لتحميل الموسوعة أو تصفحها بصيغة PDF إضغط هنا
دائرة المعارف الإسلامية الشيعية
حسن الأمين
المجلد الخامس والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
يوم الدار
من الأيام المهمّة في تاريخنا الإسلامي يوم الدار وهو جدير بالدراسة والتحقيق وقد أسهب العلاّمة السيّد طالب الحسيني الرفاعي في دراسة وافية عن يوم الدار نستعرضها فيما يلي:
حديث إنذار العشيرة
لمّا أنزل قول الله تعالى {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}([1]) صدع رسول الله بأمر ربّه، فقام بتنفيذ أمره تعالى في هذه الآية الكريمة. غير أنّ الاحاديث التي رويت عن هذا التنفيذ اختلفت عند فريقَي الأمّة (من سنَّة وشيعة) في الصورة الأدائية لهذا التنفيذ، وذلك على النحوالتالي:
أوّلاً: في كتب السنَّة:
1 ـ ما رواه البخاري:
(أ) حدّثنا أبواليمان([2])، أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرنا سعيد بن المسيب وأبوسلمة بن عبد الرحمن أنّ أبا هريرة قال: قام رسول الله حين أنزل الله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قال يا معشر قريش (أو كلمة نحوها) اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله»([3]).
(ب) عن ابن عباس رضي الله عنهما: لمّا نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} صعد النبي (صلّى الله عليه وآله) على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي ـ بطون قريش ـ حتّى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو؟ فجاء أبولهب وقريش، فقال: «أرأيتكم لوأخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مصدقيَّ؟» قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك إلاّ صدقاً، قال: فإني نذير لكم بين يدَي عذاب شديد، فقال أبولهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)}([4])…
(جـ) في تفسير سورة الشعراء: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، ورهطك منهم المخلصين([5]) خرج رسول الله – (صلّى الله عليه وآله) – حتّى صعد الصفا، فهتف: يا صاحباه، فقالوا: مَن هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذباً، وذكر الحديث([6]).
(د) في الوصايا: «قال: يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير عمّة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئاً، سلاني من مالي ما شئتما»([7]).
2 ـ ما رواه مسلم:
(أ) عن عائشة أنّها قالت: لمّا نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الصفا، فقال: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم».
(ب) عن قَبِيصة بن مُخَارق بن عمر رضي الله عنهما قال: لمّا نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} انطلق نبي الله إلى رضخة جبل، فعلا أعلاها حجراً، ثمّ نادى: يا بني عبد مناف إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو، فانطلق يَرْبَأُ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه».
(جـ) كما جاء في كتاب الإيمان «لما نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قريشاً، فاجتمعوا، فعمَّ وخص، فقال: يا بني كعب بن لُؤَي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها»([8]).
3 ـ ما ذكره الحافظ ابن حجر عن الطبراني:
قال: «لمّا نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني هاشم ونساءه وأهله فقال: يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا في فكاك رقابكم، يا عائشة بنت أبي بكر، يا صفية بنت عمر، ويا أم سلمة…» ([9]).
4 ـ ما رواه الطبري في تفسيره عند تعرّضه لقول الله تعالى:
{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}([10]). إذ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد (صلّى الله عليه وآله) وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إليك قرابة، وحذّرهم من عذابنا أن ينـزل بهم بكفرهم، وذُكر أن هذه الآية لمّا نـزلت، بدأ ببني جده عبد المطلب وولده فحذَّرهم وأنذرهم وذكر الرواية بذلك.
(أ) حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لمّا نـزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، يا بني عبد المطلب إنّي لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم.
(ب) حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، ويونس بن بكير، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بنحوه، حدثنا ابن حميدة قال: ثنا حكام قال: ثنا عنبسة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لمّا نـزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قام النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية ابنة عبد المطلب»، ثم ذكر نحوحديث ابن المقدام.
(جـ) حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سلامة، قال: قال عقيل: ثني الزهري قال: قال سعيد بن المسيب، وأبوسلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أنـزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً.
(د) حدثني محمد بن عبد الملك، قال: ثنا أبواليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبوسلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أنـزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من االله».
ثمّ ذكر نحو حديث يونس عن سلامة، غير أنّه زاد فيه: يا صفية عمّة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ولم يذكر في حديثه فاطمة.
(هـ) حدّثني يونس قال: ثنا سلامة بن روح قال: قال عقيل: ثني ابن شهاب أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ لمّا أنـزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} ـ جمع قريشاً ثم أتاهم، فقال لهم: فهل فيكم غريب؟ فقالوا: لا، إلاّ ابن أخت لنا لا نراه إلاّ منّا، قال: إنّه منكم، فوعظهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم قال لهم في آخر كلامه: لا أعرفن ما ورد عليَّ، الناس يوم القيامة يسوقون الآخرة وجئتم إليَّ تسوقون الدنيا.
(و) حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب وأبوسلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أُنـزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}):يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمّة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً.
(ز) حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر قال: سمعت الحجاج يحدث عن عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: لمّا أنـزل الله {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قال نبي الله (صلّى الله عليه وآله): «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، ألا إنّ لكم رحماً سألبها ببلالها».
(ح) حدثنا أبوكريب، قال: ثنا أبوأسامة عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: لمّا نـزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قريشا، فعمَّ وخصَّ، فقال: « يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، يا معشر كعب بن لؤي، يا معشر عبد مناف، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطلب، يقول لكلهم: أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإنّي، والله، ما أملك لكم من الله شيئاً، ألا إنّ لكم رحماً سأبلها ببلالها».
(ط) حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر عن أبيه قال: ثنا أبوعثمان عن زهير بن عمروعن نبيّ الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه علا صخرة من جبل فعلا أعلاها حجراً، ثمّ قال يا آل عبد مناف، يا صباحاه، إنّي نذير. إنّ مثلي ومثلكم مثل رجل أُتِيَ بالجيش، فخشيهم على أهله، فذهب يَرْبَؤُهم، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف بهم: يا صباحاه، أوكما قال.
(ي) حدّثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الوهاب ومحمد بن عفر عن عوف عن قسامة بن زهير قال: بلغني أنّه لما نزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، جاء فوضع إصبعه في أذنه، ورفع من صوته، وقال: يا بني عبد مناف، واصباحاه، وقال ثني أبوعاصم قال: ثنا عوف عن قسامة بن زهير، قال: أظنه عن الأشعري، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بنحوه.
(ك) حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا أبوزيد الأنصاري سعد بن أوس عن عوف قال: قال قسامة بن زهير: حدثني الأشعري، قال: لمّا نـزلت، ثم ذكر نحوه إلاّ أنه قال: وضع أصبعَيه في أذنَيه.
(ل) حدثنا أبوكُرَيب، قال: ثنا ابن نُمير عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: لمّا نـزلت هذه الآية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الصفا ثم نادى: يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه، فبين رجل يجيء، وبين آخر يبعث رسوله، فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني، يا بني، أرأيتم لوأخبرتكم أنّ خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال فإنّي نذير لكم بين يَدي عذابٍ شديد، فقال أبو لهب، تبًّا لكم سائر اليوم ما دعوتموني إلاّ لهذا، فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.
(م) حدثنا أبوكُرَيب وأبوالسائب، قالا ثنا أبومعاوية عن الأعمش عن عمروبن مرّة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم الصفا، فقال: « يا صباحاه»، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا له: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أوممسيكم، أكنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى، قال: فإنّني نذير لكم بين يدَي عذابٍ شديد، قال أبولهب تبًّا لك، ألهذا دعوتنا أو جمعتنا؟ فأنـزل الله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ…} إلى آخر السورة([11]).
(ن) حدثنا أبوكُرَيب قال: ثنا أبوأسامة عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لمّا نـزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى صعد الصفا، وهتف: يا صباحاهُ، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ فقالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف،فاجتمعوا اليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدَي عذابٍ شديد، فقال أبولهب: تبًّا لك، ما جمعتنا إلاّ لهذا؟ ثمّ قال، فنزلت هذه السورة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ…}، وقد تبَّ، كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.
(س) حدثنا أبوكريب، قال: ثنا أبو معاوية بن هشام: عن سفيان عن حبيب عن سعيد عن ابن عباس، قال: لمّا نـزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}) خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقام على الصفا، فقال: يا صباحاه.
قال: ثنا خالد بن عمرو، قال: ثنا سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لمّا نـزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الصفا، فقال: يا صباحاه، فجعل يعدِّدهم يا بني فلان، ويا بني عبد مناف.
(ع) حدثنا ابن حميدة قال: ثنا جرير عن مغيرة عن عمرو بن مرّة البجلي قال: لمّا نـزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قال: أتى جبلا فجعل يهتف يا صباحاه، فأتاه مَن خفَّ من الناس وأرسل إليه المتثاقلون من الناس رسلاً، فجعلوا يجيئون يتبعون الصوت، فلما انتهوا إليه، قال: إنّ منكم من جاء لينظر، ومنكم من أرسل لينظر مَن الهاتف، فلمّا اجتمعوا، وكثروا قال: أرأيتكم لوأخبرتكم أنّ خيلاً مصبحتكم من هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك كذباً، فقرأ عليهم هذه الآيات التي أنزلن، وأنذرهم، كما أُمِر، فجعل ينادي يا قريش، يا بني هاشم، حتّى قال: يا بني عبد المطلب، إنّي نذير لكم بين يدَي عذابٍ شديد.
(ف) حدثنا ابن حميدة، قال: ثنا جرير عن عمروأنه كان يقرأ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَرَهْطِكَ المُخْلِصِينَ}.
قال: ثنا سلمة قال: ثني محمد بن إسحق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمروعن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن عليّ بن أبي طالب لمّا نـزلت هذه الآية على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: يا علي إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، قال: فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى ما أبادهُّم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره فصمتُّ حتّى جاء جبرائيل، فقال: يا محمد، إنك إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رِجل شاة واملأ لنا عسّاً([12]) من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب، حتّى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له ـ وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبولهب ـ فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، وقال: خذوا باسم الله؛ فأكل القوم حتّى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلاّ مواضع أيديهم، وايم الله الذي نفس عليٍّ بيده، إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدَّمتُ لجميعهم، ثم قال: اسْقِ الناس، فجئتهم بذلك العُسِّ، فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكلِّمهم، بدره أبولهب إلى الكلام، فقال: لشد ما سحركم به صاحبكم، فتفرّق القوم، ولم يكلمهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال من الغد: يا عليّ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلمهم، فعُدَّ لنا من الطعام مثل الذي صنعت، ثم اجمعهم لي، قال: ففعلت، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة، قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثم تكلَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شابًّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به. إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا([13]) وكذا، قال فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت ـ وإنّي لأحدثهم سنًّا، وأرمضهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً ـ أنا يا نبيَّ الله أكون وزيرك، فأخذ برقبتي ثم قال: إنّ هذا أخي وكذا([14]) فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك([15]) وتطيع.
(ص) حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، قال: ثني إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن قال: لمّا نـزلت هذه الآية على رسول الله (صلّى الله عليه وآله): {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالأبطح، ثم قال: يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف يا بني قصي، قال ثمّ فخَّذ قريشاً قبيلةً قبيلةً حتّى مرّ على آخرهم: إنّي أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه.
(ق) حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمر قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قال: أمر محمد أن ينذر قومه، ويبدأ بأهل بيته وفصيلته، قال: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوالْحَقُّ}.
حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ولما نـزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، اتقوا النار ولوبشق تمرة».
(ر) حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، بدأ بأهل بيته وفصيلته.
(ش) حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: لمّا نـزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} جمع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بني هاشم، فقال: يا بني هاشم، ألاَ لا ألفينكم تأتوني تحملون الدنيا، ويأتي الناس يحملون الآخرة ـ ألا إنّ أوليائي منكم المتقون، فاتقوا النار ولوبشِق تمرة.
(ت) حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج قال: لمّا نزلت هذه الآية بدأ بأهل بيته وفصيلته([16]) قال وشَق ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
5 ـ ما أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان) من:
(أ) أنّ الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدثنا موسى بن محمد حدثنا الحسن بن علي بن شعيب([17]) العمري حدثنا عباد بن يعقوب حدثنا علي بن هاشم عن صباح بن يحيى المزني عن زكريا بن ميسرة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: لمّا نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطلب ـ وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل المُسِنَّة ويشرب العُسَّ ـ فأمر عليّاً برِجل شاة فأَدَمها ثم قال: ادنوا بسم الله. فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتّى صدروا، ثم دعا بقعب([18]) من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم: اشربوا بسم الله. فشربوا حتّى رووا، فبدرهم أبولهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل. فسكت النبي (صلّى الله عليه وآله) فلم يتكلم، ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب إنّى أنا النذير إليكم من الله عزَّ وجلَّ والبشير، فأسلِموا وأطيعوني تهتدوا، ثم قال: من يؤاخينى ويوازرني ويكون وليي ووصيي بعدى وخليفتي في أهلي يقضى دينى؟ فسكت القوم، فأعادها ثلاثاً، كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول على: أنا، فقال في المرّة الثالثة: أنت، فقام القوم، وهم يقولون لابي طالب: أَطع ابنك فقد أُمِّرَ عليك.
وبهذا السند والمتن أخرجه صدر الحفاظ الكنجي الشافعي في الكفاية ص89م وجمال الدين الزرندي في «نظم درر السمطين» بتغيير يسير في لفظه.
(ب) عن أبي رابع. وفيه، ثم قال: إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم عشيرتي ورهطي، وإن الله لم يبعث نبيّاً إلاّ جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووارثاً ووصياً وخليفة في أهله، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووارثي ووزيري ووصيي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي، فسكت القوم فقال: ليقومنَّ قائمكم، أو ليكوننَّ في غيركم، ثم لتندمنَّ، ثم أعاد الكلام ثلاث مرات، فقام علي (عليه السلام) فبايعه وأجابه ثم قال: ادنُ مني، فدنا منه، ففتح فاه ومجَّ فيه من ريقه، وتفل بين كتفَيه وثديَيه، فقال أبو لهب: لبئس ما حبوت به ابن عمك أن أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقاً، فقال (صلّى الله عليه وآله): «ملأته حكمة وعلماً».
- ـ من مسند أحمد بن حنبل:
(أ) ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، جـ1، ص159، عن عفان بن مسلم (الثقة) عن أبي عوانة (الثقة) عن عثمان بن المغيرة (الثقة) عن أبي صادق مسلم الكوفي (الثقة) عن ربيعة بن ناجذ (التابعي الكوفي الثقة) عن علي أمير المؤمنين:
«جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بني عبد المطلب، فيهم رهطه، كلهم يأكل الجذع ويشرب الفرق([19]) قال: فصنع لهم مدًّا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا قال: وبقي الطعام، كما هو كأنّه لم يُمس، ثم دعا بغمر([20]) فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنّه لم يمس أو لم يُشرب، ثم قال: يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقيم إليه أحد، فقمت إليه – وكنت أصغر القوم – قال: فقال: «إجلس» حتّى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي».
(ب) ما رواه عبدالله بن حنبل عن أبيه قال: حدثنا أسود بن عامر، قال حدثنا شريك عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبيدالله الأسدي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لمّا نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} جمع النبي – (صلّى الله عليه وآله) – من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا، ثلاثاً، ثم قال لهم: «من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي؟». فقال رجل، لم يسمه شريك: يا رسول الله، أنت كنت تجد من يقوم بهذا، قال: ثم قال الآخر: يعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: «أنا».
(جـ) لمّا نزل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} جمع النبيُّ من أهل بيته ثلاثين، فأكلوا وشربوا (ثلاثاً) ثم قال لهم: «من يضمن عنّي ديني ومواعيدي، ويكون خليفتي، ويكون معي في الجنة فقال علي: أنا، فقال أنت».
رواه الثعلبي في تفسيره، بعد ثلاث مرّات، في كلّ مرّة سكت القوم غير علي([21]).
وهكذا نقله في الكنز([22]) عن المسند وابن جرير، قال: وصححه، وعن الطحاوي والضياء في المختارة، التي حكى في أوّل الكنز صحة جميع ما فيها عن السيوطي في ديباجة: جمع الجوامع.
- ـ عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال:
حدثنا أسود بن عامر، قال: خبرنا شريك عن الأعمش عن المنهال عن عمر بن عباد بن عبدالله الأسدي عن علي (عليه السلام): لمّا نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعا رسول الله بأربعين رجلاً من أهل بيته. وإنّ الرجل منه ليأكل جذعة، وإن كان شارباً فرقاً، فقدَّم إليهم فأكلوا حتّى شبعوا، فقال لهم: «من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي (عليه السلام): أنا، فقال رسول الله: عليُّ يقضي ديني، وينجز مواعيدي».
8 ـ ونقل في الكنز أيضاً([23])، هذا الحديث بقصة طويلة، عن:
(أ) ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي هاشم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي، قال النبيُّ في آخره: «قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ قال علي: فقلت: أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، فقال: إنّ هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»، فقام القوم، يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
ونقل هذا الحديث الطبري([24])، وابن الأثير([25]).
(ب) كما حكى عن ابن جرير حديثاً آخر، قال النبي فيه، مثل قوله الأوّل: «هذا أخي، ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»([26]).
(جـ) وكذا نقل عن ابن مردويه خبراً آخر اشتمل على لفظ «الولاية» قال فيه رسول الله: «من يبايعني على أن يكون أخي، وصاحبي ووليكم من بعدي؟»، فمددت يدي، وقلت: أنا أبايعك، فبايعني([27]).
9 ـ ما أخرجه الحافظ ابن مردويه بإسناده: ونقله عن السيوطي في (جمع الجوامع):
«عن أمير المؤمنين قال: لمّا نزلت هذه الاية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعا بني عبد المطلب، وصنع لهم طعاماً ليس بالكثير، فقال كلوا باسم الله من جوانبها، فإنّ البركة تنزل من ذروتها، ووضع يده أوّلهم، فأكلوا حتّى شبعوا، ثم دعا بقدح، فشرب أوّلهم، ثمّ سقاهم فشربوا حتى رووا، فقال أبو لهب لَشدَّ ما سحركم، وقال يا بني عبد المطلب، إنّي جئتكم بما لم يجئ به أحد قط، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإلى كتابه، فنفروا وتفرّقوا، ثم دعاهم الثانية على مثلها فقال أبو لهب كما قال المرّة الأولى، فدعاهم ففعلوا مثل ذلك. ثم قال لهم ـ ومدَّ يده ـ من يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليكم من بعدي؟ فمددت يدي وقلت: أنا أبايعك ـ وأنا يومئذ أصغر القوم عظيم البطن ـ فبايعني على ذلك، قال وذلك الطعام أنا صنعته»([28]).
10 ـ ما أخرجه الحافظان ابن أبي حاتم والبغوي:
ونقله عنهما ابن تيمية في (منهاج السنة) جـ4، ص80، وعن الحلبي في سيرته، جـ1، ص304 (بعد ذكر صدر الحديث) ثمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا بني عبد المطلب إنّ الله قد بعثني إلى الخلق كافَّة وبعثني إليكم خاصةً فقال: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، شهادة أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني، يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي؟ فلم يجبه أحد منهم، فقام عليٌّ، وقال: أنا يا رسول الله، قال «اجلس» ثم أعاد القول على القوم ثانياً، فصمتوا، فقام عليّ، وقال: أنا يا رسول الله، فقال: «اجلس» ثم أعاد القول على القوم ثالثاً، فلم يجبه أحد منهم، فقام عليّ، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: «اجلس، فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي».
11 ـ ما رواه التابعي الكبير أبو صادق الهلالي في كتابه:
من حديث قيس ومعاوية، «فجمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جميع بني عبد المطلب ـ فيهم: أبو طالب وأبو لهب، وهم يومئذ أربعون رجلاً ـ فدعاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وخادمه علي (عليه السلام)، فقال: ايّكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أُمتي ووليّ كلِّ مؤمن من بعدي؟ فسكت القوم حتّى أعادها ثلاثاً، فقال علي (عليه السلام): أنا يا رسول الله، فوضع رأسه في حجره، وتفل فيه، وقال: اللهم املأ جوفه علماً وفهماً وحكماً، ثم قال لأبي طالب: «يا أبا طالب اسمع الآن لابنك وأطع، فقد جعله الله من نبيّه بمنزلة هارون من موسى».
- ـ ما رواه ابن أبي الحديد في نهج البلاغة:
(أ) نفس رواية الطبري في تاريخه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب (على نحو ما سبق ذكره في رقم 4).
(ب) روى أبو جعفر الطبري، أيضاً، في التاريخ أنّ رجلاً قال لعلي: يا أمير المؤمنين، لم ورثت ابن عمك دون عمِّك؟ فقال علي (عليه السلام): هاؤم (ثلاثاً) حتّى اشرأبَّ الناس، ونشروا آذانهم، ثم قال: جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطلب بمكة ـ وهم رهطهُ ـ كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، فصنع مدًّا من طعام، حتّى أكلوا وشبعوا، وبقي الطعام كما هو، كأنّه لم يُمس، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنّه لم يمس أو لم يُشرب، ثم قال: يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي، وصاحبي، ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه – وكنت من أصغر القوم – فقال: «إجلس»، قال ذلك ثلاث مرّات كلّ ذلك أقوم إليه؛ ويقول «اجلس»، حتّى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي، فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي.
(جـ) عن أبي جعفر الإسكافي أنّه قال: وروي في الخبر الصحيح أنّ النبي كلّف عليّاً (عليه السلام) في مبدأ الدعوة ـ أن يصنع طعاماً، ويدعو له بني عبد المطلب فصنع لهم طعاماً، ودعاهم له، ثم ضمن لم يؤازره وينصره على قوله، أن يجعله أخاه في الدين، ووصيه بعد موته، وخليفته من بعده، فأمسكوا كلهم، وأجابه هو، وحده، فقال لهم، «هذا أخي، ووصيي وخليفتي من بعدي»، فقاموا يضحكون، ويقولون لأبي طالب: أطع ابنك، فقد أُمِّر عليك.
ثانياً: عند الشيعة
1 ـ ما ذكره أبو علي الطبرسي ـ في تفسيره (مجمع البيان) ـ قال:
عند الخاص والعام في الخبر المأثور عن البراء ابن عازب أنه قال: «لمّا نزلت هذه الآية، جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب ـ وهم يومئذ أربعون رجلاً ـ الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس، فأمر عليّاً (عليه السلام) برِجل شاة فأَدَمها، ثم قال لهم: «ادنوا بسم الله» فدنا القوم، عشرة عشرة، فأكلوا حتّى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن، فجرع منه جرعة، ثم قال لهم: «اشربوا» فشربوا حتّى رووا، فبدرهم أبولهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل، فمكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يتكلم، فدعاهم من الغد على مثل ذلك الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: «يا بني عبد المطلب، إني أنا النذير إليكم من الله عزَّ وجلَّ، والبشير، فأسلِموا وأطيعوا تهتدوا» ثم قال: «من يؤاخيني، ويؤازرني على هذا الأمر، ويكون وليي، ووصيي بعدي، وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني؟» فسكت القوم، فأعادها ثلاثاً، كل ذلك يسكت القوم، ويقول علي (عليه السلام): أنا، فقال له في المرة الثالثة: «أنت هو»، فقام القوم، وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك، فقد أُمِّر عليك ـ أورده الثعلبي في تفسيره.
2 ـ ما ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره ـ وهو منسوب إلى الصادق (عليه السلام قال):
نزلت بمكة، فجمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني هاشم ـ وهم يومئذ، أربعون رجلاً ـ كلّ واحد منهم يأكل الجذع، ويشرب القربة، فاتَّخذ لهم طعاماً يسيراً، بحسب ما أمكن، فأكلوا حتّى شبعوا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مَن يكون وصيي، ووزيري، وخليفتي؟ فقال أبو لهب: جزماً سحركم محمد، فتفرَّقوا، فلمّا كان اليوم الثاني أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففعل بهم مثل ذلك، ثم سقاهم اللبن، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أيّكم يكون وصيي، ووزيري، وينجز عداتي، ويقضي ديني؟» فقام علي (عليه السلام) ـ وكان أصغرهم سنًّا ـ وأحمشهم ساقاً، وأقلّهم مالاً ـ فقال: أنا يا رسول الله؛ فقال رسول الله: «أنت».
- ـ ما ذكره فرات بن إبراهيم في تفسيره([29]):
(أ) ما رواه عبيد الله بن كثير، معنعناً عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، قال: دعاهم ـ يعني النبيَّ ـ فجمعهم على فخذ شاة وقدح من لبن، أو قال: قعب من لبن، وإن فيهم يومئذ ثلاثين رجلاً يأكل كلّ رجلٍ جذعة، قال: فأكلنا حتّى شبعنا وشربنا حتّى روينا([30]).
(ب) ما رواه الحسن بن علي بن عفان معنعناً عن أبي رافع: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع ولد بني عبد المطلب في الشعب ـ وهم يومئذ، (ولده لصلبه وأولادهم) أربعون رجلاً ـ فصنع لهم رِجل شاة، وثرد لهم ثريدةً فصبَّ عليه ذلك المرقَ واللحم، ثم قدَّمها إليهم، فأكلوا منها حتّى شبعوا، ثم سقاهم عسًّا واحداً، فشربوا كلّهم من ذلك العس حتّى رووا، ثم قال أبو لهب: والله إن منّا لنفراً يأكل أحدهم الجفنة، وما يصلحها، فما تكاد تشبعه، ويشرب الفرق من النبيذ فما يرويه، وإن ابن أبي كبشة دعانا على رِجل شاة وعس من شراب فشبعنا وروينا. إن هذا لَهو السحر المبين. قال: ثم دعاهم فقال لهم: إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، ورهطي المخلصين، وإنكم عشيرتي الأقربون، ورهطي المخلصون، وإن الله لم يبعث نبيًّا إلاّ جعل له أخاً من أهله ووارثاً ووصيّاً ووزيراً، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووزيري ووارثي، دون أهلي، ووصيي وخليفتي في أهلي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبيَّ بعدي، فأمسك القوم، فقال: والله ليقومن قائمكم، أو ليكوننَّ في غيركم، ثم لتندمنَّ، فقام علي (عليه السلام) ـ وهم ينظرون إليه كلهم ـ فبايعه وأجابه إلى ما دعاه، فقال: ادن مني، فدنا منه، فقال: افتح فاك، فمجَّ في فيه من ريقه، وتفل بين كتفيه، وبين ثديَيه، فقال أبو لهب:، لبئس ما حبوت به ابن عمك!! أجابك، فملأت فاه ووجهه بزاقاً، قال: فقال النبي: بل ملأته علماً، وحلماً، وفقهاً.
4 ـ وفي كنز الكراجكي:
عن القاضي أسد بن إبراهيم السلمي عن عمر بن علي العتكي عن محمد بن إبراهيم السمرقندي عن محمد بن عبدالله بن حليم، عن سنان بن بشر الأسد، عن علي بن هاشم عن محمد بن عبدالله بن أبي رابع عن أبيه عن جده… هذا الحديث مع تغيير طفيف في بعض ألفاظه لا يغيِّر المعنى، وجاء في ختامه: فقال رسول الله: «ملئ حكمةً وعلماً وفهماً» فقال (أي أبو لهب) لأبي طالب: ليهنئك اليوم أن تدخل في دين ابن أخيك، وقد جعل ابنك مقدماً عليك.
5 ـ ما رواه السيد ابن طاوس في كتابه سعد السعود نقلاً عن تفسير محمد بن العباس بن مروان بن مهيار الثقة الكبير في تفسيره:
(أ) عن محمد الباهلي عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي عن عمار بن حماد الانصاري عن عمرو بن شمر، عن مبارك بن فضالة، والعامة عن الحسن، عن رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن قوماً خاضوا في بعض أمر علي (عليه السلام) بعد الذي كان من وقعة الجمل، قال الرجل الذي سمع منه الحسن الحديث: «ويلكم!! ما تريدون من أول السابقين بالايمان بالله، والاقرار بما جاء من عند الله؟ لقد كنت عاشر عشرة من ولد عبد المطلب إذ أتانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: أجيبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غد في منزل أبي طالب، فتغامزنا، فلما ولّى قلنا: أترى محمداً أن يشبعنا اليوم؟ وما منّا يومئذ، من العشرة، رجل إلاّ وهو يأكل الجذعة السمينة، ويشرب الفرق من اللبن، فغدونا عليه في منزل أبي طالب، وإذا نحن برسول الله (صلى الله عليه وآله) فحييناه بتحية الجاهلية، وحيانا هو بتحية الإسلام، فأول ما أنكرنا منه ذلك، ثم أمر بجفنة من خبز ولحم، فقدِّمت إلينا ووضع يده اليمنى على ذروتها، وقال: «بسم الله، كلوا، على اسم الله»، فتغيَّرنا لذلك، ثم تمسكنا لحاجتنا إلى الطعام، وذلك أننا جوَّعنا أنفسنا للميعاد بالأمس، فأكلنا حتّى انتهينا، والجفنة كما هي مدفقة، ثم دفع إلينا عسًّا من لبن، فكان عليٌّ يخدمنا، فشربنا كلنا حتّى روينا والعس على حاله، حتّى إذا فرغنا قال: «يا بني عبد المطلب، إني نذير لكم من الله، جلَّ وعزَّ، إني أتيتكم بما لم يأتِ به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا، وتفلحوا، وتنجحوا. إن هذه مائدة أمرني الله بها، فصنعتها لكم، كما صنع عيسى ابن مريم (عليه السلام) لقومه، فمن كفر بعد ذلك منكم، فإن الله يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، واتقوا الله، واسمعوا ما أقول لكم، واعلموا يا بني عبد المطلب، إن الله لم يبعث رسولاً إلاّ جعل له أخاً ووزيراً ووصيّاً ووارثاً من أهله، وقد جعل لي وزيراً كما جعل للأنبياء قبلي، وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل عليَّ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، ورهطك المخلصين، وقد ـ والله ـ أنبأني به ـ وسماه لي، ولكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكم، وأعرض عليكم، لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي، فأيكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في الله، ويوازرني في الله عزَّ وجلَّ، ومع ذلك يكون لي يداً على جميع مَن خالفني، فاتَّخذه وصيّاً، ووليّاً، ووزيراً، يؤدي عني، ويبلغ رسالتي، ويقضي ديني من بعدي وعِداتي» (مع أشياء اشترطها) فسكتوا فأعادها ثلاث مرات، كلها ليسكتون ـ ويَثِبُ فيها عليّ، فلما سمعها أبو لهب قال: تبًّا لك يا محمد، ولِمَا جئتنا به، ألهذا دعوتنا؟ وهمَّ أن يقوم مولِّياً، فقال (صلّى الله عليه وآله): «أما والله لتَقولنَّ أو يكون في غيركم»،
وقال: يحرضهم: «لئلا يكون لأحد منكم، فيما بعد، حجةٌ» قال: فوثب علي (عليه السلام) فقال: يا رسول الله، أنا لها. فقال رسول الله: «يا أبا الحسن، أنت لها، قُضي القضاء، وجفَّ القلم،
يا علي اصطفاك الله بأولها، وجعلك وليَّ آخرها».
(ب) عن حسين بن الحكم الخيبري عن محمد بن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عفان بن سليمان قال: وحدثنا محمد بن أحمد الكاتب عن جده، عن عفان، وحدثنا عبد العزيز بن يحيى، عن موسى بن زكريا عن الواحد بن غياث، قالا: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن أبي ربيعة بن ناجد أنّ رجلاً قال لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، لم ورثت ابن عمك دون عمِّك؟ فقال علي (عليه السلام): هاؤم، قالها ثلاث مرّات، حتّى اشرأبَّ الناس، ونشروا آذانهم، ثم قال: جمع رسول الله ـ أو دعا رسول الله: ـ بني عبد المطلب، كلّهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، قال: فصنع لهم مدًّا من طعام، فأكلوا حتّى شبعوا، قال: وبقي الطعام كما هو كأنّه لم يُمس، ولم يشرب، فقال: يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم بخاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت – وكنت أصغر القوم سنًّا – فقال: إجلس، قال: ثم قال ثلاث مرّات، كلّ ذلك أقوم إليه، فيقول لي: «اجلس»، حتّى كان في الثالثة، ضرب يده على يدي، فقال: فلذلك ورثت ابن عمي دون عمي»([31]).
6 ـ ما رواه ابن بابويه:
قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رحمه الله قال: حدثنا عبد العزيز، قال حدثنا المغيرة بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي، قال: حدثنا قيس بن الربيع، وشريك بن عبد الله عن الاعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لمّا نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} أي رهطك المخلصين، دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب ـ وهم، إذ ذاك، أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ـ فقال: «أيكم يكون أخي، ووارثي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي فيكم بعدي؟» فقام القوم، يضحك بعضهم إلى بعض، وقالوا لأبي طالب قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام».
7ـ ما ذكره الشيخ الطوسي في مجالسه:
حدثنا جماعة عن أبي المفضل، قال حدثنا محمد ابن إسحاق عن عبد الغفار، قال أبو الفضل: وحدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي ـ واللفظ له ـ عن محمد بن الصباح الجرجرائي، قال: حدثنا سلمة بن صالح الجعفي، عن سليمان الأعمش، وابن مريم، جميعاً، عن المنهال بن عمرو عن عبدالله بن الحارث ابن نوفل، عن عبدالله بن عباس عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله): {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: «يا علي: إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين قال: فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى أبادِهُّم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره، فصمتُّ على ذلك، وجاء جبرائيل، فقال: يا محمد، إنك إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك. فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رِجل شاة، واملأ لنا عسّاً من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب، حتّى أكلمهم، وأبلغهم ما أُمرت به»، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم أجمع ـ وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ـ فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبولهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جذعة من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا باسم الله؛ فأكل القوم حتّى صدروا، ما لهم بشيء من الطعام من حاجة، وما أرى إلاّ مواضع أيديهم، وايم الله، الذي نفسُ عليٍّ بيده، إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدَّمتُ لجميعهم، ثم جئتهم بذلك العُسِّ، فشربوا حتّى رووا جميعاً، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد الرسول (صلّى الله عليه وآله) أن يكلِّمهم بدره أبولهب إلى الكلام، فقال: لَشد ما سحركم به صاحبكم، فتفرّق القوم، ولم يكلمهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال من الغد: «يا عليّ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلمهم، فعُدَّ لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم لي»، ففعلت، ثم جمعتهم، فدعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، وأكلوا حتّى ما لهم به حاجة، ثم قال: «اسقهم»، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثم تكلَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: «يا بني عبد المطلب، إنّي، والله، ما أعلم شابًّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به. إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عزَّ وجلَّ، أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي، ويوازرني على أمري، فيكون أخي، ووصيي، ووزيري، وخليفتي في أهلي من بعدي؟» فأمسك القوم، وأحجموا عنها، جميعاً، ثم قال: فقمت ـ وإنّي لأحدثهم سنًّا، وأرمضهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً ـ فقلت: أنا يا نبيَّ الله، أكون وزيرك على ما بعثك الله به، قال: فأخذ بيدي، ثم قال: «إنّ هذا أخي، ووصيي، ووزيري، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»، قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
هذه هي روايات حديث إنذار العشيرة ـ عند الفريقَين، من سنَّة وشيعة ـ بطُرقها وصِيَغِها المختلفة. ومن مجموعها يتبيّن أنّ بعض هذه الروايات جاء مطلقاً غير مرتبط في حصول محتواه بنزول قول الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، وبعضها جاء مرتبطاً في ذلك بنزولها على أنّه تنفيذ لها. غير أنّ هذا البعض الذي جاء مرتبطاً بنزولها اختلف حول الأداء النبوي لتنفيذها، فبينما هو يتمثل ـ عند البعض ـ في اعتلائه (صلّى الله عليه وآله) جبل الصفا أو غيره، وندائه قريشاً كلها ـ بطناً، بطناً، بمن فيهم بنو عبد المطلب بن هشام ـ على نحو ما جاءت بتفاصيله روايات ذلك، إذا هو يتمثل ـ عند بعض آخر ـ في دعوة النبي لبني عبد المطلب بن هاشم في دار عمّه أبي طالب على نحو ما جاءت بتفاصيله روايات ذلك أيضاً.
حديث الإنذار بين الصفا والدار
وإذا كانت الروايات المطلقة عن ربط محتواها بنزول الآية المذكورة لا تمثل لنا مشكلة، سواء بقيت على إطلاقها، دون حمل على أي من الروايات التي جاءت ـ في محتواها ـ مرتبطة بنزولها، أو حُمِلت على أيٍّ منها، فإنّ المشكلة تتمثّل أمامنا في الروايات التي ربطت حديث إنذار العشيرة بنزول هذه الآية على أنّ الأداء التنفيذي المطلوب بها، باعتبار أنّ من المسلَّم أنّه (صلّى الله عليه وآله) لا يبلّغ عن ربّه إلاّ وفق ما أمره به ربُّه، دون خروج عن حدوده أو نطاقه، زيادةً أو نقصاناً، نتيجةً لكونه ـ في جميع تبليغاته ـ معصوماً من الزيادة والنقصان والخطأ والنسيان بمقتضى قول الله تعالى في شأنه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)}([32]).
ومن ثمّ فإذا كنّا بإزاء حادثَتين مختلفتين ـ زماناً ومكاناً ومخاطَباً ـ فهل كان مطلوب هذه الآية هو إحدى الحادثَتين بذاتها أو كان يتناولهما معاً؟
حديث الإنذار بين الصفا والدار
وإذ لا سبيل، عربيًّا، لأن تكون الحادثتان، معاً، مطلوب هذه الآية، فلا يكون مطلوبها إلاّ إحداهما فقط بذاتها. وحينئذ فما هي على وجه التحديد؟ ولماذا؟ وكيف تُوجَّه الروايات الأخرى في شأن الحادثة الثانية، والتي تضمنت أنّها كانت تنفيذاً لهذه الآية؟
وفي سبيل الإجابة عن كلّ ذلك نرجع إلى الآية نفسها، نطوف حول كلماتها الثلاث: «أنذر»، و«عشيرتك»، و«الأقربين»، نستنطقها ما تدلُّ عليه ـ فرادَى ومجتمعةً ـ بخصوص تحديد الحادثة التي كانت مطلوبها، فتنتفي الأخرى تبعاً لذلك. ويلزم، حينئذ، توجيه الروايات التي جاءت بها.
فإلى هذه الآية، نستطلع ـ من خلال تلك المفردات الثلاث ـ ما تدل عليه فيما نحن بصدده، وذلك كالآتي:
أوّلاً: فيما يتعلق بتحديد ما تدل عليه كلمة «أنذر»:
حيث نبحث عنه في اللغة، والقرآن الكريم، والسنّة الشريفة.
1 ـ فأمّا من جهة اللغة:
فإنّنا نجد أنّ معناها ـ كما جاء في القاموس([33]) المحيط على سبيل المثال ـ هو «وأنذر بالأمر إنذاراً، ونذراً، ويضم، وبضمتين، ونذيراً، أعلَمه وحذَّره وخوَّفه في إبلاغه».
2 ـ وأمّا من جهة القرآن الكريم:
فإنّنا نجد مواردها فيه ـ من غير هذه الآية ـ كالآتي من أقوال الله تعالى:
ـ {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ}([34]).
ـ {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ}([35]).
ـ {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ}([36]).
ـ {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ}([37]).
ـ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ}([38]).
ـ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}([39]).
ـ {أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}([40]).
ـ {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ}([41]).
وباستعراض هذه الآيات كلّها نجد أنّ المعنى اللغوي لمادة الإنذار واضح وبارز فيها جميعاً، فهي كلّها تمثّل: إبلاغاً قائماً على الإعلام المبني على التخويف والتحذير، فهل هذا المعنى هو نفس ما سيقت له لفظة «أنذر» في قول الله تعالى لنبيِّه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، أو أنّ لهذه اللفظة ـ في هذه الآية ـ معنى آخر مغايراً لما هو لها في الآيات السابقة تماماً، أو أنّه يختلف عنه، فقط، بالزيادة أو بالنقصان؟
3 ـ وأمّا من جهة السنَّة الشريفة:
فإنّنا نجد أن ترجمة النبي (صلّى الله عليه وآله) لهذه اللفظة، تنفيذاً لهذه الآية ـ كما جاءت في الروايات المختلفة لحديث إنذار العشيرة، التي ربطت محتواها بنزول هذه الآية ـ قد أخذت إحدى صورتين.
الأولى: خالية من معنى الإبلاغ القائم على الإعلام المبني على التخويف والتحذير كما في بعض الروايات عند كلّ من الشيعة وجمهور السنّة.
الثانية: تتضمن محتوى الروايات السابقة، زائداً عليها ما يتَّصل بالمعنى اللغوي لماذا الإنذار، ولكن بطريقة تبعية، لخدمة المحتوى المشترك المقصود من الروايات كلّها، وذلك كما في بعض الروايات عند كلّ من الشيعة وجمهور السنَّة.
وعلى هذا يكون لفظ «أنذر» في هذه الآية مراداً به معنى خاصّاً بالعشيرة الأقربين، مغايراً للمعنى الذي جاءت به في كتب اللغة ـ مادة «الإنذار»، وانطلقت عنه جميع آيات الكتاب الكريم المشتملة على أي مشتق من هذه المادة، موجّهة إلى الناس كافة، بما فيهم العشيرة الأقربون. وترجع هذه المغايرة إلى واحد من الأمرَين الموجودَين في الصورتين السالفتي الذكر.
والأدلة والقرائن على خصوصية المعنى في لفظ «أنذر» في هذه الآية بالنسبة للعشيرة الأقربين، كثيرة من نفس روايات حديث إنذار العشيرة ـ كما هي عند الفريقين من سنَّة وشيعة ـ ومنها على سبيل المثال:
(أ) عبارته: (وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه…) ثمّ تعقيبه (صلّى الله عليه وآله) على هذه العبارة بما يترجم تنفيذه لهذا الأمر بقوله: (فأَيُّكم…).
(ب) عبارته: (إنّي بعثت إليكم خاصّة، وإلى الناس عامّة)، مع أنّ هذه العشيرة الموصوفة بالأقربين ـ في هذه الآية ـ والمخاطبة بهذه العبارة، داخلة مع بقية الناس عامّة في الإنذار العام الموجّه للناس كافّة.
ثانياً: فيما يتعلق بما تدل عليه كلمة
«عشيرتك» في هذه الآية
حيث نبحث عن ذلك في اللغة والسنَّة النَّبوية:
1 ـ فأمّا من جهة اللغة:
فإنّنا نجد معناها ـ كما جاء في القاموس المحيط، هو: «وعشيرة الرجل بنو أبيه الأدنَون أو قبيلته…»؛ ممّا يعطي أنّ «العشيرة» مشترك لفظي بين بني الأب الأدنَين، وبين ما يشملهم، مع غيرهم، من بقية القبيلة، ومن ثم فأي المعنيين هو المراد من لفظ «عشيرتك» في هذه الآية، وبخاصّة أنّ الروايات ـ عند الفريقَين ـ جاءت بكليهما مربوطةً بتنفيذ قول الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}؟
2 ـ وأمّا من جهة السنَّة النبويَّة:
فإنّنا نجد أن ترجمة النبي لهذه اللفظة ـ تنفيذاً لهذه الآية ـ كما جاءت في روايات حديث إنذار العشيرة التي ربطت بين محتواها وبين نزول هذه الآية ـ على اختلاف طرقها و صيغها ـ قد أخذت إحدى صورتَين أيضاً:
الأولى: توضح أن خطابه التنفيذي لهذه الكلمة كان «يوم الدار» لأهل بيته ـ من بني عبد المطلب بن هاشم ـ خاصّة. وهي، في هذا، تتفق مع ما جاء في كتب اللغة من أنّ «عشيرة الرجل هم: بنو أبيه الأدنَون». ومن ثم يكون باقي قريش ـ من غير أهل بيته ـ غير داخلين في متناول «الإنذار» المطلوب بهذه الآية الكريمة؛ لأنّهم ـ بمقتضى هذه الترجمة النبويَّة للفظ «عشيرتك» ـ لم يكونوا مقصودين منه في هذه الآية، وبالتالي يكون مطلوبه هو ما حدث «يوم الدار» لا «يوم الصفا».
الثانية: توضح أنّ خطابه التنفيذي لهذه الكلمة كان «يوم الصفا»، أو غيره، لقريش كلّها ـ بما فيها أهل بيته من بني عبد المطلب بن هاشم ـ وهي، في هذا، تتفق مع ما جاء في كتب اللغة أيضاً من أنّ «عشيرة الرجل هم: … وقبيلتُه». ومن ثمّ يكون أهل بيته داخلين في متناول «الإنذار» المطلوب بهذه الآية الكريمة ضمن قريش كلّها، لأنّهم ـ بمقتضى هذه الترجمة النبوية للفظ «عشيرتك» ـ يكونون مخاطَبين من خلال قبيلته وهي قريش كلها، التي هم أحد بطونها، وبالتالي يكون مطلوب هذه الآية هو ما حدث «يوم الصفا» لا «يوم الدار».
وبهذا الاختلاف في دلالة لفظ «عشيرتك» في هذه الآية الكريمة ـ نتيجة لاختلاف محتوى الروايات التي جاءت بالصورتَين المذكورتَين كليهما ـ فإنّ سؤالَين ملحَّين يطرحان نفسهما، ويتطلبان الإجابة عنهما ـ تحديداً لمطلوب هذه الآية بوضوح تام ـ ويتلخصان كالآتي:
السؤال الأوّل:
إذا كانت جميع الروايات المشار إليها صحيحة، ووقع مدلولاها فعلاً ـ متمثّلين في حادثتي «يوم الصفا» و«يوم الدار» ـ فهل يعني هذا أن لفظ «عشيرتك» في هذه الآية نزل على النبي مراداً به ـ وفي وقت واحد ـ كلّ من:
1 ـ المدلول الخاص بأهل بيت النبي من بني عبد المطلب بن هاشم، وحدهم، دون بقية قريش.
2 ـ المدلول العام لقريش كلّها، بما فيها أهل بيته من بني عبد المطلب بن هاشم.
أو أنّه ـ مع ذلك ـ لم يكن يراد به إلاّ أحد المدلولَين فقط، سواء كان هو المدلول الخاص أو المدلول العام؟
السؤال الثاني:
وحينئذ، فأي المدلولين هو المراد ـ على وجه التحديد ـ من لفظ «عشيرتك» حين نزل على النبي في هذه الآية؟
وتتمثّل الإجابة عن السؤال في أنّه لا سبيل ـ عربيّاً ـ لأن يكون لفظ «عشيرتك» في هذه الآية الكريمة، قد نزل مراداً به فيها، كلا المعنيَين ـ الخاص والعام ـ معاً، في وقت واحد، ومن ثم يتحتم أن يكون قد نزل فيها مراداً به أحدهما دون الآخر، على سبيل القطع.
وأمّا الإجابة عن السؤال الثاني، فتقتضي، قبلها، الإجابة عن سؤال آخر يتلخص في أنّه: هل يمكن أن يكون النبي في ضوء اختلاف الروايات بوقوع كلّ من المدلولَين ـ مع افتراض صحة هذا الوقوع فعلاً ـ قد استعمل هذا اللفظ، في هذه الآية، مرّة في المعنى الخاص، ومرّة أخرى في المعنى العام، تنفيذاً لها في كلتا المرتين، ما دام أنّ جميع تلك الروايات قد ربطت تنفيذه (صلّى الله عليه وآله) فيها بنزول هذه الآية؟
وفي سبيل الإجابة عن هذا السؤال نجد أنّه لا سبيل إلى ذلك أيضاً، ضرورة أن:
1 ـ هذا اللفظ ـ حين نزل في هذه الآية ـ لا يمكن أن يكون مراداً به ـ لغويّاً ـ من الله تعالى، قطعاً غير مدلول واحد، فقط، بالرغم من إمكان استعماله ـ خارج نطاقها ـ في المدلول الآخر، ممّا يحتّم أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ـ حين نفذه ـ لم ينفذه إلاّ في مورده فقط، دون غيره، لأنّه لا يتناول هذا الغير.
2 ـ وقوع كلّ من المدلولَين فعلاً، لا يدل ـ بذاته ـ على أنّه حين وقع كان تنفيذاً لهذا اللفظ في هذه الآية؛ لأنّه (صلّى الله عليه وآله) كلّف بتبليغ الدعوة إلى عشيرته الأقربين في مرحلة سابقة على أمره بتبليغها إلى قومه من قريش ثم من عداها من بقية العرب، ثم بقية الناس أجمعين، على نحو ما ذكره ابن القيِّم بقوله:
«فصل في ترتيب الدعوة، ولها مراتب:
المرتبة الأولى: النبوة.
المرتبة الثانية: إنذار عشيرته الأقربين.
المرتبة الثالثة: إنذار قومه.
المرتبة الرابعة: إنذار قوم {مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ}. وهم العرب.
المرتبة الخامسة: إنذار جميع من بلغته (دعوته) من الجن والإنس إلى آخر الدهر»([42]).
كما وضحه الدكتور عبد الرؤوف شلبي بقوله:
«أطوار الدعوة في مكة زمنيّاً اثنتان:
1 ـ الدعوة، وهي في ظل العمل السري، ومدّتها ثلاثة أعوام.
2 ـ الدعوة، وهي في ظل العمل الجهري، ومدّتها عشرة أعوام([43]).
ومراحل تبليغها أربع:
1 ـ مرحلة واحدة في دور العمل السري، وهي مرحلة إعداد القيادة.
2 ـ وثلاث مراحل بعد قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}([44]) وهي:
- {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}.
(ب) {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا}([45]).
(جـ) {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ([46])….}([47]).
وعلى هذا يكون مدلول حادثة اعتلائه (صلّى الله عليه وآله) الصفا أو غيره، وندائه قريشاً ـ بطناً، بطناً ـ كما جاءت الروايات بذلك، تالياً، زمنيّاً، لمرحلة إنذاره العشيرة، ويكون تنفيذاً لآيةٍ أخرى غير آية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} وهي آية {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى}، حيث تسكن قريش، بجميع بطونها، بما فيها أهل بيت النبي من بني عبد المطلب بن هاشم.
وبهذا تتحدّد الإجابة عن السؤال الثاني الخاص بتعيين المراد من لفظ «عشيرتك» في آيتنا الكريمة، حيث نجد أنّه لا سبيل لأن يكون معناها العام الذي يشمل قريشاً كلّها، باعتبارها قبيلة النبي ـ بما فيها أهل بيته من بني عبد المطلب بن هاشم ـ وإلاّ لَترتَّب على ذلك أحد محظورين، وهما:
الأوّل: أن يكون خطاب النبي ـ كما جاء في بعض الروايات، بقوله: «فأيكم…» موجِّهاً الخطاب إلى الحاضرين، فقط، من أهل بيته يوم الدار ـ قائماً على عدم الالتزام بمقتضى الأمر، وعلى التقصير في التبليغ؛ لأنّ واجبه (صلّى الله عليه وآله) ـ على هذا ـ كان يحتِّم عليه أن يوجّه الخطاب بذلك إلى جميع القرشيين، ولم يفعل يومئذ، وإنّما اقتصر على مَن وجَّه إليهم الدعوة ـ من بني عبد المطلب بن هاشم ـ ممّن حضروا مائدته (صلّى الله عليه وآله) يوم الدار، ولا قائل في شأنه بأيٍّ من هذَين الأمرَين طول حياته، ضرورة إيمان الجميع بعصمته عن ذلك، بل وعن كلّ ما يشينه بصفة مطلقة.
الثاني: أن يكون خطاب النبي المشار إليه، موجَّهاً لجميع قريش من خلال الحاضرين «يوم الدار»، ممّا يلزمه أن يكون، فعلاً كلّ من ينصر النبي ويشدّ أزره في أمره من سائر قريش: وزيره، ووصيهُ، ووارثه وخليفته… إلخ، ممّا لم يقل به أحد من المسلمين.
3 ـ لا يمكن أن يُقال أيضاً: إنّ المراد من لفظ «عشيرتك» في هذه الآية معناه العام، الذي يتناول جميع بطون قريش ـ بما فيها أهل بيته من بني عبد المطلب بن هاشم ـ وأنّ النبي نفَّذه على دفعتين، كانت إحداهما «يوم الدار» خاصّة بأهل بيته، من بني عبد المطلب بن هاشم، اهتماماً بهم لمكانهم منه، ومكانتهم عنده، وكانت الأخرى «يوم الصفا» لجميع بطون قريش، بما فيهم أهل بيته، ويكون نداؤه يومئذ لأهل بيته ـ ضمن من نادى من بطون قريش ـ إيذاناً، بأنّ ما كان من «الإنذار» الخاص بهم «يوم الدار» إنّما كان لمجرد الاهتمام بهم، لا أكثر ولا أقل.
وذلك لأنّ الأداء التنفيذي منه (صلّى الله عليه وآله) للفظ «أنذر» في هذه الآية قد تفاوت بين المرتَين، فهو:
(أ) في «يوم الصفا» ـ حيث كان الخطاب، حسب رواياته، موجهاً لقريش كلها، بما فيها أهل بيته ـ لم يشتمل على عبارة: «فأيكم… إلخ»، ممّا يترتب عليه أنّ مدلول لفظ «أَنْذر» بُلِّغ ناقصاً عن مدلوله ـ لو كانت هذه العبارة من مطلوبه ـ فيكون ذلك منه عدم التزام في التبليغ بمقتضى الأمر، كما ينبغي منه وحاشاه ذلك.
(ب) وفي «يوم الدار» ـ حيث كان الخطاب، حسب رواياته، موجهاً لأهل بيته، فقط، من بني عبد المطلب بن هاشم ـ اشتمل على عبارة «فأيكم… إلخ»، ممّا يترتب عليه أنّ مدلول لفظ «أنذر» جاء زائداً على المطلوب ـ لو كانت هذه العبارة ليست منه ـ فيكون تقوُّلاً منه على ربِّه، وحاشاه من ذلك.
4 ـ أنّ لفظ «الأقربين» في الآية ـ وصفاً للفظ «عشيرتك» فيها ـ صريح في إخراج المعنى اللغوي العام لهذا اللفظ في هذه الآية، وحصره لها في معناه الخاص ببني الأب الأدَنين دون القبيلة، فإنّ قريشاً وإن كانت قريبةً للنبي بالنسبة لسائر العرب، فالناس أجمعين، فإنّ أهل بيته ـ من بني عبد المطلب بن هاشم ـ أقرب إليه من بقية قريش فمَن عداهم، ممّا جعل لفظ «الأقربين» وصفاً للفظ «عشيرتك» في هذه الآية ـ مانعاً من أن يراد من لفظ «عشيرتك» لها بمعناه العام بأي حال من الأحوال.
5 ـ وممّا يدعم دلالة لفظ «الأقربين» في هذه الآية على ما ذكرنا:
(أ) ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنّما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد»([48]).
وذلك أنّ رسول الله كان قد قسم خُمس الخُمس بين بني هاشم وبني المطلب ولم يعط منه شيئاً لبني عبد شمس ولا بني نوفل، مع أنّ الجميع أبناء عبد مناف.
(ب) ما قاله الحافظ ابن حجر في موقعين:
1 ـ «أنّ بين بني هاشم وبني المطلب ائتلافاً سرى في أولادهما من بعدهما، ولهذا كما كتبت قريش الصحيفة بينهم وبين بني هاشم وحصروهم في الشّعب دخل بنو المطلب مع بني هاشم، ولم يدخل بنو نوفل وعبد شمس»([49]).
2 ـ « فإنّ ذوي القربى لفظ عام خُصَّ ببني هاشم والمطلب»([50]) فإذا كان هذا بالنسبة للفظ «ذوي القربى» فكيف بلفظ «الأقربين» وهو يزيد عليه في معنى القرابة المشترك بينهما باعتباره أفعل التفضيل؟
وفي ضوء جميع ما تقدّم يكون لفظ «عشيرتك» ـ حين نزل في آيتنا الكريمة هنا ـ وارداً بمعناه الخاص، فقط، متمثلاً في أهل بيت النبي من بني أبيه الأدنَين وهم ـ دون غيرهم من قريش ـ بنو عبد المطلب بن هاشم، ممّا يوجب توجيه الروايات التي ربطت بين نزول هذه الآية وبين حادثة اعتلائه (صلّى الله عليه وآله) جبل الصفا أو غيره من مثله، وندائه على قريش كلّها، بطناً بطناً، بما فيها بنو عبد المطلب بن هاشم، وتوجيهها توجيهاً مقبولاً.
والأمر في هذا الصدد ـ لا يعدو واحداً من أمرين لا ثالث لهما وهما:
الأوّل: أن يكون ذلك بسبب التباس الأمر على أحد حلقات سلسلة الرواية نتيجة للوقوع الفعلي لحادثتي كلّ من يومَي الصفا والدار، فوضع حادثة «يوم الصفا» محل حادثة «يوم الدار».
الثاني: أن يكون ذلك بسبب خطأ أو تعمّد أحد النساخ، لحاجة «في نفس يعقوب» ظنّ أنّه بذلك «قضاها».
وأيًّا ما يكون الأمر، فلا تكون حادثة «يوم الصفا» تنفيذاً تبليغيّاً لقول الله تبارك وتعالى لنبيّه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} بحال من الأحوال، وتكون حادثة «يوم الدار» هي، وحدها صورة التبليغ التنفيذي لهذه الآية الكريمة، ومن ثم فسنضرب صفحاً ـ في الدراسة المقبلة، عن مناقشة روايات حادثة «يوم الصفا» ونقصرها على حداثة «يوم الدار» فقط وحديثها.
روايات حديث يوم الدار
بعد استعراض روايات حديث إنذار العشيرة ـ بطرقه وصيغه المختلفة ـ عند فريقَي الأمّة، حيث تمّت الإجابة عن جميع الأسئلة التي طرحت نفسها ـ أثناء التعليق الإجمالي عليها ـ بما انتهى إلى ضرورة العدول، في هذه الدراسة، عن كلّ ما يتصل من تلك الروايات بحادثة «يوم الصفا»، وقصرها ـ فقط ـ على كلّ ما يتصل منها بحادثة «يوم الدار»… تلك الحادثة التي كان لها ـ فيما بعد ـ أثرها الكبير والخطير على أحداث الإسلام، ووقائع تاريخه، بل وتاريخ العالم أجمع، منذ ذلك اليوم إلى الآن، وحتّى يرث الله الأرض ومَن عليها، فإنّ الأمر يقتضي ـ إحقاقاً للحق، في هذا المجال، غير مغلوب على أمره، وإزهاقاً للباطل فيه، أيضاً، غير خادع بطول عمره ـ أن نطوف حول روايات حديث «يوم الدار» عند الفريقَين لاستخلاص قدرٍ مشترك بينهما بخصوصه، يكون محل الدراسة والمناقشة بطريقة علمية محايدة، تنطلق عن المنطق العقلي القويم، الذي يرتب النتائج السليمة على مقدماتها الصحيحة، دون ميل أو هوى، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}([51]).
وحتّى يتم ذلك، في سهولة ويُسر، ينبغي إعادة ما سبق ذكره من روايات حديث «يوم الدار» عند الفريقين كالآتي:
أوّلاً: كما اقتبسناها من كتب السنَّة:
1 ـ ما رواه الطبري في تفسيره عند تعرّضه لقول الله تعالى {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ممّا يأتي:
قال ثنا سلمة قال: ثني محمد بن إسحاق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب: لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (صلّى الله عليه وآله): {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} دعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين قال: فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى ما أُبِادِهُّم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره، فصمتُّ حتّى جاء جبرائيل، فقال:
يا محمد، إنك إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رِجل شاة واملأ لنا عسّاً([52]) من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب، حتّى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له ـ وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبولهب ـ فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، وقال: خذوا باسم الله؛ فأكل القوم حتّى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلاّ مواضع أيديهم، وايم الله الذي نفس عليٍّ بيده، إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدَّمتُ لجميعهم، ثم قال: اسْقِ الناس، فجئتهم بذلك العُسِّ، فشربوا حتّى رووا منه جميعاً. وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكلِّمهم، بدره أبولهب إلى الكلام، فقال: لشد ما سحركم به صاحبكم، فتفرّق القوم، ولم يكلمهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال من الغد: «يا عليّ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلمهم»، فعُدَّ لنا من الطعام مثل الذي صنعت، ثم اجمعهم لي، قال: ففعلت، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة، قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثم تكلَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شابًّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به. إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا([53]) وكذا، قال فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت ـ وإنّي لأحدثهم سنًّا، وأرمضهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً ـ أنا يا نبيَّ الله أكون وزيرك، فأخذ برقبتي ثم قال: إنّ هذا أخي وكذا([54]) فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع([55]).
حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمر قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} قال: أمر محمد أن ينذر قومه، ويبدأ بأهل بيته وفصيلته، قال: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوالْحَقُّ}.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، بدأ بأهل بيته وفصيلته.
حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج قال: لمّا نزلت هذه الآية بدأ بأهل بيته وفصيلته([56])، قال وشَق ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}…
2 ـ ما أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان) من:
(أ) عن الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدثنا موسى بن محمد حدثنا الحسن بن علي بن شعيب([57]) العمري حدثنا عباد بن يعقوب حدثنا علي بن هاشم عن صباح بن يحيى المزني عن زكريا بن ميسرة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: «لمّا نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطلب ـ وهم يومئذ أربعون رجلاً، الرجل منهم يأكل المُسِنَّة ويشرب العُسَّ ـ فأمر عليّاً برِجل شاة فأَدَمها ثم قال: ادنوا بسم الله. فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتّى صدروا، ثم دعا بقعب([58]) من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم: اشربوا بسم الله. فشربوا حتّى رووا، فبدرهم أبولهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل. فسكت النبي (صلّى الله عليه وآله) فلم يتكلم، ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: «يا بني عبد المطلب إنّى أنا النذير إليكم من الله عزَّ وجلَّ والبشير، فأسلِموا وأطيعوني تهتدوا»، ثم قال: «من يؤاخينى ويوازرني ويكون وليي ووصيي بعدى وخليفتي ويقضى دينى؟» فسكت القوم، فأعادها ثلاثاً، كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول على: أنا، فقال في المرّة الثالثة: أنت، فقام القوم، وهم يقولون لابي طالب: أَطع ابنك فقد أُمِّرَ عليك».
وبهذا السند والمتن أخرجه صدر الحفاظ الكنجي الشافعي في الكفاية ص89م وجمال الدين الزرندي في «نظم درر السمطين» بتغيير يسير في لفظه.
(ب) عن أبي رافع. وفيه، ثم قال: إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم عشيرتي ورهطي، وإن الله لم يبعث نبيّاً إلاّ جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووارثاً ووصياً وخليفة في أهله، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووزيري ووصيي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي، فسكت القوم فقال: ليقومنَّ قائمكم، أو ليكوننَّ في غيركم، ثم لتندمنَّ، ثم أعاد الكلام ثلاث مرات، فقام علي (عليه السلام) فبايعه وأجابه ثم قال: ادنُ مني، فدنا منه، ففتح فاه ومجَّ فيه من ريقه، وتفل بين كتفَيه وثديَيه، فقال أبو لهب: لبئس ما حبوت به ابن عمك أن أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقاً، فقال (صلّى الله عليه وآله): «ملأته حكمة وعلماً».
3 ـ من مسند أحمد بن حنبل:
(أ) ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، جـ1، ص159، عن عفان بن مسلم (الثقة) عن أبي عوانة (الثقة) عن عثمان بن المغيرة (الثقة) عن أبي صادق مسلم الكوفي (الثقة) عن ربيعة بن ناجذ (التابعي الكوفي الثقة) عن علي أمير المؤمنين:
«جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بني عبد المطلب، فيهم رهطه، كلهم يأكل الجذع ويشرب الفرق([59]) قال: فصنع لهم مدًّا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا قال: وبقي الطعام، كما هو كأنّه لم يُمس، ثم دعا بغمر([60]) فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنّه لم يمس أو لم يُشرب، ثم قال: يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه – وكنت أصغر القوم – قال: فقال «إجلس»،قال: ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك اقوم اليه فيقول لي: «إجلس» حتّى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي».
(ب) ما رواه عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: حدثنا أسود بن عامر، قال حدثنا شريك عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبيدالله الأسدي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لمّا نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} جمع النبي – (صلّى الله عليه وآله) – من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا، ثلاثاً، ثم قال لهم: «من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي؟». فقال رجل، لم يسمه شريك: يا رسول الله، أنت كنت تجد من يقوم بهذا، قال: ثم قال الآخر: يعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: «أنا».
(جـ) لمّا نزل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} جمع النبيُّ من أهل بيته ثلاثين، فأكلوا وشربوا (ثلاثاً) ثم قال لهم: «من يضمن عنّي ديني ومواعيدي، ويكون خليفتي، ويكون معي في الجنة فقال علي: أنا، فقال أنت».
رواه الثعلبي في تفسيره، بعد ثلاث مرّات، في كلّ مرّة سكت القوم غير علي (عليه السلام).
وهكذا نقله في الكنز([61]) عن المسند وابن جرير، قال: وصححه، وعن الطحاوي والضياء في المختارة، التي حكى في أوّل الكنز صحة جميع ما فيها عن السيوطي في ديباجة: جمع الجوامع.
4 ـ عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال:
حدثنا أسود بن عامر، قال: خبرنا شريك عن الأعمش عن المنهال عن عمر بن عباد بن عبدالله الأسدي عن علي (عليه السلام): لمّا نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعا رسول الله بأربعين رجلاً من أهل بيته. وإنّ الرجل منه ليأكل جذعة، وإن كان شارباً فرقاً، فقدَّم إليهم فأكلوا حتّى شبعوا، فقال لهم: «من يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي (عليه السلام): أنا، فقال رسول الله: عليُّ يقضي ديني، وينجز مواعيدي».
5 ـ ونقل في الكنز أيضاً([62])، هذا الحديث بقصة طويلة، عن:
(أ) عن ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي هاشم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي، قال النبيُّ في آخره: «قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ قال علي: فقلت: أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، فقال: إنّ هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»، فقام القوم، يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
ونقل هذا الحديث الطبري([63])، وابن الأثير([64]).
(ب) كما حكى عن ابن جرير حديثاً آخر، قال النبي فيه، مثل قوله الأوّل:
«هذا أخي، ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».
(جـ) وكذا نقل([65]) عن ابن مردويه خبراً آخر اشتمل على لفظ «الولاية» قال فيه رسول الله: «من يبايعني على أن يكون أخي، وصاحبي ووليكم من بعدي؟»، فمددت يدي، وقلت: أنا أبايعك، فبايعني.
6 ـ ما أخرجه الحافظ ابن مردويه بإسناده: ونقله عن السيوطي في (جمع الجوامع) كما في الكنز([66]):
«عن أمير المؤمنين قال: لمّا نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعا بني عبد المطلب، وصنع لهم طعاماً ليس بالكثير، فقال كلوا باسم الله من جوانبها، فإنّ البركة تنزل من ذروتها، ووضع يده أوّلهم، فأكلوا حتّى شبعوا، ثم دعا بقدح، فشرب أوّلهم، ثمّ سقاهم فشربوا حتى رووا، فقال أبو لهب لَشدَّ ما سحركم، وقال يا بني عبد المطلب، إنّي جئتكم بما لم يجئ به أحد قط، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإلى كتابه، فنفروا وتفرّقوا، ثم دعاهم الثانية على مثلها فقال أبو لهب كما قال المرّة الأولى، فدعاهم ففعلوا مثل ذلك. ثم قال لهم ـ ومدَّ يده ـ من يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليكم من بعدي؟ فمددت يدي وقلت: أنا أبايعك ـ وأنا يومئذ أصغر القوم عظيم البطن ـ فبايعني على ذلك، قال: وذلك الطعام أنا صنعته».
7 ـ ما أخرجه الحافظان ابن أبي حاتم والبغوي ونقله عنهما ابن تيمية في (منهاج السنَّة)([67]) وعن الحلبي في سيرته([68]):
(بعد ذكر صدر الحديث) ثمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا بني عبد المطلب إنّ الله قد بعثني إلى الخلق كافَّة وبعثني إليكم خاصةً فقال: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، شهادة أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني، يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي؟ فلم يجبه أحد منهم، فقام عليٌّ، وقال: أنا يا رسول الله، قال «اجلس» ثم أعاد القول على القوم ثانياً، فصمتوا، فقام عليّ، وقال: أنا يا رسول الله، فقال: «اجلس» ثم أعاد القول على القوم ثالثاً، فلم يجبه أحد منهم، فقام عليّ، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: «اجلس، فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي».
8 ـ ما رواه التابعي الكبير أبو صادق الهلالي في كتابه، من حديث قيس ومعاوية:
«فجمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جميع بني عبد المطلب ـ فيهم: أبو طالب وأبو لهب، وهم يومئذ أربعون رجلاً ـ فدعاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وخادمه علي (عليه السلام)، فقال: ايّكم ينتدب أن يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أُمتي ووليّ كلِّ مؤمن بعدي؟ فسكت القوم حتّى أعادها ثلاثاً، فقال علي (عليه السلام): أنا يا رسول الله، فوضع (صلى الله عليه وآله) رأسه في حجره، وتفل في فيه، وقال: اللهم املأ جوفه علماً وفهماً وحكماً، ثم قال لأبي طالب: «يا أبا طالب اسمع الآن لابنك وأطع، فقد جعله الله من نبيّه بمنزلة هارون من موسى».
9ـ ما رواه ابن أبي الحديد في نهج البلاغة:
(أ) نفس رواية الطبري في تاريخه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب (على نحو ما سبق ذكره في رقم 4).
(ب) روى أبو جعفر الطبري، أيضاً، في تاريخه أنّ رجلاً قال لعلي: يا أمير المؤمنين، لم ورثت ابن عمك دون عمِّك؟ فقال علي (عليه السلام): هاؤم (ثلاثاً) حتّى اشرأبَّ الناس، ونشروا آذانهم، ثم قال: جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطلب بمكة ـ وهم رهطهُ ـ كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، فصنع مدًّا من طعام، حتّى أكلوا وشبعوا، وبقي الطعام كما هو، كأنّه لم يُمس، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنّه لم يمس أو لم يُشرب، ثم قال: يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي، وصاحبي، ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه – وكنت من أصغر القوم – فقال: «إجلس»، قال ذلك ثلاث مرّات كلّ ذلك أقوم إليه؛ ويقول «اجلس»، حتّى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي، فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي.
(جـ) عن أبي جعفر الإسكافي أنّه قال: وروي في الخبر الصحيح أنّ النبي كلّف عليّاً (عليه السلام) في مبدأ الدعوة ـ أن يصنع طعاماً، ويدعو له بني عبد المطلب فصنع لهم طعاماً، ودعاهم له، ثم ضمن لمن يؤازره وينصره على قوله، أن يعله أخاه في الدين، ووصيه بعد موته، وخليفته من بعده، فأمسكوا كلهم، وأجابه هو، وحده، فقال لهم، «هذا أخي، ووصيي وخليفتي من بعدي»، فقاموا يضحكون، ويقولون لأبي طالب: أطع ابنك، فقد أُمِّر عليك.
10 ـ ما ذكره فرات بن إبراهيم في تفسيره([69])، وهو:
(أ) ما رواه عبيد الله بن كثير، معنعناً عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، قال: دعاهم ـ يعني النبيَّ ـ فجمعهم على فخذ شاة وقدح من لبن، أو قال: قعب من لبن، وإن فيهم يومئذ ثلاثين رجلاً يأكل كلّ رجلٍ جذعة، قال: فأكلنا حتّى شبعنا وشربنا حتّى روينا([70]).
(ب) ما رواه الحسن بن علي بن عفان معنعناً عن أبي رافع: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع ولد بني عبد المطلب في الشعب ـ وهم يومئذ، (ولده لصلبه وأولادهم) أربعون رجلاً ـ فصنع لهم رِجل شاة، وثرد لهم ثريدةً فصبَّ عليه ذلك المرقَ واللحم، ثم قدَّمها إليهم، فأكلوا منه حتّى شبعوا، ثم سقاهم عسًّا واحداً، فشربوا كلّهم من ذلك العس حتّى رووا، ثم قال أبو لهب: والله إن منّا لنفراً يأكل أحدهم الجفنة، وما يصلحها، فما تكاد تشبعه، ويشرب الفرق من النبيذ فما يرويه، وإن ابن أبي كبشة دعانا على رِجل شاة وعس من شراب فشبعنا وروينا. إن هذا لَهو السحر المبين. قال: ثم دعاهم فقال لهم: إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، ورهطي المخلصين، وإنكم عشيرتي الأقربون، ورهطي المخلصون، وإن الله لم يبعث نبيًّا إلاّ جعل له من أهله أخاً ووارثاً ووصيّاً ووزيراً، فأيكم يقوم يبايعني على أنه أخي ووزيري ووارثي، دون أهلي، ووصيي وخليفتي في أهلي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبيَّ بعدي، فأمسك القوم، فقال: والله ليقومن قائمكم، أو ليكوننَّ في غيركم، ثم لتندمنَّ، فقام علي (عليه السلام) ـ وهم ينظرون إليه كلهم ـ فبايعه وأجابه إلى ما دعاه، فقال: ادن مني، فدنا منه، فقال: افتح فاك، فمجَّ في فيه من ريقه، وتفل بين كتفيه، وبين ثديَيه، فقال أبو لهب:، لبئس ما حبوت به ابن عمك!! أجابك، فملأت فاه ووجهه بزاقاً، قال: فقال النبي: بل ملأته علماً، وحلماً، وفقهاً.
11 ـ وفي كنز الكراجكي:
عن القاضي أسد بن إبراهيم السلمي عن عمر بن علي العتكي عن محمد بن إبراهيم السمرقندي عن محمد بن عبدالله بن حليم، عن سنان بن بشر الأسدي، عن علي بن هاشم عن محمد بن عبدالله بن أبي رافع عن أبيه عن جده… هذا الحديث مع تغيير طفيف في بعض ألفاظه لا يغيِّر المعنى، وجاء في ختامه: فقال رسول الله: «ملئ حكمةً وعلماً وفهماً» فقال (أي أبو لهب) لأبي طالب: ليهنئك اليوم أن تدخل في دين ابن أخيك، وقد جعل ابنك مقدماً عليك.
12 ـ وبهذه الصيغة أيضاً، ذكره محمد بن العباس بن مهيار، الثقة الكبير في تفسيره مع تغيير بسيط لا يغيِّر المعنى.
13 ـ ما رواه السيد ابن طاوس في كتابه سعد السعود نقلاً عن تفسير محمد بن العباس بن مروان:
(أ) عن محمد الباهلي عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي عن عمار بن حماد الانصاري عن عمرو بن شمر، عن مبارك بن فضالة، والعامة عن الحسن، عن رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن قوماً خاضوا في بعض أمر علي (عليه السلام) بعد الذي كان من وقعة الجمل، قال الرجل الذي سمع من الحسن الحديث: «ويلكم!! ما تريدون من أول السابقين بالايمان بالله، والاقرار بما جاء من عند الله؟ لقد كنت عاشر عشرة من ولد عبد المطلب إذ أتانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: أجيبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غد في منزل أبي طالب، فتغامزنا، فلما ولّى قلنا: أترى محمداً أن يشبعنا اليوم؟ وما منّا يومئذ، من العشرة، رجل إلاّ وهو يأكل الجذعة السمينة، ويشرب الفرق من اللبن، فغدونا عليه في منزل أبي طالب، وإذا نحن برسول الله (صلى الله عليه وآله) فحييناه بتحية الجاهلية، وحيانا هو بتحية الإسلام، فأول ما أنكرنا منه ذلك، ثم أمر بجفنة من خبز ولحم، فقدِّمت إلينا ووضع يده اليمنى على ذروتها، وقال: «بسم الله، كلوا، على اسم الله»، فتغيَّرنا لذلك، ثم تمسكنا لحاجتنا إلى الطعام، وذلك أننا جوَّعنا أنفسنا للميعاد بالأمس، فأكلنا حتّى انتهينا، والجفنة كما هي مدفقة، ثم دفع إلينا عسًّا من لبن، فكان عليٌّ يخدمنا، فشربنا كلنا حتّى روينا والعس على حاله، حتّى إذا فرغنا قال: «يا بني عبد المطلب، إني نذير لكم من الله، جلَّ وعزَّ، إني أتيتكم بما لم يأتِ به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا، وتفلحوا، وتنجحوا. إن هذه مائدة أمرني الله بها، فصنعتها لكم، كما صنع عيسى ابن مريم (عليه السلام) لقومه، فمن كفر بعد ذلك منكم، فإن الله يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، واتقوا الله، واسمعوا ما أقول لكم، واعلموا يا بني عبد المطلب، إن الله لم يبعث رسولاً إلاّ جعل أخاً له ووزيراً ووصيّاً ووارثاً من أهله، وقد جعل لي وزيراً كما جعل للأنبياء قبلي، وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل عليَّ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، ورهطك المخلصين، وقد ـ والله ـ أنبأني به ـ وسماه لي، ولكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكم، وأعرض عليكم، لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي، فأيكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في الله، ويوازرني في الله عزَّ وجلَّ، ومع ذلك يكون لي يداً على جميع مَن خالفني، فاتَّخذه وصيّاً، ووليّاً، ووزيراً، يؤدي عني، ويبلغ رسالتي، ويقضي ديني من بعدي وعِداتي» (مع أشياء اشترطها) فسكتوا فأعادها ثلاث مرات، كلها يسكتون ـ ويَثِبُ فيها عليّ، فلما سمعها أبو لهب قال: تبًّا لك يا محمد، ولِمَا جئتنا به، ألهذا دعوتنا؟ وهمَّ أن يقوم مولِّياً، فقال (صلّى الله عليه وآله): «أما والله لتَقولُنَّ أو يكون في غيركم»،
وقال: يحرضهم: «لئلا يكون لأحد منكم، فيما بعد، حجةٌ» قال: فوثب علي (عليه السلام) فقال: يا رسول الله، أنا لها. فقال رسول الله: «يا أبا الحسن، أنت لها، قُضي القضاء، وجفَّ القلم،
يا علي اصطفاك الله بأولها، وجعلك وليَّ آخرها».
(ب) عن حسين بن الحكم الخيبري عن محمد بن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عفان بن سليمان قال: وحدثنا محمد بن أحمد الكاتب عن جده، عن عفان، وحدثنا عبد العزيز بن يحيى، عن موسى بن زكريا عن الواحد بن غياث، قالا: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن أبي ربيعة بن ناجد أنّ رجلاً قال لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، لم ورثت ابن عمك دون عمِّك؟ فقال (عليه السلام): هاؤم، قالها ثلاث مرّات، حتّى اشرأبَّ الناس، ونشروا آذانهم، ثم قال: جمع رسول الله ـ أو دعا رسول الله: ـ بني عبد المطلب، كلّهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، قال: فصنع لهم مدًّا من طعام، فأكلوا حتّى شبعوا، قال: وبقي الطعام كما هو كأنّه لم يُمس، ولم يشرب، فقال: يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم بخاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقيم إليه أحد، قال: فقمت – وكنت أصغر القوم سنًّا – فقال: إجلس، قال: ثم قال ثلاث مرّات، كلّ ذلك أقوم إليه، فيقول لي: «اجلس»، حتّى كان في الثالثة، ضرب يده على يدي، فقال: فلذلك ورثت ابن عمي دون عمي»([71]).
7 ـ ما رواه ابن بابويه، قال:
حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رحمه الله قال: حدثنا عبد العزيز، قال حدثنا المغيرة بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي، قال: حدثنا قيس بن الربيع، وشريك بن عبد الله عن الاعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لمّا نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} أي رهطك المخلصين، دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب ـ وهم، إذ ذاك، أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ـ فقال: «أيكم يكون أخي، ووارثي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي فيكم بعدي؟» فقام القوم، يضحك بعضهم إلى بعض، وقالوا لأبي طالب قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام».
8 ـ ما ذكره الشيخ الطوسي في مجالسه:
حدثنا جماعة عن أبي المفضل، قال حدثنا محمد ابن إسحاق عن عبد الغفار، قال أبو الفضل: وحدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي ـ واللفظ له ـ عن محمد بن الصباح الجرجرائي، قال: حدثنا سلمة بن صالح الجعفي، عن سليمان الأعمش، وابن مريم، جميعاً، عن المنهال بن عمرو عن عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن عبدالله بن عباس عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «لمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله): {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} دعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: «يا علي: إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين قال: فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى ما (أبادرهم) بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره، فصمتُّ على ذلك، وجاء جبرائيل، فقال: يا محمد، إنك إلاّ تفعل ما تؤمر به (عذَّبك) ربك. فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رِجل شاة، واملأ لنا عسّاً من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب، حتّى أكلمهم، وأبلغهم ما أُمرت به»، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم أجمع ـ وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ـ فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبولهب، فلما اجتمعوا له دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جذعة من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا باسم الله؛ فأكل القوم حتّى صدروا، ما لهم بشيء من الطعام من حاجة، وما أرى إلاّ مواضع أيديهم، وايم الله، الذي نفسُ عليٍّ بيده، إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدَّمتُ لجميعهم، ثم جئتهم بذلك العُسِّ، فشربوا حتّى رووا جميعاً، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد الرسول (صلّى الله عليه وآله) أن يكلِّمهم بدره أبولهب إلى الكلام، فقال: لَشد ما سحركم به صاحبكم، فتفرّق القوم، ولم يكلمهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال من الغد: «يا عليّ، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرّق القوم قبل أن أكلمهم، فعُدَّ لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم لي»، ففعلت، ثم جمعتهم، فدعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، وأكلوا حتّى ما لهم به حاجة، ثم قال: «اسقهم»، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتّى رووا منه جميعاً، ثم تكلَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: «يا بني عبد المطلب، إنّي، والله ما أعلم شابًّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به. إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عزَّ وجلَّ، أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي، ويوازرني على أمري، فيكون أخي، ووصيي، ووزيري، وخليفتي في أهلي من بعدي؟» فأمسك القوم، وأحجموا عنها، جميعاً، ثم قال: فقمت ـ وإنّي لأحدثهم سنًّا، وأرمضهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً ـ فقلت: أنا يا نبيَّ الله، أكون وزيرك على ما بعثك الله به، قال: فأخذ بيدي، ثم قال: «إنّ هذا أخي، ووصيي، ووزيري، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»، قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع([72]).
وباستعراض هذه الروايات لحديث «يوم الدار» عند الفريقين، يتبين ما يأتي:
أوّلاً: اتفاق الفريقين على:
1 ـ صحة وقوع الحادثة موضوع حديث «يوم الدار».
2 ـ وحدة المنطلق التنفيذي لها، وهو: أمرُ الله تعالى لنبيّه (صلّى الله عليه وآله) في قوله جلّ شأنه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}.
ثانياً: اختلاف روايات الفريقين في الصيغة التنفيذية لهذا الأمر من جهة:
1 ـ المخاطَبين «يوم الدار».
2 ـ الزيادة والنقصان في تفاصيل محتوى هذا الحديث.
وإذ لا جدال في التسليم بما اتفق عليه الفريقان في هذا المجال، فلا بد من مناقشة ما اختلفا فيه، لاستخلاص قدرٍ مشتركٍ منه يكون محل اتفاقهما، فيكون الانطلاق عنه إلى المستهدف من هذا الكتيب، وذلك كالآتي:
المخاطبون يوم الدار
وفي تحديد المخاطبين «يوم الدار» نجد أنّ اختلاف الروايات حولهم لفظيّ، مع وحدة المراد فعلاً، سواء كان ذلك بالنسبة للفريقَين متواجهَين أو بالنسبة لأفراد كلّ فريق داخل نطاقه، وذلك لأنّ:
1 ـ الخطاب عند «السنّة» يتراوح بين «أهل بيته» في بعض الروايات، وبين «بني عبد المطلب» في بعضها الآخر. ومن ثم فإذا كان بنو عبد المطلب هم أعمامه وأولادهم ـ كما صرّحت بذلك بعض الروايات ـ فإنّ التعبير عنهم بأهل بيته لا يكون متجاوزاً نطاقهم([73]).
2 ـ الخطاب عند الشيعة يتراوح بين «بني عبد المطلب» في بعض الروايات وبين «بني هاشم» في بعضها الآخر. ومن ثمّ فإذا كان عبد المطلب هو شيبة الحمد بن هاشم، فإنّ بني عبد المطلب يكونون، أيضاً، بني هاشم، وبالتالي يكون التعبير عنهم تارةً ببني هاشم، وتارةً ببني عبد المطلب تعبيراً منصبّاً على ما يتناوله في الحالتين.
وإذا كان بنو عبد المطلب هم ـ في نفس الوقت ـ أهل بيته وكان بنو عبد المطلب هم ـ في نفس الوقت، أيضاً ـ بني هاشم، فإنّ التعبير الذي ينطبق على الجميع هو بنو هاشم. ومن ثم فسيكون التعبير ببني هاشم ـ كمخاطَبين «يوم الدار» ـ هو مدار هذه الدراسة في كلّ ما سيأتي من أجزاء هذا المؤلَّف.
وقبل الدخول في دراسة حديث «يوم الدار» ومناقشة ما يدل عليه، علميّاً ومنطقيّاً، على ما أسلفنا الإشارة إليه، تجدر الإحاطة بطرف من سيرة بني هاشم هؤلاء الذي تضمنت بعض روايات حديث «يوم الدار» قولَ النبي (صلّى الله عليه وآله) لهم: «إنّي بعثت إليكم خاصّة، وإلى الناس عامّة».
فمن هم هؤلاء الذين جعلهم الله قسيمَي الناس ـ كلّ الناس ـ في الخطاب بالرسالة، مع أنّهم وسائر الناس مخاطَبون، معاً، بتشريعات الإسلام على حدٍّ سواء؟
هل يرجع ذلك لخصوصية فيهم لا تتوافر في سائر الناس، أو لأنّ لهم دوراً بالنسبة للإسلام ولنبيِّ الإسلام، يختلف عن دور سائر الناس، أو للأمرين معاً؟
والإجابة عن هذه الأسئلة تتمثل في الآتي:
أولاّ: التعريف ببني هاشم
وفي هذا الصدد نبدأ بذكر هاشم، الذي يلتقون جميعاً عند أبوَّته لهم، ثم يتفرَّعون، فيما بينهم، إلى أشخاصهم فأبنائهم.
هاشم بن عبد مناف
اسمه: عمرو. وشهرته: عمرو العلا، لِمَا امتاز به من كريم الصفات، وجميل السِّمات وعظيم السجايا، وجزيل العطايا، ممّا يشير إلى طرف منه قول ابن الزبعرى:
كانت قريش بيضةً فتفلَّقت
فالمخُّ خالصُهُ لعبد منافِ
الرائشون وليس يوجد رائشٌ
والقائلون هَلُمَّ للأضيافِ
عمرو العلا هَشَمَ الثريدَ لقومه
قومٍ بمكة مسنتينَ عجافِ([74])
لقبه: له ألقاب كثيرة، أشهرها:
1 ـ القمر، فقد كان وسيم الطلعة، جميل القسَمات، صبيح الوجه. وفي ذلك يقول مسروق الخزاعي:
إلى القمر الساري المنير دعوته
ومطعمهم في الأزل من قمع الجزر
2 ـ هاشم، فقد كان يهشم الطعام، ويثرد الثريد، يعلوه اللحم، ويقدِّمه لقومه حين أجدبوا، فقد كانت مكة أصابتها سنة جدباء، حتّى غضّ الجوع أرباب اليسار والغنى، فأمسكوا عن الفقير، ولم يبق إلاّ عمرو وحدَه يتّسع بجوده، ويفتح بابه للجميع، حتّى إذا لم يبق لديه ما يقدِّمه ارتحل إلى الشام فاستصنع خبزاً كثيراً، عاد به إلى مكة وأمر به فهشم في جفان، وأمر بالإِبل فنُحرت، وقدَّم الطعام للجميع حتّى أشبعهم بعد جوع ومن هنا كانت تسميته هاشماً([75]).
وفي مدح هذا الصنيع يقول وهب بن عبد قصي بن عبد مناف:
تحمل هاشمٌ ما ضاق عنه
وأَعيا أن يقوم به ابن بيض
أتاهم بالغرائر مشأفات
مِن أرْض الشام بالبحر النقيض
فأوسع أهل مكة من هشيم
وشاب الخبزَ باللحم الغريض
وقال آخر:
يا عمرو الحيا… والله ما طعمت مكة ولا سقيت من يدين، أبسط من كفيك.
وقد غلب لقب «هاشم» على عمرو، فأصبح يعرف به، ويطلق عليه.
شرفه وزعامته: نَبَهَ ذكر هاشم في قومه، لِمَا اجتمع له من الفضائل والكمالات، وما توافر فيه من عظيم الصفات فسوَّده بنو عبد مناف، وولَّوه ما ظفروا به من عبد الدار من مناصب الشرف والرياسة.
وفي هذا يقول المطلب بن عبد مناف: إنّه قام فينا فأحسن القيادة وأسلسلنا المقادة، وإنّما الأمر اليوم لصاحب دار بلا باب، وفيضٍ بلا حساب.
ولقد صدَّق عمرو ظنَّ قومه فيه، بما أتى به من عديد المكارم، التي لا تجارى ولا يمكن أن تبارى، فكان أكبر قريش كلّها قلباً، وأسخاها كفّاً، وأسمحها نفساً، وأعلاها همّةً، وأكرمها عطاءً.
وحينما تولَّى السقاية والرفادة نهض بمسؤوليتهما على أكمل وجه وأتمّه، فبذل جهده وأنفس ماله لرعاية حجاج بيت الله الحرام، انطلاقاً من أنّهم ضيفان الله، ومن ثمّ فهم أحق بالإِكرام والتكريم، وأولى بالرعاية والعناية طول إقامتهم، حتّى لقد أتى ـ في هذا المجال ـ بما لم يسبق إليه من قبل، فقد كان يستقبل الموسم كلّ عام باستعداد عظيم، وتعبئة كاملة لكلّ ما يحقق لكافة الحجيج تمام الإكرام وحسن الرعاية، ومن ذلك أنّه:
1 ـ كان يخطب قريشاً أوّل يوم من ذي الحجة، كلّ عام، مسنداً ظهره إلى الكعبة من جهة بابها، فيقول:
«يا معشر قريش، أنتم جيران بيت الله، أكرمكم بولايته، وخصّكم بجواره، دون بني إسماعيل، وحفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره فأكرموا ضيفه، وزوّار بيته، فإنّهم يأتونكم شعثاً غبراً، من كلّ بلد، فوربِّ هذه البنيَّة لو كان لي مال يحمل ذلك لَكُفيتموه.
أَلاّ وإنّي مُخرج من طيِّب مالي وحلاله، ما لم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام، فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل.
وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يُخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوَّار بيت الله ومعونتهم إلاّ طيِّباً، لم يؤخذ ظلماً ولم يُقطع فيه رحم، ولم يُغتصب».
فكانت قريش تخرج من صفو مالها ما تحتمله أحوالها، وتأتي به إلى هاشم، فيضعه في دار الندوة لضيافة الحجاج([76]).
2 ـ كان يأمر بحياض في موضع زمزم ـ قبل أن يعاد حفرها ـ ويستسقي فيها من الآبار بمكة فيشرب الحجاج.
3 ـ كان يطعم الحجاج بمكة قبل يوم التروية بيوم، ثمّ بمنى، فيثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق والتمر.
4 ـ كان يحمل لهم الماء ـ وهو يومئذ قليل نادر وشحيح ـ إلى منى، ويستمر، كذلك، حتّى يصدروا منها، حيث تنتهي الضيافة، فيتفرَّق الناس إلى بلادهم.
يمنه على قومه اقتصاديّاً: ويعتبر هاشم الأب الحقيقي لازدهار الاقتصاد المكي، فلم يكن لأهل مكة زراعة ولا صناعة، لأنّ طبيعة بلادهم لا تسمح بزراعة تستغرق جهدهم ونشاطهم الاقتصادي بصورة تفي بحاجاتهم. ومن ثم كانوا يحترفون التجارة، لا يتجاوزون بها حدود مكة، إذ كانوا ينتظرون الأعاجم يقدِمُون إليهم بالسِّلَع، فيشترونها منهم، ثمّ يتبايعونها فيما بينهم تارةً، ومع من حولهم من الأعراب تارةً أخرى.
وظلّوا، كذلك، إلى أن رتّب لهم هاشم رحلة الشتاء والصيف، ووضع لهم التنظيم الدقيق لقوافل التجارة إلى الشام صيفاً وإلى اليَمن شتاءً، ممّا اعتُبر في أيامه فتحاً تجاريّاً كبيراً، عاد على المكيِّين بثراء ورخاء لم يكن معروفاً لهم من قبل، ممّا يقول فيه ابن عباس: «كانوا في فقر ومجاعة، حتّى جمعهم هاشم على الرحلتَين، فلم يكن بنو أب أكثر مالاً، ولا أعزّ نفراً من قريش»([77]).
هاشم وأمية: وهكذا كان هاشم يحتلَّ موقع السؤدد والمجد وحسن الطالع بين قومه، ولا تزيده الأيام إلاّ رفعةً وتمكّناً، يزينه حب قومه وولاؤهم، وتقديرهم، ووفاؤهم له.
غير أنّ أمية ابن أخيه عبد شمس حسده على ما آل إليه من المجد والسؤدد، وظنّ أنّه يستطيع أن يجاريه في مكارمه ومحاسنه، ومن ثمّ يستطيع أن يشاركه مكانته، ويزاحمه فيها، حتّى ينتزع منه قيادته لقريش، ولكنّه أخفق في ذلك، أيَّما إخفاق، فحقد عليه حقداً شديداً أعماه لدرجة أنّه دعا عمّه هاشماً للمنافرة، وأَصرَّ على ذلك إصراراً عنيداً، فنافره على خمسين ناقة من الإِبل، سودِ الحدَق، تنحر ببطن مكة، ويخلَّى بينها وبين عامّة الناس، وعلى ترك مكة عشر سنوات واحتكما، فكان الحكم على أمية، فغرم النوق الخمسين، وغادر مكة منفيّاً إلى أرض الشام، فأقام بها العَشر السنوات المشار إليها، ثمّ قفل بعدها راجعاً إلى مكّة ثانية. وستسفر الأيام ـ فيما بعد ـ عن أثر هذه السنوات العشر في مستقبل أبناء الرجلين!!.
وفاته: وفي إحدى سفريات هاشم ـ أثناء رحلته إلى الشام ـ مرض في غزة، فلبث بها حتّى قضى نحبه، ودفن بها، تاركاً وراءه سيرةً عطرةً، لا تزال ـ حتّى يومنا هذا ـ تاريخاً يردَّد، ومجداً يُحكى ويُذكر، مخلِّفاً ابنه شيبة، يتيماً في يثرب مع أمّه، إحدى نساء بني النجار.
عبد المطلب بن هاشم
احتلّ مكانة هاشم في مكة، بعد وفاته، أخوه المطلب، الذي لم يلبث أن توجّه إلى يثرب لإحضار شيبة ابن أخيه هاشم([78]) ليعيش وينشأ بين أهله وقبيلته، وحينما عاد به كان يُرْدِفُهُ خلفَه على بعيره، فظنت قريش حين رأتهما أنّه عبدٌ اشتراه المطلب، فقالوا: هذا عبد المطلب. ولمّا أحسّ المطلب بذلك، بعد فترة قال لهم: ويحكم،هذا شيبة ابن أخي هاشم، أتيت به من حضانة أمّه وأخواله بيثرب، ولكن ذلك لم يغيِّر ما أطلقه عليه القرشيون، حينما رأوه لأوّل مرّة، فظلّوا ينادونه: عبد المطلب. وغلب عليه هذا الاسم حتّى نسي الناس اسمه الذي سمّي به حين ولد، وهو شيبة الحمد.
اسمه: شيبة بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.
كنيته: أبو الحارث.
لقبه: كما قرنت قريش اسم أبيه عمرو بصفة هي: العلا، فقالوا: عمرو العلا، فعلوا، كذلك، مع شيبة، فأضافوا إلى اسمه صفة «الحمد» فقالوا: شيبة الحمد، لكثرة محامده، وتعدّد أياديه، وتوالي مكارمه.
نشأته: شبّ عبد المطلب بمكة، ونشأ نشأة استوعبت كلّ فضائل عصبيته بمكة وأخواله بيثرب، فكانت له فطنة أهل مكة، ومهارتهم التجارية، وجرأتهم على مواجهة المصائب والمشاق، وحبّهم للمغامرة والمخاطرة، وكان له من أهل يثرب دماثة خلقهم، وسماحة أنفسهم، وكرمهم، وهدوء طبعهم، وإلفهم.
صفاته السلوكية: كلُّ من أرّخ لعبد المطلب ـ دون استثناء ـ يذكر أنّه استوعب، في صفاته، من الأخلاق الفاضلة ما باعد بينه وبين رذائل الجاهلية كلّها، فقد كان يحرم الزنى، ويذم الخمر، ويكرهها، وينهى عن القتل([79])، كما كان يدعو إلى أمور قرّرها الإسلام فيما بعد من مثل: قطع يد السارق، ومنع المحارم، ومحاربة وأد البنات، وسن دية القتيل.
كما كان ذا ورع ونسك، يأبى الدنية، ويتسامى عن الصغار، ويأخذ نفسه دائماً بالتقشف ويروّضها على ما لا تحتمله الأنفس عادة، وكان يوصي أولاده بصلة الأرحام، وإطعام الطعام، ويرغبهم ويرهبهم فعل من يرى أنّ بعد الحياة الدنيا معاداً، وبعثاً ونشوراً([80]).
ومن ثمّ لم يبالغ من وصفه بأنّه: «كان أحسن الناس وجهاً، وأشدّهم جسداً، وأحلمهم حلماً، وأجودهم كفّاً، وأبعدهم عن كلّ موبقةٍ تفسد الرجال، لم يره ملك إلاّ كرَّمه وشفَّعه، وكان سيّد قريش حتّى مات»([81])، وفيه يقول ابن أبي الحديد: إنّ «مكارمه أكثر من أن يحاط بها، كان سيّد قريش غير مدافع، نفساً، وأباً، وبيتاً، وجمالاً وكمالاً، ومثالاً»([82]).
ولهذا كانت قلوب الجميع تميل إليه حبّاً وكرامة، وتلتف حوله، ولاءً وطاعةً، وتجتمع عليه، ثقةً وانقياداً.
شرفه وزعامته: تولّى عبد المطلب كلاًّ من السقاية والرفادة خلفاً عن عمّه المطلب بمجرد وفاته، فنهض بمسؤولياتها خير نهوض، فكان يصنع للجميع الشرب ممزوجاً باللبن والعسل، ويوفّر لهم احتياجاتهم اليومية من الماء، ويقوم بإطعامهم حتّى ينتهوا من مناسكهم، ممّا جعل مواسم الحج تزدهر، وتزخر بالحجيج من كلّ فج عميق.
ولقد نعمت مكة ـ في ظلّ زعامته ـ بالأمن والسلام، بعد أن قضى على الخلافات القبلية بين بطونها، حتّى أصبحت وحدة متماسكة، تتمتع بالاستقرار والرواج التجاري على صورة لم تسبق في تاريخها، ممّا جعلها تعتبر بحق ـ حينئذ ـ سوق العرب، ومقصد تجارتهم، واستثمارات رؤوس أموالهم.
ومن ثمّ لم يكن عجباً أن يكون حب أهل مكة لعبد المطلب كبيراً، وخطره فيهم عظيماً([83])، حتّى بلغ في زعامته لها مبلغاً لم يصل إليه فيها أحد من آبائه.
وحينما غزا أبرهة الأشرم الحبشي مكة، كان عبد الطلب صائباً في تقدير الموقف فمنع قومه أن يتعرّضوا للفناء بمواجهة جيش لا قِبَلَ لهم به، مؤكداً للجميع ـ في ثقة تامة ـ أنّ ربّ الكعبة لا بد سيحميها. ولم يخيِّب الله ظنَّه، فأرسل على أبرهة وجيشه {طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)}([84]).
اكتشافه وحفره بئر زمزم: ومن منن الله تعالى، على عبد المطلب، ويمنه على قومه، أنّ هداه إلى اكتشاف موقع بئر زمزم، بعد أن كانت معالمها قد ضاعت بسبب طول إهمالها ونسيانها، فأعاد حفرها، وحين بلغ إلى قاعها عثر على كنز مدفون يتكوّن من تمثالَي غزالَين من الذهب، وسبعة أسياف قلعية، وخمسة أدرع سوابغ، فضرب الأسياف باباً للكعبة، وثبت فيه الغزالَين، فكان أوّلَ من حلَّى الكعبة بالذهب([85])، وكان لهذا الاكتشاف أعظم الأثر في حياته، وفي حياة مكة كلّها، بل وفي سائر الحجيج من بعده، حتّى لقد فخر بها بَنُو عبد مناف على قريش كلّها، ثمّ فخرت مكة بها على سائر العرب من غيرها.
رعايته لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): من المعلوم أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ولد بعد وفاة أبيه عبدالله بن عبد المطلب، الذي مات والنبيُّ (صلّى الله عليه وآله) لمّا يزل جنيناً في بطن أمّه، فكفله جدّه عبد المطلب، حيث اختصّه بفيض حبّه، وسابغ عطفه، وجميل رعايته، ومن ذلك أنّه ـ فور مولده (صلّى الله عليه وآله) ـ حمله إلى الكعبة ليشكر ربَّه على مولده (صلّى الله عليه وآله) ثمّ عاد إبه إلى أمّه منشداً:
الحمدلله الذي أعطاني
هذا الغلام الطيِّب الأردانِ
قد ساد في المهد على الغلمانِ
أعيذه بالبيت ذي الاركانِ
أعيذه من كلّ ذي شنآن
حتّى أراه بالغ البنيانِ
وفي مجال رعاية عبد المطلب وعنايته بهذا الوليد يقول ابن إسحاق: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظلّ الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه، حتّى يخرج فلا يجلس عليه أحد من بَنيه، إجلالاً له، فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يأتي ـ وهو غلام صغير ـ حتّى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد الطلب ـ إذا رأى منهم ذلك ـ: «دعوا ابني، فوالله إنَّ له لَشأناً» ثمّ يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسر بما يراه يصنع([86]).
ولمّا دنت منية عبد المطلب كان من أهم ما يفكّر فيه أمر حفيده الكريم، فعهد به إلى ابنه أبي طالب، وكان ممّا قاله في هذا الشأن:
أوصيت من كنَّيتُه بطالبْ
بابنِ الذي غاب ليس آيبْ
عبد المطلب وحرب بن أمية
وكما حسد أميةُ من قبلُ عمَّه هاشماً، ثمّ استنفر، فنافره، وحُكِمَ على أمية، كذلك ذهب حرب ابنُه مذهبه مع عمّه عبد المطلب حقداً عليه وحسداً له. ولم يجد عبد المطلب بدًّا من أن يستجيب لحرب بن أميَّة في منافرته، فمضيا معاً إلى نفيل بن عبد العزَّى يحتكمان إليه، فكان حكمه على حرب، قائلاً:
«يا أبا عمرو، أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منكم لامة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صفداً، وأطول منك مزوداً، أما والله إنّك لَمُبطلٌ كما كان أبوك».
فردّ عليه حرب بقوله: فدع عنك أبي يا نفيل، فإنّه ليس بشرٍّ من أبيه، فقال نفيل ـ في شدّة وحدة ـ: هيهات أن يُقرنا أو تُقرنا. ثمّ أنشد:
أبوك مُعاهرٌ وأبوه عفٌّ
وذاد الفيلَ عن بلدٍ حرامِ([87])
وفاته: عاش عبد المطلب حتّى أوفى على الثمانين سنة في رواية، وعلى الخمس والتسعين في رواية أخرى، حيث توفي بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال وفي رثائه يقول ابن كعب الخزاعي:
يا أيّها الرجل المحوِّل رحله
هلاَّ سألت عَن آلِ عبد منافِ
المنعمين إذا النجوم تغيَّرت
والظاعنين لرحلة الإِيلافِ
والمطعمين إذا الرياح تناوحت
حتّى تغيب الشمس في الزحَّاف
إمّا هلكت أبا الفعال فما جرى
من فوق مثلك عقدُ ذاتِ نِطافِ([88])
أبو طالب بن عبد المطلب
بعد عبد المطلب تولّى زعامة قريش ابنه أبو طالب ويسترعي النظر في هذه ثلاثة أمور تلابس أبا طالب، وهي أنه:
1 ـ لم يكن أكبر أخوته، مع أن السن كان له، حينئذ، وزنه في تحديد المواقع وتقويم الرجال.
2 ـ كان فقيراً لا مال له، مع أنه لم يكن يتبوأ سدة الزعامة في قريش في الجاهلية إلاّ من كان مستنداً إلى ثراء وغنى كبيرين، وظاهرين.
3 ـ كان بين إخوانه من هو، فعلاً، على غنى وثراء واسع وهو العباس بن عبد المطلب.
وكل هذه أمور تجعل أبا طالب فذًّا في زعامته لقريش، مما يؤكد أنه كان على مواهب وصفات ألغت التأثير المعاكس لكل هذه العوامل الثلاثة بالنسبة له، وأتاحت له أن يتصدر قومه ويسودهم دون منازع، فقد كان له من مكارم الصفات، ومعالي السجايا والأخلاق، ما جعله محل احترام الجميع ومحبتهم.
اسمه: عبد مناف بن عبد المطلب.
لقبه: أبو طالب. وقد غلبت عليه هذه الكنية حتّى لم يعرف أن أحدا كان يناديه باسمه الأصلي (عبد مناف) أبداً.
سيادته في قومه: كانت شخصية أبي طالب القوية تسيطر على النفوس بطهارتها واستقامتها وترفعها عن الدنيا، إلى أنه مع ذلك، كان شاعراً مجيداً، فأضاف إلى تأثيره بالشخصية تأثيره باللسان وسحر البيان.
ولقد خلف أبو طالب أباه عبد المطلب في كل مناصبه ومكانته، ولكن ضيق حالته المالية جعله يكل إلى أخيه العباس شأن السقاية وأعباءها نظراً لما كان له من ثراء واسع، يعينه على أن ينهض بمهمتها بصورة أحسن تتناسب مع ما اعتاده بنوهاشم من إكرام وتكريم ضيوف البيت الحرام من الحجيج.
ومما يؤثر عن حكمته وحسن تقديره أنه كان أول من سن القسامة في العرب قبل الإسلام. وذلك في دم عمرو بن علقمة، ثم جاء الإسلام فأقرَّها.
كفالته للنبي (صلّى الله عليه وآله):
كان أبو طالب الأخ الشقيق الوحيد لعبدالله (والد النبي). وقد عهد إليه والده عبد المطلب بكفالة النبي (صلّى الله عليه وآله)، فكان عند حسن الظن به، حدباً عليه، وانعطافاً اليه، ورعايةً له، وعنايةً به، حيث لم يجعله فقط، كواحد من أبنائه، بل كان يقدمه عليهم أجمعين([89]).
وكان مما زاد في إعزازه عنده، واهتمامه بشأنه، وحرصه عليه، أن جميع الدلائل كانت تُرْهِصُ بأن له شأناً في المستقبل. ومن ذلك:
1 ـ ما يرويه ابن اسحاق من أن «رجلاً عائفاً من لهب، كان اذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر اليهم، ويعتاف لهم فيهم، فأتاه أبو طالب بالنبي ـ وهوغلام ـ فنظر إليه… ثم قال ـ بعد فترة ـ رُدُّوا عَلَيَّ هذا الغلام الذي رأيت آنفاً، فوالله ليكونن له شأن… فلما رأى أبو طالب حرصه عليه، غيَّبه عنه»([90]).
2 ـ ما سمعه أبو طالب من بُحيرى الراهب، إذ قال له:«ارجع بابن أخيك إلى بلده، وأحذرعليه (الـ)يهود، فوالله لو رأوه، وعرفوا منه ما عرفت ليَبْغُنَّه شرًّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده»([91]).
3 ـ ولقد كان لما سبق أن سمعه أبو طالب من والده عبد المطلب في شأنه ـ ثم صدَّقه كلام العائف والراهب من بعده ـ أثره الكبير في أنه صار على أتم الثقة من أنه سيكون له (صلّى الله عليه وآله) شأن عظيم.
ولقد ظل محمد (صلّى الله عليه وآله) في بيت عمه أبي طالب، محل الإعزاز والإكرام والاهتمام والعناية إلى أن انتقل إلى بيت الزوجية حيث بنى بخديجة بنت خويلد (عليها السلام) إحدى كرائم مكة، ومعالمِ ثرائها في تلك الأيام.
ولعل مما يشير إلى مكانة النبي عند أبي طالب، وتقديره له أن نستمع اليه ـ وهو يخطب في حفل زواج النبي من السيدة خديجة (عليها السلام) إذ يقول: «إن ابن أخي هذا محمد بن عبدالله، من علمتم قرابة، وهو لا يوزن بأحد إلاّ رجحه؛ شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً، فإن كان في المال قلّ، فإن المال ظلّ زائل، وعارية مسترجعة. وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك. وما أحببتم من الصداق فعلي، ومحمد ـ بعد هذا ـ له نبأ عظيم، وخطر جليل»([92]).
على أن أبا طالب لم يكن يصدر ـ في تقديره لمحمد (صلّى الله عليه وآله) عن مجرد الحب والقرابة بينهما، أو مجرد الإعجاب بمحامد الصفات، وجميل السجايا، وكريم الأخلاق، التي كان يتحلّى بها النبي، وإنما كان عن إكبار وإجلال وتقدير واحترام ـ على ما كان بينهما من فارق السن ودرجة القرابة ـ لشخصية النبي، فكان، وهو كافله وحاميه، يمدحه بالقصائد التي لا يمدح بمثلها إلاّ الملوك والعظماء من مثل قوله:
وتَلْقَوا ربيع الأبطحَين محمداً
على ربوة من فوق عنقاء عيطل
وتأوي إليه هشام إن هاشماً
عرانين كعب، آخراً بعد أولِ
وبمثل قوله:
وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه
ثمالِ اليتامى عصمةٍ للأرامل
يطوف به الهُلاَّك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة وفواضلِ
ويقول علي بن يحيى البطريق في بيان سر ذلك «لولا خاصة النبوة وسرها، لمّا كان مثل أبي طالب ـ وهو شيخ قريش ورئيسها وذو شرفها ـ يمدح ابن أخيه محمداً، وهو شاب قد ربي في حجره، وهو يتيمه ومكفوله، وجار مجرى أولاده… فإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع من الناس، وإنما هو مديح الملوك والعظماء، فإذا تصوّرت أنّه شعر أبي طالب، ذلك الشيخ المبجل العظيم، في محمد وهو شاب مستجير به، معتصم بظلّه من قريش، قد ربّه في حجره… علمتَ موضع خاصة النبوَّة وسرَّها، وأن الله تعالى أوقع في القلوب والأنفس له منزلة رفيعةً ومكاناً جليلاً»([93]).
ولم يكتف أبو طالب بهذا وإنما وقف حياله (صلّى الله عليه وآله) منذ بعثته، يعينه وينصره ويحميه، دون أن يُلقى بالاً لِمَا يترتب على ذلك من مشاق ومتاعب مادية ومعنوية، وظلّ على ذلك حتّى انتقل إلى أخراه.
وحينما تألَّبت قريش كلها ضد ابن أخيه، وواجهوا أبا طالب في هذا، لم يلن ولم يهن، ودعا بني هاشم وبني عبد المطلب إلى مشاركته في منع الرسول والقيام دونه، فأجتمعوا اليه، وقاموا معه، فسر بذلك وطابت نفسه، وتفجرت شاعريته يمدحهم، ويفخر بهم، وذلك إذ يقول:
إذا اجتمعت يوماً قريشٌ لمفخرٍ
فعبد مناف سرّها وصميمُها
وإن حصلت أشراف عبد منافها
ففي هاشم أشرافها وقديمُها
وإن فخرت يوماً فإن محمداً
هو المصطفى من سرِّها وكريمُها
تداعت قريش غثُّها وسمينُها
علينا فلم تظفر واشطت حلومُها
وكنَّا قديماً لا نقر ظلامةً
إذا ما ثَنوا صغر الخدود نقيمُها([94])
وحينما أحسَّ روح الشر التي سيطرت على قريش قد تجاوزت حدودها، بعد أن ذاع أمر النبي ـ بين القبائل ـ وخشي أن تنضم دهماء العرب ورعاعها إلى المخالفين من قومه، مما لا قِبَلَ له به، توجَّه، مع وفدٍ من بني هاشم، إلى البيت متعوذاً بحرمته ومكانته، مما يصوِّره بقوله:
ولما رأيت القوم لا ودَّ فيهم
وقد قطعوا كلّ العرى والوسائلِ
وقد صارحونا بالعداوة والأذى
وقد طاوعوا أمر العدوِّ المُزايلِ
وقد حالفوا قوماً علينا أظنة
يعضُّون غيظاً منهمُ بالأناملِ
صبرت لهم نفساً بسمراء سمحة
وأبيض عضب من تراث المقاولِ
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي
وأمسكت من أثوابه بالوصائلِ
أعوذ بربِّ الناس من كل طاعن
علينا بسوء أو مُلِحٍّ بباطلِ
وبالبيت ـ ربض البيت ـ من بطن مكة
وبالله، أن الله ليس بغافلِ
فهل بعد هذا من معاذ ـ لعائذٍ
وهل من معيذ يتقي الله عاذلِ([95])؟
ولقد كان آخر سهم في جعبة قريش ضد أبي طالب، ومن معه في حماية النبي (صلّى الله عليه وآله) هو فرض الحصار والمقاطعة لبني هاشم، لا يتناكحون معهم، ولا يبايعونهم، فقبل بنوهاشم ذلك التحدي وانحازوا إلى شيخهم وكبيرهم أبي طالب في شعبه، ولم يشذ منهم ـ في ذلك ـ إلاّ شقيهم أبولهب([96]). واستمرّ الحال على ذلك ثلاث سنوات صمدوا خلالها وثبتوا رغم الجوع والإملاق الذي أصابهم حتّى هيأ الله من أنهى هذا الحصار.
وفاته: استمرّت مناصرةُ أبي طالب للنبي ـ منذ بعثه الله تعالى ـ لا وهن فيها ولا تخلَّى بحال من الأحوال حتّى لفظ أنفاسه الأخيرة من الدنيا وذلك عن 87 سنة، وكان ذلك بعد فكِّ الحصار المشار اليه بسنة ونصف تقريباً، بل أنه لم ينسَ ـ وهو في آخر رمقٍ من حياته ـ أن يمارس نُصرته للنبي، فقد التفت إلى المحيطين به قُبيل وفاته، فأوصاهم بالنبي قائلاً: «أُوصيكم بمحمد خيراً، فإنّه الأمين في قريش، والصادق في العرب، والجامع لكل ما أُوصيكم به… والله لا يملك أحد سبيله إلاّ رشد، ولا يهتدي بهديه إلاّ سعد، ولو كان في العمر بقية لكففت عنه الهزاهز، ورفعت عنه الدواهي. إن محمداً هو الصادق فأجيبوا دعوته، واجتمعوا على نصرته، فإنه الشرف([97]) الباقي لكم على الدهر»([98]).
عقيدته: وهذه الوصية وحدها كفيلة بأن تنبىء عن حقيقة عقيدته في محمد (صلّى الله عليه وآله) ودعوته، ولكن خلافاً نشب حول هذه العقيدة فيما بعد البعثة النبوية، وإن اتفق الجميع على أنه كان قبلها من المتألِّهين الحُنَفاء، وأنه لم يُعرف عنه أنه هام بصنمٍ أبداً، أو سجد لصنمٍ قط.
فالشيعة وبعض المعتزلة وبعض السنّة، يرون أنه آمن بمحمد وبدينه ومات على ذلك، وإن كان لم يعلن ذلك لأسباب كثيرة، ترجع كلها لمصلحة الدعوة الوليدة، وإمكان الاستمرار في حمايتها، باعتبار أن المرحلة الأولى لها كانت تقتضي هذا التكتيك (الخطة)([99]). ويستشهدون لذلك ـ ضمن ما يستشهدون به ـ
1 ـ بمواقفه في مؤازرة النبي (صلّى الله عليه وآله)، مما أسلفنا الإشارة إليه.
2 ـ وبما روي عنه من أشعار كثيرة تنبىء عن ذلك، ومنها:
قوله:
ولقد علمت بأن دين محمد
من خير أديان البريَّة دينا
وقوله:
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً
نبياً كموسى خطَّ في أول الكُتْبِ؟
وقوله:
فأيَّده ربُّ العباد بنصره
وأظهر ديناً حقه غير باطلِ
لقد علموا أن أبننا لا مكذَّب
لَدينا ولا يعنَى بقول الأباطلِ
فمن مثله في الناس إلاّ مؤمِّلٌ
إذا قاسه الحكّام عند التفاضل
وقوله:
والله لن يَصِلُوا إليك بجمعهم
حتّى أوسَّدَ في التراب دفينا
فاصدعْ بأمرك ما عليك غضاضةٌ
وابشر وقرَّ بذاك منك عيونا
فهو في هذه الأبيات كلها ـ يصدق محمداً (صلّى الله عليه وآله)، ويؤمن بنبوته وبدينه، ومن ثم تصدّى لنصرته بكل مرتخص وغال.
3 ـ وبما روي في الأخبار الثابتة من أنه:
(أ) لم ينكر على ابنه عليٍّ (عليه السلام) ايمانه بدين محمد (صلّى الله عليه وآله)، ولم يزجره على ذلك، أو ينهه عنه، بل أقرَّه عليه، مع ما يعلمه بما يعرِّضه ذلك للمتاعب والأهوال.
(ب) لمّا رأى النبي يصلّي وعليٌّ (عليه السلام) يصلّي خلفه عن يمينه ـ وكان معه ولده جعفر ـ قال لجعفر: صِلْ جناحَ ابن عمِّك، فصلِّ عن يساره، ممّا يدل دلالة واضحة على إسلامه فعلاً، وإلاّ لَمَا أقرَّ ابنه عليّاً على إسلامه وصَلاته، ولَمَا أمر ابنه الثاني جعفر بأن ينضمَّ إلى أخيه في الصلاة ـ وهي عمود الإسلام ـ فالولد هو أعزُّ ما يحرص الإنسان على تنشئته وفق آرائه ومعتقداته، بل وعاداته، وبخاصة في ذلك العصر من الزمان، وكذلك البيئة القَبَلِيَّة من المكان، بل كان هذا هو ديدن ناس ذلك الأوان، كما سجله، كذلك، القرآن ـ حكاية عنهم ـ يقول الله تعالى: { إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقتَدُونَ}([100]).
ويزيد هذا تأكيداً أن أبا طالب أنشد، حينئذ، شعراً يسجل فيه سعادته بذلك، يقول فيه:
إن عليّا وجعفراً ثقتي
عند مُلِمِّ الخطوب والنُّوَبِ
لا تخذلاه، وأنصرا ابن عمكما
أخي لأمي، من بينهم، وأبي
والله لا أَخذل النبيَّ ولا
يَخذله من بَنِيَّ ذو حَسَبِ
فهولا يكتفي بأمرهما بالصلاة خلف النبي فحسب، وإنما هو يمدحهما ويُثني عليهما في ذلك، يأمرهما بنصرته وعدم خذلانه، ويقسم على إلاّ يصدر منه، ولا من أحد بَنيه، خذلانٌ له أبداً. ثمّ يصرِّح بنبوَّته.
(جـ) أن زوجته فاطمة بنت أسد، (أم علي (ع) وجعفر)، كانت ثاني امرأة تدخل في الإسلام، بعد خديجة الكبرى، زوجة رسول الله، مع ما هومعلوم من تأثير كل أم على بَنيها ـ ذكوراً وإناثاً ـ ومع ما هو معلوم، أيضاً، من أن تقاليد ذلك الزمن كانت تقضي بألاّ يقرَّ الزوج زوجته إذا خرجت عن عقيدته إلى عقيدة أخرى. ومن ثم فكيف يُتصور أن يقرَّها أبو طالب ـ وهو من هو في قومه ـ على إسلامها بينما يكون هو باقياً ومصرًّا على أن يكون على غير الإسلام؟
(د) لمّا علم أن قريشاً عملت على الدس لدى نجاشي الحبشة ضد مهاجري المسلمين إليها كتب إليه كتابين من الشعر، نبَّهه في أحدهما إلى هذا الدس، وأغراه بأن يكون على الأمل في شهامته وبسط جواره على كل من يلجأ إلى حماه، وذلك إذ يقول فيه:
تعلَّم، أبيتَ اللعن، أنك ماجد
كريم، فلا يشقى إليك المجانب
تعلَّم بأن الله زادك بسطة
وأسباب خير كلها بك لازبُ
وأنك فيض ذو سجال غزيرة
ينال الأعادي نفعها والأقاربُ
ويدعوه في ثانيهما إلى الإسلام، كما جاء فيه، من قوله:
تعلَّم مليك الحبش أن محمداً
نبيٌّ كموسى، والمسيح ابن مريم
أتى بالهدى مثل الذي أَتَيَا به
فكلٌّ، بأمر الله، يهدي لمعصم
وإنكم تتلونه في كتابكم
بصدق حديث، لا حديث المرجِّم
فلا تجعلوا لله ندًّا وأَسْلِمُوا
فإن طريق الحق ليس بمظلم
فهل من يدعوالى الإسلام يكون غير مسلم؟
(هـ) لمّا بلغه أن أحد المشركين، وضع أقذاره على ظهر النبي (صلّى الله عليه وآله)، وهو ساجد في الصلاة، وأنّه يسخر من حركاته فيها، ويظاهره في هذه السخرية بعض الحاضرين، جاء مسرعاً مغضباً إلى حيث يوجد النبي (صلّى الله عليه وآله) حينئذٍ، وسأل عمَّن فعل به هذا، فلمّا علم أنه الشاعر ابن الزبعري لطمه لطمة أَدْمَتْهُ، وألقى عليه نفس القاذورات، ولوَّث بها لَحْييْهِ، ثم توجَّه إلى النبي ـ في عطف وحنان ـ فقال له: أَرضيت؟ ولم يلبث أن جادت قريحته بشعر يتَّحدى فيه كلَّ من يقف في وجه النبي، ودعوته إلى دينه، يقول فيه:
أنت النبي محمدُ
قِدْماً أعزُّ مسوَّدُ
أنَّى تُضام ولم أمت
وأنا الشجاع العربدُ
وبطاحُ مكة لا يرى
فيها نجيع أسودُ
وبنو أبيك كأنهم
أسدُ العرين توقَّدوا؟
نِعْم الأرومة أصلها
عمرو الحطيم الأوحدُ
ولقد عهدتك صادقاً
بالقول لا تتزيَّدُ
ما زلت تنطق بالصوا
ب وأنت طفلٌ أمردُ
4 ـ وبما روي عن ابن عباس أنه سأل النبي (صلّى الله عليه وآله) بالمدينة، فقال: يا رسول الله، ما ترجو لأبي طالب؟ فأجابه (صلّى الله عليه وآله) بقوله: «أرجو له كل الخير من الله عزَّ وجلَّ»([101]).
فهل يرجو رسول الله الخير ـ بل كلَّ الخير ـ لأحد، وُجِّهت إليه دعوة الإسلام، ولم يستجب إليها؟
ويرى بعض المعتزلة وأكثر الجمهور من السنَّة أن أبا طالب مات على غير الإسلام، وأن نصرته وحمايته للنبي كانت بسبب القرابة العائلية، ومن قبيل النخوة القبلية، ويستشهدون لذلك ـ ضمن ما يستشهدون به له ـ:
1 ـ بأبيات كثيرة من شعره تؤيدهم فيما ذهبوا إليه، ومنها:
قوله:
فوالله، لولا أن أجيء بسبة
تجرُّ على أشياخنا في المحافل
لكنّا اتَّبعناه على كل حالة
من الدهر جداً غير قول التنازل([102])
وقوله:
لولا الملامة أو حذاري سبة
لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
ويلاحظ على هذَين القولَين أنه، فقط، يجد الحرج في الإعلان عن، إسلامه، ولكنه يؤكد بهما حقيقة إيمانه. ومن ثم كيف يقال: أنه مات على ما كان عليه قبل الإسلام؟
2 ـ وبما رواه ابن إسحاق من أنه «طمع في إسلام أبي طالب لما رأى منه قبل وفاته، فجعل يقول له: «أي عم، قُلْهَا ـ أي كلمة التوحيد ـ «استحلُّ لك بها الشفاعة يوم القيامة»، فأجابه أبو طالب: يا ابن أخي، والله ـ لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أنني إنما قلتها فزعاً من الموت، لقلتها، ولا أقولها إلاّ لأسرك بها، فلما تقارب الموت من أبي طالب، نظر العباس اليه فوجده يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنيه ثم قال: يا ابن أخي لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لم أسمع»([103]).
فهو هنا مؤمن، ولكنه يخاف ـ من إعلان إسلامه ـ السبة على محمد (صلّى الله عليه وآله) وعلى بني أبيه!.
ولعمري كيف يمكن أن يكون إسلام أبي طالب سبة على محمد وهو نبي الإسلام، الداعي اليه، متحملاً من الإيذاء في سبيله ما لا قِبَلَ لغيره به، إذا سلمنا، جدلاً، أنه يكون سبة على بني أبيه؟ بل هل يدعو النبي الى ما فيه سبة عليه؟ وكيف يُتصور أن يكون إسلام أبي طالب سبةً على بني أبي محمد، حينئذ، وقد كان عليٌّ وجعفر وعمّهما حمزة، كلّهم في ذلك الوقت مسلمين فعلاً بصورة علنيَّة؟
على أنه كيف يُتصور أن يهتم العباس بأن يتابع شفتَي أبي طالب، حينئذ، ويتسمَّع اليه بأذنيه ـ ليتأكد مما يقول في شأن هذا الذي أمره به النبي. وهو لمّا يعرف عنه الإسلام بعد، والتاريخ يذكر أن العباس ظل على موقفه من الإسلام حتّى شهد بدراً في صفوف المشتركين، وكان من أسراها؟
وحينئذ كيف يُتصور إذا كان إسلام أبي طالب سبة على بني أبي محمد أن يحقق العباس هذه السبة، فيقول للنبي: «يا ابن أخي، لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها»؟ وكيف يُتصور ـ إذا كان ذلك قد حدث فعلاً ـ أن يقول النبي: «لم أسمع»، مع أنه هو الذي أمرَه أن يقولها، وأخبره عمُّه بنطقه بها؟
3 ـ وبما روي عن ابن عباس في تفسيره لقول الله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ عَنْهُ}([104]) أنه قال: أنزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين عن أن يؤذوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويتباعد عما جاء به»([105]) .
فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن ابن عباس نفسه من أن رسول الله يرجو لأبي طالب كل الخير من ربِّه؟ لا بد أن إحدى الروايتين مكذوبةٌ([106]) على ابن عباس.
4 ـ وبما روي أن عليّاً جاء إلى رسول الله ـ حين مات أبو طالب ـ فقال: إن عمَّك الضالَّ قد مات، فقال اذهب فغسِّله، وكفِّنه، ورواه([107]) فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن الإمام علي (عليه السلام) نفسه من أنا أبا طالب ما مات حتّى أعطى رسول الله من نفسه الرضى؟ وإذن فلا بد أن إحدى الروايتين مكذوبة أيضاً على الإمام علي (عليه السلام).
ولو سلَّمنا ـ جدلاً ـ أن أبا طالب لم يعلن إسلامه قبل مماته، فهل ينكر أحد أنه لم يَدْع وسيلة لنصرة النبي وحماية دعوته إلاّ واتَّبعها؟
وهل مَن كان هذا شأنه يستحق من ابنه المسلم، أن يقول عنه ـ حين مماته ـ لرسول الله: إن عمَّك الضالَّ قد مات؟
أفلا كان يكفيه، وهو ربيب النبي، والمنشَّأ على أخلاق الإسلام وعفة اللسان ـ أن يقول، حينئذ: إن عمك قد مات، دون أن يصفه بالضلال؟
وهل هذا من بِرِّ الوالدين الذي نزل به القرآن من مثل قول الله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}([108]).
وعلى ما تقدَّم كله، نتساءل:
إلى أي مدى يمكن اعتبار ما نُسب إلى أبي طالب من الشعر ـ على تعارضه ـ دليلاً على أنه أسلم بالفعل أو لم يسلم؟
وإلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات التي استعرضناها ـ على تعارضها أيضاً ـ دليلاً لهذا الفريق أو ذاك؟
لا شك أن النظرة المليَّة إلى الظروف التي أوحت بهذا الشعر أو ذاك، وبهذه الرواية أو تلك، وإلى البيئة النفسية التي أنتجت كلاًّ منهما، والى التيارات السياسية التي تقاذفتهما سنين طويلة، عبر قرون زاخرة بالتعصب المذهبي الذي فرض نفسه على الأفكار والآراء على صعيد العالم الإسلامي كله، طولاً وعرضاً… كل ذلك ينبغي أن يكون في الاعتبار عند النظرة إلى هذا الشعر أو ذاك، وإلى هذه الرواية أو تلك، عن إسلام أو عدم إسلام أبي طالب، الذي شاء له القدر ـ بلا نزاع من أي من الفريقَين ـ أن يكون كافل النبي طفلاً، وراعيه يافعاً، وحاميه عند مبعثه، حيث لم يكن له بين الناس حامٍ سواه.
وإذا كان مما لا خلاف فيه، أيضاً، أن ما جرى لأهل البيت خلال القرون المتوالية على الأمة الإسلامية من جحود وقطيعة ـ عقب وفاة النبي ـ كان كفيلاً بأن يحول بين صفحات التاريخ وبين أن تخطَّ فيها كلمة إنصاف يكتبها قلم، أو تنطقها شفتان، تُثني عليهم أو تعترف بفضلهم…
فلقد كانت الحرب ـ ولا تزال، بصورة أو بأخرى ـ معلَنةً عليهم في كل زمان ومكان. ولقد تُعُقِّبوا في النفس والولد والمال والسمعة، ولاحقتهم الأحقاد باللعن والسب والإساءة… وحلَّ بهم التنكيل والتقتيل في كل مكان. ولم يكن عجباً ـ والحالة هذه ـ أن يتناولهم كثير من الكتاب، ورواة الأنباء والأخبار بما يستجيب ويتمشى مع النزعات السياسية والمذهبية المخالفة، بما يثلبهم ويقدح فيهم، ويحرِّف الحقيقة في شأنهم، وأن يكون موقف ذوي الضمير من هؤلاء، وهؤلاء متمثلاً في إهمال أمرهم، وعدم التعرّض لذكرهم بسلب أو بإيجاب، خشيةً من أن ينالهم، من الأذى والنكال والعقاب، ما كان يحلُّ بكل من اتَّخذ الموقف الحق منهم. وفي أحداث تاريخنا المعاصر ما يمدُّنا بالأمثلة الصارخة، والمتعددة، مما يحدث للمعارضين للحكام.
ومن ثم فاذا تسرَّب إلينا ـ من خلال هذا الحصار والإعسار ـ شيءٌ من سيرتهم المضيئة، أو قبسٌ من أقوالهم ومواقفهم المعبرة عن حقيقة الإسلام، أو شعلةٌ من معالم سلوكهم الرشيد، فلا شك أنه حدث في غفلة من الطغاة وأعوانهم، وعلامة صحيَّة على أن العقيدة ـ حين تملك على الإنسان وجدانه وسلوكه ـ تدعوه لأن يتحدَّى الأوضاع، ليتغلَّب عليها بقدر الإمكان. وهذا هو الذي ظهر، فيما بعد، أنه كان، حتّى أصبح مادةً لما نقوله الآن.
لقد وصل الينا ـ رغماً عن كل الموانعِ والعوائق ـ شعر يحدِّثنا عن إسلام أبي طالب، منسوباً إليه، وروايات تاريخية تؤكد ذلك منه، أفلا يكون هذا مرجحاً لِمَا رُوي من هذا أو ذاك، على ما روي في الجانب الآخر النافي لإسلامه؟
إن الأمر ـ حينئذ، والحالة هذه ـ إن لم يَرْقَ إلى رتبة الدليل، فإنه، بلا شك، لا ينزل عن مرتبة القرينة القوية، التي تصل بانضمام غيرها من القرائن إلى مرتبة الدليل القوي، والبرهان الجليِّ، دون أن يعني هذا تهويناً من نسبة هذا الشعر إلى أبي طالب، أو صحة تلك الروايات، بما فيها من دلالة صريحة على إسلامه، فقد ورد ذكرهما في كثير من الكتب والمراجع التارخية المعترف بوثاقتها، وصحة نقلها مثل: تاريخ ابن كثير، وسيرة ابن هشام، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ومستدرك الحاكم.
ومن ثم فإننا نضم إلى تلك القرينة القوية غيرها من القرائن الآتية، وسنجد أنها كلها يأخذ بعضها برقاب بعض، مؤكدة إسلام أبي طالب، حتّى لا يبقى في ذلك مجال للشك، وذلك أنه من المعلوم:
1 ـ أن رابطة الدين هي أقوى الروابط الاجتماعية، وأمامها تذوب، بل تزول وتتلاشى، سائر الروابط النسبية والسببية، أيًّا كان نوعها، وأيًّا كانت درجة كل نوع منها، حتّى لقد يبلغ من قوة تأثيرها أن تدفع الأخ لأن يحارب ـ في سبيلها ـ أخاه، بل وابنه وأباه، وأنها تمنع التوارث بمجرد اختلافها، وأن الولاء والتناصر يتحققان بين المتفقين فيها، مهما تباعدوا نسبياً، أو تفاوتوا اجتماعيًّا.
ومن ثم لا يمكن أن يقال: إن رابطة القرابة كانت سبب نصرة أبي طالب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وحمايتة له من أعدائه، تلك الحماية التي لولاها لمّا أمكن للدعوة الإسلامية أن تأخذ مسارها نحو الشيوع والانتشار، وإلاّ فقد كان أبو لهب أيضاً ـ وبنفس المقدار ـ جديراً بنفس النصرة والحماية، فكلاهما عم لرسول الله، ولكن أبا لهب على العكس من أبي طالب كان حرباً عواناً على محمد ودينه وأتباعه، بكل أصناف الحرب وأنواع الإيذاء…
وإذن فالعقيدة هي الأولى أن تكون عامل التفرقة بين الرجلين فأبو لهب ملكت عليه عقيدته كل آفاق تفكيره فلم يرَ شيئاً غيرها جديراً بالنظر والإعتبار، فكانت وقفته المتحدِّية لله ولدين الله ولرسول الله، لا يرعى في ذلك رحماً أو قرابة، حتّى عرّض ابن أخيه للهلاك وإ3صثهدار الدم، بينما أبو طالب، إذ أخذت عليه عقيدة الإسلام كل آفاق تفكيره ـ بعد أن اقتنع بها، إنطلاقاً من تجربته لصدق ابن أخيه على طول عمره قبل البعثة ـ فرآها جديرة بالاعتبار بل والانتصار، ومن ثم اندفع يؤيدها بكل مرتخص وغال، معرضاً نفسه للمتاعب والأهوال، مما سنعرض لطرف منه في الفقرات التالية:
فالرجلان (أبو طالب وأبو لهب) متماثلان، ومن ثم لم يكن اختلاف موقف كل منهما عن الآخر منه (صلّى الله عليه وآله) إلاّ تبعاً لعقيدة كلٍّ منهما فيه وفي دينه، فكان أحدهما إلى اليمين وكان الآخر إلى اليسار.
2 ـ أن أبا طالب كان يرى بطلان عقيدة قومه من قبل مبعث محمد بالإسلام، فقد ثبت ـ كما سبقت الإشارة ـ أنه كان من المتألِّهين الحُنَفَاء، الذين لم يهيموا بصنمٍ قط، ولم يسجدوا لوثنٍ أبداً، كما كان على ذلك أبوه عبد المطلب تماماً.
3 ـ أن أبا طالب أقرّ ابنه عليًّا على متابعته لمحمد، والابنُ أهم ما يحرص الأب على الحفاظ على عقيدته، ودينه، وأمنه وسلامته، فكيف إذا كان هذا الدين يعرِّض من يتبعه لصنوف من الإيذاء والآلام؟ وهل يكون ذلك من غير مسلم؟
4 ـ أن أبا طالب رأى النبي يوماً يصلّي وعن يمينه ابنه علي، وكان معه ابنه جعفر فأمره أن يدخل في الجماعة، قائلاً له: «صِلْ جناحَ ابن عمك، فصلِّ عن يساره»، ممّا يدل على أن جعفر كان مسلماً من قبل، ويعرف الصلاة الإسلامية، وأن أبا طالب كان يعرف أحكامها كذلك. وهو بذلك يقدِّمه مع أخيه قُرْبَانَين لهذا الدين في مناخٍ كله حرب عليه وشَجْب له، فهل يكون ذلك من غير مسلم؟
5 ـ أن أبا طالب ظل على موقفه من نصرة النبي، وحمايته له ولدعوته، طول حياته، ولم يسلمه ـ تحت أي ظرف ـ إلى خصومه وأعدائه أبداً.
6 ـ أن أبا طالب صمد لتحدي قريش بالمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، مقيماً بشعبه في مكة، ثلاث سنوات متواصلة مع بني هاشم، عانوا خلالها جميعاً من الشظف والمسغبة والحرمان مما تعجز الكلمات عن وصف مداه وتقدير عنائه، دون أن يتطرق إليه الوَهن أو الضعف أو التردد، فهل يكون ذلك لمجرد القرابة دون أن يكون للعقيدة مدخل فيه؟
7 ـ أن أبا طالب لم يتردد في تصديق النبي حينما أخبره أن الأَرَضَةَ قد أكلت وثيقة المقاطعة المودَعة بالكعبة ولم يبقَ فيها إلاّ اسم «الله» فقط؛ فخرج إلى قريش متحدياً بذلك، وكان الأمر كما أخبر الرسول تماماً، فهل يكون ذلك من غير مسلم؟ أو هل يبقى بعد ذلك غير مسلم، لو لم يكن مسلماً من قبل؟
8 ـ أن النبي ظل مقيماً بمكة يدعو الى الإسلام، آمنا على حياته، طيلة حياة أبي طالب، ولم تضق عليه الأرض بمكة إلاّ بعد أن فقده بموته، فكان إذنُ الوحي له بالهجرة، لأن البقاء في مكة بعد أبي طالب لم يكن يعني فقط إجهاض الدعوة، وإكراه المؤمنين بها على الارتداد عنها، وإنما كان يعني أيضاً الإجهاز على الإسلام نهائياً من الأساس لو تعرَّض النبي (صلّى الله عليه وآله) للقتل. وهذا هو ما خطَّط له القرشيون بالفعل، وعلى رأسهم عمه أبو لهب، وكانت ساعة الصفر في نفس الليلة التي أُذِنَ النبي فيها بالهجرة، من مكة إلى المدينة، فهل من كان وزنه بالنسبة للدعوة الإسلامية أن حياته في مكة حياتها وحياة نبيِّها، وأن مماته بمكة تعريض لهما إلى الضياع والفناء، يكون على غير دين الإسلام؟
9 ـ وأخيراً وليس آخراً إنّنا نجد التاريخ لا يسجل، ولو لمرة واحدة، أن أعدى أعداء علي ابن ابي طالب ـ وهو معاوية بن أبي سفيان ـ يطعن في إسلام أبي طالب، مع أنه لم يكن يرعى عهداً ولا ذمة في الطعن على عليٍّ (عليه السلام)، والادِّعاء عليه بما ليس فيه، والانتقاص منه بنسبة ما هو متأكد من براءته منه، حتّى لقد بلغ من حقده عليه أنه:
(أ) أمر بلعنه على منابر المساجد، وأوصى باستمرار ذلك من بعده.
(ب) تتبع كل من يوالونه ليُكرههم على البراءة منه أو يقتلهم إن امتنعوا من ذلك.
(ج) أمر بوضع الأحاديث التي تنسب إليه ما يشينه من جهة، والتي تضفى على غيره ما خصه به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من صفات ومزايا من جهة أُخرى. ومع كل هذا فلقد كان عليٌّ (عليه السلام) يهاجمه بما فيه أمه هند، وأبيه أبي سفيان، من مذام ومثالب، فهل كان معاوية ـ وقد صار الأمر إلى الآباء والأمهات ـ يعفُّ عن أن يرمي علياً (عليه السلام) في أبيه بتهمة الكفر([109])، لو كان لذلك ظل من الشبهة، فضلاً عن الحقيقة، نكاية في عليٍّ (عليه السلام)، ورداً على نيله من أبوَيه؟
لا يقولنَّ أحد ما يدريك لعل ذلك قد كان من معاوية؛ فها هي رسائل معاوية كلها إلى عليٍّ (عليه السلام) ـ كما يسجلها التاريخ ـ لا تنطوي واحدة منها على كلمة تشير ـ من قريب أو من بعيد ـ إلى أن أبا طالب لم يكن ـ حين مات ـ على غير الإسلام، مما يؤكد أن قضية التشكيك في إسلام أبي طالب لم تكن مطروحة حتّى زمن تمرد معاوية على عليٍّ (عليه السلام) وإلاّ لاهْتَبَلَ معاوية فرصتها، وكال لعليٍّ (عليه السلا)، في هذا الباب، مقابل الصاع صاعَين.
ولا أدلَّ على ذلك من أن معاوية، حينما دخل عليه، بالشام، عقيل بن أبي طالب، في زمن خلافة أخيه علي (عليه السلام)، وأراد أن يقلل من شأن عقيل، إسلامياً، بما ينسحب، تبعياً، إلى الإمام علي (عليه السلام) فقال له: أين عمك أبو لهب يا عقيل؟ فكان جواب عقيل الفوري عليه: يا معاوية، إذا دخلت النار فملْ عن يسارك قليلاً، تجده مفترشاً عمتك أم جميل([110])!!.
فما الذي كان يحوج معاوية إلى أن يعدل ـ في هذا الإحراج ـ إلى أبي لهب، فيحيق به مكره كما حدث له، ويترك أبا طالب لو أن هناك أدنى شك في إسلامه، حيث كان، حينئذ، سيضرب عصفورين بحجر واحد، يحرج عقيلاً، ويشهِّر بخصمه الألد علي (عليه السلام)، دون أن يدع لعقيل فرصة الرد عليه بما يُفحمه كما حدث بالنسبة لأبي لهب.
أفلا يدلُّ هذا وحده دلالة أكيدة على أن كل ما روي في شأن عدم إسلام أبي طالب ـ فيما بعد ـ كان من قبيل الوضع، وتزييف الحقيقة، والافتئات على الواقع؟
أما بعد،
فهذه قرائن تسع، تكفي كل واحدة منها حين تنضم إلى ما روي من شعر منسوب إلى أبي طالب يثبت إسلامه، أو روايات المؤرخين ـ في هذا الشأن ـ لأن تقيم الدليل القاطع، الذي لا يدفع، على أن أبا طالب إنما مات على الإسلام، فكيف بها مجتمعة، متضافرة، ومتكاملة، يأخذ بعضها برقاب بعض، نحوغاية واحدة، ونتيجة مؤكدة، وهي أن أبا طالب ـ حين مات ـ إنما مات على الإسلام، لا أقول الإسلام الذي وقع حينئذ، فقط، وإنما الإسلام الذي كان، منذ بداية بعثة النبي دون جدال.
وفي ضوء ما تقدّم جمعه يثور تساؤل مُلِحٌّ يتلخص في أنه ما هو السر في هذا اللغط، الذي دار ـ ولا يزال يدور ـ حول اسلام أبي طالب، نفياً وإثباتاً؟
ولا أرى تعليلاً لذلك إلاّ أن السياسة شاءت ذلك، فكان لها من أعوانها وحاشيتها من الكتّاب والمؤرخين والرُّواة ما شاءت، ذلك أن أبا طالب هو أبو علي (عليه السلام) الإمام، وكنز الأئمة. وحقُّ عليٍّ ـ والأئمة من بعده ـ في ولاية أمر الأمة، سياسيّاً واجتماعياً، دون غيرهم، هو معتقد الشيعة، وقد صار أمر الأمة إلى غيرهم، فكانت مصلحة الحاكمين ـ وخاصة في العصر العباسي([111]) ـ
ملاحقة هؤلاء الأئمة بالتنكيل والتحريف والتشويه بشتى الوسائل، طالما كانت قلوب الناس تطوف حولهم، وتعطف على مظلوميتهم. ومن ثم لم يدع الحكام فرصة لثلب مزايا الأئمة، ونفي محاسنهم، وشلِّ مفاخرهم، إلاّ واهتبلوها. ولقد كان في مقدمة مفاخر آل البيت موقف أبي طالب من الرسول ودينه منذ بدأ، رعايةً وحمايةً، ودفاعاً مجيداً، لا يقف عند حد، ولا يتقيد بقيد، بما لولاه لَمَا تمكن أن يأخذ هذا الدين طريقه إلى نور الحياة فضلاً عن أن ينتشر ثم ينتصر. ومن ثم كان أبو طالب من أهداف هذه الحملة السُّلطوية الشنعاء ضدَّ أهل البيت، فكانت الأشعار المنحولة، والروايات الموضوعة المدخولة، لنفي إسلامه، حتّى لم يتورَّعوا، في هذا المجال، عن أن ينسبوا بعض الروايات تارة إلى عليٍّ نفسه (عليه السلام)، وأخرى إلى ابن عباس(رض).
وما رأينا مثل هذا الجدل ثار حول إسلام كثير من المنافقين، وبخاصة من الذين قال الله تعالى فيهم لنبيِّه: {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ولكنه ثار حول اسلام أبي طالب، لا لشيء إلاّ لأنه أبو عليٍّ (عليه السلام) الإمام، أبي الإمامَين، وجد الأئمة، متمثلاً في التشكيكات التي حيكت لها الأشعار والروايات، تنفيراً للناس، وصرفاً لهم عن قضية الأئمة، ونشراً للضباب حولها، حتّى لا تكون الحقيقة واضحة جليّة أمام الرعية، فيطمئن الحكام إلى استقرار ملكهم، واستمرار حكم أسراتهم. ولكن الله كان بالمرصاد، فقد أشرقت شمس الحقيقة، فبدّدت سحائب الضباب المصنوع، حيث شاء الله تعالى أن تذهب ـ إلى غير رجعة ـ عصور العصبية المذهبية والعداوة العائلية لأهل البيت، وسادت الحريّة الفكرية، فانطلق الحق يأخذ طريقه إلى الوضوح والإسفار عن وجهه الصحيح. ومن ثم فإن الغد القريب أو البعيد سيشهد ـ بإذن الله تعالى ـ تصحيح كثير من المفاهيم، وإنصاف كثير من المظاليم، وإذابة الثلوج بين القائلين بإسلام أبي طالب والقائلين بعدم إسلامه، لا بالنسبة لهذا الموضوع فحسب، ولكن بالنسبة لكثير من المعتقدات المدَّعاة والمفتراة، ولله عاقبة الأمور.
حمزة بن عبد المطلب
لقبه: له ألقاب كثيرة، تبدأ بأسد الله، وتنتهي بسيّد الشهداء، وتنطوي فيما بينهما على أنّه: أسد رسول الله، وعمُّ رسول الله، وأخوه في الرضاعة([112])، وابن خالته([113]).
كنيته: أبو عمارة.
صفاته وسجاياه: كان وسيم الطلعة، حسن الخلق، أليفاً، شجاعاً قوي البنية، وقد كان ـ بعد رسول الله ـ أعزّ شباب أهل مكة، وكان يهوى الصيد، ويخرج من أجله إلى الجبال والصحراء، وكان كلّما عاد من رحلته إليه يبدأ بالمسجد فيطوف بالكعبة، ثمّ يتوجه إلى بيته، فلا يمر في مسيرته بنادٍ إلاّ حيّا أهله، وسلَّم عليهم. ومن ثمّ كان موضع محبة الجميع وتقديرهم.
إسلامه: حدث ذات مرّة، وهو عائد من رحلة صيد، أن لقيته في طريقه، مولاة لعبدالله بن جدعان، فأخبرته أنّ أبا جهل سبّ ابن أخيه محمداً سبّاً شديداً، ونال منه ما يكرهه، وأنّ رسول الله انصرف عنه، دون أن يتكلّم بشيء، فامتلأ حمزة لهذا الخبر غيظاً وغضباً، وانطلق، من فوره، يبحث عن أبي جهل، حتّى وجده يجلس بين القوم في المسجد، فتقدّم نحوه حتّى إذا حاذاه علاه بقوسه، فضربه ضربة شجّته شجّة منكرة، ثمّ قال متحدِّياً له ولجميع الحاضرين: «أتشتمه وأنا على دينه، أقول كما يقول؟ فَرُدَّ ذلك عليَّ إن استطعت» وأراد بعض الحاضرين أن يشعل النار في الفتيل، انتصاراً لأبي جهل، ولكن أبا جهل ـ خشية من العواقب ـ قال متخاذلاً: دعوا أبا عمارة، فإنّي ـ والله ـ قد سببت ابن أخيه سبّاً قبيحاً([114]).
ومنذ عرفت قريش أنّ حمزة قد أعلن إسلامه كفَّت عن كثير ممّا كانت تنال به من رسول الله.
جهاده في سبيل الله: إنّ صفحة حمزة بن عبد المطلب ـ جهاداً في سبيل الله ـ مليئة بالمفاخر والمباهر، فلقد كانت شجاعته، وتصدّيه للمواقف، ومنازلته للصناديد وقتلهم. تملأ قلوب الكفار رعباً منه وحقداً عليه، وإليك بعضاً من الأمثلة توضح ذلك:
1 ـ عندما أراد الله لعمر بن الخطاب أن يدخل في الإسلام توجّه إلى حيث يجتمع النبي مع أصحابه خفيةً، بعد أن دلَّته عليه أخته عندما اطمأنت منه إلى أنّه اعتزم الدخول في الإسلام، وحين طرق الباب، نظر إليه رجل من خلل الباب فعاد إلى النبي يقول: إنّه عمر بن الخطاب جاء متوشحاً سيفه، فقال حمزة: فلتأذن له يا رسول الله، فإن كان يريد خيراً بذلناه له، وإن ّكان يريد شرّاً قتلناه بسيفه.
2 ـ بعد هجرته إلى المدينة كان ـ كما تحكي بعض الروايات ـ أوّل من عقد له اللواء على أوّل سرية مكوَّنة من ثلاثين فارساً خرجوا لمناوأة قريش([115]).
3 ـ وفي أوّل مواجهة حربية حاسمة بين المشركين والمسلمين، يوم بدر، كان منه ما يأتي:
(أ) قتل أوّل قتيل من المشركين فيها، وهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي، حينما تجاسر، مقسماً، على أن يقتحم حوض المسلمين ويشرب منه أو يقتل دونه، فحقق له حمزة الأمنية الثانية.
(ب) كان أوّل من خرج بين علي ابن أخيه أبي طالب، وعبيدة ابن أخيه الحارث لمبارزة رؤوس الكفر: عتبة بن ربيعة (أبو هند أم معاوية وزوجة أبي سفيان) وابنه الوليد، وأخوه شيبة، فكانت هذه الرؤوس الثلاث على عتوِّها، أوّل حصاد المعركة بسيوف حمزة وعلي وعبيدة.
(جـ) حين اشتدّت المعركة أحدث بالمشركين من الإصابات والفزع ما يعبِّر عنه أمية بن خلف حينما وقع أسيراً في يد عبد الرحمن بن عوف، إذ سأله: مَن الرجل المُعْلَم فيكم بريشة نعامة في صدره؟ فلمّا أجابه بأنّه حمزة، قال: ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل.
4 ـ ولم يكن يوم أحد أقل بلاء من يوم بدر، فقتل من صناديد قريش ما قتل، حتّى اختار الله له الشهادة فيها.
استشهاده: كانت هند بنت عتبة (زوجة أبي سفيان) تتلظَّى بنار الحقد، على حمزة لمّا وترها بأبيها وأخيها وعمّها يوم بدر، فجنّدت لقتله عبداً يسمّى وحشياً، مُمَنِّيَةً إيّاه بالمكافأة السخية والعتق إن هو تمكّن من قتل حمزة أثناء أوّل معركة تحدث مع المسلمين بعد بدر؛ فلمّا كانت بعد ذلك موقعة أحد، خرج وحشيّ مع المشركين، ولا هَمَّ له إلاّ رصد حمزة لاهتبال أيّة فرصة تسنح لقتله، وما كاد يلمح انحسار اللاَّمة عن بعض بطنه ـ أثناء انهماكه في مطاردة المشركين ـ حتّى صوَّب إليه حربته ورماه بها فأصابه إصابة أردته شهيداً لتوِّه.
حزن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليه: وحينما علم النبيُّ بذلك حزن حزناً شديداً، وقال حين وقف على جثته، ورأى ما فعلته به هند من المثلة: «لن أصاب بمثلك أبداً» ثمّ قال: «جاءني جبريل فأخبرني أنّ حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب: أسد الله، وأسد رسوله»([116]) ثم أمر به النبي (صلّى الله عليه وآله) فَسُجِّيَ بِبُردة، وصلَّى عليه، ثم أمر ببقية الشهداء فجيء بهم واحداً واحداً، فصلَّى على كلِّ منهم، حتّى بلغت صلوات النبيِّ عليه اثنتين وسبعين صلاة.
حمزة وبنو أمية: لم يكتف أبو سفيان بما فعلته زوجته هند بجثة حمزة من المُثْلة، فوقف على جسد البطل الشهيد ينفِّس عن حقده، فأخذ يناجيه في شماتة: يا أبا عمارة… اشتفت نفسي منكم، ثم تقدَّم إليه ـ دون خجل ـ وأخذ يضربه في شدقه برمحه، ويقول: «ذُق عقق… ذق عقق» إلى أن رآه، في هذا الموقف المخزي، الحليس سيّد الأحابيش، وقد كان من حلفائه؛ فقال له ـ في إنكار ـ: سيّد قريش يصنع في ابن عمّه ما أرى؟ فأحسّ أبو سفيان بسقطته، وتوسّل إليه أن يكتمها عليه، معتذراً له بأنّها زلة([117]). ولكنّه لم يكتمها فوصل نبوؤها ـ عبر التاريخ الطويل ـ إلينا، وسيستمر إلى ما شاء الله، إعلاناً بما تدل عليه عن نفسية أبي سفيان.
وحينما آلت الخلافة الإسلامية إلى عثمان بن عفان ـ وهو أموي ـ توجّه أبو سفيان إلى قبر حمزة، فرفسه برجله، وقال: يا أبا عمارة، إنّ الأمر الذي تجالَدْنا عليه بالسيوف قد آل إلى بني أمية وقد صار بين أقدامهم يتقاذفونه تقاذف الكرة([118]).
نهاية قاتله: أسلم وحشيّ قاتل حمزة فيما بعد، ولكنّه أدمن الخمر، ولم يزل يحد فيها حتّى خُلع من الديوان، فكان عمر بن الخطاب يقول: «لقد علمت أنّ الله لم يكن ليدع قاتل حمزة»، وعن سعيد بن المسيب أنّه كان يقول: كنت أعجب لقاتل حمزة كيف ينجو، حتّى مات غريقاً في الخمر.
فسلام الله على سيّد الشهداء، وأسد الله، وأسد رسوله وعمّ الرسول وأخوه في الرضاع وابن خالته، وإنّ واحدة من هذه فقط لكَفيلة بأن تقدِّمه على الأقران، وأن ترجح كفته في الميزان، فكيف بها وقد أصبحت له، دون شريك؟
العبّاس بن عبد المطلب
هو عمُّ رسول الله وأحد سادات الهاشميين، وأثرياء قريش، وتحمَّل من بعد أبي طالب مهمة رعاية النبي (صلّى الله عليه وآله) والاطمئنان إلى أمنِهِ وسلامِهِ وكان من مظاهر ذلك أنّه:
1 ـ عندما جاء الأنصار لبيعة النبي على الهجرة إليهم، خرج العباس مع النبي إلى حيث ينتظرونه عند العقبة، وكان أوّل متحدّث إليهم، فقال : ليستوثق منهم لابن أخيه وسلامته: «يا معشر الخزرج، إنّ محمداً منّا حيث قد علمتم… وإنّه قد أبى إلاّ الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذاك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلموه وخاذلوه، بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه فإنّه في عزّة ومنعة من قومه في بلده». ولمّا رأى تعقيب الأنصار على كلامه هذا متمثلاً في قول قائلهم: «قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك وربك ما أحببت» اطمأن قلبه وقرّت نفسه وعينه، وأتاح للبيعة أن تأخذ مجراها، عقداً وآثاراً([119]).
2 ـ بعد أن هاجر النبي إلى المدينة، ثم كان انتصاره الحاسم على المشركين في موقعة بدر ـ حيث نال المسلمون من صناديد قريش ما يشتهون قتلاً وأسراً، حتّى لم يدعوا بيتاً من بيوت مكة إلاّ وتروه ـ قرّرت قريش أن تثأر لنفسها، فجمعت جموعها، وبذلت في سبيل ذلك من أموالها ما لم يسمع بمثله العرب في أيّة حرب من حروبها، فقد بادر العباس فأرسل إلى النبي من يخبره الخبر، ليأخذ حذره ويعدّ عدّته، ويستعد للمواجهة المقبلة حتماً.
3 ـ لمّا جاء الحجاج بن علاط السلمي ـ وكان قد أسلم، ولم يُعْرَف إسلامه بعد ـ ليحصِّل أمواله وديونه التي كانت متفرقة بين تجار مكة، سألته قريش عن أخبار محمد (صلّى الله عليه وآله) ونتائج حربه في خيبر، فأراد ـ تسهيلاً لمهمته ـ أن يخدعهم، فقال لهم: إنّه حاقت به الهزيمة، ففرحت قريش لهذا الخبر، الذي شاع واستطار حتّى بلغ العباس، فوجم لذلك وخفَّ من فوره، في لهفة، إلى حيث يوجد الحجاج، ليستوضحه حقيقة خبره، وأقبل عليه ـ في قلق ـ يسأله عن صحة الخبر، فأدلى إليه بالحقيقة، وأنّ النصر كان حليف النبي، وأنّ الفتح تمَّ واللواء معقود لابن أخيه عليٍّ (عليه السلام) بعد أن أخفق غيره، وأفهمه أنّه قد أصبح على دين الإسلام، وإنّما قال ما قال لقريش، خديعة لها، ليظفر بجمع مستحقاته لدى تجارها. وحينئذ لم يلبث العباس أن عاد إلى بيته مسرعاً، ولبس أحسن ثيابه وأبهاها، ثمّ خرج إلى قومه في زينته وأبهته، ليخبرهم بنبأ انتصار النبي في خيبر وتفاصيل هذا الانتصار، مستلاًّ بذلك سرورهم من بين أضلعهم، ومحيقاً بهم الكمد والحسرة.
4 ـ كان حريصاً عند فتح مكة على أن يضع كبارها وزعماءها في وضع نفسي يساعد على استسلامهم وانهيار معنويات المقاومة في أنفسهم، وكان من ذلك أنّه صحب أبا سفيان إلى مضيق ليرى منه مسيرة جيش المسلمين، فلمّا طالت المسيرة، متوالية المرور، تنهَّد أبو سفيان ـ بعد أن نال منه المنظر ما يبتغيه العباس ـ ثم قال للعباس: لقد صار مُلك ابن أخيك عظيماً. وهنا لم يفلت العباس الفرصة، فوضع الحقيقة وحدها أمام عينَي أبي سفيان في هذه اللحظة النفسية الحاسمة، وذلك حينما ردّ عليه فوراً بقوله: إنّها النبوَّة يا أبا سفيان.
5 ـ حينما انكشف المسلمون أمام المفاجأة يوم «حُنين» وفرُّوا من حول رسول الله، ولم يثبت حوله إلاّ العباس في نفر قليل من بني هاشم ـ أخذ العباس ينادي بصوت جهير، وبعبارات تحرِّك كوامن الإيمان، وتثير حوافز الإقبال والعودة إلى الالتفاف حول الرسول (صلّى الله عليه وآله) مرّة أخرى، فكان ممّا قاله في ندائه يومئذ: «يا معشر الأنصار الذين آوَوا ونصروا، يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، هلمُّوا هذا «رسول الله» ولم يزل يردّد هذا القول وأمثاله، حتّى ثاب الفارُّون إلى إيمانهم، وعاد المنهزمون إلى بيعتهم وعهدهم، فهتفوا جميعاً: «لبَّيك رسولَ الله». وكان ممّا زاد في إقبالهم ما رأواه من أنّ هذا الموقف العصيب لم ينل من رسول الله أبداً؛ إذ استمعوا إليه وهو يقول ـ في تحدٍّ قوي:
أنا النبيُّ لاَ كذِبْ
أنا ابن عبد المطلبْ
فكان التفافهم حوله (صلّى الله عليه وآله) من كلّ جانب، وهجومهم على العدو بكلّ قوّة وشراسة، تعويضاً عمّا بدر منهم من هزيمة وفرار، فلم يلبث ميزان المعركة أن تغيَّر، ورجحت كفّة المسلمين بعد شَول، وهبَّت عليهم ريح النصر العظيم بعد أن كانت هزيمتهم مؤكدة على نحو صوره أبو سفيان ـ وكان حاضراً تلك الغزوة، ورأى فرار المسلمين عند المفاجأة ـ فقال، معلقاً على ما رأى: لقد فرّوا فراراً لن يردّهم عنه إلاّ البحر، ولكن الله تعالى: {أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} فكان النصر حليفهم، {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} بالهزيمة وآثارها، سبباً وغنيمة.
ولم يفت العباس أن يسجل بشعره موقف الهاشميين، الذين ثبتوا حول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في هذا الموقف العصيب الرهيب، الذي تسبّب عن فرار بقية جيش المسلمين، يومئذ، وذلك بقوله:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة
وقد فرَّ من قد فرَّ عنه وأقشعوا
وعاشرُنا لاقى الحمام بنفسه
بما مسّه في الله، لا يتوجعُ
أمّا بعد، فها هي مواقف بني هاشم من أعمام رسول الله، حيث كانوا ـ ما عدا أبا لهب ـ على نصرة النبي وحمايته، وتأييد دعوته فجزاهم الله عن الإسلام، ونبيِّ الإسلام، والرعيل الأوّل من المسلمين، على ما جهدوا وبذلوا، وعانوا في الله، ما هو أهله.
جعفر بن أبي طالب
لقد كان الحديث عن جعفر بن أبي طالب جديراً بأن يلي، مباشرةً، الحديث عن والده أبي طالب، الحامي الأوّل للإسلام ونبيِّ الإسلام، ولكنّني قدّمت عليه عمّه العباس، لأكمل تلك الباقة العظيمة من الأعمام متكاملة الألوان، متجانسة الأريج… هؤلاء الأعمام والأماجد، الذين لم يدَعوا وسيلة لنصر النبيِّ إلاّ اتَّخذوها، دون أن يتخلَّوا عنه في سلمٍ أو حرب، وكانوا له كما يحبّ ويرضى.
إسلامه: أسلم منذ بداية الدعوة، فقد سبقت الإشارة إلى أنّ والده أبا طالب حينما رأى النبي يوماً يصلّي وخلفه عليٌّ (عليه السلام) من عن يمينه، قال لجعفر: صِلْ جناحَ ابن عمّك، فصلِّ من عن يساره، ولن تكون هذه الصلاة، قطعاً، إلاّ عن إسلام.
ومن هنا يمكن القول ـ عن يقين وبكلّ تأكيد ـ إنّ جعفر كان من السابقين إلى الإسلام.
بلاؤه في سبيل الإسلام: لقد بذل جعفر شبابه وعمره في نصرة الإسلام والمسلمين، دون كلل أو ملل، مهما كلَّفه ذلك من مشاقَّ ومتاعب مادية ومعنوية ومن ذلك أنّه:
1 ـ كان قائد أوّل قافلة من المهاجرين المسلمين إلى الحبشة، فراراً بدينهم، وكان المسؤول عن أمتهم وسلامتهم وحلّ جميع مشاكلهم. وحينما أسفرت قريش عمراً بن العاص، وعبدالله بن ربيعة، إلى النجاشي، محمَّلَيْنِ بالهدايا النفيسة، له ولمن حوله من الحاشية والأساقفة، ليردّوا معهم هؤلاء المهاجرين، كان جعفر اللسان الذرِب، والمحامي البليغ، الذي تمكن من إقناع النجاشي بقبول جوارهم، وردِّ هذين المبعوثَين على أعقابهما، إلى مكة، بخفيَّ حنين، وكان ممّا تكلم به في حضرة النجاشي، قوله:
أيّها الملك… لقد كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده، ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار… إلخ.
ثمّ شرح ظروف الْتِجائهم إلى جواره، وما قاله النبيُّ في هذا الشأن. وحين سأله النجاشي عن رأي الإسلام في عيسى وأمه تلا عليه طرفاً من سورة مريم، لمس فيه النجاشي ومَن حوله مدى تقديس الإسلام لعيسى، وتنزيهه لأمّه، فبكى النجاشي حتّى اخضلت لحيته، وبكى كلّ مَن حوله من الحاشية والقساوسة، ثمّ كان تعليقه على كلّ ما سمع:
(أ) إنّ الذي جاء به هذا النبيُّ، والذي جاء به عيسى، إنّما يخرج من مشكاةٍ واحدة.
(ب) أعلن ـ أمام عمرو بن العاص وعبدالله بن ربيعة ـ إجارته للمهاجرين المسلمين، ليعيشوا في كنفه آمنين مطمئنين.
(جـ) قال للمبعوثَيْنِ: انطلِقا، فوالله لا أسلمهم إليكما.
2 ـ ظلّ جعفر، منذ ذلك الوقت، بالحبشة، يرعى شؤون المسلمين فيها، وينهض بمسؤولياتهم المادية والمعنوية كلّها، خاصّة كانت أو عامة.
استشهاده: وفي السنة الثانية من الهجرة النبويّة إلى المدينة، ذهب ـ وكان قد عاد إليها من الحبشة ـ كقائد ثانٍ، بعد زيد بن حارثة، لجيش المسلمين إلى مؤتة، فلمّا استشهد زيد حمل الراية بعده، وقاتل بها قتال الأبطال الأماثل، حتّى إذا اشتدّت رحاها، والتحمت صفوفها، نزل عن فرسه، وهاجم هجوماً عنيفاً، وهو ينشد:
يا حبذا الجنة واقترابها
طيبةً وبارداً شرابُها
والروم روم قد دنا عذابُها
كافرة بعيدة أنسابُها
عَلَيَّ إن لاقيتُها ضِرابُها
وفي استشهاه يقول ابن هشام في سيرته: «إنّ جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضدَيه حتّى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحَين يطير بهما في الجنة حيث شاء([120]).
مكانته عند رسول الله: كانت مكانة جعفر عند النبي كبيرة ورفيعة، ومن مظاهر ذلك:
1 ـ في السنة السابعة من الهجرة، عاد جعفر إلى المدينة، وكان وصوله إليها مصادفاً يوم فتح خيبر، فاستقبله النبي أحسن استقبال وأكرمه، وقال له ـ بعد، أن قبَّله بين عينيه ـ: «ما أدري بأيّهما أنا أَسَرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر»؟
2 ـ لم يقف النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ في تكريم جعفر ـ عند هذا الحد، بل قال له يوماً بعد ذلك: «أشبهت خَلقي وخُلقي»([121]).
عطفه على الفقراء وحَدَبُه على المساكين: كان عطوفاً على الفقراء وبارّاً بالمساكين، لا يزال يواليهم بما يشبع بطونهم، ويكسو عُريهم، ويقضي حاجاتهم، حتّى ليقول أبو هريرة في ذلك: «كان أَخْيرَ الناس للفقراء والمساكين جعفر بن أبي طالب»([122]).
فنضَّر الله شباباً قضاه جعفر في نصر الإسلام، ورفعه ونشره، وبارك عمراً أمضاه منذ الطفولة إلى جوار رسول الله، إيماناً وتأييداً وفداء، وبذلاً وأداء.
بنو هاشم فيما قبل الإسلام، وفيما بعده
تلك أمثلة كريمة من بني هاشم الأكارم، أرومة محمد (صلّى الله عليه وآله) وشجرة النبوَّة ـ ولم نذكر من بينها عليّاً (عليه السلام) لأنّه مصبُّ موضوع هذا الكتاب، وسيأتي الكلام عنه مفصلاً ـ فكيف كانوا، جملة، بعد أن رأينا البعض منهم تفصيلاً؟
1 ـ فيما قبل الإسلام:
(أ) كانوا، أوّلاً قبل كلّ شيء، أهل خُلق، تبرز فيه صفات: الشجاعة، والكرم، والعفة، والسماحة، والقناعة، والوفاء بمعالي الأمور والهمم، والبر بالقيم، وحماتها في زمن تضاءلت فيه الأخلاق الكريمة، واضمحلت الفضائل، وانحلَّت العرى والوشائج. ومن ثم لم يكن عجباً أن يكونوا الصفوة من قريش، وأن يكونوا قادتها وذوي المكانة الأولى فيها، وقريش في ذلك الزمان، هي قمة العرب وهامتهم.
(ب) كانوا أحسن جيران لبيت الله العتيق، يعتنون به، ويقومون على كلّ أمره، ويُضيفون حجيجه في كلّ سنة سقاية ورفادة… عطاءً غير ممنون، في بلد غير ذي زرع ولا ماء.
ومن هنا كانوا كما وصفهم دعفل بن حنظلة النسابة لمعاوية، حين سأله أن يصهفم، فقال: «هم أطعمُ للطعام، وأضربُ للهام. وهاتان خصلتان تجمعان أكثر الشرف»([123]).
(جـ) ولقد عرف عن رجالهم العزّة والأنفة والتنزه عن الخنى، والحفاظ على الأعراض والشرف في زمن اختلطت فيه الأنساب، وهانت الأعراض على الكثير من الناس، كما عرف نساؤهم بالطهارة والعفة في زمان كانت الكثيرات من النساء متَّهمات، أو على الأقل تحوم حولهن الشُّبهات. ممَّا يُشير إليه الرسول الأعظم بقوله: «نُقِلْنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية»([124]).
ومن هذا كلّه، ندرك كيف كان بنو هاشم أصلح تربة تنبت وتفرز سيد الأنبياء وخاتم الرسل محمد (صلّى الله عليه وآله)، وصدَق الله العظيم إذ يقول: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}([125]).
وفي هذا يقول حسان بن ثابت:
إنّ الذوائب من فهر وأخوتهمْ
قد بيَّنوا سنة للناس تُتَّبَعُ
إن كان في الناس سبّاقون بعدهم
فكلّ سبقٍ لأولَى سبقِهم تَبَعُ
أعفَّةٌ ذُكرت في الوحي عفَّتهمْ
لا يَطمعون ولا يرديهمُ طَمَعُ
أَكرمْ بقومٍ رسول الله شيعتهم
إذا تفاوتت الأهواء والشِّيَعُ([126])
(د) ومن مآثرهم الخالدة:
1 ـ الإيلاف:
ومن حديثه: أنّ قريشاً كانت تشتغل ـ تحصيلاً لرزقها ـ بالتجارة، ضرورةَ أنّ ظروفهم الطبيعية لا تسمح بزراعة تكفيهم، ولا صناعة تعوضهم ما ينقصهم من ذلك.
ولقد كانوا، في تجارتهم، بائعين ومبتاعين، لا يتجاوزون مكة وما حولها، بعد أن يأتيهم تجار الأعاجم بالسِّلع، فيشترونها، ثم يتبايعونها فميا بينهم، وما بقي يبيعونه لمن حولهم من الأعرب على المدى القريب منهم، خشيةً من قُطاع الطرق، إن هم أشملوا أو أجنبوا أو أشرَّقوا أو غرَّبوا بعيداً عن ديارهم.
حتّى إذا آل أمر قيادتهم إلى هاشم ورياسته عليهم، فكَّر لهم مليّاً في أمر يرفع مستوى معيشتهم، ويواجه تزايد أعدادهم، ورأى أنّه لو أمكن أن تكون لقريش تجارة خارجية بعيدة المدى عن بلادهم لَكان لهم من دخلهم ما يكفيهم، ويواجه تزايدهم ومطالب العيش المتطورة عبر مرور الزمن، ولكن أنَّى يكون ذلك دون تأمين الطرق لهذه التجارة؟
وقد هداه تفكيره إلى أمرٍ لم يكن له سابقة من قبل، إذ توجّه إلى قيصر الروم ـ وكانت حدود دولته تمتد إلى مشارف شبه الجزيرة العربية، بل كانت تشتمل على بعض أجزاء منها ـ وذلك لكي يأخذ منه أماناً لقومه إذا تخطّوا بتجارتهم إلى بلاده، فلمّا نزل بساحته، واستأذن في لقائه، وأذن في ذلك، تكلم في حضرته بكلام حسن وأسلوب رائع يحيِّي به قيصر ويمدحه، فأنس قيصر إلى وجاهته ووسامته، وأعجب من منطقه وحسن عبارته، ولما أحسّ هاشم بأنّه احتل من نفس القيصر المكانة التي تساعده على ما يريد، طلب منه كتاباً يؤَمِّن تجارة قريش في بلاده، فكان له ما أراد بسهولة وعن طيب خاطر، فانقلب إلى بلاده فرحاً مسروراً، وجعل كلّما مرَّ بحيٍّ من العرب في طريق عودته أطلعهم على الكتاب، وأخذ من أشرافهم إيلافاً ـ أي أمان طريق ـ ينهجون به نهج قيصر في تأمين تجارة قريش عند مرورها بأحيائهم في مقابل أن تحمل قريش إليهم البضائع في ذهابها وإيابها فتكفيهم مؤونة حملها والانتقال بها أو إليها، كما يؤدّون إليهم رؤوس أموالهم مع أرباحها.
وهكذا عاد قومه بأعظم انفتاح اقتصادي كانت آثاره، فيما بعد، بعيدة المدى فيهم ولهم. ولم يقف عند هذا الحد، بل خرج على رأس أوّل قافلة تجارية لقريش اتّجهت إلى الشام، ليجوز كلّ مراحل طريقها، ويوفِّيها إيلافها الذي أخذه من زعماء الأحياء القريبة وأشرافها على مراحل الطريق، حتّى أوردها بلاد الشام وقُراها. هكذا تكرّرت قوافل التجارة بين قريش إلى الشام شمالاً كلّ صيف، ثمّ لم تلبث أن فعلت مثل ذلك، وبنفس الأسلوب بالنسبة لليمن جنوباً كلّ شتاء، فاتَّسعت أرزاقها، وعمَّها الرخاء بعد أن أمَّنت طريق تجارتها بفضل هاشم وتخطيطه الحكيم وتنفيذه السليم، وهو ما سجّله الله تعالى في القرآن الكريم، ومنَّ به على قريش، إذ يقول جلّ ذكرهُ: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}([127]).
2 ـ إعادة حفر زمزم:
ومن حديث ذلك أنّه أتى على زمزم حين من الدهر أُهملت فيه، حتى طُمرت وضاعت معالمُها. ولكن الحُجَّاج أخذوا يتزايدون، فضلاً عن تزايد القرشيين أنفسهم، ومن ثمّ فالحاجة إلى الماء تتزايد يوماً بعد يوم، ومؤونة توفير الحاجة منه تزداد من وقت لآخر، بعد أن كلَّت مواردها المتاحة عن الوفاء بتلك الحاجة، وأمام هذا المناخ من الحاجة المُلِحَّة إلى الماء هُدِيَ عبد المطلب إلى أن يعيد حفر زمزم من جديد لتُحَقِّقَ مورداً قريباً وثرًّا للمياه. ولكن كيف السبيل إلى تحديد موقعها، وقد ضاعت معالمُه، واندرست دلائلُه؟ فتدارس الأمر مع ابنه الحارث، واجتهدا في تحديد الموقع، والاستدلال عليه، حتّى اهتديا ـ بفضل من الله تعالى ـ إليه، فأعادا حفرها، ليتفجر الماء منها من جديد، غزيراً بكميات كانت ـ ولا تزال ـ بحيث تكفي حاجة أهل مكة، وتسقي جميع الحجيج، مهما عبُّوا منها أو أسْرَفُوا في ذلك منها، لا ينضب لها ماء، ولا يبخل، أمام أيّة أعدادٍ من الواردين إليها، استقاءً أو تبرّكاً.
3 ـ حلف الفضول:
ومن حديثه أنّ غريباً من غير أهل مكة، اغتاله بعض القرشيين الجفاة في ثمن سلعةٍ له، فعلا جبل أبي قبيس رافعاً صوته، ليُسْمِعَ أشراف قريش في أنديتهم، عسى أن يهبَّ ذو مروءة منهم، قائلاً:
يالَلرجال لِمظلومٍ بضاعتُه
ببطن مكة، نائي الحيِّ والنفَرِ
ومحرم أشعث لم يقض عمرته
يا أهل فهرٍ وبين الحِجْر والحَجَرِ
هل منصفٌ من بني سهم فمرتجعٌ
ما غيَّبوا، أم حلالٌ حالُ معتمرِ؟
فلمّا سمع ذلك الزبير بن عبد المطلب (عمّ النبي) نهض، وقد أخذته النخوة الهاشمية، فأقسم ليعقدنَّ حلفاً بينه وبين بطون قريش، يمنعون، بمقتضاه، القوي من ظلم الضعيف، والغريب من عسف القاطن، ثمّ أنشد:
حلفتُ لنَعقدنّ حلفاً عليهم
وإن كنّا جميعاً أهل دارِ
نُسمِّيه الفضولَ إذا عقدنا
يُعَزُّ به القريبُ لدى الجوارِ
ولقد استجاب له في عقد هذا الحلف بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تيم بن مرة، حيث اجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان، في شهرٍ حرام، وتعاقدوا ليكونُنَّ مع المظلوم حتّى يؤدَّى إليه حقّه، وكان رسول الله من بين من شهدوا هذا الحلف يوم عُقِد، ولم يكن قد أُرْسِل بعدُ، ولكنّه ظلَّ معجباً به وبفكرته حتّى بعد الرسالة، وعبَّر عن ذلك بقوله: «لقد شهدت بدار عبدالله بن جدعان حلفاً، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعي به في الإسلام لأجبت»([128]).
فَلِلّهِ دَرُّ بني هاشم، ماجداً عن ماجد، تتوالى أفضالهم وصِلاتهم لقومهم، وحرمهم، وضيوف بيت الله، والغرباء عن ديارهم، فلقد كانوا قادةً بَررةً، ورادةً فضلاء، ورؤساء كُرماء عظماء، وليس عجباً أن يكونوا كذلك وهم «من المصطفَين الأخيار» كما سيأتي بيانه.
2 ـ فيما بعد الإسلام:
(أ) كانت هذه الأسرة الكريمة ـ بسمعتها الطيبة، ومكانتها الرفيعة، ومآثرها الجليلة بين العرب من أكبر عوامل التأثير المعنوي في احترام الدعوة الإسلامية لدى العرب، الذين كان للحسب والنسب، في موازين تقديرهم، أكبر الأثر في ترجيح الرجال، وتقدير الأقوال. ومن هنا ندرك بعض ما يشع به قول الله تعالى لنبيِّه (صلّى الله عليه وآله): {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}.
(ب) كانت هذه الأسرة ـ بنصرتها للنبيِّ، وحمايتها له من أوّل أمره، وحتّى نهاية عمره ـ أقوى عامل لأن تأخذ الدعوة الإسلامية مجراها إلى الوجود فالنمو، فالانتشار، فالانتصار، بين صخور التقاليد والعقائد والعادات والأوهام والعصبيات الجاهلية المعاكسة.
(جـ) كانَت هذه الأسرة ـ بجهاد أشاوسها وصناديدها، مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، في كلّ غزواته، وتضحياتهم واستشهادهم في سبيل نصرة دعوته ـ صاحبة القدح المعلَّى في حسم المواقف، وترجيح كفّة المسلمين نحو النصر والغلبة على أعداء الله وأعداء رسوله، حتّى «جاء نصر الله والفتح» ودخل الناس في دين الله «أفواجاً». ولنذكر هنا، في هذا المقام، ما سبق أن أشرنا إليه من أنّه كان منهم:
1 ـ أوّل أمير لأوّل سرية كلَّفها رسول الله بأوّل ممارسة ومحاولة لمناوأة قريش ومشركيها.
2 ـ أوّل مبارزين في أوّل معركة فاصلة وحاسمة بين الإسلام والشِّرك، في بدر، فأطاحوا بسيوفهم البتارة، كلَّ من تصدَّى لمبارزتهم من صناديد قريش، وزعماء الكفر فيها.
3 ـ من لقب بأنّه:
(أ) لا فتى إلاّ علي، يقصد علي بن أبي طالب (عليه السلام).
(ب) سيّد الشهداء، حمزة بن عبد المطلب.
(جـ) ذو الجناحَين الطيار في الجنة، جعفر بن أبي طالب.
(د) سيِّدا شباب أهل الجنة في الجنة، الحسن والحسين (عليهم السلام).
ثانياً: خصوصية بني هاشم ودورهم بالنسبة للإسلام، ونبيِّ الإسلام
هؤلاء هم بنو هاشم. ومن ثمّ فلا عجب أن نستمع إلى رسول الله يحدّث عنهم، بأنّهم كانوا ذروة حلقات الاصطفاء الرباني لدينه، تلك الحلقة التي كان هو أصفى عناصر اصطفائها، فكان ـ بذلك ـ النبي الخاتم، المبعوث رحمة للعالمين، وذلك إذ يقول (صلّى الله عليه وآله) فيما يرويه أبو عمار، واثلة بن الأسقع أنّ النبيَّ قال: «إنّ الله عزَّ وجلَّ، اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»([129]).
فما هو الاصطفاء الرباني للدين؟ وما الداعي إليه؟ وما هي تطبيقاته في مسيرة البشرية من لدن آدم (عليهم السلام) ـ جيلاً بعد جيل ـ إلى أن وصل إلى رسول الله؟
1 ـ معنى الاصطفاء الرباني للدين وسببه.
بالرجوع إلى كتب اللغة لمعرفة معنى كلمة «الاصطفاء» نجدها تدور حول ما جاء من ذلك في باب الفاء فصل الصاد في القاموس المحيط، حيث يقول: «الصفو: نقيض الكدر… وصفوة الشيء… ما صفا منه… وصفا الجو لم يكن فيه لطخة غيم… واستصفاه: أخذ منه صفوه. واختاره: كاصطفاه… وصافاه: صدقه الإخاء كأصفاه. والصفيُّ: الحبيبُ الصافي… وخالص كلّ شيء…».
وإذا كان من المسلّم به، أنّ الغرض من «الاصطفاء»، في الحديث النبويّ المذكور هنا، إنّما هو للقيام بشؤون دين الله، فإنّ هذا يقتضي من الحكيم العليم أن يختار له من هو له أهل، بما تعنيه كلمة الأهلية من أبعاد تشمل كلّ ما يتّصل بالمختار من ثنائي المظهر والمخبر، والقول والعمل. وهذا هو الذي كان من الله تعالى بالنسبة لجميع من اصطفاهم للقيام بشؤون دينه {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}، بل كان سبحانه وتعالى يتولَّى بنفسه تصفيتهم من جميع الشوائب التي تلحق بالآخرين، وتنزل بهم عن هذا المستوى، وينزِّههم عن نقائصهم، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}([130]) «أدَّبني ربّي فأحسن تأديبي».
2 ـ تطبيقات الاصطفاء الرباني للدين في السيرة البشرية.
تكفلت النصوص ـ كتاباً وسنّة ـ ببيان تطبيقات الاصطفاء الرباني للدين في المسيرة البشرية ـ من لدن آدم (عليه السلام) حتّى نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله) ـ على النحو التالي:
أوّلاً: في القرآن الكريم:
1 ـ قول الله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}([131]).
2 ـ قول الله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}([132]).
فهو سبحانه وتعالى يرفع بعض عباده على بعض آخر منهم درجاتٍ، ويفضِّل بعضهم على بعض لحكمةٍ يَعلمها.
3 ـ وقوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي([133]) مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}([134]).
فهو سبحانه وتعالى يخبرنا بأنّه ينتقي من بين الملائكة ومن بين الناس رُسُلاً يكلِّفهم بمهامّ معينة. ومن أسئلة ذلك الاصطفاء ما يشير إليه قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ…} {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ}([135]). فهاتان الآيتان تدلاَّن على أنّ إبراهيم ومن ذكر معه فيهما كانوا من الأخيار الذين اصطفاهم الله تعالى.
4 ـ وقوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}([136]).
5 ـ وقوله تعالى: {فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ}.
فهاتان الآيتان تدلاّن على أنّ قانون رفع الدرجات والتفضيل لا يقف ـ بالنسبة للأنبياء والرسل ـ عند حد رفع مكانتهم وتفضيلهم على غيرهم من البشر، وإنّما يتجاوز ذلك إلى انطباقه عليهم، أيضاً، فيما بين أنفسهم.
6 ـ وقوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ([137]) وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}([138]).
فهذه الآيات دلَّت على أنّ الأمر ـ في باب الاصطفاء والتفضيل ورفع الدرجات – قد يتناول أيضاً مع الأشخاص الذين نالهم هذا الشرف بعض آبائهم، وبعض إخوانهم وبعض ذرياتهم كذلك.
7 ـ وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ}([139]).
فهاتان الآيتان تدلاّن على أنّ «اصطفى» فيها بمعنى فضَّل، بقرينة على «العالمين». وأنّ الله سبحانه، كما فضَّل إبراهيم واصطفاه فضَّل كذلك بعض ذُريته، سواء منهم من كان معاصراً له كإسماعيل، أو جاء الدنيا بعد وفاته بقرينة «وآل عمران». فإنّهم من ذُريته وولدوا بعد وفاته، كما أنّهم لا يمثلون كلّ ذريته، وإنّما هم بعضها فقط.
8 ـ وقوله تعالى في شأن ابراهيم (ع): {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}([140]).
فهذه الآية دلَّت على أنّ الاصطفاء للنبوَّة والرسالة بالنسبة لإبراهيم لم يقف عنده فقط بل تجاوزه إلى بعض ذريته، فكان منهم فقط ـ دون غيرهم من سائر الناس ـ أنبياء ورسل مصداق قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}([141]).
9 ـ وقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}([142]).
فهذه الآية تدل على أنّ الله تعالى جعل إبراهيم إماماً للناس مع كونه نبيّاً ورسولاً ومن ثمّ فالإمامة وظيفة دينية غير النبوَّة والرسالة، يصطفي الله لها من يشاء من عباده. كما دلّت على أنّ إبراهيم دعا ربّه أن يجعل الإمامة في ذريته ـ كما جعلها فيه ـ فأجابه إلى دعائه، ولكن في نطاق «غير الظالمين» من ذريته.
10 ـ وقوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}([143]).
11 ـ وقوله تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}([144]).
فهاتان الآيتان تدلاّن على أنّ الله تعالى كلَّف إبراهيم وابنه إسماعيل ـ عليهما الصلاة والسلام ـ أن يطهِّرا بيته بمكة للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود كما دلّتا على أنّ إبراهيم أسكن إسماعيل في هذا المكان ليقوم ـ هو وذُريته من بعده ـ بحراسة هذا البيت وسدانته وتهيئته، دائماً لاستقبال «الطائفين والعاكفين والرُّكَّع السجود»، ودلَّتا كذلك على أنّ إبراهيم دعا ربّه أن يجعل «أفئدة من الناس تهوي إليهم» وأن يرزقهم من الثمرات، لأنّه أسكنهم بوادٍ غير ذي زرع، حتّى يتمكنوا من أداء هذه الوظيفة والاستمرار فيها([145]).
ثانياً: ومن السنَّة
وإذا أثبتت الآيات السابقة أنّ إبراهيم وبعض ذريته ـ ومن بينهم ولده إسماعيل ـ كانوا «من المصطفين الأخيار» كما أثبتت تلك الآيات أيضاً أنّ الله سبحانه وتعالى استجاب لإبراهيم دعوته في أن تكون «الإمامة» في «غير الظالمين» من ذُريته، فما مدى هذه الاستجابة في ذرية إبراهيم من ولده إسماعيل؟
وتتمثّل الإجابة عن ذلك، فيما يرويه واثلة بن الأسقع أنّ رسول الله قال: «إنّ الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم، واتَّخذه خليلاً، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثمّ اصطفى من ولد إسماعيل نزاراً، ثمّ اصطفى من ولد نزار مضر، ثمّ اصطفى من مضر كنانة، ثمّ اصطفى من كنانة قريشاً، ثمّ اصطفى من قريش بني هاشم، ثمّ اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب، ثمّ اصطفاني من بني عبد المطلب»([146]).
فمن هذا الحديث ـ والحديث سالف الذكر في نفس الموضوع ـ نستخلص ما يأتي:
1 ـ أنّ بني هاشم ـ بما فيهم بنو عبد المطلب ـ يمثّلون الحلقة العليا والأخيرة في سلسلة الاصطفاء الرباني لحمل أمانة دين الإسلام عندما حان زمن توجيهه مرّة أخيرة ـ بصفة مستمرة حتّى يوم القيامة ـ للناس أجمعين.
2 ـ أنّهم صاروا ـ بذلك ـ هم المؤهَّلين وحدَهم لحمل هذه الأمانة، حاضراً ومستقبلاً، ومن ثمّ كان اختيار أصفاهم ـ وهو محمد (صلّى الله عليه وآله) ـ ليكون خاتم الأنبياء وسيّد الرُّسل.
3 ـ أنّ مسؤوليتهم، بإزاء هذا الدين في مستقبله ـ بعد أن تصدّى لحمل أمانته، في حاضره، أحدهم من جهة التبليغ الكامل، والبيان التام والتطبيق الكلي على ما يجري في حياته من وقائع ـ تحتم عليهم جميعاً، بمن فهيم محمد (صلّى الله عليه وآله)، أن يحدّدوا من بينهم مَن يتصدَّى، بعده لتعميق فهم أبعاد نصوص هذا الدين وأحكامه ورعاية تطبيقه بكلّ دقة، في كلّ ما يجدُّ من أحداث، طالما أنّه لا نبيَّ بعد محمد، وأنّ حياته لن تستمر حتّى يوم القيامة([147]).
4 ـ أنّ هذا يلقي الضوء على ما يأتي من أقواله (صلّى الله عليه وآله) لهم يوم الدار:
(أ) في بداية الاجتماع: «إنّي رسول الله إليكم بخاصّة، وإلى الناس بعامة» إذ لا معنى لهذا التخصيص في الرسالة بإزائهم ـ في الوقت الذي هم فيه مخاطبون بكل محتويات رسالته للناس بعامة ـ إلاّ أن يكون بسبب أهليتهم الاصطفائية لتحمُّل أمانة هذا الدين حاضراً ومستقبلاً، ممّا يجعلهم في موقع القيادة الدينية بالنسبة لبقية الناس.
(ب) في بداية الاجتماع أيضاً: «جئتكم بخير الدنيا والآخرة»، فهم باختيار النبي محمد منهم ـ فوق ما لهم من أهلية مشاركته في تحمّل أمانة هذا الدين ـ قد استقرَّت زعامتهم في قريش، وبالتالي زعامة العرب أجمعين.
وقد كان ينافسهم فيها غيرهم من قريش، ممّا يصوّره قول أبي جعفر ـ في رواية ـ «كنّا وبني هاشم كفرسَي رِهان، نحمل إذا حملوا، ونظعن إذا ظعنوا، ونوقد إذا أوقدوا، فلمّا استوى بنا وبهم الركب، قال قائل منهم: منّا نبيٌّ، لا نرضى بذلك أن يكون في بني هاشم ولا يكون في بني مخزوم»([148]).
وفي رواية أخرى: «زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتّى إذا صرنا كفرسيَ رهان قالوا منّا نبيٌّ يوحَى إليه، والله لا نؤمن به، ولا نتبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحيٌّ كما يأتيه»([149]).
كما أنّهم ـ بكون النبوَّة منهم ـ قد صارت إليهم، فوق زعامة قريش والعرب، زعامة المسلمين.
ومن ثمّ فإذا هم أقبلوا عليه ينصرونه ويؤازرونه على أمره، فقد أضافوا إلى عز الدنيا ثواب الآخرة وأجرها، نعيماً، مقيماً وناهيك بما في ذلك ـ كما يقول الرَّسول ـ من «خير الدينا والآخرة».
(جـ) قوله ـ عقب ذلك ـ «فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر ويكون… إلخ» حيث تصدَّى لموجب أهليتهم وخصوصيتهم بالنسبة لهذا الدين، بوضعهم ـ معه ـ أمام مسؤولية تحديد من يتولَّى حمل أمانته في المستقبل، بعد وفاته. وذلك حينما عرض عليهم جميعاً فرصة أن يتقدّم أحدهم ـ على السوية بينهم جميعاً في ذلك، نتيجة لعموم ضمير الخطاب في «أيكم» ـ لهذه المهمة، انطلاقاً من المشاركة معه، منذ الآن، في أعبائها ومعاناتها، تدريباً له على كمال أدائها، ليكون ذلك تمهيداً لقيامه بها، منفرداً، فيما بعد وفاته.
(د) قوله ـ حينما تقدّم عليٌّ (عليه السلام) لقبول هذا العرض، موجِّهاً الخطاب إلى بقية الحاضرين يومئذ: «هذا أخي… إلخ» إعلاناً لهم جميعاً بأنّ التعيين الذي كان يعرضه عليهم كلّهم ـ فأحجموا عن التقدّم إليه إلاّ عليّاً ـ قد تمَّ لعليٍّ في هذا الشأن، باعتباره الوحيد من بني هاشم ـ ذوي الخصوصية المشار إليها ـ الذي تقدَّم لهذا العرض بالاستجابة، ثمّ رتَّب (صلّى الله عليه وآله) على ذلك موجَبَه بقوله (صلّى الله عليه وآله) لهم: «فاسمعوا له وأطيعوا».
الزيادة والنقصان في روايات حديث يوم الدار عند كل من الشيعة والسنّة
إذا كان «الإنذار» هو منطلق ما حدث «يوم الدار» فإنّ استعراض صيغ ما حدث يومئذ ـ بطرُقه وروايته المختلفة ـ يضعنا أمام اختلاف واضح في محتوى تلك الصيغ من رواية إلى أخرى، وذلك أنّه:
1 ـ فيما يتعلق بكون هذا الإنذار مسبوقاً بتمهيد له، نجد بعض الصيغ يتضمن ذلك دون بعضها الآخر.
2 ـ فيما يتعلق بأثر هذا الإنذار بالنسبة لجميع مَن كانوا في الدار يومئذ من جهة.
- تحديد موقف الحاضرين منه.
- قرار النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد توجيهه.
(جـ) التعليقات والتعقبات على هذا القرار.
حيث لا نجد جميع الروايات تتضمن كلّ هذه العناصر مجتمعة، فبينما بعضها خال من كلّ هذه العناصر إذ ببعضها الآخر يتضمن بعضها دون بعضها الآخر.
وحتّى تلك الروايات التي تضمنت شيئاً من تلك العناصر تختلف ـ فيما بينها ـ في نوع ومقدار ما تضمَّنته منها، بل تختلف حتّى بالنسبة لما اتَّفقت فيه منها.
والجداول المقارنة الآتية تُعطي ـ بنظرةٍ كلية وشاملة ـ صورة واضحة لكلّ ذلك:
جدول مقارن يوضح ملابسات الإنذار يوم الدار
وما تضمنته روايات حديثه من فروق ومشابهات
| الرواية | الموضوع | عند الشيعة | عند السنة | القدر المشترك بين صيغها |
| 1 ـ التمهيد للإنذار. | يوجد في بعض الروايات دون بعض. | يوجد في بعض الروايات دون بعض. | ||
| الأولى | 2 ـ صيغة التمهيد للإنذار | يا بني عبد المطلب إنّي أنا النذير لكم من الله عزَّ وجلَّ، والبشير، فأَسلموا وأَطيعوا تهتدوا… | يا بني عبد المطلب إنّي ـ والله ـ ما أعلم أنّ شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به. إنّي جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه… | |
| الثانية | لا يوجد | (أ) يا بني عبد المطلب، إنّي أنا النذير بكم من الله عزَّ وجلَّ، والبشير، فأَسلموا وأَطيعوني تهتدوا… | ||
| (ب) إنّ الله تعالى أمرني أن أدعو عشيرتي الأقربين، وأنتم عشيرتي ورهطي، وإنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ جعل له من أهله أخاً ووارثاً ووصيّاً، وخليفة في أهله. | ||||
| الثالثة | لا يوجد | يا بني عبد المطلب إنّي بعثت إليكم خاصّةً والناس عامّة، وقد رأيتم من هذا الأمر ما رأيتم. | ||
| (ب) إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ورهطي المخلصين، وأنتم عشيرتي الأقربون ورهطي المخلصون. وإنّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ جعل له من أهله أخاً ووارثاً ووصيّاً ووزيراً… | (ب) لا يوجد | |||
| الرابعة | بقية التمهيد للإنذار | مثل ما في (ب) من الثالثة بتغيير طفيف لا يغيِّر المعنى. | (جـ) لا يوجد | |
| الخامسة | (أ) يا بني عبد المطلب، إني النذير لكم من الله جلَّ وعزَّ، إني أتيتكم بما لم يأتِ به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا، وتفلحوا، وتنجحوا. إن هذه مائدة أمرني الله بها، فصنعتها لكم، كما صنع عيسى ابن مريم (عليه السلام) لقومه، فمن كفر بعد ذلك منكم، فإن الله يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، واتقوا الله، واسمعوا ما أقول لكم، واعلموا يا بني عبد المطلب، إن الله لم يبعث رسولاً إلاّ جعل له أخاً ووزيراً ووصيّاً ووارثاً من أهله، وقد جعل لي وزيراً كما جعل للأنبياء قبلي، وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل عليَّ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، ورهطك المخلصين، وقد ـ والله ـ أنبأني به ـ وسماه لي، ولكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكم، وأعرض عليكم، لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي. | (أ) قد جئتم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه. | ||
| (ب) يا بني عبد المطلب، إنّي بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامّة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم. | (ب) لا يوجد | |||
| السادسة | بقية التمهيد للإنذار | لا يوجد | يا بني عبد المطلب، إنّي جئتكم بما لم يأتِ به أحد قط، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإلى كتابه… | 1 ـ بالنسبة للتمهيد للإنذار: يا بني عبد المطلب، إنّي أنا النذير إليكم من الله عزَّ وجلَّ، والبشير، وإنّي ـ والله ـ ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، وإنّي بُعثت إليكم خاصّة، وإلى الناس عامّة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه. |
| السابعة | يا بني عبد المطلب إنّي ـ والله ـ ما أعلم أنّ شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به. إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عزَّ وجلَّ أن أدعوكم إليه. | يا بني عبد المطلب إنّ الله قد بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصّة فقال: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ}، وإنّما أدعوكم إلى كلمتَين خفيفتَين على اللسان ثقيلتَين في الميزان، شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله. | ||
| الثامنة | لا يوجد | (أ) يا بني عبد المطلب ، إنّي ـ والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه. | ||
| (ب) يا بني عبد المطلب، إنّي بُعثت إليكم بخاصّة وإلى الناس عامة. | ||||
| 3 ـ الإنذار | يوجد في جميع الروايات. | يوجد في جميع الروايات. | ||
| الأولى | 4 ـ صيغة الإنذار | من يؤاخيني ويوازرني على هذا الأمر ويكون: وليِّي، ووصيِّي من بعدي، وخليفتي في أهلي، ويقضي دَيني؟ | أيكم يوازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي، وخلفتي فيكم؟ | |
| الثانية | يكون وليِّي، ووزيري، وينجز عداتي، ويقضي دَيني؟ | (أ) مَن يؤاخيني ويوازرني ويكون: وليِّي، ووصيِّي بعدي، وخليفتي في أهلي، ويقضي دَيني؟ | ||
| الثالثة | (أ) لا يوجد | (أ) أيكم يبايعني على أن يكون: أخي، وصاحبي، ووارثي؟ | ||
| (ب) أيكم يقوم فيبايعني على أنّه: أخي، ووزيري، ووارثي، دون أهلي، ووصيِّي، وخليفتي في أهلي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي؟ | (ب) مَن يضمن عني دَيني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي؟ | |||
| (جـ) مَن يضمن عني ديني ومواعيدي، ويكون خليفتي، ويكون معي في الجة؟ | ||||
| الرابعة | مثل (ب) في الثالثة مع تغيير طفيف لا يضر المعنى. | مَن يضمن عني دَيني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ | ||
| الخامسة | بقية صيغة الإنذار | أيكم يسبق إليها على أن يؤاخيني في الله، ويوازرني في الله، عزَّ وجلّ، ومع ذلك يكون لي يداً على جميع مَن خالفني، فاتَّخذه وصيّاً، ووليّاً، ووزيراً، يؤدّي عني، ويبلِّغ رسالتي، ويقضي ديني من بعدي (مع أشياء اشترطها). | أيكم يوازرني على هذا الأمر… | 2 ـ بالنسبة للإنذار: أيكم يبايعني ويؤاخيني ويوازرني على أمري، فيكون |
| أيكم يبايعني على أن يكون: أخي، وصاحبي، ووارثي؟ | لا يوجد | |||
| (جـ) مَن يبايعني على أن يكون: أخي، وصاحبي، ووليكم بعدي؟ | ||||
| السادسة | أيكم يكون: أخي، ووارثي، ووزيري، ووليِّي، وخليفتي بعدي؟ | مَن يبايعني على أن يكون: أخي، وصاحبي، ووليكم من بعدي؟ من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني يكن: أخي، ووزيري، ووصيِّي، ووارثي، وخليفتي من بعدي؟ | ||
| السابعة | أيكم يؤمن لي، ويوازرني على أمري يكون: أخي، ووصيِّي، ووزيري، وخليفتي في أهلي من بعدي؟ | |||
| الثامنة | لا يوجد | أيكم يُنتدب أن يكون: أخي، ووزيري، ووصيِّي، وخليفتي في أمتي، ووليَّ كلِّ مؤمنٍ بعدي؟ | ||
| التاسعة | لا يوجد | (أ) أيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون: أخي، ووصيِّي، وخليفتي فيكم؟ | ||
| (ب) أيكم يبايعني على أن يكون: أخي، وصاحبي، ووارثي؟ | ||||
| (جـ) ضمن لمن يؤازره، وينصره أن يجعله: أخاه في الدِّين، ووصيَّه بعد موته، وخليفته من بعده. | ||||
| 5 ـ أثر الإنذار | يوجد في بعض الروايات دون بعض | يوجد في بعض الروايات دون بعض. | ||
| (أ) تحديد موقف الحاضرين من الإنذار. | يوجد في بعض الروايات دون بعض. | يوجد في بعض الروايات دون بعض. | ||
| الأولى | فسكت القوم، فأعادها ثلاثاً، كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول عليٌّ أنا. | فأحجم القوم جميعاً، وقلت ـ وإنّي لأَحدثهم سنّاً: وأرمضُهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبيَّ الله أكون وزيرك. | ||
| الثانية | فقام علي ـ وكان أصغرهم سنّاً، وأحمشهم ساقاً، وأقلهم مالاً ـ فقال: أنا يا رسول الله. | (أ) فسكت القوم، فأعاد لنا ثلاثاً، كلُّ ذلك يسكت القوم، ويقول عليٌّ: أنا. | ||
| (ب) فسكت القوم فقال: لَيقومن قائمكم، أو ليكون في غيركم، ثم لتندمنَّ، ثمّ أعاد الكلام ثلاث مرّات، فقام عليٌّ فبايعه وأجابه. | ||||
| الثالثة | لا يوجد | (أ) فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه ـ وكنت أصغر القوم ـ قال: فقال: اجلس، قال: ثمّ قال ثلاث مرات، كلّ ذلك أقوم إليه، فيقول لي: اجلس. | ||
| (ب) فأمسك القوم، قال: والله ليَقومن قائمكم أو ليكونَّن في غيركم، ثمّ لتندمنَّ، فقام عليٌّ ـ وهم ينظرون إليه كلهم ـ فبايعه، وأجابه إلى ما دعاه. | (ب) فقال رجل ـ لم يسمِّه شريك ـ: يا رسول الله أنت كنت تجد مَن يقوم بهذا، قال: ثمّ قال آخر: يعرض ذلك على أهل بيته، فقال عليٌّ: أنا. | |||
| الرابعة | مثل (ب) في الثالثة مع تغيير خفيف لا يغيّر المعنى. | فقال عليٌّ: أنا. | ||
| الخامسة | (أ) بقية تحديد موقف الحاضرين من الإنذار. | فسكتوا، فأعادها ثلاث مرّات، كلّ ذلك يسكتون، ويثب فيها عليٌّ فقال (صلّى الله عليه وآله): أَمَا والله لتَقومنَّ أو يكون في غيركم، وقال يحرضهم: لئلا يكون لأحد منكم، فيما بعد، حُجة، قال: فوثب علي، فقال: يا رسول الله، أنا لها. | (أ) قال علي: فقلت: أنا يا نبيَّ الله أكون وزيرك عليه.
(ب) فمددت يدي وقلت: أنا أبايعك. |
3 ـ بالنسبة لمدى استجابة الحاضرين لهذا الإنذار: فأمسكوا وأحجموا عنها جميعاً، ولم يقم إليه أحد منهم ـ بعد أن عرض ذلك عليهم، رجلاً رجلاً ـ إلاّ عليّاً، قام إليه، فقال: أنا يا رسول الله، أكون وزيرك عليه؛ فقال له: اجلس ( كرر ذلك ثلاث مرات، وكلِّهم يسكتون، ويقوم إليه عليّ حتّى إذ كانت الثالثة ضرب بيده على يده، وقال:…). |
| السادسة | فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض، وقالوا لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتُطيع. | فمددت يدي، وقلت، أنا أبايعك، وأنا يومئذ أصغر القوم. | ||
| السابعة | فأمسك القوم، وأحجموا عنها جميعاً، ثمّ قال: فقمت ـ وإنّي لأَحدثهم سنّاً، وأرمضُهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً ـ فقلت: أنا يا نبيَّ الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به. | فلم يجبه أحد منهم، فقام عليٌّ، وقال: أنا يا رسول الله، قال: اجلس، ثمّ أعاد القول على القوم ثانياً، فصمتوا فقام عليٌّ، وقال: أنا يا رسول الله فقال: اجلس ثمّ أعاد القول على القوم ثالثاً، فلم يجبه أحد منهم، فقام عليّ، فقال: أنا يا رسول الله، فقال: اجلس… | ||
| الثامنة | فسكت القوم حتّى أعادها ثلاثاً، فقال عليٌّ: أنا يا رسول الله، صلّى الله عليك. | |||
| (أ) فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت ـ وإنّي لأَحدثهم سنّاً، وأرمضُهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً ـ أنا يا نبيَّ الله أكون وزيرك. | ||||
| (ب) فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه ـ وكنت من أصغر القوم ـ فقال: اجلس، قال ذلك ثلاث مرّات، كلُّ ذلك أقوم إليه، ويقول: «اجلس» حتّى كان في الثالثة… | ||||
| (جـ) فأمسكوا كلُّهم وأجابه هو وحده. | ||||
| 5 ـ قرار النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد تحديد موقف القوم. | يوجد في بعض الروايات دون بعض. | يوجد في بعض الروايات دون بعض. | 4 ـ بالنسبة للقرار النبوي الذي صدر في المرّة الثالثة: يا بني عبد المطلب: هذا أخي، وصاحبي، ووارثي، ووصيِّي، ووليِّي، وخليفتي فيكم (أو في أهلي) من بعدي، ويقضي ديني، وينجز مواعيدي، فاسمعوا له وأطيعوا. | |
| (جـ) صيغة القرار | ||||
| الأولى
الثانية |
أنت هو: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أنت». | إنّ هذا أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم. (أ) فقال (صلّى الله عليه وآله) أنت. | ||
| (ب) فقال (صلّى الله عليه وآله) في المرة الثالثة: «أنت». | ||||
| الثالثة | (أ) لا يوجد | (أ) حتّى كان في الثالثة: فضرب بيده على يدي. فقال (صلّى الله عليه وآله): ادنُ منّي، فدنا منه، ففتح فاه، ومجّ في فيه من ريقه، وتفل بين كتفَيه وثديَيه. | ||
| (ب) فقال (صلّى الله عليه وآله): ادنُ منّي، فدنا منه، فقال: افتح فاك، فمج في فيه من ريقه، وتفل بين كتفَيه وبين ثديَيه. | ||||
| الرابعة | بقية صيغة القرار | مثل (ب) في الثالثة مع تغيير طفيف لا يغيِّر المعنى. | فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): عليٌّ يقضي ديني وينجز مواعيدي. | |
| الخامسة | (أ) فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): يا أبا الحسن: أنت لها، قُضي القضاء، وجفَّ القلم، يا علي اصطفاك الله بأوّلها، وجعلك وليَّ آخرها. | (أ) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم. | ||
| (ب) حتّى كان في الثالثة ضرب يديه على يدي. | (ب) هذا أخي، ووصيِّي، وخليفتي فيكم. | |||
| (جـ) فبايعني. | ||||
| السادسة | فأخذ يدي، ثمّ قال: إنّ هذا أخي، ووصيي، ووزيري، وخليفتي فيكم. | أنت أخي، ووزيري، ووصيِّي، ووارثي، وخليفتي من بعدي… فوضع رأسه في حجره، وتفل في فيه، وقال: اللَّهم املأ جوفه علماً، وفهماً وحكماً. | ||
| السابعة | لا يوجد | (أ) فأخذ برقبتي ثمّ قال: هذا أخي، ووصيِّي وخلفيتي فيكم. | ||
| (ب) حتّى كان في الثالثة فضرب بيده على يده. | ||||
| (جـ) هذا أخي ووصيِّي وخليفتي من بعدي. | ||||
| (د) التعليقات والتعقيبات على هذا القرار 1 ـ من النبي (صلّى الله عليه وآله). | ||||
| الأولى | لا يوجد | فاسمعوا وأطيعوا. | ||
| الثانية | مُلِئ حكماً وعلماً وفهماً. | لا يوجد | ||
| الثالثة | لا يوجد | (أ) فاسمعوا له وأطيعوا. | ||
| الرابعة | فاسمعوا له وأطيعوا. | فاسمعوا له وأطيعوا. | ||
| الخامسة | لا يوجد | يا أبا طالب اسمع الآن لابنك وأطع، فقد جعله الله من نبيِّه بمنزلة هارون من موسى. | 5 ـ بالنسبة للتعقيبات على هذا القرار فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: اسمع لابنك وأطع، فقد أُمِّر عليك. | |
| 2 ـ التعقيب من الحاضرين على القرار. | ||||
| الأولى | فقام القوم، وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أُمِّر عليك. | فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. | ||
| الثانية | لا يوجد | (أ) فقام القوم، وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أُمِّر عليك. | ||
| الثالثة | (أ) فقال أبو لهب لبئس ما حَبَوْتَ به ابن عمك، أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقاً. | (أ) فقال أبو لهب: لبئس ما حَبَوْتَ به ابن عمك أن أجابك، فملأت فاه ووجهه بزاقاً. | ||
| الرابعة | (أ) تبّاً لك يا محمد ولما جئتنا به. ألهذا دعوتنا؟ وهمّ أن يقوم مولياً. | (أ) فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. | ||
| الخامسة | فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض، وقالوا لأبي طالب: لقد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام. | لا يوجد | ||
| السادسة | فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: لقد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. | (أ) فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. | ||
| (ب) فقاموا يضحكون، ويقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أَمَّرَهُ عليك. | ||||
| 3 ـ تعقيب النبي (صلّى الله عليه وآله) على كلام أبي لهب. | ||||
| الأولى | بل ملأته علماً وحلماً وفهماً. | ملأته حكماً وعلماً. | ||
| الثانية | (أ) أما، والله لتقومنَّ أو ليكون في غيركم… لئلا يكون لأحد منكم فيما بعد حجة. | لا يوجد. | ||
| 4 ـ تعقيب أبي لهب على تعقيب النبي (صلّى الله عليه وآله). | فقال أبو لهب لأبي طالب: ليهنئك اليوم أن تدخل في دين ابن أخيك، وقد جعل ابنك مقدماً عليك. | لا يوجد |
ثانياً: القدر المشترك بين روايات الفريقين لحديث الإنذار يوم الدار
وبالنظرة الكليّة الشاملة للجداول السابقة يمكن استخلاص ما يأتي:
1 ـ أنّ مجموع روايات كلّ من الشيعة والسنّة تشتمل على قدر مشترك بينهما يتمثّل في العناصر الخمسة الآتية:
(أ) التمهيد للإنذار، بصِيَغٍ مختلفة.
(ب) الإنذار ـ بصيغ مختلفة أيضاً ـ وهو مدار الحادثة موضوع الحديث.
(جـ) مدى استجابة الحاضرين لهذا الإنذار.
(د) القرار النبوي عقب إبلاغ الإنذار بعد أن تحدَّد موقفُ جميع الحاضرين من هذا الإنذار.
(هـ) التعقيبات والتعليقات المختلفة والتي وقعت عقب كلّ من «الإنذار» و«القرار» النبويَّين.
2 ـ أنّ القدر المشترك، بين مجموع روايات الحديث، عند كلّ من الفريقَين ـ متضمناً العناصر الخمسة، مضموماً بعضها إلى بعض، على ما ذكرناه آنفاً، واستخلاصاً من سائر الروايات ـ يمكن أن يكون حديثاً متكاملاً كالآتي بعد الديباجة:
« يا بني عبد المطلب، إنّي أنا النذير إليكم من الله عزَّ وجلَّ، والبشير، وإنّي ـ والله ـ ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، وإنّي بُعثت إليكم خاصّة، وإلى الناس عامّة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه.
فأيكم يبايعني، ويؤاخذني، ويوازرني على أمري، فيكون أخي، وصاحبي، ووارثي، ووصيِّي، وخليفتي فيكم، (أو في أهلي) ووليكم من بعدي ويقضي دَيني»؟
فأمسكوا، وأحجموا عنها جميعاً، ولم يقم إليه أحد منهم ـ بعد أن عرض ذلك عليهم، رجلاً رجلاً ـ إلاّ عليّاً، قام إليه، فقال: أنا يا رسول الله… أكون وزيرك عليه؛ فقال له: اجلس (كرر ذلك ثلاث مرات، وكلّهم يسكتون، ويقوم إليه عليٌّ) حتّى إذ كانت الثالثة ضرب بيده على يده، وقال:
يا بني عبد المطلب: هذا أخي، ووصيي، ووارثي، ووصيِّي، ووليِّي، وخليفتي فيكم (أو في أهلي) من بعدي، ويقضي دَيني، وينجز مواعيدي، فاسمعوا له وأطيعوا.
فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: اسمع لابنك وأطع، فقد أُمَّر عليك.
محتوى القرار النبوي يوم الدار
وفي ضوء ما تقدّم من صياغةٍ لحديث يوم الدار بالقدر المشترك المتفّق عليه بين الشيعة والسنّة، مستخلَصاً من جميع روايتهما له نجده يتضمن أمرين:
أحدهما: عَمَلِيٌّ، ويتمثّل في كونه (صلّى الله عليه وآله) ضرب بيده على يد علي (عليه السلام) توثيقاً لقبوله تقدُّم علي (عليه السلام) في تحمّل أمانة وأعباء الإنذار الذي وجَّهه لجميع الحاضرين يومئذ فأحجموا كلُّهم عنه، ولم يتقدَّموا إليه في شأنه إلاّ عليّاً (عليه السلام).
ثانيهما: قَوْلِيٌّ ويتمثَّل في موجب هذا القبول الموثق في صورة قرار منه في هذا الشأن مكوَّناً من إعلانه للحاضرين:
1 ـ تعيين علي (عليه السلام) في جميع المناصب التي تضمنها إنذاره (صلّى الله عليه وآله) فأحجموا عن أن يتقدّموا إليه في هذا الشأن بعد أن عرضها عليهم كلّهم؛ رجلاً رجلاً، فلم يتقدَّم إليه إلاّ علي (عليه السلام) وذلك بقوله ـ مشيراً إلى عليّ (عليه السلام): هذا أخي وصاحبي، ووارثي، ووصيِّي، ووليِّي، وخليفتي فيكم من بعدي، يقضي ديني، وينجز مواعيدي.
2 ـ ترتيبه على هذا التعيين موجَبَه الشرعي حيث أمرهم أن يستمعوا إلى علي (عليه السلام) ويطيعوه ممّا لا يدع مجالاً لترجمة ذلك التعيين، أو تأويله، بغير تأمير علي (عليه السلام) من ذلك اليوم على الجميع وهو ما فهمه كلّ الحاضرين من قوله (صلّى الله عليه وآله)، هذا حيث قاموا يضحكون([150]) ويقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أُمِّر عليك.
فمن هو عليّ (عليه السلام) قبل الإسلام وبعده لنرى مدى جدارته (عليه السلام) بما تمَّ منه وله يوم الدار؟
وماذا يدل عليه دينيّاً، قرار النبيِّ في شأن علي (عليه السلام) يوم الدار، جملةً وتفصيلاً؟
أوّلاً: علي بن أبي طالب (عليه السلام) موجز تاريخي عن بعض جوانب شخصيته (عليه السلام)
أسمق فرع في الدوحة الهاشمية بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو ابن عمّه الشقيق([151])، وهو أخوه([152])، بل نفسه([153])، وهو وزيره ووصيه([154])، ثمّ هو ـ مع ذلك ـ يمتاز بأنّه، مع أخوته الأشقاء، أوّل هاشميَّين لأبَوينِ هاشميَّين([155])، ومن ثمّ كان هو، وأشقاؤه أجمع الهاشميين للسمات والصفات والميزات الهاشمية بين سائر الهاشميين… تلك السمات والصفات والميزات التي ألمحنا إلى طرف منها آنفاً: نبلاً، وشرفاً، وعزةً، وكرامةً، وفضلاً، وكرماً، وعفةً، وطهارةً، على مدى أجيالها نقلاً من الأصلاب الزكية إلى الأرحام الطاهرة.
أبواه (عليه السلام):
وإذا كنّا قد استعرضنا بعضاً من سيرة أبيه، أبي طالب ـ فيما سبق، فإنّ الأمر يقتضينا هنا، أن نذكر طرفاً من سيرة أمّه فاطمة بنت أسد، تصويراً للمناخ الأسريّ والجوّ العائلي الذي أنبته، والبيئة البيتية التي تفتحت عينه على الحياة في أرجائها.
ومن حديثها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّها:
1 ـ كانت ـ حين ضمّه زوجها أبو طالب إلى كفالته بعد وفاة جدّه عبد المطلب ـ تنافس زوجها، في الحدَب عليه، والانعطاف نحوه والرعاية له، والعناية به، بما سدَّ له فراغ فقده لأمّه ـ وهو في السادسة من عمره ـ بعد فقد الأب، وهو لمَّا يزلْ جنيناً لم يولد بعد.
2 ـ كانت تخصّه، من ذلك كلّه، بما يفوق ما تقدِّمه لأحد أبنائها.
3 ـ كانت من السابقين والسابقات إلى الإسلام في مكة، حتّى ليروى أنّه لم يسبقها إليه من النساء أحد سوى خديجة الكبرى.
4 ـ لم تطق صبراً على البقاء بمكة بعيدة عنه بعد هجرته إلى المدينة، فهاجرت إليها كي تكون على مقربة منه دائماً.
5 ـ كانت، لذلك كلّه، موضع إعزاز النبيِّ وحبِّه.
6 ـ حينما أحسّت باقتراب أجلها أوصت إليه.
7 ـ عندما وافاها أجلها شملها (صلّى الله عليه وآله) من بره بما لم يشمل به أحداً قبلها، فقد كفَّنها في قميصه وصلّى عليها، ولمّا حفر أجلاء الصحابة ـ بأمره ـ قبرها وبلغوا مكان لحدها، قام هو بحفره بيده الشريفة ثمّ اضطجع فيه داعياً لها بقوله: «اللَّهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقِّنها حجتها، ووسِّع عليها مدخلها، فإنّك أرحم الراحمين».
8 ـ وعندما استوضحه بعض الصحابة عن ذلك قائلين: يا رسول الله رأيناك صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه بأحد قبل فاطمة بنت أسد، قال: «ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت في قبرها ليخفف عنها من ضغطة القبر، لأنّها كانت أحسن خلق الله صنعاً إليَّ بعد أبي طالب»([156]).
مولده (عليه السلام) زماناً ومكاناً:
أمّا زماناً فالأرجح أنّه (عليه السلام) ولد يوم الجمعة ثالث عشر من رجب الحرام سنة ثلاثين من عام الفيل، أي قبل البعثة النبوية بعشر سنين، وقبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة.
وأمَّا مكاناً فقد كان في بيت الله الحرام، إذ كانت أمّه ـ وهي في أيام حمله الأخيرة ـ تطوف بالكعبة فأجاءها المخاض بحالة لم تقو معها على العودة إلى بيتها، فأوت إلى الكعبة تتوارى عن الأنظار حتّى وضعته في أقدس مكانٍ حيث {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا}([157]).
وفي ذلك يقول الشاعر:
ولدته في حرم الإِله وأمنِه
والبيت، حيث فناؤه، والمسجدُ
بيضاء طاهرة الثياب كريمة
طابت، وطاب وليدُها والمولدُ([158])
اسمه وتسميته (عليه السلام):
حينما ولد أسمته أمّه «حيدرة» تمشياً مع اسم أبيها: «أسد بن عبد المطلب» غير أنّ والده أبا طالب أطلق عليه اسم «عليّ». وقد عرف بهذا الاسم طول عمره (عليه السلام).
وفي هذا المجال يلاحظ:
1 ـ أنّ هذا الاسم لم يكن قد سُمِّي به ـ في العرب ـ أحد من قبل([159]).
2 ـ أنّه (عليه السلام) ـ في هذه التسمية غير المسبوقة ـ يُشبه النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) في تسميته بمحمد غير المسبوقة أيضاً في العرب([160]).
كناه وألقاه (عليه السلام):
كانت الكنية الغالبة عليه (عليه السلام) هي «أبو الحسن» ولكن ابنه الحسن، كان يكنيه ـ في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ بأبي الحسين ويدعو مع أخيه الحسين (عليه السلام)، رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأبيهما، ولم يدعوا عليّاً (عليه السلام) بأبيهما إلاّ بعد وفاة رسول الله، حيث كان يكنَّى أيضاً: بأبي الحسنين وبأبي السبطين وبأبي الريحانتين، ولكن أحبّ كناه إليه كانت: «أبا تراب» اعتزازاً بالمناسبة التي أطلقت عليه فيها فقد ذهب النبي (صلّى الله عليه وآله) يوماً إلى بيت علي (عليه السلام) فعلم من فاطمة (عليها السلام) أنّه خرج، فانطلق يبحث عنه حتّى وجده راقداً في المسجد وقد سقط رداؤه عنه، حتّى أصاب التراب جسده فجلس عند رأسه، وأخذ يمسح التراب عن ظهره ويقول له: «قم أبا تراب، قم أبا تراب»([161]).
وأمّا ألقابه (عليه السلام) فقد لقب بالمرتضى كما لقب بحيدر وبالأنزع البطين حتّى إذا جاءته الخلافة كان لقبه الذي بقي مقترناً به على طول التاريخ، منذ ذلك الوقت، إلى الآن، وإلى ما يشاء الله من زمان هو: «أمير المؤمنين»([162]). كما لقب بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بوَصيِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبالإمام.
نشأته وإسلامه (عليه السلام):
سبق أن ذكرنا ما تفرَّد (عليه السلام) به من الولادة في الكعبة المشرفة ونضيف هنا أنّ ممّا تفرَّد به أيضاً ـ دون غيره من بقية الصحابة ـ أنّه كان، منذ طفولته في كفالة النبي فنشأ وتربَّى في حجره وكنفه، ممّا هيأ له ـ حتّى من قبل بعثة النبي ـ أن ينال من رعاية النبي (صلّى الله عليه وآله) وتوجيهاته ما لم ينله غيره فنشأ متأدباً بآداب من عصمه الله وأدبه فأحسن تأديبه متخلقاً بأخلاقه الكريمة متمثلاً بصفاته العظيمة ومن ثم يمكن القول ـ دون تردد ـ إن عليّاً (عليه السلام) كان ينفرد بين السابقين الأولين إلى الاسلام، بأنّه لم تمسسه الجاهلية بأوضارها وشوائبها ورواسبها في قليل أو كثير، وأبرز أثر لذلك ـ قبل البعثة النبوية ـ أنّه لم يسجد لصنم قط، وكيف لا وقد نشأ في بيت كان على عين الله، تصنع فيه شخصية النبيّ؟ ومن ثمّ فهو بيت طهَّره الله وصانه من أرجاس الجاهلية وأدرانها، وبالتالي لم تتسرب إلى عليِّ (عليه السلام) أيّة شائبة من الجاهلية، وبخاصّة فيما يتعلق بعقيدتها في الأصنام والأوثان، فلم يطرأ عليه الشرك بالله ـ حتّى من قبل الإسلام ـ ولو بمقدار طرفة عين.
ولنستمع إليه (عليه السلام) يتحدّث عن ذلك فيقول في إحدى خطبه: «وقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا وليد يضمّني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه ويمسني جسده، ويشمني عَرفَه، وكان يمضغ الشيء ويلقمنيه. ولقد كنت أتَّبعه اتِّباع الفصيل أثر أُمِّه يرفع لي كلَّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور كلَّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوَّة([163]).
ومن هنا لم يكن عجباً أن يستجيب (عليه السلام) لدعوة الإسلام ـ فوراً ودون تردّد أو مشاورة ـ وهو لمّا يتجاوز في بعض الروايات سن العاشرة ليكون بذلك أوّل ذكر يدخل في الإسلام بعد بعثة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وثاني شخص يدخل فيه بعد خديجة أم المؤمنين (عليها السلام).
وحول هذا المعنى يقول المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد: «كادعلي يولد مسلماً بل قد ولد مسلماً على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح، لأنّه فتح عينيه على الإسلام ولم يعرف قط عبادة الأوثان»([164]). وكما يقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب: «أمّا علي ـ كرَّم الله وجهه ـ فكانت حياته في الجاهلية والإسلام على سواء لم يغيّر منه الإسلام شيئاً في ظاهر أو باطن إذ ولد مسلماً قبل الإسلام»([165]).
ومن ثمّ يتضح أنّه كان لنشأته الأثر في مبادرته إلى الدخول في الإسلام وإلى القيام بالجهاد العظيم في نشره ونصره بما لم يساوره فيه ـ فضلاً عن أن يزيد عليه ـ أحد غيره من الصحابة سواء في ذلك المهاجرون والأنصار وكذلك في تفرّده بالاستيعاب الكامل لكلّ مفاهيم القرآن الكريم ـ وهو دستور الإسلام وقوام أمره ـ مع ما يحتويه من حكم وأحكام فقد كان النبي يخصّه بكلّ ما يتّصل بالدعوة وحقائقها ويبدأُه بالعطاء المعنوي والتثقيف الفكري إذ استنفذ (عليه السلام) أسئلته ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار يفتح عينيه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الدعوة ومناهج الطريق والعمل إلى آخر يوم بل آخر نفس من حياته الشريفة([166])، ما لم يتوافر لغيره من الصحابة على الإطلاق.
