، لكنها بقيت حتى العصر السلجوقي محتفظة بهويتها الإيرانية. وعندما تقدم السلاجقة نحو الجنوب انتشر التركمان والأتراك في خوارزم أكثر، إلى درجة أنهم استغلوا الوضع المناسب الذي أوجده السلاجقة فاعتبروا خوارزم موطناً لهم، فتغيرت بذلك الهوية القومية والتركيبة الإجتماعية لصالحهم. وخلال عهد الخوارزمشاهيين قدمت جماعات أخرى من التركمان واتخذوا من خوارزم مركزاً أساسياً لسلطتهم ومعيشتهم. لكن وجود علماء وأدباء مثل: رشيد وطواط ومفسرين مثل الإمام الفخر الرازي في خوارزم، وخلال تسلط التركمان أو في عهد الخوارزمشاهيين يدل على استمرار وعمق جذور الثقافة والحضارة الإيرانية في خوارزم. والملفت أن الأتراك الخوارزمشاهيين خلال تأسيسهم لسلالتهم استعملوا المصطلح الإيراني (خوارزمشاه).
وفي عهد المغول اعتبرت خوارزم من أولى مناطق إيران، وقد دمرت ووقعت فيها مجزرة كبيرة)[1168](. ومذ ذاك وإلى (140) عام اعتبرت خوارزم من المناطق الخاضعة لحكومة المخيم الذهبي. وخلال عهد (تميور) حكمت خوارزم شعبة من أسرة (قنقرات) واشتهرت هذه السلالة بالصوفية، نسبة لمؤسسها (حسين الصوفي) )[1169](. وقد استولى الصفويون على الحكم بعد أن أسقطوا (خان جغتاي) ثم غلبهم (تيمور). وفي عام (832هـ) قام بعض أحفاد (جوجي) بالاستيلاء على ما وراء النهر، فظهرت حكومة (بني شيبان) )[1170](. وسقطت خوارزم بيد هذه الأسرة أيضاً. وعندما هزم (شيبل خان الأوزبكي) على يد (الملك اسماعيل الصفوي) عادت خوارزم لتنضم إلى الأرض الأصلية بعد أن بهت لونها الإيراني. وبعد فترة وجيزة أي عام (921هـ) استولى قوم آخرون من الأوزبك اسمهم (بني عربشاه) على خوارزم)[1171]( وطردوا الحاكم الصفوي منها)[1172](. واشتهروا باسم (خانات خيوة) ثم تعرضوا بعد مدة وجيزة إلى تهديد منافسيهم في ما وراء النهر، فقرروا الاقتراب من الصفويين. لذلك فإنهم رغم استقلالهم ديوانياً، لكنهم سياسياً كانوا مرتبطين بالصفويين إلى درجة أن حاكم خوارزم كان يعين بأمر من السلطان الصفوي)[1173](. وفي نفس الوقت كان (خان خيوه) يبذل جهده لإيجاد توازن في علاقاته مع الصفويين وحكام أوزبك المجاورين. وبعد سقوط الصفويين، تخلّص خوانين خوارزم وخاناتها من مرحلة تبعيتها لحكومة إيران المركزية ورعايتها لهم، وحاولوا التمرد. مما دفعهم لمقاومة (نادر شاه) ولما كان (نادر شاه) يعتبر أن خوارزم تتبع حكومة إيران المركزية حسبما كان جارياً في العهد الصفوي، لذلك وجه جيشه نحوها، واستطاع أن يعيد خانات خوارزم إلى بيت طاعته)[1174](. لكن هذا الهجوم كان له هدف آخر وهو وقف الهجمات والغارات ضد مدن خراسان الشمالية، وتحذير (إيلبارس خان) حاكم خيوه الذي كان يغير دوماً على مدن خراسان.
(إيلبارس خان الثاني) أصبح خاناً عام (1145هـ) وفي ذي الحجة عام (1147هـ) وجه حسين وكيل يموت مع ثلاثة آلاف من التركمان ليغيروا على هضاب (مائنه، سملقان، آلاداغ بجنورد))[1175]( وفشل هذا الهجوم بسبب تصدي الحكام المحليين له، لكنه خلّف الدمار الواسع في تلك المناطق. ولتعرف مدى الآثار المدمرة لاعتداءات وغارات قوات خان خيوه على خراسان يكفي أن نشير إلى أنه بعد مهاجمة (نادر) لخوارزم لوقف التهديدات ضد خراسان، تم إطلاق سراح أربعة عشر ألف أسير خراساني، وأعيدوا إلى بلدانهم.
وخلال عدة قرون من تواجد الأوزبك والتركمان وسائر القوميات المغولية في خوارزم، تغيرت تركيبة خيوه وجرجان وسائر مدن خوارزم، واختفت منها القوميات والعشائر الإيرانية القديمة. مما اضطر (نادر) بعد إسقاطه لإيلبارس خان أن يعيّن (محمد طاهر خان الجنكيزي) المعروف بـ (تكير) حاكماً على خوارزم.
لكن حكومة هذا الحاكم الأفشاري لم تدم أكثر من عام، ذلك لأن (خانات بني عربشاه) علموا بانشغال (نادر شاه) في (داغستان) فاستولوا على الحكم في خوارزم، إلى أن ضعفت سلالة خانات خيوه من بني عربشاه ومن نسل شيبان ابن جوجي في العقود الأخيرة من القرن الثاني عشر. وفي هذا الوقت كانت إيران تحترق بنار حرب السلطة بين قيادات (نادر شاه) لذلك لم تبذل أية جهود لاستعادة خوارزم، بل وضاعت معظم أراضي إيران الشرقية والشمالية، ولم يبذل جهد لاستردادها.
وفي عام (1219هـ) بدأ عهد حكومة (أبو الغازي الثالث) الضعيفة في (خيوه)، ومع أفول نجم (بني عربشاه) بدأ عهد الشيبانيين المعروفين بقنغورات أو (بني إيناق))[1176](. وكان مؤسس هذه السلالة هو (إيلتوز بن عوض بن محمد أمين 1219 ـ 1221) وكان الإيناق من بعده (محمد رحيم خان 1221 ـ 1241) وتربع على الحكم مدة عشرين عاماً. واتسعت سياسة هجوم خيوه ضد مدن خراسان المختلفة بدءاً بمرو وانتهاءً بمشهد، بل وبلغت نواحي بجنورد. وبدأ الهجوم على (مرو) أول خانات سلالة (بني إيناق) وهو (إيلتوز خان) لكنه انتهى به المطاف غرقا ًفي نهر جيحون)[1177](. وكانت أطول مرحلة من هجمات (بني إيناق) ضد مدن خراسان خلال عهد (محمد رحيم خان 1221 ـ 1241هـ) المشهور بـ (ثورة). فبعد بدء عصيان خوانين خراسان بقيادة (خان قرائي) ضد (فتح علي شاه) طلبوا العون من (محمد رحيم خان) فاستغل الفرصة ليهاجم خراسان)[1178]( عام 1231هـ. ومع استمرار تعرّضه لخراسان، كلّف (فرج الله خان) بردّه، وكان (محمد رحيم خان) قد وسع مساحة إغارته إلى أراضي (فندرسك) لكنه هزم في هذه المنطقة، فهرب إلى (خيوه) )[1179](. وبعد عامين استأنف (محمد رحيم خان) هجماته ضد خراسان. فكلّف ملك القاجار (محمد تقي ميرزا) لمواجته، وأمره إذا لم يظفر به أن يتوجه لمواجهة (لمجف قلي خان شادلو) خان (بذنجرد) وعندما سمع (محمد رحيم خان) بتحرك قوات (محمد تقي ميرزا) لمواجته، فرّ إلى (خيوه) هذه المرة حتى دون مواجهة)[1180](. وفي عام (1238هـ) تخلى (محمد رحيم خان) عن أسلوبه السابق بمهاجمة خراسان مباشرة ونهبها، وقام بدعم خوانين خراسان ضد الملك، وشجع (تراكمة مرو) على نهب مدن شمال خراسان)[1181](. وبعد موت (محمد رحيم خان) استمر ابنه (الله قلي خان ثورة) بسياسة نهب خراسان حتى إذا بدأت مهمة (عباس ميرزا) وبعث إلى (خراسان) للقضاء على العصيان والنهب الذي يمارسه التراكمة والأوزبك والقوميات الأخرى، بذل (الله قلي خان) جهوداً لدعم حاكم (قوجان) الطاغي (رضا قلي خان) لكن جهوده لم تثمر شيئاً)[1182](. مما دفع (عباس ميرزا) للتفكير بمهاجمة (خيوة) والقضاء على سلطة أسرة (بني إيناق) في خوارزم. وكانت خيوة آنذاك سوقاً رابحاً لبيع وشراء الأسرى الإيرانيين الذين أسروا خلال مهاجمة خراسان، وعرضوا في سوق النخاسة كعبيد)[1183](. لكن المخالفة المحترمة للقائم بأعمال إنجلترا (ماكنيل) لمهاجمة (عباس ميرزا) لخوارزم)[1184]( كانت أحد أسباب تراجعه عن مهاجمة (خيوة) وترك الأمر لفرصة أنسب. واستمر عهد الخان (الله قلي ثورة) على خوارزم حتى عام (1257هـ) أي العام الثامن في عهد (محمد شاه) خلال هذه الفترة هزلت قوة وقيمة خانات (بني إيناق) وفترت معها الهجمات والتحركات السابقة.
في عام (1257هـ) علم (محمد شاه) باعتداء التراكمة على زائري الإمام الرضا عليه السلام، فأرسل (محمد علي خان غفور) إلى (الله قلي خان) لمعرفة دوره في هذا الاعتداء ومعاقبته. وتشير المصادر القاجارية إلى ان (الله قلي خان) استقبل مبعوث (محمد شاه) وكرّمه وأعاده)[1185](.
وفي عام (1262هـ))[1186]( بلغ (محمد شاه) خبر موت (رحيم قلي خان ثورة) ففكر بطريقة لاستقطاب خانات خوارزم وإخضاعهم للسلطة في إيران، فقام بإرسال (الميرزا رضا ميزان آقاسي) لتقديم التهنئة إلى (محمد أمين خان) لتوليه منصب خان خيوة)[1187]( عملاً بالأعراف الصفوية إلى إيران. ورداً على ذلك قام خان خيوة بإرسال (آتانياز محرم).
في عام (1265هـ) وصل (آتانياز) برفقة (الميرزا رضا ميزان آقاسي) إلى بلاط (محمد شاه) في (أصفهان) وقدم له هدايا (محمد أمين خان) وكان منها أربعون حصاناً تركمانياً)[1188](.
مع بداية عهد (ناصري) قامت حركة عصيان في خراسان بقيادة (سالار) فدعمها (محمد أمين خان) بل وقام بمهاجمة قوات (حسام السلطنة) وأسر عدداً من جنوده)[1189](. وعندما هُزم (سلار) وانتهى أمره، قرر (خان خيوق) أن يعيد علاقة الصداقة مع الملك في طهران، لذلك طلب من مبعوثه إلى الحكومة العثمانية (آتانياز محرم) أن يكون سفيراً له لدى الملك الناصري. وعندما وصل إلى طهران ومارس سفارته)[1190]( توجه إلى الباب العالي. وعندما عاد إلى إيران ليتوجه منها إلى خيوق؛ أمر (الأمير الكبير) بمرافقة (رضا قلي خان هدايت) له كسفير لإيران لدى خان خيوق)[1191](. لكن للأسف فإن سقوط (الأمير الكبير) من الحكم قضى على جهوده الحميدة لكسب خانات ما وراء النهر نحو الحكومة المركزية، واستمر هؤلاء الخوانين بسياسة الإغارة والنهب لمدن شمال إيران، ولم يسعوا أبداً لربط مصالحهم بحكومة إيران المركزية. واستمرار سياسة الإغارة وعدم التسليم للحكومة الناصرية أوقعهم في النهاية في فخ الروس. «فكل من يفرّ من دفع خراج للملك يقع طعمة لغول الصحارى». وبعد (محمد أمين خان) حتى عام (1281هـ) حكم خوارزم كل من (عبد الله خان، قتلغ محمد، السيد محمد والسيد محمد رحيم خان) من خانات بني الأيناق. إلى أن استولى الروس على بلاد ما وراء النهر بالكامل، ووقعت خوارزم تحت الاحتلال الروسي)[1192](.
***
داغستان
(داغ) تعني في اللغة التركية (الجبل) وعليه فإنّ (داغستان) تعني أرض الجبال)[1193](، وهذا لا يعني أن كل أرض داغستان مغطاة بالجبال، وليست كثافة الجبال فيها متساوية في جميع المنانطق. إنّ هذه الواقعية تحكي أن إسم داغستان أخذ من أرضها الجبلية، ثم أطلق على سائر مناطقها من هضاب وسواحل أيضاً، ذلك لأن مصطلح داغستان لا يتناسب مع طبيعة كل هذه الأرض. الجدير ذكره أن مصطلح داغستان ككثير من أسماء الأراضي التي تنتهي بالألف والنون نسبة إلى المكان، وقد ظهر خلال القرنين الأخيرين، وهو أي مستحدث مثل جورجستان (جورجيا) وأفغانستان ليس له ماضٍ طويل وأصل قديم في القاموس السياسي والمصادر الجغرافية، بل إنه يعود إلى التسميات السياسية التي أطلقت في القرن الثامن عشر.
وسكان داغستان القدامى، أي سكان المناطق الجبلية، يطلقون على أنفسهم إسم (داغلي) أي جبلي نسبة للجبل. وذكر بعضهم أن «إنّ إسم داغستان كان (طاغ) وملك شمخال (هبطاق) أي ملك الجميع، وملكها (كيطاق) أي الملك الكبير، وقد قلبت الطاء دالاً، والكاف والغين قافاً»)[1194](. وتشكل داغستان جزءاً مهماً من أرض القوقاز، وتحتل ثلث مساحتها، وتتشكل من ثلاثة مناطق أساسية:
- داغستان الشمالية وهي عبارة عن الأراضي الواقعة بين أنهار (الكوما، الترك، السولاق).
- وداغستان الوسطى أي حوض السمور وهي المنطقة الواقعة بين جبلي بابا والشماخي.
- وداغستان الجنوبية أي المنطقة الواقعة بين جبال القوقاز في جنوب داغستان وصولاً إلى شاطئ نهر كورا.
(باكيخانوف) قام بمطابقة داغستان مع الوضع الحالي، فكتب يقول: «إنّ ولاية داغستان كانت تمتد بين درجتي العرض (42 ـ 44) شمالاً، وبين درجتي الطول (63 ـ 66) شرقاً. ويحدّها من الشرق بحر قزوين، ومن الشمال نهر الترك، ومن الغرب ملك الشركس والأوس، ومن الجنوب الغربي جورجيا، ومن الجنوب الشرقي شيروان.
ويعرف القسم الشمالي الشرقي منها بحسنه وكثرة المعيشة فيه، خاصة عند سواحل البحر والترك، وقد اشتهر بالمحاصيل الزراعية والتجارية بسبب وفرة الأنهار وحركة النقل الكثيفة.
والقسم الآخر الجبلي فإنه رغم وجود بعض الأماكن الخصبة فيه داخل الأودية والمصايف الجميلة، لكن غالباً ما تكون الحياة فيه صعبة جداً وشاقة»)[1195](.
(بارتولد) اعتبر أنّ داغستان تتشكل من ناحيتين متمايزتين عن بعضهما، أي ناحية القوقاز ومنطقة ساحل بحر قزوين. ويضيف: ويفصلهما في الشمال نهري الترك والكوما، وفي الجنوب سمور من جهة ورافد من نهر كورا من جهة أخرى)[1196](.
ورغم الإسم الجديد لداغستان فإنّ مناطق منها قد اشتهرت خلال القرون الإسلامية الأولى بين علماء المسالك والممالك والمؤرخين. (إبن حوقل) ذكر (سمندر) كأحد مناطق داغستان، وكتب أن هذه المدينة تقع بين الناحية وباب الأبواب، وتضم بساتين عنب كثيرة، وكان سكانها من المسلمين ومن أتباع الأديان المختلفة وعبدة الأصنام، وبعد أن دخلها الروس لم يبق فيها عنب ولا زبيب)[1197](.
وذكر ابن حوقل أيضاً إسم (سرير) وقال: إنّ المسافة بين (أتل) إلى (سمندر) ثمانية أيام، وبين (سمندر) إلى (باب الأبواب) أربعة أيام، ومن (مملكة السرير) إلى (باب الأبواب) ثلاثة أيام)[1198](.
(المسعودي) خلال حديثه عن (جبل قبخ) ذكر ثلاثة من نواحي داغستان الحالية وهي (قيطاق) ومركزها (سمندر) أو (ترخو) و(سرير) و(جبال قموق) وأكد على أنها إيرانية وقال: الان ـ أي عام 332 هـ ـ فإنّ ملك (سرير) هو من أبناء (بهرام كور) مثل ملك (شيروان).
ويضيف المسعودي: لا خلاف في أصالة وشهرة نسب ملكي (شيروان) و(سرير))[1199](.
ومن أشهر مناطق داغستان قلعة تسمى (حصن باب آلان) وكانت هذه القلعة تشكل الطريق الوحيد للعبور إلى الجبال الأصلية لداغستان، ولأهميتها الكبرى فقد جرى وصفها في شعر الشعراء الإيرانيين. وتذكر القصص الإيرانية القديمة أن (اسفنديار) هو الذي بنى هذه القلعة. فيما أطلق الكتّاب العرب إسم (دريل) على (باب آلان).
(باكيخانوف) كتب يقول: هناك قرائن كثيرة تدل على تسلّط الإيرانيين على تلك الأماكن، ومن جملة ذلك (دريل) وهي لفظة فارسية قديمة، وجبل (كيش أور) التي هي في الأصل جبل (شاهبور) أو (كي شابور) وكانت موضع بسناور. وطائفة الأوس ما زالت تستعمل ألفاظاً فارسية قديمة كثيرة وأسماء أصلية وأفعال لم تتغير إلا بعض الشيء، ويسمّونها بلغتهم الرائجة (إيروني) و(بلاد الأوس) (إيرونستان).
(محمد رفيع بن عبد الرحيم الشيرواني) تناول داغستان في تاريخه، فذكر ان فيها ثلاثة مناطق: الأولى الهضبة، والثانية زرهكران، والثالثة آوار وهي من الناحية المعيشية والطرق أصعب وأقسى المناطق.
(جامشيان) ذكر أربعة مناطق لهذه الولاية في تاريخه وهي: آلان، باسلاس، هبطاق، هون.
مؤلف الدربندنامة يقسم ولاية نوشيروان واسنفديار إلى أربعة مناطق: غلباخ، ملك تومانشاه، قيطاق، جبال قموق.
وكل هذه التقسيمات تتوافق مع الوضع الحالي، فالمنطقة الأولى (آلان) أو (غلباخ قموق) كانت جهة سولاق ومشقش وقبارطي الصغيرة. والمنطقة الثانية (ملك تومانشاه) أو (هبطاق) أو (قيطاق) على اعتبار التقسيم الأول (ملك شامخال) والقسم الجنوبي المسمى (ملك). والمنطة الثالثة (جبال قموق) أو (هون) أو (آوار) وكانت ملك قاضي قموق وآوارستان. والمنطقة الرابعة (باسلاس) أو (زرهكران) أو (سرير) أو (قيطاق) وهي حسب التقسيم الأخير هي محلات العلوي قيطاق، وآققوشة وسورهي. وإسم بلدة (باشلي) منقلب عن (باسلاس). و(قموق) حسب كلام (بطليموس) هي بقايا قوم (كام) و(كماك) و(ملك) جاء من نسبة لهم)[1200](.
ولا توجد معلومامت واضحة ومقنعة عن السكان الأوائل لداغستان، فقيل أن الألبان ذوي الأصول اليافئية كانوا يعيشون في المنطقة الساحلية أو في القسم الشرقي لداغستان الممتد إلى (دربند) وقسم من (آلان) أو ألبنيا التاريخية)[1201](. وعندما توسعت الأمبراطورية الهخامنشية وخاصة في العهد الساساني أقامت قلاع إيرانية في المعابر الوعرة لدربند لمواجهة البدو الرحّل، وعليه كان للإيرانيين خلال تلك الفترة التاريخية نفوذ في مناطق من داغستان الجنوبية والساحلية أيضاً.
وفي (طبرسران) الواقعة غرب الهند كان فيها ملوك إيرانيون يطلق عليهم إسم (طبرسران شان))[1202]( وبعد نفوذ الإسلام إلى القوقاز تأثرت المناطق الجنوبية لداغستان بالإسلام، أما سكان المناطق الجبيلة لهذه الأرض فقد أسلموا متأخرين)[1203](.
وبقي سكان الجبال الشاهقة على عقائدهم بعد مرور عدة قرون من دخول الإسلام إلى القوقاز.
ومن الوقائع المهمة لداغستان في أواخر القرن الهجري الثاني هجوم الخزريين على هذه الأراضي، ومقتل (140) ألف مسلم من أهالي داغستان ودربند وشروان)[1204](.
(المسعودي) تحدث عن اللكزيين القاطنين في جنوب جبال القوقاز، وقال: «توجد إلى جوار مملكة شروان مملكة أخرى تبدأ بجبل قبخ وتسمى (إيران) ويسمى ملكها (شاه إيران) الآن في عام (332) يسيطر شاه شروان على هذه المملكة وعلى مملكة أخرى هي (موقاني)، لكن اعتماد مملكة شروان شاه هي مملكة لكز. واللكزيون شعب لا يعد يعيشون في جنوب هذا الجبل، عدد من اللكزيين كفار لا يخضعون لطاعة شروان شاه ويطلق عليهم إسم الدووانيين، ويعيشون حياة جاهلية، ولا يطيعون الملك»)[1205](.
(المسعودي) خلال وصفه لسرير، أي المدينة الواقعة شمال غرب (دربند) يقول: «إنّ ملك سرير هو فيلان شاه، ويدين بالنصرانية»)[1206](.
واستناداً إلى المعلومات الحاصلة من المصادر التاريخية والجغرافية المختلفة يمكن القول إن أقواماً مختلفين منهم: الديالمة، سرير، آلان، لكزي أو لك. كانوا يعيشون في داغستان حتى عهد المغول)[1207](. وبعد هجوم المغول على إيران وروسيا تغلب المخيم الذهبي على روسيا كلها، لكن أبناء وأحفاد (جوجي) خسروا قدرتهم شيئاً فشيئاً، وفي القرن الهجري الثامن أو الرابع عشر الميلادي انتفض أشراف روسيا ضد بقايا المخيم الذهبي، واضطر المغول للتراجع إلى المناطق الجنوبية من روسيا ومن ضمنها داغستان والقوقاز. وبعد مدة دخل (التتار) إلى أرض القوقاز وشمالها، ومما زاد قومية أخرى إلى قومياتها. فخانات: كريمة وغراي وثاثار كانت من بقايا خوانين المغول والتاتار. وقبل بدء المواجهات بين الصفويين والعثمانيين في داغستان كانت ثلاثة مجموعات من الأمراء المحليين تحكم هذه الأرض هي: الشمخال، الأوسمي، المعصوم.
في مصادر العهد الصفوي والأفشاري، وأوائل العهد القاجاري تواجه عنوانين أوليين يستعملان في مقابل إسم الحاكم أو سيادة حكومتهم مثل: مسخال. ونقل (بارتولد) أن شمخال في الأساس هم رؤساء جميع قبائل القموق الغازية. هؤلاء الغزاة القموق استقروا بداية في النواحي الجبلية، ثم بسطوا نفوذهم تدريجياً في الشمال الغربي حتى سواحل بحر قزوين. وكانت (ترخو) تشكل مركز حكومتهم. وفي العهد الصفوي كانت داغستان وشيروان ولايتان تشكلان جزءاً صغيراً من أرض داغستان الكبرى، يقع عند الحدود الأساسية لإيران.
(برفلوريو) أعد في العهد الصفوي تقريراً عن سفره إلى النواحي المختلفة من القوقاز، ومنها داغستان. يقول: «الشمخال هو إسم ابن الملك اللزكي، واللزك هم جماعة من التتار الذين يقطنون الجانب الآخر من جبال داغستان، ويقال أن (لسكو) أول ابن ملك بولندي كان منهم، ذلك لأن ملك إيران توقف عن دفع المال لشمخال، فسمح شمخال للزنك أن يغيروا على القوافل الإيرانية، وتوقيف سفنهم التي تدخل المياه الإقليمية لشمخال وتتوقف عند سواحل بحر قزوين ونهبها. ومركز حكومة شمخال هي (تركو) ولا ينبغي الخلط بينها وبين (تركي) الواقعة في (الشركسي) التي يقيم فيها القياصرة قواعد عسكرية».
وخلال المنافسة بين العثمانيين والصفويين على داغستان والقوقاز كلها استولوا على اللزك القاطنين في الهضاب مؤقتاً، لكن جبال داغستان بقيت خارجة عن سيطرتهم، وإبان سقوط الدولة الصفوية قام (عادل غراي خان شمخال) و(غازي قموق ترخو) بتشجيع (بيتر) على مهاجمة إيران والالتحاق به عداءً منهما للبلاط الصفوي. لكن (بيتر الكبير) عندما وجه جيشه نحو إيران، وحاول الاستيلاء على المناطق الجبلية لداغستان أو داغستان الأصلية لم يتمكن من السيطرة عليها، بل تكبد الخسائر الكثيرة جراء توجيهه للجيوش، وبعد عودته بقليل إلى روسيا وفشل هجومه على داغستان والقوقاز، قام (بيتر) بسحق (عادل غراي) فشمخال رغم اتحاده المبدئي مع القيصر، لكنه كان ساخطاً من وجود قلعة الصليب في داغستان، لأنه يرى ذلك مخالفاً لعقيدته الإسلامية، ودفعه ذلك للقيام ضد (بيتر)، فقام الروس بسحق تحركه هذا وتحرك حلفائه، وإسقاط حكم الشمخال في داغستان. والهجمات التي نفذها اللزك ضد القوافل والقبائل والمدن المحيطة بداغستان دفعت (نادر شاه) أيضاً للتفكير في سحقهم. وقد قتل (إبراهيم خان أفشار) أخو (نادر) خلال سعيه للقضاء على هجمات اللزك واعتداءاتهم تلك. وعندما علم (نادر) بمقتل أخيه وجّه جيشه نحو داغستان، لكنه فشل بدوره من تحقيق أهدافه لأنها أراضٍ جبلية شاهقة. وقرر (كاترين الثاني) دفع جيوشه لمهاجمة القوقاز، واتخذ من اعتداءات (اللزك) على الجورجيين ذريعة جيدة لتدخل القياصرة في داغستان. لكن محاولته تلك باءت بالفشل أيضاً. وخلال الأعوام التالية ورغم احتلال الروس لكل منطقة القوقاز، ثم توقيع معاهدتي (كلستان وتركمن شاي) فقد سعوا كثيراً لإخضاع سكان جبال داغستان لسيطرتهم، لكنهم عجزوا عن تحقيق ذلك خلال عقود متعاقبة.
دراسة تطبيقية فقهية في تحديد جرم الزنا والقصاص
للحاج علي موكوئي
يتشكل هذا الكتاب من فصلين هما:
(النظرية العملية وتحديد الجرم والقضاء في مجال جرم الزنا) و(النظرة العملية وتحديد الجرم والفقه في مجال القصاص أو القتل أو الإعدام).
الفصل الأول يضمن مبحثين:
المبحث الأول وفيه ثلاث مقالات، وعنوانه (أسس وآثار تحديد جرم الزنا) ويتناول: تحديد الجرم وجزاء الزنا، السياسة الجنائية للجرائم الجنسية في الإسلام، مصادر وتجارب واتجاهات تحديد جرائم الزنا.
المبحث الثاني عنوانه (بحوث ونظريات تحديد الجرم في الزنا) وفيه ثلاثة مقالات أيضاً: حول نظريات تحديد الجرم، بحوث تحديد الجرم في الزنا، نظريات مراقبة الجرائم الجنسية ومنع وقوعها.
الفصل الثاني وفيها مبحثان.
المبحث الأول بعنوان (اتجاهات تحديد الجرم نحو الإعلام) وفيه مقالتين: المدارس الجزائية والإعدام، دور الإعدام في منع وقوع جرم القتل وردعه.
المبحث الثاني بعنوان (مجازاة القصاص وأثارها في الحقوق الإسلامية) وفيه مقالتين: أسس وضع مجازاة القصاص، أثار مجازاة القصاص.
وجاء في مقدمة الكتاب: «إن دراسة جرائم الزنا والقتل من زاوية تحديد الجرم ومطابقة ذلك مع الحقوق الجزائية الإسلامية يؤدي إلى توضيح أساس وأُطر الحقوق الجزائية الإسلامية، كما إنه يبين نتائج ونظرات تحديد الجرم والعلوم الاجتماعية وتوجه السياسة الجنائية في التعامل مع الجرائم الجنسية والقتل. إن تحليل الأصول وأطر نظرة الحقوق الجزائية الإسلامية كتعامل كامل وغير ناقص للسياسة الجنائية، وكذلك الموازين والشكل العام والشمولي لنظرتها إلى الحوادث والجرائم الجنسية تعد من أهداف هذا البحث، وقد سعينا في هذا الكتاب إلى توضيحه واستعراض تبعاته. وقمنا بدراسة وتحليل المباحث المتعلقة بالقتل من زاوية تحديد الجرم والآثار الحاكمة على مجازاة الإعدام في إطار عام وموجز، كما تم استعراض أسلوب تعامل الجهاز القضائي في دراسته لمستوى منع وقوع جرائم الزنا والقتل، كمحور لدراسة مختصرة».
الدراية
مرّ الكلام في الدراية في أجزاء دائرة المعارف، ولما لهذا البحث من أهمية ذكرناه استدراكاً.
إن أهم العلوم الإسلامية هو ـ علم الفقه ـ لأنه يتكفل لبيان الأحكام الشرعية في جميع أفعال المكلفين من عبادات ومعاملات من عقود وإيقاعات وغيرها من صيد وذباحة وحدود ووصايا ومواريث. مما يحتاجه الإنسان في أمر معاشه ومعاده في دنياه وآخرته، وهذا العلم الشريف إنما يؤخذ من الحديث الوارد عن المعصوم فهو متوقف على معرفة الحديث ـ وقد تصدت طائفة كبيرة من ذوي القلوب الواعية في الصدر الإسلامي لأخذ الحديث من أهله المعصومين الذين لا يتطرق إليهم الخطأ ولا الاشتباه في بيان الحكم الشرعي فكانت هذه الطائفة الواعية على اختلاف أزمانها تشد الرحال من الأمكنة البعيدة لأخذ الحديث من أهله، فكان الكثير منهم يحملون المحابر والقرطاس عند مثولهم أمام المعصوم المسؤول ليثبتوا الجواب عنه كتباً حذراً من تطرق النسيان والاشتباه إليهم في تأدية لفظ الحديث، فكان ما يأخذونه من الحديث عن أئمتهم يساوي أضعاف ما يأخذه غيرهم من أئمتهم كما اعترف به الكثير منهم.
وكان لمفخرة الزمن الإمام (جعفر الصادق) مدرسة واسعة في الحديث فعن الحسن الوشا قال: أدركت في مسجدكم هذا ـ يشير لمسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد. وكان إحصاء الذين أخذوا عنه الحديث يزيد على الأربعة آلاف راوٍ. وقد ثبت عن راو واحد هو ـ إبان بن تغلب ـ أنه أخذ عن الصادق وحده ثلاثين ألف حديث وقد دونت الأحاديث التي أخذها الأربعة آلاف راو. وجمعت في أربعمائة أصل لآربعمائة مصنف وسموها الأصول الأربعمائة.
وعرض جملة من هذه الأصول على بعض الأئمة المعصومين فأثنوا عليها وعلى مؤلفيها. بعد مرور زمن عاد جملة من هذه الأصول الأربعمائة معرضاً للضياع والتلف فأثار ذلك همم جماعة من الفطاحل العظام للقيام بجمع وتدوين ما أمكنهم الحصول عليه من تلك الأصول فجاءت في الحديث موسوعات ضخمة كان أهمها ـ الكتب الأربعة ـ التي كانت هي المدار وعليها الاعتماد وهي:
1 ـ الكافي: للشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى عام 329هـ.
2 ـ من لا يحضره الفقيه: للشيخ الصدوق رئيس المحدثين محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى عام 381هـ.
3 و4 ـ التهذيب، والاستبصار: وهما للشيخ الجليل رئيس الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى عام 460هـ.
فكانت هذه الكتب الأربعة عندنا بمثابة الصحاح الست عند غيرنا وكان كتاب الكافي وحده يحتوي من الأحاديث على أكثر مما تحتوي عليه الصحاح الست فقد كان يحتوي على 16200 حديثاً بين صحيح وغير صحيح. ولم تكن الأخبار مقسمة عند القدماء هذا التقسيم المعروف عندنا إلى أربعة أو خمسة بل كان المتعارف بينه إطلاق ـ الصحيح ـ مثلاً على ما يقترن بما يوجب الوثوق به كأن يكون موجوداً في كثير من الأصول الأربعمائة أو في أصل منسوب إلى العصابة الثمانية عشرة الذين أجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم أو أحد الأصول التي عرضت على بعض الأئمة المعصومين فأثنوا عليها وعلى مؤلفيها ـ كان هذا ديدنهم في العمل بالأخبار الى زمن العلاّمة الحلي وشيخه السيد أحمد بن طاوس فهما اللذان أحدثا هذا الاصطلاح الجديد من تقسيم الأخبار والعلاّمة الحلي هو أول من قرره ودوّنه بقواعد يتميز فيها صحيح الأخبار عن موثقها عن حسنها عن ضعيفها. وسميت بعلم (الدراية) ومشى على منواله غيره وإلى زمن الشهيد الثاني فأكسبها شيئاً من التوسعة وألبسها حلّة من الجمال فلهؤلاء الفضل فيما كتبوا وألفوا في هذا العلم الجليل الجديد.
(علم الدراية)
الدراية بالشيء العلم به العلم المسبوق بالشك ولذا يقال علم الله ولا يقال درى الله وهو اصطلاحاً ـ العلم بأصول الحديث ورد الفروع إلى الأصول ـ وفي الأثر الوارد ـ حديث تدريه خير من ألف ترويه ـ فهذا العلم يبحث فيه: 1 ـ عن سند الحديث. 2 ـ وعن متنه. 3 ـ وكيفية تحمله. 4 ـ وآداب نقله. وموضوعه السند والمتن أي الراوي من حيث كونه راويا ًوالمروي من حيث كونه مروياً، وغايته معرفة المقبول من الأحاديث ليعمل به من غير المقبول ليطرح فلا يعمل به ـ وقد قسموا الخبر إلى عدة انقسامات.
أولاً: إلى معلوم الصدق بنفسه كخبر المعصوم ومعلوم الكذب بنفسه كخبر الوضاع ومحتمل الأمرين كأخبار أكثر الناس.
ثانياً: قسموه إلى متواتر وآحاد، والآحاد إلى مستفيض وغريب وعزيز ـ فالمتواتر ـ ما أخبر به جماعة بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب، وهو يفيد العلم بنفسه. والمستفيض ما كثرت رواته بأزيد من ثلاثة ولا تصل إلى حد امتناع تواطئهم على الكذب وإلاّ فهو المتواتر. والغريب بروايته واحد عن واحد وهكذا. والعزيز ما لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين وهكذا.
ثالثاً: قسموه إلى نوعين أقسام أصلية، وأقسام فرعية، وهذا أهم الانقسامات، أمّا الأقسام الأصلية وهي العمدة في المقام فهي خمسة: الصحيح، الحسن، الموثق، القوي، الضعيف. ولكل من الأربعة السابقة ثلاثة مراتب أعلى وأوسط وأدنى. أمّا الصحيح ـ فهو ما كان رواته إماميين ممدوحين بمدح معتد به أقل من العدالة والوثاقة. مثل هو عين أو وجه أو صالح أو خير ـ وامّا الموثق ـ فهو ما كان رواته أو بعضهم غير إماميين ولكنهم ممدوحين بالوثاقة.
وأمّا القوي ـ فهو ما كان رواته أو بعضهم غير ممدوحين ولا مقدوح فيهم بل كانوا مجهولي الحال. وأمّا الضعيف ـ فهو ما كان رواته أو بعضهم مقدوحاً فيهم إمّا بجهة محرمة كالفسق والوضع أو غير محرمة ككونه غير حافظ وغير ضابط لما يرويه. فهذه الأقسام الخمسة هي العمدة ـ وأمّا الأقسام الفرعية فعلى نوعين مشتركة ومختصة بالضعيف أمّا المشتركة فقد أنهاها بعضهم الى ثمانية عشر. بل زاد بعضهم على ذلك وذكروا لها مميزات يمتاز بها كل واحد عن الآخر وهي كما يلي:
- المسند. 2) المتصل. 3) المرفوع. 4) المعنعن. 5) المعلق. 6) المفرد. 7) المدرج. 8) المشهور. 9) الغريب. 10) المصحف. 11) العالي والنازل). 12) الشاذ والنادر. 13) المسلسل. 14) المزيد. 15) المختلف. 16) الناسخ والمنسوخ. 17) الغريب لفظاً. 18) المقبول.
فهذه هي الأقسام المشتركة التي تجيء في كل من الصحيح والحسن والموثوق والقوي والضعيف ـ وأمّا الأقسام الفرعية المختصة بالضعيف فقط فهي ثمانية لا غير وهي:
- الموقوف. 2) المقطوع. 3) المرسل. 4) المعلّل. 5) المدلس. 6) المضطرب. 7) المقلوب. 8) الموضوع. وهذه لا تأتي إلاّ في الضعيف. واشترط لقبول الرواية شروطاً هي:
- إسلام الراوي حال روايته. 2) بلوغه عند أدائها. 3) عقله ـ قيل. وعدالته للتثبت عند خبر الفاسق. وضبطه أي كونه حافظاً. وإيمانه ـ ولم يشترطوا الذكورة ولا الحرية ولا العلم بالفقه والعربية ولا البصر ولا تقبل رواية المبتدع لأنه فاسق، ولا مستحل الكفر لنصرة مذهبه ويعملوا برواية الضعيف إذا انجبرت بالشهرة بل حتى رواية المخالف.
وتعرف العدالة إمّا بتنصيص عدلين أو بالاستفاضة أو بالمباشرة أو بالعدل والتعديل مقبول من غير ذكر السبب. والجرح لا يقبل إلاّ ببيان السبب. ويثبت بقول العدل الواحد ـ وألفاظه. هو عدل أو ثقة أو حجة أو شيخ جليل. أو صالح الحديث ـ وأمّا تحمل الحديث ـ فلا يشترط فيه الإسلام بل يصح تحمله كافراً إذا أداه مسلماً ـ ولا البلوغ بل يصح تحمله صبياً مميزاً إذا أداه بالغاً ولا كونه أصغر من المروي عنه ولا يشترط اللفظ بل يصح أداؤه بالمعنى ـ والرواية منهم.
- الصحابي: وهو من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بعثته وهو مؤمن ومات على الإسلام ويُعرف كونه صحابياً بالتواتر والاستفاضة والشهرة والأخبار ثقة ـ وتوفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن 114 ألف صحابي وأولهم علي عليه السلام وآخرهم أبو الطفيل عامر بن واثلة عام 100هـ.
- التابعي: وهو من لقي صحابياً وهو مؤمن ومات على الإسلام.
- المخضرم: بفتح الراء وهو من أدرك الجاهلية والإسلام سواء أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالنجاشي أم بعده وقد بلغ المخضرمون عشرين نفساً ـ منهم سويد بن غفلة والأحنف بن قيس صاحبا علي عليه السلام.
والرواة عن الآباء قد تصل إلى التسعة أو أكثر سواء في المعصومين أو في غيرهم أمّا المعصومين فكرواية الحب في الله والبغض في الله فقد رواها الحسن العسكري عليه السلام عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام وأما في غيرهم فكرواية معنى الحنّان المنّان فقد رواها عبد الوهاب بن عبد العزيز عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن علي عليه السلام ومثله رواية ليس الخبر كالعيان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواها الحسين بن علي بن الحسين بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن علي بن الحسن بن الحسين بن جعفر بن عبيد ـ الواحد عن الآخر.
الشيخ مهدي مطر
الدكتور حسين علي محفوظ
ونظرية التقريب بين المذاهب الإسلامية
حقائق الوفاق في ظواهر الخلاف
هذه ورقة قدّمها العلامة الدكتور حسين علي محفوظ صيف عام 1402هـ/ 1982م إلى الملتقى السادس عشر للفكر الإسلامي في مدينة تلمسان بالجزائر، وهي بعنوان «جوانب منسيّة في دراسة السُنَّة النبوية»، وقد جعلها بمثابة التتمة لمؤلفات كثيرة كتبت للتعريف بعلماء الحديث والمؤلفين فيه، والمصادر والأصول الحديثية.
وقد اختار نموذجين من هذه الكتب الوافرة وهما كتاب (الرسالة المستطرفة) للسيد محمد بن جعفر الكتاني المتوفى سنة 1345هـ/1927م، و(فهرس الفهارس والأثبات) للسيد محمد عبد الحي الحسني الأدريسي، المحدّث المغربي المُتوفى سنة 1382هـ/1962م.
وكان الدكتور محفوظ يقصد سدَّ الفراغ الذي لم تتوفر عليه أقلام هذه المؤلفات في دراسة تاريخ علم الحديث الإمامي، والتعريف بالمصادر الحديثيَّة، والأصول عند الشيعة الإمامية.
وكان في الوقت نفسه يسعى إلى تشكيل منظومة توحيدية تكون مدخلاً لحل أزمة الاختلافات بين المذاهب والفرق الإسلامية ولكن عن طريق علم الحديث، وتحمُّل الإجازة هذه المرة.
الدكتور حسين علي محفوظ من أشهر علماء العراق المعاصرين، مؤلّف موسوعي، كَتـَب في التاريخ، والأدب، والأنساب، واللغة، وفقه اللغة المقارن، وله الصدارة في علم الرواية وإجازة نقل الحديث بين محدّثي العصر، كما أن له آراء ومقترحات في كثير من المسائل المتعلقة بشؤون الثقافة العامة كآرائه بقدم الخط العربي، وأنّه مشتق من خط عربي أقدم، وإشارة الألفاظ الى قدم دلالاتها ومعانيها، ورأيه حول دور العروض العربي في ظهور العروض في الآداب الشرقية، كما أنّ له ملاحظات معتبرة في التقاويم الإسلامية، وعلم الفلك، وفقه اللغة المُقارن.
والدكتور حسين محفوظ هو إبن الشيخ علي ابن الشيخ محمد جواد بن الشيخ موسى بن الشيخ حسين بن علي بن محمد آل محفوظ الوشاحي الأسدي.
ينتهي نسبه إلى شمس الدين محفوظ بن وشاح بن محمد المُتوفى سنة 690هـ / 1291م من بيت أبي العز الأسدي الحلّي)[1208](.
ولد بالكاظمية يوم الاثنين 20 شوَّال سنة 1344هـ، الموافق 3 أيار 1926م. وتعلّم في مدارس الكاظمية وبغداد. ثم تخرَّج بدار المعلمين العالية ببغداد، وحصل ليسانس الآداب في اللغة العربية صيف سنة 1367هـ/1948م، بدرجة الامتياز. وقد نال دكتوراه الدولة في الآداب الشرقية (الأدب المقارن)، خريف سنة 1374هـ/1955م.
تُوفي والدُه، وهو طفل، وحرم ظل الأبوة وهو صبي. وقد رعاه عمُّه محمد محفوظ واعتنى بتنشئته وتربيته، وكانت أُمّه، وأهل بيته، ومكتبة عمّه المدرسة الأولى التي تعلّم منها، واطَّلع على التراث. كما كانت لمجالس العلم ومواسم الأدب، وصحبة العلماء بالكاظمية الأثر البالغ في نشأته، واتجاهه إلى طريق العلم والتحقيق والأدب، والولع بالتراث.
جمع الدكتور محفوظ الدراستين القديمة والحديثة. واطّلع على أصول التاريخ والأدب والثقافة في بيته، وتتلمذ على أفاضل أسرته، وقرأ مقدمات المنطق والأصول على العلماء من أهله، وطالع شيئاً من كتب الأدب واللغة والبلاغة والتفسير والتجويد، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه، والعربية، والفلسفة، والحساب والفلك، والطب، والأخلاق، والآداب، وبعض العلوم، والمعارف القديمة والحديثة في خزائن والده، وعمّه، وأقاربه.
وروى الحديث إجازةً وتدبيجاً، وسماعاً، وقراءةً عن جماعة من علماء الأمة ومشايخ المحدِّثين أنافت عدَّتهم على السبعين في المشرق والمغرب. وروى قراءة عاصم من مشيخة القراءة والإجازة، ولا سيّما شيخ القُرَّاء بالموصل.
عُيِّنَ مدرساً في دار المعلمين العالية ببغداد سنة 1956م. ومفتِّشاً إختصاصياً للغة العربية في وزارة المعارف حتى 1378هـ/1959م ثم انتقل إلى كلية الآداب بجامعة بغداد.
ودرَّس اللغة العربية وآدابها في الكلية الشرقية بجامعة بطرسبورغ منذ سنة 1380هـ/1961م حتى سنة 1383هـ/1963م. وحاز على لقب أستاذ المستشرقين، كما مُنح منشور التقدير الذي وقّعه الأساتذة والمدرِّسون في قسم اللغة العربية.
أسّس قسم الدراسات الشرقية في كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1389هـ/1969م، ورإِسَه حتى سنة 1393هـ/1973م. ثم بقي أُستاذاً للدراسات الشرقية في جامعة بغداد.
نشر أكثر من أربعمائة أثر بين كتاب، ورسالة، ودراسة، وبحث، ومقالة، ونصّ، تأليفاً وتحقيقاً في مختلف حقول العلم والأدب واللغة والثقافة والمعرفة والفن مضافاً إلى مئات النقول عنه في المصادر والمراجع والأبحاث والدراسات والموسوعات. وله في خدمة التراث العربي والإسلامي وتحقيقه والتعريف به وفهرسته وإحيائه ونشره ما ينيف على مائتي أثر.
وقد أنجزَ العديد من الدراسات التراثية في مختلف الموضوعات، منها: محو الأمية، العمارة، الفلك، التقويم، الطفل، التعليم، الزراعة، الطب، الكيمياء، الجواهر، النقود، الأوزان والمقادير والمقاييس والمكاييل، والمصطلحات والمُعَرَّبات، علم الوثقائق والخط، تقسيم العلوم، المكتبة، الأخلاق، المرأة، الحرب، الفولكلور، والعرب والعربية خارج الوطن العربي.
كما جمع سنة 1395هـ/1975م ضوابط علم المخطوطات، وقواعده، ومسائله، ومصطلحاته وتعريفاته. وألف مصطلحات المخطوطات، ومصطلحات المكتبة العربية.
وفي سنة 1401هـ/1981م وضعَ (نظرية التأصيل)، في تأصيل التراث العربي والإسلامي، بأسلوب منهجي، وابتكر (دائرة التأصيل) للتطبيق والإيضاح.
إبتكر (دائرة الأهلّة) سنة 1398هـ/1978م، و(دائرة التقويم)، و(تقويم القرن الخامس عشر الهجري) في سنة 1399هـ/1979م. و(جدول الأدوار والكبائس لستة آلاف سنة هجرية) في سنة 1979م. وأردفها بابتكار (أوائل الشهور الاثني عشر في القرن الخامس عشر) في سنة 1981م.
وقد تتبع المصادر الشرقية للدراسة العربية وأحصاها وصنَّفها وحلّلها، وعرَّف بها واهتم بالتراجم الباقية عن المؤلفات العربية الضائعة. ودرس أثر اللغة العربية في اللغات الشرقية، وبعض اللغات الأفريقية والأوروبية. واستقصى فضل العرب والعربية والأدب العربي على اللغات والشعوب الشرقية ولا سيّما اللغات الأربعة الرئيسية المعروفة. وبين أنّ نسبة الألفاظ العربية في اللغة الأوردية هي (95،41%)، وفي اللغة التاجيكية (39،46%)، وفي اللغة التركية (70،49%)، وفي اللغة الفارسية (67،60%).
وأحصى الألفاظ العربية في الآثار الباقية من نتاج (134) شاعراً، و(160) كاتباً ومؤلّفاً في اللغات الشرقية، ووحّد نسبها المئوية، وهي تبلغ أحياناً (52%) من الشعر، و(70%) من النثر.
ألّف عدّة معاجم منها (معجم الآلات والأدوات)، و(معجم العلامات والرموز)، و(معجم الأضداد)، و(معجم الألوان)، و(مصطلحات النقود)، و(معجم المترادفات)، و(قاموس التراث).
كما إهتم بدراسة تواريخ البلدان العربية والاسلامية المهمة لا سيّما المدن التسعة المشهورة. وجمع النصوص المتعلّقة ببعضها في المراجع العربية ورتّبها على القرون والسنين والمصادر. وقد طُبعت في سبعة مجلدات من (موسوعة العتبات المقدَّسة) بين سنة 1965 و1967م.
واهتم بالتراجم والطبقات والوفيات والإجازات والرجال وضبط وفيات المشاهير. واقترح تأليف (تقويم الخالدين) سنة 1960م لتكريم العلماء، والأدباء والنوابغ والمشاهير والأعلام قديماً وحديثاً، وإحياء ذكراهم وآثارهم، وكان قد اقترح منذ سنة 1950 إحياء الذكرى الألفية، والمئوية، والألماسية، والذهبية، والفضيّة، والعشرية للأعلام والمشاهير والمدن والحوادث.
ومن أعماله المُهمَّة: إضافة كبيسة واحدة في الدور الرابع والثمانين من أدوار الكبائس، وقد قرّر كبس سنة 2505هـ. وهي الكبيسة «المحفوظية» نسبة إليه. و(التقويم المقارن)، و(الدلائل الأدبية على قدمية الخط العربي). وقد حقّق أنّ الخط العربيّ هو خط سدس لغات العالم الراقية تقريباً. وله (الوفاق بين المذاهب الإسلامية) بَيّنَ فيه دلائل الوفاق في مسائل الخلاف، وأثبت أن نسبة الخلاف لا تزيد على (6%) من مسائل الخلاف لا من مجموع مسائل الفقه، وكتب الرسالة الفلسفية (من أجل الإنسان) سنة 1959م.
ومن أعماله أيضاً، دراسة إحصاء المسلمين، وتراث المقادسة، وسجل الأيام والوقائع والحروب، وتقويم حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الولادة حتى الوفاة، وإحصاء أحاديث الأخلاق في السُنّة واستخراج المقاييس الإنسانية في التراث العربي والإسلامي، ورسالة العرب، واللغة العربية وبراءتها من النقص، وجوانب منسية في دراسة السنة النبوية.
نال وسام (الثناء) في الثقافة سنة 1376هـ/ 1957م، و(وسام إقبال الذهبي) سنة 1398هـ/ 1978م. وفاز كتابُهُ (المتنبي وسعدي) بجائزة (أحسن كتب العام) سنة 1377هـ/1958م، ورشَّحتْهُ جامعة بغداد، وكلية الآداب لعدة جوائز علمية وعالمية.
يبدأ عملُه المجمعي في الخمسينيَّات فقد انتُخبَ عضواً باللجنة الأدبية في بعض المجامع العلمية في الشرق سنة 1371هـ/ 1952م، وفي الجمعية الآسيوية الملكية بلندن سنة 1373هـ/1954. ثم انتخب عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1375هـ/1956م، والمجمع العلمي الهندي في عليگرة سنة 1396هـ/ 1976م.
وهو أول عضو في اللجنة الثقافية باللجنة الوطنية العراقية للاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر الهجري (1979 – 1982) ومن أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى المؤسسين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينيَّة ببغداد سنة 1401هـ/1981م، وعضو لجنة التقويم الهجري الموحَّد سنة 1402هـ/ 1982م.
شارك ومثَّلَ العراق في عشرات المؤتمرات العالمية والاستشراقية، والندوات والمجالس العلمية، والحلقات الدراسية، والمهرجانات الأدبية، بالعراق والبلاد العربية والأجنبية، منذ سنة 1373هـ/1954م.
من مؤلفات الدكتور حسين علي محفوظ ومحققاته ودراساته
1ـ أمّهات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ابن حبيب – 1952.
2- رسالة الفراسة لابن الخوام البغدادي – 1954.
3- شرح عينيَّة ابن سينا للسيد نعمة الله الجزائري – 1954.
4- المنتخب من أدب البحرين – 1954.
5- سيرة الكليني – 1955.
6- رسالة في الهداية والضلالة للصاحب بن عباد – 1955.
7- رسالة في تحقيق لفظ الزنديق لابن كمال باشا – 1956، و1962.
8- المتنبي وسعدي – (مجلدان) – 1957.
9- أربعون حديثاً للشيخ حسين عبد الصمد الحارثي – 1957.
10- صحيفة الرضا (ع) من الأحاديث النبوية – 1957، و1971.
11- ديوان ابن سينا – 1957.
12- فتيا فقيه العرب لابن فارس – 1958.
13- فضولي البغدادي – 1959.
14- عراقيات الكاظمي – 1960.
15- ابن الكوفي – 1961.
16- كتاب الأدوار في معرفة النغم والأدوار لصفي الدين الأموي – 1961.
17- حمزة بن الحسن الأصفهاني سيرته وآثاره – 1962.
18- سعدي خريج بغداد في العصر العباسي الأخير – 1963.
19- آراء حمزة بن الحسن الأصفهاني في اللغة والتاريخ والبلدان – 1964.
20- معجم الموسيقى العربية – 1964.
21- العلاقات والرموز عند المؤلفين العرب قديماً وحديثاً – 1964.
22- الشيخ محمد عياد الطنطاوي – 1964.
23- أثر اللغة العربية في اللغة التاجيكية – 1964 و1965 و1982.
24- الورقات في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني – 1970.
25- الحدود والحقائق للبريدي الآبي – 1970.
26- مختار ديوان ابن الخيمي – 1970.
27- قواعد الفارسية (بالاشتراك مع د. زهتابي) – 1972.
28- شعر جلال الدين الدواني – 1972.
29- نظرة في تراث البحرين – 1972.
30- معجم الأضداد – 1973.
31- مختصر معجم الأضداد – 1973.
32- الصنعاني – 1974.
33- أثر اللغة العربية في اللغة الفاسية – 1974 و1982.
34- آثار جيش التفليسي – 1975.
35- تأثير اللغة العربية في اللغة التركية – 1975.
36- الفارابي في المراجع العربية – 1975.
37- مؤلفات الفارابي (بالاشتراك مع د. جعفر آل ياسين) – 1975.
38- العناصر العربية في حياة الفارابي وثقافته ونتاجه – 1975 و1979.
39- علم المخطوطات – 1976.
40- مصادقة الاخوان لابن بابويه – 1976.
41- أثر اللغة العربية في اللغة الأوردية – 1977.
42- دوائر المعارف والموسوعات العربية – 1977.
43- قاموس الموسيقى العربية – 1977.
44- نظرة في تراث إقبال – 1977.
45- فهرس مخطوطات كلية الآداب (بالاشتراك مع الدكتورة نبيلة عبد المنعم داود) – 1977.
46- مصادر دراسة تراث البحرين – 1977.
47- تقريب العامية من الفصحى – 1978.
48- نظرة في تاريخ البحث والتأليف والاستشراق – 1978.
49- تأثير المتنبي في الأدب الفارسي – 1978 و1979.
50- نظرات متفرقة في حياة الصافي وتراثه وأدبه – 1978.
51- طرائف من سيرة الحبوبي وأدبه – 1978.
52- الاسطرلاب العربي – 1978.
53- سعة اللغة العربية وغناها وأصالتها – 1979.
54- ذكرى الزيتونة – 1979.
55- نثر الفارابي – 1980.
56- التخريج في التحقيق – 1980.
57- فصول في علم المخطوطات – 1980.
58- المصطلحات المعمارية في التراث العربي – 1980.
59- المصطلحات الموسيقية في التراث العربي – 1980 و1983.
60- مشروع أسس تحقيق التراث العربي ومناهجه – 1980.
61 – أثر اللغة العربية في الشعوب الشرقية – 1981.
62- أبناء الأثير في المراجع العربية – 1982.
63- دراسة مظاهر تأثير اللغة العربية في اللغة الفارسية – 1982.
64- الطفل في التراث العربي – 1982.
65- قواعد التحقيق وأصوله وضوابطه – 1983.
66- مشروع تحقيق ذخائر التراث – 1983.
67- صورة الاستاذ في التراث – 1983.
68- خمسة عشر قرناً من تاريخ التراث العربي في البحرين – 1983.
***
ومن نماذج جهود الدكتور محفوظ الثقافية إهتمامُه بدراسة الاختلاف بين الفرق والمذاهب الإسلامية.
وقد كتبَ مقالات وفيرة عالجَ فيها مختلف شؤون المعرفة الإنسانية، وخصّ الإختلاف والإتفاق بين المذاهب بكتابات لها أهميّتها في هذا المجال. وتُعتبر مقالته الوفاق بين المذاهب الإسلامية (حقائق الوفاق في ظواهر الخلاف) إحدى الجهود الساعية إلى تشخيص موارد الإختلاف، وردم الهوّة بين أصحاب الدين الواحد الذين تفرّقت بهم السبل، وساقتهم إلى القطيعة.
وقد أثبت آراءه وتصوراته بما كتبه عن مصادر الحديث عند الإمامية موضحاً أطروحته التوحيدية التي تسهم من خلال علم الحديث في جمع علماء الأمة الإسلامية على تصوُّر منهج يعتمد الرواية وإجازة نقل الحديث إطاراً جامعاً ومُوَحّداً.
إتجاهات التقريب بين المذاهب الإسلامية
شغلت مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية أذهان الساعين إلى الإصلاح بين أبناء الدين الواحد الذين أبعدتهم اجتهاداتهم النظرية وممارساتهم السياسية عن بعضهم الآخر. فبمقدار المحاولات الداعية إلى النفرة والاختلاف في مؤلفات المتقدمين أو المتأخرين على حدّ سواء وجدت محاولات الإلفة والتقارب، وإن أخذت أشكالاً متعددة إلا أنّها تقوم على التقارب القائم على منطق الجدل والحوار الذي يتلخّص بمحاولة دراسة أسباب الاختلاف، ووضع الأصول المشتركة للإتفاق للوصول إلى نتائج تجمع الأطراف على قبولها.
ولا يعني أن تكون النتائج هذه من المسلمات لدى الأطراف المتنازعة وإنّما يمكن أن تكون خلاصة لما تهدف إليه هذه الاتجاهات، حسبما يراها أصحابها. ويمكن أن تُصنّف على هذه الشاكلة:
1ـ الإتجاه السياسي: حيث أنّ الجدل الطائفي يقوم بالأساس على عوامل الاختلاف الخارجي (الواقع) الذي يقود إلى تفسير النصوص (النظرية) حسبما يقتضي هذا الواقع تفسيرها. وليست هناك مشكلة أكبر من مشكلة السياسة والتنافس في الإدارة والسلطة. فقد تلازم الجدل الطائفي بالاختلاف السياسي، كما ترافق التسامح الطائفي بحالة الهدنة السياسية خصوصاً بين الدول، ومراكز القرار.
وقد انعكستْ مظاهر هذا الإتجاه، على المستوى الرسمي بمبادرة السلطان نادر شاه الأفشاري (قتل سنة 1160هـ/1747م) لحلّ الخلاف السياسي بين دولته إيران، والدولة العثمانية باللجوء إلى مدينة النجف الأشرف، عاصمة العلم الشيعية، وعقد مؤتمر كبير سنة 1156هـ/1743م جمع فيه علماء الشيعة الذين استقدمهم من بلاده إلى العراق، وعلماء السُنّة الذين رشَّحتهم السلطة العثمانية للمساهمة في هذاالمؤتمر، وإنجاحه.
وبغضّ النظر عن النتائج التي توصَّل لها المؤتمرون أولاً، وعدم استمرار تحقق نجاح مثل هذه المبادرات الرسمية، فإنَّ هذه المحاولة بحدّ ذاتها تكشف بعمق أنَّ العامل الطائفي هو من أفتك الأسلحة التي تساعد على إذكاء المبررات الطائفية في تعبئة الأطراف للتوصل إلى مقاصد بعيدة في السلطة والحكم وتغيير الأنظمة والحكام.
2- الاتجاه القائم على التسامح الروحي: وقد ظهر من خلال التشكيلة التي حاول بعض أصحاب الطرق الصوفية من خلالها توحيد الفرق الإسلامية بالاعتماد على التسامح الروحي، والتعالي على التصنيف العقائدي القائم على التعصُّب.
ومن شروط أرباب هذه الطرق الميل لآل البيت، واتخاذ شخصيّة الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام مثالاً يُحتذى به مُقدّماً على الخلفاء الراشدين الثلاثة باعتبار سند حديث الغدير الذي يقرّون دلالاته، مضافاً إلى جامعيته للحقائق الثلاثة؛ الخلافة، والوراثة، والولاية.
كما أدانوا في الوقت نفسه التعرّض إلى الصحابة، أو الإنتقاص منهم، والتجرّؤ عليهم بأيِّ شكل من أشكال الانتقاد.
3- الإتجاه القائم على الحوار: ويُراد به التقارب القائم على الحوار الشخصي الذي يعتبر من أهم مظاهر تسوية النزاع القائم على الاختلاف العقائدي بين الفرق والملل والنحل.
وغالباً تكون دوافع هذا الحوار مَدْعاة لوضع حلول يتّفق عليها الطرفان هي بمثابة قواسم مشتركة بينهما.
ومن مظاهر هذا التقارب المراسلات الشخصية التي دارت بين عالم سُنّي بغدادي هو الشيخ إبراهيم الراوي المتوفى سنة 1365هـ/1946م، وبين السيد محمد مهدي السبزواري أحد شباب الروحانيين الشيعة المتوفى بإيران شابّاً سنة 1350هـ/1931م. أي بعد نشر هذا الحوار بأقلّ من عام واحد.
كان المُحفّز لهذا الحوار تقهقر الدولة العثمانية بعد سقوط البلدان الإسلامية بيد القوات الإنكليزية بعد الحرب العالمية الأولى. وكان يهدف بمُجمله – من خلال الدعوة لتسوية الخلافات الطائفية بين المذاهب الإسلامية، إلى عودة الخلافة الإسلامية، وتصدرها للحكم مرّة أخرى.
وقد أعدَّ الراوي بعض نصوص الرسائل المتبادلة بينه، وبين السبزواري، والتي تمثّل حصيلة جهود سنتين كاملتين من المكاتبة، ومواصلة الحوار، – في كتيّب نشره ببغداد سنة 1349هـ/1930م بعنوان «داعي الرشاد إلى سبيل الاتحاد».