وفي هذا نورد المرويَّات الآتية التي توضح ذلك كلّه أبلغ التوضيح وتؤكد غاية التأكيد فقد:
1 ـ روى الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي إسحاق: سألت قثم بن العباس: كيف ورث علي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: لأنّه كان أوّلنا به لحوقاً وأشدّنا به لزوقاً.
2 ـ وروى أبو نعيم في حليته عن ابن عباس قال: «كنّا نتحدّث أنّ النَّبي (صلّى الله عليه وآله) عهد إلى علي (عليه السلام) سبعين عهداً لم يعهدها إلى غيره».
3 ـ وروى النسائي عن الإمام (عليه السلام) أقواله:
أ ـ كنت إذا سألت رسول الله أُعطيت واذا سكتُّ ابتدأني.
ب- كان لي من رسول الله مدخلان، مدخل بالليل ومدخل بالنهار.
ج ـ كانت لي منزلة من رسول الله لم تكن لأحد من الخلائق، كنت أدخل على نبي الله فإن كان يصلي سبَّح فدخلت وإن لم يكن يصلي أذن لي فدخلت([167]).
4 ـ كما روى النسائي عن أم سلمة أنّها كانت تقول: «والذي تحلف به أم سلمة، إنّ أقرب الناس عهداً برسول الله علي، قالت: لمّا كانت غداة قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ وأظنّه كان بعثه في حاجة ـ فجعل يقول: جاء علي؟ (ثلاث مرّات) فجاء قبل طلوع الشمس، فلمّا جاء عرفنا أنّ به إليه حاجة، فخرجنا من البيت ـ وكنّا عند رسول الله يومئذ، في بيت عائشة ـ وكنت في آخر من خرج من البيت، ثمّ جلست وراء الباب، فكنت أدناهم إلى الباب، فأكبَّ عليه علي (عليه السلام)، فكان آخر الناس به عهداً فجعل يسارُّه ويناجيه»([168]).
صفاته، وطاقاته البدنية:
تعرّضت كتب كثيرة لبيان أوصافه، وطاقاته البدنية بما يمكن تلخيصه بأنّه: كان ربعةً، آدم، أصلع، أبيض شعر الرأس، أبيض شعر اللحية طويلها، ثقيل العينين عظيمهما، أدعج، أغيد، حسن الوجه، واضح البشاشة، عريض ما بين المنكبين، لمنكبيه مشاش كمشاش السبع الضاري، لا يتبيَّن عضده من ساعده، وقد أدمج إدماجاً، شثن الكفين، ضخم عضلة الساق والذراع، دقيق مستدقهما، عظيم البطن، مكين البنيان، ذا قوّة جسدية بالغة([169]). ومن دلائل ذلك على سبيل المثال:
- ـ يوم خيبر:
(أ) حمل باباً عبر عليه المسلمون إلى الحصن ففتحوه ولم يحمل هذا الباب، يومئذ، بعد ذلك، إلا أربعون رجلاً.
ب) تترس بباب آخر، ولم يزل يقاتل به حتّى فتح الله بالنصر على المسلمين، فألقاه أرضاً ولم يتمكن بعد ذلك إلاّ ثمانية من الرجال أن يقلبوه على وجهه الآخر.
2 ـ يوم فتح مكة:
اقتلع صنم «هبل» ـ على ضخامته ـ من أعلى الكعبة، وألقاه على الأرض.
3 ـ أيام خلافته:
اقتلع صخرة من موقعها ـ بعد أن عجز جيشه عن ذلك ـ فتفجر الماء من تحتها، فشرب الجميع، وملؤوا أوعيتهم.
صفاته وطاقاته الخلقية والمعنوية:
وفي هذا المجال تأخذ الإنسان الحيرة حين يجد نفسه أمام بحر لا ساحل له من الشمائل والمكارم والمحامد والفضائل والمزايا، التي أصبح كلّ منها، فيما يتصل به (عليه السلام) أضوأ من الشمس في رائعة النهار بالرغم ممّا أجهدت به نفسها سياسة الملك العضوض، التي سيطرت على الدولة الإسلامية فيما بعد استشهاده (عليه السلام) في محاربة سماته وخصائصه المعنوية، لدرجة أن بلغ إرهابها في ذلك حدّاً جعل محبيه لا يجرؤون على مجرد ذكر اسمه، حتّى لا يصيبهم من بطش الحكام، لهذا السبب، ما لا قبل لأحدٍ باحتماله، فكيف بذكر فضائله وشمائله ومزاياه على غيره؟ ولعل في الخبرين الآتيين ما يعطي صورة لما يجري في هذا الخصوص:
1 ـ جاء في روضات الجنات:
«سئل أيضاً ـ يريد الخليل بن أحمد ـ ما هو الدليل على أنّ عليّاً إمام الكُل في الكُلّ؟ فقال: احتياج الكُلّ إليه وغناه عن الكُلّ»([170]).
ثمّ استطرد فقال: «وفي كشف الغمّة ـ نقلاً عن محمد بن سلام الجمحي عن يونس بن حبيب العثماني النحوي، أحد تلامذة الخليل بن أحمد، قال: قلت له: أريد أن أسألك مسألة فتكتمها عليَّ؟ فقال: قولك يدل على أنّ الجواب أغلظ من السؤال، فتكتمه أنت أيضاً؟ قلت: نعم، أيام حياتك، قال: سَلْ، فقلت: ما بال أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) كأنّهم كلهم بنو أم واحدة، وعلي ابن أبي طالب، كأنّه ابن عَلة([171])؟ فقال: من أين لك السؤال؟ قلت: وعدتني الجواب، فقال: وقد ضمنت لي الكتمان، فقلت: أيام حياتك، فقال: إنّ عليّاً تقدّمهم إسلاماً، وفاقهم علماً، وبزَّهم شرفاً، ورجحهم زهداً وطالهم جهاداً، والناس إلى أشكالهم وأشباههم أَمْيَلُ منهم إلى مَن بَانَ منهم وَفَاقَهم»([172]).
ولا شكّ أنّ هذا الموقف من الخليل بن أحمد يذكرنا بموقف الحسن البصري الذي كان لا يستطيع أن يذكر اسم الإمام (عليه السلام) في إسناده للحديث النبويَّ، خوفاً من السلطة الزمنية، التي كانت تبطش بكلّ من يذكر الاسم، كما يبدو من الخبر الآتي:
قال يونس بن عبيد:
«سألت الحسن: قلت: يا أبا سعيد إنّك تقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وإنّك لم تدركه، فقال: يا ابن أخي، لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك منّي ما أخبرتك، إنّي في زمان كما ترى. كلّ شيء سمعتني أقوله: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهو عن علي ابن أبي طالب، غير أنّي في زمان لا أستطيع أن أذكر عليّاً»([173]).
وإذا كان الحسن البصري يعيش في زمن الحجاج، أحد ولاة بني أمية، والخليل بن أحمد كان يعيش في عصر العباسيين فللقارئ أن يستخلص ما شاء من عوامل الضغط المستمرة التي كانت تحارب حتّى مجرد ذكر اسم الإمام علي (عليه السلام)، فما الحال بفضائله ومآثره، ومزاياه، بل وخصائصه؟
هذا بينما كان الإاراء ـ كلّ الإغراء ـ بالمناصب والعطايا وقضاء الحاجات والحظوة في كلّ ذلك كان متاحاً لكلّ من ضعفت نفسه، فشرى الدنيا بالآخرة، ليتقول في شأن الإمام، وأهل البيت من بعده (عليهم السلام) ما يرضي السلطة، ويساعد على التغرير بالعوام والدهماء دعماً لباطل السلطة في مواجهة الحق المغتصب لآل البيت (عليهم السلام).
ومع كلّ ذلك فقد وصل إلينا من هذا الفيض العميم من نعم الله تعالى على هذا الإمام العظيم، ما لم يتوافر لأحد غيره من السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار على حد سواء. ومن ذلك.
بعض خصائصه (عليه السلام):
1 ـ إنّ آباءه (عليهم السلام) هم آباء رسول الله فهو ابن العم الشقيق لرسول الله ممّا لم يتحقق لأحد غيره من الصحابة كلِّهم عدا من أسلم من أبناء أبي طالب.
2 ـ أنّه (عليه السلام) كان أوّل ذَكَر يدخل الإسلام بعد بعثة النبي ولم يسبقه إليه في ذلك إلاّ خديجة أم المؤمنين زوج النبي (صلّى الله عليه وآله).
3 ـ أنّه (عليه السلام) كان أسبق المؤمنين ـ عدا خديجة ـ لعبادة الله إيماناً به، وتوحيداً له، بينما كان بقية المسلمين، فيما بعد، من الصحابة لا يزالون يعكفون على عبادة الأصنام، ويلوذون بها، يقدسونها، ويدعونها أرباباً من دون الله!!.
4 ـ أنّه (عليه السلام) تقدّم بثبات ويقين ليفديَ النبيَّ فينام في فراشه، ويتغطّى ببرده ليلة الهجرة، وهو يعلم أنّ فتياناً من قبائل العرب يحيطون بالبيت، ليضربوه، معاً ضربة رجل واحد، يتفرّق بها دمه، في تلك القبائل كلّها، فلا يقوى بنو هاشم على محاربة العرب أجمعين، فيضيع دمه هدراً.
5 ـ قام (عليه السلام) دون غيره ـ بتكليف من النبي ـ برد الأمانات التي كانت مودعةً لدى النبي (صلّى الله عليه وآله) من ساكني مكة، أصليين منها أو غرباء عنها.
6 ـ آثره رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بتزويجه (عليه السلام) من بنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) بعد أن تقدّم إليه كثير من وجوه الصحابة، يطلبون زواجها.
7 ـ كان من صلبه (عليه السلام) ذرِّية رسول الله ممّا يعبِّر عنه بقوله ـ فيما يرويه جابر عن ابن عباس ـ «إنّ الله تعالى جعل ذرية كلّ نبيٍّ في صُلبه، وجعل ذريتي في صلب علي من فاطمة»، وهو شرف دونه أي شرف ـ على طول الحياة وعرضها لم يظفر به أحد سوى علي (عليه السلام).
8 ـ كان إبناه، الحسن والحسين (عليهم السلام) «سيدي شباب أهل الجنة في الجنة» كما أخبر بذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
9 ـ كان (عليه السلام) أخاً للنبيِّ بالمؤاخاة، قبل الهجرة وبعدها، ممّا لم يحدث مثله، جملةً وآحاداً لغيره من بقية الصحابة أجمعين.
10 ـ نزل في شأنه (عليه السلام) من القرآن الكريم آيات بلغت، في عددها، كما يقول الرواة عن ابن عباس، ثلاثمائة آية.
11 ـ ورد بتصديقه القرآن الكريم، فقد روى عن السدي([174]) قوله «افتخر عباس بالسقاية وشيبة بالعمارة وعليَّ بالإسلام والجهاد»، فصدَّق الله عليّاً، حيث قال: «أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخرة وجاهد في سبيل الله»([175]).
12 ـ عمل بآية من كتاب الله لم يعمل بها أحد سواه ولا يعمل بها أحد غيره من بعده، وفي هذا الصدد نورد ما يلي:
أ ـ روى القشيري عنه (عليه السلام) قوله: «في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}([176])، كان لي دينار فبعتُه، فكنتُ إذا ناجيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) تصدَّقت بدرهم حتّى نفد، فنُسخت بالآية الأخرى {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ}»؟([177]).
ب ـ رُوي عن مجاهد أنّه قال: «نُهوا عن النجوى حتّى يتصدّقوا فلم يناجه إلاّ علي بن أبي طالب تصدق بدينار وناجاه ثم نزلت الرخصة».
جـ ـ رُوي عن ابن عمر قولُه: «لقد كان لعليٍّ ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إليَّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى».
13 ـ كان أحبّ الرجال إلى النبي فكما رُوي عن عائشة أنّها سئلت: أي الناس أحبّ إلى رسول الله فقالت: فاطمة، فقيل لها من الرجال؟ فقالت: زوجها.
14 ـ شهد له رسول الله بحبّه لله ورسوله وأخبر عن حب الله ورسوله له، فقد روى البخاري أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال ـ لمّا تكرّرت هزيمة من وجَّههم لفتح خيبر ـ: «لأعطينَّ الراية غداً لرجل يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فبات الناس يخوضون ليلتهم أيُّهم يعطاها، وكلٌّ منهم يرجوها، فلمّا أصبحوا سأل النبي عن عليٍّ (عليه السلام) ـ وكان أرمد ـ فمسح بريقه عينَي علي، وأعطاه الراية ففتح الله على يديه.
15 ـ قال فيه رسول الله من الأحاديث ما لا يكاد يدخل تحت حصر، وأضفى عليه من الأوصاف ما ميّزه على غيره، وأسند إليه من المهام ما قدَّمه على من سواه.
16 ـ أفردت لخصائصه وفضائله الكتب والمؤلفات على اختلاف مشارب مؤلِّفيها وبيئاتهم، بلاداً وعقيدةً بل وديناً حيث سجلوا ما خلده له التاريخ من مواقف: الإيمان والبطولة والتضحيات والمكرمات، ومعالي الصفات والأحوال والأقوال، ممّا لم يسجل التاريخ الإسلامي أنّ أحداً من السابقين الأولين وصل إلى مستواه في أي شيء من ذلك فضلاً عن أن يزيد عليه فيه، أو حتّى يساويه ومع ذلك لا تزال جوانبه (عليه السلام) كلّها في حاجة إلى دراسات كثيرة وبحوث مستفيضة، تستقصي زوايا تلك الجوانب وتستوعب مواهبها كي تبدو هذه الشخصية الفذّة في كلّ خصائصها قريبة من حقيقتها الحافلة بالمزايا والفضائل، والأخاذة بكلّ ما صدر عنها من جلائل الأعمال وصادق الأقوال وبخاصّة إذا عرفنا أنّ التاريخ لم يعرف رجلاً سواه أطبق محبوه وشانئوه فيما مضى على كتمان كلّ ما يتصل بهذه الحقيقة وفضائلها وخصائصها خوفاً من المحبين أن ينالهم رهق الحاكمين واضطهادهم وبغضاً من الشانئين أن ينطقوا بالحق المبين، فيخسروا به دنياهم بعد أن خسروا فيه آخرتهم، وإذا به يخرج من بين هذين ما ملأت فضائله ومكارمه به ما بين الخافقين عملاقاً شامخاً يضرب في سماوات الرفعة والشرف والكرامة وتشرئب إليه أعناق الهمم وترنو إليه أبصار الأمم، يملأ الأحاسيس والمشاعر ويحيا في العواطف والضمائر ويتردّد ذكره على ألسنة الجميع؛ أنشودة للإنسانية الرفيعة على مرِّ السنين كما لم يعرف التاريخ رجلاً غيره تجمّعت حوله الفرق والمذاهب الإسلامية كلّها تدَّعي الانتماء إليه، والاغتراف من معينه، والأخذ عنه وتنسب إليه الحكم الفرائد والأمثال القلائد والمواعظ الحسان، والخطب البليغة والرسائل الباقية على الزمان، توجّه إلى الخير العام، وتدعو إلى الانضباط والانتظام، ومن ثمّ لم يكن عجيباً أن تنتهي إليه (عليه السلام) كلّ فضيلة وتدَّعي الانتماء إليه، وتأخذ عنه كلّ فرقة وطائفة، كما لم يكن عجيباً كذلك أن تضاف إليه كلّ فروع العلوم الإسلامية منقولها ومعقولها حتّى لا يكاد فرع من هذه الفروع يُذكر إلا ويُشار إليه أنّه (عليه السلام) واضع بذرته ومؤسس منهجه منذ بدايته، وبالتالي لا يدهش المرء حين يجد أنّ الشيعة ليس لهم ـ في الإمام (عليه السلام) ـ أكثر ممّا لباقي المذاهب الإسلامية الأخرى تتبعاً لسيرته واستقصاء لفضائله، وتسجيلاً لمواقفه وتخليداً لمآثره ومواهبه والطواف حول كلّ ما صدر عنه، أو ورد عليه، أو توجه إليه، حتّى كانت أمهات المصادر وأرقى البحوث حول ذلك منه (عليه السلام) صادرة من غيرهم لا منهم وحدهم بل إنّ معظم ما يعتمدون عليه في إثبات حقّهم ـ حين يعتصمون بمنهجه ويدينون بمذهبه ـ إنّما هو من تأليف إخوانهم السنّة أو المعتزلة… إلخ، ممّن بذلوا أقصى الجهد في البحوث والدراسات والمؤلفات استقصاء لفضائل الإمام علي (عليه السلام) وتعداداً لمزاياه الكريمة حيث كانت هذه التآليف العظيمة هي العمدة عند الشيعة وملاذهم الذي يصدرون عنه، ويستندون إليه كلّما أعوزهم المرجع المهم، أو احتاجوا إلى الدليل الحاسم. وما أجدر تلك الكتب القيِّمة بأن تقوم بما يكشف سموَّ الإمام (عليه السلام)، بل وإعجازه في سموِّه على كلّ مقام، خلا رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة وأتمّ السلام.
ولنعرض هنا طرفاً عن بعض مواهبه وأحواله وصفاته الفذّة الفريدة في باب كلّ منها، وذلك كالآتي:
علمه:
لم يكن تفوّق الإمام (عليه السلام) في عالميَّته بين الصحابة محلَّ نزاع فيرى الكثيرون أنّه (عليه السلام) كان ـ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ رأس العلوم والمعارف جميعها منه تصدر؛ وإليه تنتهي في جميع مذاهبها ومدارسها.
وكيف لا، والرسول يقول عنه: «أنا مدينة العلم وعلي بابُها»([178]) وفي رواية «أنا دار الحكمة وعلي بابُها»([179])، كما أخبر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) عن أثر ذلك فيه (عليه السلام ـ حينما وجَّهه قاضياً إلى اليمن ـ بقوله إنّ الله سيثبت لسانك ويهدي قلبك»!([180]).
وممّا نقله مسلم عن مسروق قوله: «شاممت أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله) فوجدت علمهم ينتهي إلى ستة: علي، وعبدالله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأُبيّ بن كعب، ثمّ شاممت الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبدالله»([181]).
ومن هنا لم يكن عجيباً أنّ عمر كان يتعوَّذ من أن يكون بأرض ليس بها أبو حسن (عليه السلام) حتّى لقد قال: «لولا عليّ لَهلك عمر». ومن ثمّ كان من الأمثال التي تضرب لبلوغ قضية ما من التعقيد ما لا يقبل الحل أن يقال فيها: «قضية ولا أبا حسن لها»([182])، كناية عن أنّه ذروة العلم الذي تنتهي إليه همم العلماء وقمم الآراء.
وقد بيّن الإمام (عليه السلام) السبب في نبوغه وتفوُّقه العلمي بالنسبة لمن كانوا حوله من المسلمين الأولين من المهاجرين والأنصار ملخصاً في: قربه من النبي (صلّى الله عليه وآله) وطول صحبته، واستمرار ملازمته، ممّا أدّى به إلى أن يقف على كثير من حكم التشريع وأسراره فقد سئل مالك أكثر أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حديثاً؟ فكان جوابه: «كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت ابتدأني»([183]). كما أنّه القائل: «سلوني عن كتاب الله فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أو بنهار. وفي سهل أم في جبل»([184]). وهو القائل: «والله ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيمَ نزلت، وأين نزلت، إنّ ربي وهب لي قلباً عَقولاً ولساناً صادقاً ناطقاً»([185]) والقائل: «علمني رسول الله ألف باب من العلم فانفتح لي من كلِّ بابٍ ألفُ باب»([186]).
ولقد رُوي في مسند أحمد بن حنبل عن سعيد بن المسيب قوله: «لم يكن أحد من الصحابة يقول: «سلوني» إلاّ عليَّ.
ومن ثمّ فإذا أردنا أن نلتمس آثار الإمام في العلوم والمعارف فيكفي أن نرجع إلى ما كتبه ابن أبي الحديد في هذا المجال([187]) لنجد ما يدهش العقول ويأخذ بالألباب.
بيانه، فصاحته وبلاغته:
لا جدال في أنّ الإمام (عليه السلام) كان بعد رسول الله ـ أفصح العرب، وأبلغهم وأخطبهم وأنّه كان أنطقهم لساناً، وأوضحهم بياناً وأثبتهم في ذلك كله، جناناً.
وإن تعجب فعجب أن يتمكن الشريف الرضي من العثور على مواد هذا الكنز الذي لم يحو، قطعاً، كل ما صدر عن الإمام (عليه السلام) من درر الكلام نتيجة لعوامل كثيرة ليس أهمها فارق الزمن بين الاثنين، وإنَّما ما كانت تمارسه السلطة خلال هذا الفارق الزمني من تضييق سياسي واجتماعي ـ بكلّ ألوان التضييق ـ على كلّ من ينسب إليه تحمّل شيءٍ من آثار الإمام (عليه السلام) ووعيه في صدره، وترديده بلسانه.
وهذا الذي نقوله في مستوى كلام الإمام (عليه السلام)، هو ما يشهد به الخاص والعام، عبر قرون التاريخ الإسلامي منذ كان إلى الآن وسيظل كذلك إلى كل ما يُستقبل من الزمان، لا من ناحية اللفظ والعبارة وحدهما وإنّما من ناحية المحتوى ووضوح الدلالة عليه، حيث ترى أسلوباً فريداً يدل بوضوح على استيعاب صاحبه للقرآن الكريم، مبنىً ومعنىً وسياقاً وسباقاً، ومناسبة نزوله وأسبابه، حتّى كان نطقه في كلّ ما يصدرعنه من قول تمثيلاً صادقاً لكلّ ذلك، وتعبيراً دقيقاً عنه. ومن ثمّ جرت الحكَم، وجوامع الكَلِم على لسانه([188]) مجرى الأمثال الخالدة من نحو قوله: «المرء مخبوءٌ تحت لسانه» ـ «من لان عوده كثرت أغصانه» ـ «لا زعامة لسيئ الخلق» ـ «كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنّه يتّسع» ـ «لا يزهدنَّك في المعروف من لا يشكره» ـ «أشقى الرعاة من شقيت به رعيته» ـ «لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة من يسلكه»… وما إلى ذلك من التعبيرات التي يحار المرء في أي مزاياها أفضل صدقاً في المعنى أو بلاغة في التعبير والأداء أو جودة في الصناعة والنظم([189]). ولا يخفى أثر ذلك على الارتفاع بمستوى فَنّي الخطابة والكتابة ـ لفظاً ومحتوىً وأداءً وصياغة في اللسان العربي على مدى الأجيال وتعاقب القرون ومن ثم نورد هنا بعض أقوال أئمة الفصاحة والبلاغة الذين أفادوا من فصاحة الإمام (عليه السلام) وبلاغته وبيانه:
1 ـ يروى عن ابن عباس قوله: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ كانتفاعي بكتاب كتبه أمير المؤمنين جاء فيه: «أما بعد فإن المرء يسوؤه فوتُ ما لم يكن لِيُدركه ويسره إدراك ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكن به فرحاً وما فاتك منها فلا تأس عليه، وليكن همّك لِمَا بعد الموت، والسلام»([190])…
2 ـ يروى عن عبد الحميد بن يحيى قوله: «حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت، ثمّ فاضت»([191]).
3 ـ يروى عن ابن نباتة قوله: «حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلاّ سعةً وكثرة، حفظت مئة فصل من مواعظ عليّ بن أبي طالب»([192]).
عبادته وتقواه وخشيته لله:
ولقد بلغ في هذا المجال ما يصوِّر بعضه ضرار الصدائي في مجلس أعدى أعدائه معاوية بن أبي سفيان ـ بعد أن صارت إليه الخلافة ـ وذلك إذ يقول: «أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ـ وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وقد مثل في محرابه، قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ـ ويقول: يا دنيا غُرّي غيري، أَلِيَ تعرضت؟ أم إليَّ تشوَّقت؟ هيهات هيهات… قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير. آهِ من قلة الزاد، وبُعد السفر ووحشة الطريق»([193]).
وممّا يروى عنه (عليه السلام) في هذا المجال أيضاً أنّه كان يتهرب من الناس ليلاً ويختفي وراء الأشجار حتّى لا يراه أحد، ويقف هناك في خشوع ويئنُّ من خشية الله، قائلاً: «إلهي كم من موبقة حلمتَ عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرَّمتَ عن كشفها بكرمك، إلهي، أن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا بمؤملٍ غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك، ثم يخرّ ساجداً وهو يقول: آهِ من نارٍ تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعةٍ للشوى، آه من غمرة من لهبات لظى»([194]).
فهل ترى في العبادة والتقوى والخشية من الله ـ بعد رسول الله ـ أشد أو أروع من هذا؟
وهل إذا كنت تلتمس الأسوة الحسنة في هذا المضمار الشاق ـ بعد رسول الله ـ تجدها في غير الإمام؟
ولنستمع إلى حفيده الإمام علي زين العابدين بن الحسين (عليه السلام) ـ أعبد أهل زمانه وأتقاهم وأخشاهم لله حتّى بلغ الغاية في هذا المجال ـ يصوِّر ذلك أبلغ تصوير في إجابته لمن سأله يوماً: «أين عبادتك عند عبادة جدِّك»؟ فكان جوابه الفوري: «عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)».
نعم لقد كان أعبد الناس ـ بعد رسول الله ـ وكان أكثرهم صلاةً وصياماً وتهجداً وقياماً وملازمةً للأوراد، وبخاصّة ما كان منها في الليل، لا يصرفه عن أداء الورد في وقته صارف، مهما كان، حتّى لقد بُسِط له نِطْعٌ بين الصفين أثناء المعركة يصلي عليه، والسهام تقع بين يديه وتمرق من جانبيه، دون أن يعبأ لذلك أن يصرفه عن موافاة ربّه في الموعد الذي تعوده ولو كان ذلك أثناء المعركة واحتدام القتال.
زهده وقناعته:
لعل ما ذكرناه الآن من عبادته و تقواه وخشيته (عليه السلام) لله يشع بنظرته إلى الدنيا في عينيه، فهي لا تعدو ـ بكلّ ما فيها ـ أن تكون «متاع الغرور» تماماً كما أخبر القرآن ومن ثم كان زهده فيها، وقناعته بأقل القليل وأخشنه منها، وفي هذا تروى الغرائب والعجائب بل أن ما روي من ذلك بلغ من تكراره أنّه تشابه في كثير من جزئياته وتفصيلاته، ما يوحي بأنّه كان يمثل ما انطبع عليه الإمام (عليه السلام) في هذا المجال، حتّى صار سلوكه وديدنه العادي، ومن ذلك:
1 ـ كان وهو الخليفة الإمام، والحاكم العام لدولة الإسلام، يلبس ثوباً مرقوعاً بجلد أو ليف، حتّى لقد بلغ من ذلك حالة وصفها بقوله (عليه السلام): «والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتّى استحيت من راقعها([195]) وقال قائل: ألاَ تنبذها؟ فقلت له: اغرب عني، ففي الصباح يحمد القوم السرى»([196]).
2 ـ وكان ـ وهو أمير المؤمنين ـ يلبس الثوب وقد اشتراه بدرهمَين أو ثلاثة ثم يقول: الحمدلله الذي رزقني ما أتجمَّل به بين الناس وأواري عورتي.
3 – وكان ـ وهو الإمام الخليفة ـ يشتري القميصَين أحدهما بدرهمَين والآخر بثلاثة دراهم، فيلبس المشترى بدرهمين ويدفع الآخر لخادمه فيقول له خادمه: أنت أولى بهذا يا أمير المؤنين تصعد المنبر وتخطب في الناس فيقول له: وأنت شاب هو لك، وأنا أستحيي أن أتفضَّل عليك بعد أن سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «ألبسوهم ممّا تلبسون» غير أنّه تبيَّن بعد أن لبس القميص أن كمَّيه أطول من يدَيه (عليه السلام) فقطع الزائد ودفعه إلى خادمه ليعطيه لفقيراً ينتفع به فيقول له بائع القميص: هاتِه أخيطه لك، فيرد عليه فوراً: دعه كما هو، أن الأمر أسرع من ذلك.
نعم، أن الأمر أسرع من ذلك عند الإمام (عليه السلام)، فالحياة تمر، وهي أسرع من أن تدع له ـ في سرعتها ومرورها ـ فرصةً لأن يهتم بشكلياتها ومتعها الفانية.
4 ـ وحول هذه الواقعة يُروى أيضاً أنّه أعطى غلامه دراهم ليشتري بها ثوبَين، فلمّا أحضرهما أعطى الخادم أرقَّهما نسجاً وأغلاها قيمة واستبقى لنفسه الآخر، وقال له: «أنت أحقُّ مني بأجودهما لأنّك شابٌّ تميل نفسك للتجمُّل، أمّا أنا فقد كبرت»([197]).
5 ـ وكان ـ (عليه السلام) ـ وهو يحكم مساحة من الأرض تمثلها الآن ما لا يقل عن خمسين دولةً يتخذ نعلاً من ليف، ولو لبسه من جلد فما كان في ذلك أي حرج، ولا ما يُلفت النظر ولكنّه الغِنى عن كلّ مظاهر الحياة الدنيا هو الارتفاع عن اعراضها وعوارضها.
6 ـ يقول أحد الرواة: «كنت عند الإمام فأتت خادمته «فضة» بجراب مختوم، فأخرج خبزاً متغيراً خشناً فقلت: يا فضة، هلا نخلت هذا الدقيق وطيبته؟ فقالت كنت أفعل ذلك فنهاني، وكنت أصنع في جرابه طعاماً طيباً فختم جرابه».
ويضيف الراوي على ذلك قوله: «ثم إن أمير المؤمنين فَتَّهُ في قصعة، وصبّ عليه الماء، ثمّ ذرَّ عليه الملح، وحسر عن ذراعه وأكل، ولمّا فرغ قال لي: يا فلان، لقد خانت هذه (وأشار إلى لحِيَتِه) وخسرت هذه لو أدخلتُها النار من أجل الطعام، وهذه (مشيراً إلى القصعة) تجزيني».
6 ـ يروي قبيصة عن جابر: ما رأيت في الدنيا أزهد من علي بن أبي طالب، كان قوتُه الشعير غير المأدوم، ولم يشبع من البُرِّ ثلاثة أيام.
7 ـ ودخل عليه عبدالله بن أبي رافع يوم عيد، فقدَّم إليه غلاماه، جراباً مختوماً، فيه خبز شعير يابس مرضوض، فأكل منه فسأله ابن أبي رافع: لِمَ تختم الجراب؟ فكان جوابه الفوري: «خفت هذَين الولدَين أن يَلتَّاه بسمنٍ أو زيت».
8 ـ ودخل عليه عقبة بن علقمة فوجده يأكل لبناً حامضاً فحدّثه في مأكله وملبسه فقال له: «كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأكل من هذا، ويلبس أخشن من هذا (وأشار إلى ثيابه) فإن لم آخذ بما أخذ به، خفت ألاّ أَلْحق به»([198]).
9 ـ ويروي سويد بن علقمة أكثر من هذا فيقول: «دخلت على علي (عليه السلام) فإذا بين يديه قعب من لبن، أجد ريحه من شدّة حموضته وفي يده رغيف ترى قشر الشعير على وجهه وهو يكسره، ويستعين أحياناً بركبتيه، وإذ جاريته «فضة» قائمة على رأسه فقلت: يا فضة أما تتقون الله في هذا الشيخ؟ أَلاَ نخلتم دقيقه؟ فقالت… قد أخذ علينا أَلاَّ ننخل له دقيقاً ما صحبناه».
يقول سويد: وكان علي (عليه السلام) لا يسمع ما تقول فضة فالتفت إليها وقال لها: ما تقولين؟ فقالت له: سله، فقال لي ما قلت لها: قلت: إنّي قلت لها: لو نخلتم دقيقه، فبكى ثم قال: «بأبي أنت وأمي يا مَن لم يشبع ثلاثاً متوالية خبز بُرِّ حتى فارق الدنيا ولم ينخل دقيقه، يعني بذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله)» ([199]).
كلّ ذلك والإمام تجيء له الأموال من أطراف الدنيا فيفرِّقها بين مستحقيها حتّى آخر درهم منها، ثمّ يرش بيت المال بالماء ويصلِّي فيه ركعتين شكراً لله، وفي هذا وأمثاله تروى الأعجايب إذ كان بعيداً عن علي لو رضي أن يمد يده للأموال العامّة ويأخذ منها حاجته (كما فعل من سبقه من الخلفاء).
ولكنّه حرم على نفسه ذلك يوم بويع بالخلافة حيث قال: «ألا وأنّه ليس لي أمر دونكم، إلاّ أن مفاتيح مالكم معي. ألا إنّه ليس لي أن آخذ منه درهماً دونكم، أرضيتم؟ قالوا: نعم. قال اللَّهم اشهد»، وكما حرَّم على نفسه أن يأخذ شيئاً من المال العام، فإنّه حرَّم على نفسه أن يُبقي على شيء من ماله الخاص فينفقه كلّه في سبيل الله، وعلى الفقراء ولا يبقي لنفسه إلاّ ما دون الكفاف([200]). أمّا الأعاجيب التي كانت تُروى عنه: أو بعضُها:
1 ـ فعن الأصمعي: لما أُتي علي بالمال أقعدَ بين يدَيه الوُزَّانَ والنُّقّادَ فكوم كومةً من ذهب وكوّم كومةً من فضة وقال: يا حمراء ويا بيضاء احمرِّي وابيضِّي، وغُرِّي غيري، ثمّ أنشد:
هذا جناهُ وخسارُه فيه
إذ كال جانٍ يدُه إلى فيه([201])
2 ـ وذكر الشعبي نحو هذا فقال: «دخلت الرحبة بالكوفة، وأنا غلام في غلمان ـ فإذا أنا بعليٍّ (عليه السلام) قائم على صُبرين من ذهب وفضة ومخفقة، وهو يرطد الناس بمخفقته ثمّ يرجع إلى المال فيقسم بين الناس، حتّى لم يبق منه شيء، ثمّ انصرف ولم يحمل إلى بيته لا قليلاً ولا كثيراً، فرجعت إلى أبي، فقلت له: لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس، قال: مَن يا بني؟ فقلت له علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رأيته يصنع كذا وكذا، فبكى، ثمّ قال: بل رأيت خير الناس»([202]).
وإذا ما تساءلت عمّا وراء هذا الاخشيشان البالغ فاستمع إليه (عليه السلام) يجيبك عن ذلك بقوله: «… لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفَّى العسل ولُباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيُّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع… أو أَبيت مبْطَاناً وحولي بطون غَرْثَى وأكباد حرَّى»؟([203])
فالأمر عنده (عليه السلام) في هذا المجال لا يجوز أن يزيد فيه على أفقر الناس ومن ثم فلو كان هناك احتمال في وجود شخص واحد في الحجاز أو اليمامة لا عهد له بالشبع ولا طمع له في القرص فينبغي ألا يشبع (عليه السلام) هو أيضاً، وألا يطمع (عليه السلام) في قرصٍ كذلك.
وبالتالي فلا عجب أن تستمع إليه يقول: «أتقنع نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر، أو أكون أسوةً لهم في جشوبة العيش؟ فما خلقت ليشغلني أكل الطيب كالبَهيمة المرْبوطة همُّها علفُها».
وما أعظمه إذ يوضح ذلك لبعض جلسائه يوماً إذ يقول ما معناه: «إنّ الله أخذ العهد والميثاق على أئمة العدل أن يعيشوا كَضَعَفَة الناس حتّى لا يتبيَّغ بهم الفقر، فيضلوا ويزيغوا».
كما يقول في موطن آخر: «فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادَّخرت من غنائمها وتراً، ولا أعددت لبالي ثوبي منها طمراً. بل كانت في أيدينا فدك وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس في مظانها، في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها أو وسعت يدُ حافرها لاضغطها الحجر والمدر وسد فروجها التراب المتراكم؟!!! وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى فتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزالق»([204]).
ومن أجل أنّه (عليه السلام) كان كذلك شهد له الجميع وأقروا له بذلك، ممّا نورد هنا بعضاً منه كالآتي:
1 ـ فقد سبق أن روينا عن قبيصة عن جابر قوله: «ما رأيت في الدنيا أزهد من علي بن أبي طالب».
2 ـ ورُوي عن عمر بن عبد العزيز قوله: «ما علمنا أحداً كان في هذه الأمّة ـ بعد النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) ـ أزهد من علي بن أبي طالب».
3 ـ وأنصفه الحسن البصري بعض ما يستحق من إنصاف حينما قال فيه: «رحم الله عليّاً كان رهباني هذه الأمّة».
4 ـ وشهد له، كذلك، سفيان الثوري بقوله: «إنّ عليّاً لم يبنِ آجرةٍ ولا لبنةً على لبنة ولا قصبةً على قصبة».
وكيف كان يمكن أن يكون (عليه السلام) غير ذلك، وهو الذي اتَّخذ من منهج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الحياة طريقه الذي يسير عليه، ويقتدي به مقتفياً أثره، ومتبعاً هداه؟
ومن ثم فلا عجب أن كان يأمر غيره (عليه السلام) بأن ينهج نفس النهج فيقول: «تأسَّ بنبيِّك الأطيب الأطهر فإن فيه أسوةً لمن تأسَّى وعزاء لمن تعزَّى، وأحبُّ العباد إلى الله المتأسِّي بنبيِّه، والمقتفي أثره، قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً، أهضم أهل الدنيا كشحاً، وأخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها وعلم أن الله سبحانه وتعإلى أبغض شيئاً فأبغضه وحقَّر شيئاً فحقَّره وصغَّر شيئاً فصغَّره… ولقد كان يأكل على الأرض ويخصف بيده نعله ويرقع بيده ثوبه ويركب الحمار العادي ويردف خلفه… أعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه وأحب أن تغيب الدنيا وزينتها عن عينَيه، لكي لا يتخذ منها رياشاً ولا يعتقدها قراراً، ولا يرجو فيها اتساعاً… خرج من الدنيا خميصاً وورد الآخرة سليماً، لم يضع حجراً على حجر، حتّى مضى لسبيله وأجاب داعي ربّه([205]).
ومن هنا ندرك مغزى ما يرويه أخطب خوارزم عن عمار بن ياسر أنّه قال: «سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «يا علي أن الله زيَّنك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها، هي زينة الأبرار عند الله: الزهد في الدنيا، فجعلك لا تُرزأ من الدنيا شيئاً، ولا تُرزأ الدنيا منك شيئاً، ووهب لك حُبّ المساكين، فجعلك ترضى بهم أَتباعاً ويرضون بك إماماً»([206]).
فسلام الله عليك يا أمير المؤمنين ويا علَم الزاهدين ورائد المقتدين برسول الله (صلّى الله عليه وآله).
تواضعه (عليه السلام):
ولا شك أن مَن كان هذا زهده في الدنيا، وقناعته بأخشن عيشها لا يستغرب منه أن يكون أوّل المتواضعين بين الأحياء فيها. ولقد كان تواضعه (عليه السلام) سمةً بارزةً في سلوكه وتصرفاته في جميع أوقاته وحالاته ومن ذلك أنّه (عليه السلام):
1 ـ لم يرضَ (عليه السلام) ـ وهو الشخصية الأولى في دولة الإسلام الفسيحة الواسعة ـ أن يسكن قصر الإمارة على سعته وكثرة عدد حجراته ووفرة مرافقه وإنّما اختار لسكناه، وسكنى أولاده معه ـ على كثرتهم ـ وإدارة شؤون الدولة كلها بيتاً ضيقاً، قليل الحجرات والمرافق لا يكاد يحسب في عداد البيوت العادية. وإنّ البون الشاسع من كلّ الجوانب، بين هذا البيت العادي الذي اختاره لإقامته وإدارة شؤون الدولة، وبين قصر الإمارة الضخم الفخم، ليبدو واضحاً جليّاً بمجرد وقوع النظرة العابرة عليهما معاً فقد كانا متجاورَين؛ فالقصر ـ على ضخامته وفخامته ـ يبدو عملاقاً كحصن حصين منيع، وقصر منيف رفيع كأنّه أحد الجبارين بينما البيت يبدو بجواره ـ على تواضعه شكلاً خارجياً وأثاثاً داخلياً ـ قزماً ضئيلاً كأنّه أحد المساكين!!.
2 – وفي طريقه من المدينة إلى الكوفة صادف يهوديّاً على الطريق متجهاً إلى البصرة، فرافقه في الطريق بعد أن تعرَّف عليه وسأله عن أهله وعشيرته ومحل إقامته وعرف كلّ منهما وجهة الآخر، حتّى وصلا إلى مفترق الطرق الذي عنده يأخذ كلّ منهما طريقاً نحو وجهته خلاف طريق الآخر، ودَّعه اليهودي سالكاً طريق البصرة وإذا به يرى الإمام (عليه السلام) لا يزال يواصل السير معه في نفس الطريق فتعجَّب من ذلك وقال له: «ألم تخبرني بأنّك ذاهب إلى الكوفة وليس هذا هو الطريق الموصل إليها بل ذلك الذي يتَّجه عند المفترق إلى جهتها؟ فقال أمير المؤمنين: نعم أعرف ذلك، فقال اليهودي: وإذن فلماذا تركت طريق الكوفة وجئت طريق البصرة؟ فقال أمير المؤمنين: لم أغيِّر وجهتي إلى الكوفة، وسأعود بعد قليل إلى طريقها وإنّما أردت أن أشايعك كما علَّمنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)»([207]).
وهنا استولت الدهشة البالغة على هذا اليهودي العادي إذ يرى عليَّ بن أبي طالب، أمير المؤمنين وحاكم دولة الإسلام (أوسع الدول حينئذ حدوداً وأكثرها سكاناً وأعزّها جانباً) يشيع رجلاً من العامّة ومن غير دينه لمجرَّد أنّه رافقه الطريق بعض الوقت وأخذ بهذا الخُلق المتواضع الكريم فلم يلبث أن دخل في الإسلام، حين رأى هذا التعبير العملي عنه في خُلق أمير المؤمنين الرجل الأوّل في دولة المسلمين.
3 ـ نزل عنده ضيفان، أحدهما أبٌ للثاني، فأمر لهما بالطعام، حتّى إذا فرغا منه أمر بإحضار الطشت وإبريق الماء والمنشفة، حتّى يغسلا أيديهما بعد الطعام، ثمّ أمسك بالإبريق، ورفع الطشت ليغسل الضيف (الأب) يديه فيه من الماء، الذي سيصبه الإمام (عليه السلام)، فهاله ما يرى، ونهض واقفاً، وهو يقول، موجهاً إليه (عليه السلام): الله يراني وأنت تصب الماء على يدَي؟!! فأمسك الإمام بثوبه، وجذبه إلى الأرض، قائلاً: اجلس واغسل، فإن الله عزَّ وجلَّ يراك وأخوك ـ يعني نفسه (عليه السلام)، والذي لا يتميَّز عنك ولا يتفضَّل عليك ـ يخدمك.
وتحت ضغط الإمام وإصراره (عليه السلام) جلس الرجل محرجاً، فغسل يدَيه غسلاً متعجلاً، ونهض متظاهراً بأنّه قضى حاجته من الغسيل، ولكن الإمام الذي كان جادّاً، ومخلصاً فيما يفعل، ولا يهزل أو يرائي فيه، جذبه ثانية من ثوبه وقال له: «أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته ونحلته، وتواضعك لله، لَمّا غسلت مطئمناً، كما كنت تغسل لو كان الصابُّ على يدَيك قنبر خادم الإمام (عليه السلام). وحينئذ جلس الرجل ثانيةً، وباشر غسل يدَيه مطمئناً، كما أقسم عليه الإمام (عليه السلام).
وحينما فرغ دفع الإمام (عليه السلام) بالطشت والإبريق إلى ابنه محمد ابن الحنفية، ليتولى مهمة صبِّ الماء على يدَي الضيف (الابن)، وقال لابنه ـ كأنّه يعتذر له عن ذلك ـ «يا بنيَّ، لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببتُ على يدَيه، ولكن الله، عزَّ وجلَّ، يأبى أن يسوِّيَ بين الابن وأبيه، إذا جمعهما مكان ثمّ استطرد فقال: ولكن قد صبَّ الأب (يعني نفسه) على يدَي الأب الضيف فليصبَّ الابنُ (يعني ابنه محمد ابن الحنفية) على يد الابن الضيف».
4 ـ عندما كان يفرغ من أعمال الدولة، كان يأتي إلى السوق، فيجلس عند تمَّار على ناصية الشارع، يتحدّث معه، حتّى إذا ما ذهب التمَّار لبعض شأنه، أخذ مكانه فيتولى البيع للشارين بدلاً عنه.
5 ـ كان من شأنه أن يتمشى في الأسواق يتفقد أحوال الرعية، ليكون في حاجاتهم فيبادر إلى معاونة من يثقله حمل بضاعته فيعينه في حملها ويأخذ بيد الأعمى إلى حيث يريد، ويرشد الغريب، والضال إلى الطريق.
6 ـ كان إذا اشترى شيئاً من السوق حمله على ظهره فإذا تبادر أحد إلى حمله عنه اعتذر له عن ذلك شاكراً وهو يقول: صاحب العيال أحق بحمله.
7 ـ كان يمشي في الطريق يوماً فسمع بكاء مهيضاً ونشيجاً حزيناً حائراً، فالتفت إلى مصدره فإذا هو صوت امرأة محجبة فاقترب منها وسألها: ما يبكيك؟ فأجابته بأنّ مولاها بعثها بدرهم لتشتري به تمراً فاشترته من تمَّار وأشارت إليه فلمّا توجّهت به إلى مولاها لم يعجبه وأمرها بإرجاعه فلمّا عادت إلى التمَّار واستقالته رفض إقالتها وما تدري ماذا تصنع بين أمر مولاها ورفض التمَّار!! فهرَع الإمام (عليه السلام) إلى التمَّار وقال له في لهجة رقيقة: يا عبدالله إنّها خادمة وليس لها من أمر ردَّ عليها درهمها وخذ بضاعتك. ولكن التمَّار ـ الذي لم يتمكن أن يعرف شخصية من يكلمه لأنّه لم يره من قبل ـ لم يعره اهتماماً حتّى لم يكلف نفسه مؤونة الرد عليه بإيجاب أو سلب، وأهمله إهمالاً تامّاً فأعاد الإمام (عليه السلام) الكلام عليه ثانية فضاق به الرجل ذرعاً وقفز في وجهه، ووكزه في خاصرته (عليه السلام) ورماه بنواة تمرة وهو يقول له: لا شأن لك بذلك.
فماذا كان تصرُّف الإمام (عليه السلام)؟
هل أمر بالقبض عليه أو بادر بعقوبته لقاء جفائه وسوء معاملته؟ كلاَّ وإنّما كلّ ما فعله أنّه انتحى جانباً من الطريق على مقربة من محل التمَّار وبينما هو في مكانه كان كلّما مرَّ به أحد من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو كبار الدول وقادتها وتجارها، وقف إلى جواره لا يتجاوزه… وهكذا حتّى ازدحم الموقع بكبار الشخصيات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والتجارية.
كلّ هذا والتمَّار مشغول بتجارته يأخذ ويعطي دون أن يرى الزّحام القريب من محله، ثمذ حانت منه التفاتةٌ عابرة فرأى كبار الشخصيات وقد اصطفوا إلى جوار دكانه في أدب واحترام لذلك الرجل الذي وكزه في خاصرته منذ قليل، فسأل أحد المشترين لماذا هؤلاء جميعاً وقوفاً هكذا؟ فأجابه ـ وهو يشير إلى الإمام (عليه السلام) ـ ألا تراه ؟ قال: من؟ قال له: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. رأوه واقفاً فلم يتجاوزوه ووقفوا إلى جواره ينتظرون منه توجيهاً لما يريد في موقفه الذي لا يعرفون ماذا أوقفه فيه. فصعق التمَّار وخارت قواه وانهارت أعصابه ـ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يأتي إلى محله ويرجوه في أمر، وهو لا يكتفي بإهماله ولا برفض طلبه، وإنّما يتجاوز ذلك فيعنِّفه ينكزه في خاصرته ويرميه بنواة تمر؟!! وحار في أمره ماذا يصنع إزاء ذلك كلّه؟ وهداه تفكيره الفوري إلى أن يعالج أصل المشكلة فبحث بنظره فما حوله حتّى وقعت عيناه على المرأة تجلس في زاوية قريبة منه فردَّ عليها درهمها، ثمّ توجّه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأكبّ على قديمه باكياً وهو يقول ويكرر ـ خوفاً وفزعاً ـ ارضَ عني وسامحني يا أمير المؤمنين. وإذا بأمير المؤمنين لا يزيد على أن يقول وهو يرتحل عنه باسماً!: ما أرضاني عنك أن أصلحت أمرك.
جوده وكرمه (عليه السلام):
وكيف لا يكون جواداً كريماً أوسع ما يكون الجود والكرم وهو (عليه السلام) القائل:
1 ـ في جانب الجود:
- «لا يجتمع شحّ وإيمان في قلب واحد أبداً.
- «من أيقن بالخلف جاد بالعطية».
2 ـ وفي جانب البخل:
- «البخل عار».
- «البخل جامع لمساوئ السوء».
ج) «البخل كالخنزير لا يُنتفع به إلاّ بعد موته».
ومن ثمّ كان في الجود مثلاً أعلى يقتديه أولو الهمم كما كان في الكرم قمَّةً عُليا تشرئب إلى ذروتها أعناق أولي العزم والشمم حتّى بلغ من ذلك أن نزل ـ في الإِشادة به، في ذلك ـ قرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار على طول الزمن، ومدحه رسول الله بما تردِّده الألسنة للتذكير والعظة والاعتبار؛ تشجيعاً على التأسِّي به، حتّى يحاكيه فيه فحول الرجال سلوكاً وسيراً على نفس الدرب الذي لا يجتمع في قلب مرتاده ـ كما قال (عليه السلام) ـ الشحّ والإيمان أبداً.
وإنّ الدلائل والوقائع الثابتة عنه (عليه السلام) في هذا المجال لأكثر من أن تُحصى أو تُستقصى لأنّها كانت منهجه طول حياته المديدة المباركة ومن ذلك:
1 ـ ما يرويه عطاء عن ابن عباس ـ في أسباب نزول قول الله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}([208]) أنّه (عليه السلام) كان قد أجَّر نفسه ليسقي نخيلاً ليلة كاملةً بشيء من الشعير. فلمّا أصبح وقبض الشعير، طحن ثلثه فجعلوا منه شيئاً يقال له الخزيزة ليأكلوه. فلمّا تمَّ إنضاجه أتى مسكين إلى الباب يسأل فأخرجوا إليه كلّ ما عملوه من طعام. ثمّ عمل الثلث الثاني فلمّا تمّ إنضاجه أتى يتيم إلى الباب يسأل فأطعموه إياه، ثمّ عمل الثالث الأخير فلمّا تمّ نُضجه أتى أسير إلى الباب يسأل فأعطوه له وطووا يومهم الثالث فأنزلت فيهم هذه الآية([209]).
2 ـ وما يروى عن أبي ذر، قال صلَّيت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ يوماً من الأيام ـ الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يدَيه إلى السماء، وقال: اللَّهم اشهد، فإنّي سألت في مسجد نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله)، فلم يعطني أحد شيئاً، وكان علي (عليه السلام) راكعاً في الصلاة فأومأ إليه بخنصره اليمنى وفيه خاتم فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره وذلك بمرأى من النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو في المسجد فرفع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) طرفه إلى السماء وقال: «اللَّهم أن أخي موسى سألك» فقال: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} فأنزلت عليه قرآناً {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} اللَّهم وإنّي محمد نبيُّك وصفيُّك اللَّهم فاشرح لي صدري ويسِّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أشدد به ظهري». وقال أبو ذر: فما استتمَّ دعاءه (صلّى الله عليه وآله) حتّى نزل جبريل (عليه السلام)([210]) وقال: يا محمد اقرأ {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}([211]).
3 ـ وروى ابن عباس ومجاهد أنّه (عليه السلام) لم يكن يملك غير أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سرّاً وبدرهم علانية؛ فقال رسول الله: ما حملك على هذا؟ قال: حملني أن استوجب على الله الذي وعدني فقال رسول الله: ألا إنَّ ذلك لك، فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}([212]).
4 ـ وروى أبو سعيد الخدري قال: «كنّا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) في جنازة فلمّا وضعت قال (صلّى الله عليه وآله): «هل على صاحبكم من دَين»، قالوا: نعم درهمان فقال (صلّى الله عليه وآله) صلوا على صاحبكم فقال علي (عليه السلام): هما عَلَيَّ يا رسول الله فأنا لهما ضامن فقال رسول الله فصلَّى عليه، ثمّ أقبل على علي (عليه السلام)، فقال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وفك رهانك كما فككت رهان أخيك»([213]).
وقد شهد له بالجود والكرم أحباؤه وأعداؤه على السواء:
(أ) فهذا هو الشعبي يتحدّث عنه (عليه السلام) فيقول كان أسخى الناس. كان على الخُلق الذي يحبّ الله السخاء والجود. ما قال لا، لسائل قط».
(ب) وهذا هو معاوية بن أبي سفيان جاءه مخفق الضبِّي ينافقه لعله يجزل له العطاء فقال له: «جئتك من عند أبخل الناس علي بن أبي طالب»، فقال معاوية له: «ويحك، كيف تقول إنّه أبخل الناس، وهو الذي لو ملك بيتاً من تبرٍ وبيتاً من تبنٍ لأنفد تبره قبل تبنه»؟ والفضل ما شهدت به الأعداء.
برّه وحنانه برعيته (عليه السلام):
ويكفي لإيضاح ذلك أن نضيف إلى ما سبق مثالاً واحداً يكشف عن برّه وحنانه، بالنسبة لرعيته:
فقد خرج في ليلة شديدة البرودة يتفقد أحوال الرعية ومعه خادمه قنبر، فوصل إلى خيمة سمع منها أنين أطفال وبكاء أم، فاقترب من الخيمة وسأل المرأة ما بال الأطفال يبكون؟ فقالت: أَضَرَّ بهم الجوع والبرد ولكنّه كان يستمع إليها وهو يرى قدراً فوق نار مشتعلة في جانب من الخيمة فسألها: وماذا في القدر؟ فأجابت بأنّه ماء أخدعهم به حتّى يناموا، وحينئذ لم يملك نفسه أن أسرع ومعه خادمه إلى البيت فحمل جراباً من طحين وشيئاً من الدهن وعاد إلى الخيمة، وفي الطريق إليها حاول خادمه كثيراً أن يحمل عنه الجراب ولكنّه أبى، أليس هو القائل: «صاحب العيال أولى بحمل طعامهم»، والشعب كلُّه عياله؟
وما أن وصلا إلى الخيمة حتّى طلب من المرأة أن تستسكت الأطفال حتّى يصنع لهم الخبز بنفسه ففعلت، حتّى إذا جهَّز الطعام جمع الأطفال حوله، ثمّ أخذ بكلّ لطف ـ يضعه في أفواههم، لقمة لهذا ولقمة لذاك وهو يقول لمن يلقمه، اغفر لعلي بن أبي طالب، والأم تنظر ـ في دهشة ـ إلى هذا المجهول الذي أتى به القدَر أشد ما تكون الحاجة إلى ما يصنع، وهي تراه يلاطف أبناءها اليتامى، دون أن تعرف من هو… وبعد أن شبعوا جميعاً، بدأ يلاعبهم متصابياً لهم، ومقلداً أصوات بعض الحيوانات، حتّى أضحكهم، ثمّ خرج مطمئناً تملأ السعادة والسكينة قلبه، فقال له خادمه قنبر: يا مولاي لقد رأيت الليلة منك عجباً، إنّك أطعمت الجوعى، وهذا دأبك ماذا عن تقليدك لأصوات بعض الحيوان، فأجابه الإمام (عليه السلام): «لقد دخلنا وهم جوعى يبكون فأردت أن أخرج وهم شبعى يضحكون».
شجاعته وإقدامه وجهاده في سبيل الله:
أجمع الناس على أنّه (عليه السلام) كان ـ بعد رسول الله ـ أشجع الناس في الحروب، حتّى لقد تعجبت الملائكة من حملاته فقد كان مقداماً إذا أحجمت الأبطال، لبّاثاً إذا هجمت الملاحم، ومن ثم يُروى أن المشركين كانوا إذا أبصروه في الحرب عهد بعضهم إلى بعض، لأنّهم يوقنون بالموت فيوصي بعضهم بعضاً بعياله.
وفي جميع الغزوات التي شهدها مع رسول الله كان مضرب المثل في الشجاعة والبطولة والنيل من أعداء الله بحيث لم يصل أحد إلى مستواه في هذا المجال ـ لا كمّاً ولا كيفاً ـ فما فرَّ عند مواجهة، ولا أجفل أمام زحف، ولا نازل فارساً إلاّ صرعه، ولا بارز بطلاً إلاّ قتله أو منَّ عليه بالحياة بعد أن يتمكن منه، وبخاصّة إذا لاقاه بنبله وكرم خلقه، وعفة نفسه وبرفعها عن العورات والدنايا.
ولقد كان في جميع حروبه يندفع إلى غايته مبدياً الأعاجيب في سبيل الله، ومن وراء تحرّكه إيمانهُ القوي بالله تعإلى الذي يفرض عليه الانتصار لدينه. ومن ثمّ كان تفانيه وإخلاصه دون حد أو قيد، ممّا يشير إليه بقوله (عليه السلام): «ولقد كنّا مع رسول الله نقاتل آباءنا وأبناءنا وأعمامنا ما يزيدنا إلاّ إيماناً وتسليماً ونصباً على اللقم، وصبراً على مضض الألم وجدّاً في جهاد العدو»([214]). ولقد بلغ من ذلك حداً أن كان من يُصرع بسيفه من الأبطال والصناديد، يجد أهله العزاء في أن ذلك لم يكن إلاّ بسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ الذي وصفه الواصفون بحق بأنّه «ما علا أحداً إلاّ قده ولا اعترض أحداً إلاّ قَطَّه» ـ إذ جعلوا ذلك دليلاً على أن قتلاهم أقبلوا بشجاعة على الهلاك المحقق حين أقدموا على منازلة علي (عليه السلام) ونذكر أمثلة لذلك:
1 ـ ما حدث من أخت فارس العرب الصنديد، وبطلها الفريد، عمرو بن ودّ العامري، بعد قتله بسيف علي (عليه السلام) ـ حين تلاقيا يوم الخندق ـ وذلك إذ تقول في رثائه:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله
بكيتُه أبداً ما دمت في الأبدِ
لكنَّ قاتله من لا نظير له
وكان يدعى أبوه بيضة البلدِ
2 ـ ما حدث من هبيرة بن أبي وهب الذي كان مع عمرو بن ودِّ أثناء منازلته عليّاً (عليه السلام)، وفرَّ بعد مقتل عمرو هارباً وذلك إذ يقول في رثائه:
لعمري ما وليت ظهري محمداً
وأصحابه جبناً ولا خيفة القتلِ
ولكنّني قلَّبت أمري فلم أجد
لسيفي غناء، أن ضربت، ولا نُبلي
فلا تبعدنْ يا عمرو حيّاً وهالكاً
فقد بنتَ محمود القنا ماجد الأصلِ
فمن لطراد الخيل تقدح بالقنا
وللفخر يوماً عند قرقرة البزلِ
هنالك لو كان ابن عبد لزارها
وفرَّجها حقًّا فتًى غير ما دغلِ
فعنك عليٌّ لا أرى مثل موقفٍ
وقفت على نجد المقدَّم كالفحلِ
فما ظفرت كفاك فخراً بمثله
أمنت به ما عشت من زلة البغلِ([215])
3 ـ ما حدث من معاوية بن أبي سفيان لمّا دعاه الإمام (عليه السلام) في صفين إلى المبارزة ليستريح الناس بقتل أحدهما وقال عمر بن العاص لمعاوية لقد أنصفك، وذلك إذ يرد معاوية على عمرو فوراً بقوله: «ما غششتني منذ نصحتني إلاّ اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن، وأنت تعلم أنّه الشجاع المُطرق؟ أراك طمعتَ في إمارة الشام بعدي». نعم إنّه كان الشجاع المطرق الذي كان ـ في جميع المعارك التي خاضها تحت راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو التي قادها بنفسه ـ قوّةً لها وزنها وحسابها عند الجميع، بل لها أثرها وتأثيرها في تقرير مصير تلك المعارك، حتّى ليمكن القول بأنّ مباني الدين قد تشيّدت وقواعده قد تثبتت، ومعالمه قد تحدّدت وتركزت بسيفه وبلائه في الله لإعلاء كلمته، واندفاعه إلى ملاقاة أعداء الله بكلّ قوّته وبصيرته، لا يلوي على شيء، ولا يقف عند عائق ولا يخاف في الله لومة لائم والأمثلة على ذلك كثيرة ومثيرة، نذكر هنا طرفاً منها:
ففي بدر:
وهي تمثّل المواجهة الأولى بين الشِّرك والإسلام وأوّل لقاء حربي حاسم بين النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأعدائه من أئمة الكفر وصناديد قريش وزعمائها، الذين جاؤوا إليه بكلّ غرورهم وصَلَفهم مغترِّين بزيادة عددهم ووفرة سلاحهم وعددهم، وكثرة زادهم ومِيرتهم.
وفيها كان له القدح المعلَّى وقصب السَّبق، ويكفي لتقدير الموقف في هذه المعركة الفاصلة أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ـ وهو يضرع داعياً بالنصر ـ كان يقول ضمن من يناجي به ربَّه ويضرع إليه حنيئذ: «اللَّهم أن تَهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض».
لقد صال علي (عليه السلام) في هذه المعركة وجال، واعترض الصناديد والأبطال وفاز عليهم في كلّ نزال، حتّى ليروي أنّه ناصف([216]) الملائكة وبقية المسلمين في عدد القتلى من المشركين وقد بلغوا يومئذ سبعين قتيلاً، كان بينهم أعلام الفروسية وأشاوس الأبطال، من قادة الكفر ورُوَّاد الضلال من أمثال الوليد بن عقبة والعاص بن سعيد بن العاص (الذي أحجم كلّ مَن كان في جيش النبيِّ عن منازلته)، ونوفل بن خويلد ذلك الجاحد القاسي الذي بلغ من خطورته أن النبيَّ حينما علم بحضوره في الحرب لاذ بربَّه يدعوه بقوله: «اللَّهم اكفني نوفلاً» وأنّه (صلّى الله عليه وآله)، حينما بلغه أن عليّاً قتله استراحت نفسه وشكر ربَّه على ذلك قائلاً: «الحمدلله الذي أجاب دعوتي فيه».
وفي أحد:
كان علي (عليه السلام) جيشاً وحده، فلقد قتل يومئذ من حَمَلة لواء المشركين، وحدهم تسعة منهم، واحداً بعد الآخر وأكمل عدد قتلاه إلى ثمانية عشر قتيلاً من بين قتلى المشركين الذين بلغوا يومئذ ثمانية وعشرين قتيلاً([217]).
وحينما انهزم المسلمون ـ بعد أن أمسكوا بأعنَّة النصر ـ ثبت عليَّ (عليه السلام) إلى جوار رسول الله وقد فرَّ عنه جيش المسلمين دهشةً من مفاجأة خالد بن الوليد لهم بفرسانه من الخلْف من جهة الجبل، حتّى لقد بلغ من هول المفاجأة وما أحدثته في أنفسهم من فزع وهلع وارتباك، أن كان بعضهم لا يميز في ضربه ـ وهو يولِّي هارباً ـ فيضرب بعضهم رقاب بعض، ليخلو لهم طريق الفرار، وزاد الأمر ـ فزعاً وجزعاً ـ حتّى تجاوز حدوده، حينما انتشرت بينهم إشاعة مقتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)([218]).
كلّ ذلك وعلي (عليه السلام) ثابت إلى جواره (صلّى الله عليه وآله) على رأس قلَّة ثبتت معه ـ وفي مقدمتهم أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية ـ يدافع ويدفع عنه السهام والمحدقين به (صلّى الله عليه وآله).
ولقد كان من أثر قيامه (عليه السلام) ـ في القلَّة المشار إليها ـ حول رسول الله في هذا الموقف الصعب والمناخ الحرج ـ أن فاءَ بعض الفارِّين إلى الصواب فرجعوا إلى حيث يوجد رسول الله يحمونه بأجسادهم حتّى لَيُروَى أن جسد أبي دجانة صار كالقنفذ وهو يتلقَّى السهام عن رسول الله منحنياً عليه.
وفي الخندق:
حينما أحدق المشركون ـ من قريش وأحابيشها وأحزابها ـ بالمدينة المنوَّرة على نحو يصفه الله تعإلى ـ جملةً وتفصيلاً وآثاراً ـ بقوله جلَّ شأنه: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ أن بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ أن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ أن فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أو الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ أن أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أو أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ أن شَاءَ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أن اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)} ([219]) صدق الله العظيم.
فهذه صورة واضحة لتصنيف نفسيات الذين كانوا حول رسول الله من المسلمين بين منافق ومؤمن ومن كانوا حول المدينة من اليهود. وماذا كان موقف المنافقين من ترويج إشاعة الهزيمة، حتّى زُلزل المؤمنون، بسبب ذلك زلزالاً شديداً، وكيف بدت روح الغدر من اليهود لتمكين المشركين من دخول المدينة من جهتهم.
وفي هذا المناخ النفسي المضطرب ـ والمشركون يحيطون بالمدينة من فوقها ومن أسفل منها، وقد فوجئوا بما لا عهد لهم به في حروبهم السابقة من حفر الخندق الواسع حول الموقع المهاجم، بحيث لا يتمكن الفرد أو الفرس العادي أن يتخطاه حتّى لقد جرب بعضهم فسقط فيه ودُقَّت عنقه هالكاً إلى سقر، غير أن بعضاً من فرسانهم الأشداء على خيول مدرَّبة تمكَّنوا من القفز عليه إلى الجانب الذي في المسلمون، وكان أبرز هؤلاء عمرو بن ودّ العامري فارس العرب الفريد، وبطلهم الصنديد، الذي بلغ من ثقته بنفسه، وغروره بسمعته وتاريخه، أن أخذ يدعو المسلمين ليخرج إلى مبارزته أحدهم، فسكت الجميع، خوفاً منه ورعباً، إلاّ عليّاً بن أبي طالب، تقدَّم يستأذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الخروج إليه ولكن الرسول استنظره لينظر هو، والجميع، هل يوجد سواه يتقدَّم لملاقاة هذا الجبار العنيد، ولكن أحداً لم يتقدَّم لذلك، فأعاد عمرو نداءه ودعوته للمبارزة، ولكن القوم سكتوا أيضاً هلعاً من مجرَّد سماع صوته، وثقةً منهم جميعاً بأنّ المتقدم لمبارزته هالك لا محالة خلا عليَّ بن أبي طالب وحده، فقد كرّر الاستئذان من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الخروج إلى هذا المتجرئ على الله ورسوله، متخطياً للخندق من جهة، ومتحدياً جميع المسلمين في عقر دارهم من جهة أخرى، ولكن النبي أراد أن يرى المسلمون بعضهم بعضاً، وقد أجفلوا جميعاً عن إجابة هذا النداء في هذا الموقف الحرج، فاستنظره أيضاً، عسى أن يظهر في معسكر المسلمين بطل سواه، ولكن أحداً لم يتقدَّم لهذه المهمة الخطيرة، وهنا بلغ الصلف والغرور بعمرو بن ودّ حدّاً جعله يتطاول على المسلمين ويتحداهم بما يحرجهم في شجاعتهم وعقيدتهم وكرامتهم، فأخذ يقول: يا محمد إنّكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار، فهل من مستعجلٍ بسيفي إلى الجنة؟ ثمّ أنشد:
ولقد بُححتُ من النداء
بجمعكم: هل من مبارزْ؟
ووقفت إذ جَبُنَ المشجَّع
موقف البطل المناجزْ
إنّ السماحة والشجاعة
في الفتى خير الغرائزْ
وحينئذ لم يطق علي بن أبي طالب صبراً فتقدَّم إلى رسول الله يلحّ في الإذن له بملاقاة هذا المتحدّي دفعاً عن عرض الإسلام وسمعة المسلمين، فأذن له النبيُّ وعمَّمه بعمامته وأعطاه سيفه فانطلق إلى غايته بكلّ ثقة وثبات وشجاعة واقتدار.
ولم يفت رسول الله أن يكيِّف الموقف الحرج الذي كان عليه الإسلام والمسلمون في هذه اللحظات الدقيقة والحاسمة معاً، فقال (صلّى الله عليه وآله) ـ على مسمع من جميع المسلمين حوله: «خرج الإيمان كلُّه للكفر كلِّه» ممّا يعني أنّه لو قتل علي (عليه السلام) في هذه المواجهة لَمَا بقي في جبهة الإيمان من يمثلها التمثيل الملائم لجبهة الكفر بعد ذلك، وهذا أشبه ما يكون بتقديره (صلّى الله عليه وآله) للموقف يوم اللقاء الأوّل مع الكفار في موقعة بدر، حينما قال، يناجي ربَّه: «اللَّهم أن تَهلك هذه العصابة، فلن تُعبد في الأرض أبداً».
ومن حديث هذه المواجهة الفاصلة أن عليّاً (عليه السلام) أقبل على عدو الله عمرو بن ودّ متقلداً سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو يقول ـ ردّاً على إنشاد عمرو بن ودّ ومن نفس البحر ـ:
لا تعجلنَّ فقد أتاك
مُجيب صوتك غيرَ عاجزْ
إنّي لأرجو أن أقيم
عليك نائحة الجنائزْ
من ضربة نجلاء يبقى
ذكرُها عند الهزاهزْ([220])
وقبل أن يشهر سيفه في وجهه، حاوره، بعد أن عرّفه بنفسه، كالآتي:
علي (عليه السلام): يا عمرو، إنّك قد عاهدت الله أَلاَّ يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خصلتين إلاّ أخذت إحداهما منه.
عمرو: أجل.
علي (عليه السلام): فإنّي أدعوك إلى الإسلام([221]).
عمرو: لا حاجة لي بذلك.
علي (عليه السلام): فإنّي أدعوك إلى النزال.
عمرو: لِمَ يا بن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، ولقد كان أبوك خِلاًّ لي.
علي (عليه السلام): ولكنّي أحب أن أقتلك.
عمرو وقد أخذته الحمية: إذن فلتركبْ فرساً أو أنزل عن فرسي.
علي (عليه السلام): والله، لا نزلتَ ولا ركبتُ، ولسوف ـ مع ذلك ـ أقتلك بإذن الله.
وحينئذ لم يتمالك عمرو أن يهجم على علي (عليه السلام) يملأه الحنق، ويدفعه الغيظ، ولكن عليّاً (عليه السلام) كان متمالكاً نفسه، واثقاً من نصر الله لدينه وللمؤمنين فواجهه بخطَّتَين، متزاوجتَين، في وقت واحد، تمثِّل إحداهما: الدفاع عن نفسه في مواجهة عمرو، وتمثِّل الأخرى الهجوم في مواجهة فرس عمرو، حتّى إذا ما عَقَرَ الفرس، وأجبر عمراً على الترجل تحوَّل من أمامه إلى الهجوم عليه، وخلص كلُّ همّه لقتله وإراحة المسلمين، وغيرهم، من شروره وغروره.
وكانت بينهما جولات أثارت النقع من حولهما حتّى صعبت رؤيتهما و متابعة تطوّرات موقف كلّ منهما بالنسبة لصاحبه على كلّ من جيشي المسلمين والمشركين، فحبس الجميع أنفاسهم وأصاخوا أسماعهم يترقَّبون صيحة المنتصر، وهتافه بشعاره، فيشكر فريقه الله، ويعتزُّ به أن نُصر من يمثّله.
وما هي إلاّ لحظات مرَّت في ثقلها كأنّها الأعوام على كلا الجيشين حتّى علا صوتُ علي (عليه السلام) وهو واقف على جثة عمرو ـ يزأر بكلّ قوّة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر… وذلك بعد أن ضربه في قفاه ضربة أتت عليه، فخرّ صريعاً يتضرَّج في دمائه.
وهنا ضجّ المسلمون بالتكبيروالتهليل؛ أن صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وحقّت كلمة العذاب على الكافرين… وعمَّت الفوضى بين صفوف الأحزاب، حيث كان رد الفعل النفسي لقتل عمرو بينهم عنيفاً، فلم يكن بالفارس العادي، وإنّما كانوا يقوِّمونه بألف فارس ومن ثم فهو في تقديرهم جيش وحدَه.
وبينما هم في انهيارهم المعنوي، من مقتل عمرو، إذا بالله تعإلى يرسل عليهم ريحاً صرصراً عاتية أطاحت بخيامهم وكفأت قُدومهم وقذفت بأمتعتهم واقتلعت مرابط دوابهم فانطلقت في كلّ جهة لا تلوي على شيء، فامتلؤوا رعباً وولّوا الأدبار هاربين دون أن يجري تلاحم بين الجيشين وأجهضت خطة المشركين، ورجعوا إلى ديارهم خاسئين، بعد أن {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}([222]).
وفي تقويم ضربة عليَّ (عليه السلام) لعمرو بن ود:
1 ـ يقول الشاعر الأزري رحمه الله:
يا لها ضربة حوت مكرماتٍ
لم يزنْ ثقل أجرِها ثَقَلاها
وإلى الحشر رنَّةُ السيف منه
يملأ الخافقَين رجعُ صداها
هذه من علاة إحدى المعالي
وعلى مثلها فَقِسْ ما عداها([223])
2 ـ ويقول أبو بكر بن عياش: «ضرب عليّ ضربة ما كان في الإسلام أعزَّ منها»([224]).
3 ـ قال ربيعة السعدي: أتيت حذيفة بن اليمان، فقلت: يا أبا عبدالله إنّا لنتحدث عن عليٍّ ومناقبه فيقول أهل البصرة: إنّكم لتُفرطون في علي، فهل تحدثني؟ فقال حذيفة: والذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد (صلّى الله عليه وآله) في كفة ميزان منذ بعث الله محمداً (صلّى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة ووضع عمل علي (عليه السلام) في الكفة الأخرى لَرَجَح عملُ عليٍّ (عليه السلام) على جميع أعمالهم. فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له ولا يقعد، فقال حذيفة: يا لُكع، وكيف لا يحمل، وأين كان… جميع أصحاب النبيِّ يوم عمرو بن ود، وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا عليّاً فإنّه نزل إليه فقتله… والذي نفس حذيفة بيده لَعَمَلُه ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة».
وفي خيبر:
حيث كان الفتح فيها لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن بعث رسول الله إلى حصنها كلاًّ من الشيخَين أبي بكر وعمر على التوالي فرجع كلّ منهما، دون فتح فقال (صلّى الله عليه وآله): «لأُعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كراراً غير فرار، لا يرجع حتّى يفتح الله عليه. فبات الصحابة ليلتهم، وكل يرجوها لنفسه لما فيها من البشارة بأمور ثلاثة، كلّ منها وحده كفيل بالإغراء، وهي: ثبوت الحب المتبادل بينه وبين الله ورسوله من جهة، وضمان النصروالفتح من جهة أخرى، ومن ثم فهي بشارة دنيوية نبويَّة وأُخروية معاً… وإذا بالنبي يصبح فيعطيها عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ويأمره بأن يمضي حتّى يفتح الله عليه، فخرج بها يهرول حتّى دنا من الحصن فخرج إليه من فيه من مقاتلة اليهود فقاتلهم قتالاً شديداً، وبينما هو في المعمعة إذ أصاب رجلٌ منهم ترسة بضربةٍ أطاحت به، فإذا به يلتقف باباً كان عند الحصن فتترس به([225]) ولم يزل يقاتل وهو في يده حتّى قتل بطلهم «مرحب».
وحينئذ انهزم جيش اليهود إلى الحصن يلوذون به، وأغلقوا بابه عليهم، وكانوا ـ من قبل ـ قد حفروا حوله خندقاً يحول دون الوصول إليه، فلم يفلّ ذلك من تصميم علي (عليه السلام) على المضيِّ في قتالهم حتّى يتحقق فتح الله، كما أخبر بذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقفز إلى باب الحصن، وأخذ يعالجه حتّى اقتلعه ثمّ حمله([226]) على ظهره حتّى ألقى به على الخندق فعبر المسلمون عليه حتّى أحاطوا بالحصن من كلّ جانب، وتمكّنوا من اقتحامه ودخلوه مكبِّرين مهللين فاستسلم لهم كلّ من فيه أسرى وأصبح كلُّ ما لديهم غنيمةً للمسلمين.
وفي تصوير موقعة خيبر هذه، التي فتح الله فيها على المسلمين بقيادة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقول سلمة بن الأكوع:
«والله لقد رأيتني وإنّي لأعدو في أثر علي (عليه السلام) فما أدركته حتّى انتهى إلى الحصن يوم خيبر، فخرجت غادية اليهود، ففتحوا بابهم الذي يلي المسلمين، وكانت لهم حصون من ورائها جدر ثلاثة… عملها أكابر اليهود، ولا تطيقها الخيل، فخرجوا من حصنهم ذلك، وتلك الجدر، حتّى واجهوا المسلمين، فخرج مرحب وهو يرتجز قائلاً:
قد علمتْ خيرا أنّي مرحبُ
شاكي السلاح بطل مجرَّب
أضرب حيناً، وحيناً أضرب
ألقى إذا أشهد من يغيَّب
ومرحب هذا قتله عليّ([227]).
وفي حنين:
حين توجَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ في عشرة آلاف مقاتل، بعد فتح مكة ـ إلى هوازن وبني ثقيف، فاطمأن بعض الصحابة ـ على خلاف العادة ـ إلى هذه الكثرة وقال ـ وقد أخذت عليه كل تفكيره، ورضى نفسه: لن نُغلب اليوم عن قلة، ناسياً أن النصر من عند الله وحده، فكان من أثر قوله أن كثرتهم لم تنفعهم شيئاً، حينما فاجأهم أعداؤهم من حيث لا يتوقعون ففرُّوا جميعاً، حيث لم يبق حول النبيّ إلاّ تسعة من بني هاشم([228]) ثبتوا، يذودون عنه الخطر الذي أحدق به، ويحمونه بأنفسهم، ويقونه بصوارمهم، والعباس في مقدمتهم ينادي بأعلى صوته الجهير: إلى أين يا مسلمون([229])؟
وبينما العباس يتفقد من حول رسول الله من بني هاشم لم يجد عليّاً من بينهم، فكان منه ما يرويه المقريزي بقوله: «… أن الحارث بن نوفل يحدث عن الفضل بن العباس أنّه قال: التفت العباس يومئذ ـ وقد انقشع الناس عن بكرة أبيهم ـ فلم ير عليّاً فيمن ثبت، فقال: شوهة وبوهة أوَفي مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله وهو صاحبه فيما هو صاحبه؟ فقلت: بعض قولك لابن أخيك، أما تراه في الرهج، قال: أشعره ـ أي أذكر شعاره ـ لي يا بني، قلت: هو ذو كذا وذو كذا، قال: فما تلك البرقة؟ قلت: سيفه يرقل به بين الأقران، فقال: برٌّ ابن برٍّ نعمَّاه عمّ وخال»([230]).
ولقد قتل علي (عليه السلام) وحده في موقعة حنين، أربعين مبارزاً، كلّهم يَقُدُّه حتّى يقدَّ أنفه. وكان في مقدمة مَن قَتَل منهم أبو جرول الذي كان لمقتله الأثر الكبير في انهيار الروح المعنوية في جيش هوازن فانهزموا أمام المسلمين، الذين غنموا منهم غنائم كثيرة([231]).
وفي الجمل:
وحينما تشابكت المطامع، وسيطرت المصالح والأغراض على بعض النفوس ـ بعد البيعة للإمام (عليه السلام) بالخلافة ـ بما أعماهم وأصمَّهم عن حُكم الإسلام في صنيعهم… مستغلين مناخ حادثة مقتل عثمان المروعة التي لم تكن لتقع لو أن مستشاري عثمان وأعوانه كانوا من الناصحين له، المخلصين للحق والإسلام من جهة، ولو أن هؤلاء الطامعين لم يؤلِّبوا ضد عثمان ويهيجوا العامَّة ويشجعوهم على الانتفاض على عثمان من جهة أخرى.
ولقد دفعت هذه المصالح والمطامع أصحابها ـ بعد أن انفلت منهم الزمام، ولم تحقق لهم خطتهم ضد عثمان أهدافها- إلى أن يتخذوا من الإمام (عليه السلام)، موقف البغي وبادروه بالمناجزة بعد أن بايعوه طواعية ودون إكراه.
ولقد حاول الإمام (عليه السلام) أن يتفادى الصدام بكل وسيلة فحاجَّهم بكلّ مقنع، ولكن أَنَّى للحجة القاطعة أن تأخذ طريقها إلى قلوب غطّت عليها أغراض أصحابها وأطماعهم؟
ولقد حاول الإمام أن يدفعهم بالتي هي أحسن، حقناً لدماء المسلمين، وتوحيداً لصفوفهم في مواجهة أعدائهم ولكنَّهم بلغوا في صلفهم وعنادهم حدّاً بلغ إلى ما وقع من الخطب الجلل، متمثلاً في موقعة الجمل، التي كانت نهاية جميع المحاولات السلمية من جانب الإمام (عليه السلام) وبعد أن سدَّت عليه عائشة الطريق، عندما كان ردّها على آخر رسائله إليها: «جلَّ الأمر على العقاب…» فكان الردّ الملائم عليها حينئذ متمثلاً في قول الإمام (عليه السلام: «الآن، طاب الضِّراب».
ومع ذلك فحينما تواجهت الصفوف، خرج (عليه السلام) حاسراً يركب بغلته، ويمشي بين الصفَّين حتّى لقي الزبير ـ في آخر محاولة لتفادي الاقتتال ـ وكان بينهما كلام، ذكّره خلاله الإمام (عليه السلام) بقول الرسول (صلّى الله عليه وآله) للزبير: «إنّك تقاتل عليّاً وأنت له ظالم»، فقال الزبير: نسيتُها، ولو ذكرتُها ما خرجت لقتالك، وانسحب من المعركة…
وفي محاولة له أخرى مع طلحة ليثنيه عن المضي في خروجه وجد كلّ صدود من طلحة، الذي رأى أن انسحاب الزبير من المعركة، قد أدناه إلى غايته في أن يكون خليفة، ولو على هذه البقعة وحدها من بين بلاد الإسلام.
وحينئذ فلم يبق إلاّ القتال.
ودارت المعركة شرسةً قاسيةً عنيفةً في هولها من جانب أصحاب الجمل. فكانت الريح، في بداياتها، ضد جيش الإمام (عليه السلام)، وحينما رأى كثرة القتلى في جيشه صاح في ابنه محمد ابن الحنفية ـ وكان يحمل رايته ـ: اقتحم، ولكنّه لم يتمكن بإزاء التحام الصفوف وتلاصق الأجسام، وما أن رأى منه الإمام (عليه السلام) بطأً في الحركة، حتّى بدت شجاعته (عليه السلام) التي تمضي في مواجهة الأخطار ـ مهما كانت ـ على أصلها، والتي طالما كانت تمثّل عنصر النجدة لجيش الإسلام في أحرج المواقف وأدقها، فانتزع الراية من يد ابنه، وحمل على القوم وحده، يشق صفوفهم ويكشف تجمعاتهم وهو يطعن ويقتل، ويضرب يميناً وشمالاً كلّ من صادفه، حتّى أماط كثافة الهجوم على جيشه، ثمّ عاد فأعطى الراية، من جديد، لابنه محمد، وهو يقول له: هكذا فاصنع، فاندفع محمد ابن الحنفية بالراية، ومن حوله أنصار أبيه ـ وقد أخذهم الإعجاب بشجاعة إمامهم، وصنيعه وحدَه في مواجهة محاربيه ومحاربيهم ـ يقتحمون الصفوف ويصولون ويجولون، ضرباً وطعناً وقتلاً، حتّى انتهوا إلى الجمل.
ولمّا رأى الإمام (عليه السلام) كثرة القتلى وتساقطهم حول الجمل، الذي كان يمثِّل الشعار لجيش الناكثين، حتّى أصبح خطامه وكأنّه الراية، كلّما سقط دونه فارس أخذه غيره ـ صاح الإمام (عليه السلام) في جيشه: اعقروا الجمل، فإنّه أن عُقر تفرَّقوا فاندفع إليه رجل فعقره، وسقط الهودج الذي عليه… إلخ فتفرَّق الناس من حوله وانتهت المعركة.
وهكذا كان علي (عليه السلام) في شجاعته وقيادته العامل الحاسم في تغيير مجرى المعركة، وتحقيق النصر فيها نهايةً، والأمر لله من قبل ومن بعد.
وفي صفين:
بعد أن أعذر الإمام (عليه السلام) إلى معاوية محاجَّة ونصحاً وموعظة وانتهى الأمر بمعاوية أن طرد رسل الإمام (عليه السلام) إليه لم يكن بُدّ من القتال، الذي تأخّر عن وقته الواجب، منذ بيعة الإمام (عليه السلام) بسبب مفاجأته بخروج الناكثين بما لم يكن على البال.
وقد استغرقت هذه الحرب مئة وعشرة أيام، خاض الجيشان خلالها تسعين معركةً ضارية.
وفي يومها الثاني صلَّى الإمام (عليه السلام) بالناس ثمّ خرج بهم إلى أهل الشام متخذاً موقعه من القلب، بين أهل المدينة وأبنائه الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية، وكان على ميمنته عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعلى ميسرته عبدالله بن عباس.
ومالت الريح في بدايتها ضد جيش الإمام (عليه السلام)، فقد انكشفت الميمنة حتّى لم يبق منها إلاّ مئتان وثلاثون رجلاً، كما لم يبق في الميسرة إلاّ من ثبت معه من ربيعة وحدهم، فقصد إليهم، وبينما هو في ميسرته نحوهم إذ رأى «أحمر» مولى أبي سفيان مقبلاً عليه، ورأى «كيسان» مولاه يتصدَّى له، فقتله أحمر، فتقدّم الإمام (عليه السلام) نحو أحمر، فجذبه من جيب درعه، ورفعه على عاتقه، ثمّ ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه، ثمّ شدَّ عليه الحسين وأخاه محمداً فأجهزا عليه.
وهكذا لم يفقد الإمام (عليه السلام) أشد الظروف حرجاً، رباطة جأشه، ولا وضوح رؤيته ولم يشك في عدالة قضيته، وثبوت حقه، فكان لثباته أثره الكبير في إشاعة روح الشجاعة، من جديد، في المنهزمين من جنده وأنصاره، فإذا بالميمنة تعود إلى مواقعها تقاتل من بإزائها من عدوها حتّى كشفته عن موقعه، وحينئذ أقبل عليها يثبتها ويشجعلها، فقال:
«إني قد رأيت جولتكم، وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة والحفاة، وأعرابُ الشام، وأنتم لهاميمُ العرب، والسنام الأعظم، وعُمَّارُ الليل بتلاوةِ القرآن، وأهلُ دعوة الحق إذ ضل الخاطئون، فلولا إقبالكم وكرَّكم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المُوِلّي يوم الزحف دُبُرَهُ، فكنتم من الهالكين، ولكن هوَّن عليَّ وَجْدِي، وشفى بعضَ إحاح نفسي بإخوة حزتموهم، كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أُخراهم كالإبل المطردة. فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم الله عزَّ وجلَّ باليقين ليِعلم المنهزم أنه مُسْخِطٌ ربه وموبِقٌ نفسه. أن في الفرار موجدةٌ لله عزَّ وجلَّ عليه، والذل اللازم بالعار الباقي واعتصارَ الفيء من يده، وفساد العيش، وإن الفارَّ لا يزيد في عمره، ولا يُرضِي ربَّه، فموت المرء محقاً قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضى بالتأنيس لها، والإقرار عليها».
وفي تاريخ الطبري أنّه لما قتل عمار قال الإمام لربيعة: أنتم درعي فانتدب له منهم اثنا عشر ألفاً فتقدّم بهم على بغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد فلم يبق لأهل الشام صف إلاّ انتفض وقتلوا كلّ من انتهوا إليه حتّى بلغوا معاوية، وعلي يقول:
أضربهم ولا أرى معاوية
الجاحظ العينَين، العظيم الحاويه
ثمّ نادى معاوية قائلاً: علام نقتل الناس بيننا، هلم أحاكمك الى الله، فإيّنا قتل صاحبه استقامت له الأمور، غير أن معاوية لم يجبه إلى ذلك ثقة منه أن مصيره إلى الهلاك لا محالة إن هو سها عن نفسه لتُقدم على مبارزة الإمام (عليه السلام).
وتوالت أيام القتال، حتّى كانت ليلة الهرير آخر المعارك في هذه الحرب الطويلة، حيث اقتتل الناس فيها حتّى الصباح، فعصفت الرياح وفقد النبل ولجأ الجميع إلى السيوف، وحينئذ أخذ الإمام (عليه السلام) يسير بين الميمنة والميسرة ويأمر كل كتيبة أن تُقدم على ما يليها ولم يزل يفعل ذلك بالناس حتّى أصبح والمعركة كلّها من خلف ظهره، والأشتر في الميمنة وابن عباس في الميسرة، وهو (عليه السلام) في القلب، والناس يقتتلون في كلّ جانب، حتّى تأكَّدت الهزيمة لمعاوية وجيشه، فلجأ إلى الحيلة، رافعاً المصاحف على الرماح بقوله تحكيم القرآن في أمور الخلاف… وليس هنا مجال تفصيل ما لابَسَ هذا الاحتيال من ظروف وما تلاها من أحداث وآثار لا تزال تتفاعل في المجتمع الإسلامي حتّى الآن، وستظل تتفاعل إلى ما شاء الله من زمان.
منطلقه في الرأي والسياسة:
لو لم يحكم علي (عليه السلام) ولو لم ينازَع في الحكم، لَمَا كان أحد بحاجة إلى تقدير موقفه من جهة الرأي والسياسة وتصريف الأمور، ومواجهة المشاكل بما يعالجها ويحلُّها. ولو أن أحد الدارسين تعرَّض لهذا الأمر من علي (عليه السلام) حينئذ لاستوى أمره بين أن يصيب الحقيقة أو يخطئها، فيما يصل إليه من نتائج، لأنّ عليّاً (عليه السلام) في هذه الحال، لا يعدو أن يكون واحداً ـ أيَّ واحد ـ من الصحابة، الذين عايشوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثمّ رحلوا إلى الآخرة راضين مرضيِّين، بعد أن أدَّوا دورهم الإسلامي تحت قيادة النبي (صلّى الله عليه وآله) على النحو الذي وُفِّقوا إليه.
ولكن قضية الحُكم بالنسبة لعلي (عليه السلام) كانت مثار انقسام الأمّة كلّها منذ صعدت روح الرسول الأعظم إلى بارئها ـ إلى من يلتزم إمامته على أنّه وليُّ أمر الأمة بعد وفاة نبيِّها كما جاءت بذلك النصوص النبوية بل والقرآنية، وإلى مَن يتجاوز عنه إلى سواه ممَّن رأوا عدم التقيُّد بالنصوص في هذا المجال، تحقيقاً لمصلحة الإسلام والمسلمين من وراء ذلك وفق تقديرهم وحساباتهم.
وقد كات الجولة لهذا الفريق فكان استخلاف أبي بكر، فعمر، فعثمان، غير أن عليّاً (عليه السلام) لم يقف سلبيّاً إزاء ما جرى، فقد رفض منذ البداية، أن يدخل فيما دخل فيه الناس، إلى أن أحسَّ بأنَّ الإسلام، الذي أفنى عمره في إقامة دعائمه توشك الأحداث أن تأتي عليه، فتنطفئ شعلته، ويسيطر الكفر من جديد على مجتمع المسلمين الذي أسّسه الرسول (صلّى الله عليه وآله) فحينئذ أغضى، مضطراً عن التمسك بضرورة تحقيق حقّه، إلى أن يأتي الله بالفتح من عنده، فبايع أبو بكر، رعاية للإسلام، وحفظاً لوحدة المسلمين في مواجهة أعداء من الخارجين عليه، أو كانوا به متربصين، حتّى إذا ما جاءته الخلافة تحاصره بعد مقتل عثمان ـ أينما كان، وحيثما وجد ـ اضطر إلى قبولها في مناخ كان قرن الفتنة قد ذر وظهر، ولكنه فوجئ بأنّ البعض ينكث ببيعته، والبعض الآخر يتمرد عن الدخول في طاعته، ومن ثم كان عليه أن يواجه هؤلاء وهؤلاء بما يحفظ للإسلام هيبته وأحكامه واحترامه.
وإذا حالفه النصر في مواجهة الناكثين وكاد أن يحققه في مواجهة القاسطين، فقد أوشك أن يجهز على المارقين من الخوارج.
ومن علاجه للمشاكل التي واجهته؛ وأسلوبه في تلك المعالجة، اختلف المحللون والباحثون في تقدير موقفه (عليه السلام)، والأسلوب الذي واجه به تلك المشكلات ابتغاء حلِّها.
وقبل الدخول في مناقشة وجهات النظر التي دارت حول الموضوع أبادر فأقول: إن كان المراد بالسياسة، السياسة البشرية بمناوراتها التي قد لا تلتزم بمشروعية الوسيلة في سبيل تحقيق الغاية، ولو كانت هي، أيضاً غير مشروعة، سعياً وراء تحقيق الأغراض الشخصية، وجرياً وراء الشهوات الدنيوية فإنّني أقرّر ـ من الآن ـ أن الإمام (عليه السلام) لم يكن له حظ في هذا المجال على الإطلاق لأنّه لم يكن ـ في يوم من أيام حياته ـ يعمل لحساب شخصه أو مناه. وما على ذلك ربَّاه ونشَّأه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإنّما كان جندي عقيدته التي لا تفارقه في أي تصرّف من تصرّفاته، أو موقف من مواقفه، حتّى كان، بحق، المثل الثاني لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في تجسيد تلك العقيدة سلوكاً تطبيقيّاً في الحياة، وقدوةً حسنةً لمن ينبغي أن يكون في حياته وفق مرضاة الله.
لقد كان في كلّ أموره ـ مع الأحباب والأعداء ـ يصدر عمّا أمر الله تعإلى به أو نهى عنه، كما بلغ ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن ثم كان ـ في تعامله مع الناس ـ ينطلق من دائرة قول الله تعإلى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ أن يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أن تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فإن اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)}([232]). وقوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}([233]). ومن ثم فالميزان الذي لا ينبغي أن يوزن بغيره، إنّما هو ميزان الدين، وما جاء به من أحكام ومبادئ وتعاليم تتضمنها أوامره ونواهيه. أمّا الموازنة بينه وبين غيره على أساس من المعاني والأغراض البشرية، التي لا ترى حرجاً في الاحتيال على تحقيق الأهداف الدنيوية والأغراض الشخصية، ولو على حساب الدين، انفلاتاً من أوامره، وارتكاباً لنواهيه فمن الظلم المبين للإمام (عليه السلام) أن يقاس على أساسها، في مواجهة من يختلف معه في ذلك مهما كان الذي يختلف معه أو ينازعه أمر المسلمين.
لكن يبدو أن مظلومية الإمام في حياته ظلّت ملازمة له حتّى بعد اغتياله، وإلى ما لا نهاية له من السنين، فإن كلّ الدراسات والمناقشات التي دارت حول موقف الإمام من خصومه ومعالجته لخروجهم عليه، جنحت في بعض وجهات نظر أصحابها إلى تخطئة الإمام (عليه السلام) تأسيساً على نتيجة هذا الاختلاف من كسب الموقف إلى جانب الآخرين. وهذا ولا شك خطأ فاحش في حق الإمام (عليه السلام) من جهة وفي حق الدين من جهة أخرى، إذ كيف يقاس (عليه السلام) ـ في باب الرأي والسياسة وتصريف الأمور ومعالجة المشاكل الطارئة، وهو الملتزم دائماً وبصفةٍ مستمرة طول حياته بالدين، وسائل وغايات في نطاق أوامره ونواهيه ابتغاء تحقيق مجتمع المتقين… الذي يعبد الناس فيه ربهم، مخلصين له الدين، كما هي النصوص الصريحة في ذلك([234]) ـ بمن كان شأنه ألاّ يتقيد، وسيلةً وغاية بشيء من الدين وأنه لَبِسَ مُسوح الدين، وتصدّى لحكم المسلمين وغيرهم باسم هذا الدين.
وأيّاً ما كان فنحن بإزاء أمر دافع، هو أن هناك من انتهى في دراسته ومناقشته إلى تصويب الإمام (عليه السلام) حتّى منهجه الملتزم في كلّ شيء بالدين دون أن يؤثر في حكمه هذا أن جانب الإمام (عليه السلام) خسر الدنيا كضرورةٍ حتميَّة لكون النتيجة تتبع دائماً أخس المقدمتين… كما أن هناك من انتهت دراسته ومناقشته إلى أن يخطئ الإمام (عليه السلام) انطلاقاً من أن الغلبة كانت، في النهاية لمن خالفوه وخرجوا على الولاء الواجب له عليهم، ممّا يعني أنّه لو كانت الغلبة إلى جانبه (عليه السلام) لكان حكمهم له، وكأنّ المسألة هي مجرد تحقيق غلبة وكسب جولة، وليست، في حقيقتها إقامة دين، تنتظم به موازين الناس ومقاييس الحياة.
وهذا هو المنزلق الذي دفع فيه كلّ المخطِّئين للإمام (عليه السلام) ـ سواء كان ذلك منهم غفلةً، أو عن سوء قصد ـ في أسلوب معالجته لمواقف المخالفين له، والخارجين على ولائه أو المتمردين عن الدخول فيه، إذ كان ينبغي ألاّ يفوت واحد من هؤلاء المخطّئين أنّنا ـ من جهة ـ بإزاء دين له أوامره ونواهيه، التي لا تسامح في الانفلات منها أو الخروج عليها، ويمثله الإمام (عليه السلام)، بينما ـ من جهة أخرى ـ بإزاء دنيا لا تتقيد، في سبيل الغاية، مهما كانت بشيء من هذا الدين، فضلاً عن ارتكاب كلّ ما ينهى عنه في سبيل تحقيق تلك الغاية، ويمثّله كلُّ من خرج على الإمام (عليه السلام) وناوأه.
وبذلك تكون الجهة قد انفكت بين الطرفين، فلا تجوز الموازنة بينهما على أساس واحدة منهما.
وإنّما الموازنة بين الطرفَين على أساس من الموازنة بين الدين وغير الدين، حتّى ينسحب حكمها العادل، في النهاية، على من يمثّل كلاًّ منهما بما هو أهله.
وحينئذ سوف لا ينزل مَن يمثِّل الدين إلى مرتبة مَن لا يمثِّله، كما لا يمكن أن يرتفع من لا يمثِّله إلى مرتبة من يمثِّله.
وبذكل تمتنع الموازنة بين الطرفَين على أساس من نتيجة الخلاف بين الممثِّلين، ويكون الحكم على أساس هذه النتيجة هو، بلا شك، من قبيل الخطأ المبين.
ومع ذلك فسوف لا نستعرض وجهات نظر كلِّ هؤلاء المخطِّئين للإمام (عليه السلام)، مكتفين بمناقشة واحد منهم باعتبارها تغني عن مناقشة الباقين، وذلك هو نيكلسون الذي حكم على الإمام (عليه السلام) بأنّه كانت تنقصه الحنكة السياسية، وعدم التردُّد في اختيار الوسائل، أيًّا كانت، لتثبيت مركزه… ومن ثمّ تغلَّب عليه منافسوه… الذين كانوا لا يتورَّعون عن ارتكاب أي جرم يبلغ بهم الغاية، ويكلل لهم النصر، ناسياً أو متناسياً ما وصف به هو نفسه ـ الإمام (عليه السلام) ـ قبل هذا الكلام مباشرة بقوله: «إنّه (عليه السلام) كان متميّزاً بالفضائل الكثيرة، فقد كان: نشيطاً، ذكيّاً، بعيد النظر، مثيراً، حكيماً وفياً، شريف الخصومة».
ولعمري ماذا يمكن توافره أكثر من هذه الصفات في إنسان ما، ليكون ذا رأي سديد وأسلوب رشيد، وقيادة حازمة، ومواجهة حاسمة للمشاكل التي تقابله، فهذه المجموعة الفريدة الفذّة من الصفات التي عدَّدها نيكلسون من صفات الإمام (عليه السلام)، لم تتوافر ـ على طول التاريخ الهجري ـ لأي سياسيٍّ ناجح، أو رائد مجتمع مصلح، أو قائد أمّة عظيم، اللَّهم إلاّ أن تكون، فقط للأنبياء والمرسلين.
ومع ذلك، فنيكلسون يصف الإمام (عليه السلام) ـ بعد تعداده صفاته هذه كلها ـ بقوله عقب ذلك مباشرة: كانت تنقصه الحنكة السياسية. ولله في خلقه شؤون!.
فلنناقشه فيما قال: ليتبيَّن له، وللغير معه أي الفريقَين خير مقاماً وأحسن نديّاً، لا في مجال السياسة وحدها، وإنّما في جميع الوجوه التي تتطلبها الأمانة والقيادة الأصيلة.
وقبل أن نبدأ هذه المناقشة، نقدّم لها بذكر مبدأَين مقررَين ومسلَّمَين من الجميع، وهما:
1 ـ أن تحرير كلّ النزاع، في أيّة قضية، هو الطريق الأمثل للوصول إلى الحكم السليم فيها.
2 ـ أن المقارنة السليمة بين طرفَين تستدعي بالضرورة، وحدة الموضوع الذي تتم على أساسه تلك المقارنة، حتّى يمكن الوصول إلى تبيُّن وجه الحق والسلامة في نتيجتها.
ممّا يعني أنّه إذا لم يحرَّر محل النزاع، أو لم يتّحد موضوع المقارنة بين الطرفَين فإن الحكم لا يمكن أن يكون سليماً بحال من الأحوال، مهما كانت النتيجة الواقعية بالنسبة لأيٍّ من الطرفَين كسباً أو خسارة.
وفي ضوء هَذين المبدأَين وما يترتب عليهما نسأل نيكلسون، ونناقشه على النحو الآتي:
1 ـ هل يرى أن الإمام (عليه السلام) كانت تنقصه الحنكة السياسية لمجرد أنّه امتنع ـ كما قال ـ عن اختيار الوسائل، مهما كانت لتثبيت مركزه في مواجهة خصومه، الذين وصفهم ـ هو نفسه ـ بأنّهم «كانوا لا يتورَّعون عن ارتكاب أيّ جرمٍ، يبلغ بهم الغاية، ويكفل لهم النصر»؟
إنّ ذلك كان يمكن أن يلقى التفاتةً، ويستحق الدراسة لو أن القضية كانت تدور حول «المركز» تثبيتاً له من جهة الإمام (عليه السلام) باعتباره حقّه الذي يتبوأ مقعده فعلاً، وينهض بمسؤولياته الجِسَام ومنازعه في هذا الحق من جهة خصومه لإنشاء مركز لهم لا يستحقونه.
كما كان يمكن الالتفات إليه، ودراسته، لو أن القضية كانت مجرد تحقيق غاية ـ أيّة غاية ـ مهما كانت مشروعة أو غير مشروعة، وبوسيلة مهما كانت، هي أيضاً مشروعة، أو غير مشروعة.
وكذلك يمكن الالتفات إلى هذا الكلام ودراسته لو أن القضية كانت مجرد تحقيق غاية وتحقيق نصر في نهاية الجولة والاختلاف بقطع النظر عمّا يتّصل من ذلك بالدين.
أمّا إذا كانت القضية أمر الدين، وإقامة أحكامه بالنسبة للجميع على السواء فإن المدار الذي ينبغي مراعاته في المناقشة والمقارنة، هو مدى التزام كلٍّ من طرفَي النزاع بهذا الدين لإقامة حدوده وتطبيق نصوصه، ومن هنا لم يكن عجباً أن يُجمع على بطولته العظيمة ـ في جميع مجالات الحياة الإسلامية ـ كلُّ الأحرار والمنصفين في العالم، سواء في ذلك مَن كانوا منهم مسلمين أو غير مسلمين، وأن يستمر هذا الإجماع على القرون والحقب المتوالية حتّى يومنا هذا بما يؤكد أنّه سيستمر على ذلك حتّى يقوم الناس لربِّ العالمين.
كما لم يكن عجباً أيضاً أن يكون ـ وفق موازين الإسلام ومقاييسه الكلية نظريّاً وتطبيقيّاً وعمليّاً ـ الشخصية الأولى في المسلمين ـ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ على الدوام صلابةً في العقيدة وقوةً في الدين، ورسوخاً في اليقين، وقوةً في القلب ومضاءً في العزيمة، نحو كلّ ما يحقق غايات الإسلام الرشيدة ولا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرهب فيه غدر خائن… يصاول وينازل كلَّ من حادَّ الله ورسوله، ويتصدَّى لكلِّ من تعدّى الحدود أو انتهك الحُرمات.
وكيف لا وقد رَبِيَ في حجر النبوَّة طفلاً، وأُدِّب بآداب الإسلام ناشئاً، وحمل سيف نُصرته فتىً يافعاً، ورفع لواءه شاباً ورجلاً، وحمل رايته رائداً وكهلاً وتحمل أمانة الحكم به وله إماماً جليلاً وشيخاً حكيماً، حتّى استشهد في سبيله، بطلاً عظيماً، قرير العين والنفس بما انتهى إليه وعليه أجلُه وختم به عمله؟
ومن هنا كانت البطولة العظيمة في الإمام (عليه السلام) صادرة عن منبع الأصالة التي عاشها طوال حياته في كنف رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حيّاً وبعد مماته (صلّى الله عليه وآله) يخوض عن رجع صداها في نفسه ـ بطل الساعد واللسان، قويَّ الخلق، ثابت الجنان ـ خضم العواطف التي اجتاحت عصر إمامته، ومضطرب الحوادث التي ألمَّت بفترة خلافته، ممّا أثَّر على آراء وتصرفات كثير من أفراد الرعيل الأوّل للإسلام، فانحاز عن مُثله ووسائله وغاياته فظلَّ (عليه السلام) ـ بالرغم من الظروف والملابسات المتعددة الألوان التي أحاطت به مبرّأً ممّا يعيبه أو يؤخذ عليه، في مقاييس المبادىء الرشيدة، والمُثل الرفيعة مهما كانت نتائج مواقفه واضحة لديه في كفة المكسب والرجحان، أو كفة الشَّول والخُسران لأنّ الأمر عنده كان ـ دائماً ـ أمر العقيدة التي ينغبي أن تحتل ـ كما هو تقديره ـ من العقل والفعل أعلى مكانة وأرفع مكان.
ومن ثم كان يطبِّق على نفسه ـ وعلى كلِّ من دخل في مكنة تطبيقه ـ مقياساً رفيعاً لا يختل من العدل، والشرف، والنزاهة، والصدق، والأمانة والزهد، والقناعة، والعفة، والشجاعة والحكمة وما تستتبعه كلُّ هذه الفضائل، وأمثالها من حميد الخصال، وكريم الفعال، مبتدئاً بنفسه، ضارباً خير المثل، ومحققاً أفضل الأسوة، جاعلاً من ذاته ـ بالنسبة لمعاني الإسلام، نظريّاً وتطبيقاً عمليّاً ـ أَقْوَمَ ميزانٍ يزن به الأفراد، وأسلم مقياس يقيس به الرجال، فكان يكيِّف مواقفهم من خلال التزامه بالدِّين وما فرضه من حدود، وسنَّه من حقوق، وبيّنه من واجبات والتزامات لا يفرَّق في ذلك بين مَن كانوا أقرب الناس إليه، أهلاً وعشيرةً وصحبةً وأبعدهم في شيء من ذلك كلِّه أو بعضه منه.
جدارة علي (عليه السلام) بما تمَّ منه وله يوم الدار
أسلفنا القول عن علي (عليه السلام) في بعض خصائصه مواهب وفضائل ومزايا، كما كان عليه في عالم الظهور والعيان، فماذا كان عليه في عالم الذر والتكوين الأزلي الذي كان عليه قبل أن يبرز إلى الدنيا كإنسان، حتّى يتَّضح لنا مدى انعكاس هذا التكوين الأزلي على ما صار إليه ـ بعد أن وُلد ـ حيث كان، ليتبيَّن لكلّ ذي إنصاف مدى أهليته وحدَه ـ دون بني هاشم خاصةً، فبقية الناس عامةً ـ لأن يصدر فيه قرار النبي (صلّى الله عليه وآله) يوم الدار بتعيينه في مناصب: الأخوَّة والصُّحبة، والوراثة، والوصاية، والولاية والخلافة عنه من بعده.
ونستعرض هنا ـ لمعرفة ذلك ـ طرفاً ممّا روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في هذا الصدد لنستخلص منه ما يمكن أن يدل عليه، إجابةً عن هذا السؤال بقدر ما يسمح به الإمكان وذلك كالآتي:
1 ـ أخرج ابن المغازلي عن سالم بن الجعد عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يقول «كُنت أنا وعلي نوراً عن يمين العرش، بين يدَي الله عزَّ وجلَّ يسبِّح الله ذلك النورُ ويقدِّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلم يزل (أنا وعلي شيء واحد) حتّى افترقنا في صلب عبد المطلب فجزء أنا وجزء عليّ»([235]).
2 ـ اخرج الحمويني عن زياد بن النذر عن أبي جعفر الباقر، بسنده عن آبائه (عليهم السلام) عن النبيِّ قال: «كنت أنا وأنت يا عليّ نوراً بين يدي الله، تبارك وتعإلى من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه، فلم يزل الله ينقله من صلب إلى صلب حتّى أقرَّه في صلب عبد المطلب، ثمّ قسمه قسمين فأخرج قسماً في صلب عبد المطلب، وقسماً في صلب عمي، أبي طالب، فعليّ مني وأنا منه، ولحمه لحمي، ودمه دمي»([236]).
3 ـ وأخرج موفق الخوارزمي ـ في هذا المجال ـ بلفظ الحديث السابق تماماً([237]).
4 ـ أخرج أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الرزاق قول النبي (صلّى الله عليه وآله) لعليِّ: «فإن حاجَّك أحد فقل إنّي عبد الله وأخو رسوله، لا يدَّعيها أحد بعدك إلاَّ كاذب»([238]).
5 ـ أخرج المغازلي عن سلمان الفارسي قال: «سمعت حبيبي محمداً (صلّى الله عليه وآله) يقول: كنت أنا و علي نوراً بين يدَي الله عزَّ وجلَّ، يسبِّح الله ذلك النور ويقدِّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلم يزل (أنا وعلي شيء واحد) حتّى افترقنا في صلب عبد المطلب ففيَّ النبوَّة وفي عليٍّ الإمامة»([239]).
6 ـ ورواه المغازلي أيضاً من طريق آخر… «فلمّا خلق الله آدم ركِّب ذلك النور في صلبه فلم يزل في شيء واحد افترقنا في صلب عبد المطلب، ففيَّ النبوَّة وفي عليٍّ الخلافة»([240]).
7 ـ وأخرجه المغازلي كذلك عن جابر: «… حتّى قسمه جزأين فجعل جزءاً في صلب عبدالله، وجزءاً في صلب أبي طالب، فأخرجني نبيّاً وأخرج علياً وصيّاً»([241]).
ثالثاً ـ دلالة القرار النبويِّ
في شأن عَلِيٍّ (عليه السلام) يوم الدار
وللقرار النبويِّ في شأن عليٍّ (عليه السلام) ـ يوم الدار ـ دلالتان؛ إحداهما له جملة، والأخرى له من خلال تفاصيله وأجزائه. فأمّا دالة القرار جملة، فتنطلق من أنّه لم يصدر من فراغ، عارياً عن المناسبة التي دعت إليه، أو المخاطب به، أو الموضوع الذي كان سبباً في إصداره وإنّما توافرت له كلُّ هذه العناصر الثلاثة فقد صدر في مناسبة هي تنفيذ النبي (صلّى الله عليه وآله) لما أمره به ربُّه في قوله جلَّ شأنه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} مخاطباً (صلّى الله عليه وآله) به الحاضرين يوم الدار من بني هاشم، ترتيباً على ما عرضه عليهم جميعاً يومئذ أن يتقدّم إليه أحدهم ليؤازره على أمر الدين، فيكون أخاه في الدين وصاحبه ووراثه… إلخ فأحجموا عنه جميعاً ولم يتقدَّم إليه في هذا منهم إلاّ عليّ بن أبي طالب فكان صدور هذا القرار في شأنه (عليه السلام) دونهم جميعاً.
وإذا لاحظنا أن مجالات هذه العناصر الثلاثة كلّها دينيَّة، فلا يمكن أن يكون مجال القرار المترتب عليها إلاّ مختصّاً بنفس مجالها، وهو الدين، ومن ثم فعليّ (عليه السلام) ـ بمقتضى هذا القرار ـ قد وليَ جملة مناصب دينية هي: الأخوَّة، والصحبة، والوراثة للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله) والوصاية والولاية والخلافة عنه على الأمّة من بعده (صلّى الله عليه وآله).
على أنّنا إذا أردنا أن نصنّف هذه المناصب الدينية بحسب مجالاتها الأدائية لوجدناها تنتهي إلى مجموعتين:
إحداهما: تتصل بالدين في حياة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) وتتمثّل في منصبَي: «أخي وصاحبي» ممّا يعني الوزارة والمشاركة في أعباء الأداء والفداء لهذا الدين، اثناء ما بقي من عمر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) في الحياة الدنيا.
ثانيتهما: تتصل بهذا الدين فور وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرةً وتتمثَّل في مناصب وارثي ووصيي، ووليي، وخليفتي، ويقضي ديني، وينجز مواعيدي، ممّا يعني انفراد عليٍّ (عليه السلام) بتحمّل أعباء الأداء والرعاية لهذا الدين بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة.
ويلاحظ على مناصب المجموعة الثانية أنّها مرتبةً ترتيباً متوالي الوجود بحيث يمثِّل كلّ منها خطوة أساسية وضرورية لتحقيق وجود ما يليها، فوراثة عليٍّ (عليه السلام) للنبي (صلّى الله عليه وآله) كتاباً وسنّةً ـ على ما سيأتي بيانه ـ تجعله (عليه السلام) وصيّه (صلّى الله عليه وآله) الوحيد في شأنهما ومن ثم يكون وليَّ أمر هذا الدين من بعده (صلّى الله عليه وآله)، وبالتالي يكون خليفته (صلّى الله عليه وآله) على المسلمين من بعده (صلّى الله عليه وآله) كذلك.
ولا شك أن من يكون في هذا الموقع يكون ـ باعتباره ممثِّل الدولة والمتصرف باسمها ـ ملزماً بأن يقضي ديون سلفه و ينجز مواعيده ـ لأنّه إنّما كان في كلّ ما يتَّصل بديونه ومواعيده يلتزم باسم الدولة التي هو رئيسها وممثِّلها وينطق بلسانها، ومن ثم فالتزاماته في هذا الصدد، هي التزاماتها وبالتالي يكون على مَن يخلفه في رئاستها أن يؤدّي كلّ ما كان يلزمه منها.
وأمّا دلالة القرار النبويِّ في شأن عليٍّ (عليه السلام) يوم الدار تفصيلاً، فتنطلق من تحديد ما يعنيه كلّ من هذه المناصب، دينيّاً بالنسبة لعليٍّ (عليه السلام) في ذاته من جهة وبإزاء المسلمين ودولتهم من جهة أخرى فإلى بيان ذلك منصباً منصباً كالآتي:
أوّلاً: أخوَّة عليٍّ (عليه السلام) للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)
نوعها، مجالها، ما تدلُّ عليه.
وفي هذا الصدد نستعرض بعض النصوص المتاحة في هذا المجال، ثم نستخلص منها ما تنبئ به، وما تخبر عنه، وذلك كما يلي:
1 ـ روى الحاكم في المستدرك عن عباد بن عبيد الله الأسدي عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: إنّي عبدالله وأخو رسوله: «ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخَين».
وقد نقله صاحب الكنز أيضاً عن أبي شيبة والنسائي في الخصائص وابن أبي عاصم في السنّة، والعقيلي وأبي نعيم في المعرفة، كما نقله عن أبي يعلى في مسنده عن عليٍّ (عليه السلام) قال: آخى (صلّى الله عليه وآله) بين الناس وتركني… إلى أن قال: «إنّما تركتك لنفسي أنت أخي وأنا أخوك فإن حاجَّك أحد فقل إنّي عبدالله وأخو رسوله لا يدَّعيها أحد بعدك إلاّ كذَّاب».
2 ـ روى أحمد في مسنده بإسناده إلى زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مسجده (وذكر قصة مؤاخاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) إلى أن قال: فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والذي بعثني بالحق ما أخَّرتك إلاَّ لنفسي… وأنت أخي ووارثي… إلخ.
وذكر ابن تيمية أن للحديث بقية وهي أن عليّاً (عليه السلام) قال ـ عند قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنت أخي ووارثي: وما أرث منك يا رسول الله فقال ما ورَّث الأنبياء من قبلي، قال وما ورَّث الأنبياء من قبلك؟ قال كتاب الله وسنَّة نبيِّهم.
وذكر السيد هذه التتمَّة أيضاً وكذا صاحب كنز العمال.
3 ـ في مسند أحمد بن حنبل، من عدّة طُرق أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) آخى بين الناس وترك عليّاً حتّى بقي آخرهم لا يرى له أخاً فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك وتركتني فقال: إنّما تركتك لنفسي أنت أخي، وأنا أخوك فإن ذكرك أحد فقل: أنا عبدالله وأخو رسوله، لا يدَّعيها بعدك إلاّ كذَّاب… وأنت أخي ووارثي.
4 ـ وفي الجمع بين الصحاح الستّة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: مكتوب على باب الجنة: مُحمد رسول الله، علي أخو رسوله ـ الحديث.
5 ـ جاء في ينابيع المودة عن أحمد عن حذيفة بن اليمان قال: آخى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار وكان يؤاخي بين الرجل ونظيره، ثمّ أخذ بيد علي، فقال: هذا أخي.
6 ـ وروى الترمذي حديث المؤاخاة في فضائل علي (عليه السلام) من سُننه عن ابن عمر، وحسَّنه ثم قال: وفيه عن زيد بن أبي أوفى ورواه في «الاستيعاب» بترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أبي الطفيل قال: لما احتضر عمر، جعلها شورى بين عليٍّ وعثمان، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن، وسعد فقال لهم علي (عليه السلام): أنشدكم الله هل فيكم أحد آخى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بينه وبينه ـ إذ آخى بين المسلمين ـ غيري؟ فقالوا: اللَّهم لا.
ثمّ قال: وروينا من وجوه عن عليٍّ (عليه السلام) أنّه كان يقول: أنا عبدالله وأخو رسوله لا يقولها أحد غيري إلاّ كذّاب.
ثم قال أبو عمرو: آخى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين المهاجرين([242])، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار([243]) وقال في كلّ واحدة منهما لعلي: أنت أخي في الدنيا والآخرة وآخى بينه وبين نفسه، لذلك كان هذا القول وما أشبهه من علي.
7 ـ وجاء في الكنز([244]) عن ابن عدي بسنده عن يعلى بن مرة كما حكاه أيضاً عن الطبراني عن ابن عباس ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخِ بينك وبين واحدٍ منهم؟ أما ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي…؟ كما حكي حديث المؤاخاة كذلك، بين النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) عن ابن عساكر عن أبي رافع عن أبي أمامة.
ونقل في الكنز أيضاً([245]) عن العدني عن أبي يحيى قال: سمعت عليّاً يقول: أنا عبدالله وأخو رسوله لا يقولها أحد بعدي إلاّ كاذب.
8 ـ في «الخصائص» عن العباس بن عبد المطلب قال: «سمعت عمر بن الخطاب يقول: كفوا عن علي ابن أبي طالب إلاّ بخير فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول في عليٍّ ثلاث خصال، وددت أن لي واحدة منها أحب إليَّ ممّا طلعت عليه الشمس وذاك أنّي كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح، ونفرٌ من أصحاب رسول الله إذ ضرب النبيُّ على كتف علي بن أبي طالب وقال: يا علي أنت أوّل المسلمين إسلاماً وأنت أوّل المؤمنين إيماناً وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، كذب من زعم أنّه يحبني ويبغضك يا علي مَن أحبك فقد أحبني ومن أحبني أحبه الله تعإلى وأدخله الجنة، ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله تعإلى وأدخله النار».
وقد نقل علي بن أحمد المالكي في «الفصول المهمة من أعيان علماء العامة» هذا الحديث عن موفق ابن أحمد بإسناده إلى ابن عباس عن عمر بن الخطاب ولكن بحذف قوله «كذب من زعم… إلخ».
9 ـ ويشهد لصحة أخبار المؤاخاة بين المهاجرين في مكة ما رواه البخاري في هذا الشأن([246]).
وممّا تقدّم يتَّضح أن الغرض من مؤاخاته (صلّى الله عليه وآله) ـ بهذا الأسلوب الذي يلفت النظر، قولاً وعملاً إلى ما تمَّ يوم الدار ـ إنّما هو:
1 ـ لبيان فضله (عليه السلام) على غيره من بقية الصحابة انطلاقاً من أنّه كان يؤاخي بين الرجل ونظيره ـ كما جاء ذلك في بعض الروايات ـ فيكون عليّ (عليه السلام)، دون بقية الصحابة هو نظير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الدين والإيمان والعلم بالكتاب والسنّة والعمل بهما، ممّا يؤكد أنّ:
(أ) آية المباهلة ـ كما ترجمها النبي (صلّى الله عليه وآله) جاءت قاطعةً في جعله (عليه السلام) نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
(ب) وصف علي (عليه السلام) بالأخوَّة في معرض وصف محمد (صلّى الله عليه وآله) بالرسالة فيما هو مكتوب على باب الجنة ـ كما جاء ذلك في بعض الروايات أيضاً ـ ممّا يعني أن الأخوَّة بينهما ذات مجال ديني بالنسبة لعليٍّ (عليه السلام) كما هو الشأن في الرسالة بالنسبة للنبيِّ محمد (صلّى الله عليه وآله)، هدايةً للعباد، وتبليغاً للأحكام وقياماً على تطبيقها إلزاماً أن لم تطبَّق التزاماً.
2 ـ للفت نظر الصحابة إلى أنّه يلزم من تأكيد أخوَّته (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ (عليه السلام)، وبيان منزلته (عليه السلام) منه (صلّى الله عليه وآله) أن يكون عليّ إمام هذه الأمّة من بعده (صلّى الله عليه وآله)، فإن من كان هذا شأنه يكون ـ بالضرورة ـ هو المؤهَّل للخلافة عنه (صلّى الله عليه وآله) ليكمل ما بُعث (صلّى الله عليه وآله) لأجله من قِبَلِ الله تعالى، ومن ثم تكون الأخوَّة هنا غير الأخوَّة العامة بين المؤمنين الثابتة بقول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}([247]) بدليل ما رواه السيوطي عن ابن عمر قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال في مرضه: ادعوا لي أخي فدعوا له أبا بكر فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي فدعَوا له عمر فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي، فدَعوا له عثمان، فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي، فدَعوا له عليَّ بن أبي طالب فستره بثوب وأَكبَّ عليه فلمّا خرج من عنده قيل: ما قال؟ قال: علَّمني ألف باب يفتح لي من كلّ باب ألف باب. ومن ثم فالأخوَّة هنا ليست الأخوَّة المستفادة من الآية المشار إليها وإنّما هي أخوَّة خاصّة تعني مستوًى دينيّاً وعلميّاً، يلزم توافره في من يكون إمام هذه الأمّة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخليفته على أمره (صلّى الله عليه وآله) معها ـ هدايةً وتبليغاً وتطبيقاً ـ ممّا لم يحظَ به إلاّ عليّ وحدَه دون غيره من بقية الصحابة وبالتالي لا مجال لأن يتقدَّم عليه فيها غيره ممّن لم ينل هذه الأخوَّة الخاصّة ولا أدلَّ على ذلك من احتجاج عليٍّ (عليه السلام) بذلك يوم الشورى حيث كان المجال ـ حينئذ ـ مجال اختيار الخليفة على المسلمين.
ثانياً: صاحبيَّة عليٍّ (عليه السلام) للنبي
(صلّى الله عليه وآله)
نوعها ـ مجالها ـ خصوصيتها ـ أثرها
ما دام مجرى الكلام في مقام حديث يوم الدار ـ إنذاراً وقراراً كان هو أمر الدين فإن إضفاء الصحبة من النبيِّ لعليٍّ (صلّى الله عليه وآله) في هذا المقام ينسحب بالضرورة على أمر الدين ـ مشاركة في تحمُّل مسؤولية النهوض بأعبائه تبليغاً وتحقيقاً للقدوة الحسنة ـ تأسياً فيه ـ لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عرض على الحاضرين أن يتقدّم أحدهم ليؤازره على أمر هذا الدين ويكون أخاه… إلخ فلم يتقدَّم إليه منهم غير عليٍّ (عليه السلام)، فكان له من النبي (صلّى الله عليه وآله) جزاء ما شرطه (صلّى الله عليه وآله) لمن يتقدَّم إليه ليؤازره على أمره.
ومن ثم تكون الصحبة التي أعلنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حينئذ بينه وبين عليٍّ (عليه السلام) ليست من قبيل الصحبة العامّة التي يتلبس بها ويتَّصف بها تلقائياً كلُّ من لقي النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) مؤمناً به ومات على ذلك وإنّما هي صحبة خاصّة تعني المشاركة في أمره (صلّى الله عليه وآله)، تحملاً لأمانة هذا الدين بكل أبعاد هذا التحمّل كما كان الأمر تماماً في مشاركة هارون لموسى (عليه السلام) في أمره ممّا يجعل عليّاً في مركز ديني يكون به وزيراً للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله) في أمره، كما كان هارون وزيراً لموسى عليهما الصلاة والسلام تماماً. وهو ما جاء به صريح بعض روايات حديث يوم الدار.
وممّا يدل له على خصوصية الصحبة بين النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) وبين عليٍّ منذ ذلك اليوم ما سبق ذكرُه، من أن العباس عمّ النبي (صلّى الله عليه وآله) حينما تفقَّد من ثبتوا حول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) من بني هاشم يوم حنين ـ عندما فرَّ عنه جميع المسلمين ما عدا بني هاشم أمام مفاجأة الكفار لهم، وأخذهم على غرة ـ ولم يجد من بينهم عليَّ بن أبي طالب (صلّى الله عليه وآله)، التفت إلى ابنه الفضل وقال له في غضب وتحسّر: شوهةً وبوهةً لِمَا أرى أَفي مثل هذا الحال يرغب ابنُ أبي طالب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو صاحبه فيما هو صاحبه؟ فإن العباس ـ و قد كان أحد الحاضرين يوم الدار وسمع قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) في شأن عليٍّ: «هذا… صاحبي ـ كان يعرف منذ ذلك اليوم أن الصحبة التي قرّرها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) بينه وبين عليٍّ (عليه السلام)، حينئذ ليست من قبيل الصحبة العامة المتاحة له (عليه السلام) ولغيره والتي كان يتصف بها حنيئذٍ العباس وبقية المسلمين سواء منهم من يشهد المعركة ومن شهدها، ومن فرَّ منها ممَّن شهدها، ومن ثبت، وإنّما هي صحبة تتصل بمسؤوليات محددة بإزاء هذا الدين تقتضي المشاركة بين النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) وبين عليٍّ (عليه السلام) في جميع ظروف هذا الدين مهما كانت الأحوال والأهوال ممَّا لا يتيح لعليٍّ (عليه السلام) أن يتخلَّى عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) في أي موقف من مواقف هذا الدين بأية حال من الأحوال وتحت أي ظرفٍ من الظروف.
ومن هنا نفهم ماذا تعني عبارة العباس، «فيما هو صاحبه» بعد قوله «وهو صاحبه» من الدلالة على المجال الخاصِّ بالصحبة بينهما وأنّه يختص بها وحده لا يشاركه فيها غيرهُ، ولو كان هذا الغير هو العباس نفسه وبقية بني هاشم فضلاً عن سائر المسلمين أجمعين.
ولأنّ الأمر كان كذلك في فهم العباس ومعرفته منذ يوم الدار كان منه هذا التساؤل المستعجب المندهش حين لم تقع عينُه ـ في بادئ الأمر، ساعة فرار المسلمين يوم حنين من حول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)، على عليٍّ (عليه السلام) بين من ثبتوا حول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) يومئذ ولذلك لم يكن عجيباً أن يقول عنه (عليه السلام) ـ بعد أن أشعره (عليه السلام) له ابنه الفضل منه: «فداك عمّ وخال» يعني عليّاً (عليه السلام)؛ اطمئناناً وراحة بالٍ إلى أنّه (عليه السلام) كان في هذا الموقف العصيب على مستوى الصحبة للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله) فيما هو صاحبه فيه، دون تخلٍّ عن أداء واجبه فيه، كما ينبغي أن يكون الأداء الصحيح والسليم لهذا الواجب العظيم.
ثالثاً: وارثية عليٍّ (عليه السلام) للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله)
مجالها ـ معناها ـ أثرها
تكفلت السنَّة النبوية ببيان مجرى الوراثة التي أخبر النبيُّ بأنّها ستكون منه (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ (عليه السلام) وذلك في مواطن كثيرة ومنها المحاورة التي جرت بينهما عندما قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) في بعض المرَّات «وأنت أخي ووارثي» فقال عليّ (عليه السلام): «وما أرث منك يا رسول الله؟» قال (صلّى الله عليه وآله): «ما ورَّث الأنبياء من قبلي» قال (عليه السلام): «وما ورَّثوا؟» قال (صلّى الله عليه وآله): «كتاب الله وسنّة نبيِّهم».
وإذن فمجال الوراثة بينهما هو القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة.
وإذا كانت الوراثة تعني قيام الوارث مقام المورِّث فيما ورثه منه وكان ما يورِّثه الأنبياء لأوصيائهم هو الكتاب والسنَّة وكان ميراث عليِّ (عليه السلام) من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) هو ـ بنص الحديث النبويِّ الصحيح ـ القرآن الكريم والسنَّة النبويّة فإن قيام عليٍّ (عليه السلام) مقام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) فيهما لا يكون صادقاً ولا حقيقيّاً إلاّ بأن يكون دور عليٍّ (عليه السلام) بالنسبة لهما هو نفس دور النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) بإزائهما تماماً، هدايةً للناس بتبليغهم الأحكام، والقيام على تطبيقها وتنفيذها فيهم وبينهم، بما يُلزمهم بها، ولا يسمح لهم بالخروج عليها، طوعاً أو كرهاً، ممَّا يقتضي ـ حتّى تكون الوراثة بينهما صادقةً وحقيقية ـ أن تكون العلاقة بين القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة من جهة وبين عليٍّ (عليه السلام) من جهة أخرى ـ تحمّلاً وأداءً ـ على نفس مستوى العلاقة التي هي بينهما وبين النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) تماماً، وألاَّ يكون ـ في نفس الوقت ـ احدٌ آخر من بقية المسلمين على مستوى عليٍّ (عليه السلام) في هذه العلاقة فضلاً عن أن يزيد عليه فيها، ضرورة أنّه انفرد وحدَه بهذه الوراثة.
وإذا كان الأمر كذلك ـ وهو فعلاً كذلك ـ فإن وارثيه عليٍّ (عليه السلام) للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) تعني بلا شك استخلاف النبيِّ لعليٍّ (عليه السلام) وحدَه عنه (صلّى الله عليه وآله) في شأن القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة بإزاء الأمّة كلّها فيكون في كلّ ذلك قائماً مقام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله): هدايةً وريادةً وقدوةً حسنةً من جهة، وإمامةً وتطبيقاً للأحكام وتنفيذها طوعاً وكرهاً من جهة أخرى ولا يكون ذلك إلاّ بالخلافة العامّة عنه (صلّى الله عليه وآله) فإن مَن ورث من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) مواريث الأنبياء ـ دون غيره من بقية الصحابة ـ يكون وحده هو المؤهل دونهم لأن يكون إمام الأمّة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخليفته عليها إذ لا يستحق أن يكون إماماً وخليفة إلاّ من كان كذلك وهو ما لم يتوافر لأحدٍ من المسلمين لغير عليٍّ (عليه السلام).
غير أن هنا سؤالاً ملحّاً يطرح نفسه ويتلخص في أنّه:
إذا كان الكتاب والسنَّة النبويَّة لم يكونا ـ يوم الدار ـ قد اكتملا تبليغاً فضلاً عن تطبيقهما والإلزام بهما ـ ومن ثم لا يمكن القول بأنّ عليّاً (عليه السلام) كان بالنسبة لهما حينئذٍ على مستوى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) فيهما، تحمّلاً وأداءً ـ فكيف يُفهم إخبار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) بوراثة عليٍّ (عليه السلام) له فيهما وبخاصّة أنّها تقتضي أن يكون الوارث على مستوى المورث تماماً بإزائهما؟
والإجابة عن هذا السؤال المهم تتمثَّل في جملة أمور:
أوّلها: أن الوراثة دائماً لا تكون إلاّ بعد موت المورِّث لا في حياته، ومن ثم فعند موت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) سيكون القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة ـ بلا شك ـ قد اكتملا تبليغاً تاماً وتطبيقاً عامّاً وإلزاماً صارماً.
ثانيها: ما سبق ذكره من أن الإسلام ـ حتّى يكون منطقيّاً مع نفسه كدين خاتم وعام للبشرية كلّها إلى آخر يوم من عمر الدنيا ـ لا بدّ من أن يعدَّ من يكمل مهمة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاته في تحقيق التغيير الشامل الكامل في نفسية جميع تابعيه بتخليصهم من كلّ رواسب ما قبله وصياغتها إسلاميّاً بما يحقق المجتمع الإسلامي الرشيد، كخطوة ضرورية لأن يعبد الناس ربَّهم، لا يشركون به شيئاً باعتبار ذلك هو الغاية من خلقهم كما يعبر عنها الله تعإلى بقوله: جلّ شأنه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} طالما أن حياة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) لن تمتد حتّى يستكمل (صلّى الله عليه وآله) بنفسه التغيير المطلوب، المحقق لهذه الغاية.
ثالثها: أن العناية الإلهية دبَّرت أن يكون علي (عليه السلام) منذ طفولته ـ في كفالة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) من قبل البعثة فتعهَّد بما جعل منه الشخص الوحيد الذي كان حينئذ، خالياً من جميع أدران الجاهلية وشوائب ما قبل الإسلام ومن ثم فهو الوحيد، من بين الحاضرين يوم الدار، الذي يمكن ـ إذا استوعب كلّ ما يبلِّغه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) لفظاً ومعنًّى وغايةً ـ أن يكون وحيد المسلمين صلاحيةً لأن يشارك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دوره في إحداث التغيير المطلوب.
رابعها: أن النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) استمرَّ بعد بعثته (صلّى الله عليه وآله) وحتّى آخر يوم من حياته (صلّى الله عليه وآله) الشريفة ـ في تعهّد عليٍّ (عليه السلام) وإعداده لإتمام دوره الخطير في إكمال ذلك التغيير المطلوب ومن مظاهر ذلك.
1 ـ يوم الدار:
(أ) ما رواه محمد بن العباس بن مهيار ـ في تفسيره ـ عن أبي رافع من أن رسول الله جمع بني عبد المطلب في الشِّعب ـ وهم يومئذ ولده لصلبه وأولادهم أربعون رجلاً ـ فصنع لهم رجل شاة… ثمّ دعاهم فقال لهم… أيكم يقوم فيبايعني؟… فأمسك القوم… فقام عليّ ـ وهم ينظرون إليه كلّهم ـ فبايعه وأجابه إلى ما دعا إليه فقال: ادنُ منّي فدنا منه، فقال له: «افتح فاك» ففتحه، فتفل فيه من ريقه وتفل بين كتفيه وبين ثدييه، فقال أبو لهب: لبئس ما حبوت به ابن عمّك، أجابك لما دعوته إليه فملأت فاه ووجهه بزاقاً؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «بل ملأته علماً وحلماً وفقهاً».
(ب) ما روي في كنز الكراكجي عن أبي رافع أيضاً من هذا الحديث مع تغيير طفيف في بعض الألفاظ لا يغيِّر المعنى وجاء في ختامه فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «ملئ حكمةً وعلماً وفقهاً».
(جـ) ما رواه الطبري في تاريخه أن رجلاً قال لعليٍّ (عليه السلام): يا أمير المؤمنين لم وَرثت ابن عمِّك دون عمِّك؟ فقال: هاؤم (ثلاث مرّات) حتّى اشرأب الناس ونشروا آذانهم ثمّ قال: جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ أو دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ بني عبد المطلب… فقال… أيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟… قال ثلاث مرّات كلّ ذلك أقوم إليه فيقول لي: «اجلس» حتّى كانت الثالثة ضرب بيده على يدي، فقال: «فلذلك ورثتُ ابن عمي دون عمي».
2 ـ فيما بعد يوم الدار إلى آخر يوم من عمره الشريف:
(أ) ما رواه النسائي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) من أقواله:
1 ـ كنتُ إذا سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أُعطيت، وإذا سكتُّ ابتدأني.
2 ـ كان لي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مدخلانِ: مدخلٌ بالليل ومدخلٌ بالنهار.
3- كانت لي منزلة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم تكن لأحد من الخلائق، كنتُ أدخل على نبيِّ الله كلّ ليلةٍ فإن كان يصلِّي سبَّح فدخلت وإن لم يكن يصلّي أذِنَ لي فدخلت.
(ب) ما رواه النسائي أيضاً عن أم سلمة (عليها السلام) أنّها كانت تقول: «والذي تحلف به أم سلمة، أن إقرب الناس عهداً برسول الله (صلىالله عليه وآله) علي: قالت: لمّا كان غداة قُبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأظن أنّه كان بعثه في حاجة ـ فجعل يقول: جاء عليّ؟ (ثلاث مرّات) فجاء قبل طلوع الشمس فلما جاء عرفنا أن به إليه حاجة فخرجنا من البيت ـ وكنا عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بيت عائشة ـ وكنت في آخر من خرج من البيت ثم جلست من وراء الباب، فكنت أدناهم إلى الباب، فأكبَّ عليه علي (عليه السلام) فكان آخر الناس به (صلّى الله عليه وآله) عهداً فجعل يسارُّه ويناجيه».
(جـ) ما رواه السيوطي عن ابن عمر قال: أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال في مرضه: ادعوا لي أخي، فدعوا له أبا بكر فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي، فدعَوا له عمر فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي، فدَعوا له عثمان، فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي، فدَعوا له عليَّ بن أبي طالب فستره بثوبه وأَكبَّ عليه، فلمّا خرج من عنده قيل: ما قال لك؟ قال: علَّمني ألف باب ويفتح لي من كلّ باب ألف باب».
3- بصفة عامة:
(أ) ما رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي إسحاق: «سألت قثم بن العباس كيف ورث عليّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: لأنّه كان أولنا به لحوقاً وأشدَّنا به لُزوقاً».
(ب) ما رواه أبو نعيم في حليته عن ابن عباس قال: كنّا نتحدّث أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عهد إلى عليٍّ سبعين عهداً لم يعهدها إلى غيره.
وممّا تقدّم جميعه يتبيَّن أن عليّاً (عليه السلام) كان ـ بإعداد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) بالنسبة لجناحَي الإسلام ممثَّلين في القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة ـ على مستوى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) تماماً، سواء من جهة التحمّل أو الأداء أو من جهة التلازم والتلاحم والتوافر بصفة مستمرة ممّا عبَّر عنه الرسول (صلّى الله عليه وآله) بقوله: «تركتُ فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وعتري أهل بيتي وإنّ اللطيف الخبير أنبأني أنّهما لن يفترقا حتّى يَرِدا عليَّ الحوض يوم القيامة». وإذا كان هذا شأن علي (عليه السلام) ـ من جهة كونه رأس العترة بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) ـ بالنسبة للقرآن الكريم فهو شأنه أيضاً بلا شك بالنسبة للسنَّة النبويَّة باعتبارها بيان النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) لهذا القرآن الكريم.
رابعاً: وصاية عليٍّ (عليه السلام) عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله)
معناها ـ دلالتها ـ أثرها
الوصية لغةً، العهد، يُقال أوصاه، ووصَّاه، توصيةً: عَهِدَ إليه([248]): وفي الاصطلاح الفقهي: ـ عهد خاص بتمليك عين أو منفعة ولو تبرعاً أو فك مُلك، أو تسلّط على تصرُّف بعد الوفاة([249]).
فأي المعنيين هو المقصود من لفظ «وصي» في قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) ـ في حديث يوم الدار مشيراً إلى عليٍّ (عليه السلام): «هذا… و صيِّي…» وبعبارة أخرى: هل هذه الكلمة مراد بها معناها الاصطلاحي الخاص كما جاءت به في كتب الفقه ـ فلا تفيد فيما نحن بصدده أو بمعناها العام ـ كما جاءت به في كتب اللغة ـ فتكون عهداً من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام) في شأن موضوع الكلام يوم الدار وهو المؤازرة على أمر الإسلام دعوة إليه وجهاداً في سبيل نشره كما جاءت بذلك بعض الروايات([250])، فتكون استخلافاً له (عليه السلام) من بعده (صلّى الله عليه وآله) على كلّ ما هو داخل في ولايته (صلّى الله عليه وآله) بوصفه نبيّاً ورسولاً ـ بالنسبة للإسلام والمسلمين كليهما؟
وفي سبيل الإجابة عن هذا السؤال نقدِّم ما يأتي:
1 ـ لم تكن الوصية ـ بمعناها الاصطلاحي الفقهي الخاص ـ قد شرعت إسلاميّاً بعد، فإن ذلك اليوم كان في بدء الدعوة بمكة بينما كان تشريعها ـ بهذا المعنى الخاص ـ بالمدينة بعد الهجرة إليها. وإن كان هذا لا يمنع أن الوصية بهذا المعنى ـ أو قريباً منه ـ كانت تجري فعلاً في تصرُّفات الناس في ذلك الوقت بل ومن قبله حيث كان البعض يجريها فيما سيتركه من مال ومتاع يورَث عنه، وعلى مَن هم في ولايته من القصَّر، حيث يعهد لمن يرى أنّه يمكنه أن يباشر ـ نيابةً عنه ـ شؤون الموصى فيه أو عليه أو هما معاً.
2 ـ لم يكن للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله) حينئذ ما يورث منه حتّى يوصي فيه أحد المجتمعين يوم الدار، كما لم يكونوا جميعاً أو بعضهم قُصَّراً، أو داخلين في ولايته (صلّى الله عليه وآله) بصفة مستقلة عن كونه (صلّى الله عليه وآله) نبيّاً ورسولاً، حتّى يتصوَّر منه، الاهتمام بتعيين وصيّ عليهم من بينهم.
3 ـ جميع الروايات التي استعرضت وقائع ذلك الاجتماع ـ تفصيلاً وإجمالاً ـ لم يتضمن ما يشير، من قريب أو من بعيد إلى شيء يتَّصل بالمال الذي يمكن أن يورَث عنه (صلّى الله عليه وآله) أو القصَّر أو غيرهم من الداخلين في ولايته (صلّى الله عليه وآله) بوصفٍ مستقل عن كونه نبيّاً ورسولاً بل أجمعت كلّها على أن الأمر كان مصوّراً في شأن المؤازرة على الإسلام دعوةً إليه، وجهاداً في سبيله، وتصدِّياً لمن خالفه (صلّى الله عليه وآله) ـ كما جاءت بذلك بعض الروايات ـ وما يترتب على التقدّم إليه في هذا الشأن من العهد المتقدم بالنسبة لحاضر الإسلام ومستقبله على نحو ما تضمَّنه عرضُه (صلّى الله عليه وآله) عليهم ذلك من خلال إنذاره لهم، يومئذٍ شرطاً وجزاءً.
4 ـ أسفر الواقع، فيما بعد، أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يترك ـ عند وفاته ـ قاصراً من أولاده ومن ثم لا يتصوَّر إمكان القول بأنّ الوصاية هنا كانت بمعناها الخاص مآلاً.
5 ـ لا يمكن أن يُقال أن مراد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) من لفظ (وصي) في قوله (صلّى الله عليه وآله): أيّكم يؤازرني… فيكون… وصيِّي، معناه الخاص قاصداً عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)، باعتباره كان ـ حينئذ ـ يعيش في كنفه (صلّى الله عليه وآله) يغذوه ويربِّيه، ومن ثم يسقط الاستناد إلى حديث يوم الدار في إثبات أن النبيَّ (صلّى الله عليه وآله) كان يريد من ريادة الرعيَّة فيه معناها العام، وذلك لكلّ واحد من الأسباب الآتية فكيف بها مجتمعة؟
(أ) إنّه كان من بين الحاضرين في ذلك اليوم أبو طالب والدُ علي (عليه السلام) وهو وليُّه الحقيقي والطبيعي فكيف يُتصوَّر مع وجود أبي طالب، أن يوصي النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) في شأن عليٍّ (عليه السلام) وصاية خاصّة بمعناها الفقهي بينما يمنع منها أن من يملكها، فعلاً بخصوصه، هو أبو طالب الذي إن شاء أوصى في شأنه ابنه عليّاً (عليه السلام) وإن شاء لم يوص؟ كما أن أحداً لم يذكر أن غير عليٍّ (عليه السلام) من الحاضرين يومئذ كان قاصر السنِّ وداخلاً في ولاية النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) بصفة مستقلة عن كونه نبيّاً ورسولاً، حتّى يُتصوَّر انشغاله (صلّى الله عليه وآله)، حينئذ بترتيب شؤونه وأموره من بعده (صلّى الله عليه وآله) فيوصي بشأنه وصاية خاصّة.
(ب) أن قوله (صلّى الله عليه وآله): فأيكم… إلخ ـ بضمير المخاطبين ـ يعمُّ جميع الحاضرين بمن فيهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ومن ثم لا يمكن أن يكون لفظ «وصي» في هذا العرض النبويِّ مراداً به معناه الفقهي الخاص بعليٍّ (عليه السلام)، وبالتالي لا يكون مراداً به إلاّ معناه العام.
(جـ) أن مجال الوصاية بمعناها الخاص أجنبي عن موضوع العرض النبويّ الذي تقدَّم به (صلّى الله عليه وآله) لتعيين وصيٍّ بخصوصه من بين الحاضرين، فمجالها هو ما حدَّده النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) بقوله: فأيكم يؤازرني على هذا الأمر… إلخ، يعني (صلّى الله عليه وآله) بذلك ـ دون خلاف من أحد ـ الإسلام، دعوةً ونصرةً، ممّا يكفي لمنع إرادة المعنى الخاص للوصية أن يكون له مورده هنا.
(د) وأخيراً وليس آخراً فإن اعتماد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) لتقدُّم عليٍّ (عليه السلام) إليه (صلّى الله عليه وآله) قابلاً عرضه (صلّى الله عليه وآله) المشار إليه وتربيته (صلّى الله عليه وآله) على ذلك تنفيذ جزاء الشرط لقوله (صلّى الله عليه وآله) ـ مشيراً إلى عليٍّ (عليه السلام): هذا أخي… وصيِّي… إلخ يسد جميع الأبواب والمنافذ على إمكان أن يقال: أن المراد بالوصاية هنا معناها الخاص مقصوداً به عليّ بن أبي طالب، لمجرد أنّه كان في كنف النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) ويعيش في رعايته وإنّما يؤكد أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ حينما تقدَّم بعرضه المشار إليه ـ شرطاً وجزاءً ـ للجميع بمن فيهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان يعني الجميع بمن فيهم عليٌّ (عليه السلام) نفسه. ومن ثمّ لا يُتصوَّر ـ والحالة هذه ـ أن يكون قد دار بخلده (صلّى الله عليه وآله) وهو ينطق بلفظ «وصي» معناها فقهياً مطلقاً سواء كان ذلك بالنسبة لعليٍّ (عليه السلام) أو بالنسبة لغيره من الحاضرين.
وإذن ففي ضوء هذه الأمور وغيرها ممّا تقدَّم جميعه يتبيّن أنّه لا سبيل لإرادة المعنى الخاص من الوصية في هذا المقام ومن ثم لا يبقى إلاّ أن تكون مرادةً فيه بمعناها المنصبِّ على الإسلام بصفة مطلقة استيعاباً وتبليغاً وتطبيقاً ورعايةً له وللداخلين فيه ممّا لا يمكن تفسيره بغير الإمامة لهذه الأمّة بعده (صلّى الله عليه وآله) خلافةً عنه (صلّى الله عليه وآله) فيها للقيام بشؤون الإسلام كلها سلماً وحرباً، كما كان من الرسول (صلّى الله عليه وآله) تماماً بكلّ أبعاد ذلك وتبعاته الأمر الذي يؤكده:
1 ـ ما صدر من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) ـ عقب قراره (صلّى الله عليه وآله) في هذا الشأن ـ من قوله (صلّى الله عليه وآله) للحاضرين جميعاً: «فاسمعوا له وأطيعوا» وذلك حينما أحجموا كلّهم عمّا عرضه (صلّى الله عليه وآله) عليهم رجلاً رجلاً في هذا الشأن فلم يتقدَّم إليه (صلّى الله عليه وآله) فيه إلاّ عليّ (عليه السلام).
2 ـ ما صدر من الحاضرين ـ عقب ذلك منه (صلّى الله عليه وآله) ـ من قولهم لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمّر عليك ـ كما جاءت بذلك الروايات ـ ممّا لا يمكن تفسيره إلاّ بأنّه (صلّى الله عليه وآله) ـ بقوله ذاك ـ كان يؤمِّره عليهم فقد كان هذا هو ما فهموه جميعاً. ومن المعلوم أن الروايات يفسِّر بعضها بعضاً.
خامساً: خلافة([251]) علي (عليه السلام) للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) فور وفاته (صلّى الله عليه وآله) خلافة عامّة
وجوب الخلافة العامة فور وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ دور النبي (صلّى الله عليه وآله) بالنسبة لمن يليها بعده (صلّى الله عليه وآله)؛ إعداداً وتبليغاً ـ إعداده (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) لها ـ استخلافه (صلّى الله عليه وآله) عليّاً بالفعل وإبلاغه (صلّى الله عليه وآله) بذلك ـ دفع بعض الشُّبه ـ قرائن مؤكّدة.
1 ـ لا جدال في أن «الخلافة العامة» عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الأمّة من بعده (صلّى الله عليه وآله) أمر يجب تحقيقه شرعاً فور وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) مباشرة دون فاصل زمني، وهكذا بصفة مستمرة، خليفة بعد خليفة ـ دون انقطاع ـ ضرورة أن الإسلام:
(أ) دين المستقبل للبشرية كلّها منذ البعثة النبويَّة إلى يوم القيامة.
(ب) يمثّل التنظيم الإلهي لجميع مجالات الحياة البشرية في هذه الدنيا خلال الفترة الزمنية المشار إليها.
(جـ) حجة الله الدائمة على الناس.
ممّا يقتضي ضرورة وجود من ينهض ـ باستمرار ـ بتبليغ أحكامه والقيام على تطبيقها وتنفيذها دون تعلُّلٍ منها في صغيرة أو كبيرة من شؤون الإنسان في الحياة كلّها، حتّى تظل الحجة لله قائمة على الناس طول هذه الحياة ويكون حسابهم في الآخرة على أساس قيامها.
2 ـ ولا جدال أيضاً في أن النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو مبلغ هذا الحكم ومعلِّمه للأمّة مخاطَب به أيضاً ومن ثم فهو مطالب بالعمل على تنفيذه ضماناً لاستمرار الأداء الرسالي للإسلام من بعده (صلّى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة كما كان في حياته (صلّى الله عليه وآله).
ممّا يقتضي منه (صلّى الله عليه وآله) ـ لتنفيذ هذا الواجب الشرعي ـ أن يقوم بأمور ثلاثة ضرورية وهي:
(أ) إعداد من يتحقق به تنفيذ هذا الواجب الإسلامي استمراراً لقيام الحجة لله على الناس من بعده (صلّى الله عليه وآله) كما كان قيامها به (صلّى الله عليه وآله) في حياته الشريفة.
(ب) استخلافه (صلّى الله عليه وآله) فعلاً لمن أعدّه لهذا المنصب بمسؤولياته الجسام، التي كان ينهض هو (صلّى الله عليه وآله) بها في حياته.
(جـ) إبلاغه الأمّة بهذا الاستخلاف بالنسبة لمن أعدَّه لهذا المنصب، لضمان ما يأتي:
(1) أَلاَّ يحدث فراغ من هذا المنصب، فتتعطل الأحكام عند تنفيذه.
(2) سدّ باب التنازع بين المتنافسين حول هذا المنصب، حتّى لا تطوِّق الفتنة أوضاع الدولة وهي لمّا تزل في مبدأ تكوينها.
(3) حماية صفوف الأمّة ـ لو لم يستخلف ـ من الانقسام في الولاء بين المتنافسين، وما يترتب على ذلك من القضاء على وحدتها فضلاً عن اضطراب مسارها نحو نشر الإسلام وتوسيع رقعة دولته، وربما ترتَّب على ذلك انتكاس الامر على نفسه وهو لمّا يزل في أوّل خطواته.
ممّا يقتضي منه (صلّى الله عليه وآله) ـ وهو من قال الله تعإلى في شأنه (صلّى الله عليه وآله): {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ـ أن يعمل على كلّ ما يمنعه ويحول دونه، وبخاصّة أن نصوص الكتاب الكريم والسنَّة الشريفة كلّها تؤكد ذلك وتدعو إليه.
3 ـ فهل قام النبي (صلّى الله عليه وآله) بإعداد من يلي أمر الأمّة من بعده؟ وهل استخلفه فعلاً؟ وهل أبلغ الأمّة بهذا الاستخلاف؟
وفي الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة تؤكد الشيعة أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أعدّ عليّاً (عليه السلام)، وحده للخلافة العامة عنه (صلّى الله عليه وآله) على الأمّة فور وفاته (صلّى الله عليه وآله)، وأنّه (صلّى الله عليه وآله) عيَّنه لولاية هذا المنصب فور هذه الوفاة، وأنّه (صلّى الله عليه وآله) أبلغ الأمّة بهذا الاستخلاف يوم الدار، واستمرّ يتابع الإبلاغ في شتّى المناسبات والمواطن بعد ذلك اليوم، وبيان ذلك:
أوّلاً: من جهة الإعداد له وحده (عليه السلام) للخلافة العامة عنه (صلّى الله عليه وآله) فور وفاته (صلّى الله عليه وآله).
فقد سبق أن أشرنا إلى احتضان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ (عليه السلام) منذ طفولته بصورة أبعدته عن جميع أجواء الجاهلية، وجعلته منزّهاً عنها جميعاً، بما هيَّأ له من وسائل التربية السليمة، التي جعلته لا يحمل في طياته وحنايا نفسه شيئاً، إطلاقاً، من رواسبها، فقد كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يتولَّى بنفسه تربيته، وهو صبيٌّ، بما يحميه من تأثيرات ما يعيشه غيره من لِدَاتهِ القرشيين، كي يجعله صورةً من نفسه (صلّى الله عليه وآله)، ممّا يعبر عنه الإمام (عليه السلام) بقوله ـ كما جاء في نهج البلاغة: «… وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني فراشه، ويمسني جسده، ويُشمني عَرْفَهُ، كان يمضغ الشيء ويلقمنيه. ولقد كنت أتَّبعه اتِّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور كلَّ سنة بغار حراء، فأراه ولا يراه غيري».
فهذا الأسلوب الذي حكاه الإمام (عليه السلام) لتربية النبي (صلّى الله عليه وآله) له، ليس طبيعيّاً لو لم يكن الهدف منه أسمى من وجهه المعتاد.
إنّه (صلّى الله عليه وآله) ـ بلا شك ـ كان يريد له (عليه السلام) البعد عن جميع الأجواء التي كانت مسيطرةً على سلوكيات الناس حينئذ، مع تكوينه ـ سلوكيّاً ـ على أساس يختلف عن تلك الأجواء، فهو (صلّى الله عليه وآله) يرفع له في كلّ يوم علماً من أخلاقه (صلّى الله عليه وآله)، ويأمره (عليه السلام) بالاقتداء به (صلّى الله عليه وآله)، ولا يكتفي بذلك، بل يصحبه حتّى لموضع خلوته في غار حار، حيث يتحنَّث ويتعبَّد. ومن ثم فليس عجباً ألا يعلق بنفسه (عليه السلام) ـ وهو صبي ـ شيء من رواسب الجاهلية يتنافى مع الأسّس التي أدَّب الله تعإلى عليها نبيَّه (صلّى الله عليه وآله) وكوَّن عليها سلوكه (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ جاء الإسلام فأكدها ـ بعد ذلك ـ ضمن ما جاء به من شرائع وتعاليم، وبالتالي كان طبيعيّاً جداً أن يكون هذا الصبي أسرع الناس إلى الاستجابة للرسالة الجديدة التي أُرسل بها كافلُه ومربِّيه، والإيمان بها دون تردُّد، وانطلاقه في نصرتها دون تهيُّب أو خوف. وما ذلك إلاّ لسبب بسيط هو أنّها جاءت على وفق واقعه النفسيِّ الذي كوَّنه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأعدَّه عليه، أو على الأقل لم يكن في نفسه ما يحول بينه وبين هذه الاستجابة، فكانت فوريَّةُ إيمانه بها بمجرد عرضها عليه، وكانت مبادرته لنصرتها بكلّ صورة النصرة، وكان فناؤه ـ نتيجة تكامل عقيدته ـ في الدفاع عنها وعن صاحبها، أشهر من أن يحتاج إلى إثبات، ذلك لأنّ العقيدة ـ أي عقيدة ـ إذا صادفت من إنسان ما، قلباً خالياً ممّا يزاحمها من الرواسب المعاكسة، فإنّها تتمكن منه، وتسيطر عليه، بما يكوِّن سلوكياته في ضوئها، ويحدّدها بصورة تجعل من المستحيل عليه الخروج عن مقتضياتها، أو التخلف عمّا تستدعيه من أداء مطيع لكل متطلباتها، في جميع حالاتها، وهذا هو ما كان من عليٍّ (عليه السلام) دون جدال أو اختلاف.
ثانياً: من جهة استخلافه فعلاً:
وانفراد عليٍّ (عليه السلام) بهذا الإعداد النبوي، الذي لم يصل إلى مستواه أحدٌ ممن دخل الإسلام على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ حتّى صار بذلك نموذجاً مكرراً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قلباً وقالباً، وقولاً وعملاً ـ هو الذي جعله المؤهَّل الوحيد، لأن يليَ منصب الخلافة على الأمّة فور وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله). ولهذا استخلفه النبي (صلّى الله عليه وآله)، فعلاً، عنه لولاية أمر الأمّة من بعده (صلّى الله عليه وآله).
وأوّل نصٍّ وصل إلينا ـ في شأن هذا الاستخلاف ـ هو حديث يوم الدار، الذي نحن في معرض دراسته وتحليله واستخلاص دلالاته. وقد رأينا منه أنّه صريح في النص على انفراد عليٍّ (عليه السلام) ـ دون غيره من المسلمين ـ بالآتي بالنسبة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله):
1 ـ الأخوَّة والصحبة بينهما. بمعنى يخصهما، لا يشاركهما فيه غيرهما من بقية المسلمين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
2 ـ وراثته (عليه السلام) ـ وحده دون غيره من المسلمين ـ لرسول الله في القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة، وهما قوام الإسلام ومصدر تشريعاته وإطارها العام.
3 ـ وصايته (عليه السلام) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ وصايةً عامة ـ في شأن الإسلام والمسلمين من بعده (صلّى الله عليه وآله).
4 ـ ولايته الأمر من بعده.
5 ـ استخلافه (عليه السلام) على الأمّة من بعده (صلّى الله عليه وآله).
ممّا يقتضي أن يكون عليّ (عليه السلام) وحده ـ دون غيره من بقية المسلمين ـ هو إمام هذه الأمّة وخليفتها فور وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الأمر الذي اقتضى من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يهيئ النفوس لتقبل ذلك، وبخاصّة بالنسبة لمن يتوقع منهم التطلع إلى هذا المنصب والتنافس عليه.
وقد توالت الأحاديث النبويَّة ـ حول هذا المعنى ـ بعد حديث يوم الدار، تؤكد مضمونه جملةً وتفصيلاً، من مثل قوله (صلّى الله عليه وآله): «لكلِّ نبيٍّ وارث ووصي، وإنّ وصيي ووارثي عليّ بن أبي طالب» وما إليه من الأحاديث التي تنزع كلّها عن قوس واحدة، وتستهدف كلّها مقصوداً واحداً، محدَّداً، فضلاً عن نوع آخر من التصريحات النبويَّة التي تؤكد أنّه لا فارق بينه (صلّى الله عليه وآله) وبين عليٍّ (عليه السلام)، وأنّهما شيء واحد، مبنًى ومعنًى، ووظيفةً دينية إسلامية، إلاّ فيما يتعلق بالنبوّة والرسالة فقط ممّا لا يدع مجالاً لغيره (عليه السلام) أن يتطلّع إلى مكانته (عليه السلام) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبالتالي من الأمّة:
1 ـ فبالنسبة لوحدتهما مبنًى ومعنًى، يوضحها مثل قوله (صلّى الله عليه وآله):
(أ) «علي منّي، وأنا منه، لحمُه لحمي، ودَمُه دَمي».
(ب) ««كُنت أنا وعلي نوراً بين يدَي الله عزَّ وجلَّ، يسبِّح الله ذلك النورُ ويقدِّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام. فلمّا خلق الله آدم اودع ذلك النور في صلبه، فلم يزل (أنا وعلي شيء واحد)… إلخ».
ولهذا لم يكن عجباً أن يكون عليّ (عليه السلام) «نفس» رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بنص القرآن الكريم في قول الله تعالى: {تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}([252]).
فقد ترجم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) «أبناءنا» ـ في هذه الآية ـ بالحسن والحسين (عليهما السلام) كما ترجم «نساءنا» فيها بابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وترجم «أنفسنا» فيها بعليٍّ بن أبي طالب، وذلك عندما توجّه للمباهلة، يمشي أمامه الحسنان (عليهما السلام) ومن خلفهم فاطمة (عليها السلام) ومن ورائها بَعْلُها عليّ (عليه السلام). مع وجود غيرهم من الأهل والأقارب سواء كانوا عَصَبة أو ذوي أرحام.
2 ـ وبالنسبة لوحدتهما وظيفة دينية إسلامية: يوضحها مثل:
(أ) قوله (صلّى الله عليه وآله) مخاطباً علياً: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون بن موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» فإن قرينة قوله (صلّى الله عليه وآله): ـ في نهاية الحديث ـ «إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» تعني:
(1) أن هذه المنزلة لعليٍّ (عليه السلام) منه (صلّى الله عليه وآله) إنّما هي وظيفة دينية، كما كانت منزلة هارون من موسى وظيفة دينية.
(2) أن هذه الوظيفة الدينية لعليٍّ (عليه السلام) كانت ـ لولا أن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان خاتم الأنبياء والرسل ـ تكون مشاركة النبيّ في النبوة والرسالة، فيما يتعلّق بما بُعث به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من دين الإسلام، كما كانت وظيفة هارون مع موسى مشاركته في النبوَّة والرسالة فيما بُعث به موسى إلى قومه، من الدين، مع ما يترتب على ذلك من آثارٍ بالنسبة لعليٍّ (عليه السلام) كما ترتبت بالنسبة لهارون (عليه السلام) تماماً، في كلّ ما يتعلق بتبليغ الرسالة وتطبيقها، أداء مشتركاً في الحضور، واستخلافاً في الغيبة مطلقاً.
(ب) قوله (صلّى الله عليه وآله) عنهما معاً ـ مبيِّناً وظيفة كلٍّ منهما إسلاميّاً، طالما كان (صلّى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء والرسل: «ففيَّ النبوّة وفي عليٍّ الإمامة» ممّا يعني أن الإمامة لعليٍّ (عليه السلام) مع النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) في شأن الإسلام قائمة مقام النبوّة والرسالة التي لهارون (عليه السلام) مع موسى (عليه السلام) في شأن الدين الذي بُعث به موسى (عليه السلام) لقومه تبليغاً وتطبيقاً وخلافة. ومن ثمّ كان قوله (صلّى الله عليه وآله):
(1) «عليّ منّي وأنا من عليّ» «لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ».
وكان من تطبيقات ذلك:
(أ) قيام عليٍّ (عليه السلام) يوم الهجرة النبويَّة برد الأمانات ـ التي كانت عند النبي (صلّى الله عليه وآله) قبل الهجرة ـ لأهلها.
(ب) قيام عليٍّ بتبليغ سورة «براءة» إلى الناس يوم الحج الأكبر تنفيذاً لأمر الوحي بألاَّ يبلِّغ عنه إلاّ هو أو واحد منه ـ بعد سبق تكليفه (صلّى الله عليه وآله) أبا بكر بذلك.
(2) قوله (صلّى الله عليه وآله) ـ عن عليٍّ (عليه السلام): «هو وليُّ كلِّ مؤمنٍ من بعدي» ـ «هو وليّكم بعدي».
(3) قوله (صلّى الله عليه وآله) عن عليٍّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».
ومن كلّ ما تقدّم يتّضح أن اختيار النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ ابن أبي طالب (عليه السلام) ليكون من بين جميع أبناء عمّه أبي طالب، في كفالته وتربيته ـ حينما اقتضت ظروف عمّه الاقتصادية أن يتقدّم (صلّى الله عليه وآله) هو وعمّه العباس ليتحمّل كلّ منهما واحداً من أبناء عمّه أبي طالب، تخفيفاً عنه من أعبائه الأسرية التي كانت تُرهقه أيّما إرهاق ـ لم يكن وليد صدفة غير محسوبة قدريّاً وإنّما كانت نتيجة عناية ربانية، وتدبيراً إلهيّاً محكماً لحساب دين الله الذي أعدّ له محمداً (صلّى الله عليه وآله)، فأدَّبه وأحسن تأديبه، كخطوة تمهيدية ضرورية وأساسية لتكوين المجتمع الإسلامي المستهدف… مجتمع المتقين، الذي يعبد الناس فيه ربَّهم مخلصين له الدين، ومن ثم يتاح له (صلّى الله عليه وآله) أن يتَّخذ معه (عليه السلام) الأسلوب التربوي سالف الذكر مرويّاً على لسان علي (عليه السلام) ليكون هو الإمام والخليفة على المسلمين من بعده (صلّى الله عليه وآله)، فتستمر قافلة الدعوة على نفس المستوى أداء متطابقاً في شتّى المجالات.
ولقد كان يوم الدار ـ كما أسلفنا من قبل، والدعوة لمّا تزل في أوّل خطواتها ـ هو أوّل مناسبة أعلن فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) استخلاف عليّ (عليه السلام) عنه في أمر الإسلام وأمّة الإسلام ودولة الإسلام، تأسيساً على خصائص فيه ليست في غيره، حدَّدها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) بالأخوَّة والصحبة بينهما والوراثة له (صلّى الله عليه وآله) والوصاية عنه (صلّى الله عليه وآله) والولاية بعده (صلّى الله عليه وآله).
وفي دراسة الأيام الخمسة القادمة وظروفها وملابساتها ما يدل على أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان لا يدع مناسبة تمر دون أن يؤكد مدلول حديث يوم الدار ـ جملةً وتفصيلاً ـ على ما سيأتي بيانه، خلال خمسة بحوث نتناولها جميعاً، يوماً يوماً.
دفع بعض الشُّبه
غير أنّه يرد ـ مع كلّ ما تقدَّم ـ أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) قيد قوله ـ يوم الدار عن عليٍّ (عليه السلام): «هذا… خليفتي…» بقوله: «فيكم» أو «في أهلي» ممّا قد يفهم منه ما يحول دون أن يكون المراد بهذا الحديث إعلان استخلاف علي (عليه السلام) على الأمّة كلّها فور وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) خلافة عامّة، لأنّ أيّاً من هذين التعبيرين حصر مجال كلمة «خليفتي» في بني هاشم وحدهم، دون غيرهم من بقية الأمّة ـ باعتبار أن ضمير الخطاب في كلمة: «فيكم»، أو تناول كلمة «أهلي» لا يتجاوزهم إلى غيرهم ـ ومن ثم تكون الخلافة في هذا الحديث بمعنى خاص، وبالتالي يسقط الاستناد إلى حديث يوم الدار في إثبات دعوى أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) بدأ ـ بهذا الحديث ـ الإبلاغ عن خلافة عليٍّ بن أبي طالب عنه على الأمّة بمعناها العام المتناول للأمّة كلّها.
ولكن يدفع هذا الإيراد ما سبق ذكره ـ عند الكلام على مراد الرسول (صلّى الله عليه وآله) من لفظ «وصيِّي» في هذا الحديث ـ حيث أثبتنا أن ليس للرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ بوصف مستقل عن كونه نبيّاً ورسولاً ـ أيّة ولاية على بني هاشم وفيهم أعمامه، حتّى يحدّد لهم من يخلفه بخصوص موضوعها سواء كان منهم أو من غيرهم. ومن ثم ينتفي إمكان أن يراد بالخلافة هنا معناها الخاص، الذي يشير إليه الإيراد وبالتالي يبقى أن يراد بها معناها العام، المستمد من صفة رسالته (صلّى الله عليه وآله) لتكون الخلافة هنا بمعناها العام، المستوعب لكلّ ما يتَّصل بمهمَّته (صلّى الله عليه وآله) الإسلامية بالنسبة لكلِّ من هي موجّهة إليه. ولا أدل على ذلك من أن هذا هو ما فهمه بنو هاشم بأنفسهم ـ وهم المخاطبون بهذه الكلمة ـ إذ رتَّبوا عليه قولهم لأبي طالب: «أمرك أن تسمع لابنك وتطيع» أو «أطع ابنك فقد أُمِّر عليك».
فواضح أن بين كلّ من العبارتين والأخرى رابطة التلازم، ممّا يدفع إرادة المعنى الخاص للخلافة هنا. وبخاصّة أنّه لا يمكن ـ في نطاقها الخاص ـ استخلاف عليٍّ (عليه السلام) على أعمامه بصفة عامّة فضلاً عن أبيه أبي طالب بصفة خاصّة وإن كان يمكن على أساس معناها العام ـ تأميره عليهم جميعاً بمن فيهم والده أبو طالب كما حدث ذلك بالنسبة للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله) بعد أن بُعث رسولاً.
لكن يبقى أن يُقال: على فرض التسليم بأنّ المراد من الخلافة ـ في هذا الحديث ـ معناها العام لكنّها بقرينة «فيكم» أو «في أهلي» مقصورة على نطاق بني هاشم وحدهم، دون بقية الناس، وبخاصّة أن صدر الحديث كما في بعض رواياته ـ يتضمن استهلال الرسول (صلّى الله عليه وآله) كلامه إلى بني هاشم قوله: «إنِّي رسول الله إليكم بخاصّة وإلى الناس بعامّة» ومن ثم لا يكون حديث يوم الدار إعلاناً من الرسول (صلّى الله عليه وآله) باستخلاف عليٍّ (عليه السلام) خلافة عامة بالنسبة للمسلمين جميعاً خصوصاً أنّه ليس هناك من يقول أن مجرد خطاب بني هاشم بخاصّة يكون خطاباً للناس بعامّة، وبالتالي تظل الخلافة بمعناها العام ـ بالنسبة لبقية الناس بعامّة مع صحة «حديث يوم الدار» ـ غير محدّدة في شخص عليٍّ ابن أبي طالب، ويكون ادّعاء ذلك في حاجة إلى دليل يثبته من خارج «حديث يوم الدار» ممّا يسقط دلالته في هذا المجال.
وقبل الإجابة عن هذا الإيراد نبادر فنوضح ماذا يراد باستخلافه (صلّى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ خلافةً عامّة ـ على بني هاشم بخاصّة في ضوء أن كلمة «فيكم» ـ أو كلمة «في أهلي» ـ بعد كلمة «خليفتي» في هذا الحديث تعني تحديد مجال إعمال لفظ «خليفتي» ببني هاشم فقط؟
والأمر في هذا المجال ـ يتوقف على تحديد «ما صدق» كلمة «فيكم» هنا؛ هل هي من قبيل القضية الخارجية التي لا تتناول إلاّ المخاطبين بأشخاصهم فقط دون الغائبين منهم أو فيهم، أو هي من قبيل القضية الحقيقية التي تتناول المخاطبين بأشخاصهم، كما تتناول الغائبين منهم أو فيهم فإن كانت من قبيل القضية الخارجية فإنّها تعني أن الشاهدين من بني هاشم دون الغائبين منهم أو من سلالتهم ـ هم المكلفون فقط بمقتضى الأمر النبويِّ لهم بقوله (صلّى الله عليه وآله): «فاسمعوا له وأطيعوا»، ما دام كلّ منهم، فقط على قيد الحياة.
ولعلَّ ممّا يشهد لكونها من قبيل القضية الخارجية:
1 ـ أن الشاهدين للاجتماع من بني هاشم فهموا الأمر النبوي في هذا الصدد على أنّه تكليف لهم بالسمع والطاعة لعليٍّ (عليه السلام)، فكان قولهم لأبي طالب: أمرك أن تسمع لابنك وتطيع، أو قولهم «أطع ابنك فقد أُمِّر عليك» باعتباره ملزوم «فاسمعوا له وأطيعوا».
2 ـ أن العباس بن عبد المطلب ـ وهو العم الوحيد الذي بقي حيّاً بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ وكان أسَنَّ منهما ـ تقدّم إلى عليٍّ بعد وفاة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) مباشرةً قائلاً له «امدد يمينك أبايعك فيقال: عمُّ رسول الله بايع لابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان».
3 ـ أن العباس نفسه ـ حينما لم يستجب إليه ابن أخيه علي بن أبي طالب لمّا رأى أن الظروف، بعد السقيفة، أصبحت لا تسمح بهذه البيعة ولا تتّسع لها، ظلّ ملتزماً باتِّباع موقف ابن أخيه عليٍّ بن أبي طالب من أبي بكر الذي استخلف، امتناعاً عن البيعة، أوّلاً، حين كان عليّ ممتنعاً، ثمّ مبايعته لأبي بكر، ثانياً، حينما بايع عليّ لأبي بكر ملتزماً في كلّ ذلك بأمر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) يوم الدار: «فاسمعوا وأطيعوا».
4 ـ ما جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد حينما سأله شيخه… بما ملخصه: هل لو كان حمزة بن عبد المطلب (عمُّ النبي) أو جعفر بن أبي طالب (الأخ الشقيق لعليِّ بن أبي طالب) حَيِّين أو أحدهما ـ بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ هل كانا يبايعان لعليّ؟ فأجاب نعم وعلّل إجابته هذه بقوله «إنّه الدين» ومن ثمّ فالأمر ـ في هذا المجال ـ إمّا دين أو لا دين، بلا واسطة بينهما ولا ثالث لهما، وبالتالي إذا كان ديناً فأيّهما كان حيّاً ـ بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ فقد كان سيبايع، حتماً لأنّه إذا لم يبايع سيكون خارجاً على الدين، وكيف يُتصوَّر في واحد قد جاهد جهادهما في سبيل هذا الدين أن يخرج عليه؟
أمّا إذا كانت القضية هنا من قبيل القضية الحقيقية التي تتناول الشاهد والغائب وحينئذ يكون مدلول كلمة «فيكم» يساوي مدلول كلمة «في أهلي» ـ فإن هذا يعني أن تنصيب النبي (صلّى الله عليه وآله) خليفة له في بني هاشم يشملهم جميعاً ـ شاهدين وغائبين ـ على مدى المستقبل الزمني كلّه، منذ تمّ هذا التنصيب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ممّا يترتب عليه:
(أ) أن يكون تخلِّي الشاهدين من بني هاشم عن قبول ما عرضه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) عليهم من أمر الخلافة، تعبيراً منهم ـ بمقتضى كون القضية حقيقية ـ عن تخلِّي الغائبين من سلالة كلّ منهم، عن التصدّي لهذا الأمر ورضاء بألاَّ يكون فيهم ولا في ذريتهم من بعدهم ومن ثم ينحصر الأمر ـ من بين بني هاشم جميعاً ـ في عليٍّ بن أبي طالب فسلالته من بعده لأنّه ـ وحده دونهم جميعاً ـ هو الذي تقدَّم لهذا الأمر في حضورهم كلّهم بعد أن أحجموا فكان هذا القبول منه تحمّلاً لتكاليف هذا الأمر وكان هذا التقدّم ـ بمقتضى كون القضية حقيقية ـ منتقلاً منه إلى من يكون أهلاً له من أولاده.
(ب) أن يكون بنو هاشم ـ بمقتضى كون القضية حقيقية ـ مخاطَبين جميعاً ـ سواء منهم الشاهد أو الغائب بموجب تنصيب عليٍّ خليفةً عليهم، وهو ما عبَّر عنه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) بقوله: «فاسمعوا له وأطيعوا» يستوي في ذلك من بقي منهم على قيد الحياة حين يحين وقت إعمال هذه الخلافة أو مَن وُجِدَ منهم بعد يوم الدار وبرزت في حياته مناسبة لهذه الإعمال. ومن ثم لا يكون لأحد من الغائبين من بني هاشم ـ على مدى المستقبل كلِّه، بمقتضى كون القضية حقيقيةً ـ أن ينازع الحق أهله من ذرية علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مجال الخلافة بمعناها الذي تمَّ من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) لعليّ بن أبي طالب يوم الدار.
وأمّا فيما يتعلق بماذا يمكن أن تدل عليه الخلافة ـ بمعناها العام ـ على بني هاشم بخاصّة بالنسبة لغيرهم من الناس بعامّة، وهو ما يحقّق الإجابة عن الإيراد المطروح فإن ذلك يتمثل في الآتي:
1 ـ أن منطلق تخصيص بني هاشم بالنسبة لرسالة النبي (صلّى الله عليه وآله) في مقابلة رسالته للناس بعامّة إنّما كان باعتبار أنّهم ـ دون غيرهم من بقية الناس ـ المسؤولين عن تحمّل أمانة هذا الدين ـ على ما بيَّنا أسبابه سلفاً ـ ومن ثم كان اختيار الله تعإلى لرسوله محمد (صلّى الله عليه وآله) من بينهم. وبالتالي فهم يمثِّلون المستوى القيادي لهذا الدين، باعتبارهم المؤهَّلين لذلك وحدهم، دون سواهم من بقية الناس نتيجةً لكونهم الحلقة العليا في سلسلة الاصطفاء الرباني لتحمُّل أمانة دينه وتبليغه للناس.
2 ـ أن وحدة موضوع الرسالة ـ سواء بالنسبة لبني هاشم بخاصّة أو لغيرهم من الناس بعامّة ـ يقتضي أن يكون بصدد البيان والتأويل لآيات الكتاب واحداً لكلا الجماعتين حتّى لا يحدث التخالف أو التضارب بالنسبة للمراد من نص واحد لا يعني قطعاً إلاّ مراداً واحداً من مُنزله سبحانه، ومن ثم فلما كان هذا متمثلاً للجميع ـ بني هاشم وغيرهم ـ في شخص واحد هو الرسول (صلّى الله عليه وآله) أثناء حياته (صلّى الله عليه وآله) فلا بد أن يكون كذلك بعده (صلّى الله عليه وآله) متمثلاً للجميع أيضاً في شخص واحد، هو مَن يكون خليفة فيهم وعليهم، لنفس السبب والحكمة.
وعلى ذلك فتولية خليفة على هؤلاء من بينهم ـ ولا يمكن إلاّ أن يكون بسبب ذلك من بينهم ـ يكون خليفة على غيرهم من باقي المسلمين بعامّة، لأنّ المفترض منذ البداية أن قيادة هذا الدين، بين الناس، انحصرت في أفراد الحلقة الأخيرة في سلسلة الاصطفاء الربَّاني لدينه الخاتم، وهم يمثلون «ما صدق» هذه الحلقة ممَّا يوضحه ويشهد له صيغة العرض النبوي على بني هاشم يوم الدار بقوله (صلّى الله عليه وآله): «فأيكم يوازرني على هذا الأمر ويكون أخي وصاحبي ووارثي ووصيِّي ووليِّي وخليفتي فيكم من بعدي… إلخ». حيث لم يقل ـ ابتداء ـ قد اتَّخذت عليّاً أخاً وعيَّنته وصيّاً لي وخليفة عنّي فيكم أو عليكم، ممّا يعني أن كلاًّ منهم جميعاً ـ بمقتضى كونهم أفراد الحلقة الأخيرة لسلسلة الاصطفاء الربَّاني لتحمُّل أمانة الدين ـ أهل لهذا المنصب. وإلاّ لَمَا جاز أن يصدر هذا العرض منه (صلّى الله عليه وآله) موجهاً إليهم جميعاً باعتباره يبلغ ذلك عن ربِّه صاحب الاصطفاء وهو الذي كلَّفه بإنذارهم ومن ثم كان كلّ واحد منهم أهلاً لأن يلي هذا المنصب غير أن تقدّم عليّ (عليه السلام) وحده ـ بعد إحجامهم جميعاً ـ بإزاء هذا العرض هو الذي رجَّحه عليهم فكان تعيينه من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) أخاً وصاحباً ووارثاً ووصيّاً ووليّاً وخليفةً له فيهم… إلخ. وبالتالي كان أمره (صلّى الله عليه وآله) لهم بأن يستمعوا له ويطيعوه كنتيجة طبيعية لهذا التعيين والتنصيب.
وإذا كان الأمر كذلك بما يتضمَّنه أن كلاًّ منهم ـ بمقتضى عرض الرسول (صلّى الله عليه وآله) المشار إليه ـ أهل لأن يكون أخاً ووارثاً ووليّاً وخليفةً فيهم بخاصّة ليكون كذلك خليفةً في الناس بعامّة بطريق الأولى كما كان (صلّى الله عليه وآله) تماماً رسولاً واحداً إلى بني هاشم بخاصّة وإلى الناس بعامّة.
على أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يغفل البيان ـ في هذا الصدد ـ بالنسبة للناس بعامّة بخصوص من تكون له الولاية عليهم من بعده (صلّى الله عليه وآله)، فقد أوضح (صلّى الله عليه وآله) أنّه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأدلى بهذا البيان في مواطن كثيرة كان أبرزها ما حدث يوم غدير خُمّ، أثناء منقلبه من مكة قافلاً إلى المدينة بعد حجّة الوداع.
قرائن مؤكدة:
على أن حديث يوم الدار تضمن ـ في نهاية قرار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) يوم الدار في شأن علي بأنّه أخوه وصاحبه ووصيُّه ووليُّه وخليفته ـ ثلاث قرائن متوالية تؤكد كلّ منها منفردةً ـ فكيف بها مجتمعة ـ أن استخلاف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ (عليه السلام) في هذا الحديث.
كما كان بعضها الآخر في غير شأن عليٍّ (عليه السلام) سواء كان غير متَّصل به بأيَّة جهة أو كان متصلاً به بجهة ما، كما في حديث الثِّقلَين الذي يقول (صلّى الله عليه وآله) فيه: «تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلُّوا بعدي…».
والآن نجيب عن الأسئلة الثلاثة المطروحة حول كلمة «بعدي» هنا:
فأمّا عمّا يريده (صلّى الله عليه وآله) منها فهو تحديد المجال الزمني للوجود الخارجي بالنسبة لما ربطه بها وعلَّقه عليها، من أحكام أو وقائع.
وأمّا عن مداها الزمني ـ بدايةً ونهايةً ـ فإنّه يستغرق المدّة الزمنية الباقية من عمر الدنيا ابتداء ممّا يلي صعود روحه (صلّى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى مباشرةً، وانتهاءً بيوم يرث الله الأرض ومن عليها، ضرورة إطلاقه (صلّى الله عليه وآله) لبعديَّته دون أن يقيدها بما يحدّد مداها الزمني بحدٍّ معيَّن أو بما يمنع هذا المدى أن يأخذ مجراه وفق دلالتها المطلقة.
وأمّا ما يترتب على ربط أي شيء ببعديَّته (صلّى الله عليه وآله) فهو يتمثّل في أمور كثيرة منها:
1 ـ أن المجال الزمني لوجود هذا الشيء في الخارج سواء كان حكماً أو حادثةً ـ لا يبدأ إلاّ بالبداية الزمنية الخارجية لهذه اللفظة ولا يتصوَّر أن يحدث قبلها.
إنّ هذا الشيء الذي رُبط ببعديَّته (صلّى الله عليه وآله) يكون من قبيل الحكم الذي لا يكون نسخه مطلقاً، لا قبل البداية الزمنية لهذه البعديَّة ولا بعدها. وذلك لما يأتي:
(أ) أمّا بالنسبة لما قبل هذه البداية فلأنّه يكون من قبيل النسخ قبل وقت الابتلاء وهو ممنوع ولا قائل به.
(ب) وأمّا بالنسبة لِمَا بعد هذه البداية فلأنّه لا يوجد ـ بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) ـ من يمكنه مباشرة عملية النسخ تبليغاً أو إنشاء.
(جـ) أن مجال تنفيذ قوله (صلّى الله عليه وآله): «فاسمعوا له وأطيعوا»، لا يمكن إلاّ أن يكون من بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) باعتبار موجب تحقيق الولاية العامّة لعليٍّ (عليه السلام) فعلاً وهو ما لا يكون إلاّ بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) كما ذكرنا، وإلاّ فواجب السمع و الطاعة في حياته إنّما لقوله (صلّى الله عليه وآله) فقط باعتباره وليَّ الأمر الوحيد، الذي جاءت النصوص بطاعته وأنّ طاعته هي طاعة الله تعالى: «{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}».
وفي ضوء هذه الأمور لا يمكن القول بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان قد دخل في برنامجه ـ تبليغاً أو بياناً بصفة مطلقة ـ أن يكون له خليفة بعده (صلّى الله عليه وآله)، غير عليٍّ (عليه السلام) ممّا يُسقط كلَّ قول باستخلافه غيرَه (عليه السلام) أو بترك الأمر، دون استخلاف على النحو الذي سيأتي تفصيله وتدليله في موقعه من حلقات هذا البحث.
2- فيما يتعلق بدلالة عبارتَي «يقضي ديني» و«ينجز مواعيدي»:
لقد رتَّب النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) على تعيينه (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) ـ يوم الدار ـ خليفة بعده (صلّى الله عليه وآله) أن يقوم عليّ بأمرين:
(أ) ـ أن يقضي دينه (صلّى الله عليه وآله).
(ب) ـ أن ينجزَ مواعيده (صلّى الله عليه وآله).
وهذان الأمران ولا شك لازمان من لوازم الخلافة العامّة التي تعني إمامة عليٍّ (عليه السلام) للأمّة كلِّها وقيامه مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ فور وفاته (صلّى الله عليه وآله) ـ في كلّ شؤونها كما كان الرسول (صلّى الله عليه وآله)، تماماً وذلك لأنّ الخلافة عن الميت ـ أي ميت ـ بمعناها الخاص، لا تعني أكثر من دخول ما تبقَّى من مال الميت ـ بعد تجهيزه، وقضاء دينه، وتنفيذ وصاياه ـ على ملك الوارث جبراً عنه دون اختيار منه ممّا يعني أن قضاء دين الميت وإنجاز مواعيده ووصاياه واقع على عهدة التركة من قبل أن يظهر أثر خلافة الوارث عن الميت فيما تبقَّى من ماله بعد ذلك، ومن ثم فلو أن خلافة عليٍّ (عليه السلام) للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) في هذا الحديث من قبيل الخلافة الخاصّة عن الميت لَمَا كان من لوازمها أن يقضي (عليه السلام) ديونه (صلّى الله عليه وآله)، ولا أن ينجز (عليه السلام) مواعيده (صلّى الله عليه وآله)، بدليل ـ أيِّ دليل ـ على أن الخلافة فيه ليست من قبيل الخلافة الخاصّة عن الميت وإنّما هي من قبيل الخلافة العامّة عن وليِّ الأمر الذي كانت ديونه ديون الدولة وكانت مواعيده وتعهداته واتِّفاقياته هي مواعيد ومعاهدات واتِّفاقيات الدولة باعتباره كان ممثلها والمتحدِّث والمتصرِّف باسمها، ممّا يعني ـ بالضرورة… إمامة عليٍّ (عليه السلام) للأمّة كلّها من بعده (صلّى الله عليه وآله) وخليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في إدارة جميع شؤونها والوفاء بجميع التزاماتها، فهذه هي الخلافة وحدها التي تقضي بأن يكون عليّ (عليه السلام) ملزماً بقضاء ديون النبي (صلّى الله عليه وآله) وإنجاز مواعيده (صلّى الله عليه وآله) وهو الذي كان ـ من قبل ـ وليَّ أمر الأمّة، وممثلاً لدولتها وناطقاً ومتعهداً باسمها، فتكون كلُّ التزاماته الخاصّة والعامّة، قِبَلَ الغير، التزاماتٍ عليها لأنّها كلّها نشأت بسببها ممّا يجعل من يلي موقعه (صلّى الله عليه وآله) في الدولة ملتزماً بنفس التزاماته كلّها، تطبيقاً لقاعدة الغرم بالغنم وإن كان الأداء في الحالتين من بيت مالها.
الخاتمة
إنّ من أحاط علماً بسيرة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) في تأسيس دولة الإسلام وتشريع أحكامها وتمهيد قواعدها وسنِّ قوانينها، وتنظيم شؤونها عن الله عزَّ وجلَّ يجد عليّاً (عليه السلام) وزير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أمره وظهيره على عدوِّه وعيبة علمه، ووارث حُكمه ووليِّ عهده، وصاحب الأمر من بعده.
ومَن وقف على أقوال النبيِّ (صلّى الله عليه وآله) في حلِّه وترحاله يجد نصوصه في ذلك متوافرة من مبدأ أمره إلى منتهى عمره([253]).
ويجدر بي ـ قبل أن أنهي هذا البحث الموجز ـ أن أشير إلى أن من يراجع هذا الحديث (حديث يوم الدار) في مسند أحمد([254]) يعلم أن رجاله كلّهم ثقات، وسائر طرقه متواترة متناصرة، يؤيد بعضها بعضاً.
وحسبك في تصحيح ثبوته من طريق الثقات الأثبات، الذين احتجَّ بهم أصحاب الصِّحاح وكلُّهم من رجال الصِّحاح بلا كلام.
وعليه، فلا مندوحة من القول بصحة هذا الحديث من طريق أهل السنَّة، الذين يحتجون في إثبات الإمامة، بكلّ حديث صحيح، سواء كان متواتراً أو غير متواتر، فنحن نحتج عليهم بهذه الصحة من طريقهم، إلزاماً لهم بما ألزموا به أنفسهم أما استدلالنا به([255]) على الامامة فيما بيننا فإنّما هو لتواتره من طريقنا. ودعوى أنّه إنّما يدل على أن عليّاً خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أهل بيته خاصّة مردودة فإن كلّ من قال بأنّ عليّاً (عليه السلام) خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أهل بيته قائل بخلافته العامّة، وكلّ من نفى خلافته العامّة نفى خلافته الخاصّة ولا قائل بالفصل.
وفي ختام هذا البحث أعتقد أن أحداً لا يلومني حين أعتقد أنّه إذا كان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) ـ وهو {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) أن هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} ـ قد جعل من عليٍّ (عليه السلام) يوم الدار أخاه وصاحبه ووارثه ووصيَّه، ووليَّه، وخليفته من بعده (صلّى الله عليه وآله) مؤمِّراً إيّاه منذ ذلك اليوم وهو لَمَّا يَزل في مقتبل عمره مع وجود مشيخة عشيرته الأقربين فقد جعل منه إنساناً لا يمكن أن يساويه في فضله ولا في منزلته منه (صلّى الله عليه وآله) أيُّ إنسان آخر غيره ممَّن كانوا حوله (صلّى الله عليه وآله) من المسلمين فضلاً عن أن يزيد عليه في شيء من ذلك ومن ثم فكيف يكون مطروحاً أن يكون غيره أهلاً لأن يقود الأمّة من بعده (صلّى الله عليه وآله)؟
وعسى أن أكون ـ بهذا البحث ـ قد انتهيت ببعض المطلعين عليه إلى أن يشاركوني الرأي فيما أعتقده، وببعض آخر منهم إلى مراجعة أنفسهم من جديد ـ وطرح الموضوع أمام عقلهم ليناقضه متحرِّراً من مسلَّمات تلقّنها دون دراسةٍ موضوعيةٍ من قبل. أمّا أولئك الذين لم ينل بحثي هذا من سالف ما نشؤوا عليه، فإنّني أدعو الله لي ولهم بالتوفيق إلى ما فيه الرشاد و الصواب ولعلَّهم يشاركونني في التوجّه معاً، إلى الله تعإلى بما علَّمنا سبحانه أن نقوله في كلّ صلاة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}.
وليكن آخر دعوانا جميعاً: «أَنْ الحمد لله رب العالَمين».
اليوم الموعود
كتاب للسيد محمد صادق الصدر ضمن موسوعته عن غيبة الإمام المهدي والتي في أربع مجلدات هي الغيبة الصغرى، الغيبة الكبرى، تاريخ ما بعد الظهور، واليوم الموعود وقد حاولنا إدراج هذا البحث من الكتاب لما فيه من أهمية:
المستقبل السعيد للبشرية في التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية
منهجية البحث في هذا القسم:
يتم الكلام في هذا القسم خلال ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: في الأسّس العامة التي يقوم عليها هذا التخطيط، وينبثق منها.
المرحلة الثانية: في تفاصيله.
المرحلة الثالثة: في بعض تطبيقاته ومناقشات حوله.
المرحلة الأولى
الأسّس العامة للتخطيط الإلهي
ـ 1 ـ
تبتني هذه الفكرة على الإيمان بوجود خالق الكون الحكيم القادر، ولا يمكنها أن تنطلق من زاوية مادية على ما سنعرف.
وقد أصبح هذا الإيمان علينا سهلاً، بعد أن ناقشنا الفكر المادي في القسم الثاني من هذا الكتاب، واستطعنا بكل وضوج، إثبات فشله في تفسير الكون من ناحية وبطلان الفكرة التي يحملها عن مناشىء الدين، وعن التعويض عن الخالق بالقوانين العامة، وغير ذلك. ونحن نحيل القارىء في الاطلاع الكامل على تفاصيل العقائد الدينية على بحوث غير هذا الكتاب.
ـ 2 ـ
وقد سبق أن أشرنا خلال عرضنا لمناقشات الماركسية حول تأثير قوى الإنتاج في تطوير المجتمع، إلى أن محركات الكون وأسباب حوادثه وتطوراته عموماً والمجتمع البشري خصوصاً، تنقسم إلى ئلاثة أقسام:
القسم الأول: الأسباب الطبيعية العامة، التي تسمّى عادة بالقوانين الكونية، وهي قهرية التأثير وخارجة عن اختيار الإنسان، وشاملة لسائر الكون بما فيه المجتمع البشري نفسه.
القسم الثاني: العلة الغائية من وجود الكون، كما سبق أن أوضحناها، وسيأتي الشيء الكثيرمن تفاصيلها.
القسم الثالث: الأفعال الإرادية والاختيارية أو الواعية للبشر انفسهم، أو لأي فاعل مختار عموماً.
وقد عرفنا أن القسمين الأول والثالث، خاضعان خضوعاً كليأ وقهرياً للقسم الثاني، باعتبار أن الأهداف التي توخاها الخالق الحكيم القدير من خلقه للكون، لا بد أن تحدث، وإلا كان ذلك مخالفاً لفكرة استهدافه لهذه الأهداف، ومن ثم مخالفاً لحكمته وناقضاً لغرضه، وهو مستحيل بالنسبة إلى الحكيم المطلق.
وقد أسّس الخالق القدير القسمن الأول والثالث من الأسباب من أجل أن تكون طريقاً سهلاً، أو هي أفضل الطرق، لإيجاد تلك الأهداف البعيدة ومن هنا لا يمكن لهذه الأسباب ـ مع الحاجة إليها ـ أن تتخلف، كـما لا يمكن لها ـ مع عدم الحاجة إليها ـ أن تكون عائقاً عن تلك الأهداف، بل إن السبب الأصلح لإيجاد تلك الأهداف هو الذي يأخذ طريقه إلى الوجود، لا محالة.
وقد أشرنا في رسالتنا عن «المعجزة في المفهوم الإسلامي» إلى أن الأغلب هو وقوع السببن المشار إليهما في طريق تحقق تلك الأهداف، ومن هنا جعلهما الخالق الحكيم ساريي المفعول في كونه، إلا أنه قد يحدث أحياناً أن تتوقف تلك الأهداف على انخرام بعض تلك الأسباب، كالتخلف الجزئي لقانون الجاذبية مثلاً، فإن انخرامها يكون ضرورياً، وبقاءها في عالم الوجود في ذلك المورد يكون مستحيلاً، بل تتبدل لا محالة إلى ما هو الأصلح لإيجاد الأهداف العليا من الكون. وهذا هو الأساس الأعمق لوجود المعجزات وفلسفتها.
وكذلك السبب الثالث، وهو وعي الناس وحرية إرادتهم، فانه مصمم خصيصاً لأجل الوصول إلى تلك الأهداف. وقد أعطي الناس حدوداً معينة للنشاط تنسجم مع تلك الأهداف، بمقدار ما هو موافق للحكمة الواقعية للأشياء. ومن ثم قلنا، خلال مناقشتنا لقوى الإنتاج الماركسية: إن اختيار الإنسان لا يعقل أن يحول دون الوصول إلى تلك الأهداف، بل إن أي فعل أو أي قول من أي إنسان، صالحاً كان أو باطلاً، ضحلاً كان أو عميقاً، مؤثراً كان أو عاطلاً، واقع لا محالة ضمن الطريق الموصلة إلى تلك الأهداف.
وهذا ـ كما أشرنا أيضاً ـ لا يقتضي الالتزام بالجبر، أو قسر الناس على أفعالهم من قبل الخالق، لأن الأهداف ـ كما سنعرف ـ متوقف إنجازها على الاختيار، فإذا ارتفع الاختيار وحصل القسر زال الطريق الأفضل إلى تلك الأهداف، وهو خلاف الحكمة ونقض للغرض، وهو يستحيل من الحكيم، وسنلمع إلى فكرة عن توقف تلك الأهداف على الاختيار
ـ 3 ـ
يستحيل أن تكون العلة للكون، هي حصول الكمال في ذات الخالق، أو حصول نفع له بأي شكل من الأشكال: بعد أن برهن في بحوث العقائد الاسلامية، أنه هو الكامل المطلق المستغني عن كل شيء، وليس في ذاته حالة متوقعة يمكن حصولها بمثل هذه المقدمات.
وإنما تعود العلة الغائية، ويتعلق (الهدف) بالكون نفسه، وهو ـ كما سبق أن عبرنا ـ: وصوله إلى كماله الممكن له، يعني أحسن حالة واقعية يمكن أن يصل إليها الكون في طريق حركته نحو الأفضل.
وهذه الحالة الواقعية ليس لها تحديد حدي، لأن مراتب الكمال المعقولة أو الممكنة، كثيرة جداً أو غير متناهية؟ إذن، فكل ما في الأمر: أن الكون يتكامل ويتكامل بالتدريج المستمر، نتيجة لعوامل معينة، ومهما وصل إلى مرتبة من الكمال، طرق باب المرتبة اللاحقة، وهكذا، ولكنه يستحيل أن يصل إلى اللانهاية، كما قام البرهان عليه.
وحسبنا من ذلك الان، أن نعرف: أن هناك مراتب عليا من الكمال الكوني، يقصدها الكون بحركته نحو الأفضل، طبقاً لتدبير الخالق وتخطيطه.
وقد ألمعنا فيما سبق إلى أننا لا نستطيع أن ندرك كنه تلك الحالة الواقعية وتفاصيلها، ما دمنا موجودين في ضمن المرحلة المعاصرة والحالة الحاضرة، ومحددين من كل جهاتنا بحدود زمانية ومكانية وفكرية لا فكاك لنا منها([256]).
ـ 4 ـ
وإذا طبقنا هذه العلة الغائية على البشرية، أمكن ذلك أيضاً، بل هو ضروري الانطباق، باعتبار أنّ البشرية جزء خاص من الكون العام.
فالبشرية أيضاً سائرة نحو كمالها الممكن لها والحالة العليا الواقعية المستهدفة لها. وهي تسير أيضاً طبقاً للسببين الأوّل والثالث اللذين ذكرناهما وحللنا تأثيرهما.
ولكنّنا نستطيع أن نضع عدّة فروق بين تكامل الكون وتكامل المجتمع، نذكرها كأطروحة محتملة، لا كشيء تام النجاز.
أوّلاً: إن إيجاد الكون في حركته اضطراري وقسري. بمعنى أنّ السبب الأوّل، وهو ما يسمّى بالقوانين الكونية، هو الذي يحرّكه نحو الكمال. وبتعبير آخر أصحّ: إنّ بعض أجزائه تقسر بعضاً على الحركة، وليس له حرية الاختيار.
في حين أنّ حركة البشرية نحو الكمال، متوقفة على الاختيار وحرية الإرادة، حيث يصبح الفرد أفضل إذا اختار الفعل الأحسن، كما يصبح هو الأدون إذا اختار الفعل الأسوأ، ولا تكامل من دون حرية.
ثانياً: إن الكون في حركته طويل الأمد جداً، قد لا يمكن قياسه حتى بملايين السنين، على حين أن حركة البشر نحو الكمال، ليس بذلك الامتداد، ولم يفكر أحد أو يزعم أن عمر البشرية مثل عمر الكون بأي حال.
ثالثاً: إن الأهداف المتوخاة للبشرية يمكن تصورها وتحديدها إلى حد كبير، بخلاف الأهداف الكونية، فإنها غير محددة في أذهاننا. ولعل ذلك يعود إلى بعد الأهداف الكونية، وقرب الأهداف البشرية نسبياً، والغاية كلما كانت ـ أقرب، كانت أوضح وأصرح.
رابعاً: إننا لا نستطيع أن ندرك فقط أهداف البشرية، بل الأساليب والطرق الفضلى التي دبرها الخالق للوصول إلى تلك الأهداف. وسيأتي الالماع إلى تلك الأهداف وإلى طرقها، فانها هي التي تشكل الأساس الحقيقي لفكرة التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية.
فهذه أهم الفروق بين الكون والبشرية. وسنفرض صحتها ردحاً من الزمن. لا بمعنى أنها باطلة في الواقع، ولكن بمعنى أنها قد تكون مبالغاً فيها، وأن الفجوة بين البشرية والكون أقل بكثيرمما تعطيه هذه الفروق. ولعل تسلسل البحث كفيل بإبراز هذا المعنى تدريجاً.
ولا ينبغي أن يكون التقليل من حدودها، منتجاً لبطلان نتائجها الآتية، وإنما تتحدد نتائجها في حدود صدقها، بطبيعة الحال. هذا معنى ما قلناه من أننا سنفرض صحتها ردحاً من الزمن.
ـ 5 ـ
من الواضح، بعد الذي قلناه، من تسخير السببين الأول والثالث لمصلحة السبب الثاني، وهو الأهداف المتوخاة من وراء وجود الكون… من الواضح أنه لا يمكن أن يوجد شيء من تطبيقات ذينك السببين ناقصاً عن حاجة تلك الأهداف، كما لا يمكن أن تكون التطبيقات زائدة أيضاً. إذ أن وجودها بهذا الشكل أو ذاك يعني عدم التوصل إلى تلك الأهداف بالشكل المطلوب، وهو مخالف للحكمة وللغرض فيكون مستحيلاً.
وعدم إمكان النقصان، يعني أمرين:
الأمر الأول: إن ساحة الكون العامة، أو مجموع تسلسل الحوادث في الكون، لا يحتوي على أي نقصان، بل كل الحوادث الواقعة يحتاجها الكون لا محالة لوصوله إلى غاياته.
الأمر الثاني: أي شيء بعينه مما قد يحتاجه الكون في هذا الصدد، في الواقع، فهو موجود بالضرورة، ولا يمكن أن لا يكون كذلك. لا يختلف في ذلك الماضي والحاضر والمستقبل.
كما أن عدم إمكان الزيادة يعني أمرين موازيين لذينك الأمرين السابقين:
الأمر الأول: أن ساحة الكون العامة، لا تحتوي على أي زيادة، بل كل الحوادث الواقعة فيه، إنما هي محتاج إليها فعلاً في الوصول إلى الأهداف وليست زائدة بأي حال.
الأمر الثاني: أن أي شيء بعينه مما لا يحتاجه الكون في الوصول إلى أهدافه، يعتبر زيادة، ومن ثم لا يمكن أن يكون موجودأ.
ومهما يكن السبب الأول قهرياً اضطرارياً، ومهما يكن السبب الثالث وهو اختيار الناس وأفعالهم، فعالاً وقوياً، إنه لا يمكن أن يخرج عما هو مكرس له وهو إيصاله إلى تلك الأهداف، ومن ثم لا يمكن أن يخرج عن هذه الأمور الأربعة. وبتعبيرآخر: لا يمكن لشيء في الكون أن يُحدث النقيصة أو الزيادة فيه بالنسبة إلى إيصاله إلى أهدافه.
ـ 6 ـ
ومن أهم تطبيقات هذه الفكرة، وجود البشرية نفسها، وتكاملها أيضاً، والتخطيط من أجل هذا التكامل.
إذ يتبرهن مما سبق أن وجود البشرية بصفته أحد أجزاء الكون، لا يمكن أن يكون زائداً ولا ناقصاً عن استهداف تلك الأهداف، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتقديم والتهيئة لتلك الأهداف لا محالة. حالها في ذلك حال كل أجزاء الكون الأخرى.
وبالطبع، فإن البشرية المتكاملة ألصق بتلك الأهداف العليا، وأكثر إنجازاً لها من البشرية الناقصة… إذن، فينبغي أن تتكامل البشرية ـ بعد أن وجدت ناقصة ـ لكي تقع في طريق تلك الأهداف. ومن هنا يثبت أن التمهيد أو التخطيط لتكامل البشرية داخل ضمن التخطيط العام لتكامل الكون والوصول إلى أهدافه العليا.
ـ 7 ـ
ومن هنا نعرف أن البشرية تعيش تخطيطين مقترنين متعاونين لأجل تكاملها نحو الأفضل.
التخطيط الأول: التخطيط الكوني العام للوصول إلى أهدافه البعيدة، تعيشه البشرية بصفتها جزءاً من إلكون العام. ومن الواضح أنه لا يخصها بالتعيين أو ينتج فيها شيئاً بصفتها الخاصة، وإنما ينتج فيها الكمال، أو يشارك فيه بصفتها جزءاً من الكون ليس إلا.
نعم، يصلح هذا التخطيط أن يكون الأساس الذي يبتنى عليه التخطيط الثاني الذي سنذكره، بمعنى أنه افترض في بناء التخطيط الثاني الفراغ من صحة التخطيط الأول؛ تماماً كما تفترض صحة قانون الجاذبية مثلاً عند بناء سيارة أو ناطحة سحاب.
وهذا التخطيط قسري التأثير في البشرية اضطراري النتائج، لأنه يعبر، فيما يعبر عنه، عما يسمّى بالقوانن الكونية العامة، التي عرفنا أنها جعلت لأجل مصلحة الايصال إلى الأهداف البعيدة.
التخطيط الثاني: تخطيط خاص بالبشرية، قائم على استعمال الاختيار في تكاملها، بمعنى أنها تتكامل نتيجة لأعمالها وتصرفاتها وردود أفعالها تجاه الوقائع المختلفة. وهذا هو الذي نسميه بالتخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية.
وهو بدوره يشارك في التخطيط الأول. فإن هذا التكامل إنما يراد من أجل التهيئة إلى الأهداف الكونية البعيدة، فيكون التخطيط الثاني مقدمة لهذه التهيئة، فهو مجعول ليكون واسطة غير مباشرة لتلك الأهداف العليا أيضاً.
ـ 8 ـ
إن السبب الثاني من الأسباب الثلاثة لتطور الكون، التي ذكرناها في الفقرة الثانية من هذه الأسّس العامة، أن هذا السبب بصفته سبباً غائياً، يعني مجرد استهداف النتائج العليا المتوخاة من إيجاد الكون. فقد يبدو لأول وهلة أن هذا السبب لا يعين الأسلوب الذي يتخذه السبب الأول الذي ذكرناه إلى جنبه، وهو ما يسمى بالقوانين الكونية، بل أن السبب الثاني يتحدد بحدود السبب الأول، أي أن استهداف تلك النتائج العليا يكون بالأسلوب الذي تتخذه تلك القوانين.
وهذه القوانن قد تكون هي القوانين الكيماوية ـ الفيزياوية بوجودها الساذج أو بتصورها البسيط. وقد تكون هي النظرية النسبية وقد تكون هي الديالكتيك الماركسي، وقد تكون هي نظرية المجال الموحد، وقد تكون أمراً آخر. إن مجرد الاستهداف لا يعين واحداً منها، بل يعمل في حدود ما هو الموجود.
هذا، ولكن الصحيح أننا تارة ننظر إلى الاستهداف بصفته واقعاً وكونياً مخططاً من قبل الخالق الحكيم. وأخرى ننظر إلى مقدار معرفتنا بذلك.
فإن نظرنا إلى الواقع، لزمنا أن نكرر ما قلناه من أن معنى الاستهداف هو اختيار الطريق الأفضل للوصول إلى ذلك الهدف، وأي أسلوب كان هو المعين وجوده في الكون، دون غيره، سواء كان هو الديالكتيك أو النظرية النسبية، أو غيرها، ويرجح تعيين الأفضل إلى الخالق الحكيم نفسه. إذن، فالاستهداف يعين القانون في الواقع، لا انه يجري في ضمن حدود القانون.
وأما طبقاً لما قلناه من إنكار وجود القوانين الكونية، فالأمر أوضح، كـما هو واضح لمن يفكر.
وإن نحن نظرنا إلى معرفتنا بالاستهداف، فإن كنا جاهلين بالأسلوب الأفضل له، وكانت كل هذه القوانين التي عددناها على حد سواء في احتمال انطباقها على الكون،… إذن، نكون عاجزين عن تعيين واحد منها بالنسبة إلى الاستهداف. وهنا يصح هذا التعبير: إن الاستهداف لا يعين قانوناً كونياً معيناً، يعني في حدود معرفتنا.
وإن كنا عالمين بالأسلوب الأفضل من هذه الأساليب أو غيرها، فنستطيع أن نجزم أنه هو المتعين، في الاستهداف الكوني العام. وأيضاً، لو كنا عالمين بعدم صلاحية بعض الأساليب أو القوانين للاستهداف، نستطيع أن نجزم بعدم وجوده وعدم سريانه في الكون، كما استطعنا البرهنة عليه بالنسبة إلى قانون الديالكتيك في القسم الثاني من هذا الكتاب.
ـ 9 ـ
وهذا الذي قلناه في التخطيط الكوني، منطبق تماما على جزئه، وهو التخطيط العام لتكامل البشرية، وهو التخطيط الثاني الذي ذكرناه في الفقرة السابعة.
فإن الاستهداف الواقعي لهذا التكامل يعين أفضل الأساليب والمناهج للوصول إليه؛ كل ما في الأمر، أننا إذا كنا مطلعين على ذلك فهو المطلوب، كـما أننا لو كنا مطلعين على بطلان بعض الأساليب أو عدم صلاحيته للاستهداف أيضاً، استطعنا نفيه أيضاً. وإن كنا جاهلين بالأصلح منها والباطل، كان الاستهداف في نظرنا محتملاً لها جميعاً.
ولكن الفرق بين التخطيط الكوني والتخطيط البشري، من حيث أساليبهما، أننا نجهل في الأغلب الأسلوب الأفضل للكون، فلئن أقمنا البرهان على بطلان الديالكتيك، بقي الباقي محتملا على أي حال. ومن هنا يضطر الباحث إلى أن يعين كون الأسلوب أو القانون صالحا للاستهداف بإقامة البرهان «العلمي» على كون الأسلوب المعين هو الصحيح الساري في الكون. فلو ثبت مثلاً، أن نظرية المجال الموحد هي السارية في الكون ثبت تبعاً لذلك أنّها هي الأسلوب الأفضل للاستهداف، إذ لو لم تكن كذلك للزم تبديلها إلى الأفضل، ومن ثم لم تكن هي السارية المفعول في الكون.
ولكن بالنسبة إلى التخطيط «البشري» يستطيع الباحث بما أوتي من فكرة وعمق، أن يدرك أن هذا هو الأسلوب الأفضل أو ذاك، أو أن هذا ليس هو الأسلوب الأفضل. إذ من الواضح أن الخصائص البشرية فردية واجتماعية، معاشة للناس وقريبة المنال إليهم، بخلاف الخصائص الكونية، فإنها بعيدة عنهم وأوسع من إدراكاتهم.
فالأساليب المحتملة لتكامل البشرية: كالعلم والدين والقانون ونظريات العامل الواحد: الجنسية أو الاقتصادية، يمكن أن نبرهن على صحة بعضها ونفي بعضها الآخر. وكل أسلوب برهنا على صحته يتعين أن يكون هو الأسلوب الأفضل والتخطيط المتبع لتكامل البشرية.
وكل أسلوب برهنا على زيفه وبطلانه في نفسه، كما أسلفنا بالنسبة إلى المادية التاريخية، يتعين عدم كونها هي السارية المفعول وعدم كونها صالحة للاستهداف.
ـ 10 ـ
وإذا أردنا أن نعقد مقارنة بين هذه الأفكار التي قلناها وبين الفهم الماركسي للكون وإلحياة، وجدنا أن التخطيط الإلهي لتكامل الكون يوازي قانون الديالكتيك الماركسي، بصفتهما يمثلاًن الأسلوب العام لقيادة الكون وتدبيره. وأما التخطيط العام لتكامل البشرية، فهو يوازي المادية التاريخية بصفتهما يمثلان الأسلوب العام لقيادة البشرية وتدبيرها.
وهنا أود أن أشير إلى أن العناصر الثلاثة التي كانت هي المغريات ونقاط القوة في الفكر الماركسي، وهي:
أولأ: تقديم نظرية عامة لفهم الكون كله.
ثائيأ: تقديم نظرية عامة لفهم التاريخ البشري.
ثالثأ: التنبوء بيوم السعادة البشرية في المستقبل.
وهذه الأمور كلها استطعنا التعويض عنها من الزاوية الإلهية، وتبديلها بما هو أفضل، كما سيتضح من المقارنة وبما يليها من البحوث.
ولدى المقارنة ينبغي بنا أن نقسم الحديث إلى مقارنة التخطيط الكوني بالقوانين الكونية الماركسية، كالديالكتيك وقانون التغير النوعي… وإلى مقارنة التخطيط «البشري» بالمادية التاريخية. وستكون المقارنة موجزة ومنطلقة من أسس عامة، وأما مقارنة التفاصيل أو المقارنة التفصيلية، فينبغي أن تفهم من مجموع البحوث الآتية.
وعند مقارنة الديالكتيك ورفاقه بما يوازيه من التخطيط نجد عدة حقائق:
الحقيقة الأولى: إن بين التخطيط الكوني والقوانين الماركسية فرقاً جوهرياً، هو: أن التخطيط يندرج قي السبب الثاني من الأسباب الثلاثة التي ذكرناها في الفقرة الثانية من هذا العرض، أعني أنه سبب غائي أو استهدافي كما عبرنا. على حين يندرج الديالكتيك ورفاقه في القسم الأول من تلك الأسباب أعني الأسباب الكونية الاضطرارية أو ما يسمى بالقوانين عادة.
وهذا الفرق يجعلنا وجهاً لوجه أمام ما قلناه قبل قليل: من أن الديالكتيك لو كان صحيحاً في نفسه، لقلنا بأنه صالح للاستهداف[257])، وجمعنا بينه وبين التخطيط الكوني، باعتبار أن السببين الأول والثاني مجتمعان دائماً وغير متنافيين، كما عرفنا. ولقلنا أيضاً أن قانون الديالكتيك ورفاقه مما جعله الخالق الحكيم في كونه لأجل الوصول إلى الأهداف البعيدة. فإن هذا القانون بحد ذاته، ليس إلحادياً، وإنما قرنه الماركسيون بالإلحاد اجتهاداً. نعم، هو قانون مادي، بمعنى أنه متعلق بالمادة ويعتبر من قوانينها، على تقدير صحته.
إلا أنه قانون غير صحيح، كـما سبق أن عرفنا مفصلاً؛ ومعه ينتج أنه غير صالح للاستهداف، وغير ساري المفعول في الكون.
الحقيقة الثانية: إن التخطيط الكوني، خال من الاشكالات التي كانت واردة على الديالكتيك ورفاقه، والتي فصلناها فيما سبق([258]). فإنها جميعاً كانت منطلقة من مفاهيم خاصة بالقوانين الماركسية، يخلو منها التخطيط الكوني تماماً.
الحقيقة الثالثة: إن التخطيط الكوني، يحتوي على عدة نقاط قوة تفقدها القوانين الماركسية:
النقطة الأولى: إن الديالكتيك يفسر حوادث الكون وتطورها. وأما بالنسبة إلى أصل وجود الكون فالماركسيون يرون أزليته وأنه لا يحتوي على حكمة وهدف بالمرة، كـما سمعنا مفصلاً.
وأما التخطيط الكوني فهو يفسر حوادث الكون وتطورها، بدلاً عن الديالكتيك ورفاقه… ويفسر أيضاً أصل وجود الكون ويعتبره ناشئاً عن حكمة وهدف لا محالة، وهو واضح بعد الاعتراف بوجود الخالق، فإن الماركسيين لا يمكنهم أن ينكروا أن الخالق لو كان، مطلق الحكمة والقدرة، إذ لم يزعم أحد وجود خالق ضعيف وجاهل… مضافاً إلى البراهين الصحيحة القائمة على ذلك.
لا يختلف الحال في وجود الاستهداف بين أزلية الكون وحدوثه، بعد الاعتراف بوجود الخالق الحكيم، إذ لولا هذا الاستهداف لما أوجده الخالق منذ الأزل… وإن كان الصحيح هو بطلان القول بالأزلية، كـما أسلفنا عند مناقشة الماركسية.
وقد يخطر في الذهن: أنه لا معنى للاستهداف مع الأزلية، إذ معها تكون قد تحققت الأهداف المطلوبة منذ زمن طويل.
إلا أن هذا الكلام غير صحيح: لأن درجات الكمال غير متناهية، كما قلنا، فمهما صعد الكون في درجات الكمال، بقيت أمامه درجات غير متناهية أيضاً، ولا يعني وجوده منذ الأزل أنه قد اتم هذه الدرجات إلى الآن، كما هو واضح.
النقطة الثانية: إن التخطيط الكوني أقوى فعالية وتأثيراً في الكون من الديالكتيك، بل من كل (قانون) كوني بعينه. باعتبار كون التخطيط سبباً خارجياً عن الكون، مفروضاً عليه من قبل حكمة الخالق القدير، بخلاف الديالكتيك وغيره فإنه سبب داخلي. ولا شك أن السبب الخارجي، وهو الخالق الحكيم، أقوى تأثيراً في قيادة الكون من قانون الديالكتيك الذي هو ـ لو صح ـ صفة من صفات المادة ليس إلا.
وقد سبق أن عرفنا أن السبب الأول أعني القوانين الكونية تابعة في وجودها ونفوذها الكوني للسبب الثاني أعني التخطيط، دون العكس.
النقطة الثالثة: إن التخطيط الكوني يشارك بدوره في تربية البشرية وتكاملها إلى جانب تخطيطها الخاص، كما سبق أن عرفنا. على حين لا يشارك الديالكتيك بأي شكل من الأشكال في تكامل البشرية إلى جنب المادية التاريخية، لو كانت بدورها تقوم بهذا التكامل. بل يبدو الديالكتيك والمادية التاريخية قانونين متفاصلين في التأثير تماماً.
نعم، الديالكتيك شامل للبشرية كشمول التخطيط الكوني، إلا أن التخطيط الكوني يؤثر فيها مربياً لها وموجباً لتصاعدها في درجات الكمال باتجاه أهدافها العليا أولاً، والأهداف الكونية البعيدة ثانياً. على حين أن قانون الديالكتيك يبدو كحركة ديناميكية في المادة جافة لا تأثير له بالمرة في نفع البشرية وكمالها.
* * *
وأما مقارنة التخطيط العام للبشرية بالمادية التاريخية، فتعطينا عدة حقائق يوازي أكثرها الحقائق التي عرفناها من المقارنة مع الديالكتيك.
الحقيقة الأولى: إن التخطيط العام للبشرية سبب غائي استهدافي، يندرج في القسم الثاني من الأسباب الثلاثة السابقة. بينما أن المادية التاريخية، حين يقصد بها تأثير قوى الإنتاج في تطويرالمجتمع وتغييره، تكون مندرجة في القسم الأول من الأسباب الثلاثة السابقة.
وقد عرفنا أن السببين الأول والثاني يمكن اجتماعهما، بل هما متعاونان ومشتركان في التأثير، إذا كان كلاهما صحيحاً وساري المفعول. فإذا صحت المادية التاريخية أمكننا أن نعتبرها الأسلوب الأفضل في التخطيط لتكامل البشرية. فإنها ـ كما قلنا في الديالكتيك ـ غير مبتنية بحد ذاتها على الإلحاد، وإن قرنها الماركسيون بذلك اجتهاداً. بل إن عدم ارتباطها بالإلحاد أوضح من الديالكتيك، لأنها لا تتضمن مثله تفسيراً عاما للكون، ومن ثم لا ترد فيها الفكرة المادية القائلة، بإمكان التعويض بها عن افتراض وجود الخالق.
هذا، ولكننا قد عرفنا بطلان المادية التاريخية، وأن تأثير قوى الإنتاج في تغييرالمجتمع وتطويره مما لا يمكن التفوه به.
وهذه الحقيقة الأولى توازي الحقيقة الأولى، في مقارنة الديالكتيك.
الحقيقة الثانية: إن التخطيط العام للبشرية يخلو من الاشكالات الواردة على المادية التاريخية، وهي كثيرة سبق أن ذكرناها مفصلاً([259]) تماماً كأخيه التخطيط الكوني بالنسبة إلى الديالكتيك.
فإن تلك الاشكالات كانت ترد باعتبار ربط تطور المجتمع بقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاح، وهذا غيرمربوط بالمرة بالتخطيط العام للبشرية، وسنعرف في المستقبل موقف هذا التخطيط من هذه المفاهيم.
وهذه الحقيقة تقابل الحقيقة الثانية من مقارنة الديالكتيك.
الحقيقة الثالثة: أن التخطيط «البشري» أكثر ارتباطاً بالتخطيط الكويى، من ارتباط المادية التاريحية بالديالكتيك، فبينما لا نجد أنّ قانون الديالكتيك لا يكاد يعني شيئاً مهماً في تنظيم أسّس المادية التاريخية وعهودها، فإننا نجد أن التخطيط البشري جزء من التخطيط الكوني وتطبيق من تطبيقاته، بل هو منجز من أجله ومن أجل أهدافه، كما سبق أن عرفنا.
وبتعبير أوضح: أن كلاً من التخطيط البشري العام والمادية التاريخية، معتمدان على رفيقهما الكوني، فلا معنى للتخطيط البشري بدون وجود تخطيط كوني، كما لا صحة للمادية التاريخية ـ ماركسياً ـ بدون الديالكتيك. لكننا من زاوية القانون الكوني، لم نجد للديالكتيك أي اعتماد على المادية التاريخية، ولا يهمه وجودها وعدمه، بل لا يهمه وجود البشرية عموماً. وأما التخطيط الكوني فهو معتمد على التخطيط البشري، فإنه جزء منه، ويهمه وجود البشرية وتخطيط تكاملها، لأن تكاملها مشارك في تكامل الكون، كما سبق أن برهنا.
ومن هنا أصبح الربط والشد بين البشرية والكون، أشد بكثير مما هو عليه
في الفكر الماركسي.
الحقيقة الرابعة: إن التخطيط العام للبشرية منجز خصيصاً من أجل تكامل البشرية وتربيتها، لكي تمر في تكامل بعهد الخير والسعادة والمستقبل الفاضل.
بينما نجد المادية التاريخية، لا تعني شيئاً من هذا القبيل، فإن الأمور ـ طبقاً لتصورها ـ تتطور بشكل عفوي خارج عن وعي الناس وإرادتهم، وإنما تتطور البشرية نحو الأفضل طبقاً لقانون قهري، لا من أجل فهم ووعي خاص. فلا قوى الإنتاج قد قصدت هذا التطور، ولا قصدته علاقات الإنتاج ولا قصده أفراد المجتمع؛ ومع ذلك يوجد هذا التطور غير المقصود!!…
الحقيقة الخامسة: إن التخطيط العام للبشرية سبب غير اقتصادي تماماً، ولا يربط تطور المجتمع بالعلاقات الاقتصادية، كما تحاول المادية التاريخية أن تفعل، حتى تكاد تصبح من نظريات ذات العامل الواحد.
وسنعرف موقف هذا التخطيط الاقتصادي وتطوراته، في مستقبل هذا البحث.
وينبغي أن نلتفت الآن إلى أن هذا التخطيط لا يمكن أن يعتبر من نظريات العامل الواحد، باعتباره غائياً استهدافياً، لا سببا فاعلياً، أي أنه من القسم الثاني من الأسباب الثلاثة لا من القسم الأول. وتقسيم النظريات إلى العامل الواحد والمتعدد، إنما يكون باعتبار القسم الأول لا الثاني. وهو ينسجم ـ كما عرفنا ـ مع أي عامل من القسم الأول أو عدة عوامل مما يثبت صحته وسريان مفعوله في البشرية.
الحقيقة السادسة: إن الماركسيين يؤكدون ـ كما سمعنا ـ وعي الناس وحريتهم في التصرف، وقد سمعنا أسلوب جمعهم بين الحرية والضرورة وناقشناه. إذن يمكن القول ـ بشكل أو آخر ـ أن المادية التاريخية متضمنة للوعي والاختيار.
وكذلك التخطيط العام للبشرية، متضمن للاختيار، بل هو مبتنٍ عليه ومنطلق منه، كما عرفنا. مع الاحتفاظ ـ بطبيعة الحال ـ بما للكون من ضرورة وقسر في أسبابه و (قوانينه)، والاختيار إنما يكون من خلال الفرص المعطاة للإنسان خلال تلك الأسباب والقوانين.
وهنا نلاحظ أن الضرورة واردة من الكون، بمعنى البشرية تعيشها بصفتها جزءاً من الكون، على حين تعيش الاختيار بصفتها الخاصة. وهذه الحقيقة تعبر عنها الماركسية بأن الضرورة واردة من قانون الديالكتيك ورفاقه وآخرية ناتجة من خلال وعي الأفراد. وأما نحن فنعبر عنه بأن الضرورة واردة من التخطيط الإلهي الكوني، الذي عرفنا أن كل الأسباب والقوانن الكونية مسخرة في صالحه. وأما الحرية، فهي صفة قد فطر عليها الإنسان من أجل إنجاح تكامله وتربيته بكلا التخطيطين الكوني والبشري.
وبهذا نعرف أن الضرورة الواردة من الكون، ضرورة عمياء في منطق الماركسية، وهي تعترف بذلك ولكنها ضرورة مبصرة وواعية ومربية في منطقنا، لأنها تتبع التخطيط الكوني للتكامل. كا أن الحرية حرية عمياء أي موجودة في الإنسان بلا هدف، في منطق الماركسيين، على حين موجودة بهدف سامٍ أصيل في منطقنا.
فهذه هي الجهات الأساسية العامة، في المقارنة بين التخطيط العام للبشرية والمادية التاريخية.
ـ 11 ـ
وهذا الأسلوب الذي اتخذناه في إثبات التخطيطين الكوني والبشري، لا يتوقف على الاعتراف بحقيقة دينية سوى الاعتراف بوجود الخالق الحكيم القادر. وهو ما استطعنا إثباته من خلال مناقشات الماركسيين.
وبهذا يكتسب هذا الأسلوب نقطة من نقاط القوة عن الأسلوب الذي أثبتنا به التخطيط «البشري» في الكتاب الثاني من هذه الموسوعة، وكان هناك بعنوان التخطيط الإلهي لليوم الموعود([260])، وسنعرف أنه تطبيق مهم من تطبيقات التخطيط العام الذي نحن بصدده. حيث كان الاعتماد الرئيسي في إثباته على النصوص الدينية الاسلامية المقتنصة من القرآن الكريم، كقوله عز وجل:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}([261]).
حيث كان لهذه الآية المجال الأكبر في إثباته، ولا حاجة بنا الآن إلى التكرار.
وذاك الاستدلال صحيح لا غبار عليه، لمن يعترف بالإسلام وبصدق القرآن؛ وأما من لا يعترف به، فسوف لا يكون دليله صحيحاً لديه. بخلاف ما ذكرناه في بحثنا الحاضر، فإنه شامل لكل مفكر منصف بمجرد اعترافه بالله تعالى.
هذا، ولكننا سنضطر في فهم تفاصيل التخطيط العام للبشرية إلى الاعتماد على النصوص الدينية، فإنه مما لا يثبت بمجرد تشغيل الذهن والتعمق بالتفكير.
ـ 12 ـ
سوف نقتصر في مستقبل البحث على الحديث عن التخطيط العام لتكامل البشرية، وندع التخطيط الكوني إلا من زاوية بعض الحاجة إليه، فإنه يحتاج إلى بحث مستقل. وقد عرفنا في أول هذا الكتاب: إننا نستهدف التعويض عن المادية التاريخية بفهم جديد للبشرية، وقد عرفنا أن ما يوازيها هو التخطيط الخاص للبشرية لا التخطيط الكوني. إذن، فمن المنطقي أن نقصر حديثنا عن هذا التخطيط المطلوب.
هذا ومن اللازم أن نشير في ختام هذه الأسّس العامة للتخطيط، أن هناك أموراً ذكرناها لدى مناقشتنا لعلاقات الإنتاج الماركسية، تعتبر جوهرية في هذا التخطيط، لا حاجة إلى تكرارها هنا… من أهمها البرهان على ضرورة استهداف الخالق الحكيم للأهداف العليا في الكون . ومنها: عدم منافاة التخطيط العام مع اختيارية الإنسان، وأن الإنسان مهما أدى من عمل فإنه يخدم الهدف البشري الأعلى، وأنه بأعماله يخدم نفسه ويخدم تلك الأهداف من حيث يدري أو لا يدري… إلى غير ذلك مما قلناه.
المرحلة الثانية
تفاصيل التخطيط الإلهي ومراحله
الأسس الخاصة
ـ 1 ـ
سبق أن ذكرنا في الكتابين الثاني والثالث من هذه الموسوعة شيئاً كثيراً من تفاصيل هذا التخطيط، فمن الضروري إذن أن نحول القارئ على ما سبق، من دون حاجة إلى التكرار. وإنما نقتصر في كل تحويل على إعطاء خلاصة موجزة فقط، حفظا لترابط الأفكار.
ـ 2 ـ
وأول سؤال يواجهنا في هذا الصدد: أنه ما هو الهدف الأعلى للبشرية الذي يستهدفه هذا التخطيط العام؟ وكيف يمكن لنا التعرف على حقيقته؟
أسلفنا قبل فترة أنه هو أحسن حالة يمكن أن تصل إليها البشرية في تكاملها نحو الأفضل أو في مسيرها نحو الكمال. وهذه عبارة على أنها لا تخلو من الوضوح، هي عبارة غامضة لا تعطي أي صفة معينة لتلك الحالة الفضلى. فهل يمكن أن نستنتج شيئاً من صفاتها أو أهم صفاتها، بطريق استدلالي معين؟
لهذا الاستنتاج طريقان، أحدهما وجداني والآخر قرآني:
الطريق الأول: إن الفكر الإنساني يحمل فكرة ما عن المجتمع الذي تتحقق فيه السعادة والرفاه. وهذه الفكرة مهما كانت غائمة وصغيرة، إلا أنها تستطيع أن تمدنا ببعض التفاصيل القليلة؛ ومن هنا صلح الفكر الإنساني مصدراً لمعرفة صفة الكمال البشري على أي حال.
وإنطلاقاً من ذلك، يفترض أن هذا الكمال الذي يدركه الفكر الإنساني بوجدانه، هو الذي يستهدفه التخطيط الإلهي في مسيره. وقد تكون هناك إضافات وتفاصيل غير مدركة له تكون مطبقة في ذلك اليوم الموعود.
يدرك الفكر الإنساني أن الخلافات الاجتماعية والحروب مصدر للشرور، وأن الاعتداء على الآخرين ـ أياً كان منشؤه ـ مصدر لها أيضاً، وأن الاختلاف في الآراء وعدم اجتماع الكلمة سبب لها أيضاً، فإذا تبدلت هذه الصفات بأضدادها فساد الوئام واتفقت الكلمة وتحسن الوضع الاجتماعي والاقتصادي، كان ذلك من الأسّس الكبرى للسعادة الاجتماعية.
ولا مناقشة لأحد في هذه الصفات. وإنما نقطة الضعف الرئيسية في هذا الطريق هو قلة الحقائق المدركة للفكرالإنساني والمتفق عليها بين البشر. إذ كثير ما يختلف الناس في أن هذه الصفة أو تلك هل هي من أسباب السعادة أو لا. ولا يبقى مما هو متفق عليه إلا حقائق قليلة ذات عموم غير تطبيقي. ومعه يحتمل أن تكون الحقائق الأخرى غير المدركة أهم تأثيراً من هذه الحقائق المدركة، كما يحتمل أن يكون تطبيق الحقائق المدركة تطبيقات خاطئة أو غير متفق على صحتها على أقل تقدير. وما هو؟ أو من هو الميزان في تشخيص صحتها من فسادها؟!…
الطريق الثاني: الاستلهام من قوله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}([262]).
حيث دلّت الآية على أن الهدف الأساسي من خلق البشرية هو عبادتهم لله الخالق القدير تعالى.
ويتم ذلك بالالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: إن اللام في قوله تعالى: {لِيَعْبُدُونِ} للغاية لا للعاقبة. وذلك: أنه يحتمل في بادىء الأمر منها أمران، بحسب المعنى اللغوي لمثل هذه اللام:
المعنى الأول: أن تكون اللام للغاية، والمراد به الاستهداف العمدي والملتفت إليه من قبل الفاعل، كقولنا: أدّب ولدك صغيراً لتسر به كبيراً.
المعنى الثاني: أن تكون اللام للعاقبة، والمراد حصول النتيجة من دون توقع، أو من دون تسبب من قبل الفاعل. كقوله: لدوا للموت وابنوا للخراب. أو بتعبير أفضل: يولد الإنسان ليموت ويبني البيت ليخرب.
ومن الواضح عدم إمكان انطباق معنى لام العاقبة على الخالق الحكيم القدير. فيتعين أن يكون اللام للغاية. فيكون المراد من الآية حينئذ: أن هناك استهدافاً عمدياً في خلق البشرية في أن توجد فيها العبادة.
الأمر الثاني: إعطاء المفهوم الصحيح للعبادة، وقد سبق أن ذكرناه في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة في أكثر من مناسبة.
إذن، فقد خلقت البشرية ـ أو الإنس ـ خصيصاً من أجل أن يعبدوا الله عزَّ وجلّ بمجموعهم تلك العبادة الكاملة… ليس هم فقط… بل الجن أيضاً؟ وهذا يدل على شمول التخطيط، أو وجود تخطيط خاص بالجن، ولكننا بصفتنا بشراً لا نعرف عنهم شيئاً ذا بال.
وقد أشرنا فى الكتاب الثالث من الموسوعة([263]) أن هذا المفهوم يعني بالتحديد إيجاد المجتمع المعصوم برأيه العام بل المعصوم بكل أفراده، فإن عمق العبادة وعمومها يقتضي هذا المعنى بالضرورة.
إذن، يمكن القول، بأن تكامل البشرية المستهدف بالتخطيط البشري العام هو: إيجاد المجتمع المعصوم.
وبهذا أصبحت الفكرة أكثر تحديداً وعمقاً مما أنتجه لنا الطريق الأول المعتمد على استلهام الفكر البشري المجرد. فإن المجتمع المعصوم هو الذي يخلو من الشحناء والحروب وتضارب الآراء ويسوده الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، على ما سنرى عند استعراضنا لصفات اليوم الموعود. ولا يمكن أن تتصف تطبيقاً لهذه المفاهيم وأمثالها بالخطأ أو الانحراف، بل هو يطبقها بشكلها الصحيح، باعتبار عصمته.
ومعه لا تكون الإيرادات التي ذكرناها على الطريق الأول واردة على الطريق الثاني.
ـ 3 ـ
ومن المعلوم وجداناً أن هذا الهدف لم يحصل بعد، إذ لا زالت البشرية تعيش التعسف والتحكم والحروب والاستغلال والظلم، تحت كل الآراء وا لنظريات.
وحيث لا بد للهدف الأعلى للبشرية أن يتحقق ليرفع الاستغلال والظلم إلى الأبد… ولا يمكن وجوده بشكل فوري أو بزمن قصير، لأن هذا غير ممكن بحسب الأوضاع أو (القوانين) الطبيعية للكون، كما هو واضح؛ واستعمال الخالق القدير قدرته في إيجاده بالمعجزة خلاف المفروض، كما برهنا عليه في (تاريخ الغيبة الكبرى)([264])… إذن، يتعين أن يوجد الهدف الأعلى بشكل بطيء وطويل، يستوعب التقديم والتمهيد له قسماً كبيراً من تاريخ البشرية.
وحيث لا يكفي التخطيط الكوني لتربية البشرية بمجرده، وإن كان يشارك فيها كما أسلفنا، لأن البشر يتصفون بصفتين أساسيتين لا يمكن للضرورات الكونية أن تؤثر أثراً مهماً في تكاملهما، وهما: العقل والاختيار أو قل إنهما: التفكـير وحرية التصرف.
إذن، تحتاج البشرية في إيصالها إلى هدفها الأعلى إلى تخطيط خاص بها، يكون دعماً للتخطيط الكوني، في تربية البشرية، وجزءاً منه في الوصول إلى الأهداف الكونية البعيدة أيضاً، كما قلنا.
ومن هنا كانت الضرورة مقتضية لوجود التخطيط لإيصال البشرية إلى أهدافها، وأن يكون موجهاً توجيهاً خاصًا لإنتاجها، شأنه شأن التخطيط الكوني، حين تجعل كل حالات الكون وصفاته موجهة لإنتاح أهدافه.
ويكون شأن هذا التخطيط كصاحبه أيضاً، في تسخير السببين الأول والثالث من الأسباب الثلاثة التي أسلفناها لصالحه. أما السبب الأول وهو التأثير الكوني الاضطراري، فباعتبار كون التخطيط البشري جزءاً من التخطيط الكوني. وحيث تكون التأثيرات الكونية مسخرة في ما هو الأعم، يكون نفس الشىء صادقاً بالنسبة إلى الأخص أو إلى ما هو من ذلك الأعم.
وأما تسخير السبب الثالث، وهو اختيار الأفراد، وحرية إرادتهم، في سبيل التخطيط العام للبشرية، فهو تسخير خاص بهذا التخطيط، كما أشرنا، وإنما يرتبط بالتخطيط الكوني، باعتباره جزءاً منه.
وقد أشرنا إلى أن «التخطيط البشري» مبتنٍ على الاختيار ومنطلق منه، باعتبار أن معنى تربية البشرية وتكاملها الذي هو المعنى الأساسي الذي يوصلها إلى أهدافها. إن معنى التربية فسح المجال للفرد أو المجتمع أن يتحرك وأن يستنتج وأن يتعلم، لكي يتكامل عن هذا الطريق، ويكون سائراً قدماً إلى تلك الأهداف. ومن المعلوم أن الجبر أو القسر في أفعال الإنسان لا يوجب له تكاملاً ولا نمواً، لأن أفعاله في نفع الاخيرين، مثلاً، غير منسوبة إليه إلاّ مجازاً، وإنما هي بنت الضرورات الكونية ليس إلاّ، على حين لا يتكامل الفرد إلا إذا كان الفعل قد أصدره عن قناعة وطيب خاطر في سبيل نفع الآخرين.
ـ 4 ـ
يمكن تقسيم السلوك الإرادي إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: ما يكون منسجماً مع الأهداف الكونية العامة، فإن السلوك الاختياري بصفته جزءاً من الكون ومشاركاً في التخطيط الكوني العام، وبالأخير مع الأهداف الكونية البعيدة، يتصف قسم من هذا السلوك، بأنه منسجم مع تلك الأهداف ومتجاوب مع التخطيط السائر إليها ومشارك في تيسير الوصول إليها، مشاركة ولو ضعيفة. هذا النوع من السلوك هو الذي يوصف بكونه عادلاً أو كاملاً أو صالحاً. باعتبار انسجامه مع تلك الأهداف، التي هي عادلة وكاملة وصالحة، بالضرورة، ولا يمكن إلا أن تكون كذلك باعتبار أن فكرة الاستهداف وافتراض تلك الأهداف، صادر من حكمة وقدرة عادلة وكاملة بالضرورة، كما هو المفروض.
القسم الثاني: ما يكون منافراً مع الأهداف الكونية، ومعيقاً ـ بطبيعته ـ لحدوثها، ولو بدرجة ضعيفة. وهو السلوك الذي يوصف بكونه ظالماً أو منحرفاً أو طالحاً.
ومن هنا لزم أن يكون جميع الأفراد، وهم مختارون في سلوكهم، متصفين بالسلوك المنسجم مع الأهداف الكونية، وهو معنى المجتمع المعصوم الذي أشرنا إليه. ومن هنا اكتسب التخطيط العام للبشرية أهميته بالنسبة إلى الأهداف الكونية وتخطيطاتها، ومن هنا كان لزاماً على التخطيط «البشري» أن يستهدف ذلك المجتمع.
وأما القسم الثاني من السلوك، فقد يبدو أن وجوده في الكون عامة وفي البشرية بصفتها جزءاً من الكون، مستحيل… لما قلنا من أنّ كلّ ما يكون منافراً مع الأهداف الكونية، بل بمجرد أن لا يكون واقعاً في طريقها، فإنّ الكون بالضرورة خالٍ منها.
وهذا أمر صحيح، لولا ما سوف نعرفه من مشاركة السلوك الظالم فى إيجاد المجتمع المعصوم، ومن ثم يكون مشاركاً في إيجاد الأهداف الكونية العامة بشكل وآخر؟ إلا أنها مشاركة مرحلية ومؤقتة، على ما سنعرف.
وقد يخطر في الذهن، أن المجتمع المعصوم إذا كان دخيلأ في الأهداف الكونية، لزم وجوده من أول عمر البشرية حتى تكون مشاركته أطول وأعمق.
والجواب على ذلك: إن البشرية وجدت ناقصة لعدة أسباب أهمها سببان:
الأول: إن الكون الذي أنتج البشرية لا يزال ناقصاً، والناقص لا ينتج الكامل.
والثاني: إن التربية الاختيارية بعد النقصان تكون أفضل في نتائجها من التربية القسرية، كما لو وجدت البشرية رأساً معصومة بدون اختيارها. وقد برهنا على ذلك في تاريخ الغيبة الكبرى([265]). ومن ثم يكون هذا الأسلوب هو الأفضل في الأهداف الكونية.
وسيكون لمشاركة المجتمع المعصوم في الأهداف الكونية زمان طويل بعد وجوده.
ـ 5 ـ
ومن هذه الزاوية تماماً نفهم أهمية التربية البشرية في كلا التخطيطين الكوني والبشري، فإنها هي التي توصل بالتدرج إلى السلوك الكامل، ومن ثم إلى المجتمع المعصوم.
ومن الواضح، كما قلنا في الأجزاء السابقة لهذا الكتاب([266]) أن تربية المجتمعات ومن ثم البشرية بمجموعها، لا يمكن أن تكون بين عشية وضحاها، ولا في حفنة من السنين، بل تحتاج إلى أمد متطاول، وتجارب قاسية وجهد متواصل.
فالفرد لا يكون رشيداً وكاملاً، إلاّ بعد مجموعة من السنين وتعلم طويل وتجارب مريرة. فإن أريد منه أن يكون فرداً نموذجياً، احتاج إلى زمن أطول وتجارب أقسى. فكيف بالهدف البشري الذي يعد فيه الأفراد بالملايين على مختلف المستويات والعقليات والثقافات، ويراد ـ مع ذلك ـ إيجاد مستوى أعلى من المستوى الفردي والاجتماعي الموجود في أي منها. فأي مقدار من السنين، وأي تجارب قاسية وأي جهود مضنية يجب أن تمر بها البشرية لتصل إلى ذلك الهدف، وأي مقدار من التضحيات يجب أن تقدم في سبيل ذلك؟.
والتربية تتكون من عنصرين أساسيين:
العئصر الأول: معرفة الفرد بالأسلوب الصحيح للسلوك. كل بحسب وجهة نظره، وينبغي لنا أن نقصد بالأسلوب الصحيح ما كان منسجماً مع التخطيطين العامين وأهدافهما.
العنصر الثاني: تطبيق تلك المعرفة في عالم الحياة، فإن المعرفة وحدها غير كافية في الانسجام مع الهدف الأعلى، بل لا بد أن يوجد للفرد درجة كافية من الاخلاص وقوة الإرادة، بحيث يهتم بتطبيق تلك المعرفة على سلوكه، وتقديمها على سائر الدوافع والمقتضيات.
ونحن إذا نظرنا من ناحية بشرية عامة، وجدنا أن الخالق القدير الذي استهدف فيها تلك الأهداف، وفر لها كلا هذين العنصرين. أما توفير المعرفة فيتمثل بالعقل أولاً، وبالنبوات ثانياً، وأما توفير قوة الإرادة والإخلاص، فيتمثل في جو التجارب القاسي الذي تمر به البشرية، ليجعلها في نهاية المطاف، مهتمة اهتماماً واقعياً وعميقاً بالتطبيق الصحيح الكامل. وسندخل فى تطبيق ذلك بعد قليل.
ومن هنا عرفنا إجمالاً: أهمية التشريع وأهمية النبوات، وأهمية التجارب في تربية البشرية والتخطيط البشري العام، ومن ثم في التخطيط الكوني وأهدافه. وقد ذكرنا أن كل ما يمت إلى تلك الأهداف بصلة فهو موجود بالضرورة، ولا يمكن أن لا يكون موجوداً، وتعمل الأسباب والقوانين الكونية، بل والمعجزات ـ أحياناً ـ لإيجاده.
ـ 6 ـ
ويمكننا أن نقارن هذه الأسّس الخاصة للتخطيط البشري بالمادية التاريخية، فنحصل بهذا الصدد على عدة حقائق.
الحقيقة الأولى: إن التخطيط العام أكثر استيعاباً لفهم التاريخ وحوادثه وتطوراته من المادية التاريخية.
فإننا سبق أن عرفنا أن عدداً من حوادث التاريخ غير منطبقة على النظرية المادية في حين نجد أن التخطيط شامل بالضرورة لكل حوادثه. فإن سلوك الأفراد الذي هو المكون الأساسي للتاريخ (باعتبار أن التاريخ مفهوم أو فكرة متحصلة من مجموع تصرفات الأفراد)، ينقسم سلوكهم إلى أربعة أقسام، منها: القسمين اللذين عرفناهما في الفقرة الرابعة من هذه الأسّس الخاصة. فإذا لخصناهما مختصراً، نقول:
القسم الأول: السلوك القهري الذي ينتج من مؤثرات كونية اضطرارية، كالسقوط من شاهق. وهذا السلوك خارج بطبيعته عن التخطيط البشري المبتني على الاختيار، وإنما هو تابع بصفته القسرية للتخطيط العام.
القسم الثاني: السلوك الاختياري المنسجم مع الأهداف المقصودة للبشرية، وهو القسم الأول من القسمين السابقين. ويشمل كل الأعمال والأقوال الخيرة والصالحة في التاريخ كمعونة المحتاجين والتضحية في سبيل الغير.
القسم الثالث: السلوك الاختياري المنافر مع الأهداف البشرية، وهو القسم الثاني من ذينك القسمين. ويشمل كلّ الأعمال الظالمة والاعتداءات على الأفراد والمجتمعات، وقد حملنا فكرة مجملة عن شكل دخله في التخطيط العام للبشرية.
القسم الرابع: السلوك الاختياري الذي لا يتصف عادة بكونه صالحاً ولا طالحاً، ويشمل جملة من أشكال اللهو ونحوه ممّا لا يترتب عليه نفع ولا ضرر.
ويكون دخيلاً في التخطيط البشري العام باعتباره ناتجاً عن الاختيار، أو بصفته سلوكاً إرادياً حراً، ذلك الاختيار الذي عرفنا كونه الركن الأساسي في التخطيط العام، ومن المعلوم أن السلوك يصبح تربوياً متى كان اختيارياً، لتعرف نتائج سلوك الفرد وهل هو سوف يختار بحرية إرادته السلوك الصالح أو الطالح أو اللهو الذي لا نفع فيه.
وهذه الأقسام مستوعبة لكل تصرفات الأفراد وأقوالهم وردود أفعالهم، تجاه الحوادث الكونية منها والبشرية، ومن ثم فهي مستوعبة للتاريخ، باعتبار أنّ التاريخ ليس إلاّ مجموع هذه التصرفات.
ولئن اضطرت الماركسية إلى التصريح بأنّ كثيراً من التصرفات لا تنتج عن تطوّر وسائل الإنتاج بشكل مباشر. وإنّما تترتّب عليها و لو بوسائط كثيرة؛ كما قد سمعنا، فإنّ التخطيط العام ليس كذلك، بل ممّا تترتّب عليه أفعال الناس وأقوالهم بشكل مباشر باعتبارها ناتجة عن الاختيار، الذي هو الركن الأساسي للتخطيط.
وترتبها على الاختيار، لا ينافي ـ كما عرفنا ـ شيئاً من الأسباب والدوافع التي تحمل الفاعل على الاختيار، بشرط أن تكون دوافع حقيقية غير مسطورة كذباً.
الحقيقة الثانية: إنّ كلاً من المادية التاريخية والتخطيط العام يشتركان في أنّ التشريعات النافذة بين البشر ناتجة من الفلسفة العامة للتاريخ، بمعنى أنّه توجدها وتتحكم فيها الأسباب الأساسية العاملة في سير التاريخ. وبالطبع، فإنّ كلّ نظرية تنسبها إلى فلسفتها الخاصّة.
لكن تبقى هناك بعض الفروق بينهما في تفسير التشريع:
الفرق الأوّل: إنّ التشريع من زاوية التخطيط، نتيجة استهدافية، أو بتعبير آخر: معلول للعلة الغائية، وأمّا واضعه فليس مورداً للتركيز من هذه الناحية.
بخلاف المادية التاريخية، فإنّها تنيط التشريع بتطوّر وسائل الإنتاج إناطة (فاعلية) كإناطته بواضعه تماماً. وكلّ ما في الأمر أنّ إناطته بفاعله مباشرة وإناطته بوسائل الإنتاج بالوسائط.
الفرق الثاني: إنّ التشريع في نظر المادية التاريخية ناتج بالضرورة عن الإنسان، ومن أوضاعه الطبقية وعواطفه الضيقة بالخصوص… وبالتالي فهو خاضع للإنسان ووليد عنه، وإن خضع له الإنسان فترة طويلة من الزمن.
وأمّا التخطيط الإلهي فيعتبر الإنسان خاضعاً للقانون، بل إنّه بشكله الصالح، والعادل وليده وصنيعته، وليس القانون بالضرورة صادراً عن الإنسان، وإن احتكر الإنسان حق وضعه ردحاً طويلاً من الزمن.
بل للقانون مصادر أخرى، هي: إدراكات العقل الفكري من ناحية، والتشريعات الدينية التي تبلغها الأنبياء عن رب العالمين الخالق القدير من ناحية أخرى، ومصادر أخرى.
الفرق الثالث: إنّ القانون الصالح في التخطيط العام يربي البشرية ويسير بها نحو التكامل، وبالتالي تنحو بها نحو نتائج التخطيطين الكوني والبشري وأهدافهما. هذا، وقد وجدت خلال التاريخ كثيراً من القوانين الظالمة المجحفة، والتي سنسمع تفسيرها الصحيح بعد ذلك.
بخلاف المادية التاريخية، فإنّ القانون لا يمكن أن يكون مربياً ولا معنى لأن يكون صالحاً، وإنّما هو طبقي الصبغة وناتج عن أساليب تربيتها لا أكثر. فهو ابن التربية وليس أباها، لا كما يفهمه التخطيط العام.
الحقيقة الثالثة: أهمية التربية عموماً في التخطيط العام، دون المادية التاريخية.
فإنّ التربية، من وجهة النظر المادية طبقية، سواء من زاوية أهميتها الاجتماعية أو مضمونها، وإنّ ردود فعل الأفراد تجاه الحوادث يكون دائماً طبقياً ومصلحياً، لا يتضمن أي فائدة عادلة وموضوعية، بل يستحيل ذلك خارج تطور وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج، من وجهة النظر تلك.
بخلاف التربية في التخطيط العام، فإنّها توجه الفرد نحو الكمال، وتجعله منسجماً مع أهداف هذا التخطيط والتخطيط الكوني. ويكون للتجارب الدور الأساسي بهذا الصدد، حيث يكون لردود الفعل الصالحة الأثر الكبير في تكامل الإنسان.
فكرة إجمالية عن التفاصيل
ـ 1 ـ
بعد أن عرفنا أنّ وجود البشرية كان لمصلحة التخطيط الكوني وأهدافه، وأنّ تكاملها والتخطيط له، من تطبيقات ذلك التخطيط أيضاً.
إذن، فمن الواضح أنّ البشرية لا يمكن أن تبقى مهملة عن التخطيط لحظة من الزمان ولا شبراً من المكان؛ بل إنّ التخطيط الذي أعدّه خالقها القدير لإيجاد كمالها بين ربوعها، يبدأ معها منذ ولادتها و يبقى معها إلى حين زوالها، أعني انقراض النوع البشري عن الأرض.
ومعه، فيحسن بنا أن نحمل فكرة كافية ومختصرة عن تطوّرات البشرية من بدايتها إلى نهايتها ودور التخطيط العام في ذلك إجمالاً، لكي نبدأ بعد ذلك بإعطاء الفكرة الواسعة عن تفاصيل هذا التخطيط ومراحله.
ـ 2 ـ
أمّا بداية البشرية، فهي غير مشهودة لنا بطبيعة الحال، ومن هنا كان في عرضها أطروحتان رئيسيتان:
الأطروحة الأولى: وهي التي تتصف ـ في الأغلب ـ بكونها دينية، باعتبار كونها موروثة عن الأديان ومركوزة في أذهان المتدينين، ونجدها مسطورة في التوراة([267]) ويدل عليها ظاهر القرآن الكريم أيضاً.
وهي أنّ البشرية وجدت ناجزة من أوّل أمرها واجدة للصفات المهمة التي لم تتغيّر إلى عصرها الحاضر، وربما لا تتغيّر إلى يوم فنائها. فهي نفسها في شكل الجسم وحاجاته والمستوى العقلي وإدراكاته.
كلّ ما في الأمر أنّ البشرية وجدت أوّل أمرها، متمثلة بفرد واحد فقط، ثمّ بدأت بالتكاثر التدريجي حتّى أصبحت بالملايين.
وقد هديت البشرية منذ فجرها إلى ما هو ضروري لها من أسلوب العيش من ناحية. ومن مستوى معين في التشريع([268]) أيضاً، تكفل الفرد البشري الأوّل بتبليغه إلى زوجته وأولاده وذريته، ومن هنا اعتبر نبياً مرسلاً من ربّ العالمين، وهو النبي (آدم) (عليه السلام).
وعلى ذلك، فبداية البشرية بداية عالية المستوى في الوعي والتفاصيل. وقد أصبحت هذه البداية العالية هي اللبنة الأولى التي تسلسل منها التاريخ البشري، وبدأت البشرية خط تكاملها البطيء الطويل.
الأطروحة الثانية: وهي الأطروحة التي يميل إليها الفكر المادي في الأغلب، وقد اختارتها الماركسية فيما اختارت من الأفكار والنظريات.
وهي أنّ الإنسان تسلسل من مملكة الحيوان. فإنّ الحيوان منذ فجر وجوده بدأ بالتكامل والتعقيد في الصفات، حتّى بلغ درجة عالية متمثلة بالقرد وخاصّة بعض أنواعه العليا، ثمّ تحوّل تدريجاً إلى الإنسان، ضمن تطوّرات عضوية ونفسية بالغة التعقيد والطول.
واكتسب الإنسان بالتدريج قدرته على التفكير، ووجدت فيه اللغة، فاختلف عن مملكة الحيوان اختلافاً جذرياً.
وطبقاً لهذه الأطروحة، تكون بداية الإنسان بداية واطئة واعتيادية للغاية. وهاتان أطروحتان مستقطبتان يمكن إيجاد أطروحات أخرى تلم من كلّ منهما بطرف، على ما سنذكر.
وتحتوي الأطروحة الثانية على بعض نقاط القوّة، نشير إلى اثنتين مهمتين منها:
النقطة الأولى: انسجامها مع القوانين الكونية العامة. فإنّنا نجد في الأطروحة الأولى:إنّ الخالق الحكيم أوجد الإنسان بإرادة خاصة؛ نجد في الأطروحة الثانية: إنّ وجود الإنسان كان مطابقاً مع سير القوانين أو الأسباب الكونية ليس إلاّ. ومن هنا كانت أقرب إلى الفكر المادي الذي يؤكد على القوانين الكونية التي رأى فيها (البديل) عن افتراض وجود الخالق القدير، كما سبق أن عرضناه وناقشناه:
والنقطة الثانية: أنّها أكثر انسجاماً مع مشابهة كثير من صفات الإنسان مع الحيوان، حيث يبدو الإنسان ناتجاً عنه، إذ لو كان خلقاً مستقلاً لما حصلت المشابهة بهذا المقدار!!…
وينبغي أن نلتفت بهذا الصدد: إنّ كلتا الأطروحتين تشتركان في أمرين مهمين:
الأمر الأوّل: إنّ وجود البشرية كان مطابقاً مع الأهداف الكونية العامة وواقعاً في ضمن تخطيطها. فوجود الإنسان بالإرادة الخاصّة أو طبقاً للقوانين العامّة إنّما كان بهذا الاعتبار. وقد عرفنا أنّ المؤثرات الكونية التي تسمّى عادة بالقوانين، مسخّرة لا محالة للتخطيط لتلك الأهداف.
الأمر الثاني: إنّهما معاً ينسجمان مع الاعتراف بالخالق. أمّا الأطروحة الأولى فهي لا تصحّ بدون افتراضه، كما هو واضح. وأمّا الأطروحة الثانية فيمكنها أن تقول: إنّ الخالق أراد وجود الإنسان طبقاً للقوانين العامّة. وخاصّة بعد افتراض أنّ القوانين لا تغني عن افتراض الخالق؛ إذن، فيتعيّن وجود الإنسان بتأثير الخالق. ومعه نعرف أنّ لصوق الماديين بهذه الأطروحة، ليس في مصلحتهم.
كما أنّ هذه الأطروحة الثانية، تحتوي على بعض نقاط الضعف ـ من وجهة نظر مادية ـ إلى جنب نقاط قوّتها:
النقطة الأولى: إنّ هذه الأطروحة بالخصوص والمادية على العموم، تكون مسؤولة عن الجواب على هذا السؤال المشهور: هل الدجاجة أسبق من البيضة، أو البيضة أسبق من الدجاجة؟!… لأنّ كلاًّ منهما ناتج من الآخر، فكيف يوجد أي واحد منهما بدون الآخر. وهكذا يسير السؤال في كلّ أنواع الحيوان والنبات؛ فمثلاً نسأل: هل وجدت الشجرة قبل البذرة أو البذرة قبل الشجرة… وهكذا. ولن تستطيع المادية أن تجيب على ذلك بوضوح ووثوق.
وإذا بطل أصل وجود النبات والحيوان، فكيف وجد الإنسان بعد ذلك؟!.
أمّا مع افتراض وجود الخالق، فالجواب سهل تماماً: إنّ الدجاجة وجدت أوّلاً، بطريق الإبداع والخلق المباشر. ثمّ باضت هذه الدجاجة وتناسلت. وكذلك كان أوّل أفراد الإنسان الذي تقول به الأطروحة الأولى وتناسلت ذريته. وكذلك كلّ أنواع الحيوان والنبات.
النقطة الثانية: إنّ تسلسل الإنسان عن الحيوان، ينافي ـ كما قلنا خلال مناقشة الماركسية ـ القانون الوراثي الذي أصبح قطعياً واضحاً في الذهن المادي أو (العلمي) وهو استحالة وجود نوع من مكوّنات أو (جينات) نوع آخر.
أمّا مع وجود الخالق، فيمكن أن نفترض الخلق الإبداعي لكلّ نوع مستقلاً، من دون تسلسل بين الأنواع، ويكون الخالق القدير هو الذي رأى مصلحة في المشاكلة والتشابه بين أنواع الحيوان والإنسان، لأمرٍ يمتّ إلى الحياة أوّلاً، وإلى الأهداف الكونية العليا بصلة، ثانياً.
… كما يمكن أن ننفي اضطرارية ذلك القانون الوراثي وقسريته، بل قد يكون أحياناً متخلفاً فيما إذا أراد خالقه ذلك. فنقول بتسلسل الأنواع بالرغم من وجود هذا القانون. فيكون إنتاج الفرد للإنسان طبقاً للفهم الإلهي أسهل منه على الفهم المادي.
النقطة الثانية: إنّ المادية مسؤولة عن تفسير وجود الحياة أو الكائن العضوي أو الروح من ناحية([269]). ومسؤولة عن التفكير الاستنتاجي الذي يملكه الإنسان ويتميز به عن الحيوان، كيف وجد في القرد بعد تطوّره؟ وأي قانون كوني أوجد ذلك في القرد، ولم يغلط بإيجاده في حيوان آخر، كما لم يغلط في إيجاده في كلّ القرود، مع الأسف!! كما لم يغلط في تطوير حيوان آخر تطويراً بدنياً مهماً، يجعل له فرص التصرف كفرص الإنسان.
وأمّا مع افتراض وجود الخالق، فالجواب على هذا السؤال واضح.
وقد أشرنا إلى إمكان وجود أطروحات أخرى غير الأطروحتين الرئيسيتين… فإنّهما يفترقان في أمرين: هما وجود الإنسان وثقافته. فبينما ترى الأطروحة الأولى أنّ وجود الإنسان وثقافته معاً إبداعيتان، ترى الأطروحة الثانية أنّهما معاً تدريجيتان ذواتا خط طويل.
ومن هنا أمكن أن نحمل صفة من كلّ أطروحة، فتصبح عندنا أطروحتان ثانويتان أخريتان:
الأطروحة الأولى: إنّ وجود الإنسان إبداعي وثقافته تدريجية عبر التاريخ البشري الطويل.
الأطروحة الثانية: إنّ وجود الإنسان تدريجي، وناتج عن مملكة الحيوان، إلاّ أنّ ثقافته إبداعية، بمعنى أنّه حين وصل إلى درجة معينة من التعقّل ألهمه الله تعالى عدداً من الحقائق الحياتية والكونية… وأوّل من ألهم ذلك، هو أبونا آدم (عليه السلام).
كلّ من هاتين الأطروحتين تحتاج إلى التنزّل عن بعض الأصول الموضوعية للأطروحتين السابقتين. فكلتا هاتين الأخيرتين تخالفان بعض ظواهر القرآن الكريم، وبذلك قد يكون مثاراً للشك من الناحية الدينية الإسلامية، كما أنّهما معاً يعترفان بالإبداع الإلهي، وبذلك يخالفان الفكر المادي، والاتكال المطلق على القوانين الكونية.
ولسنا الآن بصدد الترجيح بين هذه الأطروحات. غير أنّه سيأتي في الفقرة الآتية من آيات القرآن الكريم نفسه، ما قد يضطرنا إلى التنزل عن صراحة الأطروحة الأولى الرئيسية، وعن بعض ظواهر القرآن التي تدل عليها؛ وبذلك تتعين إحدى الأطروحتين الأخيرتين أو ما يشابههما في المحتوى.
ـ 3 ـ
تدل بعض آيات القرآن الكريم على أنّ الناس كانوا أمّة واحدة، وإنّما حصل الاختلاف والتناحر بينهم في عصر متأخر، وقد اقترن هذا الاختلاف بإرسال الأنبياء وبعث الرسل.
منها: قوله تعالى:
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}… الآية([270]).
ومنها: قوله تعالى:
{وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا}… الآية([271]).
وقد فهم منها سيدنا الأستاذ السيد الصدر:
«بأنّ المجتمع البشري مرّ بمرحلة فطرة وغريزة، قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل والتأمّل»([272]).
وهذا الفهم يعني أنّنا نستفيد من هاتين الآيتين الكريمتين هذا المفهوم: وهو أنّ المجتمع البشري كان في أوّل وجوده لا يزيد في مميزاته وصفاته عن مجتمع الحيوان، ثمّ بدأ ـ طبقاً لتخطيط التكامل ـ يتفتح على الفهم والتفكير.
وكان خلال عصره الفطري فاقداً للاختلاف في المصالح والاختلاف في العقيدة. أمّا عدم الاختلاف في العقيدة والتشريع فلعدم وجود المستوى الذهني الكافي لفهم ذلك، أو إذا كان عندهم عقيدة بسيطة، فليس لهم المستوى الكافي لفلسفتها ومناقشتها، فهم جميعاً يتسالمون على صحتها.
وأمّا عدم الاختلاف في المصالح، ذاك الاختلاف المؤدّي إلى النزاعات والحروب؛ فلعدم وجود المستوى الذهني الكافي للتركيز على هذه الجهات. وهذا لا ينافي وجود نزاعات بسيطة بين الأفراد، كما توجد بين الحيوان.
وبمجرد أن وجد المستوى الكافي للتفكير، وجد النزاع بينهم بطبيعة الحال. وهذا هو المستفاد من قوله عزّ وجل: {فَاخْتَلَفُوا}… أي أنّ الاختلاف وجد بعد انتهاء عصر القصور الذهني.
وحين وجد النزاع والاختلاف في البشر، كان مقتضى التخطيط العام لتكاملهم، أن يعرفوا التشريع الكافي لحل هذه المنازعات والعقيدة الكافية لزرع الأخوة فيما بينهم. وبذلك بعثت الأنبياء وأرسلت الرسل.
وهذا الفهم هو أقرب المعاني المحتملة إلى هاتين الآيتين، بلا شك، وأقربها إلى التصوّرات الاعتيادية عن الحياة والمجتمع البشري. ومن الواضح أنّ بعض القرآن يكون قرينة على فهم البعض الآخر؛ وأمر يؤمن به كلّ مؤمن بالقرآن الكريم.
وهذا الفهم لا يتضمن أنّ أصل الإنسان من الحيوان، أو أنّه وجد ناجزاً بطريقة إبداعية، ومن هنا لا ينافي ظواهر القرآن الأخرى، من هذه الجهة.
إلاّ أنّ أهمّ معارضة لذلك، هو التساؤل عن «آدم» (عليه السلام) الذي هو أبو البشر، هل كان في أوّل عصر القصور الذهني، كما سميناه، أي في أوّل وجود الإنسان، باعتباره أباً للبشر جميعاً، أو كان في أوّل عصر التفكير والاختلاف، باعتباره نبياً مبلغاً عن الله تعالى بعض التعاليم التي لا تنسجم إلاّ مع مستوى التفكير. ولعل القول: بأنّه أبو البشر على الإطلاق، وأنّ نبوّته تناسب مع القصور الذهني الذي كان عليه الناس، هو الأقرب إلى الذهن فعلاً.
إلاّ أنّ هذا التصوّر قد يبدو منافاته لفهم آخر، وهو أنّ المشكلة التي مرّ بها آدم (عليه السلام) التي نسمعها في التوراة والقرآن، هل أثّرت فيه شخصياً فقط أو فيه وفي أولاده جميعاً. هذا الأثر الذي يمكن أن نفهمه من قوله تعالى:
{فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ}([273]).
وهو وجود الوعي والقدرة على التفكير عندهما بعد أن لم يكن([274]).
فإن كانت قد أثّرت فيه شخصياً، أو هو وزوجته فقط، أمكن أن يصبح نبياً واعياً لمجتمع قاصر، وإن أثرت فيه وفي ذريته، فمعنى ذلك انتهاء عصر القصور الذهني وبدء عصر الوعي والتفكير.
وحينئذٍ قلنا أن نختار القول بأنّ آدم (عليه السلام) كان في أوّل عصر الوعي، وكان هو أوّل الواعين، لكن علينا أن نتنازل عن كونه أباً للبشر أجمعين، إلاّ إذا كان الإنسان اسماً للواعين منهم، وأمّا العصر السابق فهو أقرب إلى الحيوان.
ولنا أيضاً أن نختار القول بأنّ آدم (عليه السلام)، كان في أوّل عصر القصور الذهني، مع بساطة نبوته كما قلنا، غير أنّنا نصطدم بالظهور القرآني الدال على وجود اللغة لدى آدم شخصياً كقوله تعالى:
{وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}([275]) وغيرها.
وهذه الظاهرة تنافي القصور الذهني، ولا يمكن أن توجد إلاّ في عصر الوعي.
وعلى أي حال، فقد اضطررنا إلى التنازل عن صرامة الأطروحة الرئيسية الأولى، من عدّة زوايا، بالرغم من أنّنا لم نتجاوز عرض المشكلة، ولم نبتّ فيها برأي وليس هذا مجاله. وأهم ما تنزلنا عنه من مكونات تلك الأطروحة أنّ المجتمع لم يخلق ناجزاً في وعيه، بل كان ذلك بشكل تدريجي. وممّا يمكن التنزّل عنه الآن أيضاً: أنّ آدم قد يكون أباً للقاصرين، لا للواعين، كما أنّ النبوات لا تنحصر أن تكون في عصر الوعي، بل تكون مناسبة لعصرها بطبيعة الحال.
والمهم الذي نحتاجه في بحثنا هذا، هو أنّ البشرية في عصر قصورها الذهني، تحتاج إلى تخطيط معين لإيصالها إلى مرحلة الوعي والتفكير، لكي يقع ضمناً في طريق تكاملها العام. وهذا هو الجزء الأوّل من التخطيط العام لتكامل البشرية، ونستطيع أن نسميّه بالتخطيط الأوّل كما سيأتي.
ـ 4 ـ
وحين دخل المجتمع البشري مرحلة الوعي والتفكير، كانت الخطوة المهمة من التخطيط العام قد أنجزت، إذ من الواضح أنّه بدون الوعي لا يمكن أن تتحقّق نتائج ذلك التخطيط العام وأهدافه.
وفي هذه المرحلة تحوّلت الأصوات المشوّشة إلى لغة، والفكرة الطارئة إلى تركيز والمصادفة إلى تجربة وأصبحت البشرية قابلة للتعليم بالمستوى البسيط من المفاهيم والتشريع. ومن هنا وجدت محاولات بشرية على مستوى عشائري، وإلهية على مستوى نبوي لحل الاختلافات الناتجة عن هذا الوعي الجديد.
ومن هنا يكون الخالق الحكيم قد بادر لحل الاختلافات البشرية، عن طريق أنبيائه ورسله، بمفاهيم وتشريعات بسيطة في أوّل الأمر، ثمّ تعمّقت وتوسّعت بالتدريج. وتدل بعض المرجحات في النصوص الدينية([276]) على أنّ النبي نوح (عليه السلام)، هو أوّل من حمل شريعة بحجم واسع نسبياً إلى البشر.
ولكن كانت أوّل شريعة واسعة على مستوى التطبيق العالمي المدعم بكتاب سماوي كامل، هو ما جاء به موسى بن عمران (عليه السلام).
ـ 5 ـ
وإذا دققنا النظر وجدنا أنّ إرسال الرسل ملء أو إشباع لحاجتين بشريتين عامتين:
الحاجة الأولى: أنّه تطبيق للطف الإلهي الذي قال الفلاسفة المسلمون بوجوبه وإذا لم يكن واجباً فقد تفضّل الله تعالى به على أي حال، تحاشياً من أن تصبح الحياة، نتيجة للصراعات والنزاعات جحيماً لا يطالق، كما عبّر به (توماس هوبز) حيث اعتبر الحياة بدون قانون جحيماً لا يطاق، باعتبار تصادم مصالح الأفراد بعضها مع بعض يشكل غاية في الفظاعة والوحشية([277]).
الحاجة الثانية: إنّه تطبيق لفكرة مهمة ورئيسية من فقرات التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية باعتبار تأهيلها لفهم العدل الكامل المطبق في المجتمع المعصوم، على ما سوف نشرحه غير بعيد.
ـ 6 ـ
يتوقّف الهدف البشري الأعلى، وهو وجود المجتمع المعصوم، على وجود دولة عالمية تحكم البشرية بالحق والعدل لكي تقوم بالتمهيد المباشر لذلك المجتمع.
فإنّ البشرية، بعد أن وجدت قاصرة ـ أوّلاً ـ، وأصبحت بعد الوعي متناحرة ظالمة معتدية بعضها على بعض ـ ثانياً ـ، لمدى ضحالتها في التفكير واستهدافها للمصالح الفردية… إنّ البشرية بعد أن كانت كذلك، لا يمكنها أن تصل إلى المستوى المطلوب بدون توجيه مركزي مركّز يمهّد ويخطّط، بشكل واعٍ وقوي لإيجاد المستوى الثقافي والعقلي والاجتماعي ورفعه تدريجاً إلى أن يصل إلى هدفه المنشود. وهذا التوجيه لا يمكن أن ينطلق إلاّ من دولة الحق والعدل المنسجمة مع أهداف التخطيطين البشري والكوني.
إذ لو لم تكن هذه الدولة موجودة، لكان هناك افتراضان لا ثالث لهما:
الافتراض الأوّل: عدم وجود دولة أو سلطة على الإطلاق على طول الخط التاريخي الطويل، وهذا يعني جعل المجتمع جحيماً لا يطاق، ولا يمكن أن ينتج أي تربية أو كمال، بل يؤدّي إلى انقراض البشرية سريعاً، بعد أن يقتل بعضهم بعضاً.
الافتراض الثاني: وجود دول أو سلطات تحكم بغير العدل، وغير منسجمة مع أهداف ذينك التخطيطين، وتبقى البشرية بهذا الشكل باستمرار.
إنّ من الواضح أنّ ذلك يؤدّي إلى ابتعاد الناس عن الهدف ونسيانهم لمسؤولياتهم الحقيقية. إذ من المعلوم أنّ الدول ذات الأهداف المنافرة مع تلك الأهداف، تخطّط وتربّي ـ من حيث تعلم أو لا تعلم ـ بشكل يضرّ بتلك الأهداف ويخل بها، ولو جزئياً، وهو أمر محال، كما عرفنا.
إذن يتعيّن، بطريق الحصر، أن يكون الرائد الأوّل والأساسي لوجود المجتمع المعصوم هو الدولة المنسجمة مع هذا الهدف، بحيث تفهمه وتخطّط له.
وسيتضح تدريجياً أنّ وجود هذه الدولة هو أوّل خطوة فعلية وفعّالة نحو هذا الهدف؛ وما الإرهاصات السابقة عليها، إلاّ لأجل وجودها، فهي من باب مقدمات المقدمات، لو صحّ التعبير.
ومن الغني عن الإشارة أنّ الدولة العالمية، ما دامت تقع في طريق الهدف البشري الأعلى، فهي واقعة ضمناً، في طريق الهدف الكوني، لما عرفنا من ارتباطهما العضوي، وكون التخطيط البشري وهدفه جزءاً من التخطيط الكوني وهدفه.
كما أنّه من واضح القول أنّ نشير أنّ دولة الحق ما دامت تقع في طريق الهدف البشري الأعلى، فهي واقعة كحلقة من التخطيط العام لذلك، ويكون إيجادها في ربوع البشرية هدفاً يخطّط له في الوجود البشري السابق عليها، باعتبار أنّ التخطيط لها تخطيط للهدف البشري الأعلى نفسه.
ـ 7 ـ
يتوقف وجود هذه الدولة، كما برهنا عليه في كلّ من الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، على شرائط ثلاثة رئيسية:
الشرط الأوّل: وجود المبدأ الكامل العادل الذي يكون ساري المفعول في تلك الدولة. ونريد بالمبدأ الوجود القانوني أو التشريعي من ناحية والوجود المفهومي الذي يحدّد موقف الفرد من الكون والحياة من ناحية أخرى.
الشرط الثاني: وجود القائد الرائد الذي يباشر بتأسيس تلك الدولة، ويكون أوّل حاكم فيها، وقد سبق أن برهنا على تعيين هذا الاحتمال، وعدم صحة الاحتمالات الأخرى كالدولة الديموقراطية، في «تاريخ الغيبة الكبرى»([278]) وسوف يأتي أيضاً ما يوضح ذلك.
الشرط الثالث: وجود مجموعة كافية من البشر المخلصين الذين يكون لهم شرف المشاركة في إيجاد تلك الدولة بين يدي ذلك القائد؛ وقد برهنا([279]) على فساد الاحتمالات الأخرى، كوجود الدولة بشكل إعجازي، لا يحتاج معه إلى جيش.
وقد تحدّثنا عن هذه الشرائط مفصلاً، فإنّها تعتبر العمود الفقري للتخطيط العام، بعد وجود الوعي والتفكير. ولكن ينبغي لنا أن نشير الآن إلى موجز من نتائج ذلك الحديث، حفاظاً على تسلسل الفكرة:
إنّ مستوى المفاهيم والقانون الذي يكون معلناً ومطبقاً في دولة الحق سوف يكون دقيقاً وعميقاً إلى درجة لا يمكن أن تفهمها البشرية الساذجة الخارجة لتوّها إلى مرحلة الوعي والتفكير. بل لا بد من التخطيط لتعميق تفكيرها تدريجاً لتكون متقبلة لذلك وفاهمة له حين وجوده.
وقد سمينا هذا التخطيط الذي هو جزء من التخطيط العام؛ بالتخطيط لإيجاد الأطروحة العادلة الكاملة، ونعني بها المفاهيم والقانون. وهذا هو القسم الثاني من التخطيط العام، أو ـ بتعبير آخر ـ التخطيط الثاني لتكامل البشرية.
وقد شارك عباقرة البشر وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون في تربية البشر في هذا الاتجاه ـ من حيث يعلمون أو لا يعلمون ـ لإيصالها إلى المستوى الفكري اللائق.
وقد انتهى هذا التخطيط، فيما نعتقده كمسلمين بعصر الإسلام، الذي هو الأطروحة العادلة الكاملة، حيث أصبحت البشرية في بعض عصورها قابلة لفهم هذه الأطروحة، فبادر الخالق الذي هو المخطط الأعلى، لإنزال هذه الأطروحة الكاملة، متمثلة بالإسلام، بما يحمل من مفاهيم وقانون.
وكانت الحاجة تقتضي إلى أن تتربّى البشرية على فهم هذه الأطروحة الجديدة والتضحية في سبيلها ردحاً من الزمن، قبل نزولها إلى حيز التطبيق، في دولة الحق، ليتحقق الشرط الثالث على ما سنشير. ومن هنا انفصل نزول الأطروحة عن تطبيقها العالمي، وبتعبير آخر أنّه من أجل ذلك أنزلت الأطروحة قبل موعد تطبيقها بزمن طويل.
وقد كان العصر المتأخر عن نزول هذه الأطروحة، متضمناً للتخطيط لإيجاد الشرطين الآخرين. وقد احتوى على تخطيطين رئيسيين مقترنين:
التخطيط الأوّل: لإيجاد الشرط الثاني، وهو التخطيط لإيجاد القائد الذي يمكنه أن يحكم العالم كلّه بالعدل بدون أن يكون مظنّة الظلم أو الانحراف. إنّه لا يمكن أن يكون فرداً عادياً، مهما أوتي من عبقرية وقابليات.
وقد برهنا في «تاريخ الغيبة الكبرى»([280]) على لزوم أن يكون معصوماً، وعلى ضرورة أن يكون طويل العمر معاصراً لأجيال كثيرة من البشر، لكي يعيش تجارب واسعة جداً، ليتكامل جانبه القيادي ذلك التكامل الذي سميناه بتكامل ما بعد العصمة. فإنّ الكمال، كما قلنا غير متناهي الدرجات، ومهما كان الإنسان عظيماً فإنّ أمامه درجات لا متناهية أخرى من الكمال.
ومن هنا يتعين الفهم الإمامي لهذه القيادة الكاملة المتمثلة بالمهدي (عليه السلام)، الذي ولد عام 255 من الهجرة([281])؛ بخلاف الفهم الآخر الذي يتبناه جمهور المسلمين وهو أنّ المهدي رجل يولد في عصره، فإنّه ـ على ذلك ـ يكون فرداً عادياً غير قابل للقيادة العالمية العادلة بأي حال.
وطبقاً للفهم الإمامي، فقد بدأ هذا التخطيط بولادة المهدي (عليه السلام) عام 255، وسينتهي بيوم ظهوره وقيامه بتطبيق دولة الحق.
التخطيط الثاني: لإيجاد الشرط الثالث، وهو إيجاد الجماعة المؤمنة المخلصة المشاركة في توطيد دولة العدل.
وقد برهنا أيضاً([282]) على أهمية التمحيص في هذا الحقل بالذات، فإنّ له يداً طولى في تربية البشرية بكلّ أفرادها عموماً، وفي إيجاد هذه الجماعة المخلصة خصوصاً.
ومعنى التمحيص هو مرور البشرية بظروف صعبة من الظلم والمشاكل والاضطهاد عصوراً طويلة، لكي تبرز بوضوح مواقف الناس فرداً فرداً تجاهها. فمن كان ضعيف الإرادة أو قليل الإخلاص أو محباً للمصلحة الخاصّة، أصبح ظالماً مع الظالمين أو جاملهم أو مالأهم؛ ومن كان قوي الإرادة مفضلاً للسلوك المطابق للأطروحة العادلة، كان منسجماً مع الهدف الحقيقي وناجحاً في التمحيص.
ومن هنا تتميز مواقف الأفراد تدريجاً، وبشكل بطيء وطويل، وبذلك يتميز الباطل عن الحق؛ وقد أكد القرآن الكريم على هذا الجانب في عدد كبير من آياته، منها قوله تعالى:
{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}([283]).
وقوله عزّ وجل:
{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}([284]) وغيرهما.
ويبقى التمحيص ساري المفعول زماناً طويلاً، حتّى يأتي جيل أو أكثر تتميز به عقيدة المؤمنين ومواقفهم عن مواقف المنحرفين والكافرين وعقائدهم، أعني المنسجمين مع الهدف الأعلى عن غيرهم… تتميز بشكل عميق وحدّي غير قابل للتشويش. وبذلك تكون فترة ما قبل التمحيص التي يشير إليها القرآن بقوله: {عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ}… وهي فترة التشويش والضحالة في السلوك والفجاجة والضياع في التقييم… قد انتهت.
ويكون الناس الذين التزموا جانب الإيمان والعدالة هم المخلصون الذين يكون لهم شرف القيادة والريادة في دولة الحق؛ كل ما في الأمر، أنّه ينبغي أن يأتي جيل يتحقق فيه عدد من المؤمنين كافٍ لهذه المهمة الكبرى. وبذلك يكون التمحيص قد حقّق غرضه، ويكون التخطيط لإيجاد الشرط الثالث قد أنتج نتيجته.
وقد ذكرنا في «تاريخ الغيبة الكبرى»([285]) أنّ أكثر الناس خلال هذه الفترة، سوف يوجب ضعف إرادتهم الرسوب والفشل في التمحيص، على حين يكون الأقلية هم المخلصون الناجحون فيه. وهذا معنى أنّ المهدي (عليه السلام) سوف يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، كما وردنا في الأحاديث المتواترة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) وخلفائه.
وبذلك يكون البرهان قائماً على أمرين:
الأمر الأوّل: ما سبق أن أشرنا إليه من أنّ الظلم، بالرغم من أنّه منافر مع الهدفين البشري والكوني ومع التخطيطين لهما، إلاّ أنّه دخيل باعتبار كونه مشاركاً في إيجاد الشرك الثالث لدولة الحق والعدل المشاركة في الهدف البشري الأعلى. وبذلك يكون ضروري الوجود، لما برهنا عليه من أنّ كلّ ما له دخل في التخطيط فهو ضروري الوجود، لا يمكن أن تخلو منه ساحة الكون.
الأمر الثاني: إنّ وجود الظلم وجود مؤقت لا محالة، لأنّه سوف يستنفد غرضه ـ كما أشرنا ـ بإنتاج نتيجته وهي إيجاد الشرط الثالث، ومعه يكون استمراره بلا موجب، بل مستحيلاً بالضرورة، باعتباره منافراً مع الهدف والتخطيط، وليس له دخل فيه بعد استنفاد غرضه… وكلّ ما يكون منافراً مع الهدف فهو منتفٍ بالضرورة.
وقد عرفنا الآن أنّ التخطيطين لإيجاد الشرطين الثاني والثالث، يشتركان في الزمان وينتهيان معاً في لحظة الظهور، لأنّ هذه اللحظة كما أنّها لا تتحقّق إلاّ بعد وجودهما، لا تتأخّر عن زمان تحقّقهما بطبيعة الحال. كلّ ما في الأمر أنّهما يختلفان في المبدأ، فإنّ التخطيط لإيجاد القائد بدأ بمولده عام 255 هجرية، على حين بدأ التخطيط لإيجاد المخلصين، ونقصد بهم المخلصين طبقاً للأطروحة العادلة الكاملة، بدأ بنزول هذه الأطروحة في صدر الإسلام.
ويشكّل هذان التخطيطان ـ باعتبارهما متعاصرين ـ مجموعاً واحداً، يمكن أن نسمّيه بالتخطيط لإيجاد دولة الحق. وهو القسم الثالث من التخطيط البشري العام.
كما يشكّل القسمان الثاني والثالث من التخطيط العام مجموعاً واحداً، سمّيناه في تاريخ الغيبة الكبرى التخطيط الإلهي لليوم الموعد، لأنّه يبدأ بأوّل عصر الوعي البشري ويواكبها بالتربية، وينتهي بإنجاز غرضه وهو وجود اليوم الموعود، ويراد به اليوم الذي تتحقق به دولة العدل العالمية على وجه الأرض، وقد عرفنا مشاركتها في الهدف، وليست هي الهدف الأساسي.
ـ 8 ـ
وحين تتوفّر الشرائط الثلاث، في ربوع البشرية، يحين إنجاز الوعد الذي كان قد ركّز عليه من خلال التخطيط السابق تركيزاً كبيراً، فيظهر القائد الأعظم المهدي (عليه السلام) على مسرح الحياة في جيشه المجاهد وقواده الأكفاء، ويكون لهم ـ بإشرافه ورأيه ـ تخطيط خاص لغزو العالم والسيطرة عليه، ويكون انتصارهم حتمياً، باعتبار الضمانات التي تهيأت لهم خلال التخطيط السابق، وقد ذكرناها في الكتاب الثالث من هذه الموسوعة([286]).
وبعد أن تتم السيطرة على العالم، يبدأ القائد المهدي (عليه السلام) وعماله، وهم الأمراء الذين يوزّعهم على مناطق العالم، بتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة تطبيقاً عميقاً ودقيقاً، بعد إعطائها شكلها الكامل، ويكون التطبيق حدياً لا يعذر فيه المقصرون.
وتستهدف هذه الدولة، في المدى البعيد، إيجاد المجتمع المعصوم، الذي هو الهدف الأعلى للبشرية، وتخطط لوجوده بوعي وقوّة وإخلاص… وهو القسم الرابع من التخطيط البشري العام أو التخطيط الرابع.
ويمكن القول بأنّ هذه الدولة العالمية، تمرّ بعدّة مراحل، كما بيّناه في «تاريخ ما بعد الظهور» لكلّ مرحلة وظيفتها الأساسية في هذا التخطيط.
المرحلة الأولى: فترة حكم القائد المهدي (عليه السلام) بشخصه، وهو الذي يؤسّس القواعد الرئيسية الكبرى للمفاهيم وللتشريع وللأسلوب الأفضل في ممارسة الحكم، والأسلوب الأفضل للتربية الفردية الاجتماعية، وبالشكل الذي ينسجم مع المستوى العقلي والثقافي لذلك العصر من ناحية، والهدف الأعلى الذي يتوخاه، من ناحية ثانية.
وقد قلنا في الكتاب المشار إليه([287])، بأنّنا في عصورنا الحاضرة، يتعذّر علينا أن ندرك البُعد الحقيقي والعمق الكامل للمفاهيم والتشريع والأساليب التي يتخذها الإمام المهدي (عليه السلام) في دولته… وإن كنّا نستطيع أن ندرك بعض التفاصيل، ممّا في أيدينا من الأدلة والمستندات، على ما سيأتي.
والقائد المهدي (عليه السلام) بعد كلّ ذلك، هو يعطي للبشرية الجذور العاطفية العليا، أو الدفعة الأولى للتكامل والاتجاه نحو الهدف الأعلى من الناحية التطبيقية، كما فعل النبي (صلّى الله عليه وآله) من الناحية التشريعية؛ وتستطيع البشرية بعد ذلك، أن تواصل سيرها بأفضل أسلوب وأسهله نحو الهدف.
المرحلة الثانية: فترة الوصاية، وهي فترة حكم خلفاء المهدي (عليه السلام). ويتم تنصيبهم بالتعيين من قبل الإمام المهدي (عليه السلام)… أو أنّ كلّ واحد يوصي للذي بعده.
وهي فترة طويلة نسبياً قد تمتد عدّة مئات من السنين، كما يستفاد من بعض الأخبار، يتمّ خلالها تربية الأجيال وتركيزها تدريجياً إلى جانب العدل الموازي مع الهدف الأعلى، تستعمل الدولة كل أساليبها وصلاحياتها في سبيل ذلك؛ وينتج عن هذه الجهود اقتراب المجتمع العالمي من العدل، وتحسن العلاقات بين الأفراد والمجتمعات إلى حد كبير، لم تحلم به أجيال ما قبل الظهور، ولم تستطع أن تدركه.
وحين يبلغ كمال المجتمع البشري درجة معينة، يكون الرأي العام فيها معصوماً عن الخطأ، أي أنّ كلّ ما اتفق عليه المجتمع وأجمعوا على صدقه، فهو حق ولا يمكن أن يكون خطأ… عندئذٍ تنتهي فترة الوصاية لأنّ المجتمع البشري يكون قد بلغ رشده.
المرحلة الثالثة: فترة المجتمع الرشيد، وهو ما ذكرناه قبل لحظة، المجتمع الذي يكون الرأي العام فيه معصوماً، وإن لم يكن الأفراد فيه معصومون.
وأهم خاصية لذلك المجتمع هو أنّ عهد الوصاية يكون قد انتهى، ومن هنا يكون الحكام منتخبين بالتصويت العام، لا بالتعيين. وذلك انطلاقاً من نقطتين:
النقطة الأولى: إنّ الأفراد في ذلك المجتمع ككل، وإن لم يكونوا معصومين، إلاّ أنّه تتوفّر فيه نسبة غير قليلة من المعصومين، الذين تلقوا بعبقرية نتائج التربية في المراحل السابقة، وحيث عرفنا فيما سبق أنّ قائد البشرية لا بد أن يكون معصوماً، صالحاً لأن يتولّى الرئاسة البشرية العامة، ويتم التصويت العام على انتخاب واحد من هؤلاء بطبيعة الحال.
النقطة الثانية: إنّ كلّ فرد أجمع المجتمع على انتخابه، فهو صالح بالضرورة لقيادة البشرية، لأنّنا عرفنا أنّ كلّ ما أجمع عليه المجتمع فهو حق ولا يمكن أن يكون باطلاً.
والعصر الوحيد الذي تصح فيه الديموقراطية التي دعت إليها أوروبا هو هذه المرحلة بالتعيين، ولا يمكن أن تكون صالحة في عصر المظالم والانحراف، لأنّ الرأي المجمع عليه من قبل الأفراد المنحرفين باطل بالضرورة ولا يمكن أن يكون حقاً، فضلاً عن رأي الأكثرية، الذي تدعو الديموقراطية إلى اتباعه.
والانتخاب في هذه المرحلة، يختص بالحكام، طبقاً لنظام معين، ولا يشمل التشريع، وإن دعت أوروبا إلى حق التصويت فيه. فإنّ التشريع فيها هو الأطروحة العادلة الكاملة، وهي ثابتة مع الزمن غير قابلة للتغيير.
وسيكون التصويت عالمياً من ناحية، ولا يكون منتجاً أو مقبولاً إذا كان إجماعياً أو ما يقارب الإجماع من ناحية ثانية([288]). وهذا مستوى ـ بالرغم من صعوبته ـ لم تبلغه الديموقراطرية الأوروبية بأي حال؛ وهو لن يكون صعباً في ذلك المجتمع الأعلى، على كلّ حال.
وسوف تنتهي هذه المرحلة بوجود المرحلة التالية.
المرحلة الرابعة: فترة المجتمع المعصوم بكلّ أفراده، أو أكثريتهم الكاثرة.
وهو الهدف الأعلى لوجود البشرية، الذي به يتحقق الغرض الأساسي من وجودهم، ذلك الغرض الذي برهنا على وجوده فكرياً، كما سبق؛ وعرفناه من القرآن الكريم الذي يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. حيث تتحقق به العبادة الكاملة في كلّ فرد من الأفراد.
ومعه لا حاجة إلى الدخول في تفاصيل شكل الحكم والعلاقات في ذلك المجتمع، غير أنّنا نعرف أنّها أشكال عليا على درجة العصمة والعبادة الكاملة. وسنحاول، مع ذلك ـ عند الدخول في التفاصيل ـ أن نستشف بعض خصائص هذا المجتمع جهد الإمكان.
وبوجود هذا المجتمع يكون الغرض الأعلى من وجود البشرية قد وجد. ويكون التخطيط العام لإيجاد هذا الهدف قد أنتج نتيجته واستنفد أغراضه.
وقد برهنا في «تاريخ ما بعد الظهور» على كون هذه الفترة طويلة جداً تعدل تاريخ البشرية من أوّل وجودها إلى حين تحقّقه عدّة مرّات، بل قد يزيد عليه بعشرات الأضعاف. ولعلنا نشير إليه مع التفاصيل.
ويكون التخطيط لاستمرارها وإعطائها سماتها العامّة وتفاصيلها هو التخطيط الخامس أو القسم الخامس من التخطيط العام لتكامل البشرية.
ـ 9 ـ
ولكن ماذا بعد هذه المرحلة؟!. إنّ البُعد السحيق لها يمنعنا من استشفافها بوضوح، ومن هنا كان فيها أطروحتان، ذكرناهما معاً في «تاريخ ما بعد الظهور». نشير إليهما الآن مختصراً:
الأطروحة الأولى: إنّ البشرية تستمر في التكامل، من «تكامل ما بعد العصمة»… فإنّ العصمة ـ في مراحلها الأولى ـ: هي آخر مراحل الكمال الأدنى وأوّل مراحل الكمال الأعلى… والكمال لا متناهي الدرجات، كما سمعنا، إذن، فهناك فرصة واسعة أمام البشرية للتكامل بعد ذلك، ما شاء لها ربّها وإخلاصها لها الكمال.
وتبقى البشرية على هذا الحال، حتّى يستنفد وجودها على الأرض غرضه، من زاوية التخطيط الكوني، وعنذئذٍ يحكم على البشرية بالزوال.
أو بتعبير آخر هذه الحياة لن توفر الفرصة الكافية للتكامل بعد بلوغ هذه المراحل العليا، ومن هنا لزم نقل البشرية إلى عالم آخر، تتوفّر فيه فرصة الكمال الأعلى، لتستمرّ البشرية في تكاملها هناك. ومن هنا تزول البشرية عن وجه الأرض، لتذهب إلى عالمها الجديد، ويتم انتقالها إليه في «يوم القيامة» كما سمّاه القرآن الكريم. وهو إحدى الحلقات الرئيسية في التخطيط الكوني العام… ومن ثمّ نرى أنّ الحوادث المزيلة للبشرية عن وجه الأرض حوادث كونية قسرية، نسمعها مشروحة في عدد كبير من آيات القرآن الكريم، شأنها في ذلك شأن الحلقات الكونية الأخرى.
وبذلك ينتهي التخطيط البشري العام تماماً، ويبقى التخطيط الكوني ساري المفعول، ما دام للكون وجود([289]).
الأطروحة الثانية: إنّ البشرية بعد أن تحقق غرضها الأعلى، تبدأ بالتسافل مرّة أخرى، ويبدأ الظلم والفساد يشيع فيها بالتدريج… حتّى يأتي عصر من العصور يوجد فيه جيل أشبه بالحيوان منهم بالإنسان، عقائدياً وتشريعياً ومفاهيمياً، وهو الجيل الذي تقوم عليه «القيامة» وتنتهي به البشرية.
ولا نريد الآن المفاضلة بين هاتين الأطروحتين، ولعل فيما يأتي من التفاصيل ما يدل على ذلك.
والمهم الآن أن نلتفت إلى أنّ كلا هاتين الأطروحتين يحتاجان إلى تخطيط معين… يكون هو التخطيط الأخير في عمر البشرية، وهو القسم السادس من التخطيطات البشرية. ولكنه ـ طبقاً للأطروحة الثانية ـ سوف لن يستهدف تكامل البشرية، بل سوف يستهدف تسافلها وفسادها. ولكنّه سوف يحافظ على صفته السابقة طبقاً للأطروحة الأولى.
ـ 10 ـ
فهذا هو الإجمالي العام لتاريخ البشرية، كما يعطيه المخطط العام لتكاملها. وقد عرفنا لها عدداً من التخطيطات، ستة منها مترتبة وبعضها متعاصرة، نذكرها الآن جميعاً، كما يلي:
أولاً: التخطيط العام لتكامل البشرية، وهو العنوان العام لعدّة أقسام من التخطيطات، يبدأ بوجود البشرية وينتهي بانتهائها طبقاً للأطروحة الأولى التي ذكرناها قبل أسطر، أو ينتهي بانتهاء عصر المجتمع المعصوم، طبقاً للأطروحة الثانية.
ثانياً: التخطيط الساري المفعول في عصر التخلف الذهني لإخراج البشرية إلى مستوى التفكير والوعي، وهو يبدأ بأوّل البشرية وينتهي بانتهاء عصر التفكير.
ثالثاً: التخطيط العام لإيجاد اليوم الموعود، وهو العنوان الذي يشمل عدّة أقسام من التخطيط تستهدف وجود دولة العدل العالمية، يبدأ بأوّل عصر التفكير وينتهي بوجود تلك الدولة.
رابعاً: التخطيط لإيجاد الشرط الأوّل لتلك الدولة، وهو المستوى الذهني الكافي لفهم الأطروحة العادلة الكاملة، يبدأ بأول عصر التفكير وينتهي بوجود تلك الأطروحة، أعني أوّل عصر الإسلام.
خامساً: التخطيط لإيجاد دولة الحق، وهو العنوان الشامل للتخطيط لإيجاد الشرطين الثاني والثالث اللذين عرفناهما لدولة الحق، يبدأ بأوّل عصر الإسلام وينتهي بوجود دولة الحق والعدل.
سادساً: التخطيط لإيجاد الشرط الثاني، أعني القيادة العالمية المعصومة، يبدأ بميلاد هذا القائد ـ طبقاً للفهم الإمامي ـ وينتهي بوجود دولة العدل.
سابعاً: التخطيط لإيجاد الشرط الثالث، وهو إيجاد العدد الكافي في الجيش المؤازر لذلك القائد، وهو يبدأ بأوّل عصر الإسلام وينتهي بوجود تلك الدولة.
ثامناً: التخطيط لترسيخ فكرة الغيبة في أذهان الناس ـ طبقاً للفهم الإمامي ـ وهو ما تمّ خلال الغيبة الصغرى، على ما عرفنا في تاريخها.
تاسعاً: التخطيط للسيطرة على العالم، خلال فترة غزو العالم عسكرياً وعقائدياً، من قبل المهدي (عليه السلام) وجيشه، ويستفاد من بعض الأحاديث أنّ مدّته ثمانية أشهر، كما سبق في «تاريخ ما بعد الظهور»([290]). ويبدأ بيوم الظهور وينتهي مع السيطرة التامّة على العالم.
عاشراً: التخطيط لإيجاد المجتمع المعصوم، وهو الذي تقوم به الدولة العالمية، كما عرفنا، يبدأ بأوّل تأسيسها وينتهي بوجود ذلك المجتمع.
حادي عشر: التخطيط للمحافظة على المجتمع المعصوم لكي يؤدي غرضه، طبقاً للهدف البشري والهدف الكوني، على ما سنشير إليه خلال التفاصيل الآتية.
ثاني عشر: التخطيط الساري المفعول بعد انتهاء عصر العصمة، وهو يستهدف تكامل البشرية طبقاً للأطروحة الأولى، أو تسافلها طبقاً للأطروحة الثانية، ذينك الأطروحتين اللتين ذكرناهما قبل قليل.
والتخطيطات الستة المترتبة التي لا يبدأ أحدها إلاّ بانتهاء الآخر، والتي تتكفل استيعاب تاريخ البشرية هي الثاني والرابع والخامس والعاشر والحادي عشر والثاني عشر. وأمّا الأوّل والثالث فهما عناوين عامة لعدّة تخطيطات. كما أنّ السادس والسابع هما تفاصيل للخامس. وأمّا الثامن والتاسع فهما تخطيطات لفترة صغيرة من الزمن، بحيث يمكن إهمالها عند النظر العام. على أنّهما معاً يمكن إدراجهما في التخطيط الخامس، فلا تبقى هذه الفترات الصغيرة خالية عن التخطيط الواسع أيضاً.
يندرج تحت الأوّل كلّ التخطيطات المتأخرة عنه، لو صحّت الأطروحة الأولى والسابقة، أو ما دون الأخير لو صحّت الثانية. ويندرج تحت الثالث التخطيطات الخمسة أو الستة المتأخرة عنه، أعني من الرابع إلى الثامن أو التاسع… ومن هنا اكتسب أهمية كبرى بصفته إعداداً لدولة العدل العالمية، ولا زلنا نعيش من خلالها في عصورنا الحاضرة، وقد أكدنا عليه في «تاريخ الغيبة الكبرى» كما أكدنا على التخطيطات الأخيرة في «تاريخ ما بعد الظهور».
ومن هنا لا حاجة إلى أن ندخل في نفس التفاصيل التي كنّا ذكرناها هناك، بل يكفي اطلاع القارئ على الكتابين السابقين، وإنّما نذكر ذلك ببعض المختصرات في حدود ارتباط الفكرة وعدم تنافرها أو تناثرها، وندخل في التفاصيل من زوايا جديدة، كما لا يخفى على من تجشم عناء المقارنة.
سنقتصر في العناوين الآتية على عنونة التخطيطات الستة المترتبة، فإنّه الأحجى في ضبط تسلسل التاريخ البشري واستيعابه، وتعرف ضمناً تفاصيل التخطيطات الستة الأخرى. وسيكون الترقيم الآتي للتخطيطات مختلفاً عن القائمة التي أعطيناها أخيراً؛ إذ لا أهمية في الترقيم، وإنّما الأهمية في واقع التخطيط بصفته إعداداً للهدف الأسمى للبشرية.
التخطيط الأوّل المنتج للوعي والتفكير
ـ 1 ـ
بعد أن برهنا على مرور البشرية في أوّل عهدها من الوجود، بعصر ما قبل الوعي أو عصر القصور الذهني، كما سميناه… وأنّه لا بد لها ـ وهي في طريقها إلى التكامل ـ أن تجتاز هذه المرحلة إلى التي بعدها، بفعل أسباب معينة وتخطيط خاص، تنتج فيها ـ من حيث لا تعلم ـ تلك النتيجة المهمة.
ـ 2 ـ
لا ينبغي أن ننزل بالإنسان ـ في أحط درجاته ـ عن الحيوانات الذكية التي نشاهدها في عالم اليوم، بل هو ـ بكل تأكيد ـ أذكى الحيوانات على الأطلاق، بدليل أنّه استطاع أن يجتاز قصوره الذهني إلى مرحلة التفكير، بمعنى أنّه كان يتّصف بقابلية تكوّن التفكير فيه دون سائر الحيوانات، حيث لم تستطع تجاوز قصورها الذهني بأي حال.
ومن هذا المنطلق، يسهل تحديد خصائصه الأولية…
فإنّ الحيوانات تأكل وتشرب، وتعرف عادة أماكن طعامها وشرابها والبيئة التي ترتاح فيها، وتقوم بالفعاليات الجنسية والولادة والإرضاع، ويدافع الذكر منها عن الأنثى. وبعض الحيوانات التي تعيش في جماعات، كالنّمل والقردة والفيلة وبعض الطيور. ويختص بعض الأنواع الذكية، بقضاء حاجة بعض أفراد أنواعها، وقد تشاطر الإنسان عاطفة الحب، وتستطيع أن تتعرف على بعض أفراده. وقد تقوم ببعض التجارب البسيطة، كاختبار صلاحية الأرض أو المناخ للبيض أو التفريخ.
كما أنّ لأكثر الحيوانات بيوتاً تأوي إليها على مختلف أشكالها… بما فيها الطيور وبعض الوحوش وبعض الحشرات وبعض الحيوانات المائية. كما أنّ بعضها يكوّن الأسرة وخاصّة الثدييات من الحيوان، وبعض الطيور.
وأنّ ارتباط الأم بصغارها بالدرجة الأولى، وارتباط الزوج بزوجته بالدرجة الثانية، وهي زوجة لفترة معينة غالباً، هذا الارتباط واضح في الأسر الحيوانية. وهو يدافع عن متعلقيه في صراعات فردية متفرقة، كما يدافع أيضاً عن غذائه، ويهتم بعض الحيوانات به اهتماماً خاصاً، كالنمل وغيره.
ومهما يكن تفسير هذه التصرفات، فهي واقع لا مناص منه في حياة الحيوان؛ وقد اختلفوا في أنّه ناتج عن مجرد الغريزة أو عن درجة من درجات الإدراك، أو هي مجرد رد فعل منعكس شرطي للمنبهات الطبيعية، والدخول في تفاصيل ذلك يخرجنا عمّا نحن بصدده.
ولكنّنا نقول باقتضاب: إنّ الصحيح هو الاحتمال الثاني، وهو مجرد الإدراك الضعيف لدى الحيوان، لفشل النظريتين الأخريين، وعدم إمكان تفسير كلّ تصرفات الحيوان إلاّ بالإدراك.
أمّا نظرية الفعل المنعكس، فلا تصح باعتبار أنّ عدداً من تصرفات الحيوان معقدة إلى درجة لا يمكن انطباق هذا المجال الضيق عليها. كما أنّ احتمالات رد الفعل تجاه حادثة معينة قد تكون متعددة، فلو ضربت كلباً أو قطة أو طيراً بحجر، لم تستطع أن تتنبأ بالمكان الذي سوف يلجأ إليه. وهذا يدل على وجود درجة من الإدراك و(الحرية) لديه، بدرجة ما.
كما أنّ الغريزة وحدها غير كافية للتفسير، فإنّها عبارة عن الحاجة، وهي ليس لها أي إدراك لو بقيت وذاتها. وقد قيل: إنّ الغريزة لا عقل لها. ففراغ المعدة لا يدل صاحبها على ما يأكله، ولا على أسلوب الأكل، بل ولا يدله على أنّ هذا الألم يزول بملء المعدة. وجفاف الفم لا يدل صاحبه على ما يشربه ولا على مكان الشرب ولا حتّى على زواله برطوبة الفم. إنّ كلّ هذه التفاصيل التي تقضي الحيوانات حاجاتها بها، ناشئة من الإدراك، ولا معنى لنشئها من الغريزة، باعتبارها حاجة جسدية صرفة. فلو بقيت بعض الحاجات خالية عن الإدراك، لقتلت صاحبها، كالجوع والعطش.
إذن، فيتعين أن يكون قضاء الحيوانات لحاجاتها الضرورية ناشئاً من إدراك ضعيف، يكفيه لحفظ نفسه، وربما لعلاقاته بأسرته وببيئته وبالآخرين من نوعه وغير نوعه. كلّ ما في الأمر أنّه إدراك ضعيف، وهو مختلف في الوضوح لدى الحيوان.
ومن هنا يمكن القول: بأنّ أصوات الحيوان، هي (لغته) التي يقضي بها حاجاته البسيطة ويحدّد بها علاقاته مع الآخرين ويعبر بها عن عواطفه المختلفة. كلّ ما في الأمر أنّها لغة ضعيفة وغير قابلة للتطوير.
ولعل هذا هو المراد من قوله عزّ من قائل: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} إذا كان المقوم الرئيسي أو أحد المقومات الرئيسية هو الجانب اللغوي، وعلى أي حال، فالنوع الحيواني لا يكون أمّة بدرجة من الإدراك أو مقدار معين من اللغة أو بهما معاً.
… إنّنا لا ينبغي أن ننزل بالإنسان ـ في أحط درجاته ـ عن هذا المستوى كما قلنا. إذن، فكلّ هذه الخصائص والظواهر، كانت متوفرة فيه، وربما بشكل أقوى وأوضح.
ـ 3 ـ
ولكنّه على أي حال، يختلف عن الحيوانات الأخرى، اختلافات أساسية تجعله أهم، بكلّ تأكيد، وذلك في عدّة خصائص:
الأولى: إنّ خصائصه المشتركة مع الحيوان قابلة للتطوير، بدليل حصول التطوير فيها، كما أشرنا، وليس كذلك في سائر الحيوانات.
الثانية: تمتعه بدرجة واضحة من قوّة الذاكرة غير موجودة عند سائر الحيوانات، فإنّ الذاكرة لا تكاد تكون متوفرة في الحيوان إلاّ على أضيق الحدود؛ حتّى يمكن القول بأنّها أضعف صفاته، بخلافها في الإنسان فإنّها من صفاته القوية الواضحة.
الثالثة: إنّ أصواته التي يستطيع التلفظ بها غير محددة بعدد معين، كالحيوان… بل يستطيع أن ينطق بطائفة كبيرة من الأصوات، ويعبر بها عن حاجاته الضرورية، تبعاً للأسلوب الحيواني العام الذي أشرنا إليه.
الرابعة: إنّ حياته خالية ممّا نستطيع أن نسمّيه بـ (التحديد الغرائزي)، كالسبات في بعض الفصول، أو الاستطاعة الجنسية مرّتين في العام، ونحو ذلك. إنّه حر في تصرفاته.
الخامسة: إنّه يتميز بقوّة في العاطفة واهتمام بها، أكثر من الحيوان، ويستعمل ذاكرته في تذكّر عواطف سابقة.
السادسة: إنّه قادر على حركات جسمية أكثر من الحيوان، في مفاصله وعضلاته، من أوضحها الضحك والبكاء وحركات اليد والوجه.
السابعة: قابليته للإفادة من التجارب البسيطة بالتدريج البسيط أيضاً، ومحاولة تذكر ما عاشه من حياة وحوادث سابقة.
فكل هذه المميزات، وغيرها، هي التي ساعدته بشكل أكيد، على النمو والتكامل باتجاه الوعي والتفكير.
وقد وجدت هذه الصفات في الإنسان ـ من زاوية فهمنا التخطيطي ـ نتيجة للتخطيط الكوني، فهي واقعة في طريق أهدافه، بطبيعة الحال. كما أنّ نتائجها وهو التطور إلى الوعي فما بعده، واقع في هذا الطريق أيضاً.
وقد أصبحت هذه الصفات، النقاط الأساسية الأولى للتخطيط العام للبشر ابتداءً من تخطيطها الأوّل الذي نتحدّث عنه الآن، فما بعده، فإنّها هي التي جعلت فيه قابلية التطوّر دون سائر الحيوان. وهذا أحد نقاط الارتباط بين التخطيطين الكوني والبشري اللذين عرفناهما.
ـ 4 ـ
لا حاجة لنا إلى التعرّض إلى أسلوب الحياة للإنسان الأوّل، وطريقة معيشته، في تلك الفترة… وهل أنّه كان يعيش على الأشجار ـ كما سمعنا من إنجلز ـ أو في الكهوف أو في أماكن أخرى، أو أنّ أساليبه كانت تختلف باختلاف مستواه من ناحية وبيئته من ناحية أخرى.
إنّما المهم أنّ الإنسان استطاع بخصائصه تلك أن يستفيد من تجاربه تدريجاً، فيحاول أن يحمي نفسه من الحيوانات المعتدية، ومن الطوارئ الطبيعية، وأن يقتل الحيوان، وأن يلتفت إلى نمو الأشجار، وأن تزداد أصواته وتعابيره تعقيداً حتّى تكوّنت له بلغة بدائية، فاستطاع بها أن ينقل أفكاره، وتجاربه إلى الآخرين. وبذلك استطاع أن يدخل عصر التفكير، ويكوّن المجتمعات الواعية.
وليس لنا أن نعطي تاريخاً معيناً حدياً لوجود الوعي، لأنّه وجد بالتدريج البطيء ولعل تكوّن الوجود اللغوي لأوّل مرّة، هو أوّل دليل مباشر على وجود التفكير.
كما أنّنا لا حاجة لنا إلى افتراض أنّ هذا التدرّج البطيء احتاج إلى ملايين السنين، كما يميل إليه أنصار الفكر الحديث عموماً. بل يمكن القول بأنّ خصائص الإنسانية التي عرفناها يمكن أن تمشي بهذا التدرّج قدماً بحيث لا يستغرق غير آلاف قليلة من السنين، إذا أردنا التحفظ والاحتياط من جانب الكثرة. فإن أردنا الإغراق قلنا إنّه يكفينا المليون من السنين. ولا حاجة إلى افتراض الملايين كثمانين أو مئة مليون سنة، كما تصرّح به المصادر الحديثة.
وعلى أي حال، فهذا راجع إلى وجدان القارئ لا حاجة إلى البرهنة عليه، فإنّ التخطيطات عموماً غير محددة بزمن معين، كما هو معلوم، كما سارت عليه الماركسية في نظريتها، وإنّما المهم هو نتائجها الأساسية، وهو حصول الوعي في المجتمع البشري نتيجة للتخطيط الأوّل الذي نتحدّث عنه.
ـ 5 ـ
وممّا قلناه يتّضح أنّ الأساليب المتخذة في التخطيط الأوّل، ليست إلاّ إيكال الإنسان إلى تجاربه الحياتية، بعد وجود تلك الخصائص الأساسية فيه. فإنّ هذا الأسلوب كافٍ في إخراجه إلى صفة الوعي ورفع القصور عنه.
ومن هنا، لا حاجة إلى افتراض عناصر أخرى في هذا التخطيط، كوجود نبوّات إلهية على المستوى البسيط المناسب مع ذلك العصر، كما يميل إليه بعض الباحثين الإسلاميين، فإنّ ذلك وإن كان محتملاً فعلاً، إلاّ أنّه لا دليل عليه من ناحية قاعدة اللطف العقلية، التي يستدل بها عادة لوجوب إرسال الأنبياء، لعدم وقوع الاختلافات العامة في ذلك المجتمع، تلك الاختلافات التي توجب إرسال الأنبياء طبقاً لتلك القاعدة.
كما أنّه لا دليل على هذه النبوات من زاوية التخطيط، فإنّ تأثيرها إنّما يكون في الإسراع بإنتاج التخطيط لهدفه، وهو حصول الوعي، وهذه السرعة لا دليل على كونها مطلوبة في الأهداف العامة التي سنّها الخالق في كونه وبشريته، فإنّه طويل الأناة لا يختلف بالنسبة إليه طول الزمان وقصره.
ـ 6 ـ
لا يُفرّق في النمو البشري طبقاً لهذا التخطيط، بين جماعات البشر أو أفرادهم، وإن تفرّقت الجماعات في أماكن متباعدة فإنّ البشرية وجدت وجوداً واحداً، فهي تنمو نمواً واحداً، إذن، فهي سوف تواجه النتائج في زمن تقريب واحد. وسنعرف أنّ هذا صادق على التخطيطات الأخرى جميعاً.
ومن هنا سوف لن نواجه الإشكال الذي واجهته الماركسية، بأنّ حلقات التطوّر تختلف في مجتمع عن مجتمع آخر، وقد لا توجد على الإطلاق، حتّى أنّ أناساً بدائيين لا زالوا موجودين إلى العصر الحاضر، فلماذا لم تشملهم قوانين الماركسيين الضرورية الإنتاج والقسرية التأثير؟!…
إنّ هذا التخطيط سرى في البشرية كلّها، وأخرجها جميعاً من القصور إلى الوعي، ولا يوجد الآن ولم يكن يوجد في عصورنا الماضية هذه (الحلقة المفقودة) وهي الإنسان القاصر، إلاّ إذا كان قاصراً بصفته الفردية.
نعم، اختلاف الجماعات وتباعد أمكنتها، يؤثّر في أسلوب هذا الوعي الجديد، فاللغة قد تختلف وأسلوب السكنى والمأكل والعلاقات قد تتعدّد، إلاّ أنّ النتيجة المتوخاة، وهي الوعي أو القدرة على التفكير أصبحت صفة للجميع.
ـ 7 ـ
ومن هنا نعرف أنّ قدرات الإنسان وصفاته الذاتية استطاعت أن تنمو بتفاعلها مع الطبيعة، بدون أن يكون لوسائل الإنتاج أثر مهم في ذلك، غير كونها كأحد العناصر الأخرى التي تؤثر في التجربة البشرية عموماً.
وبطبيعة الحال، لم يكن هناك بين الأفراد علاقات إنتاج معينة، وإنّما كانت أساليب الإنتاج فردية وبدائية، والعلاقات الاجتماعية واللغوية غير موجودة، فمن غير المستطاع للماركسية أن تدّعي أنّ علاقات الإنتاج هي التي طوّرت المجتمع أو الناس. وهي ـ في عين الوقت ـ لا يمكنها أن تدّعي أنّ وسائل الإنتاج تؤثّر مباشرة في التطوّر. فإنّها إنّما تؤثّر ـ في رأي الماركسية ـ عن طريق علاقات الإنتاج. فإذا كانت علاقات الإنتاج منعدمة كانت وسائل الإنتاج منعدمة التأثير.
وقد عرفنا الأسلوب الماركسي التجريدي في عرض التاريخ البشري… وقد سبق أن ناقشناه. وأمّا ما ذكرناه خلال هذا التخطيط فواضح مبرهن، لأنّ الصفات التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان نحس بها وجداناً، وأمّا إنتاجها للوعي نتيجة للتفاعل مع الطبيعة فواضح أيضاً، لم ندع في هذا التخطيط أمراً خارجاً عن الوجدان. وإنّما لم ندخل في تفاصيل حياة هذا الإنسان القديم تجنّباً لأسلوب التجريد.
وقد سمعنا من إنجلز عند الحديث عن مرحلة (ما قبل المجتمعات) أنّه ينسب تطوّر البشر في ذلك الحين إلى (العمل). ونحن نستطيع أن نوافقه بعض الشيء، فإنّ العمل يمثّل طائفة كبيرة من التجارب التي سببت نمو الإنسان، لا أنّ للعمل تأثيراً مجهولاً و(ميتافيزيقياً) في هذا النمو.
وإذا كان سبب النمو هو التجربة، لم ينحصر بالعكس، بل تعمل كثير من الظواهر الطبيعية وعدد كبير من الصدف وكذلك مشاهدة تجارب الآخرين وأعمالهم، في صقل هذه التجارب وتعميقها بالتدريج البطيء.
التخطيط الثاني المنتج
للمستوى الفكري العالي
ـ 1 ـ
حينما بدأ الوعي يدبّ في الجماعة البشرية، أصبحوا قادرين على التفكير ومن ثم على تطوير حياتهم بشكل مهم وكبير… فوجدت اللغة والمجتمع وبدأت التقاليد والعادات تأخذ طريقها إلى الناس.
وبدأ الناس يشعرون بأهمية مصالحهم الخاصة وما يحوزونه من أموال على وجه الخصوص، وبأهمية الأسرة بشكل أكيد، واعتبروا الاعتداء على هذه الأمور شيئاً غير صحيح يستحق القتال دونه، ومن هنا حصلت الاختلافات الدموية والحروب الجماعية الصغيرة.
وبدأ الإنسان يلتفت بالتدريج إلى التجارب الزراعية والصناعية البدائية. فأشعل النار ومارس الزراعة والصيد وصنع السلاح.
ـ 2 ـ
وليس في هذه الصفات ما يهمنا، وإن أهمّت الإنسان القديم، فيما عدا أمرين:
الأمر الأول: إنّ هذه الخصائص الاجتماعية التي استطاع أن يكسبها الإنسان ناشئة من الفكر، وليس العكس صحيحاً. إذ لو كان الفكر ناشئاً عنها لأمكن وجودها في مرحلة أسبق من عصر وجودها الحالي. في أي فترة من عصر القصور الذهني… فلماذا لم توجد؟ ولو كان وجودها منوطاً بمجرد الصدف أو الأفعال المنعكسة، لكان لملايين السنين التي مرّ بها الإنسان ـ حسب التصوّر الحديث ـ الأثر الكبير في وجودها قبل زمن وجودها الفعلي بزمن غير قصير، فلماذا لم توجد؟!…
إنّ الأمر ـ بكلّ بساطة ـ يحتاج إلى أن (يستوعب) الإنسان مضمون تجاربه بدقة كافية، بحيث يستطيع أن يفيد منها نفسه والآخرين، وهذا الاستيعاب ليس إلاّ الفكر بدرجته البدائية.
الأمر الثاني: إنّ هذه الخصائص الجديدة، وبخاصّة المستوى الفكري اللائق، مع ما أنتجته من الاضطرابات والحروب، قد جعلت الحياة جحيماً لا يطاق، أو كادت فأصبحت ـ كما نطقت به الآية الكريمة ـ مثاراً لضرورة إرسال الأنبياء لهداية الناس ورفع اختلافاتهم وزرع روح الأخوة بينهم. فكان لهذا العنصر المهم الأثر الكبير في إنجاح هذا التخطيط الثاني، ولا يكفي الآن ـ كما كان في التخطيط الأوّل ـ إيكال المجتمع إلى تجاربه الحياتية الخاصّة لينتج التخطيط الثاني نتيجته([291]).
ـ 3 ـ
وحيث إنّ التربية يجب أن تبدأ بالواقع، وتحاول الارتفاع به إلى المستوى المطلوب ولا يمكنها أن تبدأ من نقطة أعلى من الواقع، وإلاّ كانت فاشلة تماماً، كما لو أنّ طفلاً صغيراً بدلاً من أن تعلمه اللغة بدأت تعلمه الكتابة، أو أنّ طفلاً أكبر منه، بدلاً من أن تعلمه الكتابة بدأت تعلمه الجبر أو الفيزياء، أنّك ستبوء بالفشل الذريع لا محالة.
ومن هنا كانت النبوات تبدأ من الواقع وتحاول رفعه، ولهذا لا تحاول ـ بادئ ذي بدء ـ أن تعطي مضموناً أكبر منه. ومن هنا انقسمت النبوات إلى أربع مراحل:
أولاً: مرحلة النبوات العقائدية أو المفهومية.
ثانياً: مرحلة النبوات التشريعية.
ثالثاً: مرحلة النبوات القبلية.
رابعاً: مرحلة النبوات العالمية.
وسنتحدث عن كلّ مرحلة على حدة، فنعرف ـ ضمناً ـ مستوى البشرية فيها، والمستوى الذي استطاعت الوصول إليه، والمستوى الذي أصبحت فيه نتيجة لمجموع النبوات.
ـ 4 ـ
المرحلة الأولى: مرحلة النبوات العقائدية:
إنّ المستوى الفكري الأوّل الذي وصلت إليه البشرية، باعتباره بسيطاً وساذجاً، لم يكن مناسباً ـ بأي حال ـ مع فهم القانون؛ بمعنى إطاعة الفرد للتشريع أو الأمر والنهي المتوجه إليه، فضلاً عن أن يستطيع القانون أن يضبط الجوانب المهمة من حياة الفرد أو حياته كلّها.
ومن هنا كان من المتعذر على النبوات، وهي الأسلوب الأساسي لتربية البشرية أن تبدأ بإعلان التشريعات، وإنّما بدأت ـ بطبيعة الحال ـ بالتزريق التدريجي لأمرين مهمين:
الأمر الأوّل: بث الروح العقائدية بمعنى إعطاء صورة محددة، بالرغم من اختصارها وسذاجتها عن وجود خالق الكون وأفعاله المهمة في الكون وإمكان مخاطبته للبشر عن طريق الأنبياء والمرسلين.
ولا شك أنّ هذا المستوى، كان يتعمق بالتدريج، فكلما فهم الناس من الأنبياء الأوائل معطياتهم جاء الأنبياء المتأخرون، بمستوى أعمق بقليل… حتّى انتهت هذه الفترة.
الأمر الثاني: بث الروح الأخلاقية، بالدرجة البسيطة المناسبة… حيث كان يحاول رفع الاختلافات ببث مفاهيم الأخوة والمجاملة مع الآخرين من ناحية، وتعويد الناس على إطاعة كبرائهم وموجهيهم من ناحية أخرى. وبذلك وجدت النواة الأولى لفهم التشريع، الذي ساعد على الدخول في مرحلة النبوات الثانية.
وقد ساعد بث هذين الأمرين على السير قدماً في إنجاح التخطيط ورفع مستوى البشرية عموماً، بما فيهم المؤمنين بهذه النبوات والمنكرين لها. فإنّ مجرد الالتفات إلى هذه المعاني والجدل حولها يكفي في رفع الوعي، وأمّا الإيمان بها، فهو يعني الانسجام العاطفي مع الأهداف الإيمانية العليا، مضافاً إلى ارتفاع مستوى الوعي.
وهذا معنى ما أكدنا عليه في (تاريخ الغيبة الكبرى) من أنّ الفرد يسير في التخطيط ـ من حيث لا يعلم ـ سواء كان منسجماً معه عاطفياً أو متنافراً معه. وقد برهنا على ذلك في مقدمات هذا البحث.
ـ 5 ـ
ولنا أن نتساءل عمّا إذا كان بين حصول صفة الوعي والتفكير وبين إرسال النبوات فترة مهمة أو لا. وقد تسمّى بفترة (ما قبل النبوات).
وقد تعطى لذلك عدّة مبرّرات، انطلاقاً من فكرة كون النبوات التي نتحدّث عنها نبوات واعية يحتاج استيعابها إلى درجة معقولة وكافية من التفكير. وليست كالنبوات التي يحتمل وجودها في عصر القصور الذهني. ومن هنا تعطى المبررات التالية لوجود الفترة المشار إليها:
المبرر الأوّل: إنّ اللغة الكافية لا توجد بين عشية وضحاها، بل يحتاج وجودها إلى مرور حقبة من الزمن ـ بعد حصول التفكير ـ لكي تستقيم جملها وتتماسك مفاهيمها. ومن المعلوم أنّ هذه النبوات الواعية تحتاج في تبليغها إلى لغة كافية، ولا تصحّ بدون ذلك، ومعه فمن الضروري افتراض تأخّرها إلى حين نضج اللغة.
المبرر الثاني: إنّ النبوات أرسلت لأجل فض النزاع ورفع الاختلافات، ولا بد أن تكون هذه الاختلافات المهمة أوسع من الخلافات والصراعات الفردية، وإلاّ فهي موجودة قبل عصر الوعي، وبين الحيوان أيضاً. ومن المعلوم أنّ وجود الاختلافات الجماعية يحتاج إلى مرحلة من التفكير ولا يكفي فيه مجرد وجوده الضئيل. إذن، فقد تأخّرت النبوات إلى أن حصلت تلك المرتبة من التفكير وأوجدت الخلافات الجماعية.
المبرر الثالث: إنّ البشرية تحتاج قبل النبوات، إلى الالتفات إلى أهمية المسألة الدينية وقضية وجود الخالق القدير عموماً، وقد لا يكون المجتمع القاصر ملتفتاً إلى هذه المسألة أصلاً، ولا شاعراً بأهميتها، بأنّ التفكير الضئيل أيضاً قد لا يوصل إلى الشعور الحقيقي بذلك. وإنّما يحتاج حصوله إلى صعود التفكير إلى حد ما.
ومن هنا لا بد من القول بتأخّر النبوات إلى حين حصول تلك المرتبة من التفكير.
إلاّ أنّ هذه المبررات جميعاً لا تخلو من الخدشة، ولا حاجة بنا إلى نقدها تفصيلاً، وحسبنا أنّ نعرف أنّ كلّ نبوة لا ترسل إلاّ بالشكل المناسب مع مجتمعها، ويمكننا أن نتصوّر لكلّ مستوى فكري درجة من درجات النبوة مناسبة له. ومعه لا تكون هذه المبررات دليلاً على وجود فترة (ما قبل النبوات)؛ إذن، فهذه الفترة لا دليل على وجودها.
ـ 6 ـ
ولنا مع الماركسية بهذا الصدد كلمتان:
الكلمة الأولى: أنّ الماركسية اعترفت بوجود الدين والأخلاق خلال المجتمعات البشرية الأولى، كما سمعنا؛ وهي مصيبة في ذلك. وقد عرفنا الآن السبب الحقيقي لوجوده. وليس هو وسائل الإنتاج ولا علاقاته، كما أرادت الماركسية أن تقول.
الكلمة الثانية: أنّنا نستطيع الآن أن ندرك بوضوح وأن نبرهن على عدم وجود المجتمع الشيوعي البدائي على الإطلاق.
إذ أنّ الماركسية أمّا أن تقول بوجوده قبل مرحلة التفكير، وأمّا أن تقول بوجوده بعدها. فإن قالت بوجوده بعد عصر التفكير ـ كما هو واضح من كلماتهم بوجود اللغة والمجتمع في ذلك العصر ـ، فقد عرفنا أنّ وجود التفكير كان مقترناً مع وجود الاختلافات والنزاعات، وكلّما ازداد التفكير وتعمّق ازداد الخلاف وتعمّق، ولا يمكن أن يكون المجتمع الواعي القديم متعاطفاً، كما تصوّرته الماركسية.
نعم، قد يكون للهداية المستفادة من خط الأنبياء أعظم الأثر في التعاون والتكافل، إلاّ أنّ ذلك لا يعني كونه عادة شائعة، لوضوح وجود نسبة غير قليلة في كلّ مجتمع كافرة بالنبوات. كما أنّ الماركسية لا يمكنها أن توافق على هذا المنشأ، ممّا يضطرها إلى الاعتراف بوجود الخلاف غير القابل للحل، في ذلك العصر.
وإن قالت الماركسية بوجود عصر الشيوعية البدائية، قبل مرحلة الوعي… وقد ترى أنّ عصر الرق بدأ بمرحلة التفكير باعتباره عصر التشاحن والسيطرة.
إلاّ أنّ هذا لا يصحّ أيضاً، لما عرفناه من أنّ المجتمع القاصر، خالٍ من اللغة الكافية ومن التجمعات الكبيرة المسماة بالمجتمع، وقليل الاهتمام بمصالح عامة أو بمصالح الآخرين، فهو لا يدركها أو لا يدرك أهميتها، ومعه كيف يفترض أن هناك مجتمعاً قائماً على التعاون في الحياة الاقتصادية، بشكل كبير ومستمر.
فإن قالت الماركسية:إنّ المؤرخين ـ بما فيهم مورغان ـ قد وجدوا مجتمعات موجودة إلى العصر الحاضر تعيش عصر الشيوعية البدائية، وهو دليل على وجوده القديم.
أقول: إنّه بغض النظر عن قيمة أقوال مورغان، من الناحية التاريخية، فإنّ هذا ممّا سبق أن انتهينا منه… من المحتمل أن يكون التعاون الاقتصادي البدائي قد وجد في هذه المجتمعات بشكل متأخر، وليست صفة تمتد إلى أوّل عهدها بالوجود. مضافاً إلى أنّ وجود مجتمع بهذا الشكل، لا يعني أنّ البشرية كلّها كانت كذلك. وإلاّ فلماذا تطوّرت البشرية من دون هذا المجتمع المسكين.
هذا وقد كان تعدّد المجتمعات البشرية عائقاً مهماً دون تطبيق النظرية الماركسية، إذ قد تكون مرحلة معينة بدأت في هذا المجتمع بمستوى معين من وسائل الإنتاج، وبدأت نفس المرحلة في مجتمع آخر منها. تماماً كالمجتمع الاشتراكي الذي بدأ في الاتحاد السوڤييتي مع عصر المانيوفكتورة ولم يبدأ في فرنسا أو بريطانيا مع عصر الذرة.
كما أنّ بعض المجتمعات قد يطول مدى بقائها في مرحلة معينة، في حين يقصر ذلك في مجتمعات أخرى. كما قد لا تمر بعض المجتمعات بفترات تاريخية معينة، كما سمعنا فيما سبق.
وكلّ هذه الإيرادات غير واردة على الفهم التخطيطي للبشرية، فإنّ التخطيط متّجه إلى توازيها في النمو والتكامل مهما تعدّدت مجتمعاتها، فهي جميعاً تمرّ بنفس المراحل وفي نفس الوقت.
والسبب في ذلك ـ بكلّ بساطة، في حدود المجتمع الذي نتحدّث عنه ـ، هو وجوده نبوات متعددة ذات مضمون واحد وهدف مشترك في عدد من المجتمعات البشرية في ذلك العصر، أو في أهمها على أقل تقدير، بحيث تكون النتائج متشابة إلى حد كبير، وهذا التشابه قد لا يدركه إلاّ الخالق المخطط نفسه، وأمّا البشرية فلا تعيش إلاّ تطبيقاته، وهي لا تدرك حتّى معنى هذا التطبيق.
ـ 7 ـ
المرحلة الثانية: مرحلة النبوات التشريعية:
أنتج خط الأنبياء السابق عدّة نتائج مهمة:
النتيجة الأولى: الاعتياد على فكر النبوة ومواجهة الأنبياء. فقد أصبح هذا الخط مشروعاً ومفهوماً للمؤمنين به والمتمردين عليه على السواء.
النتيجة الثانية: الاعتياد على الأفكار المعطاة من قبل هؤلاء الأنبياء، ممّا ييسّر لهم فهم الأفكار الجديدة التي يجيء بها الأنبياء في هذه المرحلة الثانية.
النتيجة الثالثة: الاعتياد على تلقي الأوامر والنواهي، من الأنبياء خاصّة ومن زعماء القبائل وكبراء الأسرة ونحوهم… ممّا ييسّر لهم فكرة تلقي الأوامر والنواهي من قبل الله عن طريق الأنبياء.
وبالرغم من هذه النتائج، فإنّ خط الظلم والانحراف كان قوياً جداً، نتيجة لعدّة عوامل أهمها المصالح الشخصية والضغط القبلي، ممّا أوجد نسبة عليا من المعارضين لخط الأنبياء في المجتمع. إلاّ أنّ المستوى المطلوب في التخطيط كان شاملاً لهم جميعاً.
ـ 8 ـ
كان أوّل من باشر تبليغ الأوامر والنواهي الحدّية ـ على ما نعلم ـ، لكن بشكل محدود، وأعطى فكرة عن الثواب والعقاب على الأعمال، هو النبي نوح (عليه السلام)، كما سمعنا، وإن كان أغلب ما وعد به من الثواب هو ثواب دنيوي، كما هو غير خفي لمن راجع كلامه المنقول في القرآن الكريم.
من هنا يكون من المستطاع القول إنّ المرحلة الأولى للنبوات انتهت قبل الطوفان، وقد افتتح النبي نوح (عليه السلام)، المرحلة الثانية قبل الطوفان أيضاً. حتّى ما إذا ووجه بالتكذيب والمعارضة، كان العقاب الدنيوي العاجل متمثلاً بالطوفان.
ومن الواضح أنّ الاقتصار على بيان الثواب الدنيوي والتهديد بالعقاب الدنيوي، وعدم التعرّض إلى الآخرة إلاّ بشيء قليل، يرجع إلى عدم قابلية الفكر البشري في ذلك العصر على استيعاب فكرة الآخرة والمعاد.
وكان الطوفان هو الضربة القوية التي يبقى صداها خلال عدد كبير من الأجيال، يرن في آذان من تسول له نفسه الكفر والظلم، وبالتالي التمرد على التكامل وأهدافه. ومن هنا نعرف أثره الضخم في التخطيط والتربية البشرية.
إنّ عالمية النبوة لم تكن معلنة بطبيعة الحال، ولكنّها كانت مطبقة. فنوح (عليه السلام) نبي عالمي من الناحية العملية، بالرغم من توسّع البشرية وتباعد مجتمعاتها، استطاع نوح أن يبلغ بصوته ودعوته إلى أكبر عدد ممكن من البشر، إمّا بواسطة وكلاء مؤمنين كانوا له، وإمّا مباشرة، خلال عمره الطويل.
والمظنون أنّ شريعة نوح بقيت هي الأساس الرئيسي التي ينطلق منها الأنبياء في دعواتهم خلال الأجيال اللاحقة إلى بدء دعوة النبي موسى بن عمران (عليه السلام)، وكان أشهر من وقع خلال هذه الفترة هو النبي إبراهيم الخليل (عليه السلام). ولم تعرف عنه شريعة رئيسية جديدة([292])، وإنّما كانت دعوته مركزة حول أمور عقائدية وتطبيقية، حيث ناسب مستوى الفكر البشري في عصره أن يقوم بتعميق عقيدة التوحيد والعدل الإلهية، واستطاع أن يقدّم أمثلة واضحة ومشهورة من نكران الذات والتضحية من ناحية، وأن يقوم بأوّل خطوة رئيسية يجمع الناس من أجل الاستجابة لصوت الدين، وذلك خلال موسم الحج الذي دعى إليه، وهو فكرة كبيرة وجدت لأوّل مرّة في تاريخ دعوات الأنبياء.
كما استطاع إبراهيم (عليه السلام)، أن يؤكد على العقيدة الأخروية أعني الثواب والعقاب في الآخرة أكثرة من ذي قبل، إلى حد ما، وإن بقي الجانب الأكبر هو الثواب والعقاب الدنيويين.
وعلى أي حال، فقد استطاع إبراهيم (عليه السلام)، أن يغرس في البشرية جذور العقيدة الصالحة والعمل المثمر، ومن ثم قام بدوره في التخطيط الإلهي خير قيام.
ـ 9 ـ
إنّ مراحل الدعوة الإلهية للأنبياء عهدئذٍ، تعطي حقلاً فارغاً لشكل الحكم وللمستوى العقلي والحضاري الذي يمارسه كلّ مجتمع من الناحية (الدنيوية). ومن هنا لا تكون لنا حاجة ماسّة للتعرّض إلى هذا الجانب من التاريخ البشري، لولا الإلماع إلى مناقشة الماركسية بهذا الصدد.
إنّ أقدم مصدر للتعرّف على ذلك التاريخ هو العهد القديم أو التوراة بشكلها المتداول حالياً… وهي تدل على وجود حاكميات على نطاق واسع أو ضيق، في الشرق الأوسط وفي مصر. وهذا يدل ـ حسب المنطق الماركسي ـ على اجتياز عهد الشيوعية البدائية، ومن هنا أشرنا فيما سبق، أنّ ما ذكره إنجلز من كون إبراهيم موجوداً في العهد البدائي، أمر غير صحيح.
كما تدل على وجود ملكية كاملة للأموال، واهتمام الناس بها تماماً كعصرنا الحاضر، وهذا دليل آخر، كما سبق على الخروج من العهد البدائي.
كما تدل التوراة على وجود ملكية الإنسان للإنسان، واستخدامه له، ولكن هذا لا يعني أنّ البشرية كانت تتصف في ذلك الحين بما تسميه الماركسية بمجتمع الرق. إذ لا دليل على وجود الرق بنسبة عالية الاتصاف بتلك الصفة. على أنّ الاستخدام لا يكون دائماً على أساس الملكية، كما هو معلوم، بل قد يكون قائماً على أساس آخر، كالفلاحة والنجارة والاستئجار، وغيرها.
والمظنون أنّ الحالة الحضارية أو المدنية ـ كما عليه الاصطلاح ـ مهما بدت لنا على البُعد متشابهة، إلاّ أنّها كانت تختلف من بلد إلى بلد ومن حاكمية إلى حاكمية، بحيث لا يمكننا أن نعطي صفات عامّة محدّدة للبشرية من هذه الناحية، كما حاولت الماركسية أن تعمل.
ـ 10 ـ
بقي هناك سؤال لا يخلو من شيء من الأهمية، وهو أنّ البشرية في ذلك الحين لم تكن منحصرة بالشرق الأوسط ومصر، بل كان هناك في أوروبا وإفريقيا بشر كثيرون، فهل شملتهم هذه النبوات أو لا، وإذا لم تشملهم فلماذا؟!.
والواقع أنّ التاريخ لا يستطيع أن يقدّم لنا الدليل الكافي، على وجوه بشر على نطاف واسع في وسط أوروبا ووسط إفريقيا وأستراليا وأمثالها، فإن كان هناك بشر فهم قليلون ومتخلفون إلى درجة يمكن إسقاطهم عن نظر الاعتبار حين نقول: إنّ (البشرية) قد وصلت إلى هذه المرحلة فكرياً أو حضارياً، أو حين نقول: إنّ هذا نبي (عالمي).
كما أنّ التاريخ لا يستطيع أن يقدّم لنا الدليل على عدم وجود الأنبياء فيهم، على المستوى المناسب مع مستواهم العقلي والحضاري:
وبغض النظر عن ذلك، أي مع افتراض أنّ أوروبا وإفريقيا وغيرها مليئة بالبشرية وخالية من الأنبياء ـ وهو افتراض جدلي لا دليل عليه ـ … نقول:
إنّنا ـ كمفكرين مسلمين ـ أمّا أن ننطلق في إثبات ضرورة النبوات من قاعدة اللطف، التي هي الدليل التقليدي على ذلك، أو ننطلق إلى ذلك من التخطيط العام لتكامل البشرية.
فإن انطلقنا من قاعدة اللطف، كان هذا الافتراض المشار إليه غير ممكن، إذ أنّ مقتضى اللطف الإلهي وصول الدعوة الإلهية إلى كلّ البشر بدون استثناء، بحيث لا يكون اثنان إلاّ كان أحدهما الحجة على صاحبه. ومن هنا يتعين الالتزام بوجود الأنبياء بين أولئك البشر. أو أن يسمح لنا المفكرون التقليديون بأن نعتبر بعد المسافة بين منطقة النبوات وبين أوروبا وأفريقيا عذراً كافياً عن تطبيق قاعدة اللطف. أو بتعبير آخر: أنّ نوح وإبراهيم (عليهم السلام)، بالرغم من عالمية دعوتهما في الواقع، كانا معذورين في عدم إيصال صوتيهما إلى تلك الأعماق لبُعد المسافة واختلاف اللغة والتباين في المستوى الحضاري، حيث يتعذر نقل الدعوة بالأساليب القديمة السارية المفعول يومئذٍ، تعذراً تاماً.
وإن انطلقنا إلى ضرورة النبوات من التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية، فهذا معناه أنّ المقصود الرئيسي هو وجود المجتمع المعصوم في ربوع البشرية في المستقبل، وما تربية البشرية عن طريق الأنبياء إلاّ لأجل الإعداد لذلك، وقد عرفنا في مقدمات هذا القسم من الكتاب، أنّ كلّ سبب نافع في التخطيط لهذا الهدف فهو واقع لا محالة، وكلّ سبب غير منتج من هذه الناحية فهو زائل لا محالة، لاستحالة أن يحتوي التاريخ على ما هو لغو ومهمل من الناحية التخطيطية والواقعية.
إذا عرفنا ذلك هانت هذه المشكلة إلى حدٍ كبير، بل لم يبق لها وجود على الإطلاق، إذ يكون افتراض وجود بشرية خالية عن الأنبياء أمراً باطلاً، بعد التجاوز عن احتمال وجود الأنبياء فيها.
أوّلاً: إنّ الغرض الأساسي من التخطيط هو إيجاد أكثرية نامية في البشرية كافية لأن تتكفل مهمة (اليوم الموعود) على عاتقها، ولا يهم ـ بعد ذلك ـ وجود جماعة من البشر ـ وإن كانت كبيرة ـ خالية من التربية، أو أنّها ضعيفة ومتخلفة من هذه الناحية. ومن الواضح أنّ (منطقة النبوات) تحتوي على مثل هذه البشرية الكافية لتكفل تلك المهمة الكبرى.
وخاصة إذا علمنا أنّ التخطيط العام قد أخذ تلك المناطق النائية بنظر الاعتبار، لكن لا في ذلك العصر بالذات، بل في المستقبل غير البعيد. إذ شملت دعوة النبوات تلك المناطق قبل عصر المسيح (عليه السلام)، وبقيت إلى العصر الحاضر. والمهم هو بلوغ الدعوة سواء كثر المؤمنون أو قلّوا، كما سبق أن برهنا عليه.
ثانياً: إنّ هناك احتمالاً كافياً لدفع ذلك الإشكال، وهو أنّ وجود أوروبا وأضرابها بدون أنبياء، أمر ذو مصلحة في التخطيط العام فعلاً، فيكون ـ على هذا التقدير ـ أمراً ضرورياً، وأنّ أوروبا لا بدّ أن تكون خالية من الأنبياء.
والسبب في ذلك، ما ذكرناه من ضرورة وجود ظروف الظلم والتعسف خلال فترة طويلة من الزمن، لإنجاز التمحيص المنتج للشرط الثالث من شروط اليوم الموعود. وقد يكون من المقدر لأوروبا منذ ذلك العهد القديم أن تكون قائدة الظلم والتعسف في العالم، كما كان الشرق قائد الهداية النبوية في العالم. ويكون الصراع بينهما ـ كما هو المشاهد في عصورنا الحاضرة ـ منتجاً لإنجاح التخطيط الإلهي.
وإذا كان ذلك في مصلحة التخطيط كان ضرورياً. غير أنّ إثبات هذا الاحتمال، منوط بالعلم الإلهي وحده.
ـ 11 ـ
المرحلة الثالثة: النبوات القبلية:
ينبغي ـ في هذا الصدد ـ الالتفات إلى فكرتين:
الفكرة الأولى: إنّه يمكن اعتبار القبيلة والعالمية فكرتان مستقطبتان، بينهما درجة من التنافي، ويكون الشعور بإحداهما تارة خالصاً وأخرى وسطاً، أمّا بمعنى الشعور بأهمية العمل أوسع من القبيلة وأضيق من العالم (كالوطن مثلاً)، وأمّا بمعنى الشعور بعدم التنافي بين مصلحة القبيلة ومصلحة العالم، أو بأي معنى آخر.
وقد مرّت هاتان الفكرتان في التاريخ البشري على مراحل، بدأت بالقبيلة الخالصة وانتهت بالعالمية الخالصة. ففي العصر الذي نؤرخه كان الشعور قبلياً خالصاً، على حين لم يتلفت الرأي العام العالمي التفاتاً (قانونياً) ولم يعره أهمية تنظيمية قبل القرن الحالي. وسنعرف متى أصبحت النبوات عالمية، قبل الرأي العام العالمي بمئات السنين.
وقد كانت النبوات إلى زمن إبراهيم (عليه السلم)، تتجنب الخوض في هذا الجدال، فهي لا تعلن أياً من الفكرتين. أمّا فكرة العالمية فلعدم تقبلها يومئذٍ، وأمّا فكرة القبلية، فباعتبار قيامها على اعتبارات ظالمة غير صحيحة، فلم تكن هناك مصلحة لإبراز أي من الفكرتين.
ولكن تدريجاً أصبح يتكوّن من بعض أحفاد إبراهيم (عليهم السلام) (قبيلة مؤمنة) عاملة بتعاليم هذا النبي العظيم، غير قائمة على المظالم التي قامت عليها القبائل الأخرى. ومن هنا أمكن للنبوة أن تعلن القبيلة.
وقد تدرّجت النبوات منذ ذلك الحين، ببطء شديد إلى (التجريد) والتوسّع نحو الفكرة العالمية، بمعنى أنّ المعطى النبوي كان يتّسع تدريجاً، على ما سوف نرى، حتّى وصل إلى إعلان العالمية الكاملة في عصر الإسلام.
الفكرة الثانية: أنّنا قلنا إنّ النبوات التربوية ينبغي لها أن تبدأ من الواقع وتحاول الارتفاع به، لا أنّها تبدأ من نطاق أوسع منه، فتكتب لنفسها الفشل المحتم.
وقد كان الواقع يومئذٍ قائماً على إدراك أنّ القبليّة هي أحسن تنظيم اجتماعي يمكن القيام به لمصلحة المجموع، ومن ثم لم يكن في إمكان النبوات تغيير هذا الواقع بين عشية وضحاها. بل كانت بحاجة إلى مواكبة هذا الواقع ردحاً من الزمن.
على أنّ إعلان النبي ـ أي نبي ـ لفكرة القبليّة، ليس بمعنى جعل القبيلة شعاراً ضد القبائل الأخرى. وإنّما بمعنى أنّه ليس مكلفاً بغير هداية قبيلته، ومهمته مقتصرة على ذلك، وأمّا القبائل الأخرى فقد يوجد فيها أنبياء آخرون، بدون أن يكون هناك ـ من ناحية النبوة القبلية ـ أي داعٍ عاطفي للنزاع بين القبائل… بل هناك داعٍ إيماني للأخوة ولاجتماع القبائل كلّها على الإيمان.
والمظنون أنّ النبوة القبلية، استمرّت بعد عهد إبراهيم (عليه السلام) إلى بعث النبي موسى (عليه السلام)، حيث استطاع التقدّم خطوة نحو العالمية.
ولعل أهم نبي قائم على الأساس القبلي في ذلك العصر، هو يعقوب (عليه السلام)، حفيد إبراهيم (عليه السلام)، وجد بني إسرائيل، الأسرة التي استطاع يعقوب تربيتها ردحاً من الزمن على روح الإيمان، وقد كان لها في عصورها الأولى مشاركة في النبوات، كما أنّ لها في عصورها المتأخرة أكبر اليد في الظلم والطغيان البشري.
ـ 12 ـ
المرحلة الرابعة: النبوات العالمية:
تبدأ أوّل التفاتة عالمية ـ حسب ما نعرف ـ بالنبي موسى بن عمران (عليه السلام).
فإنّه في واقع قصده، ودعوته، نبي عالمي، ولكنّه لم يشأ إعلان هذا المفهوم كشعار واضح، وإنّما استطاع أن يخرج بنطاق دعوته من قبيلته وبلاده حيث أصبحت الفكرة العالمية، ولا أقل التوسّع عن النطاق القبلي، أمراً مفهوماً ومشروعاً اجتماعياً.
فإنّه بالرغم من الزخم العاطفي القبلي الذي أكد عليه (عليه السلام) في دعوته عند ابتدائها، وهو البدء ببني إسرائيل، وقد كانوا في ذلك الحين الشعب المضطهد تحت الحكم الفرعوني الغاشم، وقد طالب فرعون بإطلاق سراحهم من نير العبودية وجعل بيوتهم قبلة… ولكن بالرغم من كلّ ذلك فإنّ دعوته كانت أوسع من ذلك. فإنّه دعى فرعون نفسه وبطانته للإيمان، وهو عدو بني إسرائيل، ولو كان فرعون قد آمن لتغيّر تاريخ الدعوة الموسوية، ولكن أطماعه وسوء سريرته منعته من ذلك.
كما أنّ من أوائل المؤمنين: السحرة الذين كان له معهم صراع سحري عجيب، خرج موسى (عليه السلام) بنتيجته فائزاً، وأصبح السحرة مؤمنين، بالرغم من السيف الفرعوني القاطع. وهي حادثة تشترك التوراة مع القرآن في نقلها. ولم يكن السحرة من بني إسرائيل.
وقد كان موسى (عليه السلام)، يقبل ـ بكل تأكيد ـ كل مؤمن به من أي قبيلة كانت.
وبعد عبوره بالمؤمنين من مصر إلى أرض فلسطين، قام بدعوة واسعة بين القبائل والحاكميات التي كانت موجودة في الشرق الأوسط، وقاتل العديدين ممّن أعلنوا الكفر والعصيان، وقد بقي على ذلك خلفه الأمين النبي يشوع أو يوشع بن نون (عليه السلام). وقد نطقت التوراة هذه الأمور مفصلاً.
على أنّ بني إسرائيل أنفسهم كان حظّهم سيئاً من ناحية الطاعة، فلاقوا النقمة ونالوا العقاب، كأي شعب آخر. وأوضح وأقوى عقاب نالوه في زمن موسى (عليه السلام) هو التيه أربعين سنة في الصحراء.
وهذا كلّه دليل الدعوة العالمية، وإن لم تكن مسماة في لسان موسى (عليه السلام) بصراحة، وأنّ المهم هو الإيمان والطاعة لله عزّ وجلّ، وبالنتيجة الانسجام مع الأهداف الكبرى مع غض النظر عن الرأس والجنس.
وقد كان للتركيز القبلي في دعوة موسى (عليه السلام) مصلحتان مهمتان:
الأولى: الانطلاق من الواقع الذي لم يكن يستسيغ فكرة العالمية. وإنّما بدأ بالواقع وحاول رفعه ـ بمقدار الإمكان ـ إلى المستوى الواسع.
الثانية:إنّ شعب إسرائيل كان في أوّل الدعوة الموسوية وقبلها مضطهداً مقهوراً من قبل الحاكم الظالم فرعون. ومن هنا كان التأكيد على النقطة الرئيسية لظلم وتعسف الحكم الفرعوني، يقتضي التركيز على بني إسرائيل بصفتهم أشدّ الناس ظلامة في ذلك العصر. وقد كان إعطاء الفكرة الصريحة عن الظلم الفرعوني ضرورياً للدعوة الموسوية، لأجل ترسيخها في النفوس وكسب المؤمنين بها إلى أوسع نطاق ممكن خارج القبيلة أيضاً.
وأمّا في الأعوام المتأخرة عن ذلك، فقد بقي فضل بني إسرائيل مقترناً بالطاعة، ومنعدماً عند الانحراف والعصيان وهذه التوراة طافحة بتهديدات موسى (عليه السلام) ومن بعده من الأنبياء بالويل والثبور لبني إسرائيل إذا اتّخذت طريق التمرد والعصيان([293]). وهذا هو موقف كلّ النبوات من المؤمنين والعصاة عادة.
وهذه التوراة نفسها تفسر ما وقع على اليهود خلال ما يسمّى بالسبي البابلي، إنّه نتيجة لما جنته أيديهم من الموبقات والذنوب([294]).
ـ 13 ـ
وكانت إنجازات النبي موسى بن عمران (عليه السلام) في رفع المستوى الفكري والإيماني للبشرية، متمثلاً في عدّة أمور، بعد الاعتماد على مجموع ما تنطق به التوراة والقرآن من أخبار:
الأمر الأوّل: إنّه استطاع أن يقرب فكرة وجود الخالق القدير إلى الأذهان، بشكل واضح جداً، باعتبار المعجزات التي كان يقوم بها والكلام الذي كان ينقله. ولا حاجة الآن إلى الدخول في أمثلته.
الأمر الثاني: إيجاد شريعة كاملة مناسبة مع عصره، أوسع من شريعة النبي نوح (عليه السلام) وأعمق، يعتبر الفرق بينهما ممثلاً للفرق في الذهنية البشرية بين العصرين، بعد أن كانت قد تكاملت على يد خط النبوات خلال هذه الفترة الطويلة.
وقد تكفلت شريعته جوانب اقتصادية وجزائية وأخلاقية وعبادية مهمة.
الأمر الثالث: قضاؤه على السلطان الكافر، فرعون، الذي كان في عصره واضح القوّة والجبروت. وقد أعطى موسى (عليه السلام) بذلك درساً لكلّ سلطان جائر بأنّه سوف يركع أمام الحق، وبالتالي أمام الهدف الإيماني في يوم من الايام.
الأمر الرابع: مباشرته للفتح الديني وتوسيع الدعوة الإلهية عن طريق الحرب. وقد باشرت البشرية هذه المهمة تحت قيادته بعزم وإخلاص، وبقيت كذلك مع خلفه يوشع بن نون (عليه السلام).
وقد وجدت هذه الصفة لأوّل مرّة ـ حسب ما نعرف ـ في الدعوة الإلهية، حيث تجاوزت النبوات مرحلة الإقناع والجدل إلى مرحلة السيطرة والقتال، وتجاوزت مهمة المؤمنين من مجرد الوعظ والإرشاد إلى حمل هموم العالم الواسع الذي يجب أن يدخل كلّه في دائرة الإيمان.
الأمر الخامس: تأسيسه (عليه السلام) لشيء يشبه الدولة في قومه والمؤمنين به. فبينما كان الأنبياء السابقون محكومين، من الناحية العملية، لملوك وأمراء آخرين، قد يكونون من أشدّ الناس كفراً وظلماً… ولم يحاول نبي سابق أن يسيطر على الحكم، وإن حاول إبراهيم (عليه السلام) أن يدخل الحاكم في عصره في دائرة الإيمان، وهذا معنى آخر غير السيطرة على الحكم.
أمّا موسى (عليه السلام) فقد قام أوّلاً، بمثل مهمة إبراهيم (عليه السلام)، حيث طلب من حاكم عصره (فرعون) الدخول في دائرة الإيمان. ولكنّه في عصر لاحق، وبعد أن استتب له الأمر بعد عبور البحر، أصبح هو الرئيس المطلق والحاكم الأوّل في قومه. ولم يكن معنى الدولة في ذلك الحين أكثر من ذلك.
وقد قام موسى (عليه السلام) بتطبيق شريعته على المجتمع من النواحي الاقتصادية والجزائية والعبادية وغيرها. فقد اقترن فيه جانبا التشريع والتطبيق معاً. بخلاف من بعده من الأنبياء فقد ساروا طبقاً لروحه الإيمانية والتشريعية، والتزموا جانب التطبيق فحسب، بما فيه الغزو في سبيل الدعوة الإلهية.
ولكن من الملحوظ([295]) أنّ التركيز على الثواب والعقاب الأخرويين، لا زال قليلاً، وإنّما قام الأنبياء المتأخرون الذين حاولوا تعميق الفهم الموسوي، قاموا بإبراز هذا الجانب.
وأهم هؤلاء داود وسليمان (عليهم السلام).
فإنّنا في الوقت الذي نرى أنّ يوشع بن نون (عليه السلام) بقي محافظاً على نفس المستوى في أعماله، حاول ذانك النبيان بتعميق الأمور الخمسة المشار إليها، وتطبيقها تطبيقاً كاملاً. فقد أسّسا دولة متكاملة، ومارسا الفتح ومقارعة المنحرفين وتطبيق الشريعة الموسوية بكلّ جهاتها بكلّ دقة. وبنى سليمان (عليه السلام) بيتاً مهماً ضخماً للعبادة يسمّى بـ (هيكل سليمان) دعماً للعقيدة الإلهية، وهو ـ فيما نعرف ـ ثاني معبد مهم في البشرية بعد بيت الله الحرام الذي باشر إبراهيم (عليه السلام) بناءه… غير أنّه لم يقدر له الدوام بكامل هيبته، بعد أن هدمه نبوخذ نصر خلال استئصاله لليهود وسبيه لهم.
ونرى أنّ المفهوم الإلهي والتركيز على الطاعة أصبح في لسان سليمان في خطابه الذي ألقاه يوم افتتاح هذا المعبد، كما نقلته التوراة([296])، أصبح أوضح وأكثر نفصيلاً عمّا كان عليه في العصر الموسوي.
هذا، ولا يمكن اعتبار داود وسليمان (عليهما السلام)، نبيين عالميين، بالمعنى المقصود لنا الآن، فإنّنا نريد بالنبوة العالمية: الشريعة التأسيسية الجديدة التي تشمل كلّ البشر. وهذا ما عمله موسى (عليه السلام). وأمّا هذان النبيان فليس لهما شريعة جديدة، وإن كانا عالميين في دعوتهما، بل كانا تابعين للشريعة الموسوية.
ـ 14 ـ
كان الرق في العصور الفرعونية، ولعدّة قرون معروفاً وشائعاً، يكفينا من ذلك أنّ بني إسرائيل أنفسهم كانوا أرقاء لفرعون، يستخدمهم أشنع استخدام.
فهل هذا الرق هو الذي تقول به الماركسية؟ إنّها لو أجابت بالإيجاب لوردت عليها الاعتراضات التالية:
الاعتراض الأوّل: إنّه لا دليل على وجود نسبة عالية من الأرقاء في ذلك المجتمع، بحيث تشكّل الأكثرية سبباً كافياً لتسمية ذلك المجتمع بمجتمع الرق.
الاعتراض الثاني: إنّه لا دليل على إهمالهم للزراعة، بحيث لا يكون الوضع الاجتماعي، أو الجزء المهم منه، زراعياً يشكّل شيئاً يشبه الإقطاع. بل إنّ الجانب الزراعي موجود في كلّ المجتمعات لا محالة، ومعه لا يتعين أن يكون المستخدمون في الزراعة هم الأرقاء أو أنهم الأقنان ـ باصطلاح الماركسية ـ يعني الفلاحين. ولا يتعين في مجتمع يحتوي على صفتين هما: الرق والإقطاع، أن يسمّى بأحد الاسمين.
الاعتراض الثالث: إنّه بعد التجاوز عن الاعتراضين السابقين، يتعين الاعتراف بأنّ المجتمع الفرعوني هو مجتمع قائم على الرق. ومع ذلك، فإنّ الماركسية لم تذكره، بل تعتبر المجتمع الروماني ـ المتأخر جداً عن العصر الذي نؤرخ له ـ تعتبره المثال الأفضل لمجتمع الرق.
والماركسية ـ كما سمعنا خلال مناقشاتها ـ تعتبر العصر الفرعوني عصر المشاعية البدائية، فإنّ هناك من النصوص الماركسية ما يؤكد أنّ التوراة كتبت في ذلك العصر([297])، ـ كما سمعنا ـ. وهي ـ كما نعلم ـ كتبت في العصر الفرعوني أو بعده. ومعه يكون العصر الفرعوني مشاعياً بدائياً، إذ لا يحتمل تقدّم مجتمع الرق على المشاعية، ماركسياً.
وهذا من الغرائب المقطوع بكذبها تاريخياً، لأنّ الوضع الفرعوني واضح المخالفة لما تعطيه الماركسية من صفات للمجتمع الشيوعي البدائي.
ـ 15 ـ
نرى من خلال هذا التخطيط الثاني، أنّ نبوءات الأنبياء حول نتائجه ونتائج التخطيط الذي بعده، موجودة على ألسنة الأنبياء. سواء في ذلك النتيجة المباشرة لهذا التخطيط وهو وجود الأطروحة العادلة الكاملة، أو نتيجة التخطيط الذي يليه، وهو قيام دولة الحق والعدل العالمية، متمثلة بوجود قائدها الأعظم المهدي (عليه السلام).
كلّ ما في الأمر أنّ التبليغات تبدأ مختصرة وغامضة، ثمّ تبدأ بالتدريج البطيء بالإيضاح… تبعاً لرقي الفكر البشري، واعتياده على تلقي النبوءات الغيبية من ناحية، ومقدار تقبله لمضمون النبوءة.
ومن هنا قد تقتصر النبوءة على بيان المستقبل المشرق للبشرية أو على انتصار جانب الحق في العالم. وقد توضح النبوءة وجود نبي في المستقبل، الذي معناه عدم انقطاع خط الأنبياء إلى حين وصول التخطيط الثاني إلى نتيجته بوجود ذلك النبي. وقد تبيّن النبوءة ضرورة وجود القائد العالمي الذي يقوم بتطبيق العدل الكامل في ربوع البشرية.
وهذه النبوءات متدرجة في العمق، كما هو مفهوم لمن لاحظها. وقد أبرزت بالتدريج بطبيعة الحال.
ولعل أوضح النبوءات بالمستقبل المشرق، جاءت على لسان داود (عليه السلام)، كما تعرب عنه التوراة المتداولة، ووقع مثلها في كلام سليمان (عليه السلام). وسوف نستعرض هذا وغيره في كتاب قادم من أجزاء هذه الموسوعة.
وفي العصر المتأخر عن السبي البابلي، تنبأ أشعيا ودانيال وغيرهما بوجود دولة الحق وأعطيا مقداراً من أوصافها. وفي العصر اللاحق جاء يوحنا اللاهوتي ليتنبأ بمولد القائم الأعظم (عليه السلام)، من خلال رؤياه المشهورة المسطورة في التوراة.
ومهما يكن الحديث عن صحة استناد هذه الكتب إلى أصحابها، فإنّ المتيقن هو أنّ التوراة كلّها كتبت قبل الإسلام، وهذا كافٍ لاحترام النبوءة التي ثبت بالدليل القطعي صحتها.
وحين يصل الزمن إلى عصر الإنجيل، تجده يعطي على لسان مؤلفيه تفاصيل أكثر من خصائص التخطيط الإلهي ونتائجه، فهو يصف التمحيص، وكثرة الكفر والانحراف، وينصح بضرورة حفظ الإيمان خلال ذلك، ويتنبأ، بوجود دولة الحق وقائدها، وبعودة المسيح في تلك الدولة، على ما سوف نوضحه في الكتاب المشار إليه. وكلّ ذلك ممّا ثبتت صحته من خلال فهمنا للتخطيط الإلهي العام.
وأمّا قبل ذلك، فلم ينقل التنبؤ من قبل الأنبياء بشكل واضح، بمن فيهم موسى بن عمران (عليه السلام)([298]). ولعل ذلك لعدم نضج الفكر البشري إلى ذلك الحين… أو أنّ مثل هذا التنبؤ وجد ولكنّه لم يصل إلينا.
نعم، يوجد في كلام نوح وموسى (عليهم السلام)، تأكيد باقتران الطاعة والإيمان بالسعادة والرفاه الاجتماعيين، كما هو موجود في التوراة والقرآن معاً. وهذا أمر صحيح، وهما وإن كانا قد طبّقاه على مجتمعهما بشكل مباشر، وانطلقا منه إلى بيان الثواب الدنيوي على الطاعة، إلاّ أنّهما في الواقع يعطيان القاعدة العامة التي تنطبق في كلّ عصر؛ ويدعم ذلك أنّ مجتمعهما لم يوفر الطاعة فلم يحصل على الرفاه المطلوب، على حين سوف يتوفر ذلك المستوى المطلوب من الإيمان في مجتمع دولة الحق، فتحصل على ذلك الرفاه، ومعه، فمن المستطاع اعتبار هذه النصائح لهذين النبيين نحواً من التنبؤ الغامض بدولة الحق أيضاً.
ولكن في بعض هذه التنبؤات في التوراة، ما يستحق الالتفات، وهي أنّها قرنت في الأغلب ـ وخاصّة في كلام أشعيا ودانيال وطبقتهما ـ بالتنبؤ بانتصار اليهودية وبني إسرائيل وعاصمتهم أورشليم. فما معنى ذلك؟ بعد قيام البرهان لدينا ـ كمسلمين ـ بأنّ انتصار الحق يكون عن غير هذا الطريق.
وهذا له عدّة أشكال من التأويل، سنذكرها في الكتاب المخصص لذلك من هذه الموسوعة. ونذكر الآن منها وجهين:
الوجه الأوّل: أن يكون التنبؤ صادراً من أشعيا وغيره عاماً صحيحاً، غير مربوط ببني إسرائيل مباشرة، ولكن النساخ المتأخرين للتوراة، وبخاصّة أولئك الذين سجلوها بعد تلفها وضياعها ردحاً طويلاً من الزمن… أضافوا هذه العناصر الغريبة كذباً وزوراً، رعاية لدينهم وقومه، وتطبيقاً للتنبؤ على ذلك.
إلاّ أنّ هذا الكذب لا يعني إسقاط كلّ النبوءة أو أساسها أو مفهومها العام. فإنّنا قلنا في مقدمة «تاريخ الغيبة الصغرى» إنّه في الإمكان الأخذ ببعض مدلول الكلام مع أسقاط ما قام الدليل على كذبه، ولا يكون هذا مضراً بصدق البعض الآخر.
الوجه الثاني: إنّ التنبؤ صدر فعلاً من أشعيا وغيره على هذا الشكل الموجود في التوراة، أي التنبؤ بانتصار الحق على يد بني إسرائيل. إلاّ أنّ هذا إنّما كان باعتبار أنّ الممثل الأفضل للحق في ذلك الحين كانوا هم ومن كان على دينهم، ما دامت الشريعة الموسوية سارية المفعول. وقد كانت في زمان أشعيا وأرمياء سارية المفعول حتّى نسخت بنبوة المسيح (عليه السلام).
إذن، نفهم من ذلك: إنّ انتصار الحق يكون على أيدي أمنائه دائماً، ولئن كان أمناؤه في ذلك العصر هم بنو إسرائيل، فإنّ أمناءه في المستقبل سوف يكونون غيرهم، بعد أن سقط هؤلاء في حضيض المعاصي والانحراف.
بقي لدينا احتمال: أن يكون أشعيا ودانيال وطبقتهما من الأنبياء المتأخرين عن الفتح البابلي، قد اتجهوا إلى هذه التنبؤات نتيجة للظروف الصعبة والهزيمة التي مرّت باليهود خلال سبيهم وما بعده. وهذا ما احتمله بعض الكتّاب المحدثين([299]).
فهذا قابل للمناقشة من وجهين:
الوجه الأوّل: وجود هذه التنبؤات قبل السبي البابلي بمدّة، على لسان داود وسليمان (عليهما السلام) بشكل واضح، وعلى ألسنة من سبقهما بشكل غامض، ومعه لا معنى لربط هذه النبوءة بالسبي البابلي.
الوجه الثاني: إنّنا نسأل هذا الكاتب عن اعتقاده بأنّ هذه التنبؤات حقاً أو باطلاً، بمعنى أنّها هل هي مطابقة للواقع ولو بأساسها ـ بعد إسقاط التفاصيل ـ أو أنّها مجرد أضاليل!!…
فإن قال: إنّها حق. وإنّما اقتضت المصلحة إظهار هذه النبوءة لرفع معنويات اليهود بعد انهزامهم وسبيهم، وخاصّة بعد الالتفات إلى أنّ المستوى الذهني البشري إنّما وصل إلى تفهّم هذه النبوءة بوضوح في ذلك العصر، إن قال ذلك، فهذا حق، وهو أقرب التفسيرات للتركيز على هذه النبوءة خلال ذلك العصر بالخصوص.
وإن قال: إنّ هذه النبوءة باطلة ومجرد تضليل، فهذا في واقعه: أوّلاً: طعن بهؤلاء الأنبياء الذين اعترف الإسلام بكونهم كانوا صادقين ومواكبين للحق، وهو ـ كمسلم ـ ملزم بالاعتراف بذلك. ثانياً: إنّ كلامه هذا مخالف للدليل القطعي القائم على صدق أساس هذه النبوءات، كما لا يخفى على قارئ هذه الموسوعة.
وإن شكك في نسبة هذه الكتب إلى هؤلاء الأنبياء، قلنا: إنّ تفسيره لوجود النبوءة قائم على التسليم بوجودها، وصدق نسبتها إلى أصحابها، كما هو واضح، فلا معنى للرجوع عن هذا التسليم بعد ذلك.
ـ 16 ـ
وبهذا ينبغي أن نختم الحديث عن أقسام النبوات الكبرى الرئيسية… إذ لم يبق إلى نهاية هذا التخطيط الثاني الذي نتحدّث عنه، غير نبوة واحدة مهمة هي نبوة المسيح (عليه السلام). وهي نبوة ـ بالرغم من أهميتها ـ كانت ضيقة النطاق لمدى الضغط الكافر الذي كان في ذلك العصر.
وفي الواقع، أنّه بدأ في العصور المتأخرة عن الدعوة الموسوية، من حوالي الفتح البابلي عصر طويل من الظلم والانحراف والفساد، حتّى بين اليهود أنفسهم، وبقي ساري المفعول خلال بعثة المسيح (عليه السلام)، ولم ينته أيضاً بنهاية التخطيط الثاني، بل استطاع أن يمتد بفروعه إلى العصر الحاضر.
ولذا ينبغي أن نعقد فصلاً عن جانب الفكر والعمل الدنيويين، خلال العصر المتأخر عن الدعوة الموسوية… لنرى مقدار تأثيره في هذا التخطيط، إلى جانب تأثير النبوات.
الجانب الدنيوي
بعد العصر الموسوي
ـ 1 ـ
كانت جذور الانحراف موجودة في المجتمع الموسوي في زمن موسى (عليه السلام) فما بعده، وقد سمعنا أنّ التوراة مليئة بتهديد العصاة بكلّ ويل وثبور على لسان موسى (عليه السلام) ومن بعده كيوشع وداود وسليمان وغيرهم.
وقد كان هناك ـ على ما تنطق به التوراة أيضاً ـ حملات إيمانية عديدة قام بها هؤلاء الأنبياء، لرفع معنويات الأمّة المؤمنة من الناحية الإيمانية ومن ناحية تركيزهم على تطبيق الشريعة وإطاعة الأنبياء. بدأها موسى (عليه السلام) نفسه، بعد عبور البحر، وقرنها اجتماعياً بالخروج فعلاً للفتح الديني ضد الكافرين عبّاد الأصنام. وكان آخرها ـ فيما يخصّ العصر السابق على الفتح البابلي ـ حملة سليمان الإيمانية خلال بنائه للهيكل وافتتاحه له.
وكانت هذه الحملات تنجح موقتاً، ثمّ يبدأ المجتمع من جديد بارتكاب الموبقات والفساد. حتّى ما إذا حصلت الحملة الأخرى تحسن الوضع ثمّ عاد إلى السوء من جديد.
حتّى ما إذا حصل الفتح البابلي المشرك، استطاع أن يقضي على المهم من معالم التديّن الموجودة آنئذٍ، وبقي اليهود يجترون الأفكار والتقاليد التي يحملونها عن عقيدتهم وتاريخهم، اجتراراً. وأصبحت المواعظ التي يقولها الأنبياء فيهم، كـأشعياء وأرمياء ودانيال، غير ذات أثر حقيقي.
ـ 2 ـ
لا ينبغي أن يخفى علينا دخول الانحراف والكفر في التخطيط، كعنصر هام من ناحيتين:
الناحية الأولى: إنّ الانحراف يعتبر نتيجة من نتائج التمحيص الذي تمثّله دعوات الأنبياء، فإنّ هذه الدعوات تجعل الفرد على المحك باستمرار، حيث ينظر إلى مواقف الأفراد وردود أفعالهم تجاهها، فإن انسجم الفرد معها كان ناجحاً في التمحيص ومن ثم منسجماً مع التخطيط الشامل لتلك الفترة. ومن أنكرها كان راسباً في التمحيص، ومن ثم منافراً مع التخطيط وأهدافه. وعلى كلا الحالين يكون التمحيص قد وصل إلى نتيجته.
الناحية الثانية: إنّ الانحراف والكفر، سواء على مستوى المجتمع أو مستوى الحكومات، يكون بدوره سبباً لتمحيص جديد، قد حملنا عنه فكرة فيما سبق، حيث ينظر إلى مواقف الأفراد وردود أفعالهم تجاهه، فمن انسجم معه كان منافراً مع التخطيط، ومن خالفه كان منسجماً معه. وقد عرفنا أنّ التخطيط دائماً قائم على الاختيار وحرية الإرادة، وهو ـ عادة ـ منتج للمواقف المختلفة.
ومن هذه الزاوية سننطلق إلى فهم الانحراف والكفر خلال هذه الفترة، وسنفهم أنّه وجد لنفع التخطيط وإنجاحه، وهو تعميق إيمان المؤمنين وتمحيص المجتمع عموماً، وربما لتعميق الفكر الإنساني، كما سنذكر… لا أنّها وجدت مضادة للتخطيط، فإنّ هذا من المستحيلات، كما عرفنا في الأسس الخاصّة للتخطيط العام.
ـ 3 ـ
ينقسم (الجانب الدنيوي) خلال هذه الفترة إلى عدّة جوانب:
الجانب الأوّل: الجانب المدني المتمثل بنمو الحضارة الإنسانية خلال تلك الفترة الخاصّة، مع الإشارة إلى تأثير هذا الجانب في التخطيط العام عموماً.
الجانب الثاني،: الجانب الفكري المتمثل بالفلسفة والمنطق والرياضيات ونحوها، ممّا انبثق من الفكر البشري، الكائن ـ في الأغلب ـ في اليونان خلال تلك الفترة.
الجانب الثالث: الجانب الحكومي المتمثل بالحكومات المنحرفة والكافرة التي كانت مسيطرة خلال تلك الفترة.
الجانب الرابع: جانب التحريف في الديانة الموسوية، من قبل اليهود أنفسهم، بعد اجتياز عصورها الأولى.
الجانب الخامس: جانب الجهل والتخلّف الذي كان صفة للمجتمع في شبه الجزيرة العربية. وهو المجتمع الذي أصبح محلاً لاستقبال الرسالة التي حملت (الأطروحة العادلة الكاملة) إلى البشر، وبها انتهى عهد النبوات وانتهى التخطيط الثاني.
ـ 4 ـ
الجانب الأوّل: في تأثير التطوّر المدني للمجتمع في التخطيط.
يتكفّل خط الأنبياء عادة، تنمية وتربية الجوانب الفكرية والأخلاقية والتشريعية في البشرية. باعتبارها الجوانب الأهم التي بها يقترب الهدف وينجح التخطيط.
وأمّا جوانب التطوّر المدني، فالمعروف أنّه موكول إلى الفكر البشري نفسه. ابتداء بالبسيط وانتهاءً بالمعقد. فعلى البشرية أن تعاني الجوع حتّى تجد الطعام، والمرض حتّى تجد الدواء، والبرد حتّى تجد الدفء… وهكذا… من دون أن يكون للأنبياء أو للإلهام الإلهي، أي أثر في ذلك. وهذا يعني أنّ التخطيط الإلهي اقتضى هذا المعنى بطبيعة الحال.
وهذا شيء مفهوم، إلى حد كبير، لوضوح أنّ التربية المدنية، سوف لن تكون ـ مهما طالت ـ أبطأ من التربية الأخلاقية أو التشريعية، بل إنّ الثانية أبطأ بكثير وأعقد، لوجود الموانع الشهوانية في النفس البشرية عن اتباع السلوك الأفضل دائماً، بخلاف التربية المدنية فإنّها خالية عن تلك الموانع، بل هي ـ في الأغلب ـ موافقة للهوى والمصلحة الشخصية. ولئن تكفل الأنبياء تربية الجانب الأصعب، فإنّ الجانب الآخر أوكل للفكر البشري نفسه.
إلاّ أنّ بعض الاعتراضات قد تحول دون الالتزام بذلك، أو أنّها على الأقل، تمنع من المبالغة فيها. ومعنى ذلك أنّ الأنبياء لهم قسط من المشاركة في التطوّر المدني.
الاعتراض الأوّل: إنّ إيجاد البشرية للطعام أو للدواء، إذا كان موكولاً لمجرد الصدفة أو للالتفات بعد الجهل المطلق، وترك البشرية خلال العصور السابقة تعاني من المشكلة التي لم يكتشف لها حل… فهذا إن لم نفرض أنّه موجب لانقراض النوع البشري، فلا أقل من أنّ بقاء البشرية خلال المشكلات، ردحاً طويلاً من الزمن، مع إمكان تلافيها من قبل الخالق الحكيم عن طريق الأنبياء، وعدم دخل زيادتها في نتائج التخطيط… يكون ظلماً للبشرية البائسة، فيكون مستحيلاً على الخالق الحكيم.
الاعتراض الثاني: لا شك أنّ التطوّر المدني يعمق الفكر البشري، ويفتح أمامه جوانب جديدة لم يكن ملتفتاً إليها قبل ذلك، وهذا العمق بدوره يشارك في قابليته لفهم المستوى التشريعي والأخلاقي الجديد الذي يبشّر به خط الأنبياء.
وهذا معناه أنّ كلّ مستوى (نبوي) يحتاج إلى مستوى مدني سابق عليه، كما يحتاج تماماً إلى مستوى نبوي سابق قد تمّ إنجازه وإنجاحه.
ومن هنا ننطلق إلى هذا الاعتراض، إذ قد يكون إيكال البشرية إلى فكرها الخاص في التطوّر المدني، قد يجعل المستوى المدني منفصلاً عن المستوى (النبوي) المطلوب. بمعنى أنّ البشرية قد تكون ناضجة نبوياً وتستحق بهذا الاعتبار خطوة نبوية جديدة، ولكنّها قد تكون فاقدة للمستوى المدني الذي عرفنا أنّه يكون ضرورياً لفهم الخطوة الجديدة، فتكون الخطوة النبوية الجديدة متعذرة، ومن ثم يكون التخطيط معاقاً.
وإذا تمّ هذا الاعتراض، كان معناه أنّ من الضروري لكلّ نبوة، أن تخطط ـ إلى جانب مهمتها الخاصّة ـ لتطوير الجانب المدني، بحيث تساعد الفكر البشري للوصول إلى المستوى المطلوب عند إنجاز هذه النبوة مهمتها الخاصّة، والحاجة إلى بناء جديد.
الاعتراض الثالث: إنّ الأطروحة الكلاسيكية الدينية لابتداء البشرية، تفترض ـ كما عرفنا ـ ابتداءها من زاوية قوّة ووعي، وإنّ أوّل بشري وجوداً هو نبي ناجز علمياً وأخلاقياً وأخلاصاً، وقد حاولنا فيما سبق مناقشة فحواها العام.
ولكنّها لو صحّت تماماً، لكان معنى ذلك أنّ البشري الأوّل: آدم (عليه السلام)، هو الذي قام بتعليم أولاده وزوجته الجانب المدني الضروري للحياة، إلى جانب التربية التشريعية والأخلاقية.
الاعتراض الرابع: إنّ القرآن الكريم ينسب إلى بعض الأنبياء المشاركة في الجانب المدني، فمن ذلك: صنع نوح (عليه السلام) للسفينة، وصنع داود (عليه السلام) للبّاس والدروع، وصنع الجن لسليمان (عليه السلام) القدور الضخمة والجفان الكبيرة، ويمكن نسبة الصنع إلى سليمان نفسه بشكل وآخر. ولا حاجة إلى الاستشهاد بالآيات بعد وضوحها وتوفرها للقارئ بسهولة. ولا نعدم من السنة والتاريخ دليلاً على هذا وغيره، ممّا هو غير خفي على المتتبع، ممّا يطول بنا المقام في سرده.
وعلى أي حال، فهذه المشاركة ممّا لا يمكن نفيها، بعد الاعتراف بالنبوات. ويستطاع القول بأنّ هذه الاعتراضات استطاعت أن تكفكف من غلواء تلك الفكرة الواضحة في انفصال خط الأنبياء عن الخط المدني، على طول التاريخ.
وإذا رجعنا إلى العصر الذي نؤرخ له، وجدنا أنّ داود وسليمان (عليهما السلام) يقعان خلاله، بمشاركتهما الفعلية في عدد من جوانب التربية المدنية.
ـ 5 ـ
الجانب الثاني: في تأثير الجانب الفكري للإنسان، كالفلسفة والمنطق في التخطيط العام.
ذلك الجانب الذي كان لليونان في تلك العصور، والتي بعدها، أكبر المشاركة فيه بحثاً وتدقيقاً وتوسيعاً، ابتداءً بالفلسفة اليونانية القديمة السابقة على أفلاطون وسقراط، وانتهاءً بالفلسفة الوسيطة اللاحقة لعصر المسيح (عليه السلام).
إنّ وجود مثل هذه التعميقات الفكرية، إلى جانب أنّه يؤهل البشرية المتمثلة بمفكريها، استيعاب دعوات الأنبياء وأقوالهم إلى أكبر حد، وما تنتجه الأسئلة المثارة والجدل القائم من انفتاح تدريجي… يؤهلها أيضاً لدعم كثير من أقوال الأنبياء بالدليل القائم على الوجدان الحسي أو العقلي. ومن هنا تنبثق أهميته بالنسبة إلى مواكبة التخطيط وإنجاحه.
وبالرغم من إمكان تفسير هذا العمق بالعبقرية البشرية نفسها، فإنّه بالإمكان أيضاً إسنادها إلى خط الأنبياء أما مباشرة أو بالواسطة. باعتبار احتمال أن يكون بعض فلاسفة اليونان كأرسطو ـ مثلاً ـ من الأنبياء أو الملهمين بدرجة ما. أو أنّهم أخذوا رؤوس أقلامهم أو مهم أفكارهم من الأنبياء، أو أنهم قد رويت لهم عن الأنبياء بعض الحقائق التي استطاعوا بعبقريتهم أن يستنتجوا منها هذه الدقة الفكرية.
ولكن هذا الاحتمال ـ مهما كان شكله ـ بالرغم من لطافته ووجاهته، مما لا يمكن أن نقيم عليه الدليل الكافي، بعد انطماس الكثير من معالم التاريخ.
ـ 6 ـ
الجانب الثالث: الجانب الحكومي المتمثل بالحكومات المنحرفة والكافرة التي كانت مسيطرة في تلك الفترة.
كان أوّل ملك سيطر على اليهود بعد انتهاء (الدولة النبوية) التي بدأت بموسى (عليه السلام) وانتهت بصموئيل، وإن تخللتها فجوات كبيرة… هو شاؤول كما تسميه التوراة أو طالوت كما يسميه القرآن. وقد جاء إلى الحكم بطلب من بني إسرائيل أنفسهم، حيث طلبوا من صموئيل أن يعين لهم ملكاً، فعين لهم الله تعالى عن طريق نبيه هذا الرجل، وهذا ما يرويه التوراة والقرآن معاً.
وبالرغم من جهته الإيمانية وأهميته، لم يكن يخلو ـ كما تدل عليه التوراة ـ من بعض الانحرافات، وأهمها منافرته لداود (عليه السلام)، ومطاردته لأجل القبض عليه وقتله. وكان يومئذ شاباً مؤمناً متفانياً في الإيمان.
وقد تولى هو الملك بعد شاؤول، فكانت دولته نبوية مرّة أخرى، وخلفه ولده النبي سليمان (عليه السلام). وبوفاته انفصل الحكم عن النبوة مرّة أخرى. وملك اليهود جماعة من الملوك على مستوى يكاد يكون دنيوياً محضاً، على حين بقيت النبوة في الشعب في جماعات من المؤمنين الملهمين الواعظين على نطاق ضيق في الأغلب، يكادون يمثلون النبوة القبلية مرّة أخرى في التاريخ.
ولعل العنصر الأهم في ضيق نطاق هذه النبوات، هو بُعد الشعب عنهم وانغماسه في اللذائذ والمصالح الخاصّة، وعصيان الملوك لهم، إلى حد لم يبق للأنبياء تأثير واضح على المجتمع الذي كان مؤمناً في تاريخه القديم.
واستمرّ الحال على ذلك إلى الفتح البابلي، الذي اعتبرته التوراة عقاباً لليهود على مظالمهم وفسادهم. حيث استطاع أن يقضي على اليهود، بكلتا دولتيهم: إسرائيل ويهوذا، ويستأصل قسماً كبيراً منهم ويسبي القسم الآخر إلى العراق.
وبعد سقوط نبوخذ نصر، وسيطرة كورش ملك الفرس سمح لهم بالعودة وبناء هيكل جديد. فعاد الحال إلى ما كان عليه من انفصال الحكم عن النبوة، ووجد فيهم عدّة أنبياء مشهورين كأشعيا وأرمياء ودانيال وغيرهم، ممّن نسبت إليهم التوراة كلمات كثيرة وتاريخاً مفصلاً. ولكنّهم لم يكونوا ليؤثروا في إرجاع الشعب والحكومات إلى جادة الحق والصواب.
وكان هناك خط ثالث غير الملوك والأنبياء، وهم الكهان المشرفون على الهياكل. وبالرغم من أنّ هذه الفكرة كانت حقاً في أساسها باعتبار احتياج الهيكل إلى السادن أو المشرف على مصالحه والقيام بوظائفه الدينية. وقد عيّن موسى (عليه السلام) ـ كما تقول التوراة ـ أخاه هارون كاهناً في المعبد الذي أسّسه، ولم يكن يومئذٍ ذا بناء كبير، وإنّما كان عبارة عن خيمة كبيرة تسمّى (خمية الاجتماع)، وبقيت سلسلة الكهانة في أولاد هارون.
غير أنّ هؤلاء الكهنة، لم يكونوا ملهمين كالأنبياء، فأصبحوا يمثلون الشعب الذي وجدوا فيه، يحملون نقائصه ونقاط ضعفه في ضمائرهم، وأصبحوا يمثلون ـ أيضاً ـ طبقة خاصّة ذوي مصالح ومطامع وجشع، وقد كان لهم اليد الكبرى في ترك الشريعة وعصيان الأنبياء، وقتل بعضهم بما فيهم المسيح عيسى ابن مريم نفسه، ومع ذلك، كان يعتبرهم الشعب اليهودي على مستوى عالٍ من الإيمان والطهارة، ويخضع لهم أكثر بكثير ممّا يخضع للأنبياء.
واستمرّت النبوة والكهانة… إلاّ أنّ الحكم زال عن يد الدول الصغيرة، حيث استطاعت الدولة الرومانية تدريجاً أن تسيطر على المنطقة وتدخل عدداً من شعوبها تحت حكمها، بما فيهم اليهود. ولم تكن تلك الدولة بيهودية ولا مؤمنة، وإنّما كانت وثنية المعتقد و(علمانية) أو ملحدة في حياتها التشريعية والاجتماعية.
ومن هنا تقلص الخط الديني، وبخاصّة الخط المخلص المتمثل بالأنبياء، وقتل العدد الكبير منهم. وأمّا الكهان فكانت لهم صيانتهم الخاصّة باعتبار ما تتوقعه الدولة الرومانية من ردود الفعل الشعبية على تقدير الإجهاز عليهم، ومن ثم استمر وجود الكهان واستطاعوا أن يسايروا الدولة الجديدة، ولو في نطاق ضيق.
وخلال العصر المتخلل بين السبي البابلي ونبوة المسيح، وخاصّة بعد سيطرة الدولة الرومانية ويأس اليهود من الرجوع إلى الحكم، استطاع الكهان أن يحرفوا العقيدة اليهودية، بعد أن طمسوا آثار شريعتهم وشارك في طمسها ملوك اليهود أنفسهم والسبي البابلي وغيره. كما استطاعوا أن يحرفوا التوراة تحريفات كبيرة، على ما سنذكر في الفقرة التالية. كما استطاعوا أن يحددوا لوجودهم صيغاً خاصّة لم تكن معروفة قبل ذلك، على ما سنعرف، عسى أن يكون لهم القوّة والأهمية في المجتمع.
وقد تقبل الشعب كلّ ذلك بجهل وسذاجة بالغين، وأصبحت هذه التحريفات، سارية المفعول إلى العصر الحاضر. وقد سبب لذلك أيضاً بُعد الأجيال المعاصرة لهذه الفترة عن عصور الأنبياء السابقين، وانتقال الانحرافات الخطيرة إليهم من أجيالهم السابقة.
ولا حاجة بنا إلى التكرار، بأنّ كلّ هذه الانحرافات إنّما هي في مصلحة التخطيط، سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي أو الكهني، فإنّها تحتوي جميعاً على كلا الناحيتين اللتين ذكرناهما في الفقرة الثانية من هذا الفصل.
ولا يخفى ما شارك فيه (القانون الروماني) الذي أصبح له فقهه الخاص وصياغته، لأوّل مرّة ـ تقريباً ـ في تاريخ الفكر الدنيوي المنقطع عن السماء… لا يخفى ما شارك فيه من تعميق الفكر البشري وإعطائه نماذج قانونية وفهماً قانونياً مرتباً لم يكن قد واجه مثله فيما سبق.
وأمّا الشريعة الموسوية، فهي بالرغم من عالميتها، فهي كانت تقدّم التشريع، ولم تكن تقدّم الفهم القانوني أو الأسس والمصالح التي انطلق منها ذلك التشريع، لعدم مساعدة الفكر البشري في عصرها على استيعاب ذلك، كما لم يساعد الفكر البشري على فهم ذلك فترة من الزمن، إلى أن أعطيت لها التفسيرات الخاطئة المنحرفة في عصر الانحراف الذي نؤرخه الآن.
ولعل في مرور الفكر البشري بتفسير الشريعة الموسوية، ما ساعده على وضع القانون الروماني وتفسيره، بشكل أعمق وأوسع. وهذا يعني أنّ للجهة الدينية ـ وإن كانت منحرفة ـ تأثيراً في صياغة القانون الروماني وإن كان ملحداً.
ـ 7 ـ
الجانب الرابع: جانب التحريف في الديانة الموسوية بعد اجتياز عصرها الأوّل.
استطاع كهان اليهود، بدعم من الحكومات المنحرفة والاتجاه الشعبي الفاسق، أن يقوموا بعدّة تحريفات للشريعة الموسوية الأصلية، نستطيع أن نستعرضها ضمن الحقول التالية:
الحقل الأوّل: طمس الشريعة الموسوية من جوانبها الاجتماعية والاقتصادية، والاقتصار على الجانب الكهني مع تقاليد وأساليب زائدة، تناسب مع حصول هذه الطبقة على المزيد من الأموال.
الحقل الثاني: إنّ التوراة المنزلة من الخالق عزّ وجلّ، ضمر وجودها تدريجاً في المجتمع، وبقيت مخزونة في خزائن الملوك، وعنابر الكهان، بشكل لا يلتفت إليه أحد أو يتذكره أحد.
حتّى ما إذا حصل السبي البابلي فقدت التوراة بالمرة، وعاد اليهود مرّة أخرى إلى بلادهم ـ بعد فترة ـ فاقدين لكتابهم ومنقطعين عن شريعتهم تماماً.
الحقل الثالث: إن (عزرا) أو عزير ـ قرآنياً ـ الذي كان من نسل هارون ووريث الكهانة في عصره، حاول كتابة التوراة من جديد. ولكنّها ـ مع الأسف ـ أصبحت حاملة للفكر المتأخر المنحرف الذي وجد بعد العصر الموسوي، وأهم ما ركز عليه فيها نتيجة لهذا الفكر أمران:
الأمر الأوّل: جانب الكهانة ووصف وظيفة الكهان، لكي يتم تركيز الحقلين الأوّل والرابع الآتي.
الأمر الثاني: جانب التنبؤ بمستقبل بني إسرائيل، وأنّهم سوف يحصلون على دولة عالمية خالدة (تفيض لبناً وعسلاً) على ما سنذكره في الجانب السادس. وسنذكر معنى التحريف في هذا المفهوم.
الحقل الرابع: تنظيم الكهانة، فإنّها بعد أن كانت في أصل وضعها الموسوي مجرد إشراف على المعبد وإزجاء حاجاته، أصبحت الآن متعددة الجوانب والعناوين، فهناك: الكاهن والقسيس والحبر والحكيم والحاخام. كلّ ذلك من أجل اكتساب القوّة والرسوخ الاجتماعي.
الجانب الخامس: تحريف الشريعة الموسوية تحريفاً ضخماً، وتفسيرها تفسيراً شنيعاً، وذلك حين وضع اليهود (التلمود) كتابهم الثاني بعد التوراة، ويحوي كلّ تعاليمهم.
وفيه ركزت أهمية اليهود وارتفاعهم عن البشرية وضرورة سيطرتهم على العالم، وكون المستقبل لهم، وتفضيل الإسرائيلي على غيره وإن كان يهودياً. وقد تضمن أحكاماً كثيرة لضبط هذا الجانب وتربيته في نفوسهم ممّا لا يحتمل ورودها عن موسى (عليه السلام) ولا عن أحد من الأنبياء بعده، وإنّما هي من وضع طبقة الكهان والحاخامات، أبناء المجتمع المنحرف الفاسق.
الجانب السادس: إنّهم حاولوا مسخ الفكرة الصحيحة في سيطرة الحق على العالم في مستقبل الإنسانية، تلك الفكر التي بشّر بها أنبياؤهم بكثرة، على ما سمعنا… فجعلوا ذلك مستقبلاً لهم خاصّة، بما فيهم من نقاط ضعف وانحرافات.
ومن هنا نعرف أنّ فكرة (شعب الله المختار) وفكرة (الوعد) و(دولة اليهود العالمية التي تفيض عسلاً ولبناً)، كلّها انحرافات عن مناشئ صحيحة. فالشعب المختار هم المؤمنون دائماً. والوعد الإلهي موجود بالانتصار لهم دائماً، والدولة العالمية ستكون دولتهم، وستكون دولة رفاه وسعادة (تفيض لبناً وعسلاً) وغيرهما من الخيرات.
وأمّا بنو إسرائيل، فقد كانوا يمثلون تطبيقاً ضيقاً لهذه المفاهيم، حين كانوا مؤمنين؛ وأمّا حين انسلخوا عن الإيمان، فقد لحقتهم لعنة الرب، على ما صرّحت به التوراة المتداولة نفسها([300]) وانسلخوا من كلّ هذه المفاهيم. وبقيت هي محافظة على نقائها وطهارتها لمن ورث الإيمان الحقيقي في أي جيل من الأجيال، وبقي منسجماً مع التخطيط العام وأهدافه.
ـ 8 ـ
الجانب الخامس: جانب الجهل والتخلّف الذي كان هو صفة للمجتمع في شبه الجزيرة العربية.
يبدو لأوّل وهلة أنّ هذه المنطقة كانت محجوبة عن دعوات الأنبياء، وأنّها أخذت منذ عهد بعيد مساراً خالياً من النبوات، من الناحيتين الفكرية والتشريعية. فإنّه لم يعهد أن وجد فيها نبي قبل نبي الإسلام، بعد أن مرّ فيها إبراهيم (عليه السلام)، وأقام بناء بيت الله الحرام بمكة، ولا يعلم أنّه هل كان له تأثير واسع أو لم يكن… وإنّما كلّ ما وجدناه هو أنّ المجتمع أصبح وثنياً، تعيش أجياله على الوثنية من أمد بعيد. وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ}([301]). وإنّ الفترة المتخللة بين ورود إبراهيم (عليه السلام) لهذه البلاد، وبعثة نبي الإسلام، والتي تزيد على ألفي عام، كافية لصدق هذه الآية بكلّ وضوح.
إلاّ أنّ الشيء الذي ينبغي أن يكون ثابتاً، هو أنّ تأثير النبوات كان موجوداً وقوياً، لكن بشكل لا يسيطر على الجو العام، الذي كان يمثّل الجهل والوثنية.
والمظنون أنّ الأثر الأهم لذلك، إنّما هو لإبراهيم (عليه السلام)، حيث استطاع أن يبقي في تلك البلاد خطاً حنيفياً على نطاق محدود، متوارثاً جيلاً بعد جيل حتّى كان أشهر من تمثّلت فيه هذه الحنيفية قبيل الإسلام هو (عبد المطلب بن هاشم) جد النبي (صلّى الله عليه وآله).
فلئن كان إبراهيم (عليه السلام) قد أثّر في هداية بني إسرائيل عن طريق ابنه إسحاق (عليه السلام)، فإنّه قد أثر في هداية العرب عن طريق ولده إسماعيل (عليه السلام). وكلا ولديه نبي صالح وواعظ موجّه، وكان لهذه الهداية الأثر الكافي للبقاء خلال أكثر من ألفي عام، إلى أن توّجت هذه الحنيفية بالإسلام. ولم يمنع عن هذا الاستمرار وجود الشعور القبلي والتقاليد القبلية المنحرفة.
إلاّ أنّ الزمان كلّما امتدّ بدون توجيه سماوي، ضعفت هذه الحنيفية، وقلّ عدد المؤمنين بها، وتحول المجتمع تدريجياً إلى الأسلوب الكلاسيكي للكفر يومئذٍ وهو عبادة الأصنام، خلال القرون الأخيرة.
وأمّا نبوات بني إسرائيل، فهي ـ بالرغم من عالميتها ـ لم تستطع أن تصل إلى تلك المنطقة، حال صفائها ونقائها([302]). وإنّما تسرّب اليهود بالتدريج إلى أرض العرب بعد السبي البابلي وربما بعد المسيحية. والمهم أنّهم لم يصلوا هناك إلاّ بعد خروج مجتمعهم عن طاعة شريعتهم الأولى وانحرافهم الذي عرفنا معالمه. ومن ثمّ لم يكونوا يستطيعون أن يعلنوا كلمة الحق هناك، كما لم يستطيعوا أن يقولوا أي كلام مقنع للذهن العربي، بعد افتضاح حالهم في ذلك المجتمع.
وقد شاء الخالق الحكيم أن يخطط لاتصاف هذا المجتمع بالسذاجة والجهل من الناحيتين الفكرية والتشريعة، لكي يكون أرضاً صالحة لوجود الشريعة العالمية الجديدة؛ فهي:
أوّلاً: تنتظر المصلح والمعلم الجديد، باعتبار ما عانته من جهل وإرهاق.
ثانياً: لا تحتوي على فكر معاكس يمكن أن يكون عائقاً، ولو مؤقتاً، للفكر الإسلامي الجديد.
وهذه بعض الدوافع التي حدت بالتخطيط إيجاد الإسلام في الجزيرة العربية دون غيرها، وستأتي الدوافع الأخرى ممّا يمكن التعرّف عليه، في عرضنا للتخطيط الثالث إن شاء الله تعالى.
وبالرغم من تعدّد الاتجاهات العقائدية في ذلك المجتمع، فإنّه اختير إنزال (الأطروحة العادلة الكاملة) من خلال الخط الحنيفي الذي كان يمثله النبي (صلّى الله عليه وآله) وبعض أسرته وقليل آخرون… وذلك: إقراراً لهذا الخط ومباركة له، بصفته الخط الذي أسّسه إبراهيم الخليل (عليه السلام):
{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا}([303]).
هذا، وقد كانت البشارات بوجود النبي الجديد (صلّى الله عليه وآله) موجودة ومعروفة في ذلك المجتمع، كما هو واضح من النقل التاريخي فيما قاله ورقة بن نوفل([304]) وبحيرا الراهب([305]) عنه (صلّى الله عليه وآله)، وقد سبق أن حملنا عن زمن صدورها وفلسفته فكرة كافية.
الجانب الديني بعد العصر الموسوي
ونقصد به التعرّض، على الخصوص، إلى جوانب ثلاثة:
الجهة الأولى: بعثة المسيح (عليه السلام)، ودعوته خلال المجتمع الروماني المشرك الصاخب المتعنت.
الجهة الثانية: إعطاء فكرة عن المجتمع الفارسي وما فيه من ديانات، ومقدار ارتباطها بالتخطيط الثاني.
الجهة الثالثة: إعطاء فكرة عن المجتمع الهندي، وما فيه من ديانات، ومقدار ارتباطها بهذه التخطيط.
وسنحصل من الجهة الأولى على إيصال التخطيط الثاني إلى نهايته، على حين نحصل من الجهتين الأخيريين على فهم متكامل لاستيعاب التخطيط لمناطق العالم وعدم اقتصاره على منطقة معينة منه.
الجهة الأولى في بعثة المسيح (عليه السلام)
وملخص ظروفها وآثارها ومقدار ارتباطها بالتخطيط الإلهي
ـ 1 ـ
عرفنا فكرة كافية عن الظروف التي أرسل خلالها المسيح ابن مريم، فقد كان الجو الحكومي دكتاتورياً قوياً، والجو الاجتماعي للدولة مشركاً متعنتاً، والجو الديني لبني إسرائيل قائماً على الانحراف والتعصّب، وقد قام كهنتهم الذين يمثلون طبقة متميزة في المجتمع بتحريف الشريعة وبث روح البُعد عنها وإهمالها. وهم وإن كانوا ينتظرون مصلحاً جديداً أو مسيحاً منتظراً، إلاّ أنّهم ليتوقعون ـ لا أقل من زاوية رغباتهم الخاصّة ـ، أن يكون منهم يمثل ما فيهم من نقاط قوّة وضعف، ضامناً لكلّ ما يطمحون إليه من مطامع.
وقد ولد المسيح بدون أب، ونطق بالكلام فور ولادته ـ كما رواه القرآن ـ، توخياً لعدّة نتائج:
النتيجة الأولى: إشعار المجتمع بكون هذا الوليد شخصاً مهماً من الناحية الإلهية، وليس شخصاً مسفاً كسائر الناس.
النتيجة الثانية: أنّ يشهد هو شخصياً ـ بمعجزته في الكلام ـ على طهارة أمّه ونقائها.
النتيجة الثالثة: أن تكون له هذه المعجزات دليلاً على نبوته التي ادعاها منذ ذلك الحين أيضاً.
ولم تكن أمّه (عليهما السلام) مثاراً للشك، إذ كانت متدينة ومحافظة ومن أسرة محافظة. وقد عصمها الله تعالى من حدوث الشك بشهادة ولدها بالطريقة الإعجازية.
وقد كانت نبوته التي دعمت بهذه المعجزات وغيرها، واقعة في طريق التربية العامّة للفكر البشري، أي في التخطيط الثاني الذي نتحدّث عنه. ولكنّه في ذلك الجو المعاكس ـ الذي وجد ـ لم يستطع بث دعوته إلاّ على أضيق نطاق، ولم يستطع أن يقوم بتربية كافية لأحد إلاّ بعض الحواريين.
ولولا الأدلة التي يمكن إقامتها من الناحية الإسلامية على عالمية دعوته، بحسب حقيقة قصده، فإنّ وضعه الاجتماعي وما نقل عنه في الإنجيل من كلمات لا يفيان بهذا المقصود على الإطلاق. كيف وهو لم يصرّح بعالمية دعوته، ولم تعرف عنه شريعة اجتماعية واقتصادية متكاملة. ومن هنا لا يمكن للمسيحيين أن ينظروا إليه أكثر من كونه نبياً من أنبياء بني إسرائيل، جاء استمراراً لشريعة موسى (عليه السلام)، على غرار أشعيا وأرمياء ودانيال. كلّ ما في الأمر أنّه أفضل نفساً وأوسع نصيحة.
ـ 2 ـ
وعلى أي حال، فالذي يبدو من الأناجيل الأربعة عموماً أنّ المسيح ركّز على عدّة أفكار رئيسية، جعل المسيحيون بعضها عقيدة لهم مع إضافات أخرى أضافوها.
الفكرة الأولى: التجرد لله بشكل لا تكون أي مصلحة من مصالح الدنيا أهم في نظر الفرد من الاتجاه نحو عظمة الله عزّ وجل.
الفكرة الثانية: أخلاقية التعايش بين الناس وزرع المحبة والأخوة في نفوس المجتمع.
الفكرة الثالثة: إيجاد بعض التعليقات والرتوش على الشريعة الموسوية، بقصد تركيزها الأخلاقي، في الأغلب.
الفكرة الرابعة: الانطلاق من زاوية قبلية، ولكن بشكل أقل ممّا كان عليه العهد السابق.
الفكرة الخامسة: الخضوع للحاكم الدنيوي والتسليم لأمره من أي نوع كان.
الفكرة السادسة: جعل الثواب والعقاب أخروياً، وليس فقط دنيوياً. وإن لم يكن كوضوحه في القرآن الكريم، كما لا يخفى على من راجع المصدرين.
الفكرة السابعة: التبشير بملكوت الله، بقيادة (ابن الإنسان) الذي يأتي في المستقبل بمجد عظيم وتسخير سماوي وأرضي جبار.
الفكرة الثامنة: التنبؤ بازدياد الظلم والفساد في الأرض، ووجود الكذبة على الله تعالى بكثرة.
الفكرة التاسعة: إنّ المسيح جاء لتكفير خطايا البشر وتطهيرهم من الرجس.
الفكرة العاشرة: ممّا تنص عليه الأناجيل: الثالوث المقدس: الأب والابن وروح القدس.
والأناجيل بهذه الصدد، كالعقيدة التي يلتزمها المسيحيون في هذا الحقل، مشوشة للغاية في إعطاء صيغة محددة في بيان حقيقة هذا الثالوث. وقد انقسم المسيحيون إلى آراء متعددة حول ذلك، والتزلموا أنّ العقيدة فوق العقل، وأنّنا نؤمن به بالرغم من أنّنا لا ندركه عقلياً، بل حتّى لو آمنا باستحالته بحكم العقل.
والآن دعنا نفهم هذه الأفكار من جديد:
أمّا الفكرة الأولى: فهي صحيحة وضرورية لكلّ مؤمن يريد تطبيق الشريعة الإلهية، ويريد السير في طريق الكمال والانسجام مع التخطيط الإلهي وأهدافه.
وكذلك الفكرة الثانية: في حدود التعايش مع المؤمنين، وأنّ أهم فقرات الهدف البشري الأعلى هو زرع الأخوة بين البشر.
وأمّا الفكرة الثالثة: فهي الجانب الوحيد الذي يمثّل تجديد المسيح لشريعة موسى (عليه السلام). وهو أمر طبيعي، وكان ينبغي أن نسمع منه الشيء الكثير، لولا الظروف الصعبة التي مرّ بها المسيح (عليه السلام). إذ بعد أن تطوّر الفكر البشري واستطاع الاستيعاب الأوسع بعد ما مرّ به من ظروف وعوامل ابتداءً من زمن موسى (عليه السلام) فما بعده، فهو محتاج لا محالة إلى تعليم وتنظيم جديد.
وأمّا الفكرة الرابعة: فهي محاولة لتقليص الجانب القبلي في الذهن البشري، والانطلاق به إلى نطاق أوسع. فإنّ ذلك أصبح الآن ممكناً بعد أن كان متعذراً.
وكذلك الفكرة السادسة: فإنّها إيضاح للواقع الأخروي، بعد أن أصبح مستوى الفكر البشري يناسب هذا الإيضاح، بعد أن لم يكن عند نزول التوراة مناسباً.
وأمّا الأفكار الخامسة والسابعة والثامنة والتاسعة: فقد أسيء فهمها من قبل المسيحيين، إلى حدٍ يمكن أن يعتبر مسخاً لها وتغييراً لها عن واقعها، إذ من غير الممكن أن يكون شيئاً من التعاليم الإلهية في أي عصر يأمر بإطاعة الحكام والخضوع لهم وإن كانوا كفرة أو مشركين. كما لا يوجد معنى محدد مفهوم لقيام المسيح بتطهير خطايا شعبه عن طريق تحمّله شخصياً مسؤولية العقاب عليها عن طريق صلبه، فإن قتل شخص لا يكون كفارة عن ذنوب شخص آخر، وخاصّة فيما إذا بقي الآخر ـ كما عليه أكثر الشعب المسيحي ـ سادراً في ظلمه وفساده لاهياً عن خالقه وإيمانه. كما أنّ العكس أيضاً غير صحيح، وهو تحمّل الفرد حسنات الآخرين ومدحه بما يفعلون من خير.
وإنّما المقصود من مجموع هذه الأفكار المشار إليها، إيضاح فكرة التخطيط الثالث الآتي، الذي كان وشيك الوقوع يومئذٍ، والذي قد عرفنا عنه في (تاريخ الغيبة الكبرى) الشيء الكثير. كلّ ما في الأمر أنّه عرض بشكل مناسب مع مستوى الفهم البشري يومئذٍ ـ أوّلاً ـ ومع الأخذ بنظر الاعتبار صدور هذا الإيضاح قبل ابتداء ذلك التخطيط، ثانياً.
وهناك في المصادر المسيحية أفكار ثلاث أخرى مندرجة في صددنا هذا، نذكرها اعتباراً بالترقيم السابق:
الفكرة الحادية عشرة: فكرة التمحيص والتجربة التي تمرّ بها البشرية خلال تاريخها الطويل. وهي فكرة جاءت بشكل جانبي في الأناجيل.
الفكرة الثانية عشرة: نزول المسيح في مستقبل الدهر أو في نهايته، وهي أيضاً وردت بشكل (غير مهم) في الأناجيل الأربعة، ولكنّه ركّز عليه بوضوح في إنجيل «برنابا» الذي رفضه المسيحيون.
الفكرة الثالثة عشرة: التصريح ببعثه رسول الإسلام وتسميته، وإعطائه أهمية واحتراماً عظيمين… وهو ممّا اختصّ به إنجيل برنابا… ومن أجله رفضه المسيحيون!!!.
وكلّها أفكار صحيحة في حدود فهمنا للتخطيط الثالث الذي يبدأ بنزول الأطروحة العادلة الكاملة وينتهي بإقامة دولة الحق العالمية. ومعه فقد حصل عندنا سبع أفكار من المصادر المسيحية تشير إلى هذا التخطيط… وهو مستوى من الإيضاح لم يكن له وجود في العهد السابق.
ولا بدّ لنا الآن أن نفترض كون القارئ عارفاً بالمهم من تفاصيل هذا التخطيط المشار إليه، مأخوذاً من كلامنا السابق عنه أو الآتي. ونحن نذكر الأفكار بحسب ترتيب وجودها خلال التخطيط:
فالفكرة الثالثة عشرة: تعبر عن وجود (الأطروحة العادلة الكاملة) المتمثلة بالإسلام، بعد أن يكون التخطيط الثاني قد انتهى وأحرز النجاح في إعداد الذهن البشري لفهمها.
والفكرة الثامنة: وهي ازدياد الظلم والفساد، قد عرفنا أهميتها في إيجاد الشرط الثالث من شروط دولة العدل العالمية، وهو وجود العدد الكافي من المخلصين وإعدادهم لإنجاز تلك الدولة.
وكذلك الفكرة الحادية عشرة: فكر التمحيص، فإنّها تشارك في ذلك ضمن مشاركتها في تربية كلّ أفراد البشرية، ضمن حرية التصرّف والاختيار الممنوحة لهم، كما عرفنا.
وأمّا الفكرة الخامسة: فهي بمفهومها الصحيح، توازي ما يسمّى بـ (التقية) وقد شرحناها وأعطيناها الفهم الواعي الكامل في (تاريخ الغيبة الكبرى)([306]) وعرفنا ارتباطها بالتخطيط ارتباطاً جوهرياً، بحيث لولاها لزال المؤمنون عن وجه الأرض، ولم يمكن تنفيذ دولة الحق بالمرة.
وقد دفعنا عنها هناك هذا المعنى الضيق، وهو الخنوع للظلم والصبر الأعمى على كلّ ظالم، وتحمل كل نوع من أنواع الحكام، مهما كانت صفتهم.
وأمّا الفكرة السابعة: فتمثّل إنجاز اليوم الموعود أعني إقامة (دولة العدل العالمية)، فإنّ المراد بملكوت الله هو ذلك بصفته محققاً للهدف الأعلى لخلق البشرية. ويكون بقيادة القائد الأكبر المهدي (عليه السلام)، الذي يسمّيه الإنجيل بـ (ابن الإنسان)، ويصف مجيئه بأوصاف إلهية كبيرة، سنذكرها مع غيرها في الكتاب المخصص للحديث عن التوراة والإنجيل من هذه الموسوعة. وسنعطيها هناك تفسيرها الكامل.
وأمّا الفكرة الثانية عشرة: وهي نزول المسيح في مستقبل الدهر فهو ما ثبت في التخطيط الإلهي صحته، كما برهنا عليه في (تاريخ ما بعد الظهور). وأنّ المسيح (عليه السلام) ينزل فيصلي وراء المهدي (عليه السلام)، ويكون له في قيادة الدولة وهداية البشر ـ وخاصّة المسيحيين منهم ـ تحت ظلّ المهدي (عليه السلام) يد طولى.
ولعل هذا بعينه هو المراد من الفكرة التاسعة، وهي مجيء المسيح لتكفير خطايا البشر. فإنّه يكفر خطاياهم ـ لا بموته بدلاً عنهم ـ بل بهدايته لهم وتوجيههم نحو الإيمان والاستغفار. سواء في حياته الأولى التي كان فيها أو في حياته الثانية التي ينزل فيها. وهدايته للناس يومئذٍ توازي بالضبط ما فهمناه من مصلحة نزول المسيح في مستقبل الدهر.
بقيت لدينا الفكرة العاشرة: وهي الثالوث المقدس… فهي فكرة باطلة زعم مؤلفو الأناجيل أنّ المسيح أوصى بالتبشير بها عند قيامه بعد مقتله بثلاثة أيام، ثمّ صعد إلى السماء. وقد قام البرهان القطعي على وحدانية الله الخالق الحكيم وحدانية مطلقة، كما هو مبحوث في كتب العقائد الإسلامية.
وأمّا قبل ذلك، أعني خلال الحياة الاعتيادية للمسيح، فلا يوجد في الأناجيل اهتمام حقيقي بالثالوث. نعم يوجد تطبيقات له خلالها كالتعبير عن الله عزّ وجلّ بالأب أو أبي أو أبوكم السماوي أو أبونا الذي في السماء، وكالتعابير عن المسيح بابن الله ونحو ذلك.
وقد فهم المسيحيون من ذلك كونه تطبيقاً للثالوث المقدس. ولكنّنا يمكن أن نتبرع فنحمل أناجيلهم على الصحة، فنحمل الأبوة والبنوة على المعنى المجازي الناشئ من أحد مستويات ثلاثة:
المستوى الأوّل: مستوى الخلق والتكوين. فكما أنّ الأب يكون سبباً لوجود ولده، فكذلك يكون الخالق العظيم سبباً لوجود العالم، سواء المسيح أو غيره، والبشر وغيرهم.
المستوى الثاني: مستوى فهم المصلحة. فإنّ الخالق الحكيم أبصر بمصالح الفرد والمجتمع أكثر من البشر أنفسهم، كالأب بالنسبة إلى الطفل. وكما أنّ الأب حريص على مصالح ولده، فكذلك الخالق بالنسبة إلى البشر.
المستوى الثالث: مستوى الطاعة. فإنّ الفرد المطيع والمجتمع المطيع لله عزّ وجل، يكون ـ لا محالة ـ محبوباً له، أكثر ممّا يحب الوالد ولده بكثير. وكما ينبغي للابن أن يطيع والده، فكذلك الفرد والمجتمع بالنسبة إلى الخالق، وبدرجة أعلى وأوضح بكثير.
وهذا المستوى الثالث مشابه لما فهمناه من معنى (شعب الله المختار) القائم على أساس الطاعة؛ ولهذا تنتفي صفة المختارية والبنوة مع الخروج عن الطاعة بطبيعة الحال.
وهذه المعاني كلّها خالية من نسبة المحاباة والتحيّز إلى الله تعالى، كما يفهم اليهود؛ أو الأبوة الحقيقية على غرار البشر، كما يفهم النصارى.
ولكن كلّ هذه المعاني لا حاجة إليها، بعد إسقاط هذا المعنى عن كونه شعاراً دينياً في (الأطروحة العادلة الكاملة) ـ الإسلام، وسنشير إلى سبب هذا الإسقاط. كما أنّ أياً من هذه المعاني لا تستلزم صحة الثالوث المقدس ولو مجازاً، لبقاء (روح القدس) وكذلك ارتباطه بالأقنومين الآخرين، بلا تفسير.
كما أنّ هذه المعاني، تجعل خلافات المسيحيين في حقيقة العلاقة بين الأب والابن بلا موضوع، كما هو واضح لمن يفكر.
وقد يكون للتعبير عن الله عزّ وجل بالأب، في ذلك المجتمع، تقريباً نفسياً نحو الإيمان، في عصر لم يكن الناس ليفهموا غير المعاني المتعارفة عندهم، ولم تكن أذهانهم تتحمّل التدقيق. ومن هنا نفهم دخله المرحلي في التخطيط التربوي للبشرية على تقدير وجوده.
وهذا السبب غير شامل للعصر الذي تكامل فيه الذهن البشري، وأصبح متقبلاً لفهم (الأطروحة العادلة الكاملة) وتدقيقاتها. إذ أصبح في غنى عن استعمال هذا المعنى المجازي، واستطاع أن يعتاض عنه بمعانيه الحقيقة، وهي نسبة البشر إلى الله تعالى هي نسبة المخلوق إلى الخالق والمطيع إلى الآمر والمحتاج إلى المنعم. وهذا هو سبب حذف هذا المفهوم في الإسلام، كما أشرنا.
ـ 3 ـ
بقي علينا التعرّض إلى حادثة القبض على المسيح ومحاولة قتله.
قد علمنا أنّ المسيح (عليه السلام) ووجه بشكل عنيف من قبل الشعب اليهودي المنحرف ومن الكهنة المتعنتين المسيطرين ومن الحكومة الرومانية المشركة. ونزداد الآن علماً أنّه (عليه السلام) واجه الخيانة من أحد حوارييه، وهو يهوذا الأسخريوطي الذي دلّ السلطات على مكانه بعد أن حكم المجلس اليهودي بإهدار دمه.
ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيل الحوادث، فليراجعها القارئ في مصادرها، وإنّما المهم أن في مقتل المسيح (عليه السلام) أطروحتين رئيسيتين:
الأطروحة الأولى: إنّه مات مصلوباً، كما يموت الناس المصلوبون، بعد أن نجحت المؤامرة التي دبرت ضده.
والمفهوم أنّ اليهود والنصارى متفقون على هذا المقدار من الأطروحة إلاّ أنّ النصارى يضيفون طبقاً لأناجيلهم: أنّ المسيح رجع إلى الدنيا مرّة ثانية ثمّ صعد إلى السماء أمام طلابه.
الأطروحة الثانية: إنّ المسيح لم يمت كسائر الناس، وإنّما تدخّل الخالق القدير عزّ وجلّ بطريق إعجازي في نجاته من هذه المؤامرة المدبرة، ورفعه إليه. إذن فقد صعد إلى السماء من دون أن يموت.
وهذا هو المطابق مع الفهم الكلاسيكي لدى المسلمين عموماً، ويدلّ عليه ظاهر بعض آيات القرآن الكريم. وقد صرّح به إنجيل برنابا بوضوح([307])، وأعطى القصة تفصيلاً.
ولا نريد الآن أن نرجح إحدى الأطروحتين على الأخرى. وإنّما المقصود الآن أن نشير إلى موقع كلّ أطروحة ـ لو كانت صحيحة ـ من التخطيط الإلهي.
أمّا الأطروحة الأولى: فارتباطها به واضح وبسيط، فإنّ المجتمع المنحرف الفاشل في التمحيص والبعيد عن خط النبوات، قد تسبّب إلى قتله. وأمّا قيامه بعد ثلاثة أيام، فهو ممكن عقلاً، إلاّ أنّه لا دليل على صحته، فإنّ المظنون أن تكون رؤيته خيالاً لطلابه، حيث تعجز النفس أحياناً عن تحمّل الخبر بموت الزعيم أو القائد، فيخيل لها وجوده في الدنيا. وسوف نعرف أنّ هؤلاء الطلاب الناقلين لهذه الرؤية هم الأشخاص الرئيسيون الذين قاموا بتحريف المسيحية بعد المسيح. إذن فهم غير موثوقين في الإخبار عن هذه الرؤية. مضافاً إلى أنّ هذه الفكرة واجهت نقوداً قوية من قبل المسيحيين المحدثين([308]).
وأمّا الأطروحة الثانية: فلا بد أن ننظر فيها إلى مستويين:
المستوى الأوّلى: إنّ الصعود حادث (كوني) مفروض من خارج النطاق البشري. إذن، فهو واقع كجزء من التخطيط الكوني العام، لا التخطيط البشري على وجه التعيين. ومعه لا نكون مسؤولين عن بيان فلسفة دخله، لما قلناه من أنّ كثيراً من نقاط التخطيط الكوني، لا زالت خفية على العقل البشري.
المستوى الثاني: إنّه بالرغم من كون الصعود حادثاً كونياً، غير أنّه لا يخلو من الارتباط بالبشرية، باعتبار توقّع رجوع المسيح إلى الدنيا في المستقبل، لكي يشارك في التخطيط الرابع من التخطيطات البشرية الستة التي تشكل بمجموعها التخطيط العام.
ومن هنا يمكن القول: بأنّ لصعوده إلى السماء وبقائه فيها ردحاً من الزمن، أثراً في تكامله نفسه، في خط (تكامل ما بعد العصمة) الذي برهنا في (تاريخ الغيبة الكبرى)([309]) على إمكانه لكلّ معصوم. وبهذه الروح حاولنا هناك تفسير طول عمر المهدي (عليه السلام) خلال غيبته الكبرى، طبقاً للفهم الإمامي. ويمكن تفسير المعراج النبوي على ضوئه أيضاً… إلى غير ذلك من الحوادث.
وسيكون لهذا التكامل الذي يناله المسيح هناك أثره الكبير في عظمة قيادته في (دولة العدل العالمية)، إلى جنب المهدي (عليه السلام) القائد الأعظم الذي نال مثل هذا التكامل خلال العمر الطويل على الأرض، لا في السماء.
وأودّ في هذا الصدد الإلماع إلى نقطتين:
الأولى: تشترك الأطروحة الثانية مع الأناجيل في فكرة صعود المسيح بروحه وبدنه إلى السماء. وتفترق معها بأنّ الأناجيل تخبر عن موته أوّلاً ثمّ قيامه من قبره ثمّ صعوده إلى السماء. بينما ترى الأطروحة الثانية صعوده إلى السماء من عالم الحياة رأساً.
الثانية: أنّنا لو لم نأخذ بالأطروحة الثانية، فليس معنى ذلك أنّنا نكون ملزمين برفض فكرة عودته إلى الدنيا من جديد. وإنّما يبقى ذلك ممكناً!! كلّ ما في الأمر أنّه مات كسائر الناس، ثمّ يحيا إلى الدنيا من جديد. فإذا دلّ الدليل على رجوع المسيح، وكان ضرورياً لإنجاح دولة الحق، مع افتراض صدق الأطروحة الأولى؛ كان الالتزام بحياته بعد الموت ضرورياً بطبيعة الحال، ودخيلاً في التخطيط الثالث، كما سيأتي.
هذا، وفي الأناجيل تناقضات وتفاصيل علينا أن نتجاوزها الآن، محيلين إياها إلى الجزء الخاص بذلك من هذه الموسوعة.
ـ 4 ـ
ممّا مضى نعرف بكلّ وضوح، أنّه لولا النص القرآني، فقد مات عيسى (عليه السلام) مقتولاً ولم يخلف إنجيلاً ولا كنيسة ولا شريعة. نعم، خلّف الذكر الجميل في قلوب الكثير من الناس، وبعض النصوص التي حفظها طلابه من كلامه، حين كان يعظ الناس ويعلمهم. وهي التي حاول خمسة من طلابه ـ بمن فيهم برنابا ـ تسجيلها على الورق، فكانت الأناجيل وقد سمّي كلّ إنجيل باسم مؤلفه.
وزعم عدد من طلابه أنّهم رأوا المسيح مرّة أخرى بعد ثلاثة أيام من موته، وقد أوصاهم بعدّة وصايا، منها: نشر المسيحية في العالم، ومنها: التبشير بالثالوث المقدس!!! وأخبرهم: أنّ الروح القدس قد تلبست بهم فأصبحت لهم قابلية غفران الذنوب!!! كما أخبرهم أنّه لن يموت موتة أخرى، وأنّه سيعود.
وطبقاً لهذه الوصايا انطلق الطلاب إلى خارج فلسطين لينشروا دين المسيح كما يرونه، فكتبوا الأناجيل وأسسوا أوّل كنيسة.
وحورب هؤلاء الطلاب وقتلوا، وعانت المسيحية دهراً من الاضطهاد، وخاصّة في عهد نيرون عام 64 للميلاد، وأصبحوا يقتلون بالجملة. وبقي الحال على ذلك ثلاثمائة عام حتّى دخل قسطنطين إمبراطور روما في دين المسيحية، وجعلها ديناً رسمياً للدولة عام 312 ميلادية.
ومنذ ذلك الحين بدأت تنظيمات الكنائس تبرز إلى الوجود، وأصبح (رجال الدين) طبقات يرأسهم البابا. كما أنّ الكنائب على طبقات متدرجة في الأهمية أيضاً، والبابا هو الوريث الشرعي لطلاب المسيح تحل فيه روح القدس التي حلّت فيهم. وهو (رسول الله) أي رسول المسيح. وهو معصوم باعتبار تلك الروح، وله حق التشريع.
وبدأت الخلافات الدينية تظهر بين المسيحيين، وبدأت الطوائف الدينية تنقسم، حتّى حكم بعضهم على بعض بالكفر ووجوب القتل. وأنّ الدماء التي سالت بين طوائف المسيحيين خلال التاريخ ليست بالقليلة.
ولا نريد الآن أن نروي هذا التاريخ، فليرجع فيه القارئ إلى مصادره. وإنّما المهم أنّ كلّ هذه التجديدات في المسيحية متفرّعة على صدق أولئك الطلاب الأوائل للمسيح (عليه السلام) وإخلاصهم له. فهل كانوا كذلك حقاً!!؟… وخاصّة مؤلفو الأناجيل الأربعة وبولس([310]).
إنّ ادعاءهم للإخلاص، بمجرده، لا يكفي بطبيعة الحال، كما أنّ نقل مدح أنفسهم عن المسيح في الإنجيل، لا يكفي، لأنّ صدق هذا النقل متفرّع على إخلاص الناقل قبل نقله. كما لا يكفي نشاطهم في نشر دعوة المسيح، لاحتمال أن يكون ذلك لأجل حب الظهور والرئاسة الاجتماعية، بعد أن فتح لهم القدر فرصة ذلك، فدخلوا كفقرة في التمحيص الإلهي من حيث لا يعلمون.
بينما نستطيع أن نقدّم عنهم عدّة نقاط ضعف:
النقطة الأولى: سوء تفسيرهم للدين العيسوي. فإنّنا لو نظرنا إلى الأفكار العشر التي عرضناها فيما سبق، وجدنا لعدد منها فهماً خاصاً للمسيحيين قام البرهان على خطئه. فتكفير المسيح للذنوب يكون عن طريق الفداء لا عن طريق الهداية. والخضوع للسلطان يكون خضوع استكانة لا خضوع تقية. وعودة المسيح إلى الأرض هي لأجل نشر الدين المسيحي بمعناه الإنجيلي أو الكنسي، لا لنشر الحق كيفما كان وأينما وجد.
النقطة الثانية: اعتبارهم يسوع المسيح رباً معبوداً، وأنّه تجسيد للوجود الإلهي على الأرض. وهو ما قام البرهان القطعي على استحالته.
النقطة الثالثة: إعلانهم الثالوث المقدس، على أساس الفهم الخاطئ الذي يعني تعدّد الأرباب المعبودين بشكل وآخر، أو التقسيم في الذات الإلهية، وكلّه ممّا قام البرهان على استحالته.
النقطة الرابعة: تناقضهم في الأناجيل في نقل الحوادث، إلى حد لا يكاد يمكن للقارئ أخذ فكرة مسلمة بينهم. ولعل أوضح هذه الموارد اختلافهم في كيفية رجوع المسيح بعد موته ومواجهته لطلابه([311]).
النقطة الخامسة: تضمينهم هذه الأخطاء في الأناجيل نفسها، بحيث أصبحت مبتنية على ذلك ومنطلقة منه. فليتهم حين اعتقدوا بذلك سجلوه في كتاباتهم الخاصّة كالرسائل المتأخرة عن الأناجيل الأربعة، وينزهوا هذه الأناجيل منها. ولكنّهم ضمنوها هذه العقائد، وإن كانت فيما نقلوه من كلام المسيح ضعيفة غير واضحة. ممّا يدل على أنّهم لم يجرؤوا أنّ يدسوا ذلك، بنفس الوضوح، في كلام المسيح نفسه.
النقطة السادسة:إيجادهم فكرة التبرّك بالصليب واعتباره شيئاً مقدساً، مع كونه الأداة المشؤومة التي سبّبت إزهاق الحياة عن نبيهم العظيم. وهذا غريب جداً، في أن يعتبر محل قتل النبي شيئاً مقدساً!!.
وتترتب على هذه النقاط، عدّة نقاط أخرى:
النقطة الأولى: إنّ هؤلاء الحاملين لنقاط الضعف السابقة، لا يمكن أن يكونوا موثوقين في النقل عن أستاذهم المسيح أو مخلصين في نشر دينه، كما يفهمه هو ويريده.
النقطة الثانية: إنّ هؤلاء المتصفين بذلك، لا يمكنهم أن يوجدوا المعجزات وقد نسبت إليهم في (أعمال الرسل) بصراحة([312]). فلئن كان المسيح (عليه السلام) نبياً قادراً على إيجاد المعجزات من أجل إقامة الحق وهداية الخلق. فإنّ هؤلاء الطلاب، لا يمكن فيهم ذلك، لأنّ دعوتهم مشوبة بالباطل، ولا يمكن للباطل أن يحقق أيّة معجزة.
النقطة الثالثة: وهي الأهم لمقصودنا، إنّ العقيدة العيسوية لم تعرف ولم تفهم دينياً ولا تاريخياً ولا اجتماعياً، إلاّ من كلام أصحابه، حتّى الأناجيل، من حيث كونها من تأليفهم. ويستحيل على الأجيال غير المعاصرة لشخص المسيح التعرّف على حقيقة كلامه وتصرفاته. فإذا كان طلابه قد حملوا عقيدته إلى العالم بشكل مزور، يختلط فيه الحق بالباطل، إذن، فقد انقطع الطريق تماماً إلى معرفة المسيح بحقيقته واندرست تعاليمه بالمرة. ولم يخلف المسيح من أثر في النفوس غير مجرد الاحترام لشخصه.
ومن الطريف أنّ المسيحيين أصبحوا يحسّون بذلك تدرجاً… وبين يديّ الآن كتابان كلاهما يحمل هذه الفكرة ويؤكدان على أنّ العقيدة المسيحية المعاصرة بكلّ أشكالها، لا تمثّل يسوع المسيح على الإطلاق. وهذان الكتابان هما: «المسيح ليس مسيحياً» لبرنارد شو([313])، و«المسيحية نشأتها وتطورها» لشارل جان بيار([314]). ولعل في ذمة التاريخ كتباً وأفكاراً أخرى حول ذلك.
هذا، وإنّ وصول هذه التشكيكات إلى المسيحيين أنفسهم، يعني أمراً مهماً في التخطيط الإلهي، لعدّة أسباب:
أوّلاً: إنّ المسيحية ـ كما أعلنها الطلاب وفسّرها رجال الدين ـ عاشت تاريخاً تمحيصياً طويلاً، لأنّ العقائد تعيش التمحيص والتجربة كالأفراد، كما أسلفنا. وها قد بدأ هذا التمحيص ينتج نتيجته.
ثانياً: إنّ الكنيسة قد مرّت بالتجربة نفسها أيضاً، وقد أنتج تمحيصها نتيجته، بعد أن عاشت الأجيال مقدار ما أنزلته الكنيسة بالمجتمع من ويلات وما تبنته من أفكار خاطئة عن الكون والحياة. كما عاشت الأجيال: كيف كفرت النهضة الأوروبية الحديثة بالكنيسة، وكيف أوجبت تصرفات الكنيسة رجوع الناس عن دينهم إلى المادية المتطرفة، بدلاً عن هدايتهم. وها نحن نرى أفكاراً مسيحية متدينة تكفر بالفكر المسيحي التقليدي، حتّى وإن أعربت عنه الأناجيل ابتداءً بمارتن لوثر وانتهاءً ببرنارد شو.
ثالثاً: إنّ هذه التشكيكات تعطي أرضية واضحة وصالحة للفحص عن حل جديد لمشكلات العالم، وإنقاذه من ورطته الكبرى… ما ييسّر لأنّ تشق (الأطروحة العادلة الكاملة) في اليوم الموعود أيسر طريق.
الجهة الثانية في الديانات الفارسية والهندية
نودّ في ما يلي أن ندمجهما في جهة واحدة، بالرغم من أنّنا جعلناهما في عنوان هذا الفصل جهتين، وذلك: لأنّ الحديث عنهما متشابه عموماً، كما سنرى.
ـ 1 ـ
كان هناك مناطق بشرية آهلة بالسكان غير قليلة العدد، ومن هنا لا يمكن إهمالها في التخطيط، ولا يمكن أن لا تشملها هداية النبوات. على حين تعتبر بعيدة عن المنطقة التي وجد فيها الخط الرئيسي للنبوات… تلك هي البلاد الشرقية لهذه المنطقة، ابتداءً بفارس وانتهاءً بالهند والصين.
ولم يكن في إمكان الخط الرئيسي للنبوات، بالرغم من عالميته، إيصال دعوته إلى تلك البلاد، بالوسائل المتوفرة في تلك العهود. وبهذا يتبرهن أنّ هناك أنبياء مرسلين في تلك المناطق في الجملة.
والمظنون أنّ النبوات بدأت هناك بعد عصر إبراهيم الخليل (عليه السلام)، لأنّ البشرية في ذلك العهد كانت في تلك المناطق منعدمة أو قليلة لا يهم وجود الانبياء فيها ـ أو على الأقل ـ لا نستطيع أن نعرف عنها في ذلك العهد خبراً واضحاً.
نعم، طبقاً لما عرفناه من القواعد، لو كانت هناك بشرية كافية وبدائية إلى حدٍ ما، لزم افتراض وجود أنبياء على مستواهم فيها، وإن لم يكونوا معروفين.
والمهم الآن هو التعرّض إلى العصر المتأخر عن ذلك نسبياً.
ولعل إبراهيم الخليل (عليه السلام) نفسه استطاع، بشكل وآخر، أن يوصل دعوته إلى تلك البلاد، في ضمن تجولاته الطويلة في الأرض. فبذر هناك بذور التديّن المبتني على مستوى الوعي والتفكير. ولعله كان أوّل نبي يصنع ذلك هناك، في حين كان الأنبياء الواعون قد بدؤوا في الشرق الأوسط، قبل ذلك بعهد غير قصير.
ومن هذه الدعوة، بدأ خط التديّن العام هناك، الذي ساعد على رقي الفكر البشري لتلقي النبوات المتأخرة. وقد بقي هناك جماعة اقتصروا على تلك الدعوة ولم يؤمنوا بالأنبياء المتأخرين، فخرجوا بذلك عن مواكبة التخطيط الإلهي، وسمّوا بالبراهمة أو البرهمية، وسمّوا الإله: براهما… الذي يعني ـ طبقاً لهذا التسلسل الفكري: إله إبراهيم.
ـ 2 ـ
بعد أن نجح هذا الاتجاه في تربية البشرية، بدأ خط معمّق من النبوات ذات المفاهيم العقائدية ـ أوّلاً ـ ومستوى لائق من التشريع، ثانياً.
وأهم من وجد في فارس «زرادشت»، وفي الهند «بوذا» وفي الصين «كنفوشيوس».
وتعاليمهم من حيث العقائد والأخلاق، تكاد تكون متشابهة تدعو إلى الأخوة والتراحم والزهد وعبادة الإله الواحد القادر الحكيم. وتؤمن بحرية الإرادة للبشر، كما تؤمن بوجود المسؤولية تجاه الإله، وأنّه يحاسب ويثيب ويعاقب في حياة أخرى.
وهي قليلة التشريعات ـ على ما يبدو من المصادر ـ فلا تكون مستوعبة لكل جوانب الحياة. وقد أخذت منطقة كلّ واحد منهم بنظر الاعتبار في صياغة شريعته. ولم تكن دعوات قبلية، ولكنها لم يعرف عنها أنّها ادّعت عالمية الدعوة.
فلو كان الأمر قد اقتصر على ذلك، لوصلت البشرية هناك بمثل هذه الدعوات، إلى مستوى يكاد يكون مشابهاً للمستوى الذي وصلته من خلال النبوة الموسوية في الشرق، أعني قبل وجود المسيح بقليل.
وتتابع المصلحون الدينيون بعد ذلك ردحاً من الزمن، ممّا لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
ـ 3 ـ
صحيح أنّه لا دليل من الناحية الإسلامية على نبوة هؤلاء المشار إليهم، لأنّ نبوات الشرق الأدنى لم تتعرّض إلى نبوات الشرق الأقصى بقليل ولا كثير، لكي تعترف بها أو تنكرها. وذلك لوضوح أنّ مجتمع الشرق الأوسط لم يكن يحمل همّ الشرق الأقصى على الإطلاق، ولم يخطر بباله أن يفكر فيه. ولا بد للنبوات أن تواكب المستوى العام للمجتمع ولا تكلفه من الحقائق أكثر ممّا يطيق. وكان ذكر هذه النبوات القصوى، ممّا لا يطيقها فكر الشرق الأوسط على كلّ حال، فقد كان ذلك أوسع من أفق تفكيره.
إلاّ أنّنا نستطيع أن نذكر نبوة هؤلاء كأطروحة محتملة، نحاول أن نجمع عليها القرائن. والحق أنّ كلّ القرائن إلى جانبها، وليس هناك من القرائن ما يخالفها، على ما سنذكره.
فإنّنا إن انطلقنا من قاعدة اللطف، كان لزاماً على الله تعالى إرسال الأنبياء إلى أولئك البشر المحرومين من الخط الرسمي للأنبياء. وإذا انطلقنا من زاوية التخطيط الإلهي، كان سكان تلك المناطق الضخمة في العالم في حاجة إلى تربية كسائر الناس. وإنّ التخطيط العام لا يمكن أن يقتصر على بعض البشر بطبيعة الحال. وبدون الأنبياء تكون التربية الإيمانية متعذرة. إذن، فالأنبياء موجودون هناك لا محالة.
فإذا ضممنا إلى ذلك، ما يروى في التاريخ من نزاهة هؤلاء الأشخاص في حياتهم الشخصية، ووضوح دعواتهم وصحتها بحسب ما نعرفه من براهين ولم تكن دعواتهم موجودة قبل زمانهم على المستوى الذي أعلنوه، إذن فهي خطوة إلى التكامل في التخطيط الإلهي. إذن، فالأنبياء الذين لا بد من وجودهم هناك، هم هؤلاء الأنبياء، إذ لو كان هناك أنبياء آخرون لكان بقاء ذكرهم أولى وأوضح من هؤلاء، على حين قد تحقّق العكس.
ـ 4 ـ
يبقى هنا سؤال واحد مهم، ينبغي الإجابة عليه. وهو أن أتباع هؤلاء الآن على درجة كبيرة من الانحراف، بحسب ما نعرف من الحقائق، حيث تسود أفكار وطقوس كعبادة النار والأبقار والأصنام، والاعتقاد بوجود إلهين أو عدّة آلهة في العالم، وغير ذلك. فلا بد أن تكون هذه التعاليم موروثة عن أولئك الزعماء، ومعه، لا يمكن أن يكونوا أنبياء، إذ لا يمكن أن يكون للأنبياء دعوة إلى الباطل.
مضافاً إلى أنّه لم يعرف عنهم ادعاء النبوة، وإنّما اعتبروا أنفسهم مجرد مصلحين للمجتمع. فكيف نحمل عليهم ما لا يريدون؟
وينطلق الجواب على ذلك من عدّة نقاط:
أوّلاً: إنّ ما ينقل في تراجم هؤلاء، في سلوكهم الشخصي ودعواتهم التي ذكروها مباشرة، صالح إلى حد كبير وخالٍ من كلّ هذه الانحرافات المذكورة في السؤال. فإذا علمنا أنّ هذه العقائد المنحرفة لا تنسجم مع ما هو منقول عنهم من الأفكار الصالحة، استطعنا الاطمئنان بأن هذه العقائد المنحرفة غير صادرة عنهم بل منسوبة إليهم زوراً في الزمان المتأخر.
ثانياً: إنّ المستوى الفكري العام، لم يكن يساعد ـ بطبيعة الحال ـ على إيضاح كلّ الحقائق المجردة جملة وتفصيلاً. وإنّما كانت الحقائق تذكر تدريجاً وبالمقدار المناسب.
ومعنى ذلك أنّ هناك عدداً من الحقائق، تبقى غير مبينة للناس، باعتبار صعوبتها على المستوى العام. وهذا هو ديدن النبوات قبل نزول (الأطروحة الكاملة).
ويستلزم خفاء تلك الحقائق، أنّ الناس قد يلتفتون إلى هذه المشكلات، تدريجاً، ولا يجدون في شرائعهم أو تعاليمهم حلاً لها، فيضعون لها حلاً من أفهامهم الخاصّة، ويعتبر ذلك بالتدريج حلاً دينياً، فيصبح الدين الذي يؤمنون به خليطاً من الحق والباطل.
ثالثاً: إنّ هذه الدعوات، لم تمارس نشر أفكارها بالسيف عن طريق الجهاد. ومعنى ذلك أنّها أهملت حمل هموم هداية العالم في أنفس المؤمنين بها. ولا بد أن يكون ذلك لعدم مساعدة الظروف الموضوعية لذلك.
ويستلزم ذلك ـ في الذهن الساذج ـ التقوقع في الإيمان، والشعور بمحدودية الدعوة في منطقة معينة، وأنّ كلّ ما في هذه المنطقة من أفكار وتقاليد هو معترف به من قبل تلك النبوة، ما لم تنص على إلغائه أو النهي عنه. فيكون هذا باباً واسعاً لأن ينسب إلى الدين ما ليس منه.
ونتيجة لهذه النقاط ونحوها، يمكن أن نفهم الجواب عن السؤال الرئيسي، وهو أنّ مضاعفات الانحراف غير موروثة عن الأنبياء أنفسهم، وإنّما ناتجة عن المجتمع الحاوي على عدد من نقاط الضعف.
وبمثل ذلك يمكن أن يفسّر خفاء ادعائهم للنبوة؛ كما يمكن أن يكونوا قد أهملوا ذلك بأنفسهم، لمصلحة معينة أو لعدم استيعاب المجتمع لفكرة النبوة. وقد سمعنا عن زرادشت أنّه ادّعى النبوة، ولعل الآخرين قد ادّعوها ولم تف المصادر بذلك.
ولا يخفى أن التشويه إذا بلغ إلى هذه الدرجة، كتحوّل بوذا من نبي مربّي إلى صنم معبود، وغير ذلك، فإنّه يعيق ما توخّته النبوة نفسها من التربية المطلوبة، إلى حدٍ غير قليل.
صحيح، إنّنا قلنا إنّ النبوات تربّي المستوى العام للمجتمع سواء المؤمنين بها أو الكافرين، إذ يكفي مجرد الالتفات إلى المعاني المعينة التي يقولها نبي معين، إلى انفتاح الذهن. وأمّا الإيمان فهو يعني الانسجام مع الأهداف العليا بالإضافة إلى التربية.
ولكن كلّ ذلك، فيما إذا كانت تعاليم النبي معلنة ومفهومة اجتماعياً على واقعها أو قريباً من الواقع؛ وأمّا لو انسلخت تماماً عن واقعها، وعادت مرّة أخرى إلى الشكل البدائي، ولم يبق من التعاليم الأصلية إلاّ ما يوازي التقاليد الشكلية، فإنّ النبوة تفقد حينئذٍ فاعليتها التربوية الاجتماعية لا محالة. وكلّ ما يمكن قوله ـ إذا أردنا الاحتراس في القول: إنّ التربية لا تنحطّ مرّة أخرى عن المستوى الذي استطاعت تلك النبوة إيصالها إليه، وإنّما تمنع هذه الانحرافات عن التطوّر الزائد الذي كانت تعاليم تلك النبوة قابلة لإيصاله إلى البشرية لولا هذه الانحرافات.
ـ 5 ـ
وبقي الحال في المنطقة التي نتحدّث عنها على ذلك، أعني أنّها تستقبل الأنبياء المرشدين، ولو بقدر محدود، حتّى وصلت الحضارة البشرية إلى درجة يمكن من خلالها لنبوات الشرق الأوسط أن توصل صوتها إلى تلك المنطقة، فانقطعت النبوات هناك، وتحوّلت هداية تلك المنطقة إلى نبوات الشرق الأوسط نفسها.
ولعل الشرق الأوسط كانت له الحضارة الكافية التي يبحر بها إلى الهند والصين، قبيل ميلاد المسيح أو خلال فترته الأولى. أمّا إيران وباكستان وأفغانستان وتركستان، فكان الوصول إليها ميسوراً ومتوفراً. وأمّا بعد دخول الدولة الرومانية في دين المسيحية بدخول الإمبراطور أوغسطين فيه عام 312 ميلادية([315])… فقد أصبحت سيطرة الدولة المسيحية على العالم واضحة.
وهذا هو الذي يفسّر لنا انقطاع النبوات عن تلك البلاد من ذلك التاريخ. فإنّ المهم في التخطيط الإلهي هو وصول الدعوة النبوية إلى البلاد، سواء كان النبي من أهل البلاد أو لم يكن. على أنّ توجيه العالم تدريجياً نحو مركز نبوي واحد، ضروري بالنسبة إلى إنجاح التخطيط العام. ومن الضروري أن يكون ذلك قبل نزول (الأطروحة العادلة الكاملة) لتكون هذه الأطروحة عالمية الإعلان فور نزولها. وقد تمّ ذلك فعلاً. واستطاع الإسلام أيضاً إيصال دعوته إلى أقاصي تلك البلاد بعد إعلانه بزمن غير طويل. سواء في ذلك المراسلات التي عملها نبي الإسلام مع الحكام الرئيسيين في العالم يومئذٍ، أو الفتح العسكري الذي باشره (صلّى الله عليه وآله) شخصياً واستمرّ بعده عدّة قرون. ولكن بعض الأمور التي عرفناها في الفقرة السابقة منعت من سرعة سير الإسلام في الهند والصين، مضافاً إلى بعد المنطقة عن مركز الدعوة. ومن هنا بقي كثير منهم على أديانهم الأولى، ورفضوا التربية النبوية الجديدة، فخرجوا عن الانسجام مع التخطيط العام.
خاتمة في نتائج التخطيط الثاني
وإذا أردنا أن نحصي نتائج التخطيط الثاني الذي نكاد أن ننتهي من بحثه، ونفحص مستوى الفكر البشري في نهايته، وجدنا الحقائق التالية كحقائق مفروغ منها، تصلح كمنطلق جديد لتربية أوسع وأعمق.
أوّلاً: الله تعالى هو الخالق القادر الحكيم.
ثانياً: إنّه يخاطب البشرية عن طريق أنبيائه وكتبه.
ثالثاً: اتساع النبوات عن المستوى القبلي.
رابعاً: إنّ التدين مبتن على طاعة الله من ناحية، وحسن العلاقة بالآخرين من ناحية أخرى.
خامساً: إنّ النبوات تقترن بالتشريع، ومن حقّها إيجاد التشريع.
سادساً: وجود الحياة بعد الموت للثواب والعقاب، بشكل مجمل غير مفصل.
سابعاً: إنّ النبي من حقّه أنّ يمارس تطبيق أحكامه على المجتمع بنفسه، أي أن يمارس الحكم فيه، ويستخلف عليه من يشاء.
ثامناً: إنّ دعوة الحق عموماً من حقّها أن تنتشر بالسيف، وتمارس الحكم الفعلي على البلاد المفتوحة. وقد مارس موسى (عليه السلام) وخلفاؤه ذلك.
تاسعاً: إنّه مع وجود نبوة متأخرة، وثبوت صدقها بالبرهان، لا معنى لإطاعة تعاليم النبوة السابقة، بل تكون الثانية هي السارية المفعول لا محالة.
عاشراً: من حق التشريع الشمول لمختلف مناحي الحياة وحقولها، في الجملة.
حادي عشر: إنّ البشرية لها مستقبل سعيد ترتفع فيه المظالم وتنحل فيه المشاكل، ويكون القائد والتشريع السائد فيه منطلقين من منطلق الحق والعدل.
وقد أصبح المجتمع معتاداً بالتدريج على هذه الحقائق. وهو معنى نموّه الفكري، وقابليته لفهم الدعوة الجديدة. وهي وإن لم تكن كلّها واضحة في ذهن كلّ الأفراد… إلاّ أنّنا لو سألنا «الاتجاه الاجتماعي العام» عن أي حقيقة من ذلك لآمن بمشروعيتها على الأقل إن لم يؤمن بصدقها.
إذن، فقد حقّق التخطيط الثاني غرضه، واستعدّ الفكر البشري لتلقّي (الأطروحة العادلة الكاملة) متمثلة بالإسلام، على ما سنذكر… وبه بدأ التخطيط التالي…
التخطيط الثالث المنتج لليوم الموعود
أو قيام دولة العدل العالمية
ـ 1 ـ
يتبرهن على أنّ الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة التي تمثّل الأساس العقائدي والأخلاقي والتشريعي لدولة العدل العالمية… يتبرهن ذلك([316]) بالالتفات إلى عدّة خطوات:
الخطوة الأولى: البرهان على صحة الإسلام كدين من الأديان، وأنّه نازل من السماء غير نابع من الأرض. وهذا البرهان مذكور في كتب العقائد الإسلامية، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
الخطوة الثانية: البرهان على عالمية الدعوة الإسلامية.
وحاصل هذه الخطوة، أنّنا بعد أن ننتهي من الخطوة الأولى، فيثبت صدق الدين والقرآن الكريم، نستشهد به لإثبات أنّ دعوته عالمية، كما نطق بها نفسه في عدد من آياته، كقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}([317]). وغيرها.
الخطوة الثالثة: البرهان على أنّ الرسالة الإسلامية هي آخر رسالة أو نبوة في البشر، بمعنى أنّ شريعة أخرى لن ينزل بها نبي جديد. وهذا من الضروريات في الدين الإسلامي. لقوله عزّ وجل:
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}([318]).
وقوله (صلّى الله عليه وآله) ـ في الخبر المستفيض ـ: لا نبي بعدي.
وينتج من هذه الخطوات الثلاث عدّة نتائج:
النتيجة الأولى: إنّ كلّ من ادّعى النبوة أو جاء بشريعة مستقلة عن الإسلام منسوبة إلى الخالق عزّ وجلّ، فهو كاذب وكلّ من تابعه فهو كافر.
النتيجة الثانية: إنّ البشرية سوف تبقى مع هذه الشريعة حتّى نهايتها. فإنّنا بعد أن نبرهن على استحالة بقاء بعض البشر من دون تشريع سماوي (وقد سبق أن أعطينا عن ذلك فكرة كافية)، ونعلم أنّه ليس هناك شريعة أخرى آتية، إذن يتعين بقاء الإسلام إلى آخر وجود البشر.
النتيجة الثالثة: إنّ البشرية سوف تستغني بالعدل الناتج عن تطبيق الإسلام عن أي شريعة جديدة. وإلا لو كانت ناقصة وغير مغنية، أو كانت مرحلية تربوياً، لكان اللازم ـ طبقاً لقاعدة اللطف وللتخطيط العام معاً ـ إرسال شرائع أخرى حتّى تصل البشرية إلى العدل الكامل الذي تستغني به البشرية، ولكان ختم النبوات بالإسلام خطوة غير صحيحة.
وحيث إنّ انتهاء النبوات بالإسلام ثابت بالضرورة، إذن، يمكن للبشرية أن تستغني بتطبيقه عن كلّ تشريع.