وتُعتبرُ هذه الرسائل من الحوارات الساعية إلى تسوية النزاعات الطائفية المُتنازع حولها تاريخيًّاً، وإعادة قراءة تفسيرالنصوص التي انبثقتْ عنها.
وجديَّة (داعي الرشاد) أنّه كتاب حوار مفتوح لا يتبنّى تفسيراً واحادياً للأحداث، بل يترك الباب مفتوحاً للرأي والرأي الآخر، بخلاف غيره من المؤلفات الداعية إلى تسوية الخلاف الطائفي بالرجوع إلى رؤية واحدة يجهد صاحبها للبرهان على أحقيتها دون غيرها من المناهج والرؤى، كما يتجلّى ذلك بمحاولة الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين الذي ألّف مطارحاته مع شيخ الأزهر الإمام سليم البشري (ت: 1335هـ/1916م) في كتاب شهير طبع باسم «المراجعات» أوَّل مرَّة بمدينة صيدا سنة 1355هـ/1936م، وزادت طبعاته على الخمسين.
والسبب في اختلاف المحاولتين أنَّ المراجعات بين شرف الدين والبشري كانت قد بدأت في ظلّ سيطرة الدولة العثمانية عندما حلّ شرف الدين بمصر عام 1329هـ/1911م. لذا فإنَّ هَمّ المتحاورَيْن كان منصباً على الجدل الطائفي، ومناقشة حوادث التأريخ لإثبات ما علق بها من خطأ، وما بقي فيها من نصاعة لغرض رفضها أو قبولها.
أمّا مطارحات داعي الرشاد فقد انبثقت كردّة فعل لسقوط الخلافة الإسلامية، وإن كانت المبادرة بحدّ ذاتها شخصيّة بحتة.
وقد امتازت هذه المحاولة بالنُضج والموضوعية والصراحة في تشخيص الأوضاع ونقدها، والخروج بنتائج هي في تصوّر المتحاورَيْن يمكن أن تكون طريقاً لإنهاء الصراعات المبنية على التعصب الطائفي.
وكان الطرفان الراوي والسبزواري قد تبادلا مؤلفات كل منهما، وأبديا ملاحظاتهما عليها مدحاً وثناء، أو قدحاً وانتقاداً. وخرجا بوصايا عامّة يمكنُ أن تنصبَّ على هذه الشاكلة:
1ـ ترك التعصب المتوارث، وإعادة قراءة الأحداث بعينين لا عين واحدة.
2- الابتعاد عن المجادلات الطائفية، أو نقل الوقائع الماضية إلى الحاضر، ليكون الماضي أباً للحاضر.
3- إيقاف أي نوع من أنواع التشهير الطائفي بين الفرق والملل والنحل خصوصاً فيما يتعلق بالمستحبَّات والمندوبات الواردة عند بعض المذاهب كما في مثال تعرّض الوهابيين لهدم قبور الأئمة والمشاهير، وتهديم الأماكن الإسلامية بحُّجة أنَّها جزء يدخل بنظام الشرك طبقاً لتفسير النصوص.
4- ترك الحريَّة الشخصية للاعتقاد، وعدم جعل المذهبية محورا للتنافس، أو التعصب الطائفي. وذلك برفع المصطلحات التي إصطبغت بها هذه المذاهب (كمصطلح سنّي، شيعي، زيدي، وهابي)، أو عدم جعل هذه المصطلحات موضوعاً للاختلاف فيما إذا تعذّر تحقيق ذلك.
حوار الأراكي ـ المسعري
ومن مظاهر الحوار الشخصي أيضاً المحاولة التي دارت بلندن سنة 1416هـ/1995م بين مفكرين إسلاميين الأول عالم شيعي والثاني مثقف وهابي، هما الشيخ محسن الأراكي والدكتور محمد عبدالله المسعري، حيث جرى حديث «الإمامة» في حَلْقته الأولى محوراً للتنظير الطائفي في الإسلام، ومداراً لإيجاد مشتركات جامعة بين الطرفين)[1209](.
وقد تميَّزت هذه الحوارات بالصراحة، ودراسة مسائل الاختلاف بشكل مباشر دون اللجوء لوضع أسس للاشتراك التآلفي بين الاتجاهين.
وبالرغم أنّ الحوار لم يُنتج تصوراً يمكن أنْ يؤدي إلى حسم تفسير نصوص التاريخ المتوارثة، لتوقف الحوار عند موضوع الإمامة، إلاّ أنَّه يُعَدُّ مدخلاً لحوار متميّز يقوم بين المذهب الوهابي والمذهب الإمامي بشكل لا يخضع لتدخلات سلطة، أو مصالح شخصيّة سوى قراءة التاريخ ونصوصه بمنظار الاختلاف قراءة واقعية لا تخضع للمجاملة، وعرض وجهات النظر لإيجاد أرضيّة يمكن من خلالها الوصول إلى ما يتطلّبه البحث من نتائج.
أمّا الدوافع التي عبَّر عنها المتحاوران برسائلهما فقد انصبّت على وجود تحديات ماديّة تجاه الفكر الإسلامي حيث اعتبراه فكراً عالمياً شاملاً في مرحلة التطور العام التي يزخر بها العالم في جميع الإتجاهات للوصول إلى إمكانية النهوض بالواقع الإسلامي، وتطويره بتجديد مفرداته النظرية والعملية على جميع الأصعدة.
أمَّا النماذج الأخرى أمثال نموذج (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية) التي أسَّسها بالقاهرة سنة 1366هـ/1947م الشيخ محمد تقي القُمي (ت: 1410هـ/1990م) فهي وإن كانت محاولة تسالم عليها أغلب علماء المذاهب بالإكبار والإعجاب إلاَّ أنّها يمكن أن تُعَدّ من النماذج الخاضعة لإرادات سياسية تتعلّق بالأوضاع التي قرَّرتها المرحلة يومذاك، وضرورة توجيه الأحداث الطائفية بما يُوافق سيرها الزمني الخاضع للمتغيرات.
وقد أصدرت جماعة التقريب مجلّة باسم «رسالة الإسلام» صدر العدد الأول منها سنة 1368هـ/1949م، وتوقَّفت في شهر رمضان سنة 1392هـ/ أكتوبر 1972م بعدما صدر ستون عدداً اعتنى بأدب التقريب بين المذاهب.
وكان هدف الجماعة عدم استغلال الفوارق المذهبية، والاختلاف بين المسلمين في شقّ صفوفهم، وإضعافهم بالتناحر، كما كانت دعوتهم إلى التقريب بين المذاهب في قراءة المشتركات بينهم، وعدم السعي إلى إلغاء بعضها على حساب بعض، فهي بعبارة أخرى تسعى إلى إبقاء المسلمين كلّ على مذهبه، وعدم جمعهم على مذهب واحد.
4- الاتجاه القائم على إجازة رواية الحديث. وتكشف عنه هذه الدراسة التي وضعها مؤلفُها الدكتور حسين علي محفوظ، ونظَّر لها.
تُعتبر الإجازة بتحمل الحديث، ورواية المسانيد، والكتب، من الوسائل المُعتمدة في حفظ المأثورات، والأسانيد، والتعرّف على المؤلفين، والرواة، وحملة الأخبار.
وقد دأب مشايخ الرواية على حفظ سلاسل السند المتصلة إلى النبي، أو الثقاة الراوين عنه، أو عن الأئمة، والاعتناء بضبط الرواة.
وكانت هذه الطريقة، طريقة تحمُّل الرواية ونقلها، والحفاظ على وثاقتها، من الطرق المحافظة على سلامة المرويات خصوصاً في عصر لم تكن به وسائل نشر المؤلفات وطباعتها معروفة بالشكل الذي هي عليه الآن. فتتم حينئذٍ المحافظة على تسالم المؤلّفات جيلاً بعد جيل باجازة مؤلفيها مباشرة لتلامذتهم، أو ممن قرأ عليهم، إجازة تؤهلهم لنقل محتويات هذه المؤلفات، والتأكد من نسبة الرسائل والأصول، والأسانيد إلى مؤلفيها أو قائليها، أو ممن يروي عنهم مباشرة.
وقد بقيت هذه الطريقة قائمة في أوساط المُحدِّثين حتى اليوم في جميع أنحاء المعمورة دون انقطاع سلسلة الرواية والأسانيد.
وفي زماننا اشتهر بالعراق جملة من مشايخ الإجازة، وحملة الحديث كان أشهرهم شيخ المحدّثين محسن الشهير بالشيخ أغا بزرك الطهراني المُتوفى سنة 1389هـ/1970م، حيث ملأت إجازاته الآفاق، وعُدّت سلسلة رواته من الأسانيد التي يفتخر بها الإسناد، وتقرُّ بها عيون الرواة والمحدّثين، والمجازين منه.
وعلى نهجه فقد اقتعد الأستاذ العلاَّمة الدكتور حسين علي محفوظ عرش الإسناد فأصبحت إجازته من الأعلاق التي يتنافس للظفر بها مَن يهتم بمثل هذه الاختصاصات التي تُقَرِّبُه إلى التاريخ والرجال والسيرة والأدب وعلم الكلام وفنون العلوم، ومداليل الأخبار والحديث والحكمة. فقد حرَّر عشرات الإجازات المختصرة والمطوَّلة، الشفاهية والتحريرية، وأجاز واستجاز جملة من حَمَلة الفكر والثقافة وأعيان العلم من مختلف الجنسيات والمشارب والمذاهب والفرق والنِحل.
وهو بذلك خلص إلى أنَّ تحمّل الحديث عن طريق علم الإجازة – إن صح التعبير -هو في حدِّ ذاته تشكيلة تشجّع على التقريب والتوحُّد، على توحّد الطرائق إلى طريقة واحدة تتصل بمنهج السلف الصالح عن طريق الرواية، وتحمّلها ليكون صاحب الإجازة أحد حلقات السلسلة التاريخية التي تربط المتأخرين بالمتقدمين، وتجعلهم جزءاً منهم. وعلى هذه الطريقة يمكن خلق منظومة قائمة على التسامح بين بني البشر.
درس محفوظ بواعث الاختلاف الطائفي وشخص أسبابه، ووضع تصوراته لتلافي الاختلاف، وردم هوّة القطيعة.
وقد أرجع أسباب الإختلاف إلى اختلاف العلماء، وتنظيرهم لسُبله تبعاً للعصبيَّات المتوارثة، والأقوال التي تلقّوها بالظن أو المسالك التي سلكوا بها سبيل الحُكَّام خلافاً وطمعاً.
وقد عاب على هذه الطرائق إتجاهاتها، ولم يقبل بدعوة الاختلاف التي يقودها نفر من علماء الأمَّة الذين يُفترض بهم أنْ ينظِّروا للإصلاح بدل الفرقة والتناحر والاختلاف. فلا يعقل أنَّ إختلاف الأمة وتفرّقها، وهي زهاء ألف مليون، يُقرّون جميعُهم بمعبود واحد، وكتاب واحد، وقِبْلة واحدة، يقع من أجل اختلاف اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو سبعة من العلماء في هذه المسألة، أو تلك.
وقد انطلق من مقولته: (الإنسان بنيان الله في الأرض)، و(إنّ النفس هي الناس جميعاً) إلى أنَّ رسالة الأنبياء هي رسالة إنسانية عالمية أخلاقية، وكلُّ ما يقف حيالها من مبدأ يُغايرُ أهدافها فهو خارجٌ عنها.
أراد الدكتور محفوظ أن يُعيد من خلال منظومة التآلف المبتنية على مدخل علم الإجازة وتحمل رواية الحديث، هيكليَّة التوحيد العملي والتواصل الدائم بين العالم الثقافي النظري والواقعي.
فهو سعى إلى التجديد في المنهج تبعاً لتطور العصور، ولم يرتضِ أن يكون الماضي بما فيه من تبعات مستقبلاً للحاضر. وعليه فإن الواقع الثقافي خصوصاً العقيدي منه يجب أن يكون واقعاً يخدم الحاضر، ويجدد المستقبل لا أنْ يكون واقعاً ثقافياً وهمياً لا علاقة له بالحاضر الذي هو فيه. وهذا هو مكمن النكوص في دراسة المنهج العقائدي المتخذ من مسائل الفروع مسائل كليّة تحلُّ محلَّ المنهج الأصلي المفترض أنْ يكون منهجاً ثقافياً في التربية وإعداد الأمّة إعداداً حيوياً يدفع بها للمستقبل، لا أنْ يوقعها في براثن العصور المتآكلة ليكون مستقبل الأمَّة جزءاً من الماضي الذي سقطت فيه.
حقّق الدكتور محفوظ، كمثال على غرابة الاختلاف بين المذاهب، ما انفردت به بعض المذاهب، فأحصى من مسائل الفقه 253 مسألة فقط من مسائل الخلاف بين المذاهب، لا من مجموع مسائل الفقه. وقد لاحظ أن هذه النسبة لاتساوي إلاّ 6%، أي إثنان في الألف من مسائل الفقه. وهي نسبة لا تحتاج إلى القطيعة، ووضع الحواجز النفسية بين أصحاب الدين الواحد.
أمّا مقترحُه في أساس التوحيد بين المذاهب بشكل عام فقد إبتُنيَ على قواعد عقلية لا تجعل من مسائل الاختلاف النظري سبيلاً للاختلاف العملي في الممارسة والأداء. وملخص أفكاره تندرج بما يلي:
1ـ إنَّ موضوعات كتب الخلاف في الفقه هي مادة توافق، وإن علم الحديث يشدُّ بنيان الأمة، ويجمع أمرها، ويمهّد وحدتها.
2- ترك كتب الخلاف، وعدم التعويل على كتب الملل والنحل المثيرة للفتن.
3- الاشتغال بالعلوم الحقيقية، والتعويل عليها بدلاً عن الاستغراق في الخلاف والمجادلات التي لا توصل إلى نتيجة.
4- إتفقت الأمة على أنَّ أصول أدلة الأحكام الشرعية أربعة؛ الكتاب، السُنَّة، الإجماع، العقل، وإنَّ منهاج الأمة واحد، وطريقها واحدة، وسُنَّتها واحدة، ومذهبها واحد.
وإنَّ الخلاف في آراء العلماء هو نقطة البداية نحو توحيدها.
الدكتور جودت القزويني
الدولة المكرمية الشيعية في عُمان
(390 ـ 442هـ)
ورد ذكر عُمان في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية في المجلد 16 وهنا نستدرك هذا البحث عنها:
الإشارات الأولى لتاريخ الشيعة في عمان
إن أقدم الإشارات التاريخية لذكر الشيعة في عمان هي تلك التي وردت في كتاب الشيخ السالمي تحفة الأعيان وذلك في حديثه عن أحكام الإمام غسان بن عبدالله وهو من أئمة الإمامة الإباضية الأولى التي قامت في عمان يقول [ومن أحكامه رضي الله عنه ما ذكر زياد بن الوضاح أن بقية أتى إلى غسان وأجله أربعة أشهر، على أن يخرج من عمان، فمات قبل انقضاء الأجل، قال أبو محمد كان بقية يقال إنه كاد أن يكون فتنة ولو بقي وكان يظهر الاعتزال ويرضى الزندقة، قال زياد بن مثوبة كان بصحار شيعة كان بقية أصغرهم قال وكانوا يشددون عليهم]. هذا ما جاء في التحفة ورغم التناقض الواضح في أصول هذه الرواية وحيرة راوي الرواية حول مذهب صاحبها واختلافه بين الاعتزال والزندقة والتشيع مع ما بين هذه المدارس المذهبية والفكرية من الاختلاف والتباعد إلا أن المرء لا يجب أن يقلق لهذا الأمر كثيراً لأن الكثير من المؤرخين والدارسين العرب والأجانب قد وقعوا في هذا الخلط بين المذهب الشيعي وبعض الحركات الفكرية المتطرفة التي تغطّت بالأفكار الإسلامية وخصوصاً الشيعية منها. وهناك شريحة أخرى من المؤرخين والدارسين حاولوا لصق كل الحركات الفكرية المتطرّفة وكل الأفكار الشاذة بالمذهب الشيعي، وعلى سبيل المثال هناك كتاب إسمه حركات الشيعة المتطرفين يقول مؤلفه حول مدح أبي نواس للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.
أنا لا أستطيع مدح إمام
كان جبريل خادماً لأبيه
يقول المؤلف إن أبا نواس لم يكن ماجناً عابثاً فحسب، ولكنه كان يؤمن بقول الغلاة من الشيعة، ويحدد مذهبه بالمعمرية وهي فرع من الخطابية، ومن أسس مذهبهم قولهم إن الإمام جعفر الصادق عليه السلام إله، وعلى هذا الأساس يكون جبريل خادماً له، ويقول الدكتور مصطفى هدارة في كتابه اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري وقد استشهد ببعض ما جاء في كتاب حركات الشيعة المتطرفين [والواقع أن هذا الكتاب قد غالى مغالاة شديدة في نسبة الشعراء إلى حركة الشيعة المتطرفين، وحمّل النصوص أكثر مما تطيق، فهذا البيت اليتيم الذي ذكره لأبي نواس في الإمام علي بن موسى الرضا لا يمكن أن يحمل على أنه يصوّر عقيدة ما من عقائد الرافضية]. ما يهمنا في الفقرة التي اقتبسناها من كتاب التحفة هي تسجيل أن وجود الشيعة في عمّأن كان منذ العصور الإسلامية الأولى حيث إن إمامة غسّان استمرت لمدة خمس عشرة سنة وتوفي هذا الإمام سنة مائتين وسبع هجرية وقد ورد أول ذكر للشيعة في التاريخ العماني أثناء إمامته.
على أن الذي لا يجب أن نغفل عن ذكره هو أن جيش الإمام علي كان أكثره من أزد عمان وأن عدداً كبيراً من أصحابه عليه السلام الخلّص كانوا أيضاً من أزد عمان ولأمير المؤمنين مقالة يمدح فيها الأزد وإخلاصهم في الذود عن حياض الإسلام. ويقول الجاحظ في ملاحظته حول عبد القيس وساكني الأزد على ضفاف الخليج وفي عمان [شأن عبد القيس عجب وذلك أنهم بعد محاربة أيادٍ تفرقوا فريقين ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وهم خطباء العرب وفريق إلى البحرين وهم أشعر قبيل في العرب ولم يكونوا كذلك حين كانوا في صرة البادية وفي معدن الفصاحة].
وعلى رأس هؤلاء يقف صعصعة بن صُوحان العبدي وأخوته زيد وسيحان وعبدالله ويقول السالمي في التحفة عن زيد: [ومن خطبائهم صعصعة بن صُوحان وأخيه خطيبان مصقاعان] ويروي المسعودي في مروج الذهب [أن معاوية بن أبي سفيان سأل عقيل بن أبي طالب عن أصحاب الإمام علي عليه السلام فقال له عقيل: سَلْ عما بدا لك، فقال معاوية: ميِّز لي أصحاب علي، وأبدأ بآل صوحان فإنهم مخاريق الكلام، قال عقيل: فأما صعصعة فعظيم الشأن، عضب اللسان، قائد فرسان، قاتل أقران، يرتق ما فتق، ويفتق ما رتق، قليل النظير، وأما زيد وعبدالله فإنهما نهران جاريان، يصب فيهما الخليجان، ويُغاث بهما البلدان، رجلا جد لا لعب معه، وبنو صوحان كما قال الشاعر:
إذا نزل العدو فإنّ عندي
أسوداً تحلس الأسد النفوسا]
ودخل صعصعة على معاوية فسأله معاوية ممن الرجل؟ قال صعصعة: من نزار، قال: وما كان نزار؟ قال: كان إذا غزا نكس، وإذا لقي افترس، وإذا انصرف احترس، قال معاوية: ومن أي أولاده أنت؟ قال صعصعة: من ربيعة، قال: وما كان ربيعة؟ قال: يُطيل النجاد، ويعول العباد، ويضرب ببقاع الأرض العماد، قال معاوية: فمن أي أولاده أنت؟ قال: من جديلة، قال: وما كان جديلة؟ قال: كان في الحرب سيفاً قاطعاً، وفي المكرّمات غيثاً نافعاً، وفي اللقاء لهباً ساطعاً، قال: فمن أي أولاده أنت؟ قال: عبد القيس، قال: وما كان عبد القيس؟ قال: كان خصيباً خضرماً، أبيض وهاباً لضيفه ما يجد، ولا يسأل عما فقد، كثير المرق، طيب العرق، يقوم للناس مقام الغيث من السماء، قال معاوية: ويحك يابن صوحان! فما تركت لهذا الحي من قريش مجداً ولا فخراً، قال: بَلى والله يابن أبي سفيان، تركت لهم ما لا يصلح إلا بهم، ولهم تركت الأبيض والأحمر، والأصفر، والأشقر، والسرير، والمنبر، والملك إلى المحشر، وأنّى لا يكون ذلك كذلك وهم منار الله في الأرض ونجومه في السماء؟ ففرح معاوية وظنّ أن كلام صعصعة يشمل على قريش كلها، فقال: صدقت يابن صوحان، إن ذلك كذلك، فعرف صعصعة ما أراد، فقال: ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد، بعدتم عن أنف المرعى وعلوتم عن عذب الماء، قال: فلم ذلك ويلك يابن صوحان؟!! قال صعصعة: الويل لأهل النار، ذلك لبني هاشم، فقال معاوية: قم، فأخرجوه، فقال صعصعة: الصدق يُنبئ عنك لا الوعيد، من أراد المشاجرة قبل المحاورة، فقال معاوية: لشيء ما سوّده قومه، وددت والله أني من صلبه، ثم التفت إلى بني أمية فقال: هكذا فلتكن الرجال.
أما زيد بن صوحان وأخوه سيحان فقد قتلا في موقعة الجمل بين يدي الإمام علي عليه السلام، وقال النهباني في تحفته: وهو الذي عناه النبي عليه السلام بقوله: وأما زيد فرجل من أمّتي تدخل يده الجنة قبل بدنه، لأن يده قطعت قبل استشهاده بثلاثين سنة في معركة القادسية بينما قتل هو في معركة الجمل، وهو الذي دعاه شبث بن ربعي بالعمّاني في المشادّة التي دارت بينهما عند قدوم كتاب أم المؤمنين عائشة لقتال الإمام علي لأن الموطن الأصلي لعبد القيس كما كان عمّان ولا ضير في أن يدعى زيد بالعماني.
أما المؤرخ ابن رزيق فقد عدَّد العشرات من الأزد من شيعة الإمام علي عليه السلام في كتابه الفتح المبين يقول ومنهم جندب بن زهير قتل مع الإمام علي في صفين ومنهم عبد الرحمن بن عوف الأحمر الشاعر الذي رثى الحسين بن علي عليه السلام لما قتل بأحسن رثاء، ومنهم عامد بن جندب الخير بن عبدالله بن ضبث من أصحاب الإمام علي بن أبي طالب وهو الذي قتل بستاني الساحر، وكان بستاني يرى أنه يقتل نفساً فيُحيها ويعمد إلى ناقة فيدخل في فرجها سيفاً ويخرجه من فيها، فبينما هو يفعل ذلك بين يدي الوليد بن عقبة بن أبي معيط بمسجد الكوفة وهو يومئذٍ أميرها فنظر عامد إلى بستاني هو يصقل سيفاً بين يديه فأخذ السيف منه فضربه فأبان رأسه ثم قال له أحي نفسك إن كنت صادقاً وقصته مشهورة.
يقول ابن رزيق ومنهم يزيد بن ربيعة بن مفرع الشاعر ومن ولده السيد الحميري الشيعي. ومنهم أُسيد بن ثعلبة الأنصاري الذي شهد بدراً وشهد صفّين مع الإمام علي بن أبي طالب، ومنهم النعمان بن الحدان الرزقي الأنصاري وهو الذي خلف على خولة بنت قيس الأنصارية بعد قتل حمزة بن عبد المطلب عنها وكان النعمان بن العجلان لسان الأنصار وشاعرهم وكان سيداً شريفاً فصيحاً وهو القائل:
فقل لقريش نحن أصحاب مكة
ويوم حنين والفوارس من بدر
وأصحابُ أحد والنضير وخيبر
ونحن رجعنا من قريظة بالذكر
ويوماً بأرض الشام إذ قيل جعفر
وزيد وعبدالله في علق يجري
نصرنا وآوينا النبي ولم نخف
صروف الليالي والعظيم من الأمر
وقلنا لقوم هاجموا مرحباً بكم
وأهلاً وسهلاً قد أمنتم من الفقر
نقاسمكم أموالنا وديارنا
كقسمة أشياء الخروف على السطر
ونكفيكم الأمر الذي تكرهونه
وكنا أناساً نذهب العسر باليسر
وكان هوانا في علي وأنه
لأهل لها من حيث ندري ولا ندري
وها بحمد الله يشفي من الظمأ
ويفتح آذاناً ثقلن من الوقر)[1210](.
يقول ابن رزيق ومنهم سليمان بن صرد بن الجوان ابن أبي الجوان بن منقذ بن ربعية بن أصرم الخزاعي من وُلد كعب بن عمرو بن ربيعة بن يحيى بن الحارثة بن عمرو بن عامر، هو ماء السماء، عامر بن الغطريف، والغطريف هو حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن وقد ثبت نسبه في خزاعة، ولا يختلفون فيه، ويكنّى أبا مطرق وكان خيّراً فاضلاً له دين وعبادة وعلم وكان اسمه في الجاهلية يسار فسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم سليمان وسكن الكوفة وابتنى بها داراً في خزاعة، وكان نزوله بها في أول ما نزل المسلمون وكانت له سن عالية وشرف في قومه وشهد مع الإمام علي صفين وهو الذي قتل سبياذ بن ظليم الألهاني بصفين مبارزة ثم اختلط الناس يومئذٍ.
وكان فيمن كتب إلى الإمام الحسين بن علي للقدوم إلى الكوفة، فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل الحسين قدم هو والمسيب بن نجبة الفزاري وجميع من خذلوه ولم يقاتلوا معه ثم قالوا ما لنا من توبة فيما فعلناه إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه. فخرجوا فعسكروا بالنخيلة في مستهل ربيع الآخر سنة خمس وستين، وولوا أمرهم سليمان بن صرد وسمّوه أمير التوّابين ثم ساروا إلى عبيد الله بن زياد فلقوا مقدمته في أربعة آلاف عليها شرحبيل بن ذي الكلاع فاقتتلوا فقتل سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة بموضع يقال له عين الوردة وقيل إنهم خرجوا إلى الشام في طلب دم الحسين فسموا التّوابين فكانوا أربعة آلاف فقتل سليمان بن صرد رماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم وحمل رأسه ورأس المسيب إلى مروان بن الحكم وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وسبعين)[1211](.
ويذكر محقق كتاب حياة ابن أبي عقيل العمّاني أن أوسطاً كثيرة من أزد اليمن وأزد عمّان كانت معروفة بالولاء لأهل البيت عليهم السلام من صدر الإسلام، بل يرجع ذلك إلى عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أرسل علياً إلى اليمن فتأثروا به وكانوا شيعة له ولأولاده الأئمة من بعده، ولذا نجد العديد من الأزديين من بين الرواة عن أهل البيت عليهم السلام والفقهاء على مذهبهم وعليه فمن الطبيعي أن يكون ابن أبي عقيل العمّأني في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع من هؤلاء الأزديين أو من منطقتهم)[1212](.
وللإمام علي عليه السلام في ربيعة كلام كثير يمدحهم فيه، ويرثيهم شعراً ونثراً، وقد كانوا أنصاره وأعوانه، والركن المنيع من أركانه، ومن بعض ذلك قوله يوم صفين:
لمن راية سوداء يخفق ظلها
إذا قيل قديمها حضين تقدما
فيوردها في الصف حتى يعلها
حياض المنايا تقطر الموت والدما
جزى الله قوماً قاتلوا في لقائه
لدى الموت قدماً ما أعز وأكرما
وأطيب أخبار، وأكرم شيمة
إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أعني أنهم أهل نجدة
وبأس إذ لاقوا خميساً عرمرما
المشاركة السياسية للشيعة في التاريخ العمّاني
رغم أن كتب التاريخ التي ألّفها المؤرخون العمّانيون لا تتحدث عن أية مشاركة سياسية للشيعة في حكم عمان وذلك لسيطرة الدول الحاكمة باسم المذهب الإباضي إلا أن كتب التاريخ الأخرى تذكر فترتين من المشاركة السياسية للشيعة في حكم عمان، وفي الفترة الأولى حكم البويهيون عمان باسم الدولة العباسية، والفترة الثانية عندما حكمت عمان دولة بني مكرم الشيعية باسم البويهيين واستمر حكم هذه الدولة زهاء نصف قرن من الزمان من سنة 390هـ إلى سنة 442هـ.
ويجب أن نشير إلى أننا وصفنا الحكم الشيعي لعمان بالمشاركة السياسية في حكم البلاد وليست السيطرة السياسية الكاملة حيث إن البلاد في هذه الفترة المضطربة كانت تخضع لجهتين الأولى مؤسسة الإمام الإباضية ويمثلها الإمام الإباضي المنتخب والذي يملك سلطة سياسية محدودة، تضطره الظروف ربما إلى الحياة في الجبال. والسلطة الثانية ممثلة بالحكم العباسي أو البويهي الذي كان يملك السلطة الفعلية والمؤثرة في الأحداث.
هناك نقطة أخرى يجب التحدث حولها وهي أن كتب التاريخ العماني تطلق صفتين على حكّام هذه الفترة من غير الأئمة الإباضية الأولى بالجبابرة والثانية بالسلاطين دون أن تحدد اسم هؤلاء الجبابرة أو السلاطين وهما صفتان عامتان تطلقان على كل من لا يوافق هوى وحكّام دولة بني مكرم، وكذلك على حكام الدولة النبهانية التي حكمت عمان لمدة خمسة قرون ولكننا لا نجد عنها كثيراً في كتب التاريخ العماني، ولقد اتّضح أن تعميم هاتين الصفتين على مجمل الحكام والولاة لم تخدم الدارسين، والباحثين، بل أوقعتهم في تردد وحيرة، لكن الذي ساعد على معرفة تاريخ دولة بني مكرم وحكّامها وفترة السيطرة البويهية على عمان هي ورود هذه الحوادث في كتب التاريخ العربية الأخرى نحو تاريخ ابن خلدون والكامل لابن الأثير وذلك لارتباط هذه الفترة وأحداثها بتاريخ الدولة العباسية والصراع السياسي في بغداد، ومع ذلك فلقد كتب التاريخ العماني عن ذكر هذه الأحداث أو التاريخ لها رغم ورودها في تلك الكتب الموثوق بها، وذلك لتعارض هذه الأحداث مع النظرة السياسية والمذهبية لأولئك المؤرخين أو لعدم رغبتهم في توثيق هذه الأحداث في كتبهم ومؤلفاتهم.
على أننا لا ننكر أن هذه الأحداث قد وردت في كتاب تحفة الأعيان في تاريخ عمان ولكن بشكل عابرونظر إليها (المؤلف السالمي) بعين الشك حتى أنه يشكك في رواية المؤرخين الآخرين في ذكر هذه الحوادث، فهو يقول بعد ذكر خروج الخليفة العباسي على حفص بن راشد أحد الأئمة الإباضية [ولم يذكر أحد من مؤرخي أصحابنا خروج سلطان العراق على حفص بن راشد ولم يذكروا أنه عزل عن إمامته ولا عن عمان، وأنا لنشكّ في رواية قومنا فيما شاهدوه فكيف نثق بهم فيما غاب عنهم مع أنهم إنما أخذوا أخبار ذلك من بعض أجناد الظلمة القادمين على حرب المسلمين (أي أهل عمان) من الإباضية فيحتمل أن يكون قد اختلط عليهم الأمر، ويمكن أن يعتمدوا الزيادة والنقص، وبالجملة فإنما نعلم من سياق التاريخ أن الظَلَمة قد عاثوا في عُمان وتولوا أمرها من بعد خذل الإمام راشد بن الوليد إلى أن نصب الخليل بن شاذان ومدة ذلك نحو خمس وستين سنة تقريباً، والله غالب على أمره] ويقول في موضوع آخر [وفي تاريخ هذه الحوادث اضطراب لا ينبغي أن يعول عليه وفيه مناقضة لما أرّخ أصحابنا وهم أعرف بحال بلادهم وإنما أهملوا ذكر الجبابرة لأنهم عندهم.. من ذلك وأهون عليهم من أن يعتنوا بذكرهم في الدفاتر وإنما كتبنا طرفاً من ذلك لما رأينا من تشوّق الأواخر إلى الاطلاع على أخبار الأوائل].
ويقول الدكتور محمود علي مكي حول هذا الموضوع [ونحن على وفاق مع الشيخ السالمي حول ما ذكره من اضطراب تواريخ الأحداث وحول ما قاله من أهل كل بلد أعلم بما فيها غير أننا لا نوافقه على إهمال حقبة من تاريخ أمة مهما كان ضيقنا بها أو نفورنا منها، وعلى المؤرخ أن يحاول استجلاء الحقائق من مختلف مصادرها بغير أن يهمل جانباً منها لأنها لا تروقه]، على أنه يجب أن نسجل هنا أنه لو توفّرت للشيخ السالمي مصادر عمانية قريبة من هذه الأحداث لما تردد في ذكرها مثلما فعل حينما أورد رواية ابن الأثير وابن خلدون رغم تشكيكه فيهما.
ومن الواضح أن المؤرخين العمانيين السابقين للشيخ السالمي لم يتناولوا تلك الفترة إلا بالقدر الذي تناوله الشيخ السالمي من سيطرة الجبابرة وحكّام الجور والسلاطين، وهذا ما تتفق حوله كل كتب التاريخ العمانية التي تتفق أيضاً في مصادر مختلف الروايات والأحداث التي مرّ بها التاريخ العماني دون تفاوت يذكر.
لكن المصادر العربية الأخرى نجدها تستوعب تلك الفترة بتركيز واضح وذلك بسبب اتصالها بتاريخ الدولة العباسية وحكم بني بويه، ونحن إذا أردنا أن نتناول فترة حكم دولة بني مكرم فإنه من المستحسن أن نتناول فترة سيطرة بني بويه على عمان.
فترة الحكم البويهي لعُمان
بدأ اهتمام الدولة البويهية بعُمان منذ تولّى معز الدولة للحكم في بغداد وتولى حكم عُمان نافع مولى يوسف بن وجيه أمير عُمان السابق الذي كان يحكم عُمان باسم العباسيين لكنه وكما تروي المصادر أن يوسف بن وجيه كان حاكماً طموحاً وكان يهدف إلى الاستقلال بحكم عُمان بعيداً عن السيطرة العباسية وكان لا يلتزم بتنفيذ ما يتلقاه من أوامر من قبل الحكّام العباسيين، ويذكر ابن مسكويه في تجارب الأمم أن يوسف بن وجيه أمير عُمان ضرب الحائط بأوامر الوزير العباسي أبي علي بن مقلة في التضييق على كل من أبي العباس الخصيبي الوزير العباسي السابق وأبي القاسم بن يحيى في سجنهما بعُمان وحبسهما.
كما أن ابن وجيه خطط لغزو البصرة التي كانت تحت سيطرة البريديين وذلك عندما وضع البريديون رسوماً عالية على البضائع والسلع التي ترد من عُمان ومن باقي دول الخليج، وربما يكون هذا السبب هو السبب الظاهري، أما السبب الرئيسي هو توسيع رقعة نفوذ حكمه وتحدّي سلطة البويهيين في بغداد، فقد قام بمحاولتين في هذا الصدد الأولى في سنة 331هـ (942م) والثانية بعد عشر سنوات في سنة 341هـ (952م) لكن كلتا المحاولتان باءتا بالفشل ففي الأولى خسر المعركة نتيجة انهزامه أمام جيش الدولة العباسية الذي كان بقيادة أبو محمد المهلبي والذي تلقّى إمدادات كبيرة من معز الدولة البويهي، وحدث الاشتباك بين الجانبين في معركة بحرية انهزم فيها ابن وجيه وحلفاؤه القرامطة وقتل عدد كبير من أجناده وأسر الباقون، في حين ظفر المهلبي بمراكبه.
ولم تطل أيام ابن وجيه بعد هذه الهزيمة الشنعاء إذ اغتاله مولاه نافع الذي سبق ذكره في سنة 342هـ وتولى الأمر مكانه، وأخذ نافع يتقرّب من العباسيين ويصلح ما فسد بينهم، وأهدى معز الدولة فيل نقل في البحر إلى البصرة ومنها إلى بغداد.
على أن الأمور في عُمان لم تستقر لنافع أبداً وإنما ظلت الحرب سجالاً بينه وبين أئمة الإباضية حكام عُمان الذين كانوا يسيطرون على النواحي الداخلية في عُمان، فتارة يتغلب عليهم وتارة يتغلّبون عليه، واستمر هذا الوضع المضطرب حتى سنة 351هـ (962م) عندما قرر معز الدولة البويهي احتلال عُمان، وذكروا ان هذا القرار تم بإيعاز من أحد النقباء يقال له كردك، فوجه معز الدولة الوزير أبا محمد المهلبي على رأس حملة إلى عُمان، ولكن هذه الحملة لم يكتب لها النجاح بسبب وفاة الوزير المهلبي وهو في طريقه إليها سنة 352هـ (963م).
ومع ذلك فإن عزيمة معز الدولة لم تفتر عن السيطرة على عُمان، ولم يمض عامان حتى أعاد الكرة في سنة 354هـ (965م) فجهز حملة جعل على قيادتها النقيب كردك، فلما وصل كردك إلى عُمان طلب من نافع الدخول في طاعة معز الدولة وإقامة الخطبة له وعلى الرغم من تردد نافع في أول الأمر إلا أنه استجاب إلى طلب كردك ولبّى جميع مطالبه ومن بينهما أن ينقش اسم معز الدولة على الدراهم والدنانير، وما كادت قوات كردك تقفل عائدة إلى بغداد حتى ثار أهل عُمان على نافع وطردوه من البلاد واختاروا رجلاً من أهل اليسار في عُمان يقال له النوكاني ملّكوه عليهم. وعندما بلغ معز الدولة خبر النوكاني راح يراسله ويتهدده وبعث رسالة حملها إليه كردك يطلب منه فيها التخلّي عن السلطة في عُمان، فاستجاب النوكاني لأوامر معز الدولة ولكن أهل عُمان ثاروا عليه وحملوه على الخروج من بلادهم إلى حيث يرغب فاختار البصرة فحمل أمواله وذخائره ورحل من عُمان.
ساء الوضع في عُمان بعد أن طرد أهلها حاكمهم النوكاني ودبّت الخلافات من جديد بين رؤسائهم على السلطة واشتدت هذه الخلافات إلى حدّ أن بعضهم طلب المساعدة في سنة 355هـ (965م) من قرامطة البحرين الذين يخالفونهم في العقيدة ليعيدوا الأمن والاستقرار إلى بلادهم ولم يتردّد القرامطة في تلبية هذه الدعوة وأرسلوا قوة إلى عُمان.
وهكذا خضعت عُمان لنفوذ القرامطة، فقد ذهب نافع أمير عُمان السابق إلى العراق يطلب مساعدة معز الدولة، الذي كان مشغولاً في هذه الفترة بمحاربة عمران بن شاهين المسيطر على واسط، فلما فرغ انحدر مع نافع إلى شواطئ الأبلّة، وهناك أخذ معز الدولة يستعد لمقاتلة القرامطة، فأعدّ أسطولاً بلغت قطعه مائة مركب، شحنها بالرجال وقدم على قيادتها أبو الفرج محمد بن عباس بن فسانجس، وعند وصول هذه القوة إلى سيراف، انضمت إليها قوات جديدة أمدّ بها عضد الدولة البويهي عمه معزّ الدولة، وبهذه القوة مجتمعة تمكّن أبو الفرج محمد بن عباس من الاستيلاء على عُمان بعد معارك طاحنة كبدت أهل عُمان خسائر فادحة وكان ذلك في سنة 355 – 356هـ (965 – 966م) يقول ابن كثير حول هذه المعركة: وساروا إلى عُمان ودخلها تاسع ذي الحجة وخطب لمعز الدولة فيها وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وأحرقت مراكبهم وهي تسعة وثمانون مركباً وفي تجارب الأمم تسعة وسبعون مركباً.
وترتب على هذه المعارك خضوع عُمان للنفوذ البويهي في ظل الخلافة العباسية وتولّى الأمر في عُمان القائد أبو الفرج محمد بن عباس، فأقام الخطبة لمعز الدولة البويهي وعمل على تثبيت النفوذ البويهي في عُمان بعد أن أجلى عنها معظم العناصر القرمطية.
ومردّ الاهتمام البويهي بعُمان سببه إدراك البويهيين بأهمية موقع عُمان الاستراتيجي بالنسبة لأمن الخليج من جهة وإشعار عُمان بقوة النفوذ البويهي من جهة أخرى مثلما يرى (الدكتور فاروق عمر في كتابه الخليج العربي في العصور الإسلامية) حيث يقول [وقد أدرك البويهيون الذين تسلطوا على مقدرات العراق السياسية سنة 334هـ أهمية إقليم عُمان الاستراتيجية بالنسبة لأمن الخليج من جهة ولتأمين انسياب السلع التجارية من جهة أخرى، تلك السلع التي كانت تدرّ أرباحاً كبيرة من الضرائب والمكوس المفروضة عليها.
وحين استولى معز الدولة البويهي على بغداد والبصرة والأحواز كان لا بد له من أن يشعر عُمان بقوة النففوذ البويهي]، على أننا نرى أسباباً أخرى أقوى من تلك التي ذكرها الدكتور فاروق عمر دعت معز الدولة للاهتمام بعُمان من ذلك ما يذكره المقدسي الذي قام برحلة إلى عُمان في القرن الرابع الهجري ووصف في كتابه أحسن التقاسيم في معركة الأقاليم مدينتا صحار ومسقط يقول [وأكثر عُمان شيعة] ويقول آدم متز في كتابه الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري تعليقاً على كلام المقدسي [وكانت جزيرة العرب شيعة كلها عدا المدن الكبرى مثل مكة وتهامة وصنعاء وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً مثل عُمان وهجر وصعدة].
ولا نستبعد أن أهل عُمان من الشيعة قد وجهوا الدعوة لمعز الدولة لمساعدتهم على حماية المصالح الشيعية في عُمان. يذكر الشيخ علي الكوراني يذكر محقق كتاب حياة ابن أبي عقيل العُماني أن ابن أبي عقيل كان معاصراً لابن الجنيد أحد علماء الشيعة الإمامية الذي كانت له جوابات لمسائل لمعز الدولة أحمد بن بويه وقد كان الحسن بن أبي عقيل رحمه الله شخصية مشهورة يكتب إليه الرواة من قم إلى عُمان يستجيزونه رواية كتبه فيكتب لهم الإجازة، وتطلب قوافل الحجاج من بلاد المشرق نسخة كتابه، ولا نستبعد أيضاً أن أحد أسباب اهتمام معز الدولة بعُمان هي وجود هذا الفقيه الشيعي الذي انتشر علمه في الآفاق ووصلت شهرته إلى أطراف العالم الإسلامي.
نعود إلى تاريخ بني بويه في عُمان وتشير المصادر إلى أن الأحوال اضطربت في عمان بعد وفاة معز الدولة وخصوصاً بعد رحيل قائد الجيش البويهي أبو الفرج محمد بن عباس الذي كان يتطلع إلى أن يحظى إلى منصب الوزارة لبني بويه وكان مجرّد كاتب لمعزّ الدولة قبل توجهه إلى عُمان، فلما بلغه نبأ وفاة معز الدولة ترك عُمان بعد أن عهد بالحكم إلى عمر بن نبهان الطائي، وكان عُمانياً مخلصاً لعضد الدولة، وعاد مسرعاً إلى بغداد، أما ابن نبهان فقد أقام الدعوة في عُمان لعضد الدولة لكنه سرعان ما ثارت الاضطرابات في وجهه فقد قام الزنج بثورة عارمة على عمر بن نبهان الطائي عامل البويهيين على عُمان وكانوا من الكثرة والعنف بحيث تغلبوا عليه وقتلوه وسيطروا على عمان ثم اختاروا رجلاً يعرف بابن حلاّج أمّروه عليهم.
ويبدو أن مشاغل بختيار ابن معزّ الدولة ببغداد صرفته عن الاهتمام بعُمان، فترك معالجة هذا الأمر لعضد الدولة الذي كان موجوداً آنذاك بسيراف ونواحي كرمان، فأرسل من كرمان قوة إلى عمان بقيادة أبي حرب طغان، فوصلت إلى صحار وتمكّن طغان من التغلّب على الزنج وصنائعهم من أهل عُمان، وخضعت له صحار في سنة 362هـ (972م) ثم إنه تتبع فلول الزنج فقضى عليهم في مدينة البريمي وهي رستاق بينه وبين صحار مرحلتان كما يقول ابن الأثير وفي هذه الأثناء اجتمع خلق كثير من الشراة (الإباضية) بجبال عُمان وجعلوا لهم إماماً فاشتدت شوكتهم، على أن المصادر العُمانية لا القديمة منها ولا الحديثة تذكر اسم هذا الإمام بالتحديد وحتى الاسم الذي ذكره ابن الأثير وهو حفص بن راشد لا توافق عليه المصادر العُمانية ولا يتوافق تاريخ السنة المذكورة في أحداث ابن الأثير مع تاريخ حكم الإمام حفص ويقول الشيخ السالمي حول هذا وحفص بن راشد بن سعد إنما نصب بعد موت أبيه وذلك في المحرم سنة خمس وأربعين وأربعمائة، ولم يذكر أحد من مؤرخي أصحابنا خروج سلطان العراق على حفص بن راشد، وهذا الكلام صحيح حيث إن هذه الفترة هي فترة انحسارا لسيطرة البويهية وانتهاء حكم دولة بني مكرم. على أن هذا لا ينفي اجتماع الشراة من الإباضية في جبال عُمان ومحاولتهم في تهديد السيطرة البويهية، ويقول ابن الأثير إنهم اختاروا شخص اسمه ورد بن زياد أميراً عليهم وربما يكون هو الشخص الذي قاد المقاومة العُمانية ضد التواجد البويهي، ومهما كانت الظروف فقد ازداد نفوذ الشراة في تلك الفترة وأحس عضد الدولة بخطرهم فأخذ يتحرّز منهم ويستعدّ لقتالهم فجهز حملة أسند قيادتها إلى المطهر بن عبدالله الذي تمكّن من فتح جبال عُمان وسقطت في يده مدينة دما، وتم للبويهيين بذلك السيطرة على جميع نواحي عُمان، ولم تدخل سنة 364هـ (974م) إلا ودخلت جميع الأراضي العُمانية تحت النفوذ البويهي، وبعد ذلك أمر عضد الدولة المطهر بترك عُمان وتقلد إمارة كرمان، وتصمت المصادر عن ذكر الأحوال في عُمان والولاة الذين تولوا عُمان بعد رحيل المطهر في سنة 364هـ ويستمر هذا الصمت حتى سنة 374هـ حيث يذكر الثعالبي ما يفيد بأن أحد عُمال بني العباس على عُمان (ولم يذكر اسم هذا الوالي) أرسل إلى عضد الدولة في بغداد جملة من الهدايا بقوة النفوذ وإحكام السيطرة ليس على عُمان وحدها، وإنما على نواحي اليمن الجنوبية والمناطق الشرقية من الخليج العربي مثل بلوخستان ومكران وإقليم السند، ويعلق الدكتور فاروق عمر على هذه الفترة من حكم عضد الدولة فيقول: ولكن عضد الدولة لم يهمل عُمان طويلاً فقد كان يدرك أهميتها لأمن الخليج وتجارته فاتّبع سياسة جديدة لا تتورع من التعاون حتى مع القرامطة والعمل على عدم إثارتهم بل التفاهم معهم على اقتسام أرباح التجارة الخليجية، وبقي النفوذ البويهي كغيره بين مد وجزر ولم يشمل في أحسن حالاته غير سواحل عُمان بينما بقي نفوذ الإباضية مستمراً في داخل عُمان.
ولكن هذا النفوذ البويهي ما برح حتى انتهى إلى الضعف وخصوصاً مع بداية الخلافات على السلطة في البيت البويهي وذلك أثر وفاة عضد الدولة، ففي عهد صمصام الدولة ابن عضد الدولة انفرد شرف الدولة المتولي على فارس بالسيطرة على عُمان دون موافقة الحكومة المركزية في بغداد وولّى على عُمان من قبله أبا جعفر أستاذ هرمز بن الحسن، ولكن ذلك لم يمضِ بسلام فقد وقع النزاع بينه وبين أتباع صمصام الدولة في عُمان وتمكن أتباع صمصام الدولة من استمالة أستاذ هرمز إلى جانبهم فأقام أستاذ هرمز الدعوة والخطبة في عُمان لصمصام الدولة، وزفّت البشائر إلى بغداد وجلس صمصام الدولة للتهنئة وبعث الكتب إلى ولاة الأطراف يخبرهم بهذا النبأ وأرسل الهدايا والخلع إلى أستاذ هرمز كما أنعم على ابن الأستاذ هرمز – وكان موجوداً في بغداد – ورفعه إلى رتبة الحجاب. وتورد المصادر التاريخية في هذا الصدد رسالة موجهة من الخليفة العباسي الطائع إلى أهل عُمان يحثّهم فيها على توحيد الكلمة والإجماع على الطاعة تحت والي البويهيين، وقد قام بكتابتها أبو إسحاق الصابي والرسالة طويلة لكننا نورد الجزء الأخير منها فهو يقول فيها: (وأنتم من بين الرعية فقد خصصتم سالفاً بحسن النظر لكم، وعرفت الطاعة بالحسنة منكم، فتقابلت النعمة والشكر تقابلاً طاب لكم به الذكر، وانتظم به الأمر، ثم حدثت الهفوة المعترضة قبيل فكان أمير المؤمنين موجباً للعاقبة الموجبة على الجاهل الموضوع في الفتنة، والمعاتبة الممضة على الحكيم منكم القاعد عن النصرة، إلى أن وردت كتب أستاذ هرمز بن الحسن حاجب صمصام الدولة باستمراركم على كلمة سواء، في نصرة الأولياء والمحاماة دونهم ومدافعة الأعداء والمراماة لهم، فوقع ذلك من أمير المؤمنين أحسن مواقعة، ونزل إليه الظن منازلة، وأوجب لكم به رضاه المقترن برضا الله سبحانه، الموجب للقربة والزلفة عنده، وأمير المؤمنين يأمركم به فلان الوالي عليكم من صمصام الدولة بالاستخلاف والتفويض ومن أمير المؤمنين بالإمضاء لما أمضاه والرضا لما يرضاه فاعلموا ذلك من رأي أمير المؤمنين وأمره، وانتهوا فيه إلى حده ورسمه وكونوا لفلان الوالي خير رعية ويكن لكم خير راعٍ فقد أمر فيكم بحسن السيرة وإجمال المعاملة وتخفيف الوطأة ورفع المؤنة وجعل إليه عقاب المسيء وثواب المحسن ومسالمة المسالم ومحاربة المحارب وأمان المستأمن وإقالة المستقل وحمل الجماعة على سواء السبيل إن شاء الله تعالى. ولا توضح الرسالة ما هي الهفوة المعترضة وربما كانت إشارة إلى انفراد شرف الدولة بالسيطرة على عُمان دون موافقة الحكومة المركزية، كما أن كاتب الرسالة لسبب غير واضح لا يذكر اسم الوالي وإنما يشير إليه بفلان رغم ذكر اسم أستاذ هرمز الوالي الذي حوّل الدعوة والخطبة لصمصام الدولة.
على أن الأمر لم يستتب لأستاذ هرمز وخصوصاً بعد معرفة شرف الدولة بخيانة أستاذ هرمز وتحويل ولائه السياسي لصمصام الدولة فأخذ يعد العدّة لاستعادة نفوذه على عُمان فجهز جيشاً بقيادة أبي نصر خواشاذه ووجهه إلى عُمان فوقع القتال بين الطرفين وانتهت المعركة بانتصار أبي نصر واعتقال أستاذ هرمز، فصودرت أملاكه وحمل إلى فارس، أما أبو نصر فقد غادر عُمان بعد أن ترك فيها نائباً عن شرف الدولة، ويقول ابن الأثير حول هذه المعركة ولما عرف شرف الدولة عصيان أستاذ هرمز أخرج إليه أبا نصر خواشاذه في عسكر استظهر فيه ووقعت بينهما وقعة أجلت عن ظفر أبي نصر وحصول أستاذ هرمز أسيراً تحت اعتقاله واستيلائه على رجاله وأمواله وعند بلوغ أبي نصر ما أراده من ذلك رتب بعُمان من يراعيها ويشحنها بمن يحميها وعاد إلى فارس ومعه أستاذ هرمز فشهد بها ثم قرر عليه مالاً ثقيلاً وحمل إلى بعض القلاع مطالباً بتصحيحه.
ولكن نائب شرف الدولة لم يستطع أن يعالج الفتن القائمة والاضطرابات الداخلية وخصوصاً أنه كان يواجه ثلاث قوى داخلية تتربص للانقضاض على الحكم فهناك أولاً القرامطة الذين ما زال لديهم نفوذ على عُمان والثانية أتباع صمصام الدولة المناهضين لشرف الدولة والقوة الثالثة هي الشراة من إباضية عُمان الأعداء التقليديين للخلافة العباسية الذين لم يعترفوا بشرعيتها ولا بشرعية حكمها لعُمان.
وفي خضم هذه الأحداث استغل الإباضية ضعف الوالي المعين من قبل شرف الدولة وثاروا عليه ونجحت ثورتهم في القضاء على الحكم البويهي المباشر لعمان وعلى نفوذ القرامطة أيضاً وهكذا استعاد إباضية عمان سيطرتهم على حكم عمان وأخذوا يتتبعون أنصار الدولة العباسية بالقتل حتى آل الأمر إليهم في عُمان وأسندوا الزعامة إلى قبيلة الأزد، والجدير بالذكر هنا أن حركة التجارة في عُمان والخليج شهدت ازدهاراً أيام شرف الدولة حيث تذكر المصادر التاريخية تحسن العلاقات التجارية بين عُمان والعراق وازدياد النشاط التجاري بينهما، فقد كانت توقيعات شرف الدولة تقبل على الحمولات التجارية القادمة من عمان ومن غيرها إلى العراق.
وهكذا أخرجت عُمان من سلطة الحكم البويهي المباشر الذي استمر لمدة حوالي الستين سنة من سنة 332هـ إلى 390هـ وهو تاريخ بدء حكم دولة بني مكرم، وقد بقي الأمر سجالاً بين بني بويه والإباضية من أهل عمان أو كما يقول الدكتور فاروق عمر إن النفوذ البويهي بقي كغيره بين مد وجزر ولم يشمل في أحسن حالاته غير سواحل عمان بينما بقي نفوذ الإباضية مستمراً في داخل عمان.
الدولة المكرمية
استمرت الأوضاع مضطربة في عمان بالرغم من سيطرة القبائل العُمانية على الأمور لكن الفتن والاضطرابات الداخلية أخذت من التفاقم وذلك بسبب الخلافات على السلطة بين قبائل الأزد.
وفي هذه الفترة يظهر على سطح الأحداث العمانية اسم عائلة بني مكرم العربية العمانية التي حكمت عمان لمدة نصف قرن من الزمان والتي اتّسمت فترات حكهما لعمان بالازدهار والرخاء والاستقرار السياسي رغم التواجد العسكري للشراة من الإباضية في جبال عمان.
وقد توالت هذه الأسرة على حكم عمان من سنة 390هـ وحتى سنة 448هـ وكان مؤسس هذه الدولة هو أبو محمد بن مكرم، ويقول الدكتور شوقي ضيف عن هذه الأسرة ولم تقم للإمامية دولة في الجزيرة العربية غير أنها تسربت إلى بعض البيئات وبعض الأسر في الخليج، وقد مرَّ بنا أنه غلب على البحرين بعد القرامطة ولاة كانوا يدينون بالولاء للخليفة العباسي وبالتالي للبويهيين ومعروف أنهم كانوا إمامية إثني عشرية، وفي نفس التاريخ يحدثنا المؤرخون أنه كان في عمان بيت إمامي إثنا عشري هو بيت بني المكرم وأنهم دفعوا البويهيين إلى غزو عمان واستخلاصها من أيدي إباضية نزوى، وظلّت هذه الأسرة الإمامية تحكم عمان حتى منتصف القرن الخامس للهجري، ولم يكن الإمامية غلاة متطرفين في التشيع مثل الإسماعيلية وهم يؤمنون برجعة الإمام الثاني عشر المختفي ولا يزال يوجد إماميون في الخليج العربي وإماراته إلى اليوم، ويقول في موضع آخر في حديثه عن عمان ونجد نفراً من أعيانها هم بنو مكرم وكانوا شيعة إمامية يسيرون إلى بغداد ويتفقون مع البويهيين على أن يغزوها معهم بالسفن من الخليج العربي ويملكونها فعلاً في عصر بهاء الدولة سنة 390هـ وقد اختار منهم أبا محمد بن مكرم. على أننا لا نوافق على ما ذهب إليه ابن خلدون ومن ورائه الدارسين ومنهم الدكتور شوقي ضيف إلى أن بني مكرم اتفقوا مع البويهيين على غزو عُمان وإنما تولوا حكمها سلماً وبتفويض من البويهيين، ثم لما ضعف الحكم البويهي استقلوا بحكمهم، وإلى هذا يشير ابن خلدون في قوله ثم سار بنو مكرم من وجوه إلى بغداد واستخدموا لبني بويه وأعانوهم بالمراكب من فارس فملكوا مدينة عمان وطردوا الإباضية إلى جبالهم وخطبوا لبني العباس ثم ضعفت دولة بني بويه ببغداد فاستبد بنو مكرم بعمان وتوارثوا ملكها وكان منهم مؤيد الدولة أبو القاسم علي بن ناصر الدولة الحسين بن مكرم.
أما الشيخ السالمي فإن له وجهة نظر مختلفة حول حكم بني مكرم فهو بعد ذكره رواية ابن خلدون فإنه يعقب بقوله [وليس لبني مكرم ذكر بعُمان ولا نعرف من هم ولكن أهل عُمان يذكرون في كتبهم تغلب سلطان الجور عليهم بعد حروب ابن بور وهم مع ذلك ينصبون الأئمة ويدفعون العدو والأيام دول والحرب سجال] وكنا نأمل من مؤرخينا العُمانيين أن يذكروا شيئاً عن هذه الدولة وأن يفرقوا بين حكم الأجانب وبين حكم أبناء البلد وأن لا يضيعوا كل من خالفهم في المذهب أو في التوجّهات السياسية في قائمة الأعداء والمخالفين.
بعد هذه المقدمة التاريخية عن أسرة بني مكرم نتحول للحديث عن أمرائها وحكّامها بشيء من التفصيل والتحليل المبني على الحقائق التاريخية.
1 – ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن مكرم
وهو من وجوه عمان تحالف مع البويهيين في بداية حكمهم لعمان وبنى صلات وثيقة معهم لدرجة أنهم أوكلوا إليه أكثر المهام صعوبة، وقد انتقل أثناء حكمهم من عمان إلى بغداد، وكما يقول ابن خلدون فإنه كان مدبر دولة بهاء الدولة البويهي وبعده ابنه أبو الفوارس وبهاء الدولة هذا هو الذي خلف شرف الدولة في الحكم والذي من الممكن استنتاجه من المصادر التاريخية أن أبا محمد كان من المؤيدين لشرف الدولة صمصام الدولة أثناء الأزمة التي نشبت بينهما حول حكم عمان، حيث إن المصادر التاريخية تبدأ في ذكر سيرة أبو محمد بعد انتصار أبي نصر خواشاذه قائد جيش شرف الدولة الذي أرسله شرف الدولة إلى عمان للقضاء على الخيانة التي قام بها أبو جعفر أستاذ هرمز وتحويله الدعوة والخطبة لصمصام الدولة وهي المعركة التي وقعت سنة 374هـ ولهذا فإننا لا نستبعد أن انتقال أبو محمد بن مكرم إلى بغداد إنما تم بعد هذه الحادثة أو أن دعوة قد وجّهت إليه لتولّي بعض أعمال بني بويه بعد انتصار شرف الدولة في صراع مع صمصام الدولة والذي آزره فيه أبو محمد مما أدّى إلى قيام صداقة عميقة بينه وبين شرف الدولة وأخيه بهاء الدولة واستمرار التنافر بين أستاذ جعفر وصمصام الدولة من جهة وبين شرف الدولة وأخيه بهاء الدولة من جهة أخرى وصلت إلى حد المواجهة العسكرية.
ويبدو أن أبا محمد رجل ربما كان من أعيان الشيعة في عمان في ذلك الوقت وقد ساعد البويهيين وقوادهم، لذلك طلبوا منه القيام بالتوجّه إلى بغداد والقيام ببعض المهام لحسابهم.
ولم يطل المقام بأبي محمد في بغداد حيث قلّده الوزير أبو القاسم علي بن أحمد منصب والي البصرة حرباً وخراجاً في أعقاب نكبة الوزير أبا القاسم بالأهواز وأمره بالقبض على أبي عبدالله بن طاهر وكان ناظراً بالبصرة وقد أظهر أبو محمد حكمة وشجاعة واضحة حيث قام بالقبض على أبي طاهر وحبسه إلا أن الوزير أبا القاسم أرسل من قتل أبا طاهر غيلة في سجنه وكان هذا سبباً في إقصائه عن الوزارة.
واستمر أبو محمد في منصبه هذا سنتين حتى صدرت له الأوامر من بهاء الدولة بالمسير إلى رامهرمز بعد أن استولى صمصام الدولة على الاهواز وذلك بعد وفاة محمد بن مكرم معسكراً له في المنطقة المقابلة لجيش صمصام الدولة في انتظار وصول جيش بهاء الدولة إلا أن بهاء الدولة تأخر في الوصول وكتب بهاء الدولة إلى ابن مكرم بالنظر في الأعمال ووجد ابن مكرم أن عليه أن يخوض المعركة بما لديه من قوات فاتّبع أسلوب حرب الاستنزاف أو ما يعرف بأسلوب الكر والفر، وتكررت الوقائع بين الفريقين مدة وكان بيد الأتراك أصحاب بهاء الدولة من تستر إلى رامهرمز ومع الديلم منها إلى أرجان، ثم إن صمصام الدولة أنفذ أبا علي أستاذ هرمز ومعه المال ففرّقه في الديلم، وأزاح الأتراك عن خوزستان وعادوا إلى واسط، وخلت لأبي علي البلاد ورتّب العمال وجبى الأموال وكاتب أتراك بهاء الدلة الذين في معسكر ابن مكرم واستمالهم فأتاه بعضهم فأحسن إليهم واستمرّ حال أبي علي في أعمال خوزستان، ثم إن أبا محمد بن مكرم والأتراك الذين معه عادوا من واسط واستعد أبو علي للحرب وجرى بينهم وقائع ولم يكن للأتراك قوة على الديلم فعزموا على العودة إلى واسط ثانية ولم تنتهِ هذه المواجهة إلا بعد وفاة صمصام الدولة ودخول أبي علي بن أستاذ هرمز الديلم والذين معه في طاعة بهاء الدولة وذلك سنة 389هـ.