النتيجة الرابعة: إنّ بشرية ما بعد الإسلام سوف تمرّ باليوم الموعود، يوم تطبق دولة العدل العالمية على وجه الأرض، وحيث لا يوجد يومئذٍ شريعة سماوية ناجزة غير الإسلام، لأنّ النبوات السابقة ارتفع تأثيرها بوجود الإسلام… وليس هناك نبوات متأخرة… كما لا يمكن أن يكون القانون في تلك الدولة وضعياً، على ما سوف نذكر؛ إذن، يتعين أن يكون قانون الإسلام هو الذي سيطبق في تلك الدولة الموعودة، الواقعة في خط التخطيط الإلهي العام.
إذن ينتج أنّ البشرية تستغني عن أي تشريع آخر، حتّى خلال الدولة العالمية، بل يستمر حتّى وجود المجتمع المعصوم… إذن، فالإسلام هو الذي يربي البشرية كلّ هذه التربية الدقيقة الطويلة.
وحيث لا يمكن للأطروحة التشريعية بهذه المهمة الكبيرة، ابتداءً من الدولة العالمية وانتهاءً بالمجتمع المعصوم، لا يمكن أن تكون ناقصة أو ضيقة أو مجملة، أو تتضمن ظلماً أو إجحافاً، فإنّ كلّ ذلك ممّا ينافي هذه المهمة الكبرى ويخل بها، فيكون مخلاً في النهاية بالتخطيط العام وبأهدافه، إذن، يتعين أن يكون الإسلام هو (الأطروحة التشريعية العادلة الكاملة) وهو المطلوب.
ـ 2 ـ
وقد اقتضت المصلحة في التخطيط العام وجود الإسلام في أوّل أمره في شبه الجزيرة العربية، لعدّة مصالح يمكننا أن ندركها:
المصلحة الأولى: جانب السذاجة العقائدية التي كان يتصف بها المجتمع العربي، الأمر الذي يغني الإسلام عن جهود إضافية في الجدل العقائدي. وهذا ما لم يكن متوفراً في المناطق الأخرى التي كانت تسودها أديان قبيلية أو إقليمية وعقائد منحرفة.
المصلحة الثانية: إنّهم مهما كانوا عليه من السذاجة، فإنّ التخطيط الثاني، كان قد أنتج نتيجته فيها على أحسن وجه، وأصبح المجتمع قابلاً لفهم الأطروحة الجديدة على أفضل وجه. فإنّ السذاجة كانت ناشئة من عدم وجود الفكر العالي، لا من عدم القابلية له.
المصلحة الثالثة: إنّ شبه الجزيرة كانت بعيدة عن القوى الكبيرة في العالم التي يمكن أن تقضي على الإسلام في مهده. ولم يكن في هذه المنطقة أيّة قوّة مهمة. وإنّما كانت هناك قبائل متناحرة بدون حكم مركزي.
المصلحة الرابعة: استراتيجية هذه المنطقة بالنسبة إلى مناطق العالم الأخرى المنظورة يومئذٍ والممكن الوصول إليها في ذلك العهد. وهي القارات الرئيسية الثلاث. وذلك باعتبار توسطها بينها، ممّا ييسّر نشر الدعوة سواء على مستوى الإعلان، أو على مستوى التطبيق.
المصلحة الخامسة: وجود خط الحنيفية الخالصة في تلك المنطقة، وذلك الخط الموروث عن إبراهيم الخليل (عليه السلام)، والذي استطاعت لمة من الناس المحافظة عليه بدون انحراف. وقد وجد الإسلام في ضمن هذا الخط واعترف به وقدّسه.
والمحافظة على هذا الخط، هو الذي يميز هذه المنطقة عن اليهود، فإنّهم وإن كانوا وارثين لهذا الخط أيضاً، إلاّ أنّهم خلطوه بكثير من الأخطاء والانحرافات، بحيث لم يبق لها وجود واضح في مجموع المعتقدات اليهودية.
المصلحة السادسة: وهي قد ترد في بعض الأذهان.
إنّ من جملة هذه المصالح ما يتّصف به العرب من العصبية، بحيث لا يؤمنون بنبي ليس منهم. فلو كان النبي غير عربي لما آمن به العرب، بخلاف ما لو كان عربياً، فإنّ غير العرب يؤمنون به لعدم وجود هذا المقدار من العصبية لديهم. وحيث يراد نشر هذا الدين بين جميع الفئات والقوميات في العالم، كان لا بد من وجوده بين العرب.
إلاّ أنّ الصحيح أنّ هذه المصلحة وحدها غير كافية؛ إذ لو كانت العصبية وحدها هي الدافع لوجود النبي بين العرب، للزم وجود هذا الدين بين اليهود، لاتصافهم بمقدار أكبر من العصبية، لأنّ لهم بها جانباً دينياً وجانباً قبلياً، على حين لم يكن للعرب إلاّ الجانب القبلي.
على أنّه لا دليل على وجود العصبية العربية بين العرب، بمعنى أنّهم يشعرون بعروبتهم. فإنّ تناحرهم القَبَلي دال على خلاف ذلك. وإنّما كانت لهم عصبيات قبلية ضيقة، ولم يكن ذهنهم قد اتّسع إلى مستوى القومية فضلاً عمّا هو أوسع منه.
نعم، قد تكون هذه المصلحة ممثلة لجانب من مجموع المصالح، لا أن تقوم بالمصلحة وحدها. وهي ـ على أي حال ـ غير مهمة إلى جانب المصالح الأخرى التي ذكرناها. على أنّ تعداد هذه المصالح ليس على نحو الحصر، فربما كانت هناك مصالح أخرى.
ـ 3 ـ
وقد سار الإسلام بالحقائق التي نجزت وتمّت في التخطيط الثاني، سار بها خطوات جديدة فوسّع فيها وعمّقها.
ولا يمكن هنا استقصاء حقائق الإسلام، وإنّما نعطي أفكاراً عن أهم تلك الحقائق:
أوّلاً: إنّه بلغ في توحيد الخالق وتنزيهه ولاتناهيه في القدرة والحكمة والوجود، أقصى الحدود، بشكل لم يكن قد أعطي بوضوح في أي شريعة سابقة.
ثانياً: إنّ شريعته أصبحت مستوعبة لكلّ جوانب الحياة، مالئة لكلّ ثغرة ومجيبة على كلّ سؤال وحالة لكلّ المشاكل. وذلك على المستوى التشريعي الذي لا يكون منتجاً إلاّ بالتطبيق. ولا مجال الآن للبرهنة على هذا الاستيعاب.
ثالثاً: إنّه أعلن الدعوة العالمية بصراحة، في القرآن الكريم، وحديث رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله)، كما هو غير خفي على من راجعهما.
رابعاً: إنّه مزج بين الدعوة السلمية والحربية معاً. وحثّ على الجهاد في نشر الإسلام في ربوع المعمورة.
خامساً: إنّه أسّس دولة كاملة حسب المفهوم يومئذٍ، ودعا إلى تأسيسها في كلّ مجتمع يؤمن بالإسلام. وأوضح أنّه بدونها يكون التطبيق الديني الإسلامي ناقصاً. وقد مارس النبي (صلّى الله عليه وآله) لأوّل مرّة هذه الدولة بنفسه.
سادساً: إنّه حثّ على التكامل العلمي والذهني عن طريق التفكير والجدل البنّاء الحرّ. وقد أمر به القرآن الكريم وطبقه في نقاشه مع عدد من الآراء الخاطئة.
سابعاً: إنّه بينما كانت معجزات الأنبياء السابقين التي تكون دليل صدقهم، معجزات وقتية زائلة بزوال زمانها، جاء الإسلام بمعجزة طويلة الأمد باقية بقاء الدهر، معاصرة لكلّ الأجيال. وهي القرآن الكريم، كما هو مبرهن عليه في كتب العقائد الإسلامية.
ثامناً: إنّه أوضح بجلاء أنّ «اليوم الموعود» سيكون منطلقاً من شريعته، وإنّ القائد الأعظم في ذلك اليوم سيكون قائداً إسلامياً، وإنّ الناس جميعاً سيكونون مسلمين نتيجة للجهود المبذولة يومئذٍ. وكان ذلك مطابقاً للتخطيط العام الذي عرفناه وبرهنا عليه.
وهذا ما لم تكن النبوات السابقة قد أوضحته. وإن دسته التحريفات الإسرائيلية في التوراة بالنسبة إليهم، وإنّهم ـ دون غيرهم ـ قادة اليوم الموعود.
تاسعاً: إنّه أعطى بوضوح الهدف من وجود البشرية بصراحة:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}([319]).
وأشار إلى الأهداف الكونية إجمالاً:
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}([320]).
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}([321]).
عاشراً: إنّه أعطى تفاصيل كثيرة للحياة الأخرى، وأخرجها من الغموض الذي كانت عليه إلى مستوى كافٍ ومفصل من الوضوح.
إلى غير ذلك من الحقائق الكبرى التي لم يكن لها وجود، أو لم يكن لها وضوح في الديانات السابقة، أو في نتائج التخطيط السابق. وهي حقائق واضحة في الإسلام، ومتسالم على صحتها بين كلّ المذاهب الإسلامية.
ـ 4 ـ
وقد سار التخطيط الثالث، بعد نزول الأطروحة العادلة الكاملة، في عدّة خطوط متوازية:
الخط الأوّل: تعميق الفهم العام لهذه الأطروحة، في خط تربوي فكري طويل. سواء في تدقيق أو تفسير الأفكار الإسلامية من جميع النواحي العقائدية والفقهية والأخلاقية وغيرها. وقد أوضحنا ذلك في (تاريخ الغيبة الكبرى)([322]) مفصلاً.
وقد فهمنا هناك أنّ هذا من فوائد تأخّر التطبيق العالمي عن نزول الأطروحة الكاملة. إذ لولا هذا التعميق لما أمكن لهذه الأطروحة أن تقوم بالتطبيق الكامل في اليوم الموعود، كما برهنا عليه هناك.
الخط الثاني: تحقيق الشرط الثاني من شرائط اليوم الموعود، وهو إيجاد القائد المؤهل للقيادة العالمية العادلة. وهذا هو التخطيط السادس من التخطيطات الإثني عشر السابقة. وقد عرفنا أنّه أحد فرعي هذا التخطيط الثالث الذي نتحدّث عنه.
وقد ذكرنا في (تاريخ الغيبة الكبرى)([323]) الفكرة الكافية لهذا التخطيط، فلا حاجة إلى التكرار.
الخط الثالث: تحقيق الشرط الثالث من شرائط اليوم الموعود، وهو إيجاد العدد الكافي لغزو العالم في ذلك اليوم، وإقامة دولة العدل العالمية. وهو التخطيط السابع من التخطيطات السابقة.
وقد حملنا فكرة مفصلة عن ذلك، في (تاريخ الغيبة الكبرى)([324])، و(تاريخ ما بعد الظهور)، فلا حاجة إلى التكرار.
وهذه الخطوط الثلاثة هي التي تشكل هذا التخطيط الثالث. وبوجود نتائجها يكون هذا التخطيط قد بلغ غايته وحقق غرضه، وتكون دولة الحق العالمية على وشك الوجود فوراً.
والمهم الآن هو التعرّض إلى بعض تطبيقاته الرئيسية التي عاشها التاريخ الإسلامي إلى العصر الحاضر. فإنّ هذا التخطيط هو الذي تعيشه البشرية فعلاً، بصفتها تعيش الفترة المتخللة بين وجود الأطروحة العادلة والتطبيق الكامل.
ويحسن التعرّض إلى التطبيقات الآتية:
أوّلاً: انحراف القيادة الإسلامية فترة طويلة من الزمن، ثمّ زوالها أخيراً.
ثانياً: انقسام المسلمين إلى عدّة مذاهب.
ثالثاً: وجود المادية المتطرفة المعمقة، كالماركسية وغيرها، ووجود التحلل الخلقي عموماً في العالم.
رابعاً: غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، وطول عمره طبقاً للفهم الإمامي.
وقد ذكرنا تفاصيل التطبيقين الأخيرين في (تاريخ الغيبة الكبرى)([325]). ونذكر هنا فكرة ملخصة لمدى أهميته وارتباطه بصلب الموضوع.
وأمّا التطبيقين الأولين، فسنذكرهما على مستوى (الإسلام العام) الخالي من العواطف المذهبية جهد الإمكان… وإن كان يمكن أن يتخذ صيغة أكثر تحديداً طبقاً للفهم المذهبي.
ـ 5 ـ
التطبيق الأوّل: انحراف القيادة الإسلامية، أولاً. وزوالها ـ بعد ذلك ـ ثانياً.
وهذا الانحراف على إجماله، ممّا تسالمت عليه المذاهب الإسلامية الرئيسية. وهذا المقدار يكفينا لهذا التطبيق، لأنّ ما سنذكره من المبررات ينطبق على هذا الانحراف بغض النظر عن تاريخ ابتدائه وأشخاص المنحرفين.
إنّ انحراف القيادة الإسلامية، يرتبط بالتخطيط الإلهي المخصّص لإيجاد الشرط الثالث لليوم الموعود. حيث قلنا إنّ البشرية إنّما يمكن أن يتكامل إخلاصها فيما إذا مرّت بظروف من الظلم والتعسف طويلة الأمد، وبتجارب قاسية، يكون الأفراد ـ من خلالها ـ على محك التمحيص في أنّ ردود أفعالهم هل سوف تكون إلى جانب الحق أو إلى جانب الظلم الاجتماعي.
وقد عرفنا أيضاً أنّ الإيمان، مهما يكن ضخماً، لا يعتبر شيئاً ذا بال ما لم يكن ممحصاً. وأمّا الإيمان الساذج الفج، فلا قيمة له في التخطيط الإلهي، لأنّه يكون غرضاً لأوّل رمية، فاشلاً في أوّل تجرية.
إذن، فمن الضروري أن تمرّ البشرية في ظروف التجارب القاسية! وأمّا كيف يتم ذلك بعد أن عاشت الأمّة الإسلامية القيادة العادلة في أوّل عهدها، في صدر الإسلام؟
إنّ ذلك يتم بالسماح لعوامل الانحراف بأن تعمل عملها في المجتمع، لا بمعنى أنّ الله عزّ وجل قد رضي بها وبارك وجودها. بل بمعنى أنّه تعالى فسح لها فرصة الوجود، ولم يجعل الموانع الفكرية([326]) والاجتماعية ضدها. وأنّ من أهم ظروف الانحراف الممكن وجودها في المجتمع، هو انحراف القيادة، لما للقيادة من أثر بليغ في صياغة المجتمع وبلورته.
ومن هنا يتضح أنّ انحراف القيادة يمت إلى هذا التمحيص العام بصلة وثيقة من زاويتين:
الزاوية الأولى: كونه سبباً لتمحيص المجتمع، واختبار أفراده عموماً، لتعرف آراؤهم وأعمالهم تجاه القيادة المنحرفة، ليتميز ـ بالتدريج ـ جانب الفشل من جانب النجاح في الأفراد.
وذلك بخلاف ما لو بقيت القيادة عادلة وصالحة، فإنّ الإيمان سوف يكسر ويترسخ، ولكنّه سوف يبقى ساذجاً وفجاً، وبالتالي غير صالح للقيادة العالمية. وبالتالي سوف لن يتحقق العدد الكافي من المخلصين الممحصين لغزو العالم وتأسيس الدولة الموعودة.
ومعنى ذلك أنّ قيام دولة الحق والعدل في أوّل الإسلام مانعة عن وجود دولة الحق والعدل في المستقبل. وحيث إنّ الأخيرة واقعة في طريق الهدف البشري الأعلى؛ إذن فهي أهم وجوداً وألزم تحققاً، إذن، فلا بد أن تخطط لها ولو بحذف الأوّل؛ وخاصّة إذا لاحظنا أنّ دولة العدل الأولى ضيقة النطاق والدولة الموعودة عالمية.
وأمّا وجود دولة عالمية محكومة بالعدل منذ أوّل الإسلام، فقد اتّضح عدم إمكانه لعدم تمحيص الإيمان في نفوس الأفراد، الأمر الذي يجعلهم غير مؤهلين للقيام بهذه المهمة الكبرى.
وهذه الزاوية الأولى هي الأهم في تسلسل الفكرة عن التخطيط الإلهي.
الزاوية الثانية: إنّ انحراف القيادة مسبب عن ذلك التمحيص. حين أصبح الحاكم أو القائد في الدولة الإسلامية ممثلاً لمستوى الفرد العادي من ناحية الإيمان ومن ناحية الحرص على المصالح العامّة.
ومعنى ذلك أنّ التمحيص في التخطيط الثالث، بعد أن أوجب انحراف غالبية المجتمع، وكان أفراد الخلفاء من هذه الغالبية المنحرفة؛ كان استخلافهم يعني انحراف القيادة في المجتمع الإسلامي. إذن، فهذا الانحراف مسبب عن التمحيص وهو المطلوب.
ولا تنافي بي هاتين الزاويتين، إذ يمكن أن يكون انحراف القيادة سبباً للتمحيص ومسبباً عنه. فإنّ أفراد الخلفاء متعددين، كما أنّ المجتمعات التي يجري عليها التمحيص كثيرة. ومن هنا يكون انحراف كلّ قائد أو حاكم أو خليفة مسبباً عن التمحيص الذي قبله وسبباً لوجود التمحيص الذي بعده.
وكلا هاتين الزاويتين، كما يصدقان على الحكم المنحرف المتصف باسم الإسلام، كذلك يصدقان على زوال الحكم الإسلامي بالمرة. غير أنّ الزاوية الثانية ستكتسب هنا أهمية أكبر: حيث إنّ الانحراف السائد يكون قد تأصّل بالتدريج ـ طبقاً للتخطيط ـ إلى حد أصبح الحكام الذين لا يزالون يمثلون الفرد الاعتيادي في المجتمع، أصبحوا منعزلين عن الدين بالمرة، ومؤمنين بمبادئ أخرى غير دينية. لأنّ الفرد الاعتيادي قد أصبح بدوره كذلك. وبذلك خرجت القيادة عن كونها إسلامية تماماً. وهذا معنى انطباق الزاوية الثانية.
وأمّا انطباق الزاوية الأولى، فمن الواضح أنّ الانحراف في داخل إطار الإسلام، إذا كان محكَّاً للتمحيص، فكيف بالخروج الكامل عن تعاليم الإسلام، الذي يمثل ـ في واقعه ـ الدولة العلمانية تماماً. فإنّ التمحيص فيه أوضح وأصعب في نفس الوقت، كما هو غير خافٍ على من عاش مثل هذه الظروف.
ـ 6 ـ
التطبيق الثاني:انقسام المسلمين إلى عدّة مذاهب.
يندرج هذا التطبيق في كلّ من الخطين الأوّل والثالث من الخطوط الثلاثة التي ذكرناها قبل فقرتين.
أمّا اندراجه في الخط الأوّل، وهو تعميق الفهم الإسلامي في أذهان المسلمين… فباعتبار مشاركة هذا الانقسام فيه، من حيث إنّ الحقيقة بنت البحث والمناظرة، والحق لا يثبت إلاّ بالبرهان. فمن الطبيعي أن يكون الجدل الواقع بين المذاهب الإسلامية باستمرار، وحول مختلف الموضوعات، مشاركاً في تعميق الفكرة الإسلامية في أذهان المسلمين عموماً.
وهذا التعميق مضافاً إلى كونه للفكر الإسلامي تدريجاً، فإنّه أيضاً مؤثر في نهاية الشوط في زيادة التعمق الفكري الذي يساعد على بناء مستوى الوعي الجديد في اليوم الموعود، وعلى استيعاب ما سوف يعلن فيه من مفاهيم وتشريعات.
وأمّا اندراجه في الخط الثالث، فلوضوح أنّ المسلمين اتفقوا على أنّ المذهب الحق من مجموع المذاهب واحد لا يتعدد. إذن، فكلّ المذاهب الأخرى تمثّل درجة من درجات الانحراف؛ على حين نجد أنّ أفراد المسلمين قد انتشروا على جميع المذاهب. إذن ينتج أنّ بعض المسلمين ـ أياً كانوا ـ على صواب، والآخرين على خطأ. أي أنّ بعضهم منسجمون مع التخطيط وناجحون فيه، وبعضهم فاشلون.
وحين ننسب أولئك إلى النجاح، فإنّما نقصد نجاحهم من زاوية اتخاذهم للمذهب الذي يفترض كونه حقاً. وإلاّ فإنّه يوجد في كلّ المذاهب الإسلامية، على الإطلاق، جمهور كبير من الخارجين على تعاليم دينهم ومذهبهم أساساً.
وبطبيعة الحال سيكون هؤلاء الناجحون هم الأكفاء لحمل مسؤولية الدولة العالمية تحت قيادة المهدي (عليه السلام).
وبطبيعة الحال، لا ينبغي أن ينسى القارئ، أنّنا حين نتكلم عن التخطيط إنّما نتكلم عن (العلة الغائية) أو السبب الاستهدافي، لا عن السبب المنتج أو الفاعل. وقد قلنا إنّ السبب الاستهدافي لا ينافي السبب الفاعل. إذن، فأسباب الانقسام ـ مهما كانت ـ لا تنافي اندراجه ضمن التخطيط العام باعتبار النقاط التي ذكرناها.
ولعل هذا هو المراد من قوله (صلّى الله عليه وآله) ـ لو صحّ الخبر ـ: اختلاف أمتي رحمة، على أحد تفسيريه، وهو أن يكون المراد بالاختلاف: الانقسام في الرأي، لا المبادرة إلى أولي الأمر والسؤال منهم.
ـ 7 ـ
التطبيق الثالث: وجود المادية المعمقة والتحلل الخلقي في العالم.
وقد تحدثنا عن ذلك مفصلاً، خلال الأطروحة الثالثة لتفسير ولادة الفكر الماركسي، التي ذكرناها في أوّل هذا الكتاب، فلا حاجة إلى التكرار. كلّ ما في الأمر أنّ القارئ الآن يعرف الأسس الكاملة التي تقوم عليها تلك الأطروحة، بشكل أوضح ممّا يدركه خلال قراءته لأوّل الكتاب. فلو شاء القارئ أن يعيد إليها النظر إعادة تطبيق وتمحيص، كان ذلك هو الأفضل.
وبذلك تكون الماركسية خاصّة والمادية عامّة، مندرجة في كلا الخطين اللذين أشرنا إليها في التطبيق السابق، وهما تعميق الفكر الإسلامي، والتسبّب لإيجاد الشرط الثالث لليوم الموعود، كما هو غير خفي على من راجع البحث المشار إليه.
– 8 –
التطبيق الرابع: غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) وطول عمره، طبقاً للفهم الإمامي.
وكلتا الفكرتان تابعتان للخط الثاني من الخطوط الثلاثة، وهو إيجاد القائد الكامل، ومنطلقتان من (تكامل ما بعد العصمة).
أمّا طول عمره، فباعتبار عدّة نقاط ذكرنا جملة منها في (تاريخ الغيبة الكبرى) نلخص منها ما يلي:
النقطة الأولى: إنّه تحت شروط معينة ذكرناها هناك([327]) يعمل الإمام المهدي (عليه السلام) في مصلحة المجتمع لأجل دفع ما يمكن أن يقع عليه من بلايا وويلات من قبل الظالمين وأعداء الدين. ويؤدّي بهذا الصدد تضحيات وجهوداً كبيرة؛ فهذا مضافاً إلى كونه عملاً في مصلحة المجتع، يؤدّي أيضاً إلى (تكامل ما بعد العصمة) بالنسبة إليه باعتبار ما سبق أن برهنا عليه هناك([328])، من أنّ أداء التضحيات الاختيارية في سبيل الهدف الأعلى يؤدّي إلى تعميق الإخلاص وقوّة الإرادة في النفس.
كلّ ما في الأمر، أنّ هذا التعميق يبدأ من المستوى الذي عليه الفرد سلفاً؛ فالفرد الاعتيادي يزداد درجة أو درجتين مثلاً. وأمّا الإمام المعصوم فحيث إنّه ينطلق من زاوية قوّة، ومن صفات أولية عليا، فسيكون تكامله بجهاده وتضحياته، أعمق وأكبر من الفرد الاعتيادي بكثير.
النقطة الثانية: إنّنا طرحنا في (تاريخ الغيبة الكبرى)، أطروحة محتملة ـ على الأقل ـ… وهو أن يكون لطول العمر ومعاصرة الأجيال الطويلة، تأثيراً في اطلاع الفرد على قوانين التاريخ وتسلسل الحوادث فيه، من ناحية… وعلى أساليب التأثير في هذه الحوادث، بشكل معمق لا يمكن لأي فرد اعتيادي أن يصل إليه، من ناحية ثانية. وقد عرضناها هناك مفصلاً فلتراجع.
وهناك نقاط أخرى، بالنسبة إلى طول عمر المهدي (عليه السلام) يمكن اقتباسها من ذلك الكتاب، لا حاجة الآن إلى التطويل بتعدادها.
وأمّا غيبته (عليه السلام)، فهي ـ طبقاً للفهم الإمامي ـ تقترن دائماً بطول عمره، وقد عرفنا مزاياه. فإذا أردنا أن نعرف مزايا الغيبة مستقلة، فلا بد أن نلاحظ أنّه ما الذي يحدث مع ارتفاعها واطلاع الناس على حقيقة المهدي (عليه السلام)، مع حفظ الصفة السابقة، وهي طول العمر. فهل يمكن أن يكون المهدي طويل العمر مكشوفاً للناس؟
ولعل أوضح ما يخطر في الذهن، كدليل على عدم إمكان ذلك ـ بعد التسليم بالقدرة الإلهية عليه ـ: هو الاستغراب من وجود شخص معين يعمر بهذا المقدار الكبير، ألف سنة فصاعداً، فإنّه ممّا لا يمكن أن يكون مهضوماً اجتماعياً بأي حال. فقد قدر الله تعالى غيبته لكي لا يثير الاستغراب.
إلاّ أنّ هذا بمجرده ليس محذوراً، ولا دليلاً على عدم الإمكان… إذ لو تجرد الأمر عن المحذور الآتي لكان عمره من الأدلة الرئيسية على مهدويته للناس أجمعين، ولكان طريقاً سهلاً له إلى الهداية الحقيقية، وإعطاء الثقافة الواسعة في كلّ جيل… بعد أن يفترض بالناس أنّهم يعرفونه ويواجهونه بصفته الحقيقية.
وإنّما لم يحدث ذلك، لأنّ فيه محذوراً أو نقطة ضعف كبيرة، تنتج عدم تحقّق دولة العدل العالمية في المستقبل، ومن ثمّ زوال الغرض الأسمى من خلق البشرية. وحيث إنّ هذا محال ـ كما عرفنا ـ إذن، فلا بد أن لا ينكشف المهدي (عليه السلام) وأن يبقى غائباً طيلة عمره المديد.
والمحذور الكبير من انكشافه هذه المدّة، هو معروفيته بالمهدوية خلال هذه المدّة، كما هو المفروض مع ارتفاع الغيبة. ومن المعلوم في الأذهان، أنّ المهدي (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) أي أنّه زعيم الثورة العالمية العادلة. ومعه تشحذ القوى العالمية أسنتها ضده، وهي على الدوام تمثّل جانب الظلم والجور. والمفروض أنّ المهدي (عليه السلام) في غيبته أعزل ليس له سلاح ولا أنصار، ولم يتمخض المجتمع عن الشرط الثالث، وهو إيجاد العدد الكافي لنصرته. إذن فسوف يكون غرضاً لأوّل رمية، وسيزول عن مسرح التاريخ. ومعه تفقد الدولة العالمية وجودها، ويفقد الغرض الأسمى وجوده بدوره… وهو مستحيل.
وقد يخطر في الذهن أنّه على هذا التقدير، يمكن التعويض بشخص آخر يكون مهدياً قائداً للدولة العالمية… وهو أمر سهل في القدرة الإلهية.
وجواب ذلك أنّ هذا الثاني المفترض، إن فرضنا له طول العمر بالمقدار الاعتيادي فقط، فقد خسرنا نقطتي القوّة السابقتين اللتين برهنا بهما على ضرورة طول العمر للقائد العالمي العادل. وإن فرضناه طويل العمر ومكشوفاً ابتلينا بنفس هذا المحذور الأخير، فإنّه أيضاً يكون معرضاً للقتل، فلا بد من التعويض عنه بثالث، وهكذا. وهذا غير صحيح بالضرورة، فإنّه مضافاً إلى كونه (مسخرة) يجل عنها التدبير الإلهي، ينتج أيضاً أن يكون المهدي في آخر الأمر ـ أي عند إنجاز الشرط الثالث ـ شخصاً ذو عمر اعتيادي بعد أن قتل كلّ المعمرين السابقين عليه، فنخسر أيضاً النقطتين السابقتين.
وإن فرضنا أنّ هذ المهدي الثاني المفترض، طويل العمر وغائباً، إذن، فلا حاجة إلى افتراض هذا الثاني، إذ في قدرة الله تعالى أن يُبقي مهدياً واحداً مرصوداً لدولة الحق، لأنّه يكون أطول عمراً، فتكون نتائج كلتا النقطتين فيه أوضح، لأنّ كلتيهما ممّا يزيد طول العمر في نتائجهما، كما هو معلوم لمن يفكر. هذا مضافاً إلى نقاط ضعف أخرى لهذا الافتراض، انطلاقاً من الفهم الإمامي، الذي يقوم عليه الافتراض نفسه… لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها الآن.
إذن، فقد صحّ اندراج غيبة المهدي (عليه السلام) وطول عمره معاً في التخطيط الثالث، ومن ثمّ في التخطيط العام لتكامل البشرية وأهدافه.
وهذا صحيح بالنسبة إلى (الغيبة الكبرى) للمهدي (عليه السلام)، لأنّها هي التي تستمر أجيالاً طويلة. وأمّا (الغيبة الصغرى) السابقة عليها، فقد عرفنا في تاريخها([329]) أنّ الغرض الأساسي منها تمهيدها للغيبة الكبرى، باعتبار رفع الاستغراب عنها أوّلاً، وإقامة الحجة على وجود المهدي (عليه السلام) ثانياً. فتكون (الغيبة الصغرى) مندرجة في التخطيط الثالث من هذه الزاوية.
الجانب الدنيوي في التخطيط الثالث
ـ 1 ـ
يحسن بنا التعرّض إلى الجوانب (الدنيوية) في هذا التخطيط الثالث، إلى جنب الجوانب الدينية (النبوية) التي ذكرناها. كما فعلنا ذلك في التخطيط الثاني، لنرى مقدار ارتباط هذه الجوانب بهذا التخطيط.
وأهم هذه الجوانب ما يلي:
الجانب الأوّل: المبادئ المتعددة التي تمثّل أفهاماً مختلفة للكون والحياة وأطروحات عديدة لحل مشكلة الإنسانية.
الجانب الثاني: القوانين الوضعية على اختلافها وأشكال تفسيرها.
الجانب الثالث: العلوم الإنسانية كالفلسفة والمنطق والرياضيات ونحوها، بما بلغته من عمق خلال عصرها المتأخر.
الجانب الرابع: العلوم التكنيكية، كالفيزياء والكيمياء والفلك والطب ونحوها، بما أوصلته إلى البشرية من نتائج ضخمة على المستوى العلمي في مختلف الحقول.
ـ 2 ـ
الجانب الأول: المبادئ المتعددة التي تمثّل أفهاماً مختلفة للكون والحياة وأطروحات عديدة لحل مشكلات الإنسانية.
وقد احتوى هذا الجانب على أشكال مختلفة خلال التاريخ الطويل، فوجدت عدّة مبادئ تحتوي على ادعاء هذا الحل، ولكنّها قائمة على أسس متباينة:
وكان بعضها قائماً على أسس دينية منحرفة، بمعنى أنّها تقدّم المصلحة الشخصية على المصلحة الدينية، يندرج في ذلك الخلافة الأموية والخلافة العباسية وحكم الكنيسة واتباعها في أوروبا… وغيرها.
وكان بعضها قائماً على أسس دكتاتورية كالدولة الرومانية التي كانت لا زالت مستمرة إلى ما بعد الإسلام، والقيصرية الروسية والفاشية، وغيرها.
وكان بعضها قائماً على أسس رأسمالية، وأهمها الحكومات الأوروبية والأميركية الرأسمالية، وأوّلها اندفاعاً في هذا الاتجاه وأقدمها بريطانيا، باعتبار فرنسا وألمانيا وغيرها تقدّم التغيير فيها، وهو المسّمى (بالثورة المجيدة!!).
وكان بعضها قائماً على أساس الفهم المادي المصلحي للمجتمع، وإن لم يمارس حكماً بالفعل، كالوجودية…
وكان بعضها قائماً على أساس الفهم المادي الفلسفي، وهي الماركسية المطبقة الآن في عدد من دول العالم وأهمها الاتحاد السوڤييتي والصين.
وأمّا (الأطروحة العادلة الكاملة) فلم تنزل إلى حيز التطبيق إلاّ في نطاق ضيق في المكان والزمان، لكنّه يكفي لإثبات وجودها كأطروحة حاكمة من ناحية، وموفرة للعدل الاجتماعي من ناحية ثانية… وبالتالي لتوفّر البرهان الراسخ في الأذهان الذي يفيد فائدته الجمّة خلال هذا التخطيط.
وأهم مثال لهذا التطبيق، ما مارسه الرائد الأوّل لهذه الأطروحة نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله) خلال حياته، أعني من بعد الهجرة إلى حين وفاته. فإنّه كان يأخذ بزمام المبادرة إلى إنزال الحكم إلى حيز التطبيق فور وصوله يوماً فيوم وساعة فساعة.
وبهذا وجدت لدينا أربع أفكار نافعة لنا في هذا الجانب من البحث، ترتبط اثنتان منها بالأطروحة الكاملة، واثنتان منها بالمبادئ الأخرى.
أمّا الفكرتان المرتبطتان بالأطروحة الكاملة فهما:
الفكرة الأولى: نجاح التطبيق الذي وجد في صدر الإسلام، نجاحاً كافياً مقنعاً لإثبات عدله وجدارته لقيادة العالم، في أي وقت أمكن له ذلك.
الفكرة الثانية: النظر إلى تفاصيل المفاهيم والتشريعات التي تحتويها هذه الأطروحة، أو هذا الفهم للكون والحياة… مع مقارنته بالأطروحات الأخرى، ليجد الفرد أنّه أفضل الأشكال وأكثرها عدلاً، كما هو مبحوث في مجال آخر.
الفكرة الثالثة: وهي الفكرة الأولى التي تعود إلى المبادئ الأخرى… وما فصلناه في (تاريخ الغيبة الكبرى) وأشرنا إليه هنا مختصراً، وهو أنّ المبادئ عموماً تمرّ خلال تطبيقها بالتمحيص والتجربة، شأنها شأن الأفراد. ولكنّها أعمق تمحيصاً وأطول عمراً، فقد يمتد عمر تمحيصها إلى عشرات أو مئات السنين.
وبذلك تتهاوى المبادئ على سكين التمحيص تدريجياً، ويثبت فشلها واحداً بعد الآخر، ولا تبقى هناك نقطة ضعف، مهما كانت صغيرة، وفي أي مبدأ من المبادئ إلاّ كشفها التمحيص والتجربة الحياتية الطويلة.
وأوضح تسلسل تطبيقي لذلك، هو أنّ المبدأ حين يوجد يحاول أن يغطي نقاط الضعف فيه ونقاط الفشل في المبادئ الأخرى، بمقدار ما يفهم واضعه ويدركه من آلام الحياة وآمالها. ولكن لمدى محدودية الفكر الواضع لهذا المبدأ أو ذاك، سوف يصعب بالتدريج على المبدأ مواجهة الحاجات الحياتية المتجددة والمشاكل الاجتماعية المتكثرة. وكلما ازدادت الحاجات وتوفرت المشاكل التي لا يستطيع حلّها كلّما ازداد فشلاً، واتّضح فشله في التمحيص أكثر فأكثر. حتّى يصل إلى نقطة يبدأ المطلعون على الفشل يزدادون حتّى يكون الرأي الاجتماعي العام على سعته فاهماً لذلك. وتلك هي نقطة النهاية لكلّ مبدأ باطل. ولكن قد يطول الزمن بهذه النتيجة أو يقصر، تبعاً لما يتصف به المبدأ من ضحالة أو عمق، وما يتصف به ذووه من قوّة أو ضعف.
الفكرة الرابعة: إنّ كلّ المبادئ التي طبقت إلى حد الآن، قد مرّت بتجربة حياتية طويلة، وقد أثبتت هذه التجربة حسياً فشلها في التمحيص واحداً بعد الآخر. وكان من أهم المبادئ التي ثبت زيفها وفشلها: الرأسمالية بما أنزلته على البشرية من ويلات ودمار. وكذلك الحكم الكنسي بما مثّله من تعنت فكري وتطرّف مصلحي وانحراف ديني كبير.
ولا زالت الماركسية في حيز التمحيص، وقد أشرنا عند الحديث عن مناشئ وجودها، إلى أنّها بدأت بالتدريج تكشف عن زيفها الفكري والتطبيقي من خلال التجربة الحياتية. حتّى بدأ الرأي العام العالمي يدرك ذلك بالتدريج، وإن كان لا زال من يكابر هذه الفكرة في العالم عدد كبير.
ينتج من هذه الأفكار الأربع، أمر مهم بالنسبة إلى اليوم الموعود، وهو أنّ الفرد الفاهم لهذه الأفكار كلها، وخاصّة الأولى والأخيرة، سوف ييأس من الأطروحات المعروضة لحل مشاكل البشرية، وسوف ينتظر العدل الكامل المتمثل بالإسلام في اليوم الموعود، خلال دولة العدل العالمية.
وأمّا الفرد الفاهم للفكرة الأخيرة فقط، وهو الفرد العادي المشارك للرأي العام الذي اتّضح له فشل المبادئ المطبقة جميعاً، من دون أن تكون له أيّة فكرة عن عدل جديد. كما هو عليه الحال، في الرأي العام العالمي اليوم.
… إنّ هذا الفرد أو هؤلاء الناس، بعد أن يعيشوا المآسي الضخام التي أنتجها فشل المبادئ ويرون في أنفسهم الخطأ في توقعهم في أن يمثل شيء منها الحل العادل الكامل لمشاكل البشرية… بعد أن يعيشوا ذلك، يبقون على مستوى التلهف الكبير في وجود ذلك الحل العادل، وحائرين في معرفة وتشخيص المبدأ الذي يمثله.
وهذا التلهف سوف يجعل منهم قاعدة سهلة لتقبل أوّل مبدأ يعلن لنفسه صلاحيته لذلك الحل، والانصياع لقيادته في أسرع وقت، وسيكون انطباقه على الحل (العادل الكامل) واضحاً.
بل قد يبلغ بهم الجزع أنّهم سوف يدركون، أو تدرك الجماعة المثقفة منهم على الأقل أنّ التضحيات التي يستلزمها وجود الحل الكامل أقل بكثير من المصاعب التي قاسوها من المبادئ الأخرى، فهم يتلهفون لأي حل يكفل لهم تلك النتيجة وإن كلفهم تطبيقه غالياً.
وهذه خطوة أخرى في مصلحة التطبيق العالمي في اليوم الموعود.
وإذا أعلن الإسلام أمام الرأي العام العالمي، خلال عصر التخطيط الثالث الذي نتحدث عنه، على أنّه هو الأطروحة العادلة الكاملة، كما قد أعلن فعلاً من قبل المفكرين الإسلاميين، واقترن هذا الإعلان بالتحدي للمبادئ الأخرى وإنّ هذا التحدي منوط بالتجربة فقط، وأنّه لا يمكن التأكد من عدم صلاحيته للتطبيق ـ كما يدّعي البعض ـ إلاّ بعد التجربة المعاصرة، والإسلام لم يعش التجربة المعاصرة. فلا أقل من أنّه يوجد احتمال منطقي كبير، في أن يكون هو العدل العالمي المنشود.
فإذا وصل الأمر، إلى أن يصبح هذا الاحتمال واضحاً على مستوى الرأي العام العالمي… وهو الآن سائر في هذا الطريق… سوف يكون دعماً كبيراً لتطبيق الأطروحة الكاملة في دولة الحق والعدل الموعودة، حين يحين زمانها وهي خطوة جديدة في مصلحة ذلك التطبيق.
ـ 3 ـ
الجانب الثاني: القوانين الوضعية على اختلاف أشكالها وتفاسيرها.
لعلّ أوّل قانون وضعي معروف في البشرية، هو شريعة حمورابي التي كتبها على مسلته المعروفة. والمظنون أنّه أخذها أو الجانب المهم منها من التوراة أو من بعض أقسامها، كالوصايا العشر وغيرها. وذلك لوجود نقاط تشابه كثيرة بينهما، كما هو معلوم لمن يراجع المصدرين.
وهذا هو أحد الأشكال أو أقدمها لابتناء القانون الوضعي على الأساس الديني، وقد عرفنا ذلك في القانون الروماني أيضاً، ولا أقل من احتماله. وكلّ ذلك مربوط بفترة التخطيط الثاني السابق.
وأمّا في فترة التخطيط الثالث، فقد بقيت أوروبا ـ زعيمة القانون الوضعي ـ تعيش على القانون الروماني والحكم الكنسي إلى عصر النهضة الحديثة. ويكاد يكون أوّل قانون أصدرته أوروبا في فجر عصرها الجديد، هو (لائحة حقوق الإنسان والمواطن) الفرنسية، ولا أقل من كونه أهم القوانين الصادرة في تلك الفترة. تبع ذلك قوانين نابليون التي نظم بها فرنسا من جديد. وبالتدريج تحدّدت القوانين وتمايزت اتجاهاتها واختصاصاتها. وأصبح لكلّ دولة مجموعة من القوانين التي تعالج مختلف ميادين الحياة، وأصبح لها رسوخ وأهمية أكبر من الأشخاص الحاكمين، بخلاف عصر ما قبل النهضة، حين كانت أوروبا محكومة بالحكم الفردي والديكتاتوري، وكان أشخاص الحاكمين أعلى وأهم من القوانين.
ونستطيع أن نتميز تأثير هذه القوانين في تعميق الفكر البشري، لو قارنا بين الفكر المعاصر، والفكر الموجود في أوّل عصر التخطيط الثالث.
إنّ الإسلام، وإن نزل ـ نظرياً ـ بقانون شامل لكلّ جوانب الحياة، إلاّ أنّ استيعاب الفكر البشري له لم يكن كما ندركه نحن اليوم. حتّى أنّ معاوية بن أبي سفيان اضطر أن يقتبس تنظيم عدّة جوانب من دولته من التنظيمات السائدة في بلاد فارس والروم([330]). ولم يستطع ذهنه يومئذٍ أن يفهم ذلك من أطروحته العادلة الكاملة، التي يفترض نفسه في قمة مطبقيها ورعاتها.
… على حين أوجبت تطبيقات وتجارب القوانين الوضعية، تفتّح الذهن البشري من هذه الناحية على كثير من التفاصيل، كما أوجبت تطوّرات الحياة الاجتماعية، زيادة هذا التفتح.
ولعل أهم النقاط هي كما يلي:
أوّلاً: التوصل إلى فهم أضمن وأسهل طريق لتنفيذ الحكم في الدولة، تحت رئاسة الحاكم الأعلى: الملك أو الرئيس… وذلك عن طريق توزيع الاختصاصات في التنظيم والتنفيذ، ابتداءً بالوزراء وانتهاءً بالفراشين!!…
ثانياً: التوصل إلى فهم التحديد الكامل لاختصاصات القوانين، فهناك الجانب العسكري والجانب المدني والجانب الدولي وغيرها، ويوضع لكلّ منها قانونها الخاص.
ثالثاً: التوصل إلى إمكان مطالبة المقننين بالأسباب الباعثة على جعلها وجعل كلّ مادة منها، وهل هي مطابقة للعدل والمصلحة العامة أو لا.
رابعاً: فهم إمكان ابتناء قوانين معينة على مبادئ معينة، وانطلاقها من فهم معين للكون والحياة… بل لعل ذلك ضروري في كلّ قانون.
خامساً: عاشت البشرية عصوراً متطاولة من تطبيقات هذه القوانين، وما تكفلته من عقوبات للعصاة، وما أنتجته من فوائد أو مضار على المجتمع عموماً.
وكلّ ذلك يزيد الجانب القانوني للأطروحة العادلة الكاملة وضوحاً في ذهن البشرية بطبيعة الحال، ممّا يساعد كلّ المساعدة على اتخاذ الخطوة القادمة في دولة العدل العالمية.
سادساً: اتضاح فشل القوانين، واحتياجها إلى الإصلاح والتغيير حتّى تصير إلى الزوال، نتيجة للتمحيص في التجربة الحياتية. بل اقتضى الفهم القانوني اتضاح فشل اتجاهات قانونية كبرى، وبناء أسس جديدة سيكون لها عمرها التي تنتهي بعده أيضاً، نتيجة للتجربة وللتدقيق في الفهم القانوني.
وهذه النقطة خطوة موفقة، لاستنتاج عجز الفهم الإنساني عن التقنين ومن ثم اليأس من إيكال حلول المشاكل البشرية إليه، وانتظار اتجاه قانوني جديد، يكون هو الحاسم في هذا المجال.
ـ 4 ـ
الجانب الثالث: جانب العلوم الإنسانية كالفلسفة والمنطق والرياضيات ونحوها، بما بلغته من عمق خلال عصر التخطيط الثالث.
وقد عاصر أوّل هذا العصر مع الفلسفة الوسيطة، كالأفلوطينية الحديثة والرواقية والفلسفة المسيحية ـ لو صحّ هذا التعبير ـ المتمثلة بأوغسطين وتوما الأكويني وأضرابهما. كما جاء القرآن الكريم بفهم معين للكون والحياة.
وأعقب ذلك وجود الفلاسفة المسلمين، كابن رشد والغزالي وابن سينا والفارابي. وكان هؤلاء ـ عادة ـ مستوعبين لعدد من العلوم الإنسانية التي كانت تعتبر متشابهة أو متجاورة بشكل وآخر. وهي الفلسفة والمنطق والرياضيات والطب والفلك. وربما قرنوا ذلك باتجاه كيميائي وفيزيائي ضيق، أو بفهم اجتماعي قليل.
وقد ورثت أوروبا في نهضتها كلّ ذلك، وحدّدت أساليبه، وأخذت بتعميقه وتوسيعه إلى أكبر حدٍ ممكن. فلم ينفصل علم عن علم فقط، بل أصبح لكلّ علم فروعه المختلفة، وأصبح للعلوم نقاط التقاء ونقاط اختلاف كالمنطق الرياضي، وعلم النفس الاجتماعي، مثلاً… ولا زالت أوروبا سائرة في هذا الطريق. ولا نعلم ماذا يأتي به المستقبل في هذا السبيل.
وهذا العمق، يساعد ـ بطبيعة الحال ـ على عمق المستوى الفكري للبشرية عموماً، ويجعلها قابلة لفهم العميق من الأفكار أكثر فأكثر. ويكون لهذا العمق أثره في عدّة حقول من التخطيطين الثالث والرابع. نستطيع أن نفهم منها ما يلي:
الحقل الأوّل: تعميق الفكرة إلى أبعد حدٍ ممكن عن تفاصيل وبراهين الأطروحة العادلة الكاملة، سواء من الناحية العقائدية أو التشريعية.
الحقل الثاني: جعل البشرية بالمستوى الفكري اللائق لفهم المستوى العقائدي والتشريعي الذي يعلن في الدولة العالمية خلال التخطيط الرابع.
الحقل الثالث: جعل نتائج هذه الأفكار المعمقة للمنطق والرياضيات وغيرها، منطلقاً ـ في الدولة الموعودة ـ لإنتاج أو إنجاز حقول مهمة في خدمة البشرية اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً يومئذٍ.
ـ 5 ـ
الجانب الرابع: الجانب (المدني) المتمثل بالتطوّر التكنيكي الصناعي الهائل الذي وصلت إليه أوروبا وغيرها منذ عصر النهضة إلى العصر الحاضر. وهي قابلة للتطوّر من هذه الناحية باستمرار. ويشمل هذا الجانب العلوم التي أنتجت هذا التطور الضخم كالفيزياء، والكيمياء والطب والفلك والجيولوجيا وغيرها.
ولعل من مستأنف القول: الإلماع إلى جسامة هذه النتائج، بعد أن كانت لا تكاد تخفى على أحد في هذا العصر، وقد أعطينا عنها صورة كافية خلال الحديث عن إنتاج (العلم) الحديث ليوم الرفاه الموعود.
إنّ البشرية حين تتطوّر في هذا الطريق، فإنّها تخدم ـ من حيث لا تعلم ـ هذا التخطيط الثالث والتخطيط الرابع، من عدّة جهات:
الجهة الأولى: تعميق البرهان على قدرة الله وحكمته في تدبير الكون بما تحمله هذه العلوم، وفي مقدمتها الفيزياء والفلك، من نتائج مذهلة ومعارف معمقة في تكوين البناء الكوني وأسلوب سيره، فإنّها في الحقيقة تكشف لنا أكثر فأكثر عن قدرة الخالق الحكيم المدبّر لكلّ ذلك.
ومن الواضح أنّه كلّما ازدادت معرفتنا بالوقائع الكونية الدالّة على القصد والحكمة، والتي يتعذّر تفسيرها من الناحية المادية في كثيرة من الأحيان، كلّما كان الاعتراف بالخالق الحكيم أسهل وأعمق.
الجهة الثانية: تسرب هذه العلوم تدريجاً، إلى أولئك النفر الطيبين الناجحين في التمحيص الإلهي، خلال هذا التخطيط الثالث، الذين سيكون لهم شرف المشاركة في بناء دولة العدل العالمية… فيحصل هناك اختصاصيون ومهرة على هذا المستوى الرفيع.
وهؤلاء يواكبون التخطيط الثالث باعتبار ما يؤدونه إلى الطيبين من أمثالهم خاصّة وإلى البشرية عامّة من منافع إيمانية وإنسانية مهمة.
الجهة الثالثة: وسيكون هؤلاء هم العماد الرئيس في النمو الصناعي القائم على هذه العلوم الكونية في دولة العدل العالمية، بعد أن يتم القضاء على جملة من الاختصاصيين باعتبار انحرافهم عن أسس التخطيط العام كما سنعرف، وسنلفت إلى تفاصيل ذلك عند الحديث عن التخطيط الرابع.
تطور الفكرة المهدوية في التخطيط العام
ـ 1 ـ
تعتبر الفكرة المهدوية بالنسبة للتخطيط البشري العام بكلّ أقسامه فكرة رئيسية، باعتبارها فكرة القيادة العامة للدولة العالمية التي تأخذ زمام المبادرة لإنجاز الهدف البشري الأعلى في حيز التطبيق، وهو المجتمع المعصوم، كما عرفنا.
وقد مرّت الفكرة المهدوية خلال التخطيطات البشرية التي عرفناها بتطوّر نحو الوضوح بتدرج بطيء، بمقدار بطء تطوّر الفكر والوعي البشري نفسه. وقد أعطينا عن ذلك فكرة كافية في (تاريخ الغيبة الكبرى)([331]) ونحاول هنا أن نعطي عنه خلاصة واضحة، لأجل ربط الحوادث ببعضها، مع ملء ما تبقى فيها من الفراغ.
وتعتبر التخطيطات الثلاثة الأوّل، هي الزمن الذي يتم فيه هذا التطوّر، إذ من الواضح أنّه بافتتاح عهد التخطيط الرابع تصبح المهدوية واقعاً حياتياً اجتماعياً، باعتبار تكفل المهدي نفسه لقيادة دولة العدل العالمية، وتخرج عن كونها مجرد فكرة تربوية.
ـ 2 ـ
هذا، ولكن لا يخلو التحديد بالتخطيطات الثلاثة، كزمن لهذا التطوّر… لا يخلو من تسامح، لوضوح أنّ هذه الفكرة لا يمكن أن يكون لها أي وجود في الذهن البشري خلال التخطيط الأوّل، في ما قبل اكتساب البشرية مستوى الوعي والتفكير.
فهذه الفكرة خلال ذلك التخطيط، بالرغم من أنّها مستهدفة من خلق البشرية وتكاملها من قبل الخالق الحكيم، إلاّ أنّ هذه البشرية لم تكن قابلة لتفهمها خلال ذلك العصر على طوله، ومن ثم لم يكن بالإمكان إيصال هذه الفكرة إليها حتّى عن طريق الأنبياء، لو كان لهم وجود بسيط في ذلك الزمن، كما سبق أن احتملناه.
إذن، ينتج بوضوح أنّ زمن التخطيطين الثاني والثالث، هو الظرف الملائم لوجود وتطوّر هذه الفكرة.
ـ 3 ـ
ومن الممكن القول بأن تطوّر الفكرة مساوق لتطوّر الوعي البشري نفسه… فكانت هذه الفكرة تبلغ بمقدار أقصى ما يفهم منها البشر في كلّ عصر.
فمن الطبيعي ـ إذن ـ أن نتوقع اختصاراً وغموضاً في أوّل عهدها، بل واختلاطها بشوائب كثيرة غير صحيحة، طبقاً للمستوى الذهني الواطئ.
هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في (تاريخ الغيبة الكبرى) من أنّ المعهود في الإخبارات الواصلة بالطرق الدينية، أنّها تتوخى قرب الوقائع المخبر بها وبعدها. فإن كانت قريبة كان الإخبار عنها أكثر تفصيلاً وتحديداً، وإن كانت بعيدة ـ سواء كانت من جهة الماضي أو المستقبل ـ كانت مصابة بالاختصار وعدم التحديد.
ومن جملة تطبيقات ذلك: الفكرة المهدوية نفسها، ففي بدء التخطيط الثاني، بل خلال عصره على العموم، كانت دولة العدل العالمية المهدوية، لا تزال بعيدة إلى درجة كافية، في الزمان، ومن ثمّ كانت الإخبارات عنها مختصرة وغامضة نوعاً ما، بخلاف ما إذا وصلنا إلى عصر التخطيط الثالث، فإنّ هذه الدولة العالمية، ستكون أقرب إلى حدٍ ما ومن ثمّ كان الإخبار عنها مفصلاً وواضحاً.
ـ 4 ـ
نمت الفكرة المهدوية، وبتعبير أصح: إخبار البشرية عن التخطيطات المتخذة فيها، من قبل من وجد خلالها من الأنبياء… نمت نمواً كافياً بمقدار مستوى الذهن البشري من ناحية، وبمقدار ما توجد لهذا الخبر من مصلحة في تبليغه، وهي كونها عنصراً يدفع الإنسان إلى طاعة الله والاهتمام بتشريعاته أكثر فأكثر، باعتبارها حاملة لهدف بشري عام.
وإذا نظرنا إلى القسم الأوّل من هذا التخطيط، ونريد به القسم السابق على نبوة موسى (عليه السلام)، نرى المقدار المنجز من هذه الفكرة في الذهن البشري يتمثّل في الجوانب الآتية:
الجانب الأوّل: ضرورة البدء بإصلاح النفس، وهي خطوة في طريق إصلاح المجتمع، ومن ثمّ إلى تكوين دولة العدل العالمية في المدى البعيد.
وأهم من أكد على ذلك النبي نوح (عليه السلام). كما نطق به كلّ من التوراة والقرآن. فمن ذلك قوله تعالى:
{قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}([332]).
الجانب الثاني: التركيز على ضرورة الإصلاح الاجتماعي من قبل بعض الأنبياء المتأخرين عن عصر الطوفان.
فمن ذلك قوله تعالى:
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}([333])…الى أن يقول:{وما اريد أن أخالفكم الى مآ انهاكم عنه إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله…}.
الجانب الثالث: الإلماع إلى التساوق بين العدل التشريعي والسعادة الاجتماعية بل حتّى الظواهر الكونية ستكون مؤيدة له.
وأوّل من ركّز على ذلك ـ حسب معرفتنا ـ نوح (عليه السلام)، حيث نسمعه يقول:
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)}([334]).
وجاء ذلك على لسان هود (عليه السلام) أيضاً حين قال:
{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}([335]).
وقد عرفنا في (تاريخ ما بعد الظهور) ما لهذا الجانب من تأثير في تأييد دولة العدل العالمية.
الجانب الرابع: الإشارة بغموض إلى دولة العدل العالمية وقائدها المهدي (عليه السلام)، وذلك حين قال النبي شعيب (عليه السلام) لقومه:
{بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}([336]).
والمراد ببقية الله: المهدي (عليه السلام)، على ما نطقت به بعض الروايات وذكرت أنّه إذا ظهر حيّاه المؤمنون بقولهم: السلام عليك يا بقية الله في أرضه([337]).
وعلى ذلك يكون المراد الحقيقي الكامل لشعيب أنّ دولة العدل العالمية بقيادة المهدي (عليه السلام)، هي خير للإنسانية (لكم) من كلّ وضع اجتماعي وعقائدي سابق عليها. باعتبار كونها متمثلة بالتطبيق العالمي للأطروحة العادلة الكاملة.
ولكن هذا المعنى بصراحته، لم تكن تطبقه البشرية بذهنها القاصر يومئذٍ، فكان الأحجى الاكتفاء بهذا المقدار الغامض. ولعل هناك بيانات أخرى غامضة لم تنقل إليها.
وممّا ينبغي الالتفات إليه، أنّه خلال هذا العصر، ما دامت دولة العدل العالمية وقيادتها، غير موضحة في الذهن البشري… إذن فالفكرة المهدوية بالمعنى الخاص الذي يفهمه الناس الآن، وهي أنّ شخصاً معيناً سيأتي لإصلاح العالم… لم يكن لها وجود.
ومن ثمّ تعرف أنّ جميع ما قالته الأديان عن وجود قيادات إصلاحية عالمية، متأخر عن هذا العصر، يعني أنّه متأخر عن العصر الموسوي بعض الشيء أيضاً. سواء في ذلك نبوات الشرق الأوسط أو نبوات الشرق الأقصى لأنّ مستوى البشرية من الناحية الفكرية متشابه تقريباً في الأزمنة المتعاصرة، كما سبق أن عرفنا. كما أنّ جميع ما أعقب ذلك من انحرافات وتشويهات لمفهوم المهدوية، متأخر عن ذلك العصر أيضاً.
ـ 5 ـ
وأمّا خلال العصر الموسوي فما بعده، إلى نهاية التخطيط الثاني، فقد سبق أن حملنا فكرة كافية خلال الفقرة (15) من الحديث عن هذا التخطيط فلا حاجة إلى التكرار.
ـ 6 ـ
وحين يتحقق الشرط الأوّل من شرائط الدولة الموعودة، بوجود الإسلام يكون قد اقترب وجودها ـ بطبيعة الحال ـ أكثر؛ وسيكون هذا النظام التشريعي مع تكوينه العقائدي هو المطبق في تلك الدولة، وما بعدها من المجتمعات. وسيكون من الضروري من أجل إيجاد الشرط الثاني، مرور البشرية بظروف تمحيص صعبة على هذه الأطروحة الجديدة العادلة.
… إذن، ينبغي أن يكون المجتمع مطلعاً على عدد من خصائص هذه الدولة ومقدماتها، ليكون على بصيرة من أمره تجاهها، من حيث الإيمان بها من ناحية وتطبيق مستلزماتها العاطفية والعملية من ناحية أخرى.
وقد أوضح الإسلام جهات كثيرة جداً من جوانب التخطيط الإلهي والفكرة المهدوية والدولة العالمية، وقد تشارك القرآن الكريم والسنّة الشريفة في ذلك، كما شارك التاريخ الإسلامي العام في ذلك أيضاً.
ولا يمكن أن تخفى هذه الجوانب على قارئ هذه الموسوعة، ولكنّنا ربطاً للفكرة يمكننا أن نلخص أهم الجهات فيما يلي:
الجهة الأولى: إنّ الفكرة التي كانت موجودة في الاستهداف العام لخلق البشرية، وهي تكوين المجتمع الصالح على أيدي الناس منسجمين مع فكرة هذا الاستهداف وهذا التخطيط. هذه الفكرة أصبحت وعداً قرآنياً، فاتخذت درجة ملزمة من ناحية جديدة، وهي أنّ الله تعالى لا يخلف الميعاد وهي جهة برهانية صحيحة سرنا على طبقها في (تاريخ الغيبة الكبرى)([338]).
فقد أصبح الاستهداف وعداً، في أكثر من أيّة من آيات القرآن الكريم. منها قوله تعالى:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)}([339]).
لاحظ معي أنّ نفس الفكرة موجودة في الزبور([340]) كما هي موجودة في القرآن، إلاّ أنّها في الزبور مجرد إخبار عن واقعة ستتحقق في المستقبل وهي وراثة الناس الصالحين للأرض… ولكنّها في هذه الآية (وعد)، والوعد أكثر فاعلية وحركية من مجرد الإخبار، لأنّه يتخذ درجة الإلزام للواعد، وخاصّة على مستوى الحكيم المطلق.
الجهة الثانية: إنّه في الفترة المتخللة ما بين تحقق الشرط الأوّل وتحقق الشرط الثاني للدولة العالمية الموعودة، سوف تمتلئ الأرض جوراً وظلماً. وهذا ما تمّ البرهان على اقتضاء التخطيط له في (تاريخ الغيبة الكبرى)([341])، وقد أعطينا عنه فكرة مختصرة خلال حديثنا هذا أيضاً.
الجهة الثالثة: إنّه يقترن بوجود هذا التيار العالمي الظالم، وجود نخبة من المؤمنين المنسجمين مع التخطيط العام، وهم الذين سيكون لهم شرف المشاركة في بناء الدولة الجديدة.
الجهة الرابعة: في اعتقاد المذهب الإمامي أنّ الإسلام يرى أنّ المهدي القائد هو محمد بن الحسن بن علي (عليه السلام)، الثاني عشر من الأئمة المعصومين وأنه غائب إلى حين قيامه بالدولة الموعودة.
وقد سبق في الكتابين السابقين، البرهنة على رجحان هذه الفكرة الإمامية على الفكرة المقابلة لها عند المسلمين الآخرين([342]).
الجهة الخامسة: إنّ قيام المهدي بالدولة العالمية، لمدى أهميتة البالغة في التخطيط الإلهي العام، فسيكون له إرهاصات ومقدمات سابقة عليه بزمن بعيد أو زمن قليل. كما سبق أن عرضناه مفصلاً، وأعطينا له الفهم النظري الكامل في الكتابين السابقين([343]).
الجهة السادسة: إنّ السعادة التي تعمّ البشرية تحت نظام تلك الدولة العالمية لا تشبهها، ولا تقاس عليها أي سعادة سابقة لأي مجتمع بشري، من الزوايا: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، على حد سواء.
هذا مضافاً إلى إقرار الإسلام لفكرة نزول المسيح ومشاركته في تطبيق العدل في العالم، كما نطق به الإنجيل أيضاً.
مضافاً إلى جهات جانبية كثيرة، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها بعد اطلاع القارئ عليها من خلال مجموع كتب هذه الموسوعة.
ـ 7 ـ
وقد اتخذ التزوير والانحراف في الفكرة المهدوية، طريقه إلى الأذهان البشرية خلال عصري التخطيطين الثاني والثالث… متمثلاً في خطين رئيسيين:
الخط الأوّل: وهو الخط الذي يغلب على عصر التخطيط الثاني، والذي لا زالت آثاره موجودة إلى الآن، وهو أنّ العقائد الدينية التي تؤمن بوجود المستقبل الصالح للبشرية، يسمّي كلّ منها شخصاً معيناً لقيادة ذلك المستقبل غير من يسمّيه الدين الآخر.
الخط الثاني: وهو الخط الذي يغلب على عصر التخطيط الثالث، أعني ما بعد الإسلام، وهو ادعاء عدد من الناس خلال التاريخ: المهدوية، وأخذهم بزمام المبادرة للإصلاح العام بحسب ما يفهمونه من وظيفة المهدي الموعودة وهي عدّة حركات في التاريخ الإسلامي، ثم القضاء عليها في زمنها، ولم يبق وجود مهم في العصر الحاضر.
ولا نريد في هذا الصدد أن نسمّي مصاديق وتطبيق هذين الخطين، إذ لعلنا نتوفّر لذلك مفصلاً في جزء مستقل من هذه الموسوعة… وإنّما غاية ما نريده في صددنا هذا، هو ارتباط هذا الانحراف بالتخطيط الإلهي منشأً وتأثيراً.
وينفتح عن ذلك تارة عن الخط الأوّل وأخرى عن الخط الثاني، في ضمن جهتين:
الجهة الأولى: في ارتباط الخط الأوّل من الانحراف بالتخطيط العام.
وهو مرتبط بعهد ما بعد الشريعة الموسوية، حين أصبح الأنبياء ينبؤون عن المستقبل الصالح للبشرية، ويطلعون البشر عليه، كما عرفنا.
إنّ الذهنية البشرية المتخلفة نسبياً، التي تبني وتتبنّى التقاليد والأساطير، والتي كانت هي المسيطرة يومئذٍ، سوف يكون لها استنتاجها كما يلي: إنّ بوذا ـ مثلاً ـ قد بشّر بالمستقبل الصالح العادل، وهو أولى الناس بقيادته، لما يعرفون منه من الصلاح والجدارة. كما أنّ شريعته التي يعتبرونها حقاً كاملاً، مع عدم الالتفات إلى مرحليتها بطبيعة الحال، هي أليق الشرائع للتطبيق في ذلك اليوم الموعود. وهكذا نبي آخر وآخر.
ولعل مستوى ذهني آخر يلغي النبي المبشّر بهذه البشارة، عن كونه قائداً، ويوكل الأمر إلى شخص آخر حسب مستواه الاجتماعي والقبلي، أو يوكله إلى شخص مجهول. إلاّ ـ أنّه ـ على أي حال ـ لا يستطيع أن يتنازل عن كون دينه هو الحق المطلق، مع عدم الالتفات إلى مرحليته أيضاً. إذن فدينه هو المنتصر في ذلك المستقبل الموعود.
والفكرة الصحيحة الوحيدة من هذا التسلسل الفكري هو وجود المستقبل الصالح. وأمّا قابلية ذلك الدين للتطبيق في ذلك المستقبل لهو خلاف ما قام عليه البرهان من مرحليته ونسخه بدين الإسلام، الذي هو الأطروحة العادلة الكاملة المعدّة للتطبيق في ذلك المستقبل.
وأمّا قابلية النبي المبشّر كموسى أو بوذا أو غيرهما، فهو قابل للمناقشة من ناحيتين:
الناحية الأولى: لا أقل من احتمال أنّ أنبياء البشرية الأولى الواطئة ليس من الضروري أن يكونوا بارتفاع وعمق أنبياء البشرية العليا، لأنّ وجودهم ذاك كان لهداية البشرية في ذلك العصر، فلا يبقى برهان على اتصافهم بأكثر من هذه الدرجة من الكمال. وهذا يعني أنّه لا دليل على قابلية أولئك الأنبياء لقيادة اليوم الموعود، تلك القيادة القائمة وبالضرورة على الرشد العالي والعمق العظيم.
الناحية الثانية: إنّ النبي الذي تفترض قيادته لليوم الموعود، إن طبّق شريعته الخاصة، كان ذلك خلاف ما أسلفناه من عدم قابلية دينه للقيادة، باعتبار مرحليته. وإن فرضنا تطبيقه للأطروحة العادلة الكاملة، أو مشاركته فيها، فأوضح ما يرد عليه من مناقشة: أنّه يحتاج إلى دليل جديد غير مجرد تنبئه بالمستقبل الصالح، كما هو واضح. ولا دليل على ذلك في غير المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام). وأمّا اعتقاد قومه بقيادته، فهو ناشئ من مجرد ذلك التنبؤ، على أفضل تقدير، وهو لا يكفي دليلاً على الإثبات.
الجهة الثانية: في ارتباط الخط الثاني من الانحراف بالتخطيط العام.
إنّه بعد تحقّق الشرط الأوّل لليوم الموعود، تمّ ـ كما عرفنا ـ إيضاح الفكرة المهدوية بشكل مهم، وتمّ التركيز بشكل واسع النطاق على وجود المهدي ودولته العالمية في المستقبل، بشكل قطعي لم يسبق له نظير.
وقد تكوّنت الذهنية المسلمة منتظرة للمهدي من ناحية، وناظرة له بعين الهيبة والاحترام من ناحية أخرى. وهذا الشعور نفسه يفتح في الأذهان المنحرفة المصلحية، الشعور باستغلال هذا الجو الصالح بطريقة باطلة. ولا يحتاج ذلك إلى تعب كثير من قبل الفرد المنحرف، سوى ادعاء انطباق مفهوم المهدي عليه، وأنّه هو المهدي الموعود لإصلاح العالم والقيام بدولة الحق، ليكتسب بذلك الأهمية والاحترام والشهرة المقترنة بالمهدي، في الذهنية المسلمة.
ولم توفق أي حركة (مهدوية) إلى اتساع كبير في التاريخ، بل لم يوفق أي مدعٍ منهم إلى مباشرة الحكم وتأسيس دولة كاملة، حسب ما نعرف. وإنّما كانت تبوء هذه الادعاءات بالفشل بعد زمن غير بعيد من ابتدائها. وهذا أدل دليل على كذب المدعي، إذ لا نعني بالمهدي إلاّ من يحكم العالم بالعدل، وقد ثبت عدم اتصاف مدعي المهدوية كلّهم بذلك.
هذا مضافاً إلى ما برهنا عليه في (تاريخ الغيبة الكبرى)([344]) من ضرورة طول العمر السابق على إقامة الدولة بالنسبة إلى قائدها، لكي تتسنى له القيادة الكاملة، وليس المفروض بأحد من مدعي المهدوية اتصافه بذلك، حتّى أنّ أصحابه أنفسهم لا يدّعون له ذلك.
كما أنّ إقامته الحجة على مهدويته وقيامه بتكوين عقائدي ومفاهيمي وتشريعي كامل، ضروري لإثبات مهدوية الشخص، وليس في مدعي المهدوية من اتصف بذلك.
إلاّ أنّ هذا الاتجاه يذوب بعد موت صاحبه تدريجاً، ولا يبقى منه غير النقل التاريخي. ومن الممكن التأكيد على أنّه ليس لهذا الخط أي أهمية فعلية، وأنّ انقراض القول به في المذاهب الإسلامية من أهم الأدلة على بطلانه، بعد قيام الدليل القطعي على انحفاظ الحق على الأرض في الجملة.
وهناك اتجاه أصغر بين بعض المسلمين يميل إلى القول بوجود المهدي وغيبته وطول عمره، مع تطبيقه على شخص معين كمحمد ابن الحنفية عليه الرحمة أو غيره. وأهم إيراد على هذا الاتجاه هو كونه:
أوّلاً: خلاف إجماع المذاهب الكبرى في الإسلام، إذ تنفيه عقيدة أهل السنّة والجماعة وعقيدة الإمامية معاً، في المهدي، بالرغم من اختلافهما الداخلي فيه. وكلّ ما اتفقت المذاهب الكبرى على نفيه فهو باطل.
ثانياً: خلال الأخبار المتواترة القطعية على كون المهدي هو محمد بن الحسن بن علي ثاني عشر الأئمة المعصومين (عليهم السلام). وقد اعترف بذلك جملة من علماء العامة أيضاً. كما سيأتي مفصلاً في بعض الأجزاء المقبلة من هذه الموسوعة.
ثالثاً: الدليل التاريخي القطعي على موت كلّ من ادعيت مهدويته بهذا المعنى. بخلاف محمد بن الحسن (عليه السلام)، فإنّه لم ينقل الإخبار عن موته من قبل أي شخص معتد به، ما عدا بعض المتأخرين جداً ممّن يجازف بالقول بدون تدبّر، كما فصلناه في (تاريخ الغيبة الكبرى)([345]).
التخطيط الرابع المنتج للمجتمع المعصوم
ـ 1 ـ
ينبغي أن تكون عدّة أفكار غير محتاجة إلى تكرار، بعد أن ذكرناها في (تاريخ ما بعد الظهور)، وملخصها ما يلي:
الفكرة الأولى: عدم إمكان الباحث، مهما أوتي من عمق وعبقرية أن يحيط بالعمق الحقيقي للوعي المفاهيمي والتشريعي الذي سيكون معلناً وساري المفعول في دولة العدل الموعودة([346]). وأنّه لا يمكن لأي فرد استيعاب ذلك أو تحديده ما لم يعشه مطبقاً في الحياة. كلّ ما في الأمر أنّه يمكننا الاطلاع على جملة من الزوايا والخصائص عن طريق ما تعرف من الأدلة… وهي معرفة خالية من التحديد التام، وإن كانت مبرهنة الصدق في كثير من الأحيان.
الفكرة الثانية: ما ذكرناه هناك([347]) من تفاصيل الحوادث ابتداءً من أوّل ظهور المهدي (عليه السلام) إلى حين سيطرته على العالم، والأسلوب الذي يتخذه في ذلك. وإعطاء المبررات النظرية لذلك، ممّا يتّصل بالتخطيط الثالث اتصالاً وثيقاً.
الفكرة الثالثة: شكل دولة المهدي (عليه السلام) من الناحية الإدارية، وكيفية تقسيمه مناطق العالم وتوزيعه الحكام الأكفاء عليها، مع إعطاء الإيدلويوجية العامة أو المبدأ الأساسي الذي تتّصف به الدولة. حيث أعطينا هناك تفاصيله([348]).
كما حاولنا([349]) إعطاء أكثر من أطروحة لشكل الدولة بعد المهدي (عليه السلام) ذلك الشكل الذي سوف يتكفل مسؤولية الاستمرار الذي رسمه القائد المهدي (عليه السلام) في توجيه البشرية نحو هدفها الأعلى.
الفكرة الرابعة: مقدار الرفاه الاجتماعي والاقتصادي الذي يعمّ المجتمع في ذلك الحين. وقد أعطينا([350]) تفاصيل محدّدة إلى حدٍ كبير عن المستوى الزراعي والصناعي والثقافي السائد يومئذٍ.
الفكرة الخامسة: الخطوات الاجتماعية التي تتّخذها الدولة لتكامل المجتمع والسير به نحو العصمة، في حدود ما أمكن الحصول عليه من الأدلة([351]).
وإذا تمّ اطلاعنا على هذه الأفكار، لم يبق لدينا إلاّ محاولة طريفة، للاطلاع على بعض الخصائص العامّة للمذهب الذي سينتج ذلك الرفاه العظيم… مع محاولة مقارنته بالمذهبين الماركسي والرأسمالي، والنظر إلى نتائج هذه المذاهب.
ـ 2 ـ
إنّ المذهب الاقتصادي للدولة المهدوية العالمية، لا يماثل بالضرورة المذهب الاقتصادي الذي تقوم عليه الأحكام الإسلامية الاقتصادية لعصر الغيبة، أعني لأيامنا هذه، فمهما كان المذهب المستكشف من مجموع هذه الأحكام الآن، فمن الجائز بل من الواضح أنّه سوف لن يبقى على كلّ تفاصيله بعد الظهور، وإن شابهه بالروح العامّة وهي ارتباطه بالإسلام، بالكتاب والسنّة الصحيحة، واستهدافه العدل والكمال.
والسرّ في ذلك ما عرفناه في (تاريخ ما بعد الظهور) من أنّ المهدي (عليه السلام) يقوم بعد ظهوره بأمرين مقترنين:
الأمر الأوّل: كشف الأحكام المطموسة التي أوجبت طول المدّة بما تحتويه من حروب ومشاكل طمسها وجهالتها وذهابها عن الذهن البشري([352]).
الأمر الثاني: إعلان أحكام جديدة([353]) لم تكن سارية المفعول منذ صدر الإسلام إلى عصر الظهور، بما للمهدي (عليه السلام) من قوّة تشريعية على مستوى (السنّة) الصحيحة في المفهوم الإسلامي.
ومن الطبيعي أن يحتوي هذان القسمان من الأحكام على عدد غير قليل من الأحكام المتفرّعة عن أحكام مذهبية اقتصادية، لا يمكن التعرّف عليها في العصر الحاضر.
أضف إلى ذلك اختلاف مصالح المجتمع بين العصرين: العصر السابق على الدولة العالمية واللاحق له… بحيث يمكن أن يعتبر المذهب الاقتصادي للعصر السابق مذهباً مرحلياً لتربية البشرية باتجاه العصر اللاحق له. فمن الطبيعي أن يكون المذهب يومئذٍ أسلوباً معيناً يساوق الوعي الجديد المعلن يومئذٍ، وسائراً به نحو الكمال باتجاه المجتمع المعصوم.
ـ 3 ـ
وسيكون أسلوبنا في هذه المحاولة مبتنياً على مرحلتين:
المرحلة الأولى: محاولة التعرّف على الأحكام الاقتصادية الرئيسية التي تكون معلنة في تلك الدولة. وذلك عن طريقين:
الطريق الأوّل: ما وردنا من الأحكام التي تكون سارية المفعول يومئذٍ، عن طريق السنّة الشريفة، وبعض القواعد الاقتصادية التي نطق بها القرآن الكريم.
الطريق الثاني:جملة من الأحكام التي يبعد جداً اختلافها بين العصرين، بحيث نطمئن أنّها تبقى سارية المفعول يومئذٍ، نتيجة لوضوحها في الشريعة أو قيام القرائن على ذلك.
المرحلة الثانية: محاولة التعرّف على القضايا المذهبية الاقتصادية التي يمكن اكتشافها من وراء تلك الأحكام التي ثبت في المرحلة الأولى كونها سارية المفعول، يومئذٍ.
ـ 4 ـ
الطريق الأوّل: ما وردنا من بعض الأحكام التي تكون سارية المفعول يومئذٍ، عن طريق السنّة الشريفة.
نذكر فيما يلي بعض الأخبار الدالة على ذلك، سواء المروي منها عن طريق الرواية العامة أو الرواية الإمامية.
1 ـ رواية معاذ بن كثير عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام)، قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرّم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتوه به ويستعين به([354]).
وتستطيع أن تفهم من الكنز الأموال العامة التي تكون في يد الفرد أو في أمواله. فإنّه لا يجوز أن يصرف منها الفرد أي كمية، بل يجب عليه تسليمها إلى الإمام المهدي (عليه السلام) ليصرفها في المصالح العامّة التي يراها.
2 ـ رواية مسمع بن عبد الملك عن الإمام الصادق (عليه السلام)… يقول فيها: وكلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا، فيجيبهم طسق ما كان في أيدي سواهم. فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتّى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صَغَرة([355]).
وبسند آخر يقول: فيجيبهم طسق ما كان في أيديهم. وأما ما كان في أيدي غيرهم فإنّ كسبهم من الأرض حرام حتّى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم([356]).
3 ـ رواية عمر بن يزيد قال: سمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبدالله (عليه السلام)، عن رجل أخذ أرضاً مواتاً تركها أهلها فعمرها وكرى أنهارها وبنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً. قال: فقال أبو عبدالله (عليه السلام): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤدّيه إلى الإمام في حال الهدنة. فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه.
تدلّ هذه الروايات على أنّ العاملين في الأرض خلال عصر الغيبة أو الهدنة([357]) ـ حسب تعبير الرواية ـ ممّن يدّعي أنّه مالك للأرض ولجميع منتجاتها، سوف لن يبقى حاله كذلك، بل إنّ الدولة العالمية ستأخذ الأرض من بعضهم أساساً، وستقرّ الأرض في أيدي البعض الآخر، مع فرض ضريبة عليهم تسمّى (الطسق)، أي القسط المفروض على الأرض… ولن يعمل أحد في الأرض مجاناً.
4 ـ رواية علي بن سالم عن أبيه في حديث قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الخبر الذي روي: أنّ ربح المؤمن على المؤمن ربا… ما هو؟ فقال: ذلك إذا ظهر الحق، وقام قائمنا أهل البيت. فأمّا اليوم فلا بأس بأن تبيع من الأخ المؤمن وتربح عليه([358]).
وتشير هذه الرواية إلى الآية الكريمة:
{… ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}([359]).
والبيع مع ممارسة الربح، في ذلك العصر، إنّما هو ربا حرام. فلا فرق يومئذٍ في حرمة الفائدة بين أن تكون ربوية أو غير ربوية، بالمصطلح الفقهي المعاصر. نعم، يبقى البيع بين الكميتين المتساويتين في القيمة المالية بيعاً مشروعاً، سواء كان مقايضة أو عيناً بنقد.
5 ـ رواية جابر عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، في حديث، قال: إذا قام قائمنا أهل البيت قسم بالسوية، وعدل في الرعية… ويجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها. فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدم الحرام وركبتم فيه ما حرم الله عزّ وجل. فيعطي شيئاً لم يعطه أحد كان قبله([360])… الحديث.
6 ـ أخرج مسلم في صحيحه بعدّة أسناد وألفاظ متقاربة منها: ما عن أبي سعيد قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «من خلفائكم خليفة يحثو المال حثياً ولا يعده عداً».
وعن أبي سعيد وجابر بن عبدالله قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده»([361]).
7 ـ وفي الصواعق عن أبي نعيم: ليبعثن الله رجلاً من عترتي… يملأ الأرض عدلاً، يفيض المال فيضاً.
8 ـ وفي حديث آخر: فيجيء الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله([362]).
9 ـ وأخرج البخاري عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «تصدّقوا، فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يقبلها»([363]).
كما أخرج مسلم([364]): لا تقوم الساعة حتّى يكثر فيكم المال فيفيض حتّى يهم رب المال من يقبل منه صدقة، ويدعي إليه الرجل، فيقول: لا أرب لي فيه.
والأخبار بهذا المضمون مستفيضة بين الفريقين… ففي الإرشاد للشيخ المفيد عليه الرحمة([365]) عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إنّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها… وتُظهر الأرض كنوزها حتّى يراه الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته، فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك، واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله.
وبهذا الخبر ونحوه، يمكن أن تقيد الأخبار السابقة التي لم تنص على أنّ كثرة المال خاصّة بعصر الدولة العالمية… فيمكن أن نفهم منها خصوص ذلك باعتبار هذا الحديث.
وقد طرحنا في فهم هذه الأخبار في (تاريخ ما بعد الظهور)([366]) أطروحتين رئيسيتين:
الأطروحة الأولى: إنّ المال يتوفّر لدى الدولة عن طريق ما تقوم به الزراعة والصناعة والتعدين وغيرها من استثمارات زائدة عن حاجات الأفراد بكثير.
الأطروحة الثانية: إنّ توفّر المال عن طريق السيطرة على البنوك الكبرى في العالم، حيث يعتبر أكثر المال الذي خزّن فيه مغصوباً وحراماً لمن سجلت باسمه من الناحية الإسلامية.
كما يمكن أن يكون حصول الدولة على المال، باعتبار كلا هاتين الأطروحتين.
كما أنّ سبب توزيع المال الفائض مجاناً، طرحنا له في الكتاب المشار إليه([367]) أطروحتين:
الأطروحة الأولى: إنّ كمية ضخمة من المال تبقى من دون أن يتوقع لها مورد معين. ومن هنا يكون السبيل الوحيد لها هو تمكين الناس منه وإباحتها لهم مجاناً.
إلاّ أنّ هذه الأطروحة بعيدة عن الظن، لعدّة قرائن سنشير إليها، منها ملاحظة الأطروحة التالية:
الأطروحة الثانية: إنّ دولة المهدي (عليه السلام) بعد أن تتخذ أساليبها وبرامجها في إغناء الناس وترفيههم، حتّى لا يبقى مشتاق إلى المال أصلاً، ولا فقير على الأطلاق، حتّى أنّ الغني يدور بزكاته باحثاً عن الفقير ـ الذي يجب دفع الزكاة إليه ـ.
عندئذٍ، تتعلق المصلحة بإبراز ذلك وإيضاحه، أمام البشر أجمعين والتاريخ كلّه، وذلك بالقيام بتخطيط معين موقت، وهي أن تهيئ الأموال الفائضة، ويعلن للناس إعلاناً عاماً أنّ بإمكانهم الحصول عليه مجاناً… ولكن حين لا يقبل الناس على أخذ المال إلاّ بأعداد قليلة جداً، كواحد أو أكثر بقليل، كما هو ظاهر الأخبار… يثبت بالضرورة أنّ جميع الأفراد قد أصبحوا أغنياء إلى حدٍ قد انقطعت كلّ أطماعهم وتحقّقت كلّ آمالهم.
إنّ نفس هذه الأخبار دليل تأخّر هذا المخطط عن شمول الغنى للناس، وهو بنفسه قرينة على بطلان الأطروحة الأولى.
وعلى أي حال، فإنّ هذه الأخبار تدلّ على أنّ من حق الدولة أن تقوم بالتوزيع المجاني للمال حين ترى المصلحة في ذلك.
10 ـ أخرج النعماني في الغيبة([368]) عن حمران بن أعين عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، أنّه قال: كأنّني بدينكم هذا لا يزال مولياً يفحص بدمه ثمّ لا يردّه عليكم إلاّ رجل منّا أهل البيت، فيعطيكم في السنة عطاءين ويرزقكم في الشهر رزقين.
وهو واضح في توزيع الراتب في الشهر مرّتين مع إضافة جائزتين سنويتين. وهذا أسلوب فريد لم يكن يفهمه أو يلتفت إليه أحد في عصر صدور النص، ما عدا المعصومين الذين صرّحوا به. وبقيت الفكرة غامضة في أذهان الأجيال إلى السنوات المتأخرة من هذا القرن، حيث مالت بعض الأنظمة الحديثة إليه.
فهذه أهم الأخبار التي يمكن إيرادها ضمن الطريق الأوّل. على أنّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنّ الأحكام التي سوف تكون معلنة يومئذٍ، عموماً، مؤجلة إلى ذلك اليوم، وليس المفروض الاطلاع عليها قبل ذلك إلاّ لماماً.
ـ 5 ـ
وأمّا القواعد الاقتصادية التي نطق بها القرآن الكريم، فقد أخرناها في الذكر لكونها أكثر تعميماً من تلك الأخبار التي تعتبر نصاً بما بعد الظهور وتأسيس الدولة العالمية.
ومن الواضح أنّه بعد أن ثبت أنّ المهدي (عليه السلام) مطبق أمين لقواعد القرآن الكريم، كما سبق برهانه في (تاريخ ما بعد الظهور)؛ إذن، فكلّ ما في القرآن الكريم من قواعد وأحكام ستنزل إلى حيز التطبيق في دولته العالمية، ومن غير المحتمل أن يصيبه التحريف والتزوير. نعم، يحتمل أن يعرض المهدي (عليه السلام) تفسيرات وإيضاحات جديدة للقرآن لم تكن موجودة… إلاّ أنّ هذا إنّما يكون في الآيات التي لا تكون نصاً في مدلولها، وأمّا النص الصريح فيكون تفسيره مسخاً لمعناه… ومن ثمّ فيكون من الطبيعي أن تنزل الآيات الصريحة إلى حيز التطبيق بنفس المدلول الذي نفهمه الآن من صراحتها. ونحاول فيما يلي أن ندرج عدّة آيات كريمة، ونحاول أن نقتصر في الاستفادة منها على مقدار صراحتها:
الآية الأولى: قوله تعالى:
{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}([369]).
فالبيع بصفته معاملة رئيسية يقوم عليها السوق، سوف يبقى ساري المفعول، أو بتعبير أدق، سوف تبقى معاملة البيع نافذة وصحيحة في الدولة العالمية، وإن كان المجتمع تحت ظروف الرفاه العميق قد لا يحتاج إليها كثيراً.
الآية الثانية: قوله تعالى:
{وَحَرَّمَ الرِّبَا}([370]).
وغيرها من الآيات الصريحة في تحريم المعاملات الربوية. فسيبقى تحريمها ساري المفعول، سواء على مستوى السوق أو البنوك، أو المؤسسات العامة أو غيرها… تحريماً مطلقاً.
الآية الثالثة: قوله تعالى:
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)}([371]).
وهي دالة على حرمة السرقة، باعتبار وضع العقوبة عليها، لأنّ ما لا يكون محرماً لا معنى لجعل العقاب عليه. وإنّما تحرم السرقة بصفتها اعتداءً على أموال الآخرين، ومن ثم يمكن تعميم مدلول الآية إلى كلّ نهب وسلب لأموال الآخرين، سواء سمي سرقة أو لا.
الآية الرابعة: قوله تعالى:
{أَوْفُوا بِالْعُقُودِ …}([372]).
وهي دالة على نفوذ العقود المعاملية عموماً. كلّ ما في الأمر، أنّه قد تتغيّر أشكال المعاملات بين عصر وعصر، ومن المحتمل أن توجد أشكال جديدة من المعاملات في الدولة العالمية. فتكون نافذة بتشريع المهدي (عليه السلام) لها وشمول الآية.
الآية الخامسة: قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ …}([373]).
وهي دالة على أمرين مقترنين:
أحدهما: حرمة الحصول على الأموال بطريق باطل، بمعنى عدم جواز الاعتداء على أموال الآخرين وحيازتها بطرق غير مشروعة.
ثانيهما: إنّ الطريق الرئيسي المشروع للحصول على الأموال هو التجارة الناتجة عن الأطراف المعنيين وعدم الإكراه. فإذا تذكرنا هنا عدم جواز الربح التجاري يومئذٍ، تبقى الآية دالة ـ مضافاً إلى الأمر الأول ـ على عدم جواز الإكراه في المعاملة، وإن لم تكن سبباً للربح.
سادساً: قوله تعالى:
{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ …} إلخ الآية.
وغيرها من قواعد الإرث التي ينطق بها القرآن الكريم. فإنّها جميعاً ممّا لا يمكن تغيّره عن واقعه يومئذٍ. نعم، ستقل أهميته في الرفاه العميق الذي يعيشه المجتمع، على ما سنذكر.
… إلى غير ذلك من الآيات، ممّا لا حاجة إلى استقصائه.
ـ 6 ـ
الطريق الثاني: لمعرفة الأحكام الاقتصادية المعلنة يومئذٍ، هو إقامة القرائن والدلائل على استمرار بعض الأحكام ـ ممّا لم ينص عليه القرآن بوضوح ـ من عصر ما قبل الدولة العالمية إلى ما بعده.
وهنا نحتاج إلى مرحلتين من الإثبات:
المرحلة الأولى: إنّ الأحكام الآتية ثابتة في الشريعة الإسلامية الآن، قبل عصر الدولة العالمية. وهذا ما لا نحتاج إلى إثباته الآن، بل نأخذه مسلماً موكولاً إثباته إلى الفقه الإسلامي. وهي ـ في الأغلب ـ أحكام مشهورة فقهياً.
المرحلة الثانية: إنّ هذه الأحكام نفسها ستكون ثابتة في الدولة العالمية. ويمكن إقامة بعض القرائن والمثبتات العامة لذلك:
القرينة الأولى: وضوح الحكم في الشريعة بحيث يعتبر خلافه ظلماً للفرد أو المجتمع بشكل من الأشكال.
القرينة الثانية: مناسبة الحكم أو الأحكام مع روح ما عرفناه من الأحكام بالطريق الأوّل، ومع اتجاهها العام الذي تمثّله، كما سنشير إليه.
القرينة الثالثة: إنتاج الحكم أو الأكثر لبعض النتائج السابقة في الرفاه الاجتماعي إنتاجاً واضحاً. أو أن يكون عدم الحكم وارتفاعه، سبباً لعكس هذه النتيجة.
القرينة الرابعة: مناسبة الحكم مع التنظيم الاجتماعي المضبوط على مستوى الدولة العقائدية العالمية، إذ لا شك أنّ الوضع المشتت، كما عليه الحال قبل قيام تلك الدولة، يقتضي شكلاًمن الأحكام أخف إلى حدٍ ما من الوضع المنظم الذي تقوم به الدولة النظامية العالمية. فإذا كان الحكم ثابتاً قبل قيام الدولة، وهو موجب للضبط والتنظيم بحسب أفهامنا، فبالأولى أن يكون ثابتاً بعد قيام الدولة.
هذا وينبغي أن نلاحظ على هذه القرائن أمرين:
الأمر الأول: إنّ كلّ قرينة من هذه القرائن لا تنتج اليقين باستمرار الحكم إلى عصر الدولة العالمية، وإنّما تنتج الظن الراجح به. وإن توفّرت أكثر من قرينة واحدة فيه كان الظن أكبر، كما هو واضح حتّى يصبح وثوقاً واطمئناناً.
الأمر الثاني: إنّ هذه القرائن مهما كثرت، لا يمكن أن تنتج لدينا اكتشاف حكم جديد لم يكن موجوداً قبل قيام الدولة العالمية، بحيث يكون مشرعاً وساري المفعول يومئذٍ.
والسر في ذلك: إنّ انتساب الحكم في عصرنا الحاضر إلى الإسلام، قرينة مهمة لثبوته يومئذ، وهو المسمّى في أصول الفقه باستصحاب عدم النسخ، بشكل استقبالي. فإن أثبتنا سريان الحكم بإحدى هذه القرائن الخمس فقد دعمنا ذلك بهذه القرينة المهمة؛ على حين أنّ الحكم الذي لم يكن موجوداً في عصرنا الحاضر، يكون خالياً ـ بطبيعة الحال ـ من هذه القرينة، فتكون تلك القرائن الأربع وحدها، عاجزة عن إثبات الحكم الجديد.
ـ 7 ـ
لعل أوضح الأحكام التي تبقى سارية المفعول إلى ذلك العصر، هو الحكم بمشروعية الملكية الخاصّة. إذ يمكن إثباتها على شكلين:
الشكل الأوّل: تطبيق القرائن العامّة السابقة عليها. فإنّ من الملاحظ أنّ أكثرها ترد في هذا الصدد، لا أقل من القرينتين الأوليتين، فإنّ مشروعية الملكية الخاصّة تحتوي على وضوح في الشريعة بحيث يعتبر إلغاء مشروعيتها قانوناً ظالماً بشكل من الأشكال. وهذا ما يشعر به أهل الإسلام عموماً. وبه تتم القرينة الأولى.
وكذلك تصحّ القرينة الثانية: فإنّ الاتجاه العام في الأحكام التي عرفناها يميل إلى الاعتراف بالملكية بما ستتبعه من معاملات ومواريث… ونحوها.
الشكل الثاني: الاستدلال على وجود الملكية في ذلك العصر، بما عرفنا من خبرات وما سمعنا عنه من أحكام.
فمن ذلك: توزيع المهدي (عليه السلام) للمال مجاناً، فإنّ الفرد يأخذه على وجه الملكية بطبيعة الحال.
ومنه: الروايات المصرّحة بحصول الغنى الشامل للأفراد، وهو أيضاً يحصل بطريق التملّك.
ومنه: ملكية الزارع لناتج أرضه، بعد دفع القسط المفروض عليه من قبل الدولة.
هذا غير ما عرفناه من نفوذ المعاملات والإرث الذي يتقوم بالملكية الخاصّة.
وقد يخطر في الذهن: إنّ إنفاذ البيع والمعاملات، لا يتوقف على الاعتراف بالملكية الخاصّة، بل يمكن أن تكون بالأموال العامّة التي تكون للدولة الإشراف عليها، إلاّ أنّ هذا لا يصح لعدّة وجوه:
أوّلاً: إنّنا فهمنا نفوذ المعاملات يومئذٍ من شمول بعض آيات القرآن الكريم له، كقوله تعالى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}. فإذا علمنا أنّ الفرد الأوضح لهذه الآيات هي المعاملات الشخصية، وإن شملت معاملات الدولة ضمناً. ومن الواضح أنّه لا يمكن استثناء الفرد الواضح وإبقاء الفرد الخفي في الدلالة، فإنّه قبيح عرفاً. إذن، فشمول الآيات للمعاملات الشخصية المبتنية على الملكية الخاصّة واضح. وبه يثبت وجود الملكية الخاصّة في ذلك العصر.
ثانياً: إنّنا إذا خصّصنا المعاملات بالأموال العامّة، التي تقوم الدولة بالإشراف عليها… فمع من سوف تكون الدولة طرفاً للمعاملة؟ إنّها لا شك سوف تعامل دولة مثلها، لأنّ الأفراد سقطوا عن الصلاحية بعد إسقاط الملكية ولكن ماذا تعمل الدولة إذا كانت عالمية تقف وحدها في الميدان؟
إذن، فمعاملات الدولة، بمعنى منعزل عن الأفراد لا معنى له يومئذٍ. فإذا كان للمعاملات وجود… إذن، فيجب أن يكون طرفها الملكية الخاصّة.
ثالثاً: إنّنا إذا تنزلنا وقبلنا ذلك ـ جدلاً ـ في المعاملات، بقيت الأدلة الأخرى كافية لإثبات وجود الملكية الخاصّة، كالإرث وتوزيع المال مجاناً وغيرها، ممّا لا طريق إلى فهمه إلاّ الملكية الخاصّة.
وقد يخطر في الذهن احتمال ذوبان الحاجة إلى الملكية الخاصّة بالمرّة نتيجة لزيادة الإنتاج وتوفّره أكثر من الحاجة الشخصية بكثير، بحيث لا تبقى قيمة حقيقية للمال في نظر الأفراد. وخاصّة بعد الذي عرفناه من أنّ القائد المهدي (عليه السلام) يعلن عن توزيع المال مجاناً فلا يأخذه منه أحد.
ومن الواضح أنّ أموال العالم إذا صرفت كلّها في الإنتاج ولم يكن للحروب أثر، أصبح الإنتاج فائضاً بأضعاف مضاعفة، مضافاً إلى ما سمعناه من تأييد الوضع الطبيعي للوضع الاجتماعي العادل، فسيبلغ الرفاه وكثرة الإنتاج مستوى لم تحلم به الماركسية في طورها الأعلى.
ومعه لا يبقى للملكية الخاصّة وللسرقة والغصب وللبيع وكثير من المعاملات أي معنى، باعتبار أنّ الفرد مهما أراد أن يحصل على إشباع حاجته وجده متوفراً. وقد يكون هذا هو المراد من توزيع المال مجاناً.
وهذا كلام وجيه ولطيف، وخاصّة في المجتمع القائم على النظام والأخوة إلاّ أنّه ـ مع ذلك ـ لا تثبت النتيجة التي تريدها الماركسية وهي إلغاء الملكية إلغاءً تاماً.
وذلك: لوضوح امتناع أن تتوفّر جميع الأشياء على مثل هذا المقدار الكبير. إذ أنّ عدداً من الأشياء قليل الوجود في الطبيعة أساساً، بحيث لا يمكن توفيره إلاّ بمعجزة. فإذا كانت الملكية الخاصّة مسوقة مع الندرة النسبية وتابعة لها، فستبقى الملكية موجودة في كلّ ما هو نادر نسبياً، ممّا هو نادر في الطبيعة أساساً، وممّا هو نادر من أعمال البشر كالمخطوطات والتحف ونحوها، ممّا لا يكون لمثيلها الحديث نفس أهمية القديم.
والندرة قد تحدث صدفة لدى الشخص أو الجماعة المحدودة، إذا حصلت الحاجة لبعض المواد ممّا هو موجود أقل من الحاجة، ولا يمكن مضاعفته لبعض العوارض الطبيعية أو المرض أو نحوه.
هذا، ولكن الواقع على أنّ للملكية الخاصّة معنى لا يمكن أن يتبدل مع زيادة الإنتاج أو قلّته، فإنّ الملكية الخاصّة إنّما تكتسب أهميتها من زاوية الإرفاق بالمالك ومصلحته، ما دامت تشبع له حاجته وتؤدّي دورها في حياته، فإذا لم يشعر المالك بهذه الأهمية وانصرف ذهنياً عنها، لم يبق لملكيته أيّة أهمية. ومن هنا اعتبروا إعراض المالك عن ماله مسقطاً له عن ملكيته. ومن هنا ـ أيضاً ـ وجد معنى الأموال العامة أو المباحات العامة، التي لا يشعر أي فرد أو جماعة بأهميتها بالنسبة إليه، فلا معنى لملكيتها الخاصّة.
إذن، فأهمية الملكية قانوناً، منوط بشعور المالك تجاهها بالأهمية والارتباط. وأمّا لو انعدم ذلك فإنّ الملكية تنعدم من الناحية الواقعية، ولا تبقى سوى لقلقة لسان.
وهذا يعني أنّ المادة المعينة كالخبز ـ مثلاً ـ إذا أصبحت متوفرة كالهواء، فإنّ شعور المالكين بأهميتها يسقط بالمرة، بحيث لا يفرق في حال الفرد حقيقة بين أن يبقى هذا الرغيف عنده أو أن يسرقه سارق، لأنّه يعلم أنّه سيحصل على مثله في الحال. ومعه ينعدم معنى الملكية والسرقة والغصب والضمان وكثير من المعاملات.
إلاّ أنّ هذا الانعدام يبقى منوطاً بهذه الوفرة، فبمجرد أن توجد الندرة النسبية تعود كلّ هذه المفاهيم الاقتصادية إلى المجتمع. وحيث إنّ المجتمع لا يخلو من أمور نادرة نسبياً باستمرار، إذن، فهذه المفاهيم لا يمكن أن يتمّ القضاء عليها قضاءً تاماً.
وحيث لا تستطيع أيّة دولة، إسلامية أو ماركسية أو غيرها، أن توفّر كلّ شيء على الإطلاق، توفيراً مئة بالمئة، إذن، فلا يمكن أن يدّعي أحد إمكان زوال الملكية الخاصّة.
ـ 8 ـ
وهناك أحكام أخرى ـ مضافاً إلى الملكية ـ يمكن إثبات وجودها في الدولة العالمية الموعودة، بنفس الأسلوب، وإن لم تكن في الوضوح كالملكية الخاصّة.
الحكم الأوّل: قاعدة (من حاز ملك) الثابتة في المورد الذي يكون للملكية الخاصّة معنى، وهي الموارد التي لها ندرة نسبية، فتكون الحيازة فيها سبباً للملكية. وتشمل حيازة المعادن والصيد والاحتطاب والاحتشاش وغيرها.
وهذا من الأحكام الثابتة في الفقه الإسلامي في العصر الحاضر، وتقوم على ثبوته في الدولة العالمية عدّة قرائن من القرائن السابقة، لا أقل من القرينتين الأوليتين. فإنّ له الوضوح الكافي في الشريعة، بحيث يعتبر خلافه ظلماً بشكل وآخر، كما أنّه منسجم مع الاتجاه العام للأحكام التي عرفناها.
نعم، قد يقتضي إشراف الدولة العالمية على سائر مرافق الحياة، تنظيم هذه الجهة بشكل من الأشكال، كتوقّف الحيازة على إجازتها، أو إعطاء الإجازة بمقدار معين، أو اشتراطها بأداء قسط منها للدولة أو للمحتاجين أو للمؤسسات العامّة، ونحو ذلك.
وأمّا فكرة الحيازة أساساً، ستبقى لأنّه لا معنى للحصول على المواد الخام من الطبيعة بدونها.
ومن المحتمل مدّ الدولة العالمية يد المساعدة في هذا الصدد للأفراد مجاناً كتوفير الآلات اللازمة للاستخراج، على أن يكون النتاج للأفراد أنفسهم لا للدولة.
الحكم الثاني: تحريم الاحتكار، فإنّه ثابت فقهياً في عصرنا هذا في بعض المواد الغذائية، كبعض الحبوب والملح فإنّه يحرم احتكارها وعدم عرضها في السوق، ويحرم الاحتكار في جميع المواد عند المجاعة، في حدود ما يرفع الحاجة ويحل المشكلة. ويحرم الاحتكار أيضاً عند منع الدولة الإسلامية العادلة عنه، في أي مادة كان.
وكلّ ذلك منطقي الثبوت في الدولة العالمية العادلة، فإنّه ممّا تدل عليه أكثر القرائن السابقة بل جميعها، وتطبيقه عليها واضح إسلامياً، فنوكله إلى القارئ اللبيب، ولا حاجة إلى التطويل فيه.
الحكم الثالث: إباحة الفائض من المورد الطبيعي ـ الذي يوجد تحت حيازة شخص ـ للآخرين. كالماء والكلاء والنار، ونحوها. فلو وجد في أرض شخص نهر أو عين ماء فله أن يقضي منه جميع حاجاته الشخصية… فإذا زاد الماء عن حاجاته، كما هو المفروض، لم يجز له منع الآخرين منه.
وهذا أيضاً تتوفر فيه أكثر القرائن السابقة ما عدا الأولى، فإنّه ليس من واضحات الشريعة بالمعنى السابق، إلاّ أنّه ممّا يقتضيه الصالح العام والتنظيم الاجتماعي، ويتفق مع الاتجاه العام للأحكام السابقة.
الحكم الرابع: وجوب إباحة الفائض من المعادن عن العمل الشخصي للآخرين.
فمنجم الفحم أو الذهب أو النفط، سواء وجد في أرض مملوكة أو أرض عامّة، فإنّه يكون للأفراد حيازة ما شاؤوا منه بالعمل، ولو باعتبار تزويد الدولة العالمية لهم بالآلات، كما عرفنا. وأمّا الزائد عن الحاجة فيمكن الحديث عنه على مستويين:
المستوى الأوّل: إنّ كان المنجم في أرض شخصية، جاز لصاحب الأرض الاستفادة منه ما استطاع العمل والحيازة. وأمّا الزائد فلا يجوز له منع الآخرين عن العمل لحيازته.
المستوى الثاني: إنّ الزائد عن عمل مجموع العاملين، سيكون على أي حال للدولة حق التصرف فيه فيما ترى من المصالح العامّة.
وهذا التسلسل في الحكم الإسلامي ثابت في عصرنا، ومن المنطقي أن يثبت في الدولة العالمية، فإنّه تقوم عليه عدّة قرائن ما سبق… وخاصّة إذا نظمته الدولة بقانون.
فهذه جملة من الأحكام التي يمكن إثباتها بالطريق الثاني، الذي خططناه لمعرفة الأحكام في الدولة العالمية. وقد حصلنا بالطريقين على مجموعة مهمة من الأحكام التي يمكن أن تكون منطلقاً إلى استكشاف الأفكار المذهبية الأساسية التي شرعت من أجلها. وهذا ما سنذكره بعد قليل في المرحلة الثانية من الحديث عن المذهب الاقتصادي في الدولة العالمية.
ـ 9 ـ
وأوّل خطوة نتخذها في هذا الصدد، إعطاء فكرة عن معنى الأحكام الاقتصادية المذهبية عموماً، وفرقها عن الأحكام الاقتصادية الاعتيادية وعن علم الاقتصاد السياسي.
ونحن لزاماً علينا أن نضغط الكلام هنا ضغطاً، لأنّ البحث ليس بطبيعته اقتصادياً، فإذا مشينا في هذا الصدد طويلاً، كان ذلك على خلاف الغرض الأساسي للكتاب.
إنّ المذهب الاقتصادي يمثّل «مجموعة من القضايا الاقتصادية المفهومية» التي تمت إلى ما ينبغي أو لا ينبغي إنجازه في السوق أو غيره من المحاور الاقتصادية، وستأتي له أمثلة متعددة.
وبصفته المفهومية يفرّق عن الأحكام الاقتصادية الاعتيادية في الفقه أو القانون، فبينما هما يشتركان في أنّهما معاً يحملان معنى التشريع والارتباط بالعدالة، نرى أنّ الحكم المذهبي يستبطن معنى مفهومياً (مبدئياً) يمت إلى الفهم العام للحياة بصلة وثيقة. كمفهوم «الملكية في نطاق محدود» الآتي. على حين نرى أنّ الحكم الاقتصادي الاعتيادي بعيد عن الجهة المفهومية، وإنّما ينسجم مع غيره ليمثّل مجموعة تكوّن بنتيجتها معنى مفهومياً اقتصادياً وقد سبقت أمثلته، كتحريم احتكار الملح أو أخذ الزوجة ربع تركة زوجها أو اشتراط صحة البيع باللفظ.
وأمّا علم الاقتصاد فلا يمت إلى التشريع والعدالة بصلة، وبهذا يختلف عن كلا الحقلين الاقتصاديين السابقين… وإنّما هو مجرد سرد أو وصف لقضايا وظواهر اقتصادية في سوق معينة مستنتجة من تجارب ووقائع خاصّة، كقانون العرض والطلب، والقانون الحديدي لأجور العمال اللذان يصحان في السوق الرأسمالية الحرة، وهكذا!!.
ومن الممكن حين يكون المذهب الاقتصادي مجهولاً اكتشافه عن طريق الأحكام المتفرّعة عنه، والتي تمثّل بمجموعها قضية من قضاياه، فيستكشف من تلك المجموعة هذه القضية المذهبية، ومن المجموعة الأخرى القضية الأخرى، حتى يستكشف جميع ما في المذهب الاقتصادي من قضايا وأحكام مفهومية اقتصادية.
وقد سبق إلى الآن، أن عرضنا عدداً من الأحكام الاقتصادية العملية الاعتيادية، ونريد الآن أن ننطلق إلى الأحكام المذهبية المفهومية التي ترتكز تلك عليها وتنطلق منها. لكي نحصّل من مجموع المفاهيم الاقتصادية المذهب الاقتصادي للدولة العالمية، أو عدداً من خصائصه، بمقدار الإمكان.
ـ 10 ـ
إنّ أهم القضايا المذهبية التي يمكن فهمها من الأحكام السابقة، يمكن أن نعددها فيما يلي:
المفهوم المذهبي الأوّل: حق الدولة في السيطرة على الحقول الاقتصادية عموماً.
وهذا يعني في حدود ما عرضناه أنّ من العدالة أن تتدخل الدولة في جميع الشؤون الاقتصادية في المجتمع، بشكل يمت إلى المبدأ الحياتي بصلة، وهو: أن تصل بالمجتمع البشري إلى هدفه المنشود في التخطيط الإلهي العام.
تتجلّى هذه القضية المذهبية من عدّة أحكام ممّا سبق، كحق الدولة في سحب الأرض من يد العامل عليها، وإخراجه منها، وحقّها في جعل الضريبة على من تسمح له بالعمل فيها. وكذلك سيطرتها على الأموال العامّة عموماً، وهي المملوكة للدولة أو لجهة عامّة. ومن أوضح مصاديقه الخراج وغنائم الحرب، والضرائب الإسلامية العامّة: الخمس والزكاة.
وكذلك سيطرتها على البنوك، وجرد محتوياتها وإخراج المال الحرام منها، وتطبيق النظام الإسلامي الخالي من الربح الربوي عليها، بل حتّى من الربح التجاري.
وكذلك سيطرتها على الفائض عن الحاجات الشخصية للأفراد، من النبات والأرض والمعادن. فإنّ كلّ هذه الأحكام الاقتصادية تمثّل تطبيقات مختلفة لسيطرة الدولة على الاقتصاد في المجتمع. وله شواهد أخرى لا حاجة إلى تفصيلها.
المفهوم المذهبي الثاني: ينبغي للدولة أن تمد يد المساعدة الاقتصادية للفرد والمجتمع.
ولعل أوضح تطبيق سمعناه لذلك هو توزيع الأموال مجاناً، لو فهمناه كمساعدة للمحتاجين، وكذلك منح الأرض للشخص من دون أن تأخذ عليها ضريبة، فإنّ من حقّها أن ترفض أخذ الضريبة التي تستحقها. وكذلك توزيع الآلات والمكائن الخاصّة بالزراعة والتعدين وغيرها.
وطبقاً لهذين المفهومين تضع الدولة العالمية نظام الضمان الاجتماعي وتؤسّس المؤسسات الخيرية والصناعية والزراعية، وتسنّ القوانين الاقتصادية التي تشارك في بناء المجتمع الذي هو على طريق العصمة. وإن لم تكن تفاصيل هذه الأمور معروفة الآن.
المفهوم المذهبي الثالث: الملكية في نطاق محدود.
فإنّ الملكية قد تتخذ صفة التشريع الاعتيادي، فيما إذا حكم المشرع بحصولها نتيجة للهبة أو البيع، حيث لا تتّصف بأي مسحة مفهومية حينئذٍ.
وقد تتخذ الملكية صفة مفهومية حين يكون المقصود الجواب على مثل هذا السؤال: هل من الراجح جعل الملكية أساساً أو لا. أو هل من الراجح تحديدها بعد جعلها وتشريعها، أو لا بد من إطلاقها بدون قيد ولا شرط.
وقد أجابت الماركسية على ذلك بضرورة إلغاء الملكية، كما أجابت الرأسمالية بضرورة إبقائها وإطلاق سراحها!!! وقد أجابت الأطروحة العادلة الكاملة بضرورة إبقائها مع جعل القيود عليها، بحيث لا تضر بالآخرين على أقل تقدير.
أمّا وجود الملكية في تلك الأطروحة، فقد تمّ الاستدلال عليه في الفقرة السابعة من هذا الفصل. وأمّا قيودها فتتجلّى في العديد من الأحكام التي سمعناها، كمنع الاحتكار ومنع الربا ومنع الربح التجاري ومنع الحصول على المال من طرق غير مشروعة، ومنع حصر الإرث في شخص معين مع وجود الورثة المشاركين، وضرورة توزيع المال على جميع الورثة. وكحق الدولة في تحديد ما يمكن للفرد أن يحوزه من المباحات العامّة، ومن المعادن، وفي تحديد ما يمكنه أن يزرعه من الأرض. كلّ ذلك بقانون حسب ما تراه الدولة العالمية من المصلحة.
وكذلك منع حيازة الفائض من المصادر الطبيعية والمعادن، وفرق هذا عن تحديد الدولة، أن هذا حكم وقتي من قبل الدولة، على حين أنّ ذلك حكم في أصل التشريع. وكلّ هذه الأحكام تتضمن بالضرورة تحديداً للملكية.
المفهوم المذهبي الرابع: أخلاقية الاقتصاد العادل
فإنّ المسألة الاقتصادية ليست مسألة مصلحية شخصية على الإطلاق، بل هي بالضرورة واقعة ضمن منهج معين عام للوصول إلى الأعلى، إلى الهدف البشري السامي، إلى المجتمع المعصوم. وإذا كان الاقتصاد واقعاً في هذا الطريق فأحرى به أن يكون أخلاقياً يحتوي على التسامح ونكران الذات والتضحية في سبيل الآخرين. بل قد تكتسب هذه التضحية صيغة الإلزام القانوني حين يصبح المجتمع على مستوى هذه المسؤولية.
ولعل أوضح صيغ الإلزام هذه، هي حرمة الربح التجاري واعتباره كالربا. والسبب في ذلك هو الأخوة في الإيمان. فإنّ (ربح المؤمن على المؤمن ربا) ولا ينبغي أن يكون بين الأخوة المؤمنين أدنى درجة استغلال، وإن كان مشروعاً في المجتمعات الاعتيادية السابقة.
ولكن حيث يكون جميع أو أغلب أفراد هذه الدولة العالمية أخوة في الإيمان، نستطيع أن نعرف كيف يصبح هذا الحكم عاماً، ودالاً ـ مضافاً إلى ما سبق ـ على المستوى اللائق من الناحيتين النفسية والعقلية لتطبيق هذا الإلزام.
ويندرج في هذا المفهوم أيضاً: لزوم إباحة الفائض من المورد الطبيعي إلى الآخرين، وكذلك الفائض من المعادن. فإنّ في حبسه عن الآخرين والاستقلال بحيازته، نوعاً من الاستغلال للآخرين من الأخوة المؤمنين، وهو متنافٍ مع المستوى الأخلاقي المطلوب.
كما يندرج في ذلك تحريم الفائدة الربوية، ومنع الطرق غير المشروعة للحصول على المال… ولا ينافي ذلك أنّنا فهمنا من بعض هذه الأحكام مفاهيم مذهبية أخرى، إذ قد يكون الحكم ناتجاً عن أكثر من مفهوم مذهبي واحد.
ـ 11 ـ
هذا، وينبغي أن لا يشط بنا المزار، بل ينبغي لنا أن نكفكف من غلواء الطمع في الاستنتاج، باعتبار ما قلناه من قصور الباحث عن إدراك العمق الحقيقي للوعي في الدولة العالمية، على أنّ عدداً من الجوانب المعلنة يومئذٍ والمشاركة في استنتاج المذهب الاقتصادي لا زالت في ضمير الغيب، منوط بوجود الدولة الموعودة.
ولا ندّعي الآن، ولا ينبغي لنا أن ندّعي، أنّنا أحطنا بكلّ المذهب الاقتصادي، وإنّما غاية الأمل أن نقوم باستنتاج جوانب مهمة منه تساعدنا على معرفة ملامح تلك الدولة الموعودة يومئذٍ، والمقارنة بين ما عرفناه وبين المذاهب الاقتصادية المعروفة اليوم: الماركسية والرأسمالية. وهذا ما سنقوم به بعد لحظة. ولعلنا خلال ذلك سنعرف بعض الصفات الأخرى لدولة العدل العالمية.
وقفة مع الماركسية
ـ 1 ـ
سوف لن يحتاج القارئ إلى تكرار، بعد الذي سبق أن عرضناه من آراء الماركسيين ومناقشاتهم.
وإنّما المهم الآن هو الإلماع إلى الأسلوب الذي سنتخذه في المقارنة والمناقشة.
إنّنا عرفنا من المناقشات السابقة أنّ كلّ ما توصّلت إليه الماركسية من النتائج، لا يمكن أن يصح بالنسبة إليها، ولا يمكن أن يستنتج من المقدمات التي آمنت بها وقدستها. ولكنّنا الآن سنأخذ النتائج كشيء آخر لنرى مقدار إمكان انطباقها على الدولة العالمية الموعودة وعدم إمكانه، وبالتالي نجرّب صدقها وعدالتها أساساً، وعدم ذلك.
إنّ ما هو قابل للمناقشة والمقارنة مع الدولة الموعودة، هو ما أقرّته الماركسية من أنظمة، وهي أدوار الاشتراكية الثلاثة ابتداءً من دكتاتورية البروليتاريا وانتهاءً بالطور الأعلى. لأنّ هذه الأدوار هي النتائج الرئيسية للتاريخ البشري في رأي الماركسية، وكذلك الدولة الموعودة وما يليها من مجتمعات، من وجهة التخطيط الإلهي. ومن المنطقي أن نقارن بين النتيجتين الرئيستين لهذين المبدأين. وأمّا ما قبل ذلك، فلا يكون مهماً في هذه المرحلة من البحث.
فهذا هو ما نتصدّى للخوض فيه خلال هذا الفصل.
ـ 2 ـ
إنّ أوّل ما يواجهنا في هذا الصدد، هو انقسام العهد الاشتراكي الماركسي إلى مراحل ثلاث، هي: دكتاتورية البروليتاريا، والطور الأوّل المسمّى بالاشتراكية، والطور الأعلى المسمّى بالشيوعية. فهل يوجد ما يقابل هذه الأقسام في دولة العدل العالمية أو لا؟
إنّنا ـ تارة ـ نتساءل عمّا إذا كانت العهود الماركسية بخصائصها تنطبق على الدولة العالمية أو لا. وهنا نستطيع أن نجزم بالجواب النافي، وذلك لما نعرفه بعد قليل من عدم انطباق الكثير من الخصائص الرئيسية لكلّ من المراحل الثلاث مع الدولة الموعودة. إذن، فلا نستطيع أن نسمّيها بأي واحدة من تلك المراحل، ولا بأكثر من واحدة.
إنّ العهد الماركسي المعين لا يمكن أن ينطبق إلاّ بانطباق كلّ خصائصه أو أكثرها ـ على الأقل ـ. وأمّا انطباق بعضها أحياناً، مع الاختلاف في خصائص كثيرة، فلا يعني شيئاً في هذا الصدد، إذ أنّ المبادئ قد تشترك كما قد تختلف من حيث التفاصيل بدون أن يكون أحدها مرتبطاً بالآخر أو متصفاً بصفته.
وقد نعرض السؤال كما يلي: هل للدولة العالمية مراحل متميزة من حين تأسيسها إلى حين تحقق هدفها الأعلى وهو المجتمع المعصوم أو ليس لها أيّة مراحل؟
وسيأتي تفصيل الأمر فيما يأتي من البحث، وحسبنا الآن أن نلتفت إلى ناحيتين:
الناحية الأولى: إنّ المراحل التي تمر بها الدولة العالمية ليست حدية ولا ذات فواصل واضحة، يتخللها ثورة أو (طفرة) كما تتوقع الماركسية لعهودها، وإنّما هي تدريجية بالتدرج البطيء المناسب مع التربية البشرية عموماً، كما سوف يأتي أيضاً. كما لا ينبغي أن نتوقع من الدولة العالمية أن تكون مراحلها ثلاث كمراحل الاشتراكية، أو أن تتّصف بنفس صفاتها الرئيسية. فإنّ الفكرة التي تنطلق منها والإيديولوجية التي تطبقها حين تكون مجانية بالمرّة للفكرة الماركسية، لا معنى لأن نتوقّع منها نفس الأسلوب والنتائج.
الناحية الثانية: يتّضح من مجموع ما مضى في هذا الكتاب والكتاب السابق عليه من الموسوعة، وما سوف يأتي هنا، أنّ المراحل منذ أوّل وجود القيادة العالمية (الظهور) إلى حين وجود الهدف الأعلى: المجتمع المعصوم تكون ـ باختصار ـ كما يلي:
المرحلة الأولى: مرحلة سيطرة القائد المهدي (عليه السلام) على العالم. وهي مرحلة حدّدت بثمانية أشهر. وسميناها فيما مضى بالتخطيط.
المرحلة الثانية: مرحلة وجود الدولة الإسلامية العالمية بقيادة شخص المهدي (عليه السلام) وميزاتها الكبرى هي كونها الزارعة للأسس العامّة للتربية البشرية للمجتمع، باتجاه هدفها الأعلى.
المرحلة الثالثة: مرحلة وجود الدولة العالمية المحكومة لخلفاء المهدي عليه وعليهم السلام. وهم يمارسون الحكم عن طريق التعيين، على ما سوف يأتي.
المرحلة الرابعة: مرحلة المجتمع المعصوم برأيه العام دون أفراده، ويكون القسم الأوّل منه محكوماً لأولئك الخلفاء الصالحين.
المرحلة الخامسة: مرحلة وجود المجتمع المعصوم بأغلبية أفراده في بعض مناطق العالم.
المرحلة السادسة: وجود المجتمع المعصوم في كلّ العالم. وهي الهدف الأعلى من وجود البشرية. وإن كان يمكن التعبير، بنحو من التعميم، أنّ المرحلة الخامسة هي الهدف، أو هي أوّل أشكال وجوده.
وبهذه المراحل ينتهي التخطيط الرابع، ويبدأ الخامس، وسيكون في سرد التفاصيل فيما يلي إيضاحات أكبر.
ـ 3 ـ
يحسب بنا الآن أن نبدأ بمقارنة كلّ عهد من عهود الاشتراكية على حدة، مع ما عرفناه من خصائص الدولة العالمية الموعودة.
المرحلة الأولى: عهد دكتاتورية البروليتاريا.
وأهم خصائص تلك المرحلة، ممّا عرفناه من كلام الماركسيين أنفسهم هي ـ باختصار ـ ما يلي:
أوّلاً: وجود الطبقات في ذلك المجتمع.
ثانياً: إنّ طبقة البروليتاريا تكون هي المسيطرة، وهي تمارس حرباً عنيدة مستميتة ضد خصومها الرأسماليين.
ثالثاً: تكون الدولة باقية، ولكنّها في طريق الفناء.
رابعاً: يكون الحزب الشيوعي هو القائد، وبدون قيادته يستحيل تطبيق دكتاتورية البروليتاريا.
خامساً: ستبدأ الدولة بتطبيق عدد من الإنجازات الاشتراكية، سنعرضها كما سمعناها عن إنجلز ونقوم بمقارنتها.
ونتكلم عن كلّ فقرة من هذه الفقرات في ناحية:
الناحية الأولى: وجود الطبقات، في المجتمع الموعود.
لا دليل على انعدامها بالمرة، لأوّل مرّة: ولكنّنا قلنا إنّ سعادة المجتمع غير منوطة بانعدام الطبقات، وإنّما هي منوطة بانعدام الشعور الطبقي وزوال أهميته.
وباليقين أنّ هذا حاصل فعلاً في الدولة العالمية، نتيجة لعدّة عوامل، منها: ممارسة الدولة لحكم مركزي واسع النطاق. ومنها: انشغال العواطف بالأهداف والمفاهيم التي تعلنها الدولة يومئذٍ. ومنها: الشعور بالأخوة والتعاطف بين الأفراد. ومنها: سد باب الاستغلال بالمرة، كما سمعنا من عدد من الأحكام الاقتصادية، فإنّ أيّة طبقة لا تستطيع السيطرة والاستغلال مع قوّة الدولة وتحريم الربح التجاري فضلاً عن الفائدة الربوية.
الناحية الثانية: لا توجد أي طبقة حاكمة ومسيطرة على المجتمع. فإنّ الذين يمارسون الحكم في الدولة العالمية، ليسوا من طبقة معينة. بل هم ـ كما عرفنا في (تاريخ ما بعد الظهور) ـ مجموعة أشخاص لا يربطهم شيء محدد، بل حتّى المعرفة الشخصية لبعضهم البعض، في الأعمّ الأغلب… لا يربطهم غير الإخلاص للتخطيط الإلهي والنجاح في التمحيص نجاحاً عالياً موفقاً. وهذا النجاح غير مربوط بالطبقة، بل يمكن أن يحصّله الفرد مهما كانت طبقته.
كما أنّ هؤلاء لا يمارسون أي قمع، وإنّما يحكمون الناس بالعدل الكامل والتساوي الحقيقي في الحقوق والواجبات، طبقاً للأطروحة العادلة الكاملة. نعم، الحروب التي تتخلل السيطرة على العالم سوف تحتوي على القتل الكثير، إلاّ أنّ هذا القتل إنّما هو ضد الفاشلين في التمحيص لا ضد طبقة معينة، فإنّ هذا الفشل يمكن أن يتصف به الفرد من أي طبقة كانت. على أنّ هذا القتل سابق على تأسيس الدولة العالمية. وأمّا بعد تحققها واستتبابها، فلا دليل على وجود أي قتل زائد، ما عدا ما قد يحدث في الفترة الأولى من تمردات في بعض المناطق المتفرقة من العالم، كما سمعنا ذلك كلّه في (تاريخ ما بعد الظهور).
هذا بخلاف عهد دكتاتورية البروليتاريا، فإن هذه الطبقة، سوف لن تكتفي بالقتل الذي يوصلها إلى الحكم، بل ستبقى الحرب العنيدة المستميتة مستمرة فترة طويلة من الزمن.
الناحية الثالثة: إنّ الدولة ستكون باقية، لأنّ وظيفتها ليست هي القمع ـ كما أرادت الماركسية ـ وإنّما هي الأخذ بزمام المبادرة للأعمال العامّة التي لا يمكن إنجازها بدونها، كما سبق.
ولن تكون هذه الدولة، في طريق الفناء ما دام هناك مجتمع محتاج إلى صيانة وإشراف. وسنعرف أنّ الدولة ستبقى إلى عصر المجتمع المعصوم الذي هو الهدف الأعلى. كلّ ما في الأمر أنّ الدولة لن تكون ممثلة لطبقة معينة، بل متّصفة بالموضوعية والتجرّد إلى حدٍ بعيد، وتمارس تطبيق العدل المطلق على كلّ العالم.
الناحية الرابعة: ليس هناك حزب قائد في الدولة العالمية، ولم تولد هذه الدولة نتيجة لنضال حزبي معين مهما كانت صفته، بل ولدت نتيجة لتخطيط إلهي طويل الأمد، عاشته البشرية منذ أوّل وجودها، حيث لم تكن هناك أحزاب ولا يمكن لأي حزب أن يعيش طوال هذه المدّة، بل هي أكبر من أي نضال حزبي سابق عليها.
وإنّما يمارس الحكم فيها جهات ثلاث:
الجهة الأولى: الإيديولوجية العامّة التي تقوم عليها عقائدياً ومفاهيمياً وتشريعياً.
الجهة الثانية: الرئيس الأعلى المعصوم، الذي عرفنا صفاته في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، والظروف التي ساعدته على القيادة. وهو يمثّل قوّة الدولة وصلاحياتها، بشكل عام.
الجهة الثالثة: الجماعة الناجحة نجاحاً معمقاً في التمحيص السابق على تأسيس هذه الدولة، كما عرفنا في (تاريخ ما بعد الظهور) وعرفنا صفاتهم ومقدار إخلاصهم لقائدهم المهدي (عليه السلام)، ولمحات من كيفية ممارستهم الحكم في العالم.
وقد يخطر في الذهن أنّه نتيجة لوجود هذه الجماعة الممحّصة، يمكن القول بحكم الحزب الواحد في الدولة العالمية، فإنّ هذه الجماعة مثقفة على تلك الإيديولوجية التي عرفناها، وتعمل تحت قيادة معينة هي قيادة ذلك الشخص الذي سيمارس الحكم في الدولة العالمية. وهم تحت قيادته حتّى في العهد السابق على تأسيس هذه الدولة، طبقاً للفهم الإمامي لفكرة المهدي، كما حملنا فكرة عنه في (تاريخ ما بعد الظهور).
إذن، فهناك حزب معين قد استلم زمام السلطة ومارس الحكم في هذه الدولة.
إلاّ أنّ هذا القول أقرب إلى المجاز منه إلى الحقيقة، فإنّ هناك عدّة فوارق بين هذه (الجماعة المهدوية) وبين الأحزاب بالمعنى الاصطلاحي، من عدّة نواحٍ، بحسب ما نفهم:
أوّلاً: إنّ القيادة فيه مركزية متمثلة في فرد، لا في جماعة ولا في (مجلس قيادة) وليس لأحد حق المناقشة فيما يقوله القائد ويجزم به، طبقاً لقوله عزّ من قائل:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)}([374]).
وهذا القائد المهدي (عليه السلام) واقع في خط الله ورسوله، فيتصف بصفاته.
ثانياً: إنّ الانتماء إلى هذه الجماعة، لا يكون بقرار من الحزب أو بطلب خاص، وإنّما هو نتيجة لنجاح الفرد في التمحيص الإلهي خلال حياته الاعتيادية. فإنّ بلوغه إلى درجة عليا معينة من النجاح كفيل باندراجه في تلك الجماعة بدون سابق إنذار!!…
ثالثاً: إنّ هذه الجماعة قد لا يعرف أي واحد منهم الآخر، ولا تجمعهم أرض ولا مجتمع ولا لغة ولا مصلحة خاصّة، وليس لأي منهم تجاه الآخر أيّة مسؤولية حزبية، وإنّما هم معروفون مباشرة للقائد المهدي (عليه السلام). وإن حصل التعارف بين بعضهم فإنّما تم بإذن خاص من القائد الأعلى فحسب.
رابعاً: إنّ هذه الجماعة ليس لها أي بروز، بل ليس لها أي وجود اجتماعي وليست معروفة لأي إنسان سوى القائد نفسه، ومن يحبّ هو شخصياً اطلاعه على ذلك. وذلك: لسبب بسيط ذكرناه في (تاريخ الغيبة الكبرى)، وهو أنّ فرداً مهما أوتي من عبقرية، لا يستطيع أن يخمّن في نفسه فضلاً عن الآخرين أنّه واصل إلى تلك الدرجة العالية المطلوبة من الإخلاص والنجاح في التمحيص.
إلى غير ذلك من الفروق، وهذ معنى أن تسميتها بالحزب، يحتوي على ضرب من المجاز دون الحقيقة. وإنّما كلّ ما لهذه الجماعة من وجود، هو التزام أفرادها بالأطروحة العادلة الكاملة، وتطبيقها على حياتهم تطبيقاً دقيقاً، والانصياع لأوامر المهدي (عليه السلام) إذا أراد توجيه بعضهم لأي عمل أو مصلحة عامة خلال غيبته، بالمعنى الذي شرحناه في (تاريخ الغيبة الكبرى).
وهذه الجماعة هي التي سوف تمارس الحكم في الدولة العالمية منذ وجودها أعني الدولة. فإذا لم تكن هذه الجماعة حزباً، فمن الطبيعي أن لا يصحّ القول بأنّ الحزب الواحد هو الذي يسيطر على الدولة العالمية.
وأمّا إجازة هذه الدولة لوجود الأحزاب في مجتمعها، فهذا أمر يعود إليها وإلى رأي قائدها، سيكشف عنه المستقبل. وإنّما كلّ ما لدينا من المعرفة تنحصر في أمرين:
الأمر الأوّل: إنّ هذه الدولة العقائدية العادلة، سوف لن توافق على نفوذ العقائد الكافرة والأحزاب المنحرفة في مجتمعها، ممّا هو مضاد للتخطيط العام لتكامل البشرية. بل سوف لن تدع فرصة لتكوّنها على الإطلاق، بعد القتل الكثير الذي يمارسه القائد المهدي (عليه السلام) للمنحرفين الراسبين في التمحيص، قبل تأسيس دولته العالمية وقيامه باجتثاث انحراف الباقين بما يكسبه من الإيمان وبعقيدته في العالم.
الأمر الثاني: إنّه ـ بالتدريج ـ سوف يعم الشعور بالاستغناء عن فكرة الحزبية على الإطلاق. فإنّ الهدف الحزبي عادة هو تحويل الواقع الفاسد إلى الشكل الصالح الذي يراه الحزب. وسوف يثبت ـ وبسرعة ـ على الصعيد العالمي أنّ الواقع الذي نعيشه وتمارسه الدولة واقع صالح عادل موجب للراحة والرفاه. فيكون الشعور بالاسغناء عن التكتلات والتعصبات واضحاً.
الناحية الخامسة: في التعاليم التي أعطاها إنجلز، والتي سبق سردها في الحديث عن عصر دكتاتورية البروليتاريا. فهل تصدق وتصلح للدولة العالمية أو لا. ونحن نذكر الآن كلّ فقرة منها ونعلق عليها:
الفقرة الأوّلى: إنقاص الملكية الخاصّة بواسطة الضرائب التصاعدية والضرائب المرتفعة على الإرث. وإلغاء حق الميراث في خط جانبي الإخوة، أبناء الإخوة، والقروض الإجبارية… إلخ.
أمّا إلغاء قانون الإرث في الدولة العالمية، فقد عرفنا أنّه غير محتمل، بعد نص القرآن عليه. نعم سوف تقل أهميته إلى درجة بعيدة، بعد توفّر الرفاه الكامل الذي عرفناه، وأخذ الدولة بزمام المبادرة للاستثمار وسيطرتها على الجوانب المهمة الاقتصادية والمالية في المجتمع.
وكذلك سوف تقل أهمية الملكية الخاصّة، تلقائياً، وإن لم تنعدم، كما عرفنا، وهذا ما سوف يحدث خلال عصر الرئيس الأوّل لها وهو الإمام المهدي (عليه السلام) نفسه، ومع وجود ذلك لا حاجة إلى جعل الضرائب الاعتيادية فضلاً عن التصاعدية. والضرائب الاعتيادية الإسلامية تبقى سارية المفعول، إلاّ أنّها من حيث النسبة أقل بكثير ممّا يقترحه إنجلز. فإنّها في أعلى صورها لا تزيد على 10% وقد تصل إلى 0,025([375]) وهي على أي حال ليست ضرائب مرتفعة.
نعم، الخبر الأوّل من الأخبار السابقة، يدل على كون الاتجاه الاقتصادي في الدولة العالمية غير منافر مع ضرب الضرائب الإضافية، حيث يقول: فإذا قام قائمنا حرم على كلّ ذي كنز كنزه، حتّى يأتوه به ويستعين به. إذا فهمنا من الكنز الأموال المملوكة للأفراد بالملكية الخاصّة، وكان هذا المضمون قانوناً دائمياً. إلاّ أنّ هذا ممّا لا دليل عليه، لما أسلفنا من احتمال كون المراد من الكنز الأموال العامّة لا الخاصّة، فإنّها هي التي تستحقها الدولة على التعيين في الإسلام. ولو افترضناها أموالاً شخصية فهناك احتمال أنّ المطالبة بها شيء مؤقت لمصلحة اجتماعية وقتية، وليست قانوناً عاماً. ومعه لا يبقى دليل على كون الضرائب مرتفعة في الدولة العالمية.
الفقرة الثانية: الاغتصاب التدريجي للملاكين العقاريين والصناعيين وأصحاب السكك الحديدية وأحواض السفن. أمّا بواسطة منافسة صناعة الدولة، وأما مباشرة لقاء التعويض بسندات.
أمّا منافسة الدولة العالمية للقطاع الخاص، فهو أمر صحيح تقوم عليه أكثر من قرينة من القرائن السابقة، وهي الثالثة والرابعة، باعتبار أنّ ذلك ممّا يؤثّر في الرفاه الاجتماعي حتماً ويقتضيه التنظيم الاجتماعي جزماً. ومن هنا فالقول بقيام الدولة بذلك أمر لا مناص منه.
وأمّا مصير القطاع الخاص، ففي الإمكان القول: إنّ مشاركة الدولة هذه، مع ما تنتجه سائر الجوانب الاقتصادية من الرفاه العام، يجعل المشاريع الشخصية قليلة الأهمية إلى درجة كبيرة، حتّى تضمر تلقائياً. ومعه لا حاجة إلى الاغتصاب التدريجي ولا الفوري لها.
هذا، والعجيب أنّ إنجلز ينيط الاغتصاب بالتعويض، وهذا يتضمن إرجاعاً للمال إلى صاحبه، بشكل وآخر. وهو ينافي الاتجاه الاشتراكي الذي يتوقعه هو من الدولة.
الفقرة الثالثة: مصادرة جميع أملاك المغتربين والمتمردين على غالبية الشعب.
أمّا المغتربون فلا معنى لوجودهم في الدولة العالمية، كما هو واضح. لأنّ الاغتراب في هذا الصدد يعني وجود رعايا إحدى الدول في ربوع دولة أخرى. وهذا منتفٍ تماماً مع وحدة الدولة في العالم.
ومن الطريف أنّ الشيوعية التي يدعو لها إنجلز، تتوقع تطبيق الحكم العالمي الواحد، مهما كان هذا غامضاً في المصادر الماركسية، فما معنى المغتربين في مفهومها؟!.
وأمّا المتمردون، فتقف منهم الدولة مواقف معينة متخذة من مصالح المكان والزمان والإيديولوجية التي يتخذها المتمردون. ومن هنا تكون معاملة كلّ جماعة من المتمردين مختلفة عن معاملة الجماعة الأخرى. فلعل مصادرة الأموال تندرج في هذه التدابير أحياناً، ولعلها لا تندرج أحياناً أخرى؟!.
الفقرة الرابعة: تنظيم العمل واستخدام العمال في الميادين والمصانع والورشات الوطنية، مع إلغاء منافسة العمال فيما بينهم، وإجبار الصناعيين الموجودين بعد على دفع نفس الأجر المرتفع الذي تدفعه الدولة.
هذا كلّه ممكن الانطباق على الدولة العالمية، وتقوم عليه القرينتان الثالثة والرابعة. وإجبار الصناعيين على الأجر المرتفع وإن كان مخالفاً للقواعد الإسلامية السارية المفعول الآن، إلاّ أنّه يصح بلا إشكال بأمر الدولة الإسلامية. فلو بقيت المصانع الخاصّة ذات أهمية يومئذٍ أو ذات وجود، فلا بد أن تنظّمها الدولة بقانون.
الفقرة الخامسة: إلزام العمل بالنسبة إلى جميع أفراد المجتمع، حتّى القضاء التام على الملكية الفردية. تشكيل جيوش صناعية، وبصورة خاصّة من أجل الزراعة.
أمّا الملكية الخاصّة، فسوف تبقى سارية المفعول أساساً، كما سبق أن برهنا.
وأمّا العمل الإجباري لجميع أفراد المجتمع، فلا دليل على وجوده في الدولة العالمية… بل لعل الدليل على خلافه، لأنه منافٍ للحرية الفردية وللشعوب بالسعادة في الرفاه العام، ومنافٍ للأسلوب التربوي الذي تتخذه الدولة تجاه الأفراد جميعاً، بحسب ما ندركه الآن. نعم، للدولة أن تجبر أي واحد أو أي جماعة معينة أو غير معينة على العمل… كما أنّ لها أن تأمر (بالنفير العام) للعمل عند الحاجة، فيكون العمل إلزامياً لكلّ الأفراد… ولا دليل على أنّ الحاجة تقتضي ذلك دائماً.
أمّا المسألة الزراعية، فستتخذ درجة كبيرة من الأهمية في الدولة العالمية، ويشملها ما قلناه عن العمل أيضاً… وسوف تنظم جوانبها بقانون. ولكن أسلوب هذا التنظيم لا ينبغي أن يكون مفهوماً لنا في العصر الحاضر. وليس من الواضح أن يكون ما اقترحه أنجلز من إجبار الآلاف على العمل في الأرض، هو أحسن ما يمكن اتخاذه من تدابير، في هذا الصدد([376]).
الفقرة السادسة: مركز نظام الائتمان وتجارة المال في أيدي الدولة، وذلك بواسطة تشكيل مصرف وطني برأسمال دولي، وإلغاء جميع المصارف الخاصّة.
من المؤكد أنّ النظام المصرفي الرئيسي، سوف يكون بيد الدولة، بما في ذلك قبول الأموال وتسليفها والتجارة بها. أمّا إلغاء المصارف الخاصّة بالمرّة فهذا ما لا دليل عليه. وإن كانت لا تبقى لها من الأهمية شيء سوى معيشة أصحابها؛ وسوف تكون كلّ المصارف، حكومية وشخصية خالية من الفائدة الربوية بالضرورة.
وأمّا إذا ضممنا إلى ذلك تحريم الربح التجاري أيضاً، فسوف لن يبقى للمصارف من فائدة سوى حفظ الأموال وإرجاعها أو بعضها عند الطلب. ومن هنا فالمظنون تقلص النظام المصرفي في الدولة العالمية، والاسغناء عنه تدريجاً.
وسوف تنحصر تنمية رأس المال، بعد تحريم الربح التجاري، بالعمل على حيازة (المباحات العامّة) في المعادن والأراضي والنباتات الطبيعية وغيرها. مع وجوب جعل الزائد عن العمل بل الزائد عن الحاجة أيضاً مباحاً للآخرين أيضاً. وهذا مستوى من التفكير الاجتماعي الاقتصادي لم تستطع الماركسية التوصل إليه إلاّ بإلغاء الملكية الخاصّة… وأمّا دولة العدل العالمية، فتتوصّل إليه مع الحفاظ عليها.
الفقرة السابعة: مضاعفة المصانع الوطنية والورشات والخطوط الحديدية والسفن، واستصلاح جميع الأراضي المزروعة من قبل، بصورة مطردة مع زيادة الرساميل والقوى العاملة التي تملكها البلاد.
أمّا الاهتمام بالصناعة والزراعة من قبل الدولة العالمية، فقد عرفناه بوضوح، ويؤيده عدد من القرائن السابقة إن لم يكن كلّها، ويندرج في المفاهيم المذهبية وخاصّة الأوّل والثاني منها، وهما اللذان يعطيان للدولة حق التصرّف العام في الاقتصاد والمال على العموم، الأمر الذي يؤدّي إلى تقليص الجانب الشخصي والقطاع الخاص على العموم.
وهذا التقلّص يعني عدم الزيادة المطردة في الرساميل الشخصية، إذ أنّ نتائجها في العدل والرفاه المطلوب، ومن ثمّ في التربية المتوخاة للدولة تأثير ضئيل لا يعدل ما تقوم به الدولة نفسها من أعمال اقتصادية.
الفقرة الثامنة: تربية جميع الأولاد، منذ اللحظة التي يمكن فيها إبعادهم عن الأحضان الأمومية، في مؤسسات وطنية، وعلى نفقة الأمّة (تربية وإنتاج مصنّع).
إنّ المقصود الرئيسي لإنجلز من ذلك هو تربية الأجيال الصاعدة على المفاهيم الماركسية بشكل مغلق غير قابل للمناقشة، حتّى يضمن بذلك تصاعد المفهوم الشيوعي في المجتمع من ناحية ويضع الأساس لعدم (الانحراف عنها) بعد تحقّق الطور الأعلى بالتجاوب التام والدائم مع مستلزمات ذلك الطور على العموم.
وهذه النتيجة ـ بشكل وآخر ـ متوخاة لكلّ إيديولوجية حاكمة، بما فيها (الأطروحة العادلة الكاملة) التي تتبناها الدولة العالمية. إلاّ أنّ أنجلز يبدو أنّه قد أخطأ في طريقه إلى هذه النتيجة.
إنّ طريقة الدولة العالمية – حسب فهمنا المعاصر ـ لتربية الجيل الصاعد، بعد الاعتراف بالأسرة التي أنكرتها الماركسية، الاعتراف بحاجة الطفل واليافع إلى دفء الوالدين وتوجيهاتهما.
إنّ المنهج التربوي يتكوّن عموماً، من الحقول التالية:
الحقل الأوّل: إعطاء النموذج الأعلى للعدل الذي يبرز بوضوح لأي فرد كونه أفضل من أي نظام آخر… ممّا يجعل الفرد مشدوداً عقائدياًإلى هذا النظام، بمجرد تفتحه على الحياة.
الحقل الثاني: تكوين الأسرة الصالحة، ذات التوجيهات العادلة والأسلوب الصحيح في تربية الذرية، ممّا يوفّر للفرد التربية الصحيحة مع الاحتفاظ بالدفء الأبوي، والاستغناء عن مشاكل وآلام المحاضن الحكومية العامّة.
إنّ النصيحة التي توجّه عادة إلى الإنسان في أنّه ينبغي أن يختار أبويه، سوف تقوم بها الدولة العالمية على نطاق واسع، ممّا يوفّر لكلّ الجيل الجديد اختيار الوالدين الفاضلين الخيّرين دائماً.
الحقل الثالث: الإيضاح الواسع النطاق للأسلوب التربوي الصحيح من النواحي الطبيّة والنفسية والعقائدية والاجتماعية، ليجعل اتباعها بالنسبة للأسر عموماً سهلاً وتحت متناول الجميع.
الحقل الرابع: توفير العلم ـ بكلّ فروعه ـ للجميع. فبمجرد أن يصبح الفرد يافعاً قابلاً لتلقي العلم، سوف تحتضنه المدارس النظامية العادلة، لتصل به ـ بالتدريج ـ إلى قمة الفضل العلمي والإيماني معاً… ضمن منهج دراسي توجيهي، لا يمكن الإلمام الآن بخصائصه.
الحقل الخامس: وبعد أن يصبح الفرد في الدرجة التي تؤهله لأداء الخدمة الاجتماعية الكافية، منسجمة مع التخطيط العام وإيديولوجية الدولة… سوف تفتح له الدولة ذراعيها لكي يؤدي عمله في أفضل الميادين التي يستطيع أن يبرز فيها ويؤدّي فيها أفضل الأعمال. ويكون له في مقابل ذلك أن يشارك في الرفاه العام أعمق وأوسع مشاركة.
وبذلك تكون الدولة العالمية قد توصلت إلى نفس النتائج التي تحتاجها الإيديولوجية الحاكمة، بالشكل الذي تحافظ فيها على قدسية الأسرة والدولة معاً.
الفقرة التاسعة: من كلام إنجلز ـ: بناء قصور كبيرة من الأراضي الوطنية التي تكون مسكناً لجماعات من المواطنين المشتغلين في الصناعة أو الزراعة، وتكون جامعة لمحسّنات الحياة المدنية والريفية، دون أن يكون لها مساوئها.
تنفتح الحاجة إلى هذه القصور السكنية من خلال النظام الذي يقترحه إنجلز في جيوش عمّالة في الصناعة والزراعة. فإنّ هذه الجيوش لا بد أن تجتمع في الحقول الزراعية والصناعية، من مختلف البلدان، فتحتاج إلى سكن وطعام بطبيعة الحال، ومن هنا تحتاج الحكومة بناء شقق (مستعجلة) لأجل تكديسهم فيها ريثما ينفتح لأحدهم فرصة بناء بيت مستقل، أو يبقى ساكناً تلك القصور إلى الأبد.
أمّا حيث تنتفي الحاجة إلى تكوين هذه الجيوش، بانتفاء النظام الذي يستلزمها، أوّلاً. وتنفتح الفرصة، طبقاً للمستوى المعيشي العالي جدّاً، إلى بيوت مستقلة ومرفهة لكلّ فلاح وعامل… فيكون ما تصوّره إنجلز بلا موضوع.
الفقرة العاشرة: تدمير جميع المساكن والأحياء غير الصحية والسيئة البناء.
إنّ هذا التدمير بلا موجب، سوى إجبار العمال إلى الانتقال إلى تلك القصور. فإنّ هذا الانتقال سوف لن يكون سهلاً عليهم، ولكنّهم سيكونون ملزمنين بعد تهديم بيوتهم، وعدم وجود العوض المناسب غير تلك القصور. وأمّا مع توفير البيوت المرفهة لهم، والتي قد تكون مجانية، فإنّ الدافع النفسي للانتقال إليها وهجر البيوت الأولى القديمة وغير الصحية يكون قوياً وواضحاً، بلا حاجة إلى تدميرها. إنّ تدميرها سوف يتمّ بشكل معنوي وتلقائي. إنّها سوف تبقى بشكل (متحفي) لتدل الأجيال على المستوى المنحط الذي كانت تعيشه الأجيال السابقة. وهذه فائدة مهمة أهملها إنجلز حين اقترح هدم وتدمير هذه البيوت.
وقد يخطر في الذهن أنّ مراد إنجلز من تدمير البيوت، كونه مقدمة لبنائها ثانية بشكل أفضل. إلاّ أنّ هذا بعيد عن فهم العبارة، فإنّ التدمير يتضمن معنى الإبادة والإزالة. ولو أراد إعادة البناء لعبّر بالتجديد.
الفقرة الحادية عشرة: حق الميراث المتساوي للأبناء الشرعيين وغير الشرعيين.
وهذا منطقي جداً بالنسبة إلى الشيوعية التي ألغت الأسرة. إلاّ أنّ هنا اعتراضاً قد يرد على هذا الاقتراح من حيث إنّ هذه الفقرة هل تطبق في الطور الشيوعي الأعلى أو تطبق قبله. فإن طبقت في ذلك الطور، كان الميراث والملكية الخاصّة كلّها منتفية فلا مجال لهذه الفقرة بالمرة. وإن طبقت قبله، كانت الأسرة لا زالت مقدسة ولها وجود واضح، ولا زال الإحساس الاجتماعي تجاه الأبناء الشرعيين وغير الشرعيين مختلفاً. ومن الواضح عدم إمكان تطبيق هذه المادة في جو اجتماعي من هذا القبيل، إلاّ بشكل مثير للعواطف والحزازات.
وأمّا في الدولة العالمية، فهو غير منطقي تماماً، لأجل عدّة خطوات:
الخطوة الأولى: إنّه لا يكاد يوجد هناك أبناء غير شرعيين، لأنّه لا يوجد من يفكّر بذلك فضلاً عن أن يفعله، بعد التربية السريعة والعميقة التي تقوم بها الدولة، وغربلة المنحرفين والتخلص منهم في أوّل تأسيسها، كما عرفنا في (تاريخ ما بعد الظهور).
الخطوة الثانية: إنّه لو حصل ذلك، فقد وضعت عليه أشدّ العقوبات على الاتصال غير المشروع بين الجنسين، ممّا يجتث جذور هذه الجريمة تماماً.
الخطوة الثالثة: لو تنزلنا ـ جدلاً ـ عن كلّ ذلك، وفرضنا وجود الأبناء غير الشرعيين في ذلك المجتمع، فسوف لن يكون الإرث لهم مشروعاً، باعتبار ما عرفنا من سريان قانون الإرث الذي ينص عليه الإسلام إلى ذلك الزمان. ومن واضحات قانون الإرث عدم وصوله إلى الولد غير الشرعي.
ولكن هذا الولد لا يحمل جريرة والديه بطبيعة الحال، ومن هنا لا بد أن يكون مكفولاً للدولة، تيسر له سبل الحياة الكريمة المرفهة تدريجاً… لو كان للولد غير الشرعي وجود.
الفقرة الثانية عشرة: مركزة جميع وسائل النقل بأيدي الدولة.
هذا صحيح في الدولة العالمية، لا بمعنى الإعلان عن منع الملكية الخاصّة لوسائط النقل، كما يرمي إليه إنجلز، وإنّما بمعنى أخذ الدولة بزمام المبادرة إليها، إلى حد تسقط أهمية المشاريع الشخصية تدريجاً وتلقائياً.
فهذه جميع الفقرات التي اقترحها إنجلز، مع التعليق عليها، بحسب ما استطعنا إقامة القرائن عليه من أحكام وخصائص الدولة العالمية العادلة.
ـ 4 ـ
وأمّا الطور الأوّل الشيوعي المسمّى بالاشتراكية، فأهم خصائصه التي يختلف بها عمّا سواه ـ كما عرفنا ـ كما يلي:
أوّلاً: استمرار وجود الدولة التي هي في طريق الفناء.
ثانياً: ارتفاع الاستغلال الرأسمالي إلى حدٍ بعيد.
ثالثاً: رفع الملكية الخاصّة لكلّ وسائل الإنتاج المهمّة.
رابعاً: تكون القاعدة الاقتصادية الأساسية هي القائلة: من كلّ حسب طاقته ولكلّ حسب عمله.
خامساً: من لا يعمل لا يأكل.
سادساً: تتخذ الملكية العامّة شكلين سبق تعريفهما: ملكية الدولة والملكية التعاونية.
سابعاً: تكون التربية العلمية عالية ومركزة، وخاصّة علم الآلة (الميكانيك) وعلم الحمضيات… بمقادير لم تعرفها البلاد الرأسمالية.
فهذه أهم الخصائص التي عرفناها وناقشناها، فهل هي صادقة على الدولة العالمية أو لا؟. سنفحص كلّ خصيصة في ناحية مستقلة:
الناحية الأولى: بالنسبة إلى بقاء الدولة، سبق أن برهنا على ضرورة وجودها، وسيأتي مزيد من الحديث عن ذلك عند التعرّض إلى (الطور الأعلى)، حيث ترى الماركسية انعدامها.
الناحية الثانية: إنّ الاستغلال بكلّ أشكاله، وبأبسط أنواعه سوف يكون مرتفعاً تحت راية العدل الكامل. حسبنا من ذلك تحريم الربح التجاري وإعطاء الفرصة للأفراد للنيل من المصادر الطبيعية من معادن وغيرها مجاناً، وحتّى أنّ الدولة تقوم بتوزيع الأموال مجاناً أحياناً. ومن الواضح الضروري أنّه لا يمكن أن يكون للرأسمال بالمعنى الرأسمالي وجود حينئذٍ، فضلاً عن تحرّك الأطماع الرأسمالية لأي شيء أو أية مزية زائدة، إلاّ إذا أمكن أن يكون بعض أسنان المشط أعلى من الآخر.
الناحية الثالثة: إنّ ملكية الدولة لوسائل الإنتاج سوف تحدث وسوف ينحصر بها أيضاً بالتدريج… كلّ ما في الأمر أنّ ذلك سوف لن يكون بنحو القهر والاغتصاب الذي ينفّر الأفراد ضد السلطات، ويحملهم على الانحراف ويكون خطوة سيئة ضد مستواهم التربوي المطلوب.
إنّ القطاع الخاص من وسائل الإنتاج سيذوب تدريجاً تحت سيطرة الحكومة سيطرة كلية على موارد الإنتاج والتصدير من الناحيتين الصناعية والزراعية. سيذوب تدريجاً في ظرف توفير الرفاه للناس إلى حدٍ سوف يستغني أصحاب القطاع الخاص عمّا تحت أيديهم، وهم شاكرون لدولتهم العادلة.
الناحية الرابعة: إنّ إلزام الأفراد جميعاً للعمل بكلّ طاقاتهم، وعدم تموينهم بشيء بدون ذلك، كما هو منطوق قاعدة (من كلّ حسب طاقته) وقاعدة (من لا يعمل لا يأكل)… إنّ هذا الإلزام ليس منطقياً بالمرة في الدولة العالمية، إلاّ إذا أمرت به الدولة لمصالح وقتية. أمّا بناء القاعدة الاقتصادية على ذلك بصورة مستمرة، فهو ممّا لا معنى له… لعدّة وجوه:
أوّلاً: إنّ الرفاه الذي يحدّث في العالم يومئذٍ لا يحتاج إلى كلّ هذا الزخم بل يكفي فيه جهد أقل من ذلك. وخاصّة بعد أن لاحظنا كثرة المال من مصادره التي منها الاستيلاء على البنوك وتيسير الزراعة والتعدين، ومنها انعدام الحروب وصرف ميزانيتها فيما ينفع الناس. هذا إلى ما عرفناه في (تاريخ ما بعد الظهور) من تعاون الكون والطبيعة مع النظام العادل في زيادة الإنتاج، فيحدث من العمل القليل نتاج كثير. وقد سبق أن حملنا عن هذا فكرة كافية هناك.
ثانياً: إنّ شعور الفرد بالمسؤولية تجاه دولته وتجاه التخطيط العام، يحدوه إلى العمل بمقدار ما يشعر بالحاجة من أجل الصالح العام. ومع وجود الرغبة، لا معنى للإلزام.
ثالثاً: إنّ الرفاه سوف يصل ـ تلقائياً!! ـ إلى الجميع، من عمل ومن لم يعمل، وكلّهم سيعيش عيشة عالية، كلّ ما في الأمر أنّ العاملين سوف تكون لهم مزيتهم المعنوية واحترامهم الخاص. طبقاً لقوله تعالى:
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}([377]).
وقوله تعالى:
{وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)}([378]).
والعمل في سبيل الصالح العام في المجتمع العادل، له مرتبة الجهاد، ومن الواضح أنّ القيمة الأخلاقية ستكون ذات نفع كبير في ذلك المجتمع، طبقاً للدافع الإيماني الخالص.
رابعاً: إنّنا لا نريد بالرفاه والسعادة كثرة المال والحاجات الاستهلاكية فقط، كما قدرته الماركسية من جانبها المادي، بل الجانب النفسي جانب مهم أيضاً، فينبغي أن يكون الفرد غير معانٍ لحزن شديد أو ضيق كبير أو لأزمات نفسية، ليكون سعيداً. ومن الواضح أنّ الإلزام بالعمل قد يسبب في كثير من الأحيان للفرد ضيقاً وإزعاجاً، ممّا ينافي مستوى السعادة المتوقعة يومئذٍ.
فلو فرضنا أنّ الديدن العام كان على إلزام كلّ الأفراد على العمل، كان الغالب هو وجود الضيق المنافي للسعادة. وإذا كان أغلب الناس في ضيق، فلمن تكون السعادة.
هذا، مضافاً إلى ما ناقشنا به هذه القاعدة خلال مناقشة الطور الأوّل فيما سبق.
إذن، فبغض النظر عن المصالح الثانوية التي تقتضي أحياناً إلزام الدولة للأفراد بالعمل… سوف لن يكون هذا الإلزام ساري المفعول. بل (من كلّ حسب إرادته) من العمل بحسب الوقت والنوع معاً. وهو لا محالة يختار ـ إن كان سوياً رشيداً ـ: أن يعمل بمقدار ما يطيق أوّلاً، وبالنوع الذي يعرفه أو يختص به ثانياً، وبالمقدار الذي ييسر له العيش المرفه ثالثاً. والأغلب في ذلك المجتمع، أن ما ييسر له هذا المستوى، لا يحتاج إلى بذل الكبير من الطاقة. ثمّ هو يوفر الباقي من طاقته ووقته لنيل السعادة والتربية التي توفرها الدولة وتخطط لها.
وسوف يكون (لكل فرد معيشة مرفهة) و(للعاملين تقديراً أخلاقياً خاصاً)، خلافاً لما تتسالم عليه أكثر المجتمعات في العصر السالف من استقباح العمل واستحقاره.
الناحية الخامسة: قد فهمنا الرأي في القاعدة القائلة: من لا يعمل لا يأكل… في الناحية السابقة، وعرفنا أنّها غير صحيحة وأنّ (الأكل) يصل إلى العامل وغير العامل على حدٍ سواء. وإن كان العامل أعظم شأناً، قد يكون أكثر رفاهاً نتيجة لعمله.
الناحية السادسة: بالنسبة إلى أشكال الملكية، سوف لن تكون مقتصرة على الشكلين اللذين تراهما الماركسية. بل نستطيع أن نسلسل المطلب، كما يلي:
الملكية قد تكون خاصّة وقد تكون عامّة. فالملكية الخاصّة تكون فيما له ندرة نسبية في المجتمع، وكان محازاً للفرد وغير مملوك للدولة. والملكية العامّة، قد لا تكون مشروطة بالندرة النسبية، لإمكان تصرف الدولة حتّى في ما هو متوفر توفّراً مطلقاً. وهي تنقسم إلى عدّة أقسام:
القسم الأوّل: ملكية الدولة، بشكل خاص أو مغلق… تكون من قسم من الأراضي وما تأخذه من ضرائب وما تستربحه من أموال.
القسم الثاني: ملكية الدولة مع الإذن للناس بالاستفادة منها إذناً عاماً. كالأراضي البوار والنبات الطبيعي والمعادن قبل استخراجها (بالعمل الشخصي) وبعد الاستخراج ممّا أخرجته الدولة أو كان فائضاً عن الحاجة الفردية… والمياه… إلخ.
القسم الثالث: ملكية الأمّة عموماً. وهو الحكم الثالث في أيامنا هذه على الأراضي (المفتوحة عنوة) أي بالجهاد الإسلامي المسلح… وأنّ عدداً من القرائن السابقة دال على استمرار الحكم وعدم إلغائه في الدولة العالمية… كما هو واضحٍ لمن يفكر.
وأمّا الملكية الكولخوزية التي عرضتها الماركسية… فإن فهمناها بالخصائص الماركسية كلها، كان هذا متفرّعاً على أخذ الدولة العالمية بنظام الكولخوزات في الزراعة، وهو ممّا لا دليل عليه، بل لا حاجة إليه… ولا نريد أن ندخل في تفاصيل ذلك الآن.
وإنّ فهمنا من الملكية الكولخوزية معنى عاماً، يعبر عن أمر الدولة أو إذنها بحجز قسم من أموالها لجهة خاصّة ذات عمل نافع اجتماعياً تأييداً لها وتسهيلاً لأعمالها… فهذا أمر منطقي جداً وصحيح، ولكنّه غير ماركسي على أي حال.
الناحية السابعة: بالنسبة إلى التربية العلمية بالمعنى التكنيكي… لا شك في وجوده في الدولة العالمية على أعلى مستوى. وربما تتوصل البشرية يومئذٍ إلى نتائج مهمة وغير متوقعة في العصر الحاضر… ولا اختصاص للميكانيك وعلم الحمضيات، كما توقعت الماركسية، بل يشمل سائر الحقول التي تمت إلى الخدمات الصناعية بصلة.
كما يشمل الاهتمام سائر العلوم التي تنتج النفع الاجتماعي، كالطب وعلم الاجتماع وعلم النفس، وغيرها. وقد تعطى لها صيغ جديدة صحيحة لم تكن معروفة من قبل.
ولكن المهم في ذلك هو وقوع كلّ هذه العلوم، بل كلّ مناحي الحياة، في طريق التربية، المتجهة نحو الهدف الأعلى. إذا ما دامت الصناعة والزراعة والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، كلّها مكرّسة في هذا السبيل، فمن المنطقي أن تكون العلوم المنتجة لذلك مكرّسة في نفس السبيل. وهذا ما لا تستطيع الماركسية أن تضع بإزائه شيئاً، بعد أن اعتبرت الرفاه الاقتصادي غاية لا وسيلة.
ومعنى تكريس العلوم لذلك الهدف، انطلاقها من زاويتين ـ على الأقل ـ:
الزاوية الأولى: كون العلوم عموماً، والعلوم الكونية منها على الخصوص، ليست غير بيانات لتدبير الخالق لخلقه والمكوّن لكونه، وليس لها أي جدوى أو معنى بدون ذلك.
الزاوية الثانية: كون هذه العلوم غير ذات معنى ولا جدوى بدون الشعور بالمسؤولية الإنسانية والأخلاقية عموماً، وتجاه التخطيط العام على وجه الخصوص. وإذا كان هذا الشعور موجوداً، كان التكريس للهدف واعياً وواضحاً في الذهن، ومطبقاً في الحياة العملية.
الناحية الثامنة: أكّدت الماركسية ـ فيما عرفنا عنها ـ على أنّ الشكل المفضل إدارياً للدولة هو الحكم بطريقة (المجالس السوفييتية). وقد وجدنا لدى المناقشة أنّ هذا الرأي لم يؤخذ به في بعض الدول الشيوعية فضلاً عن غيرها. فقد وجد الناس لأنفسهم أساليب أفضل من ذلك، وأنسب بمجتمعاتهم منه. فمن الطبيعي ـ إذن ـ أن نعطي (الحرية) للدولة العالمية العادلة في أن تختار شكلها الإداري المفضل، حسب ما ترى من المصلحة، ولا حاجة الآن إلى محاولة فهمه.
ـ 5 ـ
هذا قد وصلنا إلى الطور الشيوعي الأعلى للشيوعية الذي هو «الهدف العظيم للحزب الشيوعي والشعب السوفييتي» وهو أيضاً «حلم الإنسانية طيلة قرون» وهو أيضاً «الإنسان وقد تحرّر من أوصاب الملكية الخاصّة ومن عبودية الماضي الروحية»… كما سمعنا ذلك من التعاريف الماركسية لذلك اليوم.
وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة اكتسب البحث أهمية خاصّة، من حيث إنّنا نقارن بين هدفين إنسانيين، لإيديولوجيتين مختلفتين، وكلاهما موجود في ضمير المستقبل ولَمَّا يتحقق لحد الآن.
على أنّنا ذكرنا أنّ حدوث الدولة العالمية ليس هو الهدف الأعلى من التخطيط العام، بل الهدف هو المجتمع المعصوم. فاستطعنا إثبات أفضلية نظام الدولة العادلة على الطور الأعلى، كانت أفضلية المجتمع المعصوم عنه أولى بطبيعة الحال، فنستغني عن البحث فيه من جديد.
وقد سمعنا تعاريف الشيوعية، وقارناها وناقشناها، وعرفنا انطباق جملة منها على نتيجة التخطيط العام أيضاً. ويحسن بنا الآن أن نسير خطوة جديدة.
فليس فقط «ستترسخ فيه الإرادة الذاتية الاجتماعية ويغدو فيه العمل لخير المجتمع الحاجة الحيوية الأولى في نظر المجتمع» كما تريد الماركسية، وإن كان هو أمراً صحيحاً ومتحققاً في الدولة العالمية. ولكن سيكون التركيز على التكامل الفردي موجوداً ورئيسياً أيضاً، ولا معنى للتكامل والتربية الاجتماعية إلاّ بالتكامل الفردي، فلا وجود لما تريده الماركسية من تمحيض الفرد للجماعة واندكاكه في المجتمع والصالح العام، بل سيكون للجانبين الفردي والاجتماعي أهميتهما.
ولا نعني بالجانب الفردي التركيز على الأنانية والغرور، بل نعني التكامل الفردي بالمعنى الحقيقي، المتنافي تماماً مع الأنانية والغرور، وكلّ جوانب الإسفاف المصلحية. وهذا المعنى من التكامل، هو الذي يكرّس الجانب الاجتماعي لتربيتة… إذ لا معنى للعناية بالمجتمع إلاّ من أجل تكامل أفراده.
كما أنّ الدولة العالمية ليس فقط «تنظيم اجتماعي عاقل يعتمد على قاعدة تكتيكية عالية التطوّر» بل يعطي إلى جانب ذلك الجوانب الأخرى المهمة في التربية والتكامل التي عرفناها.
كما أنّ نظام تلك الدولة، ليس فقط «ظاهرة تاريخية عالمية» كما تريد الماركسية لطورها الأعلى، بل هي نظام عالمي كامل وعادل. وإنّما يصحّ التعبير بالظاهرة لدى وجود دولة فضلى بين عدّة دول مغايرة لها ومؤقتة الوجود نسبياً… وهذا غاية ما تطمع به الماركسية على ما يبدو. وأمّا حين تحكم الدولة الفضلى كلّ العالم، فلا يمكن التعبير عنها بكونها «ظاهرة»، وخاصّة إذا لم تتوقع لها الزوال على طول الزمن… بل لها الرسوخ والنمو والإنتاج الواقعي للهدف الأعلى. إذن، لا بد لنا أن نختار لفظاً آخر يدلنا على الطريق.
وقالت الماركسية: «إنّه لا مراء في أنّ التشكيلة الشيوعية ستكون عامّة شاملة، وإنّ جميع الشعوب ستبلغ في آخر المطاف مستوى واحداً، فيبدأ آنذاك تاريخ واحد لبشرية واحدة…».
إنّ الماركسية تتوقع وصول المجتمعات إلى الطور الأعلى تدريجاً واحداً بعد الآخر. وهذا ما تتوقعه في مدى بعيد قد يبلغ مئات السنين، الأمر الذي يجعل المجتمعات التي تصل إلى الطور الأعلى مهددة بالانتكاس أو الغزو الخارجي، وخاصّة مع انعدام الحكومة المركزية (الدولة) فيها، وعدم الجيش وعدم القانون، كما سمعنا فيما سبق.
وأمّا في التخطيط العام، فالعالم يدخل في الدولة العالمية سوية، بحيث لا يكون هناك زمان مهم بين جزء وآخر، إلاّ المدّة التي يتمّ للقائد المهدي السيطرة على العالم… وقد حدّدت هذه المدّة بثمانية أشهر، كما سمعنا في (تاريخ ما بعد الظهور).
ومعه فاحتمال الانتكاس غير موجود، باعتبار التوجيه المركزي للدولة نفسها. كما أنّ احتمال الغزو الخارجي غير موجود، لعدم وجود دولة أخرى مقابلة في العالم على الإطلاق.
إنّ التطور الفكري للبشرية ـ عموماً ـ سيكون مشتركاً في التخطيط الثالث، بحيث يجعلها كلّها مؤهلة للحكم العالمي، وهو خصيصة كلّ تخطيط كما سبق، وليس ـ كما تتصوّر الماركسية ـ أنّ هناك تفاضلاً ضخماً من ناحية الاتجاه نحو الهدف.
… هذا ولا مانع بعد تأهيل البشرية عموماً للحكم العادل، أن تبقى استثناءات ـ قد تكون عديدة ـ ذات مستويات منخفضة عقلياً أو ثقافياً أو عقائدياً أو حضارياً. إنّ الحكم العادل سيشملهم جميعاً، ويتكفل تربيتهم جميعاً كلّ بحسب ما يحتاجه من أساليب الرعاية والتوجيه.
فهذه نظرة نحو التعاريف الماركسية لطورها الأعلى، مضافاً إلى ما ذكرناه في الفقرة الثالثة من مناقشات ذلك الطور.
ـ 6 ـ
ويتّسم الطور الأعلى بعدّة صفات عرفناها وناقشناها. ولا بدّ الآن أن نستاءل عن انطباقها على الدولة العالمية:
الصفة الأولى: زوال الدولة تماماً، باعتبارها أداة طبقية للصراع والقمع الطبقتيين؛ وبعد زوال الطبقات لا يبقى من ينبغي قمعه، فلا يبقى للدولة موضوع.
وللماركسية كلمة أخرى حول زوال الدولة. قال لينين:
«إنّ الأساس الاقتصادي لاضمحلال الدولة اضمحلالاً تاماً هو تطوّر الشيوعية تطوّراً كبيراً يزول مع التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي، ويزول بالتالي ينبوع من أهم ينابيع اللامساواة الاجتماعية الراهنة»([379]).
الصفة الثانية: انعدام الطبقات، بعد انعدام الرأسمال والرأسماليين، فلا يبقى إلاّ الأفراد العاملون في الصناعة والزراعة… فقط!!…
الصفة الثالثة: ستتحقق في ذلك الطور الديموقراطية بمعناها الصحيح ماركسياً، كما سبق أن سمعنا.
الصفة الرابعة: ستكون القاعدة السائدة اقتصادياً هي القائلة: «من كلّ حسب طاقته ولكلّ حسب حاجاته، أو حسب إرادته»… وقد رأينا التذبذب الماركسي حول ذلك.
الصفة الخامسة: سيصبح العمل الحاجة الأولى للحياة، حيث يعتاد البشر على إنجاز واجباتهم الاجتماعية دون أجهزة خاصّة للإلزام، وحيث العمل لا أجرة له في سبيل الخير العام…
الصفة السادسة: إنّه بوجود هذا الطور ستزول الويلات في العالم.
الصفة السابعة: إلغاء الملكية الخاصّة إلغاءً تاماً. وقد سمعنا التذبذب الماركسي بين إلغائها تماماً، وإلغائها عن وسائل الإنتاج خاصّة.
الصفة الثامنة: سيعتمد الاقتصاد القومي على مخطط معتمد على تقنية عليا في الميدانين الصناعي والزراعي، مدعماً بالعلوم والفنون المنتجة له… بشكل لم يكن له نظير فيما سبق.
الصفة التاسعة: ستتحقق الحرية بمعناها الكامل والصحيح ماركسياً.
الصفة العاشرة: سيزول القانون، ويتبدل إلى الأخلاق، حيث هي التي ستكون القائدة الإيديولوجية للمجتمع.
هكذا وصفت الماركسية طورها الأعلى، كما سمعنا ذلك وناقشناه. وينبغي لنا فيما يلي مقارنته بنظام الدولة العالمية السابقة على المجتمع المعصوم، كما أسلفنا. ولا بد لنا أن نتكلم عن كلّ صفة من هذه الصفات في ناحية مستقلة.
ـ 7 ـ
الناحية الأولى: بالنسبة إلى بقاء الدولة وزوالها.
ستكون الدولة العالمية العادلة، محتاجة إلى فكرة الحكومة والدولة… لعدّة أسباب أساسية:
السبب الأوّل: إنّ تأسيس الدولة العالمية أساساً منطلق من هذه الزاوية، وهي أنّ القائد المهدي (عليه السلام) يفتح العالم كلّه، وإذا تمّ له ذلك كان مستحقاً أن يمارس الحكم فيه، طبقاً للاتجاه العالمي المعاصر الذي يرى من حق الثورات الناجحة أن تسيطر وأن تحكم في المناطق التي هي فيها.
مضافاً: إلى أنّ فتحه للعالم لم يكن بقصد التوصل إلى السلطة ولا بشهوة الحكم، بل لأجل تطبيق العدل، ومعه فتخليه عن الحكم بعد إتمامه لفتح العالم يعني التنازل عن مسؤوليته وبالتالي عن التخطيط العام بلا مبرر.
السبب الثاني: الجانب العام الذي تحتاج إليه المجتمعات عموماً إلى الدولة، وهو ما أشرنا إليه في غضون مناقشة الطور الأعلى من أنّ الدولة تحفظ المصالح العامّة التي لا يمكن للأفراد الحفاظ عليها. فإنّ هذا الجانب متوفر في الدولة العالمية بشكل أوضح، لجسامة هذه المصالح وتشعبها ووضوح استحالة قيام الأفراد بها مهما كثروا، ما لم يكن هناك لهم قيادة مركزية.
السبب الثالث: إنّ المجتمع الذي تبدأ به الدولة العالمية، مجتمع غير ناجز التربية بالشكل المطلوب في التخطيط الرابع الذي نتحدث عنه، وإنّما لا زال في أوّل الطريق. وستنال البشرية تربيتها المطلوبة منه عند نهايته، وهي ابتداء المجتمع المعصوم.
وسنعرف أنّ الدولة أو الحكومة، سوف تبقى حتّى لو تحقق المجتمع المعصوم، وإن اختلف شكل تكوينها. فكيف والمجتمع لم يصل بعد إلى العصمة. كلّ ما في الأمر أنّ سبب وجودها يقتصر على السبب الثاني خاصّة دون الأوّل والثالث، على ما سنعرف.
الناحية الثانية: في الحديث عن وجود الطبقات وعدمها في الدولة العالمية:
لا شك أنّه بمجرد أن يتم إنجاز القوانين المهدوية والمستوى الجديد العالي للوعي والتفكير الذي يريده المهدي (عليه السلام)، وبالتالي يريده التخطيط العام… تنعدم تماماً أهمية الطبقات وما قد يحدث بينها من نزاع.
إنّ ما قالته الماركسية من استعار الصراع بين الطبقات باستمرار، ممّا لا دليل عليه، بعد أن عرفنا بطلان أدلة الماركسية على ذلك. إلاّ أنّ هذا الصراع قد يحدث أحياناً في المجتمعات الاعتيادية، كما قد يحدث الصراع بين الأفراد وبين المجتمعات وبين الحكومات، وهكذا. إنّ كلّ هذه الصراعات سوف تتلاشى تماماً تحت مجهر الوعي العالي والعدل الكامل والتلاحم الأخوي نحو الهدف الأعلى الذي يزرعه المهدي في نفوس البشر أجمعين.
إنّ أهمية الطبقات ستزول… ولن يكون هناك أيضاً وجود للرأسمالية والرأسماليين بأي حال، بعد كلّ الذي عرفناه من مبررات اضمحلال القطاع الخاص إلى حدٍ بعيد. كما لا وجود للاستغلال على المستوى الشخصي فضلاً عن الطبقي أو غيره، كما هو جلي من عدد من الأحكام السابقة.
ولكن ماذا يبقى؟… يبقى الناس سواسية كأسنان المشط، ينال كلّ منهم أفضل شكل من المستوى الاقتصادي من ناحية ومن التربية والتكامل من ناحية أخرى. ولكن لا كما تعتقده الماركسية من تحوّل الشعب إلى صنّاع وزرّاعين فقط. إنّ الهدف الأعلى لا يمكن أن يتحقق بمجرد ذلك. فهناك الاختصاصيون في العلم والمعرفة من كلّ نوع. والاختصاصي يفضل غيره بطبيعة الحال {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. كما أنّ هناك من هو أكثر أداءً للسلوك المخلص، ومن ثم أقوى إرادة وأكثر انسجاماً مع التخطيط من الآخرين. وهؤلاء يتزايدون بالتدريج نتيجة للتخطيط التربوي السابق على العصمة. وليس كلّ الناس سواسية في ذلك حتّى ذلك العهد {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}. وقد عرفنا أنّ قواعد القرآن الكريم لا يمكن أن تتغير يومئذٍ.
ومن زاوية هذا التفضيل، سيتخذ الأكثر إخلاصاً طريقه إلى المشاركة في الحكم والإدارة العامة. أمّا في أوّل الدولة فيكون الحكام هم الأكثر نجاحاً في التخطيط الثالث السابق، وأمّا بعد ذلك، فسوف يختار الأكثر نجاحاً من الناس، مضافاً إلى كفاءاته العلمية، ليأخذ طريقه في هذا الاتجاه.
إذن، فما تذكره الماركسية من كون الدولة ممثلة لطبقة معينة، غير صحيح بالمرة في الدولة العالمية، كما هو ـ أيضاً ـ غير صحيح كقاعدة عامة على ما عرفنا. فهذه الدولة لا يمثّل حكامها العمال ولا الفلاحين ولا الرأسماليين ولا الإقطاعيين، ولا غيرهم ممّن يخطر في ذهن الماركسيين… وإنّما يمثلون الصالحين في العالم مهما كان عملهم. والدولة تشعر بمصلحتهم جميعاً، وبعاطفة الأبوة والأخوة نحوهم أجمعين.
الناحية الثالثة: في تحقّق الديموقراطية في الدولة العالمية.
إنّ قصدنا من الديموقراطية، ما هو المصطلح لها، وهو اختيار الشعب لحكم نفسه في الأسلوب وأشخاص الحكام؛ فهذا شيء غير موجود في الدولة العالمية، تماماً. بل لا معنى له فيها، بعد الالتفات إلى أسلوب تكوّنها والتخطيط له، والتخطيط التربوي الذي تتخذه، الأمر الذي يتعذر على الجماعة إنجازه وحدها، كما يتعذر عليها معرفة الأشخاص الذين ينجزونه، لو كان لهم وجود بغض النظر عن القيادة المهدوية.
وإن قصدنا منها الإخلاص في الانتخاب وصحته، بدون تزوير حين تعنّ الحاجة إلى ذلك، لو احتاج المجتمع إلى مجالس مؤقتة أو دائمية تقوم على أساس الانتخاب… فهذا أمر صحيح. ولكن صحة الانتخاب هذه لا تقوم على تقديس مفهوم (الديموقراطية)، بل لأجل الجهة الأخلاقية القائلة بشناعة الاستغلال والخيانة. ولا شك أنّ اللعب في الانتخاب يحتوي على استغلال للمرشحين الآخرين وخيانة للهدف المطلوب، وبالتالي لكلّ المجتمع الذي يستفيد من هذا الهدف.
نعم، سيكون للديموقراطية بمعناها المصطلح وجود في المجتمع المعصوم، كما سبق أن أشرنا، وسيأتي في الكلام عن التخطيط الخامس.
الناحية الرابعة: في القاعدة الماركسية القائلة: «من كلّ حسب طاقته ولكلّ حسب حاجته».
وقد عرفنا أنّنا لو أردنا بديلاً عن هذه العبارة ـ ونحن على أي حال في غنى عنها ـ في الدولة العالمية، لقلنا: من كل حسب إرادته ولكلّ أكثر من حاجته. وهو مستوى لم تفكر به الماركسية، بل لا تستطيع التفوه به لأنّه يستلزم أن يترك عمالها أعمالهم، بخلاف الدولة العالمية، التي عرفنا أساليبها في حثّ الأفراد على العمل للصالح العام.
الناحية الخامسة: هل سيصبح العمل الحاجة الأولى للحياة؟
إنّ الماركسية تريد من ذلك تكريس الجهود كلّها، وبدون إلزام حكومي أو قانوني، لزيادة الإنتاج الذي هو هدفها الأساسي في البشرية. وقد رأينا أنّها غير ناجحة في ذلك، باعتبار أنّ الإنسان المكرّس تكريساً اقتصادياً عميقاً طبقاً لمفاهيم المادية التاريخية، يستحيل أن لا يكون أنانياً من الناحية الاقتصادية، وإذا كان أنانياً كان تفكيره في العمل في سبيل المجموع أو الصالح العام متعذراً. ولا يمكن الجمع بين الاندكاك في الجماعة، وبين الأنانية الاقتصادية، كما توقعت الماركسية.
وأمّا العمل في الدولة العالمية، فينبغي أن نفهم منه العمل في سبيل التربية والهدف الأعلى، إذ أنّ العمل الصناعي والزراعي، مكرّس ـ في واقعه ـ في سبيل ذلك، فضلاً عن غيرها من الأعمال الأخرى التي تكون أوضح اندراجاً في هذا السبيل وأجلى تسبيباً له.
وإذا فهمنا ذلك، كان العمل ـ حقاً ـ الحاجة الأولى للحياة. باعتبار أنّ الحياة وكلّ أعمالها مكرّسة في سبيل الهدف الأعلى الذي وجدت من أجله. كما برهنا، لا باعتبار الاهتمام بزيادة الإنتاج خاصّة، كما تريد الماركسية… وإن كانت هذه الزيادة موجودة بأوسع وأعمق أشكالها. فكأن الفرد الماركسي: يعيش ليأكل والفرد العادل يأكل ليعيش.
الناحية السادسة: إنّه بوجود الدولة العالمية العادلة ستزول الويلات عن العالم. لا باعتبار إلغاء الدولة والملكية الخاصّة وصراع الطبقات، بل باعتبار الإيديولوجية المعمقة المطبقة يومئذٍ، المكوّنة من مفاهيم وقانون واعيين بدرجة عالية جداً. ومن أهم فقراتها منع الخيانة والاستغلال وزرع الشعور بالأخوة المستلزمة للعمل المتكاتف في سبيل الهدف الأعلى. وقد عرفنا كثيراً من التفاصيل المندرجة في هذا الصدد، فلا حاجة إلى التكرار.
الناحية السابعة: في إلغاء الملكية تماماً أو عن وسائل الإنتاج خاصة. أمّا إلغاؤها عن وسائل الإنتاج، في الدولة العالمية، فهو صحيح، على ما سمعنا. لا بمعنى التأميم أو إصدار (مرسوم) بهذا الخصوص يعيد ملكية وسائل الإنتاج إلى الأمّة، مع التعويض أو بدونه. بل بمعنى تكفل الدولة الثقل الأهم في هذا الصدد، وتوزيع خيرات ذلك على الناس ـ طبقاً لأساليب نظامية معينة ـ إلى حد تضعف معه أهمية القطاع الخاص، حتّى عند أصحابه… بعد أن كان الخير والرفاه الواصل إليهم من الدولة أضعاف عملهم، ويسير تدريجاً في طريق الفناء. بمعنى أنّه يأتي يوم لا يهتم فيه أي شخص بأن يكون له مصنع أو معمل. وبذلك تتمحض الصناعة للدولة.
وأمّا إلغاء الملكية تماماً، فقد رأينا عدم إمكانه… إذ لا معنى لإصدار (مرسوم) بهذا الخصوص كما هو واضح. وأما تلاشيها ـ كما تتوقع الماركسية ـ فهذا غير ممكن بالنسبة إلى كلّ ما له ندرة نسبية، وهو عدد لا يستهان به من الأشياء، كما عرفنا.
على أنّ إلغاءها بالمرة، حتّى في مأكل الإنسان وملبسه، يحتوي على رد فعل نفسي مؤسف، كما سبق أن قلنا، وهو ينافي التربية العادلة التي تتوخاها الدولة، ومنافٍ للسعادة والرفاه الموجود فيها. بخلاف ذوبان الملكية في الأمور المتوفرة جداً التي تنعدم فيها الندرة النسبية، فإنّها تخلو من هذا المردود.
وقد يقول القائل: إنّ كلّ السلع الاستهلاكية، ستصبح متوفرة بهذا المقدار، فليس لهذا المردود النفسي وجود بالنسبة إليها. وأمّا الأمور النادرة، فإلغاء الملكية بالنسبة إليها لا يحدث أي مردود نفسي، لقلة أهمية عن تلك المواد.
وجواب ذلك من زاويتين:
الزاوية الأولى: إنّ إلغاء الملكية بالنسبة إلى الأمور النادرة نسبياً، لا يكون إلاّ (بمرسوم)، ولا يعقل ذوبانها التلقائي ما دامت نادرة، كما هو واضح. والماركسية لا تدّعي صدور مرسوم من هذا القبيل، وليس في الطور الأعلى دولة لتصدره. إذن، فالبرهنة على بقاء الملكية في الأمور النادرة نسبياً يتسجل إشكال على الماركسية.
الزاوية الثانية: لو فرض صدور مرسوم بإلغاء الملكية عن الأمور النادرة نسبياً، فهو يحتوي في كثير من الحالات على نفس المردود النفسي، أو على بعض درجاته على الأقل، الأمر الذي ينافي التربية والرفاه معاً، كما أشرنا. ويمكننا بهذا الصدد، الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأوّل: إنّ الندرة قد تحدث في المواد الاستهلاكية أحياناً، فيكون إسقاطها عن الملكية أو إسقاط الملكية عنها، حاملاً لنفس المردود النفسي. فلو أنّ إنساناً احتاج إلى الماء في برية جافة، وكان لديه منه ما يروي عطشه، فجاء شخص آخر عطشان وأخذ الماء منه بحجة أنّه ليس ملك الأوّل، لأنّه ألغيت الملكية بمرسوم!!… كان ظالماً له في الضمير العقلائي العام.
الأمر الثاني: إنّ عدداً من الأمور النادرة نسبياً، ممّا لا يمكن فيها ارتفاع هذه الصفة… قد لا تقل أهميتها ـ أحياناً ـ عن المواد الاستهلاكية، ومن ثم يكون إلغاء ملكيتها حاوياً على نفس المردود. فلو أنّ ابن أحد المشاهير، كأنشتاين مثلاً، كانت لديه من أبيه مخطوطات، لا يرى لها في العالم بديلاً، فسلبت منه سلباً حكومياً أو فردياً، بحجة إسقاطها عن الملكية… كان الفاعل ظالماً لا محالة ومنتجاً لنفس المردود في نفس هذا الإنسان.
الناحية الثامنة: بالنسبة إلى المستوى الصناعي والتكنيكي للدولة العالمية، كما هو موجود في الطور الأعلى، في رأي الماركسيين.
ويمكن أن نفهم من الحرية عدّة معانٍ، يهمنا منها ما يلي:
المعنى الأوّل: الحرية بمعناها المطلق الشامل لكلّ الميادين، في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وهذا المعنى غير صحيح، ولا تريده الماركسية لأنّ فيه اعتداءً على حقوق الآخرين، وإباحة لأعمال الخيانة والاستغلال، وإباحة للاعتقاد بغير الفلسفة الماركسية المطلوبة!!…
المعنى الثاني: الحرية من الاستعمار، بمعنى أن لا يكون على المجتمع رأي مفروض من مجتمع آخر أقوى منه، عقائدياً أو اقتصادياً أو غيره.
المعنى الثالث: الحرية في التصرّف والرأي، ضمن الإيديولوجية المعترف بها في ذلك المجتمع، ويساوق ذلك منع كلّ تصرف ينافي تلك الإيديولوجية.
وكلا هذين المعنيين الأخيرين تفترض الماركسية وجودهما في الطور الأعلى، بل فيما قبله من عهود الاشتراكية أيضاً. وهما أيضاً متوافران تماماً في الدولة العالمية.
أمّا وجود المعنى الثاني للحرية في الدولة العالمية، فهو واضح جلي، إذ ليس هناك مجتمع أعلى من هذه الدولة ليفرض رأيه عليها، بعد أن أصبح مجتمعها هو العالم كلّه.
وأمّا سيطرتها هي على العالم، فلا يعتبر من نوع الاستعمار، فإنّ الاستعمار هو السيطرة المساوقة مع الاستغلال والتحكّم واللعب بخيرات ومقدرات الشعوب. وأمّا إذا كانت السيطرة بقصد أبوي لأجل خير البلاد المفتوحة نفسها، وإذا كانت الدولة المسيطرة تستطيع أن تخدم الشعب المفتوح أكثر ممّا يستطيع هو أن يخدم نفسه، وإذا كان واضحاً في ذهن الشعب المفتوح بحيث فرح بهذا الفتح الجديد، وبالخلاص من (أوصاب الماضي) كما تعبر الماركسية… إذن لا يكون للاستعمار وجود، شأنه في ذلك شأن الفتح الإسلامي الذي أخرج الشعوب المفتوحة من ذل العبودية والظلم وأدخلها في الدين الفاتح نفسه بل ولغته أيضاً أحياناً.
وأمّا المعنى الثالث للحرية فهو ضروري الوجود في الدولة العالمية، لكونه من المؤثرات الرئيسية في التربية المتوخاة لها… لما عرفناه فيما سبق من أنّ الاختيار وحرية التصرّف من الأركان الرئيسية في التخطيط المستهدف لكمال البشرية… لا يختلف في ذلك الاختيار بقسميه الكوني والتشريعي.
فالناس في حدود الإيديولوجية العامّة للدولة، والوعي المهدوي الجديد، أحرار تماماً… في كلّ تصرفاتهم الاجتماعية والاقتصادية والعبادية والأخلاقية وغيرها.
إلاّ أنّ هذا يساوق المنع عن كثير من التصرفات والآراء غير المنسجمة مع تلك الإيديولوجية، إلاّ أنّ هذا المنع سوف لن يكون له أثر واضح، بعد أن يكون الأمر قد استتب للدولة من زاوية السيطرة القوية من ناحية وزاوية الدعوة إلى الحياة الفكرية الجديدة التي تكون مقنعة للناس بشكل واضح وتلقائي في الغالب. وخاصّة بعد أن يتم لهم المقارنة بين نتائج هذه الدولة والنظم السابقة عليها. وهي مقارنة تتم تلقائياً في الذهن أيضاً بالنسبة إلى أي إنسان ملتفت معاصر لتأسيس هذه الدولة منذ أوّل تكوينها.
وأمّا بعد ذلك، فالأمر أسهل، إذ يكون الناس قد تمّ اقتناعهم الكامل بالمستوى الفكري الجديد، ولا يوجد من لا يقتنع بذلك. فقد أصبح البشر أجمعين هادفين ومتآخين في سبيل الهدف الأعلى، وبالتالي منسجمين مع التخطيط العام. وإذا أصبح الفرد هادفاً أصحبت كلّ تصرفاته منطلقة من هدفه. فهو يطبق حريته تلقائياً على هذا النوع من التصرفات، ويستنكر غيرها. وهذا معنى كونه حراً في حدود الإيديولوجية المعترف بها في ذلك المجتمع، من دون أن يشعر بأية حزازة فيما تستتبعه هذه الحرية من منع وحجر. بل إنّه يرى مثل هذا المنع والحجر لكلّ مخالف حقاً وصحيحاً، بعد اقتناعه بتلك الإيديولوجية واستهدافه لهدفها.
الناحية العاشرة: في سيادة الأخلاق بدل القانون، كما حاولت الماركسية.
إنّ الأخلاق بمعناها الواسع المعمق، ستكون سائدة لا محالة في الدولة العالمية، لكنّها ستكون موجودة إلى جنب القانون، لأنّها لا تغني عنه، ولا يمكنه أيضاً أن يغني عنها.
أمّا أنّ الأخلاق وحدها لا تفي بالقيادة ولا تغني عن القانون، فلأنّ القضايا الأخلاقية الواضحة قليلة وغير كافية لدقائق القيادة الاجتماعية العامّة. يكفينا من ذلك أن ندرك بوضوح أنّ الأخلاق وحدها لا تستطيع أن تحدّد موقفاً كاملاً بإزاء القانون المدني أو الجزائي أو بإزاء خطة أو أسلوب اقتصادي معين.
وتحويلنا على التقاليد، كما سمعنا من الماركسية، لا يسد هذا النقص، لأنّ في التقاليد أموراً ضحلة وفاسدة ومشوشة، تمنع ما جعلها محكاً للقيادة، وهي في الدولة العالمية أشد بُعداً عن ذلك، لأنّ التقاليد السابقة على وجود هذه الدولة فاسدة جملة وتفصيلاً ولا بدّ من اجتثاثها وتغييرها. والتقاليد اللاحقة لوجود هذه الدولة، إنّما توجد طبقاً لتوجيهات هذه الدولة، لا أنّها توجد تلقائياً لتأخذ الدولة منها نظامها.
وكذلك القانون لا يمكن أن يقوم بمهمته بدون أخلاق، وخاصّة المهمة التربوية المطلوبة في الدولة العالمية. صحيح أنّ القانون سيكون موجهاً توجيهاً تربوياً… إلاّ أنّ هذا لا يعني شيئاً بالنسبة إلى التربية إذا كانت طاعته لمجرد القوّة وعلى غير اقتناع أخلاقي. وإنّما تنطلق التربية من حيث الانقياد الاختياري للقانون العادل. وهذا الانطلاق الاختياري المغني عن العقاب، يعتبر من أهم مهمات الأخلاق.
ولا نعني بذلك عدم وجود العقوبات، كيف والقرآن الكريم ينص على عدد منها. وقد عرفنا أنّه يكون مطبقاً تطبيقاً كاملاً في ذلك العنصر. وإنّما المراد أنّه بانتشار الوعي الجديد والاقتناع بإيديولوجية الدولة، يبدأ الناس بالطاعة الاختيارية الواعية تدريجاً. وكلّما ازدادت نتائج التربية ازداد ذلك، فيكون المجتمع في غنى تدريجاً عن قوانين العقوبات، وإن بقيت سارية المفعول أساساً، لتطبق في الأحوال الضرورية، وإن كانت نادرة.
إذن، فالقانون موجود ليتكفل التنظيم العام في الدولة، والأخلاق موجودة لكي تدعم تطبيق القانون بدل القوّة… وبذلك يتساند القانون والأخلاق في الاتجاه نحو الهدف الأعلى نحو المجتمع المعصوم.
ـ 7 ـ
وأخيراً… تحسن الوقفة مع الماركسية في عدّة من الاعتراضات التي وجهت ضد تحقق الطور الأعلى الماركسي. وقد ذكرها الماركسيون أنفسهم ـ كما سمعنا ـ وناقشوها. وقد رأينا صحتها وعدم إمكان التخلص منها ماركسياً. فهل هي واردة يصحّ الاعتراض بها ضد الدولة العالمية الموعودة، أو لا؟!…
وكانت بعض الاعتراضات تنطلق من القانون السائد في الطور الأعلى القائل: من كلّ حسب طاقته ولكلّ حسب حاجته. وبعد أن عرفنا أنّ هذا التغيير لا موضوع له في الدولة العالمية، إذن فكل اعتراض يرد من زاويته سيكون غير ذي موضوع، غير أنّنا نعرضها مع إيضاح جوانبها ليكون أبسط للقارئ.
الاعتراض الأوّل: ما سمعناه عن لينين، ومؤداه أنّه لو أخذ الناس «لكل حسب حاجته» لأخذ الناس الأموال بلا حساب، وبخاصّة وأنّ الدولة غير موجودة لتراقب وتحاسب.
وقد سمعنا مناقشات ذلك، وتوصلنا إلى صحته باعتبار أنّ الإنسان المتربّي على مفاهيم المادية التاريخية الاقتصادية، يستحيل أن لا يكون أنانياً من زاوية اقتصادية. وإذا كان أنانياً اقتصادياً كان مندفعاً بطبعه إلى أن يأخذ من الأموال بلا حساب.
وأمّا في الدولة العالمية، فبالرغم من أنّه يعطي للفرد أكثر من حاجته، لا بقدرها فقط… إلاّ أنّه يتمّ ذلك تحت عاملين مهمين يمنعان التسيّب: أحدهما: الإشراف المركزي القوي للدولة. والثاني: الدافع الأخلاقي في التنازل عن الأنانية في سبيل الغير وفي سبيل الهدف الأعلى والتربية التكاملية. وليس في الدولة العالمية تربية على ترسيخ المفاهيم الاقتصادية وقيادتها للحياة، حتّى تكون عاملاً معاكساً لذلك.
الاعتراض الثاني: ما سمعناه عن بوليتزر أنّه لو كان التوزيع حسب الحاجات، لكانت مداخل الأفراد متقاربة، ومعناه تساوي العاملين: من عمل عملاً قليلاً، ومن عمل عملاً كثيراً… ومعه لا يبقى أي دافع نفسي لأداء المقدار الزائد من العمل. وبذلك يخسر المجتمع أهم ما يمكن أن يحصل عليه من الأعمال الفنية والاختصاصية.
وقد عرفنا صحة هذا الإشكال بالنسبة إلى الإنسان الأناني اقتصادياً، الذي لا يمكنه بأي حال أن يكون له دافع إلى العمل خارج هذه الدائرة المغلقة.
وأمّا في الدولة العالمية، فقد أشرنا فيما سبق أن دخل الناس أجمعين سيكون عالياً. ولكن العمل سيكون موجوداً كما ينبغي، لوجود التفضيل الاجتماعي والأخلاقي لمن يؤدي العمل الزائد على من يؤدي العمل الأقل أو من لا يعمل بدون عذر. وقد عرفنا ما للأخلاق من دافع قوي في ذلك اليوم. مضافاً إلى أنّه ينبغي القول: بأنّ دخل العامل أكثر نسبياً من غيره نتيجة لعمله، كما أشرنا.
الاعتراض الثالث: إنّه مع تساوي الدخل سيتساوى دخل العامل البسيط مع دخل الاختصاصي، والكفوء وغير الكفوء والقوي وغير القوي، بل لأمكن أن يكون دخل الرجل الأحسن والأكمل أقل ممّن هو دونه إذا كانت حاجاته أقل. وبذلك يفقد الاختصاصي مزيته، وبالتالي يفقد دوافعه للعمل أيضاً.
إنّ هذا الاعتراض يشير إلى النقص من حيث الاختصاص وما قبله يشير إلى النقص في ساعات العمل. وهو أيضاً وارد وصحيح بالنسبة إلى الإنسان الأناني اقتصادياً. ولكنّه أيضاً غير ذي موضوع بالنسبة إلى الدولة العالمية لوجود التفضيل الأخلاقي الكبير بالنسبة إلى الاختصاصي علماً وعملاً.
{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}([380]).
{فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}([381]).
الاعتراض الرابع: وهو اعتراض غير منطلق من تلك القاعدة الاقتصادية.
وهو ما ذكره كوفالسون من استبعاد وجود اليوم الذي تسعد به بالبشرية وترتفع به آلامها. إنّ هذا ليس إلاّ حلماً طوبوياً غير قابل للتحقيق. وقد حاول هو الجواب عليه، كما سبق.
وأمّا منطلقنا إلى الجواب، فملخص بيانه أنّ الإنسان ما دام يعيش في العصر الذي يرى فيه رسوخ الحضارة الأوروبية وأشباهها، ومفاهيم الدول الكبرى في العالم، ويتمثل جذور المشاكل السابقة والمعاصرة التي عاشتها البشرية على مدى التاريخ… إنّ هذا الإنسان هو الذي ينبثق تفكيره عن هذا الإشكال.
وأمّا بعد أن برهنا مفصلاً، على تأصّل الخير في العالم، ووجود الهدف الصالح للكون عموماً وللبشرية خصوصاً، وبرهنا على مرحلية الظلم وكونه موقوتاً زائلاً، مهما بدا مهماً ومتعاظماً. إذن فسوف تصير البشرية إلى المستقبل الخيّر الصالح بالضرورة. ولا نحتاج في تصوّر ذلك إلاّ إلى انطلاق يسير من الحدود الفكرية التي يفرضها المكان والزمان على الذهن البشري.
الاعتراض الخامس: ما ذكره كوفالسون أيضاً: من أنّ هناك تهديداً بفناء الحضارة والقضاء عليها في حرب حرارية نووية عالمية، فأين يمكن أن يوجد المستقبل السعيد مع وجود هذه الحرب.
وقد رأينا هذا الاعتراض وارداً على الطور الأعلى الماركسي. ولكنّه لحسن الحظ غير وارد على الدولة العالمية. ويمكن النظر إلى ذلك على مستويين:
المستوى الأوّل: إنّ التخطيط الثالث المنتج للدولة العالمية، يعمل عمله سواء وجدت الحرب العالمية أم لا، ولا تعتبر هذه الحرب معيقة له بأي حال.
وذلك أنّ الشروط الأساسية لليوم الموعود أو الدولة العالمية كما سبق، ثلاثة، لا تضرّ بها الحرب، وستكون متوفرة جميعاً في ذلك اليوم:
الأوّل: وجود الأطروحة العادلة الكاملة التي تكون قابلة للتطبيق في تلك الدولة.
إنّ هذه الحرب سوف لن يتسنى لها القضاء على كلّ المفكرين الحاملين لهذه الأطروحة، بل ولا الكثير منهم. إذ أنّهم يعيشون في بلدان صغيرة ومنزوية عن تيار الدول الكبرى، وليست لهم أيّة مشاركة في الحرب مهما كانت بعيدة. وإنّما الخسارات الكبرى في الأنفس والأموال والحضارة ستكون للدول والجيوش المشاركة، وخاصّة الكبرى منها.
الثاني: وجود القائد المؤهل للقيادة العالمية يومئذٍ، وهو متوفر في شخص الإمام المهدي (عليه السلام). وهو ممّن لا تناله الحرب العالمية بسوء طبقاً لكل المذاهب الإسلامية المؤمنة به.
أمّا إذا ذهبنا إلى الرأي العامّي القائل بميلاده في حينه، فيكون خلال الحرب العالمية غير موجود، أو موجوداً ولا يقتل، لوضوح أنّ من يقتل في هذه الحرب لا يصلح للمهدوية بعدها… وإنّما يوجد المهدي فيمن لا يقتل، بطبيعة الحال.
وأمّا إذا ذهبنا إلى الرأي الإمامي القائل بطول عمر المهدي (عليه السلام) وغيبته… فقد برهنا في (تاريخ الغيبة الكبرى) على ضرورة طول العمر والغيبة له، حتّى يتسنى له عمق القيادة العالمية بعد ظهوره. وبرهنا، في هذا الكتاب، على أنّ كلّ ما له تسبيب إلى مصلحة تلك القيادة، فهو ضروري الوجود في التخطيط الإلهي. ومعه يكتسب الإمام المهدي (عليه السلام) حصانة خاصّة ضد هذه الحرب، من أجل دوام بقائه لأجل قيامه بوظيفته الأساسية في المستقبل المشرق.
وليس معنى كونه محصناً ضد هذه الحرب كونه لا يموت حتّى مع استعمال السلاح ضده. وإنمّا ـ في الأغلب ـ بمعنى أنّه يستطيع شخصياً التخطيط الخاص لأجل نجاته من ضرر الحرب، وهذا التخطيط واجب عليه لأجل حفظ حياته للمستقبل الموعود.
الثالث: وجود العدد الكافي من المخلصين الذين يمكنهم السيطرة على العالم في اليوم الموعود، تحت القيادة المهدوية. وقد حملنا فكرة متكاملة عن ظروف التمحيص التي تستلزم وجودهم.
والحرب العالمية تكون مؤكدة لظروف التمحيص هذه، لأنّها ـ في حقيقتها ـ الدليل الكبير على فشل القوى المادية المزيفة بكلّ أشكالها ومعسكراتها، الأمر الذي يوجب دعم إيمان المؤمنين وإيضاح الفكرة للرأي العام العالمي، وبالتالي يوجب تزايد العدد المطلوب، وترسيخ إخلاص الموجود منهم.
وأمّا حول القضاء عليهم في هذه الحرب ولو صدفة، فالحديث عنه ليس بأعقد من الحديث عن الموت الاعتيادي الذي سيواجهونه كما يواجه غيرهم. الجواب على كلّ حال واحد، وهو أنّ ظروف التمحيص ستكون باقية وعميقة ومستمرة حتّى توجب أن يوجد في جيل واحد مشترك كلّ العدد الكافي من هؤلاء الممحّصين. فإن قضى الموت على بعضهم بسبب الحرب أو غيرها، أمكن الانتظار فترة أخرى حتّى يوجد البديل الكافي ويتكامل العدد؛ إذ ليس للتخطيطات بطبيعتها أمد خاص أو تاريخ محدد تقف عنده.
المستوى الثاني: إنّنا لا نكتفي بالقول بأنّ الحرب العالمية المتوقعة ليست مضرّة باليوم الموعود فقط، بل يحتمل أن تكون نافعة له أيضاً وفي مصلحته، على تقدير حدوثها.
وذلك أنّ هناك سؤالاً يتردّد في كثير من الأذهان، عرضناه مع أجوبته في (تاريخ ما بعد الظهور) وهو أن المهدي (عليه السلام) حين يظهر بشكل أعزل مواجهاً القوى العالمية الضخمة، كيف يستطيع السيطرة عليها وإخضاعها، لأجل أن يؤسّس دولته العالمية الموعودة.
ولهذا السؤال أكثر من جواب، كما سبق هناك، إلاّ أنّ من أجوبته الرئيسية هو حدوث الحرب العالمية قبل إنجاز اليوم الموعود، حيث تتحطم القوى الكبيرة في هذه الحرب الطاحنة، ويظهر القائد المهدي (عليه السلام) على البشرية الباقية، فيستطيع السيطرة على العالم بسهولة نسبية.
إذن، فوجود الحرب العالمية ستكون في صالح اليوم الموعود، ولن تكون ضده، على كلّ حال.
الاعتراض السادس: وهو موجّه إلى الفكر الماركسي فيما يخصّ الحالة المتوقعة بعد الطور الأعلى، نتيجة للتغيّر الضروري الناتج عن الديالكتيك أو تطوّر قوى الإنتاج. وقد عرفنا عجز الماركسية عن الجواب عنه.
وهذا الاعتراض لا معنى له بالنسبة إلى الدولة العالمية، بعد التوصّل إلى نفي النظريات الماركسية العامّة، وإمكان عدم التغيير الذي تتوقّعه الماركسية. فإنّ هذه الدولة ستبقى في الوجود إلى أن يتحقق هدفها الأعلى في التخطيط الرابع وهو المجتمع المعصوم. فإذا وجد ذلك المجتمع بقيت الدولة أيضاً، لكن مع بعض الاختلاف في نظامها بالشكل الذي يمكنه أن يواكب المستوى الجديد العميق ويزيده كمالاً ورفعة.
وبهذا نختم الحديث عن الماركسية، ومقارنتها بالدولة العالمية ومذهبها الاقتصادي.
ـ 8 ـ
وأمّا الحديث عن الرأسمالية ومقارنتها بالمذهب الاقتصادي (الموعود)، فينبغي أن يكون حديثاً منتهياً بعد الذي عرفناه من الاختلافات الشاسعة بين المذهبين الاقتصاديين، من خلال الحديث عن الماركسية.
وإيضاحاً للقارئ نذكر الفروق التالية مستنتجة ممّا سبق:
الفرق الأوّل: عدم وجود المفهوم المذهبي الأوّل للدولة العالمية، في الرأسمالية… وهو حق الدولة في السيطرة على الحقول الاقتصادية بشكل عام. فإنّ هذا الحق منافٍ مع الحرية الاقتصادية التي تؤمن بها الرأسمالية بعمق، وتلغي حق الدولة في التدخل في حياة الفرد، إلاّ في حدود الضرورة.
الفرق الثاني: عدم وجود المفهوم المذهبي الثالث للدولة العالمية، في الرأسمالية… وهو الملكية في نطاق محدود، فإنّ ذلك ينافي بصراحة حق الملكية المطلق الذي تقدّسه الرأسمالية.
الفرق الثالث: حرمة الربح، بشكليه الربوي والتجاري في الدولة العالمية… ممّا هو مجاز ومدعم بالقانون في الدول الرأسمالية. فإنّ البنوك الربوية، بل إيمان الرأسماليين بعمق إمكان قيامها بدونها، يعتبر من واضحات عالم اليوم.
الفرق الرابع: عدم وجود المفهوم المذهبي الرابع للدولة العالمية في الرأسمالية… وهو أخلاقية الاقتصاد وقيام نظامه على التسامح ونكران الذات. وهذا واضح لمن استعرض العلاقات الاجتماعية في الدول الرأسمالية، فإنّ الصداقة والعداوة والحب والبغض والزواج والطلاق والحرب والسلم… وغيرها، كلّها قائمة على أساس اقتصادي أناني صرف، ليس للمفاهيم الأخرى خلاله أي مجال.
الفرق الخامس: إنّ النظام الاقتصادي في الدولة العالمية هادف ـ بالضرورة ـ للتربية العامّة والخاصّة نحو الهدف الأعلى، مع العلم أنّ الرأسمالية خالية من أي هدف سوى الحفاظ على نظامها وتوسيع وجودها في الإنتاج والتوزيع.
وقد عرفنا أنّ وجود الرأسمالية وغيرها من أنظمة عالم اليوم، إنّما هو وجود مؤقت بالضرورة، يقع ضمن تخطيط عام لتمحيص الأفراد والأنظمة معاً، وإثبات الصالح والطالح منها أمام الرأي العام العالمي، مقدمة لليوم الموعود، يوم الدولة العالمية العادلة.
التخطيط الخامس المنتج للحفاظ
على المجتمع المعصوم وتكامله
ـ 1 ـ
إنّ الفكرة التي ينبغي أن نحملها عن العصمة الآن بسيطة إلى حدٍ كبير… فإنّنا إذا عرفنا العصمة بأنّها «الالتزام بالعدل بدون أن يكون هناك احتمال معقول للانحراف»، أو إذا عرفناها بأنّها تحصل «حين يصبح تطبيق العدل لذة حقيقية» بدل الالتذاذ بالانحراف والشهوات. أو إذا عرفناها بأنّها «التعوّد التام على تطبيق العدل بحيث يكون التخلي عنه موجباً للألم» تماماً كاعتياد التدخين من هذه الناحية. إذا عرفناها بكلّ ذلك لا نكون قد جانبنا الصواب. ومقصودنا من العدل: ذلك النظام العقائدي والتشريعي المنسجم مع التخطيط العام، وبالتالي مع الأهداف البشرية الكونية العامة.
وبذلك نكون قد تجنبنا الجدل (الكلامي) الذي يقع بين المذاهب الإسلامية، في اقتران العصمة بامتناع الخطأ والسهو والنسيان أو اقترانها بالإلهام وعدمه.
إن تجنّبنا عن ذلك ضروري فعلاً، لأنّنا لا نعني من العصمة في المجتمع المعصوم أكثر من ذلك، ولا دليل على عصمة أفراد المجتمع يومئذٍ عن الخطأ والنسيان أيضاً، مضافاً إلى العصمة عن التورط عمداً في الذنوب والانحراف. وإن كان ذلك محتملاً في المراحل البعيدة من التكامل.
وبذلك اختلاف مفهوم العصمة الذي نريده عن العصمة التي يلتزم بها الإماميون لأئمتهم الإثني عشر (عليهم السلام) وللأنبياء عموماً. وقد يفرّق بينهما اصطلاحاً بالتعبير بـ «العصمة الواجبة» بالنسبة إلى الأئمة والأنبياء، وبـ «العصمة غير الواجبة» بالنسبة إلى ما قصدناه… وإن كان هذا الاصطلاح لا يخلو من إيحاءات غير صحيحة.
ولعل العصمة بالمعنى الذي أردناه، ثابتة لجماعة من الصحابة والشهداء والصالحين على مرّ عصور التاريخ الإسلامي. فلا بُعد في أن يصبح العالم كلّه معصوماً بهذا الشكل.
ولا يخفى ما للمجتمع الصالح عموماً من دعم للسلوك المعصوم بهذا المعنى، إذ الفرد الصالح في المجتمع المنحرف يكون مهدداً بالانحراف تحت الضغوط العالية المعاكسة لسلوكه، بخلاف حاله في المجتمع الصالح الذي يكون ملائماً مع سلوكه كلّ الملائمة. ومن هنا يكون تكوّن الأفراد المعصومين في المجتمع الصالح منطقياً ومعقولاً.
والعصمة بهذا المعنى يمكن تصوّر وجودها في كلّ فهم مبدئي متكامل نسبياً عن الكون والحياة. فالماركسية حين تعطي المفاهيم والتشريعات، ويكون الفرد منسجماً معها تماماً ومعتاداً على تطبيق كلّ تعاليمها، يمكن أن نسمّيه معصوماً من الناحية الماركسية؛ وسيكون وجود هذا الفرد في مجمع ماركسي دعماً لعصمته هذه… وهكذا. وما نتوخاه الآن هو العصمة على مستوى التخطيط العام والأطروحة العادلة الكاملة.
والعصمة قابلة للتكامل والتربية والنمو، فكلمّا ازداد الفرد إخلاصاً وملاحظة لأقواله وأفعاله تجاه العدل، وكلّما تعمّق في الغيرية من ناحية وفي الشعور بأهمية طاعة الله عزّ وجلّ من ناحية ثانية… إلى صفات أخرى قد يكتسبها… كلّما ازداد الفرد عصمة وصعد في درجاتها العليا. وهذا هو الذي سميناه «بتكامل ما بعد العصمة»، وبرهنا في (تاريخ الغيبة الكبرى) على إمكانه.
ـ 2 ـ
وكما يمكن أن يكون الفرد معصوماً، يمكن أن يكون الرأي معصوماً. فعصمة الفرد تحمل معنى أن يكون احتمال مخالفته ضعيفاً جداً، وغير معقول كما أشرنا في التعريف، وعصمة الرأي تحمل معنى أن يكون احتمال مخالفته للواقع ضعيفاً جداً، وغير معقول. وعصمة الفرد تتعلق بأفعاله الاختيارية من قول أو فعل، وتنشأ من علمه بمتطلبات العدل وقوّة إرادته في تطبيقها. وعصمة الرأي تتعلق بمداليل الأقوال بصفتها معانٍ أو أفكاراً أو عقائد. وتنشأ من اطلاع صاحب الرأي على الواقع الموضوعي للوقائع أو للمصالح.
والرأي قد يكون «خبراً» وقد يكون «إنشاءً» أو تشريعاً. فالخبر المعصوم ناشئ من الاطلاع على الوقائع الموضوعية، والتشريع المعصوم ناشئ من الاطلاع على المصالح الحقيقية للمجتمع، وهو تشريع عادل بالضرورة.
وليس هناك ترابط كامل بين عصمة الفرد وعصمة الرأي. فقد يكون الفرد معصوماً في أفعاله غير معصوم في رأيه. فإنّ عصمة الفرد «غير الواجبة» لا تقتضي أكثر من أن يكون تعمده للكذب غير معقول، ولكن قد يكون رأيه غير مطابق للواقع على غير عمد منه. وقد يكون الفرد معصوماً في أفعاله ورأيه، وذلك لا يكون إلاّ في العصمة «الواجبة» أو ما يساوقها من المراتب العليا.
كما قد يكون الفرد معصوماً في رأيه غير معصوم في أفعاله. نذكر لذلك مثالين:
المثال الأوّل: إن فرداً اعتيادياً التقط «خبراً معصوماً» من فرد واجب العصمة. فيكون اعتقاد هذا الفرد بصحة هذا الخبر «رأياً معصوماً» من دون أن يكون صاحبه معصوماً.
المثال الثاني: ما سنذكره في الفقرة التالية من وجود الرأي العام المعصوم. حيث لا يفترض العصمة بأي فرد في المجتمع، ولكن ما حصل عليه اتفاقهم وإجماعهم من الآراء خبراً أو تشريعاً، كان معصوماً. وهو ينشأ من كون الوقائع أو المصالح التي اتفق المجتمع المعين على وجودها فهي موجودة بالفعل. يكون احتمال اتفاقه على الخطأ من هذه الناحية موهوناً وغير معقول.
ـ 3 ـ
سبق أن أوضحنا في «تاريخ ما بعد الظهور»([382]) أنّ المجتمع الذي يعيش على منهج التربية المركز الذي تقوم به الدولة العالمية، سوف يمر بمرحلتين من العصمة، يكون الثاني تركيزاً وترسيخاً للأوّل… نعرضهما الآن على ضوء الأسس التي عرفناها في هذا الكتاب:
المرحلة الأولى: أن يكون الرأي العام معصوماً دون الأفراد… ولكنّهم صالحين بالمقدار الكافي.
ولهذا المستوى أمثلته في عالمنا اليوم على المستوى الإسلامي وغيره:
أمّا على المستوى الإسلامي فـ «الإجماع» الذي تحتج به المذاهب الإسلامية، على اختلافها، باعتباره ضروري المطابقة للواقع. فإنّ علماء الإسلام حين يكونون صالحين إلى درجة كافية، يكون الرأي المتفق عليه بينهم معصوماً واحتمال مخالفته للواقع موهوناً وغير معقول. ومن هنا كان الإجماع دليلاً كافياً بل أكيداً على الحكم الشرعي الإسلامي.
وأمّا على المستوى غير الإسلامي، فالمجالس النيابية والمؤتمرات ونحوها، إذا اتفقت على أي شيء يكون المفروض فيه عند أهله كونه صواباً ونافذاً على الناس، أنّه سيكون نافذاً لمجرد حصول أكثرية الأصوات فيها فضلاً عن (الإجماع) إذا حصل. فإن حصل كان هذا الرأي (مقدساً) وضرورياً وليس معصوماً فقط.
وحين تترسخ هذه المرحلة تحت الإشراف التربوي المركّز للدولة، وتحت قيادة الحاكم المعصوم والتشريع المعصوم… يعتاد الأفراد بالتدريج في هذا المجتمع الصالح على تطبيق العدل ويجدون فيه لذتهم المفضلة، ويجدون في تخلّفه أسفاً وألماً نفسياً غير مريح، حتّى يصبح احتمال مخالفتهم للعدل موهوناً وغير معقول.
ومن هنا (يولد) في هذا المجتمع الأفراد المعصومون بالتدريج، ويبدؤون بالتكاثر، ومن ثم تبدأ المرحلة الثانية بالوجود.
المرحلة الثانية: المجتمع الذي يكون أغلب أفراده أو كلّ أفراده معصومين بـ «العصمة» غير الواجبة. والمهم في نسبة تواجد المعصومين هو أن تكون «الصبغة العامة» للمجتمع هي العصمة، بحيث لو قبضت على فرد غير معين في الشارع، كان احتمال كونه معصوماً كبيراً جداً. ولا ينافي ذلك وجود أفراد قلائل نسبياً غير معصومين. مثاله أنّك إذا قبضت على يد فرد في الشارع في بلد إسلامي، فإنّ احتمال أن يكون مسلماً كبيراً جداً، لأنّ الصبغة العامة للمجتمع هي الإسلام، ولا ينافي ذلك وجود أفراد غير مسلمين، بنسبة غير كبيرة.
وينبغي أن نلتفت بهذا الصدد، إلى أنّ العصمة هي قمة عليا من قمم التربية، ولا يصل إليها الفرد إلاّ بعد تركيز تربوي كبير. وهو أمر متوفر في المجتمع الصالح الذي تحكمه الدولة الصالحة، غير أنّ احتياج تطبيق هذا المنهج إلى فترة زمنية من عمر الإنسان، يجعل الأفراد الذين هم في طريق التربية غير معصومين بطبيعة الحال. وكلّ مجتمع يحتوي ـ بالضرورة ـ على أناس في طريق التربية، وهي الفترة التي تقع بين سن التكليف أو تحمّل المسؤولية وما بين العصمة. وهي فترة تزيد وتنقص بالنسبة إلى الأفراد بطبيعة الحال.
إنّ المجتمع الذي يحتوي بالضرورة على هؤلاء لا يمكن أن يكون كلّ أفراده معصومين… إلاّ أنّ هذا لا يشكّل نقطة ضعف في عصمته، بعد ملاحظة أمرين، الأمر الأوّل: إنّ وجود هؤلاء غير المعصومين لا ينافي وجود «الصبغة العامة» للعصمة، في المجتمع. الأمر الثاني: إنّ هؤلاء ليسوا متمردين بل منسجمين مع العصمة ومتهيئين للوصول إليها. فوجودهم مشابه لوجود المعصومين إلى حدٍ كبير، وليس مغايراً له أو منافياً معه.
فهذا هو المجتمع المعصوم… إنّ العالم… إنّ البشرية كلّها سوف تصبح على هذا الشكل بالتدريج، طبقاً للتخطيط الإلهي العام، وسيكون هذا التخطيط قد وصل إلى هدفه الأعلى. ولكن حيث إنّ سلّم التكامل لا نهائي الدرجات، سيكون تجاه المجتمع العالمي المعصوم، فرصة واسعة جداً للتربية والنمو.
ـ 4 ـ
إنّنا بعد أن عرفنا وبرهنا على أنّه يتعذر على الباحث في هذا العصر التعرّف على العمق الحقيقي والكامل للوعي والتشريع في دولة العدل العالمية… سيكون هذا التعذّر أولى وأوضح في المجتمع المعصوم لأنّه أشدّ تركيزاً وأبعد زماناً من الدولة العالمية.
وينتج من ذلك، أنّنا وإن استطعنا التعرّف على بعض معالم المذهب الاقتصادي في الدولة العالمية، قبل وجود المجتمع المعصوم، ولكن ذلك وكثير غيره سوف يكون متعذراً تماماً في المجتمع المعصوم.
ومن هنا ينبغي أن نكفكف من غلواء الطمع، ونقتصر على بيان بعض الصفات للمجتمع المعصوم، ممّا يمكن أن يقودنا إليه أو يدلنا عليه الدليل.
ـ 5 ـ
إنّ ما يمكن أن نتعرّف عليه من خصائص المجتمع المعصوم، عدّة أمور:
الخصيصة الأولى: أنّه بينما عرفنا أنّ الدولة العالمية، تحدث في العالم كلّه، دفعة واحدة نسبياً… لا أنّها توجد بالتدرج البطيء، كما توقعت الماركسية لطورها الأعلى… نرى المجتمع المعصوم يحدث بالتدريج، تبعاً لما يناله كلّ مجتمع محدود من التربية وما يتقبله ويتجاوب معه منها. إنّ المجتمعات تختلف في ذلك اختلافاً غير قليل تبعاً لمستوياتها الثقافية والعقلية والحضارية والعقائدية.
فالمراد بالمجتمع، إذن هو المجتمع المحدود المكوّن من بلدة أو منطقة أو قطر أو إقليم. إنّ كلّ مجتمع سوف يمر تحت العناية والتركيز التربوي القويين، سوف يمر بالمرحلة الأولى للعصمة ثمّ يتجه إلى الثانية حتّى تتحقق فيه… وكذلك المجتمع الآخر. وهكذا. وسيكون هدف الدولة يومئذٍ تكوين المجتمع العالمي المعصوم بمختلف أشكاله ومستوياته، الذي هو الهدف الأساسي لوجود البشرية.
إنّ المجتمع المعصوم يتفق في صفة التدريجية ـ إلى حد ما ـ مع الطور الأعلى الماركسي([383]). ولكنّنا قلنا إنّ مجتمعاً ما إذا وصل إلى الطور الأعلى سيكون مهدداً بالغزو الخارجي والانهيار تحت ضرباته من قبل الدول المعادية له في العالم، وخاصّة مع خلوّه عن الدولة والقانون. إلاّ أنّ هذا الاعتراض غير وارد على المجتمع المعصوم، كما هو واضح… لوجود الدولة القوية فيه من ناحية، وعدم وجود دولة أخرى معادية بالمرة، لأنّها دولة عالمية لا ثاني لها.
وبهذا التسلسل الفكري استطعنا السيطرة على الاعتراض الذي قد يرد إلى الذهن، وهو أنّ العالم يحتوي على مجتمعات متخلفة جداً وبدائية. كما يحتوي على مجتمعات متطرفة جداً في عقائدها ضد التخطيط العام. فكيف يتسنى للدولة العالمية صياغة العالم كلّه بصفة العصمة؟!.
فإنّ جواب ذلك هو أنّ الحديث عن أمثال هذه المجتمعات ينبغي أن يكون منتهياً قبل وجود أي مجتمع معصوم في العالم. إنّ الفترة المتخللة بين تأسيس الدولة العالمية ووجود المجتمع المعصوم، فترة التخطيط الرابع، كافية لتأهيل المجتمعات عموماً لاتخاذ صفة العصمة، سواء من ناحيتها الحضارية بمحاولة الارتفاع بمستواها إلى مصاف المجتمعات العالية، أو من ناحيتها العقائدية، بالسيطرة الإيمانية الكاملة على البشرية كلّها في أوائل تأسيس الدولة العالمية.
إذن، فالتأهيل لاتخاذ صفة العصمة سيكون موجوداً بانتهاء التخطيط الرابع لكلّ البشرية. غير أنّ التفاوت في وجود هذه الصفة موجود باعتبار اختلاف المجتمعات في خصائص أخرى.
والهدف الأعلى للتخطيط العام، لن يتحقق إلاّ بعد حصول كلّ المجتمعات في العالم على صفة العصمة. لكنّنا ينبغي أن لا ننسى الحديث عن (الصبغة العامة). إنّ تحقّق هذا الهدف يكفي فيه أن تكون الصبغة العامة للعالم هي صفة العصمة… ولا يضر في ذلك وجود عدد من المجتمعات غير المعصومة، ولكنّها غير متمردة بل هي في طريق العصمة.
تماماً، كالحضارة في عالم اليوم… إنّ الصبغة العامّة للعالم كونه متحضراً ولا ينافي ذلك وجود عدد من المجتمعات غير المتحضرة، وإنّما هي في طريق الحضارة.
نعم، لا شك أنّ حصول كلّ المجتمعات في العالم على صفة العصمة، بارتفاع كلّ المستويات المنخفضة إلى القمة العليا يعتبر تركيزاً قوياً للهدف البشري الأعلى، وهو ممّا يستهدفه التخطيط الخامس نفسه.
الخصيصة الثانية: تحول الحكم إلى الشورى أو الانتخاب، بعد أن كان على شكل التعيين.
والسر في ما أشرنا إليه في (تاريخ الغيبة الكبرى)([384]) من أنّ مفهوم الشورى أو الانتخاب أو الديموقراطية بالمعنى الاصطلاحي، لا يصحّ تماماً في الآراء الفجة والناقصة والمنحرفة… فإنّ مجموع الآراء الناقصة تمثّل رأياً ناقصاً لا محالة. واتفاق الناقصين على شيء لا يعني أي شيء.
وأمّا بعد وصول البشرية إلى سن الرشد والنضج، إلى العصمة، فيكون الرأي العام معصوماً غير قابل للخطأ، ويكون الفرد أقرب جداً إلى إدراك مصالحه الحقيقية، ومعرفة ممثليه الصالحين من غيرهم… بما لا يقاس من عصر ما قبل العصمة.
ومن هنا ينفتح له المجال في المشاركة الفعلية في سنّ الأنظمة واتخاذ القرارات الجماعية، وانتخاب الممثلين على مختلف المستويات بما فيها منصب الرئاسة العليا. ويكون المنتخبون أنفسهم معصومين بطبيعة الحال، بل من أكمل أفراد المجتمع المعصوم.
وسيكون الشيء الوحيد الذي لا يكون قابلاً للتغيير هو الأحكام القطعية المتبناة للإسلام… للأطروحة العادلة الكاملة المطبقة يومئذٍ. وإن كنّا لا نعرف بالتحديد ما الذي سوف يكون قطعياً أو لا يكون من الأحكام. ولكن بعض ما هو موجود الآن نعلم بعدم قابليته للتغيير أيضاً.
وينبغي أن نلتفت إلى أنّ الرئاسة لا يمكن أن تكون انتخابية، إلاّ بعد أن يصبح المجتمع منتجاً لأشخاص معصومين كاملين، يمكنهم أن يقوموا بنفس المهمة التربوية التي كان يقوم بها الرؤساء السابقون الذين تولّوا الحكم بالتعيين، انطلاقاً من الأسس العامة التي اقتضتها الأطروحة العادلة من ناحية، وتوجيهات القائد الأوّل المهدي (عليه السلام)، من ناحية أخرى.
ولكن متى يصبح المجتمع منتجاً لأفراد معصومين، لتكون الرئاسة انتخابية. إنّ هذا سوف لن يحدث عادة حين دخول المجتمع بالدور الأوّل من العصمة. فإنّ مجرد اتصاف الرأي العام بالعصمة لا يعني اتصاف الأفراد بها، كما سبق، وإذا لم يكن الفرد معصوماً كان من الصعب تكفّله للمنهج التربوي للعصمة والمحافظة عليها.
إذن، سيدخل المجتمع في عهد الانتخاب بعد هذا العهد، حين يستطيع إنتاج الأفراد المعصومين، ولو بشكل قليل. وهذا قد يحدث في الدور الأوّل للعصمة قبل أن يتكاثر المعصومون ليشكّلوا الدور الثاني.
هذا، ولا ينبغي أن نتوقع الاطلاع على أكثر من ذلك، من تفاصيل وأساليب الانتخاب وعدد المنتخبين ومناصبهم، وغير ذلك… فإنّ كلّ ذلك ينبغي أن يبقى في ضمير الغيب. على أنّنا ذكرنا عدداً من التفاصيل في (تاريخ ما بعد الظهور)، لا حاجة إلى تكرارها.
الخصيصة الثالثة: إنّ المجتمع سيستغني بالتدريج عن عدد من القوانين التي كان محتاجاً إليها من أوّل وجوده إلى الآن. كقوانين القضاء والجرائم والعقوبات، وكلّ ما يمت إلى محاولة رفع القصور والتقصير من الناس الاعتياديين السابقين على مجتمع العصمة… بعد أن ارتفع ذلك فعلاً في حدود المعطى القانوني. ولكن هذا لا يعني إلغاءها تلافياً للمضاعفات، إلاّ إذا أصبح كلّ العالم معصوماً.
وسيكون البناء القانوني للمجتمع، في حدود ما نستطيع فهمه الآن، متكوّناً من عناصر ثلاثة:
العنصر الأوّل: الأحكام الضرورية للقرآن الكريم… بالفهم الموجود في ذلك العصر.
العنصر الثاني: الأنظمة التي تحدد العلاقات بين الناس، ويكون مصدرها المجتمع نفسه عن طريق الشورى أو الديموقراطية، حيث يسنها المجتمع ويوافق عليها عن طريق التصويت المباشر، أو تكون نافذة عليه من قبل الرؤساء المعصومين الذين يحكمونه بالانتخاب.
العنصر الثالث: الأخلاق، وهي قضايا عملية واقعية تحدّد العلاقات بين الناس. وهي دائماً داعمة للقانون العادل والدولة الصالحة. وتكون أحياناً أعلى من القانون تأثيراً وتحديداً وأهمية… وخاصّة في مستوى الوعي العالي الذي يكون عليه المجتمع المعصوم… فإنّ التوقعات الأخلاقية تتعمق وتتوسع بتعمّق الوعي والثقافة والشعور بالمسؤولية. فإذا بلغت هذه الأمور ذروتها بلغت المسؤولية الأخلاقية ذروتها أيضاً.
وهي ـ بهذا المعى ـ أعقد من القوانين، إذ أنّ عدداً من الآراء والتصرفات يصعب على القوانين تحريمها والمنع عنها، على حين تعتبر في المفهوم الأخلاقي العميق محضوراً تاماً على فاعله ومعاقباً عليه، بفعله أو بتركه. وبذلك تكون الأخلاق: قانون ما بعد القوانين.
وهذا هو المستوى الذي يتوفّر للمجتمع المعصوم من الأخلاق، لا المستوى الذي تصوّرته الماركسية لمجتمعها الذي ليس له أيّة نسبة في الوعي والمسؤولية بإزاء هذا المجتمع المعصوم. ومع ذلك فإنّ الأخلاق لا تستطيع أن تقف وحدها، كما توقعت الماركسية، وإنّما صحّت لها السيادة مع العنصرين الأوّلين بطبيعة الحال.
الخصيصة الرابعة: مشاركة المجتمع المعصوم في البناء الكوني.
حيث سبق أن برهنا في الأسس العامّة للتخطيط العام، أنّ كلّ ما هو موجود في الكون ـ بما فيه البشرية ـ له مشاركة بالضرورة في الأهداف الكونية العليا، وأنّ الجزء الكوني كلّما كان أفضل وأكمل، كانت مشاركته بشكل أحسن. ومن هنا وجد التخطيط العام لتكامل البشرية مستهدفاً تربيتها إلى أقصى ما يمكن لها من التربية. وتكون في ذلك الحين قد وصلت إلى ذلك، أو إلى بعض مراحله العليا. ومن هنا يكون لها بالضرورة مشاركة كونية فعالة بطبيعة الحال.
وبرهنا في الأسس الخاصّة للتخطيط أنّ هذا الكمال الذي تناله البشرية إنّما هو العبادة المحضة لله عزّ وجلّ الخالق الحكيم وتكريس كلّ العقيدة والسلوك له، إلى درجة العصمة عن الانحراف عنه، وانتشار ذلك في أفراد البشرية أجمعين. فهذا هو المجتمع الذي يكون منسجماً مع التخطيط الكوني العام ومشاركاً في بناء أهدافه. وإنّما تعتبر المشاركة للمجتمعات السابقة عليه، باعتبارها منتجة له.
وأمّا شكل هذه المشاركة، فينبغي أن تبقى رهن المستقبل، إذ يستحيل على الباحث إعطاء معالمه.
كلّ ما في الأمر أنّنا ينبغي أن نتعقل هذه المشاركة ولا نستنكرها… فإنّ لها في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم والسنّة الشريفة أمثلة عديدة… نقتصر فيما يلي على الجانب الإسلامي من الشواهد، ونحيل الباقي على الجزء الخاص به من هذه الموسوعة.
إنّ القرآن الكريم يحتوي على كثير من حوادث مشاركة الكون أو الطبيعة مشاركة إيجابية مع جانب التكامل البشري والطاعة لله عزّ وجلّ، ومشاركة سلبية مع جانب العصيان على العدل.
الجانب الأوّل: المشاركة الإيجابية مع الطاعة. ومثاله، جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم (عليه السلام)([385])… وخروج النبي يونس (عليه السلام) من بطن الحوت لكونه من المسبّحين([386])، وقد نبتت له بعد خروجه شجرة من يقطين([387])، وانفلاق البحر للنبي موسى (عليه السلام) لدى عبوره بالمؤمنين من مصر إلى فلسطين خلال البحر الأحمر([388]).
ويدلّ على إمكان هذه المشاركة أيضاً قوله تعالى:
{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)}([389]).
فإنّها تدل ـ فيما تدل عليه ـ على أنّ الفرد إن كان صادقاً وغير مدين بذنب يمكنه أن يرجع الروح عند وداعه البدن. وإنّما يعجز الناس عن ذلك باعتبارهم مدينين بالذنوب وغير صادقين في أعمالهم وأقوالهم. وهذا من أعظم المشاركات الكونية على سطح الأرض بالنسبة للصالحين. فأحرى بالمجتمع المعصوم أن يكون كذلك.
ويدلّ على ذلك أيضاً، الآيات التي تدلّ على تعاون الكون مع التطبيق التشريعي العادل، كقوله تعالى:
{وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16)}([390]).
وقوله تعالى نقلاً عن نوح (عليه السلام):
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)}([391]).
إلى غير ذلك من الآيات.
الجانب الثاني: المشاركة السلبية مع التمرّد على العدل وعصيان تطبيقاته. والآيات بذلك كثيرة، تنطق عن عدد من العقوبات التي نزلت بالعصاة، من أوضحها الطوفان([392]) الذي استأصل العصاة والمتمردين على نوح (عليه السلام)، وسيل العرم([393]) الذي أخذ العصاة من (سبأ). والحجارة من سجّيل التي أمطرت على قوم لوط أوّلاً([394]) وعلى جيش أبرهة الأشرم عند غزوة للكعبة([395]) ثانياً.
وأمّا السنّة الشريفة، فعلى أشكال ومستويات عديدة، نذكر منها اثنين، سبق أن سمعناهما في (تاريخ ما بعد الظهور):
المستوى الأوّل: ما روي عن طريق العامّة والخاصّة من أنّه مع وجود النظام العادل يتحقق الأمن على نطاق كوني حتّى ترعى الشاة مع الذئب، ويلعب الصبيان بالأفاعي لا يضروهم شيئاً، ويمشي العجوز بين كربلاء والنجف، لا يهيجها لص ولا يرعبها سبع. وقد سردنا الروايات الناطقة بذلك هناك([396]).
المستوى الثاني: ما سمعناه هناك أيضاً([397]) من الأخبار التي اتفق عليها الفريقان أيضاً، مع تحقق هذه الظاهرة عند تطبيق النظام العادل، وهي أنّ الأرض تلقي بأفلاذ كبدها كأمثال الأسطوانات من الذهب والفضة وسائر المعادن، يراها الناس على وجه الأرض، ولا حاجة لهم إلى التنقيب الشديد عنها في داخل الأرض.
إنّ كلّ هذه أساليب مختلفة من نتائج الطاعة، والتجاوب الكوني مع العدل، أو قل: تجاوب العدل مع الكون. فإنّ البشرية بعد تكاملها أصبحت عاملاً مباشراً لصيقاً بالتخطيط الكوني وأهدافه العليا، فأحرى بها أن يكون لها درجة كافية في التصرف بالكون، وأحرى بالكون أن يكون له درجة كافية من الانسجام والتعاون معها… بعد أن كان تخطيطه واعياً واختيارياً، منطلقاً من الحكمة الأزلية وإن بدت قوانينه اضطرارية قسرية. إلاّ أنّنا عرفنا أنّ الغاية هي التي تحدد الواسطة: إنّ القسر في (قوانين) الكون إنّما وجد من أجل تلك الغاية العليا، فإذا اقتضت تلك الغاية الاستغناء عن هذه القسرية أحياناً أو في كثير من الأحيان، كان ذلك ضرورياً، وقد عرفنا أنّ كلّ ما في الكون، منسجم مع تلك الغايات، غير زائد عليها وغير ناقص عنها. ولا يبقى مانع عن تعقل ذلك إلاّ مجرد عدم الألفة والاعتياد.
الخصيصة الخامسة: طول المدّة لبقاء المجتمع المعصوم. حيث سبق في (تاريخ ما بعد الظهور) أن برهنا على أنّ المدة المتخللة من تأسيس الدولة العالمية إلى فناء البشرية مدّة طويلة جدّاً تفوق المدّة السابقة عليها بكثير.
وكان السبب الرئيسي للالتزام بذلك، هو أنّ البشرية عاشت الآلام والويلات آلافاً من السنين مقدمة لوجود مستقبلها الموعود، المتمثل بالدولة العالمية، وما بعدها. فليس من المعقول أن يوجد ذلك المستقبل لفترة قصيرة من الزمن، بحيث تكون آلام البشرية أكثر من سعادتها، أو أنّ أجيالاً ضخمة من الناس يضحّى بها في سبيل عدد قليل من الأجيال، أنّ هذا غير حسن في الحكمة الإلهية بكلّ تأكيد. بل ولا يحسن أن تكون السعادة بمقدار الآلام. إنّ هذه التضحية لا تصحّ إلاّ إذا كانت السعادة أضخم بكثير من الآلام، بحيث تصدق عليها فكرة: التضحية بالمصلحة الخاصّة من أجل المصلحة العامّة. وتكون الأجيال السابقة على الدولة العالمية بالرغم من كثرتها، قليلة بمنزلة المصلحة الخاصّة والأجيال اللاحقة لها كثيرة بمنزلة المصلحة العامة، لكي تكون التضحية بالأجيال البشرية معقولة ومنطقية.
فإذا عرفنا أنّ الحكمة الأزلية المخططة للبشرية كمالها، لا تختار إلاّ الأفضل دائماً، ولا يمكن أن تختار ظلماً أو قبيحاً… يتبرهن أن تكون البشرية اللاحقة للدولة العالمية، مارّة بالمجتمع المعصوم، أطول عمراً ممّا قبلها بأضعاف كثيرة، لا أقل من عشرة([398]).
فإذا أضفنا إلى ذلك مشاركة المجتمع المعصوم في البناء الكوني العام وتخطيطه وأهدافه، والبناء الكوني عادة بطيء الإنتاج طويل الأناة… إذن نعرف، على نحو الإجمال، المقدار الزمني الطويل الذي ينبغي للمجتمع المعصوم أن يعيشه على سطح هذه الأرض.
وبذلك يكون هذا المجتمع أعظم وأطول حضارة علمية وعقائدية منذ مولد البشرية إلى فنائها. فلئن تمّ البرهان وصحّ الدليل على أنّ الحضارات مؤقتة مهما طالت، وأن يوم فنائها لا محالة وارد إلى عالم الوجود، إلاّ هذه الحضارة الجبارة فإنّ الدليل قد قام على تساوقها مع البشرية إلى نهايتها. وخاصّة إذا أخذنا بالأطروحة الأولى الآتية في التخطيط الخامس.
فإذا عطفنا على ذلك ما عرفناه مفصلاً، بأنّ الحقبة السابقة لوجود البشرية على طولها واختلاف عصورها، إن هي إلاّ مقدمات لوجود هذه الحضارة العظيمة. استطعنا القول حينئذٍ إنّ هذه الحضارة بمقدماتها ووجودها تستوعب البشرية أجمعين، لكي يتم على التحقيق الوجود الكامل لقوله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}([399]) بالفهم الذي سبق أن ذكرناه
وكرّرناه.
التخطيط السادس المنتج لفناء البشرية
ـ 1 ـ
سبق أن ذكرنا في «تاريخ ما بعد الظهور»([400]) أنّ لفناء البشرية أطروحتين محتملتين، نذكر مؤداهما فيما يلي:
الأطروحة الأولى: إنّنا لو سرنا حسب التسلسل الفكري السابق لخصائص المجتمع المعصوم، بدون أن نلحظ شيئاً أخر، لأنتج النتيجة التالية:
إنّ المجتمع المعصوم يستمرّ في التكامل، في تكامل ما بعد العصمة، الذي تصوّرناه وبرهنا عليه، طبقاً لخطين مقترنين:
الخط الأوّل: التربية المركزة التي تمارسها الدولة باستمرار حسب حاجة كلّ عصر، ممّا ينتج أنّ كلّ جيل أفضل من الجيل الذي سبقه، وهكذا… وإن كانت مشتركة في صفة العصمة.
الخط الثاني: المشاركة الكونية المستمرة التي توجد بوضوح بمجرد وجود المجتمع المعصوم وتبدأ بالترسخ والتكثر تدريجاً، عاماً بعد عام وجيلاً بعد جيل.
فإذا بلغت المشاركة الكونية نسبة عليا، وأصبحت مئة بالمئة، اندمجت البشرية بالكون العام واستنفدت أغراضها عن وجه هذه الأرض… وقد يكون التعبير الإسلامي بالملائكة صادقاً إلى حدٍ كبير. إنّ الجيل الأخير يصبح كلّه كالملائكة تماماً، لا حاجة لهم بالبقاء على سطح الأرض، وإنّما لهم الشوق الكامل إلى المشاركة في بناء الكون وإنجاز أهدافه من زوايا أعظم وأهم. وبذلك يحصل الانفصال النسبي([401]) بين الأرض والبشر.
الأطروحة الثانية: إنّنا لو عطفنا على التسلسل الفكري السابق ما وجدناه مروياً في أخبار الفريقين([402]) بأنّ «الساعة لا تقوم إلاّ على شرار الخلق»… أي أنّ فناء البشرية لا يكون إلاّ على جيل شرير… إذن، لا بد لنا من رفع اليد عن الأطروحة الأولى، باعتبارها لا تتضمن هذه الفكرة بالضرورة.
قد يكون ذلك لأجل الشفقة على الأجيال المعصومة أن تواجه أهوال القيامة… وقد يكون لأسباب أخرى. وعلى أي حال، فالأخبار الواردة بهذا المضمون غير مؤكدة الصحة وإن كان بعضها ذا أسناد جيدة، وهي مروية بطرق الفريقين، إلاّ أنّها خبر واحد، وهو لا يكفي للبت في مثل هذه الأمور العميقة.
ومعه، فالمرجّح هو صحة الأطروحة الأولى، وإن كنّا سنعطي فكرة عن هذه الأطروحة الثانية أيضاً.
ـ 2 ـ
إنّ عصر التخطيط الخامس، بكلا أطروحتيه، حيث كان في بُعد سحيق عن العصر الحاضر، نجهل مقداره بالتحديد، فمن هنا لا يمكن أن نعطي أيّة صفات تفصيلية عن ذلك، ومن هنا ينبغي لنا أن ندور في فلك الصفات العامة، مقتصرين على البعض الممكن منها فقط.
إنّ الأطروحة الأولى أولى بأنّ تكون مجهولة، فإنّنا إذ لم نستطع أن نعرف من صفات المجتمع المعصوم إلاّ القليل، فكيف بنا في مجتمع (ما بعد العصمة). غير أنّ الأطروحة الثانية أهون فهماً بطبيعة الحال، لكونها تفترض حدوث المجتمع المنحرف المشابه لعصرنا الحاضر، ولا يحول دون فهمها إلاّ بُعد الزمن.
ـ 3 ـ
إذا أخذنا بالأطروحة الأولى، فقد يمكن الاكتفاء بتخطيطات خمسة لعمر البشرية المديد، ولا يبقى للتخطيط السادس مجال، لأنّ التخطيط الخامس، سيتكفل المحافظة على المجتمع المعصوم وتكامله، ودخول البشرية في (مجتمع ما بعد العصمة) ليس إلاّ من تكامل المجتمع المعصوم نفسه.
وهذا الكلام له درجة من الوجاهة، غير أنّه يمكن للفترة البشرية التي يبدأ فيها المجتمع المعصوم بالمشاركات الكونية الفعالة، أن نعزل تخطيطها بعنوان ورقم مستقلين، هو تخطيط ما بعد العصمة يكون هو القسم السادس من التخطيط العام.
وأمّا بالنسبة إلى صفات هذا المجتمع، فكلّ ما يمكن التعرّف عليه هو وجود الخصيصتين الثالثة والرابعة من خصائص المجتمع المعصوم فيه بشكل أكثر أصالة وعمقاً.
أمّا الخصيصة الثالثة فكان المهم منها سيادة تعاليم القرآن مقترناً بالأخلاق. وأمّا الرابعة، فهي المشاركة الكونية الفعالة التي عرفناها تزداد وتتعمق بالتدريج.
ـ 4 ـ
وقد يخطر في الذهن أنّه كيف ينسجم وجود هذا المستوى العالي في البشرية، مع وجود أهوال يوم القيامة، التي نطق بها القرآن من تسجير البحار وانتثار النجوم وطي السماء وغيرها. وهل ذلك إلاّ عقوبة للبشرية على ذنوبها. مع العلم أنّ الجيل الذي تقوم عليه القيامة طبقاً للأطروحة الأولى، خال من الذنوب، بل خير البشر السابقين عليه على الإطلاق… وبذلك قد تترجح الأطروحة الثانية على الأولى.
إلاّ أنّه يمكن الاستغناء عن هذا السؤال بعدّة أوجه:
الوجه الأوّل: إنّ القرآن الكريم حين وصف أهوال القيامة السابقة على الحساب والعقاب، أعني بها تسجير البحار وانتثار النجوم ونحوها… لم ينص على أنّ البشرية سوف تكون موجودة في ذلك الحين، ومعه فلا ارتباط لهذه الظواهر بالبشرية… وإنّما هي تمثّل فناء الأرض أو المجموعة الشمسية حين يحين حينها. وأمّا وجود البشرية إلى ذلك الحين، فهو ممّا لا دليل عليه، وإن كان هو الأوفق باتجاه الفكر الحديث.
الوجه الثاني: إنّنا لو تنزلنا ـ جدلاً ـ عن الوجه الأوّل، وفرضنا وجود البشرية مع تلك الحوادث، فلا ارتباط لها بالذنوب والعقوبات بالمرّة، وإنّما هي حوادث كونية لا بدّ من حدوثها مع استنفاد المجموعة الشمسية لأغراض وجودها، حسب التخطيط العام الكوني، وليست عقاباً على شيء ولا احتقاراً لأحد. ومعه لا مانع من وجودها على المجتمع المعصوم.
الوجه الثالث: إنّنا بعد أن فرضنا أنّ الأجيال الأخيرة من مجتمع (ما بعد العصمة) يكون لها المشاركة الفعالة في بناء الكون وتسلسل حوادثه، يمكن أن تكون مشاركة في إيجاد هذه الظواهر المشار إليها بشكل وآخر، لا نستطيع تحديده الآن بطبيعة الحال. ومن الواضح أنّ من يتضرّر بهذه الحوادث إنّما هو من وجدت ضده، لا من شارك في إيجادها مشاركة فاعلية. فإنّ ذلك يكون من كماله ونفعه لا من ضرره بطبيعة الحال.
بل قد يمكن أن نتصوّر أنّها ليست غريبة في نظرهم، بل تبدو اعتيادية ومتوقعة ومفهومة بالنسبة إليهم، بعد أن تعوّدوا المشاركة في البناء الكوني، وتشرّبوا أساليبه.
إذن، فالأطروحة الأولى، هي الطبيعية الانسجام مع التسلسل الفكري للتخطيط (البشري) العام. إذ تكون البشرية قد سارت خلاله سيراً تكاملياً واضحاً من الصفر إلى المئة لو صحّ هذا التعبير. وإنّما تحتاج الأطروحة الثانية إلى تصوّر مبرراتها وأساليبها، لكونها بمنزلة الاستثناء من هذا التسلسل الفكري.
ـ 5 ـ
وإمّا بالنسبة إلى الأطروحة الثانية، فيكفي في إمكان دحضها عدم تصوّر المبرر المعقول لوجودها، بعد الذي قلناه في الأطروحة الأولى من عدم تنافي حوادث يوم القيامة مع المجتمع المعصوم، وعدم وجود الدليل الكافي على صحتها، لأنّ ما دلّ عليها خبر واحد لا يكفي للإثبات ولم ينص القرآن الكريم أو السنّة القطعية على ذلك.
هذا مضافاً إلى عدم انسجامها مع مجتمع (ما بعد العصمة) إذ يستحيل ـ عادة ـ أن تعود البشرية إلى الفسق والانحراف بعد أن ذاقت طعم الحق والعدل ومسارته بأوضح صوره وشاركت في البناء الكوني مشاركة حقيقية. فإذا عرفنا أنّ مجتمع ما بعد العصمة سيوجد لا محالة، لأنّ المجتمع المعصوم سيبقى المدّة الطويلة التي تكفي ـ مع التربية المركّزة المستمرة ـ لتحوّله إلى مجتمع ما بعد العصمة. إذن يتبرهن عدم صحة الأطروحة الثانية.
إلاّ أنّ نقطة الضعف في هذا البرهان الأخير، هو احتمال عدم استمرار التركيز في التربية بعد حدوث مجتمع العصمة وبقائه المدّة الكافية. لأنّ الأطروحة الثانية لو اكتسبت مبرراتها الكافية، كان لا بد في وجودها من سحب هذا التركيز لا محالة، ليبدأ التنازل التدريجي في المستوى الثقافي والمعنوي للبشر بالتدريج حتّى تخرج أوّلاً عن العصمة التي اكتسبتها ردحاً من الزمن، وتبدأ بالهبوط إلى الانحراف، ومعه لا يكون لمجتمع ما بعد العصمة وجود، ليكون تحوّل البشرية منه إلى الانحراف مستحيلاً.
إلاّ أنّ الأطروحة الثانية تبقى غير مؤكدة، باعتبار ما برهنا عليه من استمرار المجتمع المعصوم ردحاً طويلاً جداً من الزمن يفوق عمر البشرية السابق عليه أضعافاً مضاعفة. وهي مدّة كفيلة بأن تربي البشرية وتدخلها في عصر ما بعد العصمة. ومع وجوده لا مجال للأطروحة الثانية، كما قلنا.
وعلى أي حال، فلو صحّت الأطروحة الثانية ـ جدلاً ـ فسوف يخطط لها، وهو التخطيط السادس لفناء البشرية، بإيجاد تنزّل عمدي للتربية البشرية، من النواحي العقائدية والقانونية والأخلاقية، وسينقطع التركيز التربوي العالي وستولد أجيال قليلة التربية فتميل إلى العصيان. وتبدأ البشرية بالتنازل التربوي بالتدريج حتّى تفقد التربية تماماً… تمهيداً ليوم القيامة الذي لا يمكن أن يقوم ـ طبقاً للأطروحة الثانية ـ إلاّ على شرار الخلق.
حتّى يصبح البشر كالبهائم تماماً من حيث معرفتهم للحق، وإن كانت قد تكون لهم حضارة مهمة… وحتّى لا يقال: الله الله([403])، يعني تنتفي طاعة الله والتعبد له عن وجه الأرض تماماً.
ولا نعرف، ولا يهمنا أن نعرف خصائص ذلك المجتمع، غير أنّهم سيبقى هناك لهم مرشد أو إمام يمثّل طرف الحق لمن يريد أن يهتدي أو يسأل… إلاّ أنّ نشاطه سوف يتضاءل تدريجاً إلى أن ينعدم. وبذلك لا يبقى لوجوده حاجة، فيموت طبقاً لتخطيط الأطروحة الثانية، وذلك قبل يوم القيامة بأربعين يوماً، كما حدّدته الروايات([404]). فيبقى البشر بهائم بدون راعٍ، كلّهم فسق وانحراف، وهم شرار الخلق الذين تقوم عليهم القيامة، وقد ورد أنّها (لا تقوم إلاّ على شرار الخلق)([405]).
وبذلك تتمّ للبشرية خاتمة سيئة للغاية طبقاً للأطروحة الثانية، بخلافها طبقاً للأطروحة الأولى التي تكفل للبشرية أفضل خاتمة.
والمظنون، أنّ الفترة الزمنية التي يستغرفها التخطيط السادس طبقاً للأطروحة الثانية، لن تكون كبيرة جداً، كما كانت عليه فترة التخطيط الخامس. لأنّ الانزلاق نحو الفسق والانحراف أسهل على النفس البشرية من التكامل العادل. وأمّا طبقاً للأطروحة الأولى، فقد يبقى (مجتمع ما بعد العصمة) فترة كبيرة من الزمن.
هذا هو ختام الحديث عن التخطيط السادس، وبه ينتهي الحديث عن التخطيطات الخمسة التي تمثّل التخطيط العام لتكامل البشرية.
وبه تنتهي المرحلة الثانية من القسم الثالث من هذا الكتاب.
المرحلة الثالثة في تطبيقات ومناقشات
حول التخطيط العام
تمهيد
خصصنا هذه المرحلة للكلام عن أمرين لا يخلوان عن أهمية، ويلقيان ضوءاً كافياً على فهم التخطيط العام:
الأمر الأوّل: في ذكر بعض التطبيقات للتخطيط العام، من حوادث حصلت للبشرية خلال تاريخها الطويل. ويأتي ذلك بعد أن تمّ البرهان في أسس هذا التخطيط على أنّ كلّ حادثة تستمد مبررات وجودها الاستهدافية من التخطيط بالضرورة.
إذن، يكون من المستحسن، إيضاحاً للفكرة، أن نذكر بعض الحوادث المهمة في التاريخ، أو بعض المجموعات من الحوادث المترابطة. من أجل التعرّض إلى تفسيرها تفسيراً تخطيطياً. وإن لم يكن لها ارتباط مباشر باليوم الوعود أو قضية المهدي (عليه السلام). لكي تزداد هذه الفكرة رسوخاً في الذهن، وهي أنّ التخطيط العام هو البديل الأفضل للمادية التاريخية، فبينما عجزت المادية التاريخية عن تفسير التاريخ، لا يقصر اتجاه التخطيط العام عن تفسيره بكلّ جدارة وعمق.
وسنقتصر على ذكر بعض الحوادث الرئيسية في التاريخ لعدم إمكان استيعاب التاريخ بطبيعة الحال. وهو عدد كافٍ يفتح المجال أمام القارئ لتفسير الحوادث الأخرى، يعرّفه على الأسلوب الصحيح للتفلسف والاستنتاج.
الأمر الثاني: في التعرّض إلى بعض الاعتراضات التي قد ترد على التخطيط العام ككل، بمختلف الأساليب والمستويات، مع محاولة مناقشتها والتعرّف على الحقيقة من خلالها.
تطبيقات التخطيط العام
ـ 1 ـ
يختلف شكل انتساب الحوادث إلى التخطيط العام؛ فهناك ما يكون انتسابه مباشراً لا يحتاج إلى واسطة، وهي تلك الأمور التي تعتبر بمنزلة الجزء من التخطيط، ولها فيه مشاركة هامة. كالتمحيص في التخطيط الثالث والسيطرة المهدوية على العالم في التخطيط الرابع وحذف التركيز التربوي في التخطيط السادس طبقاً للأطروحة الثانية.
وهناك من الأشياء ما ينتسب إلى التخطيط بالواسطة، بمعنى أنّه يكتسب أهميته التخطيطية باعتباره سبباً لما هو السبب. خذ إليك مثلاً: إنّ تعمق العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والطب ـ كما سيأتي ـ سبب لإنتاج الصناعات الثقيلة والفعاليات العلمية المختلفة، وهذه الفعاليات والصناعات سبب، بدورها، يشارك في صياغة المستوى الصناعي العالي للدولة العالمية الموعودة.
وهناك من الأشياء ما ينتسب إلى التخطيط لمجرد كونه اختيارياً للفرد البشري. وقد عرفنا أنّ عنصر الاختيار له القسط المهم في بناء التخطيط العام. كقراءتك لهذا الكتاب أو ممارستك لعملك الاعتيادي في الحياة كالتجارة أو شيء من الحرف أو التعليم.
كما أنّ هناك من الحوادث ما ينتسب إلى تخطيط واحد، من التخطيطات الستة، كالسبي البابلي الذي ينتسب إلى التخطيط الثاني، ومنها ما ينتسب إلى أكثر من تخطيط واحد، فهو يوجد في عصر أحد التخطيطات، ويمتد له أثر مهم إلى تخطيط أو أكثر بعده. كوجود الإسلام الذي يعتبر ـ كما عرفنا ـ نتيجة للتخطيط الثاني، وجزءاً من التخطيط الثالث، ومن التخطيط الرابع والخامس أيضاً. وكوجود الدولة العالمية التي تعتبر نتيجة للتخطيطات الثلاثة السابقة عليها، وهي ـ أيضاً ـ العنصر الأساسي للتخطيطين الرابع والخامس، والتخطيط السادس طبقاً للأطروحة الأولى السابقة.
ـ 2 ـ
ذكرنا في الأسس العامّة للتخطيط أنّ التخطيط يتكفل السبب الاستهدافي أو العلة الغائية، وأنّ هذا السبب لا ينافي السبب الموجد أو العلة الفاعلية، بل ينسجم معه، بل هو مكرّس من أجله.
ومن هنا، يوجد للوقائع الآتية، مبررات (فاعلية)، إذ تستمد كلّ واقعة وجودها من زاوية تاريخية أو جغرافية أو اقتصادية أو غيرها، مضافاً إلى استنادها إلى الخالق الحكيم جلّ وعلا. ومع ذلك فهي منتسبة إلى التخطيط العام، بمعنى أنّها تشارك في بناء الهدف الأعلى منه، ولو مشاركة ضعيفة وتكون السببية الاستهدافية منطلقة من هذه الزاوية.
والأغراض الاستهدافية، قد توجد على نطاق ضيق أو (قريب) للحادثة، تحدّدها المصالح التي يشعر بها الأفراد في حدود الزمان والمكان الذي يعيشوه، وينتهون من تلك الأغراض إلى آراء وتصرفات معينة، قد يكون بعضها ما نحاول تفسيره. وهي لا تنافي الأغراض (الاستهدافية) التي يتوخاها التخطيط العام، كما سبق أن برهنا وقلنا إنّ الفرد يخدم ـ في الوقت نفسه ـ أغراض نفسه وأغراض التخطيط من حيث يشعر أو لا يشعر.
وقد تكون هذه الأغراض (القريبة) ذات مصالح عامّة صحيحة وفعالة، إلاّ أنّها لا تخرج عن أنّها وقتية محددة بالزمان والمكان. وتعتبر صغيرة وقريبة بالنسبة إلى اندراجها في التخطيط العام.
وقد يكون الشخص الفاعل ملتفتاً ـ أيضاً ـ إلى اندراج الواقعة في التخطيط العام، ولكنّه ليس مضطراً إلى الإعراب عن أهدافها التخطيطية، وإنّما تعني المصلحة في الغالب في بيان الأغراض القريبة، باعتبار مناسبتها مع المستوى الاجتماعي وأسرع هضماً من الأغراض البعيدة. وسيأتي في تصرفات وأقوال نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله) وغيره ما يدلّ على ذلك.
ومن هنا يحسن بنا، إذا دخلنا في التفاصيل، أن نشير إلى عدد من الأهداف القريبة، إذا كانت ذات أهمية خاصّة، ونتبعها ببيان الغاية الاستهدافية القصوى. لنرى بكلّ وضوح عدم التنافي بين الاستهدافين، سواء كانت الأهداف (القريبة) منسجمة مع التخطيط العام أو منافرة معه.
ـ 3 ـ
وسنعرض فيما يلي خمسين سؤالاً، في ضمن عشرة موضوعات أو عناوين، نتحدّث فيها عن مختلف جوانب الحياة التي تهم القارئ عادة. هي: العقيدة والمفاهيم والفكر الإسلامي، والتاريخ الإسلامي والتاريخ الوسيط والتاريخ الحديث والعلوم الطبيعية. ثمّ تاريخ ما قبل الإسلام وصور من الدولة العالمية الموعودة، وشيء عن الفكرة المهدوية.
إنّ ما نعرفه فيما سبق من الأمور سنشير إليه مختصراً، أو نكتفي بالتحويل على محلها، إن كان ما سبق كافياً في الإيضاح. وما يعتبر جديداً بالنسبة إلينا يكون لنا فرصة التحدّث عنه بشيء من التفصيل. وسنعطي لكلّ عنوان رقماً مستقلاً.
1 ـ العقيدة:
نطرح هنا الأسئلة التالية:
السؤال الأوّل: لماذا تعدّدت أشكال العقيدة الإلهية بين الأمم، فكان كلّ جماعة يعطون اسماً ووصفاً مختلفاً للخالق عن الجماعات الأخرى؟!…
وجوابه: أنّه لا أهمية للاسم من هذه الناحية، إذ أنّه أمر لغوي يختلف باختلاف اللغات واختلاف الأمم والأجيال، وإن اتّحدت العقيدة. وتعتبر كلّ الأسماء مشيرة إلى ذات واحدة، هو خالق الكون اللامتناهي في الحكمة والقدرة.
وأمّا الصفات، فلاختلافها منشآن، كلاهما منتسب إلى التخطيط:
المنشأ الأوّل: ما عرفناه من تطوّر الفكر البشري من خلال تربية النبوات. فكلّ نبوة تذكر من الصفات ما يناسب تربية العقلية العامّة للمجتمع، وفهمها لهذه الصفات. وتهمل كلّ ما يكون فهمه متعذراً عليها… الأمر الذي توكله كلّ نبوة إلى التي بعدها. وقد ذكرنا في «تاريخ الغيبة الكبرى»([406]) أمثلة لذلك.
المنشأ الثاني: الانحراف الناشئ من الاختيار الذي هو أحد أركان التخطيط… حيث أصبحت بعض الأمم تؤمن بتعدّد الآلهة وتوالدها، وبعضها تؤمن بالإثنينية، وبعضها يؤمن بانطباقها على موجودات طبيعية… وهكذا.
وربما كان المنشأ الأوّل، أعني سكوت الأنبياء عن الإيضاح الكامل، تبعاً للمستوى الذهني، من مسببات المنشأ الثاني في ظرف الذهنية البشرية الضئيلة. وقد سمعنا لذلك بعض الأمثلة في «تاريخ الغيبة الكبرى».
السؤال الثاني: لماذا تعدّدت النبوات؟!…
إنّ هذا يمت بصلة إلى التربية البشرية ضمن التخطيط الثاني. لأنّ مستواها لم يكن مساعداً على فهم المستويات المعمقة منذ أوّل نشأتها، كما هو واضح، فكان اللازم التدرّج بالتعليم والتربية إلى حين بلوغها سن الرشد.
وكانت كلّ نبوة تتكفّل تربية البشرية ردحاً من الزمن، حتّى ما إذا أدّت مفعولها أصبح من اللازم إبدالها بنبوة جديدة، وهكذا. ومن هنا تأتي النبوة اللاحقة (ناسخة) لتعليم النبوة السابقة، وإن اتّحدت معها في الخط العقيدي العام، لتعطي مفاهيم زائدة وتعاليم معمقة أكثر نسبياً… وهكذا.
السؤال الثالث: لماذا وجد الإسلام في آخر الأديان؟!…
باعتبار ما عرفنا من بلوغ البشرية درجة كافية من الرشد العقلي الذي يؤهلها لفهم العدل الكامل. ومن هنا كان الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة التي تطبق في دولة العدل العالمية المهدوية، راجع ما قلناه في فصل (التخطيط الثالث) من هذا الكتاب.
السؤال الرابع: لماذا نزل القرآن الكريم؟!…
ليبقى هو الكتاب الرئيسي للهداية أبد الدهر ما دامت البشرية موجودة، يمدّها بالعطاء باستمرار وعلى مختلف المستويات.
فإنّ من أهم مميزات هذا الكتاب العظيم:
أوّلاً: كونه معجزاً لغوياً وبلاغياً وأدبياً، باستمرار، ومهما ترقّى الذوق البشري من هذه الناحية. وأودل برهان على ذلك كون التحدي الموجود فيه بالإتيان بمثله، شاملاً لكلّ الدهور. فالبشرية ستبقى عاجزة عن معارضته طول عمرها الطويل، وشاعرة بإعجازه وسيطرته على مستواها الذهني باستمرار.
ثانياً: تكفّله لبيان قانون تشريعي عادل كامل قابل للتطبيق على مختلف الدهور والعصور. لا يختلف في ذلك عصر الانحراف عن عصر الدولة العالمية عن عصر المجتمع المعصوم عن عصر مجتمع ما بعد العصمة. حيث يتكفل بقواعده العامّة تربية كلّ هذه الأجيال الطويلة. وهي خصيصة إعجازية أيضاً لم تتوفّر في أي تشريع آخر سماوي أو أرضي.
ثالثاً: إنّ الإنسان كلما ترقّى وتكامل في المستويين الثقافي والإيماني ينكشف له معانٍ جديدة للقرآن، لا يمكن الالتفات إليها في المستويات الواطئة.
وهذا معناه ـ على المستوى العام ـ أنّ البشرية ستفهم بالتدريج معانٍ جديدة من القرآن تكون مربية لها. فإذا بلغت غاية مرحلتها، ودخلت مرحلة أخرى فهمت معانٍ جديدة تربّيها، وهكذا.
خذ إليك مثلاً تقريبياً، كتاب (كليلة ودمنة) الذي «جعل الكلام على ألسن البهائم والسباع والوحش والطير، ليكون ظاهره لهواً للعامة وباطنه سياسة للخاصّة، متضمناً ما يحتاج الإنسان إليه من أمر دينه ودنياه وآخرته على حسن طاعة الملوك ومجانباً ما تكون مجانبته خيراً له»([407]). بل قالوا إنّ هذا الكتاب ليس ذا مستويين فقط، بل أربعة مستويات، يختصّ كلّ مستوى منها بمجموعة من البشر([408]). فإذا أمكن ذلك العدد، أمكن الزيادة عليه بطبيعة الحال حين يصل إلى مستوى الإعجاز.
السؤال الخامس: لماذا احتاج الدين الإسلامي إلى وجود الهداة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، وهم الخلفاء أو الأئمة، على اختلاف المذاهب الإسلامية.
ينبع هذا الاحتياج من عدّة أمور، من أهمها: ضرورة تربية الأمّة على الدين الجديد أو الأطروحة الجديدة، وتمحيصها عليها وتربية الإخلاص طبقاً لها، تحت إشراف مركّز ومركزي فترة كافية من الزمن. ولا يتم ذلك بشكله الكافي بدون ذلك.
ويقوم هؤلاء الهداة مضافاً إلى ذلك، بحفظ الأطروحة الجديدة لتبقى سارية المفعول بين البشر ليمكن تطبيقها في الدولة العالمية وما بعدها من العصور.إذ مع اندثارها لا معنى لتطبيقها، كما هو واضح، إلاّ بنبوة جديدة، ليس المفروض وجودها بعد الإسلام، ولا حاجة إليها، بعد إمكان حفظه بهؤلاء الهداة.
ـ 5 ـ
2 ـ المفاهيم:
ونعرض هنا الأسئلة التالية:
السؤال الأوّل: ما هو مفهوم التقوى؟!…
ينطلق هذا المفهوم من زاوية لغوية من الاتقاء أي تجنّب شر معين متوقع الحصول. وحيث قد هددت الشريعة بالعقاب على العصيان، كان اللازم اتقاء هذا الشر عن طريق الالتزام بترك مسبباته من فعل المحرم وترك الواجب.
ومن هنا يمكن الانطلاق إلى تعريف التقوى بكونها التطبيق الكامل للأطروحة العادلة الكاملة، أو تعريفها بأنّها الانسجام التام مع التخطيط العام، لوضوح أنّ مخالفة التعاليم تحتوي على المنافرة مع التخطيط.
السؤال الثاني:كيف يتربّى الإخلاص في النفس؟!…
ينطلق مفهوم الإخلاص لغوياً من الخلوص وهو النظافة والتجرّد عن الأدران، ومن هنا يكون تطبيقه الخاص على أنّه هو النزاهة والتجرّد عن كلّ ما ينافي العدل وينافي التخطيط العام.
وقلنا في «تاريخ الغيبة الكبرى»([409]) بأنّ الإخلاص والقدرة على التضحية لا تنمو إلاّ في جو ظالم معاكس للعدل ليتدرّب المؤمنون أكثر فأكثر على المصاعب والمحن؛ لتكون لهم أهلية القيام بالواجبات الحقيقية الكبيرة في دولة العدل العالمية.
السؤال الثالث: ما هو مفهوم الاستخلاف في القرآن؟!…
ينطلق المفهوم اللغوي للاستخلاف من معنى جعل الخليفة أو النائب أو الوكيل أو الوارث ـ أحياناً ـ. ومن هنا كان أهم موردين استعمل فيهما القرآن هذا المفهوم، هما:
أوّلاً: اعتبار كون وجود البشرية مستخلفة عن الله عزّ وجل في الاستفادة من خيرات الأرض وتدبير شؤون الحياة. فبدلاً عن أن تكون القيادة لله مباشرة، جعلها للبشرية بالمعنى الذي سنشير إليه.
قال الله تعالى:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ}([410]).
وغير ذلك من الآيات:
ثانياً: كون الدولة العالمية مستخلفة على الأرض. وذلك: إمّا بمعنى كونها خليفة عن الله تعالى في القيادة نحو تطبيق العدل وتحقيق الهدف الأعلى، أو بمعنى كونها وارثة للنظم السابقة عليها والبديل الأفضل لها جميعاً. قال الله تعالى:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}([411]) إلخ الآية.
وكلا المعنيين يمتّان إلى التخطيط العام بصلة وثيقة:
أمّا المعنى الأوّل: فباعتبار أنّ استخلاف البشرية في القيادة، لا يعني بأي حال إيكال الأمر إليها على نحو مطلق. فإنّه خلاف صريح آيات قرآنية عديدة، منها قوله تعالى
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)}([412]).
وإنّما المراد إيكال التربية والتكامل البشري إلى اختيار البشرية نفسها، بدلاً عن أن يكون المربي هو الله عز وجل. بما في ذلك التكامل الفردي والقيادة الاجتماعية العادلة.
ومن هنا كان الفرد الأهم لتطبيق هذا الاستخلاف هو المربّي البشري الكبير، المتمثل في جهتين:
الجهة الأولى: موكب الأنبياء والأولياء والصالحين، السابقين على الدولة العالمية. فإنّهم متكفلون للقسط الأكبر من هذه التربية والقيادة المطلوبة.
الجهة الثانية: الدولة العالمية التي هي نتيجة لجهود ذلك الموكب كلّه، ولجهود الإنسانية كلّها في العصور السابقة عليها. وهي تتولّى التربية أيضاً لكن بشكل أعمق وأوسع.
وأمّا مع تحقّق الهدف الأعلى، وهو المجتمع المعصوم والذي يليه، فهو الذي يكون خليفة وقائداً بمجموعه بطبيعة الحال… لأنّ كلّ فرد منه ممثل للشكل الأفضل من التربية المطلوبة.
وبهذا نكون قد عرفنا كيف يمت المعنى الثاني للاستخلاف إلى التخطيط.
وأمّا كون الدولة العالمية وارثة للنظم السابقة عليها، فقد قلنا إنّ مقتضى التخطيط الثالث هو تمحيص تلك النظم وكشف جوانب النقص والظلم فيها تدريجاً، وإيضاح فشلها، ليكون ذلك أكبر ممهد لتلقّي النظام الجديد في الدولة العالمية.
السؤال الرابع: ما هو المفهوم الذي تعبر عنه الآية الكريمة:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}([413])؟
إنّ هذا ـ بحسب فهمي ـ مفهوم تربوي يراد به ـ أيضاً ـ إيكال تربية البشرية إلى نفسها واختيارها. لكن المنظور هنا جانب النتائج. فكلّ عامل، فرداً كان أو مجتمعاً، هو الذي يتحمّل مسؤولية عمله، سواء كان خيراً أو شراً. فالله عزّ وجل يحافظ على النتائج الخيّرة ما دام العمل خيراً، ولا يغيرها إلى السوء ـ وهو القادر المطلق ـ إلاّ مع تعمّد التغيير السيئ من قبل العاملين أنفسهم… والعكس أيضاً صحيح، إذ لا معنى لوجود النتائج الحسنة مع العمل السيئ.
وهذا القانون، كما يشمل كلّ مجتمع بشكل منفصل، يشمل البشرية على وجه المجموع فمثلاً: إذا توصّلت البشرية بأعمالها الاختيارية إلى إنتاج التخطيط الثالث، وأصبحت على مستوى تأسيس الدولة العالمية، فقد غيّرت ما بنفسها، فيمنّ الله تعالى عليها بالتغيير الجذري بإعطاء الفرصة الكافية للقائد المهدي (عليه السلام) للسيطرة على العالم وإحقاق الحق والعدل فيه، ورفع كلّ ما كانت تشكوه البشرية من المشاكل والآلام.
السؤال الخامس: ما هو مفهوم العبادة الموجودة في الآية الكريمة:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}([414]).
وقد شرحنا ذلك مفصلاً في (تاريخ الغيبة الكبرى)([415]) وأعطينا عنه فكرة في هذا الكتاب في فصل (الأسس الخاصّة). واعتبرنا الآية دليلاً على ماهية السبب الاستهدافي الذي وجدت من أجله البشرية، وهو تحقيق العبادة الخالصة الشاملة لكلّ مناحي الحياة، وبأعمق أشكالها متمثلة بوجود الدولة العالمية أوّلاً، وبالمجتمع المعصوم ثانياً.
ـ 6 ـ
3 ـ الفكر الإسلامي:
ونجيب فيه على الأسئلة التالية:
السؤال الأوّل: ما هي وظيفة الفقه الإسلامي عموماً، وفي التخطيط الثالث على الخصوص؟!…
الفقه الإسلامي، هو الأحكام المستخرجة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة، على اختلاف الفقهاء في كيفية الاستخراج ونتائجه. ومن هنا كان هو المرآة الكاشفة عن أحكام الإسلام: الأطروحة العادلة الكاملة. وهو الأسلوب الرئيسي الوحيد في الاطلاع عليها.
ومن هنا كانت وظيفته هي وظيفة أحكام الإسلام نفسها، خلال التخطيط المشار إليه… وهو تدبير الأمّة وتربيتها باتجاه الهدف الأعلى خلال هذه الفترة بمقدار قابليتها لذلك.
وأمّا بعد حدوث الدولة العالمية فسيختلف الفقه بمقدار ما كما سبق أن عرفنا، حيث يجدّد المهدي (عليه السلام) ما اندرس منه ويضيف إليه عدداً جديداً من الأحكام، ويحذف منه كثيراً من الأمور التي أصبحت عيالاً عليه خلال العصر السابق الطويل.
ومهما كان الأمر، فهو الآن الأسلوب الرئيسي للتعرّف على أحكام الإسلام. وتعتبر التضحية في سبيله والإخلاص له إخلاصاً للإسلام. كيف والمقصود هو بذل التضحية والإخلاص في طريق الهدف، وهو يحصل بالبذل في سبيل الفقه بصفته ممثلاً للإسلام: الأطروحة العادلة الكاملة.
السؤال الثاني: ما هو أثر تقدّم الفكر العالمي في تقدّم الفكر الإسلامي عامّة، والفقه الإسلامي خاصّة؟!…
لا شك أنّ لتقدّم الفكر العالمي أثراً مهماً في هذا الصدد، من عدّة نواحٍ:
الناحية الأولى: وجود مجالات جديدة لم تكن مبحوثة في الفقه فيما سبق، أصبح في الإمكان البحث عنها من جديد، بعد أن فتح التقدّم الصناعي فكر البشرية على ذلك، كالبحث عن جواز التلقيح الصناعي وعن الصلاة على القمر… إلى كثير من المسائل.
الناحية الثانية: قابلية الفقيه المطلع على تطوّر الفكر العالمي، من فهم واستخراج الأحكام من الكتاب والسنّة بشكل أعمق وأركز من غيره ممّن لم يواكب هذا التطوّر.
الناحية الثالثة: قابلية الفكر العالمي لفهم الفقه الإسلامي، وللاطلاع ـ على وجه الخصوص ـ على استيعابه لكلّ مناحي الحياة، وعدم اختصاصه بالعبادة الشخصية.
الناحية الرابعة: إمكان عرض الفقه الإسلامي بلغة حديثة، وخاصّة، بلغة القانون الحديث، مع التوفّر على المقارنة بين الأسلوبين والمضمونين، والتوصّل إلى الأفضل والأجدر بالبقاء منهما.
السؤال الثالث: ما هو أثر الجانب الحضاري الأوروبي (أعني الإيديولوجية العامّة غير العلمية) على الفكر الإسلامي؟!.
إنّ هذه الحضارة بصفتها مادية ومنكرة للأديان والأخلاق، سوف تجعل الفكر الإسلامي متصاعداً في عدّة حقول:
الحقل الأوّل: إنتاج البحوث لمحاولة مناقشة هذه الحضارة في أفكارها وعرض البديل الأفضل لها على مختلف المستويات.
الحقل الثاني: عرض الفقه على أساس أنّه الأطروحة التشريعية الكاملة التي يمكنها إزالة المشاكل العالمية، بدل الأطروحات المعروضة في عالم اليوم، كما سبق أن برهنا.
الحقل الثالث: الالتفات إلى ضرورة التكاتف والتآلف والشعور بالأخوة بين المسلمين، كما هو المطلوب منهم في شريعتهم، ونسيان الأضغان من أجل الاتحاد بوجه العدو المشترك، وهو الحضارة المادية اللاأخلاقية التي غزتهم في عقر دارهم.
السؤال الرابع: ما هو أثر حقول الفكر الإسلامي المختلفة في إيجاد الشرط الثالث من شرائط «اليوم الموعود»؟!…
لا شك أنّ الفكر الإسلامي طرق ويطرق حقولاً مختلفة من المعرفة كالعقيدة والاقتصاد والاجتماع والفقه والتاريخ وغيرها، ولا زال المفكرون الإسلاميون يمارسون جهودهم باستمرار بحثاً وتدقيقاً وتحقيقاً.
ولكلّ من هذه الحقول أثره المهم في إيجاد الشرط الثالث الذي هو الإخلاص الإيماني الكبير لتعاليم الإسلام، كما سبق أن فصّلناه. خذ إليك مثلاً: إنّ حقل (العقيدة) هو الجزء الأهم الذي ينبغي الإخلاص له. و(الفقه) هو التشريع الكامل الذي ينبغي أن يتربّى الإخلاص من خلاله. و(التاريخ) يعرض لنا صور التضحيات الإيمانية الكبيرة والإخلاص الكبير التي ينبغي احتذاؤها. وبذلك يترسخ الإخلاص ويكون الشرط الثالث في طريقه إلى النجاز.
السؤال الخامس: كيف يثرى الفكر الإسلامي ويتكامل، عند المسلمين؟!…
يتكامل الفكر الإسلامي الموجود خلال التخطيط الثالث لدى المسلمين، نتيجة لعدّة عوامل:
العامل الأوّل: الكتاب والسنّة أعني القرآن الكريم والأخبار الواردة عن قادة الإسلام الأوائل (عليهم السلام)… بما يحمل هذان المصدران من مبدأ متكامل وتشريع عادل وعبَر بليغة.
العامل الثاني: جهود المفكرين الإسلاميين، بما يبذلونه من تحضيات في سبيل تنمية ما ورثوه من أفكار ومحاولة تطبيقها على حاجات العصر.
العامل الثالث: ما يفتحه الجانب (العلمي) الحديث أمام الذهن البشري من آفاق، سواء من ذلك ما يكشفه من جوانب التدبير والحكمة في قيادة الكون وخلقته، أو ما يثيره إلى جنب ذلك من مشكلات فلسفية ومنطقية تجد طريقها في الفكر الإسلامي إلى الحل أوّلاً بأوّل.
العامل الرابع: جانب التخلّف الأخلاقي والإسفاف الاجتماعي الذي يعيشه أغلب أفراد العالم اليوم، في العالم الإسلامي وغير الإسلامي، كنتيجة للتمحيص على ما سبق أو أوضحنا. الأمر الذي يحدو بالفكر الإسلامي أن يقف باستمرار تجاه هذا التيار، لأجل الكفكفة من غلوائه، والتقليل من توسعه وعمق أثره.
ولعلّ هناك بعض العوامل الأخرى التي لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
ـ 7 ـ
4 ـ التاريخ الإسلامي:
نختار في هذا الحقل الأسئلة التالية، وسيكون بعضها منطلقاً من الفهم (الإمامي) للتاريخ الإسلامي، إلى جانب البعض الآخر المنطلق من الزاوية المشتركة لفهم الإسلام.
السؤال الأوّل: لماذا حدثت واقعة بدر الكبرى؟!…
المبرر الذي أعلنه النبي (صلّى الله عليه وآله) بين أصحابه حين اقترح عليهم التعرّض لإبل قريش، ذلك التعرّض الذي أنتج واقعة بدر الكبرى… ليس أكثر من قوله (صلّى الله عليه وآله): «هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها»([416]).
ولكن كانت من وراء هذه (الثورة) الإسلامية الأولى عدّة أغراض (قريبة) وبعيدة، نذكر منها اثنين أحدهما (قريب) والآخر (تخطيطي).
الهدف الأوّل: إثبات وجود الجماعة الإسلامية الجديدة وقوّتها، وتحطيم أطماع قريش بتحطيمها… الأمر الذي جعل لها الهيبة والأهمية الاجتماعية التي استطاعت بها أن تقوم بنشاطها على نطاق واسع وكامل لأوّل مرّة.
الهدف الثاني: البدء بتركيز الإسلام وترسيخه ليبقى مدى الدهر ليؤدّي الدور الضخم الذي عرفناه للأطروحة العادلة الكاملة… في عصري التخطيط الثالث والرابع، بل وما بعده إلى فناء البشرية. إنّ الخطوة المهمة في هذا التركيز كانت متمثّلة بغزوة بدر الكبرى.
وقل ذلك في كلّ الغزوات على الإطلاق بصفتها تتضمن تقوية الإسلام أحياناً والدفاع عنه أحياناً وتوسيع نطاقه أحياناً… وكلّها مقدمات لأداء الدور الضخم الذي عرفناه.
السؤال الثاني: لماذا انحرفت الخلافة الإسلامية بعد عصر النبوة، حتّى أصبحت (ملكاً عضوضاً) وخرجت عن حقيقة مهمتها الإسلامية المخلصة متمثلة في الخلافة الأموية أوّلاً والعباسية ثانياً، والعثمانية ثالثاً. فإنّ الحديث عنها من هذه الناحية حديث مشترك. فإنّها جميعاً تتصف بالتفسخ الديني والانصراف إلى الملذات من ناحية، أو المشاحنات الداخلية من ناحية أخرى… ممّا أوجب الهبوط بالمستوى الإسلامي هبوطاً مروعاً حتّى أنتج زوال الخلافة عن مسرح المجتمع زوالاً كاملاً. فأي مصلحة تخطيطية اقتضت ذلك؟!…
ينبغي أن يكون الجواب على ذلك مفهوماً، بعد كلّ الذي قلناه… حيث يمكن انطلاقه من زاويتين:
الزاوية الأولى: عنصر الاختيار الممنوح للبشرية عموماً بمن فيهم أشخاص الخلفاء وقوادهم… ذلك الاختيار الذي عرفنا له الأصالة والأهمية في التخطيط. فإذا اقترن الاختيار بضعف في الثقافة الإسلامية، وقلّة في الإخلاص والشعور بالمسؤولية، والنظر إلى الخلافة الإسلامية، كمنصب منفعي تجاري لا كمهمة تربوية للأمّة… إذا حصل كلّ ذلك فالنتائج التي حصلت متوقعة بطبيعة الحال، بما في ذلك زوال الخلافة وسيطرة المادية الملحدة بدلها على العالم الإسلامي.
الزاوية الثانية: إنّنا سمعنا أنّه لا بدّ للبشرية من أجل تحقيق الشرط الثالث لليوم الموعود خلال التخطيط الثالث، وهو توفير الإخلاص والمخلصين، لا بد أن تمر البشرية عموماً والعالم الإسلامي خاصّة بصفته الحامل للأطروحة العادلة الكاملة، أن تمر بظروف الظلم والانحراف. وأنّ أوّل خطوة لذلك هو التخطيط لإيجاد خلافة منحرفة. لا بمعنى حمل الخلفاء على الانحراف، بل بسحب الصراحة في (النص الجلي) أوّلاً، وتقليص التركيز في التربية ثانياً، ليتيسر مع هذين العنصرين للمنحرفين أن يحكموا المجتمع الإسلامي وللشجرة الملعونة في القرآن أن تأخذ دورها الكامل لتمثّل بنفسها وبنتائجها الوخيمة ظروف الظلم والانحراف المسببة لإنجاز الشرط الثالث.
السؤال الثالث: لماذا حصلت ثورة الحسين (عليه السلام)، التي استشهد فيها مع ثلّة من أصحابه وأهل بيته.
إنّ لهذه الثورة المهمة المقدسة عدّة أغراض (قريبة) بالمعنى الذي اصطلحنا عليه. وهو المستوى الذي أمكن إعلانه في ذلك المجتمع. وقد أعرب عنها الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه في عدّة مواطن، وكلّها ممكنة ومطابقة للقواعد الإسلامية العامّة.
ويمكن أن ترقى هذه الأغراض إلى عدّة أشكال:
الشكل الأوّل: قوله (عليه السلام): «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي (صلّى الله عليه وآله)، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب»([417]).
الشكل الثاني: إيكال ذلك إلى القضاء الإلهي الذي لا يرد، بقوله: «وقد شاء عزّ وجل أن يرى حرمي ورهطي مشردين وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيدين وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً»([418]).
الشكل الثالث: إنّ بني أمية عازمون على قتله على كلّ حال… «إنّهم لن يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي. فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلهم»([419]) وإذا كانوا على ذلك، كان الأولى مناجزتهم القتال.
الشكل الرابع: إنّه (عليه السلام) رأى جدّه نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله) في المنام، فأمره بالمضي في وجهته وعدم العدول عنها، وقال: حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرملاً بدمائك مذبوحاً بأرض كربلاء، بين عصابة من أمتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى وظمآن لا تروى»([420]).
الشكل الخامس: وهو الشكل الرسمي أو القانوني للثورة الحسينية، وهو كونها استجابة لطلب أهل الكوفة القدوم عليهم ووعده بنصرتهم ضد الأمويين حيث نسمعه يقول ـ فيما قال ـ مخاطباً لأهل الكوفة: «إنّها معذرة الله عزّ وجل إليكم وإنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم، وقدمت بها عليّ رسلكم أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام. ولعل الله يجمعنا بك على الهدى»([421]) وكلّما توفّر للقائد الإسلامي المقدار الكافي من الناصرين والمؤازرين، وجب عليه إسلامياً اجتثاث حكم الظالمين. وأمّا حصول مقتله فباعتبار غدرهم به وخيانتهم له، بدلاً عن أن ينصروه.
ولا نريد الآن الدخول في تفاصيل ذلك، فمن أراده فليرجع إلى مصادره. وإنّما المهم الاطلاع على المبرر (التخطيطي) لهذه الصورة المقدسة.
وحاصل فكرته: إنّنا قلنا فيما سبق إنّ ظروف الظلم والانحراف لا يمكن أن تكفي في وجود المخلصين ما لم تقترن بالأسس الإسلامية الموفرة للإخلاص. وإلاّ فإنّ هذه الظروف تكون موجبة لضلال البشرية وانطماس العدل، وفشل التخطيط العام في النتيجة.
وإنّ من أهم الأسس لتوفير الإخلاص وتقوية الإرادة في أذهان الأمّة، هو إيجاد القدوة والمثال الأعلى للتضحية أمام الفرد في مجابهة تلك الظروف الظالمة. وقد كانت ثورة الحسين (عليه السلام) أعظم مثال لذلك، حيث أفهمت الأمّة بأجيالها المتطاولة والبشرية بمجتمعاتها المختلفة، مقدار ما ينبغي أن يكون عليه الفرد من درجة الإخلاص والصمود وقوّة الإرادة ونكران الذات تجاه العدل، ومن أجل محاربة الظلم والانحراف… والتضحية بالنفس والنفيس والصحب والأهل والولد.
وقد كان لهذه الثورة خلال عصر التخطيط الثالث الذي نعيشه، الأثر الأهم في إيجاد التحسّس العام من أي ظلم، ذلك التحسّس المنتهي بالثورة، صغيرة كانت أو كبيرة. وكشفت هذه الثورة أمام المخلصين، لزوم عدم اعتدادهم بأنفسهم، والاكتفاء بما هم عليه، وضرورة الصعود في خط التكامل التدريجي التربية الحقيقية في هذا الطريق. إنّهم مهما أدّوا من تضحيات سيكون الحسين (عليه السلام) وأصحاب الحسين (عليهم السلام) أمامهم مثالاً يحتذى لن يصلوه إلاّ بعد لأي.
وسيكون الفرد ـ نتيجة لذلك ـ شاعراً بكلّ وضوح بأهمية أطروحته العادلة، ومثمّناً ضرورة الإخلاص لها، ومتجهاً بكلّ رحابة صدر إلى تقديم المصلحة العامة على كلّ مصالحه الخاصّة، لكي يكون مؤهلاً بالتدريج للقيادة بين يدي القائد المهدي (عليه السلام)، ومشاركاً بالتالي في إنجاز الشرط الثالث.
وسيكون لهذه الثورة صداها المؤثّر الكبير، خلال عصر التخطيط الرابع، حتّى ورد أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) يعلن خلاله حربه للسيطرة على العالم شعار الأخذ بثأر جدّه الحسين (عليه السلام)([422]). وسيكون المؤدّى الحقيقي لهذا الصدى الكبير شعور الأفراد في ذلك الحين بضرورة إطاعة الحق المتمثّل بالقائد المهدي (عليه السلام) ودولته العالمية، كما سبق للحسين (عليه السلام)، أن ضحى في سبيل هذا الحق نفسه، باعتبار أنّ الأطروحة العادلة الكاملة، هي نفسها التي كانت لدى الحسين (عليه السلام) ستكون لدى المهدي (عليه السلام).
السؤال الرابع: لماذا صالح الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية بن أبي سفيان، مع أنّه يعتقد بكونه ظالماً وغير صالح للخلافة، وهلاّ اتّخذ خطوة كخطوة أخيه الحسين (عليه السلام) في محاول الإجهاز على الجهاز الحاكم وفضحه وتقوية إرادة الأمّة عن هذا الطريق؟!…
وينبغي لنا ونحن في صدد الجواب، أن نفترض القارئ مطلعاً على التاريخ الإسلامي لهذه الحقبة، لئلا يطول بنا الحديث. بما في ذلك محاولة الإمام الحسين (عليه السلام) ـ أوّلاً ـ منازلة معاوية عسكرياً، ثمّ محاولة معاوية كسب قواد جيش الإمام الحسن إلى جانبه، ونجاحه في ذلك على مختلف المستويات، بما كانت الأمّة قد بلغته من ضعف في الإرادة وطمع في اللذاذة. وبما في ذلك شروط الصلح التي اتفق عليها الطرفان بعد ذلك. ثمّ خيانة معاوية لهذه الشروط، وإعلانه بصراحة عدم العمل بها.
إنّ الصلح حين يأتي في مثل هذه الظروف يكتسب غرضين، أحدهما (قريب) والآخر (تخطيطي):
الغرض الأوّل: وهو القريب: القيام بمسؤوليته تجاه الجماعة المؤمنة التي يتولّى قيادتها من الناحيتين الدينية والدنيوية. حيث استطاع الإمام الحسن (عليه السلام) بعد انعدام الفرصة الكافية للمنازلة العسكرية، أن يحرز ـ طبقاً لشروط الصلح ـ سلامة أصحابه وكرامتهم ومستواهم الاقتصادي، والتحفّظ عليهم في الدين والدنيا. واستطاع في نهاية المطاف أن يكشف نوايا معاوية العدوانية بخيانته لهذه الشروط واعتدائه عليها وبالتالي على الجماعة المؤمنة، وإمامها أيضاً.
الغرض الثاني: وهو الأهم والأبعد: إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) حين يرى أنّ الحق متمثّل فيه وفي جماعته، وأنّهم هم الحاملون الحقيقيون للأطروحة العادلة الكاملة، ويرى ـ إلى جنب ذلك ـ أنّ المنازلة العسكرية، بعد الخيانات التي حصلت في جيشه والإشاعات الهدامة التي انبثت فيه، يرى أنّ المنازلة مستبطنة للقضاء عليه وعلى كلّ المؤمنين به واستئصالهم، وهذا يعني انعدام جانب الحق في العالم، وبقاء معاوية على مسرح الإسلام ليدعي أنّه هو الحامل الحقيقي للإسلام. وبذلك تنطمس تماماً الأطروحة العادلة الكاملة، ومع انطماسها لا معنى لتربية المخلصين تجاهها، كما هو معلوم. وبذلك يتخلّف شرطان من شرائط اليوم الموعود أو الدولة العالمية، وهما:
الشرط الأوّل: وجود الأطروحة العادلة الكاملة التي تطبّق في اليوم الموعود، وجودها معلنة بين البشر.
الشرط الثاني: وجود العدد الكافي من المخلصين تجاه هذه الأطروحة الذين يشاركون في إنجاز اليوم الموعود.
ومع تخلّف الشرطين يكون التخطيط العام كلّه قد فشل. ولذا كان من الواجب تلافي الأمر أساساً لكي لا يحدث الفشل. وذلك بإيجاد هذا الصلح مع معاوية، لأجل إحراز بقاء حاملي الأطروحة العادلة، وبالتالي استمرارها ضمن الأجيال لتكسب المخلصين الممحّصين بالتدريج.
بل إنّه طبقاً للفهم الإمامي للفكرة المهدوية، فإنّ الشرط الآخر لليوم الموعود يكون منخرماً أيضاً بدون هذا الصلح، وهو جود القائد المؤهل لإنجاز الدولة العالمية. فإنّه بعد تعيينه ـ أعني المهدي ـ في شخص الإمام محمد بن الحسن بن علي (عليه السلام) وهو من ذرية الحسين (عليه السلام)، نستطيع أن نتصوّر أنّ منازلة الإمام الحسن لمعاوية كانت تعني الإجهاز عليه وعلى جميع تابعيه بمن فيهم أخيه الحسين (عليه السلام). وإذا قتل الحسين وذريته وكان وجود نسله بلا موضوع، فينتفي الشرط الثالث أيضاً.
ومن هنا نتسطيع أن نتصوّر الأهمية التخطيطية لهذا الصلح التاريخي العظيم. إنّ المحافظة على الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه كان مستهدفاً في صلح أخيه (عليه السلام)، كما أنّ المحافظة على ولده علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، خلال حرب كربلاء، كان مستهدفاً أيضاً، من التخطيط أيضاً، لكي ينتج ـ فيما ينتجه ـ إيجاد القائد المهدي (عليه السلام)، إنجاز هذا الشرط من شرائط اليوم الموعود.
كما أنّ الفكرة القائلة بأنّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كانت مقدمة لثورة الحسين (عليه السلام)، بمعنى أنّها وفّرت لها الظروف الموضوعية، فكرة صحيحة من ناحية تخطيطية، فإنّ الحفاظ على الجماعة المؤمنة من قبل الإمام الحسن (عليه السلام) مكّنها بعد بضع عشرات من السنين أن تقوم بالمهمة الثورية بين يدي الحسين (عليه السلام). فتحظى آنئذٍ بنتائجها العظيمة من دون أن تتعرّض للاستئصال لاتساع هذه الجماعة في ذلك الحين، وبقاء الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) بينهم.
السؤال الخامس: لماذا اتّخذ الأئمة المعصومون (عليهم السلام)، وخاصّة في عصرهم المتأخّر، ابتداءً بالإمام الجواد (عليه السلام) ومن بعده، موقف (السلبية) والملاينة الظاهرية مع الجهاز الحاكم الذي عاصروه، مع أنّهم يعتقدون أنّهم أحق منه بممارسة الحكم، وكانت أخطاء الحكّام وسوء تصرّفهم يومئذٍ واضحاً للعيان؟!…
إنّ القسم الأوّل من (تاريخ الغيبة الصغرى) عموماً للجواب عن هذا السؤال، وقد بيّنا هناك حقيقة الغرض (القريب) لذلك. وهو أنّ إعلان المعارضة كان يستدعي يومئذٍ استئصال الإمام وكلّ المؤمنين به وقواعده الشعبية للظروف التي شرحناها هناك مفصلاً. ومعه كانت وظيفة الإمام (عليه السلام) لأجل إحراز أقصى ما يمكن من المصلحة للحق الذي يعتقده في نفسه وأصحابه، اتخاذ مسلك (السلبية) تجاه الدولة، بحيث لا يمكن لها أن تمسك ضده أي دليل… لأجل ضمان بقاء ذلك الحق مع بذل الجهد المضاعف لإحراز مقدار معقول من المصالح الاجتماعية والاقتصادية في مجتمع كان يعزلهم اجتماعياً واقتصادياً.
وأمّا الهدف (التخطيطي) فهو نفسه الذي ذكرناه لصلح الإمام الحسن (عليه السلام). وهو الحفاظ على الحق من أجل حفظ الأطروحة العادلة الكاملة سارية المفعول في البشرية، وعدم انحصار ادّعاء الإسلام بالجهات الحاكمة المنحرفة. كما يراد به حفظ الإمام نفسه لأجل إنجاب الإمام المهدي نفسه، طبقاً للفهم الإمامي.
كلّ ما هناك… أنّ الفرق بين عصر الإمام الحسن (عليه السلام)، وعصر الأئمة المتأخرين (عليهم السلام): أنّ الإمام الحسن (عليه السلام)، كانت له الفرصة ليفرض شروطه على معاوية بن أبي سفيان، باعتبار أنّ معاوية لم يكن ناجز الخلافة يومئذٍ، وإنّما أصبح خليفة بالتمام!! بعد هذا الصلح، بخلاف الأئمة المتأخرين، فإنّهم كانوا فاقدين لهذه الفرصة وأمثالها باعتبار وجود الدولة القوية الناجزة المعترف بصحتها في قواعد شعبية كبيرة من المسلمين.
ـ 8 ـ
5 ـ التاريخ الوسيط:
ونقصد به التاريخ الإسلامي المتخلل ما بين ضعف الدولة العباسية المتأخرة عن عصر المتوكل العباسي، إلى عصر الاستعمار الأوروبي للبلاد الإسلامية، في العصر الحديث.
وهي فترة تستمر حوالي ثمانية قرون، تتخللها الكثير من الحوادث المهمة، نقتصر منها على التساؤل عن خمسة منها ذات جانب من الأهمية:
السؤال الأوّل: لماذا حدثت الحروب الصليبية؟!…
السؤال الثاني: لماذا حدث الغزو المغولي لبلاد المسلمين؟!…
هذان سؤالان متشابها الاتجاه، باعتبارهما يحتويان على هجوم الكافرين ضد المسلمين. ومن هنا يكون الاتجاه في الجواب أيضاً متشابهاً.
إنّ الهدف (القريب) حين نتحدّث عنه هنا، إنّما نتحدّث عنه في حدود ما كان يتصوّره الغزاة أنفسهم، وأمّا البلاد الاسلامية فلم يكن لها إلاّ الدفاع حيناً والاستسلام حيناً.
إنّ الهدف القريب لكلا الغزوين معلن وواضح، فقد كان هدف الصليبيين ـ في حدود فهمهم ـ تخليص (أرض الميعاد) و(كنيسة القيامة) و(بيت لحم) موضع ميلاد المسيح، من احتلال المسلمين.
وكان هدف المغول التوسّع في السيطرة والملك والحصول على المغانم. ولم يثبت أنّهم كانوا يفكرون أو يعملون في زاوية دينية.
ولم يكن الهدف (القريب) للبلاد الإسلامية إلاّ دفع الغزاة. وأهم قيادة ناجحة حصلت لتحقيق هذا الهدف هي قيادة (صلاح الدين الأيوبي) ضد الغزو الصليبي، بعد فشل (عماد الدين زنكي) في تحقيق هذا الهدف.
وأمّا الاستهداف (التخطيطي) من وراء هذه الغزوات، أو بمعنى آخر مقدار ارتباطها بالتخطيط الثالث، وهو معنى يشمل ـ بشكل وآخر ـ الاستعمار الأوروبي الحديث، فيتلخص في الوجوه التالية:
الوجه الأوّل: إنّ هذه الغزوات تنطلق من الاختيار، الذي عرفنا له الأهمية في التخطيط. فإنّ الاختيار الذي يملكه الغزاة اقترن بقناعات منحرفة وأفكار متطرفة، أنتج اتجاه هؤلاء الناس إلى الغزو والقتل والتخريب.
الوجه الثاني: إنّ هذه الأعمال تمتثل نتيجة لظروف التمحيص السابقة عليها، وتعتبر فشلاً فيه من الزاوية الإيمانية الموازية مع خط التخطيط العام.
الوجه الثالث: المشاركة في إيجاد ظروف تمحيص جديدة للبلاد التي وقع الغزو ضدها. باعتبار أنّها تكون محكاً للمسلمين والمؤمنين والمخلصين في الوقوف ضدّها والحدّ منها إن أراد المسلم النجاح في التمحيص، أو الممالأة معها والانصياع لها إن أراد الفشل.
وقد واجهت هذه الحملات بالفعل مواجهات عنيفة ومخلصة من قبل المسلمين. وقد سمعنا في (تاريخ الغيبة الكبرى)([423]) بشارة النبي (صلّى الله عليه وآله) بذلك…
وقد ووجه الاستعمار الحديث أيضاً مواجهات دموية، ابتداءً بغزو نابليون لمصر، وانتهاءً بغزو الإنكليز للعراق خلال الحرب العالمية الأولى. وقد كان الاتجاه العام لهذه المواجهات هو التضحية في سبيل الإسلام المنتج للنجاح في التمحيص… إلى أن حاولت المادية المعاصرة السيطرة على الإيديولوجية العامّة للثورات في عالم اليوم.
السؤال الثالث: لماذا وجدت الدولة البويهية؟!..
السؤال الرابع: لماذا وجدت الدولة السلجوقية؟!…
السؤال الخامس: لماذا وجدت الدولة الصفوية؟!…
وهي أسئلة تندرج في نطاق متشابه، من حيث سيطرة دولة (مذهبية) مسلمة على أقاليم من البلاد الإسلامية.
وإذا تجرّدنا عن الصفة المذهبية تماماً، أمكننا عرض الاستهداف التخطيطي كما سنذكره بعد الاعتراف بأنّ الغرض (القريب) لكلّ منها، حبّ النفوذ والسيطرة أوّلاً، وخدمة المذهب الإسلامي الذي يعتنقه حكام هذه الدول. وإنزال الحيف أحياناً، بأفراد المذاهب الأخرى من المسلمين.
إنّ ارتباط هذه الدول بالتخطيط يشبه الأمور الثلاثة التي ذكرناها للاستعمار منظوراً إليه من زاويتهم. وقد تصعد الأمور إلى أربعة:
الأمر الأوّل: الاختيار الذي كان يملكه حكام هذه الدول، في سيطرتهم الأولى وطريقة حكمهم، أسلوب معاملتهم لشعوبهم، مع وجود قناعات خاصّة لدى كلّ منهم بأن يسلكوا على هذا الشكل دون سواه.
الأمر الثاني: كونها نتيجة للتمحيصات السابقة، حيث كان الحكام مع ما يحملون من قناعات وإيديولوجيات أبناء مجتمعاتهم التي أنتجتهم بما تحمل من نقاط قوّة وضعف، وبما تملك من ردود فعل تجاه ظروف التمحيص العامّة.
الأمر الثالث: كون هذه الدول سبباً لتمحيص الشعب المحكوم بها، حيث يجعل أفراده على المحك في الرضاء بالقرارات الصالحة التي تتخذها الدولة، والمنافرة مع القرارات الظالمة التي قد تتبناها.
الأمر الرابع: جعل الحكام أنفسهم على المحك، وتعميق تمحيصهم لوضوح أنّه مع اتساع المسؤولية للفرد يتّسع التمحيص ويتعمق، بمعنى التوقعات في ردود الفعل تجاه المواقف والمشاكل المختلفة سوف تزداد، وتتركز أكثر بكثير من الفرد العادي، كما أنّ أثر الأفعال التي يقوم بها مثل هذا الفرد سوف يكون أعمق أثراً في المجتمع من الفعل الذي يصدر عن الفرد الاعتيادي.
فبمقدار ما يؤدّي الحاكم المنفعة للناس، وبمقدار ما يتجاوب ـ روحاً ـ مع التخطيط العام، يعتبر ناجحاً في التمحيص، وبمقدار ما يخالف ذلك من السلوك يعتبر فاشلاً فيه.
وكلّ هذه الأمور من زاوية ارتباطها بالتمحيص، تكون مندرجة في الأسباب الموجودة للشرط الثالث من شرائط اليوم الموعود، وهو إيجاد الإخلاص والمخلصين. لأنّنا عرفنا أنّ ارتباط التمحيص بكلّ مستوياته بالتخطيط الثالث ليس إلاّ من هذه الزاوية.
ـ 9 ـ
6 ـ التاريخ الحديث:
ونقصد به تاريخ أوروبا منذ نهضتها الصناعية إلى العصر الحاضر. نقتصر منه على بعض النماذج السياسية والفكرية من خلال الأسئلة التالية:
السؤال الأوّل: لماذا وجدت النهضة الأوروبية الحديثة؟!…
لهذه النهضة عدّة جوانب، بعضها نقاط ضعف وأخرى نقاط قوّة:
النقطة الأولى: جانب التقدّم العلمي الذي كان ولا يزال يتقدّم، وهذا ما سبق أن بحثنا جهته التخطيطية في الجانب الرابع من الفصل الخاص بالجانب الدنيوي في التخطيط الثالث.
النقطة الثانية: جانب التقدّم الفلسفي والرياضي والفكري عموماً. وهذا ما بحثناه في الجانب الثالث من ذلك الفصل.
النقطة الثالثة: جانب ما تحتويه أوروبا من مبادئ وحلول للمشاكل الاجتماعية، وأهمها الرأسمالية والشيوعية. وهذا ما بحثناه في الجانب الأوّل من ذلك الفصل.
النقطة الرابعة: الجانب القانوني المتمثّل بالقانون الروماني والجرماني وغيرهما. وقد بحثناه في الجانب الثاني منه.
وإنّما المهم الآن النظر إلى نقطتين جديدتين:
النقطة الأولى: الجانب التاريخي، بمعنى التساؤل عن المصلحة التخطيطية التي أوجبت هذا التسلسل التاريخي لأوروبا، هذا الذي نسبته الماركسية إلى المادية التاريخية.
النقطة الثانية: الجانب الأخلاقي، من حيث عدم التزام المجتمع بواضحات الأخلاق من النواحي الجنسية والمالية والاجتماعية. فما هي المصلحة التخطيطية لهذا الانحراف، وما هو مقدار تسبيبها للوصول إلى الهدف الأعلى.
وسنبحث عن كلّ من هاتين النقطتين في جهة مستقلة:
الجهة الأولى: في المصلحة التخطيطية للجانب التاريخي لأوروبا، ومقدار وكيفية مشاركتها في الهدف الأعلى.
يتمثل ذلك في عدّة أمور:
الأمر الأوّل: الاختيار الذي هو أحد أركان التخطيط، بالانضمام إلى الأهداف (القريبة) التي كان الناس في مختلف الأجيال يتوخونها من وراء تصرفاتهم الاختيارية. وهي في الغالب أهداف مصلحية متخذة من مجموع الفهم الذي يحمله الفرد عن بيئته ومجتمعه المتّصف بحالة حضارية وثقافية معينة.
إنّ الإقطاعي كان يتوخّى في هدفه القريب مصلحته ويفهمها من زاوية توسيع ممتلكاته والضغط على فلاحيه لزيادة الإنتاج الذي يعود عليه بالربح. ومثل ذلك يفكر مالك الارقاء. وأمّا الحرفي فهو يرى من مصلحته تحسين إنتاجه وتوسيع بيعه. وكذلك يفكر مالك المصنع التعاوني (المانيفكتوره). والرأسمالي يرى مصلحته في زيادة أعماله وأمواله، وعن طريق السيطرة على الآخرين وقهر الشعوب الضعيفة.
إنّ هذه الأفكار توجد في أذهان أصحابها نتيجة لمجموع الحالة الاجتماعية المدنية والحضارية معاً، ولا تختص بوسائل الإنتاج. وبعد أن يحمل الفرد فكرته الخاصّة عن هدفه (القريب) يطبق ما يملكه من (اختيار) على أعماله ونشاطه متوخياً تحقيق هدفه.
وليس لوسائل الإنتاج من أثر في غير حقل الإنتاج نفسه.
الأمر الثاني: إنّ هذا التسلسل التاريخي للظروف التمحيصية السابقة عليه، أو بالأصح، أنّ كلّ حادث إنّما هو نتيجة للظروف السابقة التي تمثّل سير التاريخ من ناحية والتمحيص العام من ناحية أخرى… تلك الظروف التي كانت وما ز الت تمثّل الفشل في التمحيص.
الأمر الثالث: إنّ هذا التسلسل التاريخي سبب لتمحيص جديد، بالنسبة إلى كلّ واقعة، وذلك من ناحيتين على الأقل:
الناحية الأولى: تمحيص الأفراد الأوروبيين أنفسهم، من ناحية النظر إلى ردود أفعالهم تجاه الواقع، وهل هي ردود فعل صالحة أو فاسدة.
إنّ فشل النظام الإقطاعي وفشل النظام الرأسمالي بعده، على مستوى الرأي العام العالمي، واتجاه الاشتراكية إلى نفس النتيجة أيضاً… يدل كلّ هذا بوضوح على أنّ ردود الفعل كانت مجافية للإنسانية وللأسلوب الصالح الذي كان ينبغي أن تسير عليه.
الناحية الثانية: تمحيص الأفراد الآخرين في العالم من غير أوروبا، أولئك الذين ذاقوا نير الاستعمار والاستغلال أزمنة طويلة. من حيث مجابهتهم للاستعمار وشجبهم لكلّ أشكاله، أو مواكبتهم له واندماجهم في تياره المادي الجارف.
الجهة الثانية: في المصلحة التخطيطية للانحراف الأخلاقي في أوروبا، ومقدار وكيفية مشاركتها في الهدف الأعلى.
إنّ نفس الأمور السابقة تصدق تماماً في هذا الصدد أيضاً، من زاوية النظر إلى هذه الجهة بطبيعة الحال.
فالاختيار الذي يتّصف به البشر، منضماً إلى الاستنتاجات والمفاهيم التي يقتبسها الأفراد من حالة مجتمعهم الثقافية والحضارية والاقتصادية، وغيرها. حيث يرى الفرد أنّ (الحرية) الجنسية والاقتتصادية حتّى لو استلزم الاعتداء على الآخرين، والحرية العقائدية، في أن يلتزم الفرد بالعقيدة التي يرغب بها مصلحياً لا العقيدة التي يقوم عليها الدليل الصحيح… يرى الفرد كلّ ذلك حريات مقدسة لا يمكن الحد منها.
وأمّا أنّ هذه الاتجاهات نتيجة لظروف تمحيصية سابقة، ومنتجة لظروف تمحيصية جديدة، للأوروبيين أوّلاً، ولغيرهم ثانياً، إنّ هذا أوضح من أن يذكر.
وهذا يعني بوضوح، مجافاة الوضع الأوروبي بكلّ صراحة، مع التخطيطين الثاني والثالث على الخصوص التخطيط العام على العموم. وقد عرفنا وقوع التمحيص في طريق تحقيق الشرط الثالث من شرائط اليوم الموعود. على أن نأخذ بنظر الاعتبار نقاط القوّة للمدنية الأوروبية التي تفيد التخطيط العام كما سمعنا، من حيث لا تعلم أوروبا ولا تتوقع.
وبمعرفة هذه الكيفية (التخطيطية) للحضارة الأوروبية، يمكننا أن نجيب على عدد من الأسئلة حول حدوث كثير من الوقائع الرئيسية في أوروبا، كما سنرى في الأسئلة التالية:
السؤال الثاني: لماذا حدثت الثورة الفرنسية عام 1789م؟!…
تعتبر الثورة الفرنسية، ابتداءً من الهجوم على الباستيل، وانتهاءً بجمهورية نابليون بونابرت وما استطاع هو أن يحققه لفرنسا من إصلاحات… تعتبر جزءاً من أهم أجزاء النهضة الأوروبية فكرياً واجتماعياً واقتصادياً وصناعياً… فهي تحمل نفس نقاط القوّة والضعف لتلك النهضة، كما تحمل نفس المبررات التخطيطية التي تحملها تلك النهضة، والتي سبق أن ذكرناها مفصلاً.
ولكنّها ـ على أي حال ـ تحتوي على مزيتين تشاركان مشاركة إيجابية في التخطيط العام:
المزية الأولى: إنّها تحتوي لأوّل مرة في البشرية المعروفة([424]) على الشعور الاجتماعي العام الواعي المنظّم بالظلم والحيف… وإنّه لا يزول إلاّ بالثورة الدموية، التي تجتث الظالمين من جذورهم، لكي يتسنى البدء بالبناء الاجتماعي من جديد.
وهذه الفكرة، بهذه الصياغة، أمر صحيح تماماً. وقد طبقته الأنظمة المختلفة، كلّ من وجهة نظره، في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وروسيا الشيوعية، وغيرها من البلدان في خارج أوروبا كالجزائر وكوبا.
وستكون هذه الفكرة، بعد فهمها من زاوية تخطيطة، مطبقة في أوّل تأسيس الدولة العالمية، تحت قيادة القائد المهدي (عليه السلام).
المزية الثانية: إنّ الثورة الفرنسية حاولت لأوّل مرّة ـ في أوروبا ـ أن تنظر إلى البشرية نظرة شاملة، فتقرن الثورة بإعلان حقوق الإنسان والمواطن. فتعترف فيه للمظلومين ببعض الحقوق الرئيسية في نظرها، فيبدو بوضوح أنّ الثورة لا يمكن أن تكون ذات مضمون بدون نظام واعٍ جديد، وبدون أن يكون هذا النظام ذا صيغة بشرية شاملة.
ولا أقصد بذلك الاعتراف بصحة ما ورد فيه، أو أنّ واضعيه قد نجحوا في إعطائه الصيغة العادلة… كيف وقد ناقشنا ذلك وأبرزنا زيفه بوضوح في كتابنا «نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان».
وإنّما المقصود فهم الفكرة العامّة من عملهم، وأنّ الرأي العام العالمي سوف يرى ضرورة اقتران الثورة الناجحة بقانون واعٍ جديد، لكي تكون ناجحة فكرياً، كما تكون ناجحةً عسكرياً… الأمر الذي سيكون بنفسه مطبقاً في الدولة العالمية.
السؤال الثالث: لماذا حدثت الثورة الروسية الحمراء؟!…
تشابه هذه الثورة سابقتها الفرنسية من عدّة جهات، على ما سنذكره، وهي في هذه الجهات لها نفس المبررات التي ذكرناها، ولكن نقاط القوّة المشتركة تحفظ للثورة الفرنسية مزية السبق. وتختلف الثورة الروسية عنها في جهات أخرى على ما سنرى.
إنّها تحتوي على النقطة الأولى التي ذكرناها في السؤال الأوّل، وهي التقدّم التكنيكي بلا شك… كما تحتوي على النقطة الثالثة وهي المبدأ الذي يحاول حلّ مشاكل العالم، متمثلاً بالماركسية أو الشيوعية. ولكنّها تفقد النقطة الثانية وهي التقدّم الفلسفي والرياضي، لأنّها لا تعترف بفلسفة لا تندرج في نظريتها العامّة. فالحديث عن فلسفتها حديث عن مبدئها نفسه. وأمّا الرياضيات فليس لها تقدّم أكثر من دول أوروبا وأميركا الرأسمالية.
كما أنّها تفقد النقطة الرابعة، وهي الجانب القانوني، لأنّ قوانينها جميعاً تندرج في نظريتها العامّة، وليس لها استقلال ـ كقوانين أوروبا الرأسمالية ـ لتتخذ نقطة مستقلة. وبتعبير أوضح أنّ قوانينها تعبر عن الاشتراكية العلمية نفسها التي نحاول بها حل مشاكل العالم، وليست شيئاً آخر.
والنقطة الخامسة، وهي تسلسل الحوادث التاريخية، فمبرره التخطيطي هو ما ذكرناه في النهضة الأوروبية نفسها، وليس فيها زيادة مهمة. وكذلك النقطة السادسة، وهي التخلف الأخلاقي، مع زيادة هي نكران مفهوم الأخلاق أساساً إلاّ من زاوية طبقية واقتصادية، كما عرفنا.
وأمّا المزيتان اللتان تتّصف بهما الثورة الفرنسية، فهما مطبقتان فعلاً في الثورة الروسية، من وجهة نظرها، إلاّ أنّها تعتبر لها مزية، لأنّ المزية هناك كانت هي إيجاد تلك المفاهيم والأفكار لأوّل مرّة على الصعيد الأوروبي… بينما كانت هذه الأفكار موجودة قبل الثورة الروسية.
السؤال الرابع: لماذا وجد الفكر الماركسي… من زاوية تخطيطية؟!…
هذا ما أجبنا عليه أكثر من مرّة، حيث أشرنا إليه مختصراً في (تاريخ الغيبة الكبرى)، وفصّلناه في أوّل هذا الكتاب عند البحث عن (مناشئ الفكر الماركسي) في المنشأ أو الأطروحة الثالثة منها. وأعطينا عنه فكرة عند البحث عن الجانب الدنيوي في التخطيط الثالث. فلا حاجة إلى التكرار.
السؤال الخامس: إلى متى تبقى الحضارة المادية في العالم؟!…
برهنا خلال الحديث عن التخطيط الثالث أنّ هذه الحضارة بما جرّت من ويلات على العالم، بما فيها الحربين العالميتين، والتهديد بحرب ثالثة أدهى وأمرّ… ليست صفة أبدية أو صفة سرمدية. وإنّما وجدت، وكان وجودها ضرورياً في التخطيط العام لأجل أن تؤدي دورها التمحيصي وغيره الذي عرفناه فيه. وسيكون زوالها ضرورياً أيضاً حين تستنفد أغراضها التخطيطية. ويتمخض التمحيص عن وجود الشرط الثالث لليوم الموعود. فيكون موعد قيام الدولة العالمية ناجزاً، وبقيامها تزول هذه الحضارة بالضرورة.
وقد تزول قبل ذلك نتيجة لحرب حرارية طاحنة، تكون ـ في الواقع ـ إحدى الأطروحات لتذليل مصاعب اليوم الموعود وإنجاح التخطيطين الثالث والرابع معاً، كما سمعنا مفصلاً.
ـ 10 ـ
7 ـ العلوم الطبيعية:
وهي المنتجة للتطور الصناعي الهائل في أوروبا، بعد عصر النهضة وإلى العصر الحاضر… كالفيزياء والكيمياء والفلك والطب وغيرها. وقد عرفنا في (الجانب الدنيوي للتخطيط الثالث) جملة من الأفكار عن ارتباطها بالتخطيط، ممّا يسهل علينا الجواب على الأسئلة التالية كثيراً:
السؤال الأوّل: ما هو منطلق هذه العلوم من زاوية التخطيط العام؟!…
إنّ منطلقها ـ بكل بساطة ـ هو منطلق التخطيط نفسه. إنّ التخطيط (البشري) العام ينطلق من زاوية دعمه للتخطيط (الكوني) العام ومشاركته في البناء الكوني ولولاه لم يبق له وجود واضح، كما سبق أن عرفنا. فكذلك تنطلق هذه العلوم من حيث كونها معبرة عن أساليب التدبير والضبط الذي سار عليه التخطيط في اتجاه أهدافه.
وهي ـ بالطبع ـ تكشف عن تلك الأساليب بمقدار ما توصل إليه الفكر البشري من ذلك، وهي دائماً في طريق التطور… وتبقى تلك الأساليب أعمق من كلّ تلك العلوم بمقدار الفرق بين الحكمة الموجودة في الكون… في تخطيطه وأهدافه… وبين الفكر البشري القاصر، الذي يحبو ـ بالتدريج البطيء ـ نحو الكمال.
السؤال الثاني: ما هي وظيفة هذه العلوم الطبيعية، من زاوية تخطيطية؟!…
تتكفل هذه العلوم عدّة أغراض في المجتمع الإنساني:
الغرض الأوّل: المشاركة في تسهيل الحياة الفردية والاجتماعية، وبناء مستوى عالٍ من الرفاه. كالإسراع بشفاء المرض واختصار وقت السفر، والتقليل من العمل العائلي، وتسهيل وتوسيع الإنتاج الصناعي والزراعي.
الغرض الثاني: المشاركة في الكشف عن أسرع الطرق وأوسعها في القتل الفردي والجماعي، حين تعن الحاجة إلى الحروب.
وهذان الغرضان (القريبان) هما اللذان توختهما أوروبا حين فكرت بتعميق هذه العلوم. وكان للغرض الثاني أعمق الأثر في بذل الدولة الأموال الطائلة في هذا الطريق.
وكلا هذين الغرضين سوف يصبحان (تخطيطين) حيث نعرف إمكان الاستفادة منهما على نطاق تخطيطي في الدولة العالمية، ابتداءً من الحرب لأجل تأسيسها وانتهاءً بالرفاه العظيم الذي يسودها.
الغرض الثالث: المشاركة في بناء (الشرط الثالث) لليوم الموعود، من زاوية بناء جماعة من المخلصين الكاملين المشاركين في قيادة تلك الدولة، على مستوى الاختصاص في مختلف ميادين العلوم.
الغرض الرابع: الكشف عن منطلقها الأساسي الذي تحدّثنا عنه في جواب السؤال الأوّل… من حيث كونها تعرض للبشرية صورة واضحة ـ مهما كانت صغيرة ـ عن التدبير الكوني. وهكذا ينبغي أن تعرض في مصادرها الخاصّة، لا بالشكل المادي أو (العلماني) الذي التزمته أوروبا على طول الخط. وهذا الكشف عن المنطلق الأساسي هو الأسلوب الذي سوف يكون مطبقاً في الدولة العالمية، عند بناء الأفراد الاختصاصيين المتجاوبين مع التخطيط.
السؤال الثالث: ما الغرض من تعمّق هذه العلوم؟!…
يمثّل تعمّق هذه العلوم مراتب عليا من الفهم البشري العميق للقوانين التي تعبر عنها هذه العلوم. فكلّ الأغراض التي عرفناها لوجودها موجودة بشكل أعمق عند تعمّق هذه العلوم.
ومن هنا يصدق القول: بأنّ الغرض من تعمقها هو الوصول إلى تعمّق تلك الأغراض لأجل البناء التخطيطي نفسه. لا أقل من أن نتصوّر أنّ الغرض الأوّل وهو تسهيل الحياة، لا يكفي فيه المستوى الموجود فعلاً من التعمّق في هذه العلوم، بل يحتاج المجتمع العالمي إلى مستوى علمي عميق وواسع إلى أقصى حدّ، لينال الرفاه المعمّق إلى أقصى حدّ. تماماً كما قالته الماركسية في طورها الأعلى، وقد وجد الآن بشكل مركز في التخطيط العام.
السؤال الرابع: هل ينقطع تطوّر هذه العلوم؟!…
إنّ الاتجاه المادي الذي تسير به هذه العلوم فعلاً، في البلدان الشيوعية والرأسمالية، على السواء يسير بها نحو الفناء لا محالة. من زاوية أنّ الغرض الثاني الذي قلناه سوف يسبّب إلى فناء الحضارة والمدنية الحديثة في حرب حرارية مستعرة الأوار، في لحظة من أشدّ اللحظات شؤماً على هذه الحضارة.
إلاّ أنّ التخطيط العام لا يمكن أن يكون متجهاً نحو ذلك، لعدّة أسباب:
أوّلاً: لأنّ الحرب العالمية ليست مؤكدة الوقوع تماماً. ومن الواضح أنّها لو لم تقع، تبقى هذه المدنية على حالها إلى عصر تأسيس الدولة العالمية.
ثانياً: لأنّ هذه الحرب لو وجدت فإنّها لا تقضي على كلّ معالم الحضارة العالمية، بحيث يعود الناس إلى الشكل البدائي للحياة، وتكون الحرب الرابعة بالعصي والحجارة، كما يتصوّر البعض… كلا، لأنّها لن تدوم طويلاً، وإنّما تقضي وبسرعة، على المراكز العسكرية المهمّة في العالم وعلى مصانع الأسلحة بشكل عام وعلى عواصم الدول الكبرى وبعض مدنها المهمّة بما فيها العواصم. وبذلك تسبّب فشل الأطراف المتحاربة كلّها، وانهيارها عسكرياً واقتصادياً. ولا حاجة إلى افتراض نتائج أوسع من ذلك.
… نعم، توجد قنابل لإفناء البشرية في لحظة، إلاّ أنّها لن تستعمل بطبيعة الحال، لأنّ الدولة (الضاربة) ـ أياً كانت ـ لا تريد القضاء على نفسها بطبيعة الحال، وإنّما تضرب من الأسلحة النووية، بمقدار ما تقضي به على خصمها فقط. وهذا المقدار من تضارب القنابل لا يستلزم أكثر من النتائج التي أشرنا إليها.
ومعه ففي الإمكان بقاء المدنية (العلمية) في البشر، الأمر الذي يجعل الدولة العالمية وارثة له.
ثالثاً: إنّنا بعد أن عرفنا أنّ التخطيط متجّه بالضرورة إلى الدولة العالمية، ونعرف وجداناً توقّف الرفاه الكامل المطلوب فيها، على مستوى محترم ومتكامل من التقدّم التكنيكي، إذن فلا بدّ أن نفترض ضرورة انخفاض هذا المستوى المطلوب في البشرية السابقة على تلك الدولة، لتكون تلك الدولة هي الوارث الشرعي له. وهي في عين الوقت سوف تسير به قدماً إلى الأمام.
ويتم حفظ هذا المستوى بشكلين: إمّا بافتراض عدم قضاء الحرب عليه، وأمّا ـ إن قضت الحرب عليه ـ رجوعه إلى البشرية قبل تاسيس الدولة العالمية. وحيث برهنا على ضرورة وجود هذا المستوى عند تأسيسها، إذن فلا بد أن يكون مخططاً له ضمن التخطيط الثالث، وموجواً بالضرورة…
السؤال الخامس: ما هي كيفية الانتفاع بهذه العلوم في الدولة العالمية وما بعدها.
يكفينا على الجواب على ذلك، ما عرفناه من معالم هذه الدولة إلى الآن، وما ذكرناه من مستوى الرفاه الاقتصادي في «تاريخ ما بعد الظهور». ذلك المستوى الذي تشارك فيه هذه العلوم وأجهزتها ومعاملها العلمية أكبر مشاركة. وأمّا ما يزيد على ذلك من التفاصيل فلا حاجة إليه، وينبغي أن يبقى موكولاً إلى عصره.
ـ 11 ـ
8 ـ تاريخ ما قبل الإسلام:
وهذا ما سبق أن عرفناه مفصلاً من خلال حديثنا السابق، وخاصّة التخطيط الثاني، فنقتصر هنا على مجرد الإشارة إلى الجواب:
السؤال الأوّل: لماذا وجدت البشرية؟!…
وجدت البشرية لأجل المشاركة في البناء الكوني ضمن تخطيطه العام. تلك المشاركة التي هي العبادة الحقيقية الكاملة التي أشارت إليها الآية الكريمة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}.
السؤال الثاني: لماذا وجد خط الأنبياء والمرسلين؟!…
لأجل إيجاد الشرط الأوّل لليوم الموعود، وهو تربية الفكر البشري بحيث يكون قابلاً لاستيعاب الأطروحة العادلة الكاملة التي ستكون مطبّقة في الدولة العالمية.
السؤال الثالث: لماذا وجدت الشريعة الموسوية بعينها، أو الشريعة العيسوية؟!…
وجد كلّ منها لأجل المشاركة في إيجاد هذا المستوى المشار إليه، كمرحلة من مراحله.
السؤال الرابع: لماذا حصلت عبادة الأصنام والكواكب وغيرها من العقائد المنافرة مع التخطيط العام؟!…
حصل ذلك نتيجة للتمحيص كردّ فعل للتربية البشرية التدريجية المساوقة مع التخطيط، حيث كانت ردود الفعل لأغلب البشرية غير صالحة، ممّا أنتج الانحراف العقائدي والسلوكي لدى أغلب البشر، وعلى أشكال واتجاهات مختلفة، كلّ بحسب ما يبدو له نتيجة لفهمه لمصلحته ومجتمعه والأساطير والعادات الشائعة فيه مسبقاً.
السؤال الخامس: لماذا تطوّر التاريخ في تلك العصور، ذلك التطوّر المعروف، بما في ذلك وجود الدولة الفرعونية في مصر والآشورية في العراق والرومانية في أوروبا وغيرها… الأمر الذي نسبته الماركسية إلى تطوّر وسائل الإنتاج، إلى عصري الرق والإقطاع؟!…
ينطلق الجواب على ذلك من نفس الأسباب الاستهدافية التي ذكرناها في النقطة السادسة من (التاريخ الحديث)، بعد إعطائها الصيغ المناسبة مع عصر سؤالنا هذا. ونلخصها فيما يلي:
الأمر الأوّل: الاختيار الذي هو أحد أركان التخطيط، بالانضمام إلى الأهداف (القريبة) التي يسعى إليها الأفراد والمصالح التي يدركونها.
الأمر الثاني: إنّ كلّ تطوّر تاريخي هو نتيجة لظروف تمحيصية سابقة عليه.
الأمر الثالث: إنّ كلّ تطور هو محك لتمحيص عام للأفراد من حيث ردود فعلهم وهل هي مساوقة مع التخطيط أو منافرة معه.
الأمر الرابع: تمحيص الحكام ومن إليهم، من حيث إنّ زيادة مسؤولياتهم تستلزم عمق التمحيص لهم وزيادة وسرعة الفشل إن نافروا التخطيط العام وأهدافه.
ـ 12 ـ
9 ـ الدولة العالمية:
نختار عنها الأسئلة التالية: كنموذج… بعد أن عرفنا أجوبتها جميعاً:
السؤال الأوّل: كيف تتأسّس هذه الدولة؟!…
تتأسّس الدولة العالمية بجهود القائد المهدي (عليه السلام)، وأصحابه المخلصين الممحصين، وقد عرفنا في (تاريخ الغيبة الكبرى) وما بعده مدى عمق التخطيط الثالث في إيجاد القيادة العالمية والجيش الكافي المدرع بالإخلاص العظيم، الذي يكون له شرف المشاركة في إيجاد العدل المطلق في ربوع البشرية.
السؤال الثاني: لما تتأسّس هذه الدولة؟!…
تتأسّس باعتبارها نتيجة للتخطيطات السابقة عليها، وبصفتها من المقدمات الأساسية لوجود الهدف البشري الأعلى وهو المجتمع المعصوم، كما سبق أن برهنا.
السؤال الثالث: ما هو نظام تلك الدولة العالمية؟!…
يتكوّن نظامها من الأطروحة العادلة الكاملة، معروضة بالشكل المساوق مع الوعي الموجود بعد تأسيسها، والأحكام التي يضيفها القائد المهدي (عليه السلام) إليها، بالشكل الذي تكون مربية للبشرية باتجاه هدفها المنشود.
السؤال الرابع: ما الذي تستهدفه هذه الدولة؟!…
تستهدف تطبيق الأطروحة العادلة الكاملة، عاجلاً، والوصول إلى الهدف البشري الأعلى، وهو وجود المجتمع المعصوم، آجلاً.
السؤال الخامس: متى تنتهي البشرية؟!…
تنتهي البشرية عند استنفاد أغراضها، أو تحقّق أهدافها ـ بتعبير أصح ـ وذلك ببلوغ المستوى البشري إلى الحد الذي يكون له مشاركات فعلية كبيرة في التخطيط الكوني.
ـ 13 ـ
10 ـ الفكرة المهدوية:
نختار فيها الأسئلة التالية كنموذج، ونجيب عليها مختصراً بعد أن عرفنا أجوبتها المفصلة:
السؤال الأوّل: كيف وجدت الفكرة المهدوية في الذهن البشري؟!…
سبق أن برهنا بكلّ وضوح نشوءها عن طريق تبليغات الأنبياء وخاصّة نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله) الذي أعطى هذه الفكرة أصالتها وعمقها الكامل. وبرهنا على عدم إمكان نشوئها من الشعور بالظلم بمجرده.
السؤال الثاني: لماذا اختلف الناس في تعيين المهدي المنقذ؟!…
أعطينا لذلك التبرير الكامل، من زاوية أنّ كلّ دين سماوي ـ بعد العصور الأولى ـ يحتوي على التبشير بالفكرة المهدوية، بالمقدار المناسب مع المستوى الذهني البشري في عصره، فيتخيل الناس أنّ ذلك النبي هو الذي سيكون (المنقذ) وأنّ شريعته هي التي ستسود العالم. مضافاً إلى الانحرافات التي منيت بها هذه الفكرة خلال العصور، كأي فكرة أخرى تعيش الحياة العقلية غير المعمقة، دينية كانت أو غير دينية.
السؤال الثالث: من هو المهدي المنقذ باعتقاد المسلمين؟!…
هو من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله) وذريته ومن ولد فاطمة ابنته (عليهم السلام)، من ولد الحسين (عليه السلام). هو سميُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. وهذا كلّه متفق عليه بين المسلمين، ومتواتر عن نبيّهم (صلّى الله عليه وآله).
ويرى المذهب الإمامي الإثنا عشري، أنّ المهدي هو ثاني عشر الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وهو من ضروريات مذهبهم وعليه تواتر الروايات أيضاً، كما سنذكره مفصلاً في الجزء المخصص له من الموسوعة.
كان منذ ولادته مختفياً، وكان له سفراء أربعة بعد وفاة أبيه (عليه السلام) إلى نهاية غيبته الصغرى. وبانتهائها بدأت الغيبة الكبرى، حيث لا ظهور إلاّ بإذن الله عزّ وجل. ثمّ يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية.
السؤال الرابع: لماذا وجدت الغيبة الصغرى؟!…
عرفنا في (تاريخها) وأشرنا في هذا الكتاب إلى أنّها وجدت للتمهيد الذهني لوجود الغيبة الكبرى، لأنّ الغيبة الكبرى لو وجدت رأساً، لاندرس اسم المهدي (عليه السلام) بالمرة، وبذلك تنقطع حجة الله على عباده، ولا يكون التمحيص الساري المفعول في التخطيط الثالث منتجاً للشرط الثالث من شرائط اليوم الموعود.
السؤال الخامس: لماذا وجدت الغيبة الكبرى؟!…
برهنا في تاريخ الغيبة الكبرى بتفصيل على أثر هذه الغيبة في عدّة أمور مقترنة، تكون ضرورية لليوم الموعود، أي لتأسيس الدولة العالمية.
أوّلاً: تعميق القيادة المهدوية العالمية من التكامل الذي سميناه بتكامل ما بعد العصمة.
ثانياً: تعميق الفكر الإسلامي بشكل يساعد على استيعاب العمق الضروري في الوعي والقانون والأخلاق، لأجل سيادة العدل الكامل في ربوع البشرية كلّها.
ثالثاً: إيجاد العدد الكافي من المخلصين الممحصين لغزو العالم بالعدل.
رابعاً: اليأس العالمي من الأطروحات التي تدّعي حل مشاكل البشرية وتذليل مصاعبها. وذلك خلال التجارب والتمحيص الذي تمرّ به هذه الأطروحات والمبادئ من خلال تطبيقها الطويل.
وبهذا انتهت العناوين العشرة والأسئلة الخمسين، التي استطعنا تغطيتها بالجواب انطلاقاً من التخطيط العام، كنماذج من أي سؤال يخطر في الذهن البشري.
وهذا يعني استيعاب هذا البديل الصالح للمادية التاريخية لكلّ الشؤون البشرية، بشكل لم تستطع المادية التاريخية تغطيتها إلاّ بعد مجموعة من المبررات والاعتذارات والاستثناءات. حتّى لم يبق لها ولا تطبيق واحد منطبق على كلّ شرائطها التي أرادتها.
هذه نهاية الكلام في تطبيقات التخطيط العام من المرحلة الثالثة من القسم الثالث من هذا الكتاب.
مناقشات حول التخطيط العام
هناك بعض المناقشات التي قد تورد على التخطيط (البشري) العام ككل، منها ما هو منطلق من زاوية قرآنية، ومنها ما هو منطلق من زوايا أخرى. نودّ أن نوردها مع محاولة الجواب عليها، لتكون نظرية التخطيط العام متكاملة تماماً قبل الانتهاء من هذا الكتاب. وستكون هذه المناقشات هي مسك الختام.
ولهذه المناقشات عدّة أسس. فبعضها ذو أساس قرآني، وبعضها ذو أساس من السنّة الشريفة، وبعضها ذو أساس من الاتجاهات الحديثة للتفكير. ونحن نبدأ بهذه الأسس تباعاً:
الأساس الأوّل
الأساس القرآني
ويحتوي هذا الأساس على مناقشتين واردتين ضد فكرة التخطيط العام:
المناقشة الأولى: ما دلّ من القرآن على الانحراف إلى يوم القيامة. ومعنى ذلك أنّ الهدف الذي ذكرناه للتخطيط العام ـ وهو وجود المجتمع المعصوم ـ غير صحيح، ولا يمكن تحقّقه مع بقاء الانحراف في العالم.
… هناك آيتان في سورة المائدة تدلاّن على بقاء اليهود والنصارى إلى يوم القيامة.
الأولى: قوله تعالى:
{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)}([425]).
الثانية: قوله تعالى:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)}([426]).
ويمكن بيان بقاء الانحراف إلى يوم القيامة، من أحد منطلقات ثلاثة:
المنطلق الأوّل: المنطلق الإسلامي الذي يقول: بأنّ اليهود والنصارى معاً على غير الحق، فهم كفار ومنحرفون. فيكون بقاؤهم إلى يوم القيامة دالاً على بقاء المنحرفين إلى ذلك الحين.
المنطلق الثاني: ـ بعد الغض عن المنطلق الأوّل ـ إنّ الدين الحق واحد على وجه الأرض، واحد على أي حال؛ ومعه لا يمكن أن يكون مجموع اليهود والنصارى على حق. بل أمّا أحدهما على باطل أو كلاهما. فبقاؤهما معاً إلى يوم القيامة ـ كما هو مقتضى الجمع بين دلالتي الآيتين ـ يقتضي الالتزام ببقاء دين غير محق إلى يوم القيامة.
المنطلق الثالث: بعد الغض عن المنطلقين الأولين، بمعنى احتمال أن يكون كلا هذين الدينين على حق ـ جدلاً ـ. لكن القرآن يتحدّث عن أناس أشرار مع أتباع هذين الدينين، وإن لم يمثلوا مجموع المتدينين منهم… ويقول ـ بظاهره ـ: إنّ هؤلاء الاشرار باقون إلى يوم القيامة.
وعلى كلّ تقدير، لا يمكن أن يتحقّق المجتمع المعصوم، مع بقاء الانحراف. فإذا كان هذا المجتمع غير قابل للتحقّق، بقي التخطيط العام بلا هدف، فيكون لاغياً والالتزام به باطلاً.
ويتركز هذا الإشكال مع الالتفات إلى العداوة والبغضاء التي تكون مستعرة بينهم، فإنّها تكون منافية للمجتمع المعصوم الذي تسوده الأخوة والاطمئنان.
إلاّ أنّ هذه المناقشة لا تصحّ لعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: إنّ النتيجة المشار إليها في الآية، وهي وجود البغضاء والعداوة إلى يوم القيامة، منوط في القرآن بقضايا معينة… ولا يمكن أن تدوم هذه النتيجة بعد زوال هذه القضايا.
فبالنسبة إلى النصارى أنيطت النتيجة لهم بكونهم قد نسوا حظاً ممّا ذكّروا به. وبالنسبة إلى اليهود أنيطت النتيجة بكونهم معتقدين بأنّ يد الله سبحانه مغلولة، غلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا.
فلو حدثت الظروف الملائمة التي رفعت هذه القضايا، فجعلت النصارى يتذكّرون ما ذكّروا به وعلى استعداد لتطبيقه في عالم الحياة… وجعلت اليهود يرفعون أيديهم عن الاعتقاد بالقضايا الباطلة والعقائد المنحرفة. إذن ترتفع تلك النتيجة بالضرورة. ومعه لا يبقى دلالة في الآيتين على بقائهم إلى يوم القيامة.
فإن قال قائل: إنّ ظاهر الآيتين، كون تلك النتيجة عقوبة لليهود والنصارى ومعه ففي الإمكان بقاؤهما إلى ما بعد زوال الذنوب.
أقول: هذا صحيح بالنسبة إلى جيل واحد، من حيث إنّ أفراده المذنبين يعاقبون إلى آخر حياتهم. وأمّا بقاء العقوبة إلى الأجيال الأخرى غير المذنبة… فهذا خلاف العدل الإلهي. وقد قال تعالى في القرآن: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي لا تتحمل نفس جريرة نفس أخرى، فكيف بجيل كامل أو عدّة أجيال تكون متأخرة عن الأجيال المذنبة، تكون خالية عن الذنب، فكيف تتحمّل العقوبة؟…
إذن ـ فبالضرورة ـ تكون هذه العقوبة، منوطة بالأجيال المذنبة نفسها ولا يمكن أن تتعداها، فإذا وجدت أجيال خالية عن الذنوب، كانت هذه النتيجة مرتفعة عنها حتماً.
فإذا استطاع التخطيط العام ـ وهو فاعل ذلك جزماً ـ أن يوجد الظروف الملائمة لارتفاع تلك القضايا المنحرفة، كان ذلك سبباً لارتفاع تلك النتيجة لا محالة.
فإنّ قال القائل: فإنّ الآية ظاهرة ببقاء الأجيال المذنبة إلى يوم القيامة، فتكون النتيجة مساوقة معها باستمرار.
قلنا: هذه مكابرة في الاستدلال، فإنّ الآية دالة على بقاء النتيجة لا على بقاء الذنب، كما هو واضح لمن قرأها، نعم، هي دالة ـ بمقدار ما ـ على أنّ الذنب المؤقت كافٍ لبقاء العقوبة إلى يوم القيامة. إلاّ أنّ هذا الظهور بالخصوص لا بدّ من رفع اليد عنه. للعلم بكونه على خلاف العدل الإلهي، ومنافاته لنص تلك الآية التي ذكرناها، والقرآن يكون بعضه مفسّراً لبعض دليلاً على تحديد المراد منه.
الوجه الثاني: ـ لجواب المناقشة ـ: إنّ كلّ وصف منوط ـ لا محالة ـ بوجود الموصوف، ولا معنى لبقاء الوصف بعد ارتفاع الموصوف، فمثلاً لا معنى لبقاء دماثة خلق هذا الفرد أو شراهته للطعام أو شبابه أو غير ذلك، إلى ما بعد موته. كما لا معنى لبقاء رائحة الورد بعد موته، أو نتن الجيفة بعد جفافها… وهكذا…
فكذلك الحال بالنسبة إلى اليهود والنصارى، فإنّ العداوة والبضغاء، بصفتها وصفاً لهم من الزاوية الاجتماعية، منوطة ببقائهم لا محالة. فإذا تحول الجميع عن أديانهم واتبعوا (الأطروحة العادلة الكاملة) واندكوا في تعاليم الدولة العالمية… لم يبق اليهود يهوداً ولا النصارى نصارى، بل سوف توجد أجيال جديدة متبعة للحق وحده. ومعه لا معنى لبقاء صفتهم… فإنّ الآيات واضحة في كونها صفات لهم بما هم يهود ونصارى، لا لأجيالهم كيف كان حالهم.
الوجه الثالث: إنّنا لو تنزلنا عن الوجهين السابقين، وفرضنا ـ جدلاً ـ بقاء اليهود والنصارى مع عداواتهم إلى يوم القيامة… إلاّ أنّ هذا لا ينافي وجود المجتمع المعصوم الذي برهنا على وجوده. وذلك انطلاقاً من أحد المستويين:
المستوى الأوّل: لنتذكر ما قلناه من (الصبغة العامة) للمجتمع. فلئن فرضنا ـ جدلاً ـ أنّ التربية المركزة والمستمرة في الدولة العالمية عاجزة عن صهر كلّ الأفراد في العالم في بوتقة الحق والعدل. فلا أقل من إنجازها ذلك بالنسبة إلى غالب الناس بحيث يبقى أفراد أو مجتمعات قليلة غير ملفتة للنظر، تحتوي على الكفر والانحراف والعداوات.
ومع افتراض دلالة هاتين الآيتين على بقاء اليهود والنصارى إلى يوم القيامة، بعد التنزل عن الوجهين السابقين… لا بد من الالتزام ببقائهم على نطاق ضيق جداً، لا ينافي وجود الصبغة العامة في البشر إلى جانب الحق والعدل…. وبالتالي إلى جانب الاتصاف بالعصمة.
المستوى الثاني: إنّه يمكن أن نطرح (أطروحة) محتملة موافقة لبعض ظواهر الكتاب والسنّة، وإن كانت مخالفة لظواهر أخرى على ما سنرى.
ومضمونها: عدم المنافاة بين وجود اليهود والنصارى بالخصوص([427]) وبين وجود المجتمع المعصوم، بمعنى أنّهم يكونون معصومين مع التزامهم بأديانهم أنفسها، كما أن المسلمين سيصبحون معصومين بصفتهم مسلمين.
ويدلّ على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}([428]).
وقوله تعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ… وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ… وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)…}([429]).
وقوله تعالى:
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)}([430]).
إذن، فأحكام التوراة والإنجيل المنزَّلة من قبل الله تعالى، تتّصف بما تتّصف به الأطروحة العادلة الكاملة، من صفة العدل، وصفة عدم جواز التخلّف عن تطبيقها إلى الآن، واعتبار ذلك كفراً وفسقاً… وصفة أنّها منتجة للرفاه الاجتماعي العام {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}([431]).
وقد نشأ ضلال اليهود والنصارى، لا باعتبار اتّصافهم بهذين الاسمين أو من اتباعهم للنبيين موسى وعيسى (عليهما السلام)، وإنّما نشأ ضلالهم من أمرين مقترنين:
الأمر الأوّل: عدم إيمانهم بصدق نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله) الأمر الذي أقام عليه القرآن كلّ حجة واضحة…
{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا}([432]).
الأمر الثاني: عدم تطبيقهم لأحكام أديانهم الواقعية، وإنّما حرّفوها وعصوها.
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}([433]).
فهم ـ بحسب منطوق الأطروحة ـ مكلفون بالإيمان بصدق رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله) عقائدياً إلى جنب صدق أنبيائهم. وأمّا من الناحية السلوكية أو القانونية، فهم يمكنهم أن يطبقوا أحكام أنبيائهم، والمراد بها الأحكام الواقعية المنزلة عليهم من ربهم، لا الأحكام المحرفة المعترف بها لديهم عادة.
ومن طبق هذين الأمرين فهو على حق، قال الله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)}([434]).
وبدون ذلك، فإنّهم من أشدّ الناس فساداً…
{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}([435])…
{كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)}([436]).
وعندئذٍ يكون حراماً على المسلمين مصادقتهم وموالاتهم:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}([437]).
ولكن ممّا يؤسف له أنّه كلّ اليهود والنصارى في عالم اليوم، هم من القسم المنحرف، لما عرفناه تفصيلاً من عوامل التحريف في دينهم وكتبهم، إلى حدٍ لم يبق منها شيء يذكر.
والسر في هذه (الأطروحة) المستفادة من هذه الآيات، هو وحدة الدعوة الدينية الإلهية في خط الأنبياء. فاتباع كلّ من هؤلاء الأنبياء الصالحين وتطبيق تعالميهم يكون مجزياً منتجاً للعدل وموجباً لرضاء الله ونيل الثواب.
إلاّ أنّ هذا حكم خاص باليهود والنصارى والصابئة باعتبار أهمية أديانهم في خط الأنبياء… حيث يكون لهم تطبيق أحكامهم أو أحكام الإسلام. كما أنّ الحاكم الإسلامي النبي (صلّى الله عليه وآله) أو غيره، مخيّر في أن يطبّق عليهم أحكامهم أو أحكام الإسلام، كما يفتي به الفقهاء عادة، مستفاداً من قوله تعالى:
{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}([438]).
وأمّا غير هؤلاء، فيتعين عليهم اتباع أحكام الإسلام، بمن فيهم المشركين والملحدين والثنوية وغيرهم.
والفهم الكلاسيكي للآيات السابقة التي تأمر بإقامة التوراة والإنجيل: تطبيقها من زاوية تبشيرها بنبوة نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله)، فيكون ذلك مستبطناً أمرهم بالدخول في الإسلام، من دون أن يكون لهم أي خيار.
وفي هذا ـ بلا شك ـ تضييق للمفهوم الذي يستفاد من القرآن، فإنّ معنى إقامة التوراة والإنجيل إقامتها بكلّ تفاصيلها. وخاصّة مع قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} مطبقاً على حكم التوراة. وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} مطبقاً على حكم الإنجيل.
إلاّ أنّنا قد نضطر إلى هذا التضييق الكلاسيكي إذا لم تتم الأطروحة التي عرضناها وكانت الأدلة ضدها صحيحة وناجزة. إذ ينحصر معنى إقامة التوراة والإنجيل حينئذٍ، بالأخذ بتبشيرها بالإسلام بالخصوص.
وقد انعكست هذه الأطروحة المستفادة من القرآن الكريم على السنّة الشريفة كقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ـ فيما روي عنه ـ:
«لو ثنيت لي الوسادة، لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم»([439]).
والحكم بهذه الأحكام يعني تطبيق هذه الأطروحة بكلّ وضوح.
وكذلك ما دلّ على أنّ المهدي (عليه السلام) سوف يطبّق في دولته هذه الأطروحة نفسها، كالحديث الذي أخرجه النعماني في «الغيبة»([440]) عن الإمام الباقر (عليه السلام)، يقول فيه عن المهدي (عليه السلام): «ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عزّ وجلّ من غار أنطاكيا، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة وبين أهل الإنجيل بالإنجيل وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن…» الحديث.
ولا ينافي ذلك ما أخرجه البخاري([441]) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير».
فإنّ استعمال الصليب وأكل الخنزير، ليس من المسيحية الأصلية، وإنّما هي من الأمور المنحرفة المحدثة في الأزمنة اللاحقة لها… وسوف تزول بإرجاعهم إلى واقع دينهم كما نزل به نبيّهم. ولعل الفائدة الرئيسية لنزول عيسى ابن مريم (عليه السلام) في تلك الدولة العالمية هو إرجاعهم إلى أحكامهم الواقعية، مع التركيز على صدق نبي الإسلام أيضاً، فيجتمع كلا الأمرين اللذين ذكرناهما للمسيحيين في الدولة العالمية. ولا بدّ أنّهما يجتمعان ـ بشكل وآخر ـ لليهود والصابئة أيضاً. لكي يعيش هؤلاء على طبقهما، وتستمر تربيتهم على أساسها.
فإنّ قال قائل: إنّ قوله تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}([442]).
دال على حذف حكم الشريعتين الموسوية والعيسوية تماماً، وكلّ شريعة أخرى، واختصاص الحكم بالإسلام.
قلنا: تدلّ هذه الآية على هيمنة الإسلام على تينك الشريعتين. وهذا صحيح. ويكفي فيه أن تكون الكثرة الكاثرة في المجتمع مسلمة، ويكون الحكم إسلامياً بكلّ تفاصيله. وهذا لا ينافي أن يكون تطبيق هؤلاء لأحكام دينهم بشكل شخصي مجزياً وكافياً لهم في تطبيق العدل وإنجاز التخطيط. وخاصّة مع الالتفات إلى تتمة هذه الآية:
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ}([443]).
والابتلاء هو الاختيار والتمحيص.
فإنّ قال قائل: إنّ قوله تعالى:
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}([444]).
يدلّ على انحصار الشريعة بالإسلام بشكل لا يعوّض عنه شيء.
قلنا: هذا الاستدلال يحتوي على جهل بمعنى الأطروحة التي ذكرناها والأمرين اللذين أشرنا إليهما. فإنّ اليهود والنصارى، إن طبقوا كلا الأمرين كانوا بحكم المسلمين فعلاً… أمّا من الناحية العقائدية، فلإيمانهم بصدق نبي الإسلام. وأمّا من الناحية السلوكية، فلأن دين الإسلام أجازهم باتباعه دينهم، على ما هو المفروض في هذه الأطروحة المستفادة من القرآن الكريم.
وخاصّة إذا التفتنا إلى الآية السابقة على هذه الآية الأخيرة التي ذكرها السائل، وهي قوله تعالى: {قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)}. حيث دلّت على وحدة خط الأنبياء وصدقهم جميعاً، الأمر الذي انطلقت منه هذه الأطروحة.
فإذا صدقت هذه الأطروحة، لا يكون وجود اليهود والنصارى منافياً مع وجود المجتمع المعصوم، بل إنّهم سوف ينالون العصمة بصفتهم يهوداً ونصارى، كما سينالها المسلمون بصفتهم مسلمين. وبذلك يتم المستوى الثاني من الجواب الثالث على المناقشة الأولى للتخطيط العام.
إلاّ أنّ هناك من الأدلة ما يصلح لنفي هذه الأطروحة، ممّا يضطرنا إلى أنّ نفهم من إقامة التوراة والإنجيل خصوص التبشير بوجود الإسلام، طبقاً للفهم الكلاسيكي الذي أشرنا إليه، وتكون كلّ الخصائص الأخرى التي استعرضناها، مختصّة بذلك أيضاً. وتطبيق المهدي (عليه السلام) للتوراة والإنجيل لا يعني أكثر من ذلك أيضاً.
ونذكر من هذه الأدلة ما يلي:
الدليل الأوّل: إنّ الديانتين اليهودية والمسيحية في مفهوم الإسلام والقرآن، وطبقاً للتخطيط العام الذي عرفناه، تعتبر ديانات مرحلية تتكفل تربية البشرية لحقبة معينة من الزمن، وقد انقضت تلك الحقبة. ولا يمكن للمناهج المرحلية أن تربّي الفرد أو المجتمع على العدل الكامل… ولا أنّ توصله إلى العصمة المطلوبة المستهدفة للبشرية.
وأمّا وحدة خط الأنبياء، فهو أمر صحيح تماماً، ويمثّل وحدة التخطيط العام الذي ساروا عليه والدعوة الإلهية التي دعوا إليها. إلاّ أنّها وحدة عقائدية وليست وحدة في الأحكام، كما تفترض هذه (الأطروحة). ومعه فتنحصر الأحكام بأحكام الإسلام، ما لم توجد مصلحة استثنائية لإقرار بعض الأجيال من اليهود والنصارى على أحكام دينهم مؤقتاً، ريثما يندمجون في العدل الكامل… كما ربّما يكون هو المقصود من إقامة الإنجيل والتوراة من قبل المهدي (عليه السلام).
الدليل الثاني: الآيات الدالّة على وجوب تطبيق أحكام الإسلام والشاملة لليهود والنصارى، كقوله تعالى:
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)}([445]).
إلى غيرها من الآيات.
وقد أناطت حب الله تعالى بالاتباع، ونصّت على أنّ عصيانه موجب للكفر… وليس مضمون الاتباع والإطاعة إلاّ تطبيق الأحكام. وليس مؤدّاها عقائدياً محضاً كما هو واضح.
مضافاً إلى أنّ هذه الأطروحة لا تنفع في ما هو المقصود، وهو الجواب على المناقشة الأولى: وذلك انطلاقاً من أمرين:
الأمر الأوّل: إنّ الآيتين نفسيهما التي استدللنا بهما على المناقشة لا تنسجمان مع هذه الأطروحة. حيث دلتا ـ بعد التنزّل عن الأجوبة الأخرى ـ على بقاء العداوة والبغضاء بين اليهود والنصارى إلى يوم القيامة. ومعنى ذلك عدم وصولهم إلى العصمة، للمنافاة الواضحة بين العداوة والبغضاء وبينها. فما اقترحته الأطروحة من وصولهم إلى العصمة حال كونهم يهوداً ونصارى… كأنّه غير محتمل.
الأمر الثاني: الوضوح الإسلامي المؤيد بالنسبة المستفيضة التي ذكرناها في «تاريخ ما بعد الظهور» بأنّ المهدي (عليه السلام) سوف يطبق الإسلام وتزول كلّ الملل والأديان، ولا يبقى على وجه الأرض إلاّ الإسلام.
وهذا هو المطابق للتخطيط العام بالضرورة والمطابق مع طبائع الأشياء التي عرفناها للدولة العالمية. فمن غير المحتمل أنّ التربية المركّزة والطويلة فيها، تكون فاشلة في تحويل البشرية إلى الإسلام. كيف وهي تستهدف عصمة البشر، فكيف بمجرد اعتناق الإسلام الذي توجد العصمة على أساسه.
وببطلان هذه الأطروحة يبطل المستوى الثاني للجواب الثالث عن المناقشة الأولى التي نحن بصددها على التخطيط العام. ويبقى الجواب عن هذه المناقشة متوفراً في الأجوبة الأخرى والمستوى الأوّل من الجواب الثالث.
وقد عرفنا ـ ضمناً ـ أنّ إقامة التوراة والإنجيل، وما تستتبعها من الخصائص، تحتمل أحد معانٍ:
المعنى الأوّل: وجوب الدخول في الإسلام نفسه، بصفته الدين الذي بشّر به هذان الكتابان المقدسان في واقعهما غير المحرّف.
المعنى الثاني: إمضاء التعاليم الواقعية لليهود والنصارى، على أحد مستويين:
المستوى الأوّل: ما كان عليه بعض أهل الكتاب في عصر صدر الإسلام، من حيث إنّ المستفاد من بعض الآيات وجود أحكامهم وكتبهم الواقعية لديهم يومئذ. كقوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} فهم يقرّون عليها مؤقتاً ريثما تدخل أجيالهم في الإسلام، تدريجاً.
المستوى الثاني: ما سيكون عليه حال أهل الكتاب في أوّل تأسيس الدولة الإسلامية، من حيث إنّه ستتضح لهم أحكامهم الواقعية، كما تدل عليه الروايات، فيسمح لمن أراد أن يعمل عليها، أن يعمل مع التزامه بصدق نبي الإسلام عقائدياً… ريثما تدخل أجيالهم في الإسلام وانسجامهم مع العدل الكامل تدريجاً. ومعه يكون الأمران اللذان أشرنا إليهما فيما سبق مجتمعين، لكن بشكل مرحلي مؤقت غير مؤبد. وهو ـ ولا شك ـ منته قبل وجود صفة العصمة بزمن غير قليل تحت التربية المركزة المستمرة للدولة العالمية.
المعنى الثالث: ما عليه الفقهاء المسلمون خلال عصورنا: عصر التخطيط الثالث، من إقرار أهل الكتاب على أحكامهم بالشكل الذي يؤمنون بها وطقوسهم التي يقيمونها، إلى جنب تطبيق أحكام الإسلام، لو وفق بعض المسلمين إلى ذلك خلال هذا العصر.
وكلّ هذه المعاني صحيحة، من زاوية اختلاف العصور، وتعدّد وجهات النظر.
الوجه الرابع: للجواب عن المناقشة الأولى: إنّنا لو غضضنا النظر عن الأجوبة الثلاثة السابقة، وفرضنا ـ جدلاً ـ أنّ اليهود والنصارى مع ما يقع بينهم من عداوات، باقون إلى يوم القيامة، بشكل ينافي مع وجود المجتمع البشري المعصوم.
فكلّ ما تستلزم هذه الفكرة: الالتزام بعدم وجود المجتمع المعصوم، ومن ثمّ فهو ليس هدفاً للتخطيط العام. لكن لا يستلزم ذلك بطلان التخطيط العام وكونه لاغياً، كما تخيّل صاحب المناقشة. بل يبقى للتخطيط العام هدفه المهم الكبير وهو تأسيس الدولة العالمية. وهو هدف يعلو بخصائصه على الهدف الأعلى الماركسي على ما عرفنا. كلّ ما في الأمر أنّه يفترض وقوف البشرية عند هذا الحد، ووجود الموانع عن وجود الخطوة التي بعدها المتمثلة بوجود المجتمع المعصوم.
هذا، ولكن الالتزام بهذا الجواب الرابع جدلي، وليس واقعياً، بعد إقامة الدليل الكامل، على وجود المجتمع المعصوم فما بعده.
* * *
المناقشة الثانية: المنطلقة من الأساس القرآني.
يدلّ ظاهر القرآن الكريم على قلّة المؤمنين عموماً، في الدنيا والآخرة. وهو يدلّ على عدم وجود المجتمع المعصوم… إذ لو كان هذا المجتمع موجوداً، وخاصّة بالشكل المتطاول الذي فهمناه، لكان المؤمنون كثيرين.
وما يدلّ على ذلك من القرآن الكريم، على قسمين:
القسم الأوّل: الآيات الدالة على قلّة المؤمنين في الدنيا. وهي قوله تعالى:
{وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}([446]).
وقوله تعالى:
{إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}([447]).
القسم الثاني: ما دلّ على قلّة المؤمنين في الآخرة. وهي قوله تعالى:
{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)}([448]).
وكذلك قوله تعالى ـ بعد ذلك بقليل ـ:
{وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29)}.
إلى أن يقول:
{إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (40)}([449]).
ونتكلم عن كلّ قسم في ناحية:
الناحية الأولى: في الآيات الدالة على قلّة المؤمنين في الدنيا، وقد سمعناها.
وهي إن كانت دالة على قلتهم في كلّ أجيال البشرية، كانت المناقشة صحيحة. إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك. فإنّ هذه الآيات التي ذكرناها واردة في سياق معين يجعلها محدّدة بحدوده لا محالة. ولا معنى للاستدلال بالفقرة من دون السياق العام، لوضوح أنّه يلقي الضوء الكافي على المراد من الآيات.
وكلا الفقرتين واردتين ـ على ما سنرى ـ حول المجتمع اليهودي في الفترة ما بين خروجهم من مصر والسبي البابلي، أي أبّان حكمهم في فلسطين.
فالفقرة الأولى: وردت ضمن الحديث عن النبي سليمان (عليه السلام) أبّان حكمه… حيث تعطي الصفات الرئيسية له، وتقول:
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}.
إلى أن قال عزّ وجلّ:
{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)}([450]).
والفقرة الثانية وردت ضمن الحديث عن الخصمين اللذين تسورا المحراب على داود (عليه السلام). فإنّه قال بعد أن سمع كلام المعتدى عليه: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}([451]).
ونحن لو نظرنا إلى المستوى الإيماني لشعب هذين النبيين (عليهما السلام)، فضلاً عن مجموع البشرية في ذلك العصر، وقد سبق أن حملنا عنه فكرة تفصيلية من خلال الحديث عن التخطيط الثاني، لو نظرنا إلى ذلك، لوجدنا الآيتين صادقتين تماماً في ذلك العصر، فإن من يؤدي الشكر الكامل لله عزّ وجلّ، ومن يعمل العمل الصالح المطلوب، كان في غاية الندرة، ولا زال كذلك إلى العصر الحاضر.
إذن، فالآيتان خاصتان بذلك العصر، أو قل بعصر الانحراف، وغير شاملتين لمجموع البشرية، لتكونا نافيتين للمجتمع المعصوم ودالتين على عدمه.
الناحية الثانية: في الآيات الدالة على قلّة المؤمنين في الآخرة، وقد سمعناها.
ولا بدّ قبل الاستدلال بها، أن نتأكد من معناها. فإنّ المراد بالسابقين قد يكون هو السبق إلى الإيمان بالنبي (صلّى الله عليه وآله) قبل الآخرين، كما فهمه الشيخ الطوسي([452])، فجرى مجرى قوله تعالى:
{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ}([453]).
وقد يكون المراد به: المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة، كما فهمه الأصفهاني في مفرداته([454]). والثلّة: الجماعة([455]).
وأمّا (الأولين) و(الآخرين) بالكسر… فهما مفهومان نسبيان، لا يكون لهما مفهوم محدد، لو لاحظناهما باستقلالهما، لمدى توامي الأجيال البشرية وطولها. غير أنّ الظاهر جعل عصر نزول القرآن الكريم ـ بصفته هو المتحدّث ـ محكاً في ذلك. فالسابقون عليه هم (الأولين)، والمعاصرون له ومن بعدهم هم (الآخرين). ولا يوجد احتمال معقول في إرادة أي معنى آخر.
فإذا التفتنا إلى هذه المعاني… أمكننا أن نلتفت إلى الآية الأولى تارة، وإلى الآية الثانية تارة أخرى…
الآية الأولى: وهي قوله تعالى:
{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)}([456]).
وقد سمعنا لها قبل قليل فهمين:
الفهم الأوّل: ما فهمه الشيخ الطوسي من المراد بالسابقين: السابقون إلى الإيمان بالإسلام، إذ نسمعه يقول: إنّما قال ذلك، لأنّ الذين سبقوا إلى إجابة النبي (صلّى الله عليه وآله) قليل من كثير ممّن سبق إلى النبيين([457]).
وهذا الفهم يجعل الآية غير مربوطة بالاستدلال، من حيث إنّها تتعرّض إلى من آمن بالأنبياء من معاصريهم، وليس لها أي شمول للمؤمنين في البشرية بشكل عام. فلا تكون دالّة على قلّة المؤمنين في مجموع البشرية، ليكون للمناقشة مجال.
الفهم الثاني: ما فهمه الراغب الأصفهاني، من أنّ المراد بالسابقين: المتقدمون على غيرهم بالإيمان والأعمال الصالحة. ومعه فلعلّ الآية دالّة على قلّة هؤلاء السابقين بالنسبة إلى غيرهم، فيكون للمناقشة مجال.
وحينئذٍ، فلا بدّ أن ننظر إلى مفهومي (الأولين) و( الآخرين) في الآية، هل يشملان مجموع البشرية من أوّلها إلى آخرها، بشكل يشمل المجتمع المعصوم أو لا.
لا شك أنّه لا ينبغي أن يشمل العهد البشري الأوّل، أعني عصر ما قبل الوعي والتفكير. وذلك لسببين:
أوّلاً: لكون ذلك العهد دون المستوى الذي يمكن التحدّث عنه، باعتبار عدم قابلية الشعور بالمسؤولية لديه، ممّا يجعل ظهور الآية منصرفاً عنه.
ثانياً: لكونه مغرقاً في القدم، بحيث يكون التعرّض له غير مناسب مع مستوى التفكير العام في العصر الذي نزل فيه القرآن الكريم. فيكون مخالفاً مع قانون (كلّم الناس على قدر عقولهم) الضروري دائماً في النصوص الإسلامية.
إذن، فأقصى ما يمكن الوصول إليه من ناحية الماضي، في مدلول الآية، هو أوّل عهد التفكير إلى مبدأ عصر الإسلام.
وأمّا من ناحية المستقبل، فالذي يبدو أنّنا لا نستطيع أن نتوسّع كثيراً أيضاً، لأنّ ذلك على خلاف القانون المشار إليه أيضاً. فلا أقل من استثناء المجتمع المعصوم الذي يعتبر بالنسبة إلى معاصري الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومستوى الفكر السائد لديهم، مغرقاً في البُعد، بحيث لا يمكن أن يدركوه بوضوح، فيكون ظهور الآية منصرفاً عنه أيضاً.
وإذا لم تكن دلالة الآية شاملة للمجتمع المعصوم، كانت المناقشة بدون موضوع أيضاً. لأنّ مفهوم الأولين والآخرين يبدأ منذ عصر التفكير وينتهي قبل تأسيس المجتمع المعصوم، ويتوسطها عصر نزول الإسلام. وهذا المفهوم منعزل عن المجتمع المعصوم، فلا يكون نافياً لوجوده.
فإن قال قائل: إنّ عصر الدولة العالمية السابق على المجتمع المعصوم يكون مشمولاً للآية، في قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ} فيكون معناه أنّ السابقين إلى الأعمال الصالحة قليل في ذلك المجتمع.
وجواب ذلك أنّنا بعد أن فهمنا من مفهوم (الآخرين): منذ أوّل عصر الإسلام إلى آخر عصر الدولة العالمية، وهما عصر التخطيط الثالث والرابع، فقد تكون النسبة في المجموع هي قلة السابقين إلى الإيمان. وذلك بعد الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: إنّ عصر الدولة الإسلامية بالنسبة إلى عصر المجتمع المعصوم، صغير جداً، فإنّ التربية المركزة للدولة العالمية، قابلة للوصول بالبشرية إلى مجتمع العصمة بسرعة نسبية، وقد سبق في «تاريخ ما بعد الظهور»([458]) أن حددناه بسبعة قرون.
الأمر الثاني: إنّ التربية المركزة في الدولة العالمية، لا تنتج ثمارها الكاملة من أوّل يوم، بل تحتاج إلى فترة من الزمن، لكي تصل البشرية إلى وجود الأكثرية الصالحة بين ربوعها.
فإذا تمّ هذان الأمران، كان من يوجد من (السابقين) في مجموع عصر (الفتن والانحراف) السابق على تأسيس الدولة العالمية، وأوّل عصر تأسيسها… قليلاً بطبيعة الحال. ويكون ذلك كافياً في صدق الآية الكريمة.
مضافاً إلى أنّ مفهوم (السابقين) مفهوم نسبي يتضمن التعبير عن أفضل الأفراد في كلّ عصر؛ والأفضل في كلّ عصر قليل نسبياً لا محالة. صحيح، أنّ أي فرد في شعب الدولة العالمية يعادل الصالحين في العصر السابق عليه، إلاّ أنّ أفضلهم بالنسبة إلى عامتهم قليل أيضاً، بطبيعة الحال.
فإن قال قائل: بأنّ نسبة الأفاضل في الأولين أيضاً قليل بالنسبة إلى عامتهم، مع أنّ ظاهر الآية كون النسبة في (الأولين) أعلى منها في (الآخرين) حيث قال عزّ وعلا: { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)}.
قلنا: ينبغي أن نتذكر أنّ ظاهر الآية جعل عصر وجود الإسلام ونزول القرآن، هو الحد الفاصل بين مفهوم الأولين ومفهوم الآخرين. ومن المعلوم دينياً أنّ العصر السابق عليه يحتوي على أنبياء كثيرين وتربية مهمة… الأمر الذي يجعل نسبة السابقين إلى الأعمال الصالحة نسبة عالية بمقدار ما.
وأمّا عصر ما بعد الإسلام، فهو شامل لعصر (الفتن والانحراف) إلى جنب شموله لعصر الدولة العالمية، كما سبق أن أشرنا في الأمرين السابقين. وبشموله لعصر الفتن يكون السابقون بالنسبة إلى مجموع البشر في عصري التخطيط الثالث والرابع، أقل من نسبتهم في العصر السابق على الإسلام، عصر التخطيط الثاني. فيصدق قوله تعالى: { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)}.
مضافاً إلى أنّ هذه الاستفادة، وهي أنّ (الثلّة) أكثر نسبياً من الفقرة التي تليها… غير صحيحة. بل إنّ احتمال العكس احتمال قائم، وهو أن تكون نسبة الثلّة أقل من الفقرة التي تليها. ومعه فلا يبقى مجال لهذا الحديث.
إذن، فالآية الأولى، لا يمكن الاستدلال بها للمناقشة في وجود المجتمع المعصوم.
وأمّا الآية الثانية، وهي قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)}… إلى قوله: { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)}، فالجواب فيها هو نفسه الجواب في الآية الأولى، بشكل أوضح وأولى، على ما سنرى.
فإنّ مفهوم الأولين والآخرين المستعمل فيها محدد أيضاً بما بعد وجود مجتمع الوعي والتفكير، وما قبل المجتمع المعصوم، لنفس الدليل الذي ذكرناه، فلا تكون الآية دليلاً على عدم وجوده.
مضافاً إلى إمكان الجواب من ناحية أخرى تكون بها أوضح من الآية الأولى، وهي أنّ الآية الأولى قالت: {وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ} على حين قالت الآية الثانية: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ} والثلّة الجماعة كما عرفنا، والجماعة لا تتحدّد بمقدار معين. فحتّى لو كانت جماعة المتأخرين أضعاف جماعة الأولين، يصدق أيضاً قوله: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (40)}.
فإن قال قائل: الآية واضحة في أنّ جماعة من المتأخرين، مهما كبرت، هي الصالحة التي تدخل الجنة، لا جميع المتأخرين.
قلنا: نعم، وهو واضح بعد الذي أوضحناه من شمول الآية لعصر التخطيطين الثالث والرابع. ولا شك أنّ عدداً مهماً من الأفراد في عصر التخطيط الثالث، بل أكثرهم لا يدخل الجنّة.
فإن قال قائل: إنّ مجموع الآيتين دال على نسبة الداخلين إلى الجنة في مجموع البشر نسبة ضئيلة إلى حدّ ما كالجماعة بالنسبة إلى المجتمع. وهذا مخالف لما قلناه من أنّ العصر اللاحق لتأسيس الدولة العالمية إلى نهاية البشرية يعدل أضعاف العصر السابق عليه. لأنّه عندئذٍ يكون الداخلون إلى الجنان أكثر بكثير من نصف البشرية. وهو ممّا ينفيه ظاهر الآية.
وجوابنا على ذلك من وجوه:
الوجه الأوّل: إنّ مجموع مفهومي (الأولين) و(الآخرين) في الآية، يشمل عصور التخطيط الثاني والثالث والرابع فقط. ومعه فقد تكون نسبة الصالحين إلى غيرهم في هذا المجموع ليست بالكبيرة. وإنّما تكون كبيرة جداً بضم المجتمع المعصوم الذي لا يشمله هذان المفهومان.
الوجه الثاني: إنّنا لو لاحظنا مجموع الصالحين الذين ذكرتهم الآيات، لا نجد نسبتهم أقل من النصف بأي حال؛ فإنّ المقربين هم ثلّة من الأولين وقليل من الآخرين، وأصحاب اليمين هم ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين. فإذا فهمنا من الثلّة: الجماعة بمعناها الواسع، كان مجموع الصالحين الذين تذكرهم الآية كبيراً جداً.
الوجه الثالث: إنّه لا دليل على أنّ الآيات تعرّضت إلى مجموع من يدخل الجنة، بحيث لا يوجد مؤمن آخر. كلّ ما في الموضوع أنّها تعرّضت إلى ثواب (المقربين) وثواب (أصحاب اليمين)… ولا دليل على انحصار المؤمنين بهؤلاء.
بل يمكن إضافة قسمين آخرين ـ على الأقل ـ إلى هذين القسمين. وبضمهما تكون نسبة المؤمنين كبيرة، كما هو المتوقع والملائم مع التخطيط العام.
وهذان القسمان الإضافيان، هما كما يلي:
القسم الأوّل: المؤمنون الذين يكونون أكبر إيماناً من المقربين، ويكون جزاؤهم أعلى من جزاء المقربين. حتّى أنّ الجنّة لا تكفي لجزائهم. بل سيكون جزاؤهم روحياً معنوياً عالياً جداً، مقترناً بمشاركات كونية ضخمة.
ولعل هذا هو الشأن في عدد من الرسل والصالحين، وفي (مجتمع ما بعد العصمة) وعدد من أفراد المجتمع المعصوم أيضاً. وهذا المجموع ليس بالقليل أبداً.
القسم الثاني: من يكون أقل إيماناً من (أصحاب اليمين). وصفتهم المهمة أنّهم غير مستحقين للثواب وإن كانوا غير مستحقين للعقاب. وإنّما يدخلون الجنة برحمة من الله عزّ وجلّ محضاً، أو لا يدخلون الجنة أصلاً، وإنّما يجعلهم الله في مكان ثالث أقل من الجنة وأفضل من النار على أي حال.
فإذا فهمنا من المؤمنين، من لا يكون مستحقاً للعقاب أو لا يعدّ من المذنبين، كان هذا القسم شاملاً لجماعات كثيرة منهم: من أوجبت سيئاتهم إحباط حسناتهم. وقد غفر الله لهم السيئات، فلم تبق لهم حسنات ولا سيئات. ومنهم: من مات بعد الإيمان مباشرة من دون عمل سيئ ولا حسن. ومهم: من مات طفلاً أو مجنوناً، ونحوه، ممّن لا يكون على مستوى الشعور بالمسؤولية أساساً. وممّا لا شك فيه أنّ هذه الأقسام الأربعة شاملة للنسبة الأكبر للبشرية. وإن كان الباقي أيضاً كثيراً جداً يصدق فيه قول الله جلّ وعلا: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)}([459]).
فهذه هي المناقشات القائمة على الأساس القرآني. وقد أوجدناها كلّها غير صالحة للتأثير على نظرية التخطيط العام أو هدفه الأعلى.
الأساس الثاني
السنّة الشريفة
وهو أيضاً يحتوي على مناقشتين:
المناقشة الأولى: ما دلّ من الأخبار على أنّه لا خير في العيش بعد المهدي (عليه السلام). كالخبر الذي أخرجه الكنجي في (البيان)([460]) بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أبشركم بالمهدي، يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. إلى أن قال: ثمّ لا خير في العيش بعده، أو قال: لا خير في الحياة بعده.
وتنطلق المناقشة من زاوية أنّ نظام الدولة المهدوية، لو كن يتطوّر إلى الأفضل، حتّى يصل إلى المجتمع المعصوم، فلا يمكن أن يصدق قوله: ثمّ لا خير في العيش بعده. وحيث إنّ الرواية صرّحت بذلك، إذن فنظامها لن يتطوّر إلى الأفضل، ومن ثمّ فهو لا يصل إلى المجتمع المعصوم.
إلاّ أنّ هذه المناقسة غير صحيحة لوجهين رئيسيين:
الوجه الأوّل: إنّه خبر واحد، لا يصلح للإثبات التاريخي باستقلاله. فإنّنا لو فهمنا منه ما تريده المناقشة يكون معارضاً بالأدلة التي أقمناها على التخطيط العام من القرآن الكريم ـ أوّلاً ـ والدليل (الاستهدافي) ـ ثانياً ـ … فيكون ساقطاً عن الإثبات بطريق أولى.
الوجه الثاني: إنّه يمكن أن يصدق قوله: لا خير في العيش بعده، بالرغم من التطوّر الذي أثبتناه وبرهنا عليه.
فإنّ التطوّر مهما كان مستمراً، فإنّ فرقاً كبيراً بين شخصية الإمام المهدي (عليه السلام) وقيادته، وبين شخصية وقيادة من يخلفه بعده، لما يتّصف به الإمام المهدي (عليه السلام) من مميزات ضخمة جداً لا توجد عند أحد من معاصريه، ولا في الأعم الأغلب من الأجيال البشرية، إلى مجتمع (ما بعد العصمة) على الأقل.
فسيجد المجتمع فرقاً واضحاً في القيادة، وأسفاً شديداً لموت القائد العظيم، يصدق معه هذا التعبير الوارد في الحديث بكلّ وضوح. وهذا لا ينافي بقاء التطوّر والتربية الصالحة طبقاً للمناهج التي يضعها القائد المهدي (عليه السلام) حتّى يصل المجتمع إلى العصمة.
وهذا واضح طبقاً لما رجحناه في «تاريخ ما بعد الظهور»([461]) من أنّ خلفاء المهدي (عليه السلام) هم أولياء صالحون يربيهم المهدي خصيصاً، ويوكل إليهم الخلافة بنص خاص… ريثما يصل المجتمع إلى عصر الشورى والانتخاب وهذا هو الذي سرنا عليه في هذا الكتاب أيضاً.
وأمّا إذا رجحنا في خلافة المهدي (عليه السلام) احتمالات أخرى، سبق أن سمعناها في الكتاب المشار إليه، فقد نضطر في الجواب على المناقشة إلى الاقتصار على الوجه الأوّل. إلاّ أنّها احتمالات غير صحيحة على أي حال.
المناقشة الثانية: ـ المستفادة من السنّة الشريفة ـ: ما دلّ من الأخبار على قصر عمر البشرية وقلّة بقائها بعد المهدي (عليه السلام).
فقد ذكر الطبرسي([462]): أنّ أكثر الروايات أنّه لن يمضي ـ أي المهدي (عليه السلام) ـ من الدنيا إلاّ قبل القيامة بأربعين يوماً. أقول: ولكن هذه الكثرة لم نجد ما يدل عليها خبراً واحداً أصلاً. وإنّما يمكن استنتاجها من أحد أمرين مستفادين من الأخبار:
الأمر الأوّل: ما ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) مستفيضاً: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً» وهو بألفاظ عديدة ومضامين متقاربة.
فقد يستفاد منه أنّ البشرية لا تعيش بعد المهدي (عليه السلام) أكثر من يوم واحد.
الأمر الثاني: ما دلّ من الأخبار على ارتفاع الحجة قبل يوم القيامة بأربعين يوماً. وقد أخرجناها في «تاريخ ما بعد الظهور». وفيها ما هو صحيح السند.
فقد يستفاد منها أنّ البشرية لا تعيش بعد المهدي (عليه السلام) أكثر من أربعين يوماً. إذا كان المراد بالحجة ـ في الحديث ـ شخص المهدي (عليه السلام).
إلاّ أنّ أمر بقائه يوم واحد واضح الفساد:
أمّا الأمر الأوّل: فلوضوح أنّ الخبر المشار إليه يراد منه التأكيد على أهمية ظهور المهدي (عليه السلام) وضرورة حدوثه… وليس المراد بقاء يوم واحد من الدنيا بعد ظهوره على وجه الحقيقة. وإلاّ كان ظهوره غير منتج لشيء في مصلحة البشرية. ويكفينا من الناحية اللغوية أنّه استعمل (لو) الامتناعية التي تعني عدم إمكان تحقق مدخولها، وهو بقاء البشرية يوماً واحداً.
* * *
اليوم الموعود
وللمفكر الكبير الشهيد مرتضى المطهري بحث قيّم حول الإمام المهدي والمهدوية وظهوره في اليوم الموعود لإقامة العدل نذكر منه ما يلي:
القسم الأوّل: العدل الكلي، والعدالة الشاملة.
إنّ جميع الأنبياء الذين بعثوا من قبل الله سبحانه بين البشر كانوا يسعون وراء هدفين رئيسيين:
الهدف الأوّل: هو إقامة علاقة صحيحة بين البشر وبين الله ربّهم، وبعبارة أخرى: تخليص البشر من عبادة كلّ موجود سوى الله تبارك وتعالى، وهو ما يتخلص في هذه الكلمة الطيبة «لا إله إلاّ الله».
والهدف الثاني: هو إقامة علاقات سليمة بين البشر أنفسهم على أساس العدل، والإحسان، والسلام، والمحبة، والتعاون، وخدمة بعضهم البعض.
والقرآن الكريم يبيّن هذين الهدفين حيث يقول فيما يتعلق بالأوّل وهو يخاطب خاتم الأنبياء (عليه السلام): {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)}([463]).
ويقول موضحاً الهدف الثاني: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}([464]).
وهكذا نرى أنّ القرآن يقرّر أصل القسط والعدالة في بناء المجتمع البشري، ويعتبر العمل بهذا الأصل أحد الأهداف الرئيسية لجميع الرسالات السماوية.
وسؤالنا هنا: هل سيأتي يوم على البشرية ترى فيه تطبيق العدالة الكلية الشاملة، بحيث لا يبقى أي أثر بين الناس لأنواع الظلم، والجور، والاستغلال، والحقد، والكراهية، والحروب، وسفك الدماء، ولا يبقى أثر لما يلازم هذه الأمور من الرذائل الأخلاقية، كالكذب والنفاق، والخداع، والطمع، والبخل… إلخ؟ أم أنّ ذلك مجرد وهم وخيال لن يتحقق في يوم من الأيام أبداً؟
قد نجد بين المسلمين المتدينين من يقول: أنّا لا أنكر العدل الإلهي. وأنّ الله سبحانه خلق كلّ شيء على أساس العدل، ولكنّي أعتقد أنّ دنيانا هذه بلغت درجة من الدناءة والانحطاط، وترسخت جذور الظلم فيها، بحيث أصبح من المستحيل تطبيق العدالة الواقعية بين الناس، وبالتالي سيادة السلام، والمحبة، والإنسانية الحقيقية، في هذه الدنيا.
فالدنيا هي دار الظلم، والعدل الكلي والتام يختص بالآخرة فقط، حيث يتم هناك جبران الظلم الذي وقع في الدنيا، وردّ الحقوق إلى أصحابها. وتوجد هذه الفكرة المتشائمة على نطاق أوسع بين غير المسلمين أهل الأديان السماوية.
ولكن الميزة الأساسية للعقيدة الإسلامية ـ وخصوصاً من وجهة نظر الشيعة، هي نفي التشاؤم عن البشر، وبيان أنّ عهد الظلام بما فيه من ظلم، وجور، وبغي، وانحراف فكري، وفساد أخلاقي، وما يستتبع ذلك من حروب، ونزاعات، واختلافات، إنّما هو عهد مؤقت، حيث سيعقبه عهد النور فتنصلح الدنيا، وتسود العدالة الحقيقية فيها، ويقوم الناس بالقسط([465]).
وإذا تأملنا في القرآن الكريم، فإنّنا نجده يعطي هذه البشارة حيث يقرّر أنّ مستقبل البشرية في هذه الدنيا هو طيّ بساط الشر والظلم، ومجيء عهد الخير والعدل، وهذه واحدة من الآيات التي تبين، ذلك: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}([466]).
وهنا يعطي الله سبحانه وعداً قاطعاً لأهل الإيمان والعمل الصالح بأنّ العاقبة في هذه الدنيا سوف تكون لهم، وأنّ الذي يحكم العالم في النهاية هو شعار (لا إله إلاّ الله) ودين الله بكلّ ما فيه من المعنويات والقيم الصحيحة وعلى رأسها العدالة الحقيقية والتامّة.
وأمّا التوجّه المادي، وعبادة الماديات، والأنانيات، وسائر القيم المنحرفة، فسوف يكون مصيرها الزوال من بين المجتمعات البشرية.
وهكذا نستخلص من القرآن الكريم هذه الفكرة وهي أنّ مسألة التطبيق العملي للعدالة الكلية الشاملة ليست مجرد أماني، وخيالات وهمية، وإنّما هي حقيقة تسير الدنيا باتجاهها لأنّها سنّة إلهية لا بدّ أن يجريها الله تعالى، فيحكم العدل في هذه الدنيا قروناً وقروناً من الزمان لا ندري كم هي، يكون الإنسان فيها قد بلغ رشده وتكامل معنوياً بحيث أصبح ينفر بطبعه الفطري السليم من الظلم، وكلّ أنواع الظلمات المعنوية.
وبحثنا هنا يدور حول الأساس الذي يستند عليه الإسلام عندما يقرّر بأنّ العدالة الشاملة الكلية سوف تتحقق في هذه الدنيا. ولبيان ذلك يلزم أن أقوم فيما يلي بشرح النقاط الثلاث التالية:
الأولى: ما هي العدالة.
والثانية: هل يوجد ميل في فطرة البشر نحو العدالة، أمّ أنّه ينفر منها بفطرته وطبيعته؟ وإذا كان لها أن تطبق في وقت ما فلا يكون ذلك إلاّ بالإكراه والإجبار؟
والثالثة: هل إنّ العدالة الكلية التامة شيء عملي، أم هي مجرد فكرة مثالية؟ وإذا كان لها أن تطبق عملياً فبأي وسيلة يكون ذلك؟
تعريف العدالة([467])
قد لا تكون هناك حاجة لتعريف العدالة، فالبشر على أي حال يعرف جيداً ما هو الظلم، وما هي التفرقة والتمييز. والعدالة ما هي إلاّ النقطة المقابلة لهذه الأشياء.
وبعبارة أخرى، فإنّ الناس بحسب خلقتهم واستعداداتهم الفطرية، وكذلك بحسب النشاطات والأعمال التي يقومون بها، يتمتعون باستحقاقات معينة، العدالة هي أن يعطى كلّ ذي حق حقّه، بعكس الظلم الذي هو حبس الحقوق عن أصحابها، وبعكس التفرقة، وهي عدم المساواة في المعاملة بين الأفراد الذين يتمتعون بالمؤهلات والاستعدادات نفسها، ويقومون بالأعمال نفسها.
وقد وجد قديماً بين البشر ـ امتداداً من عهد الفلاسفة اليونانيين الأوائل إلى سائر العهود الأوروبية اللاحقة ـ أفراد ينكرون واقعية العدالة وكونها أمراً طبيعياً في المجتمع البشري، ويقولون بأنّ العدالة هي الشيء الذي يقرّره القانون الحاكم وتفرضه القوّة.
ولكن هذه الفكرة غير صحيحة بالمرة، فالعدالة لها واقعية لا يمكن إنكارها، لأنّ العدالة تابعة للحق، والحق له واقعية يكتسبها من أصل الخلقة، فكلّ موجود يتمتع في أصل خلقته وتكوينه بصلاحيات واستحقاقات معينة، والإنسان ـ إضافة إلى ذلك ـ يكتسب استحقاقات أخرى بأعماله ونشاطه، وليست العدالة أكثر من أن يأخذ كلّ ذي حق حقّه الطبيعي دون زيادة أو نقصان.
والذي يساعد على ذلك أنّ الطبيعة التي خلقها الله سبحانه، فيها متّسع للعدالة بما أودع فيها من الإمكانات الوفيرة والخيرات الكثيرة، والذين ينكرون واقعية العدالة يتوهمون أنّه لو أعطيت الحقوق إلى أصحابها فلن يكفي مخزون الطبيعة لذلك.
هل حب العدالة والرغبة فيها شيء فطري؟
إنّ البشر بفطرته وتكوينه، يحبّ أشياءً في الحياة، ولا يملك دليلاً لذلك سوى تركيبه النفسي والروحي، ومثال ذلك حبّه للجمال، فالإنسان عندما يرى نفسه أمام شيء جميل، فإنّه لا يملك إلاّ أن يعجب به، وينجذب إليه دون أن تجبره قوّة من الخارج على ذلك. وقس على ذلك حبّ العلم، وحبّ الفضائل الأخلاقية، كالشجاعة، والبطولة، والأمانة، والوفاء… إلخ. فهل إنّ الميل إلى العدالة سواء الفردية، أو الاجتماعية، بغض النظر عن حصول المنفعة الشخصية، جزء من المطالب البشرية؟ وهل يوجد شيء كهذا في فطرة البشر أم لا؟
نظرية (نيتشه) و(ماكيافيلي)([468])
يعتقد أكثر الفلاسفة الأوروبيين بأنّه لا يوجد في فطرة البشر أي ميل نحو العدالة، وقد جرت فكرتهم هذه الدنيا في نهاية المطاف إلى الدمار، فهم يقولون: إنّ العدالة من اختراع الضعفاء والعاجزين، وذلك من أجل مواجهة الأقوياء، فهم يدّعون أنّ العدالة شيء حسن، وأنّ الإنسان ينبغي أن يكون عادلاً في تعامله مع الآخرين. وهذا كلام فارغ بدليل أنّ الذين يدافعون عن العدالة ويدعون إليها، ما إن يمتلكون القوّة حتّى يفعلوا نفس ما فعل الأقوياء من قبلهم. يقول الفيلسوف الألماني (نيتشه): كم حدث لي أن ضحكت عندما كنت أرى الضعفاء يتحدّثون عن العدالة ويطالبون بها، وكنت أقول لهم: أيها المساكين، لو كنتم تملكون مخالباً لما تفوهتم بمثل هذا الكلام أبداً!.
وهؤلاء الذين لا يؤمنون بأنّ العدالة جزء من الأمور المودعة في طبيعة البشر وفطرتهم ينقسمون إلى فريقين: ففريق يقولون بأنّه لا ينبغي للبشر أن يسعى وراء العدالة حتّى ولو بعنوان أمنية من الأماني، بل ينبغي أن يسعى وراء القوّة لا غير. ويأتون بمثلٍ على فكرتهم مفاده أنّ (القرن القصير من الذنب الطويل)، ويرمزون بالقرن هنا إلى القوّة، بينما يرمزون بالذنب إلى العدالة. ومن هذا الفريق (نيتشه) و(ماكيافيلي).
نظرية (برتراند راسل)([469])
والفريق الآخر لا يوافق على ذلك بل يقول: ينبغي السعي وراء العدالة، ولكن ليس بصفتها هدفاً، بل لأنّ مصالح الفرد توجد فيها. ومن هؤلاء (برتراند راسل) الذي يدّعي بهذا النمط من التفكير أنّه ـ أيضاً ـ من أنصار الإنسانية وحب الإنسان، وهو مجبور على مثل هذا الادعاء لأنّ فلسفته توجب عليه ذلك.
يقول هذا الفيلسوف البريطاني: إنّ الإنسان مفطور بطبيعته على حب المصلحة الشخصية، وهذا شيء مفروغ منه، ولا يقبل أي نقاش… إذن فماذا ينبغي أن نفعل من أجل تطبيق العدالة وسيادتها في المجتمع؟ إنّنا لا يمكننا أن نفرض العدالة فرضاً على الناس لأنّ طبيعتهم وفطرتهم لا تتلائم مع ذلك. نعم يمكننا أن نعمل شيئاً آخر، وهو أن نقوم بتنمية عقل الإنسان، وتقوية علمه، إلى أن يصل إلى مرحلة نستطيع أن نقول له فيها: أيّها الإنسان، صحيح أنّ المصلحة الشخصية هي التي تمتلك الأصالة في الحياة، وليس لأحد أن يحاول صرفك عن السعي وراءها. ولكن اعلم أنّ مصلحتك الفردية لا يمكن تأمينها إلاّ عن طريق إيجاد العدالة في المجتمع، ذلك أنّك لا تمتلك دائماً من القوّة في مقابل الآخرين ما يتيح لك الحصول على كلّ ما تريد عن طريق البغي والعدوان، لأنّهم سوف يردّون على اعتدائك، وبالتالي فبدل أن تحصل على المنفعة، فسوف تصاب بالضرر.
نقد هذه النظرية
واضح أنّ هذه النظرية ليست سليمة، لأنّها تصدق على الضعفاء ـ فقط ـ دون الأقوياء. والعلم في هذه النظرية يدفع الفرد إلى الالتزام بالعدالة من أجل تأمين مصلحته الشخصية فقط، فإذا امتلك القدرة والقوّة التي تؤمن حصوله على مصالحه الشخصية بطريقة مباشرة. فإنّ معنى العدالة ينعدم تماماً بالنسبة له في هذه الحالة. ولهذا فإنّ فلسفة (برتراند راسل) على النقيض من كلّ شعاراته الإنسانية، تعطي الحق لكلّ الأقوياء من الدرجة الأولى، والذين لا يشعرون بأي خوف من الآخرين، أن يرتكبوا بحقّهم ما شاء لهم من الظلم والعدوان.
النظرية الماركسية
يذهب الماركسيون إلى أنّ العدالة شيء عملي، ولكنّها لا يمكن أن تتحقق عن طريق الإنسان ذاته، لأنّه لا يملك القدرة على إقامة العدالة… فلا يمكن تربيته بحيث يكون راغباً في العدالة، وطالباً لها بمعنى الكلمة، ولا يمكن تنمية عقله وعلمه إلى الحد الذي يرى فيه بأنّ مصلحته الشخصية إنّما توجد في العدالة. إذن كيف تتحقق العدالة؟ إنّها لا تتحقق إلاّ بواسطة (آلهة) الآلة والماكنة.
وبتعبير آخر: أيّها الإنسان… ليس لك أن تطلب العدالة وتسعى وراءها، فهذا ليس من شأنك. وإذا تصوّرت بأنّه يمكنك أن تصبح عادلاً فهذا تصوّر كاذب، لأنّك بطبيعتك لست محباً للعدالة، وإذا فكرت بأنّ عقلك يمكن أن يرشدك في يوم من الايام إلى طريقة لتطبيق العدالة علمياً فهذا تفكر باطل، لأنّ الآلة وحدها هي التي تستطيع أن تقود البشر إلى تطبيق العدالة بصورة تلقائية. فالتطورات التي تحدثها الوسائل الاقتصادية والإنتاجية توصل البشرية إلى الدنيا الرأسمالية أوّلاً، ثمّ يتم الانتقال بعد ذلك بصورة طبيعة إلى الدنيا الاشتراكية حيث تقوم الآلة بإقرار المساواة والعدالة في المجتمع بصورة جبرية، شاء الناس أم أبوا، (طبعاً، أثبتت التجارب والأحداث فيما بعد، أنّ كثيراً من الحسابات التي توصل إليها الماركسيون كانت خاطئة، وغير عملية بالمرّة).
النظرية الإسلامية
أمّا النظرية الإسلامية فترى أنّ جميع تلك الأفكار والفلسفات إنّما هي نوع من التشاؤم وسوء الظن بطبيعة البشر وفطرته، فإذا كانت البشرية اليوم تهرب من العدالة، فذلك لأنّها لم تصل إلى مرحلة الكمال بعد. فالعدالة مرتكزة في أصل خلقة البشر. وإذا رُبّي الإنسان بصورة صحيحة وعلى يد (مربّ كامل) فإنّه حتماً يصل إلى مرحلة يصبح فيها طالباً للعدالة بنفسه وبصورة واقعية، بحيث يفضل العدالة الجماعية على المصلحة الشخصية، ويصبح حب العدالة عنده شيئاً نابعاً من ذاته كحب الجمال مثلاً يندفع إليه بكلّ وجوده دون أن يجبره أحد، أو شيء على ذلك.
والواقع أنّ العدالة من مقولات الجمال ومصاديقه، الجمال المعقول وليس المحسوس طبعاً. ويخطئ الذين يزعمون بأنّ الإنسان بفطرته ليس مريداً للعدالة، ولا طالباً لها، وأنّه لا يتقبلها إلاّ أن تفرض عليه فرضاً، أو يدّعون بأنّ عقل البشر يجب أن يصل إلى مرحلة يرى فيها مصلحته الشخصية في العدالة، أو يعتقدون بأنّ تكامل الوسائل الإنتاجية هو الذي يؤدّي إلى إقرار العدالة، بصورة تلقائية دون أن يكون للإنسان أي دور في ذلك.
كلا، فهناك أفراد بين البشر أثبت التأريخ أنّهم كانوا يتمتعون بصفة العدل، حب العدالة، دون أن يجبرهم شيء على ذلك، أو يكون حافزهم تأمين منافعهم الذاتية، بل على العكس من ذلك، فكثيراً ما دفعتهم هذه الصفة إلى مخالفة هذا الحافز والعمل في اتجاه مضاد له. فالعدالة عندهم فكرة، وأمنية، وهدف، بل هي أشبه بمحبوب يعشقونه، ويضحون بأنفسهم في سبيله. وهؤلاء كانوا نماذج للإنسان الكامل في العصور السابقة، وإذا لم يمكن الوصول إلى درجتهم في هذا المجال، فعلى أي حال يمكن لأي فرد أن يكون نموذجاً مصغراً لهم.
لقد كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) واحداً من أبرز وأشهر تلك النماذج الرائعة، حيث استطاع عملياً أن يثبت بطلان كلّ الفلسفات التي تدّعي بأنّ العدالة شيء غريب عن فطرة الإنسان.
وعندما نضرب مثالاً بأمير المؤمنين (عليه السلام) فلا يتصوّر البعض بأنّ هذا الأمر منحصر في شخص واحد فقط، كلا، فقد كان علي (عليه السلام) أستاذاً لمدرسة تلقّى فيها الكثيرون دروس العدالة، وتخرّجوا منها بتفوّق، وساروا على هذا النهج طيلة حياتهم.
كما أنّنا نرى في كلّ العصور والأزمنة، وحتّى في زماننا هذا، أفراداً يؤمنون بالعدالة بصورة واقعية، وقد مزجت فطرتهم بحبّها مزجاً، وسوف يكون إنسان العصور القادمة أيضاً كذلك.
التطبيق العملي للعدالة الكلية وكيفيته
من البديهي أنّ العدالة شيء عملي وقابل للتطبيق، لأنّها تتلاءم مع فطرة الإنسان أوّلاً، وتنسجم مع قوانين الكون والطبيعة ثانياً، ولكن تحقيق هذا الأمر يحتاج إلى وضع برنامج صحيح، والإشراف على إجرائه وتنفيذه بدقّة وكفاءة عالية، ولن يتم بصورته الكاملة إلاّ في عهد صاحب الزمان (عج) فهو ذلك (المربي الكامل) الذي تنتظره البشرية جمعاء لترى تطبيق العدل الكلي، والعدالة الشاملة على يديه([470]).
والغريب في الأمر أنّ هناك الكثير ممّن يتصوّرون بأنّ مسألة ظهور الإمام الحجة (عج)، هي مسألة مساوية لانحطاط العالم وتقهقر البشرية، ولكن القضية على العكس من ذلك، فهي عنوان الرقي الفكري، والأخلاقي، والعلمي للبشر، وذلك بحكم كلّ الشواهد والأدلة التي وصلت إلينا عن طريق ديننا الذي يحدّثنا عن موضوع ظهور الحجة (عج) وسيادة العدل الكلي الشامل في طول الدنيا وعرضها.
ففي أحاديث «أصول الكافي»([471]) نقرأ بأنّه عندما يظهر الحجة (عج)، فإنّ الله سبحانه وتعالى يمسح بيد قدرته على أفراد البشر فيزداد عقلهم، كما يزداد فكرهم وعملهم، بعد أن تنزع من نفوسهم طبيعة الشر والعدوان، ولن يكون هناك في الدنيا بعد ذلك ذئاب بشرية، أي لن يكون هناك ظالم ومظلوم في هذا العالم، وهذا هو دليل الرقي الحقيقي، والتكامل الواقعي، للإنسان. وقبل أن أذكر جانباً من تلك الشواهد والأدلة التي أشرت إليها والتي تتعلق بسيادة العدالة في زمان الإمام المنتظر (عج) وتطبيقها بنجاح تام، أود أن أتطرق قليلاً إلى مسألة طول عمر هذا الإمام الغائب (عج).
مسألة عمر الإمام الحجة (عج)([472])
عندما يطرح موضوع الإمام الحجة المنتظر (عج)، فإنّ كثيراً من الناس يتساءلون: هل من الممكن أن يعمر الإنسان ألفاً ومائتي سنة؟ أليس ذلك مخالفاً لقانون الطبيعة؟
إنّ هؤلاء يتصوّرون أنّ كلّ الأمور التي تحدث في هذه الدنيا تنطبق مائة بالمائة مع قوانين الطبيعة الاعتيادية أي مع تلك القوانين التي توصل إليها علم البشر… في حين أنّ جميع التطوّرات الكبرى التي حدثت في تأريخ حياة جميع الموجودات الحيّة ـ من نبات وحيوان ـ لم تكن تطوّرات عادية. فهل أنّ انعقاد أوّل نطفة للحياة على وجه الأرض يتطابق مع أصول علم الحياة؟ كلا، فلم يكن ذلك متطابقاً مع أي قانون طبيعي في الارض.
واستناداً إلى النظريات العلمية المعتبرة اليوم، فإنّ عمر أرضنا هذه يقدر بحوالي أربعين ملياراً من السنين، حيث كانت الأرض في بداية أمرها كتلة مصهورة ملتهبة يستحيل على أي كائن حيّ أن يعيش فيها. ثمّ مدّت مليارات عديدة من السنين، حتّى بردت هذه الكتلة، وظهر على سطحها أوّل موجود حي.
والعلم اليوم يقرّر بأنّ أي كائن حي لا بد أن يتولّد أو ينشأ من كائن آخر، ولا يمكن أن يوجد كائن حيّ من كائن غير حيّ أبداً، إلاّ أنّه لم يستطع إلى الآن أن يفسّر كيف وجد أوّل كائن حيّ على وجه الأرض، وكيف انعقدت أوّل نطفة للحياة فيها.
وعندما يتجاوز العلم هذه النقطة، فإنّه يقع في حيرة مرّة أخرى… ذلك أنّ العلم يقرّر بأنّ أوّل خلية حيّة وجدت على وجه الأرض أخذت تنقسم، وتتكاثر، وتنتقل من مرحلة إلى مرحلة في التكامل والتطوّر إلى أن جاء وقت انشعبت فيه إلى فرعين رئيسيين، ونشأت من ذلك المملكة النباتية والمملكة الحيوانية… فكيف حصل هذا التطوّر الكبير الذي أدّى إلى أن تنقسم الخلايا البدائية الأولى إلى فرع نباتي وفرع حيواني، يكمل واحد منهما الآخر، خصوصاً من ناحية امتصاص وإطلاق الغازات الموجودة في الجو؟؟
وهكذا يواصل العلم حيرته في المراحل الأخرى ـ وخصوصاً في المرحلة التي وجد فيها الإنسان، ذلك المخلوق العجيب الذي يتمتع بالعقل، والفكر، والإرادة ـ ويبقى عاجزاً عن إعطاء تفسيرات مقنعة لكلّ هذه الأحداث.
ثمّ هل إنّ مسألة الوحي مثلاً، أمر عادي لا يلفت النظر؟
هل إنّ مسألة وصول إنسان ما إلى درجة يكون مستعداً فيها لاستلام تعليمات آتية من عالم ما وراء الطبيعة، أقل شأناً. من مسألة بقاء فرد من الأفراد حيّاً لمدّة ألف ومائتي سنة وأكثر من ذلك؟
كلا، بل يمكننا القول بأنّ مسألة طول عمر الإنسان شيء طبيعي لا يخرج عن دائرة القوانين الطبيعية، بدليل أنّ العلم يسعى اليوم إلى ابتكار وسائل أو عقاقير تزيد في معدل عمر الإنسان.
فقانون الطبيعة لم يحدّد رقماً معيناً لحياة الإنسان على وجه الأرض… صحيح أنّ خلايا بدن الإنسان لها دورة حياتية محدودة، ولكن هذا لا يكون إلاّ في ظروف معينة، وإذا اكتشف العلم في المستقبل العلاقة العلمية بين الظروف المحيطة، ومدّة دورة حياة خلايا الجسم الإنساني، فلا يستبعد أن يتمكن الإنسان آنئذٍ أن يعيش خمسمائة سنة، أو ألف سنة، وربما أكثر!.
أضف إلى ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى قد بيَّن عبر الكثير من آياته الكونية بأنّ هناك أشياء تحدث في هذه الدنيا، وفي بعض المراحل المعينة، ويكون ذلك أشبه شيء بيد تخرج من وراء الغيب فتحدث تطوّرات خارقة في الحياة لا تنطبق مع قانون الطبيعة أصلاً، ولا يمكن التنبؤ بها مسبقاً…
فسواء درسنا المسألة من الناحية العلمية، أم من الناحية الغيبية، فإنّ موضوع طول عمر صاحب الزمان (عج) لا يحتاج إلى أي تشكيك، أو ارتياب، خصوصاً بعد أن صرّحت الأحاديث والروايات الدينية بذلك. إنّ إحدى وظائف الدين هي أن يفتح عقل الإنسان، ويخرج تفكيره من الدائرة الضيقة للأحداث العادية المألوفة التي يراها في حياته اليومية.
والآن نعود إلى موضوعنا الذي كنّا نتحدّث فيه…
خصائص عهد الإمام المهدي (عج) من خلال النصوص الدينية
يتفق علماء الشيعة والسنّة على هذا الحديث الشريف المنقول بالتواتر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث يقول فيه: «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي»([473]). إذن فلا يوجد أدنى ريب في أنّ ظهور صاحب الزمان (عج) أمر حتمي قضاه الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن ينقضي عمر الدنيا إلاّ إذا تحقّق هذا الأمر.
ولذلك فإنّ انتظار ظهور الحجة (عج) لا يختص بالشيعة فقط بل يشاركهم في ذلك أهل السنّة حيث يروون من طرقهم الكثير من الأحاديث في هذا الباب.
ويقول النبي (صلّى الله عليه وآله) في حديث آخر (مبيناً كيف أنّه يرى بوضوح ذلك العهد الذي تتكامل فيه البشرية وتصل إلى رقيّها المنشود): «المهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس والزلازل»([474]) (أي أنّه يظهر في ظرف يكون فيه بين أفراد البشر اختلافات ونزاعات شديدة، ولا يقصد بالزلازل هنا الزلازل الأرضية الطبيعية، بل المقصود تلك الأخطار الناشئة عن الأعمال المنحرفة للبشر، والتي تهدّد بتدمير الأرض تدميراً شاملاً)…
«فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»: (من البديهي أنّ هذا العمل لن يتم بالإكراه والإجبار، بدليل الفقرة التالية من الحديث)…
«يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض» (أي إنّ حكمه سوف يُرضي جميع الموجودات التي تقول يومئذ بلسان الحال: الحمدلله الذي رفع به عنّا شر الظلم والجور نهائياً).
ثمّ يقول (صلّى الله عليه وآله): «يقسم المال صحاحاً» فيقول الأصحاب: وكيف ذلك يا رسول الله؟ فيقول (صلّى الله عليه وآله): «يقسم بالعدل والسوية».
ويواصل (صلّى الله عليه وآله) حديثه فيقول: «ويملأ الله به قلوب أمّة محمد Top of Form
(صلّى الله عليه وآله) غنى، ويسعهم عدله» (هنا إشارة إلى الغنى المعنوي)، أي أنّ القلوب سوف تملأ بالصفات العالية، وتنظف من الصفات الدنيئة كالبخل، والطمع، والحقد، والحسد، وغير ذلك من الأشياء التي تشعر الإنسان بالفقر وإن كان جيبه مملوءاً بالمال.
ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في «نهج البلاغة»([475]) مشيراً إلى عهد الظهور:
«حتّى تقوم الحرب بكم على ساق» (أي تشتد الحروب وتدوم ردحاً من الزمن).
«بادياً نواجذها» (أي مكشرة عن أنيابها كالسباع المفترسة، وذلك كناية عن كثرة الفتك والقتل بين الناس).
«مملوءة أخلافها»: (أي أثداؤها).
«حلواً رضاعها، علقماً عاقبتها»: (أي إنّ تجار الحروب والانتهازيين يتوقعون الفوائد العظيمة، والمكاسب الكثيرة لأنفسهم من وراء تلك الحروب، ولكنّهم في النهاية لا يجدون إلاّ طعم الخسائر المرّ كمرارة العلقم).
«ألا وفي غدٍ، وسيأتي غد بما لا تعرفون»: (أي اعلموا أنّ المستقبل سوف يكون مليئاً بالأحداث التي لا تتوقعونها).
«يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوي أعمالها»: (أي إنّ أوّل عمل يقوم به ذلك «الوالي الإلهي» هو عزل الحكام الظالمين في الأرض، واحداً بعد واحد، ونصب أعوانه الصالحين مكانهم، فتنصلح الدنيا تبعاً لذلك).
«وتلقي إليه سلماً مقاليدها»: (أي أنّه لن يبقى سر من الأسرار العلمية المتعلقة بالأرض، إلاّ ويكتشف على يدي المهدي المنتظر (عج)).
«فيريكم كيف عدل السيرة»: (أي كيف تكون العدالة الحقيقية ويثبت بذلك زيف كلّ هذا الضجيج الإعلامي في العالم حول حقوق البشر والحرية والسلام… إلخ).
«ويحيي ميت الكتاب والسنة»: (أي يعيد إلى الحياة قوانين القرآن والسنة النبوية المحمدية، التي بقيت متروكة ومهجورة مدّة طويلة من الزمن حتّى كادت أن تندثر).
ويقول (صلّى الله عليه وآله) في حديث آخر:
«إذا قام القائم حكم بالعدل»([476]) (لما كان لكلّ واحد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لقب يعرف به بين الناس، ويكون مشتقاً من صفة أساسية تظهر فيه أكثر ممّا تظهر في غيره، فإنّ الإمام المنتظر له لقب مأخوذ من صفة القيام أي النهوض والثورة، فهو يلقب (بالقائم) أي أنّه إذا ظهر فإنّه سيعلنها ثورة مستمرة لا مهادنة إلى أن يصل إلى هدفه وهو إقرار العدالة في كلّ العالم، ولذلك فإنّه (عج) يعرف بصفتي القيام والعدل).
«وارتفع في أيامه الجور»: (أي تنعدم هذه الصفة الذميمة من بين الناس).
«وأمنت به السُبل»: (فعندما تقوم العدالة الحقيقية في العالم، تنعدم أسباب الخوف والقلق، ويعمّ الأمن أرجاء المعمورة).
«وأخرجت الأرض بركاتها»: (هذه هي جائزة الله سبحانه للناس عندما يقومون بالقسط، ويرضون بحكم العدالة).
ولا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته، ولا برّه وهو قوله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}([477]).
وهكذا تتحدّث الكثير من الروايات الإسلامية المتعلقة بزمان الظهور عن السلام والوئام، وعن الأمن والازدهار، وعن البركة والوفرة، وعن زوال الرذائل والمفاسد من شرب الخمر والزنى… إلخ، وعن تكامل الإنسان معنوياً بحيث ينفر بطبعه من الكذب، والغيبة، والنميمة، والبهتان، وما أشبه، وكلّ هذه الأشياء مبنية كما ذكرنا سابقاً على أساس فلسفة الإسلام الذي يرى بأنّ عاقبة البشرية هي العدالة التامة الشاملة. ولكنّه لا يوافق الفكرة القائلة بأنّ تلك العدالة التي سوف تأتي تعني أنّ تكفير الإنسان سوف يصل إلى مرحلة يقتنع فيها بأنّ منفعته هي في حفظ منافع الآخرين. ففي ذلك الزمان الموعود تصبح العدالة بالنسبة للإنسان بمثابة محبوب يعشقه، وذلك عندما ترتقي روحه، وتصل تربيته إلى حدّ الكمال، وهذا لا يحصل إلاّ إذا وجدت حكومة مبنيّة على أساس الإيمان والتوحيد، ومعرفة الله، وتطبيق التعالم القرآنية.
ونحن ـ معاشر المسلمين ـ سعداء لأنّنا على العكس من كلّ هذا التشاؤم الموجود في دنيا الغرب، فإنّنا نمتلك عقيدة متفائلة جداً بمستقبل البشرية.
ويقول (برتراند راسل)([478]) في كتابه «الآمال الجديدة»: «إنّ غالبية العلماء الغربيين قد قطعوا آمالهم من المستقبل، وهم يعتقدون بأنّ العلم قد وصل اليوم إلى مرحلة أصبح يهدّد فيها البشرية بالدمار الوشيك. ومن هؤلاء العلماء (أينشتين)([479]) الشهير الذي يصرح بأنّ الإنسان أخذ اليوم يحفر قبره بيديه، فلم يعد الأمر يحتاج إلى أكثر من الضغط على زر واحد، حتّى تكون الأرض ومن عليها في خبر كان!».
ونحن لو لم يكن عندنا اعتقاد بالله، وبالقدرة الغيبية الإلهية، ولو لم يطمئننا القرآن بشأن مستقبل البشرية، لكنّا مجبورين على أن نعطي الحق لهؤلاء المتشابهين، لأنّ الحرب العالمية الثالثة عندما تنشب ـ لا سمح الله ـ فإنّ الأسلحة الإستراتيجية المتطورة المكتظة بها ترسانات الدولة (المتقدمة) لن تدع مجالاً بحيث يكون هناك غالب ومغلوب، بل سيكون مصير جميع شعوب العالم بلا استثناء هو الدمار والفناء.
ونحن نعتقد مطمئنين بأنّه حتّى لو حصلت مثل هذه الانزلاقات الخطرة، فإنّ يد الله فوق كلّ شيء، بدليل قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}([480]).
ولقد قيل بأنّ أفضل الأعمال هو انتظار الفرج، أي التفاؤل بمجيء الفرج الشامل والنهائي. والسبب في ذلك هو أنّ هذا الأمر يرمز إلى المستوى العالي للإيمان بالله تعالى، والثقة التامة بوعده. جعلنا الله من المنتظرين الحقيقيين لفرج إمام زماننا (عج)، ووفقنا لإدراك دولة الحق والعدل التي سوف تقوم بإذن الله على يديه الشريفتين…
«اللهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة»([481]).
القسم الثاني: المهدي الموعود
يدور البحث في هذا القسم حول مسألة المهدوية ـ أي الاعتقاد بحتمية ظهور المهدي الموعود. وقد يتصوّر البعض ممّن يفتقرون إلى الاطلاع الكافي ـ وخصوصاً من الذين لا يعتقدون بأصول مذهب التشيّع ـ بأنّ هذه المسألة لم تظهر إلى الوجود إلاّ في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وبالتحديد بعد ولادة الإمام الحجة المنتظر (عج). ولإثبات خطأ هذا التصوّر، أريد أن أبين هنا من أين وكيف ظهرت هذه المسألة؟ وسواءً أكانت بصورتها الكاملة المفصلة، أم بصورتها الإجمالية المقتصرة على الإشارة والإلماع.
المهدوية في القرآن والأحاديث الشريفة
أوّلاً: توجد هذه المسألة في القرآن الكريم بصورة بشارة عامّة ومؤكدة. أي إنّ من يتدبر في الآيات القرآنية، يرى أنّ طائفة منها تذكر تلك النتيجة المترتبة على ظهور الإمام المهدي (عج)، على أنّها أمر قطعي لا بد أن يحدث في المستقبل. ومن جملتها هذه الآية الكريمة على سبيل المثال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}([482]). ويذكر المفسرون أنّ المقصود (بالذكر) هنا هو التوراة([483])، والآية صريحة في بيان حتمية هذا الأمر، أي لقد قضينا قضاء مبرماً، بأنّه سيأتي يوم على البشرية، يمسك فيه عباد الله الصالحون بزمام الأمور في طول الأرض وعرضها. فالأرض لن تبقى إلى الأبد تحت سيطرة الجبارين والظالمين، وسوف تقوم دولة الحق العالمية الدائمة، بعد زوال دولة الباطل المؤقتة.
وتذكر آية أخرى هذه البشارة القطعية الإلهية بأنّ دين الإسلام المقدس سوف يكون دين البشرية جمعاء، في حين أنّ تمام الأديان الأخرى سوف تزول ـ أو لا أقل ـ تضمحل وتنزوي جانباً. وتحقيق هذا الوعد بأبعاده الكاملة لا يتم إلاّ في زمان ظهور الحجة (عج)، فيخضع أهل الأرض جميعاً لدين الإسلام، ويصبح الدين المحمدي الدين العالمي السائد في كلّ الكرة الأرضية([484]). وهناك آيات كثيرة أخرى في هذا المجال، تحتاج إلى بحث مفصل خاص لا يسعنا التعرّض لها هنا.
ثانياً: وإذا ضربنا صفحاً عن الآيات القرآنية، فإنّنا نواجه عالم الأحاديث النبوية الشريفة. فهل يا ترى ذكر نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله) شيئاً في هذا الباب أم لا؟
ولو كانت الروايات المتعلقة بالمهدي الموعود منحصرة في روايات الشيعة فقط، لكان هناك مجال للشكّاكين أن يقولوا معترضين: لو كانت مسألة المهدي الموعود مسألة واقعية، لكان ينبغي للنبي (صلّى الله عليه وآله) أن يبينها في أحاديثه الشريفة. ولو كانت للنبي (صلّى الله عليه وآله) أحاديث في هذا المعنى لتناقلتها بالرواية سائر الفرق الإسلامية، ولما اقتصر على روايتها الشيعة فقط.
ولحسن الحظ، فإنّ هذا هو الواقع، لأنّ روايات باب المهدي الموعود التي يتناقلها أهل السنّة إن لم تزد على روايات الشيعة فإنّها لا تقل عنها على أي حال([485]).
وهناك كتب كثيرة موضوعة لهذا الغرض بالذات، من جملتها كتابان تمّ تأليفهما في (قم) في الفترة الأخيرة… الكتاب الأوّل بعنوان «المهدي» وهو باللغة العربية وبقلم المرحوم آية الله الصدر (أعلى الله مقامه)([486]). وقد نقل المؤلف كلّ الروايات التي أوردها في الحديث عن المهدي المنتظر، عن طريق أهل السنّة. والكتاب الثاني بعنوان «منتخب الأثر»([487]) وقد تمّ تأليفه بأمر من المرحوم آية الله السيّد البروجردي، وبقلم أحد فضلاء الحوزة العلمية البارزين في (قم) وهو الشيخ آقا ميرزا لطف الله الصافي. وعند المطالعة في هذا الكتاب يجد القارئ الكثير من الروايات المنقولة عن طريق أهل السنّة، والتي تتحدّث عن هذا الموضوع بمضامين وتعابير مختلفة.
ولا بأس هنا أن نشير إلى حديث لأمير المؤمنين (عليه السلام) في (نهج البلاغة) وهذا الحديث ـ كما سمعت شخصياً من المرحوم آية الله البروجردي ـ متواتر، أي أنّه لم يرد في كتاب «نهج البلاغة» فقط، وإنّما ورد أيضاً في مراجع تاريخية أخرى. وموضع الشاهد من هذا الحديث هو آخره، حيث يلمح أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض الجمل إلى مسألة المهدي الموعود (عج) فيقول:
«اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً. لئلا تبطل حجج الله وبيّناته. يحفظ الله بهم حججه وبيّناته، حتّى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم»([488]).
وفي هذه الكلمات إشارة إلى ضرورة وجود المهدي المنتظر، وهو آخر حجج الله، وإن كان غائباً عن أعين الناس، ومختفياً عنهم لحكمة معينة. وفيها كذلك إشارة إلى ضرورة ظهوره وإن طالت مدّة غيبته، وذلك عندما تتوفّر شرائط معينة بحيث يلزم الأمر حفظ حجة الله على عباده، والحيلولة دون بطلانها.
(المهدوية) من الناحية التاريخية
تعمدت الإيجاز في استعراض الآيات القرآنية والروايات الشريفة المتصلة بمسألة المهدي المنتظر (عج)، وذلك لأنّي أريد أن أركّز على هذا البحث من الزاوية التاريخية، فأبين جانباً من الآثار التي تركتها هذه المسألة على تأريخ الإسلام.
فعندما نطالع التأريخ الإسلامي، نجد أنّه فضلاً عن الروايات الواردة في هذا المجال، والمنقولة عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، أو عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّه منذ النصف الثاني للقرن الهجري الأوّل، أصبحت الأخبار والتنبؤات المتعلقة بمسألة المهدي الموعود سبباً لبروز حوادث كثيرة في تأريخ الإسلام؛ وذلك بأن أخذ البعض يسيئون الاستفادة من أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) وما فيها من البشارة بظهور (المهدي)، وهذا بحد ذاته دليل على وجود جذور لهذه المسألة، وإلاّ لم يكن هناك مبرر لبروز تلك الحوادث.
قيام (المختار)([489]) والاعتقاد بالمهدوية
إنّ أوّل أثر ظهر في تأريخ الإسلام لعقيدة المهدوية، كان في قصة انتقام المختار من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) وليس هناك شك في أنّ المختار كان رجلاً سياسياً محنكاً، أكثر من كونه رجل دين ومذهب، طبعاً لا أريد هنا أن أحكم على المختار بأنّه كان إنساناً خيراً أم شريراً، ولكنّه على أي حال، كان يعلم جيداً بأنّ هدفه وإن كان الانتقام من قتلة سيّد الشهداء (عليه السلام). وهذا ممّا يوفّر له أرضية شعبية مساعدة، إلاّ أنّ الناس لم يكونوا مستعدين للقيام بهذا العمل تحت قيادته. وعلى إحدى الروايات، فقد حاول المختار أن يحصل على دعم الإمام زين العابدين (عليه السلام)([490]) في هذا الأمر، ولكنّه لم يوفق في ذلك، فلم يجد أمامه إلاّ أن يستغل مسألة الإمام المهدي الموعود الذي أخبر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فطرح اسم محمد ابن الحنفية وهو ابن أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخو الإمام الحسين (عليه السلام)، على أنّه هو الإمام المهدي المنتظر الذي بشّر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأعلن نفسه نائباً لذلك الإمام.
وظلّ المختار مدّة من الزمان يلعب لعبته السياسية تحت عنوان نيابة المهدي أي بصفته نائباً لمحمد ابن الحنفية.
والسؤال هنا: هل إنّ محمد ابن الحنفية كان مقتنعاً حقاً بأنّه المهدي الموعود، وهل إنّه هو الذي نصّب المختار نائباً عنه؟
يقول البعض: نعم، كان الأمر هكذا في الظاهر، ولكن الدافع الحقيقي لقبول محمد ابن الحنفية بهذا الأمر، هو فقط تهيئة الأرضية من أجل الانتقام والأخذ بالثأر من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكن هذا غير ثابت بالطبع. وبعد أن مات محمد ابن الحنفية قال جماعة المعتقدين به: إنّ المهدي الموعود لا يمكن أن يموت حتّى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. إذن فمحمد ابن الحنفية لم يمت في الواقع، وإنّما اختفى في جبل (رضوى)([491])، ومن هنا ظهر إلى الوجود مذهب (الكيسانية)([492]).
كلمة الزهري([493])
يذكر أبو الفرج الأصفهاني في «مقاتل الطالبين»، أنّه لمّا وصل خبر شهادة زيد بن علي بن الحسين([494]) إلى الزهري، قال: «لماذا يتعجل أهل هذا البيت؟ فسوف يأتي يوم يظهر المهدي الموعود منهم»([495]). وفي هذا التصريح دلالة واضحة على أنّ هذا الأمر كان شيئاً مسلماً به بين المسلمين، بحيث إنّ الزهري أخذ على العلويين قيامهم بالثورات وإراقة دمائهم، ولو أنّهم صبروا، وانتظروا وعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لكفاهم المهدي الوعود مؤونة هذا الأمر طبعاً، انتقاد الزهري غير صحيح في نظرنا، ولكن الشاهد هو تسليمه بمسألة المهدي الموعود.
قيام (النفس الزكية)،
والاعتقاد بالمهدوية
كما ذكرنا في فصل سابق، كان للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ولد باسم الحسن أيضاً، ولهذا كان يسمّى بالحسن المثنى وقد صاهر الإمام الحسين (عليه السلام) بالزواج من ابنته فاطمة بن الحسين، فولد له ولد باسم عبدالله، الذي لقب بعبدالله المحض، دلالة على نسبه الخالص، وكان لعبدالله المحض ولد باسم محمد، وآخر باسم إبراهيم. وكان زمان هذين مقارناً لأواخر العهد الأموي. وكان يسمى بـ (النفس الزكية).
وفي الأيام الأخيرة، في عهد الأمويين، اجتمع السادات الحسنيون مع جماعة من كبراء العباسيين، وبايعوا (النفس الزكية) على أنّه مهدي الأمّة. ثمّ استدعوا الإمام الصادق (عليه السلام) باعتباره زعيم السادات الحسينيين، وطلبوا منه أن يبايع هو أيضاً. ولكن الإمام (عليه السلام) قال له: ما هو هدفكم من وراء هذا الأمر؟ إذا كان محمد يريد القيام بعنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنا معه. أمّا إذا كان يريد القيام بعنوان أنّه مهدي هذه الأمّة، فإنّه مخطىء في ذلك، ولن أبايعه على هذا الأساس([496]).
وربما كان الأمر مشتبهاً حتّى على محمد بن عبدالله المحض نفسه، لوجود التماثل بين اسمه واسم النبي (صلّى الله عليه وآله)، ووجود خال على كتفه، كما كان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكان الناس يسمّون هذا الخال (خاتم النبوة). ولهذا كانت بيعة كثير من الذين بايعوه مبينة على أساس أنّه المهدي الموعود.
ومن ذلك يمكن الاستنتاج بأنّ مسألة (المهدي الموعود) كانت متجذرة في نفوس المسلمين وأفكارهم، بحيث أنّ أي أحد كان يعلن القيام والثورة، مع وجود مسحة من الصلاح والتقوى عليه، فإنّ المسلمين كانوا يقولون: هذا هو المهدي الذي أخبر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله)!.
حيلة الخليفة العباسي (المنصور)
كان ثالث الخلفاء العباسيين يدعى (المهدي) وهو ابن (المنصور الدوانيقي). ويذكر المؤرخون ومن جملتهم (دارمستر) بأنّ هذا الخليفة العباسي سمّى ابنه بهذا الاسم لهدف سياسي ماكر، وهو أن يثبت قاعدته الشعبية، ويستميل الناس إليه، بواسطة إقناعهم بأنّ المهدي الموعود الذي ينتظرونه ما هو إلاّ ابنه (المهدي) هذا. ولهذا ذكر صاحب «مقاتل الطالبين» وآخرون غيره بأنّ المنصور كان يعترف أحياناً في لقاءاته مع خواصه ومقربيه بكذب هذا الادعاء.
فمثلاً عندما التقى مرّة بمسلم بن قتيبة وكان من المقربين إليه، قال له: ماذا يقول محمد بن عبدالله المحض هذا؟ قال: يقول أنا مهدي هذه الأمة. قال: إنّه مخطئ فلا هو مهدي الأمة، ولا ابني هذا([497]).
ومثل هذه الحوادث تبين أن روايات المهدي المنتظر، كانت كثيرة ومتداولة بين الناس، وكان ممّا يسبب لهم الوقوع في الأخطاء والاشتباهات أنّهم لم يكونوا يحققون جيداً، لكي يتبينوا توافر جميع الأوصاف والعلامات التي ذكرتها الروايات النبوية، فكانوا ينخدعون، أو يتسرعون في الحكم بأنّ فلاناً من الناس هو صاحبهم الموعود!.
محمد بن عجلان، والمنصور العباسي
كان أحد فقهاء (المدينة) ويدعى محمد بن عجلان، من الذين بايعوا محمد بن عبدالله المحض، وكان بنو العباس من المؤيدين لهذه البيعة في البداية، ولكنّهم لما استدلوا على الخلافة، أخذوا يقتلون أولئك الذين بايعوهم بالأمس من السادات الحسينيين، وكذلك كلّ من كان يؤيدهم. وكان أن استدعى (المنصور) هذا الفقيه، وحقّق في أمره، فثبت عنده أنّه بايع (محمد بن عبدالله)، فأصدر أمراً بقطع يده، وقال: «هذه اليد التي بايعت عدوي يجب أن تقطع». فاجتمع فقهاء المدنية، وتشفعوا لزميلهم (ابن عجلان)، وكان ممّا قالوا للمنصور في شفاعتهم: أيّها الخليفة، إنّ هذا الرجل فقيه وعالم بالروايات، وقد توهم بأنّ ذلك الشخص هو مهدي الأمّة الذي بشّر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فيبايعه على هذا الأساس، وإلاّ فإنّه لا يضمر في قلبه أي عداوة بالنسبة لك([498]).
وهكذا فإنّنا كلّما ننتقل من عهد إلى عهد في التأريخ الإسلامي، فإنّنا نشاهد حوادث وقعت وكان منشؤها الاعتقاد الراسخ بحتمية ظهور المهدي الموعود. وأيضاً فإنّ كثيراً من أئمتنا (عليهم السلام) كالإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، والإمام محمد الباقر (عليه السلام)، وغيرهما، كانوا عندما يفارقون الدنيا، فإنّ بعض الشيعة كانوا يشككون في موتهم، ويقولون بغيبتهم معتقدين بأنّ هذا الإمام الذي يدّعي الناس موته هو المهدي المنتظر.
وكان للإمام الصادق (عليه السلام) ولد يدعى إسماعيل وهو الذي تنتسب إليه طائفة (الإسماعيلية) من الشيعة. وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يحبّ ولده إسماعيل هذا كثيراً. وعندما توفي، غسله الإمام وكفنه، ثمّ استدعى أصحابه، وكشف الكفن أمامهم عن وجه الميت وقال لهم: هذا هو إسماعيل ابني وقد مات، فلا يدّعي أحد غداً أنّه مهدي الأمّة، وأنّه قد غاب! انظروا إلى جنازته. انظروا إلى وجهه. اعرفوه جيّداً وتحققوا من ذلك، ثمّ اشهدوا أمام الناس بما رأيتم([499]).
وهكذا، فإنّي في كلّ تحقيقاتي التأريخية، لم أجد رجلاً واحداً من علماء المسلمين منذ صدر الإسلام وحتّى زمان (ابن خلدون) ـ ادّعى بأنّ الأحاديث المتعلقة بالمهدي الموعود (عج) لا أساس لها من الصحة، بل على العكس، كان الجميع يعتقدون بذلك، وإذا كان هناك اختلاف، ففي جزئيات الموضوع، كأن يكون المهدي هذا الشخص أو ذاك. وهل هو ابن الإمام العسكري أم لا؟وهل هو من أبناء الإمام الحسن (عليه السلام) أم من أبناء الإمام الحسين (عليه السلام)؟ أمّا أنّ هذه الأمّة سوف يكون لها (مهدي)، وإنّ مهمته هي أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعد أن تملأ ظلماً وجوراً، فلم يكن يوجد أدنى شك في هذه الأمور بين المسلمين كافة.
قصيدة (دعبل)([500]):
جاء الشاعر المعروف (دعبل الخزاعي) يوماً إلى حضرة الإمام الرضا (عليه السلام)، وأنشد بين يديه مرثيته الشهيرة التي مطلعها:
أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً
وقد مات عطشاناً بشط فرات
إذاً للطمت الخد فاطمُ عنده
وأجريت دمع العين في الوجنات([501])
يوجّه (دعبل) خطابه في هذه القصيدة إلى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ويستعرض مصائب أولادها واحداً بعد واحد، ويذكر كيفية استشهادهم وأماكن قبورهم. وكان الإمام الرضا (عليه السلام) يبكي أثناء إنشاد هذه الأبيات. وظلّ (دعبل) ينتقل من مصيبة إلى مصيبة حتّى وصل إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) فقال: (وقبر ببغداد لنفس زكية…) ([502]).
وهنا طلب الإمام (عليه السلام) من دعبل أن يضيف إلى قصيدته هذا البيت: (وقبر بطوسٍ يا لها من مصيبة…) ([503]).
فقال (دعبل): بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، لا علم لي بهذا القبر. فقال الإمام الرضا (عليه السلام): إنّه قبري أنا!([504]).
وقد وردت في قصيدة دعبل هذا، بعض الأبيات التي تشير إلى الموضوع الذي نحن بصدده، حيث ذكر بأنّ تلك المصائب سوف تستمر وتتوالى، إلى زمان إمام لا بدّ من ظهوره، وهو الذي سوف يضع حدّاً لكلّ ذلك([505]).
وهكذا، إذا أردنا ذكر الشواهد التأريخية المشابهة، فهي كثيرة جداً، ولا يتّسع المجال لاستقصائها هنا، فاقتصرت على ذكر نماذج منها فقط، من أجل بيان أثر فكرة (المهدوية) في تأريخ العالم الإسلامي.
الاعتقاد بالمهدوية في عالم التسنّن
إذا أردنا أن نعرف أنّ مسألة (المهدي الموعود (عج)) ليست منحصرة في الشيعة، فينبغي أن ننظر لنرى هل يكثر ادعياء (المهدوية) بين الشيعة فقط، أم أنّ هناك من بين أهل السنّة من ادّعى ذلك أيضاً؟
إنّ التأريخ يشهد بأنّ هناك الكثير من بين أهل السنّة من ادّعوا هذا الأمر. وليس بالمهدي أو المتمهدي السوداني الذي ظهر في بلاد السودان قبل أقل من قرن من الزمان، وكون جمعية ظلّت قائمة إلى قبل فترة من الزمن، إلاّ واحد من هؤلاء. وقد ادّعى هذا الرجل بأنّه هو المهدي المنتظر وطلب من الناس أن يبايعوه. وهذه الحادثة تدل على انتشار الاعتقاد بفكرة (المهدوية) في تلك الممالك السنيّة، ممّا حدا ببعض الناس هناك إلى تصديق مدّعٍ كاذب، والسير وراءه.
ويوجد أيضاً الكثير من مدّعي (المهدوية) في البلاد الإسلامية الأخرى كـ (الهند) و(الباكستان) حيث ظهر هناك في (القاديانيون)([506]) تحت عنوان إعادة (المهدوية).
وكلّ ذلك مصداق لما يوجد في رواياتنا من إشارات إلى ظهور الكثير من الدجالين الذين يدعون (المهدوية) كذباً وزوراً.
بيان (حافظ) ([507])
لا أدري هل كان (حافظ) شيعياً حقاً، أم أنّه كان سنياً. ولا أتصوّر أنّ أحداً يستطيع أن يجزم بتشيّع هذا الشاعر المشهور. ولكنّي أرى في أشعاره إشارات واضحة إلى مسألة ظهور الإمام المهدي (عج). فنقرأ في إحدى قصائده المعربة هذا البيت:
أيّها الصوفي، أين ذلك الدجال الأعور الملحد؟
قل له يحترق بغيظه فالمهدي حصن الدين قد جاء
وفي قصيدة أخرى أيضاً معربة يقول:
بشارة أيّها القلب، فهناك للمسيح نفس يأتي
ومن هذا النفس الزكي رائحة (شخص) تأتي
لا تئنّ، ولا تصرخ من الألم، لأنّي
ضربت فألاً، فظهر أنّ (منقذاً) لا بدّ أن يأتي
لست وحدي المبتهج (بنار الوادي الأيمن)
فموسى أيضاً من أجل قَبَسٍ إلى هنا يأتي
لا يعلم أحد أين هو ذلك (المنزل المقصود)
فقط هناك صوت جرسٍ ـ من جهةٍ ما ـ يأتي
تسألون عن خبر (بلبل) هذا البستان؟
وإنّي لأسمع أنيناً خافتاً ـ من قفصٍ ما ـ يأتي
سوء فهم خطير
وما دمنا في صدد هذا الموضوع، فلا بدّ من الإشارة إلى أنّ فكرة كون الدنيا سوف تشهد مرحلة العدل والعدالة بعد أن تمتلئ بالظلم والجور، قد أوجدت مسألة خطيرة، وهي مخالفة طائفة من علماء المسلمين لكلّ ما يندرج تحت عنوان الإصلاح الاجتماعي. حيث يزعم هؤلاء بأنّ الدنيا ينبغي أن تمتلئ بالظلم والفساد لكي يظهر المهدي الموعود، ويقوم بثورته الإصلاحية الشاملة! وعندما يرون شخصاً يخطو خطوة واحدة نحو الإصلاح، أو يرون توجّهاً في المجتمع نحو التدين والعمل ببعض أحكام الإسلام، فإنّهم يستاؤون كثيراً، لأنّهم يعتقدون أنّ الأوضاع الاجتماعية يجب أن تسوء وتزداد سوءاً حتّى تتهيأ الأرضية لظهور المهدي الموعود. وإذا قام أحد بأي عمل من شأنه جلب اهتمام الناس نحو الإسلام والتديّن، فإنّ ذلك يعتبر في نظرهم خيانة لقضية المهدي، ومزيداً من التأخير لظهوره المرتقب. فهل إنَّ هذا النوع من التفكير صحيح أم خطأ؟ سأبيِّن فيما يلي نقطة هامة تجيب على هذا السؤال.
ماهية قيام المهدي (عليه السلام)
إنّ بعض الأحداث التي تقع في هذه الدنيا تتمتع بصبغة الانفجار، وذلك مثل أن يوجد «دمل»([508]) في بدن الإنسان فهذا الدمل يجب أن يتطوّر ويصل إلى حدّ بحيث ينفجر دفعة واحدة فيتحقق الشفاء أو «الإصلاح» في البدن. وعلى هذا فأيّ عمل يؤدّي إلى الحيلولة دون انفجار هذا الدمل، يعتبر عملاً غير صحيح. وحتّى إذا أردنا أن نضع «دواءً» فوقه، فينبغي أن يكون هذا الدواء من النوع الذي يسبّب الإسراع في عملية الانفجار.
وهكذا، وبالاستناد إلى هذه الحقيقة، فهناك بعض التيارات الفلسفية ـ التي تحبذ أنواعاً معينة من الأنظمة السياسية والاجتماعية ـ تؤيّد الثورة بمعنى الانفجار، وتعارض كلّ عمل من شأنه أن يؤخّر الانفجار والثورة. ولهذا نرى بعض المناهج والأنظمة الاجتماعية تخالف الإصلاحات بشكل عام، وتفضل ازدياد المفاسد والمظالم في المجتمع، وتراكم العقد والعداوات بين الناس، واستمرار اضطراب الأمور، إلى أن يصل الوضع إلى نقطة الانفجار والثورة ومن ثم يمكن إصلاح المجتمع بصورة جذرية!.
فهل ينبغي لنا ـ نحن المسلمين ـ أن نفكّر بهذا الشكل فيما يتعلق بالإصلاح وبظهور الإمام الحجة (عج)؟ وهل يجوز لنا أن ندع المعاصي والذنوب تزداد، وأن نترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونهمل تربية أطفالنا، بدعوى أنّ ذلك يعجل ظهور المهدي (عليه السلام)؟
بل لكي نساهم بأنفسنا في تعجيل ظهور الحجة (عليه السلام)، فإنّنا ـ والعياذ بالله ـ نترك الصلاة، والصيام، وسائر الواجبات الدينية، ونشجع الآخرين على ذلك، بهدف تهيئة مقدمات الظهور؟
كلاّ، فهذا دون شك خلاف الأصول القطعية في الإسلام، وفقهنا له موقف واضح في هذا الشأن، فهو يؤكد بأنّ انتظار الحجة (عليه السلام) لا يسقط أي تكليف من التكاليف الشرعية، لا الفردية، ولا الجماعية. ولا يمكننا أن نجد عالماً واحداً من علماء المسلمين ـ سواء أكان شيعياً أم سنيّاً ـ يقول بأنّ مسألة انتظار المهدي الموعود، تسقط أصغر تكليف شرعي قرّره الإسلام.
هذا نوع من التفكير.
أمّا النوع الآخر: فهو يدور حول فكرة «النضج» وليس «الانفجار» والواقع أنّ «الثمرة» و«الدمل» كلاهما له سير تكاملي يستمر فيه إلى أن يصل إلى مرحلته النهائية، حيث ينفجر الدمل، بينما تنضج الثمرة وتصبح جاهزة للقطف.
ومسألة ظهور الحجة (عليه السلام) تشبه نضج الثمرة أكثر ممّا تشبه انفجار الدمل.
والإمام الحجة (عج) لم يظهر إلى الآن، ليس فقط بسبب أنّ الذنوب لم تتكاثر إلى الحد المطلوب، بل لأنّ الدنيا لم تصل بعد إلى مرحلة القابلية والاستعداد لهذا الظهور.
ولهذا نقرأ كثيراً في روايات الشيعة بأنّه عندما يبلغ عدد أنصار الإمام المهدي المنتظر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً في العالم كلّه، فعند ذلك يظهر الإمام ويبدأ ثورته الإصلاحية([509])، وإلى الآن لم يتوفر هذا العدد من الأنصار! وهذا يعني أنّ الزمان يجب أن يواصل مسيرته، بحيث إنّه مهما يزداد الفساد في الدنيا، فإنّه من الناحية الأخرى ينبغي تواجد أولئك النفر الذين يريدون تشكيل الحكومة العالمية، وعندهم الاستعداد الكافي لأن يكونوا تحت لواء المهدي المنتظر (عليه السلام) ـ قادة العالم وسادته. وعند ذلك فقط يظهر الإمام وتبدأ الثورة المباركة.
نعم، إنَّ الفكرة القائلة بأنّه (ما لم تحدث «الفوضى»، فإنّ الأمر لا يصل إلى «النظام») صحيحة، ولكن لا ينبغي إساءة فهم هذه الفكرة. لأنّ «الفوضى» لها مستويات مختلفة. فعلى الدوام تظهر الفوضى والاضطراب في الدنيا، ثمّ يعقب ذلك النظام والاستقرار. ثمّ يتبدّل هذا النظام بالفوضى، ولكنّها فوضى على مستوى أعلى. ثمّ تتبدّل هذه الفوضى بالنظام، ولكنّه نظام على مستوى أعلى أيضاً من النظام السابق وهكذا.
ولهذا يقول علماء الاجتماع بأنّ حركة المجتمع البشري هي حركة حلزونية، أي حركة دورانية ارتفاعيّة ففي نفس الوقت الذي يدور فيه المجتمع البشري، فإنّه لا يدور في مستوى أفقي، بل يتجه إلى الأعلى دائماً.
ولا يوجد شك بأنّ دنيانا اليوم هي دنيا مضطربة تعمّها الفوضى، بحيث إنّ زمامها قد أفلت حتّى من يد القادة العظام، وزعماء القوى الكبرى في العالم، ولكن هذا الاضطراب والفوضى على ذلك المستوى العالمي يختلف عمّا يمكن أن يحصل في قرية أو مدينة ـ مثلاً ـ اختلافاً كلياً، وكذلك الحال بالنسبة للنظام والاستقرار.
وعلى هذا فنحن عندما نتوجه نحو زمان ظهور الحجة (عليه السلام)، فإنّنا نتجه في هذه الدنيا نحو «الفوضى» و«النظام» في آن واحد… نتجه إلى الفوضى لأنّه من الطبيعي الانتقال من النظام إلى الفوضى. ونتجه أيضاً إلى النظام لأنّه فوضى على مستوى أعلى.
فهل ظهرت إلى الوجود ـ قبل قرن أو بضعة قرون من الزمن ـ تلك الأفكار الموجودة اليوم بين الناس؟ فلقد توصّل مفكرو العالم اليوم إلى أنّ الطريق الوحيد لمعالجة شقاء البشرية ووضع حد لآلامها المريرة، هو تشكيل حكومة عالمية واحدة، ولم يكن لمثل هذه الفكرة أن تخطر مجرد خطور في مخيّلة البشر طيلة العصور الماضية.
ونستنتج من كلّ ما سبق بأنّه كما أنّ انتشار الظلم والفساد في العالم يقرب ظهور الإمام الحجة المنتظر (عج)، فإنّ الدعوة إلى الإصلاح، ومحاولة إجراء العدالة، تقرّب أيضاً ذلك الظهور المبارك، وربما بسرعة أكبر، وعند ذلك سيكون حساب دعاة الإصلاح والعدالة مختلفاً كلياً عن حساب دعاة الفساد والانحراف، فلننظر أنفسنا في أي جانب نكون.
«المهدوي» فلسفة عالمية كبرى
إنّ مسألة ظهور المهدي المنتظر (عج)، لا تختصّ بطائفة من البشر، ولا بمنطقة معيّنة من الأرض، بل هي مسألة عامة تستوعب كلّ الأرض وكلّ ذلك لأنّ الدين الإسلامي ـ والتي تعتبر المهدوية واحدة من مسائله ـ دين عالمي، قد أرسل الله تعالى خاتم أنبيائه للناس كافة، ووعده أن يظهر دينه على سائر الأديان الأخرى.
ولذلك فإنّ الآيات القرآنية التي تبشّر بمجيء دولة الحق والعدل هي من قبيل هذه الآية الشريفة: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}([510]). وهذه الآية وأمثالها تشير:
أوّلاً: إلى الأمل بمستقبل البشرية، وأنّ الدنيا لن تدمر وتفنى، كما هي الفكرة السائدة اليوم في أوروبا، بأنّ البشرية في تمدّنها وحضارتها قد وصلت إلى مرحلة بحيث لم يبق أمامها إلاّ خطوة واحدة لتسقط في القبر الذي حفرته لنفسها بيدها!.
والواقع أنّ ظهور الأمور تؤيد هذه الفكرة بشدّة، إلاّ أنّ أصول ديننا و مذهبنا تؤكد أنّ ما هو موجود الآن من الفساد والاضطراب شيء مؤقت، وأنّ هناك حياة سعيدة مستقرة تنتظر البشرية في المستقبل.
ثانياً: إلى أنّ عهد المستقبل هو عهد العقل والعدالة، فكما أنّ الفرد يمرّ في حياته بثلاث مراحل:
مرحلة الطفولة: وهي تتّسم باللعب، والأفكار الصبيانية.
مرحلة الشباب: التي تتّسم بالغضب والشهوة.
ومرحلة الرجولة: التي تتّسم بالعقل، والنضج، والاستفادة من التجارب السابقة.
وكذلك المجتمع البشري لا بدّ أن يطوي مراحله الثلاث. وإلى الآن مرّ هذا المجتمع بمرحلتين من مراحله:
مرحلة الأساطير والخرافات: وبتعبير القرآن مرحلة «الجاهلية الأولى»([511]).
ثمّ مرحلة العلم: ولكنّه العلم الممزوج بالشباب، أي مرحلة حكومة الغضب والشهوة، فعصرنا الحاضر هو قبل أي شيء، عصر «القنبلة» أي الغضب، وعصر «الميني جوب» أي الشهوة.
فهل يا ترى من المعقول أن لا تأتي على البشرية مرحلة تكون الحكومة فيها ليست حكومة جهالة وأساطير، ولا حكومة قنبلة وميني جوب؟ مرحلة تتّسم بالعلم والمعرفة في ظلّ العدالة، والسلام، والإنسانية، حيث تكون المعنويات السامية هي الحاكمة في العالم، لا الماديات المنحطة؟
وهل من المعقول أنّ الله تبارك وتعالى خلق هذه الدنيا، وخلق الإنسان فيها بعنوان أشرف المخلوقات، ثمّ إنّه يقوم بعد ذلك بإفناء الحياة قبل أن تصل البشرية إلى مرحلة رشدها وبلوغها؟
كلا، فمضامين الآيات القرآنية والروايات الإسلامية تفيد بصورة لا لبس فيها، بأنّ البشرية لا بدّ أن تصل إلى مرحلة كمالها ونضجها، ولا بدّ أن يحكم فيها الدين والعقل، ويكون الإنسان الذي يعمر الأرض حينذاك، «إنساناً» كما أراده الله سبحانه يوم خلقه، ونفخ فيه من روحه.
مستدركات
الآثار الباقية
من القرون الخالية (كتاب)
مرّ الحديث عنه في المجلد الثاني، ومرّ القول بأنّ مؤلفه (أبو الريحان البيروتي ألّفه باسم شمس المعاني قابوس بن وشمكير). وفيما يلي تعريف بقابوس:
الوضع التاريخي في جرجان وطبرستان وجيلان قبل ظهور قابوس
بلاد طبرستان وجرجان وجيلان العامرة الخضراء الخصبة التي تشكّل هلالاً من المناطق الخضر تحدّها شمالاً مياه بحر الخزر وجنوباً جبال ألبرز هذه المناطق كانت قبل مئات السنين من ظهور الإسلام أي قبل أن تتأسّس الإمبراطورية الإخمينية، موطن أقوام شجعان مقاتلين، كان المؤرخون يسمّونهم (الكاتوزيين) و(القُليين والگُليين) و(الديالمة). وكان الكاتوزون يعيشون في قمم الجبال الشاهقة والغابات الكثيفة في مأمن من هجمات الأقوام المجاورة غير مطيعين لأيّة دولة أو سلطة. لقد اتّحد قورش الكبير مؤسّس السلالة الإخمينية وإمبراطورها معهم وقد ساعده الگُليون في فتح بابل بعشرين ألف من الجنود المشاة وثلاثة آلاف من الفرسان. وفي عهد أحشورش (خشايار شاه) لم تكن العلاقات بين البلاط الإيراني وبين الگُليين حسنة لهذا لم يساعدوا ولم يتعاونوا مع هذا الملك في فتح اليونان. ولكن لما جاء دور شاپور الأوّل الساساني شاركوا في حربه مع الرومان وتمكّن شاپور بمساعدتهم وتعاونهم من أن ينتصر على فالرنيوس إمبراطور روما وأن يأسر هذا الإمبراطور.
وبعد ظهور الإسلام وهجوم المسلمين على إيران تزعزع استقلال سكان جيلان ومازندران، هذا الاستقلال الذي كانت جذوره تمتدّ إلى مئات السنسن، وتغيّر الأمر ودخل في صفحات التاريخ على شكل ثورات وانتفاضات ومعارضات وطيدة ثابتة على الفاتحين وأصبحت جبال شمال إيران متاريس ومعاقل وملاجئ للمقاتلين الإيرانيين المعارضين والهاربين من الحكم الجديد وإنّ كلمة (ديلم) بسبب عداء هؤلاء القوم للفاتحين خرجت عن معناها الخاص وأصبح معناها في اللغة العربية (العدو) حيث كانوا يقولون: (هو ديلم من الديالمة أي عدو من الأعداء). وفي عهد سليمان بن عبدالملك تمّ تعيين يزيد بن المهلب حاكماً على خراسان وهجم يزيد بجيش كبير عن طريق جرجان على جيلان ومازندران وبعد جهود كثيرة تمكّن من أن يسيطر على جانب من هذه البلاد وكتب في الحال إلى سليمان قائلاً: (لقد فتح لأمير المؤمنين جرجان ودهستان وذهبهما وفضتهما وكنوزهما وبيوت أعمالهما وقد كانتا ممتنعتين على سابور ذي الأكتاف وكسرى بن قباذ وعمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) وعلى الخلفاء من بعده حتّى فتحهما الله لأمير المؤمنين كرامة له ونعمة عليه وأنا باعث إلى أمير المؤمنين بما أفاء الله من الأموال قطاراً أوّله عند أمير المؤمنين وآخره عندي إن شاء الله تعالى).