ولم تمض سنة على هذه الحرب وكمكافأة على جهوده في خدمة بهاء الدولة أصدر ديوان الخليفة فرماناً بتلقيب أبو محمد الحسن بن مكرم بناصر الدولة والدين ولا نستبعد أن أبا محمد قد طلب من بهاء الدولة تعيينه حاكماً على وطنه عُمان بعد اضطراب الأمور على ولاة البويهيين، كما أن بهاء الدولة أصدر فرمانأً آخر بتقليده ولاية عمان. ولا تذكر المصادر من هو الوالي السابق لعمان فربما يكون والي البويهيين على عمان قد أُقيل أو أنه توفي، وهذا التعيين يفند القول المشهور بأن بني مكرم ساروا إلى بغداد واستخدموا لبني بويه وأعانوهم بالمراكب من فارس فملكوا عمان وطردوا الشراة إلى الجبال، فأولاً أن أبا محمد عيّن من قبل بهاء الدولة ولا يمكن أن يتم التعيين لو لم يكن إقليم عمان خاضعاً للسلطة البويهية، وثانياً لو أن الأمر تمّ حرباً لكانت المصادر التاريخية التي تابعت صعود نجم أبي محمد بن مكرم ما تغاضت عن ذكر أخبار هذه الحرب لو كانت وقعت فعلاً، ولكن الذي حدث أن هذه المراكب التي تروي المصادر أنها أعانته ما هي في الحقيقة إلا المراكب التي حملت خدمه وحشمه وأمواله ورجاله، وأن هذا التعيين الذي حصل ما هو إلا رجوع الحق إلى أصحابه العُمانيين وما هو إلا اعتراف من بهاء الدولة بأفضل الرجال الذي سانده في توطيد أركان ملكه ودبّر شؤون حكمه، ويتحدّث مؤلف (الخليج بلدانه وقبائله) عن هذا التعيين فيقول وفي عام 390هـ (999م) عين أبو محمد بن مكرم حاكماً على عُمان أما عن ماضي الرجل فيمكننا أن نستشف شيئاً من المعلومات من ابن الأثير غير أننا لا نعثر على أية معلومات عن طبيعة حكمه لعمان، فيما عدا أنه حاكماً يتّسم بالاعتدال.
ومنذ هذا التعيين فإن المصادر العمانية والعربية صمتت عن الإشارة عن أية أحداث أو قلاقل ربما تكون حدثت في عمان وما أن استتب الأمر لابن مكرم حتى أقام الخطبة لبني العباس واستمر يحكم البلاد كنائب عن بهاء الدولة البويهي، ونال رضا بني بويه فلم تمضِ فترة وجيزة من حكمه حتى أنعم عليه بهاء الدولة بتقليد جديد وأسند إليه في سنة 401هـ الإشراف على كرمان بالإضافة إلى عمله.
هذا وقد بلغت البلاد في عهد ابن مكرم درجة كبيرة من الأمان والاستقرار حتى أن الإنسان يأتي من بغداد باحثاً عن عمل فيجده في عُمان، فتذكر المصادر التاريخية أن أبا العباس بن واصل وهو أحد القادة البويهيين عندما ضاق عليه الأمر في بغداد خرج منها إلى عمان وخدم عند أبا محمد بن مكرم، على أن تكملة هذه الرواية يمكن أن توضح لنا مدى نفوذ وسيطرة حكم بني مكرم وسعة تجارتهم في ذلك العهد، تقول الرواية إن هذا الرجل أي ابن واصل انتقل بعد ذلك إلى خدمة الأهواز وأحضر عنده عميد الجيوش من بغداد وجهز معه عسكراً كثيفاً وسيّره إلى أبي العباس هذا وقد استمرت الحرب بين أبي العباس وبهاء الدولة مدة من الزمن حتى تمكّن بهاء الدولة من القضاء عليه ودرء خطره، وكان لأبي محمد بن مكرم دور في قصيدة من القصائد التي مدح فيها ابنه أبا القاسم فهو يصوّر شجاعة أبي محمد ودوره في إخماد فتنة ابن واصل الذي يسمّيه الكرجي الثائر بالبطيحة والبصرة:
وأبوك يوم البصرة اعترفت
قمم العدى لسيوفه النكر
ألقى عصا من عزمة بترت
آياتها حد الظبا البتر
لقفت على الكرجي ما أفكت
كفاه من كيد ومن مكر
فمضى يخبر نفسه خوراً
ذلين من قتل ومن أسر
يجد الفرار أحد عاجلة
لو كف غرب الموت بالفر
كما أن مؤلف كتاب النقود العُمانية يشير إلى حقيقة أخرى تتعلق برخاء وازدهار دولة بني مكرم وذلك من خلال تقريره عن الدينار البويهي الذي صدر في عُمان خلال حكم بني مكرم وذلك في عهد أبي محمد بن مكرم ويقول مؤلف الكتاب: (وفي أثناء حكم بني بويه في عمان ظهرت أسرة بني مكرم الموالية للبويهيين وقد حكم من هذه الأسرة ناصر الدولة الحسن بن مكرم في أواخر أيام البويهيين بدءاً من سنة 390هـ ثم فترات أخرى قبل سنة 415هـ ولقد وضع أول حرف من اسمه (ح) على الدينار البويهي المضروب في عمان 395هـ تحت اسم الحاكم البويهي وقد ورد اسمه على الدينار مع اسم الخليفة العباسي وهو القادر بالله واسم الحاكم البويهي وهو بهاء الدولة وضياء الله وغياث الأمة واسم نائبه وهو ملك الملوك قوام الدين أبو نصر، ثم حرف (ح) وهو يرمز إلى اسم الحسن بن مكرم الذي كان يحكم عُمان في تلك الفترة وهذا هو رأي ناشر النقد السيد بيتس) وقد وافقه على هذا الرأي المؤلف والدينار محفوظ في متحف جمعية المسكوكات الأميركية بنيويورك. ويعلق مؤلف الكتاب (وهذا آخر نقد معروف في التاريخ العربي الإسلامي ضرب بعُمان) )[1213](.
وبين سنة 402هـ وسنة 405هـ وكتعبير عن الاستقرار السياسي في عمان فإن محمد بن مكرم يتنازل عن الإمارة لابنه أبي القاسم علي بن مكرم، بعد أن استمرّ في حكمه لعمان حوالي خمس عشرة سنة وطّد فيها أركان دولته وأقام فيها دولة قوية تمتد من كرمان شرقاً إلى سيراف شمالاً وعمان غرباً.
وبعد تركه حكم عمان فإن أبا محمد بن مكرم انتقل إلى بغداد مواصلاً دوره كمستشار في دولة بني بويه خصوصاً بعد وفاة بهاء الدولة ونشوء خلاف بين سلطان الدولة وأخيه مشرف الدولة فقد سعى للصلح بينهما، وكما تذكر المصادر التاريخية ففي حوادث سنة 413هـ اصطلح سلطان الدولة وأخوه مشرف الدولة وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وكان الصلح بسعي من أبي محمد بن مكرم ومؤيد الدولة الملك الرخجي وزير مشرف الدولة على أن يكون العراق جميعه لمشرف الدولة، وفارس وكرمان لسلطان الدولة.
ولكن هذه الاستشارة والتدبير قد كلفته ثمناً غالياً لدرجة أنه دفع حياته في نهاية الأمر كثمن باهظ لأحد آرائه السياسية وكان على أبي محمد بن مكرم، وهو المتعمّق في دهاليز السياسة البويهية، أن يكون حذراً في آرائه السياسية وفي استقرائه لموازين القوى، لكن الحظ خانه في تلك المرة وكانت هي الأولى والأخيرة، وقد حدثت هذه الحادثة بعد وفاة سلطان الدولة سنة 415 إذ بعد وفاته في شيراز رغب أبي محمد بن مكرم في أن يسلم السلطة لابنه أبو كاليجار الذي كان في الأهواز فطلبه آل مكرم لملكه بعد أبيه وكان هواه معه وكان القادة الأتراك يريدون عمه أبو الفوارس ابن بهاء الدولة صاحب كرمان، فكاتبوه يطلبونه لتولي الأمور فتأخر أبو كاليجار عنها فسبقه عمه أبو الفوارس إليها فملكها، وكان بصحبة أبو محمد بن مكرم ابنه أبو المكارم فأشار على أبيه لما رأى الاختلاف أن يسير إلى مكان يأمن فيه على نفسه فلم يقبل قوله، فسار عنه وتركه وقصد البصرة فندم أبو محمد لأنه لم يرحل مع إبنه وكان العادل أبو منصور بن مافنه أحد القواد قد نصحه بالمسير إلى سيراف قائلاً له: المصلحة أن تقصد سيراف وتكون مالك أمرك وابنك أبو القاسم بعمان فتحتاج الملوك إليك، فركب سفينة ليمضي إلى سيراف لكنه أصيب بنوبة برد أقعتده عن الحركة، ثم إن ابن مكرم لما رأى تأخر أبو كاليجار رغم محاولاته المتكررة لعقد البيعة له وإصرار الجنود الأترك على تنصيب أبو الفوارس رضخ لمطالبهم وأرسل العادل بن مافنه إلى كرمان لإحضار أبي الفوارس فسار إليه العادل وبلغه رسالة ابن مكرم كما أنه حاول أن يحسن موقف ابن مكرم من تأخير البيعة لأبي الفوارس، وقد ساعد ذلك على ترضية خاطر أبي الفوارس لوقت بسيط على أن ما في قلبه على ابن مكرم لم ينتهِ بعد، وعند وصول أبي الفوارس إلى فارس خرج ابن مكرم يلقاه ومعه الناس فطالب الجند (أبو الفوارس) بحق البيعة فأحالهم على ابن مكرم فتضايق ابن مكرم وتردد في دفع الأموال وقال له العادل: الرأي أن تبذل مالك وأموالك حتى تسير الأمور على خير، لكن ابن مكرم لم يستحسن كلامه فانتهره فسكت ابن مافنه فشكى الجند ابن مكرم لأبي الفوارس الذي لا زال يحمل الضغينة في قلبه على ابن مكرم نتيجة تأخير البعثة من قبل أبي محمد بن مكرم فقبض عليه ابن مكرم وعلى العادل بن مافنه ثم قام بقتل ابن مكرم واستبقى ابن مافنه وهكذا انتهت حياة رجل عظيم أفنى عمره في خدمة البويهيين وتدبير حكمهم لكن لغة السياسة لا تعترف بالعواطف بقدر ما تحافظ على المصالح والنفوذ.
وعندما علم ابنه أبو القاسم حاكم عمان بحادثة قتل أبيه، عزم على الأخذ بثأر أبيه وكان ردّه سريعاً، فقد أقام تحالفاً سياسياً وعسكرياً مع الملك أبي كاليجار فجهز أبو كاليجار حملة عسكرية وسار بالعسكر إلى فارس وسير عنه أبو الفوارس جنده مع وزيره أبي منصور الحسن بن علي الفسوي لقتاله، فوصل أبو كاليجار والوزير أبي منصور متهاون لكثرة عسكره فجاؤوه وهو نائم وقد تفرّق جنده في البلد يبتاعون ما يحتاجون إليه وكان جاهلاً بأمر الحرب، فلما شاهد أعلام أبي كاليجار شرع الوزير يرتب العسكر وقد داخله من الرعب فحمل عليهم أبو كاليجار وهم على اضطراب، فانهزموا وغنم أبو كاليجار وعسكره، أموالهم ودوابهم وكل مالهم، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى عمه أبي الفوارس تراجع إلى كرمان وملك أبو كاليجار بلاد فارس ودخل شيراز.
2 – مؤيد الدولة أبو القاسم علي بن مكرم
لقد استلم أبو القاسم مقاليد السلطة في عمان والأمور مستتبة وذلك نتيجة للجهود التي بذلها والده أبو محمد مكرم مؤسس الدولة المكرمية، ويجب أن نُشير هنا إلى أن تاريخ استلامه الحكم ليس معروفاً على وجه الدقة ولكن أولى القصائد التي مدحه بها مهيار الديلمي تدل على أنه تولى الحكم في الفترة ما بين 402هـ وسنة 406هـ وهو بطبيعة الحال تاريخ مناسب إذا ما وضعنا في اعتبارنا المدة الطويلة التي قضاها في الحكم، هذا وقد أصدر ديوان الخليفة فرماناً بتسميته بمؤيد الدولة حال تولّيه الحكم، حيث إن هذه التسمية لا تصدر إلا بفرمان رسمي من ديوان الخليفة، كما أن فرماناً آخر صدر بتعيينه حاكماً على عُمان من قبل سلطان الدولة.
وقد شهدت فترة حكمه استقراراً سياسياً ملحوظاً على المستوى الداخلي والمستوى الخارجي وربما يعود ذلك إلى الوحدة الوطنية التي سادت الأجواء بين الأطراف الداخلية وخصوصاً بعد الاتفاق السياسي الذي اتّفق عليه بين سلطة الإمامة الإباضية وبين دولة بني مكرم وهذا ما يمكن أن نستنتجه مما كتبه الشيخ السالمي عن هذه الفترة فهو يقول: «وعقدوا الإمامة أي الشراة من الإباضية على الخليل بن شاذان في سنة سبع وأربعمائة».
وفي بعض الكتب في سنة بضع وأربعمائة فسار بهم سيرة جميلة ودفع عنهم الجبابرة وأمنت بعدله البلاد واستراحت في ظله العباد ودانت له الممالك ووفدت إليه الوفود لظهور العدل وانتشار الفضل، وممن وفد إليه في ذلك أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان الحضرمي جاءه مستنصراً مستنجداً على حضرموت واليمن، ثم ان الإمام أمدّه بالمال والرجال وسار بهم إلى حضرموت». وهذه الفترة توافق حكم أبي القاسم لأن فترة حكم الخليل بن شاذان استمرت كما يقول الشيخ السالمي حتى سنة 425هـ وأن أبا القاسم توفي سنة 428هـ ويبدو أن دولة بني مكرم قد توصلت إلى اتفاق سياسي مع سلطة الإمامة الإباضية في ان تكون لكل منهما منطقة نفوذ بحيث لا تتدخل أي من السلطتين في شؤون السلطة الأخرى، ويؤكد هذا الرأي ما ذكره الشيخ السالمي (وخرجت الترك على عمان أيام الخليل بن شاذان ولعل هؤلاء الترك كانوا جند بني العباس فإنهم قد استخدموا الترك وغلبوا على أمرهم حتى صارت الدولة إليهم وصار بنو العباس آلة في أيديهم فخرجوا على عمان وأسروا الخليل ونصب أهل عمان من بعدما أسر محمداً بن علي إماماً، ثم إن الترك ردوا الخليل ومال الناس إليه بحبهم فيه ورغبتهم في عدله) ورغم أن الشيخ السالمي يذكر تاريخ بني مكرم وأسماء حكامهم كما روته المصادر المختلفة إلا أنه يصر على تسميتهم بالترك وجند بني العباس وهذا لا يغير من الحقيقة شيئاً لأن بني العباس لم يبق لهم جند حتى يسميهم جند بني العباس وحتى بني بويه لم يكن لهم أي نفوذ على دولة بني مكرم في هذه الفترة لأنهم كانوا في حالة من الضعف والتمزّق كما تروي المصادر المختلفة وربما كان في جند بني مكرم بعض الترك لكن كل أمرهم وقيادتهم موكول إلى دولة بني مكرم، نعود إلى رواية الشيخ السالمي ونتساءل لماذا تركت دولة بني مكرم الإمام الخليل لكي يمارس سلطته الدينية رغم معارضته لسلطتها السياسية، من الواضح أن الطرفين قد توصلا إلى اتفاق سياسي يحفظ لكل طرف مصالحه السياسية والجغرافية ويصون الحقيقة المكتسبة لكل طرف ويحقن الدماء بينهما وبذلك يعيش كل طرف في سلام وأمان وهذا ما تحقق بالفعل وما أكّدت عليه مصادر الطرفين. ولهذا فإن س.ب. مايلز مؤلف كتاب الخليج بلدانه وقبائله في حديثه عن تلك الفترة من تاريخ عمان لا يتردد في وصف (أبو القاسم) بسيد عمان والشخصية الليبرالية الهامة.
ولا تتحدث المصادر التاريخية كثيراً عن فترة (حكم أبي القاسم بن مكرم) ولذلك فإن المعلومات المتوفرة عن هذه الفترة تكاد تكون معدومة حيث إن المعلومات الوحيدة وردت في تاريخ ابن خلدون فهو يقول: «ثم ضعفت دولة بني بويه، فاستبدّ بنو مكرم بعمان وتوارثوا ملكها وكان منهم مؤيد الدولة أبي القاسم علي بن ناصر الدولة الحسن بن مكرم وكان ملكاً جواد ممدوحاً قاله البيهقي ومدحه مهيار الديلمي وغيره ومات سنة ثمانٍ وعشرين وأربعمائة بعد مدة طويلة في الملك»، وإلى هنا ينتهي كلام ابن خلدون، ولكن قصائد مهيار الديلمي التي قالها في دولة بني مكرم على العموم وفي مؤيد الدولة أبي القاسم على الخصوص قد قدمت لنا أفضل صورة مشرقة عن هذه الدولة العمانية وعن مدى الازدهار والتقدّم الذي حققته وخصوصاً في فترة حكم مؤيد الدولة أبي القاسم. ويلقي الدكتور محمد علي مكي مزيداً من الضوء على قصائد مهيار الديلمي في محاضرته التي ألقاها عن عمان في القرن الرابع الهجري فيقول وإذا كانت الأخبار الواردة عن بني مكرم في عمان قليلة مضطربة فإن لدينا عن هذه الأسرة ولا سيما عن أهم أفرادها أبي القاسم علي بن الحسن بن مكرم وثيقة طريفة هي مجموعة من قصائد أحد أعلام شعراء القرن الرابع وهي إلى جانب قيمتها الفنية تطلعنا على جوانب من حياة عمان تستحق أن يسلط عليها الضوء، أما الشاعر فهو مهيار بن مرزويه الديلمي الذي ولد في أوائل العقد السادس الهجري من القرن الرابع وتوفي في نفس السنة التي توفي فيها ممدوحه أبو القاسم بن مكرم أي سنة 428هـ وقد كان هذا الشاعر مجوسياً وظل على مجوسيته حتى سنة 394هـ حينما فتح الله قلبه للإسلام وكان تخرجه في الشعر على يد الشريف الرضي وبه تأثر ولا سيما في مطالع قصائده الحجازية والنجدية. ويظهر أن صلة مهيار الديلمي بأبي القاسم كانت صلة قديمة ترجع إلى أيام شبابهما المبكر في بغداد فهو يقول في قصيدته التي وجه بها إليه سنة 402هـ:
مهلاً بني مكرم من سماحكم
قد أثمر المصفر واخضر الثرى
يا نجم كانت مقلتي تنظره
حتى استنار بدر تم واستوى
صحبته ريحانة فلم يزل
دعائي حتى طال غصناً ونمى
أذكر ذكرت الخير ما لم تنسه
ممن صحبتي ذكرك أيام الصبا
وحرمة شروطها مكتوبة على
جبين المجد راعوا حق ذا
أما قصائده في أبي القاسم بن مكرم وأخيه تاج المكارم فهي ثمانٍ وجملة أبياتها ستمائة وثلاثين بيتاً وفيها يسجل كثيراً من الأحداث التي اشترك فيها أبوهما أبو محمد الحسن بن مكرم كما يقدم لنا صورة بالغة الجمال لعمان وحياتها الاقتصادية ويورد في أثناء بعضها وصفاً رائعاً للسفينة البحرية ويقول في قصيدة رائية وجه بها إلى أبي القاسم في جمادى الآخر سنة 406هـ:
أبناء مكرم وهي معرفة
نصروا اسمها بإهانة الوفر
قطنوا وصار عطاؤهم شبها
بالبحر قام وملكه يسر
في كل دار من مواهبهم
أثر الحيا في البلدة القفر
وملكت يا ذا المجد غايتهم
ما لا يأب فضيلة الغر
زيدتهم شرفاً وبعضهم
لأبيه مثل الواو في عمر
ويتحدث عن سياسته الاقتصادية في عمان فيصورها قائمة على ما يمكن أن ندعوه بلغة اليوم الانفتاح الاقتصادي فيقول:
ورأت عمان وأهلها بك ما
أغنى الفقير وأمن المثري
صارت بجودك وهي موحشة
أنس الوفود وقبلة السفر
وفي قصيدة كتب بها إلى أبي القاسم وكان عرض عليه أن يقدم عليه في عمان فأبدى خوفه من ركوب البحر وأنفذها إليه في صفر سنة 409هـ:
يقول لي الغنى ورأى قعودي
عن السعي الممول والطلاب
أما لك في بحار عمان مال
يد مفاقر الحاج الصعاب
ومولى يوسع الحرمات رعياً
ويعمر دارس الأمل الخراب
لعل مؤيد السلطان تحنو
عواطف فضله بعد الغضاب
صواعد كالجبال إذا أحست
نسيماً أو نوازل كالجواب
وأخضر لا يروق العين يطوي
على بيضاء سوداء الإهاب
تجاذبه الأزمة من حديد
فيقمص أو يقطر في الجذاب
إذ خوص الركاب شكون ضما
شكا ركبانها شرق الركاب
وفي قصيدة رابعة يصور امتداد سلطانه إلى البصرة ووادي الأبلة واتّساع تجارة عمان في أيامها إلى أقصى بلاد الشرق:
نام الرعاة عن البلاد وأهلها
عجزاً وعيناه شهاب راصد
وإذا الأسود شممن ريح فريسة
كانت صوارمه عصي الذائد
ما بين سربزة إلى ما يستقي
وادي الأبلة هابطاً من صاعد
يقضان يضرب وهو غير مبارز
عزماً ويطعن وهو غير مطارد
جرت البحور فما وفت بيمينه
فكأن ذائبها يمد بجامد
ظنت بجوهرها وما في حرزها
من منفسات دخائر وفوائد
فاستخرجتها كفه وسيوفه
فسخت بها لمؤمل ولوافد
وفي قصيدة خامسة كانت هي آخر مدائحه له يقول مشيراً إلى استعصاء عمان على من حاولوا حكمها وقد وجه بها مع ابنه أي ابن مهيار في شوال 426هـ يقول فيها:
إلى البحر عذباً نركب البحر مملحا
ورب سهول طرقهن حزون
خبيث مرير الشرب يرويك بعده
زلال على حكم الشفاه معين
على الأرض بحر ثامن صفو مائه
طمى بالبحار السبع وهي أجون
فخضها على التوفيق واقدح بزندها
عمانا وإني بالنجاح ضمين
إلى ناصر الدين امتطى كهل المنى
خليق بغايات النجاح قمين
توحد في الدنيا فما يستحقه
مكان من الدنيا الوساع مكين
وقد عجزت من قبلها أن يسوسها
قرون على أدراجها وقرون
فلا آل كسرى قودوها مقادة
وعندهم ركاضة وصفون
ولا حمير الأقيال قاموا بحفظها
وفيهم قباب دونها وحصون
ثم يقول:
فذاك ملوك حين تذكر بينهم
فكل مهيب في النفوس مهين
فإن باهلوا بالماء يجري جداولاً
فماءك جم والبحار حقين
وظنوا النسيم كلما رقّ سحره
ألذ فأغلاط هفت وظنون
3 – أبو الحسن بن أبي القاسم بن مكرم
لما توفي أبو القاسم بن مكرم خلف أربع من البنين وهم أبو الحسن ويسمى أيضاً أبو الجيش والمهذب وأبو محمد وآخر صغير لم تذكر المصادر التاريخية اسمه وتولى أمور الدولة أكبرهم أبو الحسن وكانت شؤون الدولة مستتبة بحيث لم تشهد الدولة أي تهديد داخلي ولكن المصادر التاريخية تذكر أن عمان في تلك الفترة قد تعرضت لغارات الظهير أبي القاسم حاكم البصرة، فقد كان ضامناً لها من قبل الملك أبي كاليجار مقابل مال يدفعه كل سنة، ويقدر بحوالي سبعين ألف دينار، وكان الظهير قد أثرى ثراء فاحشاً لما كان يدخل عليه من عائدات البصرة، فأخذ يعمل على تحصين البصرة كما كوّن له قوة أخذ يتحرك بها في منطقة الخليج، فتعرّض لأملاك أبي الحسن بن القاسم بن مكرم أمير عمان وأمواله، والمصادر التاريخية لا تذكر في أي موضع وقع هذا الاعتداء هل وقع على أملاك أبي الحسن في البصرة أم في البحرين أم في سيراف، ولما علم أبو الحسن بهذا الاعتداء كاتب الملك أبو كاليجار وعرض عليه أن يدفع له مائة ألف في السنة ضماناً للبصرة مقابل إشرافه عليها وإبعاد الظهير أبي القاسم عنها، فوافق أبو كاليجار وأخذ ابن مكرم يستعد لقتال الظهير وأعدّ أبو كاليجار جيشاً هو الآخر بقيادة أبي منصور بن مافنه وأبحرت المراكب من عمان حاملة جنود ابن مكرم وحاصرت البصرة حتى تم فتحها وقبض ابن مافنه على أبي الظهير وأخذ عنه جميع أمواله وقرر عليه غرامات بلغ مجموعها مائة وعشرة آلاف دينار على أن يدفعها في مدة لا تتجاوز أحد عشر يوماً وأصبحت رقعة ملك أبي الحسن تمتد من عمان جنوباً إلى البصرة شمالاً.
وبعد هذا الانتصار الساحق على أبي الظهير بالغ أبو الحسن في تقدير قائد جيشه علي بن هطال المنوجاني وبالغ في إكرامه واحترامه حتى أنه عندما يدخل إلى مجلسه يقوم أبي الحسن تكريماً له، وربما كانت هذه المعاملة على حساب أخيه المهذب الذي ساءته مثل هذه المعاملة الخاصة لقائد الجيش من قبل أخيه فأنكر عليه ذلك وحدثه في هذا الأمر، وبلغ قائد الجيش ذلك فأضمر سوءاً للمهذب وخطط للانتقام منه، وفي الحقيقة فإن ابن هطال هذا كان يسعى للوقيعة بين الأخوين وكان يخطط للاستيلاء على الحكم وقد دبر لذلك مكيدة بدأها بتأليب قلب أبي الحسن على أخيه بأن جعله يوقع على ورقة بتولية ابن هطال على أعمال في الدولة إذا ما ساعده في الإطاحة بأخيه، ثم إن ابن هطال جاء بهذه الورقة إلى أبي الحسن وقال له إن أخاك قد أفسد عليك كثيراً من أصحابك وتحدث معي واستمالني فلم أوافقه فلهذا كان يذمني ويقع فيّ وهذا خطه ويبدو أن أبا الحسن كان قد وقع تحت تأثير ابن هطال هذا فأصدر أمراً بالقبض على أخيه دون أن يتأكد من أمر تلك الورقة وفي نهاية الأمر تخلص من أخيه ولا نستبعد أن ابن هطال هو الذي قام بقتل المهذب وبهذا نفّذ الجزء الأول من مخططه للاستيلاء على الحكم خصوصاً وأن أبا الحسن كان في حالة ضعف وعجز عن القيام بأمور الدولة وما هي إلا فترة بسيطة حتى مات أبو الحسن بن أبي القاسم بن مكرم.
4 ـ أبو محمد بن أبي القاسم بن مكرم
لما توفي أبو الحسن بن مكرم أراد ابن هطال أن يولي عمان أبا محمد الابن الثالث لأبي القاسم بن مكرم ثم يقتله، كما يقول ابن الأثير لكن أمه رفضت أن يتولى ابنها الحكم وادّعت بأنه لا يزال صغيراً على شؤون الحكم والإمارة وعرضت على ابن هطال أن يتولى الأمر بنفسه، فرحّب بذلك لأن ذلك كان هدفه من بداية الخطة التي وضعها للاستيلاء على الحكم ولعل أم أبي محمد كانت على علم بمخططاته ولذلك مانعت من أن تسلّم ابنها له وبذلك أصبح علي بن هطال حاكم عمان والآمر الناهي دون منافس يُذكر.
ولكن علي بن هطال طغى وأساء السيرة مع أهل عمان وعلى الأخص مع التجار الذين صادر أموالهم وبلغ ما كان منه مع بني مكرم إلى الملك أبي كاليجار والعادل أبي منصور خلفاء أسرة بني مكرم فاستعظما الأمر واستكبراه، واهتم العادل أبو منصور بهذا الموضوع فأرسل إلى أصحاب أبي القاسم الخلّص وكان نائب بني مكرم بجبال عمان ويقال له المرتضى وأمره بمحاربة علي بن هطال وبعث إليه التجهيزات العسكرية من البصرة لمساعدته في حربه لابن هطال، فاستجاب المرتضى لطلب العادل وجمع العساكر وانضمّت إليه حشود كبيرة من أهل عمان كانوا يكرهون ابن هطال لسوء سيرته، واستولى المرتضى على أكثر البلاد وضعف أمر ابن هطال ثم إن خادماً لابن هطال قام بقتله وأنهى طموحه السياسي.
ولما سمع العادل بقتل ابن هطال سير إلى عمان بعض قواده ومستشاريه حتى يمهدوا الأمر لأبي محمد بن أبي القاسم بن مكرم ويرتبوا له أمور الدولة وبذلك بدأت مرحلة جديدة من حكم بني مكرم في عمان بتأييد ساحق من أهلها وبدعم واضح من حلفائهم البويهيين.
ولا يوجد الكثير في كتب التاريخ حول هذه الفترة من حكم بني مكرم ولكن من الواضح أن حكم بني مكرم قد أخذ في الضعف، ولأن اعتماد الحكّام الجدد من بني مكرم قد تزايد على حلفائهم البويهيين وخصوصاً بعد تنظيم المقاومة الداخلية لنفسها وازدياد الحركات المعارضة.
وتذكر المصادر التاريخية أنه بعد سنة من تولّي أبي محمد حكم عمان تعرّضت عمان لمزيد من القلاقل والاضطرابات، فقد ثار أهلها على حكم بني مكرم لما أحسوا بضعفهم فبادر أبو كاليجار سنة 433هـ بتجريد حملة إلى عمان خرجت من فارس وتمكّنت هذه المرة من إعادة الهدوء إلى عمان.
وبدأت معالم الضعف والشيخوخة تطرأ على دولة بني مكرم فما هي إلا عشر سنوات أخرى حتى وصلت هذه الدولة إلى نهايتها بعد أن تسلّطت عليها النساء والعبيد وضعف أمرهم ولم تنفعهم حملات البويهيين لمساعدتهم، لأن البويهيين لم يكونوا أحسن حالاً من بني مكرم، حتى أن أبا المظفر ابن الملك أبي كاليجار عندما سيّر حملة لإعادة الهدوء في عمان فإنه ترك تسيير الأمور لأحد خدامه الذي أساء السيرة في أهلها وأخذ أموالهم فنفروا منه وأبغضوه، والتفّ أهل عمان حول أحد أئمة الإباضية، وهي القيادة الوطنية الوحيدة التي استطاعت أن تقاوم الدولة العباسية ومن خلفها البويهيين وأثارت الكثير من الاضطرابت في وجه دولة بني مكرم إلى أن قضت عليها في نهاية الأمر، أما الإمام الذي قاد عملية المقاومة والتغيير فهو أحد إمامين، الأول هو راشد بن سعيد الذي يعتقد الشيخ السالمي أنه تولّى الإمامة في الفترة ما بين سنة 425هـ وسنة 445هـ أما الثاني فهو حفص بن راشد وهو الذي يذكره ابن الأثير في تاريخه حيث يقول ومَلَكَ ابن راشد البلد وقتل خادم أبي المظفر وكثيراً من الديلم وقبض على الأمر أبي المظفر وهو احتمال قائم على اعتبار نسبة الصحة والخطأ في التواريخ التي ذكرها الشيخ السالمي حيث إن الإمام حفص بن راشد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه سنة 445هـ وبين هذا التاريخ وبين سقوط دولة بني مكرم أقل من ثلاث سنوات كما أن ابن الأثير نقل عن مصادر تكاد تكون قريبة من تلك الحوادث.
وما نريد أن نسجله هنا أن دولة بني مكرم لم تكن عقيمة إلى تلك الدرجة فهي وإن كانت متجاهلة من قبل مصادر التاريخ العماني إلا أنها أنجزت الشيء الكثير ويكفينا أن نسجل هنا امتدادها الجغرافي على عهد أبي القاسم بن مكرم وابنه أبي الحسن، ثم يجب أن نشير إلى الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي اللذان تحققا في أيامها، ثم الرخاء الاقتصادي الذي تحقق نتيجة للانفتاخ الاقتصادي الذي اتّبعه حكامها، كما أن الحياة الثقافية هي الأخرى ربما تكون قد شهدت انتعاشاً حقيقياً ويؤكد ذلك تشجيع (أبو القاسم) للشعراء الذين مدحوه وأشادوا بكرمه وعطائه ومنهم مهيار الديلمي، ويذهب الدكتور شوقي ضيف إلى ما ذهبنا إليه حيث يقول: «ولا ريب في أن النشاط العلمي في دراسة الفقه والحديث والتفسير والقراءات ظل محتدماً في عمان لزمن بني مكرم وبني نبهان» وفي اعتقادي بأنه لم يكن هناك أي تقصير من دولة بني مكرم في اعتنائها بالثقافة والآداب وإنما التقصير كان من المؤرخين الذين عايشوا تلك الفترة لكنهم لم يسجلوا لنا صورة واضحة لما كان يجري ولم يكونوا دقيقين في نقل الأحداث لأننا نعرف عن أصحابنا اهتمامهم بالأدب والثقافة ونشر العلوم، فلا يوجد بلد به جماعة من الشيعة إلا وترى فيها حوزة علمية أو عالم ينشر الفقه الشيعي فكيف ببلد يكون حكامه من الشيعة، فإن اهتمامهم بالعلوم والأدب سيكون بالتأكيد كبيراً، كما أن ابن خلدون في نظرية العمران يؤكد أن العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة فيه والعكس صحيح وهو الذي بالضبط قد حصل في تلك الفترة في عمان من استقرار سياسي ورخاء اقتصادي فلمَ لا يكون هناك ازدهار ثقافي؟
ويشكو الدكتور شوقي من مشكلة غياب أشكال الكتابة الأدبية والتعبير الثقافي عن هذه الفترة التاريخية وذلك في معرض تعليقه على رواية الشيخ السالمي لخطب ورسائل الأئمة الإباضية الذين عاشوا في نفس الفترة قيام دولة بني مكرم حيث يقول وقلّما يورد نور الدين السالمي في كتابه تحفة الأعيان شيئاً من رسائل بني مكرم الشيعة الإماميين الذين حكموا مدينة عمان من سنة 390 إلى سنة 442، وكذلك قلما يورد شيئاً من رسائل بني نبهان الذي حكموها من القرن السادس الهجري إلى القرن التاسع حتى إذا رجع الحكم بعدهم إلى أئمة الإباضية أخذ يورد رسائلهم، وهي منمّقة إذ يغلب عليها السجع والترصيع.
أما س.ب. مايلز فإنه يتساءل عن مكان إقامة الحكّام البويهيين وحكام بني مكرم فيقول أما أين كان الحكام البويهيون يقيمون ويحكمون؟، فلا توجد بيانات عن ذلك غير أن هناك من الأسباب ما يحملني على الاعتقاد بأن مقر حكمهم الرستاق، وكان له مساعد أو نائب مقره نزوى وفي عهد أبي الحسن بن مكرم وربما عهد أبيه كان هذا النائب يسمى المرتضى.
هؤلاء إذن هم حكام بني مكرم الأسرة الشيعية التي حكمت عمان منذ أواخر القرن الرابع إلى حوالي منتصف القرن الخامس. وكنا نتمنى أن نجد مصادر تاريخية تتناول فترة حكهم وتصور مناحي الحياة وأحوال الدولة في تلك الفترة ولكن ذلك لم يكن متوفراً، المهم أننا حاولنا بقدر الإمكان أن نسلط الضوء على هذه الفترة الزمنية من تاريخ عمان ونرجو أن نكون قد نجحنا في ذلك.
أحوال الشيعة خلال الدول المتعاقبة على حكم عمان
ابتداءً نرى توضيح الأمور التالية:
أولاً: أن المتابع لتاريخ الشيعة في عمان خلال مجمل فترات هذا التاريخ يستطيع أن يلاحظ مدى التلاحم بين الشيعة والإباضية ويستطيع أن يؤكد على أن الترابط والتفاهم بين المجموعتين لم يتأثر بالحوادث التاريخية المختلفة ولم يتغير هذا الترابط طيلة فترات التاريخ العماني، كما أن أياً من الطرفين لم يحاول أن يسلب حقوق الطرف الآخر أو مكتسباته حاكماً كان أو محكوماً، بل العكس حافظ كل طرف منهما على مصلحة الطرف الآخر مهما يكن نوعية التوجّه السياسي الذي كان موجوداً، وإننا نستطيع أن نؤكد أن الحقوق الإنسانية والاجتماعية والأساسية للشيعة وممارسة شعائرهم الدينية كانت مكفولة دون أي انتقاص منها طيلة فترات التاريخ العماني وأن من أهل الشيعة من كان مستشاراً لبعض الحكام العمانيين ومنهم من كان وزيراً ومنم من كان سفيراً.
ثانياً: إن الأحداث التي سوف نقوم بذكرها هنا هي أحداث كانت مرتبطة بالحالة السياسية التي تسود عمان وتاريخ الحاكم الذي يحكمها ومميزاته الشخصية لأن التاريخ دائماً لا يتحدث عن تاريخ المحكومين بقدر ما يذكر تاريخ الحاكم نفسه، وبالتالي فإن الأحداث وأحوال الشعوب لا تذكر إلا من حيث صلتها بالحاكم وتاريخه وممارساته السياسية، والأحداث التي سوف نذكرها أكثرها مرتبط بمعاملة الحاكم لجماعة الشيعة ولكن هناك أيضاً أحداث اجتماعية وفكرية تعبر عن واقع الشيعة عموماً.
1 ـ في أحوال عمان خلال حكم النباهنة
إن المصادر العمانية لا تذكر الكثير عن أحوال الدولة النبهانية وعن ملوكها الذين يُوصفون في كتب التاريخ العماني بأنهم أهل ظلم وجور فابن رزيق يقول [وبالجملة إن ملوك بني نبهان لم يكن منهم إمام ولا ملك عادل يرضى به رب الأنام بل كان أكثرهم أهل جور وظلم] أما الشيخ السالمي فيقول [وحيث كانت دولة هؤلاء مبنية على الاستبداد بالأمر وقهر الناس بالجبرية لم نجد لدولتهم تاريخاً ولا لملوكهم ذكراً إلا من ذكره الستالي منهم في ديوانه] ويقول في موضع آخر [وأهل عمان لا يعتنون بالتاريخ فلذلك غابت هنا أكثر أخبار الأئمة فكيف بأخبار غيرهم] ولذلك فإنه من الصعب على الدارس لتاريخ الشيعة أن يجد معلومات ذات فائدة عن هذه الفترة رغم أن حكم بني نبهان استمر نحو خمسة قرون ولكن لم نستطع أن نصل إلى معلومة عن هذه الفترة، مع أن ابن بطوطة الذي زار عمان خلال هذه الفترة وسجّل بعض الإشارات المهمة عن أحوال عمان في تلك الفترة يقدم وصفاً لمسجد من المساجد الذي ربما يكون من مساجد الشيعة يقع في مدينة قلهات ويقول ابن بطوطة عن هذا المسجد: «ومدينة قلهات على الساحل وهي حسنة الأسواق ولها مسجد من أحسن المساجد، حيطانه بالقاشاني وهو شبه الزليج وهو مرتفع ينظر منه إلى البحر والمرسى، وهو من عمارة بيبي مريم ومعنى بيبي عندهم الحرة»، ويذكر مؤلف كتاب عمان اليوم الصادر عن وزارة الإعلام العمانية هذه المعلومة بعد إشارته إلى تواجد الشيعة في عمان فهو يقول: ويكثر الشيعة بين أهالي المدن الساحلية وخصوصاً بين التجار، ثم يتحدث عن الشيعة اللواتية وبعد ذلك عن المساجد فيقول: أما مساجد أهل الساحل فغالباً ما تكون زخرفتها أكثر دقة مما تتّسم به مساجد الإباضيين، يقول: وقد أورد ابن بطوطة وصفاً لمساجد قلهات، ثم يورد حديث ابن بطوطة السابق لكن مؤلف الكتاب وضع نفسه ووضعنا في مأزق تاريخي كبير حيث يقول في نهاية استشهاده بحديث ابن بطوطة يقول وتعني كلمة بيبي في لغتهم (سيدة نبيلة) ونتساءل هنا في لغة من تعني سيدة نبيلة هل في لغة اللواتية أم لغة أهل عمان؟ لأن المصادر التاريخية تذكر ان اللواتية إنما جاؤوا في تواريخ متأخرة عن تاريخ وصول ابن بطوطة لعمان حيث إنه وصل بعد سنة 730هـ وهو تاريخ بدء رحلته للخليج. واللواتية إنما وصلوا إلى عمان في القرن الثاني عشر في الفترة قبل سنة 1183هـ)[1214](، أما الشيخ السالمي فيرى أن كلمة بيبي ليست بعربية وإنما جلبت إلى ساحل عمان من أرض الزنج. المهم أن مثل هذه الإشارات التاريخية لا يمكن أن نتغاضى عنها أو نتركها دون تدقيق لهذه الفترة التي تعاني من شحّ واضح وندرة شديدة في المعلومات المتعلقة بها. عموماً إننا نعتقد أن المسجد ليس للإباضية وذلك لما ذكره مؤلف كتاب (عمان اليوم) أن مساجد الإباضية تفتقر لمثل هذه الزخرفات والنقوش وليس من المستبعد أن يكون هذا المسجد لأهل السنّة أو ربما يكون مسجداً للشيعة رغم أن ابن بطوطة لم يكن يفوته تسجيل مثل هذه المعلومات لو أن المسجد كان بالفعل لإحدى الفرق الإسلامية غير الإباضية فهو يسجل كل المعلومات التي يصادفها فهو يقول وأكثرهم إباضية أي أهل قلهات لكنهم لا يقدرون على إظهار مذهبهم لأنهم تحت طاعة السلطان قطب الدين تمهتن ملك هرمز وهو من أهل السنّة.
وفي هذه الفترة التاريخية تروي لنا المصادر التاريخية ظهور إحدى الشخصيات الشيعية المعروفة ألا وهو شهاب الدين أحمد بن ماجد السعدي البحار العماني الشهير الذي ولد وعاش في جلفار (رأس الخيمة حالياً) بين سنة 825هـ وسنة 906هـ الذي ظلّت مسألة تشيّعه مدار بحث لكثير من الباحثين العرب والمستشرقين، فالمستشرق الفرنسي غبرييل فران يؤكد في كتابه المدخل إلى علم الفلك الملاحي العربي على تشيّع ابن ماجد، وكذلك يذهب إلى هذا الرأي المستشرق الروسي شوموفسكي فمؤلف كتاب ابن ماجد والبرتغال الدكتور عبد الهادي التازي يقول لقد فهم شوموفسكي من تأليف ابن ماجد لأرجوزة برسم الإمام علي كرم الله وجهه أنه كان شيعي المذهب، ويعلّق الدكتور التازي وعندي أن هذا لا ينهض دليلاً على ما ذكر، لكن الدكتور التازي يعود بنفسه ويتساءل عن اهتمام ماجد بيوم الثامن عشر من ذي الحجة يوم الغدير وإن كان الأمر يتعلق حقيقة بميول شيعية لدى ابن ماجد لأن ابن ماجد يقول في إحدى أرجوازته:
يوم الغدير أبرك الأيام
إذ خصّ بالإحسان والصيام)[1215](.
ويعلق الدكتور التازي على هذا البيت قائلاً: كان هذا التاريخ يوافق اليوم الذي حدثت فيه الوقعة التي يعتمد عليها الشيعة حول: هل أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليّ عليه السلام؟ ولقد كانت بتاريخ 18 ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، وقد عرفت بواقعة غدير خم.. ويمكن أن يتساءل هنا عن سر اهتمام ابن ماجد بهذا اليوم بالذات، وهل الأمر يتعلق حقيقة بميول شيعية.. الأمر الذي قيل أيضاً بمناسبة نظم أحمد بن ماجد لأرجوزة برسم الإمام علي، لكن الذي نتلمسه من ميل ابن ماجد للشاذلية لا يحملنا على مسايرة هذا الرأي على نحو ما علقنا به على توصية ابن ماجد للبحارة بتلاوة حزب البحر. أقول إن الطريقة الشاذلية إنما نشأت في المغرب وفي شمال إفريقيا ولا وجود لها في الخليج في ذلك الوقت، أما البير كاميرير يقول بالفعل يخبرنا قطب الدين النهروالي أن معلم فاسكو داغاما هو أحمد بن ماجد النجدي، هو عربي شيعي أو علوي من هضبة جزيرة العرب الوسطى، ويرجّح أنه كان يسكن جلفاء. ولسنا في هذا المجال بصدد مناقشة فرضية النهروالي ضد أحمد بن ماجد ولكننا بصدد مناقشة مسألة تشيّعه، ويعلّق الأستاذ إبراهيم حمود الصبحي على كلام ألبير كاميرير في بحثه أحمد بن ماجد وسيرته الذاتية يعلّق قائلاً فهو أي كاميرير ينسبه إلى نجد الشمال لا إلى نجد الجنوب كما أٍلفنا وأنه شيعي أو علوي، ولا نعلم مرجعاً واحداً يثبت تشيّعه، إلا إذا فهم من اسم جدّيه السادس والسابع حسن وحسين مثلاً أو لنظمه أرجوزة (منازل القمر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه) كما قال ابن ماجد، أما نحن فلا نشك للحظة واحدة في تشيّع أحمد بن ماجد وذلك لأبيات أراجيزه التي قالها في مدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين والذي سوف نذكرها أثناء التحدّث عن معالم شخصيته، كما أن الروايات التاريخية التي سوف نتعرض لذكرها لاحقاً عن الصير وجلفار تؤكد وجود نسبة كبيرة فيها من الشيعة الإمامية في نفس هذه الفترة التاريخية.
وتروي المصادر التاريخية أنه في عام 1011هـ توفي في مسقط أحد علماء البحرين الشيعة الأجلاء وهو الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الجابر المنعم البحراني يقول صاحب الذخائر في سيرة هذا الشيخ الجليل الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الجابر المنعمي البحراني الشافعي أولاً ثم دخل في التشيّع فصار في زمانه علماً للشيعة وحافظاً للشريعة والنافي بلوامع سيوف حجته كل بدعة شنيعة، ومن مؤلفات هذا العالم كتاب الجامع في الفقه وقد توفي رحمه الله سنة 1011هـ (1602م) في مسقط بعمان ولعله في رحلة علمية إليها والله أعلم. وتعتبر هذه المعلومة هي أول معلومة تسجل عن سفر عالم شيعي من البحرين إلى عمان في هذا التاريخ المتأخّر وهو مؤشر أولي على بدء هجرة الشيعة البحارنة إلى عمان عموماً وإلى مسقط خصوصاً وتدل أيضاً على تواجد الشيعة في مسقط في تلك الفترة.
2 ـ أحوال الشيعة في دولة اليعاربة
يبدو أن الروايات حول أحوال الشيعة في عصر اليعاربة كانت كثيرة وتعكس الوضع الحقيقي لدور الشيعة في التاريخ العماني كما أنها تصور مدى الترابط القائم بين مختلف طوائف الشعب العماني وأول هذه الروايات يذكرها مؤلف سيرة الإمام ناصر بن مرشد القائد العماني (1024 – 1050هـ) الذي وحّد البلاد تحت قيادته بعد تشتتها والذي أطلق الرصاصة الأولى ضد الوجود البرتغالي في عمان والخليج العربي، يقول مؤلف الكتاب عبدالله بن خلفان بن قيصر في حديث عن فتح مدينة صحار التي تقع على ساحل الباطنة يقول ثم إن الإمام ناصر بن مرشد وجه رسلاً لواليه محمد بن علي بالسر أن يجهز جيشاً ويقصد بها صحار ليدفع الضر وامتثل المأمور لأمر الأمير في الحال وجهز الجيش وبذل المال وانتخب الرجال وسلك طريق الجبزي، فلما تحقق خبرهم لأهل عمق وبان وشاهدوا قدوم الجيش عليهم بالعيان توجهوا جميعاً قاصدين صحار إذ لا يقهر لهم في عمق قرار ولا ينجيهم من ملاقاة العدو إلا الفرار وكانت طائفة من الشيعة قد التجأت إلى الأمير ناصر الدين لالتباسها خائفة وجلة من سوء ما قدّمه فمنهم من ركب حينئذٍ بحراً ومنهم من لم يمكنه ذلك فسار براً فدخل عمقاً جيش مولانا الإمام واحتوى عليها جميعاً بالتمام وهدم ما شيّده فيها قوم النصارى من البنيان وأحرقت عند ذلك عمق كافة بالنيران وصارت هنالك عبرة لأولي العقول وألأذهان. ويبدو من هذه الرواية أن الشيعة وغيرهم من سكان العمق وصحار قد ارتابوا من التغيير الذي حدث في السلطة المركزية في البلاد ولذلك ربما يكونوا قد قاموا بمقاومة الحكومة الجديدة وربما كان بينهم وبين الأمير ناصر الدين العجمي المسيطر على جلفار تحالف سابق ولهذا التجؤوا إليه لعدم معرفتهم بنوايا السلطة الجديدة وخصوصاً أنها حدّثتهم بلغة الحرب لا بلغة السلام وأرسلت لهم رسل الحرب وهي الجيوش بدلاً من رسل السلام. ومن الواضح أن هذه الجيوش كانت مرسلة إلى حرب النصارى وربما أن أصحابنا قد أخطؤوا في تفسير هذا الأمر وظنّوا انهم هم المعنيون بهذا الأمر وذلك بسب تحالفهم مع ناصر الدين، ومهما يكن من أمر هذه التفسيرات إلا أن الحروب استمرت بين الطرفين ويقول ابن قيصر فلما أن خرج العجم والجبور والشيعة من عمق إلى صحار واجتمعت تلك الطوائف بها لصحة الأسانيد والآثار لم تزل الحروب مشتعلة ما بين الأقوام مسعرة تعلو باللهب والضرام إذ لم تزل الوقائع فيما بينهم متوالية والأبطال للأبطال مصالية لا سيما بوقعة الشديدة الكبيرة لشدة القتل فيها والجراح وارتعاد الفرائص واخترام الأرواح. ولكن الإمام ناصر بن مرشد أبى إلا أن يضمد الجراح التي في القلوب وأن يشمل عدله ورعايته جميع فئات الشعب العماني فلما طلب البرتغاليون الصلح بعد هزيمتهم في مسقط فصالحهم قائد جيش الإمام الشيخ مسعود بن رمضان بأمر الإمام على فك ما بأيديهم من مال العمور والشيعة من صحار، فأذعنوا بالطاعة فآمنهم مسعود على ذلك وأخذ منهم العهود على الوفاء. وقد وجدت هذه الخطوة صدى طيباً لدى شيعة صحار انعكس على تأييدهم للإمام ناصر بن مرشد. وتسجل المصادر التاريخية في نفس الفترة نقاشاً فقهياً بين أهل الشيعة وبين القضاة الإباضية، فقد كتب والي الإمام على قرية الصير (جلفار) وهو خلف بن أحمد الأحممتي إلى الفقيه القاضي خميس بن سعيد بن علي الرستاقي رحمه الله تعالى وذكر له أن ناساً من متفقهي الشيعة أتوا إليه يسألونه على معنى الاستعجاز له عن الجواب والطعن في مذهب المسلمين أي الإباضية، فقالوا له: كيف أنتم تورثون الأخ والأخت مع الإبنة وإبنة الإبن، يعنون الأخوة للأب والأم أو للأب والله تعالى يقول: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن أمرؤاً هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) والمسألة طويلة وهي مذكورة في كتاب الشيخ السالمي (تحفة الأعيان) الذي كتب رأيه الفقهي حول هذه المسألة الشائكة التي أوقعت الوالي في حيرة فكتب إلى قاضي قضاة الدولة مستوضحاً رأيه، ويعلق الشيخ السالمي على ردّه قائلاً كتبت هذا رداً على من تعنّت من المسلمين وكشفاً لما ألقوه من الشبهة على المؤمنين وتأييداً وتصحيحاً لما عمل به فقهاء الدين والحمد لله رب العالمين واستغفر الله تعالى من جميع ما خالفت فيه الحق من قول وعمل ونية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على الرسول محمد النبي وآله وسلم. مجرد ملاحظة بسيطة نسجلها هنا أن الشيخ السالمي لأول مرة يسمي الشيعة بالمسلمين لكنه يسمي الإباضية في نفس الوقت بالمؤمنين.
ويذكر الشيخ ابن رزيق أنه عندما كانت الحرب قائمة بين العمانيين والنصارى في زمن الإمام سلطان بن سيف اليعربي (1050هـ/1091هـ) يذكر لأول مرة حلة العجم وحلة البحارنة في مسقط فيقول: فكانت الحرب يومئذٍ بينهم وبين الإمام وعسكره سجالاً، لا قدرة للبرتكيس (البرتغاليين) أن يخرجوا الإمام وعسكره من المطرح ولا قدرة للإمام وعسكره أن يدخلوا مسقط على النصارى، بل كان عسكر الإمام تدلف لهم ويقتلون من يرونه سائحاً في المكان الذي يسمى حلة العجم والبحارنة ونحوهم. ولا أدري إن كان ابن رزيق يقصد أنه يسمى في زمنه أو في تلك الفترة الزمنية الماضية التي يتحدث عنها عموماً، هذا يؤكد الرواية الماضية التي ذكرنا فيها وفاة أحد علماء الشيعة في مسقط في تاريخ متقدم. وما أن يأتي زمن الإمام بلعرب بن سلطان (1091 – 1104هـ) إلا وتسجل المصادر التاريخية نقاش فقهي آخر بين أحد علماء الشيعة وبين شيوخ الإباضية ويذكر هذه المناقشات الشيخ السالمي في التحفة فيقول وفي أيامه أي أيام إمام بلعرب جاء رجل من أهل الخلاف إلى الصير فامتحن الضعفاء بملاغز وتغابي، وكتب الإمام في شأنه إلى قاضي المسلمين (الإباضية) في زمانه ما نصّه: من الفقير إلى الله إمام المسلمين بلعرب بن سلطان بن سيف إلى شيخنا الرضي الفقيه وولينا في الله محمد بن جمعة بن عبدالله بن عبيدان – رحمه الله – وبعد الخير والسلامة وصلت إلينا كتب من عمالنا من الصير يذكرون فيها أن رجل من مخالفينا جاء إلى الصير من البحرين، وصار له عند مخالفينا (أي الشيعة) شأن عظيم، وصار له مجلس يجتمع فيه مائة رجل فصاعداً من قومنا (أي الإباضية)، وصار متطاولاً تيهاً بذيله ديننا وفخراً، ويفتي في الاثر نظماً ونثراً، ويمحتن أصحابنا بمسائل، وأرسلوا لنا مسألة في بعض امتحانه لهم وطالب جوابها، والمسألة هي هذه شعراً:
وذي رجل كالزوج ديناً ومذهباً
ومات ولم تلحق صداقاً ولا إرثا
وليست بذي قتل ولا ذي جراحة
فانعم لنا بالكشف عن هذه الأنثى
فإن أنت لم تستطع لرد جوابنا
فعلمك أضحى في الورى ثوبه رثا
فأرسل بها نزوى وما شئت من قرى
فإن تظفروا بالكشف عنها أكن إرثا
فتفضل شيخنا برسم ما يرضي الله وسر المسلمين، ومرادنا نفي هذا الرجل من أرض عمان إلى آخر ما ذكر. وهناك الكثير من المسائل المذكورة في التحفة التي وجهها العالم الشيعي إلى الشيوخ الإباضية والتي أعجزتهم عن حلها، ونلاحظ في هذه الرواية أمرين هامين أولاهما قوة فكر العالم الشيعي بحيث إنه استطاع أن يؤثر على مائة رجل أو أكثر من معتنقي المذهب الإباضي، وثاني الأمرين هو توصية الشيخ جمعة بإبعاد العالم الشيعي من الأراضي العمانية، ولقد حاولت معرفة اسم هذا العالم الشيعي لكنني لم أستطع الوصول إلى اسمه الحقيقي.
وفي عهد الإمام سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي (1123 – 1131هـ) تسجل المصادر الأدبية قصيدة شعرية قالها أحد الشعراء الشيعة في مدح الإمام سلطان والقصيدة مذكورة في كتاب قلائد الجمان في أسماء بعض شعراء عمان للقاضي الفقيه العلاّمة سيد حمد بن سيف البوسعيدي، أما الشاعر فهو الأديب أحمد بن علي الصحاري الشيعي الذي كان معاصراً للإمام في القرن الحادي عشر من الهجرة ويقول في القصيدة:
يا سيد السادات والملك الذي
صارت مماليكاً له الأحرار
قد سرت فينا سيرة مرضية
زهران زاهرة بها ونزار
تعنو لها كل الملوك مخافة
وتناقلت أخبارها السفار
سلطان يا سلطان يا ركن الهدى
أنت الإمام الأورع الكرار
والقصيدة طويلة وسبب قوله لهذه القصيدة هذه تهنئته بانتهاء بناء حصن الحزم وتهنئته بعيد الأضحى.
وفي أواخر أيام دولة اليعاربة بويع بالإمامة لرجل من غير آل يعرب وهو محمد بن ناصر بن عامر الغافري (1137 – 1140هـ) وأراد أن يوحّد عمان تحت سيطرته وخصوصاً بعد تفرق أهلها بين غافري وهناوي وقد أيّده كافة اليعاربة وساروا معه، يقول ابن رزيق: ولم يبق له منازع من أهل الظاهرة وأهل الجوف وأرض عمان قاطبة، فأذعن الكل له إلا خلف بن مبارك القصير، فحشد حينئذٍ محمد كل من أطاعه وأتاه من أهل طاعته، حضراً وأعراباً، كما أراد، وكتب إلى بني ياس، ومن حاله حالهم من الأعراب، وإلى بني نعيم وبني قب ومن حاله حالهم، فاجتمعت معه جنود كثيرة. فمضى بهم إلى صحار، ومعه سيف بن سلطان اليعربي وكافة اليعاربة، فلما وصلها سلمت له صحار الأمر، فعسكر بقومه في محلة الشيعة، وواجته أهل البلدان التي هي من أعمال صحار ولم يبق له محارب إلا أهل حصن صحار وهم العمور وأظهر العدل للرعية، فلما رأوا أهل الحصن كثرة جنوده وميول الرعية إليه، وإظهار عدله لهم ضعفت قوتهم وكادوا أن يسلموا له الحصن. ويذكر ابن رزيق أن مقام محمد بن ناصر في صحار في بيت محمود بن محمد العجمي والظاهر أن محمود هذا من كبار رجال الشيعة العجم في صحار في ذلك الوقت، ثم إن الحرب وقعت بين الطرفين أصحاب محمد بن ناصر من جهة وأصحاب خلف بن مبارك من جهة أخرى، فلما التقى الجمعان وقع بينهما قتال شديد، فقتل خلف دون الحصن وانكسر أصحابه، فكرّ محمد بمن معه من القوم على الواقفين أمام باب الحصن (حصن صحار) فضرب من الحصن برصاصة تفق (بندقية) في صدره، فحمله أصحابه إلى بيت محمود العجمي فمات في حال وصولهم به لبيت محمود فلحقوه وأخفوا الخبر عن سائر القوم. فلما جنّ الليل دفنوه، وعفوا (أخفوا) قبره فأقام قومه بعد دفنه ثلاثة أيام ولم يعلم بموته من قومه غير الخاصة، ولم يعلم أصحاب الحصن أن محمداً قد قتل ولم يعلم أصحاب محمد بقتل خلف.
فكتب أهل الحصن إلى محمد يريدون منه الأمان بتسليم الحصن إليه، وبعثوا الكتاب بيد امرأة من أهل المحلة المقتربة من الحصن.
ومضت امرأة من أهل محلة الشيعة إلى الحصن تخبر من بالحصن أن محمداً قد مات، فالتقت المرأتان بالطريق، فأخبرت كل واحدة منهما صاحبتها الخبر. أما الشيخ السالمي فإنه يضيف إلى الرواية السابقة إضافة جديدة فهو يقول: ودفن محمد بن ناصر في بيت غربي حجرة الشيعة ومكث بعدما دفن ثلاثة أيام لم يعلم بموته إلا الخاصة، وكاد أصحاب الحصن أن يسلموه، وقيل والله أعلم إن أحداً بعث محمد بن ناصر من قبره ورمى به خارج البلد، وذلك بعد أن رجع كل إلى بلاده، فإن صح هذا فلا أبرئ الشيعة منه والله أعلم. انتهت رواية الشيخ السالمي وسوف نعود بعد قليل إلى اتهامه للشيعة أنهم بعثوا محمد بن ناصر من قبره ورموا به خارج البلد لكننا نود أن نسجل هنا أول معلومة وردت في كتاب التاريخ العماني حول حارة الشيعة الموجودة في صحار والتي كانت تُسمى سابقاً بحجرة الشيعة بينما تسمى اليوم اختصاراً بالحجرة وهي موجودة منذ أيام اليعاربة، نعود لرواية الشيخ السالمي واتهامه للشيعة بأنهم وراء بعث محمد بن ناصر من قبره ورميه خارج البلدة وهذه الرواية لا أجد لها أي احتمال من الصحة وذلك للأمور التالية: أولاً ان ابن رزيق لم يذكر هذه التصرفات وهو الأقرب عهداً من الأحداث ونقل روايته عن هذه الفترة مشافهة وعن ألسنة علماء وليس من العوام، ثانياً أن شيعة صحار قد آزروا وساعدوا محمد بن ناصر وقدموا له الحماية والولاء وأيّدوه في حربه ضد خلف بن مبارك ولا أرى أي سبب يدعوهم إلى الانتقام منه بعد وفاته، وقد وصفت سيرته بالعدل وخصوصاً مع الشيعة، ثالثاً أن الشيخ السالمي ينقل هذه الرواية دون سند أو مصدر وثيق ثم يقول فإن صح هذا وبما أن الرواية غير صحيحة فما بالك بالاتهام وكنت أتمنى أن يكون الشيخ السالمي أكثر تمحيصاً من روايته وأن لا يورد الكلام على عواهنه ويسوق الاتهامات بدون مبرر فقط لأن أحداث هذه الرواية جرت في حارة الشيعة.
السيّد شبّر الموسوي
رسائل مخطوطة للسيد حيدر الحلي
من ذخائر تراث الشاعر السيد حيدر الحلّي
هذه مجموعة من الرسائل الأدبية والأشعار تتصل بتراث شاعر عاش في القرن التاسع عشر، والذي ما زال شعره سارياً في محافل الأدباء، وعلى أعواد المنابر حتى الآن؛ ذلك هو الشاعر الكبير السيد حيدر الحلّي المتوفى سنة 1304هـ/1887م عن (57) عاماً.
ولد السيد حيدر عام 1246هـ/1830م، وتوفي عام 1304هـ/1887م، عاش معظم حياته في مدينة الحلّة، وكانت له صلات بشعراء عصره الكبار، والشخصيات العلمية وقد عُرف بمراثيه ومدائحه لآل البيت عليهم السلام خصوصاً مراثيه في رثاء الإمام الحسين عليه السلام التي اشتهر بها، وقد أصبحت حولياته في الإمام الحسين عليه السلام مميزة بين الكم الهائل الذي قيل في هذه الواقعة من الشعر.
عبّر عنه أحد كبار معاصريه بأنّه «إمام شعراء العراق، بل سيد الشعراء في الندب والمراثي على الإطلاق»، كما لُقِّب بفخر الطالبيين وسيد العلويين.
عُرف السيد حيدر الحلّي بالإباء، والنفس الكبيرة المتسامية، فكان شعرُهُ صورة لحياته، فلم يسخره لكسب جاه، أو للحصول على منفعة بل كان أبيّاً لا يُملي عليه إلاّ اعتقاده والتزامه ليقول كلمته. لذلك كانت كلمتهُ مسموعة، وأبيات شعره صادقة مخلّدة.
لم يستطع أيّ منافس من الوقوف أمام السيد حيدر ومجاراته أو اللحاق به على كثرة شعراء تلك المرحلة المزدهرة بالشعر خصوصاً في مدينتي النجف والحلّة، فكان إذا دخل محفلاً أدبياً تهامس الحاضرون بينهم أنّ (حيدراً) قد جاء (بنهج) بلاغته، أو أن (موسى) قد جاء (بعصاه)!
لم تقتصر شهرة السيد حيدر في الأوساط الأدبية فقط بل تعدّى صيته إلى الزعماء الدينيين المعاصرين لتلك الفترة، خصوصاً الإمام السيد محمد حسن الشيرازي المشهور (بالمجدد) المتوفى سنة 1312هـ/1894م الذي كان يستدعيه إلى مدينة سامراء (مركز إقامته يومذاك) ليسمع منه الشعر الذي يفيض بالحكمة.
رسائل السيد حيدر الحلّي
تعود الرسالة الأولى والثانية إلى بواكير الحلّي الأدبية، فقد كان ابن الثالثة والعشرين يومذاك، وهي محفوظة ضمن مجموعة مخطوطة كتبت سنة 1269هـ/1853م تضمّنت بعض القصائد في تكريم الحاج محمد صالح كُبة المولود سنة 1201هـ/1787م، والمُتوفى سنة 1287هـ/1870م.
أما الرسالة الثالثة فكان قد كتبها بعد هذه الفترة مراسلاً صديقه العلامة السيد ميرزا جعفر القزويني المتوفى سنة 1298هـ/1881م وهي محفوظة بمجموعة خطية لديّ هي من بقايا مكتبة آل القزويني المتناثرة.
والحاج محمد صالح كُبة هو عميد أسرة آل كُبة البغدادية، كانت له مكانة لدى علماء الإمامية ومراجعهم، كما كانت له صلات مع الشخصيات المتنفذة لدى السلطات التابعة للدولة العثمانية في بغداد، وكانت دارُهُ في بغداد محطاً للعلماء والأدباء الوافدين إلى بغداد من شتى المناطق. وقد نال شهرة طيبة بين الجميع لفضائله النفسية، وكرمه وسخائه الذاتيين حتى غدت الألسنة تلهج باسمه.
فقد نقل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في (العبقات العنبرية) عن زعيم الإمامية الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفى 1282هـ/1865م أنه لما زار بغداد سأله الحاج صالح كُبة ان يُشرّف داره فقال له: إني عازم على زيارة (النُوّاب) فأجعلك منهم. ولما زار النوّاب الأربعة جعله خامساً.
ومن مآثره خدماته الاجتماعية التي ما زالت شاخصة حتى الآن بتشييد (الخانات) التي تساعد المسافرين، المعتمدين على وسائل النقل البدائية يومذاك بمواصلة رحلاتهم من منطقة إلى أخرى. وهذه الخانات هي أشبه ما تكون ببيوت استراحة تُوفّر للمسافر بعض مستلزمات الأسفار من الطعام والشراب والمبيت، وما شاكل ذلك من الخدمات الجليلة. وأشهر هذه الخانات: خان النُصّ، وخان الحمّاد – الواقع بين مدينتي كربلاء والنجف -، وخان المحاويل، وخان بلد، وخان المسيّب، وغيرها.
وللحاج صالح كُبة أربعة أولاد أشهرهم ولده العلاّمة الشيخ محمد حسن كُبة (المولود سنة 1270هـ/1852م، والمتوفى سنة 1336هـ/1917م)، وهو عالم مجتهد، وشاعر من كبار شعراء عصره، وهو والد السياسي العراقي الشهير الأستاذ مهدي كُبّة (رئيس حزب الاستقلال) المتوفى سنة 1404هـ/1984م.
تتضمن المجموعة المخطوطة مقدمة للشاعر إبراهيم آل يحيى العاملي المتوفى سنة 1288هـ/1871م في تقريض وتشطير قصيدة السيد صالح القزويني البغدادي المتوفى سنة 1306هـ/1889م، والتي مدح فيها الشيخ محمد صالح كُبّة، أولها:
تجلّى بآفاق العلى كوكبُ السعدِ
فجلّى نحوسَ المجتلى ثاقب الوقدِ
والسيد صالح القزويني البغدادي هو صهر جد أسرة آل الجواهري الإمام الشيخ محمد حسن النجفي (صاحب الجواهر) المتوفى سنة 1262هـ/1846م على بنته، أوفده الإمام صاحب الجواهر إلى مدينة بغداد سنة 1259هـ/1843م فأقام فيها هو وأولادُهُ منذ ذلك الحين.
وقد اشتبه بعض الدارسين في الخلط بينه وبين معاصره السيد صالح القزويني الحلّي المولود سنة 1257هـ/1841م، والمتوفى سنة 1304هـ/1887هـ لاشتراكهما بالاسم، واسم الأب، وبالشعر أيضاً إلا أن البغدادي عاش عمراً طويلاً ناهز القرن من الزمن في حين أنّ القزويني الحلّي عاش نصف عمره فقط.
كما تتضمن المجموعة أيضاً تخميساً لهذه القصيدة للشاعر عبد الحسين محيي الدين المُتوفى سنة 1271هـ/1855م، وقد قدّم لتسميطه هذين البيتين:
إلى (صالح) الآداب تُثنى وسادُها
ويثنى عليه في الورى كلُّ مادح
وقد أعجزَ الألباب فيما أتى به
فقدتُ لعمري هذه آيُ (صالحِ)
وقد انتهى محيي الدين من تخميسه هذا يوم السادس عشر من شهر ربيع الأول من سنة 1269هـ/1853م. وقد تُوفي بعد ذلك بأقل من عامين.
وتأتي بعد هاتين الفقرتين الأدبيتين رسالتان للسيد حيدر الحلّي تضمّنت الأولى تخميساً لقصيدة عمّه الشاعر السيد مهدي السيد داود التي أنشأها في (الخان) الذي بناه الشيخ محمد صالح كُبّة، وقد قدّم مناسبة نظمها على الشكل التالي كما ذكرهُ نفسه في (العقد المُفصَّل).
يقول السيد حيدر الحلّي:
إتفق أنّا سافرنا إلى بغداد أوّل الشتاء فهبّت علينا في بعض الطريق ريح نكباء، وأرخت السماءُ عزاليها، وذلك وقت الطَفَل، فملنا إلى حصين بناه على الطريق محمد الصالح، فلمّا نزلنا فيه أنشأ عمُّنا المهدي فيه، وله الأصل النفيس، ولي هذا (التخميس).
أمّا الرسالة الثانية فهي ساقطة عن ديوان السيد حيدر الحلّي المطبوع إلا بعض الأسطر القليلة منها، لكنما وردت في «العقد المُفصّل» بتغيير في بعض العبارات.
ونسخة، «العقد المفصّل» المطبوعة ناقصة عن نسخة الأصل المكتوبة بخط السيد حيدر الحلّي اطّلعتُ عليها لدى الأستاذ الكبير المرحوم الشيخ مهدي كُبّة، عند زيارتي له في داره ببغداد سنة 1394هـ/1974م. وقد حوت النسخة المخطوطة على بعض النوادر التي لم تنشر، منها منظومة للشيخ محمد حسن كُبّة كتبها في رحلته إلى الديار المقدسة، وسمّاها (الرحلة المكية) وهي تناهز الألف بيت.
مجموعة آل كُبة
النسخة المتضمنة لتهنئة الحاج محمد صالح كُبّة كُتبت سنة 1269هـ/1853م بخط جميل، وعليها تملّك عبد العزيز، وعبد الحسين ولدي محمد رضا كُبّة المتوفى سنة 1282هـ/1865م.
وهذه النسخة من مخلفات مكتبة السيد عباس الموسوي الخطيب المتوفى سنة 1333هـ/1914م قدّمها لي عام 1393هـ/1973م حفيده الأستاذ مهدي صالح الخطيب (رحمه الله رحمة واسعة).
كان الأستاذ مهدي الخطيب رئيساً للمهندسين، وقد أدركته وهو في سن التقاعد، وكانت له مواهب متعددة في التصوير، ودراسة علوم الطب مضافاً إلى اختصاصه في الهندسة. وهو من الشخصيّات النادرة التي وهبها الله الخُلق المتوارث الأصيل.
الرسالة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
أما بعد؛ فيقول الراجي رحمة ربه الودود حيدر بن سليمان بن داود؛ أني لمّا وقفت على الأبيات التي نظمها السيد مهدي نجل المرحوم السيد داود ابن المبرور السيد سليمان في مدح (الخان)، المُعدّ لزوار سيد شباب أهل الجنان، وإمام الثقلين، أبي عبدالله الحسين، ومدح بانيه، ومُشيّد مبانيه، بقية السلف، ونتيجة السلف، ونتيجة المجد والشرف، وغرّة الحسب الواضح، ومَن عمّت صنائعه، فشكرها السارب والسارح، جناب المؤيد بعناية الله الحاج محمد صالح، لا زال عَلمُ فخره منشوراً وصباح فضله منيراً، بمحمد خلاصة الكونين، وآله وصحبه صفوة الله من الثقلين، فأحببتُ أن أنتظم معه في هذا السلك، بأن أُسمطها بنظم يُناسبها في العذوبة وحسن السبك، فشرعتُ في ذلك، وإن لم أكن هنالك، وبالله التوفيق.
كأن ليس للزوار في السهل والحَزن)[1216](
مطافُ أمانٍ غير بيتين في الزمن)[1217](
فبيت بناهُ اللهُ أمناً من المِحَن)[1218](
وبيت على ظهر الفلاة بناهُ مَن
له همةٌ من ساحة الكونِ أوسعُ
ألا رُبّ قفرٍ قد قطعنا قضاءهُ
بيوم وصلنا بالصباح مساءهُ
ولمّا علينا الليل مدّ رداءهُ
نزلنا والغيث يسكبُ ماءهُ
كأن قطرُهُ من سيبِ كفّيه يَهمعُ
كأنّ النعامى حين وافت بقطره
لنا حملتْ من خلقهِ طيب نشرهِ
فما قطرُهُ إلاّ تتابعُ)[1219]( وفره
وما برقُه إلاّ تبسمُ)[1220]( ثغره
لوفّاده من جانب الكرخ يلمع
فبورك بيتاً كان فيه احتجابنا
عن السوء مذ أمسى إليه انقلابُنا
به أمنت حصب الرياح ركابُنا
ومنه وقتنا أن تُبلّ ثيابُنا
مقاصِرُ من شأوِ الكواكب أرفع
مقاصرُ بتنا من حماها بجُنّة
وقينا الأذى من حفظها بمجنّةٍ
غدتْ مجمع السارين أنسٍ وجنةٍ
ولم يرَ في الدنيا مقاصر جنّة
لشمل بني الدنيا سواهنّ تجمع
فوحشتنا زالت بانسِ رحابها
عشيةَ بتنا في نعيم جنابها
إلى أن نسينا السير تحت قبابها
كأنّا حلولٌ في منازلنا بها
ولم تتضمّنا مُهامِهُ بَلقعُ
بنا أدلجت تطوي المهامة عيسُنا
إلى ان بأيدي السير دارت كؤوسنا
فمالتْ نشاوى نحوهنّ رؤوسنا
وبنا بها حتى تمنّت نفوسُنا
نُقيمُ بها ما دامت الشمسُ تطلعُ
ومذ كان فيما بالسرور مبيتُنا
بحيث ثمارُ البشر والأنس قوتنُنا
رأينا الهنا في ظلّها لا يفوتُنا
وعنها وإن عزّت علينا بيوتُنا
وددنا إلى أكنافها ليس نرجعُ
فلا عجبٌ إن تغدُ صُبحاً وعتمةً
بها الوفد من كلِّ الجهات مُلمةً
وتمسي لهم في الخوف أمناً وعصمة
ففيها (أبو المهديّ) أسبع نعمة
على الناس فيها طوّقَ الناسُ أجمعُ
أعزّ الورى أضحى لديها أذلَّها
وأفضلها ما زال يشكر فضلها
فكيف يباري العالمو ن أقلّها
وأغناهم قد كان مفتقراً لها
كمَن مسّه فقرٌ من الدهر مُدقعُ)[1221](
بها عمّ أهل الأرض دانٍ وشاسعاً
وفيها لكلّ الخير أصبح جامعاً
وليس لهذي وحدها كانَ صانعاً
له الله كم أسدى سواها صنائعاً
بأمثلها سمعُ الورى ليس يُقرعُ
فللخلقِ أبوابُ السماحة فُتّحت
بها وسيولُ الأرض منها تبطحت
ومنها الغيومُ الهاضبات ترجحت
وقد عجزت عنها الملوك وأصبحت
لعزّته بين الخلائقِ تخضعُ)[1222](
لقد غمرَ الدنيا معاف بسخائه
فكانت لساناً ناطقاً بثنائه
وأدّب صرف الدهر بعد اعتدائه
فلا برحت في الكون شمس علائه
بأفق سماء المجد بالفخر تَسطعُ
الرسالة الثانية
تمهيد
لمّا كتب الشاعر السيد صالح القزويني البغدادي المتوفى سنة 1306هـ/1889م قصيدته الدالية في مدح الحاج محمد صالح كُبّة، جاراها بعض الأدباء على الوزن والقافية منهم؛ السيد مهدي السيد سليمان الحلّي عمّ السيد حيدر – الذي أثنى فيها على السيد الصالح، وقرَّض قصيدته المذكورة، وقد بدأها متغزلاً بقوله:
نسيم الصبا استنشقتُ منك شذا النّد
فهل سرتَ مجتازاً على دمنتيّ هندِ؟
فذكرتني نجداً، وما كنتُ ناسياً
ليالٍ سرقناها من الدهر في نجدِ
ليالٍ قصيرات، ويا ليتَ عمرها
يُمدّ بعمري فهو غايةُ ما عندي
وهي تقع في واحد وتسعين بيتاً. وقد عمد السيد حيدر الحلّي إلى تخميسها، فصاغَ لصدورها قلائد زهت ببديع بيانه، ودقة معانيه، وصدّرها برسالة ثمنية طلحت بالعبارات الرقيقة، وفاضت بمنثور السجع، وبديع البيان؛ إلاّ أنّ هذه الرسالة سقطت من ديوان الحلّي المطبوع سوى أسطر قليلة)[1223]( ولكنها أثبتت بكتاب (العقد المفصل) بتغيير وتبديل. ولم يُثبت شيئاً منها الأستاذ صالح الجعفري لدى تحقيقه لديوان الحلّي عدا الأصل والتخميس.
والنسخة المخطوطة)[1224]( التي بين يدي اشتملت على الرسالة والتخميس معاً، وقد استغرقت (39) صفحة. تسعة منها للرسالة فقط، وما تبقى حوى الأصل والتخميس.
وقد أفردتُ الرسالة مع القصيدة، وتركتُ مراجعتها إلى ما حقّقه الأستاذ الجعفري)[1225]( من مطابقة الديوان على نسخة الشاعر حسن مصبح الحلّي المكتوبة سنة 1306هـ/1889م.
وتكشف هذه الرسالة عن جانب النقد الأدبي في ثقافة السيد حيدر الحلّي. فقد شرح فيها بعض المقابلات البلاغية، والصور الفنيّة ليُبيّن أنّ محاولة مجاراتها بالتخميس لس بالأمر الهيّن إذا ما رُوعيت فيها قواعد البلاغة.
كما ذكر أنّ أبيات القصيدة تُشكّل وحدة متجانسة حيث يرتبط بعضها ببعض في المعنى والمبنى مما يصعب في هذه الحالة التفكيك بين معانيها، أو إضافة أبيات جديدة تنسجم معها تمام الانسجام، وذكر على ذلك بعض الشواهد.
نص الرسالة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على أشرف أنبيائه محمد وآله الطاهرين
وبعد:
فيقول الراجي (رحمة) )[1226]( ربه الغني حيدر ابن سليمان الحسيني: إني لمّا جارى (سيدُنا ووالدُنا))[1227]( السيد مهدي)[1228]( السيد صالح القزويني)[1229]( في قصيدة مدح بها «إنسان عين الزمان، وواحد الأبدال والأعيان؛ مَن حطّ عن أدنى مراقي عُلاه الفرقدان، وأشرقَ في سناء شمس مجده المشرقان»)[1230](؛ (فخر))[1231]( الفضلاء الجحاجح، الحاج محمد صالح)[1232](؛ أحببت أن أتصدّى إلى تشطير قصيدة سيدنا اللوذعي)[1233](، كما تصدى إلى تشطير قصيدة السيد المشار إليه الشيخ إبراهيم العاملي)[1234](، فوجدتُها في دقائقِ معانيها، وسلاسة ألفاظها (ص1) ورقّة قوافيها، فوق ما قُلتُهُ فيها:
ومعربة عن فضل مَن صاغ لفظها
وأودعَ فيه من بدائعه اللحنا)[1235](
بديعة حُسن لو سواه يرومها
لكان التقاط الشهب من نيلها أدنى)[1236](
تَودُّ قلوب السامعين لو أنّها
إذا اُنشدت في محفلٍ كانت الأذنا)[1237](
فما هي إلا وردة ما تفتقت
كمائمُ زهر الشعر عن مثلها حُسنا
ولا ولدت أمُّ القريض نظيرها
ولا فتحت يوماً على مثلها جَفنا
فما روضة غنّاء راقت بزهرها
وما برحت أزهارُها ترضعُ المُزنا
بألطفه من مدح بها (لمحمدٍ)
وأنّى وفيه فاقت الروضة الغنا)[1238](
فتىً قبل دحو الأرض بيتُ علائه
بناهُ إلهُ العرش للملتجي أمنا
وقامَ بنصر الدين لله ناصراً
وفي علمه للدين نهجَ الهدى سنّا)[1239](
فما المجد إلا صورةٌ وهو روحُها
وما الفخرُ إلا لفظةٌ وهو المعنى)[1240](
فتى في معاليه وعزّة مجده
أجلّ بني الدنيا وأمنعهم ركنا)[1241](
أل أكرِم به من ماجدٍ سيب جُودُهِ
لوفّاده عن صيّب المزن قد أغنى)[1242](
أيا مَن لعيدان النّدى ردّ ماءها
بُعيدَ ظماً لم يُبقِ في دوحها غصنا
وقد عاد منها ما ذوى فيه مورقاً
وما قد عسى أمسى لعاجمه لدنا)[1243](
بمدحك أمّ السائراتِ حَسودُها
إذا تُليتْ من سحر ألفاظها جَنّا)[1244](
ومن حُسنِها لفظاً ومعنًى قد اغتدى
وسيعُ فضاء الأرض في عينه سجنا)[1245](
يودُّ إذا ما أنشدوها بمحفل
له منشئُ الأجسام ما خلقَ الأذنا)[1246](
مُسددةُ الأقوال يمسي مُعيبها
لخجلتهِ بين الورى يقرعُ السّنا
ولو رزق اللهُ السكوت مُعيبها
لكانَ له من نطق مذوده أهنا)[1247](
فوا رحمتاه لحاسدها إذا تُليت في نادي ذي القدر العلي، فما أراهُ إلا كما قال المهيار الديلمي)[1248](:
يظهر منها السرور حاسدُها
ضرورة الحقّ وهو مكتئبُ
يطربهُ البيتُ وهو يحزنه
ومن أنين الحمامة الطربُ)[1249](
وإنّها وحرمة الفصاحة من طولها وإعجازها، وإحكام صدورها بأعجازها، مستحيلة)[1250]( التشطير (ص3) على من برع من الشعراء الماهرين)[1251](، والفضلاء المتدققين، فلما رأيتها بهذه الكيفية عدلت عن تشطيرها إلى تخميسها؛ فوجدته في غاية الصعوبة لطولها، وإبداع تفويق طرازها، وحسن انسجامها وإيجازها، وشدّة ارتباط كل بيت بما وراه من أبياتها، وإبداع بديعها، وتجنيس كلماتها، وتعليق بعض أبياتها بما خلفه؛ كقوله منها في مدح آبائهم الذين عقدوا مآزرهم على العفة)[1252](:
أناسٌ يرى في الكرخ مَنْ فيه طوحت
إليهم بنات الشدقميّات من بعد)[1253](
جدياً على دار السلام بيوتهم
لكعبة جدواهم لِمنْ أمّها تهدي
ولا تخفى صعوبة هذا على مَن له أدنى معرفة بانتقاد لآلئ الكلام، ولا اللامح بطرف بصيرته بحور هذا النظام، وما عسى أن يقول ما بين هذين البيتين الحاذق المنطيق، مع شدة هذا التعليق، وكقوله منها في هذا الباب (ص4) بمدح الماجد المهاب)[1254](:
تراهُ ولو قد كان يخفضُ نفسه
لآمله عطفاً ويبسمُ للوفد
ثبيراً على جنب الوثير قد اتكى
ودون لقاه هيبة الأسد الورد)[1255](
على أنّ في هذين البيتين ما فيهما من التعليق، والمقابلة المعنوية التي لا تخفى على أولي التحقيق، وهي أنّه لمّا أتى بذكر الخفض في البيت الأوّل قابله بضدّه في البيت الثاني معنى بقوله «ثبير إتكى على جنب الوثير» من حيث أنّ «ثبير» هو الجبل، والجبل من شأنه أن يكون مرتفعاً فقابل الخفض)[1256]( بالرفعة معنًى لكي يكون)[1257]( حسن نظامه مبتدعاً.
وكذلك لمّا ذكر في البيت الأوّل أنه «يبسم للوفد» قابله بـ«هيبة الأسد الورد» من حيث أنّ الابتسام يأمن فيه القلب، والهيبة هي المخافة والرعب)[1258](، وهذا النوع عند علماء البديع يُسمّى بـ«المحق بالطابق»)[1259](، وهو الراجع (ص5) إلى الضدين عند الجمهور على الاتفاق، كقوله تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم)، فإنّه طابق الأشداء بالرحماء، لأنّ الرحمة فيها معنى اللين)[1260](، ونظائره كثيرة في كتب المحققين.
على أنّ فيها من نظائر هذا التعليق في الصعوبة أشياء تخرس الفصحاء، وتُحيّرُ الفضلاء، ضربتُ صفحاً عن ذكرها خوفَ الإطالة، واستغنيتُ بما أظهرتُ من أمثالها بهذه المقالة.
ولأجل هذا أمعنتُ النظر، وسددتُ أسهم الفكر، وقلتُ ما يمنعني مِنْ تخميسها وقد أنهلني أدبه، وشربتُ من نطاق هذا النظام مشربه، فأطلقتُ عنانَ فكرتي في مجاراته)[1261](، وقابلتُ في تخميسها جميع بدائعه ومخترعاته، فكنتُ وإيّاهُ في أطرادها فيها، كما قالته الخنساء)[1262]( في مساواة أخيها، بمضمار المفاخر وبيها:
جارى أباه فاقبلا وهما
يتعاوران ملاءةَ الفخر)[1263](
حتى إذا نزتِ القلوب وقد
لزّت هناك الغدر بالغدر)[1264](
وعلا هتاف الناس أيّهما؟
قال المجيبُ، هناك: لا أدري!
برزت صحيفة وجه والده
ومضى على غلوائه يجري)[1265](
أولى فأولى أن يساويهُ
لولا جلال السن والكِبر
وهما كأنّهما وقد برزا
صقرانِ قد حطّا إلى وَكر)[1266](
فما سمَّطتُ منها بيتاً إلاّ وأبدعتُ فيه غاية الإبداع، حتى انتهيتُ إلى آخرها في تخميس تُشنَّفُ من استماعه الأسماع، ويرتاحُ له كل كاملٍ أديب، ويعجبُ مني حيث حذوتُ فيه حذو (ص5) الأصل كلّ فاضل أريب)[1267](، ولا غرو أن حذوتُ مثاله، وشابهت أقوالي أقواله)[1268](، فمن أدبه كان أدبي، على كثير من أدباء عصرنا موفى)[1269](، وفي مجاراته له ترانا حريّين في قول (المؤمّل بن الميل) الكوفي)[1270](:
وجئتَ وراءه تجري حثيثاً
وما بك حيثُ تجري من فتور
وقال الناس ما من ذين إلا
بمنزلة الخليق من الجدير
فإن سبق الكبير فأهلُ سبقٍ
له فضلُ الكبير على الصغير
وإن بلغَ الصغير مدى كبيرٍ
فقد خلق الصغير من الكبير)[1271](
على أن هذا التسميط لو لم يكن تسميطاً لما فُرِقَ نظامه من نظامي، وحَسُنُ كلامه من حسن كلامي، ولقوا أنّهما نتيجة فكر واحد، ولم يكن من فحول الشعراء مُميزاً ما بين تلك الفرائد، وها أنا قد شرعتُ فيها. فانظر في حسن ألفاظها ومعانيها فهو شاهِدُ عدلٍ عند أرباب الفصاحة على ما أودته فيها، وصلّى الله على محمد وآله سادات الأنام، ما أضاء صبحٌ وما أدلهم ظلام.
تخميس القصيدة الدالية
للسيد حيدر الحلّي
إذا عن لي برق يضيء على البعد
نزت كبدي من شدة الشوق والوجد
وناديت معتل النسيم بلا رشد
نسم الصبا استنشقت منك شذا
فهل سرت مجتازاً على دمنتي هند
وهل لسليم الحب أقبلت راقياً
بنشر فتاة الحي إذ كان شافياً
فما كُنت إلا للصبابة داعيا
فذكرتني نجداً وما كنت ناسيا
ليالٍ سرقناها من الدهر في نجد
نواعم عيش مازح الأنس زهرها
رطـــــــــــــــــــــــــــــاب أديـــــــــــــــم خـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــالط المســـــــك نشـــــــرها
رقاق حواش قرب الوصل فجرها
ليالٍ قصيرات ويا ليت عمرها
يمد بعمري فهو غاية ما عندي
رياح الهوى فيها تنشقت عرفها
وفيها مدام اللهو عاقرت صيرفها
لدى روضةٍ لا يبلغ العقل وصفها
بها طلعت شمس النهار فلفها
ظلامان من ليلٍ ومن فاحم جعد
سوادان يعمى الفجر بين دجاهما
هما اثنان لكن واحد منتماهما
أتت تتخفى خيفة في رداهما
ولو لم تغطي خدها ظلمتاهما
لشق عمود الصبح من وجنة الخد
فأبصرت منها إذ سهت عنه غرّة
محيّاً هو الشمس المنبرة غرّة
ولاح لها خد هو النور نظرة
قد اختلست منه عيوني نظرة
ارتني لهيب النار في جنة الخلد
تحيران في بدرٍ من الوجه زاهر
يلوح على غصن من القد ناضر
وأسياف لحظٍ في الجفون بواتر
وفي وجنتيها حمرة شك ناضرى
أمن دم قلبي لونها أو من الورد
فبالشذر أيدني الحسن طرزن صدرها
وبالنجم لا بالدر وشحن خضرها
لها مقلةٌ هاروت ينفث سِحرها
وفي نحرها عقد توهمتُ ثغرها
لئالئ نظمن من ذلك العقد
بنفسي خمصاء الوشاح من الدمى
سقتني حميا الراح صرفا من اللمى
فأمسيت في شرب المدام متيما
وما كنتُ أدري ما المدام وإنما
عرفتُ مدام الراحِ من ريقها الشهد
وقبل ارتشاف الثغر ما لذّة العنا
وقبل سنا الخدين ما لامع السنا
وقبل رنين الحلي ما رنة الغنا
وقبل اهتزاز القدما هزة القنا
وقبل حسام اللحظ ما الصارم الهندي
لها كل يوم عطفة ثم نبوة
وما علقت عنها بقلبي سلوة
فمن بعدها زات بقلبي صبوة
ومن قربها مالت برأسي نشوة
صحوتُ بها بأمي من سكرة البعد
ولا عجب أن يشف في عطف قلبها
سقام جفاها يوم بت بجنبها
هي الداء طوراً والشفاء لصبتها
وإن زال سكر البعد من سكر قربنا
فلا طب حتى يدفع الضد بالضد
فمذ كنت ذراً قد تعلقت زينبا
وفي عالم الأصلاب زدت تعذبا
وكنت بها في ظلمة الرحم مطربا
تعشقتها طفلاً وكهلاً وأشيبا
وهما عرته رعشة الرأس والقد
أغار عليها أن يمر بشعبها
نسيم الصبا أو يكتسي طيب تربها
وادري بحبي كيف بات بقلبها
ولم تدري ليلى أنني كلف بها
وقلبي من نار الصبابة في وقد
وأخفيت عن نفسي هوى سقم شكت
ولم تدر أحشائي بمن نارها ذكت
وكفى لأسناني لمن أسفا نكت
وما علمت من كتم حبي لمن بكت
عيوني ولا قلبي لمن ذاب في الوجد
إذا ما تذاكرنا الهوى بتشبب
أتيت بتشبيب عن الشوق معرب
وموهت في ضرب من اللحن مطرب
فاذكر سعدي والغرام بزينب
وادفعُ في هندٍ ومية عن دغد
وإن قلتُ إني واجد في جاذرٍ
فوجدي بريا لا بوحش نوافر
وإن قلتُ أروي فالمُنى أم عامر
وإن قلتُ شوقي باللوى فجاجي
أو المُنحنى فاعلم جننت على نجد
فيحسب طرفي في هوى تلك قد قذي
وإن بهاتيك العذارى وتلذذي
وفي ذكر الأطان لها القلب يغتذي
وما ولعت نفسي بشيء من الذي
ذكرت ولكن تعلم النفس ما قصدي
وأكرم أرباب الغرام الولى خلوا
أناس أسروا سره مذ به ابتلوا
وقالوا القوم للأذاعة ما قلوا
كذا من تصدى للهوى فليكن ولو
تجرع من أحبابه فلقم الصيد
فإن الفتى من يحكم الرأي فكره
ويعجز أرباب البصيرة سبره
وذو الحزم من يخفي على الناس أمره
وليس الفتى ذو الحزم من راح سره
تناقله الأفواه للحر والعبد
إذا لم يصنه عن خليل وحسد
تحدث فيه الناس في كل مشهد
وعنت به الركبان في كل فدفد
فيسري إلى القاضي كما بمحمد
سرت بنت فكري بالثناء وبالحمد
لقد جمدت دون القريض القرايح
وماتت بموت لماجدين المدائح
فما لرتاج النظم الأي فاتح
وما للثنا إلا مُحمد صالح
لقد ذل مهديه لغير أبي المهدي
ظهور المعالي مثله ما أقلّت
له رتبة عنها الكواكب حطت
فتى أن يرم إدراكه العقل يهبتُ
هُمام إلى علياه جدة فكر لي
بعثت فلم تبصر لعلياه من جد
مليك عليه طائر الوهم لم يحم
وكل مجيد شاو علياه لم يرم
وصلب على منه تحدر قد عقم
وعن مثله أم المكارم لم تقم
فإنى ترى نداً لجوهرها الفرد
له خلق ما شاب سلساله القذا
ولا هو في غير الفخار تلذذا
وغير العُلى منذ الولادة ما اغتذا
تربى بحجر المجد طفلاً وقبل ذا
براهُ إلهُ العرش من عنصر المجد
فعلم صوب الغيث أن يتهلك
ووازن منه الحلم وضوى ويذبلا
وفاز جميع السابقين إلى العلى
ترقى النهى قبل الفطام به إلى
نهاية إدراك الأيام من الرشد
تجمع شمل الزهد لما تشتتا
وعاش التقى من بعد ما كان ميتا
بذي نُسكُ ما زال الله مخبتا
ومعتصم مما يشان به الفتى
بعفة نفسٍ تربهُ وهو في المهد
فلا غرو لو عمت نوافله الملا
وطبقن ظهر الأرض سهلاً وأجبلا
وفاق الورى فخراً وجداً مؤثلاً
فذا واحد الدنيا انطوى برده
جميع بني الدنيا فبورك من برد
عليه العُلى قد دار إذ هو قطبه
وفي فخره من دهره ضاق وحبه
وبيت علاه سامت الشهب كثبه
رفعي مقام أينما حل تربه
من الشهب تمسي تربها النجم السعد
عظيم محل كان للفضل جوهراً
له رتبة قد طالت الشم مفخرا
وكيف تضل الناس عن ما جدرا
على شرفات المجد مغناهُ والورى
بحصبائه لا بالكواكب تستهدي
إذا هو بالأيحاش بدَّل أنسه
تبيتُ صروف الدهر تنكر مسه
همام عليه يحسدُ الغدا مسه
تراه ولو قد كان يحفظُ
لأمله عطفاً ويبسم للوفد
رفيعاً بحيث النجم لم يكم ممسكاً
بأذياله والفكر لم ير مسلكا
وتلغيه في النادي ولست شككا
ثبيراً على جنب الوثير قد اتكى
ودون لقاه هيبة الأسيد الورد
أعز الورى نفساً وأذكى نجابة
وأسبق في الآراء منهم أصابة
وأبلغهم وسط الندى خطابه
له الفصحاء الملفقون مهابة
إذا سئلوا لا يستطيعون للرد
عليم له نفس عن الله لم تمل
ومن ذكر ما لم يرضهِ لم يزل وجل
ومنه وعنه العلم بين الورى نقل
لقد ضاق صدر الدهر في بعض بثه
العلوم وما يخفيه أضعاف ما يبدي
الرسالة الثالثة)[1272](
أرسلها إلى السيد الميرزا جعفر القزويني)[1273](:
سيدي لا أفلَ نجم مساعيك، ولا حفل بغير السرور ناديكَ، إني وَمَنْ جمع على مدحك الألسنة، وحرجر بك من الرقّ كم مِن رقبةٍ مؤمنة، وجعل الناس بالثناء على كرم يديك الخطير، ألجَ منها بالعتب عليك لأغضائك ويا حاشاك من التقصير، ما عاودتُك بالمكاتبة، ولا استدعيتُك سرعة المجاوبة، طمعاً في التوصل إلى الأثراء والجدة، بتحصيل تلك العدة، التي لا ترفع علّة، ولا تتبع صدي غلة، غير اني يا جُعل غمرُ حُسادِكَ أقلّ من شفقتك عليّ، وصدرُ أضدادك أضيقَ من معذرتكَ إليّ، إنّما كتبتُ إليك تعرّفاً مبرزاً للاستفتاء بصورة العتب عليك تلطفاً.
يا أعدلَ الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصمُ والحكم)[1274](
ما قولُكَ في كريمة مودة، ربيتُك لكَ بحجر الوفاء، وأرضعتُها من ثدي الإخلاص دَرَّ الصفاء، وفطمتُها إلا عن ولائك، ثم زففتُها)[1275]( إلى حضرة علائك، وكنتَ قد أصدقتها الغرام والمقَة)[1276](، وألبستها أبهى مطارف المحبة والشفقة، وأراك لمّا باعدتني عنك يدُ البين، وأزلتني عنك إزالة القذى عن الناظرين، ارتجعتَ من تلك الكريمة ذلك الصداق، ووسمتَها وليست هي أهل لئن تُوسم بالطلاق، ثم حملتها على صعب المباينة والفراق، فهل جائزٌ في شرع الانصاف، عند مرشد المذاهب الأربعة بلا خلاف)[1277](، الذي حاك له العدل ثواباً من العفاف، أن يُباينَ كريمة لا لنشوزٍ عرساً)[1278](، ويرتجعُ ما أصدقها به وهي لم تطلب عنه نفساً، الرجاء ممن اتصف من المكارم بأكمل نعوتها؛ أن يُسرع بإرسال الفتوى، «قبل أن تزلَ قدمٌ بعد ثبوتها»)[1279](، والسلام.
الرسالة الرابعة
أرسلها إلى السيد جعفر القزويني أيضاً:
يا مَنْ براه الله روحَ كمالِ
فتمثلت شخصاً بغير مثال
لك أنمل خلقت لَبون مواهبٍ
ما أرضعت سَقب الرجا لفصال)[1280](
أم الحيا، بنتُ الخِضَم، ربيبةُ الـ
إحسان، أختُ العارض الهطّال)[1281](
أمّلتُ لي تلدُ الكثيرَ من الندى
فَحصَلتُ من أملي على الأقلالِ
ما خلتُ أن ألقاكَ حين كلاكلي
عن ظهر همّك طارحاً أثقالي
عجباً لجودك كيف عني قد سها
فوقعتُ منه بجانب الأهمال
ما لي أُنبه منك لحظ فواضلٍ
ما نام عن كرمٍ وعن إفضال
تغضي وبي ضاقَ المجالُ وطالما
أوسعتَ في عين العدوّ مجالي
وتحومُ آمالي وتجرك زاخرٌ
فتُحيل حوّمها إلى الأوشال
يا راعباً أملي علامَ وسمته
من بعد ذاك البرّ بالأغفال
عهدي بودّك لا يحول وغيره
متنقّلٌ بتنقل الأحوالِ
وأرى رجايَ غروس جودك لم يزل
فأفض عليه مُنعماً بسجالِ)[1282](
عليَّ بتعجيل صلتك ورفدك بل لأني لم أعقد رجائي بسواك، ولم أدخر لسدّ خلته إلاّ نداك، وحيث بلغت بي الحال من الشدة إلى ما لا يُغني الاعتذار معه في عدّه إلاّ بمكارم يديك، أوقفتُ الرجاء عليك:
وقلتُ له القِ العصا بفنائه
فنعمَ فِناء الركب أفناء (جعفر)
الدكتور جودت القزويني
الرسالة الاعتقادية
لبهاء الدين العاملي
محمد بن الحسين بن عبد الصمد
953 – 1030هـ
1546 – 1620م
هذه «الرسالة الاعتقادية» لبهاء الدين العاملي، محمد بن الحسين بن عبد الصمد، المولود في «بعلبك» سنة 953هـ/1546م والمنتقل إلى رضوان ربه تبارك وتعالى في «أصفهان» سة 1030هـ/1620م، والمدفون في «مشهد» بجوار ثامن الأئمة، الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.
فالشيخ العاملي واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين، مثّل في تفكيره وسلوكه معاً، ما عجز عنه الكثيرون ممن أصابوا موقعاً كموقعه في عصره، وكوفئ من معاصريه، وممن جاء بعدهم، بأن أحلّوه في نفوسهم أرفع مكان، محبةً وتقديراً لا تشوبهما شائبة. ولكن المثقفين والباحثين فشلوا في أن يولوه العناية التي يستحقها مع مستواهم، في حين نجح الجمهور على مستواه، مع أنه يفترض أنه أقل قدرة على الملاحظة والتحليل. ولا مراء أن من أهم وظائف المثقف في مجتمعه، ملاحظة وتحليل الظواهر الشعبية، والسمو بها من مرتبة الإرتكاس والتأثر وتبادل العدوى دون إدراك وتقييم، إلى مرتبة الوعي الناظم الهادف. وذلك بعض ما نسميه (توعية). إذن، فإحياء الشيخ بهاء الدين وتجديد تراثه هو عمل جليل من جهتين:
- لأنه مفكر وعالم ومشارك مسلم كبير وأصيل.
- لأنه أحد الذين عبّروا بفرادة عن ضمير عصره. ولذلك حفظه الناس وحافظوا عليه في ضمائرهم، عبر النقولات الشعبية السائرة. فهو قدوة حسنة تُذكر لتُحتذى.
من أبرز معالم شخصية بهاء الدين الاحتواء والانفتاح. فهو، فكرياً، استوعب معارف عصره، حتى ليمكن حسبانه، دون أدنى مبالغة، نموذجاً لمثقف ذلك الزمان. أما في أعماله ومواقفه فقد اتّسم بالاعتدال المحب، الذي يأخذ كل ما هو إيجابي. ولا يمكن أن ندرك امتياز هذا المنحى، إلا إذا كان عندنا فكرة طيبة عن العصر الذي عاش فيه، بما فيه من تيارات متصارعة، حيث تقاطعت المذاهب بكل أثقالها التاريخية، مع لعبة السياسة بكل قسوتها ووسائليتها، فنتج عن ذلك مزيج متفجر، كان له أبلغ الأثر في الإمعان بتمزيق وحدة العالم الإسلامي حتى اليوم.
هنا يجب أن نلاحظ، أن اعتدال بهاء الدين لم يكن اعتدالاً مزاجياً. أي موقفاً شخصياً لإنسان وتركيبته النفسية، بل هو اعتدال العالم العارف المتفهم، الذي عرف الآخر وما عنده، فلم يعد بالنسبة إليه مجرد آخر، عليه إما أن يقطع معه أو يدمغه، كما هو دأب أرباب الجدل بين المذاهب.
هذه الرسالة مثال على منهج المؤلف، أو، يَحْسُن أن نقول، سياسته فيما يختص بمسألة المذاهب، كما مارسها عصره. إنها دعوة إلى الحوار القائم على المعرفة، معرفة كل من المتمذهبين بما عليه الآخرون، صدقاً وليس كما يُذاع ويُشاع ويُنقل، تقوّلات تدخل ضمن التشنيعات، التي برع فريق من هؤلاء وهؤلاء في وضعها وتنميقها. والذين يعرفون ما يكفي، عن تاريخ الفتن المذهبية في تاريخنا، يقدّرون صواب وبراعة هذا المنهج، لأن تلك التشنيعات كانت، وما تزال، من أخبث أدوات السلطات الظالمة، في إثارة الناس بعضهم على بعض، ابتغاء إشغالهم عن الميدان الحقيقي لمطالبهم، أو لتحويل نظرهم عن المظالم، أو لكسب تمثيل زائف لهم، عبر الطروحات المذهبية العدائية، التي تفرز رموزاً وأبطالاً، هم، في الحقيقة، إمارة على هزيمة الجميع، لو كانوا يعلمون.
***
هذه الرسالة، على صغرها، من أجلّ أعمال بهاء الدين، على كثرتها. ففضلاً عن سموّ الهدف الذي رمى إليه مِنْ وضعها، فإنها عمل فريد في بابه، ورب قارئ يستغرب وصف هذه الرسالة بالفرادة، لأن موضوع عقائد المذاهب بالذات كُتب فيه الكثير، والكثير جداً، ومن أشهر ما كُتب عقائد الطحاوي وعقائد النسفي، عند السُّنة، وعقائد الصدوق وعقائد المجلسي، عند الشيعة، وغير ذلك كثير. ولكن الفارق أساسي وكبير بين كل ما كتب في ذلك الموضوع، وبين هذه الرسالة. هذا الفارق نحلّله إلى ملاحظات أساسية ثلاث:
الأولى: إن «الرسالة الإعتقادية» تصف، تُخبر، قارئها بماذا يمتاز الشيعة الإمامية عن غيرهم من مذاهب المسلمين، بطريقة موضوعية مجردة، بحيث لو أن واضعها غيره، بكل ما تعنيه الغيرية، وكان يتمتع بمثل معرفته الواسعة، لما حصل تغيير أساسي. أما كتب العقائد الأخرىن فإنها تُملي، تُنشئ على قارئها، بماذا يجب عليه أن يعتقد كي يكون على مذهب واضعها، وشتان ما بين الإخبار والإملاء.
الثانية: أن «الرسالة العقائدية» موجّهة إلى غير جمهور واضعها.
أعني إلى غير المتمذهبين بمذهبه. أما كل ما يُظنّ أنه نظيرها فإنه يخاطب جمهور مؤلفه. واُلفتُ النظر إلى أن هذه الملاحظة هي أهم معالم فرادة هذه الرسالة. حقاً إن كلا المنهجين مادته ما به من التمايز. ولكن الغاية تتعاكس تماماً. فـ «الرسالة العقائدية» دعوة للمعرفة، والتحرر من الأوهام والبهتان، بغية وضع الخلافات المذهبية في موضعها الصحيح، وإعطائها حجمها الحقيقي. وأما تلك فإنها تدعو إلى ممارسة المزيد من الخصوصية والتميُّز. ومما يتصل بهذه الملاحظة، أن الأعمال الموجهة إلى الآخرين، أي مَنْ على غير مذهب واضعها، تبغي النقض وإثبات الانحراف والخطل. وهذا أمر لم يخطر للشيخ بهاء الدين ببال، كما سيكتشف قارئ الرسالة منذ السطور الأولى.
الثالثة: إن غرض الرسالة هو «أن نبيّن ما نعتقده من المطالب الأصلية والأحكام الفرعية، وما نحن عليه من المسائل التي يظن المخالفون أنّا لا نقول بها» إذن فهي استقراء وافٍ لما كان ميدان خلاف بين متكلمي وفقهاء السنّة والشيعة الإمامية. مع الأخذ بعين الاعتبار ما شُنّع به على هؤلاء مما لا يعتقدونه ولا يلتزمون به. وإذن، فميدانها يتجاوز العقائد والكلام، إلى الفقه والأحكام، وذلك وجه امتياز ثالث لها.
مما يجدر الإشارة إليه هنا، أن هذه الرسالة تقدم دليلاً آخر، على المعرفة الواسعة التي تحلّى بها بهاء الدين. فهي تنهل من معرفته التفصيلية بالخلافات الكلامية والفقهيّة. ثم أنها تشهد له بأنه وقف على ما كان تاريخياً وحتى زمانه، مادة تشنيع على الشيعة الإمامية. ولا شك أنه مما يُقدّر للمؤلف، أنه نجح في أن يقدّم صورة وافية لكل هذه المقاصد المتداخلة في صفحات قليلة.
سَنَدُ الرسالة
لم تُذكر هذه الرسالة في عداد مؤلفات الشيخ بهاء الدين، في المصدرين المعاصرين له، أعني «خير البيان» الشاه حسين سيستاني، و«عالم آراي عباسي» لاسكندر بيك تركمان. وكذلك لا نجد لها ذكراً في «أمل الآمل» للحر العاملي، و«سلافة العصر» للمدني و«روضات الجنات» للخوانساري. مما دعاني إلى الشك، وإن لفترة، في صحة نسبتها إلى الشيخ. ولكنني، بعد البحث والتأمل، وجدت أنه في مقابل شاهد النفي هذا، شاهد أكبر على الإثبات، خاصة وأن تلك المصادر الخمسة، على أنها أساسية لأية دراسة عن المؤلف، لم تقل أنها استقرأت جميع مؤلفاته استقراءً وافياً. بل أن كلاً منها يقول، بشكل أو بآخر، أنه يُكتب بعضها أو أهمها. والإعراض لا يصح شهادة على النفي، ما لم يكن قائله مدعياً الاستيفاء.
شاهد، أو شواهد، الإثبات هي ما يلي:
- يوجد عدد هائل من مخطوطات هذه الرسالة، محفوظاً في المكتبات العامة والخاصة في إيران والعراق، كُتبت بعض نسخها في زمن مقارب لحياة المؤلف، مثل النسخة التي اعتمدنا عليها في هذه النشرة، والتي كُبت سنة 1035هـ. أي بعد وفاة المؤلف بخمس سنوات. ومثل التي يذكرها آغا بزرك في (الذريعة/238) وكتبت سنة 1063هـ.
- تُرجمت الرسالة إلى الفارسية مرتين، أحداهما لملاّ أدهم خلخالي، منها نسخة خطية في مكتبة «مشهد» برقم (5997)، والأخرى لمترجم مجهول، محفوظة في المكتبة نفسها، برقم (619). والنسختان مذكورتان في فهرس المكتبة (فهرست كتابخانه آستانه قدس رضوي).
- للرسالة شرح باسم «الفوائد البهية في شرح الاعتقادية البهائية»، لها عدة نسخ في مكتبات إيران، وطبعت في إيران أيضاً طبعة حجرية سنة 1326، وذكرها آغا بزرك في (الذريعة: 2/238).
- طبعت في إيران مع منظومة «مواهب المشاهد». (المصدر نفسه).
الخلاصة: أن العناية بهذه الرسالة لم تفتر منذ عصر المؤلف، نسخاً وترجمة وشرحاً وطباعة. وتوجد مئات النسخ الخطية لها، تعود إلى أزمان مختلفة، وذلك كله يجعل سندها إلينا على حد التواتر. وناهيك بمثل هذا السند.
هذه النشرة
أما هذه النشرة، فهي مأخذوة عن النسخة الخطية، المحفوظة في «مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامة» في «النجف الأشرف» تحت الرقم (2807). وقد نسختها بنفسي ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة 1392/6 تشرين الثاني 1972. وهي نسخة فائقة الجمال والضبط، مكتوبة بالخط الفارسي. ولطالما صحبت نسختين منها في أسفاري إلى «إيران» بغية مقابلتها مع ما يسنح لي من نسخ أخرى. ولكنني بعد مقابلات يصعب عليّ إحصاؤها، توصلت إلى قناعة بأنني قد وفقت إلى نسخة لا يصح أن أعادلها بأية نسخة أخرى مما وقعت عليه. خاصة وأنها أعلى النسخ التي رأيتها سنداً، إذ أنها كتبت سنة 1035، أي بعد وفاة المؤلف بخمس سنوات، كما أشرت قبل قليل، وعليه فإنني آثرت أن أنشرها كما هي.
***
نقدم هذه الرسالة للقارئ، في وقت يبدو فيه أن ما دفع مؤلفها، رضوان الله تعالى عليه، إلى وضعها، عاد بأقصى مما كان في زمنه، وأن معركة المذاهب تُعلن اليوم لعرقلة اتجاه المسلمين نحو الوحدة، في مواجهة عدوهم الأكبر، وتُسعّرُ من قبل وكلائه بيننا. فعسى أن تحقّق بعض ما رمى إليه مؤلفها، وذلك غاية الإحياء.
والله يُحق الحق ويهدي إلى سواء السبيل.
جعفر المهاجر
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وأوليائه. وبعد فالغرض من تحرير هذه المقالة، والباعث على تدوين هذه الرسالة، أنه لما كان لبعض الفرق الباطلة، الذين سمّوا أنفسهم باسم الشيعة كالواقفيّة والكيسانيّة وغيرهم، اعتقادات فاسدة في بعض الأصول الاعتقادية والفروع العمليّة.
وكنا معاشر الشيعة بريّيّن من تلك الأصول الباطلة والفروع العاطلة. ومخالفونا من أهل السنّة لمّا لم يطّلعوا على حقيقة مذهبنا، ولم يفرّقوا بيننا وبين أولئك الفرق الضالّة، لاشتراك الجميع في اسم الشيعة، نسبوا ما عليه تلك الفرق من بعض العقائد الفاسدة والآراء الكاسدة إلينا وشنّعوا بها علينا، فأردنا أن نبيّن ما نعتقده من المطالب الأصليّة والأحكام الفرعية، وما نحن عليه من المسائل التي يظن المخالفون أنّا لا نقول بها بل نعتقد خلافها. والله يُحقّ الحق ويهدي إلى سواء السبيل. فنقول: إنّا معاشر الشيعة الإثني عشريّة إنما أخذنا أصولنا الدينية وفروعنا المليّة مما قامت عليه البراهين العقلية وشهدت به الدلائل النقليّة التي وصلت إلينا من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، كما أخذ غيرُنا أحكام دينهم عن غيرهم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فنعتقد أن العالم، أي جميع ما سوى الله سبحانه، حادث عن القدم، جوهراً كان أو عرضاً، بسيطاً أو مركّباً. وأنه لا قديم إلا الله، وأنه واجب الوجود لذاته. وأنه قادر، عالم، حيّ، عَدْل، حكيم، سميع، بصير، غني، مُريد، كاره متكلم، صادق. وأن كلامه حروف وأصوات حادثة. وأن قدرته وعلمه يعمّان كل مقدور، ومعلوم، وإن كل ما يفعله سبحانه فهو لغرض ومصلحة وحكمة. وأنه واحد أحد منزّه عن الشريك، بريّ عن الانقسام الذهني والخارجي، مُتَعَالٍ عن لوازم الجوهرية والعرضيّة، مقدّس عن الحلول والاتحاد. وأن كنه ذاته مما لا تصل إليه أيدي العقول والأفكار. وأنه أرفع وأجلّ من أن يُدرَك بالأبصار في الدنيا وفي دار القرار.
ونعتقد أنه سبحانه أرسل رسلاً بالحجج والبيّنات، أولهم أبونا آدم عليه السلام، وآخرهم أشرف الأنبياء والمرسلين، وسيّد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن معراجه بجسده إلى السماء، ثم إلى ما شاء الله، واقع. وأن جميع ما جاء به من الأحكام الاعتقادية والعملية حق لا ريب فيه وصدق لا مريّة تعتريه. وأنه معصوم من الكبائر والصغاير والسهو والنسيان، وجميع النقايص الظاهرة والخفية. وأنه لا نبي بعده، وأن جميع أوامره ونواهيه الدينية ليست بالاجتهاد، وإنما هي بالوحي. ونعتقد أن خليفته من بعده عن أمّته، بالنّص الجلي في يوم الغدير وغيره أمير المؤمنين وسيّد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام، وبعده ولده الحسن، ثم الحسين، ثم زين العابدين، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق، ثم موسى الكاظم، ثم علي الرضا، ثم محمد التقي، ثم علي النّقي، ثم الحسن العسكري، ثم محمد المهدي صاحب الزمان سلام الله عليهم أجمعين، بنصّ كل سابق على لاحقه. وأنهم وجميع الأنبياء وأوصياؤهم معصومون عن جميع الذنوب والسهو والنسيان وساير النقايص. وأن الإمام محمد المهدي عليه السلام حّيٌ مستور عن الناس كالخضر والألياس، إلى أن يأذن الله له في الظهور فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً. ونعتقد ظهور المعجزات على يد الأنبياء، والكرامات على يد الأولياء. وأن الحسن والقبح، بمعنى ترتّب استحقاق المدح والذم، عقليّان. وأن شكر المنعم واجب عقلاً وسمعاً. وأننا فاعلون لأفعالنا، ولسنا مجبورين عليها. وأن الله سبحانه لم يكلّفنا إلا بما نطيقه، وأن تكليف ما لا يطاق قبيح لا يصدر عنه تعالى. ونحمل آيات القرآن المجيد على ظاهرها، إلا ما قام الدليل على خلافه، كقول الله سبحانه: (يد الله فوق أيديهم) و(تجري بأعيننا) و(على العرش استوى) وأمثال ذلك.
ونعتقد أن المعاد الجسماني، وعذاب القبر ونعيمه، وسؤال منكر ونكير، والصراط والميزان، والجنّة، والنار، حق وصدق. وأن فاعل الكبيرة، إذ مات من غير توبة، لا يُخلّد في النار، وأن الآيات التي ظاهرها خلاف ذلك متأولة، وأن الشفاعة تحصل لأصحاب الكباير بإذن الله تعالى. وأن المؤمنين مخلّدون في الجنة، والكفّار مخلّدون في النار.
ونعتقد وجود محبّة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين أقاموا على متابعته، ولم يخالفوا أمره بعد وفاته، وأنقادوا إلى ما أوصاهم به حال حياته. ونتبرّأ ممّن حارب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أو غصب حقّه، أو أعان على ذلك، أو رضي به.
ونعتقد وجوب الصلوات الخمس على كل شخص بالغ عاقل، إلا المرأة في الحيض والنّفاس. ونعتقد استحباب صلاة الجماعة، ووجوب صلاة الجمعة بشروطها وأن مسح الرجلين في الوضوء واجب، والمسح على الخفّين غير جائز إلا لضرورة. وأن الأغسال الواجبة ستة: غسل الجنابة والحيض والاستحاضة والنفاس ومس الميت وغسل الأموات. وأن وطي الحايض والنفساء حرام. وأنه لا يجوز للمحدث مسّ خط المصحف، ولا للجُنُب قراءة سورة العزائم، ولا المكث في شيء من المساجد، ولا المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولا تجوز الصلاة في المكان المغصوب، ولا في الحرير المحض والذهب وجلد غير مأكول اللحم وصوفه وشعره، إلا الخز والسنجاب. ولا يجوز الصلاة بغير فاتحة الكتاب. ولا السجود على المأكول والملبوس والمعادن. ونوجب الطمأنينة في الركوع والسجود، بقدر الذكر الواجب. ولا يجوز الصلاة خلف الفاسق ومجهول الحال. ونوجب قصر الرباعيات في السفر المباح. ونقول باستحباب نوافل الصلوات الخمس، وصلاة الليل، والشفع والوتر. ونعتقد بوجوب الزكوة في تسعة أشياء: الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والحنطة والشعير والتمر والزبيب، بالشروط المقررة. ووجوب صوم شهر رمضان على كل بالغ عاقل، إلا الحايض والنفساء. وأن الصوم يُفسدُ بتعمّد الأكل والشرب والجماع والكذب على الله ورسوله والآئمة الإثني عشر عليهم السلام. وأن دخول شهر رمضان لا يثبت إلا برؤية الهلال أو شهادة عدلين أو الشّياع. وأن من أفطر في شهر رمضان عالماً عامداً من دون سفر أو مرض أو إكراه أو حيض أو نفس ـ، فقد وجبت عليه الكفارة، وهي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، وأن من أفطر على محرَم كالخمر والزنا فعليه الكفّارات الثلاث. ونقول بوجوب الحج في العمر مرة على كل من استطاع إليه سبيلا. وأنه يحرم على المحرم الطيبُ، شمّاً وأكلاً ودَهنا، والنساءُ وطياً وتقبيلاً ولمساً ونظراً بشهوة، وكذا يحرم عليه لبس المَخيط، وتغطية الرأس، وقبض الأنف عن شمّ الرائحة الكريهة، وقتل القُمَل، وقصّ الظفر، وإزالة الشعر عن الرأس والبدن، وإخراج الدم إلا لضرورة. وأنه يجب عليه في حال الطّواف جعل الكعبة على يساره وأن يكون ثوبه وبدنه خاليين من النجاسة، وأن يكون سعيه بين الصفا والمروة سبعة أشواط لا أقل ولا أكثر. وأن يكون الوقوف بعرفات من زوال الشمس إلى غروبها. وأن يكون الوقوف بالمشعر ليلة العيد إلى طلوع الشمس، ثم يذهب إلى منى ويرمي جمرة العقبة بسبع حُصيّات يوم العيد، ويذبح الهَدْي، إن كان من البقر والغنم، وينحره إن كان من الإبل، ولا يجوز خلاف ذلك.
ونقول بوجوب جهاد الكفّار الحربيين من أهل الكتاب وغيرهم، بالشروط المقرّرة بين علمائنا.
ونقول بتحريم الربا والرشوة والسحر والقمار وحلق اللحية وأكل السمك الذي لا فَلْس له. ونعتقد أن لا بد من التسمية عند رمي السهم إلى الصيد، وأن من تركه عمداً فصيده ميتة يحرم أكله، أما لو تركها سهواً لم يَحْرُم. وأنه لا بد من التسمية عند إرسال كلب الصيد، ولا بد أن يكون الكلب مُعَلّماً، وأن يكون المُعلّم مسلماً، وأن الكافر لو أرسل الكلب لم يحلّ أكل ما قتله، وأن تلفّظ الكافر بالتّسمية، والصيد الذي يقتله غير الكلب المعلّم – مثل البازي والفهد وساير الجوارح الطايرة والسايرة – فهو ميتة لا يحلّ أكله. ونعتقد أن شرب الخمر وكل مسكر حرام، وإن لم يحصل به السكر، كالقطرة الواحدة. وأن كل مسلم بالغ عاقل شرب الخمر عامداً، عالماً بتحريمه، مختاراً، وجب أن يُجْلَدَ ثمانين جلدة، سواء كان رجلاً أو امرأة، حراً أو مملوكاً. ونعتقد أنه يحرم بيع الخمر وشراؤه، وكذا بيع آلات اللهو كالطنبور والرباب وأمثالهما، وآلات القمار كالنرد والشطرنج وغيرهما. وأنه يحرم بيع العنب والتمر وأمثالهما ليُعمل خمراً، وبيع الخشب ليعمل آلة لهو أو قمار. ونعتقد أنه يحرم على الرجال والنساء الأكل في آنية الذهب والفضة، وعلى الرجال لبس الحرير والذهب، إلا في حال الحرب والضرورة، كدفع القُمّل وشدّة البرد. ونعتقد أن الإنسان، سواء كان ذكراً أو أنثى، لا يملك أحداً من آبائه وأمهاته، ولا أحداً من أجداده وجداته، ولا أحداً من أولاده وأولاد أولاده، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأن من اشترى أحد هؤلاء انعتق في الحال، وأنه لا يملك الرجل أحداً من أخواته وعماته وخالاته، ولا أحداً من بنات أخيه وبنات أخته، فإن اشترى أحداهن انعتقت في الحال. وأما المرأة فاعتقدنا أنها تَملك جميع أقاربها إلا العمودين، ولا ينعتق عليها أحد سواهما.