ولكن سرعان ما ابتُلي بهجوم صاعق قام به اسپهبذ فرخان ممّا اضطره أن يدفع غرامة مقدارها 300 ألف دينار لينقذ نفسه وجنوده ويُسمح له بالعودة إلى الشام. وفي الشام كان سليمان بن عبد الملك قد توفي وأصبح عمر بن عبد العزيز خليفة فأمر بسجن يزيد بن المهلب بتهمة كتابته رسالة فتح كاذبة مزيفة.
وبالرغم من وصول السادات العلويين إلى مازندران وجيلان (سنة 250 هجرية وانتشار الدين الإسلامي بين سكان هذه البلاد إلاّ أنّ السلطة والسياسة لم تخرج من أيدي الإيرانيين. وفي سنة 316 هجرية تعرّض أسفار بن شيرويه الذي كان يحكم الري وأطرافها بقساوة وجبروت، لثورة أحد القادة الديالمة مرداويج بن زيار ابن وردان شاه، وقُتل. وبعد أن قضى مرداويج على بقية الذين كانوا يدّعون السلطة، استقل سنة 319 هجرية وسرعان ما أسّس حكومة قوية بعد سيطرته على طبرستان والري وهمذان وقزوين وأصفهان والأهواز.
وفي سنة 322 هجرية أعلن مخالفته للخليفة العباسي الراضي بالله ولكنّه اغتيل في عاصمته أصفهان على يدي أحد الغلمان الأتراك.
كان مرداويج مؤسّس سلالة بني زيار التي حكمت 118 سنة. وعندما اغتيل في أصفهان توجّه قادة الجيش الديالمة إلى الري مع قواتهم وبايعوا أبا ظاهر وشمگير شقيق مرداويج([512]).
واستعاد وشمگير مدينة أصفهان من ركن الدولة الديلمي وفتح قلعة ألموت ولكنّه هُزم في حرب ضاربة جرت بينه وبين أبي علي الجغاني وركن الدولة الديلمي (ربيع الأوّل سنة 329هـ) بالقرب من الري وقُتل في هذه الحرب قائده المعروف ماكان الكاكي. وقاتل وشمگير ثانية ركن الدولة وحسن بن فيروزان إلاّ أنّه هُزم (في ربيع الأوّل سنة 336هـ) وهرب إلى خراسان ولجأ إلى نوح بن نصر الساماني. ومن الأحداث الهامة في فترة حكومة وشمگير إجراءاته الأساسية في تطهير مدن خراسان من القرامطة حيث تمّ هذا الأمر بواسطة منصور ابن نوح الساماني ووزيره أبو علي البلعمي وبكتوزن وقاضي مدينة بخارى من جهة، ووشمگير وابنه قابوس من جهة اخرى، وفي سنة 357 هـ توجه وشمگير مع جيش كبير ومعه القائد الساماني أبو الحسن سيمجور من بخارى للهجوم على بلاد آل بويه ولكنّه وقع من حصانه ومات عندما كان يلعب الصولجان في مدينة جرجان.
قابوس… أحواله
هو شمس المعالي أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر وشمگير بن زيار بن وردان شاه الجيلاني. وعندما توفي وشمگير كان ابنه قابوس معه وكان أخوه الأكبر بيستون في طبرستان، فبايع قادة جيوش الديلم وكذلك القائد الساماني المعروف أبو الحسن سيمجور، قابوس. ولكن شقيقه بيستون الذي كان قد تزوّج ابنة ركن الدولة الديلمي اضطر للذهاب إلى الري لاجئاً إلى صهره، وفي سنة 360هـ حصل عضد الدولة الديلمي على أمر من الخليفة العباسي المطيع الله بتولي بيستون حكم طبرستان وجرجان مع لقب ظهير الدولة، فجاء بيستون إلى جرجان في جيش كان قد أعدّه له ركن الدولة وبدأ يحارب أخاه قابوس إلاّ أنّه توفي سنة 366هـ فاستقر الأمر لقابوس.
كان لبيستون ولدان كانا يعيشان في طبرستان عند جدّه لأمّه، فطمع الجد بالمُلك وهاجم جرجان مع ابني بيستون وأسر عدداً من القادة المؤيدين لقابوس وكان قابوس آنذاك في جبل شهريار فأسرع إلى جرجان وهزم جدّه لأمّه وضمّ ابني أخيه إليه وعاملهما كأولاده. وبعد أن قضى قابوس على المعارضين بدأ يحكم البلاد بوعي وكفاءة ودهاء مراعياً مبادئ الحكم مهتماً بشؤون البلاد والرعية. وجعل كوالده وشمگير مدينة جرجان عاصمة بلاده وبذل جهوده في إعماره وازدهارها ومن أجل الدفاع عن المدينة أمام هجمات الدول المجاورة الشمالية الشرقية (الحكومة الخوارزمية) المحتملة أنشأ جيشاً كبيراً في العاصمة. وقد حافظ على علاقاته الطيبة بالملوك السامانيين الذين كانوا ومنذ عهد بعيد يدافعون عنه وعن والده كما أقام مثل تلك العلاقات مع جيرانه الجنوبيين ملوك الديالمة البهويهيين. وكان البويهيون آنذاك في عنفوان قدرتهم وكانوا يسيطرون على القسم الأكبر من إيران وكان الخلفاء العباسيون آلة بيدهم، فرحبوا بصداقة قابوس بحيث إن فخر الدولة تزوج ابنته كما تزوج قابوس خالة فخر الدولة وبدأ قابوس يراسل عضد الدولة أكبر وأشهر الملوك البويهيين ويرسل إليه الهدايا. وفي هذه الأحوال أقرّ الخليفة العباسي الطائع لله أمر حكومة جرجان واسترآباد إلى قابوس وأرسل إليه هدايا كثيرة ولقّبه بـ (شمس المعالي).
في السنة الرابعة من حكومة قابوس حصل خلاف بين عضد الدولة ومؤيد الدولة من جهة وبين أخيهم في الرضاعة فخر الدولة من جهة أخرى، فإنّ مؤيد الدولة بعد وفاة والده (ركن الدولة) وقبل أن يبدأ حكومته كتب إلى أخيه الأكبر عضد الدولة يستأذنه في ذلك غير أنّ فخر الدولة لم يأبه لهذا الأمر وقبل أن يكسب تأييد أخيه الأكبر بدأ حكومته في المنطقة التي كان والده قد خصّه بها، فعز ذلك على عضد الدولة وحقد على أخيه. ومن جهة أخرى وخلال الحرب التي وقعت بين عضد الدولة وابن عمّه بختيار بن معز الدولة علم بأن فخر الدولة قد اتّحد عليه مع بختيار ولم يكشف عضد الدولة هذا الموضوع حتّى أنهى موضوع بختيار وقضى عليه وفي سنة 369هـ كتب إلى قابوس ومؤيد الدولة وفخر الدولة يدعوهم إلى الطاعة، فأجاب مؤيد الدولة بالقبول إلاّ أنّ جواب قابوس كان غامضاً وأنّ فخر الدولة لم يرد على رسالة أخيه ولم يعلن طاعته. وكان نتيجة ذلك أنّ عضد الدولة جهّز جيشاً لمقاتلة فخر الدولة في همذان مركز حكومته، فانضم أبو الحسين عبيدالله بن محمد بن حمدويه وزير فخر الدولة وأكثر قادة جيش فخر الدولة إلى عضد الدولة ولما كان فخر الدولة قد علم مصير ابن عمّه بختيار، ذهب إلى جرجان لاجئاً عند قابوس. فرحّب قابوس بمقدم فخر الدولة وأكرمه كثيراً، فكتب عضد الدولة ومؤيد الدولة إلى قابوس يعفيانه من دفع الضريبة السنوية مقابل تسليمه فخر الدولة إليهما ولكن قابوس رفض ذلك.
وفي سنة 371هـ أرسل عضد الدولة اثنين من قادته هما أبو حرب زيار بن شهراكويه وأبو نصر خواذ شاه مع جيش كبير إلى مؤيد الدولة، وإنّ مؤيد الدولة جمع جيشاً من الري وأرسله مع وزيره الصاحب بن عباد منضماً إلى جيش عضد الدولة لفتح طبرستان. وكان قابوس يتوقع هذا الهجوم فاستعد لمقابلته، وبعد حرب ضارية انكسر قابوس أمام جيش عضد الدولة في جمادى الثانية سنة 371هـ واضطر إلى اللجوء إلى السامانيين في خراسان وأخذ معه فخر الدولة وأفراد عائلته وخزينة الدولة. وفي العام نفسه عيّن الأمير نوح بن منصور الساماني، حسان الدولة أبو العباس تاش قائداً عاماً على خراسان وبعد وصول قابوس إلى خراسان تلقّى حسام الدولة أمراً من بلاد بخارى لا في تكريم قابوس واستضافته فحسب بل بأن يزحف على جرجان مع كامل قواته في أسرع وقت لإعادة السلطة إلى قابوس. فأرسل حسام الدولة تاش في البداية أحد القادة السامانيين البواسل واسمه فائق الخاصّة إلى قومس وتوجّه هو مع قابوس وفخر الدولة مع جيش كبير إلى جرجان وحاصرها. وتمكّن فائق أيضاً في فترة قصيرة أن يفتح قومس وأن يلتحق بقوات حسام الدولة خارج مدينة جرجان ورغم أنّ مؤيد الدولة والصاحب بن عباد دافعاً عن المدينة بقوّة وشدّة ولكن طالت المحاصرة وانتهت المؤن في المدينة واضطر سكانها أن يمزجوا نخالة الشعير مع التراب ويأكلوها. ووصلت الأنباء بأنّ عضد الدولة توفي إلاّ أنّ مؤيد الدولة كتم النبأ. وقيل إنّ سكان المدينة كانوا في خوف من الشبان الشجعان في جيش حسام الدولة، ممّا اضطر الصاحب بن عباد أن يستشير الشيوخ المعمرين في جيشه وانتهت الاستشارة بأن يدفع 200 ألف مثقال من الذهب إلى فائق ويُغريه. وأخيراً خرج مؤيد الدولة في رمضان سنة 371هـ من المدينة وهجم على جيش حسام الدولة.
انفصل فائق من جيش خراسان حسب قرار مسبق مع الصاحب بن عباد وهرب مع جيشه إلى بخارى، إلاّ أنّ قابوس وفخر الدولة وحسام الدولة تاش حاربوا حتّى المساء ولكنّهم انكسروا واضطروا إلى الهرب نحو نيشابور.
استولى مؤيد الدولة في هذه الحرب على غنائم كثيرة وكان عدد كبير من الفيلة في جيش خراسان خلال هرب قوات قابوس إلى خراسان وقع أحد الفيلة في الوحل ولمّا وصل الصاحب بن عباد طلب من الشعراء أن ينشدوا قصائد في هذا الحادث سمّيت بالفيليات.
ولمّا وصل خبر هزيمة جيش خراسان إلى بخارى، أمر نوح بن منصور أن يعاد بالهجوم على جرجان وأرسل وزيره المدبّر أبو الحسين عبيدالله أحمد العتبي مع جميع قوات ما وراء النهر إلى نيشابور ليلتحق بالجيش الموجود فيها ولكن الوزير أبو الحسين العتبي اغتيل على أيدي بعض العبيد بأمر من فائق ومؤامرة أبي الحسن سيمجور وذلك في سنة 373هـ.
تدهورت الأوضاع في عاصمة السامانيين بعد انتشار خبر اغتيال الوزير أبو الحسين العتبي واستدعي حسام الدولة تاش وجيش نيشابور إلى بخارى وأفل نجم الدولة السامانية وأفل معها نجم قابوس الذي كان لاجئاً هناك بعد مقتل العتبي ورغم أنّ قابوس لم ييأس من دعم السامانيين إلاّ أنّ الحروب المتوالية والمشاكل السياسية الخطيرة التي أشغلت بلاط بخارى كانت المانع الرئيسي في استعادة حكومة الأمير الزياري.
مات مؤيد الدولة في شعبان سنة 373هـ دون أن يختار خلفاً له ولكن وزيره الصاحب بن عبّاد اختار بذكائه ودهائه ابن مؤيد الدولة أو حسب بعض الأقوال أخاه خسروفيروز للسلطة ولكنّه أوفد أخاه مع بعض كبار الشخصيات سراً مع رسالة مفصلة إلى فخر الدولة في خراسان ليأخذوا منه ميثاقاً بمعاملة الناس برفق وإحسان إذا ما فوّضت إليه السلطة فوافق فخر الدولة على ذلك وتوجّه إلى أصفهان. وأجبر الصاحب بن عباد، خسروفيروز وكبار قادة الجيش على استقبال فخر الدولة وأقسم قادة الجيش اليمين بأن لا يخونوا فخر الدولة. وبعد فترة استمرّت سنتين عاد فخر الدولة إلى السلطة وكان الجميع يتوقعون أن يُعيد إلى قابوس ملكه وبلاده التي كانت في قبضته، حيث إنّ قابوس كان أب زوجته وزوج خالته، ثمّ لأنّ قابوس هو الذي وضع التاج على رأس فخر الدولة. ولكن خلافاً لتوقع قابوس والآخرين، فإنّ فخر الدولة لم يفعل ذلك واحتل بلاد قابوس غصباً. ولكن الحق أنّ فخر الدولة لم يكن مُخيراً في هذا الأمر بل إنّ السبب الرئيسي في ذلك هو الصاحب بن عبّاد الذي كان رغم ذكائه وعلمه، صلباً عنيداً. في الحقيقة إنّ سلطة الصاحب بن عبّاد ونفوذه على فخر الدولة كان السبب، وهناك الكثير من الأدلة تؤكد أنّ الصاحب بن عبّاد كان منذ البداية حاقداً على قابوس، وفي الرسالة التي أرسلها إلى عضد الدولة ألقى ذنب ثورة فخر الدولة على عاتق قابوس، وكذلك فهو أوّل من بشّر عضد الدولة بانتصار مؤيد الدولة على قابوس، ذامّاً له ولحلفائه. ورغم أنّ الصاحب يعترف بفضل قابوس ودهائه إلاّ أنّه يهجوه ويقول:
قد قبس القابسات قابوس
ونجمه في السماء منحوس
وكيف يرجى الفلاح من رجل
يكون في آخر اسمه بوس
وخلاصة القول إنّ الصاحب بن عبّاد قد جهد طيلة حياته بشتى الطرق بأن لا يتولى قابوس عرشه وسلطته.
وبعد وفاة العتبي ضعفت سلطة السامانيين في ما وراء النهر وخراسان وانتهت حكومة خراسان من القادة الأتراك إلى ناصر الدين سبكتكين وإلى ابنه عين الدولة محمود.
والتقى سبكتكين قابوس في خراسان فافتتن بشخصيته وعلمه وخصائص خُلقه وقرّر أن يزحف على جرجان ليعيد عرش قابوس إليه ولكنّه اضطر فجأة إلى السفر إلى بلخ. وبعد أن عاد إلى خراسان ثانية عَلِم بأنّ فخر الدولة جمع جيشاً كبيراً في جرجان فطلب من أيلك خان أمير خوارزم أن يرسل إليه عشرة آلاف جندي ليزحف على جرجان ولكنّه توفي فجأة في بلخ بينما كان يُعِد جيشه وينتظر العون من أمير خوارزم.
لقد أعلن السلطان محمود الذي خَلَف أباه سبكتكين في السلطة استعداده لاستعادة بلاد قابوس وإجلاسه على العرش في جرجان وطبرستان ولكنّه، اشترط في ذلك أن يرسل إليه قابوس مبلغاً كبيراً من المال بعد جلوسه على العرش وقد رفض قابوس هذا الشرط لأنّه لم يرغب في أن يفرض على شعبه دفع الضرائب. ومن جهة ثانية فقد انشغل السلطان محمود، بفتنة أخيه إسماعيل بن سبكتكين… أمّا أبو القاسم سيمجور الذي كان قد انكسر أمام القوات الغزنوية والسامانية عدّة مرّات، وكان ما يزال يحلم بالسلطة، فقد تحالف مع قابوس ولكن هذا الحلف فشل أيضاً بسبب غدر أبي القاسم سيمجور.
مات فخر الدولة في سنة 387 عندما كان في قلعة (طبرك) غير أنّ وفاته لم تغيّر مصير قابوس حيث إنّ ابنه مجد الدولة وزوجته السيدة خاتون تسلّما زمام السلطة حالاً وبقيت بلاد قابوس في أيدي أمراء البويهيين. ولمّا يئس قابوس من السلاطين السامانيين والغزنويين وبقية حكّام خراسان قرّر أن يعمل بنفسه لاستعادة ملكه ولهذا أرسل خاله الاسپهبد شهريار بن شروين إلى جبل شهريار سنة 388هـ لفتح تلك المناطق.
ومنذ سنة 371هـ عندما لجأ قابوس إلى خراسان واستمرّ ذلك ثماني عشرة سنة وبالرغم من أنّ ذلك يعتبر من أقسى أيام حياة هذا السلطان الفاضل فإنّ عصره كان عصر ازدهار الأدب والحكمة حيث كان يقضي أيامه في نيشابور بالاجتماع إلى العلماء والشعراء والكتّاب وكان يعاملهم أطيب معاملة بحيث أدهش المؤرخين بأسلوبه هذا. ويقول ميرخواند إنّه خلال هذه المدّة لم يهن شيء من علو همّته وعزمه وكان يكرم شخصيات خراسان وأعيانها ويُحسن إليهم. وكلّما كان يتذكر أيام حكمه وسلطته يلجأ إلى الشعر وينشد بعض الأشعار:
قل للذي بصروف الدهر عيّرنا
هل عاند الدهر إلاّ من له خطر؟
ففي السماء نجوم لا عداد لها
وليس يكسف إلاّ الشمس والقمر
وعندما وصل الاسپهبد شهريار من قبل قابوس إلى جبل شهريار، كان هناك رستم بن المرزبان خال مجد الدولة وأبو طالب رستم بن فخر الدولة شقيقه، تمكّن الاسپهبد بالتعاون مع سكان الجبل الذين كانوا ما زالوا يؤيدون قابوس، تمكّن أن يكسر هذين الأميرين ويقرأ الخطبة باسم قابوس وفي هذه الأحوال عقد اثنان من قادة الديلم وهما بابي بن سعيد ونصر بن الحسن فيروزان حلفاً للسيطرة على طبرستان واحتلوا مدينة آمل. وأرسل بابي رسالة إلى قابوس سراً وأعلن ولاءه وطاعته ثمّ كتب قابوس إلى الاسپهبد أن يلتحق بقواته بقوات بابي. ولمّا وصل الخبر إلى نصر بن الحسن توجّه من جرجان لمحاربتهما ووقع القتال في استرآباد وكادت قوات بابي وشهريار أن تنكسر وتُهزم في هذا القتال وإذا ببعض قوات نصر بن الحسن تلتحق بقوات بابي وشهريار وكانت النتيجة أن انكسر نصر بن الحسن وأسر مع عشرين ألف من قواته. وانهزم الباقون أمام قوات أحد أقرباء قابوس سالار بن خركائي. وفي شعبان سنة 388 دخل قابوس مدينة جرجان منتصراً وتربّع على عرشه.
والناس الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر عودة شمس المعالي، فرحوا وابتهجوا ونظم الشعراء ـ وفيهم أبو نصر العتبي صاحب (تاريخ اليميني) ـ القصائد مهنئين بهذا الانتصار وجلوس هذا الأمير والأديب الزياري على العرش.
ولمّا وصل جيش مجد الدولة المهزوم إلى الري أخذ الناس يعاتبونه، وجهّز أبو علي حسن بن أحمد حمويه وزير مجد الدولة عشر آلاف جندي من الأكراد والأتراك والعرب والديلم وأرسله مع منوچهر الابن الأكبر لقابوس الذي كان موجوداً في الري والقادة أبي العباس بن حاني وعبد الملك بن ماكان وشابور بن كزدوبه وبيستون بن بيجاسب وناز بن فيروزان درشاموح وموسى الحاجب إلى جرجان. وعندما وصل الجيش إلى مدينة ساري أرسل منوچهر رسالة اعتذار إلى والده قابوس وطلب العفو منه ولما شاهد عمّه وأبو علي حمويه هذا الأمر تشاءم من بيستون بن بيجاسب الذي هو من أقارب قابوس واعتقله وأرسله إلى الري ثمّ نزل عند ضريح الحسن بن زيد العلوي (الداعي الكبير). ومن جهة ثانية، توجّه قابوس ومعه الاسپهبد شهريار بن شروين مع جيش نحو معسكر أبي علي حمويه ووقعت حرب ضارية بينهما استمرّت مدّة شهرين وأصيب الجانبان بالقحط والمجاعة وفي هذه الأحوال بدأت الأمطار الغزيرة في طبرستان وضاق الأمر على قوات أبي علي التي لم تعتد على مثل هذا المناخ ممّا أتاح لقابوس أن يهاجم قوات أبي علي ويهزم جيشه العظيم فقُتل في هذا الهجوم 1300 من أفراد جيش الري وأسر پهسالار بن كورنكج وزرهواوجستان بن أشكلي وشقيقه وكذلك حيدر بن محمد بن دهودان وهم من كبار قادة الجيش وحصل قابوس على غنائم كثيرة. وبدأ قابوس بمداواة الجرحى وتعويض الخسائر وتحرير الأسرى وبفضل هذا الفتح أخذ بالعطاء والتكريم. وأنشد أبو منصور الثعالبي النيشابوري (المتوفى سنة 429 هـ) صاحب يتيمة الدهر ومداح قابوس، أنشد قصيدة في هذا الفتح مطلعها:
الفتح منتظم والدهر مبتسم
وملك شمس المعالي كلّه نعم
وبعد حين من الزمن نقل أبو الفضل عبيدالله بن أحمد الميكالي الكاتب (المتوفى سنة 436هـ) هذا البيت من الشعر بمناسبة انتصار قابوس، عن العتبي:
لا تعصين شمس المعالي قابوسا
لمن عصى قابوس لاقى بوسا
توجّه أبو علي حمويه بعد هزيمته أمام قابوس، إلى قومس ومن هناك أرسل رسالة إلى نصر بن الحسن فيروزان الذي كان قد تخلص من سجن قابوس، يدعوه إلى الاتحاد، ولكنّه خوفاً من قابوس هرب بسرعة إلى الري. وجاء نصر بن الحسن إلى سمنان ولمّا لم يجد أبا علي هناك كتب إلى مجد الدولة وطلب منه العون لقتال قابوس. فأرسل مجد الدولة إليه ستمائة فارس تركي مع ابن سبكتكين الحاجب. ومن جانب آخر أصدر قابوس أمراً إلى بابي بن سعيد أن يذهب مع الاسپهبد شهريار لمقاتلة نصر بن الحسن. وتمكّن نصر بالمكر والخديعة أن يهزم جيش بابي ويحتل جبل شهريار بمساعدة رستم ابن مرزبان خال مجد الدولة الذي كان قد جاء لمساعدته مع جيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل. وهرب الاسپهبد والتحق بمنوچهر بن قابوس في مدينة ساري. وبعد مدّة قصيرة انفصل نصر عن رستم بسبب قلّة المؤونة وتمكّن الاسپهبد أن يهزم رستم بن مرزبان ويستولي ثانية على جبل شهريار وهرب رستم إلى الري. وفي هذه الأحوال جاء أحد القادة الديلم أبو نصر بن محمود الحاجب وكان رجلاً شجاعاً إلى قابوس فلقي تكريمه وأرسله قابوس مع جيش لملاحقة نصر بن الحسن. فتمكّن هذا القائد أن يقضي على نصر بن الحسن. وبعد فترة قصيرة جرت مصالحة بين قابوس ومجد الدولة وقرّرا القضاء على نصر. فاتّحد نصر مع أبي القاسم سيمجور الذي كان قد هُزم أمام السلطان محمود الغزنوي وهجما على الري، ولمّا واجه جيشاً كبيراً في الري كان قد جاء لمقابلته فيها والي الشمال، أرسل قابوس جيشاً لمقابلته واضطر نصر أن يلجأ إلى السلطان محمود. أمّا الاسپهبد شهريار خال قابوس الذي كان قد وقف إلى جانبه مدّة ثماني عشر سنة، فقد ثار فجأة على قابوس مطالباً بالاستقلال. فأرسل قابوس إليه رسالة عتاب ونصح وطلب منه أن لا يبدّد ماضيه الحافل بالتضحيات. غير أنّ الاسپهبد ظلّ على عناده إلى أن انتهز مجد الدولة فرصة الخلاف بين الاسپهبد وقابوس وأرسل جيشاً بقيادة رستم بن مرزبان وبيستون بن بيجاسب لمحاربته. فانكسر الاسپهبد وأسر. ولمّا كان رستم بن مرزبان يخشى أهالي الري ومجد الدولة فقد قرأ الخطب في تلك المنطقة باسم قابوس. وكان قابوس قد استولى على چالوس ورويان وأعطى حكومة جيلان إلى ابنه الأكبر منوچهر كما أعطى حكومة طبرستان إلى ابنه الأصغر دارا. وبدأ بدراية وذكاء بإعمار البلاد وتحسين حالة الرعية والجماهير. ولمّا كان قابوس يعرف جيداً السلطان محمود ووالده سبكتكين رأى من الأفضل أن يفتح أبواب الصداقة مع هذا السلطان القوي الحاقد. وعلى هذا الأساس، فعندما هرب سباشي تكين وهو أحد الأمراء المعارضين لمحمود لجأ إلى جرجان فأخذ أهالي جرجان بالغارة على أمواله الكثيرة فلم يمنعهم قابوس من ذلك ولكنّه بفتوته ومروءته وافق على لجوء سباشي تكين وعدد كبير من جنوده. وكذلك لمّا هرب إسماعيل بن نوح بن منصور الساماني الملقب بالمنتصر من سجن الملك خان ولجأ إلى جرجان وبالرغم من أنّ أباه كان قد أنعم على قابوس، إلاّ أنّ قابوس لم يوافقه على إعداد جيش لمحاربة السلطان محمود وأكّد له أنّه غير قادر على محاربة السلطان الغزنوي ولكن بمقدوره أن يحارب مجد الدولة الديلمي الذي كان أضعف من السلطان محمود، وإذا انتصر على مجد الدولة كان بإمكانه أن يذهب إلى خراسان لمحاربة السلطان محمود. وعلى هذا الأساس قدم الهدايا إلى الأمير الساماني وأرسل معه جيشاً إلى الري كما أوفد ولديه منوچهر ودارا معه ولكن المنتصر كان شاباً طائشاً فعدل عن قراره وغيّر طريقه إلى خراسان فانفصل عنه ولدا قابوس بأمر من والدهما وعادا إلى جرجان.
وانكسر المنتصر أمام السلطان محمود وعاد ثانية إلى جرجان إلاّ أنّ قابوس لم يرحب به هذه المرّة، وإثر الهزائم المتتالية التي أصيب بها هذا الأمير الساماني من قوات محمود في خراسان أراد أن يدخل مدينة بسطام إلاّ أنّ قابوس أرسل ألفين من جنوده إلى بسطام وأرغمه على الانسحاب من هذه المدينة. وكنّا قد قلنا إنّ الاسپهبد شهريار انكسر في حربه مع رستم بن مرزبان وبيستون بن بيجاسب وأسروان رستم الذي كان حليفاً لقابوس سلم الاسپهبد شهريار إلى قابوس. وبالرغم من دهاء قابوس وفضائله إلاّ أنّه كان قاسياً شديداً متطرفاً في هذا الأمر حيث بدأ بتعذيب الاسپهبد بشدّة. وأخيراً أمر بقتله سنة 397هـ. وبعد مقتل هذا الاسپهبد الذي كان آخر اسپهبد من أسرة الباوندية الذين كانوا قد حكموا جانباً من مازندران زهاء 352 سنة انقرضت هذه الأسرة، ومنذ هذا التاريخ تبدأ فترة قساوة قابوس بالنسبة للذين كانوا حوله بحيث نشاهد أنّه استدعى ابنه الأصغر دارا الذي كان قد عيّنه على طبرستان استدعاه وحاكمه ولكن دارا برئ وخرج من جرجان إلاّ أنّ قابوس استدعاه ثانية ولكن دارا هرب إلى خراسان خوفاً من والده ولجأ إلى السلطان محمود. وفي الوقت نفسه أخبروا قابوس أنّ حاجبه الخاص (نعيم زمان) قد تسلّم بعض الأموال من بعض الرعية بصورة غير شرعية فأصدر قابوس أمراً بقتله وقد قتل هذا الرجل العفيف الحسن السمعة قبل أن يتمكن من إثبات براءته ممّا سبّب في أن يشمئز بعض القادة من قابوس بحيث تحالفوا عليه، وظلّوا يحاولون انتهاز الفرصة إلى أن خرج قابوس من جرجان وذهب إلى المصيف في قلعة جناشك حيث حاصروه هناك وأرادوا قتله إلاّ أنّ قابوس ومن معه من الجنود قاتلوهم ولم يتمكن القادة من النيل منه ولكن قابوس لم يتمكن من الخروج من القلعة وأخذت خزينته بسبب عدم وجود الخيل والبغال لينقل عليها الخزينة.
ولمّا كان قابوس في هذه القلعة اتّهم وزيره أبا العباس الغاغي الذي كان مثالاً للعفة والطهر والذكاء اتّهمه بصداقته مع قادة الجيش فقتله ممّا أثار غضب الناس عليه وتوجّه المعارضون وقادة الجيش إلى جرجان وأعلنوا هناك معارضتهم لقابوس وبدؤوا بالغارة على أموال قابوس في المدينة واستدعوا منوچهر الابن الأكبر لقابوس من طبرستان ليبايعوه، فتوجّه منوچهر حالاً إلى جرجان احتراماً لوالده ولصيانة حياة هذا الوالد ولكن بعد فوات الأوان حيث إنّ شمس المعالي قابوس كان قد توجّه مع خاصته إلى بسطام، وأنّ منوچهر ونتيجة ضغط قادة الجيش توجّه إلى بسطام وقبل أن يصل إلى هذه المدينة استدعاه والده قابوس فذهب إليه حزيناً كئيباً وطلب منه أن يسمح له بتأدية واجبه تجاه أبيه، وأن يذهب لمقاتلة الثوار. غير أنّ قابوس رفض ذلك وقال لابنه: إنّك اليوم أحق منّي بالعرش ويجب أن تستلم زمام السلطة وأعطاه الخاتم الملكي ومفاتيح الخزينة ونصحه بالعدل والإنصاف ومراعاة أحوال الرعية وقال له إنّه يرغب أن يمضي بقية عمره في قلعة جناشك بالعبادة. فتسلّم منوچهر السلطة وذهب قابوس إلى قلعة جناشك بإعزاز وتكريم. غير أنّ أعداءه الذين كانوا ما زالوا يخشونه جاؤوا إلى منوچهر وطلبوا منه السماح لهم بقتل قابوس ولكن منوچهر رفض هذا الطلب فدخلوا على قابوس سراً وقتلوه. وكان ذلك سنة 403 هجرية. ويقول العتبي: [أعطوني ولو جُل فرس]. نهض منوچهر حالاً انتقاماً لوالده وقتل جميع القادة الذين شاركوا في قتل أبيه وعددهم ستة أشخاص إلاّ واحداً منهم هرب إلى خراسان ولكن السلطان محمود قبض عليه وسلّمه إلى منوچهر فقتله وقال السلطان محمود فعلت هذا لكي لا يتجرأ أحد بعد هذا أن يقتل الملوك والسلاطين. أمّا منوچهر الذي لُقّب بعد مقتل والده قابوس بفلك المعالي فقد دفن والده بإعزاز وتكريم في المقبرة التي كان قابوس قد شيّدها بنفسه في حياته ثمّ تزوج ابنة السلطان محمود واستمرّ في السلطة معتمداً على قدرة السلطان محمود.
اختلف المؤرخون في سنوات حكومة قابوس ولكن الصحيح هو أنّه حكم في المرّة الأولى خمس سنوات من سنة 366 إلى 371 هجرية وفي المرة الثانية مدّة 15 سنة من سنة 388 إلى 403 هجرية وبلغت هذه السنوات عشرين سنة.
مقبرة قابوس
مقبرة قابوس المعروفة اليوم بـ (گنبدقابوس) ما زالت تثير إعجاب الناظرين ودهشتهم بصفتها إحدى الآثار التاريخية لهذا السلطان الزياري وقد لفتت أيضاً انتباه المؤرخين والسائحين والفنانين بسبب ما فيها من الخصائص المعمارية. في سنة 397 هجرية قرّر قابوس أن يبني مقبرة عظيمة لنفسه تعكس في المستقبل خصائصه النفسية وشخصيته من الناحية المعمارية الفنية. اجتمع المهندسون المعماريون من جميع أنحاء البلاد في جرجان واختاروا محل البناء على تل يشرف على مدينة جرجان ثمّ عملوا الطابوق من التراب الخاصّ المسمّى (گلشن) جاؤوا به من مينودشت واستمرّ البناء خمس سنوات. تتكوّن المقبرة من برج عال يبلغ علوّه من القاعدة خمسين متراً. ويشبه القسم التحتي هرماً ناقصاً وبقية البناء على شكل المخروط ارتفاعه 18 متراً. هذا البناء الذي أصبح طوال سبعمائة سنة رمزاً لأكثر من خمسين برجاً تاريخياً في بقية أنحاء البلاد لا يزال قائماً حتّى يومنا هذا ولا توجد فيه أيّة نقوش عدا الكتابة التي تشير إلى تاريخ البناء وسبب إنشائه وعشرة نتوءات كبيرة خارجية. وقد نُقشت هذه العبارة بخط النسخ وبالآجر الناتئ في أسفل قاعدة الهرم: (هذا القصر العالي للأمير شمس المعالي الأمير قابوس بن وشمكير أمر ببنائه في حياته سنة سبع وتسعين وثلثمائة قمرية وسنة خمس وسبعين وثلثمائة شمسية).
إنّ كون قابوس من أهل الثقافة والفكر على اختلاف ضروب الثقافة جعل بلاطه قبلة العلماء وملاذ الشعراء والفنانين. إنّ الناقد والأديب المعاصر لقابوس، أبو منصور الثعالبي يثني في جميع مؤلفاته على قابوس ويعدّد كتبه الثمينة، ويقول إنّ مآثر قابوس وما يتحلّى به من خلق وعلم وأدب، فرض عليه أن يؤلف كتاباً مستقلاً في فضائل قابوس. ويقول أبو نصر العتبي عنه: كان شمس المعالي متصفاً بالعدل والرأفة والإنصاف وكان حريصاً على الاهتمام بأحوال الرعية واعتنائه بمصالح الناس وكان حاذقاً متبحراً في الآداب والعلوم وكان فريد عصره في بيان القلم ودراية السيف. ويقول نظامي العروضي: كان قابوس ملك جرجان رجلاً كبيراً محباً للفضيلة حكيماً. وجاء في كتاب حبيب السير عنه: كان قابوس ملكاً متصفاً بمكارم الذات ومحاسن الصفات وشرف النفس ومتحلياً بزينة العقل ممتازاً فريداً بين الأمثال والأقران، منزّهاً عن اللهو واللغو بليغاً فصيحاً. ويقول آرثور بوب المستشرق الكبير عنه: كان قابوس عالماً نموذجياً بين العلماء وشاعراً نموذجياً بين الشعراء وكان خطاطاً وفلكياً ولاعباً للشطرنج ومقاتلاً. ويقول عنه أحمد أمين في ظهر الإسلام: كان أديباً كريماً مثقفاً واسع الثقافة مشجعاً بمنصبه وجاهه للعلماء والأدباء. ويقول دولتشاه السمرقندي عنه: كان ملكاً عالماً عادلاً فاضلاً يحترم الحكماء والعلماء وله قصائد كثيرة بالعربية والفارسية . كان قابوس جميل الخط بحيث إنّ الصاحب بن عبّاد رغم اختلافه سياسياً معه كان إذا شاهد خط قابوس يقول: هذا خط قابوس أم جناح طاووس؟
وقد بلغ في الفلك والرياضيات درجة اعترف بها العالم الكبير أبو إسحاق الصابي حيث اعتبره أحسن من أرخميدس وبطليموس.
أمّا عن الفلسفة فإنّ وجود رسالتين فلسفيتين له يؤكد لنا دقّة نظره. وإحدى هاتين الرسالتين حول تكوين العالم والثانية في وصف النفس الناطقة، وقد اشتهر بالوفاء بالعهد وإكرام اللاجئين. ومعاملته لفخر الدولة وإسماعيل المنتصر الساماني خير دليل على ذلك.
ورغم شرف نفس قابوس وكرم أخلاقه وتحليه بحلية العلم والعقل فهو كغيره من البشر لا يخلو من العيب والنقص حيث كان حادّاً عصبياً قاسي القلب على المذنبين.
كان من أجل ذنب بسيط يأمر بقتل المذنب ولا يُفرّق بين الغريب والقريب وقرأنا أنّه قتل حاجبه نعيم زمان ووزيره أبا العباس الغاغي وخاله الاسپهبد شهريار. وكان شديداً مع ابنه دارا بحيث هرب إلى خراسان. ويشير كلّ من أبي نصر العتبي وأبي الريحان البيروني وياقوت وابن الأثير إلى حدّة قابوس وعصبيته وغضبه وبلغت به هذه الحدّة إلى درجة أصبح معها رمزاً للعصبية والحدّة يُضرب به الأمثال في ذلك. وكان يقول عن قسوته وحدّته أنّه يجب أن يكون الإنسان شديداً على بعض الأشخاص الدنيئين والخونة وذلك لمصلحة البلاد ومصلحة الرعية ويقول ميرخواند عن هذا الموضوع إنّه بعد أن نُحي قابوس عن السلطة بسبب ثورة قادة الجيش سأل وهو في طريقه إلى قلعة چناشك أحد القادة الثائرين، لماذا ثرتم؟ فكان جواب القائد إنّك سفكت دماءً كثيرة وقد تحالفنا أنا وخمسة آخرين للتمرّد عليك. فقال قابوس: بل هو عكس ما تقول إنّ سبب ثورتكم هو قلّة سفكي للدماء حيث لو كنت قتلتك أنت والخمسة الآخرين لما نجحتم في ثورتكم.
إنّ اهتمام قابوس الخاص بالعلماء والشعراء كان السبب في أن يكون مجلسه حافلاً بالعلماء والشعراء في جرجان أو نيشابور وأنّ الفضلاء كانوا يفدون إلى بلاطه من كلّ صوب.
إنّ شوق العلماء ورغبتهم في قابوس كانت قد بلغت إلى درجة أنّهم كانوا يشكّلون جماعات ويذهبون إلى بلاطه. فمثلاً في سنة 398هـ توجّه نحو بلاطه مجموعة كبيرة من العلماء بينهم العالم الكبير في الحديث محمد بن أحمد بن محمد بن إسماعيل الآملي وأبو الحسن محمد بن يحيى بن عامر الأسفرايني الفقيه المعروف وكان يسعى أن يجمع حوله بشتى الوسائل كبار رجال العلم ليستفيد هو وشعبه من علمهم وفضلهم فقد استدعى نابغة عصره أبا الريحان البيروني إلى جرجان وعرض عليه منصب الوزارة ولما اعتذر أبو الريحان عن قبول المنصب اكتأب قابوس وأصرّ على أبي الريحان أن يبقى في بلاطه فقبل أبو الريحان وظلّ في بلاطه من سنة 366 إلى سنة 371هـ ومن سنة 388 إلى سنة 403هـ وألّف كتابه الثمين (الآثار الباقية عن القرون الخالية) باسم قابوس وعندما بعث خورازمشاه (الشاه علي ملك) أحد أبرز شعراء وكتّاب وخطاطي بلاطه أبا عبدالله بن حامد الخوارزمي سفيراً إلى قابوس طلب شمس المعالي بعد أن شاهد فضل هذا السفير من محمد بن منصور أن يشجع أبا عبدالله على البقاء في جرجان.
كان قابوس دقيقاً جداً في اختيار القضاة وكان يعين أذكاهم وأعفهم في منصب قاضي القضاة. فقد عيّن في البداية الطاهر بن محمد الظاهري المعروف بأبي الطيب البكرآبادي (المتوفى سنة 369هـ) ثمّ عيّن أبا نعيم عبد الملك بن نعيم العلوي (المتوفى سنة 401) قاضياً للقضاة وعندما طلب أبو نعيم السماح له بالغدوة إلى أسترآباد بسبب شيخوخته، طلب قابوس منه أن يجلس ابنه العالم على كرسي القضاء. وفي سنة 388هـ عندما عاد إلى السلطة للمرّة الثانية أعاد أبو البشر فضل بن محمد بن حسن الإسماعيلي (المتوفى سنة 411هـ) الذي كان قد عُزل من منصب القضاء وأبعد بعد وفاة الصاحب بن عبّاد فأعاده إلى منصب القضاء في جرجان وأخيراً أعطى منصب قاضي القضاة إلى العالم الكبير أبي العباس الريواني حيث بقي في هذا المنصب بعد وفاة قابوس وبقي منصب القضاء في أسرته. إنّ صيت قابوس في إكرامه للعلماء وحبّه للفنون جرّت الفيلسوف الكبير وطبيب عصره ابن سينا إلى جرجان ولكن على عكس ما ذكره النظامي العروضي في كتابه چهار مقاله وأدوارد براون في تاريخ الأدب الإيراني وأمين أحمد الرازي في هفت إقليم. فإنّ القدر شاء أن لا يتمكن هذا الأعجوبة في الفلسفة والطب والأدب أن يتمتع بدعم الأمير الزياري حيث إنّ وصول ابن سينا الى جرجان صادف عزل واغتيال، يقول ابن سينا عن ذلك [ثمّ دعت الضرورة إلى الانتقال من جاجرم إلى خراسان ومنها إلى جرجان وكان قصدي الأمير قابوس فاتفق في أثناء هذا القبض على قابوس وحبسه في بعض القلاع وموته هناك]. وإضافة إلى العلماء الذين مرّ ذكرهم فإنّ شخصيات علمية كبيرة مثل أبو الفتح بن علي أحمد الذي كان كاتب قابوس وأبو الفرج رشيد بن عبدالله الطبيب الاسترآبادي وأبو عبدالله الحليمي الشافعي وأبو الفرج علي بن حسين بن هندو، الأديب والحكيم الكبير المتوفى سنة 420هـ وجمعاً كبيراً من الشعراء والكتّاب والمؤرخين كانوا قد قدموا إلى سوق الفضيلة والعلم.
الشعراء في عصر قابوس
كان قابوس شاعراً له قصائد بالعربية والفارسية وكان يهتم اهتماماً خاصاً بالشعر والشعراء ويسخو عليهم فكان ذلك سبباً بأنّ بلاطه ملتقى الشعراء الكبار. ورغم وجود الصاحب بن عباد في عصر قابوس وهو الذي كان يسعى في جمع الشعراء لديه، ورغم المنافسة والعداء بين الصاحب وقابوس فإنّ الكثير من الشعراء كانوا يتوافدون على بلاط شمس المعالي يمدحونه بقصائدهم بالعربية والفارسية والطبرية. ورغم أنّ قابوس كان يحمي الشعراء ويكرمهم بسخاء ولكنّه كان يمقت تملق المداحين ولا يسمع قصائدهم. يقول ابو الريحان البيروني في إحدى رسائله: تعجبني هذه الخصلة في قابوس إنّه لا تعجبه أن يقرأ الشعراء قصائدهم بحضوره وكان يخصّص مبالغ من المال ويعطيها إلى أبي الليث الطبري لتوزيعها على الشعراء حسب درجاتهم وذلك في أيام عيد النوروز وعيد المهرجان. وكان يقول إنّ الشعراء بحاجة إلى عطايا مقابل إبداعاتهم وفنونهم الشعرية ولكن لا يعجبني أن أسمع أكاذيبهم عن نفسي وإنّي أعرفهم جيداً.
أهمّ الشعراء الذين أنشدوا القصائد في مدح قابوس ويمكن اعتبارهم من شعراء بلاطه هم:
1 ـ الشيخ أبو عامر الجرجاني… وكان هذا الشاعر حسب ذكر ابن اسفنديار من فحول أئمة العلم.
2 ـ أبو الحسن بن علي بن عبد العزيز الجرجاني أستاذ عبد القادر الجرجاني الأديب والناقد المعروف. كان هذا الشاعر العالم قاضياً في الري في عهد الصاحب ابن عبّاد ثمّ التحق بقابوس.
3 ـ قاضي القضاة أبو البشر فضل بن محمد الجرجاني. هذا الشاعر هو نفس الفضل بن محمد الحسيني مادح منوچهري الدامغاني.
4 ـ أبو بكر محمد بن عباس الخوارزمي المتوفى سنة 383هـ. كان في أوائل حكومة قابوس من أتباع الصاحب بن عبّاد وكان عدواً لقابوس، ولكنّه وعندما تألم من الصاحب بن عبّاد التحق في نيشابور بقابوس.
5 ـ أبو إسحاق الصابي المتوفى سنة 383هـ وبالرغم أنّ هذا الكاتب والشارع والفلكي الكبير كان في بلاط عضد الدولة البويهي ولم يذهب إلى بلاط قابوس. ولكن عندما طلب منه في رسالة أرسلها إليه أن يرسل له بعض ما لديه من الاسطرلاب وذات الحلق إلى جرجان انتهز أبو إسحاق الفرصة ومدحه بقصيدة أعرب فيها عن شوقه ورغبته بالأمير الزايدي. وأرفقها برسالة يقول في ختامها فيما يقول:
فأمّا أمر الأمير الجليل الوارد على مملوكه وصنيعته في خدمة عالي خزانته بحمل الإسطرلابين المطلوبين المعين عليهما الموصوفين، فقد امتثله امتثال المطيع السامع وأبادر إلى ارتسامه مبادرة التابع المسارع ولولا المشهور في حاله من ضعف الشيخوخة وعجزه عن الحركة والنهضة لتولى بنفسه حمل الإسطرلابين وذات الحلق في ما بين أجفانه والحدق فهو يرى التدوين بطاعته فرضاً لا يسوغ إهماله وحتماً واجباً لا يجوز إغفاله والمطلع على السرائر، العالم بخفيات الضمائر يعلم أنّني منذ حين وبرهة أتمنى الإلمام بتلك الحضرة المقدسة وتقبيل ذلك البساط إلاّ أنّ انقطاعي إلى خدمة السلطان يقطعني عن معظم إيثاري وعوائق الزمان تملك زمام أمري فتحول بيني وبين اختياري وأرجو أن المعذرة واضحة والحال جلية لائحة وسأكاتب وأخدم وأسترسل ولا أحشم ولسيدنا في تشريف عبده وصنيعه بما يؤهله له من رفيع خدمته الرأي الأعلى والأمر الممتثل الأسنى.
6 ـ ديواره وزاومسته مرد: الشاعر كان من أهالي طبرستان وكان ينشد أشعاره ببراعة باللغة الطبرية وكان في البداية يمدح عضد الدولة وكان يعيش في شيراز ولكن بعد وفاة عضد الدولة (سنة 371هـ) ذهب إلى جرجان واشتهر بمدح قابوس. ولقب ديواره وز معناه (القافز من الجدار) لقبه به عضد الدولة لأنّه قفز من فوق جدار بستان كان عضد الدولة يلهو فيه وأمّا لقب مسته مرد فمعناه (الرجل السكير) لقبه به قابوس بعد أن أدّبه بسبب سُكره.
7 ـ أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي النيشابوري (المتوفى سنة 429هـ) هذا الأديب والناقد والشاعر كتب أكثر مؤلفاته عن أحوال قابوس ومؤلفاته وفرض على نفسه تأليف كتاب مستقل عن حياة قابوس وكان يمدحه أيضاً وله القصائد في مدحه ومنها القصيدة التي أنشدها بعد تغلب قابوس على جيش مجد الدولة بقيادة أبي علي حمويه التي يقول فيها:
الفتح منتظم والدهر مبتسم
وملك شمس المعالي كله نعم
والعدل منبسط والجور مصطلم
والحق مرتجع والشعب ملتئم
ألقت مقاليدها الدنيا إلى ملك
ما زال وقفاً عليه المجد والكرم
شمس المعاني وغيث المشرقين ومن
به يليق العلى والمجد والحشم
8 ـ أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي (المتوفى سنة 427هـ) صاحب تاريخ اليميني. كان هذا الكاتب والشاعر جليس قابوس ونديمه خلال إقامته في خراسان. وقد نظم قصيدة في مدحه إضافة إلى ما كتبه عن قابوس وفضله وعظمته في تاريخه ومطلع القصيدة:
الجِد ما لم يعنه الجَد غدار
والحر ما لم يزنه الصبر خوار
كان العتبي معاوناً لقابوس طوال إقامته في خراسان.
9 ـ أبو القاسم زياد بن قمري الجرجاني، يقول العوفي في لباب الألباب عن هذا الشاعر الفارسي: إنّ القمري قمر في سماء الفصاحة وشجرة في بستان الكياسة وكانت أشعاره عالية جداً تبين مفاخر شمس المعالي.
10 ـ أبو الحسن البديهي: يقول ياقوت في معجم الأدباء نقلاً عن أبي حيان: قال لي البديهي: «مدحت وشمگير بمدائح فاحت رياها شرقاً وغرباً بُعداً وقرباً» ثمّ يؤكد قول أبي حيان ويقول «لعله قابوس بن وشمگير» ثمّ ينقل بقية الحكاية كما يلي: «فما أثابني عليها إلاّ بشيء يسير وقصده بعض الاغتام من الجبال فمدحه بقصيدة ركيكة غير موزونة تعلقها بالهجاء أكثر من تعلقها بالمديح فأعطاه ما أغناه وأعقابه بعده فشكوت إلى ابن ساسان ذلك فقال لي إفراط العلم مضر بالجد، والجد والعلم قلما يجتمعان، والكد للعلم والجد للجهل. وأنشأ يقول: إنّ المقادير إذا ساعدت ألحقت العاجز بالحازم».
إنّ المقصود هو شمس المعالي قابوس وليس والده وشمگير حيث إنّ المؤرخين يقولون إنّ شهرة الشاعر البديهي كانت في عصر السلاجقة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن وشمگير توفي سنة 357هـ وأنّ بداية حكومة السلاجقة كانت سنة 429هـ فلا يمكننا أن نقبل أنّ فترة الشاعر البديهي كانت طويلة بحيث استمرّت من عهد وشمگير إلى عهد السلاجقة ولكن يمكن أن نقبل تماماً أنّ البديهي كان يعيش في عهد قابوس (قبل سنة 403هـ) وكان قد مدحه وأنّ شيخوخته كانت في عهد السلاجقة (بعد سنة 429هـ) والدليل الآخر الذي يؤكد أنّ البديهي يعود إلى بلاط قابوس وليس إلى بلاط والده وشمگير هو القسم الأخير من هذه الحكاية التي نقلها أبو حيان حيث إنّ هذه الصفات والنعوت خاصّة بقابوس. والدليل الثالث هي رسالة أبي بكر الخوارزمي الذي كان في عهد قابوس وكتبها إلى البديهي وهذه الرسالة أطول رسائل الخوارزمي الموجودة في رسائله. والدليل الرابع هو أنّ الثعالبي ذكر اسم البديهي بين أسماء شعراء بلاد الصاحب بن عبّاد الذي كان يعاصر قابوس. كما يبدو أن البديهي لم يفهم أشعار الشاعر الجبلي والذي أنشد أشعاره باللغة المحلية اعتبرها ركيكة غير متزنة واعتبر الشاعر من الأغتام. والبديهي من الشعراء الذين لم تصل إلينا أشعاره.
11 ـ أبو بكر محمد بن علوي الخسروي السرخسي. كان أكبر شعراء بلاط قابوس وكان عليماً بالفلسفة وله أشعار في التشبيب. إنّ الخسروي كان قد مدح كبار رجال القرن الرابع وأوائل القرن الخامس وقابوس والصاحب بن عبّاد وأبا الحسن السيمجور. وكان له راتب سنوي من قابوس. وله منصب خاص في بلاطه ولأبي بكر الخوارزمي قصيدة يرثي بها الخسروي.
12 ـ الإمام أبو سهيل السعلوكي. يقول دولتشاه عن هذا الشاعر «كان آنذاك أقضى القضاة في خراسان وكان فريد عصره وله قصائد كثيرة يمدح بها الأمير قابوس».
13 ـ البَجَلي ـ المنسوب إلى بَجَل فخذ من القبائل العربية والشاعر المعروف جرير من هذه القبيلة أيضاً. ولهذا يقال له جرير البَجَلي. كان البَجَلي شاعراً لطيف الطبع التحق بقابوس في أواخر عمره وكان قبل ذلك يمدح مؤيد الدولة.
14 ـ الحكيم الزجاجي، يوجد في قاموس الرشيدي بيت من الشعر للحكيم الزجاجي يؤكد مدحه لقابوس قاله على شكل مثنوي بعد اختتام بناء مقبرة قابوس (397هـ) وقبل اغتياله (سنة 403هـ) عدا الشعراء الذين أشرنا إليهم فهناك الكثيرون من فحول الأدب منهم أبو الفضل بديع الزمان الهمداني الذي كان من علماء بلاط قابوس.
شعر قابوس
رغم اشتهار قابوس بالنثر وكتابة الرسائل البليغة إلاّ أنّ المؤرخين والناقدين القدماء والمحدّثين كلّما أشادوا بكتابته ونثره ذكروا شعره وأشادوا به ونقلوا نماذج منه.
كان قابوس ينظّم الأشعار باللغتين الفارسية والعربية وقد يكون قد نظم أشعاراً باللغة الطبرية التي كانت لغته ولغة منطقته ولكن لم يصلنا شيء من أشعاره بهذه اللغة.
وبعض قصائده مثل قصيدته التي يقول في مطلعها: (قل للذي بصروف الدهر عيرنا) من القصائد السائرة في الشعر العربي وكما يقول ابن خلكان فإنّ بعض أشعاره الغنائية كانت جارية على لسان المغنين والمطربين.
ولقلّة آثاره الشعرية العربية فإنّ من الصعب الحديث عن أسلوبه وذوقه الشعري ولكن يمكن القول إنّ إشعاره تمتاز بدقّة التشبيه وحُسن التعبير والبيان ورقّة المضمون والموضوع وإنّ ألفاظ أشعاره سلسلة لطيفة وعلى أي حال فإنّها تعكس نفسيته وطبعه.
فمن جيد شعره العربي قوله:
خطرات ذكرك تستثير صبابتي
فأحسّ منها في الفؤاد دبيبا
لا عضو إلاّ وفيه صبابتي
فكأن أعضائي خلقن قلوبا
ومن نظمه عندما كان في نكبته بنيسابور:
قل للذي بصروف الدهر عيرنا
هل عاند الدهر إلاّ من له خطر
أمّا ترى البحر يطفو فوقه جيف
ويستقر بأقصى قعره الدرر
فإن تكن عبئت أيدي الزمان بنا
ونالنا من تأذي بؤره ضرر
ففي السماء نجوم غير ذي عدد
وليس يكسف إلاّ الشمس والقمر
وكتب إلى عضد الدولة وقد أهدى له سبعة أقلام بهذه الأبيات:
قد بعثنا إليك سبعة أقلا
م لها في البهاء حظ عظيم
مرهفات كأنّها ألسن الحيا
ت قد جاز حدّها التقويم
وتفاءلت أن ستحوي الأقا
ليم بها كلّ واحد إقليم
وقد أنشد قابوس وهو لاجئ في نيسابور مع فخر الدولة عند استيلاء عضد الدولة على ملكه هذه الأبيات:
لئن زال ملكي وفات ذخائري
وأصبح جمعي في ضمان التفرّق
فقد بقيت لي همة ما وراءها
منال لراج أو بلوغ لمرتقي
ولي نفس حر تأنف الضيم مركباً
وتكره ورد المنهل المتدفق
فإن تلفت نفسي فلله درها
وإن بلغت ما ترتجيه فاخلق
ومن لم يردني والمسالك جمة
فأي طريق شاء فليتطرق
وقوله في حادثة خلعه:
بالله لا تنهضي يا دولة السفل
وقصري فضل ما أرخيت من طول
أسرفت فاقتصدي جاوزت فانصرفي
عن التهور ثم امشِ على مهل
مخدمون ولم تخدم أوائلهم
مخولون وكانوا أرذل الخول
ولقابوس عن جواب هجو الصاحب بن عباد له:
من رام أن يهجو أبا قاسم
فقد هجا كل بني آدم
لأنّه صوّر من مضغة
تجمعت من نطف العالم
أمّا هجو ابن عباد له فهو:
قد قبس القابسات قابوس
ونجمه في السماء منحوس
وكيف يرجى الفلاح من رجل
يكون في آخر اسمه بوس
وما يروى من شعر قابوس:
إنّي أنا الأسد الهزبر لدى الوغى
أجمى القنا ومخالبي أسيافي
والدهر عبدي والسماحة خادمي
والأرض داري والورى أضيافي
وله أيضاً هذا البيت الذي كتبه بخطّه في القسم الأعلى من رسالة وجهها كاتبه الخاص إلى قائدين من رجال عسكره كانا يحاولان التمرد عليه، ينصحهما بالعدول عن هذه الفكرة:
لا تعصين شمس المعالي قابوسا
فمن عصى قابوس يلقى بوسا
وله أيضاً هذا البيت:
إنّ المقادير إذا ساعدت
ألحقت العاجز بالحازم
أمّا نموذج نثره فمن رسالة له في التعزية موجهة إلى ابن العميد:
(الدهر ـ أطال الله بقاء الأستاذ ـ شر كلّه مفصله ومجمله، موكب النوائب وملعب العجائب، شأنه نكث العهود، وتبديل البيض بالسود، ما قصد أحداً بخير إلاّ اختتمه بشر وما عهد في الرعاية عهداً إلاّ نقض ذلك غداً…).
ولقابوس مع أكثر الأدباء والعلماء المعاصرين له مساجلات علمية وأدبية حضورية وتحريرية.
وقد عرف قابوس ببلاغته وفصاحته في منشآته ورسائله إلى أقطاب الأدب وفحول البلاغة وأساطين الفصاحة في عصره. وقد جمع في أواخر عهده وبعيد وفاته عبد الرحمن بن علي اليزدادي (من أسرة آل يزداد المعروفة بالعلم والأدب) قبضة من هذه الرسائلة من مجموعة سمّاها (كمال البلاغة) التي تحتوي على 37 رسالة منها 28 رسالة من رشحات قلم قابوس و9 رسائل من جوابها، وقد طبعت في القاهرة سنة 1341 وألحقت بها خمس رسائل لقابوس نفسه، الأولى في وصف العالم وتكوينه، والثانية في النفس الناطقة، والثالثة في ذكر النبي (صلّى الله عليه وآله) والدين الإسلامي، والرابعة في بطلان أحكام النجوم، والخامسة في التكنية، ويخاطب قابوس في معظم هذه الرسائل الوزير الصاحب بن عباد وابن العميد وابن العتبي وإجابتهم عليه، كما صوّر اليزدادي هذه الرسائل بمقدمة ممتعة عن أنواع البديع التي وجدها في رسائل ومنشآت قابوس.
ولقابوس غير هذه المجموعة رسائل أخرى بالعربية والفارسية منتثرة في أمهات كتب الأدب والتاريخ كاليتيمة ومعجم الأدباء ووفيات الأعيان والكامل ولباب الألباب ومختصر الدول وتاريخ اليميني ودمية القصر وتاريخ الحكماء والفهرست لابن النديم وغيرها.
ووصف صاحب اليتيمة قابوس بقوله: (إنّ الله جمع له إلى عزّة الملك بسطة العلم وإلى فضل الحكمة نفاذ الحكم).
وقال عنه ابن الأثير ضمن حوادث 403 (وكان قابوس غزير الأدب وافر العلم له رسائل وشعر حسن وكان عالماً بالنجوم وغيرها من العلوم).
وهو القائل:
الدهر يومان ذا أمن وذا حذر
والعيش شطران ذا صفو وذا كدر
قل للذي بصروف الدهر عيرنا
هل عاند الدهر إلاّ من له خطر
أما ترى الريح إن هبّت عواصفها
فليس يضعف إلاّ ما هو الشجر
آراء أهل المدينة الفاضلة (كتاب)
مرّ ذكر الكتاب في المجلد الثاني، ومرّ معه التعريف بالمؤلف أبي نصر الفارابي. ونذكر هنا تعريفاً مفصلاً بالكتاب:
ـ 1 ـ
الفارابي الفيلسوف الروحي
كان أبو نصر الفارابي فيلسوفاً مسلماً على الحقيقة، وفيلسوفاً عقلياً ينزع في فلسفته منزعاً روحياً بأسمى ما في الفلسفة العقلية والروحية من المعاني الدقيقة، فقد كانت سيرته في حياته العملية، وفلسفته في حياته العقلية، ونزعته في حياته الروحية، آيات على أنّه قد وجد في العقل والروح أصفى مورد يروي منه، وأنقى منبع يصدر عنه، وأرقى مبدأ يعول عليه، ويعلل به، ويقيم حياته وحياة أشباهه الفردية، كما يقيم حياة المدن وحياة الأمم الاجتماعية، على دعائم عقلية وروحية، هي قوام السعادة الحقيقية التي تطمح إلى تحقيقها الإنسانية.
والمتأمّل فيما كان يأخذ به الفارابي نفسه في حياته، وفيما كان يصوّر به منهجه ومذهبه ومسلكه في هذه الحياة الدنيا، وفيما كان يبتغي به وجد الله في الحياة الأخرى، وفيما كان يريد أن يحققه لنفسه وأن يحققه غيره في الحياتين من السعادة القصوى والبهجة العظمى، يلاحظ أنّه في كلّ أولئك أدنى إلى الصوفي التقي، والزاهد الخلي، والورع التقي، الذي ينصرف عمّا في الحياة من متاع حسن وجاه مادي، ويقبل على كلّ ما فيها من نعيم عقلي وخلود روحي، فإذا هو يجد في الخلوة والعزلة ملاذه، وفي التفكير والتدبّر عياذه، وفي اشتغال عقله بالحقائق، وتذوق روحه للرقائق، أقصى ما تسكن إليه وتطمئن به نفس الفيلسوف الحكيم، من فردوس العقل الدائم ونعيم الروح المقيم.
وليس أدل على ذلك المنزع الفلسفي الصوفي الذي نزعه الفارابي في حياته العقلية والروحية، من أبياته العينية:
وليس أدل عليه أيضاً من قوله في دعائه الذي كان يتضرّع به إلى ربّه فيقول:
«… اللهم طهر بروح القدس الشريفة نفسي، وآثر بالحكمة البالغة عقلي وحسّي، واجعل الملائكة ـ بدلاً من عالم الطبيعة ـ أنسي… اللهم قوِّ ذاتي على قهر الشهوات الفانية، وألحق نفسي بمنازل النفوس الباقية، واجعلها من جملة الجواهر الشريفة الغالية، في جنات عالية…».
وهو القائل:
لما رأيت الزمان نكسا… وليس في الصحبة انتفاع
كل رئيس به ملال … وكل رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت عرضاً … به من العزة امتناع
اشرب مما اقتنيت راحاً … لها على راحتي شعاع
لي من قواريرها ندامى … ومن قرايرها سماع
واجتني من حديث قوم … قد اقفرت منهم البقاع
فواضح ها هنا أنّ هذه الأبيات الستة إنّما هي تعبير صادق عن حياة العزلة التي آثرها الفارابي بعدما رأى من مساوئ الزمان وصحبة أهله التي لا تنفع، وحتّى يستطيع أن ينجو بعرضه وعزته وكرامته، وأن يخلو إلى نفسه وتأمّله وفلسفته، وأن يخلص من هذا كلّه إلى صفاء عقله وقلبه، وإلى انفصاله عن الحياة المادية واتصاله بالحياة الروحية في ظلّ ربّه، حيث يشعر ويتذوق وحيث يفكر ويتحقق، وحيث ينظر ويتعمق، وحيث يكون بعد هذا كلّه أصفى وأطهر ويكون نصيبه من السعادة أوفى وأوفر، على نحو ما يرجوه في دعائه الذي يناجي به ربّه من قهر ذاته للشهوات الفانية، وإلحاق نفسه بالنفوس الباقية وإحلال روحه محلاً رفيعاً في جنات عالية. ويؤيد نزوع الفارابي هذا المنزع الصوفي الروحي ما ذكره عنه ابن خلكان في ترجمته له من أنّه كان منفرداً بنفسه، لا يجالس الناس، ومن أنّه إبان إقامته بدمشق لم يكن غالباً إلاّ عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض، ومن أنّه كان أزهد الناس في الدنيا، لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن، وأنّه كان من القناعة بحيث اقتصر على أربعة دراهم كلّ يوم كان يجريها عليه سيف الدولة الحمداني من بيت المال.
على أنّ هذا الطابع الصوفي الذوقي وما تطبع به نفس صاحبه من كمال في العلم والعمل هو سبيله إلى التحقّق بالحقائق العلية، والتخلّق بالأخلاق الرضية، لم يكن مقصوراً الفارابي على تلك الحياة الروحية النقية التي كان يحياها الفيلسوف فيما بينه وبين نفسه، وفيما نبيه وبين أشباهه، وفيما بينه وبين ربّه وإنّما هو طابع لا يكاد ينفك عن كثير من النواحي العقلية الخالصة للفلسفة النظرية والعملية لهذا الفيلسوف بل إنّه ليجعل من كثير من المبادئ والمناهج العلمية والعملية التي تقوم عليها وتقوم بها الحياة الروحية شرطاً لا بدّ منه في طالب الحكمة ومعلمها، ولا منصرف عنه لأهل المدينة الفاضلة ورئيسها فكلّ أولئك لا يتهيأ لهم العلم الصحيح ولا يصدر عنهم العمل الصالح، ولا تستقيم لهم وبهم أمور معاشهم في الحياة الدنيا ولا يتاح لهم الفوز الأعظم في معادهم في الحياة الأخرى، إلاّ إذا صلحت نفوسهم باطّراح الشهوات، وإلاّ إذا خلصت قلوبهم إلى الله بالخلاص عن النزوات وإلاّ إذا صقلت عقولهم فانتقشت فيها حقائق الموجودات.
وحسبنا لنتبين هذا كلّه أن ننظر مع الفارابي في السبيل التي ينبغي أن يسلكها من أراد تعلّم الفلسفة: فهو يرى أنّ هذه السبيل هي القصد إلى الأعمال وبلوغ الغاية وإنّما يكون القصد إلى الأعمال بالعلم، إذ أنّ تمام العلم إنّما يكون بالعمل، كما أنّ بلوغ الغاية في العمل إنّما يكون بإصلاح الإنسان نفسه أوّلاً ثمّ بإصلاح غيره ممّن يعيشون معه في منزله أو في مدينته. وهو يرى أيضاً أنّ من أراد الشروع في الحكمة فينبغي أن يكون شاباً صحيح المزاج متأدباً بآداب الأخيار قد تعلم القرآن واللغة وعلوم الشرع أوّلاً، وأن يكون عفيفاً صدوقاً معرضاً عن الفسوق والفجور والخيانة والمكر والحيلة، فارغ البال عن مصالح معاشه غير مخل بركن من أركان الشريعة ولا بأدب من آدابها، معظماً للعلم والعلماء ولا يكون لشيء عنده قدر إلاّ للعلم وأهله ولا يتخذ علمه لأجل الحرفة وإن من كان بخلاف ذلك، فهو حكيم زور ولا يعد من الحكماء…
وحسبنا أيضاً أن ننظر مع الفارابي في الحال التي يجب أن يكون عليها الرجل الذي تؤخذ عنه الفلسفة: فهو يرى أنّ تلك الحال هي أن يكون معلم الفلسفة قد تقدّم وأصلح الأخلاق من نفسه الشهوانية، كيما تكون شهوته للحق فقط، لا للذة، وأن يكون قد أصلح مع ذلك قوّة النفس الناطقة كيما يكون ذا إرادة صحيحة.
وحسبنا أن ننظر كذلك مع الفارابي فيما اشترطه من شروط ينبغي أن تتوفّر في رئيس المدينة لكي يكون رئيساً فاضلاً لمدينة فاضلة مكوّنة من أفراد فضلاء كلّهم من أهل الفضل القادرين على تحصيل السعادة لأنفسهم من ناحية، وعلى تحقيقها لغيرهم من أهل مدينتهم الفاضلة من ناحية أخرى؛ فعند الفارابي لا يكون رئيس المدينة رئيساً فاضلاً لمدينة فاضلة إلاّ إذا كان حكيماً على التمام، ولا يكون حكيماً على التمام إلاّ أن يكون إنساناً قد استكمل من الناحيتين العلمية والعملية بصفة عامة، وأن تكون نفسه الناطقة أو قوّته العاقلة قد استكملت بحيث يصير عقلاً ومعقولاً بالفعل، وأن تكون قوّته المتخيلة قد استكملت غاية الكمال بحيث تصبح معدّة للتلقي عن العقل الفعّال الذي يلقي إليها وإلى القوّة العاقلة الفيوضات الآتية من لدن الله، وعنده أيضاً أنّ من استكمل قواه النظرية والعملية والمتخيلة على هذا الوجه، فإنّما يكون حكيماً فيلسوفاً أو متعقلاً على التمام، كما يكون نبياً مخبراً بما هو كائن ومنذراً بما سيكون، وهو بحكم ما تهيأ له من أسرار الحكمة وأنوار النبوة، يعد أكمل وأفضل درجات السعادة الحقيقية، وأصبح من أهل المدينة الفاضلة التي يرأسها مثلاً أعلى يقتدى به ويهتدى في الحياة النظرية والعملية، بحيث يصبح كلّ فرد من أفراد هذه المدينة الفاضلة، بمثابة صورة منه أو نسخة عنه.
أمّا كيف يتهيأ لرئيس المدينة الفاضلة أن يكون كذلك، فذلك ما نتبيّنه مع الفارابي من خلال الشروط العلمية والعملية التي يشترطها فيه، والتي يرد كثير منها إلى ذلك الطابع الروحي الذي طبعت به حياة الفارابي، وطبع به مذهبه الفلسفي فلا بدّ لرئيس المدينة الفاضلة من ألا يكون شرهاً في الشهوات البدنية، من مأكل ومشرب وغيرهما، وذلك على وجه يتجنّب معه اللهو والعبث، ويبغض اللذات الحسية الناشئة عن تلك الشهوات البدنية، ومن أن يكون محباً للصدق وأهله، مبغضاً للكذب وأهله، ومن أن يكون كبير النفس مترفعاً عن كلّ ما يشين، محباً للكرامة متسامياً بنفسه عن كلّ ما يرفع، ومن أن يهون عنده الدرهم والدينار وسائر أعراض الدنيا.
فإذا كانت ذلك كذلك، وكانت تلك هي الخصال المحمودة التي ينبغي أن يتحلّى بها الرئيس الفاضل للمدينة الفاضلة ومعلم الحكمة وطالبها، والتي ينبغي أن يتحلّى بها ويتخلّى عن أضدادها كلّ فرد من أفراد المدينة في حياته النظرية والعملية الفردية والاجتماعية، حتّى تكون المدينة فاضلة رافلة في حلل السعادة الحقيقية، فقد تبيّن إذن إلى أي حدّ، وعلى أي وجه، يمكن أن يُقال إنّ فلسفة الفارابي الاجتماعية والسياسية إنّما تقوم على أسس روحية، وتستمد عناصرها من منابع نفسية وأخلاقية من شأنها أن تطهر النفوس من أدرانها، وأن تجعل من أصحابها أفراداً فاضلين في المدينة الفاضلة، وأناساً كاملين في الإنسانية الكاملة. ومعنى هذا بعبارة أخرى أنّ المدينة الفاضلة التي هي دعامة للإنسانية الكاملة، والتي يرأسها حكيم أو نبي قد كملت نفسه ونفوس معاونيه ومواطنيه على هذا الوجه، إنّما هي ثمرة روحية بقدر ما هي ضرورة اجتماعية. وأي شيء أدل على صدور المدينة الفاضلة والإنسانية الكاملة عن منابع عقلية وروحية إلى جانب ما تقوم عليه من صنائع علمية وعملية، من أنّ الرئيس الفاضل إنّما هو ـ كما يقول الفارابي ـ من تكون مهنته ملكية مقرونة بوحي من الله تعالى، كما أنّه هو الذي يقدّر الآراء والأفعال التي في الملة الفاضلة بالوحي، وذلك بأن توحي إليه هذه الأفعال وتلك الآراء مقدّرة من ناحية، وبأن يقدّرها هو بالقوّة التي استفادها هو عن الوحي والموحي تعالى من ناحية أخرى.
هذه طائفة من المنازع الصوفية التي نزع إليها الفارابي الفيلسوف في حياته الروحية، والتي فاضت بها فلسفته النظرية والعملية، في نواحيها العقلية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، والتي طبعت بطابعها المثالي الرائع فكرته الكبرى عن المدينة المثلى، فكان في أنظاره العقلية، وفي أذواقه الروحية، وفي أغراضه الإنسانية، فيلسوفاً مثالياً يريد أن يقيم الحياة العملية الإنسانية على دعائم مستمدّة من العقل الذكي، والقلب النقي، والضمير الحي، ولقد تآلفت هذه المعاني لديه، ثمّ تمثّلت له وتجلّت عليه، فإذا هي مدينته الفاضلة.
ـ 2 ـ
مع الفارابي في المدينة الفاضلة
ها نحن أوّلاً نقف مع الفارابي في مدينته الفاضلة، لنتبين من خلال هذه الوقفة كيف كانت هذه المدينة الفاضلة عند الفارابي الفيلسوف العقلي والروحي المسلم، مرآة صادقة للحياة الاجتماعية والسياسية، وقد أقيمت على دعائم إسلامية، واستمدّت مقوماتها من منابع قرآنية ونبوية، إلى جانب ما أقيمت عليه، واستمدّت منه، من الفكرة الأفلاطونية عن الجمهورية:
فرئيس المدينة الفاضلة عند الفارابي فيلسوف يقرب كثيراً أو قليلاً ممّا يصوّر به أفلاطون في جمهوريته هذا الرئيس وغيره ممّن إليهم شؤون الحكم وتدبير السياسة في هذه الجمهورية، ولكنّه ليس عند الفارابي فيلسوفاً قد صلحت نفسه الناطقة واستعملت على نفسه الشهوية ونفسه الغضبية فحسب، ولا هو يستطيع، بفضل ما أتيح له من صلاح نفسه الناطقة أو قوّته العاقلة، أن يتصل بالعقل الفعّال الذي يفضي عليه حقائق الموجودات ودقائق المعقولات فحسب، وإنّما هو فيلسوف بهذه المعاني كلّها، وبمعنى آخر زائد عليها، هو هذا المعنى النبوي الإسلامي الذي يجعل من رئيس المدينة الفارابية فيلسوفاً أضفى الله على قوّته المتخيلة ثوباً من أثواب النبوة فإذا هو متعقل لما هو موجود، ومخبر بما هو كائن، ومنذر بما سيكون، لأنّ كلاً من قوتيه المتعقلة والمتخيلة قد بلغت من الدقة والرقة، ومن الصفاء والنقاء، بحيث تهيأ لصاحبهما من الكمال، ما يجعله أهلاً للتلقي عن الله بطريق الاتصال بالعقل الفعّال.
وعن هذه المعاني الكاملة التي تلتقي في رئيس المدينة الفاضلة، وتنتفي عن رئيس المدينة الجاهلة، قد عبر الأستاذ «ت. ج دي بور» مؤرخ الفلسفة الإسلامية، وذلك في كتاب (تاريخ الفلسفة في الإسلام) فقال:
«… ولمّا كان الفارابي رجلاً شرقياً في نظرته للأمور، فقد ظنّ أنّ معاني الجمهورية الأفلاطونية تتلخص في صورة الرئيس الفيلسوف. يرى الفارابي أنّ الناس قد دعتهم الضرورة الطبيعية إلى الاجتماع، فهم يخضعون لإرادة رئيس واحد تتمثّل في المدينة بخيرها وشرّها، فتكون فاسدة إذا كان حاكمها جاهلاً لقوانين الخير، أو كان فاسقاً أو ضالاً، أمّا المدينة الفاضلة فهي نوع واحد، ويرأسها الفيلسوف. والفارابي يصف أميره بكلّ فضائل الإنسانية، وكلّ فضائل الفلسفة، فهو أفلاطون في ثوب النبي محمد عليه الصلاة والسلام».
على أنّ الفارابي الذي نزع في حياته الشخصية منزعاً صوفياً، وذهب في فلسفته العامة مذهباً عقلياً أضفى عليه في بعض نواحيه ثوباً روحياً، كان كذلك في فلسفته العملية سواء فيما يتعلق بتدبير حياة الفرد مع نفسه، ومع أشباهه ممّن يعايشهم ويواصلهم في منزله وفي مدينته، وكان في هذه الفلسفة العملية شيئاً آخر فوق ذلك كلّه.
كان فيلسوفاً اجتماعياً وسياسياً بأدق ما في الاجتماع والسياسة من المعاني العلمية والمبادئ العملية، ولعل نظرته الاجتماعية والسياسية كانت أبعد آفاقاً، وأوسع نطاقاً، بحيث لم تقف عند حدّ الفرد في مجتمعاته الصغيرة والكبيرة التي تبدأ من المنزل وتنتهي إلى المدينة، وإنّما هي تتجاوز هذه المجتمعات إلى المجتمع الأكبر وهو هذا المجتمع الذي يشمل أفراد الإنسان جميعاً شمولاً كلياً يجعل منهم أمّة واحدة فاضلة، تنطوي على أسمى معاني الحق والخير، وتسعى إلى تحقيق أرقى مبادئ التعاون والبر، فإذا الناس لا يحيون في هذه المدينة أو تلك، ولا في هذه الأمّة أو تلك، وإنّما يحيون في الإنسانية كلّها، ويتواصلون بها ويتعاونون من أجلها، فلا يجحف فرد بحق فرد، ولا تتحيف أمّة من حق أمّة، لأنّ الأفراد والأمم جميعاً قد استظلوا بظل واحد هو ظل الإنسانية.
ويتبين هذا كله إذا لاحظنا مع الفارابي أنّ كلّ إنسان قد خلق مفطوراً على أنّه محتاج إلى غيره، وذلك فيما يتقوم به في حياته، وفيما يعول عليه لبلوغ أفضل كمالاته، وتحقيق أكمل غاياته، لا سيما فيما لا يستطيع أن يحققه ويحقق الكمال فيه لذاته بذاته، وإنّ هذه الفطرة على حاجة الإنسان إلى الإنسان، وعلى تعاون الإنسان مع الإنسان، هي العلة الأولى في وجود الجماعة المؤلفة من أفراد متكثرين متعاونين يقوم كلّ منهم لغيره بما يحتاج إليه غيره حتّى يبلغ به الكمال.
على أنّ الجماعات الإنسانية التي تنشأ على هذا الوجه، ليست كلّها عند الفارابي سواء، بل منها جماعات كاملة، وجماعات غير كاملة.
والجماعات الكاملة ثلاث:
جماعة صغرى وهي اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمّة.
وجماعة وسطى وهي اجتماع أمّة في جزء من المعمورة.
وجماعة عظمى وهي اجتماع الجماعة كلّها في المعمورة كلّها.
وأمّا الجماعات غير الكاملة فهي اجتماع في منزل، أو اجتماع في سكة، أو اجتماع في محلة، أو اجتماع في قرية.
وهذه الجماعات سواء ما كان منها كاملاً أو غير كامل، يرتبط بعضها ببعض، ويقوم بعضها ببعض، ويحتاج بعضها في تحقيق كماله إلى بعض. وإنّ الفارابي ليظهرنا على هذه المعاني كلّها بحيث يظهرنا على معنى التعاون والتضامن بينها، وذلك إذ يقول إنّ القرية من المدينة بمثابة الخادمة لها، وإنّ المنحلة من القرية بمثابة جزئها، وإنّ السكة من المحلة بمثابة جزئها، وإنّ المنزل من السكة بمثابة جزئها، وإنّ المدينة من الأمّة بمثابة جزء من مسكنها، وإنّ الأمّة بمثابة جزء من أهل المعمورة كلّها.
وإذا كانت تلك هي مراتب الجماعات، وتسلسل بعضها من بعض، وترتب بعضها على بعض، فقد انتهى الفارابي إلى أنّ الخير الأسمى، والكمال الأقصى، إنّما يتوصّل إليه، ويحصل عليه، بالاجتماع في مدينة لا بما دون ذلك من ألوان الاجتماع الذي يقع فيما دون المدينة من جماعات.
وكما أنّ الجماعات مراتب ودرجات بعضها فوق بعض أو دون بعض، فكذلك المدن ليس كلّها سواء فيما تحقق من خير وشر، ولا فيما تقوم عليه من فضل وجهل، ولا فيما تتحقق به من كمال ونقص، ذلك بأنّ هذه كلّها غايات يتوسل إلى تحقيقها بالإرادة والاختيار، والإرادة نزوع إلى الخير تارة وإلى الشر تارة أخرى، وللاختيار جنوح إلى الكمال حيناً وإلى النقص حيناً آخر، والإرادة هي الملكة التي يعملها الإنسان منفرداً في نفسه، وتعملها الجماعة مجتمعة فيما بين بعض أفرادها وبعض، وهذا من شأنه أن تقوم بين الأفراد صلات على أساس من التعاون على بلوغ غايات بعضها خيرات وبعضها شرور، ومن هنا كانت المدن التي يعمل أهلها إرادتهم في سبيل التعاون على الخير والفضل والكمال، مدناً فاضلة مؤدية بأهلها إلى السعادة، بقدر ما كانت المدن التي يعمل أفرادها إرادتهم في سبيل التعاون على الشر والجهل والنقص مدناً مؤدية بأهلها إلى الشقاء.
ويخلص الفارابي من هذا التسلسل والتدرج في مراتب الجماعات، وما ينبغي أن تحققه كلّ جماعة من خيرات وكمالات، إلى فكرته الكبرى عن المدينة الفاضلة، التي هي عنده قوام فكرته العليا عن الإنسانية الكاملة، وذلك إذ ينتهي إلى النتيجة التي ترتب على ما قدمه بين يديها من مقدمات، وهي أنّ المدينة التي يقصد بالاجتماع فيها إلى التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة هي المدينة الفاضلة، كما أنّ الاجتماع الذي يتعاون به على نيل السعادة هو الاجتماع الفاضل، وكما أنّ الأمّة التي تتعاون مدنها على ما تنال به السعادة هي الأمّة الفاضلة، وكما أنّ المعمورة التي تتعاون مدنها كلياً على ما تنال به السعادة هي المعمورة الفاضلة.
ومن الطريف العجيب معاً أن يكون الفارابي الفيلسوف الصوفي الروحي في حياته الخاصّة، والفيلسوف العقلي والنظري في فلسفته العامّة، والذي تقع حياته فيما بين سنتي 259 و339 للهجرة الموافقين لسنتي 870 و950 للميلاد، أسبق من علماء الاجتماع المحدثين والمعاصرين في أوروبا وأميركا، إلى تشبيه المدينة بالجسم الحي، والمقابلة بين كلّ جزء من أجزاء المدينة وبين كلّ عضو من أعضاء الجسم.
فالمدينة الفاضلة عند الفارابي تشبه البدن التام الصحيح الذي تتعاون أعضاؤه كلّها على تتميم حياة الحيوان من ناحية، وعلى حفظ هذه الحياة على الحيوان من ناحية أخرى. فكما أن للبدن أعضاء يتفاوت كلّ منها عن الآخر في رتبته وقيمته، وفي وظيفته وخدمته، وفيما يؤدّيه من هذه الخدمة لغيره من الأعضاء، فكذلك للمدينة أفراد هم منها بمثابة الأعضاء من البدن، ولكلّ منهم في المدينة رتبته وقيمته ووظيفته التي تتفاوت بتفاوت ما يؤدّيه من خدمة نحو غيره من أفراد مدينته الذين يتّصل بهم، ويعمل معهم، فيما يشارك فيه من حياة المدينة، وكما أنّ في البدن أعضاء رئيسية هي قوام حياته، فكذلك للمدينة أفراد يرأسونها، ويتولون أمرها، وبعضهم مرؤوس لبعض، وكلّهم مرؤوس لرئيس أعلى واحد هو منهم في المدينة بمثابة القلب في البدن، وهذه الرتب المتفاضلة والمتكاملة من أعلاها إلى أدناها في أفراد المدينة، هي التي يصوّرها الفارابي على هذا الوجه الدقيق الذي يدل عليه قوله:
«إنّ المدينة أجزاؤها مختلفة الفطرة، متفاضلة الهيئات وفيها إنسان هو رئيس، وآخر تقرب مراتبه من الرئيس، وفي كلّ واحد منها هيئة وملكة يفعل بها فعلاً يقتضي به ما هو مقصود ذلك الرئيس، وهؤلاء أولو المراتب الأوّل، ودون هؤلاء قوم يفعلون الأفعال على حساب أغراض هؤلاء وهؤلاء هم في الرتبة الثانية، ودون هؤلاء أيضاً من يفعل الأفعال على حسب أغراض هؤلاء، ثمّ هكذا تترتب أجزاء المدينة إلى أن تنتهي إلى آخرين يفعلون أفعالهم على حسب أغراضهم، فيكون هؤلاء هم الذين يخدمون ولا يخدمون، ويكونون في أدنى المراتب وهم الأسفلون (آراء أهل المدينة الفاضلة: ص89ـ80).
على أنّ الفارابي لا يطلق الموازنة والمقابلة بين أجزاء المدينة وبين أعضاء البدن، إطلاقاً تاماً دون أن يقيدهما بقيد، أو يحدهما بحد، وإنّما هو من الدقّة وعمق الفكرة بحيث يظهرنا على أنّ ثمة فرقاً بين ما هو من أجزاء المدينة وبين ما هو من أعضاء البدن، وذلك إذ يبيّن أنّ أعضاء البدن طبيعية، وأنّ الهيئات التي لهذه الأعضاء إنّما هي قوى طبيعية، على حين أن أجزاء المدينة وهم أفرادها، وإن كانوا طبيعيين، إلاّ أنّ الهيئات والملكات التي يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليست طبيعية، وإنّما هي إرادية تصدر عن فكر وروية. وهذه الروية وذلك الفكر هما الأداتان اللتان يصطنعهما أهل المدينة فيما هم بسبيل إنشائه واستحداثه من صناعات في مدينتهم، ممّا يستدل به الفارابي على أنّ أهل المدينة ليسوا أجزاء لمدينتهم بفطرتهم وحدها، ولا بطبيعتهم وحجها، وإنّما هم كذلك بملكاتهم الإرادية، وفرق ما بين الفطرة الطبيعية وبين الملكة الإرادية، كفرق ما بين الغريزة التي لا تفكر وبين العقل الذي يروي ويدبّر.
فإذا كان ذلك كذلك، وكانت المدينة بأفرادها، وكان أفرادها بمثابة أجزائها، وكان رئيسها من أفرادها بمثابة القلب من أعضاء البدن، فقد ترتب على هذا كلّه أن تكون المدينة فاضلة كاملة بقدر ما يتهيأ لأفرادها بصفة عامّة من فضل وكمال، وما أتيح لرئيسها بصفة خاصّة من استعداد للرئاسة بالعظمة والطبع من ناحية، وبالهيئة والملكة الإرادية من ناحية أخرى، بحيث لا يمكن أن يعدله من هاتين الناحيتين أي من أفراد المدينة، سواء في طبيعته أو في صناعته إذ كما لا يصلح كلّ إنسان لرئاسة المدينة الفاضلة، فكذلك لا تصلح كلّ صناعة لتكون على رأس صناعات المدينة الفاضلة، من هنا كانت صناعة رئيس المدينة الفاضلة هي الصناعة الرئيسة التي ترأس الصناعات الأخرى في هذه المدينة، ومن هنا أيضاً كانت الصناعة الفاضلة للرئيس الفاضل في المدينة الفاضلة هي تؤم الصناعات كلّها، وتوجّه كلّ الصناعات الأخرى إلى تحقيق غرضها. وهذا يعني بعبارة أخرى أنّ المدينة إنّما تكون فاضلة بفضل رئيسها، وكاملة بكماله، ذلك بأنّ الفارابي يرى أنّ رئيس المدينة الفاضلة يجب أن يكون أوّلاً بحيث يكون هو السبب في حصول أجزائها وحفظ بقائها، وبحيث يكون إليه أمر إصلاح أي من تلك الأجزاء إذا اختل أو عرض له فساد.
أمّا كيف تحقق فكرة الفارابي عن المدينة الفاضلة، وعلى أي وجه يحيا أهلها في ظل رئيس فاضل وسعادة شاملة، وماذا لهم وعليهم من حقوق وواجبات هي قوام الجماعة الكاملة، فكلّ أولئك هو ما نوضحه هنا:
ـ 3 ـ
مع أهل المدينة الفاضلة
إنّ الفارابي ليفصل الأمر في مواطن عدّة من كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) تفصيلاً نتبيّن خلاله أنّ للمدينة الفاضلة عنده رؤساء يختلفون في مراتبهم، ويتفاوتون في خدماتهم ولكنّهم على تفاوتهم واختلافهم في هذه أو في تلك يعدّون جميعاً من أهل الفضل والكمال في العلم والعمل، كما نتبيّن أنّ الرئيس الأعلى لهؤلاء الرؤساء، وقد امتاز عليهم جميعاً بخصائص بعضها فطري وبعضها الآخر كسبي وأعدّ بها لتدبير أهل المدينة في شؤون معاشهم وتبصيرهم بأمور معادهم يستطيع أن يصوغ نفوسهم وقلوبهم وعقولهم صياغة تقومها تقويماً سليماً وتكوّنها تكويناً مستقيماً، بحيث يجعل منهم مواطنين صالحين، بقدر ما يجعل ممّن دونه من الرؤساء حكاماً مصلحين، وحراساً عاملين على تحقيق المثل الأعلى في العلم والعمل تحقيقاً من شأنه أن تصير به نفوسهم وقلوبهم وعقولهم شبيهة بنفس الرئيس الأعلى وقلبه وعقله، فإذا أهل المدينة كلّهم من أكبر كبير إلى أصغر صغير حكماء كاملون وعلماء عاملون، ورؤساء مصلحون، ومرؤوسون صالحون، وإذا المدينة فاضلة بفضلهم وكاملة بكمالهم، لأنّها إنّما هي في حقيقة نشأتها قد قامت بهم وعليهم، وفي طبيعة حياتها قد استمدّت منهم واستعانت بهم.
وها هو ذا الفارابي يظهرنا على ما ينبغي أن يتحقّق في كلّ من أهل المدينة الفاضلة من أشياء مشتركة بينه وبين غيره من أهل مدينته من ناحية، ومن أشياء خاصّة بكلّ واحد من أهل المدينة على حدة من ناحية أخرى، تحقيقاً لكمال العلم والعمل الذي تحصل به السعادة الكاملة في حياة المدينة الفاضلة، وذلك إذ يرى أنّ لأهل المدينة الفاضلة أشياء مشتركة يعلمون بعضها ويفعلون بعضها الآخر، وأنّ لهم أشياء أخرى من علم وعمل تخصّ كلّ رتبة من رتبهم، وكلّ فرد من أفرادهم، وإنّ كلّ أولئك إنّما يصير به كلّ فرد من أفراد المدينة الفاضلة في كلّ رتبها المتكاملة، في حد السعادة على حد تعبير الفارابي نفسه. وأمّا كيف تحصل هذه السعادة الكاملة لأهل المدينة الفاضلة، فذلك ما بيّنه الفارابي الفيلسوف الصوفي صاحب المذهب العقلي والمنزع الروحي، في قوله:
«… فإذا فعل ذلك كلّ واحد منهم أكسبته أفعاله تلك، هيئة نفسانية جيدة فاضلة، كلّما داوم عليها أكثر، صارت هيئته تلك أقوى وأفضل، وتزايدت قوّتها وفضيلتها، كما أنّ المداومة على الأفعال الجيّدة من أفعال الكتابة تكسب الإنسان جودة صناعة الكتابة، وكلّما داوم على تلك الأفعال أكثر، صارت الصناعة التي بها تكون تلك الأفعال أقوى وأفضل، وتزيد قوّتها وفضيلتها بتكرير فعالها، ويكون الالتذاذ التابع لتلك الهيئة النفسانية أكثر، واغتباط الإنسان عليها نفسه أكبر، ومحبته لها أزيد وتلك حال الأفعال التي تقاس بها السعادة، فإنّها كلّما زيدت منها وتكررت، وواظب الإنسان عليها، صيرت النفس التي شأنها أن تستعيد، أقوى وأفضل وأكمل، إلى أن تصير من حدّ الكمال إلى أن تستغني عن المادة، فتحصل متبرئة منها، فلا تتلف بتلف المادة ولا إذا بقيت احتاجت إلى المادة…» (آراء أهل المدينة الفاضلة: ص93ـ94). وها هنا يدخل الفارابي في تفصيلات تتّصل بمذهبه في بقاء النفوس مجرّدة عن الأبدان وفي اتصال بعضها ببعض، والتذاذ بعضها ببعض، بعد هذه المفارقة، وما عساها أن تجد في هذا كلّه من سعادة قصوى وبهجة عظمى. على أنّ هذه التفصيلات في هذا المذهب ليست ممّا يعنينا أن نقف عنده بقدر ما يعنينا أن نقف عند أهل المدينة الفاضلة في حياتهم الفردية والاجتماعية، وما ينبغي أن يحققوه من مثل عليا في العلم والعمل، حتّى تتحقق بهم المدينة الفاضلة، وتتحقق لهم فيها السعادة الشاملة.
وإذا كان ذلك هو شأن أهل المدينة الفاضلة، وكانت تلك هي سبيلهم ونهايتهم إلى السعادة فليس كذلك الشأن ولا السبيل والنهاية مع أهل المدن التي ليست بفاضلة، والتي ينعتها الفارابي بنعوت مختلفة تجعل منها أصنافاً مختلفة، ولكنّها على اختلافها تشترك في صفات كلّها من قبيل النقص والفساد، ومآل أهلها أو بعضهم إلى الهلاك والشقاء: فهناك المدينة الجاهلية، والمدينة المبدلة، والمدينة الفاسقة، والمدينة الضالة، وهناك أيضاً مدينة اليسار، ومدينة الخسة والشقوة، ومدينة الكرامة، ومدينة التغلب، ومدينة الهوى: فكلّ أولئك مدن غير فاضلة يحصيها الفارابي، ويستقصي أسباب النقص فيها، ويبيّن وسائل أهلها في الحياة وغايتهم منها، ومبلغ قربهم من السعادة أو بعدهم عنها. فالمدينة الجاهلية مثلاً هي التي لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم، ولا يعرفون من الخيرات إلاّ بعض ما يظن أنّه خيرات في ظاهر أمره في الحياة كسلامة الأبدان واليسار والتمتع باللذات، وغير ذلك ممّا يزعمه أهل المدينة الجاهلية خيرات مؤدية لسعادات، والواقع أنّها شرور مولدة لشقاوات. وذا كانت المدينة الجاهلية هي بهذا النعت الصورة الجامعة لمعاني النقص والشر والفساد والشقاء التي تتمثّل في أنواع المدن غير الفاضلة الأخرى التي عددها الفارابي ونعت كلاً منها بنعت خاص يبيّن طبيعته وغايته على الوجه الآنف الذكر، فإنّ في أصناف هذه المدن غير الفاضلة وفيما سمّى به كلاً منها باسم، تفصيلاً لهذا المعنى الجامع من شأنه أن يبيّن لنا أنّ المدينة الجاهلية إنّما هي من المدن غير الفاضلة بمثابة الجنس من الأنواع، بمعنى أنّ المدن المبدلة والفاسقة والضالة، ومدن اليسار والخسة والشقوة والكرامة والتغلب والهوى، إنّما هي أنواع متعددة لجنس واحد هو المدينة الجاهلية التي تأخذ هذه الصورة أو تلك من صور هذه المدينة غير الفاضلة أو تلك، واجتماع معاني النقص والشر والفساد والشقاء التي تتمثل في أنواع المدن الجاهلية هو ما يقوله الفارابي عن أهل هذه المدن من أنّ: «أنفسهم تبقى غير مستكملة، بل هي محتاجة في قوامها إلى المادة ضرورة، إذ لم يرتسم فيها رسم حقيقة لشيء من المعقولات الأوّل أصلاً» (آراء أهل المدينة الفاضلة: ص98) ومناط التفرقة بين أهل هذه المدن الجاهلية وبين أهل المدينة الفاضلة هو ما يقوله الفارابي أيضاً من أنّ «أهل المدينة الفاضلة فإنّ الهيئات النفسانية التي اكتسبوها من آراء أسلافهم فهي تخلص أنفسهم من المادة والهيئات النفسانية الرديئة التي اكتسبوها من الأفعال الرذيلة» (آراء أهل المدينة الفاضلة 99).
والفارابي الفيلسوف الصوفي الروحي فيما يحصي ويستقصي من أصناف المدن فاضلة وغير فاضلة، وفيما يوازن بين ألوان الحياة الدنيوية والأخروية التي يحياها أهل كلّ من هذه المدن، لا يكاد ينفك عن مذهبه العقلي الروحي الذي طبع بطابعه حياته الشخصية وتأملاته العقلية وأذواقه الروحية، ولم يكن بد من أن تصطبغ بصبغته الروحية فلسفته الاجتماعية والسياسية، وذلك على الوجه الذي يتمثّل فيه ذلك الطابع العقلي والصوفي الروحي الإسلامي تمثّلاً واضحاً جلياً في رئيس المدينة الفاضلة، وفيما ينبغي أن يأخذ به نفسه وقلبه وعقله من خضوع لأوامر الشرع وأحكام العقل، خضوعاً يجعل منه رئيساً فاضلاً على الحقيقة، له من الكمالات الدينية والعقلية والأخلاقية والروحية ما ليس لغيره من أهل مدينته، وله من القدرة على صياغة النفوس والعقول والقلوب التي لأهل مدينته ما يمكنه من أن يجعل منه أشباهاً له، يحيون معه في ظل ظليل من التديّن والتخلق، ومن التأمّل والتحقق، حياة فاضلة في مدينة فاضلة، في عاجلة فاضلة، وتكتب لهم معه بما رقت به نفوسهم، ودقت به قلوبهم، حياة سعيدة في جنة عالية في آجلة خالدة.
ويعني هذا كلّه أنّ الحياة الدنيوية الفاضلة، والحياة الأخروية الكاملة لا تكون إحداهما أو كلتاهما إلاّ لمن تخلوا عن الرذائل وتحلوا بالفضائل، وخلصت نفوسهم وعقولهم وقلوبهم من غواش المادة، وذلك بما أحكموا من أصول الدين وقواعد الخلق ومبادئ العقل ومعاني الروح، فأولئك عند الفارابي هم الكاملون، أولئك عند الله هم الفائزون، وغيرهم ممّن لم يسلك سبيلهم هم الضالون الفاسقون الخاسرون، وهذا يعني أيضاً أنّه لا سعادة في الدنيا ولا في الآخرة إلاّ لأهل المدينة المتدينة، أمّا المدن الضالة أو المبدلة فالشقاء كلّ الشقاء لمن أضلّهم وبدل الأمر عليهم.
وإذا كان ذلك كذلك، فقد أظهر لنا الفارابي على أنّ أهل مدينته الفاضلة إنّما هم مثل أعلى في علمهم وحكمتهم، وفي خلقهم وحياتهم، وفي أذواقهم وأنظارهم وتأملاتهم: فهم في كلّ أعمالهم لا يصدرون إلاّ عن الخير، كما أنّهم في كلّ معارفهم لا يصدرون إلاّ عن الحق، مثلهم في هذا كمثل رئيسهم الذي أخص خصائصه التمسك بأحكام العقل، والتشبّث بأصول الشرع، والتعلّق بمبادئ الخلق. ولهذا نجد الفارابي يشترط في أهل المدينة الفاضلة أن يشتركوا جميعاً في العلم بأشياء لا بدّ لهم من العلم بها حتّى يفضلوا غيرهم وتفضّل بهم مدينتهم، ذلك بأنّ من شأن العلم بهذه الأشياء، أن يجعلهم حكماء فضلاء سعداء، بقدر ما يجعل الجهل بها من غيرهم من أهل المدن الأخرى سفهاء أدنياء أشقياء، فالسبب الأوّل، والأشياء المفارقة للمادة، والجواهر السماوية، والأجسام الطبيعية، وكون الإنسان، وكيف تحدث قوى النفس وكيف يفيض عليها العقل الفعّال من ضوئه وكيف يكون الوحي، والرئيس الأوّل والرؤساء الذين ينبغي أن يخلفوه إذا لم يكن موجوداً في وقت من الأوقات، والمدينة الفاضلة وأهلها، والسعادة التي تصير إليها أنفسهم والمدن المضادة، للمدينة الفاضلة وما تصير إليه أنفس أهلها بعد الموت… كلّ أولئك أشياء يشترك أهل المدينة الفاضلة في معرفتها، وهم في معرفتهم لها درجات بعضها فوق بعض: حكماء المدينة الفاضلة ويعرفونها ببراهين عقولهم وبصائر نفوسهم، وطائفة هي دون أولئك وهؤلاء، ويعرفون هذه الأشياء بمثالاتها التي تحاكيها، لا بحقائقها التي هي عليها، لأنّ أذهانهم لا تستطيع أن تدرك ما وراء المثالات والمحاكيات من الحقائق والمعقولات. هذا من الناحية النظرية، أمّا من الناحية العملية فلا بدّ من أن يصطنع أهل المدينة الفاضلة ما يطلق عليه الفارابي اسم الخشوع، وهو عنده مرآة التديّن في هذه المدينة التي يعني فيلسوفنا الصوفي بأن يقيمها على دعائم روحية بقدر ما يقيمها على دعائم عقلية. وهو يعني بالخشوع الإيمان بالله، وبأنّ للعالم إلهاً يدبره، وبأنّ الروحانيين مدبرون ومشرفون على جميع الأفعال، كما أنّه يعني به تعظيم الإله، والصلاة والتسبيح والتقديس له. فهذه كلّها أشياء إذا أقبل عليها الإنسان وفعلها، وانصرف عن كثير من الخيرات التي يشتاق إليها في هذه الحياة، وراض نفسه بتلك الأشياء، وواظب عليها، فهناك يعوض ويكافأ بخيرات عظيمة تتحقق له بعد الموت، وذلك على خلاف ما إذا لم يتمسك بشيء من هذه الأشياء التي تصرفه عن الخيرات الدنيا وتجلب له الخيرات العليا، فإذا عندئذ يعاقب بعد موته بشرور عظيمة تلحقه في حياته الآخرة.
وهكذا يتصوّر الفارابي أهل المدينة الفاضلة، ويصوّرهم في هذه الصورة المثالية التي تمثّلهم قوماً متعلقين متأملين، ومتدينين متخلقين، لا يحيون لدنياهم وحدها، وإنّما يحيون لها ولأخراهم أيضاً، ويجعلون من حياتهم في الدنيا زاداً لحياتهم في الأخرى، وتلك لعمري هي أكمل صورة لأفضل حياة في خير أمّة. ولو قد حاول كلّ فرد من أفراد المدينة الواحدة، وكلّ مدينة من المدن المختلفة، أن يحقق هذه المبادئ العقلية والدينية والأخلاقية والروحية، في الحياة الفردية والاجتماعية، لنعمت الإنسانية كلّها بحياة قوامها الحق والخير والسعادة، وغايتها الأمن والفوز والنجاة.
محمد مصطفى حلمي
الآراء والديانات (كتاب)
مرّ الحديث عنه في المجلد الثاني. وهنا تعريف بالمؤلف:
أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي.
توفي سنة 310.
ذكره الشيخ في رجاله فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام) فقال: الحسن بن موسى النوبختي ابن أخت أبي سهل أبو محمد: متكلم ثقة. وفي الفهرست: الحسن بن موسى النوبختي يكنى أبا محمد متكلم فيلسوف وكان يجتمع إليه جماعة من نقلة كتب الفلسفة مثل أبي عثمان الدمشقي وإسحاق بن ثابت وغيرهم وكان إمامياً حسن الاعتقاد ونسخ بخطّه شيئاً كثيراً وله مصنّفات كثيرة في الكلام والفلسفة وغيرهما، وذكرها. وقال النجاشي: الحسن بن موسى أبو محمد النوبختي: شيخنا المتكلم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلثمائة وبعدها. له على الأوائل كتب كثيرة. وفي معالم ابن شهراشوب: الحسن بن موسى النوبختي فيلسوف ماهر. وفي الخلاصة: متكلم فيلسوف وكان إمامياً حسن الاعتقاد ثقة شيخنا المتكلم. وذكره ابن النديم في فهرسته في متكلمي الشيعة، فقال: متكلم فيلسوف كان يجتمع إليه جماعة من النقلة لكتب الفلسفة مثل أبي عثمان الدمشقي وإسحاق وثابت (وإسحاق بن ثابت) وغيرهم وكانت المعتزلة تدعيه والشيعة تدعيه ولكنّه إلى حيز الشيعة. لأنّ آل نوبخت معروفون بولاية علي وولده (عليهم السلام). قال: وكان جماعاً للكتب قد نسخ بخطّه شيئاً كثيراً وله مصنّفات وتأليفات في الكلام والفلسفة وغيرها. وفي كتاب الشيعة وفنون الإسلام: الفيلسوف المبرز على نظرائه. وفي لسان الميزان: الحسن بن موسى النوبختي أبو محمد من متكلمي الإمامية وله تصانيف كثيرة جداً وذكره الطوسي في رجال الإمامية.
مؤلفاته
ما ذكره ابن النديم والنجاشي معاً منها:
قال ابن النديم له من الكتب:
1 ـ الآراء والديانات ولم يتمه. وقال النجاشي: كتاب كبير حسن يحتوي على علوم كثيرة وقرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبدالله رحمه الله (يعني المفيد). وفي الذريعة قد نقل ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المتوفى سنة 597 في كتابه تلبيس إبليس المطبوع عن الآراء والديانات هذا كثيراً. ويظهر من تاريخ وفاته المتقدّم أنّ كتابه هذا أوّل كتاب ألّف في ذلك لأنّ كلّ من صنّف في ذلك فهو متأخّر عنه كأبي منصور عبد القادر بن طاهر البغدادي المتوفى (429) وأبي بكر الباقلاني المتوفى (403) وابن حزم المتوفى (459) وابن فورك الأصفهاني المتوفى (451) والشهرستاني المتوفى (448).
2 ـ الرد على أصحاب التناسخ.
3 ـ التوحيد الكبير.
4 ـ التوحيد الصغير، كذا قال النجاشي واقتصر ابن النديم على التوحيد وحدوث العالم، وكذلك ابن شهراشوب في المعالم.
5 ـ الإمامة، ولم يتمه.
6 ـ نقض كتاب أبي عيسى في الغريب المشرقي. وفي الفهرست والمعالم: القريب بدل الغريب. وقال النجاشي: الرد على أهل التعجيز، وهو نقض كتاب أبي عيسى الوراق.
ما انفرد ابن النديم بذكره
7 ـ اختصار الكون والفساد لأرسطاليس
8 ـ الاحتجاج لعمر بن عباد ونصرة مذهبه، وذكر الشيخ في الفهرست مصنّفاته كما ذكرها ابن النديم إلاّ أنّه قال: الردّ على أصحاب التناسخ والغلاة. وكذلك قال ابن شهراشوب في المعالم.
ما انفرد النجاشي بذكره
9 ـ كتاب فرق الشيعة. ويسمّى الفرق والمقالات. وفي مستدركات الوسائل: قد اعتمد عليه جلّ من كتب في هذا الفن واعتمد عليه الشيخ المفيد في كتاب العيون والمحاسن.
10 ـ كتاب الرد على فرق الشيعة ما خلا الإمامية.
11 ـ كتاب الموضح في حروب أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي المعالم: الواضح في الخارجين على أمير المؤنين (عليه السلام) في الحروب الثلاثة. ويأتي أنّ صاحب كشف الظنون مزج اسمه مع الأنساب فقال: الأنساب الموضح وظني أنّه اشتباه.
12 ـ كتاب الخصوص والعموم.
13 ـ كتاب الأرزاق والآجال والأسعار.
14 ـ كتاب كبير في الجزء.
15- مختصر الكلام في الجزء.
16 ـ الرد على المنجمين.
17 ـ الرد على أبي علي الجبائي في ردّه على المنجمين.
18 ـ النكتب على ابن الرواندي.
19 ـ الرد على من أكثر المنازلة.
20 ـ الرد على أبي الهذيل العلاف في أنّ نعيم أهل الجنة منقطع.
21 ـ الرد على الواقفة.
22- الرد على أهل المنطق.
23 ـ الرد على ثابت بن قرة.
24 ـ الرد على يحيء بن أصفح في الإمامة.
25 ـ جواباته لأبي جعفر بن قبة.
26 ـ جوابات أخرى لأبي جعفر أيضاً.
27 ـ شرح مجالسه مع أبي عبدالله بن مملك.
28 ـ حجج طبيعية مستخرجة من كتب أرسطاليس في الرد على من زعم أنّ الفلك حي ناطق.
29 ـ المرايا وجهة الرؤية فيها.
30 ـ خبر الواحد والعمل به.
31 ـ الاستطاعة على مذهب هشام وكان يقول به([513]).
32 ـ الرد على من قال بالرؤية للباري عزّ وجلّ.
33 ـ الاعتبار والتمييز والانتصار.
34 ـ النقض على أبي الهذيل في المعرفة.
35 ـ الحجج في الإمامة مختصر.
36 ـ النقض على جعفر بن حرب في الإمامية.
37 ـ مجالسه مع أبي القاسم البجلي.
38 ـ التنزيه وذكر متشابه القرآن.
39 ـ الرد على أصحاب المنزلة بين المنزلتين في الوعيد.
40 ـ الرد على المجسمة.
41 ـ الرد على الغلاة.
42 ـ مسائله للجبائي في مسائل شتى (انتهى ما ذكره النجاشي).
43 ـ الرصد على بطليموس كما عن السيد ابن طاوس في فرج الهموم أنّ نسخته كانت عنده. والرصد وإن كان في العرف عبارة عن آلات ترصد بها الكواكب وليس كتاباً إلاّ أنّ هذا الرصد يدل كلام ابن طاوس على أنّه كتاب ولعله ذكر فيه ما يستفاد من الرصد من أحوال الكواكب.
44 ـ نقض كتاب العثمانية للجاحظ.
45 ـ نقض إمامة المروانية له.
46 ـ نقض مسائل العثمانية له. وهذه الثلاثة ذكرها المسعودي في مروج الذهب فإنّه بعد ذكر كتاب الجاحظ المترجم بكتاب العثمانية وكتاب إمامة المروانية وكتاب مسائل العثمانية قال وقد نقضت عليه ما ذكرنا من كتبه ككتاب العثمانية وغيره وقد نقضها جماعة من متكلمي الشيعة كأبي عيسى الوراق والحسن بن موسى النوبختي. وغيرهما من الشيعة.
بعض ما حكي عن كتاب الآراء والديانات
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: إنّ الحسن ابن موسى النوبختي وهو من فضلاء الشيعة قد نقل عن هشام بن الحكم التجسيم في كتاب الآراء والديانات وقال قبل ذلك والمتعصبون لهشام بن الحكم من الشيعة في وقتنا هذا يزعمون أنّه لم يقل بالتجسيم المعنوي وإنّما قال: إنّه جسم لا كالأجسام على معنى أنّه بخلاف العرض الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل كما كان يقوله قدماء رجال الشيعة ونفوا عنه معنى الجسمية وإنّما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنّه شيء لا كالأشياء وذات لا كالذوات فأمرهم سهل لأنّ خلافهم في العبارة. وقال أيضاً: حكى الحسن بن موسى النوبختي عن أهل الرواق من الفلاسفة أنّ الجوهر الإلهي سبحانه روح ناري عقلي ليس له صورة لكنّه قادر على أن يتصوّر بأي صورة شاء ويتشبه بالكل وينفذ في الكل بذاته وقوله: لا بعلمه وتدبيره. وقال المسعودي في مروج الذهب: ولقد رأيت أبا القاسم البلخي ذكر في كتاب عيون المسائل والجوابات وكذلك الحسن بن موسى النوبختي في كتابه المترجم بالآراء والديانات مذاهب الهند وآراءهم والعلة التي من أجلها أحرقوا أنفسهم في النيران وقطعوا أجسامهم بأنواع العذاب فما تعرّضنا لشيء ممّا ذكراه.
الآل (كتاب)
مرّ الحديث عنه في المجلد الثاني. وهنا تعريف بمؤلفه:
الحسين بن أحمد بن خالَوَيْه بن حمدان
توفي بحلب في خدمة بني حمدان سنة 370هـ. قاله ياقوت وابن خلكان وابن النديم. وفي لسان الميزان مات بحلب سنة 371 وقيل في التي قبلها.
خالويه: بخاء معجمة ولام وواو مفتوحتين ومثناة تحتية ساكنة وهاء لفظ غير عربي، أصله من مدينة همذان (إيران)، ثمّ دخل بغداد وأقام فيها ثمّ استوطن حلب إلى أن مات بها.
قال في اليتيمة: أبو عبدالله الحسين بن خالويه أصله من همذان ولكن استوطن حلب وصار بها أحد أفراد الدهر في كلّ قسم من أقسام الأدب والعلم وكانت إليه الرحلة من الآفاق. وآل حمدان يكرّمونه ويدرسون عليه ويتقبسون منه.
وفي معجم الأدباء: الحسين بن أحمد بن خالويه ابن حمدان أبو عبدالله اللغوي النحوي، من كبار أهل اللغة والعربية أصله من همذان ودخل بغداد طالباً العلم سنة 314 فلقي فيها أكابر العلماء وأخذ عنهم فقرأ القرآن على الإمام ابن مجاهد وأخذ النحو والأدب عن أكابر العلماء ببغداد وانتقل إلى حلب واستوطنها وتقدّم في العلوم حتّى كان أحد أفراد عصره وكانت الرحلة إليه من الآفاق واختصّ بسيف الدولة ابن حمدان وبنيه. وقرأ عليه آل حمدان وكانوا يجلونه ويكرمونه فانتشر علمه وفضله وذاع صيته. وحسبك بسعة اطلاعه في اللغة أنّه ألّف كتاب (ليس في كلام العرب) وكم يحتاج إلى اطلاع واسع من يريد أن يحكم على لغة العرب أنّه ليس فيها كذا وليس فيها كذا. ولمّا سأل سيف الدولة جلساءه من العلماء عن اسم ممدود جمعه مقصور لم يعرفوه وعرفه هو وحصره في اسمين كما يأتي:
وفي التعليقة: ومع ذلك كان عالماً بالروايات ومن رواتها بل ومن مشايخها ومن مشايخ النجاشي.
قال ابن مكتوم: كان ابن خلويه على إمامته في اللغة ضعيفاً في النحو وعلّله ضعيفاً في التصريف وله في ذلك مع أبي علي الفارسي وتلميذه أبي الفتح ابن جني حكايات معروفة ولأبي علي الفارسي في تغليطه كتاب نقض الهادور. ثمّ قال: وأنت إذا وقفت على ضعفه في العربية وقفت على سر الحكاية المشهورة عنه وأنّها ليست من هضم النفس في شيء وهي قوله: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو ما تعلمت ما أقيم به لساني. وضعفه في العربية لم يقم عليه شاهد. والحكاية المشار إليها لا تخرج عن هضم النفس أو بيان سعة العربية وتوهمه أنّ أشجاه فعل ماض في حكايته مع المتنبي الآتية لا تدل على ضعفه في العربية فالضعف فيها يكون بجهل بعض أحكامها لا بالاشتباه في كلمة الذي لا يرتبط بذلك. وفي نزهة الألباء كان من كبار أهل اللغة ولم يكن في النحو بذاك. وفي فهرست ابن النديم: خلط المذهبين أي مذهب الكوفيين والبصريين في النحو.
كان معاصراً للزجاج النحوي وأبي علي الفارسي. وعن ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد: كان أحد أفراد الدهر في العلوم والأدب وكان إليه الرحلة من الآفاق.
وفي لسان الميزان كان يُقال له: ذو النونين لأنّه كان يكتب في آخر كتبه الحسن بن خالويه فيطول النونين: نون الحسن ونون ابن.
وهناك ابن خالويه آخر. وهو علي بن محمد بن يوسف بن مهجور أبو الحسن الفارسي المعروف بابن خالويه ذكره النجاشي. وفي الرياض: كانا متعاصرين.
قال ياقوت: روي أنّ رجلاً جاء إلى ابن خالويه وقال له: أريد أن أتعلم من العربية ما أقيّم به لساني فقال: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو فما تعلمت ما أقيّم به لساني.
وفي معجم الأدباء دخل يوماً على سيف الدولة فلمّا مثل بين يديه قال له: اقعد ولم يقل اجلس. قال ابن خالويه: فعلمت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب واطلاعه على أسرار كلام العرب. قال ياقوت: قال ابن خالويه هذا لأنّه يُقال للقائم اقعد وللنائم والساجد اجلس. قال ابن خلكان علّله بعضهم بأنّ القعود هو الانتقال من العلو إلى السفل ولهذا قيل لمن أصيب برجليه مقعد والجلوس هو الانتقال من السفل إلى العلو. ولهذا قيل لنجد: جلساء، لارتفاعها وقيل لمن أتاها جالس وقد جلس ومنه قول مروان بن الحكم لما كان والياً بالمدينة يخاطب الفرزدق:
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها
إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
أي اقصد الجلساء وهي نجد. قال ياقوت ذكر ابن خالويه في أماليه أنّ سيف الدولة سأل جماعة من العلماء بحضرته ذات ليلة هل تعرفون اسماً ممدوداً وجمعه مقصور فقالوا: لا فقال لي: ما تقول أنت؟ قلت: أنا أعرف اسمين. قال: ما هما؟ قلت: لا أقول لك إلاّ بألف درهم لئلا تؤخذ بلا شكر، وهي: صحراء وصحارى وعذراء وعذارى. وعن تاريخ حلب لابن النديم أنّه قال بعد نقل الحكاية: فلمّا كان بعد شهر أصبت حرفين آخرين ذكرهما الجرقي في كتاب التنبيه وهما صلفاء وصلافى، الأرض الغليظة، وخبراء وخبارى، وهي أرض فيها ندوة. ثمّ بعد عشرين سنة وجدت حرفاً خامساً ذكره ابن دريد في الجمهورة وهي سبتاء وسباتى وهي الأرض الخشنة.
واجتمع المتنبي وابن خالويه في مجالس وتماريا في أشجع السلمي وأبي نواس أيهما أشعر. ففضل ابن خالويه أشجع لقوله في الرشيد:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد
رصدان ضوء الصبح والأظلام
فإذا تنبّه رعته وإذا غفا
سلت عليه سيوفك الأحلام
وفضّل المتنبي أبو نواس لقوله في بني برمك:
لم يظلم الدهر إذ توالت
فيهم مصيباته دراكا
كانوا يجيرون من يعادي
منهم فعاداهم لذاكا
وأنّهما اجتمعا في مجلس بحضرة سيف الدولة وتناظر ابن خالويه اللغوي مع أبي الطيب اللغوي في ذلك المجلس فقوى المتنبي حجة أبي الطيب اللغوي وضعف قول ابن خلويه فأخرج ابن خالويه من كمّه مفتاحاً حديداً ليلكم به المتنبي. فقال له المتنبي: اسكت ويحك فإنّك أعجمي وأصلك خوزي فما لك وللعربية فضرب وجه المتنبي بذلك المفتاح فأسال دمه، فغضب المتنبي إذ لم ينتصر له سيف الدولة. وكان ذلك أحد أسباب فراقه سيف الدولة. ويبدو أنّ ما في صدر القصة من أنّ ابن خالويه أراد لكمه بالمفتاح لمجرد انتصاره لأبي الطيب اللغوي بعيد فلا بد أن يكون أساء القول في ابن خالويه حتّى أهاج غضبه وأخرج المفتاح ليضربه ولعلّه من سنخ قوله: إنّك أعجمي وأصلك خوزي. وفي لسان الميزان: أنّه قال له في مجلس سيف الدولة لولا أنّك جاهل ما رضيت أن تدعى المتنبي، ومعنى المتنبي: كاذب، والعاقل لا يرضى أن يدعى الكاذب فأجابه بأنّي لا أرضى بهذا ولا أقدر على دفع من يدعوني به. واستمرّت بينهما المشاجرة إلى أن غضب ابن خالويه فضربه بمفتاح، فخرج من حلب إلى مصر. وهذا يؤيد أنّ غضبه وضربه لم يكن لمجرد انتصاره لأبي الطيب اللغوي. وفي كتاب الفلاكة والمفلوكين: يحكى أنّ أبا الطيب لمّا أنشد سيف الدولة ابن حمدان قوله: (وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه). قال له ابن خالويه إنّما يقال: شجاه لا أشجاه. توهمه فعلاً ماضياً فقال له المتنبي: اسكت فما وصل الأمر إليك.
وفي نزهة الألباء: يحكى أنّه اجتمع هو وأبو علي الفارسي فجرى بينهما كلام فقال لأبي علي نتكلم في كتاب سيبويه فقال له أبو علي: بل نتكلم في الفصيح. كأنّه يشير بذلك إلى أنّه ضعيف في النحو قوي في اللغة قال: ويحكى أنّه قال لأبي علي كم للسيف اسماً. قال: اسم واحد فقال له ابن خالويه: بل له أسماء كثيرة وأخذ يعدّها نحو الحسام والمخذم والقضيب والمقضب فقال له أبو علي: هذه كلّها صفات.
وفي معجم الأدباء أنّه قرأ القرآن في بغداد على أبي بكر بن مجاهد والنحو والأدب على أبي بكر بن دريد وأبي بكر بن الأنباري ونفطويه وأخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد وسمع من محمد بن مخلد العطار وغيره وقرأ على أبي سعيد السيرافي. وفي فهرست ابن النديم قرأ على أبي سعيد السيرافي وخلط المذهبين وزاد في لسان الميزان أنّه سمع على أبي العباس بن عقدة وغيره.
من مؤلفاته:
1 ـ كتاب الأسد قال ياقوت: ذكر له فيه خمسمائة اسم.
2 ـ إعراب ثلاثين سوة من القرآن الكريم، منه نسخة في المتحف البريطاني وأخرى في آيا صوفيا. وفي الرياض أنّ اسمه الطارقية في إعراب سورة الطارق إلى آخر القرآن قال: وقد رأيت نسخة عتيقة منه في بلدة أردبيل تاريخ كتابتها سنة 561هـ وهو كتاب حسن الفوائد. قال في أوّله: قد ذكرت فيه إعراب ثلاثين سورة من المفصل وشرح أصول كلّ حرف وتلخيص فروعه وذكر غريب ما أشكل منه مع تبيين مصادره وتثنيته وجمعه ليكون معونة على جميع ما يرد عليك من إعراب القرآن إن شاء الله تعالى. قال: وعندنا منه نسخة أيضاَ عتيقة جداً لكن فيها إعراب الاستعاذة والبسملة وسورة الحمد وبعدها من سورة والطارق إلى آخر القرآن.
3 ـ كتاب القراءات كما قال ابن النديم وابن خلكان والسيوطي أو البديع في القراءات كما قال ياقوت أو كتاب مستحسن القراءات والشواذ كما قال النجاشي.
4 ـ السبع: في القراءات السبع. ذكره صاحب الروضات بعدما ذكر كتاب القراءات وقال: وهو غير كتابه الذي سمّاه السبع في القراءات السبع. كأنّ المراد به شرحه على كتاب القراءات السبع لابن مجاهد أحمد ابن موسى البغدادي المقري كما في كشف الظنون.
5 ـ اشتقاق خالويه ذكره ياقوت وكأنّ المراد به أنّ اشتقاق لفظ خالويه من أي شيء هو.
6 ـ الاشتقاق ذكره ياقوت أيضاً وابن النديم وكأن المراد به الاشتقاق الذي يذكره الصرفيون.
7 ـ اشتقاق الشهور والأيام. ذكره النجاشي، وكأن المراد به أنّ أسماء الشهور والأيام من أي شيء هي مشتقة.
8 ـ الجمل في النحو.
9 ـ كتاب (ليس) مطبوع، يقول فيه: ليس في كلام العرب كذا إلاّ كذا. قال ياقوت: وهو كتاب نفيس. وقال ابن خلكان: وهو يدل على اطلاع عظيم، وقال ابن الأنباري: وهو كتاب نفيس في اللغة.
10 ـ المقصور والممدود.
11 ـ المذكر والمؤنث.
12 ـ شرح مقصورة ابن دريد. توجد نسخة منه في مكتبة آل المغربي بدمشق وتوجد منه نسخة في الخزانة الغروية عليها إجازة المصنف بخطّه للشيخ أبي الحسن محمد بن عبدالله الشاعر الشهير بالسلامي المولود في كرخ بغداد سنة 336 والمتوفى بها سنة 393 وعليها أيضاً إجازة سلامة بن محمد بن حرب لمحمد بن عبيدالله العجمي سنة 375 وعلى ظهرها ما صورته:
هذا ما وقفه السيد المعظم صدر الدين بن محمد ابن السيد شرف الدين بن محمود بن الحسن بن خليفة الآوي وهو وقف عن عمّه السيّد السعيد أحمد بن الحسن بن علي بن خليفة بموجب وصية صدرت عنه على الحضرة الشريفة الغروية وأن لا يخرج منها إلاّ برهن يحفظ القيمة وكتب في رجب سنة 775.
13 ـ الألقاب كما في معجم الأدباء وكشف الظنون، والألفات كما في فهرست ابن النديم وبغية الوعاة وابن خلكان ولا شك أنّه صحف أحدهما بالآخر.
14 ـ كتاب الآل.
15 ـ شرح ديوان أبي فراس. فيه فوائد جمّة تتعلق بأخبار أبي فراس خصوصاً وآل حمدان عموماً.
16 ـ تصنيف في الفراسة ذكره ياقوت.
17 ـ شرح الأسماء الحسنى. في الرياض: صرح به في كتاب الطارقية.
18 ـ كتاب المبتدى. ذكره ابن النديم.
ومن شعره قوله كما في معجم الأدباء:
الجود طبعي ولكن ليس لي مال
فكيف يبذل من بالقرض يحتال
فهاك خطي فخذه اليوم تذكرة
إلى اتساعي فلي في الغيب آمال
وقوله:
إذا لم يكن صدر المجالس سيداً
فلا خير فيمن صدرته المجالس
وكم قائل ما لي رأيتك راجلاً
فقلت له من أجل أنّك فارس
وقوله:
أيا سائلي عن قدر محبوبي الذي
كلفت به وجدا وهمت غراما
أبى قصر الأغصان ثم رأى القنا
طوالاً فأضحى بين ذاك قواما
ومن شعره في وصف برد همذان:
إذا همذان اعتادها القر وانقضى
برغمك أيلول وأنت مقيم
فعينك عمشاء وأنفك سائل
ووجهك مسود البياض بهيم
وأنت أسير البرد تمشي بعلة
على السيف تحبو مرّة وتقوم
بلاد إذا ما الصيف أقبل جنة
ولكنّها عند الشتاء جحيم
آل أبي شعبة
مرّت كلمة موجزة عنهم في المجلد الثاني، ونذكرهم هنا بنص موسع:
آل أبي شعبة من علماء الشيعة القدماء لهم فضل الصحبة بأئمة أهل البيت الذين عاصروهم من القرن الأوّل إلى القرن الثالث منسوبون إلى حلب. وأبو شعبة مولى بني تيم الله بن ثعلبة أو مولى بني عجل في رواية أُخرى وسبب نسبتهم إلى حلب ذكره غير واحد من علماء الرجال الشيعة. قال أبو العباس أحمد بن علي النجاشي([514]) في ترجمة عبيدالله بن علي بن أبي شعبة([515]):
«أبو علي كوفي كان يتجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب فغلبت عليهم النسبة إلى حلب. وآل أبي شعبة بالكوفة بيت مذكور في أصحابنا. روى جدّهم أبو شعبة عن الحسن والحسين (عليهم السلام). وكانوا جميعهم ثقات مرجوعاً إليهم في ما يقولون».
وأورد ذلك بالحرف الواحد الميرزا محمد الإسترابادي([516]) في الجزء الثاني من كتابه منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال([517]) وإليك التعريف بأسماء رجالهم المعروفين:
1 ـ أبو شعبة الحلبي هو الجد الأعلى الذي تحدر منه أولئك الرجال وعنه تسلسلوا وإليه انتسبوا.
وقد روى عن الحسن والحسين (عليهما السلام).
2 ـ ولده الأوّل علي، قال الإسترابادي في منهج المقال: علي بن أبي شعبة ثقة وفي (النجاشي) و(الكشي) ما تقدّم في ابن ابنه أحمد بن عمر([518]).
3 ـ ولده الثاني عمر قال الإسترابادي: عمر بن أبي شعبة الحلبي من أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام).
4 ـ أحمد بن عمر الحلبي قال النجاشي: (أحمد ابن عمر بن أبي شعبة الحلبي ثقة روى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وعن أبيه من قبل وهو ابن عم عبيدالله وعبد الأعلى وعمران ومحمد الحلبيين. روى أبوهم عن أبي عبدالله (عليه السلام). وكانوا ثقات. لأحمد كتاب يرويه عنه جماعة إلخ).
وذكره الكشي في رجاله وأورد خبراً له عن الرضا (عليه السلام) ونقل الإسترابادي في منهج المقال ما جاء في كتابي الكشي والنجاشي برمته واستظهر من الرواية التي ذكرها الكشي أنّه روى عن الرضا وأبي جعفر الجواد (عليهم السلام).
5 ـ عبيدالله بن علي بن أبي شعبة الحلبي.
قال النجاشي: (عبيدالله بن علي بن أبي شعبة الحلبي مولى بني تيم اللات بن ثعلبة إلى أن قال: (وكان عبيدالله كبيرهم ووجيههم. وصنّف الكتاب المنسوب إليه. وعرضه على أبي عبدالله (عليه السلام) وصححه. قال عند قراءته أترى لهؤلاء مثل هذا. والنسخ مختلفة الأوائل والتفاوت فيها قريب. وقد روى هذا الكتاب خلق من أصحابنا عن عبيدالله والطرق إليه كثيرة إلخ).
وذكره الإسترابادي في منهجه ونقل أقوال علماء الرجال فيه ومنهم العلاّمة الحلي في خلاصته وعقب روايته عرض كتابه على أبي جعفر (عليه السلام) بقوله وهو أوّل كتاب صنّفه الشيعة ومنهم البرقي قال في حقّه: (كوفي وكان متجره إلى حلب فغلب عليه هذا اللقب، مولى ثقة صحيح له كتاب وهو أوّل صنفه الشيعة)([519]).
6 ـ أخوه محمد بن علي بن أبي شعبة.
قال النجاشي في رجاله: (محمد بن علي بن أبي شعبة. الحلبي أبو جعفر وجه أصحابنا وفقيههم والثقة الذي لا يطعن عليه هو وإخوته عبيدالله وعمران وعبد الأعلى له كتاب التفسير، قال وله كتاب مبوب في الحلال والحرام.
وجاء نحو هذا في الفهرست والخلاصة وهو من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام).
7 ـ أخوه عبد الأعلى بن علي بن أبي شعبة.
قال الإسترابادي: (عبد الأعلى بن علي بن أبي شعبة أخو محمد بن علي الحلبي ثقة لا يطعن عليه).
وقد مرّ ما أورده النجاشي فيه وفي إخوته في أخيه محمد.
8 ـ عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي.
تقدّم ذكر النجاشي له مع إخوته في أخيه محمد وأمّا الإسترابادي فقد قال في حقّه (ثقة: لا يطعن عليه. وكنيته أبو الفضل) وفي (أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)) عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي الكوفي.
9 ـ ولده أحمد قال الإسترابادي في منهج المقال: (أحمد بن عمران الحلبي ذكره في رجال الباقر (عليه السلام) ويحتمل أن يكون نشأ من الكنية بأبي جعفر (عليه السلام) فإنّ المعروف من عمران الحلبي أنّه من رجال الصادق (عليه السلام).
10 ـ يحيى بن عمران بن علي بن أبي شعبة قال النجاشي: «يحيى بن عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهم السلام). ثقة صحيح الحديث له كتاب يرويه جماعة».
وذُكر في أصحاب الصادق، والشيخ والإسترابادي ذكراه في كتابيهما الفهرست ومنهج المقال.
سليمان ضاهر
الأَبُلَّة
مرّ الحديث عنها في مكانه وننشر عنها هنا ما يلي:
ممّا قيل في الأبلة من الشعر قول أبي القاسم علي ابن محمد المعروف بالقاضي التنوخي:
أَحْبِتب إليَّ بنهر مَعْقِلٍ الذي
فيه لقلبي من همومي مَعْقِلُ
عذبٌ إذا ما عَبَّ فيه ناهلٌ
فكأنّه في ريق حِبٍّ ينهل
متسلسل وكأنّه لصفائه
دمعٌ بخدَّيْ كاعبٍ يتسلسل
وإذا الرياحُ جَرَيْنَ فوق مُتُونه
فكأنّه دَرْعٌ جَلاها صَيْقَلُ
وكأنْ دجلَةَ إذا تغطمط مَوْجها
ملك يُعَظَّم خيفةً ويُبَجَّل
وكأنّها ياقوتة أو أعين
زرق يلائم بينها ويوصل
عذبت فما تدري أماء ماؤها
عند المذاقة أم رحيق سلسل
ولها بمدٍّ بعد جَزْر ذاهباً
جيشان يدبِرُ ذا وهذا يُقبل
وإذا نظرت إلى الأبُلَّةِ خِلْتَها
من جنة الفردوس حين تُخَيَّلُ
كم منزلٍ في نهرها آل السرو
ر بأنّه في غيره لا يَنْزِلُ
وكأنّما تلك القصورُ عرائسٌ
والروض فيه حلي خودِ ترَفُلُ
غَنَّتْ قِيانُ الطيرِ في أرجائها
هزَجا يَقِلُّ له الثقيلُ الأولُ
وتعانقت تلك الغصونُ فأدركت
يومَ الوداع وعِيرُهم تترحل
رَبَعَ الربيعُ به فحاكتْ كَفُّهُ
حُلَلاً بها عُقَدُ الهموم يُحلّلُ
فمدبّجٌ وموشَّحٌ ومُدَنَّر
ومُعَمَّدٌ ومُحَبَّرٌ ومهلَّلُ
فتخال ذا عيناً، وذا ثغراً، وذا
خدّاً، يُعَضَّضُ مرةً ويُقَبّل
إصلاح المنطق
كتاب لابن السكيت اختصره أبو القاسم الحسين بن علي المشهور بالوزير المغربي([520]*).
وللوزير المغربي أبي القاسم الحسين بن عليّ دور كبير في العلم والأدب والسياسة: في العلم بما خلفه من مؤلفات مثل أدب الخواصّ والإيناس وغيرهما من مؤلفات لم تصلنا، وفي الأدب بديوان شعر رآه ابن العديم بخطّه كما رآه ابن خلكان، وديوان رسائل، وفي السياسة بمحاولته الثورة، وفي التنقل من وزارة إلى أخرى في المناطق العراقية، حتّى ليوصف بأنّه أحد دهاة العالم. وإنّك لتعجب بهذا العالم الذي بلغ حدّاً متميزاً في الدقة العلمية وسعة الاطلاع، كما تعجب بالشاعر الرقيق والناثر اللبق، ولكنّك قد تتردّد في الإعجاب بذلك الرجل المغامر الذي خاض دنيا السياسة والمكايد والحروب بذكاء فذّ. وقد تحسُّ أنّ ذلك كلّه كان ذا جور على دوره العلمي والأدبي، ومع ذلك فإنّه كان مدفوعاً إلى ذلك بقوّة الظروف التي عاش في ظلّها.
ومنذ أنّ تعرّفت إلى علاقته بأبي العلاء المعري أثناء عملي المستمر في بعض آثار أبي العلاء، حاولت أن أكتشف طبيعة تلك العلاقة، وذلك التقدير الذي كان المعري يحمله للوزير. لقد وحدت بينهما المعرة ـ وحلب ـ في النشأة، ولكن ذلك لا يكفي لتفسير علاقة ظلّت مستمرة طوال العمر. وقد أدهشني حقاً أن يرثيه أبو العلاء في اللزوميات، وهو كتاب متميز بالتأملات الفكرية، جاء بعد عهد المدح والرثاء اللذين يمثلهما سقط الزند.
وقد كتبت كتابي في دراسة عبد الحميد الكاتب، وحين درست الوزير المغربي وجدتني أدرس علماً كبيراً من أعلام النثر، ذا علاقة معنوية ومادية بعبد الحميد، فالعلاقة المعنوية هي إعجابه بشيخ الكتاب ومقدمهم، حتّى سمّى ابنه عبد الحميد وكناه أبا يحيى، والعلاقة المادية هي أنّه حلقة في السلسلة النضرة في تاريخ النثر الفني، تلك السلسلة التي بدأت أولى حلقاتها بعبد الحميد.
هذا هو الوزير المغربي «صانع» الملوك والدول.
ولم يكن من أهل المغرب، وإن أوحت هذه النسبة بذلك، بل كان مشرقياً بعيد الجذور في الانتماء المشرقي، وإنّما نسب إلى المغرب لأنّ أحد أجداده (وهو علي بن محمد في سلسلة النسب) كان مسؤولاً في بغداد عمّا يعرف بديوان المغرب، وقد تردَّدَ ابنُ خلكان في قبولِ هذه الرواية لأنّ الوزير المغربي قال في كتابه «أدب الخواص» حين ذكر المتنبي «وأخواننا المغاربة يسمّونه المتنبه…» ومن ثمّ استنتج ابن خلكان لقوله «إخواننا» أنّه مغربي حقيقة. ولم يكن لهذا التردد أيّة ضرورة، فإنّ ابن خلكان لو اطّلع على إحدى رسائل الوزير لدفع الشك باليقين، فالرجل صريح في تفسير هذه النسبة إذ يقول «وكان جد أبي وهو أبو الحسن علي ابن محمد يخلف على ديوان المغرب فنسب به إلى المغربي».
ولد في حلب سنة 370 ثمّ انتقل مع أبيه إلى مصر بعد خطوب وحروب وأحداث لا تعنينا هنا.
وقد وصل أبوه إلى مصر في جمادى الأولى سنة 381 وإذن كان عمر الحسين حين انتقل آل المغربي إلى مصر قرابة إحدى عشرة سنة. وأراني أرجّح أنّه بدأ تحصيله العلميّ في سن مبكرة وهو بحلب، إذ كانت ملكاته تؤهله لذلك حتّى أنّ أكثر الناس بغضاً له يصفه بالذكاء، وأنّه بدأه على نحو مكثف. وهذا الفرض وحده هو الذي يفسر كيف استطاع قبل أن يستكمل أربع عشر سنة ـ بشهادة أبيه نفسه ـ: «أن يستظهر القرآن وعدّة من الكتب المجردة في اللغة والنحو ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم وأن ينظّم الشعر ويتصرّف في النثر ويبلغ من الخطّ ما يقصّر عنه نظراؤه وكذلك من الحساب والجبر والمقابلة ما يزيد عن ما يحتاج إليه الكاتب».
والظن يذهبُ بي إلى أنّه تعرف، وهو صغير السن، إلى أبي العلاء وزاره بصحبة أبيه في المعرة، وأعجب الصبي بذلك الضرير الذي لا يكبره إلاّ بسبع سنوات أو ثمان، ويعرف الكثير الكثير، عن ظهر قلب، وأعجب المعري بالصبي (وبرَّك على رأسه) وتنبأ له بأنّه سيبذّ أقرانه، كلّ هذه فروضٌ حقاً ولكنّي لا أراها بعيدة عن الصواب، فقد انتقل إعجاب الأب بالمعري إلى ابنه، وكان ذلك الإعجاب عاملاً في إقباله على المعرفة بنهم، وتوجُّههِ لإتقان اللغة، ذلك الجانب الذي بلغ فيه تفوق أبي العلاء حداً يبهرُ كلَّ من عرفه وقاربه. ولنا أن نقول إنّ هذا الإعجاب بالمعري هو الذي كان له الدور الفعّال في نقل الحسين من دائرة ثقافة الكتاب ـ وهي إلمامٌ بالضروريّ ـ إلى ثقافة العلماء، وهي الغوصُ في كلّ علم، وإتقانُهُ على حدة. وفي رسالة كتبها من مصر إلى أبي العلاء وأخيه ما يؤكد تلك العلاقة، وأنّها كانت قبل رحيله عن الشام.
في مصر وجد ابن المغربي بيئةً علمية رحبة، فاستكمل ثقافات ابتدأها في الشام، وسلك اتجاهات ثقافية أخرى جديدة: كانت مؤسسات العلم ـ وفي مقدمتها «دار العلم» متنوعة، وكانت المكتبات ـ وبخاصّة مكتبة القصر ـ حافلةً بصنوف الكتب في كلّ علم.
وكان قد مضى على إقامة الحسين بمصر أقلّ من ست سنوات، حين وجد أنّه يستطيع مبارحة التلقي إلى العطاء، والتعلُّم إلى التأليف أو ما يشبه التأليف، فعمد إلى اختصار مؤلَّفٍ معروف مشهور، لأنّ الاختصار يتيحُ له السيطرة على الكتاب، ووقع اختياره أو اختيار والده، على كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت.
كان كتاب إصلاح المنطق قد خضع للاختصار قبل ذلك مرّات، اختصره مؤلفه نفسه، فأسقط منه أبواباً كثيرة لعله وجدها غير ضرورية كثيراً لمن يرجعون إلى الكتاب، ثمّ اختصره ثان وثالث، فأخلُّوا بمعنى الاختصار، وتهمَّمَ آخرون باختصاره فنكلوا. أمّا الحسين فإنّه في ردِّ النظائر إلى بعضها جعله في ثلاثة أقسام: أمثلة الأسماء، وأمثلة الأفعال، واللفيف. واضطره هذا التفريع إلى ما يجاوز حدَّ الاختصار وذلك بإضافة أبواب جديدة إلى الكتاب، ووضع أسماء لأبواب الكتاب الأصلية مثل باب ليس، وباب المذكر والمؤنث، وباب العدد… وجعل الأبواب الطويلة منه مرتبة على حروف المعجم، فجاءت أبواب الكتاب الأصلي 218 باباً والأبواب المزيدة 107 أبواب([521])، ويبدو من هذا الوصف أنّ الشاب الناشئ اتبع في تقريب فوائد الكتاب منهجاً جديداً، وأنّه كان إلى التأليف أقرب، فإذا تذكرنا في أي سن فعل ذلك أدركنا مدى تضلّعه في اللغة، وثقته بنفسه في الاستدراك على عالم كبير مثل ابن السكيت، وذلك أمرٌ لا يتأتَّى بسهولة، ولا بدّ أنّ الحسين الفتى كان قد ضَرَبَ في حفظ اللغة وأمهاتِ كتبها بسهمٍ وافر.
لهذا لا نستكثر أن يتعاظم إعجابُ المعري به، ذلك أنّ رغبة الحسين أو رغبة أبيه، شاءت أن يُعْرَضَ المختصر على أبي العلاء، وكان كلٌّ منهما يعلم أنّه لا يقدّم العمل لتقييم نقديّ، فالإحسان الذي واكب العمل ملأ نفس الأب إعجاباً والابن حبوراً، وإنّما كانا يتطلعان إلى شهادة رجل ثقة، شهادةٍ تكفلُ للفتى السير على المحجة الواضحة، وتضعه فوق نظرائه وتجعله مساوياً لكثير ممّن سبقوه في المضمار، ومن يستطيع أن يمنح مثل هذه الشهادة سوى حُجّةِ اللغة في عصره؟ وقد عرف أبو العلاء معنى ذلك التوجّه، واستثارته الصداقة القديمة للأب والإعجاب بالفتى إلى كتابة الرسالة الأغريضية.
وإنّما سمّيت بالأغريضية لأنّه ذكر فيها «الأغريض» ـ وهو الطلع ـ وتتألف هذه الرسالة من ثلاث دورات، في الأولى ترحيبٌ بما تلقّاه المعري من شعر ابن المغربيّ والثانية احتفاءٌ بِمَقْدَم اختصار إصلاح المنطق، والثالثة في شؤون شتى، ويهمّنا منها الدورة الثانية التي يتحدّث فيها المعري عن تلك المهارة التي استطاعت أن تُجري نهرَ الفرات في خَرْتِ إبرة (يعني جودة الاختصار ودقته) «ودلَّتْ على جوامعِ اللغةِ بالإيماء، كما دلَّ المُضْمَرُ على ما طال من الأسماء» فقد أسقط ابنُ المغربيّ الشواهد من الكتاب وهي أحد عشر نوعاً، وحقّ له ذلك، فإنّ أبا يوسف بن السكيت غلا في التكثّر من الشواهد. وتحدّث المعري عن معرفة يقينية بكتاب إصلاح المنطق، فقد كان من محفوظاته، وكيف أنّه بُنِيَ على عشرين حرفاً (وَعَدَّ تل الحروف)، فلو أنّ أبا يوسف عاش ورأى ما صنعه ابن المغربي لفاض كمداً، إذ الاختصار كمرآة المنجم شَخْصُهَا ضئيلٌ ملموم، وتستحضرُ القمرين والنجوم([522]). وإذا نحن وضعنا تشبيهات المعري وتصوّراته جانباً لأنّها جزء من طبيعته الأدبية، وجدنا أنّ إطراءه لعمل ابن المغربي لم يكن مجاملةً أبداً، وإنّما كان وليدَ قراءةٍ دقيقة لما صنعه ذلك الفتى، وحكمٍ نقديٍّ منصف.
على أنّا يجب أن نتذكر شيئاً كان في صميم طبيعة المعري، وهو أنّه كان في رسائله يبتكر دائماً صعيداً جديداً ـ تعليميّ الغاية ـ يضعُ فيه ما يريد أن يسوقه من أفكار، وكان ينتحي منحًى غير مألوف في اللغة والتصوير والتمثيل، ليرضي ذوقه الفنيّ، ولم يكن ذلك كلّه مصحوباً بأي شعور بالاستعلاء. ولهذا فإنّه في رسالة الأغريض (وفي رسالة المنيح على حدّ سواء) كان يوحي لابن المغربيّ بأنّ أمامه طريقاً طويلاً لبلوغ درجة الإتقان، وليس من الضروري أن يكون ذلك بتقليد المعري، بل بالرؤية الذاتية الواعية، وقد فعل ابن المغربيّ ذلك بتوجيه أكبر أستاذٍ له، وإن لم يتلقَّ العلم مباشرة على يديه.
سمَّى ابنُ المغربي اختصاره لإصلاح المنطق باسم «المنخل»، معتمداً في الاختصار نسخةً أستاذه جنادة الهروي، وهي مقروءة على الأزهري صاحب تهذيب اللغة عن أبي الفضل المنذري عن أبي شعيب الحراني عن المؤلف. وقام بقراءة الأصل والاختصار على أستاذه جنادة نحو عشر مرات([523]). وقد عرف «المنخل» لدى معاصريه فرووه عنه، وكان ممّن رواه عنه أبو ياسر الفرج بن إبراهيم البغدادي([524]) الكاتب الشاعر. ويبدو أنّ الأديب الأندلسي أبا القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي اطلع عليه، وصنع له خطبة([525]) وأثنى عليه ابن بسام في الذخيرة بقوله: «فإنّه غايةٌ لا يتعاطاها إلاّ من بَهَر عِتْقُهُ واشتهر سبقه، وطريقةٌ لا يتوخّاها إلاّ من رَسَخَتْ في العلم قَدَمه، وترامتْ به إلى معالي الأمور هممه»([526]). وما كاد يلقي القلم من تحبيره للمنخل حتّى اقترح عليه أبوه أن ينظّم الكتاب، فابتدأ بذلك وعمل منه عدّة أوراق في ليلة([527]) ويبدو أنّه لم يتم هذا العمل، إذ لا نسمع عنه شيئاً بعد ذلك.
وبعد ذلك النجاح الأوّل ـ في ميدان العلم ـ ظلَّ ابن المغربي في مصر حوالي أربعة عشر عاماً، فماذا تراه كان يعمل وفي أي الاتجاهات برز نشاطه؟ هل عمل كاتباً في الديوان؟ وإذا كان قد فعل فأين كان مقامه من أبيه وعمّه في هذا المجال؟ إنّ المصادر لا تحدّثنا بشيءٍ دقيق في هذا الصدد، ولهذا علينا أن نكوِّن صورةً قريبة الشبه بالواقع اعتماداً على استقراء الظروف وبعض المعلومات القليلة المتناثرة في المصادر:
فاستقراء الظروف يقول لنا إنّ هذه الفترة هي فترة الاستقرار الوحيدة في حياة ابن المغربي، وما بعدها كله تنقلٌ من بلد إلى بلد، وملاحقةٌ للفرص حيث لاحت. وفترةُ الاستقرار تلك هي أصلحُ مراحلِ حياته للازدياد من العلم وللإقدام على مزيدٍ من التأليف. صحيحٌ أنّ رحيله وأهله من الشام جعلهم يفقدون الكتب التي جمعها أسلافه حين رحلوا إلى مصر، ولكن مصر استطاعت أن تعوضهم عنه لما كانت تتمتع به من غنًى باهر في الكتب والمكتبات. ولذلك نظنّه انصرف إلى تحصيل العلم بكلّ جدٍّ ودأب. ولعله يشير إلى هذه الفترة من حياته حين يقول: «فإنّي نشأتُ وغذيت بكتب الحديث وحفظ القرآن، ومثافنة الفقهاءِ، ومجالسة العلماء، ووالله ما رأيتُ قطّ بتلك البلاد مأدبةً ولا وليمةً إلاّ لمقرئين، ولا كنتُ متشاغلاً إلاّ بعلم أو دين… وأمّا الأحاديث المنثورة التي كنت أبكّر بكورَ الغراب لاستماعها وأطّرح رتبةَ الدنيا في مزاحمة أشياعها، فأكثر من أن تحصى»([528])… فمثل هذا الحرص على الطلب يتلاءم وتلك المرحلةً من حياته، إذ كان البال مهيأ لذلك، والعيش في رعاية الأهل يسعف عليه.
وهو ما يحدّثنا أنّه ألَّفَ كتابه «أدب الخواص» وسنُّهُ خمسٌ وعشرون سنة أو نحوها([529])، أي في تلك الفترة نفسها، في حدود 395. ولا ريب في أنّ خطته في هذا الكتاب تدلُّ على تمكّن متميز في معرفة الشعر والنسب والأخبار واللغة، وقد كان الباعث على تصنيفه الدلالة على معجز القرآن «إذ كان بِتَبَحُّرِ ألفاظِ هؤلاء القوم (أي العرب) والمعرفة بمعادن ألفاظهم وبمنازع أغراضهم يُعْلَمُ معجز القرآن علماً حسياً ذاتياً. وأنا أرى أنّ علم العالم أنّ القرآن معجز من طريق القياس والاستدلال ومن طريق الحسّ والإدراك أشرفُ وأعلى من علم العالم بإعجازه عن طريق القياس بالتقليد لغيره والاعتبار بالفصحاء الذين تقدموه وكانوا حجة عليه»([530]). ويبدو لنا المدخلُ للكتاب بسيطاً لأوّل وهلة، فهو في نواته جَمْعٌ للمختار من أشعار العرب، ولكنَّ هذه النواة لا تلبث أن تتغير فتصبح جمعاً للمختار من أشعار الأربعة: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، ومرتبطاً بهذا يجيء المختار لكلِّ من اسمه امرؤ القيس ولكلِّ النوابغ والأزاهر والعُشْي. ويجيءُ تحوُّلٌ آخر في الخطة إذ أنّ كلّ ذلك يتمُّ في إطار الحديث عن قبيلة كلّ شاعر ثمّ المختار من أشعار كلّ قبيلة. وذلك يعني أنّ الكتاب يضمُّ الشعرُ والأخبارَ والأنسابَ مع قِسْطٍ من غريب اللغة. وقد كان منهجه في اختيار الشعر أن ينتقيَ البارعَ من أبيات القصيدة ثمّ يلقيها جانباً مدّة أيام، ثمّ يعيد فيها النظر برأي مستأنَفٍ، ثمّ يختار من المختار أحسنه. واستكمالاً لخطته اقتصر في شرح الغريب على ما يتطلبه المتوسط في الأدب، كما اقتصر في تبيان السرقات الشعرية على ما يفيد في ذاته لا ما يفيد مَحْضَ العلم بأنّه مسروق. ورغبةً في الإيجاز ألغى الأسانيد إلاّ في ثلاثة مواضع: موضع خلاف في الرواية، وموضع غفل لم يكن إسناده معروفاً فإيراد الإسناد يقوّي منه، وأن يكون راوي الخبر ذا مقام خاصّ في نفس المؤلف وكان من أماثل من أدركه في زمنه. لذلك هو أدب الخواص، فإن كان القارئ يحبّ الشعر عدَّه مختارَ أشعارِ القبائل، وإن كان يحبُّ الأخبار تمثّله مؤلفاً في سير الجاهلية والإسلام، وليس كلّ السير بل السير المستغربة، وإن كان يحبُّ اللغة تصوّره معرضاً لعقائل اللغة والشواهد عليها، وإن كان يحبُّ النسب ـ وهو أصعب علوم العرب ـ عدَّه سياقةً لجماهير الأنساب([531]).
أحببت تبيان هذا النسق التصاعدي في خطة الكتاب لأدلّ بذلك على أنّ مثل هذا التصوّر «المركّب» ليس وليدَ تجربةٍ مبتدئة بل وليد نضجٍ عميق يرفده اطّلاع واسع وقدرةٌ نقدية أصيلة، وعكوفٌ على الدقّة العلمية في التقييد والضبط، ولذلك قلت إنّ ابن المغربي لم يكتف بالثقافة الصالحة للكاتب بل تجاوزها إلى ثقافة العالم الضليع في علمه. واختياره للصعوبتين ـ المتمثلتين في اللغة والنسب ـ دليلٌ على تمكّنه من الأصول، ونظرةٌ واحدةٌ فيما وَصَلَنا من مؤلَفاته ومروياته تدلنا على أنّنا نجدُ لديه من المرويات، ومن الإحاطة بالدقة فيما يرويه، ما لا نجده عند غيره. حتّى ليمكن أن نلحظ لديه شَغَفَهُ بغرائبِ الأخبار، ومحاسن الأشعار التي قلّما يلتفتُ إليها غيره. وبسبب من هذا التفرّد في المعرفة والدقة وحسن الخطّ أصبح ابن المغربي لدى الأجيال التالية حجةً فيما يرويه في اللغة، وما يقيّده من ضبط، وما يورده من أنساب. وكان يزيد الخالفين اطمئناناً أن يروا المادةَ مكتوبة بخطّه.
ولو قلنا إنّ معظم ما ألفه ابن المغربي إنّما كان نتاج هذه الفترة المصرية لم نبعد كثيراً عن الحقيقة، وذلك هو ما يذهب إليه أيضاً الشيخ حمد الجاسر، مستثنياً من ذلك أشعاره ورسائله، لأنّه لم يقتصر في كتابة الشعر والرسائل على هذه الفترة وحدها، بل عاش الشعرُ والنثرُ معه حيثما اتجه. وقد رأينا أنّ المنخّل وأدب الخواص ينتميان إلى تلك المرحلة، ونضيفُ إليهما «الإيناس» وهو كتاب في الأنساب بناه على كتاب لمحمد بن حبيب عنوانه «مختلف القبائل ومؤتلفها» فالأنساب فيه نتيجةٌ لضبط الأسماء المتشاكلة مثل فَهم وقَهْم، والتمييز بين ما تطابق دون اختلاف كبكر بن وائل من عدنان، وبكر بن وائل من قحطان، وإفراد الأسماء التي تتطلب ضبطاً مفارقاً مثل شُمْس(بضم الشين)، وقد رُتِّبَ الكتاب على حروف المعجم، وَوُجِدَ على ظهر الأصل بخطّه: «متى ما نَسَخَ هذا الكتاب ناسخٌ غير ضابط انعكس الغرض، فصار هُداهُ ضلالةً بالحقيقة، ومتى ما كُتِبَ أيضاً بأجاً([532]) واحداً ولم يُفَرَّقُ بين فصوله مَرِجَ والتبس وَصَعُبَ إخراج ما يراد منه». كما نضيف كتاباً له كبيراً في الأنساب أشار إليه في أدب الخواصّ، والمأثور في ملح الخدور، رآه ابن العديم بخطّه وأورد منه مقتبسات، وتتميم كتاب الفهرست لابن النديم، وأرجّح أنّ الزيادات فيه أوصلت الفهرست إلى عصر المغربي، وذلك يتحمّل الزيادة مع الزمن وربما لم يكن محدوداً بفترة واحدة. ويلحق بهذا النوع من الكتب كتاب النساء. أمّا كتب القبائل مثل كتاب بني ضبيعة وكتاب بني أسد وكتاب ذبيان وكتاب تغلب فالأرجح أنّها فصول داخلةٌ في كتاب أدب الخواص ولم تكن كتباً منفصلة. وهناك كتب تُنْسَبُ إليه ولم يكن تأليفها يحتاج إلى اطلاع واسع أو تعدّد في المصادر وهي كتب الاختيارات: اختيار شعر أبي تمام، واختيار شعر البحتري، واختيار شعر المتنبي والطعن عليه، ومنتخب كتاب الأغاني وهي ممّا يمكن أن يُنْسَبَ إلى فترة التنقّل والشتات. وهناك كتاب من هذا الصنف نفسه وهو الاختيار من نثر عليّ بن عبيدة الريحان، وإنّما أفردته لأنّ الريحاني كان مكثراً من التأليف، وكان لا بدّ لمن يريد أن يختار من نثره الاطلاع على عددٍ كبير من كتبه، وليس الأمر هنا كالاعتمادِ على كتابٍ واحدٍ في الاختيار.
وهنالك عدد من كتبه لا نعرف منها إلاّ الأسماء، ولم يذكرها إلاّ المتأخرون ككتاب الإلحاق بالاشتقاق والعماد في النجوم.
وقد عدّ له الشيخ حمد الجاسر ستة وعشرين مؤلفاً تكرر منها مختصر إصلاح المنطق، وعُدَّتْ فيها كتب القبائل (وسقط كتاب تغلب) وهي ليست كتباً مستقلة على وجه حاسم. ولحق الوهمُ ذكرَ كتبٍ أخرى، فكتاب السيرة النبوية ليس سوى كتاب السيرة لابن هشام (تهذيب سيرة ابن إسحاق) مكتوباً بخطِّ ابن المغربي. ويبدو لي أنّ اختصار الغريب المصنّف ليس سوى وهم أيضاً، وأنّ المراد هو اختصار إصلاح المنطق، وما أرى كتاب المنثور الذي ذكره ابن حجر في الإصابة وتبصير المنتبه إلاّ كتاب المأثور. ولا ريب في أنّ لابن المغربي ديواناً شعرياً، لكنّه لم يصلنا مجتمعاً، وما يذكره بروكلمان من أنّ في الأمبروزيانا (رقم: 19 حسب الفهرسة القديمة) قطعةً من شعره، فإنّه من الأوهام الكبيرة، ولقد رحلت إلى الأمبروزيانا بميلان سنة 1983 بحثاً عن تلك القطعة من الديوان، فلم أجد تحت الرقم المذكور إلاّ كناشة فيها مختارات من الأشعار من بينها ستّة أبيات ـ في ثلاث قطع ـ لابن المغربيّ.
وانفرد الداودي بذكر مؤلفات أخرى لم تذكرها سائر المصادر وهي فضائل القبائل، وكتاب أخبار بني حمدان وأشعارهم، وكتاب الشاهد والغائب، وهذا الأخير بيَّنَ فيه أوضاع كلام العرب والمنقولَ منه وأقسامه تبييناً يكاد يكون أصلاً لكلِّ ما يسأل عنه من الألفاظ المنقولة عن أصولها إلى استعمال محدث. كما ذكر له المسبحي كتاب «الإماء الشاعرات» وكتاباً في «مقامات الزهاد» وهذا الثاني ينتمي إلى فترة متأخرة من حياته.
إلى جانب هذا النشاط في التأليف كان ابن المغربي ذا وظيفة (منصب) في الدولة، إنّ الذهبيَّ حين يتحدّث عنه يلقبه بـ «ناظر ديوان الزمان بها» (يعني مصر) وهناك من يقول إنّ أبا القاسم الحسين بن علي كان يتولَّى ديوان السواد فَصُرِفَ عنه ومن يذكر أنّ ابن المغربي الأب لما غضب عليه العزيز الخليفة الفاطمي عزله وولَّى مكانه صالح بن علي الروذباري، واسترجع ابنَ المغربيِّ إلى مصر فلم يزلْ بها حتّى قام الحاكم فكان هو وولده أبو القاسم حسين من جلسائه.
ولكن الأمر انتهى بعد ذلك بأن يأمر الحاكم بقتل علي ومحمد ابن المغربي، ثمّ يقتل الحسين وأخويه محمدٍ والمحسّن، فاستتر الحسين وأُخِذَ أخواه وقتلا، وكان ذلك لثلاثٍ خلون من ذي القعدة سنة أربعمائة.
ونستطيع أن نفترض عدّة أسبابٍ لهذا الأمر: كأن نقول مثلاً إنّ طولَ العشرة جعل بني المغربيّ ذوي إدلال على الخلافة، يرون لهم فضلاً عليها، وأنّ الوشايات ضدّهم أصبحت لدى الخليفة سهلةَ التصديق. وقد نقول إنّ جانباً من التصريحات التي كان يطلقها الحسين، محمّلةً بطموحه المتصاعد كانت تُلْقَى على أذن الخليفة، وأنّها حين تكاثرت ضاق بها ذرعاً، والخبر عن الغلو في الطموح لدى الحسين قابلٌ للتصديق بسهولة، وإن رواه شخصٌ حاقد. فقد روى ابن القارح أنّ الحسين قال له ذات يوم: ما نرضَى بالخمول الذي نحن فيه، فقال ابن القارح: وأيّ خمولٍ هنا، تأخذون من مولانا ـ خلّد الله ملكه ـ في كلّ سنة ستة آلاف دينار، وأبوك من شيوخ الدولة، وهو معظّم مكرم، فقال الحسين: أريد أن تُصار إلى أبوابنا الكتائبُ والمواكبُ والمقانب، ولا أرضى بأن يُجْرَى علينا كالولدان والنسوان. وأبلغَ ابنُ القارح هذا الموقفَ إلى عليّ والد الحسين فقال: ما أخوفني أن يخضبَ أبو القاسم هذه من هذه ( وقبض على لحيته وهامته). ويبدو أن تفجّر نفسِ الحسين بالتعبير عن هذا الطموح كان ظاهرة متكرّرة، فقد روى ابنُ القارح أنّ أباه قال في مناسبة أخرى: «أنا أخافُ همَّةَ أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا وِرْداً لا صَدَرَ عنه». وقد نقول إنّ هذا الطموح ارتقى ـ بعد الحرمان من المنصب ـ إلى درجة الثورة، ولعلَّ هناك إشارة إلى ذلك في موقف تمَّ بينه وبين ابن القارح، حين استدعاه ليعلنه في وجهه، فقال ابن القارح: ولِمَ؟ قال: لمخالفتك إياي فيما تعلم([533]). فهل كانت تلك المخالفة تتعلق بشيء من ذلك؟ إنّ هنا غموضاً مقصوداً، قد يقوّي الظن بأنّ الحسين كان يدبِّر شيئاً ولكن مخالفةَ ابنِ القارح له أفسدتْ عليه خطته. وقد نربط بين مقتل آل المغربي ومقتل جنادة الهروي وصديقه المقرئ، لاتصالِ أسبابهما بأسباب الحسين وأبيه، ونتخيلُ وجودَ مؤامرة واسعة الأطراف قضى الحاكم على عناصرها تباعاً. أو لعلنا أن نردّد ما قاله أحد المصادر وهو أنّ الحاكم إنّما غضب من ابن المغربي وأمر بقتله «لأنّه كان يضرب بينه وبين وجوه دولته»([534]). وإذا سلَّمنا بذلك وجدنا أنّه قد يعلل غضبه على الحسين، فلم شمل الغضب سائر أهله؟
بقي ابن المغربي مختفياً منذ الثالث من ذي القعدة حتّى الثاني عشر منه([535]) (عام 400) حين أتيح له أن يخرج متنكراً في زي جمّال، برفقة قافلة من الأعراب، مجتازاً شبه جزيرة سيناء إلى فلسطين، وقيل إنّ الحاكم بعث من يطلبه فلم يُدْرَكْ وحين وصل الرملة نزل بحلة حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح واستجار به فأجاره، وأنشده قصيدة يثني فيها عليه وعلى قبيلة طيئ بعامة:
يا طيئ الخيراتِ بين حلالكم
أمنُ الشريدِ وهمّة الطلاّبِ
سمكت خيامكمُ بأسنمةِ الربى
مرفوعةً للطارقِ المنتاب
ثمّ يصف الذعر الذي تلبس به حتّى ضاق به عليه إهابه، وأنّه مذ حلّ في ديار بني الجراح قد عرف معنى النوم والطمأنينة، فلمّا سمع حسان منه هذه القصيدة هشّ له وجدَّد تعهده بحمايته، وسكّن من روعه.
كانت قبيلة طيئ تؤازر القرامطة في أوّل الأمر، ولذلك فإنّ هؤلاء حين استولوا على الرملة سنة 360 عيّنوا لها حاكماً منهم وجعلوا معه دغفل بن الجراح جدّ حسان، ومنذ ذلك التاريخ وجدت الإمارة الطائية التي تغلبت على معظم القسم الجنوبي من بلاد الشام، ولهذا عملت الدولة الفاطمية على استمالة طيئ وفصلها عن الحركة القرمطية وعلى ضمان ولاء طيئ لتساعد الدولة في تثبيت سلطانها على ما استولت عليه من بلاد الشام، وفي الوقت نفسه بذل الفاطميون كلّ جهد للحيلولة، دون استقواء طيئ، بحيث تصبح قوّة تهدّد الوجود الفاطمي في الشام. وكانت خطة الفاطميين اكتساب تلك القبيلة بالأموال والإقطاعات، ولكن رغبة الدولة الفاطمية في إبقاء طيئ في حدود التبعية والضعف كثيراً ما حفز تلك القبيلة إلى مساندة بعض الحركات المناوئة للفاطميين.
لعلّ صورة هذا الوضع كانت واضحة تماماً في ذهن الحسين، حين وجّه وجهه صَوْبَ الرملة؛ كان في طلبه الجوار يلوذُ بقيم عربية معروفة، ولكن نفسه كانت تنطوي على ما هو أبعد من الاطمئنان الهادئ إلى حماية شيخ ذي نفوذ واسع، كانت نفسه تجيشُ بالانتقام، والقضاء على الحاكم. وبعد أن كفكف من دموعه على إخوته وأبيه وعمه.
وتضطرب الروايات بعض اضطراب في تسلسل الأحداث، وفي كيفية استغلال ابن المغربي لها إعداداً للثورة وقطعاً لروابط التفاهم بين بني الجراح والحاكم.
ومهما يكن من أمر فإنّه بلغ بنو الجراح في علاقتهم بالحاكم نقطة اللارجوع. وكان ابن المغربي يدرك ذلك، فتفتق ذهنه عن خطة بارعة، وهي أن يوجد الخليفة البديل الذي يستند إليه بنو الجراح في استمداد «غطاء الشرعية» لسلطانهم، ووجده. فاجتمع بالمفرج وأولاده وقال لهم: «قد كشفتم القناع في مباينة الحاكم، ولم يبقَ من بعدُ للصلح موضع». والتفت إلى مكة، ولفت إليها انتباههم قائلاً: هذا أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي صاحب مكة لا مطعن ولا مغمز في نسبه وهو في بيته وفضله وكرمه بمكان رفيع، والصواب أن ننصبه إماماً ونقوم معه على الحاكم. فاقتنع بنو الجراح بوجهة نظره، وأمره حسان بالتوجه إلى أبي الفتوح بمكة وعرض الأمر عليه. ولما نزل على أبي الفتوح أطمعه في الرئاسة والخلافة وضمن له طاعةَ حسان وقومه.
فجمع أبو الفتوح بني حسن وشاورهم في الأمر، فمالت بهم دواعي السيادة وأعطوه البيعة، فأظهر أبو الفتوح دعوته وبايعه سائر أهل الحرمين، وتلقَّبَ الراشد بالله.
فعاد الحسين إلى الرملة واجتمع بالمفرج وبنيه الثلاثة حسان ومحمود وعلي، وأخذ بيعتهم لأبي الفتوح، وبعد أن فرغ من أخذ البيعة لأبي الفتوح عاد إلى مكة ليكون في موكب الخليفة الجديد في مسيره إلى الرملة وعجل أبو الفتوح في سيره ومعه نحو ألف فارس من بني حسن، ونحو ألف عبد من قواده، فلمّا اقترب الموكب من الرملة تلقاه حسان وأبوه المفرج وسائر وجوه العرب، وقبّلوا الأرض بين يديه، ونزل في دار بني الجراح، وتوافد الناس للتسليم عليه بالخلافة، وكان متقلداً سيفاً زعم أنّه ذو الفقار، وفي يده قضيب ذكر أنّه قضيبُ الرسول (صلّى الله عليه وآله) ونادى في الناس بأمان الخائفين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وركب أبو الفتوح في يوم الجمعة، والمفرج وأولاده بين يديه مشاة، حتّى دخل المسجد ودعا ابن نباتة عبد الرحيم بن محمد الفارقي الخطيب وأمره بالخطبة فخطب ولكن الأمر فشل في تفاصيل ليس هنا مكانها.
وتقول بعض المصادر إنّ أبن المغربي فرَّ بعد الفشل من الرملة إلى العراق.
حين وصل بغداد أَمَّ حضرةَ فخر الملك أبي غالب محمد بن علي بن خلف، وكان وزير بهاء الدولة ثمّ وزر من بعده لابنه سلطان الدولة، فإن كان وصل بغداد وبهاءُ الدولة حيٌّ، فمعنى ذلك أنّه كان هنالك قبل سنة 403، وكان فخر الملك من أعظم وزراء آل بويه، واسع النعمة، جزيل العطايا، مقصداً للشعراء من أمثال ابن نباتة ومهيار، وأنشأ ببغداد بيمارستاناً عظيماً، ولهذا ليس بغريب أن يقصده ابن المغربي. وأقدّر أنّه كان وزيراً ذا حولٍ وطول واثقاً من نفسه ولم يكن يرى في ابن المغربي إلاّ رجلاً غريباً لجأ إليه ليستعين بجاهه، فهو يبذل له ما يستطيع من عون. ولكن المشكلة ـ غير المتوقعة ـ هي أنّ الخليفة القادر بالله لم يُرَحّبْ بابن المغربي صدراً، بل رأى أنّ وجوده في بغداد خطر على الدولة.
ولم يستطع فخر الملك أن يُلين قلبَ الخليفة نحوه، فخرج إلى واسط، «وكتب فخر الملك بحراسته هناك ومعرفة حقّه». فأقام في تلك المدينة أياماً.
قتل الوزير فخر الملك أبو غالب سنة 407، واستطاع ابن المغربي أن يصلح حاله ويبرئ ساحته عند الخليفة، فعاد إلى بغداد وأقام فيها أياماً.
في هذه الفترة زار البطيحة حيث مهذب الدولة ووزيره أبو القاسم هبة الله بن عيسى([536]). ويبدو أنّ وزير البطيحة كان متضايقاً من زيارته، ولهذا اتّهمه ابن المغربي بأنّه بعث إليه رجلاً اسمه سليمان بن الربيع ليسأله في بعض غريب اللغة وحوشيّها. وقد وصف ابنُ المغربي تلك الألفاظ بأنّها «لا يتشاغلُ بمثلها أهلُ التحصيل ولا يتوفَّر على تأملها إلاّ كلُّ ذي تأمّل عليل» وعجب كيف يُسْأَلُ عنها رجلٌ غريب عن البطيحة، وفيها «هبة الله بحر الأدب» (يعرض بأنّه هو مرسلها الحقيقي). وقد أجاب عن الألفاظ التي سئل عنها، ثمّ قايضه بمثل بضاعته وأزيد، فامتحنه في اللغة والنحو والنسب والسير والقرآن وعلومه وصناعة الخراج، فدلَّ بذلك على تعمّقه في كلِّ علم واطلاعه على مشكلاته وأسراره.
ولم يقم في بغداد إلاّ أياماً، ثمّ مضى إلى قرواش بن المقلد أمير العرب (وهو بالكوفة) وسار معه إلى الموصل، وكان ابن أبي الوزير وزيراً لقرواش بها، فخاف منافسة ابن المغربي له، فحمل إليه مالاً كثيراً، وأوحى له بالرحيل عن الموصل. وسوف يعود إلى الموصل في زيارة أو زيارات أخرى.
وكانت فترة إقامته في الموصل مُدَيدَةً يسيرة، وحين فارقها توجّه إلى ديار بكر فأقام عند صاحبها نصر الدولة أبي نصر مدةّ على سبيل الضيافة. ثمّ إنّ نصر الدولة أراد أن يكلَ إليه تصريفَ الأمور برسم الوزارة، فتأبى كثيراً وأظهر تمنّعاً شديداً، ثمّ قبل بعد إلحاح كثير، وكان زيّه حينئذ زيَّ الصوفية أو الزهاد، أي المرقعة والصوف، فلم تمض إلاّ مدّة يسيرة حتّى عاد إلى أبهة الوزراء، «وظهر أمره بعد الالتباس، وانكشفت حاله عند جميع الناس»([537]).
هذه المرحلة من حياته في ديار بكر تسمّى الدفعة الأولى، لأنّه وزر لنصر الدولة مرتين، وأقام في كلّ مرّة مدّة طويلة نسبياً في أعلى حال وأجل مرتبة وأعظم منزلة.
وتوفي الكافي وزير قرواش، وأصبح الجو ممهداً لعودة الوزير المغربي إلى الموصل، فكتب إليه قرواش يعرض عليه الوزارة، وما كاد يتسلم رسالةَ قرواش حتّى وجد في نفسه نزوعاً شديداً إلى مبارحة بلاط نصر الدولة.
وسار ابن المغربي إلى الجزيرة متوجهاً نحو الموصل، واجتمع بقرواش، وتقلَّد له الوزارة، وأخذ يَسْفِرُ في شؤونٍ كلَّفه بها قرواش من وساطة بينه وبين السلطان البويهي، ولم ينسَ الوزير أن يعمل لمقبل الأيام إذا عاد قرواش فتغير عليه، فأخذ يُكْثر من لقاءِ رؤساء الأتراك والديلم ويعمل على استمالتهم، ويتصل بمن يستطيع أن يمهد له نيل الوزارة في بغداد([538]).
وجرت أحداثٌ جعلت ابنَ المغربي يُوجس خيفةً من قرواش، وينتظر الفرصة للخلاص منه، فزيَّن لقرواش مدَّ الأسباب إلى أبي نصر صاحب ديار بكر ومصاهرته، وطلب العون منه، وقال لقرواش: ما يقوم بهذا الأمر غيري، فأذنَ له قرواش بالخروج، فخرج واصطحب معه سليمان بن فهد، ومضيا فنزلا بظاهر الموصل، وفيما هما كذلك مرّ بهما بدران أخو قرواش وكان يمقتهما، فرآهما يعدّان للرحيل، فدخل على أخيه وقال له: بأيّ رأي تترك هذين الرجلين يخرجان من يدك، وقد أخذا مالك؟ فأرسل قرواش فقبض عليهما واعتقلهما ليطالبهما بالمال، فأمّا سليمان فمات تحت الضرب، وأمّا ابن المغربي فإنّه أرسل إلى قرواش يقول له إن كنت تريد نفسي فهي بين يديك، وإن كنت تريد المال فمالي بمصر والكوفة وبغداد، وتطيبُ نفسي بتسليمه إليك، فإن حفظتَ نفسي أعطيتك المال. ثمّ بذل له ما حضره من مال، وخدعه بالقول اللطيف وبالوعود، فانخدع له، وأخذ ما وجده معه وأطلقه([539]).
ثمّ انتهى الأمر إلى أن استوزر مشرف الدولة البويهي أبا القاسم المغربي.
ولمّا تربّع على دست الوزارة البغدادية، وكان ذلك حلماً طالما هجست به نفسه، أصبح مقصداً للشعراء، فمدحه عدد منهم من أشهرهم مهيار الديلمي.
وتاريخ توليه الوزارة عند ابن الأثير هو شهر رمضان سنة 414، وعند ابن العديم هو الشهر نفسه من السنة التالية، ودامت وزارته هذه المرة عشرة أشهر وخمسة أيام.
إلى أين توجّه هذا الوزير الذي يثير المشكلات أينما حلّ؟ لعلَّ من أغرب الأمور أن وجد نفسه يعودُ إلى ديار بكر وإلى صحبةِ نصر الدولة. وموضع الغرابة أنّ نصر الدولة كان يؤمن أنّه كذب عليه ليؤمّن لنفسه الهربَ من عنده، فبأيّ وجه يلقاه الوزير وبأي وجه يتلقاه الأمير؟ إنّ عودته إلى ديار بكر ـ إن كان قد عاد لتسلّم الوزارة ـ لتؤكد شيئاً واحداً وهو أنّه على الرغم ممّا كان يُؤْخَذُ عليه من تحيّل كان يتمتع بكفايةٍ تؤهله لمنصب الوزارة، وكان من يعمل معهم يجاوزون عن سيئاته بشفاعة فضائله. ولكن يبدو أنّه في بادئ الأمر طرح نفسه على نصر الدولة لاجئاً أو ضيفاً وقد تلقاه هذا بالإكرام وأقطعه ضياعاً جليلة تكفيه وتكفي من وصل معه من الحاشية والاتباع([540])، ولكن لم يلبث إلاّ قليلاً حتّى تأكدت الحاجة إليه. ففي سنة 416 توفي وزير نصر الدولة أبو القاسم خواجا صاحب أرزن، فاستوزر نصر الدولة أبا القاسم المغربي وردَّ الأمور إليه([541])، وعلى الرغم من أنّه أقام في هذه المرّة قرابة ثلاث سنوات، فإنّ أخباره بالنسبة للفترة التي أقامها تُعَدّ ضئيلة.
وجاءته دعوة من بغداد للعودة إليها وتولي الوزارة فيها فاستأذن نصر الدولة في ذلك فأذن له.
غير أنّ اشتداد المرض عليه حال دون ذهابه لبغداد، ووافته منيته في اليوم الحادي عشر من رمضان سنة 418 عن عمر بلغ ستة وأربعين عاماً.
وحين أحسّ بالموت كتب كتباً عن نفسه إلى كلّ من يعرفه من الأمراء والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة يعرّفهم أنّ حظيّةً له توفيت، وأنّه قد أرسل تابوتها إلى مشهد الإمام علي (عليه السلام)، وأنّه يسألهم مراعاة من مشوا في صحبة التابوت. ولمّا توفي سار به أصحابه، وسار من بلَّغ الرسائل إلى أصحابها، فلم يعرض أحد لتابوته ودفن بالمشهد كما طَلَبَ([542]) في تربةٍ مجاورة للإمام عليّ، وأوصى أن يكتب على قبره([543]):
كنت في سفرة الغواية والجهـ
ـل مقيماً فحان منّي قدومُ
تبتُ من كل مأثمٍ فعسى يُمْحَى
بهذا الحديث ذاك القديم
بعد خمسٍ وأربعين لقد ما
طلتُ إلاّ أنّ الغريمَ كريم
وذكر صاحب تاريخ ميافارقين أنّه كتب إلى النقيب بالكوفة ليدفعه في عتبة باب المشهد وقال للنقيب: وقد أوصيتُ أن يجعل في التابوت ألف دينار في كيس، فإذا وصل إليك التابوت فافتحه فهي العلامة. وكان الذي عهد إليه بوضع الكيس، هو ابن نباتة الخطيب فعمل بما أوصاه به بعد أن قام بغسله، فلمّا وصل التابوت إلى الكوفة قال النقيب: من هذا؟ فقيل له: الوزير المغربي، فقال: أين العلامة؟ إنّ لي فيه علامة، ففتح التابوت ووجد الكيس، فأخذه ودفنه تحت العتبة وكتب عند رأسه: «يا جامعَ الناسِ لميقاتِ يومٍ معلوم اجعل الحسينَ بن علي من الفائزين»([544]).
وفي رواية أخرى أنّه أوصى أن يُحْمَلَ إلى مشهد الحسين (عليه السلام) ويدفن تحت رجلي الحسين (عليه السلام)، ويكتب عند رأسه هذان البيتان([545]) (والمصادر تكاد تجمع على الرواية الأولى):
سقى الإله الأزلي
من السحاب الهطلِ
قبرَ الحسين بن علي
عند الحسين بن علي
وهكذا سكن ذلك القلق الطويل، وهمدت تلك الحيوية المتفجرة. وذهب الوزير الكامل ذو الجلالتين بعد أن شغل الناس، وأصبحوا في النظر إليه شيعاً.
وفيما كان الوزير المغربي يعالج سكرات الموت كان أبو العلاء يملي على كاتبه تأمّلاته في الحياة والموت والقدر والمذاهب في شكل لزوميات، ولما وصله النبأ توقف عن التأمّل الخالصِ ليذرفَ دمعةً على صديق. ولا أعرف شخصاً آخر رُثي في اللزوميات، فإن يكن الأمر كذلك، فهذا وحده دليلٌ على عظم المنزلة لصديقه الوزير في نفسه. وبما أنّ الوزير كان إنساناً غريباً، وبما أنّه عاش غريباً يتسلَّمه بلد بعد آخر فقد نظم فيه أبو العلاء لزوميةً غريبةً.
ليس يبقى الضَّرْبُ الطويلُ على الد
هر ولا ذو العَبَالةِ الدِّرْحَايَهْ([546])
يا أبا القاسم الوزير ترحـ
ـلتَ وخلَّفتني ثفالَ رحايه([547])
وتركتَ الكُتْبَ الثمينةَ للنا
س وما رُحْتَ عنهمُ بسحايه([548])
ليتني كنتُ قبل أن تشربَ المو
ت أصيلاً شربته بِضُحَايَهُ
إن نحتك المنون قبلي فإنّي
مُنْتَحَاها وإنّها منتحايه
أمُّ دفرٍ تقولُ بعدك للذا
ئق لا طَعْمَ لي فأين فَحَايَهْ([549])
إن يخطَّ الذنبَ اليسير حفيظا
كَ فكم من فضيلةٍ محّايَهْ
هي سبعة أبيات لكنّها جامعة لسيرة إنسان: فيها تأكيد بإيراد الكنية واللقب على الشهرة، وفيها إشارة إلى الكتب الثمينة التي خلَّفها الوزير وهي إمّا أن تكون مؤلفاته القيمة، وذلك اعتراف بتميّز ما كتبه، وإمّا أن تكون الكتب التي وقفها بميافارقين وظلّت تعرف من بعده بمكتبة المغربي. وفيها اعترافٌ بذنوب اقترفها الوزير إلاّ أنّها ذنوب صغيرة وسوف يمحوها ما يوازيها لديه أو يفوقها من حسنات وفضائل. ولكن القصيدة (أو المقطوعة) تقيم منذ أوّل بيت الموازاة بين إنسانين، كما أقامت المساواة بين الطويل والقصير أمام الموت. وإذا كان الوزير طويلاً والمعري قصيراً وذهب أحدهما فإنّ الآخر لاحقٌ به. ولكن لماذا يترحل الوزير ويترك صديقه وراءه، محطماً مبتذلاً كجلدة الرحى؟ ليته وقد شرب صديقه كأس الموت قبل أن يبلغ مساءَ العمر شرب هو تلك الكأس في ضحى العمر، واستراح من أم دفر، التي تعلن للناس أن فَقْدَ الوزير أفقد الدنيا طعمها كأنّها القِدْرُ الفقيرةُ إلى الأبزار والتوابل. كان المعري حين نظم هذه الأبيات قد بلغ الخامسة والخمسين أو تجاوزها بقليل، وقد أصبحت الحياة على كتفيه عبئاً ثقيلاً، وزادها ثقلاً فَقْدُ الوزير وغيره من أصدقائه، ولذلك رثاه بأبيات تعلن قافيتها بسكونها انقطاعَ النفسِ أو وَشْكَ انقطاعه. وإذا كانت حقاً تمثل بعض آخر ما نظمه المعري في اللزوميات، فإنّ كلّ ما قبلها مباشرة وما بعدها يتنفس في جوٍّ واحد هو استطالة الحياة والدقّ برفق على باب الموت. وفي آخر لزومية يقول المعري:
إن يرحل الناسُ ولم أرتحلْ
فعن قضاءٍ لم يُفَوَّضْ إليّ
خُلِّفْتُ من بعدِ رجالٍ مَضَوْا
وذاك شرٌّ لي وشرٌّ عليّ
وهكذا فإنّ المعري حين رثى الوزير بصدق كان أيضاً يرثي نفسه.
شخصية الوزير المغربي
كلّ من شاء أن يدرس شخصية الوزير المغربي لا يستطيع أن يتخلص من أحكام ابن القارح على تلك الشخصية، فقد أثار ابن القارح من حولها غباراً كثيراً، وأطلق دخاناً كثيفاً، لا يمكن طردهما. ولهذا ستظلُّ الرؤية غير دقيقة. وقد كرّرت بعض المصادر ما قاله ابنُ القارح دون محاكمة فزادت انبهامَ الرؤية إلى حدّ كبير، وهذا كلّه مهَّدَ لجعل الحسين «محرّك النار» في كثير من أحداث عصره، حتّى وإن كان بعيداً، ومن السهل أن تصف إنساناً بأنّه كان مفرد الذكاء والدهاء بل أن تعدّه من دهاة العالم([550]) ثمّ أن تربط به أعمالاً قائمة على الحيلة والجرأة، وأن تصفه بخبث الباطن وارتكاب العظائم([551]).
وقد استنتج كتاب التراجم خبثه وإزراءه بالفضلاء وشدّة حسده على الفضائل التي يتمتع بها الآخرون من أنّه كان «إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو، والنحوي سأله عن الفرائض، والشاعر سأله عن القرآن قصداً يسكتهم»([552]). ولست أرى في ذلك شيئاً ممّا استنتجوه، إذ هذا التصرّف إمّا يكون دعابة فهو يُحْرِجُ الفقيهَ إذا سأله في النحو، ويتلعثم، ويخرج إلى أمور مضحكة. وأشهد أنّها دعابة ثقيلة غير مستملحة، وإمّا أن يكون «تعليماً» للمسؤول ومحاولة لجرّه إلى التواضع كي لا يحسب لإتقانه أحدَ العلوم أنّه قد أحاط علماً بكلِّ شيء، فهو يردُّه إلى التواضع. كما يعبر عن تميزه الشخصي لأنّه يتقن علوماً جمّة، وتلك طريقة أيضاً غير ضرورية فليس لأحدٍ أن ينصبَ من نفسه معلّماً لغيره، وهي قد توحي بالغرور، ولكنّها لا تدلُّ على الخبث وشدّة الحسد.
غاية ما هنالك أنّ الرجل كان شديد الذكاء، وأهم من ذلك أنّ ذكاءه أوصله إلى النضج المبكر، فبدأت تظهر لديه عقدة التفوّق، وزادها إعجاب أبيه به ـ وربما أضفت «وتدليله له» ـ ولعلّ المعري- دون أن يقصد» شارك أيضاً في ترسيخ تلك العقدة، بذلك النوع من الخطاب في رسالتي المنيح والأغريض. وقد كان ذكاؤه في أوّل الأمر موجهاً إلى هضم كلّ ما يقرأ والتعمّق في العلم والأدب، وفي إتقان النظم والنثر، فما وضح له أنّه يبذّ معظم أقرانه تحوّلت عقدة التفوّق لإرضاء طموحه إلى الشهرة، وكفلت له مجالسة الحاكم ـ بصحبة أبيه وعمّه ـ بدايةَ التوقّل في سلّم المجد، وعرض على الحاكم أن يستغلَّ مواهبه فيما يرفعُ من ذكره وينشر صيته، ويعودُ على الدولة بالخير.
غير أنّ الحادثة التي لم يُعِر أَثَرها المؤرخون اهتماماً وإنّما اكتفوا بذكرها على أنّها محضُ خبرٍ هي المذبحة التي تعرَّض لها أهله، وقلبت نفسيته، ووجهت ذكاءه في وجهة جديدة. فإذا كان الانتقام شراً، فقد أصبح الذكاء موجهاً نحو الشرّ، وإذا كان الحقد سيئاً فقد «وظَّف» في خدمة الانتقام. وحين استطاع أن يورّط آل الجراح بحيث تتطابق مشكلته ومشكلتهم بالنسبة للحاكم لم يكن يستشرف أن يكونَ الرجلَ الأوّل في الدولة المستحدثة، بل كان كلّ همّه أن يتحقق له الانتقام. وفي سبيل ذلك استباح لنفسه كلَّ ما يمكن أن يتوقَّفَ عنه لو لم تكن سحابةُ الانتقام قد غَشتْ عينيه. فأمّا تيتيم الأطفال وترميل النساء وقتل الرجال فتلك هي شرعة الحرب. وهي أمور تتم به وبدونه، ومن شاء أن يقوّض دولة لم يحسب حسابَ الخسائر في الأرواح وفي بنية العائلة وفي ضياع الأموال. لستُ أسوّغ للوزير المغربي أن يفعل ذلك، ولكنّه حين فعل ذلك كان واحداً من آلاف ـ ملايين الطامحين ـ الذين أقاموا ذلك التمثال الأجوف الذي نسمّيه تاريخاً، ولهذا فلا يجوز أن ينفرد باللوم، وكلّ من حوله والغون في دماءِ الأبرياء وغير الأبرياء.
وبعد إخفاق الثورة أصبح يسعى للحصول على مصدر رزق: كان غريباً والغريبُ المنافس للطبقة البيروقراطية يلقى كلّ انواع الكيد والدسائس والتكتل ضدّه، وكان ذكياً والذكيُّ مخوفٌ لأنّه يفضح الغباء الجماعيَّ الذي يتّخذه الآخرون جُنَّةً ضد مغايرٍ لهم غريب، وكان مريراً بسبب ما مُنيّ به من إخفاقات متوالية، والمرير إذا كان ساخراً يثير الغيظَ والحفيظةَ والخصام، وكان تفرّده في العلم والكتابة والشعر يؤهله لنيل ثقةِ من يعمل معه بسرعة، وذلك يثير الحسد، فهو المحسودُ لا الحاسد، لأنّ لديه من الفضائل ما يقنعه ويرضيه، أمّا الحاسدُ فهو طامحٌ لما عند غيره ولا يعرف الرضى. وكان صارماً في الوظيفة دقيقاً فيما يجب على الآخرين أن يؤدّوه، وهذا النوع من الناس يُتَّهمون بالتكبر والتجبر، لأنّ معظم من يعملون معهم يميلون إلى التراخي والإرجاء والتسويف والمماطلة. وليس غريباً إذا جعل من أهم القواعد للسائس في رسالته في السياسة أن يحذر «كلَّ الحذر من تأخُّر عملٍ يومٍ إلى غد، فإنّ لكلِّ وقتٍ شغلاً، وهذا الخُلُقُ من المدافَعاتِ بالمهماتِ أدهى الدواهي التي تتابع لها الخلل، وانهدمت لها الدول»([553]). وكان سخياً بالمال، وما أحرى ذلك أن يقربه إلى القلوب، ولكن السخاءَ أحياناً يأتي بضدّ ذلك، لأنّ استشعار علوِّ اليد يثير النقمة بدلاً من الشكران، أو يضع المرءَ في شعور مختلط بين النقمة والشكران.
وتصفه المصادر بالجرأة والدهاء معاً، وكلتا الخصلتين تشيران إلى دوره في الحياة السياسية العملية. والجرأة تؤدّي إلى التهوّر، وذلك يعني عدم حسبان النتائج، وإذا حكمنا على المغربي بنتائج أعماله قلنا إنّه كان متهوراً لا جريئاً وحسب، إذ مني كلّ ما خططه بالإخفاق. فأمّا الدهاء فهو موصول لدى من يستعملون هذه الصفة بالحيلة القائمة على الذكاء، وإخفاق النتائج لدى المتهور ينقصُ حظّه من الحيلة البارعة، وذلك في الأعمال الكبيرة، أمّا في الأمور اليومية الصغيرة فلعل الوزير المغربي كان سيّد من دبّر «المقالب» وضحك على زملائه وضحك منهم. ومن حقِّ من تصدّوا لترجمته أن يقولوا إنّه كان داهية لأنّه كان دائماً يدبّر الخطط حتّى لم ينسَ أن لا يدبّر كيف ينتقل إلى مشهد علي متخذاً في ذلك احتياطات أكثر ممّا يتطلبه الموقف.
ورغم العقل المسيطر في توجيه خططه نجده امرءاً «عاطفياً» بل يمكن أن يقال فيه إنّه كان يوقد الشمعة من طرفيها: كان كثير الانقياد لشهوته، حتّى إذا أمعن فيها تذكر ثِقْلَ الآثام والذنوب وما يترتب عليها من حساب، ولذلك فإنّ شعره يتراوحُ بين هاتين المنطقتين على نحو متكافئ. أعطى ريعانَ الصبا من المجون ما أحبّ ولكنّه في قرارة نفسه يبغض الإثم. يذهب فنوناً هي هوى إلفٍ له ثمّ يهجره، ويموتُ الإلف وهما متهاجران، فيحسُّ بالندم ويبكي بحرقة ثمّ يلوذ بكرم البارئ ـ جلَّ وعز ـ:
هو المحسنُ البرُّ فيما قضاهُ
والحاكم العدلُ في ما حَكَمْ
وإنّي وإن حجبتني الذنوبُ
فمني السؤالُ ومنه الكرم
بل تبلغُ به التوبة حدَّ التعلق بأستار الكعبة:
أستارُ بيتك أمنُ الخوفِ منكَ وقد
علْقتها مستجيراً منك يا باري
وما أظنّك لما أن علقتُ بها
خوفاً من النار تدنيني من النار
وها أنا جار بيتٍ أنت قلت لنا
حُجُّوا إليه وقد أوصيتَ بالجار
بل يمكن أن يقال إنّه في هذا التردّد ضيَّعَ نقطة الوسط، وإن كان بتأرجحه المستمرّ يحاولُ التوسط. ذكر أنّه يفتش عن غاية العز (ورَّى بالعز هنا عن أشياء كثيرة) أو عن غاية الزهد. أمّا الزهد فغير ممكن في حال الوزير، لأنّ الزاهد يخدم نفسه بنفسه والوزير يخدمه الكثيرون. وأمّا العز فهو يتمناه بلهفة، ولكنّه واقع بالنسبةِ له بين طمعٍ فيه وحرمان مؤقتٍ منه «ومع طمعي فإنّي لست مؤيساً منه»، فكلّ ما ناله من عزّ لم يكن مرضياً له، ولذلك فهو يحسُّ أنّه لم ينل كلَّ ما يريده، أي هو واقع في نقطة وسطٍ لا يريدها. لا يريد أن يتجه نحو الزهد، إنّه لا يرضى إلاّ بالطرف الأقصى من العز، وهذا الموقف الذي يمثّل آخر مراحل حياته يدحضُ روايةً تنسب إليه أنّه تزهد واعتزل العمل. وتذهب هذه الرواية إلى أنّه كان يعايي من يدخل عليه بامتحانه وسؤاله في غير ميدانه العلميّ، وأنّ شيخاً دخل عليه فسأله عن العلم فقال: ما أدري ولكنّي رجل يودعني الغريبُ الذي لا أعرفه الأموالَ العظيمة ويعودُ بعد سنين وهي مختومة. (ها هنا تعريض بالوزير)، فخجل وآل الأمر أن زار أحد الصالحين (أو هو الشيخ نفسه) فقال له: لو صحبتنا لنستفيدَ منك وتستفيدَ منّا، فقال: ردَّني عن هذا بيت شعر:
إذا شئتَ أن تحيا غنيّاً فلا تكنْ
بمنزلةٍ إلاّ رضيتَ بدونها
فأنا أكتفي بعيشي هذا. فقال: يا شيخ ما هذا بيت شعر، هذا بيت مال، ثمّ قال: اللَّهم أغننا كما أغنيتَ هذا الشيخ واعتزل السلطان.
على أنّه مهما استبدّ به استبحاره في الشهوات، فقد كان ذا غَيْرَةٍ على الإسلام، وإيمان عميق به، ولذلك تجده شديدَ السرور حينما أسلم رئيسُ اليعاقبة بتكريت، ذلك هو أبو مسلم مشرف بن عبيدالله: «فهنأ الله الإسلامَ ما يزال يتولاه من إيضاح مناره، وتبلج أنواره، وإدامة صبحه ضاحكاً تتصدّع عنه دياجير الشبهات، وتنجلي منه ملابس الضلالات» ولعلّ ممّا زاده سروراً أنّ المسلم رأى الإمام علياً (عليه السلام) بصحبة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في المنام.
فقد كان الرجل شيعياً، وكان إذا أَمِنَ أفصح عن حقيقة مشاعره، وفي تلك اللحظات كان موقفه من رجالات الإسلام موقفاً شيعياً خالصاً ولذلك عليّ بطبيعة الحال هو خير الصحابة في نظره:
عرفنا علياً بطيب النجارِ
وفصلِ الخطابِ وَحُسْنِ المخيلَهْ
تطلَّع كالشمس رأْدَ الضحى
بفضلٍ عميمٍ وأيدٍ جزيله
فكان المقدَّمَ بعدَ النبيِّ
على كلِّ نفس بكلِّ قبيله
وهو القائل في علي (عليه السلام):
صلَّى عليك الله يا مَنْ دنا
من قاب قوسين مقامَ النبيهْ
أخوك قد خُولفتَ فيه كما
خولف في هارون موسى أخيه
هل برسول الله من أسوةٍ
لم يقتد القومُ بما سنَّ فيه
وقد ظلّت الأجيال من بعد تشير إلى الحسين بن علي باسم «الوزير المغربي» حتّى أصبح اللقب غير منفصل عن نسبته عند ذكره، ولكنّه لم يكن «وزيراً» فقط، بل كان «الوزير الكامل ذا الجلالتين»، ولا ندري متى أحرز كلّ هذه الألقاب، ومن لقبه بها، والأرجح أنّ ذلك تمَّ في الفترة العراقية.
بعض مجالات اهتمامه
1 ـ شعره ونثره:
لا تفتأ المصادر تردّد أنّ للوزير المغربي نظماً فائقاً في الذروة، وترسلاً فائقاً، وأنّه سيطر على صناعتي الشعر والنثر، وأنّ له ديوان شعر ورسائل، لعلهما كانا مجموعين معاً.
وجملة القول في شعره أنّه نموذج لشعر الكتاب في الرقة والطلب للمعاني.
أمّا رسائله فيبدو فيها التفاوت بحسب العمر والموضوع: فرسالته التي كتبها إلى أبي العلاء المعري وأخيه تُرَاوِحُ بين النثر والشعر بشكلٍ يكاد يكون متساوياً، وهي طريقة تخلَّى عنها عندما توفّر له النضج.
والحق أنّ المغربي كان إماماً في الكتابة بين كتاب عصره، ولكن ما و صلنا من رسائله قليل، إذ ضاع منها رسائل كثيرة.
ولا يقل أسلوبه الذاتي في كتبه عن رسائله جزالةَ سبكٍ وروعةَ عبارة، والفرق بين أسلوبه في الحالتين هو اعتماد السجع في الرسائل وعدم اعتماده في كتبه.
ويعدّ الوزير المغربي ناقداً للشعر والنثر، منذ الجاهلية حتّى عصره.
على أنّه أحياناً يترك المقاييس النقدية جانباً ويحبُّ الشعر لأنّه يوافق شَجَناً في نفسه، لا لأنّه كذلك في حقيقة النقد، ولعل صراحته في ذلك هي التي تؤكد الإيمانَ بسلامة ذوقه.
قد تقدّم القول إنّ من أهداف تأليفه كتاب أدب الخواص الدلالةَ على معجز القرآن لأنّ التبحّر في ألفاظ العرب ومعرفة معادنها وأغراضهم فيها يوصلُ المرءَ إلى أن يعرضَ معجز القرآن معرفةً حسيّة ذاتية. وهذا في رأي الوزير المغربي هو المنهج الصحيحُ للتوصّل إلى إدراك الإعجاز لأنّه يتم عن طريق القياس والاستدلال لا عن طريق التقليد لمن يقول ذلك من الفصحاء السابقين. أمّا الاقتصار على القول بالصرفة ـ كما يعتقد قليل من الناس يذهبون مذهب المعتزلة ـ فإنّه لا يفسّر حقيقة الإعجاز، وإن كان مقبولاً. وينضمُّ الوزير المغربي إلى الفريق الذي يرى أنّ الإعجاز في نوعية النظم، وأنّ ذلك مؤيد بالصرفة. وقد كان يدور في ذهن الوزير أن يجرّد كتاباً مفرداً لقضية الإعجاز ولكن يبدو أنّه لم يحقق ذلك. وكانت قضية الإعجاز لديه تمثّل مدخلاً لامتحان مدى الاطلاع والمعرفة، ولذلك نراه يقول لبعضهم على سبيل المعاناة، «صفْ لنا كيف وقع التحدّي بهذا المعجز ليتمّ بوقوعه الإعجاز، وأخبرنا عن صفة التحدّي، هل كانت العرب تعرفه أم لا، أم كان شيئاً لم تَجْرِعادتها به فكان إقصارها عنه، بل لأنّه التماسُ ما لم تجرِ المعاملةُ بينهم بمثله. ثمّ يسأله عن التحدّي: هل لُقِيَ بمعارضة بانَ تقصيرها عنه أو لم تكن بمعارضة، ولكن القوم عدلوا إلى السيف كما عدل المسلّمون مع تسليمهم ولم يعارضوه» ولا يمكن أن يلقي مثل هذه الأسئلة إلاّ وهو يعرف أجوبة دقيقةً مقنعة لها، ولعلّ في ما كتبه في تفسير القرآن ما يجلّي هذه النواحي.
كان للوزير المغربي إملاءات عدّة في تفسير القرآن العظيم وتأويله وربّما جُمِعَتْ في كتاب مفرد، لقول ابن العديم: «وله كتاب في تفسير القرآن أحسنَ فيه على اختصاره»، وقيل إنّ اسمه «المصابيح في تفسير القرآن» وقيل: «خصائص علم القرآن»، ولعلهما أن يكونا كتابين لا كتاباً واحداً. ولم يصلنا شيء في تفسير القرآن للوزير.
من شعره
إذا ما الأمورُ اضطربنَ اعتلى
سفيهٌ تُضَامُ العلا باعتلائِهْ
كذا الماءُ إن حَرَّكَتْهُ يدٌ([554])
طفا عَكَرٌ راسبٌ في إنائه
وقال:
رأت الغزالةُ في السماء غزالةً
في الأرض يبهرُ حُسْنُها الألبابا
فاستحسنتها في النقاب وقد بَدَتْ
وقتاً فصيرتِ الكسوفَ نقابا
وقال:
وطنبورٍ مليحِ الشكلِ يحكي
بنغمتِه الفصيحةِ عندليبا
روى لما ذَوَى نغماً فِصَاحاً
حواها في تقلُّبه قضيبا
كذا من عاشر العلماءَ طفلاً
يكون إذا نشا شيخاً أديبا
وقال في نهر قويق، قال ابن العديم: قرأتها في ديوان شعره:
أما قويقُ فلا عَدَتْهُ مُزْنَةٌ
من خُدْرِهَا بَرَزَ الغمامُ الصيِّبُ
نهرٌ لأبناءِ الصبابةِ مَعْشَقٌ
فيه وللصادي الملوَّح مَشْرِبُ
لا يزال يدرمُ تحت وَسْقِ مكلّلٍ
عَمَمٍ يُقَدِّحُ منكبيه وينكب
ممّا تمناهُ الربيعُ لريّه
أيامَ ظِمءِ رياضِهِ لا تقرب
فردُ الربابِ يقولُ شائمُ برقهِ
من أين رُفِّعَ ذا الغريقُ المهدب
والغيثُ في كِلَلِ السحابِ كأنّه
ملكٌ بقاضيةِ الرواقِ مُحَجَّب
صَخِبُ الرعودِ وإنّما هي ألسنٌ
فأمرُهُنَّ اللوذعيُّ المسهب
راعي الضحى في حينِ غِرَّةِ أَمْنِهِ
فسناه مخطوفُ الإِضاءةِ أكهب
جذلان إن هتكَ اللثامَ بدا له
خدٌّ بجاديِّ البوارقِ مُذْهَب
والأرضُ حسرةٌ تودُّ لو أنّها
ممّا يحبّرهُ الربيعُ تَجَلْبَبُ
وقال:
دَنِفٌ بحمص وبالعراقِ طبيبُهُ
يُضْنِيهِ عنه بعادُهُ ويذيبُهُ([555])
ما ناله إلاّ الذي هو أهلُهُ
إذ غاب عن بلدٍ وفيه حبيبه
لزم السهادَ تحيُّراً وتلدُّداً
وتأسّفاً إذ أوبقته ذنوبه
زعم الفراقَ دعا به فأجابه
ونعمْ دعاه فَلمْ أرادَ يُجيبه
وقال:
الدهرُ سَهْلٌ وصعبُ
والعيشُ مُرُّ وعذبُ
فاكسبْ بمالك حمداً
فليس كالحمد كسب
وما يدومُ سرورُ
فاختم وطينُكَ رَطْبُ
وقال:
سأعرضُ كلَّ منزلةٍ
تعرَّض دونها العطبُ
فإن أسلمْ رجعتُ وقد
ظفرتُ وأُنْجِحَ الطلب
وإن أعطبْ فلا عجبٌ
لكلِّ منيةٍ سبب
وقال:
يا من غدا جبلُ الجوديِّ يحجبُهُ
ليس التذكُر عن قلبي بمحجوبِ
علَّمتني الحزمَ لكن بعد موجعةٍ
إن المصائبَ أثمانُ التجاريب
وقال يتشوق إلى حلب:
يا صاحبيَّ إذا أعياكما سَقَمي
فلقّياني نسيمَ الريحِ من حَلَبِ
من الديارِ التي كان الصِّبا وَطَري
فيها وكان الهوى العذريُّ من أر بي
وقال في حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح:
أمّا وقد خيمتُ وَسْطَ الغابِ
فليقسُوَنَّ على الزمانِ عتابي
يترنَّم الفولاذُ دون مُخَيّمي
وَتُزَعْزَعُ الخرصانُ دون قبابي
وإذا بنيتُ على الثنيَّةِ خيمةً
شُدَّتْ إلى كِسَرِ القنا أطنابي
وتقوم دوني فتيةٌ من طيّئٍ
لم تلتبس أثوابُهُمْ بالعاب
يتناثرون على الصريحِ كأنّهم
يُدْعَوْنَ نَحو غنائمٍ ونهاب
من كلِّ أهرتَ يرتمي حملاقُهُ
بالجمرِ يومَ تسايُفٍ وضراب
يهديهم حسَّانُ يحملُ بزَّهُ
جرداءُ تُعْلِيهِ جناحَ عقاب
يجري الحياءُ على أَسِرَّةِ وجهه
جَرْيَ الفرندِ بصارمِ قَضَّابِ
كَرَمٌ يشقُّ على التلادِ وعزمُةٌ
يغتالُ بادِرُهَا الهزبرَ الضابي
ولقد نظرتُ إليك يا ابنَ مفرّجٍ
في منظرٍ ملءِ الزمان عجاب
والموتُ ملتفُّ الذوائبِ بالقنا
والحربُ سافرةٌ بغير نقاب
فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكاً
والذعرُ يُلْبِسُ أوجهاً بتراب
ورأيت بيتَكَ للضيوف ممهَّداً
فَسِحَ الظلالِ مرفَّع الأبوابِ
يا طيئ الخيراتِ بين خلالكم
أمنُ الشريدِ وهمَّةُ الطلاب
سُمِكَتْ خيامُكُم بأسنمةِ الربى
مرفوعةٌ للطارقِ المنتابِ
وتدلُّ ضيفَكم عليكم أنؤُرٌ
شُبَّتْ بأجذالٍ قُهِرْنَ صعاب
متبرجاتٌ باليَفَاعِ وبعضهم
بالجزع يَكْفرُ ضَوْءَهُ بحجاب
كلأتكمُ ممن يعادي هيبةٌ
أغنتكمُ عن رِقْبةٍ وجناب
فيسير جيشكمُ بغيرِ طليعةٍ
ويبيتُ حيكمُ بغيرِ كلاب
تتهيبون وليس فيكم هائبٌ
وتَوثَّبُونَ على الردى الوثاب
ولكم إذ اختصم الوشيجُ لباقةٌ
بالطعن فوق لباقةِ الكتاب
فالرمحُ ما لم ترسلوه أخطلٌ
والسيفُ ما لم تُعْملوه ناب
يا معنُ قد أقررتمُ عينَ العلا
بي مذ وصلتُ بحبلكم أسبابي
جاورتكم فملأتمُ عيني الكرى
وجوانحي بغرائبِ الأطراب
من بعدِ ذعرٍ كان أحفزَ أضلعي
حتّى لضاقَ به عليّ إهابي
ووجدتُ جار أبي النَّدى متحكماً
حُكْمَ العزيزِ على الذليلِ الكابي
فليهنه مِنَنٌ على متنزِّهٍ
لسوى مواهبِ ذي المعارجِ آبي
قد كان من حُكْمِ الصنائعِ شامساً
فاقتاداه بصنيعةٍ من عاب
فلأنظمنَّ له عقودَ محامدٍ
تبقى جواهرها على الأحقاب
لا جاد غَيْرَكُمُ الربيعُ ولا مَرَتْ
غُزْرَ اللقاحِ لغيركم بِحِلابِ
أنا ذاكرُ الرجل المندد ذكره
كالطَّوْدِ حُلِّيَ جيده بشهاب
ولقد رجوتُ ولليالي دولةٌ
أني أجازيكم بخيرِ ثواب
وقال في كسوف الشمس:
قالوا كسوفُ الشمسِ مقتربٌ
قلت ادخرتُ لدفعِ نائبها
ثِقَتي بكاسِفها وكاشفها
وبفضلِ ماحيها وكاسبها
من لو يشاءُ أعادَ مشرقَها
متبسّماً لكَ من مغاربها
هي شعلةٌ من نوره فإذا
ما شاءَ أظلم أو أضاءَ بها
وقال يتعصّب للأنصار على المهاجرين، قال ابن أبي الحديد:
وقد أوردت ها هنا بعضها، لأنّي لم أستجز ولم أستحل إيرادها على وجهها:
نحن الّذين بنا استجار فلم يَضِعْ
فينا، وأصبح في أعزِّ جوارِ
بسيوفنا أمستْ سَخينةُ بُرَّكاً
في بَدْرِها كنحائرِ الجزّار
ولنحن في أُحُدٍ سمحنا دونه
بنفوسنا للموتِ خوفَ العار
فنجا بمهجته، فلولا ذَبُّنَا
عنه تنشَّبَ في مخالب ضار
وحمية السّعدين بل بحماية السـ
ـدين يوم الجحفلِ الجرّار
في الخندقِ المشهور إذ ألقى بها
بيدٍ، ورام دفاعها بثمار
قالا: معاذَ الله إنّ هضيمةً
لم نُعْطِها في سالفِ الأعصار
ما عندنا إلاّ السيوفُ، وأقبلا
نحو الحتوف بها بَدارِ بَدارِ
ولنا بيوم حنينَ آثارٌ متى
تُذْكَرْ فَهُنّ كرائمُ الآثار
لما تصدَعَ جمعُهُ فغدا بنا
مستصرخاً بعقيرةٍ وَجُؤار
عطفتْ عليه كماتُنا، فتحصَّنَت
منّا جموعُ هوازنٍ بفرار
وَفَدَتْهُ من أبناءِ قَيْلَةَ عُصْبَةٌ
شَرْوَى النقيرِ وَجِنَّةِ البقار
ما الأمر إلاّ أَمْرُنا وَبِسَعْدِنا
زُفَّتْ عروسُ الملكِ غيرَ نَوار
لكنما حسدُ النفوسِ وشُحُّها
وتذكّر الأذحال والأوتار
أفضى إلى هَرْجٍ ومَرْجٍ فانبرتْ
عشواءَ خابطةَ بغيرِ نهار
ثمّ ارتدى المحرومُ فضلَ ردائها
فَغلَتْ مراجلُ إحنةٍ ونفار
فتأكّلَتْ تلك الجُذَى، وتلمَّظَتْ
تلك الظَّبا، ورقى أجيجُ النار
تالله لو أَلْقَوْا إليه زمامَها
لمشى بهم سُجُحاً بغيرِ عثار
ولو أنّها حلَّت بساحةِ مجده
بادي بدا سكنتْ بدارِ قرار
هو كالنبيِّ فضيلةً، لكنّ ذا
من حظّه كاسٍ، وهذا عار
والفضلُ ليس بنافعٍ أربابَهُ
إلا بِمُسْعَدَةٍ من الأقدار
ثمّ امتطاها عبدُ شمس فاغتدتْ
هزؤاً، وَبُدِّلَ ربحها بخسار
وتنقّلت في عصبة أمويةٍ
ليسوا بأطهارِ ولا أبرار
ما بين مأفون إلى متزندق
ومداه ومضاعَفٍ وحمار
وقال:
كن حاقداً ما دمتَ لستَ بقادرٍ
فإذا قدرتَ فخلِّ حقدَكَ واغفرِ
واعذر أخاك إذا أساءَ فربما
لجَّتْ إساءَتُهُ إذا لم تَعْذِرِ
وقال:
سيان عندي ميّتٌ في قبرِهِ
يَجْنَى عليه ونائمٌ في سُكْره
وقال:
ما لي أرى قلبي تنازَعَهُ
وطنايَ من حلبٍ ومن مصرِ
لا عيشَ إلا كورُ ناجيةٍ
لا ظلَّ غيرُ ذوائبِ السُّمْر
وقال:
يا رُبَّ خَصْمٍ قد تركتُ ذَماءَهُ
وكأنّما شُقَّتْ له أرماسُهُ
من بعدِ ما قد كان يطفحُ قوله
بدداً وَيُنْغَصُ في المقادمِ راسه
بجدال ذي غَرْبٍ ألدَّ كأنّما
يُذكى بشعلةِ قوله نبراسه
في موقفٍ كالحربِ تهتضمُ الفتى
فيه جبانَتُهُ وينفعُ باسُهُ
وقال:
يومُ الكسوفِ جلا على بصري
قمراً أحار الجنَّ والإنسا
قامتْ فأرختْ من ذوائبها
وتجللتْ من شعرها لبسا
فسألتها لمَ قد لبستِ دجًى
قالت أُساعدُ أُختيَ الشمسا
وقال مفتخراً:
قارعت الأيامُ مني امرءاً
قد أعلق المجدَ بأمراسِهِ
تُسْتَنْزَلُ النجدةُ من رأيه
وَيُسْتَدَرُّ العزُّ من باسه
أَرْوَعَ لا ينحطُّ عن تيههِ
والسيفُ مسلولٌ على رأسه
وقال:
خفِ الله واستدفع سُطَاهُ وسُخْطَهُ
وسائله فيما تسألُ الله تُعْطَهُ
فما تقبضُ الأيامُ في نيلِ حاجةٍ
بنانَ فتى أبدى إلى الله بسطه
وكنْ بالذي قد خطّ باللوحِ راضياً
فلا مَهْرَبٌ ممّا قضاهُ وخطّه
وإنّ مع الرزقِ اشتراطَ التماسِهِ
وقد يتعدَّى إن تعديتَ شَرْطَه
ولو شاء ألقى في فمِ الطير قوتَهُ
ولكنَّه أَوْحَى إلى الطير لقطه
إذا ما احتملت العبءَ فانظر قبيل أن
تنوءَ به ألا ترومَ مَحَطَّه
وأفضلُ أخلاق الفتى العلمُ والحجى
إذا ما صروفُ الدهرِ أخلقن مِرْطه
فما رفع الدهرُ امرءاً عن محلّه
بغير التقى والعلم إلا وَحَطَّه
وقال:
نَمْ عن معاداةِ الرجا
لِ فإنّها حسَكُ المضاجعْ
وإذا أُذِيتَ فحامِ عنـ
ـد الضَّيْمِ مجتهداً ومانعْ
وقال:
ولقد يميلُ بناظري عن مسجدٍ
غُصُنّ من الرّمانِ أَكْملَ يُنْعَهُ
مُتَبَرّجٌ نهداه يكتُمُ حسنه
خفراً فطبعهما يخالفُ طَبْعَهُ
أبداً يشقُّ صدارَهُ بنهودِهِ
ولو أنّني صيَّرتُ درعي دِرْعَهُ
وقال:
أرى الناسَ في الدنيا كراعٍ تنكَّرَتْ
مراعيه حتّى ليس فيهنَّ مرتعُ
فماءٌ بلا مرعًى ومرعًى بغيرِ ما
وحيثُ ترى ماءً ومرعى فَمَسْبَعُ
وقال:
ولو سلوت لنفسي عن طِلابِ غنًى
لما سلوتُ لاتباعي وأشياعي
من كلّ سام بعينيه يؤمّلني
تأميلَ ضرَّارِ أعداء ونفّاع
ولو جنيتُ لأعواني سلامتهم
حتّى يرانيَ رحباً الندى باعي
وقال:
كأنَّ قلبي إذا عنَّ ادّكاركمُ
ظلُّ اللواءِ عليه الريحُ تخترقُ
وقال:
قطعتُ الأرضَ في شَهْرَيْ ربيعٍ
إلى مصرٍ وعدتُ إلى العراقِ
فقال ليَ الحبيبُ وقد رآني
سَبُوقاً للمضمرة العتاق
ركبتَ على البراقِ فقلتُ كلاّ
ولكنّي ركبتُ على اشتياقي
وقال في المعرة:
ما على ساكني المعرةِ لو
أنَّ دياراً نبتْ بهمْ أو طلولا
يسكنون العُلا معاقلَ شُمّاً
ويرون الآدابَ ظلاً ظليلا
منزلٌ شاقني أنيسٌ وما كا
ن رسوماً نواحلاً وطلولا
حيثُ يُدْعَى النسيمُ قظّاً وَيُلْفَى
سَبَلُ الغادياتِ شكساً بخيلا
أينما تلتفتْ تجدْ ظلَّ طوبى
وتجدْ كوثراً أغرَّ صقيلا
تربها طيَّبَ الشبابَ فيما يَصْـ
ـحَبُ إلا السرورَ فيها خليلا
فترى اللهوَ إن ّأردت طليقاً
والتقى إن أردته مغلولا
وإذا ما اعتزى بها الأدبُ العذ
ريُّ جاؤوا عمارةً وقبيلا
ليتَ لا يعنفُ السحابُ عليها
ليته جادها عليلاً كليلا
وسلامٌ على بنيها ولا زا
ل نعيمُ الحياةِ فيهم نزيلا
وقال في الإمام عليّ (عليه السلام):
أيا غامصين المزايا الجليلَهْ
من المرتضَى والسجايا الجميلَهْ
ويا غامضين عن الواضحاتِ
كأنَّ العيونَ لديها كليله
إذا كان لا يعرفُ الفاضلين
إلاّ شبيههمُ في الفضيله
فمن أين للأمةِ الاختيارُ
عفاً لعقولكمُ المستحيله
عرفنا عليّاً بطيبِ النجارِ
وفَصْلِ الخطابِ وحُسْنِ المَخِيلَه
تطَّلع كالشمس رأْدَ الضحى
بفضلٍ عميم وأيدٍ جزيله
فكان المقدَّمَ بعد النبيِّ
على كلّ نفسٍ بكلِّ قبيله
وقال:
بعدوا فلا مستخْبِرٌ عن حالهم
غيري ولا مستخْبَرٌ مسؤول
لم يبقَ غير العذلِ من أسبابهم
فأحبُّ من يدنو إليَّ عذول
الليلُ عندي والنهارُ كأَدْهَمٍ
لا غثرَّةٌ فيه ولا تحجيل
وقال:
ترنَّمَ جاري والمدامُ تهزُّه
ترنُّمَ قمريٌّ بفرعةِ ضالِ
فجاوبتُهُ من زفرتي بمغرّدٍ
وناوبته من أدمعي بسجال
وقلتُ له يا جارُ هل أنتَ آمنٌ
تفرُّقَ أحبابٍ وحربَ ليال
يَهِيجُ ليَ الذكرى هزاجُكَ كلَّما
هزجتَ فَيَشْقَى في نعيمك بالي
لئن جمعتْ بيني وبينكَ حليتي
لقد فَرَّقَتْ بيني وبينك حالي
تذكرتُ دارَ الحيِّ إذ أنا باسطٌ
ظلالي ومجموعٌ لدي رجالي
وإذا أنا بين الناس منزعُ آملٍ
لبثِّ نوالٍ أو بناءِ معالي
لعمري لقد أسهلتُ في الأرضِ بعدما
تزحزحَ عن ريبِ الزمانِ جبالي
وله من قصيدة في حسان بن مفرج الطائي:
فإنّي أتيتُ ابنَ الكريمِ مُفَرّجٍ
فأطلق من أسرِ الهمومِ عقالي
وقال:
وأَعتسفُ الخصمَ الألدَّ بمنطقي
فيبلغُ ما لا يبلغُ الحقُّ باطلي
بحيث جفاني الأقربون وكلُّهُمْ
شهيدٌ وأضحى ناصري مثلَ خاذلي
لدى مَلِكِ يكمي لخصميَ نُصْرةً
وأعيا عليه خَتْلُ ثبتٍ مُمَاحِلِ
إذا أنصلتْ آراؤه سَهْمَ حجةٍ
تمهَّلَ أو يرمي به في المقاتل
فلا عند إكثاب الرميّةِ صامتٌ
ولا في ضجاجَ اللغوِ أولُ قائل
وقال مادحاً:
حتّى إذا ما أراد الله يُسعدني
رأيتُهُ فرأيتُ الناسَ في رجلِ
وقال:
كساني الهجرُ ثوباً منْ
نحولٍ مُسْبَلِ الذَّيْلِ
وما يعلمُ ما أُخفي
من الدمعِ سوى ليلي
وقد أرجفَ بالبينِ
فإنْ صحَّ فوا ويلي
وقال:
ولي جارةٌ لا يُلِمُّ الكَرَى
بأجفانها الدُّعْجِ فيما يُلِمْ
تردُّ فضولَ أحادِيثِهَا
إلى ضَحِكٍ لم يُعَوِّقْهُ هم
وآوي بوجدي إلى زفرةٍ
تكادُ تبلُّ لهاتي بدم
فيا جارتي بُعْدَ ما بيننا
وما كان بيتُكِ منّي أَمَمْ
فأقسم لو في يدي مهجتي
لأعفيتُها من مِطالِ الألم
ولكنَّها في يديْ مالك
إليه الشفاءُ ومنه السقم
هو المحسنُ البَرُّ في ما قضاهُ
والحاكمُ العدلُ في ما حكم
وإنّي وإن حجبتني الذنوبُ
فمني السؤالُ ومنه الكرم
وقال مادحاً:
ويعدلُ في شرقِ البلادِ وغربها
على أنّه للسيفِ والمالِ ظالمُ
وكتب إلى الحاكم يقول ـ بعد أن قتل الحاكم أباه علياً وعمّه محمداً:
وأنت، وحسبي أنت، تعلم أنَّ لي
لساناً وراءَ المجدِ يبني ويهدمُ
وليس حليماً من تُقبِّلُ كفَّه
فيرضَى ولكنْ من تَعَضُّ فيحلم
وقال في سوداء:
يا ربَّ سوداءَ تَيَّمَتْني
يَحْسُنُ في مثلها الغرامُ
كالليل تُسْتَسْهَلُ المعاصي
فيه وَيُسْتَعْذَبُ الحرام
وقال في التوبة:
كنتُ في سَفْرَةِ البطالةِ والغيي
زماناً فحان منّي قدومُ
تبتُ عن كلِّ مأثم فعسى يُمْـ
ـحَى بهذا الحديثِ ذاك القديم
بعد خمسٍ وأربعين لقد ما
طلتُ إلاّ أنَّ الغريمَ كريم
وقال يرثي أباه وعمّه وأخاه:
تركتُ على رغمي كراماً أعزَّةً
بقلبي وإن كانوا بسفحِ المقطَّمِ
أراقوا دماهم ظالمين وقد دَرَوْا
وما قتلوا غَيْرَ العلا والتكرم
فكم تركوا محرابَ آيٍ معطّلاً
وكم تركوا من عتمةٍ لم تُتَمَّمِ
وقال في مقتل أبيه وإخوته:
إذا كنتَ مشتاقاً إلى الطفّ تائقاً
إلى كربلا فانظرْ عراصَ المقطَّمِ
تجدْ من رجال المغربيِّ عصابةً
مضرَّجةَ الأوداجِ تقطرُ بالدم
فكم خلَّفوا محرابَ آيٍ معطّلاً
وكم تركوا من ختمةٍ لم تتمّم
وقال:
لي كلّما ابتسم النهارُ تعلَّةٌ
بمحدّثٍ ما شانُ قلبي شانُهُ
فإذا الدجى وافَى وأقبلَ جُنْحُهُ
فهناك يدري الهمُّ أينَ مكانُهُ
كان بين سليمان بن فهد وبين أبي القاسم المغربي عداوة، وقتل سليمان نفسه في نكبة ومصادرة طلب بها فقال المغربي يرثيه:
يا ابنَ الكرامِ أرى الغما
مَ تمرُّ بي ولها حنينُ
وَلْهَى فتَلتدمُ الرعو
دُ لها وتسودُّ الدجون
أترى لها بالمَوْصِل الـ
ـغراءِ مفقودٌ دفين
قَبْرٌ جفاهُ الأقربو
نَ وباع خُلَّتَهُ القرين
عجباً له ضمَّ البلا
غةَ وهو أَخرسُ ما يُبين
نَصَرَ المنونَ ولو يشا
ءُ لما تجاسرتِ المنون
وتحكَّمتْ فيه يميـ
ـنٌ لا يجاريها يمين
لو غيرُ كَفِّكَ ساوَرَتْـ
ـكَ لردَّها كيدٌ زَبُون
وعزائمٌ يعيا اللبيـ
ـبُ بها أعقلٌ أم جنون
وهواجسٌ كانت طلا
ئِعَها على الغيبِ الظنون
تبكي عليكَ ولو تعيـ
ـشُ إذن بكت منك العيون
ثمّ أثارته العداوة فقال:
إيهاً سليمانُ بنَ فهـ
ـدٍ والحديثُ له شجونُ
أفمالِكٌ لكَ مالكٌ
أم أنت موقوفٌ رهين
أم أنت منتظرٌ فأنـ
ـت لنارِهِ نعمَ الزبون
وقال في أوّل ليلة في القبر:
إنّي أبثّك من حديـ
ـثي والحديثُ له شجونُ
فارقتُ موضع مرقدي
ليلاً ففارقني السكونُ
قل لي فأوّلَ ليلةٍ
في القبر كيف تُرَى أَكونُ
وقال في قلّة الأصدقاء:
أَنِسْتُ بوحدتي حتّى لو أنّي
رأيتُ الإِنسَ لاستوحشتُ منه
ولم تدعِ التجاربُ لي صديقاً
أميلُ إليه إلا مِلْتُ عنه
وما ظفرتْ يدي بصديقِ صدقٍ
أخافُ عليه إلاّ خفتُ منه
وقال:
لو كنتُ أعرفُ فوق الشكرِ منزلةً
أعلى من الشكرِ عند الله في الثمنِ
إذاً منحتكما منّي مُهَذَّبَةً
حذواً على حَذْوِ ما واليتُ من حَسَنِ
وممّا وجد بخطّه وكان شديدَ العصبية للأنصار ولقطحان قاطبة على عدنان، وكان ينتمي إلى الأزد ـ أزد شنوءة:
إنَّ الذي أرسى دعائمَ أحمدٍ
وعلا بدعوته على كيوانِ
أبناءُ قيلةَ وارثو شَرَفِ العلا
وعراعرُ الأَقيالِ من قحطان
بسيوفهم يومَ الوغى وأكفّهم
ضَرَبَتْ مصاعبُ مُلْكِهِ بجران([556])
لولا مصارعهم وصدقُ قِراعِهِمْ
خرَّتْ عروشُ الدينِ للأذقان
وقال في الصديق ذي الوجهين:
أيّ شيءٍ يكونُ أقبحَ مرأًى
من صديقٍ يكونُ ذا وجهينِ
من ورائي يكونُ مثلَ عدوّي
وإذا يلقني يقبِّلُ عيني
وقال:
ديونُ المكارمِ لا تُقْتَضَى
كما تقتضى واجباتُ الديونِ
ولكنّها في صدورِ الكرامِ
تجولُ مجالَ القذى في العيونِ
وقال:
صلَّى عليكَ الله يا مَنْ دنا
من قاب قوسين مقامَ النبيهْ
أخوك قد خولفتَ فيه كما
خولفَ في هارونَ موسى أخيه
هل برسولِ الله في أُسوةٍ
لم يقتدِ القوم بما سنَّ فيه
وقال في الخمر:
كأسُ مُدامٍ صددتُ عنها
لله، والنفسُ تشتهيها
قال عليٌّ وكان عدلاً
قد طُبِخَتْ قلتُ فأسقنيها
قالآن إذ عُذِّبَتْ قليلاً
فَدَتْ من النارِ شاربيها
وقال:
وكل امرئٍ يدري مواقعَ رُشْدِهِ
ولكنّه أعمى أسيرُ هواهُ
هوى نفسهِ يعميهِ عن قُبحِ عيبه
وينظرُ عن حِذْقٍ عيوبَ سواه
وله من مرثية في صهره الشريف أبي الحسن:
يا ناعيَ الدينِ والدنيا أَشِدْ بهما
من حيثُ سالَ بآلِ الله واديهِ
هذي معالي قريشٍ غاض آخرها
ومجدُ هاشمُ زار التربَ باقيه
قل يا أبا حسن والقولُ ذو سعةٍ
لولا حجابٌ من الثرياءِ يثنيه
أآخرُ الدهرِ أم تحيى عواطفه
وفيصل البينِ أم يُرْجى تلافيه
كلا لقد فات منك الوصلُ آمِلَهُ
مذ شيَّد الجدثَ المأمولَ بانيه
هنّيت ربعاً برغم المجدِ تسكنُهُ
تلقى أباك علياً في مغانيه
إنْ أَخْلُ بعدك بالدنيا أروّضها
فقد خلا بضمير النبعِ باريه
هل كنتَ تعلمُ إذ عوّدتني أبداً
حُسْنَ التصبّر أنّي فيك أُفنيه
وقال:
عجباً لقلبي وهو نارٌ كيف لا
يؤذيكَ معْ طولِ الإقامةِ فيهِ
وله في دولاب:
عَبْدُكَ يا عبدونُ في نعمةٍ
صافيةٍ أذيالُهَا ضافِيَهْ
نديمتي جاريةٌ ساقيهْ
ونزهتي ساقيةٌ جاريهْ
وقال:
صيَّرني حبُّكَ يا
غزالَ أهلِ الجابيهْ
أبا نواسٍ بعدما
كنتُ أبا العتاهيهْ
الدكتور إحسان عباس
ابن السكيت
مؤلف إصلاح المنطق
إذا كنّا قد فسحنا المجال أوّلاً للكلام عن شارح الكتاب، فلأنّ نفس الكلام فيه طويل، والحديث عنه متشعب. وقد آن لنا أن نعرّف بابن السكيت مؤلف الكتاب:
هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي([557]) الأهوازي المعروف بابن السكيت([558]) النحوي اللغوي الأديب. الذي قتله المتوكل العباسي يوم الاثنين الخامس من شهر رجب سنة 243 أو 244 أو 246.