ونعتقد أن نكاح المتعة لا بد فيه من الإيجاب والقبول، وتعيين المدة والمهر، ولا بد للمرأة من العدّة لو وقع الدخول، إلا أن تكون آيسة أو صغيرة.
ونعتقد أن الدخول بالمرأة لا يحلّ إلاّ بأحد أمور أربعة: أم العقد الدايم، أو المتعة، أو الملك، أو التحليل. ومن وطء امرأة بغير أحد هذه الأربعة وجب عليه الحدّ الشرعي، وهو الجلد أو الرجم أو مطلق القتل بالشروط المقرّرة. ونعتقد أن الرجل لا يحلّ له أن يترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر.
ونعتقد أن الطلاق لا يصحّ بالكناية ولا بالكتابة ولا بغير العربية، مع القدرة، وأنه لا بد من سماع عدلين صيغة الطلاق. ونعتقد وجوب العدة على المرأة بعد الطلاق، إن وقع الدخول، إلا ان تكون آيسة أو صغيرة، وأنه تجب العدّة عليها بموت الزوج وإن لم يدخل بها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، شابة أو آيسة، وسواء كان نكاحها دايماً أو منقطعاً. ونعتقد أن عدة الوفاة، إذا كان الزوج غايباً، من حين ثبوت خبر موته لا من حين موته ونعتقد أن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجب، بشرط ظن التأثير وأمن الضرر.
هذه عقائدنا التي نسب مخالفونا خلافهم إلينا، وافتروا بذلك علينا. والله وليّ التوفق.
تمّت الرسالة، والصلاة على خاتم الرسالة. كتبه العبد الفقير عماد بن محمد الأسفراييني سنة 1035هـ.
رسالة
في الجواب عن الأسئلة النصيرية
الرموز
أ: النسخة المخطوطة في مكتبة الدراسات العليا في جامعة بغداد برقم 1484/6.
ح: الطبعة الحجرية على هامش الكتاب «المبدأ والمعاد» للمؤلف.
< >: ليس في النسخ، وهو إضافة منا.
[ ]: عبارة أو كلمة أُضيفت من أحد المصدرين، أو من كتاب آ خر.
(=..): قراءة منا لتوضيح السياق.
>المقدمة<
- الحمدُ لمنوّر النفوس بأنوار العلم والإيمان، وهادي الخلائق بإرسال الرسل وإنزال القرآن. وصلى الله على نبيّه سيد الإنس والجان، وآله وأولاده المطهّرين عن أرجاس الجاهلية والطغيان، والمقدَّسين عن أدناس الطبيعة والعصيان.
- وبعد، فإنّ الحكيم الفاضل، والأستاذ الواصل الكامل في تتبُّع الكمالات البشرية، والفائق في استخراج العلوم الإلهية والطبيعية، نصير الملّة والدين «محمداً الطوسيّ» – نوّر الله عقله الشريف بالفيض القدّوسي – قد بعث رسالةً إلى بعض معاصريه، وهو الفاضلُ النحرير، والعالمُ البصير، شمس الدين الخسروشاهي، وسأل منه ثلاث مسائل، وطلب منه الكشف عن وجوه إعضالها، والحلَّ لعقد إشكالها. فلم يأتِ ذلك المعاصر بجواب. ونحن نريد – بعون الله وتأييده – أن نتقصّى –)[1283]( عن تلك المضايق المعضلة الدقيقة، ونأتيَ بجوابٍ شافٍ كافٍ عن هاتيك المسائل المشكلة العميقة. وأنّى لمثلي، مع قصور الخلقة، وعجز القوة، وضعف البشرية، الخروجُ من هذه العُهدة لكنّ الفضل بيد الله، والقدرة من عنده، والحكمة من فيضه، والعلمَ من لدُنه، (وإن كانوا من قبلُ لَفي ضلال مُبين) )[1284](.
- فلنذكر الرسالة بألفاظه الشريفة، وعباراته اللطيفة، ثمّ نردفُ لها بالجواب، مستمداً من فضل العليم الوهاب.
والرسالة هذه:
>الرسالة<
لمّا كانت الكتابة وسيلةٌ إلى تواصل مَن دانت أفئدتُهم، وتفاصلت أمكنتُهم، والسؤال ذريعةً إلى استفادة الخير لمن كانَ حرصُه شديداً، ممّن كان باعُه مديداً، رأى الخادمُ الداعي «محمد الطوسي» التوسُّلَ بهما إلى جناب العالي المفضّل المحقق المدقق، شمس الملة والدين، برهان الإسلام والمسلمين، مشير الملوك والسّلاطين، قدوة العلماء المتأخرين، سلطان الحكماء المحققين، أدامَ الله ميامين أيامه، وسهّل سبيل مرامه، وأغدق عليه صوبَ إنعامه، ووفّقه في افتتاح كل أمر وختامه، «ولا»)[1285]( سيّما لإدراك مبتغاه، ووصَلَهُ)[1286]( إلى ما يتمناه، فهاذ مبلغ التحية والخدمة، والدعاء بدوام العزّ ومزيد النعمة، ثمّ جعل مفتاح المباسطة مسائل علميّة، ومصباح المعارفة مباحثَ حكميّةً، ليسمح – حرس الله علوّه، وقرنَ بالسعادة عشيَّه وغدوّه – بإضافة ما لديه منها، وينعمَ بإفادة ما تقرر رأيُه عليه منها. فإنّ من حقّ العلم أن لا يُحرَمَ طلابُه، ومن كرامة الفضل أن يتفضَّل به أربابُه. ورأيه الشريف أعلى، وبالإصابة فيما يحاوله أولى.
والأسئلة هذه:
(4) الأول: لمّا امتنع وجود حركة من غير أن يكون على حدّ معين من السرعة والبطء، وجب أن يكون للسرعة والبطء مدخل في وجود الحركات الشخصية من حيثُ هي شخصية. والسرعة والبطء غير متحصلة الماهية إلاّ بالزمان. فإذن للزمان مدخل في عليّة الحركات الشخصيّة، فكيف يمكن أن يُجعلَ حركةٌ معينةٌ علّةٌ لوجود علّةِ الزمان؟
(5) لا يمكنُ أن يُقالَ: الحركة من حيثُ هي حركة علةً للزمان، ومن حيث هي حركة ما متشخّصة بها)[1287](، كما أنّ الصورة من حيث هي صورة سابقةٌ على الهيولى، ومن حيث هي صورة ما متشخصة بها. لأن الحركة ليست من حيث هي حركة علةً للزمان، وإلا لكان)[1288]( لجميع الحركات مدخل في علّيته. إنما هي صورة علّة للزمان من حيث هي حركة خاصة متعيّنة في الخارج. فما وجهُ حلّ هذا الإشكال؟
(6) الثاني: ما بالُ القائلين بأنّ ما لا حاملَ لإمكان وجوده وعدمه فإنه لا يمكن أن يوجد بعد العدم، أو أن يُعدم بعد الوجود، حكموا بحدوث النفس الإنسانية وامتنعوا عن تجويز فنائها؟ فإن جعلوا حامل إمكان وجودها)[1289](، البدنَ، فهلاّ جعلوه حامل إمكان عدَمِها أيضاً؟ وإن جعلوها لأجل تجرّدها عن ما يحلّ فيه عادمَ حاملٍ لإمكان العدم كي لا يجوز عدمُها بعد الوجود، فهلاّ جعلوها، لأجل ذلك بعينه، عادمَ حاملٍ لإمكان الوجود، فيمتنعَ وجودُها بعد العدم في الأصل؟ وكيف ساغَ لهم أن جعلوا جسماً مادياً حاملاً لإمكان جوهرٍ مفارقٍ، مباين الذات إياه؟ فإن جعلوها من حيث كونُها مبدأ للصورة النوعيّة لذلك الجسم، ذات حامل لإمكان الوجود، فهلاّ جعلوها من تلك الحيثية بعينها ذات حاملٍ لإمكان العدم؟ وبالجملة ما الفرقُ بين الأمرين في تساوي النسبتين؟
(7) الثالث: إن كان سببُ صدور الكثرةِ عن العلةِ الواحدة كثرةً في ذات المعلول الأول، كالوجوب والإمكان والتعقّل على ما قيل، فمن أينَ جاءت تلك الكثرة؟ إن صدرت عن العلة، فلا يخرج إمّا أن صدرتا معاً، أو على الترتيب. فإن صدرتا معاً لم يكن سبب صدور الكثير عن العلة الأولى كثرةٌ في ذات المعلول الأول. وإن صدرتا على ترتيب، لم يكن المعلول الأول معلولاً أوّل. وإن لم تصدر عن العلة الأولى، فمن الجائز أن تحصل كثرةٌ من غير استناد إلى العلة الأولى. وكلُّها محال!.
(8) فما وجه التقصي عن هذه المضايق؟ والمتوقّع من كرمه العميم، ولطفه الجسيم أن يعذرَ الخادمَ الداعي على هذا التجاسر، فيستخدمه فيما يستأهلُه، فإنه ممتثلٌ لما يأمره. والله تعالى يمدُّ في الأيام العالية، ويقرنُها بنعمه المتوالية. إنه على كلّ شيء قدير، وبإجابة الدعاء جدير والسلام.
>الأجوبة<
(9) أقول ومن الله العصمةُ والتوفيق، وبيده زمام الإلهام في التحقيق:
«جواب المسألة الأولى»
(10) أما الجواب عن المسألة الأولى، فهو بتمهيد:
إن العارض على ضربين: عارض الوجود، وعارض الماهية. أمّا عارض الوجود فكالسواد والحركة وغيرهما من عوارض الجسم وغيره، سواءً «أ» كانت مفارقةً أو ملازمة)[1290]( للوجود.
(11) وأمّا عارض الماهية، فكطبيعة الفصل لطبيعة الجنس المتقوم بها في الوجود دون الماهية. فإنّ ماهية الجنس لا تحتاج إلى الفصل بحسب المعنى والمفهوم، فيكون كالعرض اللاحق لها، مع أنها لا توجد إلاّ بأحد الفصول المحصّلة إياها في الكون، المقوّمة لها في التحقق، وكالمشخّصات للأنواع، فإنّ نسبة المشخّص إلى طبيعة النوع وماهيته كنسبة الفصل إلى طبيعة الجنس وماهيته، في انه متَّحدٌ في الوجود مع الماهية، وعند العقل بحسب التحليل عارض للماهية، مقوّمٌ لتحصُّلها. ومن هذا القبيل عروض الوجود للممكن، فإنّ وجود كلّ موجودٍ ممكنٌ من عوارض ماهيته الكلية، لا من عوارض هويته الشخصية.
(12) وعارض الماهية أيضاً كعارض الوجود، قد يكون لازماً كلوازم الماهيات، وقد يكونُ مفارقاً كالفصل للجنس والمشخّص للنوع.
(13) إذا تقرّر هذا فنقول:
عروض الزمان المعين للحركة المعينة التي يتقدّر بها ليس من قبيل عروض عارض الوجود لمعروضه، بل من قبيل عارض الماهية لتلك الماهية. فالحركة الخاصة تتقوّم بالزمان المعين في الوجود. لكنّ الزمان المعيّن عارضٌ لماهية الحركة من حيث هي حركة. فهو كالعلة المفيدة لها بحسب الوجود، وهي كالعلة القابلة له بحسب الماهية. هذا كلّه في ظرف التحليل العقلي، وأمّأ في الخارج فكلاهما شيء واحد ذاتاً ووجوداً، لا علية ولا معلولية، ولا عارضَ ولا معروض أصلاً.
«جواب المسألة الثانية»
(14) وأمّا الجواب عن المسألة الثانية، فنقول:
إن البدن الإنسانيّ استدعى باستعداده الخاص من «واهب الصور» على القوابل صورةً مدبّرةً متصرّفة فيه تصرفا ًيحفظ لها شخصه ونوعه. فوَجَبَ صدورُها عن الواجب الفيّاض. لكنّ وجود صورةٍ تكون مصدراً للتدبيرات البشرية والأفاعيل الإنسيّة الحافظة)[1291]( لهذا النوع لا يمكن إلاّ بقوة روحانية ذات إدراكٍ وعقل وتمييز. فلا محالة يفيض من المبدأ الفياض، الذي لا بُخل ولا منع ولا تقتير فيه، جوهرُ النفس. فإذن)[1292](، وجود البدن بإمكانه الاستعدادي ما استدعى إلاّ صورةً مقارنة له متصرفةً فيه، بما هي صورة مقارنة، ووجود)[1293]( المبدأ الفيّاض اقتضى صورة متصرفة فيه ذات حقيقة مفارقة أو ذات مبدأ مفارق. وكما أن الشي الواحد يجوز أن يكون جوهراً من جهة، وعَرَضاً من جهة أخرى، كماهية الجوهر الموجودة في الذهن، لما تحقق أنّ صورتها العقلية جوهرٌ بحسب الماهية، وعرض بحسب الوجود الذهني)[1294]( العلمي. وكذا يجوز أن يكون شيء واحد مجعولاً من جهة، وغير مجعول من جهة أُخرى، كالوجود والماهية، فكذلك يجوز أن يكون شيء واحد – كالنفس الإنسانية – مجرّداً من حيث كونه ذاتاً عقلية، ومادياً من حيث كونُه متصرفاً في البدن. فإذا كانت النفسُ مجردةً من حيث الذات، ومادية من حيث العقلُ، فهي من حيث العقل مسبوقةٌ باستعداد البدن، حادثةٌ بحدوثه، زائلةٌ بزواله. وأمّا من حيث حقيقتُها فغير مسبوقةٍ باستعداد البدن إلاّ بالعرض، ولا فاسدةٌ بفساده، ولا يلحقها شيء من مثالب الماديات إلاّ بالعرض، فتدبّرْ.
(15) هذا ما سخ لنا في سالف الزمان على طريقة أهل النظر.
(16) وأما الذي نراه الآن في تحقيق الحال ودفع الإعضال فهو: إنّ للنفس الإنسانية مقامات ونشآتٍ ذاتية بعضه من عالم الأمر والتدبير: (قل الروح من أمر ربي) )[1295](، وبعضها من عامل الخلق والتصوير: (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) )[1296](. فالحدوث والتجدد إنما يطرآن لبعض نشآتها. فنقول: لما كانت للنفس ترقياتٌ وتحولات من نشأةٍ أولى إلى نشأةٍ ثانية، وإلى ما بعدها، فإذا ترقّت وتحوّلت من عالم الخلق إلى عالم الأمر، تصير موجودةٌ وجوداً عقلياً إلهياً لا يحتاج إلى البدن وأحواله واستعداده. فزوال استعداد البدن إياها لا يضرُّها دواماً وبقاءً، إذ ليس حالُ النفس في أوّل حدوثها كحالها عند الاستكمال، ومصيرها إلى العقل الفعّال. وهي بالحقيقة جسمانيةُ الحدوث، روحانية البقاء. ومثالها كمثال الطفل وحاجته إلى الرّحِم أولاً، واستغنائه عنه في بقائه، [وكمثال الصيد في الحاجة في اصطياده إلى الشبكة والاستغناء في بقائه عنها أخيرا])[1297](. ففساد الرحم والشبكة لا يُنافي بقاء المولود والصيد ولا يضرّه.
(17) ثمّ اعلم أنّ العلّة المعدّة عند التحقيق علّة بالعرض، وليست عليتُها كعليّة العلل الموجبة حتى يقتضي زوالُها زوال المعلول. وما ذكروه من قولهم: كلُّ ما لا حامل لإمكان وجوده وعدمه، فإنّه لا يمكن أن يوجد بعد الوجود، لا يستلزم القول: بأنّ ما لا حامل لإمكان وجوده وعدمه، فإنّه لا يمكن أن يوجد [بعد العدم])[1298]( أو يُعدَمَ بعد الوجود. إذ ربّما يكون وجوده السابق كافياً في رجحان وجوده اللاحق على عدمه، فلا يحتاجُ في وجوده البقائيّ إلى قابلٍ وحامل ٍلإمكانه.
(18) ومَن نظر وأمعن في مراتب الأكوان)[1299]( الخلقية الإنسانية قبل حدوث النفس، وجدَ أنّ مادة النطفة، أي حامل إمكان الصورة الجمادية النطفية بعد أن تصوّرت بصورتها واستكملت بها، زال عنها ذلك الإمكان، ولم تَزُلْ عنها تلك الصورة، بل صارت أقوى وأكملَ مما كانت أوّلاً، حيث صارت صورة نباتية بحسب إمكانها الاستعدادي النباتي. وصورةُ النباتِ لا تقصّرُ عن فعل الجماد أيضاً. وكذلك الحالُ في صيرورتها صورة حيوانية، لِمأَ حُقّق في موضعه أنّ هذه الاستكمالات المترادفة والانقلابات ليست إلاّ ضرباً من «الاشتداد الجوهريّ»، لا بأن تفسد صورةٌ وتحدث صورةٌ أخرى مباينة للأولى. كيف؟ والحكماء أثبتوا للطبائع حركةً جبليّةً إلى غاياتٍ ذاتية، ولكلّ ناقصٍ شوقاً غريزياً إلى كماله. وكلٌّ ناقصٍ إذا وصل إلى كماله اتحد به وصار وجوده وجوداً آخر. وهذه الحركة الجبليّة في هذا النوع الإنساني إلى جانب القدس مشهورة لصاحب البصيرة. فإذا بلغتِ النفسُ الإنسانية في استكمالاتها وتوجهاتها إلى مقام العقل، واتّحدت بالعقل الفعال بعد أن كانت عقلاً منفعلاً، أُطلِقَتْ)[1300]( عن المادة والحدثان، وتجرّدت عن القوة والإمكان، وصارت باقيةً ببقاء الله سبحانه غير تغيّرٍ وفقدان.
(19) و[بالجملة])[1301]( تحقيق هذا المبحث وتنقيحه إنّما يتيسّر لمن علمَ كيفيّة اتّحاد النفس بالعقل الفعال ومصيرها إلى المبدأ المتعالِ. وكلٌّ ميسّر لما خُلِق له.
«جواب المسألة الثالثة»
(20) وأمّا الجواب عن المسألة الثالثة، فتبيينُ الحقّ فيه يحتاج إلى مقدمتين:
(21) الأولى: أنّ كلّ ممكنٍ في الخارج زوج تركيبيّ كما أورده الشيخ (= ابن سينا) في «إلهيات الشفاء» من قوله: «والذي يجب وجوده بغيره دائماً فهو أيضاً غير بسيط الحقيقة، لأنّ الذي له باعتبار ذاته، فإنه غير الذي له من غيره، وهو حاصل الهوية منهما جميعاً في الوجود. فلذلك لا شيء غير واجب الوجود يعرى عن ملابسةِ ما بالقوة والإمكان باعتبار نفسه، [وهو الفرد الحقيقي، وما عداه زوج تركيبي». انتهى كلامه.
(22) فالذي له])[1302]( باعتبار ذاته هو ماهيّته الكلية. والذي له من غيره هو وجوده وتحصُّله الشخصيُّ. فهويته منتظمة من هاتين الجهتين انتظام الجسم من المادة والصورة. ولهذا استند القوة والإمكان إلى الماهية استنادهما إلى المادة. واستند الفعلية والوجوب إلى الوجود استنادهما إلى الصورة. وإن كان بين هذا التركيب وتركيب الجسم من المادة والصورة [فروق])[1303]( مذكورة في موضعها.
(23) الثانية: أن الصادر من الجاعل وما هو مجعول بالذات والحقيقة من هذين الأمرين، أعني الماهية والوجود، هو الوجود، لا الماهية. لأنّ الماهية هي التي له من نفسه، والوجود هو الذي «له» من غيره. والصادر ما يكون من غيره، لا ما يكونُ من ذاته. ونحن قد أثبتنا هذه الدعوى ببراهين كثيرة قطعية في كتبنا وتعاليقنا ورسائلنا بما لا مزيد عليه)[1304](.
(24) ولقد أحسن بعض محققي العرفاء من فضلاء فارس حيث قال: «إنّ كلّ معلولٍ فهو مركبٌ في طبيعته من جهتين: جهة بها يشابه الفاعل ويحاكيه، وجهة بها يباينه وينافيه. إذ لو كان بكلّه من نحو الفاعل كان نفس الفاعل، لا صادراً منه، فكان نوراً محضاً. ولو كان بكلّه من نحو يباين الفاعل استحال أيضاً أن يكون صادراً منه، فائضاً من عنده، لأن نقيض الشيء لا يكون صادراً عنه، فكان ظلمة محضة. والجهة النورانية تُسمّى: وجوداً، والجهة الظلمانية هي المسمّاة: ماهية. فالمعلول من العلة كالظلّ من النور، يشابهه من حيث ما فيه من النورية، ويباينه من حيث ما فيه من ثبوت الظلمة. فكما أنّ الجهة الظلمانية من الظلّ ليست فائضة من النور، لأنها تضادّ النور، وبها تقع المباينة بينهما، فكيف تكون منه؟ فكذلك الجهة المسماة ماهيةً في المعلول غيرُ فائضةٍ من العلّة، إذ بها تقع المباينة بينهما. فثبتت صحة قولِ من قال: إنّ الماهية غيرُ مجعولةٍ ولا فائضة من العلة. فإنّ الماهية ليست إلاّ ما به الشيء هو هو، فيما يمتاز به عن غيره من الفاعل ومن كلّ شيءٍ». انتهى.
(25) فثبتَ من إحدى هاتين المقدمتين أنّ الماهية لها تحصُّلٌ في الخارج. هذا بحكم)[1305]( المقدمة الأولى، لأنها جزء الموجود في الجملة، وجزء الموجود في الجملة موجود في الجملة)[1306](، ومن ثانيتهما أن الماهية غير صادرة ولا مجعولة. فثبت أنّ المعلول الأول مشتملٌ على أمرين: أحدهما الوجود، وهو أمر بسيط صادر عن أمر بسيط، هو المبدأ الأعلى. فالواحد من جميع الوجوه لا يصدر عنه بالذات إلا واحد بسيط. لكن هذا الواحد البسيط مما يتحقق في مرتبته أمران: أحدهما نفسه، والآخر هو الماهية. إذ لا تقدم ولا تأخر لأحدهما على الآخر. وإلا لكانت الماهية، على أي التقديرين، مجعولة. بل الوجود – فيما عدا الواجب تعالى – مجعول بحسب مرتبة ذاته، مصداق لحمل الماهية عليه، ومطابق للحكم بها عليه. فالمعلول الأول من جهة وحدته الوجودية صادرٌ عن العلة الأولى، ومن جهة كثرته الواقعة فيه لا بالجعل واسطةٌ لصدور الكثرة الخارجية. فالكثرةُ سبب الكثرة، والوحدة سببُ الوحدة.
(26) إلاّ أنّ جهة الوحدة في العلة أقوى. ولهذا صارت الكثرة العقلية، أي التحليلية، في المعلول الأول منشأ للكثرة التفصيلية في ما بعده. فصدر بتوسّط وجوده من المبدأ الأعلى عقل آخر، وبتوسط ماهيته منه فلكٌ. وكما أن الماهية النوعية مشتملة على مفهومَي جنسٍ وفصل، فما يوجد من جهتها – كالفلك – يشتمل على مادةٍ وصورة. وهكذا الكلام في صدور ثالثة المراتب. فبهذا الطريق يمكن تصحيح صدور الأشياء عن المبدأ البسيط الأعلى. وأما الذي ذكره (= ابن سينا) في الكتاب (= الإشارات») من غير هذا الطريق فشيءٌ لا يخلو عن قصور وخلل. ولهذا لم يقنع هذا العلاّمة المحقق نصير الدين محمد الطوسي «المنوّر» بالفيض القدوسي بما ذكره في «شرح مقاصد الإشارات»، مع إنّه أجلُّ مما ذكره غيره بحسب التنقيح والتهذيب.
(27) وأمّا الذي ذكره هناك ملخصاً، فهو قوله:
«إذا فرضنا أن يصدر عن مبدأ أوّل، وهو (آ) مثلاً، شيءٌ، وليكن (ب)، فهو «في»)[1307]( أُولى مراتب معلولاته. ثمّ من الجائز أن يصدر عن (آ) بتوسط (ب) شيءٌ، وليكن (جـ)، وعن (ب) وحده شيءٌ وليكن (د)، [وعن (ب) بالنظر إلى (آ) شيء])[1308]( فصار في ثانية المراتب ثلاثة أشياء»)[1309](.
(28) ثمّ ساق الكلام على هذا حتى ظهر جواز صدور أشياء كثيرة لا يُحصى عددها في مرتبةٍ واحدة.
(29) ثمّ قال – بعد تمهيدٍ – هذا:
«إذا صدر عن المبدأ الأول شيء، كان لذلك الشيء هوية مغايرة للأول بالضرورة. ومفهومُ كونه صادرا ًعن الأول غير مفهوم كونه ذا هوية. فإذن ها هنا أمران معقولان: أحدُهما الأمر الصادر عن الأوّل، وهو المسمّى بالوجود، والثاني هو الهويّة اللازمة لذلك الوجود، وهو المسمى بالماهية. فهي من حيث الوجود تابعةٌ لذلك الوجود، لأنّ المبدأ الأوّل لو لم يفعل شيئاً لم تكن ماهية أصلاً. لكن من حيث العقلُ يكون الوجود تابعاً لها، [لكونه صفة لها])[1310](. ثمّ إذا قيست الماهية وحدها إلى ذلك الوجود، عُقِل الإمكان. فهو لازم لتلك الماهية بالقياس إلى وجودها. وإذا قيست، لا وحدها، بل بالنظر إلى المبدأ الأول، عُقِل الوجوب بالغير. فهو لازم لتلك الماهية بالقياس إلى وجودها مع النظر إلى المبدأ الأول…)[1311](. وأيضاً، إذا اعتُبرَ كونُ الوجود الصادر عن المبدأ وحده، قائماً بذاته، لزمَه تعقُّلُ ذاته)[1312](. وإذا اعتُبر ذلك له مع الأول، لزمه أن يكون عاقلاً للأول، فهذه ستة أشياء… واحد ٌمنها في أولى المراتب، وهو الوجود، وثلاثة في ثانيتها»… إلى آخر ما ذكره.
(30) وأما الذي يُردُّ عليه من القصور والخلل فهو من وجوه:
(31) الأول: أنّ ما ذكره أولاً من أنه من الجائز أن يصدر عن (آ) بتوسط (ب) شيء، وعن (ب) وحده شيء، ممنوعٌ مقدوح في هذا المقام. فإن حيثيّة وجود المعلول عن المبدأ الأوّل، وحيثية كونه متوسطاً بينه وبين المعلول الثاني، أمرٌ واحد بلا تعدد، لا في الذات ولا في الاعتبار. وكذلك القول في تجويز أن يصدر عن (ب) بالنظر إلى (آ) شيء، فإنّ وجد (ب) في نفسه [هو بعينه وجوده بالنظر إلى (آ)، إذ لو تغاير وجود المعلول الأوّل في نفسه])[1313]( عن وجوده الارتباطيّ عند المبدأ الأعلى، لكان هناك جعلان: جعل الموجود في نفسه، وجعله مرتبطاً إلى الحق. والمفروض خلافه.
(32) الثاني: أنّ قوله بتغاير الوجود والماهية بحسب العقل، وأن الصادر هو الوجود بالذات دون الماهية، وإن كان صحيحاً حقاً – كما سبق – إلاّ أنّ الحكمَ بكون الماهية تابعة له، متأخرةً عنه، واقعة في ثانية المراتب، ليس بحقٍ. إذ ليس في الخارج بينهما تقدمٌ ولا تأخرٌ. لأن الوجود الصادر عن المبدأ هو في نفسه وفي مرتبة ذاته، بحيث يكون مصداقاً لحمل الماهية عليه، والحكم [بها])[1314]( عليه. كيف! ولو كانت متأخرة عن الوجود، تابعة له، لكانت معلولة له)[1315](. فيلزم أن يكون أمرٌ واحد، هو ذلك الوجود بجهةٍ واحدة، مبدأ لصدور الكثرة، وهي ماهية العقل الأول ووجود العقل الثاني. وكذا على ما قرّره من حصول الأشياء ثلاثةً في ثانية المراتب عن وجود الصادر الأول، «فيلزم»)[1316]( صدور الكثرة عن البسيط بجهة واحدة. وهو عين الوقوع فيما وقع الهرب عنه بعينه)[1317](.
(33) الثالث: أن اعتبار كون الصادر الأول وجوداً قائماً بذاته، واعتبار كونه عاقلاً لذاته، شيء واحد بالذات والاعتبار جميعاً، بلا تقدم ولا تأخر أصلاً – كما حققه هو قدس سرُّه وسائر الحكماء – من أنّ وجود الجوهر المفارق بعينه، وعقلَهُ لذاته، وكونه عاقلاً ومعقولاً، شيءٌ واحد من غير تفاوتٍ وتغايرٍ فيه، لا في الذات ولا في الاعتبار. وكذا كونه عاقلاً للأول – تعالى – وكونه صادراً عنه، شيءٌ واحد وحيثيةٌ واحدة بلا اختلاف جهةٍ وجهة. ألا ترى أن كونه تعالى موجوداً في ذاته وعاقلاً لذاته بذاته، وكونه مبدأ للأشياء، ومريداً لها، كلها اعتباراتٌ لشيء واحد بحيثية واحدة. إذ كثرةُ هذه الاعتبارت والإطلاقات لا توجب [انثلاماً ما])[1318]( في أُحديته الحقة وبساطته المحضة. تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
(34) واعلم أنه ليس كلُّ حيثيّةٍ واعتبار منشأ لصدور [أمر])[1319]( في الخارج. بل مبدأ الشيء العينيّ لا بدّ أن يكون أمراً حاصلاً في الأعيان. ولو كان مجرد كثرة هذه الاعتبارات المذكورة في كلامه، أو في كلام غيره، منشأ لصدور أشياء كثيرة في الخارج، لم تقع الحاجة في صدور الموجودات الجسمانية عن المبدأ الأول إلى إثبات كثرة العقول. بل يكفي في صدور تلك الكثرات الخارجية عن المبدأ الأوّل اعتبار كثرة وافرة من أمثال هذه الاعتبارات في الصادر الأول، ككونه موجوداً وصادراً، ومعقولاً ومعلولاً، وشيئاً وأمراً، وممكناً عاماً وممكناً خاصاً، ومفهوماً وجوهراً، ومجرّداً عن المواد، وثابتاً في الوجود، وجزءاً للمجموع الحاصل منه ومن مبدأه، إلى غير ذلك من المفهومات التي كلّها يصحّ أن تكون حكايةً عن وجود واحد.
(35) لكنّ الحكماء المحققين لم يعتبروا في الصادر الأول، لأجل صدور الكثير عن المبدأ الأول، إلاّ الوجود والماهية. وربما عبروا عنهما بالوجوب والإمكان، تعبيراً عن الشيء بلازمه الاعتباري)[1320](. وربّما عبروا عنهما بالتعقُّلين المذكورين، لما بيّنا، فجعلوا الوجود والوجوب مبدأ لعقل آخر، والماهية والإمكان لفلك آخر. ثمّ جعلوا الماهية لتقومها من المختلفات مبدأ لاختلاف المادة والصورة في جوهر الفلك، أعني النفس والجسم.
(36) ولذلك قال الشيخ الرئيس في «الإشارات»:
«ومعلومٌ أن الإثنين إنما يلزمان من واحد، من حيثيتين»)[1321](… «ولا حيثيتي اختلاف هناك إلاّ ما [كان] )[1322]( لكلّ شيء منها: إنه بذاته إمكانيّ الوجود، وبالأول واجب الوجود، وأنه يعقل ذاته، ويعقل الأول، فيكون بما له من عقله الأوّل، الموجب لوجوده، وبما له من حاله عنده مبدأ لشيء، وبما له من ذاته مبدأ لشيء آخر»)[1323](.
(37) فكلامُه صريحٌ في أنّ غير هذه الاعتبارات التي أوردها ليس بمعتبر عنده، وصريح أيضاً في أنّ اعتبار عقله الأول، ووجوبه، وكونه موجوداً عند الأول، كلها حيثيّة واحدة، هي إحدى الحيثيتين اللتين في ذات الصادر الأول. وكذا القياس في اعتبار أنّ له ماهيةً، وإمكانه وتعقله لماهيته حيثية واحدة، هي إحدى منهما.
(38) ثم قال (= ابن سينا): «ولأنّه معلول، فلا مانع من أن يكون متقوّماً من مختلفات»)[1324](، أي هو بحسب الماهية، أو ماهيته بما هي ماهية متقوّم)[1325]( منها.
وقولُه: (= ابن سينا): «وكيف لا؟ وله ماهية إمكانية، ووجود من غيره واجب»)[1326]( إشارةٌ إلى منشأ كثرته بحسب الماهية من المختلفات كالجنس والفصل، إلى بيان تركبه من الماهية والوجود، كما قرّره الشيخ المحقق (= الطوسي) لعدم الحاجة إليه بعد ذكره سابقاً.
(39) ثمّ قال (= ابن سينا): «ثمّ يجب أن يكون الأمر الصوريّ منه مبدأ للكائن [الصوريّ، والأمر الأشبه بالمادة مبدأ للكائن])[1327]( المناسب للمادة»)[1328](. انتهى.
(40) اقول هذا كلامٌ يمكن أن يكون متفرعاً على أول ما ذكره من الاختلاف، أعني وجوب الوجود)[1329]( بالغير، وإمكان الماهية في نفسها من الصادر الأول. وعليه حمله الشيخ المحقق (= الطوسي) في شرحه.
فيكون حينئذٍ إشارة)[1330]( إلى صدور العقل الثاني الذي هو صورة عقلية في الخارج، بلا مادة، من جهة الوجود الذي هو أمر صوري، لكونه محصّلاً للماهية، بل نفس ما به حصولها، «وإلى» صدور الفلك الأول الذي هو صورة مادية ناقصة مفتقرة إلى ما يُكملُها ويخرجُها من القوة إلى الفعل، من جهة الماهية التي هي أمر مادي. إذ لا تحصُّل لها عقلاً وخارجا ًإلاّ بالوجود، كالهيولى التي لا تحصل لها في الخارج إلاّ بالصورة. إلاّ أنّ بين القبيلين فروقاً)[1331]( بُيّنت في موضعها.
تمّ بعون الله وحسن توفيقه
ثبت دلالي بفقرات الرسالة
1 – ديباجة التحميد والتسليم.
2 – الطوسي يسأل الخسروشاهي.
3 – نص رسالة الطوسي.
4 – كيف يمكن أن تكون الحركة الشخصية ذات السرعة والبطء مدخلاً لوجود علة الزمان؟
5 – الحركة هي صورة علة للزمان من حيث هي حركة خاصة متعينة في الخارج.
6 – لم صار البدن حامل إمكان وجود النفس الإنسانية ولم يكن حامل إمكان عدمها؟
7 – من أين جاءت الكثرة في المعلول الأول الذي يُفترض أن يكون بسيطاً.
8 – الطوسي يرجو من الخسروشاهي أن ينعم عليه بالجواب.
9 – تطوّع الشيرازي للإجابة.
10 – التمييز بين عارض الوجود وعارض الماهية.
11 – عارض الوجود متحدٌ به وجوداً وفي ظرف التحليل العقلي.
12 – عارض الماهية قد يكون ملازماً لها أو مفارقاً في العقل فقط.
13 – عروض الزمان للحركة الشخصية من نوع عارض الماهية، لا من نوع عارض الوجود.
14 – النفس مسبوقة باستعداد البدن من حيث العقل، وغير مسبوقة به في حقيقتها.
15 – التعليل السابق على طريقة أهل النظر.
16 – النفس الإنسانية جسمانية الحدوث، روحانية البقاء.
17 – يمكن أن يكون الوجود السابق كافياً لرجحان وجود لاحق على عدمه.
18 – إذا اتحدت النفس بالعقل الفعال تجردت عن القوة والإمكان.
19 – ضرورة معرفة اتحاد النفس بالعقل الفعّال.
20 – جواب المسألة الثالثة.
21 – ما يجب وجوده بغيره ليس ببسيط، بل مركب.
22 – الممكن موجود بذاته من حيث ماهيته الكلية، وبغيره من حيث تحصله الشخصيّ.
23 – الماهية للصادر الأول من ذاته، والوجود له من غيره.
24 – للمعلول الأول جهتان: جهة يشابه بها الفاعل، وهي الوجود، وجهة يختلف بها عنه، وهي الماهية.
25 – المعلول الأول بسيط من حيث الوجود، مركب من حيث الماهية.
26 – بقاء الوحدة في الوجود، وصدور الكثرة عن الماهية.
27 – تلخيص ما ذكره الطوسي في شرحه لإشارات ابن سينا.
28 – قوله بجواز صدور أشياء كثيرة في مرتبة واحدة.
29 – رأي الطوسي أنّ مفهوم صدور الصادر غير مفهوم كونه ذا هوية.
30 – بيان الشيرازي أوجه الخلل في هذا الرأي.
31 – وجود المعلول الأول وتوسطه بين المبدأ الأول والمعلول الثاني أمر واحد بلا تعدد، لا في الذات ولا في الاعتبار.
32 – الماهية تغاير الوجود في العقل، وتطابقه في الخارج، بلا تقدم أو تأخر.
33 – وجود الجوهر المفارق وعقله لذاته وكونه عاقلاً ومعقولاً شيء واحد.
34 – مبدأ الشيء العيني أمر عيني.
35 – التعبير عن الشيء بلازمه الاعتباري.
36 – تدعيم الرأي السابق بنصّ لابن سينا في «الإشارات».
37 – ثبوت الماهية للصادر الأول وإمكانه وتعقّله لماهيته حيثية واحدة بلا تعدد.
38 – منشأ الكثرة فيه بحسب الماهية.
39 – مبدأ الكائن الصوري أمر صوري، ومبدأ الكائن المادي أمر مادي.
40 – صدور العقل الثاني من حيث الوجود صورة عقلية مجردة عن المادة، وصدور الفلك الأول صورة مادية من حيث الماهية، لا تحصل لها في الخارج إلا بالوجود.
المصادر
الإحسائي، أحمد: شرح الحكمة العرشية، طبعة حجرية في ثلاثة أجزاء، طهران، 1271هـ.
ـــــــــ، شرح العلم، في كتاب «جوامع الكلم» من رسائل الإحسائي، طبعة حجرية.
ـــــــــ، شرح المشاعر، نشره هنري كوربان، المعهد الفرنسي بطهران، 1964، مع كتاب المشاعر للشيرازي.
ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق د. نزار رضا، دار الحياة، بيروت.
الأعسم، عبد الأمير: نصير الدين الطوسي مؤسس المنهج الفلسفي في علم الكلام الإسلامي، ط1، منشورات عويدات، 1975، وط2، دار الأندلس، بيروت، 1980.
ابن خلدون: لباب المحصل في أصول الدين، دار المعرفة الجامعية، مصر، 1996.
الخوانساري، محمد باقر: روضات الجنات، طهران، 1306هـ.
ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف بمصر، 1960.
الشبيبي، محمد رضا: تراثنا الفلسفي، بغداد، 1955.
السهروردي: مقامات الصوفية، تحقيق د.إميل معلوف، دار المشرق، بيروت، 1993.
الشيبي، كامل مصطفى: الصلة بين التشيع والتصوّف، ط3، دار الأندلس، بيروت.
الشيرازي، صدر الدين: الأسفار الأربعة، الطبعة الحجرية والطبعة الحديثة.
ــــــــ، الرسائل، طبعة حجرية، طهران.
ـــــــــ، شرح الهداية الأثيرية (مخطوط).
ـــــــــ، المبدأ والمعاد، الطبعة الحجرية، والطبعة الحديثة.
ــــــــــ، شرح أصول الكافي، طبعة حجرية في مجلدين.
الطوسي، نصير الدين: تجريد الاعتقاد، ط قم، بلا تاريخ.
ـــــــــ، شرح الإشارات والتنبيهات، دار المعارف بمصر.
ـــــــــ، فصول العقائد، بغداد، 1962.
ـــــــــــ، مطارحات فلسفية بين نصير الدين الطوسي ونجم الدين الكاتبي، تحقيق محمد حسن آل ياسين، بغداد، 1956.
العلوي، هادي: نظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي، بغداد، 1971.
الكتبي، ابن شاكر: فوات الوفيات، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1974.
ابن العبري: تاريخ مختصر الدول، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1958.
ابن كثير: البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988.
الكرماني أحمد حميد الدين: راحة العقل، تحقيق مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت.
آل ياسين، جعفر: الفيلسوف الشيرازي، منشورات عويدات، بيروت، 1978.
Edward Brown, A Literary History of Persia, Cambridge, 1951, Vol.11.
الرقابة الاجتماعية في الإسلام
(1)
هناك عدة مسائل شرعية ترتبط بشؤون الدولة أو بشؤون المجتمع أو بهما معاً، لم يبحثها الفقهاء الإسلاميون مع أنها من صميم التشريع الإسلامي ومن أمهات أحكام الدولة أو المجتمع، والتي تلقي ضوءاً مشرقاً على واقع الإسلام كنظام مجتمع وقانون دولة، والتي تبدد جملة من الأوهام حول توفر الدين الإسلامي على نظام كامل للحياة، تلك الأوهام التي يثيرها المطبوعون بثقافة الغرب أو بثقافة الشرق، وجملة من الشبهات حول نوعية علاقة الإسلام بالحياة، والتي يرسلها سياسيون متأثرون بمبادئ أو نظم كافرة، بغية ترويج بضاعتهم المستوردة من خارج دار الإسلام.
وقد لمسنا تأثير هذه الأوهام وتلك الشبهات على ذهنيات الكثيرين من أبنائنا مما جعلهم يضلعون في ركاب دعاتها، دعاة الحضارات الكافرة.
وقد يكون من عوامل ذلك هو جهل الدعاة أو جهل المدعوين، أو جهلهما معاً، بواقع الإسلام في توفره على نظام كامل للحياة.
وربما كان عذر الفقهاء الإسلاميين عن عدم بحثها والإشارة إليها في أبحاثهم الفقهية ورسائلهم العملية، لأنها ليست مما تعم به البلوى لعدم وجود دولة شرعية قائمة يفرض مثولها ذلك فرضاً، وتتطلبها طبيعة حياة المسلمين حينئذٍ.
ولكن – فيما يبدو من واقع المسلمين الراهن وحاجتهم الضرورية التي لا تنفك عن طبيعة الإنسان المسلم بصفته مسلماً إلى حكم القرآن ونظام نبي القرآن صلى الله عليه وآله وسلم – أن بحثها أمسى لا بد منه، وفي حتمية صارخة، وبخاصة أمام هذه المناداة العالية والعنيفة من الجماعات السياسية الذيلية بتطبيق النظم الكافرة، وبإقامة الدول الكافرة على أنقاض الدول الشرعية التي كانت قائمة في بلادنا الإسلامية. بيد أننا ما عدمنا من بحث شيئاً منها فمهد للخطوات المتتابعة إن شاء الله تعالى ومن هذه المسائل على سبيل التمثيل:
الحسبة، المعاهدات الدولية، التكتل السياسي، الرقابة الاجتماعية، وأمثالها. وقد يقال: إن الفقهاء بحثوا مسألة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهي ما نعنيه بالرقابة الاجتماعية – كما سأوضحه -.
الواقع: إن الفقهاء بحثوا المسألة في حدود مجالها الفردي، ولم يبحثوها في مجاليها الاجتماعي والسياسي، ولعله لذات السبب الذي أشرت إليه.
(2)
ولأجل أن نتبين مركز الرقابة الاجتماعية الإسلامية من وسائل الدعوة العامة، والضبط الاجتماعي نكون بحاجة إلى استعراض مختلف الوسائل الإسلامية في هذين المجالين، ونستطيع أن نلخّصها في الوسائل التالية:
1 – الجهاد: ويراد به قيادة الجيوش الإسلامية لفتح البلاد الكافرة، والإسلام بأهلها، وإخضاعها للنفوذ السياسي الإسلامي.. وتمثل هذا النوع من الدعوة في غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسراياه، وفي الفتوحات التي قام بها المسلمون حيث امتدّ النفوذ الإسلامي وانتشرت الدعوة الإسلامية من مكة المكرمة منداحاً إلى الرقعة الواسعة في قارتي آسيا وإفريقيا.
وللجهاد في الفقه الإسلامي أحكامه وشروطه، وقد توفّر الفقهاء الإسلاميون على دراستها دراسة وافية.
2 – الدفاع: ويعنى به صد الكافر الغازي… الوقوف أمام الغزو الكافر فكرياً وسياسياً.
وأعني بهذين القسمين: منع تسرّب الأفكار الكافرة من الدخول إلى بلاد المسلمين والتأثير على ذهنياتهم وتفكيرهم.
ورأينا ذلك متمثلاً بوضوح في موقف الإمام الصادق عليه السلام من حركة الزندقة والزنادقة في القرن الثاني الهجري.
ومنع دخول الكافر إلى دار الإسلام وإخضاعها إلى نفوذه السياسي، سواء جاء ذلك بشكل مباشر أو بصورة غير مباشرة.
وموقف علمائنا في النجف وكربلاء ضد الاحتلال البريطاني في هذا القرن وفي هذه الأرض من بلاد المسلمين من أروع الأمثلة لذلك.
3 – مقاومة البغاة: والبغاة هم المسلمون المتمرّدون على حكم الدولة الإسلامية العادلة.
والتشريع الإسلامي يحدد موقف الدولة الإسلامية من هؤلاء بمقاتلتهم حتى يفيئوا إلى أمر الله تعالى ويرجعوا إلى الانقياد للقانون.
ومن أمثلته في التاريخ الإسلامي مقاومة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام للخارجين عليه في البصرة وصفين والنهروان.
4 – المرابطة: وربما كان من هذه الوسائل وسيلة المرابطة والتي يقصد بها الأرصاد في أطراف البلاد الإسلامية وثغورها للمحافظة على الحدود، وللاطلاع على وضع الكفار لصد غائلة هجومهم على بلاد المسلمين.
وربما يفهم من هذا أن لا مجال لغير المسلمين أن يعايشوا المسلمين في بلادهم!.
إن الذي قرره التشريع الإسلامي: هو السماح لأهل الكتاب بالاستيطان في بلاد المسلمين شريطة أن يخضعوا لنظام المواطنة والذي ينص على دفعهم الجزية والتزامهم بأحكام الإسلام وعدم قيامهم بالدعوة إلى أي فكرة كافرة ومنعهم من التظاهر بالمنكرات كالربا وشرب الخمر.
وبعد هذا المرور السريع نستطيع أن نضع الرقابة الاجتماعية في مركزها من وسائل الدعوة والضبط حيث تعني منع المسلمين من القيام بأي منكر من المنكرات التي حظرها التشريع الإسلامي، ودعوتهم إلى الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية وتعاليمها.
أما متى بلغت الوضعية إلى مستوى التمرّد والخروج على عدل الدولة، فالدور لوسيلة مقاومة البغاة.
وفي الوقوف أمام الكافر في دعوته إلى أن يسلم وفي منعه من إدخال الكفر إلى بلاد المسلمين فالدور لوسيلتي الجهاد والدفاع، وإلى جانبهما وسيلة المرابطة.
(3)
ولا أخال أن هناك مسؤولية اجتماعية ذات أهمية كبرى في الحياة الاجتماعية كالرقابة الاجتماعية.
ولا أحسب أن مسألة ذات خطورة عظمى تحتل مركزاً مهماً في قائمة الواجبات الشرعية كمسألة الرقابة الاجتماعية.
وذلك لما للرقابة الاجتماعية من أثر فعال وواضح، وفاعلية بعيدة المدى في ضبط المجتمع وفي ضبط الحكومة وفي فرض سيادة القانون، وسيطرة النظام، بغية توفير السعادة التامة لأبناء الأمة.
وتتجلّى أهمية الرقابة الاجتماعية حينما نفهم أنها العامل الوحيد في دفع الجهاز الحكومي إلى السلوك المستقيم، والسير وفق بنود القانون، وفي إيقافه عن الانحراف في السلوك وعن استغلال المنصب لصالح غير الأمة.
فنحن لا نستطيع أن نقوّم من سلوك الحاكمين إلا عن طريق الرقابة الاجتماعية، ولا نستطيع أن نحافظ على وضع المجتمع في نصابه الذي هيأه له القانون إلا عن هذه الرقابة.. وسنتبين ذلك جلياً عند تفصيل الحديث عنها.
يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «فرض الله… الأمر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء»)[1332](.
وورد عن أهل البيت عليهم السلام: «إن بالأمر بالمعروف تقام الفرائض، وتأمن المذاهب وتحل المكاسب، وتمنع المظالم، وتعمّر الأرض، وينتصف للمظلوم من الظالم»)[1333](.
(4)
والرقابة الاجتماعية: هي تلك الوسيلة التي يتبعها أفراد المجتمع في ضبط من يخرج على الإطار الاجتماعي الذي صاغه النظام الاجتماعي الذي آمنت به الأمة وقدسته، أو من يحاول الخروج عليه.
وهي تلك الوسيلة التي تتبعها الأمة في ضبط الجهاز الحكومي ألا يقصّر في واجبه وفي مسؤوليته الضخمة، وألا يخرج على القانون فيُستغل من قبله أو من قبل غيره لصالح ومنفعة غير الأمة التي دانت لهذا القانون ورأت تطبيقه طريقها إلى الحياة الحرة الكريمة.
وبتعبير فقهي:
الرقابة الاجتماعية: هي وسيلة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في أبعاد شمولها وبُعد حدودها.
(5)
ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرضه مسؤولية إلزامية على أبناء المجتمع تجاه المجتمع وتجاه الدولة، بديهي لثبوته بالضرورة من الدين، ولتوافر أدلة التشريع الإسلامي جملة وتفصيلاً على التأكيد عليه تأكيداً شديداً.
وربما كان ذلك لأن الشريعة الإسلامية نظام حياة، وطبيعة قيام النظام واستقامته تفرض ذلك فرضاً.
فالنظام الذي لا يخضع لرقابة اجتماعية نظام متعسّف، والجهاز الحكومي الذي لا يُراقب ما هو إلا أفراد مستبدون، وكلاهما خروج على واقع الإنسانية. وكذلك النظام العادل الذي يموت في نفوس شعبه ضمير الرقابة الاجتماعية، فإنه الآخر يموت أو يعطّل على أقل تقدير.
وربما كان ذلك من جانب آخر برهاناً آخر على نزول الإسلام ملائماً لمتطلبات الحياة الاجتماعية وملائماً لمقتضيات كرامة الإنسان وحريته.
يقول تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).
لننظر كيف رتبت الآية الكريمة تحقيق الفلاح للمجتمع أن تكون منه جماعة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.
وهي نظرة من نظرات القرآن الكريم امتدت إلى أعماق المزاج الاجتماعي ففرضت له ما تستلزمه سعادته من عامل يحقق توفيرها للأمة.
واختصاراً: إن حتمية مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في غنى عن الإيضاح والتدليل.
(6)
وقد مرّت الإشارة بنا إلى أن للرقابة الاجتماعية مجالين هما: المجتمع والدولة.
أما في المجتمع فتتعاون الرقابة الاجتماعية منضمة إلى وسلتين أخريين هما التربية والسلطة.
ويقوم بدور الأولى منهما (أعني التربية) كل من الأسرة ومؤسسات الثقافة والإرشاد من روضات ومدارس ومعاهد على اختلاف مراحلها، ومنابر وحفلات ومواسم، وأجهزة دعاية وإعلام.
وقد ألزم الإسلام الأبوين بتربية أبنائهما تربية صالحة تهيئ منهم أعضاء اجتماعيين صالحين، مصلحين. واحتاط الإسلام لذلك، واستمراراً لعملية التربية متمشية مع الإنسان المسلم في مختلف مراحل نموه وتطوره، احتاط بالتأكيد على الفرد ذاته ضماناً منه لتأدية رسالته الإنسانية لأهدافها الإنسانية وذلك بأن يقوم المسلم ببناء شخصيته وفق تخطيط الشريعة الإسلامية وتعليماتها ويحدد سلوكه حسب أوامر الدين ونواهيه: (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها).
ولاشتهار النصوص المؤكدة على ذلك عاد عرضها بأكثر من الإشارة غير ضروري. كما فرض على الدولة أن تفتح للأمة مختلف ميادين الثقافة والإرشاد.
وتاريخ الحكومات الإسلامية بما أعدّت من ذلك والذي كان من نتائجه هذا التراث الثقافي الضخم من شواهد ذلك.
ووسيلة التربية هي الوسيلة الأولى في مجال إعداد الشخصية الإسلامية ومجال توجيه الفرد المسلم وجهة التمسك بالإسلام وتطبيقه بغية تحقيق السعادة للأمة.
أما وسيلة السلطة فهي وسيلة القوة التي تنزلها الحكومة في الخارجين على تعاليم الإسلام ونظمه، وهي الوسيلة الأخيرة التي يُلتجأ إليها حيث لا تكون تربية رادعة ولا خوف من رقابة المجتمع، ونتبينه من دور وظيفة (الحسبة) فيما بعد. والحديث الشريف يشير إلى هذه الوسائل الثلاث ويعبّر عنها باليد واللسان والقلب.
واليد تعني القوة.. واللسان يعني الإرشاد.. والقلب يراد به المقاطعة وهي نوع من الرقابة لأنها تعبير عن غضبة الأفراد.
يقول الحديث الكريم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه».
(7)
ودور الرقابة في ميادين الضبط الاجتماعي تحدده الآية المقدسة (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).
ويعرّفه الحديث المبارك «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
حيث يجعلان الولاية والرعاية لكل فرد من المجتمع على غيره من بقية الأفراد. وفيهما (أعني النصين الكريمين) عمق وتركيز – شأن الإسلام في طريقة تربيته أبنائه ومعتنقيه – حيث يضعان الفرد أمام ضخامة مسؤوليته وجهاً لوجه بإشعاره وبملء شعوره بأنه هو المجتمع كله في أبعاد واجبه الاجتماعي وفي مجال حدود مسؤوليته.
وهذا اللون من التأكيد يبعد اعتقاد الفرد بفرديته ويغرس فيه الروح الجماعية.. وهو شيء أساسي في كل تنظيم اجتماعي يريد لنفسه البقاء، ذلك أن التنظيم الاجتماعي لأجل أن يبقى ولأجل أن يؤدي مهمته يحتاج إلى دعامتين يقوم عليهما هما: (التماسك الاجتماعي) و(التعاون الاجتماعي)، وهما لا يتأتيان إلا عن طريق التلاحم العضوي بين أفراد المجتمع بسبب الشعور المعمق بالمسؤولية الاجتماعية:
(وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاوناو على الإثم والعدوان).
(إنما المؤمنون إخوة).
«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
«المسلمون تتكافأ دماهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم».
«إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص».
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يخونه ويحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاقد على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عز وجل رحماء بينكم متراحمين».
والرقابة الاجتماعية – هنا – أن يراقب كل فرد من المجتمع الأفراد الآخرين مراقبة واعية، مؤدياً بذلك مسؤولية واجبة متى أسقطها من حسابه حوسب عليها وعوقب.
ويتأتى ذلك بالدعوة إلى المعروف وبالردع عن المنكر باستعمال أسلوب الإرشاد اللين، فالعنف والقوة ما لم يترتب ضرر أكبر….
وأقلّها «المقاطعة» وهي تعبير عن المحاسبة في أضعف أساليبها..
يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «وأمر بالمعروف تكن من أهله وإنه عن المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله بجهدك».
وفي الحديث عنه أيضاً: «قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة».
وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام: «قال: لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم… إلى أن قال: ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون وما يدخل علينا الأذى إن تأتوه فتؤنبوه وتقولوا له قولاً بليغاً؟ قلت – جعلت فداك – إذن لا يقبلون منا؟ قال: اهجروهم واجتنبوا مجالسهم».
والفرد حينما يخرج على شيء من تعاليم الإسلام أو نظمه، ويعرّض نفسه للألوان المختلفة من حساب المجتمع له وما يسمونه بـ (التحقير الجمعي) يضطر راضياً أو راغماً أن يعود إلى نصابه من الأخذ بالنظام والدخول ضمن الإطار الإجتماعي المفروض.
ويبدو لي: أن إلغاء أية واحدة من هذه الوسائل الثلاث المتكاملة يحدث ثلمة في المجتمع ويرهق كاهل الوسيلتين الأخريين أو الوسيلة الأخرى.
فالأسرة أو الدولة حين تقصران أو إحداهما في دور التربية تشلاّن شيئاً من حركة تقدم وصعود المجتمع..
وكذلك الجماعة حين تفرّط ولو بقليل من رقابتها تحصل النتيجة غير المرغوبة.
والسلطة إن لم تنزل عقوبتها تنهي إلى ما سبق.
فهناك من الأفراد البشرية – وراثياً أو بيئياً – من تفشل معه التربية أو من يمتلخ نفسه منها، وهناك من لا يشعر لذاته بكرامة فلا يهمه أن يحقّره المجتمع وأن يعرضه للإهانة، فلا مناص معه من عقوبة القانون وإنزال قوة الردع فيه.
(8)
أما دور الرقابة الاجتماعية في ضبط الجهاز الحكومي فيتمثل بمتابعة تصرفاته ثم باتّباع وسيلتي اللاعنف أو العنف متى انحرف عن شيء من القانون فمتى انحرف الجهاز الحكومي تقصيراً في تطبيق القانون أو استغلالاً للمنصب لمنافع شخصية أو أخرى تعود على غير الأمة، أو قصوراً في فهم القانون، وما إليها من انحرافات تعرف بكل ما يخالف الشريعة الإسلامية.. على الأمة أن تلفت نظر الجهاز الحكومي إلى مخالفته طالبة منه التوبة والرجوع إلى الحق، فإن تراجع وتلافى أخطاءه، وإلا فعلى الأمة أن تنذره بالعزل فإن استجاب، وإلا فدورها استعمال الوسائل العنيفة آخذة بالأقل ضرراً وبمقدار ما تتطلبه الضرورة.
وفي التاريخ الإسلامي من شواهد ذلك كثير..
وما يذكره المؤرخون: أن عمر بن الخطاب وزّع مرة مالاً مما غنمه المسلمون وكان نصيبه كنصيب أي فرد آخر من أفراد المسلمين، وشوهد وهو يدعو المسلمين من على منبر المدينة المنوّرة إلى الجهاد لابساً ثوباً تقدّر قيمته بنصيبي فردين، فاحتجوا عليه وامتنعوا من الاستجابة لدعوته، حتى أخبرهم بأنه من نصيبه ونصيب ابنه عبدالله، واستشهدوا عبدالله على ذلك.
ومن ذلك موقف المسلمين من أعطيات عثمان وإقطاعاته.
ومنه أيضاً موقف أبي ذر الغفاري من معاوية بن أبي سفيان حول بنائه قصر الخضراء بدمشق.
وثورة الإمام الحسين عليه السلام ضد يزيد بن معاوية.
وثورات المسلمين المتتابعة ضد الحكّام المنحرفين من الأمويين..
يقول الإمام الحسين عليه السلام: «أيها الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً عهده، مخالفاً لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله».
ويقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «أيها المؤمنون: إنه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد آجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الظالمين هي السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق، ونور في قلبه اليقين».
(9)
وفي قانون الجهاز الحكومي في الدولة الإسلامية، تأتي الرقابة الاجتماعية متمثلة وبصورة واضحة في نظام (الحسبة) أو وظيفة المحتسبين. فعلى الحكومة الإسلامية أن توظّف من يقوم بمهمة الرقابة الاجتماعية شريطة أن يتوفّر المحتسب على العدالة والمعرفة بشؤون وظيفته، أو كما يعبّر عنه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بالأمانة والكفاية كشرط عام يؤخذ به في مجال التوظيف في مختلف أنواعه ومجالاته.
والمحتسبون ينتشرون بصفتهم ممثلين عن الدولة ومسؤولين عن رقابة المجتمع في شتى وحدات وطبقات المجتمع ومجالاته.
يراقبون الناس في الشوارع وفي الأسواق وفي المحلات العامة ليمنعوا من يخالف القانون في سلوكه وتصرفاته ومعاملاته.
جاء عن الإمام الباقر عليه السلام: «قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام عندكم بالكوفة يغتدي كل يوم بكرة من القصر فيطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً والدرة على عاتقه – وكان لها طرفان وكانت تسمى (السبيبة) – فيقف على أهل كل سوق، فينادي: يا معشر التجار اتّقوا الله، فإذا سمعوا صوته ألقوا بأيديهم وأوعوا إليه بقلوبهم، وسمعوا بآذانهم فيقول: قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزيّنوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، وأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين.. فيطوف في جميع أسواق الكوفة، ثم يرجع فيقعد للناس.
وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام: «كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يقعد في السوق إلا من يعقل البيع والشراء».
وروي عن أمير المؤمنين أيضاً: «أنه دخل يوماً مسجد الكوفة فرأى ابن دأب صاحب أبي موسى الأشعري قد تحلّق الناس عليه، يسألونه فقال له عليه السلام: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ فقال: لا، قال عليه السلام: هلكت وأهلكت.. لا تقصن في مسجدنا بعد».
هذه القضايا وأمثالها تعكس لنا دور الحسبة في الضبط الاجتماعي وتصور لنا مسؤولية الحكومة الإسلامية في تطبيق القانون.
والمحتسبون في الدولة الإسلامية يرتبطون بالبلديات ودوائر الشؤون الاجتماعية.
تقوم البلديات ودوائر الشؤون الاجتماعية بتحديد الأسعار وتحديد المقادير ووحدات القياس، وبإصدار التعليمات بنظافة السلع السوقية وسلامتها من الغش، .. وتعهد إلى المحتسبين مراقبة المتلاعبين بالأسواق، وسوقهم إلى الحساب فالعقاب، ومن بعد، منعهم من القعود بالأسواق.
وتقوم البلديات ودوائر الشؤون الاجتماعية بتنظيم المسالك والمسارب في الطرق العامة والخاصة، ومواقف الناس في المحلات العامة والخاصة وتعهد إلى المحتسبين بمراقبة المخالفين للآداب الاجتماعية العامة من الاعتداء بشتى ألوانه، والمضايقة لحقوق الآخرين، والتجري على قدسية القانون الإسلامي، أو تعاليم الشريعة الإسلامية، وأمثالها. ومسؤولية الحسبة في الحياة الاجتماعية للمسلمين ذات خطورة مهمة ودور خطير مهم.
والإخلال بها إخلال كبير بتطبيق النظام الإسلامي.
وما انتشار المنكرات اليوم بين صفوف المسلمين ولدى أبنائنا، إلا لأننا أهملنا هذا الجانب الخطر في الوقوف أمام انتشار المنكر.
وأكثر من هذا: وهو أن المحتسبين – مع التعمّق في واقع الحسبة – عيون الحاكم الأعلى وأعوانه، الحاكم الأعلى ذلك المسؤول الأول الذي وضعه الإسلام أمام ضخامة مسؤوليته الكبرى وجهاً لوجه، حيث فرضه مسؤولاً عن كل فرد فرد من أبناء الأمة، مسؤولاً أن يوفر لهم حقوقهم كاملة، ومسؤولاً أن يدفع عنهم كل ظلامة وكل اعتداء، «ولعل في الحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع».
وأكثر من هذا أيضاً: أن وضع الإسلام على الحاكم الأعلى أن ينزل إلى مستوى أقل فقير في الأمة في حياته المعيشية، ليشعر بما يعانيه ذلك الفقير من شقاء ومرارة حياة، فيرتفع به إلى مستوى الحياة الحرة الكريمة «أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش».
إن هذه المشاركة الوجدانية أثر عميق من آثار التربية الإسلامية في صوغ نفسية الحاكم الأعلى، وفي دفعه أن يتعرّف مظالم الآخرين لرفعها ما دام الإسلام قد طوّق رقبته بهذه المسؤولية الضخمة عن كل حق يظلم من حقوق أي فرد من أفراد المجتمع.
والآية الكريمة تشير إلى هذا الواجب الملقى على عاتق الحاكم الأعلى في التعرّف على شؤون الأمة وإقامة العدل بينهم، وبتوفير حقوقهم كاملة ولكل فرد فرد، وعن طريق الحسبة، وغيرها من وسائل أخرى.
يقول تعالى: (الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلواة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).
فعلى الحاكم الأعلى أن يجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر به هي السفلى، وهذه حقيقة واضحة من حقائق الدين الإسلامي، وضرورة من ضرورياته الأولى.
والرقابة الاجتماعية مضافاً إلى أنها عامل من عوامل نشر المعروف وعامل من عوامل منع المنكر، هي عامل مهم أيضاً في صوغ المجتمع مجتمعاً إسلامياً وفي تطويره إلى وحدات اجتماعية يضمها في إطار إسلامي عام ويلاحم بين أجزائها تعليم إسلامي موحد.
وكلنا يعلم أن المجتمع عامل أهم في صياغة شخصية الفرد وتكوينها. فالرقابة الاجتماعية – من هنا – تقوم بمهمتين أساسيتين هما: صوغ المجتمع مجتمعاً إسلامياً فتكوين الفرد بتأثيره فرداً إسلامياً.
ولا أظنني بحاجة إلى التأكيد على أهمية المجتمع ودوره الأساسي في خلق سلوك الفرد فكرياً وعملياً لأنها في مكان من الوضوح.
ومن هنا نستطيع أن ندرك الجانب السلبي لهذا الدور البنّاء للرقابة الاجتماعية، وهو أن إهمال الرقابة بطبيعته يؤثر إلى حد ٍكبير في تفسّخ المجتمع وتدهوره، ومن بعدُ في تأخّر الفرد وانهيار شخصيته.
وينشأ ذلك بشكل تدريجي عادة، حيث يُتسامح في إنكار أول منكر، وتركه ينمو حتى يستعصي على العلاج دفعة واحدة. وهو ما نقوى أن نسميه بالصراع بين العادات والتقاليد والأعراف الأولى، وبين العادات والتقاليد والأعراف الداخلية، ومن طبيعة الصراع بين قوتين، إحداهما مسندة، وألأخرى مهملة، أن ينتهي بانحسار الأولى أمام الدخيلة.
وخلاصة ما أريد أن أوضحه – هنا – أن للرقابة جانبين: إيجابي يعمل على صياغة وتطوير المجتمع إلى مجتمع إسلامي في جميع وجوهه والمحافظة على إطاره الإسلامي.
وسلبي ينهي إلى تحوّل المجتمع إلى مجتمع لا إسلامي.
وكلا المجتمعين ذو تأثير في تكوين الفرد مسلماً أو غير مسلم.
يقول الحديث الشريف: «ما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا ذلّوا وسلط عليهم شرارهم».
(10)
ولماذا انحسرت هذه الرقابة عن مجتمع المسلمين؟!
ولماذا ابتعد المسلمون عنها فقصروا في أداء هذه المسؤولية الاجتماعية الخطيرة؟!
إن الإجابة عن هذا التساؤل تتركز في عامل أساسي هو (الاستعمار الكافر)، الاستعمار الذي حوّل أرض المسلمين إلى ميدان صراع بين حضاراته الكافرة والحضارة الإسلامية، وهي في أدوار ضعف القائمين عليها.
والصراع بين حضارتين تملك إحداهما مختلف وسائل الدعاية، ومختلف قوى الإسناد السياسي، وتفقد الأخرى تلكم الوسائل وتلكم القوى ينتج حتماً تغلب الحضارة الغازية ولا أريد أن أدخل في تفاصيل هذا العامل ونحن لا نزال نعاني من سوء النتائج وسوء المصير.
(11)
والشيء الذي أردت أن أشير إليه أو أثيره – هنا – هو محاولة الكشف عن جانب مهم من تشريعات الدين الإسلامي، لا محاولة بحثه بحثاً علمياً، إذ ربما عدت إليه وبحثته على غرار ما عملته في بحث (الحكم الإسلامي اليوم) في رسالتي (في انتظار الإمام).
ومحاولة التوعية إلى المقارنة بين واقع المسلمين بالأمس يوم كانوا يفهمون واجبهم الشرعي، وواقع المسلمين اليوم حيث يعيشون خادرين في ظل عوامل مختلفة، لا أحسبها خفية على ذي وعي.
وما ضيعة (فلسطين) وقيام حكومة إسرائيل الكافرة مركز نفوذ استعماري كافر، إلا واحدة من نتائج الإهمال لمثل هذا الواجب الإسلامي المقدس، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله العناية والهداية، أنه ولي التوفيق وهو الغاية.
عبد الهادي الفضلي
الرماحية
كانت الرماحية في بادئ الأمر منطقة كائنة على الفرات إلى جنوب النجف حوالي 60 كم وكما ذكر «الشبيبي في كتابه المخطوط)[1334]( النجف اسمها «روم ناحية أست» ولذلك لنفي بعض القبائل التركية إليها من قِبَل الدولة العثمانية ولذلك سميت «بروم» لأن أهلها تُرك وناحية تعني «قضاء» أو منطقة وقد أورد على هذا الرأي بعض المحققين وعلى الخصوص حمود الساعدي «حيث أرجع سبب التسمية إلى مؤسسها وهو «السيد رماح آل زوين» نقيب الكوفة ويوم ذاك هي داخلة ضمن حدود النجف والكوفة وهذا ما ذكره السيد حسون البراقي المنقول في كتاب «الكوفة صناجة العرب»)[1335](.
وكيف انتقلت بعد توسعها وخرابها من قِبَل الخزاعل والمشعشعين إلى أم الشواريف منطقة قبل «الرماحية» فسميت الجديدة الغربية والقديمة التي امتدت إلى الشنافية تقريباً «شرقية»، كان زعماء الرماحية من قبيلة خفاجة العربية.
زعيم الشرقية هو «هادي ابن عبد ناسة الحمادي الدرويش».
زعيم الغربية هو «محمد جفيل».
وبعد أن نزح كثير من الناس من الرماحية إلى النجف بعد أن أصاب منطقة الرماحية داء الطاعون قررت هذه المعاهدة التي بين يدينا الآن وإليك ما قيل فيها.
النص في الورقة القديمة وهذه بعض التعليقات على بعض الفقرات منها.
«الباعث إلى تحريرها» ن
المقرر لهذه الوثيقة «ش»
هادي العبدناسة الحمادي الدرويش رئيس أهل الرماحية الشرجية وبقية الشرجيين المذكورين بهذه الورقة» ن
هناك ورقة أخرى لم تقع بأيدينا وفيها أسماء أهل الشرقية ورؤسائهم «ش»
«والماهرين بذيل الورقة» ن الموقعين في آخر هذه الورقة «ش»
«نقرّ ونعترف بلا جبر ولا إكراه بأننا قد فوضا حامل ورقة المسودة» ن
المسودة تعني المعاهدة «ش»
«الحاج هادي الجودة» ن «رئيس الرماحية في النجف» ش
«على جميع حقوقنا» ن «الاعتراف له بالمشيخة» ش «والمنضمة والآتية» ن «الحقوق الآتية» ش
«من مثل وسكاط» ن «يعني من حقوق القتل» «وسكاط» في اللغة الدارجة يعني التعويق وهو قطع أحد أعضاء البدن» ش
«فالحر قوم أهل بندره بلا معارض من عندنا» ن
«يعني أن الحاج هادي الجودة أصبح شيخ الرماحية بلا معارض من شيوخ الرماحية وأهالي الرماحية» ش
وأيضاً نعترف إلى حاجي هادي بالامتثال له في جميع وادي.
«نعترف إلى الحاج هادي بالامتثال له في جميع الحقوق المتعلقة بالدين والأمور المالية» ش
والذي يصير إلى أحد الشرجيين المذكورين» ن
يعني إذا وقع الخلاف بين الرماحيين الموجودين في النجف الموجودين في العشائر أو الرماحية بشكل أعم أو أحد العشائر الأخرى يكون الحاج هادي هو المتعهد بجميع الأموال وتسليم الأموال المتعلقة بالدية» ش
والذي بعد هذا يدخل عنده بالمسودة تابعاً لنا خذو تسلموا بيد من» ن
يعتمد عليه» ن
وكل عائلة تريد أن تدخل في ضمن حلف الرماحية تدخل في ورقة الحاج هادي تابعاً له في جميع الحقوق وما يقرر له الحاج هادي من الأمور المالية وغيرها.
وقد اشترط المرقوم الحاج هادي لنا أن يعاملنا معاملة رؤساء أهل الرماحية وسبغتهم القديمة والذي كنا عليه في الزمن الماضي مع أهل الرماحية الغربية حجي محمد جفيل» ن
يعني وعد الحاج هادي الجودة رؤساء أهل الرماحية الغربية والشرقية القدماء أن يبقوا على ما هم عليه من الزعامة والرئاسة كما كانوا على عهد شيخ الغربية الحاج محمد جفيل حيث أن الأخير منح الرؤساء سبغتهم القديمة عندما تزعم الغربية. ش
وبقيت الغربية وهو المناصفة بيننا وبينهم بالنفع والضرر» ن
وكانت المعاهدة القديمة المناصفة بين الشرقية والغربية فيما يغنمون وما يخسرون، كذلك أوعد الحاج هادي الجودة أن هذا البند من إلى التحرير ذكر العوائل الرماحية في النجف على نحو التعداد. ش
الأسماء موجودة في الورقة القديمة.
الموقعون الذين استحصلنا على تواقيعهم.
أبو مانع
عبد الحسين الصفار
عبود الخلف
ملاحظة: الظاهر كل عبارة «نعم اعترف بما في الورقة» تعني أن هذا الشخص أحد الرؤساء. ش
ملاحظات
كل «ن» تعني نص موجود في الورقة القديمة.
كل «ش» تعني شرح لنص الورقة القديمة.
* ينقص هذا المكتوب التحقيق والتدقيق التاريخي لأنه معتمد على الذاكرة.
وليس توثيقاً.
4/ محرم/1415هـ
- () كاتب هزاره، نجادنامه أفغان: ص 55، اعتضاد الدولة ذكر سربني باسم سربند. ↑
- () تاريخ أحمد شاهي، عكسي: ج1، ص 31. ↑
- () سراج التواريخ: ج1، ص 35. ↑
- () وهناك فرعان آخران هما: بردراني وكاكري. ↑
- () تاريخ وقايع وسراغ أفغانستان: ص 33. وراجع نجادنامه أفغان لكاتب هزاره. ↑
- () كان كاتب هزاره يميل إلى أسرة أحمد خان الدراني دوماً. سراج التواريخ: ج1، ص9. ↑
- () تاريخ وقايع وسوانح أفغانستان ص 34 ـ 35. ↑
- () مصارع العشاق، ص 1 ـ 12. ↑
- () الكشكول، ص 57. ↑
- () ثمرات الأوراق، ج2، ص 43 ـ 44. ↑
- () «الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، ج2، ص 11» ومعجم الأدباء لياقوت ج7، والمحمدية من الشعر أشعارهم للقفطي والمنتظم، ج8، ص 59، وغيرها.» ↑
- () فوات الوفيات ـ 1: 256 ـ 260 من الطبعة الجديدة بمصر. ↑
- () تاريخ بغداد: «11: 350». ↑
- () المنتظم «7: 59». ↑
- () وفيات الأعيان 1: 390، 391. ↑
- () تاريخ بغداد «3: 26 ـ 28». ↑
- () في المنتظم «7: 37» المجودين وهو الصحيح. ↑
- () المرجع المذكور «ص 26». ↑
- () نفس المرجع «ص 30، 31». ↑
- () تاريخ بغداد «1: 90» وراجع تفنيدنا لدعوى الخطيب البغدادي وابن زرقويه في الجزء الأول من قسم الكاظمين «ص 13 ـ 17» من موسوعات العتبات المقدسة. ↑
- () بياض في النسخة المطبوعة. ↑
- () الجزء عند القدماء يقارب أربعين صفحة أو خمسين من القطع الأوسط. ↑
- () تاريخ بغداد ـ 3: 29، 31. ↑
- () المنتظم 7: 36، 37. ↑
- () الأنساب في الجعابي. ↑
- () ياقوت الحموي (معجم البلدان) ، ج1، ص 135، تسلسل 270. ↑
- () ياقوت الحموي (معجم البلدان)، ج3، ص 175 ـ 176، تسلسل 6101. ↑
- () قال السمهودي: كان مشهده شرقي جبل سلع عليه بناء كبير من الحجارة السود وقصدوا أن يبنوا عليه قبة فلم يتفق، وهو داخل مسجد كبير مهجور، وفي قبلة المسجد منهل من عين الأزرق مدرج من شرقيه وغربيه والعين تجري في وسطه، وما ذكرناه من كون النفس الزكية بهذا المشهد، ذكره المطري ومن تبعه وهو المستفيض بين أهل المدينة. لكنه مخالف لما ذكره سبط ابن الجوزي في «رياض الأفهام» فقال إنه: وارت أخته زينب وابنته فاطمة جسده بالبقيع، وكان قتله عند أحجار الزيت «وفاء الوفاء» 2: 106/107. ↑
- () «الفخري» لمحمد بن علي بن طباطبا المعروف بالطقطقي، ص 131/132. ↑
- () استفتى أهل المدينة مالكاً في الخروج مع محمد وقالوا في أعناقنا بيعة للمنصور فقال: إنما بايعتم مكرهين فتسارع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته «تاريخ ابن خلدون» 3: 190. ↑
- () روى أبو الفرج الأصبهاني عن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي قال: حدثني أبي أن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء وفيهم إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبدالله بن الحسن، وابناه محمد وإبراهيم، ومحمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، فقال صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين تمد الناس أعينهم إليكم وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إياها من أنفسكم وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين. فحمد الله عبدالله بن الحسن وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي فهلموا فلنبايعه، وقال أبو جعفر المنصور: لأي شيء تخدعون أنفسكم ووالله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أصور ـ أي أطول أعناقاً ـ ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى يريد محمد بن عبدالله المحض، فقالوا: قد والله صدقت إن هذا لهو الذي نعلم، فبايعوا جميعاً محمداً ومسحوا على يده «مقاتل الطالبيين»، ص 206. ↑
- () انظر «تاريخ الأمم والملوك للطبري»، ط. مصر» 6: 195 ـ 199. ↑
- () توفي سنة 1359هـ/1940م. ↑
- () هو السيد محمد الصدر الذي تقلد رئاسة الوزارة العراقية سنة 1948م. توفي في 2 نيسان 1956م، ودفن في «مقبرة الأسرة» بالكاظمية. ↑
- () الدكتور مهدي البصير شاعر ثورة العشرين من أسرة آل شهيب الحلية. ولد سنة 1313هـ/1896م، وتوفي ببغداد 1393هـ/1973م. ↑
- () عيسى أفندي الريزلي: هو الشاعر المطبوع عيسى بن عبد القادر بن أحمد الريزلي الأعظمي ولد ببغداد عام 1898م، واشغل عدة وظائف في ديوان الأوقاف منها مدير الحسابات ومدير الديوان. وقد نُفي إلى البصرة لمدة سنة واحدة على أثر إلقائه قصيدته المشهورة في جامع الحيدرخانة والتي حثّ فيها إخوانه المجتمعين على الثورة بوجه الإنكليز. وعند مجيء الملك فيصل الأول إلى العراق عاد الشاعر المذكور إلى بغداد بعد أن قضى أكثر من سنة في البصرة.[من حديث دار بيني وبين الشاعر المذكور إثر مقابلتي له يوم 6/7/1972]. ↑
- () يقع هذا الخان في سوق البزازين وقد اتخذته قوات الاحتلال أحد المعتقلات السياسية للمعارضين. ↑
- () المعروف اليوم باسم جسر الشهداء. ↑
- () جسر مود: ويعرف اليوم باسم جسر الأحرار. ↑
- () النجار الأخرس: هو عبد الكريم بن رشيد الأخرس وكانت مهنته النجارة وقد دهس بسيارة الحاكم السياسي المستر بلفور حينما مرّ بالقرب من جامع الحيدر خانة. وقد استولت الحكومة على جثمانه ووضعته في خانة دلة. وبعد مباحثات مع الحكومة نقل إلى جامع الحيدر خانة حيث كفن وشيع من هناك بموكب مهيب يضم الآلاف إلى مقبرة معروف الكرخي. ↑
- () علي البزركان (1885 ـ 1958م). من مؤسسي حزب الاستقلال شغل منصب المعاون لأمين العاصمة بعد قيام الحكم الملكي بالعراق عام 1921م. ↑
- () ذكرت جريدة العراق البغدادية أسماءهم في عددها الثالث المؤرخ في 3 حزيران سنة 1920م وهم: السيد محمد الصدر، السيد أبو القاسم نجل آية الله الكاشاني (وقد أناب عنه السيد عبد الهادي جلبي جواد)، يوسف أفندي السويدي، عبد الوهاب، النائب سعيد أفندي النقشبندي، السيد عبد الكريم الحسني آل السيد حيدر، محمد مصطفى الخليل، عبد الرحمن باشا الحيدري، فؤاد الدفتري، رفعت الجادرجي، أحمد الشيخ داود، ياسين الخضيري، أحمد الظاهر، جعفر أبو التمن، علي البزركان. ↑
- () وردت أسماؤهم في جريدة العراق، العدد الثالث الصادر في 3 حزيران 1920، وهم: 1 ـ السيد محمود أفندي النقيب. 2 ـ السيد داود أفندي النقيب. 3 ـ عبد الحميد بك الشاوي. 4 ـ عبد القادر باشا الخضيري. 5 ـ السيد محمد حسن جلبي الجوهر. 6 ـ الشيخ شكر قاضي الجعفرية. 7 ـ صالح أفندي الحلي. 8 ـ الحاج علي الألوسي (اعتذر عن الحضور). 9 ـ عبد الجبار باشا خياط. 10 ـ خسرو أفندي قيومجيان. 11 ـ ساسون أفندي حسقيل. 12 ـ عزرا أفندي مناحيم دانييل. 13 ـ يهوذا افندي زلوف. 14 ـ محمود جلبي الأطرقجي. 15 ـ محمود جلبي الشابندر. 16 ـ السيد جعفر عطيفة. 17 ـ محمود جلبي الاستربادي. 18 ـ الحاج عبد الحسين الجلبي. 19 ـ عبد الكريم أفندي الجلبي. 20 ـ جميل صدقي الزهاوي. ↑
- () حسين أفنان: هو حسين علي أفنان وأمه أخت عباس عبد البهاء، وهو سبط مؤسس البهائية بهاء الله. ولد في حيفا سنة 1889 ودرس في الجامعة الأميركية في بيروت، وبعد ذلك في جامعة كمبرج واختصّ بالاقتصاد السياسي وعيّن مترجماً في دار الاعتماد البريطاني في القاهرة قبل الحرب العالمية الأولى وكان في أثناء الحرب العالمية الأولى معاون آمر المعتقل للأسرى العراقيين في سمربور في الهند. ثم جاء إلى بغداد بعد الهدنة، فعين بمنصب في ديوان الحاكم الملكي البريطاني. ثم أصدر جريدة الشرق في بغداد في 30 آب 12920 على أثر تأليف حكومة النقيب الوقتية، ونقل مديراً للتشريفات بوزارة الخارجية سنة 1925 كما مثل العراق في عصبة الأمم ونقل سكرتيراً للمفوضية العراقية في أنقرة سنة 1932 ثم ترك السلك الخارجي وعيّن في إدارة السكك الحديد العراقية. وتوفي في بيروت في 18 تشرين الثاني سنة 1940. ↑
- () نشر هذا الخطاب في العدد الثالث من جريدة العراق البغدادية عام 1920. ↑
- () توفي في 17 آب 1920. ↑
- () عيد الجسد: عيد مقدس عند المسيحيين يحتفلون به كل عام. ↑
- () المسالك والممالك: ص 118 ـ 119. ↑
- () صورة الأرض: ص 82. ↑
- () أحسن التقاسيم: الفصل الثاني، ص 554. ↑
- () مختصر البلدان: ص 130. ↑
- () معجم البلدان: ج1، ص 161. ↑
- () نزهة القلوب. ↑
- () صورة الأرض: ص 86. ↑
- () سرزمينهاى خلافت شرقي: ص 191. ↑
- () المسالك والممالك: ص 158. ↑
- () آثار البلاد وأخبار العباد: ص 570. ↑
- () القسم: جونة العطار وهي سليلة يجعل فيها العطر. ↑
- () اللمم جمع اللمة وهي الشعر المجاوز شحمة الأذن أو ما تشعث من الشعر. ↑
- () الكتم: نبت يخضب به الشعر ويصنع منه مداد للكتابة. ↑
- () السفاسق: الافرند وهو ما يبدو على حديد السيف كأنه مذبّ النمل. ↑
- () معز الدين هو لقب العلامة السيد مهدي القزويني المتوفى سنة 1300هـ، وقد لحقه هذا اللقب من جراء نجاحه في تحويل قبائل (زبيد) السّنية إلى المذهب الشيعي بعد عام سنة 1253هـ، الموافق 1837م. ↑
- () يدعي أحمد الكاتب أنه قبل أن يُصاب (بفيروس) العداء للاعتقادات الشيعية استطاع أن يحول بعض (السودانيين) من المذهب السني إلى المذهب الشيعي وذلك بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م. ↑
- () وهي بعنوان (الشورى). ↑
- () (منظمة العمل الإسلامي) تنظيم عراقي أسسه السيدان محمد تقي المدرسي، والسيد هادي المدرسي. ↑
- () هو السيد محمد الشيرازي، أحد العلماء المقيمين في (قم) اليوم. ↑
- () مصطلح يُطلقُ على المنتمين إلى حزب الدولة الحاكم في العراق وهو (حزب البعث العربي الاشتراكي). ↑
- () كان السيد مهدي الهاشمي يشغل منصب رئاسة حركات التحرر العالمية. ↑
- () الإذاعة: هي إذاعة طهران (القسم العربي). ↑
- () (عراق اليوم يبحثُ عن حسين) برنامج استحدثته الإذاعة العربية الإيرانية يحمل العراقيين على الثورة. وقد تغيّر اسم البرنامج بعد مقتل الإمام الصدر إلى (عراق اليوم في طريق الحُسين). ↑
- () السيد مهدي الهاشمي كان يشغل رئاسة حركات التحرر العالمية، ويمثل قوة كبيرة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ↑
- () هو الإمام الخميني قائد الثورة الإسلامية الإيرانية. ↑
- () في النظرية الشيعية أن النبي (ص) عيّن علياً (ع) خليفة من بعده. كما اشترطت أن تكون الإمامة من بعده للحسن ثم للحسين (ع) ثم للولد الأكبر من جهة الحسين حتى قيام المهدي (ع). ↑
- () (الأصول) من إملاءات الإمامين الباقر والصادق (ع) على أصحابهما، وهي أربعمائة كتاب لأربعمائة مؤلف، وأغلب الأحاديث التي وردت فيها نقلت في كتب الحديث الإمامية، ولم يبقَ من هذه (الأصول) الآن سوى (37) كتاباً فقط. ↑
- () الواقفة هم جماعة وقفوا على إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع). ↑
- () ألف الحسن بن محبوب السراد المتوفى سنة (224هـ) كتاب (المشيخة)، نقل الكثير من المرويات عن الأئمة (ع)، وقد فُقِد كتابه هذا إلا أنّ الكثير من الاقتباسات عنه نُقلت في كتب (الإمامية). ↑
- () مات الفضل بن شاذان النيسابوري عام 260هـ أي في السنة التي توفي فيها الإمام العسكري (ع)، وغاب فيها الإمام المهدي (ع). وهو من كبار علماء الإمامية الملازمين للإمام العسكري، وقد ألّف كتاب (الغيبة)، وذكر أن الإمام الثاني عشر هو (القائم) المهدي (ع). ↑
- () علي بن مهزيار الأهوازي كان من حواريي الإمامين الجواد، والهادي (ع)، وأصبح وكيلاً عن (الهادي) في (الأهواز). ألف كتاب (الملاحم) و(القائم) في فترة الغيبة الصغرى. وولداه إبراهيم ومحمد كانا وكيلين عن الإمام الثاني عشر في (الأهواز)، وقد نقل الصدوق والكُليني عنهما كيفية توظيف الاتصال بين الإمام المهدي، ووكلائه. ↑
- () كانت السلطة العباسية تخشى من الشيعة الإمامية، فحاولت الإتيان بأحاديث نُسبت إلى النبي (ص) تُشير إلى أن الإمام المنصوص بعد النبي هو (العباس) وليس علياً (ع). ↑
- () اليم: البحر. ↑
- () ومِن ذلك قوله (الشهيد الأول يرفض بطاقة الدعوة إلى المرجعية)، ويقصدُ بذلك الدعوة التي وجهها سلطان الدولة السربدارية الشيعية علي بن مؤيد إليه. ولا صحة لهذا الادعاء لانشغال الشهيد الأول في قيادة الشيعة في جزين وغيرها من المناطق بما يحقق ما يشبه بالحكم الذاتي وذلك بالتعاون مع المماليك (الأتراك) أنفسهم. فهو لا يحتاج لدعوة حاكم السربداريين. ↑
- () يقول أحمد الكاتب (وجد علماء الحلة أنفسهم يعيشون في كهف من الغيبة عن الحياة نتيجة هيمنة نظرية الانتظار القاتلة على الشيعة منذ أكثر من ثلاثة قرون، فبدأوا (يحفرون) بأقلامهم جدران الكهف، و(يثقبون) منافذه للخروج، ويمهدون السبيل لأحياء الشيعة والتشيّع). (الشورى، العدد السابع، ص 12). وهذا التفسير اللفظي المبهم للاحداث يدل على عدم الالمام بدراسة جهود فقهاء الحلة التي استمرت مدرستهم بما يقارب الاربعة قرون من الزمن. ↑
- () إن واجهة (الشورى) تبدو عقائدية محضة، لكنّ هدفها هو محاربة المشروع السياسي الشيعي. ↑
- () إشارة إلى كتاب (الروض الخميل). ↑
- () المنار: 1/254. ↑
- () هذا الرأي وما قبله ذكره الطوسي في التبيان: 1/131. ↑
- () الميزان: 1/118. ↑
- () المنار: 1/260. ↑
- () التبيان: 1/132. ↑
- () التبيان: 1/133. ↑
- () الميزان: 1/115، والتفسير الكبير 1/121، والميزان 1/119. ↑
- () المنار: 1/256. ↑
- () التبيان: 1/138، والتفسير الكبير: 2/176. ↑
- () المنار: 1/262. ↑
- () التبيان: 1/138. ↑
- () التفسير الكبير: 2/176. ↑
- () الميزان: 1/117. ↑
- () المصدر السابق: الموضوع نفسه. ↑
- () المنار: 1/262. ↑
- () التبيان: 1/138. ↑
- () سورة النور، الآية: 45. ↑
- () المنار: 1/262. ↑
- () التبيان: 1/138، والتفسير الكبير: 3/176. ↑
- () مرآة البلدان: ج1، ص 60. ↑
- () المسالك والممالك: ص 173. ↑
- () صورة الأرض: ص 120و126. ↑
- () أحسن التقاسيم: القسم الأول، ص 525. ↑
- () معجم البلدان: ج1، ص 175. ↑
- () تاريخ طبرستان: ص 74. ↑
- () تقويم البلدان: ص 505، صبح الأعشى: ج4، ص 387. ↑
- () مرآة البلدان: ج1، ص 62. ↑
- () استراباد نامه، نجمة سيفية: ص 21. ↑
- () مجلة الرصد الثقافي العدد 43 أيار 1994 بيروت ص 23. ↑
- () المرجع السابق، ص 22/23. ↑
- () شروح الشمسية، منشورات شمس الشرق، بيروت ص 39. ↑
- () أنوار الهداية في التعليق على الكفاية. ج1، ص 33. ↑
- () بركات، أكرم، المباني الكلامية لولاية الفقيه، ص 40 ـ 45. ↑
- () الصدوق، كمال الدين ص 484. ↑
- () سورة الأنفال الآية 60. ↑
- () المرجع السابق، ص 33. ↑
- () المرجع السابق ص 45 ــ 46. ↑
- () صدر الدين الشيرازي، الأسفار، ج1، ص 35. ↑
- () المصدر السابق، ص 36. ↑
- () صدر الدين الشيرازي، أسرار الآيات، مقدمة، تصحيح محمد خواجوي، طهران، 1981، ص 38. ↑
- () ملا هادي السبزواري، شرح الأسماء أو شرح دعاء الجوشن الكبير، تصحيح وتحقيق الدكتور نجف قلي حبيبي، جامعة طهران، 1993م، ص 140. ↑
- () المصدر السابق، ص 140. ↑
- () المصدر السابق، ص 144 ـ 145. ↑
- () صورة البقرة، الآية: 31. ↑
- () صدر الدين الشيرازي، أسرار الآيات، ص 41. ↑
- () المصدر السابق، ص 41 ــ 43. ↑
- () فص الأمر: حقيقته، يقال: أنا آتيك بالأمر من فصّه، يعني من مخرجه الذي قد خرج منه (لسان العرب ـ قصص ـ 7: 66). ↑
- () إبرة كبيرة. ↑
- () قف. ↑
- () بانت، ظهرت. ↑
- () حرق. ↑
- () الجلباب. ↑
- () قار. ↑
- () اللبان هنا بمعنى صانع الطابوق غير المفخور. ↑
- () الطست. ↑
- () القائمة بأمر الضريح. ↑
- () بحار الأنوار، ج50، ص 7. ↑
- () بحار الأنوار 25: 250 و251. ↑
- () اليعقوبي، محمد علي، البابليات، ج2 (النجف، 1951م)، ص 126. ↑
- () الخاقاني، علي، شعراء الحلة، ج5 (النجف 1952م)، ص 351. ↑
- () الأصبهاني، محمد مهدي، أحسن الوديعة في تراجم مشاهير مجتهدي الشيعة، ج1، ص 68. ↑
- () المس. بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر خياط، ص 26. ↑
- () مقدمة قلائد الخرائد، ص 8. ↑
- () المس.. بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ص 26 والنوري حسين، المستدرك، ج3، ص 400، والقمي، عباس، المنى والألقاب، ج3، ص 62. ↑
- () وهذه الأبيات كتبت على إحدى مؤلفات العلامة القزويني المخطوطة وهو كتاب (بصائر المجتهدين في شرح تبصرة المتعلمين). ↑
- () النوري، المستدرك، ج3، ص 400، والصدر، حسن، تكملة أمل الآمل، مخطوط. ↑
- () نجف، مهدي، فهرست مخطوطات مكتبة الإمام الحكيم العامة، ج1 (النجف، 1969م)، ص 71. ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () في (س): وآله. ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () القرآن الكريم: 53/39 (سورة النجم). ↑
- () القرآن الكريم: 17/8 (سورة الإسراء). ↑
- () القرآن الكريم: 98/5 (سورة البيّنة). ↑
- () القرآن الكريم: 5/27 (سورة المائدة). ↑
- () القرآن الكريم: 21/90 (سورة الأنبياء). ↑
- () القرآن الكريم: 30/39 (سورة الروم). ↑
- () القرآن الكريم: 96/9 (سورة الإنسان). ↑
- () البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن (النجف، 1964م)، ص 172. ↑
- () الطوسي، الشيخ، تهذيب الأحكام. ج4 (النجف، 1959م) ص 186.علي ناصيف، الشيخ منصور، التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، (مصر، 1351هـ)، ص 50. ↑
- () الصدوق، الشيخ علل الشرائع، ج2 (النجف، 1966م)، ص 524.البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ج1 (القاهرة، لا.ت)، ص 21 الطوسي، نصير الدين، أوصاف الأشراف، (النجف، 1956م)، ترجمة محمد الخليلي ص 34. ↑
- () الهيتمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج1 (بيروت، 1967م)، ص 61. ↑
- () الطوسي، محمد بن الحسن، الآمالي، (تبريز، 1313هـ)، ص 290. ↑
- () الصادق، الإمام، مصباح الشريعة، (تبريز، 1283هـ)، ص 3. ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () في (س): الحديث.والمشهور في الخبر أنه مرادف للحديث بمعناه الاصطلاحي لاصطفافه معه في التقاسيم المذكورة للحديث في كتب الفريقين كما يطلق المحدث والأخباري بمعنى واحد.
وهناك من ذهب إلى أن الحديث أخص لاختصاصه بقول النبي والصحابي والتابعي، والخبر أعم لشموله كل إنسان نقل هذا جلال الدين السيوطي قولاً لبعضهم.
وهناك قول آخر وهو أنهما متباينان: فالحديث مختص بالنبي أو الإمام، والخبر مختص بغيرهم. وهذا خلاف المصطلح ↑
- () الحديث روي عن ابن عباس. وأحمزها معناه أشقها وأمتنها وأقواها. (الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، ج4 (النجف، 1378هـ)، ص 16. ↑
- () الحر العاملي، الوسائل، ج1 (بيروت، 1391هـ)، ص 37. ↑
- () في نسخة «م»: الثاني. ↑
- () كقول النبي: «إذا هم العبد بالسيئة لم تُكتبْ عليه».الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج1، ص 37. ↑
- () يراجع بهذا الصدد: الكاشاني، محسن، تفسير الصافي، (طهران لا. ت). ص 76. ↑
- () سقطت عن نسخة (س). ↑
- () لا توجد في «م». ↑
- () الحديث «الأعمال بالنيات» يدل على أن العمل إنما يكون صحيحاً وتترتب عليه آثاره ومميزاته، ويتشخص عما يماثله من الأعمال بالنية. فهي تجعل العمل ممتازاً عما عداه، ومطبوعاً بطابعه الخاص. فالقيام إذا أوتي به بعنوان التعظيم صار عظيماً، وإذا أوتي به بعنوان الإهانة صار تحقيراً، وإذا أتي به ترويحاً للنفس صار مريحاً.وأما حديث «إن أفضل الأعمال أحمزها» فهو ناظر إلى أن العمل التام الكامل الجهات، المتصف بالنية المشخص له والمعين له أفضل أفراده وأنواعه هو أحمزها وأكثرها مشقة وعملاً.
وهذا نظير ما يقال إن الإنسان بإنسانيته يكون إنساناً فإذا قيل أفضل أفراد الإنسان هو المؤمن الأعلم فإن معناه أن من كان متصفاً بالإنسانية يكون أفضل أفراده المؤمن الأعلم. ↑
- () انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج2 (طهران، 1388هـ)، ص 69. ↑
- () (الفقه الرضوي) كتاب منسوب للإمام علي بن موسى الرضا (ع)، كما نُسبت له رسالتان الأولى في الطب، والأخرى (صحيفة الإمام الرضا). وقد صحت نسبتاهما إليه. أما كتاب الفقه الرضوي فقد كان موضوع نزاع بين العلماء وأول ما يرد حوله هو أنه لم يشتهر الأخذ منه أو الإشارة إليه في كتب المتقدمين من أهل الحديث. وقصة ظهوره يرويها المجلسي الأول حيث قال: أخبرني به السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين طاب ثراه بعدما ورد أصبهان قال: قد اتفق في بعض سني مجاورتي بيت الله الحرام أن أتاني جماعة من أهل قم حاجين، وكان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا صلوات الله عليه.وقال ولده المجلسي الثاني المتوفى سنة (1111هـ) في كتابه (بحار الأنوار ج1 ص 6): وسمعت الوالد (ره) أنه قال: سمعت السيد يقول كان عليه خطه (صلوات الله عليه) وكان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء. وقال السيد حصل لي العلم بتلك القرائن إنه تأليف الإمام، فأخذت الكتاب وكتبته… (اهـ) وبالجملة فإن هناك جملة أقوال في الكتاب نوردها بما يلي:
1 ـ القول بالحجية والاعتماد. وذهب إليه المجلسيان والسيد بحر العلوم وصاحب الرياض، وغيرهم.
2 ـ عدم الاعتبار لعدم كونه من الإمام وجهالة مؤلفة. وذهب إليه صاحب الوسائل وعدّه من الكتب المجهولة، وجماعة من الفقهاء كالسيد صاحب تحفة الأبرار، والمحقق صاحب الفصول.
3 ـ إنه مندرج تحت الأخبار القوية التي يحتاج التمسك بها إلى عدم وجود معارض أقوى منها.
4 ـ إنه بعينه رسالة علي بن بابويه إلى ولده الصدوق.
وقد ذكره المؤلف في منظومته الأصولية (السبائك المذهبة) المخطوطة في باب (القول في حجية مرسل العدل) فقال:
واحكم بحجية (فقه الرضوي)
لأنه معنى حديث قد رُوي
واعتمد القول به الفهامهْ
(بحرُ العلوم) خالي العلامة
وكل من قبل ومن تأخر
عنه عليه اعتمدوا كما ترى
وقد توفر على دراسة هذا الكتاب أفاضل من أهل العلم وألفوا حوله دراسات مهمة كالعلامة المرحوم السيد محمد مهدي الموسوي الكاظمي الأصبهاني الذي أبطل نسبة الكتاب إلى الإمام الرضا (ع) وهو مخطوط في مكتبته في مدينة الكاظمية بالعراق. وأورد الميرزا حسين النوري المتوفى سنة 1320هـ بحثاً جليلاً حول الكتاب في الجزء الثالث من مستدركه، ص 337.
كما ألف العلامة المبرور السيد حسن الصدر كتاباً في ذلك سماه «فضل القضا في تحقيق الكتاب المشتهر بفقه الرضا» كشف فيه حال هذا الكتاب، وبيّن أنه كتاب التكليف المعروف لابن أبي العزاقر المعروف (بالشلمغاني)، وقد طُبع هذا «الفصل» ببغداد سنة (1370هـ) أي بعد وفاة مؤلفه مُصدراً بترجمة ضافية في حياة المؤلف بقلم ابن شقيقته الحجة العلم السيد عبد الحسين شرف الدين المتوفى سنة (1377هـ). وقد نقلت هذا الكلام من إجازة السيد حسن الصدر للشيخ آغا بزرك الطهراني وهي مخطوطة بقلم الحجة الحبر السيد محمد صادق بحر العلوم (طاب ثراه) عن خط الحجة الراحل آغا بزرك الطهراني (قدس سره). ↑
- () القرآن الكريم: 2/63 (سورة البقرة). ↑
- () الرضا (المنسوب)، الإمام، الفقه الرضوي، (تبريز، 1274هـ)، ص 52. ↑
- () العبارة مضمون حديث مشهور. ↑
- () القرآن الكريم: 29/69 (سورة العنكبوت). ↑
- () ورد في الكافي ج5، ص 12: أن النبي بعث بسرية ـ أي طائفة من الجيش ـ فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر!! قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس. ↑
- () في (س): النية. ↑
- () بهذا الصدد يقارن: الطوسي، نصير الدين، أوصاف الأشراف، ص 47. ↑
- () في (س): غير. ↑
- () السؤال عن بعضهم، والعالم من ألقاب الإمام علي ابن الإمام موسى الكاظم، الملقب بـ (الرضا). ↑
- () في (س): بغيته. ↑
- () الفقه الرضوي، ص 52. ↑
- () هو علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم، من علماء الإمامية الكبار، عدّه ابن الأثير من مجددي مذهب الإمامية في رأس المائة الرابعة. تقلد نقابة الشرفاء وإمارة الحج والحرمين والنظر في المظالم والقضاء وبلغ على ذلك ثلاثين سنة.ذكره ابن خلكان ووصفه بأنه كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر، وعد القمي في الكنى والألقاب ج2، ص 480 تأليفاته فقال منها: الشافي في الإمامة لم يصنف مثله، والذخيرة، وجمل العلم والعمل، والذريعة، وكتاب الطيف والخيال… (1هـ). توفي سنة (436هـ) ودفن في الكاظمية، وبعدها نقل إلى الحائر الحسيني في كربلا (المزار في تعيين القبور للمؤلف). ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () هو محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الدمشقي الشافعي برع في العلوم وصار مدققاً حافظاً للحديث عارفاً بأنواعه له مصنفات منها، رياض الصالحين في كلام سيد المرسلين، والأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار، وغيرها. توفي سنة (677هـ).القمي، عباس، الكنى والألقاب، ج3 (النجف، 1970م)، ص 272. ↑
- () غير موجود في (س). ↑
- () في (س): من غير. ↑
- () انظر: الشريف المرتضى، أمالي المرتضى، ج2 (مصر، 1954م)، ص 315. ↑
- () انظر: الشريف المرتضى، أمالي المرتضى، ج2 (مصر، 1954م)، ص 315. ↑
- () غير موجودة في (م). ↑
- () هو رضي الدين علي بن سعد الدين ينتهي نسبه إلى الحسن المثنى ابن الحسن السبط. وهو أخ السيد أبي الفضائل أحمد. ولد سنة (589هـ) ذكره صاحب روضات الجنات ص 382 وأثنى عليه. له مؤلفات كثيرة وإجازات وبعض الأبيات الشعرية توفى سنة (664هـ) وقبره في الحلة. ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () في (س): الهامل لها. ↑
- () الفقه الرضوي، ص 52. ↑
- () في (س): ولعل هذا. ↑
- () في (س): للتهم والبهم. ↑
- () في (س): بعيد، وهو خلاف المعنى. ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () في (س): عند. ↑
- () هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي القحطاني البصري. عالم فاضل وشاعر نحوي لغوي كبير. كان واسع الرواية والحفظ، له مصنفات منها كتاب الجمهرة وهو من الكتب المعتبرة في اللغة، توفى ببغداد سنة (321هـ).الكنى والألقاب ج1، ص 284. ↑
- () عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ع) قال: إن العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير، فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله، إن الله واسع كريم. الكافي، ج2، ص 69. ↑
- () الفقه الرضوي، ص 52. ↑
- () هو الفقيه الشافعي أبو حامد الغزالي الملقب بـ«حجة الإسلام» له آراء كثيرة في التصوف، والزهد، ومؤلفات مختلفة. توفي سنة (505هـ). ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () قال الغزالي في بيان حديث (نية المرء خير من عمله): إنه قد يُظن أن سبب هذا الترجيح أن النية سر لا يطلع عليه إلا الله تعالى، والعمل ظاهر. ولعمل السر فضل. وهذا صحيح ولكن ليس هو المراد، لأنه نوى أن يذكر بقلبه أو بتفكير في مصالح المسلمين فيقتضي عموم الحديث أن تكون نية التفكر خيراً من التفكر. الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، ج4، (مصر، لا.ت)، ص 366. ↑
- () يعني الإمام جعفر بن محمد الملقب بالصادق. ↑
- () لم أقف على الحديث في كتاب مصابيح الظلم من المحاسن في النسخة المطبوعة. ومن الممكن أن المخطوطة التي اعتمد عليها المؤلف تحتوي على زيادات افتقرتها النسخة المطبوعة. وفي الكتاب كلام ليس هنا محله، إلا أنّه دخلته الزيادة والنقيصة كما ذكره النجاشي في ترجمة البرقي قال: «صنف كتباً منها المحاسن، وقد زيد فيه ونقص». النجاشي، الرجال ص 59. ↑
- () القرآن الكريم: 17/84 (سورة البقرة). ↑
- () في (س): أي. ↑
- () كلمة (أبي) زيادة في النسختين، ولا توجد في نسخة الكافي المطبوعة. ↑
- () انظر الكافي، ج2، ص 69. ↑
- () هو الشيخ محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلمي السمرقندي، من علماء الإمامية، له اضطلاع واسع بالرواية والأخبار، ومصنفات كثيرة تزيد على مائتي مصنف، منها تفسيره المعروف. ذكره كثير من الرجاليين وأثنوا عليه، توفي سنة (320هـ). ↑
- () انظر العياشي، محمد بن مسعود، التفسير، تحقيق السيد هاشم المحلاتي، ج2، (قم، 1380هـ)، ص 316. ↑
- () في (س): كثرها، وهذا القول منسوب إلى الإمام علي ابن أبي طالب (ع). ↑
- () في (س): بخلاف العمل فقد. ↑
- () التقية حالة تهدف إلى حفظ النفس فيما إذا تعرضت للمخاوف، وذلك بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها، كما ذكر ذلك الجصاص الحنفي في كتاب «أحكام القرآن» ج2، ص 10. وحول موضوع التقية يمكن مراجعة المقالات في المذاهب المختارات للشيخ المفيد، ص 261، وحقائق التأويل في متشابه التنزيل للشريف الرضي، ص 74. والتفسير الكاشف للشيخ محمد جواد مغنية، ج2، ص 41. وأصل الشيعة وأصولها للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. ↑
- () الفقه الرضوي، ص 52. ↑
- () كما في الإغسال الواجبة والمستحبة حيث «يصحّ التداخل بين الإغسال مع النية واتحاد الوجه. ويجزي غسل الجنابة وغسل الميت في الواجبات عن غيرها، وغسل الجمعة في المستحبات عن غيره بدون ذلك». انظر: القزويني، فلك النجاة، ص 22. ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () وهي قوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. القرآن الكريم: 5/55 (سورة المائدة). روى ذلك ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن كهيل، والطبراني في معجمه. وأورده أيضاً الزمخشري في الكشاف ج1، ص 649، والطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج6، ص 288، والفخر الرازي في التفسير الكبير، ج12، ص 26، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم، ج2، ص 71، والبيضاوي في أنوار التنزيل واسرار التأويل، ص 154، والسيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج2، ص 293، والهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج7، ص 16. وقال بعضهم إنها نزلت في عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود. والقول الأول هو المشهور. ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () انظر: الفقه الرضوي، ص 52. ↑
- () العبادات كالصلاة والصوم. ↑
- () العقود: هي الأمور التي تحتاج إلى ألفاظ مخصوصة بين اثنين كالبيع والشراء. ↑
- () الإيقاعات: هي الأعمال التي تحتاج للألفاظ المعينة من طرف واحد كالطلاق. ↑
- () المباراة: وهي نوع من أنواع الطلاق. ↑
- () اللقطة: هي المال الضائع المجهول مالكه. ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () الصدوق، الشيخ، علل الشرائع، ج2، ص 524. ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () انظر الفقه الرضوي، ص 52. ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () في (س): أعماله. ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () مرت الإشارة إلى التقية فراجعه. ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () في (س): على. ↑
- () غير موجودة في (س). ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () في (س): وأن. ↑
- () القرآن الكريم: 26/88 ـ 89 (سورة الشعراء). ↑
- () هو من كتب المنسوبة للإمام أبي عبدالله الصادق. وقد استبعد نسبته كثير من العلماء منهم المجلسي إذ قال: إن سنده ينتهي إلى الصوفية، ولذا اشتمل على كثير من اصطلاحاتهم وعلى الرواية عن مشايخهم. «انظر: بحار الأنوار ج1، ص 13». ↑
- () انظر: مصباح الشريعة، ص 3. ↑
- () القرآن الكريم 2/284 (سورة البقرة). ↑
- () غير موجود في (س). ↑
- () في (س): التسويد. ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () زيادة في (س). ↑
- () قال ابن الأثير في الكامل: إن رسول الله (ص) أرسل ابن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى يدعوه ومن معه بالبحرين إلى الإسلام، وكانت ولاية البحرين للفرس فاسلم المنذر ومن معه وأسلم جميع العرب الذي بالبحرين، وأما أهل البلاد من اليهود والنصارى والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية عن كل حالم دينار ولم يكن بالبحرين قتال. ↑
- () محيط المحيط، مادة قلّد. ↑
- () المعجم الأدبي لعبد النور، ص 76. ↑
- () م.ن، ص 75. ↑
- () معجم ألفاظ القرآن الكريم: مادة قلد. ↑
- () يعني به الإسناد الذي ذكره في مقدمة كتابه المذكور.عن أبي جعفر مهدي بن أبي حرب الحسيني المرعشي، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد الدوريستي، عن أبيه محمد بن أحمد، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق)، عن أبي الحسن محمد بن القاسم المفسر الاسترابادي، عن أبي يعقوب يوسف بن محمد بن زياد وأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن سيار، عن الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (ع).
وهو سند روايته للتفسير المنسوب للإمام العسكري (ع)، ونسبه التفسير المذكور للإمام العسكري (ع) موضع خلاف بين علمائنا من حيث النفي والإثبات. ويرجع سبب الاختلاف عند بعضهم إلى عدم اعتباره السند المذكور، لجهالة محمد بن القاسم، المفسر الأسترابادي، أو لتضعيفه من قبل ابن الغضائري، وجهالة من روى عنهما مباشرة، وهما ابن زياد وابن سيار.
وعند بعضهم الآخر لقضايا تاريخية وأخرى عقائدية ذكرت في التفسير لا يعتقد صدورها من المعصوم، لما فيها من الغلو أو ما يشبهه، وعند غيرهم لورود الحديث في التقليد بأصول الدين، فلا علاقة له بما نحن فيه.
وفي الطرف الآخر، اعتمد الآخرون اعتماد الشيخ الصدوق عليه بالقدر الذي يرتفع به إلى مستوى توثيق الاسترابادي والوثوق بروايته.
وقد تناول موضوع نسبة التفسير إلى الإمام العسكري (ع) بالبحث المناسب كل من:
ـ الميرزا النوري في خاتمة المستدرك عند حديثه عن المفسر الاسترابادي، واختار صحة نسبة التفسير.
ـ وشيخنا الطهراني في «الذريعة» عند حديثه عن «تفسير العسكري»، وصحح النسبة أيضاً. وذكر كل منهما أسماء العلماء النافين للنسبة والعلماء المثبتين لها.
والذي يهمنا أن نشير إليه ـ هنا هو أن التفسير المذكور له سند آخر ذكره ابن شهرآشوب في «المناقب»، كما نقل عنه ذلك في «المستدرك» و«الذريعة» ينتهي إلى الحسن بن خالد البرقي، وهو ثقة.
وقال في «معالم العلماء»: «الحسن بن خالد البرقي أخو محمد بن خالد، من كتبه: تفسير العسكري من إملاء الإمام(ع) ماية وعشرون مجلدة».
ومن الغريب أن ابن الغضائري الذي نُقل عنه تضعيف الاسترابادي قد جاء اسم الأسترابادي في إسناد المحقق الكركي في إجازته للقاضي صفي الدين عيسى، راوياً عن الصدوق عن المفسر الأسترابادي عمن روى عنهما عن الإمام العسكري.
ونص الإسناد هو: «المحقق الكركي عن أحمد بن فهد عن محمد بن معية عن علي بن عبد الحميد بن فخار الحسيني عن والده عبد الحميد عن علي بن العريضي عن محمد بن شهرآشوب عن محمد بن معبد العلوي الحسيني، كلاهما عن الشيخ الطوسي عن ابن الغضائري عن الصدوق عن محمد بن القاسم المفسر الجرجاني عن يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار عن الإمام العسكري».
وهذا مما يدعونا إلى التشكيك في صحة نسبة التضعيف لابن الغضائري.
وقد يكون هذا لعدم صحة نسبة كتاب «الضعفاء» إليه كما هو رأي غير واحد من علمائنا.
وعلى أية حال: إن هذا التفسير لا يختلف حاله، من حيث محتوياته، عن كتب الحديث الأخرى أمثال الكافي والتهذيب، ففيه ما يقبل بلا تأويل، ومنه ما يقبل مع التأويل، وفيه ما لا يقبل.
والاعتماد، في تحقيق الحال على القرائن، وهو ما لوّح إليه الشيخ الأنصاري في رسالته «الاجتهاد والتقليد» عند استشهاده بحديث التقليد المذكور في أعلاه نقلاً عن التفسير المذكور بقوله: «دل هذا الخبر الشريف اللايح منه آثار الصدق على جواز قبول قول من عرف بالتحرز عن الكذب، وإن كان ظاهره، اعتبار العدالة بل ما فوقها، لكن المستفاد من مجموعه أن المناط في التصديق هو التحرز عن الكذب فافهم».
فالمدار، في تقييم الرواية، هو الوثوق بالصدور، سواء كان هذا عن طريق الوثوق بالراوي أم عن طريق القرائن المصاحبة أو الملابسة للرواية. ↑
- () الهدف (بكسر الهاء وسكون الدال المهملة بعدها فاء): الرجل الجسيم الطويل العنق. ↑
- () الأصول العامة، 640. ↑
- () ربيعة الرأي: هو ربيعة بن فروخ المدني المتوفّى سنة 136هـ، كان من أكابر فقهاء مدرسة الرأي السنية، وكانت له حلقة تدريس في مسجد النبي (ص)، فيها تفقه الإمام مالك، وفيها تخرج. ↑
- () انظر: مسائل وردود، ط2، ص 5. ↑
- () انظر: الاجتهاد والتقليد للسيد رضا الصدر، 91 ـ 94. ↑
- () السيد البجنوردي، المنتهى، 2/632. ↑
- () السيد البجنوردي، المنتهى، 2/632. ↑
- () عن مصباح المنهاج، ص 9. ↑
- () قالوا: “إن أصل وجوب التقليد ليس بتقليدي لاستلزامه للدور”.”فلا يمكن العامي أن يقلد في هذه المسألة، أي يرجع إلى مجتهد استنبط وجوب رجوع العامي إلى المجتهد للزوم الدور، وهو توقف حجية رأي المجتهد في هذه المسألة على حجية رأيه”.