كان علماً من أعلام الشيعة وعظمائهم وثقاتهم ومن خواص الإمامين محمد التقي وعلي النقي (عليهم السلام) وكان حامل لواء الشعر و الأدب والنحو واللغة في عصره، قال ابن خلكان إنّه ذكر بعض الثقاة أنّه ما عبر على جسر بغداد كتاب من اللغة مثل إصلاح المنطق لابن السكيت، وقد اهتمّ بهذا الكتاب كثير من المحققين واختصره الوزير المغربي وهذّبه الخطيب التبريزي.
وروي عن المبرد أنّه قال: ما رأيت للبغداديين كتاباً أحسن من كتاب ابن السكيت في المنطق. وذكر ابن خلكان نقلاً عن ثعلب أنّه أجمع أصحابنا على أنّه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت.
وقد اختلفت الروايات في سبب قتله من قبل المتوكل، فقيل إنّ المتوكل كان قد ألزمه تأديب ولديه المعتز بالله والمؤيد، فقال له يوماً أيّهما أحبّ إليك ابناي هذان أي المعتز والمؤيد أم الحسن والحسين (عليهما السلام) فأجابه ابن السكيت والله إنّ قنبراً خادم علي بن أبي طالب (عليه السلام) خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل لجلاوزته الأتراك سلوا لسانه من قفاه ففعلوا فمات، وقيل إنّ ابن السكيت أثنى على الحسن والحسين (عليهم السلام) ولم يذكر ابنيه فأمر المتوكل الأتراك فداسوا بطنه فحمل إلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم. ومن أعجب الصدف أنّه كان قد نظم البيتين التاليين قبل حادث مقتله ببضعة أيام:
يصاب الفتى من عثرة بلسانه
وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته في القول تذهب رأسه
وعثرته في الرجل تبرأ عن مهل
وقد ذكره الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤتي البحرين بقوله:
وكان هذا الشيخ ـ أي يعقوب بن إسحاق السكيت صاحب إصلاح المنطق ـ من أجلاء الشيعة وأصحاب الأئمة (عليهم السلام). وقال في الخلاصة وكتاب النجاشي: يعقوب بن إسحاق السكيت بالسين المهملة والكاف والياء المنقطة تحتها نقطتين والتاء المنقطة فوقها نقطتين أبو يوسف كان مقدماً عند أبي جعفر الثاني وأبي الحسن (التقي والنقي) (عليهم السلام) ويختصان به وله عن أبي جعفر (عليه السلام) رواية ومسائل، قتله المتوكل لأجل التشيّع وأمره مشهور. وكان عالماً بالعربية واللغة ثقة مصدق لا يطعن عليه بشيء وكان وجيهاً في علم اللغة والعربية… وله كتب منها:
(إصلاح المنطق) و(الألفاظ) و(ما اتفق لفظه واختلف معناه) و(الأضداد) و(المؤنث والمذكر) و(المقصور والممدود) و(كتاب الطير) وكتاب (النبات والشجر) وكتاب (الوحش أو الوحوش) (وكتاب) {الأرضين والجبال والأودية} وكتاب (الأصوات) وكتاب (ما صنّفه في شعر الشعراء).
أمّا معجم الأدباء، فقد ذكره المترجم بما يلي: وكان أبوه ـ أي السكيت ـ من أصحاب الكسائي عالماً بالعربية واللغة والشعر. وكان يعقوب ـ أي المترجم يؤدّب الصبيان مع أبيه في درب القنطرة بمدينة السلام حتّى احتاج إلى الكسب، فأقبل على تعلّم النحو من البصريين والكوفيين، فأخذ عن أبي عمرو الشيباني والفرّاء وابن الأعرابي والأثرم. وروى عن الأصمعي وأبي عبيدة، وأخذ عنه أبو سعيد السكري وأبو عكرمة الضبي ومحمد بن الفرج المقرئ ومحمد بن عجلان الأخباري وميمون بن هارون الكاتب وغيرهم.
وكان عالماً بالقرآن ونحو الكوفيين ومن أعلم الناس باللغة والشعر، راوية ثقة ولم يكن بعد ابن الأعرابي مثله، وكان قد خرج إلى سر من رأى فصيره عبدالله بن يحيى بن الخاقان إلى المتوكل فضمّ إليه ولده يؤدّبهم وأسنى له الرزق، ثمّ دعاه إلى منادمنته فنهاه عبدالله بن عبد العزيز عن ذلك فظن أنّه حسده وأجاب إلى ما دعي إليه. فبينما هو مع المتوكل يوماً جاء المعتز والمؤيد فقال له المتوكل: يا يعقوب أيّهما أحبّ إليك: ابناي هذان أم الحسن والحسين، فذكر الحسن والحسين رضي الله عنهما بما هو أهله وسكت عن ابنيه وقيل قال: إنّ قنبراً خادم علي، أحبّ إليّ من ابنيك.
وكان يعقوب يتشيّع فأمر المتوكل الأتراك فسلوا لسانه وداسوا بطنه وحمل إلى بيته فعاش يوماً وبعض آخر.
ووجّه المتوكل من الغد عشرة آلاف درهم ديته إلى أهله. ولمّا بلغ عبدالله بن عبدالعزيز الذي نهاه عن المنادمة خبر قتله أنشد:
نهيتك يا يعقوب عن قرب شادن
إذا ما سطا أربى على كلّ ضيغم
فذق وأحسّ إنّي لا أقول الغداة إذ
عثرت لعاً بل لليدين وللفم
ولقد أضاف المعجم على مصنفات المترجم التي ذكرها في لؤلؤتي البحرين الكتب التالية:
كتاب «القلب والأبدال» وكتاب «النوادر» وكتاب «فعل وافعل» وكتاب «الأجناس الكبير» وكتاب «الفرق» وكتاب «الأمثال» وكتاب «البحث» وكتاب «الزبرج» وكتاب «الإبل» وكتاب «السرج واللجام» وكتاب «الحشرات» وكتاب «الأيام والليالي» وكتاب «سرقات الشعراء وما تواردوا عليه» وكتاب «معاني الشعر الكبير» وكتاب «معاني الشعر الصغير» وغير ذلك.
من شعره قوله:
نفسي تروم أموراً لست أدركها
ما دمت أحذر ما يأتي به الحذر
كم مانع نفسه لذاتها حذراً
للفقر ليس له من ماله ذخر
إن كان إمساكه للفقر يحذره
فقد تعجل فقراً قبل يفتقر
ليس احتيال ولا عقل ولا أدب
يجدي عليك إذا لم يسعد القدر
ولا توان ولا عجز يضر إذا
جاء القضاء بما فيه لك الخير
ما قدر الله من أمر يسهله
ونيل ما لم يقدر نيله عسر
ليس ارتحالك ترتاد الغنى سفراً
بل المقام على خسف هو السفر
الاجتهاد في اللغة
اللغة
عرفوا اللغة بتعريفات متعددة، لا يخلو أكثرها من إشكال عدم الاطراد أو الانعكاس، ولعل الأقرب إلى فن التعريف أن يقال إنّها: «مجموعة من أصوات ذات هيئات خاصّة تستخدم بعد وضعها لمعان معينة وسيلة للتفاهم بين العاملين بها».
فالأصوات جنس، يجمع بين ما يطلقه الإنسان منها و ما تطلقه بقية الحيوانات، وكلمة الهيئات وما بعدها، فصلها المميِّز لها.
واللغة العربية نوع من أنواع هذه اللغة ذات المفهوم العام تتميز عن بقية الأنواع بعدّة مقومات، تشكّل مجتمعة الفارق بينها وبين بقية اللغات.
وهذه المقومات هي:
1 ـ أصواتها.
2 ـ صيغ مفرداتها.
3 ـ هيئاتها الاشتقاقية بما لها من دلالات.
4 ـ هيئاتها التركيبة ودلالاتها الخاصّة.
5 ـ أدوات الربط فيها وما لها من مداليل.
6 ـ حركاتها الإعرابية ودورها في تشخيص المراد.
وهذه المقومات هي التي تشكل الإطار العام للغة العربية دون مفرداتها؛ لأنّ المفردات لا تخضع لضوابط محددة تنتظمها في هذا المجال، بالإضافة إلى أنّها لا تقبل الوقوف عند حصر، نظراً لكونها وليدة الحاجة إلى التعبير عن المعاني، والمعاني غير قابلة للحصر لتجددها باستمرار.
اللغة بين التوقيف والاصطلاح
والمراد بالتوقيف: هو الاقتصار على ما ورد منها دون مسّها بالتغيير والتبديل والإضافة، إذ ليس لأحد الحق في ذلك، إمّا لأنّها موضوعة من قبل الله عزَّ وجلَّ، أو لأنّها من وضع من يملك وحده السلطنة على ذلك من البشر كيعرب بن قحطان بالنسبة للغة العربية، أو لدعوى الترابط الذاتي بين الألفاظ والمعاني على اختلاف في التسبيب من قبل العلماء القائلين بذلك.
والمراد بكونها اصطلاحية: اعتبار الوضع فيها حقاً من حقوق المتكلمين بها، يتصرفون به كما يشاؤون، سداً لحاجاتهم في ذلك، وذلك إمّا للقول بأنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الذي أقدرهم على المواضعة وترك لهم حق إعمال هذه القدرة، أو لأنّ هذا الحق ممّا تقتضيه طبيعة الاجتماع، واللغة ظاهرة من ظواهره.
والذي يبدو لي هو الاستدراك على ما سبق أن اخترته من القول باصطلاحيتها مطلقاً ـ وإن اختلفت الزاوية التي ينظر منها لهذا الموضوع ـ وهذا الاستدراك يقوم على التفريق بين مقومات اللغة ومفرداتها، بدعوى أنّ المقومات ـ من الأصوات والصيغ والهيئات وأدوات الربط والحركات ـ كلّها توقيفية لا تقبل الاصطلاح الجديد، بخلاف المفردات.
فاللغة العربية مثلاً بعد أن استقرّت معالمها، واستوت مشخصاتها، وتحقّقت ماهيتها، لم يعد لأحد الحق في التصرّف بمقوماتها ما دام يريد لنفسه السير في فلكها. وإعطاؤه مثل هذا الحق تعبير آخر عن إعطائه الحق في القضاء عليها تدريجياً؛ لوضوح أنّ التصرّف بذاتيات الشيء بالتغيير والتبديل، تصرف بنفس الذات وإعدام لماهيتها.
والذي أظنّه أنّ هذه الدعوى من الوضوح بمكان. ومن هنا نرى علماء اللغة ـ على اختلاف مجالاتهم في البحث ـ يصدرون تلقائياً في بحوثهم عن الدوران في فلك هذه المقومات بحثاً عن حدودها، والتماساً لقواعدها، وما سمعنا من فكر منهم أن يضيف إلى أصواتها صوتاً واحداً، أو يضع صيغة أو هيئة جديدة سداً لحاجة يتحسسها. وكذلك بالنسبة لأدوات الربط فيها، فلو قال أحد ـ مثلاً ـ إنّ العرب وضعت لقطة (من) للربط الابتدائي، و(إلى) للربط الانتهائي، وأنا أضع (حين) للربط الوسطي؛ لأصبح سخرية الساخرين.
وهذا بخلاف الوضع في المفردات. فقد رأينا أكثر العلماء من مؤلفي المعجمات اللغوية قد اتّسعت صدور معجماتهم بتقبّل الموّلد من المفردات، وما رأينا من تنكّر لمصطلحات ما جدّ من العلوم بعد عصر الاحتجاج؛ بدعوى التوليد فيها، إلاّ إذا وجدوه خارجاً عن الشروح التي يرونها ملزمة في مجال وضع المصطلحات.
وإذا تمّ ما ذكرناه اتضح المقصود من الاجتهاد في اللغة، ومجالات هذا الاجتهاد.
فالاجتهاد في اللغة يعني: بذل الوسع للتعرّف على مقومات اللغة وقواعدها العامة ودلالات ألفاظها، وذلك من خلال استنباطها من الأصول الكاشفة عنها.
والأصول التي يعتبرها العلماء صالحة للكشف متعددة أهمها:
1 ـ النصوص.
2 ـ الإجماع.
3 ـ القياس.
4 ـ الاستصحاب.
ولإكمال معالم البحث الأساسية يحسن أن نلم إلمامة يسيرة بهذه الأصول.
1 ـ النصوص
والمراد بها ما أثر من كلام قبائل من العرب، رأى العلماء أنّها أكثر تمثيلاً لنقاء اللغة لبُعدها عن الاختلاط بالأعاجم.
واشتراطوا أن يكون هذا الكلام صادراً من أهله، ضمن عصور الاحتجاج، وهي العصور التي حدّدوا انتهاءها بانتهاء القرن الثاني لسكان المدن، والقرن الرابع لسكان البوادي؛ لاعتبارهم هذه الفترة فترة سلامة ونقاء من شوائب الدخيل على اللغة العربية، وحسبها أن تتوج بكلام الله عزَّ وجلَّ أعظم نص عرفته في تاريخها العربي.
واشترطوا لأخذهم بهذه النصوص أن تكون منقولة عن أصحابها نقلاً يوجب الوثوق بصدورها منهم، إمّا لتواتره، أو لاستيفائه شرائط الحجية في النقل غير المتواتر، كنقل الثقات.
2 ـ الإجماع
وأرادوا به اتفاق علماء اللغة المعترف لهم بالخبرة والإخلاص لرسالة العلم على قاعدة ما، دون التصريح بالمصدر الذي استنبطت منه هذه القاعدة، إذ مع التصريح بالمصدر يفقد الإجماع قيمته في الكشف عنها، ويتحوّل النظر إلى المصدر نفسه ليرى مدى كشفه عن ثبوت هذه القاعدة.
3 ـ القياس
ويطلق عندهم في حدود ما استفدته من كلماتهم على معنيين:
أحدهما: القاعدة.
ثانيهما: العملية القياسية.
ويتضح المعنى الأوّل من شيوع أمثال هذا التعبير عندهم: إنّ الاشتقاق الفلاني جارٍ على وفق القياس، والمسألة الفلانية جارية على خلاف القياس.
ومن الواضح أنّهم لا يريدون بذلك أنّها مستنطبة أو غير مستنبطة من العملية القياسية، وإنّما يريدون به التنبيه على موافقتها أو عدم موافقتها للقاعدة.
والقياس بهذا المعنى ليس مصدراً للاستنباط.
والعملية القياسية ـ والتي يقصدون بها تسوية حكم الأصل للفرع لعلة مشتركة بينهما ـ وأركانها أربعة:
أ ـ الأصل.
ب ـ الفرع.
ج ـ الحكم.
د ـ العلة.
والمراد بالأصل المقيس عليه، وبالفرع: المقيس، وبالحكم: الاعتبار الوارد على الأصل والذي يراد إثبات نظيره للفرع، و بالعلة الجهة المشتركة بينهما والتي أنيط بها حكم الأصل، ومن طريق وجودها في الفرع يرد اكتشاف حكمه.
والقياس بهذا المعنى هو الذي يصلح أن يكون أصلاً من أصول الاستنباط في اللغة، وعليه تنزل كلمة ابن جني «ما قيس على كلام العرب من كلامهم».
والظاهر أنّ القياس عند اللغويين يختلف ـ في بعض شروطه ـ عنه عند الأصوليين فهم يشترطون في (المقيس عليه) أن يكون متعدداً، ولا يكتفون بأصل واحد للقياس عليه، ومسلكهم إلى العلة يكاد ينحصر بمسلك الشبه ومسلك الاطراد بخلاف الأصوليين.
ولعل اشتراطهم الكثرة في (المقيس عليه) منشؤه تحصيل الاطمئنان بكون حكم الأصل من ظواهر اللغة ليسلم لهم انتزاع قاعد عامّة منها تطبق على الفرع باعتباره من مصاديق ما توجد فيه هذه الظاهرة عادة.
ولست أظن أنّهم يتوخون من وراء اشتراط الكثرة، الوصول إلى العلة في الأصل؛ لأنّ اللغة لا تخضع لمقاييسنا في التعليل وبخاصّة إذا قلنا إنّها ظاهرة اجتماعية. ومن هنا ضعفت علل النحويين والصرفيين، واعتبر أكثرها غير مطرّد ولا منعكس.
وإذا صحّ هذا المقياس، فالمدار في حجية القياس إنّما يكون في كشفه عن الظاهرة وعدمه، لا الكثرة العددية أو الغالبية في المقيس عليه؛ لعدم الخصوصية للكثرة أو القلة في ذلك.
فالإنسان قد يجزم باكتشاف الظاهرة من وجودها في عدد غير قليل من النصوص، كما لو وجدت في كلام لا يمكن أن يرمى بالشذوذ، ككتاب الله العزيز الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)}([559]).
وبالعكس قد توجد الكثرة في الأمثلة ولا يوجد الاطمئنان بثبوت الظاهرة، لوجود ما يبعث على التشكيك في كلّ منها، كما لو وجدت ضمن جملة من أبيات شعرية يحتمل في كلّ منها الخضوع للضرورات الشعرية مثلاً.
4 ـ الاستصحاب
ويقصد به الحكم باستمرار ما علم وجوده من قواعد اللغة ومداليلها وإن شك بارتفاعها لبعض الاعتبارات، بمعنى إبقاء القواعد والدلالات في اللغة إلى يومنا هذا وأخذنا بها، وإن كانت مشكوكة البقاء.
وفي كتب أصول الفقه أصول لغوية ليس لها مثل هذا الشمول، عرض لها العلماء لتشخيص مراد المتكلم عند الشك فيه، كأصالة العموم عند الشك في ورود المخصص على عموم ما، وأصالة الإطلاق عند الشك في ورود المقيد على مطلق ما، وأصالة الحقيقة عند الشك في إرادة المجاز، وغيره ممّا يحقق صغريات أصالة الظهور في الكلام.
وقد آثرنا إغفالها لعدم كونها من الأصول العامة التي يلجأ إليها اللغويون لاستنباط قواعدهم، وإن كان لها دور في الكشف عن مراد المتكلمين.
الاجتهاد بين الانفتاح والانسداد
إذ وجد في العلماء من يقول بسد باب الاجتهاد المطلق في المجالات الشرعية لظروف طارئة حملتهم على ذلك، فلا يوجد أو لا أعرف ـ على الأقل ـ من دعا إلى سده في علوم اللغة.
كما لا أعرف من الأسباب ما يدعو إلى ذلك، اللهم إلاّ دعوى الخوف من تسرّب الفوضى إلى حرم هذه العلوم؛ نتيجة تطفّل من لا يحسن ذلك من غير ذوي الاختصاص.
ولكن لازم هذا الخوف أن نحجر على العقول جميعاً مجالات إعمالها في مختلف العلوم لنفس الشبهة.
والقول بأنّ علوم اللغة قد استوفى الحديث عنها ولم يعد فيها مجال لاجتهاد، نقيض الواقع الذي نعرفه في الكتب المؤلفة بهذا الشأن.
وحسبنا أن نجد الاختلاف بينهم في أكثر مجالات هذه العلوم، ولا يعقل فرض الرأيين المختلفين واعتبارهما معاً حجة يركن إليها، ولا أقل من إعطاء العقول المعاصرة فرصة البحث في مناشئ هذا الخلاف والفصل بينها فيما نرى أنّه أقوى دليلاً وأسلم حجّة.
ولعل في الاجتهاد الجماعي الذي تعمد إليه المجامع ـ في أمثال لجان الأصول و اللغة العربية ـ ما يحقق الغرض من الاجتهاد فيها، وهو المحافظة على سلامة اللغة، ومنع تسرّب الفوضى إليها، على أنّ المجتهد له شروطه الخاصّة، وأهمها توفّر ملكة الاجتهاد فيه، ولا تتحقق إلا بعد معاناة، واسعة، على أنّ اللغة وليدة الحاجة، ولا يعقل أن تسد من غير طريق الاجتهاد.
هنا أرجو أن أطمئن بعض الأخوة إلى أن فتح باب الاجتهاد فيها لا يسهل دخوله لكلّ أحد، فهناك من سدنة اللغة من العارفين بأصول الاجتهاد، والأمناء عليها، المخلصين لرسالتها، فهل ندعو إلى سد أبواب الاجتهاد أمام الجميع؟!
مجالات الاجتهاد في اللغة
الاجتهاد في اللغة ـ كالاجتهاد في الشريعة ـ ليس معناه استحداث لغة جديدة، أو التنكّر لمعالم لغته السابقة، وإنّما يقصد بها التعرّف على واقع هذه اللغة.
كما أنّ الاجتهاد في الشريعة، ليس معناه استحداث أحكام لم ترد عن الشارع، أو لم يأذن الشارع باللجوء إليها، عند العجز عن بلوغ حكمه، وإنّما يقصد به التعرّف على واقع الشريعة من خلال كشف الأصول عنها، وعلى هذا فالاجتهاد في اللغة له مجالات تخصّه.
وإذا صحّ ما قلناه من أنّ وظيفة الاجتهاد في اللغة هو التعرّف على واقعها، لا مسخها وتبديلها، أو بتغيير ما ثبت أنّه من مقوماتها، توجّه السؤال عن المجال الذي يتحرّك فيه هذا الاجتهاد؟
والجواب عن هذا السؤال: أنّ هناك عدّة مجالات يستطيع أن يتحرّك فيها المجتهد في اجتهاده، يتعلق ّبعضها ببعض شؤون هذه المقومات، وبعضها بقواعد وضع المفردات.
ومن هذه المجالات: النظر في تحديد مخارج الأصوات التي تتألف منها هذه اللغة، وبيان صفاتها من الجهر، والهمس، والشدّة، والرخاوة، والإطباق، والانفتاح، والزلاقة، والصمت، إلى غير ذلك ممّا يعين على محاكاة النطق العربي لهذه الأصوات، وهو ممّا عني به علم الأصوات.
ومنها: النظر في صيغ مفرداتها، وجموعها وهيئاتها الاشتقاقية، وتشخيص المسموع منها، والمقيس، وهو ما عني به علماء الصرف، وفقه اللغة.
ومنها: النظر في كيفية صياغة جملها، ومواقع حركاتها الإعرابية، وطبيعتها في الإبانة عن مداليل تلك الجمل، وهو ما عني به علماء النحو والمعاني.
ومنها: ما يتصل بأساليب التعبير فيها من الحقيقة والمجاز، والكناية، والتضمين.
ومنها: البحث عن مفرداتها، وتحديد المراد من مداليلها، وبيان الحقيقي والمجازي فيها، ومواقع استعمالها، وهو ما عني به واضعو المعجمات وكتب البلاغة.
وفي فقه اللغة وعلم الأصول بحوث جدّ مهمة، تتعلق بالكشف عن ظواهر عامة فيها وبعض ملابساتها، كالبحث عن الوضع، والواضع، ووسائل العلم بالوضع، وتشخيص من له حق الوضع، وبحث عن الترادف والاشتراك، والتضاد والاشتقاق، إلى غير ذلك من مجالات البحث والأصول الكاشفة عن المراد عند الشك فيه.
الاجتهاد في وضع المصطلح
يراد بالمصطلح: وضع اللفظ بإزاء معنى في نطاق علم ما أو فن. وبما أنّ المصطلح ضمن لغة ما لا يودّ الخروج عن الإطار العام لتلك اللغة عادة، ناسب أن تذكر له شروط يمكن الإفادة منها في تحقيق غرضه. وهذه الشروط بعضها ملزمة، وبعضها شروط استحسانية.
والمراد بالشروط الملزمة: الشروط التي يلزم من الإخلال بها خروج المصطلح عن الإطار العام للغة، وهي:
1 ـ التقيد بالأصوات العربية عند صياغة المصطلح.
2 ـ التقيد بالصيغ العربية للمفردات.
3 ـ الابتعاد عن استعمال اللفظ المشترك أو المترادف في نطاق العلم الواحد؛ لأنّهما على خلاف الأصل، ولا يصار إليهما إلاّ مع الحاجة إلى ذلك.
4 ـ التقيّد بقواعد الاشتقاق، إذا أريد من المصطلح تأدية معنى اشتقاقي وبخاصّة ما يتّصل منها بالهيئات، والتقيد بصيغ الجموع، والنسب، وقواعد القلب والإبدال.
5 ـ البحث عن مرادف عربي والاستغناء به ـ إذا وجد ـ عن التماس مصطلح جديد شريطة أن لا يكون المرادف مهجوراً لثقل فيه.
6 ـ رعاية العلاقة بين المدلول اللغوي والمعنى الذي يراد اختيار وضع المصطلح به، ويحسن أن يستعان بالكتب البلاغية التي عرضت للعلائق المجازية، سواء ما يتصل منها بالاستعارة أو المجاز المرسل.
وقد عرضت في الموضوع الذي كتبته عن الوضع خمساً وعشرين علاقة منصوصاً عليها من قبل البلاغيين، ولا يعدم العالم وجود إحداها عادة بين المعنى اللغوي والمعنى الذي يراد وضع اللفظ له.
ويحسن أن يعمد أوّلاً إلى استعمال اللفظ في المعنى الجديد على نحو المجاز مع القرينة، ثمّ يستغنى عن ذكر القرينة بعد اشتهار المجاز في نطاق ذلك العلم.
فإذا هجر الاستعمال في المعنى، تحوّل إلى أن يكون مصطلحاً يعبر عن حقيقة عرفية خاصّة، على أنّه يمكن نقل اللفظ إليه ابتداء مع التصريح بذلك ليبعد تبادر المعنى اللغوي عند الإطلاق.
7 ـ يحسن أن لا يعمد إلى الوضع المرتجل ـ أعني الوضع الذي لا تلحظ فيه المناسبة ـ إلاّ بعد اليأس من الحصول على اللفظ المناسب.
8 ـ يراعى عند اختيار الوضع المرتجل، التدرج في الاختيار، فلا يعمد إلى التركيب بأقسامه المختلفة ـ من الإضافي أو الإسنادي ـ مع إمكان الحصول على اللفظة غير المركبة، ولا إلى النحت مع الحصول على اللفظة المركبة، ولا إلى التعريب مع إمكان النحت، ولا إلى الدخيل المحتفظ بوزنه غير العربي مع إمكان التعريب.
9 ـ يحسن أن يراعى في اختيار اللفظة ـ وبخاصّة في التركيب والنحت والتعريب ـ أن تكون ممّا تستسيغ جرسها الأذن العربية.
10 ـ لا يقبل استعمال الألفاظ الدخيلة ـ كما وردت ـ إلاّ بعد تعذّر جميع أقسام الوضع السابقة، ويستثنى من ذلك أسماء الأعلام.
محمد تقي الحكيم
إجراء الخيل (كتاب)
مرّ الحديث عنه في المجلد الثاني ونذكر هنا تعريفاً بمؤلفه:
هو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي الكوفي الحافظ النسابة المشهور.
توفي سنة 206 وقيل 204 وقيل 205.
في اكتفاء القنوع: هو من الحفاظ والنسابين والرواة الذين ذكرهم المؤرخون في سياق كلامهم وأسندوا إليهم رواياتهم. وذكره الشيخ الطوسي في رجال الصادق (عليه السلام) وقال إنّه مولى. وذكره النجاشي في رجاله وقال: الناسب العالم بالأيام المشهور بالفضل والعلم، وكان أبو عبدالله (عليه السلام) يقرّبه ويدنيه ويبسطه. له كتب كثيرة منها: الذيل الكبير في النسب وهو ضعف كتابه الجمهرة، الجمهرة، حروب الأوس والخزرج، المشاغبات بين الأشراف، القداح والميسر، أسواق العرب، أخبار ربيعة والبسوس وحروب تغلب وبكر، أنساب الأمم المعمرين، الأوائل، أخبار قريش، أخبار جرهم، أخبار لقمان بن عاد، أخبار بني تغلب وأيامهم وأنسابهم، أخبار بني عجل وأنسابهم، أخبار بني حنيفة، كتاب كلب، أخبار تنوخ وأنسابها، مثالب ثقيف، مثالب بني أمية، الطاعون في العرب، الأصنام (مطبوع بمصر)، فتوح العراق، فتوح الشام، الردة، فتوح خراسان، فتوح فارس، مقتل عثمان، الجمل، صفين، النهروان، الغارات، مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، مقتل حجر بن عدي، مقتل رشيد وميثم وجويرية بن مسهر، عين الوردة، الحكمين، مقتل الحسين (عليه السلام)، قيام الحسن، أخبار محمد ابن الحنفية، التباشير بالأولاد، الموءودات، من نسب إلى أمّه من قبائل العرب، الطائف، رموز العرب، غرائب قريش وبني هاشم في سائر العرب، إجراء الخيل، الرواد، الجيران، الخطب.
وذكره ابن النديم في الفهرست عند ذكر الكتب المنصّفة في تفسير القرآن فقال: كتاب تفسير الآي التي نزلت في أقوام بأعيانهم لهشام الكلبي. وذكره الذهبي في تذكرة الحفاظ فقال: هشام بن الكلبي الحافظ أحد المتروكين ليس بثقة فلهذا لم أدخله بين حفاظ الحديث وهو هشام بن محمد بن السائب الكوفي الرافضي النسابة حدث عنه أبو الأشعث وخليفة بن خياط ومحمد ابن أبي السري ومحمد بن سعد يروى عنه أنّه حفظ القرآن في ثلاثة أيام وقلّما يروي من المسند كان أخبارياً علامة. وذكره ابن قتيبة في المعارف في النسابين وأصحاب الأخبار فقال: وابن الكلبي هشام بن محمد ابن السائب كان أعلم الناس بالأنساب. وذكره الخطيب في تاريخ بغداد فقال: هشام بن محمد بن السائب بن بشر أبو المنذر الكلبي صاحب التفسير حدث عنه أبيه. روى عنه ابنه العباس. وخليفة بن خياط. وشباب العصفري. ومحمد بن سعد كاتب الواقدي. ومحمد بن أبي السري. وأبو الأشعث أحمد بن المقدام وغيرهم وهو من أهل الكوفة قدم بغداد وحدث بها. وروى الخطيب بسنده عن محمد بن أبي السري البغدادي قال: قال لي هشام بن الكلبي حفظت ما لم يحفظه أحد ونسيت ما لم ينسه أحد كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن فدخلت بيتاً وحلفت أن لا أخرج منه حتّى أحفظ القرآن فحفظته في ثلاثة أيام، ونظرت يوماً في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة فأخذت ما فوق القبضة. وفي أنساب السمعاني: أبو المنذر هشام ابن محمد بن السائب بن بشر الكلبي من أهل الكوفة صاحب النسب يروي عن أبيه ومعروف مولى سليمان الغرائب والعجائب والأخبار التي لا أصول لها وروى عنه شباب العصفري وابنه العباس بن هشام ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وعلي بن حرب الموصلي وعبدالله ابن الضحاك الهدادي وأبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي وكان غالياً في التشيع أخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وضوحها وكان يقول: حفظت ما لم يحفظ أحد إلى آخر ما مرّ.
وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: كان هشام من أعلم الناس بعلم الأنساب وله كتاب الجمهرة في النسب وهو من محاسن الكتب في هذا الفن وكان من الحفاظ المشاهير وله من التصانيف شيء كثير وذكر جملة ممّا مرّ عن النجاشي وزاد: حلف عبد المطلب وخزاعة. حلف الفضول. حلف تميم. المنافرات. بيوتات قريش ولعله كتاب أخبار قريش السابق. فضائل قيس بن عيلان. الموردات. بيوتات ربيعة. الكنى. شرف قصي وولده في الجاهلية والإسلام. ألقاب قريش. ألقاب اليمن. المثالب ولعله مثالب ثقيف ومثالب أمية المتقدم. النوافل. ادعاء معاوية زياداً. أخبار زياد ابن أبيه. صنائع قريش. المشاجرات. المعاتبات. ملوك الطوائف. ملوك كندة. افتراق ولد نزار. تفريق الأزد. طسم وجديس.
قال: وتصانيفه تزيد على 150 تصنيفاً وأحسنها وأنفعها كتابه المعروف بالجمهرة في معرفة الأنساب ولم يصنف في بابه مثله وكتابه الذي سمّاه المذيل في النسب أيضاً وهو أكبر من الجمهرة وكتاب الموجز في النسب وكتاب الفريد صنّفه للمأمون في الأنساب. والملوكي صنّفه لجعفر بن يحيى البرمكي في النسب أيضاً وكان واسع الرواية لأيام الناس وأخبارهم.
إحصاء العلوم
كتاب للفارابي مرّ الحديث عنه في المجلد الثاني ونزيد على ما هنالك ما يلي:
نال هذا الكتاب منذ بدايته إعجاب الجميع، وفي القرن الأخير كان موضع اهتمام المستشرقين، حيث إنّه يبيّن سعة علم فيلسوفنا من جهة، ومن جهة أخرى هو بيان مفهوم للمراد من لفظ العلم في هذا العصر.
الفارابي اتّبع في تقسيمه هذا أسلوب أرسطو، وزاد عليه في علمي الفقه والكلام من العلوم الإسلامية ذات الأهمية الكبيرة في عصره.
طبع هذا الكتاب للمرّة الأولى في اسطنبول عام 1880م.
والشيخ محمد رضا الشبيبي طبع المتن العربي لهذا الكتاب على أساس النسخة الخطية في النجف، دون أن يقابلها مع النسخ الأخرى، ونشره في مجلة العرفان ج4/11ـ20 و13ـ134 و241ـ247 في صيدا عام 1340هـ ـ 1921م.
والدكتور عثمان أمين طبع المتن العربي المنقح لهذا الكتاب في القاهرة عام 1931م على أساس الصورة رقم 264 دار الكتب المصرية.
وإنجل بلانسيه نشر المتن العربي لإحصاء العلوم ـ معتمداً على نسخة إسكوريال الخطية ـ بمدريد عام 1932م.
وكان هو أوّل شخص تصدّى لمهمة تحليل كتاب المدخل لصناعة المنطق تأليف ابن طملوس الذي نقل في فصل المنطق من إحصاء العلوم بكامله، وقابله مع نسخة إسكوريال.
الدكتور هنري جورج صحّح القسم المتعلق بالموسيقى من كتاب إحصاء العلوم ونشره في مجلة الاتحاد الملكي الآسيوي في لندن عام 1933ـ1934م.
ثمّ نشر هذا القسم بمفرده في غلاسكو عام 1934م.
والسيّد حسين خديوجم ترجم المتن العربي إلى الفارسية طبق طبعة القاهرة، وقابلها مع متن طبعة مدريد، وطبعت هذه الترجمة مرفقة بمدخل ممتع من قبل مؤسسة ثقافة إيران، طهران عام 1348هـ. ش.
والبروفسور أحمد آتش أعدّ ترجمة تركية لهذا الكتاب تحت عنوان: Al-farabi himerin Sayini وطبعت في اسطنبول عام 1955.
كالونيموس بن كالونيموس ترجم باختصار هذا الكتاب إلى العبرية (المتوفى 1328).
ويوسف بن عقنين (تلميذ موسى بن ميمون المتوفى عام 1226) قام بنقل فصل الموسيقى في كتابه طب النفوس من كتاب إحصاء العلوم.
وغودمان نشر المتن العربي للكتاب بالأحرف العبرية.
توجد ترجمتان لاتينيتان قديمتان للكتاب “إحصاء العلوم”، وضع إحداها «دوي نيكوس غونديسالوي كاميرا ريوس»، طبعت ونشرت بباريس عام 1638م. هذه الترجمة غير كاملة ومجدية، حيث إنّ المترجم حذف بعض فصول الكتاب، مثل فصل علم الكلام، واختصر وأجمل مطالب أخرى.
الترجمة الثانية لمترجم القرون الوسطى المعروف «جيراد أوكرمونا» وهي ترجمة كاملة ودقيقة ومطابقة للمتن العربي.
«آنجل بلانسيه» ضمّ هاتين الترجمتين مع الترجمة الإسبانية التي أعدّها بنفسه إلى المتن العربي لكتاب إحصاء العلوم وطبعها في مجلد واحد طبعة نفيسة، نشرت ضمن سلسلة نشريات كلية الفلسفة والآداب بجامعة مدريد.
«الدكتور ويدمان» ترجم إلى اللغة الألمانية القسم الخاص بعلوم التعاليم (الرياضيات) من كتاب إحصاء العلوم أخذاً عن النسخة اللاتينية للمكتبة الوطنية بباريس وطبعه.
«مرحبا» ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الفرنسية.
«الدكتور فارمر» ترجم إلى الإنكليزية فصل الموسيقى من كتاب إحصاء العلوم.
«البروفسور روزنفلد» ترجم إلى الروسية فصل الرياضيات من إحياء العلوم، مستعيناً بمعاونيه.
الأرتقيات
مرّ الحديث عنها في المجلد الثالث، وفاتنا هناك التعريف بناظمها:
صفي الدين الحلي عبد العزيز بن نجم الدين سرايا
ابن علي بن أبي القاسم الحسين بن سرايا
ولد في الحلة سنة 677هـ، أمّا مكان وفاته فاختلف فيه، فقيل في بغداد وقيل بماردين وقيل في القاهرة كذلك اختلف في سنة وفاته فقيل سنة (749 أو 750 أو 752 هـ).
نشأ نشأة مترفة كغيره من أبناء الوجهاء وتعلّم الفروسية والرماية والصيد ولم يهمل تثقيف نفسه فحفظ القرآن ودرس العلوم الإسلامية والصيد من لغة وتفسير وحديث وفقه وفلسفة وما يستتبع ذلك من شتى المعارف.
اضطرب الأمر في الحلة ونالته أحداثها وقتل خاله (صفي الدين ابن محاسن) فساهم في معارك الأخذ بثأره وحرض عليها واضطر للالتجاء إلى ماردين، وكان يحكمها الملوك الأرتقيون، فأكرم الملك المنصور نجم الدين غازي وفادته وكذلك ولده الملك الصالح بعده، فمدح الأرتقيين ووقف شعره عليهم، ووصف حروبهم ومجالسهم ولهوهم وصيدهم، وحج إلى بيت الله وزار مصر فكان له فيها صداقات مع الشاعر جمال الدين محمد بن نباتة والكاتب المؤرخ صلاح الدين الصفدي والقاضي علاء الدين بن الأثير كاتب السر. وهو الذي قدّمه إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون فعني الملك به وطلب إليه أن يجمع ديوانه فجمع له في الناصر المدائح الطوال وعاد من مصر إلى ماردين ثمّ إلى العراق وزار كثيراً من أهم البلاد في تجارته التي كان يتعاطاها سواء وهو في العراق أو ماردين.
وفي العراق ظلّ على صلته بالأرتقيين يمدحهم ويرسل إليهم الشعر كقوله:
وكم قصدت بلاداً كي أمر بكم
وأنتم القصد لا مصر ولا حلب
وربما بدا من بعض شعره أنّه لم ينقطع عن مادرين وعن زيارة الأرتقيين كلّما سنحت له الفرصة.
أثر الأحداث في شعره
بدأ تحريضه على الأخذ بالثأر لخاله في كثير من شعره كقوله:
لا تترك الثأر من قوم مرادهم
إخفاء ذكر لنا في الناس منتشر
ولمّا نجحت دعوته لمعركة الثأر والتقى الفريقان في (وقعة الزوراء): قرب بغداد عند قبر عبيدالله بن محمد بن عمر العلوي قال صفي الدين قصيدته الشهيرة:
سل الرماح العوالي عن معالينا
واستشهد البيض هل خاب الرجا فينا
يا يوم وقعة زوراء العراق وقد
دنا الأعادي كما كانوا يدينونا
بخيل ما ربطناها مسومة
إلاّ لنغزو بها من بات يغزونا
وفيها يقول:
وسائلي العرب والأتراك ما فعلت
في أرض قبر عبيدالله أيدينا
ولما اضطر بعد هذه المعارك ومشاركته فيها للنزوح إلى ماردين قال:
كلّ الذين غشوا الوقيعة قتلوا
ما فاز منهم سالماً إلاّ أنا
ليس الفرار عليّ عاراً بعدما
شهدوا ببأسي يوم مشتبك القنا
إن كنت أوّل من نأى عن أرضهم
قد كنت يوم الروع أوّل من دنا
أبعدت عن أرض العراق ركائبي
علماً بأنّ الحزم نعم المقتنى
وفي رحلته الطويلة إلى ماردين يقول:
شفها السير واقتحام البوادي
ونزولي في كلّ يوم بوادي
ومقيلي ظلّ المطية والتر
ب فراشي وساعداها وسادي
وضجيعي ماضي المضارب عضب
أصلحته القيون من عهد عاد
أبيض أخضر الحديدة ممّا
شق قدما حرائر الأجساد
وقميصي درع كأنّ عراها
حبك النمل أو عيون الجماد
ونديمي لفظي وفكري أنيسي
وسروري مائي وصبري زادي
وإذا ما هوى الظلام فكم لي
من نجوم الظلام في الليل هادي
وفي الوصول إلى ماردين يقول:
جبت البلاد ولست متخذاً بها
مسكناً ولم أرض الثريا موطنا
حتّى أنخت بماردين مطيتي
فهناك قال لها الزمان: لك الهنا
ثمّ يقول بعد الإقامة فيها:
ولكن لي في ماردين معاشر
شددت بهم لما حللت أزري
ملوك إذا ألقى الزمان حباله
جعلتهم في كلّ نائبة ذخري
وفي تعاطيه التجارة يقول في الملك الصالح:
تقول لي العلياء إن زرت ربعه
رويدك كم في الأرض تشقى وتكدح
إذا كنت ترضى أن تعد بتاجر
هلم ففيه تاجر المدح يربح
وفي إحدى رحلاته التجارية أرسل من دمشق إلى الملك الصالح في ماردين قصيدة وقال فيها:
أعد إذا فارقت مغناك تاجراً
فإن أبت ظنوني شريكك في الملك
مع الأرتقيين
كان الأرتقيون حكام ماردين في ظلّ السيطرة المغولية، ولمّا ذهب السلطان غازان المغولي لفتح الشام كان الملك المنصور معه، ولكنّه على رواية ابن الأثير كان يناصح سراً الملك الناصر محمد بن قلاوون، وإذا كان المغول في ذلك الحين هم حكام العراق فعلاً فإنّهم لم يكونوا كذلك فيما نأى من الأطراف كماردين التي سيطرتهم عليها سيطرة غير عملية.
والأرتقيون وإن كانوا أتراكاً إلاّ أنّهم كانوا يستجيدون الشعر العربي ويستنشدونه ويطربون للمدائح، ولا بدع فالثقافة العربية واللسان العربي هما السائدان، لذلك استقبل صفي الدين في البلاط الأرتقي استقبالاً حافلاً واحتضنه الملك المنصور وأكرمه، وأنشد صفي الدين في مدائحه مطولات القصائد، حتّى إنّه اختصّه بديوان كبير سمّاه (درر النحور في مدائح الملك المنصور) التزم فيه أن يكون أوّل البيت وقافيته على حرف واحد، فإذا كانت القافية همزية كانت أوائل الأبيات كذلك كقوله:
أبت الوصال مخالفة الرقباء
وأتتك تحت مدارع الظلماء
أصفتك من بعد الصدود مودة
وكذا الدواء يكون بعد الداء
وإذا كانت القافية بائية كانت أوائل الأبيات كذلك كقوله:
بدت لنا الراح في تاج من الحبب
فمزقت حلة الظلماء باللهب
بكر إذا زوجت بالماء أولدها
أطفال در على مهد من الذهب
بقية من بقايا يوم نوم إذا
لاحت جلت ظلمة الأحزان والكرب
وإذا كانت القافية تائية كانت القافية كذلك كقوله:
تاب الزمان من الذنوب فوات
وأغنم لذيذ العيش قبل فوات
تمّ السرور بنا فقم يا صاحبي
نستدرك الماضي بنهب الآتي
تاقت إلى شرب المدام نفوسنا
لا تذهبن بطالة الأوقات
وهكذا حتّى تنتهي الحروف الهجائية، وهي تسع وعشرون قصيدة، كلّ قصيدة تسعة وعشرون بيتاً، وقد عرفت هذه القصائد بالقصائد الأرتقيات وفيها يقول:
تسع وعشرون قد عدّت قصائدها
ومثلها عدد الأبيات في النسق
لم أقتنع بالقوافي في أواخرها
حتّى لزمت أواليها فلم تفق
وقد سبق صفي الدين بهذا الضرب من الشعر شاعران هما أبو زيد عبد الرحمن الأندلسي المتوفى سنة 637 أي قبل ولادة صفي الدين بأربعين عاماً وأبو عبدالله محمد بن أبي بكر البغدادي المشهور بالوتري المتوفى 622 في بغداد أي قبل ولادة صفي الدين بأكثر من خمسة عشر عاماً. ولكن الشاعرين لم يشتهرا ولا اشتهر شعرهما.
وقد عرف هذا الشعر بعد ذلك باسم الروضة وجاراه كثير من الشعراء.
وبعد وفاة الملك المنصور كان صفي الدين في رحاب ابنه الملك الصالح شمس الدين صالح، على ما كان عليه في عهد أبيه من إكرام ورعاية من الملك، ومدح وشكر في صفي الدين وهو في مدحه للأرتقيين يكرر أنّه لم يكن مداحاً، ولا الاستجداء بالشعر من أخلاقه، وإنّما كان وفياً لهم إذ حموه حين عز الحامي. ولا بدّ لنا من الإشارة إلى ما سبق وقلناه من أنّ المترجم كان يمتهن التجارة حتّى وهو في ماردين فيرحل في سبيلها إلى أقاصي البلاد، وهو بذلك يحقق ما قاله من أنّ الأصل في مديحه لم يكن طلب العيش لأنّ له ما يعيش منه.
وها نحن نراه وهو يمدح الملك الصالح يصرّح بأنّه لم يمدحه إلاّ لكونه ابن المنصور الذي أجاره وحمى دمه:
يا ابن الذي كفل الأنام كأنّما
أوصاه آدم في كلاية ولده
المالك المنصور والملك الذي
جاز الفخار بجدّه وبجده
أصل به طابت مآثر مجدكم
والغصن يظهر طيبه من ورده
ولذاك لم يرني بمنظر شاعر
تبغي قصائده جوائز قصده
ولقد عهدت إلى عرائس فكرتي
أن لا تزف لغيره من بعده
لكنّك الفرع الذي هو أصله
شرفاً ومجدك بضعة من مجده
ويكرر صفي الدين القول بأنّه لا يمدح للعطاء بل للوفاء فقد قال قبل ذلك للملك الصالح:
مدحي لمجدك عن وداد خالص
وسواي يضمر صابه في شهده
أنا لا أروم به الجزاء لأنّه
ثمر أنزه خلتي عن ورده
لا كالذي جعل القريض بضاعة
متوقعاً كسب الغنى من كده
ونرى أنّ صفي الدين قد أخذ على نفسه أن لا يمدح أحداً غير هذين، وإذا استثنينا مدحه (للملك الناصر) محمد بن قلاوون، فإنّا نراه قد التزم بما أخذه على نفسه، وفي الحقيقة فإنّ مدحه للملك الناصر كان شيئاً لا بدّ منه بعد أن قدم إليه فاحتفى به الملك حفاوة مقدر له معجب به واقترح عليه أن يجمع ديوانه فنفذ اقتراحه وجمعه وهو في رعايته بمصر.
وأخذ بما ألزم به نفسه، نراه يتأبى عن مدح الملك المؤيد إسماعيل صاحب حماه. فكان جزاؤه منه على إكرامه له أن كان يشكره شعراً على عطاياه وهداياه ويهنئه بالأعياد، ولا يسمّي ذلك مدحاً بل حمداً.
وفي بعض مدائحه للأرتقيين يبدو شاعراً متحمساً لنضالهم وحمايتهم للثغور الإسلامية فهو في مثل هذا الشعر شاعر وطني ـ على حد تعبيرنا اليوم ـ يتمدح بمن ذادوا الأعداء عن الوطن ويثني عليهم ثناء الوفي لأرضه المخلص لعقيدته كقوله في الملك المنصور:
كم قد أبدت من الأعداء من فئة
تحت العجاج وكم فرقت من فرق
رويت يوم لقاهم كلّ ذي ظمأ
في الحرب حتّى جلال الخيل بالعرق
مزقت بالموصل الحدباء شملهم
في مأزق بوميض البرق ممتزق
وفي الأرتقيين وماردين يقول:
ولكن لي في ماردين معاشرا
شددت بهم لما حللت بها أزري
ملوك إذا ألقى الزمان حباله
جعلتهم في كلّ نائبة ذخري
وما أحدثت أيدي الزمان إساءة
ووافيتهم إلا انتقصت من الدهر
ويقول:
وإذا ما غرقت في حجج الهم
ففي ماردين ملقى المراسي
بلدة ما أتيتها قط إلا
خلتها بلدتي ومسقط رأسي
بذلوا لي مع السماحة وداً
هو منهم يزيد في إيناسي
ويقول:
وقيدتني عندهم أنعم
هن قيد الأمل السائح
ووكلت فكري بمدحي لهم
مكارم المنصور والصالح
ويقول:
ألا بلغ هديت سراة قومي
بحلة بابل عند الورود
ألا لا تشغلوا قلباً لبعدي
فإنّي كلّ يوم في مزيد
لأنّي قد حللت حمى ملوك
ربوع عبيدهم كهف الطريد
فمن يك نازلاً بحمى كليب
فإنّي قد نزلت حمى الأسود
ويبدو أنّ الأرتقيين لم يعاملوه معاملة الشعراء المستجدين الذين يهبونهم المال على قدر الإنشاد، بل حدّدوا له راتباً معيناً يجري عليه، وعندما قطعه مرّة أحد نواب الملك الصالح قال:
عذرتك حين حلت وأنت بحر
لأنّ البحر في مد وجزر
وكان من عناية الأرتقيين به أنّه كان يصحب المنصور في حلّه وترحاله سواء كان هذا الترحال استجماماً أو كان للقراع والقتال، فعدد صفي الدين المعارك وأشاد بالنصر وخلد كلّ ذلك شعراً كما فعل سنة 702 حين ذهب الملك المنصور بجيشه لفتح قلعة غربل فقال صفي الدين بعد المعركة الظافرة قصيدته التي مطلعها:
لا تخش يا ربع الحبيب همودا
فلقد أخذت على المعاد عهودا
وكما كان يشدو بالوقائع الحربية كان كذلك يتغنّى برحلات الصيد والقنص فيكون له من ذلك قصائد في وصف الصيد وأدواته وطيوره وحيواناته، مستطرداً إلى وصف الطبيعة أحياناً، إلى الانتهاء بمدح الملك المنصور أحياناً أخرى.
وكما مدح الأرتقيين، كذلك رثاهم، فقد مات الملك المنصور وصفي الدين في بغداد فأسرع إلى ماردين يشاطر في المأتم ويبكي الرجل الذي حماه وآواه فمن رثائه له القصيدة التي يقول فيها:
وما كان يدري من تميم جوده
ونكب لج البحر أيهما البحر
صفائح أرزاق العباد بكفه
فيمنى بها يمن ويسرى بها يسر
أثر الرحلات في شعره
كان للترحّل الطويل الذي عاشه سواء في نزوحه اضطراراً إلى ماردين أو تنقله للتجارة أو سفره للحج ـ كان لذلك أثر بارز في شعره فرأينا منه ملامح لكلّ البلاد التي حلّ بها:
فكلّ يوم لي برغم العلا
في كلّ أرض غربة وانتزاح
ففي ماردين وصف للطبيعة (في عين الصفا) (وعين البرود) ووصف للشتاء والمطر ووصف للقلاع والحصون، فضلاً عن وصف المعارك والأهوال:
عين البرودة برود عيني
إنّ عز منظر رأس عين
أرض ينمق زهرها
ما فاض من نهر وعين
ويظل يرفدها السحاب
بصوب وسمي وعين
وفي مصر يصف النيل والسفن والأهرام:
واخضر واديها وحدق زهره
والنيل فيه ككوثر بجنان
وبه الجواري المنشآت كأنّها
أعلام بيد أو فروع قنان
نهضت بأجنحة القلوع كأنّها
عند المسير تهم بالطيران
والماء يسرع بالتدفق كلّما
عجلت عليه يد النسيم الواني
وفي دمشق يصف الرياحين والآجام:
إن جزت (بالميطور) مبتهجاً به
ونظرت ناظر دوحه الممطور
وارتك بالآصال خفق هوائه
الممدود في ظل الهوى المقصور
سل بأنّه المنصوب أين جديثه
المرفوع من ذيل الصبا المجرور
وفي حماه يصف العاصي
فحبذا العاصي وطيب شعبه
ومائه المسلسل المجمد
والفلك فوق لجه كأنّها
عقارب تدب فوق مبرد
وناجم الأزهار من منظم
على شواطيه ومن منضد
والورق من فوق الغصون قد حكت
بشدوها المطرب صوت معبد
ويقول:
أطعت داعي الهوى رغماً على العاصي
لما نزلت على ناعورة العاصي
والريح تجري رخاء فوق جدولها
والطير ما بين بناء وغواص
وقد تلاقت فروع الدوح واشتبكت
كأنّما الطير منها فوق أقفاص
حنينه إلى العراق والحلة
رغد العيش الذي ناله في ماردين وصحبة الملوك ومتارفهم لم تشغله عن الحنين إلى موطنه بل ظلّ دائم التطلّع إليه بقلبه:
أحبائي في الفيحاء إن طال بعدكم
فأنتم إلى قلبي كسحري من نحري
ويقول:
أترى البازي الذي لاح ليلاً
مرّ بالحي من مدامع ليلى
وترى السحب مذ نشأن ثقالا
سحبت من ربوع بابل ذيلا
ما أضا البارق العراقي إلا
أرسلت مقلتي من الدمع سيلا
كيف أنسى تلك الديار ومغنى
عامراً قد ربيت فيه طفيلا
إن وردت الفيحاء يا سائق العيس
وشارفت دوحها والنخيلا
ورأيت البدر في (مشهد الشمس)
يغشيان بانه والأثيلا
مل إليها واحبس قليلاً عليها
إن لي نحو ذلك الحي ميلا
وأبلغ الرملة الأنيقة وأبلغ
معشراً لي بربعها وأهيلا
قد ذممنا بعيد بعدكم العيش
فليت الحمام كان قبيلا
ويقول:
ورب نسيم مرّ بي من دياركم
ففاح لنا من طيبه طيب النشر
فاذكرني عهداً وما كنت ناسياً
ولكنّه تجديد ذكر إلى ذكر
تجاذبني الأشواق نحو دياركم
واحذر من كيد العدو الذي يدري
ويقول:
هب النسيم عراقياً فشوقني
وطالما هبّ نجدياً فلم يشق
فما تنفست والأرواح سارية
إلاّ اشتكت نسمات الريح من حرقي
تشيعه
كان شيعياً عارفاً بحق علي وبنيه معرفة مرتكزة إلى الإيمان الصادق المخلص، ولا بدع في ذلك فقد شبّ في الحلة، والحلة هي من هي عراقة في التشيع العالم المفكر الناضج فقد كانت دار العلم وإليها الرحلة من كلّ مكان وفيها حلقات الدروس ونوادي الفكر والقلم وفيها يقول عبد الرحمن الكتاني المتوفى سنة 629 في راجح الحلي:
يقولون لي ما بال حظك ناقصاً
لدى راجح رب السماحة والفضل
فقلت لهم: إنّي سمي ابن ملجم
وذلك اسم لا يقول به حلي
وفي آل البيت يقول صفي الدين:
وآلك الغرر اللائي بها عرفت
سبل الرشاد فكانت مهتدى الفرق
ويقول:
حديث حبي لكم سائر
وسرور ودي في هواكم مقيم
قد فزت كلّ الفوز إذ لم يزل
صراط ديني بكم مستقيم
ورد على ابن المعتز في تعرّضه للعلويين رد المؤمن الصادق المكافح.
أقوال فيه
وفي أمل الآمل: كان عالماً فاضلاً منشئاً أديباً من تلامذة المحقق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي له القصيدة البديعية مائة وخمس وأربعون بيتاً تشتمل على مائة وخمسين نوعاً من أنواع البديع وله شرحها وديوان شعر كبير وديوان صغير وله قصائد محبوكات الطرفين جيدة ثمان وعشرون بيتاً «اهـ». وفي حديقة الأفراح مناهل ألفاظه العذاب صافية من شوائب التعقيد ورياض معانيه المفرحة بنشرها الألباب شافية لمن كرع من بحرها الرائق المديد «اهـ» كان من الشعراء المجيدين المطبوعين وله في شعره احتجاجات على تفضيل علي (عليه السلام) وتقديمه تدل على علمه وفضله كقوله:
لو رأى مثلك النبي لآخا
ه وإلاّ فأخطأ الانتقاد
وغيره ممّا يأتي. وكان شاعر العصر وفاصل الوقت السيد محمد سعيد الحبوبي النجفي يعجب بشعره كثيراً ويفضله على كثير من الشعراء وحسبك بشهادة مثله. سافر إلى الشام وبلاد الجزيرة وغيرها ومدح ملوك ماردين المعروفين ببني أرتق وهو أوّل من عمل القصائد المحبوكات وسمّاها الأرتقيات واقتفاه في ذلك الشيخ إبراهيم بن يحيى العاملي الطيبي فعمل محبوكات في الشيخ علي بن فارس الصعبي أمير ناحية الشقيف من جبل عامل. وقصيدته البديعية في مدح خير البرية وشرحها مطبوع وسمّاها أنوار الربيع من أنواع البديع وديوان شعر مطبوع.
شعره
ومن شعره قوله في أمير المؤمنين (عليه السلام) من أبيات:
جمعت في صفاتك الأضداد
فلهذا عزت لك الأنداد
زاهد حاكم حليم شجاع
ناسك فاتك فقير جواد
شيم ما جمعن في بشر قط
ولا حاز مثلهن العباد
خلق يخجل النسيم من اللطف
وبأس يذوب منه الجماد
ظهرت منك للورى معجزات
فأقرّت بفضلك الحساد
إن يكذب بها عداك فقد كذ
ب من قبل قوم لوط وعاد
أنت سر النبي والصنو وابن الـ
ـعم والصهر والأخ المستجاد
لو رأى مثلك النبي لآخا
ه وإلاّ فأخطأ الانتقاد
بكم بأهل النبي ولم يلـ
ـف لكم خامس سواه يزاد
كنت نفساً له وعرسك وابنا
ك لديه النساء والأولاد
جل معناك أن يحيط به الشعـ
ـر تحصي صفاته النقاد
إنّما الله عنكم أذهب الرجـ
ـس فردت بغيظها الأضداد
ذاك مدح الإله فيكم فإن فهـ
ـت بمدح فذا قول معاد
وقوله:
أمير المؤمنين أراك لما
ذكرتك عند ذي حسب صغا لي
وإن كررت ذكراك عند نغل
تكدر صفوه وبغى قتالي
فها أنا قد خبرت بك البرايا
فأنت محك أولاد الحلال
وقوله:
فوالله ما اختار الإله محمداً
حبيباً وبين العالمين له مثل
كذلك ما اختار النبي لنفسه
علياً وصياً وهو لابنته بعل
وصيره دون الأنام أخاً له
وصنوا وفيهم من له دونه الفضل
وشاهد عقل المرء حسن اختياره
فما حال من يختاره الله والرسل
وقوله:
توال علياً وأبناءه
تفز في المعاد وأهواله
إمام له عقد يوم الغديـ
ـر بنص النبي وأقواله
له في التشهد بعد الصلاة
مقام يخبر عن حاله
فهل بعد ذكر إله السما
ء وذكر النبي سوى آله
وقوله:
يا عترة المختار يا من بهم
يفوز عبد يتولاهم
أعرف في الناس بحبي لكم
إذ يعرف الناس بسيماهم
وله:
ولائي لآل المصطفى عقد مذهبي
وقلبي من حب الصحابة مفعمُ
وما أنا ممّن يستجيز بحبهم
مسبة أقوام عليهم تقدموا
ولكنّني أعطي الفريقين حقّهم
وربي بحال الأفضلية أعلم
فمن شاء تعويجي فإنّي معوج
ومن شاء تقويمي فإنّي مقوم
وقوله:
قيل لي تعشق الصحابة طراً
أم تفرّدت منهم بفريق
فوصفت الجميع وصفاً إذا ضو
ع أزرى بكلّ مسك سحيق
قيل لي من تميل قلت إلى الأر
بع لا سيما إلى الفاروق
ومن شعره الدال على علمه وفضله قوله من قصيدة يرد بها على قصيدة عبدالله بن المعتز التي يفتخر بها على أهل البيت (عليهم السلام) ويقول فيها:
ونحن ورثنا ثياب النبي
فكم تجذبون بأهدابها
لكم رحم يا بني بنته
ولكن بنو العلم أولى بها
فقال الصفي الحلي مجيباً له من جملة قصيدة:
بكم بأهل المصطفى أم بهم
فرد العداة بأوصابها
أعنكم نفى الرجس أم عنهم
لطهر النفوس وألبابها
وقلت ورثنا ثياب النبي
فكم تجذبون بأهدابها
وعندك لا يورث الأنبيا
ء فكيف حظيتم بأثوابها
وقولك أنتم بنو بنته
ولكن بنو العم أولى بها
بنو البنت أيضاً بنو عمّه
وذلك أدنى لأنسابها
ومن شعره قوله:
كيف صبري وأنت للعين قره
وهي ما إن تراك في العام مره
وبماذا أسر قلبي إذا غبـ
ـت وقد كنت للقلوب مسره
قسماً بالذي أفض على طلـ
ـعتك النور فهي للشمس ضره
إنّ يوماً أرى جمالك فيه
هو عندي في جبهة الدهر غره
أيّها المعرض الذي هان عندي
تعبي فيه واحتمال المضره
راقب الله في حشاشة نفس
إنّه لا يضيع مثقال ذره
وقوله:
وليس صديقاً من إذا قلت لفظة
توهم من أثناء موقعها أمرا
ولكن من أن قطعت بنانه
تيقنه قصداً لمصلحة أخرى
وقوله:
سوابقنا والنقع والسمر والظبا
وأحسابنا والحلم والبأس والبر
هبوب الصبا والرعد والبرق والقضا
وشمس الضحى والطور والنار والبحر
وقوله:
لا يمتطي المجد من لا يركب الخطرا
ولا ينال العلى من قدم الحذرا
ومن أراد العلى عفواً بلا تعب
قضى لم يقض من إدراكها وطرا
لا بدّ للشهد من نحل يمنعه
لا يجتني النفع من لا يحمل الضررا
وله في جميل نام في المجلس فسقطت الشمعة وأحرقت شفته:
وذي هيف زار في ليلة
فأضحى به الهم في معزل
فمالت لتقبيله شمعة
ولم تخش من ذلك المحفل
فقلت لصحبي وقد حكمت
صوارم لحظيه في مقتلي
أتدرون شمعتنا لم هوت
لتقبيل ذاك الرشا الأكحل
درت أن ريقته شهدة
فحنت إلى بيتها الأوّل
وقوله في مليح قلع الطبيب ضرسه:
لحا الله الطبيب فقد تعدّى
وجاء لقلع ضرسك بالمحال
أعاق الظبي عن كلتا يديه
وسلط كلبتين على الغزال
وقوله:
ليلي وليلى نفى نومي اختلافهما
بالطول والطول يا طوبي لو اعتدلا
يجود بالطول ليلي كلّما بخلت
بالطول ليلى وإن جادت به بخلا
في شرح رسالة ابن زيدون:
أنشدني لنفسه إجازة ما كتب به إلى صاحبه أبي بكر ابن القاسم السلامي شعراً:
فلتة كان منك من غير قصد
يا أبا بكر عقد بيعة ودي
فلهذا إذا تقادم عهد
بيننا خنت ذا وفاء وعهد
وقال السيد علي خان في كتاب أنوار الربيع في أنواع البديع: كنت أظن أنّ أوّل من نظم أنواع البعيد هو الشيخ صفي الدين الحلي حتّى وقفت في ترجمة الشيخ علي بن عثمان بن علي بن سليمان أمين الدين الإربلي الصوفي على قصيدة لامية له نظم فيها جملة من أنواع البديع وضمن كلّ بيت منها نوعاً منه أوّلها: الجناس التام، والمطرف هو:
بعض هذا الدلال والإدلال
حال بالهجر والتجنب حالي
ثمّ قال في الجناس المصحف والمركب:
جرت إذ حزت ربع قلبي وإذلا
لي صبر أكثرت من إذلالي
فعلمت أنّ الشيخ صفي الدين لم يكن أبا عذر هذا المرام ولا أوّل من نظم جواهر هذا العقد في نظام، فإنّ الشيخ أمين الدين المذكور توفي قبل أن يولد الشيخ صفي الدين بسبع سنين، فإنّ وفاته سنة 670 وولادة صفي الدين سنة 677. وأمّا نظم أنواع البديع على هذا الوزن والروي الذي نظم عليه صفي الدين فلا أتحقق أيضاً أنّ صفي الدين هو أوّل من نظم عليه، فإنّه كان معاصراً للشيخ أبي عبدالله محمد بن أحمد بن علي الهواري المعروف بشمس الدين بن جابر الأندلسي الأعمى صاحب البديعية المعروفة ببديعية العميان ولا أعلم من السابق منهما إلى نظم بديعيته على هذا الأسلوب وإن كان صفي الدين قد حاز قصبات السبق في هذا المضمار فإنّ ابن جابر لم يستوف الأنواع التي نظمها صفي الدين، بل أخل بنحو سبعين نوعاً منها، وكلاهما لم يلتزما التورية باسم النوع البديعي، وأوّل من التزم ذلك الشيخ عز الدين الموصلي ثمّ تلاه علي ابن عبدالله الحموي المعروف بابن حجة، وعدد أبيات بديعية الصفي الحلي 145 بيتاً «اهـ» وتعصب عليه ابن حجة الحموي في شرح بديعيته وانتصر له السيد علي خان في شرح بديعيته أيضاً.
صفي الدين الحلي بين رأيين
كتب مارون عبود كلمة عن صفي الدين الحلي أجاب عنها حارث الراوي وفيما يلي هذان الرأيان المختلفان:
يبدأ الأستاذ مارون عبود رأيه في «صفي الدين» في ص309 من كتابه «الرؤوس» حيث يقول: «إنّ خير ما سمعنا من الأصوات في هذه الحقبة، صوتان ارتفعا في آن واحد، أوّلهما في العراق وهو صوت صفي الدين الحلي، الشاعر الذي استعبدته الصناعة اللفظية حتّى اجتمعت في شعره جميع معايبها. كان صفي الدين كالطفيليات يعيش على جذوع الأقدمين، فخمس وضمن، ثمّ حاول اجتراح العجائب في الشعر ـ كما كان يظن ـ فراح ينظّم لسلطانه الذي فزع إليه من ظلم المغول قصائد سمّاها «درر النحور في مدائح الملك المنصور» وهي تسع وعشرون قصيدة على كلّ حرف من حروف المعجم، يبدأ بالحرف البيت ثمّ يختمه، وإليك نموذجاً منها:
مغانم صفو العيش أسمى المغانم
هي الظل إلاّ أنّه غير دائم
ملكت زمام العيش فيها وطالما
«رفعت» بها لولا وقوع «الجوازم»
أرأيت كيف يبدأ بالميم التي هي قافية قصيدة، ثمّ أرأيت «الرفع والجزم»؟ إنّ صفي الدين لم يدع جريمة أدبية في النظم إلاّ ارتكبها. قال القصائد طويلة وقصيرة، والموشحات والأزجال، كما نظم ابن مالك النحو والصرف، نظم الحلي «بديعية» مطلعها:
إنّ جئت سلعا فسل عن جيرة العلم
وأقر السلام على عرب «بذي سلم»
إلى أن يقول الأستاذ مارون:
«وهكذا لا نرى للحلي شيئاً جديداً ـ إن كان هذا شيئاً ـ إلاّ سبقه إلى نظم فنون البديع في قصيدة، ولكن بديعيته لم تصب من السيرورة ما أصابت «بديعية» الحموي فركدت ريحها.
أمّا شعر الحلي فجار حين يتبع سجيته، ولكنّه لا يخرج أبداً من دائرة التقليد فهو يعارض قصيدة المتنبي ليقول من الجناس:
أسبلن من فوق النهود «ذوائبا»
فتركن حبات القلوب دوائبا
بيض دعاهن الغبي كواعبا
ولو استبان الرشد قال كواكبا
ثم شاء أن يكون له شعر مثل شعر البهاء زهير فقال ناحياً نحوه:
إن غبت عن عياني
يا غاية الأماني
فالفكر في ضميري
والذكر في لساني
ما حال عنك عهدي
ولا انثنى لساني
شوقي إليك باقٍ
والصبر عنك فاني
وشاء أيضاً أن «يتعنتر» فقال قصيدة معارضاً بها قصيدة «حكم سيوفك» ومدّ يده إلى نجم الشعر العربي فأخذ قوله:
تماشى بأيد كلّما وافت الصفا
نقشن به صدر البزاة حوافيا
فقال وقصر تقصيراً شائناً:
فتظل ترقم في الصخور أهلة
بسنا حوافرها وإن لم تنعل
أمّا الباقي على الألسن من شعر هذا الفاضل فقصيدته المشهورة:
سلي الرماح العوالي عن معالينا
واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا
إلى أن يقول مارون عبود في مجال التفضيل بين «صفي الدين» و«ابن نباتة»: «وإذا سألتني أيّهما أسبق، أصفي الدين أم ابن نباتة؟ قلت لك: كلاهما مقصر، ولكن الحلي يسبق صاحبه بضع خطوات».
هذا هو نص رأي ناقد كبير شهير من نقاد عصرنا في أكبر شاعر في عصره، وهو رأي لا يخلو من التحامل إذا وضعناه «على المحك»…
أنا لا أبرئ صفي الدين من الصناعة اللفظية، مصيبة أبناء زمانه، أمّا أن تجتمع في شعره جميع معايب الصناعة اللفظية، فقول مردود، لأنّ أكثر شعره منزّه عن هذه الهنة ما خلا شعره الذي يخرج به عن نطاق سجيته فينظمه للبراعة ليس إلاّ. ولا أدري كيف جاز لمارون عبود أن ينعت «صفي الدين» ـ الشاعر المتميز بأصالته، بالطفيلي الذي يعيش على جذوع الأقدمين، كلّ ذلك لأنّه يخمس ويضمن… وليس التخميس والتضمين من علامات عجز الشاعر في كلّ الأحوال، فقد يضيف التخميس والتضمين روعة تفوق روعة الأصل أو تدانيها. أمّا التخميس والتضمين لمجرد إظهار البراعة فشيء لا شك مرذول يأباه الشاعر المبدع. وتخميسات وتضمينات صفي الدين لم تكن لمجرد إظهار البراعة، وإنّما جاءت، في أغلب الأحوال لاتفاقه مع بعض الشعراء في فكرة القصيدة وغايتها. وكثيراً ما يمر صفي الدين بتجربة مماثلة لتجربة شاعر آخر فيكون التخميس والتضمين من دواعي التقاء التجربتين. من ذلك تخميسه للامية «السموأل» الشهيرة. والمعروف عن هذه اللامية أنّها تزخر بالفخر والتحدّي، وكان صفي الدين جديراً بالفخر والتحدّي لأنّه كان من عشيرة عربية ترفض الضيم وتأبى الهوان.
ولا ندري ما هي «الجرائم الأدبية التي ارتكبها شاعرنا صفي الدين في نظر الأستاذ مارون؟ أيكون مجرماً، في مجال الأدب، لأنّه نظم القصائد «الطويلة والقصيرة»؟! والقصائد، بطبيعتها، إمّا أن تكون طويلة أو قصيرة… أم لأنّه نظّم «الموشحات والأزجال»؟ ومتى كانت الموشحات والأزجال خالية من الرقة والإبداع لا سيما إذا صدرت عن شاعر موهوب كصفي الدين الحلي، وأمّا أن تبقى على الألسنة قصيدته «النونية» المشهورة:
سلي الرماح العوالي عن معالينا
واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا
فليس الذنب في ذلك ذنب صفي الدين وإنمّا هو ذنب الطريقة «الببغائية» في حفظ الشعر التي ابتلينا بها. فنحن ما نكاد نسمع بالقصيدة المشهورة وندرسها في المدارس حتّى نعض عليها بالنواجذ ولا نكلف أنفسنا عناء مراجعة أو تذوّق سواها من قصائد الشاعر. وإلاّ فإنّ للصفي قصائد بل خرائد تفوق النونية، كان وما تزال من ضحايا إهمال القرّاء.
والغريب حقاً أنّ ينظر الأستاذ مارون إلى صفي الدين الحلي وابن نباتة المصري نظرة الشيخ إلى تلميذيه فيقول عنهما: «وإذا سألتني أيّهما اسبق، أصفي الدين أم ابن نباتة، قلت لك كلاهما مقصر، ولكن الحلي يسبق صاحبه بضع خطوات…» والإنصاف يقتضي أن يقول إنّ صفي الدين أوسع أفقاً من ابن نباتة وأقدر على النظم وأوسع إحاطة باللغة وأكثر لباقة في التنويع والتلوين… وفي شعر الحلي حرارة وحيوية يفتقر إليها شعر ابن نباتة([560])…
نظرة في شعره
ثمّ يسترسل الراوي في الحديث عن شعره فيقول:
من طبيعة الشاعر العربي ـ لا سيما ـ في الماضي البعيد ـ أن يفخر بنسبه وعشيرته وشجاعته وبما يتحلّى به من المواهب، فكأنّه، يريد بذلك، أن يشعر ممدوحه أنّه ليس إنساناً طفيلياً لا هم له إلاّ أن يعيش على صدقات المحسنين الذين رفعتهم الأقدار إلى مستوى البذل والعطاء، وإنّما هو إنسان له كرامته وعزّته وله من كريم محتده بحبوحة تنعم بها روحه ويشفى جسده…
وليس كلّ الشعراء سواسية في هذا الشعور وهذه المنزلة من الإحساس الوثاب، فبعضهم طفيلي لا هم له غير أن يستجدي، وليس صفي الدين من هؤلاء على أي حال… فقد منَّ الله عليه بكرم المحتد وصفاء المعدن وشجاعة القلب وعلو الهمّة، إلى غير ذلك من الصفات التي يتحلّى بها كبار النفوس عادة. فكيف لا يفخر، وهو ينعم في بحبوحة من هذه الفضائل. ومن طبيعة الشاعر أن يندفع، في صباه، في التغني بمآثر ذاته، مندفعاً مع أحلامه الباسقة وأمانيه الفسيحة، وخير ما يشير إلى هذه الحقيقة هو «بائية» صفي الدين التي يقول فيها:
لئن ثلمت حدي صروف النوائب
فقد أخلصت سبكي بنار التجارب
وفي الأدب الباقي الذي قد وهبنني
عزاء من الأقوال عن كلّ ذاهب
فكم غاية أدركتها غير جاهد
وكم رتبة قد نلتها غير طالب
وما كلّ وان في الطلاب بمخطئ
ولا كلّ ماض في الأمور بصائب
سمت بي إلى العلياء نفس أبية
ترى أقبح الأشياء أخذ المواهب
بعزم يريني ما أمام مطالبي
وحزم يريني ما وراء العواقب
وما عابني جاري سوى أنّ حاجتي
أكلفها من دونه للأجانب
وإن نوالي في الملمات واصل
أباعد أهل الحي قبل الأقارب
وليس حسود ينشر الفضل عائباً
ولكنّه مغرى بعد المناقب
والقصيدة طويلة تقع في خمسين بيتاً وكلّ بيت منها مثقل بهذا الفخر الصارخ، والقصيدة هذه، إنّما تتحدّث عن كمي لا عن صبي، إلاّ إذا أراد الصبي أن يتشبه بالكمي المغوار. وهي والحالة هذه ـ تصوّر واقع عنترة العبسي أكثر من تصويرها لواقع صفي الدين في صباه…
أما «نونيته» الشهيرة التي يقول في مطلعها:
سلي الرماح العوالي عن معالينا
واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا
فقد اعترف بروعتها أعداء صفي الدين وأنصاره على السواء. وما ذكر صفي الدين، في مجال الحسنات، إلاّ وذكرت هذه القصيدة. ولم تحظ بهذا العز ولم تظفر بهذا الذيوع إلاّ لأنّها تصوّر حالة نفسية عنيفة عاشها الشاعر، وترسم بسطور من لهب تجربة اكتوى الحلي بنارها، فقد أسلفت القول إنّ آل أبي الفضل قتلوا خال شاعرنا الحلي غدراً في المسجد وحين أخذ قومه بثأره تنفس صفي الدين الصعداء وأطلق حمم براكينه في فضاء الفخر والثأر. وليس في هذه القصيدة فخر أجوف بالرغم من ورود بعض المبالغات التي كان يجيزها شعراء ذلك الزمان كقوله:
إذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة
وإن دعوا قالت الأيام آمينا
وفي هذه القصيدة، إلى جانب التشبث بالفخر والاعتزاز بالنصر، اعتزاز بقيم أخلاقية عربية سامية كقوله:
قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة
يوماً وإن حكموا كانوا موازينا
وإنّ قوماً هذا شأنهم في الحياة، إنّما يتدرعون، في الصفو، بجلباب العقل والنظام والسماحة. حتّى إذا استخصموا وأثيروا أبوا أن يكونوا من العقلاء الجبناء، وآثروا كرامة العاطفة المشتعلة على تحفظات العقل:
تردعوا العقل جلباباً فإن حميت
نار الوغى خلتهم فيها مجانينا
قلت إنّ بعض أبيات هذه الخريدة تصوّر الخلق العربي الأصيل ومن ذلك قوله:
أنا لقوم أبت أخلاقنا شرفاً
أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
وهذا البيت يصوّر الخلق العربي الإسلامي أروع تصوير ويميز الخلق العربي بعد الإسلام من قبله، فقد كانت الآية معكوسة في الجاهلية عندما كان الشاعر الجاهلي يقول:
وأحياناً على بكر أخينا
إذا ما لم نجد إلاّ أخانا
وهذا خلق الغزو والإيذاء الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية الغراء. وكأنّي بصفي الدين، وقد أعطى قومه ما يستحقون من ثناء طيب النشر، أحسّ ببخله على نفسه بمثل هذا الثناء أو بعضه، وهو الذي لم يكن مكتوف اليدين عندما التحم الخصمان، فجاءنا بلامية تحدث في أغلب أبياتها عن دوره البطولي في المعركة. وممّا قاله عن نفسه:
لما دعتني للنزال أقاربي
لباهم عني لسان المنصل
وأبيت من أني أعيش بعزهم
وأكون عنهم في الحروب بمعزل
وافيت في يوم أغر محجل
أغشى الهياج على أغر محجل
ثار العجاج فكنت أوّل صائل
وعلا الضرام فكنت أوّل مصطل
فغدا يقول كبيرهم وصغيرهم
لا خير فيمن قال إن لم يفعل…
والظاهر أنّ شاعرنا الحلي لا يكتفي بما نظم في قصيدتيه السالفتين، في مجال الفخر والاعتزاز بدليل أنّه راجع قصائد الفخر والاعتزاز عند العرب فأعجبته «عينية» قطري ابن الفجاءة فسمط أبياتها على النحو التالي:
ولما مدت الأعداء باعا
وراع النفس كسرهم سراعا
برزت وقد حسرت لها القناعا
أقول لها وقد طارت شعاعا
من الأبطال ويحك لا تراعي
كما ابتعت العلاء بغير سوم
وأحللت التكال بغير قوم
ردي كأس الغناء بغير لوم
وأحللت التكال بغير قوم
ردي كأس الغناء بغير لوم
فإنّك لو سئلت بقاء يوم
على الأجل المحتم لم تطاعي
فكم أرغمت أنف الضد قسرا
وأفنيت العدى قتلاً وأسرا
وأنت محيطة بالدهر خبرا
فصبراً في مجال الموت صبرا
فما نيل الخلود بمستطاع
* * *
عندما صفا العيش لصفي الدين في كنف الملك المنصور غازي وابنه الملك الصالح، حمل شيطان الغزل إلى شاعرنا هبات كثيرة بعضها يعدّ من الأعلاق، ومن تلك الهبات نونيته التي مطلعها:
قالت: كحلت الجفون بالوسن
قلت: انتظاراً لطيفك الحسن
وفي هذه القصيدة الرقيقة من الحوار المستحب بين الحبيبين ما يحببها إلى النفس ويرسلها إلى شغاف القلب، وهي من بعد مثقلة ببث العاشق اللجوج واندفاعه في دنيا الصبابة، وبتحفظات المعشوقة المسرفة في الدلال الحلو والمر:
قالت: تسليت بعد فرقتنا
فقلت: عن مسكني وعن سكني
قالت: تشاغلت عن محبتنا
قلت: بفرط البكاء والحزن
قالت: تناسيت، قلت: عافيتي
قالت تناءيت، قلت: عن وطني
قالت: تخليت، قلت: عن جلدي
قالت تغيّرت، قلت: في بدني
قالت: تخصصت دون صحبتنا
فقلت: بالعين فيك والغبن
قالت: أذعت الأسرار قلت لها:
صيرسري هواك كالعلن
قالت: سررت الأعداء قلت لها:
ذلك شيء لو شئت لم يكن
قالت: فماذا تروم؟ قلت لها:
ساعة سعد بالوصل تسعدني
قالت: فعين الرقيب تنظرنا
قلت: فإنّي للعين لم أبن
أنحلتني بالصدود منك فلو
ترصدتني المنون لم ترني!
فأنت ترى أنّ في غزل الحلي عذوبة وطرافة، وهذا لا يعني أنّ غزله بعيد، أغلبه، عن التشابيه التقليدية المألوفة الملقاة على طريق السابلة من «خمر الريق» إلى «قوام الغصن» و«بدر التم» إلى غير ذلك ولكنّه ـ والحق يُقال ـ كان يحسن، أحياناً، التصرّف بهذه الاستعارات المألوفة المقننة، من ذلك وصفه لجمال حبيبه:
يقولون لي، والبدر في الأفق مشرق
بذا أنت صب؟ قلت: بل بشقيقه
وإذا كان هذا البيت من ومضاته، فلشاعرنا في بعض قصائده الغزلية وثباتٌ كقوله:
لولا الهوى ما ذاب من حنينه
صب أصابته عيون عينه
متيم لا تهتدي عواده
إلاّ بما تسمع من أنينه
والاهتداء بالأنين صورة رائعة لا تخلو من الابتكار، وما أروع استجارته بجيرة الحي، حي الأحباب:
يا جيرة الحي أجيروا عاشقاً
ما حاد عن شرع الهوى ودينه
باطنه أحسن من ظاهره
وشكّه أوضح من يقينه
وبعد تسنّم شاعرنا هذه الذروة الشاهقة، ينحدر في البيتين اللذين نالا من هذه المقطوعة الرائعة حيث يقولك
لا تحسبوا ما ساح فوق خده
مدامعاً تسفح من جفونه
فيترك لنا بذلك مجالاً فسيحاً للتأمّل وتوقّع الإجادة في وصف دموعه، وإذا به يقول:
وإنّما ذاب جليد قلبه
فطرفه يرشح من معينه
وما أبشع تشبيهه قلب العاشق بالجليد… ولعله تشبث بالجليد لأنّه يذوب، وهو بحاجة إلى مادة تذوب ليشبه بها الدموع، وفاتته المواد التي تنصهر…
ولا شك أنّ غزل الحلي رائع، إذا جارى الرجل سجيته ولم يبتعد عنها. أمّا إذا وسوس له شيطان المحاكاة، طلعت سجيته وطفق يقلد وينحدر. يقول عنترة العبسي:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
مني وبيض الهند تقطر بالدم
فيصهر صفي الدين هذا المعنى في أكثر من بوتقة ولكنّه لا يضاهي العبسي:
ولقد ذكرتك والسيوف مواطر
كالسحب من وبل النجيع وطله
فوجدت أنساً عند ذكرك كاملاً
في موقف يخشى الفتى من ظلّه
ويقول الحلي أيضاً بهذا المعنى:
ولقد ذكرتك والعجاج كأنّه
ظلّ الغني وسوء عيش المعسر
والشوس بين مجدل في جندل
منا وبين معفر في معفر
فظننت أنّي في صباح مشرق
بضياء وجهك أو مساء مقمر
ولصفي الدين في حلبة المجون والأدب المكشوف «جداً» أبيات ومقطعات أستحيي أن أذكر بعضها.
وعلى أي حال فإنّ الرجل عندما ناهزت سنّه الخمسين عزف عن الملذات وحج بيت الله الحرام ومدح الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بثلاث قصائد وأربع أبيات سكب فيها من ذوب قلبه وعصير روحه الشيء الكثير، وهو يرجو فيها الشفاعة ويلتمس الغفران وإطفاء نيران الذنوب. وحسبنا أن نلقي نظرة على إحداها ولتكن الهائية. ولا يهمنا فخر صفي الدين بنفسه في هذه القصيدة فقد قرأنا من فخره بنفسه فيما سبق الشيء الكثير، والذي يهمنا هنا أن نلتمس طريقته في مدح الرسول الأعظم ولنبدأ من مشهد الناقة التي كانت تحمل الشاعر إلى بيت الله الحرام وقبر الرسول (صلّى الله عليه وآله):
ترض الحصى شوقاً لمن سبح الحصى
لديه وحيا بالسلام بشيرها
إلى خير مبعوث إلى خير أمة
إلى خير معبود دعاها بشيرها
ثمّ يصف الشاعر المؤمن دعوة محمد (صلّى الله عليه وآله) إلى الإيمان وكيف أخمد نار المجوس بالتوحيد وكيف زلزل عرش كسرى:
ومن أخمدت مع وضعه نار فارس
وزلزل منها عرشها وسريرها
وينطلق الشاعر في تمجيد الرسول الأعظم والتغنّي بمآثره فيبدع أيّما إبداع حيث يقول:
محمد خير المرسلين بأسرها
وأوّلها في الفضل، وهو أخيرها
أيا آية الله التي قد تبلجت
على خلقه أخفى الضلال ظهورها
عليك سلام الله يا خير مرسل
إلى أمّة لولاه دام غرورها
عليك سلام الله يا خير شافع
إذا النار ضم الكافرين حصيرها
عليك سلام الله يا من تعبدت
له الجن، وانقادت إليه أمورها
تشرفت الأقدام لما تتابعت
إليك خطاها واستمرّ مريرها
وفاخرت الأفاه نور عيونها
بتربك لما قبلته ثغورها
فضائل رامتها الرؤوس فقصرت
ألم تر للتقصير جزت شعورها
ولو وفت الوفاد قدرك حقه
لكان على الأحداث منها مسيرها
مؤلفاته
(1) الأغلاطي وهو معجم للأغلاط اللغوية التي يقع فيها الكتاب والأدباء.
(2) وصف الصيد بالبندق.
(3) العاطل الحالي.
(4) الأوزان المستحدثة.
(5) رسالة الدار والغار.
(6) ديوان صفوة الشعراء وخلاصة البلغاء.
(7) الدر النفيس في أجناس التجنيس.
هذا عدا مجامعه الشعرية وهي ديوانه ودرر البحور والبديعية.
الاستشراق والتشيع
كان للحركة الاستشراقية ـ هي الأخرى ـ دوراً بارزاً في إعادة طرح السؤال على تراثنا العربي والإسلامي. وأياً كان الموقف الذي انطلقوا منه في أبحاثهم أو الغايات التي كانت تحدّد ميولهم، فإنّ المفاهيم والتقنيات التي وضعوها في سبيل استكناه أغوار حقيقة الفرق المضطهدة، كشفت ـ على أقل التقادير ـ عن أزمة خطاب تاريخي عند المسلمين. فلا شك في أنّ المستشرقين مهما اختلفت طرائقهم، ورغم اشتراكهم في بعض النواحي التي يمليها الوضع الثقافي والعلمي لأوروبا ذات النزوع العقلاني، فإنّنا لا نجد بُداً في أن نجزئ في نظرتنا له، باعتبارهم لا يعبرون جميعاً عن بنية موحدة، بل إنّنا لا نستطيع أن نصفهم بالنزعة التآمرية، وإن بدا أنّ هناك صلات وظيفية تمت بين بعضهم والمؤسسات الاستعمارية في العالم العربي والإسلامي. فالطابع الوظيفي لا نكاد نجد له أي مبرر في دراساتنا هنا، لأنّ البُعد الأكاديمي واضح في كثير من أبحاثهم؛ ومن السهولة تمييزه عن عناصر الأيديولوجية الدّخيلة عليه. من هنا، نلاحظ تلك الصعوبة التي واجهها بعض المستشرقين الذين تخصّصوا في التاريخ الفكري والسياسي للشيعة، بخلاف نظرائهم الذين اكتفوا بملامسات سطيحة كان لها أثر على تحليلهم التاريخي. إنّ أولى تلك العقبات التي واجهها المستشرق المختص بهذه الفرقة، هو تلك الصعوبة ـ كما ذكرنا ـ في العثور على الوثيقة الشيعية، ذلك أنّ أقدم المصادر التاريخية التي احتكرت الإخبار عن الشيعة، هي مصادر السنّة. وأقدمها وأهمها، هو «تاريخ الرّسل والملوك» لجعفر بن جرير الطبري الذي وقع هو الآخر في مآزق أيديولوجية، جعلته، رغم موضوعيته التي حرص عليها، يقدم أخباراً غير دقيقة ومنصفة… وقد يصعب علينا كما تقدّم، إرجاع ذلك إلى موقف شخصي من الطبري الذي راح هو نفسه ضحية عدم تعصّبه، لكن مردّ ذلك إلى البيئة العامّة وما كانت تفرضه على المؤرخ من قيود. كما وقع ضحية أخبار غريبة وموضوعة لسيف بن عمر التميمي، مبدع أسطورة الأصل السبئي للتشيع، رغم أنّه اقتفى طريقة المتحدثين في تنقيح الأخبار، فقد فاته إجماعهم على ترك روايات سيف بن عمر. وعلى الرغم من ذلك كلّه، نجد الطبري قد تبوأ مقعداً مهماً([561]) في تاريخ الكتابة التاريخية عند العرب، تلك المنزلة التي سيشاركه فيها جمع من المؤرخين الذي نهجوا أسلوباً توليفياً أو متحيزاً، كابن خلدون. وهي مكانة لم يحظ بها مؤرخون من طراز البلاذري أو النوبختي… لا ننسى ـ أيضاً ـ أنّ عدداً من المستشرقين، كانوا قد تولّوا ترجمة ونشر بعض المخطوطات التاريخية، الحاكية عن الفرق والمذاهب الإسلامية… فقد قام K.C. Sleeve بترجمة جزء من كتاب «الفرق بين الفرق» إلى اللغة الإنكليزية، تحت عنوان: Moslem Schismes – and Sects([562])، وهو مؤلف لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي الأشعري، البغدادي (متوفى عام 429هـ)، من أقدم المصنفات في تاريخ الفرق، بعد كتاب «مقالات الإسلاميين» لأبي الحسن الأشعري (متوفى عام 330هـ).
وتجدر الإشارة إلى ما تميز به هذا المؤلف من تعصب مخلّ بأهميته المصدرية، وقد اعتمده الشهرستاني (متوفى عام 548هـ) في كتابه الشهير «الملل والنحل»، ولهذا السبب تحديداً، انتقده الرازي في «مناظراته»، باعتباره استند إلى البغدادي، وقد كان هذا الأخير ـ حسب الرازي دائماً ـ شديد التعصّب على المخالفين.
ونذكر، بالإضافة إلى ذلك، كتاب «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري (متوفى عام 456هـ)، ترجمه إلى اللغة الإنكليزية I. Reiedlander([563])، تحت عنوان: The Heterodoxies of the Shites. كما ترجم إلى الإسبانية من قبل المستشرق الإسباني «أسين بلاتيوس»([564]) تحت عنوان Aben Hazem Decorooba y Su Historia Critica De las Ideas Religiosas.
وقد كان ابن حزم، من أكثر العلماء تعصّباً لأمراء بني أمية، وأكثر من سابقيه تحاملاً وقسوة على المخالفين. كما تجدر الإشارة إلى كتاب «التمهيد في الردّ على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة»، للقاضي أبي بكر الباقلاني (متوفى عام 403هـ)، الذي اطلع عليه الأب رتشارد يوسف مكارثي اليسوعي، وقام بتصحيحه ونشره([565]). كما تجدر الإشارة إلى كتاب «الردّ على فضائح الباطنية» لأبي حامد الغزالي (متوفى 505هـ). فقد اهتم به عدد من المستشرقين، وتولّى طبع قسم منه «غولدزهير». وهو كتاب بلغ في طعونه ونقوضه على الباطنية، حدّاً، جعل الرازي في رسالته التي انتقد فيها الشهرستاني، والبغدادي، متهماً إيّاه بارتكاب أغلاط، وعدم معرفته بالمذهب الإسماعيلي([566]).
لقد ظلّت هذه الكتب وأمثالها، مصدراً رئيسياً للتعريف بتاريخ الفرق والمذاهب عند المسلمين، ممّا جعل الكثير من المستشرقين، ذوي النزعة الأكاديمية، يعيدون النظر في هذا النسق المرجعي، حيث مارس تأثيراً سلبياً ملحوظاً على الخطاب التاريخي الإسلامي، لفترة مديدة من الزمان. ولا شك في أنّ إقدام هذا الرهط من المستشرقين، على إعادة نقد الوثائق التاريخية المتعلقة بالماضي العربي والإسلامي، كان قد أحدث ـ بالفعل ـ ثورة معرفية جديرة بالاحترام؛ على الرغم من كلّ ما يمكن ملاحظته في غمر هذه التجربة الاستكشافية الجبّارة! نستطيع أن نذكر «فلهوزن»، وهو من بين أولئك المستشرقين، الذين وقعوا ضحية هذا النسق المرجعي، الذي ركّزته الترجمة. فقد قام «فلهوزن» بعرض الأحداث التاريخية التي شهدها القرن الأوّل، انطلاقاً من الفرية الشهيرة التي روّج لها كتّاب الفرق الإسلامية. وهي الفرية التي توحي بالأصل السبئي للتشيع. منشئاً عن هذا التسطيح، الرأي الذي مثله «جوبينو» و«دوزي»، إذْ ربطا كلاهما بين التشيع والثنوية الفارسية وقد ظلّت هذه، هي النظرة السائدة لدى المستشرقين الذين ولعوا بالبحث والتنقيب عن الأشباه والنظائر. فلا عجب إن كان «دوزي» قد أرجع التشيع إلى فارس؛ فقد علّل من جانب آخر، تجربة ابن حزم الظاهري، التي كشف عنها في طوق الحمامة ـ وهو أفضل ما كتب عند العرب في موضوع «الحب» ـ بكونه راجعاً إلى الأصول المسيحية. وكان «بلاتيوس»، قد ردّ ببساطة على هذا الحكم السطحي، استناداً إلى ما رزح به التراث العربي من أشكال التعبير عن الحب والغرام، كما تخبر بذلك أشعارهم في الغزل.
ونجد المنحى نفسه عند «سنوك» حينما نسب فكرة المهدي ـ في العقيدة الشيعية ـ إلى أصل مسيحي. وقد ردّ على ذلك ماسينيون، الذي أعاد فكرة المهدي إلى أصولها الإسلامية، الناشئة عن تعاليم القرآن وعرف المسلمين. فكان هذا الأسلوب طاغياً على مستشرقين قدامى، اعتادوا على تقريب الفرق الإسلامية بإرجاعها إلى أصول منحولة في الديانات أو الملل السابقة.
لا شك في أنّ مردّ هذا الاختلاف، إلى تأثير تلك المصادر التي سهلت عليهم القيام بمقارنات سريعة سطحية، للخروج بنتائج تركيبية غير دقيقة من الناحية العلمية. وقد كانت مصادر في أغلبها سلفية مثل كتاب «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» لابن بطة العبكري، وكتاب «الردّ على الجهمية» لأبي سعيد الدارمي، أو أشعرية مثل كتاب «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن فرق الهالكين» لأبي المظفر الإسفرائيني وكتاب «اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع» للأشعري نفسه. أو معتزلية مخاصمة، مثل كتاب «فضيلة المعتزلة» للجاحظ وكتاب «الانتصار» للخياط المعتزلي.
لقد اتم فلهوزن بتاريخ الإسلام والعصر الجاهلي ـ ما قبل الإسلامي ـ وهو في عرضه ذاك ظلّ متأثّراً بوجهة النظر التاريخية المتصالحة مع العصر الأموي، والمدافعة عن الإسلام المركزي ضد التيارات المعارضة. وهو في الأصل، لا يكاد يختلف عن وجهة النظر العنيفة، التي مثلها اليسوعي «لامانس» الذي أظهر انحيازاً عجيباً إلى الأمويين، معرباً عن استهتار وأسلوب قدحي في تناول الأشخاص الهاشميين، وتحديداً علي ابن أبي طالب، لهذا سمّي، «مطرب الأمويين». ولا نوافق رأي من اعتبر فلهوزن باحثاً معتدلاً، وغير متعصب، لأنّ ذهنية البحث عن النظائر، والتحيّز المفرط، والقراءة السيئة للأحداث، ظلّت ظاهرة بادية في كتاباته. لقد اعتمد «فلهوزن» رواية أبي مخنف، وفضلها على باقي الروايات، مشيداً بأسلوبه ونزاهة وصفه للأحداث. ولم تكن ميول أبي مخنف لِتُثير انتباه فلهوزن هذا في حين ظلّ يهوّن من أهمية ما كتبه مؤرخون آخرون أمثال اليعقوبي، الذي لم يتردّد مستشرقنا في اتهامه بالسذاجة. وفي اختيار أخبار أبي مخنف في وصف نزاعات العصر الأموي، كان ينحو ـ بوضوح ـ منحى لامانس نفسه؛ حيث بذل جهداً كبيراً في تبرير كلّ المقاتل والجرائم التي قام بها الأمويون، يقول في هذا الصدد: «وعلى الرغم ممّا فيها [أي رواية أبي مخنف] من ألوان الأساطير، فإنّها لا تحجب عنّا المادة التي بفضلها نستطيع أن نكوّن أحكاماً سليمة. فعمر بن سعد يراجعه ضميره في مسلكه بإزاء الحسين، ولهذا ينظر إليه بنوع من الرقة، بينما نحن نراه شخصاً بثير السخط لأنّه تجاوز اعتبارات ضميره لا شيء إلاّ ليحتفظ بما وعد به من ولاية…»([567]).
وبعيداً عن القراءة المتوثبة للأحداث، كما فعل فلهوزن، حيث كان يقرأ الوقائع على هواه، وبالكيفية التي تتيحها له مواقفه وميوله الواضحة في الدفاع عن الكيان الأموي، بعيداً عن ذلك نجد نظرته بهذا الخصوص، تعاني نوعاً من الاضطراب والتعمُّل. إذْ سوف يعمل على تلفيق صورة وشائجية، تتداخل فيها عناصر الثالوث الخطير: التشيع والسبئية وفارس. فلأن كان أهل فارس، بدافع من العداء للعرب، ونظراً لوضعهم كموالي، انضووا تحت لواء التشيع للهاشميين، فإنّ السبئية التي تسمّى أيضاً الكيسانية، سوف تدفع بالتشيع إلى مزيد من الحدّة، تجاه الإسلام السنّي. ونلاحظ الاضطراب باديّاً في ذلك الربط الذي أقامه، حيث لما «ارتبطت الشيعة بالعناصر المضطهدة، تخلّت عن تربة القومية العربية. وكانت حلقة الارتباط هي الإسلام. ولكنّه لم يكن ذلك الإسلام القديم، بل نوعاً جديداً من الدين… واتخذ نقطة ابتدائه من بدعة غريبة غامضة اختلطت بها المختارية وهي «السبئية». والسبئية كانت قد اتخذت اتجاهاً أنشأ يسيطر على طبقات واسعة بحيث اضطرت الشيعة بوجه عام إلى اتخاذ موقف أشدّ حدّة بإزاء الإسلام السنّي، وازداد إبراز الخلافات بين الشيعة والسنة»([568]).
وفلهوزن بلا شك، يجهل الكثير من الأبعاد التي تثوي وراء حقيقة التيارات المعارضة. فقد تبنّى وجهة النظر الرسمية، التي عادة ما تكون في متناول باحث لم يكلف نفسه أكثر من الاقتباس السريع من كتّاب الملل والنحل، وسرد الوقائع على وفقها. هكذا، نجده يستعرض وجهة النظر الشائعة، بخصوص التصوّر الشيعي الإمامي، للإمامة، وانتقالها من النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أحفاده على أساس الإرث الأسري. ونلاحظ في هذا العرض نوعاً من التساهل يبديه فلهوزن، حينما يكون المركز متهماً؛ في حين يبالغ في تهوين المؤرخ المنحاز إلى فرقته. والنظرة الكلية فيما كتبه فلهوزن تثبت هذا التحيّز، ابتداءً باستصحاب الرؤية اللامانسية في مجال تحليل المعتقدات وهي نفسها الرؤية التي تظهر في مجال تحليل الأحداث السياسية. وهو لا يرى رأي «دوزي» في كون التشيع مذهباً إيرانيّاً؛ وهي المقاربة التي تحاول الخضوع لمنطق النظير في ذلك الموروث الفارسي الملوكي، حيث يظهر الملك، كسليل للآلهة الدنيا. وهي بلا شك رؤية تفتقر إلى الحسّ التاريخي في ضبط مسار تشكل هذه العلاقة، التي لم تكن أكثر من علاقة تاريخية، لها اسبابها في عوامل تاريخية وجيو ـ سياسية، وأيضاً اجتماعية، في علاقة إيران بالعرب. وقد استبعد «فلهوزن» ذلك، باعتبار الأصل العربي للتشيع، ووجود الرؤية ذاتها في التشيع العربي. لكن «فلهوزن» هنا، يقيم تنويعاً جديداً على قاعدة النظائر، إذْ يحاول إقامة تلك العلاقة على وفق ما تتيحه مصادر التاريخ الرسمي، ألا وهي الصّلة بين التشيع والسبئية. وذلك سعياً إلى تقوية وجهة نظره في الأصل اليمني ـ العربي، للتشيع. وحتّى يصل إلى تفسير منسجم للتصوّر الشيعي عن الإمامة ومتفرعاتها، فهو يحاول إنشاء صلة أخرى بين التشيع والفكر اليهودي، حيث يراه أقرب إليه من الزرادشتية الإيرانية؛ «بيد أنّه يلوح أنّ مذهب الشيعة، الذي ينسب إلى عبدالله بن سبأ أنّه مؤسسه، إنّما يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين»([569]).
وهكذا، فإن كان «دوزي» يرى في فكرة الإمام الشيعي، امتداداً لعقيدة فارس في الملوك ـ الآلهة، فإنّ «فلهوزن» لا يكاد يخرج عن الإطار نفسه في الإحالات على النظائر، فيرى أنّ فكرة النبي ـ الملك، بدعة يهودية؛ «إنّ الفكرة القائلة بأنّ النبي ملك يمثّل سلطان الله على الأرض، قد انتقلت من اليهودية إلى الإسلام»([570]).
إنّ الطابع التبريري في كتابات فلهوزن، يتجلّى بأوضح صوره في أسلوبه السردي للأحداث، حيث لم يكن ينحو بعيداً عن النصوص التقليدية، لتلك المصادرات التي اعتمدها في مشروعه التأريخي. والنزعة التي قرأ بها الأحداث، لم تكن تقدمية أو تحررية كما هو المتوقع من قارئ أوروبي ديمقراطي، تستثيره المظالم والمقاتل، ليبحث في ملفاتها الممنوعة أو الممتنعة، عن القراءة. هكذا يحاول «فلهوزن» وعلى طول المشوار، تعزيز الموقف السياسي الأموي، مهوّناً من بشاعة جرائمه. أمّا نكبة كربلاء، فهي ـ وكما سوف نلاحظ تقريباً مع جولدزهير» مجرد «ميلودراما»؛ في حين يمثّل مقتل عثمان، مأساة ـ تراجيديا ـ([571]). وهكذا، اتفق أنّ غطّت الواقعة كلّ عيوب الحسين (عليه السلام)، لينطلق التاريخ الانفعالي على أساس علقة الدم النبوي، الذي يجري في عروقه. ففلهوزن، الذي عبّر في تأريخه عن ميزاجيته الحادّة تجاه التراث الآخر، تراه هنا، يهون من جريمة قتل الحسين (عليه السلام)، وسلوك شمر بن ذي الجوشن، المتمرس في الإجرام. فيقول ـ مثلاً ـ: «ومن هنا يسود شعور سابق ضده، لا نرانا ملزمين بالمشاركة فيه»([572]). فهو يمعن النظر حتّى في وصف أبي مخنف لشمر، مبرّراً ذلك، باحترامه لقداسة المعسكر (الذي فيه الحسين (عليه السلام) والنساء) ([573]). ويؤكد على ذلك مرّة أخرى: «وكان بنو أمية يدللونهم (أي أحفاد النبي)» ([574]).
أمّا «جولدزهير»، وهو المستشرق المجري، الذي بحث في تاريخ الفرق وأفكارهم، فإنّه ينقلنا إلى موقف آخر، بقدر ما هو يتّسع للرغبة في البحث الموضوعي والإنصاف، فإنّه يظل أسير ما تقرّر عند «فلهوزن». ففي الجملة، يتبدّى موقف جولدزهير»، كمناصر للإسلام الرسمي، تاريخاً وعقيدة، في إطار نزعة تهوينية، تحوّل تاريخ المعارضات، إلى مأوى للمروق والانحراف. وهي النزعة التي ساهم في نشأتها، ذلك الفيض من المعطيات المعرفية، للمصادر الإسلامية، الأكثر تحيزاً وتعصباً في تعرّضها للوقائع. و«جولدزهير» لا ينفي كونه اعتمد في ذلك على كتاب الفرق والملل والنحل؛ يقول: «وإنّنا نصادف في الفرق الإسلامية، كابن حزم والشهرستاني وغيرهما، صوراً متعددة لهذه العقائد، لا يزال فريق من الناس في بعض البقاع يؤمن بها إلى اليوم…» ([575]).
وهو بذلك يكشف عن أنّه اكتفى بوجهة النظر الرسمية في قراءة الأحداث ودراسة الأفكار الأخرى. ويعزّز جولدزهير موقف نظيره فلهوزن بخصوص الأصل العربي للتشيع ـ فالتشيع كالإسلام عربي في نشأته وفي أصوله التي نبت منها([576]) ـ بناء على المعطيات نفسها كما حلّلها فلهوزن. إلاّ أنّه لا يجد مانعاً من نسبة التشدّد الطارئ على التشيع ـ خصوصاً في مجال النظر الفقهي ـ إلى الموروث الزرادشتي. أي أنّ التأثير الإيراني، تأثير تاريخي، وظاهرة لاحقة على التشيع ذي الجذور العربية، حيث يحسن إلحاقه بالأفكار اليهودية والمسيحية. والحق، أنّ جولدزهير لم يقع في المنحى ذاته لفلهوزن، فيما يتعلّق بالنزعة «اللامانسية»، لو صحّ التعبير، تلك التي تقيم دفاعاتها وتبريراتها للجرائم الأموية على أساس من التهوين فيما لحق المعارضة من اضطهاد وتقتيل. بل إنّ جولدزهير، هو أكثر من ذلك، يستعرض كلاماً يصحّح من خلاله جملة من الأخطاء التي وقع فيها الباحثون، بخصوص التشيّع، مثل معاداة السنّة وعدم الأخذ بالحديث، وقضايا أخرى تتعلق بالمسائل الفقهية([577]).
ويقف جولدزهير من التاريخ السياسي العلوي، موقفاً لا يكاد يتحرّر فيه من تلك التقريرات السابقة لفلهوزن؛ على الرغم من حرصه على أن يظهر عرضه في صورة منصفة وموضوعية، وذلك باعتبار أنّ إخفاق المشروع العلوي، ناتج عن سوء تدبير، وضعف في الناحية السياسية. هذا الإخفاق الذي سوف ينتهي إلى نوع من التراجع واليأس والتعويض، برجعة الإمام العادل، والتغيير المتوقع، على الرغم من أنّه يجعل من العقيدة المهدوية، تأثيراً مسيحانياً ويهودياً، ولعل أيضاً ثمة ما يوحي بوجود شراكة في هذا الاعتقاد من قبل خصومهم السنّة. وهو ما يؤكد على أن تحليلاً أو فهماً مستوعباً للمعطى العقدي والتاريخي، لم يكن حاضراً، بقدر ما كانت الآلية المتحكمة في هذه القراءات، نزعة متوثبة، تستند إلى منهج الأشباه والنظائر. فهو على الرغم من ذلك الحرص الذي أبداه في بداية حديثه أو الذي كان يظهر بين الفينة والأخرى، ظلّ حريصاً على موقفه من الإسلام المركزي، حيث اعتبره معطّى يمثّل الإجماع. لذلك فإنّ ضعف النظر السياسي هو ما جعل العلويين «يسيئون اختيار الفرص الملائمة للقيام بالثورة، كانت ثوراتهم تمنى دائماً بهزائم لا مفر منها…»([578]).
وعلى الرغم من التاريخ المأساوي للعلويين المضطهدين، فإن جولدزهير، يعتبر ذلك، وعلى غرار ـ فلهوزن ـ مجرد نزعة مسرحية نزعوا إليها، حيث صوّروا «تاريخ آل البيت تصويراً أخّاذاً»([579]). فالتشيع الذي ظلّ مأوى للمضطهدين والناقمين على الأوضاع السياسية والاجتماعية، هو من ناحية أخرى، وخلافاً ـ للإسلام السني ـ كان قد تشبّع «بالروح الاستبدادية المطلقة»([580]). فعلى طريقة مؤرخي الفرق الإسلامية، تواجه محنة تاريخ المضطهدين، نوعاً من التهوين والقراءة المعكوسة بما يعمق هامشيتها، ويدعم سياسة النسيان تجاه مقاتلها.
وقد نقف من خلال استشفافنا لما تقرّر في هذه العروض، على أنّ قسماً لا بأس به من المستشرقين، لم يأخذوا بوجهة النظر «الماسينيونية»، في التداخل والمعايشة، لتراث المهمشين. فجولدزهير كدوسي وفلهوزن ولامانس… يستندون على المعطيات ذاتها، كما يعتمدون الخطة نفسها مع بقاء الفارق الضئيل في أسلوب عرضهم، وطريقة تناولهم للموضوعات.
أستطيع تمييز فريق من المستشرقين، استطاعوا أن يثبتوا جدارة يقل لها مثيل من بين نظرائهم… وأعني بذلك كلاً من ماسينيون وإيفانوف، وأخص بالذكر، برنار لويس وهنري كوربان؛ الميزة الأساسية التي توفّرت لهؤلاء، تتجلّى في أنّهم انفتحوا أكثر من نظرائهم وأساتذتهم في المدارس الاستشراقية، واحتضنوا التاريخ العربي والإسلامي في شموليته التي لا تسمح بإهمال الوجه الآخر منه، والاستناد فقط، إلى الرأي السنّي. فقد تجاوزوا تلك التقريرات التي تشكّلت بفعل التأثير التقليدي للمصادر الأولى، بل استطاعوا النفاذ، بنباهة وحميمية، للإمساك بتاريخ المعارضة.
كان «لوي ماسينيون» على الرغم من صلته التي ظلّت وثيقة إلى حد ما بالاستشراق التقليدي، الموسوم معظمه، بالنزعة الروحية… وعلى الرغم ممّا اتهم به من صلات ـ من بعيد أو قريب([581]) ـ مع المؤسسة الاستعمارية، باحثاً جريئاً ومتميزاً بذكائه واستيعابه، حيث تجلّت فرادته في نبذ أساليب الربط المألوفة لدى نظرائه، بين الفرق الإسلامية المهمشة المتصوفة وبين أصول الديانات والفلسفات الأخرى، كما هو واضح لدى اتين بلاتيوس وجولدزهير ورينان([582]). وقد اهتمّ بالمنابع المستقلة للتجربة الروحية، كما تجلّت في الإسلام الصوفي والشيعي، بتقرير أنّ «هناك في القرآن بذوراً صوفية حقيقية، وهي بذور قابلة لنمو مستقل لا يحتاج إلى إخصاب خارجي»([583]). وقد تراءت تجربة الحلاج، لماسينيون على أنّها رحلة الإيمان الحقيقية كما جسدتها حياة رمز للتصوّف الإسلامي، هي مادة خصبة لما سيقوم به من أعمال، تركت آثارها نافذة، على صفحة الاستشراق. حيث قدم أطروحته: «عشق الحسين بن منصور الحلاج شهيد الصوفية في الإسلام الذي أعدم في بغداد في 26 آذار سنة 922». و«بحث في أصول المعجم التقني للتصوّف الإسلامي»([584]).
يتحرّر ماسينيون من سلطة تمركز الإسلام السنّي، ومن نسقه المرجعي في تكوين رؤية حول التراث العربي الإسلامي، ليس فقط، تعيد الاعتبار لهذا الجانب المغمور، والهامشي، بل ستبعث منه تجربة رائدة، وفعّالة. ويعبّر عن ذلك التحوّل الذي طبع خبرته في الدراسة الإسلامية، بما يعكس ميلاً جديداً، يؤرخ له بـ: «ربيع 1908»، حيث قيامه برحلة بعيدة في صحراء كربلاء والنجف، بالعراق، وهو ما يمدّنا بحقيقة الاختيار الماسينيوني، ومدى علاقته الحيوية بالتجربة الشيعية، نظراً واحتكاكاً؛ يقول: «كوني بدأت في الدراسات الإسلامية عند أصدقاء سنيين «سلفيين» في القاهرة وفي بغداد، تعلّمت «فلسفياً» أن أعطي الحقّ للأمويين على العلويين، وليزيد على الحسين الذي قتل «بسيف جدّه» (تعبير عميق لم أفهم فحواه وحقيقته إلاّ بعد حين، فيما يتعلق بهذا المتمرد البرومثيوسي». وكان ينبغي لي ذلك الانعزال عن القافلة، في صحراء كربلاء والنجف (في ربيع 1908) حيث كانت تختمر لدى المبعدين المؤامرة «الماسونية» ضد الاستبداد الحميدي، لكي أشارك (و«أعاني») في حياة ونذور وأماني الحجّاج إلى زيارة المقامات الشيعية في العراق وادي السلام والإمام الحرّ و«لعنة نار علي» التعويذة المأساوية قرب ضريح سلمان نفسه»([585]).
وقد انجذب ماسينيون إلى الحلاّج([586])، حينما وجد عنده، رغبته الملحة في الحصول على ذلك المزيج، ذي المغزى الروحي بين الحب والشهادة. في لحظة يعبر فيها عن هذه التجربة: «أذكر بأنّني اقتربت من الإسلام ومن دراسة التصوف الإسلامي، وفي جحودي وتشكيكي وعيشي خلافاً لما ينبغي، صفعتني كلمة للحلاّج أثارت بجمالها مفارقة كبيرة عندي: «في صلاة الحبّ، تكفي ركعتان، ولكن الوضوء الذي يجعلهما مقبولتين ينبغي أن يكون بالدم». إنّها مفارقة ظاهرية: الدم العادي نجس، خصوصاً عند المسلمين، حسناً، ولكن دم الشهيد… الشهيد عند المسلمين يدفن كما هو دون غسل، الشهيد لا يغسل، فدمه طاهر لأنّه دم الروح. إنّ شهادة الدم لدى المتصوّفة ولدى السنّة هي شهادة الحياة، حياة الروح…»([587]).
إنّ تجربة الحلاّج، الروحية، التي انتهت به إلى حدود الشهادة، مشهد يرسم تلك العلاقة الحميمة بين تجربة المسيح وموقف الحلاّج… لكنّها في منشئها الأوّل، تعود إلى صدمة مستشرق انتهت به الحيرة والمحنة، إلى الانقطاع إلى تراث المعارضة وما يختزنه من أسرار، ربّما غرائبية، زاد في تركيزها التعليم السني، ّهو بمثابة رصيد روحي مهمل، ومضطهد. لكنّه فعّال، وباعث لحياة الروح، وهي خبرة فريدة لذلك العشق الصوفي المعزّز بإيمان عميق بوحدة الشهود إلى حد التبشير والإعلان، فالشهادة! لكن الوجه الآخر لهذه الخبرة العميقة ـ الروحية/ الاستشهادية ـ تتجلّى في ذلك الرافد الشيعي، الذي عكسته صدمة الرحلة إلى المواقع الراشحة بالمشاهد المعبّرة ـ كربلاء والنجف ـ والاحتكاك بطقس يحمل البذور الحيّة للحقيقة التي لن توجد بعد انتهاء الرسالة… إلاّ برجعة ابن لفاطمة، الذي ستجعله يولد في قلبها من جديد، «بقدر ما كان يتراجع الاعتقاد بعودة المسيح «عيسى» الذي أعطي المكانة الرابعة في ديماس الروضة، كان يكبر أمل انبعاث المهدي المتحدّر من ذريّة النبيّ. وبعكس الرأي الشائع بين المستشرقين كما بين السنيين الحديثين بأنّ مفهوم «المهدي» هو مفهوم «مؤسلم» لمعطى انبعاثي غريب (عن المزدكية أو عن اليهو ـ مسيحية) فإنّي أرى استشراقاً أصيلاً «المقيم للعدل» قادماً ليعيد العدل باسم الله للمجتمع الإسلامي. إنّه استشراق قد نما أكثر فأكثر عند الجنس الضعيف والمضطهد. فاطمة الزهراء هي الوحيدة التي أحسّت عند موت النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) بأنّ والدها لم يكمل رسالته بالنسبة للمجتمع (خاصّة بالنسبة للمسلمين من غير العرب). وبقي تفكيرها متعلقاً به حتّى بعد الموت، ولم تتقبّل الافتراق، ولم تستطع تصوّراً بأنّ هناك من سيخلفه (لا علي ولا أبا بكر) وبالشكل الأكثر بدائية وسذاجة للإيمان بالبعث (أو «بالرجعة) كانت تريد أن تجعله يولد من جديد في قلبها»([588]).
لقد شغلت فاطمة حيزاً مهماً في هذه الخبرة العرفانية التي قد تصل مع ماسينيون إلى حدود الشطح الصوفي. لكنّه يجد مضامينه حقيقية في تراث «الممنوع»! ففاطمة، هذا الطراز النموذجي لشخص يحمل أبعاداً تتّسع إلى التشكّل المستحيل، «فاطمة أم أبيها»، وإلى حقائق كبرى تجعلها حقّاً مثال المرأة الكاملة وينبوع «الرأفة الكونية»، إنّها أخيراً، رهينة «كلام» أبيها، في محك عرض الاحتكام لله إلى مسيحيي نجران في حادثة المباهلة… في «الأدعية الشيعية، فاطمة التي هي نموذج المرأة الكاملة، ترمز إلى منبع الرأفة الكونية، ونجد ذلك في الخطبة الشهيرة المنسوبة لنصير الدين الطوسي سنة 1278 «ذات الأحزان»: وإنّها لكذلك بواقع كنيتها «أم أبيها» خلعها عليها أبوها (نعرف أنّ كلّ مسلم يحمل اسمه العلم واسماً آخر هو الكنية). وفاطمة موضوعة مكان آمنة، تتحمّل آلام المخاض في كلّ ذكور سلالتها. لقد تحقّقت على هذا النحو، في الزمن التاريخي. بشكل لا واعٍ؛ فهي في يوم المباهلة، يوم عرض الاحتكام لله الذي قدّمه محمد لمسيحيي نجران، كانت إحدى الرهائن الخمسة لكلام أبيها. الرهينة الأساسية، كونها في الوقت نفسه الابنة والأم والزوجة، الصلة الجسدية الواحدة للأربعة الآخرين: بديلتهم»([589]).
هذا السر النافذ في قضية فاطمة، يتجسّد بصورة رمزية تنطوي على مغزى تأويلي عميق؛ هو المغزى الذي يتجاوز في نجاحه وأهميته تجارب الأنبياء السابقين، كما تحقق في محكم «المباهلة»… إنّها، بالتالي، تجربة المرأة التي مثلت، بهذه الكيفية العجيبة، نموذج الرحمة، وحاضنة المستضعفين، والمتمردة على الولاة، وصاحبة السر الخفي… وهي فوق كلّ هذا بديل عن خديجة أمّها، بل زوجات النبي العاقرات وهو سرّ تعلق العلويين بها… فصورة «فاطمة التاريخية كما يقدمها (لامانس) في مهاتراته، حيث يحاول «مطرب الأمويين» أن يقنع قراء «أنسكلوبيدياالإسلام» بإشاعات عدائية، كانت قد أشيعت ضدّها خلال فترة الخلافة الأمويّة، عندما كان الفقهاء والمشرعون الموالون لعلي خلال فترة الخلافة الأموية، يلاحقون ويقتلون من قبل أبناء الأعداء اللدودين لفاطمة وأبيها؛ إنّها شخصية تعيسة غاطسة بالحداد بشكل مستمر، إنّها «ظلّ امرأة… ندابة، تعاني من فقر الدم»، زوجة رجل «أقرع، مكرش وأعمش». والحقيقة أنّ فاطمة بالنسبة للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، كانت بديلاً لأمّها خديجة. أحاديّة الزواج مثلها، «ربّة البيت» ملجأ «المستضعفين»، حيث كانت تلجئ صحابة النبي الخاصّة والغرباء الذين أسلموا ولم تقبلهم القبيلة العربية كصحبة. وإليها يعود الفضل في تعلّق العلويين عبر القرون بالمؤمنين الفقراء والمحرومين وأصحاب الصنعة والفلاحين. ودفاعاً عنهم وليس من أجل الحصول على إقطاعة (حصّة) بالميراث: «إنّها» صدقة أهل البيت «مثل حفيدها حسن بن حسن (ت: 97هـ) منذ 61هـ» إنّها طلبت من أبيها، بطفوليّة، بستان نخيل بفدك، وأبوها نسي الأمر ومات بدون أن يوصي بالإرث، وجاء أبو بكر لفرط عدالته ليرفض إعطاء فدك لفاطمة([590])، ناسياً أنّ المرأة مثال النعمة «المثل الأعلى» لا يمكن أن تتقبّل أبداً الصدّ والخيبة. كان ينبغي لفاطمة، رهينة الضيافة العربية، التي كانت تصلي ليس من أجلها وإنّما من أجل الآخرين، أن تموت بشعور التخلّي الرباني، مصلوبة في ثكلها، حاملة بيدها لأبيها الميت «البيعة» يمين الولاء، «شباك الرسول»، رهن وعده بالعودة لاصطحابها أوّلاً بعد موتها. في الواقع، توفيت فاطمة بعده بـ (75) يوماً، إذ أنّها وَلَدَت قبل الأوان طفلاً ميتاً، محسن، «صاحب السر الخفي». ثمّ أسيئت معاملتها كمتمردة، لأنّها رفضت الخروج من «بيت الأحزان» والذهاب لتقديم الولاء. فقد «حلّت شعرها» وهو التعبير النبيل عن الحزن الأقصى لامرأة حرّة، حزن ستجدّده يوم الانبعاث: استنكار المرأة»([591]).
كانت تلك باختصار، رؤية مستشرق مهووس بتجربة العشق الصوفي، والغوص في تراث «الممنوع»، حيث تنتصب الحقيقة الشيعية بمشاهدها وتعاليمها، محطة رئيسة في هذا المعبر العرفاني، نحو الحلاّج العاشق والمعشوق… واحد من النماذج الكبرى في هذه المغامرة الاستشراقية!.
كذلك وللوهلة الأولى نلاحظ عناصر الشجاعة متوفرة جميعاً في المستشرق الفرنسي، برنار لويس، حينما رفض فرية الأصل السبئي للتشيع كما قال بها، سابقوه، وهي الفرية التي ما أن دخلت «تاريخ الطبري» حتّى أصبحت مفتاحاً فعّالاً لفهم النهوض الشيعي… يقول: «وينسب كثير من المؤرخين المسلمين بدايات التشيع الثوري إلى رجل اسمه «عبدالله بن سبأ» وهو يهودي يماني عاصر عليّاً، وكان يدعو إلى تأليهه فأمر عليّ بحرقه لما دعا إليه. ومن هنا قيل: إنّ أصل التشيع مأخوذ من اليهودية»([592]).
وبزعم برنار لويس في السياق نفسه، أنّ الصورة قد توضحت لكثير من المستشرقين بعد ذلك: «ولكن التحقيق الحديث، قد أظهر أنّ هذا استباق للحوادث وأنّه صورة مثل بها الماضي وتخيلها محدّثو القرن الثاني الهجري من أحوالهم وأفكارهم السائدة حينئذ. وأظهر فلهاوزن وفريد ليندر بعد دراسة المصادر دراسة نقدية، بأنّ المؤامرة والدعوة المنسوبتين إلى ابن سبأ من اختلاق المتأخرين. و’بين كايتاني‘ أيضاً في فصل حسن الحجة، أنّ مؤامرة كهذه، بهذا التفكير وهذا التنظيم، لا يمكن أن يتصوّرها العالم العربي المعروف عام 35هـ بنظامه القبلي القائم على سلطان الأبوة، وأوضح أنّها تعكس أحوال العصر العباسي الأوّل بجلاء…»([593]).
ولا يجد لويس أي حرج في أن ينعت مصادر السنّة في التعريف بالحركة الباطنية، بالقصور والضعف، ما دام أنّ أقدم كتاب يعرف بهذه الحركة «الطبري»، الذي لم يخف استياءه من أسلوبه الغير الدقيق، خصوصاً فيما يتعلق بعجزه عن الربط بين زعماء القرامطة في سورية المنحدرين من ذرية محمد بن إسماعيل بن جعفر وبين المدّعي الفاطمي في شمال إفريقيا، كما اعتبر وجهة نظره عن هذه الحركة، لا تتجاوز النظرة العادية لأي شخص بغدادي في زمانه… وأهم من ذلك أنّه «لم يحاول أن يبحث عقائد الفرقة إذا استثنينا لمحته الخاطفة عن كتاب قرمطي منسوب إلى القرامطة»([594]).
والأمر هنا، حسب اعتقاد برنار لويس، لا يتوقف عند الطبري، بل هو يكشف أيضاً عن ذلك الطابع المسرف لكُتّاب الملل والنحل بشكل عام، حيث بالغوا في إحصاء الفرق واختلافها بسهولة، خصوصاً، وأنّ كثيراً منهم فقهاء، يصعب الاعتماد عليهم في تحصيل الأخبار الدقيقة… يقول: «نعم، للفقهاء عيوب تقلل الاعتماد عليهم، فهم يتحاملون تحاملاً شديداً على الفرق التي يصفونها ولا يرون في صالحهم أن يرسموا صورة واضحة صحيحة عن تطوّرها، وكثيراً ما كانت معلوماتهم عنها خاطئة فنسبوا إليها مبادئ أنكرها أصحابها باشمئزاز واستغراب […] فكيف نتوقّع منهم إذاً أن يميزوا تمييزاً صحيحاً بين الجماعات المارقة المتخالفة؟ زد على ذلك أنّ كثيراً منهم يتقيدون بحديث منسوب إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول: «ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ واحدة» فكانوا يزيدون في عدد الفرق المارقة أو ينقصون منها بمقدار ما يلائم هذا العدد»([595]).
وهكذا بات صعباً على الباحث التساهل في بحث تاريخ الفرق الموسومة بالضلال، وأيّاً كانت طبيعة البحث، فلن تكون له سوى تلك القيمة المؤقتة. خصوصاً ما يتعلّق بتاريخ التشيع في القرن الأوّل، فهو «لا يزال يتطلب تمحيصاً كثيراً. ويجب اعتبار ما يلي من البحث محاولة ذات قيمة موقوتة»([596]).
غير أنّنا، نثمّن في برنار لويس، تلك الجرأة والنباهة، التي جعلته يقتفي طريق الأستاذ ماسينيون في اختراق النسق المرجعي للتاريخ العربي والإسلامي، وذلك من خلال اعتماده على كتاب «الشيعة» للنوبختي، الذي اعتبره أغنى المصادر وأوثقها… وهو ما لم يعهد على الباحثين الذين لم يتحرروا في المقام من ذلك التأثير السلبي للمصادر التقليدية، كما وضحنا سابقاً… لكنّنا قد لا نتفق مع برنار لويس في جملة من الآراء حول الشيعة، وهي آراء بحثية محض. لكن روح التحقيق والنظر، التي تحلّى بها الأستاذ برنار لويس، تشفع له في كلّ الأخطاء التي وقع فيها بهذا الخصوص([597]). وهذا ما يؤكد على أنّها أخطاء باحث منصف خانه التعليل.
ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى أنّ أهم ما توصلنا إليه هذه الأبحاث، ليس هو الدفاع عن التحيّز إلى فرقة دون أخرى. لأنّ هذا سوف يكون تنويعة على تقاليد مضت، كان البحث ينطلق فيها من دائرة إلى أخرى في جوّ من التفاضل والتغالب، فضلاً عمّا تتركه هذه الطريقة من تزييف للحقيقة. ولكن أبحاثاً كهذه، تنطلق من خارج هذا الميل ـ وإن وجدت لها ميول أخرى مع التحفظ ـ لتعيد الاعتبار إلى جزء من التاريخ ظلّ طيلة حقبة من سيطرة الخطاب التاريخي العربي التقليدي يواجه النسيان إلى الحدود القصوى من الإهمال والتهميش.
وتفيدنا الخبرة الطويلة التي أثمرت نتائج محترمة لدى هنري كوربان، بأنّ الدراسة التي تنطلق من داخل التراث العقدي والفكري لدى الجماعة موضوع الدرس، هي التي تمكننا من إحراز نتائج إيجابية. وقد كان الأسلوب الظواهري ـ رغم ما يمكن إثارته حول هذا المفهوم ـ أداة فعّالة، مكّنت كوربان من تجاوز كلّ الشكوك التي غذتها ظروف القمع والحصار التاريخيين ضد الشيعة. وقد تبيّن أنّ هذا المنهج الظواهري، لا أقل، في حدود استبيان اللامفكر فيه، داخل الترسبات الناتجة عن الأخطاء والمغالطات الشائعة، يبقى منهجاً فعّالاً ومنتجاً، من الناحية البراغماتية!.
لقد أعطى كوربان للتشيع، سمة خاصّة يتفرّد بها. وهو هنا يسلك طريق ماسينيون في إرجاع هذه السمات إلى طبيعة التراث التعليمي لهذه الفرقة. ليس ذلك فيما يتعلق ببعض جوانب العقيدة المذهبية في «المهدي»، أو «الإمامة». بل، في ميدان الفلسفة، وهو ما أغنى فيه البحث، لم يأل جهداً في ردّها إلى الأصول الشرعية، أي القرآن وكلام الأئمة. فلقد «غذى الفكر الشيعي، ومنذ البداية، الفلسفة ذات النموذج النبوي وأعني به النموذج الذي يتعلق بالدين النبوي. والفلسفة النبوية تلحّ بدورها على فكر لا يسوّر نفسه لا بالماضي التاريخي، ولا بالحرف الذي يثبت التعليم تحت أشكال العقائد، ولا بالأفق الذي يحدّ ينابيع وقوانين المنطق العقلاني»([598]).
ويتجلّى هذا المنزع الظواهري لدى كوربان في عملية ردّ الاعتبار إلى إحدى أهم المصادر الحيّة في الفكر الشيعي، تلك التي أمدته بمادة تأملية غنية وأرضية فلسفية خصبة. أعني بذلك كتاب «نهج البلاغة» الذي جمع خطباً وأقوالاً للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، جمعها الشريف الرضي. وقد مال البعض إلى التشكيك في نسبة هذا الكلام إلى الإمام. وليس سهلاً على كوربان أن يخالف رأياً سائداً لدى الباحثين الذين صعب عليهم إيجاد صلة بين مضمون هذا الكلام المتضمن لكلّ مفاهيم العصور اللاحقة وصاحبه الذي عاش في حدود القرن الأوّل. لكن كوربان لم يكلف نفسه عناء مناقشة هذا الرأي؛ فقد تبنّى نهجاً ظواهرياً في تقبّل إسناده إلى صاحبه… «ولقد أثيرت بعض الشكوك حول صحة بعض أجزاء هذه المجموعة. على أنّ الكتاب يبقى، على كلّ حال، من مؤلفات المرحلة المتقدمة في الإسلام. وأن أضمن الأمور لفهم محتواه، هو أن نفهمه بصورة ظواهرية، نعني كما يدل عليه القصد من وضعه: فكائن من كان حامل القلم، الإمام هو الذي يتكلم؛ ومن هنا تأثيره البيّن»([599]).
والملاحظة الأخرى ها هنا تتعلق بتعاطي كوربان مع التراث الشيعي باهتمام فائق ربّما صعب على كثيرين استيعاب تأويلاته التي ظلّ فيها مديناً لهذا الفكر، الذي لم تتأسّس باطنيته على مرجعيات خارج هذا الإطار المعرفي الذي أوجده الإسلام. وليس سليل غنوصية مستوردة على النحو الذي يجري عادة في أجواء المثاقفة التي يسعى مذهب ما إلى استكمال نقائصه بالاستعارة من عناصرها… فباطنية التشيع تقوم على جوهر الإسلام ذاته، وهي أساس هذه الفلسفة النبوية. فالباطن هو مستودع الحقيقة الغائبة، وفي انتظارها، يبقى الرهان على ظهورها الكامل وليس على الجديد. إنّ الانتظار هنا، ليس انتظاراً للجديد، بل، بظهور وانكشاف شامل، للحقائق، المستورة. فالفلسفة النبوية، بهذا المعنى، تبقى «إذن أساساً علم معاد»([600]). وهكذا تعود النزعة الباطنية إلى أصولها المأصولة «أن يكون التشيع في جوهره باطنية الإسلام، فذلك ما يترتب على النصوص نفسها وعلى تعاليم الأئمة قبل أي شيء […] وبإمكاننا أن نضاعف هذه الاستشهادات بأحاديث مماثلة، فهي تشير بشكل يثير التقدير إلى «وجود» التشيع وكيانه، ووعيه بأنّه باطنية الإسلام، وأنّه ليستحيل علينا تاريخياً أن نرجع إلى ما هو أقدم من تعاليم الأئمة للوصول إلى منابع الإسلام الباطني. ولذلك فإنّ الشيعة الحقيقيين هم أولئك الذين يحملون أسرار الأئمة؛ بل، في مقابل ذلك، إنّ الذين زعموا أو يزعمون وقف تعاليم الأئمة على الظاهر، أي على بعض مسائل الفقه والطقوس، يعرضون عمّا هو جوهر التشيع ويتجاهلونه»([601]).
إنّنا مع هنري كوربان، نكون إزاء باحث بعيد المدى، محلل قدير، ومدقق في أكثر المتون الشيعية غموضاً، قارئاً ومؤوّلاً من موقع الشيعة التاريخي أو تعاليم أئمتهم. لكنّنا فضلاً عن هذا، نكون أمام صديق حميم لهذه الفرقة، ومعايش لها في مواطنها، فهي خبرة لا تقل عن سابقه، ماسينيون. مع تميزها بسعة الاطلاع، وقوّة الاستئناس بالمكونات الجوانية حيث قضى أكثر من عشرين سنة من تلك المعايشة.
إنّ أهم ما نخرج به، بعد هذا السفر الكورباني المضني، هو التأكيد على النزعة التعادلية فيما يخص مجال الحقيقة والشريعة داخل الموروث الإمامي. ولسنا نرى في تركيز كوربان على الطابع الباطني، أي محاولة اختزالية على طول أبحاثه، سواء فيما يتعلق بالسهروردي أو الشيخ الأوحد ابن زيد الدين أو غيرهما. فقد ظلّت نظرة لا أقل تحمل مظاهر الملاحظة الظواهرية التي ترفع عن الباحث عناء سلطة المصادر المعادية، ووجهة نظر الخصوم، المتحيزة! وبهذه العجالة، نكون قد قدمنا نماذج حيّة من الاستشراق المتخصص، ممّا يؤكّد على أنّه ـ خصوصاً في مرحلته الثانية ـ كان قد قدم خدمة فائقة إلى تراثنا العربي والإسلامي، وتحديداً نقول، إنّ الجزء الأكاديمي المتخصص منه، وأيضاً المنتخي إلى المدرسة الماسينيونية، استطاع النفوذ أكثر في خفايا هذا التراث، ومن ثمة، الجهد لتحريره من نقائضه. مع أنّها تبقى محاولات ـ على أهميتها ـ خطوة ضرورية لتحرير الموروث الآخر من الغموض الذي ساهم في إيجاده، وتكريسه، الكتابة التاريخية، والخطاب التاريخي العربي الكلاسيكي!.
إدريس هاني
الإسكندرية
مرّ الحديث عنها في المجلد الرابع، ونضيف هنا إلى ما هنالك ما يلي:
تخدم منارة الإسكندرية هدفين. الأوّل مراقبة البحر تحسّباً لاقتراب عدو. الآخر إرشاد السفن إلى البرّ. هذه الوظيفة المزدوجة للمنارات هي نقطة ضعفها أيضاً. ترتفع المنارة عالياً في الفضاء، قرب المدينة التي تحرسها، فتدل العدو المبحر بين أمواج بعيدة، إلى المدينة الآمنة! كيف تحرس المنارة، المدينة، إذا كانت تدلّ الغريب إليها؟ (لا منارة كاملة).
يذكر المسعودي (ابن القرن العاشر للميلاد) أنّ الإسكندر المقدوني، بعد بناء الإسكندرية، رفع خارج أسوارها مناراً «طوله في الهواء ألف ذراع» وثبَّت أعلاه مرآة تعكس صورة العدو، فيحذر الناس وتأمن البلد. يكتب المسعودي تفصيلاً خاصاً بلون الإسكندرية: «وقد كانت الإسكندرية تضيء بالليل بغير مصباح، لشدّة بياض الرخام والمرمر… عليها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة ألوانها… وربما علق على المدينة شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس لشدّة بياضه». هذه المدينة البيضاء تظهر أيضاً في «معجم البلدان». ياقوت الرومي (الحموي) المتوفى في 1229م كان يستطيع أن يزعم العجائب: الخيّاط في الإسكندرية يشتغل بالإبرة ليلاً (بلا مصباح) في نور الحيطان البيضاء. أهل المدينة يمشون في أزقتها نهاراً بمناديل على العيون تحمي الأبصار من وهج الشمس المنعكسة على حجارة الرخام البارقة!.
نعثر على وصف المنارة في «مروج الذهب» كما نعثر عليه في رحلات ابن جبير الأندلسي وأبي حامد الغرناطي وابن بطوطة. هؤلاء الثلاثة، كما سلفهم المسعودي، يتفقون على ذكر صفتين غريبتين لمنارة الإسكندرية. الأولى ارتفاعها الشاهق. الأخرى وجود متاهة في قلب المنارة. «من يدخلها يتيه فيها… المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر… دخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة فتاهوا فيها… وفيها طرق تؤول إلى مهاوٍ تهوي إلى سرطان الزجاج وفيها مخارق إلى البحر…» (المسعودي). يكتب ابن جبير الذي زار الإسكندرية خلال حجّه بين عامي 1182 و1185م: «… من عجائبها المنار… هداية للمسافرين لولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية، يظهر على أزيد من سبعين ميلاً… يقصر عنه الوصف… وأمّا داخله فمرأى هائل، اتساع معارج ومداخل وكثرة مساكن، حتّى أنّ المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربّما ضلّ». («تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار»). أمّا أبو حامد محمد الغرناطي (1080ـ1170م) فيضيف على رواية المسعودي تحديد المادة التي صنعت منها المرآة أعلى المنار: «مرآة من الحديد الصيني عرضها سبعة أذرع كانوا يرون فيها جميع ما يخرج من البحر من جميع بلاد الروم فإن كانوا أعداء تركوهم حتّى يقربوا من الإسكندرية… ثمّ أداروا المرآة مقابلة الشمس، واستقبلوا بها السفن حتّى يقع شعاع المرآة بضوء الشمس على السفن فتحترق في البحر ويهلك كلّ من فيها…». لا يغيب عن الغرناطي في «تحفة الألباب» وصف المتاهة في قلب المنارة: مجلس يفضي إلى آخر كأنّه المجلس الأوّل، وأبواب وممرات تتشابه حتّى يضيع فيها العابر. وفي زمن متأخر نسبياً، في النصف الأوّل من القرن الرابع عشر للميلاد، يعبر ابن بطوطة الإسكندرية ويصف المنار: «بناء مربع ذاهب في الهواء وبابه مرتفع على الأرض… وداخل المنار بيوت كثيرة». ابن بطوطة قرأ ابن
جبير قبل أن يغادر طنجة في رحلاته الشهيرة. لكنّه لم يقرأ الغرناطي. وهو بعد زيارته الأولى إلى الإسكندرية عام 1324 رجع إليها سنة 1349م: «وقصدت المنار عند عودي إلى بلاد المغرب… فوجدته قد استولى عليه الخراب».
الإسكندرية مطلع القرن العشرين.. وتظهر سفن شراعية
هذا المقال يطرح سؤالاً: لماذا بنى الإسكندر متاهة في قلب المنار؟ كتب المسعودي في «مروج الذهب»: «… تحت منارة الإسكندرية أموال الأرض، وذلك أنّ الإسكندر احتوى على الأموال والجواهر التي كانت لشداد بن عداد وملوك العرب بمصر والشام، فبنى لها الآزاج تحت الأرض، وقنطر لها الأقباء والقناطر والسراديب، وأودعها تلك الذخائر من العين والورق والجواهر، وبنى فوق ذلك هذه المنارة». للوهلة الأولى يبدو الجواب واضحاً: أودع الإسكندر تحت المنارة كنزاً، وجعل المنارة متاهة يضيع في قلبها السارقون.
لكن دهاء الإسكندر يفرض جواباً آخر. (ليس أدلّ على هذا الدهاء من حكاية القزويني عن ثعبان لا تقع نظرته على مخلوق إلاّ وتحوّله حجراً. تصدّى ذلك الثعبان لجيوش الإسكندر، فأقام له مرآة في رأس رمح. نظر الثعبان في المرآة فانقلب حجراً). ما هو الجواب الذي يفرضه دهاء الإسكندر؟ لم يدفن الإسكندر كنزاً تحت المنارة. أقام متاهة في قلب المنارة خدعة وفخاً. بنى المنارة الكاملة: منارة تجذب العدو وتهلكه… منارة تحرس كنزه الحقيقي. وماذا يكون كنز الإسكندر غير مدينة الإسكندرية ذاتها؟
ربيع جابر
آسيا الوسطى ـ سمرقند
هذه الكلمة تلحق ببحثي آسيا الوسطى، وسمرقند الذين مرّا فيما تقدّم من المجلدات:
من القرن الرابع الهجري كانت العقيدة الإمامية تسير إلى جانب العقيدة الإسماعيلية، تمضي قدماً إلى الأمام في خراسان وما وراء النهر. ومن الرجال الذين تأثّروا بالتشيع الإمامي في ذلك العصر:
العالم المعروف والمفسّر الذائع الصيت محمد بن مسعود العياشي السمرقندي. وقبل أن ننقل آراء العلماء وأقوال الرجال المعروفين، بشأنه، كان من الضروري أن نؤكد هنا أنّ نفوذ التشيع وتغلغله وخاصّة في ما وراء النهر لا يعود إلى القرن الرابع. بل إلى ما قبل ذلك، فبحسب الوثائق الموجودة فإنّ جماعة من أتباع الإمام الهادي (عليه السلام) كانوا يعيشون في ما وراء النهر لا سيما في سمرقند في أواسط القرن الثالث ومنهم أحد صحابته: «حسين بن شكيب السمرقندي» إن وجود هؤلاء الشيعة ونشاطاتهم أدّت إلى أن يعتنق العياشي التشيع في القرن الرابع ويؤلف كتاباً علمياً ثميناً عن التشيع وهو «تفسير العياشي» ومؤلفات ثمينة أخرى لعبت دوراً هاماً في رواج التشيع وتطويره. يقول ابن النديم عن «العياشي»:
«… محمد بن مسعود العياشي من أهالي سمرقند… ومن فقهاء الشيعة الإمامية وكان فريد عصره في كثرة العلم وكان ذا منزلة عالية في نواحي خراسان».
ويضيف قائلاً: «صنّف العياشي 173 كتاباً على مبدأ التشيع وخمس مجلدات على أساس فقه أهل السنّة وسيرة الخلفاء. إنّ مجموع مؤلفاته تبلغ 208 مجلدات فُقد وضاع منها 27 مجلداً». والرجالي المعروف بالنجاشي يقول: إنّه كان من الشخصيات والوجوه الشيعية البارزة. ويقول الشيخ الطوسي: «… العياشي كان أعلم علماء زمانه بين علماء شرق خراسان وما وراء النهر».
وكان العياشي قد تلمذ في الكوفة وبغداد وقم على أساتذة كبار مثل علي بن فضّال ومحمد بن يزداد الرازي وجبريل بن أحمد الفاريابي وحسين بن عبدالله القمي. وتبحّر في مختلف العلوم الإسلامية. ومن أساتذة العياشي، الحسين بن شكيب السمرقندي. ومن جانب آخر فإنّ العياشي كان أستاذ «الكشي» صاحب كتاب الرجال المعروف.
ليس لدينا أي نص عن زمان ولادته ووفاته على أنّه كان معاصراً للكليني وكان حياً سنة 329 هجرية. وهو يستند في تفسيره على الأحاديث بكثرة.
إشبيلية
مرّ الحديث عنها في المجلد الرابع. ونضيف هنا إلى ما هنالك ما يلي:

الحي العربي
أبرز وأجمل المعمار القديم يتمثّل في الحي العربي في المدينة الذي يطلقون عليه اسم «سانتا كروث». ويجد الزائر على مدخله مئذنة «الخيرالدا» الشهيرة، التي تعتبر أقرب إلى الأعاجيب منها إلى مئذنة كانت تستخدم للدعوة إلى الصلاة عندما كانت ترفرف راية الإسلام هناك، وكانت تعتبر حتّى وقت قريب أعلى مبنى في العالم، وقد تمّ بناؤها عام 712 ميلادية، ومصممها عربي عاش في المدينة يذكر التاريخ أنّ اسمه جعفر، ويذكر آخرون أنّ اسمه ابن يعقوب يوسف، ويُقال إنّ مَن أشرف على البناء هو شاعر، لذلك، فإنّ البناء أقرب إلى القصيدة منه إلى بناء من الطوب.
يناهز ارتفاع «الخيرالدا» 250 قدماً (93 متراً)، وليس لها سلم، بل يدور حولها طريق منحدر صاعداً أو هابطاً طبقاً لتوجّه الزائر. ويُقال إنّ المؤذن كان يصعد إلى قمتها على صهوة جواد، وكان مبناها القديم ينتهي بأربع كرات تشير إلى أركان الأرض الأربعة، أضاف إليها هيرنان رويث في العصر المسيحي عام 1567 أربعة تماثيل من عصر النهضة، كما أضاف على قمتها أيضاً قطعة متحركة تدور مع اتجاه الريح. ويُقال إنّ اسمها «الخيرالدا» ـ أو «الدوارة» في اللغة الإسبانية ـ جاء من دوران تلك القطعة مع اتجاه الريح.
وإلى جوار المئذنة مقدّم صحن المسجد القديم الذي أصبح يلتصق بالكاتدرائية التي بناها الملوك الكاثوليك لاستغلال المئذنة كقطعة فنية في إطار ذلك المبنى، وتعتبر تلك الكاتدرائية من أضخم ما أقيم في إسبانيا من كنائس منذ سقوط الأندلس وبداية حكم الملوك الكاثوليك.
معالم قديمة في إشبيلية
ولا تزال البيوت في الحي القديم تحمل الطابع العربي الأصيل الذي عرفه عرب الأندلس. فالبيوت متدرجة، لها بوابات صغيرة تفضي إلى باحة أو فناء في وسطه نافورة مزينة برسوم «الزليج» المتعددة الألوان، وتحف بها الأشجار والزهور، وتصطف من حولها غرف المنزل، وعلى واجهات البيوت كتابات عربية ونماذج للزخرفة الهندسية.
والشوارع إلى ذلك متعرجة لا تسمح بمرور سيّارات صغيرة. وأسماء الشوارع لا تزال تحمل عمق التاريخ، فهناك شارع «المورو» أي «العربي»، وهناك شارع «المجد». وبعض الشوارع تحمل أسماء أمراء دولة الموحدين أو غيرهم من الأمراء([602]).
وينقل السير إلى تلك الحارات المتعرجة الصاعدة الهابطة والمرصوفة بالحجر الأسود السائح إلى عالم أشبه بالخيال، فيه متعة للأذن والعين والإحساس. فالشوارع رائعة النظافة، والجدران مدهونة بطبقة كلسية بيضاء، والشرفات زاهية الألوان ويغلب عليها اللون الأخضر، والزهور تتدلى من مزهرياتها على كلّ الشبابيك والأبواب. وينتشر الياسمين ورائحته في كلّ مكان، خصوصاً في فصل الصيف، وخرير الماء نغمة صوتية لا تنقطع، وتصل إلى أذن السائر في تلك الشوارع مخترقة جدران البوابات الواطئة.
وبعض البيوت يبدو قديماً جداً، لكن سرعان ما تكتشف أنّها حديثة العهد، ولكن روعي في بنائها طراز المدينة العربي الذي تعتز به المدينة، وكأنّ أهلها عجزوا عن استعادة العظمة الأندلسية في حقبتها العربية فقرّروا الاحتفاظ بها عبر العودة إلى طرازها المعماري.
أحد الجسور على وادي النهر الكبير
وفي آخر مكان جنوب المدينة القديمة يقبع نهر «الوادي الكبير» القادم من عمق الأندلس متجهاً غرباً حتّى المحيط الأطلسي. وكانت إشبيلية في العهود الأولى لاكتشاف أميركا اللاتينية أهم مرافئ إسبانيا، لذلك يقف على حافة النهر من الجانب الآخر من المدينة برج يطلقون عليه اسم «برج الذهب»، وهو برج عربي مكوّن من جزأين، الأوّل مضلع شبه مستدير وضخم، ثمّ الجزء الثاني الأعلى مضلع أيضاً ولكنّه يبدو رفيعاً كالمئذنة، ويبدو أنّه كان قلعة لحراسة المدينة وحمايتها من الغارات القادمة عبر النهر، وهناك أساطير وراء التسمية المعروفة عنه الآن «برج الذهب» إذ يؤكد بعض الرواة أنّ الذهب المنهوب من أميركا اللاتينية بعد فتح كولومبس كان يجري تخزينه هناك.
وعبور النهر بعد المرور على موقع «برج الذهب»، يمكن أن يتم عبر سبعة جسور بناها الإسبان للوصول إلى جزيرة «لا كارتوخا».
وتقع جزيرة «لا كارتوخا» جنوب مدينة إشبيلية، بين فرعين صغيرين لنهر الوادي الكبير، وكانت قديماً ديراً للراهبات والرهبان، ويقع مبنى الدير إلى جوار مصنع للزليج (السيراميك) الذي اشتهرت به المدينة حيناً من الدهر، وتناهز مساحتها 500 هكتار (نحو خمسة كيلومترات مربعة).
وتعتبر القصور الملكية في المدينة من أبهى ما خلفته دولة الموحدين حتّى أنّ الملوك الكاثوليك انتقلوا إليها، لكنّهم لم يفلحوا في تنصير روح المدينة الموحدية العربية الأصيلة، فقرروا الاحتفاظ بطابعها العربي وأقاموا فيها قصورهم على شاكلة القصور الموحدية، وحتّى نقوش تلك القصور التي أقاموا، استعانوا في بنائها بحرفيين أندلسيين من الموريسكيين الذين حافظوا على طابع الأندلس الزخرفي الذي يضم تنويعات على الحرف العربي، وآيات من القرآن، ولفظ الجلالة باعتبارها فنوناً عربية فريدة.
الاشتراك والترادف
لقد أعطي هذان الموضوعان أهمية بالغة في لسان جملة من الباحثين، ودخل الحديث عنهما في أكثر من مجال.
وأكثر من أطال التحدّث عنهما علماء الأصول والمنطق حيث رتّبوا عليهما ثمرات علمية ذات قيمة.
وقد رأيت أنّ هذه الثمرات التي رتبوها لا تخص الأصول، أو المنطق، بل تعمّ جميع العلوم اللسانية، وغيرها ممّا يدخل في تحقيق غاياته تشخيص ظواهر الكلام، وربما كانت علقتها بالبحوث الأدبية أكثر منها بأي بحث آخر.
تعريف الاشتراك
وأوّل ما يقتضينا الحديث فيه تحديد كلّ من المصطلحين، وبيان ما ذكروا لهما من تعاريف، ثمّ مناقشتها، واختيار أمثلها.
والتعاريف التي ذكروها كثيرة، وجلّها لا يتّصل بالتحديد المنطقي الذي يجمع بين الاطراد والانعكاس، وإنّما يتّصل غالباً بما أسموه بالتعاريف اللفظية التي لا تنصب عنايتها إلاّ على شرح الاسم وإعطاء صورة إجمالية عنه.
فقد عرّفه الأستاذ محمد الخضري في كتابه أصول الفقه بقوله: «الاشتراك أن يتعدّد المفهوم ويتحدّد اللفظ»([603]).
ويرد على هذا التعريف ـ لو اعتبرناه تعريفاً بالمفهوم المنطقي ـ.
1 ـ إنّ تعدد المفهوم مع اتحاد اللفظ لا يقتصر على الاشتراك بل يعمّ الحقيقة والمجاز والمنقول والمرتجل، ففي كلّ منها تعدّد في المفهوم مع اتحاد اللفظ، وهي غير الاشتراك، فالتعريف إذن غير مانع.
2 ـ كلمة تعدّد المفهوم توجب خروج المشترك المعنوي عن طبيعة الاشتراك، لوحدة مفهومه الذي وضع اللفظ بإزائه وإن تعدّدت المصاديق.
ونظير هذا التعريف من حيث عدم الجامعية والمانعية، ما ورد في بدايع الأفكار من تعريفه: بأنّه «وضع طبيعي اللفظ الواحد مادة وهيئة بإزاء معنيين وأكثر متغايرين»([604]) لبداهة شموله للمنقول، والمرتجل، وعدم شموله للمشترك المعنوي.
والظاهر أنّ جل التعاريف التي وضعت له غير ناظرة إلى إدخال المشترك المعنوي ضمن مفهومه، وإن جرى على ألسنة الكثير منهم تقسيمه ـ أي الاشتراك ـ إلى اللفظي والمعنوي.
والحقيقة أنّني لا أعرف وجهاً لإدخال الاشتراك المعنوي ضمن التعريف، ولا لتسميته اشتراكاً مع وحدة المعنى، واتحاد الوضع فيه، اللهم إلاّ أن يكون مجرد اصطلاح.
ولعل أفضل التعاريف التي رأيتها للمشترك اللفظي اطراداً وانعكاساً ما ورد في كتاب المنطق للشيخ محمد رضا المظفر من «أنّه اللفظ الذي تعدّد معناه وقد وضع للجميع كلاً على حدة، ولكن من دون أن يسبق وضعه لبعضها على وضعه لبعضها الآخر»([605]).
وذلك لتنصيصه على ما يوجب خروج المنقول، والمرتجل، والحقيقة، والمجاز.
الفرق بينه وبين المنقول
والمنقول وإن شارك المشترك في تعدّد الوضع والمعنى إلاّ أنّه يفترق عنه بسبق أحد الوضعين على الآخر مع ملاحظة المناسبة في الوضع اللاحق، ويتضح هذا المعنى من تحديدهم له ـ أعني المنقول ـ من أنّه: «اللفظ الذي تعدّد معناه، وقد وضع للجميع بأوضاع متعددة يسبق بعضها بعضاً مع ملاحظة المناسبة في اللاحق»([606])، بينما لا ينظر في الاشتراك إلى جانب السبق الزمني، ولا المناسبة بين المعنيين.
الفرق بينه وبين المرتجل
ويتضح الفرق بينهما إذا عرفنا أنّ المرتجل: «هو اللفظ الذي تعدّد معناه، ووضعه مع سبق الأوضاع بعضها على بعض من دون أن تلحظ المناسبة بين المعاني عند الوضع اللاحق»([607]) لأخذهم فيه لحاظ سبق الأوضاع بعضها على بعض بينما لم يلحظ هذا المعنى في المشترك أصلاً.
الفرق بينه وبين الحقيقة والمجاز
أمّا الحقيقة والمجاز فهما وإن شاركا المشترك في تعدّد المعنى ووحدة اللفظ إلاّ أنّهما يفترقان عنه في وحدة الوضع فيهما لا تعدده، لأنّ اللفظ عندما يستعمل على سبيل المجاز لا يستند استعماله إلى وضع فيه وإّنما يستند إلى التماس العلاقة والمناسبة بينه وبين المعنى الحقيقي، ففي باب الحقيقة والمجاز ليس عندنا إلاّ وضع واحد هو وضع اللفظ الحقيقي لمعناه، بينما يتعدّد الوضع في باب المشترك تبعاً لتعدّد المعنى الموضوع له.
وهناك فرق آخر بينهما، نجده عند الاستعمال وهو التغاير في طبيعة القرينة التي يحتاج إليها فيهما معاً، فقرينة الحقيقة والمجاز قرينة صارفة ومعينة بينما لا يحتاج في باب الاشتراك إلى أكثر من القرينة المعينة.
تعريف الترادف
وإذا عرفنا الاشتراك وما اعتبروه فيه، سهل علينا الانطلاق إلى معرفة الترادف، فهو عكسه تماماً، فإذا اعتبروا وحدة اللفظ وتعدّد المعنى في الاشتراك، فإنّهم يعتبرون في الترادف تعدّد اللفظ واتحاد المعنى، يقول الأستاذ محمد الخضري: يراد باللفظين المترادفين ما اتحد مفهومهما»([608]) ويضيف صاحب منتقى الجمان اعتبار تعدّد الوضع بتعدّد الألفاظ فيقول في منظومته:
تعدّد اللفظ لمعنى اتحد
ترادف إن طابق الوضع العددْ([609])
وهي إضافة الى محلها إخراجاً لقسم من الاستعمالات المجازية كاستعمال للفظتي الأسد والبطل في الرجل الشجاع مع وضوح اتحاد المعنى فيهما وتعدّد اللفظ إلاّ أنّ الوضع فيهما واحد فهما ليسا بمترادفين.
الخلاف في المشترك
وقد اختلفوا في وجود الاشتراك في اللغة على أقوال ثلاثة:
1 ـ وجوبه.
2 ـ استحالته.
3 ـ إمكانه ووقوعه.
ولكل من هذه الأقوال دليله الخاص.
القول بالوجوب ومناقشته
وقد قرب الآمدي وجهة نظر القائلين بالوجوب بقوله «لو لم تكن الألفاظ المشتركة واقعة في اللغة» ـ مع أنّ المسميات غير متناهية والأسماء متناهية ضرورة تركّبها من الحروف المتناهية ـ لخلت أكثر المسميات عن الألفاظ الدالة عليها مع دعوة الحاجة إليها»([610]).
وناقشها هو وغيره بمناقشات عدّة، لعل أفضلها ما ورد في كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخرساني من نسبة هذا القول إلى الفساد «لوضوح امتناع الاشتراك في هذه المعاني الغير المتناهية لاستدعائه الأوضاع الغير المتناهية، ولو سلم لم يكد يجدي إلاّ في مقدار متناهٍ مضافاً إلى تناهي المعاني الكلية وجزئياتها وإن كانت غير متناهية إلاّ أن وضع الألفاظ بإزاء كلياتها يغني عن وضع لفظ بإزائها كما لا يخفى مع أنّ المجاز باب واسع»([611]).
وفي هذا الجواب على إيجازه وجوه أربعة كلّ واحد منها صالح لدفع الإشكال:
1 ـ تنبيهه على أنّ الالتزام بعدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ يستلزم الالتزام بتعدّد الوضع تبعاً لتعدّد المعاني والوضع متناهٍ بتناهي الواضعين وأزمانهم فكيف يساير المعاني غير المتناهية.
2 ـ إنّ المعاني غير المتناهية لا تقع جميعاً ضمن نطاق احتياجات البشر ليحتاجوا إلى وضع الألفاظ لها، لوضوح أنّ الحاجة إلى الوضع إنّما هي وليدة الحاجة إلى الاستعمال، وبما أنّ الحاجة إلى الاستعمال متناهية بتناهي حاجات البشر، فجعل الألفاظ لما يزيد على الحاجة لغو محض.
هذا كلّه مع التسليم بإمكان الوضع غير المتناهي وهو غير مسلم كما مرّ في الجواب الأوّل.
3 ـ إنكار كون المعاني غير متناهية بكلياتها، وإن سلم عدم تناهيها بجزئياتها، ويكفي الوضع للكليات المتناهية، وهي بدورها تستوعب جزئياتها غير المتناهية، وتفي بحاجات البشر من حيث الاستعمال فيها.
4 ـ إمكان الاكتفاء عن الاشتراك ـ لو سلم كلّ ذلك ـ بالاستعمالات المجازية وهي واسعة النطاق.
وفي الإحكام في أصول الأحكام إنكار لأصل المبنى ـ أعني لزوم تناهي الألفاظ ـ لاعتقاده «أنّ الأسماء وإن كانت مركبة من الحروف المتناهية فلا يلزم أن تكون متناهية»([612]).
وقرب بعضهم هذا الإنكار بتشبيه الحروف الهجائية بالأعداد التي لا تتناهى، مع أنّ أصولها متناهية وهي من الواحد إلى العشرة، فمن تعدّد أنواع التركيب في الحروف الهجائية، واختلاف الهيئات من حيث التقديم، والتأخير، والحركة، والسكون، والزيادة، والنقصان، تتعدّد الألفاظ إلى غير نهاية.
ولكن هذا التعدّد غير المتناهي إذا تصوّرناه في الأعداد المركبة فإنّنا لا نستطيع تصوّره بالنسبة إلى حروف الهجاء، وما يتركب منها، لأنّ طبيعة التركيب في الأعداد تختلف عنها في الألفاظ والكلمات، فالعدد يقبل الأرقام الخيالية، وتركباتها دون أن يقف عند حدّ، كأن نضع إلى جنب واحد مثلاً ملايين الأصفار، بينما لا تقبل الألفاظ هذا التوسع، لأنّنا لا نستطيع أن نفترض تركب كلمة واحدة من هذا القدر من الحروف بداهة.
فالهيئات والحروف التي يمكن أن يدخل تركيبها ضمن استعمالاتنا محدودة وهي ـ مهما كثرت واتّسعت ـ فإنّ لها حدّاً لا بدّ وأن تقف عنده وتنتهي به.
فما ذهب إليه المستدل من دعوى تناهي الألفاظ في موضعه.
القول بالإحالة ومناقشته
والغريب أن تتفاوت وجهات النظر إلى الحدّ الذي يشبه التناقض في تباعد أطرافه وعدم التقائها.
فبينما يذهب قسم من العلماء ـ وهم الذين عرضنا وجهة نظرهم سابقاً ـ إلى وجوب الاشتراك، وضرورة وجوده عقلاً، فإنّا نرى قسماً آخر منهم يذهبون إلى استحالة وقوعه عقلاً، بدعوى «إخلاله بالتفهيم المقصود من الوضع لخفاء القرائن»([613])، وتقريب وجهة نظرهم أنّ الواضع ـ وهو من العقلاء عادة ـ لا يمكن أن يقدّم على عمل لا يستهدف من ورائه غاية.
والغاية العقلانية المترتبة على الوضع هي تهيئة وسائل التفاهم بين أفراد المجتمع، وبما أنّ جعل اللفظ الواحد لأكثر من معنى مع خفاء القرائن ممّا يخل بتحقيق هذه الغاية، فلا يعقل أن يقدم عليها الواضع بحال.
وأجيب على ذلك بجوابين:
أوّلهما: منع حصر الغاية من الوضع بالتفهيم على نحو التفضيل، لتعلق الغرض أحياناً بالإجمال والإبانة النسبية عن المقصود، وهذا ما يحققه الاشتراك.
ثانيهما: إنكار لزوم الإخلال بالتفهيم دائماً عند استعمال الألفاظ المشتركة، لإمكان الاتكال على القرائن الواضحة وهي كثيرة.
القول بالإمكان والوقوع
والذي عليه أكثر العلماء واللغويين هو القول بإمكانه ووقوعه، ودليلهم على الإمكان فقدان الموانع العقلية ـ وقد سبق عرضها والإجابة عليها ـ وعلى الوقوع تبادر المعاني المشتركة من الألفاظ الدالة عليها، وعدم صحة سلبها عنها.
وكُتب اللغة مليئة بهذه الألفاظ، بل ما من مادة من المواد إلاّ ويذكرون لها عدّة معاني على سبيل الاشتراك اللفظي، وكلّ شبهة تثار على خلاف هذا المبنى ينقضها الواقع الذي نلمسه في جميع اللغات، فهي أقرب إلى الشبهة في مقابل البديهة.
الاشتراك والقرآن الكريم
وإذا أمكن الاشتراك وثبت وقوعه فليس هناك ما يمنع من وقوعه في القرآن الكريم.
ووجهة نظر المانعين اعتقادهم بمنافاته لطبيعة الإعجاز فيه، وقد لخص الآمدي رأيهم في ذلك، ودفعه حيث قال: «وما يقوله المانع لذلك من أنّ المشترك إن كان المقصود منه الإفهام فإن وجد معه البيان فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن لم يكن المقصود منه الإفهام فهو عبث، وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه، فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي العقلي وسيأتي إبطاله»([614]) وكأنّه سلّم للمستدل بإمكان وقوع التطويل من غير فائدة أو العبث في كلامه تعالى، إلاّ أنّه نفى نسبة القبح إليه، لاعتقاده بعدم وجود ما يسمّى بالحسن والقبح الذاتيين، ثمّ حاول بعد ذلك أن يلتمس فوائد لاستعمال المشترك في القرآن، وهي محاولة غير مجدية ما دام التطويل وصدور العبث منه تعالى لا يشكلان أي محذور عقلي.
والتحقيق أن يُقال: إنّ ذكر القرينة المعينة في باب الاشتراك لا يدعو إلى التطويل المنافي للإعجاز، لجواز انطوائها على فائدة أخرى يراد إيصالها إلى السامع، كما أنّ الإجمال قد يكون مقصوداً للمتكلم لفوائد تترتب عليه، وصريح القرآن الكريم بذلك: {مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}([615]).
نعم، الإجمال أو التطويل إذا كان منشؤهما العجز عن البيان: لحصر أو ضيق أداء، كان ذلك منافياً للإعجاز لا وجود المشترك فيه، وقد مثلوا لوقوع الاشتراك فيه بآية: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}([616]) أي أقبل أو أدبر، وآية: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}([617]) لاشتراك الرغبة بين الميل إلى الشيء، والميل عنه.
وآية: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}([618]) لاشتراك القرء بين الحيض، والطهر وهكذا.
إمكان الترادف ووقوعه
وكما وقع الاختلاف في إمكان الاشتراك، وامتناعه بين الاعلام وقع نظيره في الترادف، وأكثَرَ العلماء على إمكانه ووقوعه.
وعمدة ما استدل به القائلون بالامتناع لزوم العبث في جعل الأسماء المتعددة للمسمّى الواحد، وهو لا يمكن أن يصدر من حكيم إذ «يلزم من اتحاد المسمّى تعطيل فائدة أحد اللفظين لحصولها باللفظ الآخر»([619]).
وأُجيب على ذلك بتعدّد الفوائد المترتبة على وجود الترادف، منها لزوم «التوسعة في اللغة، وتكثير الطرق المفيدة للمطلوب فيكون أقرب إلى الوصول إليه، حيث إنّه لا يلزم من تعذر حصول أحد الطريقين تعذر الآخر بخلاف ما إذا اتّحد الطريق».
«وقد يتعلق به فوائد أخرى في النظم والنثر بمساعدة أحد اللفظين في حرف الروي، ووزن البيت، والجناس، والمطابقة، والخفة في النطق به، إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة لأرباب الأدب وأهل الفصاحة»([620]).
مناشئ الخلاف فيهما
والذي يبدو لي أنّ جلّ مناشئ الخلاف في كلّ من الاشتراك والترادف قائمة على أساس قسم من النظريات التقليدية في نشأة اللغات وتطوّرها.
فقد كان يظن بعضهم أنّ السر في نشأتها هو الترابط الذاتي بين الألفاظ ومعانيها، بينما يرى البعض الآخر أنّ السر هو في جعل الترابط من قبل واضع مخصوص.
ثمّ تساءلوا بعد ذلك عن الواضع من هو؟ فقيل: إنّه شخص معين في كلّ لغة، كيعرب بن قحطان عند العرب، وقيل إنّه هو الله عزَّ وجلَّ، وقد قرب الشيخ محمد حسين النائيني المعنى الأخير بعد أن ناقش الآراء المعاكسة له يقول: «إنّا نقطع بحسب التواريخ التي بأيدينا أنّه ليس هناك شخص أو جماعة وضعوا الألفاظ المتكثرة في لغة واحدة لمعانيها التي تدل عليها فضلاً عن سائر اللغات، كما إنّنا نرى وجداناً عدم الدلالة الذاتية بحيث يفهم كلّ شخص من كلّ لفظ معناه المختص به، بل الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم جعل لكلّ معنى لفظاً مخصوصاً باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا».
«وجعله ـ تبارك وتعالى ـ هذا واسطة بين جعل الأحكام الشرعية المحتاج إيصالها إلى إرسال رسل، وإنزال كُتب، وجعل الأمور التكوينية التي جبل الإنسان على إدراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء ونحو ذلك».
«فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتّى لا يحتاج إلى أمر آخر، ولا تشريعي صرف حتّى يحتاج إلى تبليغ نبي أو وصي، بل يلهم الله تبارك وتعالى عباده على اختلافهم كلّ طائفة بالتكلم بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص»([621]).
فإذا قلنا بالدلالة الذاتية للألفاظ على معانيها أو قلنا بالواضح الواحد سواء كان بشراً معيناً أم كان هو الله عزَّ وجلَّ جاءت كلّ تلكم التساؤلات وغيرها من إمكان الربط الذاتي بين لفظ واحد ومعنيين أو بالعكس كما يقع التساؤل عن الأهداف العقلائية من وراء جعل الألفاظ المتعددة للمعنى الواحد أو جعل اللفظ الواحد بإزاء المعاني المتعددة لأنّ العاقل لا بدّ وأن يكون هادفاً في جملة تصرفاته وأعماله الإرادية وإلاّ لما كان عاقلاً.
ولكن النظرية الحديثة في علم الاجتماع عن نشأة اللغات وتطورها تأبى كلّ هذه الفروض وتعتبر اللغة من الظواهر التي تقتضيها طبيعة الاجتماع، ولا يسئل عنها مرجع واحد.
وربما أراد الشيخ النائيني أن يشير إلى نفس هذه النظرية وأداه بالأداء الذي يتّسع له عصره عندما اعتبرها من الأمور التي يلهم بها البشر عادة وربطها بالله عزّ وجلَّ كربط أي تصرّف تقتضيه طبيعة الإنسان المزودة بإمكانات بقائه واستمراره، لا أنّه يريد ـ كما توهم ذلك من كلامه ـ أنّ الله عزَّ وجلَّ يضع خصوصيات الألفاظ لمعانيها، ويلهم عباده بما يضع من تلكم الألفاظ.
فاللغة ظاهرة اجتماعية ولدتها حاجتهم إلى التفاهم، وهي ـ كأيّة ظاهرة ـ تولد صغيرة تبعاً لحاجات مجتمعها، ثمّ تنمو وتتطوّر بنمو الحاجات وتطوّرها.
ولعل من أهم أسباب نموّها وتطوّرها كثرة الهجرة من المجتمع الواحد وإليه للعوامل الداعية إليها.
وبالطبع إنّ الفئات المهاجرة إنّما لا تهاجر بحاجاتها ولغاتها التي تعبر عنها، ومن تنوّع الحاجات وتكثرها تتنوّع الألفاظ وتتكثر، ثمّ تتفاعل مع لغة المجتمع الذي هاجرت إليه وهكذا.
وحيث إنّ وضع الألفاظ لمعانيها لا يقع عن تشاور بين المجتمعات لغرض التوزيع والتنسيق فإنّ الاشتراك والترادف لا بدّ وأن يقعا عادةً، لأنّ اللفظة قد توضع لدى مجتمع لمعنى ولدى آخر لمعنى فينشأ الاشتراك بين المعنيين.
وقد توضع الألفاظ المتعددة لدى المجتمعات المختلفة لمعنى واحد فينشأ الترادف بينهما.
ويأتي بعد ذلك أرباب المعاجم فيتتبعون هذه المجتمعات ذات اللغة الواحدة لتسجيل ما يعثرون عليه من المواد اللغوية وتنسيقها فيجدون فيها هذه الألفاظ مشتركة مترادفة.
وبهذا ندرك أنّه لا موضع لكلّ تلكم التساؤلات عن الأهداف العقلائية لجعل الترادف والاشتراك، ما دمنا ندرك أنّ الوضع أقرب إلى العمليات التلقائية التي تقتضيها طبيعة المجتمعات، ولا يسأل عنها فرد واحد، لأنّ أوضاعها أقرب إلى الأوضاع التعينية، في الغالب منها إلى الأوضاع التعيينية بالإضافة إلى تباعد المجتمعات، وعدم إمكان تنسيق لغاتها عند الوضع لو كان هناك واضع واحد.
نعم يمكن توجيه أمثال تلكم التساؤلات للمجامع اللغوية اليوم لو وقعت ـ في ما يجد لديها من أوضاع ـ في الترادف والاشتراك مع قدرتها على التشاور، وتنسيق الأعمال فيما بينهما.
معاجم اللغة
ودعاوى الاشتراك والترادف
والذي يؤخذ على معاجمنا اللغوية أنّها توسّعت في دعاوى الترادف والاشتراك اللفظي مع أنّ واقع الكثير من المواد التي نجدها عندهم لا تمت إليهما بصلة، وما يُقال عن المعاجم اللغوية يُقال عن كثير من الباحثين، ففيما يتّصل بالتشارك نرى أنّ الكثير من المواد التي ادّعى لها الاشتراك اللفظي لا يمكن أن ينطبق عليها هذا المفهوم([622]) وحالها يختلف، فبعضها يعود إلى الاشتراك المعنوي لالتقائها جميعاً في معنى واحد وكمثل على ذلك لفظة النكاح «فإنّه في لغة العرب الضم فاللفظان ضمّا إلى بعضهما نكاح، وهذا هو العقد والجسمان ضمّا إلى بعضهما نكاح، ولكن اللفظ اشتهر إطلاقه على العقد فظنّ الشافعية أنّه حقيقة فيه، والجسماني منه الإطلاق عليه أوضح فظنّه الحنفية فيه، والحقيقة أنّه مشترك معنوي فيما يجمع الأمرين ولكن كثُر إطلاقه في لسان الشرع على العقد حتّى أنّه لم يرد في القرآن مراداً به غيره إلاّ على ضرب من التعسف»([623]) بينما نرى بعض الباحثين يعدونها من قبيل الاشتراك اللفظي بينهما وقسم منها يعود إلى المنقول أو المرتجل وإدراك هذا الأمر موقوف على القيام بدراسات تعنى بوضع تاريخ للكلمة عبر المراحل الزمنية والتماس مداليلها في كلّ مرحلة ليتميز المنقول منها أو المرتجل عن غيره، وهذا النوع من الدراسات هو ما تفقده معاجمنا اللغوية، بل لم يؤلف حتّى الآن معجم ـ في حدود ما أعلم ـ منصبّة عنايتة على هذه الناحية.
مع أنّ حاجتنا إلى هذا النوع من المعاجم أمس بكثير من الحاجة إلى غيرها لدخولها في أكثر من مجال من مجالاتنا العلمية والأدبية.
وكمثل على ذلك الكلمات الواردة في الأحاديث النبوية لو قدر لها أن تؤرخ مداليلها حسب العصور لبدلت الكثير من الفتاوى الفقهية، ولفتحت أمام المجتهدين أبواباً واسعة، إذ لا يكفي في إصابة الحكم أعمال تبادراتنا الخاصّة لاحتمال تأطّرها بأطر زمانية ومكانية ولدت لها النقل أو الارتجال في الوضع، وأصالة عدم النقل لا تكشف عن وحدة المعنى المتبادر في زماننا وزمان صدورها مثلاً وإن لجأ إليها العلماء كوظيفة لتحديد المسؤولية، لبداهة أنّ هذا الأصل ليس من الطرق الكاشفة عن واقعه، ولو افترضنا له هذه الصفة فهو لا يزيد في كشفه عن الآراء الناقصة التي لا توجب الاطمئنان فضلاً عن القطع.
صحيح أنّ لدينا معاجم تعنى بشرح الحديث وتفسيره كالنهاية لابن الأثير ومجمع البحرين للطريحي، إلاّ أنّهما كسائر المعاجم لا يعنيان بالجانب التأريخي للمواد التي توفّرت على بحثها وتفسيرها، وما يدرينا أنّ لنقل الرواة لها بالمعنى أثراً في التبدّل النسبي لمفاهيمها، فالألفاظ التي يحسبها الراوي مرادفة في معناها لألفاظ الحديث قد لا تكون ـ بحكم النقل مثلاً ـ مرادفة لها في زمنه، أو لا تكون مرادفة في زمن تدوين المعاجم اللغوية.
وما يقال عن الفقه يقال عن الأدب إذا أريد وضع تأريخ له يتمشى مع العصور، بل لا يمكن وضع تأريخ له إذا لم يعتمد مثل هذه الدراسة لنشأة الكلمات وتطوّرها عبر الأزمان.
وهناك قسم ثالث يوجب توهم الاشتراك اللفظي بين الألفاظ وكثيراً ما يقع به اللغويون، وهو المجاز المشهور، لاستغنائه عن القرينة وأغفالها في لسان من دوّنت عنهم اللغات، ممّا يظن أنّه من الاشتراك، وهو أجنبي عنه.
وما يقال عن توسّع اللغويين في دعاوى الاشتراك اللفظي، يقال عن توسّعهم في دعاوى الترادف حتّى أحصيت عشرات الأسماء لمسمّى واحد، والكثير من هذه الدعاوى لو سلّطت عليه الأضواء لوجدت غير تامة للتباين بين مداليل هذه الألفاظ.
ومنشأ الخلط غالباً هو اشتباه ما وضع لاسم الذات بما وضع لها باعتبار تلبسها ببعض الصفات، يقول الآمدي: «وقد ظنّ بأسماء أنّها مترادفة، وهي متباينة، وذلك عندما تكون الأسماء لموضوع واحد باعتبار صفاته المختلفة كالسيف، والصارم، والهندي، وباعتبار صفته، وصفة صفته كالناطق، والفصيح، وليس كذلك»([624]).
استعمال المشترك في أكثر من معنى
وممّا فرعوه على حديث الاشتراك هو جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى وعدمه، وهي مسألة لغوية دقيقة يتوقف على كلمة الفصل فيها فهم كثير من النصوص، وقد وسع بعض الأعلام في العنوان إلى جميع الألفاظ التي تتّسع لأكثر من معنى سواء كانت مشتركة أم منقولة أم مرتجلة أم مستعملة على نحو الحقيقة والمجاز لوحدة الملاك في الجميع.
ولتشخيص موضع النزاع لا بدّ من عرض مختلف الصور المتصوّرة لهذا النوع من الاستعمال وقد حصرها صاحب الفصول الشيخ محمد حسين الحائري في أربعة نعرضها ملخصة:
أحدها: أن يستعمل في معنى يتناول جميع معانيه، أو جملة منها، كمفهوم المسمّى، وهو الذي يسمّونه بعموم الاشتراك، وفي رأيه أنّ هذه الصورة ممّا لا نزاع بينهم في الجملة في جوازها، إلاّ أنّ الحال فيها يختلف من حيث كون الاستعمال على نحو الحقيقة أو المجاز.
والمدار في كون الاستعمال فيه حقيقياً أن يكون هذا المعنى الجامع أحد المعاني التي وضع بإزائها اللفظ المشترك، وإلاّ كان الاستعمال مجازياً يحتاج إلى علاقة وقرينة.
الثاني: «أن يستعمل ويراد به كلّ واحد من معانيه على وجه الترديد والبدلية كالنكرة سواء جعل الترديد شطراً من المعنى أو شرطاً له».
ومن رأيه أنّ هذا النوع من الاستعمال لا يسوغ على أيّة حال، سواء قصد منه الحقيقة أم المجاز، وهو بذلك يخالف السكاكي الذي أجازه على نحو الحقيقة كما يبدو من ظاهر كلامه، وإنّما لم يسوغه اعتقاداً منه أنّ إلحاقه بالنكرة «قياس مع الفارق لتحقيق قدر مشترك فيها يصح أخذ التقييد بالخصوصيات على وجه الترديد بالقياس إليه، بخلاف المشترك إذ لا يصحّ اعتبار الترديد فيه ما لم يضمن أو يقدر معنى أزيد، وهو متّضح الفساد» فاستعماله على نحو الحقيقة لا يجوز، لاعتبار الترديد فيه وهو ما لم يوضع له في المشترك، وكذلك استعماله مجازاً لعدم العلاقة المصححة لمثل هذا الاستعمال.
وقد نزل كلام السكاكي بعد ذلك على إرادة المعنى الأوّل، أي مفهوم أحد المعاني.
الثالث: «أن يستعمل ويراد به مجموع معنييه أو معانيه من حيث المجموع سواء تعلق الحكم به أيضاً من حيث المجموع أو تعلق به من حيث الآحاد بأن كان كلّ واحد منها مناطاً للحكم ومتعلقاً للنفي والإثبات».
والفارق بين هذا الوجه الأوّل «أنّ شمول المعنى المستعمل فيه لمعانيه على الأوّل من قبيل شمول الكلي لإفراده، هذا من قبيل شمول الكلّ لأجزائه».
وهذا القسم في رأيه كالوجه الأوّل «ممّا لا نزاع في جوازه في الجملة فمع ثبوت الوضع يكون حقيقة ومع انتفائه يتبع العلقة فيجوز معها مجازاً».
ومن رأي السيد محسن الحكيم أنّ هذا القسم داخل في محل النزاع «إذ الظاهر من بعض أدلة المجوزين والمفصلين دخوله في محل النزاع»([625]).
كما أنّ الأستاذ الخضري ركّز محل النزاع عليه حيث قال: «المراد بعموم المشترك أن يطلق ويراد منه جميع معانيه وهذا منعه جمهور الأصوليين وأجازه فريق منهم واختار آخرون جوازه في النفي دون الإثبات، وآخرون جوازه فيما عدا المفرد»([626]) وإن كان في إرجاعه إلى عموم المشترك خلط بين المعنى الأوّل والثالث لأنّ معنى العموم استعماله في معنى واحد ينطبق على كلّ منها انطباق الكلي على مصاديقه لا استعماله في جميعها وهذا إنّما يتم إذا افترضنا له إرادة المجموع من لفظة الجميع وإلاّ رجع إلى القسم الرابع مع وقوعه في الخلط بينه وبين القسم الأوّل.
الرابع: «أن يستعمل في كلّ واحد من المعنيين أو المعاني على أن يكون كلّ واحد مراداً بانفراده كما إذا كرّر اللفظ وأريد منه ذلك»([627]).
وهذا القسم هو الذي وقع موقع الأخذ والرد بين الأعلام، وربّما انصرف كلام الكثير منهم إليه دون غيره من الأقسام للمفروغية ـ كما يقول صاحب الفصول ـ عن الأقسام السابقة نفياً أو إثباتاً.
وقد ذكرت فيه تفصيلات عدّة لخصها صاحب القوانين المحكمة في الأصول بقوله: «قيل فيه: أقوال ثالثها الجواز في التثنية والجمع دون المفرد ورابعها في النفي دون الإثبات»([628]).
ومقتضى هذا التلخيص أنّ الأقوال في هذه المسألة أربعة:
1 ـ قول بالجواز مطلقاً.
2 ـ قول بالمنع مطلقاً.
3 ـ قول بالتفصيل بين المفرد وغيره.
4 ـ قول بالتفصيل بين النفي والإثبات.
وقال بعد ذلك: «ثمّ اختلف المجوزون على أقوال ثالثها كونه مجازاً في المفرد وحقيقة في التثنية والجمع»([629]) أي أنّ أقوال المجوزين ثلاثة:
1 ـ قول بكون الاستعمال فيهما جارياً على نحو الحقيقة.
2 ـ قول بكونه جارياً فيهما على نحو المجاز
3 ـ قول بالتفصيل بينهما.
وربّما كان منشأ الخلاف فيها بين المجوزين والمانعين هو اختلافهم في حقيقة الوضع، لابتناء الفصل فيها على اختيار وتركيز أحد التحديدات التي قيلت فيه، لتفرّع الاستعمال عليه عادة.
حقيقة الوضع
اختلفوا في تحديد الوضع وبيان ماهيته على أقوال ربّما عادت في أصولها إلى أربعة:
1 ـ اعتباره من قبيل الربط الخاص المجعول «بين طبيعي اللفظ والمعنى والموضوع له بحيث يكون طبيعي اللفظ الموضوع مستعداً لإحضار ذلك المعنى في ذهن من يسمع ذلك اللفظ أو يتصوّره»([630]).
2 ـ اعتباره من قبيل الإيجاد أي «إيجاد المعنى في الخارج باللفظ المستعمل فيه إيجاداً تنزيلياً».
«فيكون وجود اللفظ خارجاً، وجوداً طبيعياً لماهية اللفظ، ووجوداً تنزيلياً للمعنى»([631]).
3 ـ اعتباره من قبيل العلامة أي «جعل اللفظ علامة على إرادة المعنى»([632]) مشيرة له إشارة اللافتة الموضوعة في طريق ما إلى الطريق.
4 ـ اعتباره من «قبيل التعهد والالتزام، بأنّه متى ما أراد المتكلم تفهيم معنى يجعل مبرزه لفظاً مخصوصاً»([633]).
فالقائلون بالمعنيين الأوّلين يذهبون إلى الامتناع، لإيمانهم أنّ طبيعة الترابط بين اللفظ والمعنى على نحو ما ورد في التعريف الأوّل، والوجود التنزيلي كما في التعريف الثاني، يستدعيان أن يكون اللفظ ـ عند الاستعمال في الموضوع له ـ ملحوظاً فانياً في المعنى وآلة له، والملحوظ على نحو الاستقلال هو المعنى، واستعمال المشترك في أكثر من معنى على النحو الذي وقع موقع الخلاف، هو استعماله في كلّ من المعاني على نحو الاستقلال، كما لو كان مدلولاً للفظ وحده، بمعنى أنّ اللفظ يكون دالاً عليه بالدلالة المطابقية لا التضمنية، وهذا النوع من الاستعمال يقضي تصوّر كلّ واحد من المعاني على نحو الاستقلال، فيلزم اجتماع لحاظات متعددة مستقلة في أفق النفس، واجتماع اللحاظات المتعددة في آن واحد مستحيل. كما أنّه يستدعي أن يلحظ اللفظ الواحد بلحاظات آلية متعددة تبعاً لتعدّد المعنى، وهو مستحيل للزوم اجتماع المثلين أو الأمثال في شيء واحد.
وأجيب عن الإشكال الأوّل بأنّ أفق النفس واسع يتّسع لأكثر من لحاظ بدليل أنّ الحكم في الجمل مثلاً يستدعي تصوّر كلّ من المحكوم والمحكوم عليه ولحاظها على نحو الاستقلال، ثمّ الحكم عليهما، واجتماع اللحاظين في آن واحد بديهي فيهما، فلا محذور لدى العقل، نعم اجتماع اللحاظين على ملحوظ واحد لا مدفع لإشكاله إلاّ على مبنى من يهب إلى العلامية أو التعهد والالتزام، إذ لا مانع لديهم من أن يجعل الشيء علامة على عدّة أشياء في آن واحد، لأنّ اللفظ لا يزيد على كونه إمارة على المعنى عند الاستعمال في مبنى من يقول بالتعهد([634]) أو العلامية، وربّما شبّه في ألسنتهم بالعموم الاستغراقي «بتقريب أنّه لا ريب من أنّ حكم العام يتعلّق بكلّ واحد من أفراده وذلك يستلزم أن يكون كلّ فرد من الأفراد ملحوظاً بلحاظ يخصّه فإذا صحّ تعلّق الحكم الواحد بأمور متعددة ملحوظ كلّ واحد منها بلحاظ خاص به في إطلاقٍ واحد وآن واحد فيصحّ استعمال اللفظ الواحد في المعاني المتعددة الملحوظ كلّ منها بلحاظ خاص به»([635]).
وقد دفع الآملي هذا الإشكال بقوله: «إنّ الأفراد في العام الاستغراقي لا تكون ملحوظة إلاّ بعنوان عام وحداني هو الذي يستعمل فيه اللفظ ويشار به إلى تلك الأفراد ولا يكون كلّ من تلك الأفراد ملحوظاً بلحاظ خاص به، ولا جميع الأفراد ملحوظة بلحاظ واحد على سبيل الجمع في اللحاظ، وعليه يكون النقض بالعام الاستغراقي أجنبياً عن المقام»([636]).
واعتقادي ـ شخصياً ـ أنّ شبهة كون اللفظ علامة على المعنى، أمّا لوضعه على هذا النحو أو لأنّ التعهد ينتجه عند الاستعمال لا يدفع محظور تعدّد اللحاظ على الملحوظ الواحد لأنّ جعل شيء علامة على شيء يستدعي لحاظ كلّ منهما بالوجدان عند الاستعمال، ولازمه اجتماع اللحاظات المتعددة على الملحوظ الواحد ـ أعني اللفظ ـ في آن واحد وهذا ما اعترف الجميع باستحالته.
فالقول ـ بامتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى على نحو يكون كلّ منهما ملحوظاً كما لو استعمل فيه اللفظ وحده أي يكون كلّ منهما مدلولاً للفظ بالدلالة المطابقية وهي دلالة اللفظ على تمام معناه ـ لا يخلو من أصالة وعمق.
أمّا الاستدلال في مجموع المعاني مع إلغاء جانب الاستدلالية فيها واعتبار كلّ منهما مدلولاً للفظ بالدلالة التضمنية أي دلالة اللفظ على جزء معناه، فلا محذور فيه، أقصاه أنّ هذا النوع من الاستعمال لا يكون على نحو الحقيقة، بل المجاز، ويكون من قبيل استعمال ما وضع للجزء في الكل، أي المجاز المرسل الذي يكون متوفراً على ما يسمّونه بعلاقة الجزء والكلّ المصححة لهذا النوع من الاستعمال، وكذلك لا محذور في استعماله في الجامع بينها على نحو المجاز مع وجود القرينة على ذلك.
ومع التنزل عن القول بالامتناع والأخذ بوجهة نظر من يذهب إلى العلانية أو التعهد في تعريف الوضع، فإنّ الذي يقتضيه ظاهر الاستعمال هو الوحدة لا التعدّد.
يقول السيد أبو القاسم الخوئي (وهو من القائلين بالإمكان): «نعم إنّ الاستعمال في أكثر من معنى خلاف الظهور العرفي فلا يحمل اللفظ عليه إلاّ مع القرينة»([637]).
وإذا تمّ ما قلناه من استحالة هذا النوع من الاستعمال، فإنّ الاستحالة لا تختصّ بالمشترك بل تعمّ مطلق استعمالات اللفظ في أكثر من معنى، لوحدة الملاك فيها فلا فرق فيما ذكرنا ـ كما يقول الشيخ محمد حسين النائيني «بين الاستعمال في المعنيين الحقيقيين أو المجازيين أو معنى مجازي وحقيقي، ولا بين المفرد وغيره، ولا بين النفي والإثبات لأنّ الملاك في المنع هو لزوم المحال وهو في الجميع موجود»([638]).
وأقصى ما تثيره هذه الشبهة في التفرقة بين المفرد وغيره هو ما ورد في كتاب معالم الدين للشيخ حسن بن زين الدين العاملي حيث ذهب إلى استعماله حقيقة في التثنية والجمع بلحاظ «أنّهما في قوّة تكرير المفرد بالعطف، والظاهر اعتبار الاتفاق في اللفظ دون المعنى في المفردات، ألا ترى أنّه يُقال زيدان وزيدون وما أشبه هذا مع كون المعنى في الآحاد مختلفاً وتأويل بعضهم بالمسمّى تعسّف بعيد».
«وحينئذ فكما يجوز إرادة المعاني المتعددة من الألفاظ المفردة المتحدة المتعاطفة على أن يكون كلّ واحد منها مستعملاً في معنى بطريق الحقيقة، فكذا ما هو في قوّته»([639]).
وأفضل ما قيل في جوابه أنّ للتثنية والجمع وضعين: أحدهما يتعلق بالمادة، والآخر بالهيئة، فوضع الهيئة فيهما ـ وهي المستفادة من ضميمة الألف والنون أو الواو والنون إلى المفرد ـ لا يتعلق بغير إفادة التعدّد ممّا أريد من المفرد الذي دخلا عليه، فإذا استحال استعمال المفرد في أكثر من معنى، استحال في التثنية والجمع، لأنّهما لا يزيدان في الدلالة على أكثر من إرادة فردين ممّا دخلا عليه، فكلمة (عينين) مثلاً لا يمكن أن يراد منها (عين نابعة) و(عين باصرة) بل فردان من الباصرة إذا أريد من المفرد ذلك وكذا إذا أريد من المفرد (النابعة) مثلاً.
ودعوى التعسف التي ادعاها صاحب كتاب معالم الدين في التأويل بالمسمّى عند تثنية الأعلام أو جمعها، لا يعرف لها وجه بعد ما ثبت بالتبادر من وضع الهيئات في التثنية والجمع إرادة التعدد من مدخولهما ومع امتناع التعدّد في العَلَم الشخصي لا بدّ من التأويل.
وما يقال عن التثنية يقال عن النفي والإثبات، إذ غاية ما قربت به وجهة نظر المفصلين بين الإثبات والنفي أو جواز الاستعمال في أكثر من معنى في النفي بخصوصه إنّما يستفاد من تسليط النفي على اللفظة المشتركة بكلّ ما وضعت له ممّا يؤدّي إلى عموم السلب عن الجميع، ولكن هذه الاستفادة لا تتفق مع واقع ما يسلط عليه النفي لأنّ النفي إنّما يسلط على ما يراد من اللفظ فإذا افترضنا استحالة إرادة أكثر من معنى واحد في استعمال واحد فلا بدّ أن يكون مسلطاً عليه بالخصوص فلا يدل على نفي الجميع.
وإذا اتّضح هذا كان علينا أن نقف في تفسير النصوص التي تتّسع دلالتها اللغوية أو غيرها إلى أكثر من معنى واحد ولا يتحمل في تحميلها أكثر ما تطيق ما دام الواقع لا يتحمل غير معنى واحد، وتشخيصه من بين المعاني التي يحتمل إرادتها إنّما يكون من طريق القرائن والملابسات الخاصّة، ولكن هذا لا يمنع من عرض مختلف المعاني المحتملة تمهيداً لاختيار أكثرها دلالة على المراد.
فما ذكره بعض الأعلام من الباحثين المحدثين من ضرورة تقيد الشارح والمفسّر للنصوص الأدبية بأجلى المعاني وأكثرها ظهوراً لا أعرف لها وجهاً، على أنّ فهمي للنص مثلاً وتشخيص دلالته بين المعاني المحتملة لا يعني إصابتي لواقعه فقد يكون الواقع المراد هو أحد تلكم المعاني الأُخر، فوضعها أمام مختلف القرّاء ـ على اختلاف مستوياتهم البلاغية وفسح المال أمامهم لاختيار أكثرها دلالة ـ أجدى من قسرهم على فهم واقع النص من خلال الكوة التي يطل منها المفسر عليه.
بطون القرآن
والاستعمال في أكثر من معنى
ذكروا جملة أحاديث تؤدّي إلى أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً «فعن الحسن ممّا أرسله عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «ما أنزل الله آية إلاّ ولها ظهر وبطن ـ بمعنى ظاهر وباطن ـ كلّ حرف حدٌّ وكلّ حدٍّ مطلع»([640]) وفي رواية المصابيح عن ابن مسعود «أنزل القرآن على سبعة أحرف لكلّ آية منها ظهر وبطن ولكلّ حدٍ مطلع»([641]).
وقد بلغت بعض الروايات في البطون إلى سبعة وبعضها إلى سبعين([642]).
وحاول بعضهم الربط بين هذه الروايات وجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى باعتبار أنّ هذه البطون كلّها معان للقرآن ومدلولة لألفاظه بالدلالة المطابقية.
مع أنّ لفظ البطن لا يستلزم ذلك لجواز أن تكون هذه البطون من قبيل لوازم المعنى المستعمل فيه اللفظ وإن كانت أفهامنا ـ كما يقول الشيخ محمد كاظم الخراساني في كتابه كفاية الأصول ـ قاصرة عن إدراكها، ويؤيده ما ورد في بعض الروايات من «أنّ الكتاب في ظاهره قصة وفي باطنه عظة» أي أن ليس بكتاب تأريخ تساق آياته التي تعرّضت لأحداث سابقة لغرض تسجيلها وبيان واقعها وإنّما يراد من سوقها التماس العبر والعظات منها والاستفادة من تجاربها وهي لوازم لها، وهناك تفسيرات أُخر لا جدوى من عرضها فعلاً، تراجع في الموافقات للشاطبي وكفاية الأصول للخراساني([643]) والهداية للكاظمي([644]) وغيرها لعدم اتصالها بطبيعة بحثنا هذا.
استعمال المترادفين
كلّ في موضع الآخر
وكما اختلفوا في جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى اختلفوا في جواز استعمال كلّ من المترادفين في موضع الآخر والأقوال في المسألة أربعة:
1 ـ قول بالمنع مطلقاً.
2 ـ قول بالجواز مطلقاً.
3 ـ قول بالتفضيل بين وجود المانع الشرعي وعدمه.
4 ـ قول بالتفصيل بين اتحاد اللغة وعدمه.
أدلة الأقوال
يقول المانعون: «لو صحّ وقوع كلّ بدل الآخر لصحّ أن يقال بدل (الله أكبر) في افتتاح الصلاة (خداي أكبر)»([645]).
«والجواب من قبيل الحنفية القول بالموجب حيث هم يصححون ذلك وأمّا من قبل غيرهم فيجيبون أنّ ذلك هو للمانع الشرعي وهو التعبّد باللفظ المتوارث وقد قيدنا الجواز في الأصل بعدم المانع الشرعي»([646]).
أمّا المجوزون بشرط اتحاد اللغة فوجهة نظرهم قائمة على «أنّ اختلاط اللغتين مانع من التركيب»([647]) يقول محمد الخضري «وهذه مقدمة لا دليل عليها إلاّ أنّ السلف لم يفعلوا وكفى بهذا في نظرنا دليلاً»([648]).
ومن هذا العرض تعرف مختلف وجهات النظر مع الإشارة إلى أدلتها والحقيقة أنّ الفصل في هذه المسألة إنّما يبتني على نتيجة ما انتهى إليه الأصوليون في مسألة جواز النقل بالمعنى وعدمه، لأنّها من صغريات تلك الكبرى الكلية.
والذي يقتضي أن يقال هنا، إنّ هذا النوع من الاستعمال يختلف حاله باختلاف طبيعة ما ينقل، فإن كان من الأمور التوقيفية التي قامت الأدلة الخاصّة على لزوم التقيد فيها بنص خاص كما هو الشأن في النصوص القرآنية والأذكار المأثورة في الصلوات ومقدماتها، لم يجز إبداله بمفرداته.
وإن لم يقم الدليل على ذلك، جاز إبداله بالمرادف ولا محذور فيه، نعم إنّ طبيعة الأمانة في النقل تقتضي الإشارة إلى أنّ المنقول إنّما كان في المعنى بخاصّة في النصوص الأدبية، التي يكون فيها أثر في تقييم النص والحكم عليه.
محمد تقي الحكيم
الاشتقاق
القياس في اللغة
التقدير، وفي اصطلاح بعض الأصوليين «الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل»([649]) وهو بهذا التعريف يصلح أن يكون أصلاً يرجع إليه لاستنباط الحكم فيما لا نص فيه، لوضوح أنّ وحدة العلة في الأصل والفرع تستدعي وحدة المعلول، لاستحالة تخلّف المعلول عن العلة، وبهذا يستكشف حكم الفرع
وقد يطلق على العملية القياسية باعتبار أنّ القياس هو عمل القائس، وذلك بحمل الفرع على الأصل وتسويته به في العلة لاستنتاج حكم شرعي، وهو بهذا المعنى لا يصلح أن يكون أصلاً يرجع إليه، لأنّ عملية الاستنباط من الأصل لا يمكن أن تكون هي الأصل لتأخّرها في الرتبة عنه.
والقياس بكلا معنييه له أركان أربعة انتزعها الأصوليون من هذه التعاريف وهي: الأصل، والفرع، والحكم، والعلة. «فالأصل: هو المقيس عليه، والفرع: هو المقيس، والحكم: هو الاعتبار الشرعي الذي جعله الشارع على الأصل، ويراد إثبات نظيره للفرع، والعلة: هي الجهة المشتركة بينهما التي بنى الشارع حكمه في الأصل عليها».
وقد ذكروا لهذه الأركان شرائط أطالوا التحدّث عنها، وبخاصّة ما يتّصل منها بالعلة، لأنّها الأساس في استنباط الحكم، وأهم ما تحدّثوا عنه في شؤون العلة، هو ما يتّصل بالمسالك الموصلة إليها كمسلك النص، والإجماع، والسبر والتقسيم، والاطراد، والانعكاس، ومسلك المناسبة، والشبه وغيرها.
وفي حدود ما اطلعت عليه من كلمات النحويين الذين بحثوا في أصول النحو قديماً وحديثاً([650]) أنّهم لا يريدون من القياس غير ما أراده الأصوليون، وقد تابعوهم في الحديث عنه تحديداً وأركاناً وشرائط، وأكدوا على بحوث العلة ومسالكها، كما أكد عليها الأصوليون من قبل.
والمأخذ الذي سجّله بعض علماء الأصول على النحويين، هو استعمالهم القياس الأصولي القائم على التعليل في مجالات غير قابلة للتعليل، لأنّ اللغة إنّما تثبت بالاستقراء([651])، والاستقراء غاية ما يثبت أنّ الذين تكلموا بهذه اللغة تكلموا بها هكذا، أمّا لماذا تكلموا بها على هذه الكيفية فهذا ما لا سبيل إلى إدراكه، والعلل التي ذكروها ليست عللاً اصطلاحية؛ لأنّها غير موجبة لمعلولاتها، لوضوح أنّ العوامل وهي علل نحوية لم تحدث الحركات في مدخولاتها، وإنّما الذي أحدثها المتكلم بها، ومن هنا رميت تعليلات النحويين بالوهن والضعف وبخاصّة الثواني والثوالث منها.
ولكن هذا الإشكال يمكن أن يورده النحويون على علماء الأصول نقضاً، فالعلل الشرعية هي أيضاً ليست عللاً موجبة، لأنّها ليست عللاً مادية، أو صورية، أو غائية، أو فاعلية، والعلل المؤثرة لا تخرج عنها بحال.
فقول الشارع مثلاً حرمت الخمر لإسكارها لا يكشف عن كون الخمر مادة للحرمة، أو صورة لها، أو غاية لجعلها، أو مشرعة وخالقة لها، لوضوح أنّ المشرع للحكم هو الله عزَّ اسمه وليس الإسكار، ومن هنا التزم جملة من الأصوليين بإعطاء العلة مدلولاً آخر أبعدها عن مدلولها الفلسفي، فعرفوها بمناط الحكم([652])، وأرادوا به فيما يقول الغزالي «ما أضاف الشارع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة عليه»([653]) كما عرفها بعضهم «بالوصف الظاهر المنضبط الذي جعله الشارع علامة على الحكم مع مناسبته له»([654]).
وبهذين التعريفين خرجت عن كونها علّة فاعلة موجبة إلى كونها علامة، فقد ربط الشارع بينها وبين الحكم، وعنصر المناسبة لا يزيد، عن كون هذه العلامة مظنَّة لتحقيق حكمة الحكم وهي من قبيل الأسباب الداعية إلى التشريع.
وفي عقيدتي أنّ أكثر النحويين لا يريدون من العلل في أقيستهم غير هذا المعنى، فهي عندهم علامات مناسبة على وجود ظواهر في اللغة تصحّح لهم انتزاع قواعد عامّة منها لتطبيقها على مختلف مصاديقها، سواء القديم منها أم الجديد.
وأنا شخصياً أجلُّ أكثرهم عن الانتقاد بأنّ ما اعتبروه من العلل النحوية هي عندهم علل موجبة مؤثرة، فهم يعتقدون بأنّ الفعل مثلاً هو الذي يرفع الفاعل، وينصب المفعول، لا المتكلم به، ولازم ذلك أن ينسب إليهم الاعتقاد بأنّ جميع اللغات لديهم متساوية في حركاتها الأعرابية، لوحدة العلل فيها المستلزم لوحدة معلولاتها، لأنّ الواحد كما يقولون لا يصدر عنه إلاّ واحد، وإن كان دخولهم في دوامات مصطلحات الفلاسفة حدا بكثير منهم إلى لوازم توهم خلاف ذلك.
وعلى هذا فما أسموه بالعلل لا يزيد على كونه علامات على ظواهر لغوية وجدوها مناسبة لتعليل الحكم بها واختاروها لغرض تعليمي محض، أو لغرض الضبط بانتزاع القاعدة الدقيقة منها عن طريق القياس، ولذا يمكن التخفّف من قسم من هذه التعليلات إذا لم تحقق الغرض المقصود.
ومع هذا العلم أنّ وظيفة النحو بمعناه العام هي البحث عن الظواهر التي تتقوَّم بها لغة ما، واللغة العربية في اعتقادي أنّها تقوم ببنية مفرداتها وهيئاتها التركيبية، وأساليب استقامتها، وكيفيات الاستعمال فيها. أمّا معاني مفرداتها فهي ليست من المقومات، لأنّها خاضعة للتطوّر والتبدّل والزيادة والنقصان تبعاً للحاجة إليها، ولذا أبعدت المعجمات اللغوية عن مجالات النحو بمفهومه العام كعلوم النحو، والصرف، والبلاغة، وفقه اللغة، لعنايتها مجتمعة بتشخيص هذه المقومات.
وطبيعة المحافظة على لغتنا، تدعونا إلى الدوران في فلك هذه الظواهر بحثاً عنها من طريق الاستقراء المباشر، أو الاعتماد على استقراء الثقات من ذوي الاختصاص ـ إن وجد ـ وما نعثر عليه منها ممّا لم يعرض له القدامى أو عرضوا له وكان بحسب استقرائنا ممّا تحتاج إلى تعقيب واستدراك نصوغ له قاعدة عامّة ونجعلها أساساً لما يجد من استعمالات، مؤكدين على ضرورة المحافظة على سلامة التطبيق بالرجوع إلى جهة اختصاصية كالمجامع اللغوية أو أقسام اللغة العربية في الجامعات أو الحوزات العلمية.
والحديث بعد إنما هو عن حدود ما نكتشف به الظاهرة من الاستعمالات المستقرأة من كلام العرب، والسؤال الذي يوجّه الآن أيقتصر فيها على صورة الاطراد في الاستعمال؟ أم يكتفي بما هو أقل منه من الغالبية والكثرة والقلة والندرة؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال يحسن أن نرجع إلى ما حدّد به المراد من هذه الألفاظ.
يقول ابن هشام «اعلم أنّهم يستعملون غالباً وكثيراً ونادراً وقليلاً ومطرداً فالمطرد لا يختلف، والغالب أكثر الأشياء ولكنّه يختلف، والكثير دونه، والقليل دون الكثير، والنادر أقل من القليل، فالعشرون بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالبها، والخمسة عشرة بالنسبة إليها كثير لا غالب، والثلاثة قليل، والواحد نادر، فعلم بهذا ما يقال فيه ذلك»([655]) وقد حوّل الأستاذ الخولي هذه النسبة إلى نسبة مئوية فقال «المطرد الذي مثله بثلاثة وعشرين وجعلها نهاية هو 100%».
والغالب وهو 20 من 23 يساوي 87% تقريباً.
والكثير هو 15 من 23 يساوي 65%.
والقليل وهو 3 من 23 يساوي 13%.
والنادر وهو 1 من 23 يساوي 4%([656]).
ومن البديهي أنّ هذه النسب التي أعطاها ابن هشام لهذه المداليل هي نسب تقريبية، وليست حدية، وإلاّ فالأرقام التي بين المطرد والغالب، أو الغالب والكثير، أو الكثير والقليل، ماذا نسمّيها لو اقتصرنا على هذا التحديد!.
والجواب بعد ذلك عن هذا السؤال: أنّ الاستعمال المطرد والغالب والكثير بهذه النسب أو ما يقاربها صالح للكشف عن الظاهرة عادة، لاطمئنان الباحث إلى عدم تطرّق الخطأ أو السهو لهذا العدد الكبير من المستعملين، أمّا النادر والقليل في غير المتواتر قراءة من القرآن الكريم ونقلاً عن السنّة الشريفة، فأنا شخصياً لا أطمئن إلى صلوح كشفه عن ظاهرة لغوية، لقوّة احتمال الخطأ فيه، والعربي في عقيدتي كغيره قابل لأن يخطئ أو يسهو وليس بمعصوم، أمّا النادر أو القليل في القرآن الكريم وفي السُنّة المتواترة فهما كافيان للكشف عن الظاهرة، أقصاه أنّهما لا يكشفان عن أكثر وجودها في إطار اللغة السليمة المتعبد باستعمالها، لا عن ظاهرة لغوية عامّة، وهذا يكفي لجعلها قياسية، والسر في كشفها هو عصمة النص الكتابي عن تطرّق الخطأ إليه، ولو أمكن نسبة الخطأ إليه ـ وحاشاه ـ لكان ذلك من ذرائع الطعن بإعجازه، وبخاصّة من خصوم الإسلام من معاصريه الذين وجّه إليهم التحدّث من قبله مباشرة، وهذا ما لم يحدّث به التاريخ، وكذلك السنّة القائل صاحبها وهو أصدق القائلين «أنا أفصح من نطق بالضاد»، ودعوى الفصاحة لا تلتئم مع صدور اللحن منه لو أمكن، ولا أقل من تسجيل ذلك عليه من قبل خصومه والتشهير به.
وعلى هذا فالمطرد، والغالب، والكثير، يكفي كلّ منها لاكتشاف ظاهرة يمكن صياغتها بقاعدة عامّة واعتبارها كبرى لقياس نحوي ينتج بعد ضم صغراه إليه النتيجة المطلوبة، وكذا النادر القليل ممّا ورد في القرآن الكريم والسنّة الثابتة.
وإذا صحّ ما ذكرناه من مقاييس لاكتشاف الظاهرة اللغوية عدنا إلى تطبيقها على الاشتقاق من أسماء الأعيان وهو ما سبق أن أثرنا الحديث عنه في الجلسة السابقة.
والأسئلة المطروحة الآن هل وقع من العرب الاشتقاق من أسماء الأعيان بكثرة حتّى يصحّ اعتباره من ظواهر لغتهم؟ وعلى تقدير وقوعه فهل يلتئم ذلك مع أصول الاشتقاق عندهم.
والجواب عن السؤال الأوّل واضح جدّاً، لأنّ المعجمات اللغوية وغيرها من كتب الأدب عرضت للكثير من هذه الاشتقاقات، وقد أحصى الأستاذ الإسكندري في مقال نشره في مجلة مجمع اللغة العربية أكثر من أربعمائة اسم من تقدير أسماء الأعيان وقع فيها الاشتقاق واستدرك عليه غيره كثيراً ممّا أغفله([657]) وهذا وحده كافٍ للكشف عن وجود هذه الظاهرة.
أمّا الجواب عن السؤال الثاني، أعني مدى ملائمته أصول الاشتقاق عندهم، فالذي أعتقده أنّ هذه الاشتقاقات كانت جارية على وفق أصولهم من ذلك، وعمدة ما يقف أمام هذا الاعتقاد أمران:
أولهما: أنّ طبيعة الاشتقاق الصغير تستدعي أن يكون مبدأ الاشتقاق داخلاً في المشتق، ومن هنا التزم بعض المحققين من علماء الأصول([658])، وفقه اللغة، أنّ المبدأ هو السواكن الثلاث، أي الحروف الأصلية في الكلمة، وهي الموضوعة بإزاء المعنى الحدثي العام، والهيئات الطارئة عليه تكسبه معنى زائداً، فـ «ضارب» تدل على معنى الضرب في أيّة هيئة وجدت فلو كانت الهيئة دخيلة في الوضع لما دلّت الحروف وحدها على أصل المعنى، ومن هنا خالفوا البصريين في اعتبار المصدر مبدأ هو الفعل لأنّ كلاً منهما مؤلف من هيئة ومادة، وبمقتضى هذا التحقيق لا يصح الاشتقاق من أسماء الأعيان لأنّ أسماء الأعيان، موضوعة بموادها وهيئاتها بإزاء معانيها، ولا يمكن دخول هيئاتها في المشتق لاستحالة عروض الصورة على الصورة.
ثانيهما: إنّ معنى المشتق كما حدّد في الأصول هو تلبّس الذات بمبدأ الاشتقاق، ولا معنى لتلبس ذات بذات، ولذلك التزموا في المشتق منه أن يكون معنى حدثياً، ولكن هذين الأمرين لا يصلحان للوقوف أمام هذا الاعتقاد، وذلك لأنّ العرب حين عمدوا إلى الاشتقاق من أسماء الأعيان، عمدوا إليها بفطرتهم فجرّدوها أوّلاً من هيئاتها الخاصّة وانتزعوا أهم حروفها السواكن فاستعملوها في معنى حدثي يلابس الذات، أمّا على سبيل التضمين أو الكناية أو المجاز، بداهة أنّ العربي الذي اشتق من النمر تنمر، ومن الأسد استأسد، ومن الناقة استنوق لم يدخل هذه الكلمات بما لها من الهيئات في مشتقاتها، وإنّما انتزع منها حروفاً معينة وأدخلها فيها، كما أنّه لم يرد من قوله استأسد زيد واستنوق الجمل أنّ الأسد نفسه تلبس بزيد أو الجمل تلبس بالناقة بل أراد لوازمها من الشجاعة والتأنّث.
وهذا يكشف عن استعماله لهذه المواد بمعانٍ حدثية لازمة له أوّلاً، ثمّ الاشتقاق منها، وأنا شخصياً لا أعرف مثالاً واحداً اشتق فيه من اسم الذات قبل تجريده من الهيئة واستعماله في معنى حدثي.
وعلى هذا فالاشتقاق من أسماء الأعيان جار على وفق قواعد الاشتقاق، نعم يحسن أن لا يترك التوسّع في الاشتقاق منه إلى غير ذوي الاختصاص، لأنّ التماس العلاقات المصححة للاستعمال في المعاني الحدثية لا يسهل على غير ذوي الاختصاص لذلك أرى ـ منعاً للفوضى ـ ضرورة الرجوع إلى المجامع وغيرها من الجهات المختصة لتصحيح الاستعمال.
محمد تقي الحكيم
أصول الفقه
تقدّمت الدراسة عنه في موضعها ونضيف إلى ما هنالك ما يلي:
اللغة وعلم الأصول
من أهم ما يعنى به علم الأصول دراسة المصادر التي تصلح للكشف عن واقع التشريع الإسلامي، حكماً أو وظيفة، والتماس أدلة اعتبارها من شارع أو عقل.
واستقراء هذه المصادر على اختلافها في هذا العلم يكشف عن مدى تنوّعها في وسائل التعبير عن ذلك الواقع.
فبعضها يعتمد الكلمة المعبرة كالكتاب العزيز، والسنّة الكريمة، وبعضها يعتمد الطرق العقلية كالأدلة المشخصة للوظائف التي يعينها العقل عند انعدام الدليل الكاشف، وثالث يعتمد سيرة المتشرعة، أو بناء العقلاء، أو العرف وهكذا.
وبحكم هذا الاختلاف في وسائل الكشف والأداء، اختلفت الركائز التي يجب اعتمادها لدى محاولة استكشاف ذلك الواقع من هذه الأصول.
وكان ذلك من أهم البواعث على توفّر الأصوليين على إعداد دراسات لمواضيع تمس أو تلابس تلكم الوسائل على اختلافها، لتعين على تأدية وظائفها كاملة في مجالات الكشف.
ومن هنا نشأ الارتباط بين علم الأصول وجملة من العلوم أسموها بالمبادئ، كالنحو، والصرف، واللغة، وعلوم البلاغة، والمنطق، والفلسفة، وغيرها.
وبما أنّ هذه المبادئ مختلفة لاختلاف المدى الذي توفّر لها من عناية العلماء المختصين بدراستها، فقد انصبّ اهتمام علماء الأصول على دراسة ما لم يحظ منها بالعناية الكافية في مجالاتها الخاصّة، وأحالوا الحديث على تلكم المجالات، وما ألف فيها من كتب في المواضيع التي رأوا أنّها قد استوفي فيها الحديث.
وكان أهم ما بحثوه منه ـ لقلّة أضوائه في الكتب المعنية ببحثه ـ ما يخصّ الجانب اللغوي منها لارتباطه بأهم المصادر التشريعية، وهو الكتاب، والسنّة.
وكانت لهم في هذا المجال تجارب ذات أصالة وعمق.
وهذه التجارب ولدت ـ كأي مولود سوي ـ صغيرة على أيدي القدامى من الأصوليين، ثمّ نمت وتطوّرت بنمو هذا العلم وتطوّره حتّى كادت تكتمل على أيدي المحدثين من الأعلام في مدرسة النجف الاشرف الحديثة في علم الأصول.
البحوث اللغوية
ليست من علم الأصول
ونظراً لتوسّع هذه البحوث على أيديهم وتأكيدهم على ثمراتها في مجالات الاستنباط فقد ظنّها غير واحد من الباحثين أنّها أصول قائمة بذاتها في مقابل بقية الأصول ممّا اضطرهم إلى التوسّع في تعريف علمها إلى ما يتّسع لتجاربها جميعاً، ووقعوا لذلك في مفارقات عدم الاطراد، والانعكاس([659])، بالإضافة إلى نسيانهم لدورها في التمهيد للاستفاد من الكتاب والسنّة لا أنّها في مقابلهما.
طبيعة هذه البحوث
وطبيعة هذه البحوث متشعبة بتشعب حاجتهم إليها، ويمكن توزيعها من وجهة منهجية إلى ثلاثة أبواب، أو قل إلى مدخل وبابين تبعاً لمواقع الالتقاء بينها.
بحوث المدخل
أمّا المدخل فالذي ينتظم فيه منها جملة بحوث أهمها:
1 ـ تحديد الوضع.
2 ـ الوضع والترابط الذاتي.
3 ـ تشخيص الواضع وما ينشأ عنه من دعاوى التوقيف والاصطلاح.
4 ـ نشأة اللغات.
5 ـ أساليب الوضع.
6 ـ تقسيمه بلحاظ المعنى الموضوع له.
7 ـ تقسيمه بلحاظ اللفظ الموضوع.
8 ـ الوضع وعلقة المجاز.
9 ـ مصادر العلم بالوضع.
وعلى ضوء ما ينتهون إليه ـ من هذه الأبحاث التي تتصل بالدراسات اللغوية اتصالاً مباشراً أو غير مباشر ـ يسهل الدخول في بحوث الباب الأوّل.
بحوث الباب الأوّل
وهي بحوث تهتم بتحديد بعض المواد اللغوية والهيئات.
وأهم ما ينتظم في هذا الباب بحوث:
1 ـ تحقيق المعنى الحرفي.
2 ـ تحقيق الدلالة للجمل الخبرية والإنشائية.
3 ـ معنى المشتق.
4 ـ مادة الأمر وهيئاتها.
5 ـ مادة النهي وهيئاتها.
6 ـ المفاهيم.
7 ـ ألفاظ العموم والخصوص وهيئاتها.
وفي هذا الباب بحوث قل ما نجد فيما قرأناه من بحوث لغوية على أيدي غير الأصوليين ما يرتفع إلى مستواها من حيث الشمول، والدقة، وعمق الآراء.
وإذا قدر للباحث أن لا يجد في بحوث هذا الباب، وغيره، ما يشخص له مرادات المتكلمين لجأ إلى بحوث الباب الثاني.
بحوث الباب الثاني
وهو الذي يعنى بإعداد الضوابط العامّة لتشخيص المراد عند التردّد في تحديده. وأصوله كثيرة، أهمها:
1 ـ أصالة الحقيقة.
2 ـ أصالة عدم التقدير.
3 ـ أصالة عدم النقل.
4 ـ أصالة عدم الاشتراك.
5 ـ أصالة عدم التخصيص.
6 ـ أصالة الإطلاق.
7 ـ أصالة عدم النسخ.
وربّما جمعت هذه الأصول، وغيرها ما أسموها بأصالة الظهور.
منهج المقال
وبما أنّ أمد المقال لا يتّسع للحديث في جميع هذه المواضيع، فإنّ الذي أرجو أو أوفق إليه هو التعريف بأهم التجارب التي وردت في المدخل فقط، والتعقيب على ما قد نختلف فيه مع بعض أعلامها منها، متوخين ـ جهد ما نستطيع ـ الإيجاز والوضوح، تاركين بقية الأحاديث في البابين الأوّل والثاني إلى فرصة أخرى نرجو أن نوفق إليها.
الحاجة إلى المدخل
الحاجة ـ فيما يبدو ـ إلى وضعهم لبحوث هذا المدخل كانت مختلفة باختلاف منابعها، فبعضها كان وليد شعورهم بضرورة وضع مصطلحات جديدة لقسم من المفاهيم التي جدت في بحوثهم الأصولية، ولم يجدوا ما يقابلها في معاجم اللغة، وهذا ما ولّد لديهم التساؤل عن مدى حقّهم في مثل هذا الوضع.
وطبيعة الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي الإجابة عن أسئلة تتعلق بحقيقة الوضع وتشخيص الواضع، وتوقيفية اللغة وعدمها، ثمّ عن كيفية الوضع وأقسامه، إلى غير ذلك ممّا يلقي كثيراً من الأضواء في طريق سدّهم لهذه الحاجة.
وكان البعض الآخر نابعاً عن إدراكهم لضرورة التعرّف على الوسائل التي تمكّنهم من التعرّف على واقع قسم كبير من المداليل اللغوية ليروا موقف الشارع المقدس منها.
وهذا ما بعثهم على إثارة تساؤلات تتعلق بالوسائل المؤدية إلى تحديد المفاهيم اللغوية، وعمّا إذا كان للشارع مفاهيم تختلف عنها في استعمالاته الخاصّة؟ وكيف تمّ هذا الاستعمال؟ وهل أنّ الإرادة دخيلة في المعاني الموضوعة؟ إلى أشباهها من المواضيع التي وجدوا في بحثها الإجابة عن أمثال تلكم التساؤلات التي يتوقّف على إعطاء الرأي القاطع فيها كثير من النتائج الهامّة، وأوّل ما تساءلوا عنه حقيقة الوضع.
تحديد الوضع
وقد اختلفت الإجابة عند تحديداتهم له، وكان أشملها لمختلف مواقع النظر ما ورد في كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخراساني (قدس سرّه) ـ وهو من أعلام مدرسة النجف الحديثة ـ من أنّ الوضع «نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما»([660]).
وفي كلمة الاختصاص ـ وهي مقولة الانفعال ـ ما يشمل الترابط الذاتي بين الألفاظ والمعاني أحد مواضع الخلاف، وإن كان في لفظة الوضع ـ وهي من مقولة الفعل ـ ما يأبى ذلك.
أمّا منشأ هذا الاختصاص فقد اختلفت كلماتهم فيه، فقيل: إنّه الجعل والاعتبار من قبل معتبر معين، وقيل: إنّ الترابط الذاتي هو المنشأ فيه.
الوضع والترابط الذاتي
وينسب هذا القول ـ أعني الترابط الذاتي ـ إلى عباد ابن سليمان الصيمري ـ من أعلام المعتزلة ـ على شك في حدود ما يذهب إليه.
يقول السيوطي: «نقل أهل أصول الفقه عن عباد بن سليمان الصيمري من المعتزلة أنّه ذهب إلى أنّ بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع»([661]).
وفي رأيه ـ فيما ينسب إليه ـ أنّها ذاتية موجبة([662]).
وقد استدل هو ـ أو استدل له ـ بأنّها لو لم تكن كذلك «لكان تخصيص الاسم بالمعنى المعين ترجيحاً من غير مرجح»([663]).
ومن طريف ما يروى عن بعض ما كان يرى رأيه أنّه كان يقول: «إنّه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها، فسئل ما مسمّى (إذغاغ) وهو بالفارسية الحجر فقال أجد فيه يبساً شديداً وأراه الحجر»([664]).
والمفارقة التي سجلها الجمهور على هذا الرأي هي قولهم: «لو ثبت ما قاله لاهتدى كلّ إنسان الى كلّ لغة، ولما صحّ وضع اللفظ للضدين كالقرء للحيض والطهر، والجون، للأبيض والأسود»([665]).
ثمّ «أجابوا عن دليله بأنّ التخصيص بإرادة الوضع المختار خصوصاً إذا قلنا الواضع هو الله فإنّ ذلك كتخصيص وجود العالم بوقت»([666]).
وإيضاح ما أراده في الجواب: أنّ مبدأ الترجيح بلا مرجح، وإن استحال من وجهة عقلية لاستلزمه وجود جهة راجحة ملحوظة للمرجح كما توحي به كلمة الترجيح، وهو ينافي دعوى انعدامها لفرض التساوي بينهما، إلاّ أنّ الوضع ليس من هذا القبيل، وإنّما هو من قبيل اختيار أحد المتساويين، وطبيعة الاختيار في المختار لا تتقيد بوجود جهة راجحة، وإلاّ لاستحال عليه الاختيار في المتساويين من جميع الجهات، وهذا ما لا يمكن أن يلتزم به عاقل ما.
والذي يبدو لي أنّ هذا العالم الجليل لا يريد من دعوى المناسبة، المناسبة الذاتية الموجبة، كما نسب له؛ لوضوح أنّ مثل هذه المناسبة لو وجدت فهي ممّا لا يحتاج معها إلى وضع.
إذ الوضع لا يتجاوز الجعل، وهو من الأمور الاعتبارية، ومثلها لا يتناول الواقع في رفع أو وضع، لو أمكن فرض تناولها له لكان من قبيل تحصيل الحاصل.
وأي معنى لجعل الاختصاص بين اللفظ والمعنى مع فرض قيامه واقعاً به، ولغوية جعل الدخان علامة على النار ـ وهي نظير ادعائه ـ من أوضح الأمور، وكلامه السابق صريح باحتياج المناسبة إلى الوضع لقوله ـ في التعقيب على وجود المناسبة: «حاملة للواضع على أن يضع».
هذا بالإضافة إلى أنّ المفارقة التي سجلها الجمهور على كلامه من البداهة بمكان، وأي إنسان يجهل أنّ من لوازم المناسبة الذاتية بين اللفظ والمعنى هو لزوم معرفة كلّ إنسان بكلّ اللغات؟! فكيف أمكن افتراض خفائها عليه؟!.
والظاهر أنّ الرجل لا يريد أكثر ممّا أراده «أهل اللغة العربية، فقد كادوا يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني»([667]).
ودليله وهو لزوم الترجيح بلا مرجح لا يدعو إلى أكثر من هذا المقدار.
وربّما أراد أن يشير إلى أنّ نشأة اللغات كانت تعتمد محاكاة الأصوات، وهي لا تختلف، وإن اختلفت اللغات بعد ذلك بفعل عوامل التطوّر.
الوضع ودعوى المناسبة
أمّا دعوى أهل اللغة من ضرورة وجود المناسبة الطبيعية وإن لم تكن موجبة، فهي كسابقتها لا تدعو إليها أيّة ضرورة عقلية أو تاريخية.
ودعوى لزوم الترجيح بلا مرجح لا تبتني على أساس، كما سبق أيضاحه.
على أنّ المناسبة لو قلنا بضرورتها فليست هناك أيّة ضرورة للقول بأنّها يجب أن تكون قائمة بين طبيعة اللفظ والمعنى، بل يكفي فيها أن توجد، وإن كان مصدرها بعيداً عنهما، كما هو الشأن في تسمية كثير من الأعلام الشخصية، أو الأماكن، بأسماء تربط الواضعين بها علقة حب أو إكبار.
وفي العهود الثورية تكثر التسميات بأسماء قادة الثورات وهي أجنبية عن طبيعي اللفظ والمعنى.
ولهذا لا نجد أيّة ضرورة لالتماس التمحلات في إيجاد المناسبة كما حاول ذلك أمثال ابن جني من أعلام اللغويين([668]).
وخلاصة الأقوال في مسألة الوضع: أنّ الوضع لا بد منه، قلنا بالمناسبة الذاتية أو لم نقل، وهو موضع اتفاق العلماء وبخاصة إذا تمّ ما وجهنا به كلام ابن عباد السابق، وحسبنا التزامه بضرورة الوضع، وإن لم يتم ذلك التوجيه.
واتفاق العلماء على الوضع لم يمنعهم من الاختلاف في تعيين الواضع وما يترتب عليه من دعوى التوقيف والاصطلاح.
فالذي عليه الاشعري، وأهل الظاهر من الأصوليين «أنّ الواضع هو الله عزَّ وجلّ وأنّ وضعه متلقى لنا من جهة التوقيف الإلهي، إمّا بالوحي أو بأن يخلق الله الأصوات والحروف ويسمعها الواحد، أو جماعة ويخلق له، أو لهم، العلم الضروري أنّها قصدت للدلالة على المعاني»([669]).
والذي حكاه ابن جني عن أكثر أهل النظر «أنّ أصل اللغة، إنّما هو تواضع واصطلاح لا وحي ولا توقيف»([670]).
واختار الشيخ محمد حسين النائيني ـ وهو من أقطاب مدرسة النجف الحديثة في الأصول ـ أنّ الواضع هو الله «ولكن ليس وضعه تعالى للألفاظ كوضعه للأحكام على متعلقاتها وضعاً تشريعياً، ولا كوضعه الكائنات وضعاً تكوينياً». وقال: «إذ ذلك أيضاً ممّا يقطع بخلافه، بل المراد كونه تعالى هو الواضع، أنّ حكمته البالغة لما اقتضت تكلم البشر بإبراز مقاصدهم بالألفاظ فلا بدّ من انتهاء كشف الألفاظ لمعانيها إليه تعالى شأنه بوجه، إمّا بوحي منه إلى نبي من أنبيائه، أو بإلهام منه إلى البشر، أو بإيداع ذلك في طباعهم بحيث صاروا يتكلموا ويبرزون المقاصد بألفاظ بحسب فطرتهم حسبما أودعه الله في طباعهم»([671]).
وهذا القول لا يأبى ـ فيما اعتقد ـ أن تكون اللغة أو بعضها اصطلاحية لإمكان صدورها عن المصطلحين بتوسّط فطرتهم، وربّما نزلت بعض أدلة القائلين بالتوقيف على هذا المعنى.
يقول ابن جني: «إنّ أبا علي رحمه الله، قال لي يوماً: هي من عند الله، واحتجّ بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}([672]) ثمّ قال: «وهذا لا يتناول موضع الخلاف، وذلك أنّه قد يجوز أن يكون تأويله، أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة فإذا كان ذلك محتملاً غير مستنكر سقط الاستدلال به»([673]).
والواقع أنّ نوع الأدلة التي ساقها القائلون بالتوقيف ليست مسوقة لبيان هذه الجهة، فلا تصلح للاستدلال.
ومن شرائط ما يصلح للاستدلال من الأدلة أن يكون في صدد بيان ما سيق له، والآيات في صدد التعرّض لنشأة اللغات وتوقيفيتها، فإقحامها في مجالات الاستدلال إقحام في غير موضعه.
والواقع العلمي المبني على الاستقراء لا ينهض بغير دعوى الاصطلاح وليس لدينا من الأدلة التي عرضوها ما يوقف الأخذ بها على الإطلاق.
نشأة اللغات
يقول الشيخ حسين الحلي ـ فيما حكيناه عنه ـ «كان الإنسان في طوره الأوّل كالأخرس، أو الطفل يفزع بدافع ذاتي إلى التفاهم مع الآخرين من طريق اختراعه لأصوات يعتقد كفايتها في تمثيل المعنى وإحضاره»([674]).
ومن الطريف أن نجد جذور النظرية الحديثة في نشأة اللغات قائمة لدى بعض القدامى من علماء الأصول، يقول السيوطي: «وذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلّها إنّما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك، ثمّ ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد»([675]). ثمّ عقب على هذا الرأي بقوله: «وهذا عندي وجه صالح، ومذهب متقبل»([676]).
واعتبارها ظاهرة من الظواهر التي اقتضتها طبيعة الاجتماع نص عليه بعض علماء الأصول قديماً وحديثاً، وإن لم يطلقوا عليها نفس هذه التسمية.
قال الكيا الهراسي في تعليقه في أصول الفقه «وذلك أنّ الإنسان لما لم يكن مكتفياً بنفسه في معايشه ومقيمات معاشه، لم يكن له بد من أي يسترفد المعاونة من غيره، ولهذا اتخذ الناس المدن ليجتمعوا ويتعاونوا وقيل إنّ الإنسان هو المتمدن بالطبع، والتوحش دأب السباع، ولهذا توزّعت الصنائع، وانقسمت الحرف على الخلق فكلّ واحد قصر وقته على حرفة يشتغل بها لأنّ كلّ واحد من الخلق لا يمكنه أن يقوم بجملة مقاصده، فحينئذ لا يخلو من أن يكون محل حاجته حاضرة عنده أو غائبة بعيدة عنه فإن كانت حاضرة بين يديه أمكنه الإشارة إليها وإن كانت غائبة؛ فلا بدّ له من أن يدل على موضع حاجته، وعلى مقصوده وغرضه، فوضعوا الكلام دلالة»([677]).
وقال الإمام فخر الدين وأتباعه «السبب في وضع الألفاظ أنّ الإنسان الواحد وحده لا يستقل بجميع حاجاته بل لا بد من التعاون إلاّ بالتعارف، ولا تعارف إلاّ بأسباب كحركات، أو إشارات، أو نقوش، أو ألفاظ توضع بإزاء المقاصد، وأيسرها، وأفيدها، وأعمّها، الألفاظ»([678]).
وقال السيد أبو القاسم الخوئي بعد أن ناقش مبدأ التوقيفية في اللغات، ودعوى أنّ الواضع هو الله عزَّ وجلَّ: «ثمّ إنّ الوضع وليد الحاجة بين طبقات البشر لغرض التفاهم وسير حركة الحياة، وهو يختلف باختلاف الأمم والأزمان ومقدار الحاجة إليه»([679]).
ومن رأي الشيخ حسين الحلي أنّ الوضع لدى البدائيين يختلف عنه لدى الأمم المتحضرة من حيث توفّر عنصر الإرادة فيه وعدمه، فهو «لدى البشر في بدء تكوّنهم لم يكن سوى تعبير لا شعوري عن حاجة من الحاجات يصدر عنه كما يصدر أي صوت من أي حيوان، وكما يصدر البكاء منه عندما يحس بما يدعوه إلى الألم والبكاء، فالبكاء في حقيقته تعبير عن الألم كما أنّ الألفاظ تعابير عن معانيها، ومثل هذا التعبير لا يسبق بتصوّر»([680]) ثمّ يقول: «أمّا بعد تبلور اللغة وتطوّرها فهذا الكلام ربّما يتأتى فيه لأنّ الواضعين سواء في الأعلام الشخصية أم غيرها يسبقون الاستعمال باختيار اللفظة وتصوّرها بعد تصوّر المعنى الموضوع»([681]).
ومن هنا يرى أنّ تقسيمات الوضع القادمة لا تتأتى من البدائيين وإن صحّ ورودها بعد مرور البشر بمراحل حضارية.
تقسيمات الوضع
وقد ذكرت للوضع عدّة تقسيمات على ألسنة الأصوليين تختلف باختلاف الحيثيات الطارئة عليه فمن حيث أسلوب الوضع قسموه إلى قسمين: الوضع التعييني، والوضع التعيني.
الوضع التعييني والوضع التعيني
وأرادوا بالوضع التعييني: الوضع الذي يقوم به شخص معين، أو جهة كذلك، ويؤدّيه بالتنصيص على الوضع، كما لو قال الواضع: وضعت اللفظة المعينة للمعنى المعين.
أمّا الوضع التعيني فأرادوا به: الاختصاص الذي ينشأ بين طبيعي اللفظ والمعنى نتيجة لكثرة الاستعمال فيه، ويقع غالباً في الألفاظ المنقولة التي تتحرّك بعد هجران معانيها الأوّل إلى حقائق في المعاني التي نقلت إليها.
ومثل هذا النقل عادة لا يقع عن تنصيص من قبل الناقلين، وإنّما تولده كثرة الاستعمال، وبخاصّة في الأعراف العامّة.
الوضع والاستعمال
وأضاف الشيخ آغا ضياء العراقي ـ وهو أحد أعلام المدرسة الحديثة في النجف الأشرف ـ أسلوباً ثالثاً في التعبير عن الوضع، غير النص، وكثرة الاستعمال، وهو الوضع من قبل واضع معين من طريق استعماله اللفظ في المعنى، ويجعل في استعماله هذا إيجاداً للوضع، يقول بعض محرري بحثه: «ثمّ إنّ الوضع وهو الربط المعول بين طبيعي اللفظ والمعنى قد يحصل بإنشائه ابتداءً، وقد يتحقق باستعمال اللفظ المقصود وضعه في المعنى كما لو قال بهذا النحو جئني بالماء، مشيراً إلى المائع المعروف فبهذا الاستعمال مع القرينة يحصل الربط بين اللفظ والمعنى، ويفهم المعنى الذي استعمل فيه اللفظ»([682]).
وقد أورد على هذا الأسلوب بعدّة إيرادات أهمها: لزوم اجتماع اللحاظين الآلي والاستقلالي، على ملحوظ واحد.
وقد قرب هو هذا الإشكال ودفعه بقوله: «وقد يشكّل تحقّق الوضع بهذا النحو» بـ «أنّ الوضع بهذا النحو يستلزم اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي في موضوع واحد، وهو غير معقول».
فـ «بيان الملازمة هو أنّ استعمال اللفظ في المعنى في مقام التفاهم به يستلزم لحاظ اللفظ آلياً، وتوجّه النفس إليه في مقام وضعه يستلزم لحاظه استقلالياً».
«والجواب أنّ الملحوظ باللحاظ الاستقلالي في مقام الوضع هو طبيعي اللفظ كما هو واضح، وأشرنا إليه، والملحوظ باللحاظ الآلي في مقام الاستعمال هو شخص المستعمل، وعليه لا يلزم في الوضع بالنحو المزبور اجتماع اللحاظين المتنافيين في موضوع واحد»([683]).
والواقع أنّ هذا الإشكال لا يندفع إلاّ على مبنى من يقول إنّ الوضع من نوع التعهد والالتزام، والاستعمال والتنصيص من مبرزاته([684])، لأنّ استعماله للفظ يكون إذ ذاك متأخراً رتبة عن أصل الوضع، وتعدّد اللحاظ مع اختلاف الرتبة لا محذور فيه.
وهذا خلاف ما اختاره في تحديد الوضع حيث اعتبر استعمال اللفظ في المعنى مع القرينة من محققاته([685]) لا من مبرراته.
ومن البديهي على هذا المبنى أنّ اللفظ الذي استعمله هو نفسه الذي تولد وضعه بالاستعمال لا غيره ليصحّ تعدّد اللحاظ بتعدّده.
تقسيم الوضع بلحاظ المعنى
وما دمنا قد انتهينا إلى أنّ الوضع لا بدّ له من تصوّر المعنى الموضوع له، واللفظ الموضوع، فإنّ علينا أن نذكر ما انصبت عليه من تقسيمات بلحاظ كلّ منهما، فمن تصوّره للمعنى قسموا الوضع إلى أربعة أقسام:
1 ـ الوضع العام، والموضوع له العام.
2 ـ الوضع العام، والموضوع له الخاص.
3 ـ الوضع الخاص، والموضوع له الخاص.
4 ـ الوضع الخاص، والموضوع له العام.
وقد عدّها الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب كفاية الأصول ثلاثة، لإيمانه بامتناع القسم الرابع منها([686]).
وتفصيل الحديث في هذه الأقسام: أنّ الوضع وهو إيجاد العلاقة بين اللفظ والمعنى، يستدعي أن يلحظ الواضع ما يريد أن يضع له لامتناع الوضع للمجهول.
ولحاظه له تارة ينصب على نفس المعنى، وأخرى على وجه من وجوهه المعرفة له ولو على نحو الإجمال.
والمعنى الملحوظ بنفسه قد يكون عاماً، وقد يكون خاصاً.
فإذا لاحظ المعنى العام، ووضع له، كما من النوع الأوّل، أعني الوضع العام والموضوع له العام، وأمثلته أسماء الأجناس.
فالواضع عندما لاحظ مدلول كلمة الإنسان مثلاً، لاحظه بما له من شمول ثمّ وضع لفظ الإنسان بإزائه.
وإن كان ما لاحظه خاصاً، ثمّ وضع له اللفظ بما له من خصوصيات، كان من النوع الثالث أعني الوضع الخاص والموضوع له الخاص.
أمّا إذا كان المتصوّر عاماً، وأريد الوضع للجزئيات التي يصلح أن يكون ذلك العام عنواناً لها، فهو من القسم الثاني أعني الوضع العام والموضوع له الخاص، ومثلوا له بالحروف، وما يشبهها من الأسماء كالضمائير، وأسماء الموصول، والإشارة.
وبالطبع إنّ معاني الحروف لا يمكن أن تتصوّر في قدر جامع لها ليوضع اللفظ بإزائه، لبداهة عدم إمكان وجوده في الذهن مع محافظته على جانب ما له من دلالة حرفية.
لأنّ الحروف لا توجد حتّى في مجالات التصوّر إلاّ بغيرها ـ على ما هو الصحيح في تعريفها([687])، ومع وجودها بالغير فهي جزئية متشخصة لا تصلح أن تكون قدراً جامعاً لاستدعائه التجرّد عن جميع المشخصات.
نعم، ربّما يستدل عليها بالمعاني الاسمية المشيرة لها، والتي تصلح أن تكون من عناوينها كَكلّي النسبة في باب النسب، وكلي الإشارة في باب الإشارة، بأن يجعل وجهاً من وجوه تصوّرها يصحّح وضع اللفظ على أساسه لجزئيات ذلك المعنى ـ إذا صحّ تسميتها بجزئياته ـ وتكون نسبة ذلك المعنى إليها نسبة العنوان إلى معنونه، لا نسبة الكلي إلى مصاديقه.
ومن البديهي أنّ العنوان من وجوه المعنون فيمكن تصوّره أعني المعنونه بتصوّر العنوان، وسيأتي في تحقيق معنى الحروف في الباب الأوّل ما يستوعب الحديث في هذا المجال.
وبهذا ندرك نوع التسامح الذي ورد في تعبير بعض الأعلام عن المتصوّر في باب الوضع في الحروف بالقدر المشترك بدلاً من التعبير عنه بالعنوان.
يقول الإمام عضد الدين الآيجي في رسالة له في الوضع: «اللفظ قد يوضع لشخص بعينه، وقد يوضع له باعتبار أمر عام، وذلك بأن يعقل أمر مشترك بين مشخصات ثمّ يقال هذا اللفظ موضوع لكل واحد من هذه المشخصات بخصوصه دون القدر المشترك، فتعقل ذلك المشترك آلة للوضع، لا إنّه الموضوع له، فالوضع كلي والموضوع له مشخص، وذلك مثل اسم الإشارة، فإذا هذا مثلاً موضوعه ومسمّاه المشار إليه المشخص بحيث لا يقبل الشركة»([688]).
أمّا القسم الرابع، أو الذي عدّه بعضهم رابعاً بدعوى دخوله في مجالات التصوّر العقلية، فالذي أقصاه عن مجال الحديث عدم وقوعه، لو قلنا بإمكان تصوّره.
وتوهم الإمكان نشأ من دعوى إمكان أن يكون الخاص من وجوه العام، فيمكن تصوّر العام تبعاً لتصوّره باعتباره أنّ الخاص منطو على العام، أو حصة منه فالإنسان موجود في محمد مثلاً مع زيادة التشخيص فيه، فأي مانع من جعله وجهاً من وجوهه إذاً؟
ولكن هذه الدعوى لا تنطوي على أساس سليم لأنّ تصوّر الخاص لا يصلح أن يكون وجهاً لتصوّر العام.
والسر في ذلك: أنّ تصوّر الخاص إن وقع على كلّ ما له من خصوصيات فقد تصوّر العام الموجود في ضمنه تفصيلاً ويكون الوضع فيه إذ ذاك من النوع الأوّل أعني الوضع العام والموضوع له العام.
وإن لم يتصوّره بكلّ ما له من الخصوصيات ولم يتعرّف على العام الذي ضمنه فكيف يمكن أن يضع له، والوضع نوع من الحكم، والحكم على المجهول لا معنى له أصلاً، فالقول بعدم إمكانه أقرب، وإن بدا ممكن التصوّر في البداية.
تقسيمه بلحاظ اللفظ
وحساب اللفظ الذي يراد وضعه حساب المعنى من حيث لزوم تصوّره قبل الوضع.
وتصوّره ربّما يكون بنفسه أي بمادته وهيئته، وربّما يكون بأحدهما المادة، أو الهيئة فقط.
والأوّل منهما يسمّى بالوضع الشخصي، والثاني بالوضع النوعي، ولكلّ منهما حديث.
الوضع الشخصي
فالوضع الشخصي كما ورد في تحديده على ألسنة بعض الأصوليين هو وضع اللفظ بهيئته ومادته لمعنى([689]).
ومثلوا له بالأسماء الجامدة أعلاماً كانت أم أسماء أجناس، فالوضع في كلمة إنسان مثلاً ينطوي على تصوّر مادة الكلمة وهي (ا، ن، س، ا، ن) وهيئتها وهي الهيكل الذي تشكّلت به هذه المادة من تقديم الألف على النون والنون على السين… إلخ بما لها من حركات معينة.
وقد وضع نفس ما تصوّره لكلي الحيوان الناطق.
الوضع النوعي
أمّا الوضع النوعي فقد ورد في تحديده أنّه «وضع أحد جزأي اللفظ، وهما الهيئة، أو المادة لمعنى»([690]).
ومن هذا التعريف ندرك أنّ الوضع النوعي على قسمين:
1 ـ وضع المواد.
2 ـ وضع الهيئات.
وتقريب النوعية في القسم الأوّل منهما ـ أعني وضع المواد ـ أنّ المادة لما كان تصوّرها مجرّدة عن هيئاتها غير ممكن، فلا بدّ من تصوّرها في هيئة ما، ثمّ يجعل هذا التصوّر طريقاً إلى وضعها لمعناها في أيّة هيئة وجدت، فواضع كلمة مادة الضرب لا بدّ أن يكون قد تصوّرها ضمن أحد مشتقاتها كالمصدر مثلاً، ثمّ يجعل ذلك وسيلة إلى وضعها لمعناها على مختلف ما تتخذ من هيئات كالضارب، والمضروب، وهكذا.
ولكن بعض المحققين اعتبر الوضع في هذا القسم من الوضع الشخصي وتوضيح ما أفاده «أنّ المادة المتألفة من الحروف المتقاطعة لا يمكن تصوّرها استقلالاً بلا عروض هيئة عليها فتوضع في ذلك الحال لمعنى خاص، وتكون من قبل الوضع الخاص والموضوع له الخاص في جانب الموضوع له، وإن كانت قابلة بعد ذلك للتلبس بعدة هيئات»([691]).
وهذا المبنى متين جداً لو أمكن تصوّر المادة مجردة عن إحدى الهيئات.
وفي حدود إدراكي لم أستطع تصوّرها إلاّ ضمن هيئة معينة لأنّك متى ما جمعت هذه الحروف إلى بعضها من مجالات التصوّر كوّنت هيئة خاصّة.
أمّا تصوير النوعية في وضع الهيئات فأمره أوضح، لأنّ الهيئة غير قابلة للتصوّر بنفسها «بل إنّما يصحّ تصوّرها في مادة من مواد اللفظ كهيئة كلمة ضرب مثلاً وهي هيئة الفعل الماضي، فإنّ تصوّرها لا بدّ أن يكون في ضمن الضاد، والراء، والباء، أو في ضمن الفاء، والعين، واللام في فعل».
«ولمّا كانت المواد غير محصورة، ولا يمكن تصوّر جميعها فلا بدّ من الإشارة إلى إفرادها بعنوان عام فيضع كلّ هيئة تكون على زنة فعل مثلاً أو زنة فاعل، أو غيرهما، ويتوصل إلى تصوّر ذلك العام بوجود الهيئة في إحدى المواد كمادة فعل التي جرت الاصطلاحات عليها عند أهل العربية»([692]).
ويكون هذا النوع من الوضع كالوضع العام والموضوع له الخاص بالنسبة للمعنى الموضوع له.
تقسيم الوضع النوعي
وقد قسموا الوضع النوعي في الهيئات إلى قسمين:
1 ـ وضع الهيئات في المفرد.
2 ـ وضع الهيئات التركيبية.
ومثلوا للأوّل منهما بوضع الهيئات في المشتقات، وللثاني بوضع الهيئات التركيبية بين المبتدأ والخبر لحمل شيء على شيء ووضع تقديم ما حقّه التأخير في إفادة الاختصاص، وهكذا.
وقد تساءلوا بعد ذلك عن وجود وضع آخر أسموه بوضع المركبات، أو الجمل وراء وضع الهيئات، وقد نفاه كلّ من الرازي، وابن الحاجب([693]) «قالوا ليس المركب بموضوع، وإلاّ لتوقف استعمال الجمل على النقل عن العرب كالمفردات»([694]).
«ورجح القرافي والتاج السبكي وغيرهما من أهل الأصول أنّه موضوع لأنّ العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات»([695]).
والذي عليه جلّ من نعرف من الأصوليين المحدّثين إنكار مثل هذا الوضع لإيمانهم بعدم الحاجة إلى الالتزام بوضع زائد على ما تنطوي عليه الجملة من مواد وهيئات استوفاها الوضعان الشخصي والنوعي.
فالقول بأنّ الجملة موضوعة بوضع جديد وراء أوضاع مفرداتها وهيئاتها لا يعرف له وجه.
ودعوى أنّ العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات صحيحة جداً، ولكنّها لا تفيد أكثر من حضرها استحداث هيئات تركيبية جديدة.
وهذا أجنبي عن المدعى، وهو وجود وضع للجمل زائداً على وضع المفردات والهيئات.
وقد حوّل الشيخ محمد رضا المظفر النزاع بين الأعلام إلى نزاع لفظي بعد أنّ وجّه كلام كلّ منهما بما لا يتنافى مع الآخر يقول: «ولعل من ذهب إلى وضعها ـ يعني الجمل ـ أراد به وضع الهيئات التركيبية لا الجملة بأسرها بموادها، وهيئاتها زيادة على وضع أجزائها فيعود النزاع لفظياً»([696]).
وهذا التوجيه لا يبعد أن يكون مراداً للقائلين بالتركيب، وليس في كلامهم ما يأباه، وإن لم يدل عليه بظاهره.
الوضع وعلقة المجاز
وممّا فرع على الوضع النوعي رأي الجمهور في «أنّ المجاز موضوع بالوضع التأويلي النوعي، وأنّ صحته متوقفة على نقل النوع من دون حاجة إلى نقل الآحاد»([697]).
وذلك بأن «تنص العرب نصاً كلياً على جواز إطلاق الاسم الحقيقي على كلّ ما كان بينه وبينه علاقة، منصوص عليها من قبلهم»([698]).
والعلائق التي ادُعي أنّها منصوصة بلغ بها القدامى إلى خمس وعشرين علاقة، وبلغ بها السيد إلى إحدى وثلاثين([699]).
وقد استعرض منها الشيخ عبد الحسين الرشتي ما ذكره القدامى، ومثل له، نذكرها بشيء من التصرّف.
1 ـ تسمية الشيء باسم سببه، نحو: رعينا الغيث.
2 ـ تسمية الشيء باسم مسببه، نحو: أمطرت السماء نباتاً.
3 ـ تسمية الكل باسم جزئه، كتسمية الربيئة بالعين.
4 ـ تسمية الجزء باسم كلّه، كتسمية الأنامل في الآية باسم الأصابع([700]).
5 ـ تسمية الشيء باسم ما كان عليه، كتسمية البالغين باسم اليتامى في القرآن الكريم.
6 ـ تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كإطلاق الخمر على العنب في قوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}([701]).
7 ـ تسمية الشيء باسم محله، كقوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ}([702]).
8 ـ تسمية المحل باسم الحال فيه، كإطلاق رحمة الله على الجنة في القرآن الكريم.
9 ـ تسمية الشيء باسم آلته، كإطلاق اللسان على الذكر الحسن.
10 ـ تسمية الشيء باسم المشبه به، كإطلاق الأسد على الرجل الشجاع.
11 ـ تسمية المقيد باسم المطلق، كإطلاق كلمة اليوم على يوم القيامة.
12 ـ تسمية المطلق باسم المقيد، كإطلاق العلم على القدر الجامع بين اليقين، والاعتقاد الراجح.
13 ـ إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كإطلاق كثير الرماد على الجواد.
14 ـ إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق شد الإزار على اعتزال النساء.
15 ـ استعمال الخاص في العام، كإطلاق النحويين مثلاً وإرادة مطلق العلماء.
16 ـ استعمال العام، وإرادة الخاص، كإطلاق العلماء وإرادة خصوص النحويين منهم.
17 ـ حذف المضاف تجوزاً، كسؤال القرية، وإرادة أهلها.
18 ـ حذف المضاف إليه، كقوله أنا ابن جلا أي ابن رجل متصف بكونه جلا.
19 ـ إطلاق الشيء وإرادة مجاوره، كما في نحو جرى الميزاب.
20 ـ ذكر المبدل وإرادة البدل، نحو: فلان آكل الدم أي الدية التي تعطى بدله.
21 ـ استعمال النكرة المثبتة في العموم، نحو قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}([703]).
22 ـ استعمال المعرف باللام في المفرد، نحو: ادخلوا الباب.
23 ـ الحذف في غير ما ذكر، نحو قوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا}([704]) أي لئلا تضلوا.
24 ـ الزيادة، نحو قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}([705]).
25 ـ استعمال الضد في الضد، نحو قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ}([706]).
والذي يبدو من استعراض هذه الأقسام أنّهم أرادوا بالمجاز في المفرد، والنسبة، والكناية، وأوقفوا صحة الاستعمال في الجميع على النقل، وألزموا بالتقيد في مجالات الاستعمال بها أو بما يصحّ نقله من غيرها، ولم يرخصوا باستحداث علائق جديدة.
ولكن بعض محققي الأصوليين([707]) من أقطاب مدرسة النجف الأشرف الحديث أنكروا أن يكون المصحح للاستعمال هو النقل، واعتبروا للطبع دوره في إحداث هذه العلائق واستحداث نظائرها حتّى بالنسبة إلى الذين استعملوها من العرب، أو غيرهم.
ومن هنا اختلفت العلائق باختلاف طباع الناس وأذواقهم لأنّ الذوق يتأطّر غالباً بالأطر الزمانية والمكانية ويتأثّر بها، وما أكثر ما يستمد واقعه من محتوياتها الحضارية.
ولهذا رأينا أنّ كثيراً من الاستعارات التي كانت تستساغ في يوم ما ويتذوقها الرأي العام لم تعد لها اليوم مكانتها السابقة، وربّما هُجرت نهائياً في ألسنة البلغاء اليوم، وما نستسيغه اليوم منها قد لا يستسيغه أبناؤنا غداً، وهكذا.
فلو كان المنشأ في تحديد العلائق هو الوضع، لما كان لنا التصرّف بها سائغاً بحال، ولاعتبرت الاستعمالات الخارجية عن إطارها غلطاً لا يمكن الركون إليه.
وهذا ما يأبى الإيمان به لما حفل به تأريخ النقد الأدبي من تسجيل التطوّرات البلاغية عبر العصور، وعدم التقيد بما وجدوه من علائق مأثورة.
فالتقيد بعدد العلائق، وبنوعية خاصّة منها لا يستند إلى أساس علمي.
مصادر العلم بالوضع
وهذا البحث من أهم ما حفلت به بحوث المدخل من أصالة وعمق، وعلى الأخلص ما ورد منه على ألسنة المتأخرين من أعلام الأصوليين، وثمراته في المجالات اللغوية من أوسع الثمرات.
وحسبه أن يوفّر الركائز الأساسية للتعرّف على المداليل اللغوية، وتمييز ما وضع منها، أو استعمل مجازاً، ويضعها أمام الباحثين من أرباب المعاجم اللغوية وغيرهم.
وخلاصة ما ذكره أنّ مصادر العلم بالوضع أربعة:
1 ـ تنصيص الواضع.
ـ التبادر.
3 ـ صحة الحمل وعدم صحة السلب.
4 ـ الاطراد.
تنصيص الواضع
ويراد به تصريح الواضع «بأنّ اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني»([708]).
وربّما استفيد التنصيص من الجمع بين نصين للواضع بحكم العقل كما إذا قال: إنّ الجمع المُعرف يدخله الاستثناء، وقال: إنّ الاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ، فحينئذ يستدل بهذين النقلين على أنّ صيغ الجمع للعموم([709]).
والنص من قِبل الواضع قد يسمع مشافهة كما هو الشأن في كثير من الأوضاع التي تنهض بها المجامع اللغوية اليوم.
وقد يستدل عليه بإحدى وسائل التأدية الموجبة للعلم، أو للوثوق والاطمئنان كما هو الشأن في النقل المتواتر، ونقل الثقات من الآحاد.
حجية النقل المتواتر أوضح من أن يتحدّث عنها لانتهائها إلى العلم بالوضع، والعلم من الحجج الذاتية التي لا تقبل التشريع في رفعها بحال.
أمّا الآحاد فقد اعتبروا في حجيّتها شروط اختلفوا في عددها قلّة وكثرة حتّى وصل بها الزركشي إلى خمسة([710]).
والضابط الذي أعطاه ابن الأنباري للصحيح من اللغة كما يؤخذ من كلامه هو: «ما اتّصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه على حد الصحيح من الحديث»([711]).
والمقياس الذي انتهينا إليه في الحجيّة هو: وثاقة الناقل وخبرته، وهما كافيان في تحصيل الاطمئنان لسلامة ما يؤدّيه من نقل، وهو أساس الحجية في مثلها.
أمّا العدالة التي اعتبرها ابن الأنباري فليس لدينا ما يلزم به من الأدلة.
ولنا في كتابنا (الأصول العامة للفقه المقارن) حديث حول اعتبار هذا الشرط وعدمه([712])، يمكن الرجوع إليه لتبين وجه المسألة فيه.
التبادر
أمّا التبادر ـ وهو المصدر الثاني للعلم بالوضع ـ فقد جاء في تحديده كما في حقائق الأصول للسيد محسن الحكيم أنّه، «عبارة عن انسباق المعنى من اللفظ بحيث يكون سماع اللفظ موجباً لحضور المعنى في الذهن»([713]).
والغرض ـ فيما يبدو ـ من ذكر هذا القيد (بحيث يكون) إخراج ما إذا كان الانسباق وليد قرينة خاصّة تتصل باللفظ لا من اللفظ نفسه.
والسر في دلالته على العلم بالوضع أنّ هذا الانسباق لا بدّ له من سبب، والأسباب المتصوّرة لا تخرج في واقعها عن أربعة:
1 ـ الترابط الذاتي بين اللفظ والمعنى.
2 ـ الوضع واقعاً.
3 ـ القرينة.
4 ـ العلم بالوضع.
فإذا فرض أنّ الترابط الذاتي لا أساس له كما سبق شرحه، والوضع بوجوده الواقعي لا يسبب الانسباق إلى المعنى الموضوع له، وإلاّ لكان مجرد وجوده في الواقع كافياً للعلم به لدى كلّ أحد وهو ضروري البطلان، والقرينة مفروض عدمها.
فإذا امتنعت هذه الأسباب الثلاثة لإحداث الانسباق تعين السبب الرابع، وهو العلم بالوضع.
والظاهر أنّ جلّ الرادة الأوائل من علماء اللغة كانوا يعتمدون هذا المصدر من أهم مصادرهم لتشخيص المعاني الحقيقية للألفاظ، وعلى الأخص هؤلاء الذين كانوا يجوبون البوادي في سبيل التماس الألفاظ اللغوية، وتشخيص مداليلها الحقيقية، إذ لا وسيلة لهم في الغالب إلاّ هذا النوع من الانسباق.
وإلاّ فمن البعيد جداً أن يسألوا الأعرابي مثلاً عن معنى (الرواية) وهم يرون استعمالها لديه في معناها مجردة عن القرينة وتبادر معنى (الجمل) منها لدى سامعيها.
بل لا طريق للأعرابي إلى العلم بالوضع ـ لو قدّر له أن يسأل ـ إلاّ هذا النوع من التبادر الناشئ عن أخذه اللغة من أبويه تلقيناً، ومحاكاة غير واعية، توجب له مثل هذا الانسباق.
وبهذا ندرك أنّ التبادر الذي يفيد العلم بالوضع على نوعين:
أولهما: التبادر الذي يحصل لأهل اللغة أنفسهم ويشهده المستعلم فيحكم على أساس تبادرهم بالوضع بعد إحرازه أنّ التبادر كان من اللفظ لا من قرينة، ويحصل ذلك بتكرّر الاستعمال في حالات مختلفة، ومشاهدته له.
ثانيهما: التبادر الذي يحصل للإنسان نفسه شريطة أن يكون من أهل اللغة أو ممّن مارسها ممارسة طويلة.
وقد أورد على النوع الثاني من التبادر بلزوم الدور، وقرّبه الشيخ محمد كاظم الخراساني في كفاية الأصول ثمّ دفعه بقوله: «لا يقال كيف يكون علامة مع توقفه على العلم بأنّه موضع له ـ كما هو واضح ـ فلو كان العلم به موقوفاً عليه لدار فإنّه يقال الموقوف عليه غير الموقوف عليه، فإنّ العلم التفصيلي بكونه موضوعاً له موقوف على التبادر وهو موقوف على العلم الإجمالي الارتكازي به لا التفصيلي فلا دور»([714]).
وكأنّه يريد من العلم الإجمالي الارتكازي ذلك الترابط بين اللفظ والمعنى الذي يقوم في أعماق الإنسان نتيجة لتكرر سماعه لهذا النوع من الاستعمال كما هو الشأن في الأطفال الذين يحدث هذا النوع من الترابط بين الألفاظ في نفوسهم دون أن يدركوا السر فيه.
فالترابط الارتكازي في الحقيقة هو السر في إحداث التبادر والانسباق، وما يحدثه التبادر هو العلم التفصيلي بالوضع.
وبهذا يتضح اندفاع الدور لأنّ ما توقف عليه التبادر هو الترابط الارتكازي لا العلم بالوضع، وإنّ سمي بالعلم بالوضع تسامحاً، والذي توقف على التبادر هو العلم التفصيلي بالوضع، بأحدهما غير الآخر بداهة، ومع اختلافهما حقيقة يرتفع الدور.
ومن الجدير بالذكر أن ننبِّه على أن تبادرنا نحن لا يكشف عن وضع الكلمة في أصل اللغة للمعنى المتبادر، وغاية ما يكشف عنه أنّ اللفظ مستعمل في المعنى الحقيقي في عرفنا اليوم، ولذلك احتاجوا إلى ضميمة أصالة عدم النقل لتصحيح نسبة معنى الكلمة المتبادرة إلى العرب السابقين.
كما أنّ هذا الأصل يحتاج إليه حتّى أمثال الأصمعي من الرادة الأوائل لإثبات أنّ الكلمة المتبادرة لديه لا تحمل معنى حادثاً وضعه الأعراب المحدثون الذين أخذ عنهم مدلول هذه الكلمة من طريق التبادر.
صحة الحمل وعدم صحة السلب
ويراد بصحة الحمل: أن يوضع المعنى الذي يراد استكشاف وضع كلمة ما له موضوعاً ثمّ تحمل عليه الكلمة بما لها من معنى مرتكز، أو تسلب عنه، فإذا صحّ الحمل ولم يصحّ السلب كشف ذلك عن وضع الكلمة له.
فإذا شككنا مثلاً في وضع كلمة إنسان لمدلول كلمة بشر، نأتي بكلمة بشر فنجعلها موضوعاً ونحمل عليها كلمة إنسان، أو نسلبها عنها فنقول: البشر إنسان، أو ليس بإنسان، فإذا صحّ الحمل ولم يصحّ السلب حكمنا بالوضع، وإلاّ فلا.
وهذه الدعوى سليمة جداً، ولكن على سبيل الموجبة الجزئية، وتفصيل الحديث فيها أنّ العلماء قسموا الحمل إلى قسمين:
1 ـ الحمل الأوّلي الذاتي
وأرادوا به: حمل شيء على شيء متحد معه مفهوماً، ويسمّى بحمل (هو، هو) لأنّ أحدهما عين الآخر من جميع الجهات إلاّ من ناحية الغموض والخفاء المصحّحة للحمل، ويقع غالباً في الحدود التامة، وفي حمل أحد المترادفين على الآخر.
2 ـ الحمل الشايع الصناعي
ويراد به: حمل شيء على شيء آخر متحد معه وجوداً كحمل الكليات على أفرادها، وسمّي بالحمل الشايع الصناعي لشيوعه في أكثر أقيسة الصناعات وبراهينها.
وصحّة الحمل الكاشفة عن الوضع إنّما هي في خصوص القسم الأوّل، أعني الحمل الأوّلي الذاتي.
أمّا الحمل الشايع الصناعي فلا يكشف عن أكثر من صدق المحمول على موضوعه حقيقة، وهذا ما يقتضيه الاتحاد الخارجي بينهما، لا الوضع؛ لأنّ ملاكه الاتحاد المفهومي، وهو غير متوفر في الحمل الشايع كما هو واضح.
نعم ربّما «يستعلم منه تعيين حال الموضوع له مثلما إذا كان الشك في وضعه لمعنى عام أو خاص كلفظ (الصعيد) المردّد بين أن يكون موضوعاً لمطلق وجه الأرض، أو لخصوص التراب الخالص، فإذا وجدنا صحة الحمل، وعدم صحة السلب بالقياس إلى غير التراب الخالص من مصاديق الأرض يعلم بالقهر تعيين وضعه لعموم الارض»([715]).
بقي شيء أورد به على هذا المصدر للعلم بالوضع، هو لزوم الدور بنحو ما أورد على المصدر السابق، والجواب عليه هو نفس ذلك الجواب فلا نطيل بعرضه أشكالاً ومناقشة.
الاطراد
والمراد به أن يتعدّد استعمال اللفظ في المعنى المشكوك وضعه له مجرداً عن جميع الخصوصيات التي يحتمل دخلها في صحة الاستعمال.
فإذا اطرد كشف عن وضعه لذلك المعنى بنحو ما يكشف عنه التبادر وصحة الحمل.
ولعل الكثير من اكتشافات اللغويين إنّما تستند إلى هذا المصدر بالذات. فلا حاجة إلى إيرادها ومناقشتها.
وقد ذكروا بعض الإيرادات على مصدرية الاطراد لا نراها واردة على ما اخترناه من التعريف.
المعنى الحرفي
وهو موضوع وجدتُ لدى بعض علماء الفلسفة والأصول وبخاصّة المحدّثين منهم من الاهتمام به ما لم أجده لدى كثير من علماء اللغة والنحو والبلاغة مع قربه من طبيعة اختصاصهم.
وهذا لا يقلّل من أهمية بعض ما عثرت عليه من لمعات رائعة لدى قسم منهم أمثال السكاكي، والتفتازاني، والمحقق الجرجاني، ونجم الأئمة الاسترابادي، وعبد الرحمن الجامي وغيرهم من الأعلام ممّن سيرد لهم ذكر في أثناء هذا الحديث، سواء ما يتعلق منها في تحقيق معنى الحرف، أم تعيين موقعه من أقسام الوضع.
تحديد موضع النزاع في الحروف
والحرف الذي نريد أن نتحدّث عنه ليس هو الحرف الذي يطلقه النحويون على ما يقابل الاسم والفعل، أي ما يكون موضوعاً بمادته وهيئته لمعنى مغاير لهما فحسب، أمثال حروف الجر، والتحضيض، والنفي، والاستفهام.
وإنّما نريد به الحرف بهذا المعنى وما يشبه من الأسماء التي ضمنت معنى الحرف، وأعطيت لذلك صفة البناء، ثمّ ما يشبهه من النسب، والهيئات على اختلافها وفاقاً لجملة من الفلاسفة والأصوليين أمثال: صدر المتألهين وغيره حيث ذهبوا إلى أنّ مداليل الحروف والأسماء المشابهة هي في إحداث الربط. والهيئات كلّها شيء واحد، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه من هذا الحديث.
والحديث بعد ذلك في الحروف متشعب جداً، وقد كتب فيه من قبل بعض الباحثين عشرات الصفحات، وألفت فيه رسائل مستقلة.
وقد لاحظت أنّ الاضطراب المنهجي قد دخل جملة من هذه البحوث، فتداخلت لذلك أقسام فصولها لديهم.
لذلك آثرت أنّ أخرج على طبيعة ما وضعوه من نهج، فأوزع الحديث عنه إلى ثلاثة فصول مترتبة.
الفصل الأوّل: يتحدّث عن التساؤل الذي أثير حول وجود معنى للحرف وعدمه.
الفصل الثاني: يتحدّث عن طبيعة ذلك المعنى ـ لو وجد ـ وعن علاقة اللفظ به من حيث الحكاية أو الإيجاد، أي أنّ الواضع حين وضع اللفظ له وضعه ليكون حاكياً عنه أو أداة لإيجاده.
الفصل الثالث: يتحدّث عن كيفية ذلك الوضع ومن أي أقسامه هو والأقسام هي:
1 ـ الوضع العام والموضوع له العام.
2 ـ الوضع العام والموضوع له الخاص.
3 ـ الوضع الخاص والموضوع له الخاص.
الحرف والمعنى
فقد اختلفت كلماتهم فيه، فالذي ينسب لنجم الأئمة الرضي ـ من أعلام النحويين ـ أنّه ينفي في أحد قوليه في شرح الكافية([716])، وجود المعنى الحرفي ويعتبر الحروف بمنزلة الأعلام المنصوبة لتشير إلى المعنى في مدخولها.
وخالفه في ذلك جملة ممّن وقفت على حديثه من علماء النحو، والبلاغة، والفلسفة، والأصول، ممّن تأخّر عنه.
أمّا السابقون عليه فلم أجد ـ في حدود تبعي ـ من ذهب إلى ذلك. والظاهر أنّ منشأ هذه النسبة كلام ورد له ـ أعني الرضي ـ يوهم بظاهره ذلك، وبخاصّة إذا اقتطع عمّا قبله من كلام.
ولكن التأمّل في كلامه مجتمعاً ينفي ـ فيما أتخيّل ـ هذا التوهم عنه، فهو بعد أن يحدّد الحرف بقوله إنّه «كلمة دلّت على معنى ثابت في غيرها». ويقرِّب هذا المعنى بالأمثلة يقول بالنص «فمعنى من ولفظ الابتداء سواء، إلاّ أنّ الفرق بينهما: أنّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ الآخر فيضاف ذلك المضمون إلى معنى اللفظ» فلهذا جاز الإخبار عن لفظ (الابتداء) نحو: الابتداء خير من الانتهاء، ولم يجز الإخبار عن (من) لأنّ الابتداء الذي هو مدلولها في لفظ آخر فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه بل في لفظ غيره وإنّما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقة».
«فالحرف وحده لا معنى له أصلاً إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدل على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما فإذا أفرد عن ذلك الشيء بقي غير دال على معنى أصلاً، فظهر بهذا أنّ المعنى الإفرادي للاسم والفعل في أنفسهما وللحرف في غيره»([717]).
وموضع التوهّم في هذا النص تشبيهه الحرف بالعلم المنصوب بلحاظ أنّ كلاً منهما لا معنى له أصلاً.
وهذا التوهم قائم فعلاً لو قدّر للنص أن يقتطع عن سابقه ويقرأ منفرداً. أمّا إذا وضع في موضعه من الكلام اتّضح له في التشبيه وجه آخر، فهو في الوقت الذي يرى فيه أنّ للحرف معنى، يرى أنّ معناه قائم في الغير، وليس للفظه استقلال في الدلالة عليه، فلو جيء بالحرف منفرداً لانعدمت دلالته كالعلم، فوجه الشبه بينه وبين العلم خلوّه عن المعنى عند الانفراد لا مطلقاً كما تصرّح به كلمته «فالحرف وحده لا معنى له أصلاً» تأمّلوا كلمة «وحده» ففيها يندفع ذلك التوهّم.
وعلى هذا فالقول بأنّ الحرف لا معنى له لا نعرف له قائلاً، فلا يستحق أن يطال فيه الحديث.
وحسبنا في عدم الاطمئنان إليه تبادر المعاني الحرفية من الحروف، وعدم إمكان الالتزام بأن ما تدخل عليه من الأسماء لا يستعمل إلاّ مجازاً دائماً، إذ استعمال هذه الأسماء بحكم ضميمة ما يدعى من معاني الحروف إليها إنّما يكون في المعنى الخاص، وهو غير ما وضعت له، فيلزم التجوّز فيها على كلّ حال، وهذا ما لا يمكن الالتزام فيه.
وإذا صحّ أنّ للحروف معانٍ فقد وقع التساؤل عن طبيعتها.
طبيعة المعاني الحرفية
وقد اختلفوا في الإجابة عن التساؤل عن طبيعة ذلك المعنى وتولدت لذلك أقوال أهمها أربعة.
القول الأول: اتحاد معانيها مع الأسماء.
وهذا القول هو الذي ذهب إليه الرضي وفي النص الذي نقلناه قبل لحظات عن شرح الكافية قوله: «فمعنى من والابتداء سواء وهو صريح في وحدتهما من حيث المعنى».
وتابعه من الأصوليين الشيخ محمد كاظم الخراساني في كفاية الأصول([718]).
وقد نوقش هذا الرأي بعدّة مناقشات أهمها:
أ ـ ما عقب به الجرجاني ـ من النحويين ـ على قول الرضي في تعليقه على الشرح المذكور يقول: «هذا باطل قطعاً إذ لو كان معناهما واحداً لصحّ الإخبار عن (من) كما صحّ عن معنى الابتداء»([719]).
وقد تنبّه الرضي لهذا الإشكال ودفعه عن نفسه ـ كما مرّ في النص السابق ـ وحاصل ما ذكره أنّ كلمة (من) إنّما لا يصحّ الإخبار عنها لأنّ «الابتداء الذي هو مدلولها في لفظ آخر، فكيف أخبر عن لفظ ليس معناه فيه» بخلاف لفظ الابتداء فإنّه حامل لمعناه بنفسه فلذا صحّ الإخبار عن أحدهما ولم يصحّ عن الآخر.
ولكن هذا الفارق ـ فيما يبدو ـ لا يصلح لدفع الإشكال المذكور، لوضوح امتناع صحة الإخبار عن كلمة (من) حتّى مع ذكر مدخولها معها حيث يوجد معناها فيه. فلا يصحّ أن يقال مثلاً (من البصرة) خير من (إليها) إذا لم تفرد (من) في هذا الحال ليتم له القول إنّ الحرف إذا أفرد لا معنى له ومع استكمال معناها بذكر الغير فلا محذور في الإخبار عنها والوجدان يشهد بخلافه كما هو واضح.
ب ـ من ناقش به السكاكي ـ وهو من علماء البلاغة ـ هذا الرأي بقوله: «ولو كان الابتداء والانتهاء والظرفية معاني من، وإلى، وفي ـ مع أنّ الابتداء، والانتهاء، والظرفية، أسماء ـ لكانت هي أيضاً أسماء؛ لأنّ الكلمة إذا سمّيت اسماً، سمّيت لمعنى الاسمية فيها»([720]) وكأن دفع الاسمية عنها بحكم عدّها في مقابل الأسماء من أوضح الأمور.
ج ـ ما ورد على ألسنة جملة من الأصوليين: من أنّ معانيها لو كانت متحدة لصحّ استعمال الحروف مكان الأسماء وبالعكس شأن كلّ مترادفين، فيقال في مثال: سرت من بغداد إلى القاهرة، سرت ابتداء بغداد انتهاء تعريف قاهرة، وعدم الصحة في هذا من ضروريات كلّ من يتكلم اللغة العربية.
وقد دفع هذا الإشكال بما دفع به سابقه من اعتبار شرط الواضع «بدعوى أنّ الواضع اشترط في دلالة (من) على معناه ذكر متعلقه ولم يشترط ذلك في الابتداء»([721]).
إلاّ أنّ هذا الدفع غير واضح للتساؤلات التي أثارها هذا الشرط عن الواضع من هو؟ وكيف بلغ إلينا شرطه؟ وما الملزم به إذا لم يوجب اشتراطه خصوصية في المعنى توجب افتراق أحدهما عن الآخر كما هو الفرض؟
ومخالفة الشرط ـ لو وجد ـ لا توجب أكثر من التمرّد على المشترط، واستحقاق العقوبة منه لو كان ممّن له إيقاع العقوبات. لا الغلط في الكلام، لبداهة أنّ المقياس في الغلط استعمال اللفظ في غير ما وضع له مع عدم المناسبة، والاستعمال هنا في تمام ما وضع له من دون فارق في المعنى ـ كما افترضوه ـ فلماذا أوجب استعماله الغلط؟. فالقول بأنّ أحدهما عين الآخر في المعنى لا يتّضح له وجه.
القول الثاني: اعتبار المعاني الحرفية تضييقات في المعاني الاسمية، وقد قرّب هذا المعنى بعض الأعلام الأصوليين بقوله: «إنّ كلّ اسم له سعة وإطلاق بالإضافة إلى الحصص التي تحته سواء كان الإطلاق بالقياس إلى الخصوصيات المنوعة أو المصنفة أو المشخصة أو بالقياس إلى حالات شخص واحد».
«ومن الضروري أنّ غرض المتكلم كما يتعلق بإفادة المفهوم على إطلاقه وسعته كذلك قد يتعلق بإفادة حصة خاصّة منه كما في قولك: الصلاة في المسجد حكمها كذا، وحيث إنّ حصص المعنى الواحد فضلاً عن المعاني الكثيرة غير متناهية، فلا بدّ للواضع الحكيم من وضع ما يوجب تخصّص المعنى وتقييده، وليس ذلك إلاّ الحروف والهيئات الدالّة على النسب الناقصة كهيئات المشتقات، وهيئة الإضافة أو التوصيف. فكلمة (في) في قولنا «الصلاة في المسجد» لا تدل على أنّ المراد من الصلاة ليس هي الطبيعة السارية إلى كلّ فرد، بل خصوص حصة منها سواء تلك الحصة موجودة في الخارج أم معدومة ممكنة أم ممتنعة»([722]).
وهذا المعنى ـ في حدود ما أفهمه ـ غير واضح لديّ وجهه، إذ لو كانت الحروف موضوعة لتضييق مدخولاتها لأمكن أن يحل المعنى المضيق ـ بما يدل عليه ـ محل الحرف ومدخوله، كأن نقول في المثال الذي ذكره وهو الصلاة في المسجد حكمها كذا: صلاة معرفة، مسجد معرف مظروف حكمها كذا.
وهذا النوع من الاستعمال واضح البطلان.
القول الثالث: اعتبار المعنى الحرفي من قبيل الوجود العارض، وهو ما ذهب إليه بعض المحققين([723]) كما يبدو ذلك من ظاهر عبارته التي حكاها عنه عبد الرحمن الجامي في الفوائد الضيائية يقول: «كما أنّ في الخارج موجوداً قائماً بذاته، وموجوداً قائماً بغيره. كذلك في الذهن معقول هو مدرك قصداً ملحوظ في ذاته يصلح أن يحكم عليه وبه، ومعقول هو مدرك تبعاً وآلة لملاحظة غيره فلا يصلح لشيء منهما» إلى أنّ يقول: «والحاصل أنّ لفظ (الابتداء) موضوع لمعنى كلي، ولفظة (من) موضوع لكلّ واحد عن جزئياته المخصوصة المتعلقة من حيث إنّها حالات لمتعلقاتها وآلات لتعرف أحوالها»([724]).
فمن تشبيهها بالوجود القائم بالغير واعتبارها حالات لمتعلقاتها يتضح معنى ما يريده هذا المحقق.
وقد تبنّى هذا الرأي وبرهن عليه الشيخ آغا ضياء العراقي ـ وهو من أساتذة الأصول المحدّثين في مدرسة النجف الأشرف وتقريبه كما جاء في كتاب منتهى الأصول ـ «إنّ الوجود الممكن كما أنّه في الخارج على قسمين: الأوّل وهو الجوهر أعني الموجود المستقل الذي لا يحتاج في وجوده إلى موضوع.
والثاني وهو العرض أعني: الموجود غير المستقل الذي يحتاج في وجوده إلى موضوع، بل وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه.
كذلك المفاهيم الذهنية في الذهن على قسمين: قسم من قبيل الجواهر الخارجية، أي يوجد في الذهن مستقلاً من دون حاجة إلى مفهوم آخر، وذلك كلفظة الابتداء والانتهاء والاستعلاء وغيرها من مفاهيم الأسماء فإنّها في عالم اللحاظ تلاحظ مستقلة سواء لوحظ معها شيء آخر أم لا».
«وقسم آخر حالها حال الأعراض الخارجية، كما أنّ الأعراض لا يمكن أن توجد في الخارج مستقلة وفي غير موضوع، وإنّما هي نعوت وصفات لغيرها ووجوداتها في نفسها عين وجوداتها لموضوعاتها، كذلك هناك مفاهيم لا يمكن أن توجد إلاّ حالة لمدخولاتها. فمفهوم «من» مثلاً ليس هو في الذهن طبيعة الابتداء التي يمكن أن يخبر عنها تلاحظ مستقلة، بل الابتداء الذي هو حالة لبصرة أو غيرهما من مدخولات هذه الكلمة، ولذلك لا يمكن أن يخبر عنه ولا به عن شيء»([725]).
ويقول بعد ذلك هذا هو المراد من قولهم إنّ الحرف ما دلّ على معنى في غيره، وبعبارة أخرى المعنى الحرفي من قبيل الوجود الرابطي، لا الوجود النفسي، ولا الرابط كما اصطلح عليه بعض المحققين»([726]).
وموضع المفارقة في هذا الرأي أنّ اعتباره من قبيل الوجود الرابطي لا يمنع من صحة الإخبار به وعنه كما هو الشأن في الأعراض الخارجية، ومن إدراكنا لعدم الصحة ندرك أنّهما مختلفان في السنخ.
وفي كتاب منتهى الأصول أجاب على رأي المحقق المذكور بأنّه «لو كان من سنخ الأعراض لما كان محتاجاً إلاّ إلى طرف واحد لا إلى الطرفين والوجدان يحكم باحتياجها (أي الحروف) إلى الطرفين»([727]).
وهذا الجواب ليس بواضح المراد، لأنّ الأعراض قد تتقوم بطرفين كما هو الشأن في مقولات المعنى والإضافة والأين.
هذا، وقد صوّر رأي المحقق المذكور بصور أخرى على ألسنة بعض محرري بحثه وهي أوضح في مفارقاتها من هذه الصورة وقد زاد في بعضها التفرقة بين الحروف والهيئات باعتبار الأولى من قبيل الأعراض لحكايتها عن الأعراض الخارجية والأخرى من قبيل الروابط، وستتضح أوجه المفارقة في هذه التفرقة في الحديث عن المعنى الرابع.
القول الرابع: اعتبارها معبّرة عن النسب والروابط القائمة بين الجواهر والأعراض وقد اعتبر الشيخ محمد حسين الأصفهاني ـ وهو من محققي الفلاسفة المتأخرين في النجف الأشرف ـ وجودها أضعف مراتب الوجود «حيث لا يمكن وجودها لا في الخارج ولا في الذهن من حيث هي هي مع قطع النظر عن الطرفين، فلهذا لا تندرج تحت مقولة من المقولات لأنّ المقولة لا بدّ أن تكون طبيعة محمولة»([728]).
ولتحقيق هذا الموجود الرابط الذي اعتبر الحرف موضوعاً للتعبير عنه وتعيين موقعه من مراتب الموجودات، وبيان السر في اعتباره أضعفها على الإطلاق، نعرض بشيء من الحديث لهذه الأقسام.
ذكر بعض الفلاسفة للموجودات أقساماً أربعة:
القسم الأوّل: ما عبّر عنه بالموجود في نفسه لنفسه بنفسه.
وأرادوا به ما كان له استقلال في عالمه، ويمكن تصوّره إجمالاً على نحو الاستقلال تبعاً لوجوده المستقل.
وهو في وجوده قائم بذاته غير مفتقر إلى وجود آخر يتقوَّم به ولا إلى علة توجده.
وينحصر هذا القسم في واجب الوجود الذي تميز بالكمال المطلق فكان لذلك أشرف الموجودات لعدم تسرّب الحاجة إليه بحال.
القسم الثاني: ما عبّر عنه بالموجود في نفسه لنفسه بغيره.
وهو منحصر بالجوهر من الموجودات الممكنة، حيث كان له استقلاله في الوجود واستقلاله تبعاً لذلك في مجالات التصوّر، كما أنّ له تقوّماً بنفسه لعدم احتياجه إلى محل يتقوّم به وإن كان محتاجاً في أصل وجوده ـ بحكم طبيعة الإمكان فيه ـ إلى علّة توجده.
ومن هنا دخلته مرتبة من الضعف أخرته عن القسم الأوّل من الموجودات.
القسم الثالث: ما عبّر عنه بالموجود في نفسه لغيره بغيره.
وينحصر في الممكنات في العرض وهو كسابقه في استقلاله بالوجود وبالتصوّر، وباحتياجه إلى علّة توجده إلاّ أنّه يضيف احتياجاً آخر إلى ذلك الاحتياج، وهو حاجته إلى عرض يتقوم به، ومن هنا كان أضعف مرتبة من سابقه.
القسم الرابع: ما عبّر عنه بالموجود لا في نفسه ولغيره بغيره، وهذا القسم لا استقلال له في الوجود ولا في التصوّر، فهو يشارك العرض في الاحتياج إلى الغير تقوّماً وتعليلاً، وإن خالفه في الاستقلال وعدمه، إذ لا استقلال له في الوجود ولا في التصوّر.
وهذا النوع من الوجود هو الذي أسموه بالوجود الرابط، ووضعت له الحروف فيما يرى أصحاب هذا الرأي وهم الكثرة من المحققين.
وربما أوضح هذا المعنى السيد أبو البقاء في كتابه المعروف بـ «كليات أبي البقاء» يقول: «والصواب أنّ المعنى الذي وضع له الحرف سواء كان نسبة أو مستلزماً لها، هو المعين بتعيين لا يحصل في الذهن إلاّ بذكر المتعلق، مثلاً: (ليت) موضوع لكلّ فرد معيَّن من التمنِّيات التي تتعيّن بالمتعلقات، مثل زيد قائم، فلا بدّ من ذكره. وهذا معنى ما قيل إنّ الحرف وضع باعتبار معنى عام هو نوع من النسبة والنسبة لا تتعيّن إلاّ بالمنسوب إليه فما لم يذكر متعلق الحرف لا يتحصل فرد من ذلك النوع. وهو مدلول الحرف لا في العقل ولا في الخارج وإنّما يتحصّل بتعلّقه فيتعقل بتعقله».
ثمّ يقول: «فقد ظهر أنّ ذكر متعلق الحرف إنّما هو لقصور في معناه لامتناع حصوله في الذهن بدون متعلق، واعتبر مثل هذا في الابتداء ولفظة «من»([729]).
ثمّ عرض إلى التفرقة بينه وبين قسم من الأعراض التي تشتبه مفاهيمها به، كبعض الأعراض التي قيل إنّها متقومة بطرفين: «وأمّا نحو (ذو) و(فوق) فهو موضوع لذات ما باعتبار نسبة مطلقة كالصحبة والفوقية لها نسبة تقييدية إليها فليس في مفهومه ما لا يتحصل إلاّ بذكر متعلقه، بل هو مستقل بالتعقل، والحرف من حيث هو حرف له ماهية معلومة متميزة عمّا عداها فكلّ ما كان ذلك صحّ الإخبار بكونه ممتازاً عن غيره»([730]).
فهو إذاً نحو من الموجود له ماهيته التي تميّزه عن غيره وإن كان غير مستقل في نفسه، لضعف هذا النوع من الموجود احتاج إلى أن يستدل على أصل وجوده من جهة وعلى عدم استقلاله من جهة أخرى.
أمّا أصل وجوده في مقابل العرض والجوهر، فيدل عليه ما ندركه في أنفسنا أحياناً من تيقننا بوجود جوهر وعرض ما، ثمّ نشك في نسبة ذلك العرض إلى الجوهر المذكور، كما لو علمنا بوجود محمد مثلاً، وعلمنا بوجود قيام ما، ثمّ شككنا في نسبة ذلك القيام إلى محمد.
واستحالة تعلّق الشك واليقين في شيء واحد من جميع الجهات من أوضح الأمور، فلا بدّ أن يفترض أنّ متعلق الشك غير متعلق اليقين. وأنّ هناك وجوداً لكلّ منهما يختلف عن الآخر.
والقول بأنّ متعلق اليقين والشك قد يكون شيئاً واحداً مع اختلاف الحيثية يؤكد ما ذهبنا إليه، ولا يدفعه لبداهة أنّ قيد الحيثية منوّع ومعدّد فالإنسان من حيث كونه طبيعة سارية غير متشخص في فرد.
ولهذا لا يمنع من تعلق اليقين بوجود الكلي في موضع، مع الشك في وجود مصداق معين عن مصاديقه، كزيد؛ لأنّ متعلق اليقين كلّي الإنسان، ومتعلق الشك التشخصات الخاصّة به.
وأمّا الدليل على عدم استقلاله فقد قرّبه بعض الأعلام بقوله «لو كان للنسب والروابط وجودات استقلالية للزم وجود الرابط بينها وبين موضوعاتها فننقل الكلام إلى ذلك الرابط، والمفروض أنّه موجود مستقل، فلا بدّ له من رابط أيضاً، وهكذا ننقل الكلام إلى هذا الرابط فيلزم التسلسل، وهو باطل، فيعلم من ذلك أنّ وجود الروابط والنسب في حدّ ذاته متعلق بالغير»([731]).
والإنسان كما يحتاج إلى التعبير عن تلكم الموجودات المستقلة يحتاج إلى التعبير عمّا يحدث الربط بينها. وليس عندنا فيما وضعه الواضعون غير الحروف وما يرجع إليها من الهيئات.
ونظراً لاختلاف جهات الربط من حيث المعنى احتجنا إلى تعدّد الحروف والهيئات تبعاً لما يوجبه ذاك الاختلاف.
فإذا قلت مثلاً: ركبت الطائرة من بغداد إلى القاهرة لطلب العلم، فهنا عندنا عدّة نسب بعضها صدورية وبعضها وقوعية وثالثة ابتدائية ورابعة انتهائية وخامسة سببية وسادسة ظرفية.
وقد عبرت عن بعضها الهيئات كالنسبة الصدورية والوقوعية في (ركبت الطائرة) كما عبّر في بعضها الآخر ما أسماه النحويون بالحروف كمن وإلى واللام في بقية الروابط.
ومن هنا تتضح وحدة الحروف والهيئات من حيث السنخ فكلاهما موضوع للموجود بالمعنى الرابع وإن اختلفت في كيفية الوضع، لأنّ الحروف موضوعة بالوضع الشخصي أي أنّها موضوعة بمادتها وهيئتها بخلاف الهيئات فإنّها موضوعة بالوضع النوعي فقط.
وهذه الروابط على اختلافها مترتبة في الغالب، أي أنّ بعضها متأخر في الرتبة في مجالات وضعه عن الآخر.
وقد صوّر هذا المعنى الشيخ محمد حسين النائيني، وهو من أقطاب المدرسة الحديثة في علم الأصول في النجف الأشرف ـ بقوله: «لما كان قيام العرض بموضوعه وعينية وجوده لوجوده فرع وجوده بداهة أنّ وجوده لنفسه كان عين وجوده لموضوعه، ومن المعلوم أنّ عينية الوجود لموضوعه متأخر بالرتبة عن أصل وجوده. كان أوّل نسبة تحدث هي النسبة الفاعلية التي هي واقعة في رتبة الصدور والوجود إذ الفاعل ما كان يوجد عنه الفعل على اختلاف الأفعال الصادرة عنه فنسبة الفعل إلى الفاعل هي أوّل النسب، ومن ذلك تحصل الأفعال الثلاثة من الماضي والمضارع والأمر على ما هي عليها من الاختلاف، إلاّ أنّ الجميع يشترك في كون النسبة فيه نسبة التحقق والصدور وإيجاد المبدأ، فهذه أوّل نسبة تحدث بين العرض والموضوع، ثمّ بعد ذلك تحدث نسبة المشتق لأنّ المشتق إنّما يتولد من قيام العرض بالموضوع والاتحاد في الوجود الموجب للحمل فيقال: زيد ضارب».
«ومن المعلوم أنّ هذا الاتحاد لامكان صدور الضرب عنه، فالنسبة الأولية الحادثة هي النسبة الفاعلية، وفي الرتبة الثانية تحدث نسبة المشتق، ثمّ بعد ذلك تصل النوبة إلى نسبة الملابسات من المفاعيل الخمسة من حيث إنّ وقوع الفعل من الفاعل لا بدّ أن يكون في زمان خاص ومكان مخصوص في حالة خاصّة».
«فالنسبة الحاصلة بين الفعل وملابساته إنّما هي بعد نسبة الفعل إلى الفاعل وقيامه به واتحاده معه المصحح للحمل»([732]).
وإذا صحّ ما انتهينا إليه من أنّ للحرف معنى، وأنّه من نوع الموجود الرابط، عدنا إلى التساؤل عن علاقة اللفظ به، وهل أنّها علاقة حكاية، أو أنّها علاقة إيجاد.
والذي يبدو من مختلف تعاريفهم له أنّ العلماء مختلفون في ذلك فبعضهم يرى أنّ للمعنى الحرفي واقعاً سابقاً على اللفظ، وأنّ الحرف إنّما وضع ليدل عليه، فقد جاء في بعض تلك التعاريف «إنّ الحرف ما دلّ على معنى ثابت في لفظ غيره» وهو الذي ذكره التفتازاني في المطول([733]).
أوّ أنّه «ما دلّ على معنى غير مستقل بالمفهومية» كما ذكره أستاذنا السيد محسن الحكيم (قدس سره) في حقائق الأصول([734]).
أمّا البعض الآخر فقد اعتبر المعنى الحرفي لاحقاً للفظ ومعلولاً له كما جاء في تعريف منتقى الجمان له بأنّه «دالّة موجود لمعناه في لفظ غيره»([735]) وتبنّى مضمون هذا التعريف الرضي في شرحه للكافية حيث صرّح بأنّ «الحرف موجد لمعناه في غيره»([736]).
وهناك رأي للشيخ محمد تقي صاحب الحاشية (قدس سره) على كتاب معالم الأصول، فيه تفصيل بين الحروف، حيث ذهب إلى أنّ بعضها حاكية ، وبعضها موجدة. ومثل للموجدة منها بحروف النداء، والتمني، والترجي، وما إليها واعتبر ما عداها حاكية.
والواقع أنّ دعوى كون الحروف أو بعضها إيجادية إذا أريد بها ظاهرها، لا يتضح لها وجه، وعلى الأخص إذا أريد من إيجادية الحرف للمعنى في موطن الاستعمال فحسب، كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمد حسين النائيني (قدس سرّه) ـ فيما يحكى عنه ـ باعتقاد «أنّ المعاني الحرفية لا تقرّر في وعاء أوعية الواقع أو الاعتبار إلاّ في ذلك الموطن، ولازم ذلك أنّ حدوثها يدور مدار الاستعمال وبقاءها مدار بقائه»([737]).
وأهم ما قربت به هذه الدعوى هو أنّ «مفاهيم أجزاء الجمل ـ تامة كانت أو ناقصة، اسمية أو فعلية، خبرية أو إنشائية، ما عدا الحروف التي فيها وهيئاتها ـ مفاهيم بسيطة مستقلة في الأذهان غير مرتبطة بعضها ببعض فلو لم توجد غيباً بواسطة الحروف والهيئات تلك النسب والارتباطات كانت أموراً متباينة دائماً»([738])، فكيف يتحقق ويتشكل منها كلام؛ لأنّ الكلام لا بدّ أن تكون أجزاؤه مرتبطة بعضها ببعض»([739]).
ولكن هذا التقريب غاية ما يثبت أنّ معاني الحروف موجدة للربط بين المفاهيم الاسمية في الذهن، لا أنّها موجدة لها في مواطن الاستعمال فحسب لأنّ الكلام النفسي سابق في الرتبة على رتبة التعبير عنه، فلا بدّ أن يفترض أنّ هناك رابطاً قائماً بين أجزائه قبل الاستعمال، وربّما كان هذا هو مراد التعريف المنسوب للإمام علي (عليه السلام):
«الحرف ما أوجد معنى في غيره».
والحقيقة التي أتخيل أنّنا ندركها جميعاً عند الرجوع إلى واقعنا النفسي هي أنّنا لا نستطيع أن نتكلم في جملة ما إلاّ بعد تصوّر مدلولها بتمام أجزائه بما فيه الروابط الخاصّة.
وعلى هذا فالارتباط لا بدّ أن يفترض قيامه قبل الاستعمال، وألفاظ الحروف إنّما وجدت للتعبير عنه.
نعم تصوُّر هذا الارتباط إنّما يكون تبعاً لتصوّر أطرافه لعدم استقلاله بالمفهومية.
بقي التساؤل عن كيفية الوضع والإجابة عليه هي موضوع الفصل الآتي.
كيفية الوضع
وكيفية الوضع هذه تختلف باختلاف الأقوال السابقة، فبعضها ينتهي إلى الوضع العام والموضوع له العام. والآخر ينتهي إلى الوضع العام والموضوع له الخاص.
ونظراً لضيق أمد المقال عن استعراض هذه الأقوال وأدلتها وما يترتب عليها من ثمرات تتصل بصحة الاستعمالات المجازية في الحروف وعدمها، كما تتصل بالقول بإمكان دلالة الفعل على الزمان وعدمه، إلى ثمرات أخرى تذكر في هذا المجال، فإنّنا نكتفي بتقريب وجهة نظرنا في ذلك في ضوء ما انتهينا إليه من معاني الحروف، ونترك مناقشة بقية الآراء وعرض الثمرات إلى فرصة أخرى.
وخلاصة ما انتهينا إليه أنّ الموضوع له في الحروف خاص والوضع عام.
أمّا كون الموضوع له خاصاً فلبداهة أنّ هذه النسبة والروابط القائمة بين الجواهر والأعراض لا يمكن لنا أن نتصوّر لها قدراً جامعاً، لوضوح أنّ أي قدر جامع يمكن تصوّره يكون له نوع من الاستقلال والوجود في نفسه.
وقد سبق أنّ قلنا إنّ المعنى الحرفي لا استقلال له في الوجود، فهو مباين للموجودات الأخرى، فلا يعقل أن يكون القدر الجامع لمصاديقه عن تلك المفاهيم المباينة لها حتّى يوضع اللفظ له، فلا بدّ إذاً أن يكون الوضع لنفس تلك الجزئيات.
وبما أنّ تلك الجزئيات لا يمكن استيعابها تصوّراً في مجال الوضع لاستحالة حضورها جميعاً مع أطرافها في نفس الواضع في آن واحد، كان عليه أن يتصوّرها بوجه من وجوهها والتعرّف عليها عن طريق ذلك الوجه.
وبالطبع إنّ نسبة هذا الوجه إليها نسبة العنوان إلى معنونه، لا الكلي إلى مصداقه، والعنوان لا يشترط فيه أن يكون من سنخ المعنون، ليقال كيف يمكن أن يكون معرفاً لها وهو غير موجود فيها، إذ ما أكثر العناوين التي تباين في سنخها واقع معنوناتها، فنحن مثلاً نخبر عن المفهوم الجزئي بأنّه المفهوم الذي لا ينطبق على كثيرين مع أنّ مفهوم الجزئي كلي لانطباقه على كلّ الجزئيات، ونخبر عن (قام) بأنّها فعل ماض، مع أنّ قام في الجملة اسم لا فعل، ولذلك صحّ الإخبار عنها.
وسر الصحة في سلامة هذا التعبير: أنّ الإخبار لم يكن عن هذه العناوين وإنّما كان عمّا تنطبق عليه من معنونات، وقد اعتبرت هي بمنزلة المرآة الكاشفة عنها.
وعلى هذا فلا مانع من أن تكون بعض المفاهيم الاسمية المستقلة التي تلابس هذه الارتباطات الخاصّة وجوهاً وعناوين لها، ويكون الوضع للمعنونات كأن يتصوّر مفهوم الابتداء مثلاً ونضع الروابط الابتدائية بما لها من تشخصات.
محمد تقي الحكيم
الافتراء على الشيعة
الذي عليه معظم مؤرخي الفرق الإسلامية وأصحاب الملل والنحل، أنّ التشيع ـ بشكل عام ـ إن في المجال العقدي أو التشريعي، ظلّ محلاً للبدع ومأوى «للضلالات» الوافدة؛ عبر الترجمة أو بواسطة الاحتكاك، بالفلسفة الإغريقية والمدارس الإشراقية التي ازدهرت في الإسكندرية، وذلك التيار الغنوصي والهرمسي، الذي أمدت به المزدكية الإيرانية الفكر العربي والإسلامي، خلال العصر العباسي؛ عصر سلطة الخراسانيين. لكن وعلى الرغم من هذه الهجمة الواسعة التي ساهم في عميقها جمهرة من العلماء، وأيضاً الخلفاء، الذين احتفظوا بعدائهم الشديد، للشيعة، نجد هؤلاء ـ ورغماً عن كلّ ذلك ـ تمكّنوا من الاستمرار في الوجود بإصرار نادر وعزيمة فذّة([740]). وخلافاً للكثير من الفرق التي اندرست والتهمها النسيان من جرّاء الحصار والتهميش المفروضين، حقّق الشيعة انتصارات مماحكاتية على خصومهم من خلال تراث كامل من التعاليم التي مسّت جميع مناحي المعرفة مزوّدة بوسائل الدفاع والاحتجاج وإتقان دقيق لأساليب الجدل والمناظرة. غير أنّ قراءة سريعة في التراث المذهبي المرتبط بالعقيدة الشيعية، تكشف عن أنّها كانت تتأثّر بمسار تاريخي، امتزج فيه العنصر السياسي بالعنصرين الثقافي والروحي. اقتضى أن يكون الشيعة في أغلب أطوار وجودهم التاريخي، وأكثر المراحل تفاعلاً وعطاءً، أنصاراً للفلسفة والنزعات العقلية. ولا شك فيما يعنيه هذا الاحتضان من أهمية تاريخية على صعيد الانقسامات التي شهدتها البنية الأيديولوجية والمذهبية للمسلمين؛ فقد كانت الفلسفة، وهي آخر محطة انتهى إليها علم الكلام، أساساً فكرياً ورافداً ثورياً لدى القوى التراثية المعارضة.
وبما أنّ الشيعة، مثّلوا على طول الخط، تلك الفئة المضطهدة، الأكثر تضرّراً وانقهاراً، وبالتالي الأكثر حركية وتفاعلاً مع الأوضاع السياسية، فإنّ انتصارهم للفلسفة([741])، وهي استجابة تنطوي على موقف عقلاني، أعمل الشيعة كامل وسعهم لغاية تجذيره في تراثهم المعرفي، انتهى إلى الاستقلال بها حتّى عن حدود علم الكلام الذي كان قد استنفذ أغراضه وأمسى حبيس قيوده، حيث استطاع الأشاعرة ـ فيما بعد ـ استثمارها لصالح تدمير إحدى أهم الأسس التي انبنى عليها علم الكلام والفلسفة، ألا وهو العقل. وقد كان لاحتضان الشيعة للفلسفة، مغزى تاريخياً وسياسياً، فضلاً عن كونه حاجة ابستيمولوجية، فرضته ضرورة مواجهة كيانات سياسية متشبعة بثقافة الجبر، ومؤدلجة بالفكر الأشعري أو السلفي المعارضين للعقلانية. فالفلسفة، إذن، ـ سواء عنينا بها الوافد، الأجنبي أو ذلك المعطى الفلسفي النابع من طبيعة تعاليم أئمتهم ـ وفي ضوء المعطى التاريخي، الذي واجهه الشيعة، كانت حاجة تاريخية ـ أيضاً ـ وإطاراً مكّن الشيعة من تطويق الكيان السياسي ومحاصرته معرفياً وثقافياً. فهي ـ أي الفلسفة ـ وسيلة تسخيرية، وموقع يملك الكثير من الإمكانات الفكرية والنظرية لتأسيس المذهب على قوالب أكثر انضباطاً وانتظاماً؛ وفوق هذا وذاك، استطاع الشيعة أن يعتمدوا على رهان المنهج والنظام والعقل، الأمر الذي منح مذهبهم شكلاً عقلانياً وبناء نسقياً. لولا أنّ الطبيعة المأساوية، التي لم تبرح العقل الشيعي المناضل، وجدت في تلك المقابسات الثقافية التي أنتجها العصر العباسي، خير معين لتقوية الموقع الدراماتيكي الذي يسم الفكر الشيعي، بمزيد من النزعات الإشراقية والأفلاطونية المحدثة، كإطار يخوّلها نوعاً من الاندماج والتعايش الداخلي، بين بُعد الفكر وبُعد المعاش… فظروف الاضطهاد ومحنة الإبادة، ستنتهي إلى مسلك الإخفاء والتكتم ـ تقية ـ ممّا يعني خلق راموز تداولي ـ مفارق ـ للتعبير عن الممنوع واللامفكر فيه، وهو ما يعني بالنتيجة، «تصويفاً» لتراث مضطهد تسوده لغة التأويل.
وممّا لا شك فيه، أنّ الحملات التي تولاّها فريق من المؤرخين، بصفتهم يمثلون مؤسسة معرفية ذات أهمية قصوى في صوغ وتوجيه خطاب السلطة، خلال العصور الإسلامية المديدة، كانت قد خلفت آثارها على جميع من اهتم بعد ذلك بالتاريخ السياسي والفكري لهذه الفرقة، خصوصاً وأنّ الكتابة التاريخية كانت قد شهدت محددات منهجية انتظمت فيها مصادر التلقي، فأصبحت معايير الجودة في التدوين والإخبار راجعة إلى الذيوع، وهو ما كان متيسراً لجماعة من المؤرخين ساهمت ظروف ما في تبويئهم هذه المواقع المتقدمة على صعيد الشهرة. في حين تمّ حصار أو تغييب المؤرخ المنتمي إلى خط المعارضة، مهما بلغت قدراته ومهاراته التي لا تقل عن نظرائه من مؤرخي السلطة.
ونواجه المشكلة ذاتها في الكتابة التاريخية التي تولاها مستشرقون محدثون، وأيضاً بعض المؤرخين والمفكرين المعاصرين من العرب، الذين اتبعوا الطرائق التقليدية نفسها أو الأسلوب الانتقائي نفسه، ممّا جعلهم يميزون حتّى بين مصادر التحليل التاريخي عند المستشرقين… ذلك أنّ الاستشراق لم يكن يمثّل بوجه عام، بنية موحدة أو تنويعة على ثوابت ميتافيزيقية حاكمة على العقل الأوروبي، كما نحى بعض نقاد الاستشراق من العرب([742])، ولكنّه خبرة مختلفة على صعيد الرؤية والاستيعاب. من هنا لا نجازف، إذا ما أشرنا إلى تحرّر بعض من أولئك المستشرقين، من ضغطة التراث الرسمي، لينفذوا بالدراسة والبحث المعمق والاحتكاك المباشر بالوثائق والمدونات الشيعية، ليقفوا على حقائق ظلّت حتّى حين، مهملة أو غير مفكر فيها، وانتهوا إلى نتائج جديدة ومهمة. هذا إنّما يدلّ على أنّ أزمة الخطاب التاريخي العربي كانت قد تجلّت على الرغم من كبرياء عقل الاستشراق الأوروبي وضخامة إمكاناته الابستمولوجية وأجهزته المفاهيمية الغنية ـ في صميم الكتابة الاستشراقية ذاتها. وقد تجلّى ذلك بوضح في ذلك الفارق الأساسي الذي نلحظه بين مختلف الأبحاث، عند جيب وهنري وكوربان وبرنار لويس… إنّ طائفة من المستشرقين استطاعوا، ليس فقط التميّز عن نظرائهم الأوروبيين في البحث والدرس، بل استطاعوا حلّ هذه الأزمة المزمنة في الخطاب التاريخي العربي، بحيث توصلوا إلى وضع اللمسات على كثير من الحقائق التاريخية الخاصّة بالتشيع، إن على الصعيد الفكري أو السياسي. هذا بعد أن أصبح أمر الوثيقة الشيعية متعسراً على الباحثين، بحكم الظروف التاريخية التي أحاطت بالشيعة، وغياب الوثيقة الشيعية بفعل ارتباطها بالحركات السرية ومفهوم النخبة والحجاب والتقية، وما إليها من مفاهيم ومفردات يصعب الإمساك بحقيقتها ويتعسر معها ظهور الوثيقة. ويؤكد على هذه المشكلة التاريخية، أغلب الذين كتبوا عن الشيعة، من المستشرقين، سواء برنارد لويس أو كوربان. ولعله من المفيد، التعرّض لتلك المحنة التي واجهت الشيعة باضطهاد جديد، أو ما يمكن وصفه بأخطر أنواع الاضطهاد، ألا وهو الاضطهاد المعرفي، حيث يتم تزوير وتحريف وتشويه تاريخهم وتراثهم، ونعتهم بما من شأنه تعميق عزلتهم وهي عملية تواطأ فيها جيل كامل من الكتّاب القدماء، وورثها عنهم فريق من المستشرقين، خصوصاً الطبقة الأولى منهم. وسوف يعمل على استثمارها جيل جديد من المعاصرين العرب. فقد قامت الكتب القديمة بتأسيس خطاب تقليدي، آزر السلطة في إقصاء الوجود الشيعي كما ساهم في صنع تلك الصورة المشوبة بكلّ أشكال القدح، والتجديف ضد التشيع! وبفعل تجذّر هذه الرؤية، أصبح من الطبيعي أن تتحصّن كلّ المواقع العلمية من الخطر الشيعي من التاريخ والفقه وعلم الحديث… ممّا يدل على أنّ هناك عنصراً تآمرياً ظلّ يعمل في تواطؤ مع كلّ مكوّنات المجتمع السياسي، للقيام بالدور نفسه، ألا وهو اغتيال، كلّ محاولة شيعية للاختراق. لذلك أخرجوا الشيعة من الإجماع، ووصفوهم بالكفر والزندقة.
غير أنّ التشيع استطاع النفاذ إلى تلك المجالات التي كان أهل السنّة قد رفضوها وحاربوها، كالفلسفة والتصوّف… وتركوا آثارهم واضحة عليها. بل حتّى على صعيد الرواية، يتّضح ذلك جلياً في طرائق الجرح والتعديل كما تأصّلت في الدراية السنيّة وعلم الرجال؛ فقد كان من دأب بعض المحدثين ـ مع وجود الاستثناء ـ أن يجرحوا في الراوي الرافضي، لمجرد انتمائه. لا نستطيع هنا تعميم هذا الموقف على عموم رواة الأخبار، إذ هنالك منهم من التزم بطرائق التجريح والتعديل، وتمكّن من الفصل ما بين عنصر الثقة في الراوي وبين ميولاته المذهبية، وذلك نلحظه جلياً عن بعض علماء الحديث كالذهبي صاحب كتاب «الاعتدال»، على الرغم من مواقفهم المتعصبة والشديدة على الشيعة. فمثلاً، نجد صاحب التهذيب يورد قول ابن عدي في شأن الراوي الشيعي «أجلح أبو حجية الكندي»: «أجلح شيعي صدوق […] أجلح له أحاديث صالحة ويروي عنه الكوفيون وغيرهم، ولم أر له حديثاً منكراً مجاوزاً للحدّ، لا إسناداً ولا متناً إلاّ أنّه من شيعة الكوفة وهو عندي صدوق»([743]).
ويذكر الجوزجاني في شأن سعيد بن كثير: «سعيد بن كثير فيه غير لون من البدع، وكان مخلطاً غير ثقة»([744]). وحينما نستبين الأسباب الكامنة وراء هذا الحكم من خلال كلام لابن حجر، نجده يقول: «سعيد ابن كثير بن عفر رمي بالتشيع»([745]).
لكنّنا نواجه نوعاً آخر من مدوني الأخبار، حملوا حملات قاسية على الشيعة، واذكر منهم صاحب الصواعق المحرقة ـ ابن حجر الهيثمي ـ المتوفى سنة 974هـ؛ فقد أورد في كتابه ـ الصواعق المحرقة ـ أخباراً غريبة، مثل حديثه المرفوع الذي يقول فيه: «يكون في آخر الزمان قوم يسمّون الرافضة، يرفضون الإسلام فاقتلوهم فإنّهم مشركون»([746]).
وبذلك يصنّفهم في عداد المشركين، وما يعني ذلك عند محدث فقيه، من إحلال دمهم وأموالهم، بالأحرى أن يكونوا موضع ثقة لرواية الأخبار. لكنّنا، وعلى الرغم من ذلك الحصار الذي فرضه مدونو الأخبار على الرواية الشيعية، نجد مدوناتهم غاصة بالكثير من هذه المرويات، كما نجد ضمن رجالهم، رجالاً عرفوا بالميل إلى التشيع… إذ لا مندوحة أمامهم للأخذ بها، بل لعله لم يكن في وسعهم سوى ذلك، مخافة اندراس الخبر. فابن الخطيب البغدادي، يفسّر قول علي بن المديني: لو تركت أهل الكوفة لذلك الراي، يعني التشيع، خربت الكتب… يقول (ابن الخطيب): «قوله خربت الكتب يعني لذهب الحديث»([747]).
لقد ظلّت كلمة «رافضي» تحمل شحنة خاصّة لدى الكثير من المتحاملين على الشيعة، وأكثر في ذلك العوام، حتّى غدت كلمة «الرافضي» عبارة قدحية لا تحمل أي مضمون لدى العامة، ممّا دعا علي بن عيسى إلى القول: «لو سئلوا عن معنى الرفض لما عرفوا»، بل هذا ما دعا أحد مؤسسي إحدى المذاهب الأربعة، الشافعي للقول:
«إنّ كان رفضاً حب آل محمد
فليشهد الثقلان أنّي رافضي»
وقد ذهب ضحية هذه الحملة الكاسحة رواة أخبار من أهل السنّة أنفسهم، مثل الطبري والنسائي، هذا الأخير الذي اتّهم بالتشيع في الشام، لمّا ألّف كتاب «خصائص الإمام علي» ورفضه الكتابة عن معاوية، بل اتّهم بالتشيع في الحديث من قبل البعض، كابن عبد البر. وقد تكرّر ذلك في كتابات المتقدمين بشكل يوحي بأنّ الشيعة أصبحوا يمثلون الوجه الآخر للكفر والشرك… على الرغم من أنّ بعض كتاب السير والفهارس، كانوا قد كلفوا أنفسهم بعض العناء في سبيل التمييز بين أنواعهم وطبقاتهم كما نلاحظ ذلك عند ابن النديم وابن خلكان… لقد بلغ البُغض ـ إذن ـ للشيعة حدّاً، حيث أصبح أمراً مستساغاً للإعلان عنه وكافياً للقدح فيهم؛ فنجد صدر الدين بن علي الحسيني، حينما يصف السلطان ركن الدين أبي الظفر بركيارق بن ملكشاه، في كتابه «أخبار الدولة السلجوقية» يقول: «[…] وكان حسن السيرة لما يصلح للسلطنة مواظباً على العدل والعمارة وحفظ بين المال والصدقة يرجع إلى التدين والقول حسن الاعتقاد كثير البغض للباطنية والروافض […]»([748]).
ولا يرى مؤرخ الدولة السلجوقية أي نقيصة في المقام، حينما يتعرّض لمسير ضياء الملك إلى «ألموت»، وما أحدثه من تدمير وإبادة للشيعة… «وفي سنة إحدى وخمس مائة سار ضياء الملك أحمد بن الوزير نظام الملك وزير السلطان ومعه الأمير جاولي إلى ألموت فهزموا الباطنية وقتلوا منهم مقتلة عظيمة»([749]).
ولم يكتف خصوم الشيعة بهذا، بل نلاحظ أنّ لفظة «رافضي» أصبحت تحمل مدلولاً تهكمياً باعثاً على السخرية، كما تفنن في جمع أخبارها صاحب «العقد الفريد» ابن عبد ربه… يقول: «قال لي الشعبي ـ وذكرنا الرافضة ـ: يا مالك إنّي درست الأهواء كلّها فلم أر قوماً أحمق من الرافضة، ثمّ قال: أحذرك الأهواء المضلة شرّها الرافضة، فإنّها يهود هذه الأمّة، يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله ولكن مقتاً بأهل الإسلام وبغياً عليهم»([750]).
كما يورد حكاية في باب كتاب الياقوتة في العلم والأدب من كتابه الأخير: قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: أخبرني رجل من رؤساء التجار قال: كان معنا في السفينة شيخ شرس الأخلاق، طويل الإطراق، وكان إذا ذكر له الشيعة غضب وأربد وجهه وزوى من حاجبيه، فقلت له يوماً: يرحمك الله، ما الذي تكرهه من الشيعة، فإنّي رأيتك إذا ذكروا غضبت وقبضت؟ قال: ما أكره منهم إلاّ هذه الشين في أوّل اسمهم، فإنّي لم أجدها قط إلاّ في كلّ شر وشؤم وشيطان وشعب وشقاء وشنار وشرر وشين وشوك وشكوى وشهرة وشتم وشح، قال أبو عثمان: فما ثبت لشيعي بعدها قائمة([751])!.
ونستطيع تبين محنة الشيعة في ظلّ هذه الحملة الواسعة على كيانهم، في أنّ الكذب الموجّه ضد الشيعة كاد يجد له ما يبرر مشروعيته. فقد كان أبو حيان التوحيدي وهو من قرن اسمه بمن وصفوا بالميل إلى الإلحاد والزندقة، كابن الراوندي وأبي العلاء المعري، يحاول تبرير كذبه في الرواية الذي شهد به محدّثون كثار، بأنّه إنّما كتبها ضد الرافضة… ومن هناك يذكر الذهبي قال جعفر بن يحيى الكحال، قول أبو نصر الشجري، له، بأنّه «سمع الماليني يقول: قرأت الرسالة ـ يعني المنسوبة إلى أبي بكر وعمر مع أبي عبيدة إلى علي (عليه السلام) علي أبي حيان، وقال:
هذه الرسالة عملتها ردّاً على الرافضة، وسببه أنّهم كانوا يحضرون مجلس بعض الوزراء، وكانوا يغلون في حال علي، فعملت هذه الرسالة»([752]).
لم تكن الرؤية النافذة والاقتدار العلمي كافيين لإزالة هذه الترسبات، التي تراكمت على الحقيقة الشيعية: إذ أنّ الكتابة التاريخية حتّى ذلك الحين، لم تكن قد ظفرت بموضوعيتها؛ لذا كان المذهب يحدّد وعي المؤرخ رغم كلّ محاولاته، للحرص على حياده. فلا عقلانية المعتزلة استطاعت أن تمنعهم من الوقوع في شراك النقوض التقليدية لأهل الأهواء والتعصب، ولا حيادية الطبري جعلته يقدم الأحداث دون التصرف فيها. ولا حاجة بعد ذلك إلى إيراد مثال آخر عن أبي حامد الغزالي وعبد الرحمن بن خلدون؛ هذان العالمان الأشعريان اللذان، على الرغم من نبوغهما العلمي المشهود وسعة اطلاعهما وذكائهما الكبير، وقعا في الطرائق التقليدية نفسها، التي كان منشؤها أوساط السلفية وأهل الحديث؛ دون أن يفوتهما الإسهام في تزييف الكثير من الحقائق التاريخية (ابن خلدون) أو الدخول في مماحكات غير منصفة (الغزالي). لقد استطاع ابن خلدون، أن يكشف عن مأزق الخطاب التاريخي العربي، غير أنّه ما أن تجاوز المقدمة حتّى كان أكثر تعصّباً من سابقيه، لطرائقهم التأريخية، على أنّ ابن خلدون كان أكثر جرأة من أسلافه، في إعادة كتابة التاريخ بالصيغة التي تعاكس طموحه العلمي، والمنهج النظري الذي اجترحه في المقدمة. وقد كشف الأسلوب الذي اتبعه ابن خلدون في سرد أخبار الشيعة ـ وهو أسلوب قدحي غارق في الطعون التقليدية ـ أنّه أحد رموز الاشعرية بامتياز. وهو الأمر نفسه بخصوص أبي حامد الغزالي الذي وظّف كلّ إمكانياته المعرفية في الانتصار إلى مذهب الفقهاء الأشعريين([753]). لا شك أنّ أقرب وصف يمكن نعت العالمين به، هو نفسه ما وصف به أبو القاسم البلخي الكعبي، ابن الراوندي؛ ـ كان علمهما أكثر من عقليهما.
إدريس هاني
ألموت
مرّ الحديث عنها في المجلد الخامس، وفيه إشارات إلى نصير الدين الطوسي. وقد قال العالم الفيزيائي أحمد فؤاد باشا أستاذ الفيزياء في كلية العلوم بجامعة القاهرة من مقال له في جريدة (الحياة) في عددها الصادر في 29 تشرين الأوّل سنة 1996 عن مساهمات العلماء المسلمين في تطوير البراهين الرياضية ـ قال وهو يتحدّث عن هندسة إقليدس في كتابه (الأصول الهندسية).
ثمّ جاء بعد ذلك نصير الدين الطوسي في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي وأظهر براعة فائقة في معالجة المسلمة الخامسة من مسلمات إقليدس وقدم برهاناً جديداً على أنّ مجموع زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فتداولته كتب الهندسة التي تدرس في جامعات العالم، وقال عنه المؤرخون إنّه بداية عصر جديد في علم الرياضيات الحديثة.
ويعترف المؤرخون للعلوم الرياضية بأنّ برهان نصير الدين الطوسي يعتبر نقطة التحوّل في تطوّر علم الهندسة وظهور الهندسات اللاإقليدية الجديدة التي تلعب الآن دوراً عظيماً في دراسة الفضاء الكوني وتفسيرات النظرية النسبية بعد أن تطوّرت على أيدي الروسي لوباتشوفسكي والألماني ريمان وغيرهما. ولا يزال هناك الكثير من النظريات والأفكار الهندسية التي تمّ الكشف عنها في ثنايا الكتب والمخطوطات التي تمّ تحقيقها، أو التي تنتظر جهود المخلصين من أهل الاختصاص للبحث عنها وتعريف الأجيال برواد العلم وصنّاعه الحقيقيين من نوابغ العرب والمسلمين.
الإمارات العربية المتحدة
مرّ الحديث عنها في مكانه. ونزيد على ما هنالك ما يلي:
دبي المتصاعدة
إنّ إمارة دبي، إحدى الإمارات السبع التي تتشكل منها دولة الإمارات، تمكّنت من تعزيز مكانتها الإقليمية بين مراكز الأعمال في الشرق الأوسط وأصبحت في موقع جعلها لأن تكون الخيار الأوّل للأعمال في المنطقة ومكاناً مفضلاً للشركات الدولية الراغبة في العمل في منطقة تمتد من غرب آسيا إلى شمال إفريقيا وشرقها.
وتقدّمت على مراكز الأعمال الباقية في المنطقة بمسافات بإطلاقها حزمة من المبادرات التي نفذتها في إطار مساعيها لتقليص الاعتماد على النفط الذي انخفضت عائداته بشدّة في الأعوام الأخيرة والتحوّل إلى القطاعات غير النفطية لتكون موارد رئيسة فاعلة في اقتصادها المحلي الذي ارتفع حجمه إلى 17 بليون دولار.
وقال محلل اقتصادي اعتقد جازماً «إنّ إمارة دبي التي لا تفرض أي نوع من الضرائب أصبحت الآن خارج إطار المنافسة بين مراكز الأعمال المهمة في المنطقة».
ولفت إلى أنّ تحوّل دبي إلى خيار رئيسي لمجتمع الأعمال الدولي المتواجد في الشرق الأوسط، لن يلغي الدور الذي تلعبه بيروت كمركز سياحي وترفيهي مهم وكذلك الدور الذي تقوم به المنامة كمركز مال يجمع عشرات المؤسسات المالية الإسلامية والدولية فيما يُعرف باسم «الأفشور» على رغم أنّ إمارة دبي وضعت ضمن استراتيجيتها أن تكون مركزاً للسياحة والمال أيضاً، وهي استراتيجية بدأت بتطبيقها أخيراً بالنسبة للمال وطبقتها سياحياً منذ منتصف العقد الماضي على الصعيد السياحي.
خور دبي
وعلى رغم أنّ عدد سكان الإمارة لا يتجاوز مليون نسمة إلاّ أنّ تجارتها الخارجية تصل إلى 25 بليون دولار سنوياً، وأصبحت تضم أكبر تجمّع لوكالات الإعلان في العالم العربي ويعمل فيها ما يزيد على 50 مصرفاً أجنبياً من خلال فروع ومكاتب تمثيلية وتستضيف كبريات الشركات الدولية العاملة في مختلف صنوف التجارة والصناعة الخدمية تستخدمها قاعدة انطلاق لها في الشرق الأوسط وهي تُعرف بالمركز الإقليمي للمعارض إذ تستضيف سنوياً ما يزيد على 100 معرض دولي إلى جانب عشرات المؤتمرات الدولية المتخصصة وتفضلها غالبية الشركات لإطلاق جديدها في الأسواق الإقليمية.
وتتميز الإمارة الساحلية عن غيرها من المراكز التي قد تشكّل منافساً لها بنواح عدّة أبرزها عمقها الاستراتيجي إذ تتوسط جغرافياً الإمارات المكوّنة لدولة الإمارات التي تملك ثالث أكبر احتياط نفطي في العالم ولديها ثالث أكبر اقتصاد عربي بعد السعودية ومصر بناتج يتجاوز 60 بليون دولار متمتعة باستقرار سياسي واقتصادي وأمني وتطبق أعلى درجات الحرية والانتفاح الاقتصادي. وتجعل التغييرات المتسارعة في المرافق الخدمية في الإمارة زوارها يلمسون بوضوح نوعية التغيير وسرعته في المشهد العمراني الكبير للمدينة إذ ترتفع في شوارعها الرئيسية وحتّى الفرعية مئات الرافعات الحديدية لإنجاز المشاريع التجارية منها والسياحية والخدمية والصناعية.
وتظهر المؤشرات الاقتصادية أنّ نجاح دبي في تنويع بنيتها الاقتصادية على مدى الأعوام الماضية أكسب اقتصادها قدراً أكبر من المرونة للتعامل مع التطوّرات غير المواتية في أي من القطاعات الرئيسية، فيما لم تعد معاناة قطاع رئيسي واحد من الركود بهيمنة الركود على الاقتصاد بأكمله إذ أظهرت تجربة الأعوام القليلة الماضية أنّ التأثير الإجمالي لأي قطاع منفرد على الاقتصادي ككل أصبح محدوداً.
ويعود سعي إمارة دبي إلى التحوّل إلى مركز دولي للأعمال في المنطقة إلى سبعينيات القرن الماضي عندما نفذت حزمة من المشاريع الاستراتيجية الهادفة إلى استقطاب الشركات الدولية، وكانت تلك المشاريع عملاقة بحيث أطلق البعض عليها مشاريع «الفيل الأبيض».
وتمثّلت المشاريع المحورية آنذاك بحوض دبي الجاف لإصلاح السفن العملاقة، ومركز دبي التجاري العالمي، الذي كان في وقته أعلى مبنى في الخليج وتحوّل فيما بعد ليضم أكبر صالات للمعارض في الشرق الأوسط، ومشروع مصهر «ألومينيوم دبي» الذي يتج الآن قرابة 600 ألف طن ويمثل أكبر مصهر منفرد للألومنيوم في العالم، إضافة أنّ المنطقة الحرّة في جبل علي باتت الآن واحة الاستثمار الأولى للأجانب في المنطقة بوجود ما يزيد على ألفي شركة فيها توظف استثمارات تُقدّر ببلايين عدّة من الدولارات.
فندق برج العرب وبعض مرافق شاطئ الجميرة في دبي
وفي النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي بدأت تلك المشاريع بالعمل، محققة نجاحاً ملحوظاً الأمر الذي دفع الحكومة إلى إجراء توسعات عدّة عليها. وفي مطلع التسعينات ركزت الحكومة جهودها على قطاعي الطيران والسفر، بعدما لقيت تجربة تأسيس شركة طيران وطنية «طيران الإمارات» نجاحاً كبيراً بنقلها ستة ملايين راكب عبر أسطول يضم 30 طائرة حديثة وتمّ إنشاء مجموعة واسعة من المرافق السياحية والفندقية التي اقترب عددها الآن من 300 فندق تصل طاقتها الاستيعابية إلى 30 ألف غرفة. في الوقت الذي تمّ فيه إنفاق مبالغ كبيرة لبناء مطار فاخر بات يتعامل سنوياً مع 14 مليون راكب ما يجعله أحد أكبر مطارات الشرق الأوسط استخداماً للركاب.
وفي نهاية العقد الماضي، وجدت الإمارة أنّ لغة العصر تغيّرت بسرعة مع الثورة التقنية وتغيّرت مفاهيم التخاطب بين القطاعين العام والخاص وتزايدت احتياجات المستثمرين فأطلقت مجموعة من المبادرات الاستراتيجية الهادفة إلى جعل دبي مواكبة لما يحدث في عالم الأعمال.
وتبنت مفهوم تحويل الاقتصاد من «تقليدي» إلى «معرفي» وعملت على تأسيس مدينة للتقنية كانت الأولى في المنطقة أطلق عليها اسم «مدينة دبي للإعلام» أصبحت الآن أكبر تجمع للتقنية في الشرق الأوسط بوجود 500 شركة فيها. ووجهت المؤسسات الحكومية إلى استخدام التقنية في تعاملاتها فكانت «الحكومة الإلكترونية ولحظت وجود هامش كبير تفتقده المؤسسات الإعلامية في العالم العربي للوجود في المنطقة، فعملت أيضاً على تأسيس مدينة دبي للإعلام التي ضمّت مجموعة كبيرة من المؤسسات الإعلامية العالمية والعربية.
في مقابل ذلك وجدت الإمارات أنّ بإمكانها لعب دور مهم في عالم المال، بعدما كان دورها يقتصر على عالم الأعمال، وأطلقت مبادرة جديدة تحتاج إلى وقت لاستكمالها تتمثّل في بناء مركز دبي المالي العالمي ليصبح مكاناً مناسباً للمؤسسات المالية الدولية للتواجد في المنطقة في محاولة للاستفادة من الفارق الزمني المتباعد في أسواق المال الدولية من طوكيو وهونغ كونغ في الشرق إلى لندن ونيويورك في الغرب.
وقال الرئيس التنفيذي لمدينتي دبي للإنترنت والإعلام: «قد يعتقد البعض أنّ الإمارة تُعلن مبادرات بين فترة وأخرى وفق دراسات آنية… لكن الحقيقة أنّ جميع المشاريع التي أعلنتها الإمارة في الأعوام الأخيرة تأتي في إطار استراتيجية شاملة وضعتها وفق دراسات خضعت لمراجعات عدّة، هدفها السعي لتنويع مصادر الدخل وجعلت الاقتصاد بعيداً عن مصدر واحد».
وأضاف: «لدينا الخطط والبرامج التي تعتزم الإمارة تنفيذها في السنوات المقبلة على مراحل تمتد حتّى سنة 2010، وجميعها مشاريع وبرامج تصف في اتجاه استراتيجية دبي الهادفة إلى رفع مستوى التنمية المحلية وتوفير ظروف أفضل لقطاع الأعمال ومواكبة المتغيرات الدولية المتسارعة».
وحدّدت الإمارة الخطوات التنفيذية لخطة تطوير دبي في السنوات العشر المقبلة بالتريكز على التطوير الدائم للقدرات الذاتية بهدف امتلاك أدوات القدرة على المنافسة في جميع المجالات وتحقيق تقدّم في مجال التكنولوجيا والاتصالات وطرح مزيد من المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية وتطوير قطاع الخدمات والاستثمار في التنمية البشرية والالتزام بالتنمية الاجتماعية وتحقيق الفاعلية في الإطار الاتحادي لدولة الإمارات بغرض تطوير القدرات الوطنية.
وقال مصرفي غربي «أمام هذه الحزم من التسهيلات والمزايا والرؤية الواضحة تبقى الإمارة خياراً مفضلاً للشركات الدولية والإقليمية لاتخاذها مركزاً لعملياتها في الشرق الأوسط وقاعدة انطلاق لأسواق في آسيا وإفريقيا يصل عدد سكانها إلى بليوني نسمة».
وقال مسؤول في إحدى الشركات المتعددة الجنسيات تتخذ شركته من دبي مقراً لعملياتها في الشرق الأوسط «دبي مكان مثالي لعمل الشركات وهي مدينة متكاملة نسبياً، فالحياة الاجتماعية فيها منفتحة تتيح لجنسيات ما يزيد على 125 دولة العيش بحرية… وأماكن الترفيه منتشرة طبقاً لمتطلبات الجميع واحتياجات التعليم متوافرة لشرائح المقيمين كافة».
وأضاف «من وجهة نظر(رجال) الأعمال، تكاليف التشغيل في دبي مناسبة والبيروقراطية الحكومية في أدنى مستوياتها وشبكة الاتصالات والطرق المتوافرة فيها توصل أي رجل أعمال إلى وجهته بسهولة… وخلال ساعات معدودة يمكنك الوصول إلى أي مدينة خليجية براً أو جواً».
أمّا مطارها الدولية فتستخدمه 90 شركة طيران تسيّر رحلات يومية منتظمة إلى جميع أنحاء العالم ويكفي القول إنّ عدد الرحلات الجوية المباشرة من دبي إلى بريطانيا مثلاً يفوق عدد الرحلات من جميع الدول العربية إلى لندن إذ يتجاوز إجماليها 14 رحلة يومياً نصفها تسيرها «طيران الإمارات».
وقال مصرفي أجنبي «دبي اشتهرت في العقود الماضية بكونها المركز الأكبر لتجارة إعادة التصدير وهو ما جعلها مركزاً مهماً للتجارة في المنطقة ما دفع عدداً كبيراً من رجال الأعمال والتجار من مختلف الجنسيات إلى التواجد فيها. وفي العقد الماضي انتقلت الإمارة للتحوّل إلى مركز خدمات إقليمي فوجدت فيها الشركات الأجنبية العملاقة والمتوسطة مكاناً مناسباً لتكون قاعدة إقليمية لعملياتها في الشرق الأوسط، استناداً إلى حزمة من التسهيلات التي وفّرتها الحكومة لقطاع الأعمال».
وتسعى إمارة دبي إلى تنفيذ مجموعة من المشاريع العمرانية والسياحية إذ أعلنت عن سلسلة من المشاريع العملاقة التي تنوي تنفيذها بالتعاون بين القطاعين الأهلي والعام وتُقدّر تكاليفها ببلايين الدولارات… وهي مشاريع من الضخامة بحيث يجعلها الأولى والأكبر من نوعها في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
وبدا واضحاً أنّ دبي حدّدت هدفها بدقة وانطلقت إلى تنفيذ الاستراتجيات لتحقيق هذا الهدف، كما يبدو واضحاً أنّ الهدف المحدّد هو إيجاد بدائل لمورد النفط الناضب من خلال تنويع مصادر الدخل.
وإلى جانب تحقيق هذا الهدف تركز الاستراتيجية التي تخطها الإمارة في المقام الأوّل على تعزيز دورها الذي اكتسبته العقد الماضي المتمثل في كونها المركز التجاري والخدمي والسياحي الرئيسي في الشرق الأوسط.
الأمكنة المغلطة أو كتاب في السفسطة للفارابي
توجد عدّة نسخ من هذه الرسالة:
في مكتبة مجلس الشورى الوطني برقم 595.
وفي المكتبة السليمانية (الحميدية) برقم 812/12.
وفي مكتبة كابل رقم 45 (217) 66.
وفي مكتبة براتسلاوا برقم 231/8.
تقسّم هذه الرسالة إلى ثلاثة فصول هي:
الفصل الأوّل: يشمل مقدمة الكتاب (في صدر الكتاب).
الفصل الثاني: «في إحصاء الأمكنة المغلطة من الألفاظ».
الفصل الثالث: «في إحصاء الأمكنة المغلطة من المعاني».
وتوجد لهذه الرسالة ترجمة عبرية من القرون الوسطى.
عماد الدين المراكشي كتب شرحاً على هذه الرسالة تحت عنوان شرح مختصر في السفسطة. توجد نسخ من هذا الشرح في المكتبة المركزية لجامعة طهران. ضمن الكتب المهداة من الأستاذ السيد محمد مشكاة.
الإنصاف والتحري
في دفع الظلم والتحري عن أبي العلاء المعري (كتاب).
مرّ الحديث عنه في المجلد السادس. وهنا تعريف بالمؤلف:
كمال الدين أبو القاسم عمر ابن أبي جرادة العقيلي الحلبي، المعروف بابن العديم([754])
من أدباء القرن السادس الهجري ومؤرخيه، تميز بشتى ألوان المعرفة، فكان أديباً وشاعراً وفقيهاً وسفيراً ومؤرخاً فذّاً.
وصفه ياقوت بقوله: إنّ الله عزَّ وجلَّ عنى بخلقته فأحسن خلقه وخلقه، وعقله وذهنه وذكاءه، وجعل همّته في العلوم ومعالي الأمور، فقرأ الأدب وأتقنه، ثمّ درس الفقه فأحسنه ونظم القريض فجوّده، وأنشأ النثر فزيّنه، وقرأ حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعرف علله ورجاله وتأويله وفروعه.
في هذه الخطوط السريعة التي رسمها ياقوت في معجم الأدباء، وهو من معاصريه، صور جلية عن عبقرية هذا الشاب الذي نشأ في بيت علم وأدب وفضل، فقد ظلّ هذا البيت يتوارث أفراده العلم أربعة قرون كاملة.
كان جدّه من سكان البصرة،نزح عنها بعد المئتين للهجرة في تجارة إلى الشام، وفي رواية أنّ طاعوناً نزل بالبصرة فخرج منها جماعة من بني عقيل وقدموا إلى الشام فاستوطن جدّهم الأكبر حلب.
ومنذ ذلك العهد، حتّى القرن السادس والسابع، والبلاد العربية تتحدّث عن هذه العائلة التي ضمّت الأدباء والشعراء والقضاة، كان آخرهم والد كمال الدين الذي ولي منصب قاضي القضاة. وكان قبلها خطيب القلعة في عهد نور الدين محمود زنكي، ثمّ خازن المملكة على أيام ولده الملك الصالح إسماعيل، ثمّ عزل من منصب قاضي القضاة لا لشيء إلاّ لأنّه «شيعي المذهب» فلم يؤثّر ذلك فيه لأنّ له من ثروته وجاهه وعلمه ما يغنيه عن التكسّب من مال الدولة فقبع في قصره يقطع الوقت بالمطالعة والدراسة والإشراف على أملاكه ومزارعه. وبينما هو في هذه الحياة الحرّة الطليقة من كلّ قيد، إذ بنبأ سار ترقص له القلوب، فقد انبثق فجر اليوم العاشر من شهر ذي الحجة سنة 588هـ عن مولود أشاع البشر في بيت آل العديم.
تقبّل القاضي والد كمال الدين، هذه البشرى برعشة المضطرب غير المطمئن، فقد أنعم الله عليه بعدّة بنات من أجمل ما خلق الله، وكان برغم حبّه لبناته، في حسرة على وليد يرث هذا المجد العلمي الذي كان ينتقل من الآباء إلى الأبناء.
وكلّما تقدّمت به السن كان يشعر أنّ القدر لن يهبه مولوداً ذكراً، ولكن الآمال كثيراً ما تنبث من السجف السود. ومنَّ الله على الشيخ بوليد ذكر. وليس هذا الوليد مؤرخنا كمال الدين، بل شقيقه، فلم يكد يشبّ عن الطوق حتّى استله القدر من بين يديه، فحزن الوالد حزناً عميقاً هدّ قواه. وأصابه ما لم يصب والد على فقد ولده فامتنع عن الطعام والشراب إلاّ ما يقيم جسده الضاوي.
وقد همّ يوماً وقد غلبه الحنين ولج به الشوق وعصاه الصبر ـ همّ أن يخرج فلذة كبده من القبر ليروي غليل شوقه وينعم برؤيته.
وبالرغم ممّا كان عليه الشيخ من قوّة وجبروت فقد امتنع عليه الحجر، ولم يستطع أن يكشف عن القبر فأدرك أنّ الله جلّت قدرته أراد ذلك شفقة منه على الطفل وعليه، فزجر نفسه، وعاد إلى البيت متعباً مكدوداً يبكي همساً ويصلي، وما زال حتّى ارتمى على فراشه وهو في غاية الإعياء.
وبديهي، وهو في هذه الحالة، أن يستيقظ «عقله الباطن» على الرؤى والهواجس، وأن تتراءى له الأحلام وهو في غفوته اليقظة. فرأى في تلك الليلة رؤيا أرعبته أوّلاً… ثمّ ما لبثت أن شفته من مرضه.
رأى ولده، وسمع صوته، وقد خيّل إليه أنّه يخاطبه بقوله:
«يا أبي: عرف والدتي أنّي أريد أن أجيء إليكم».
واستيقظ أبو الحسن مذعوراً. وركض إلى زوجته يريد إيقاظها. ولم تكن الأم المفجوعة نائمة، فهي أشد لوعة على ولدها من أبيه، فما كاد يقصّ عليها نبأ الرؤيا حتّى بكت بكاء شديداً.
وتشاء إرادة المولى أن ترأف بهذين الكسيرين، فمنَّ الله عليهما بولد نحيف البنية، تكاد تحسبه شبحاً من الأشباح.
ولعلّ القارئ قد أدرك أنّ هذا المولود هو كمال الدين مؤرخ حلب، موضع حديثنا في هذه الكلمة.
وقد عنى والده بتربيته منذ صغره تربية علمية، وتنشئته على غرار آبائه وأجداده.
وكان يفرض عليه حفظ طائفة من الكتب فحفظ «اللمع» وحفظ «القدوري» وحفظ غيرهما في مدد قصيرة. وكان قد حفظ القرآن الكريم وحفظ كتاب الله ميزة في آل العديم، فما منهم إلاّ من انطوى صدره على آياته المحكمات.
وفي هذا الصدد يقول: «لما ختمت القرآن قبلني والدي بين عيني وبكى وقال: الحمدلله يا ولدي، هذا الذي كنت أرجوه فيك، حدّثني جدّك عن أبيه عن سلفه: أنّه ما منّا أحد، إلى زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) إلاّ من ختم القرآن…».
وعرف كمال الدين بين أترابه بالسبق، وكان شديد الاتصال بعلماء عصره، سمع الحديث عن أبيه وعمّه أبي غانم، وابن طبرزد، والافتخار والكندي والخرستاني وسمع جماعة كثيرة بدمشق وحلب والمقدس.
لقد سافر إلى دمشق وإلى القدس سنة 603هـ، ثمّ عاد فسافر مرّة ثانية بعد خمس سنوات.
ولم تكن بغيته من هذه الرحلة التفرّج على البلدان بل طلب العلم من الأئمة العظماء، مع درس الحالة السياسية والاجتماعية، وتلمّس ما كانت عليه دمشق والقدس من غليان واضطراب…
وعاد إلى حلب يتابع نهجه الدراسي، وإذ أصبح مرموق القدر بين العلماء، نيط به التدريس في أعظم مدارس حلب وهو في الثامنة والعشرين من عمره.
وأخذ يؤلّف في هذه السن المبكرة، فكتب للملك الظاهر كتاب «الدراري في ذكر الذراري»، وقدّمه إليه هدية يوم ولد ولده الملك العزيز الذي أسندت إليه سلطة حلب بعد أبيه.
كما كتب كتاب «ضوء الصباح في الحثّ على السماح»، صنّفه للملك الأشرف، وحين أنعم الملك النظر في جمال خطّه رغب في رؤيته، ولمّا مثل بين يديه أحسن إليه وأكرمه وخلع عليه وشرفه.
وهكذا، بدأ نجم ابن العديم يلمع وأخذ صيته يدوي، وأحبّه العلماء والملوك، وكأنّما كان التأليف نزعة من نزعات هذا الشاب فلا يكاد ينتهي من وضع كتاب حتّى يبدأ بوضع كتاب آخر.
وقد طلب إليه ياقوت أن يؤرخ لآل العديم الذين يتصل نسبهم ببني جرادة فكتب في أسبوع واحد كتاب «الأخبار المستفادة في ذكر بني جرادة»، وإذ عرف بجودة الخط فقد وضع كتاباً في الخط وعلومه، ووصف آدابه وأقلامه وطروسه، وما جاء فيه من الحديث والحكم. ومن كتبه «تدبير حرارة الأكباد، في الصبر على فقد الأولاد»، صور فيه لواعج الحزن في صدر أبيه الذي فجع بفقد أخيه.
على أنّ أعظم كتبه بدون ريب كتابه الجليل «تاريخ حلب» الذي لا يقتصر على أخبار ملوكها، وابتداء عمارها، ومن كان بها من العلماء، ومن داخلها من أهل الحديث والرواية والدارية والملوك والأمراء، بل تناول جغرافية المملكة وبحيراتها وجبالها وتربتها وهوائها ومائها وخراجها وعادياتها، فذكر مدناً تعدّ اليوم من كليكيا والجزيرة مع أنّها من أعمال حلب مثل أذنة والكنيسة السوداء وطرطوس وسيس والحدث الحمراء وملاطية وسميساط ورعيان ودلوك إلى غير ذلك من البلدان والحصون.
يقول ابن الشحنة([755]): «إنّ مسودته كانت تبلغ نحو أربعين جزءاً كباراً، والمبيضة تجيء كذلك، ولكن اخترمته المنية، وتفرّقت أجزاؤه قبل الفتنة التيمورية».
وكتاب آخر تجدر الإشارة إليه قبل الحديث عن سفارته ومهمته السياسية ـ أريد به كتاب «الإنصاف والتحري، في دفع الظلم والتجري، عن أبي العلاء المعري».
لقد ثار ابن العديم على الجهلة من أنصاف العلماء الذين أخذوا يكفرون شيخ المعرة الذي طالما صرخ من الأعماق:
لحى الله قوماً إذا جئتهم
بصدق الأحاديث قالوا: كفر
والذي كان يصرخ من عزلته:
أما في الأرض من رجل لبيب
فيفرق بين إيمان وكفر
مهلاً شيخنا الحكيم.
فلم تخل الأرض في يوم من الأيام من رجل لبيب منصف يفرق بين الكفر والإيمان.
وها هو ذا، قاضي قضاة حلب، ينبري للدفاع عنكم فيرد على خصومكم ويسفه أحلامهم وتخرصاتهم ولهذا الدفاع، في تلك الفترة، قيمته لصدوره عن فقيه مجتهد وعالم مرموق، وأديب واسع الاطلاع وشاعر ومؤرخ، فمن كلماته قوله:
«… وبعد فإنّي وقفت على جملة من مصنفات عالم معرة النعمان أبي العلاء… فوجدتها مشحونة بالفصاحة والبيان، مودعة فنوناً من الفوائد الحسان، محتوية على أنواع الآداب، مشتملة من علوم العرب على الخالص واللباب، لا يجد الطامح فيها سقطة، ولا يدرك الكاشح فيها غلطة…».
ولمّا كانت مختصة بهذه الأوصاف مميزة على غيرها عند أهل الإنصاف قصده جماعة لم يعوا وعيه، وحسدوه إذ لم ينالوا سعيه، فتتبعوا كتبه على وجه الانتقاد، ووجدوها خالية من الزيغ والفساد، فحين علموا سلامتها من العيب والشين، سلكوا فيها معه مسلك الكذب والمين ورموه بالإلحاد والتعطيل، والعدل عن سواء السبيل، فمنهم من وضع على لسانه أقوال الملحِدة، ومنهم من حمل كلامه على غير المعنى الذي قصده، فجعلوا محاسنه عيوباً، وحسناته ذنوباً. وعقله حمقاً، وزهده فسقاً، ورشقوه بأليم السهام وأخرجوه عن الدين والإسلام، وحرفوا كلمه عن مواضعه وأوقعوه في غير مواقعه».
وبهذا الأسلوب الحار أخذ يدافع عن عقيدة أبي العلاء بعد أن قرأ جميع كتبه وما اتهمه به خصومه فخرج برسالة «الإنصاف والتحري، في دفع الظلم والتجري». وهو إذ أنصفه رد على حاسديه وكشف عن خصائص عبقريته.
ونتحدّث عن سفارته إلى القاهرة حين اجتاح هولاكو بغداد في طريقه إلى الشام.
فقد دبّ الذعر في نفوس الأهالي، واجتاح الهلع رجال الدولة، والتفت الناس إلى مصر يطلبون النجاة فما كان من الملك الناصر يوسف صاحب الشام وحلب إلاّ أن عقد مجلساَ ضمّ أركان البلاد والقادة لتدارك الموقف، وبعد مداولات خطيرة قرّ الرأي أن ينتدب قاضي القضاة ابن العديم للسفر إلى مصر، وطلب النجدة من ملكها لرد عادية المغول.
وكان كمال الدين قد عاد من بغداد من مهمة توطيد العلاقة بين الخليفة والملك الناصر، وذلك قبل الاجتياح المغولي لبغداد.
ووصل مصر بعد عناء شديد وسفر مضن وشاق طويل، فلم يكد يهبط أرض النيل متعباً مكدوداً حتّى احتفت به مصر حفاوة بالغة ـ احتفى به الملك والأمراء والأعيان والعلماء ونزل في ضيافة السلطان في قصر «الكبش»([756]) وتوافدت رجالات مصر للسلام عليه والترحيب بمقدم عالم فذ ومؤرخ شهير.
وانتهت مراسم التسليم، وبعد أن أخذ حقّه من الراحة بدأ بمفاوضاته التي انتهت بالنجاح. وسرعان ما جهزت مصر حملة كبرى إلى الشام للانضمام إلى جيش الملك الناصر ومقاتلة هولاكو لدفع هذا الخطر الذي يهدّد البلاد العربية من فراتها إلى برداها إلى نيلها.
وفي هذه الفترات كان هولاكو يجتاح البلاد مدينة أثر مدينة وما زال حتّى اقترب من حلب فدخلها سنة 658هـ بعد حصار دام عشرة أيام دافع الحلبيون عنها دفاع الأبطال ولكن دون جدوى.
فقد قتل خلال هذه المعارك كثيرون.
يقول المؤرخون: إنّ الحلبيين قتلوا من جنود هولاكو عدداً كبيراً. وهذا الذي حمله، بعد أن دخلها، أن يعيث فيها ويأخذ منها مائة ألف أسير… عدا ما صادره من أموالها ونفائس كنوزها.
ومن حلب والى زحفه إلى دمشق ففلسطين… وما زال حتّى اقترب من الحدود المصرية يريد غزة ومصر.
وخلال هذه الفترة كانت سفارة ابن العديم قد أثمرت فأعلنت مصر التعبئة العامة، وهبّ جيشها يدفع هذا العدوان العظيم.
وكانت معركة «عين جالوت» وهي من المعارك الحاسمة في التاريخ ـ هي التي ردّت هولاكو عن مصر وعن البلاد العربية كلّها.
ولا نتوسع في سرد تفاصيل هذه المعركة بل نعود إلى ما نحن بصدده فنقول إنّ مؤرخنا لم يكد يسمع بجلاء المغول عن بلاد الشام حتّى عاد إلى حلب ليرى ما نزل ببلدته الحبيبة من بلاء.
وحين عاد رأى كل شيء في مدينته يدعو إلى الرعب والوحشة.
لقد أصبح أكثرها خراباً يباباً.
وإذ رأى ذلك لم يطق المقام في بلدته ومسقط رأسه فما كان منه إلاّ أن قفل راجعاً إلى مصر بعد أن ودّعها بقصيدة حزينة.
وفي مصر عاش أيامه الأخيرة، يكتب ويؤلف، وقد أحبّته مصر فأكرمته، وما زال فيها إلى أن وافاه القدر سنة 660هـ فدفن بسفح المقطم من القرافة بالقرب من المسجد المعروف بالعرض، بتربة موسى بن يغمور، فكان، كما وصفه الذهبي صاحب تاريخ الإسلام: «عديم النظير فضلاً ونبلاً وذكاء ورأياً ودهاء ومنظراً ورواء ومهابة، وكان، إلى هذا، محدّثاً ومؤرخاً صادقاً، وفقيهاً مفتياً، ومنشئاً بليغاً».
سامي الكيالي
- () سورة الشعراء، الآية: 214. ↑
- () رواه الدارمي أيضاً مع تغيير طفيف لا يضرّ بالمعنى، وانظر فتح الباري ج8، ص408 حيث تجد تعليقتين لابن حجر، إحداهما في ص406 يقول فيها: هذا من مراسيل الصحابة وبذلك جزم الإسماعيلي. لأنّ أبا هريرة إنّما أسلم بالمدينة وهذه القصة وقعت بمكة، وابن عباس كان حينئذ لم يولد، وإمّا طفلاً، وثانيتهما في ص408 يقول فيها، والسر في الأمر بالإنذار للأقربين أوّلاً، أنّ الحجة إذا قامت عليهم تعدّت إلى غيرهم، وإلاّ كانوا علّة للأبعد في الامتناع. ↑
- () رواه مسلم ـ كالبخاري ـ في تفسير سورة الشعراء وذكره الترمذي برقم 3184 في التفسير وأخرجه النسائي، ج6، ص248 في الوصايا. ↑
- () المسند، ج1 و2 والآيتان 1 و2 من سورة المسد. ↑
- () رواها البخاري في تفسير سورة (تبت). ↑
- () وهذه الزيادة في صحيح مسلم برقم 208 من الإيمان والترمذي برقم 3360. ↑
- () رواها في كتاب الإيمان برقم 205 والترمذي برقم 4183 في التفسير والنسائي، ج6، ص250 في الوصايا. ↑
- () الروايات الثلاث السابقة: صحيح مسلم، ج1، ص133ـ134. ↑
- () هذه الرواية من أعجب العجائب، حيث إنّ أية من المذكورات فيه من زوجات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم تكن حينئذ زوجة له، لأنّه لم يكن له حينئذ زوجة إلاّ خديجة بنت خويلد. أمّا الأخريات التي لم تكن بعض من ذكر منهن قد ولدت بعد ـ فلم يبن بهن إلاّ في المدينة، وهذه الحادثة كانت في مكة، فكيف فات هذا الطبراني أو من روى عنه. ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 214. ↑
- () وبهذا اللفظ أخرجه في البحار، ج18، ص164 و175 و197. ط. طهران. ↑
- () العُس ـ كما جاء في القاموس المحيط فصل العين باب السين: «العساس ككتاب: الأقدام العظام. الواحد عس بالضم، والعسس بضمتين…: الآنية الكبار…». ↑
- () جاء في رواية الطبري، أيضاً لهذا الحديث (ج2، ص216 من تاريخه) عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق… إلخ بدلاً من قوله هنا: «كذا وكذا قوله هناك على أن يكون أخي وخليفتي فيكم». ↑
- () وجاء في رواية الطبري، كذلك، لهذا الحديث (ج2) ص216 من تاريخه، عن ابن حميد عن سلمة عن محمد بن إسحاق… إلخ بدلاً من قوله هنا: «كذا وكذا» قوله هناك: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم…». ↑
- () وبهذا المتن والسند أخرجه الطبري أيضاً في ج2، ص319ـ321 من تاريخه (فيما عدا الاختلاف المشار إليه في التهميشتين السابقتين). وكذلك أخرجه المجلسي في بحاره ج18، ص191 والشيخ الطوسي في مجالسه، وفرات بن إبراهيم في ص108 و109 من تفسيره، وأبوجعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي المتوفى سنة 240 في كتابه نقض العثمانية (راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج3، ص213)، وقال: إنه روي في الخبر الصحيح. ورواه الفقيه برهان الدين محمد بن محمد بن ظفر المكي المغربي المولود سنة 497هـ والمتوفى سنة 565 أو567هـ في (أنباء نجباء الأبناء) ص 46-48، وابن الأثير في الكامل، ج2، ص 24، وأبوالفداء عماد الدين الدمشقي في تاريخه، ج1، ص116، وشهاب الدين الخفاجي في «شرح الشفا» للقاضي عياض، ج3، ص37 (وبتر آخره، وقال: ذكر في دلائل البيهقي، وغيره بسند صحيح)، والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره ص390، والثعلبي في تفسيره لسورة الشعراء، والحافظ السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ج6، ص392 نقلاً عن الطبري، وفي ص397 عن الحفّاظ الستة ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي. كما أخرجه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج3، ص354، وذكره المؤرخ جرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي ج1، ص31، والأستاذ محمد حسين هيكل في حياة محمد ص104 من الطبعة الأولى.ورجال السند كلّهم ثقات إلاّ أبو مريم عبد الغفار بن القاسم فقد ضعّفه البعض لتشيعه، غير أنّ ابن عقدة أثنى عليه وأطراه وبالغ في مدحه كما في (لسان الميزان) ج4، ص43، وأسند إليه وروى عنه الحفاظ المذكورون، وهم أساتذة الحديث، وأئمة الأثر، والمراجع في الجرح والتعديل والرفض والاحتجاج. ولم يقذف أحد منهم الحديث بضعف أوغمز لمكان أبي مريم في إسناده، واحتجوا به في دلائل النبوة، والخصائص النبوية.وصحّحه أبوجعفر الإسكافي، وشهاب الدين الخفاجي كما سمعت، وحكى السيوطي في (جمع الجوامع) كما في (ترتيبه) ج6، ص396 تصحيح ابن جرير الطبري له. على أن الحديث ورد بسند آخر رجاله كلهم ثقات كما يأتي، أخرجه أحمد في مسنده ج1، ص111 بسند رجاله كلهم من رجال الصحاح بلا كلام، وهم شريك الأعمش والمنهال وعباد بن عبيدالله الأسدي.
وليس من العجيب ما هملج به ابن تيمية من الحكم بوضع الحديث، فمن عادته إنكار المسلمات، ورفض الضروريات، وتحكماته معروفة، وعرف منه المنقبون أن مدار عدم صحة الحديث عنده هوتضمنه فضائل العترة الطاهرة (راجع الغدير للأميني، ج2، ص279ـ280). ويقول الحافظ السيد أحمد بن الصديق الغماري مثل هذا، فإنّ غالب كلامه على الأحاديث والآثار من قبيل المجازفات، والإنكار الصادر منه عن قصور تارةً وعن كذب وعناد أخرى كما جرَّبناه عليه وعلى أمثاله من كلّ عنيد متعصب… ثمّ قال: ولكنّه يتعمّد الكذب في الإنكار لنصرة هواه… والمقصود أنّه لا عبرة بكلام ابن تيمية خصوصاً في هذا الباب أعني الحكم على الأحاديث بالوضع».
هدية الصغراء بتصحيح حديث التوسعة يوم عاشوراء. ص8ـ9ط. الأولى بالقاهرة ويقول الشيخ محمد زاهد الكوثري: «فمثل الشيخ الحراني لا يمكن أن يوزن في كفة وأئمة علوم شتى ومذاهب عديدة… في كفة أخرى ثم قال أيضاً: «وما ألفه ـ ابن تيمية ـ في أواخر عمره متوغل في الفساد أكثر ممّا كتبه في أوّل عمره ويتأسف الإنسان على هذه المواهب الضائعة» صفعات البرهان، ص30، عام 1348هـ. ط. دمشق. ↑
- () فصيلة الرجل: عشيرته، ورهطه الأدنون، وأقرب آبائه إليه (راجع القاموس المحيط فصل الفاء باب اللام). ↑
- () في كفاية الكنجي: شبيب. ↑
- () القعب: القدح الضخم الجافي أو إلى الصغر، أو يروي الرجل (راجع القاموس المحيط، ج1، ص118، باب الباء فصل القاف). ↑
- () الفرق: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع، ويحرَّك وهو أفصح، ويسع ستة عشر رجلاً أو أربعة أرباع ـ راجع القاموس المحيط باب القاف فصل الفاء. ↑
- () الغمر: الماء الكثير كالغمير، وكطرد: قدَح صغير أو أصغر الأقداح، وتغمر: شرب به (راجع القاموس المحيط باب الراء فصل الغين). ↑
- () راجع المسند، ج1، ص111. ↑
- () كنز العمال، ج6، ص391. ↑
- () كنز العمال، ج1، ص397. ↑
- () تاريخ الطبري، ج2، ص321. ↑
- () تاريخ الكامل لابن الأثير، ج2، ص8. ↑
- () ما رواه الطبري في تفسيره عين ما رواه في تاريخه سنداً ومتناً إلاّ أنّ الطابعين جريا على الشنشنة فأبدوا قوله (صلّى الله عليه وآله): على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم بلفظ «على أن يكون كذا وكذا» وأبدلوا قوله (صلّى الله عليه وآله): إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم بلفظ: «إنّ هذا أخي وكذا وكذا» وأبقوا قوله (صلّى الله عليه وآله) «فاسمعوا له وأطيعوا» وفيه كفاية وغنى وما حذفوه وأبدلوه هو إشارة إلى ما صرح به في تاريخه جزماً ويقيناً لاتِّحاد السند والمتن.وقد رأيت في كتاب حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل هذا الحديث مثبتاً في الطبعة الأولى ومحذوفاً في الطبعة الثانية وغيرها. وما أدري ما هي دوافع الحذف والله وحده يعلم السرَّ في ذلك.هذا مع أنّ الحديث قد جاء بروايات صحيحة السند كما صرّح بذلك أهل الفن. ↑
- () كنز العمال، ج6، ص401. ↑
- () كنز العمال، ج6، ص401. ↑
- () انظر ص111ـ113 من تفسيره المذكور. ↑
- () انظر، ج18، ص211 و212 من البحار للمجلسي. ↑
- () انظر ج18، ص214 من البحار للمجلسي. ↑
- () سورة فاطر، الآيتان: (3 و4). ↑
- () باب الراء فصل الهمزة. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 51. ↑
- () سورة يونس، الآية: 2.↑
- () سورة إبراهيم، الآية: 44. ↑
- () سورة النحل الآية: 2. ↑
- () سورة مريم، الآية: 39. ↑
- () سورة غافر، الآية: 18. ↑
- () سورة نوح، الآية: 1. ↑
- () سورة المدثر، الآيتان: 1 و2. ↑
- () زاد المعاد، ج1، ص20، راجع الوحي إلى الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله) 66، 67. ↑
- () تاريخ الطبري 2/318 ـ الكامل في التاريخ ج2، ص60، راجع فتح الباري ج8، ص164. وصحيح مسلم ج4، ص1826، ومحمد رسول الله لمحمد رضا ص77، 82 ودلائل النبوة للبيهقي ج1، ص390. ↑
- () سورة الحجر، الآية: 94. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 7. ↑
- () سورة إبراهيم، الآية: 1. ↑
- () الدعوة الإسلامية في عهدها المكي، مفاهيمها وغاياتها ص298. ↑
- () فتح الباري ج6، ص186 و187. ↑
- () فتح الباري ج6، ص187. ↑
- () فتح الباري ج6، ص188. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 43. ↑
- () العس ـ كما جاء في القاموس المحيط فصل العين باب السين: «العساس ككتاب الأقداح العظام. الواحد عُس بالضم، والعسُسُ بضمتين… الآنية الكبار…». ↑
- () جاء في رواية الطبري، أيضاً لهذا الحديث (ج2، ص216 من تاريخه) عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق… إلخ بدلاً من قوله هنا: كذا وكذا «على أن يكون أخي وخليفتي فيكم». ↑
- () وجاء في رواية الطبري، كذلك، لهذا الحديث ج2، ص216 من تاريخه، عن ابن حميد عن سلمة عن محمد بن إسحاق… إلخ بدلاً من قوله هنا: «كذا وكذا» قوله هناك: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم…». ↑
- () سبقت الإشارة في ما ذكرناه سابقاً إلى من أخرجه من المحدثين والمؤلفين في التاريخ. ↑
- () فصيلة الرجل: عشيرته، ورهطه الأدنون، وأقرب آبائه آليه (راجع القاموس المحيط فصل الفاء باب اللام). ↑
- () في كفاية الكنجي: شبيب. ↑
- () القعب: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصغر، أو يروي الرجل ـ راجع القاموس المحيط، ج1، ص118، باب الباء فصل القاف. ↑
- () الفرق: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع، ويحرّك وهو أفصح ويسع ستة عشر رطلاً أو أربعة أرباع، راجع القاموس المحيط باب القاف فصل الفاء. ↑
- () الغمر: الماء الكثير كالغمير، وكطرد: قدح صغير أو أصغر الأقداح، وتغمر: شرب به (راجع القاموس المحيط باب الراء فصل العين). ↑
- () كنز العمال ج6، ص391. ↑
- () المصدر السابق ج1، ص397. ↑
- () تاريخ الطبري ج2، ص217. ↑
- () تاريخ الكامل ج2، ص28. ↑
- () الكنز ج6، ص401. ↑
- () المصدر نفسه ج4، ص1. ↑
- () ج4، ص80. ↑
- () ج1، ص304. ↑
- () انظر ص111ـ113 من تفسيره المذكور. ↑
- () انظر ج18، ص211 و212 من البحار للمجلسي. ↑
- () انظر ج18، ص214 من البحار للمجلسي. ↑
- () أمالي الشيخ الطوسي ص20ـ21. ↑
- () أهل الرجل: عشيرته وذَوو قرباه ـ راجع باب اللام فصل الهمزة من القاموس المحيط. ↑
- () شرح النهج، ج5، ص461 ـ مجلد/3، وسيرة ابن هاشم، ج1، ص89 (تحقيق محيي الدين عبد الحميد). ↑
- () الإمام علي بن أبي طالب لعبد الفتاح عبد المقصود، ج1، ص10 ـ وقد جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي، ج4، ص190 «هاشم ابن عبد المطلب أوّل من ثرد الثريد وهشمه». ↑
- () شرح النهج، ج15، ص466. ↑
- () مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي، ج3، ص245. ط. مكتبة الحياة، بيروت. ↑
- () كان هاشم قد تزوّج سلمى بنت عمرو بن عدي، من بني النجار بيثرب، وبعد أن بنى بها غادر يثرب تاركاً زوجته حاملاً بابنه شيبة الحمد، ثمّ مات في سفرته هذه بغزة، ودفن بها. ↑
- () عبد المطلب جدّ الرسول للدكتور حسني الخربوطلي، ص16. ↑
- () الرسول (صلّى الله عليه وآله) للدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر، ص39. ↑
- () مروج الذهب للسمعودي، ج2، ص132. ↑
- () شرح نهج البلاغة، ج15، ص461، الطبعة الأولى بمصر. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج3، ص92. ↑
- () سورة الفيل، الآيات: 3ـ5. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج3، ص96. ↑
- () نفس المصدر ص109. ↑
- () الإمام علي، ج1، ص32. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج1، ص115. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج1، ص116. ↑
- () و (3) سيرة ابن هشام، ج1، ص116. ↑
- ↑
- () ما الفوارق بين السنّة والشيعة ـ تأليف محمد بن مهدي ـ منشورات بيروت ص54. ↑
- () شرح النهج، ج4، ص314، مجلد 3. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج1، ص174. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج1، ص176. ↑
- () بسبب زوجته أم جميل، فقد كانت أموية تنفس مجد النبوَّة على بني هاشم. ↑
- () وبهذا نزل القرآن الكريم من قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44]. ↑
- () كتاب في رحاب علي ص14، 15، وكتاب: ما الفوارق بين السنّة والشيعة، ص53، نقلاً عن كتاب (أبو طالب) لعبد العزيز سيّد الأهل. ↑
- () كما أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نعيم بن مسعود الأشجعي في غزوة الخندق أن يظل كاتماً إيمانه ليتمكن من التخذيل عن المسلمين. ↑
- () سورة الزخرف، الآية: 23. ↑
- () شرح النهج، ج14، ص310 مجلد/3. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج1، ص180. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج2، ص384. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 26. ↑
- () أسباب النزول، ص144. ↑
- () ممّا يشير إلى أنّ المقام دخله الكذب والوضع. وناهيك بما في هذا من إثارة للشك والريبة في الرواية. ↑
- () شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، نشر معهد المخطوطات بالجامعة العربية ـ ج1، ص153. ↑
- () سورة لقمان، الآية: 15. ↑
- () راجع رسائلهما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد. ↑
- () راجع شرح نهج البلاغة. ↑
- () بعد أن خرج كثير من أهل البيت ضد المنصور العباسي أطلت هذه الفرية ضد أبي طالب ليوحَى إلى الناس أنّ العباسيين هم بنو العم، الذي أسلم، بينما الطالبيين هم بنو العم الذي لم يسلم. وبذلك يزكِّي ويرجِّح موقفه السياسي على خصومه من أهل البيت. ↑
- () حيث أرضعتهما معاً ثويبة مولاة أبي لهب. ↑
- () فإن هالة أم حمزة بنت عم آمنة أم النبي (صلّى الله عليه وآله). ↑
- () سيرة ابن هشام، ج1، ص264. ↑
- () فضائل الإمام علي، ص60. ↑
- () فضائل الإمام علي، ج3، ص611. ↑
- () الإمام علي بن أبي طالب، ج1، ص81. ↑
- () انظر: تاريخ ابن عساكر، ج6، ص407. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج4، ص302. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج3، ص833. ↑
- () صحيح البخاري، 5، ص21 ـ المطبعة الميمنية. ↑
- () صحيح البخاري، ج5، ص21. ↑
- () شرح النهج، ج5، ص465، مجلد 3. ↑
- () شرح النهج، ج5، ص465، مجلد 3. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 124. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج4، ص989. ↑
- () سورة قريش كلها. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج1، ص87. ↑
- () رواه أحمد ومسلم والترمذي. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، ج3، ص30. ↑
- () النهاية في غريب الحديث، ج1، ص4. والآية في الأحزاب/ 33. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 83. ↑
- () سورة الإسراء، الآية: 21. ↑
- () اصطفى: بمعنى اختار وانتقى (راجع أي كتاب من كتب اللغة في مادة «ص ف و» منها على سبيل المثال: كتاب أقرب الموارد). ↑
- () سورة الحج، الآية: 75. ↑
- () سورة ص، الآيات: 45 و47. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 253. ↑
- () اخترناهم. ↑
- () سورة الأنعام، الآيات: 83ـ88. ↑
- () سورة آل عمران، الآيتان: 33 و34. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 27. ↑
- () سورة العنكبوت، الآية: 27. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 124. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 125. ↑
- () سورة إبراهيم، الآية: 37. ↑
- () ولعله من الواضح للعالم أجمع أنّ تاريخ هذه المنطقة يؤكد أنّ الله استجاب هذا الدعاء. ↑
- () ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى للمحب الطبري، ص10. ↑
- () لعل ممّا يلقي الضوء على مسؤوليتهم في هذا المجال ما تدل عليه الآية الكريمة من قول الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} أي عن القيام بموجَب ومسؤولية هذا الذكر والشرف. ↑
- () راجع البحار للمجلسي، ج18، ص234 و235 ونقلاً عن تفسير علي بن إبراهيم. ↑
- () راجع البحار للمجلسي، ج18، ص235، نقلاً عن مناقب ابن شهراشوب. ↑
- () وفي هذا يقول توماس كارليل: «ولكن رؤية رجل كهل أمّي يعينه غلام في السادسة عشرة، ويقومان في وجه العالم بأجمعه كانت ممّا يدعو إلى العجب المضحك فقام القوم ضاحكين ولكن لم يكن بالمضحك، بل كان نهاية في الجد والخطر، أمّا علي فلا يسعنا إلاّ أنّ نحبّه ونتعشقه، فإنّه فتى شريف القدر كبير النفس، يفيض وجدانه، رحمة وبراً، يتلظَّى فؤاده نجدة وحماسة، وكان أشجع من ليث… (راجع كتابه الأبطال). ↑
- () فعبدالله والد رسول الله وأبو طالب والد علي (عليه السلام) أخوان شقيقان بين إخوتهما من أبناء عبدالمطلب. ↑
- () و(4) و(5) كما دلّت عليه النصوص من مثل قول الرسول: هذا أخي ووزيري ووصيي وقول الله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}. ↑
- ↑
- ↑
- () فأبوهم: أبو طالب بن عبدالمطلب بن هاشم وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم. ↑
- () نور الأبصار، ص67، وشرح نهج البلاغة، ج1، ص5، مجلد 1. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 96ـ97. ↑
- () فضائل الإمام علي للأستاذ محمد جواد مغنية. ↑
- () فهل كان هذا إرهاصاً بما ينتظره من رفعة المكانة وعلو الشأن. ↑
- () فهل كان هذا أيضاً، إرهاصاً بدور كلّ منهما بالنسبة لدين الله تنزيلاً وتأويلاً وتبليغاً وتطبيقاً وبعبارة أخرى: رسالة وإمامة؟ ↑
- () علي بن أبي طالب بقية النبوة والخلافة تأليف عبد الكريم الخطيب 94. ↑
- () وقد سبق للنبي (صلّى الله عليه وآله) أن أطلق عليه هذا اللقب في حياته حينما قال ـ مشيراً إليه ـ فيما يرويه أحمد في مسنده وفي كتابه (فضائل الصحابة) ورواه أبو نعيم في حليته «هذا يعسوب الدين وقائد الغر المحجَّلين» فإنّ اليعسوب في النحل هو الأمير. ↑
- () نهج البلاغة، ج1، ص211. ↑
- () عبقرية الإمام، ص26. ↑
- () كتاب علي بن أبي طالب، ص10. ↑
- () راجع التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية للسيد محمد باقر الصدر وتعليق المؤلف. ↑
- () الخصائص للنسائي، ص20. ↑
- () رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخَين. ↑
- () تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص167، تحقيق محمد محيي الدين. ↑
- () انظر: الروضات، ج3، ص350. ↑
- () العَلَّة: الضرة، وبنو العلات بنو أمهات شتى من رجل واحد ـ راجع القاموس المحيط باب اللام فصل العين. ↑
- () روضات الجنات، ج3، ص350. ↑
- () قواعد التحديث لجمال الدين القاسمي، ص143. ↑
- () صحيح البخاري، ج5، ص19. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 19. ↑
- () و(2) سورة المجادلة، الآيتان: 12 و13. ↑
- ↑
- () أخرجه البزار، والطبراني. عن جابر بن عبدالله وأخرجه الترمذي والحاكم عن علي (عليه السلام) راجع ص88 من كتاب الفوارق بين السنّة والشيعة. ↑
- () المراجعات، ص191. ↑
- () مسند أحمد، ج1، ص88، وفي ج1، ص111، وص150. ↑
- () اعلام الموقعين، ج1، ص18. ↑
- () أعلام الموقعين، ج1، ص18. ↑
- () الطبقات الكبرى لابن سعد، ج2، ص338. ↑
- () المصدر السابق، وتاريخ الإسلام، ج1، ص261. ↑
- () الطبقات الكبرى لابن سعد، ج2، ص338، وحلية الأولياء، ج1، ص68. ↑
- () كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج1، ص132. ↑
- () راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج1، ص17 وما بعدها، مجلد 1. ↑
- () عبقرية الإمام، ص146ـ150. ↑
- () عبقرية الإمام، ص146ـ150. ↑
- () نور الأبصار، ص83. ↑
- () ثمار القلوب للثعالبي، ص179. ↑
- () شرح النهج، ج1، ص8، مجلد 1. ↑
- () نفس المصدر، ص9. ↑
- () الإمام علي، ص13 و14. ↑
- () وراقعُها هو ابنهُ (عليه السلام). ↑
- () فضائل الإمام علي (عليه السلام) ونهج البلاغة، ج2، ص61. ↑
- () تاريخ الإسلام السياسي، ج1، ص111. ↑
- () شرح النهج، ج2، ص181، مجلد 1، وعبقرية الإمام، ص17. ↑
- () شرح النهج، ج2، ص181، مجلد 1. ↑
- () الإسلام وأوضاعنا الاجتماعية للأستاذ عبد القادر عودة. ↑
- () عيون الأخبار للدينوري وشرح النهج، ج2، ص181، مجلد 1. ↑
- () شرح النهج، ج1، ص181، مجلد 1. ↑
- () نفس المصدر السابق. ↑
- () نفس المصدر السابق لهذا ولما يليه. ↑
- () شرح النهج، ج2، ص58. ↑
- () كنز العمال، ج6، ص159، كما نقله ابن أبي الحديد في شرح النهج، ج2، ص449 عن أبي نعيم في حلية الأولياء، وزاد فيه أحمد في مسنده: فطوبى لمن أَحبَّك وصدَّق فيك، وويلٌ لمن أَبغضك وكذب فيك. وروى الحاكم في مستدركه هذه الزيادة فقط، ج6، ص158، ونقلها الكنز أيضاً، ج3، ص135 عن الطبراني والخطيب. ↑
- () لعله يشير بقوله هذا إلى ما أمر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من رعاية وُدِّ ساعة، فكيف بهذا الطريق الطويل الذي سلكا فيه معاً الساعات الطوال؟… ↑
- () سورة الإنسان، الآيتان: 7 و8. ↑
- () أسباب النزول للواحدي، ص296. ↑
- () المصدر السابق، ص58. ↑
- () كنز العمال، ج6، ص391 ومنتخب الكنز في هامش الجزء الخامس من مسند أحمد ص38. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 274. ↑
- () المغني لابن قدامة، ج5، ص82. ↑
- () نهج البلاغة، ج1، ص105. ↑
- () سيرة ابن هشام، ج3، ص741، 742. ↑
- () فضائل الإمام علي ص31ـ98. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () وكان (صلّى الله عليه وآله) قد تردى في حفرة خداعية حفرها المشركون وغطّوها بالأعشاب، فمشى عليها، وكسرت رباعيته الشريفة وأصابه ـ بأبي وأمي ـ بعض الجراح. ↑
- () سورة الأحزاب، الآيات: 10ـ27. ↑
- () مجمع البيان، ج1، ص109 و110. ↑
- () وكانت هذه عادته (عليه السلام)، لا ينازل أحداً قبل أن يعرض عليه الإسلام، حتّى إذا ما رفض فقد استحل ما ينزل به، واستحق القتل. ↑
- () وفي تفسير هذه الآية يروى أنّ ابن عباس كان إذا تلا قول الله تعالى: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}، كان يفسرها معقباً بقوله: أي بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) يريد بذلك قتله لعمرو بن ود مع ما ترتب عليه ممّا ذكرنا. ↑
- () ما الفوارق بين السنّة والشيعة، ص79. ↑
- () يعني ضربته القاتلة لعمرو بن ود. ↑
- () ممّا يروى أنّ هذا الباب لم يتمكن ـ بعد المعركة ـ إلاّ ثمانية أشخاص من قلبه على وجهه الآخر. ↑
- () وهذا الباب، أيضاً، لم يتمكن ـ بعد المعركة ـ إلاّ أربعون رجلاً من حمله، وفي رواية سبعون رجلاً. ↑
- () شرح السير الكبير، ج1، ص72 و73. ↑
- () وهم: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، والعباس بن عبد المطلب، وابنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب بن عبد المطلب. ↑
- () هذا بينما كان تعليق أبي سفيان بن حرب (والد معاوية) ـ وقد حضر هذه الغزوة ـ على هذا الفرار وروح الهزيمة التي سيطرت على الفارين أن قال: لقد هزموا هزيمة وفروا فراراً لن يردهم عنه إلاّ البحر. ↑
- () حياة أمير المؤمنين للسيد محمد صادق الصدر، ص250ـ252. ↑
- () شرح التجريد للقوشجي، ص250ـ252. ↑
- () سورة النساء، الآية: 135. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 8. ↑
- () ولنقرأ في ذلك قوله الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} وما بعدها. ↑
- () و(2) راجع ص10 و11 من ينابيع المودة للشيخ القندوزي الحنفي. ↑
- ↑
- (3) و(4) راجع المصدر السابق. ↑
- ↑
- (1) و(2) راجع المصدر السابق. ↑
- ↑
- () راجع مسند ابن حنبل (6، 7) راجع دلائل الصدق للشيخ المظفر، ج2، ص347. ↑
- () أي في مكة قبل الهجرة منها. ↑
- () أي في المدينة بعد أن أصبحت دار الهجرة. ↑
- () ج6، ص369. ↑
- () ج6، ص396. ↑
- () في باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان ـ من كتاب الصلح. ↑
- () سورة الحجرات، الآية: 10. ↑
- () راجع باب الواو والياء فصل الواو من القاموس المحيط. ↑
- () راجع الوصية وأحكامها في الفقه الإسلامي للشيخ محمد جعفر شمس الدين 32ط. دار التراث الإسلامي ـ بيروت. ↑
- () راجع في هذا المؤلف حيث رواية السيد ابن طاوس من كتابه سعد السعود نقلاً عن تفسير محمد بن العباس بن مروان بن مهيار في رواية عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي… إلخ. ↑
- () تخطينا الكلام عن ولاية الإمام علي (عليه السلام) للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله) هنا ليكون الكلام عنها متصلاً عندما نتعرض لها في بحث مستقل لحديث «يوم الغدير» وهو البحث التالي لهذا المؤلف بمشيئة الله. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 61. ↑
- () المراجعات لشرف الدين الموسوي ت145ـ146 الطبعة الخامسة ـ بيروت. ↑
- () هامش مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص41ـ43. ↑
- () أي الشيعة. ↑
- () وقد يخطر في الذهن أنّه لماذا لم يوجد الخالق الكون كاملاً من أوّل مرّة، فيكون في غنى عن مقدمات سيره نحو الكمال، التي قد تكون بعضها في غاية الصعوبة.وجواب ذلك ممكن في عدّة وجوه نذكر منها اثنين:أولاً: إنّ إيجاد الكون كاملاً ابتداءً، إن كان معناه وجوده لا نهائياً ومطلقاً من جميع الصفات، فهذا مستحيل كما تمّ البرهان عليه في محله. وإن كان معناه وجوده دون اللانهاية، فمعنى ذلك بقاء خطوات لا نهائية وسلسلة غير محدودة من خطوات التكامل أمامه، لم يطرقها بعد، ويكون له أن يسير فيها دون أن يبلغ آخرها. فقد عدنا إلى التكامل ومقدماته التي هرب منها السائل.
ثانياً: إنّنا نحتمل ـ على أقل تقدير ـ أنّ إيجاد الكمال بعد المقدمات الطويلة والصعبة، أصلح وأحسن إنتاجاً من إيجاد الكمال من أوّل الأمر، ومن هنا وقع الاختيار عليه. ↑
- () أعني وضعه وسيلة في طريق الهدف. وسيتكرر هذا الاستعمال فلاحظ. ↑
- () انظر: الفصل الخاص بمناقشة الديالكتيك في القسم الثاني من هذا الكتاب. ↑
- () انظر: الفصل الخاص بذلك. ↑
- () انظر: تاريخ الغيبة الكبرى ص233، وما بعدها إلى عدّة صفحات. ↑
- () سورة الذاريات، الآية: 56. ↑
- () انظر ـ مثلاً ـ: تاريخ الغيبة الكبرى ص234. ↑
- () تاريخ ما بعد الظهور: الفصل الأوّل من الباب الأوّل. ↑
- () انظر: ص242. ↑
- () انظر: ص243 وما بعدها. ↑
- () انظر: تاريخ ما بعد الظهور: الفصل الأوّل من الباب الأوّل من القسم الأوّل. ↑
- () انظر: سفر التكوين 2/8 وما بعده. ↑
- () نريد هنا بالتشريع ما يشمل التكليف بالعقائد والمفاهيم أيضاً. ↑
- () ولا يشفع لذلك وجودها في المستنقعات، كما يجزم به علماء الآثار (قصة الإنسان للدكتور جورج حنا ص8) أو نشوؤها من مواد بروتينية، كما جزم به «أوبارين» العالم السوڤييتي (المصدر ص10) وإنجلز (نصوص مختارة ص100 وما بعدها) أو نزولها من كوكب آخر، كما ذهب إليه آخرون؛ لا يشفع لذلك، لأنّ السؤال عن إمكان الوجود الأوّل للحياة في الكون المادي وكيفيته يبقى موجوداً. كما أنّ عدم تكرر ذلك يكون غريباً… والاعتذار عنه بأنّه لا حاجة إليه بعد وجود طريقة التوالد… إنّ دل على شيء، فإنّما يدلّ على وجود التدبير والوعي في قيادة الكون أكثر من أي شيء آخر. كما ذهب إليه «أوبارين» (قصة الإنسان ص10). ↑
- () سورة البقرة، الآية: 213. ↑
- () سورة يونس، الآية: 19. ↑
- () اقتصادنا: محمد باقر الصدر، ج2، ص359. ↑
- () سورة طه، الآية: 121 وانظر: سورة الأعراف، الآية: 22. ↑
- () حيث نفهم من هذه الآية الكريمة إنّهما التفتا إلى قواعد السلوك ـ في الجملة ـ بما فيها لزوم التستر عن الناظرين وأنّه لا ينبغي البقاء على حالة العري الكامل. وعرفا كيفية سد هذه الحاجة، وهو وضع أوراق الشجر على الجسم. وهذا أوّل الوعي البشري. وتدل التوراة على ذلك بوضوح وأنّهما التفتا إلى الخير والشر (تكوين 3/22). ↑
- () سورة البقرة، الآية: 31 وتدل التوراة على ذلك أيضاً، تكوين: 2/20ـ21. ↑
- () منها قوله عزّ وجلّ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى 42/13]. إذا فهمنا من هذه الوصية إنزال درجة من درجات التشريع، وخاصّة وهو يعد بعد (نوح (عليه السلام)) أولئك الأنبياء الذين اقترنت نبواتهم بالشرائع. ولم يذكر نبياً قبله في هذه الوصية. ومنها: كون نوح (عليه السلام) من أولي العزم، والمفهوم دينياً أنّ الأنبياء من أولي العزم لهم شرائع. ومنها: أمره أعني نوحاً قومه بإطاعته، كقوله تعالى على لسانه: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} والطاعة شاملة للعقيدة والتشريع معاً. ↑
- () انظر: المذاهب الاجتماعية الحديثة، محمد عبدالله عنان ص14. ↑
- () انظر: ص477 وما بعدها إلى عدّة صفحات. ↑
- () المصدر نفسه ص482 وما بعدها. ↑
- () انظر: ص501 وما بعدها. ↑
- () تاريخ الغيبة الصغرى، للمؤلف ص261. ↑
- () تاريخ الغيبة الكبرى، للمؤلف ص246 وما بعدها. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 179. ↑
- () سورة الأنفال، الآية: 42. ↑
- () انظر: ص247 وغيرها. ↑
- () انظر: تاريخ ما بعد الظهور: الفصل الثالث من الباب الثالث من القسم الثاني. ↑
- () انظره في الجهة الثالثة من المقدمة. ↑
- () لأن الرأي لا يتخذ صفة العصمة إلاّ إذا كان كذلك. ↑
- () ولا موجب للالتزام بأنّ الكون ينتهي مع البشرية إذ ليس عليه دليل ديني ولا علمي. وتبعثر المجموعة الشمسية في يوم القيامة، كما يستفاد من ظاهر القرآن الكريم، غير ملازم مع انتهاء مجموع الكون، كما هو معلوم. بل إنّ العلم أصبح يقيم القرائن على قلّة أهمية الإنسان في الكون، كما لا يخفى على المطلعين. ↑
- () انظر: الفصل الرابع من الباب الثاني من القسم الثاني. ↑
- () لأنّ نتيجته ليست إلاّ إيجاد المستوى الفكري اللائق لفهم الأطروحة العادلة الكاملة، والفكر البشري المجرد عن التوجيه لا يمكنه أن يصل إلى ذلك المستوى.أولاً: لأنّ إدراكه للحقائق على المستويين القانوني والتاريخي مشوب بسيطرة العاطفة والمصلحة الخاصّة. على طول الخط.ثانياً: لأنّ هذا الإدراك قد يمنى بنكسات مهمة نتيجة لحروب عامّة أو الأوبئة التي قد تستأصل مجتمعاً أو مجتمعات. ↑
- () بالرغم من أنّ الأدلة التي ذكرناها على وجود شريعة للنبي نوح (عليه السلام) شاملة لإبراهيم (عليه السلام)، إلاّ أنّه توجد استبعادات إضافية على ذلك، أهمها عدم نقل القرآن شيئاً من شريعته بالرغم من اهتمامه بنقل التفاصيل عنه، وكذلك التوراة بشكلها المتداول. وهذا لا ينافي وجود التعاليم الشخصية أو البسيطة التي لا تشكل شريعة كاملة، ولا تسم اتجاهه العام بميسمها. ↑
- () انظر: اللاويين/ الإصحاح السادس والعشرون عموماً. وانظر التثينة 2/15 فما بعده. وكلاهما بلسان موسى (عليه السلام). ↑
- () انظر: أخبار الأيام الثاني: 36/14ـ18. ↑
- () كما دلّت عليه التوراة المتداولة، ولم يدل القرآن الكريم على خلافه. ↑
- () انظر: الملوك الأول 8/13ـ54. ↑
- () انظر: أصل العائلة لإنجلز ص67 وأصول الفلسفة الماركسية لبوليتزر، ج2، ص64. ↑
- () إلاّ بالمقدار الذي يدل عليه قوله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]. ↑
- () انظر: قصة الديانات لسليمان مظهر، ص359. ↑
- () انظر: خروج: 32/33 وتثنية: 27/26. ↑
- () سورة القصص، الآية: 69، وألم السجدة، الآية: 3. ↑
- () أمّا في العهد الأوّل، أعني بعد الخروج من مصر، فلبعد الطريق وصعوبة الوصول. وأمّا بعد ذلك فلاشتغال دولتي اليهود بالخلافات والبُعد عن التعاليم الأصلية والدعوة الدينية. مضافاً إلى شعورهم آنئذٍ بالأهمية القبلية، وحصر دينهم في هذا النطاق. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 68. ↑
- () انظر: السيرة النبوية لابن هشام، ج1، ص203، ط3، عام 1391هـ ـ 1971م. ↑
- () نفس المصدر، ج1، ص194. ↑
- () انظر: ص416ـ426 منه. واعلم أنّ هذه الفكرة الخامسة ذات مفهومين:المفهوم الأوّل: الخضوع للحاكم ولكلّ ظالم وعدم مقارعة الظلم بالظلم (من ضربك على خدك الأيمن فقدّم له خدك الأيسر). فهذه صورة مكثفة ومنحرفة عن مفهوم صحيح وهو (التقية) التي أشرنا إليها في المتن.المفهوم الثاني: الخضوع لتعاليم الحكام الدنيويين وقوانينهم، من دون أن يكون للدين شريعة خاصّة به (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله). وهذا ناتج من الشعور بقلة التعاليم الدينية وضرورة عدم التسيب في المجتمع، فيكون من الأحجى إيكال تنظيمهم إلى الدولة الدنيوية. وهذا من القرائن على عدم وجود تعاليم كافية أساساً في الشريعة المسيحية، وربما كان ذلك باعتبار الظروف الصعبة التي مرّ بها المسيح (عليه السلام) فلم يكن من الصالح إنزال شريعة متكاملة عليه. ولا مجال الآن للإطالة بالحديث عن ذلك. ↑
- () انظر: إنجيل برنابا، ترجمة الدكتور خليل سعادة ص320. ↑
- () انظر على سبيل المثال: شارل جنيبير في كتابه: المسيحية نشأتها وتطورها. ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود، ص49 وما بعدها. وإميل لودفيغ في كتابه ابن الإنسان ترجمة عادل زعيتر ص205 ط1947 مصر. ↑
- () انظر: ص504 وما بعدها. ↑
- () وهذا لا يعني المناقشة فيهم أجمعين. فقد يوجد بين طلاب المسيح من يكون صالحاً تقوم الدلائل على إيمانه وإخلاصه. ↑
- () لعلنا نتوفّر لذكر عدد من هذه التناقضات في الجزء الخاص من الموسوعة بهذا الموضوع. ونذكر هنا على سبيل المثال: أ ـ انفرد يوحنا في إنجيله بأنّه ظهر يسوع لتلاميذه ثلاث مرّات (21/15). بينما الأناجيل الأخرى واضحة في المرّة الواحدة. ب ـ انفرد متى بوصية المسيح بتعميد المسيحيين باسم الأب والابن والروح القدس (28/20). ولم يذكر الآخرون ذلك مع أنّهم كانوا بصدد استيعاب كلام المسيح ووصاياه. ج ـ انفرد لوقا بتصريح المسيح بأنّه قتل من أجل تكفير خطايا الأمم (21/47ـ48). ولم يذكره الآخرون مع أنّهم كانوا بصدد الاستيعاب. إلى غير ذلك من نقاط التهافت. ↑
- () انظر مثلاً: 5/13 و12/11 و16/27 و19/12ـ13 وغيرها كثير. ↑
- () ترجمة جورج فتاح. دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت. ↑
- () ترجمة الدكتور عبد الحليم محمد ط: المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت. ↑
- () قصة الديانات. سليمان مظهر، ص441. ↑
- () انظر فكرة مختصرة عن ذلك في: تاريخ الغيبة الكبرى للمؤلف ص261. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 158. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 40. ↑
- () سورة الذاريات، الآية: 56. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 191. واسم الإشارة راجع إلى خلق السماوات والأرض في الآية. ↑
- () سورة الدخان، الآيتان: 38 و39، وانظر الأنبياء: 16ـ17. ↑
- () انظر: ص278 وما بعدها. ↑
- () انظر: ص497 وما بعدها. ↑
- () انظر: ص246 وما بعدها. ↑
- () انظر: التطبيق الثالث، ص268، وانظر التطبيق الرابع، ص511 وما بعدها أيضاً ص514 وما بعدها. ↑
- () أعني بها المستوى المهضوم والمعمول عليه اجتماعياً، لا المستوى المفهومي الموجود في الأطروحة الكاملة، فإنّه يكفي فكرياً للمنع عن الانحراف. ↑
- () انظر: ص49 وما بعدها إلى عدّة صفحات. ↑
- () انظر: ص514. ↑
- () انظر: تاريخ الغيبة الصغرى ص630. ↑
- () انظر: فجر الإسلام لأحمد أمين ص185 نقلاً عن المسعودي. ↑
- () انظر ص251 وما بعدها إلى عدّة صفحات. ↑
- () سورة نوح، الآيات: 2ـ4. ↑
- () سورة هود، الآيات: 84ـ88. ↑
- () سورة نوح، الآيات: 10و11 و12. ↑
- () سورة هود، الآية: 52. ↑
- () سورة هود، الآية: 86. ↑
- () انظر: الخرايج والجرايج للقطب الراوندي ص199. ووسائل الشيعة للحر العاملي، كتاب المزار، ج1، ص468. والمراد بالبقية: كونه (عليه السلام) المتبقي في الأرض من خط الأنبياء والأولياء السابقين عليه. وهذا يعطي بوضوح كون عمله نتيجة كبيرة وحقيقية لمجموع أعمالهم، كما برهنا عليه في هذه الموسوعة. ↑
- () انظر مثلاً: ص237 منه. ↑
- () سورة النور، الآية: 55. ↑
- () انظر المزامير: 37/19 و23 و30. ↑
- () انظر ـ مثلاً: ص247 فما بعدها. ↑
- () انظر: تاريخ الغيبة الكبرى ص501، وتاريخ ما بعد الظهور ص78 وما بعدها. ↑
- () انظر تاريخ الغيبة الكبرى ص521 وغيرها. وتاريخ ما بعد الظهور ص151 وما بعدها. ↑
- () انظر: ص514 وغيرها. ↑
- () انظر: ص296 وما بعدها. ↑
- () انظر تاريخ ما بعد الظهور: الجهة الثالثة من المقدمة. ↑
- () انظر نفس المصدر: القسم الثاني من الكتاب. ↑
- () المصدر: الفصل الرابع من الباب الأوّل من القسم الأوّل. ↑
- () المصدر: الباب الأوّل من القسم الثالث. ↑
- () المصدر: الفصل السابع من الباب الثالث من القسم الثاني. ↑
- () المصدر: الفصل السادس من الباب الثالث من القسم الثاني. ↑
- () انظر: تاريخ ما بعد الظهور: الفصل الأوّل من الباب الثالث من القسم الثاني. ↑
- () انظر المصدر نفسه والفصل نفسه. ↑
- () وسائل الشيعة للحر العاملي: كتاب الخمس، أبواب الأنفال باب 4. ↑
- () نفس المصدر ونفس الباب. ↑
- () المصدر والباب. ↑
- () يراد بعهد الهدنة ما هو أوسع من عهد الغيبة. فإنّ عهد الغيبة يبدأ بأوّل الغيبة الصغرى وينتهي بعد الظهور. وأمّا عهد الهدنة فيشمل مضافاً إلى ذلك ما قبله منذ وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله). ↑
- () وسائل الشيعة، ج2، ص616 (كتاب التجارة). ↑
- () سورة البقرة، الآية: 275. ↑
- () انظر: غيبة النعماني ص124. ↑
- () صحيح مسلم، ج8، ص185، والحديث والذي قبله. ↑
- () الصواعق ص98. هذا الحديث والذي قبله. ↑
- () صحيح البخاري، ج9، ص73ـ74. ↑
- () انظر الصحيح، ج3، ص84. ↑
- () الإرشاد ص342. ↑
- () انظر: الفصل السابع من الباب الثالث من القسم الثاني. ↑
- () تاريخ ما بعد الظهور: نفس الفصل. ↑
- () ص 125 منه. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 275. ↑
- () نفس السورة والآية. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 38. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 1. ↑
- () سورة النساء، الآية: 29. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 36. ↑
- () هذه هي نسب الزكاة، كما هو معروف لمن راجع الفقه الإسلامي. وأمّا الخمس فهو يمثل 20% من المال، إلاّ أنّه يؤخذ من الربح لا من أصل المال ـ في الغالب ـ فإذا كان الربح ربع المجموع كانت الضريبة خمس الربع، أي 5% فقط. إذن فلا تكاد تزيد أعلى الضرائب الإسلامية عن 10% في الأعم الأغلب. ↑
- () بل أصبح الآن من الواضح فشل هذه النظرية، بعد أن عاشت التطبيق حقبة من الزمن في البلدان الاشتراكية، حتّى أجاز الاتحاد السوڤييتي الملكية الخاصّة في الزراعة، لأنّه رأى بوضوح أنّ الإنتاج سوف يكون أوفر بشكل كبير. وهو ـ أيضاً ـ بصدد ذلك في الصناعة أيضاً. وبذلك تفشل النتائج الرئيسية التي توختها الماركسية لتطوّر وسائل الإنتاج. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 105. ↑
- () سورة النساء، الآية: 95. ↑
- () مختارات لينين، ج2، ص294 وما بعدها. ↑
- () سورة الزمر، الآية: 9. ↑
- () سورة النساء، الآية: 95. ↑
- () انظر: الفصل الخامس من الباب الأوّل من القسم الأوّل تحت عنوان (الأسس العامة لتخطيط ما بعد الظهور). ↑
- () يحول دون التدريج البطيء في المجتمع المعصوم، ما قلناه فيما سبق من أن نتائج التخطيط ـ أياً كان ـ تكون متشابهة إلى حدٍ كبير في البشرية كلّها. فالتدريج وإن كان ثابتاً إلاّ أنّه ليس بطيئاً بالمعنى الحقيقي. وبهذا يختلف عن التدرج في الطور الأعلى الماركسي. ↑
- () ص 480. ↑
- () انظر الأنبياء: 21/29. ↑
- () انظر سورة الصافات، الآيتان: 143 و144. ↑
- () السورة الصافات، الآية: 146. ↑
- () سورة الشعراء، الآية: 63. ↑
- () سورة الواقعة، الآيات: 83ـ87. ↑
- () سورة الجن، الآية: 16. ↑
- () سورة نوح، الآية: 11. ↑
- () انظر سورة هود، الآية: 37ـ48. ↑
- () انظر سورة سبأ، الآيتان: 15 و16. ↑
- () انظر سورة هود، الآيتان 82 و83 وسورة الحجر، الآيتان: 73 و74. ↑
- () انظر سورة الفيل، الآيات: 1ـ5. ↑
- () في الفصل السابع من الباب الثالث من القسم الثاني. ↑
- () في الفصل نفسه. ↑
- () كما يمكن ملاحظة البشرية السابقة من أوّلها إلى ابتداء الدولة العالمية… كذلك يمكن ملاحظتها من أوّل وعيها إلى تلك الدولة، إسقاطاً لفترة ما قبل الوعي عن الاعتبار لقلّة أهميتها. ومن المسلم علمياً إلى جانب التسالم الديني أنّ فترة الوعي إلى الآن لا تزيد على حوالي الخمسة آلاف سنة، وقد لا تحتاج إلى ابتداء الدولة العالمية إلى إضافة ألف آخر. ومن هنا يمكن أن يكتفي في تحديد فترة التخطيطين الرابع والخامس، بخمسين ألف سنة. وأمّا إذا أخذنا بالفهم العلمي الحديث من أنّ فترة ما قبل الوعي تستمرّ عدّة ملايين من السنين قد تصل إلى عشرات الملايين، وأخذنا هذه الفترة بنظر الاعتبار في أخذ النسبة. إذن، يلزم القول ببقاء المجتمع المعصوم عدّة مئات من ملايين السنين. وليس هذا التحديد مهماً بعد الالتفات إلى حقيقتين، الأولى: إنّ التخطيطات بطبيعتها لا تتحد بالزمان. والثانية: إنّ فترة الدولة العالمية والمجتمع المعصوم سيواكب البشرية إلى حدود فنائها سواء طال عمرها أم قصر. ↑
- () سورة الذاريات، الآية: 56. ↑
- () انظر: الباب الثاني من القسم الثالث. ↑
- () قد يكون العمل الكوني المسند إلى بعض البشر ممارساً في الأرض نفسها فلا يكون الانفصال تاماً، وإنّما يكون الانفصال نسبياً ثابتاً للبشرية على وجه العموم. ↑
- () انظر تاريخ ما بعد الظهور: الباب الثاني من القسم الثالث. ↑
- () الإشاعة لأشراط الساعة ص178. ↑
- () انظر غيبة الشيخ الطوسي ص218. ↑
- () المصدر والصفحة بمعناه. ↑
- () انظر: ص255 وما بعدها إلى عدّة صفحات. ↑
- () كليلة ودمنة، تحقيق الياس خليل زخريا ط دار الأندلس ـ بيروت ص83. ↑
- () المصدر ص95. لاحظ قوله: أقسام الكتابة وأغراضها (المعاني الباطنة). ↑
- () انظر ص: 245 وما بعدها. ↑
- () سورة الأنعام، الآية: 165. ↑
- () سورة النور، الآية: 55. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 36. ↑
- () سورة الرعد، الآية: 11. ↑
- () سورة الذاريات: الآية: 56. ↑
- () انظر ص: 234 منه. ↑
- () انظر: السيرة النبوية لابن هشام، ج2، ص258. هذا وينبغي أن نضع المبرر الذي ذكره النبي (صلّى الله عليه وآله) في موضعه الاجتماعي والتاريخي الخاص، من حيث إنّ الناس لم يكونوا ليستوعبوا هدفاً أبعد من الحصول على المال، ولعل الذكي منهم يلتفت إلى حصول القوّة للجماعة من هذا المال. ↑
- () مقتل الحسين (عليه السلام) أو حديث كربلاء. عبد الرزاق المقرم ط2، النجف ص139. ↑
- () المصدر ص135. ↑
- () المصدر ص193. ↑
- () المصدر ص131. ↑
- () المصدر ص195. ↑
- () انظر: تاريخ ما بعد الظهور: في الفصل الثالث من الباب الثاني من القسم الثاني. ↑
- () انظر: ص550 إلى ص560. ↑
- () كانت هذه الفكرة في صدر الإسلام مطبقة عملياً، ولكنّها غير مفهومة للعموم لعدم استيعاب الذهنية العامة لها. وأمّا الثورة الإنكليزية فقد كانت بيضاء غير دموية فهي لا تنطبق على هذه الفكرة تماماً. وأمّا الثورة الأميركية فقد كانت أقل تنظيماً وأضعف في الإيديولوجية الفكرية من الثورة الفرنسية. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 14. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 14. ↑
- () أعني أنّ هذه الأطروحة تخصّهم، ولا تشمل سواهم. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 14. ↑
- () سورة المائدة، الآيات: 44ـ47. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 66. ↑
- () نفس السورة والآية. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 68. ↑
- () نفس السورة والآية. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 96. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 42. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 80. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 51. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 42. ↑
- () انظر: إرشاد القلوب للديلمي، ص6، ج2، ط بيروت. ↑
- () انظر: ص124. ↑
- () انظر: ج4، ص205. ↑
- () سورة المائدة، الآية: 48. ↑
- () نفس السورة والآية. ↑
- () سورة آل عمران: الآية: 85. ↑
- () سورة آل عمران، الآيتان: 31 و32. ↑
- () سورة سبأ، الآية: 13. ↑
- () سورة ص، الآية: 24. ↑
- () سورة الواقعة، الآيات: 10ـ14. ↑
- () سورة الواقعة، الآيات: 35ـ40. ↑
- () سورة سبأ، الآيات: 12 و13. ↑
- () سورة ص، الآية: 24. ↑
- () التبيان في تفسير القرآن. ط النجف، ج9، ص490. ↑
- () سورة التوبة، الآية: 100. ↑
- () المفردات ص222. ↑
- () المصدر ص81، وانظر التبيان، ج9، ص490. ↑
- () سورة الواقعة، الآيات: 10ـ14. ↑
- () التبيان، ج9، ص490. ↑
- () انظره في الباب الأوّل من القسم الثالث. ↑
- () ص: 84ـ85. ↑
- () انظر: ط النجف ص84ـ85. ↑
- () الباب الأول من القسم الثالث. ↑
- () إعلام الورى بأعلام الهدى ط طهران ص435. ↑
- () سورة الأحزاب، الآية: 46. ↑
- () سورة الحديد، الآية: 25. ↑
- () إشارة من حضرة، المؤلف (عليه الرحمة)، إلى ظهور صاحب الزمان (عج) الذي به تمتلئ الدنيا عدلاً وخيراً كما ملئت ظلماً وجوراً. ↑
- () سورة النور، الآية: 55. ↑
- () سبق الأستاذ الشهيد (رضوان الله عليه) أن عرّف العدل في كتابه (العدل الإلهي): فقال:أ ـ يقصد بالعدل: كون الشيء موزوناً ومنه التعادل الاجتماعي، والفيزيائي، والكيميائي، والعالم كلّه متعادل موزون. ب ـ والمعنى الثاني للعدل هو التساوي، ونفي أي لون من ألوان الترجيح. ج ـ والمعنى الثالث للعدل: هو رعاية حقوق الأفراد، وإعطاء كلّ ذي حق ما له من حق. ويتعرّض إلى شواهد من أقوال الشاعر مولوي الذي يعرف العدل بقوله: العدل هو وضع الشيء في موضعه، هو إعطاؤك الأشجار ماء. (راجع العدل الإلهي ـ للمؤلف (رضوان الله تعالى عليه): ص68 وما بعدها). طبع الدار الإسلامية بيروت. ↑
- () فردريك نيتشه (ت1900م): ولد في مدينة ريكن في (بروسيا)، أثر تأثيراً عميقاً على فلسفة القارة الأوروبية وآدابها. وخاصّة في ألمانيا وفرنسا، كان ابناً لكاهن بروتستانتي، وحفيداً لكاهنين، درس فقه اللغة، وعيّن أستاذاً في (بازل) في (سويسرا) عام (1869م)، وأصبح من الرعايا السويسريين. في الحرب الفرنسية البروسية (1870ـ1871م) خدم فترة قصيرة تابعاً طبياً للجانب البروسي، صادق ريتشارد فاغنر (ولد 1813م)، ولكنهما افترقا سريعاً لأنّ المترجم عقلي، وذاك موسيقي. أولى مؤلفاته: (إنساني، إنساني إلى أقصى حد) عام (1978م) (الموسوعة الفلسفية المختصرة).ماكياڤيلي (ت1519م) راجع مقدمة كتاب (الأمير) ـ ط. دار الآفاق ـ بيروت. ↑
- () راجع ترجمة في الموسوعة الفلسفية المختصرة ص210. ↑
- () «… فيخرج (يعني المهدي ـ عج)، ويقتل أعداء الله، حيث ثقفهم، ويقيم حدود الله، ويحكم بحكم الله تعالى» (الأنوار البهية؛ ص314). ↑
- () أصول الكافي: هما المجلد الأوّل والثاني من كتاب (الكافي) لثقة الإسلام، أبي جعفر محمد بن إسحاق الكليني الرازي (ت328/329هـ)، الذي يتألف من سبعة مجلدات: الأصول (2) ـ الفروع (4) ـ الروضة (1) ـ والخبر الذي أورد المؤلف (رضوان الله تعالى عليه) مضمونه، مستمد من (الأصول من الكافي: ج1، ص334). ↑
- () الواقع أنّ هناك بحوثاً عديدة تعرّضت إلى مسألة عمر الإمام الحجة (عج) لأنّها تستوجب التوقف عندها في كلّ دراسة تتناول مسألة الظهور، ويمكن العودة إلى: (المهدي الموعود للسيد عبد الحسين دستغيب ـ ط. دار التعارف ـ بيروت ـ المهدي المنتظر لأبي الفضل عبدالله بن الصديق الحسني الإدريسي ـ ط. عالم الكتب ـ بيروت. والذي يلفت النظر ويؤكد اعتبار المسألة موضوع البحث، وهو البحث القيم والممتاز الذي تناوله السيد الشهيد السعيد محمد باقر الصدر في كتابه (بحث حول المهدي ط. دار التعارف ـ بيروت). ↑
- () راجع الفردوس بمأثور الخطاب لشيرويه الديلمي (ت509هـ): ج3، ص372 ـ الفوائد المجموعة: ص336 ـ الإحياء: ج3، ص157 ـ الإتحاف: ج7، ص572 ـ كنز العمال: رقم الحديث: 32761. عقد الدرر للسلمي: ص32. ↑
- () عقد الدرر: ص43 وأحاديث متفرقة فيما بعدها. ↑
- () المعجم المفهرس لنهج البلاغة: ص48. ↑
- () المعجم المفهرس: ص24. ↑
- () سورة الأعراف، الآية: 128. ↑
- () سبق وأشرنا إلى مصدر ترجمته. ↑
- () أينشتين: صاحب نظرية (النسبية): ألبرت أينشتاين (1879ـ1955م): فيزيائي أميركي، ولد في ألمانيا، وضع النظرية النسبية الخاصة، ثمّ العامة في الزمان (1916م). حائز على جائزة نوبل في الفيزياء (1921م). (المنجد في اللغة والإعلام). ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 103. ↑
- () من دعاء الافتتاح وهو مروي عن صاحب الأمر (عج). ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 105. ↑
- () قال الفيض الكاشاني في (تفسير الصافي) وهو متوفى (1091هـ) في تفسير (الذكر): الكتب كلّها ذكر. (الصافي: ج2، ص357) ـ وقال جار الله الزمخشري (ت538هـ) في تفسير (الذكر): التوراة (الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: ج2، ص586). ↑
- () يمكن العودة إلى كتاب (المحجة في ما نزل في القائم الحجة) للسيد هاشم البحراني لتجد فيها الآيات والأخبار التي تؤكد ما أورده المؤلف الأستاذ (رضوان الله تعالى عليه). ↑
- () يمكن العودة إلى (عقد الدرر في أخبار المنتظر) ـ ليوسف بن عبد العزيز المقدسي الشافعي السلمي، وهو من علماء القرن الرابع الهجري ـ ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت. وكما يمكن العودة إلى كتاب (الرهان في علامات مهدي آخر الزمان ـ لعلي بن حسام الدين، الشهير بـ (المتقي الهندي الجوپوري، المتوفى سنة 975هـ) ـ تحقيق علي أكبر غفاري ـ مطبعة الخيام؟ قم 1399هـ وهذين الكتابين في مكتبتنا وهما يشيران إلى أسماء كتب كثيرة عند أهل السنّة والجماعة مؤلفة حول وجود وظهور وعلامات صاحب الزمان (عج). ↑
- () سبقت الإشارة إلى كتاب آية الله الصدر (أعلى الله مقامه). ↑
- () منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (ع) ـ تأليف لطف الله الصافي الكلبايكاني ـ ط2 ـ مصطفوي/ قم. ↑
- () المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: ص112. ↑
- () المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، أبو إسحاق (ت67هـ): من زعماء الثائرين على بني أمية، وأحد الشجعان الأفذاذ من أهل الطائف. توجه أبوه إلى العراق فاستشهد يوم الجسر، وبقي المختار في المدينة منقطعاً إلى بني هاشم، كان مع علي (عليه السلام) بالعراق، وسكن البصرة بعد علي (عليه السلام) سنة (61هـ) انحرف المختار عن عبيدالله بن زياد (أمير البصرة)، فقبض عليه ابن زياد، وجلده وحبسه، وأطلقه بشفاعة عبدالله بن عمر صهره. دخل الكوفة بعد موت يزيد بن معاوية، ودعا إلى إمامة محمد ابن الحنفية. قتل كثيراً من الذين قاتلوا الحسين (عليه السلام). قتله مصعب بن الزبير. وفي (الإصابة) وهو من غريب المصادفات: أنّ عبد الملك بن عمر ذكر أنّه رأى عبيد الله بن زياد وقد جيء إليه برأس الحسين (عليه السلام) ثمّ رأى المختار وقد جيء إليه برأس عبيد الله بن زياد، ثمّ رأى مصعب بن الزبير وقد أتى برأس المختار، ثمّ رأى عبد الملك بن مروان وقد حمل إليه رأس مصعب، (الإصابة: رقم الترجمة 8547 ـ الفرق بين الفرق: 31ـ37 ابن الأثير: ج4، ص82 ـ الطبري: ج7، ص146ـ فرق الشيعة: ص23 ـ الأعلام: ج7، ص192 ـ الأخبار الطوال: ص282 ـ القاموس: كيسان). ↑
- () يقول المسعوي: «… وكتب المختار كتاباً إلى علي بن الحسين السجاد يريده على أن يبايع له، ويقول بإمامته، ويظهر دعوته، وأنفذ إليه مالاً عظيماً، فأبى علي أن يقبل ذلك منه، أو يجيبه عن كتابه… وأظهر كذبه وفجوره ودخوله على الناس بإظهار الميل إلى آل أبي طالب. فلمّا يئس المختار من علي بن الحسين كتب إلى عمّه محمد ابن الحنفية، يريده على مثل ذلك، فأشار عليه علي بن الحسين أن لا يجيبه إلى شيء من ذلك، فإنّ الذي يحمله على ذلك اجتذابه لقلوب الناس بهم، وتقربه إليهم بمحبتهم، وباطنه مخالف لظاهره في الميل إليهم والتولي لهم، والبراءة من أعدائهم بل هو من أعدائهم لا من أوليائهم، والواجب عليه، أن يشهر أمره، ويظهر كذبه…» (مروج الذهب: ج3، ص272). ↑
- () يقول كثير عزَّة:وسبط لا تراه العين حتّىيقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيها زماناً
بـ (رضوى) عنده عسل وماء
(راجع مروج الذهب: ج3، ص277). ↑
- () الكيسانية: وهم القائلون بإمامة محمد ابن الحنفية. وقد تنازعت الكيسانية من بعد قولهم بإمامة محمد ابن الحنفية: فمنهم من قطع على موته، ومنهم من زعم أنّه لم يمت، وأنّه حي في جبال (رضوى). وإنّما سمّوا بـ (الكيسانية) بإضافتهم إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان اسمه (كيسان)، ويكنى أبا عمرة، وأنّ علي بن أبي طالب سمّاه بذلك، ومنهم من رأى أنّ كيسان أبا عمرة هو غير المختار، (راجع مروج الذهب: ج3، ص276). ↑
- () الزهري: ولد محمد بن مسلم بن كلاب بن مرة القرشي الزهري سنة (58هـ)، وكان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير، وجدّه عبيد الله مع المشركين يوم بدر، ولم يزل هو مع عبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك وفي البداية جعله هشام معلماً لأولاده، كان عاملاً لبني أمية. توفي سنة (124هـ) ودفن في ضيعته (أدامي) خلف وادي القرى.(راجع مجموعة شيخ ورام: ص306 ـ تاريخ ابن كثير: ج9، ص340 ـ تهذيب التهذيب: ج9، ص449 ـ التهذيب للشيخ الطوسي: ج2، ص435 ـ الإمام زين العابدين (عليه السلام) للمقرم: ص15). ↑
- () كان للإمام زين العابدين (عليه السلام) ولد باسم زيد. وقد قام زيد هذا بثورة في زمان العباسيين واستشهد. وفيما يتعلق بكون هذا الرجل على الحق أم لا؟ كلام كثير، ولكن يستفاد من روايات الشيعة أنّ أئمتنا (عليهم السلام) كانوا يجلونه وجاء في رواية «الكافي» أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «أقسم بالله تعالى أنّ زيداً فارق الدنيا شهيداً». ويعتقد الشيعة الزيديون الموجودون الآن في اليمن أنّ زيداً هذا هو الإمام من بعد أبيه زين العابدين (عليه السلام). وقد كان زيد على أيّ حال رجلاً تقياً زاهداً حسن السيرة. وتقرّر رواياتنا بأنّ قيامه كان قيام أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ولم يكن لديه أيّ ادعاء للإمامة. ↑
- () لا بدّ من التنبيه هنا إلى أنّه منذ صدر الإسلام، لم يعيّن ـ أبداً ـ زمان ظهور المهدي (عليه السلام). طبعاً هنا بعض الخواص والمقربين إلى أهل البيت يعلمون سلسلة نسبه وعلامات ظهوره، ولكن لا يوجد في الروايات المنقولة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ما يشير إلى تأريخ هذا الظهور أبداً. ↑
- () سبق أن أشرنا في هامش سابق اجتماعهم بالأبواء فراجع. (راجع مقاتل الطالبيين: ص207) (العسيلي). ↑
- () مقاتل الطالبيين: ص247. ↑
- () مقاتل الطالبيين: ص282. ↑
- () الإمام الصادق (عليه السلام) لمحمد حسين المظفر: ج2، ص116. ↑
- () دعبل بن علي بن رزين الخزاعي (ت246هـ): شاعر أصله من الكوفة تخرج في الشعر على مسلم بن الوليد. اتصل بالرشيد وهجاه مع سائر الخلفاء العباسيين الذين عاصرهم حتّى المأمون وهو القائل فيهم:أرى أمية معذورين إن قتلواولا أرى لبني العباس من عذر
ومدح الأئمة وخاصّة الإمام الرضا (عليه السلام) وأجازه. هجا مالك ابن طوق أمير الجزيرة فقتله، وكان يتشيع، بل من أشدّ المدافعين عن الشيعة، له ديوان شعر مشهور ومتداول. ↑
- () إشارة إلى البيت من القصيدة الشهيرة التائية التي مطلعها:تجاوبن بالأديان فالزفراتنوائح عجم اللفظ والنطقات
↑ - () ويقول فيها البيت:وقبر ببغداد لنفس زكيةتضمنها الرحمن في الغرفات
↑ - () وقبر بطوس يا لها من مصيبةألحت على الأحشاء بالزفرات
↑ - () راجع من حياة الإمام الرضا (عليه السلام) لعلي العسيلي العاملي: ص20. ↑
- () وهو قوله:فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدٍتقطع نفسي إثرهم حسرات
خروج إمام لا محالة خارج
يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كلّ حق وباطل
ويجزي على النعماء والنقمات
↑ - () القاديانية: فرقة من الغلاة المتأخري النشأة؛ جماعة غلام أحمد القادياني الهندي المولود حوالي (1281هـ). وغلام أحمد تعني عبد أحمد، أي عبد النبي، والقاديانية نسبة إلى (قاديان) الهندية، حيث ولد غلام أحمد. ادعى غلام أحمد أنّه المسيح المعهود، والمهدي الموعود، في وقت واحد، وممّا جاء في رسالته التي نشرها سنة (1344هـ): «إنّ الله قد بعثني مجدداً على رأس هذه المائة، واختصني عبداً لمصالح الأمّة… وسمّاني المسيح ابن مريم بالفضل والرحمة… وجعلني ربي عيسى ابن مريم على طريق البروزات الروحانية ومن أجل آلائه أنّه استودعني سرّه الذي يكشف للأولياء، والروح الذي لا ينفح إلاّ في أهل الاصطفاء… وقال لي: أنت وجيه حضرتي، واخترتك لنفسي… واعلموا أنّ فضل الله معي، وأنّ روح الله ينطق في نفسي وصادفت هذه الدعوة نجاحاً في بعض جهات (إفريقية) ويطلق عليها اسم (الأحمدية). (معجم الفرق الإسلامية: ص189). ↑
- () حافظ شيرازي: شمس الدين محمد (ت1389م): ولد في (شيراز)، وهو شاعر غنائي فارسي، عفيف في وصف مشاهد الحب، جمعت أشعاره في (ديوان حافظ) (المنجد في اللغة والأعلام). ↑
- () الدّمل: انتفاخ بسيط في بقعة ما من الجسم، عادة يكون نتيجة تقيح داخلي ورأس يظهر فيه الاحمرار الشديد من الخارج. ودواؤه (المرهم الأسود). ↑
- () راجع منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام): ص475. ↑
- () سورة الأنبياء، الآية: 105. ↑
- () قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [سورة الأحزاب، الآية: 33]. ↑
- () وشمگير: وشم اسم لأحد الطيور وكان وشمگير مغرماً بصيد هذا الطائر، فسمّي باسمه، إلاّ أنّ صاحب معجم آنندراج فهم من شعر أبي بكر الخوارزمي في مدحه لقابوس وشمگير كانت في الأصل (دشمگير بالدال) وكلمة دشم مخففة لكلمة دشمن أي العدو. يقول الخوارزمي:أليس بمعنى وشمگير بلفظكممكبل أبطال طغاة غواصب؟
↑ - () هكذا في جميع النسخ ومعناه أنّه كان يقول بمذهب هشام في الاستطاعة. ↑
- () تخرج بالشيخ المفيد وعاصر الشيخ الطوسي والشريف المرتضى ولد سنة 372 وتوفي سنة 450. ↑
- () في كتابه أسماء مصنفي علماء الشيعة ص159. ↑
- () المتوفى سنة 1033 بمكة المكرمة. ↑
- () ص118. ↑
- () لا يخفى أنّ أحمد بن عمر هو ابن أخي علي لا ابن ابنه. ↑
- () جاء في فهرست النجاشي ما يستفاد منه أنّ في رجال الشيعة من سبق المترجم بالتصنيف وجاء في كتاب الشيعة وفنون الإسلام في هذا الموضوع ما فيه زيادة للمستزيد. ↑
- (* ) ممّا يلفت النظر أنّ للشاعر عبد المحسن الصوري الذي نشأ وعاش في مدينة صور على ساحل بلاد الشام في جبل عامل وتوفي فيها سنة 419هـ ـ أنّ لهذا الشاعر قصيدة في مدح والد الوزير المغربي علي بن الحسين، يقول فيها:هل بعد ذلك منيعرفني النضار من اللجين
فلقد جهلتهما لبعـ
ـد العهد بينهما وبيني
متكسباً بالشعر يا
بئس الصناعة في اليدين
كانت كذلك قبل أن
يأتي علي بن الحسين
فاليوم حال الشعر
حالية كحال الشعرتين
فهذا المدح يدل على أشياء كثيرة هي من صميم التاريخ السياسي والأدبي في تلك الفترة. فأين التقيا وكيف التقيا وما أمرهما؟ الجواب عن ذلك وغير ذلك ممّا يرتبط بهذا الموضوع يحتاج إلى دراسات طويلة ليس أمرها متوفراً لنا الآن. (ح). ↑
- () أدب الخواص: 20 (نقلاً عن طرة مخطوطة الأسكوريال رقم 605). ↑
- () رسائل المعري 1: 185ـ186. ↑
- () أدب الخواص (مقدمة المحقق): 20 (نقلاً عن طرة نسخة الأسكوريال رقم 605). ↑
- () الذيل والتكملة 8: 259. ↑
- () إحكام صنعة الكلام: 28. ↑
- () الذخيرة 4: 476. ↑
- () بغية الطلب 5: 18. ↑
- () بغية الطلب 5: 17. ↑
- () أدب الخواص: 86. ↑
- () أدب الخواص: 83. ↑
- () أدب الخواص: 83ـ85. ↑
- () البأج: الطريق الواحد والوجه الواحد، أي إيراده دون فصل بين الجمل. ↑
- () رسالة الغفران: 55. ↑
- () العقد الثمين 4: 70. ↑
- () في طبقات الداودي: 153 للثاني من ذي القعدة سنة أربعمائة، وعلى هذا يمكن أن تكون الكلمة: للثامن، للثاني عشر، للثاني والعشرين. ↑
- () بما أنّ هبة الله توفي سنة 406 فقد جعلنا هذه الحادثة في هذه الفترة. ↑
- () خطط المقريزي 2: 158. ↑
- () بغية الطلب 5: 26. ↑
- () مرآة الزمان 12: 33 (وهو موجز جدّاً عند ابن الأثير 9: 321) وجاء في مرآة الزمان 12: 47 أنّ قرواشاً لم يقتل سليمان بل خرج مع المغربي إلى نصر الدولة وأقام في ضيافته حتّى أصلح حاله مع قرواش وعاد إليه. ↑
- () بغية الطلب 5: 26. ↑
- () مرآة الزمان 12: 47. ↑
- () وعند ابن خلكان 2: 176 في الثالث عشر من رمضان. ↑
- () تاريخ ابن الأثير 9: 362 ومرآة الزمان 12: 47 والمنتظم : 33. ↑
- () مرآة الزمان 12: 48. ↑
- () مرآة الزمان 12: 48 والمقطوعة رقم: 90. ↑
- () العبالة: السمنة والغلظ، والدرحاية: القصير. ↑
- () الثفال: الجلد الذي يبسط تحت رحى اليد، والرحاية: الرحى. ↑
- () السحاية: القطعة التي تؤخذ من القرطاس. ↑
- () الفحا: أبزار القدر. ↑
- () ابن خلكان 2: 174 «من دهاة العارفين»؛ سير أعلام النبلاء 17: 395ـ396 له رأي ودهاء… وذكاء وقاد، وكان من دهاة العالم؛ لسان الميزان: 2: 301 له الذكاء المفرط؛ ذيل تاريخ دمشق: 64 ذا علم وذكاء؛ الداودي 1: 153 وإفراط ذكائه وفطنته؛ الوافي 12: 442 من الدهاة العارفين. ↑
- () ابن خلكان 3: 134 خبيث الباطن؛ لسان الميزان: 2-302 الجرأة وارتكاب العظائم في حصول غرضه؛ الوافي 12: 442 خبيث الباطن؛ ابن الأثير 9: 332 كان خبيثاً محتالاً. ↑
- () المنتظم 8: 32ـ33 وابن الأثير 9: 232 وابن خلكان 2: 174 والوافي 12: 442 ولسان الميزان 2: 301 ومرآة الزمان 12: 47. ↑
- () الرسالة رقم: 16، الفقرة: 14. ↑
- () التتمة: كذاك إذا الماء حركته. ↑
- () الشريشي: دنف بمصر… طول بعاده. ↑
- () المصعب: الفحل من الجمال يعفى من الركوب؛ وضرب البعير بجرانه: برك. ↑
- () الدورق المنسوب إليها: قصبة من أعمال خوزستان قرب الأهواز تقع في منبطح من الأرض تحيط بها وكانت من الأماكن التي تغشاها الحيوانات فيفد عليها هواة الصيد لصيدها. (راجع: الدورق). ↑
- () لقب أبيه. ↑
- () سورة فصلت، الآية: 42. ↑
- () قال «البستاني» في «دائرة المعارف» ـ الجزء العاشر ـ ط دار الهلال 1898م ص743 عن صفي الدين الحلي ما إليك نصّه: «كان شاعر عصره على الإطلاق. أجاد في القصائد المطولة والمقاطيع الرشيقة وله في النظم أساليب رائعة ومعان شائقة وألفاظ مأنوسة ومقاصد كالسهام الراشقة. وذهب في البديع كلّ مذهب وتأنق في النظم والنثر حتّى فاق من تقدمه وأتعب من تأخره مع سلامة الألفاظ وسهولة المباني ورشاقة الأسلوب. فشعره مطبوع لا شيء فيه من التكلف فضلاً عمّا فيه من غرائب الفنون التي تقتضي تكلفاً فإنّه أتى من فنون الشعر بأفانين يقصر باع غيره عن مثله». ↑
- () هذا لا يعني أن تاريخ الطبري لم يكن جديراً بتلك المكانة، خصوصاً إذا نظرنا إليه في إطاره التاريخي. لكنّنا نعني أنّ هناك من المؤرخين من كانوا أيضاً على القدر نفسه من الجدارة إن لم نقل تجاوزوها، للظفر بتلك المكانة التي استفرد بها الطبري. ↑
- () New York (Columbia University, Oriental Studies) No. XV. Et A-S Halkin; Tel-Aviv 1936. ↑
- () XXVIII et JAOS (1908) 1-183 XXIX. ↑
- () Madrid, Real Academia, Real Academia de la Historia 1927-32; 5 Vol: Traduction Espagnole du Kitab Al-Fisal D’Ibin Hazm de Condove. ↑
- () منشورات جامعة الحكمة في بغداد ـ سلسلة علم الكلام. اعتمدنا في هذه الإحالات على: مساهمة المستشرقين في نشر التراث الإسلامي الخاص بعلم الكلام، د. ألبير نصري نادر، الفكر العربي، عدد 31 يناير ـ مارس 1983: الاستشراق: التاريخ والمنهج والصورة. معهد الإنماء العربي بيروت ـ لبنان. ↑
- () طبع الرسالة وعلّق عليها د. بول كراوس، أصول الإسماعيلية؛ برنارد لويس، ص44. ↑
- () أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام، ص185، ترجمة عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، ص1958. ↑
- () المصدر السابق، ص239. ↑
- () المصدر السابق، ص244. ↑
- () المصدر السابق، ص245. ↑
- () المصدر السابق، ص187. ↑
- () المصدر السابق، ص185. ↑
- () المصدر السابق، ص186. ↑
- () المصدر السابق، ص255. ↑
- () العقيدة والشريعة في الإسلام، جولدزهير، ص184، دار الكاتب المصري، ط1946. ↑
- () المصدر السابق، ص205. ↑
- () يقول جولدزهير: «… غير أنّ المسلمين ترخصوا فيه [أي زواج المتعة] حتّى بعد هذا التحريم، وذلك في ظروف خاصّة كمناسبة الحج مثلاً…» (ص202 المصدر السابق)، ويبدو لي أنّ جولدزهير وقع في اشتباه، نتيجة فهم خاطئ لما سمّي بمتعة الحج، فاعتقد أنّ موضع التمتع في الحج هو نفسه التمتع في الزواج، وهو ما يفسّر ذلك الخلط الذي وقع فيه مستشرقنا الكبير. ↑
- () المصدر السابق، ص177. ↑
- () المصدر السابق، ص178. ↑
- () المصدر السابق، ص206. ↑
- () ولولا هذه الخدمة التي انخرط فيها، ما كان له أن يتعرّف على الشرق حيث هناك سيتغير موقفه. فقد قام بزيارة إلى المغرب سنة 1904، وحرّر بعدها مذكرة حوله. وفي سنة (1906) التقى بشارل دوفوكو… وفي بداية سنة (1923ـ1924)، أوعز له الجنرال ليوطي، بمهمة القيام برحلة استكشافية للمغرب حول L’ORGANISATION CORPORATIVES ISLAMIQUE.انظر:WAAR DENBUD (JEAN-JACQUES) L’ISLAM DANS LE MIROIR DE L’OCCIDENT; P: 138 PARIS-MOUTON, & CO. LA HAYE MCML XIII. ↑
- () على الرغم من أنّ طريقة الربط هذه تختلف من واحد لآخر، في حدّتها وتعصبها. كما لاحظنا سابقاً. ↑
- () ماسينيون، مبحث في أصول المصطلح التقني للتصوّف الإسلامي بتوسط د. سالم حميش، الاستشراق في أفق انسداده ص177 ط1، 1991م منشورات المجلس القومي للثقافة العربية المغرب. ↑
- () الفكر العربي، ص363، سبق ذكر المصدر. ↑
- () LES NUSAYRIS (1960) بتوسط د. أديب عامر، مجلة الفكر العربي عدد 31 ـ يناير ـ مارس ـ 1983 السنة الخامسة، الاستشراق: التاريخ والمنهج والصورة. ↑
- () نجد في تجربة ماسينيون بعض الأسرار العجيبة، فهو يرى أنّ اللغة العربية كان لها الفضل عليه، إذ أعادته إلى المسيح. وهذا يعني أنّه لولا ذلك ما كان له أن يتعرّف على الحلاج، الذي رأى فيه تجسيداً حيّاً لتجربة المسيح!. ↑
- () L’INVOLUTION SÉMATIQUES DU SYMBOLES DANS LES CULTURES SÉMITIQUES (1960). ↑
- () La Rawda De Médina (1960)، المصدر السابق. ↑
- () L’Expérience Musulmane de la Compassion (1922) عن المصدر السابق. ↑
- () فدك اسم إرث فاطمة، الذي نازعت فيه أبا بكر. ↑
- () La Mubahala (1943-1942) عن المصدر السابق. ↑
- () أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية ص61، ط1، 1980، دار الحداثة ـ بيروت. ↑
- () أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية، ص61. ↑
- () أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية، ص33. ↑
- () المصدر السابق، ص41. ↑
- () المصدر السابق، ص58. ↑
- () هناك ـ طبعاً ـ فرق بين الأخطاء التي تأتي بسبب ثغرات منهجية، وبين الأخطاء التي يسببها الموقف الأوّل من الموضوع. وهو ما يخفف من حدّة الأخطاء «الموضوعية»!. ↑
- () تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص68. ↑
- () المصدر السابق، ص81. ↑
- () المصدر السابق، ص68. ↑
- () المصدر السابق، ص85. ↑
- () الموحدون ذوو قواعد شيعية، وعلى هذه القواعد قامت دولتهم. (راجع: الموحدون). ↑
- () أصول الفقه: 152. ↑
- () بدايع الأفكار للآملي، ج1: 144. ↑
- () المنطق، ج1: 31. ↑
- () المنطق، ج1: 31. ↑
- () المنطق، ج1: 31. ↑
- () أصول الفقه: 157. ↑
- () منتقى الجمان لعبد الهادي شليلة: 49. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام ج1: 11. ↑
- () كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخراساني ج1: 19. ↑
- () الآمدي ج1: 11. ↑
- () كفاية الأصول ج1: 19. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام ج1: 12. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 7. ↑
- () سورة التكوير، الآية: 17. ↑
- () سورة النساء، الآية: 127. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 228. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام ج1: 12. ↑
- () المصدر السابق: 13. ↑
- () أجود التقريرات للسيد أبو القاسم الخوئي ج1: 11 وما بعدها. ↑
- () راجع ما كتبه ابن الأنباري في كتابه (الأضداد) وأبو الطيب الحلبي في كتابه (الأضداد في كلام العرب) وغيرهما. ↑
- () أصول الفقه للأستاذ محمد الخضري: 158. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام ج1: 13. ↑
- () حقائق الأصول ج1: 89. ↑
- () أصول الفقه: 161. ↑
- () راجع الفصول للشيخ محمد حسين عبد الرحيم الحائري فيما حكيناه عنه (فضل الاشتراك) ط. إيران (غير مرقمة). ↑
- () للمحقق القمي ج1: 67. ↑
- () القوانين المحكمة في الأصول ج1: 67. ↑
- () بدايع الأفكار للآملي ج1: 29. ↑
- () بدايع الأفكار للآملي ج1: 29. ↑
- () كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخراساني. ↑
- () أجود التقريرات ج1: 52 (هامش). ↑
- () أجود التقريرات ج1: 52. ↑
- () بدايع الأفكار للآمالي ج1، ص151. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () أجود التقريرات ج1: 52 (هامش). ↑
- () أجود التقريرات ج1: 52. ↑
- () معالم الدين، بحث المشترك ط. إيران غير مرقمة. ↑
- () الموافقات للشاطبي ج3: 283. ↑
- () هامش الموافقات للشيخ عبدالله دراز ج3: 283. ↑
- () انظر: كفاية الأصول ج1: 19. ↑
- () كفاية الأصول ج1: ص19. ↑
- () هامش كفاية الأصول: 79 وما بعدها. ↑
- () أصول الفقه لمحمد الخضري: 157. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () أصول الفقه: 157. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج3: 4. ↑
- () تراجع هذه الأقوال مجتمعة في مبحث القياس من كتاب الشاهد وأصول النحو للدكتورة خديجة الحديثي. ↑
- () راجع منتهى الوصول إلى علم الأصول: 18 ففيه إشارة ابن الحاجب إلى هذا المأخذ. ↑
- () انظر: روضة الناظر للمقدسي: 146. ↑
- () المستصفى من علم الأصول للغزالي ج2: 54. ↑
- () مباحث الحكم عند الأصوليين لمحمد سلام مدكور: 136. ↑
- () المزهر للسيوطي ج1 ص: 234. ↑
- () في أصول اللغات إعداد مجمع اللغة العربية بالقاهرة: 129. ↑
- () انظر في أصول اللغات إعداد مجمع اللغة العربية بالقاهرة: 66. ↑
- () انظر: ضوابط الأصول لإبراهيم القزويني ـ طبعة حجرية. ↑
- () تراجع نماذج من متعاريفهم ومناقشتها في كتاب فوائد الأصول للشيخ محمد علي الكاظمي ج1: 3 والأصول العامة للفقه المقارن للمؤلف: 42. ↑
- () كفاية الأصول: 50. ↑
- () المزهر ج1: 47. ↑
- () انظر: المزهر ج1: 47. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () المرجع السابق. ↑
- () المزهر ج1: 47. ↑
- () المزهر ج1: 47. ↑
- () راجع كمثل على ذلك كتاب الخصائص لابن جني في الباب الذي عقده لمنافسة الألفاظ للمعاني. ↑
- () الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج1: 38. ↑
- () المزهر ج1: 10. ↑
- () فوائد الأصول ج1: 10. ↑
- () سورة البقرة، الآية: 31. ↑
- () المزهر ج1: 83. ↑
- () انطباعاتي عن محاضرات الأستاذ حسين الحلي في الأصول (مخطوط): 4. ↑
- () المزهر ج1: 14. ↑
- () المزهر ج1: 15. ↑
- () المزهر ج1: 36. ↑
- () المزهر ج1: 38. ↑
- () مصابيح الأصول للسيد علاء الدين بحر العلوم ج1: 37. ↑
- () انطباعاتي عن محاضرات الأستاذ الشيخ حسين الحلي للمؤلف (مخطوط): 5. ↑
- () المصدر نفسه. ↑
- () بدايع الأفكار للآملي ج1: 33. ↑
- () بدايع الأفكار للآملي ج1: 34. ↑
- () يراجع المبنى المذكور في هامش أجود التقريرات للسيد الخوئي ج1: 12. ↑
- () انظر بدايع الأفكار ج1: 33. ↑
- () انظر: كفاية الأصول: 5. ↑
- () سيأتي استعراض الأقوال من هذه المسألة ومناقشتها. ↑
- () المزهر 1: 46. ↑
- () بدايع الأفكار: 34. ↑
- () بدايع الأفكار: 34. ↑
- () مصابيح الأصول ص38: 1. ↑
- () أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر ج1: 22. ↑
- () انظر: المزهر ج1: 40. ↑
- () المزهر ج1: 40. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () أصول الفقه ج1: 23. ↑
- () شرح كفاية الأصول للشيخ عبد الحسين الرشتي ج1: 14. ↑
- () إحكام الأحكام للآمدي 1: 27. ↑
- () انظر: شرح كفاية الأصول للرشتي: 15. ↑
- () {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} [سورة البقرة، الآية: 19]. ↑
- () سورة يوسف، الآية: 36. ↑
- () سورة العلق، الآية: 17. ↑
- () سورة التكوير، الآية: 14. ↑
- () سورة النساء، الآية: 176. ↑
- () سورة الشورى، الآية: 11. ↑
- () سورة آل عمران، الآية: 21. ↑
- () راجع كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخراساني وغيره من المتأخرين. ↑
- () القوانين المحكمة في الأصول للمحقق القمي ج1: 813. ↑
- () انظر المزهر ج1: 57 نقلاً عن المحصول. ↑
- () انظر: المزهر ج1: 58 نقلاً عن البحر المحيط. ↑
- () المزهر ج1: 58. ↑
- () انظر: الأصول العامة للفقه المقارن ص205 وما بعدها. ↑
- () حقائق الأصول ج1: 42. ↑
- () كفاية الأصول: ج1: 9. ↑
- () أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر ج1: 27. ↑
- () وقعت هذه النسبة على ألسنة جملة من الأعلام، راجع «أجود التقريرات» للسيد الخوئي ج1: 64 طبعة طهران. ↑
- () شرح الكافية 9ـ10 طبعة اسطنبول. ↑
- () انظر: حقائق الأصول ج1: (متن) طبعة النجف. ↑
- () هامش شرح الكافية: 10. ↑
- () شرح الكافية للمحقق الجرجاني: 10 نقلاً عن السكاكي. ↑
- () شح الكافية: 10. ↑
- () راجع هامش كتاب أجود التقريرات ج1: 19. ↑
- () الظاهر أنّه المحقق الجرجاني لتقارب هذا النقل مع ما ورد في تعليقاته على شرح الكافية انظر ج1: 10. ↑
- () الفوائد الضيائية: طبعة إيران. ↑
- () منتهى الأصول للسيد ميرزا حسن البجنوردي نقلاً عن الشيخ آغا ضياء العراقي: 25. ↑
- () منتهى الأصول: 25. ↑
- () المصدر السابق: 22. ↑
- () نهاية الدراية ج1: 18. ↑
- () كليات أبي البقاء: 150 طبعة إيران (حرف الحاء). ↑
- () كليات أبي البقاء: 150. ↑
- () أصول الفقه للشيخ محمد رضا المظفر ج1: 15. ↑
- () فوائد الأصول للشيخ محمد علي الكاظمي ج1: 15 نقلاً عن أستاذه. ↑
- () راجع 2: 22. ↑
- () راجع: 286 طبعة إيران. ↑
- () منتقى الجمان ص40 وقد نسبها إلى جمع الأعيان. ↑
- () ج1: 9. ↑
- () منتهى الأصول ج1: 26. ↑
- () المصدر السابق ج1: 27 حكاية عن الشيخ النائيني. ↑
- () المصدر السابق. ↑
- () هذا الإصرار في الوجود تعكسه الخريطة البشرية التي يمثلها الشيعة في العالم الإسلامي، والإنجازات المختلفة التي قاموا بها خلال التاريخ القديم والمعاصر. ↑
- () لا يعني ذلك أنّ الشيعة ناصروا الفلسفة جميعاً، وبالمعنى الحرفي للكلمة. فقد انبرى من بينهم عدد من العلماء، حاربوا الفلسفة وسخروا من الفلاسفة. لكنّنا نعني هنا ما ذهب إليه كوربان في أنّهم رغم كلّ ذلك، فإنّ الشيعة يبقوا فلاسفة رغماً عنهم!. ↑
- () أقصد هنا بالتحديد، الأستاذ أدوارد سعيد، الذي نحى أسلوباً في تحليله للاستشراق، انتهى إلى تكوين بنية عامة وموحدة للاستشراق. وعلى الرغم من الأهمية التي يمثلها كتاب كهذا في عمقه ودقته ونباهة صاحبه، فإنّ من بين القضايا التي يصعب القبول بها، هي تلك التي تتلخص في السؤال: هل بإمكاننا الحديث عن بنية موحدة للاستشراق؟ هذا إذا صادرنا على أهمية وجودة المنهج البنيوي في هذا الإطار. لكنّنا نختلف هنا مع الأستاذ أدوارد سعيد من حيث أنّ الاستشراق، رغم تقارب اتجاهاته وأشكاله وتجارب رواده، فإنّه انتهى، لا أقل في حقبته الأخيرة إلى نوع من الاستقلال النسبي، والتأطُّر بمبادئ مختلفة أو متناقضة في أصولها وأهدافها، وهذا لا يعني أنّنا نغفل عن أهمية البنية التي كشف عنها ادوارد سعيد، والتي ظلّت تتحكم بقطاع كبير من ذلك الاستشراق، وليس كلّه!. ↑
- () التهذيب/ج1، ص189ـ190، نقلاً عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ط3، 1411، مكتبة الصدر، طهران. ↑
- () تذكرة الحفاظ، ج2، ص14، نقلاً عن المصدر السابق. ↑
- () هدى الساري ص406، نقلاً عن المصدر السابق. ↑
- () ابن حجر، الصواعق المحرقة، ص5. ↑
- () كفاية الأصول للخطيب ص131، بتوسط، أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة. ↑
- () أخبار الدولة السلجوقية، ص82، ط1، 1404هـ/ 1984م، تصحيح محمد إقبال، منشورات دار الآفاق الجديدة ـ بيروت. ↑
- () المصدر السابق، ص81. ↑
- () العقد الفريد، ج1، ص259. ↑
- () العقج الفريد، باب كتاب الياقوتة في العلم والأدب… ولعل من المضحكات أن غلا بعضهم في ذلك، فاعتبر استخدام بعض الشيعة لاسم «فاطمة» ترخيماً ـ أي فاطم ـ نوعاً من المكر الشيعي… يقول الشهرستاني ـ راجع الملل والنحل ص157، ج1: «ومنهم من قال بالإلهية لجملة أشخاص أصحاب الكساء: محمد وعلي وفاطمة، والحسن والحسين، وقالوا خمستهم شيء واحد، والروح حالة فيهم بالسوية لا فضل لواحد منهم على الآخر؛ وكرهوا أن يقولوا: فاطمة بالتأنيث؛ بل قالوا: فاطم؛ بلا هاء؛ وفي ذلك يقول بعض شعرائهم:«توليت بعد الله ـ في الدين ـ خمسةنبيا وسبطيه وشيخاً وفاطما»
وهذا في حدّ ذاته يبين إلى أي مدى بلغ الحقد، وأيضاً الغباء، الذي لم يفارق تحامل كتاب الملل والنحل على فرقة طالما حملوا عليها. فلو كان الشاعر يقول بأنّه يتولّى بعد الله، فلاناً وفلاناً… فهذا دليل كافٍ على أنّه يعتقد بأنّ ولايتهم مستمدة من ولايته. ولا يعني ذلك أي شكل للشرك، ما دام القرآن يصرّح: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا}… أمّا كون الشاعر حذف «الهاء» من اسم فاطمة… فلسنا في حاجة لإظهار مدى تفاهة قول كهذا، لأنّ ذلك من المضحكات عند عامة العرب الذين يفهمون معنى الترخيم والضرورة الشعرية والتقيد بالأوزان والبحور… فلا أخال امرئ القيس مؤلِّهاً لفاطمة، حينما قال:
«أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي»
↑ - () الذهبي، ميزان الاعتدال ج3، ترجمة رقم 10137 ـ دار المعرفة، بيروت 1963م. ↑
- () ثمة سؤال جدير بالعرض. هو: هل كان أبو حامد الغزالي حقاً أشعرياً خالصاً. هناك من رأى أنّه لم يكن أشعرياً حقاً، وإنّما ركب موجة هذا الاتجاه لأسباب تاريخية، خصوصاً وأنّ أبي حامد الغزالي، كان قد أصبح في موقع يتطلب منه هذا الدفاع المستميت على الأشعرية عندما تولّى زعامة المدرسة النظامية بعد سلفه الإمام الجويني. ↑
- () في موسوعة (أعيان الشيعة) في (ابن): (ابن العديم) وقال إنّ اسمه عمر بن أحمد بن هبة الله. ولمّا ترجم لأحد أحفاده إبراهيم ابن محمد، ذكر النسب هكذا: إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة الله. وينتهي النسب إلى آل أبي جرادة). وعندما يطلق اسم (ابن العديم) فإنّما يراد به المترجم لا غيره. لذلك فإنّنا نرى أنّ الاختلاف في سلسلة النسب عند ذكر الجد والحفيد إنّما هو جار على ما هو معروف من نسبة الرجل إلى جدّه الأدنى وأحياناً إلى جدّه الأعلى. ↑
- () لسنا في صدد الكلام عن هذا المؤلف العظيم الذي لم يقتصر على تاريخ حلب بل على تاريخ سورية بحدودها الطبيعية هذا الأثر الذي اختصره ابن العديم نفسه في كتاب آخر سمّاه «زبدة الحلب في تاريخ حلب»، وقد عني صديقنا الدكتور سامي الدهان بنشر جزأين منه نشراً علمياً بعد أن ظفر بمخطوطة للكتاب في مكتبة باريس وبعض مكتبات الشرق والغرب ـ بل أردنا، ونحن نتحدّث عن عبقريته في التأليف أن نشير إلى هذا الأثر الذي يعتبر من أوفى ما كتب عن بلاد الشام في تلك الفترات. ↑
- () يطلق الكبش على الجزء الشمالي الغربي من جبل يشكر حيث المنطقة الواقعة غربي جامع ابن طولون. ويقول المقريزي أثناء كلامه عن مناظر الكبش إنّ هذه المناظر كانت على جبل يشكر بجوار الجامع الطولوني، وأنّ الملك الصالح نجم الدين أيوب لما أنشأ هذه المناظر سمّاها الكبش لوقوعها فوق الجبل ولا تزال هذه المنطقة تعرف اليوم باسم قلعة الكبش بشارع مراسينا بقسم السيدة زينب. ↑