وبتوضيح أكثر: إن أصل حجية تقليد المجتهد تتوقف على حجية تقليده في هذه المسألة، وحجية تقليده في هذه المسألة تتوقف على أصل حجية تقليده، فتكون النتيجة: إن أصل حجية تقليده تتوقف على أصل حجية تقليده… وهذا هو عين توقف الشيء على نفسه الذي هو الدور المحظور. ↑
- () عن التقليد في الشريعة الإسلامية، 267. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () الأصول العامة، ص 670. ↑
- () الأصول العامة، ص 670. ↑
- () كي لا يثور بالفقير فقره فيخرجه عن طوره إلى التمرد والعصيان أو إلى البوار والفناء. ↑
- () يقال: مهر الشيء، وفيه، وبه، مهارة: احكمه، وصار به حاذقاً، فهو ماهر.ويقال: مهر في العلم، وفي الصناعة وغيرها. (انظر: المعجم الوسيط: مادة: مهر). ↑
- () مصباح المنهاج: الاجتهاد والتقليد، ص 68. ↑
- () انظر: الاجتهاد والتقليد، ص 185، فإنه نقله عن: دروس في فقه الشيعة، 1/79. ↑
- () التنقيح: 1/142. ↑
- () التنقيح: 1/143. ↑
- () الشهيد الصدر، النعماني، ط2، ص 166. ↑
- () الشهيد الصدر، النعماني، ص 167 و168. ↑
- () انظر كتابنا: تاريخ التشريع الإسلامي: ابتداء الغيبة الكبرى. ↑
- () دراسات في ولاية الفقيه، 1/ 458 و486. ↑
- () م. س، ص475 و476. ↑
- () المنطق، 1/ 79 و80. ↑
- () منتهى الأصول: 2/ 645. ↑
- () الاجتهاد والتقليد ـ للصدر، ص413. ↑
- () التنقيح، 1/ 120. ↑
- () م.س.، ص132. ↑
- () م.س.، ص129. ↑
- () يرجع إلى معرفة الفرق بين الأصل والدليل إلى كتابنا: «دروس في أصول فقه الإمامية». ↑
- () سورة البقرة: 2/ 31. ↑
- () سورة الرحمن: 55/ 1 – 4. ↑
- () سورة الروم: 30/ 22. وتمام الآية: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين). ↑
- () في نسخة (ك): إبتداء. ↑
- () المقصود بالأجرام الألوان الواردة في الآية التي تميّز ألوان البشر عن بعضها الآخر. ↑
- () في نسخة (ك): مقابلته بالألوان. ↑
- () سورة العلق: 96/ 1 – 5. ↑
- () سورة إبراهيم: 14/ 4. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 282. ↑
- () سورة النمل: 27/ 28. ↑
- () سورة مريم: 19/26. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 41. ↑
- () ساقطة من نسخة (ك). ↑
- () في نسخة (ك): فعلى. ↑
- () سورى الشورى: 42/ 51. ↑
- () زيادة في نسخة (ك). ↑
- () سورة الحاقة: 69/ 40. وسورة التكوين: 81/ 19. ↑
- () سورة النساء: 4/ 164. ↑
- () سورة النساء: 4/ 103. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 11. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 31 ـ 32. ↑
- () عباد بن سليمان الصيمري: من أئمة المعتزلة، له آراء بالنحو. تناقلت الكتب الأصولية رأيه في الوضع القائل: إنّ دلالة اللفظ على معناه ناشئ عن مناسبة ذاتية بينهما. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 33. ↑
- () سورة العنكبوت: 29/ 17. ↑
- () سورة النجم: 53/ 23. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 71. ↑
- () سورة النجم: 53/ 27. ↑
- () سورة النساء: 4/ 94. ↑
- () سورة الأحزاب: 33/ 4. ↑
- () في نسخة (ك): علامة. ↑
- () سورة الأحزاب: 33/ 5. ↑
- () سورة المجادلة: 58/ 2. ↑
- () في نسخة (ك): علامة. ↑
- () سورة الواقعة: 56/ 10 ـ 11. ↑
- () في نسخة (ك): فيها دلالة. ↑
- () سورة الأحزاب: 33/ 4. ↑
- () سورة النساء: 4/ 83. ↑
- () الدلالة الالتزامية: هي دلالة شيء على شيء آخر كدلالة الدخان على وجود النار. ↑
- () الدلالة المطابقية: دلالة اللفظ على المعنى نفسه، كلفظ مدرسة الدال على مكان الدراسة. ↑
- () قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) سورة الأحقاف: 46/ 15. وقوله تعالى: (وفصاله في عامين)، سورة لقمان: 31/ 14. ↑
- () سورة الشعراء: 26/ 193 ـ 194. ↑
- () سورة العنكبوت: 29/ 49. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 188. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 93. ↑
- () سورة فصّلت: 41/ 30. ↑
- () سورة الجن: 72/ 16. ↑
- () سورة المعارج: 70/ 23. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 180. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 110. ↑
- () في نسخة (ك): للمجاز. ↑
- () سورة القمر: 54/ 50. ↑
- () سورة المُلك: 67/3. ↑
- () سورة النمل: 27/ 32 ـ 33. ↑
- () سورة الشعراء: 26/ 34 ـ 35. ↑
- () سورة التحريم: 66/ 6. ↑
- () سورة النور: 24/ 63. ↑
- () سورة إبراهيم: 14/ 4. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 68. ↑
- () سورة طه: 20/93. ↑
- () سورة الجن: 72/ 23. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 12. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 61. ↑
- () سورة النحل: 16/ 40. ↑
- () سورة الكهف: 18/ 50. ↑
- () سورة المرسلات: 77/ 48. ↑
- () سورة البيّنة: 98/ 5. ↑
- () سورة الحج: 22/ 77. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 40. ↑
- () سورة الرعد: 13/ 21. ↑
- () في ك السادسة عشرة. ↑
- () سورة الرعد: 13/ 25. ↑
- () سورة ص: 38/ 44. ↑
- () سورة القمر: 54/ 50. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 67. ↑
- () سورة التغابن: 64/ 16. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 133. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 148. ↑
- () سورة الأنبياء: 21/ 90. ↑
- () سورة الواقعة: 56/ 10. ↑
- () سورة الجمعة: 62/ 10. ↑
- () سورة طه: 20/ 132. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 145. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 46. ↑
- () سورة الأنفال: 8/ 60. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 120 ـ 121. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 81. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 82. ↑
- () سورة الفرقان: 25/ 62. ↑
- () سورة عبس: 80/ 23. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 23. ↑
- () سورة فصلت: 41/ 12. ↑
- () سورة طه: 20/ 72. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 115. ↑
- () سورة الأنبياء: 21/ 94. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 272. ↑
- () علم الهدى، الشريف المرتضى؛ ولد ببغداد سنة 355هـ/966م، وتوفي فيها سنة 436هـ/1044م. ↑
- () سورة الليل: 92/ 19 ـ 20. ↑
- () سورة آل عمران: 3/145. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 84. ↑
- () سورة النجم: 53/ 39. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 195. ↑
- () سورة سبأ: 34/ 28. ↑
- () في نسخة (ك): التعييني. وما ورد في الأصل هو الصحيح بقرينة ما ورد في الآية الثالثة من قوله «يدلّ على الوجوب المعيّن». فالمصنّف يعبّر عن الوجوب التعييني بالوجوب المعيّن (تعليقة الشيخ محسن الأراكي). ↑
- () سورة يونس: 10/ 105. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 78. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 43. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 97. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 104. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 159. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 122. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 115. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 149. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 286. ↑
- () سورة الحج: 22/ 77. ↑
- () سورة الحج: 22/ 78. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 185. ↑
- () سورة سبأ: 34/ 28. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 48. ↑
- () سورة الحج: 22/ 67. ↑
- () في نسخة (ك): تديّن. ↑
- () سورة التغابن: 64/ 16. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 56. ↑
- () سورة الحشر: 59/ 7. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 91. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 38. ↑
- () سورة النساء: 4/ 31. ↑
- () سورة الفرقان: 25/ 68. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 22. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 20. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 19. ↑
- () سورة الأحزاب: 33/ 4. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 82. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 53. ↑
- () سورة النساء: 4/ 29. ↑
- () سورة الممتحنة: 60/ 8. ↑
- () سورة إبراهيم: 14/ 4. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 2. ↑
- () سورة محمد: 47/ 30. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 40. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 177. ↑
- () سورة النحل: 16/ 91. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 4. ↑
- () سورة الطلاق: 65/ 3. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 1. ↑
- () سورة الصافات: 37/ 180. ↑
- () سورة المدثر: 74/ 31. ↑
- () سورة الحجرات: 49: 11. ↑
- () في نسخة (ك): لا توجد كلمة (عدم). ↑
- () سورة المؤمنون: 23/91. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 142. ↑
- () سورة النساء: 4/ 154. ↑
- () سورة الجن: 72/ 18. ↑
- () سورة إبراهيم: 14/ 4. ↑
- () سورة سبأ: 34/ 28. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 62. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 38. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 275. ↑
- () سورة العصر: 103/ 2 ـ 3. ↑
- () سورة النساء: 4/ 34. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 26. ↑
- () سورة النساء: 4/ 11. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 10. ↑
- () سورة النساء: 4/ 11. ↑
- () سورة الجن: 72/ 6. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 67. ↑
- () سورة الحشر: 59/ 20. ↑
- () سورة الزمر: 39/ 9. ↑
- () سورة السجدة: 32/ 18. ↑
- () سورة فاطر: 35/ 19 ـ 22. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 173. ↑
- () نقل في سبب نزول هذه الآية: (الذين قال لهم الناس) إن القائل هو نعيم بن مسعود الأشجعي. وكان قد سعى لتثبيط أصحاب النبي (ص) في مواجهة أعدائهم في بعض الوقائع القتالية بعدما اتفق مع خصومهم على ذلك. فنزلت الآية لتعبّر عن لفظ الواحد عن الجميع. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 1. ↑
- () في نسخة (ك): حجّة. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 34. ↑
- () سورة الحجر: 15/ 99. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 19. ↑
- () سورة إبراهيم: 14/ 52. ↑
- () سورة الزمر: 39/ 18. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 3. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 145. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 43. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 86 ↑
- () سورة النور: 24/ 62. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 7. ↑
- () في نسخة (ك): نصّ. ↑
- () سورة القيامة: 75/ 19. ↑
- () سورة يونس: 10/ 39. ↑
- () في نسخة (ك): أو إنكاره. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 189. ↑
- () سورة النحل: 16/ 89. ↑
- () سورة إبراهيم: 14/ 52. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 19. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 3. ↑
- () سورة الزمر: 39/ 18. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 63. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 144. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 145. ↑
- () سورة الحجر: 15/ 9. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 13. ↑
- () يقصد المؤلف بالتحريف وقوع التحريف في تفسير القرآن بخلاف ما أراد الله به، وليس بالنصّ القرآني الذي يُشيرُ في الآيات اللاحقة إلى إعجازه. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 79. ↑
- () في نسخة (ك): مُتَوجه. ↑
- () سورة النساء: 4/ 82. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 23. ↑
- () سورة هود: 11/ 13. ↑
- () سورة المُزمل: 73/ 4. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 2. ↑
- () سورة إبراهيم: 140/4. ↑
- () في نسخة (ك): في. ↑
- () سورة الأنبياء: 21/ 2. ↑
- () سورة الحشر: 59/ 7. ↑
- () سورة النور: 24/ 63. ↑
- () في نسخة (ك): مما. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 92. ↑
- () في نسخة (ك): أمروا. ↑
- () سورة المؤمنون: 23/ 44. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 6. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 122. ↑
- () في نسخة (ك): يجيب. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 159. ↑
- () سورة ياسين: 36/ 13 ـ 14. ↑
- () سورة النمل: 27/ 22. ↑
- () في الأصل (الحيوان)، وقد آثرتُ إبدالها بما هو مثبّت بالمتن لانطباق الآية عليه. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 61. ↑
- () سورة القصص: 28/ 25. ↑
- () سورة القصص: 28/ 26. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 17. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 13. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 81. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 82. ↑
- () في نسخة (ك): ولو. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 96. ↑
- () في نسخة (ك) القميص. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 173. ↑
- () في نسخة (ك): قوله. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 155. ↑
- () في نسخة (ك): لعرض. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 159. ↑
- () سورة الأحقاف: 46/ 29. ↑
- () سورة الجن: 72/ 1. ↑
- () سورة القلم: 68/ 10 ـ 11. ↑
- () سورة الكهف: 18/ 28. ↑
- () في نسخة: كامل. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 16. ↑
- () في نسخة (ك): عن. ↑
- () في نسخة (ك): في. ↑
- () سورة السجدة: 32/ 18. ↑
- () سورة الزمر: 39/ 18. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 32. ↑
- () سورة الأحزاب: 33/ 21. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 90. ↑
- () سورة ص: 38/ 39. ↑
- () في نسخة (ك): المعصومين. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 77. ↑
- () سورة التحريم: 66/ 3. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 6. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 21. ↑
- () سورة الصافات: 37/ 102. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 44. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 15. ↑
- () سورة يونس: 10/ 71. ↑
- () سورة النساء: 4/ 115. ↑
- () سورة النساء: 4/ 167. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 153. ↑
- () سورة النحل: 16/ 9. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 153. ↑
- () سورة الزخرف: 43/ 4. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 153. ↑
- () سورة الرعد: 13/ 7. ↑
- () في نسخة (ك): خالف الحقّ، أو زاد. ↑
- () سورة القصص: 28/ 15. ↑
- () سورة النساء: 4/ 59. ↑
- () في نسخة (ك): بالدين. ↑
- () سورة النساء: 4/ 59. ↑
- () سورة النساء: 4/ 65. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 9. ↑
- () سورة الممتحنة: 60/ 7. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 6. ↑
- () سورة ص: 38/ 27. ↑
- () سورة الحجر: 15/ 85. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 190. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 157. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 216. ↑
- () سورة النساء: 4/ 160. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 4. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 13. ↑
- () سورة النساء: 4/ 47. ↑
- () سورة العنكبوت: 29/ 34. ↑
- () سورة النحل: 16/ 90. ↑
- () سورة القلم: 68/ 35. ↑
- () سورة ص: 38/ 28. ↑
- () سورة الزمر: 39/ 9. ↑
- () سورة السجدة: 32/ 18. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 15. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 32. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 33. ↑
- () سورة العنكبوت: 29/ 43. ↑
- () سورة ق: 50/ 37. ↑
- () سورة الأنفال: 8/ 17. ↑
- () سورة الإنسان: 76/ 30. ↑
- () سورة الكهف: 18/ 29. ↑
- () سورة الإنسان: 76/ 3. ↑
- () سورة الحج: 22/ 10. ↑
- () سورة الشورى: 42/ 30. ↑
- () سورة فصّلت: 41/ 46. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 7. ↑
- () سورة الأحزاب: 33/ 36. ↑
- () سورة القصص: 28/ 68. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 145. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 32. ↑
- () سورة الطلاق: 65/ 7. ↑
- () سورة الأنفال: 8/ 42. ↑
- () في نسخة (ك): التعين. ↑
- () سورة الإسراء: 17/ 15. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 63. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 144. ↑
- () في نسخة الأصل: الفحص. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 115. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 201. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 286. ↑
- () سورة الطلاق: 65/ 7. ↑
- () سورة الحج: 22/ 78. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 185. ↑
- () سورة الأنعام: 6/ 81. ↑
- () سورة ا لأحقاف: 46/ 16. ↑
- () سورة الزمر: 39/ 55. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 102. ↑
- () سورة التغابن: 64/ 16. ↑
- () سورة الصافات: 37/ 141. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 44. ↑
- () سورة الحجر: 15/ 99. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 187. ↑
- () سورة النساء: 4/ 163. ↑
- () سورة الشورى: 42/ 13. ↑
- () سورة فصلت: 41/ 43. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 45. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 183. ↑
- () سورة النمل: 27/ 60. ↑
- () في نسخة (ك): قاطعين. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 91. ↑
- () سورة طه: 20/ 67 ـ 68. ↑
- () سورة الزخرف: 43/ 32. ↑
- () سورة المؤمنون: 23/ 55 ـ 56. ↑
- () سورة آل عمران: 3/ 178. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 106. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 122. ↑
- () في نسخة (ك) دعوى. ↑
- () سورة الأحقاف: 46/ 29. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 122. ↑
- () سورة المائدة: 5/ 169. ↑
- () سورة يونس: 10/ 36. ↑
- () في نسخة (ك) فلا. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 12. ↑
- () سورة النساء: 4/ 157. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 78. ↑
- () سورة الزخرف: 43/ 20. ↑
- () سورة النحل: 16/ 43. ↑
- () سورة يونس: 10/ 35 ↑
- () في نسخة (ك): تقديم. ↑
- () سورة الطلاق: 65/ 7. ↑
- () في نسخة (ك): هو. ↑
- () سورة البقرة: 2/ 63. ↑
- () سورة الأعراف: 7/ 144. ↑
- () سورة يوسف: 12/ 79. ↑
- () سورة سبأ: 34/ 18. ↑
- () سورة الأنفال: 8/ 29. ↑
- () سورة العنكبوت: 29/ 69. ↑
- () سورة القلم: 68/ 35. ↑
- () سورة السجدة: 32/ 18. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 6. ↑
- () سورة النحل: 16/ 43. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 119. ↑
- () سورة يس: 36/ 21. ↑
- () سورة فاطر: 35/ 22. ↑
- () سورة الزخرف: 43/ 23. ↑
- () سورة ص: 38/ 39. ↑
- () سورة لقمان: 31/ 15. ↑
- () سورة الكهف: 18/ 103. ↑
- () في نسخة (ك): وخلافها. ↑
- () سورة النساء: 4/ 167. ↑
- () سورة الزمر: 39/ 18. ↑
- () سورة الزمر: 39/ 55. ↑
- () سورة يونس: 10/ 35. ↑
- () سورة التوبة: 9/ 119. ↑
- () سورة القلم: 68/ 35. ↑
- () سورة ص: 38/ 28. ↑
- () سورة السجدة: 32/ 18. ↑
- () سورة الحجرات: 49/ 10. ↑
- () سورة النساء: 4/ 128. ↑
- () هكذا وردت في الأصل. ↑
- () في نسخة (ك): وكان الفراغ من تجديد مسودتها عشية السبت حادي عشر من شهر رمضان المبارك من شهور سنة الثالثة والتسعين بعد الألف والمائتين هجرية، على مهاجرها ألف صلاة وسلام وتحية على يد مؤلفها مهدي الحسيني.إنتهى ما رقمه قلمُهُ الشريف أدام الله بقاه، ومتّعنا بوجوده الإله. آمين بمحمّد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين.
وقد وقع الفراغ على يد الحقير الفقير المذنب الجاني محمد بن الحسين القفطاني لقبا، النجفي مسكناً ومدفناً إن شاء الله ضحى يوم الأربعاء سابع شهر رمضان المبارك من سنة السادسة بعد ألف وثلثمائة هجرية على مهاجرها الصلاة والسلام والتحية، والحمد لله رب العالمين. حرره الأقل عبد الرضا جعفري زاده. ↑
- () في كتاب منتقلة الطالبيين المخطوط بمكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام العامة في النجف الأشرف ص 6: أبو الحسن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قتل بباخمرى من أرض البصرة، وفي موضع آخر منه ص 92 في حرف الباء باخمرى موضع بناحية الكوفة.قلت: ويظهر من هذين الحدين أن باخمرى واقعة بين حدود البصرة والكوفة، ولذا تارة تلحق بالكوفة وأخرى بالبصرة. ↑
- () قلت: وأبو جوارير اليوم أرض سبخة وأطلال أثرية مترفعة عن مستوى الأرض يبدو أنها آثار مدينة قديمة، على الضفة الشرقية للفرات، وفي الشرق الجنوبي لمرقد إبراهيم، على بعد كيلوي متر ونصف، كما يبعد مرقده عن مدينة «الحمزة» الشرقي ـ الشرجي 20 كيلومتراً، وعن مدينة «الرميثة» 10 كيلومترات، وعن الجادة العامة شمال القبر كيلومتراً ونصف، ويقرب من مرقده «آل عون» أحد حمائل القبيلة الشهيرة «بني عارض» إحدى قبائل كبشة ـ جبشة.ومرقده في مقاطعة «القيمية» البالغ مساحتها 200 دونم، والعائدة للمرقد الشريف يتولونها ورثة سادنه الأول الشيخ جبر من قبيلة «آل فتلة» المشخاب، واليوم يتولونها أحفاده البالغ عددهم 16 رجلاً.
وقت على قبره يوم الخميس 10 شوال سنة 1387هـ ـ 11 كانون الثاني سنة 1968، وكان على نشز من الأرض عامراً جديد البناء، وكان تجديده سنة 1385هـ، ودكة قبره في وسط حرم كان كل من طوله وعرضه خمسة أمتار ونصف، وكان حرمه مفروشاً للزائرين والمصلين، تظل القبر قبة سميكة مخروطة البناء،…، ارتفاعها حدود 10 أمتار وفي شرقيّه وغربيّه رواقان متصلان به، أمامه طارمة شمالية جديدة أيضاً وفي جانب قبره الشرقي غرف للزائرين، أمام قبره مقبرة يدفن فيها من لا يتمكن من نقله إلى وادي السلام في النجف الأشرف.
قال الشيخ عباس القمي في سفينة البحار 1: 78 عند ذكر إبراهيم الغمر: إن إبراهيم هذا غير إبراهيم قتيل باخمرى ابن عبدالله المحض بل هذا أخو عبدالله والد إبراهيم ذاك، وكذا غير إبراهيم الذي ذكره الشيخ الطريحي في «جامع المقال» أنه مدفون «بالأحيمر» وهو قرية قريبة من الكوفة، وهي التي قتل فيها إبراهيم بن عبدالله من ولد النفس الزكية. ثم قال: ويشهد له أن بين «الشنافية» و«الكوفة» مكاناً يعرف في لسان السواد بالأحيمر وبه قبر يعرف بقبر إبراهيم، وتسمية المكان بالأحمر قيل لأن فيه قبر إبراهيم وكان أحمر العين. وفي أعيان الشيعة 5: 309 عن رجال الطريحي أحمر قرية قريبة من الكوفة قتل فيها إبراهيم بن عبدالله من ولد النفس الزكية، واستظهر بعضهم أنه أراد به إبراهيم هذا، واستفاد أن أحمر هي باخمرى، قال: وبين الشنافية والكوفة مكان يعرف بالأحيمر وفيه قبر يعرف بقبر إبراهيم.
أقول: الظاهر أنه غيره لأن ذا النفس الزكية محمد بن عبدالله بن الحسن أخو المترجم له. ↑
- () مشيراً إلى قول الإمام الصادق عليه السلام لآل الحسن بأن الخلافة تصير إلى السفاح وأخوته وأبنائهم، وأخبرهم أيضاً أن محمداً وإبراهيم ابني عبدالله مقتولان، وإن صاحب الرداء الأصفر وهو المنصور يقتل محمداً. قاله السيد محسن الأمين في المجالس السنية 4: 120. ↑
- () في عمدة الطالب ط بمبي، ص 86: إنه جيء برأس إبراهيم (إلى المنصور وهو بالكوفة) فوضع في طشت بين يديه، والحسن بن زيد بن الحسن بن علي عليهم السلام واقف على رأسه وعليه السواد فخنقته العبرة والتفت إليه المنصور وقال: أتعرف رأس من هذا؟ قال: نعم وأنشأ يقول:فتى كان يحميه من الضيم سيفه
وينجيه من دار الهوان اجتنابها
فقال له المنصور: صدقت، ولكن أراد رأسي فكان رأسه أهون علي. ↑
- () في «مروج الذهب»، ط. بيروت 3: 299 وأتي برأس إبراهيم بن عبدالله فوجه به المنصور مع الربيع إليهم، فوضع الرأس بين أيدي آل الحسن، وعبدالله يصلي، فقال: له إدريس أخوه أسرع في صلاتك يا أبا محمد فالتفت إليه وأخذ الرأس فوضعه في حجره وقال له: أهلاً وسهلاً يأ أبا القاسم، والله لقد كنت ـ ما علمتك ـ من الذين قال: الله عزّ وجلّ فيهم (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن…).فقال له الربيع كيف أبو القاسم في نفسه؟ قال: كما قال الشاعر:
فتى كان يحميه من الذل سيفه
ويكفيه أن يأتي الذنوب اجتنابها
ثم التفت إلى الربيع فقال:
«قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام والملتقى يوم القيامة».
قال الربيع فما رأيت المنصور قط أشد انكساراً منه في الوقت الذي بلغته فيه هذه الرسالة. ↑
- () يقع في «مقاطعة الهبنة» رقم 38 قطعة 116 بتسوية حقوق الأراضي، في سلف «بني منصور» يبعد حدود 3 كيلومترات عن «قضاء الهاشمية» في لواء الحلة، في الجانب الغربي.وقفت عليه بتاريخ 8 ربيع الأول سنة 1387هـ ـ 17 تموز 1967م، ويقع القبر في الحد الشرقي للآثار والأطلال القديمة المعروفة عندهم بآثار الهاشمية القديمة البالغ مساحتها اليوم 100 دونم، والقبر المنسوب لإبراهيم هذا لم يبق منه سوى نصف جدرانه قائمة محاطة بالأنقاض والحجارة، وفي وسط الحجرة دكة القبر المغطاة ببردة خضراء وعليها قرآن كريم وسراج نفطي، وكانت أبواب القبر وأخشابه العتيقة مبعثرة إلى جنب القبر، وكان بعد القبر عن نهر الجربوعية الحالي حدود 250 متراً، وكان قوام قبره من قبيلة الجوازرية. ↑
- () يراجع كتاب الكافي للكليني، ط إيران، ص321. ↑
- () تاريخ ابن الأثير، ج7، وتاريخ أبي الفداء، ج2، وكتاب فوات الوفيات. ↑
- () بارتولد، تركمنستان نامه المجلد الأول، ص 168. ↑
- () المسالك والممالك، ص226، معجم البلدان الجزء الخامس، ص46. ↑
- () بارتولد، القسم الأعظم من الجزء الأول لتركمنستان نامه خصه بالبحث في المناطق المختلفة لما وراء النهر. ↑
- () أحسن التقاسيم القسم الثاني، ص379. ↑
- () المسالك والممالك، ص234؛ صورة الأرض، ص205، معجم البلدان الجزء الثاني، ص26، تقويم البلدان، ص581. ↑
- () بارتولد؛ تركمنستان نامه الجزء الأول، ص190. ↑
- () أحسن التقاسيم الفصل الثاني، ص387؛ تقويم البلدان، ص585. ↑
- () المسالك والممالك، ص234؛ صورة الأرض، ص205. ↑
- () أحسن التقاسيم، ص391. ↑
- () المسالك والممالك، ص264. ↑
- () معجم البلدان، المجلد الرابع، ص253. ↑
- () آثار البلاد وأخبار العباد، ص235. ↑
- () المسالك والممالك، ص256: تقويم البلدان، ص575. ↑
- () المسالك والممالك، ص259. ↑
- () تقويم البلدان، ص573. ↑
- () آثار البلاد وأخبار العباد، ص538. ↑
- () معجم البلدان، المجلد الثالث، ص308. ↑
- () المسالك والممالك، ص256. ↑
- () تركمنستان نامه، المجلد الأول، ص391. ↑
- () انظر إلى رامبارد، ص405/ للإطلاع المفصل، علاوة على المراجع الجغرافية القديمة، أنظر إلى بارتولد، المجلد الأول في جغرافيا ما وراء النهر؛ المسالك والممالك، ص233 ـ 234؛ صورة الأرض، ص204. ↑
- () معجم البلدان: ص64. ↑
- () المسالك والممالك: ص217. ↑
- () صورة الأرض: ص183. ↑
- () صورة الأرض: ص203 ـ 204. ↑
- () أحسن التقاسيم: القسم الثاني، ص441 ـ 442. ↑
- () معجم البلدان: ج1، ص360. ↑
- () وخالف ذلك القزويني حيث اعتبر بدخشان مدينة من طخارستان (أخبار العباد). وللإطلاع على العلاقة والارتباط القديم السياسي والثقافي بين بدخشان وإيران، خاصة وجود لهجات إيرانية مختلفة فيها راجع مقدمة الدكتور ستودة في تاريخ بدخشان. ↑
- () تاريخ بدخشان: ص17. ↑
- () تاريخ وقائع وسوانح أفغانستان: ص42. تاريخ أحمد شاهي عكسي: ج1، ص13. ↑
- () مراسلات في باب آسيا المركزية: ملفوفة57، ص135. ↑
- () تقويم البلدان: ص567. ↑
- () أخبار العباد: ص10. ↑
- () تاريخ بدخشان: المقدمة، ص15. ↑
- () لم نتّبع في تصنيف البحث المنهج الأكثر شيوعاً الذي ينوّع البحث إلى دراسة مصادر أموال البنك أوّلاً، ودراسة استعمالاته لتلك الأموال ثانياً؛ لأنّ هذا المنهج ينسجم مع وضع البنك الربوي وطبيعة نشاطه، ولا ينسجم مع اُطروحة البنك اللاربوي التي نحاول تقديمها؛ إذ في البنك الربوي يمكن أن تدرس طريقة حصوله على الودائع الثابتة في نطاق البحث عن مصادر أموال البنك، وتدرس طريقة استعماله لتلك الودائع في التسليف والإقراض في نطاق البحث عن استعمالات البنك لأمواله؛ لأنّ حصول البنك الربوي على الوديعة الثابتة واستعماله لها في مجال الإقراض عمليتان مستقلّتان يمكن دراستهما تباعاً.
وأمّا في البنك اللاربوي فلا يمكن فصل هذين الأمرين أحدهما عن الآخر؛ لأنّ حصول البنك اللاربوي على الوديعة الثابتة واستعماله لها يمثّلان معاً جزأين من عمليةٍ واحدة، وهي: المضاربة، فلا بدّ من دراسة للمضاربة بكلّ عناصرها، ولا تصحّ تجزئتها وتفكيك بعض جوانبها عن بعض.
وهذا ما جعلنا نؤثِر تصنيف البحث بالطريقة التي اتّبعناها؛ لنُبرِز في الفصل الأوّل عملية المضاربة بكامل جوانبها المترابطة وإن أدّى ذلك إلى دمج الحديث عن بعض استعمالات البنك بالحديث عن مصادر أمواله في فصلٍ واحد. ↑ - () وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنّ البنك اللاربوي يمسك عن التعامل مع التجّار والصنّاع الذين لا يمسكون حساباتٍ ولا يعرفون بالتحديد مقدار أرباحهم السنوية، والذين يشكّلون في الدول المتخلّفة عادةً أكثريّةَ رجالِ الأعمال من التجّار والصنّاع، بل إنّ البنك اللاربوي يتعامل مع هؤلاء في مضارباتٍ خاصّةٍ ومحدودة، من قبيل أن يتقدّم أحدهم إلى البنك طالباً تمويله على أساس المضاربة بمبلغٍ محدّدٍ من المال لشراء صفقةٍ معيّنة من الحنطة وتصريفها خلال الموسم، فيتّفق معه البنك على ذلك ويلزمه باتّخاذ سجلّاتٍ دقيقةٍ ومضبوطةٍ في حدود تلك الصفقة التي وقعت المضاربة عليها، وإن لم يكن لدى العميل سجلّات مضبوطة بالنسبة إلى مجموع عمله التجاري. هذا في حالة اتّفاق الشخص مع البنك على المضاربة بصفقةٍ تجاريةٍ محدّدة. وأمّا في حالة إنشاء الشخص لمحلّ تجاريّ على أساس المضاربة فلا بد أن يكون العمل في المحلّ التجاري كلّه على أساس السجلّات المضبوطة. وأمّا الإلزام بمحاسبٍ قانونيّ فهو ممكن فيما إذا كان العامل المضارب شركةً ذاتَ مسؤولية محدودة أو مساهمة، أو تاجراً كبيراً. وأمّا في صغار التجّار والصنّاع الذين ينشئون محلّاتٍ تجاريةً صغيرةً على أساس المضاربة مع البنك اللاربوي، أو يتّفق معهم البنك على صفقاتٍ معيّنةٍ محدّدةٍ فبإمكان البنك أن يعيّن محاسباً قانونياً أو أكثر لسجلّات مجموع تلك المضاربات، ويقتطع اُجوره من مجموع أرباحها حسب النسبة قبل التوزيع. ↑
- () مرد ذلك يعود إلى اختلاف الأجناس من قوميات متعددة سكنوا النجف أو مكثوا من أجل التبرك بقبر الإمام علي عليه السلام. فمنهم الأتراك ومنهم الفرس ومنهم الهنود ومنهم الأفغان ومنهم التبت (الصين) فلكل من هؤلاء تسميات خاصة يطلقون على بعض من استعمالات البيوت من أوان ورفوف ومطابخ وأمور أخرى. ↑
- () الطاباق: هو الطابوق مصدره:1 ـ البيوت القديمة كما أورده الشيخ علي الشرقي في استعراضه للبناء.
2 ـ من معامل يشوون فيه الطين المجمع على هيئة قوالب لساعات متعددة. ↑
- () كوة: بالفتح والضم خرق (شق) في الحائط. ↑
- () الحرمل: نبات حبه كالسمسم يحرق فيحدث دخاناً كثيفاً يبعد (كما يعتقد) النحس والشر عن البيت، وله رائحة خاصة مقبولة. ↑
- () العفص: ثمار شجر البلوط وهو نتوء يكون على شجرة البلوط واحدته (عفصة). ↑
- () الخوابي: جمع الخائبة والخابية وهي الجرة الضخمة.قفاف: الزنبيل من الخوص أي ورق النخل مفرده قفة.
مراوح: جمع مروحة آلة تحرك بها الريح عند اشتداد الحر.
الأثافي السود: القدور السود وقد تراكم عليها دخان النار لكثرة الاستعمال.
الرمث: شجر يشبه الغضا مرعى الإبل.
الفردق: شجر يشبه الرمث يستعمل للحرق في الطبخ.
الغضا: شجر من الأثل.
الطرفاء: شجر وهي أصناف منها الأثل.
اللويزة: شجرة تقارب شجر الرمان وورقها سبط مستطيل.
السدر: شجر النبق. ↑
- () يسع: اصطلاح معروف ومشهور لدى مجالس العامة والخاصة في النجف مدلوله اللغوي واضح يدل على السعة. أما مدلوله الاصطلاحي فهو الغلو في السعة منتهياً إلى عكس ما يدل عليه الاستعمال اللغوي: فالمكان الذي يستوعب خمسة أفراد تتزاحم وتتراص فيه أكثر من عشرة أفراد وكل من هؤلاء المتزاحمين والمحتضن الواحد الآخر إن أقبل عليهم الفرد الحادي عشر يصرخون وينادون تفضل، (يسع) فتأمل وتصور كيف يكون انتظامهم وجلوسهم!!!. ↑
- () الطنافس: جمع طنفسة وهو: البساط، الحصير، والكلمة من الدخيل. ↑
- () هو الشيخ محمد بن الشيخ طاهر السماوي النجفي. أديب وشاعر ومحقق ولد في مدينة السماوة في 27 من شهر ذي الحجة سنة 1293 هجرية وفيها نشأ ثم انتقل إلى النجف الأشرف وتخرج في الأدب عن طريق الشاعر السيد إبراهيم آل بحر العلوم الطباطبائي المتوفى سنة 1239 هجرية وفي العلوم الدينية عن طريق أعلام النجف المشاهير يعد من خلال مؤلفاته مرجعاً في اللغة والتاريخ والشعر وله ولع في النوادر المخطوطة. استنسخ بيده مجموعة من الكتب النادرة. توفي يوم الثاني من محرم الحرام سنة 1370 هجرية. مؤلفاته عديدة ذكرها المؤرخ كوركيس عواد في معجمه (معجم المؤلفين العراقيين)، المجلد الثالث، ص 180 وقد تربو على (15) مؤلفاً، أشهرها:عنوان الشرف في وشي النجف ـ طبع في النجف 1941م. مجالي اللطف بأرض الطف ـ طبع في النجف 1941م.
الكواكب السماوية في شرح قصيدة الفرزدق العلوية ـ طبع في الانجف 1360 هجرية.
المدهش في علوم القرآن والحديث واللغة وعيون التاريخ والوعظ لابن الجوزي ـ طبع في بغداد سنة 1348 هجرية.
شجرة الرياض في مدح النبي الفياض ـ طبع في بغداد 1330 هجرية.
وشايح السراء في شأن سامراء: منظومة في تاريخ سامراء، طبع في النجف سنة 1941. ↑
- () جباة النجف: أكبر مقبرة في العالم الإسلامي تضم أعداداً لا يقع تحتها حصر ويطلق عليها إسم وادي السلام. أشار إليها الشيخ علي الشرقي في قصيدته المشهورة (وادي السلام حول مدينة النجف أو أكبر جبانة إسلامية في الشرق)، استعرض فيها ما ضمت إليه جبانة النجف مطلعها:سِل الحجر الصوان والأثر العادي
خليلي كم جيل قد احتضن الوادي
↑ - () سوق عكاظ: من أسواق العرب في عصر ما قبل صدر الإسلام. والمربد: من أشهر محال البصرة في العراق. ↑
- () الحسين بن الحجاج: المتوفى سنة 391 هجرية. أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن الحجاج النيلي البغدادي الكاتب الفاضل، الأديب الشاعر وقف الشريف الرضي على شعره فجمعه في كتاب سماه (الحسن من شعر الحسين). من شعره قصيدة قالها في حفل تدشين الرواق الذي شيده عضد الدولة البويهي وهي من غرر شعره مطلعها:يا صاحب القبة البيضا على النجف
من زار قبرك واستشفى لديك شفي.
↑ - () سوق عكاظ: من أسواق العرب في عصر ما قبل صدر الإسلام. والمربد: من أشهر محال البصرة في العراق. ↑
- () سوق عكاظ: من أسواق العرب في عصر ما قبل صدر الإسلام. والمربد: من أشهر محال البصرة في العراق. ↑
- () يراجع نص (المرجعية الصالحة): الحائري، كاظم، مباحث الأصول، ج1، ص91 ـ 100 ↑
- () الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج1، ص221، دار التعارف. ↑
- () الحائري، مباحث الأصول، ج1، ص60. وقد كتب السيد محمود الهاشمي تقريرات دروس الصدر تحت عنوان «بحوث في علم الأصول»، طبعت سنة 1989م ضمن ثمان مجلدات. ↑
- () الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، ص132 ـ 134. دار التعارف. ↑
- () الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، ص42، 257. ↑
- () المدرسة القرآنية، ص51، دار التعارف. ↑
- () الصدر، ص168. ↑
- () الصدر، ص187، 189. ↑
- () المفهوم المشكك هو المنطبق على مصاديقه بالتفاوت مثل مفهوم كلمة (بياض) لأن البياض ما هو أشد وأضعف، وهو من مصطلحات المنطق القديم، ويقابله لفظ (المتواطئ) وهو المنطبق على مصاديقه بالتساوي. (التحرير). ↑
- () قيل إن عبدالله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥) جمع من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صحيفة سمّاها بـ «الصادقة» ضمّت ألف حديث، كتبها في حياة الرسول «ص» وبإذن منه، راجع: علي حسين الجابري: الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية، ص ٦٣. وقارن هذا بما ذكره ابن سعد في طبقاته عن الزهري، قال: أراد عمر أن يكتب السنن فاستخار الله شهراً، ثم أصبح وقد عزم له، فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله (نقلناه عن مصطفى عبدالرزاق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة، ط٣، ١٩٦٦، ص ١٩٤، ممّا يثبت أن التدوين الرسمي للحديث لم يتم في عهد الخليفتين الأول والثاني (رض) ولا يمنع هذا من وجود محاولات فردية. ↑
- () السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب: مصادر نهج البلاغة وأسانيده، دار الأضواء، بيروت، ط٣، ١٩٨٥، ج١، ص ٤٩. ويورد الكليني (ت) في «أصول الكافي» خطبة للامام علي عليه السلام يقول إنها منقولة من كتاب الحارث الأعور (ج١، ص ٢٤٢)، ومعنى هذا ان الكتاب معروف في زمنه، وربما أشار إليه مباشرة أو بالواسطة. ↑
- () غرر الحكم ودرر الكلم للشيخ ناصح الدين عبد الواحد بن محمد الآمدي، صدر في بيروت بجزئين عن «دار الأعلمي» وبتقديم للشيخ حسين الأعلمي لا يتجاوز الصفحة والنصف ولا تفي المقدمة بشيء من منية الطلب ولهفة الراغب ولا تشتمل الطبعة على أي جهد في التحقيق وإنما اكتفى بنقل النص وضبط شكله فحسب، وهذه مأساة التراث الأدبي الامامي. انظر مثلاً كشكول البهائي تجد أنّه لم يحقق على الإطلاق، بالرغم من المقدمات التي كتبت لطبعاته المختلفة، وما تزال النصوص الشعرية الفارسية فيه غير معرّبة. وكذا الأمر مع كشكول الشيخ يوسف البحراني، و«زهر» السيد نعمة الله الجزائري الذي أصبح لا يطلب إلاّ من أجل غرض واحد مفهوم للجميع، في حال أن هذه الكتب الثلاثة تفيدنا بمعلومات قيمة عن أوضاع العلماء الفكرية والاجتماعية في العصر الصفوي. وأما كتاب «أعيان الشيعة» في طبعته الجديدة فهو لا يشتمل على الفهارس العلمية وليس هناك جهد يذكر في تحقيقه. ↑
- () اطلعت أثناء إعدادي لهذا البحث على رسالة موجزة اعتنى بنقلها إلى الحرف اللاتيني مستشرق بولندي، ونشرها مع تقديم موجز عام ١٩٦٨ أي بعد صدور كتاب «مصادر نهج البلاغة وأسانيده» بعام، والرسالة بعنوان «ماية كلمة في حكم مختلفة من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: برسم خزانة المقام الشريف السلطان المالك الملك الأشرف قانصوه الغوري عزّ نصره» وتحت كل حكمة تعليق أو شرح باللغة التركية، والغوري هو السلطان الملك الأشرف قانصوه بن عبدالله الجركسي، ملك مصر والشام وتوفي عام ٩٢٢هـ.. ↑
- () ابن ابي الحديد: شرح ابن أبي الحديد، المطبوع مع كتاب: «نهج البلاغة» للشريف الرضي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت / ج١ / ص ٢. ↑
- () نفس المصدر، ج1، ص68، وص69. ↑
- () نفس المصدر، ج1، ص68، وص69. ↑
- () ن.م، ج4، ص64 (بتصرف). ↑
- () أبو حيان التوحيدي: البصائر والذخائر، تحقيق د. وداد القاضي، دار صادر، بيروت، 1988، ج7، ص12. ↑
- () مصادر، ج1، ص102. ↑
- () د. صبري إبراهيم السيد (محقق): نهج البلاغة، دار الثقافة، الدوحة، 1986، ص84. قارن هذا مع قول المسعودي (ت 346هـ أي قبل الشريف الرضي) في مروج الذهب (ج2، ص431): «والذي حفظ الناس عنه ومن خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة، وتداول ذلك عنه قولاً وعملاً». ↑
- () استندت إلى الطبعة الثالثة، بيروت، 1985. ↑
- () د. السيد: نهج البلاغة، ص85. ↑
- () د. السيد: نهج البلاغة، ص85. ↑
- () قال الدكتور صبري السيد إنه سيلتزم في منهجه بالاستناد إلى المصادر السابقة على الشريف الرضي، ولكن الحكمة رقم (26) والتي نصّها: «امش بدائك ما مشى بك»، أي ما دام الداء سهل الاحتمال يمكنك معه العمل فاعمل، فإن أعياك فاسترح له، فإن السيد الخطيب يرويها عن الآمدي المتأخّر عن الشريف الرضي، ولكن الدكتور السيد لم يذكرها ضمن الحكم التي لم يروها أحد، فمعنى ذلك إنها واردة في مصادر لم يقع عليها السيد الخطيب، وهذا تعضيد لرواية الآمدي. ↑
- () مصادر نهج البلاغة وأسانيده، ج1، ص16. ↑
- () لاحظ الطبعات الشعبية لكتب ابن قيم الجوزية، مثل «إغاثة اللهفان» وما فيها من افتراءات على الشيعة، وانظر تحقيق الدكتور محمد لطفي الصباغ لكتاب «أخبار القصاص والمذكرين» لعبد الرحمن بن الجوزي (المكتب الإسلامي/ بيروت/1983)، فالمؤلف من محبّي أهل البيت، ولكن المحقق يؤاخذه على هذه النقطة بالذات، فيقول في تقديمه: «ومن ملاحظاتي عليه وعلى آخرين قوله عن سيدنا علي عليه السلام: فهذه الملاحظة شاركه فيها عدد من العلماء ولم ينفرد بها ابن الجوزي. وقوله هذا لا شيء فيه من الناحية الشرعية، ولكن الشيء الذي نأخذه عليه حتى عددناه من زلاّته أن يكون هذا المصطلح خاصاً بسيدنا علي رضي الله عنه من دون الصحابة كلهم. لا سيما أن هذه الجملة الدعائية قد استعملها بعض الصحابة وبعض أهل العلم في حق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حق الأنبياء الآخرين» (ص44) وانظر تحقيق طه عبد الرؤوف سعد لكتاب ابن الجوزي «أخبار الظراف والمتماجنين»، ص35، وص81. ↑
- () مصادر، ج2، ص115. وانظر أخبار عمرو بن العاص في «الكامل» للمبرّد، ج3، (تحقيق أحمد محمد شاكر) قال: «وجعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه، ولم تكن في موضع مرضي، إنما كانت من عنزة، ثم من بني جلاّن، فأتاه الرجل، فوقف عليه، وهو بمصر أمير عليها، فقال: أردت أن أعرف أم الأمير؟! فقال: نعم، كانت امرأة من عنزة، ثم من بني جلاّن، تسمى ليلى، وتلقّب النابغة، إذهب وخذ ما جعل لك» (ص804). ↑
- () مصادر، ج1، ص29 (بتصرّف). ↑
- () ن.م. والحققة أن هذا بعض ما تعمّد ابن الكواء سؤال الإمام عنه. وقد رواها التوحيدي في «البصائر والذخائر» (ج2، ص9) قال: سأل ابن الكواء علياً (رضي الله عنه) عن القدر، بحر عميق فلا تلجه، فأمهل ثم سأل، فقال: ستر الله فلا تكشفه، نقول بظاهر ما نرى، ثم يقضي الله تعالى بغيب ما يعلم. ويعقب التوحيدي بكلمة مختصرة يؤكد فيها النص، يقول: «هذا ما قاله» والتوحيدي معاصر للشريف الرضي وكتابه سابق على «نهج البلاغة». أما ابن الكواء، فقد قال عنه ابن دريد في كتابه «الاشتقاق») «.. وكان خارجياً، وكان كثير المسايلة لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وكان يسأله تعنتاً». ↑
- () عمر فروخ: تارخي الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون، المكتب التجاري، بيروت، 1962، ص 135. ↑
- () حول هذه النصوص وتحققها أنظر:فان ايس: «بدايات علم الكلام في الإسلام: رسالتان في الرد على القدرية من القرن الأول للهجرة للحسن بن محمد بن الحنفية والخليفة عمر بن عبد العزيز مع ملحق عن أخبار غيلان الدمشقي». بيروت، 1977.
J. Van Ess: DAS KITAB AL – IRGA DES HASAN B. MUHAMMAD.
B. AL-HANAFIYYA, ARABICA, 21 (1974), P.20-53.
وأما رسالة الحسن البصري فقد أورد فقرات منها ابن المرتضى في «المنية والأمل»، ص 133 ـ 135. وجاء في كتاب «المعرفة والتاريخ» للفسوي (ت277هـ) عن الحميري وسفيان الثوري]: «قال حدثنا عمرو بن دينار، قال: ما رأيت واحداً أعلم بما اختلف الناس فيه من الحسن بن محمد» (ج1، ص543). وإذا قيل إن أول من تكلم في القدر هو غيلان بن مروان الدمشقي، مولى عثمان بن عفان، فإن ابن المرتضى يقول بتلمذة غيلان على الحسن بن محمد، وقال إن الغيلانية من المعتزلة تدعي الحسن لنفسها (المنية والأمل، ص132، طبعة طهران بعناية د. جواد مشكور). ↑
- () البصائر والذخائر، ج1، ص147. وقد أخذه عن أبي القاسم البلخي الكعبي شيخ المعتزلة. ↑
- () قال عنه الشهرستاني في «الملل والنحل»: «وقد قيل إنه كان مُسْتَوْدَعاً علم الإمامة حتى سلّم الأمانة إلى أهلها» (ج1، ص150). ↑
- () ابن أبي حديد، ج1، ص26. ↑
- () ابن أبي الحديد، ج1، ص26. ↑
- () محمد جواد مغنية: فلسفات إسلامية، بيروت، 1978، ص714. ↑
- () لا نريد من ذلك إلغاء المنهج المتّبع في كتب التحقيق، مثل «مصادر نهج البلاغة وأسانيده»، ولكن الاقتراح يعني منهجاً مواز للمناهج المتّبعة وسنداً لها من طريق آخر، فلا بدّ من التوفّر على صحة الأخبار والبحث في أسانيدها، ومنها مراجعة الكتب السابقة على «نهج البلاغة». ↑
- () الثقفي: الغارات، تحقيق السيد جلال الدين المحدّث، طهران، 1395هـ، ج1، ص172. ↑
- () ن.م، ج2، ص729. ↑
- () من خطب النهج في باب التوحيد، راجع الخطبة رقم 1، 63، 183، و184. ↑
- () الأمين: أعيان الشيعة، بيروت، م1، ص541. ↑
- () وذهب إلى مثل هذا الرأي الشيخ هادي كاشف الغطاء في نقاشه لألفاظ كالأزلية والكيفية، أنها عربية أصيلة وصحيحة وغير مولدة، فالمولد هو ما يوجد في كلام من لا يحتج بكلامه من الألفاظ المحدثة التي لم يذكرها أهل اللغة، وأما ما يوجد في الكلام العربي الذي عليه يعتمد وإليه يستند، فلا معنى لوصفه بالتوليد، فما يوجد في الكتاب الكريم وفي كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلام صحابته (رضي الله عنه) لا يحتاج في شأنها إلى كلام كتب اللغة وأهل اللسان. وقد روى لنا جميع ما في النهج راوٍ ثقة معتمد من أئمة العربية عن عربي صراح لا تقلّ روايته في القبول والاعتبار عما يرويه بعض أهل اللغة عن امرىء القيس ونحوه من العرب. وذهب أحمد زكي صفوت إلى أن كلام الإمام عليه السلام وحكمه ليست نظريات يعتاص على الباحث فهمها، ويفتقر في درسها إلى كد ذهن وكدح خاطر، اللهم إلاّ أنها حكم سائغة مرسلة، تمتزج بالروح من أقرب طريق، وتدب إلى القلب دون تعمّل أو عناء. وقال السيد هبة الدين الشهرستاني أنّه إذا كانت ألفاظ مثل الكيف وألاين قد وردت عند المتأخرين فلا يمنع من أن يكونوا قد وجدوا أصولها عنده عليه السلام فهم «اختاروا الاصطلاحات من قبل الكيف والأين، بعدما استأنسوا بمبادئها في كلام الإمام علي، لا أن الكلام نسب إلى الإمام بعد ظهور هذه المصطلحات». ويستشهد الشهرستاني بدليل آخر وهو أننا لا نجد في كلامه عليه السلام كلمات مثل الماهية المنحوتة من (ما هي) واللمية المنحوتة من (لم) والأنية المنحوتة من «أنّه» والهيولي المنحوتة (من هي) وأمثال ذلك من مصطلحات حكماء الإسلام، ولكن مثل هذه الكلمات ليست من سياق «نهج البلاغة» ولا من «جمله العسجدية». ↑
- () عباس محمود العقاد: عبقرية الإمام علي، بيروت، 1967، ص195، وتأكيداً لرأي العقاد حول أسبقية الإمام في وضع أصول مسائل علم الكلام، نورد قول السيد المرتضى في كتابه «الأمالي» يقول: «اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين صلوات الله عليه وخطبه، فإنها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه، ومن تأمل المأثور في ذلك في كلامه علم أن جميع ما أسهب المتكلمون من بعده في تصنيفه وجمعه، إنما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأصول» (ج1، ص 48). ↑
- () لخّص الدكتور أحمد محمود صبحي رأي الإمامية في علم الأئمة، معتمداً على مصادر شيعية، بقوله «ليس علمهم كسبياً لأن ذلك يحتاج إلى التعليم، ولا فطرياً فحسب لأن ذلك وقفاً على البديهيات وإنما نظري لدني، فإذا اختار الله عبداً واصطفاه وأودع قلبه ينابيع الحكمة والهمه العلم إلهاماً فلا يعي في جواب ولا يحتار في وجه الصواب، إنما هو موفق مسدد ملهم قد أمن من الخطأ والزلل والعثار» (نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية، تحليل فلسفي للعقيدة، دار المعارف بمصر، 1969، ص 146). ويذكر الدكتور عبدالله الفياض في كتابه «تاريخ التربية عند الإمامية وأسلافهم من الشيعة» أن بعض الأئمة عليهم السلام درسوا في كتاتيب معروفة مع بقية الصبيان (ص155) وأشكل على هذا الاعتقاد وهذا يستدعي تحقيقاً أدق في قضية علم الإمام وكونها كسبية أم لدنية. ↑
- () الدكتور محمد علي أبو ريّان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 1973، الفصل السادس من الكتاب. ↑
- () ينسب غيلان إلى المرجئة أيضاً ولذا قال الاشعري «والفرقة السابعة من المرجئة الغيلانية اصحاب غيلان» (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ص 136) وقد فسّر هذا ابن المرتضى بأن جعل غيلان على صلة بالحسن بن محمد بن الحنفية صاحب نظرية الإرجاء، وأضاف الاثنين معاً إلى المعتزلة، إذ عنده الغيلانية من المعتزلة (انظر: المنية والأمل، ص132 وص137). ↑
- () مصطفى عبد الرزاق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ط3، 1966، ص123. ↑
- () De Lacy O’Leary: How Greek Science Passed to The Arabs وقد ترجم الكتاب إلى العربية تحت عنوان «مسالك الثقافة الإغريقية إلى العالم الإسلامي». ↑
- () انظر على سبيل المثال:F.E.Peters: Aristotle and The Arabs.
Richard Walzer: Greek Into Arabic. ↑
- () Poters: Aristotle, p.22. ↑
- () أخذنا هذا من كتاب الدكتور ماجد فخري: دراسات في الفكر العربي، بيروت، دار النهار ط٣، ١٩٨٢، ص ٣٧، وهو يضعف خبر القفطي ويحكم باستحالة بقاء يحيى النحوي إلى زمان عمرو بن العاص، وعلى أية حال فإن كتب الأدب تورد أخباراً متفرقة عن يحيى النحوي مما يوحي بأن العرب عرفوا شخصاً بهذا الاسم، وإن لم يكن (يوحنا فيلوبونس). وأترك للقارىء أن يحكم في قدرة علي بن أبي طالب على استيعاب مقولات اليونان، إذا كان عمرو قد وعاها عندما سمعها من يحيى النحوي، والموازنة بين الرجلين قول الشاعر:وليتها إن فدت عمراً بخارجة
فدت علياً بمن شاءت من البشر
↑ - () Gustav Rothstein: Die Dynastie Der Lahmiden in A-Hira, Berlin, 1899, p.18.وقد اعتمد هذا المصدر على مقدمة ابن خلدون، ص١٧٠. وانظر أيضاً: ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج٢، ص ٣٧٩. وحول تاريخ الحيرة يقول الحموي: «فكان أول عمارة الحيرة في زمن بُخت نصّر ثم خربت الحيرة بعد موت بخت نصر وعمّرت الأنبار خمسماية سنة وخمسين سنة ثم عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدي باتخاذه إياها مسكناً فعمرت الحيرة خمسماية سنة وبضعاً وثلاثين سنة إلى أن عمرت الكوفة ونزلها المسلمون» (ن. م). ↑
- () الشيخ نعمان بن محمد بن العراق: معدن الجواهر بتاريخ البصرة والجزائر، تحقيق د. محمد حميد الله، باكستان، ١٩٧٣، ص١٦. ويقول المحقق في الهامش نقلاً عن ابن منظور في «لسان العرب» إن بعض هذه الأشعار اكتشفت على يد المختار بن أبي عبيد وكانت مدفونة تحت قصر النعمان المعروف بالقصر الأبيض. ↑
- () ثابت إسماعيل الراوي: العراق في العصر الأموي، ص٨. ويقول المؤلف في الهامش إن «النساطرة أتباع أنسطوريوس من مدينة مرعش المتوفي سنة ٤٥٠م، وله رأي في طبيعة المسيح، فجعل للمسيح طبيعتين أقنومين» أقنوم الإنسان يسوع وأقنوم الله الكلمة، وذكر أن مريم هي بشر ولدت بشراً هو المسيح الذي هو إله من ناحية الأب الإله فقط».** ابن صاعد: طبقات الامم، تحقيق حياة العبيد بو علوان، بيروت، 1985، ص 67-69. ↑
- () O’Leary, p.65. ↑
- () Walzer, p.69. ↑
- () انظر: ما كتبته هند بنت الحارث على واجهة الدير الذي بنته وهو المعروف بـ «دير هند الكبرى» «بنت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر الملكة بنت الأملاك وأم الملك عمرو بن المنذر أمَة المسيح وأم عبده وبنت عبيده في ملك ملك الأملاك خسرو أنوشروان في زمن مار أفريم الأسقف فالإله الذي بنت له هذا الدير يغفر خطيئتها ويترحّم عليها وعلى والدها ويقبل بها ويقومها إلى أمانة الحق وليكن الله مع ولدها الدهر الداهر» (ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج٢، ص٧٠٩ وتجد في الكتاب تفاصيل كثيرة حول الديارات، وكذلك في كتاب «الديارات» لأبي فرج الاصبهاني). ↑
- () د. علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج١، ص٩٢ وص١٠٨. ويعرف النشار الغنوصية بأنها «كلمة يونانية معناها المعرفة، غير أنها أخذت بعد ذلك معنى اصطلاحياً هو التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا، أو هو تذوّق تلك المعارف تذوقاً مباشراً بأن تلقى في النفس إلقاء فلا تستند على الاستدلال أو البرهنة العقلية «ن. م، ص ١٨٦». ↑
- () المصدر السابق نفسه. ↑
- () المصدر السابق نفسه. ↑
- () ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج2، ص279. ↑
- () عبدالله نعمة: مصادر نهج البلاغة، بيروت، 1972، ص86. ↑
- () رسالة الرد على النصارى، رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1979، ج3، وج4، ص312 وص313. ↑
- () المصدر السابق نفسه. ↑
- () النشار، مصدر سابق، ص ١٩٨. ويقول التوحيدي في «البصائر والذخائر»: «وأما أديان العرب فإن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، واليهودية كانت في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة، والمجوسية في تميم، منهم زرارة بن عدس وحاجب بن زرارة والأقرع بن حابس، وكانت الزندقة في قريش» (ج٥ ص ١٤٦). ونجد هذا النص نفسه عند ابن صاعد في «طبقات الأمم» وقد أخذه عن ابن قتيبة وأضاف عليه «وكانت الزندقة في قريش أخذوها عن أهل الحيرة وكانت عبادة الأوثان فاشية في العرب حتى جاء الإسلام» (ص١١٦). ↑
- () أمحمد ولأنت نسل نجيبةفي قومها والفحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما
منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
والنضر أقرب من اخذت بزلة
وأحقهم ان كان عتق يعتق
↑ - () ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، المطبعة الموهبية، 1882، ص112 ـ 122. ↑
- () أبو ريان، مصدر سابق، ص139. ↑
- () أوليري، مصدر سابق، ص131 ـ 145. ↑
- () لويس شيخو: وزراء النصرانية وكتّابها في الإسلام ٦٢٢ – ١٥١٧، حققه الأب كميل حشيمة اليسوعي، روما، ١٩٨٧، ص ٧٢ – ٧٥. وانظر أيضاً أوليري، المصدر أعلاه (ص١٣٧) حيث يقول إن البلاط الأموي أصبح مجمعاً لكل المتحللين دينياً وأن الورعين المتقين هجروه إلى العراق. ↑
- () النشار، مصدر سابق، ص٦٩ ويقول عن كعب الأحبار نفسه أنّه «كان يحمل علم النجوم والسحر والطلسمات» وأنّه استخدم نفوذه لدى الأمويين لإثارتهم على الهاشميين وكان يلعن الكوفة. ↑
- () علي حسين الجابري: الفكر السلفي عند الشيعة الإثني عشرية، دار عويدات، بيروت، 1977، ص68. ↑
- () تجد نص الرسالة في كتاب «الغارات» ج51، ص187. ↑
- () مصطفى عبد الرزاق: مصدر سابق، ص200 و202. ↑
- () مصطفى عبد الرزاق: مصدر سابق، ص200 و202. ↑
- () هند ابو الشعر: حركة المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة، عمّان، ١٩٨٣، ص٢١٨. وقد نقدت المؤلف الخبر عن ابن حجر في التهذيب، ج٦، ص٩٥ وقد حاولت التأكد منه فلم أجده في ترجمة محمد بن الحنفية ووجدت بدلاً عنه: «قال ابراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحداً أسند عن علي ولا أصح مما أسند محمد» (ابن حجر: التهذيب، دار الفكر، ١٩٨٤، ج٩، ص ٣١٥) وقد يكون اختلاف الطبعة التي رجعت إليها عن طبعة الأستاذة المؤلفة هو السبب، أو قد تكون عثرت عليه من خلال وروده في ترجمة شخص آخر. ولم أعثر عليه في ترجمة ولده أي هاشم بن عبدالله بن محمد بن علي عليه السلام وإن ذكر هناك أن لأبي هاشم كتباً أورثها لآخرين. ↑
- () هذا هو محور نظريات عدد من المستشرقين، وتجد تخليصها في كتاب الدكتور عرفان عبدالحميد: الفرق والعقائد الإسلامية، بغداد، ١٩٧٧، ص ٢٣ – ٣٣. وانظر أيضاً: د. عبدالله فياض: تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة، ص ٦٢. ↑
- () الأشعري: مقالات الإسلاميين، ص15. ↑
- () محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، د.ت، ج1، ص174. ↑
- () النشار، مصدر سابق، ص68. ↑
- () أبو ريان، مصدر سابق، ص84. ↑
- () راجع تحقيق شخصية عبدالله بن سبأ من ناحية تاريخية في: السيد مرتضى العسكري: عبدالله بن سبأ. د. عبدالعزيز صالح الهلابي: عبدالله بن سبأ، دراسة للروايات التاريخية عن دوره في الفتنة، جامعة الكويت، حوليات كلية الآداب / الحولية الثامنة / الرسالة الخامسة والاربعون / الكويت / ١٩٨٧ وحول اختلافات مؤرخي الفرق وتضارب الآراء المنسوبة إلى عبدالله بن سبأ وكونها من اختلاق المتأخرين وتحقيق الآراء المنسوبة إلى غلاة الشيعة راجع: هند ابو الشعر: حركة المختار بن أبي عبيد، والكتاب في الأصل أطروحة ماجستير تحت إشراف الدكتور عبد العزيز الدوري. ↑
- () أبو العباس المبرّد: الكامل في اللغة والأدب والنحو والتصريف تحقيق أحمد محمد شاكر، مطبعة الحلبي، 1937، ج3، ص956. ↑
- () الأشعري: مصدر سابق، ص128. ↑
- () أحمد بن محمد عبد ربّه الأندلسي: العقد الفريد، تحقيق عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983، ج2، ص233. ↑
- () المصدر السابق، والأشعري، ص128، والشهرستاني، ج1، ص117، وابن المرتضى: المنية والأمل، ص104. ↑
- () ابن النديم: الفهرست، ص102، وابن دريد: الاشتقاق، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة المثنى، بغداد، 1979، ص340. ↑
- () التوحيدي: البصائر والذخائر، ج2، ص9. ↑
- () السيد عبد الزهراء الخطيب: مصادر نهج البلاغة وأسانيده، ج4، ص225. ↑
- () نفس المصدر والصفحة. وقد ورد القول في كلماته القصار رقم ٤٠٤: «وقال عليه السلام وقد سئل عن معنى قولهم لا حول ولا قوّة إلاّ بالله: إنّا لا نملك مع الله شيئاً، ولا نملك إلاّ ما ملكنا فمتى ملكنا ما هو أملك به منّا كلفنا، ومتى أخذه منّا وضع تكليفه عنا». وقال السيد الخطيب: رواها بمعناها عنه عليه السلام الحراني في (التحف) ص ٣٤٥ في جملة أسئلة سأله بها عباية بن ربعي الأسدي، مصادر ج٤، ص ٢٨٧. ↑
- () عبد الزهراء الخطيب: مصادر، ج4، ص63. وانظر أيضاً الكليني: أصول الكافي، ج1، ص155. ↑
- () استعملها بهذا المعنى الإمام علي الهادي عليه السلام في رسالته إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض، وأوردها الحرّاني في تحف العقول، ط5، 1974، بيروت، ص338. وتجد شرحاً أوسع في كتاب السيد الخطيب، المصدر والصفحة السابقين. ↑
- () ابن المرتضى: المنية والأمل، تحقيق جواد مشكور، ص86. ↑
- () ابن المرتضى: المنية والأمل، تحقيق جواد مشكور، ص86. ↑
- () أبو ريان: مصدر سابق، ص184 و150. ↑
- () أبو ريان: مصدر سابق، ص184 و150. ↑
- () يقول الشهرستاني: «ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبدالملك بن مروان وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل العقل، ولعلها لواصل بن عطاء»،الملل والنحل، ج١، ص ٤٧. ↑
- () يقول الشهرستاني عند حديثه عن «الواصلية» (أتباع واصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة) وعند شرحه لموقفهم من القدر: «وإنما سلكوا في ذلك مسلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي، (المصدر السابق، ص ٤٧). وأدخل الأشعري مقالات غيلان ضمن شرحه لآراء المعتزلة في الاستطاعة، مقالات الإسلاميين، ص ٢٢٩. ↑
- () محمد جواد مغنية: فلسفات إسلامية (ج١ و٢) بيروت / ١٩٨٧ والشهيد مرتضى مطهري: في رحاب نهج البلاغة.. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 185. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 189. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 96. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 36. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 37. ↑
- () سورة يونس، الآية: 5. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 12. ↑
- () ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج3، ص327. ↑
- () المعالم الجديدة، ص74. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص276. ↑
- () البحراني، ص276. ↑
- () مستدرك أعيان الشيعة، ج1، ص149. ↑
- () البحراني،لؤلؤة البحرين، ص276. ↑
- () كرجي، نظرة في تطور علم الأصول، ص264. ↑
- () المعالم الجديدة، ص75. ↑
- () كرجي، ص264. ↑
- () السرائر، ج1، ص58 ـ 59، والمبسوط، ج1، ص5، وكذلك ينظر: الصدر، المعالم الجديدة، ص72 ـ 73. ↑
- () الشيبي، ج2، ص98. ↑
- () مقلّد، النبوة والإمامة في فكر نصير الدين الطوسي، ص70. ↑
- () كشف المحجة لثمرة المهجة، ص23. ↑
- () الطهراني، الأنوار الساطعة في المائة السابعة، ص76. ↑
- () الأمين، أعيان الشيعة، ج3، ص190. ↑
- () الغريفي، قواعد الحديث، ص16. ↑
- () البحراني، الحدائق الناضرة، ص20. ↑
- () يُنظر: Madelung, Authority in Twelver Shi’ism in the Absence of the Imam, p.168.. ↑
- () (Aspects of Akhbari – Thought in the Seventeenth and Eighteenth Century) in. Nehemia Levtzion and John O. Voll (ed), Eighteenth Century Renewal and Reform in Islam, p134.. ↑
- () الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج10، ص181.Arjomand, The Shadow of God and the Hidden Imam, p.55.
وتُنظر بهذا الصدد مقالة:
Newman, The Nature of the Akhbari-Usually Dispute in Late Safawid Iran, p.40, in (B SOAS), 1990. ↑
- () لؤلؤة البحرين، ص227. ↑
- () تُراجع مقدمة كتاب الشرائع، المجلد الأول. ↑
- () الذريعة، ج13، ص47. ↑
- () مقدمة الشيخ محمد تقي القمي على المختصر النافع. ↑
- () الطوسي، الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، ص374. ↑
- () الصدر، الفتاوى الواضحة، ج1، ص132. ↑
- () خلاصة هذه الشروط ذكرها (الزركشي) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) وهي:1 ـ النقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الانتباه والحذر من الأحاديث الضعيفة والمواضع المجعولة.
2 ـ التمسك والاستناد إلى أقوال الصحابة.
3 ـ التمسك بمفهوم ومدلول المتداول والمتعارف في اللغة.
4 ـ مطابقة التفسير مع الأصول والمباني والقوانين الدينية. ↑
- () طبق الآية: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [سورة محمد، الآية: 24]. ↑
- () الفصوص، ص174 ـ 175. ↑
- () رسائل إخوان الصفا، 1/91. ↑
- () رسائل إبن سينا، ص128 ـ 129، ولكسب إطلاع أكثر أنظر إلى «التفسير والمفسرون» 3/83 ـ 97. ↑
- () هذا التفسير معروف باسم «التفسير الأكبر» وطبع أول مرة في سنة 1283 في بولاق، وعدة من العلماء يشككون بنسبة هذا الكتاب لمحي الدين بن عربي. ↑
- () سورة النساء، الآية: 56. ↑
- () تفسير الشيخ الأكبر 1/152. ↑
- () سورة الرحمن، الآيتان: 19 ـ 20. ↑
- () مفهوم كلمة (الوسخ أو = الكثيف) في مقابل كلمة اللطيف. ↑
- () تفسير الشيخ الأكبر 2/280. ↑
- () إشارة لحديث «لم يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين والوادع» (إحياء علوم الدين 3/14 طبعة 1358هـ.ق). ↑
- () في حديث آخر «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع». ↑
- () الإتقان، 2/313. ↑
- () طبقات المفسرين، ص31، طبعة لندن. ↑
- () نفس المرجع والمصدر. ↑
- () سورة الإنسان (الدهر)، الآية: 18. ↑
- () الذريعة إلى تصانيف الشيعة، 3/28. ↑
- () آية 72 من سورة الأحزاب (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا). ↑
- () فهرست مكتبة مجلس الشورى الإسلامي 3/216 طهران. ↑
- () سورة الواقعة، الآية: 75. ↑
- () الذريعة إلى تصانيف الشيعة 3/305. ↑
- () الذريعة إلى تصانيف الشيعة 3/305. ↑
- () تفصيل عن الفراهي ضمن تفسير «من القصص» الذي قضى. ↑
- () الوردي، ج3، ص112. ↑
- () الخاقاني، شعراء الغري، ج10، ص81. ↑
- () رسول، فاضل، الدين والدولة وصراعات الشرعية، منبر الحوار، ص60. ↑
- () الدجيلي، العلاقات الإيرانية العراقية، ص146. ↑
- () الوردي، ج3، ص114. ↑
- () ينظر بهذا الصدد:Momen, M.,Authority and Apposition in Twelve Shi’ism, Islamic Fundamentalism, Edited by R. M. Burrel (London, 1989), P.53. ↑
- () Constitutionalism and the Law of Islam, p.113-138. Martin, Vanessa, Islam and Modernism, The Iranian Revolution of 1906, London, 1989, p.123. ↑
- () الإمام الخراساني، ص72. ↑
- () الخاقاني، ج10، ص88. ↑
- () مذكرات الشهرستاني في ج10، شعراء الغري، ص81. ↑
- () شعراء الغري، ص86. ↑
- () حرز الدين، معارف الرجال، ج1، ص278. ↑
- () شعراء الغري، ج1، ص86. ↑
- () الوردي، ج3، ص123. ↑
- () عن دور العلماء في الثورة الدستورية يُراجع مقال:Constitutionalism: في كتاب Abdol Karim Lahidji and Clerical Authority.
Authority and Political Culture in Shiism, Edited by Said Amir Arjomand, (New York, 1988), p.134. ↑
- () الأسدي، ص69. ↑
- () حرز الدين، ج1، ص49. ↑
- () A.T. Wislon: Loyalties Mesopotamia 1914-1917, p.312.. ↑
- () احتل الإنكليز مدينة بغداد في 11 آذار 1917 أما (ولاية بغداد) فقد تأخر احتلال كافة أجزائها عن التاريخ المذكور. ↑
- () الأستاذ محمد علي كمال الدين في مجلة «البيان» النجفية العدد 3 ـ 4 بتاريخ 11 آب 1946. ↑
- () Review of the Civil Administration of Mesopotamia, p.48.تعريب الأستاذ جعفر خياط. ↑
- () A.T. Wilson: Clash of Loyalties, p.73.. ↑
- () كان الشيخ محمد علي الدمشقي سكرتيراً لهذه الجمعية وكان يعرف بالشامي وقد استفاد من التباين في كنيته فائدة كبرى بعد فشل الثورة فعندما قصد رجال السلطة «دار الشامي» للقبض على الشيخ الدمشقي قيل لهم إن الدمشقي انتقل من هذه الدار المأجورة منذ أشهر. ↑
- () ومما يذكر بهذه المناسبة أن الحاج نجم البقال ظل يشاغل الحراس لييسر الإفلات لجماعته فلما أتم ذلك ووجد نفسه وحيداً في فناء الخان حانت منه التفاتة نحو قبعة النقيب مارشال فانتشلها ووضعها على رأسه وخرج من بين الناس دون أي تعرض. ↑
- () تبعد النجف عن شط الكوفة عشرة كيلومترات تقريباً فهي منعزلة عنها، وتقوم هذه المدينة فوق رابية مرتفعة، وقد حفرت لها ترع ونهيرات كثيرة لإيصال الماء إليها غير أن ما يجري فيها منه لا يكاد يسد حاجة الأهلين فضلاً عن الزائرين. وفي التأريخ النجفي أساطير كثيرة وروايات غريبة عن المساعي التي بذلها السراة الإيرانيون وملوك الهند لإرواء سكان هذه المدينة المقدسة امتزجت فيها الحقيقة بالخيال، واختلط التأريخ بالرواية والأسطورة حتى إذا كانت سنة 1349 الهجرية و1924 الميلادية، ربطت النجف بالكوفة بخطوط أنابيب ومحطات ضخ جبارة فتوفر ماء الفرات لها بصورة مرضية. ↑
- () [لقد باشر الجيش الزاحف في شق خندق يبتدئ م كري الشيخ المار ذكره من نقطة فيه شمال شرق المدينة لغرض تطويق شمال يالمدينة على أن يمتد الخط فيبلغ طرات وادي المسجد وعندئذٍ ينقطع طريق كربلا وصلتها بالنجف. وأيضاً شق الجيش خندقاً آخر يبتدئ من الخط الحديدي متجهاً نحو الجنوب ليقطع طريق أبو صخير على أن يبلغوا به طرات البحر جنوب النجف. وقد أضاف الجيش إلى ذلك أن جعل التلول والطرات الصخرية المطلة على بحر النجف الناشف أوكاراً لمدفعيته ورشاشاته علاوة على الأسلاك الشائكة التي مدت مع الخطين.الأستاذ محمد علي كمال الدين في مجلة البيان النجفية الصادرة في 26 تشرين الأول 1946. ↑
- () جريدة العرب العدد (75) الصادر بتاريخ 29 آذار 1918، (16 جمادى الآخرة 1336). ↑
- () Sir Arnold Wilson, A Clash of Loyalties, p.74..ويضيف ولسن إلى ما تقدم قوله: لقد أثار تقديم هذه الشروط غضب الأهلين فكثر التوتر وخشي أن يؤدي إلى رد فعل ولا سيما بعد أن أبلغ رجال الدين في إيران القنصل البريطاني خشيتهم على زملائهم في النجف وحذت حكومة إيران حذو العلماء فطلبت تدخل السفير البريطاني. ↑
- () جريدة العرب العدد (89) بتاريخ 9 نيسان 1918. ↑
- () جريدة العرب العدد (89) بتاريخ 15 نيسان 1918. ↑
- () المعروف بين النجفيين أن عزيز الأعسم كان أحد المحكومين بالإعدام وأنه وجد أصحابه يثقبون جدار غرفة السجن للهرب بأنفسهم فلفت نظر السلطة إلى عملهم هذا فكافأته السلطة بإبدال عقوبته وإيعاده إلى «سمربور» في الهند. ↑
- () هو الشيخ عباس الخليلي وقد وضعت السلطة البريطانية جائزة قدرها خمسة آلاف ربية لمن يأتي به ففشلت. ↑
- () يقول النجفيون إن الكثير منهم لاذ بالزعيم الروحي الكبير السيد محمد السيد محمد كاظم اليزدي طالباً منه التوسط للحيلولة دون تنفيذ هذا الحكم وأكد البعض أن الحكومة ستستجيب فعلاً لطلبه إذا بدرت منه كلمة واحدة ولكن السيد أبى التدخل في الموضوع. ↑
- () يقول ئي. تي. ولسن في كتابه A Clash of Loaylties أن حكم الإعدام نفذ في 25 مايس 1918 ويقول تقرير الإدارة المحلية Review of the Civil Administration of Mesopotamia «عين ضباط ثلاثة من ذوي الكفاءة والأهلية لمحاكمة القتلة وجرت المحاكمة باللغة العربية فحكم على ثلاثة عشر شخصاً بالإعدام وأبدل الحاكم الملكي العام الحكم على أحدهم بالسجن المؤبد وتمّ تنفيذ الإعدام بحق المعدومين في الكوفة في الثلاثين من مايس 1918م». ↑
- () جريدة العرب العدد السادس من السنة الثالثة الصادر في 8 حزيران 1918. ↑
- () الأستاذ جعفر الخياط في كتابه المعرب «فصول من تاريخ العراق القريب»، ص52. ↑
- () كان الأستاذ عبد الرزاق عدوه، متصرف لواء العمارة الأسبق، في عداد المبعدين إلى سمربور وقد قص علينا ضروب العذاب الذي لقيه المبعدون سواء أكان ذلك في الكوفة أو المسيب أو البصرة أو في عرض البحر، لا يتسع المجال لإثباته في هذه الصفحات. ↑
- () عبد الرزاق الحسني في كتابه «العراق في دوري الاحتلال والانتداب» ج1، ص40. ↑
- () الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، تحقيق الغفاري، بيروت، دار الأضواء، ج1، ص239. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 3. ↑
- () انظر: المطهري، الإمامة، ترجمة كسّار، منشورات مؤسسة أم القرى، قم، ط1، ص77. ↑
- () الإمامة، ترجمة كسّار، منشورات مؤسسة أم القرى، قم، ط1، ص77. ↑
- () الصفار، بصائر الدرجات، منشورات بصيرتي، قم، ص198. أنظر كتابنا «حقيقة مصحف فاطمة عند الشيعة» منشورات دار الصفوة، بيروت، ط1. ↑
- () حلية الأولياء، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1409هـ، ج1، ص67.ـ الجويني (ت: 730هـ)، فرائد السمطين، تحقيق المحمودي، منشورات مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409هـ، ج13، ص136.
ـ العلامة الحلي (ت: 726هـ) كشف اليقين، تحقيق علي آل كوثر، منشورات مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم، ط، ص52.
انظر كتابنا «حقيقة مصحف فاطمة عند الشيعة» ص146. ↑
- () الترمذي (ت: 297هـ)، الجامع الصحيح، منشورات دار إحياء التراث، بيروت، ج5، ص637. ↑
- () انظر: الأحمدي، علي، مكاتيب الرسول، ج1، ص71 ـ 89. ↑
- () الصفار، حسن، بصائر الدرجات، ص147، حديث 1. ↑
- () الصفار، حسن بصائر الدرجات، ص147، حديث 1. ↑
- () المصدر السابق: ص144، حديث 9. ↑
- () الكليني، فروع الكافي: ج7، ص119، حديث 1. الطوسي، التهذيب: ج9، ص324، حديث 1 (وفيه لا يندرس بدل لم يدرس) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ج17، ص504، حديث 32771. ↑
- () الحر العاملي وسائل الشيعة: ج17، ص485، حديث 32698. ↑
- () ص71. ↑
- () الأربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة، ج3، ص127 ـ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج49، ص153 (أنظر بقية المراجع في كتابنا حقيقة الجفر عند الشيعة، ص63). ↑
- () السيد البروجردي تُوفي سنة 1380هـ/1961م. ↑
- () في النظام الدراسي تسمى المرحلة الأولى بمرحلة (المقدمات). أما المرحلة الثانية فتسمى بمرحلة (السطوح)، والثالثة هي مرحلة (البحث الخارج). والتقسيم الذي ذكره الدكتور الجمالي يختلف عمّا هو متعارف في تحديد المصطلحات، ويتفق في المضمون. ↑
- () تُوفي السيد محسن الحكيم سنة 1390هـ/1970م. ↑
- () تُوفي السيد حسين الحمامي سنة 1379هـ/1959م. ↑
- () تُوفي السيد أبو القاسم الخوئي عام 1412هـ/1992م بعد عقدين من زعامته للمرجعية الدينية. ↑
- () تُوفي الشيخ محمد رضا شمس الدين في شهر شوال سنة 1377هـ/1957م بعدما يقرب من خمسة شهور من هذا الحوار، عندما انهدم سقف السرداب عليه، (وهو بعد لم يتجاوز الثلاثين من عمره). له بحوث منشورة منها (حديث الجامعة النجفية). و(العلويون في سوريا)، وغيرهما، (تعليقة القزويني). ↑
- () تُوفي الشيخ عباس الرميثي عام 1378هـ/1959م. ↑
- () السيد علي الفاني من مواليد سنة 1333هـ/1914م أقام في مدينة النجف ثم هاجر منتصف السبعينات الميلادية إلى مدينة قم، وبقي مواصلاً عمله العلمي حتى وفاته عام 1409هـ/1988م. ↑
- () الشيخ حسين الحلّي من كبار الفقهاء، وأساتذة الفقه والأصول، توفي عام 1394هـ/1974م عن عمر جاوز الثمانين. ↑
- () هو الشيخ محمد ابن الشيخ محمد طه الكرمي الحويزي درس في النجف وقم، وأقام في جنوب إيران مقام والده، وقد أناف اليوم على السبعين. ↑
- () يقول شهيد المحراب آية الله صدوقي: إذا راجعنا كتاب «كشف الأسرار» نجد ان الكلمات التي تكلّم بها الإمام قبل أربعين عاماً هي نفسها التي يتكلّم بها الآن.وكان لعالم جليل هو المرحوم ـ يزدي ـ دفتر مذكرات يُدوّن فيه كلمات العلماء الذين صادف أن التقاهم، وطلب منهم أن يكتبوا فيه، وفي هذا الدفتر كلمات لأكثر من ألف شخص، من ضمنها كلمة كتبها الإمام قبل حوالي أربعين عاماً، وهي نفسها التي كان يُردّدها عند صدامه مع الشاه وحكومته، الأمر الذي يعرّفنا أن بداية صراع الإمام ضد حكومة الطاغوت كانت منذ أربعين عاماً. (الإمام قدوة، صحفة لواء الصدر، 12 شعبان 1403هـ). ↑
- () يُقارن: الجندي، أنور، مقدمات المناهج، (القاهرة، 1977م)، ص111. ↑
- () مقدمات المناهج، ص108. ↑
- () الشاهرودي، لمحات من حياة الإمام الخميني، (طهران، 1402هـ/1982م)، ص16. ↑
- () المهري، محمد جواد، جوانب من أفكار الإمام الخميني، (طهران، 1402هـ/1982م)، ص21. ↑
- () الإمام قدوة، آية الله صدوقي، ترجمة: علي العلوي، صحيفة لواء الصدر، 27 رجب 1403هـ/1938م. ↑
- () الإمام قدوة، آية الله ناصري، لواء الصدر، 19 شعبان ـ 1403هـ/1983م. ↑
- () هو الخطيب الكبير السيد جواد شُبّر، أُعتقل بالعراق سنة 1402هـ/1982م. ولم يُعرف مصيره، وهو من مواليد سنة 1332هـ/1914م، فيكون عمره عند اعتقاله يقارب (70) عاماً. ↑
- () أنصاري كرماني، لمحات من حياة الإمام الخميني، مجلة رسالة الثورة الإسلامية، الأعداد، 21، 22، 23، السنة الثانية، 1403هـ/1983م. كذلك: صحيفة لواء الصدر، العدد الصادر بتاريخ 9 جمادى الأولى سنة 1403هـ. ↑
- () الصدر، محمد باقر، منابع القدرة في الدولة الإسلامية، (طهران، لا.ت)، ص22. ↑
- () الإمام الخميني، الجهاد الأكبر، ترجمة: حسين كوراني، (طهران، 1400هـ/1980م)، ص5. ↑
- () يقول الله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومكم من الظلمات إلى النور وذكّرهم بايام الله إن في ذلك لآيات لكل صبّار شكور) سورة إبراهيم، الآية 5. ↑
- () توجيهات الإمام الخميني إلى المسلمين، (طهران، 1403هـ/1983م)، ص80. والنص من خطاب الإمام الخميني بمناسبة الذكرى السنوية لشهداء السابع عشر من شهريور، 5 أيلول (سبتمبر) 1979م).وقد طبع هذا الكتاب لأول مرة تحت عنوان (مختارات من أقوال الإمام الخميني) في ثلاثة أجزاء سنة 1402هـ/1982م بمناسبة الذكرى الثالثة لانتصار الثورة الإسلامية في إيران.
ومما يؤخذ على الكتاب حرفية ترجمته من اللغة الفارسية إلى العربية مما أطاح بالذوق اللغوي والنفسي في نقل خطب الإمام للقارئ العربي.
لذا رغم المضامين العالية التي يمكن استلهامها من نص الكتاب؛ فإنّ الاستعانة بالترجمة العربية تخلق تشوُّهاً لا يمكن تلافيه. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص45. ↑
- () المصدر نفسه، ص49. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص55. ↑
- () مطهري، الشهيد مرتضى، الرؤية الكونية التوحيدية، (طهران، 1403هـ/1983م)، ص48. ↑
- () مقابلة مع روجيه غارودي، مجلة الدوحة، العدد (84)، ديسمبر، 1982م. ↑
- () تُراجع: مقدمة الدكتور حسن حنفي على (الجهاد الأكبر) المطبوع بالقاهرة، 1980م. وكذلك مجلة (دراسات وبحوث)، التي يصدرها جماعة العلماء المجاهدين في العراق، العدد السادس، السنة الثانية، ربيع الثاني، 1403هـ/1983م، ص9. ففيها النص الكامل لمقدمة الدكتور حنفي. ↑
- () الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، (بيروت، لا.ت)، ص22. ↑
- () من حديث للإمام الخميني في (28 شوال سنة 1399هـ). ويُنظر بهذا الصدد: حسين، محمد علي [تح]، الإنسان محور التغيير، (طهران، 1402هـ/1982م)، ص31. ↑
- () من حديث الإمام الخميني لحرس الثورة الإسلامية بتاريخ (19 رجب 1399هـ). يُنظر: الإنسان محور التغيير، ص32. ↑
- () يُقارن، جودت سعيد، العمل قدرة وإرادة، (دمشق، 1400هـ/1980م)، ص44. وكذلك مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص54. ↑
- () من كلمة للإمام الخميني ألقاها بمناسبة وحدة الجامعيين وعلماء الدين، (8 كانون الأول سنة 1980م). ينظر: الإنسان محور التغيير، ص17 ـ 29. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص17. ↑
- () من كلمة الإمام الخميني بمناسبة (وحدة الجامعيين، وعلماء الدين). ↑
- () يُقارن: مطهري، قضايا الجمهورية الإسلامية، (بيروت، 1401هـ/1981م)، ص17. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص20. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص19. ↑
- () أيضاً، ص16. ↑
- () من كلمة للإمام الخميني بتاريخ 8/12/1980م. الإنسان محور التغيير، ص27، والجهاد الأكبر، ص10. ↑
- () اعتبر الفيلسوف الألماني (كنت) القانون الأخلاقي طريقاً للاستدلال على وجود الله، وخلود النفس، والحرية. فالعقل العملي (الضمير) عنده مشرع للقانون الأخلاقي، والأخلاق عماد البراهين لأن القانون أمر بالواجب الذي لا يتمّ الإنسجام إلاّ به، ومن حيث ان الواجب قد يهمل أحياناً، فالانسجام يتخلّف فيها. وإذا عجزنا عن تحقيق الإنسجام دون تمكينه من التخلف ولو مرة واحدة فيجب أن تكون هناك قوة قاهرة كاملة تستطيع أن تحقق هذا الانسجام دائماً وهي (الإله) . بعبارة ثانية ان مجرد إدراك التخلق بالفضائل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإدراك السعادة، وجدارتنا بالسعادة متعلقة بتمسكنا بالفضيلة. ولكن السعادة الواقعية لا تنبع دائماً من الفضيلة فيجب أن نعتقد أن هذه السعادة لا بد أن تتحقق بسبب كائن لا يُحَدُّ متصف بالكمال المطلق، وبالعظمة البالغة حد النهاية والعدالة التامة والحكمة الوافرة. وإذن فبرهان وجود الله هو أولى نتائج (القانون الأخلاقي).ومن حيث أن كل ما في الأرض من سعادات ونعم لا تكفي لإثابة شخص واحد على قيامه بالواجب مرة واحدة. فإذا أضفنا إلى هذا أن كثيراً من الفضائل والرذائل يعمل تحت ستار الخفاء، وإن ما يكتشف منها لا يكافأ أو يعاقب كما ينبغي، وأن هذه المعاملة تنافي العدالة فيجب أن نجزم بأن هناك حياة أخرى وراء هذه الحياة تجري فيها العدالة الإلهية الجديرة بالكمال مجراها، وهذه هي النتيجة الثانية من (قانون الأخلاق). ومن حيث أن (القانون الأخلاقي) الذي هو من وحي العقل العملي (الضمير) يكلف الإنسان بالواجب، وإن التكليف لا يمكن أن يكون إلا للقادر، وإن القدرة لا تتحقق إلا مع الحرية فيجب أن تتحقق هذه الحرية لكي يمكن تحقق الواجب، وهذه هي النتيجة الثالثة (للقانون الأخلاقي). فمن الأخلاق تؤخذ براهين وجود الله، وخلود النفس، والحرية الإنسانية.
يُراجع: الزنجني، عبد الكريم، دروس الفلسفة، ج1، (النجف، 1359هـ/1940م)، ص30. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص13. ↑
- () ن.م، ص14. ↑
- () جون لويس، الإنسان ذلك الكائن الفريد، ترجمة د. صالح جواد الكاظم، (بغداد، 1401هـ/1981م)، ص245. ↑
- () الإنسان ذلك الكائن الفريد، ص245. ↑
- () أيضاً، ص243. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص73. ↑
- () الصدر، السيد محمد باقر، العمل الصالح في القرآن، ص10. ↑
- () صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، ج2، (بيروت، 1402هـ/1982م)، ص513. ↑
- () درّاز، محمد عبدالله، دستور الأخلاق في القرآن، تعريب د. عبد الصبور شاهين، (بيروت، 1393هـ/1973م)، ص423. ↑
- () يُنظر: المعجم الفلسفي، ج2، ص193، (مادة القصد). ↑
- () اليزدي، محمد تقي مصباح، فلسفة الأخلاق، (مجلة التوحيد، العدد الأول، السنة الأولى، 1403هـ)، ص108، إصدار قسم العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي، طهران. وقد سبق أن نشر بكتيّب مستقل. ↑
- () الرياء والعُجب، ص138. المهري، محمد جواد، جوانب من أفكار الإمام الخميني، ص24. ↑
- () ورد في بعض المأثورات أنّ الله قال لداود: يا داود، بشّر المذنبين، وأنذر الصديقين، قال: كيف أُبشّر المذنبين، وأنذر الصديقين؟ قال: بشر المذنبين إني أقبل التوبة، وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين ألاّ يُعجبوا بأعمالهم فإنّه ليس عبدٌ أنصبه للحساب إلاّ هلك. ↑
- () درّاز، دستور الأخلاق، ص447. ↑
- () من الذين قالوا بالمعرفة الأخلاقية، التي تساوي الإدراك كأساس للأخلاق؛ الفيلسوف اليوناني سقراط الذي اعتبر أنّ المعرفة خير، والجهل شرّ. والمعرفة عنده التي تلزم صاحبها بإتيان السلوك المطابق للصورة الذهنية. وبمقابله عوّل فلاسفة أخلاقيون على عواطف ونيّات الشخص في التصرف، ولم يعيروا اهتماماً لنتائج السلوك، فالمعرفة في رأيهم تتصل بالواقع الخارجي (مجال المدركات)، وعلى ما يتعلق به من انطباعات معرفية. أمّا البرجماتيون (النفعيون) فقد عوَّلوا على النتائج العملية التي تتأتى عن التصرّف الأخلاقي.يُقارن: القوى الروحية في المجتمع، ص64 ـ 71 ↑
- () الجهاد الأكبر، ص27. ↑
- () العمل قدرة وإرادة، ص34. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص28. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص34. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص35. ↑
- () درّاز، دستور الأخلاق في القرآن، ص550. ↑
- () وصف سيجموند فرويد هذا النوع من الأشباع وصفاً استعارياً، معتبراً التسامي أو (الإعلاء) عملية تتم لا شعورياً يتوجه بواسطتها (اللبيدو)، أو الطاقة، أو يتحول إلى ميادين أخرى يستنفد فيها، ويقرّها المجتمع، والعُرف. ويعتبر فرويد عملية الخلق الفني عملية تسام.يقول فرويد حول التسامي إنه لا يعاب على هذه الطريقة سوى أنّها لا تنطبق على كل الناس، وتصلح فقط للقلّة، وتفترض فيمن يقبل على التسامي أنّه إنسان له مواهب، وميول خاصة لا توجد عند عامة الناس بالقدر الذي يمكنهم من ممارسة التسامي.
سيجموند فرويد، الحرب والحضارة، ترجمة د. عبد المنعم الحفني، (القاهرة، 1397هـ/1977م)، ص62 ـ 66. ↑
- () بدوي، د. عبد الرحمن، الأخلاق النظرية، ص212. ↑
- () شبر، عبدالله، الأخلاق، دققه: جواد شبر، (النجف، 1973م)، ص120. ↑
- () الآخلاق، ص122. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص32. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص35. ↑
- () ن.م، ص45. ↑
- () أيضاً، ص45. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص44. ↑
- () الحكمة العملية تنقسم إلى قسمين: أحدهما عام مشتمل على مبادئ السلوك الكلية، والآخر خاص مشتمل على تطبيق هذه المبادئ في مُختلف نواحي الحياة الإنسانية. وجماع ذلك كلّه تحديد ما يجب أن يكون، لا وصف ما هو كائن في الواقع. (المعجم الفلسفي، ج2، ص50). ↑
- () الجهاد الأكبر، ص68. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص68. ↑
- () ن.م، ص69 ↑
- () أيضاً، ص69. ↑
- () أيضاً، ص53. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص63. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص23. ↑
- () ن.م، ص21. ↑
- () أيضاً، ص16. ↑
- () الجهاد الأكبر، ص80. ↑
- () الكتب المقدسة لدى الزرادشتيين (المترجم). ↑
- () . بحر قزوين (المترجم). ↑
- () أي فارس، فاللغة الفارسية القديمة كانت لا تستخدم الفاء (المترجم). ↑
- () انظر المزيد من التفصيل كتابنا حقيقة الجفر عند الشيعة. ↑
- () انظر: المصباح المنير، ص103. ↑
- () لسان العرب، ج4، ص143. ↑
- () تاج العروس، ج3، ص104. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () بصائر الدرجات، ص158 ـ 159، حديث 24. ↑
- () بحار الأنوار، ج51، ص219. ↑
- () أصول الكافي، ج1، ص240، حديث 3. ↑
- () المصدر السابق، ص240. ↑
- () انظر كتابنا حقيقة الجفر عند الشيعة، ص50. ↑
- () المصدر السابق، ص59. ↑
- () انظر كتابنا حقيقة الجفر عند الشيعة، ص62 ـ 63. ↑
- () لسان العرب: ج9، ص186. ↑
- () أقرب الموارد: ج1، ص635. ↑
- () راجع أصول الكافي: ج1، ص241، حديث 5. بصائر الدرجات: ص153 ـ 154، حديث 6. ↑
- () أصول الكافي: ج1، ص240، حديث 2، بصائر الدرجات: ص157، حديث 18. ↑
- () أصول الكافي: ج1، ص242، حديث 8. ↑
- () بحار الأنوار: ج26، ص39، حديث 70. ↑
- () أصول الكافي: ج1، ص240، حديث 2. بصائر الدرجات: ص157. ↑
- () بصائر الدرجات، ص151، حديث2. ↑
- () إثبات الهداة، ج3، ص588. ↑
- () أصول الكافي، ج1، ص240. ↑
- () أصول الكافي، ج1، ص227. ↑
- () معاني الأخبار: ص102 و103، حديث 4. الخصال: ج2، ص527. عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج1، ص212 و213، حديث 1، بحار الأنوار: ج25، ص116، حديث 1. ↑
- () بصائر الدرجات: ص158، حديث 20، بحار الأنوار، ج26، ص46 ـ 47، حديث 85. ↑
- () قاموس الرجال: ج8، ص243. ↑
- () كلمة (ملا) في اللغة الكجراتية مأخوذة من كلمة (مولانا) العربية، والتي تُستعمل باللغة الأوردية والفارسية أيضاً. وقد لحقت إسمه (أصغر) حتى عُرف بها. ↑
- () سورة يونس، الآية: 49. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 53. ↑
- () سورة الرحمن، الآية: 7. ↑
- () سورة محمد، الآية: 7. ↑
- () سورة الجن، الآية: 16. ↑
- () سورة الكهف، الآية: 5. ↑
- () سورة يونس، الآية: 19. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 213. ↑
- ()سورة النساء، الآية: 128. ↑
- ()سورة البقرة، الآية: 208. ↑
- ()سورةالأنفال، ىلآية: 61. ↑
- () صورة الأرض: ص89، أبو الفدا وافقه أيضاً راجع تقويم البلدان: ص467. ↑
- () المسالك والممالك: ص158. راجع أبو الفداء: ص466 يعتبر تفليس من توابع آران. ↑
- () المقدسي في تقسيمه الجغرافي اعتبر الأقاليم (14) أقليماً، وكل إقليم عدة حوزات، وكل حوزة عدة قصبات، وكل قصبة عدة مدن. واعتبر برذعة قصبة ومدنها: تفليس، قلعة، ختان، شمكور، جنزه، برديج، شماخيه، شروان، باكو، شايران، باب الأبواب، الأنجان، قبله، شكي، ملاذ جرد، بتلا.أحسن التقاسيم، القسما لأول: ص73 ↑
- () أحسن التقاسيم، القسم الثاني: ص557. ↑
- () أحسن التقاسيم، القسم الثاني: ص554. ↑
- () آثار البلاد وأخبار العباد: ص596. ↑
- () الوثائق والرسائل التاريخية والاجتماعية للعهد الصفوي: ص72. ↑
- () تحدث القلقشندي بداية عن جرجستان ثم عدة مرات عن منطقة يقطنها الجورجيون اسمها تفليس وأطلق عليها إسم (كرج). صبح الأعشى: ج4، ص263. ↑
- () الوثائق والرسائل التاريخية: ص113 ـ 115. ↑
- () نظام الولايات في العهد الصفوي: ص114 ـ 115. ↑
- () مرآت البلدان: ج1، ص672 ـ 673. ↑
- () في حالات قليلة نرى بعض النسّاخ والمؤلفين من الهند وشمال أفريقية يستعملون التاريخ الميلادي مع التاريخ الهجري أحياناً وبدونه في أحيان أخرى. ↑
- () عن هذه التفصيلات يراجع القلقشندي، صبح الأعشى، ج6، ص243، مصورة الطبعة الأميرية. ↑
- () هو شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا، عالم تركي ولد في طوقات من نواحي سيواي في تركيا. كان يجيد العربية والفارسية إلى جانب التركية. تعلم في أدرنة فدرس الفقه والحديث واللغة العربية ثم درّس في مدارسها وولي قضاءها ثم أصبح قاضي العسكر فشيخ الإسلام إلى أن توفي عام 940هـ. من مؤلفاته «طبقات الفقهاء» و«طبقات المجتهدين» و«تاريخ آل عثمان» في ثمانية مجلدات وله أيضاً ديوان شعر أنظر ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب 8/238. ↑
- () الشيخ طاهر بن صالح بن أحمد الدمشقي الجزائري ولد عام 1852م. وتوفي عام 1921م. كان من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره. أصله من الجزائر ومولده ووفاته في دمشق. كان يجيد السريانية والعبرية والتركية والفارسية، وهو أحد مؤسسي دار الكتب الظاهرية، وكان عضواً في المجتمع العلمي العربي بدمشق، وله ما يقرب من عشرين مؤلفاً في موضوعات مختلفة (أنظر محمد كرد علي، كنوز الأجداد، ج2، ص54). ↑
- () انظر:H. Ritter, Philologika XII: Datierung durch Brûche, Oriens, I (1948) p.238. ↑
- () وقد فهم هلموت رتر الشهر على أنه شوال وهو غير صحيح، أنظر المصدر نفسه، ص245. ↑
- () انظر هلموت رتر المصدر نفسه، ص246. ↑
- () المصدر نفسه والصفحة نفسها. ↑
- () المصدر نفسه والصفحة نفسها. ↑
- () انظر هلموت رتر المصدر نفسه، ص237. ↑
- () المصدر نفسه، ص246. ↑
- () لقد استعملت هذه الاختصارات في الشعر، فقد ذكر القلقشندي أبياتاً من نظم الشيخ كمال الدين حفيد أبي عبدالله محمد القرطبي وعلق عليها بقوله: وبيان ذلك أن الحرف الأول من كل كلمة اسم للشهر الذي تطلع فيه تلك المنزلة والحرف الآخر منها اسم المنزلة وما بين الآخر والأول عدد ما مضى من الشهر بحساب الجمل. مثال ذلك التاء من تبييض كناية عن توت (أحد شهور القبط) والصاد منها كناية عن الصرفة والياء والباء باثنين فكأنه قال في الثاني عشر من توت تطلع منزلة الصرفة بالفجر وكذلك البواقي. وذكر أيضاً أبياتاً أخرى ثم علق عليها بالآتي: والحال في هذه الكلمات من أوائل الأبيات وأواخرها وأواسطها كالحال في الأبيات المتقدمة. فالتاء من تهس إشارة لتشرين الأول والسين إشارة للسماك والهاء بينهما بخمسة: (أنظر صبح الأعشى، ج2، ص355) . ↑
- () انظر هلموت رتر، المصدر السابق 246. ↑
- () انظر:Albert Dietrich, «Zur Datierung durch Bruche in arabischen Handschriften. Nachrichten der Akademie der Wissenschaften in Gottingen Band 1: Phil. Hist. Klasse. Nr. 2. Gottingen, 1961, p.28. ↑
- () المصدر نفسه، ص31. ↑
- () انظر:Adam Gacek, Catalogue of Arabic Manuscripts in the Library of the Institute of Ismaili Studies, Vol.1, (1984), p.119. ↑
- () انظر:P.S. Van Koningsvels and Q. Al-Samarrai, Localities and Dates in Arabic Manuscripts. (1978), p.100. ↑
- () انظر المصدر نفسه، Adam Gacek, p.136. ↑
- () انظر المصدر نفسه، ص209. ↑
- () انظر المصدر نفسه Albert Dietrich, p.28. ↑
- () انظر هلموت رتر، المصدر نفسه، ص247. ↑
- () نُقل أن المقدس الأردبيلي بعث هذه الرسالة المختصرة إلى الشاه عباس، يقول فيها: «ليعلم باني الملك المستعار عباس أن هذا الرجل وإن كان ظالماً أول أمره فهو اليوم مظلوم. فإذا عفوتَ عن تقصيره لعلّ الله يغفر لك بعض ذنوبك». كتبه عبد سُلطان الولاية أحمد الأردبيلي.فأجابه عباس الصفوي بقوله: «يعرض عباس أن الخدمات التي أمرت بها صارت قرينة الإذعان والمنّة. يأمل هذا المحب أن لا ينساه من الدعاء». كتبه كلب باب علي عباس. (أعيان الشيعة، ج5، ص95). ↑
- () أعيان الشيعة، ج5، ص95. ↑
- () انتقل المركز العلمي الشيعي إلى (إصفهان) في عهد الشاه عباس، بعدما كان في مدينة (قزوين) أيام الشاه طهماسب الأول، وعن أهمية مركز إصفهان يمكن مراجعة: Momen, p11. ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص89. ↑
- () ترجمة حياة الشهيد الثاني بقلم إبن العودي. ↑
- () الفقيه، جبل عامل في التاريخ، ص95. ↑
- () أمل الآمل، ج1، ص91. ↑
- () طبع «مُنتقى الجُمان» في أربع مجلدات، قم 1984م، بتصحيح علي أكبر الغفاري. ↑
- () الخونساري، ج2، ص300. ↑
- () جامع المقاصد، ج2، ص185. ↑
- () مقدمة السيد جواد الشهرستاني على جامع المقاصد، ج1، ص24. ↑
- () الكركي، جامع المقاصد، ج1، ص67. ↑
- () محي الدين الخياط (الشارح)، نهج البلاغة، (لات)، ص4. ↑
- () شذرات الذهب، ج4، ص200. ↑
- () نهج البلاغة، الخطبة رقم (3). ↑
- () سورة التحريم، الآية 1. وسورة الحاقة، الآية 46. وسورة القلم، الآية 4. ↑
- () د. صبحي الصالح (تحقيق)، نهج البلاغة، الخطبة رقم 228. ↑
- () انظر شرح ابن أبي الحديد، عندما يتكلّم عن سيرة عمر بن الخطاب بعد شرحه للخطبة 228 «لله بلاء فلان». ↑
- () محمد بن عبدالله الوهيبي، «اعتقاد أهل السُّنة في الصحابة» ص55، وبعدها. ↑
- () هبة الدين الشهرستاني، ما هو نهج البلاغة، ص22. ↑
- () محمود الملاح: تشريح شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج2، ص18. ↑
- () محمد عابد الجابري، لماذا يفتقد العرب فيما بينهم روح التسوية السياسية، جريدة الحياة، في 18/5/1984. ↑
- () Semon Ockley, Sentences of Ali (Wisdom of the East), Lahore, National Book Society, N.D, p.10.. ↑
- () انظر: Jamil Sultan, Etude sur Nahj Al- Balagha, Paris, 1994.. ↑
- () S.A. Khulusi, The Authenticity of Nahj Al-Balagha, Islamic Review, October 1950.. ↑
- () Warth Hasan, Studies on Nahj al-Balagha (Phd, thesis), p.58.. ↑
- () عبد الزهراء الحسيني، مصادر نهج البلاغة وأسانيده، ج1، النجف 1966، ص115. ↑
- () انظر: الذهبي، شذرات الذهب، بولاق 1932، ج4، ص200. ↑
- () Warth Hasan, Studies on Nahj Al-Balagha, (ph.D thesis) p.38.. ↑
- () رسول جعفريان، أحوال وآثار بهاء الدين محمد الأًصفهاني المشهور بالفاضل الهندي، ص32 ـ 35. ↑
- () منوجهر صدوقي سها الحكماء والعرفاء المتأخرون عن صدر المتألهين، ص84. ↑
- () ميرزا علي أكبر المدرس اليزدي الحكمي، الرسائل الحكمية، طبعة وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران، 1986، ص13. ↑
- () ميرزا علي أكبر المدرس اليزدي، مجموعة الرسائل الكلامية والفلسفية والملل والنحل، إصدارات وزارة الإرشاد الإسلامي، طهران، 1995، 77 ـ 78. ↑
- () المصدر السابق، ص80. ↑
- () المصدر السابق ص 80. ↑
- () أثبتت الدراسات التي قام بها بعض أهل التحقيق أن شخصيات مثل عبدالله بن سبأ وغيره، لا وجود حقيقي لها. ↑
- () مجموعة الرسائل الكلامية والفلسفية، ص49، 50، 52. ↑
- () سورة النساء، الآية: 171. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 77.. ↑
- () المدرس اليزدي، مجموعة الرسائل الكلامية والفلسفية والملل والنحل، رسالة”تعليقات على شرح فصوص الحكم للقيصري” وهو مصدر سابق، ص161. ↑
- () المصدر السابق، «رسالة تعليقات»، ص251. ↑
- () المصدر السابق، ص296. ↑
- () المصدر السابق، ص299. ↑
- () الشيخ المفيد، أوائل المقالات، ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد، بيروت، 1993. ↑
- () أوستا، مهريشت، كرده الرابعة، البند 14. ↑
- () أوستا، يسنا، هات 9، البند 14، الخوارزميون يتكلمون. ↑
- () راجع الآناء الباقية: ص73 و365 حيث يتحدث البيروني عن أعياد إيران وخوارزم. ↑
- () الاصطخري ذكر أن خوارزم تابعة لما وراء النهر ومنفصلة عن خراسان. المسالك والممالك: ص235. ↑
- () صورة الأرض: ص206. وقد اعتبر خوارزم في القسم الثاني لخراسان. ↑
- () معجم البلدان: ج2، ص395. ↑
- () صورة الأرض: ص206. ↑
- () المسالك والممالك: ص235. ↑
- () صورة الأرض: ص206. ↑
- () المسالك والممالك: ص235. ↑
- () تقويم البلدان: ص552 ـ 554. ↑
- () ترجمة تاريخ اليميني: ص376. ↑
- () تاريخ جهانكشاي جويني: ج1، ص96. ↑
- () زامباور، نسب نامه خلفاء وشهرياران: ص403. ↑
- () نفس المصدر السابق، ص408. ↑
- () نفس المصدر: ص410. ↑
- () عالم آراي نادري: ص358. ↑
- () عالم آراي تادري: ص358. ↑
- () عالم آراي تادري: ص358. ↑
- () عالم آراي تادري: ص248. ↑
- () لين بول وآخرون، تاريخ الدول الإسلامية والأسر الحاكمة: ج2، ص485. ↑
- () تاريخ منتظم ناصري: ج3، ص1451. ↑
- () أشرف التواريخ النسخة الخطية: غ352ب، و354ب. ↑
- () جهان آرا الخطية: ص362. ناسخ التواريخ: ج1، ص273. ↑
- () المآثر السلطانية: ص330. تاريخ ذو القرنين الخطية: ج1، ص193. ↑
- () جهان آرا: ص474. تاريخ ذو القرنين: ج1، ص221. ↑
- () روضة الصفاي ناصري: ج10، ص14. ↑
- () (هدايت) سافر حينها إلى خوارزم وشاهد الأسرى الإيرانيين في خيوة وضواحيها وتحدث عن وضعهم المأساوي وعبوديتهم. سفارت نامه خوارزم: ص54 ـ 55. ↑
- () استاد رمسي در روابط سياسي إيران: ج2، ص134. ↑
- () ناسخ التواريخ: ج2، ص363، إكسير التواريخ: ص524 ـ 525. ↑
- () زامباور ولين بيل، بدء مهمته عام 1261، يحتمل أن الخير وصل إيران متأخراً. ↑
- () روضة الصفاي ناصري: ج10، ص293، تاريخ منتظم ناصري: ج3، ص1283. ↑
- () روضة الصفاي ناصري: ج10، ص254، ناسخ التواريخ: ج2، ص357. ↑
- () سفارة نامه خوارزم: ص57 ـ 58. ↑
- () روزنامه وقايع اتفاقية: سال أول، العدد 4، ص17. حقائق الأخبار: ص134. ↑
- () سفارة نامه خوارزم: ص7. ↑
- () زامباور: ص409. كاظم زاده، روس وانكليس در إيران: ص36 ـ 37. ↑
- () بارتولد، دائرة المعارف الإسلامية: المجلد الأول، ص85. قام الرهبان الجوزيين بإعداد تقارير حول القوقاز في العهد الصفوي، جاء فيها أن داغستان هو إسم جبال يقطنها اللزكيون. الرسائل العجيبة، ص132. ↑
- () كلستان أرم: ص8. ↑
- () نفس المصدر السابق: ص5. ↑
- () بارتولد، المصدر السابق. ↑
- () صورة الأرض: ص134. ↑
- () صورة الأرض: ص139. ↑
- () مروج الذهب: ج1، ص199. ↑
- () كلستان أرم: ص7 ـ 8. ↑
- () أذربايجان وآران (البانيا القوقاز): ص47 و52. ↑
- () مينورسكي، تاريخ شروان ودربند: 178. ↑
- () باكيخانوف كتب أن انتشار الإسلام في داغستان الجبلية جاء على يد السلاجقة. كلستان آرم: ص64. ↑
- () كلستان آرم: ص54. ↑
- () مروج الذهب: ج1، ص199 ـ 200. ↑
- () مروج الذهب: ج1، ص215. ↑
- () كلستان آرم: ص14 ـ 15. ↑
- () كان محفوظ من أعيان العلماء، وأكابر الفقهاء، ومن سادة العرب بالعراق في عصره. وهو من الشعراء، وأئمة الفتوى والتدريس والكلام واللغة والنحو والعروض في القرن السابع الهجري.قطنت الأسرة الحجاز. وهاجر فرع منها إلى الكوفة أوائل القرن الأول للهجرة. واستقر بمدينة الحلة أواخر القرن الخامس الهجري/ الثاني عشر الميلادي تبعاً للمتغيرات السياسية التي طرأت على الحلة يومذاك. وقد رجع جدهم الأعلى الشيخ حسين محفوظ إلى العراق حوالي سنة 1184هـ / 1770م وسكن محلّة التل وهي محلة العلماء، والسادة، والأشراف بالكاظمية شمالي بغداد.
وكان الشيخ حسين من مجتهدي عصره المعروف بالزهادة. وقد تناقل معاصروه مناقبه وفضائله، ورووا خصاله وكراماته.
ويرجع الدكتور محفوظ من جهة الأم إلى السادة آل الوردي البغداديين الذين يرجعون بنسبهم إلى الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع). ↑
- () صدرت الحلقة الأولى ببيروت عام 2000م بعنوان «حوار في الإمامة ـ نص الحوار الفكري بين الشيخ محسن الأراكي والدكتور محمد عبدالله المسعري». ↑
- () الفتح المبين/ لابن رزيق بن بخيت (1977م). ↑
- () الفتح المبين/ 113 – 114. ↑
- () حياة ابن أبي عقيل وفقهه: 9، (قم 1413). ↑
- () يذكر السيد محمد باقر الحسني في بحثه عن النقود العمانية، السنة التي ضرب فيها هذا الدينار وهي سنة 395هـ. ↑
- () هذا التاريخ ربما يشير إلى الهجرات المتأخرة إذ أنه من الثابت ان الوجود اللواتي مرتبط بالهجرات العربية القديمة من الجزيرة، واللواتية قبيلة عريقة ارتبط تاريخها بعمان منذ قرون طويلة وهي من قبائل الزعامة التجارية التي توزّع أفرادها على المراكز التجارية الممتدة على طول سواحل البحر العربي والمحيط الهندي وبسبب طبيعة عملها التجاري وموقع عمان الجغرافي وظروف السفر البحري القديمة التي كانت تستدعي بقاء التجار الأشهر بل السنوات في مدن الموانئ البحرية فقد تشكّل من اللواتية جاليات شبه مقيمة في تلك المراكز وخاصة بالسند ولم يعدم اتصالهم بالوطن الأم بل استفادوا من هذا الارتباط فائدة تجارية كبرى يجنون ثمارها حتى اليوم، وباستقرار الأوضاع العامة في البلاد استقر حالهم في بلادهم وحافظوا على مزاياهم الكريمة فهم اليوم محل افتخار عمان والعمانيين. ولنا عودة قريبة جداً نفصل فيها تاريخ هذه القبيلة العمانية وخدماتها للعروبة والإسلام (محمد سعيد الطريحي). ↑
- () راجع مقال الدكتور التازي في مجلة الموسم، العدد السابع (1990) بعنوان: يوم الغدير يوم رائد الملاحة العربية أحمد ابن ماجد. ↑
- () في النسخ المطبوعة «أجل لم يكن في ساحة الأرض فاعلمن». ↑
- () في المطبوع «لسارٍ حمى إلا بيتين في الزمن». ↑
- () في المطبوع «بيت بناهُ الله…». ↑
- () في المطبوع حُرّكت بالنصب. والصواب ما أثبتناه. ↑
- () في المطبوع حُرّكت بالنصب. والصواب ما أثبتناه. ↑
- () سقطت هذا البيت مع التخميس من (العقد المُفصّل). ↑
- () سقط هذا البيت من التخميس من (العقد المُفصّل)، وهو مثبتٌ في نسخة الديوان المطبوعة وجاء في تخميسه: «ومنها أزاهيرُ الرياض تفتّحت» بدل «ومنها الغيوم…». ↑
- () انظر: ديوان الحلّي المطبوع على الحجر سنة 1312هـ/1894م، ص439، باعتناء إبن أخيه الشاعر عبد المطلب الحلّي، وكذلك ديوان السيد حيدر الحلّي بتحقيق الأستاذ علي الخاقاني المطبوع سنة 1384هـ/1964م، ج2، ص200، وفيها تصحيف لكثير من كلماتها. ↑
- () من الوفاء أن أشير مرة أخرى إلى ما تفضّل به رئيس المهندسين المتقاعد الأستاذ مهدي صالح الخطيب من تيسير المخطوطة لي: التي هي من مخلفات مكتبة جده السيد عباس الخطيب البغدادي المتوفى سنة 1333هـ/1914م. ↑
- () ديوان السيد حيدر الحلي، بتحقيق الأستاذ صالح الجعفري، ص127. ↑
- () في الديوان والعقد المفصل: (عفو). ↑
- () في الديوان والعقد: «عمّنا وسيدنا». ↑
- () السيد مهدي بن السيد داود شاعر من شعراء الحلة، ولد فيها ونشأ، ونظم وألّف له كتب لا تزال مخطوطة منها «مصباح الأدب الزاهر» وكتاب في علم البديع، وديوان شعره. تُوفي سنة 1288هـ/1871م. ↑
- () السيد صالح بن السيد مهدي بن السيد رضا الحسيني القزويني البغدادي شاعر كبير من شعراء عصره، تُوفي سنة 1306هـ/1889م. ذكر الخاقاني في هامش ديوان السيد حيدر الحلّي ص200 عند تعريفه بالشاعر المذكور في هذا الموضع أنّه مرّ ذكره في باب المدائح. علماً أنه لم يرد في هذا الباب وإنما ورد ذكر سمّيه السيد صالح القزويني الحلّي المتوفى سنة (1304هـ/1887م) في باب التهاني ج1، ص195، وقد اشتبه بتاريخ وفاته فلاحظه. وقد خلا باب المدائح من ذكر الشاعرين. ↑
- () هذه العبارات سقطت من (العقد). ↑
- () في الديوان والعقد: زعيم. ↑
- () هو الحاج محمد صالح كبّة، الربعي البغدادي. جاء في مجموعة العلامة المرحوم الشيخ أبو القاسم الخوئي الحائري المتوفى سنة 1370هـ/1951م؛ إن تاريخ ولادة الشيخ محمد صالح – على ما نُقل عن ولده – أنّه سنة إحدى ومائتين بعد الألف، وتوفي سنة 1287هـ، ودفن في مقبرة والده، وجده قريب باب الطوسي في مقبرتهم المعروفة. (أهـ). «مجموعة الشيخ أبو القاسم الخوئي الحائري، فرغ منها سنة 1350هـ/1931م (محفوظة في مكتبة الراجا محمود آباد)، وقد نقلتُ عنها جملة فوائد. ↑
- () في العبارة تغيير عن العقد المفصل. ↑
- () هو الشيخ إبراهيم بن الشيخ صادق المخزومي العاملي من الشعراء والعلماء الأفاضل، تُوفي سنة 1288هـ/1871م في (قرية طيبة) مسقط رأسه، ترجم له الأمين في أعيان الشيعة، ج14، ص457، والشيخ علي كاشف الغطاء في (الحصون المنيعة) المخطوط، والسيد محمد صادق بحر العلوم في الرحيق المختوم، وفي (المجموع الرائق) أيضاً، والخاقاني في شعراء الغري، ج1، ص68، وحرز الدين في معارف الرجال. ↑
- () في العقد والديوان: فيها. ↑
- () في الديوان: مثلها. ↑
- () في الديوان: «الأدنى» وهو تحريف شنيع. ↑
- () بعد هذا البيت سقطت عشرة أبيات من (العقد المفصّل). ↑
- () في الديوان: (وفي علمه للخلق). ↑
- () في الديوان: لفظه. وهو تصحيف. ↑
- () ورد هذا البيت في الديوان: (فتى في معاليه وفي مجده يُرى). ↑
- () في الديوان «وأكرم»، وفي طبعته الأولى «فأكرم». ↑
- () في الديوان (العاطفة)، وهو تصحيف ملحوظ. ↑
- () في الديوان: (بمدحك أ مّ الساريات). ↑
- () في الديوان ورد: «ومن حسنها وافى مُعنّى قد اغتدى»، وفي العجز ورد: «عينها» بدل «عينه». ↑
- () في العقد: تقدّم هنا البيت على سابقه، وجاء في عجزه – كما في الديوان – «الأجساد» بدل «الأجسام». ↑
- () إلى هنا تنتهي الرسالة في الديوان المطبوع. ↑
- () هو أبو الحسين ابن مرزويه الشاعر الفحل شيخ الفن وإمام الصناعة، المتوفى في بغداد سنة 428هـ/1037م، طُبع ديوانه عدة طبعات منها سنة 1322هـ/1913م بشرح السيد عبد المطلب الشاعر الحلّي الكبير، وبنفقة أبي المعز السيد محمد القزويني المتوفى سنة 1335هـ/1916م، ولم يصدر منه إلا مجلد واحد. وطبع أخيراً محققاً بأربعة أجزاء. ↑
- () البيان من قصيدة طويلة قالها مهيار سنة 403هـ/1013م بمناسبة مخصوصة، ومطلع القصيدة:أفلح قوم إذا دعوا وثبوا
لا يرهبون الأخطار إن ركبوا
أنظر ديوان مهيار الديلمي، ج1، ص63. ↑
- () في العقد: لمستحيلة. ↑
- () في العقد: «على البارع في الفهم، الماهر في النظم، ولذلك عدلتُ عن تشطيرها إلى تخميسها». ↑
- () سقط كلام (من العقد) فلاحظه. ↑
- () الشدقميات: النياق، منسوبة إلى (شدقم) فحل للنعمان بن المنذر. ↑
- () سقط هذا الكلام من العقد. ↑
- () ثبير اسم جبل. والوثير: الفراش اللين. ↑
- () في العقد: «فقابل الخفض لفظاً». ↑
- () في العقد: ليكون. ↑
- () في العقد «أنّ الأبتسام أمن للقلب، والمهابة مخافة له ورعب» ↑
- () الملحق بالطباق ما بني على المضادة تأويلاً في المعنى أو تخييلاً في اللفظ باعتبار معناه (أنظر: جواهر البلاغة للهاشمي، ص367). وقد فصل صاحب (التلخيص في علوم البلاغة)، بعض ما يتعلق في هذا المورد. وأتى بما أورده السيد حيدر الحلّي عنه في (المتن) من شاهد يخصّ الآية المباركة. أنظر «التخليص، ص351». ↑
- () جاء في العقد مثالٌ يكمل ما ورد في المتن، ولم يرد في المخطوطة، فراجعه. ↑
- () في العقد طيّ في بعض العبارات فلاحظها. ↑
- () هي تماضر – بضم المثناة من فوق، وكسر الضاد المعجمة – بنت عمرو بن الشديد، لُقبت الخنساء لحسنها، فإن الخنساء البقرة الوحشية. قيل اتفق أهل العلم بالشعر أنّه لم يكن امرأة قبلها ولا بعدها أشهر منها على أنّ أكثر قولها في رثاء أخيها (صخر)، وكان قد قُتل في واقعة يوم الكلاب من أيام العرب، فأخذت تنظم فيه المراثي. ↑
- () المُلاءة ثوب يلبس على الفخذين. وفي الأصل المخطوط (ملاءة الحضر) والتصحيح عن الديوان المطبوع. ↑
- () نرتِ القلوب أي طمحت. ↑
- () في الأصل (صفيحة) والتصحيح عن نسخة ديوان الخنساء. ↑
- () انظر: ديوان الخنساء، (بيروت، 1968م)، ص81. ↑
- () سقط هذا الكلام من العقد. ↑
- () جاء في العقد بعد هذه العبارة، فإن من حياضه مشربي، ومن أدبه…». ↑
- () سقطت هذه العبارة من العقد. ↑
- () هو المؤمل بن أُميل بن أسيد المحاربي شاعر كوفي من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، كان من المنقطعين إلى المهدي. توفي حدود سنة 190هـ/805م. وله شعر جميل. انظر: (الأغاني: 19/147)، (معجم الأدباء: 19/201)، (نكت الهيمان، ص219) تاريخ بغداد 13/177). وترجمة صديقنا البحاثة الأستاذ سعيد عبد الحميد الغانمي في كتابه المخطوط «أدب العميان» الذي ألّفه في أوائل نشأته، كما قام بجميع شعره وتحققه. ↑
- () إلى هنا ورد في العقد. ↑
- () نقلاً عن مجاميعنا المخطوطة. ↑
- () هو نجل العلامة السيد مهدي القزويني، توفي سنة 1298هـ/1881م، وكانت له صلة وثيقة مع السيد حيدر الحلي، ومودة ظهرت في المراسلات الكثيرة التي دارت بينهما. ↑
- () البيت للمتنبي من قصيدة مشهورة. ↑
- () في الأصل: أزففتها، والصواب ما ثبت. ↑
- () المقة: المحبة. ↑
- () في الكلام تورية فلا تخفى حيث أن أراد (بمرشد المذاهب الإسلامية) الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. ↑
- () هكذا وردت العبارة في الأصل، ولا تخلو من ارتباك. ولعله أقحم (كريمة) لوجه مخصوص، أو لضرورة اتساق العبارة. ↑
- () تضمين آية قرآنية. ↑
- () اللبون ذات اللبن، والسقب ولد الناقة. ↑
- () في نسخة الديوان المطبوعة وردت رنبتُ الخضمّ) والصواب ما ذكرناه. ↑
- () إلى هنا ورد في الديوان، والرسالة لم تذكر، وقد نقلتها عن كتاب «الكلم اللامع في الأدب الضائع» (المخطوط) للبحاثة الأستاذ قاسم الخطيب. ↑
- () في (ح): تنقضي، والتصحيح من (آ). وسيرد (وجه التقصي). ↑
- () آل عمران/164. ↑
- () زيادة منا لم ترد في الأصلين. ↑
- () في (آ): ووصلة. ↑
- () أي بعلة الزمان. ↑
- () في (آ): فكان. ↑
- () في (ح): وجود. ↑
- () في (آ) و(ح): لازمة. ↑
- () في (آ): الحافظ. ↑
- () في (آ): فإن. ↑
- () في (آ): وجود. ↑
- () زيادة من (ح). ↑
- () القرآن الكريم: الإسراء/85. ↑
- () القرآن الكريم: الأعراف/11. ↑
- () زيادة من (ح) لم ترد في (آ). ↑
- () زيادة من (ح) لم ترد في (آ). ↑
- () زيادة من (ح).و«الاشتداد الجوهري» مصطلح خاص بالشيرازي يعني لديه وقوع الحركة في الجوهر، مع بقاء هويته الاتصالية وتغير ماهيته، فهو متغير وثابت في الوقت نفسه. ويستشهد الشيرازي في المتن بنظرية التطور كما فهمها الإسلاميون – وقد تبناها الشيرازي وأفاض فيها – حيث تبدأ الموجودات في سلسلة ترقياتها ضمن حركة الوجود الصاعدة من مادة مبهمة غير متعينة (هي أقرب إلى المادة اللاعضوية) إلى نطفة جمادية تنطوي على استعداد للتحول إلى نطفة نباتية فحيوانية فإنسانية. فالنطفة البشرية – بما هي وحدة جوهرية صغرى مماثلة للجينات – تتحول جوهرياً فتمرّ بعدة مراحل من الجنين فالصبي فالرجل البالغ، وهي تحتفظ في كل هذه الأطوار بوحدتها الشخصية والنوعية، برغم ما يطرأ عليها من تغيرات جوهرية من حيث الصورة. ↑
- () في (ح): انخلعت. ↑
- () زيادة من (ح). ↑
- () زيادة من (آ) لم ترد في (ح).وألإشارة هنا إلى تمييز ابن سينا بين واجب الوجود بذاته، وواجب الوجود بغيره. فواجب الوجود بغيره، وإن اتصف بالوجوب، لكنه لا يتصف بالبساطة، فهو مؤلف مما له من ذاته، وممّا له من واجب الوجود بذاته. فهويته هي حاصل الهوية منهما جميعاً. وبالتالي فإنّ الفرد الحقيقي البسيط هو واجب الوجود بذاته، وهو الله، وكلّ ما عداه فهو مركب، وواجب الوجود بغيره، رغم اتصافه بالوجوب، لكنه لا يتصف بالبساطة. ↑
- () زيادة من (ح). ↑
- () يحتشد في هذه الفقرة والفقرات التالية فيض من المعاني المتراكمة والمتراكبة مما يميز أسلوب الشيرازي، فهو بعد أن يبين أن الصادر الأول مؤلف من جهتين ينظر بإحداهما إلى الواجب، فيكون واجباً، وينظر بثانيتهما إلى الكثرة فيكون كثيراً ومصدراً للكثرة، يعود الشيرازي إلى تطبيق نظريته في أصالة الوجود واعتبارية الماهية، ليشير إلى أنّ الفائض الأول واحد بالوجود، متكثر بالماهية، لأنّ وجوده له من غيره، وماهيته له من ذات وجوده. ↑
- () في (آ): الحكم. ↑
- () العبارة مضطربة في (ح). ↑
- () زيادة من مطبوع الإشارات. ↑
- () زيادة من مطبوع الإشارات يقتضيها السياق. ↑
- () نصير الدين الطوسي: شرح الإشارات والتنبيهات، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف بمصر، ط2، ص217. ↑
- () زيادة من مطبوع شرح الإشارات، واضح منها ومما سيأتي أن الشيرازي تعمد حذفها لأنها لا تنسجم مع مذهبه. ↑
- () في مطبوع الكتاب وردت الزيادة التالية بين الجملتين: (ولذلك جاز اتصاف كل واحدة من الماهية والوجود بالإمكان والوجوب). ↑
- () العبارة في مطبوع شرح الإشارات: (لزمه أن يكون عاقلاً لذاته). ↑
- () ما بين المعقوفين سقط من (آ). ↑
- () سقطت من (ح). ↑
- () يستعمل الشيرازي عبارة (كيف ولو) للتعجب لا للسؤال. ↑
- () زيادة منها يقتضيها السياق. ↑
- () بعد أن يقرر الشيرازي تلازم الماهية والوجود، وكون الوجود مصداقاً لحمل الماهية عليه بلا تقدم ولا تأخر، ينتقد ابن سينا والطوسي لقولهما بأنّ الماهية تابعة للوجود متأخرة عنه، ممّأ يوحي بأنها بحاجة إلى علة أخرى غير علة الوجود في صدورها عن المبدأ الأول، وبالتالي يكون ما يصدر عن المبدأ الأول اثنين، لا واحداً، وبذلك تقع الكثرة في البسيط. والحال أن ابن سينا افترض واجب الوجود بغيره هرباً من وقوع الكثرة في البسيط. ↑
- () زيادة من (ح). ↑
- () زيادة من (ح). ↑
- () اللزوم هو الاقتران أو عدم الانفكاك. واللزوم الاعتباري هو الانتقال في الذهن من الملزوم إلى اللازم، أي هو في الحالة المذكورة الانتقال من الوجود إلى الوجوب، أو من الماهية إلى الإمكان. ويطلق في البلاغة على الانتقال من الشيء إلى تاليه وردفه في الوجود في الوسائل البلاغية التي تقع في محيط الكناية. ↑
- () مطبوع الإشارات والتنبيهات 3/216. ↑
- () زيادة من المطبوع. ↑
- () الإشارات والتبيهات 3/222. ↑
- () ابن سينا: الإشارات والتنبيهات 3/223. ↑
- () في الأصل: (متقوماً)، وللنصب وجه إعرابي. ↑
- () بن سينا: الإشارات والتنبيهات 3/223. ↑
- () زيادة من المطبوع، يتطلبها السياق. ↑
- () ابن سينا: الإشارات والتنبيهات 3/224. ↑
- () في (ح): وجود الوجوب، ولهذه القراءة وجه مقبول أيضاً. ↑
- () في (ح): في الإشارة. ↑
- () في (ح): فرق من وجوه. وفي (آ): فرق. ↑
- () نهج البلاغة: ج3، ص208، شرح محمد عبده. ↑
- () منهاج الصالحين، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ↑
- () مجلة البلاغ عدد 6، بحث حول الرماحية حمود الساعدي. ↑
- () الدكتور عبد الإله الصايغ. ↑